welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : تفسير السور المسبّحات الخمس*
نویسنده :آيت الله العظمي سبحانی*

تفسير السور المسبّحات الخمس

صفحه 1
   
    تفسير السور المسبّحات الخمس

صفحه 2
«أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يقرأ بالمسبّحات قبل أن يرقد ويقول: إنّ فيهن
آية أفضل من ألف آية».


صفحه 3
تفسير السور المسبحات
الخمس

صفحه 4

صفحه 5
تفسير
السور المسبّحات الخمس
الحديد، الحشر، الصف، الجمعة، التغابن
ويليها تفسير سورة الممتحنة
تأليف
العلاّمة الفقيه
آية الله العظمى جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
    العلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني، 1347ق. ـ
تفسير السور المسبّحات الخمس / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1432 ق. = 1389
7 ـ 469ـ357 ـ964ـ978ISBN:
أُنجز الفهرس طبقاً لمعلومات فيبا:
1. تفاسير الشيعة ـ ـ قرن الرابع . ألف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. العنوان.
1389 7ت 2س/ 102BP   179/297
اسم الكتاب:    تفسير السور المسبّحات الخمس
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
التاريخ:    1432هـ . ق
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
      تسلسل النشر:631                  تسلسل الطبعة الأُولى:372
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 7
m
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه ورسله محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أمّا بعد:
فإنّ المسبّحات هي السور الّتي افتتحها الباري سبحانه بالتسبيح، تارة بصيغة الماضي، كما في الحديد والحشر والصف، وأُخرى بصيغة المضارع، كما في الجمعة والتغابن.
فالتعبير الأوّل يدلّ على وجود التسبيح في الزمن الماضي، والتعبير الثاني يدلّ على استمراره في المستقبل، وبكلا التعبيرين ثبت وجود التسبيح في عامّة الأزمنة بلا انقطاع. وبالتالي دلّ على أنّ تنزيهه تعالى أمر مفروض أمر به عباده في الماضي والحاضر والمستقبل، وذكر أسباب تسبيحه وتنزيهه في الآيات المتضمنة له.
وقد روى العرباض بن سارية أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يقرأ بالمسبّحات قبل أن

صفحه 8
يرقد ويقول: إنّ فيهن آية أفضل من ألف آية .1
وقد اخترنا تفسير هذه السور الخمس لوجود هذا العامل المشترك بينها، وقمنا بإلقائه على فضلاء الحوزة العلمية في شهور رمضان عبر سنين.
أرجو من الله سبحانه أن يحفظنا من الزلل في تفسير كلامه وتبيين مراده، وأن يعصمنا من التفسير بالرأي والقول بغير علم، بمنّه وكرمه .
ويقع الكلام في هذا التفسير وفقاً لترتيب السور المذكورة في المصحف الكريم:
الحديد، ثم الحشر، ثم الصف، ثم الجمعة، فالتغابن.
وختمنا تفسير هذه السور بتفسير سورة الممتحنة، لكي يكون ختامه المسك.
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
قم المشرفة
24 صفرالمظفر 1432هـ

1 . سنن ابن أبي داود: 2 / 488 برقم 5057، باب ما يقال عند النوم; سنن الترمذي: 4 / 253 برقم 3089، الباب 21 من أبواب فضائل القرآن; مجمع البيان: 9 / 345; نور الثقلين: 5 / 231 .

صفحه 9
   
 
السورة الأُولى
سورة الحديد
وهي مدنية، وآياتها تسع وعشرون

صفحه 10

صفحه 11

سورة الحديد

وجه التسمية

سمّيت هذه السورة بسورة الحديد لقوله سبحانه فيها:(وأنْزَلْنا الحَديدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيد).1
نعم ورد لفظ الحديد في سورة الكهف أيضاً، قال سبحانه حاكياً عن ذي القرنين:(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيد)2 ، ومع ذلك لم تسمّ به، وإنّما سمّيت بالكهف لأنّه سبحانه ركّز على قصة أصحاب الكهف وذكرها بتفصيل، فصار ذلك سببـاً لتسميـة السورة بها، وأمّا الحديد فقد جاء فيها بصورة عابرة حيث طلب ذي القـرنين أن يأتوا له بزبـر الحديد حتى يعمل السد; بخلاف سورة الحديد فقد ذكر سبحانه الحديد بما أنّه نعمة من نعم الله التي أنزلها الله على عباده، وأنّ فيه بأساً شديداً ومنافع للناس، فصار ذلك سبباً لتسمية السورة به.

السورة مدنية

والظاهر أنّ السورة مدنية بشهادة أكثر آياتها، منها قوله سبحانه:(لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْل الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الذِينَ أنْفَقُوا

1. الحديد:25.
2 . الكهف:97.

صفحه 12
مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا).1
نعم لا يبعد أن تكون الآيات الست التي صدّر بها السورة، مكّية، لأنّ مضامينها أكثر انطباقاً على مضامين السور المكية.

أغراض السورة

تهدف هذه السورة إلى عرض أُمور:
الأوّل: تذكّر جلال الله سبحانه وصفاته وأفعاله وعموم علمه وسعة ملكه، وهذا هو الذي تضمّنته الآيات الست في صدر السورة.
سورة الحديد..فضل السورة   
الثاني: حثّ المؤمنين على الإنفاق في سبيل الله، وأنّهم وكلاء الله في الأرض والمال مال الله، وأنّ هذا العمل يستتبع مغفرة الذنوب، ونزول الرحمة من الله سبحانه.
الثالث: بيان حال المؤمنين والمنافقين يوم القيامة، وأنّ الطائفة الأُولى يشعّ نورهم بين أيديهم ويبشّرون بالجنة، والطائفة الثانية يقبعون في ظلمات الأهواء والحيرة والضلال.
الرابع: تصوّر الحياة الدنيا بـ : «نبات» تُعجب الزارّع بهجتُه وطراوته، لكن سرعان ما يهيج ويصير مصفرّاً ثم حطاماً.
الخامس: تتحدّث عن الرهبانية وأنّها لم تكتب عليهم.

فضل السورة

روى الكليني بسند صحيح قال: سُئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن

1 . الحديد:10.

صفحه 13
التوحيد؟ فقال: «إنّ الله عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى: (قل هو الله أحد) والآيات من سورة الحديد إلى قوله:(عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)1، فمن رام وراء ذلك فقد هلك».2
وأخرج ابن النجّار في «تاريخ بغداد» عن البرّاء بن عازب قال: قلت لعلي(عليه السلام): يا أمير المؤمنين أسألك بالله ورسوله إلاّ خصصتني بأعظم ما خصّك به رسول الله(صلى الله عليه وآله) واختصّه به جبرئيل، وأرسل به الرحمن; فقال: «إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ في أوّل سورة الحديد إلى آخر ست آيات منها (عليم بذات الصدور)، وآخر سورة الحشر يعني أربع آيات، ثم ارفع يديك فقل: يا من هو هكذا أسألك بحق هذه الأسماء أن تصلّي على محمد وأن تفعل بي كذا وكذا ممّا تريد، فوالله الذي لا إله غيره لتنقلبنّ بحاجتك إن شاء الله».3
ثمّ إنّ هذه السورة جزء من السور المسبّحة، وهي خمس سور: سورة الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن; فقد بدئ فيها بـ«سبّح لله»، أو «يسبّح لله».
روى الطبرسي في المجمع عن أُبيّ بن كعب أنّ النبي كان يقرأ المسبّحات قبل أن يرقد
ويقول: «إنّ فيهنّ آية أفضل من ألف آية».4

1 . الحديد:6.
2 . نور الثقلين:5/231، ح5.
3 . الدر المنثور:8/49.
4 . مجمع البيان:9/345; نورالثقلين:5/231. ومرّ سائر مصادره.

صفحه 14
سورة الحديد...تفسير البسملة   
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )
وها هنا مباحث:

1. البسملة جزء من السورة

إنّ البسملة جزء من سورة الحمد الّتي تبلغ آياتها سبع آيات، وهذا أمر اتّفق عليه المسلمون في سورة الحمد; وأمّا في غيرها، فالإمامية على أنّها جزء من كلّ سورة وهي الآية الأُولى منها، خلافاً لأكثر الجمهور حيث لا يعتبرونها آية من كلّ سورة، ويصفون الآية المتأخّرة عنها بأنّها هي الآية الأُولى، ولذلك يختلف عدد آيات السور وأرقامها وفقاً لهذين القولين.
وقد ورد في بعض الروايات قول الإمام الصادق (عليه السلام) : «قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم».1

2. تفسير الباء

الباء في قوله «بسم الله» للاستعانة، مثل قولك: كتبت بالقلم. وكأنّ المؤمن يستعين باسم الله الّذي هو جامع للأسماء. ويشهد على ذلك قوله سبحانه في ثنايا سورة الحمد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، ويؤيده أيضاً قول

1 . مجمع البيان: 1 / 19 عند تفسير البسملة لسورة الحمد .

صفحه 15
النبي(صلى الله عليه وآله): «كلّ أمر ذي بال لم يبتدأ ببسم الله فهو أبتر».1
وجه الدلالة: أنّ المؤمن الواعي الّذي ينظر بعين المعرفة، يعلم أنّ لكلّ شيء أسباباً وعللاً، فهو يهيِّئها وعندما يبدأ بالعمل يستفتحه بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أي أستعين باسمك في إنجاز عملي باستعمال هذه المقدّمات والأسباب للحصول على مرادي .

3. سبب حذف الهمزة عند الكتابة

قد دخل حرف الجر على الاسم، والهمزة فيه همزة وصل تسقط عند التلفّظ، ولكنّها تكتب شأن كلّ همزة وصل; فعلى ذلك يجب أن تكتب بالنحو التالي: باسم الله الرحمن الرحيم كما هو الحال في قوله: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ)2، وقوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)3 .
ولذلك نرى أنّ الأُدباء يكتبون البسملة عند تجرّدها عن الرحمن الرحيم بالنحو التالي: «باسمه تعالى»، وأمّا غيرهم فيكتبون «بسمه تعالى»، فالتلفّظ عند الفريقين واحد، والإملاء مختلف.
وقد اعتذر عن حذف الألف عند الكتابة في التسمية بوجهين:
الأوّل: أنّ كثرة استعمال تلك الآية المباركة فوق كلّ رسالة وبداية كلّ عمل، صار سبباً لحذف الهمزة كتابة مثل حذفها تلفّظاً، ولذلك نرى أنّ سليمان (عليه السلام)كتب إلى بلقيس ملكة سبأ بالنحو التالي: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ

1. وسائل الشيعة:7، الباب17 من أبواب الذكر، الحديث4; كنز العمال:1/555 برقم 2491.
2 . العلق: 1 .
3 . الواقعة: 74 .

صفحه 16
اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)1.
الثاني: أنّه لو كان متعلّق الجار مذكوراً تكتب الهمزة، كما في قوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) 2، وقوله (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)3; حيث إنّ الجار متعلّق بـ «سبّح» أو «إقرأ» .
وأمّا إذا كان متعلّق الجار محذوفاً، كما في المقام، فتحذف الهمزة تلفّظاً وكتابة. والمفروض أنّ الجار في الآية متعلّق بالمحذوف، نحو: أستعين، وأشباهه.

4. كيف نستعين بالاسم لا بالذات

هنا سؤال وهو: كيف نستعين باسم الله ، مع أنّ المستعان هو الله سبحانه لا اسمه، فيجب على كلّ مسلم أن يلتجئ إليه لا إلى اسمه، كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )4، فالمسؤول هو ذاته لا اسمه؟
ربّما يقال في الجواب عن ذلك: أنّ لفظة اسم زائدة، فكأنّ القارئ يقول: بالله أستعين، مكان: باسم الله استعين.
يلاحظ عليه: أنّ القول باشتمال القرآن على الحروف الزائدة أمر غير صحيح حتّى في قوله سبحانه: (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) 5 ـ كما حقّق في

1 . النمل: 30 .
2 . الواقعة: 96 .
3 . العلق: 1 .
4 . البقرة: 186 .
5 . البلد: 1 .

صفحه 17
محله ـ،1 فكيف القول باشتماله على كلمة زائدة وهي «اسم»؟!
ويمكن أن يجاب بأنّ الاسم على قسمين:
1. علَم للشخص إذا أُطلق ينتقل الذهن منه إلى المسمّى الخارجي دون أن يدلّ على أمر زائد. مثلاً إذا سُمّي رجل باسم حسن أو جميل، فإذا أُطلق يتبادر منه نفس المسمّى، سواء أكان حسناً، جميلاً أم لا. والغاية كون الاسم سبباً للانتقال إلى الفرد الخارجي.
2. علَم للشخص وفي الوقت نفسه بمنزلة الوصف الّذي يحكي عن صفات الجمال والجلال، لأنّه لم يوضع للذات فقط بل للذات الجامعة للصفات العليا، فإذا قلنا (باسم) الله فكأنّا قلنا: باسم العالِم القادر السميع البصير، إلى غير ذلك من الصفات العالية، فهذا النوع من الاسم الّذي هو الوصف الحاكي عن صفات الجلال والجمال، قابل للاستعانة به; لأنّ الاستعانة به، كأنّها استعانة بالذات، فكأنّ الإنسان يستعين بالموصوف بصفات الجلال والجمال.
وبالجملة الاسم بالمعنى الأوّل علَم محض لا دور له سوى إحضار المسمى في ذهن المخاطب.
وبالمعنى الثاني اسم، لكنّه في الوقت نفسه لا يفتقد معنى الوصفية، ولذلك يحكي عن الصفات الجمالية والجلالية المندرجة تحت ذلك الوصف. فالاستعانة بهذا الاسم استعانة بذاته تبارك وتعالى.
نعم: السؤال والجواب متعلّقان بما إذا قلنا بأنّ الباء للاستعانة والمتعلّق

1 . راجع: آلاء الرحمن في تفسير القرآن للعلاّمة البلاغي: 1 / 38 ـ 39، طبعة صيدا.

صفحه 18
هو «أستعين» دون ما إذا كان الجارّ متعلقّ بـ (أبتدئ)، وتقدير الكلام: أبتدئ قراءتي بتسمية الله أو أقرأ مبتدئاً بتسمية الله، قال الطبرسي: هذا القول أقرب للصواب، لأنّا أُمرنا أن نفتتح أُمورنا بتسمية الله كما أُمرنا بالتسمية على الأكل والشرب والذبائح، ألا ترى أنّ الذابح إذا قال: بالله، ولم يقل: باسم الله، لكان مخالفاً لما أُمر به.1
فالمؤمن في كلّ حال يذكر الله سبحانه بخلاف المنافق، قال سبحانه: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)2 .

5. معنى «الإله» في الذكر الحكيم

المشهور أنّ «الله» أصله «إله» فحذفت همزته وأُدخل عليه الألف واللام، فخُصّ بالباري، ولتخصُّصه به قال تعالى: (رَبُّ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)3 .
والمهم هنا، هو تفسير لفظ الإله، وتبيين معناه، وقد فُسّر بوجوه سبعة، إليك بيانها:
1. مشتق من الأُلوهية التي هي العبادة، فإن التألّه، هو التعبّد. يقال: فلان متألّه، أي متعبِّد، قال رؤبة :
لله درّ الغانيات المُدّهِ4 *** لمّا رأين حليي المُموَّهِ
سبّحن واسترجعن من تألّهي

1 . مجمع البيان: 1 / 21 .
2 . الحشر: 19 .
3 . مريم: 65 .
4 . المُدَّه، جمع مادِه، وهو المادح .

صفحه 19
أي من تعبّدي. ويقال: ألِه الله فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عبده عبادة 1. فعلى هذا يكون معناه: الّذي يحقّ له العبادة .
2. مشتق من الوله وهو التحيّر، يقال: أَله يأله إذا تحيّر.
3. مشتق من قولهم: ألَهْتُ إلى فلان أي فَزِعتُ إليه ، لأنّ الخلق يألهون إليه، أي يفزعون إليه في حوائجهم.
4. مشتق من ألهِتُ إليه أي سكنت إليه، لأنّ الخلق يسكنون إلى ذكره .
5. مشتق من لاه أي احتجب. والمعنى أنّه سبحانه المحتجب بالكيفية عن الأوهام، الظاهر بالدلائل والأعلام.2
6. مشتقّ من ألِه الفصيل إذا ولع بأُمّه. والظاهر أنّه يرجع إلى التفسير الثالث، أي أنّه مشتق من أَلَهَ بمعنى «فزع».
7. مشتق من «لاه» إذا ارتفع، والله سبحانه وتعالى هو المرتفع عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات.3
والحق أنّه لا صلة لهذه المعاني لما وضع له لفظ «إله» وإنّما هي من لوازم المعنى، لا نفسه ولا جزءه بل لازماً له; لأنّ من كان إلهاً ـ بالمعنى الّذي نذكره ـ للعالمين، يُعبد وتتحيّر العقول في درك كنهه، وتسكن إليه النفس ويُحتحب عن الأوهام وإن كان وجوده ظاهراً بالدلائل والبرهان.

1 . التبيان في تفسير القرآن: 1 / 28 .
2 . مجمع البيان: 1 / 19 .
3 . تفسير الرازي: 1 / 158 ـ 161 .

صفحه 20

ما هو المختار؟

إنّ لفظ الجلالة وما يعادله في عامّة اللغات موضوع لما يتبادر في عامّة الأذهان بصورة إجمالية من كونه مصدر الخلق والكون الّذي يعبّر عنه في لسان الحكماء والمتكلّمين بواجب الوجود، أو الذات الجامعة لصفات الجمال والجلال، إلى غير ذلك من الكلمات الّتي هي تعبير تفصيلي لما هو المتبادر عند عامّة الشعوب.
ثمّ إنّ الوثنيين اخترعوا لله سبحانه أنداداً وأشباهاً على درجات مختلفة من الكمال والجمال، وتفويض الأُمور إليهم، وإن كانت هي مجرّد أسماء ليس لها من الأُلوهية شيء سوى الاسم، يقول سبحانه : (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان)1.
فإذا حاول العرب أن يشيروا إلى هذه الآلهة المزعومة مع ما لها من درجات ومراتب مختلفة من القرب والبعد عن الله سبحانه يطلقون عليها لفظ الآلهة، وعلى هذا فلفظ الجلالة علم لمصداق كامل لمفهوم الإله، ولكن لفظ الإله موضوع لمعنى كلّي يشمله وسائر الآلهة المزعومة الّتي ليست على درجة واحدة من الكمال والجمال. فربما يكون إلهاً ولا يكون خالقاً ورازقاً، بل يكفي في كونه معزّاً أو ناصراً أو غافراً للذنوب أو مفوّضاً له شيء من أفعاله سبحانه.
وليس من البعيد أنّ لفظ (إله) مأخوذ من كلمة (يهوه) و «ادوناي»... إلى أن يقول: فالاسم الثاني يدلّ على علاقة الله مع بني إسرائيل وهو إله تابوت

1 . النجم: 23 .

صفحه 21
العهد، وإله الرؤيا، والإعلان، وإنّه الفداء.1
والقرآن الكريم إذا أراد أن يشير إلى الفرد المعيّن من الكلّي يستعمل لفظ الجلالة «الله»، وإذا أراد أن يشير إلى المعنى الكلّي الشامل لهذا الفرد وغيره، الّذي له درجات ومراتب يستعمل لفظ «إله»، كما يقول سبحانه ـ ناطقاً عن لسان المشركين ـ : (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيء عُجَابٌ)2 .
ولذلك نرى أنّه في بعض اللغات العالمية يفرّقون بين مفاد لفظ الجلالة، ومفاد «الإله» ويعبّرون عن المعنيين بلفظ واحد إلاّ أنّهم يفرّقون بينهما في الكتابة ، فعندما يشيرون إلى «الله» يكتبونها بالشكل التالي: (God)، وعند الإشارة إلى المعنى الكلّي لهذا الفرد يكتبونها بالنحو التالي: (god).
هذا هو المدّعى ،والدليل عليه بوجوه:

الأوّل: مادة اللفظين واحدة

إنّ مادة اللفظين واحدة فكيف يفترقان في المعنى؟ والدليل على ذلك قولهم: إنّ «الله» مشتق من لفظ «إلاه».
قال سيبويه في تفسير لفظ الجلالة: إنّ أصله «إلاه» على وزن فعال، فحذفت الفاء الّتي هي الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً عنها، بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلة على لام التعريف في خصوص النداء في نحو قوله: «يا الله اغفر لي»، ولو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في

1 . قاموس الكتاب المقدس: 107 .
2. سورة ص: 5 .

صفحه 22
الوصل كما لم تثبت في غير هذا الاسم .1
فإذا كانت المادة واحدة فيكون لفظ الجلالة بالمعنى الموجود في مادته علماً للشخص. ومن المعلوم أنّ لفظ الجلالة حاك عن الصفات الجلالية والجمالية أو ما أشبه ذلك، فيجب أن تكون مادته حاكية عن هذه المعاني كلّها لا عن معنى المعبود أو غيره من المعاني السبعة فقط.

الثاني: الاحتجاج بعدم وجود إله غير الله

إنّه سبحانه حينما يستدلّ على التوحيد وأنّه لا إله إلاّ الله فإنّه يستخدم كلمة الإله ويقول:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ )2.
ترى أنّه سبحانه يعدُّ تدبير العالم على نحو يعيش الإنسان فيه عيشاً رغيداً من شؤون الإله، ولذلك يقول: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء)، أو يقول: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل) فهذا تصريح بأنّ التصرّف في الكون من شؤون الإله، ثم يردّ على المشركين بأنّ التصرّف في الكون وإن كان من شؤون الإله إلاّ أنّه لا إله إلاّ الله.
فلو وضعنا «الخالق البارئ» وغيرها ممّا يعدّ تفسيراً للمعنى الإجمالي للإله، مكانه: لانسجم معنى الفقرة ، بأن يقال: لا خالق ولا بارئ ولا مدبّر غير

1 . لاحظ: مجمع البيان: 1 / 19 .
2 . القصص: 71 ـ 72 .

صفحه 23
الله، لانسجمت.
وأمّا لو جعلنا المعبود مكانه، لاختلّت بلاغة الآية، كأن نقول: هل معبود إلاّ الله يأتيكم بالنهار أو بالليل، إذ ليس التصرّف في الكون على النحو البديع من شؤون المعبود، وما أكثر المعبودين ولكنّهم لا ينفعون ولا يضرون.
وبعبارة أُخرى: إنّ التصرّف في الكون وتنظيم أسباب الحياة من شؤون من بيده الكون ومصير الإنسان، فكأنّه سبحانه يقول: لو اختلّ النظام بأنْ دام النهار أو دام الليل فأيّ إله (من بيده الكون) يأتي بالضياء بعد الليل، أو به بعد النهار، وليس هو إلاّ الله، وأمّا لو قلنا بأنّه بمعنى المعبود يكون المعنى كالتالي: فأي معبود يأتي بالضياء بعد الليل أو العكس. ومن المعلوم أنّ التصرّف في الكون ليس من شؤون مطلق المعبود. وإنّما هو من شؤون من بيده الكون إيجاداً وتدبيراً. فيكون الإله في الآيتين بمعنى المتصرف في الكون والمدبّر وما يرادفه.

الثالث: الاستدلال على التوحيد بلزوم الفساد عند تعدّد الآلهة

استدلّ سبحانه على التوحيد في الربوبية بآيات منها:
1. قوله تعالى: (لَو كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسدَتا)1 .
فإنّ البرهان على نفي تعدّد الآلهة لا يتمّ إلاّ إذا فُسّر «الإله» في الآية بالمتصرّف، المدبّر أو من بيده أزمّة الأُمور أو ما يقرب من هذين. ولو جعلنا الإله بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لبداهة تعدّد المعبود في هذا العالم، مع

1 . الأنبياء: 22.

صفحه 24
عدم الفساد في النظام الكوني، و قد كانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحمة بالآلهة، و مركزاً لها و كان العالم منتظماً، غير فاسد.
و عندئذ يجب على مَن يجعل «الإله» بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ «بالحق»، أي لو كان فيهما معبودات ـ بالحق ـ لفسدتا، و لمّا كان المعبود بالحقّ مدبِّراً و متصرّفاً، لزم من تعدّده فساد النظام، وهذا كلّه تكلّف لا مبرّر له. والدليل على ذلك عدم خطوره عند سماعه.
2. قوله سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعضُهُمْ عَلى بَعْض)1.
ويتمّ هذا البرهان أيضاً إذا فسّرنا الإله بما ذكرنا من أنّه كلّيّ ما يطلق عليه لفظ الجلالة. و إن شئت قلت: إنّه كناية عن الخالق، أو المدبّر، المتصرّف، أو من يقوم بأفعاله و شؤونه. والمناسب في هذا المقام هو الخالق. و يلزم من تعدّده ما رتّب عليه في الآية من ذهاب كلّ إله بما خلق و اعتلاء بعضهم على بعض.
و لو جعلناه بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لأنّه لايلزم من تعدّده أي اختلال في الكون. وأدلّ دليل على ذلك هو المشاهدة. فإنّ في العالم آلهة متعدّدة، و قد كان في أطراف الكعبة المشرفة ثلاثمائة و ستون إلهاً و لم يقع أيّ فساد و اختلال في الكون.
فيلزم على مَن يفسّر (الإله) بالمعبود ارتكاب التكلّف بما ذكرناه في الآية المتقدِّمة. وما ربّما يتصوّر من غلبة استعمال الإله في المعبود بالحق فلا

1 . المؤمنون: 91.

صفحه 25
حاجة إلى تقديره مدفوع باستعماله ـ كثيراً في غيره ـ كقوله: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)1.
3. قوله سبحانه: (قُل لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابتغَوْا إلى ذِي الْعَرْش سَبِيلاً) 2.
فإنّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من بيده أزمّة أُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الأُلوهية، و أمّا تعدّد المعبود فلا يلزم ذلك إلاّ بالتكلّف الذي أشرنا إليه فيما سبق.

الرابع: الملازمة بين الأُلوهية وعدم ورود النار

قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حصبُ جهَنّمَ أنتُمْ لها وارِدُونَ* لَوْ كانَ هؤلاءِ آلهةً ما وَردُوها)3.
والآية تستدلّ بورود الأصنام و الأوثان في النار على أنّها ليست آلهة، إذ لو كانوا آلهة ما وردوا النار.
والاستدلال إنّما يتمّ لو فسّرنا الآلهة بما أشرنا إليه، فإنّ خالق العالم أو مدبّره و المتصرّف فيه أو من فوّض إليه أفعال اللّه، أجلّ من أن يُحكَم عليه بالنار أو أن يكون حصبَ جهنّم.

1. سورة ص: 5. لاحظ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم الّذي وضعه محمّد فؤاد عبدالباقي المصريّ، فقد استعمل في كثير من الآيات في مورد المعبود الباطل، لو سلّمنا وضعه للمعبود. ولذلك قلنا في «مورد المعبود الباطل» لا في معناه .
2 . الإسراء: 42.
3 . الأنبياء: 98ـ 99.

صفحه 26
وهذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود ، إذ لا ملازمة بين كونها معبودات وعدم كونها حصب جهنم، وعندئذ لا يتمّ البرهان إلاّ إذا قُيّد المعبود بقيد أو قيود ترفعه إلى حدّ القداسة المطلقة، وهذا تكلّف واضح، ولو أمعنت في الآيات التي ورد فيها لفظ الإله و الآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه.

الخامس: لزوم اختلال المعنى لو فسّر بالمعبود

قوله سبحانه: (فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتينَ)1.
فلو فسّر الإله في الآية بالمعبود لزم عدم صحّة المعنى، إذ المفروض تعدّد المعبود في المجتمع البشري، و لأجل دفع هذا ربّما يقيّد الإله هنا بلفظ «الحقّ»، أي المعبود الحقّ إله واحد. ولو فسّرناه بالمعنى الإجمالي الذي له آثار في الكون من التدبير والتصرّف، و إيصال النفع ، و دفع الضرّ على نحو الاستقلال، لصحّ حصر الإله ـ بهذا المعنى ـ في واحد، بلا حاجة إلى تقدير كلمة بيانية محذوفة، إذ من المعلوم أنّه لا إله في الحياة الإنسانية والمجتمع البشري يتّصف بهذه الصفات التي ذكرناها إلاّ اللّه سبحانه.
ولا نريد أن نقول: إنّ لفظ «الإله» بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الغافر على وجه التفصيل، إذ لا يتبادر من لفظ «الإله» إلاّ المعنى الإجمالي، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الذي وضع له لفظ الإله. و معلوم أنّ كونَ هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى الإجمالي، غيرُ كونها

1 . الحج: 34.

صفحه 27
معنى موضوعاً له اللّفظ المذكور، كما أنّ كونه تعالى ذو سلطة على العالم كلّه أو سلطة مستقلة غير معتمدة على غيره، وصف نشير إليه بالمعنى الإجمالي الذي نتلقّاه من لفظ «اللّه»، لا أنّه نفس معناه.

السادس: استعمال لفظ الجلالة اللفظين مكان الآخر

ربّما يستعمل لفظ الجلالة مكان الإله، ويتجرّد عن معنى العلَمية ويبقى فيه معنى الوصفية، فلذلك يصح استعماله مكان الإله، وإليك بعض موارده:
قال سبحانه: (وَ هُوَ اللهُ فِي السَّموَاتِ وَ فِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ )1، فالآية تشير إلى أنّ إله السماء هو إله الأرض، وليس هناك آلهة بحسب الأنواع والأقوام، فالضمير «هو» مبتدأ ولفظ الجلالة خبر، والمعنى هو المتفرد بالإلهيّة في السماوات، فوزانها وزان قوله سبحانه: (وَ هُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَ فِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)2.
فإنّ اللفظين في الآيتين بمعنى واحد، بمعنى أنّ لفظ الجلالة في الآية الأُولى خرج عن العلَمية وعاد إلى الكلّية والوصفية، ولذلك صحّ جعله مكان الإله في الآية الأُولى، وجيء بنفس لفظ الإله في الآية الثانية.

السابع: معنى «الإله» في تثليث النصارى

حكى القرآن الكريم عقيدة النصارى في الله سبحانه، وهي ما تُعرف بعقيدة التثليث، وتتلخّص في وجود ثلاثة أقانيم، هي: الأب، والابن،

1 . الأنعام: 3 .
2 . الزخرف: 84 .

صفحه 28
والروح القدس; أي أنّ هناك إلهاً أباً وإلهاً ابناً وإلهاً باسم: الروح القدس .
وهذا القول لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون كلّ واحد من هذه الأقانيم الثلاثة جزءاً تشكّلُ وجوده سبحانه وعندئذ تُصبح له شخصية واحدة ذات أجزاء، أو أن يكون كُلّ واحد منها ذا شخصية مستقلة . وعلى كل تقدير فالجميع عندهم إله، يقول سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ النَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)1، ثم قال سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)2.
ففي الآية الأُولى يحكي عنهم قولهم: إنّ الله هو المسيح بن مريم، فالمسيح عندهم هو الله المتجسّد.
وردّ عليهم في نفس الآية بأنّه كيف يصحّ ذلك مع أنّ المسيح لا يأمر الناس بعبادته، بل بعبادة غيره، وذلك بقوله: (اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ) ؟
وفي الآية الثانية يحكي سبحانه عنهم اعتقادهم بالآلهة الثلاثة، فكلّ من الأب والابن والروح القدس عندهم إله، ويردّ عليهم بأنّه لا إله إلاّ إله واحد.
أمّا كيفية الاستدلال على أنّ الإله في هذه الآيات وما يليها ليس بمعنى المعبود أو غيره من المعاني السبعة، بل أُريد به ما يُراد من لفظ الجلالة بتجريده عن العلَمية، فواضحة لدى التدبّر، بشرط أن نقف على مغزى

1 . المائدة: 72 .
2 . المائدة: 73 .

صفحه 29
الاختلاف بين الموحّدين وأهل التثليث، إذ ليس مصب الاختلاف بينهم، وحدة المعبود أو تعدّده، وإنّما هو لازم نزاع آخر يرجع إلى وحدة ذات الواجب أو تعدّدها، فإذا قال سبحانه: (إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) 1، فلا يريد أنّه معبود واحد ليس له ولد، وإنّما يُريد بساطة ذات الله ووحدتها .
وإذا قالت النصارى: إنّ الله ثالث ثلاثة، فمرادهم أنّه ثالث الآلهة وأنّ الواجب جلّ اسمه أو ما يشار إليه بلفظ الجلالة، آلهة ثلاثة لا إله واحد، فإذا ردّ عليهم سبحانه بقوله: (وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ) يُريد وحدة الذات وبساطتها.
فالإله في كلام كلّ من الطرفين يشير إلى تلك الذات المقدّسة فيكون مرادفاً للفظ الجلالة، لكن بشرط تجريدها عن العلَمية .
ولو فُسِّر لفظ (الإله) في هذه الموارد بوحدة المعبود أو كثرته، لزم غض النظر عمّا هو موضع النزاع لبّاً عبر قرون.
ومنه يظهر مفاد الإله في الآية التالية، إذ لا محيص من تفسيره بالمعنى المختار الّذي يعبر عنه بواجب الوجود، الخالق، البارئ، إلى غير ذلك من الصفات.
قال سبحانه: (وَ إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ

1 . النساء: 171 .

صفحه 30
الْغُيُوبِ)1، وذلك أنّ علماء النصارى يتبنّون التثليث وينسبونه إلى عيسى بن مريم وأنّه دعا إلى إلهين آخرين من دون الله وهما نفسه وأُمُّه.
ومن المعلوم أنّ النفي والإثبات يردان على موضوع واحد وهو ادّعاء النصارى أنّ ثمّة إلهين وراء الله سبحانه هما: المسيح وأُمّه، وردّ سبحانه على تلك المزعمة بأنّ الإله واحد لا غير.
فعندئذ لا يمكن تفسير الإله بمعنى المعبود، إذ الكلام يتعلّق بمقام الذات وأنّه كثير أو واحد لا بموضع المعبودية.
ونظيرها الآية التالية قال سبحانه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَ رُسُلِهِ وَ لاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ كَفَى بِاللهِ وَكِيلاً)2 .
وحصيلة الكلام هو أنّ الاختلاف والنزاع بين أهل التوحيد وأهل الكثرة راجع إلى وحدة ما يشار إليه بلفظ الجلالة أو تعدّده. وأنّه هل هو هوية بسيطة واحدة أو هي مركبة أو متعدّدة يعبّر عنها بالإله الأب، والإله الابن، والإله الروح القدس.
فحقيقة النزاع عبارة عن دراسة مسألة فلسفية غامضة، وهي أنّ جوهر الذات شيء واحد أو هي أشياء؟ فمن السذاجة أن نعبّر عن واقع النزاع

1 . المائدة: 116 .
2 . النساء: 171 .

صفحه 31
بوحدة المعبود وتعدّده، فإذا قيل: الإله الواحد، أو ثالث الآلهة، فلا يُراد عندئذ إلاّ ما يُشار إليه بلفظ الجلالة الّذي تشير إلى الذات المستجمعة لصفات الجمال والجلال ولكن بقيد تجريده عن العلمية.

الثامن: وقوع قوله (لا إله إلاّ هو) تعليلاً لحصر الشؤون

قد وقع قوله:«لا إله إلاّ هو» في الآيات التالية تعليلاً لحصر الرازقية، وربوبية المشرق والمغرب، ومالكية السماوات والأرض في الله سبحانه ولا يصح كونه علّة للحصر المذكور إلاّ إذا أُريد به المعنى الإجمالي الملازم للخالقية والرازقية والربوبية والمالكية، فعندئذ يصلح أن يقع تعليلاً، لما تقدّمه من حصر الأُمور المذكورة في الله.
1. (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)1 .
فصدر الآية ينفي أي خالق غير الله يرزق الناس، وذيلها أعني قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) بمنزلة التعليل له ولا يصح تعليلاً إلاّ إذا أُريد به ذلك المعنى السامي الملازم للشؤون، فكأنّه يقول:إذا لم يكن إله ـ بهذا المعنى ـ فلا خالق يرزق الناس إلاّ الله.
2. (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً)2.
إنّ صدر الآية يصفه سبحانه بكونه (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ)، أي رب عالم الشهادة، ثم يأتي بقوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) تعليلاً لما تقدّم، ولا يصحّ ذلك إلاّ بتفسير الإله بالمعنى السامي الّذي يدلّ عليه لفظ الجلالة، لكن مجرداً عن

1 . فاطر: 3 .
2 . المزمل: 9 .

صفحه 32
العلمية فيكون المعنى: إذا لم يكن خالق مدبر و...، إلاّ الله، فهو رب السماوات والأرض و...ثم عطف عليه قوله: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً); لأنّ اتخاذ الوكيل بمعنى إيكال الأُمور إليه من شؤونه سبحانه.
3. (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ)1 وكيفية الاستظهار هو نفس ما تقدّم في الآيتين المتقدّمتين، فلا يصلح قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)تعليلاً لما سبق إلاّ إذا أُريد بإلاله المعنى الإجمالي السامي الملازم للخالقية والرازقية والربوبية وغيرها، فإذا كانت هذه الشؤون منحصرة في الله سبحانه فله ملك السماوات والأرض.

التاسع: مفهوم الإله عند الوثنيين

يظهر من بعض الآيات أنّ الإله عند المشركين عبارة عمّن ينصر العبَدةَ في الشدائد والملمّات، ويورث لهم عزّاً في الحياة.
قال سبحانه حاكياً عن عقيدتهم: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)2.
وقال عزّ من قائل: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)3.
وكانوا يسوّون بين الله والإلهة، يقول سبحانه حاكياً عن قولهم يوم القيامة: (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)4.

1 . الأعراف: 158 .
2 . يس: 74 .
3 . مريم: 81 .
4 . الشعراء: 97 ـ 98 .

صفحه 33
فإذا كانت الآلهة المزعومة عند المشركين هي الناصرة في الشدائد وواهبة العزّة، وفي مستواه سبحانه، فلا يراد بها عند الإطلاق إلاّ ما يراد من لفظ الجلالة مجرّدة عن العلمية.
ولذلك يردّ عليهم سبحانه في غير واحد من الآيات بأنّ الآلهة لا يملكون من شؤونه سبحانه شيئاً.
ويقول: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَ هُمْ يُخْلَقُونَ)1.
والآية تدلّ على أنّ من شؤون الإله هو الخلق، والأصنام فاقدة له .
ويقول: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ)2.
والآية تدلّ على أنّ من شؤون الإله هو القدرة والدفاع عن نفسه وعمّن يعبده، وآلهتهم تفقد هذه اللوازم والشؤون.
فالآيتان تدلاّن على أنّه كلّما أُطلق الإله لا يتبادر منه إلاّ مَن يملك هذه الشؤون لا مجرد كونه معبوداً ـ ولذلك ردّ الوحي الإلهي وصفهم أو أصنامهم بالأُلوهية، بعدم وجود هذه الشؤون فيها.

انتقال هُبَل إلى مكة

ويوضح مكانة الأوثان عندهم ما نقله ابن هشام في سيرته يقول: إنّ عمرو بن لحَيّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أُموره، فلمّا قدم مآبَ في

1 . الفرقان: 3 .
2 . الأنبياء: 42 .

صفحه 34
أرض البَلْقاء، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام الّتي أراكم تَعبْدون؟ قالوا له: هذه أصنْام نعبدها، فنَسْتمطرها فتُمْطرِنا، ونَسْتَنْصرها فتَنْصرنا ; فقال لهم: أفلا تُعْطُونني منها صَنماً، فأسيرَ به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعْطَوْه صَنماً يقال له هُبَل، فقدم به مكَّة، فَنَصَبه وأمَر الناس بعبادته وتعظيمه .1
فإذا كان الإمطار عند الجفاف والإنصار في الحروب والشدائد من شؤون الإله المزعوم، فيكون المتبادر منه هو نفس ما يتبادر من لفظ الجلالة، مجرداً عن العلَمية.

العاشر: الإله في كلام الإمام علي (عليه السلام)

وممّا يؤيد ما ذكرناه من عدم الفرق بين الإلة، ولفظ الجلالة إلاّ بالكلّية والجزئية، كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نقد كون كلامه سبحانه قديماً، بأنّه لو كان كذلك، لكان إلهاً ثانياً. وإليك نصّه:
«يقول لمن أراد كونه: (كُنْ فَيَكُونُ)، لا بصوت يُقرع، ولا بنداء يُسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثَّله، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً». 2
أي لو كان قديماً، لكان واجب الوجود، أو ما يفيد ذلك، ولا معنى لتفسير الإله بالمعبود، أي لكان إلهاً معبوداً ثانياً.
وفي بعض كلماته أيضاً، إشارة إلى ما ذكرنا، حيث قال:

1 . السيرة النبوية:1/50، قصة عمرو بن لحيّ وذكر أصنام العرب.
2 . نهج البلاغة الخطبة 186 .

صفحه 35
«أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلهِكَ».1
وقال في موضع آخر:
«وَابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذلِكَ بِالاِْسْتِعَانَةِ بِإِلهِكَ».2

حصيلة البحث:

1. ليس للإله إلاّ معنى واحد وهو نفس ما يفهم من لفظ الجلالة لكن مجرداً عن العلَمية.
2. أنّ تفسير الإله بالمعاني السبعة أو الأكثر تفسير باللوازم والآثار للإله، لنفس معناه.
3. لفظ الإله ليس بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الغافر، إذ لا يتبادر من لفظ الإله إلاّ المعنى البسيط، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الموضوع له لفظ الإله، ومعلوم أنّ كون هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى البسيط، غير كونها معنى موضوعاً للفظ المذكور. فتدبّر.

تفسير الرحمن الرحيم

قوله: (الرحمن الرحيم) كلاهما من صفات الله سبحانه، وأسمائه الحسنى، والكلام يأتي في معنى الرحمة، فالظاهر من الطبرسي أنّها بمعنى النعمة، فقال عند تفسير البسملة وبيان لغتها: «الرحمن الرحيم» اسمان وضعا للمبالغة واشتقا من الرحمة وهي النعمة إلاّ أنّ (فعلان) أشد مبالغة من

1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 31 .
2 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 31 .

صفحه 36
(فعيل).1
وعلى هذا فكلا اللفظين بمعنى المنعم مع تفاوت بينهما، كما سيوافيك.
وأمّا على القول بأنّ الرحمة بمعنى رقة القلب وتأثّره بما يطرأ عليه من الحوادث المؤلمة، كما لو سمع ببكاء يتيم جائع فيرقّ له قلبه ويقوم بإطعامه، والإنعام عليه، فلو كان هذا اللفظ بمعنى رقّة القلب فلا يمكن وصف الله سبحانه به; لأنّ رقّة القلب وتأثّره بالحوادث محال على الله سبحانه لتنزّهه عن الانفعال.
ونظير ذلك وصفه سبحانه بالغضب، فإنّ الغضب عبارة عن فوران الدم في القلب يوجب تشنّجاً في أعضاء الإنسان تهيّؤاً للانتقام، والله سبحانه فوق ذلك; لأنّ الانفعال من صفات المادة، والله فوقها.
ومع ذلك فقد ورد في الذكر الحكيم قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ )2.
والجواب عن الموردين ـ الرحمة بمعنى رقّة القلب، والغضب بمعنى فوران الدم ـ ونظائرهما واحد، وهو ما يقال: خذ الغايات واترك المبادئ.
توضيحه: أن رقّة القلب تكون مبدأً للتفضّل والإحسان، كما أنّ الغضب يكون سبباً لإيقاع العقوبة والتعذيب، فوصفه سبحانه بهما لأجل الغايات، وهو أنّه متفضّل بالإحسان بالنسبة إلى عباده أو آخذ بالعقوبة لمن خالفه وجادله .

1 . مجمع البيان: 1 / 20، ط صيدا.
2 . الممتحنة: 13.

صفحه 37
فكلّ وصف يكون فبيه مبدأٌ مادي وانفعالي ومع الوصف يكون له غاية تناسب الله تبارك وتعالى، فوصفه به إنّما هو لأجل النتيجة لا لأجل المبدأ.
ومنه يُعلم الجواب عن كثير من الأوصاف الّتي هي من شؤون الإنسان كالمكر والاستهزاء والمخادعة، ولا يمكن وصفه بها سبحانه ، ومع ذلك فقد أُطلقت عليه سبحانه في غير واحدة من الآيات منها:
قوله سبحانه: (وَمَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)1 .
وقوله سبحانه حاكياً عن المنافقين: (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ* اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)2.
ومن المعلوم أنّ المكر والخديعة حرفة العاجز، والاستهزاء عمل النَّوكى، غير أنّ وجه وصفه سبحانه بهذين الفعلين إنّما هو لأحد أمرين:
1. إمّا رعاية للمشاكلة في الكلام، حيث إنّ القائل وصف عمله مكراً واستهزاءً، والله يعبّر عن ردّ مكرهم وإبطال استهزائهم بنفس عبارة القائل ، وهذا من المحسِّنات الكلامية. قال الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نُجد لك طبخُهُ *** قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا3

1 . آل عمران: 54. وهكذا قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ) النساء: 142 .
2 . البقرة: 14 ـ 15 .
3. هذا البيت لأبي حامد أحمد بن محمد الأنطاكي، المعروف بأبي الرقعمق، نادرة الزمان وجملة الإحسان، وممّن تصرّف بالشعر الجزل في أنواع الجد والهزل، وأحرز قصب الفضل، وهو أحد المداحين المجيدين والفضلاء المحسنين، وهو بالشام كابن الحجّاج في العراق، وكان شاعراً فكهاً، وأقام بمصر طويلاً يمدح ملوكها ووزراءها، وتوفّي فيها سنة 399هـ . لاحظ:يتيمة الدهر للثعالبي:1/379; سير أعلام النبلاء:17/77 برقم 42; الأعلام:1/210; وفيات الأعيان:1/131 برقم 54; أعيان الشيعة:3/76 برقم 282; الغدير:4/113.

صفحه 38
حيث عبّر عن خياطة الجبّة بالطبخ رعاية للمشاكلة في الكلام.
2. ما تقدّم منّا حول وصف فعله سبحانه بالمكر والغضب، وهو حذف المبادئ والأخذ بالغايات، فإذا مكر المنافقون فالله سبحانه يجعل فعلهم عقيماً من حيث لا يشعرون، ولذا وصف فعله بالمكر أخذاً بالغايات دون المبادئ، وهكذا الاستهزاء فإنّ المستهزئ يريد الحطّ من النبي(صلى الله عليه وآله)والمؤمنين في أعين الناس، والله سبحانه يجعل فعله بلا أثر على نحو يكون المستهزئ ذليلاً في أعين الناس.

ما هوالفرق بين الرحمن والرحيم؟

إذا كان الوصفان مشتقين من الرحمة فما هو الفرق بينهما، خصوصاً على القول بأنّ كليهما على وزان صيغة المبالغة، نظير فعلان وفعيل؟
أُجيب عن ذلك بوجوه، نذكر منها وجهين:
1. أنّ الرحمن من صفاته المختصة به سبحانه، ولا يستعمل في حق الغير، فلا يصحّ أن يقال: زيد رحمان بل الصحيح عبدالرحمن، بخلاف الرحيم فيمكن أن يوصف به غيره سبحانه، قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)1.
2. أنّ الرحمن أوسع من الرحيم، وذلك أنّ (فعلان) أشد مبالغة من (فعيل)، ولعل وجه الأشدّية هو أنّ كثرة المباني تكون غالباً دليلاً على كثرة المعاني، فالرحمن يعم جميع الخلق والرحيم بالمؤمنين خاصّة.

1 . التوبة: 128 .

صفحه 39
ووجه عموم الرحمن بجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، هو إنشاؤه إياهم، وجعلهم أحياء قادرين، ورزقه إيّاهم.
ووجه خصوص الرحيم بالمؤمنين، هو ما فعله بهم في الدنيا من التوفيق، وما يفعله بهم في الآخرة من الجنة والإكرام وغفران الذنوب; وإليه يشير ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «الرحمن اسم خاص بصفة عامّة، والرحيم اسم عام بصفة خاصّة».1
فقوله (عليه السلام): «الرحمن اسم خاص»، لأنّه لا يطلق إلاّ على الله سبحانه، وقوله: «بصفة عامّة»: أي تعمّ رحمته الكافر والمؤمن.
وقوله: «الرحيم اسم عام»، لأنّه يطلق على غيره سبحانه، وقوله: «بصفة خاصّة»، لأنّه يختصّ بالمؤمن فقط.

سؤال وإجابة

لماذا تقدّم وصف الرحمن على الرحيم، مع أنّ الضابطة في الكلام البليغ هو التدرّج من الضعيف إلى القوي، ومن القليل إلى الكثير، فيقال: فلان عالم بالفقه بل مجتهد، أو يقال: إنّ هذا المسجد يكفي لألف مصلٍّ بل لألفين، وعلى هذا فالمناسب أن يقول: الرحيم الرحمن؟
وأمّا الجواب عن ذلك فهو أنّه يمكن أن يقال: بما أنّ الرحمن يختصّ بالله سبحانه وشاع استعماله في ذاته القدسيّة، فقد خرج عن معنى الوصفية وأصبح اسماً له سبحانه، فلفظ الجلالة اسم والرحمن اسم آخر، وبما أنّه اسم

1 . مجمع البيان: 1 / 21.

صفحه 40
فلا يشعر بشيء من المعاني، على خلاف لفظ (الرحيم) فإنّه باق على وصفيته.
سورة الحديد.. الآية الأُولى   
ومهما يكن، فإنّ مفاد البسملة، هو : أنّ الإنسان الضعيف غير القادر على شيء إلاّ بعون الله سبحانه، يجب أن يستعين على جميع أُموره بالله سبحانه، وأن يبتدئ جميع أُموره باسم الله، ولا يغفل عن الله سبحانه حتّى لا يكون ممّن: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)1.

1 . الحشر: 19 .