welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المحصول في علم الأُصول / ج 2*
نویسنده :السيد محمود الجلالي المازندراني*

المحصول في علم الأُصول / ج 2

المحصول
في
علم الأُصول

يبحث عن بقية مباحث الأوامر، والنواهي، والمفاهيم، والعام والخاص، والمطلق والمقيد

الجزء الثاني

بقلم
السيد محمود الجلالي المازندراني

نشر

مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

علم الأُصول عبر القرون

الحمد لوليه، والصلاة والسلام على نبيّه، الّذي أكمل به الدين وأتم به النعمة، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

أمّا بعد:

فإنّ علم الأُصول يُعرِّف لنا القواعدَ الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية وما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل، وقد سمِّي به لصلته الوثيقة بعلم الفقه، فهو أساس ذلك العلم وركنه، وعماد الاجتهاد وسناده.

لم يك علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولاً عنه في العصور الأُولى، بل قد أملى الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ وأعقبه الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ على أصحابهما قواعد كلية في الاستنباط رتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث علم الأُصول، نظير:

1. المحدّث الحر العاملي (المتوفّى 1104 هـ) مؤلف كتاب: «الفصول المهمة في أُصول الفقه» وهذا الكتاب يشتمل على القواعد الكلية المنصوصة في أُصول الفقه وغيرها.

2. السيد العلاّمة عبد الله بن محمد رضا شبر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242 هـ) له كتاب الأُصول الأصلية.

3. السيد الشريف الموسوي، هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني له كتاب «أُصول آل الرسول» وقد وافته المنية عام 1318 هـ .

فهذه الكتب الحاوية على النصوص المروية عن أئمّة أهل البيت في القواعد


(4)

والأُصول الكلية في مجال أُصول الفقه، تعرب عن العناية الّتي يوليها أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لهذا العلم.

وقد قام لفيف من أصحاب الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ بتأليف رسائل مختصرة حول مسائل أُصول الفقه، كيونس بن عبد الرحمان (المتوفّى 208 هـ) مؤلف كتاب «اختلاف الحديث ومسائله» وأبي سهل النوبختي، إسماعيل بن علي (237 ـ 311 هـ) مؤلف كتاب «الخصوص والعموم» و «الأسماء والأحكام» والحسن بن موسى النوبختي له كتاب «خبر الواحد والعمل به».

وقد صارت تلك الرسائل النواة الأُولى لعلم الأُصول بعدهم، ثم أعقبهم الشيخ محمد بن محمد النعمان المعروف بالشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) فألّف كتاب التذكرة في أُصول الفقه المطبوع ضمن مصنفاته، والسيد الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) فألّف كتاب الذريعة، وسلاّر الديلمي (المتوفّى عام 448 هـ) فألّف كتاب التقريب في أُصول الفقه، والشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460 هـ) فألّف كتاب العدة في أُصول الفقه. وهم من أعيان القرن الرابع والخامس رضوان الله عليهم.

وقد تداول التأليف حول أُصول الفقه من قبل علمائنا عبر القرون، وقد بلغ القمة في عصرنا هذا، فتجد الهوة السحيقة بين علم الأُصول في عهد المتقدمين من علمائنا وبين علم الأُصول في وقتنا الحاضر، حتّى بدا كأنهما علمان.

وهذا هو الجزء الثاني من محاضراتنا في أُصول الفقه يقدمه ـ كسائل الأجزاء ـ السيد العلاّمة الحجة محمود الجلالي المازندراني وهو حصيلة الدورتين: الثانية والثالثة، فقد بذل جهوداً مضنية في سبيل تأليفه فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء، كيف لا وهو ممّن عقدت عليه الآمال في المستقبل، حفظه الله من كل مكروه ووفقه لمرضاته.

حرّر في ميلاد النورين

محمد المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

وحفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السَّلام ـ

17 ربيع الأوّل 1419 هـ ـ قم المشرفة

جعفر السبحاني


(5)

الفصل الخامس:

أحكام الضد
هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟

وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

1ـ المسألة أُصولية

هذه المسألة أُصولية لوقوع نتيجتها في طريق الاستنباط. فإذا ثبت الاقتضاء، تصير الصلاة المضادّة للإزالة، منهيّاً عنها، فلو قلنا إنّ النهي يقتضي فساد متعلّقه، فتصبح الصلاة فاسدة. كما تكون صحيحة على فرض عدم الاقتضاء.

2ـ المراد من الاقتضاء

المراد بالاقتضاء أحد الأمرين التاليين:

أ: الدلالة اللفظية بإحدى الدلالات الثلاث. فيبحث حينئذ بأنّ الأمر بالشيء هل يدلّ بإحداها على النهي أو لا؟

وعلى هذا، يكون البحث لغوياً، وهو لا ينافي كونه أُصولياً أيضاً، لإمكان وجود كلا الملاكين في مسألة واحدة.

ب: الملازمة بين إرادة الوجوب والنهي عن ضدّه. وعلى هذا يكون البحث


(6)

عقلياً.

وقد حكم المحقّق النائيني بكون المسألة عقلية، ومع ذلك جعل الاقتضاء أعمّ من العينية والجزئية، واللزوم أعمّ من البيّن بالمعنى الأخص والمعنى الأعم.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد من الاقتضاء هو الدلالة بنحو المطابقية أو التضمنية أو الالتزامية، لصارت المسألة لفظية لا عقلية. ولا يتمحض البحث في العقلية، إلاّ بجعل البحث ممحضاً في الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه، مع قطع النظر عن كون الأمر مدلولاً للفظ أو لا.

3ـ المراد من الضدّ

قد يطلق الضدّ ويراد منه الضدّ بالمعنى العام ، وهو مطلق المعاند الشامل لأمرين: 1ـ نقيض الواجب أعني تركه، 2ـ الأمر الوجودي الخاصّ المعبّر عنه بالمزاحم للواجب.

وربّما يطلق ويراد منه خصوص الأمر الثاني ويطلق عليه الضدّ الخاص، ولكن الغالب هو استعمال الضدّ العام، في نقيض المأمور به، أي ترك الواجب.

والبحث في هذا الفصل مركّز على أُمور ثلاثة:

الأوّل : البحث عن حكم الضدّ العام.

الثانـي: البحث عن حكم الضدّ الخاص.

الثالث: الثمرة الفقهية للبحث.

وإنّما قدّمنا البحث عن الضدّ العام على البحث عن الضدّ الخاص لابتناء براهين القائلين بالاقتضاء فيه على ثبوت الحكم في العام.

وإليك فيما يلي البحث عن هذه الأُمور الثلاثة في مقامات ثلاثة:


1-أجود التقريرات:1/251، وسيأتي بيانه و مناقشته.


(7)

المقام الأوّل

حكم الضدّ العام

الظاهر أنّ مراد القائلين بأنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه، هو الضدّ العام، وإلاّ فادّعاء العينية أو الجزئية في الضدّ الخاص بعيد جدّاً.

أمّا ادّعاء العينية في الضدّ العام فحاصله:

أنّ الأمر بالصلاة عين النهي عن تركها لأنّ النهي عن الترك عبارة عن طلب ترك الترك وهو عين طلب الفعل خارجاً حيث لا فرق بين أن يقول: صلّ وبين أن يقول: لا تترك الصلاة فإنّ العبارتين تؤديان معنى واحداً.

وبعبارة أُخرى:

إنّ الهيئة في الأمر موضوعة لطلب الفعل، وفي النهي لطلب الترك. وعلى هذا يستفاد من هيئة النهي «طلب الترك» كما يستفاد من هيئة الأمر «طلب الفعل» وإذا تعلّق النهي الذي مفاده طلب الترك بالضدّ العام ـ وهو الترك الذي هو نقيض الفعل ـ يكون مفاده «طلب ترك الترك» وهو عين طلب الفعل مصداقاً، وإن كان يغايره مفهوماً، كعدم العدم الذي هو عين الوجود مصداقاً لا مفهوماً.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ البحث في أنّه إذا تعلَّق أمر بشيء، فهل هناك ملازمة بين الأمر به والنهي عن ضدّه العام أو لا؟ والقائل بالعينية لم يأت بدليل على الملازمة ـ التي هي المقصود بالذات ـ وغاية ما أفاده هو أنّه لو كان هناك أمر بشيء ونهي عن الترك يكون أحدهما عين الآخر، ولكن الكلام في أنّه إذا أمر بشيء هل يكون ملازماً للنهي عنه حتى يكون أحدهما عين الآخر أو لا؟


(8)

وثانياً: لو افترضنا أنّ أمره بمنزلة النهي عن الترك لكن ادّعاء العينية المفهومية بمكان من البطلان إذ كيف يمكن أن يكون قوله: «صلّ » عين قوله: «لا تترك الصلاة» مفهوماً إلاّ أن يكون كلامه ناظراً إلى العينية مصداقاً لا مفهوماً كما يظهر من التشبيه في ذيل كلامه، وهذا غير محطّ البحث.

وثالثاً: أنّ الاستدلال مبني على كون مفاد هيئة النهي هو «طلب الترك» فإذا كان الضدّ العام أيضاً هو« نفس الترك» يكون مفاد النهي هو طلب ترك الترك الذي هو عين الأمر.

ولكن المبنى باطل، لما سيوافيك من أنّه ليس في مفاد النهي أيّ طلب، إذ هو زجر تشريعي عن الفعل. فالأمر والنهي، يختلفان في المفاد، ويتّحدان في المتعلّق ـ أعني الفعل ـ على عكس ما تصوّر القائل. فالأمر طلب الفعل أو البعث إليه، والنهي زجر عنه.

اللّهمّ إلاّ أن يوّجه بما في الكفاية من أنّ هنا طلباً واحداً ينسب إلى الوجود حقيقة وإلى الترك مجازاً، وهو غير محط البحث.(1)

وأمّا الدلالة على النهي بنحو التضمّن، فهو مبني على كون مفاد هيئة الأمر طلب الفعل مع المنع من الترك. فالنهي عن الضدّ العام جزء لمفاد الأمر حينئذ.

ولكن يلاحظ عليه: أنّ مفاد الأمر هو البعث إلى الفعل، وهو أمر بسيط. وما ذكر في المبنى، تحليل للإرادة المؤكدة، ولا يرتبط بمقام الدلالة.

وأمّا الدلالة: على النهي بنحو الدلالة الالتزامية، فهي تتصور على نحوين:

1ـ الالتزام بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص بأن يكون نفس تصوّر الوجوب كافياً في تصوّر المنع عن الترك.

2ـ الالتزام بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم، بأن يكون تصوّر الطرفين


1-كفاية الأُصول:1/211ـ 212.


(9)

(الأمر بالشيء، والنهي عن الضدّ العام ) والنسبة كافياً في التصديق بالاقتضاء.

أمّا الأوّل، فواضح الانتفاء، إذ كيف يمكن ادّعاء الدلالة الالتزامية بهذا النحو، مع أنّ الإنسان كثيراً ما يأمر بشيء وهو غافل عن الترك فضلاً عن النهي عنه؟

وأمّا الثاني، فلو أُريد أنّ هنا وراء الأمر بالفعل، نهي عن الترك، ففيه أنّه ما فائدة هذا النهي بعد عدم ترتّب العقاب والثواب عليه. فهو إمّا لا حاجة إليه، كما إذا كان الأمر باعثاً. أو بلا ملاك ـ وهو جعل الداعوية ـ إذا لم يكن باعثاً.

أضف إلى ذلك أنّ الأمر والنهي حكمان مختلفان في المبادئ. فالأمر لأجل وجود مصلحة في جانب الفعل، والنهي لأجل المفسدة في جانب المتعلّق، وهوالترك هنا. فتواجد الأمر والنهي في مورد باعتبار الفعل والترك، يتوقف عليوجود تلك المبادئ، وهو ليس أمراً غالبياً، بل الغالب هو وجود أحد المبدأين، وهو وجود المصلحة في فعله وعدمها في تركه، لا وجود مفسدة في تركه أيضاً.

هذا كلّه إذا فسّـر الاقتضاء بالدلالة اللفظية، وأمّا إذا فسر بالتلازم بين الإرادتين، فإثبات وجود إرادتين متلازمتين في لوح النفس دون إثباتها خرط القتاد.


(10)

المقام الثاني

حكم الضدّ الخاص

استدلّ على الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدّه الخاص بوجهين:

الوجه الأوّل: مسلك المقدّمية:

وهو مبني على أُمور ثلاثة:

1ـ إنّ ترك الضدّ ، كالصلاة، مقدّمة للمأمور به، كالإزالة وأداء الدين.

2ـ إنّ مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.

3ـ إنّ الأمر بالشيء (وهو في المقام قوله: أُترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضدّه العام، أعني نقيض المأمور به، وهو هنا نفس الصلاة.(1)

أمّا الأمر الأوّل

وهو المهم في الاستدلال، فقد تضاربت الأقوال فيه:

فمن قائل بعدم المقدّمية مطلقاً، لا من جانب الوجود ولا من جانب الترك، فليس وجود أحد الضدين مقدّمة لعدم الضدّ الآخر، ولا العكس، وهذا هو مختار المحقّقين.


1-فالصلاة إذا قيست إلى الأمر بالإزالة، فهي ضدّ خاص. وأمّا إذا قيست إلى الأمر بترك الصلاة فهي ضدّ عام، فلا تغفل.


(11)

إلى قائل بالمقدّمية من أحد الجانبين، فعدم الضدّ مقدّمة لوجود الضدّ الآخر دون العكس. وإن شئت قلت: عدم كلّ ضدّ مقدّمة لوجود الضدّ الآخر، دون أن يكون وجود كلّ منهما مقدّمة لعدم الآخر.

إلى ثالث قائل بالمقدّمية من الجانبين، فوجود كلّ ضدّ مقدّمة لعدم الآخر، كما أنّ عدم كلّ واحد، مقدّمة لوجود الآخر.وقد حكي هذا عن الحاجبي، والعضدي.

إلى رابع قائل بتخصيص المقدّمية بصورة وجود الضدّ، فرفعه مقدّمة لوجود الضدّ الآخر. بخلاف ما لو لم يكن أيّ منهما موجوداً.

وقد استدل على هذه المقدّمة الأُولى بأنّ توقّف الشيء على ترك ضدّه ليس إلاّ من جهة المضادّة والمعاندة بين الوجودين، وقضيّتها الممانعة بينهما، ومن الواضحات أنّ عدم المانع من المقدّمات.

وقد ناقش المحقّق الخراساني في هذا الاستدلال بوجوه ثلاثة:

المناقشة الأُولى في مقدّميّة عدم الضدّ

إنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين، لا تقتضي إلاّ عدم اجتماعهما في التحقّق. وحيث لا منافاة أصلاً بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر، بل بينهما كمال الملاءمة، كان أحد العينين مع نقيض الآخر في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر.(1)

ولما استنتج المحقّق الخراساني من كمال الملاءمة، الوحدة الرتبيّة اعترض عليه المحقّق الاصفهاني بقوله:«إنّ غاية ما تقتضيه الملاءمة بين الضدّ ونقيض الضدّ الآخر، هي المقارنة الزمانية بين الضدّ وعدم الآخر. والمقارنة الزمانية لا تنافي


1-نقله المحقّق الخراساني في الكفاية: 1/206.


(12)

التقدّم بالعلّية أو بالطبع.(1)

وحاصله: أنّ كمال الملاءمة، لا يثبت إلاّ عدم التقدّم في الزمان ولا ينفي التقدَّم الرتبي الذي هو ملاك العلّية.

وأجاب عنه سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ بأنّ عدم الضدّ الآخر يحمل على نفس الضدّ، فيقال: البياض هو اللاسواد، حملاً بالعرض.والحمل كاشف عن اتحادهما في الخارج اتحاداً مصداقياً بالعرض. وما يقع في سلسلة العلل من المقتضيات وعدم الموانع لا يعقل أن يتّحد مع معلوله في الخارج، ولو بالعرض، لأنّ وجود المعلول ناش ومفاض منه، وما هذا شأنه لا يعقل أن يتّحد مع المتأخّر عنه، إذ الاتحاد يأبى أن يكون أحدهما مقدِّماً والآخر مؤخّراً ولو رتبة.(2)

أقول: إنّ التقدّم الرتبي إنّما يمنع من الاتحاد إذا كان المتقدّم مفيضاً والمتأخّر مفاضاً، و هذا لا يصدق إلاّ على المقتضي الذي هو المُفيض، أو هو مع الشرط. وأمّا عدم المانع، فانّ اعتباره ليس لأجل أنّ له دخالة في تحقّق المعلول، بل لأجل أنّ وجوده مزاحم، فعُبِّر عنه بدخالة عدم المانع.وفي مثله ، لا يأبى التقدّم الرتبي عن الحمل والاتحاد، كما لا يخفى.

فإذا صحّ الحمل في مورد، لما كشف عن الوحدة في الرتبة. كما أنّه إذا لم يصح ّـ كما في قولنا: عدم الرطوبة هي الحرارة ـ لا يكشف عن التقدّم الرتبي. فما ذكره المحقّق الاصفهاني من أنّ الملاءمة لا تنفي التقدّم الرتبي أولى بالتصديق.

والأولى في نقد الاستدلال ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ المانع هو ما يوجب المنع عن رشح المقتضي، بحيث لولاه لأثّر المقتضي أثره من إفاضة الوجود إلى المعلول فيكون الموجب لعدم الرشح والإفاضة هو وجود المانع، وهذا المعنى من المانع لا يتحقّق إلاّبعد فرض وجود المقتضي بماله من الشرائط فانّه عند ذلك


1-نهاية الدراية: 1/219.
2-تهذيب الأُصول: 1/289.


(13)

تصل النوبةُ إلى المانع ويكون عدم الشيء مستنداً إلى وجود المانع وأمّا قبل ذلك فليس رتبة المانع، لوضوح أنّه لا يكون الشيء (كالبلّة) مانعاً عند عدم المقتضي أو شرطه (للاحتراق)، فلا يقال للبلّة الموجودة في الثوب أنّها مانعة عن احتراق الثوب إلاّ بعد وجود النار وتحقّق المجاورة والمماسة بينها وبين الثوب وحينئذ يستند عدم احتراق الثوب إلى البلّة الموجودة فيه.

ويترتّب على ذلك، عدم إمكان مانعية أحد الضدّين.

وذلك لأنّه لا يتصوّر المانعية للصلاة إلاّ بعد تحقّق أمرين متضادّين:

1ـ وجود العلّة التامة الشاملة للمقتضي لتحقّق الصلاة في الخارج.

2ـ وجود المقتضي والشرط للإزالة حتى تكون الصلاة مانعة.

وذلك يستلزم وجود المقتضيين للضدّين فكما أنّه لا يمكن اجتماع الضدّين، كذلك لا يمكن اجتماع مقتضي الضدّين لتضادّ مقتضيهما أيضاً، وبعد عدم إمكان اجتماع مقتضي الضدين لا يمكن كون أحدهما مانعاً عن الآخر.(1)

هذا ما قيل أو يمكن أن يقال حول المناقشة الأُولى ولنا كلام آخر، يأتي بعد دراسة المناقشة الثالثة للمحقّق الثاني.

المناقشة الثانية في مقدّمية عدم الضدّ

إنّ المنافاة بين النقيضين كما لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر ، كذلك في المتضادين.(2)

ويريد المحقّق الخراساني بهذه المناقشة قياس حال الضدّين بالمتناقضين فكما أنّ ارتفاع أحد النقيضين (البياض) ليس مقدّمة لتحقّق النقيض


1-فوائد الأُصول: 1/307ـ 308.
2-كفاية الأُصول: 1/207.


(14)

الآخر(اللابياض)، مع كمال المنافرة بينهما، بل رفع أحد النقيضين ملائم لثبوت النقيض الآخر، فهكذا حال الضدّين، لا يكون رفع أحدهما (البياض) مقدّمة لثبوت الضدّ الآخر (السواد) والجامع بينهما هو وجود المنافرة والمطاردة بين الطرفين.

ثمّ إنّ بعض المحقّقين قرّر المناقشة الثانية بوجه آخر وحاصله التمسك بقانون المساواة وهو أنّه لا شكّ في أنّ النقيضين (كالبياض واللابياض) هما في رتبة واحدة، وليس رفع البياض مقدّمة لتحقّق البياض، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، أنّه لا شكّ في أنّ الضدّين (كالبياض والسواد) في رتبة واحدة، وأنّه يمتنع تواردهما على موضوع واحد لأجل التمانع والمطاردة.

فينتج أنّ نقيض أحد الضدّين (كاللابياض) في رتبة الضدّ الآخر (السواد)، لأنّه إذا كان اللابياض في رتبة البياض، وكان البياض في رتبة السواد، تكون النتيجة أنّ اللابياض في رتبة السواد، لقاعدة التساوي، فانّ مساوى البياض، الذي هو مساو للسواد، مساو للسواد أيضاً.

يلاحظ عليه: أنّ هذا القياس عقيم، لأنّ قانون المساواة إنّما يجري في الكميّات والمقادير. فيقال مثلاً: إذا كانت زاوية «أ» مساوية لزاوية «ب» وزاوية «ب» مساوية لزاوية «ج»، كانت زاوية «أ» مساوية لزاوية «ج» وأمّا التقدّم والتأخّر والتقارن من حيث الرتبة، فخارج عن مورد القاعدة، بل كلّ واحد من هذه الأُمور تابع لوجود الملاك، وقد يوجد الملاك في أحد المساويين دون الآخر.

مثلاً: لا شكّ في أنّ العلّة متقدّمة على المعلول رتبة، وأمّا ملازم العلّة فليس بمتقدّم على المعلول من حيث الرتبة، لفقدان الملاك فيه، فانّ ملاك التقدّم الرتبي هو نشوء المعلول عن العلّة، وهذا الملاك غير موجود في ملازم العلّة، كما لايخفى.

وعلى ذلك، فكون البياض متّحداً مع السواد من حيث الرتبة، لا يكون


(15)

دليلاً على كون اللابياض متّحداً مع السواد في الرتبة، وذلك لفقد الملاك لأنّ النقيضين (اللابياض والبياض) في رتبة واحدة لأجل التناقض وإلاّ يلزم ارتفاع النقيضين وهكذا الضدّان في رتبة واحدة بملاك التضاد وليس واحد من الملاكين متحقّقاً بين اللابياض والسواد.

المناقشة الثالثة في مقدّمية عدم الضدّ

لو اقتضى التضاد توقّف وجود الشيء على عدم ضدّه، توقّف الشيء على عدم مانعه، لاقتضى توقف عدم الضدّ على وجود الشيء، توقف عدم الشيء على مانعه، بداهة ثبوت المانعية في الطرفين، وكون المطاردة من الجانبين ، وهو دور واضح.(1)

وربّما يردّ الدور ـ بما في الكفاية ـ من أنّ توقّف وجود أحد الضدّين على عدم الآخر فعلي، ولكن توقّف عدم الآخر على وجود واحد من الضدّين شأني، مثلاً: إنّ وجود السواد في محلّ متوقف فعلاً على عدم تحقّق البياض فيه، وأمّا توقّف عدم الضد (البياض) على وجود الآخر فهو شأني لا فعلي فلا دور.

أمّا كون التوقف في جانب الوجود فعلي فلوضوح أنّ توقف وجود المعلول على جميع أجزاء علّته ومنها عدم المانع فعلي لأنّ للجميع دخلاً فعلاً في تحقّقه ووجوده في الخارج وأمّا عدم الضدّ فلا يتوقّف على وجود الضدّالآخر، لأنّ عدمه يستند إلى عدم المقتضي له لا إلى وجود المانع في ظرف تحقّق المقتضي مع بقية الشرائط ليكون توقفه عليه فعلاً.

هذا إذا لوحظ الفعلان المتضادّان بالنسبة إلى شخص واحد وأمّا إذا لوحظا


1-كفاية الأُصول: 1/207.


(16)

بالنسبة إلى شخصين كما إذا أراد أحد الشخصين حركة شيء والآخر سكونه، فعدم أحدهما أيضاً مستند إلى فقد المقتضي التام، حيث إنّ قدرة المغلوب غير كافية في إيجاد الضدّ، لا إلى وجود الضدّ الآخر.

هذا توضيح لما في الكفاية.

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ الدور وإن ارتفع فعلاً، لكن لم يرتفع شأناً لأنّ عدم الضدّ وإن كان موقوفاً عليه بالفعل، لوجود الضدّ الآخر ولكنّه أيضاً موقوف على وجود الضدّ الآخر، شأناً، بحيث لو وجد المقتضي للإيجاد، يكون عدمه مستنداً إلى وجود الضدّ، وهو أيضاً محال، ضرورة استلزامه كون شيء مع كونه في مرتبة متقدّمة فعلاً، في مرتبة متأخّرة شأناً.

تحقيق رائع حول جعل عدم المانع مطلقاً مقدّمة

لنا في المقام كلام ربّما يهدم أصل الاستدلال وما قيل حوله وحاصله: أنّ جعل العدم متوقفاً أو متوقفاً عليه، غفلة عن حقيقة العدم، فانّ العدم ليس إلاّ شيئاً مصنوعاً للذهن. فإنّ الإنسان إذا رجع إلى الخارج ولم يجد شيئاً، بالسلب التحصيلي، جعله الذهن أمراً واقعيّاً، وكأنّ الإنسان وجد العدم في الخارج، فيقول مثلاً: عندما رجع إلى البيت ، ولم ير زيداً رأيت زيداً غير موجود فيه. مع أنّ واقعه أنّه لم ير شيئاً أو لم يجد فيه شيئاً، لا أنّه وجد عدمه في البيت، والعدم بهذا المعنى لا يمتّ إلى الواقع بصلة، وما هذا شأنه لا يكون مؤثراً، ولا متأثراً، ولا موقوفاً، ولا موقوفاً عليه.

وبذلك يظهر أنّ عدّ عدم المانع من أجزاء العلّة، أمر خاطئ جدّاً، ولابدّ من توجيهه، وهو أنّه لمّا كان المانع مزاحماً للمعلول وغير مجتمع معه، لوحظ عدمه شرطاً، فعبّر عن تمانع الوجودين بأنّ عدم المانع من أجزاء العلّة. وفي الحقيقة أنّ


(17)

وجود الضدّ مانع عن وجوده، لا أنّ عدمه شرط، وكم من فرق بين الأمرين.

وإن شئت قلت: يعبّرون عن مزاحمة المقتضيات ، والتمانع بين الوجودات، بكون عدم المانع من أجزاء العلّة. من غير فرق بين كونه مانعاً عن تأثير المقتضي كالرطوبة بالنسبة إلى إحراق النار،أو مانعاً من وجود المقتضى (بالفتح) كما في المقام. والذي يعرب عن ذلك كلام المحقّق السبزواري في تفسير ما يقال:«عدم العلّة علّة لعدم المعلول».

لا ميز في الأعدام من حيث العدم * وهو، لها إذاً بميز تـرتسم

كذاك فـي الأعدام لا علّية * وإن بها فاهوا فتقريبيـة(1)

فلو قالوا: عدم العلّة علّة لعدم المعلول، فهو على سبيل التقريب، فانّ الحكم بالعلّية عليه ، بتشابه الملكات، فإذا قيل: عدم الغيم علّة لعدم المطر فهو باعتبار أنّ الغيم علّة للمطر، فبالحقيقة قيل: لم تتحقّق العلّية التي كانت بين الوجودين. وهذا كما تجري أحكام الموجبات على السوالب في القضايا، فيقال: سالبة، حملية، أو شرطية، متصلة أو منفصلة أو غيرها. كلّ ذلك بمتشابه الموجبات.(2)

وبهذا يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الاصفهاني رحمه اللّه حيث قال:الاستعدادات والقابليات وأعدام الملكات كلّها، لا مطابق لها في الخارج، بل شؤون وحيثيات انتزاعية لأُمور موجودة. فعدم البياض في الموضوع ـ الذي هو من أعدام الملكات ـ كقابلية الموضوع، من الحيثيات الانتزاعية منه «فكون الموضوع بحيث لا بياض له»، هو بحيث يكون قابلاً لعروض السواد. فمتمّم القابلية، كنفس القابلية،


1-شرح المنظومة، لناظمها، قسم الحكمة، ص 47، نشر دار العلم.
2-المصدر السابق:48.


(18)

حيثية انتزاعية.(1)

وجه الضعف: أنّ ما ذكره صحيح في الاستعداد والقابلية والإضافة، دون الأعدام، إذ لا شكّ أنّ القابلية أمر تكويني في النواة والنطفة، فهي موجودة فيهما، دون الحجر. وهكذا الإضافة، كالأُبوة والبنوة، فهما ينتزعان من تخلّق الابن من ماء الأب، ولهما واقعية بواقعية مبدأ انتزاعهما.

وأمّا الأعدام، فليست لها أيّة واقعية، سوى واقعية ملكاتها. فالواقعية في: «عدم البياض» هي لنفس البياض دون عدمه.

أضعف من ذلك ما قاله من أنّ «متمّم القابلية ، كنفس القابلية »، مشيراً إلى أنّ عدم المانع متمّم للقابلية.

وجه الأضعفية: أنّ قابلية الجسم لتقبّل البياض تامّة لا نقصان فيها، فلا تحتاج إلى أيّ متمّم، غير أنّ هذه القابلية لا تخرج إلى حدّ الفعلية مع وجود الضدّ. فعدم قبوله البياض ليس للنقص في القابلية بل للتمانع بين الوجودين، فعُبّر عن التمانع بأنّ عدم المانع شرط. هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

والحاصل أنّ القوم إنّما يمنعون الصغرى وهو كون عدم الضدّ مقدّمة لأجل وحدة الرتبة بحيث لو كان هناك اختلاف في الرتبة لم يكن مانع من كونه مقدّمة كما في عدم الرطوبة بالنسبة إلى الاحتراق، ولكنّا ناقشنا الكبرى وأنّه ليس الأمر العدمي بكلا قسميه مقدّمة سواء كان مزاحم المقتضي في التأثير كالرطوبة بالنسبة إلى الإحراق، أو معاند المقتضى ومنافيه كما في المقام فافهم.

وأمّا الأمر الثاني:

وهو كون مقدّمة الواجب واجبة، فقد مرّ الكلام حوله في الفصل السابق


1-نهاية الدراية:1/220.


(19)

فتكون النتيجة أنّ الأمر بالإزالة أمر بمقدّمتها وهي ترك الصلاة فتكون تركها واجبة فكأنّه قال: «اترك الصلاة».

وأمّا الأمر الثالث:

وهو أنّ الأمر بالشيء (ترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضدّه العام، وهو نقيضه، الذي هو الفعل هنا، لأنّ الواجب هو ترك الصلاة، فنقيضه ترك ترك الصلاة الذي هو نفس الصلاة.

فمجمل نظرنا فيه هو أنّ النهي عن الضدّ العام، أمر لغو،لا يصدر عن الحكيم، لأنّه إن كان أمر المولى (أزل النجاسة) كافياً في انبعاث العبد نحو المأمور به، فهو كاف عن النهي والزجر عن النقيض (لا تصلّ)، وإن لم يكن كافياً ولا مؤثراً، يكون النهي والزجر بلا غاية.

هذا كلّه حول الدليل الأوّل على حرمة الضدّ الخاصّ، وقبل أن نستعرض الدليل الثاني على حرمته، وهو وحدة حكم المتلازمين، نبحث ـ تكميلاً للدليل الأوّل ـ في تفصيلين:

1ـ تفصيل المحقّق الخوانساري.

نقل عن المحقّق الخوانساري التفصيل بين الضدّ الموجود والضدّ المعدوم، فذهب إلى توقّف الضدّ على ارتفاع الضدّ الموجود، لا غيره. فلو كان المحلّ أسود، توقف عروض البياض على ارتفاع السواد، دون ما إذا لم يكن أسود.

ووجّهه المحقّق النائيني بأنّ المحلّ إذا كان مشغولاً بأحد الضدّين، فلا يكون قابلاً لعروض الضدّ الآخر إلاّ بعد انعدامه، ويكون وجودُه موقوفاً على عدم الضدّ الموجود. وهذا بخلاف ما إذا لم يكن شيء منهما موجوداً وكان المحلّ خالياً عن كلّ منهما، فانّ قابليته لعروض كلّ منهما، فعلية فإذا وجد المقتضي لأحدهما،


(20)

فلا محالة يكون موجوداً من دون أن يكون لعدم الآخر دخل في وجوده.(1)

يلاحظ عليه: ما عرفت في نقد مقالة المحقّق الاصفهاني ـ قدَّس سرَّه ـ من أنّه لا نقص في القابلية، وهي كاملة، سواء أكان الضدّ موجوداً أم لا، وأنّ عروض الضدّ لا يبطل القابلية للضدّ الآخر. وعدم قبوله له انّما هو لأجل التمانع بين الوجودين لا للنقص في القابلية.

ويرد على أصل التفصيل أنّ العدم أنزل من أن يكون موقوفاً عليه، أو موقوفاً، وحقيقة الأمر أنّه يرجع إلى التزاحم بين الوجودين، فعبّروا عن رفع التزاحم بأنّ ورود أحدهما يتوقّف على عدم الآخر. ففيما كانت الفاكهة على الشجر سوداء، وإن كان يمتنع عروض البياض عليها، لكن لا لأجل كون عدم السواد مقدّمة لعروض البياض، بل لأجل التزاحم بين الوجودين فعبّروا عن التزاحم بكون عدم السواد مقدّمة لعروض البياض.

2ـ شبهة الكعبي(2) في نفي المباح

نقل الأُصوليون عن عبد اللّه بن أحمد الكعبي، المتكلّم المعروف، انتفاء المباح قائلاً بأنّ ترك الحرام يتوقّف على فعل واحد من أفراد المباح، فيجب المباح بحكم كونه مقدّمة.

وما ذكره وإن كان في صورته مختصّاً بإنكار المباح، لكنّه في النتيجة إنكار للمستحبّ والمكروه، لأنّ ترك الحرام ربّما يتوقف على فعلهما، فهو في الحقيقة يحصر الأحكام في الحرام والواجب.

وما ذكره مبني على مقدّمات:


1-أجود التقريرات:1/259.
2-أبوالقاسم البلخي ، من مشايخ المعتزلة في أوائل القرن الرابع الهجري، توفي عام 317 أو 319هـ.


(21)

الأُولى: إنّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بضدّه العام، فلو كان فعل الشيء حراماً، كالكذب، كان تركه واجباً. وهذا نظير ما لو كان فعله واجباً، كالإزالة، كان تركه حراماً.

وبالجملة : كما يتولّد من الأمر بالشيء، النهي عن الضدّ العام، فهكذا يتولّد من النهي عنه، الأمر به.

الثانية: إنّ ترك الحرام يتوقّف على فعل من الأفعال الاختيارية الوجودية لاستحالة خلوّ المكلّف عن فعل من الأفعال الاختيارية.

الثالثة: إنّ مقدّمة الواجب ـ وهي الفعل الاختياري الذي يتوقّف عليه ترك الواجب ـ واجبة، فينتفي المباح.

والمقدّمات كلّها ممنوعة.

أمّا الأُولى، فلما مرّ في البحث عن الضدّ العام من أنّ الأمر والنهي لابدّ وأن يكون لهما ملاك وغاية والغاية من الأمر هي البعث نحو المأمور به، ومن النهي الزجر عن المنهي عنه. والملاك بهذا المعنى غير موجود في كلا الموردين. فكما قلنا إنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن تركه إمّا لعدم الحاجة إليه أو لعدم تأثيره وتحريكه، فكذلك النهي عن الشيء، لا يقتضي الأمر بالترك بنفس هذا الملاك، فانّه لو كان النهي زاجراً، لما كانت هناك حاجة للأمر بالترك. ولو لم يكن زاجراً في نفس المكلّف، لكان الأمر لغواً.

وأمّا الثانية، فممنوعة لوجهين:

الأوّل: إنّ قوله: ترك الحرام يتوقف صدوره من المكلّف على فعل من الأفعال الوجودية، باطل، لما فرغنا عنه من أنّ الأعدام أنزل من أن تكون موقوفة أو موقوفاً عليها، فلا وجود الضدّموقوف على ترك الضدّ ولا تركه موقوف على فعله.

الثاني: إنّ ترك الشيء مستند إمّا إلى فقد المقتضي، أو إلى وجود المقتضي


(22)

للضدّ الآخر. فترك الكذب مستند إمّا إلى عدم ميل النفس إليه، لدناءة الكذب وعلوّ طبع المتكلّم، وإمّا إلى وجود المقتضي للضدّ الآخر أي الصدق، لا إلى وجود الضدّ.

مثلاً السرقة، تركها إمّا مستند إلى عدم المقتضي لها، وهو الصارف عنها، أو مستند إلى المقتضي للاشتغال بأفعال أُخرى مثل الأكل والشرب، لا أنّ تركها مستند إلى نفس الفعلين، أعني الأكل والشرب، فلا يكون الفعل المباح موقوفاً عليه.

فلو كان المكلّف على حاله لو لم يأت بالمباح لوقع في الحرام، فالواجب هو نفس المقتضي لإيجاد المباح، لا نفس المباح.

وأمّا الثالثة، فقد عرفت حقيقة الحال فيها في الفصل السابق.

الوجه الثاني: مسلك الملازمة:

والاستدلال مبني على مقدّمات ثلاث:

أ . انّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن ضده العام وهو ترك الإزالة.

ب . انّ الاشتغال بكل فعل وجودي (الضد الخاص) كالصلاة والأكل ملازم للضد العام، كترك الإزالة حيث إنّهما يجتمعان.

ج . المتلازمان متساويان في الحكم، فإذا كان ترك الإزالة منهياً عنه ـ حسب المقدّمة الأُولى ـ فالضد الملازم لها كالصلاة يكون مثله. فينتج انّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن الضد الخاص.

يلاحظ عليه: أوّلاً: بمنع المقدّمة الأُولى لما عرفت من أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده العام، وانّ مثل هذا النهي المولوي أمر لغو لا يحتاج إليه.

ثانياً: بمنع المقدّمة الثالثة أي لا يجب أن يكون أحد المتلازمين محكوماً


(23)

بحكم المتلازم الآخر، بل يمكن أن لا يكون محكوماً بحكم أبداً، وهذا كاستقبال الكعبة الملازم لاستدبار الجدي، فوجوب الاستقبال لا يلازم وجوب استدبار الجدي. نعم يجب أن لايكون الملازِم محكوماً بحكم يضادّ حكم الملازَم، كأن يكون الاستقبال واجباً واستدبار الجَدي حراماً، وفي المقام أن يكون ترك الإزالة محرماً والصلاة واجبة.


(24)

المقام الثالث

الثمرة الفقهية لمسألة النهي عن الضدّ

إنّ ثمرة البحث عن اقتضاء الأمر بالشيء، النهي عن ضدّه الخاص، هي بطلان العبادة ـ إذا ثبت الاقتضاء ـ لتعلّق النهي بها، الموجب لفسادها. فتقع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط. وبعبارة أُخرى ببركة هذه المسألة تثبت الصغرى وهو تعلّق النهي بالضدّ وأمّا الكبرى وهي بطلانه إذا كان عبادة فموكولة إلى بحث النواهي ومن هنا يتبيّـن أنّ ما اشتهر من أنّ نتيجة المسألة الأُصولية تقع كبرى لقياس الاستنباط أمر غالبي وإلاّ فربّما تقع صغرى لقياس الاستنباط كما في المقام وبعبارة أُخرى لا تكون نتيجة المسألة سبباً تامّاً للاستنباط بل تحتاج إلى ضمّ مسألة أُخرى إليها كما سيوافيك نظيره في مسألة اجتماع الأمر والنهي حيث نقول: ثمّة إشكالاً على المحقّق النائيني بأنّه لا يشترط في كون المسألة أُصولية أن تكون النتيجة سبباًتاماًبل ربما يحتاج إلى ضمّ أمر آخر .

ويمكن تطبيق هذه الثمرة فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجب موسّع وآخر مضيّق، كالصلاة والإزالة. وفيما إذا وقعت بين واجبين مضيّقين أحدهما أهمّ من الآخر، فإذا كان الضدّ عبادة، تقع فاسدة ، بسبب النهي.

ولكن جماعة أنكروا الثمرة لوجهين نشير إليهما.

الأوّل: أنّ النهي ـ بناء على الاقتضاء ـ غيريّ، نشأ من مقدّمية ترك الضدّ لفعل الضدّ الآخر، فصار الترك واجباً بالمقدّمية، ولأجله صار الفعل منهيّاً عنه. ومثل هذا النهي بما أنّه لم ينشأ من مفسدة في المتعلّق، لا يكون موجباً للفساد.


(25)

هذا من غير فرق بين القول بأنّ ترك الصلاة واجب لأجل كونه مقدّمة للإزالة، أو كونه ملازماً لها والمتلازمان متماثلان في الحكم. وذلك لأنّ النهي عن الصلاة على كلا القولين لأجل أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام أعني الصلاة وليس مثل هذا النهي كاشفاً عن مفسدة في المتعلّق موجبة لعدم صلاحية التقرّب بها.

فما ربّما يتوهم من الفرق بين القولين، من كون النهي غير مفسد على الأوّل دون الثاني، ليس بتام.

الثاني: ما ذكره الشيخ بهاء الدين العاملي من أنّ الفساد لا يتوقّف على النهي، بل يكفي عدم الأمر بالفعل. فإذا كانت الإزالة واجبة مضيّقة، فهو ـ وإن لم يقتض النهي عن الصلاة ـ إلاّ أنّه على الأقل يقتضي عدم الأمر بها، وهذا كاف في الفساد من دون النهي عنها.(1)

فظهر أنّ الصلاة باطلة سواء تعلّق بها النهي أم لم يتعلّق، لأنّ عدم تعلّق الأمر كاف في البطلان فليس لهذا البحث الطويل ثمرة فقهية لعدم إناطة البطلان بالنهي.

وأُجيب عن هذا الاعتراض بوجوه ثلاثة وإليك فهرسها:

1ـ كفاية قصد الملاك في صحّة العبادة ولا يلزم قصد الأمر.

2ـ كفاية قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة وإن كان الفرد المزاحم فاقداً للأمر.

3ـ تصحيح الأمر بالضدّ عن طريق الترتّب.

وإليك تفصيلها:

الجواب الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّ الثمرة مع ذلك موجودة، وذلك لأنّ تعلّق النهي يلازم فساد العبادة حسب الفرض دونما إذا لم يتعلّق فانّ


1-زبدة الأُصول، ص 82.


(26)

العبادة حينئذ محكومة بالصحّة وإن لم يكن هناك أمر، وذلك لكفاية الملاك والرجحان الذاتي في العبادة ، إذ الفرد المزاحم من العبادة وغير المزاحم، سيّان في الملاك والمحبوبية الذاتية، إذ غاية ما أوجبه الابتلاء بالأهم هو سقوط أمره وأمّا ملاكه فهو بعد باق عليه.(1)

وقد جعل المحقّق النائيني قصد الملاك أقوى في حصول التقرّب من قصد الأمر، حيث قال: يكفي قصد الملاك في صحّة العبادة، وعدم اشتراطها بقصد الأمر، إذ لم يدلّ دليل على اعتبار أزيد من قصد التقرّب بالعمل في وقوعه عبادة، وأمّا تطبيقه على قصد الأمر وغيره من الدواعي القربية، فإنّما هي بحكم العقل وقصد الملاك لو لم يكن أقوى في حصول التقرّب بنظر العقل من قصد الأمر، فلا أقلّ من كونه مثله.(2)

لا يقال: إنّ العلم بوجود الملاك فرع تعلّق الأمر بالصلاة، والمفروض سقوطه، ومعه كيف يعلم الملاك وأنّها صالحة للتقرّب. وبعبارة أُخرى، فانّ النهي يكشف عن عدم الملاك والأمر يكشف عن وجوده، فمع فقدان الأمر من أين نعلم وجوده؟

فانّه يقال: إنّا نعلم إجمالاً أنّ ارتفاع الأمر عنها لأجل ابتلائها بالأهم من دون حدوث حزازة أو مفسدة فيها بحيث لولا الابتلاء لكانت مأموراً بها وهذا معنى اشتمالها على الملاك وإن لم تكن مأموراً بها.

الجواب الثاني: ما نسب إلى المحقّق الثاني (3) وقد أوضحه جماعة من المحقّقين


1-لاحظ الكفاية:1/212، و ما ذكرناه توضيح لكلامه.
2-أجود التقريرات:1/265. ولاحظ المحاضرات: 3/71ـ73.
3-جامع المقاصد:5/12، كتاب الدين، قال: «لا نسلّم لزوم تكليف مالا يطاق إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: أوجبت عليك كلاً من الأمرين لكن أحدهما مضيّق و الآخر موسّع فإن قدّمت المضيق فقد امتثلت و سلمت من الإثم وإن قدّمت الموسّع فقد امتثلت و أثمت بالمخالفة في التقديم.


(27)

منهم: المحقّق النائيني (1)، وسيّدنا الأُستاذ(2) وبالغ في تشييده السيد البروجردي (3) وقد أتى به المحقّق الخراساني بعد الفراغ عن الترتّب بقوله«نعم إذا كانت العبادة موسّعة وكانت مزاحمة بالأهم في بعض الوقت...».(4)

وحاصله: أنّ البحث عديم الثمرة في المضيّقين، دون المضيّق والموسع.

أمّا الأوّل، فلأنّ المضيّق الآخر، وإن لم يكن منهياً عنه، لكنّه ليس بمأمور به، لاستلزام الأمر به الأمر بالضدّين في درجة واحدة. وعدم الأمر كاف في الفساد. فتعلّق النهي به وعدم تعلّقه سيّان.

وأمّا الثاني: فتظهر فيه الثمرة، إذا قلنا بأنّ تعلّق النهي بالموسّع، يوجب فساده إن كان متعلّقه عبادة، دون ما إذا لم نقل به. فهنا دعويان:

الدعوى الأُولى: فساد العبادة على القول بالتعلّق.

الدعوى الثانية: صحّتها إذا لم نقل به.

أمّا وجه الأُولى، فهو إنّا إذا بنينا على أنّ الأمر بالشيء مقتض للنهي عن ضدّه، فلا محالة يكون الفرد المزاحم من الواجب الموسع، منهياً عنه، فيقيّد به إطلاق الأمر به، كما هو الحال في غير المقام من موارد النهي عن العبادة.

وأمّا وجه الثانية ، فهو إنّا إذا بنينا على عدم تعلّق النهي بالضدّ، فغايته عدم تعلّق الأمر بالفرد المزاحم، لعدم القدرة على الإتيان به شرعاً، وهو في حكم عدم القدرة عقلاً، ولكنّه لا يقتضي الفساد، لأنّ الوجوب تعلّق بصرف وجود الطبيعة، لا بخصوصية أفرادها. ولأجل ذلك، ليس التخيير بين الأفراد شرعياً.


1-فوائد الأُصول: 1/312.
2-تهذيب الأُصول: 1/300.
3-نهاية الأُصول: 1/196.
4-كفاية الأُصول: 1/219 طبعة المشكيني.


(28)

وعلى ذلك، فملاك الامتثال إنّما هو انطباق المأمور به على الفرد الخارجي، لا كون الفرد الخارجي بشخصه مأموراً به. فهومصداق الطبيعة وإن لم يكن مصداق المأمور به. وحينئذ ، فبما أنّ الواجب الموسّع له أفراد غير مزاحمة، وصرف الوجود مقدور للمكلّف يصحّ تعلّق الأمر به من المولى، إذ لا مزاحمة بينه وبين الواجب المضيّق، وإنّما المزاحمة بين المضيّق والفرد المزاحم من الموسّع. وإذا كان صرف وجود الطبيعة مطلوباً للمولى، وكان انطباقها على الفرد المزاحم قهرياً، يتحقّق به الامتثال قهراً.

يلاحظ عليه: أنّ ملاك امتناع الأمر بالضدّين موجود حتى في المضيّق والموسّع ، ولا يختص بالمضيقين، لأنّ الموسّع لا يخلو من حالات ثلاث:

الحالة الأُولى: أن يصير ضيقاً، كالمضيق بالذات، كأن لا يبقى من الوقت إلاّ مقدار أربع ركعات، فلا يجتمع الأمر بالإزالة مع الأمر بطبيعة الصلاة مع عدم سعة الوقت إلاّ لواحد من الأمرين.

الحالة الثانية: أن ينحصر الفرد، بالفرد المزاحم، بأن لا يقدر إلاّ على هذا الفرد، فانّ الأمر بالطبيعة ليس له إلاّ فرد واحد، وهو المزاحم بالمضيق، ومعه كيف يصحّ الأمر بها. وهاتان الحالتان خارجتان عن محطّ نظر المجيب.

الحالة الثالثة: أن تكون له أفراد طولية، مزاحمة وغير مزاحمة، فمع عدم الإتيان بالمضيق فللأمر بالطبيعة حالات ثلاث:

1ـ أن يكون الأمر بالطبيعة إنشائياً مادام كون الأهمّ غير مأتي به.

2ـ أن يكون الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً، أي بعد أن يأتي بالأهمّ.

3ـ أن يكون الوجوب والواجب فعليين.

لكن الأمر الانشائي لا يصحّ التقرب به، لأنّ المفروض عدم بلوغ إرادة المولى حدّ الطلب الجدّي.


(29)

وإذا كان الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً، لا يصحّ الإتيان بالفرد المزاحم، لأنّ المفروض أنّ الطبيعة مقيّدة بالزمان المتأخّر.

وأمّا إذا كان كلّ من الوجوب والواجب فعليين، فهو يستلزم الأمر بالضدّين.

وبالجملة: الواقع لا يخلو عن حالتين إمّا أن يكون الأمر المتعلّق بصرف الوجود أو نفس الطبيعة باعثاً وداعياً بالنسبة إلى هذا الفرد أو لا، فعلى الأوّل، يلزم التكليف بالضدّين وعلى الثاني لا يتّصف المأتيّ بنيّة الأمر بالطبيعة، بالصحّة، لعدم باعثيته للمأتي به.

هذا كلّه حول الجواب الثاني ، بقي الكلام في الجواب الثالث أعني تصحيح الأمر بالضدّين عن طريق الترتّب وقبل الورود في توضيح الجواب الثالث نقدّم البحث عن الفرق بين التزاحم والتعارض.

***