welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : تهذيب البلاغة*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

تهذيب البلاغة

صفحه 1
تهذيب البلاغة

صفحه 2

صفحه 3
تهذيب البلاغة
يبحث عن مفهوم البلاغة وموضوعها وما يتعلّق بها من أقسام وفنون وهي: المعاني والبيان والبديع وخاتمة تتناول السرقات الشعرية وما يلحق بها
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      تهذيب البلاغة / تأليف جعفر السبحاني . ـ ]ويراست 2[. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1393 .
       424ص .    ISBN 978 - 964 - 357 - 536 -6
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه: ص 404 ـ 414، همچنين به صورت زير نويس.
      1 . زبان عربى ـ ـ معانى و بيان. 2. زبان عربى ـ ـ بديع. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان .
9ت 2س/ 2028 PJA    7 / 492
1393
اسم الكتاب:   … تهذيب البلاغة
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الثانية مصححة ومنقحة
تاريخ الطبع:    …1393 هـ ش / 1435 هـ . ق / 2014 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 424 صفحة
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 831    تسلسل الطبعة الأُولى: 392
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف: نشأة علم البلاغة وموضوعه وغايته   
    تهذيب البلاغة

تقديم

نشأة علم البلاغة وموضوعه وغايته

الحمد لله الّذي خلق الإنسان وعلمّه البيان، وخصّ سيد الرسل بالقرآن، الّذي بمثله عجز الفصحاء والبلغاء عن الإتيان، حتّى لو تظاهر عليه الإنس والجان.
وأُصلّي وأُسَلِّم على عبده ورسوله الّذي بعثه بالأنوار الساطعة، وأيّده بالبراهين القاطعة، وجعله للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً.
وأُصلّي وأُسلّم على آله وأهل بيته الذين هم خلفاء الرحمن وأدلاّء الإيمان، ولاسيّما ابن عمّه ووصيه وخليفته وموضع سرّه عليّ أمير المؤمنين، صلاة دائمة ما دامت السماوات ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد:
فإنّي لمّا درست كتاب المطوّل في شرح تلخيص المفتاح ـ الذي ألَّفه سعد الدين التفتازاني( المتوفّى 793 هـ) ـ في مسقط الرأس عند مهرة الفن وأساتذة الأدب، وقفت ـ بعد التأمّل ـ على أنَّ أكثر ما ذكره الشارح حول

صفحه 8
عبارة التلخيص لا يمتّ إلى علم البلاغة ولا إلى أُصولها بصلة، بل هي تعوق الطالب عن الإحاطة بخلاصة ما ذُكر في الباب، وقد لمست ذلك عن كثب حتى بعد ما درّسته في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة عبر سنين.
وقد دعاني هذا الأمر إلى تحرير كتاب يتضمّن قواعد الفصاحة وضوابط البلاغة بشكل موجز، عار عن الحشو والزيادة، وقد تمّ التحرير يومذاك عام 1365هـ .
ولمّا تمّ نظامه، وتمسّك بحمد اللّه ختامه، عرضته على أحد أصدقائي ألا وهو الشيخ محمد بن نقي القاري (رحمه الله)، فاستحسنه وقرّظه بقريض منضود نأتي به بعد هذه المقدّمة إن شاء الله، وبعد أن التحقت بحوزة قم لغاية إكمال دراستي، وصببتُ جل اهتمامي لدراسة الفقه والأُصول والفلسفة والكلام، تركت الأوراق في زاوية النسيان، وحالت بيني وبين مراجعتي لها عوائق الزمان وطوارق الحدثان، ولمّا وفَّقني اللّه لتحرير مقدّمة لكتاب «أُصول البلاغة» لمؤلّفها المتألّه الحكيم ميثم البحراني ـ بعد أن تمّ تحقيقه بيد محقّقي مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ هاجني شوق وغلبتني رغبة لنشر ما كنت كتبته قبل سبعة عقود تقريباً، مع إصلاحات وزيادات تجعل الكتاب منسجماً مع ذوق أبناء العصر وطلاب هذا الفن... .
هذا وقد سميّته بـ : «تهذيب البلاغة» .

موضوع علم البلاغة وغايته

ثمّ اعلم أنّ لكلِّ علم موضوعاً وغاية وتعريفاً ونشأة.

صفحه 9
أمّا الموضوع لعلم البلاغة ـ على النحو الكلّي بحيث لا يختصّ بلسان دون لسان ـ فهو: الكلمة والكلام، فلايختصّ باللغة العربية، بل يعمّ عامّة اللغات، غير أنَّ المسلمين اهتمّوا بهذا العلم في إطار اللغة العربية، وما ذاك إلاّ لأنّ الغاية هي بيان وجوه إعجاز القرآن. ولأجل ذلك صار الموضوع عندهم اللفظ العربي من حيث كون الكلام على وفق الحال ووافياً لبيان الغرض الذي سيق له.
وأمّا التعريف فسيوافيك تعريف كلّ من المعاني والبيان، وأنَّ
الأوّل هو التعبير باللفظ عمّا يقوم في الذهن من المعاني مطابقاً لما يقتضيه الحال.
وأمّا الثاني فهو التعبير باللفظ عمّا يقوم في الذهن من المعاني مضافاً إلى كونه مطابقاً لمقتضى الحال، مجرّداً عن التعقيد المعنوي الذي يعوق بين الكلام وفهم المراد منه.

نشأة علم البلاغة

وأمّا نشأة علم البلاغة فقد كانت هناك بحوث حول المجاز والتشبيه في القرن الثالث والرابع لغاية فهم إعجاز القرآن، فقد ألَّفَ أبوعبيدة بن المثنى (المتوفّى 208هـ)1 كتاباً أسماه «مجاز القرآن» وتلاه الشريف الرضي

1 . اختلف في سنة وفاته على أقوال، فمنهم من قال: توفّي سنة 208 هـ ، وقيل: 209 هـ ، وقيل: 210، وقيل: 211، وقيل: 213. راجع تهذيب الكمال للمزّي: 28 321 برقم 6102 ; تهذيب التهذيب: 10 / 221 ; وفيات الأعيان: 5 / 243 برقم 731 .

صفحه 10
(المتوفّى 406هـ) بكتابين آخرين أسمى أحدهما بـ :«المجازات القرآنية» والثاني بـ : «المجازات النبوية» فصارت تلك البحوث كنواة للعلمين: (المعاني والبيان) إلى أن وصلت النوبة إلى الشيخ عبد القاهر بن عبدالرحمن الجرجاني (المتوفى 471هـ) فألّف كتابين أسماهما: «أسرار البلاغة» و «دلائل الإعجاز»; وجاء بعده محمود الزمخشري (المتوفّى 538 هـ) فوضع تفسيراً للقرآن الكريم بيّن فيه وجوه إعجاز القرآن وأسرار بلاغته، ثم أكمل تلك البحوث أبويعقوب يوسف السكّاكي (المتوفّى 626هـ) فألّف كتاباً باسم «مفتاح العلوم»، وجعل القسم الثالث منه في المعاني والبيان والبديع، ثم توالى التأليف بعده إلى أن بلغ العلم قمّته، فتصدّى الخطيب القزويني (المتوفّى 739 هـ) لتلخيص القسم الثالث من «مفتاح العلوم» وأسماه «تلخيص المفتاح»، ثم قام سعد الدين التفتازاني (المتوفّى 793هـ) بشرحه فأسماه بـ «المطوّل».
ثم قام المعنيّون بهذا العلم بالتعليق والتحشية عليه، كالچلبي، والشريف الجرجاني، والسيالكوتي وغيرهم ممّن ألّف في هذا
المضمار.
والذي يمكن أن يقال: إنّ البحوث الجانبية غلبت على البّ اللباب في هذا العلم، حتّى أنّ بعضهم تصدّى لشرح «تلخيص المفتاح» بصورة أطال فيها وأطنب وأسماه «بالأطول»، وأمّا كتابنا هذا فقد ذكرنا فيه ما هو اللب الذي ينبغي للمتعلّم إعماله في كلامه وخطبه ورسائله. وقد رتّبناه على مقدّمة وثلاثة فنون، هي: المعاني والبيان والبديع، وخاتمة تتناول موضوع

صفحه 11
«السرقات الشعرية» وما يتصل بها، وموضوع: «حسن الابتداء والتخلّص والانتهاء».
وقد استعنت في تحرير الكتاب بما حضرني من المصادر في هذا المضمار، ككتاب «مفتاح العلوم» للسكّاكي، و «تلخيص المفتاح» للخطيب القزويني، و «المطوّل» لسعد الدين التفتازاني، و «عقود الجمان في علم المعاني والبيان» لجلال الدين السيوطي، و «حلية اللب المصون على الجوهر المكنون» للسيد عبدالرحمن الأخضري، و «حواش وتعاليق الچلبي والشريف الجرجاني على المطوّل» و «جواهر البلاغة» للسيد أحمد المصري، و « منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الجزء الأوّل» للسيد حبيب اللّه الخوئي، وقد صدرنا عنه في العثور على خطب الإمام علي(عليه السلام)وكلماته كشواهد على القواعد البلاغية، إلى غير ذلك من مصادر سيوافيك سردها في الفهرس المختصّ لبيانها في نهاية الكتاب.
وها نحن نقدّم لروّاد علم البلاغة ومحبّيه، هذا الجهد عسى أن يقع موقع الرضا والقبول.
أسأل اللّه القبول والتوفيق.
جعفر السبحاني
قم / مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 12
 
تقريظ الصديق الوفي محمد بن نقي القاري (رحمه الله)1
الحمد لله على الإلهامِ *** ذي المنّ والإحسان والإنعامِ
وأكمل الصلاة والسلامِ *** على النبيّ سيّد الأنامِ
وآله أكابر الأطايبِ *** لاسيما الكرار ذي المناقبِ
ورحمة الله لمن والاهمُ *** ولعنة الله لمن عاداهمُ
وبعد فاعلم أيها الظمآنُ *** والعلم نور زانه الرحمانُ
هذا زلال بارد المَعينِ *** يروي إلى قيام يوم الدينِ
عين تفيض دُررَ المعاني *** عين تصيب غُرر البيانِ
وانْ أردتَ السير في البديعِ *** ترى هنا حدائق الربيعِ
مملوءة الأشجار بالفواكهْ *** ينظرها المرء بقلب والهْ
ألّفه صديقنا في اللهِ *** جعفر الزاكي بعون اللهِ
ابن حسين جامع الفنون *** ذي العلم واليقين والشؤون
ناظمه الأحوج عند الباري *** محمد ابن نقيّ القاري
تحريراً في تاسع ربيع الأوّل
عام 1365 هـ

1 . كان رحمه الله: إنساناً عالماً، عابداً، صدوقاً، ودوداً ومحبوباً بين الناس.

صفحه 13
فصاحة الكلمة   

مدخل

لا شكّ أنّ علم البلاغة من أجلّ العلوم رفعة وأفضلها قدراً، إذ به توضّح حقائق التنزيل ودقائق التأويل، ولذلك عكف علماء المسلمين عليه تأليفاً ودراسة عبر القرون.
غير أنّ كثيراً منهم يستشهدون على قواعده بشعر الشعراء الجاهليّين أو المخضرمين، وحتّى المولدين، وغفلوا عن الاستشهاد بكلام منبع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومظهرها، أعني: خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وكتبه وكلماته، المجموعة في «نهج البلاغة». ولذلك قمنا بالاستشهاد بخطبه وكلماته في غير واحد من الأبواب.
ونعم ما قال القائل:
نهجُ البلاغةِ نهجُ العلمِ والعملِ *** فَاسلُكْه يا صاحِ تبلُغْ غايةَ الأملِ
ألفاظُه دُرَرٌ أغنَتْ بحليتِها *** أهلَ الفضائلِ عن حَلي وعن حُلَلِ
ومِنْ معانيهِ أنوارُ الهُدى سَطَعَتْ *** فانجابَ عنها ظَلامُ الزيغِ والزَّللِ
***

صفحه 14
وهذه رسالة في علمي المعاني والبيان ويتبعهما علم البديع، قد سلكت فيها مسلك الإيجاز بعيداً عن التطويل والإطناب، فنقول:

الغاية من إنشاء علم البلاغة

إنّ الغاية من إنشاء وتأسيس علم البلاغة ـ مضافاً إلى التعرّف على إعجاز القرآن فإنّه بلغ في الفصاحة أعلاها، وفي البلاغة أسماها ـ هو تحصيل الملكة على إلقاء كلام مطابق مقتضى الحال، مقروناً بالفصاحة، فليزمنا أوّلاً تعريف الفصاحة ثم تعريف البلاغة، فنقول:

الفصاحة لغة واصطلاحاً

الفصاحة في اللغة بمعنى الإبانة والظهور، والفصاحة: البيان. يقال: فصح الرجل فصاحة: جادت لغته وحسن منطقه وهو البيّن في اللسان والبلاغة، والفاعل فصيح، ورجل فصيح وكلام فصيح: أي بليغ، لسانه فصيح: أي طلق، وأفصح عن الشيء إفصاحاً إذا بيّنه وكشفه. وفَصُحَ الأعجمي إفصاحاً: تكلّم بالعربيّة وفهم عنه، وقيل: جادت لغته حتى لايلحن. ويقال: فصح الصبح بدا ضوؤه واستبان.1
وأمّا في الاصطلاح فتقع تارة وصفاً للكلمة وأُخرى وصفاً للكلام، وإليك تعريفهما:

1 . راجع: لسان العرب: 2/544، مادة «فصح».

صفحه 15

فصاحة الكلمة

عُرّفت فصاحة الكلمة بالنحو التالي:
خلوصها من أُمور ثلاثة:
1. تنافر الحروف.
2. الغرابة.
3. مخالفة القياس اللغوي المستنبط من استقراء اللغة.
أمّا الأوّل: فهو عبارة عن كون الكلمة ثقيلة على اللسان بحيث يعسر النطق بها، نظير (الهُعْجُع)، فقد جاء في قول أعرابي سُئل عن ناقته، فقال: تركتها ترعى الهعجُع، وهو نبت أسود، وهذه الكلمة متنافرة نهايته، ودونها في التنافر لفظة (مستشزرات) بمعنى مرتفعات في شعر امرئ القيس1، يقول:
غدائِرُهُ مُستشزِراتٌ إلى العُلى *** تَضلُّ العقاصَ في مُثنّىً ومُرسَلِ2
فإنّ كلمة مستشزرات ثقيلة على اللسان، ولو قال: مستشرف لزال ذلك الثقل، وأمّا كونه ثقيلاً فهو واضح لمن نطق به .

1 . هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل، مولده بنجد نحو 130 قبل الهجرة، اشتهر بلقبه. له ديوان شعر مطبوع، وكتب الأدب مشحونة بأخباره. يعرف بالملك الضِّلِّيل، وذي القروح لما أصابه في مرض موته وهو بأنقرة في طريقه إلى فلسطين، فأقام إلى أن مات بها سنة 80 قبل الهجرة. الأعلام: 2/12.
2 . غدائره: ذوائبه، مستشزرات: مرتفعات أو مرفوعات: تضلّ تغيب، العقاص: الخصلة المجموعة من الشعر، والمُثنّى: المفتول. يعني: أنّ ذوائبه مشدودة على الرأس بخيوط وأنَّ شعره ينقسم إلى عقاص مثُنّى ومُرسل، والأوّل يغيب في الأخيرين. والغرض: بيان كثرة الشعر. مختصر المعاني: 15.

صفحه 16
وأمّا الثاني: فالمراد به كون الكلمة غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال، وذلك كاللفظين التاليين:
تكأكأتم، وافرنقعوا.
حكي أنّ عيسى بن عمر النحويّ1 حين سقط من الحمار واجتمع الناس حوله، خاطبهم بقوله: ما لكم تكأكأتم عليَّ كتكأكئكُم عَلى ذي جنّة، افرنقعوا.
ويريد: مالكم اجتمعتم عليّ كاجتماعكم على ذي جِنّة، تفرّقوا.
ترى أنّ الكلمتين في كلامه وحشيّتيان غير مأنوستين بخلاف ما إذا قيل: اجتمعتم، تفرّقوا.
وأمّا الثالث: أعني: المخالفة للقانون المستنبط من تتبع كلام العرب فقد مُثِّل له بلفظ: الأجلَل، بفك الإدغام في قول أبي النجم العجلي2:
الحمدُ للهِ العليّ الأجلَلِ *** الواحدِ الفَرْدِ القديمِ الأوّلِ
يقول جلالُ الدين السيوطي في تعريف فَصاحة الكلمة:
فصاحة الكلام   
فَصاحةُ المفردِ أنْ لا تنفرا *** حروفُه كهعجع واستشزرا

1 . هو عيسى بن عمر النحوي ، أبو عمرو البصري الثقفي ، كان من قرّاء أهل البصرة إلاّ أنّ
الغريب والشعر أغلب عليه . مات سنة تسعة وأربعين ومائة . تهذيب التهذيب : 8 / 200 برقم
416.
2 . هو الفضل بن قدامة العجلي، أبو النجم، من بني بكر بن وائل، من أكابر الرجّاز ومن أحسن الناس إنشاداً للشعر. نبغ في العصر الأموي، كان يحضر مجالس عبد الملك بن مروان وابنه هشام، توفّي سنة 130 هـ . الأعلام: 5/151.

صفحه 17
وعدمُ الخُلفِ لقانون جلي *** كالحمدُ لله العليِّ الأجلَلِ
وفقدُه غرابةً قد ارتجى *** كفاحماً وَمَرْسِناً مُسَرّجا1
وقوله: قد ارتجى أي أغلق لا يُدرى معناه. وقوله: مُسرّجاً يشير إلى قول العجّاج:
ومُقْلةً وحاجِباً مُزَجَّجا *** وفاحِماً وَمَرْسِناً مُسَرّجا
فالمزجّج بمعنى المدقّق، وهو يناسب وصف الحاجب، وفاحماً بمعنى الشعر الأسود، يصف به شعره، بقي الكلام في وصف الأنف، فيقول: ومرسناً مسرجاً أي أنفاً مسرّجاً، ومن المعلوم أنّ المسرّج إذا أُخذ من السراج فهو بمعنى اللمعان، وإذا أخذ من قولهم: السيف السريجي، يكون معناه: دقيقاً ومستوياً، وعلى كلِّ تقدير فالكلمة لا تخلو عن غرابة، لتردّدها بين معنيين.

فصاحة الكلام

عرّفت فصاحة الكلام بقولهم: خلوصه من العيوب الثلاثة التالية:
1. ضعف التأليف.
2. تنافر الكلمات.
3. التعقيد بمعنى كونه غير واضح الدلالة.
وعلاوة على ذلك يجب أن يكون مشروطاً بفصاحة الكلمة، وكأنّ

1 . عقود الجمان: 4.

صفحه 18
فصاحة الكلمة شرط لفصاحة الكلام أيضاً، وذلك لأنّ الكلام يتشكّل من الكلم، فلو كانت الكلمة غير فصيحة لا يكون الكلام فصيحاً أيضاً، وإليك تبيان التعريف:
شروط فصاحة الكلام   
أمّا الأوّل: فيراد من ضعف التأليف كون الكلام على خلاف القانون النحوي المشتهر بين أهل اللغة، كما في قوله: (ضرب غلامَهُ زيدٌ) فالضمير يرجع إلى زيد وهو من قبيل الإضمار قبل الذكر، وهو غير جائز إلاّ في موارد خاصّة، فكأنّ ضعف التأليف هنا يماثل «مخالفة القياس في فصاحة الكلمة».
وأمّا الثاني: أي التنافر بأن تكون الكلمات عند الاجتماع ثقيلة على اللسان، كما في قول القائل:
وَقَبرُ حَرْب بِمَكان قَفْر *** وَلَيسَ قُربَ قبرِ حَرب قَبرُ1
والشاهد على ذلك أنّه لا يتهيّأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع أو يتردد.
وقريب من ذلك قول أبي تمّام2:

1 . قبر حرب يعني به حرب بن أميّة بن عبد شمس، والد أبي سفيان وجد معاوية بن أبي سفيان. والقفر من الأرض: المفازة التي لا ماء فيها ولا نبات، ودار قفر: أي خالية من أهلها. قال القونوي في شرح تلخيص المفتاح: وفي البيت الإقواء، وهو من عيوب الشعر. وإنّما قلنا فيه الإقواء ; لأنّ البيت مصرع، وكلّ واحد من المصراعين فيه كبيت كامل. راجع: شرح الشافية: 4/487; البيان والتبيين: 1/49; الأعلام: 2/172.
2 . هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، أبو تمّام الشاعر الأديب، أحد أُمراء البيان. ولد في قرية جاسم من قرى حوران بسورية سنة 188 هـ وقيل: 190هـ رحل إلى مصر، واستقدمه المعتصم إلى بغداد، وولي بريد الموصل، وتوفّي بها سنة 231هـ ، له ديوان شعر، وديوان الحماسة. الأعلام: 2/165.

صفحه 19
كريمٌ متى أمْدَحْه أمْدَحْه والوَرى *** مَعي وإذا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدي1
قيل: إنّ وجه التنافر هو الجمع بين الحاء والهاء لتقاربهما، ولكنّه ضعيف لوروده في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً)2 بل التنافر ـ في البيت ـ هو في تكرار (أمدحه). وكان تنافر الكلمات هنا يماثل «تنافر الحروف» في فصاحة الكلمة.
وأمّا الثالث: أي التعقيد وكون الكلام غير واضح الدلالة.
والفرق بين الغرابة في الكلمة،والتعقيد في الكلام واضح، فلأنّ الأوّل يرجع إلى كون اللفظ غير واضح المعنى، وأمّا الثاني فالمفردات واضحة المعنى، غير أنّ المقصود الجدّي غير واضح كما سيتبيّن.
ثم إنّ التعقيد إمّا لفظي، وإمّا معنوي.
أمّا الأوّل: فربّما يكون السبب وجود تقديم وتأخير في الكلام، كقول الفرزدق3:

1 . البيت من قصيدة يمدح فيها أبا المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي. ومعنى البيت: أنّ الناس جميعاً يمتدحونك معي، وإذا ما لمتك خُلِّفت وحيداً لم يشاركني مشارك، لمعرفة الناس فضلك. شرح ديوان أبي تمّام: 239 برقم 56.
2 . الإنسان: 26 .
3 . الفرزدق هو همّام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس، شاعر من أهل البصرة، كان شريفاً في قومه، عزيز الجانب، وهو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل، ومهاجاته لهما مشهورة. توفّي سنة 110هـ . الأعلام: 8/93.

صفحه 20
وَ ما مِثْلُهُ في النّاسِ إلاّ مُمَلّكاً *** أبو أُمِّهِ حيٌّ أبـُوهُ يُقَارِبُهْ
فإنّ الشاعر يريد مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي وهو خال هشام بن عبدالملك بن مروان الأموي، ويقول: إنّه ليس للممدوح من يشابهه ويماثله إلاّ ابن أُخته، يعني: هشام بن عبدالملك.
وأنت ترى أنّ المفردات واضحة المعنى لكن فهم هذا المعنى من البيت المذكور مشكل، وما ذلك إلاّ للأسباب التالية:
1. أنّه فصل بين المبتدأ ـ أعني: أبو أُمّه ـ وبين الخبر ـ أعني: أبوه ـ بكلمة حيٍّ.
2. فصل بين الموصوف ـ أعني: حيّ ـ وصفته ـ أعني: يقاربه ـ بالأجنبي الّذي هو أبوه.
3. قدّم المستثنى ـ أعني: مُملّكاً ـ على المستثنى منه ـ أعني: حيّ ـ .
وأمّا الثاني: فمن موارده الكنايات البعيدة، مثلاً إذا كان الكلام واضح الدلالة على المعنى الملزوم ولكن كان الانتقال منه إلى اللازم، الّذي هو المقصود بالذات غير ظاهر، كقول العباس بن الأحنف1:
سَأطلُبُ بُعْدَ الدارِ عَنكُم لِتَقرُبوا *** وتسكُبُ عيْناي الدُّموعَ لِتَجْمُدَا

1 . هو العباس بن الأحنف بن الأسود الحنفي، أبو الفضل، شاعر غزل أصله من اليمامة (في نجد) وكان أهله في البصرة وبها مات أبوه، ونشأ هو ببغداد وتوفّي بها، وقيل بالبصرة سنة 192هـ ، له ديوان شعر مطبوع. الأعلام: 3/259.

صفحه 21
دلّت التجربة في الحياة الدنيوية على أنّ كلّ ما يطلبه الإنسان تكون النتيجة هي العكس، ولذلك أطلب بُعد الأحبّة ليكون المآل قُربهم ،وعدم مفارقتهم، وأطلب سكب الدموع (الحزن) لتكون النتيجة هي السرور.
كنّى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن وأصاب; لأنّ البكاء يكنّى به عنه، وقد أصاب فيه.
وكنّى عمّا يوجبه التلاقي من السرور، بجمود العيون فأخطأ، لأنّه لا يكون كناية عن المسرّة بل عن البخل .
يقول جلال الدين السيوطي في المقام:
وفى الكلامِ فَقدُه في الظاهرِ *** لِضَعفِ تأليف وللتنافرِ
في الكلماتِ وكذا التعقيد مَعْ *** فصاحة في الكلماتِ تُتبعْ1
***
والحق أن يقال: إنّ الركن الركين في فصاحة الكلمة هو كونها عذبة مألوفة الاستعمال، كما أنّ الركن الركين في فصاحة الكلام هو تلاؤم الكلمات في الجمل، فإنّه يوجب حسن الكلام وسهولته في اللفظ، فعندئذ تقبل النفس ما يرد عليها بصورة حسنة ودلالة واضحة. وهذا ما أُشير إليه سابقاً من خلوّه من تنافر الحروف في فصاحة الكلمة، وتنافر الكلمات في فصاحة الكلام .
وإنّ شئت قلت: إنّ العذوبة في الكلمة والتلاؤم في الكلام هو الأساس

1 . عقود الجمان: 5.

صفحه 22
في الفصاحة، وأمّا كون الكلام نقيّاً عن مخالفة القياس في فصاحة الكلمة
أو نقيّاً عن ضعف التأليف في فصاحة الكلام فهما في الدرجة الثانية
من الأهمية في الفصاحة، فإنّ جمال الكلمة والكلام أشبه بإناقة الخط وجماله، فإنّ الإنسان يرغب إلى قراءته، بخلاف ما لو كُتب ذلك الكلام بخط رديء.
فالإنسان الذي يلتذ بصوت البلبل ويضجر من أصوات البوم والغربان، فذلك الإنسان ينبو سمعه عن الكلمة إذا كانت غريبة متنافرة الحروف، ويرتاح لخلافها، ألا ترى أنّ كلمتي: المزنة والديمة، للسحابة الممطرة كلتاهما سهلة عذبة، ترتاح لهما النفس، بخلاف كلمة البُعاق الّتي في معناهما، فالنفس تنفر منها، حيث إنّها تصكّ الآذان. ومثلها تنافر الكلمات في فصاحة الكلام.
   
وإن أردت أن تقف على الكلام الفصيح بالمعنى الّذي ذكرناه، فاستمع إلى كلام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في تعريف الإنسان، قال: «أَمْ هذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْحَامِ، وَشُغُفِ الاَْسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً ، وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَيَافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِساناً لاَفِظاً، وَبَصَراً لاَحِظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً. حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثَالُهُ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وَخَبَطَ سَادِراً، مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ، كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ أَرَبِهِ»1.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 83 .

صفحه 23
فإنّ هذه القطعة من خطبته (عليه السلام) سبيكة مرصّعة بيواقيت الكلم، ومعالي معاني الحكم، معدودة من مدهشات كلامه، وقد توفرت فيها جوامع وجوه الحسن، وكأنّ الجميع كماء نهر رقراق، يجري على اللسان بلا صعوبة كجري الماء على الأرض السهلة.
***

البلاغة لغة واصطلاحاً

البلاغة في اللغة بمعنى الوصول، يقال: بلغ التمر: إذا نضج.
وفي الاصطلاح عبارة عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أي مطابقته للغرض الداعي إلى التكلّم على الوجه المخصوص، مثلاً: كون المخاطب منكراً للحكم، حال يقتضي تأكيده، والتأكيد مقتضى الحال; كما أنّ كون المخاطب مستعدّاً لقبول الحكم، يقتضي كون الكلام عارياً عن التأكيد، والتجرّد عن مقتضاها، وهكذا أنّ الحال إذا اقتضى حذف المسند إليه حُذف، وإن اقتضى ذكره ذُكر.
كما أنّه إذا اقتضى الإيجاز يتبع، ولو اقتضى الإطناب أو المساواة يتبع، ولكلّ مقام، كما أنّه إذا ا قتضى الحال القصرَ والحصرَ فيقصر، بخلاف ما إذا اقتضى خلاف ذلك، كما سيوافيك تفصيل ذلك في الأبواب الثمانية في علم المعاني.
يقول السكّاكي: إنّ مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التشكّر يباين مقام

صفحه 24
الشكاية، ومقام التهنئة يباين مقام التعزية، ومقام المدح يباين مقام الذمّ، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب، ومقام الجِدّ في جميع ذلك يباين الهزل، وكذا مقام الكلام ابتداءً يغاير مقام الكلام بناءً على الاستخبار أو الإنكار، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار، وكذا مقام الكلام مع الذكيّ يغاير مقام الكلام مع الغبيّ، ولكلٍّ من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر، إذا شرعت في الكلام فلكلّ كلمة مع صاحبتها مقام، ولكلٍّ حدٌّ ينتهي إليه الكلام مقام، وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول، وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به، وهو الّذي نسمّيه مقتضى الحال، فإن كان مقتضى الحال إطلاق الحكم فحسن الكلام تجريده عن مؤكّدات الحكم، وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك فحسن الكلام تحلّيه بشيء من ذلك بحسب المقتضي ضعفاً وقوة، وإن كان مقتضى الحال طيّ ذكر المسند إليه فحسن الكلام تركه، وإن كان المقتضي إثباته على وجه من الوجوه المذكورة فحسن الكلام وروده على الاعتبار المناسب، وكذا إن كان المقتضي ترك المسند فحسن الكلام وروده عارياً عن ذكره، وإن كان المقتضي إثباته مخصصاً بشيء من التخصيصات فحسن الكلام نظمه على
   
الوجوه المناسبة من الاعتبارات المقدّم ذكرها، وكذا إن كان المقتضي عند انتظام الجملة مع أُخرى فصلها أو وصلها والإيجاز معها أو الإطناب، أعني: طيّ جمل عن البين ولا طيّها فحسن تأليفه مطابقاً لذلك.1

1 . مفتاح العلوم: 73. وقد أتى في كلامه هذا فهرساً إجمالياً لما يأتي في علم المعاني في أبوابها الثمانية، فانتظر. وإنّما أثبتنا كلامه هنا ليكون القارئ عارفاً إجمالاً لما يبحث عنه في هذا العلم.

صفحه 25
وحاصل الكلام: أنّ المقامات مختلفة والدواعي متنوعة يجب أن يكون الكلام على وفق الداعي، يقول جلال الدين السيوطي:
بلاغةُ الكلامِ أنْ يُطابِقا *** لمقتضى الحالِ وَقَدْ توافقا
فصاحةً والمقتضى مختلفُ *** حَسبَ مقاماتِ الكلامِ يُؤلفُ1
هذا ما ذكره القوم ويمكن أن يقال: إنّ للبلاغة ركناً آخر فما لم يضمّ إلى ما ذكروه يصبح الكلام مبتذلاً، وهو إتقان المعنى وسموّ المضمون، وإلاّ فالمعاني المبتذلة بين الناس إذا عُرضت بشكل مطابق للغرض الداعي إلى التكلّم لا يُعدّ بليغاً راقياً.
ولعلّ من وجوه بلاغة القرآن الّتي وصلت إلى أعلى الدرجات من البلاغة هي إتقان معانيه، وسموّ مضامينه.

حصر علم البلاغة في فنون ثلاثة

حصر علماء البلاغة ذلك العلم في فنون ثلاثة، هي:
المعاني، والبيان، والبديع .
ووجه الحصر هو أنّ البلاغة عبارة عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحة ألفاظه، مفرده ومركّبه.
أمّا الثاني أي تمييز الفصيح عن غيره فالغرابة تعرف من متن اللغة، ومخالفة القياس تعرف من علم الصرف (في فصاحة الكلمة)، وضعف

1 . عقود الجمان: 6 .

صفحه 26
التأليف يعرف من علم النحو، والتنافر يعرف بالحسّ (في فصاحة الكلام)، فاستُغني عن ذكر هؤلاء في هذا الكتاب، فلم يبق ممّا ترجع إليه البلاغة إلاّ أمران:
1. الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، أو إيراد الكلام مطابقاً لمقتضى الحال.
2. تمييز السالم من التعقيد المعنوي من غيره، أو إيراد الكلام على أنحاء وطرق مختلفة في الوضوح والخفاء، تشبيهاً أو مجازاً أو كنايةً. فوضع للأوّل علم المعاني، وللثاني علم البيان.1
ثم ربّما يحتاج البليغ إلى معرفة وجوه التحسين في الكلام فوضعوا له علم البديع.
يقول جلال الدين السيوطي:
وَ ما بهِ عَن الخَطا في التأديهْ *** مُحترزٌ عِلمَ المعاني اسميَهْ
وما عَن التعقيدِ فالبيانُ *** ثُمّ البديعُ مَا بِه استحسانُ2

1 . قال السكّاكي: وأمّا علم البيان: فهو معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح المعنى عليه وبالنقصان ليحرز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد. مفتاح العلوم، طبعة عام 1318 هـ ، بمصر المحميّة. وسيأتي كلامه حول علم المعاني. فانتظر.
2 . عقود الجمان: 8 .

صفحه 27
الفن الأوّل :
علم المعاني
وفيه مقدّمة وثمانية أبواب:
1. في أحوال الإسناد الخبري
2. في أحوال المسند إليه
3. في أحوال المسند
4. في أحوال متعلّقات الفعل وما يعمل عمله
5. القصر
6. في الإنشاء
7. في الفصل والوصل
8 . في المساواة والإيجاز والإطناب

صفحه 28

صفحه 29
قدّم العلماء، الكلامَ في علم المعاني على علم البيان; وذلك لأنّ الأوّل بمنزلة الجزء من المركّب، لما عرفت من أنّ الغاية من علم البيان إيراد المعنى الواحد بصورة تراكيب مختلفة فاقدة للتعقيد مع كون الكلام مطابقاً لمقتضى الحال، فكونه مطابقاً لمقتضى الحال ـ وراء الخلو عن التعقيد ـ جزء من علم البيان، ولذلك قدّم علم المعاني على علم البيان، وإليك تعريفه.

تعريف علم المعاني:

علم تُعرف به أحوال اللفظ العربي الّتي بها يطابق مقتضى الحال .
والمهم في هذا التعريف هو القيد الأخير ـ أعني: «بها يطابق مقتضى الحال»،ـ لما عرفت من أنّ الغاية من هذا العلم التعرّف على كيفية إلقاء الكلام على نحو يطابق الغرض المسوق له ، فالتعرّف على هذه الخصوصية على عاتق علم المعاني، فجميع الأبواب الثمانية ـ التي ستأتي ـ تهدف لإيقاف القارئ على مقتضيات الأحوال، يقول جلال الدين السيوطي في تعريفه:
وَ حَدّهُ عِلمٌ بِهِ قَدْ تُعرفُ *** أحوالُ لفظ عربي يُؤلفُ
ممّا بها تطابق لمقتضى *** حال وحدّي سالمٌ ومرتضى1

1 . عقود الجمّان: 9 .

صفحه 30
وعلى هذا فالموضوع هو اللفظ العربي وتميّزه عن سائر العلوم العربية بالحيثية، أعني: التعرّف على مقتضيات الأحوال.
والغاية من العلم هو الاقتدار على إلقاء الكلام على وفق الأغراض، وأمّا تعريفه فقد عرفته ممّا سبق، وبذلك تمّ التعرّف على المبادئ التصوريّة لهذا العلم، وهي تعريف العلم وبيان موضوعه وغايته.1
ولمّا كان الكلام منقسماً إلى الخبر والإنشاء، كان اللازم التعرّف على الفرق بينهما.

تقسيم الكلام إلى الخبر والإنشاء

إنّ الكلام إمّا أن يتضمّن الإنباء عن أمر خارج عن حيطة التلفّظ والتكلّم، سواء أكان الإنباء بالإيجاب أو بالسلب وهذا هو الخبر، فقولنا: «زيد قائم»، يحكي عن اتّصاف زيد بالقيام في الخارج، كما أنّ قولنا: «ليس زيد بقائم» يحكي عن عدمه وخلو صفحة الوجود عنه. فهذا النوع من التعريف للجمل الخبرية أفضل من سائر التعاريف المذكورة في كتب القوم.
ويقابله الإنشاء وهو ما إذا كان الكلام مسوقاً لإيجاد مضمونه بنفس الكلام دون أن يكون بصدد الإنباء عن خارج وراء الكلام، فقولك: بعت أو اشتريت، بمعنى إنشاء الانتقال وإنشاء القبول، وهكذا سائر أدوات الإنشاء،

1 . يقول السكّاكي : اعلم أنّ علم المعاني هو تتبّع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتّصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره. مفتاح العلوم: 70، طبعة مصر ـ 1318 هـ .

صفحه 31
من الاستفهام والتمنّي والترجّي، والأمر والنهي. ويدخل فيما ذكرنا القَسم والنداء والتعجّب والالتماس والسؤال. والجميع من مقولة الإنشاء، فإذا قال: نعم زيد وبئس عمرو، أو قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)1 فالجميع بصدد إيجاد معنى بهذا اللفظ في عالم التخاطب من دون حكاية عن الخارج.
وبذلك يتبيّن أنّ الإخبار في حدّ ذاته يحتمل الصدق والكذب، بمعنى أنّ مضمون الخبر يحتمل المطابقة وعدمها، بخلاف الجمل الإنشائية فهي لا توصف بالصدق والكذب; لأنّ المفروض أنّ الجمل الإنشائية وضعت لإنشاء المعنى بالاستعمال، والمفروض أنّ المتكلّم استعملها في نفس المعنى.
نعم كون المتكلّم منشِئاً عن جدّ أو لا، هو أمر آخر لا صلة له بالصدق والكذب.
فإذا وصل الكلام إلى هنا فلنذكر ملاك الصدق والكذب.

ما هو الملاك لصدق القضية وكذبها؟

إذا كان مضمون الكلام مطابقاً للواقع فالكلام صادق، وإن كان مخالفاً له فالكلام كاذب، فقولنا: «السماء فوقنا» صادق، وقولنا: «السماء تحتنا» كاذب.
فإن قلت: ما ذكر من الميزان ينطبق على الجمل الثبوتية، وأمّا الجمل السلبية فليس لها واقع يصير مطابقاً لها، فقولنا: «ليس زيد قائماً» فاقد

1 . البقرة: 104 .

صفحه 32
للواقع; لأنّ السلب بطلان محض لا يتصوّر له واقع، حتّى تصدق عليه المطابقة وعدمها.
قلت: المراد من الواقع ليس العينية الخارجية حتّى تطلب الجملة واقعاً عينياً لنفسها، بل المراد خارج الذهن، بمعنى إذا سمعنا: «ليس زيد بقائم» ثم نظرنا إلى الخارج فتارة نصف الكلام بالمطابقة فيكون صادقاً، وأُخرى بعدم المطابقة فيكون كاذباً.
ثم إنّ في تعريف الصدق والكذب قولين آخرين: أحدهما للنظّام، والآخر لتلميذه الجاحظ، اطلبهما من المطوّلات.

حصر علم المعاني في أبواب ثمانية

ثم إنّ علماء المعاني حصروا مسائل هذا العلم في أبواب ثمانية وذكروا في الحصر الأمر التالي:
قالوا: إنّ الكلام إمّا خبر أو إنشاء، والخبر لابد له من إسناد، ومسند إليه، ومسند، والمسند قد يكون له متعلّقات من الظروف وغيرها.
وبهذا تبينت الأبواب الأربعة.
ثم إنّ الإسناد إمّا بقصر، وأُخرى لا معه وهو الباب الخامس.
إلى هنا كان الكلام حول الخبر، ثم قد يتعلّق الغرض بالإنشاء وهو الباب السادس، وفي كلا القسمين: الخبر والإنشاء إمّا تقتضي الحال العطف والوصل، أو تقتضي القطع والفصل، وهو الباب السابع.
ثم إن الكلام البليغ إمّا أن يكون زائداً على أصل المراد لفائدة أو ناقصاً

صفحه 33
غير مخل أو مساو، وهو الباب الثامن، وإلى هذا يشير جلال الدين السيوطي بقوله:
يُحصرُ في أحوالِ الاسنادِ وفي *** أحوالِ مُسند إليهِ فاعرفِ
ومسندٌ تعلقاتِ الفِعلِ *** والقصرُ والإنشاءُ ثُمَّ الوصلِ
والفصلِ والإيجازِ والإطنابِ *** ونحوِه تأتيكَ في أبوابِ1
إذا عرفت ما ذكرنا فلندخل في صلب الموضوع ولنبحث عن الإسناد الخبريّ.

1 . عقود الجمّان: 9 .

صفحه 34

صفحه 35
الباب الأوّل:
في أحوال الإسناد الخبري
وفيه بحوث:
1. الأغراض المختلفة للمتكلّم.
2. بيان نماذج لإيراد الكلام (بيان النسبة الخبرية) على مقتضيات الحال.
3. إخراج الكلام على خلاف مقتضيات الحال لنكات.
4. تقسيم الحقيقة والمجاز إلى لغويين وعقليين.
5. نقد نظرية الأشاعرة في توحيد الربوبية وتفسيرهم لقول القائل: أنبت الربيع البقل.
6. نماذج من المجاز العقلي في القرآن الكريم.
7. نماذج من المجاز العقلي في خطب الإمام علي (عليه السلام).
8 . نظرية السكّاكي في تفسير المجاز العقلي.
ومحور البحث في الجميع هو إسناد الجملة الخبرية لا طرفيها، فتدبّر.

صفحه 36

صفحه 37

البحث الأوّل: الأغراض المختلفة للمتكلّم

لا شكّ أنّ المخبر العاقل لا يلقي الكلام إلاّ لأغراض عقلائية، وإليك بيان مهمّاتها:
1. يقصد بخبره إفادة المخاطب نفس الحكم ومفاد القضية، ويسمّى هذا «فائدة الخبر».
2. يقصد إعلام المخاطب بأنّه عالم بالحكم، كقولك لمن حفظ القرآن: قد حفظت القرآن.
وقد تتعلّق الأغراض بأُمور أُخرى نظير:
3. الاسترحام، كما في قوله سبحانه: (رَبِّ إنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ )1.
4. إظهار الفرح بالمقبل والشماتة بالمدبر، مثل قوله سبحانه: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ )2 .
5. إظهار التحسّر والتحزّن، نحو قوله تعالى: (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى)3 .

1 . القصص: 24 .
2 . الإسراء: 81 .
3 . آل عمران: 36 .

صفحه 38
6. إظهار الضعف، كقوله تعالى: (رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِني وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا )1 .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنَّ الجملة الخبريّة تتركّب من مسند إليه، ومسند والنسبة التي تدلّ عليها هيئة الجملة. والمقصود من المقام بيان تأثير الدواعي في تبلور النسبة وبيانها بصور مختلفة دون أن يكون نظر إلى طرفي الجملة ـ أعني: المسند إليه أو المسند ـ ولقد قيل: «إيراد الكلام على مقتضيات الحال» يراد به في المقام مدلول النسبة الخبرية ومفهومها.

البحث الثاني: بيان نماذج من إيراد الكلام على مقتضيات الحال

ينبغي للمتكلّم أن يكون حاله مع المخاطب كحال الطبيب مع المريض، حيث يجب على الأوّل تشخيص مرضه وتحديد موضع ألمه حتّى يكتب له من العلاج ما يعيد صحّته ويزيل ألمه، على قدر الحاجة، لا زائداً ولا ناقصاً.
فعلى هذا فلنأت بنماذج من إيراد الكلام على مقتضيات الأحوال لتكون مثالاً لما لم نذكر:
1. إذا كان المخاطب غير مسبوق بشيء، ولا واقفاً على مضمون الكلام، فإنّه يخاطب بكلام غير مؤكّد، ويقال: زيد قائم، أو: ليس بقائم .
2. وإذا كان المخاطب متردّداً طالباً لرفع شكّه وتردّده، فيحسن الإتيان بمؤكّد واحد، تقوية للحكم، فيقال: إن زيداً قائمٌ.

1 . مريم: 4 .

صفحه 39
3. وإذا كان منكراً لمضمون الكلام معتقداً خلافه وجب توكيده حسب درجة إنكاره قوة وضعفاً، فكلّما زاد الإنكار زاد في توكيده، مثلاً إنّه سبحانه يحكي عن تكذيب أهل القرية (انطاكية) الرسولين المبعوثين من جانب عيسى (عليه السلام)فيقول: (فَكَذَّبُوهُمَا)الحاكي عن درجة خفيفة من الإنكار، فعندئذ خاطبا قومهما بقولهما: (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)1 .
فاشتمل الكلام على تأكيدين: إنّ (المكسورة)، والجملة الاسمية.
ولمّا ا شتدّ إنكار القوم حيث قالوا لهما: (مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيءْ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ)(2)، فخاطبا قومهما بكلام آكد من الكلام السابق فقالا: (رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ)(3).
فاشتمل هذا الكلام على التأكيدات التالية:
1. الاستشهاد بالله تعالى، في قولهما: (رَبُّنَا يَعْلَمُ).
2. الجملة الاسمية.
3. لفظ إنِّ (المكسورة).
4. اللام التي تأتي في خبر إنّ في: (لَمُرْسَلُونَ).
وما ذكرناه إنموذج من مطابقة النسبة الخبرية لمقتضى الحال.

البحث الثالث: إخراج الكلام على خلاف ظاهر الحال

ربّما يتعلّق الغرض بإخراج الكلام على خلاف ظاهر الحال على نحو يكون الإخراج الثاني موصوفاً بالبلاغة، ونظيره في الموارد التالية:

1 و 3 . يس: 16 .   2 . يس: 15 .

صفحه 40
1. تنزيل المخاطب منزلة الجاهل لعدم عمله بعلمه، كقولك لتارك الصلاة: «الصلاة واجبة»، وكقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ» 1.
وقوله (عليه السلام)ـ أيضاً ـ عند استنهاض أصحابه للجهاد، ولومه إياهم على تثاقلهم: «مَا بَالُكُمْ؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِبُّكُمْ؟ الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ. أَقَوْلا بِغَيْرِ عمل»2، فإنّ كلّ ما ورد في هذين القولين ليس خافياً ولا غير معلوم للمخاطبين، ولكن لمّا كان عملهم على خلاف علمهم، نزّلوا منزلة المنكرين.
2. دعوة المخاطب إلى ما هو المهم مثل قوله تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ )3.
3. تنزيل غير السائل منزلة السائل، كقوله سبحانه مخاطباً نبيه نوح: (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا)4.
حيث إنّ النهي عن السؤال صار سبباً لتردّد المخاطب في أنّهم هل صاروا ممّن حُكم عليهم بالغرق أو لا؟ فنزّل نوح منزلة السائل وقيل له: (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ).
4. جعل غير المنكر كالمنكر، إذا لاح على غير المنكر شيء من

1 . نهج البلاغة: الخطبة 64 .
2 . نهج البلاغة:الخطبة 29.
3 . الزمر: 9.
4 . هود: 37 .