welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : تهذيب البلاغة*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

تهذيب البلاغة

صفحه 1
تهذيب البلاغة

صفحه 2

صفحه 3
تهذيب البلاغة
يبحث عن مفهوم البلاغة وموضوعها وما يتعلّق بها من أقسام وفنون وهي: المعاني والبيان والبديع وخاتمة تتناول السرقات الشعرية وما يلحق بها
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      تهذيب البلاغة / تأليف جعفر السبحاني . ـ ]ويراست 2[. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1393 .
       424ص .    ISBN 978 - 964 - 357 - 536 -6
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه: ص 404 ـ 414، همچنين به صورت زير نويس.
      1 . زبان عربى ـ ـ معانى و بيان. 2. زبان عربى ـ ـ بديع. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان .
9ت 2س/ 2028 PJA    7 / 492
1393
اسم الكتاب:   … تهذيب البلاغة
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الثانية مصححة ومنقحة
تاريخ الطبع:    …1393 هـ ش / 1435 هـ . ق / 2014 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 424 صفحة
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 831    تسلسل الطبعة الأُولى: 392
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف: نشأة علم البلاغة وموضوعه وغايته   
    تهذيب البلاغة

تقديم

نشأة علم البلاغة وموضوعه وغايته

الحمد لله الّذي خلق الإنسان وعلمّه البيان، وخصّ سيد الرسل بالقرآن، الّذي بمثله عجز الفصحاء والبلغاء عن الإتيان، حتّى لو تظاهر عليه الإنس والجان.
وأُصلّي وأُسَلِّم على عبده ورسوله الّذي بعثه بالأنوار الساطعة، وأيّده بالبراهين القاطعة، وجعله للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً.
وأُصلّي وأُسلّم على آله وأهل بيته الذين هم خلفاء الرحمن وأدلاّء الإيمان، ولاسيّما ابن عمّه ووصيه وخليفته وموضع سرّه عليّ أمير المؤمنين، صلاة دائمة ما دامت السماوات ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد:
فإنّي لمّا درست كتاب المطوّل في شرح تلخيص المفتاح ـ الذي ألَّفه سعد الدين التفتازاني( المتوفّى 793 هـ) ـ في مسقط الرأس عند مهرة الفن وأساتذة الأدب، وقفت ـ بعد التأمّل ـ على أنَّ أكثر ما ذكره الشارح حول

صفحه 8
عبارة التلخيص لا يمتّ إلى علم البلاغة ولا إلى أُصولها بصلة، بل هي تعوق الطالب عن الإحاطة بخلاصة ما ذُكر في الباب، وقد لمست ذلك عن كثب حتى بعد ما درّسته في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة عبر سنين.
وقد دعاني هذا الأمر إلى تحرير كتاب يتضمّن قواعد الفصاحة وضوابط البلاغة بشكل موجز، عار عن الحشو والزيادة، وقد تمّ التحرير يومذاك عام 1365هـ .
ولمّا تمّ نظامه، وتمسّك بحمد اللّه ختامه، عرضته على أحد أصدقائي ألا وهو الشيخ محمد بن نقي القاري (رحمه الله)، فاستحسنه وقرّظه بقريض منضود نأتي به بعد هذه المقدّمة إن شاء الله، وبعد أن التحقت بحوزة قم لغاية إكمال دراستي، وصببتُ جل اهتمامي لدراسة الفقه والأُصول والفلسفة والكلام، تركت الأوراق في زاوية النسيان، وحالت بيني وبين مراجعتي لها عوائق الزمان وطوارق الحدثان، ولمّا وفَّقني اللّه لتحرير مقدّمة لكتاب «أُصول البلاغة» لمؤلّفها المتألّه الحكيم ميثم البحراني ـ بعد أن تمّ تحقيقه بيد محقّقي مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ هاجني شوق وغلبتني رغبة لنشر ما كنت كتبته قبل سبعة عقود تقريباً، مع إصلاحات وزيادات تجعل الكتاب منسجماً مع ذوق أبناء العصر وطلاب هذا الفن... .
هذا وقد سميّته بـ : «تهذيب البلاغة» .

موضوع علم البلاغة وغايته

ثمّ اعلم أنّ لكلِّ علم موضوعاً وغاية وتعريفاً ونشأة.

صفحه 9
أمّا الموضوع لعلم البلاغة ـ على النحو الكلّي بحيث لا يختصّ بلسان دون لسان ـ فهو: الكلمة والكلام، فلايختصّ باللغة العربية، بل يعمّ عامّة اللغات، غير أنَّ المسلمين اهتمّوا بهذا العلم في إطار اللغة العربية، وما ذاك إلاّ لأنّ الغاية هي بيان وجوه إعجاز القرآن. ولأجل ذلك صار الموضوع عندهم اللفظ العربي من حيث كون الكلام على وفق الحال ووافياً لبيان الغرض الذي سيق له.
وأمّا التعريف فسيوافيك تعريف كلّ من المعاني والبيان، وأنَّ
الأوّل هو التعبير باللفظ عمّا يقوم في الذهن من المعاني مطابقاً لما يقتضيه الحال.
وأمّا الثاني فهو التعبير باللفظ عمّا يقوم في الذهن من المعاني مضافاً إلى كونه مطابقاً لمقتضى الحال، مجرّداً عن التعقيد المعنوي الذي يعوق بين الكلام وفهم المراد منه.

نشأة علم البلاغة

وأمّا نشأة علم البلاغة فقد كانت هناك بحوث حول المجاز والتشبيه في القرن الثالث والرابع لغاية فهم إعجاز القرآن، فقد ألَّفَ أبوعبيدة بن المثنى (المتوفّى 208هـ)1 كتاباً أسماه «مجاز القرآن» وتلاه الشريف الرضي

1 . اختلف في سنة وفاته على أقوال، فمنهم من قال: توفّي سنة 208 هـ ، وقيل: 209 هـ ، وقيل: 210، وقيل: 211، وقيل: 213. راجع تهذيب الكمال للمزّي: 28 321 برقم 6102 ; تهذيب التهذيب: 10 / 221 ; وفيات الأعيان: 5 / 243 برقم 731 .

صفحه 10
(المتوفّى 406هـ) بكتابين آخرين أسمى أحدهما بـ :«المجازات القرآنية» والثاني بـ : «المجازات النبوية» فصارت تلك البحوث كنواة للعلمين: (المعاني والبيان) إلى أن وصلت النوبة إلى الشيخ عبد القاهر بن عبدالرحمن الجرجاني (المتوفى 471هـ) فألّف كتابين أسماهما: «أسرار البلاغة» و «دلائل الإعجاز»; وجاء بعده محمود الزمخشري (المتوفّى 538 هـ) فوضع تفسيراً للقرآن الكريم بيّن فيه وجوه إعجاز القرآن وأسرار بلاغته، ثم أكمل تلك البحوث أبويعقوب يوسف السكّاكي (المتوفّى 626هـ) فألّف كتاباً باسم «مفتاح العلوم»، وجعل القسم الثالث منه في المعاني والبيان والبديع، ثم توالى التأليف بعده إلى أن بلغ العلم قمّته، فتصدّى الخطيب القزويني (المتوفّى 739 هـ) لتلخيص القسم الثالث من «مفتاح العلوم» وأسماه «تلخيص المفتاح»، ثم قام سعد الدين التفتازاني (المتوفّى 793هـ) بشرحه فأسماه بـ «المطوّل».
ثم قام المعنيّون بهذا العلم بالتعليق والتحشية عليه، كالچلبي، والشريف الجرجاني، والسيالكوتي وغيرهم ممّن ألّف في هذا
المضمار.
والذي يمكن أن يقال: إنّ البحوث الجانبية غلبت على البّ اللباب في هذا العلم، حتّى أنّ بعضهم تصدّى لشرح «تلخيص المفتاح» بصورة أطال فيها وأطنب وأسماه «بالأطول»، وأمّا كتابنا هذا فقد ذكرنا فيه ما هو اللب الذي ينبغي للمتعلّم إعماله في كلامه وخطبه ورسائله. وقد رتّبناه على مقدّمة وثلاثة فنون، هي: المعاني والبيان والبديع، وخاتمة تتناول موضوع

صفحه 11
«السرقات الشعرية» وما يتصل بها، وموضوع: «حسن الابتداء والتخلّص والانتهاء».
وقد استعنت في تحرير الكتاب بما حضرني من المصادر في هذا المضمار، ككتاب «مفتاح العلوم» للسكّاكي، و «تلخيص المفتاح» للخطيب القزويني، و «المطوّل» لسعد الدين التفتازاني، و «عقود الجمان في علم المعاني والبيان» لجلال الدين السيوطي، و «حلية اللب المصون على الجوهر المكنون» للسيد عبدالرحمن الأخضري، و «حواش وتعاليق الچلبي والشريف الجرجاني على المطوّل» و «جواهر البلاغة» للسيد أحمد المصري، و « منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الجزء الأوّل» للسيد حبيب اللّه الخوئي، وقد صدرنا عنه في العثور على خطب الإمام علي(عليه السلام)وكلماته كشواهد على القواعد البلاغية، إلى غير ذلك من مصادر سيوافيك سردها في الفهرس المختصّ لبيانها في نهاية الكتاب.
وها نحن نقدّم لروّاد علم البلاغة ومحبّيه، هذا الجهد عسى أن يقع موقع الرضا والقبول.
أسأل اللّه القبول والتوفيق.
جعفر السبحاني
قم / مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 12
 
تقريظ الصديق الوفي محمد بن نقي القاري (رحمه الله)1
الحمد لله على الإلهامِ *** ذي المنّ والإحسان والإنعامِ
وأكمل الصلاة والسلامِ *** على النبيّ سيّد الأنامِ
وآله أكابر الأطايبِ *** لاسيما الكرار ذي المناقبِ
ورحمة الله لمن والاهمُ *** ولعنة الله لمن عاداهمُ
وبعد فاعلم أيها الظمآنُ *** والعلم نور زانه الرحمانُ
هذا زلال بارد المَعينِ *** يروي إلى قيام يوم الدينِ
عين تفيض دُررَ المعاني *** عين تصيب غُرر البيانِ
وانْ أردتَ السير في البديعِ *** ترى هنا حدائق الربيعِ
مملوءة الأشجار بالفواكهْ *** ينظرها المرء بقلب والهْ
ألّفه صديقنا في اللهِ *** جعفر الزاكي بعون اللهِ
ابن حسين جامع الفنون *** ذي العلم واليقين والشؤون
ناظمه الأحوج عند الباري *** محمد ابن نقيّ القاري
تحريراً في تاسع ربيع الأوّل
عام 1365 هـ

1 . كان رحمه الله: إنساناً عالماً، عابداً، صدوقاً، ودوداً ومحبوباً بين الناس.

صفحه 13
فصاحة الكلمة   

مدخل

لا شكّ أنّ علم البلاغة من أجلّ العلوم رفعة وأفضلها قدراً، إذ به توضّح حقائق التنزيل ودقائق التأويل، ولذلك عكف علماء المسلمين عليه تأليفاً ودراسة عبر القرون.
غير أنّ كثيراً منهم يستشهدون على قواعده بشعر الشعراء الجاهليّين أو المخضرمين، وحتّى المولدين، وغفلوا عن الاستشهاد بكلام منبع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومظهرها، أعني: خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وكتبه وكلماته، المجموعة في «نهج البلاغة». ولذلك قمنا بالاستشهاد بخطبه وكلماته في غير واحد من الأبواب.
ونعم ما قال القائل:
نهجُ البلاغةِ نهجُ العلمِ والعملِ *** فَاسلُكْه يا صاحِ تبلُغْ غايةَ الأملِ
ألفاظُه دُرَرٌ أغنَتْ بحليتِها *** أهلَ الفضائلِ عن حَلي وعن حُلَلِ
ومِنْ معانيهِ أنوارُ الهُدى سَطَعَتْ *** فانجابَ عنها ظَلامُ الزيغِ والزَّللِ
***

صفحه 14
وهذه رسالة في علمي المعاني والبيان ويتبعهما علم البديع، قد سلكت فيها مسلك الإيجاز بعيداً عن التطويل والإطناب، فنقول:

الغاية من إنشاء علم البلاغة

إنّ الغاية من إنشاء وتأسيس علم البلاغة ـ مضافاً إلى التعرّف على إعجاز القرآن فإنّه بلغ في الفصاحة أعلاها، وفي البلاغة أسماها ـ هو تحصيل الملكة على إلقاء كلام مطابق مقتضى الحال، مقروناً بالفصاحة، فليزمنا أوّلاً تعريف الفصاحة ثم تعريف البلاغة، فنقول:

الفصاحة لغة واصطلاحاً

الفصاحة في اللغة بمعنى الإبانة والظهور، والفصاحة: البيان. يقال: فصح الرجل فصاحة: جادت لغته وحسن منطقه وهو البيّن في اللسان والبلاغة، والفاعل فصيح، ورجل فصيح وكلام فصيح: أي بليغ، لسانه فصيح: أي طلق، وأفصح عن الشيء إفصاحاً إذا بيّنه وكشفه. وفَصُحَ الأعجمي إفصاحاً: تكلّم بالعربيّة وفهم عنه، وقيل: جادت لغته حتى لايلحن. ويقال: فصح الصبح بدا ضوؤه واستبان.1
وأمّا في الاصطلاح فتقع تارة وصفاً للكلمة وأُخرى وصفاً للكلام، وإليك تعريفهما:

1 . راجع: لسان العرب: 2/544، مادة «فصح».

صفحه 15

فصاحة الكلمة

عُرّفت فصاحة الكلمة بالنحو التالي:
خلوصها من أُمور ثلاثة:
1. تنافر الحروف.
2. الغرابة.
3. مخالفة القياس اللغوي المستنبط من استقراء اللغة.
أمّا الأوّل: فهو عبارة عن كون الكلمة ثقيلة على اللسان بحيث يعسر النطق بها، نظير (الهُعْجُع)، فقد جاء في قول أعرابي سُئل عن ناقته، فقال: تركتها ترعى الهعجُع، وهو نبت أسود، وهذه الكلمة متنافرة نهايته، ودونها في التنافر لفظة (مستشزرات) بمعنى مرتفعات في شعر امرئ القيس1، يقول:
غدائِرُهُ مُستشزِراتٌ إلى العُلى *** تَضلُّ العقاصَ في مُثنّىً ومُرسَلِ2
فإنّ كلمة مستشزرات ثقيلة على اللسان، ولو قال: مستشرف لزال ذلك الثقل، وأمّا كونه ثقيلاً فهو واضح لمن نطق به .

1 . هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل، مولده بنجد نحو 130 قبل الهجرة، اشتهر بلقبه. له ديوان شعر مطبوع، وكتب الأدب مشحونة بأخباره. يعرف بالملك الضِّلِّيل، وذي القروح لما أصابه في مرض موته وهو بأنقرة في طريقه إلى فلسطين، فأقام إلى أن مات بها سنة 80 قبل الهجرة. الأعلام: 2/12.
2 . غدائره: ذوائبه، مستشزرات: مرتفعات أو مرفوعات: تضلّ تغيب، العقاص: الخصلة المجموعة من الشعر، والمُثنّى: المفتول. يعني: أنّ ذوائبه مشدودة على الرأس بخيوط وأنَّ شعره ينقسم إلى عقاص مثُنّى ومُرسل، والأوّل يغيب في الأخيرين. والغرض: بيان كثرة الشعر. مختصر المعاني: 15.

صفحه 16
وأمّا الثاني: فالمراد به كون الكلمة غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال، وذلك كاللفظين التاليين:
تكأكأتم، وافرنقعوا.
حكي أنّ عيسى بن عمر النحويّ1 حين سقط من الحمار واجتمع الناس حوله، خاطبهم بقوله: ما لكم تكأكأتم عليَّ كتكأكئكُم عَلى ذي جنّة، افرنقعوا.
ويريد: مالكم اجتمعتم عليّ كاجتماعكم على ذي جِنّة، تفرّقوا.
ترى أنّ الكلمتين في كلامه وحشيّتيان غير مأنوستين بخلاف ما إذا قيل: اجتمعتم، تفرّقوا.
وأمّا الثالث: أعني: المخالفة للقانون المستنبط من تتبع كلام العرب فقد مُثِّل له بلفظ: الأجلَل، بفك الإدغام في قول أبي النجم العجلي2:
الحمدُ للهِ العليّ الأجلَلِ *** الواحدِ الفَرْدِ القديمِ الأوّلِ
يقول جلالُ الدين السيوطي في تعريف فَصاحة الكلمة:
فصاحة الكلام   
فَصاحةُ المفردِ أنْ لا تنفرا *** حروفُه كهعجع واستشزرا

1 . هو عيسى بن عمر النحوي ، أبو عمرو البصري الثقفي ، كان من قرّاء أهل البصرة إلاّ أنّ
الغريب والشعر أغلب عليه . مات سنة تسعة وأربعين ومائة . تهذيب التهذيب : 8 / 200 برقم
416.
2 . هو الفضل بن قدامة العجلي، أبو النجم، من بني بكر بن وائل، من أكابر الرجّاز ومن أحسن الناس إنشاداً للشعر. نبغ في العصر الأموي، كان يحضر مجالس عبد الملك بن مروان وابنه هشام، توفّي سنة 130 هـ . الأعلام: 5/151.

صفحه 17
وعدمُ الخُلفِ لقانون جلي *** كالحمدُ لله العليِّ الأجلَلِ
وفقدُه غرابةً قد ارتجى *** كفاحماً وَمَرْسِناً مُسَرّجا1
وقوله: قد ارتجى أي أغلق لا يُدرى معناه. وقوله: مُسرّجاً يشير إلى قول العجّاج:
ومُقْلةً وحاجِباً مُزَجَّجا *** وفاحِماً وَمَرْسِناً مُسَرّجا
فالمزجّج بمعنى المدقّق، وهو يناسب وصف الحاجب، وفاحماً بمعنى الشعر الأسود، يصف به شعره، بقي الكلام في وصف الأنف، فيقول: ومرسناً مسرجاً أي أنفاً مسرّجاً، ومن المعلوم أنّ المسرّج إذا أُخذ من السراج فهو بمعنى اللمعان، وإذا أخذ من قولهم: السيف السريجي، يكون معناه: دقيقاً ومستوياً، وعلى كلِّ تقدير فالكلمة لا تخلو عن غرابة، لتردّدها بين معنيين.

فصاحة الكلام

عرّفت فصاحة الكلام بقولهم: خلوصه من العيوب الثلاثة التالية:
1. ضعف التأليف.
2. تنافر الكلمات.
3. التعقيد بمعنى كونه غير واضح الدلالة.
وعلاوة على ذلك يجب أن يكون مشروطاً بفصاحة الكلمة، وكأنّ

1 . عقود الجمان: 4.

صفحه 18
فصاحة الكلمة شرط لفصاحة الكلام أيضاً، وذلك لأنّ الكلام يتشكّل من الكلم، فلو كانت الكلمة غير فصيحة لا يكون الكلام فصيحاً أيضاً، وإليك تبيان التعريف:
شروط فصاحة الكلام   
أمّا الأوّل: فيراد من ضعف التأليف كون الكلام على خلاف القانون النحوي المشتهر بين أهل اللغة، كما في قوله: (ضرب غلامَهُ زيدٌ) فالضمير يرجع إلى زيد وهو من قبيل الإضمار قبل الذكر، وهو غير جائز إلاّ في موارد خاصّة، فكأنّ ضعف التأليف هنا يماثل «مخالفة القياس في فصاحة الكلمة».
وأمّا الثاني: أي التنافر بأن تكون الكلمات عند الاجتماع ثقيلة على اللسان، كما في قول القائل:
وَقَبرُ حَرْب بِمَكان قَفْر *** وَلَيسَ قُربَ قبرِ حَرب قَبرُ1
والشاهد على ذلك أنّه لا يتهيّأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع أو يتردد.
وقريب من ذلك قول أبي تمّام2:

1 . قبر حرب يعني به حرب بن أميّة بن عبد شمس، والد أبي سفيان وجد معاوية بن أبي سفيان. والقفر من الأرض: المفازة التي لا ماء فيها ولا نبات، ودار قفر: أي خالية من أهلها. قال القونوي في شرح تلخيص المفتاح: وفي البيت الإقواء، وهو من عيوب الشعر. وإنّما قلنا فيه الإقواء ; لأنّ البيت مصرع، وكلّ واحد من المصراعين فيه كبيت كامل. راجع: شرح الشافية: 4/487; البيان والتبيين: 1/49; الأعلام: 2/172.
2 . هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، أبو تمّام الشاعر الأديب، أحد أُمراء البيان. ولد في قرية جاسم من قرى حوران بسورية سنة 188 هـ وقيل: 190هـ رحل إلى مصر، واستقدمه المعتصم إلى بغداد، وولي بريد الموصل، وتوفّي بها سنة 231هـ ، له ديوان شعر، وديوان الحماسة. الأعلام: 2/165.

صفحه 19
كريمٌ متى أمْدَحْه أمْدَحْه والوَرى *** مَعي وإذا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدي1
قيل: إنّ وجه التنافر هو الجمع بين الحاء والهاء لتقاربهما، ولكنّه ضعيف لوروده في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً)2 بل التنافر ـ في البيت ـ هو في تكرار (أمدحه). وكان تنافر الكلمات هنا يماثل «تنافر الحروف» في فصاحة الكلمة.
وأمّا الثالث: أي التعقيد وكون الكلام غير واضح الدلالة.
والفرق بين الغرابة في الكلمة،والتعقيد في الكلام واضح، فلأنّ الأوّل يرجع إلى كون اللفظ غير واضح المعنى، وأمّا الثاني فالمفردات واضحة المعنى، غير أنّ المقصود الجدّي غير واضح كما سيتبيّن.
ثم إنّ التعقيد إمّا لفظي، وإمّا معنوي.
أمّا الأوّل: فربّما يكون السبب وجود تقديم وتأخير في الكلام، كقول الفرزدق3:

1 . البيت من قصيدة يمدح فيها أبا المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي. ومعنى البيت: أنّ الناس جميعاً يمتدحونك معي، وإذا ما لمتك خُلِّفت وحيداً لم يشاركني مشارك، لمعرفة الناس فضلك. شرح ديوان أبي تمّام: 239 برقم 56.
2 . الإنسان: 26 .
3 . الفرزدق هو همّام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس، شاعر من أهل البصرة، كان شريفاً في قومه، عزيز الجانب، وهو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل، ومهاجاته لهما مشهورة. توفّي سنة 110هـ . الأعلام: 8/93.

صفحه 20
وَ ما مِثْلُهُ في النّاسِ إلاّ مُمَلّكاً *** أبو أُمِّهِ حيٌّ أبـُوهُ يُقَارِبُهْ
فإنّ الشاعر يريد مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي وهو خال هشام بن عبدالملك بن مروان الأموي، ويقول: إنّه ليس للممدوح من يشابهه ويماثله إلاّ ابن أُخته، يعني: هشام بن عبدالملك.
وأنت ترى أنّ المفردات واضحة المعنى لكن فهم هذا المعنى من البيت المذكور مشكل، وما ذلك إلاّ للأسباب التالية:
1. أنّه فصل بين المبتدأ ـ أعني: أبو أُمّه ـ وبين الخبر ـ أعني: أبوه ـ بكلمة حيٍّ.
2. فصل بين الموصوف ـ أعني: حيّ ـ وصفته ـ أعني: يقاربه ـ بالأجنبي الّذي هو أبوه.
3. قدّم المستثنى ـ أعني: مُملّكاً ـ على المستثنى منه ـ أعني: حيّ ـ .
وأمّا الثاني: فمن موارده الكنايات البعيدة، مثلاً إذا كان الكلام واضح الدلالة على المعنى الملزوم ولكن كان الانتقال منه إلى اللازم، الّذي هو المقصود بالذات غير ظاهر، كقول العباس بن الأحنف1:
سَأطلُبُ بُعْدَ الدارِ عَنكُم لِتَقرُبوا *** وتسكُبُ عيْناي الدُّموعَ لِتَجْمُدَا

1 . هو العباس بن الأحنف بن الأسود الحنفي، أبو الفضل، شاعر غزل أصله من اليمامة (في نجد) وكان أهله في البصرة وبها مات أبوه، ونشأ هو ببغداد وتوفّي بها، وقيل بالبصرة سنة 192هـ ، له ديوان شعر مطبوع. الأعلام: 3/259.

صفحه 21
دلّت التجربة في الحياة الدنيوية على أنّ كلّ ما يطلبه الإنسان تكون النتيجة هي العكس، ولذلك أطلب بُعد الأحبّة ليكون المآل قُربهم ،وعدم مفارقتهم، وأطلب سكب الدموع (الحزن) لتكون النتيجة هي السرور.
كنّى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن وأصاب; لأنّ البكاء يكنّى به عنه، وقد أصاب فيه.
وكنّى عمّا يوجبه التلاقي من السرور، بجمود العيون فأخطأ، لأنّه لا يكون كناية عن المسرّة بل عن البخل .
يقول جلال الدين السيوطي في المقام:
وفى الكلامِ فَقدُه في الظاهرِ *** لِضَعفِ تأليف وللتنافرِ
في الكلماتِ وكذا التعقيد مَعْ *** فصاحة في الكلماتِ تُتبعْ1
***
والحق أن يقال: إنّ الركن الركين في فصاحة الكلمة هو كونها عذبة مألوفة الاستعمال، كما أنّ الركن الركين في فصاحة الكلام هو تلاؤم الكلمات في الجمل، فإنّه يوجب حسن الكلام وسهولته في اللفظ، فعندئذ تقبل النفس ما يرد عليها بصورة حسنة ودلالة واضحة. وهذا ما أُشير إليه سابقاً من خلوّه من تنافر الحروف في فصاحة الكلمة، وتنافر الكلمات في فصاحة الكلام .
وإنّ شئت قلت: إنّ العذوبة في الكلمة والتلاؤم في الكلام هو الأساس

1 . عقود الجمان: 5.

صفحه 22
في الفصاحة، وأمّا كون الكلام نقيّاً عن مخالفة القياس في فصاحة الكلمة
أو نقيّاً عن ضعف التأليف في فصاحة الكلام فهما في الدرجة الثانية
من الأهمية في الفصاحة، فإنّ جمال الكلمة والكلام أشبه بإناقة الخط وجماله، فإنّ الإنسان يرغب إلى قراءته، بخلاف ما لو كُتب ذلك الكلام بخط رديء.
فالإنسان الذي يلتذ بصوت البلبل ويضجر من أصوات البوم والغربان، فذلك الإنسان ينبو سمعه عن الكلمة إذا كانت غريبة متنافرة الحروف، ويرتاح لخلافها، ألا ترى أنّ كلمتي: المزنة والديمة، للسحابة الممطرة كلتاهما سهلة عذبة، ترتاح لهما النفس، بخلاف كلمة البُعاق الّتي في معناهما، فالنفس تنفر منها، حيث إنّها تصكّ الآذان. ومثلها تنافر الكلمات في فصاحة الكلام.
   
وإن أردت أن تقف على الكلام الفصيح بالمعنى الّذي ذكرناه، فاستمع إلى كلام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في تعريف الإنسان، قال: «أَمْ هذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْحَامِ، وَشُغُفِ الاَْسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً ، وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَيَافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِساناً لاَفِظاً، وَبَصَراً لاَحِظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً. حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثَالُهُ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وَخَبَطَ سَادِراً، مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ، كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ أَرَبِهِ»1.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 83 .

صفحه 23
فإنّ هذه القطعة من خطبته (عليه السلام) سبيكة مرصّعة بيواقيت الكلم، ومعالي معاني الحكم، معدودة من مدهشات كلامه، وقد توفرت فيها جوامع وجوه الحسن، وكأنّ الجميع كماء نهر رقراق، يجري على اللسان بلا صعوبة كجري الماء على الأرض السهلة.
***

البلاغة لغة واصطلاحاً

البلاغة في اللغة بمعنى الوصول، يقال: بلغ التمر: إذا نضج.
وفي الاصطلاح عبارة عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أي مطابقته للغرض الداعي إلى التكلّم على الوجه المخصوص، مثلاً: كون المخاطب منكراً للحكم، حال يقتضي تأكيده، والتأكيد مقتضى الحال; كما أنّ كون المخاطب مستعدّاً لقبول الحكم، يقتضي كون الكلام عارياً عن التأكيد، والتجرّد عن مقتضاها، وهكذا أنّ الحال إذا اقتضى حذف المسند إليه حُذف، وإن اقتضى ذكره ذُكر.
كما أنّه إذا اقتضى الإيجاز يتبع، ولو اقتضى الإطناب أو المساواة يتبع، ولكلّ مقام، كما أنّه إذا ا قتضى الحال القصرَ والحصرَ فيقصر، بخلاف ما إذا اقتضى خلاف ذلك، كما سيوافيك تفصيل ذلك في الأبواب الثمانية في علم المعاني.
يقول السكّاكي: إنّ مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التشكّر يباين مقام

صفحه 24
الشكاية، ومقام التهنئة يباين مقام التعزية، ومقام المدح يباين مقام الذمّ، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب، ومقام الجِدّ في جميع ذلك يباين الهزل، وكذا مقام الكلام ابتداءً يغاير مقام الكلام بناءً على الاستخبار أو الإنكار، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار، وكذا مقام الكلام مع الذكيّ يغاير مقام الكلام مع الغبيّ، ولكلٍّ من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر، إذا شرعت في الكلام فلكلّ كلمة مع صاحبتها مقام، ولكلٍّ حدٌّ ينتهي إليه الكلام مقام، وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول، وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به، وهو الّذي نسمّيه مقتضى الحال، فإن كان مقتضى الحال إطلاق الحكم فحسن الكلام تجريده عن مؤكّدات الحكم، وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك فحسن الكلام تحلّيه بشيء من ذلك بحسب المقتضي ضعفاً وقوة، وإن كان مقتضى الحال طيّ ذكر المسند إليه فحسن الكلام تركه، وإن كان المقتضي إثباته على وجه من الوجوه المذكورة فحسن الكلام وروده على الاعتبار المناسب، وكذا إن كان المقتضي ترك المسند فحسن الكلام وروده عارياً عن ذكره، وإن كان المقتضي إثباته مخصصاً بشيء من التخصيصات فحسن الكلام نظمه على
   
الوجوه المناسبة من الاعتبارات المقدّم ذكرها، وكذا إن كان المقتضي عند انتظام الجملة مع أُخرى فصلها أو وصلها والإيجاز معها أو الإطناب، أعني: طيّ جمل عن البين ولا طيّها فحسن تأليفه مطابقاً لذلك.1

1 . مفتاح العلوم: 73. وقد أتى في كلامه هذا فهرساً إجمالياً لما يأتي في علم المعاني في أبوابها الثمانية، فانتظر. وإنّما أثبتنا كلامه هنا ليكون القارئ عارفاً إجمالاً لما يبحث عنه في هذا العلم.

صفحه 25
وحاصل الكلام: أنّ المقامات مختلفة والدواعي متنوعة يجب أن يكون الكلام على وفق الداعي، يقول جلال الدين السيوطي:
بلاغةُ الكلامِ أنْ يُطابِقا *** لمقتضى الحالِ وَقَدْ توافقا
فصاحةً والمقتضى مختلفُ *** حَسبَ مقاماتِ الكلامِ يُؤلفُ1
هذا ما ذكره القوم ويمكن أن يقال: إنّ للبلاغة ركناً آخر فما لم يضمّ إلى ما ذكروه يصبح الكلام مبتذلاً، وهو إتقان المعنى وسموّ المضمون، وإلاّ فالمعاني المبتذلة بين الناس إذا عُرضت بشكل مطابق للغرض الداعي إلى التكلّم لا يُعدّ بليغاً راقياً.
ولعلّ من وجوه بلاغة القرآن الّتي وصلت إلى أعلى الدرجات من البلاغة هي إتقان معانيه، وسموّ مضامينه.

حصر علم البلاغة في فنون ثلاثة

حصر علماء البلاغة ذلك العلم في فنون ثلاثة، هي:
المعاني، والبيان، والبديع .
ووجه الحصر هو أنّ البلاغة عبارة عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحة ألفاظه، مفرده ومركّبه.
أمّا الثاني أي تمييز الفصيح عن غيره فالغرابة تعرف من متن اللغة، ومخالفة القياس تعرف من علم الصرف (في فصاحة الكلمة)، وضعف

1 . عقود الجمان: 6 .

صفحه 26
التأليف يعرف من علم النحو، والتنافر يعرف بالحسّ (في فصاحة الكلام)، فاستُغني عن ذكر هؤلاء في هذا الكتاب، فلم يبق ممّا ترجع إليه البلاغة إلاّ أمران:
1. الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، أو إيراد الكلام مطابقاً لمقتضى الحال.
2. تمييز السالم من التعقيد المعنوي من غيره، أو إيراد الكلام على أنحاء وطرق مختلفة في الوضوح والخفاء، تشبيهاً أو مجازاً أو كنايةً. فوضع للأوّل علم المعاني، وللثاني علم البيان.1
ثم ربّما يحتاج البليغ إلى معرفة وجوه التحسين في الكلام فوضعوا له علم البديع.
يقول جلال الدين السيوطي:
وَ ما بهِ عَن الخَطا في التأديهْ *** مُحترزٌ عِلمَ المعاني اسميَهْ
وما عَن التعقيدِ فالبيانُ *** ثُمّ البديعُ مَا بِه استحسانُ2

1 . قال السكّاكي: وأمّا علم البيان: فهو معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح المعنى عليه وبالنقصان ليحرز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد. مفتاح العلوم، طبعة عام 1318 هـ ، بمصر المحميّة. وسيأتي كلامه حول علم المعاني. فانتظر.
2 . عقود الجمان: 8 .

صفحه 27
الفن الأوّل :
علم المعاني
وفيه مقدّمة وثمانية أبواب:
1. في أحوال الإسناد الخبري
2. في أحوال المسند إليه
3. في أحوال المسند
4. في أحوال متعلّقات الفعل وما يعمل عمله
5. القصر
6. في الإنشاء
7. في الفصل والوصل
8 . في المساواة والإيجاز والإطناب

صفحه 28

صفحه 29
قدّم العلماء، الكلامَ في علم المعاني على علم البيان; وذلك لأنّ الأوّل بمنزلة الجزء من المركّب، لما عرفت من أنّ الغاية من علم البيان إيراد المعنى الواحد بصورة تراكيب مختلفة فاقدة للتعقيد مع كون الكلام مطابقاً لمقتضى الحال، فكونه مطابقاً لمقتضى الحال ـ وراء الخلو عن التعقيد ـ جزء من علم البيان، ولذلك قدّم علم المعاني على علم البيان، وإليك تعريفه.

تعريف علم المعاني:

علم تُعرف به أحوال اللفظ العربي الّتي بها يطابق مقتضى الحال .
والمهم في هذا التعريف هو القيد الأخير ـ أعني: «بها يطابق مقتضى الحال»،ـ لما عرفت من أنّ الغاية من هذا العلم التعرّف على كيفية إلقاء الكلام على نحو يطابق الغرض المسوق له ، فالتعرّف على هذه الخصوصية على عاتق علم المعاني، فجميع الأبواب الثمانية ـ التي ستأتي ـ تهدف لإيقاف القارئ على مقتضيات الأحوال، يقول جلال الدين السيوطي في تعريفه:
وَ حَدّهُ عِلمٌ بِهِ قَدْ تُعرفُ *** أحوالُ لفظ عربي يُؤلفُ
ممّا بها تطابق لمقتضى *** حال وحدّي سالمٌ ومرتضى1

1 . عقود الجمّان: 9 .

صفحه 30
وعلى هذا فالموضوع هو اللفظ العربي وتميّزه عن سائر العلوم العربية بالحيثية، أعني: التعرّف على مقتضيات الأحوال.
والغاية من العلم هو الاقتدار على إلقاء الكلام على وفق الأغراض، وأمّا تعريفه فقد عرفته ممّا سبق، وبذلك تمّ التعرّف على المبادئ التصوريّة لهذا العلم، وهي تعريف العلم وبيان موضوعه وغايته.1
ولمّا كان الكلام منقسماً إلى الخبر والإنشاء، كان اللازم التعرّف على الفرق بينهما.

تقسيم الكلام إلى الخبر والإنشاء

إنّ الكلام إمّا أن يتضمّن الإنباء عن أمر خارج عن حيطة التلفّظ والتكلّم، سواء أكان الإنباء بالإيجاب أو بالسلب وهذا هو الخبر، فقولنا: «زيد قائم»، يحكي عن اتّصاف زيد بالقيام في الخارج، كما أنّ قولنا: «ليس زيد بقائم» يحكي عن عدمه وخلو صفحة الوجود عنه. فهذا النوع من التعريف للجمل الخبرية أفضل من سائر التعاريف المذكورة في كتب القوم.
ويقابله الإنشاء وهو ما إذا كان الكلام مسوقاً لإيجاد مضمونه بنفس الكلام دون أن يكون بصدد الإنباء عن خارج وراء الكلام، فقولك: بعت أو اشتريت، بمعنى إنشاء الانتقال وإنشاء القبول، وهكذا سائر أدوات الإنشاء،

1 . يقول السكّاكي : اعلم أنّ علم المعاني هو تتبّع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتّصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره. مفتاح العلوم: 70، طبعة مصر ـ 1318 هـ .

صفحه 31
من الاستفهام والتمنّي والترجّي، والأمر والنهي. ويدخل فيما ذكرنا القَسم والنداء والتعجّب والالتماس والسؤال. والجميع من مقولة الإنشاء، فإذا قال: نعم زيد وبئس عمرو، أو قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)1 فالجميع بصدد إيجاد معنى بهذا اللفظ في عالم التخاطب من دون حكاية عن الخارج.
وبذلك يتبيّن أنّ الإخبار في حدّ ذاته يحتمل الصدق والكذب، بمعنى أنّ مضمون الخبر يحتمل المطابقة وعدمها، بخلاف الجمل الإنشائية فهي لا توصف بالصدق والكذب; لأنّ المفروض أنّ الجمل الإنشائية وضعت لإنشاء المعنى بالاستعمال، والمفروض أنّ المتكلّم استعملها في نفس المعنى.
نعم كون المتكلّم منشِئاً عن جدّ أو لا، هو أمر آخر لا صلة له بالصدق والكذب.
فإذا وصل الكلام إلى هنا فلنذكر ملاك الصدق والكذب.

ما هو الملاك لصدق القضية وكذبها؟

إذا كان مضمون الكلام مطابقاً للواقع فالكلام صادق، وإن كان مخالفاً له فالكلام كاذب، فقولنا: «السماء فوقنا» صادق، وقولنا: «السماء تحتنا» كاذب.
فإن قلت: ما ذكر من الميزان ينطبق على الجمل الثبوتية، وأمّا الجمل السلبية فليس لها واقع يصير مطابقاً لها، فقولنا: «ليس زيد قائماً» فاقد

1 . البقرة: 104 .

صفحه 32
للواقع; لأنّ السلب بطلان محض لا يتصوّر له واقع، حتّى تصدق عليه المطابقة وعدمها.
قلت: المراد من الواقع ليس العينية الخارجية حتّى تطلب الجملة واقعاً عينياً لنفسها، بل المراد خارج الذهن، بمعنى إذا سمعنا: «ليس زيد بقائم» ثم نظرنا إلى الخارج فتارة نصف الكلام بالمطابقة فيكون صادقاً، وأُخرى بعدم المطابقة فيكون كاذباً.
ثم إنّ في تعريف الصدق والكذب قولين آخرين: أحدهما للنظّام، والآخر لتلميذه الجاحظ، اطلبهما من المطوّلات.

حصر علم المعاني في أبواب ثمانية

ثم إنّ علماء المعاني حصروا مسائل هذا العلم في أبواب ثمانية وذكروا في الحصر الأمر التالي:
قالوا: إنّ الكلام إمّا خبر أو إنشاء، والخبر لابد له من إسناد، ومسند إليه، ومسند، والمسند قد يكون له متعلّقات من الظروف وغيرها.
وبهذا تبينت الأبواب الأربعة.
ثم إنّ الإسناد إمّا بقصر، وأُخرى لا معه وهو الباب الخامس.
إلى هنا كان الكلام حول الخبر، ثم قد يتعلّق الغرض بالإنشاء وهو الباب السادس، وفي كلا القسمين: الخبر والإنشاء إمّا تقتضي الحال العطف والوصل، أو تقتضي القطع والفصل، وهو الباب السابع.
ثم إن الكلام البليغ إمّا أن يكون زائداً على أصل المراد لفائدة أو ناقصاً

صفحه 33
غير مخل أو مساو، وهو الباب الثامن، وإلى هذا يشير جلال الدين السيوطي بقوله:
يُحصرُ في أحوالِ الاسنادِ وفي *** أحوالِ مُسند إليهِ فاعرفِ
ومسندٌ تعلقاتِ الفِعلِ *** والقصرُ والإنشاءُ ثُمَّ الوصلِ
والفصلِ والإيجازِ والإطنابِ *** ونحوِه تأتيكَ في أبوابِ1
إذا عرفت ما ذكرنا فلندخل في صلب الموضوع ولنبحث عن الإسناد الخبريّ.

1 . عقود الجمّان: 9 .

صفحه 34

صفحه 35
الباب الأوّل:
في أحوال الإسناد الخبري
وفيه بحوث:
1. الأغراض المختلفة للمتكلّم.
2. بيان نماذج لإيراد الكلام (بيان النسبة الخبرية) على مقتضيات الحال.
3. إخراج الكلام على خلاف مقتضيات الحال لنكات.
4. تقسيم الحقيقة والمجاز إلى لغويين وعقليين.
5. نقد نظرية الأشاعرة في توحيد الربوبية وتفسيرهم لقول القائل: أنبت الربيع البقل.
6. نماذج من المجاز العقلي في القرآن الكريم.
7. نماذج من المجاز العقلي في خطب الإمام علي (عليه السلام).
8 . نظرية السكّاكي في تفسير المجاز العقلي.
ومحور البحث في الجميع هو إسناد الجملة الخبرية لا طرفيها، فتدبّر.

صفحه 36

صفحه 37

البحث الأوّل: الأغراض المختلفة للمتكلّم

لا شكّ أنّ المخبر العاقل لا يلقي الكلام إلاّ لأغراض عقلائية، وإليك بيان مهمّاتها:
1. يقصد بخبره إفادة المخاطب نفس الحكم ومفاد القضية، ويسمّى هذا «فائدة الخبر».
2. يقصد إعلام المخاطب بأنّه عالم بالحكم، كقولك لمن حفظ القرآن: قد حفظت القرآن.
وقد تتعلّق الأغراض بأُمور أُخرى نظير:
3. الاسترحام، كما في قوله سبحانه: (رَبِّ إنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ )1.
4. إظهار الفرح بالمقبل والشماتة بالمدبر، مثل قوله سبحانه: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ )2 .
5. إظهار التحسّر والتحزّن، نحو قوله تعالى: (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى)3 .

1 . القصص: 24 .
2 . الإسراء: 81 .
3 . آل عمران: 36 .

صفحه 38
6. إظهار الضعف، كقوله تعالى: (رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِني وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا )1 .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنَّ الجملة الخبريّة تتركّب من مسند إليه، ومسند والنسبة التي تدلّ عليها هيئة الجملة. والمقصود من المقام بيان تأثير الدواعي في تبلور النسبة وبيانها بصور مختلفة دون أن يكون نظر إلى طرفي الجملة ـ أعني: المسند إليه أو المسند ـ ولقد قيل: «إيراد الكلام على مقتضيات الحال» يراد به في المقام مدلول النسبة الخبرية ومفهومها.

البحث الثاني: بيان نماذج من إيراد الكلام على مقتضيات الحال

ينبغي للمتكلّم أن يكون حاله مع المخاطب كحال الطبيب مع المريض، حيث يجب على الأوّل تشخيص مرضه وتحديد موضع ألمه حتّى يكتب له من العلاج ما يعيد صحّته ويزيل ألمه، على قدر الحاجة، لا زائداً ولا ناقصاً.
فعلى هذا فلنأت بنماذج من إيراد الكلام على مقتضيات الأحوال لتكون مثالاً لما لم نذكر:
1. إذا كان المخاطب غير مسبوق بشيء، ولا واقفاً على مضمون الكلام، فإنّه يخاطب بكلام غير مؤكّد، ويقال: زيد قائم، أو: ليس بقائم .
2. وإذا كان المخاطب متردّداً طالباً لرفع شكّه وتردّده، فيحسن الإتيان بمؤكّد واحد، تقوية للحكم، فيقال: إن زيداً قائمٌ.

1 . مريم: 4 .

صفحه 39
3. وإذا كان منكراً لمضمون الكلام معتقداً خلافه وجب توكيده حسب درجة إنكاره قوة وضعفاً، فكلّما زاد الإنكار زاد في توكيده، مثلاً إنّه سبحانه يحكي عن تكذيب أهل القرية (انطاكية) الرسولين المبعوثين من جانب عيسى (عليه السلام)فيقول: (فَكَذَّبُوهُمَا)الحاكي عن درجة خفيفة من الإنكار، فعندئذ خاطبا قومهما بقولهما: (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)1 .
فاشتمل الكلام على تأكيدين: إنّ (المكسورة)، والجملة الاسمية.
ولمّا ا شتدّ إنكار القوم حيث قالوا لهما: (مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيءْ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ)(2)، فخاطبا قومهما بكلام آكد من الكلام السابق فقالا: (رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ)(3).
فاشتمل هذا الكلام على التأكيدات التالية:
1. الاستشهاد بالله تعالى، في قولهما: (رَبُّنَا يَعْلَمُ).
2. الجملة الاسمية.
3. لفظ إنِّ (المكسورة).
4. اللام التي تأتي في خبر إنّ في: (لَمُرْسَلُونَ).
وما ذكرناه إنموذج من مطابقة النسبة الخبرية لمقتضى الحال.

البحث الثالث: إخراج الكلام على خلاف ظاهر الحال

ربّما يتعلّق الغرض بإخراج الكلام على خلاف ظاهر الحال على نحو يكون الإخراج الثاني موصوفاً بالبلاغة، ونظيره في الموارد التالية:

1 و 3 . يس: 16 .   2 . يس: 15 .

صفحه 40
1. تنزيل المخاطب منزلة الجاهل لعدم عمله بعلمه، كقولك لتارك الصلاة: «الصلاة واجبة»، وكقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ» 1.
وقوله (عليه السلام)ـ أيضاً ـ عند استنهاض أصحابه للجهاد، ولومه إياهم على تثاقلهم: «مَا بَالُكُمْ؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِبُّكُمْ؟ الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ. أَقَوْلا بِغَيْرِ عمل»2، فإنّ كلّ ما ورد في هذين القولين ليس خافياً ولا غير معلوم للمخاطبين، ولكن لمّا كان عملهم على خلاف علمهم، نزّلوا منزلة المنكرين.
2. دعوة المخاطب إلى ما هو المهم مثل قوله تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ )3.
3. تنزيل غير السائل منزلة السائل، كقوله سبحانه مخاطباً نبيه نوح: (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا)4.
حيث إنّ النهي عن السؤال صار سبباً لتردّد المخاطب في أنّهم هل صاروا ممّن حُكم عليهم بالغرق أو لا؟ فنزّل نوح منزلة السائل وقيل له: (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ).
4. جعل غير المنكر كالمنكر، إذا لاح على غير المنكر شيء من

1 . نهج البلاغة: الخطبة 64 .
2 . نهج البلاغة:الخطبة 29.
3 . الزمر: 9.
4 . هود: 37 .

صفحه 41
أمارات الإنكار، نحو قول حجل الباهلي1:
جاءَ شَقيقٌ عارضاً رُمْحَهُ *** إنَّ بَني عَمّك فيهِم رِمَاحْ2
أي واضعاً رمحه على العرض، كوضع السيف على الفخذ، فهذا العمل يعرب عن أنّه يعتقد أن لا رمح عند بني عمّه، بل كلهم عُزّل لا سلاح معهم، فنزّل منزلة المنكر وخوطب خطاب التفات، وقيل له: إنّ بني عمّك فيهم رماح.
5. وربّما يجعل المنكر كغير المنكر، إذا كان معه من الدلائل والشواهد لو تأمّل فيها لارتدع عن إنكاره، نظير قوله سبحانه: (لاَ رَيْبَ فِيهِ )3 حيث بلغ إعجاز القرآن درجة واضحة لا تبقي لأحد أي ترديد وشكّ أنّه من الله سبحانه، ولذلك قال: (لاَ رَيْبَ فِيهِ)مجرّداً عن التأكيد.
وحصيلة الكلام: أنّ مقتضى البلاغة ربّما يسبب إلقاء الكلام على مقتضى الحال، وأُخرى على خلافه.

البحث الرابع: تقسيم الحقيقة والمجاز إلى لغوي وعقلي

فالحقيقة إمّا لغوية أو عقلية، والمجاز أيضاً إمّا لغوي أو عقلي.
فتصير الأقسام أربعة، فلنقدّم الكلام في اللغوي من القسمين ثم نبيّن العقلي منهما.

1 . هو: حجل بن نضلة الباهلي، من شعراء الجاهلية. الأعلام: 2/170.
2 . البيت المذكور في البيان والتبيين : 1/543، مقطوعات من نوادر الأعراب وأشعارهم.
3 . البقرة: 2 .

صفحه 42
أمّا الحقيقة اللغوية: فهي استعمال اللفظ فيما وضع له، كما إذا قال: رأيت أسداً في الغابة يصارع نمراً. فهنا استعمل الأسد في الحيوان المفترس بقرينة كونه يصارع النمر.
وأمّا المجاز اللغوي: فهو ـ عند القوم ـ عبارة عن استعمال اللفظ في غيرما وضع له، كما إذا قال: رأيت أسداً في الحمام، فالتواجد في الحمام قرينة على أنّ المراد الرجل الشجاع.
ثم إنّ محلّ البحث فيهما في علم البيان، وسيوافيك التفصيل فيهما، بإذن الله تعالى.
وأمّا الحقيقة العقلية فقد عرّفها الخطيب القزويني بقوله: وهي إسناد الفعل أو ما في معناه (المصدر واسم الفاعل) إلى ما هو له عند المتكلّم في الظاهر.
ويقابلها المجاز العقلي وهو إسناده إلى غير ما هو له عند المتكلّم في الظاهر.
وعلى هذا فقول المؤمن: أنبت الله البقل، حقيقة عقلية، بخلاف ما إذا قال: أنبت الربيع البقل. ففي الأوّل إسناد الفعل إلى ما هو له عند المتكلّم في الظاهر، بخلاف الإسناد في الثاني فإنّه إسناد إلى غير ما هو له عند المتكلّم في الظاهر، ويسمّى وراء كونه مجازاً عقلياً، مجازاً في الإسناد; لأنّ مصبّه هو الإسناد، أي إسناد الفعل إلى ما له صلة بالفاعل الواقعي.
وبذلك يعلم أنّه إذا قال الماديّ: أنبت الربيع البقل، فالإسناد عنده

صفحه 43
حقيقة عقلية، وليس مجازاً عقلياً، فوصف الإسناد بالحقيقة والمجاز تابع لعقيدة المتكلّم.
ولذلك وصف إسناد «ميّز» في شعر أبي النجم1 إلى «جذب الليالي» بالمجاز، وذلك لقرينة واضحة في شعره بأنّه على خلاف معتقده، حيث قال:
قَدْ أصْبحتْ أمُّ الخيارِ تدّعي *** عليّ ذنباً كُلُّه لم أصنعِ
مِنْ أنْ رَأتْ رأسي كرأسِ الأصلعِ *** ميّزَ عَنْهُ قُنزعاً عن قُنزع
أفناه قِيلُ اللهِ للشمسِ اطلعِي *** حتّى إذا واراكِ أُفقٌ فارجعي2
فإن قوله: «أفناه قيلُ الله» أفضل دليل على أنّ نسبة التمييز في قوله: «ميّز عنه» إلى «جذب الليالي» إسناد إلى غير الفاعل الحقيقي عنده وهو الله سبحانه.
يقول جلال الدين السيوطي:
ثُمّ مِن الإسنادِ ما يُسمّى *** حقيقةً عقليةً كأنْ ما
يُسندُ فعلٌ للذي لَهُ لدى *** مُخاطَب وشِبههِ فيما بدا
كقولنا: أنبتَ رَبُّنا البقلْ *** وأنبتَ الربيعُ قَولُ مَنْ جَهِلْ 3

1 . هو الشاعر أبو النجم الفضل بن قدامة العجلي (المتوفّى130هـ). مرت ترجمته.
2 . معنى هذه الآيات: أنّ أم الخيار زوجة أبي النجم تدّعي عليه ذنباً، وهو الشيب والصلع والعجز، وغير ذلك من موجبات الشيخوخة. ولم يقل ذنوباً، بل قال ذنباً; لأنّ المراد كبر السن المشتمل على كلّ عيب، ولم أصنع شيئاً من ذلك الذنب. راجع خزانة الأدب: 1/349 و351و 352.
3 . عقود الجمان: 12.

صفحه 44

البحث الخامس: نقد نظرية الأشاعرة في الربوبية

وتفسيرهم لقولهم: أنبت الربيع البقل
إنّ عدّ قولهم: أنبت الربيع البقل، وما شابهه من المجاز العقلي إذا كان القائل موحّداً مسلماً، مبني على مبنى الأشاعرة في تفسير توحيد الربوبية، فهؤلاء يفسّرون تلك المرتبة من التوحيد بأنّه لا مؤثر في الوجود إلاّ الله سبحانه، وأنّه هو الفاعل المباشر لكلّ ظاهرة مادّية ولا يقيمون للعلل الطبيعية والأسباب المادية أي وزن، ولايؤمنون بتأثيرها في المسبّبات تأثيراً نسبياً بإذن الله سبحانه.
وطبقاً لهذا القول فلا يوجد في صحيفة الوجود إلاّ علّة واحدة وهو الله سبحانه، وليس لغيره من الأسباب أي تأثير وتفعيل في المسببات إلاّ تقارنها معها.
فلو صحّ هذا المنهج يصبح قول الموحّد: أنبت الربيع البقل، مجازاً عقلياً، وأمّا على القول الحق من أنّ مشيئته سبحانه جرت على إيجاد المسبّبات عن طريق أسبابها، فجعل لكلّ شيء سبباً يؤثر في المسبب بإذنه ومشيئته كما يعرب عنه كثيرٌ من الآيات نحو قوله سبحانه: (وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ)1، فالآية صريحة في تأثير الماء في إخراج النبات والثمرات، وكم لهذه الآية من نظائر. وعلى هذا القول يصبح المثال المذكور حقيقة عقلية.
نعم يصحّ المثال إذا كان الفاعل في الكلام غير مؤثر في الشيء لا

1 . البقرة: 22 .

صفحه 45
حقيقة ولا نسبياً، وإنّما ينسب إليه الفعل بنوع من التسامح، كقول القائل1:
أشابَ الصّغيرَ وأفنىَ الكَبيـ *** ـرَ كَرُّ الغداةِ ومرُّ العَشِي
فإنّ نسبة الإشابة والإفناء إلى كرّ الغداة ومَرّ العشيّ من باب المجاز العقلي، فإنّ المؤثر في إشابة الصغير وفناء الكبير هو سنّة الله سبحانه حيث جرت مشيئته على تحديد عمر كل إنسان.

البحث السادس: المجاز العقلي في القرآن الكريم

توجد في القرآن الكريم آيات نُسب فيها الفعل وما شابهه إلى غير فاعله الحقيقي، لوجود مناسبة في هذه النسبة:
1. قال سبحانه: (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا)2، ترى أنّه سبحانه ينسب نزع لباس آدم وحواء إلى الشيطان، مع أنّه لم يكن نازعاً، وإنّما نسب إليه لمناسبة خاصّة وهي أنّ نزع اللباس معلول الأكل من الشجرة المنهية، لكن لمّا كان الشيطان هو الّذي غرّهما ودعاهما إلى الأكل منها، نُسب الفعل إلى السبب البعيد.
2. قوله سبحانه: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً )3 فلو قلنا بأنّهما وصفان لموصوف مقدّر أي عيشة راضية مرضية،

1 . القائل هو الصلتان العبدي، قثم بن خبية من بني محارب بن عمرو، من عبد القيس، شاعر له قصيدة في الحكم بين جرير والفرزدق. توفّي نحو 80هـ . الأعلام: 5/190.
2 . الأعراف: 27 .
3 . الفجر: 27 ـ 28 .

صفحه 46
فالعيشة توصف بالمرضية ولاتوصف بالراضية.
3. قوله سبحانه: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)1 فالرابح هو التاجر، والتجارة سبب للربح .
هذا كلّه في القرآن الكريم، وكم له من نظير. وقد ألّف السيد الرضيّ (356 ـ 406 هـ) كتاباً منيفاً أسماه «المجازات القرآنية»، ذكر فيه المجازات اللغوية والعقلية في الكتاب العزيز.

البحث السابع: المجاز العقلي في نهج البلاغة

اشتمل نهج البلاغة على مجازات عقلية وافرة، نقتبس منها ما يلي:
1. قال الإمام علي (عليه السلام) واصفاً من كان يحيط بعثمان: «وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللهِ خِضْمَةَ الاِْبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ، إلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ»2.
ترى أنّه (عليه السلام)نسب (الإجهاز عليه) أي قتله إلى عمله، فإنّ المجهز هم الثوار الذين تسلّقوا الجدار ودخلوا بيته وقتلوه تلك القتلة، ولكن لمّا كان عمله مثيراً لغضب الثوار، نسب الإجهاز إلى عمله مجازاً.
2. قال (عليه السلام)في حقّ مَن ليس أهلاً للحكم: «تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ» 3.

1 . البقرة: 16 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 17 .

صفحه 47
ترى أنّه (عليه السلام)ينسب الصراخ إلى الدماء الطاهرة الّتي أُريقت جوراً، مع أنّ الدماء لا تصرخ وإنّما الصارخ هو نفس المقتول أو عياله وأولاده.
3. قال (عليه السلام)في الدهر وأهله وحال الناس فيه: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْر عَنُود، وَزَمَن كَنُود».1
ترى أنّه (عليه السلام)يصف الدهر بالعنود والزمن بالكنود، مع أنّهما من أوصاف الرجال الذين يعيشون في ذلك الدهر والزمان.
4. قال (عليه السلام)في الخطبة المسمّاة بالغرّاء عند ذكر نعم الله سبحانه: «وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاَقِهمْ، وَمُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ. أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الاْمَالِ»2.
أي خلّفَ عبراً من القرون السالفة الّتي منها تمتعهم بنصيبهم من الدنيا ثم فناؤهم حيث «أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الاْمَالِ» أي أهلكتهم المنايا دون الآمال، فترى أنّه (عليه السلام) نسب الإرهاق إلى المنايا مع أنّ الإهلاك فعل ملك الموت دون المنايا.

البحث الثامن: المجاز العقلي عند السكّاكي

ذهب السكّاكي إلى إنكار المجاز العقلي وقال :
فالّذي عندي هو نظم هذا النوع في سلك الاستعارة بالكناية بجعل الربيع ] في المثال المعروف [، استعارة عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة

1 . نهج البلاغة: الخطبة 32.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 83 .

صفحه 48
في التشبيه وجعل نسبة الإنبات إليه ]الّذي هو من لوازم الفاعل الحقيقي [ قرينة للاستعارة.1
أقول: وهذا نظير قول القائل2 :
وإذا المنيّةُ أنشبَتْ أظفارَها *** ألفَيْتَ كُلَّ تَمِيمة لا تَنفَعُ3
ترى أنّه شبّه المنيّة بالسبع، فذكر المشبّه وأراد المشبّه به، بقرينة إثبات لوازم المشبّه به ـ أعني: المخالب ـ للمشبّه.
فالسكّاكي في الحقيقة قائل بقسم واحد من المجاز وهو المجاز اللغوي وينكر المجاز العقلي، ولم يرضَ به المتأخّرون، ونترك القضاء بين القولين للقارئ الكريم.

1 . مفتاح العلوم: 166ـ 169.
2 . القائل هو خويلد بن خالد بن محرث، أبو ذؤيب، من بني هذيل من مضر. شاعر فحل مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وعاش إلى أيّام عثمان، وشهد فتح إفريقية. توفّي بمصر نحو سنة 27 هـ ، له ديوان مطبوع. الأعلام: 2/325.
3 . معنى البيت: إذا علق الموت مخلبه في شيء ليذهب به بطلت عنده الحيل. مختصر المعاني: 239.
والبيت من قصيدة عينية يرثي بها أبو ذؤيب خمسة أبناء له أُصيبوا بالطاعون في عام واحد فهلكوا جميعاً، ومطلعها:
أ مِن المَنُونِ ورَيْبِه تَتَوجّعُ *** والدهرُ ليسَ بِمُعتب مَن يَجْزَعُ
راجع: جمهرة أشعار العرب: 1/67; الحماسة البصرية: 1/95.

صفحه 49
الباب الثاني:
في أحوال المسند إليه
وفيه بحوث:
البحث الأوّل: في ذكر المسند إليه ومقتضياته.
البحث الثاني: في حذف المسند إليه ومقتضياته.
البحث الثالث: في تعريف المسند إليه بأنواع التعاريف ومقتضياته.
البحث الرابع: في تنكير المسند إليه ومقتضياته.
البحث الخامس: في توابع المسند إليه من الوصف والعطف والتأكيد وفصل المسند إليه عن المسند بضمير الفصل.
البحث السادس: في تقديم المسند إليه وتأخيره وأسبابهما.
وبهذا يتمّ الكلام في أحوال المسند إليه .

صفحه 50

صفحه 51

أحوال المسند إليه

وقبل الورود في صلب الموضوع نأتي بكلام للسكّاكي بعنوان المقدّمة وهو مفيد جدّاً، قال:
لمّا تقرّر أنّ مدار حُسن الكلام وقبحه على انطباق تركيبه على مقتضى الحال، وعلى لا انطباقه، وجب عليك أيّها الحريص على ازدياد فضلك أن ترجع إلى فكرك الصائب وذهنك الثاقب في التصفّح لمقتضيات الأحوال في إيراد المسند إليه على كيفيات مختلفة وصور متنافية، حتّى يأتي بروزه عندك لكلّ منزلة في معرضها، فهو الرهان الّذي يُجرّب به الجياد، والنضالُ الّذي يعرف به الأيدي الشداد، فتعرف أيّما حال يقتضي طيّ ذكره، وأيّما حال يقتضي خلاف ذلك، وأيّما حال يقتضي تعرفه مضمراً أو علماً أو موصولاً أو اسم إشارة أو معرّفاً باللام أو بالإضافة، وأيّما حال يقتضي تعقيبه بشيء من التوابع الخمسة والفصل، وأيّما حال يقتضي تنكره، وأيّما حال يقتضي تقديمه على المسند، وأيّما حال يقتضي تأخيره عنه، وأيّما حال يقتضي تخصيصه أو إطلاقه حال التنكير، وأيّما حال يقتضي قصره على الخبر. 1

1 . مفتاح العلوم: 76، بتلخيص .

صفحه 52
وقد أشار السكّاكي في هذا البيان إلى عناوين البحوث الّتي ستوافيك في هذا الباب، والمهم إحاطة القارئ بمقتضيات الأحوال، أي التعرّف على المقتضي وعلى المقتضى.
وبما أنّ المقتضيات مختلفة، فتختلف معها أحوال المسند إليه، من الذكر والحذف والتعريف والتنكير وغيرها، إذ لكلّ منها مقام، فلندرس تلك المقتضيات حتّى نتعرف على أحوال المسند إليه المختلفة.
أقول: يطلق المسند إليه ويراد منه هنا أعمّ من المبتدأ المقابل للخبر، والفاعل ونائبه، وأسماء النواسخ.

البحث الأوّل: في ذكر المسند إليه ومقتضياته

يُذكر المسند إليه وجوباً حيث لا قرينة تدلّ عليه عند حذفه، لكن يترجّح ذكره عند وجود القرينة للحذف، للنكت التالية:
1. كون ذكره هو الأصل، ولا مقتضي للعدول عنه، كقولك: هذا غلامي.
2. الاحتياط إمّا لقلّة الثقة بفهم المخاطب، أو ضعف القرينة، كقولك: زيد نعم الصديق، إذا سبق ذكره وطال عهد السامع به، أو إذا توسّط كلام الغير بينهما.
3. بسط الكلام في مقام يطلب طول المقام استعذاباً له، نحو قول موسى الكليم (عليه السلام)عندما سأله سبحانه عمّا في يده فقال: (هِيَ عَصَايَ ) ولم يقتصر على ما قال، بل زاد عليه بقوله: (أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِي فِيهَا مَآرِبُ أُخْرى)1.

1 . طه: 18 .

صفحه 53
4. التلذّذ، كقول القائل: الله حسبي، أو قوله: الحبيب راض.
5. التبرّك، كقولنا: محمد رسول الله وسيلتي إلى ربّي.
6. التقرير والإيضاح، كقوله سبحانه: (أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )1 حيث كرّر المسند إليه للتقرير والإيضاح.
7. التعجّب، إذا كان الأمر غريباً، نحو: زيد يقاوم الأسد.
8. التعظيم، كما إذا سأل سائل بقوله: هل جاء الأمير؟ فيجاب: جاء الأمير.
9. التعريض بغباوة السامع، كقولنا: زيد جاء، في جواب من سأل: هل جاء زيد؟
10. التسجيل على السامع حتّى لا يتأتى له الإنكار، كما لو قال الحاكم للشاهد: هل أقرّ زيد هذا بأنّ عليه كذا؟ فيقول الشاهد: نعم أقرّ زيد بأنّ عليه كذا. فيذكر المسند إليه لئلاّ يجد المشهود عليه سبيلاً للإنكار بأن يقول للحاكم: إنّما أشار الشاهد إلى غيري.
11. الردّ على المخاطب حيث أنكر مجيء زيد، فيقال له: زيد جاء.
12. التخويف نحو قولك: إلهنا أمر بهذا.
13. الإهانة، كما إذا سأل سائل عن حضور السارق، تقول: السارق قادم.
14. التخصيص، وهو إذا كان المسند إليه صالحاً للإسناد إلى كلّ

1 . البقرة: 5 .

صفحه 54
إنسان، ونريد تخصيصه بفرد معيّن، فنقول: زيد جاء، وعمرو ذهب.
***

البحث الثاني: في حذف المسند إليه ومقتضياته

قد يقتضي الحال حذف المسند إليه للنكت التالية:
1. الاحتراز عن العبث لدلالة القرينة الحالية على المسند إليه، كقول المستهل: الهلال، مكان أن يقول: هذا الهلال.
2. اختبار تنبه السامع، هل ينتقل بالقرائن الخفية إلى المسند إليه أو لا؟ كقولك: المقتبس نوره من الشمس، إذا عنيت القمر.
3. العدول عن أضعف الدليلين (الدلالة اللفظية) إلى أقوى الدليلين (الدلالة العقلية) كقول القائل:
قال لي: كيفَ أنتَ؟ قُلتُ: عَليلُ *** سهَرٌ دائمٌ وحُزنٌ طويلُ
إذ لم يقل: أنا عليل
وكقول القائل1:
سَريعٌ إلى ابنِ العمِّ يَلطِمُ وَجْهَهُ *** وَلَيسَ إلى داعِي الندَى بسريعِ
حيث لم يقل: هو سريعٌ.

1 . القائل هو الأقيشر واسمه: المغيرة بن عبداللّه بن معرض الأسدي. ولد في الجاهلية ونشأ في أوّل الإسلام، وعمّر طويلاً، وكان عثمانياً، وهو أحد مجّان الكوفة، سمّي الأقيشر لأنّه كان أحمر الوجه أقشر، وكان يغضب إذا دُعي به. قتل بظاهر الكوفة خنقاً بالدخان نحو 80 هـ . الأعلام: 7/277.

صفحه 55
ولعلّ منه قوله سبحانه: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا )1 إذ لم يقل: هذه سورة أنزلناها.
وقوله تعالى: (وَ مَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ )2.
حيث لم يقل: هي نار حامية.
وقوله تعالى: ( صَبْرٌ جَمِيلٌ)3 أي: أمري صبر جميل.
4. التمكّن من الإنكار إذا مسّت الحاجة إليه، كقوله: فاسق فاجر، مكان أن يقول: زيد، ليتيسر له الإنكار.
5. الحذر من فوت الفرصة، كقول الصياد: «غزال»، فإنّ المقام لا يسع أن يقول: هذا غزال فاصطادوه.
6. أن يكون المسند إليه معيّناً حيث لا يصلح المسند إلاّ له، كما يقول القائل: خالق السماوات والأرض، بدل أن يقول: الله خالق السماوات والأرض.
7. أن يكون الاستعمال وارداً على ترك المسند إليه، كالمثلين التاليين:
«رمية من غير رام»، و «شنشنة أعرفها من أخزم».
8. المحافظة على السجع، كقول القائل: طابتْ سريرتُه، وحُمِدَت سيرتُه.
فلو قال: حمد الناس سيرته، للزم الخلل في السجع، حيث يكون

1 . النور: 1 .
2 . القارعة: 10 ـ 11 .
3 . يوسف: 83 .

صفحه 56
المعطوف عليه مرفوعاً والمعطوف منصوباً.
9. المحافظة على حرف الرويّ، كقول لبيد1:
وما المالُ والأهلونَ إلاّ ودائعُ *** فلابدّ يوماً أن تُردّ الودائعُ
فلو أظهر الفاعل في قوله: تردّ، أي: يرد الناس الودائع، لاختلّت القافية، حيث يكون الرويّ في المصرع الأوّل مرفوعاً وفي المصرع الثاني منصوباً.
10. تعيّنه بالعهد، كقوله تعالى: (اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ )2، أي الفلك.
***

البحث الثالث: تعريف المسند إليه بأنواع التعاريف ومقتضياته

يشترط في المسند إليه أن يكون معرّفاً إذ لا يحكم على الشيء إلاّ إذا كان معيّناً بنوع من التعيين، فالتعيين هو الأصل إنّما الكلام في العلل المقتضية لأنواع التعيين، لأنّ له أنواعاً:
التعريف بالعلمية، بالإضمار، بالإشارة، بالموصول وصلته، باللام، بالإضافة، وبالنداء.
التعريف بالعلمية وبالإضمار   
وإن شئت قلت: إنّ التعيين إمّا أن يكون بالاسم من غير حاجة إلى قرينة خارجية كما في العلم، وإمّا أن يكون بقرينة التكلّم أو الخطاب أو الغيبة كما

1 . هو: لبيد بن مالك بن جعفر العامري، شاعر من الفرسان في الجاهلية، أدرك الإسلام، ووفد على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وترك الشعر، وسكن الكوفة، وعمّر طويلاً، وهو أحد أصحاب المعلّقات، له ديوان شعر مطبوع. توفّي سنة 41هـ . الأعلام: 5/240.
2 . هود: 44 .

صفحه 57
في الضمائر، وإمّا أن يكون بقرينة حسيّة كما في أسماء الإشارة، أو
يكون بوصف معهود كما في الأسماء الموصولة التي يكون فيها التعريف بواسطة الصلة، أو يكون بحرف اللام أو بالإضافة أو بالنداء، فهذه
أقسام التعريف ولكلٍّ مقامٌ ومقتض، فيجب أن يتبع المتكلّم مقتضيات الأحوال، فلو كان المقتضي هو التعريف بالعلمية لايصح العدول إلى غيرها وبالعكس.
وحقيقة التعريف عبارة عن جعل اللفظ مشاراً به إلى خارج بإشارة وضعية. وإليك بيان المقتضيات لكلّ من هذه الأقسام:

1. التعريف بالعلمية

قديقتضي الحال إحضار المسند إليه في ذهن السامع بالاسم المخصوص، ليمتاز عمّا عداه، وهذا هو الأصل، كقوله سبحانه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ )1.

2. التعريف بالإضمار

إذا كان الفاعل هو نفس المتكلّم أو المخاطب أو الفرد الخارج عن مجلس التخاطب، فاللازم إسناد الفعل إلى أحد الضمائر الثلاثة.
أمّا التكلم، فكقول علي (عليه السلام): أنا الّذي سمّتني أُمّي حيدرة
أمّا الخطاب، فكقول الشاعر:

1 . الفتح: 29 .

صفحه 58
وأنتَ الّذي أخلفتَني ما وعدتَني *** وأشمتَّ بِي مَنْ كانَ فِيكَ يَلومُ
وأمّا الفرد الخارج، كقول أبي تمّام 1:
هُوَ البَحرُ من أيِّ النواحِي أتيتَهُ *** فَلُجَّتُه المعروفُ والجودُ ساحِلُهْ

3. التعريف بالإشارة

من طرق التعريف كون المسند إليه اسم إشارة، ويؤتى به لإحدى النكات التالية:
أ. أن يقصد تمييزه أكمل تمييز لغرض إحضاره في ذهن السامع حسّاً بالإشارة، كقول الفرزدق، في مدح سيد الساجدين (عليه السلام):
هذا الّذي تعرِفُ البَطحَاءُ وَطأتَهُ *** والبيتُ يَعرِفُه والحِلُّ والحرمُ
هذا ابنُ خيرِ عِبادِ اللّهِ كلِّهِمُ *** هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلمُ
   
وكقول ابن الرومي2:
هذا أَبُو الصِّقرِ فَرْداً في محاسِنِهِ *** مِنْ نَسْلِ شَيْبانَ بَيْنَ الضّالِ وَالسَّلَمِ3
ب. التعريض بغباوة السامع حيث لا يتميّز له شيء إلاّ بالإشارة

1 . تقدّمت ترجمته.
2 . هو علي بن العباس بن جريج الرومي، أبو الحسن، شاعر كبير من طبقة بشّار والمتنبّي، ولد في بغداد سنة 221هـ ونشأ بها، ومات فيها مسموماً سنة 283 هـ . الأعلام: 4/297.
3 . الضال والسلم: شجرتان برّيتان.

صفحه 59
الحسيّة، كقول الفرزدق يخاطب جريراً:
أُولئِكَ آبائي فَجِئْني بِمِثْلِهِمْ *** إذا جَمَعَتْنا يا جَريرُ المَجَامِعُ
ج. بيان حال المشار إليه من قرب أو بعد أو وسط بينهما، كقولك: هذا، وذلك، وذاك.
د. قصد تحقير المسند إليه ، كقوله تعالى حكاية عن الكافر: (فَذَلِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)1.
هـ . قصد تعظيمه، بالإشارة إلى البعيد، كقوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ )2.
و. قصد تعظيمه بالإشارة إلى القريب، كقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلتي هِيَ أَقْوَمُ)3.

4. التعريف بالموصول وصلته

قد يعرّف المسند إليه بالموصول وصلته، وذلك لإحدى المقتضيات التالية:
أ. زيادة التقرير، كقوله تعالى:(وَ رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا)4 ولم يقل: وراودته زليخا، لتقرير شدّة المراودة بذكر السبب وهو كونه في بيتها، بخلاف ما إذا كان في خارج البيت، إذ تضعف المراودة عندئذ.

1 . الماعون: 2 .
2 . البقرة: 2 .
3 . الإسراء: 9 .
4 . يوسف: 23 .

صفحه 60
ب. التفخيم، كقوله سبحانه: (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)1.
ج. كون المخاطب لايعرف المسند إليه إلاّ عن طريق الصلة، فلا محيص من الإتيان بالموصول وصلته، كقولك: الّذي كان معنا أمس، أهداك هذا.
د. التنبيه على خطأ المخاطب ووهمه، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا)2.
ونظير قول الشاعر3:
إنّ الَّذِينَ تَرَوْنَهُمْ إخوانَكُمْ *** يَشفي غَليلَ صُدورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا4
هـ . الإشارة إلى وجه ثبوت المسند إلى المسند إليه، بأن تكون في الصلة إشارة إلى سبب ذلك، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)5.

1 . طه: 78 .
2 . العنكبوت: 17 .
3 . القائل هو عبدة بن يزيد (الطبيب) بن عمرو بن علي، من تميم، شاعر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، كان أسود، شهد الفتوح وقاتل الفرس بالمدائن وغيرها، توفّي نحو 25 هـ . الأعلام: 4/172.
4 . ترونهم: أي تظنونهم، تصرعوا: أي تصابوا بالحوادث أو تهلكوا. وفي البيت تنبيه على خطئهم في هذا الظن ما ليس في قولك: إنّ القوم الفلاني. مختصر المعاني: 51 . وراجع: معاهدة التنصيص: 1/100 ; والإيضاح في البلاغة: 1/42.
5 . غافر: 60 .

صفحه 61
فإنّ في ذكر الاستكبار في الصلة دليلاً على سبب دخولهم جهنم أذلاّء.
ونظيره قول الفرزدق مفتخراً ببيته (وهو من أشرف بيوت بني تميم):
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بنى لنا *** بَيْتاً دعائمُهُ أعزُّ وأطولُ
فكون بيته ذا دعائم عزيزة وطويلة، لأجل أنّ الّذي بناه هو الّذي بنى السماء.
و. التوبيخ، نحو قولك للمخاطب: الّذي أحسن إليك أسأت إليه.
ولايخفى أنّ النكات الّتي تسبب العدول من سائر أنواع التعريف إلى الإتيان بالموصول وصلته الّذي يلازم العدول من التصريح إلى غيره يكون مطلوباً في بلاغة الكلام، حيث حُكي عن شريح أنّ رجلاً أقرّ عنده بشيء ثم رجع ينكره، فقال شريح: شهد عليك ابن أُخت خالتك. وفيه إشارة إلى حماقة المُنكِر حيث أنكر بعد الإقرار.1
وأخيراً فإنّ ما ذكر من النكات لا يعلم من نفس الموصول إلاّ إذا ضُمّت إليه صلته.
وقد ذكروا في المقام أسباباً أُخرى للتعريف في الموصول وصلته تطلب من مظانّها2.

1 . مفتاح العلوم: 78 .
2 . لاحظ: مفتاح العلوم: 78 ـ 79 ; والمطوّل للتفتازاني: 59 ـ 61، الطبعة الحجرية بخط عبد الرحيم.

صفحه 62

5. التعريف باللام

قد يكون المسند إليه معرّفاً بلام العهد تارة، وبلام الجنس أُخرى، للنكات التالية:
أمّا الأوّل: أعني كونه معرّفاً بلام العهد، فلأجل الإشارة إلى فرد معهود بين المتكلّم والمخاطب، وله أقسام:
أ. أن يكون إشارة إلى معهود لفظاً، كقوله تعالى: (فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة)1.
وقوله عزّوجلّ: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)2.
ب. أن يكون إشارة إلى معهود تلويحاً، كقوله تعالى حاكياً عن امرأة عمران: (وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى )3، فإنّ الأُنثى وإن سبق ذكرها في بداية الآية: (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) إلاّ أنّ الذكر لم يسبق ذكره فيما سبق إلاّ تلويحاً وكناية، لما في قوله تعالى على لسان امرأة عمران: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا)4، فالموصول في (مَا فِي بَطْنِي) وإن كان يعمّ الذكر والأُنثى، لكنّ بني إسرائيل ما كانوا يحرّرون لخدمة بيت المقدس إلاّ الذكور، فعلى هذا فالذكر معهود تلويحاً.

1 . النور: 35 .
2 . المزمل: 15 ـ 16 .
3 . آل عمران: 36 .
4 . آل عمران: 35 .

صفحه 63
ج. أن يكون إشارة إلى حاضر بذاته، كقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )1.
إلى هنا تم بيان لام العهد بأقسامها الثلاثة.
وأمّا الثاني ـ أعني: لام الجنس ـ : فهي على أقسام لأغراض مختلفة:
أ. أن تكون اللام إشارة إلى نفس الحقيقة، أي ما يفهم من اللفظ معرّىً عن الملابسات الصنفية أو الفردية، كقوله سبحانه: (وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيء حَيٍّ)(2)، أي جعلنا مبدأ كلّ موجود حيّ جنس الماء، بما هو هو من دون مدخلية الخصوصيات الصنفية أو الفردية.
ب. أن تكون اللام إشارة إلى الحقيقة باعتبار أنّها في ضمن فرد غير معيّن كما في قوله تعالى ـ حكاية عن يعقوب ـ : (وَ أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)2، وذلك لقيام القرينة على أنّ المقصود ليس هو الحقيقة بما هي هي ولا من حيث وجودها في ضمن جميع الأفراد، بل من حيث وجودها في الفرد الواحد غير المعيّن.
ج. أن تكون اللام إشارة لاستغراق الحكم وشموله لجميع الأفراد باعتبار وجود الحقيقة فيها جميعاً.
ثم إنّ الاستغراق على قسمين: تارة يكون حقيقياً يشمل كلّ فرد فرد داخل تحت الجنس، كقوله سبحانه: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر)3.

1 . المائدة: 3 .   2 . الأنبياء: 30 .
2 . يوسف: 13 .
3 . العصر: 2 .

صفحه 64
وأُخرى يكون عرفياً حسب متفاهم العرف، كما يقال: اجتمع العلماء، ويراد إمّا علماء المدينة أو البلد، لا كلّ عالِم في العالَم.

6. التعريف بالإضافة

ربّما يعرّف المسند إليه بالإضافة لنكت وغايات خاصّة هي:
1. كون التعريف بالإضافة أكثر اختصاراً، كقول الشاعر1:
هَوايَ مَعَ الرَّكْبِ اليـَمانينَ مُصْعَدٌ *** جَنيبٌ وجُثماني بِمَكّةَ مُوثَقُ
فإنّ (هواي) أخصر من قوله (الّذي أهواه). الجنيب: بمعنى المستتبع.
وقد قاله الشاعر بعد أن ذهبت محبوبته وبقي هو في مكّة مسجوناً.
2. تعظيم المضاف إليه، كقوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ )2.
3. تحقير المضاف، كقولهم: عبد الحجّام حضر.
4. إظهار الرفق، كقولهم: محبّك في الباب.
5. إضافتها لأدنى مناسبة، وقد مثّل له السكّاكي بقول الشاعر:
إذا كوكبُ الخرقاءِ لاحَ بسحرة(3) *** سُهَيلٌ أذاعتْ غزْلَها في القرائبِ(4)

1 . القائل هو: جعفر بن علبة بن ربيعة الحارثي، أبو عارم، شاعر غزل مقلّ، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. توفي سنة 145هـ . الأعلام: 2/125.
2 . الزمر: 53 .   3 . سحرة: كغرفة، وقت السحر.   4 . مفتاح العلوم: 81 .

صفحه 65
أضاف الشاعر لفظ (كوكب) إلى (الخرقاء) مع أنّه ليس لها، لأدنى مناسبة هي تنبهها حين طلوع ذلك الكوكب، وهو (سهيل)، ويراد به الكوكب الّذي يظهر عند فصل الشتاء، قريباً من القطب الجنوبي.
ومعنى البيت: أنّ الخرقاء تتساهل وتنام ولاتقوم بغزل ثياب الشتاء إلاّ بعد أن يطلع سهيل في السحر، فعندئذ تعلم بعجزها فتفرّق غزلها على قريباتها.

7. التعريف بالنداء

قد يعرّف المسند إليه بالنداء إذا لم يُعرف المنادى بعنوان خاص، كما يقول: يا رجل، أو: يا تلميذ، وفي تسمية ذلك تعريفاً نوع تسامح.
إلى هنا تم الكلام في المبحث الثالث وهو: في تعريف المسند إليه.
***

البحث الرابع: في تنكير المسند إليه ومقتضيات التنكير

الأصل في المسند إليه أن يكون معرّفاً; لأنّ الحكم على شيء لا يصح إلاّ بعد التعرّف عليه، ولكن قد يعدل عنه إلى التنكير لغايات، منها:
1. إذا تعلّق القصد بفرد واحد من أفراد الجنس، كقوله تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى)1.
2. إذا تعلّق القصد بنوع من أنواع الجنس، كقوله تعالى: (وَ عَلَى

1 . يس: 20 .

صفحه 66
أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ )1، أي نوع غريب من الغشاوة لايعرفه الناس، وهو غطاء التعامي.
3. إذا قصد تعظيم المسند إليه ، كقوله تعالى: (وَ لَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ)2، فكأنّه يريد أنّه أعرف من أن يعيّن.
4. إذا قصد تحقير المسند إليه ، كقوله تعالى حاكياً عن المشركين: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد)3.
وقد اجتمع التعظيم والتحقير في البيت التالي:
لَهُ حاجِبٌ مِنْ كُلِّ أمْر يشينُهُ *** وَلَيسَ لَه عَنْ طالبِ العُرْفِ حاجِبُ4
يريد أنَّ له مانعاً عظيماً عن ارتكاب كلّ عيب، ولكن ليس له أي مانع حتّى الصغير من إجابة طالب الإحسان.
5. إذا قصد تقليل المسند إليه، كقوله تعالى: (وَ رِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ)5، أي القليل منه أكبر.

1 . البقرة: 7 .
2 . الدخان: 17 .
3 . سبأ: 7 .
4 . القائل هو ابن أبي السمط يحيى بن مروان بن يحيى بن مروان بن سليمان بن أبي حفصة، شاعر عباسي; وقيل: البيت لأبي الطمحان حنظلة بن شرقي القيني، شاعر جاهلي. راجع: الإيضاح في علوم البلاغة: 1/49; معاهدة التنصيص: 1/127; ديوان المعاني: 1/23; الأعلام: 8/172، و ج 2/286.
5 . التوبة: 72 .

صفحه 67
6. إذا قصد تكثير المسند إليه، بمعنى أنّ ذلك الشيء كثير لا يحتاج إلى تعريف، كقوله سبحانه حاكياً عن سحرة فرعون: (إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ)1، إلى غير ذلك من المقتضيات الّتي تستدعي تنكير المسند إليه.

تنبيه

ذكر جلال الدين السيوطي قاعدة تتعلّق بالتعريف والتنكير وإن كان موردها في غير المسند إليه، وقال:
ثُمَّ مِنَ القَواعدِ المُشتَهَرَهْ *** إذا أتتْ نَكِرَةٌ مُكرّرهْ
تَغايَرا وإنْ يُعرّف ثاني *** توافقا كذا المعرّفانِ2
وحاصلها:
1. إذا كرّر الاسم مرتين فإن كانا نكرتين فالثاني غير الأوّل، كقوله سبحانه: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)3 فاليسر الثاني غير اليسر الأوّل.
2. إذا ذكر الاسم مرتين وكانا معرفتين فالثاني عين الأوّل، مثاله العسر في الآية المذكورة، حيث إنَّ الثاني عين الأوّل.
ثم استدل على ما ذكره من القاعدة في التغاير في الأوّل والتوحّد في الثاني، بحديث مرويّ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً مسروراً

1 . الأعراف: 113 .
2 . عقود الجمان: 21 .
3 . الانشراح: 5 ـ 6 .

صفحه 68
فرحاً وهو يضحك وهو يقول: «لن يغلب عسرٌ يسرين،(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).1
فقد أفرد العسر، وثنّى اليسر وهو دليل على توحّد الأوّل وتغاير الثاني في الآية المباركة.
3. إذا كان الأوّل نكرة والثاني معرفة، فالثاني أيضاً عين الأوّل، كقوله سبحانه: (فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ )2، وقوله سبحانه: (كما أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)(3).
4. إذا كان الأوّل معرفة والثاني نكرة ففيه قولان، كقول الشاعر:
عَفونا عَن بني ذُهل *** وقُلنا القومُ إخوانُ
عسى الأيامُ أنْ يرجعـ *** ـنَ قوماً كالذي كانوا
أقول: الظاهر أنّ الوحدة والتعدّد إنّما تستفاد من القرائن والملابسات الموجودة في الكلام، فلذلك ربّما يكونان معرفتين، ويكون الثاني غير الأوّل، كقوله سبحانه: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)3، فإنَّ الإحسان الثاني غير الإحسان الأوّل.
فالأوّل، ابتداء بالنعمة والثاني جزاء، وهكذا سائر الصور. 4
***

1 . مستدرك الحاكم: 2/528، تفسير سورة الانشراح.
2 . النور: 35 .   3 . المزمل: 15 ـ 16 .
3 . الرحمن: 60 .
4 . لاحظ : عقود الجمّان: 21 .

صفحه 69

البحث الخامس: في توابع المسند إليه

المراد من توابع المسند إليه ما يلي:
1. الوصف. 2. العطف. 3. التأكيد. 4. البدل عن المسند إليه . 5. فصل المسند إليه عن المسند بضمير الفصل، وإليك بيانها:

1. الوصف

يوصف المسند إليه إذا احتاج إلى ما يلي:
أ. التوضيح وكشف معناه.
كقول القائل: الجسم ـ الطويل العريض العميق ـ يحتاج إلى فراغ يشغله.
وربّما يمثل له بقول الشاعر1:
الألمعيُّ الّذي يظنّ بِكَ الظـ *** ـنَّ كأن رأى وَقَدْ سَمِعا
فإنّ الألمعيّ واللوذعيّ بمعنى واحد، ولمّا كان الألمعيّ غير واضح المعنى أوضحه بالوصف وقال: (الّذي)، وقد حُكي عن الأصمعيّ أنّه سُئل عن معنى الألمعيّ، فأنشد هذا البيت. ولكن التمثيل خطأ; لأنّ الألمعيّ الّذي وصف ليس مسنداً إليه، بل خبر «إنّ» المذكورة في البيت المتقدّم.
إنّ الّذي جَمعَ السماحةَ والنجـ *** ـدَةَ والبرّ والتُّقى جمعا

1 . القائل هو: أوس بن حجر بن مالك التميمي، أبو شريح، شاعر تميم في الجاهلية، وهو زوج أم زهير بن أبي سلمى، عمّر طويلاً، لم يدرك الإسلام. الأعلام: 2/31.

صفحه 70
ب. التمييز عن غيره، نحو: زيد التاجر عندك.
ج. مدح المسند إليه، كقول القائل: جاءني زيد العالم.
د. تأكيد المسند إليه، كقوله: أمس الدابر كان يوماً عظيماً.

2. العطف

وهو أن نأتي بالمعطوف لغايات هي:
أ. تفصيل المسند إليه باختصار كما في قولهم: جاء زيد وعمرو.
ب. ردّ السامع إلى الصواب، كقولهم: جاء زيد لا عمرو.
ج. صرف الحكم إلى التابع، كقولهم: جاء زيد بل عمرو.
د. إيجاد التشكيك، كقولهم: جاء زيد أو عمرو.
إلى غير ذلك من الغايات الموجودة الأُخرى كالتخيير، والإباحة، والتقسيم.

3. التأكيد

وهو أن تأتي بالمؤكّد لغايات:
أ. إرادة التقرير، كقولهم: جئت أنت، أو: قمت أنت.
ب. دفع توهّم عدم الشمول، كقولهم: جاء القوم كُلّهم.
ج. دفع توهّم المجاز أو السهو، كقوله: جاء السلطان نفسه، لئلاّ يتوهّم السامع أنّ الجائي نائب السلطان.
في توابع المسند إليه    

صفحه 71

4. البدل عن المسند إليه

الإبدال من المسند إليه يكون لغاية التقرير من غير فرق بين بدل الكلّ والبعض والاشتمال .
أمّا الأوّل: ـ أعني: بدل الكلّ ـ نحو: جاء زيد أخوك.
وأمّا الثاني: ـ أعني: بدل البعض ـ نحو: جاء القوم أكثرهم.
وأمّا الثالث: ـ أعني: بدل الاشتمال ـ كقول القائل: سُلب زيدٌ ثوبُه.
إلى غير ذلك من دواعي التقرير.

5. فصل المسند إليه عن المسند بضمير الفصل

ربّما يفصل بين المسند إليه عن المسند بضمير الفصل، ولأجل ذلك سمّي بضمير الفصل، وذلك لغايات هي:
أ. قصر المسند على المسند إليه، كقوله سبحانه: (أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ )1.
ب. الدلالة على أنّ ما بعده خبر لا صفة، كقوله سبحانه: (وَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)2.
ومن التوابع عطف البيان، وبما أنّه قريب من الوصف، طوينا الكلام عنه، يقول ابن مالك:

1 . التوبة: 104 .
2 . البقرة: 5 .

صفحه 72
   
عَطفُ البَيانِ تابعٌ شِبهُ الصفة *** حقيقةُ القصدِ بهِ مُنكَشفة
***

البحث السادس: في تقديم المسند إليه وتأخيره

الأصل في المسند إليه التقديم; لأنّ الغاية هي الحكم عليه، فيجب إحضاره في ذهن السامع أوّلاً، ثم حمل المسند عليه، ومع كون التقديم هو الأصل إلاّ أنّه توجد له فوائد أُخرى منها:
أ. تقديم المسند إليه لكونه موجداً للشوق لسماع الخبر، كقول أبي العلاء المعرّي1 الّذي يرثي فقيهاً حنفياً بقوله:
والّذي حارتِ البَريّةُ فيهِ *** حَيَوانٌ مستحدثٌ من جمادِ
فإنّ لقوله: (والّذي حارت البرية) تأثيراً يلفت نظر السامع إلى الخبر، ولو صحّ هذا الشعر عن شاعر المعرّة فهو يدلّ على عدم إيمانه بالمعاد الجسماني، حيث يكرّر مزعمة المشركين الّتي حكاها سبحانه في كتابه العزيز عنهم غير مرّة، قال تعالى حاكياً عن لسان المشركين ـ: (وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)2.

1 . هو أبو العلاء أحمد بن عبداللّه بن سليمان التنوخي المعرّي، شاعر فيلسوف، ولد في معرّة النعمان سنة 363 هـ ومات بها سنة 449 هـ. كان نحيف الجسم، أُصيب بالجدري صغيراً فعمي في السنة الرابعة من عمره. رحل إلى بغداد وأقام بها مدّة، وهو من بيت علم كبير، ولمّا مات وقف على قبره 84 شاعراً يرثونه. له ديوان شعر ومصنّفات منها: رسالة الغفران، رسالة الملائكة، وملقى السبيل.الأعلام: 1/157.
2 . يس: 78 .

صفحه 73
ب. تقديم المسند إليه لإيجاد المسرّة أو المساءة للتفاؤل أو التطيّر، نحو: سعد في دارك، أو السفّاح في دار صديقك.
ج. تقديم المسند إليه للتعظيم، كقوله تعالى: (اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ )1.
د. تقديم المسند إليه للتبرّك، كقولك: الله ربّي.
هـ . تقديم المسند إليه لبيان كون المطلوب اتّصافه بالمسند، كما إذا سُئل عن الزاهد كيف هو؟ يقول: الزاهد يشرب ويأكل، إذا كان السامع يستبعد صدور الأكل والشرب عن الزاهد.
و. تقديم المسند إليه للتلذّذ بذكره، نحو: محمد نبيّنا.
ز. تقديم المسند إليه للحطّ والتحقير، نحو: مسيلمة كذّاب.
ح. تقديم المسند إليه، لحصر الخبر عليه إذا تقدّمه حرف السلب، نحو: «ما أنا قلت هذا» ولا يقال هذا إلاّ إذا ثبت القول في الجملة وصار المتكلّم بصدد سلبه عن نفسه ونسبته إلى غيره، ومعنى الجملة: «ما أنا قلته وإنّما قاله غيري»، ولذلك لو عقّبه بقوله: «ولا غيري» يكون متناقضاً.
ط . تقديم المسند إليه لتقوية الحكم وتقريره عند السامع، نحو: «هو يعطي الجزيل» حتّى يطمئن السامع بأنّه يعطي بلا دلالة على التخصيص، وأنّ غيره لايعطي.
ي . تقديم المسند إليه لإفادة عموم السلب وشموله لكلّ الأفراد،

1 . النور: 35 .

صفحه 74
وذلك إذا كان لفظ «كلّ» مضافاً إلى المسند إليه وتأخّر حرف السلب عنه، كما إذا قال: كلّ مَن في المجلس لم يقم، لذلك لمّا قيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فأجاب: «كلّ ذلك لم يكن»1، أي لم يقع قصر ولا نسيان; وهذا بخلاف ما إذا تقدّم حرف السلب على «كلّ» فهو يفيد سلب العموم وهو لا ينافي ثبوت الحكم لبعض الأفراد، كما في قول المتنبّي2:
ما كلُّ مَا يتمنّى المرءُ يُدرِكُهُ *** تجرِي الرياحُ بما لا تشتهي السّفُنُ3
أي يدرك بعض ما يتمنى لا كلّه.
وأمّا قول أبي النجم:
قد أصبحتْ أُمُّ الخيارِ تدّعي *** عليَّ ذنباً كُلُّه لَمْ أصنَعِ
   
فلو قلنا: إنّ لفظ «كلّ» مرفوع لكونه مبتدأ، يرد العموم عندئذ على النفي فيفيد عموم السلب، ولو قلنا: إنّه مفعول مقدّم لقوله: «لم أصنع» فعندئذ

1 . مسند أحمد: 2/460. وقد ناقش المفيد هذه الرواية في رسالة: عدم سهو النبي(صلى الله عليه وآله): 4، فلاحظ.
2 . هو أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي الكندي الكوفي المتنبّي: الشاعر الحكيم وأحد مفاخر الأدب العربي. ولد بالكوفة سنة 303 هـ، ونشأ بالشام، ثم تنقّل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس، وقال الشعر صبيّاً، وكان شجاعاً طموحاً محبّاً للمغامرات. تجوّل في البلدان ومدح الأمراء كسيف الدولة الحمداني وكافور الإخشيدي وابن العميد وعضد الدولة. له ديوان شرحه طائفة من كبار الأدباء كابن جنّي وأبي العلاء المعرّي والواحدي. قُتل في النعمانية سنة 354 هـ على يد فاتك بن أبي جهل الأسدي، وهو خال ضبّة بن يزيد الأسدي الذي هجاه المتنبّي بقصيدته البائية المعروفة. الأعلام: 1/115.
3 . مختصر المعاني: 73.

صفحه 75
يرد النفي على العموم فيفيد نفي العموم وسلبه، ثم إنّ ما ذكروه ضابطة غالبية لا دائمية، فلاحظ قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور)1، فالنفي فيه، مع وروده على العموم، مفيد لعموم السلب لا سلب العموم.
***

الخروج عن مقتضى ظاهر الحال إلى مقتضى الحال

جميع ما تقدّم من ذكر المسند إليه وحذفه وما بعدهما إنّما هو مقتضى ظاهر الحال، وقد يعدل عنه لنكتة ويكون الكلام على مقتضى الحال وإن خالف مقتضى ظاهرها، إذ لا محيص من وصف الكلام بالبلاغة من مطابقته مقتضى الحال، غاية الأمر أنّ مقتضى الحال أعمّ من ظاهر الحال كما في الموارد التالية:

1. وضع الضمير مكان الظاهر

يوضع الضمير مكان الظاهر لأجل أن يتمكّن في ذهن السامع ما يتلو الضمير ويشتاق إلى سماعه، كما في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)2 حيث إنّ اللازم هو الإتيان بالظاهر لعدم سبق مرجع للضمير، لكن أُوتي بالضمير للنكتة المذكورة.

1 . لقمان:18.
2 . التوحيد: 1 .

صفحه 76
   

2. وضع الظاهر مكان الضمير

يوضع الظاهر مكان الضمير لغايات مختلفة:
أ. كمال العناية بتمييزه لدى السامع، إذا كان الظاهر اسم إشارة، كقول ابن الراوندي1:
كَمْ عاقل عاقل أعيتْ مَذاهِبُهُ *** كَمْ جاهل جاهل تلقاه مَرزوقا
هذا الّذي تَرَكَ الأوهامَ حائرَةً *** وَصيّرَ العالِمَ النحريرَ زنديقا2
فقال مكان «هو الّذي »: «هذا الّذي» لكمال عناية القائل بتمييزه لدى السامع حتّى يحكم عليه بحكم بديع.
ب. التهكّم على السامع، كأنّه لايدرك إلاّ المحسوس، وهذا أيضاً إذا كان الظاهر اسم إشارة، كقول الفرزدق:

1 . هو أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسين الراوندي، أو ابن الراوندي فيلسوف مجاهر بالإلحاد من سكّان بغداد، نسبته إلى راوند من قرى إصبهان، وقد انفرد بمذاهب نقلوها عنه في كتبهم. ولكنّ السيد المرتضى ذكر في كتابه: «الشافي في الإمامة» أنّه إنّما عمل الكتب التي شنّع بها عليه، مغالطة للمعتزلة ليبيّن لهم عن استقصاء نقصانها وكان يتبرّأ منها تبرّؤاً ظاهراً. مات برحبة مالك بن طوق (بين بغداد والرقّة) سنة 298 هـ . له كتب ومصنّفات، منها: فضيحة المعتزلة، الإمامة، والعروس. الأعلام: 1/267; الكُنى والألقاب: 1/ 288.
2 . كم عاقل عاقل: هو وصف عاقل الأوّل بمعنى كامل العقل متناه فيه. أعيت: أي أعيته وأعجزته أو أعيت عليه وصعبت. مذاهبه: طرق معاشه. النحرير: أي المتقن من نحر الأُمور علماً أتقنها. زنديقاً: كافراً نافياً للصانع العدل الحكيم، فقوله هذا إشارة إلى حكم سابق غير محسوس، وهو كون العاقل محروماً والجاهل مرزوقاً، فكان القياس فيه الإضمار، فعدل إلى اسم الإشارة لكمال العناية بتمييزه ليرى السامعين أنّ هذا الشيء المتميّز المتعيّن هو الذي له الحكم العجيب وهو جعل الأوهام حائرة والعالم النحرير زنديقاً. مختصر المعاني: 76.

صفحه 77
أُولئكَ آبائِي فجِئْني بمثلِهم *** إذا جمعتنا يا جريرُ المجامعُ1
فإنّ مقتضى ظاهر الحال أن يقول: « هم آبائي»، ولكن عدل عنه إلى اسم الإشارة لأجل التهكّم بالسامع.
ج. بذل العناية بتنزيل غير المحسوس مكان المحسوس، وهو عكس الصورة السابقة، كما في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ).2
فمقتضى الظاهر أن يقول: هو الصمد، ولكنّه عدل عنه للنكتة المذكورة.
د. إدخال الروع والفزع على قلب السامع، كقول القائل: الرئيس يأمرك بكذا، مكان قوله: أنا آمرك بكذا.
هـ . الاستعطاف وطلب الرحمة، كقول الشاعر:
إلـهي عبدُك العَاصِي أتاكا *** مُقرّاً بالذنوبِ وَقَدْ دعاكا
فإن تغفرْ فأنتَ لذاك أهلٌ *** وَإن تطردْ فمن يرجو سواكا
فقال: عبدك، مكان قوله: أنا، لما في لفظ «العبد» من الاسترحام وطلب الشفقة.
و. تعظيم الأمر، كقوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِير).3 فقال: إنّ ذلك على اللّه، مكان قوله: إنّ ذلك عليه، للتعظيم.

1 . مختصر المعاني: 53.
2 . التوحيد:1ـ2.
3 . العنكبوت: 19.

صفحه 78

3. مجاوبة المخاطب بغير ما يترقّب

من أقسام الخروج عن مقتضى ظاهر الحال إلى مقتضى الحال مجاوبة المخاطب بغير ما يترقّبه، وذلك بحمل كلامه على خلاف مقصوده تنبيهاً على أنّه أولى بالقصد، كقصة الحجّاج والقبعثري1، إذ قال له الحجّاج ـ متوعّداً له بالقيد ـ : لأحملنَّك على الأدهم .
فقال القبعثري ـ حاملاً كلام الحجّاج على غير ما ترقّبه ـ : مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب (وأراد الخيل ).
قال له الحجّاج ـ للتصريح بمقصوده ـ : إنّه حديد.
فقال القبعثري: لأن يكون حديداً خير من أن يكون بليداً.2
ومثله إجابة السائل بغير ما يتطلّب، تنبيهاً على أنّه الأولى والأهم له، كما قيل: إنّ الصحابة سألوا النبي(صلى الله عليه وآله) عن اختلاف الهلال حيث يبدو دقيقاً ثم يتزايد حتى يستوي ثم ينقص حتى يعود إلى الحالة الأُولى، فما سبب ذلك؟ فأُجيبوا ببيان الحكمة، وهي معرفة المواقيت والآجال، وذلك في قوله سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ).3
يقول جلال الدين السيوطي:
وَ مِن خلافِ المُقتضى أن جاوبا *** تخاطَبا بغيرِ مَا تَرقّبا

1 . هو غضبان بن القبعثري الشيباني البصري. تاريخ مدينة دمشق: 48/62، برقم 5549.
2 . بحار الأنوار: 72/200; شرح نهج البلاغة: 5/50.
3 . البقرة: 189.

صفحه 79
بحملِهِ على خلافِ قصدهِ *** لأنـّه أولى بهِ مِنْ ضدِّهِ
أو سائلاً بغيرِ ما قد سأله *** لأنـّهُ الأولى أو المهمُّ لهْ 1

4 . الالتفات

من أقسام الخروج عن مقتضى ظاهر الحال إلى مقتضى الحال، التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة، أعني: التكلّم والخطاب والغيبة بعد التعبير عنه بغيره، وأقسامه ستة حاصلة من ضرب اثنين في ثلاثة; لأنّ كلّ قسم من الثلاثة ينقل إلى قسمين، وإليك الأمثلة:
أ. العدول من التكلّم إلى الخطاب، نحو قوله تعالى: (وَ مَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذِي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)2 ومقتضى الظاهر أن يقول: وإليه أرجع.
ب . العدول من التكلّم إلى الغيبة، نحو قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)3 فمقتضى الظاهر أن يقول: فصلّ لنا. ونظيره قول الإمام علي (عليه السلام): «فَإنْ أَقُلْ يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ، وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ! هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي! وَاللهِ لاَبْنُ أَبِي طَالِب آنَسُ بالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ».4
والشاهد في قوله: لابن أبي طالب، ومقتضى ظاهر الحال أن يقول: إنّي، فعدل من التكلم إلى الغيبة.

1 . عقود الجمّان: 30 .
2 . يس:22.
3 . الكوثر: 1ـ2.
4 . نهج البلاغة: الخطبة 4.

صفحه 80
ج . العدول من الخطاب إلى التكلّم، نحو قول الشاعر1:
طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَروبُ *** بُعَيْدَ الشبابِ عَصرَ حانَ مَشيبُ
يـُكلِّفُني لَيْلى وَقَد شطّ وَليـُها *** وَ عادَتْ عَواد بَينَنا وَخُطُوبُ2
إنّ قوله: (طَحَا بك) خطاب لكن عدل عنه إلى التكلّم في قوله: «يكلّفني»، والمراد من كلا الضميرين هو نفسه.
د . العدول من الخطاب إلى الغيبة، نحو قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ )3
و . العدول من الغيبة إلى الخطاب، كقوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ)4، والأصل إيّاه نعبد.

1 . القائل هو علقمة بن عبدة ـ بفتح العين والباء ـ بن ناشرة بن قيس من بني تميم، شاعر جاهلي من الطبقة الأُولى، كان معاصراً لامرئ القيس وله معه مساجلات، له ديوان شعر. الأعلام: 4/247.
2 . «طحا»: أي ذهب. «في الحسان طروب »: أنّ له طرباً في طلب الحسان ونشاطاً في مراودتهن. «بُعيد الشباب»: تصغير «بَعد» للقرب، أي حين ولّى الشباب وكاد ينصرم. «عصر»: ظرف زمان مضاف إلى الجملة الفعلية، أعني: قوله «حان» أي قرب. «مشيب يكلّفني ليلى»: أي يطالبني القلب بوصل ليلى. «وقد شطّ»: أي بعد. «وليها»: أي قربها. «وعادت عواد بيننا وخطوب»: أي كلّ الصوارف والخطوب صارت تعاديه، وقيل: أي عادت عواد وعوائق كانت تحول بيننا إلى ما كانت عليه من قبل. مختصر المعاني: 79.
3 . يونس: 22.
4 . الفاتحة: 4ـ5.

صفحه 81
ومثله ما في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَا هِيَ إِلاَّ الْكُوفَةُ، أَقْبِضُهَا وَأَبْسُطُهَا، إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلاَّ أَنْتِ، تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقبَّحَكِ اللهُ!».1
حيث التفت من الغيبة أعني: «الكوفة»، إلى الخطاب أعني: «أنت».
هـ . العدول من الغيبة إلى التكلّم، نحو قوله سبحانه: (وَ اللهُ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ).2
والأصل: فساقه.
وهناك قسم آخر للالتفات للعدول من المتكلّم وحده إلى المتكلّم مع الغير ولم يذكره علماء البلاغة، ويمكن أخذه من كلام منبع البلاغة، أعني: أميرالمؤمنين (عليه السلام)، قال: «لَمْ يَكُنْ لاَِحَد فِيَّ مَهْمَزٌ، وَلاَ لِقَائِل فِيَّ مَغْمَزٌ. الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ رَضِيْنَا عَنِ اللهِ قَضَاءَهُ، وَسَلَّمْنَا لِلّهِ أَمْرَهُ».3
فقد عدل من المتكلّم المفرد إلى المتكلّم مع الغير، وبالعكس.
وأمّا قوله (عليه السلام): «وَاللهِ لاَبْنُ أَبِي طَالِب آنَسُ بالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْم لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الاَْرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ !».4
فإنّ مقتضى ظاهر الحال أن يقول: ولكنّه قد اندمج على علم مكنون لو

1 . نهج البلاغة: الخطبة 25.
2 . فاطر:9.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 37.
4 . نهج البلاغة: الخطبة4.

صفحه 82
باح به، وقد التفت فيه من الغيبة إلى التكلّم، وهذه الخطبة قد اشتملت على التفاتين.
وضع الماضي موضع المستقبل، القلب   
ثم إنّهم ذكروا لحسن الالتفات وجهاً يعمّ كافّة أقسامه، وقد بسط السكّاكي الكلام في ذلك في مفتاحه، وحاصله: أنّ النفس مجبولة على حُسن المتجدّد، فإذا تجدّد الكلام إلى أُسلوب كان أدعى للإصغاء إليه.
ثمّ إنّهم ذكروا في وجه الالتفات في سورة الحمد وجهاً آخر، يقول السكّاكي: إنّ العبد إذا افتتح التحميد يجب أن يكون افتتاحه عن قلب حاضر ونفس ذاكرة، يعقل فيمَ هو، وعند من هو، فإذا انتقل من التحميد إلى الصفات أن يكون انتقاله محذوّاً به حذَو الافتتاح، فإنّه متى افتتح على الوجه الذي عرفت مجرياً على لسانه الحمد للّه، أفلا يجد محركاً للإقبال على من يحمد مَن معبود عظيم الشأن حقيق بالثناء والشكر، مستحق للعبادة، ثم إذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله:« ربّ العالمين» واصفاً له بكونه رباً مالكاً للخلق لايخرج شيء من ملكوته وربوبيته، أفترى ذلك المحرك لايقوى!؟ ثم إذا قال: «الرّحْمنِ الرَّحِيمِ» فوصفه بما ينبئ عن كونه منعماً على الخلق بأنواع النعم جلائلها ودقائقها مصيباً إيّاهم بكلّ معروف، أفلا تتضاعف قوة ذلك المحرّك عند هذا، ثم إذا آل الأمر إلى خاتمة هذه الصفات وهي «مالك يوم الدّين» المنادية على كونه مالكاً للأمر كلّه في العاقبة يوم الحشر للثواب والعقاب، فما ظنّك بذلك المحرّك أيسع ذهنك أن لايصير إلى حدّ يوجب عليك الإقبال على مولى شأن نفسك معه منذ افتتحت التحميد ما تصوّرت،

صفحه 83
فتستطيع أن لاتقول إيّاك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك.1

5. وضع الماضي موضع المستقبل

ربّما يستعمل الماضي مكان المستقبل تنبيهاً على تحقّق وقوعه، نحو قوله سبحانه: (وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ).2

6. القلب

القلب عبارة عن تقديم المتأخّر وتأخير المتقدّم، نحو: عرضت الناقة على الحوض، والأصل: عرضت الحوض على الناقة. لاشتراط كون المعروض عليه عاقلاً، وهو الناقة لا الحوض.
ومنه قولهم: (دخلت القلنسوة في رأسي) والأصل أدخلت رأسي فيها، وذلك لأنّ المدخول هو المظروف لا الظرف.
ومنه قول الشاعر3:
وَ مَهْمَه مُغبرّة أرْجاؤُهُ *** كَأنّ لَوْنَ أرضِهِ سَماؤُهُ
المهمَه: المفازة ، والمغبرّة: المملوءة غباراً، والأرجاء: النواحي، جمع

1 . مفتاح العلوم: 87ـ88.
2 . النمل: 87.
3 . القائل هو رؤبة بن عبد اللّه العجّاج بن رؤبة التميمي السعدي، أبو الجحاف، راجز من الفصحاء المشهورين، من مخضرمي الدولتين الأُموية والعباسية، كان أكثر مقامه في البصرة، مات في البادية سنة 145 هـ ، وله ديوان رجز. الأعلام: 3/34.

صفحه 84
رجى. يريد أن يبالغ بأنّ السماء بلغت من الغبار إلى مرحلة كاد أن يقال: بأنّ لون أرضه سماؤه، مع أنّ الحقيقة هو أنّ لون سمائه لون الأرض. ولعلّ من هذا الباب قول المشركين في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)1 فقلبوا مبالغة، مع أنّ الصحيح هو أن يقولوا: إنّما الربا مثل البيع .
بقيت هنا أبحاث يسيرة تعرّض لها السكّاكي في «المفتاح»، وسعد الدين في «المطوّل»، والسيوطي في شرح أُرجوزته، تركنا التعرّض لها لوضوحها.
***

1 . البقرة: 275.

صفحه 85
الباب الثالث:
في أحوال المسند
تعريف المسند وأحواله
في أبحاث الباب:
الأوّل: في ذكر المسند
الثاني: في حذف المسند
الثالث: في إفراد المسند
الرابع: في تقييد المسند بمفعول ; مطلق، أو به، أو له، أو فيه، أو معه، أو بحال، أو بتمييز، أو باستثناء، أو بشرط .
الخامس: في تنكير المسند وتخصيصه وتعريفه
السادس: في تأخير المسند وتقديمه
السابع: في كون المسند جملة
الثامن: حذف المسند وبناء الفعل للمفعول
وإليك دراسة هذه البحوث.

صفحه 86

صفحه 87
تعريف المسند: يراد به هنا: هو الخبر، والفعل، واسم الفعل، والوصف المستغني بفاعله عن الخبر، واخبار النواسخ.
والمراد من الأحوال: الأُمور الطارئة عليه مثل الأُمور الطارئة على المسند إليه، من ذكره وحذفه، وتعريفه وتنكيره، وتقديمه وتأخيره، فعلى ذلك فهنا أبحاث:

البحث الأوّل: في ذكر المسند

ذكر المسند هو الأصل، ولا يُعدل عنه إلاّ لنكتة ـ كما سيأتي في الحذف ـ ومع ذلك ربّما يذكر ـ وراء كونه الأصل ـ لغايات:
1. للاحتياط وضعف القرينة الدالّة عليه عند الحذف، كقوله سبحانه:
(وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).1
ومع ذلك نرى أنّه سبحانه حذف المسند في كلامه في آية أُخرى وردت بنفس المضمون، قال سبحانه: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ

1 . الزخرف: 9.

صفحه 88
وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ)1 أي خلقهنّ اللّه، فلا محيص من القول إنّ الاختلاف في الآيتين لغايتين مختلفتين، وهي: عدم الوضوح في مورد الأُولى والوضوح في مورد الثانية.
2. التعريض بغباوة السامع إذا كان في لفظ المسند إشعار لها، نحو قول الخليل(عليه السلام): (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ).2 قاله في جواب سؤالهم: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ).3
3. للدلالة على التجدّد، إذا كان المسند فعلاً، أو على الثبوت إذا كان اسماً، وقد اجتمعا في قوله سبحانه: (يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ).4
4. للدلالة على التعجّب نحو: زيد يقاوم الأسد، إلى غير ذلك من مقتضيات ذكر المسند.
يقول جلال الدين السيوطي:
   
وَ ذِكره لِما مضى أو حتم *** مجيئه بالفعلِ أو بالإسمِ
قُلتُ وللتعجيبِ في المفتاحِ قدْ *** زادَ وفي الإيضاحِ رَدَّ وانفردْ5

1 . لقمان:25.
2 . الأنبياء:63.
3 . الأنبياء:62.
4 . النساء: 142.
5 . عقود الجمان: 33.

صفحه 89
قوله: «لما مضى» إشارة إلى بعض الوجوه المذكورة في المسند إليه.

البحث الثاني: في حذف المسند

إنّ المقتضي لحذف المسند، هو نفس المقتضي لحذف المسند إليه، ولنذكر نماذج من مقتضياته:
1. اجتناب العبث، نحو: دخلت المجلس فإذا زيدٌ، أي جالسٌ أو حاضر.
2. قصد الاختصار مع ضيق المجال، كقول الشاعر1:
فَمن يكُ أمسى بالمدينةِ رَحلُه *** فإنّي وقيّارٌ بها لغريبُ2
فالمسند إلى قيّار محذوف لدلالة مسند ما قبله أعني (فإنّي... لغريب) عليه.
ونظيره قول القائل3:
نَحنُ بِما عندَنا وأنتَ بما عِندَ *** كَ راض والرأيُ مختَلِفُ4

1 . القائل هو ضابئ بن الحارث بن أرطاة التميمي البرجمي، شاعر جاهلي أدرك الإسلام، عاش بالمدينة إلى أيّام عثمان، وتوفّي بها نحو سنة 30 هـ . الأعلام: 3/212.
2 . الرحل هو المنزل والمأوى، وقيّار اسم فرس أو جمل للشاعر. مختصر المعاني: 83.
3 . القائل هو: عمرو بن امرئ القيس الخزرجي: من بني الحارث ، شاعر جاهلي، كانت في أيّامه الحرب بين الأوس والخزرج واستمرت عشرين سنة. توفّي نحو سنة 50 ق. هـ . الأعلام: 5/73.
وقيل: القائل هو: قيس بن الحطيم بن عدي الأوسي، شاعر الأوس وأحد صناديدها في الجاهلية، أدرك الإسلام وتريث في قبوله، فقتل قبل أن يدخل فيه في سنة 2 ق. هـ . الأعلام: 5 / 205 .
4 . مختصر المعاني: 83.

صفحه 90
أي نحن راضون، حذف لدلالة قوله: «راض» عليه.

البحث الثالث: في إفراد المسند

إعلم أنّ المراد بالإفراد هو كون المسند غير جملة، والمتكلّم يأتي بالجملة في الموردين التاليين وبالتعرّف عليهما يُعلم مكان إفراد المسند، وهما:
1. إذا كان الغرض تقوّي الحكم، كما إذا قال: زيد قامَ، فالقيام أُسند إلى زيد مرتين، تارة بنفس المسند، أعني: (قام) وأُخرى بالضمير المستتر الراجع إلى زيد.
2. إذا كان المسند سبباً، والمراد ما جرى على غير ما هو له، بأن يكون إثبات المسند للمسند إليه لمتعلّقه لا لنفسه، نحو: زيد أبوه عالم، فالعالم: وصف لزيد ظاهراً ولكنّه وصف لأبيه واقعاً، ففي هذه الحالة يأتي المسند جملة، وفي غير هذين الموردين يأتي مفرداً، ويقال: زيد قائمٌ.
ثم المفرد قد يكون فعلاً، وقد يكون اسماً:
أمّا الأوّل: فإمّا للتنبيه بأحد الأزمنة الثلاثة على وجه الاقتصار، كقولنا: ضرب زيد أو: يضرب.
أو لإفادة التجدّد والحدوث، الذي هو من لوازم الزمان المفهوم من الفعل، نظيره قوله سبحانه: (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)1، أي فريقاً فرغتم من تكذيبهم وفريقاً فرغتم من قتلهم وها أنتم تَسْعَوْن في قتل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . البقره: 87.

صفحه 91
وأمّا الثاني: أي كونه اسماً فلإفادة الدوام والثبوت، كقول الشاعر1:
لا يَـألَفُ الدِّرهَمُ المضروبُ صُرّتَنا *** لكنْ يَمُرُّ عليها وَهْوَ مُنْطَلِقُ
يريد أنّ الانطلاق من الصرّة ثابت للدرهم دائماً، وهو كناية عن كثرة الإنفاق.

البحث الرابع: في تقييد المسند

إذا اكتفى المتكلّم بنفس الجملة ولم يزد عليها شيئاً ممّا يتعلّق بالمسند إليه، أو المسند أو بهما، فالحكم مطلق، وإلاّ فمقيّد، وإنّما يكون مطلقاً حيث لايتعلّق الغرض بتقييد الحكم بوجه من الوجوه ليذهب ذهن السامع كلّ مذهب ممكن، وأمّا التقييد فيتحقّق بالأُمور التالية:

1. التقييد بالمفاعيل الخمسة: والتقييد بها لأجل فائدة تترتّب عليه، مثلاً:

أ. التقييد بمفعول مطلق، لبيان نوع الفعل، أو عدده، تقول: ضربت زيداً ضربةً، أي شديدة، أو تقول: ضربت ضربتين.
ب. التقييد بمفعول به، لبيان مَن وقع عليه الفعل، كقولك: ضربت زيداً .
ج. التقييد بمفعول معه، لبيان المقارنة، تقول: سيري والطريق مسرعة.

1 . قيل هو: ساعدة بن جؤبة أخو بني كعب كاهل بن الحارث، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم وليست له صحبة، وشعره محشو بالغريب والمعاني الغامضة. خزانة الأدب: 3/85 . وقيل هو: جؤبة بن النضر أو النضر بن جؤبة. راجع: معاهدة التنصيص: 1/207; الحماسة البصرية: 2/12.

صفحه 92
د. التقييد بمفعول له، لبيان سبب الفعل وعلّته، يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب.
هـ. التقييد بفعول فيه، لبيان ظرف الفعل، تقول: ضربت زيداً يومَ الجمعة أمام الأمير.

2. التقييد بالحال:

وذلك لبيان هيئة صاحبه، تقول: جاء زيدٌ منفرداً.

3. التقييد بالتمييز:

وذلك لبيان ما خفي من نسبة أو ذات، كقوله تعالى: (وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا)1، وقول القائل : عندي قفيزٌ برّاً.

4. التقييد بالاستثناء:

وذلك لبيان عدم شمول الحكم للمستثنى، كقوله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).2

5. التقييد بالشرط:

في تقييد المسند   
تقييد المسند بالشرط لايكون إلاّ لإفادة معنى الأداة المقيّد بها، فيختلف باختلاف معاني الأدوات، أعني: الأدوات التالية:

1 . مريم: 4.
2 . العصر: 2ـ3.

صفحه 93
«إن»، و «إذا»، و «لو» وخصصنا البحث بهذه الحروف الثلاثة لاختصاصها بصفات غير موجودة في غيرها، ولذلك نركّز الكلام في هذه الحروف الثلاثة من حروف الشرط.
يقيّد المسند بـ «إن» الشرطية عند عدم الجزم بوقوع الشرط، ولذا تدخل على النادر والمحال، بخلاف «إذا» فيقيّد المسند بـ «إذا» عند الجزم به، ولذلك نرى أنّه غلب في «إذا» لفظ الماضي لدلالته على الوقوع، كقوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ).1
وقد اجتمع التقييد بهما في قوله سبحانه: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ)،2 فقد قرنت الحسنة بإذا ولفظ الماضي لأنّ وقوعها قطعيّ، ونِعم اللّه تعالى لاتنفكّ عن العباد، على خلاف السيئة فقد قرنت بـ «إن» وفعل المضارع إشارة إلى ندورها.
هذه هي الضابطة في «إن»، ولكن قد يعدل عنها للنكات التالية:
1. التجاهل لاقتضاء المقام له، كما إذا سُئل الخادم عن صاحب البيت، هل هو في الدار؟ وهو يعلم أنّه فيها، فيقول: إن كان فيها أخبرك، يقول ذلك خوفاً من السيّد.
2. تنزيل العالم منزلة الجاهل لمخالفته مقتضى علمه، كقولك للمتكبّر: إن كنت من تراب فلا تفخر.

1 . الواقعة:1.
2 . الأعراف: 131.

صفحه 94
3. كون المخاطب غير جازم، كقولك لمن يكذبك: إن صدقتُ فماذا تفعل، مع علمك بأنّك صادق.
4. تعيير المخاطب على الشرط، وتصوير أنّه لا يصلح إلاّ لفرضه، كقوله سبحانه: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ).1 على قراءة «إن» بالكسر على خلاف المشهور.
فإن كون القوم مسرفين كان أمراً قطعيّاً، ولكن مقتضى المقام أن لايكونوا مسرفين، فلذلك استعمل «إن» الشرطية.
5. تغليب مشكوك الحصول على قطعيّه، كما إذا كان القيام قطعيّ الحصول بالنسبة إلى زيد وغير قطعيّ بالنسبة إلى عمرو، فتقول: إن قاما كان كذا.
إلى هنا تمّ الكلام في «إن» الشرطيّة، بقي الكلام في «لو».
المشهور عند علماء الأدب هو أنّ «لو» وضعت لبيان امتناع الثاني لامتناع الأوّل، كما يشير إليه الخطيب في «تلخيص المفتاح» ويقول: لو للشرط في الماضي مع القطع بانتفاء الشرط ]فيلزم انتفاء الثاني [.
ويقول التفتازاني في شرحه: كما يقول لو جئتني لأكرمتك، معلّقاً الإكرام بالمجيء مع القطع بانتفائه فيلزم انتفاء الإكرام فهي لامتناع الثاني لامتناع الأوّل.2

1 . الزخرف: 5.
2 . راجع الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 95 .

صفحه 95
ثم الامتناع قد يكون عقلياً وأُخرى عاديّاً كما في الأمثلة التالية:
أ. قوله سبحانه: (قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)،1يدلّ على امتناع الهداية لامتناع المشيئة في الماضي.
ب. قول الشاعر2:
وَ لو طارَ ذو حافر قَبْلَها *** لَطَارَتْ وَلكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ
أي عدم طيران تلك الفرس بسبب أنّه لم يطر ذو حافر قبلها.
والأوّل ممتنع عقلاً، والثاني ممتنع عادة.
ج. قول أبي العلاء المعرّي:
وَ لوْ دامتِ الدولاتُ كانوا كغيرِهم *** رَعايا وَلكنْ ما لَهُنّ دوامُ3
والأولى تبديل لفظ الامتناع، بالانتفاء كما في عبارة التلخيص; لأنّ الانتفاء أعمّ من الامتناع كما في قولهم: لو جئتني لأكرمتك.
وأمّا المعروف بين المنطقيين فقد جعلوا «لو» مثل سائر أدوات الشرط، للتلازم بمعنى لزوم الجزاء للشرط، من غير قصد إلى القطع بانتفائهما، ولهذا صحّ عندهم استثناء عين المقدّم، نحو: لو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكنّ الشمس طالعة.

1 . الأنعام: 149.
2 . القائل هو: أُبيّ بن سلمى بن ربيعة بن زيان الضبّي، من شعراء الجاهلية. ديوان الحماسة لأبي تمّام: 1/215.
3 . مختصر المعاني: 95.

صفحه 96
ولكن الاستعمال على هذا النحو قليل، فالأكثر الاستعمال على ما عليه علماء الأدب.
   

البحث الخامس: في تنكير المسند وتخصيصه وتعريفه

ينكَّر المسند لأحد الأغراض التالية:
1. إرادة عدم العهد وعدم الحصر، نحو قولك: زيد كاتب، وعمرو شاعر.
2. للتفخيم، نحو قوله تعالى: (هدىً للمتّقين) 1 بناء على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك الكتاب هدى للمتّقين، وأمّا من جعله حالاً فلا يكون شاهداً للمقام.
3. للتحقير، نحو قولك: ما زيدٌ شيئاً.
وأمّا تخصيص المسند بوصف فلأجل كونه مع الوصف مراداً، نحو قولك: زيد كاتب مجيد.

تعريف المسند

الأصل في المسند التنكير، وإنّما يعرّف إذا كان المسند إليه معرّفاً، عندئذ فلتعريف المسند علل وأغراض هي:
1. إفادة المخاطب حكماً مجهولاً غير عالم به كما إذا كان المخاطب يعلم كلاًّ من المسند والمسند إليه ولكن لايعلم إسناد أحدهما إلى الآخر، كما إذا عرف زيداً وعرف أنّ له أخاً، فيقول: إنّ زيداً أخوك.

1 . البقرة: 2 .

صفحه 97
2. إفادة لازم الحكم، كنفس المثال السابق، غير أنّ المخاطب عالم بالحكم ولكنّه جاهل بأنّ المتكلّم عالم به، فهو بقوله: زيد أخوك، يفيد لازم الحكم وأنّه أيضاً عالم به.
3. قصر المسند على المسند عليه، إذا كان معرّفاً باللام، قصراً حقيقياً كما إذا قال: زيد الأمير، أو قصراً ادّعائياً كما إذا قال: عمرو الشجاع، باعتبار عدم الاعتداد بشجاعة غيره.
نعم ربما يكون كذلك ولايفيد القصر، كما في قول الخنساء1:
إذا قَبُحَ البُـكاءُ على قَتيل *** رَأيتُ بُكاءَكَ الحَسَنَ الجميلا
وجهه: أنّه لو قيل بالقصر يكون المعنى: ما الحسن الجميل إلاّ بكاؤك، وهو ممّا لايقبله الذوق.2
***

المبحث السادس: في تأخير المسند وتقديمه

الأصل في المسند هو التأخير، وإنّما يقدّم للأغراض التالية:
1. تخصيصه بالمسند إليه، نحو قوله تعالى: (لا فيِها غَولٌ وَلا هُم عَنهَا

1 . هي: تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد الرياحية السلمية، المعروفة بالخنساء من بني سليم من قيس عيلان، من مضر، أشهر شواعر العرب، من أهل نجد عاشت أكثر عمرها في الجاهلية، وأدركت الإسلام فأسلمت، ووفدت على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) مع قومها. كان لها أربعة بنين شهدوا حرب القادسية سنة 16 هـ ، فجعلت تحرّضهم على الثبات حتى قتلوا جميعاً، فقالت: الحمد للّه الذي شرّفني بقتلهم. لها ديوان شعر مطبوع. توفّيت سنة 24 هـ . الأعلام: 2/86.
2 . مختصر المعاني: 99.

صفحه 98
يَنزِفوُنَ)1، والغول هو الوجع المؤدّي إلى الهلاك، ولاينزفون أي لايسكرون ولايفنى خمرهم.
ولمّا كان التقديم يفيد التخصيص لم يقدّم المسند على المسند إليه في قوله تعالى: (لا رَيبَ فيه) ولم يقل: لا فيه ريب، لئلاّ يفيد تقديمه عليه وجود الريب في سائر الكتب السماوية.
2. لإفادة أنّه خبر لا وصف، كما في قول الشاعر:
لَـهُ هِمَمٌ لا مُنتَهى لِكِبارِها *** وَ هِمَّته الصُّغرى أجَلُّ من الدَّهْرِ 2
فلو قال: همم له، تصور أنّه وصف.
3. التشوّق للمسند إليه، بأن يكون لفظ المسند متضمّناً معنى يوجد الشوق لدى المخاطب لسماع المسند إليه، كقول الشاعر3:
ثَلاثَةٌ تُشرِقُ الدُّنيا بِبَهجَتِها *** شَمسُ الضّحى وأبو إسحاقَ والقمرُ4
في كون المسند جملة، حذف المسند وبناء الفعل للمفعول   
4. التفاؤل، كما في قول الشاعر:

1 . الصافات: 47.
2 . قيل: القائل هو حسّان بن ثابت الأنصاري في قصيدة يمدح فيها النبيّ(صلى الله عليه وآله). وقيل: القائل هو بكر بن النطّاح في أبي دلف العجلي. راجع: معاهدة التنصيص: 1/208.
3 . القائل هو محمد بن وهيب الحميري، أبو جعفر، أصله من البصرة، من شعراء الدولة العباسية، مدح المأمون والمعتصم، عاصر دعبلاً الخزاعي وأبا تمّام. توفّي نحو 225 هـ . الأعلام: 7/134.
4 . هذا البيت من قصيدة يمدح فيها المعتصم العباسي. راجع: معاهدة التنصيص: 1/215; الإيضاح في علوم البلاغة: 1/334; خزانة الأدب: 2/371.

صفحه 99
سَعَدَتْ بِغُرَّةِ وَجهِكَ الأيّامُ *** وَتَزَيَّنَتْ بِبقائِكَ الأعْوامُ1

البحث السابع: في كون المسند جملة

قد تقدّم البحث في كون المسند جملة عند دراسة إفراد المسند، ولذلك لا حاجة إلى التكرار.
يقول جلال الدين السيوطي:
وَ جملةٌ تجيء للتقويةِ *** أو سببيّاً كانَ كالإسمية2
أمّا التقوّي، كقوله: أنا قمت. أمّا المسند السببي كقولك: زيد أبوه قائم.

البحث الثامن: حذف المسند وبناء الفعل للمفعول

وذلك لنكت:
1. العلم بالمسند، كما في قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)،3ومن المعلوم أنّ القائل هو اللّه سبحانه.
2. تحقير الفاعل، كما في قوله: قُطعت يَدُ اللصّ.
3. الجهل بالفاعل، كما في قولك: سُرق ثوب.
إلى غير ذلك من النكات الباعثة لبناء الفعل على المفعول. ثم إنّ ما مرّ من ذكر المسند والمسند إليه وحذفهما وتقديمهما أو تأخيرهما، لايختصّ

1 . راجع: مختصر المعاني: 102
2 . عقود الجمان: 40.
3 . هود: 44 .

صفحه 100
بهما فقط، بل يأتي في المفاعيل والظروف الزمانية والمكانية.
تمّ الكلام في أحوال المسند التي هي موضوع الباب الثالث.
***

صفحه 101
الباب الرابع:
في أحوال متعلّقات الفعل
وما يعمل عمله كاسم الفاعل
متعلّقات الفعل عبارة عن:
المفعول، الحال، التمييز، الظرف، المجرور.
والأحوال عبارة عن: ذكر المتعلّقات، وحذفها، وتعريفها، وتنكيرها، وتقديمها، وتأخيرها.
فعلى ذلك فهنا أبحاث:
الأوّل: ذكر المفعول به وتركه.
الثاني: تقديم المفعول به.
الثالث: تقديم بعض متعلّقات الفعل على بعض.
وإليك هذه البحوث.

صفحه 102

صفحه 103
اعلم أنّه إذا أُريد إفادة وجود الفعل يُقال: وقع ضربٌ، من دون إشارة إلى الفاعل أو المفعول، إذ لم يتعلّق الغرض إلاّ بأصل الفعل، وأمّا إذا تعلّق الغرض بإفادة التلبّس، أي تلبّس شخص بصدور الفعل منه وتلبّس الآخر بوقوع الفعل عليه. يذكر المفعول كذكر الفاعل. فيقع الكلام في أحوال المفعول به من التقديم والتأخير وذكره وحذفه، فنقول:

البحث الأوّل: ذكر المفعول به وتركه

الأصل في المفعول هو الذكر، لتمامية الكلام به، وإنّما يحذف لأحد الأغراض التالية:
1. إذا كان الغرض إثبات الفعل لفاعله، أو نفيه عنه، من غير اعتبار تعلّقه بمن وقع عليه، فعندئذ ينزّل الفعل المتعدّي منزلة اللازم ولم يقدّر له مفعول، إذ لم يتعلّق الغرض بذكر المفعول أصلاً، كقوله سبحانه: (هَل يَسْتَوِي الّذينَ يعلمونَ والذّينَ لا يَعلَمُون)1 فقد حذف المفعول لأنّ الغرض هو إنكار استواء من حمل العلم ومن لم يحمله، من غير تعلّق غرض بنفس المعلوم.
2. حذف المفعول لإرادة التعميم في أفراده، مثل قوله سبحانه: (وَاللهُ

1 . الزمر: 9 .

صفحه 104
يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ)1. أي كلّ الناس.
3. تركه لوجود الاستهجان في الذكر، كقول القائل: ما رأيت منه ولا رأى منّي، أي: العورة.
4. رعاية الفاصلة، كقوله تعالى:(مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى).2
لأنّ فواصل الآيات في سورة «والضحى» على الألف، فلو قيل: (وما قلاك) لخالف فواصل الآيات المتقدّمة.
5. البيان بعد الإبهام، كما إذا وقع فعل المشيئة شرطاً فإنّ الجواب
يدلّ عليه، كقوله تعالى: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)3، أي لو شاء
هدايتكم .
إلى غير ذلك من الأغراض الداعية للحذف.
6. إرادة ذكره ثانياً على وجه يتضمّن إيقاع الفعل على صريح لفظه، إظهاراً لكمال العناية بوقوعه عليه، كقول أبي تمّام:
قَدْ طَلَبنا وَلَمْ نَجِد لَكَ في السُؤ *** دَدِ والمَجدِ والمَكارِمِ مِثلا4
   
أراد إيقاع نفي الوجدان على المثل صريحاً، بخلاف ما لو قال:
قد طلبنا لك مثلاً فلم نجد... الخ، فلا يقع نفي الوجدان على المثل
صريحاً.

1 . يونس: 25 .
2 . الضحى:3.
3 . الأنعام: 149 .
4 . راجع: الوافي بالوفيات: 21/43; مختصر المعاني: 110.

صفحه 105
7. الاختصار مع قيام القرينة على المحذوف، نحو قوله: أصغيت إليه، أي: أُذني.

البحث الثاني: تقديم المفعول

الأصل في المفعول التأخّر عن الفعل ولكن قد يعدل عن هذا الأصل لأغراض:
1. التخصيص وقصر الحكم عليه، نحو: زيداً عرفت، ومنه قوله سبحانه: (إيّاكَ نَعْبُدُ)، والدليل على إفادة القصر أنّه لا يصحّ أن يقال: زيداً عرفت وغيره، كما لايصح أن يقال: ما زيداً عرفت ولا غيره. أمّا الأوّل فلكونه مخالفاً للقصر، وأمّا الثاني فلأنّ تقديم المفعول يدلّ على ثبوت الفعل، فنفيه عن زيد وغيره ينافي هذا.
2. الاهتمام بالمفعول ، نحو : محمداً آمنت به . وأمّا قوله سبحانه :
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ)1 فيحتمل أن يكون من باب
الاهتمام.
وأمّا قوله سبحانه: (وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)2 فيحتمل التخصيص لأجل الاهتمام بذكرهم لما في حياة هذه الفئة من عبر.
3. التبرّك، كالمثال السابق. كما في قولك: محمداً آمنت به.

1 . الضحى:9ـ10.
2 . فصّلت: 17.

صفحه 106
4. رعاية الفواصل، كما في قوله تعالى: (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَة ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ).1

البحث الثالث: تقديم بعض متعلّقات الفعل على بعض

كان الكلام إلى هنا في المفعول ذكراً وحذفاً وتقديماً وتأخيراً، وحان البحث في أحوال بعض متعلّقات الفعل من الفاعل والمفعول الثاني والمجرور والحال، فنقول:
1. تقديم الفاعل، لأنّ الأصل فيه التقدّم.
2. تقديم المفعول الأوّل على المفعول الثاني، كما في باب (أعطى)، نحو قولك: أعطيت زيداً درهماً، وذلك لأنّ زيداً بمنزلة الفاعل في المعنى، إذ هو الآخذ.
3. ما لو تأخّر، يكون مخلاًّ بالمعنى، مثل قوله تعالى:(وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)2 فقد تقدّم (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) حتى يُعلم أنَّ مَن يكتم إيمانه هو من هذه الطائفة، بخلاف ما لو أخّر وقيل: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، فعندئذ لايدلّ على أنّ الكاتم من آل فرعون صريحاً، بل يدلّ على كتمان إيمانه فقط.
4. رعاية الفواصل، كقوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى)،3

1 . الحاقة:31ـ32.
2 . غافر: 28.
3 . طه:67.

صفحه 107
فتقدّم المجرور والمفعول على الفاعل (أعني: موسى) لرعاية فواصل الآيات.
5. تقديم الحال لإفادة الحصر والتخصيص، كقوله: راكباً جاء زيدٌ.
إلى غير ذلك من الموارد التي يقدّم بعض المتعلقّات على بعض لأغراض خاصّة.
تمّ الكلام في الباب الرابع

صفحه 108

صفحه 109
الباب الخامس :
القصر
القصر لغة واصطلاحاً، وفيه أُمور:
1. تقسيمات القصر:
أ. القصر إمّا حقيقي أو إضافي.
ب. قصر الموصوف على الصفة وبالعكس.
ج. تقسيم القصر إلى الإفراد والقلب والتعيين.
2. طرق وأدوات القصر
3. الاختلاف بين أدوات القصر.
4. العدول من مقتضى الظاهر إلى مقتضى الحال .
5. مواضع القصر.

صفحه 110

صفحه 111
القصر في اللغة: الحبس، ومنه قوله تعالى: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)1.
وفي الاصطلاح : تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص، كتخصيص زيد بالقيام في قولك: ما قائمٌ إلاّ زيد.

الأوّل: تقسيمات القصر:

ذكر علماء البلاغة للقصر تقسيمات:

أ. القصر إمّا حقيقي أو إضافي

فلو كان التخصيص حسب الحقيقة بحيث لايتجاوز المقصور ما قصر عليه إلى غيره فالقصر حقيقي، كقولنا: إنّما السعادة للموحّدين.
وإذا كان التخصيص فيه بحسب الإضافة إلى شيء آخر فالقصر إضافي، كما إذا ادّعى شخص أنّ زيداً وعمراً عالمان، فتقول في ردّه: إنّما العالم زيد، فقصر العالمية على زيد إضافيّ بالنسبة إلى عمرو، لا بالنسبة إلى غيره، إذ ما أكثر العلماء غير زيد.

1 . الرحمن: 72.

صفحه 112

ب . قصر الموصوف على الصفة وبالعكس

إذا قصر الموصوف على الصفة بمعنى أنّ الموصوف لايتجاوز هذه الصفة إلى صفة أُخرى، ولكن يجوز أن يشاركه في هذه الصفة موصوف آخر، فهو من قبيل قصر الموصوف على الصفة، كما إذا قال: إنّما زيد شاعر، فحصر المتكلّم شؤون زيد في الشاعرية، فكأنّه لا شأن له إلاّ هذه ، ومع هذا لا تنفي وجود هذا الوصف في غيره، لكن هذا القسم غير موجود; إذ ما من موصوف إلاّ وله شؤون أُخرى ككونه آكلاً، شارباً، وماشياً، ونائماً.
وإذا قصر الصفة على موصوف، بمعنى أنّ الصفة لاتتجاوز الموصوف إلى موصوف آخر، ومع ذلك يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات أُخرى، فهو من قبيل قصر الصفة على الموصوف، كقولك: إنّما الشاعر زيد، فالمتكلّم بصدد حصر الشاعرية على زيد وأنّه ليس في المكان الذي هو فيه شاعر غيره، مع عدم إنكار أن يكون لزيد شؤون أُخر على عكس السابق، فهذا القسم كثير الوجود، كما إذا قال: ما في الدار إلاّ زيد، بمعنى أنّ الكون في الدار مقصور على زيد، وهذا أمر ممكن جدّاً، بأن ينحصر الكون في الدار على زيد، حقيقة; وأُخرى ادّعاءً، كما إذا كان معه طفل صغير لا يعبأ بوجوده.

ج . تقسيم القصر إلى الإفراد والقلب والتعيين

اعلم أنّ كلاًّ من قصر الإفراد والقلب والتعيين يجري في كلا القسمين، أي: قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف، لكن بملاكات مختلفة:

صفحه 113
1. أمّا الإفراد: فملاكه ما إذا اعتقد المخاطب الشركة، أي كون الموصوف ذو أوصاف مختلفة (في قصر الموصوف على الصفة) أو شركة أشخاص متعددين في هذا الوصف (في قصر الصفة على الموصوف)، فعندئذ يكون المتكلّم بصدد الإفراد وردّ الشركة، إمّا بأنّه لا شؤون للموصوف إلاّ وصفاً واحداً (قصر الموصوف على الصفة)، أو لايشارك الموصوف شخص آخر في تلك الصفة (قصر الصفة على الموصوف).
2. وأمّا القلب: فهو ما إذا اعتقد المخاطب عكس الحكم الذي يعتقد به المتكلّم فيزعم اتّصافه بالقعود دون القيام، فيقول: ما زيدٌ إلاّ قائم، أو أنّ عمراً شاعر دون زيد، فيقول ردّاً وقلباً لاعتقاده: ما شاعر إلاّ زيد. فيسمّى قصر قلب، لقلبه حكم المخاطب.
3. وأمّا التعيين: وهو ما إذا تساوى عند المخاطب الأمران، أي اتّصافه بغير الصفة في قصر الموصوف، واتّصاف غيره بتلك الصفة في قصر الصفة أمّا الأوّل فمثل قولنا: ما زيد إلاّ قائم، في مقابل من يعتقد أنّه إمّا قائم أو قاعد ولايعرفه على التعيين . وأمّا الثاني فمثل قولنا: ما شاعر إلاّ زيد، في مقابل من يعتقد أنّ الشاعر إمّا زيد أو عمرو، من غير أن يعلمه على التعيين .
ويسمّى هذا القصر في كلتا الصورتين قصر تعيين، لتعيينه ما هو غير معيّن عند المخاطب.

الثاني: طرق وأدوات القصر

للقصر طرق وأدوات نشير إلى أهمها:

صفحه 114
1. النفي والاستثناء بإلاّ: نحو قوله تعالى: (إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ).1
2. العطف بـ «لا»، أو بـ «بل»: نحو: جاء زيد لا عمرو، ونحو: ما زيد كاتباً بل شاعراً.
3. تقديم ما حقّه التأخير: كقولك: العالم صَحبته.
4. إنّما: كقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ)2، أي ما حرّم عليكم إلاّ هذه، وكقوله تعالى: (إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)3، وكقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ).4
والظاهر من الزمخشري أنّ (أَنَّمَا) بالفتح مثلها بالكسر تفيد الحصر، حيث قال في تفسير قوله تعالى: (إنّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ): «إنّما» لقصر الحكم على شيء، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنّما زيد قائم، وإنّما يقوم زيد، وقد اجتمع المثالان في هذه الآية، لأنّ «إنّما يوحى إليّ» مع فاعله بمنزلة «إنّما يقوم زيد»، و (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) بمنزلة إنّما زيد قائم، ففائدة اجتماعهما الدلالة على أنّ الوحي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مقصور على استئثار اللّه بالوحدانية.5

1 . فاطر:23.
2 . البقرة:173.
3 . النساء:171.
4 . الكهف:110.
5 . تفسير الكشاف: 2/ 586.

صفحه 115

الثالث: الفروق بين أدوات القصر

قد عرفت أنّ للقصر أدوات أشرنا إلى المهمّ منها، لكن بين هذه الأدوات فروق، هي:
1. أنّ دلالة الجميع على القصر بالوضع، إلاّ دلالة تقديم ما حقّه التأخير فهي بالفحوى، بمعنى أنّه إذا تأمّل صاحب الذوق السليم في مفهوم الكلام الذي فيه التقديم فهم منه القصر، وأمّا دلالة غيره فبالوضع كأنّ الواضع وضع ألفاظ «لا» و «بل» و «النفي والاستثناء» لمعان تفيد القصر.
2. إذا كان القصر بـ «لا» العاطفة يذكر المثبت والمنفيّ معاً، بتقديم المثبت على المنفيّ، نحو قولك: زيد شاعر لا كاتب، ومثلها «بل» لكن بتقديم المنفيّ على المثبت، كقولك: ما زيد كاتباً بل شاعراً.
هذا كلّه حول العطف بـ «لا» و «بل»، وأمّا البواقي فيذكر المثبت دون المنفيّ، فيقال في النفي والاستثناء: ما زيد إلاّ عالم، وفي إنّما: إنّما زيد كاتب.
وفي تقديم ما حقّه التأخير، نحو: أنا كفيت مهمّك.
3. أنّ النفي بـ (لا) لايجامع النفي والاستثناء، فلايصح أن يقال: ما زيد إلاّ قائم لا قاعد.
وذلك لأنّ شرط المنفيّ بـ «لا» العاطفة، أن لايكون منفيّاً قبلها بغيرها من أدوات النفي لأنّها وضعت لنفي ما أوجب للمتبوع وثبت له، لا لإعادة النفي في شيء نفيته، وهو مفقود في النفي، والاستثناء، لأنّ قولك: ما زيد إلاّ قائم، فيه نفي كلّ صفة وقع فيها التنازع فيه، حتى كأنّك قلت: ليس هو بقاعد

صفحه 116
ولا قائم، ونحو ذلك، فإذا قلت: لا قاعد، فقد نفيت بـ «لا» شيئاً هو منفي قبلها بـ «ما».
وأمّا الأخيران ـ أعني: «إنّما» والتقديم ـ فقد يجامعهما النفي، فيقال: إنّما أنا تميميّ لا قيسيّ، ويقال: هو يأتيني لا عمرو، لأنّ النفي في الأخيرين غير مصرّح به، بخلافه في السابقين.
4. إنّ الأصل في النفي والاستثناء أن يكون المخاطب جاهلاً بما استعمل له ( أي إثبات الحكم المذكور)، بخلاف «إنّما» فإنّ الأصل فيها أن يكون الحكم ممّا يعلمه المخاطب ولاينكره.
أمّا الأوّل فكقوله تعالى: (وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ اللهُ)1، لأنّ المشركين كانوا جاهلين بذلك ومصرّين على جهلهم .
وأمّا الثاني فكقوله تعالى:(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ)2، وقوله تعالى: (إنّما أنتَ مُنْذِرٌ)3، وذلك لأنّ المخاطب وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عالم بذلك.
هذه هي الضوابط في أدوات القصر، وقد يعدل عنه لذلك كما سَيوافيك.

الرابع: العدول من مقتضى الظاهر إلى مقتضى الحال

ما ذكرناه هو الضابطة العامّة في استعمال هذه الأدوات، وقد يعدل

1 . آل عمران: 62.
2 . آل عمران:20.
3 . الرعد:7; النازعات: 45.

صفحه 117
عنها للنكات التالية:
1. ينزّل المجهول منزلة المعلوم لادّعاء ظهوره، فيستعمل لفظة «إنّما»، كقول المنافقين: (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)1 حيث ادّعوا أنّ كونهم مصلحين أمر لايجهل ولاينكر، ولذلك رُدّ قولهم بتأكيدات، وقال تعالى: (أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ).2
2. تنزيل المعلوم منزلة المجهول، فيستعمل له النفي والاستثناء، مثل قوله تعالى: (وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ).3
وقلنا: إنّه من قبيل تنزيل المعلوم منزلة المجهول; لأنّ المخاطبين في عصر نزول الآية كانوا عالمين بكونه(صلى الله عليه وآله) مقصوراً على الرسالة غير جامع بين الرسالة والحياة الخالدة، ولكنّهم لمّا كانوا يعدّون هلاكه أمراً عظيماً نزل استعظامهم لموته منزلة إنكارهم.

الخامس: مواضع القصر

إذا كان القصر بمعنى تخصيص شيء بشيء، فلابدّ أن نحدّد مواضعه، وإليك بيانها:
1. القصر بين المبتدأ والخبر، نحو: زيد هو القائم.
2. بين الفعل والفاعل، نحو: ما قام إلاّ زيد.

1 . البقرة: 11 .
2 . البقرة: 12 .
3 . آل عمران: 144 .

صفحه 118
3. بين الفاعل والمفعول، نحو: ما ضرب زيداً إلاّ عمرو.
4. بين المفعولين، نحو: ما أعطيت زيداً إلاّ درهماً.
5. بين الحال وذيها، نحو قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً )1حيث قدّم المجرور، واللاّم فيه للاستغراق ردّاً على زعم اليهود اختصاص بعثه بالعرب.
6. بين التمييز ومميّزه، نحو: ما طاب زيد إلاّ نفساً.
تمّ الكلام في الباب الخامس
***

1 . النساء: 79 .

صفحه 119
الباب السادس:
في الإنشاء
وفيه بحوث:
1. تقسيم الكلام إلى الإخبار والإنشاء
2. تقسيم الإنشاء إلى طلبي وغير طلبي
3. أقسام الإنشاء الطلبي
4. استعمال الإنشاء الطلبي في غير معناه مجازاً
جواز تقدير الشرط بعد التمنّي والاستفهام والأمر والنهي وإيراد الجزاء مجزوماً
إتمام: إيقاع الجملة الخبرية موقع الإنشاء لغايات

صفحه 120

صفحه 121

الأوّل: تقسيم الكلام إلى الإخبار والإنشاء

يطلق الإنشاء ويراد به الكلام الذي ليس لمضمونه خارج يطابقه أو لايطابقه، وقد يطلق ويراد به: فعل المتكلّم، أعني: إلقاء الكلام الإنشائي، كالإخبار.
وذكر سعد الدّين التفتازاني 1 أنّ المراد هو الثاني، لأنّ صاحب تلخيص المفتاح قسّمه إلى الطلب وغيره. ولكنّ الظاهر هو المعنى الأوّل; لأنّ الطلب ليس قائماً بنفس الإلقاء بل قائماً بالكلام الذي ليس لمضمونه خارج يطابقه أوْ لا.

البحث الثاني: تقسيم الإنشاء إلى طلبي وغير طلبي

إنّ الإنشاء ينقسم إلى طلبيٍّ وغير طلبيٍّ.2
أمّا الأوّل، فالمتكلّم يطلب أمراً غير حاصل في وقت الطلب، وقلنا: «غير حاصل في وقت الطلب» إذ لو كان حاصلاً لامتنع طلب الحاصل.
وإليك الإشارة إلى رؤوس هذا القسم:
1. التمنّي، وهو طلب شيء غير متوقّع، سواء أكان محالاً، نحو: ليتَ

1 . مختصر المعاني: 129 .
2 . هذا هو الصحيح خلافاً للتفتازاني وغيره، حيث قالوا بالطلب وغيره.

صفحه 122
الشبابَ يعودُ; أو أمراً ممكناً لكن غير متوقع الوجود، كقولك: ليت زيداً يأتيني فيحدّثني. تقوله في حال لاتتوقّع إتيانه ولا مطمع لك فيه.
2. الترجّي، وهو طلب شيء متوقّع، كقوله سبحانه: (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).1
3. الاستفهام، وهو طلب حصول صورة في الذهن، نحو: هل زيد قائمٌ؟ أو طلب رفع الجهل عن أحد أركان القضية: النسبة، أو أحد الطرفين، إذ تارة يتعلّق الجهل بأحد طرفي القضية مع العلم بالنسبة، والأُخرى يتعلّق بالنسبة مع العلم بالطرفين، وسيأتي تفصيله.
4. الأمر، وهو طلب الفعل مع الاستعلاء، كقوله سبحانه: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ)2.
5. النهي، وهو طلب الكفّ عن الفعل مع الاستعلاء، كقولك: لاتغتب.
وقد صدرنا في تعريف الأمر والنهي عن تعريف المشهور وإلاّ فالحقّ أنّ الأمر: هو البعث إلى شيء، والنهي: هو الزجر عنه.
6. النداء، وهو طلب الإقبال بحرف نائب مناب (أدعو)، نحو قولك: يا غياثَ المستغيثين.
هذاكلّه حول الإنشاء الطلبي.
وأمّا الثاني ـ أي الإنشاء غير الطلبي ـ : فهو كالأُمور التالية:

1 . التوبة: 122 .
2 . البقرة: 43 .

صفحه 123
1. أفعال المدح والذمّ، كنعْم وبئس، كقولك: نعْمَ الرجل زيد.
2. فعل التعجّب، نحو قولك: ما أحسنَ زيداً.
3. صيغ العقود، وهذا فيما إذا استعملت صيغة الماضي في إنشاء الأمر الاعتباري كالبيع والنكاح، فيقول: بعت، اشتريت، أنكحت.
4. القسم، كقوله: أقسم باللّه وآياته.
5 . رُبّ، كقوله(صلى الله عليه وآله): «رُبّ قارئ للقرآن والقرآنُ يلعنُه»1.
6. كَمْ الخبرية، نحو قولك: كَم كتاب اقتنيت، إذا كان الغرض استكثارها، دون السؤال عن عددها.
إلى غير ذلك من الموارد الّتي يكون المفاد فيها إنشاء مفهوم من دون أن يتضمّن طلب شيء.
ثم إنّ المهمّ في المقام هو الإنشاء الطلبي، وأمّا غيره فالأصل فيه الإخبار ثمّ نقل إلى المعنى الإنشائي.
إذا عرفت ذلك فلندرس أقسام الإنشاء الطلبي حسب الترتيب الذي ذكرناه.

1 . بحار الأنوار: 89/184; مستدرك الوسائل: 4/250 برقم 4621، الباب 7 من أبواب قراءة القرآن.

صفحه 124

البحث الثالث: أقسام الإنشاء الطلبي

1و2. التمنّي والترجّي

اللفظ الموضوع للتمنّي هو لفظ «ليت»، وقد عرفت أنّه موضوع للأمر غير المتوقّع، لا خصوص المحال، وإن كان مورد المثال بين الأُدباء محالاً، كقول الشاعر1:
ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً *** فأخبرَه بما فعلَ المشيبُ2
فتطلب عَود الشباب مع جزمك بأنّه لا يعود.
يقول السكّاكي: لو قلت: ليت زيداً يأتيني، أو: ليتك تحدّثني، فتطلب إتيان زيد أو حديث صاحبك في حال لاتتوقعهما ولا لك طماعية في وقوعهما، إذ لو توقعت أو طمعت لاستعملت كلمة «لعلّ» أو «عسى».3
ثم إنّه قد يتمنّى بـ «هل» كما في قوله سبحانه:(فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا).4
ووجه عدم كونه استفهاماً; لأنّه يشترط في الاستفهام الجهل بالثبوت

1 . القائل هو: أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني العنزي بالولاء، شاعر مكثر، في شعره إبداع، من طبقة بشار بن برد وأبي نؤاس وأمثالهما. ولد في عين التمر قرب الكوفة سنة 130هـ، ونشأ في الكوفة، وسكن بغداد وتوفّي بها سنة 211 هـ . هجر الشعر مدّة فهدّده المهدي العباسي بالقتل! فعاد إلى نظمه. له ديوان شعر مطبوع. الأعلام: 1/321.
2 . ديوان أبي العتاهية: 1/19.
3 . مفتاح العلوم: 131.
4 . الأعراف: 53.

صفحه 125
والانتفاء، والمفروض أنّ المشركين كانوا يعلمون بعدم وجود الشفعاء لهم.
وأمّا وجه إخراج التمنّي بصورة الاستفهام والعدول عن «ليت»، هو إبراز «المتمنّى» في صورة الممكن الذي لا جزم بانتفائه ليدلّ على كمال العناية به.
وقد يتمنّى بـ «لو»، نحو قولك: لو تأتيني فتحدّثني (بالنصب) على تقدير: فأن تحدّثني، فإنّ النصب قرينة على أنّ «لو» ليست على أصلها (امتناع الثاني لامتناع الأوّل)، إذ لاينصب المضارع بعدها، على إضمار أن، وإنّما يضمر «أن» في جواب الأشياء الستة، والمناسب للمقام هاهنا هو التمنّي.
وأمّا ما هي المناسبة في استعمال «لو» مكان «ليت»، فلاشتراكهما في فرض غير الواقع واقعاً.
وقد يتمنّى بـ «لعل» فيعطى له حكم «ليت»، وينصب في جوابه المضارع على إضمار «أن»، كقول القائل: لعلّي أحجّ فأزورك ـ بالنصب ـ ، وذلك لبعد المرجوّ عن الحصول، ولذلك أشبه بالأُمور التي لا طماعية في وقوعها، فيتولّد منه التمنّي، ولذلك لايقال: لعلّ الشمس تغرب، إذا كان المراد التمنّي.
وممّا ذكرنا عُلم حال الترجّي، لأنّه والتمنّي يرتضعان من ثدي واحدة غير أنّ المطلوب في التمنّي أمر غير متوقّع، وفي الترجّي أمر متوقّع.

صفحه 126
أدوات الاستفهام   

3. الاستفهام

وهو عبارة عن طلب حصول صورة في الذهن، فإن كانت تلك الصورة هي وقوع نسبة بين الشيئين أو لا وقوعها، فحصولها هو التصديق، وإلاّ فهو التصوّر.
والألفاظ الموضوعة للاستفهام هي:
1. الهمزة 2. هل 3. ما 4. مَنْ 5. أي 6. كيف 7. كم 8. أين 9. أنّى 10. متى 11. أيّان.
فبعضها مختصّ بطلب التصوّر، وبعضها بطلب التصديق، وبعضها مشترك بينهما، فلندرسها تالياً:

الهمزة:

وهي لا تختصّ بشيء من التصورّ أو التصديق، بل تعمّ كلا القسمين وبذلك صارت ذات أهمية، تارة لطلب التصديق، كقولك: أقائم زيد؟ و: أزيدٌ قائم؟ وتستعمل الجملتان فيما إذا عُلم أنّ بين زيد والقيام نسبة إيجابية أو سلبية، وإنّما تطلب تعيينها، فيقال في الجواب: زيد قائمٌ، أو: ليس زيد بقائم.
وأُخرى لطلب التصوّر، أي: إدراك شيء غير النسبة، كقولك: أدبس في الإناء أم عسل، تقول ذلك حين تعلم وجود النسبة أي يوجد شيء في الإناء، ولكن لاتدري ما هو هذا الشيء، أهو دبس أم عسل.
وهذا كلّه في طلب تصوّر المسند إليه، وأمّا في طلب تصوّر المسند،

صفحه 127
كما في قولك: أفي الخابية دبسك أم في الزقّ. فأنت تعلم أنّ الدبس لايخلو من إناء، ولكنّك لاتعلم هل في الخابية أم في الزقّ؟ فالمطلوب تصوّر المسند.

هل:

إذا كانت «الهمزة» لا تختصّ بشيء من طلب التصديق والتصوّر، لكن «هل» تختصّ بطلب التصديق فحسب، وتدلّ على الجملة الفعلية، نحو: هل قام زيد؟ والاسمية نحو: هل عمرو قاعد؟
ولأجل اختصاصها بطلب التصديق امتنع العطف بعدها بـ «أم» المتصلة، فلا يقال: هل زيد قام أم عمرو، وذلك لوجود التناقض في الكلام، فإنّ «هل» تستعمل في طلب النسبة بعد فرض الجهل بها، وأمّا «أم» المتصلة فإنّها تستعمل عند طلب التصوّر، وإرادة التعيين بعد فرض العلم بالنسبة، وهما متنافيان.
نعم يجوز العطف بعد هل بـ «أم» المنقطعة فتقول: هل قام زيد، أم قعد عمرو؟ حيث إنّ العطف بـ «أم» المنقطعة لايخرج الاستفهام عن فرض وجود النسبة، حيث يسلّم وجود قيام قطعاً، ولكن يسأل عن المسند إليه هل هو زيد أو عمرو؟
ومن خصائص «هل»: تخصيص المضارع بالاستقبال بحكم الوضع كالسين وسوف، فلايصح أن يقال: هل تضرب زيداً وهو أخوك؟ لأنّ «هل» تخصّص المضارع بالاستقبال، فلا تصلح لإنكار الفعل الواقع في الحال، فإنّ

صفحه 128
قوله: «وهو أخوك» قرينة على أنّ المراد إنكار الضرب الواقع في الحال، لا الاستفهام عن حصول الضرب في المستقبل.
ثم لكون «هل» مقصورة على طلب التصديق ومخصّصة المضارع بالاستقبال (لأجل هذين الأمرين) كان لها مزيد اختصاص بما كونه زمانياً، ولذلك قالوا: إنّ قوله سبحانه: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ)1 أدلّ على طلب الشكر من الجملتين التاليتين: فهل تشكرون، وفهل أنتم تشكرون، وذلك لأنّ إبراز ما سيتجدّد ـ لكون المسند فعلاً ـ في قالب الثابت المستقر (كون الجملة اسمية) أدلّ على كمال العناية بحصوله في إبقائه على أصله أي الإتيان بالفعل.

تقسيم هل إلى بسيطة ومركّبة

تنقسم «هل» إلى بسيطة ومركّبة، أمّا الأُولى، فالمسؤول فيها وجود الشيء أو لا وجوده، كقولك: هل زيد موجود، أو لا؟
وأمّا الثانية، فيسلّم فيها وجود الموضوع وإنّما يُسأل عن عوارضه ومحمولاته، تقول: هل زيد قائم أو لا؟

ما

تستخدم «ما» تارة في شرح الاسم، بمعنى أنّ السائل غير واقف على معنى اللفظ فيريد شرح الاسم، وتبيّن مفهومه، كما إذا قال: ما السعدانة؟ أو قال: ما العنقاء؟ فيقال في جواب الأوّل: نبت، وفي جواب الثاني: طير.

1 . الأنبياء: 80 .

صفحه 129
وأُخرى في شرح بيان ماهية الاسم، كقولك: ما الحركة؟
فيقول المجيب: الحركة عند المتكلّمين منحصرة بالحركة الأينية، ويقولون: هي عبارة عن كون جسم في مكان بعد كونه في مكان آخر; وأمّا عند الحكماء فعبارة عن الخروج من القوة إلى الفعل على حسب التدريج.
فالمطلوب في الأوّل شرح الاسم، وفي الثاني بيان الماهية.
وإذا أراد المتكلّم أن يقف على تمام المطلوب فليستخدم هذه الأدوات بالنحو التالي: يسأل أوّلاً عن شرح الاسم ثم عن وجوده ثم عن ماهيته وأخيراً عن أعراضه وحالاته، يقول الحكيم السبزواري:
أُسُّ المطالبِ ثلاثةٌ عُلِم *** مطلبُ ما مطلبُ هل مطلبُ لِم
فما هو الشارحُ والحقيقي *** وذو اشتباك مَعَ هَلْ أنيقِ 1
وأمّا مطلب «لِم» الذي أُشير إليه في البيت الثاني فهو خارج عن موضوع البحث .

مَن

يطلب بـ «مَن» تشخّص وتعيّن الشيء المعلوم إجمالاً، كقوله: مَن في الدار؟ فيجاب: زيد، فلا تصحّ الإجابة بأوصاف كلّية لاتفيد التشخّص، إلاّ إذا صارت المفاهيم الكلّية سبباً لانحصارها في شخص معيّن، كما إذا أجاب بقوله: الذي سلّم عليك أمس قبل كلّ أحد.

1 . شرح المنظومة:31.

صفحه 130

أيّ

يُسأل بـ «أي» عمّا يميِّز أحد المشاركين في أمر يعمّهما، نحو قوله تعالى:(أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا)1 أي أنحن أم أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فالمؤمنون والكفّار قد اشتركا في عنوان الفريقية، وسألوا عمّا يميّز أحدهما عن الآخر.

كم

يُسأل بـ «كم» عن العدد، كقوله تعالى: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة)2، أي: كم آية آتيناهم أعشرين أم ثلاثين؟ والغرض التوبيخ، والاستفهام استفهام تقريري.

كيف، أين، متى، أيان، أنّى

   
هذه الألفاظ الخمسة متقاربة المضمون ; أمّا كيف فيسأل بها عن الحال، كقولك: كيف زيد؟
و بـ : (أين) عن المكان، نحو: أين ولدت؟
و بـ : (متى) عن الزمان، نحو: متى تأتي؟
و بـ : (أيّان) عن الزمان المستقبل، كقوله تعالى: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ).3

1 . مريم:73.
2 . البقرة: 211.
3 . القيامة: 6 .

صفحه 131
وأمّا أنّى فتستعمل تارة بمعنى كيف، نحو قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ)1 أي كيف شئتم، أي فأتوا حرثكم أي نوع شئتم بشرط أن يكون محلاًّ للحرث.
وأُخرى بمعنى أين، كقوله لمريم: (أَنّى لَكِ هَذَا)2.
ثم إنّ ما ذكرناه هو المعاني الحقيقية لهذه الألفاظ التي يطلب بها الإنشاء الطلبي، وربما تستعمل في غير معانيها الحقيقية مجازاً، وإليك دراستها.

البحث الرابع: استعمال الإنشاء الطلبي في غير معناه مجازاً

إنّ علماء البلاغة ذكروا أنّ ألفاظ الإنشاء الطلبي تستعمل في غير معناها مجازاً، مثلاً ذكروا أنّ كلمات الاستفهام تستعمل في ثمانية وعشرين معنى مجازاً، وهكذا صيغتا الأمر والنهي تستعملان في غير الطلب فعلاً وتركاً.
وما ذكروه لا يخلو من تكلّف، فالحقّ أن يقال: إنّ كلمات الاستفهام ـ مثلاً ـ تستعمل في معناها الحقيقي بالإرادة الاستعمالية لكن الغاية هي المعاني المجازية، كما سيظهر من الأمثلة .
وهكذا صيغتا الأمر والنهي فهما تستعملان بالإرادة الاستعمالية في الطلب فعلاً وتركاً، لكن الغاية من هذا الاستعمال شيء آخر، مثل التهديد وغيره.

1 . البقرة: 223 .
2 . آل عمران: 37.

صفحه 132
وبعبارة أُخرى: إنّ القوم لم يفرّقوا بين المستعمل فيه والأغراض المقصودة من هذا الاستعمال، فزعموا أنّها مستعملة ابتداءً في هذه الأغراض كالتنبيه على ضلال المخاطب في قوله تعالى: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)1.
ولكن الحق أنّ هذه الكلمات تستعمل في المعنى الموضوع له، فتارة يكون نفس المعنى مراداً حقيقة وهذا هو الاستعمال الحقيقي، وأُخرى يكون نفس المعنى جسراً وممرّاً لانتقال ذهن المخاطب إلى معنى آخر، كالتهكّم والتّهديد، وهذا هو المسمّى بالاستعمال المجازي.
وأنت ترى أنّ ما ذكرناه من الضابطة حاكم في جميع الموارد، وإليك الكلام فيما يُراد من الإنشاء الطلبي بأقسامه.

1. صيغة الاستفهام وإرادة غير معناها الحقيقي

تستعمل ألفاظ الاستفهام في المعاني التالية:
1. الاستبطاء، نحو: كم أدعوك؟ يقال لمن أكثرت دعاءه .
2. التعجّب، نحو قوله تعالى: (مَا لِي لاَ أَرى الْهُدْهُدَ )2، إذ أنّ الهدهد لم يكن يغيب عنه إلاّ بإذنه، فلمّا لم يبصره تعجّب سليمان (عليه السلام) من حال نفسه في عدم إبصاره إيّاه، فقال: (مَا لِي لاَ أَرى الْهُدْهُدَ )، وإلاّ فلا معنى لاستفهام العاقل عن حال نفسه.
3. التنبيه على ضلال المخاطب، نحو قوله تعالى: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ).

1 . التكوير: 26 .
2 . النمل: 20 .

صفحه 133
4. الوعيد، كقولك لمن يسيء الأدب: ألم أُؤدّب فلاناً؟ إذا كان عالماً بذلك.
5. التقرير، أي حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه وإلجاؤه إليه بشرط أن يسبق الهمزة على ما أُريد التقرير به ويذكر بعدها، نحو: أفعلت؟ ونحو: أزيداً ضربت؟
6. الإنكار، أي بإيلاء المنكر الهمزة فإن كان المنكر الفعل ولي لفظ الاستفهام، كقول الشاعر1:
أيَقْتُلُني وَالمشرَفيُّ مُضاجِعي *** ومَسنَونَةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أغوالِ؟2
وكذلك إن كان المنكر الفاعل فيلي لفظ الاستفهام، نحو قوله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ)3، والمفعول في قوله تعالى: (أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ)(4) .
7. التوبيخ، بمعنى: ما كان ينبغي أن يكون، أو لا ينبغي أن يكون، نحو: أفعصيت أمر ربك؟ أو: أتعصي أمر ربك؟
8 . التهكّم، نحو قوله تعالى: (أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)(5).

1 . القائل هو امرؤ القيس.
2 . معنى البيت أي: أ يقتلني ذلك الرجل الذي يوعدني، والحال أنّ مضاجعي سيف منسوب إلى مشارف اليمن وسهام محدّدة النصال صافية مجلوّة. مختصر المعاني: 190. وراجع: ديوان امرئ القيس: 1/10.
3 . الزخرف: 32 .   4 . الأنعام: 40 .   5 . هود: 87 .

صفحه 134
9. التحقير، نحو: مَن هذا؟
10. التعظيم، كقوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ )1.
ونظيره قول الشاعر2:
مَنْ ذا الذي تُرضى سجاياهُ كُلُّها؟ *** كفى المرءَ نُبلاً أن تُعدّ مَعايبُهْ3
11. الاستبعاد، كقوله تعالى: (أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ)4.
12. التشويق، كقوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا )5.
وقوله سبحانه: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم)6.
13. التسوية، كقوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ )7.
14. العرض، كقوله تعالى: (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ )8، وكقوله

1 . البقرة: 255 .
2 . القائل هو يزيد بن محمد بن المهلّب بن المغيرة، أبوخالد المعروف بالمهلّبي، شاعر راجز، من أهل البصرة، اشتهر ومات ببغداد سنة 259هـ . كان فيه اعتزاز وترفّع. اتّصل بالمتوكّل العبّاسي ونادمه ومدحه. الأعلام: 8/187.
3 . الحماسة المغربية: 2/1247.
4 . الدخان: 13 ـ 14 .
5 . البقرة: 245 .
6 . الصف: 10 .
7 . البقرة: 6 .
8 . التوبة: 13.

صفحه 135
تعالى: (أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ )1 .
إلى غير ذلك من المعاني الّتي ذكروها في المطوّلات حتّى أنّ شمس الدين ابن الصائغ2 أنهاها إلى 28 معنى، وألّف فيها رسالة أسماها: «روض الأفهام في أقسام الاستفهام»3.

2. صيغة الأمر وإرادة غير معناها الحقيقي

اتّفق الأُدباء على أنّ صيغة إفعل ـ حتّى المقترنة باللام مثل: ليفعل ـ موضوعة لطلب الفعل حقيقة، بشرط العلو في الآمر، أو الاستعلاء، ولكن ربّما تستعمل في غير هذا، نظير:
1. التهديد، كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ )4 .
2. الإهانة، كقوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)5 .
3. التذليل، أو التسخير، كقوله تعالى: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)6 .
4. التعجيز، نحو قوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ )7 .

1 . النور: 22.
2 . هو شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي الزمرّدي الحنفي المعروف بابن الصائغ، أديب من العلماء، مصري، له مصنّفات منها: التذكرة في النحو، الثمر الجني في الأدب، والمباني في المعاني، وغيرها. توفّي سنة 776 هـ . الأعلام: 6/192.
3 . لاحظ: عقود الجمان: 56 .
4 . فصلت: 40 .
5 . الدخان: 49 .
6 . البقرة: 65.
7 . البقرة: 23 .

صفحه 136
5. التخيير، كقولهم: انكح هنداً أو أُختها.
6. التمنّي، كقول امرئ القيس:
ألا أيُّهَا اللَّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي *** بِصُبْح وَمَا الإصْباحُ مِنْكَ بِأمْثَلِ1
7. الامتنان، كقوله تعالى: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ )2.
8 . التعجّب، كقوله تعالى: (اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ)3.
9. التسوية، كقوله تعالى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا )4.
10. التحقير، كقوله تعالى: (أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ)5.
إلى غير ذلك من المعاني الّتي تصوّروا أنّ صيغة الأمر استعملت فيها ابتداءً، ولكن غفلوا عن أنّها استعملت في نفس المعنى الموضوع له، وأمّا الغايات والأغراض فإنّما تُفهم من القرائن، لا من صيغة الأمر، كما هو واضح لمن تأمّلها.

1 . أي: ليس الغرض طلب الانجلاء من الليل; إذ ليس ذلك في وسعه، لكنّه يتمنّى ذلك تخلّصاً عمّا عرض له في الليل من تباريح الجوى، ولاستطالة تلك الليلة كأنّه طماعية له في انجلائها، فلهذا يحمل على التمنّي دون الترجّي. مختصر المعاني: 141.
2 . الأنعام: 141 .
3 . الإسراء: 48 .
4 . الطور: 16 .
5 . يونس: 80 .

صفحه 137

3. صيغة النداء وإرادة غير معناها الحقيقي

قالوا: إنّ صيغة النداء وضعت لطلب الإقبال بحرف نائب مناب (أدعو) لفظاً كما هو الرائج، أو تقديراً كقوله تعالى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)1.
ولكن قد تستعمل صيغة النداء ويراد غير معناها الحقيقي، كما في الأمثلة التالية:
1. الإغراء، كقولك لمن يتظلّم: يا مظلوم، إذ الغرض إغراؤه على التظلّم وبث الشكوى.
2. الاختصاص، نحو: أنا أفعل كذا أيُّها الرجل، فقولك: «أيّها الرجل» مجرّد عن طلب الإقبال، وإنّما المقصود أنّه يقوم بالعمل من بين بقية الرجال.
3. الاستغاثة، كما في قولنا: ياالله.
4. الندبة، نحو: يا محمّداه.
5. التحسّر، كما في نداء الأطلال والمنازل والأشجار، كقول الفارعة2:

1 . يوسف: 29 .
2 . القول للشاعرة: الفارعة (أو فاطمة، وقيل: ليلى) بنت طريف بن الصلت، التغلبية الشيبانية، شاعرة من الفوارس، كانت تركب الخيل وتقاتل، وعليها الدّرع والمغفر، وهي أُخت الوليد بن طريف ـ أحد رؤوس الخوارج ـ اشتهرت بقصيدة لها في رثائه منها البيت المذكور في المتن. قال ابن خلكان: كانت تسلك سبيل الخنساء في مراثيها لأخيها صخر. توفّيت نحو عام 200 هـ . الأعلام: 5/128.

صفحه 138
أيـا شَجَـرَ الخــابـُـورِ ما لَـكَ مُورِقـاً *** كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلى ابْنِ طَريفِ 1
أقول: ما ذكرناه في الصيغ المتقدّمة يأتي هنا، فصيغة النداء مستعملة في معناها الحقيقي، ولكن صار ذلك جسراً وممرّاً لإفادة معان أُخرى كلّها مستفادة من القرائن المحتفة بالكلام لا من صيغة الأمر.

4. صيغة النهي وإرادة غير معناها الحقيقي

اتّفق القوم على أنّ صيغة لا تفعل موضوعة لطلب الكفّ عن الفعل، على جهة الاستعلاء أو مع العلو، وقد تستعمل ويراد غير هذا، نظير ما ذكرناه في صيغة الأمر :
1. التهديد، كقولك لمن لا يمتثل أمرك: ألا تمتثل أمري.
2. التقليل، كقوله تعالى:(وَ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)2.
3. الدعاء، كقوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا )3.
4. الإرشاد، كقوله تعالى: (لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ )4 .

1 . الخابور موضع بنواحي ديار بكر، وقيل: بناحية الشام. مورقاً: ناضراً ذا ورق. ابن طريف: تعني أخاها الوليد، وكان من رؤوس الخوارج، خرج في خلافة هارون الرشيد وسيطر على بعض البلاد وأخذ أرمينيا وسار إلى أذربيجان ثم إلى حلوان وأرض السواد وغيرها، قتله يزيد بن مزيد الشيباني بعد حرب شديدة، وذلك في عام 179 هـ . راجع: مختصر المعاني: 286 ; الأعلام: 8/120.
2 . طه: 131.
3 . آل عمران: 8 .
4 . المائدة: 101 .

صفحه 139
5. الالتماس، كقولك: لا تضرب أخاك.
إلى غير ذلك من الاستعمالات.

تنبيه

جواز تقدير الشرط بعد التمنّي والاستفهام... وإيراد الجزاء مجزوماً

ذكر الأدباء أنّ التمنّي والاستفهام والأمر والنهي يجوز تقدير الشرط بعدها وإيراد الجزاء عقيبها مجزوماً بـ «إن» المضمرة مع الشرط، كما في الأمثلة التالية حسب الترتيب.
1. ليت لي مالاً أُنفقه، بمعنى إن أُرزقه أنفقه.
2. أين بيتك، أزرك، أي: إن تعرفينه، أزرك.
3. أكرمني أكرمك، أي: إن تكرمني أكرمك.
4. لا تشتمني يكن خيراً لك، أي: إن لا تشتمني يكن خيراً لك.

إتمام: إيقاع الجملة الخبرية موقع الإنشاء لغايات

إنّ الجملة الخبرية تقع موقع الإنشاء لغايات، والكلام فيها نفس الكلام فيما سبق، فالجملة الخبرية مستعملة في نفس معناها لكن تصير جسراً وممرّاً لإفادة معان أُخرى في ظل القرائن، أمّا تلك المعاني فكالتالي:
1. التفاؤل، كقولك: اعلم وفّقك الله في الدارين، والمقصود: كونه موفقاً فيهما ، لكن يأتي بصيغة الماضي تفاؤلاً على أنّه من الأُمور الحاصلة، الّتي حقّها أن يُخبر عنها.
2. إظهار الحرص في وقوعه، نظير: رزقنا الله لقاءك.

صفحه 140
3. الاحتراز عن صورة الأمر، كقول المرؤوس لرئيسه: ينظر إليّ ساعة، دون أن يقول له: انظر.
وفي نهاية الكلام: إنّ الإنشاء كالخبر في كثير ممّا ذكر في الأبواب الخمسة السابقة، فما ذكر فيها اعتبر في الإنشاء، فالإسناد إمّا مؤكّد أو غير مؤكّد، نظير ما ذكر في الباب الأوّل، والمسند إليه مذكور أو غير مذكور كما في الباب الثاني، والمسند مذكور أو غير مذكور كما في الباب الثالث، إلى غير ذلك ممّا ذكر في الأبواب السابقة.
تمّ الكلام في الباب السادس
***

صفحه 141
الباب السابع:   
في الفصل والوصل
الملاك للفصل والوصل عدم المناسبة بين الجملتين ووجودها.
مواضع الفصل ستة، هي:
1. كمال الانقطاع بين الجملتين.
2. كمال الاتّصال بينهما.
3. شبّه الانقطاع بينهما.
4. شبّه الاتّصال بينهما.
5. عدم المشاركة في الحكم.
6. عدم المشاركة في القيد.
مواضع الوصل، هي:
1. الوصل لدفع الإيهام.
2. توسط الجملتين بين كمال الاتّصال وكمال الانقطاع.
محسنات الوصل، وهي:
أ. تناسب الجملتين في الاسمية.
ب. تناسب الجملتين في الفعلية.
ج. تناسب الجملتين في الإطلاق والتقييد.
تذنيب: الجملة الحالية تارة تقترن بالواو، وأُخرى بالضمير، وثالثة بكليهما.

صفحه 142

صفحه 143

الفصل والوصل

قُدّم الفصل على الوصل لأنّه الأصل، والوصل طارئ عليه بزيادة حرف العطف.
ثم إنّهم يصفون هذا الباب بأنّه من أعظم أبواب هذا العلم خطراً، وأصعبه مسلكاً، وأدقّه مأخذاً، حتّى نقل الجاحظ في «البيان والتبيين» عن أبي الزبير ومحمد بن أبان أنّهما قالا: قيل لأبي علي الفارسي: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل1.
ثمّ إنّ المراد بالوصل عطف الجمل بعضها على بعض، وبالفصل ترك العطف.
إنّ علماء البلاغة ذكروا لكلّ من الفصل والوصل مواضع خاصّة، فذكروا للفصل ستة مواضع، وللوصل موضعين أو أكثر، وما ذكروه من الضوابط وإن كان صحيحاً ـ كما سيوافيك بيانه ـ ، لكنّ الذي يلعب دوراً قوياً في هذا الباب هو تمييز الذوق السليم لمواضع الفصل عن الوصل، وكأنّ ما ذكروه من المواضع تبيين وتفصيل لما يدركه الذوق السليم، ولأجل إيضاح ذلك ـ وهو أنّ للذوق السليم دوراً كبيراً في المقام ـ نأتي بالبيان التالي:

1 . البيان والتبيين: 1/61.

صفحه 144
إنَّ الملاك للفصل والوصل عدم وجود المناسبة بين الجملتين، أو وجودها.
أمّا الفصل فلعدم المناسبة كما في قولك: زيد يدرس في الجامعة ويصوم شهر رمضان، وهذا فيما إذا اتّحد المسند إليه واختلف المسند وهكذا العكس، يعني إذا اختلف المسند إليه واتّحد المسند ولم تكن بين الجملتين صلة كما في قولك: خفّي ضيق وخاتمي ضيّق، فالذوق السليم يشمئز من سماع عطف جملة على جملة أُخرى إذا كانتا بهذا الشكل.
وأمّا الوصل فهو فرع وجود المناسبة إمّا في المسند فقط، كقولك: زيد يكتب ويدرس; أو في المسند إليه أيضاً، كقولك: زيد يعطي وعمرو يمنع، إذا كان بين زيد وعمرو نوع صلة كالأُخوّة والزمالة; هذا من جانب، ومن جانب آخر بين الإعطاء والمنع من التقابل تقابل التضاد، ويكفي هذا في المناسبة.
ولذلك عيب على أبي تمّام قوله:
لا وَالَّذي هُوَ عالِمٌ أنَّ النّوى *** صَبِرٌ وَأنَّ أبا الحُسَينِ كَريمُ1
إذ لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى. ولذلك يشمئز السامع من قول القائل: «خفيّ ضيّق، وخاتمي ضيّق» لعدم المناسبة بين الخفّ والخاتم حتّى مع وحدة المسند.
فعلى مَن رام البلاغة أن يلاحظ ذلك الملاك من وجود المناسبة بين المتعاطفين.

1 . الصبر ـ بكسر الباء ـ الدواء المرّ. صحاح الجوهري: 2/707، مادة «صبر».

صفحه 145
إذا عرفت ذلك فلنذكر مواضع الفصل والوصل.

مواضع الفصل

ذكروا للفصل مواضع ستة، وإليك بيانها:

1. كمال الانقطاع بين الجملتين

إذا اختلفت الجملتان خبراً أو إنشاء، يفصل الثاني عن الأوّل، كقول الأخطل:1
وَقَالَ رائِدُهُم أُرْسُوا نُزاوِلُها *** فكلّ حَتْفِ امْرِئ يَجْري بِمقدارِ2
فقد فصل الشاعر جملة «نزاولها» عن جملة «أرسوا» لاختلافهما في الإنشاء والإخبار، فقوله: «أُرسوا» إنشاء لفظاً ومعنى، وقوله: «نُزاولها» خبرٌ، كذلك.
ومعنى الشعر: أنّ رائد القوم ـ الذي يتقدّمهم لمعرفة مواضع الماء والكلأ ـ أمرهم بالنزول عن المراكب والإقامة، وذلك لغاية الحرب مع المانعين.
ومثله ما إذا كان المعطوف عليه خبراً ظاهراً وواقعاً والمعطوف خبراً ظاهراً، إنشاء واقعاً، كقولك: مات فلان يرحمه الله، إذ ليس الجملة الثانية

1 . هو: الأخطل غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة، من بني تغلب، أبو مالك، اتّصل بالأمويين فكان شاعرهم، وتهاجى مع جرير والفرزدق. نشأ على المسيحية بأطراف الحيرة بالعراق، وكانت إقامته طوراً في دمشق، وحيناً في الجزيرة. له ديوان شعر مطبوع. توفّي سنة 90 هـ . الأعلام: 5/123.
2 . خزانة الأدب: 9/90.

صفحه 146
إخباراً عن رحمة الله، بل هي دعاء وطلب من الله سبحانه.

2. كمال الاتصال بين الجملتين

إذا كان بين الجملتين كمال الاتّصال بأن تكون الجملة الثانية تأكيداً أو بدلاً أو عطف بيان، فتفصل الثانية عن الأصل لأنّها من التوابع، والتابع عين المتبوع، والعطف يقتضي المغايرة.
أمّا التأكيد: فتارة يكون التأكيد لفظيّاً فلا يعطف، كقولك: جاء زيد نفسه، وأُخرى يكون التأكيد معنوياً منزّلاً منزلة التأكيد اللفظي في الإشارة إلى المعنى الموجود في المتبوع، كقوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ )1، فإنّ قوله: (لاَ رَيْبَ فِيهِ) تأكيد معنوي لقوله: (ذَلِكَ الْكِتَابُ); لأنّ لفظة (ذَلِكَ)مبتدأ، و (الْكِتَابُ)المعرّف باللام خبر يدلّ على أنّه الكتاب الكامل الذي يستحق أن يسمّى كتاباً، ولمّا كان فيه إيهام المبالغة دفعه بقوله: (لاَ رَيْبَ فِيهِ)أي في كون ذلك الكتاب موصوفاً بهذا الوصف، فالجملة الثانية بمنزلة تأكيد المعنى المستفاد من المتبوع.
وأمّا البدل: أي كون الجملة الثانية بدلاً من الأُولى، سواء أكان بدل البعض وذلك فيما إذا كان مضمون البدل جزءاً من المبدل، كقوله تعالى: (أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام وَبَنِينَ)2، فالجملة الأُولى عامّة لا تصريح فيها بأسماء النعم، بخلاف الجملة الثانية ففيها تفصيل لبعض النعم، نظير

1 . البقرة: 2 .
2 . الشعراء: 132 ـ 133 .

صفحه 147
قولك: أعجبني زيد وجهه. فيكون بدل البعض، أو إذا كان بدل الاشتمال كقول الشاعر:
أقُولُ لهُ ارحَلْ لاَ تُقيمَنَّ عِنْدَنا *** وَإلاّ فَكُنْ في السِّرّ وَالجَهرِ مُسْلما1
فقوله: لا تقيمن، ليس تأكيداً لقوله: ارحل، لأنّ عدم الإقامة مغاير للارتحال عرفاً، ولا بدل بعض، إذ يشترط في بدل البعض أن يكون البدل جزءاً من المبدل منه كما مرّ في قولك: أعجبني زيد وجهه، فتعيّن أن يكون بدل اشتمال، والمراد من بدل الاشتمال هو الدال على معنى موجود في متبوعه كقولك: أعجبني زيد علمه.
وأمّا عطف البيان: وهو كون الجملة الثانية بياناً للأُولى لوجود خفاء في المتبوع، كقوله سبحانه: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْك لاَ يَبْلَى)(2)، فإنّ قوله: (قَالَ يَا آدَمُ)بيان وتوضيح لقوله: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ).

3. شبه الانقطاع

إذا كانت الجملة الثانية على نحو لو عطفت على الجملة الأُولى تكون موهمة لعطفها على غيرها ممّا يؤدي إلى فساد المعنى. وشُبّه هذا بكمال الانقطاع لأنّه يشتمل على مانع من العطف وهو خلاف المراد، نظير قول الشاعر:

1 . راجع: مختصر المعاني: 150; خزانة الأدب: 5/205.   2 . طه: 120 .

صفحه 148
وَ تَظُنُّ سَلْمى أنَّني أبْغي بِها *** بَدَلاً أراها فِي الضَّلالِ تَهيمُ1
ترى أنّه لم يعطف «أراها» على «تظن» لئلاّ يتوهّم السامع أنّه عطف على «أبغي» إذ هو أقرب إليه فيكون هذا من مظنونات سلمى، وليس كذلك بل هو ممّا يعتقده الشاعر.

4. شبه الاتّصال

إذا كانت الجملة الثانية جواباً عن سؤال اقتضته الأُولى، تنزَّل الأُولى منزلة السؤال والثانية منزلة الجواب فيفصل بينهما كما يفصل الجواب عن السؤال، كقول الشاعر:
قالَ لي كيفَ أنتَ قُلتُ عليلُ *** سَهَرٌ دائِمٌ وحزنٌ طويلُ2
فإنّ قوله: (قلت عليل) أوجد سؤالاً في ذهن السامع وكأنّه سأل عن سبب علته وموجب مرضه، فأجاب بأنّ العلّة هي السهر والحزن.
ونظيره قوله تعالى: (وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ )3، فقوله: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي)يثير سؤالاً: لماذا؟ فيجاب: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ).

5. عدم المشاركة في الحكم

عدم المشاركة في الحكم والقيد   
إذا كان للجملة الأُولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية وجب الفصل،

1 . راجع: مختصر المعاني: 151.
2 . راجع: مختصر المعاني: 152; معاهدة التنصيص: 1/280.
3 . يوسف: 53 .

صفحه 149
نحو قوله سبحانه: (وَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ* اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)1.
ترى أنّه سبحانه لم يعطف جملة: (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)على جملة: (إِنَّا مَعَكُمْ)، وإلاّ يلزم أن تكون الجملة الثانية مقولة لقول المنافقين، وليست كذلك.

6. عدم المشاركة في القيد

إذا كانت الجملة الأُولى مشتملة على قيد زائد ولم يقصد اشتراك الجملة الثانية معها في هذا القيد فتفصل الثانية عن الأُولى، وهذا نظير قوله سبحانه: (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)حيث لم يعطف على قوله: (قَالُوا)، وإلاّ يلزم أن يكون استهزاء الله بهم مختصّاً بحال خلوتهم مع شياطينهم، وعلى هذا فالآية مثال لكلا القسمين .
فبما أنّ قوله: (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ليس معطوفاً على قوله: (إِنَّا مَعَكُمْ)فهو شاهدٌ للقسم الخامس، وبما أنّه ليس معطوفاً على قوله: (قَالُوا) فهو مثال للقسم السادس.
إلى هنا تمّ بيان مواضع الفصل، فلنشرع بدراسة مواضع الوصل.

1 . البقرة: 14 ـ 15 .

صفحه 150
   

مواضع الوصل

ذكروا للوصل مواضع نذكر منها ما يلي:

1. الوصل لدفع الإيهام

إذا كان بين الجملتين كمال الانقطاع بأن كانت الأُولى خبرية والثانية إنشائية فمقتضى القواعد الفصل بينهما، لكن يُعدل عنه، وتُعطف الثانية على الأُولى، إذا كان الفصل مخلاًّ بالمقصود، نحو قولك : «لا، وأيدك الله». إذ لولا العطف يلزم أن يكون المعنى دعاءً عليه، كما إذا قيل: لا أيدك الله .
فإنّ قوله: لا، ردّ لكلام سابق، فكأنّه قيل له: هل الأمر كذلك؟ فأجاب: ليس الأمر كذلك، وأيدك الله.

2. الوصل لتوسّط الجملتين بين كمال الاتّصال وكمال الانقطاع

قد مرّ أنّه لو كان بين الجملتين كمال الانقطاع يفصل بينهما، كذلك فيما إذا كان بينهما كمال الاتّصال، ولذلك إذا كانتا متوسطتين بين الكمالين، تعطف الجملة الثانية على الأُولى، وقد ذكروا أقساماً ثمانية نذكر منها ما يلي:
أ. إذا كانت الجملتان خبريتين لفظاً ومعنى، كقوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)1، وقوله تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم)2.
ب. إذا كانتا انشائيّتين كذلك، كقوله سبحانه: (وَ اعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا

1 . النساء: 142 .
2 . الانفطار: 13 ـ 14 .

صفحه 151
بِهِ شَيْئًا )1، ومثل قوله سبحانه: (وَ كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا )2 .
ج. إذا كانتا إنشائيّتين معنى ومختلفتين لفظاً (بمعنى كون إحداهما بصورة الإخبار والأُخرى بصورة الإنشاء)، كقوله سبحانه: (وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)3.
فعطف لفظة (وَقُولُوا) على لفظة(لاَ تَعْبُدُونَ) لأنّهما وإن اختلفتا لفظاً لكنّهما متّفقتان معنى، فإنَّ قوله: (لاَ تَعْبُدُونَ)بمعنى الإنشاء أي: لا تعبدوا إلاّ الله.
د. إذا كانتا إخباريّتين معنى ومختلفتين لفظاً، نحو قوله سبحانه: (إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)4، فإنّ قوله: (وَ اشْهَدُوا) جملة خبرية بمعنى الإنشاء أي: أشهدكم.

محسّنات الوصل

إنّ من محسّنات الوصل بعد وجود مصحّحه، الأُمور التالية:
1. تناسب الجملتين في الاسمية، نحو: زيد قائم وعمرو قاعد.
2. تناسب الجملتين في الفعلية مضافاً إلى تناسبهما في المضيّ

1 . النساء: 36 .
2 . الأعراف: 31 .
3 . البقرة: 83 .
4 . هود: 54 .

صفحه 152
والمضارعة، نحو: قام زيد وقعد عمرو، أو: يقوم زيد ويقعد عمرو.
هذه هي الضابطة ما لم يمنع مانعٌ، كما إذا أُريد في إحداهما التجرّد فيأتي بالجملة الفعلية والأُخرى الثبوت فيأتي بالجملة الاسمية، نحو: قام زيد وعمرو قاعد، أو يراد في إحداهما المضيّ وفي الأُخرى المضارعة، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ )1، وقوله سبحانه: (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)2.
3. تناسب الجملتين في الإطلاق والتقييد بأن تكون الجملتان مطلقتين، نحو: أكرمت زيداً وأهنت عمراً; أو تكونا مقيدتين، نحو: رأيت زيداً راكباً، ورأيت عمراً راجلاً.
نعم يتبع ذلك ما لم يكن هناك مانع، فربّما تأتي إحداهما مطلقة والأُخرى مقيّدة، نحو: أكرمت زيداً، وإن جئتني أكرمك، ومنه قوله سبحانه: (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ)3، فالجملة الثانية: أعني: (لَوْ أَنْزَلْنَا) مقيّدة بقوله: (لَقُضِيَ الأَمْرُ ).

تذنيب

ثم إنّ علماء البلاغة جعلوا لهذا الباب تذنيباً طرحوا فيه الجملة الحالية، وأنّها تارة تقترن بالواو، وأُخرى بالضمير، وثالثة بكليهما، فصار هذا

1 . الحج: 25 .
2 . البقرة: 87 .
3 . الأنعام: 8 .

صفحه 153
البحث تتميماً لباب الفصل والوصل وتكميلاً له، يقول ابن مالك:
وجملةُ الحالِ سوى ما قُدّما *** بواو ، أو بمضمر أو بهما1
وحاصل الكلام: أنّ الحال لو كان مفرداً يأتي مجرداً عن الواو والضمير، إذ هو عندئذ كالخبر بالنسبة إلى المبتدأ أو كالنعت بالنسبة إلى المنعوت، فكما يأتي الخبر والنعت مجردين عن الرابط فهكذا الحال. نعم فرق بينهما وبين الحال فهما أصيلان والحال فضلة تابع، غير أنّ الجميع مبيّن إمّا لحال المبتدأ أو الموصوف أو ذي الحال، مثل قولك: اذهب فرداً، يقول ابن مالك:
الحالُ وصفٌ فضلةٌ منتصبُ *** مفهمُ في حال كفرداً أذهبُ2
نعم إذا كان الحال جملة، فبما أنّها جملة مستقلة بالإفادة، تحتاج إلى ما يربطها بصاحب الحال، وكلّ من الضمير والواو صالح للربط إنّما المهم معرفة مواضعهما:

1. ما تتعيّن فيه الواو :

أ. إذا كانت الجملة الحالية خالية عن الضمير الراجع إلى صاحب الحال، وجبت فيها الواو لتكون مرتبطة به غير منقطعة عنه، مثل قولك: خرجت وزيد بالباب.
ب. إذا كان المبتدأ في الجملة الحالية ضميراً يرجع إلى صاحب الحال

1 . شرح ابن عقيل: 1 / 657 .
2 . شرح ابن عقيل: 1 / 625 .

صفحه 154
وجبت فيه الواو سواء أكان خبره فعلاً أم اسماً، نحو: جاء زيد وهو يُسرع، أو: وهو مسرع; وذلك لأنّ الغرض يتحقّق بدون الواو، فالإتيان به، ربما يُشعر بكونه جملة مستأنفة فلا يمكن أن يقتصر على الضمير فتجب الواو لتجعل الجملة تابعة لما قبلها، نظير قوله سبحانه: (فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)1 .
ج. إذا أُعيد صاحب الحال بنفس لفظه، كما إذا قال: جاء زيد وزيد مسرع، فتتعيّن الواو، لتجعله تابعاً لما سبق .

2. ما يتعيّن فيه الضمير:

إذا كانت الجملة الحالية فعلية والفعل مضارعاً مثبتاً، يجب الاكتفاء بالضمير، نحو قوله تعالى: (وَ لاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)2، أي لا تعطي حال كونك تَعدُّ ما تعطيه كثيراً; وذلك لأنّ الجملة المثبتة بمنزلة المفرد فكأنّه يقول: ولاتمنن مستكثراً، فأشبه بالمفرد الذي يأتي مجرّداً عن الواو.3. ما يجوز فيه الإتيان بالواو وترك الضمير:

أ. إذا كانت الجملة الحالية فعلية والفعل مضارعاً منفيّاً، فيجوز فيه دخول الواو وترك الضمير، كقوله تعالى: (وَ مَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ)3.

1 . البقرة: 22 .
2 . المدثر: 6 .
3 . المائدة: 84 .

صفحه 155
فقوله: (وَ مَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ)جملة حالية، وليست معطوفة على ما قبلها.
ب. إذا كان الفعل في الجملة الحالية الفعلية ماضياً مثبتاً، يجوز فيه الاكتفاء بالواو وترك الضمير، كقوله تعالى: (أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ )1، ومع ذلك يجوز ترك الواو مع ذكر الضمير، كقوله تعالى: (جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ )2.
ج. إذا كان الفعل في الجملة الحالية منفياً بـ : لم أو لمّا، نحو قوله تعالى: (أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ )3، ونحو قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ )4.

4. ما يحسن فيه ترك الواو :

يحسن ترك الواو في الجملة الاسمية تارة لدخول حرف على المبتدأ، ويحصل بذلك الحرف نوع من الارتباط، كقول الفرزدق:
فقلتُ عَسَى أنْ تَبْصُريني كَأنَّما *** بَنِيَّ حَوالَيَّ الأُسُودُ الحوارِدُ5
فقوله: «بنيَّ حواليَّ الأُسود» جملة اسمية، وقعت حالاً من ضمير في «تبصريني» ولولا دخول «كأنّما» عليها لم يحسن الكلام إلاّ بالواو .

1 . آل عمران: 40 .
2 . النساء: 90 .
3 . مريم: 20 .
4 . البقرة: 214 .
5 . الحوارد: من حرد وهو الغضب والغيظ. لسان العرب: 3/145، مادة «حرد». وراجع: مختصر المعاني: 167.

صفحه 156
وأُخرى لوقوع الجملة الاسمية الحالية عقب مفرد حال، كقول ابن الرومي:
واللهُ يُبقيكَ لَنا سالِماً *** بُرْدَاكَ تَبْجيلٌ وَتَعْظيمُ1
فقوله: «بُرداك تبجيل» جملة حالية استغنت عن الواو لتقدّم «سالماً» عليها الذي أُستعمل مجرداً .
***
تمّ الكلام في الباب السابع

1 . ديوان ابن الرومي: 6 / 76. برقم 1694 والبيت من قصيدة يمدح بها عبيد الله بن عبدالله المعروف بابن طاهر، ومطلع القصيدة:
نحن ميامين على أنّنا *** على أعاديك مشائيمُ

صفحه 157
الباب الثامن:
في المساواة والإيجاز والإطناب
تعريف المساواة
تعريف الإيجاز
تقسيم الإيجاز إلى: إيجاز قصر، وإيجاز حذف.
تعريف الإطناب، وهو على قسمين:
1. زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، وله موارد:
أ. الإيضاح بعد الإبهام
ب. ذكر الخاص بعد العام
ج. التكرير لنكتة
د. الإيغال
هـ . التذييل والتكميل والتتميم.
و. الاعتراض
2. زيادة اللفظ على المعنى لا لفائدة، ويسمّى التطويل

صفحه 158

صفحه 159

تعريف المساواة والإيجاز

وصف بعض علماء البلاغة هذا الباب بكونه باباً عظيماً، حتّى نقل صاحب سرّ الفصاحة عن بعضهم، أنّ البلاغة في الإيجاز والإطناب، وقد عُرّف كُلٌّ منها بتعاريف مختلفة، نقتصر على ذكر تعريف واحد وهو أفضل التعاريف.
المساواة:
كون اللفظ بقدر المعنى المراد، كقوله سبحانه: (وَ لاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ )1، وقول الإمام عليّ (عليه السلام): «قِيمَةُ كُلُّ امْرِئ مَا يُحْسِنُه». قال الرضيّ بعد نقل هذا الكلام: وهي الكلمة الّتي لاتصاب لها قيمة، ولاتوزن بها حكمة، ولاتقرن إليها كلمة.2
الإيجاز:
وهو التعبير عن المعنى الكامل بأقلّ ما يكون من الحروف، أو هو دلالة اللفظ على المعاني من أقرب طرقه3، كقولك: عفو الله مرجو، يريد:

1 . فاطر: 43.
2 . نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 81 .
3 . الإكسير في علم التفسير: 210 .

صفحه 160
عقد الرجاء على عفو الله تعالى.
في المساواة والإيجاز   
ثم إنّ الإيجاز على قسمين:
أ. إيجاز قصر. ب. إيجاز حذف.
فالأوّل: نحو قوله تعالى: (وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ )1، فإنّ معناه
كثير ولفظه يسير; لأنّ المراد به أنّ الإنسان إذا علم أنّه متى قتل قُتل قصاصاً، كان ذلك أدعى إلى عدم القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص، كثيرٌ
من قتل الناس بعضهم لبعض، فكان ارتفاع القتل حياة لهم. والآية الكريمة أوجز كلام في هذا المعنى، وكانت العرب يقولون في هذا المضمار: القتل أنفى للقتل، والآية أوجز منه أوّلاً، ولها مزايا مذكورة في المطوّلات
ثانياً....2
ونظيره قول الإمام علي (عليه السلام): «فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ» وعقّب الشريف الرضي على كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) قائلاً: إنّ هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه، وبعد كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بكل كلام، لمال به راجحاً، وبرّز عليه سابقاً.
ثم قال: فأمّا قوله (عليه السلام): «تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا» فما سمع كلام أقلّ منه

1 . البقرة: 179 .
2 . بين قوله تعالى: ( وَلَكُم في القِصَاصِ حَيَاةٌ) وقولهم: القتل أنفى للقتل، تفاوت في الفصاحة والبلاغة ما بين السماء والأرض. وقيل: الفرق بينهما من أربعة أوجه: أحدها: أنّه أكثر فائدة. وثانيها: أنّه أوجز في العبارة، وثالثها: أنّه أبعد عن الكلمة بتكرير الجملة، ورابعها: أنّه أحسن تأليفاً بالحروف المتلائمة. راجع: التبيان: 2/105 ـ 106.

صفحه 161
مسموعاً، ولا أكثر محصولاً، وما أبعد غورها من كلمة، وأنقع نطفتها من حكمة.1
والثاني ـ أعني: إيجاز الحذف ـ: فهو ما يكون الإيجاز بحذف شي، ثم إنّ المحذوف على أقسام:
مضاف، أو موصوف، أو صفة، أو شرط، أو جواب الشرط، وغيرها.
أمّا الأوّل: فقد مثلوا له بقوله سبحانه: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) 2 أي أهل القرية، وفيه عندي نظر يأتي بيانه في علم البيان.
وأمّا الثاني: فكقول الرياحي3:
أنَا ابنُ جَلا وطلاّعُ الثَّنايا *** مَتى أضعِ العمامةَ تَعرِفُونِي
الثنيّة: العقبة، كناية عن صعاب الأُمور.
والطلاّع: كشدّاد مبالغة من الطلوع، يقال: فلان طلع الجبل أي علاه، والمقصود من يمارس معالي الأُمور وصعابها.
والشاهد في قوله: ابن جلا، أي: أنا ابن رجل جلا أمره وانكشف أنّه كذا وكذا.
وأمّا الثالث ـ أعني الصفة ـ: نحو قوله تعالى: (وَ كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ
يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا
)4، أي: كلّ سفينة صحيحة بدليل ما قبله، أي

1 . نهج البلاغة: الخطبة 21 .
2 . يوسف: 82 .
3 . هو سحيم بن وثيل بن عمرو الرياحي اليربوعي الحنظلي التميمي، شاعر مخضرم، عاش في الجاهلية والإسلام، وناهز عمره المائة. توفّي نحو سنة 60 هـ . الأعلام: 3/79.
4 . الكهف: 79 .

صفحه 162
قوله تعالى: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا).
وأمّا الرابع ـ أي الشرط ـ: فكقوله: أيْنَ بيتك أزُركَ، فإن جزم (أزرك) دليل على تقدير الشرط، أي: إن تعرِّفني بيتك، أزرك.
وأمّا الخامس ـ أعني جواب الشرط ـ : فكما في قوله تعالى: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )1 .
فجواب الشرط محذوف، أي: أعرضوا، بدليل قوله سبحانه بعد هذه الآية: (وَ مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)2، فحذف الجواب للاختصار.
ثم ربّما يحذف الجواب لتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن، مثل قوله سبحانه: (وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ)،3 فالجواب محذوف يمكن تقديره بصور مختلفة.
   
هذا فيما إذا كان المحذوف جزء جملة، أي ما يذكر في الكلام ويتعلّق به ولايكون مستقلاًّ، مفرداً كان أو جملة.
وربّما يكون المحذوف جملة مستقلّة تقع سبباً للمذكور بعدها، كقوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا)4، فحذف قوله: (فضرب) وهو سبب للانفجار.

1 . يس: 45 .
2 . يس: 46 .
3 . الأنعام: 27.
4 . البقرة: 60 .

صفحه 163
وربّما يكون المحذوف جملة مسببةً عن سبب مذكور، نحو قوله سبحانه: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ)1، والمحذوف هو: فَعَلَ ما فَعَلَ.
وربّما يكون المحذوف جملة لا سبباً ولا مسببة، نحو قوله تعالى: (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)2 فالمحذوف هو المخصوص أي: هم نحن .
وربّما يكون المحذوف أكثر من جملة، كما في قوله تعالى: (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ )3، أي: أرسلوني إلى يوسف لاستعبره بالرؤيا، فأتاه وقال له: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَات سِمَان يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَت خُضْر وَأُخَرَ يَابِسَات لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ)4، فحذف أكثر من جملة .
ثم إنّ المحذوف تارة لايقوم مقامه شيء، كما مرّ، وأُخرى تقوم مقامه جملة، كما في قوله سبحانه: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ )5، أي: لا تحزن واصبر لعدم اختصاص التكذيب بك.

القرينة على الحذف

لا شكّ أنّ الحذف لايصلح إلاّ بدليل وقرينة، والدليل مختلف:
1. أن يدلّ العقل على المحذوف، والمقصود الأظهر على التعيين،

1 . الأنفال: 8 .
2 . الذاريات: 48 .
3 . يوسف: 45.
4 . يوسف: 46 .
5 . فاطر: 4 .

صفحه 164
كقوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)1، فالعقل يدلّ على أنّ هنا حذفاً; لأنّ الأحكام الشرعيّة تتعلّق بأفعال المكلّفين دون الأعيان.
هذا هو حكم العقل، ثم إن المقصود الأظهر من هذه الأشياء هو تناولها الشامل للأكل والشرب.
هذا ما عليه علماء البلاغة ولكن يمكن أن يقال: المقصود الأظهر تحريم كلّ الانتفاع حتّى البيع والشراء والإجارة.
2. أن يدلّ العقل على الحذف والمحذوف، كما في قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ )(2)، فالعقل يدلّ على امتناع المجيء على الله، وأنّ المحذوف أمرُه سبحانه، خصوصاً مع ملاحظة قوله تعالى في آية أُخرى: (جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ)(3).
3. أن يدلّ العقل على الحذف والعادة على المحذوف، كقول امرأة العزيز: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)2.
وقد دلّ العقل على أنّ فيه حذفاً، إذ لا معنى للوم الإنسان على ذات الشخص، فلابد أن يكون اللوم على فعل المرأة، وهو يحتمل أحد أمرين:
أ. لمتنّني في حبه، لقوله تعالى: (قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا)(5).
ب. لمتنّني في مراودته لقوله تعالى: (تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ)(6)، والعادة دلّت على الثاني ; لأنّه لا تلام على الحبّ المفرط; لأنّه أمر خارج عن الاختيار، وإنّما تلام على الفعل الاختياري وهو المراودة.3

1 . المائدة: 3 .         2 . الفجر: 22 .   3 . هود: 76 .
2 . يوسف: 32 .         5 . يوسف: 30 .   6 . يوسف: 30 .
3 . مختصر المعاني: 175.

صفحه 165
وربّما تكون القرينة هي الشروع في الفعل، فقولك: «بسم الله» يختلف المقدّر بعده، ففي القراءة يقدّر: أقرأ، وعند الأكل يقدر: آكل، إلى غير ذلك من قرائن الحذف.
هذا كلّه حول المساواة والإيجاز، وإليك الكلام في الإطناب.
***

الإطناب

وهو تعدية المعنى بلفظ أزيد منه، فهو عكس الإيجاز، وهو على قسمين:
أ. زيادة اللفظ على المعنى لفائدة.
ب. زيادة اللفظ لا لفائدة.
ويسمّى الثاني: التطويل ، كقول عدي بن زيد1:
وقدَّدَت الأَديمَ لِراهِشَيْهِ *** وَألفى قَولَها كِذباً وَمَيْنا2
فإنّ المين هو الكذب، والإتيان به خال عن الفائدة إلاّ أن يكون

1 . هو عدي بن زيد بن حمّاد بن زيد العبادي التميمي، شاعر جاهلي، من أهل الحيرة يحسن العربية والفارسية. سكن المدائن وكتب بالعربية في ديوان كسرى ثم لابنه هرمز. تزوّج هند بنت النعمان بن المنذر ووشى به أعداء له إلى النعمان فسجنه وقتله في سجنه نحو سنة 35 قبل الهجرة. الأعلام: 4/220.
2 . قددت: قطعت. الراهشان: عرقان في باطن الذراعين. والضمير في «راهشيه» و «ألفى» لجذيمة الأبرش، وفي: «قدَّدَت» و «قولها» للزبّاء. والبيت في قصة قتل الزبّاء لجذيمة، وهي معروفة. مختصر المعاني: 171 .

صفحه 166
الغرض إكمالاً للبيت، وإنّما المهمّ دراسة القسم الأوّل، أي:
الإطناب للفائدة، وقد ذكروا له أقساماً:

1. الإيضاح بعد الإبهام

إذا كانت الجملة الأُولى مبهمة والجملة الثانية موضحة، يُعدّ الإطناب مفيداً، وذلك ليُرى المعنى في صورتين مختلفتين: مبهمة وموضحة، وليتمكّن المعنى في النفس فضل تمكّن، نظير قوله سبحانه: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْري)1، فإنّ قوله: (اشْرَحْ لِي)يفيد طلب شرح شيء ما للطالب وصدري يفسّره، ونظيره قوله سبحانه: (وَ قَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ )حيث إنّه مبهم أي ما هو الأمر المقضيّ، ففصّله بقوله: (أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ).2
ومن الإيضاح بعد الإبهام التوشيعة وهو مأخوذ من الوشيعة وهي الطريقة في البـُرد، واصطلاحاً أن يؤتى في آخر الكلام بمثنى مفسّر باسمين ثانيهما معطوف على الأوّل، كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي».3
ذكر الخاصّ بعد العامّ، التكرير لنكتة   
وقول الإمام علي (عليه السلام): «هلك فيّ رجلان: محبٌّ غال، ومبغضٌ قال»4.

1 . طه: 25 .
2 . الحجر: 66 .
3 . حديث متواتر. راجع: الغدير:ج1; مسند أحمد: 3/14 و 17 و 26 ; سنن الترمذي: 5/328 و 329، باب مناقب أهل البيت; صحيح مسلم: 7/123، باب فضائل علي(عليه السلام).
4 . نهج البلاغة: الحكمة 117.

صفحه 167
ومن أمثلة التوشيع قول صفي الدين الحلّي1:
رأيتُ بَدرين مِن شَمْس وَمِن قمرِ *** في ظلِّ جِنحَينِ من ليل ومن شعَرِ2

2. ذكر الخاصّ بعد العامّ

إنّ ذكر الخاصّ بعد العامّ دليل على العناية به، نحو قوله سبحانه: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطىَ)3.
وقوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)4.

3. التكرير لنكتة

وهو فيما إذا كانت الجملة الثانية مؤكّدة للمعنى الموجود في الجملة الأُولى كالإنذار في قوله سبحانه: (كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ)5.

1 . هو عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم السنبسي الطائي، صفي الدين الحلّي، شاعر عصره. ولد في الحلّة سنة 677 هـ ، ونشأ بها واشتغل بالتجارة فكان يرحل إلى الشام ومصر وماردين وغيرها ويعود إلى العراق. له ديوان شعر مطبوع، ورسالة في الزجل والموالي، ومعجم الأغلاط اللغويّة وغيرها، توفّي ببغداد سنة 750 هـ . الأعلام: 4/18.
2 . ديوان صفيّ الدين الحلّي: 723. والبيت من قصيدة مطلعها:
رقّت لنا حين همّ الصبح بالسفر *** وأقبلت بالدجى تسعى على حذر
3 . البقرة: 238 .
4 . البقرة: 98 .
5 . النبأ: 4 ـ 5 .

صفحه 168

4. الإيغال

وهو عبارة عن ختم الكلام بما يفيد نكتة يتمّ المعنى بدونها، كزيادة المبالغة في قول الخنساء:
وَ إنَّ صَخْراً لَتَأتَمُّ الهداةُ بِهِ *** كَأنّهُ عَلَمٌ في رأسِه نارُ1
فإنّ قولها: «كأنّه عَلَمٌ» كاف في إثبات مقصودها، وهو أنّه إمام يُؤتمّ به، ولكنّها زادت قولها: «في رأسه نار» مبالغة في الاهتداء به، فإنّ الجبل الذي على رأسه نار يهتدى به.

5. التذييل والتكميل والتتميم

فالأوّل: أن يأتي بجملة عقب جملة، والثانية تشتمل على معنى الأُولى، وهو على قسمين:
تارة: تخرج الجملة الثانية مجرى المثل فيُقصد حكمٌ كلّي منفصل عمّا قبله، جار مجرى الأمثال، كالآيتين التاليتين:
(ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ)2.
(قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا )3.
ونظير الآيتين قول صفيّ الدين الحلّي:
للهِ لذةُ عيش بالحبيبِ مَضَتْ *** فَلم تَدُمْ لي وغيرَ اللهِ لَمْ يَدُمِ4

1 . ديوان الخنساء: 1/35.
2 . سبأ: 17 .
3 . الإسراء: 81 .
4 . راجع: خزانة الأدب وغاية الأرب: 1/245; إتمام الدراية: 1/129.

صفحه 169
فإنّ الجمل الثانية في الآيتين وفي قول الحلّي: «وغير الله لم يدم»، مع أنّها مؤكّدة للجمل الأُولى، ولكن بما أنّها كبرى كلّية تنطبق على المورد وغير المورد، صارت أمثالاً يستشهد بها مع قطع النظر عن الجمل الأُولى.
وأُخرى: لم تستقل الجملة الثانية بإفادة المراد بل تتوقّف على ما قبلها، كقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَئِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)1، فإنّ قوله: (أَفَئِنْ مِتَّ)تأكيد لما قبله، وليس جملة مستقلّة مفيدة للمراد.
وأمّا الثاني ـ أعني : التكميل ـ : ويسمّى الاحتراس وهو أن يُؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود لما يدفعه، كقوله سبحانه: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ )2 فإنّه لو اقتصر على وصفهم بالذلّة على المؤمنين لتوهّم بذلك ضعفهم فأتى على سبيل التكميل بقوله: (أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ)لدفع ذلك التوهّم.
وأمّا الثالث ـ أعني : التتميم ـ : فهو أن يُؤتى بكلام لا يوهم خلاف المقصود بكلمة زائدة لنكتة، كقوله سبحانه: (وَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ)3، فإنّ الضمير يرجع إلى الطعام، وقد أتى بجملة: (عَلَى حُبِّهِ)دليلاً على أنّهم مع حاجتهم إلى الطعام يقدّمون الغير على أنفسهم، والنكتة هنا المبالغة في الإيثار.

1 . الأنبياء: 34 .
2 . المائدة: 54 .
3 . الإنسان: 8 .

صفحه 170
ومن أسباب الإطناب الاعتراض وهو: الإتيان بجملة أو أكثر في أثناء كلام أو كلامين اتّصلا معنى لنكتة، غير دفع الإبهام كالتنزيه في قوله سبحانه: (وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ )1، فقوله سبحانه: (سُبْحَانَهُ)جيء به للتنزيه.
ثم إنّ للاعتراض أقسام وغايات وفوائد مذكورة في المطوّلات.
ونختم هذا الباب بتنبيه: وهو أنّه كما يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كونه ناقصاً عمّا يساوي المراد، أو زائداً عليه، فكذلك يوصف بهما باعتبار كثرة حروفه وقلّتها بالنسبة إلى كلام آخر مساو له في أصل المعنى.
وقوله سبحانه: (فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ )2 بالنسبة إلى قول العرب: «القتل أنفى للقتل» من هذا القبيل ، لقلّة حروف الأوّل وكثرة حروف الثاني، مضافاً إلى الاختلاف في المعنى كما مرّ عليك.
***
تمّ الكلام في الباب الثامن
وبه يتمّ الكلام في الفن الأوّل ـ أعني: علم المعاني ـ
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

1 . النحل: 57 .
2 . البقرة: 179 .

صفحه 171
الفن الثاني:
في علم البيان
وفيه مقدّمة، وثلاثة أبواب:
1. في التشبيه
2. في المجاز
3. في الكناية

صفحه 172

صفحه 173

تعريف علم البيان

قد عرفت في مقدّمة الكتاب أنّ البلاغة تبتني على أمرين ـ بعد رعاية ما تتكفّل به علوم أُخرى ـ :
1. الاحتراز عن الخطأ في تأدية المراد الذي يعبر عنه بإيراد الكلام مطابقاً لمقتضى الحال، وهذا هو الذي يتكفّل به علم المعاني.
2. تمييز السالم من التعقيد المعنوي من غيره، أو إيراد الكلام على أنحاء وطرق مختلفة في الوضوح والخفاء، بعيدة عن التعقيد، وهذا هو الذي يتكفّل به هذا العلم.
وربّما يتصوّر أنّ علم البيان في عرض علم المعاني، ولكنّ الأمر ليس كذلك ، إذ ليس علم البيان منحصراً في إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح والخفاء، بل لابدّ أن ينضمّ إليه قيدٌ آخر وهو كون الكلام مطابقاً لمقتضى الحال، فيكون علم المعاني أعمّ من علم البيان; لأنّ كون الكلام مطابقاً لمقتضى الحال لا يتوقّف على إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح والخفاء، بل يكفي كونه مطابقاً لمقتضى الحال، بخلاف من يريد إلقاء الكلام على طرق مختلفة فلابدّ أن يكون مع ذلك، مطابقاً لمقتضى الحال.
ثم إنّ الاختلاف في الوضوح والخفاء لا يتصوّر في الدلالة المطابقية ;

صفحه 174
لأنّ المخاطب إن كان عارفاً باللغة فدلالة الألفاظ لا تقبل الاختلاف وضوحاً وخفاءً، وإلاّ فالكلّ فاقد للدلالة، وإن عرف البعض دون البعض فما عرفه لا يكون أوضح ممّا لم يعرف، ولذلك انحصر اختلاف الدلالة في الوضوح والخفاء بالدلالتين: التضمّنية والالتزامية .
ثم إنّ دلالة اللفظ على ما وضع له، دلالة وضعية، إنّما الكلام في دلالته على الجزء أو اللازم، فهل هما وضعيّتان أو عقليّتان؟ فالمنطقيّون على الأوّل، قال الحكيم السبزواري:
دلالةُ اللفظِ بدت مُطابَقه *** حيثُ على تمامِ معنى وافقه
وما على الجزءِ تضمّناً وُسِمْ *** وَخارجُ المعنى التزامٌ إن لَزِمْ
لكنّ علماء البلاغة جعلوا الدلالتين الأخيرتين دلالة عقلية لا وضعية، وذلك لحكم العقل بأنّ حصول الكلّ أو الملزوم مستلزم لحصول الجزء أو اللازم.1
في علم البيان   
وإن شئت قلت: العقل يدلّ على أنّ وجود الكلّ يلازم وجود الجزء (التضمّن)، أو أنّ وجود الملزوم يلازم وجود اللازم (الالتزام) .
ثم إنّ القوم حصروا البحث في علم البيان في ثلاثة أبواب:
1. التشبيه.
2. المجاز.
3. الكناية.

1 . الأولى أن يقال: إنّها دلالة مزيجة من الوضع والعقل فلا وضعية بحتة ولا عقلية كذلك.

صفحه 175
وقالوا في وجه الحصر: إنّ اللفظ الذي أُريد به لازم ما وضع ذلك اللفظ له (أي المعنى التضمّني والالتزامي) إن قامت قرينة على عدم إرادة ما وضع له فمجاز، وإلاّ فكناية حيث إنّ الكناية من قبيل استعمال اللفظ في الملزوم (المعنى الموضوع له) للانتقال إلى اللازم.
ثم إنّ من المجاز ما يبتني على التشبيه وهو الاستعارة فتجب دراسته قبل دراسة المجاز، لابتناء الاستعارة على التشبيه، فانحصر المقصود من علم البيان في الأُمور الثلاثة: التشبيه، والمجاز، والكناية.
هذا ما لدى القوم وأمّا ما عندنا فالظاهر أنّ البحث في التشبيه بحث مستقل وفي الوقت نفسه مقدّمة للبحث عن المجاز; وذلك لأنّ الغاية من علم البيان الاقتدار على إيراد المعنى بصور مختلفة بعيدة عن التعقيد، والتشبيه يمكن التعبير عنه بعبارات مختلفة في الدلالة على المعنى المقصود، مثلاً:
إذا أردنا وصف شخص بالسخاء فتارة نقول:
هو الشّمسُ قدراً والملوكُ كواكِبٌ *** هُو البحر جوداً والكِرام جداولُ
وأُخرى نقول:
هو البحرُ من أيّ النواحي أتيتَهُ *** فلُجّتهُ المعروفُ وَالجودُ سَاحِلُهْ1
وَ ثالثة نقول: هو كالسحاب الممطر.

1 . قائل هذا البيت هو: أبو تمام حبيب بن أوس الطائي .

صفحه 176
فكل هذه التعبيرات الثلاثة ترمي إلى معنى واحد، لكن تختلف في الدلالة على المقصود، أعني: المبالغة في السخاء.
وهذا النوع من التشبيهات من قبيل التشبيه البليغ وليس استعارة، وذلك لأنّ المستعار له مذكور، نظيره قوله سبحانه: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ )1 .
فهو من قبيل التشبيه لذكر المستعار له، أعني: المنافقين في الآية.
وأمّا الاستعارة فإنّما يطوى فيها ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال وفحوى الكلام على إرادة المنقول إليه ، فعلى هذا فقولنا: زيد أسد، تشبيه بليغ وليس استعارة.2

1 . البقرة: 171 .
2 . لاحظ : عقود الجمان: 81 .

صفحه 177
الباب الأوّل:
في التشبيه
تعريف التشبيه
أركان التشبيه: المشبّه، والمشبّه به، وجه التشبيه وأداته.
تقسيم طرفي التشبيه باعتبار أدوات المعرفة
تقسيم الطرفين باعتبار الإفراد والتركيب
تقسيم الطرفين باعتبار تعدّد المشبّه أو المشبّه به
تقسيم التشبيه باعتبار وجه الشبه:
أ. وجه الشبه إمّا ذاتي أو عرضي.
ب. وجه الشبه إمّا واحد أو مركّب أو متعدّد.
ج. وجه الشبه إمّا مجمل أو مفصّل.
د. وجه الشبه إمّا مبتذل أو بعيد.
هـ . وجه الشبه إمّا تلميح أو تهكّم.
في أداة التشبيه
تقسيم التشبيه باعتبار أداته.
قوة التشبيه وضعفه.

صفحه 178

صفحه 179
   
قد عرفت أنّ للتشبيه بنفسه دوراً في إيراد المعنى المقصود بصور مختلفة مع تجريده عن التعقيد، ولذلك استحق باباً يبحث فيه مستقلاًّ لا على سبيل الاستطراد، فنقول:

تعريف التشبيه

التشبيه: عبارة عن دلالة الكلام على مشاركة أمر لأمر في معنى، ولذا فهو يتشكّل من أركان أربعة:
المشبّه، والمشبّه به، ووجه الشبه، وأداة التشبيه.
ويضاف إلى الأركان الأربعة بيان الغرض منه وأقسامه، وإليك الكلام في هذه الأركان واحداً بعد الآخر، ونقدّم البحث عن الطرفين، لأنّ وجه التشبيه قائم بهما والأداة آلة لبيان التشبيه، فنقول:

أقسام طرفي التشبيه

ينقسم طرفا التشبيه إلى الأقسام التالية:
1. تقسيمهما إلى الحسّي والعقلي.
2. تقسيمهما باعتبار كونهما مفرداً أو مركباً.
3. تقسيمهما باعتبار تعدّد المشبّه أو المشبّه به .

صفحه 180
وإليك الكلام في بيانها:

الأوّل: تقسيم طرفي التشبيه باعتبار أدوات الإدراك

إنّ طرفي التشبيه تارة يكونان حسيّين، وأُخرى عقليّين أو مختلفين.
أمّا الحسيّان فهما عبارة عمّا يدرك بالحسّ إمّا بنفسه أو بمادته، وهذا كالأمثلة التالية:
1. خدّه كالورد، في المبصرات.
2. الصوت الضعيف كالهمس، في المسموعات.
3. نكهته 1 كالعنبر، في المشمومات.
4. ريقه كالشهد، في المذوقات.
5. جلده كالحرير، في الملموسات.
وأمّا العقليان، فكقولك : العلم كالحياة.
وأمّا المختلفان فإمّا أن يكون المشبّه عقلياً والمشبّه به حسّيّاً، كقولك: المنيَّة كالسَّبُع، أو بالعكس، كقولك : الطيب كالخلق الكريم .
قلنا: إنّ المراد بالحسّي ما يكون نفسه مدركاً بالحسّ أو مادّته بإحدى الحواس الخمس، فدخل فيه ما تكون مفرداته مدركةً بالحسّ وإن كان المركّب منها ليس بمحسوس، أعني: كما في قول الشاعر:
تقسيم طرفي التشبيه باعتبار أدوات الإدراك   
وَ كأنَّ مُحْمَرَّ الشّقيـ *** ـقِ إذا تَصَوَّبَ أوْ تَصَعَّدْ

1 . ريح الفم.

صفحه 181
أعْلامُ ياقُوت نُشِرْ *** نَ عَلى رِماح مِنْ زَبَرْجَدْ
فإنّ الهيئة المنتزعة من اجتماع الأعلام والياقوت والرماح والزبرجد ممّا لا يدركه الحسّ، وإنّما يدرك الحسّ كلّ واحدة من هذه المفردات، فبما أنّ أُصول الهيئة ممّا يدرك بالحسّ، عُدّت الهيئة ـ أيضاً ـ حسّية.

ما هو المراد بالعقلي؟

إذا كان الحسّي أعمّ من أن يكون بنفسه حسّياً أو بمادته، يُراد بالعقلي ما عدا ذلك، أي لا يكون هو ولا مادته مدركاً بإحدى الحواس، فدخل فيه أمران:
1. الوجدانيات، وهو ما يدرك بالقوى الباطنية، كاللّذة والألم والجوع والشبع والهمّ والفرح.
2. الوهميات، وهي ما ليس مدركاً بإحدى الحواس لكن لو فرض الإدراك لكان مدركاً بها، كما في قول امرئ القيس :
أَيَقْتُلُنِي وَالمشرَفيُّ مُضاجِعي *** ومسنونةٌ زُرقٌ كأنيابِ أغوالِ
فإنّ الغول أمر وهمي فكيف نابه، ولكن لو فرض له الوجود لكان مدركاً بالحسّ.

صفحه 182

الثاني: تقسيم الطرفين باعتبار الإفراد والتركيب 1

ينقسم التشبيه باعتبار الطرفين إلى أربعة أقسام:
1. تشبيه مفرد بمفرد.
2. تشبيه مفرد بمركّب، كتشبيه الشقيق بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد في البيت السابق.
3. تشبيه مركّب بمركّب بأن يكون في كلّ من الطرفين كيفية
حاصلة من عدّة أشياء قد تضامّت حتّى عادت شيئاً واحداً، كما في قول بشّار2:
كَأنَّ مُثارَ النَّقعِ فَوْقَ رؤوسِنا *** وأسيافَنا لَيلٌ تَهاوى كواكِبُهْ
حيث إنّ الشاعر لم يقصد تشبيه مفرد بمفرد، مثلاً الليل بالنقع والكواكب بالسيوف، بل شبّه الهيئة المدركة من تساقط الرؤوس بالسيوف بتساقط الكواكب في الليلة الظلماء.
4. تشبيه مركّب بمفرد، كما في تشبيه نهار مشمس قد شابه زهر الرُّبى بليل مُقمِر، كما في بيت أبي تمّام:
يا صاحِبيَّ تَقَصّيا نَظَريكُما *** تَرَيا وُجُوهَ الأرضِ كَيْفَ تَصَوَّرُ

1 . بما أنّ الكلام في تقسيم التشبيه باعتبار الطرفين، قدّمنا التقاسيم التالية على تقسيمه باعتبار وجه الشبه خلافاً للتلخيص وشرحه للتفتازاني.
2 . هو بشار بن برد العقيلي، بالولاء، أبو معاذ، أصله من طخارستان ونسبته إلى امرأة عقيلية أعتقته من الرق. وكان ضريراً، نشأ في البصرة وقدم بغداد، وأدرك الدولتين: الأموية والعباسية. له ديوان شعر مطبوع. مات ودفن بالبصرة سنة 167 هـ . الأعلام: 2 / 52 .

صفحه 183
تَرَيا نَهاراً مُشمِساً قد شَابَهُ *** زهرُ الرُّبى فَكأنَّما هُوَ مُقمِرُ1
فالمشبّه أمر مركّب، والمشبّه به مفرد وهو الليل المقمر.

الثالث: تقسيم الطرفين باعتبار تعدّد المشبّه أو المشبّه به

ينقسم طرفا التشبيه باعتبار تعدّد طرفيه، أو تعدّد أحدهما إلى أقسام أربعة:
1. الملفوف: أن يؤتى أوّلاً بالمشبّهات على طريق العطف أو غيره ثم بالمشبّه بها كذلك، كقول امرئ القيس في وصف العقاب بكثرة اصطياد الطيور:
كأنّ قُلُوبَ الطَّيْر رَطْباً ويابساً *** لَدى وَكْرِها العنّابُ والحَشَفُ البالي2
حيث شبّه الطري من الصدور بالعنّاب، واليابس منها بالحشف البالي، وقد أتى المشبّه على طريق العطف (رطباً ويابساً)، والمشبّه به (العنّاب والحشف البالي) كذلك.
2. المفروق: وهو أن يفرّق بين المشبهين والمشبه بهما بأن يؤتى بمشبه ومشبه به ثم بآخر وآخر، كقول المرقش الأكبر3:

1 . قوله: تقصّيا من تقصّيت أي بلغت أقصاه. قوله: تريا من الرؤيا بالبصر. ونهار مشمس: أي يوم ذو شمس ليس فيه غيم، وشابه من الشوب بمعنى الخلط، والزهر: كفرس بمعنى التلؤلؤ لتلؤلؤ القمر، والربى: جمع ربوة بمعنى المكان المرتفع.
2 . راجع: مختصر المعاني: 206 .
3 . هو عوف (أو عمرو) بن سعد بن مالك من بني بكر بن وائل، المعروف بالمرقش الأكبر، شاعر جاهلي، من المتيّمين الشجعان، كان يحسن الكتابة. ولد باليمن ونشأ بالعراق واتصل مدة بالحارث أبي شمر الغسّاني. توفّي نحو سنة 75 قبل الهجرة. الأعلام: 5 / 95.

صفحه 184
النّشرُ مِسكٌ وَالوُجُوه دَنا *** نيرُ وَأَطرافُ الأكُفِّ عَنَمْ
ترى في هذا الشعر تشبيهات ثلاث منفصلات. والنشر الرائحة الطيّبة. والعنم: شجر أحمر ليّن، أغصانها تكون مثل الأصابع .1
3. التسوية: وهو أن يتعدّد المشبّه دون المشبّه به، كقول القائل:
صُدْغُ 2 الحَبيبِ وَحالي *** كِلاهُما كَاللَّيالي
وَ ثَغْرُهُ 3 في صَفاء *** وَأدمُعي كَاللآّلي
فالمشبّه أمر مركّب وهُو صدغ الحبيب وحال الشاعر، والمشبّه به مفرد وهو الليالي.
4. تشبيه الجمع: أن يتعدّد المشبّه به دون المشبّه، كتشبيه الثغر باللؤلؤ المنضّد، أو البرَد، أو الأقاح كما في قول البحتري4:
تقسيم التشبيه باعتبار وجه الشبه، وجه الشبه إمّا ذاتي أو عرضي   
كأنّما يَبْسِم عَنْ لُؤلُؤ *** مَنَضّد أوْ بَرَد أَوْ أَقاحْ

1 . مختصر المعاني: 206 .
2 . الصدغ: ما بين العين والأُذن، وقيل: ما انحدر من الرأس إلى مركب اللحيين، وقيل: الصدغان ما بين كاظي العينين إلى أصل الأُذن. لسان العرب: 8 / 439، مادة «صدغ».
3 . الثغر: اسم الأسنان كلّها ما دامت في منابتها قبل أن تسقط، وقيل: هي الأسنان كلّها، كنّ في منابتها أو لم يكن، وقيل: هو مقدّم الأسنان. لسان العرب: 4 / 103، مادة «ثغر» .
4 . هو الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي، أبو عبادة البحتري، شاعر كبير، أشعر أبناء عصره مع المتنبّي وأبي تمّام. ولد بمنبج (بين حلب والفرات) سنة 206 هـ ، ورحل إلى العراق فاتّصل بالمتوكّل العباسي وغيره، ثم عاد إلى الشام وتوفّي في منبج سنة 284 هـ . له ديوان شعر مطبوع. الأعلام: 8 / 121 .

صفحه 185
قد شبه أسنانه حين التبسّم باللؤلؤ المنضّد أي المنظّم، أو البَرَد وهو حَبْ الغَمام. والأقاح جمع أقحوان وهو ورد له نَوْر ينفتح ويسمّى البابونج، ولون ورده في الأغلب أبيض.1
تمّ الكلام في تقسيم التشبيه باعتبار الطرفين وحان تقسيمه باعتبار وجه الشبه.

تقسيم التشبيه باعتبار وجه الشبه

ينقسم التشبيه باعتبار وجه الشبه إلى أقسام:

الأوّل: وجه الشبه إمّا ذاتي أو عرضي

إذا كان وجه الشبه تمام ماهية الطرفين النوعية، أو جنساً لهما أو فصلاً، يسمّى ذاتياً، كما إذا قال: هذا الثوب مثل هذا، في كونه كرباساً أو ثوباً أو من الكتان.
وأمّا إذا كان وجه الشبه خارجاً عن حقيقتهما فيسمّى عرضياً .
ثم إنّ العرضي إمّا أن يكون وصفاً متمكّناً في ذات كلّ من الطرفين فيسمّى حقيقياً، أو يكون حصوله في الذات بالقياس إلى غيره فيسمّى إضافياً.
ثم إنّ وجه الشبه الحقيقي إمّا أن يدرك بالحسّ، أو يدرك بالعقل.

1 . راجع: معاهدة التنصيص: 2 / 88 ـ 89 ; الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 234 .

صفحه 186
فهذه أقسام ثلاثة للوصف الحقيقي، فلنقدّم دراسة الحقيقي على الأضافي فنقول:
   
1 . الوصف الحقيقي المدرك بالحسّ تارة يدرك بالبصر، كالألوان والأشكال، والمقادير والحركات، نظير الحمرة في تشبيه الخدّ بالورد.
أو يدرك بالسمع، كتشبيه الصوت الجميل بتغريد البلابل.
أو يدرك بالذوق، كتشبيه بعض الفواكه الحلوة بالسكر أو العسل.
أو يدرك بالشم، كتشبيه بعض الرياحين بالمسك.
أو يدرك باللمس، كتشبيه الجسم الليّن الناعم بالخزّ.
2. الوصف الحقيقي المدرك بالعقل، كالكيفيات النفسانية مثل الذكاء والعلم والغضب والحلم وسائر الغرائز كالشجاعة والكرم، كقولك: زيد كأرسطو، أو زيد كحاتم، أو زيد كالجبل لايحركه الغضب، إلى غير ذلك من الأمثلة.
3 . الإضافي: أي ما لايكون مستقرّاً في الذات بل يكون متعلّقاً بشيئين، كتشبيه الحجّة بالشمس في إزالة الحجاب، فإنّها ليست متقرّرة في ذات واحد من الطرفين، بل تعلم بالقياس.

الثاني: وجه الشبه إمّا واحد أو مركّب أو متعدّد

1. أمّا الواحد فهو إمّا حسّي، أو عقلي.
أمّا الحسّي فكالحمرة من المبصرات، والهمس من المسموعات، وطيب الرائحة من المشمومات، ولذة الطعم من المذوقات، واللين من

صفحه 187
الملموسات. وقد مرّت الأمثلة في تشبيه الخدّ بالورد، والصوت الضعيف بالهمس، والنكهة بالعنبر، والريق بالشهد، والجلد الناعم بالحرير.
وأمّا العقلي فكالعريّ عن الفائدة، كقولهم: وجوده كالعدم، والشجاعة كتشبيه الرجل بالأسد، والهداية كتشبيه العلم بالنور، إلى غير ذلك من وجوه الشبه الموجودة في الواحد الفعلي.
2. وأمّا المركّب فهو عبارة عمّا يكون وجه الشبه ملتئماً من وجوه مختلفة، فهو إمّا حسّي، أو عقلي.
أمّا الحسّي كقول أبي قيس بن الأسلت 1:
وَ قَدْ لاحَ في الصُّبحِ الثُّريّا كَما تَرى *** كَعُنْقُودِ مُلاّحيّة حِينَ نَوَّرا فوجه الشبه هنا الهيئة الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرات، الصغار المقادير في رأي العين في كلا الطرفين:
نجوم الثريا ذات الصور البيض المستديرة، الصغار المقادير في رأي العين، الكبيرة في الواقع. وعنقود الملاّحيّة الّتي هي عنب أبيض في حبّه طول، حال إخراج نَوْره.2

1 . هو صيفي بن عامر الأسلت الأوسي الأنصاري، أبو قيس، شاعر جاهلي. كان رأس الأوس وشاعرهم وخطيبهم وقائدهم في حروبها، وكان يكره الأوثان، ويبحث عن دين يطمئن إليه، فلقي علماء من اليهود ورهباناً وأحباراً، ووصف له دين إبراهيم فقال: أنا على هذا. ولمّا ظهر الإسلام اجتمع برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وتريّث في قبول الدعوة، فمات بالمدينة قبل أن يسلم وذلك في سنة 1 هـ . الأعلام: 3 / 211.
2 . مختصر المعاني: 197 .

صفحه 188
وأمّا المركب العقلي، فكقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التُّورَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَاراً).1
وجه الشبه حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمّل التعب في اصطحابه، وهو أمر عقلي مأخوذ من أُمور متعدّدة.
3 . وأمّا المتعدّد فهو ـ أيضاً ـ إمّا حسّي، كتشبيه الفاكهة بأُخرى في اللون والطعم والرائحة.
وكقول أبي محمد المطراني2:
حَكَتْ ليناً ولوناً واعتدالاً *** ولحظاً قاتلاً سُمرَ الرماحِ
وإمّا عقلي كتشبيه رجل بآخر في العلم والحلم والحياء. ونظيره في تشبيه طائر بالغراب في حدّة النظر وكمال الحذر وإخفاء السفاد.

الثالث: وجه الشبه إمّا مجمل أو مفصّل

ينقسم وجه الشبه إلى مجمل ومفصّل.
والمراد بالمجمل ما لم يذكر وجهه، وهو إمّا ظاهر ويفهمه كلّ واحد، كقولك: زيد كالأسد في الشجاعة، وكقول الإمام علي(عليه السلام): «إِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيِّةِ: لَيِّنٌ مَسُّهَا، قَاتِلٌ سَمُّهَا»3.

1 . الجمعة:7.
2 . هو الحسن بن علي بن مطران، أبو محمد المطراني، شاعر الشاش وبلاد ما وراء النهر، كان يجمع بين أدب الدرس وأدب النفس وأدب الأنس، فيطرب بنثره كما يطرب بشعره، ويؤنس بهزله كما يؤنس بجده، له ديوان شعر. يتيمة الدهر: 4 / 132.
3 . نهج البلاغة: الكتاب، رقم 68.

صفحه 189
أو خفيّ لا يدركه إلاّ الخواص، كقول فاطمة الأنمارية 1 فيما روي عنها أنّها لمّا سئلت عن بنيها وهم: عمارة وربيع وقيس وأنس، أيهم أفضل؟ قالت : ربيع، بل عمارة، بل قيس، بل أنس ، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة لايدرى أين طرفاها. أي هم متناسبون في الشرف كما أنّ الحلقة متناسبة الأجزاء في الصورة بحيث يمتنع تعيين بعضها طرفاً وبعضها وسطاً.2
وأمّا المفصّل فهو ما ذكر فيه وجه الشبه، كقول الشاعر:
وَ ثَغْرُهُ في صَفاء *** وَأدْمُعي كَاللاّلي
وكقول الإمام علي(عليه السلام) في حقّ مروان 3: «إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ».4
وقد يتسامح بذكر ما يستلزمه كقولهم للكلام الفصيح: هو كالعسل في

1 . هي فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، من غطفان، منجبة جاهلية يضرب بها المثل: «أنجب من فاطمة». كانت امرأة زياد بن سفيان العبسي، وولدت له أربعة أبناء يوصفون بالكملة. الأعلام: 5 / 130 .
2 . راجع خزانة الأدب: 7 / 488.
3 . هو مروان بن الحكم بن أبي العاص، وهو من أشد الأعداء لأهل بيت النبوّة(عليهم السلام). ووالده الحكم كان يستهزئ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى لعنه وطرده ونفاه من المدينة، ولم يزل طريداً عن المدينة ومعه ابنه أيام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأيام أبي بكر وعمر، وهو يسمّى طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى استولى عثمان على الأمر فردّه وآواه وجعل ابنه مروان كاتبه وصاحب تدبيره!! راجع: أُسد الغابة: 2 / 34 ; شرح نهج البلاغة: 15 / 239 .
4 . نهج البلاغة: 1 / 124، الخطبة 73 (من كلام له (عليه السلام)قاله لمروان بن الحكم بالبصرة) بعد أن أُخذ أسيراً في حرب الجمل فاستشفع الحسن والحسين (عليهما السلام)إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)فكلّماه فيه فخلّى سبيله. ومعنى كلامه (عليه السلام)أنّ له إمرة وخلافة قصيرة المدة وكانت تسعة أشهر.

صفحه 190
الحلاوة، فإنّ الجامع لازمه وهو ميل الطبع.

الرابع: وجه الشبه إمّا مبتذل أو بعيد

ينقسم وجه الشبه إلى قريب مبتذل، وبعيد غريب.
فالأوّل ما ينتقل فيه من المشبّه إلى المشبّه به من غير تدقيق نظر، لظهور وجه الشبه في بادئ النظر، كتشبيه الشمس بالمرآة المجلوّة في الاستدارة والاستنارة.
وقد يتصرّف في التشبيه القريب المبتذل بما يجعله غريباً ويخرجه عن الابتذال، كقول المتنبّي:
لَمْ تَلقَ هذا الوجهَ شمسُ نهارِنا *** إلاّ بوجه ليس فيهِ حياءُ
فإنّ تشبيه الوجه الحسن بالشمس قريب مبتذل، لكن حديث الحياء أخرجه عن الابتذال إلى الغرابة، لاشتماله على زيادة دقّة وخفاء.
ومعنى البيت: أنّه لم تقابله ولم تعارضه (الشمس) في الحسن والبهاء إلاّ بوجه ليس فيه حياء1.
ونظيره قول الوطواط2:
عَزَمَاتُه مِثْلُ النجومِ ثَواقباً *** لَوْ لَمْ يَكُنْ للثّاقباتِ أُفُولُ

1 . راجع: معاهدة التنصيص: 2 / 93 ـ 94 ; مختصر المعاني: 210 .
2 . هو محمد بن محمد بن عبد الجليل العمري البلخي، رشيد الدين أبو بكر الوطواط، أديب من الكتّاب المترسلين، كان ينظم الشعر بالعربية والفارسية. مولده ببلخ ووفاته بخوارزم سنة 573 هـ . له ديوان شعر. الأعلام: 7 / 25 .

صفحه 191
فإنّ تشبيه العزم بالنجم مبتذل، ووجه الشبه هو اللمعان، لكن الشرط المذكور أخرجه من الابتذال إلى الغرابة، ويسمّى هذا التشبيه بالتشبيه المشروط.1
والثاني ـ أي المبتذل البعيد ـ فهو ما لاينتقل فيه إلاّ بعد فكرة ونظر لخفائه، كقول الشاعر:
الشّمسُ كالمرآةِ فِي كَفِّ الأَشَلْ *** لَمّا رَأيتها بَدَتْ فَوْقَ الجَبَلْ
وجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتّصلة مع تموّج الإشراق واضطرابه بسبب تلك الحركة حتى يُرى الشعاع كأنّه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض، وإنّما وصف بالغرابة إذ ربّما يقضي الرجل دهره ولايتّفق له أن يرى مرآة في كف أشلّ، فالغرابة من جهة الندورة ومن جهة كثرة التفصيل.

الخامس: وجه الشبه إمّا تلميح أو تهكّم

إنّ وجه الشبه تارة يؤخذ من التضاد فينزّل منزلة التناسب فيشبه الشيء بما قام به معنى مضاد لما قام بذلك المشبه، كتشبيه البخيل بحاتم، فإن قُصد به الاستهزاء يسمّى تهكّماً، وإلاّ فتلميحاً، نظير قول الإمام علي(عليه السلام): «نَوْمُهُمْ سُهُودٌ ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بأَرْض عَالِمُها مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُها مُكْرَمٌ».2

1 . راجع: معاهدة التنصيص: 2 / 94; مختصر المعاني: 211 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 2.

صفحه 192
وقوله (عليه السلام): «وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، أَشُهُودٌ كَغُيَّاب، وَعَبِيدٌ كَأَرْبَاب».1
ثم إنّهم ذكروا في المقام تقسيمات حول الطرفين ووجه الشبه لا تترتّب عليها فائدة وكأنّها صدرت من السكّاكي، وقد تركها إمام الفنّ عبد القاهر الجرجاني، فلم يورد من هذه التقسيمات إلاّ القليل، كما أشار إليه التفتازاني في مطوّله.2 ولنقتصر بما ذكرناه.
   

في أداة التشبيه

قد سبق أنّ أركان التشبيه أربعة، وهي : المشبّه، المشبّه به، وجه الشبه، وأداة التشبيه، وقد مرّ الكلام في الثلاثة الأُولى، وإليك الكلام في الأخير.
أداة التشبيه عبارة عن: الكاف، وكأنّ، ومثل، ونحو، وشبه، وما ضاهاها.
والأصل في الكاف وما أشبهها (كلفظ: مثل، ونحو، وشبه) أن يليه المشبّه به لفظاً نحو: زيد كالأسد; أو تقديراً، نحو قوله سبحانه: (أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ)3، فإنّ الغرض تشبيه حال المنافقين بذوي صيّب، لا بالصيّب نفسه، كما هو واضح.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 97.
2 . المطول: 54، طبعة عبدالرحيم.
3 . البقرة: 19. الصيّب: المطر، وكلّ نازل من علوٍّ إلى أسفل يقال فيه: صاب يصوب. التبيان: 1 / 91 .

صفحه 193
وقد يلي الأداة غير المشبّه به، مثل قوله سبحانه: (وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِرًا )1، فالمشبّه به ليس هو الماء، بل هو تشبيه حال الدنيا في بهجتها وما يتعلّق بها من الهلاك بحال النبات الحاصل من الماء حيث يخضّر وييبس فتطيّره الرياح.
ونظيره قول الإمام علي (عليه السلام)في التزهيد في الدنيا: «فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْر سَلَكُوا سَبِيلا فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ»2.
فإنّ الغرض تشبيه حال أهل الدنيا وقصّتهم بحال المسافرين لا نفس المسافرين، فحذف المشبّه به بقرينة المشبّه.
وأمّا «كأنّ» فهي على خلاف ما ذكر من الأدوات، فيليها المشبّه، كقول الإمام علي (عليه السلام): «كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الَْمجَانُّ الْمُطَرَّقَةُ»3 فدخلت أداة التشبيه «كأنّ» على المشبّه «أي الوجوه» لا المشبّه به «أعني: المجان المطرّقة».
قال جلال الدين السيوطي:
أداتُـهُ الكافُ ومثلُ وكأن *** والأصلُ في الكافِ وما أشبَه أن

1 . الكهف: 45 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 99 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 128. المجان المطرقة ما يكون بين جلدين أحدهما فوق الآخر، وما جاء هنا أي التراس الّتي ألبست العقب شيئاً فشيئاً، أراد أنّهم عراض الوجوه وغلاظها. لسان العرب: 10 / 220، مادة «طرق» .

صفحه 194
   

تقسيم التشبيه باعتبار أداته

ينقسم التشبيه باعتبار أداته إلى المؤكّد والمرسل.
أمّا المؤكد فهو ما حُذفت أداته كقوله سبحانه: (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)1، أي مثل مرّ السحاب .
ونظيره قول علي (عليه السلام): «إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَا، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي»2، والتقدير كقطب الرحى.
وقوله أيضاً: «بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْم لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الاَْرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ !» 3. والتقدير «كاضطراب» .
وأمّا المرسل فهو بخلافه، أي ذكرت أداته فصار مرسلاً من التأكيد المستفاد من حذف الأداة .
المشعر ظاهراً بأنّ المشبّه هو المشبّه به .

قوة التشبيه وضعفه

قد تقدّم أنّ أركان التشبيه أربعة فلابدّ من ذكر المشبّه به قطعاً ولا يتصوّر فيه الحذف. ثم إنّ المشبّه إمّا مذكور، أو محذوف ; وعلى التقديرين فوجه الشبه إمّا مذكور أو محذوف، فهذه أربعة; وعلى هذه التقادير فالأداة إمّا مذكورة أو محذوفة، فهي ثمان مراتب.

1 . النمل: 88 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 119 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 5. الأرشية جمع رشاء بمعنى الحبل. الطويّ جمع طويّة وهي البئر. والطويّ البعيدة: أي البئر العميقة.

صفحه 195
ثم إنّ اختلاف مراتب التشبيه يتحقّق بأُمور:
1. قد يكون باعتبار اختلاف المشبّه به، كقولنا: زيد كالأسد، أو: زيد كالسرحان في الشجاعة، فإنّ الأوّل أقوى.
2. قد يكون باختلاف الأداة، كقولنا: زيد كالأسد، أو كأنّ زيد الأسد.
وقد يكون باختلاف ذكر الأركان كلّها أو بعضها.
3. فلو ذكر الجميع كما إذا قيل: زيد كالأسد في الشجاعة، فهو أدنى المراتب.
4. وإن حذف الوجه والأداة فأعلاها، كقولنا: زيد أسد.
5. وإن ذكر أحدهما فمتوسطة، وبالتأمّل يعلم حكم جميع المراتب الثمانية.

الغرض من التشبيه

التشبيه إمّا مقبول، أو مردود. أمّا المقبول فالغرض فيه في الأغلب يعود إلى المشبّه :
1. إمّا بيان إمكانه أي أنّ المشبّه أمر ممكن الوجود، وذلك في كلّ أمر غريب يمكن أن يخالف فيه ويدّعى امتناعه، كقول المتنبّي:
فَإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنهُم *** فَإنَّ المِسْكَ بعضُ دَمِ الغزالِ1
حيث إنّ الشاعر يدّعي أنّ الممدوح قد فاق الناس وهو أصل برأسه،

1 . ديوان المتنبّي: 1 / 380 .

صفحه 196
ولمّا كان هذا أمراً مستبعداً بأن يبلغ بعض آحاد النوع مبلغاً يصير كأنّه ليس منها، فاحتجّ لهذه الدعوى وبيّن إمكانها حيث شبّه حاله بحال المسك الذي هو من الدماء ولكن لا يُعدّ منها.
2. أو بيان حال المشبّه بأنّه على أي وصف من الأوصاف، كما في تشبيه ثوب بآخر في السواد، إذا عُلم لون المشبّه به.
3. أو مقدار حال المشبّه في القوة والضعف كتشبيه الثوب الأسود بالغراب، في شدّة السواد.
4. أو تقرير حال المشبّه في نفس السامع وتقوية شأنه، كتشبيه من لا يحصل من شأنه على طائل بمن يرقم في الماء.
5. أو تزيين المشبّه في عين السامع، كتشبيه وجه أسود بمقلة الضبي.
6. تقبيح المشبّه في عين السامع، كقوله تعالى: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ)1.
7. قصد استظرافه كما في تشبيه فحم فيه جمر ببحر من المسك موجه الذهب، ووجه ظرافته إبرازه في صورة الممتنع عادة.
هذا كلّه في المقبول، وأمّا المردود فهو ما يكون قاصراً عن إفادة الغرض بأن لا يكون على شرط المقبول كما إذا شُبّه الشيء بالمسك في السواد دون الرائحة.
هذا كلّه إذا رجع الغرض إلى المشبّه، وربّما يعود الغرض إلى المشبّه

1 . الصافات: 64 ـ 65 .

صفحه 197
به، كقوله سبحانه حاكياً عن المشركين قولهم: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)1 مع أنّ طبع القضية أن يقولوا: إنّما الربا مثل البيع، وبذلك يضفوا على الربا وصف الحليّة، لكنّهم عكسوا فشبّهوا البيع بالربا إيهاماً بأنّ الحليّة أقوى في الربا.
ونظيره قول محمد بن وهيب الحميري:
وَبـدا الصباحُ كأنَّ غُرَّتَهُ *** وَجَهُ الخليفةِ حِينَ يُمْتَدَحُ2
قصد الشاعر إيهام أنّ وجهه أتمّ من الصباح في الضوء والضياء.
ومنه قول المعرّي:
ظلمناكَ فِي تشبيهِ صُدغيكَ بالمسكِ *** وَقاعدةُ التشبيهِ نُقصانُ ما يَحكي3
بقي هنا قسم وهو أن يشبه كلّ من الشيئين بالآخر ولا يُعلم قوة وجه الشبه في أيٍّ منهما، كقول الصاحب بن عبّاد4:

1 . البقرة: 275.
2 . البيت من قصيدة يمدح فيها المأمون العبّاسي مطلعها:
العذر أن أنصفت متّضح *** وشهيد حبك أدمع سفح
ومعنى البيت: إنّ الغرّة وهي بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم استعيرت لبياض الصبح. وقوله: (وجه الخليفة حين يمتدح) فإنّه قصد إيهام أنّ وجه الخليفة أتمّ من الصباح في الوضوح والضياء. وفي قوله: (حين يمتدح) دلالة على اتّصاف الممدوح بمعرفة حق المادح وتعظيم شأنه عند الحاضرين بالإصغاء إليه والارتياح له، وعلى كماله في الكرم حيث يتّصف بالبشر والطلاقة عند استماع المديح. راجع: مختصر المعاني: 203.
3 . راجع: البرهان للزركشي: 3 / 425 .
4 . هو إسماعيل بن عبّاد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني، المعروف بالصاحب بن عبّاد، وزير غلب عليه الأدب، فكان من نوادر الدهر علماً وفضلاً وتدبيراً وجودة رأي. استوزره مؤيد الدولة بن بويه الديلمي ثم أخوه فخر الدولة. ولقّب بالصاحب لصحبته مؤيد الدولة من صباه. ولد في الطالقان (من أعمال قزوين) سنة 326 هـ ، وتوفّي بالريّ ونُقل إلى اصبهان فدفن فيها سنة 385 هـ . له مصنّفات جليلة، منها: المحيط في اللغة، الإقناع في العروض وتخريج القوافي، والكشف عن مساوئ شعر المتنبي. الأعلام: 1 / 316 .

صفحه 198
رَقَّ الزّجاجُ وَرَاقَتِ الخَمْرُ *** فتشابَها وتَشاكَلَ الأَمْرُ
فَكأنَّما خَمْرٌ وَلا قَدَحٌ *** وَكَأنَّما قَدَحٌ وَلا خَمْرُ1
تمّ الكلام في التشبيه

1 . راجع: أعيان الشيعة: 3 / 361 .

صفحه 199
الباب الثاني:
في المجاز
تعريف الحقيقة والمجاز على رأي المشهور
تعريف المجاز عند السكّاكي
تقييم نظرية السكّاكي في المجاز وتصحيحها
في أقسام المجاز
تقسيم المجاز إلى المرسل والاستعارة
المجاز المرسل وعلائقه
تعريف الاستعارة
أقسام الاستعارة
تقسيم الاستعارة حسب الطرفين
تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع
تقسيم الاستعارة باعتبار اللفظ
تقسيم الاستعارة إلى المطلقة والمرشّحة والمجرّدة
في شرائط حسن الاستعارة

صفحه 200

صفحه 201

تعريف الحقيقة والمجاز

اتّفقت كلمة الأُدباء في تعريف الحقيقة والمجاز، على أنّ اللفظ إذا استعمل فيما وضع له فالاستعمال حقيقي، وإن استعمل في غير ما وضع له مع قرينة على عدم إرادة ما وضع له فمجاز، ثم إذا لم يكن بين المعنيين علاقة فيعدّ الاستعمال خاطئاً، وإن كانت بينهما علاقة غير المشابهة كعلاقة الجزء، والكلّ ـ نظير إطلاق العين وإرادة الرقيب والراصد ـ فمجاز مرسل، وإن كانت العلاقة هي المشابهة فاستعارة، كأسد في قولنا: رأيت أسداً يرمي.
وأمّا الكناية فقد جعلوها برزخاً بين الحقيقة والمجاز، فهي تشارك المجاز في أنّه عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له، لكن تفارقه في جواز إرادة ما وضع له أيضاً هنا دون المجاز.
وهكذا هي تشارك الحقيقة في جواز إرادة ما وضع له لكن تفارقها في جواز إرادة غير ما وضع له أيضاً دون الحقيقة، كقولهم: زيد كثير الرماد، فالجملة مستعملة في الجود والسخاء، لكن مع جواز إرادة المعنى الّذي وضع له اللفظ، أي: كثرة الرماد .

صفحه 202

تعريف المجاز عند السكّاكي

هذا خلاصة ما عليه القوم في المقام، غير أنّ هنا نظراً آخر في تعريف المجاز ، ذهب إليه السكّاكي وهو أنّه شارك القوم في أنّ المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له، لكن بادّعاء أنّه من مصاديق الموضوع له، فكلمة «أسد» مستعملة في الرجل الشجاع بداعي أنّه فرد من أفراد الأُسود، وإليك كلامه في قسم خاصّ من المجاز ـ أعني الاستعارة ـ يقول:
الاستعارة هي أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدّعياً دخول المشبّه في جنس المشبّه به دالاًّ على ذلك باثباتك للمشبّه ما يخصّ المشبّه به كما تقول: في الحمّام أسد، وأنت تريد به الشجاع، مدّعياً أنّه من جنس الأُسود، فتثبت للشجاع ما يخصّ المشبّه به وهو اسم جنسه مع سدّ طريق التشبيه بإفراده في الذكر، أو كما تقول: إنّ المنيّة أنشبت أظفارها، وأنت تريد بالمنيّة السبع بادّعاء السبعية لها وإنكار أن تكون شيئاً غير سبع فتثبت لها ما يخصّ المشبّه به وهو الأظفار، وسمّي هذا النوع من المجاز استعارة لمكان التناسب بينه وبين معنى الاستعارة.1
وحاصل كلامه: أنّ المتكلّم يقوم بعملية الادّعاء، وأنّ زيداً البطل من مصاديق الأسد، ثم يستعمله فيه، وإلى ذلك يشير صاحب التلخيص في بيان مذهب السكّاكي ويقول: وقيل إنّها مجاز عقلي بمعنى أنّ التصرّف في أمر عقلي لا لغوي، لأنّها لم تطلق على المشبّه إلاّ بعد ادّعاء دخوله في جنس المشبّه به .

1 . مفتاح العلوم: 156 .

صفحه 203

تقييم نظرية السكّاكي في المجاز وتصحيحها

لا شكّ أنّ تلك النظرية كانت نظرية جديدة في مقابل نظرية القدماء، حيث إنّ مشاهير الأُدباء تصوّروا أنّ المجاز لايختلف عن التلاعب بالألفاظ، فغاية ما يقوم به المتكلّم هو استعارة لفظ «أسد» واستعماله في الرجل الشجاع، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من العمل لايضفي على الكلام بلاغة، ولايفي بغرض المتكلّم إلاّ أن يكون هناك ادّعاء أنّ المستعار له أحد أفراد المستعار منه، وهذا ما أفاده السكّاكي، ولكنّه أخطأ في أنّه تصوّر أنّ اللفظ يستعمل في الفرد الادّعائي ابتداء بادّعاء أنّه من مصاديق المعنى الحقيقي قبل الاستعمال، ولكنّ الظاهر أنّ اللفظ يستعمل في نفس المعنى الحقيقي أي الحيوان المفترس، غاية الأمر ينصب المتكلّم قرينة على أن يتجاوز السامع وينتقل من الحيوان المفترس إلى فرده الادّعائي.
فكم فرق بين النظريتين، فالسكّاكي يصرّ على كون الاستعمال من أوّل الأمر في الفرد الادّعائي، لكونه من أفراد المعنى الحقيقي في زعم المتكلّم، وبين النظرية القائلة بأنّ اللفظ مستعمل في نفس ما وضع له ، غاية الأمر ينصب قرينة على انتقال المخاطب من المعنى الحقيقي إلى الفرد الادّعائي بافتراض أنّه من مصاديقه.
هذه هي النظرية الصحيحة التي ورثناها عن شيخ مشايخنا محمدرضا الاصفهاني (1285ـ 1363هـ) في كتابه: «وقاية الأذهان». وقد أوضحنا دلائل النظرية في بحوثنا الأُصولية.
فإن قلت: ما الفرق عندئذ بين المجاز والكناية، فإنّ المقصود فيها أيضاً

صفحه 204
هو اللازم، لا الملزوم الذي هو المعنى الحقيقي؟
قلت: المجاز والكناية يشتركان في كون اللفظ فيهما مستعملاً في المعنى الحقيقي، ثم التجاوز منه إلى معنى آخر بوجود قرينة حالية أو مقالية، غاية الأمر أنّ المجاز مقرون بالادّعاء، دون الكناية.
فالانتقال من الأسد إلى الرجل الشجاع في ظلّ الادّعاء، ومن قوله: زيد كثير الرماد، إلى السخاء والجود، في ظلّ القرينة من دون ادّعاء.
وبذلك يعلم الفرق بين الاستعارة والكذب، فإنّ الكاذب لاينصب قرينة على خلاف الظاهر، بخلاف المجاز فإنّ المستعمل ينصب قرينة على إرادة خلاف الظاهر بقوله: في الحمّام.

في أقسام المجاز

ثمّ إنّ كلاًّ من الحقيقة والمجاز ينقسمان إلى: لغويّ، وشرعيّ، وعرفيّ خاص، وعرفيّ عام.
أمّا الحقيقة اللغوية فهي عبارة عن استعمال اللفظ فيما وضع له في اللغة، كأسد، ويقابلها المجاز اللغوي فهو عبارة عن استعماله في الرجل الشجاع. وهذا مجاز في ذاك الاصطلاح.
وأمّا الحقيقة الشرعية فهي عبارة عن نقل الشارع لفظاً من معناه اللغوي إلى فعل مخصوص، كنقل لفظ الصلاة عن الدعاء إلى العبادة المخصوصة، فيكون حقيقة فيها، ويكون استعمالها في الدعاء مجازاً في هذا الاصطلاح.

صفحه 205
وأمّا الحقيقة العرفية الخاصّة، كنقل الأديب لفظ الفعل عن الحدث إلى اللفظ المخصوص، فهو حقيقة فيها ومجاز في الحدث في هذا المصطلح.
وأمّا الحقيقة العرفية العامّة، كما إذا قام العرف العام بنقل لفظ «الدابة» عن كلّ ما يدبّ على وجه الأرض، إلى الفرس والإنسان، فإنّها في العرف العام حقيقة في الأوّل، ومجاز في الثاني.

تقسيم المجاز إلى المرسل والاستعارة

قد مرّت الإشارة إلى أنّ المجاز ينقسم إلى: المرسل إن كانت العلاقة المصحّحة غير المشابهة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي، والاستعارة إذا كانت العلاقة هي المشابهة.
ثم إنّ كثيراً ما تستعمل الاستعارة في المعنى المصدري ـ أعني: فعل المتكلّم ـ الّذي هو استعمال اسم المشبّه به لينتقل به إلى المشبّه، فالمتكلّم مستعير واللفظ مستعار، والمعنى المشبّه به مستعار منه، والمعنى المشبّه مستعار له، وربّما يسمّى وجه الشبه أيضاً، وأُخرى تطلق على نفس اللفظ المستعمل.
إذا علمت ذلك فلنذكر شيئاً من المجاز المرسل ثم ننتقل إلى الاستعارة.

صفحه 206

المجاز المرسل وعلائقه

ذكر الأُدباء علائق كثيرة مصحّحة لاستعمال اللفظ ويراد به المعنى الثاني، وربما يناهز عددها خمسة وعشرين علاقة، والظاهر أنّ ما ذكروه من العلائق إنّما يصحّ إذا استحسنه الذوق وإلاّ فلا، فالميزان هو استحسان الذوق لا هذه العلائق بما هي هي، وإليك نقل قسم منها:
1 . تسمية الشيء باسم جزئه، أي إطلاق اللفظ الموضوع لجزء الشيء على نفس الشيء، كالعين في الربيئة، قال علي (عليه السلام): «فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ... الخ».1
وجه استحسانه هو المبالغة كأنّ عامله في المغرب كلّه عين، وليس له شأن إلاّ ذلك.
ومثله قوله سبحانه: (قُمِ اللَّيْل) وأطلق القيام وهو جزء الصلاة عليها ; لأنّه أظهر أركانها.
2 . استعمال الكلّ في الجزء، كقوله سبحانه: (يَجْعَلُونَ أصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ)2 مع أنّهم يجعلون أناملهم في آذانهم، وإنّما عبّر بالأصابع كأنّهم بصدد جعل الأصابع في الآذان لدى الإمكان حذراً من سماع الصوت الرهيب المتمثّل بالصواعق وإن لم يقدروا على ذلك.
3 . تسمية الشيء باسم آلته، كقوله سبحانه: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ)3، أي ثناءً حسناً، واللسان آلته، وإنّما صحّ الإطلاق لأجل المبالغة

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 33.
2 . البقرة: 19 .
3 . الشعراء: 84 .

صفحه 207
كأنّه ليس للسان شأن سوى الثناء.
4 . تسمية الشيء باسم مسببه، نحو: أمطرت السماء نباتاً، أي غيثاً يكون النبات مسبّباً عنه.
5 . تسمية الشيء باسم ما كان عليه في الزمان السابق، نحو قوله تعالى: (وَ آتُوا الْيَتَامَى أمْوَالَهُم).1
6 . تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه في الزمان المستقبل، نحو قوله تعالى:(إنّي أرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً)2 أي عصيراً يؤول إلى الخمر.
7 . تسمية الشيء باسم ما يحلّ في ذلك الشيء، نحو قوله تعالى: (وَ أمَّا الَّذين ابْيَضَّت وُجُوهُهم فَفِي رَحمَةِ اللّه)3، أي في الجنة الّتي تحلّ فيها الرحمة.
إلى غير ذلك من العلائق التي عرّفوها، وقد عرفت أنّ الميزان هو استحسان الذوق.

تعريف الاستعارة

قد تقدّم تعريف الاستعارة على وجه الإجمال ونعيد ذكره هنا حسب تعريف القوم،4 قالوا: إنّها عبارة عن اللفظ المستعمل في غير ما وضع

1 . النساء: 2 .
2 . يوسف: 36 .
3 . آل عمران: 107 .
4 . قلنا حسب تعريف القوم، لأجل أنّ المستعار عندنا مستعمل فيما وضع له لانتقال السامع منه إلى الفرد الادّعائي بواسطة القرينة .

صفحه 208
لعلاقة المشابهة، كأسد في قولنا: رأيت أسداً يرمي.
إنّ روح الاستعارة عبارة عن تناسي التشبيه; لأنّ مقتضى التشبيه هو الاثنينيّة، ومقتضى الاستعارة هو الوحدة، وأنّ الفرد الادّعائي من مصاديق المستعار منه، وكلما بَعُدَ الكلام عن التشبيه تكون الاستعارة أبلغ.

أقسام الاستعارة

أوّلاً: تقسيمها حسب الطرفين
تنقسم الاستعارة من جهة الطرفين، أي المستعارمنه والمستعار له، إلى الأقسام التالية:

1 . الاستعارة التحقيقية

وهي عبارة عن تحقّق المستعار له حسّاً، أو عقلاً :
فالأوّل: كقولك: رأيت أسداً، وسمّيت تحقيقية لأنّ المقصود هنا هو الرجل الشجاع، وهو أمر متحقّق حسّاً، ونظيره قول زهير بن أبي سلمى1:
لدى أسد شاكي السّلاحِ مُقذَّف *** لَهُ لِبَدٌ أظفارُهُ لم تُقلَّمِ 2

1 . هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني، من مضر، حكيم الشعراء في الجاهلية، وفي أئمة الأدب من يفضّله على شعراء العرب كافّة. قال ابن الأعرابي: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعراً وخاله شاعراً، وأُخته سلمى شاعرة، وابناه: كعب وبجير شاعرين، وأُخته الخنساء شاعرة. له ديوان مطبوع ترجم كثير منه إلى الألمانية. توفّي سنة 13 قبل الهجرة النبوية. الأعلام: 3 / 52 .
2 . شاكي السلاح وشائك السلاح وشاك السلاح: أي تام السلاح، كلّه من الشوكة وهي العدّة والقوّة. مقذّف: أي يقذف به كثيراً إلى الوقائع، والتقذيف مبالغة في القذف. اللبد: جمع لبدة الأسد، وهي ما تلبّد من شعره على منكبيه. والمعنى: عند أسد تام السلاح يصلح لأن يرمى به إلى الحروب والوقائع، يشبه أسداً له لبدتان لم تقلّم براثنه. يريد أنّه لا يعتريه ضعف ولا يعيبه عدم شوكة; كما أنّ الأسد لا تقلّم براثنه. ديوان زهير بن أبي سلمى: 84 .
والبيت من معلّقته المشهورة الّتي يمدح فيها هرم بن سنان والحارث بن عوف، وهما سيدان من سادات ذبيان اللّذين تدخلا في إصلاح ذات البين بين عبس وذبيان ووقّفا الحرب الّتي نشبت بينهما، ودفعا من أموالهما ـ حقناً للدماء ـ ديات القتلى الذين لم يؤخذ بثأرهم، فكانت ثلاثة آلاف بعير. ومطلع المعلّقة:
      أمِن أُم أوْفَى دِمنةٌ لَم تَكَلّمِ      بِحَوْمانَةِ الدرّاجِ فالمُتَثَلَّمِ
راجع ديوانه: 73 .

صفحه 209
فالأسد هاهنا مستعار للرجل الشجاع، وهو أمر متحقّق حسّاً.
وكقول الإمام علي(عليه السلام): «وَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً».1
والثاني ـ أي تحقّق المستعار له عقلاً ـ : كقوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)فالمراد الدين الحق والشريعة الإسلامية وهو متحقّق عقلاً.
وكقول الإمام علي(عليه السلام): «أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ، وَالْعَلَمِ الْمَأْثُورِ، وَالْكِتَابِ الْمَسْطُورِ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَالضِّيَاءِ اللاَّمِعِ، وَالأَمْرِ الصَّادِعِ».2
فقد استعار(عليه السلام) العَلَمَ للدين، والنور والضياء لعِلمِ النبوّة، والصادع (من صدع الزجاجة وهو كسرها) للفصل بين الحق والباطل، وجميعها أُمور متحقّقة عقلاً.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 1. مستطيراً: منتشر الضياء، وهو الشمس.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 2.

صفحه 210

2 . الاستعارة بالكناية والتخييلية

اتّفقت الآراء على أنّ الاستعارة بالكناية والاستعارة التخييلية موجودتان في البيت التالي:
وَ إذَا المنيّةُ أنشبَتَ أظفارَها *** أَلفَيتَ كُلَّ تميمة لاتَنفَعُ1
ولكن اختلفوا في تفسيرهما، ومحصّل كلامهم يرجع إلى أقوال ثلاثة:
الأول: ما يفهم من كلام القدماء.
الثاني: ما ذهب إليه السكّاكي.
الثالث: ما ذهب إليه صاحب «الإيضاح» و «تلخيص المفتاح». ونحن نذكر القول الثالث ونحيل القارئ ـ إذا شاء الاطّلاع على القولين الأوّلين ـ إلى مصادرهما.2
قال في «تلخيص المفتاح»: قد يضمر التشبيه في نفس المتكلّم فلا يصرّح بشيء من أركانه سوى المشبّه، ثم يدلّ على ذلك التشبيه المضمر في النفس بإثبات أمر مختصّ بالمشبّه به، للمشبّه، فيسمّى التشبيه المضمر في النفس استعارة بالكناية لعدم التصريح به ودُلّ عليه بذكر خواصّه ولوازمه، ويسمّى إثبات ذلك الأمر المختصّ بالمشبّه به، للمشبّه استعارة تخييلية لأنّه قد استعير للمشبّه ذلك الأمر الذي يخصّ المشبّه به ليخيّل أنّه من جنس

1 . البيت لأبي ذؤيب خويلد بن خالد، وقد مرّت ترجمته.
2 . لاحظ ـ للوقوف على نظرية السكّاكي ـ : مفتاح العلوم: 159ـ 160; وعلى نظرية القدماء: المطوّل: 305، طبعة عبدالرحيم.

صفحه 211
المشبّه به كما في البيت المذكور حيث شبّه في نفسه المنيّة بالسبع في اغتيال النفوس بالقهر والغلبة من غير تفرقة بين نفّاع وضرّار، ثم أثبت للمنيّة الأظفار التي لايكمل ذلك الاغتيال فيه بدونها تحقيقاً للمبالغة في التشبيه.1
فتشبيه المنيّة بالسبع استعارة بالكناية، وإثبات الأظفار للمنيّة استعارة تخييلية.
يلاحظ عليه: أنّ تسمية الأُولى بالاستعارة تسمية خالية عن المناسبة، إذ المفروض أنّه لم يستعمل لفظ المستعار منه (معنى المشبّه به) في المستعار له، بل ذُكر المستعار له وحده، نعم غاية ما في الباب شُبّه أحدهما بالآخر في النفس. نعم تسمية الثانية بالتخييلية صحيح ; لأنّه استعار لفظ الأظفار (التي يستعملها السبع) في قبض الأرواح .

3 . الاستعارة الوفاقية والعنادية

إذا أمكن اجتماع الطرفين ـ أعني: المستعار منه والمستعار له ـ تسمّى الاستعارة وفاقية لما بين الطرفين من الوفاق، كقوله تعالى: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ).2 أي ضالاًّ فهديناه، فقد استعير الإحياء بمعناه الحقيقي وهو جعل الشيء حيّاً، للهداية التي هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب، والإحياء والهداية ممّا يمكن اجتماعهما في شيء.
ونظيره قول الامام علي(عليه السلام): «وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الاَْعْمَى، لاَ يُبْصِرُ

1 . تلخيص المفتاح: في متن المطوّل: 305.
2 . الأنعام: 122 .

صفحه 212
مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً، وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا. فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ، وَالاَْعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ. وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ، وَالاَْعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ».1
فقد استعار (عليه السلام) لفظ البصير للعاقل والأعمى للجاهل، واجتماع البصر والعقل كاجتماع العمى والجهل، أمر ممكن والجامع واضح.
وإن لم يمكن اجتماعهما تسمّى (عنادية) لتعاند الطرفين، كما في قوله (عليه السلام) في صفات الفاسق: «لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ، وَذلِكَ مَيِّتُ الاَْحْيَاءِ! ».2 فإنّ الموت والجهل ممّا لايمكن اجتماعهما في شيء واحد.

5 . الاستعارة التهكّمية والتلميحية

إنّ هذين القسمين من الاستعارة من أقسام العنادية، وهي فيما لو استعمل في ضدّه أو نقيضه، تنزيلاً للتضاد والتناقض منزلة التناسب بواسطة تهكّم أو تلميح، نحو قوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم)3 أي أنذرهم، فقد استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يسرّ، للإنذار الذي هو ضدّها، بإدخاله في جنسها على سبيل التهكّم.
وكذلك قولك: رأيت أسداً، وأنت تريد جباناً، على سبيل التلميح .

1 . نهج البلاغة: الخطبة 133.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 87.
3 . آل عمران: 21 .

صفحه 213

ثانياً: تقسّم الاستعارة باعتبار الجامع

تقسّم الاستعارة حسب الجامع إلى الأقسام التالية:

1. داخلية وخارجية

إنّ الجامع بين الطرفين إمّا داخل في مفهومها أو خارج منها.
أمّا الأوّل: نحو قول النبي(صلى الله عليه وآله): «من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلّما سمع هيعة1 طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة 2 من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتّى يأتيه اليقين ليس من الناس إلاّ في خير»3.
فقد استعار (صلى الله عليه وآله) الطيران للعدو، والجامع بينهما هو قطع المسافة بسرعة، داخل في مفهومها، وإن كان في الطيران أقوى منه في العدو.
وأمّا الثاني: فكاستعارة الأسد للرجل الشجاع، والشمس للوجه المتهلّل.

2 . عامّية وخاصّية

إنّ الجامع بين الطرفين تارة يكون مبتذلاً يفهمه كل إنسان فتسمّى الاستعارة عامّية، وأُخرى يكون غريباً لايطّلع عليه إلاّ الخواص الذين أُوتوا

1 . هيعة: الصوت الذي يفزع منه، لاحظ : النهاية لابن الأثير: 5 / 288، مادة «هيع».
2 . والشعفة (بالتحريك) رأس الجبل، لاحظ : الصحاح للجوهري: 4 / 1381، مادة «شعف».
3 . صحيح مسلم: 6 / 39، باب فضل الجهاد.

صفحه 214
ذوقاً وذهناً، فتسمّى الاستعارة خاصّية. ثم إنّ الغرابة تحصل بأحد أمرين:
أ. تارة تكون في نفس الشبه بأن يكون في نفس التشبيه غرابة، كقول كثير1 يمدح عبد العزيز بن مروان والد عمر بن عبدالعزيز الخليفة الأموي:
غَمْرُ الرِّداءِ إذا تبسّمَ ضاحكاً *** غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقابُ المالِ 2
استعار الرداء للمعروف، والمراد بغمر الرداء كثير العطاء، وجه الشبه كما أنّ الإنسان يصون نفسه بالرداء، فهكذا يصونها بكثرة العطاء، والدليل على أنّ المراد من الرداء المال; هو كلمة «غمر» لأنّه من صفات المال لا من صفات الثوب.3
تقسّم الاستعارة باعتبار الجامع هيئة منتزعة   
وهذه الاستعارة لايقف على مغزاها إلاّ من له قدم راسخة في الأدب.
ب. وأُخرى تكون بالتصرّف بالعاميّة فتحصل الغرابة، كقول الشاعر4:

1 . هو كثير بن عبدالرحمن بن الأسود بن عامر الخزاعي، أبو صخر، شاعر متيّم مشهور، من أهل المدينة، أكثر إقامته بمصر. اختصّ بعبد الملك بن مروان وببني مروان. يقال له: كثير عزّة وكان متيّماً بحبها، وهي عَزّة بنت حُمَيل الضمرية. له ديوان شعر مطبوع. توفّي بالمدينة سنة 105 هـ . الأعلام: 5 / 219 .
قيل: كان كيسانياً، وقيل: كان يتشيّع ويرى أنّ هناك إماماً سيظهر. له مناظرات مع قطام صاحبة ابن ملجم المرادي ذُكرت في أعلام النساء، ونسبه الجاحظ إلى الحمق، وعدّه صاحب المعالم من شعراء الشيعة. راجع الذريعة: 9 ق 3 / 908 .
2 . ديوان كثير عزّة: 1 / 183 .
3 . راجع: مختصر المعاني: 234.
4 . البيت منسوب إلى المضرّب وهو عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى.
وقيل: لابن الطثرية وهو يزيد بن سلمة بن سمرة المتوفّى سنة 126 هـ ، ونسبته إلى أُمّه من بني طثر. الأعلام: 8 / 183 .
وقيل: للشاعر كثير عزّة.

صفحه 215
أخذْنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا *** وسالت بأعناقِ المطيِّ الأباطحُ 1
وقد استعار سيلان السيل الواقع في الأباطح لسير الإبل سيراً مسرعاً مشتملاً على لين وسلاسة، والشبه فيه ظاهر عامّي، وإنّما حسّنه إسناد الفعل ـ يعني: سالت ـ إلى الأباطح دون المطيّ، وكأنّ الأباطح كلّها إبل.2

3. كون الجامع هيئة منتزعة

كما أنّ المفرد يوصف بالحقيقة والمجاز، فهكذا الجمل، فلو استعملت في غير ما وضعت له، فتوصف بالمجاز.
ثم إنّ العلاقة لو كانت غير المشابهة سمّيت مجازاً مرسلاً كما هو الحال في المفرد، نظير قوله: أيّدك الله في الدارين، حيث إنّها جملة خبرية استعملت في الإنشاء.
وإن كانت العلاقة المشابهة تسمّى تمثيلاً، كما إذا كان وجه الشبه منتزعاً من أُمور متعدّدة، يتقيّد بعضها ببعض، كما تقول للمتردّد في أمر: (إنّي أراك تقدّم رِجلاً وتؤخّر أُخرى) فشبّه القائل صورة تردّد السامع بصورة من قام ليذهب لأمر، فتارة يريد الذهاب فيقدّم رِجلاً، وتارة ينصرف فيؤخر أُخرى، فاستعمل الكلام الدالّ على هذه الحالة في تلك الصورة،

1 . الأباطح جمع أبطح، وهو مسيل الماء فيه دقاق الحصى. لسان العرب: 2 / 412، مادة «بطح».
2 . راجع: مختصر المعاني: 229; معاهد التنصيص: 1 / 175 ; الحماسة البصرية: 1 / 149 .

صفحه 216
والجامع هو الإقدام تارة والإحجام أُخرى، والمجموع منتزع من عدة أُمور.
ونظيره قول الإمام علي (عليه السلام): «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ في كِسْرِهِ، وَقَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً، وَأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلا».1 قد شبّه الإمام (عليه السلام) هيئة تردّد القاسطين في الإقدام للقتال لطمع الخلافة، أو طمع بمصر، والإحجام أُخرى بما فيهم من الجبن والفشل، بهيئة تردد مَنْ يريد أمراً، فيثب تارة وينكص أُخرى .
تقسّم الاستعارة باعتبار الجامع حسّياً أو عقليّاً   

4. كون الجامع حسّياً أو عقليّاً

إنّ كلاًّ من المستعار له والمستعار منه إمّا حسّيان أو عقليان أو مختلفان، والجامع إمّا حسّي أو عقلي أو مختلف، فالصور في بادئ النظر تسع، لكن بما أنّه إذا كان كلا الطرفين عقليين أو أحدهما عقلياً فلابد أن يكون الجامع عقليّاً أيضاً، ولايمكن أن يكون حسّياً، انحصرت الأقسام في ستة .
لأنّ المستعار منه والمستعار له إمّا حسّيان، أو عقليان، أو المستعار منه حسّي والمستعار له عقليّ، أو بالعكس، فهذه أربعة أقسام، والجامع في الثلاثة الأخيرة لا يكون إلاّ عقليّاً والقسم الأوّل ينقسم ثلاثة أقسام; لأنّ الجامع فيه إمّا حسّي أو عقلي، أو مختلف بعضها حسّي وبعضها عقلي، فالمجموع ستة أقسام، وإليك الأمثلة:
1. أن يكون الطرفان حسّيين والجامع حسّياً أيضاً، مثل قوله سبحانه:

1 . نهج البلاغة، الخطبة 65. كسره ـ بالكسر ـ شِقّه الأسفل، كناية عن الجوانب الّتي يفرّ إليها المنهزمون.

صفحه 217
(فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا )1 فالمستعار منه ولد البقرة، والمستعار له هو صورة العجل الّتي صنعها السامري من الذهب، والجامع الشكل والصورة، والجميع حسّي.
2. أن يكونا حسّيين والجامع عقليّاً، كقوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ)2، فإنّ المستعار منه كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل وهما حسّيان، والجامع ما يعقل من ترتّب أمر على آخر، كترتّب ظهور اللحم على كشط الجلد، وترتّب ظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل، وهذا معنى عقليّ.
ونحوه قول علي (عليه السلام) معترضاً على المحتجّين في السقيفة حيث احتجّت قريش على استحقاقهم للخلافة بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم لا من الأنصار، فلمّا سمع الإمام احتجاجهم، قال: «احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الَّثمَرَةَ»3، فقد استعار (عليه السلام) لفظ الثمرة لنفسه الشريفة، باعتبار مزيد اختصاص له بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كاختصاص الثمر بالشجر، والاختصاص معنى معقول.
3. أن يكونا حسّيين ويكون الجامع بعضه حسّياً وبعضه عقليّاً، كقولك: رأيت شمساً، وأنت تريد إنساناً في حسن الطلعة وعلو الشأن،

1 . طه: 88 .
2 . يونس: 37 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 67 .

صفحه 218
فحسن الطلعة حسّي، وعلو الشأن عقلي.
4. أن يكون الطرفان عقليين والجامع أيضاً عقلياً، كقوله تعالى: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)1، فإنّ المستعار منه الرقاد أي النوم، والمستعار له الموت، والجامع بينهما عدم الشعور في كلتا الحالتين، والجميع عقليّ. 2
5. أن يكون المستعار منه حسّياً والمستعار له عقليّاً ولابد أن يكون الجامع أيضاً عقليّاً، كقوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ )3، فإنّ المستعار منه صدع الزجاجة وهو كسرها وهو حسّي، والمستعار له تبليغ الرسالة وهو عقليّ، والجامع لهما هو التأثير أيضاً وهو عقليّ .
والظاهر أنّ الجامع هو إبلاغ الرسالة بلاغاً واضحاً كوضوح صدع الزجاجة الّتي لايشكّ فيها أحد .
   
ونظيره قول الإمام علي (عليه السلام): «وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَد جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة عَمْيَاءَ»4.
فقد استعار (اليد الجذّاء) لقلّة الناصر، والجامع عدم التمكّن من الصولة. وكذلك استعار (الطخية) وهي الظلمة لالتباس الأُمور، بجامع أنّ الظلمة كما لا يهتدى فيها للمطلوب، كذلك لا يهتدى حين التباس الأُمور

1 . يس: 52 .
2 . وفي تعاليق والدنا على «المطوّل» في هذا المكان قوله: إنّ الحق أنّ الجامع الاستراحة.
3 . الحجر: 94 .
4 . نهج البلاغة: الخطبة 3. اليد الجذّاء: اليد المقطوعة. وطخية: ظلمة.

صفحه 219
واختلاطها إلى نهج الحق.
6. أن يكون المستعار منه عقليّاً والمستعار له حسّياً، والجامع أيضاً عقليّ قطعاً، كقوله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)1، فإنّ المستعار له كثرة الماء وهو حسّي، والمستعار منه التكبّر، والجامع الاستعلاء المفرط، وهما عقليان.

ثالثاً: تقسيم الاستعارة باعتبار اللفظ

اللفظ المستعار إن كان اسم جنس كأسد سميّت الاستعارة أصلية، وإن لم يكن اللفظ المستعار اسم جنس، فالاستعارة تبعية، كالفعل وسائر المشتقّات والحرف.
والتشبيه بالفعل وسائر ما يشتقّ منه لمعنى المصدر، وفي الثالث ـ أي الحرف ـ لمتعلّق معناه.
أمّا الأوّل: أي أنّ التشبيه في الفعل وما يشتقّ منه لمعنى المصدر، مثل قولك: نطقت الحال بكذا، المشبّه: دلالة الحال، والمشبّه به: نطق الناطق. ووجه الشبه وضوح المعنيين ثم حُذف المشبّه ـ أي الدلالة ـ وأُقيم المشبّه به (أي نطقت) مقام الدلالة، ومعنى التبعية أنّ الاستعارة في الأصل للمصدر ـ أي النطق ـ وجرت في الفعل بتبع المصدر.
وأمّا الحرف فالتشبيه في متعلّقه (أي المعاني الاسمية) نظير لام التعليل في نحو قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا )2 .

1 . الحاقة: 11 .
2 . القصص: 8 .

صفحه 220
والمراد من متعلّق الحروف ما يعبّر بها عن معاني الحروف
عند التفسير، كقولهم: «من» للابتداء، و «في» الظرفية، وعلى ذلك، فمتعلّق اللام في الآية هو العلّية والغرضية، فشُبّه ترتّب الحزن والعداء على
الالتقاط بترتّب الغرض والعلّية عليه، ثم حُذف المشبّه به وبقي المشبّه وهو اللام 1.

رابعاً: تقسيم الاستعارة إلى المطلقة والمرشّحة والمجرّدة

إذا لم تقترن الاستعارة بصفة ولا تفريع يلائم أحد الطرفين، فالاستعارة مطلقة، نحو: عندي أسد.
وأمّا إذا قرنت بما يلائم المستعار منه فهي استعارة مرشّحة، مثل قوله سبحانه: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ )2، فقد استعير الاشتراء للاستبدال ثم فرّع عليها ما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة. ونظيره قوله (عليه السلام)بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاح، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ»3.
استعير بجناح للأعوان والأنصار، وقرن بما يلائم المستعار منه وهو النهوض.
وإن قرن بما يلائم المستعار له فهي المجرّدة، نظير قول الإمام علي (عليه السلام)

1 . وللقوم في تفسير الآية كلام مبسوط، وما ذكرناه هو المختصر المفيد.
2 . البقرة: 16 .
3 . نهج البلاغة، الخطبة 5 .

صفحه 221
في وصف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ، وَالْعَلَمِ الْمَأْثُورِ» 1.
فقد استعار العَلَم وهو الجبل ونحوه الذي يستدلّ به على الطريق، للدين باعتبار الاهتداء به، إلى مرضاة الله تعالى، وقرنه بما يلائم المستعار له حيث وصفه بالمأثور أي المنقول.
وقد يجتمع التجريد والترشيح، كقول زهير بن أبي سلمى:
لدى أسد شاكي السِّلاحِ مُقَذَّف *** لَهُ لِبَدٌ أظفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
فقوله: شاكِ السلاح، تجريد لأنّه ملائم للمستعار له، أعني: الرجل الشجاع. وقوله: له لبد، ترشيح لأنّه ممّا يلائم المستعار منه، أعني: الأسد.
***

خاتمة: في شرائط حسن الاستعارة

يتحقّق حسن الاستعارة بالأُمور التالية:
1. أن يكون وجه الشبه شاملاً للطرفين، والتشبيه وافياً بالغرض.
2. أن لا تُشم رائحة التشبيه من جهة اللفظ، لأنّه يبطل الغرض من الاستعارة، بادّعاء دخول المشبّه في جنس المشبّه به، لما في التشبيه من الدلالة على أنّ المشبّه به أقوى من المشبّه .
3. أن يكون الشبه جليّاً لئلاّ تصير الاستعارة ألغازاً كما لو قيل: رأيت

1 . نهج البلاغة: الخطبة 2 .

صفحه 222
أسداً، وأُريد به إنساناً أبخر، فإنّ وجه الشبه بين الطرفين خفيّ، فيتعيّن حينئذ التعبير عن المقصود بالتشبيه، بأن يقول: زيد كالأسد في رائحة فمه.
هذا وربما تتعيّن الاستعارة، وذلك فيما إذا قوي الشبه بين الطرفين حتّى اتّحدا كالعلم والنور، والتيه والظلمة، ولا يحسن التشبيه إذ يلزم عندئذ تشبيه الشيء بنفسه.
تمّ الكلام في الاستعارة
***

صفحه 223
الباب الثالث:
في الكناية
تعريف الكناية
الفرق بينها وبين المجاز
أقسام الكناية:
1. الكناية عن الموصوف
2. الكناية عن الوصف
3. الكناية عن النسبة
الكناية أبلغ من التصريح
المجاز أبلغ من الحقيقة
الاستعارة أبلغ من التشبيه

صفحه 224

صفحه 225

تعريف الكناية

الكناية هي الباب الثالث من علم البيان، وهي عبارة عن: ذكر الملزوم (الذي هو المعنى الحقيقي) وإرادة لازم معناه، كطول النجاد، مريداً به طول القامة، مع جواز إرادة الملزوم أي طول حمائل السيف معه أيضاً.

الفرق بين الكناية والمجاز

وبذلك يفترق عن المجاز إذ تمتنع فيه إرادة المعنى الحقيقي لوجود القرينة الصارفة.
نعم ما ذكروه من جواز إرادة المعنى الحقيقي (الملزوم) في الكناية، أمر غالبي وربّما يقتضي المقام امتناع إرادته، كقوله سبحانه:(وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)1، فإنّ اليمين كناية عن القدرة والاستيلاء، ومع ذلك لا يمكن إرادة المعنى الحقيقي (أي اليد) لتنزّهه سبحانه عنها.

أقسام الكناية

إنّ المكنّى عنه تارة يكون الموصوف، وأُخرى الصفة، وثالثة النسبة، وبذلك صارت أقسامها ثلاثة.
الأُولى: الكناية عن الموصوف: ويتحقّق ذلك إذا كانت الصفة من

1 . الزمر: 67 .

صفحه 226
خصائص الموصوف فقط، سواء كان الوصف مفرداً أو مركباً:
فالأوّل كقول الشاعر:
الضّاربينَ بِكُلِّ أبيضَ مِخْذَم *** والطّاعِنينَ مَجامِعَ الأضغانِ
أراد بالأبيض: السيف، والمخذم بمعنى القاطع، والضغن: الحقد، ومجمع الحقد هو القلب، فقوله: مجامع الأضغان وصف كنّى به عن الموصوف أي القلب; لأنّ مركز الضغينة هو القلب، وهو وصف مفرد.1
والثاني ـ أعني: إذا كان الوصف مركّباً مختصّاً بالموصوف ـ كقولك في تعريف الإنسان: (الحيّ، المستوي القامة، عريض الأظفار)، فالمجموع كناية عن الإنسان.
الثانية: الكناية عن الوصف: وهو أن يكون المطلوب صفة من الصفات كالجود والكرم والشجاعة وطول القامة.
ثم هي على أقسام:
1. إذا لم يكن الانتقال من الكناية إلى الوصف المطلوب بواسطة فتسمّى: قريبة، كقولهم ـ كناية عن طول القامة بـ : طول النجاد.
ثم إنّ هذا القسم ينقسم إلى قسمين:
تارة يكون الانتقال واضحاً كما في المثال المذكور، وأُخرى غير واضح كقولهم: زيد عريض القفا، فإنّه كناية عن الحماقة، إذ في الانتقال منه إلى البلاهة نوع خفاء لا يطّلع عليه أحد .

1 . راجع: مختصر المعاني: 258 .

صفحه 227
2. وإن كان الانتقال من الكناية إلى المطلوب بها بواسطة، فبعيدة، كقولهم: كثير الرماد، فإنّه كناية عن المضياف، فالسامع ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدر، ومن كثرة الإحراق إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الضيوف، ومنها إلى المقصود، أعني: المضياف.
الثالثة: الكناية عن النسبة: أي إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، بالملازمة، كقول زياد العبدي1:
إنَّ السّمَاحَةَ والمُرُوءةَ والنّدى *** في قُبَّة ضُرِبَتْ على ابْنِ الحَشْرَجِ2
فإن الشاعر لما أراد أنّ يثبت اتصاف ابن الحشرج بهذه الصفات، ترك التصريح بأن يقول: ابن الحشرج صاحب سماحة ومروّة، فعدل إلى الكناية بأن جعل تلك الصفات في قبة مضروبة عليه، وهي تكون فوق الخيمة يتخذها الرؤساء.

1 . هو زياد بن سليمان ـ أو سليم ـ الأعجم، أبو أُمامة العبدي، من شعراء الدولة الأموية، كانت في لسانه عجمة فلقّب بالأعجم. ولد ونشأ في أصفهان، وانتقل إلى خراسان فسكنها وطال عمره ومات فيها نحو سنة 100 هـ . وأكثر شعره في مدح أُمراء عصره وهجاء بخلائهم. الأعلام: 3 / 54 .
2 . المروءة: كمال الرجولية، وقيل: الإنسانية. والندى: مجلس القوم ومتحدَّثهم. وأمّا ابن الحشرج فهو عبدالله بن الحشرج بن الأشهب بن ورد الجعدي، شاعر من قيس، ولي أكثر أعمال خراسان وبعض أعمال فارس وكرمان في أيام عبدالملك بن مروان وكان صديقاً لمحمد بن مروان، وكان يشفع له عند أخيه فيوليه الأعمال. توفّي نحو سنة 90 هـ . الأعلام: 4 / 82 . والبيت مذكور في الأغاني: 12 / 34، أخبار زياد الأعجم; الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 106، القول في الكناية.

صفحه 228
وأوضح منه قولهم: المجد بين ثوبيه، والكرم بين بُرديه، إذ لم يصرح بثبوت المجد والكرم له، بل كنّى عن ذلك بكونهما بين ثوبيه وبرديه، فإنّه إذا أثبت ما ذُكر فيما يختصّ بالرجل ويحويه من ثوب أو مكان فقد ثبت له بالملازمة.
وربما يكون الغرض نفي النسبة كما إذا ذُكر شخص يؤذي المسلمين فنقول: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، فإنّه كناية عن نفي صفة الإسلام عن المؤذي.
ثم إن للسكّاكي نظراً آخر في تقسيم الكناية إلى تعريض وتلويح ورمز وإشارة وإيماء، يطلب من «مفتاح العلوم» 1.

الكناية أبلغ من التصريح

أطبق البلغاء على أن الكناية أبلغ من التصريح; وذلك لأنّ الانتقال من الملزوم إلى اللازم أشبه بدعوى الشيء ببينة وبرهان، إذ وجود الملزوم يقتضي وجود اللازم فإذا ثبت طول نجاد الرجل، فيثبت قهراً طول قامته، لأنّ الرائج حمل السيف بلا مشقة، وهذا يلازم طول القامة، بخلاف ما إذا كان قصيرها فلابدّ أن يأخذ سيفه عند الحمائل بيده.

المجاز أبلغ من الحقيقة

فكما أنّ الكناية أبلغ من التصريح فالمجاز أبلغ من الحقيقة، إذ فيه

1 . لاحظ : مفتاح العلوم: 175 .

صفحه 229
ادّعاء أنّ المورد من مصاديق الحقيقة والمفروض أنّ الجهة الجامعة فيها أقوى، فيثبت في الفرد الادّعائي قطعاً.

الاستعارة أبلغ من التشبيه

كما أنّ الاستعارة أبلغ من التشبيه ; لأنّ في الأُولى تناسي التشبيه بخلاف الثاني ففيه اعتراف بالاثنينية .
***
تمّ الكلام في الفن الثاني أعني «علم البيان »

صفحه 230

صفحه 231
الفن الثالث
علم البديع
وفيه مقدّمة وبابان:
1. المحسّنات المعنوية
2. المحسّنات اللفظية

صفحه 232

صفحه 233

تعريف علم البديع

البديع: علم تُعرف به وجوه تحسين الكلام بحسب الطاقة، بعد اشتماله على أمرين:
1. كون الكلام مطابقاً لمقتضى الحال.
2. كون الكلام خالياً عن التعقيد.
فبعد الفراغ عن هذين الأمرين، يُبحث عمّا يزّين الكلام ويحسّنه.
وقد قسّموا أنواع التحسين إلى ما يتعلّق بتحسين المعاني أو إلى ما يتعلّق بتحسين الألفاظ، فما يتعلّق بالأُولى يرجع إلى البلاغة، وما يتعلّق بالثانية ـ أي الألفاظ ـ يرجع إلى الفصاحة.
يقول السيوطي في أُرجوزته:
عِلمُ البديعِ ما بهِ قَدْ عُرِفا *** وُجوهُ تحسينِ الكلامِ إن وفا
مطابقاً وقصدُهُ جَليُّ *** فَمِنهُ لفظيٌ ومعنويُّ1
ثم نقلوا إنّ أوّل مَن اخترعه وسمّاه به هو عبدالله بن المعتز، قد جمع منها سبعة عشر نوعاً وفرغ منه عام 274 هـ ، وجاء بعده أبو هلال العسكري فجمع سبعة وثلاثين، وأمّا السكّاكي فقد ذكر تسعة وعشرين، وأمّا صاحب

1 . عقود الجمّان: 107 .

صفحه 234
«التلخيص» فقد ذكر ثلاثين نوعاً من المعنويّ وسبعة أنواع من اللفظيّ، وقد حُكي أنّ صفي الدين الحلّيّ أنشأ قصيدة نونيّة جمع فيها مائة وأربعين نوعاً من المحسّنات البديعية.
أقول: إنّ من شروط تحسين الكلام وتزيينه بأي وجه من الوجوه، ألاّ يوجب التكلّف ولا يخرج الكلام عن العذوبة، فإذا حصل الإفراط في ذلك فلربّما خرج الكلام عن الجمال واللطافة.
وها نحن نقتفي ما جاء في «التلخيص» مستشهدين في مواضع بما ورد في كلام إمام البلاغة والفصاحة علي (عليه السلام)، فيقع الكلام في بابين: المحسّنات المعنوية، والمحسّنات اللفظية.

صفحه 235
الباب الأوّل:
المحسّنات المعنوية
1. الطباق والمطابقة
2. مراعاة النظير أو التناسب والتوفيق
3. الإرصاد
4. المشاكلة
5. المزاوجة
6. العكس أو التبديل
7. التورية والإيهام
9. الاستخدام
10. اللفّ والنشر
11. الجمع
12. التفريق
13. التقسيم
14. الجمع والتفريق
15. الجمع والتقسيم
16. الجمع مع التفريق والتقسيم
17. التجريد
18. المبالغة
19. المذهب الكلامي
20. حسن التعليل
21. التفريع
22. تأكيد المدح بما يشبه الذم
23. تأكيد الذم بما يشبه المدح
24. الاستتباع
25. الإدماج
26. التوجيه
27. الهزل المراد به الجد
28. تجاهل العارف
29. القول بالموجب
30. الإطراد

صفحه 236

صفحه 237
   

الأوّل: الطباق والمطابقة

عُرّف الطباق بالجمع بين معنيين متقابلين في الجملة.
وأُشير بلفظ : (في الجملة)، إلى أنّ المراد من المتقابلين أعمّ من التضادّ، بل يشمل الأقسام الأربعة، أعني:
1. التضادّ.
2. التضايف.
3. العدم والملكة.
4. السلب والإيجاب.
ووجه حصر التقابل في الأربعة هو أنّ المتقابلين إمّا وجوديان، أو أحدهما وجودي والآخر عدمي:
أمّا الأوّل: فإن كان تصوّر أحدهما يلازم تصوّر الآخر، فهما متضايفان كتقابل الأُبوّة والبنوّة.
وإن لم يكن كذلك فهما متضادّان، كتقابل السواد والبياض.
وأمّا الثاني: أي إذا كان أحدهما وجودياً والآخر عدمياً، فإن اعتبر في العدمي قابليةٌ لما انتفى ومن شأنه أن يكون موجوداً، فعدم وملكة، كالعمى والبصر، فالعمى لا يطلق إلاّ لما فيه قابلية للبصر، كالإنسان والحيوان ولا يطلق على الجدار. وإن لم يعتبر فيه القبول فبالسلب والإيجاب، كقولهم: زيد موجود أو ليس بموجود.

صفحه 238
وعلى كلّ تقدير فالجمع بين المتقابلين في الكلام يضفي على الكلام جمالاً وحسناً ولطافة.
ثمّ إنّ الطباق على أقسام ندرسها تالياً:
الأوّل: طباق الإيجاب، وهو على صنفين:
1. الجمع بين المتضادّين بلفظين من نوع واحد:
إمّا اسماً: كقوله سبحانه: (وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ)1 .
ونظيره قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الاَْرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا»(2)، ومنه قول أبي الحسن التهامي2:
طُبِعَتْ عَلى كدَر وأنتَ تُريدُها *** صفواً مِن الأقذارِ والأكدارِ3

1 . الكهف: 18 .   2 . نهج البلاغة، الخطبة 1. وحَزْنِ الأرض: وعرها.
2 . هو علي بن محمد بن نهد التهامي، أبو الحسن، شاعر مشهور من أهل تهامة (بين الحجاز واليمن) زار الشام والعراق، ثم رحل إلى مصر متخفّياً فاعتقل وحبس ثم قتل سرّاً في سجنه سنة 416 هـ . وكان فاضلاً أديباً بليغاً، من شعراء الشيعة . له ديوان شعر. الأعلام: 4 / 327 ; الكنى والألقاب: 1 / 48 .
3 . في بعض المصادر: الأقذاء، وفي بعضها: الأقدار بدل الأقذار. هذا البيت من رائيته المشهورة في رثاء ولده، وقد مات صغيراً، وهي غاية في الحسن والجزالة، ومن أبياتها:
حُكم المنيّة في البرية جار *** ما هذه الدنيا بدار قرارِ
بينا يُرى الإنسان فيها مخبراً *** حتّى يرى خبراً من الأخبار
فاقضوا مآربكم عجالاً إنّما *** أعماركم سفر من الأسفار
يا كوكباً ما كان أقصر عمره *** وكذاك عمر كواكب الأسحار
جاورت أعدائي وجاور ربّه *** شتان بين جواره وجواري
وفيات الأعيان: 3 / 380 ; تاريخ الإسلام: 28 / 405; الكنى والألقاب: 1 / 48 ـ 49 .

صفحه 239
و: كقوله سبحانه: (يُحْيِي وَيُمِيتُ )1 .
أو فعلاً: نظير قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِلَى اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَر يَعِيشُونَ جُهَّالا، وَيَمُوتُونَ ضُلاَّلا»2.
أو حرفاً: نحو قوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ )3، وهذا الصنف يوصف بالطباق المتجانس .
2. الجمع بين متضادّين بلفظين من نوعين، نحو قوله سبحانه: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ )4، فإنّ الموت والحياة ممّا يتقابلان في الجملة، وقد ذكر الأوّل بالاسم والثاني بالفعل. وهذا يسمّى: بالطباق غير المتجانس.
الثاني: طباق السلب، وهو أن تجمع بين فعلي مصدر واحد، أحدهما مثبت والآخر منفي، أو أحدهما أمر والآخر نهي.
أمّا الأوّل: فكقوله سبحانه: (وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)5، وقول الإمام علي (عليه السلام): «يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ؟ وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْزُونَ؟ »6.
وأمّا الثاني كقوله سبحانه: (فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ )7 .

1 . البقرة: 258 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 17 .
3 . البقرة: 286 .
4 . الأنعام: 122.
5 . الروم: 6 ـ 7 .
6 . نهج البلاغة: الخطبة 27 .
7 . المائدة: 44 .

صفحه 240
الثالث: التدبيج، وهو في اللغة بمعنى التزيين. يقال دبّج المطرُ الأرضَ، أي: زيّنها.
وفي الاصطلاح أن يذكر لونان أو الوان بينها تضاد لكن بقصد الكناية، نحو قول أبي تمّام في مرثية محمد بن حميد الطوسي 1 حين استشهد:
تردّى ثيابَ الموتِ حُمراً فما أتى *** لها اللَّيلُ إلاّ وهي مِن سُندس خُضرُ2
أراد بقوله: «تردّى ثياب الموت حمراً»، أنّه ارتدى الثياب الملطّخة بالدم، كما أراد من قوله: من سندس خضر، الحرير الأخضر الذي هو ثياب أهل الجنّة.
وقد مرّ أنّ الكناية عبارة عن ذكر الملزوم، وإرادة اللازم ولا شكّ أنّ بين الحمر والخضر تقابل لكن التضادّ في الملزومين مِن دون اللازمين، إذ أُريد بالأوّل القتل وبالثاني دخول الجنّة.3
الرابع: الملحق بالطباق، وقد أُلحِقَت به أُمور ثلاثة :
أحدها: الجمع بين معنيين يتعلّق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلّق مثل السببية، نحو قوله سبحانه: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )4 .

1 . هو محمد بن حميد الطاهري الطوسي، من قوّاد جيش المأمون العباسي، قُتل في الحرب مع بابك الخرّمي، وعظم مقتله على المأمون، ورثاه الشعراء وأكثروا. الأعلام: 6 / 110 .
2 . ديوان أبي تمّام: 1 / 495 .
3 . راجع: مختصر المعاني: 266.
4 . الفتح: 29 .

صفحه 241
ولاشكّ أنّ الرحمة لا تقابل الشدّة، فإنّ مقابلها هو اللين، لكن الرحمة لمّا كانت مسببة عن اللين حصل بينهما نوع من التقابل،نظيره قوله سبحانه: (وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)1، فإنّ ابتغاء الفضل ليس مقابلاً للسكون، لكن لمّا كان يستلزم الحركةَ المضادّة للسكون، حصل التقابل بينهما.
ثانيها: الجمع بين معنيين غير متقابلين عبّر عنهما بلفظين يوجد تقابل بين معنييهما الحقيقيّين، كقول دِعبل2:
لا تَعْجبَي يا سَلْمُ مِنْ رَجُل *** ضَحِكَ المَشيبُ برأسِهِ فَبَكى3
أراد بالضحك الظهور، وهو لا يقابل البكاء، نعم هو بالمعنى الحقيقي يقابل البكاء، ولذا يوصف هذا القسم بإيهام التضادّ.
ثالثها: أن يؤتى بمعنيين متوافقي المضمون ثم يُقابل ذلك على الترتيب، كقوله سبحانه: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا )4، فالضحك والقلّة من المفاهيم المتوافقة، كما أنّ البكاء، والكثرة كذلك لكنّهما يقابلان الأوّلين،

1 . القصص: 73 .
2 . هو أبو علي ـ أبو جعفر ـ دعبل بن رزين بن عثمان بن عبدالرحمن بن عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي. كوفي الأصل، وكان أكثر مقامه ببغداد، وتجوّل في الآفاق، فدخل البصرة ودمشق ومصر والمغرب والحجاز والري وخراسان، وكان كثير السفر، وكان متهالكاً في ولاء أهل البيت(عليهم السلام). ولد سنة 148 هـ ، واستشهد ظلماً وعدواناً وهو شيخ كبير سنة 246 هـ عن عمر يناهز الـ 97 عاماً. له ترجمة وافية في الكثير من كتب التراجم والأدب. راجع: الغدير: 2 / 363 ـ 386 .
3 . ديوان دعبل الخزاعي: 10 و 142 .
4 . التوبة: 81 .

صفحه 242
فالبكاء يقابل الضحك والكثرة تقابل القلّة.
أو يأتي بمعان ثلاثة، متوافقة ثم يأتي بما يقابلها، كقول الشاعر:
مَا أَحْسَنَ الدّينَ والدّنيا إذا اجتمعا *** وَأقْبَحَ الكُفْرَ والإفلاسَ بالرّجلِ
فالحسن يقابل القبح، والدين يقابل الكفر، والدنيا تقابل الإفلاس.1
ومنه قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا أَدْبَرَتْ، وَآذَنَتْ بِوَدَاع، وَإِنَّ الاْخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلاَع»2.
ولا وجه لإلحاقه بالطباق بل هو قسم منه، غير أنّ المتقابلين ربما يذكران متّصلين، وأُخرى يذكران منفصلين.
أو يأتي بمعان أربعة متوافقة ثم يأتي بما يقابلها كما في قوله سبحانه: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى)3، والتقابل بين الأُمور الأربعة واضح، حتّى التُّقى مع الاستغناء، لأنّ من استغنى عمّا عند الله من الجنة وثواب الآخرة بالانكباب على الشهوات الدنيوية، لا يكون متّقيّاً.
وفي «نهج البلاغة» من الطباق كلمات وجمل كثيرة اقتصرنا بما ذكرناه.
***

1 . مختصر المعاني: 267 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 28 .
3 . الليل: 5 ـ 10 .

صفحه 243
 
الثاني: مراعاة النظير أو التناسب والتوفيق
مراعاة النظير: هي أن تجمع أمراً وما يناسبه لكن لا بالتضادّ بل بالائتلاف والمؤاخاة. وفي الحقيقة إنّ مراعاة النظير في مقابل الطباق، ففي الثاني يجمع بين المتقابلين، وفي الأوّل بين المتآلفين. ومن الجمع بين اثنين قوله سبحانه: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان)1، ومن الجمع بين ثلاثة أُمور قول البحتري في وصف الإبل :
كالقِسيِّ المُعطَّفاتِ بَلِ الأَسَـ *** ـهُمِ مَبْريّةً بَلِ الأوتارِ
لمّا شبّه الإبل بالقسيّ (جمع القوس) في الرقّة والانحناء وأراد تكرير التشبيه فآثر الأسهم والأوتار لمناسبة لفظ القسيّ مع أنّه كان يمكنه أن يشبّهه في الرّقة ـ مكان القسيّ ـ بالعرجون ولكن تركه لحفظ المناسبة بين القسيّ والأسهم والأوتار.2
ونظيره قول الإمام علي (عليه السلام): «وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ; عَلَى حِينِ إصْفِرَار مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاس مِنْ ثَمَرِهَا، وَاغْوِرَار مِنْ مَائِهَا»3 حيث جمع بين الورق والثمر والماء.
ومن الجمع بين أُمور أربعة قول بعضهم للمهلبيّ الوزير: أنت أيها

1 . الرحمن: 5 .
2 . راجع: خزانة الأدب وغاية الأرب: 1 / 293 ; معاهدة التنصيص: 2 / 227 .
3 . نهج البلاغة، الخطبة 89 . واغورار الماء: ذهابه.

صفحه 244
الوزير إسماعيلي الوعد، شعيبي التوفيق، يوسفي العفو، محمّدي الخلق.1
ونظيره قول الإمام علي (عليه السلام): «ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ، وَضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً، وَقَمَراً مُنِيراً»2، فقد جمع بين الكواكب والضياء والسراج والقمر وكلّها أُمور مترادفة.
ونظيره قوله (عليه السلام)أيضاً: «فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالا، وَكَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَوَبَالا! وَكَفَى بِاللهِ مُنْتَقِماً وَنَصِيراً! وَكَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وَخَصِيماً!»3.
فالثواب يأتلف مع النوال، والعقاب مع الوبال، والمنتقم مع النصير، والحجيج مع الخصيم.
وهذا النوع من مراعاة النظير كثير في كلامه (عليه السلام).
   

تشابه الأطراف

ومن مراعاة النظير ما سمّي بتشابه الأطراف وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه، نحو قوله سبحانه: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )4.
فإنّ اللطيف يناسب قوله: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)كما أنّ الخبير يناسب قوله (يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)، فإنّ اللطف يناسب ما لا يُدَرك بالبصر، والخبرة تناسب ما يدرك. ومنه قول علي(عليه السلام) في وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «طَبِيبٌ دَوَّارٌ

1 . الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 323 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 1 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 83 .
4 . الأنعام: 103 .

صفحه 245
بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوب عُمْي، وَآذَان صُمٍّ، وَأَلْسِنَة بُكْم; مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ».1
فإنّ قوله «مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ» يناسب قوله «دَوَّارٌ بِطِبِّهِ»، كما أنّ قوله «مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ» يناسب قوله «قُلُوب عُمْي، وَآذَان صُمٍّ».
إنّ ذكر ما لا يناسب صدر الكلام يعدّ عيباً، وقد حكي أنّ أعرابيّاً سمع قارئاً يقرأ: «فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أنّ الله غفور رحيم»، ولم يكن يقرأ القرآن فقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، إذ لا يذكر الغفران عند الزلل لأنّه إغراء عليه. وكان الحق مع الأعرابي لأن الصحيح... (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)2.3
وحُكي أنّ الأصمعي كان يقرأ القرآن في البادية، فقرأ قوله سبحانه بالنحو التالي: «السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم» ولمّا سمعه الأعرابي قال: لوكان غفوراً رحيماً لما أمر بقطع أيديهما! قال الأصمعي ففتحت المصحف ورأيت أنّ الحق معه، وأنّ الصحيح (وَ اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)4.5

1 . نهج البلاغة: الخطبة 108 .
2 . البقرة: 209 .
3 . وردت هذه الحكاية باختلاف بالألفاظ في المنتخب من المذيّل للطبري: 17 .
4 . المائدة: 38 .
5 . تفسير السمعاني: 2 / 36 باختلاف في الألفاظ.

صفحه 246
إنّ فواصل الآيات تناسب ما ورد في الآية من المعنى، وهو من معجزات القرآن حيث إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نزل عليه القرآن في مدّة ثلاث وعشرين سنة في ظروف مختلفة، ولم تشّذ فاصلة عن مضمون آية.
   

الملحق بمراعاة النظير

وقد أُلحق بمراعاة النظير ما إذا جمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان وإن لم يكونا مقصودين هاهنا نحو قوله تعالى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ )1.
فإنّ للنجم معنيين:
1. النبات الذي ينجم من الأرض ولا ساق له.
2. الكوكب.
والنجم بالمعنى الأوّل الذي هو المقصود غير مناسب للشمس والقمر، ولكنّه بالمعنى الثاني وإن لم يكن مقصوداً مناسباً لهما، ولذلك يسمّى إيهام التناسب. نعم هو بمعنى النبات مناسب للشجر.
***

1 . الرحمن:5 ـ 6.

صفحه 247
 
الثالث: الإرصاد
الإرصاد مأخوذ من رصدتُه بمعنى راقبته.
وفي الاصطلاح أن يجعل قبل العجز من الفقرة في النثر أو من البيت، ما يدلّ على العجز، بشرط أن يكون السامع عارفاً بالرويّ، والرويّ عبارة عن الحرف الذي تُبنى عليه أواخر الأبيات أو الفقرات، كقوله سبحانه: (وَ مَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )1.
فإنّ قوله: (لِيَظْلِمَهُمْ) دليل على أنّ ذيل الآية يناسب الظلم، فلو عرف الإنسان فواصل الآيات وأنّها مبنية على النون، يعرف أنّ الكلمة المناسبة (يَظْلِمُونَ ).
ونظيره في الشعر، قول عمرو بن معدي كرب2:
إذا لَمْ تَستَطِعْ أمراً فَدَعْهُ *** وَجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطيعُ 3
فإن لفظة «لم تستطع» قرينة على العجز.
***

1 . العنكبوت: 40 .
2 . هو عمرو بن معدي كرب بن ربيعة بن عبدالله الزبيدي، فارس اليمن، وفد على المدينة سنة 9 هـ فأسلم مع جماعة، وشهد اليرموك والقادسية، له ديوان شعر مطبوع. توفّي على مقربة من الريّ، وقيل: قتل عطشاً يوم القادسية في سنة 21 هـ . الأعلام: 5 / 86 .
3 . ذكروا أنّ الخليل بن أحمد الفراهيدي كان يدرّس العروض على عدّة، وكان بينهم من لا يستطيع تطبيق الشعر على الأوزان الّتي اخترعها الخليل، فكلّفه أن يكتب هذا الشعر ويحلّله، وفهم الطالب أن الأُستاذ بصدد إفهامه أنّه غير مستعد لهذا العلم فترك الحضور.

صفحه 248
 
الرابع: المشاكلة
المشاكلة: ذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً، فالأوّل كقوله سبحانه: (وَ جَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا )1.
فإنّ الثانية لكونها حقّ، لا تكون سيئة، ولكنّ وقوعها في صحبة الأُولى صحّح التعبير عنها بالسيئة .
ونظيره قول المسيح (عليه السلام)مخاطباً الله سبحانه: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)(2) فإنّ التعبير عن ذاته سبحانه بالنفس غير صحيح لتنزّهه عنها، لكنّ وقوعه في ذيل الفقرة الأُولى صحّح هذا التعبير.
ومثله قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ ، لاَ تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الاْخِرَةِ»(3)، فإنّ الآخرة لا سيف فيها وإنّما عبّر عن النار بالسيف .
ومثاله في النظم قول أبي الرقعمق2:
قالُوا اقتَرِح شيئاً نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ *** قُلْتُ اطبخُوا لي جُبّةً وقَمِيصا3

1 . الشورى: 40 .         2 . المائدة: 116 .   3 . نهج البلاغة، الخطبة 134.
2 . القائل هو أحمد بن محمد الأنطاكي، المعروف بأبي الرقعمق، شاعر فَكِه، تصرّف بالشعر جدّاً وهزلاً ومجوناً، وهو أحد شعراء اليتيمة، أقام بمصر طويلاً يمدح ملوكها ووزراءها، وتوفّي فيها سنة 399 هـ . له كتاب «رستاق الاتفاق». الأعلام: 1 / 210 .
3 . يروى أنّ أبا الرقعمق قال: كان لي إخوان أربعة وكنت أُنادمهم أيام كافور الأخشيدي فجاءني رسولهم في يوم بارد وليست لي كسوة تحصنني من البرد، فقال: إخوانك يقرأون عليك السلام ويقولون لك: قد اصطبحنا اليوم وذبحنا شاة سمينة فاشته علينا ما نطبخ لك منها، قال فكتبت إليهم:
إخواننا قصدوا الصَّبوح بسحرة *** فأتى رسولهمُ إليّ خصوصا
   قالوا اقترح شيئاً... إلى آخر البيت، قال: فذهب بالرقعة فما شعرت حتّى عاد ومعه أربع خُلع وأربع صرر في كلّ صرّة عشرة دنانير، فلبست إحدى الخلع وصرت إليهم. والشاهد فيه المشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره.. راجع: معاهدة التنصيص: 2 / 252 .

صفحه 249
فإنّ الجبة والقميص إنّما يخاطان ولا يطبخان، ولكن عبّر عن الخياطة بالطبخ لقاعدة المشاكلة .
أمّا الثاني ـ أي وقوعه تقديراً ـ كما في قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)1، فقد أُريد من قوله: (صِبْغَةَ اللهِ)تطهير الله، لأنّ الإيمان يطهّر النفوس، والأصل فيه أنّ النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمّونه بالمعمودية، بزعم أنّه تطهير لهم. فعبّر سبحانه عن الإيمان بصبغة الله للمشاكلة بهذه القرينة.
ثم إنّ الغالب تأخير اللفظ الذي تقع به المشاكلة عمّا يشاكله، وقد يتقدّم كقوله سبحانه: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )2، فانّ الاعتداء الأوّل بما أنّه جزاء ليس اعتداءً.
***

1 . البقرة: 138 .
2 . البقرة: 194 .

صفحه 250
 
الخامس: المزاوجة
وهي أن يذكر المتكلّم شرطاً وجزاءه، ويرتّب على كلّ منهما معنى مرتّب على الآخر، كقول البحتري:
اِذا ما نَهَى الناهِي فَلَجَّ بِيَ الهَوى *** أصَاخَتْ إلى الوَاشي فَلَجَّ بِها الهَجْرُ1
فالشرط قوله: إذا ما نهى الناهي، والجزاء قوله: أصاخت إلى الواشي، فرتّب اللجاج على كلٍّ من الشرط والجزاء، فرتّب على الشرط قوله: فلجّ بها الهوى، ورتب على الجزاء قوله: فلجّ الهجر.
هذا إذا كان الشرط والجزاء مزدوجين وربما يكون الشرط مزدوجاً دون الجزاء، مثل قوله سبحانه: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)2.
***

1 . ديوان البحتري: 1 / 101. والبيت من قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان، أبا محمد التركيّ، الوزير استوزره المتوكّل العباسي وجعل له إمارة الشام، وقُتل معه سنة 247 هـ . سير أعلام النبلاء: 12/ 82 .
ومطلع القصيدة:
            متى لاح برق أو بدا طللٌ قفرُ         جرى مُستهِلٌّ لا بكيٌّ ولا نزرُ
2 . البقرة: 81 .

صفحه 251
 
السادس: العكس والتبديل
العكس هو أن تقدّم جزء من الكلام ثم تعكسه فتُقدّم ما أخّرت وتُؤخّر ما قدّمت، وهو على أقسام:
1. أن يقع بين أحد طرفي جملة وما أُضيف إليه.
نحو: أقوال الإمام إمام الأقوال، و: عادات السادات سادات العادات، و: محرّم الحلال كمحلّل الحرام.
2. أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين اسميتين نحو: (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ )1 فقد أخّر (هُنَّ) بعدما قدّمها.
3. أن يقع بين متعلّقي فعلين في جملتين مثل: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ )2 فالحيّ والميّت من متعلّقات (يُخْرِجُ) وقد قدّمه ثم أخّره.
***

1 . الممتحنة: 10 .
2 . الروم: 19 .

صفحه 252
 
السابع: الرجوع
الرجوع عبارة عن العود إلى الكلام السابق بنقضه وإبطاله لنكتة، كقول زهير بن أبي سلمى:
قِفْ بالدّيارِ الّتي لَمْ يَعفُها القِدَمُ *** بلى وغيَّرَها الأرواحُ والدِّيَمُ
وكأنّه ذكر ما في المصرع الأوّل أنّ الديار باقية على حالها، ثم عاد إلى نقضه لنكتة.
ونظيره قول الإمام علي(عليه السلام): «فَلَمَّا نَهَضْتُ بالاَْمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَقَسَطَ آخَرُونَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَْرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)1 بَلَى! وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلِكنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا!» (2).
فإنّه (عليه السلام)لمّا وصف الطوائف الثلاث كأنّهم لم يسمعوا قول الله تعالى; لأنّ لازم سماع هذه الآية والتفكّر فيها هو ترك البغي والفساد في الأرض، ولمّا لم يتركوا جُعِلوا بمنزلة غير السامع، ثم رجع إليه ونقضه لنكتة، وأبطل عدم السماع وقال: «وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا» مؤكّداً بالقسم البارّ تأكيداً على التقريع والتوبيخ بإظهار أنّ عدم انتفاعهم بالسماع، لشدة افتتانهم بالدنيا.
***

1 . القصص: 83 .   2 . نهج البلاغة، الخطبة 3 .

صفحه 253
 
الثامن: التورية والإيهام
«التورية» عبارة عن إطلاق لفظ له معنيان: قريب وبعيد، ويراد البعيد اعتماداً على قرينة، فيتوهّم السامع أوّل وهلة أنّه أراد القريب، ولهذا سمّي إيهاماً.
وهو على أقسام ثلاثة:
1. التورية المجرّدة: وهي الّتي لا تجامع شيئاً ممّا يلائم المعنى القريب، نحو قول علي (عليه السلام)للأشعث بن قيس: «حَائِكٌ ابْنُ حَائِك! مُنَافِقٌ ابْنُ كَافِر»1، فإنّ المعنى القريب للحائك هو الناسج للبُرد، لكنّه ورّى به عن حائك الكذب أي المفتري .
2. التورية المرشّحة وهي التي تجامع شيئاً ممّا يلائم المعنى القريب الذي ورّى به عن البعيد مثل قوله سبحانه: (وَ السَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد)2 فإنّ المعنى القريب هو الجارحة ولكنّه أُريد به القدرة وبينهما ملائمة واضحة; لأنّ اليد مظهر القدرة.
ولكن عندنا أنّ اليد استعمل في نفس الجارحة ولكن كنّى بها عن عناية الفاعل بالفعل، بشهادة قوله سبحانه: (يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا

1 . نهج البلاغة: الخطبة 19. قيل: إن الحائكين أنقص الناس عقلاً، وأهل اليمن يعيّرون بالحياكة، والأشعث يمني من كندة.
2 . الذاريات: 47 .

صفحه 254
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )1، فإنّ الآية بصدد بيان عناية الله بخلق آدم وأنّه من صنائعه الخاصّة، فلماذا استكبرت يا إبليس على الصنع الذي هو لي خاصّة؟ ويشهد لذلك تثنية «يديّ» مشعراً بعنايته سبحانه بما خَلَقَ.
نعم نظيره قول الإمام علي (عليه السلام): «الْحَمْدُ لِلّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ، وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ»2. فقد أُطلقت اليد وأُريد النعمة ; لأنّ العطاء يكون غالباً باليد.
***

التاسع: الاستخدام

الاستخدام عبارة عن إطلاق لفظ له معنيان أُريد أحد المعنيين من اللفظ، والآخر بالضمير الراجع إليه، كما في قول الشاعر3:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بأرضِ قَوم *** رَعَيناهُ وإنْ كانوا غِضابا
فقد أراد بالسماء المطر، وبالضمير الراجع إليه النبت، والعجب أنّ كلا

1 . ص: 75 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 100 .
3 . القائل هو: معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري، المعروف بـ : معوِّد العلماء، وذلك لقوله:
أُعوِّد مثلها الحكماء بعدي *** إذا ما الأمر في الحدثان نابا
شاعر جاهلي، أخو ملاعب الأسنة: عامر بن مالك، وعم لبيد بن ربيعة. الأعلام: 7 / 263 .
وقيل: القائل هو جرير بن عطية بن حذيفة الكلبي اليربوعي، من تميم. ولد سنة 28 هـ في اليمامة ومات بها سنة 110 هـ ، كان هجّاءً مرّاً لم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل. له ديوان شعر مطبوع. الأعلام: 2 / 119. وراجع: المحرّر الوجيز: 5 / 464 ; تفسير القرطبي: 17 / 41.

صفحه 255
المعنيين من المعاني المجازية للسماء.
وللاستخدام قسم آخر وهو أن يطلق لفظ ويراد بأحد ضميريه أحد المعنيين، وبالضمير الآخر المعنى الآخر، كقول البحتري:
فَسَقى الغَضا والسّاكِنيهِ وإِنْ هُمُ *** شَبُّوهُ بَينَ جوانِحي وَضُلوعي1
و «الغضا» شجر معروف، ثم الضمير في «الساكنيه» يرجع إلى «الغضا» وأريد به المكان، كما أنّ المراد بالضمير المنصوب في «شبّوه» يرجع إلى النار الحاصلة من ذلك الشجر، فهناك لفظ واحد وهو الغضا وضميران، أُريد بأحدهما: مكان الشجر، وبالآخر: النار المولّدة منها.
***

العاشر: اللّف والنّشر

اللّف والنشر عبارة عن ذكر متعدّد على التفصيل أو الإجمال، ثمّ ذكر ما] يرجع[ لكلٍّ من آحاد هذا المتعدّد من غير تعيين، اعتماداً على ذكاء السامع حيث يردّ ما لكلّ إليه، وهو على قسمين:
1. اللّف والنشر المرتّب وهو أن يكون الأوّل من النشر للأوّل من اللّف والثاني للثاني، نحو قوله سبحانه: (وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

1 . راجع: مختصر المعاني: 272 ; خزانة الأدب: 1 / 120. الغضا الواحدة منه «غضاة»: شجر من الأثل خشبه من أصلب الخشب، ولهذا يكون في فحمه صلابة، وجمُره يبقى زمناً طويلاً لا ينطفئ. راجع: تاج العروس: 20 / 19، مادة «غضا».

صفحه 256
لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ )1.
فقد ذكر الليل والنهار على التفصيل، ثم ذكر ما لليل وهو السكون فيه وما للنهار وهو ابتغاء فضل الله على الترتيب .
ونظيره قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ، مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَالْعِقْيَانِ، وَنُثَارَةِ الدُّرِّ وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ، مَا أَثَّرَ ذلِكَ فِي جُودِهِ»2.
فقوله: «من فلز» يرجع إلى المعادن، وقوله «نثارة الدُّر ...» يرجع إلى البحار.
2. اللّف والنشر غير المرتّب، وهو الإتيان بالنشر على خلاف اللّف، كقوله سبحانه: (وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)3.
فإنّ ابتغاء الفضل، يرجع إلى النهار، وعلم عدد السنين والحساب يرجع إلى الليل.
***

1 . القصص: 73 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 91. الفِلِّز: الجوهر النفيس. واللجين: الفضة الخالصة. والعقيان: ذهب ينمو في معدنه. ونثارة الدر: منثوره. وحصيد المرجان: محصوده، يشير إلى أنّ المرجان نبات.
3 . الإسراء: 12.

صفحه 257
 
الحادي عشر: الجمع
الجمع: عبارة عن الجمع بين متعدّد في حكم، من غير فرق بين أن يكون المتعدّد اثنين، كقوله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )1، أو أكثر نحو قول أبي العتاهية:
عَلِمْتَ يا مُجاشِعَ بنَ مَسعَدَهْ2 *** إنّ الشبابَ وَالفراغَ والجِدَهْ
مَفسدةٌ للمرءِ أيَّ مَفسدهْ
ومن قبيل الجمع بين اثنين قول الإمام علي (عليه السلام): «وَإِنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الاْخِرَةِ»3.
فقد شارك المال والبنين، وهما نوعان مختلفان في جهة واحدة، وهو حرث الدنيا.
ومنه قول السيد علي صدر الدين 4:

1 . الكهف: 46 .
2 . مجاشع بن مسعدة أخو عمرو بن مسعدة وزير المأمون وأحد الكتاب البلغاء، وكان صديقاً لأبي العتاهية، فكان يقوم بحوائجه ويخلص مودته. الأغاني: 4 / 22 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 23.
4 . علي بن أحمد بن محمد معصوم الحسني الحسيني، المعروف بعلي خان بن ميرزا أحمد الشهير بابن معصوم، شيرازي الأصل، ولد بمكّة سنة 1052 هـ ، وأقام بالهند، وتوفّي بشيراز سنة 1119 هـ ، وقيل: 1120 هـ . عالم بالأدب والشعر والتراجم، له ديوان شعر، ومن مؤلفاته: سلافة العصر في محاسن أعيان العصر ـ مطبوع، رياض السالكين في شرح الصحيفة السجادية ـ مطبوع، الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية. الأعلام: 4 / 259 .

صفحه 258
إنّ المكارمَ والفضائلَ والندى *** طَبعٌ جُبِلتَ عليهِ غَيرَ تطبّعِ
والمجدُ والشرفُ المؤثّلُ والعُلى *** وقفٌ عليكَ وليسَ بالمستودعِ
***

الثاني عشر: التفريق

وهو إيقاع تباين بين أمرين من نوع في المدح أو غيره، ومنه قول الوطواط:
ما نوالُ الغمامِ وَقتَ ربيع *** كَنوالِ الأميرِ يَومَ سخاءِ
فنوالُ الأميرِ بَدرةُ عين *** وَنَوالُ الغمامِ قَطرةُ ماءِ1
ومنه قول الإمام عليّ (عليه السلام): «صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللهُ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ»2.
ومنه أيضاً قوله(عليه السلام): «غَيْرَةُ الْمَرْأَةِ كُفْرٌ، وَغَيْرَةُ الرَّجُلِ إِيمَانٌ»3.
***

1 . النوال: العطاء، والبدرة كيس فيه ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار، والعين هنا المال. معاهدة التنصيص: 2 / 300 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 97 .
3 . نهج البلاغة: الكلمات القصار برقم 124 .

صفحه 259
 
الثالث عشر: التقسيم
وهو أن يذكر متعدّد ثم يضاف إلى كل ما يناسبه على التعيين، وبهذا القيد يتميّز عن اللّف والنشر، إذ لا تعيين فيه ـ كما مرّ ـ ، ومنه قول المتلمّس1:
ولا يقيمُ على ضيم يُرادُ بِه *** إلاّ الأذلاّنِ عَيرُ2 الحيّ والوتدُ
هذا على الخسفِ3 مربوطٌ برمّته4 *** وذا يُشجّ فلا يَرثى له أحدُ
ذكر العير والوتد ثم أضاف إلى الأوّل الربط مع الخسف، وإلى الثاني الشجّ.
***

1 . هو جرير بن عبدالعزّى (أو عبد المسيح) من بني ضبيعة من ربيعة، شاعر جاهلي من أهل البحرين، وهو خال طرفة بن العبد. كان ينادم عمرو بن هند ملك العراق ثم هجاه فأراد قتله، ففر إلى الشام، ولحق بآل جفنة ومات ببُصرى من أعمال حوران في سورية حدود سنة 50 قبل الهجرة. الأعلام: 2 / 119 .
2 . العير: الحمار الأهلي والوحشي. صحاح الجوهري: 2 / 762، مادة «عير».
3 . الخسف: الذل. لسان العرب: 9 / 68، مادة «خسف».
4 . الرمّة: القطعة من الحبل البالي. النهاية لابن الأثير: 2 / 267، مادة «رمم».

صفحه 260
 
الرابع عشر: الجمع والتفريق
وهو أن يُدخل شيئان في معنى ويفرّق بين جهتيّ الإدخال، كقول الوطواط:
فَوَجْهُكَ كَالنَّارِ في ضَوْئِها *** وَ قلبيَ كَالنَّارِ في حَرِّها
فقد أدخل القلب ووجه الحبيب تحت عنوان واحد، وهو كونهما كالنار لكنّه فرّق في جهة الإدخال، وأنّ إدخال الوجه في النار لكونه كالضوء، وإدخال القلب فيها من جهة الحرّ والاحتراق.
ومنه قول الإمام عليّ (عليه السلام): «وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ: بَاك يَبْكِي لِدِينِهِ، وَبَاك يَبْكِي لِدُنْيَاهُ»1.
ومنه قوله (عليه السلام): «هَلَكَ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال، وَمُبْغِضٌ قَال»2.
***

الخامس عشر: الجمع مع التقسيم

وهو عبارة عن جمع متعدّد تحت حكم ثم تقسيمه، أو بالعكس أي: تقسيم متعدّد ثم جمعه تحت حكم:
أمّا الأوّل: فكقوله سبحانه: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا

1 . نهج البلاغة: الخطبة 98 .
2 . نهج البلاغة: الكلمات القصار برقم 117 .

صفحه 261
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ )1 .
ومنه قول الإمام علي (عليه السلام): «ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ الْعُلاَ، فَمَلاََهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلائِكَتِهِ، مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَ يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ لاَ يَتَزايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ»2.
وأمّا الثاني: كقول حسّان بن ثابت3:
قَوْمٌ إذا حاربُوا ضَرّوا عَدُوَّهُمُ *** أو حاوَلُوا النّفعَ في أشياعهم نَفَعُوا
سَجّيةٌ تِلكَ مِنهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَة *** إنَّ الخلائقَ فَاعْلَمْ شَرُّها البِدَعُ4
فقد قسّم في البيت الأوّل صفة الممدوحين إلى ضرّ الأعداء ونفع الأولياء، ثم جمعها في البيت الثاني بأنّها منهم سجيّة.
***

1 . فاطر: 32 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 1 .
3 . هو حسّان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، عاش ستين سنة في الجاهلية، ومثلها في الإسلام، وكان من سكّان المدينة وشاعر الأنصار في الجاهلية، له ديوان شعر مطبوع. لم يشهد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مشهداً. توفّي بالمدينة سنة 54 هـ ، وعُمي قبل وفاته. الأعلام: 2 / 175 .
4 . ديوان حسّان بن ثابت: 1 / 164 .

صفحه 262
 
السادس عشر: الجمع مع التفريق والتقسيم
وهو عبارة عن أن يجمع المتكلّم متعدّداً تحت أمر ثم يفرّق ثم يضيف إلى كلّ ما يناسبه، ومنه قول سبحانه: (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)1.
فقد جمع الأنفس في عدم التكلّم بقوله: (لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ)ثم فرّق بأن أوقع التباين بينها بأن بعضها شقيّ وبعضها سعيد، ثم قسّم وأضاف إلى السعداء ما لهم من نعيم الجنة وإلى الأشقياء ما لهم من عذاب النار.

تنبيه:

قد يطلق التقسيم على أمرين آخرين:
أحدهما: أن تذكر أحوال الشيء مضافاً إلى كلّ من تلك الأحوال ما يليق به، كقول المتنبّي:
سَأَطْلُبُ حَقّي بالفتى ومشايخ *** كَأنَّهُمُ مِن طُولِ ما التَثَموا مُرْدُ
ثِقالٌ إذا لاقُوا خِفافٌ إذا دُعوا *** كثيرٌ إذا شَدُّوا قليلٌ إذا عُدّوا2

1 . هود: 105 ـ 108 .
2 . في بعض المصادر: بالقنا بدل الفتى. أراد بالفتى نفسه، وبالمشايخ قومه، والالتثام وضع اللثام على الفم والأنف في الحرب، وكان ذلك من عادة العرب لئلاّ يقف العدو على أنّه غير شاب. ومعنى الشعر: ثقال لشدّة وطأتهم على الأعداء، خفاف مسرعين إلى الإجابة كثير إذا شدّوا ; لأنّ واحداً منهم يقوم مقام جماعة، قليل عند العدّ. راجع: مختصر المعاني: 276 ; الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 337 .

صفحه 263
فقد ذكر أحوال المشايخ ونسب إلى كلّ حال ما يناسبه، ثقال عند اللقاء، خفاف عند الدعوة، كثيرون عند الشدّة، قليلون عند العدّ.
ثانيها: استيفاء أقسام الشيء، كقوله تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً)1، فإنّ الإنسان إمّا أن يكون له ولد أو لا يكون، وإذا كان ذا ولد فإمّا أن يكون ذكراً أو أُنثى.
***

السابع عشر: التجريد

وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمراً آخر مثله في تلك الصفة، مبالغة لكمالها فيه، أي كمال هذه الصفة في ذلك الأمر، كأنّه بلغ في الاتّصاف بها إلى مقام صحّ أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة، وهو على أقسام:
1. أن يكون بـ «من» التجريدية الداخلة على المنتزع منه، كقولك: لي من فلان صديق صميم، تعني: أنّ فلاناً بلغ في الصداقة مبلغاً صحّ معه أن يستخلق منه صديق آخر في الصداقة.

1 . الشورى: 49 ـ 50 .

صفحه 264
ومنه قول الإمام (عليه السلام): «يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاَث وَاثْنَتَيْنِ: صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاع، وَبُكْمٌ ذَوُو كَلاَم، وَعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَار، لاَ أَحْرَارُ صِدْق عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلاَ إِخْوَانُ ثِقَة عِنْدَ الْبَلاَءِ»1.
فقد انتزع من أهل الكوفة أُموراً ثلاثة: الصم، والبكم، والعمي؟ مبالغة في اتّصافهم بتلك الأوصاف.
2. أن يكون بـ «الباء» التجريدية، نحو قولهم: لئن سألت فلاناً لتسألن به بحراً.
كلّ ذلك مبالغة في اتّصافه بالجود والسماحة حتّى انتزع منه بحراً مثله في الجود.
3. أن يكون بدخول «في» في المنتزع منه، نحو قوله تعالى: (لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ)(2)، والضمير المجرور يرجع إلى النار، فقد انتزع منها الدار الآخرة وأسماها دار الخلد.
4. ما يكون بطريق الكناية، كقول الأعشى2:
يا خَيْرَ مَنْ يَرْكَبُ المطيَّ وَلا *** يَشربُ كَأساً بِكَفِّ مَنْ بَخِلا3

1 . نهج البلاغة: الخطبة 97 .   2 . فصلت: 28 .
2 . هو ميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير، المعروف بأعشى قيس، والأعشى الكبير، ولُقِبَ بالأعشى لضعف بصره، وهو شاعر جاهلي من الطبقة الأُولى ومن أصحاب المعلّقات، عاش عمراً طويلاً وأدرك الإسلام ولم يسلم، وعمي في آخر عمره. مولده في قرية منفوحة باليمامة قرب مدينة الرياض ومات بها سنة 7 هـ . الأعلام: 7 / 341 .
3 . ديوان الأعشى: 1 / 192. والبيت من قصيدة يمدح فيها سلامة بن يزيد بن مرّة ذا فائش اليحصبي الحميري أحد ملوك اليمن. وفائش: واد باليمن كان يحميه ذو فائش. راجع: تاج العروس: 9 / 167، مادة «فيش».

صفحه 265
فقد انتزع من قوله المقدّر: «لا يشرب كأساً بكف من بخلا» قوله: «يشرب الكأس بكف جواد».
ومن أقسام التجريد مخاطبة الإنسان نفسه، بمعنى أنّه ينتزع من نفسه شخصاً آخر مثله في الصفة التي سيق لها الكلام ثم يخاطبه، كقول المتنبّي:
لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهديها ولا مالُ *** فَليُسعِدِ النُّطقُ إنْ لَمْ يُسْعِدِ الحالُ 1
فقد انتزع من نفسه شخصاً آخر يفقد كلّ شيء، ويخاطبه بأنّه إذا لم يمكن الجود والكرم فليكن كلامك جميلاً طيّباً، وفي الحديث عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): « إنّكم لن تسَعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم».2
***

الثامن عشر: المبالغة

وهي عبارة عن إثبات وصف لشيء وادّعاء بلوغ ذلك الوصف في الشدّة والضعف حدّاً مستبعداً جدّاً، وهي على أقسام ثلاثة:
1. التبليغ، وهو أن يُدّعى لشيء وصف ممكن عقلاً وعادةً، نحو قوله سبحانه: (يَوْمَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَات حَمْل حَمْلَهَا

1 . ديوان المتنبّي: 1 / 116 .
2 . من لا يحضره الفقيه: 4 / 394، برقم 5839 .

صفحه 266
وَتَرَى النَّاسَ سُكَارى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى)1 يريد أنّ هول القيامة يبلغ حدّاً، تترك المرضعة الصبي الذي على ثديها، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام، والوصفان أمران ممكنان عقلاً وعادة، إذا لوحظ هول القيامة.
2. الإغراق، وهو أن يُدّعى لشيء وصفٌ ممكن عقلاً، ومستحيل عادة. ولعلّ منه قول الإمام علي(عليه السلام): «ينحدر عنّي السّيل ولا يرقى إليَّ الطير»(2)، فإنّ عدم رقيّ الطير إلى مكان يكون فيه الإنسان، ممتنع عادة، ولكنّه ممكن عقلاً.
وقد مثل صاحب الإيضاح 2 لهذا القسم بقول عمرو بن الأيهم 3:
ونُكْرِمُ جارَنا مادامَ فينا *** وَنُتْبِعُهُ الكرامَةَ حَيثُ مالا4
فإنّ الإكرام وإرسال العطاء إلى الجار الّذي انتقل إلى مكان آخر ممكن عقلاً ممتنع عادة، ومع ذلك يوجد في المجتمعات أُناس يحترمون الجار ويحفظون الصلة بينهم وبينه، حتى بعد انتقاله إلى مكان آخر.
ثم إنّ هذين القسمين: (التبليغ والإغراق) مقبولان.
3. الغلو، وهو ما لايكون ممكناً عقلاً ولا عادة، كقول أبي نؤاس5:

1 . الحج:2.   2 . نهج البلاغة: الخطبة 3 (الشقشقية).
2 . الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 340 .
3 . هو عمرو بن الأيهم بن الأفلت التغلبي، وقيل: اسمه عمير. شاعر من نصارى تغلب في العصر الأوّل للإسلام، كان معاصراً للأخطل. توفّي نحو سنة 100 هـ . الأعلام: 5 / 74.
4 . راجع: إعجاز القرآن للباقلاني: 91 .
5 . هو الحسن بن هانئ بن عبدالأوّل بن صباح الحكمي بالولاء، أبو نؤاس، شاعر العراق في عصره. ولد في الأهواز سنة 146 هـ ، ونشأ بالبصرة، ورحل إلى بغداد ومدح خلفاء بني العباس، وخرج إلى دمشق ومنها إلى مصر، وعاد إلى بغداد فأقام إلى أن توفّي فيها سنة 198 هـ . له ديوان شعر مطبوع. الأعلام: 2 / 225 .

صفحه 267
وأخَفْتَ أهل الشركِ حتّى أنّهُ *** لَتَخافُكَ النُّطفُ التي لَمْ تُخْلَقِ
فإنّ خوف النطف في الأصلاب والأرحام محال عقلاً وعادة1.
نعم ربّما يصحّ هذا القسم من المبالغة إذا أدخل عليه ما يقربه إلى الصحّة، نظير قوله سبحانه: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ)2 فإنّ إضاءة الزيت مع عدم مسيس النار مستحيل لولا الإعجاز، لكن دخول لفظ (يَكَادُ)يُصحّح هذا النوع من المبالغة حيث دلّ اللفظ (يَكَادُ)على مقاربة الإضاءة لا وقوعها الذي هو مستحيل.
ونظيره قول الإمام علي(عليه السلام): «فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيل لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الاْخِرَةِ عَمَّا قَلِيل لَمْ يَزَلْ».3 فإنّ عدم تحقّق الوجود لما هو كائن أمر محال، لكن الذي صحّحه قوله (عليه السلام): «فَكَأَنَّ مَا هُوَ...».
وربما يصحّحه إذا خرج مخرج الهزل والضحك، كقول الشاعر:
أسْكُرُ بالأمسِ إن عَزَمْتَ على الـ *** ـشّربِ غَداً إنَّ ذا مِن العَجَبِ4
وكأنّ الشاعر يشير إلى المثل المعروف: وصف العيش، نصف العيش.

1 . راجع: الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 341 ; سر الفصاحة: 1 / 272 .
2 . النور: 35.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 103.
4 . راجع: مختصر المعاني: 280 .

صفحه 268
 
التاسع عشر: المذهب الكلامي
وهو عبارة عن مرافقة الكلام مع حجّة على ما يدّعيه على طريق المتكلّمين، وقد مثّلوا له قوله سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)1، فاستدلّ بعدم الفساد على عدم تعدّد الآلهة، الذين يتصوّر أنّهم يديرون الكون مع الاختلاف في الذات والتدبير، الملازم للاختلاف في التدبير، الذي لاينفك عن الفساد.
ونظيره قول الإمام علي(عليه السلام): «خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّة، إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلاَّ بِذَوِي الضَّمَائِرِ وَلَيْسَ بِذِي ضَمِير فِي نَفْسِهِ».2
وقول صفي الدين في مدح النبي(صلى الله عليه وآله):
كم بينَ مَنْ أقسمَ اللّهُ العليُّ بهِ *** وبَيْنَ مَنْ جاءَ باسمِ اللّهِ في القَسَمِ
فقد احتجّ على تفضيله(صلى الله عليه وآله) على سائر الأنبياء بأنّه سبحانه أقسم به وقال: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)3 ولم يقسم بغيره من الأنبياء، بل هم أقسموا به سبحانه، أي شتّان بين المنزلتين.

1 . الأنبياء:22.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 108.
3 . الحجر: 72.

صفحه 269
 
العشرون: حسن التعليل
وهو أن يدّعي لوصف علّة مناسبة له لكن باعتبار لطيف غير حقيقي، وبما أنّه ليس علّة له في الواقع وإنما عُدّت علّة بلطافة، صار من محسّنات الكلام، ومنه قول أبي هلال العسكري1:
زَعَمَ البنفسجُ أنَّهُ كَعذارِهِ *** حُسناً فسلّوا من قفاهُ لِسانَهُ 2
يريد أنّ ورد البنفسج ادّعى أنّ حسنه كحسن عذار المحبوب، ولأجل هذا الادّعاء الباطل جوزي بقطع لسانه من القفا.
ومنه قول الشاعر:
لَوْ لَمْ تَكُنْ نِيّةُ الجوزاءِ خِدمَتَهُ *** لَما رأيتَ عليها عِقْدَ مُنتَطِقِ 3
فقد علّل وجود النطاق على كوكب الجوزاء لأنّها نوت خدمة الممدوح.
وقد أُلحق بحسن التعليل ما بُني على الشكّ، كقول أبي تمّام:

1 . هو الحسن بن عبدالله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري، أبو هلال، عالم بالأدب، له شعر. له مصنّفات، منها: التلخيص في اللغة، جمهرة الأمثال، الأوائل، ديوان المعاني (مطبوع)، والفروق اللغوية. توفّى بعد سنة 395 هـ . الأعلام: 2 / 196 .
2 . ديوان المعاني: 1 / 249 .
3 . أصل البيت فارسي، وهذه ترجمته العربية. راجع: أسرار البلاغة: 1 / 241 ; الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 345 .

صفحه 270
كَأنَّ السَّحابَ الغُرِّ غَيَّبْنَ تحتها *** حبيباً فما تَرْقا لَهُنَّ مَدَامِعُ1

الحادي والعشرون: التفريع

وهو أن يثبت لمتعلّق أمر حكمٌ، بعد إثبات ذلك الحكم لمتعلّق له آخر، على وجه يُشعر بالتفريع والتعقيب، كقول الكميت2 من قصيدة يمدح بها أهل البيت(عليهم السلام):
أحْلامُكُم لِسَقام الجهلِ شافيةٌ *** كما دِماؤكُمُ تَشفي من الكَلَبِ3
فقد فرّع على المتعلّق الأوّل ـ أعني: كون أحلامهم ـ كونَها شفاءً لسقام

1 . ديوان أبي تمّام: 1 / 735. الغر: جمع الأغرّ، والمراد السحابة الماطرة الغزيرة المطر. والضمير
في تحتها يرجع إلى الربى في البيت السابق الذي هو جمع ربوة بمعنى التل المرتفع من
الأرض.
وترقا (بالهمز) خفف لأجل ضرورة الشعر، بمعنى: تسكن، فقد علّل على سبيل الشكّ نزول المطر من السحاب بأنّها غيبت حبيبته تحت تلك الرُّبى فهي تبكي عليها.
2 . هو الكميت بن زيد بن خُنيس الأسدي، أبو المستهل، شاعر الهاشميين، من أهل الكوفة. ولد سنة 60 هـ . اشتهر في العصر الأموي، وكان عالماً بآداب العرب ولغاتها وأخبارها وأنسابها، ثقة في علمه، كثير المدح لبني هاشم، وهو من أصحاب الملحمات، أشهر شعره: الهاشميات ـ مطبوع، وهي عدة قصائد في مدح الهاشميّين (أهل البيت(عليهم السلام)) ترجمت إلى الألمانية.
اجتمعت فيه خصال لم تجتمع في شاعر: كان خطيب بني أسد، وفقيه الشيعة، وكان فارساً شجاعاً، سخياً، رامياً لم يكن في قومه أرمى منه. توفّي سنة 126 هـ . الأعلام: 5 / 233.
3 . الكلَب بفتح اللام شبه جنون يحدث للإنسان من عضّ الكلب الذي يأكل لحوم الناس. وقد اشتهر أنه لا دواء له إلا دماء الملوك. راجع: مختصر المعاني: 283 .

صفحه 271
الجهل، كما فرّع على المتعلّق الثاني ـ أعني: دماءَهم ـ كونها شفاء من داء الكَلَب.
فالمصرع الأوّل كناية عن كونهم أرباب عقول راجحة، كما أنّ المصرع الثاني كناية عن كونهم ملوكاً.

الثاني والعشرون: تأكيد المدح بما يشبه الذمّ

من أنواع البديع تأكيد المدح بما يشبه الذمّ، وله ثلاثة أقسام:
1. أن يستثنى من صفة ذم منفيّة عن الشيء، صفة مدح له بتقدير دخولها في الذمّ، كقوله سبحانه: (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيًما * إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا)1، فقد استثنى من اللغو والتأثيم قولهم: سلاماً سلاماً، وهو مدح بصفة الذم، مشعراً بأنه إذا كان هذا من مقولة لغوهم فأين جدّهم.
ونظيره قول النابغة الذبياني 2:
ولا عَيْبَ فيهم غَيْرَ أنّ سُيُوفَهُمْ *** بِهنّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكتائِبِ 3

1 . الواقعة: 25ـ26.
2 . هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري، أبو أُمامة: شاعر جاهلي من الطبقة الأُولى، من أهل الحجاز، كانت تضرب له قبّة من جلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء فتعرض عليه أشعارها، وكان الأعشى وحسّان والخنساء ممّن يعرض شعره على النابغة. له ديوان مطبوع. عاش عمراً طويلاً، وتوفّي نحو سنة 18 قبل الهجرة. الأعلام: 3 / 54 .
3 . ديوان النابغة الذبياني: 1 / 2 .

صفحه 272
2. أن تثبت لشيء صفة مدح وتعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أُخرى له بصورة أنّه ذم، كقول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله): «أنا أفصح العرب، بيد أنّي من قريش»1.
ونظيره قول الإمام علي(عليه السلام) لمّا بلغه مقتل محمد بن أبي بكر: «إِنَّ حُزْنَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ نَقَصُوا بَغِيضاً، وَنَقَصْنَا حَبِيباً ».2
3. أن يؤتى بالاستثناء مفرّغاً ويكون العامل فيه معنى الذمّ، نحو قوله تعالى: (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا)(3) أي ما تعيب منّا إلاّ أجلّ المناقب والمفاخر وهي الإيمان.
ومنه قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا)(4).
فإنّ الاستفهام فيها للإنكار فيكون بمعنى النفي.
ومن هذا الباب الاستدراك بمنزلة الاستثناء، كما في قول أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني3، يمدح خلف بن أحمد السجستاني4:

1 . كشف الخفاء للعجلوني:1/201 برقم 609; المعارف لابن قتيبة:132; النهاية لابن الأثير: 1 / 171.
2 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، رقم 326.      3 . الأعراف: 126.   4 . المائدة:59.
3 . هو أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني، أبو الفضل، المعروف بـ : بديع الزمان احد أئمة الكتّاب، له مقامات ـ مطبوع، أخذ الحريري أُسلوب مقاماته عنها، وكان شاعراً وطبقته في الشعر دون طبقته في النثر. ولد في همذان سنة 358 هـ ، وانتقل إلى هراة سنة 380 هـ فسكنها، ثم ورد نيسابور. لقى أبا بكر الخوارزمي فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة، ولمّا مات الخوارزمي خلا له الجو، فلم يدع بلدة من بلدان خراسان وسجستان وغزنة إلاّ دخلها ولا ملكاً ولا أميراً إلاّ فاز بجوائزه. كان يضرب المثل بحفظه، ويذكر أن أكثر مقاماته ارتجال، له ديوان شعر مطبوع، ورسائل مطبوعة. توفّى بهراة مسموماً سنة 398 هـ .
4 . هو خلف بن أحمد من بني يعقوب بن الليث الصفّار، أمير سجستان وينسب إليها   2
فيقال السجستاني والسجزي، ولد سنة 326 هـ ونشأ بسجستان في بيت الإمارة، ورحل في صباه إلى خراسان والعراق، فتفقّه وروى الحديث، وعاد إلى سجستان فوليها سنة 350 هـ وضم إليها كرمان، نزل عن الإمارة مكرهاً إلى ابنه طاهر سنة 390 هـ ، ثم فتك به وهو وحيده!! حاصره السلطان محمود ابن سبكتكين سنة 393 هـ ، فاضطر إلى الاستسلام، فنفاه إلى الجوزجان ثم إلى قرية جرديز فمات فيها سجيناً سنة 399 هـ . الأعلام: 2 / 310 .

صفحه 273
هُو البدرُ إلاّ أنَّهُ البحرُ زاخراً *** سوى أنّه الضِّرغام لكنَّه الوَبْلُ1
فالاستثناءان ـ أعني قوله: (إلا أنّه البحر)، وقوله: (سوى أنّه) ـ من قبيل قوله: بيد أنّي من قريش.

الثالث والعشرون: تأكيد الذمّ بما يشبه المدح

وهو أيضاً على أقسام ثلاثة:
1. أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء، صفة ذمّ له بتقدير دخولها فيها، أي تقدير دخول صفة الذم في صفة المدح، كقولك: فلان لا خير فيه، إلاّ أنّه يسيء إلى من أحسن إليه.
مُشيراً إلى أنّه إذا كان هذا حسنه، فماذا قبحه؟!
2. أن يُثَبت للشيء صفة ذم، وتعقب بأداة استثناء تليها صفة ذم أُخرى له، كقولك: فلان فاسق إلاّ أنّه جاهل.
3. أن يؤتى الاستثناء مفرّغاً ويكون العامل فيه معنى الذم، مثل قوله: لايستحسن منه إلاّ جهله.

1 . الزاخر: الممتلئ الطافح. الضرغام: الأسد. والوبل ـ بالفتح ـ : المطر القويّ العظيم القطر.

صفحه 274
ويأتي فيه الاستدراك بمنزلة الاستثناء، نحو قوله: جاهل لكنّه فاسق.

الرابع والعشرون: الاستتباع

وهو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر، كقول المتنبّي:
نَهبتَ مِنْ الأعمارِ ما لَو حَويتَهُ *** لَهُنِّئَتِ الدُنيا بأنَّكَ خَالِدُ
فالشاعر بصدد مدح صاحبه بذكر شجاعته، وأنّه أكثر من قتل الاعداء، بحيث إنّه لو ورث أعمارهم في الدنيا، لخَلُد، وبما أنّ إكثار القتل ربّما يشعر بالذم، عالج ذلك بأنّ عمله هذا سبب لصلاح الدنيا ونظامها; لأنّه قتل المفسدين ونهب أعمارهم دون أموالهم.1

الخامس والعشرون: الإدماج

وهو لغة لفّ الشيء في ثوب، واصطلاحاً أن تضمن كلاماً سيق لمعنى، معنى آخر، وهو أعم من الاستتباع لاختصاصه بالمدح، كقول المتنبّي:
أُقَلِّبُ فِيهِ أجفاني كأنّي *** أَعُدُّ بها على الدّهرِ الذّنوبا
التوجيه، الهزل المراد به الجد   
فإنّه ضمّن وصف الليل بالطول، شكاية الدهر.

1 . راجع: شرح ديوان المتنبّي: 1 / 316 .

صفحه 275
ومعنى البيت: لكثرة تقليبي لأجفاني في ذلك الليل، كأنِّي أعدّ على الدهر ذنوبه.1

السادس والعشرون: التوجيه

وهو عبارة عن التكلّم بكلام محتملاً لمعنيين متضادين، كالمدح والهجاء، قصداً للإبهام وإخفاءً للمرام، وقد مثّلوا له بقول بشّار في حقِّ خياط أعور:
خاط لي عمروٌ قَباءْ *** لَيْتَ عينيهِ سَواءْ
قُلتُ شِعراً ليسَ يدري *** أ مديحٌ أم هِجاءْ2

السابع والعشرون: الهزل المراد به الجد

من أنواع البديع الهزل المراد به الجد، بأن يقصد مدح إنسان أو ذمّه، فيخرج ذلك مخرج الهزل والمجون، كقول أبي نؤاس:

1 . راجع: الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 348 .
2 . معنى البيت: صنع عمرو ثوباً لي، ليته كان سليم العينين ليكون ذلك الثوب جميلاً، فيحتمل أن يريد الشاعر من قوله: «ليت عينيه سواء» صحّة العين العوراء فيكون مدحاً ودعاءً له، أو يريد عكسه فيكون ذمّاً ودعاءً عليه. وقيل: إنّ بشّاراً أعطى لخياط أعور اسمه «عمرو» ثوباً ليخيطه، فقال الأعور له: لأخيطنّه بحيث لا تعلم أقباء أو غيرها، فقال بشّار: لأقولنّ شعراً لا تدري أهجاء أم غيره. ديوان بشّار بن برد: 1 / 75 برقم 12 .

صفحه 276
إذا ما تميميٌّ أتاكَ مُفاخِراً *** فقل عَدِّ عن ذا كيف أكْلُكَ لِلضِّبِ1
أي تجاوز عن ذلك وتكلّم عن أكلك للضب.
   

الثامن والعشرون: تجاهل العارف

وهو سوق المعلوم مساق المجهول لنكتة، وبما أنّه ورد في كتاب اللّه فالأولى التعبير عنه بما فسّرناه، أي سوق المعلوم مساق غيره، كما عليه صاحب المفتاح.2
ومنه قول الشاعرة3:
أيَا شَجَر الخابُورِ مَا لَكَ مُورِقاً *** كَأنَّكَ لم تَجزعْ على ابْنِ طَريفِ
فالشاعرة تعلم أنّ الشجر لم يجزع على ابن طريف لكنّها تجاهلت فاستعملت كلمة «كأنّك» الدالّة على الشكّ.
ومنه قول الإمام علي(عليه السلام): «أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو  الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ

1 . راجع: أعيان الشيعة: 5 / 370 .
2 . مفتاح العلوم: 180.
3 . هي الفارعة (أو فاطمة، وقيل: ليلى) بنت طريف بن الصلت. مرّت ترجمتها والحديث عن البيت الّذي قالته.

صفحه 277
نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ ».1
ثم إنّ تجاهل العارف ربّما يُعدّ وسيلة للمبالغة في الذم، كقول زهير:
وما أدرِي وسَوفَ إخالُ أدري *** أقومٌ آل حِصن أم نساءُ2
فقد تجاهل بأنّ القوم رجال أو نساء، مع أنّه يعلم أنّهم رجال، مبالغة في الذم.3
وربما يكون تجاهل العارف ذريعة للمبالغة في المدح، كقول البحتري:
ألمعُ برق سَرى أم ضَوءُ مِصباحِ *** أم ابتسامَتُها بالمَنظَرِ الضّاحي4
وربما يستخدم تجاهل العارف في التحيّر في الحبّ، كقول الشاعر5:
باللّهِ ياظبياتِ القاع قُلْن لَنا *** ليلاَيَ مِنكُنَّ أم ليلَى مِن البَشَرِ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 182.
2 . آل حصن، كآل حبر، قبيلة معروفة.
3 . راجع : مختصر المعاني: 286 .
4 . راجع: الايضاح في علوم البلاغة: 1 / 351 .
5 . القائل هو: الحسين بن عبدالله، وقيل: للعرجي، وقيل: لمجنون ليلى، وقيل: لذي الرمّة، وقيل: لبدوي اسمه كامل الثقفي. والله أعلم. راجع: خزانة الأدب: 1 / 110 .

صفحه 278
 
التاسع والعشرون: القول بالموجَب
وهو نوع لطيفٌ جدّاً، وأفرده الصلاح الهندي بالتأليف، ويسمّى أيضاً الأسلوب الحكيم، وهو ضربان:
1. أن تقع صفة في كلام الغير، كناية عن شيء أثبت له حكم، فتثبتها أنت في كلامك لغير ذلك الشيء من غير تعرّض لثبوت ذلك الحكم بذلك الغير أو نفيه عنه، كقوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)1 .
القائل هو عبداللّه بن أُبَيّ، وقد كنّى بالأعزّ عن فريقه المنافقين وبالأذلّ عن فريق المؤمنين، وأثبت لفريقه إخراج المؤمنين من المدينة، فأثبت اللّه في الرد عليه صفة العزّة لغير فريقه وهم فريق اللّه ورسوله والمؤمنين، ولم يتعرّض لثبوت ذلك الحكم الذي هو إخراج المنافقين للموصوفين بصفة العزّ، ولا لنفيه عنهم.
وبعبارة أُخرى: أثبت رأس النفاق صفة العزّ للمنافقين وصفة الذلّ للمؤمنين، ثم رتّب على صفة العزّ أنّهم يخرجون المؤمنين من المدينة، واللّه سبحانه أثبت العزّة للمؤمنين ولم يتعرّض للحكم وأنهم هل يخرجون المنافقين أو لا؟
2. حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده، حال كونه ممّا

1 . المنافقون: 8 .

صفحه 279
يحتمله; وذلك بذكر متعلّق كلام الغير، كقول أبي الحسن القيرواني1:
وقالوا قَد صفَت منّا قلوبٌ *** لقَدْ صدَقُوا ولكنْ عن وِدادي
أراد القائل بصفو قلوبهم: الإخلاص فحمله الآخر على الخلو بذكر متعلّق الصفو أي الوداد.

الثلاثون: الإطّراد

وهو أن تأتي بأسماء الممدوح أو غيره وأسماء آبائه على ترتيب الولادة، من غير تكلّف، كقول أبي ذؤاب2:
إنْ يقتلوكَ فقد ثَلَلتَ عُروشَهم *** بعتيبةَ بن الحارثِ بن شهابِ 3
يريد أنّهم إن قتلوك لكنّك هدّمت ملكهم وأساس مجدهم بقتل رئيسهم عتيبة بن الحارث .
إلى هنا تمّت المحسّنات المعنوية على ضوء التلخيص وشرحه،

1 . هو علي بن فضّال بن علي بن غالب بن جابر من ذرية الفرزدق، أبو الحسن القيرواني المجاشعي التميمي الفرزدقي، كان إماماً في اللغة والنحو والأدب والتفسير. ولد بهجر وطوّف الأرض وأقرأ ببغداد مدّة. وله من التصانيف: النكت في القرآن، الإكسير في علم التفسير، ومعاني الحروف... توفّي 479 هـ . طبقات المفسّرين للسيوطي: 70 برقم 75 .
2 . هو ربيعة بن عبيد بن سعد بن جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين أحد بني أسد. وربيعة هذا هو أبو ذؤاب الأسدي الّذي قتل عتيبة بن الحارث. راجع القصة في ديوان الحماسة: 1 / 348 ـ 349 .
3 . هو عتيبة بن الحارث بن شهاب التميمي، فارس تميم في الجاهلية، كان يلقّب «سم الفرسان» و «صياد الفوارس» ويضرب به المثل في الفروسية، وكان صاحب ثقافة، قتله ذؤاب بن ربيعة بن عبيد. الأعلام: 4 / 201 .

صفحه 280
وهناك محسّنات أُخرى لم يتعرّضا لها، وها نحن نذكر شيئاً منها:
***

الحادي والثلاثون: الافتنان

الافتنان عبارة عن الإتيان بفنين مختلفين من فنون الكلام في بيت واحد أو أكثر، كالمدح والهجو، والتهنية والتعزية، ولا يختصّ بالنظم بل يعمّ النثر، فمنه قوله سبحانه: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ)1.
فالآية الأُولى تشتمل على التعزية حيث تُعزّى جميع المخلوقات بالفناء، وفي الوقت نفسه يهنئ الله نفسه بالبقاء.

الثاني والثلاثون: إرسال المثل

وهو عبارة عن إتيان المتكلّم في نثره وشعره بما يجري مجرى المثل من حكمة ممّا يحسن التمثيل به، وقد اشتمل القرآن المجيد على كثير من هذه المسائل، وقد أوردنا قسماً منها في كتابنا: «الأمثال في القرآن الكريم» نظير الآيات التالية:
(كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ).2

1 . الرحمن:26ـ27.
2 . المدثر:38.

صفحه 281
(وَ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)1.
(مَا عَلَى الُْمحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل)(2).
(هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)(3).
وفي الحديث النبويّ: «خير الأُمور أوسطها»2، « المرء مع مَن أحبّ»3، «الشاهد يرى ما لايرى الغائب»4.
وفي كلام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) قوله:«فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وَفِي الْحَلْقِ شَجاً»5، وقوله: «وَلكِنْ لاَ رَأْيَ لِمَنْ لاَ يُطَاعُ»(8)، وقوله: «مَنْ صَارَعَ
الْحَقَّ صَرَعَهُ»6، وقوله: «قِيمَةُ كُلِّ امْرِئ مَا يُحْسِنُهُ»(10).
ومنه قول امرؤ القيس لحجر الكندي:
إذا المرءُ لم يخزُنْ عليهِ لِسانَهُ *** فليسَ على شيء سِواهُ بخزّانِ7

1 . النور: 54.   2 . التوبة: 91.   3 . الرحمن:60.
2 . عوالي اللآلي: 1/296 برقم 199; بحار الأنوار: 75/11.
3 . صحيح البخاري: 7/112ـ113، كتاب الأدب، باب علامة حبّ اللّه; صحيح مسلم: 8/43، باب المرء مع مَن أحب.
4 . أمالي الطوسي: 338 برقم 687; المجلس 12 ; مسند أحمد: 1/83.
5 . نهج البلاغة: الخطبة3.   8 . نهج البلاغة: الخطبة 37.
6 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، رقم 408.   10 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، رقم81 .
7 . ديوان امرئ القيس: 173. والبيت من قصيدة أنشدها في طريقه إلى قيصر وكان قد أصابه المرض،ومطلعها :
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفانِ *** ورسم عفت آياتُه منذ أزمانِ
ومعنى البيت: أي إذا لم يحفظ المرء لسانه على نفسه ممّا يعود ضرره إليه، فلا يحفظه على غيره ممّا لا ضرر له فيه. مختصر المعاني: 293 .

صفحه 282
وقول عدي بن زيد العبادي:
عن المرءِ لاتسألْ وسَلْ عن قرينِه *** فكلُّ قرين بالمقارنِ يقتدِي

الثالث والثلاثون: الاعتراض

وربما يوصف بالحشو، وهو أن يؤتى في أثناء كلام أو بين كلامين متصلين معنى، بجملة أو أكثر لا محلّ لها من الإعراب لنكتة سوى دفع الإيهام، والنكتة قد تكون التوكيد كقول الإمام علي (عليه السلام): «فَإِنَّ اللهَ ـ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى ـ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ»1فإنّ الغاية توكيد تنزيه الله سبحانه عن الحاجة إلى الخلق، وكان تقدير الجملة: «غنيّاً عن طاعتهم حين خلقهم».
التكرار، حسن النسق   
وقد يكون الغرض التنبيه على عظم الرزيّة كما في قول الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام): «فَيَا عَجَباً! عَجَباً وَاللهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِن اجْتَِماعِ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَن حَقِّكُمْ».2 إلى غير ذلك من الأغراض.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 193 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 27 .

صفحه 283
 
الرابع والثلاثون: التكرار
وهو عبارة عن تكرير جملة لنكتة والغالب فيه التأكيد، مثل قوله سبحانه:
(كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ)1.
وربّما يكون الغرض توكيد الترغيب إلى ما يدعو مثل قول علي(عليه السلام):
«اللهَ اللهَ فِي الاَْيْتَامِ، فَلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ... وَاللهَ اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ ...»2.

الخامس والثلاثون: حسن النسق

يطلق حسن النسق على معنيين:
1. ما يسمّى بتنسيق الصفات وهو أن يذكر للشيء صفات متتالية، كقوله تعالى: (هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)3.
2. أن يؤتى بكلمات متتالية معطوفات متلاحمات تلاحماً مستحسناً

1 . التكاثر: 3ـ4.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 47.
3 . الحشر: 23.

صفحه 284
بحيث إذا أفردت كلّ جملة منه قامت بنفسها واستقلّ معناها بنفسها، مثل قوله تعالى: (وَ قِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)1.
وقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِْخْلاَصُ لَهُ ، وَكَمَالُ الاِْخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ... فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ. وَمَنْ قَالَ «فِيمَ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ».2

1 . هود: 44.
2 . نهج البلاغة: الخطبة1.

صفحه 285
الباب الثاني:    
في المحسّنات اللفظية
1. الجناس، وهو على أقسام:
الأوّل: الجناس التامّ، وله أنواع:
أـ الجناس المماثل
ب ـ الجناس المستوفى
ج ـ جناس التركيب المتشابه
د ـ جناس التركيب المفروق
الثاني: الجناس غير التامّ بأقسامه الأربعة
الثالث: الجناس المقلوب (قلب الكل، أو قلب البعض)
الرابع: الجناس المزدوج
الخامس: الجناس الخطّي
2. ردّ العجز إلى الصدر
3. السجع
4. الموازنة
5. القلب
6. التشريع والتوشيح
7. لزوم ما لايلزم

صفحه 286

صفحه 287

1

الجناس

   
وهو عبارة عن تشابه لفظين في النطق واختلافهما في المعنى. ووجه كونه من المحسّنات ; لأنّ فيه استدعاءً لميل النفس إلى الكلام، لأنّ النفس تستحسن سماع المكرّر إذا اختلف معناه، وتتلقّاه نوعاً من الاستغراب. وقد صرّحوا بأنّ الجناس أشرف الأنواع اللفظية، وقد أفرده صلاح الدين الصفدي بتأليف سمّاه: «جنان الجناس». وبما أنّ استقصاء أنواعه لايناسب كتابنا هذا، نقتصر على أهمّ أنواعه:

الأوّل: الجناس التامّ

ويسمّى الكامل، وهو أن يتّفق اللفظان في أنواع الحروف وفي هيئاتها ـ أي حركاتها ـ وفي أعدادها وترتيبها، وله أقسام:
1. الجناس المماثل، وهو أن يكون اللفظان من نوع واحد كاسمين أو فعلين، نحو قوله سبحانه: (وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الُْمجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة)1، فأُريد بالأُولى يوم القيامة، وأُريد بالثانية المدة من الزمان.

1 . الروم: 55.

صفحه 288
وقد قيل: لم يقع منه في القرآن غير هذه الآية، ولكن استخرج بعضهم الآية التالية: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ)1.
فقد أُريد بالأبصار الأُولى البصر بمعنى النظر، وأُريد بالثانية البصر بمعنى العقل.
ومنه قول الإمام علي(عليه السلام) في وصف الدنيا: «وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ».2
قال الشريف الرضيّ ـ معلّقاً على ذيل كلامه (عليه السلام)ـ : وإذا تأمّل المتأمّل قوله (عليه السلام): «وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ» وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد ما لاتبلغ غايته ولايدرك غوره لاسيّما إذا قرن إليه قوله: «وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ » فإنّه يجد الفرق بين «أَبْصَرَ بِهَا» و « أَبْصَرَ إِلَيْهَا» واضحاً، نيّراً، وعجيباً باهراً.
أقول: فقد كرّر في كلامه «أبصر» غير أنّه قرنه أوّلاً بـ «بها» وثانياً بـ «إليها» وأراد بالأوّل النظر إلى الدنيا بما أنّها وسيلة، وبالثاني النظر إليها بما أنّها هدف.
2. الجناس المستوفى، وهو أن يتّفق اللفظان في الحروف والهيئات لكن من نوعين كاسم وفعل، أو اسم وحرف، أو فعل وحرف، كقول أبي تمّام:

1 . النور: 43ـ44.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 82 .

صفحه 289
ما مات مِن كَرَمِ الزمانِ فإنّه *** يَحيا لدى يَحيَى بنِ عَبدِ اللّهِ
فالأوّل فعل مضارع، والثاني اسم الممدوح1.
ومنه أيضاً قول الشاعر2:
فَدارِهم مادُمتَ في دارِهِم *** وَأرضِهِم مادُمت في أرضِهِم
3. جناس التركيب المتشابه
إذا كان أحد اللفظين مركّباً والآخر مفرداً، واتّفقا في الخط والكتابة، نظير قول أبي الفتح البستي3:
إذا مَلِكٌ لم يكُنْ ذا هِبَهْ *** فَدَعه فَدَولتهُ ذاهِبَهْ4
فاللفظة الأُولى مركّبة من «ذا» بمعنى صاحب، و «هبة» بمعنى الجود، واللفظة الثانية مفرد، اسم فاعل من « ذهب، يذهب».
4. جناس التركيب المفروق
إذا كان أحد اللفظين مفرداً والآخر مركّباً ولكن لم يتّفقا في الخط

1 . راجع: الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 355 .
2 . القائل هو: علي بن فضّال بن علي أبو الحسن المغربي القيرواني المتوفّى سنة 479 هـ . كما في النجوم الزاهرة: 5 / 124 ; الوافي بالوفيات: 1 / 255. وقيل: القائل هو: محمد بن محمد بن أحمد بن هميماه أبو نصر الرامشي النيسابوري المتوفّى سنة 490 هـ . كما في: الوافي بالوفيات: 1 / 114 ; بغية الوعاة: 1 / 218 .
3 . هو أبو الفتح علي بن محمد بن الحسين بن يوسف البستي، من كتّاب الدولة السامانية في خراسان، وارتفعت مكانته عند الأمير سبكتكين وخدم ابنه السلطان محمود قبل أن يخرجه إلى بلاد ما وراء النهر، فمات في بلدة أوزجند ببخارى غريباً سنة 400 هـ . له ديوان شعر مطبوع. الأعلام: 4 / 326.
4 . أي: إذا ملك لم يكن صاحب هبة وعطاء فاتركه فدولته غير باقية. مختصر المعاني: 288 .

صفحه 290
والكتابة، كقول البستي:
كُلُّكُم قَدْ أخَذَ الجا *** مَ ولا جامَ لنا
مَا الذي ضَرَّ مُدير الـ *** جامِ لَوْ جامَلَنا 1
فإنّ الأُولى مركّبة من كلمتين: «جام» و «لنا»، بخلاف الثانية، فإنّها فعل ماض من المجاملة، بصيغة المتكلّم مع الغير.
وللجناس التام أقسام أُخرى تطلب من مصادر هذا الفن.

الثاني: الجناس غير التامّ

إذا اختلف لفظا المتجانسين في أعداد الحروف بأن يكون حرف أحدهما أكثر من الآخر بحيث إذا حُذف الزائد اتّفقا في النوع والهيئة والترتيب، وسمّي بالمذيّل2، وله أقسام:
1. الاختلاف بحرف واحد في الأوّل، كقوله سبحانه: (وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذ الْمَسَاقُ)3.
ومنه قول الإمام علي(عليه السلام): «كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً، وَمَا جَمَعُوا بُوراً».4
2. الاختلاف بحرف واحد في الوسط، نحو قوله: (جدّي جهدي).

1 . «جام لنا» مركبّة من «جام» و «لنا» والجام: الإناء من الفضة، و «جاملنا» مفرد بسيط بمعنى عاملنا بالجميل. راجع: مختصر المعاني: 289 .
2 . راجع: أُصول البلاغة: 77 .
3 . القيامة: 29ـ 30.
4 . نهج البلاغة: الخطبة 132.

صفحه 291
ومنه قول الإمام علي(عليه السلام): «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لاَ يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَالْجُمُودُ، وَلاَ يُكْدِيهِ الاِْعْطَاءُ وَالْجُودُ».1
ومنه أيضاً قوله(عليه السلام): «إِنَّ كَلاَمَ الْحُكَمَاءِ إِذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءً، وَإِذَا كَانَ خَطَأً كَانَ دَاءً».2
3. الاختلاف بحرف واحد في الآخر، كقول أبي تمّام:
يَمُدّونَ مِنْ أيد عَواص عَواصِمُ *** تصُولُ بأسياف قَواض قَواضِبُ3
أي يمدّون للضرب يوم الحرب من أيد ضاربات للأعداء، حاميات للأولياء، صائلات على الأقران ، بسيوف حاكمة بالقطع. والشاهد في قوله: عواص عواصم، وقواض قواضب.4
4. الاختلاف بأكثر من حرف واحد، وهو أيضاً كالسابق، أمّا في أوّل الكلمة كقوله: بيني وبين كِنّي ليل دامس وطريق طامس5.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 91. لا يفره: لا يزيد ما عنده من البخل والجمود وهو أشدّ البخل. ولا يكديه: أي لا يفقره.
2 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، 265.
3 . عواص: جمع عاصية من عصاه، أي ضربه بالسيف، وعواصم من عصمه: حفظه، وقواض ما قضى عليه، وقواضب من قضبه أي قطعه.
والبيت من قصيدة لأبي تمّام يمدح فيها أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي (المتوفّى 225 هـ) أحد قوّاد المأمون ثم المعتصم . شرح ديوان أبي تمّام: 86 برقم 15 .
4 . راجع: مختصر المعاني: 289 .
5 . المقامات الحريرية: 1 / 36. والكِنّ ما يردّ الحرّ والبرد من الأبنية والمساكن، ويقال: استكن أي استتر. النهاية لابن الأثير: 4 / 206، مادة «كنن».
وليل دامس: شديد الظلمة، ودمس الظلام وأدمس وليل وامس: إذا اشتدّ وأظلم. لسان العرب: 6 / 87، مادة «دمس» .
والطموس: الدروس والانمحاء. لسان العرب: 6 / 126، مادة «طمس».

صفحه 292
أو وسطها كقوله تعالى: (وإنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيَدُ * وَإنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد )1.
أو في آخرها، كقول الشاعر:
إنّ البُكاءَ هُوَ الشّفا *** ءُ مِنَ الجوى بَينَ الجَوانحْ2
والجوى هو حرقة القلب، والجوانح الضلوع التي تلي الصدر واحدتها جانحة ; ونظيره قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الخيل معقودٌ في نواصيها الخير».3
الثالث: الجناس المقلوب
هو أن يتّفق اللفظان في الحروف وأنواعها وهيئاتها ويختلفا في الترتيب، وهو على قسمين:
1. قلب الكلّ: وهو أن يكون الحرف الآخر من اللفظة الأُولى، أوّلاً من الثانية، والذي قبله الحرف الآخر ثانياً، كالفتح والحتف في قوله:
حسامك فيه للأحباب فتحٌ *** ورمحك فيه للأعداء حتفُ
الجناس المزدوج والخطّي   
ثمّ إن كانت الكلمتان طرفين، مثل أن يقع أحدهما في أوّل البيت

1 . العاديات: 7ـ8.
2 . ورد ذكر البيت في خزانة الأدب وغاية الأرب: 1 / 71 .
3 . صحيح البخاري: 3 / 215، باب الخيل معقود في نواصيها الخير، كتاب الجهاد; الكافي: 5 / 48 ح 2، باب فضل ارتباط الخيل.

صفحه 293
والمجانس الآخر في آخره، فيسمّى مقلوباً مجنّحاً ; لأنّ اللفظين أصبحا كجناحين للبيت، كقول الشاعر:
لاحَ أنوارُ الهُدى مِنْ *** كفِّهِ في كلِّ حالِ
والشاهد في قوله: لاح، وحال، وقد وقع الأوّل في أوّل البيت والآخر في آخره.
2. قلب البعض: وهو أن تكون الكلمة الثانية مركّبة من حروف الكلمة الأُولى، مع بقاء بعض حروف الكلمة الأُولى، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا»1.2
الرابع: الجناس المزدوج
إذا ولي أحد المتجانسين الآخر، يسمّى جناساً مزدوجاً، نحو قوله تعالى: (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين)3.
الخامس: الجناس الخطّي
إذا توافق اللفظان في الكتابة فقط، مثل قوله تعالى: (وَ الذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)4، ومثله قوله سبحانه: (وَ هُمْ

1 . روى الطبرسي في مجمع البيان: 8 / 124 عن أبي سعيد: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال: قولوا: «اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا». وراجع أيضاً: بحار الأنوار: 20 / 192 ; مجمع الزوائد: 10 / 136 .
2 . أُصول البلاغة: 94 ـ 95 .
3 . النمل: 22.
4 . الشعراء: 79ـ80.

صفحه 294
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)1.
ومنه قول الإمام علي(عليه السلام)حول فدك: «فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ».2
ومنه قوله (عليه السلام) لمعاوية: «غرّك عزُّك فصار قصار ذلك ذِلّك، فاخش فاحش، فعلك فعلّك تهدى بهذا».3
هذا وقد ذكروا للجناس أقساماً أُخرى كثيرة، فمن أراد التوسع فليرجع إلى المطوّلات.4
   

1 . الكهف: 104.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 45.
3 . بحار الأنوار: 40/163 وج 75 / 83 ; مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): 301. وقصار الشيء وقصاراه: غايته.
4 . لاحظ: عقود الجمان في علم المعاني والبيان : 147ـ 154; أُصول البلاغة: 76 ـ 83 .

صفحه 295
 
2

ردّ العجز إلى الصدر

من المحسّنات اللفظيّة: ردّ العجز إلى الصدر، ويسمّى «التصدير» أيضاً، وهو في النثر أن تقع اللفظة أوّله، ومثلها أو مجانسها أو الملحق بهما1آخره.
أمّا المثلان، نحو قوله سبحانه: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)2.
وأمّا المتجانسان، نحو قولهم: سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل.
وأمّا الملحق بالمتجانسين، نحو قوله تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)3، والجامع بينهما هو الاشتقاق من مادة واحدة.
هذا كلّه في النثر، وأمّا في النظم فهو أن يكون أحد اللفظين المثلين
أو المتجانسين أو الملحقين بهما في آخر البيت واللفظ الآخر في

1 . و المراد بالملحق بالجناس ـ كما مرّ ـ هو توافق الكلمتين في الحروف الأُصول مع الاتفاق في أصل المعنى، مثل (أقم) و (قيّم) في قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) (الروم: 43)، و كلاهما مشتّقان من القيام.
2 . الأحزاب: 37.
3 . نوح: 10.

صفحه 296
صدر المصراع الأوّل، أو حشوه، أو آخره، أو صدر المصراع الثاني، وإليك الأمثلة:
المثلان بأقسامه الأربعة:
1. ما يكون أحد اللفظين في آخر البيت واللفظ الآخر في صدر المصراع الأوّل، كقول الأقيشر:
سريعٌ إلى ابْنِ العَمِّ يَلْطِمُ وَجهَه *** وليسَ إلى داعي الندى بسريعِ1
2. ما يكون اللفظ الآخر في حشو المصراع الأوّل، كقول الحسين بن علي السنجاري2:
تمتعْ مِن شميمِ عَرارِ نجد *** فما بَعدَ العشيّةِ مِن عَرارِ 3
3. ما يكون اللفظ الآخر في آخر المصراع الأوّل، كقول أبي تمّام:
ومَنْ كان بالبيضِ الكواعبِ مُغرَماً *** فما زلتَ بالبيضِ القواضِبِ مُغرما4

1 . ومعنى البيت هو أنّ الرجل أسرع إلى ابن عمّه لقضاء حاجته، وهو بدل أن يقضي حاجته لَطَمَ وجهه، ولم يسرع إلى صاحب العطاء.
2 . هو أبو عبدالله الحسين بن علي بن سعيد بن حامد بن عثمان بن علي بن جار الخيل، وقيل: جار الخير البزّاز، المعروف بابن دبابا من أهل سنجار، قرأ الأدب وقال الشعر وسكن بغداد ومدح الناصر وغيره، توفّي بدمشق سنة 616 هـ عن ست وسبعين سنة. الوافي بالوفيات: 12 / 383 .
3 . العرار: وردة ناعمة صفراء طيبة الرائحة.
4 . البيت من قصيدة يمدح فيها محمد بن يوسف الطائي. البيض: الجواري. والكواعب جمع كاعب، وهي المرأة الّتي يبدو ثديها للنهود. والأبيض: السيف. وقضب: قطع. والغرام: الولوع. شرح ديوان أبي تمّام: 543 برقم 145.

صفحه 297
4. ما يكون اللفظ الآخر في صدر المصراع الثاني، كقول ذي الرمّة1:
وَإن لَمْ يكنْ إلاّ مُعَرَّجَ ساعة *** قليلاً فإنّي نافعٌ لي قليلُها2
هذا كلّه في المتماثلين، ونظيرهما المتجانسين، فهو أيضاً على أربعة أقسام.
المتجانسان بأقسامه الأربعة:
1. ما يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأوّل، كقول القاضي الأرّجاني3:
دَعاني مِنْ مَلامِكُما سِفاهاً *** فداعي الشَّوقِ قَبلَكُما دَعانِي
فاللفظة الأُولى (دعاني) أمر بصيغة التثنية بمعنى: اتركاني، واللفظة الثانية صيغة ماض بمعنى الدعوة.4
2. ما يكون المتجانس الآخر في حشو المصراع الأوّل، كقول

1 . هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي المعروف بذي الرمّة، من مضر، من فحول الطبقة الثانية في عصره. وكان شديد القصر، دميماً، يضرب لونه إلى السواد، أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال، له ديوان شعر مطبوع. ولد سنة 77 هـ ، وتوفّي بإصبهان، وقيل: بالبادية سنة 117 هـ . الأعلام: 5 / 124 .
2 . في الديوان: تعلّل بدل معرّج. ديوان ذي الرمّة: 1 / 423، برقم 28 .
3 . هو أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرّجاني، شاعر في شعره رقة. ولي القضاء بتستر وكان في صباه بالمدرسة النظامية بأصبهان. ولد سنة 460 هـ ، وتوفّي بتستر سنة 544 هـ . له ديوان شعر مطبوع. الأعلام: 1 / 215 .
4 . راجع: الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 361 .

صفحه 298
الثعالبي1:
وإذ البَلابِلُ أفصَحَت بِلُغاتِها *** فَانفِ البَلابِلَ باحتساء بَلابِلِ2
والشاهد في البلابل الأوّل والثالث، فالأوّل وقع في حشو المصراع الأوّل، لتقدم (وإذ) عليه.
3. ما يكون المتجانس الآخر في آخر المصراع الأوّل، كقول الحريري3:
فَمَشعوفٌ بآياتِ المَثاني *** وَمَفتونٌ بِرَنّات المَثاني 4
والشاهد في لفظ «المثاني» فالأوّل بمعنى القرآن إمّا فاتحة الكتاب، أو

1 . هو عبدالملك بن محمد بن إسماعيل، أبو منصور الثعالبي، من أئمة اللغة والأدب، من أهل نيسابور. كان فرّاءً يخيط جلود الثعالب فنسب إلى صناعته. ولد سنة 350 هـ ، وتوفّي سنة 429 هـ . من كتبه: يتيمة الدهر في تراجم شعراء عصره مطبوع، فقه اللغة مطبوع، سحر البلاغة مطبوع، وغيرها كثير. الأعلام: 4 / 164.
2 . البلابل جمع بلبل وهو طائر معروف، والبلابل الثاني جمع بلبال أي الغمّ والحزن، والبلابل الثالث جمع بلبلة وهو كحوز الخمر.
3 . هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، أبو محمد الحريري البصري، الأديب الكبير، صاحب المقامات الحريرية ـ مطبوع، ومن كتبه: درّة الغواص في أوهام الخواص ـ مطبوع، ملحة الإعراب ـ مطبوع، وله ديوان شعر وديوان رسائل. وكان دميم الصورة، غزير العلم. مولده بالمشان (بليدة في البصرة) سنة 446 هـ . ونسبته إلى عمل الحرير أو بيعه. تُرجمت نماذج من مقاماته إلى اللاتينية والكثير من اللغات الأُوربية كالألمانية والانجيليزية. توفّي في البصرة سنة 516 هـ ، وقيل: سنة 515 هـ كما في الكامل: 10 / 596. راجع: الأعلام: 5 / 177 ; سير أعلام النبلاء: 19 / 465 .
4 . مقامات الحريري: 1 / 115، المقامة الحرامية. قيل: المثاني الأوّل هو آيات الفاتحة، وسمّيت مثاني لأنّها تثنى في الصلاة. والمثاني الثاني هو ما يثنّى من الأوتار. راجع: الطراز لأسرار البلاغة: 2 / 207.

صفحه 299
ما كان أقل من المائتي آية، واللفظ الثاني بمعنى نغمات المزامير.
4. ما يكون المتجانس الآخر في صدر المصراع الثاني، كقول القاضي الأرّجاني:
أمَّلتُهُم ثُمَّ تأمّلتُهم *** فلاَحَ لي أنْ لَيسَ فيهم فَلاحْ
فقوله: «فلاح» في صدر المصراع الثاني فعل ماض دخلت عليه الفاء، بخلاف قوله «فلاح» في عجز البيت فهو اسم بمعنى النجاح.
إلى هنا تمّ الكلام في المتماثلين والمتجانسين كلّ بأقسامه الأربعة.
الملحق بالمتجانسين وأقسامه
1. إذا كان اللفظان ملحقين بالمتجانسين، فإمّا أن يكون أحدهما
في آخر البيت والملحق الآخر في صدر المصراع الأوّل، كقول السريّ الرفّاء1:
ضرائِبَ أبدَعتَها في السماحِ *** فَلَسنا نَرى لكَ فيها ضَريبا2
وضرائب في صدر البيت بمعنى الطبائع والسجايا، وضريب في آخره بمعنى المثل والنظير، وكلاهما مشتقان من مصدر واحد.

1 . السريّ بن أحمد بن السريّ الرفّاء الكندي الموصلي، مهر في الأدب وقصد سيف الدولة بحلب فمدحه وأقام عنده مدّة، ثم رحل إلى بغداد بعد وفاته ومدح جماعة من الوزراء والأعيان ثم أُبعد فضاقت دنياه واضطر للعمل في النسخ والتجليد، فجلس يورق شعره ويبيعه، وركبه الدين والاستفلاس. مات ببغداد سنة 366 هـ . الأعلام: 3 / 81 .
2 . البيت من قصيدة يمدح بها أبا الفوارس سلامة بن فهد. راجع يتيمة الدهر: 1 / 99 ; نهاية الأرب في فنون الأدب: 2 / 300 .

صفحه 300
2. أو أن يكون الملحق الآخر في حشو المصراع الأوّل، كقول امرئ القيس:
إذا المرءُ لم يَخزُن عليهِ لِسَانَهُ *** فَلَيسَ على شَيء سِواهُ بِخزّانِ1
3. أو أن يكون الملحق الآخر في آخر المصراع الأوّل، كقول ابن أبي عُيينة:
فَدَع الوعيدَ فما وعيدكَ ضائِري *** أطَنينُ أجنحةِ الذُّبابِ يضيرُ
وضائر ويضير يجمعهما الاشتقاق.2
4. أو أن يكون الملحق الآخر في صدر المصراع الثاني، كقول أبي تمّام:
وَ قَدْ كانَتِ البيضُ القَواضِبُ في الوغى *** بواتِرَ فهي الآنَ مِنْ بعدِه بُترُ
إنّ «بواتر» و «بتر» مشتقان من «البتر» بمعنى القطع، لكن الأوّل جمع باتر، والثاني جمع أبتر، ويجمعهما الاشتقاق.

1 . ديوان امرئ القيس: 173.
2 . راجع: دلائل الإعجاز: 1 / 106 ; الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 362 .

صفحه 301
 
3

السجع

قد اشتهر بينهم أنّ السجع في النثر كالقافية في الشعر، والمراد به توافق الفاصلتين (الفقرتين) من النثر على حرف واحد في الآخر، وهو على أقسام ثلاثة:
1. المطرّف، وهو ما إذا اختلفت الفاصلتان في الوزن دون التقفية، نحو قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)1.
فالوقار والأطوار مختلفان وزناً لا تقفيةً.
2. المرصّع، وهو ما كان في الأُولى مقابلاً لما في الثانية وزناً وتقفية، كقوله تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).2
فقوله: (إِيَابَهُمْ) على وزن (حِسَابَهُمْ)، والفاصل في كليهما واحد.
ومثله قوله سبحانه: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم).3
ونظيره قول الحريري: فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه.4

1 . نوح: 13ـ14.
2 . الغاشية: 25ـ26.
3 . الانفطار: 13ـ14.
4 . راجع: الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 362 .

صفحه 302
وسمّي بالمرصّع، اقتباساً من رصعت القدر إذا جعلت في أحد جانبيه ما في جانبه الآخر.
3. المتوازي، وهو أن تتّفق الفاصلتان في الوزن والتقفية ،1 كقوله تعالى: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ )2.3
***
ثم إنّ كلمات الأسجاع مبنيّة على سكون الأعجاز موقوفاً عليها ;
لأنّ الغرض من السجع أن يزاوج بين الفواصل، ولايتمّ ذلك في كلّ
صورة إلاّ بالوقف والبناء على السكون، وما يختلف حركات الأعجاز، ولولا الوقف يسقط التزواج. مثلاً قولهم: «ما أبعد ما فات، وأقرب ما هو آت»، فإنّ التاء في (فات) مفتوحةٌ وفي (آت) مكسورة منوّنة، فلو حرّكت ارتفع التواطؤ.
نظير ذلك قول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):
«دَليلُها مَكيثُ الكَلامِ، بَطيء القِيَامِ، سَريِعٌ إذا قَامَ»4.
فإنّ الميمين الأُوليين مكسورتان والثالثة مفتوحة ومع التحريك ارتفع التسجيع.

1 . على عكس المطرّف.
2 . الغاشية: 13ـ14.
3 . راجع أُصول البلاغة: 97 ـ 99 .
4 . نهج البلاغة: الخطبة 110.

صفحه 303
هل في القرآن سجعٌ؟
الجواب: نعم، ولكن لايطلق السجع على فواصل الآيات، فواقع السجع موجود فيه بكثرة، وإن لم يطلق عليه لفظ السجع بل يقال: فواصل الآيات ; وذلك لأنّ السجع يضفي على الكلام جمالاً وروعةً وعلى الأسماع حلاوة، والقرآن نزل على أساليب الفصيح من كلام العرب ففواصل الآيات فيه بإزاء الأسجاع في كلامهم. نعم وربّما تُعرض المعاني على خلاف الأسجاع ; لأنّ الحُسن ربّما يقتضي الانتقال منه إلى الأحسن، إذ ربّما لايحسن الكلام إذا كان على نمط واحد.

صفحه 304
 
4

الموازنة

وهي تساوي الفاصلتين، أعني: الكلمتين الأخيرتين من الفقرتين في الوزن دون التقفية، مثل قوله سبحانه: (وَ نَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابي مَبْثُوثَةٌ)1فلفظا «مصفوفة» و «مبثوثة» متساويان في الوزن دون التقفية; لأنّ الأوّل على الفاء والثاني على الثاء، ولا عبرة بتاء التأنيث.
ونظيره قول الشاعر:
هو الشمسُ قدراً والملوكُ كواكِبٌ *** هو البحرُ جوداً والكرامُ جداولُ
ثمّ لو كان في إحدى الفقريتين من الألفاظ أو أكثر مثل ما يقابله من الألفاظ في الفقرة الأُخرى في الوزن سمّي (المماثلة)، نحو قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)2، فالآيتان مختلفتان في الرويّ، متّفقتان في الوزن.

1 . الغاشية: 15ـ 16.
2 . الصافات: 117ـ118.

صفحه 305
 
5

القلب

وهو أن يكون الكلام بحيث إذا قلبته وبدأت من حرفه الأخير إلى الحرف الأوّل، كان الحاصل بعينه هو هذا الكلام، ويقع في النظم والنثر معاً. أمّا الأوّل، كقول الأرّجاني:
مَوَدَّتُهُ تَدُومُ لِكُلِّ هَول1 *** وَهَلْ كُلٌّ2 مَوَدّتُهُ تدومُ
فإنّك إذا قرأت المصراع الثاني من حرفه الأخير إلى أوّل حروفه يخرج المصراع الأوّل.
ومثله قول الآخر:
أرانـا الإلـه *** هِـلالاً أنـارا
وأمّا النثر، فكما في قوله تعالى: (كُلٌّ فِي فَلَك)3.4

1 . الخوف .
2 . مضاف إلى شيء، كالإنسان.
3 . يس: 40
4 . راجع: مختصر المعاني: 297 ; الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 366 .

صفحه 306
 
6

التشريع

ويُسمّى التوشيح وذو القافيتين، وهو عبارة عن بناء البيت على قافيتين يصحّ المعنى عند الوقوف على كلّ منهما ، ويقال: إنّه من مخترعات الحريري، ولم يُعلم وجه تسميته بالتشريع، ومعناه أن يبني الشاعر بيته على وزنين من أوزان العروض، فإذا أُسقط منه جزء أو جزءان صار الباقي بيتاً من وزن آخر، نظير قول الحريري:
يا خاطب الدّنيا الدنية إنّها *** شَرَكُ الردى وقرارةُ الأكدارِ
دارٌ متى ما أضحكتْ في يومِها *** أبكتْ غداً بُعداً لها من دارِ 1
ولك أن تقرأ البيتين وقوفاً على لفظي الردى في البيت الأوّل، وغدا في البيت الثاني، أيضاً.

1 . مقامات الحريري: 1 / 50، المقامة الشعرية.

صفحه 307
 
7

لزوم ما لايلزم

وهو أن يلتزم الكاتب حرفاً قبل الرويّ، أمّا في النثر كقوله تعالى: (فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ)1، فقد اتّفقا في حرف النون بعد اتّفاقهما في حرف السين، وكان الاتّفاق في الثاني كافياً، ونحو قوله سبحانه: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ)2، فإنّ الرويّ هنا حرف الراء وقد اتّفقا على حرف الهاء قبلها، وهو ليس بلازم في السجع (النثر) لتحقّقه بدون ذلك.
ومنه قوله سبحانه: (فِي سِدْر مَخْضُود * وَطَلْح مَنْضُود )3، كما هو واضح .
ومثله قول الإمام علي(عليه السلام): «فَإنَّهُ أَرْجَحُ ما وُزِنَ، وَأَفْضَلُ مَا خُزِنَ».4
وقد يقع الالتزام في أكثر من حرف واحد، كقول أبي العلاء:
كُل وَاشْربِ النَّاسَ على خبرة *** فَهُمْ يمرّونَ ولايَعذبونْ

1 . التكوير: 15ـ 16.
2 . الضحى: 9ـ10.
3 . الواقعة: 28ـ29.
4 . نهج البلاغة: الخطبة 2.

صفحه 308
ولاتصدّقهم إذا حدَّثُوا *** فَإنَّني أعهدهم يكذبون
وإن أروك الودَّ عن حاجة *** ففي حبال لَهُمُ يجذبونْ 1
بقي هنا أمران:
1. ما هو الميزان في كون الشيء محسّناً معنوياً، أو محسّناً لفظياً؟
2. يجب أن تكون المحسّنات اللفظيّة تابعة للمعنى.
أمّا الأوّل: فإنّ المحسّنات المعنويّة عبارة عمّا إذا غُيّر اللفظ إلى لفظ آخر وحفظ المعنى، يبقى المحسّن بحاله، فإنّ الطباق ـ وهو الجمع بين المتضادين في الكلام مع مراعاة التقابل ـ من المحسّنات المعنوية، فلو غُيّراللّفظ إلى لفظ آخر مع حفظ التضادّ، يبقى المحسّن بحاله; بخلاف المحسّنات اللفظية فإنّها قائمة باللفظ، فإذا غيّر اللفظ، زال المحسّن وإن حفظ المعنى.
فالجناس قائمٌ بوحدة اللفظين مع الاختلاف في المعنى، فلو غُيّر أحد اللفظين إلى معادل له لزال الجناس.
وأمّا الثاني: فقد نبّه عليه صاحب المختصر وقال: في المحسنّات اللفظية يجب أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني دون العكس، وذلك كما لو أتى بألفاظ متكلّفة مصنوعة المعنى كما يفعله من له شغف بإيراد

1 . ديوان أبي العلاء المعرّي: 1 / 1446، قافية النون.

صفحه 309
المحسنّات اللفظية، فيجعلون الكلام كأنّه غير مسوق لإفادة المعنى، ولا يبالون بخفاء الدلالات وركاكة المعنى، فيصير كغمد من ذهب على سيف من خشب.1

1 . مختصر المعاني: 299 .

صفحه 310

صفحه 311
خاتمة
في السرقات الشعرية وما يلحق بها
وفيها أمران:
الأوّل: السرقات الشعرية، وفيها نوعان:
1. السرقة الظاهرية، وفيها أقسام:
   أ. السرقة المحضة
   ب. المسخ
   ج. الإلمام
2. السرقة غير الظاهرية، وفيها أقسام:
   أ. أن يتشابه المعنيان
   ب. التوليد
   ج. أن يكون المعنى الثاني أشمل من الأوّل
   د. أن يكون المعنى الثاني نقيض الأوّل
   هـ . أن يأخذ بعض المعنى ويزيده حسناً
الملحق بالسرقات الشعرية، وفيه أُمور:
1. الاقتباس .2. التضمين. 3. العقد. 4. الحل. 5. التلميح.
الأمر الثاني: في حسن الابتداء والتخلّص والانتهاء

صفحه 312

صفحه 313

خاتمة

عقد المصنّفون في علم البلاغة في المقام خاتمة تختصّ بعلم البديع دون المعاني والبيان، وتعرّضوا فيها لأمرين:
الأوّل: السرقات الشعرية، ويراد بها أن يأخذ الشاعر كلام شاعر آخر تقدّم عليه، وهي على أنحاء كما سيوافيك.
الثاني: ما يجب على الشاعر أو الكاتب أن يتأنق في مواضع هي محل اشتياق النفوس، ويبالغ في تحسينها، وهذه المواضع عبارة عن:
1. حسن الابتداء.
2. التخلّص: الذي هو الانتقال ممّا افتتح به الكلام إلى المقصود.
3. الانتهاء: أي آخر ما يعيه السامع ويرسم في ذهنه.
وسيوافيك الكلام في الجميع.
***

صفحه 314

الأمر الأوّل:

السرقات الشعرية 1

وقبل الورود في صلب الموضوع يجب أن تحدّد السرقة، فنقول:
أوّلاً: إذا كان الاتّفاق في الغرض على العموم كالوصف بالشجاعة والسخاء وحسن الوجه، فهذا لايُعدّ سرقة ولا استعانة ولا أخذاً، وذلك لشيوع هذا الغرض بين الناس.
ثانياً: إن كان الاتّفاق على وجه الدلالة في الغرض كالمجاز والتشبيه والكناية وذكرت هيئات تدل على الصفة، كوصف الجواد بالتهلّل عند ورود قاصديه، والبخيل بالعبوس، فهذا أيضاً لايُعدّ سرقة ولا أخذاً، لاشتراك جميع الناس في هذا.
ثالثاً: إذا لم يشترك الناس في معرفته ولم يصل إليه كلّ أحد لكونه ممّا لايُنال إلاّ بفكر، جاز أن نقول: إنّ فيه سرقة.

في أنواع السرقة الشعرية

ثمّ إنّ الأخذ والسرقة نوعان:
1. ظاهر.
السرقات الشعرية الظاهرية وأقسامها   
2. غير ظاهر. فلنقدّم الكلام في الظاهر، ثمّ ندرس غير الظاهر.

1 . صدرنا في بحثنا هذا عمّا جاء في كتاب «عقود الجمان» للسيوطي: 168 ـ 173، فلاحظ .

صفحه 315

1. السرقة الظاهرية

إنّ الظاهر على أقسام:
أ. السرقة المحضة
وهي أن يأخذ المعنى كلّه واللفظ كلّه من غير تغيير وينسبه إلى نفسه وهذا ما يسمّى سرقة محضة، وهو مذموم جدّاً، كما حكي أنّ عبد اللّه بن الزبير، دخل على معاوية، فأنشده قول معن بن أوس1:
إذا أنتَ لَمْ تُنِصفْ أخاك وَجَدْتَهُ *** على طرَفِ الهِجرانِ إن كانَ يعقلُ
وَيَركبُ حدَّ السيفِ مِنْ أنْ تُضيمَهُ *** إذا لم يكُن عَنْ شفرةِ السيفِ مَرْحَلُ
فقال له معاوية: لقد أشعرت بعدي يا أبابكر، ولم يفارق عبداللّه المجلس حتى دخل معن بن أوس المزنيّ فأنشد قصيدته التي أوّلها:
لعَمرك ما أدري وإنّي لاَوجَلُ *** على أيّنا تغدو المنيّةُ أوّلُ
حتى أتمها وفيها هذان البيتان، فأقبل معاوية على عبداللّه بن الزبير وقال له: ألم تخبرني أنّهما لك؟ فقال: اللفظ والمعنى له، وبعد فهو أخي من الرضاعة وأنا أحقّ بشعره.
ب. المسخ
وهو أن يأخذ المعنى واللفظ كلّه مع تغيير لنظمه، أو أخذ بعض اللفظ

1 . هو معن بن أوس بن نصر بن زياد المزنيّ، شاعر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، رحل إلى الشام والبصرة وكفّ بصره في أواخر عمره، وكان يتردّد إلى عبدالله بن عباس وعبدالله بن جعفر بن أبي طالب فيبالغان في إكرامه، له ديوان شعر مطبوع. توفّي بالمدينة سنة 64 هـ. الأعلام:7/273.

صفحه 316
فإن كان أبلغ من الأوّل فممدوح، وإن كان دونه أو مساوياً له، فمذموم.
أمّا الأول، كقول بشار:
مَنْ رَاقبَ النّاسَ لم يَظفَر بحاجَتِهِ *** وفازَ بالطيِّباتِ الفاتِكُ اللّهِجُ
فقد أخذ من بشّار شاعر آخر يسمّى سلم الخاسر1، ولكنّه فاق على الأوّل وقال:
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ همّاً *** وَفازَ باللّذةِ الجسورُ
فبيت سلم أجود سبكاً وأخصر لفظاً.
وأمّا الثاني: أي إذا كان دون الأوّل فهو مذموم، كقول أبي تمّام:
هَيهَاتَ لايأتِي الزَّمانُ بِمِثلِهِ *** إنّ الزَّمانَ بِمِثلهِ لَبَخيلُ
وقد أخذ منه أبو الطيّب وقال:
أعدَى الزمانَ سخاؤه فسَخا بِهِ *** وَلَقَد يكونُ بهِ الزمانُ بَخيلا
فالمصراع الثاني لأبي تمّام أجود سبكاً ; لأنّه عبّر بلفظ الماضي بخلاف التالي فقد عبّر بالمضارع، والأوّل ينفي وجود أيّ مثل له بخلاف الثاني فهو ينفي عدمه في المستقبل ولاينافي وجود مثل له في الحال.
وأمّا الثالث: وهو أن يكون الثاني مثل الأوّل فهو ـ أيضاً ـ مذموم ولكن

1 . هو سلم بن عمرو بن حمّاد، شاعر خليع ماجن من أهل البصرة، سكن بغداد، ومدح المهدي والرشيد العباسيين، وله أخبار مع بشّار بن برد وأبي العتاهية. سُمّي الخاسر لأنّه باع مصحفاً واشترى بثمنه طنبوراً. توفّي سنة 186 هـ . الأعلام: 3 / 111 .

صفحه 317
لا مثل الثاني، فإنّ الفضل للأوّل، وهذا كقول أبي تمّام:
لَو حارَ مرتادُ المنيّةِ لَمْ يَجدْ *** إلاّ الفراقَ عَلى النُّفوسِ دليلا
فقد أخذ منه أبو الطيّب وقال:
لَولا مُفَارقَةُ الأحبابِ ما وَجَدَتْ *** لها المَنايا إلى أرواحِنا سُبُلا
ج . الإلمام:
إذا أُخذ المعنى وحده سُمّي إلماماً وسلخاً، وكأنّه سَلَخَ اللفظ عن اللفظ وألبسه لباساً آخر، أشبه بكشط الجلد عن الشاة، وهو أيضاً على ثلاثة أقسام ـ مثل ما إذا أخذ اللفظ والمعنى ـ :
1. أن يكون الثاني أبلغ من الأوّل، كقول أبي تمّام:
هُو الصُّنْعُ إن يَعْجَل فَخَيْرٌ وإنْ تَرِثْ *** فَلَلرَيْث في بَعْضِ المَواضِعِ أنْفَعُ
فقد أخذ أبو الطيّب المعنى منه مع إضافة وقال:
وَمِنَ الخَيْرِ بُطءُ سَيْبِكَ عَنّي *** أسرَعُ السُّحْبِ في المَسِيرِ الجَهَامُ
فالشاعران يريدان ترغيب الممدوح للجود والعطاء، لكنّ الأوّل يفسّر بطء العطاء بأنّه ربّما يكون فيه النفع، ولكنّ الثاني يفسر البطء بضرب المثل بالسحاب قائلاً بأنّ السحاب المسرع يكون جهاماً، أمّا ما فيه الماء يكون ثقيلاً، فلا شكّ أنّ التالي أبلغ من الأوّل بزيادة مثل.
2. أن يكون الثاني أدون من الأوّل، كقول البُحتريّ:

صفحه 318
وإذا تألّقَ في النَّديِّ كَلامُه الـ *** مَصقولُ خِلْتَ لسانَه من عَضبِهِ1
فقد أخذ المتنبّي المعنى من البُحتريّ وأَلبس عليه ثوباً آخر وقال:
كَأنَّ ألسنَهُم في النُّطقِ قَد جُعِلتْ *** على رؤوسهم في الطَّعنِ خِرصانا2
فلا شكّ أنّ شعر البُحتريّ أفضل من شعر المتنبّي، بوجود لفظي «تألّق» و «المصقول» حيث أثبت التألّق والصقالة للكلام كإثبات الأظفار للمنيّة، ففيه الاستعارة التخييلية.
3. أن يكون الثاني مثل الأوّل، كقول أبي زياد الكلابي 3:
وَ لَمْ يَكُ أكثرُ الفتيانِ مالاً *** وَلكِنْ كانَ أرْحَبَهُمْ ذِراعا4
وقول أشجع 5 يمدح جعفر بن يحيى:
السرقات الشعرية غير الظاهرية وأقسامها   
وَ لَيسَ بِأوسَعِهم في الغِنى *** ولكنَّ مَعروفَه أوسَعُ

1 . تألّق: أي لمع، الندي: مجلس الكبار، المصقول: الخالص من الكدر، خلت: أي ظننت، عضبه: السيف القاطع.
2 . الخرصان: أسنّة الرماح ورؤوسها.
3 . هو يزيد بن عبدالله بن الحر بن همّام الكلابي، من بني ربيعة، عالم بالأدب، له شعر جيد. كان من سكان بادية العراق، وحلّ بأرضه قحط، فدخل بغداد في أيام المهدي العباسي، ونزل قطعة العباس بن محمد فأقام بها نحو أربعين سنة، ومات فيها نحو سنة 200 هـ . الأعلام: 8 / 184 .
4 . رحب الباع والذراع كناية عن السخاء.
5 . هو أشجع بن عمرو السلمي، أبو الوليد، من بني سليم، من قيس عيلان، شاعر معاصر لبشّار. ولد باليمامة ونشأ في البصرة، وانتقل إلى الرقة وسكن بغداد. مدح البرامكة وانقطع إلى جعفر بن يحيى فقرّ به من الرشيد فأثرى وحسنت حاله، وعاش إلى ما بعد وفاة الرشيد. توفّي نحو سنة 195 هـ . الأعلام: 1 / 331 .

صفحه 319

2. السرقة غير الظاهرية

هذا كلّه فيما إذا كان الأخذ ظاهراً وأمّا إذا كان الأخذ غير ظاهر، فله أقسام:
أ. أن يتشابه المعنيان; معنى الأوّل والثاني كقول جرير:
ولا تَمنعْكَ مِنْ أَرَب لِحَاهُمْ *** سَواءٌ ذُو العِمَامَةِ والخِمارِ 1
وقول المتنبّي في سيف الدولة يذكر خضوع بني كلاب وقبائل العرب له:
وَ مَنْ في كَفِّهِ مِنْهُم قَنَاةٌ *** كَمَنْ في كفِّهِ مِنْهُم خِضابُ
فالمعنيان متشابهان.
ب. أن ينتقل المعنى إلى محلّ آخر ويسمّى التوليد، كقول البُحتريّ:
سُلِبُوا وَأشْرَقتِ الدِّماءُ عليهمُ *** مُحْمَرَّةً فَكَأنَّهُم لَمْ يُسْلَبُوا
أي أنّ القوم سلبوا ثيابهم ولكنّهم لمّا كانوا مضرّجين بالدماء صارت الدماء المشرقة بمنزلة ثياب لهم.
وقول المتنبّي:
يَبِسَ النَّجِيعُ 2 عَليهِ وَهُو مُجَرّدٌ *** مِنْ غِمْدِهِ وكأنّما هُوَ مُغمَدُ

1 . الأَرب : الحاجة، ولحاهم جمع لحية، أي لايمنعك من حاجة تريدها منهم لحاهم وإنّهم في صنف الرجال، لأنّ صاحب العمامة والخمار سواء في الضعف وعدم المنفعة.
2 . النجيع: الدم، والضمير في (عليه) يرجع إلى السيف.

صفحه 320
يريد أنّ الدم اليابس على السيف صار بمنزلة غمد له، فقد نقل المعنى من القتلى والجرحى إلى السيف، فالبُحتريّ جعل الدماء ثوباً للقتلى، والمتنبّي جعلها غمداً للسيف.
ج . أن يكون المعنى الثاني أشمل من الأوّل كقول جرير:
إذا غَضِبتْ عَلَيكَ بَنُو تَميم *** حَسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضابا
وجه ذلك أنّ قبيلة بني تميم لكثرتهم يقومون مقام الناس كلّهم.
وقول أبي نؤاس:
ليسَ على اللّهِ بِمُستَنْكر *** أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحدِ
فلا شكّ أنّ العالَم في قول أبي نؤاس أوسع من الناس.
د. أن يكون المعنى الثاني نقيض المعنى الأوّل، وهذا ما يسمّى بالقلب كقول أبي الشيص 1:
أجِدُ الملامة في هَواكِ لذيذةً *** حُبّاً لِذكرِكِ فَليَلُمْني اللُّوَّمُ
وقول المتنبّي:
أَأُحِبُّهُ وَأُحِبُّ فيهِ مَلاَمَةً *** إنّ الملامَةَ فيهِ مِنْ أعدائِهِ
فإنّ الثاني نقيض الأوّل، فإنّه نفى حبّ الملامة بالاستفهام الإنكاري;

1 . هو محمد بن علي بن عبدالله بن رزين بن سليمان بن تميم الخزاعي. وأبو الشيص لقب وكنيته أبو جعفر، وهو ابن عم دعبل الخزاعي، شاعر مطبوع، سريع الخاطر، رقيق الألفاظ، من أهل الكوفة. غلبه على الشهرة معاصراه: صريع الغواني وأبو نؤاس. عُمي في آخر عمره. قتله خادم لعقبة بن جعفر الخزاعي في الرقة سنة 196 هـ . الأعلام: 6 / 271 .

صفحه 321
ذلك لأنّ الملامة من الأعداء، ولكنّ الأوّل صرّح بحبها لأنّ فيها ذكراً للمحبوب.
هـ . أن يأخذ بعض المعنى ويزيده حُسناً بإضافة ما يُحسّنه إليه ، كقول الأفوه الأودي 1:
وَترىَ الطّيرَ على آثارِنا *** رأيَ عَين ثِقَةً أن سَتُمارِ 2
وقول أبي تمّام:
وقد ظُلّلتْ عِقبانُ أعلامِهِ ضُحىً *** بعقبانِ طير في الدّماءِ نواهِلِ
أقَامَت مَع الرَّاياتِ حتّى كأنّها *** مِنَ الجَيشِ إلاّ أنّها لَمْ تُقاتِلِ3
وكلّما كان التصرّف أكثر، كان أقرب إلى القبول.
هذا كلّه حول السرقات، وإليك الكلام فيما يتصل بها.

1 . هو صلاءة بن عمرو بن مالك، من بني أود، من مذحج، شاعر يماني جاهلي يكنّى أبا ربيعة. قالوا: لقّب بالأفوه لأنّه كان غليظ الشفتين، ظاهر الأسنان. كان سيد قومه وقائدهم في حروبهم. وهو أحد الحكماء والشعراء في عصره. توفّي نحو سنة 50 قبل الهجرة. الأعلام: 3 / 207 .
2 . ستمار مركب من «س» و «تمار». تمار مِن «الميرة» أي الطعام، أي سيأكلون من لحوم من يُقتل.
3 . يريد الشاعر أنّ هناك عِقباناً وهي الطيور التّي تطير فوق أعلام المقاتلين وهناك عقبان مصوّرة على الرايات. والمعنى أنّ العقبان المنقوشة على الرايات مظلّلة بالعقبان الطائرة الآكلة للحوم القتلى، لأنّه إذا خرج للغزو تساير العقبان فوق راياته فتلقي ظلالها على رؤوس المقاتلين.
والفضل للثاني لأنّه أضاف أُموراً محسّنة كقوله: « إلاّ أنّها لم تقاتل»، وقوله: «في الدماء نواهل»، وقوله: «أقامت مع الرايات حتّى كأنّها من الجيش». راجع: ديوان أبي تمّام: 219 .

صفحه 322
   
 
الملحق بالسرقات الشعرية
إنّ هناك أُموراً لاتعدّ سرقة، ولكن بما أنّ المتكلم الثاني أخذ شيئاً من كلام متكلّم آخر صار ذلك سبباً لإلحاقها بالسرقات، وهي عبارة عن الأُمور الآتية:
1. الاقتباس
2. التضمين
3. العقد
4. الحلّ
5. التلميح

1. الاقتباس

الاقتباس عبارة عن تضمين نثر أو شعر، ما ورد في القرآن أو السنّة لا على وجه يُشعر بأنّه من القرآن أو السنّة. فلو قال مثلاً قال الله تعالى أو قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يُعدّ اقتباساً، ونعم ما قيل:
الاقتباسُ أنْ يُضمَنَ الكَلِمْ1 *** قراناً أو حديثَ سَيّدِ الأُمَمْ
ومنه قول أبي القاسم بن الحسن الكاتبي:
إنْ كُنْتِ أزمَعْتِ على هجرِنا *** مِنْ غَيرِما جُرْم فَصَبْرٌ جَمِيلْ

1 . الكِلَم: جمع كِلْمة. والكَلِم والكَلِمات جمع كَلِمة. وهما بمعنى واحد.

صفحه 323
وَ انْ تَبَدّلْتِ بِنا غَيْرَنا *** فَحَسبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلْ1
ونظيره قول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاَةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا»2.

2. التضمين

التضمين عبارة عن تضمين الشعر شيئاً من شعر الغير بيتاً كان، أو فوقه أو مصراعاً أو ما دونه مع التنبيه على أنّه شعر الغير إن لم يكن مشهوراً عند البلغاء لئلاّ يتّهم بالأخذ والسرقة، كقول الحريري يحكي ما قاله الغلام الذي عرضه أبو زيد للبيع:
عَلى أنَّي سأنشُدُ يَوْمَ بَيْعي *** أضاعُوني وأيَّ فتىً أضاعُوا 3
والمصراع الثاني لشاعر آخر وتمامه: ليوم كريهة وسداد ثغر4.5

3. العقد

العقد عبارةٌ عن نظم نثر، قرآناً كان أو حديثاً أو مثلاً أو غير ذلك، لا على طريق الاقتباس بأن يقع تغيير كثير ويشير إلى أنّه من القرآن أو الحديث،كقول أبي العتاهية:

1 . عقود الجمان: 174 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 199 .
3 . مقامات الحريري: 1 / 266 .
4 . الكريهة من أسماء الحرب، وسداد الثغر هو سدّه بالخيل والرجال، والثغر موضع المخافة.
5 . عقود الجمّان: 178 .

صفحه 324
ما بالُ مَنّ أوّلُه نُطْفَةٌ *** وَجِيفَةٌ آخِرُهُ يَفْخَرُ
فقد عقد كلام علي(عليه السلام): «مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ»1.2

4. الحلّ

الحلّ ضدّ العقد فهو نثر النظم كقول بعض المغاربة:
فإنّه لمّا قبحت فعلاتُه، وحنظلت نخلاتُه، لم يزل سوءُ الظنّ يقتاده، ويصدق توهّمه الذي يعتاده.3
فهذا النثر حلّ لقول المتنبّي:
إذا ساءَ فِعْلُ المرءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ *** وَصَدَّقَ ما يعتادُهُ مِنْ توهّمِ 4

5. التلميح

التلميح عبارةٌ عَن أن يشار في فحوى الكلام إلى حديث مشهور أو مثل سائر أو قصّة مشهورة من غير أن يذكر شيء من ذلك صريحاً، كقول أبي تمّام:

1 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 445.
2 . عقود الجمّان: 179 .
3 . أي إذا قبحت أفعال الإنسان وصارت ثمرات اخلاقه كالحنظل في المرارة، لم يزل سوء الظن يقتاده إلى تخيلات فاسدة، ويصدق توهماته.
4 . عقود الجمّان: 179 .

صفحه 325
فردّت علينا الشمس والليل راغمٌ *** بشمس لهم من جانب الخدر تطلعُ
فَوَاللّهِ ما أدري أأحلامُ نائم *** ألَمَّتْ بِنا أم كانَ في الرّكبِ يوشَعُ
فقد أشار بقوله: أم كان في الركب يوشَع، إلى قصّة يوشع بن نون وطلبه وقوف الشمس. فإنّه قاتل الجبّارين يوم الجمعة فلمّا أدبرت الشمس خاف أن تغيب الشمس قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت. 1
ومنه قول الإمام علي(عليه السلام): «أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الاَْكْبَرِ! وَأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الاَْصْغَرَ»2.
ففيه إشارة إلى قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في حديث الثقلين: «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين».
إلى هنا تمّ الكلام في الأمر الأوّل أي السرقات الشعرية وما يتصل بها.
بقي الكلام في الأمر الثاني

1 . عقود الجمّان: 179 ـ 180 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 87.

صفحه 326

الأمر الثاني:

في حسن الابتداء والتخلّص والانتهاء

سبق الكلام في أنّه ينبغي للمتكلّم شاعراً كان أو كاتباً، أن يتأنّق في ثلاثة مواضع من كلامه، فيكون أبعد عن التنافر والثقل في الكلمات ليكون فصيحاً، وأحسن سبكاً وفي غاية البعد من التعقيد ليكون بليغاً، مضافاً إلى صحّة المعنى بأن لايناقض العقل والعرف. وفي الوقت نفسه أن يبتعد عن الابتذال، وإليك الكلام في المقامات الثلاثة:

الأوّل: حُسن الابتداء

يجب على الفصيح والبليغ أن يكون أوّل كلام يصدر منه ويقرع السمع فصيحاً بعيداً عن التنافر والتعقيد. وما هذا إلاّ لأنّه إذا كان كذلك أقبل السامع على الكلام ومال إلى استماع الجميع وإلاّ أعرض عنه حتى ولو كان الباقي في غاية الحسن، ولذلك حاز الدرجةَ الأوّلى البيتُ الأوّل من شعر امرئ القيس في قوله:
قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حبيب ومنزلِ *** بَسِقْط اللِّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ 1

1 . السقط: منقطع الرمل ومنتهى الأرض الرملة. اللوى: الرمل المعوج، والدخول وحومل اسمان لمكانين.

صفحه 327
ترى أنّه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت، عذب اللفظ، سهل السبك، وليس المصراع الثاني كالمصراع الأوّل.
ولذلك ينبغي للمتكلّم أن يجتنب في بدء كلامه ما يتطيّر به، كقول أبي مقاتل الضرير:
لاتَقُل بُشْرى وَلكِنْ بُشْرَيانِ *** غُرَّةُ الدَّاعِي وَيَوْمُ المِهْرَجَانِ
فإنّ لفظة «لا» تناسب العزاء، والتشاؤم للمستمع.
ولأجل إضفاء الحسن على الابتداء يجب أن يكون بدء كلامه مشعراً لما ساق إليه الكلام. وهذا ما يسمّى ببراعة الاستهلال، كقول أبي محمد الخازن:
بُشْرى فقد أنجز الإقبالُ ما وعدا *** وكَوكَبُ المَجدِ في أُفقِ العُلى صَعدا
ففيه استهلال أنّه بصدد التهنئة للممدوح، ونظيره في الرثاء قول أبي الفرج الساوي1 في رثاء فخر الدولة:
هِيَ الدُّنيا تقولُ بملء فِيهَا *** حَذارِ حَذارِ مِنْ بَطشِي وفَتكي

1 . أبو الفرج الساوي هو عبدالرحمن بن نصر، من أشهر كتّاب الصاحب بحسن الخط مع أخذه من البلاغة; وكان الصاحب يقول: خط أبي الفرج يبهر الطرف، ويفوت الوصف، ويجمع صحة الأقسام، ويزيد في نخوة الأقلام. وأمّا شعره فمن أمثل شعر الكتّاب. يتيمة الدهر للثعالبي: 3 / 458.

صفحه 328

الثاني: التخلّص

المقام الثاني الذي يجب أن يقع محلّ تأنّق المتكلّم أو الكاتب هو موضع الخروج إلى المقصود مع رعاية الملائمة بينهما، بأن تكون بين المبتدأ والمقصود صلة واضحة، وهذا هو التخلّص الحسن في بيت أبي تمّام في مدح عبداللّه بن طاهر1:
أَمَطْلِعَ الشَّمس تَبْغي أن تَؤمَّ بِنَا *** فَقُلْتُ كَلاّ وَلَكِنْ مَطْلِعَ الجُودِ
نعم لو انتقل ممّا افتتح به الكلام إلى ما لايناسبه سمّي الاقتضاب، وهو ظاهر في البيتين التاليين لأبي تمّام في ذمّ الشيب:
لَو رأى اللّهُ أنَّ في الشيبِ خَيْراً *** جاوَرَته الأبرارُ في الخُلدِ شِيبا
كُلَّ يَوم تُبْدِي صُرُوفُ اللّيالي *** خُلُقاً مِنْ أبي سعيد رغيبا
ترى أنّه لا صلة بين البيت الثاني والبيت الأوّل.

الثالث: الانتهاء

هذا ثالث المقامات الّتي يجب على البليغ أن يتأنّق فيها حيث يختم كلامه بأحسن خاتمة لأنّه آخر ما يسمعه السامع ويرتسم في نفسه، فإن كان حلواً يبقى الكلام في ذهنه وإن كان مُرّاً يورث إمحاء المحاسن السابقة، وأحسنه أن يؤذن بانتهاء الكلام كما في شعر المعرّي:

1 . عبدالله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي، أبو العباس، أمير خراسان، ومن أشهر الولاة في العصر العباسي، ولي إمرة الشام مدّة، ونقل إلى الدينور، ثم ولاّه المأمون خراسان فكانت له طبرستان وكرمان وخراسان والريّ والسواد وما يتصل بتلك الأطراف، واستمرّ إلى أن توفّي بنيسابور سنة 230 هـ . الأعلام: 4 / 94 .

صفحه 329
بَقيتَ بَقاءَ الدَّهر يا كهفَ أهلِهِ *** وهذا دُعاءٌ لِلبَريِّةِ شامِلُ
وعلى كلّ حال لايكون الكلام لذيذاً في ذهن السامع إلاّ أن يشتمل على حسن المطلع والمخلص والمقطع.1

فواتح السور وخواتيمها

إنّ من وجوه إعجاز الكتاب الكريم أنّ فواتح السور وخواتيمها على أحسن الوجوه وأكملها، فترى أنّه سبحانه يختم الآية في موضع بالغفور الرحيم، وأُخرى بالعزيز الحكيم، وثالثة بالسميع العليم، كلّ ذلك لوجود تناسب بين صدر الآية وذيلها. بل تجد الترابط بين مجموع آيات سورة واحدة، وهذا يدلّ على أنّ الكتاب العزيز صُنعُ ما فوق البشر.
وقد نزل الذكر الحكيم على خاتم الرسل (صلى الله عليه وآله وسلم)عبر ثلاث وعشرين سنة، وهو في غمار الحوادث المختلفة من قتال ودفاع وصلح وفي سفر وحضر، ولكن الآيات في عامّة الحالات في غاية الانسجام والترابط، وقد تقدّم منّا بعض ما يشهد على ذلك.2
***
نجز الكلام إلى هنا وتمّت الرسالة بيد مؤلّفها جعفر السبحاني في بلدة تبريز عام 1365هـ حامداً شاكراً مصلّياً ومسلّماً على النبيّ المختار وآله الأطهار.

1 . عقود الجمّان: 180 ـ 184 .
2 . عقود الجمّان: 184.

صفحه 330

صفحه 331
الفهارس الفنية
1. فهرس الآيات القرآنية
2. فهرس الأحاديث النبوية
3. فهرس الأحاديث العلوية
4. فهرس الأشعار
5. فهرس الأمثال
6. فهرس الأعلام
7. فهرس الأنبياء(عليهم السلام)
8 . فهرس المعصومين (عليهم السلام)
9. فهرس مصادر التأليف
10 . فهرس المحتويات

صفحه 332

صفحه 333
فهرس الآيات القرآنية
الفاتحة
الآية
رقم الآية
الصفحة
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
إهْدِنَا الصِّرَاطَ
4
5
6
80
80
209
البقرة
ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ
أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ
وَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ
وَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ
2
5
6
7
11
12
14
15
16
41،59، 96 و146
53، 71
134
65 ـ 66
117
117
149
149
46، 220

صفحه 334
أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ
وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ
فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ
أَقِيمُوا الصَّلاةَ
فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا
كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ
فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ
مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
19
22
23
43
60
65
81
83
87
98
104
138
171
192 و 206
44، 154
135
122
162
135
250
151
90، 152
167
31
249
176

صفحه 335
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ
وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطىَ
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ
يُحْيِي وَيُمِيتُ
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
173
179
189
194
209
211
214
223
238
245
255
258
275
286
114
160، 170
78
249
245
130
155
131
167
134
134
239
84 ، 197
239

صفحه 336
آل عمران
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا
فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى... وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى
أَنّى لَكِ هَذَا
أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ
وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ اللهُ
وَ أمَّا الَّذين ابْيَضَّت وُجُوهُهم فَفِي رَحمَةِ اللّه
وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
8
20
21
35
36
37
40
62
107
144
138
116
212
62
37،62
131
155
116
207
117
النساء
وَ آتُوا الْيَتَامَى أمْوَالَهُم
وَ اعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا
وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً
جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ
يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ
إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ
2
36
79
90
142
171
207
150ـ151
118
155
88 ، 150
114

صفحه 337
المائدة
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَ اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ
فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ
وَ مَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا...
لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ
3
38
44
54
84
99
101
116
63،164
245
239
169
154
272
138
248
الأنعام
لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ
وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ
أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ
لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
8
27
40
103
152
162
133
244

صفحه 338
أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ
كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ
قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ
122
141
149
211، 239
136
95، 144
الأعراف
يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا
وَ كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا
فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا
إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ
وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ
27
31
53
113
126
131
45
151
124
67
272
93
الأنفال
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ
8
163
التوبة
أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ
وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ
13
72
134
66

صفحه 339
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا
مَا عَلَى الُْمحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل
أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ
وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
81
91
104
122
241
281
71
122
يونس
حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ
وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ
وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ
أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ
22
25
37
80
80
104
217
136
هود
وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا
وَ قِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي ... اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ
أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا
يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
37
44
54
76
87
105
40
56، 99، 284
151
164
133
262

صفحه 340
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ
خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ...
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا...
106
107
108
262
262
262
يوسف
وَ أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ
وَ رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا
تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا
فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ
إنّي أرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً
أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَات سِمَان يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَت خُضْر وَأُخَرَ يَابِسَات...
وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ
صَبْرٌ جَمِيلٌ
13
23
29
30
32
36
45
46
53
82
83
63
59
137
164
164
207
163
163
148
161
55

صفحه 341
الرعد
إنّما أنتَ مُنْذِرٌ
7
116
الحجر
وَ قَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ
66
72
94
166
268
218
النحل
وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ
57
170
الإسراء
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلتي هِيَ أَقْوَمُ
وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً...
اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ
قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا
9
12
48
81
59
256
136
37، 168

صفحه 342
الكهف
وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ
وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً...
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَ كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا
وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
18
45
46
79
104
110
238
193
257
161
294
114
مريم
رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِني وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا
أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ
أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا
4
20
73
38
155
130
طه
هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِي فِيهَا مَآرِبُ أُخْرى
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْري
18
25
52
166

صفحه 343
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْك لاَ يَبْلَى
وَ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
67
78
88
120
131
106
60
217
147
138
الأنبياء
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا
وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيء حَيٍّ
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَئِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ
أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ
فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ
22
30
34
62
63
80
268
63
169
88
88
128
الحج
يَوْمَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَات...
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ
2
25
265ـ266
152

صفحه 344
النور
سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا
أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ
اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ... فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة... يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ
يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ
يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ
وَ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ
1
22
35
43
44
54
55
135
62، 68،73، 267
288
288
281
الشعراء
وَ الذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ
أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام وَبَنِينَ
79
80
84
132
133
293
293
206
146
146
النمل
مَا لِي لاَ أَرى الْهُدْهُدَ
20
132

صفحه 345
وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين
وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ
وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ
22
87
88
293
83
194
القصص
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا
رَبِّ إنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ
وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَْرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
8
24
73
83
219
37
241، 255
252
الروم
وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الُْمجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة
6
7
19
55
239
239
251
287

صفحه 346
العنكبوت
إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا
أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِير
وَ مَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
17
19
40
60
77
247
لقمان
إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ
18
25
75
87 ـ 88
الأحزاب
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ
37
295
سبأ
هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق
ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ
7
17
66
168
فاطر
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
وَ اللهُ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ
4
9
163
81

صفحه 347
إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا...
وَ لاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ
23
32
43
114
260ـ261
159
يس
رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ
مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيء...
وَ جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى
وَ مَا لِي لاَ أَعْبُدُ الذِي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
كُلٌّ فِي فَلَك
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ...
وَ مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ
قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ...
16
15
20
22
40
45
46
52
78
39
39
65
79
305
162
162
218
72
الصافات
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ
64
196

صفحه 348
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ
لا فيِها غَولٌ وَلا هُم عَنهَا يَنزِفوُنَ
وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ
وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
65
47
117
118
196
97ـ98
304
304
ص
يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
75
253 ـ 254
الزمر
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ
قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ
9
53
40
64
غافر
وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
28
60
106
60
فصّلت
وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
17
105

صفحه 349
لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ
28
40
264
135
الشورى
وَ جَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا
يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً
40
49
50
248
263
263
الزخرف
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ
5
9
32
94
87
133
الدخان
أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
13
14
17
49
134
134
66
135

صفحه 350
الفتح
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ... أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
29
57، 240
الذاريات
وَ السَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد
فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ
47
48
253
163
الطور
فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا
16
136
الرحمن
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان
وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ
هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ
حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ
5
6
26
27
60
72
246
246
280
280
68، 281
111
الواقعة
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
1
93

صفحه 351
لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيًما
إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا
فِي سِدْر مَخْضُود
وَطَلْح مَنْضُود
25
26
28
29
271
271
307
307
الحشر
هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ
23
283
الممتحنة
لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
10
251
الصف
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم
10
134
الجمعة
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التُّورَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَاراً
7
188
المنافقون
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا ...
8
278

صفحه 352
الحاقة
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
ثُمَّ فِي سِلْسِلَة ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ
11
31
32
219
106
106
نوح
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا
10
13
14
295
301
301
المزمل
كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً
فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
15
16
62، 68
62، 68
المدثر
وَ لاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
6
38
154
280
القيامة
يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
6
130

صفحه 353
وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ
إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذ الْمَسَاقُ
29
30
290
290
الإنسان
وَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ
وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً
8
26
169
19
النبأ
كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ
4
5
167
167
التكوير
فلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ
اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
15
16
26
307
307
132
الانفطار
إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم
وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم
13
14
150، 301
150، 301

صفحه 354
الغاشية
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ
وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ
وَ نَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ
وَزَرَابي مَبْثُوثَةٌ
إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ
13
14
15
16
25
26
302
302
304
304
301
301
الفجر
وَجَاءَ رَبُّكَ
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً
22
27
28
164
45
45
الليل
فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى
5
6
7
8
9
242
242
242
242
242

صفحه 355
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
10
242
الضحى
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ
3
9
10
104
105، 307
105، 307
الانشراح
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
5
6
67، 68
67، 68
العاديات
وإنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيَدُ
وَإنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد
7
8
292
292
القارعة
وَ مَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ
نَارٌ حَامِيَةٌ
10
11
55
55
التكاثر
كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ
3
283

صفحه 356
ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ
4
283
العصر
إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
2
3
63، 92
92
الماعون
فَذَلِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ
2
59
الكوثر
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
1
2
79
79
الإخلاص
قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ
اَللهُ الصَّمَدُ
1
2
75 و 77
77

صفحه 357

فهرس الأحاديث النبوية

«أنا أفصح العرب، بيد أنّي من قريش».   …272
« إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم».   …265
«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي».   …166، 325
«خير الأُمور أوسطها»   …281
«الخيل معقودُ في نواصيها الخير».   …292
«رُبّ قارئ للقرآن والقرآنُ يلعنُه».   …123
«الشاهد يرى ما لايرى الغائب»   …281
«كلّ ذلك لم يكن» عندما قيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أقصرت الصلاة أم نسيت   …74
«لن يغلب عسرٌ يسرين، (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)   …68
«اللهم استر عوراتنا، وآمن روعتنا».   …293
« المرء مع مَن أحبّ»   …281
«من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلّما سمع هيعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتّى يأتيه اليقين ليس من الناس إلاّ في خير»   …213

صفحه 358

فهرس الأحاديث العلوية

«احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الَّثمَرَةَ»   …217
«أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ، وَالْعَلَمِ الْمَأْثُورِ، وَالْكِتَابِ الْمَسْطُورِ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَالضِّيَاءِ اللاَّمِعِ، وَالأَمْرِ الصَّادِعِ»   …209، 221
«أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاح، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ».   …220
«إِلَى اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَر يَعِيشُونَ جُهَّالا، وَيَمُوتُونَ ضُلاَّلا».   …239
«اللهَ اللهَ فِي الاَْيْتَامِ، فَلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ... وَاللهَ اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ ...».   …283
«أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الاَْكْبَرِ! وَأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الاَْصْغَرَ».   …325
«أَمْ هذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْحَامِ، وَشُغُفِ الاَْسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً ، وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً»   …22
«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا أَدْبَرَتْ، وَآذَنَتْ بِوَدَاع، وَإِنَّ الاْخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلاَع».   …242
أنا الّذي سمّتني أُمّي حيدرة   …57
«إِنَّ حُزْنَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ نَقَصُوا بَغِيضاً، وَنَقَصْنَا حَبِيباً» …272
«إِنَّ كَلاَمَ الْحُكَمَاءِ إِذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءً، وَإِذَا كَانَ خَطَأً كَانَ دَاءً».   …291

صفحه 359
«إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ».   …189
«إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَا، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي»   …194
«إِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيِّةِ: لَيِّنٌ مَسُّهَا، قَاتِلٌ سَمُّهَا».   …188
«أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِْخْلاَصُ لَهُ»   …284
«أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو  الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ »   …276ـ277
«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْر عَنُود، وَزَمَن كَنُود».   …47
«تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ» .   …46
«تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاَةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا».   …323
«ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الاَْرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا»   …238
«ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ الْعُلاَ، فَمَلاََهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلائِكَتِهِ، مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَ يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ لاَ يَتَزايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ»   …261
«ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ، وَضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً، وَقَمَراً مُنِيراً»   …244
«حَائِكٌ ابْنُ حَائِك! مُنَافِقٌ ابْنُ كَافِر»   …253

صفحه 360
«الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لاَ يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَالْجُمُودُ، وَلاَ يُكْدِيهِ الاِْعْطَاءُ وَالْجُودُ».   …291
«الْحَمْدُ لِلّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ، وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ»   …254
«خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّة، إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلاَّ بِذَوِي الضَّمَائِرِ وَلَيْسَ بِذِي ضَمِير فِي نَفْسِهِ».   …268
«دَليلُها مَكيثُ الكَلامِ، بَطيء القِيَامِ، سَريِعٌ إذا قَامَ».   …302
«صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللهُ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ».   …258
«طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوب عُمْي، وَآذَان صُمٍّ، وَأَلْسِنَة بُكْم; مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ»   …244 ـ 245
«غرّك عزُّك، فصار قصار ذلك ذِلّك، فاخش فاحش فعلك، فعلّك تهدى بهذا».   …294
«غَيْرَةُ الْمَرْأَةِ كُفْرٌ، وَغَيْرَةُ الرَّجُلِ إِيمَانٌ».   …258
«فَإنْ أَقُلْ يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ، وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ! هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي! وَاللهِ لاَبْنُ أَبِي طَالِب آنَسُ بالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ».   …79
«فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ في كِسْرِهِ، وَقَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً، وَأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلا».   …216

صفحه 361
«فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ... الخ».   …206
«فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ»    …160
«فَإِنَّ اللهَ ـ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى ـ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ»   …282
«فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْر سَلَكُوا سَبِيلا فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ».   …193
«فَإنَّهُ أَرْجَحُ ما وُزِنَ، وَأَفْضَلُ مَا خُزِنَ».   …307
«فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ».   …294
«فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيل لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الاْخِرَةِ عَمَّا قَلِيل لَمْ يَزَلْ»   …267
«فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وَفِي الْحَلْقِ شَجاً»   …281
«فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالا، وَكَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَوَبَالا! وَكَفَى بِاللهِ مُنْتَقِماً وَنَصِيراً! وَكَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وَخَصِيماً!».   …244
«فَلَمَّا نَهَضْتُ بالاَْمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَقَسَطَ آخَرُونَ: كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَْرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) بَلَى! وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا،

صفحه 362
وَلِكنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا!»   …253
«فَيَا عَجَباً! عَجَباً وَاللهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِن اجْتَِماعِ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَن حَقِّكُمْ».    …282
«قِيمَةُ كُلُّ امْرِئ مَا يُحْسِنُه»   …159، 281
«كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الَْمجَانُّ الْمُطَرَّقَةُ»    …193
«كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً، وَمَا جَمَعُوا بُوراً».   …290
«لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ ، لاَ تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الاْخِرَةِ»   …248
«لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ، وَذلِكَ مَيِّتُ الاَْحْيَاءِ! »   …212
«لَمْ يَكُنْ لاَِحَد فِيَّ مَهْمَزٌ، وَلاَ لِقَائِل فِيَّ مَغْمَزٌ. الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ رَضِيْنَا عَنِ اللهِ قَضَاءَهُ، وَسَلَّمْنَا لِلّهِ أَمْرَهُ»   …81
«مَا بَالُكُمْ؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِبُّكُمْ؟ الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ. أَقَوْلا بِغَيْرِ عمل»   …40
«مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ».   …324
«مَا هِيَ إِلاَّ الْكُوفَةُ، أَقْبِضُهَا وَأَبْسُطُهَا، إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلاَّ أَنْتِ، تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقبَّحَكِ اللهُ!».   …81
«مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَهُ»   …281
«نَوْمُهُمْ سُهُودٌ ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بأَرْض عَالِمُها مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُها مُكْرَمٌ».   …191

صفحه 363
«هلك فيّ رجلان: محبٌّ غال، ومبغضٌ قال»   …166، 260
«وَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً»   …209
«وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ»   …40
«وَاللهِ لاَبْنُ أَبِي طَالِب آنَسُ بالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْم لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الاَْرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ !»   …81، 194
«وَإِنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الاْخِرَةِ».   …257
«وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الاَْعْمَى، لاَ يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً، وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا. فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ، وَالاَْعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ. وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ، وَالاَْعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ»   …211 ـ 212
«وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاَقِهمْ، وَمُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ. أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الاْمَالِ».   …47
«وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ: بَاك يَبْكِي لِدِينِهِ، وَبَاك يَبْكِي لِدُنْيَاهُ».   …260
«وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ; عَلَى حِينِ إصْفِرَار مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاس مِنْ ثَمَرِهَا، وَاغْوِرَار مِنْ مَائِهَا»    …243
«وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَد جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة عَمْيَاءَ».   …218
«وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللهِ خِضْمَةَ الاِْبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ، إلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ»   …46

صفحه 364
«وَلكِنْ لاَ رَأْيَ لِمَنْ لاَ يُطَاعُ»   …281
«وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ، مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَالْعِقْيَانِ، وَنُثَارَةِ الدُّرِّ وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ، مَا أَثَّرَ ذلِكَ فِي جُودِهِ»   …256
«وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ».   …288
«وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، أَشُهُودٌ كَغُيَّاب، وَعَبِيدٌ كَأَرْبَاب».   …192
«يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاَث وَاثْنَتَيْنِ: صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاع، وَبُكْمٌ ذَوُو كَلاَم، وَعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَار، لاَ أَحْرَارُ صِدْق عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلاَ إِخْوَانُ ثِقَة عِنْدَ الْبَلاَءِ».   …264
«يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ؟ وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْزُونَ؟ ».   …239
«ينحدر عنّي السّيل ولا يرقى إليَّ الطير»   …266

صفحه 365

فهرس الأشعار

قافية الهمزة
قُلتُ شِعراً ليسَ *** يدري أ مديحٌ أم هِجاءْ 275
ما نوالُ الغمامِ وَقتَ ربيع *** كَنوالِ الأميرِ يَومَ سخاءِ 258
وما أدرِي وسَوفَ إخالُ أدري *** أقومٌ آل حِصن أم نساءُ 277
فنوالُ الأميرِ بَدرةُ عين *** وَنَوالُ الغمامِ قَطرةُ ماءِ 258
خاط لي عمروٌ قَباء *** لَيْتَ عينيهِ سَواءْ 275
لَمْ تَلقَ هذا الوجهَ شمسُ نهارِنا *** إلاّ بوجه ليس فيهِ حياءُ 190

صفحه 366
قافية الباء
إذا كوكبُ الخرقاءِ لاحَ بسحرة *** سُهَيلٌ أذاعتْ غزَلها في القرائبِ 64
ولا عَيْبَ فيهم غَيْرَ أنّ سُيُوفَهُمْ *** بِهنّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكتائِبِ 271
وَ مَنْ في كَفِّهِ مِنْهُم قَنَاةٌ *** كَمَنْ في كفِّهِ مِنْهُم خِضابُ 319
إذا نَزَلَ السَّماءُ بأرضِ قَوم *** رَعَيناهُ وإنْ كانوا غِضابا 254
إذا غَضِبتْ عَلَيكَ بَنُو تَميم *** وَجَدْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضابا 320
إنْ يقتلوكَ فقد ثَلَلتَ عُروشَهم *** بعتيبةَ بن الحارثِ بن شهابِ 279
والفصلِ والإيجازِ والإطنابِ *** ونحوِه تأتيكَ في أبوابِ 33
لَهُ حاجِبٌ مِنْ كُلِّ أمْر يشينُهُ *** وَلَيسَ لَه عَنْ طالبِ العُرْفِ حاجِبُ 66
أسْكُرُ بالأمسِ إن عَزَمْتَ على الـ *** ـشّربِ غَداً إنَّ ذا مِن العَجَبِ 267

صفحه 367
يَمُدّونَ مِنْ أيد عَواص عَواصِمُ *** تصُولُ بأسياف قَواض قَواضِبُ 291
إذا ما تميميٌّ أتاكَ مُفاخِراً *** فقل عَدِّ عن ذا كيف أكْلُكَ لِلضِّبِ 276
وَ مِن خلافِ المُقتضى أن جاوبا *** تخاطَبا بغيرِ مَا تَرقّـبا 78
أحْلامُكُم لِسَقام الجهلِ شافيةٌ *** كما دِماؤكُم تَشفي من الكَلَبِ 270
سُلِبُوا وَأشْرَقتِ الدِّماءُ عليهمُ *** مُحْمَرَّةً فَكَأنَّهُم لَمْ يُسْلَبُوا 319
الحالُ وصفٌ فضلةٌ منتصبُ *** مفهمُ في حال كفرداً أذهبُ 153
إذا مَلِكٌ لم يكُنْ ذا هِبَهْ *** فَدَعَه فَدَولتهُ ذاهِبَهْ 289
يـُكلِّفُني لَيْلى وَقَد شطّ وَليـُها *** وَ عادَتْ عَواد بَينَنا وَخُطُوبُ 80
أُقَلِّبُ فِيهِ أجفاني كأنّي *** أُعَدُّ بها على الدّهرِ الذّنـوبا 274

صفحه 368
ضرائِبَ أبدَعتَها في السماحِ *** فَلَسنا نَرى لكَ فيها ضَريبا 299
كُلَّ يَوم تُبْدِي صُرُوفُ اللّيالي *** خُلُقاً مِنْ أبي سعيد رغيبا 328
فَمن يكُ أمسى بالمدينةِ رَحلُه *** فإنّي وقيّارٌ بها لغريبُ 89
لَو رأى اللّهُ أنَّ في الشيبِ خَيْراً *** جاوَرَتُه الأبرارُ في الخُلدِ شِيبا 328
طَحَا بِكَ قَلبٌ في الحِسانِ طَروبُ *** بُعَيْدَ الشبابِ عَصرَ حانَ مَشيبُ 80
ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً *** فأخبرَه بما فعلَ المشيبُ 124
قافية التاء
وَ جملةٌ تجيء للتقويةِ *** أو سببيّاً كانَ كالإسميةِ 99
قافية الجيم
وفقدُه غرابةً قد ارتجى *** كفاحماً وَمَرْسِناً مُسَرّجا 17

صفحه 369
ومُقْلةً وحاجِباً مُزَجَّجا *** وفاحِماً وَمَرْسِناً مُسَرّجا 17
إنَّ السّمَاحَةَ والمُرُوءةَ والنّدى *** في قُبَّة ضُرِبَتْ على ابْنِ الحَشْرَجِ 227
مَنْ رَاقبَ النّاسَ لم يَظفَر بحاجَتِهِ *** وفازَ بالطيِّباتِ الفاتِكُ اللّهِجُ 316
قافية الحاء
ألمعُ برق سَرى أم ضَوءُ مِصباحِ *** أم ابتسامَتُها بالمَنظَرِ الضّاحي 277
أمَّلتُهُم ثُمَّ تأمّلتُهم *** فلاَحَ لي أنْ لَيسَ فيهم فَلاحْ 299
كأنّما يَبْسِم عَنْ لُؤلُؤ *** مَنَضّد أوْ بَرَد أَوْ أَقاحْ 184
حَكَتْ ليناً ولوناً واعتدالاً *** ولحظاً قاتلاً سُمرَ الرماحْ 188
جاءَ شَقيقٌ عارضاً رُمْحَهُ *** إنَّ بَني عَمّك فيهِم رِمَاحْ 41
وَبدا الصباحُ كأنَّ غُرَّتَهُ *** وَجَهُ الخليفةِ حِينَ يُمْتَدَحُ 197

صفحه 370
أخذَنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا *** وسالت بأعناقِ المطيِّ الأباطحُ 215
إنّ البُكاءَ هُوَ الشّفا *** ءُ مِنَ الجوى بَينَ الجَوانحْ 292
قافية الدال
وقالوا قَد صفَت منّا قلوبٌ *** لقَدْ صدَقُوا ولكنْ عن وِدادي 279
والّذي حارتْ البَريةُ فيهِ *** حيوانٌ مستحدثٌ من جمادِ 72
يُسندُ فعلٌ للذي لَهُ لدى *** مُخاطَب وشِبههِ فيما بدا 43
عن المرءِ لاتسألْ وسَلْ عن قرينِه *** فكلُّ قرينَ بالمقارنِ يقتدِي 282
ولا يقيمُ على ضيم يُرادُ بِه إلاّ *** الأذلاّنِ عَيرُ الحيّ والوتدُ 259
أعْلامُ ياقُوت نُشِرْ *** نَ عَلى رِماح مِنْ زَبَرْجَدْ 181
عَلِمْتَ يا مُجاشِعَ بْنَ مَسعَدَهْ *** إنّ الشبابَ وَالفراغَ والجدّهْ 257

صفحه 371
هذا على الخسفِ مربوطٌ برمّته *** وذا يُشجّ فلا يَرثى له أحدُ 259
ليسَ على اللّهِ بِمُستَنْكر *** أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحدِ 320
كريمٌ متى أمْدَحْه أمْدَحْه والوَرى *** مَعي وإذا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدي 19
فقلتُ عَسَى أنْ تَبْصُريني كَأنَّما *** بَنِيَّ حَوالَيَّ الأُسُودُ الحوارِدُ 155
قُلتُ وللتعجيبِ في المفتاحِ قدْ *** زادَ وفي الإيضاحِ رَدَّ وانفردْ 88
سَأَطْلُبُ حَقّي بالفتى ومشايخ *** كَأنَّهُمُ مِن طُولِ ما التَثَموا مُرْدُ 262
ثِقالٌ إذا لاقُوا خِفافٌ إذا دُعوا *** كثيرٌ إذا شَدُّوا قليلٌ إذا عُدّوا 262
بُشْرى فقد أنجز الإقبالُ ما وعدا *** وكَوكَبُ المَجدِ في أُفقِ العُلى صَعدا 327
وَكأنَّ مُحْمَرَّ الشّقيـ *** ـقِ إذا تَصَوَّبَ أوْ تَصَعَّدْ 180

صفحه 372
نَهبتَ مِنْ الأعمارِ ما لَو حَويتَهُ *** لَهُنِّئَتِ الدُنيا بأنَّكَ خَالِدُ 274
سَأطلُبُ بُعْدَ الدارِ عَنكُم لتِقرُبوا *** وتسكُبُ عيْناي الدُّموعَ لتِجْمُدَ ا 20
يَبِسَ النَّجِيعُ عَليهِ وَهُو مُجَرّدٌ *** عَنْ غِمْدِهِ فكأنّما هُوَ مُغمَدُ 319
أَمَطْلِعَ الشَّمس تَبْغي أن تَؤمَّ بِنَا *** فَقُلْتُ كَلاّ وَلَكِنْ مَطْلِعَ الجُودِ 328
قافية الراء
كالقِسيِّ المُعطَّفاتِ بَلِ الأَسَـ *** ـهُمِ مَبْريّةً بَلِ الأوتارِ 243
تمتعْ مِن شميمِ عَرارِ نجد *** فما بَعدَ العشيّةِ مِن عَرارِ 296
أرانا الإلهَ *** هِلالاً أنارا 305
وَ قَدْ كانَتِ البيضُ القَواضِبُ في الوغى *** بواتِرَ فهي الآنَ مِنْ بعدِه بُترُ 300
دارٌ متى ما أضحكتْ في يومِها *** أبكتْ غداً بُعداً لها من دارِ 306
وَقَالَ رائِدُهُم أُرْسُوا نُزاوِلُها *** فكلّ حَتْفِ امْرِئ يَجْري بِمقدارِ 145

صفحه 373
يا خاطب الدّنيا الدنية إنّها *** شَرَكُ الردى وقرارةُ الأكدارِ 306
طُبِعَتْ عَلى كدَر وأنتَ تُريدُها *** صفواً مِن الأقذارِ والأكدارِ 238
وَ إنَّ صَخْراً لَتَأتَمُّ الهداةُ بِهِ *** كَأنّهُ عَلَمٌ في رأسِه نارُ 168
وَقَبرُ حَرْب بِمَكان قَفْر *** وَلَيسَ قُربَ قبرِ حَرب قَبرُ 18
اِذا ما نَهَى الناهِي فَلَجَّ بِيَ الهَوى *** أصَاخَتْ إلى الوَاشي فَلَجَّ بِها الهَجْرُ 250
ما بالُ مَنّ أوّلُه نُطْفَةٌ *** وَجِيفَةٌ آخِرُهُ يَفْخَرُ 324
ثُمَّ مِنَ القَواعدِ المُشتَهَرَهْ *** إذا أتتْ نَكِرَةٌ مُكرّرهْ 67
فَصاحةُ المفردِ أنْ لا تنفرا *** حروفُه كهعجع واستشزرا 16
باللّهِ ياظبياتِ القاع قُلْن لَنا *** ليلاَيَ مِنكُنَّ أم ليلَى مِن البَشَرِ 277

صفحه 374
تردّى ثيابَ الموتِ حُمراً فما أتى *** لها اللَّيلُ إلاّ وهي مِن سُندس خُضرُ 240
وَ لو طارَ ذو حافر قَبْلَها *** لَطَارَتْ وَلكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ 95
رأيتُ بَدرين مِن شَمْس وَمِن قمرِ *** في ظلِّ جِنحَينِ من ليل ومن شعَرِ 167
وفي الكلامِ فَقدُه في الظاهرِ *** لـِضَعفِ تأليف وللتنافرِ 21
وَترىَ الطّيرَ على آثارِنا *** رأيَ عَين ثِقَةً أن سَتُمارِ 321
فَلا يَمْنَعُكَ مِنْ أَرَب لِحَاهُمْ *** سَواءٌ ذُو العِمَامَةِ والخِمارِ 319
رَقَّ الزّجاجُ وَرَاقَتِ الخَمْرُ *** فتشابَها وتَشاكَلَ الأَمْرُ 198
فَكأنَّما خَمْرٌ وَلا قَدَحٌ *** وَكَأنَّما قَدَحٌ وَلا خَمْرُ 198
ثَلاثَةٌ تُشرِقُ الدُّنيا بِبَهجَتِها *** شَمسُ الضّحى وأبو إسحاقَ والقمرُ 98

صفحه 375
تَرَيا نَهاراً مُشمِساً قد شَابَهُ *** زهرُ الرُّبى فَكأنَّما هُوَ مُقمِرُ 183
لـَهُ هِمَمٌ لا مُنتَهى لِكِبارِها *** وَ هِمَّته الصُّغرى أجَلُّ من الدَّهْرِ 98
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ همّاً *** وَفازَ باللّذةِ الجسورُ 316
يا صاحِبيَّ تَقَصّيا نَظَريكُما *** تَرَيا وُجُوهَ الأرضِ كَيْفَ تَصَوَّرُ 182
وَقَدْ لاحَ في الصُّبحِ الثُّريّا كَما تَرى *** كَعُنْقُودِ مُلاّحيّة حِينَ نَوَّرا 187
فَدَع الوعيدَ فما وعيدكَ ضائِري *** أطَنينُ أجنحةِ الذِّبابِ يضيرُ 300
قافية الصاد
قالُوا اقتَرِح شيئاً نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ *** قُلْتُ اطبخُوا لي جُبّةً وقَمِيصا 248
قافية الضاد
ممّا بها تطابق لمقتضى *** حال وحدّي سالمٌ ومرتضى 29

صفحه 376
قافية العين
وما المالُ والأهلونَ إلاّ ودائعُ *** فلابدّ يوماً أن تُردّ الودائعُ 56
وَ لَمْ يَكُ أكثرُ الفتيانِ مالاً *** وَلكِنْ كانَ أرْحَبَهُمْ ذِراعا 318
عَلى أنَّي سأنشُدُ يَوْمَ بَيْعي *** أضاعُوني وأيَّ فتىً أضاعُوا 323
في الكلماتِ وكذا التعقيد مَعْ *** فصاحة في الكلماتِ تُتبع 21
إنّ المكارمَ والفضائلَ والندى *** طَبعٌ جُبِلتَ عليهِ غَيرَ تطبّعِ 258
أفناه قِيلُ اللهِ للشمسِ اطلعِي *** حتّى إذا واراك أُفقٌ فارجعي 43
سَجّيةٌ تِلكَ مِنهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَة *** إنَّ الخلائقَ فَاعْلَمْ شَرُّها البِدَعُ 261
والمجدُ والشرفُ المؤثّلُ والعُلى *** وقفٌ عليكَ وليسَ بالمستودعِ 258
إنّ الَّذِينَ تَرَوْنَهُمْ إخوانَكُمْ *** يَشفَي غَليلَ صُدورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا 60

صفحه 377
مِنْ أنْ رَأتْ رأسَي كرأسِ الأصلعِ *** ميّزَ عَنْهُ قُنزعاً عن قُنزعِ 43
وَ لَيسَ بِأوسَعِهم في الغِنى *** ولكنَّ مَعروفَه أوسَعُ 318
قَوْمٌ إذا حاربُوا ضَرّوا عَدُوَّهُمْ *** أو حاوَلُوا النّفعَ في أشياعهم نَفَعُوا 261
فَوَاللّهِ ما أدري أأحلامُ نائم *** ألَمَّتْ بِنا أم كانَ في الرّكبِ يوشَعُ 325
هُو الصُّنْعُ إن يَعْجَل فَخَيْرٌ وإنْ تَرِثْ *** فَلَلرَيْث في بَعْضِ المَواضِعِ أنْفَعُ 317
وإذا المنيةُ أنشبَتْ أظفارَها *** ألفَيْتَ كُلَّ تَمِيمة لا تَنفَعُ 48، 210
فردّت علينا الشمس والليل راغمٌ *** بشمس لهم من جانب الخدر تطلعُ 325
أُولئِكَ آبائيَ فَجِئْني بِمِثْلِهِمْ *** إذا جَمَعَتْنا يا جَريرُ المَجَامِعُ 59، 77
كَأنَّ السَّحابَ الغُرِّ غَيَّبْنَ تحتها *** حبيباً فما تَرْقا لَهُنَّ مَدَامِعُ 270

صفحه 378
إنّ الّذي جَمعَ السماحةَ والنجـ *** ـدَةَ والبرّ والتـُّقى جمعا 69
الألمعيّ الّذي يظن بِكَ الظـ *** ـنَ كأن رأى وَقَدْ سَمِعا 69
قَدْ أصْبحتْ أمُّ الخيارِ تدّعي *** عليّ ذنباً كُلُّه لم أصنعِ 43، 74
فَسَقى الغَضا والسّاكِنيهِ وإِنْ هُمُ *** شَبُّوهُ بَينَ جوانِحي وَضُلوعي 255
سَريعٌ إلى ابنِ العمِّ يَلطِمُ وَجْهَهُ *** وَلَيسَ إلى داعِي الندَى بسريعِ 54، 296
إذا لَمْ تَستَطِعْ أمراً فَدَعْهُ *** وَجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطيعُ 247
قافية الفاء
حسامك فيه للأحباب فتحٌ *** ورمحك فيه للأعداء حتفُ 292
يُحصرُ في أحوالِ الاسنادِ وفي *** أحوالِ مُسند إليهِ فاعرفِ 33
عَطفُ البَيانِ تابعٌ شِبهَ الصفهْ *** حقيقةُ القصدِ بهِ مُنكَشفهْ 72

صفحه 379
نَحنُ بِما عندَنا وأنتَ بما عِندَ *** كَ راض والرأيُ مختَلِفُ 89
فصاحةً والمقتضى مختلفُ *** حَسبَ مقاماتِ الكلامِ يُؤلفُ 25
وَحَدّهُ عِلمٌ بِهِ قَدْ تُعرفُ *** أحوالُ لفظ عربي يُؤلفُ 29
عِلمُ البديعِ ما بهِ قَدْ عُرِفا *** وُجوهُ تحسينِ الكلامِ إن وفا 233
أيـا شَجَـرَ الخــابـُـورِ ما لَـكَ مُورِقـاً *** كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلى ابْنِ طَريفِ 138، 276
قافية القاف
هَوايَ مَعَ الرَّكَبِ اليـَمانينَ مُصْعِدٌ *** جـَنيبٌ وجُثماني بِمَكّةَ موْثَقُ 64
لَوْ لَمْ تَكُنْ نِيّةُ الجوزاءِ خِدمَتَهُ *** لَما رأيتَ عليها عِقْدَ مُنتَطَقِ 269
دلالةُ اللفظِ بدت مُطابَقهْ *** حيثُ على تمامِ معنى وافقهْ 174
بلاغةُ الكلامِ أنْ يُطابِقا *** لمقتضى الحالِ وَقَدْ توافقا 25

صفحه 380
وأخَفْتَ أهل الشركِ حتّى أنّهُ *** لَتَخافُكَ النُّطفُ التي لَمْ تُخْلَقِ 267
لا يَـألَفُ الدِّرهَمُ المضروبَ صُرّتَنا *** لكنْ يَمُرُّ عليها وَهُوَ مُنْطَلِقُ 91
كَمْ عاقل عاقل أعيتْ مَذاهِبُهُ *** كَمْ جاهل جاهل تلقاه مَرزوقا 76
هذا الّذي تَرَكَ الأوهامَ حائرَةً *** وَصيّرَ العالِمَ النحريرَ زنديقا 76
فما هو الشارحُ والحقيقي *** وذو اشتباك مَعَ هَلْ أنيقِ 129
قافية الكاف
إلـهي عبدُك العَاصِي أتاكا *** مُقرّاً بالذنوبِ وَقَدْ دعاكا 77
فإن تغفرْ فأنتَ لذاك أهلٌ *** وَإن تطردْ فمن يرجو سواكا 77
لا تَعْجبَي يا سَلْمُ مِنْ رَجُل *** ضَحِكَ المَشيبُ برأسِهِ فَبَكى 241
هِيَ الدُّنيا تقولُ بملء فِيهَا *** حَذارِ حَذارِ مِنْ بَطشِي وفَتكي 327

صفحه 381
ظلمناكَ فِي تشبيهِ صُدغيكَ بالمسكِ *** وَقاعدةُ التشبيهِ نُقصانُ ما يَحكي 197
قافية اللام
لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهديها ولا مالُ *** فَليُسعِدِ النُّطقُ إنْ لَمْ يُسْعِدِ الحالُ 265
وكأنّ قُلُوبَ الطَّيْر رَطْباً ويابساً *** لَدىْ وَكْرِها العنّابُ والحَشَفُ البالي 183
لاحَ أنوارُ الهُدى مِنْ *** كفِّهِ في كلِّ حالِ 293
فَإنْ تَفُقَ الأنامَ وأنْتَ مِنهُم *** فَإنَّ المِسْكَ بعضُ دَمِ الغزالِ 195
ونُكْرِمُ جارَنا مادامَ فينا *** وَنُتْبِعُهُ الكرامَةَ حَيثُ مالا 266
وَثَغْرُهُ في صَفاء *** وَأدمَعي كَاللآّلي 184، 189
غَمْرُ الرِّداءِ إذا تبسّمَ ضاحكاً *** غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقابُ المالِ 214
أيَقْتُلُني وَالمشرَفيُّ مُضاجِعي *** ومَسنَونَةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أغوالِ 133، 181

صفحه 382
صُدْغُ الحَبيبِ وَحالي *** كِلاهُما كَاللَّيالي 184
وإذ البَلابِلُ أفصَحَت بِلُغاتِها *** فَانفِ البَلابِلَ باحتساء بَلابِلِ 298
الشّمسُ كالمرآةِ فِي كَفِّ الأَشَلْ *** لَمّا رَأيتها بَدَتْ فَوْقَ الجَبَلْ 191
لَولا مُفَارقَةُ الأحبابِ ما وَجَدَتْ *** لها المَنايا إلى أرواحِنا سُبُلا 317
هُو البدرُ إلاّ أنَّهُ البحرُ زاخراً *** سوى أنّه الضِّرغام لكنَّه الوَبْلُ 273
أقَامَت مَع الرَّاياتِ حتّى كأنّها *** مِنَ الجَيشِ إلاّ أنّها لَمْ تُقاتِلِ 321
ألا أيُّهَا اللَّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي *** بِصُبْح وَمَا الإصْباحُ مِنْكَ بِأمْثَلِ 136
قَدْ طَلَبنا وَلَمْ نَجِد لَكَ في السُؤ *** دَدِ والمَجدِ والمَكارِمِ مِثلا 104
مَا أَحْسَنَ الدّينَ والدّنيا إذا اجتمعا *** وَأقْبَحَ الكُفْرَ والإفلاسَ بالرّجلِ 242

صفحه 383
وَيَركبُ حدَّ السيفِ مِنْ أنْ تُضيمَهُ *** إذا لم يكُن عَنْ شفرةِ السيفِ مَرْحَلُ 315
يا خَيْرَ مَنْ يَرْكَبُ المطيَّ وَلا *** يَشربُ كَأساً بِكَفِّ مَنْ بَخِلا 264
غدائِرُهُ مُستشزِراتٌ إلى العُلى *** تَضلُّ العقاص في مُثنّىً ومُرسَلِ 15
ومسندٌ تعلقاتِ الفِعلِ *** والقصرُ والإنشاءُ ثُمَّ الوصلِ 33
إذا أنتَ لَمْ تُنِصفْ أخاك وَجَدَتَهُ *** على طرَفِ الهِجرانِ إن كانَ يعقلُ 315
وعدمُ الخُلفِ لقانون جلي *** كالحمدُ لله العليِّ الأجلَلِ 17
ألفاظُه دُرَرٌ أغنَتْ بحليتِها *** أهلَ الفضائلِ عن حَلي وعن حُللِ 13
ومِنْ معانيهِ أنوارُ الهُدى سَطَعَتْ *** فانجابَ عنها ظَلامُ الزيغِ والزللِ 13
بَقيتَ بَقاءَ الدَّهر يا كهفَ أهلِهِ *** وهذا دُعاءٌ لِلبَريِّةِ شامِلُ 329

صفحه 384
نهجُ البلاغةِ نهجُ العلمِ والعملِ *** فَاسلُكْه يا صاحِ تبلُغْ غايةَ الأملِ 13
قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حبيب ومنزلِ *** بسقط اللِّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ 326
وقد ظُلّلتْ عِقبانُ أعلامِهِ ضُحىً *** بعقبانِ طير في الدّماءِ نواهِلِ 321
كقولنا: أنبتَ رَبُّنا البقلْ *** وأنبتَ الربيعُ قَولُ مَنْ جَهِلْ 43
لعَمرك ما أدري وإنّي لاَوجَلُ *** على أيّنا تغدو المنيّةُ أوّلُ 315
هو الشّمسُ قدراً والملوكُ كواكِبٌ *** هُو البحر جوداً والكِرام جداولُ 175، 304
الحمدُ للهِ العليّ الأجلَلِ *** الواحدِ الفَرْدِ القديمِ الأوّلِ 16
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بنى لنا *** بـَيْتاً دعائمُهُ أعزُّ وأطولُ 61
عَزَمَاتُه مِثْلُ النجومِ ثَواقباً *** لَوْ لَمْ يَكُنْ للثّاقباتِ أُفُولُ 190

صفحه 385
أعدَى الزمانَ سخاؤه فسَخا بِهِ *** وَلَقَد يكونُ بهِ الزمانُ بَخيلا 316
هَيهَاتَ لايأتِي الزَّمانُ بِمِثلِهِ *** إنّ الزَّمانَ بِمِثلهِ لَبَخيلُ 316
وَإنْ تَبَدّلْتِ بِنا غَيْرَنا *** فَحَسبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلْ 323
لَو حارَ مرتادُ المنيّةِ لَمْ يَجدْ *** إلاّ الفراقَ عَلى النُّفوسِ دليلا 317
إنْ كُنْتَ أزمَعْتَ على هجرِنا *** مِنْ غَيرِما جُرْم فَصَبْرٌ جَمِيلْ 322
إذا قَبُحَ البـُكاءُ على قَتيل *** رَأيتُ بُكاءَكَ الحَسَنَ الجميلا 97
قال لي: كيفَ أنتَ؟ قُلتُ: عَليلُ *** سهر دائمٌ وحزنٌ طويلُ 54، 148
قافية الميم
ثُمّ مِن الإسنادِ ما يُسمّى *** حقيقةً عقليةً كأنْ ما 43
وَمِنَ الخَيْرِ بُطءُ سَيْبِكَ عَنّي *** أسرَعُ السُّحْبِ في المَسِيرِ الجَهَامُ 317

صفحه 386
وَلوْ دامتِ الدولاتُ كانوا كغيرِهم *** رَعايا وَلكنْ ما لَهُن دوامُ 95
سَعَدَتْ بِغُرَّةِ وَجهِكَ الأيّامُ *** وَتَزَيَّنَتْ بِبقائِكَ الأعْوامُ 99
للهِ لذةُ عيش بالحبيبِ مَضَتْ *** فَلم تَدُمْ لي وغيرَ اللهِ لَمْ يَدُمِ 168
هذا الّذي تعرِفُ البَطحَاءُ وَطأتَهُ *** والبيتُ يَعرِفُه والحِلُّ والحرمُ 58
ومَنْ كان بالبيضِ الكواعبِ مُغرَماً *** فما زلتَ بالبيضِ القواضِبِ مُغرما 296
وما على الجزءِ تضمّناً وُسِمْ *** وَخارجُ المعنى التزامٌ إن لَزِمْ 174
وَذِكره لِما مضى أو حتم *** مجيئُه بالفعلِ أو بالإسمِ 88
كم بينَ مَنْ أقسمَ اللّهُ العليُّ بهِ *** وبَيْنَ مَنْ جاءَ باسمِ اللّهِ في القَسَمِ 268
أُسُّ المطالبِ ثلاثةٌ عُلِمْ *** مطلبُ ما مطلبُ هل مطلبُ لِمْ 129

صفحه 387
هذا أَبُو الصِّقرِ فَرْداً في محاسِنِهِ *** مِنْ نَسْلِ شَيْبانَ بَيْنَ الضّالِ وَالسَّلَمِ 58
أقُولُ لهُ ارحَلْ لاَ تُقيمَنَّ عِنْدَنا *** وَإلاّ فَكُنْ في السِّرّ وَالجَهرِ مُسْلما 147
هذا ابنُ خيرَ عِبادِ اللّهِ كلِّهِمُ *** هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلمُ 58
لدى أسد شاكي السّلاحِ مُقذَّف *** لَهُ لِبَدٌ أظفارُهُ لم تُقلَّمِ 208، 221
الاقتباسُ أنْ يُضمَنَ الكَلِمْ *** قراناً أو حديثَ سَيّدِ الأُمَمْ 322
النـّشرُ مِسكٌ وَالوُجُوه دَنا *** نيرُ وَأَطرافُ الأكُفِّ عَنَمْ 184
فَدارِهم مادُمتَ في دارِهِم *** وَأرضِهِم مادُمت في أرضِهِم 289
إذا ساءَ فِعْلُ المرءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ *** وَصَدَّقَ ما يعتادُهُ مِنْ توهّمِ 324
وجملةُ الحالِ سوى ما قُدّما *** بواو ، أو بمضمر أو بهما153

صفحه 388
مَوَدَّتُهُ تَدُومُ لِكُلِّ هَول *** وَهَلْ كُلٌّ مَوَدّتِهُ تدومُ 305
وأنتَ الّذي أخلفتَني ما وعدتَني *** وأشمتَّ بِي مَنْ كانَ فِيكَ يَلومُ 58
أجِدُ الملامة في هَواكِ لذيذةً *** حُبّاً لِذكرِكِ فَليَلُمْني الُّلوَّمُ 320
قِفْ بالدّيارِ الّتي لَمْ يَعفُها القِدَمُ *** بلى وغيَّرَها الأرواحُ والدِّيَمُ 252
لا وَالَّذي هُوَ عالِمٌ أنَّ النّوى *** صَبِرٌ وَأنَّ أبا الحُسَينِ كَريمُ 144
واللهُ يُبقيكَ لَنا سالِماً *** بُرْدَاكَ تَبْجيلٌ وَتَعْظيمُ 156
وَ تَظُنُّ سَلْمى أنَّني أبْغي بِها *** بَدَلاً أراها فِي الضَّلالِ تَهيمُ 148
قافية النون
أداتـُهُ الكافُ ومثلُ وكأن *** والأصلُ في الكافِ وما أشبَه أن 193
فَمَشعوفٌ بآياتِ المَثاني *** وَمَفتونٌ بِرَنّات المَثاني 298

صفحه 389
لاتَقُل بُشْرى وَلكِنْ بُشْرَيانِ *** غُرَّةُ الدَّاعِي وَيَوْمُ المِهْرَجَانِ 327
كَأنَّ ألسنَهُم في النُّطقِ قَد جُعِلتْ *** على رؤوسهم في الطَّعنِ خِرصانا 318
تَغايَرا وإنْ يُعرّف ثاني *** توافقا كذا المعرّفانِ 67
إذا المرءُ لم يخزنْ عليهِ لِسانَهُ *** فليسَ على شيء سِواهُ بخزّانِ 281، 300
وما عَن التعقيدِ فالبيانُ *** ثُمّ البديعُ مَا بِه استحسانُ 26
دَعاني مِنْ مَلامِكُما سِفاهاً *** فداعي الشَّوقِ قَبلَكُما دَعانِي 297
الضّاربينَ بِكُلِّ أبيضَ مِخْذَم *** والطّاعِنينَ مَجامِعَ الأضغانِ 226
عـَفونا عـَن بني ذُهل *** وقُلنا القومُ إخوانُ 68
ما كلُّ مَا يتمنّى المرءُ يُدرِكُهُ *** تجرِي الرياحُ بما لا تشتهي السّفُنُ 74

صفحه 390
عسى الأيامُ أنْ يرجـ *** ـعن قوماً كالذي كانوا 68
كُلُّكُم قَدْ أخَذَ الجا *** مَ ولا جامَ لنا 290
مَا الذي ضَرَّ مُدير الـ *** جامِ لَوْ جامَلَنا 290
وإن أروك الودَّ عن حاجة *** ففي حبال لَهُم يجذبونْ 308
كُل وَاشْربِ النَّاسَ على خبرة *** فَهُمْ يمرّونَ ولايَعذبونْ 307
ولاتصدّقهم إذا حدَّثُوا *** فَإنَّني أعهدهم يكذبونْ 308
أنَا ابنُ جَلا وطلاّعُ الثَّنايا *** مَتى أضعِ العمامةَ تَعرِفُونِي 161
وقدَّدَت الأَديمَ لِراهِشَيْهِ *** وَألفى قَولَها كِذباً وَمَيْنا 165

صفحه 391
قافية الهاء
أَأُحِبُّهُ وَأُحِبُّ فيهِ مَلاَمَةً *** إنّ الملامَةَ فيهِ مِنْ أعدائِهِ 320
وَمَهْمَه مُغبرّة أرْجاؤُه *** كَأنّ لَوْنَ أرضِهِ سَماؤُهُ 83
ومَنْ ذا الذي تُرضى سجاياهُ كُلُّها *** كفى المرءَ نُبلاً أن تُعدّ مَعايبُهْ 134
وَما مِثْلُهُ في النّاسِ إلاّ مُمَلّكاً *** أبو أُمِّهِ حيٌّ أبـُوهُ يُقَارِبُهْ 20
وإذا تألّقَ في النَّديِّ كَلامُه الـ *** مَصقولُ خِلْتَ لسانَه من عَضبِهِ 318
كَأنَّ مُثارَ النَّقعِ فَوْقَ رؤوسِنا *** وأسيافَنا لَيلٌ تَهاوى كواكِبُهْ 182
بحملِهِ على خلافِ قصدِه *** لأنـّه أولى بهِ مِنْ ضدِّهِ 79
فَوَجْهُكَ كَالنَّارِ في ضَوْئِها *** وَ قلبيَ كَالنَّارِ في حَرِّها 260
أو سائلاً بغيرِ ما قد سأله *** لأنـّهُ الأولى أو المهمُ له 79

صفحه 392
ما مات مِن كَرَمِ الزمانِ فإنّه *** يَحيا لدى يَحيَى بنِ عَبدِ اللّهِ 289
وَإن لَمْ يكنْ إلاّ مُعَرَّجَ ساعة *** قليلاً فإنّي نافعٌ لي قليلُها 297
هُوَ البَحرُ من أيِّ النواحِي أتيتَهُ *** فلجّتُه المعروفُ والجودُ ساحِلُهْ 58، 175
زَعَمَ البنفسجُ أنَّهُ كَعذارِهِ *** حُسناً فسلّوا من قفاهُ لِسانَهُ 269
قافية الياء
أشابَ الصّغيرَ وأفنىَ الكَبيـ *** ـرَ كَرُّ الغداةِ ومرُّ العَشي 45
وَما بهِ عَنْ الخَطا في التأديهْ *** محترز عِلمَ المعاني اسميَهْ 26
مطابقاً وقصدُهُ جَليُّ *** فَمِنهُ لفظيٌ ومعنويّ 233

صفحه 393

فهرس الأمثال

بيني وبين كنّي ليل دامس وطريق طامس    …291
رمية من غير رام    …55
شنشنة أعرفها من أخزم    …55
القتل أنفى للقتل    …160، 170
وصف العيش نصف العيش    …267

صفحه 394

فهرس الأعلام

أ
إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي: 20
ابن أبي عيينة: 300
ابن الراوندي: 76
ابن الرومي: 58، 156
ابن مالك: 71، 153
أبو تمّام: 18، 58، 104، 144، 182، 240، 269، 288، 291، 296، 300، 316، 317، 321، 324، 328
أبو الحسن التهامي: 238، 269
أبو الحسن القيرواني: 279
أبو ذؤاب: 279
أبو الرقعمق: 248
أبو الزبير: 143
أبو زيد الكلابي: 318
أبو الشيص: 320
أبو العتاهية: 257، 323

صفحه 395
ابو العلاء المعرّي: 72، 95، 197، 307، 328
أبو علي الفارسي: 143
أبو الفتح البستي: 289، 290
أبو الفرج الساوي: 327
أبو القاسم بن الحسن الكاتبي: 322
أبو قيس بن الأسلت: 187
أبو محمد الخازن: 327
أبو محمد المطراني: 188
أبو مقاتل الضرير: 327
أبو النجم العجلي (الفضل بن قدامة): 16، 43، 74
أبو نؤاس: 266، 275، 320
أبو هلال العسكري: 233
الأخطل: 145
أشجع (بن عمرو السلمي): 318
الأشعث بن قيس: 253
الأصمعي: 69، 245
الأعشى: 264
الأفوه الأودي: 321
الأقيشر: 296
أُمّ الخيار: 43، 74
امرؤ القيس: 15، 136، 181، 183، 281، 300، 326

صفحه 396
ب
البحتري: 184، 243، 250، 255، 277، 317، 318، 319، 320
بديع الزمان الهمذاني: 272
بشار: 182، 275، 316
ث
الثعالبي (عبدالملك بن محمد): 298
ج
الجاحظ: 32، 143
جرير: 319، 320
جعفر بن يحيى: 318
جلال الدين السيوطي: 16، 21، 25، 26، 29، 33، 43، 67، 78، 84، 88، 99، 193، 233
ح
الحجّاج: 78
حجل الباهلي: 41
الحريري (القاسم بن علي): 298، 301، 306، 323
حسان بن ثابت: 261
الحسين بن علي السنجاري: 296
حواء: 45

صفحه 397
خ
الخطيب القزويني: 42، 94
خلف بن أحمد السجستاني: 272
الخنساء: 97، 168
د
دعبل: 241
ذ
ذو الرمّة: 297
ر
الرياحي: 161
ز
الزمخشري: 114
زهير بن أبي سلمى: 208، 221، 252، 277
زياد العبدي: 227
س
السبزواري: 129، 174
السري الرفّاء: 299
سعد الدين التفتازاني: 84، 94، 121، 192

صفحه 398
السكّاكي: 23، 47، 48، 51، 52، 64، 82 ، 84 ، 124، 202، 203، 210، 228، 233
سلم الخاسر: 316
سيف الدولة الحمداني: 319
ش
شريح: 61
الشريف الرضي: 46، 159، 160، 288
شمس الدين ابن الصائغ: 135
ص
الصاحب بن عباد: 197
صفي الدين الحلي: 167، 168، 234، 268
صلاح الدين الصفدي: 287
الصلاح الهندي: 278
ع
العباس بن الأحنف: 20
عبدالعزيز بن مروان: 192
عبدالقاهر الجرجاني: 192
عبدالله بن أُبي: 315
عبدالله بن الزبير: 315

صفحه 399
عبدالله بن طاهر: 328
عبدالله بن المعتز: 233
عتيبة بن الحارث بن شهاب: 279
العجّاج: 17
عدي بن زيد العبادي: 165، 282
علي صدر الدين: 257
عمر بن عبدالعزيز: 214
عمرو بن الأيهم: 266
عمرو بن معدي كرب: 247
عيسى بن عمر النحوي: 16
ف
الفارعة: 137
فاطمة الأنمارية: 189
الفرزدق: 19، 58، 76، 155
ق
القاضي الأرّجاني: 297، 299، 305
القبعثري: 78

صفحه 400
ك
الكميت: 270
ل
لبيد: 56
م
المتلمس: 259
المتنبّي: 74، 190، 195، 262، 265، 274، 316، 317، 318، 319، 320، 324
محمد بن أبان: 143
محمد بن أبي بكر: 272
محمد بن حميد الطوسي: 240
محمد بن وهيب الحميري: 197
محمد رضا الأصفهاني: 203
المرقشي الأكبر: 183
معن بن أوس: 315
ن
النابغة الذبياني: 271
النظام: 32

صفحه 401
هـ
هشام بن عبدالملك بن مروان: 20
و
الوطواط: 90، 258، 260
ي
يوشع بن نون: 325

صفحه 402

فهرس الأنبياء (عليهم السلام)

آدم (عليه السلام): 45، 254
إبراهيم (عليه السلام): 88
سليمان (عليه السلام): 132
عيسى المسيح (عليه السلام): 39، 248
محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): 53، 67، 74، 78، 90، 114، 116، 117، 123، 130، 160، 166، 213، 217، 220، 221، 244، 246، 268، 272، 281، 292، 293، 325، 329
موسى (عليه السلام): 52، 107
نوح (عليه السلام): 40

صفحه 403

فهرس المعصومين (عليهم السلام)

الإمام علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين (عليه السلام): 13، 22، 23، 40، 46، 47، 57، 79، 81، 159، 160، 166، 188، 189، 191، 192، 193، 194، 206، 209، 211، 212، 216، 217، 218، 220، 234، 238، 239، 242، 243، 244، 248، 252، 253، 254، 256، 257، 258، 260، 261، 264، 265، 266، 267، 268، 272، 276، 281، 282، 283، 284، 288، 290، 291، 294، 302، 307، 323، 324، 325
علي بن الحسين زين العابدين، الإمام السجّاد (عليه السلام): 58

صفحه 404

فهرس مصادر التأليف والتعليق

نبدأ تبرّكاً بالقرآن الكريم
حرف الألف
1 . إتمام الدراية لقرّاء النقاية: جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 هـ) المطبوع في حاشية كتاب مفتاح العلوم، دار الكتب العلمية، بيروت.
2 . أُسد الغابة: علي بن أبي الكرم محمد بن محمد المعروف بابن الأثير (المتوفّى 630 هـ) مؤسسة إسماعيليان، طهران.
3 . أُصول البلاغة: كمال الدين ميثم بن علي البحراني (636 ـ 699 هـ) تحقيق ونشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم ـ 1433 هـ .
4 . إعجاز القرآن: الباقلاني أبو بكر محمد بن الطيّب (المتوفّى 403 هـ) دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة.
5 . الأعلام: خير الدين الزركلي (المتوفّى 1410 هـ) دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة، بيروت ـ 1400 هـ / 1980 م.
6 . أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي (المتوفّى 1371 هـ) دار

صفحه 405
التعارف، بيروت .
7 . الأغاني: أبو الفرج الاصفهاني علي بن الحسين (284 ـ 356 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
8 . الإكسير في علم التفسير: سليمان بن عبدالقوي بن عبدالكريم الصرصري البغدادي الطوفي (المتوفّى 716 هـ) دار الأوزاعي، بيروت ـ 1409 هـ .
9 . الإيضاح في علوم البلاغة: الخطيب القزويني محمد بن عبدالرحمن (666 ـ 739 هـ) تحقيق بهيج غزاوي، دار إحياء العلوم، بيروت ـ 1419 هـ .
حرف الباء
10 . بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي (المتوفّى 1110 هـ) مؤسسة الوفاء، بيروت ـ 1403 هـ .
11 . البرهان في علوم القرآن: محمد بن عبدالله الزركشي (المتوفّى 794 هـ) دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، الطبعة الأُولى ـ 1376 هـ / 1957 م .
12 . بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 هـ) المكتبة العصرية، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، صيدا، لبنان.
13 . البيان والتبيين: أبو عمرو الجاحظ (150 ـ 255 هـ) تحقيق فوزي عطوي، دار صعب، بيروت.

صفحه 406
حرف التاء
14 . تاج العروس: محمد مرتضى الزبيدي الواسطي الحنفي (المتوفّى 1205 هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1414 هـ .
15 . تاريخ الإسلام: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (المتوفّى 748 هـ) دار الكتاب العربي، بيروت ـ 1407 هـ .
16 . تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي (499 ـ 571 هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1415 هـ .
17 . التبيان: محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460 هـ) تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي، مكتب الإعلام الإسلامي ـ 1409 هـ .
18 . تفسير السمعاني: منصور بن محمد بن عبدالجبار السمعاني (المتوفّى 489 هـ) دار الوطن، الرياض، 1418 هـ .
19 . تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (المتوفّى 671 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
20 . تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المتوفّى 528 هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1404 هـ .
حرف الحاء
21 . الحماسة البصرية: صدر الدين علي بن أبي الفرج بن الحسن البصري (المتوفّى 652 هـ) تحقيق مختار الدين أحمد، عالم الكتب، بيروت ـ 1403 هـ .

صفحه 407
22 . الحماسة المغربية: أبو العباس أحمد بن عبدالسلام الجراوي (المتوفّى 609 هـ) دار الفكر المعاصر، بيروت ـ 1991 م .
حرف الخاء
23 . خزانة الأدب: عبدالقادر بن عمر البغدادي (1030 ـ 1093 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1998 م .
حرف الدال
24 . دلائل الإعجاز: عبدالقاهر بن عبدالرحمن الجرجاني (المتوفّى 474 هـ) دار الكتاب العربي، بيروت ـ 1415 هـ / 1995 م .
25 . ديوان أبي تمام: أبو تمّام حبيب بن أوس الطائي (188 ـ 231 هـ) دار صعب، بيروت.
26 . ديوان أبي العتاهية: (130 ـ 211 هـ) مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ 1420 هـ .
27 . ديوان أبي العلاء المعرّي: (المتوفّى 363 هـ) مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ 1420 هـ .
28 . ديوان الأعشى: ميمون بن قيس بن جندل الأعشى (المتوفّى 7 هـ) المكتبة الثقافية، بيروت.
29 . ديون امرئ القيس: (المتوفّى 565 م) دار صادر، بيروت.
30 . ديوان البحتري: الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي (206 ـ 284 هـ) دار بيروت، بيروت ـ 1408 هـ / 1987 م .

صفحه 408
31 . ديوان بشّار بن برد: أبو معاذ العقيلي (95 ـ 167 هـ) دار الجيل، بيروت ـ 1416 هـ .
32 . ديوان حسان بن ثابت: (المتوفّى 54 هـ) مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ 1418 هـ .
33 . ديوان الحماسة: أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (188 ـ 231 هـ) دار الجيل، بيروت ـ 1422 هـ .
34 . ديوان الخنساء: (المتوفّاة 24 هـ) دار المعرفة، بيروت ـ 1423 هـ .
35 . ديوان دعبل الخزاعي: (148 ـ 246 هـ) مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ 1417 هـ .
36 . ديوان ذي الرمة: غيلان بن عقبة العدوي (77 ـ 117 هـ) دار الجيل، بيروت ـ 1417 هـ .
37 . ديوان زهير بن أبي سلمى: (المتوفّى سنة 13 قبل الهجرة) دار صادر، بيروت .
38 . ديوان صفي الدين الحلّي (677 ـ 750 هـ) دار صادر، بيروت.
39 . ديوان كثير عزّة (المتوفّى 105 هـ).
40 . ديوان المتنبي: أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي المتنبّي (303 ـ 354 هـ) دار بيروت، بيروت ـ 1403 هـ .
41 . ديوان المعاني: أبو هلال الحسن بن عبدالله بن مهران العسكري، دار الجيل، بيروت.

صفحه 409
42 . ديوان النابغة الذبياني: (المتوفّى نحو 18 ق هـ) دار صادر، بيروت.
حرف الذال
43 . الذريعة إلى تصانيف الشيعة: أقا بزرگ الطهراني (المتوفّى 1389 هـ) دار الأضواء، بيروت.
حرف الراء
44 . روضة الواعظين: محمد بن الفتّال النيسابوري (المتوفّى 508 هـ) منشورات الشريف الرضيّ، قم.
حرف السين
45 . سر الفصاحة: عبدالله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي (423 ـ 466 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1403 هـ .
46 . السنن: الترمذي محمد بن عيسى بن سورة (209 ـ 279 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
47 . سير أعلام النبلاء: محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 748 هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت ـ 1413 هـ .
حرف الشين
48 . شرح ابن عقيل: عبدالله بن عقيل العقيلي الهمداني المصري (698 ـ 769 هـ) المكتبة التجارية الكبرى، مصر ـ 1384 هـ .

صفحه 410
49 . شرح ديوان أبي تمام: إيليا الحاوي، دار الكتاب اللبناني، بيروت ـ 1981 م .
50 . شرح ديوان المتنبي: عبدالرحمن البرقوقي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر ـ 1357 هـ .
51 . شرح شافية ابن الحاجب: رضي الدين محمد بن الحسن الأسترآباذي النحوي (المتوفّى 686 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1395 هـ .
52 . شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي (586 ـ 656 هـ) دار إحياء الكتاب العربي ـ عيسى البابي الحلبي وشركاؤه ـ 1378 هـ .
53 . شرح المنظومة: ملا هادي السبزواري (1212 ـ 1289 هـ) دار المرتضى، مشهد.
حرف الصاد
54 . الصحاح: الجوهري إسماعيل بن حمّاد (المتوفّى 393 هـ) دار العلم للملايين، بيروت ـ 1407 هـ .
55 . الصحيح: البخاري محمد بن إسماعيل (المتوفّى 256 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1419 هـ .
56 . الصحيح: مسلم بن الحجّاج القشيري (المتوفّى 261 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

صفحه 411
حرف الطاء
57 . طبقات المفسّرين: جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 هـ) مكتبة وهبة، القاهرة ـ 1396 هـ .
58 . الطراز لأسرار البلاغة: يحيى بن حمزة العلوي اليمني، دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1402 هـ .
حرف العين
59 . عقود الجمان: جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 هـ) طبع مصر.
60 . عوالي اللآلي: محمد بن علي بن إبراهيم الإحسائي المعروف بابن أبي جمهور (المتوفّى 880 هـ) مطبعة سيد الشهداء، قم ـ 1403 هـ .
حرف الغين
61 . الغدير: عبد الحسين أحمد الأميني (المتوفّى 1392 هـ) دارالكتاب العربي، بيروت ـ 1397 هـ .
حرف الكاف
62 . الكافي: محمد بن يعقوب الكليني (المتوفّى 329 هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1397 هـ .
63 . الكامل في التاريخ: محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (المتوفّى 630 هـ) دار صادر، بيروت.
64 . الكشاف: محمود بن عمر الزمخشري (المتوفّى 538 هـ) مكتبة مصطفى

صفحه 412
البابي الحلبي، القاهرة ـ 1367 هـ .
65 . الكنى والألقاب: عباس القمّي (المتوفّى 1359 هـ) مكتبة الصدر، طهران.
حرف اللام
66 . لسان العرب: محمد بن مكرّم ابن منظور الإفريقي المصري (المتوفّى 711 هـ) نشر أدب الحوزة، قم ـ 1405 هـ .
حرف الميم
67 . مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي (المتوفّى 548 هـ) مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ 1415 هـ .
68 . مجمع الزوائد: علي بن أبي بكر الهيثمي (المتوفّى 807 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1408 هـ .
69 . المحرر الوجيز: عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي المحاربي (481 ـ 542 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1413 هـ .
70 . مختصر المعاني: سعد الدين التفتازاني (المتوفّى 792 هـ) دار الفكر، قم ـ 1411 هـ .
71 . المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري محمد بن عبدالله (321 ـ 405 هـ) دار المعرفة، بيروت.
72 . المسند: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 هـ) دار صادر، بيروت.
73 . مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: محمد بن طلحة الشافعي (582 ـ

صفحه 413
652 هـ) تحقيق ماجد بن أحمد عطية.
74 . المطوّل: سعد الدين التفتازاني (المتوفّى 792 هـ) الطبعة الحجرية.
75 . معاهدة التنصيص على شواهد التلخيص: الشيخ عبدالرحيم بن أحمد العباسي (المتوفّى 963 هـ) عالم الكتب، بيروت ـ 1367 هـ .
76 . مفتاح العلوم: يوسف بن أبي بكر محمد بن علي السكّاكي (المتوفّى 626 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت.
77 . المقامات الحريرية: القاسم بن علي الحريري البصري (446 ـ 516 هـ) دار الكتاب اللبناني، بيروت ـ 1981 م.
78 . المنتخب من المذيّل: محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310 هـ) مؤسسة الأعلمي، بيروت .
79 . من لا يحضره الفقيه: الصدوق محمد بن علي ابن بابويه القمي (المتوفّى 381 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1404 هـ .
حرف النون
80 . النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: يوسف بن تغرى بردي الأتابكي (813 ـ 874 هـ) وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مصر.
81 . نهاية الأرب في فنون الأدب: أحمد بن عبدالوهاب النويري (المتوفّى 733 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1424 هـ .
82 . النهاية في غريب الحديث: ابن الأثير الجزري (544 ـ 606 هـ) مؤسسة

صفحه 414
إسماعيليان، قم ـ 1364 هـ .
83 . نهج البلاغة: جمع الشريف الرضيّ لخطب وكلمات أمير المؤمنين (عليه السلام)، (359 ـ 406 هـ) بيروت ـ 1387 هـ .
حرف الواو
84 . الوافي بالوفيات: الصفدي خليل بن أيبك بن عبدالله (696 ـ 764 هـ) دار إحياء التراث، بيروت ـ 1420 هـ .
85 . وفيات الأعيان: ابن خلكان أحمد بن محمد بن إبراهيم الأربلي (608 ـ 681 هـ) دار الثقافة، لبنان.
حرف الياء
86 . يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر: ابو منصور عبدالملك الثعالبي النيسابوري (المتوفّى 429 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1403 هـ .
Website Security Test