welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نهاية المرام في علم الكلام /ج 3*
نویسنده :العلامة الحلّي*

نهاية المرام في علم الكلام /ج 3

صفحه 1
تحت إشراف
آية الله جعفر السبحاني
نهاية المرام
في
علم الكلام
تأليف
نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي
(648 ـ 726 هـ)
مَوسوعَةٌ كَلاميّةٌ تَتَعرضُ لِمُخْتَلَفِ المَذَاهِبِ والآراءِ الكَلاميّةِ بتَجَرُّد وَمَوْضُوعِيَّة
الجزء الثالث
تحقيق
فاضل العرفان

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب:    …نهاية المرام في علم الكلام
تأليف:    …العلامة الحلّي
إشراف:    …آية الله جعفر السبحاني
تحقيق:   …فاضل العرفان
الطبعة:    …الأُولى
الجزء:   …الثالث
المطبعة:    …اعتماد ـ قم
التاريخ:   …1419 هـ
الكمية:   …1050نسخة
الناشر:   …مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون:   …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
توزيع
مكتبة توحيد
قم ـ ساحة الشهداء
هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331

صفحه 3

البحث السادس

في حدوث الأجسام 1


1 . وهي من أجلّ المسائل وأشرفها، وهي محل النزاع والمعارك بين الفلاسفة والمتكلمين. كشفالمراد:170; أنوار الملكوت:28. وقال الرازي: يروى عن جالينوس أنّه قال في مرضه الذي توفي فيه لبعض تلامذته:«اكتب عني ، إنّي ما عرفت أنّ العالم محدث أو قديم...؟» ومنالناس من جعل هذا طعناً فيه، وقال: «إنّه خرج من الدنيا كما دخل حيث لم يعرف هذه الأشياء».
وإنّا نقول: هذا من أدلّ الدلائل على أنّ الرجل كان منصفاً، طالباً للحقّ. فانّ الكلام في هذه المسألة قد بلغ في العسر والصعوبة إلى حيث تضمحل أكثر العقول فيه. واللّه أعلم. المطالب العالية4:27.
وقد اشتد الصراع في هذه المسألة في تاريخ الفكر الإسلامي; وذلك لعدّة أسباب أهمها:1ـ غموض المسألة في حد ذاتها.2ـ تشعب الأدلّة وتعارضها بحيث تاهت فيها العقول، 3ـ مهاجمة كلّ فريق للفريق الآخر واتهامه بالكفر والإلحاد. وقد أشار أبو البركات البغدادي إلى هذا الصراع، فقال: شنع بعضهم على بعض، فسمّى أهل الحدوث الفريق الثاني القائل بالقدم دهرية، وسمّى أهل القدم أهل الحدوث معطلة، لأنّهم قالوا بتعطيل اللّه عن وجوده مدّة لا نهاية لها في البداية. المعتبر في الحكمة 3:43.
وقد كانت هذه المسألة من أهمّ الأسباب التي كفّر بها الغزالي الفلاسفة. راجع د. محمد رمضان عبد اللّه، الباقلاني وآراؤه الكلامية:349ـ350.
ولا يخفى على القارئ الكريم أنَّ العلوم تثبت بكُلِّ وضوح أنَّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، فهناك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوّة ذاتية، بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة، ومعنى ذلك أنّ الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام، وينضب فيها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هنالك عمليات كيمياوية أو طبيعية، ولن يكون هناك أثرٌ للحياة نفسها في هذا الكون.
ولما كانت الحياة لا تزال قائمة، ولا تزال العمليات الكيمياوية والطبيعية تسير في طريقها، فإنّنا نستطيع أن نستنتج أنَّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليّاً، وإلاّ لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كلُّ نشاط في الوجود، وهكذا توصلت العلوم ـ دون قصد ـ إلى أنّ لهذا الكون بداية.
لاحظ كتاب «اللّه يتجلى في عصر العلم»: 26 ـ 27.

صفحه 4
وفيه مسائل

المسألة الأُولى : في نقل المذاهب في هذا المقام

إنّ القسمة العقلية منحصرة في أقسام أربعة 1:
القسم الأوّل: أن يكون العالم محدث الذات والصفات2، وهو مذهب المسلمين وغيرهم من أرباب الملل3 وبعض قدماء الحكماء.

1 . قال الرازي:والوجوه الممكنة فيه لا تزيد على أربعة.وقد شرحها الطوسي في نقد المحصل:189و ما يليها.
و لكن الرازي عدّ قسماً خامساً في كتابه المطالب العالية 4:27 وقال:«إنّ الخامس: هو التوقف وعدم القطع» ونسب هذا القسم إلى جالينوس. وينقله العلاّمة أيضاً في نهاية هذه المسألة.
2 . أي بمادته وصورته. المطالب العالية4:19.وفي شرح المواقف:«بذاتها الجوهرية وصفاتها العرضية»،7:220.
3 . من النصارى واليهود والمجوس، كما في المصدرين السابقين.
قال الشهرستاني:«مذهب أهل الحقّ من أهل الملل كلّها انّ العالم محدث ومخلوق أحدثه الباري تعالى وأبدعه وكان اللّه تعالى ولم يكن معه شيء ووافقهم على ذلك جماعة من أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة مثل: ثاليس وانكساغورس وانكسمايس ومن تابعهم من أهل ملطية ومثل: فيثاغورس وابنذقلس وسقراط وافلاطون من اثينية ويونان ... ومذهب أرسطاطاليس ومن شايعه مثل برقلس والاسكندر الافروديسي وثامسطيوس ومن نصر مذهبه من المتأخرين مثل أبي نصر الفارابي وأبي علي الحسين بن عبد اللّه بن سينا وغيرهما من فلاسفة الإسلام انّ للعالم صانعاً مبدعاً وهو واجب الوجود بذاته والعالم ممكن الوجود بذاته واجب الوجود بالواجب بذاته غير محدث حدوثاً يسبقه عدم، بل معنى حدوثه وجوبه به وصدوره عنه واحتياجه إليه، فهو دائم الوجود لم يزل ولا يزال». نهاية الاقدام:5ـ6(القاعدة الأُولى).
وقال الرازي :«مذهب جملة المسلمين :أنّ العالم محدث وليس بأزلي.و مذهب الدهريين والطبيعيّين: أنّ العالم قديم أزلي. وكما أنّ قرص الشمس لا يكون خالياً عن النور أبداً وإن كان جرم الشمس علّة لوجود النور، كذلك ذات الباري تعالى ما كان خالياً عن وجود العالم أبداً وإن كان ذاته علّة مؤثرة في وجود العالم»، المسائل الخمسون في أُصول الدين:18.
وانظر تفصيل المطالب وتوضيح المقاصد للحكماء والمتكلّمين في الأسفار5:205 وما يليها (فصل 3 في أنّ القول بحدوث العالم مجمع عليه بين الأنبياء عليمها السَّلام والحكماء).

صفحه 5
القسم الثاني: أن يكون قديم الذات والصفات، وهو قول أرسطو وثاوفرسطس1 وثامسطيوس2 وبرقلس3 ومن المتأخرين قول أبي نصر

1 . Theophrastus(نحو371ـ286ق.م): فيلسوف يوناني أخذ العلم في اثينا من أفلاطون وأرسطو وخليفته على رئاسة اللوقيين أو المدرسة المشائية . بلغ تلامذته الألف وكان له نفوذ عظيم في الأُمور العامة. له تأليفات عدّة في السياسة والشريعة والقضاء والخطابة . راجع: الشهرستاني، الملل والنحل:482; الحفني، د.عبد المنعم، الموسوعة الفلسفية:147ـ 148; طرابيشي، جورج، معجم الفلاسفة:228.
2 . Themesteus،أفلاطوني محدث من شراح أرسطو، مدير جامعة القسطنطينية، لعب دوراً سياسياً هاماً ونال حظوة عند الامبراطور جوليان، وبقيت من شروحه التحليلات الثانية والسماع الطبيعي والنفس والسماء ومقالة اللام من كتاب ما بعد الطبيعة، حاول فيها التوفيق بين أفلاطون وأرسطو. المصادر نفسها.
3 . Proclusويرد اسمه أيضاً فرقلس أو فرقليس:فيلسوف يوناني أفلاطوني ولد في القسطنطينية سنة 412م، تمسك بمذهب التزهد، فامتنع عن الأطعمة الحيوانية ورفض الزواج. الشهرستاني، الملل والنحل:482.
و يمثل حلقة اتصال مهمة جداً بين نهاية الفلسفة اليونانية وبداية فلسفة العصور الوسطى الاوربية والفلسفة الإسلامية، جمع بين النزعة العقلية الدقيقة وبين الاعتقاد في الخوارق والسحر أي بين العقل والدين، والمعقول واللامعقول. وقد لخص الدكتور عبد الرحمن بدوي الملامح الرئيسية لفلسفته. موسوعة الفلسفة1:345.

صفحه 6
الفارابي والرئيس، 1قالوا السماوات قديمة بذواتها وصفاتها المعينة، إلاّ الحركات والأوضاع فإنّها قديمة بنوعها لا بشخصها.والعناصر الهيولى منها قديمة بشخصها، والصور الجسمية قديمة بنوعها لا بشخصها، والصور النوعية قديمة بجنسها لا بنوعها ولا بشخصها.
القسم الثالث: أن يكون قديم الذات محدَث الصفات، وهو قول من تقدّم أرسطو بالزمان كتاليس الملطي2وانكساغُورَس3 وفيثاغورس وسقراط وجميع

1 . راجع الفارابي، الجمع بين رأيي الحكيمين:103.
2 . تاليس:(640ق.م) وهو أوّل من تفلسف في الملطية، وكان لا يبني المعارف في الفلسفة إلاّ على التجربة. الشهرستاني، الملل والنحل:370.
3 . انكساغورس:(500ق.م) ولد باليونان ووضع كتيباً في الطبيعة الكونية وله تأثير على فلسفة إبراهيم النظام. وهو أوّل من أدخل الفلسفة إلى اثينا.
ومن آرائه التي تميز بها انّه أرجع الحركة إلى علّة غير مادية وهي العقل، ونقده أرسطو وأفلاطون في ذلك. وكان هذا العقل أوّل محاولة جريئة انتقل فيها الفلاسفة اليونانيون من التفسير المادي الخالص إلى تفسير ثنائي يجمع بين المادة واللامادة.
وأمّا نظريته في المعرفة، فقال: انّ المعرفة الحسية معرفة وهمية خاطئة وانّ المعرفة العقلية هي وحدها المعرفة الصحيحة. راجع: الحفني، د. عبد المنعم، الموسوعة الفلسفية: 72; بدوي، د.عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة1:236ـ238.

صفحه 7
الثنوية1، كالمانوية2 والديصانية3 والمرقونية4 والماهانية5. ثمّ هؤلاء افترقوا فرقتين:
]الفرقة الأُولى[: فذهب بعضهم إلى أنّ تلك الذات القديمة كانت جسماً. ثمّ اختلف هؤلاء: فزعم تاليس أنّه الماء; لأنّه قابل لكلّ الصور، وزعم أنّه إذا انجمد صار أرضاً، وإذا لطف صار هواء، ومن صفوة الماء6 تكوّنتِ النار، ومن

1 . الثنوية: تعتقد بأنّ النور والظلمة مبدآن أو أصلان للعالم متضادان وأزليان وهما يزدان وأهرمن. راجع : الملل والنحل2:268; الموسوعة الفلسفية:147.
2 . المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الثنوي الزنديق الهمداني الأصل، وهو حكيم ظهر في زمان شابور ابن أردشير ملك الفرس، وتزعم المانوية انّ العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة وانّهما أزليان. واستخرج ماني، مذهبه من المجوسية والنصرانية وكتب كتبهم بقلم مستخرج من السرياني والفارسي. راجع الملل والنحل2: 286ـ 287; النديم، الفهرست: 391ـ392.
3 . الديصانية: أصحاب ديصان، وإنّما سموا بهذه التسمية لأنّ ديصان سمي باسم نهر ولد عليه وهو قبل ماني صاحب المانوية. وأثبتت الديصانية أصلين نوراً وظلاماً، إلاّ انّهم اختلفوا عن المانوية في اختلاط النور بالظلمة. راجع:الملل والنحل: 278; الموسوعة الفلسفية:189; النديم، الفهرست:402.
4 . المرقيونية: أصحاب مرقيون وهم طائفة من النصارى أقرب من المنانية والديصانية. أثبتوا قديمين أصلين متضادين، أحدهما النور والآخر الظلمة، وأثبتوا أصلاً ثالثاً هو المعدل الجامع، وهو سببالمزاج. وقالوا: الجامع دون النور في الرتبة وفوق الظلمة، وحصل من الاجتماع والامتزاج هذاالعالم. راجع: الملل والنحل، 2:279 ـ 281; الموسوعة الفلسفية: 147; الفهرست: 402.
5 . الماهانية: طائفة من المرقيونية، يخالفونهم في شيء ويوافقونهم في شيء، يوافقون المرقيونية في جميع الأحوال إلاّ النكاح والذبائح ويزعمون انّ المعدل بين النور والظلمة هو المسيح. الفهرست:402.
6 . وفي نقل الشهرستاني:«صفوة الهواء». الملل والنحل2: 372.

صفحه 8
الدخان تكوّنتِ السماء.
ويقال: إنّه أخذه من التوراة; لأنّه جاء في السِفْر الأوّل منه1:«إنّ اللّه تعالى خلق جوهراً، فنظر ]إليه [نظرة الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماءً، ثمّ ارتفع ]منه [بخار كالدخان فخلق منه السماوات، وظهر على وجه الماء زَبَد فخلق منه الأرض، ثمّ أرساها بالجبال».
ونقل صاحب الملل عن تاليس الملطي أنّه قال: إنّ المبدأ الأوّل أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات والعدمات كلّها، فانبعث من كلّ صورة موجود في العالم على المثال الذي في العنصر الأوّل فمحلّ الصور ومنبع الموجودات هو ذات العنصر. وما من موجود في العالم العقلي والعالم الحسّي إلاّ وفي ذات العنصر صورة ومثال عنه.
قال: ويتصوّر العامة أنّ صور المعدومات في ذات المبدأ الأوّل، لا بل هي في مُبدَعه، وهو تعالى بوحدانيته أن يوصف بما يوصف به مُبدَعه.
ثمّ قال: ومن العجب أنّه نُقِلَ عنه: المبدَع الأوّل هو «الماء» ومنه ابدع الجواهر كلّها من السماء والأرض وما بينهما; فذكر أنّ من جموده تكوّنتِ الأرض، ومن انحلاله تكوّن الهواء، ومن صفوة الهواء تكوّنت النار، ومن الدخان والأبخرة تكوّنت السماء، ومن الاشتغال الحاصل من الأثير تكوّنت الكواكب فدارت حول المركز دوران المسبب على سببه بالشوق الحاصل فيها إليه.

1 . ما وجدنا العبارة في السِفر الأوّل ولا في بقية الأسفار من التوراة وقد يعبِّر الفارابي عن هذه الأقوال بالأعاجيب،حيث قال في باب حدوث العالم:«و من أحبّ الوقوف على ذلك فلينظر في الكتب المصنفة في المبدآت والأخبار المروية فيها والآثار المحكية عن قدمائهم، ليرى الأعاجيب من قولهم بانّه كان في الأصل ماء فتحرك واجتمع زبد وانعقد منه الأرض وارتفع منه الدخان وانتظم منه السماء»، الجمع بين رأيي الحكيمين:103.

صفحه 9
وفي الأخير قال: وفي التوراة في المبدأ الأوّل: جوهر خلقه اللّه تعالى ثمّ نظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه، فصارت ماءً، ثمّ ارتفع منه بخار كالدخان فخلق منه السماوات، وظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض، ثمّ أرساها بالجبال.
قال: وكأنّ تاليس الملطي إنّما تلقّى مذهبه من هذه المشكاة النبويّة.
قال: والماء على القول الثاني، شديد الشبه بالماء الذي عليه العرش في قوله تعالى:(وَ كانَ عرشُهُ عَلَى الماءِ)1.
وأمّا انكسيمانس الملطي2، فانّه زعم أنّ ذلك الجسم هو الهواء، والنار تكوّنت من لطافته، والماء والأرض من كثافته.
ونقل عنه صاحب الملل: أنّ أوّل الأوائل من المبدَعات هو الهواء، وهذا أيضاً مأخوذ من مشكاة النبوّة3.
وقال آخرون: إنّه الأرض وتكونت الأشياء عنها بالتلطيف.
وقال آخرون: إنّه البخار، وتكون الهواء والنار عنه بالتلطيف، والماء والأرض بالتكثيف.
وذهب ايرقليطيس4: أنّه النار، وكوّن الأشياء عنها بالتكاثف.

1 . سورة هود ، الآية 7.
2 . Anaximenes(نحو 588ـ524 ق.م): من الملطيين المعروف بالحكمة المذكور بالخير عندهم. وهو ثالث وآخر فلاسفة مدرسة ملطية بدأها طاليس وواصلها تلميذه انكسمندر واختتمها انكسيمانس. ردّ العالم إلى مادة أُولى هي الهواء، لأنّه بدونه تموت الاحياء. الملل والنحل2:377; الفهرست346; الموسوعة الفلسفية:72.
3 . الشهرستاني، الملل والنحل2:371ـ373 و378 بتصرف في بعض العبارات وحذف بعضها.
4 . إيرقليطس، أو هرقليطس (نحو 540 أو 535ق. م ـ 475ق. م): ولد في أفسوس من أعمال آسيا الصغرى من أسرة نبيلة لها منزلتها العالية بين أهل المدينة. وقد ألف كتاباً في علم الطبيعة. قصة الفلسفة اليونانية:56; ترجمة مشاهير قدماء الفلاسفة:64.

صفحه 10
وحكى فلوطرخس1: أنّ أيرقليطيس زعم أنّ الأشياء إنّما انتظمت بالبخت2، وجوهر «البخت» هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي.
وأمّا انكساغُورَس فانّه قال: إنّ ذلك الجسم هو الخليط الذي لا نهاية له، وهو أجسام غير متناهية. وفيه من كلّ نوع أجزاء صغيرة متلاقية أجزاء على طبيعة الخبز وأجزاء على طبيعة اللحم، فإذا اجتمع من تلك الأجزاء شيء كثير وصار بحيث يحس ويُرى، ظُنّ أنّه حَدَث. وهذا القائل بنى مذهبه هذا على إنكار المزاج والاستحالة وقال بالكُمون والظهور.
وزعم بعض هؤلاء: أنّ ذلك الخليط كان ساكناً في الأزل، ثمّ إنّ اللّه تعالى حرّكه فتكوّن منه هذا العالم.
ونقل صاحب الملل عن انكساغورس: أنّ مبدأ الموجودات متشابه الأجزاء، وهي أجزاء لطيفة لا يدركها الحس ولا يناله العقل. قال: وهو أوّل من قال بالكمون والظهور3.ولم ينقل عنه القول بالخليط.
وذهب ذيمقراطيس إلى أنّ أصل العالم أجزاء كثيرة كريّةُ الشكل، قابلة للقسمة الوهمية دون القسمة الإنفكاكية متحركة لذاتها حركات دائمة. ثمّ اتّفق في تلك الأجزاء أن تصادمت على وجه خاص، فحصل من تصادمها على ذلك الوجه هذا العالم على هذا الشكل، فحدثت السماوات والعناصر، ثمّ حدثت من

1 . فلوطرخس(نحو 46 ـ 127م): «مفكر ومؤرخ فلسفة وسياسة، ولد في اليونان. كان خصماً للخرافات والأساطير الرواقية والابيقورية. اهتم بمشكلة الشر فارجعها إلى المادة. له كتاب الانهار وخواصها وما فيها من العجائب. الملل والنحل2:416; موسوعة الفلسفة2:195; الفهرست:314.
2 . انظرتفسير البخت والاتفاق وأقسامه في الفصل الثالث عشر من المقالة الأُولى من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء.
3 . الملل والنحل:374 ـ 375 و376.

صفحه 11
الحركات السماويّة امتزاجات هذه العناصر، ومنها هذه المركبات1.
ونقل الشيخ في الشفاء عنه أنّه قال: إنّ هذه الأجزاء إنّما تتخالف بالشكل وأنّ جوهرها جوهر واحد بالطبع وإنّما تصدر عنها أفعال مختلفة لأجل الأشكال المختلفة2.
وقالت الثنوية: أصل العالم هو النور والظلمة.
الفرقة الثانية: الذين قالوا: أصل العالم ليس بجسم وهم فريقان:
الفريق الأوّل: الحرنانية3: وهم الذين أثبتوا القدماء الخمسة: الباري تعالى والنفس والهيولى والدهر والخلاء.
قالوا : الباري تعالى في غاية التمام في العلم والحكمة لا يعرض له سهو ولا غفلة ويفيض عنه العقل، كفيض النور عن القرص، وهو يعلم الأشياء علماً تاماً.
وأمّا النفس، فانّه يفيض عنه الحياة فيض النور عن القرص، لكنّها جاهلةٌ لا تعلم الأشياء ما لم تمارسها. وكان الباري تعالى عالماً بأنّ النفس ستميل إلى التعلق بالهيولى وتعشقها وتطلب اللّذة الجسمية وتكره مفارقة الأجسام وتنسى نفسها، ولمّا كان من شأن الباري تعالى في الحكمة التامة عمد إلى الهيولى بعد تعلّق النفس بها، فركّبها ضروباً من التراكيب، مثل السماوات والعناصر، وركّب أجسام

1 . المصدر نفسه:421; تلخيص المحصل:190ـ191.
2 . الفصل الأوّل من المقالة الواحدة من الفن الثالث من طبيعيات الشفاء.
3 . بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين وبالنون وذكر في الصحاح انّ حرنان اسم بلد والنسبة حرناني على غير قياس والقياس حرّاني بتشديد الراء. شرح المواقف7:221.
و هم مع اعتقادهم بوجود اللّه تعالى يقولون: وما يهلكنا إلاّالدهر ولا دار سوى هذه الدار وما تميتنا إلاّ الأيام والليالي ومرور الزمان وطول العمر، ويسندون الحوادث إلى الدهر.
و ينسب الطوسي القول بالقدماء الخمسة إلى ابن زكريا الطبيب الرازي وكتاب له موسوماً بـ«القول في القدماء الخمسة». راجع تلخيص المحصل:126.

صفحه 12
الحيوانات على الوجه الأكمل. والذي بقي فيها من الفساد غير ممكن الزوال.
ثمّ إنّ اللّه تعالى أفاض على النفس عقلاً وإدراكاً، وصار ذلك سبباً لتذكرها عالمها، وسبباً لعلمها بأنّها لا تنفك عن الآلام مادامت في العالم الهيولاني.وإذا عرفت النفس هذا وعرفت أنّ لها في عالمها اللذات الخالية عن الألم اشتاقت إلى ذلك العالم وعرجت بعد المفارقة وبقيت هناك أبد الآباد في نهاية البهجة والسعادة.
قالوا: وبهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين الفلاسفة القائلين بالقدم وبين المتكلّمين القائلين بالحدوث; فإنّ القائلين بالقدم قالوا: لو كان العالم محدثاً فلِمَ أحدثه اللّه تعالى في هذا الوقت، دون ما قبله وما بعده؟ وإذا كان الخالق تعالى حكيماً فلِمَ ملأ الدنيا من الآفات؟
والقائلون بالحدوث قالوا: لو كان العالم قديماً لكان غنياً عن الفاعل، وهو باطل قطعاً لما نرى من آثار الحكمة وظهورها في العالم.
وتحير الفريقان في ذلك. وأمّا على الطريق الذي سلكناه فالإشكالات بأجمعها زائلة; لأنّا لمّا اعترفنا بالصانع الحكيم لا جرم قلنا بحدوث العالم. فإذا قيل: فلِمَ أحدث العالم في هذا الوقت؟ قلنا: لأنّ النفس إنّما تعلقت بالبدن1 في ذلك الوقت، وعلم الباري تعالى أنّ ذلك التعلق سبب الفساد، إلاّأنّه بعد وقوع المحذور صرفه إلى الوجه الأكمل بحسب الإمكان. وأمّا الشرور الباقية، فإنّما بقيت لعدم إمكان تجريد هذا المركب عنها.
بقي هنا سؤالان:
الأوّل: لِـمَ تعلقت النفس بالهيولى بعد تجردها؟ فإن حدث هذا التعلق بكلّيته لا عن سبب، فجوزوا حدوث العالم بكليته لا عن سبب.

1 . في عبارة الرازي:«الهيولى». تلخيص المحصل:193.

صفحه 13
الثاني: أن يقال: فهلاّ منع الباري تعالى النفس من التعلق بالهيولى؟
والجواب عن الأوّل: بأنّ هذا السؤال غير مقبول من المتكلمين; لأنّهم يقولون: القادر المختار يرجّح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجّح، فهلاّ جوزوا ذلك في النفس؟ وغير مقبول من الفلاسفة أيضاً; لأنّهم جوزوا في السابق أن يكون علةً معدّةً للاّحق، فهلاّ جوزوا أن يقال: النفس قديمة ولها تصورات متجددة غير متناهية ولم يزل كل سابق علّة للاحق حتى انتهت إلى ذلك التصور الموجب لذلك التعلّق؟
والجواب عن الثاني: أنّ الباري تعالى عَلِمَ أنّ الأصلح للنفس أن تصير عالمة بمضارّ هذا التعلق، حتى أنّها بنفسها تمتنع عن تلك المخالطة. وأيضاً فالنفس بمخالطتها الهيولى تكسب من الفضائل العقلية والكمالات ما لم تكن موجودة لها.فلهذين الغرضين لم يمنع الباري تعالى النفس عن التعلق بالهيولى.
ونقل صاحب الملل عن قاديمون1 ـ الذي يقال إنّه شيث بن آدم ـ أنّه قال: المبادئ الأُول خمسة: الباري تعالى، والنفس، والهيولى، والزمان، والخلاء. وبعدها وجود المركبات.
الفريق الثاني: أصحاب فيثاغورس2، وهم الذين قالوا: المبادئ هي

1 . كذا في المخطوطة وفي تلخيص المحصل: 194: «غاديمون» وفي الملل والنحل 2:290: «عاذيمون» وفي هامشه انّه شيث بن آدم عليمها السَّلام ومعنى شيث : عطية اللّه وهبة اللّه، ويسميه الفرس منشا، وتسميه الصابئة اغناذيمون وهو استاذ إدريس عليه السَّلام وقد أخذ في أوّل عمره بعلم شيث، وإلى شيث تنتهي أنساب بني آدم.
2 . Pythagoras(نحو490ـ497ق.م): اغريقي يوناني،كان في زمن النبي سليمان عليه السَّلام . قد أخذ الحكمة من معدن النبوّة. هرب من بلده إلى ايطاليا واسس بها فرقة سياسية دينية. وهو الذي وضع لفظة فلسفة وتعنى حب الحكمة. أمّا مدرسته وهي المدرسة الفيثاغورية، فلم تكن مدرسة فلسفية فحسب، بل دينية أخلاقية على نظام الطرق الصوفية. راجع: الملل والنحل:385(رأي فيثاغورس); الموسوعة الفلسفية:353; موسوعة الفلسفة2:228.

صفحه 14
الأعداد المتولّدة عن الوحدات; لأنّ قوام المركبات بالبسائط، وهي أُمور كلّ واحد منها واحد في نفسه، ثمّ تلك الأُمور إمّا أن تكون لها ماهياتٌ وراء كونها وحدات، أو لا تكون. فإن كان الأوّل كانت مركبةً، لأنّ هناك تلك الماهية مع تلك الوحدة، وكلامنا ليس في المركبات، بل في مبادئها. وإن كان الثاني كان مجرّد وحدات، وهي لابدّ وأن تكون مستقلة بأنفسها وإلاّ لكانت مفتقرةً إلى الغير، فيكون ذلك الغير أقدم منها، وكلامنا في المبادئ المطلقة، هذا خلف.
فإذن الوحدات أُمور قائمةٌ بأنفسها; فإن عرض الوضع للوحدة صارت نقطة، وإن اجتمعت نقطتان حصل الخطُّ، فإن اجتمع خطان حصل السطح، فإن اجتمع سطحان حصل الجسم. فظهر أنّ مبدأ الأجسام الوحدات.
ونُقل أيضاً عنه1: إنّ الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات غير مستفادة من الغير وهي التي لا تقابلها كثرةٌ، وهو المبدأ الأوّل; وإلى وحدة مستفادة من الغير وهي مبدأ الكثرة وليست بداخلة فيها بل تقابلها الكثرة، ثمّ تتألف منها الأعداد وهي مبادئ الموجودات.وإنّما اختلفت الموجودات في طبائعها، لاختلاف الأعداد بخواصّها2.
القسم الرابع: أن يكون العالم قديم الصفات محدث الذات، وهو محال لم يقل به أحد; لقضاء الضرورة ببطلانه.
وأمّا جالينوس فانّه كان متوقفاً في الكل3. وللناس هنا اختلافات كثيرة أشهرها ما قدمناه.

1 . أي عن فيثاغورس.
2 . راجع الملل والنحل:385(رأي فيثاغورس); المطالب العالية4:26; المواقف:245.
3 . أراد به ما عدا الاحتمال الرابع إذ لا يتصور من عاقل أن يتردد ويتوقف فيه، بل لابدّ أن ينفيه ببديهته. شرح المواقف7:222.

صفحه 15

المسألة الثانية: في أدلّة الحدوث1

لنا وجوه:

الوجه الأوّل: الدليل المشهور للمتكلّمين2

وتقريره : أنّ الأجسام لا تخلو عن الحوادث، وكلّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فالأجسام حادثة.
بيان الصغرى: أنّ الأجسام لا تخلو عن الأكوان، والأكوان حادثة3.وهذا البرهان يشتمل على دعاو أربعة4:

1 . راجع المحيط بالتكليف:55; شرح الأُصول الخمسة:94; الشهرستاني، نهاية الاقدام:11; نقد المحصل:195; كشف المراد:170ـ175; مناهج اليقين:35; تهافت الفلاسفة: 190; شرح المقاصد3:109ـ 117; كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد:135ـ147 وقد عدّ العلاّمة فيه ثلاثة طرق للمتكلمين لاثبات الحدوث، أشهرها الطريق الأوّل المذكور هنا أيضاً; شرح المواقف 7:222; اللوامع الالهية في المباحث الكلامية:64 وما يليها; الباقلاني وآراؤه الكلامية:359. والمباحث هنا كلّها على ترتيب المباحث في نهاية العقول للفخر الرازي.
و تشبه أدلّة المتكلمين على حدوث العالم حجج يحيى النحوي، الملقب بالبطريق، الفيلسوف الاسكندراني اليعقوبي الذي ألف كتاباً في الردّ على بُرقْلُس القائل بقدم العالم، كما يروي النديم في الفهرست: 315، والشهرستاني في الملل والنحل: 2/488.
2 . ويأتي الوجه الثاني في ص 81. و الوجه الثالث في ص 96. و الوجه الرابع في ص 128. والوجه الخامس والسادس في ص 134 و 135. وعبر الرازي في نهاية العقول عن الوجه الأوّل بـ«الطريقة المبسوطة المشهورة».
3 . والنتيجة هي: فالأجسام لا تخلو عن الحوادث.
4 . راجع الدعاوي الأربعة في شرح الأُصول الخمسة:112; التوحيد للنيسابوري: 231(في أنّ ما لم يَخلُ من المحدَث يجب أن يكون محدَثاً) وذكر أدلة أُخرى على حدوث الأجسام في 275 و282; قواعد المرام في علم الكلام:57; كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد:135 ـ 143.و قد دمج العلاّمة هنا الدعوى الثالثة والرابعة في الدعوى الثانية.

صفحه 16
الدعوى الأُولى: إثبات أنّ الأكوان مغايرة للجسم.
الدعوى الثانيـة: بيان حدوث الأكوان.
الدعوى الثالثة: بيان أنّ الأجسام لا تخلو عنها.وهذه الدعاوى الثلاث اشتملت الصغرى عليها.
وأمّا الدعوى الرابعة: فإنّ الكبرى عبارة عنها.
أمّا الدعوى الأُولـى: فنحن فيها بين أمرين:
إمّا أن ندعي العلم الضروري بأنّ هنا أكواناً هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق. وبالجملة حصول الجسم على وجه لو كان في الوجود جسم غيره كان بالنسبة إليه، إمّا مقابلاً له أو ميامناً أو مياسراً أو غيره من وجوه الأين، وهي زائدة على حقيقة الجسم. ومعلوم ضرورة أنّ الجسم مع تحيّزه لا ينفك عن هذه الحالة، فإنّا نعلم بالضرورة زيادتها على مفهوم الجسم وذاته; لأنّ المفهوم من ذات المتحيز مغاير للمفهوم من حصوله في الحيز.
أو ندعي الاستدلال فيه; لأنّ الجسم تتبدل عليه الحركة بالسكون، والاجتماع بالافتراق، وبالعكس منهما. فإنّ الجسم لم يكن متحركاً ثمّ صار متحركاً، ولم يكن مجامعاً لغيره ثمّ يصير مجامعاً، فتبدل الحالتين عليه مع بقائه معلوم مدرك بالحس1، والمتبدل مغاير للمستمر الذي هو ذات الجسم. ولأنّ المرجع بالأكوان إلى الحركة والسكون مثلاً، وهي أُمور راجعة إلى الأين، وهو نسبة الشيء إلى مكانه بالحصول فيه، والنسب والإضافات مغايرة للماهيات المتأصلة في الوجود، الحقيقية التي لا إضافة فيها. ولأنّها نسبة بين الجسم والمكان، والنسبة مغايرة للمنتسبين.

1 . استفاد الرازي من تبدل الحالتين (الحركة والسكون) في إثبات كون السكون صفة موجودة . راجع المطالب العالية4:288.

صفحه 17
وأمّا الدعوى الثانية1: فلأنّ كلّ كون يصحّ عليه العدم، وكلّ ما صحّ عليه العدم امتنع عليه القدم.
أمّا الصغرى: فلأنّ كلّ متحيّز اختص بحيّز فإمّا أن يكون اختصاصه بذلك الحيّز جائزاً أو واجباً، فإن كان واجباً فذلك الوجوب إمّا أن يكون لنفس الجسمية أو لأمر عارض للجسمية أو لمعروض الجسمية أو لأمر غير عارض للجسمية ولا الجسمية عارضة له.
فإن كان لنفس الجسمية2 وجب إشتراك الأجسام كلّها في وجوب الحصول في ذلك الحيّز; لاشتراكها بأسرها في الجسمية ووجوب اشتراك المتماثلات في جميع اللوازم.
وإن كان لأمر عارض للجسمية3، فذلك العارض إمّا أن يكون ممتنع الزوال أو ممكن الزوال. فإن كان ممتنع الزوال فإمّا أن يكون ذلك الامتناع لنفس الجسمية فيعود الإلزام المذكور، أو لغيرها فيكون الكلام فيه كالكلام في الأصل الأوّل، فيفضى إلى التسلسل، أو إلى المحال المذكور. وإن كان ممكن الزوال فهو المقصود.
وأمّا إن كان لمعروض الجسمية4 فهو محال; لأنّ المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات، فلو كان ذلك حالاًّ في محلّ لكان ذلك المحل، إمّا أن يكون له ذهاب في الجهات، أو لا يكون. فإن كان الأوّل كان محل الجسمية جسماً، فجسمية ذات المحل إن اقتضت محلاً آخر لزم التسلسل، وإن لم يقتضِ محلاً آخر

1 . راجع شرح الأُصول الخمسة:110(من الأدلة على حدوث الأكوان).
2 . أي القسم الأوّل.
3 . أي القسم الثاني.
4 . و هو القسم الثالث.

صفحه 18
فتكون الجسمية غير واجبة الحلول في محل، فكلّ ما يعرض لها بسبب ذلك المحل الممكن الزوال يكون أيضاً ممكن الزوال، فحينئذ يكون حصول الجسم في حيّزه المعين أمراً ممكن الزوال وهو المقصود.
وإن لم يكن لمحلّه امتداد في الجهات لم يخل، إمّا أن يكون لذلك المحل اختصاص بالجهة أو لا يكون ، فإن كان فإمّا أن يكون على سبيل الاستقلال أو على سبيل التبعية. والأوّل باطل بالضرورة; لأنّا نعلم بالبديهة أنّ ما لا يكون متحيزاً استحال أن يكون له حصول في الجهة على سبيل الاستقلال. وأمّا الثاني، فانّه يقتضي كون ذلك الشيء حالاًّ في الجسمية; لأنّ كلّ ما يكون حصوله في الحيّز تبعاً لحصول الجسمية فيه كان لا محالة حالاًّ في الجسمية، كالأعراض. وأمّا إن لم يكن لمحلّ الجسمية اختصاص بالحيز أصلاً; لم يكن لوجود الجسمية الممتدة في الجهات حلول في ذلك المحل; لأنّ من المعلوم بالبديهة أنّ أحد الشيئين إذا كان أحدهما1 واجب الحصول في الجهة والآخر ممتنع الحصول فيها، فانّ أحدهما لا يكون حالاًّ في الآخر ولا مختصاً به أصلاً.
وأمّا القسم الرابع: وهوأن يكون وجوب حصول الجسم في الحيز لأمر غير حال في الجسمية ولا الجسمية حالة فيه، فباطل أيضاً; لأنّ ذلك الشيء إن كان جسماً أو مختصاً به بالحالية أو المحلية عادت المحالات، وإن لم يكن جسماً ولا مختصاً به كانت نسبته إلى جميع الأجسام المتساوية في صحّة الحلول في ذلك الجسم2 واحدة، فلم يكن بأنّه يجب لأجله حصول بعض الأجسام في ذلك الحيّز أولى من البعض. فإمّا أن يجب حصول الكلّ فيه، وهو محال. أو لا يجب حصول

1 . ساقطة في نهاية العقول.
2 . نهاية العقول: «الحيز».

صفحه 19
شيء منها فيه، وهو المطلوب.
وبيان أنّ كلّ ما يصحّ عليه العدم امتنع عليه القدم; فلأنّ القديم لا يخلو، إمّا أن تكون حقيقته قابلة للعدم، أو لا تكون، فإن لم تكن امتنع العدم عليها، وإن كانت قابلة للعدم وهي أيضاً موجودة، احتاجت في وجودها إلى مرجح، وإلاّلم يكن الوجود أولى بها من العدم، وذلك المرجح إن كان قابلاً للعدم عادت الحاجة ولا ينقطع إلاّ عند انتهائه إلى شيء واجب. وذلك الواجب إمّا أن يكون موجباً أو مختاراً.
فإن كان موجباً فإمّا أن يتوقّف إيجابه لذلك القديم على شرط أو لا يتوقف، فإن توقف فذلك الشرط إمّا أن يكون قديماً أو حادثاً. فإن كان قديماً فإمّا أن يكون ممكناً أو واجباً، فإن كان واجباً لزم من امتناعه زواله وامتناع زوال علّة ذلك القديم امتناع زوال ذلك القديم، وإن كان ممكناً كان الكلام فيه كالكلام في الأوّل، فيفضي إمّا إلى التسلسل وهو محال، أو ينتهي إلى ما هو واجب لذاته فيعود المحال المذكور. وإن كان حادثاً، فإمّا أن يكون الشرط حادثاً معيناً وهو محال، لسبق القديم على الحادث والسابق على الشيء يستحيل أن يكون مشروطاً به لتقدّم الشرط على المشروط، أو يكون الشرط حوادث لا نهاية لها وسيأتي بطلانه.ولأنّه في الحقيقة عائد إلى كون الشرط قديماً; لأنّ كلّ واحد من تلك الحوادث ليس شرطاً، بل الشرط أحدها لا بعينه وذلك أولى. وإن لم يتوقف لزم من إيجابه له وجوبه. ثمّ يلزم من امتناع زوال موجبه امتناع زواله. هذا إذا كان المؤثر في وجود ذلك القديم موجباً.
وإن كان مختاراً، وكلّ فعل لفاعل مختار فهو محدث فيكون القديم محدثاً، هذا خلف.
فثبت أنّ كلّ كون فانّه يصحّ عليه العدم وكلّ ما يصحّ عليه العدم فهو

صفحه 20
حادث، فإذن كلّ كون حادث. وثبت أنّ الجسم لا يخلو عن الكون1، فالجسم لا يخلو عن الحوادث.
وأيضاً لو كانت الأكوان قديمة، فإمّا أن تكون واجبة لذاتها وهو محال. أمّا أوّلاً، فلأنّها تعدم، وواجب الوجود يستحيل عليه العدم. وأمّا ثانياً: فلأنّ الكون على ما فسرناه صفة للجسم، والصفة لا تستقل بنفسها في الوجود بدون الجسم، وواجب الوجود مستقل بنفسه في الوجود.
وإمّا أن تكون جائزة الوجود فلها مؤثر إمّا موجَب أو مختار، وكلاهما محال.
أمّا الموجَب، فلأنّه لابدّ وأن يكون واجباً لذاته أو منتهياً إلى الواجب لذاته، وإلاّ لزم التسلسل أو الدور، وهما محالان. فذلك الواجب الموجب إن كان إيجابه بشرط فذلك الشرط إن كان جائزاً فلابدّ له من أمر فينتهي إلى الواجب لذاته، وإلاّ لزم الدور أو التسلسل. وإن كان واجباً، أو كان الواجب الموجب لا بشرط امتنع زواله فيمتنع زوال الكون المعلول له. وقد ثبت أنّ كلّ كون فانّه يزول بمثله أو بضده; لأنّ السكون يبطل بالحركة، والحركة تبطل بالسكون.
ولأنّ ذلك الموجب لكون الجسم على وضع مخصوص، لا يخلو إمّا أن يشترط في إيجابه خلوه عن سائر الأوضاع أو لا يشترط. فان شرط خلوه عنها، ولا يصحّ ذلك إلاّ وأن يكون حاصلاً على هذا الوضع المعين لما علم من أنّ الجسم لا ينفك عن الأكوان، صار ذلك متضمناً لكونه على هذا الوضع المعين، وذلك حكم الموجب، فيصير إيجاب الموجب حكمه مشروطاً بحصول حكمه، وهو محال.
وإن لم يكن مشروطاً بذلك لم ينفك،ولم يخرج من ذلك الوضع. وإن أخرج

1 . وهي الدعوى الثالثة. راجع شرح الأُصول الخمسة:111(الكلام في الدعوى الثالثة... في أنّ الأجسام لا يجوز خلوها من الأكوان); النيسابوري، التوحيد:61(الكلام في أنّ الجسم لم يخل من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون).

صفحه 21
بالقهر وجب أن يعود إليه عند زوال القاسر، لكن لما رأيناه لا يعود علمنا انّه ليس كونه كذلك بالموجب.
وأمّا القادر، فلأنّه يجب أن يكون سابقاً على فعله، والقديم لا يسبق عليه شيء، فبطل قدم الأكوان وثبت حدوثها.وأنّ الجسم لا يخلو منها، فنقول: هذه الحوادث متناهية لاستحالة عدم تناهيها لوجوه:
الأوّل: كلّ واحد من الحوادث مسبوق بعدمه سبقاً لا أوّل له; لأنّ كلّ حادث فقد كان في الأزل معدوماً فعدمه أزلي فلا أزل له. فإذا كان كلّ واحد من الأكوان حادثاً كان مسبوقاً بعدم لا أوّل له، فمجموع العدمات السابقة عليها حاصل في الأزل، فنقول: شيء من الأكوان إن وجد في الأزل لزم اقتران السابق والمسبوق فلا سبق، وأن يكون وجود الشيء حاصلاً مع عدمه، وأن يكون ما فرض حادثاً قديماً، وكلّ ذلك محال. وإن لم يوجد شيء من الأكوان في الأزل فمجموعها حادث بالضرورة، وليس شيء من الحوادث موجوداً في الأزل، فلكلّ الحوادث أوّل وبداية1.
الثاني: هذه الأكوان الحادثة إمّا أن يوجد شيء منها في الأزل أو لا. فإن كان الثاني كان لكلّ الحوادث أوّل، وهو المطلوب.وإن وجد شيء منها في الأزل، فهو محال.
أمّا أوّلاً: فلأنّ الأزلية تنافي المسبوقية; لأنّ الأزلي هو الذي لا يسبقه غيره والحادث هو الذي يسبقه غيره، فبينهما تناف.
وأمّا ثانياً: فلأنّ الذي وجد منه في الأزل إن كان مسبوقاً بغيره لم يكن هو أزلياً وقد فرض أزلياً، هذا خلف. وإن لم يكن مسبوقاً بغيره فهو أوّل الحوادث،

1 . راجع المطالب العالية4:265.

صفحه 22
فللحوادث بداية ونهاية، وهو المطلوب1.
الثالث: مجموع الحوادث ممكن بالضرورة فله مؤثر، وذلك المؤثر يستحيل أن يكون موجباً لما تقدم في بيان أنّ المؤثر في الأكوان ليس موجباً، بل المؤثر فيه مختار، وكلّ ما كان فعلاً لفاعل مختار فانّه يجب أن يكون مسبوقاً بالعدم، فجملة الحوادث مسبوقة بالعدم2.
الرابع3: لو كانت الحوادث غير متناهية لأمكننا أن نأخذ الحوادث الماضية من زمان الطوفان إلى الأزل جملة ومن زماننا هذا إلى الأزل جملة أُخرى، ثمّ نطبق إحدى الجملتين بالأُخرى بأن نجعل المبدأ من إحداهما ـ وهو زمان الطوفان ـ مقابلاً للمبدأ من الأُخرى ـ وهو زماننا ـ فإن استمر الاندفاع هكذا على التساوق بحيث يكون كلّ واحد من إحدى الجملتين مقابلاً لآخر من الجملة الأُخرى، ولم يظهر التفاوت من الجانب الآخر بين الجملتين، كان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، وهو باطل بالضرورة.
وإن ظهر التفاوت من الجانب الآخر كانت الجملة الناقصة منقطعة فتكون متناهية من الطرفين والزائدة إنّما زادت عليها بقدر متناه ـ لأنّها إنّما زادت بمقدار ما بين زمان الطوفان إلى زمانناـ والزائد على المتناهي بمقدار متناه يكون بالضرورة متناهياً; لأنّ المتناهي إذا انضم إلى المتناهي كان المجموع متناهياً. فثبت أنّ الجسم لا يخلو عن الحوادث.وثبت أنّ الحوادث لها بداية، فيلزم بالضرورة أن يكون للجسم أوّل، وهو المطلوب4.

1 . المصدر نفسه.
2 . المصدر نفسه:270.
3 . راجع المطالب العالية4:257; شرح المقاصد:114.
4 . وهي الدعوى الرابعة. راجع شرح الأُصول الخمسة:113(الكلام في الدعوى الرابعة...في أنّ الجسم إذا لم ينفك عن هذه الحوادث...وجب أن يكون محدثاً مثلها); النيسابوري، التوحيد:231.

صفحه 23
فإن قيل: الكلام على ما ذكرتموه من وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل1: ما يتعلق بالقدح في نظم الدليل، وهو أنّه2 مركب من مقدمتين والثانية منهما ليست إلاّ إعادة الدعوى مع احتمال ضمّ دعاوي أُخر إليها، فلا يكون في ذكرها فائدة، فتبقى المقدمة الأُولى وحدها، ومعلوم أنّها وحدها لا تنتج.
وإنّما قلنا: إنّ المقدمة الثانية ليست إلاّ إعادة الدعوى مع احتمال ضم دعاوى أُخر إليها; لأنّ قولكم: وما لا يخلو عن الحوادث حادث، معناه: أنّ كلّ واحد واحد ممّا يوصف بأنّه لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ومن جملة ما يوصف بانّه لا يخلو عن الحوادث الجسم، فقولكم: وما لا يخلو عن الحوادث حادث معناه: أنّ الجسم الذي لا يخلو عن الحوادث حادث، وغيره لو كان أيضاً فهو حادث. فظهر أنّه ليس في ذكر هذه المقدمة إلاّ إعادة الدعوى مع احتمال ضمّ دعاوى أُخر إليها. والشيء لا يصلح أن يكون دليلاً على نفسه لوجوب معرفة الدليل قبل المدلول، وامتناع كون الشيء معلوماً قبل نفسه.
سلمنا3، لكن المنتج ليس إحدى المقدمتين بالضرورة; ولأنّه لو كان لكان ذكر الأُخرى حشواً. ولا المجموع; لأنّ كونهما منتجتين إنّما يصحّ لو وجدتا معاً، وهو محال، لامتناع حصول العلم بمعلومين في الذهن دفعة واحدة. والعلم بهذا الامتناع ضروري; لأنّا متى وجّهنا ذهننا نحو العلم بشيء تعذر علينا توجيهه نحو العلم بمعلوم آخر.

1 . راجع المطالب العالية:310.
2 . أي الدليل.
3 . أنّ المقدمة الثانية ليست إعادة الدعوى.

صفحه 24
سلمنا1، لكن كل واحدة منهما غير منتجة فلا يكون المجموع منتجاً; لأنّ كلّ واحدة منها عند انضمامها إلى الأُخرى، إمّا أن تبقى على ما كانت عليه حالة الانفراد أو لا تبقى، فإن بقيتا وكانتا حالة الانفراد غير مؤثرتين وجب أن لا تؤثرا حالة الاجتماع. وإن لم تبقيا على ما كانتا فقد حصل عند اجتماعهما أمر زائد، فننقل الكلام إلى كيفية حصول ذلك الزائد وهو أنّ المؤثر فيه إمّا كلّ واحدة منهما وحدها أو المجموع ويعود التقسيم، فإن كان حصول ذلك الزائد لزائد آخر تسلسل.
لا يقال: الموجب هو اجتماعهما.
لأنّا نقول: الاجتماع إن لم يكن زائداً على ذات كلّ منهما استحال جعله موجباً للنتيجة، وإن كان فالموجب لذلك الاجتماع إمّا كلّ واحدة من المقدمتين وحدها، أو مجموعهما، أو أمر ثالث.
فإن كان الأوّل، لزم حصول النتيجة من كلّواحدة منهما; لاستقلال كلّ واحدة منهما بما يوجب النتيجة.
وإن كان الثاني، كان الموجب لذلك الاجتماع اجتماع آخر ويتسلسل.
وإن كان الثالث، فاقتضاؤه لحصول تلك النتيجة إن لم يتوقف على هاتين المقدمتين لم يكن للمقدمتين اعتبار أصلاً في ذلك الانتاج. وإن توقف فإمّا أن تكفي المقدمة الواحدة في صدور النتيجة عن ذلك المقتضي ، وحينئذ تحصل النتيجة عند حصول المقدمة الواحدة وذلك محال، أو2 لابدّ منهما، ويعود المحال المذكور.

1 . إمكان حصول العلم بمعلومين دفعة في الذهن.
2 . نهاية العقول:«إذ».

صفحه 25
سلمنا أنّ الأُمور التي لا يمكن أن يكون كلّ واحد منها وحده موجباً لشيء فانّ مجموعها يعقل أن يكون موجباً في الجملة، ولكن لا يمكن في هذا الموضع أن يكون كذلك; لأنّه إذا قيل الإنسان حيوان والحيوان جنس، لزم أن يكون الإنسان جنساً. فالمقدمتان صادقتان والنتيجة كاذبة، وما ذلك إلاّ أنّ هذا النظم غير منتج.
سلمنا استقامة هذا النظم في الجملة، لكن نمنع استقامته في هذا الموضع لوجهين:
الأوّل: كلّ مطلوب له طرفان: الموصوف والصفة، فإذا قلنا: الجسم محدَث، فالجسم هو الموصوف، والمحدث هو الصفة، ثمّ لابدّ من شيء يتوسط بينهما بحيث تكون له نسبة إلى كلّ واحد من الطرفين، فهذا المتوسط هنا لا يخلو إمّا أن يكون هو قولنا: لا يخلو عن الحوادث، أو قولنا: لا يخلو عن حوادث ذوات بداية.
فإن كان الأوّل صار الدليل هكذا: الجسم لا يخلو عن الحوادث، وكلّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وحينئذ تصير الثانية كاذبة; لأنّا لو قدّرنا أن لا تكون للحوادث بداية فلا يلزم من عدم خلو الجسم عنها حدوثه.
وإن كان الثاني صار الدليل هكذا: الجسم لا يخلو عن حوادث لها بداية، وكلّ ما كان كذلك فهو حادث، وحينئذ تصير المقدمة الأُولى عين المطلوب، فيندرج حكم المسألة في العلّة; لأنّ المعني بقولنا: الأجسام لا تخلو عن حوادث لها بداية، أنّ للجسم بداية، لأنّه يصير ا لتقدير: أنّ الجسم لا يوجد متقدماً على حوادث لها أوّل، وهذا هو المعنى بكونه حادثاً، فتكون إحدى مقدمات الدليل نفس المطلوب، وهو باطل. ولأنّه إذا حصل حكم المسألة بهذه المقدمة صارت

صفحه 26
المقدمة الأُخرى لغواً1.
الثاني: هذه الحجّة إن كانت تقتضي حدوث الأجسام، لكنّها تقتضي قدمها، وما يقتضي النقيضين يكون باطلاً، ولا يجوز الاستدلال به على ثبوت أحدهما ونفي الآخر.
بيانه أنّه: لو كانت استحالة خلو الجسم عن كلّ الحوادث تقتضي حدوثها، وجب أن تكون استحالة اللاّخلو عن كلّ الحوادث تقتضي قدمها، فانّ استحالة الخلو عن الكل تقابلها اللاّ استحالة الخلو عن2 الكل، والمقتضي لشيء يقتضي مقابله مقابل ذلك الشيء، كالحرارة لمّا اقتضت السخونة اقتضت البرودة التبريد، فكذا هنا لمّا كان امتناع الخلو عن الكل يقتضي الحدوث فامتناع اللاّخلو عن الكل وجب أن يكون مقتضياًللعدم; لأنّ كلّ ما صدق عليه امتناع الخلو عن الكل صدق عليه امتناع اللاّ خلو عن الكل فيلزم قدم الجسم وحدوثه معاً، فعلمنا أنّ هذا النظم باطل.
الوجه الثاني3: ما يتعلق بالبحث عن محلّ النزاع وتلخيصه، فنقول: إن سلمنا سلامة النظم عن الخلل، لكنّا نقول: الاشتغال بالتدليل إنّما يكون بعد تحصيل4 حكم المسألة، فلابدّمن البحث عن معنى كون العالم محدثاً حتى يمكن الشروع في الاستدلال. وإذا لخصنا محل النزاع علم امتناع القول بالحدوث لوجهين:

1 . راجع المطالب العالية4:310ـ311.
2 . في النسخ:«نفى»،و هو خطأ.وما أثبتناه من نهاية العقول.
3 . راجع المطالب العالية4:13.
4 . نهاية العقول:«تلخيص».

صفحه 27
الأوّل: للحدوث تفسيران1: كون الشيء مسبوقاً بالعدم، و2 كونه مسبوقاً بوجود غيره، وللقدم مقابلهما إمّا بنفي المسبوقية بالعدم، أو بنفي المسبوقية بوجود الغير. وأقسام التقدم خمسة3:
القسم الأوّل: التقدم بالعلية، فإنّ العقل يدرك ترتب وجود ضوء السراج على السراج وإن امتنع تأخر أحدهما عن الآخر في الزمان، فذلك الترتب المعقول هو التقدم بالعلية. فإن فسرنا الحدوث بالمسبوق بالعدم فالتقدم بالعلية هنا باطل بالاتفاق; لأنّ العدم لا يكون علّة للوجود.
القسم الثاني: التقدم بالطبع، كتقدم الشرط على المشروط، مثل تقدّم الواحد

1 . عرف الباقلاني المحدث تعريفاً استفاده من مدلوله اللغوي، فقال:«المحدث هو الموجود عن عدم، يدل على ذلك قولهم:حدث بفلان حادث من مرض أو صداع إذا وجد به بعد ان لم يكن...»، الباقلاني وآراؤه الكلامية:320.
ويذكر ابن كمونة انّ الحدوث في اصطلاح الجمهور هو: حصول الشيء بعد عدمه في زمان مضى، وأنّ التقدم ما يقابله. الجديد في الحكمة:80. راجع أيضاً إلهيات النجاة:218(في القديم والحادث); المباحث المشرقية1:227; المطالب العالية4:13; نقد المحصل:197; كشف المراد:57; أنوار الملكوت في شرح الياقوت:51;نهاية الاقدام في علم الكلام:18; شرح المواقف4:2; شرح المقاصد2:7.
2 . نهاية العقول:«أو».
3 . فإنّها تكاد أن تجتمع على سبيل التشكيك في شيء، وهو أن يكون للمتقدم، من حيث هو متقدم، شيء ليس للمتأخر، ويكون لا شيء للمتأخر إلاّ وهو موجود للمتقدم. الفصل الأوّل من المقالة الرابعة من إلهيات الشفاء
راجع أيضاً منطق أرسطو1:70ـ76; الفصل الرابع من المقالة السابعة من مقولات الشفاء; إلهيات النجاة:222(فصل في المتقدم والمتأخر); الغزالي، مقاصد الفلاسفة:187(قسمة رابعة); المطالب العالية4:13; كشف المراد: 57; المباحث المشرقية1:570; كشف الفوائد:69; السيوري الحلي، اللوامع الإلهية:21; الشهرستاني، نهاية الاقدام:7; شرح المواقف6:269; شرح المقاصد2:20; كشف الفوائد:67.

صفحه 28
على الاثنين، وهو ثابت هنا بالاتفاق; لأنّ العالم ممكن وكلّ ممكن فله لذاته لا استحقاقية الوجود وله من غيره الوجود، وما بالذات أقدم ممّا بالغير. فإذن كونه غير مستحق للوجود أقدم من الوجود تقدماً بالطبع، ومعلوم أنّ ذلك متّفق عليه بين الكل.
القسم الثالث: التقدم بالشرف، وهو منفي بالاتفاق.
القسم الرابـع: التقدّم بالمكان، وهو منفي هنا اتّفاقاً.
ثمّ لو سلّم التقدم بأحد هذه الوجوه الأربعة، فانّه ليس فيه ما يقتضي الحدوث الذي يريدونه.
القسم الخامس: التقدّم بالزمان1، وليس محض العدم والوجود; لأنّ العدم قد يحصل بعد الوجود، والشيء بهذا الاعتبار لا يكون حادثاً، بل إنّما يكون حادثاً لأنّ وجوده بعد العدم وعدمه قبل الوجود، وتلك القبلية أمر زائد على ذات العدم، ولا محالة قبل كلّ قبلية قبلية أُخرى، فهنا قبليات لا بداية لها، ولا معنى للزمان2 إلاّ ما تلحقه القبلية والبعدية لذاته، فإذن لا أوّل للزمان. فإذن تفسير حدوث العالم بتقدّم عدمِه عليه يقتضي قِدم الزمان، فلزم من تفسير حدوث العالم بهذا التفسير قدمه.
وأمّا إن فسّـرتم حدوث العالم بكونه مسبوقاً بالغير، فنقول: إن أردتم بذلك أنّ للعالم شيئاً يتقدمه بالعلية أو بالطبع أو بالشرف فذلك مسلّم، لكن لا يقتضي الحدوث الذي تريدونه.والتقدم بالمكان منفي اتفاقاً، لاستحالة المكان على اللّه تعالى. وبتقدير الثبوت لا يحصل مقصودكم.
بقي التقدم بالزمان وهو باطل. وبتقدير ثبوته يوجب القدم. أمّا بطلانه،

1 . راجع المباحث المشرقية1:772 وما يليها.
2 . نهاية العقول:«بالزمان».

صفحه 29
فلأنّه لو كان اللّه تعالى متقدماً على العالم بالزمان لزم أن يكون الباري تعالى زمانياً، وأن يكون الزمان زمانياً وهما محالان. أمّا الأوّل، فلأنّ الزمان من لواحق التغير1 واللّه تعالى يستحيل عليه التغير فلا يلحقه الزمان. وأمّا الثاني، فلامتناع التسلسل.
وأمّا ثبوت القدم بتقدير ثبوته، فلأنّه إذا كان هذا التقدم زمانياً ، ثمّ لا بداية لقدم2 الباري تعالى على العالم، لزم أن لا تكون للزمان بداية ويلزم منه القدم.
هذا إذا سلّمتم انحصار التقدم في الخمسة. فإن ادّعيتم سادساً فاظهروه حتى يمكن الشروع بعده في الاستدلال.
لا يقال: الاستفسار عن معنى الحدوث استفسار عن حكم وقع الخلاف فيه، فنحن ننفيه وأنتم تثبتونه، والحكم على الشيء بالنفي أو الإثبات لا يصحّ إلاّ بعد تصور ماهية ذلك الشيء وحقيقته، وكان وقوع الخلاف مشعراً بكون محلّ الخلاف معلوماً من الخصمين.
لأنّا نقول: وقوع الخلاف مشعر بكون محلّ الخلاف معلوماً جملة أو تفصيلاً؟ م ع3. بيانه: أنّ الذي يلزمنا معرفته أن نعرف مذهبنا وصحّته وبطلان ما عداه، وإن كان ما عداه يحتمل تفاصيل كثيرة، فلم يلزمنا معرفته. فإذا رمتم إثبات ذلك وكان الكلام في ذلك تعليلاً وسؤالاً يختلف بحسب اختلاف التفصيل، حسن منّا الاستفسار.
سلمنا أنّ وقوع الخلاف مشعر بكون محلّ الخلاف معلوماً جملة وتفصيلاً، ولكن متى لا يصحّ الاستفسار إذا كان الغرض بالاستفسار مجرّد فائدة تعريف

1 . ق:«المتغير».
2 . نهاية العقول:«لتقدم».
3 . كذا في المخطوطة ولعلّ المعنى: كون محلّ الخلاف معلوماً جملة، مسلّم، ووضع حرف «م» لتدل على كلمة مسلم وكونه تفصيلاً ممنوع ، ووضع حرف «ع» لتدل على كلمة ممنوع.

صفحه 30
الحكم من غير أن تنضم زيادة فائدة أو إذا انضم؟ م ع1. وهنا قد تضمن زيادة فائدة وهو بيان تعجيز الخصم في إيراد تفسير إلاّ2 وأن يتضمن ذلك بطلان مذهبه على ما نبينه عند تفسيركم.
الثاني: إمّا أن يقولوا: إنّ لصحّة وجود العالم بداية، أو يقولوا: ليس له بداية. والأوّل باطل.
أمّا أوّلاً: فلأنّ كون العالم ممكن الوجود فيما لا يزال وهو قبل أن صار ممكن الوجود قد كان ممتنع الوجود بعينه، فإذا جوزتم ذلك انسد باب الاستدلال بحدوث العالم على إثبات الصانع; لأنّه إذا جاز أن يقال: إنّه كان ذلك الإمكان واجباً لذاته بعد أن كان ممتنعاً لذاته، جاز أن يقال: العالم قبل حدوثه قد كان ممتنعاً بعينه، ثمّ صار واجباً بعينه، كما انتقل الإمكان من الامتناع الذاتي إلى الوجوب الذاتي، وحينئذ وجب استغناؤه عن الصانع.
وأمّا ثانياً: فلأنّه لو كان انقلاب الممتنع لذاته ممكناً، لجاز ذلك في كلّ الممتنعات فحينئذ لا نأمن أن3 يصير اجتماع الضدين والنقيضين ممكناً بعد أن كان ممتنعاً لذاته، وذلك عين السفسطة.
وأمّا إن قلتم: لا بداية لصحّة وجود العالم فقد سلّمتم أنّ العالم يمكن أن يكون أزلياً، ومع الاعتراف بذلك لا يمكن القطع بامتناع القدم ووجوب الحدوث.
لا يقال: العالم يستحيل وجوده4 في الأزل لا لذاته، ولكن لامتناع وجود شرطه في الأزل، أو لوجوب وجود مانع فيه.

1 . أي عدم صحّة الاستفسار مع عدم الزيادة مسلم ومع الزيادة ممنوع ، فتأمل جيداً.
2 . كذا.
3 . نهاية العقول:«من أن».
4 . في النسخ:+«في»قبل «وجوده»، وهو من زيادة الناسخ.

صفحه 31
لأنّا نقول: امتناع وجود شرطه إن كان امتناعاً ذاتياً وجب امتناع زواله، ويلزم منه استمرار امتناع العالم فيما لا يزال. وإن لم يكن ذاتياً كان لامتناع شيء آخر، ولزم منه التسلسل. وهكذا الكلام في وجوب المانع، فانّه إن كان واجباً لذاته، امتنع زواله فامتنع زوال امتناع العالم فاستحال وجود العالم، وإن كان واجباً لغيره لزم منه التسلسل، وهو محال.
الوجه الثالث1: أن نتكلم على مقدمات الدليل، فنقول: لا نسلّم أنّ الجسم لا يخلو عن الحوادث.
قوله:«لا يخلو عن الأكوان».
قلنا: هذا مبني على أنّ الكون زائد على ذات الجسم، وهو ممنوع. ودعوى الضرورة باطلة; لأنّ ادعاء الضرورة فيه فرع على تصور حصول الجسم في الحيّز، وهو غير معقول; لأنّ الحيّز الذي يقال الجسم حصل فيه، إن كان معدوماً لم يعقل حصول الجسم فيه. وبهذا سقط قول من قال: إنّه مقدر مفروض، لأنّ المفروض الذي لا وجود له في نفسه لا يعقل حصول الجسم فيه. وإن كان موجوداً، فإن كان متحيزاً لزم التداخل، ويعود المتحيز في متحيز آخر، وهو محال. ولأنّ الجزء الواحد إذا وجد لزم أن لا يكون حاصلاً في الحيز، وإن لم يكن متحيزاً، فإن كان عرضاً، فإن كان حالاً في المتمكن دار، وإن لم يكن حالاًّ فيه تسلسل، وإن كان مجرداً استحال حلول المتحيز فيه.
وبالجملة فلابدّ من تفسير الحيّز2 وتفسير الحصول في الحيّز، حتى يمكن ادعاء أنّه هل هو حاصل أم لا؟ فانّ كلّ ما نعقله3 من هذه الأقسام التي

1 . راجع المطالب العالية4:309.
2 . راجع المطالب العالية4:246.
3 . نهاية العقول:«نفعله».

صفحه 32
ذكرناها باطل.
لا يقال: المعقول من كون المتحيز في الحيّز كونه بحيث لو وجد متحيز آخر لصحّ أن يقال لأحدهما : إنّه قريب من الآخر أو بعيد منه.
لأنّا نقول: هذا باطل.
أمّا أوّلاً: فلأنّ كونه كذلك إشارة إلى تحيزه لا إلى حصوله في الحيز، وتحيزه أمر مستمر معه، وإنّما مرادكم هناحصوله في الحيّز، فأين أحدهما عن الآخر. ويدل على المغايرة أنّ الجوهر مادام موجوداً كانت تلك الحيثية باقية، وأمّا حصوله في الحيّز فانّه غير باق عند خروجه عنه.
وأمّا ثانياً: فلأنّ القرب والبعد إنّما يفسران بكون أحدهما حاصلاً في حيّز قريب من حيّز الآخر أو بعيد عنه، فإذا لم نفسر القرب والبعد إلاّ بالحصول في الحيّز فلو فسرنا الحصول في الحيز بهما دار.
ثمّ لو نزلنا عن الاستفسار، لكن لا نسلم أنّ الحصول في الحيّز أمر زائد; لأنّ المعلوم بالضرورة أنّ المفهوم من ذات الجسم ليس المفهوم من كونه حاصلاً في الحيز. ولا يلزم من التغاير في المفهوم كونهما أمرين وجوديين، لاحتمال كونه قيداً عدمياً، أو أمراً نسبياً لا وجود له في الخارج. ويدل عليه وجوه:
الأوّل: المعقول من كون الجسم جسماً مغاير للمعقول من كونه ممكناً. مع أنّ الإمكان لا يصلح أن يكون وصفاً وجودياً زائداً، وإلاّ كان له إمكان آخر ويتسلسل.
الثاني: المعقول من حقيقة الكائنية مغاير للمعقول من قيامها بالمحل، ثمّ إنّه لا يلزم أن يكون قيامها بالمحل وصفاً عرضياً زائداً عليه قائماً به، وإلاّتسلسل.
الثالث: يصدق على الواحد أنّه نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة،

صفحه 33
وهكذا له نسبة معيّنة إلى كلّ مرتبة من مراتب الأعداد الغير المتناهية، ومفهومات تلك النسب متغايرة، فانّ نصفية الاثنين مغايرة لثلثية الثلاثة وأربعية الأربعة وهكذا. والمفهوم من كونه واحداً مغاير لجميع هذه النسب أيضاً. ويمتنع أن يكون لتلك النسب الغير متناهية وجود في الأعيان، وإلاّتسلسل، فكذا هنا.
الرابع: المفهوم من كون الجوهر ذاتاً مغاير للمفهوم من كونه جوهراً، ولا1 يلزم أن يكون كون الجوهر ذاتاً صفة، وإلاّ لكان الكلام في أصل الذات عائداً، ويتسلسل.
الخامس: المفهوم من كون الجوهر غير العرض مغاير للمفهوم من كونه جوهراً، ثمّ لا يلزم أن تكون الغيرية صفة ثبوتية زائدة، وإلاّ تسلسل. وكذا القول في المماثلة والمخالفة والتعيّن والتعدد.
السادس: المفهوم من ذات الجوهر مغاير للمفهوم من كونه حادثاً وباقياً، ثمّ إنّ الحدوث والبقاء لا يمكن أن يكونا وصفين ثبوتيين، وإلاّ تسلسل.
السابع: المفهوم من كون الإنسان ليس بحجر مغاير للمفهوم من كونه ليس بشجر، ثمّ هذه السلوب ليست وجودية، وإلاّ تسلسل ولزم حصول صفات غير متناهية للشيء الواحد لا مرة واحدة بل مراراً لا نهاية لها.
فظهر من هذه الوجوه أنّه لا يلزم من التغاير في المفهوم إثبات الصفات المتغايرة، فظهر فساد دعوى الضرورة.
وما ذكرتموه من الاستدلال2 وهو «انّا ندرك الجسم متحركاً بعد أن لم يكن، فتبدّل الحالتين عليه مع بقائه مدرَك بالحس ، وهو يدل على كون تلك الأحوال المتبدلة أُموراً ثبوتية» ممنوع، فانّا لا نسلّم أنّ الجسم الذي كان ساكناً بقي وصار

1 . في النسخ:«إلاّ»،و ماأثبتناه من نهاية العقول.
2 . في الدعوى الأُولى من الدعاوي الأربعة، ص 16.

صفحه 34
بعينه متحركاً، بل ذلك الجسم عدم وحدث جسم آخر وهو لذاته متحرك; لأنّ حدوث الشيء ليس زائداً عليه بل هو نفسه، وإلاّتسلسل. ثمّ إنّ الحدوث لا يبقى في الزمان الثاني فوجب أن لا تبقى ذاته، وإلاّ كان حدوثه مغايراً لذاته، وهو محال.
لا يقال: إنّ مقصودنا من هذا الدليل حدوث الأجسام، فإذا سلّمتم ذلك فقد سلّمتم المقصود.
لأنّا نقول: هب أنّ ذلك مساعدة على المطلوب، لكن لا يبقى دليلكم ـ الذي طلبتم تصحيحه ـ مستقيماً.
سلمنا بقاء ذات الجسم، لكن لِمَ قلتم: إنّ تبدل الساكنية بالمتحركية يدل على وجودها1؟ فانّ التبدل غير دالّ عليه لوجهين:
الأوّل: لمّا اثبتم حدوث العالم فلابدّ وأن تجزموا باستحالة وجوده أزلاً، ولابدّمن تبدل تلك الاستحالة بالإمكان فيما لا يزال. فالتبدل هنا حاصل مع امتناع كون الإمكان أو الامتناع ثبوتياً. أمّا الإمتناع، فلأنّه لو كان ثبوتياً لكان الموصوف به ثابتاً فيكون ممتنع الوجود موجوداً، هذا خلف. وأمّا الإمكان، فَلِما سبق.
الثاني: الشيء حال حدوثه يكون حادثاً وحدوثه يبطل حال بقائه، فقد تبدل الحدوث بالبقاء وليسا وجوديين. أمّا الحدوث، فلأنّه لو كان صفة لكانت حادثة ويكون لها حدوث زائد ويتسلسل. وأمّا البقاء، فلأنّه لو كان صفة لتوقف إمكان حصولها في الجوهر على حصول الجوهر في الزمان الثاني وحصوله في الزمان الثاني إمّا هو نفس البقاء أو معلول للبقاء، فيلزم إمّا توقّف الشيء على نفسه أو على ما يتوقف عليه، وهما محالان.

1 . نهاية العقول:«وجودهما».

صفحه 35
لا يقال: إمكان الشيء وامتناعه وحدوثه وبقاؤه ليست محسوسة بالبصر فيجوز أن تكون قضايا عقلية، فلا يلزم من تَطَرّق التبدّل إليها كونها أُموراً وجودية، بخلاف المتحركية والساكنية فانّ المتبدل فيها محسوس بالبصر، فكانت وجودية.
لأنّا نقول: الساكنية والمتحركية غير مدركتين بالبصر; فانّ سكّان السفينة في موضع من البحر غير مختلف الارتفاع والانخفاض في وقت هبوب الرياح من جانب واحد، فقد يتحركون أسرع حركة مع انّهم يظنون أنّ السفينة ساكنة، ولو كانت الحركة و1 السكون محسوستين لما اشتبه أحدهما بالآخر.
سلّمنا دلالة التبدل على الوجود، لكن على أحدهما لا عليهما معاً2; فانّ الشيء إذا خلا عن وصف ثبوتي ثمّ اتصف به أو كان موصوفاً به ثمّ عدم عنه، يكون التغير حاصلاً مع أنّ أحدهما عدمي، فجاز في المتحركية والساكنية كون إحداهما ثبوتية3.
سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أنّ الحصول في الحيز زائد على ذات الجسم، لكن هنا ما يدل على نفيه، وهو ثلاثة:
الأوّل: الحصول في الحيز أمر نسبي والأُمور النسبية تستدعي أمرين، لامتناع حصولها لأقلّ منهما، فلو كان الحصول في الحيز ثبوتياً لكان الحيز ثبوتياً وهو باطل; لأنّه لو كان موجوداً لكان إمّا حالاًّ في الجسم فلا يكون حيزاً للجسم، أو لا يكون حالاًّ فيه، فإمّا أن يكون ذا حيّز ويتسلسل، أو لا فيبطل حصول الجسم فيه.
الثاني: حصول الجوهر في الحيّز نسبة مخصوصة له إلى الحيز، فلو كانت هذه

1 . نهاية العقول:«أو».
2 . نهاية العقول:«لكنّه يقتضي وجود كلا المتبدلين أم وجود أحدهما؟ع م»، ثمّ فسرها ووضّح الرمز، فراجع.
3 . راجع نقد المحصل:149.

صفحه 36
النسبة أمراً وجودياً لكان ذلك الأمر الوجودي حاصلاً في الحيز، وتكون له نسبة إلى ذلك المحل فتكون تلك النسبة زائدة على الكائنية، ولزم التسلسل.
الثالث1: الحركة يمتنع دخولها في الوجود; لأنّ الحركة إمّا أن لا يكون لها حصول2 في الحال أو يكون. فإن لم يكن ، لم يكن ماضياً ولا مستقبلاً; لأنّ الماضي هو الذي كان وجوده في زمان كان فيه حاضراً، والمستقبل هو الذي يتوقَّع فيه ذلك. وإن كان لها حضور، فإن انقسم الحاضر لم يكن الحاضر حاضراً; لأنّ الأجزاء المفترضة فيه لا يمكن وجودها دفعةً، لأنّ حقيقة الحركة لا تعقل إلاّ مع التقضي والمرور. فإذن الأجزاء المفترضة في الحركة لا توجد معاً فلا يكون الحاضر من الحركة حاضراً، هذا خلف.
وإن لم ينقسم فعند عدمه يحضر شيء آخر من الحركة وهو غير منقسم فتكون الحركة مركبة من أُمور كلّ واحد منها غير قابل للقسمة، وهو أيضاً محال; لأنّ الجزء الذي لا يتجزأ من الحركة إمّا أن يقع على مسافة منقسمة أو غير منقسمة، والأوّل محال وإلاّ لكان الواقع منها في نصف تلك المسافة نصف تلك الحركة، فتكون تلك الحركة منقسمة، هذا خلف.
وإن كانت المسافة غير منقسمة لزم تركب الجسم من أجزاء لا تتجزأ، وهو محال، وإلاّ لزم نفي الحركة، لانّها لو وجدت فإمّا عند كون المتحرك ملاقياً لكلية الجزء الأوّل، وهو محال; لأنّه حينئذ لم يتحرك . أو عند كونه ملاقياً لكلية الثاني،وهو باطل; لأنّه حينئذ قد انقضت الحركة. أو عندما يكون متوسطاً بينهما، وذلك يقتضي انقسام الأجزاء وقد فرضنا أنّها غير منقسمة، هذا خلف.
فالقول بالحركة يُفضي إلى أقسام كلّها باطلة فهي إذن غير موجودة، بل هي

1 . راجع نقد المحصل 184ـ187; المطالب العالية 4:288.
2 . نهاية العقول:«حضور».

صفحه 37
أمر مقدر مفروض في الذهن لا حقيقة له في الخارج. وإذا لم تكن الحركة ثبوتية لم يكن السكون ثبوتياً، إذ لا فرق بينهما إلاّبالدوام وعدمه، فانّ الحصول في الحيّز إن استقر كان سكوناً وإلاّ فحركة. فإذا كانت الحركة عدمية كان السكون المساوي لها في تمام الحقيقة عدمياً.
سلمنا أنّ الكائنية زائدة على ذات الجسم، لكن نمنع عدم الخلو.
قوله:«الجسم متى كان موجوداً كان متحيزاً، وإذا كان متحيزاً كان حاصلاً في الحيز».
قلنا: لا نسلم أنّه إذا كان موجوداً كان متحيزاً، فلِمَ لا يجوز أن يقال: الأجسام كانت في الأزل خالية عن صفة التحيز ثمّ اتصفت به فيما لا يزال، كما هو رأي افلاطون؟ وتدل عليه وجوه ثلاثة:
الأوّل: قد بيّنا نفي الجوهر الفرد، فيكون الجسم البسيط في نفسه واحداً، ومعلوم أنّه قابل للانفصال والقابل للانفصال ليس الاتصال، لاستحالة بقائه معه والقابل باق مع المقبول فهو شيء غير الاتصال الذي هو الجسمية، فللجسمية قابل هو الهيولى، فالجسم مركب من الجسمية والهيولى1. ثمّ الجسمية لمّا كانت حالّة في الهيولى كانت محتاجةً إليها; لاحتياج الحالّ إلى المحل فيمتنع احتياج الهيولى إليها، وإلاّ دار. وإذا استغنت الهيولى عن الجسمية أمكن خلوها عنها. فثبت أنّ للمتحيزات هيولى غير متحيزة يمكن إنفكاكها عن التحيز2.
الثاني: دليلكم على حدوث الأجسام يدلّ على حدوث المتحيزات، وكلّ محدَث فانّه مسبوق بإمكان حدوثه، وليس الإمكان عائداً إلى القادر; لأنّ القادر

1 . أُنظر البرهان في المباحث المشرقية2:46(في أنّ الجسم مركّب عن الهيولى والصورة); شرح المقاصد3:53.
2 . راجع نقد المحصل:188.

صفحه 38
قادرعلى ايجاد الممكنات دون الممتنعات، فلولا امتياز الممكن عن المحال بأمر عائد إليه، وإلاّ لما حصلت هذه التفرقة. فثبت أنّ الإمكان عائد إلى الممكنات وليس عدمياً، وإلاّ لم يبق فرق بين نفي الإمكان وبين إثبات إمكان منفي، فهو وجودي يستدعي محلاً مستقلاً بنفسه، فالأجسام محتاجة إلى محلّ توجَد فيه إمكاناتها السابقة عليها1، وذلك المحل ليس متحيزاً لامتناع قدم المتحيز بدليلكم فهو غير متحيز، وهو هيولى الأجسام.
الثالث: بداهة العقول حاكمة بأنّ حدوث الشيء لا من الشيء غير معقول، فإذا كان المتحيز حادثاً فلابدّ له من مادة غير متحيزة متقدمة عليه.
سلمنا أنّ الأجسام متى كانت موجودة كانت متحيزة، فلِمَ قلتم: بامتناع خلوها عن الكائنية؟
قوله:«لأنّه متى كان موجوداً كان متحيزاً ومتى كان متحيزاً كان حاصلاً في الحيز، ولا نعني بالكون إلاّ ذلك».
قلنا: هذا الكلام إن دلّ على امتناع خلو الجسم عن الكائنية فهنا ما يدلّ على جوازه، وهو وجهان:
الأوّل: اللازم للجسم إمّا جميع الكائنيات أو واحدة. والأوّل معلوم البطلان.والثاني إمّا أن يكون اللازم كائنية واحدة على التعيين، أو لا على التعيين.والأوّل ظاهر الفساد لما ذكرتموه في إبطال وجوب حصول شيء من الأجسام في حيّز معين. والثاني أيضاً باطل; لأنّ كون الشيء لازماً لشيء فرع وجوده في نفسه، فإنّ مالا وجود له في نفسه يمتنع أن يكون وجوده لازماً لغيره، والكائنية المبهمة لا وجود لها في الخارج، فإنّ كلّ ما يوجد في الخارج لابدّ وأن يكون معيّناً،

1 . أي على وجود الأجسام.

صفحه 39
ولا شيء من المعين بلازم للجسم فلا شيء من الكائنيات الموجودة في الخارج بلازم للجسم. وأمّا المبهم الذي لا وجود له في الخارج فليس بلازم للجسم في الخارج وإلاّ لكان موجوداً في الخارج. فإذن لا شيء من الكائنيات بلازم في الخارج، بل في الذهن.
لا يقال: الكائنية من حيث هي كائنية لها مفهوم مشترك بين الكائنيات الجزئية، وذلك المفهوم المشترك هو اللازم للجسم.
لأنّا نقول: ذلك المشترك من حيث هو لا يوجد إلاّ في الذهن، لكنّا بيّنا أنّ ما كان كذلك يمتنع أن يكون لازماً للجسم.
الثاني: الجسم وكائنيته ليس أحدهما علةً للآخر، لامتناع كون الجسم علّة، وإلاّ لكان علّة لكائنية معيّنة; لأنّ الجسم معيّن فلا يقتضي مبهماً. ويلزم منه اشتراك الأجسام في الحصول في ذلك الحيز. وإن فرضت الكائنية علّة للجسم كان وصف الشيء المحتاج إليه الذي لا يعقل قيامه إلاّ به علّة متقدمة عليه مع تأخره عنه، هذا خلف.
ثمّ إنّ الجسم شرط الكائنية لأنّه محلّها، فالكائنية ليست شرطاً له، لامتناع الدور. فالكائنية إذن ليست علّة للجوهر ولا معلولة له ولا شرط فيه1، فجاز خلو الجوهر عنها.
ثمّ إن سلّمنا أنّ الجسم لا يخلو عن الكائنية، لكن لا نسلّم أنّ الكائنية حادثة.
قوله:«كلّ جسم يصحّ خروجه عن حيزه»2.

1 . نهاية العقول:«له».
2 . وقد ذكر الرازي في تقريره دلائل كثيرة في المطالب العالية4:292.

صفحه 40
قلنا: ممنوع.
قوله:«لو وجب حصول جسم في حيز لكان ذلك الوجوب إمّا لأجل الجسمية أو لعارضها أو لمعروضها أو لأمر آخر لا يكون عارضاً لها ولا معروضاً لها».
قلنا: التقسيم غير منحصر; لأنّ من الأقسام أن يقال: هو لا لأمر.والدليل عليه إجمالاً: أنّه لو وجب تعليل كلّ أمر لعلّة لزم تعليل علّية تلك العلّة لعلّة أُخرى وتسلسل.وتفصيلاً من وجهين:
الأوّل: الوجوب عدمي فلا يستدعي علّة.
الثاني: لو كان وجودياً امتنع تعليله، وإلاّ لاحتاج إلى العلّة فيكون ممكناً لذاته، فينقلب الوجوب إمكاناً، وهو محال.
سلّمنا كون الوجوب ممكناً، فلِمَ قلتم: إنّ الممكن لابدّ له من مؤثر؟ وقد سبق1.
سلمنا احتياج الممكن إلى المؤثر، ولكن متى؟ كان الممكن حادثاً، أو إذا لم يكن؟ وسيأتي تقريره.
فإذن لا يمكنكم بيان احتياج الكائنية إلى المؤثر،إلاّ إذا بنيتم حدوثها، لكنّكم بنيتم بيان حدوثها على كونها محتاجة إلى المؤثر، فدار.
سلمنا احتياجه إلى المؤثر على الإطلاق، فلِمَ لا يكون الوجوب لنفس الجسمية؟
قوله:«يلزم حصول كلّ جسم في ذلك الحيز لاشتراك الجسمية بين الأجسام، واشتراك العلّة يوجب اشتراك الحكم».

1 . نهاية العقول:«و تقريره يأتي في مسألة إثبات العلم بالصانع».