welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار *
نویسنده :الشريعة الاصفهانيّ (قدس سره)*

إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار

صفحه 1
   
    إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار


صفحه 2


صفحه 3
إشراف وتقديم: آية الله جعفر السبحاني

إبانة المختار

في إرث الزوجة من ثمن العقار
وتليها رسالة:
صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة

لشيخ الشريعة الاصفهانيّ (قدس سره)

(1266 ـ 1339 هـ)

وتليهما

ثلاث رسائل حول إرث الزوجة من العقار للمقامقاني والصافي والسبحاني

تليها

«نخبة الأزهار في أحكام الخيار» لتلميذ شيخ الشريعة:

آية الله الشيخ محمد حسين السبحاني (المتوفّى 1392 هـ)

صفحه 4
شريعت اصفهانى، فتح ا... بن محمد جواد، 1266 ـ 1339 ق .
      إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الاخذ بالخيار / تأليف شيخ الشريعة الاصفهانيّ; اشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1391 .
      ص 472 .    ISBN 978 - 964 - 357 - 512 - 0
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس .
مندرجات: ابانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الاخذ بالخيار. ص 19 ـ 131. ـ ـ صيانة الابانة عن وصمة الرطانة. ص 133 ـ 174. ـ ـ المحاكمة بين علمين من المعاصرين. ص 175 ـ 203. ـ ـ إرث الزوجة. ص 205 ـ 258. ـ ـ إرث الزوجة من الأرض. ص 259 ـ 278. ـ ـ نخبة الازهار في احكام الخيار. ص 279 ـ 462.
      1 . ارث (فقه). الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ مشرف و مقدمه نويس. ب. موسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان. د. شريعت اصفهانى، فتح الله بن محمد جواد، 1266 ـ 1339 ق. هـ . عنوان: صيانة الابانة عن وصمة الرطانة. و . مامقانى، عبدالله، 1290 ـ 1351 ق. ز. عنوان: المحاكمة بين علمين من المعاصرين. ح. صافى گلپايگانى، لطف الله، 1296 ش ـ . ط . عنوان: ارث الزوجة. ي . سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ . ك . عنوان: إرث الزوجة من الأرض. ل . سبحانى تبريزى، محمد حسين، 1299 ـ 1392 ق. م. عنوان: نخبة الازهار في احكام الخيار.
2الف 4ش/ 197 BP    378 / 297
1391
اسم الكتاب:   … إبانة المختار في إرث الزوجة
المؤلف:   … شيخ الشريعة الاصفهانيّ (قدس سره)
الطبعة:   … الأُولى 1391 ق. ش / 1434 هـ . ق / 2012 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع وعدد الصفحات:   … وزيري 472 صفحة
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 771    تسلسل الطبعة الأُولى: 396

مركز التوزيع

قم المقدسة: ساحة الشهداء / مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه 5

* فهرس إجمالي للرسائل المطبوعة في هذا الكتاب
1. إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار: لشيخ الفقهاء المحقّقين شيخ الشريعة الاصفهانيّ: ص 19 ـ 131 .
2. صيانة الإبانة له ـ (قدس سره)ـ أيضاً: ص 133 ـ 174.
3. المحاكمة بين علمين: للعلاّمة الحجة آية الله العظمى الشيخ عبداللّه المامقاني (قدس سره) (1290 ـ 1351 هـ): ص 175 ـ 203.
4. إرث الزوجة: لآية الله العظمى الشيخ لطف اللّه الصافي الگلپايگاني دام ظله: ص 205 ـ 258
5. إرث الزوجة من الأرض: للفقيه المحقّق جعفر السبحاني دام ظله: ص 259 ـ 278 .
6. نخبة الأزهار في أحكام الخيار: لآية الله الشيخ محمد حسين السبحاني (المتوفّى 1392 هـ): ص 279 ـ 462

صفحه 6


صفحه 7
مقدّمة المشرف: مسألة إرث الزوجة من ثمن العقار   

تقديم المشرف: آية الله جعفر السبحاني

مسألة إرث الزوجة من ثمن العقار

إرث الزوجة من زوجها من المسائل المهمة التي تحتلّ مكانة لائقة في نظام الإرث في الفقه الإسلامي، وقد أعطاها الفقهاء من الاهتمام والعناية ما يليق بها كمسألة، نصّ القرآن الكريم على أهم تفاصيلها، وصرّحت الأحاديث الشريفة بشيء آخر منها.
و قد اتّفقت الأُمّة الإسلامية على إرث الزوجة من زوجها إجمالاً، غير أنّ أهل السنّة ذهبوا إلى أنّها ترث من جميع أمواله من النقود والثياب إلى الدور والضياع والأشجار والأبنية من دون استثناء، وأنّها ترث من عين ما تركه الزوج; بينما أجمعت الإمامية على حرمانها من بعض ما ترك زوجها، ولم ينسب خلاف الى أحد من فقهائهم، إلاّ ما نُسب إلى «ابن الجنيد» على تأمّل في هذه النسبة.
و قد عدّ هذا الأمر ـ أعني: حرمان الزوجة من بعض ما ترك زوجها بعد

صفحه 8
موته ـ ممّا تفرّدت به الإمامية، ومستندهم في ذلك روايات كثيرة متواترة استخرجها الحفّاظ من محدّثيهم من الأُصول الحديثية المستندة إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وبذلك خصّصوا عموم الكتاب، أعني قوله سبحانه:
(وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن)1.
أجل لقد اتّفقت الإمامية على حرمان الزوجة من بعض التركة، وإن اختلفوا في خصوصيات ذلك البعض، وسيوافيك بيان هذه الخصوصيات والأقوال المختلفة فيها في الرسالة الرابعة من هذه المجموعة الفقهية الخاصّة.
على أنّ ممّا اتّفقوا عليه في هذا المجال هو حرمانها من «العقار» في الجملة، فذهبوا بأجمعهم إلى أنّها لا ترث لا من عين الأراضي، ولا من قيمتها ; وهذا هو الذي انفردت به الإمامية وبحث عنه فقهاؤهم في ضمن الكتب الفقهية المطوّلة، أو الرسائل المفردة لهذا الموضوع2 .
و بناء على هذا الأصل تنطرح فروع، وجزئيات يجب استخراج أَحكامها من القواعد والأُصول، ومن هذه الفروع الفرع الّذي يقول: لو اشترى رجل قبل موته «أرضاً» بشرط أن يكون للبائع خيار الفسخ عند رد الثمن أو مثله، بعد حلول أجل معين، فمات المشتري قبل الأجل، ثم رد البائع عند

1 . النساء: 12 .
2 . وقد أشار محقّق هذه المجموعة إلى طائفة من تلك الرسائل المفردة في هذا الموضوع في آخر الرسالة الرابعة من هذه المجموعة. راجع ص 257 .

صفحه 9
حلول الأجل بعد موت المشتري مثل الثمن، وفسخ البيع، فهل ترث الزوجة (أي زوجة المشتري الميّت) من ذلك الثمن أو لا؟
و منشأ الإشكال هو: أنّ المورث (و هو هنا المشتري للأرض) عندما مات ترك أرضاً، والزوجة غير وارثة للأرض، ولكن البائع فسخ العقد وأخذ الأرض وردّ الثمن إلى ورثة المشتري وهم أولاده وزوجته، ومن المعلوم أنّ الزوجة ترث من غير العقار والأراضي الذي منه النقود.
فبما أنّ الزوج ترك «أرضاً» عند الوفاة كان مقتضاه أن تحرم الزوجة من إرث الأرض، وبما أنّ البائع فسخ العقد بعد موت المشتري وردّ الثمن وصار المردود قابلاً لإرث الزوجة منه ربما اقتضى ذلك أن ترث منه فعلاً، فهل ترث الزوجة ـ والحال هذه ـ أوْ لا؟ هناك وجهان بل قولان.
و قد طُرح هذا السؤال عامّ 1317 هـ على علماء النجف الأشرف وفقهائها، وصار محل بحث ونقاش وأخذ وردّ في أوساط الفقهاء، وكان ممّن تصدّى للإجابة عليه الفقيه المحقّق الشهير السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي حيث ذهب إلى حرمانها من «الثمن المردود» وقد كتب في هذا الصدد رسالة وجيزة.
كما وتصدّى للإجابة على هذا السؤال الفقيه المحقّق والعالم المتتبع الشيخ فتح اللّه الإصفهانيّ الشهير بشيخ بالشريعة، فقد رجّح ـ في إجابته هذه ـ خلاف ما رجّحه الفقيه اليزدي، وسلك طريقاً غير طريقه، واختار رأياً غير رأيه، فهو(رحمه الله) يقول في أوّل رسالته التي دبّجها في الإجابة عن ذلك السؤال:
بلغني أنّ جُل فقهاء بلدتنا ـ زاد اللّه في شرفهاـ سالكون في الجواب ما

صفحه 10
سلكته، مرجّحون ما رجّحته، وأنّي خولفت عن بعضهم في ذلك، وأنّه سلك طرقاً وعرة المسالك، ثم رفُع إليّ السؤال ثانيّاً فحررت الجواب، فكشفت عن وجه الصواب، ثمّ جاءُوني بجواب معلّل، وتحرير مدلّل عن بعض مشاهير العصر وأجلاّء الوقت (يريد الفقيه الشهير السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي) يتضمّن جواباً غير ما أجبته، وترجيحاً لخلاف ما رجّحته، وجدّدت المقالة، وأوضحت ما سنح لي في كلامه من النظر والإشكال في رسالة. ثم أتوني برسالة منه ـ زيد مجده ـ زاد فيها على ما سبق، مشيّداً فيها ما حرّره سالفاً ونمّق، فاستحسنت الكفّ عن المقال، إذ قد أضجرني الجواب عن ذلك السؤال، إلاّ أنّ ثلّة من الإخوان، وضرباً من الخلاّن ألحوا عليّ في الإبانة عمّا كنت أعتقده، وسد الثغور عما كنت أُرجحه قائلين: إنّه لم يزل دأب السابقين واللاحقين جارياً على النقض والإبرام، والإفساد والإحكام1.

***

الحقيقة بنت البحث

نعم على هذا دأب علماؤنا السابقون، وسلفنا الصالح إذ كانوا يتحرّون الحقيقة بالبحث والمناقشة في حين كان التوصّل إلى الحقيقة هذه أحبّ لديهم من كلّ شيء، وأهم عندهم من أي اعتبار، فهم رغم ما كان يكنّ أحدهم للآخر من الاحترام والحب، والتقدير والإكبار، لم يلاحظوا في نقد الآراء، وتمحيص الأقوال، واستجلاء الحقائق شيئاً، بل كانوا يمضون في البحث والمناقشة والنقض والردّ حتى لو استلزم ذلك بعض المضاعفات،

1 . إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار: 21 ـ 22 .

صفحه 11
وفي هذا الصدد كتب شيخنا الفقيه شيخ الشريعة الإصفهاني ناقلاً عن بعض الأعلام قوله في هذا الباب:
«إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة التي أعظم اللّه بها عليهم النعمة حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابين المؤدّية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتى اتّضحت الآراء، وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف»1.
نعم كانت كذلك سيرة سلفنا الصالح في مجال التوصّل إلى الدقائق، وتحقيق الحقائق، ونعم ما يقول شاعر الأهرام المفلق الأُستاذ البحاثة محمد عبد الغني حسن صاحب التآليف الممتعة:
يشتدّ في سبب الخصومة لهجة *** لكن يرقّ خليقة وطباعاً
و كذلك العلماء في أخلاقهم *** يتباعدون ويلتقون سراعاً
في الحق يختلفون إلاّ أنّهم *** لا يبتغون إلى الحقوق ضياعاً
إنا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضمّنا دين الهدى أتباعاً
و يؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعاً2

1 . المصدر السابق
2 . الغدير للعلاّمة الأميني الجزء الثامن، المقدّمة .

صفحه 12
ولا غرابة فإنّ الوقوف على الحقيقة، وإماطة الستر عن وجهها وليد النقاش العلمي، ووليد المحادثة فإنّ التقاء أفكار ذوي الآراء كالتقاء الأسلاك الكهربائية، فكما أنّ الضوء ينبعث من المصباح حين يلتقي التيار الكهربائي بقطبيه الموجب والسالب ، فكذلك نور الحقيقة يشعّ أمامنا بتبادل الفكرتين، وتعارضهما بالنفي والإيجاب، إذ طالما يخيّل للإنسان أنّه صائب في فكره ونظره، فإذا عرضه للبحث والنقاش وتوارد عليه النفي والإثبات ربما ظهر وهنه وضعفه.
نعم يجب على الباحث عن الحقيقة أن يعرض آراءه وأفكاره في الجو الهادئ المتحرّر عن التعصب لفئة غابرة، أو فكرة حاضرة الشاخص، أمام كلّ رأي فارغ عن الدليل والبرهنة، فالاجتهاد بهذا النحو رمز كشف الحقيقة، رمز خلود الإسلام وبقائه، رمز كونه غضّاً طرياً في كلّ عصر وزمان.
نعم ربما يجد الناشئ الجديد في نفسه حرجاً عند وقوفه على اختلاف أصحاب الآراء والمذاهب في أُصول الإسلام وفروعه، ويتخيّله حاجزاً يعرقل خطاه في الوصول إلى الواقع، ويتمنّى رفع الخلاف الفكري في المسائل من رأس بتأسيس مؤتمرات علمية من ذوي الأفكار.
بل ربما نسمع من بعض الشباب سؤالاً يوجّهه إلى الهيئات العلمية الإسلامية ويقول: كان في وسع النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجمع أُصول الإسلام وفروعه وكلّ ما يرجع إليه في كتاب، ويتركه بين الأُمّة حتى يسد بذلك باب التقوّل من بعده على المتقوّلين فلماذا لم يفعل ذلك؟
لكنّه رأي غير ناضج، إذ لو جمعها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في كتاب وسلّمه إلى الأُمّة، لاستولى الركود الفكري والتدهور العقلي على عقلية الأُمّة، وانحسر

صفحه 13
كثير من المفاهيم والقيم الإسلامية عن ذهنيتها، وأوجب ضياع العلم وتطرّق التحريف إلى أُصوله وفروعه حتى إلى الكتاب الذي كتب فيه كلّ صغير وكبير، فلم تَقُم للإسلام دعامة، ولا حفظ كيانه ونظامه، إلاّ على ضوء هذه البحوث، والنقاشات الدارجة بين العلماء، وردّ صاحب فكر على ذي فكر آخر بلا محاباة1.
و لأجل ذلك نرى عملاق الفقه والإفتاء ابن إدريس الحلّي الذي كسر جليد التقليد والتبعية في البحث الفقهي بعد أن حكم بوجوب الزكاة على المزارع إذا بلغ نصيبه النصاب يقول بما لفظه:
«و قال بعض أصحابنا المتأخّرين في تصنيف له: من كان البذر منه وجبت عليه الزكاة، ولاتجب الزكاة على من لايكون البذر منه ; لأنّ ما يأخذه كالأُجرة، والقائل بهذا هو السيد العلوي أبو المكارم ابن زهرة الحلبي شاهدته ورأيته، وكاتبني وكاتبته، وعرّفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ، فاعتذر باعتذارات غير واضحة وأبان بها بأنّه ثقل عليه الردّ، ولعمري أنّ الحق ثقيل كلّه، ومن جملة معاذيره ومعارضاته لي في جوابه أنّ المزارع مثل الغاصب للحب إذا زرعه، فإنّ الزكاة على ربّ الحبّ دون الغاصب، وهذا من أقبح المعارضات، وأعجب التشبيهات، وإنّما كانت مشورتي عليه أن يطالع تصنيفه وينظر في المسألة ويغيّرها قبل موته، لئلاّ يستدرك عليه مستدرك، فعلت ذلك ـ علم اللّه ـ شفقة وسترة عليه ونصيحة له، لأنّ هذا خلاف مذهب أهل البيت(عليهم السلام)».2

1 . معالم النبوة للسبحاني : 303، 304
2 . السرائر لابن إدريس الحلّي: 2 / 443، شروط المزارعة، ولكلامه هذا صلة فليرجع إليه من أراد.

صفحه 14
لقد جرى سلفنا الطاهر على هذه السيرة في عملهم الفقهي، وتبعهم فيه الخلف الصالح الذي يقتدي بذلك السلف في كلّ مأثرة، وسنّة حسنة.
والمجموعة الحاضرة هي في الحقيقة نموذج صادق على هذه السيرة العلمية فهي تتناول بالمناقشة و البحث، مسألة واحدة من مسائل إرث الزوجة وفروعاً من فروعها.
و لابدّ أن نعترف بأنّ هذا النمط من تناول المسائل الفقهية كان له أثر كبير في إغناء الفقه الإمامي بالفروع المدلّل عليها، والمسائل المبرهن عليها، كما أنّ هذا النهج ساعد الفقهاء الإماميين في جميع العصور والقرون على حلّ المشاكل المستجدّة، التي كان الآخرون من الطوائف الإسلامية والمذاهب الفقهية الأُخرى يعجزون عن الوقوف على حلٍّ صحيح لها مطابق للكتاب العزيز والسنّة المطهّرة لافتقادهم مثل هذا المنهج العلمي الاجتهادي العميق.

الرسائل الست في هذه المجموعة وأصحابُها:

تحتوي هذه المجموعة الفقهية الثمينة ـ والتي خرجت لأوّل مرّة من هذه الحلّة القشيبة بعد أن كان أكثرها مخطوطاً ـ على ست رسائل، هي:

1 . «إبانة المختار» في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار

وهي تأليف الفقيه المتضلّع، والأُصولي البارع، عملاق الفقه والتحقيق شيخنا العلاّمة الشيخ فتح اللّه شيخ الشريعة الاصفهانيّ المولود عامّ 1266 هـ ، المتوفّى عامّ 1339 هـ وذلك في النجف الأشرف1.

1 . راجع للوقوف على ترجمته المفصّلة: أعيان الشيعة: 8 / 391 ; معارف الرجال: 2 / 154; أحسن الوديعة: 1 / 171; علماء معاصر: 122; مصفى المقال: 193; ريحانة الأدب: 3 / 206; مكارم الآثار: 5 / 1816; الأعلام للزركلي: 5 / 333 ; معجم المؤلفين: 8 / 52 ; الذريعة للشيخ آغا بزرگ الطهراني (في مختلف أجزائه).

صفحه 15
فقد كتب هذه الرسالة ـ وهي مفصّلة ـ حول هذا الفرع الفقهي وأشبع المسألة بحثاً وتحقيقاً ويجد القارئ مدى إحاطته ـ (رحمه الله) ـ بالفروع المتعلّقة بالبحث، وبكلمات القدماء، كما ويقف على عمق نبوغه وعظمة قدرته على استنباط الأحكام.
و قد وقعت هذه الرسالة الشريفة القيّمة بيد الفقيه الأُصولي المحقّق الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني صاحب الكفاية وغيرها من التآليف القيّمة فوافقه في أصل الحكم والجواب وقد وصفها بأنّها: «جليلة المقدار، واضحة المنار، وإنّ الراجح ما رجّحه، والمتعيّن ما عيّنه، وإنّ المزيد عليه لايتيسر، بل ذلك المقدار لم يكن يتصور» إلاّ أنّه اتجهت في نظره إشكالات عديدة في مواضع نادرة ممّا يتعلّق بالفوائد الخارجة عن أصل المقصد الذي استطرفها مؤلّفنا الراحل بذكرها فيها فزيّن تلك المواضع بما سنح له من الأنظار، وعلّق عليها بمآثر من الإفاضات والأفكار.
فلمّا وقف عليها المؤلف الجليل (نعني شيخنا شيخ الشريعة الاصفهانيّ) أجال قداح نظره حول تلك الإشكالات: فكتب رسالة ثانية في نقد تلك الاعتراضات وهي الرسالة الثانية من الرسائل الأربع في هذه المجموعة وهي:

2. صيانة الإبانة

فهذه الرسالة هي لشيخنا شيخ الشريعة الأصفهانيّ أيضاً، وقد كتبها

صفحه 16
سماحته في الدفاع عن ما ذكره في رسالته الأُولى: « إبانة المختار» والرد على بعض الإشكالات التي أوردها الشيخ المحقّق الخراساني صاحب الكفاية على تلك الرسالة، ولم تزل الرسالتان كدرّتين يتيمتين مخزونتين في بعض المكتبات الخاصّة، ومنها مكتبة سماحة شيخنا الورع العلاّمة الوالد الشيخ محمد حسين السبحاني الخياباني (قدس سره)، وقد كان من أفاضل تلاميذه ومن عشّاق بحثه، وكان حريصاً على نشرهما في الملأ الإسلامي، وكانت النسخة مكتوبة بخط جيد لأحد تلاميذه فضيلة الشيخ حسين السرخابي التبريزي عامّ 1335 هـ ، وقد قوبلت بخط المصنف في أيام حياته، والنسخة المخطوطة هذه لاتزال موجودة بعينها في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)بقم.

3. المحاكمة بين علمين من المعاصرين

و هذه الرسالة هي من تأليف الفقيه الكبير والرجالي الشهير الشيخ عبداللّه المامقاني (1290 ـ 1351 هـ) ، وقد حاكم فيها بين الفقيهين العظيمين: السيد اليزدي وشيخ الشريعة الاصفهانيّ وناقش أدلّتهما وقال:
« لقد حرّر بعض الفضلاء الأعلام ( وقد عنى به شيخنا شيخ الشريعة الاصفهانيّ) رسالة مفردة لإثبات إرثها من الثمن المذكور مورداً ما حرّره بعض الأعاظم (يعني به الفقيه السيد اليزدي) في جواب المسألة معترضاً عليه فقرة فقرة، ونحن نورد كلّ فقرة مع ما عقبها به من الاعتراض، ونعقبها بما يقتضيه الإنصاف إن شاء اللّه تعالى»1.

1 . راجع الصفحة 142 ـ 143 من هذه المجموعة.

صفحه 17
و قد طبعت هذه الرسالة ضمن اثنتي عشرة رسالة سمّيت بالإثنا عشرية سنة 1344 هـ .

4. إرث الزوجة

تأليف آية اللّه العظمى الشيخ لطف اللّه الصافي الگلپايگاني (دام ظلّه)، وهي رسالة قيّمة أُلفت في أصل المسألة، أعني: كيفية إرث الزوجة من زوجها وبيان ما تفرّدت به الإمامية في هذا الحكم، والرسالة محاولة فقهية مبتكرة في هذا المجال، والمؤلف حقّاً أحد الذابّين عن حريم الشريعة والمدافعين عن أهل البيت(عليهم السلام)، حياه اللّه وسدّد خطاه.

5. إرث الزوجة من الأرض

تأليف صاحب هذه المقدّمة ، وهي رسالة أُلّفت حول إرث المرأة من الأرض ونظر المشهور في المسألة وما تُستثنى منه. وكتبت هذه الرسالة ردّاً على مقال في مجلة «فقه أهل البيت» .

6. نخبة الأزهار في أحكام الخيار

تأليف آية الله الشيخ محمد حسين السبحاني (قدس سره)والرسالة تبحث
عن حقيقة الخيار وأحكامه وأقسامه ومسقطاته. ومؤلّف هذه الرسالة
من تلاميذ شيخ الشريع الاصفهاني ورسالته هذه تتعلّق بأقسام
الخيارات واحكامها في الشريعة الإسلامية الغرّاء فجئنا بها هنا إتماماً
للفائدة .

صفحه 18
وقد قام بتصحيح وتخريج الرسائل الأربع الأُولى المحقّق الشيخ محمد فاضل القايئيني حفظه الله ورعاه.
وقد طبعت هذه المجموعة في عام 1405 هـ . ويعاد طبع هذه المجموعة مع الرسالتين الخامسة والسادسة الآنفتي الذكر بتصحيح اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، وهي طبعة مزيدة ومنقحة، فجزى الله مساعي الجميع.
ونحن إذ نزفّ هذه المجموعة إلى العالم الإسلامي وإلى العلماء والفقهاء خاصّة نرجو أن نكون ـ بإخراج هذه المجموعة إلى حيّز المطبوعات ـ قد أسهمنا بإعطاء متاع جديد إلى المكتبة الفقهية والحقوقية الإسلامية في هذا العصر الذي يتطلّع إلى المزيد من الدراسات الفقهية الإسلامية، خاصّة وإنّ هذه المجموعة تعكس نمط المنهج الذي سار ويسير عليه فقهاء الإمامية قديماً وحاضراً في معالجتهم للمسائل الفقهية، والتي تعدّ أقوى منهج في البحث العلمي، وأعمق نهج في النقاش الفكري.
واللّه نسأل في ختام هذه المقدّمة أن يوفّقنا لتقديم المزيد من هذه الدراسات المفيدة إلى المكتبة الإسلامية إنّه سميع مجيب الدعاء.

جعفر السبحاني

18 ذي الحجة 1433 هـ
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدسة ـ إيران

صفحه 19

إبانة المختار في إرث الزوجة

من
ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار
شيخ الشريعة الاصفهاني
(1266 ـ 1339 هـ)

صفحه 20


صفحه 21
مقدّمة المؤلّف   

الحمد للّه الذي هدانا إلى سواء السبيل، وأبان لنا صريح المدلول بواضح الدليل، وأمرنا باتّباع الحقّ، وإن تبعه قليل، ورفض الباطل، وإن قال به خطر أو جليل، وصلّى الله على خير سليل من نسل إبراهيم الخليل، الفائق على جميع رسل الملك الجليل، بل المفضّل علماء أُمّته على أنبياء بني إسرائيل، وعلى خلفائه المطهّرين المعصومين الموصوفين بكلّ جميل، ما تعاقب جيل بعد جيل، وقبيل بعد قبيل.
و بعد; فيقول أقل الأقلّين العبد الآثم الجاني بن محمد جواد الشيرازي النمازي الميرزا فتح اللّه الاصفهانيّ: إنّه قد دفع إليّ سؤال من بعض إخواننا في الإيمان من أهل «جيلان» في قضية طال التشاجر فيها، فحرّرت السؤال، وأبنت عن الجواب بما هو حق المقال، حسب ما وسعه الحال وساعده المجال.
ثم بلغني: أنّ جلّ فقهاء بلدتنا ـ زاد اللّه في شرفها ـ سالكون في الجواب ما سلكته، مرجّحون ما رجّحته، وإنّي خولفت عن بعضهم في ذلك، وأنّه سلك طرقاً وعرة المسالك، ثم رفع إليّ السؤال ثانياً فحرّرت الجواب، فكشفت عن وجه الصواب.

صفحه 22
ثم جاءُوني بجواب معلّل وتحرير مدلّل، عن بعض1 مشاهير العصر، وأجلاّء الوقت، يتضمّن جواباً غير ما أجبته، وترجيحاً لخلاف ما رجّحته، وجدّدت المقالة، وأوضحت ما سنح لي في كلامه من النظر والإشكال في رسالة.
ثم آتوني برسالة منه ـ زيد مجده ـ زاد فيها على ما سبق، مشيّداً فيها ما حرّره سالفاً ونمّق.
فاستحسنت الكف عن المقال، إذ قد أضجرني الجواب عن ذلك السؤال، إلاّ أنّ ثلّة من الإخوان وضرباً من الخلاّن ألحّوا علي في الإبانة عمّا كنت أعتقده، وسدّ الثغور عمّا كنت أُرجّحه، قائلين: إنّه لم يزل دأب السابقين واللاحقين جارياً على النقض والإبرام، والإفساد والإحكام، بل قال بعض الأعلام: إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة التي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابين، المؤدّية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتى اتّضحت الآراء وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف.
و إذ قد تمهّد هذا العذر الواضح، والأمر اللائح عُلم أنْ لا عذر عن السكوت عن الكلام فيه، وبيان ما لنا وللعلماء في قوادمه وخوافيه، فحينئذ

1 . هو الفقيه الشهير المعاصر السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (مدّ ظله). منه (رحمه الله).

صفحه 23
سنح لي أن أُجدد القول في ما اعتقده أنّه الصواب الواجب بيانه، والحق الصراح الواضح برهانه، فشرعت في ذلك ملقّباً له بـ « إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار»، وهو حسبي، ونعم الوكيل، وإليه المفزع في الكثير والقليل، ولنعم ما قيل: إنّ الاعتراض على كامل، بردِّ شاذة وقعت له، لايقدح في كماله، ولا يؤذن بالاستهتار بواجب رعاية حقّه وإفضاله، إذ الفاضل من عدّت غلطاته، ولم تكثر زلاته، وفرطاته، وكلّنا مأخوذ من قوله ومردود عليه، إلاّ من عصمه اللّه تعالى.
و يعجبني: نقل ما ذكره فحل الفحول إبن إدريس الحلّي(قدس سره) في سرائره1 لاشتماله على فوائد، فإنّه بعد أن حكم بوجوب الزكاة على المزارع إذا بلغ نصيبه النصاب قال ما لفظه: فقال بعض أصحابنا المتأخّرين في تصنيف له: من كان البذر منه وجب عليه الزكاة، ولاتجب الزكاة على من لايكون البذر منه، لأنّ ما يأخذه كالأُجرة، والقائل بهذا القول السيد العلوي أبوالمكارم ابن زهرة الحلبي2 شاهدته ورأيته، وكاتبته وكاتبني، وعرّفته ما ذكره في تصنيفه من الخطاء، فاعتذر (رحمه الله) بأعذار غير واضحة، وأبان بها أنّه ثقل عليه الردّ، ولعمري إنّ الحق ثقيل كلّه. ومن جملة معاذيره ومعارضاته لي في جوابه: «إن المزارع مثل الغاصب للحبّ إذا زرعه، فإنّ الزكاة يجب على ربّ الحبّ دون الغاصب»، وهذا من أقبح المعارضات، و أعجب التشبيهات، وإنّما كانت مشورتي عليه أن يطالع تصنيفه، وينظر في المسألة، ويغيّرها قبل

1 . لأبي جعفر محمدبن منصور الحلي المعروف بابن إدريس (558-598 هـ).
2 . هو السيد أبوالمكارم حمزة بن علي بن زهرة الحلبي الحسيني (511-585 هـ) .

صفحه 24
موته، لئلاّ يستدرك عليه مستدرك بعد موته، فيكون هو المستدرك على نفسه، فعلت ذلك علم اللّه شفقة وسترة عليه، ونصيحة له، لأنّ هذا خلاف مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
و شيخنا أبوجعفر (رحمه الله) قد حقّق المسألة في مواضع عديدة من كتبه، وقال: الثمرة والزرع نماء على مالكيهما، فيجب على كلّ واحد منهما الزكاة إذا بلغ نصيبه مقدار ما يجب فيه ذلك، وإنّما السيد أبو المكارم رأى ما ذكره شيخنا أبوجعفر(رحمه الله) من مذهب أبي حنيفة في مبسوطه، فظنّ أنّه مذهبنا، فنقله في كتابه على غير بصيرة ولا تحقيق، وعرّفته أنّ ذلك مذهب أبي حنيفه ذكره شيخنا أبوجعفر (رحمه الله)في مبسوطه، لمّا شرع أحكام المزارعة، ثم عقّب بمذهبنا، وأومأت إلى المواضع التي حقّقها شيخنا أبوجعفر (رحمهم الله)في كتاب القراض وغيره، فما رجع ولا غيّرها في كتابه، ومات (رحمه الله)وهو على ما قاله، تداركه اللّه بالغفران وحشره مع آبائه في الجنان.1

أمّا السؤال:

في الإقالة والفسخ   
فهو أنّه «رجل اشترى أراضيَ وأعياناً بشرط خيار الفسخ للبائع إذا ردّ مثل الثمن في مدّة معيّنة، ثم مات المشتري قبل مضيّ مدة الخيار وفسخ البائع فهل ترث زوجة المشتري من تمام الثمن المردود، ربعها، أو ثمنها؟ أو من خصوص ما يقابل الأعيان فقط بعد البناء على حرمانها من الأراضي عيناً وقيمة؟

1 . السرائر: 2 / 443، شروط المزارعة.

صفحه 25
فأجبت بما محصّله:
أنّه لا خلاف بل لا إشكال في إرثها من جميع الثمن المردود، وأنّ المدار في إرثها وحرمانها على ملاحظة التركة بعد الفسخ، فإن كانت الأرض مبيعة بمعنى أنّ الميّت باعها ورجعت بالفسخ حُرمت منها الزوجة، وإن كان قد انتقل إليها عوضها فيؤخذ منها الثمن ولايردّ عليها شيء من الأرض، وإن كانت مشتراة كما في المفروض ورثت من الثمن الراجع، وإن حُرمت حال الموت من الأرض من غير فرق في المسألتين بين كون الخيار للميّت أو للطرف الآخر أو لأجنبي.
فإنّ الفسخ وإن كان من حينه إلاّ أنّه يوجب حلّ العقد الواقع بين الميّت وطرفه ونقض ما أبرماه، فبعد الفسخ يصير الثمن في حكم مال الميّت في المفروض، ويرتفع المانع من إرث الزوجة من خصوصية قائمة بالأرض، فيرتفع الممنوع.1
ونبهت على أنّ الفقهاء صرّحوا بحكم المسألة فيما إذا كان الخيار للميّت من غير خلاف ولا تأمّل من أحد منهم، وأجروا الملازمة بين الفسخ والحرمان في الأُولى، وبينه وبين الإرث في الثانية مجرى الواضحات، وأرسلوهما إرسال المسلّمات، مع بداهة أنّ علّة حرمانها في الأُولى ليست كونها وارثة للخيار، بل ملاحظة التركة بعد الفسخ، وكذلك العكس، ومحصّل ما أجاب به البعض المتقدّم إليه الإشارة «أنّ الأظهر حرمان الزوجة من ثمن

1 . أي يخرج الممنوع عن كونه ممنوعاً فهو في الحقيقة ارتفاع يرجع إلى الثبوت، والتعبير به لنحو من المشاكلة. (منه (رحمه الله)).

صفحه 26
الأرض الراجع بالفسخ في مفروض السؤال ; لأنّ الفسخ وإن كان حلاًّ للعقد إلاّ أنّه مستلزم للتعارض والتبادل، وبقية الورثة في فرض السؤال هم المالكون فعلاً للأرض قبال الفسخ دون الزوجة، فبالفسخ يعود عوض الأرض المملوكة لهم، إليهم دونها، بل حقيقة الفسخ الردّ والاسترداد، ولازمه الرجوع إلى المالك الفعلي». وأخذ في تشييد هذا المرام والهدم لما يورد عليه من الكلام.
والذي أعتقده أنّ المسألة بحكمها الذي أسلفته وذكرته من الواضحات بل من قبيل المسائل الّتي يقال: إنّ الباحثين فيها إذا عثروا لم يقالوا، وإن أصابوا لم يحمدوا بما قالوا، إلاّ أنّه دعاني إلى تجديد القول فيها العذر الذي قدّمناه، مضافاً إلى التنبيه على فوائد جمّة وفروع مهمّة نتعرّض لها في تضاعيف المسألة إن شاء الله تعالى.

و لنمهّد لتحقيق القول فيها وفي نظائرها مقدّمات نافعة:

الأُولى: ] في الإقالة والفسخ [

إنّ الإقالة ـ وإن نسب إلى بعض العامة الخلاف فيها من كونها بيعاً، أو فسخاً مُطلقاً، أو في بعض الصورـ إلاّ أنّ الفسخ ممّا لم يعهد من أحد من المسلمين جعله بيعاً، أو معارضة مستقلّة، بل هو نقض للعقد عند الكلّ، وهو كذلك، فإنّ الفسخ المتعلّق بالعقد، مثله إذا تعلّق بغيره لا معنى له إلاّ نقض العقد وحلّ الربط، وفصل المتصل حسّاً أو معنى، بحسب اختلاف متعلّقه المقتضي في البيع لعود المالين إلى الحالة الأُولى، وفي النكاح إذا فسخ

صفحه 27
بالعيوب المعروفة لعود الزوجين إلى ما كانا عليه.
فالاتّصال والارتباط الحاصل بعقد البيع والبدلية الناشئة منه بين المالين ينتقض وينفسخ بالفسخ المزيل للبدلية، ويستتبع استحقاق الفسخ تارة، استحقاق الردّ فقط كما إذا صالح1 ماله بلاعوض وجعل الخيار لصاحبه، وأُخرى استحقاق الاسترداد كما في القرض إذا جعل الخيار لنفسه، وثالثة الرد والاسترداد كما إذا باع وجعل لأحدهما أو كليهما الخيار.
ثم المالك للعوضين حال الفسخ الذي يتوهّم المعاوضة بينهما قد يكون متعدّداً كما هو الغالب، وقد يكون واحداً ; كما إذا باع داراً من أبيه محاباة وجعل لنفسه الخيار وقبض الثمن، فمات الأب وانتقلت الدار إلى الولد وكان على الميّت دين مستوعب لقيمة الدار، فأراد الولد الفسخ تقليلاً لنصيب الديّان وهو المالك للعوضين فعلاً ولا يتعقّل في حقّه المعاوضة والمبادلة.
ثم إنّه قد يستتبع تارة زوال الملكية ورجوع العينين، وتارة رجوع البدلين بعد بطلان ملكيتهما بالتلف، وثالثة رجوع العين من طرف والبدل من طرف، ورابعة رجوع العين أو البدل من طرف واشتغال الذمة من طرف كما إذا تلف ولم يتمكّن من البدل بعد الفسخ.
و الجامع بين الجميع حلّ العقد ورفعه ونقضه، فالاتصال الذي تحقّق بين المالين بالعقد بمعنى ارتباط أحدهما بالآخر إذا تبدّل بالانفصال والتفرّق

1 . بناء على صحّة مثل هذا الصلح كما يظهر من القوم التسالم على أنّه يفيد فائدة الهبّة إذا تضمّن ملك العين بغير عوض. (منه(رحمه الله)) .

صفحه 28
والقطع كان انفساخاً، وكان الفاعل فاسخاً قاطعاً كما في فسخ النكاح وفسخ اليد والمفصل عن موضعه وفسخ الرأي والعزيمة، وفسخ الشعر عن الجلد وتفسّخه.

تحقيق في الفسخ

وقد يعبّر عن الفسخ بما يساوقه كردّ البيع كما في رواية عمر بن حنظلة.1
وقد يكنّى عنه ببعض لوازمه كردّ المبيع، أو الثمن، أو الأرض، أو الجارية، أو العوض والمعوض، أو أشباهها، كما يكنّى عن فسخ النكاح بالعيوب المعروفة بردّ المرأة، أو ردّها على أهلها، كما في النصوص الواردة في النكاح2 الخالية عن لفظ الفسخ المحمولة عند الجميع في جميع الأعصار والطبقات عليه، وقد يعبّر عن عدم استحقاق الفسخ بوجوب البيع ومضيّه ولزومه، كما سيتّضح تفصيل ذلك كلّه، والمراد في جميع المقامات معنى واحد ومفهوم فارد يختلف لوازمه وآثاره بحسب الموارد، واتحاد معنى الفسخ في البيع والنكاح والمعاوضة وغيرها لعلّه ضروري جدّاً.
الخلاف في كون الفسخ رفعاً من حينه أو من أصله   
و دعوى أنّ المعنى المفهوم من الفسخ الثابت بالشرط عند نوع الشارطين له: هو مجرد الردّ أو الاسترداد، ممنوعة جدّاً على مدّعيها، بل المفهوم عندهم هو المفهوم منه في فسخ النكاح، وسائر الاستعمالات التي لا تتضمّن أحدهما أو شيئاً منهما، مضافاً إلى أنّه لو تم لاقتضى التفصيل بين

1 . الوسائل: ج 12، الباب 14 من أبواب الخيار، الحديث 1 .
2 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 5 .

صفحه 29
كون الشارطين من العلماء الواقفين على معنى الفسخ، وكونه من العوام، نعم ربما يثمر كون غرضهم من اشتراط الفسخ الردّ والاسترداد في عدم جواز التصرّف المتلف، أو الناقل في زمن الخيار، لكنّه أجنبي من مقامنا.
و ممّا ينبّه على وضوح ما ادّعيناه في الفسخ: أنّ العامّة وإن اختلفوا في كون الإقالة فسخاً، أو بيعاً والمحقّقون منهم على كونها فسخاً، وهو أصحّ الوجهين عند الشافعي، وإن نسب إلى قوله القديم إنّها بيع.
و عن أبي حنيفه: أنّها فسخ دائماً في حقّ المتعاقدين، وإن كانت بيعاً في حق غيرهما كالشفيع، إلاّ أنّهم اتّفقوا على كونها فسخاً في حقّ الكلّ إذا وقعت بلفظ الفسخ.
ففي «التذكرة» ـ بعد نقل الخلاف عن مالك والشافعي في القديم من قوله ـ قال ما لفظه: فالإقالة إذا ذكرت بلفظ الإقالة فيه الخلاف السابق، أمّا إذا ذكرت بلفظ الفسخ فلا خلاف في أنّها فسخ، وليست بيعاً، قاله بعض الشافعية، انتهى.1

الخلاف في كون الفسخ رفعاً من حينه أو من أصله

فما ظنك بالردّ بالخيار بلفظ الفسخ حتى أنّ وضوح كون الفسخ رفعاً للعقد دعا كثيراً من فضلاء العامّة إلى الإشكال على من ذهب إلى كون الفسخ رفعاً للعقد من أصله: بأنّه يؤدّي إلى المحال واستلزام وجود الشيء لعدمه.
ففي جملة من كتبهم ما لفظه: أنّ العقد إذا جعل كأن لم يكن، جُعل

1 . تذكرة الفقهاء: 12 / 118.

صفحه 30
الفسخ كأن لم يكن; لأنّ الفسخ بدون العقد لا يتصوّر، فإذا انعدم العقد من أصله انعدم الفسخ من الأصل، وإذا انعدم الفسخ من الأصل، عاد العقد لانعدام ما ينافيه.
و دعوى: أنّ انعدام العقد إنّما هو بالفسخ فلايوجب انعدام نفس الفسخ، مدفوعة، بأنّه وإن كان بالفسخ إلاّ أنّه إذا أوجب انعدام ما يتوقّف عليه أوجب انعدام الموقوف، ولذلك اختاروا: إن الفسخ إنّما يؤثّر من حينه، وأنّه يجعل العقد كأن لم يكن في المستقبل لا في الماضي.
و أنت خبير بأنّه لو فسّر الفسخ بحل العقد وقيل: بأنّه يوجب انحلال العقدة الحاصلة بالعقد لم يتجه الإشكال، حتى على من ذهب إلى أنّ الفسخ من أصله.
إلاّ أن يقال: بظهور الرفع أيضاً كالحلّ في معنى متوقّف على وجود الشيء; كما أنّه لو أُريد بالحلّ، جعل العقد كأن لم يكن كان مساوقاً للرفع بهذا المعنى من غير تفاوت.
و لشيخنا الشهيد(رحمه الله)إشكال وحلّ في قواعده يقرب ممّا ذُكر، قال: ارتفاع الواقع لا ريب في امتناعه، وقد يقال في فسخ العقد عند التحالف: هل هو الفسخ من أصله، أو من حينه؟ ويترتب على ذلك النماء.
الخيار لغةً واصطلاحاً   
فيرد هنا سؤال: وهو أنّ العقد واقع بالضرورة من حينه في الزمان الماضي، وإخراج ما تضمّنه الزمان الماضي من الوقوع محال.
فإن قلت: المراد رفع آثاره دونه. قلت: الآثار أيضاً من جملة الواقع وقد

صفحه 31
تضمنها الزمان الماضي، فيكون رفعها محالاً.
و أُجيب عن ذلك بأنّ هذا من باب إعطاء الموجود حكم المعدوم، فالآن نقدّره معدوماً، أي نعطيه حكم عقد لم يوجد... إلى أن قال: وقيل لايخلو باب من أبواب الفقه عن التقدير. انتهى1 .
وبالجملة: كون الفسخ رفعاً للعقد، وحلاًّ له من الضروريات، وإن اختلفوا في كونه رفعاً له من أصله، أو من حينه، فالمشهور المنصور هو الثاني، وتحقيقه في محلّه، وسيأتي في الفصل الأوّل التنبيه على أربعة عشر فرعاً كلّها يتفرّع على كون فسخ البيع حلاًّ، أو بيعاً، أو معاوضة مستقلّة غيره. فانتظر.
و يمكن أن يجعل جملة منها من الأدلّة على المدّعى فيكثر الدليل جدّاً على كون الفسخ حلاًّ لا غير.

المقدّمة الثانية: الخيار في اللغة

إنّ الخيار لغة: هو الاختيار كما في المصباح والمجمع، أو اسم منه كما في القاموس، وأنت بالخيار أي اختر ما شئت كما فيه أيضاً، وهو باق على هذا المعنى في أخبار الأئمة الأبرار(عليهم السلام)، وكلمات العلماء الأخيار، إلاّ أنّه بقرينة استعماله بعد عقد البيع، أو النكاح مثلاً، يراد به الاختيار في العقد بين طرفي إبقائه أو إزالته.

1 . القواعد والفوائد: 2 / 79 - 81 ; تأليف الإمام أبي عبدالله محمد بن مكيّ العاملّي المعروف بالشهيد الأوّل (المتوفّى 786 هـ).

صفحه 32

الخيار في الاصطلاح:

و الغالب في استعمالات المتأخّرين في أبواب العقود إرادة هذا المعنى من باب استعمال الكلّي في الفرد، لا أنّه معنى اصطلاحي لهم، كما قد يتوهّم فيعترض من لا خبرة له، ممّن أشرب قلبه حبُ الإشكال والاعتراض على الأصحاب: بأنّهم نزّلوا الأخبار الواردة قبل هذا الاصطلاح بمائتين من السنين على معنى اصطلحوا عليه، ولايدري أنّه مستعمل قبل وبعد في معنى واحد.
و إنّ المراد به في الأخبار أيضاً ملك فسخ العقد وإزالته كما نبّهنا عليه، وكونه نفس الملك، أو حقاً مستتبعاً له، لايوجب تفاوتاً في الغرض الآتي، والقوم إنّما فهموا هذا المعنى وهذا الفرد، من المطلق من الأخبار، فاصطلحوا عليه على تقدير تسليم الاصطلاح، إذ الغرض منه الاختصار والاقتصار عند بيان أحكامه الشرعية المعلّقة عليه في الأدلّة، فلا معنى لأن يصطلحوا على معنى غير ما هو المراد من الخبر ثم يرتبون عليه الحكم المذكور في الدليل، والقرائن الدالة على أنّ معنى الخيار في الروايات هو ملك فسخ العقد أو حق يستتبعه، كثيرة.
منها: الأخبار الواردة في خيار المجلس الحاكمة «بالخيار ما لم يفترقا ووجوب البيع إذا افترقا»1، و «إنّه (عليه السلام)مشى خطىً ليجب البيع»، فإنّ المراد بوجوبه ليس مجرد ثبوته الحاصل في المجلس بالضرورة، لا سيما إن قلنا

1 . الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «أيّما رجل اشترى من رجل بيعاً فهما بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع». لاحظ وسائل الشيعة: ج 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 4 .

صفحه 33
بالملكية قبل انقضاء الخيار، بل تأكد ثبوته ولزومه، واستقراره، بحيث لايتسلّط على نقضه وفسخه، فالمراد بالخيار المجعول قسيماً له، تزلزل البيع والتسلّط على فسخه وهدمه.
ومنها: ما ورد في خيار الحيوان، كما في صحيحة علي بن رئاب: «الخيار لمن اشترى ثلاثة أيام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء»1.
و في مكاتبة الصفّار المسؤول فيها: من رجل اشترى دابة فأحدث فيها حدثاً أله الخيار؟ إنّه وقع (عليه السلام): «إذا أحدث فيها فقد وجب الشراء»،2 فعبّر(عليه السلام)عن عدم الخيار بوجوب البيع.
ومنها: الروايات الواردة في خيار التأخير المعبّر في كلّها على كثرتها عن الخيار وعدم لزوم البيع: «بأنّه لا بيع له، أو لا بيع بينهما»،3 بناءً على المقرر عند المشهور بل الكل، إلاّ في بعض العبائر التي يمكن إرجاعها عند التحقيق إلى عدم اللزوم.
والشواهد على إرادة عدم اللزوم من الأخبار محرّرة في محله، والاستشهاد بهذه الروايات إنّما هو لتوضيح أنّ الخيار متعلّق بالعقد ونفس البيع، حيث إنّ التعبير عنه; بأنّه لا بيع له أو بينهما، لا يستحسن إلاّ بأن يكون متعلّقاً به، موجباً لنقضه، وهدمه، وجعله كأن لم يكن.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 9 .
2 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2.
3 . الوسائل: ج 12، أحاديث الباب 9 من أبواب الخيار.

صفحه 34
ومنها: ما ورد في اشتراء ما يفسد من يومه من التعبير عنه: «بأنّه لابيع له»،1 المراد منه الخيار، وعدم اللزوم اتفاقاً، والتقريب كما سبق.
ومنها: ما في موثقة موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «أيّما رجل اشترى شيئاً، وبه عيب أو عوار لم يتبرأ إليه ولم يبيّن له فأحدث فيه بعدما قبضه شيئاً ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء أنّه يمضي عليه البيع»2 الحديث. فعبّر (عليه السلام)عن عدم الخيار وسقوطه «بمضي البيع عليه» فيكون الخيار ردّ البيع وعدم مضيّه.
ومنها: ما ورد في رواية عمربن حنظلة، فيمن اشترى أرضاً على أنّها عشرة أجربة، فلمّا مسحها إذا هي خمسة أجربة قال: «إن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الأرض، وإن شاء ردّ البيع وأخذ ماله كلّه»3 الحديث.
و حمل البيع على المبيع تجوّز لا داعي إليه لاسيما بعد قوله(عليه السلام)عقيبه: «فإن كان كذا كان البيع لازماً له عليه، وعليه الوفاء بتمام المبيع»4 الحديث. إذ فيه دلالة على أنّ المراد بالأوّل هو نفس البيع من وجهين.
أحدهما: إسناد اللزوم إلى البيع وجعله قسيماً مقابلاً لردّ البيع المذكور سابقاً.
والآخر: التعبير بالمبيع بصيغة المفعول عند إرادة بيان وجوب دفع التمام حيث غيّر أُسلوبَ التعبير.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 11 من أبواب الخيار، الحديث 1 .
2 . الوسائل: ج 12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 2.
3 . الوسائل: ج 12، الباب 14 من أبواب الخيار، الحديث 1 .
4 . الوسائل: ج 12، الباب 14 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 35
و ما في ذيل الحديث: «من أنّه إن شاء ردّ البيع»، لا يصير قرينة على أنّ المراد بالبيع الذكور أوّلاً هو المبيع مجازاً، إذ ليس معانداً لإرادة الحقيقة منه، بل المراد «بردّ الأرض أيضاً» هو ردّهما بعنوان ردّ البيع، والغرض من هذا كلّه: إنّ لفظ الفسخ وإن كان غير مذكور في النصوص إلاّ أنّ لفظ الخيار، المراد به ملك فسخ العقد الموجود فيها، كما أنّ لفظ «رد البيع» و«يمضي عليه البيع» و «إنّه لا بيع له» المساوق للفسخ، موجود فيها.
مضافاً إلى ما ستعرف من عدم الحاجة1 إلى هذا الأمر بالمرّة في أصل المسألة.
ثم إنّك ـ بعد ما عرفت من أنّ معنى الخيار عند المتشرّعة هو معناه في اللغة وأنّ الاختيار دائماً إنّما يتعلّق بأحد طرفي الشيء من الفعل والترك الذي يراه القادر خيراً له ـ تقدر على دفع الإشكال الذي أورده شيخنا العلاّمة الأنصاري (قدس سره)على تعريف القوم للخيار، بأنّه ملك إقرار العقد وإزالته، حيث إنّه أورد عليهم: بأنّه إن أُريد من إقرار العقد إبقاؤه على حاله بترك الفسخ فذكره مستدرك، لأنّ القدرة على الفسخ عين القدرة على تركه، إذ القدرة لايتعلّق بأحد الطرفين، وإن أُريد به إلزام العقد وجعله غير قابل لأن يفسخ ففيه: إنّ مرجعه إلى إسقاط حق الخيار فلايؤخذ في تعريف نفس الخيار. إلى آخر ما ذكره.2

1 . حيث إنّ المفروض فيها ثبوت استحقاق الفسخ بجعل المتعاقدين وشرطهما له في ضمن العقد، وإن البائع فسخ، وأعمل خياره، واللفظ الواقع في متعلّق الشرط لايجب أن يكون مذكوراً في النصوص بالضرورة. (منه(رحمه الله)).
2 . المكاسب للعلاّمة الأنصاري: 214، قسم الخيارات; والطبعة المحقّقة: 5 / 12، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأنصاري، قم ـ 1420 هـ .

صفحه 36
في تملّك الميت حقيقة بعد موته    
وجه الدفع: أنّ المراد به هو الأوّل، وذكره في الحدّ لما هو المتعارف من ذكر طرفي الاختيار عند بيانه، فهم وإن ذكروا الملك في تعريف الخيار الذي هو الاختيار، أو اسم منه لكن من المناسب جدّاً التنبيه على طرفي الاختيار، وإنّهما إبقاء العقد وإعدامه.

المقدّمة الثالثة: ] في تملّك الميت حقيقة بعد موته [

إنّ تملّك الميّت حقيقة بعد موته وإن حُكي عن جماعة دعوى القطع باستحالته وامتناعه.
بل ربما يُدّعى الاتّفاق عليه، أو كونها من الضروريات، إلاّ أنّ بقاء تركته على حكم ماله أحياناً بل صيرورة مال جديد بعد موته في حكم ماله ممّا لم ينازع أحد في إمكانه ووقوعه في بعض المقامات بمساعدة بعض الأدلّة، وكلّ من حُكي عنه القول بامتناع تملّكه وأنّه يدّعي استحالته كابن إدريس، والمحقّق، و العلاّمة وثاني الشهيدين، وغيرهم فقد صرّح في موضع أو مواضع بكونه في حكم مال الميّت.
وترى القائلين بالامتناع يجيبون عما يتراءى منه تملّكه حقيقة كدّيته الحاصلة بعد موته والصيد الواقع في شبكته المنصوبة حال حياته ممّا دل النصّ والإجماع على تعلّق ديونه ووصاياه به تارة، بأنّه أعم من التملّك حقيقة أو حكماً، وأُخرى: بأنّه يلتزم فيهما الانتقال إلى الورثة مع وجوب صرفها في الدين والوصية عيناً أو ديناً.

صفحه 37

كلمات الفقهاء في المسألة

وبالجملة: فالقول: بالتملّك الحكمي ممّا لا إشكال فيه إذا ساعده بعض الظواهر.
بل يظهر1 من جمال المحقّقين وثمال المدقّقين وهو الفقيه الحكيم في باب الوصية: القول بجواز بقاء ما تركه الميّت على ملكه حقيقة، قال: ولو سلم (يعني عدم أهلية الميّت للتملّك) إنّما يسلم ابتداءً، وأمّا إذا تملّك في حال الحياة فلم لا يجوز أن يبقى على ملكه، إلى أن ينتقل إلى الموصى لهم، أو الديان بشرائطه؟ وما ذكر من انتقال ماله عنه بالموت ممنوع أيضاً، إذ لا دليل عليه عقلاً ولا شرعاً. انتهى.
و صرّح المحقّق القميّ2 في مواضع عديدة3 من كلامه: أنّ قولهم: «إنّ الميّت لايقبل الملك» كلام ضعيف، وقول بلا دليل، حاكياً له عن الشيخ أحمد الجزائري في آيات الأحكام أيضاً.
و في الجواهر 4 أنّ المحكيّ من ثاني الشهيدين والفخر ناسباً له إلى بعض أن الميّت يملك حقيقة ابتداءً5.

1 . حاشية آقا جمال الخوانساري على شرح اللمعة: 4، كتاب الوصايا.
2 . جامع الشتات: 635 .
3 . منها ما ذكره غير مرّة عند التعرّض لتحقيق مسألة التركة عند الدين المستوعب. (منه(رحمه الله)).
4 . ذكره في باب الحجر منه، فراجع.
5 . جواهر الكلام: 26 / 87 .

صفحه 38

التحقيق في المسألة

و لا بأس أن نتكلّم فيه بعض الكلام، وإن كانت مسألتنا غير متوقّفة عليه، إذ لم أر من أحد من المحقّقين تعرّضاً وافياً له.
فنقول: قد يستدلّ على عدم تملّكه حقيقة بوجوه:
أحدها: الإجماع على ذلك لو لم نقل بضروريته فقد أرسل جماعة من المحقّقين امتناع تملّكه إرسال المسلّمات، وأجروه مجرى الواضحات الضروريات.
الثاني: أنّ الملك صفة وجودية كالبياض والسواد لاتقوم بالميّت المعدوم كالمملوكية.
و أمّا بحسب روحه ونفسه فهو وإن كان باقياً إلاّ أنّ الملكية التي هي من الاعتبارات العرفية كالمالكية و المملوكية ممّا لا تتّصف بها المجردات عند أهل العرف الذين هم المعتبرون لها، ولذا لايصح الوقف على جبرئيل مثلاً، وملكية الله تعالى لجميع الموجودات على نهج آخر لا بهذا المعنى الذي يعتبره العرف بينهم في أملاكهم، ولذا يجتمع ملكه تعالى مع ملكهم على شيء واحد.
الثالث: أنّ الملكية إمّا عبارة عن السلطنة على الشيء اقتضاءً أو فعلاً، إذا لم يمنعه مانع، أو الإحاطة به ونفوذ قوله ورأيه فيه، أو كونه بحيث يتمكّن من أنحاء التقلّبات والتصرّفات فيه، أو ما يشبه ذلك من التعبيرات المتقاربة.
و من المعلوم انتفاء كلّ ذلك في الميّت الذي صار جماداً لايشعر

صفحه 39
كالجدار، أو موجوداً غير قابل لأنحاء التقلّبات والتصرّفات، ويمكن المناقشة في الجميع.

المناقشة في أدلّة القائلين على عدم تملّك الميّت

أمّا الأوّل: فبأنّ دعوى الضرورة ممّا لايُصغى إليه في مثل هذه المسألة النظرية التي لايلزم من الالتزام بها شيء من المحالات المعروفة أو غيرها لاسيما بعد مخالفة من سمعت من المحقّقين، وما هي إلاّ حرفة العاجز المسكين إذا قصرت يده عن الركون إلى دليل متين، فيتشبّث بها كتشبّث الغريق بلحيته.
و أمّا الإجماع: فلمّا تقرر عندنا من أنّ حجّيته إنّما هو لاستكشاف قول المعصوم(عليه السلام) ورأيه، فلا عبرة به في المسائل الغير التوقيفية المبنية على الوجوه العقلية والتخريجات الحدسية.
نعم، لحجّية اتفاق أُولي الألباب والعقول على شيء، وجه وجيه إلاّ أنّ الصغرى في المقام ممنوعة.

كلام المعلّم الثاني

ذكر أبو نصر الفارابي في رسالة «الجمع بين الرأيين» ـ أي رأي أرسطو وإفلاطون ـ في حدوث العالم وقدمه في أثناء كلام له: إنّا نعلم يقيناً أنّه ليس شيء من الحجج أقوى وأمنع وأنفع وأحكم من شهادات المعارف المختلفة بالشيء الواحد واجتماع الآراء الكثيرة، إذ العقل عند الجميع، حجّة، ولأجل أنّ ذا العقل ربما يخيّل إليه الشيء بعد الشيء، على خلاف ما هو عليه من

صفحه 40
جهة تشابه العلامات المستدّل بها على حال الشيء، احتيج إلى اجتماع عقول كثيرة مختلفة، فمهما اجتمعت فلا حجّة أقوى ولا يقين أحكم من ذلك.1
ثم طعن على آراء جماعة مقلدين لرأي واحد يؤمّهم فيما اجتمعوا عليه لأنّها بمنزلة عقل واحد وهو قد يخطئ ولاسيّما إذا لم يتدبّر الرأي الذي يعتقده مراراً ولم ينظر فيه بعين التفتيش والمعاندة، قال:
وأمّا العقول المختلفة إذا اتفقت بعد تأمّل منها وتدرب وبحث وتنفّر ومعاندة وتنكّب وإثارة، لا ما أمكن المقابلة فلا شيء أصحّ ممّا اعتقدته وشهدت به واتّفقت عليه، إلى آخر ما ذكره.2
والكلام في المقام ودفع النقض بإجماع أرباب الملل الزائغة على دعوى القطع بمذاهبهم الفاسدة وبدعهم الباطلة وإجماع الفلاسفة على بعض دعاويهم الكاسدة، مجال واسع.
وأمّا الجواب عن الثاني: فبأنّ صفة الملكية ليست بأقوى من سائر الصفات الوجودية القائمة بالميّت عند جميع المسلمين، بل المليين من التنعّم والتلذّذ والثواب والعقاب والسخط والرضا.
وأمّا عدم اعتبار العرف المخترع، الملكية له في حقّه ففيه ـ مضافاً إلى رجوع الأمر بالآخرة في هذه المسألة بمثل ذاك التشديد والتأكيد إلى دعوى عدم اعتبار العرف ـ أنّه ممنوع جدّاً بل المسلّم عندهم اعتباره في بعض المقامات فتراهم يحكمون على من غصب ثلثه الذي أوصى بصرفه لنفسه،

1 . رسالة الجمع بين الرأيين لأبي نصر الفارابي: 8 .
2 . رسالة الجمع بين الرأيين : 8 .