welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نهاية المرام في علم الكلام /ج 3*
نویسنده :العلامة الحلّي*

نهاية المرام في علم الكلام /ج 3

صفحه 1
تحت إشراف
آية الله جعفر السبحاني
نهاية المرام
في
علم الكلام
تأليف
نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي
(648 ـ 726 هـ)
مَوسوعَةٌ كَلاميّةٌ تَتَعرضُ لِمُخْتَلَفِ المَذَاهِبِ والآراءِ الكَلاميّةِ بتَجَرُّد وَمَوْضُوعِيَّة
الجزء الثالث
تحقيق
فاضل العرفان

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب:    …نهاية المرام في علم الكلام
تأليف:    …العلامة الحلّي
إشراف:    …آية الله جعفر السبحاني
تحقيق:   …فاضل العرفان
الطبعة:    …الأُولى
الجزء:   …الثالث
المطبعة:    …اعتماد ـ قم
التاريخ:   …1419 هـ
الكمية:   …1050نسخة
الناشر:   …مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون:   …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
توزيع
مكتبة توحيد
قم ـ ساحة الشهداء
هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331

صفحه 3

البحث السادس

في حدوث الأجسام 1


1 . وهي من أجلّ المسائل وأشرفها، وهي محل النزاع والمعارك بين الفلاسفة والمتكلمين. كشفالمراد:170; أنوار الملكوت:28. وقال الرازي: يروى عن جالينوس أنّه قال في مرضه الذي توفي فيه لبعض تلامذته:«اكتب عني ، إنّي ما عرفت أنّ العالم محدث أو قديم...؟» ومنالناس من جعل هذا طعناً فيه، وقال: «إنّه خرج من الدنيا كما دخل حيث لم يعرف هذه الأشياء».
وإنّا نقول: هذا من أدلّ الدلائل على أنّ الرجل كان منصفاً، طالباً للحقّ. فانّ الكلام في هذه المسألة قد بلغ في العسر والصعوبة إلى حيث تضمحل أكثر العقول فيه. واللّه أعلم. المطالب العالية4:27.
وقد اشتد الصراع في هذه المسألة في تاريخ الفكر الإسلامي; وذلك لعدّة أسباب أهمها:1ـ غموض المسألة في حد ذاتها.2ـ تشعب الأدلّة وتعارضها بحيث تاهت فيها العقول، 3ـ مهاجمة كلّ فريق للفريق الآخر واتهامه بالكفر والإلحاد. وقد أشار أبو البركات البغدادي إلى هذا الصراع، فقال: شنع بعضهم على بعض، فسمّى أهل الحدوث الفريق الثاني القائل بالقدم دهرية، وسمّى أهل القدم أهل الحدوث معطلة، لأنّهم قالوا بتعطيل اللّه عن وجوده مدّة لا نهاية لها في البداية. المعتبر في الحكمة 3:43.
وقد كانت هذه المسألة من أهمّ الأسباب التي كفّر بها الغزالي الفلاسفة. راجع د. محمد رمضان عبد اللّه، الباقلاني وآراؤه الكلامية:349ـ350.
ولا يخفى على القارئ الكريم أنَّ العلوم تثبت بكُلِّ وضوح أنَّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، فهناك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوّة ذاتية، بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة، ومعنى ذلك أنّ الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام، وينضب فيها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هنالك عمليات كيمياوية أو طبيعية، ولن يكون هناك أثرٌ للحياة نفسها في هذا الكون.
ولما كانت الحياة لا تزال قائمة، ولا تزال العمليات الكيمياوية والطبيعية تسير في طريقها، فإنّنا نستطيع أن نستنتج أنَّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليّاً، وإلاّ لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كلُّ نشاط في الوجود، وهكذا توصلت العلوم ـ دون قصد ـ إلى أنّ لهذا الكون بداية.
لاحظ كتاب «اللّه يتجلى في عصر العلم»: 26 ـ 27.

صفحه 4
وفيه مسائل

المسألة الأُولى : في نقل المذاهب في هذا المقام

إنّ القسمة العقلية منحصرة في أقسام أربعة 1:
القسم الأوّل: أن يكون العالم محدث الذات والصفات2، وهو مذهب المسلمين وغيرهم من أرباب الملل3 وبعض قدماء الحكماء.

1 . قال الرازي:والوجوه الممكنة فيه لا تزيد على أربعة.وقد شرحها الطوسي في نقد المحصل:189و ما يليها.
و لكن الرازي عدّ قسماً خامساً في كتابه المطالب العالية 4:27 وقال:«إنّ الخامس: هو التوقف وعدم القطع» ونسب هذا القسم إلى جالينوس. وينقله العلاّمة أيضاً في نهاية هذه المسألة.
2 . أي بمادته وصورته. المطالب العالية4:19.وفي شرح المواقف:«بذاتها الجوهرية وصفاتها العرضية»،7:220.
3 . من النصارى واليهود والمجوس، كما في المصدرين السابقين.
قال الشهرستاني:«مذهب أهل الحقّ من أهل الملل كلّها انّ العالم محدث ومخلوق أحدثه الباري تعالى وأبدعه وكان اللّه تعالى ولم يكن معه شيء ووافقهم على ذلك جماعة من أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة مثل: ثاليس وانكساغورس وانكسمايس ومن تابعهم من أهل ملطية ومثل: فيثاغورس وابنذقلس وسقراط وافلاطون من اثينية ويونان ... ومذهب أرسطاطاليس ومن شايعه مثل برقلس والاسكندر الافروديسي وثامسطيوس ومن نصر مذهبه من المتأخرين مثل أبي نصر الفارابي وأبي علي الحسين بن عبد اللّه بن سينا وغيرهما من فلاسفة الإسلام انّ للعالم صانعاً مبدعاً وهو واجب الوجود بذاته والعالم ممكن الوجود بذاته واجب الوجود بالواجب بذاته غير محدث حدوثاً يسبقه عدم، بل معنى حدوثه وجوبه به وصدوره عنه واحتياجه إليه، فهو دائم الوجود لم يزل ولا يزال». نهاية الاقدام:5ـ6(القاعدة الأُولى).
وقال الرازي :«مذهب جملة المسلمين :أنّ العالم محدث وليس بأزلي.و مذهب الدهريين والطبيعيّين: أنّ العالم قديم أزلي. وكما أنّ قرص الشمس لا يكون خالياً عن النور أبداً وإن كان جرم الشمس علّة لوجود النور، كذلك ذات الباري تعالى ما كان خالياً عن وجود العالم أبداً وإن كان ذاته علّة مؤثرة في وجود العالم»، المسائل الخمسون في أُصول الدين:18.
وانظر تفصيل المطالب وتوضيح المقاصد للحكماء والمتكلّمين في الأسفار5:205 وما يليها (فصل 3 في أنّ القول بحدوث العالم مجمع عليه بين الأنبياء عليمها السَّلام والحكماء).

صفحه 5
القسم الثاني: أن يكون قديم الذات والصفات، وهو قول أرسطو وثاوفرسطس1 وثامسطيوس2 وبرقلس3 ومن المتأخرين قول أبي نصر

1 . Theophrastus(نحو371ـ286ق.م): فيلسوف يوناني أخذ العلم في اثينا من أفلاطون وأرسطو وخليفته على رئاسة اللوقيين أو المدرسة المشائية . بلغ تلامذته الألف وكان له نفوذ عظيم في الأُمور العامة. له تأليفات عدّة في السياسة والشريعة والقضاء والخطابة . راجع: الشهرستاني، الملل والنحل:482; الحفني، د.عبد المنعم، الموسوعة الفلسفية:147ـ 148; طرابيشي، جورج، معجم الفلاسفة:228.
2 . Themesteus،أفلاطوني محدث من شراح أرسطو، مدير جامعة القسطنطينية، لعب دوراً سياسياً هاماً ونال حظوة عند الامبراطور جوليان، وبقيت من شروحه التحليلات الثانية والسماع الطبيعي والنفس والسماء ومقالة اللام من كتاب ما بعد الطبيعة، حاول فيها التوفيق بين أفلاطون وأرسطو. المصادر نفسها.
3 . Proclusويرد اسمه أيضاً فرقلس أو فرقليس:فيلسوف يوناني أفلاطوني ولد في القسطنطينية سنة 412م، تمسك بمذهب التزهد، فامتنع عن الأطعمة الحيوانية ورفض الزواج. الشهرستاني، الملل والنحل:482.
و يمثل حلقة اتصال مهمة جداً بين نهاية الفلسفة اليونانية وبداية فلسفة العصور الوسطى الاوربية والفلسفة الإسلامية، جمع بين النزعة العقلية الدقيقة وبين الاعتقاد في الخوارق والسحر أي بين العقل والدين، والمعقول واللامعقول. وقد لخص الدكتور عبد الرحمن بدوي الملامح الرئيسية لفلسفته. موسوعة الفلسفة1:345.

صفحه 6
الفارابي والرئيس، 1قالوا السماوات قديمة بذواتها وصفاتها المعينة، إلاّ الحركات والأوضاع فإنّها قديمة بنوعها لا بشخصها.والعناصر الهيولى منها قديمة بشخصها، والصور الجسمية قديمة بنوعها لا بشخصها، والصور النوعية قديمة بجنسها لا بنوعها ولا بشخصها.
القسم الثالث: أن يكون قديم الذات محدَث الصفات، وهو قول من تقدّم أرسطو بالزمان كتاليس الملطي2وانكساغُورَس3 وفيثاغورس وسقراط وجميع

1 . راجع الفارابي، الجمع بين رأيي الحكيمين:103.
2 . تاليس:(640ق.م) وهو أوّل من تفلسف في الملطية، وكان لا يبني المعارف في الفلسفة إلاّ على التجربة. الشهرستاني، الملل والنحل:370.
3 . انكساغورس:(500ق.م) ولد باليونان ووضع كتيباً في الطبيعة الكونية وله تأثير على فلسفة إبراهيم النظام. وهو أوّل من أدخل الفلسفة إلى اثينا.
ومن آرائه التي تميز بها انّه أرجع الحركة إلى علّة غير مادية وهي العقل، ونقده أرسطو وأفلاطون في ذلك. وكان هذا العقل أوّل محاولة جريئة انتقل فيها الفلاسفة اليونانيون من التفسير المادي الخالص إلى تفسير ثنائي يجمع بين المادة واللامادة.
وأمّا نظريته في المعرفة، فقال: انّ المعرفة الحسية معرفة وهمية خاطئة وانّ المعرفة العقلية هي وحدها المعرفة الصحيحة. راجع: الحفني، د. عبد المنعم، الموسوعة الفلسفية: 72; بدوي، د.عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة1:236ـ238.

صفحه 7
الثنوية1، كالمانوية2 والديصانية3 والمرقونية4 والماهانية5. ثمّ هؤلاء افترقوا فرقتين:
]الفرقة الأُولى[: فذهب بعضهم إلى أنّ تلك الذات القديمة كانت جسماً. ثمّ اختلف هؤلاء: فزعم تاليس أنّه الماء; لأنّه قابل لكلّ الصور، وزعم أنّه إذا انجمد صار أرضاً، وإذا لطف صار هواء، ومن صفوة الماء6 تكوّنتِ النار، ومن

1 . الثنوية: تعتقد بأنّ النور والظلمة مبدآن أو أصلان للعالم متضادان وأزليان وهما يزدان وأهرمن. راجع : الملل والنحل2:268; الموسوعة الفلسفية:147.
2 . المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الثنوي الزنديق الهمداني الأصل، وهو حكيم ظهر في زمان شابور ابن أردشير ملك الفرس، وتزعم المانوية انّ العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة وانّهما أزليان. واستخرج ماني، مذهبه من المجوسية والنصرانية وكتب كتبهم بقلم مستخرج من السرياني والفارسي. راجع الملل والنحل2: 286ـ 287; النديم، الفهرست: 391ـ392.
3 . الديصانية: أصحاب ديصان، وإنّما سموا بهذه التسمية لأنّ ديصان سمي باسم نهر ولد عليه وهو قبل ماني صاحب المانوية. وأثبتت الديصانية أصلين نوراً وظلاماً، إلاّ انّهم اختلفوا عن المانوية في اختلاط النور بالظلمة. راجع:الملل والنحل: 278; الموسوعة الفلسفية:189; النديم، الفهرست:402.
4 . المرقيونية: أصحاب مرقيون وهم طائفة من النصارى أقرب من المنانية والديصانية. أثبتوا قديمين أصلين متضادين، أحدهما النور والآخر الظلمة، وأثبتوا أصلاً ثالثاً هو المعدل الجامع، وهو سببالمزاج. وقالوا: الجامع دون النور في الرتبة وفوق الظلمة، وحصل من الاجتماع والامتزاج هذاالعالم. راجع: الملل والنحل، 2:279 ـ 281; الموسوعة الفلسفية: 147; الفهرست: 402.
5 . الماهانية: طائفة من المرقيونية، يخالفونهم في شيء ويوافقونهم في شيء، يوافقون المرقيونية في جميع الأحوال إلاّ النكاح والذبائح ويزعمون انّ المعدل بين النور والظلمة هو المسيح. الفهرست:402.
6 . وفي نقل الشهرستاني:«صفوة الهواء». الملل والنحل2: 372.

صفحه 8
الدخان تكوّنتِ السماء.
ويقال: إنّه أخذه من التوراة; لأنّه جاء في السِفْر الأوّل منه1:«إنّ اللّه تعالى خلق جوهراً، فنظر ]إليه [نظرة الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماءً، ثمّ ارتفع ]منه [بخار كالدخان فخلق منه السماوات، وظهر على وجه الماء زَبَد فخلق منه الأرض، ثمّ أرساها بالجبال».
ونقل صاحب الملل عن تاليس الملطي أنّه قال: إنّ المبدأ الأوّل أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات والعدمات كلّها، فانبعث من كلّ صورة موجود في العالم على المثال الذي في العنصر الأوّل فمحلّ الصور ومنبع الموجودات هو ذات العنصر. وما من موجود في العالم العقلي والعالم الحسّي إلاّ وفي ذات العنصر صورة ومثال عنه.
قال: ويتصوّر العامة أنّ صور المعدومات في ذات المبدأ الأوّل، لا بل هي في مُبدَعه، وهو تعالى بوحدانيته أن يوصف بما يوصف به مُبدَعه.
ثمّ قال: ومن العجب أنّه نُقِلَ عنه: المبدَع الأوّل هو «الماء» ومنه ابدع الجواهر كلّها من السماء والأرض وما بينهما; فذكر أنّ من جموده تكوّنتِ الأرض، ومن انحلاله تكوّن الهواء، ومن صفوة الهواء تكوّنت النار، ومن الدخان والأبخرة تكوّنت السماء، ومن الاشتغال الحاصل من الأثير تكوّنت الكواكب فدارت حول المركز دوران المسبب على سببه بالشوق الحاصل فيها إليه.

1 . ما وجدنا العبارة في السِفر الأوّل ولا في بقية الأسفار من التوراة وقد يعبِّر الفارابي عن هذه الأقوال بالأعاجيب،حيث قال في باب حدوث العالم:«و من أحبّ الوقوف على ذلك فلينظر في الكتب المصنفة في المبدآت والأخبار المروية فيها والآثار المحكية عن قدمائهم، ليرى الأعاجيب من قولهم بانّه كان في الأصل ماء فتحرك واجتمع زبد وانعقد منه الأرض وارتفع منه الدخان وانتظم منه السماء»، الجمع بين رأيي الحكيمين:103.

صفحه 9
وفي الأخير قال: وفي التوراة في المبدأ الأوّل: جوهر خلقه اللّه تعالى ثمّ نظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه، فصارت ماءً، ثمّ ارتفع منه بخار كالدخان فخلق منه السماوات، وظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض، ثمّ أرساها بالجبال.
قال: وكأنّ تاليس الملطي إنّما تلقّى مذهبه من هذه المشكاة النبويّة.
قال: والماء على القول الثاني، شديد الشبه بالماء الذي عليه العرش في قوله تعالى:(وَ كانَ عرشُهُ عَلَى الماءِ)1.
وأمّا انكسيمانس الملطي2، فانّه زعم أنّ ذلك الجسم هو الهواء، والنار تكوّنت من لطافته، والماء والأرض من كثافته.
ونقل عنه صاحب الملل: أنّ أوّل الأوائل من المبدَعات هو الهواء، وهذا أيضاً مأخوذ من مشكاة النبوّة3.
وقال آخرون: إنّه الأرض وتكونت الأشياء عنها بالتلطيف.
وقال آخرون: إنّه البخار، وتكون الهواء والنار عنه بالتلطيف، والماء والأرض بالتكثيف.
وذهب ايرقليطيس4: أنّه النار، وكوّن الأشياء عنها بالتكاثف.

1 . سورة هود ، الآية 7.
2 . Anaximenes(نحو 588ـ524 ق.م): من الملطيين المعروف بالحكمة المذكور بالخير عندهم. وهو ثالث وآخر فلاسفة مدرسة ملطية بدأها طاليس وواصلها تلميذه انكسمندر واختتمها انكسيمانس. ردّ العالم إلى مادة أُولى هي الهواء، لأنّه بدونه تموت الاحياء. الملل والنحل2:377; الفهرست346; الموسوعة الفلسفية:72.
3 . الشهرستاني، الملل والنحل2:371ـ373 و378 بتصرف في بعض العبارات وحذف بعضها.
4 . إيرقليطس، أو هرقليطس (نحو 540 أو 535ق. م ـ 475ق. م): ولد في أفسوس من أعمال آسيا الصغرى من أسرة نبيلة لها منزلتها العالية بين أهل المدينة. وقد ألف كتاباً في علم الطبيعة. قصة الفلسفة اليونانية:56; ترجمة مشاهير قدماء الفلاسفة:64.

صفحه 10
وحكى فلوطرخس1: أنّ أيرقليطيس زعم أنّ الأشياء إنّما انتظمت بالبخت2، وجوهر «البخت» هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي.
وأمّا انكساغُورَس فانّه قال: إنّ ذلك الجسم هو الخليط الذي لا نهاية له، وهو أجسام غير متناهية. وفيه من كلّ نوع أجزاء صغيرة متلاقية أجزاء على طبيعة الخبز وأجزاء على طبيعة اللحم، فإذا اجتمع من تلك الأجزاء شيء كثير وصار بحيث يحس ويُرى، ظُنّ أنّه حَدَث. وهذا القائل بنى مذهبه هذا على إنكار المزاج والاستحالة وقال بالكُمون والظهور.
وزعم بعض هؤلاء: أنّ ذلك الخليط كان ساكناً في الأزل، ثمّ إنّ اللّه تعالى حرّكه فتكوّن منه هذا العالم.
ونقل صاحب الملل عن انكساغورس: أنّ مبدأ الموجودات متشابه الأجزاء، وهي أجزاء لطيفة لا يدركها الحس ولا يناله العقل. قال: وهو أوّل من قال بالكمون والظهور3.ولم ينقل عنه القول بالخليط.
وذهب ذيمقراطيس إلى أنّ أصل العالم أجزاء كثيرة كريّةُ الشكل، قابلة للقسمة الوهمية دون القسمة الإنفكاكية متحركة لذاتها حركات دائمة. ثمّ اتّفق في تلك الأجزاء أن تصادمت على وجه خاص، فحصل من تصادمها على ذلك الوجه هذا العالم على هذا الشكل، فحدثت السماوات والعناصر، ثمّ حدثت من

1 . فلوطرخس(نحو 46 ـ 127م): «مفكر ومؤرخ فلسفة وسياسة، ولد في اليونان. كان خصماً للخرافات والأساطير الرواقية والابيقورية. اهتم بمشكلة الشر فارجعها إلى المادة. له كتاب الانهار وخواصها وما فيها من العجائب. الملل والنحل2:416; موسوعة الفلسفة2:195; الفهرست:314.
2 . انظرتفسير البخت والاتفاق وأقسامه في الفصل الثالث عشر من المقالة الأُولى من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء.
3 . الملل والنحل:374 ـ 375 و376.

صفحه 11
الحركات السماويّة امتزاجات هذه العناصر، ومنها هذه المركبات1.
ونقل الشيخ في الشفاء عنه أنّه قال: إنّ هذه الأجزاء إنّما تتخالف بالشكل وأنّ جوهرها جوهر واحد بالطبع وإنّما تصدر عنها أفعال مختلفة لأجل الأشكال المختلفة2.
وقالت الثنوية: أصل العالم هو النور والظلمة.
الفرقة الثانية: الذين قالوا: أصل العالم ليس بجسم وهم فريقان:
الفريق الأوّل: الحرنانية3: وهم الذين أثبتوا القدماء الخمسة: الباري تعالى والنفس والهيولى والدهر والخلاء.
قالوا : الباري تعالى في غاية التمام في العلم والحكمة لا يعرض له سهو ولا غفلة ويفيض عنه العقل، كفيض النور عن القرص، وهو يعلم الأشياء علماً تاماً.
وأمّا النفس، فانّه يفيض عنه الحياة فيض النور عن القرص، لكنّها جاهلةٌ لا تعلم الأشياء ما لم تمارسها. وكان الباري تعالى عالماً بأنّ النفس ستميل إلى التعلق بالهيولى وتعشقها وتطلب اللّذة الجسمية وتكره مفارقة الأجسام وتنسى نفسها، ولمّا كان من شأن الباري تعالى في الحكمة التامة عمد إلى الهيولى بعد تعلّق النفس بها، فركّبها ضروباً من التراكيب، مثل السماوات والعناصر، وركّب أجسام

1 . المصدر نفسه:421; تلخيص المحصل:190ـ191.
2 . الفصل الأوّل من المقالة الواحدة من الفن الثالث من طبيعيات الشفاء.
3 . بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين وبالنون وذكر في الصحاح انّ حرنان اسم بلد والنسبة حرناني على غير قياس والقياس حرّاني بتشديد الراء. شرح المواقف7:221.
و هم مع اعتقادهم بوجود اللّه تعالى يقولون: وما يهلكنا إلاّالدهر ولا دار سوى هذه الدار وما تميتنا إلاّ الأيام والليالي ومرور الزمان وطول العمر، ويسندون الحوادث إلى الدهر.
و ينسب الطوسي القول بالقدماء الخمسة إلى ابن زكريا الطبيب الرازي وكتاب له موسوماً بـ«القول في القدماء الخمسة». راجع تلخيص المحصل:126.

صفحه 12
الحيوانات على الوجه الأكمل. والذي بقي فيها من الفساد غير ممكن الزوال.
ثمّ إنّ اللّه تعالى أفاض على النفس عقلاً وإدراكاً، وصار ذلك سبباً لتذكرها عالمها، وسبباً لعلمها بأنّها لا تنفك عن الآلام مادامت في العالم الهيولاني.وإذا عرفت النفس هذا وعرفت أنّ لها في عالمها اللذات الخالية عن الألم اشتاقت إلى ذلك العالم وعرجت بعد المفارقة وبقيت هناك أبد الآباد في نهاية البهجة والسعادة.
قالوا: وبهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين الفلاسفة القائلين بالقدم وبين المتكلّمين القائلين بالحدوث; فإنّ القائلين بالقدم قالوا: لو كان العالم محدثاً فلِمَ أحدثه اللّه تعالى في هذا الوقت، دون ما قبله وما بعده؟ وإذا كان الخالق تعالى حكيماً فلِمَ ملأ الدنيا من الآفات؟
والقائلون بالحدوث قالوا: لو كان العالم قديماً لكان غنياً عن الفاعل، وهو باطل قطعاً لما نرى من آثار الحكمة وظهورها في العالم.
وتحير الفريقان في ذلك. وأمّا على الطريق الذي سلكناه فالإشكالات بأجمعها زائلة; لأنّا لمّا اعترفنا بالصانع الحكيم لا جرم قلنا بحدوث العالم. فإذا قيل: فلِمَ أحدث العالم في هذا الوقت؟ قلنا: لأنّ النفس إنّما تعلقت بالبدن1 في ذلك الوقت، وعلم الباري تعالى أنّ ذلك التعلق سبب الفساد، إلاّأنّه بعد وقوع المحذور صرفه إلى الوجه الأكمل بحسب الإمكان. وأمّا الشرور الباقية، فإنّما بقيت لعدم إمكان تجريد هذا المركب عنها.
بقي هنا سؤالان:
الأوّل: لِـمَ تعلقت النفس بالهيولى بعد تجردها؟ فإن حدث هذا التعلق بكلّيته لا عن سبب، فجوزوا حدوث العالم بكليته لا عن سبب.

1 . في عبارة الرازي:«الهيولى». تلخيص المحصل:193.

صفحه 13
الثاني: أن يقال: فهلاّ منع الباري تعالى النفس من التعلق بالهيولى؟
والجواب عن الأوّل: بأنّ هذا السؤال غير مقبول من المتكلمين; لأنّهم يقولون: القادر المختار يرجّح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجّح، فهلاّ جوزوا ذلك في النفس؟ وغير مقبول من الفلاسفة أيضاً; لأنّهم جوزوا في السابق أن يكون علةً معدّةً للاّحق، فهلاّ جوزوا أن يقال: النفس قديمة ولها تصورات متجددة غير متناهية ولم يزل كل سابق علّة للاحق حتى انتهت إلى ذلك التصور الموجب لذلك التعلّق؟
والجواب عن الثاني: أنّ الباري تعالى عَلِمَ أنّ الأصلح للنفس أن تصير عالمة بمضارّ هذا التعلق، حتى أنّها بنفسها تمتنع عن تلك المخالطة. وأيضاً فالنفس بمخالطتها الهيولى تكسب من الفضائل العقلية والكمالات ما لم تكن موجودة لها.فلهذين الغرضين لم يمنع الباري تعالى النفس عن التعلق بالهيولى.
ونقل صاحب الملل عن قاديمون1 ـ الذي يقال إنّه شيث بن آدم ـ أنّه قال: المبادئ الأُول خمسة: الباري تعالى، والنفس، والهيولى، والزمان، والخلاء. وبعدها وجود المركبات.
الفريق الثاني: أصحاب فيثاغورس2، وهم الذين قالوا: المبادئ هي

1 . كذا في المخطوطة وفي تلخيص المحصل: 194: «غاديمون» وفي الملل والنحل 2:290: «عاذيمون» وفي هامشه انّه شيث بن آدم عليمها السَّلام ومعنى شيث : عطية اللّه وهبة اللّه، ويسميه الفرس منشا، وتسميه الصابئة اغناذيمون وهو استاذ إدريس عليه السَّلام وقد أخذ في أوّل عمره بعلم شيث، وإلى شيث تنتهي أنساب بني آدم.
2 . Pythagoras(نحو490ـ497ق.م): اغريقي يوناني،كان في زمن النبي سليمان عليه السَّلام . قد أخذ الحكمة من معدن النبوّة. هرب من بلده إلى ايطاليا واسس بها فرقة سياسية دينية. وهو الذي وضع لفظة فلسفة وتعنى حب الحكمة. أمّا مدرسته وهي المدرسة الفيثاغورية، فلم تكن مدرسة فلسفية فحسب، بل دينية أخلاقية على نظام الطرق الصوفية. راجع: الملل والنحل:385(رأي فيثاغورس); الموسوعة الفلسفية:353; موسوعة الفلسفة2:228.

صفحه 14
الأعداد المتولّدة عن الوحدات; لأنّ قوام المركبات بالبسائط، وهي أُمور كلّ واحد منها واحد في نفسه، ثمّ تلك الأُمور إمّا أن تكون لها ماهياتٌ وراء كونها وحدات، أو لا تكون. فإن كان الأوّل كانت مركبةً، لأنّ هناك تلك الماهية مع تلك الوحدة، وكلامنا ليس في المركبات، بل في مبادئها. وإن كان الثاني كان مجرّد وحدات، وهي لابدّ وأن تكون مستقلة بأنفسها وإلاّ لكانت مفتقرةً إلى الغير، فيكون ذلك الغير أقدم منها، وكلامنا في المبادئ المطلقة، هذا خلف.
فإذن الوحدات أُمور قائمةٌ بأنفسها; فإن عرض الوضع للوحدة صارت نقطة، وإن اجتمعت نقطتان حصل الخطُّ، فإن اجتمع خطان حصل السطح، فإن اجتمع سطحان حصل الجسم. فظهر أنّ مبدأ الأجسام الوحدات.
ونُقل أيضاً عنه1: إنّ الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات غير مستفادة من الغير وهي التي لا تقابلها كثرةٌ، وهو المبدأ الأوّل; وإلى وحدة مستفادة من الغير وهي مبدأ الكثرة وليست بداخلة فيها بل تقابلها الكثرة، ثمّ تتألف منها الأعداد وهي مبادئ الموجودات.وإنّما اختلفت الموجودات في طبائعها، لاختلاف الأعداد بخواصّها2.
القسم الرابع: أن يكون العالم قديم الصفات محدث الذات، وهو محال لم يقل به أحد; لقضاء الضرورة ببطلانه.
وأمّا جالينوس فانّه كان متوقفاً في الكل3. وللناس هنا اختلافات كثيرة أشهرها ما قدمناه.

1 . أي عن فيثاغورس.
2 . راجع الملل والنحل:385(رأي فيثاغورس); المطالب العالية4:26; المواقف:245.
3 . أراد به ما عدا الاحتمال الرابع إذ لا يتصور من عاقل أن يتردد ويتوقف فيه، بل لابدّ أن ينفيه ببديهته. شرح المواقف7:222.

صفحه 15

المسألة الثانية: في أدلّة الحدوث1

لنا وجوه:

الوجه الأوّل: الدليل المشهور للمتكلّمين2

وتقريره : أنّ الأجسام لا تخلو عن الحوادث، وكلّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فالأجسام حادثة.
بيان الصغرى: أنّ الأجسام لا تخلو عن الأكوان، والأكوان حادثة3.وهذا البرهان يشتمل على دعاو أربعة4:

1 . راجع المحيط بالتكليف:55; شرح الأُصول الخمسة:94; الشهرستاني، نهاية الاقدام:11; نقد المحصل:195; كشف المراد:170ـ175; مناهج اليقين:35; تهافت الفلاسفة: 190; شرح المقاصد3:109ـ 117; كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد:135ـ147 وقد عدّ العلاّمة فيه ثلاثة طرق للمتكلمين لاثبات الحدوث، أشهرها الطريق الأوّل المذكور هنا أيضاً; شرح المواقف 7:222; اللوامع الالهية في المباحث الكلامية:64 وما يليها; الباقلاني وآراؤه الكلامية:359. والمباحث هنا كلّها على ترتيب المباحث في نهاية العقول للفخر الرازي.
و تشبه أدلّة المتكلمين على حدوث العالم حجج يحيى النحوي، الملقب بالبطريق، الفيلسوف الاسكندراني اليعقوبي الذي ألف كتاباً في الردّ على بُرقْلُس القائل بقدم العالم، كما يروي النديم في الفهرست: 315، والشهرستاني في الملل والنحل: 2/488.
2 . ويأتي الوجه الثاني في ص 81. و الوجه الثالث في ص 96. و الوجه الرابع في ص 128. والوجه الخامس والسادس في ص 134 و 135. وعبر الرازي في نهاية العقول عن الوجه الأوّل بـ«الطريقة المبسوطة المشهورة».
3 . والنتيجة هي: فالأجسام لا تخلو عن الحوادث.
4 . راجع الدعاوي الأربعة في شرح الأُصول الخمسة:112; التوحيد للنيسابوري: 231(في أنّ ما لم يَخلُ من المحدَث يجب أن يكون محدَثاً) وذكر أدلة أُخرى على حدوث الأجسام في 275 و282; قواعد المرام في علم الكلام:57; كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد:135 ـ 143.و قد دمج العلاّمة هنا الدعوى الثالثة والرابعة في الدعوى الثانية.

صفحه 16
الدعوى الأُولى: إثبات أنّ الأكوان مغايرة للجسم.
الدعوى الثانيـة: بيان حدوث الأكوان.
الدعوى الثالثة: بيان أنّ الأجسام لا تخلو عنها.وهذه الدعاوى الثلاث اشتملت الصغرى عليها.
وأمّا الدعوى الرابعة: فإنّ الكبرى عبارة عنها.
أمّا الدعوى الأُولـى: فنحن فيها بين أمرين:
إمّا أن ندعي العلم الضروري بأنّ هنا أكواناً هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق. وبالجملة حصول الجسم على وجه لو كان في الوجود جسم غيره كان بالنسبة إليه، إمّا مقابلاً له أو ميامناً أو مياسراً أو غيره من وجوه الأين، وهي زائدة على حقيقة الجسم. ومعلوم ضرورة أنّ الجسم مع تحيّزه لا ينفك عن هذه الحالة، فإنّا نعلم بالضرورة زيادتها على مفهوم الجسم وذاته; لأنّ المفهوم من ذات المتحيز مغاير للمفهوم من حصوله في الحيز.
أو ندعي الاستدلال فيه; لأنّ الجسم تتبدل عليه الحركة بالسكون، والاجتماع بالافتراق، وبالعكس منهما. فإنّ الجسم لم يكن متحركاً ثمّ صار متحركاً، ولم يكن مجامعاً لغيره ثمّ يصير مجامعاً، فتبدل الحالتين عليه مع بقائه معلوم مدرك بالحس1، والمتبدل مغاير للمستمر الذي هو ذات الجسم. ولأنّ المرجع بالأكوان إلى الحركة والسكون مثلاً، وهي أُمور راجعة إلى الأين، وهو نسبة الشيء إلى مكانه بالحصول فيه، والنسب والإضافات مغايرة للماهيات المتأصلة في الوجود، الحقيقية التي لا إضافة فيها. ولأنّها نسبة بين الجسم والمكان، والنسبة مغايرة للمنتسبين.

1 . استفاد الرازي من تبدل الحالتين (الحركة والسكون) في إثبات كون السكون صفة موجودة . راجع المطالب العالية4:288.

صفحه 17
وأمّا الدعوى الثانية1: فلأنّ كلّ كون يصحّ عليه العدم، وكلّ ما صحّ عليه العدم امتنع عليه القدم.
أمّا الصغرى: فلأنّ كلّ متحيّز اختص بحيّز فإمّا أن يكون اختصاصه بذلك الحيّز جائزاً أو واجباً، فإن كان واجباً فذلك الوجوب إمّا أن يكون لنفس الجسمية أو لأمر عارض للجسمية أو لمعروض الجسمية أو لأمر غير عارض للجسمية ولا الجسمية عارضة له.
فإن كان لنفس الجسمية2 وجب إشتراك الأجسام كلّها في وجوب الحصول في ذلك الحيّز; لاشتراكها بأسرها في الجسمية ووجوب اشتراك المتماثلات في جميع اللوازم.
وإن كان لأمر عارض للجسمية3، فذلك العارض إمّا أن يكون ممتنع الزوال أو ممكن الزوال. فإن كان ممتنع الزوال فإمّا أن يكون ذلك الامتناع لنفس الجسمية فيعود الإلزام المذكور، أو لغيرها فيكون الكلام فيه كالكلام في الأصل الأوّل، فيفضى إلى التسلسل، أو إلى المحال المذكور. وإن كان ممكن الزوال فهو المقصود.
وأمّا إن كان لمعروض الجسمية4 فهو محال; لأنّ المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات، فلو كان ذلك حالاًّ في محلّ لكان ذلك المحل، إمّا أن يكون له ذهاب في الجهات، أو لا يكون. فإن كان الأوّل كان محل الجسمية جسماً، فجسمية ذات المحل إن اقتضت محلاً آخر لزم التسلسل، وإن لم يقتضِ محلاً آخر

1 . راجع شرح الأُصول الخمسة:110(من الأدلة على حدوث الأكوان).
2 . أي القسم الأوّل.
3 . أي القسم الثاني.
4 . و هو القسم الثالث.

صفحه 18
فتكون الجسمية غير واجبة الحلول في محل، فكلّ ما يعرض لها بسبب ذلك المحل الممكن الزوال يكون أيضاً ممكن الزوال، فحينئذ يكون حصول الجسم في حيّزه المعين أمراً ممكن الزوال وهو المقصود.
وإن لم يكن لمحلّه امتداد في الجهات لم يخل، إمّا أن يكون لذلك المحل اختصاص بالجهة أو لا يكون ، فإن كان فإمّا أن يكون على سبيل الاستقلال أو على سبيل التبعية. والأوّل باطل بالضرورة; لأنّا نعلم بالبديهة أنّ ما لا يكون متحيزاً استحال أن يكون له حصول في الجهة على سبيل الاستقلال. وأمّا الثاني، فانّه يقتضي كون ذلك الشيء حالاًّ في الجسمية; لأنّ كلّ ما يكون حصوله في الحيّز تبعاً لحصول الجسمية فيه كان لا محالة حالاًّ في الجسمية، كالأعراض. وأمّا إن لم يكن لمحلّ الجسمية اختصاص بالحيز أصلاً; لم يكن لوجود الجسمية الممتدة في الجهات حلول في ذلك المحل; لأنّ من المعلوم بالبديهة أنّ أحد الشيئين إذا كان أحدهما1 واجب الحصول في الجهة والآخر ممتنع الحصول فيها، فانّ أحدهما لا يكون حالاًّ في الآخر ولا مختصاً به أصلاً.
وأمّا القسم الرابع: وهوأن يكون وجوب حصول الجسم في الحيز لأمر غير حال في الجسمية ولا الجسمية حالة فيه، فباطل أيضاً; لأنّ ذلك الشيء إن كان جسماً أو مختصاً به بالحالية أو المحلية عادت المحالات، وإن لم يكن جسماً ولا مختصاً به كانت نسبته إلى جميع الأجسام المتساوية في صحّة الحلول في ذلك الجسم2 واحدة، فلم يكن بأنّه يجب لأجله حصول بعض الأجسام في ذلك الحيّز أولى من البعض. فإمّا أن يجب حصول الكلّ فيه، وهو محال. أو لا يجب حصول

1 . ساقطة في نهاية العقول.
2 . نهاية العقول: «الحيز».

صفحه 19
شيء منها فيه، وهو المطلوب.
وبيان أنّ كلّ ما يصحّ عليه العدم امتنع عليه القدم; فلأنّ القديم لا يخلو، إمّا أن تكون حقيقته قابلة للعدم، أو لا تكون، فإن لم تكن امتنع العدم عليها، وإن كانت قابلة للعدم وهي أيضاً موجودة، احتاجت في وجودها إلى مرجح، وإلاّلم يكن الوجود أولى بها من العدم، وذلك المرجح إن كان قابلاً للعدم عادت الحاجة ولا ينقطع إلاّ عند انتهائه إلى شيء واجب. وذلك الواجب إمّا أن يكون موجباً أو مختاراً.
فإن كان موجباً فإمّا أن يتوقّف إيجابه لذلك القديم على شرط أو لا يتوقف، فإن توقف فذلك الشرط إمّا أن يكون قديماً أو حادثاً. فإن كان قديماً فإمّا أن يكون ممكناً أو واجباً، فإن كان واجباً لزم من امتناعه زواله وامتناع زوال علّة ذلك القديم امتناع زوال ذلك القديم، وإن كان ممكناً كان الكلام فيه كالكلام في الأوّل، فيفضي إمّا إلى التسلسل وهو محال، أو ينتهي إلى ما هو واجب لذاته فيعود المحال المذكور. وإن كان حادثاً، فإمّا أن يكون الشرط حادثاً معيناً وهو محال، لسبق القديم على الحادث والسابق على الشيء يستحيل أن يكون مشروطاً به لتقدّم الشرط على المشروط، أو يكون الشرط حوادث لا نهاية لها وسيأتي بطلانه.ولأنّه في الحقيقة عائد إلى كون الشرط قديماً; لأنّ كلّ واحد من تلك الحوادث ليس شرطاً، بل الشرط أحدها لا بعينه وذلك أولى. وإن لم يتوقف لزم من إيجابه له وجوبه. ثمّ يلزم من امتناع زوال موجبه امتناع زواله. هذا إذا كان المؤثر في وجود ذلك القديم موجباً.
وإن كان مختاراً، وكلّ فعل لفاعل مختار فهو محدث فيكون القديم محدثاً، هذا خلف.
فثبت أنّ كلّ كون فانّه يصحّ عليه العدم وكلّ ما يصحّ عليه العدم فهو

صفحه 20
حادث، فإذن كلّ كون حادث. وثبت أنّ الجسم لا يخلو عن الكون1، فالجسم لا يخلو عن الحوادث.
وأيضاً لو كانت الأكوان قديمة، فإمّا أن تكون واجبة لذاتها وهو محال. أمّا أوّلاً، فلأنّها تعدم، وواجب الوجود يستحيل عليه العدم. وأمّا ثانياً: فلأنّ الكون على ما فسرناه صفة للجسم، والصفة لا تستقل بنفسها في الوجود بدون الجسم، وواجب الوجود مستقل بنفسه في الوجود.
وإمّا أن تكون جائزة الوجود فلها مؤثر إمّا موجَب أو مختار، وكلاهما محال.
أمّا الموجَب، فلأنّه لابدّ وأن يكون واجباً لذاته أو منتهياً إلى الواجب لذاته، وإلاّ لزم التسلسل أو الدور، وهما محالان. فذلك الواجب الموجب إن كان إيجابه بشرط فذلك الشرط إن كان جائزاً فلابدّ له من أمر فينتهي إلى الواجب لذاته، وإلاّ لزم الدور أو التسلسل. وإن كان واجباً، أو كان الواجب الموجب لا بشرط امتنع زواله فيمتنع زوال الكون المعلول له. وقد ثبت أنّ كلّ كون فانّه يزول بمثله أو بضده; لأنّ السكون يبطل بالحركة، والحركة تبطل بالسكون.
ولأنّ ذلك الموجب لكون الجسم على وضع مخصوص، لا يخلو إمّا أن يشترط في إيجابه خلوه عن سائر الأوضاع أو لا يشترط. فان شرط خلوه عنها، ولا يصحّ ذلك إلاّ وأن يكون حاصلاً على هذا الوضع المعين لما علم من أنّ الجسم لا ينفك عن الأكوان، صار ذلك متضمناً لكونه على هذا الوضع المعين، وذلك حكم الموجب، فيصير إيجاب الموجب حكمه مشروطاً بحصول حكمه، وهو محال.
وإن لم يكن مشروطاً بذلك لم ينفك،ولم يخرج من ذلك الوضع. وإن أخرج

1 . وهي الدعوى الثالثة. راجع شرح الأُصول الخمسة:111(الكلام في الدعوى الثالثة... في أنّ الأجسام لا يجوز خلوها من الأكوان); النيسابوري، التوحيد:61(الكلام في أنّ الجسم لم يخل من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون).

صفحه 21
بالقهر وجب أن يعود إليه عند زوال القاسر، لكن لما رأيناه لا يعود علمنا انّه ليس كونه كذلك بالموجب.
وأمّا القادر، فلأنّه يجب أن يكون سابقاً على فعله، والقديم لا يسبق عليه شيء، فبطل قدم الأكوان وثبت حدوثها.وأنّ الجسم لا يخلو منها، فنقول: هذه الحوادث متناهية لاستحالة عدم تناهيها لوجوه:
الأوّل: كلّ واحد من الحوادث مسبوق بعدمه سبقاً لا أوّل له; لأنّ كلّ حادث فقد كان في الأزل معدوماً فعدمه أزلي فلا أزل له. فإذا كان كلّ واحد من الأكوان حادثاً كان مسبوقاً بعدم لا أوّل له، فمجموع العدمات السابقة عليها حاصل في الأزل، فنقول: شيء من الأكوان إن وجد في الأزل لزم اقتران السابق والمسبوق فلا سبق، وأن يكون وجود الشيء حاصلاً مع عدمه، وأن يكون ما فرض حادثاً قديماً، وكلّ ذلك محال. وإن لم يوجد شيء من الأكوان في الأزل فمجموعها حادث بالضرورة، وليس شيء من الحوادث موجوداً في الأزل، فلكلّ الحوادث أوّل وبداية1.
الثاني: هذه الأكوان الحادثة إمّا أن يوجد شيء منها في الأزل أو لا. فإن كان الثاني كان لكلّ الحوادث أوّل، وهو المطلوب.وإن وجد شيء منها في الأزل، فهو محال.
أمّا أوّلاً: فلأنّ الأزلية تنافي المسبوقية; لأنّ الأزلي هو الذي لا يسبقه غيره والحادث هو الذي يسبقه غيره، فبينهما تناف.
وأمّا ثانياً: فلأنّ الذي وجد منه في الأزل إن كان مسبوقاً بغيره لم يكن هو أزلياً وقد فرض أزلياً، هذا خلف. وإن لم يكن مسبوقاً بغيره فهو أوّل الحوادث،

1 . راجع المطالب العالية4:265.

صفحه 22
فللحوادث بداية ونهاية، وهو المطلوب1.
الثالث: مجموع الحوادث ممكن بالضرورة فله مؤثر، وذلك المؤثر يستحيل أن يكون موجباً لما تقدم في بيان أنّ المؤثر في الأكوان ليس موجباً، بل المؤثر فيه مختار، وكلّ ما كان فعلاً لفاعل مختار فانّه يجب أن يكون مسبوقاً بالعدم، فجملة الحوادث مسبوقة بالعدم2.
الرابع3: لو كانت الحوادث غير متناهية لأمكننا أن نأخذ الحوادث الماضية من زمان الطوفان إلى الأزل جملة ومن زماننا هذا إلى الأزل جملة أُخرى، ثمّ نطبق إحدى الجملتين بالأُخرى بأن نجعل المبدأ من إحداهما ـ وهو زمان الطوفان ـ مقابلاً للمبدأ من الأُخرى ـ وهو زماننا ـ فإن استمر الاندفاع هكذا على التساوق بحيث يكون كلّ واحد من إحدى الجملتين مقابلاً لآخر من الجملة الأُخرى، ولم يظهر التفاوت من الجانب الآخر بين الجملتين، كان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، وهو باطل بالضرورة.
وإن ظهر التفاوت من الجانب الآخر كانت الجملة الناقصة منقطعة فتكون متناهية من الطرفين والزائدة إنّما زادت عليها بقدر متناه ـ لأنّها إنّما زادت بمقدار ما بين زمان الطوفان إلى زمانناـ والزائد على المتناهي بمقدار متناه يكون بالضرورة متناهياً; لأنّ المتناهي إذا انضم إلى المتناهي كان المجموع متناهياً. فثبت أنّ الجسم لا يخلو عن الحوادث.وثبت أنّ الحوادث لها بداية، فيلزم بالضرورة أن يكون للجسم أوّل، وهو المطلوب4.

1 . المصدر نفسه.
2 . المصدر نفسه:270.
3 . راجع المطالب العالية4:257; شرح المقاصد:114.
4 . وهي الدعوى الرابعة. راجع شرح الأُصول الخمسة:113(الكلام في الدعوى الرابعة...في أنّ الجسم إذا لم ينفك عن هذه الحوادث...وجب أن يكون محدثاً مثلها); النيسابوري، التوحيد:231.

صفحه 23
فإن قيل: الكلام على ما ذكرتموه من وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل1: ما يتعلق بالقدح في نظم الدليل، وهو أنّه2 مركب من مقدمتين والثانية منهما ليست إلاّ إعادة الدعوى مع احتمال ضمّ دعاوي أُخر إليها، فلا يكون في ذكرها فائدة، فتبقى المقدمة الأُولى وحدها، ومعلوم أنّها وحدها لا تنتج.
وإنّما قلنا: إنّ المقدمة الثانية ليست إلاّ إعادة الدعوى مع احتمال ضم دعاوى أُخر إليها; لأنّ قولكم: وما لا يخلو عن الحوادث حادث، معناه: أنّ كلّ واحد واحد ممّا يوصف بأنّه لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ومن جملة ما يوصف بانّه لا يخلو عن الحوادث الجسم، فقولكم: وما لا يخلو عن الحوادث حادث معناه: أنّ الجسم الذي لا يخلو عن الحوادث حادث، وغيره لو كان أيضاً فهو حادث. فظهر أنّه ليس في ذكر هذه المقدمة إلاّ إعادة الدعوى مع احتمال ضمّ دعاوى أُخر إليها. والشيء لا يصلح أن يكون دليلاً على نفسه لوجوب معرفة الدليل قبل المدلول، وامتناع كون الشيء معلوماً قبل نفسه.
سلمنا3، لكن المنتج ليس إحدى المقدمتين بالضرورة; ولأنّه لو كان لكان ذكر الأُخرى حشواً. ولا المجموع; لأنّ كونهما منتجتين إنّما يصحّ لو وجدتا معاً، وهو محال، لامتناع حصول العلم بمعلومين في الذهن دفعة واحدة. والعلم بهذا الامتناع ضروري; لأنّا متى وجّهنا ذهننا نحو العلم بشيء تعذر علينا توجيهه نحو العلم بمعلوم آخر.

1 . راجع المطالب العالية:310.
2 . أي الدليل.
3 . أنّ المقدمة الثانية ليست إعادة الدعوى.

صفحه 24
سلمنا1، لكن كل واحدة منهما غير منتجة فلا يكون المجموع منتجاً; لأنّ كلّ واحدة منها عند انضمامها إلى الأُخرى، إمّا أن تبقى على ما كانت عليه حالة الانفراد أو لا تبقى، فإن بقيتا وكانتا حالة الانفراد غير مؤثرتين وجب أن لا تؤثرا حالة الاجتماع. وإن لم تبقيا على ما كانتا فقد حصل عند اجتماعهما أمر زائد، فننقل الكلام إلى كيفية حصول ذلك الزائد وهو أنّ المؤثر فيه إمّا كلّ واحدة منهما وحدها أو المجموع ويعود التقسيم، فإن كان حصول ذلك الزائد لزائد آخر تسلسل.
لا يقال: الموجب هو اجتماعهما.
لأنّا نقول: الاجتماع إن لم يكن زائداً على ذات كلّ منهما استحال جعله موجباً للنتيجة، وإن كان فالموجب لذلك الاجتماع إمّا كلّ واحدة من المقدمتين وحدها، أو مجموعهما، أو أمر ثالث.
فإن كان الأوّل، لزم حصول النتيجة من كلّواحدة منهما; لاستقلال كلّ واحدة منهما بما يوجب النتيجة.
وإن كان الثاني، كان الموجب لذلك الاجتماع اجتماع آخر ويتسلسل.
وإن كان الثالث، فاقتضاؤه لحصول تلك النتيجة إن لم يتوقف على هاتين المقدمتين لم يكن للمقدمتين اعتبار أصلاً في ذلك الانتاج. وإن توقف فإمّا أن تكفي المقدمة الواحدة في صدور النتيجة عن ذلك المقتضي ، وحينئذ تحصل النتيجة عند حصول المقدمة الواحدة وذلك محال، أو2 لابدّ منهما، ويعود المحال المذكور.

1 . إمكان حصول العلم بمعلومين دفعة في الذهن.
2 . نهاية العقول:«إذ».

صفحه 25
سلمنا أنّ الأُمور التي لا يمكن أن يكون كلّ واحد منها وحده موجباً لشيء فانّ مجموعها يعقل أن يكون موجباً في الجملة، ولكن لا يمكن في هذا الموضع أن يكون كذلك; لأنّه إذا قيل الإنسان حيوان والحيوان جنس، لزم أن يكون الإنسان جنساً. فالمقدمتان صادقتان والنتيجة كاذبة، وما ذلك إلاّ أنّ هذا النظم غير منتج.
سلمنا استقامة هذا النظم في الجملة، لكن نمنع استقامته في هذا الموضع لوجهين:
الأوّل: كلّ مطلوب له طرفان: الموصوف والصفة، فإذا قلنا: الجسم محدَث، فالجسم هو الموصوف، والمحدث هو الصفة، ثمّ لابدّ من شيء يتوسط بينهما بحيث تكون له نسبة إلى كلّ واحد من الطرفين، فهذا المتوسط هنا لا يخلو إمّا أن يكون هو قولنا: لا يخلو عن الحوادث، أو قولنا: لا يخلو عن حوادث ذوات بداية.
فإن كان الأوّل صار الدليل هكذا: الجسم لا يخلو عن الحوادث، وكلّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وحينئذ تصير الثانية كاذبة; لأنّا لو قدّرنا أن لا تكون للحوادث بداية فلا يلزم من عدم خلو الجسم عنها حدوثه.
وإن كان الثاني صار الدليل هكذا: الجسم لا يخلو عن حوادث لها بداية، وكلّ ما كان كذلك فهو حادث، وحينئذ تصير المقدمة الأُولى عين المطلوب، فيندرج حكم المسألة في العلّة; لأنّ المعني بقولنا: الأجسام لا تخلو عن حوادث لها بداية، أنّ للجسم بداية، لأنّه يصير ا لتقدير: أنّ الجسم لا يوجد متقدماً على حوادث لها أوّل، وهذا هو المعنى بكونه حادثاً، فتكون إحدى مقدمات الدليل نفس المطلوب، وهو باطل. ولأنّه إذا حصل حكم المسألة بهذه المقدمة صارت

صفحه 26
المقدمة الأُخرى لغواً1.
الثاني: هذه الحجّة إن كانت تقتضي حدوث الأجسام، لكنّها تقتضي قدمها، وما يقتضي النقيضين يكون باطلاً، ولا يجوز الاستدلال به على ثبوت أحدهما ونفي الآخر.
بيانه أنّه: لو كانت استحالة خلو الجسم عن كلّ الحوادث تقتضي حدوثها، وجب أن تكون استحالة اللاّخلو عن كلّ الحوادث تقتضي قدمها، فانّ استحالة الخلو عن الكل تقابلها اللاّ استحالة الخلو عن2 الكل، والمقتضي لشيء يقتضي مقابله مقابل ذلك الشيء، كالحرارة لمّا اقتضت السخونة اقتضت البرودة التبريد، فكذا هنا لمّا كان امتناع الخلو عن الكل يقتضي الحدوث فامتناع اللاّخلو عن الكل وجب أن يكون مقتضياًللعدم; لأنّ كلّ ما صدق عليه امتناع الخلو عن الكل صدق عليه امتناع اللاّ خلو عن الكل فيلزم قدم الجسم وحدوثه معاً، فعلمنا أنّ هذا النظم باطل.
الوجه الثاني3: ما يتعلق بالبحث عن محلّ النزاع وتلخيصه، فنقول: إن سلمنا سلامة النظم عن الخلل، لكنّا نقول: الاشتغال بالتدليل إنّما يكون بعد تحصيل4 حكم المسألة، فلابدّمن البحث عن معنى كون العالم محدثاً حتى يمكن الشروع في الاستدلال. وإذا لخصنا محل النزاع علم امتناع القول بالحدوث لوجهين:

1 . راجع المطالب العالية4:310ـ311.
2 . في النسخ:«نفى»،و هو خطأ.وما أثبتناه من نهاية العقول.
3 . راجع المطالب العالية4:13.
4 . نهاية العقول:«تلخيص».

صفحه 27
الأوّل: للحدوث تفسيران1: كون الشيء مسبوقاً بالعدم، و2 كونه مسبوقاً بوجود غيره، وللقدم مقابلهما إمّا بنفي المسبوقية بالعدم، أو بنفي المسبوقية بوجود الغير. وأقسام التقدم خمسة3:
القسم الأوّل: التقدم بالعلية، فإنّ العقل يدرك ترتب وجود ضوء السراج على السراج وإن امتنع تأخر أحدهما عن الآخر في الزمان، فذلك الترتب المعقول هو التقدم بالعلية. فإن فسرنا الحدوث بالمسبوق بالعدم فالتقدم بالعلية هنا باطل بالاتفاق; لأنّ العدم لا يكون علّة للوجود.
القسم الثاني: التقدم بالطبع، كتقدم الشرط على المشروط، مثل تقدّم الواحد

1 . عرف الباقلاني المحدث تعريفاً استفاده من مدلوله اللغوي، فقال:«المحدث هو الموجود عن عدم، يدل على ذلك قولهم:حدث بفلان حادث من مرض أو صداع إذا وجد به بعد ان لم يكن...»، الباقلاني وآراؤه الكلامية:320.
ويذكر ابن كمونة انّ الحدوث في اصطلاح الجمهور هو: حصول الشيء بعد عدمه في زمان مضى، وأنّ التقدم ما يقابله. الجديد في الحكمة:80. راجع أيضاً إلهيات النجاة:218(في القديم والحادث); المباحث المشرقية1:227; المطالب العالية4:13; نقد المحصل:197; كشف المراد:57; أنوار الملكوت في شرح الياقوت:51;نهاية الاقدام في علم الكلام:18; شرح المواقف4:2; شرح المقاصد2:7.
2 . نهاية العقول:«أو».
3 . فإنّها تكاد أن تجتمع على سبيل التشكيك في شيء، وهو أن يكون للمتقدم، من حيث هو متقدم، شيء ليس للمتأخر، ويكون لا شيء للمتأخر إلاّ وهو موجود للمتقدم. الفصل الأوّل من المقالة الرابعة من إلهيات الشفاء
راجع أيضاً منطق أرسطو1:70ـ76; الفصل الرابع من المقالة السابعة من مقولات الشفاء; إلهيات النجاة:222(فصل في المتقدم والمتأخر); الغزالي، مقاصد الفلاسفة:187(قسمة رابعة); المطالب العالية4:13; كشف المراد: 57; المباحث المشرقية1:570; كشف الفوائد:69; السيوري الحلي، اللوامع الإلهية:21; الشهرستاني، نهاية الاقدام:7; شرح المواقف6:269; شرح المقاصد2:20; كشف الفوائد:67.

صفحه 28
على الاثنين، وهو ثابت هنا بالاتفاق; لأنّ العالم ممكن وكلّ ممكن فله لذاته لا استحقاقية الوجود وله من غيره الوجود، وما بالذات أقدم ممّا بالغير. فإذن كونه غير مستحق للوجود أقدم من الوجود تقدماً بالطبع، ومعلوم أنّ ذلك متّفق عليه بين الكل.
القسم الثالث: التقدم بالشرف، وهو منفي بالاتفاق.
القسم الرابـع: التقدّم بالمكان، وهو منفي هنا اتّفاقاً.
ثمّ لو سلّم التقدم بأحد هذه الوجوه الأربعة، فانّه ليس فيه ما يقتضي الحدوث الذي يريدونه.
القسم الخامس: التقدّم بالزمان1، وليس محض العدم والوجود; لأنّ العدم قد يحصل بعد الوجود، والشيء بهذا الاعتبار لا يكون حادثاً، بل إنّما يكون حادثاً لأنّ وجوده بعد العدم وعدمه قبل الوجود، وتلك القبلية أمر زائد على ذات العدم، ولا محالة قبل كلّ قبلية قبلية أُخرى، فهنا قبليات لا بداية لها، ولا معنى للزمان2 إلاّ ما تلحقه القبلية والبعدية لذاته، فإذن لا أوّل للزمان. فإذن تفسير حدوث العالم بتقدّم عدمِه عليه يقتضي قِدم الزمان، فلزم من تفسير حدوث العالم بهذا التفسير قدمه.
وأمّا إن فسّـرتم حدوث العالم بكونه مسبوقاً بالغير، فنقول: إن أردتم بذلك أنّ للعالم شيئاً يتقدمه بالعلية أو بالطبع أو بالشرف فذلك مسلّم، لكن لا يقتضي الحدوث الذي تريدونه.والتقدم بالمكان منفي اتفاقاً، لاستحالة المكان على اللّه تعالى. وبتقدير الثبوت لا يحصل مقصودكم.
بقي التقدم بالزمان وهو باطل. وبتقدير ثبوته يوجب القدم. أمّا بطلانه،

1 . راجع المباحث المشرقية1:772 وما يليها.
2 . نهاية العقول:«بالزمان».

صفحه 29
فلأنّه لو كان اللّه تعالى متقدماً على العالم بالزمان لزم أن يكون الباري تعالى زمانياً، وأن يكون الزمان زمانياً وهما محالان. أمّا الأوّل، فلأنّ الزمان من لواحق التغير1 واللّه تعالى يستحيل عليه التغير فلا يلحقه الزمان. وأمّا الثاني، فلامتناع التسلسل.
وأمّا ثبوت القدم بتقدير ثبوته، فلأنّه إذا كان هذا التقدم زمانياً ، ثمّ لا بداية لقدم2 الباري تعالى على العالم، لزم أن لا تكون للزمان بداية ويلزم منه القدم.
هذا إذا سلّمتم انحصار التقدم في الخمسة. فإن ادّعيتم سادساً فاظهروه حتى يمكن الشروع بعده في الاستدلال.
لا يقال: الاستفسار عن معنى الحدوث استفسار عن حكم وقع الخلاف فيه، فنحن ننفيه وأنتم تثبتونه، والحكم على الشيء بالنفي أو الإثبات لا يصحّ إلاّ بعد تصور ماهية ذلك الشيء وحقيقته، وكان وقوع الخلاف مشعراً بكون محلّ الخلاف معلوماً من الخصمين.
لأنّا نقول: وقوع الخلاف مشعر بكون محلّ الخلاف معلوماً جملة أو تفصيلاً؟ م ع3. بيانه: أنّ الذي يلزمنا معرفته أن نعرف مذهبنا وصحّته وبطلان ما عداه، وإن كان ما عداه يحتمل تفاصيل كثيرة، فلم يلزمنا معرفته. فإذا رمتم إثبات ذلك وكان الكلام في ذلك تعليلاً وسؤالاً يختلف بحسب اختلاف التفصيل، حسن منّا الاستفسار.
سلمنا أنّ وقوع الخلاف مشعر بكون محلّ الخلاف معلوماً جملة وتفصيلاً، ولكن متى لا يصحّ الاستفسار إذا كان الغرض بالاستفسار مجرّد فائدة تعريف

1 . ق:«المتغير».
2 . نهاية العقول:«لتقدم».
3 . كذا في المخطوطة ولعلّ المعنى: كون محلّ الخلاف معلوماً جملة، مسلّم، ووضع حرف «م» لتدل على كلمة مسلم وكونه تفصيلاً ممنوع ، ووضع حرف «ع» لتدل على كلمة ممنوع.

صفحه 30
الحكم من غير أن تنضم زيادة فائدة أو إذا انضم؟ م ع1. وهنا قد تضمن زيادة فائدة وهو بيان تعجيز الخصم في إيراد تفسير إلاّ2 وأن يتضمن ذلك بطلان مذهبه على ما نبينه عند تفسيركم.
الثاني: إمّا أن يقولوا: إنّ لصحّة وجود العالم بداية، أو يقولوا: ليس له بداية. والأوّل باطل.
أمّا أوّلاً: فلأنّ كون العالم ممكن الوجود فيما لا يزال وهو قبل أن صار ممكن الوجود قد كان ممتنع الوجود بعينه، فإذا جوزتم ذلك انسد باب الاستدلال بحدوث العالم على إثبات الصانع; لأنّه إذا جاز أن يقال: إنّه كان ذلك الإمكان واجباً لذاته بعد أن كان ممتنعاً لذاته، جاز أن يقال: العالم قبل حدوثه قد كان ممتنعاً بعينه، ثمّ صار واجباً بعينه، كما انتقل الإمكان من الامتناع الذاتي إلى الوجوب الذاتي، وحينئذ وجب استغناؤه عن الصانع.
وأمّا ثانياً: فلأنّه لو كان انقلاب الممتنع لذاته ممكناً، لجاز ذلك في كلّ الممتنعات فحينئذ لا نأمن أن3 يصير اجتماع الضدين والنقيضين ممكناً بعد أن كان ممتنعاً لذاته، وذلك عين السفسطة.
وأمّا إن قلتم: لا بداية لصحّة وجود العالم فقد سلّمتم أنّ العالم يمكن أن يكون أزلياً، ومع الاعتراف بذلك لا يمكن القطع بامتناع القدم ووجوب الحدوث.
لا يقال: العالم يستحيل وجوده4 في الأزل لا لذاته، ولكن لامتناع وجود شرطه في الأزل، أو لوجوب وجود مانع فيه.

1 . أي عدم صحّة الاستفسار مع عدم الزيادة مسلم ومع الزيادة ممنوع ، فتأمل جيداً.
2 . كذا.
3 . نهاية العقول:«من أن».
4 . في النسخ:+«في»قبل «وجوده»، وهو من زيادة الناسخ.

صفحه 31
لأنّا نقول: امتناع وجود شرطه إن كان امتناعاً ذاتياً وجب امتناع زواله، ويلزم منه استمرار امتناع العالم فيما لا يزال. وإن لم يكن ذاتياً كان لامتناع شيء آخر، ولزم منه التسلسل. وهكذا الكلام في وجوب المانع، فانّه إن كان واجباً لذاته، امتنع زواله فامتنع زوال امتناع العالم فاستحال وجود العالم، وإن كان واجباً لغيره لزم منه التسلسل، وهو محال.
الوجه الثالث1: أن نتكلم على مقدمات الدليل، فنقول: لا نسلّم أنّ الجسم لا يخلو عن الحوادث.
قوله:«لا يخلو عن الأكوان».
قلنا: هذا مبني على أنّ الكون زائد على ذات الجسم، وهو ممنوع. ودعوى الضرورة باطلة; لأنّ ادعاء الضرورة فيه فرع على تصور حصول الجسم في الحيّز، وهو غير معقول; لأنّ الحيّز الذي يقال الجسم حصل فيه، إن كان معدوماً لم يعقل حصول الجسم فيه. وبهذا سقط قول من قال: إنّه مقدر مفروض، لأنّ المفروض الذي لا وجود له في نفسه لا يعقل حصول الجسم فيه. وإن كان موجوداً، فإن كان متحيزاً لزم التداخل، ويعود المتحيز في متحيز آخر، وهو محال. ولأنّ الجزء الواحد إذا وجد لزم أن لا يكون حاصلاً في الحيز، وإن لم يكن متحيزاً، فإن كان عرضاً، فإن كان حالاً في المتمكن دار، وإن لم يكن حالاًّ فيه تسلسل، وإن كان مجرداً استحال حلول المتحيز فيه.
وبالجملة فلابدّ من تفسير الحيّز2 وتفسير الحصول في الحيّز، حتى يمكن ادعاء أنّه هل هو حاصل أم لا؟ فانّ كلّ ما نعقله3 من هذه الأقسام التي

1 . راجع المطالب العالية4:309.
2 . راجع المطالب العالية4:246.
3 . نهاية العقول:«نفعله».

صفحه 32
ذكرناها باطل.
لا يقال: المعقول من كون المتحيز في الحيّز كونه بحيث لو وجد متحيز آخر لصحّ أن يقال لأحدهما : إنّه قريب من الآخر أو بعيد منه.
لأنّا نقول: هذا باطل.
أمّا أوّلاً: فلأنّ كونه كذلك إشارة إلى تحيزه لا إلى حصوله في الحيز، وتحيزه أمر مستمر معه، وإنّما مرادكم هناحصوله في الحيّز، فأين أحدهما عن الآخر. ويدل على المغايرة أنّ الجوهر مادام موجوداً كانت تلك الحيثية باقية، وأمّا حصوله في الحيّز فانّه غير باق عند خروجه عنه.
وأمّا ثانياً: فلأنّ القرب والبعد إنّما يفسران بكون أحدهما حاصلاً في حيّز قريب من حيّز الآخر أو بعيد عنه، فإذا لم نفسر القرب والبعد إلاّ بالحصول في الحيّز فلو فسرنا الحصول في الحيز بهما دار.
ثمّ لو نزلنا عن الاستفسار، لكن لا نسلم أنّ الحصول في الحيّز أمر زائد; لأنّ المعلوم بالضرورة أنّ المفهوم من ذات الجسم ليس المفهوم من كونه حاصلاً في الحيز. ولا يلزم من التغاير في المفهوم كونهما أمرين وجوديين، لاحتمال كونه قيداً عدمياً، أو أمراً نسبياً لا وجود له في الخارج. ويدل عليه وجوه:
الأوّل: المعقول من كون الجسم جسماً مغاير للمعقول من كونه ممكناً. مع أنّ الإمكان لا يصلح أن يكون وصفاً وجودياً زائداً، وإلاّ كان له إمكان آخر ويتسلسل.
الثاني: المعقول من حقيقة الكائنية مغاير للمعقول من قيامها بالمحل، ثمّ إنّه لا يلزم أن يكون قيامها بالمحل وصفاً عرضياً زائداً عليه قائماً به، وإلاّتسلسل.
الثالث: يصدق على الواحد أنّه نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة،

صفحه 33
وهكذا له نسبة معيّنة إلى كلّ مرتبة من مراتب الأعداد الغير المتناهية، ومفهومات تلك النسب متغايرة، فانّ نصفية الاثنين مغايرة لثلثية الثلاثة وأربعية الأربعة وهكذا. والمفهوم من كونه واحداً مغاير لجميع هذه النسب أيضاً. ويمتنع أن يكون لتلك النسب الغير متناهية وجود في الأعيان، وإلاّتسلسل، فكذا هنا.
الرابع: المفهوم من كون الجوهر ذاتاً مغاير للمفهوم من كونه جوهراً، ولا1 يلزم أن يكون كون الجوهر ذاتاً صفة، وإلاّ لكان الكلام في أصل الذات عائداً، ويتسلسل.
الخامس: المفهوم من كون الجوهر غير العرض مغاير للمفهوم من كونه جوهراً، ثمّ لا يلزم أن تكون الغيرية صفة ثبوتية زائدة، وإلاّ تسلسل. وكذا القول في المماثلة والمخالفة والتعيّن والتعدد.
السادس: المفهوم من ذات الجوهر مغاير للمفهوم من كونه حادثاً وباقياً، ثمّ إنّ الحدوث والبقاء لا يمكن أن يكونا وصفين ثبوتيين، وإلاّ تسلسل.
السابع: المفهوم من كون الإنسان ليس بحجر مغاير للمفهوم من كونه ليس بشجر، ثمّ هذه السلوب ليست وجودية، وإلاّ تسلسل ولزم حصول صفات غير متناهية للشيء الواحد لا مرة واحدة بل مراراً لا نهاية لها.
فظهر من هذه الوجوه أنّه لا يلزم من التغاير في المفهوم إثبات الصفات المتغايرة، فظهر فساد دعوى الضرورة.
وما ذكرتموه من الاستدلال2 وهو «انّا ندرك الجسم متحركاً بعد أن لم يكن، فتبدّل الحالتين عليه مع بقائه مدرَك بالحس ، وهو يدل على كون تلك الأحوال المتبدلة أُموراً ثبوتية» ممنوع، فانّا لا نسلّم أنّ الجسم الذي كان ساكناً بقي وصار

1 . في النسخ:«إلاّ»،و ماأثبتناه من نهاية العقول.
2 . في الدعوى الأُولى من الدعاوي الأربعة، ص 16.

صفحه 34
بعينه متحركاً، بل ذلك الجسم عدم وحدث جسم آخر وهو لذاته متحرك; لأنّ حدوث الشيء ليس زائداً عليه بل هو نفسه، وإلاّتسلسل. ثمّ إنّ الحدوث لا يبقى في الزمان الثاني فوجب أن لا تبقى ذاته، وإلاّ كان حدوثه مغايراً لذاته، وهو محال.
لا يقال: إنّ مقصودنا من هذا الدليل حدوث الأجسام، فإذا سلّمتم ذلك فقد سلّمتم المقصود.
لأنّا نقول: هب أنّ ذلك مساعدة على المطلوب، لكن لا يبقى دليلكم ـ الذي طلبتم تصحيحه ـ مستقيماً.
سلمنا بقاء ذات الجسم، لكن لِمَ قلتم: إنّ تبدل الساكنية بالمتحركية يدل على وجودها1؟ فانّ التبدل غير دالّ عليه لوجهين:
الأوّل: لمّا اثبتم حدوث العالم فلابدّ وأن تجزموا باستحالة وجوده أزلاً، ولابدّمن تبدل تلك الاستحالة بالإمكان فيما لا يزال. فالتبدل هنا حاصل مع امتناع كون الإمكان أو الامتناع ثبوتياً. أمّا الإمتناع، فلأنّه لو كان ثبوتياً لكان الموصوف به ثابتاً فيكون ممتنع الوجود موجوداً، هذا خلف. وأمّا الإمكان، فَلِما سبق.
الثاني: الشيء حال حدوثه يكون حادثاً وحدوثه يبطل حال بقائه، فقد تبدل الحدوث بالبقاء وليسا وجوديين. أمّا الحدوث، فلأنّه لو كان صفة لكانت حادثة ويكون لها حدوث زائد ويتسلسل. وأمّا البقاء، فلأنّه لو كان صفة لتوقف إمكان حصولها في الجوهر على حصول الجوهر في الزمان الثاني وحصوله في الزمان الثاني إمّا هو نفس البقاء أو معلول للبقاء، فيلزم إمّا توقّف الشيء على نفسه أو على ما يتوقف عليه، وهما محالان.

1 . نهاية العقول:«وجودهما».

صفحه 35
لا يقال: إمكان الشيء وامتناعه وحدوثه وبقاؤه ليست محسوسة بالبصر فيجوز أن تكون قضايا عقلية، فلا يلزم من تَطَرّق التبدّل إليها كونها أُموراً وجودية، بخلاف المتحركية والساكنية فانّ المتبدل فيها محسوس بالبصر، فكانت وجودية.
لأنّا نقول: الساكنية والمتحركية غير مدركتين بالبصر; فانّ سكّان السفينة في موضع من البحر غير مختلف الارتفاع والانخفاض في وقت هبوب الرياح من جانب واحد، فقد يتحركون أسرع حركة مع انّهم يظنون أنّ السفينة ساكنة، ولو كانت الحركة و1 السكون محسوستين لما اشتبه أحدهما بالآخر.
سلّمنا دلالة التبدل على الوجود، لكن على أحدهما لا عليهما معاً2; فانّ الشيء إذا خلا عن وصف ثبوتي ثمّ اتصف به أو كان موصوفاً به ثمّ عدم عنه، يكون التغير حاصلاً مع أنّ أحدهما عدمي، فجاز في المتحركية والساكنية كون إحداهما ثبوتية3.
سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أنّ الحصول في الحيز زائد على ذات الجسم، لكن هنا ما يدل على نفيه، وهو ثلاثة:
الأوّل: الحصول في الحيز أمر نسبي والأُمور النسبية تستدعي أمرين، لامتناع حصولها لأقلّ منهما، فلو كان الحصول في الحيز ثبوتياً لكان الحيز ثبوتياً وهو باطل; لأنّه لو كان موجوداً لكان إمّا حالاًّ في الجسم فلا يكون حيزاً للجسم، أو لا يكون حالاًّ فيه، فإمّا أن يكون ذا حيّز ويتسلسل، أو لا فيبطل حصول الجسم فيه.
الثاني: حصول الجوهر في الحيّز نسبة مخصوصة له إلى الحيز، فلو كانت هذه

1 . نهاية العقول:«أو».
2 . نهاية العقول:«لكنّه يقتضي وجود كلا المتبدلين أم وجود أحدهما؟ع م»، ثمّ فسرها ووضّح الرمز، فراجع.
3 . راجع نقد المحصل:149.

صفحه 36
النسبة أمراً وجودياً لكان ذلك الأمر الوجودي حاصلاً في الحيز، وتكون له نسبة إلى ذلك المحل فتكون تلك النسبة زائدة على الكائنية، ولزم التسلسل.
الثالث1: الحركة يمتنع دخولها في الوجود; لأنّ الحركة إمّا أن لا يكون لها حصول2 في الحال أو يكون. فإن لم يكن ، لم يكن ماضياً ولا مستقبلاً; لأنّ الماضي هو الذي كان وجوده في زمان كان فيه حاضراً، والمستقبل هو الذي يتوقَّع فيه ذلك. وإن كان لها حضور، فإن انقسم الحاضر لم يكن الحاضر حاضراً; لأنّ الأجزاء المفترضة فيه لا يمكن وجودها دفعةً، لأنّ حقيقة الحركة لا تعقل إلاّ مع التقضي والمرور. فإذن الأجزاء المفترضة في الحركة لا توجد معاً فلا يكون الحاضر من الحركة حاضراً، هذا خلف.
وإن لم ينقسم فعند عدمه يحضر شيء آخر من الحركة وهو غير منقسم فتكون الحركة مركبة من أُمور كلّ واحد منها غير قابل للقسمة، وهو أيضاً محال; لأنّ الجزء الذي لا يتجزأ من الحركة إمّا أن يقع على مسافة منقسمة أو غير منقسمة، والأوّل محال وإلاّ لكان الواقع منها في نصف تلك المسافة نصف تلك الحركة، فتكون تلك الحركة منقسمة، هذا خلف.
وإن كانت المسافة غير منقسمة لزم تركب الجسم من أجزاء لا تتجزأ، وهو محال، وإلاّ لزم نفي الحركة، لانّها لو وجدت فإمّا عند كون المتحرك ملاقياً لكلية الجزء الأوّل، وهو محال; لأنّه حينئذ لم يتحرك . أو عند كونه ملاقياً لكلية الثاني،وهو باطل; لأنّه حينئذ قد انقضت الحركة. أو عندما يكون متوسطاً بينهما، وذلك يقتضي انقسام الأجزاء وقد فرضنا أنّها غير منقسمة، هذا خلف.
فالقول بالحركة يُفضي إلى أقسام كلّها باطلة فهي إذن غير موجودة، بل هي

1 . راجع نقد المحصل 184ـ187; المطالب العالية 4:288.
2 . نهاية العقول:«حضور».

صفحه 37
أمر مقدر مفروض في الذهن لا حقيقة له في الخارج. وإذا لم تكن الحركة ثبوتية لم يكن السكون ثبوتياً، إذ لا فرق بينهما إلاّبالدوام وعدمه، فانّ الحصول في الحيّز إن استقر كان سكوناً وإلاّ فحركة. فإذا كانت الحركة عدمية كان السكون المساوي لها في تمام الحقيقة عدمياً.
سلمنا أنّ الكائنية زائدة على ذات الجسم، لكن نمنع عدم الخلو.
قوله:«الجسم متى كان موجوداً كان متحيزاً، وإذا كان متحيزاً كان حاصلاً في الحيز».
قلنا: لا نسلم أنّه إذا كان موجوداً كان متحيزاً، فلِمَ لا يجوز أن يقال: الأجسام كانت في الأزل خالية عن صفة التحيز ثمّ اتصفت به فيما لا يزال، كما هو رأي افلاطون؟ وتدل عليه وجوه ثلاثة:
الأوّل: قد بيّنا نفي الجوهر الفرد، فيكون الجسم البسيط في نفسه واحداً، ومعلوم أنّه قابل للانفصال والقابل للانفصال ليس الاتصال، لاستحالة بقائه معه والقابل باق مع المقبول فهو شيء غير الاتصال الذي هو الجسمية، فللجسمية قابل هو الهيولى، فالجسم مركب من الجسمية والهيولى1. ثمّ الجسمية لمّا كانت حالّة في الهيولى كانت محتاجةً إليها; لاحتياج الحالّ إلى المحل فيمتنع احتياج الهيولى إليها، وإلاّ دار. وإذا استغنت الهيولى عن الجسمية أمكن خلوها عنها. فثبت أنّ للمتحيزات هيولى غير متحيزة يمكن إنفكاكها عن التحيز2.
الثاني: دليلكم على حدوث الأجسام يدلّ على حدوث المتحيزات، وكلّ محدَث فانّه مسبوق بإمكان حدوثه، وليس الإمكان عائداً إلى القادر; لأنّ القادر

1 . أُنظر البرهان في المباحث المشرقية2:46(في أنّ الجسم مركّب عن الهيولى والصورة); شرح المقاصد3:53.
2 . راجع نقد المحصل:188.

صفحه 38
قادرعلى ايجاد الممكنات دون الممتنعات، فلولا امتياز الممكن عن المحال بأمر عائد إليه، وإلاّ لما حصلت هذه التفرقة. فثبت أنّ الإمكان عائد إلى الممكنات وليس عدمياً، وإلاّ لم يبق فرق بين نفي الإمكان وبين إثبات إمكان منفي، فهو وجودي يستدعي محلاً مستقلاً بنفسه، فالأجسام محتاجة إلى محلّ توجَد فيه إمكاناتها السابقة عليها1، وذلك المحل ليس متحيزاً لامتناع قدم المتحيز بدليلكم فهو غير متحيز، وهو هيولى الأجسام.
الثالث: بداهة العقول حاكمة بأنّ حدوث الشيء لا من الشيء غير معقول، فإذا كان المتحيز حادثاً فلابدّ له من مادة غير متحيزة متقدمة عليه.
سلمنا أنّ الأجسام متى كانت موجودة كانت متحيزة، فلِمَ قلتم: بامتناع خلوها عن الكائنية؟
قوله:«لأنّه متى كان موجوداً كان متحيزاً ومتى كان متحيزاً كان حاصلاً في الحيز، ولا نعني بالكون إلاّ ذلك».
قلنا: هذا الكلام إن دلّ على امتناع خلو الجسم عن الكائنية فهنا ما يدلّ على جوازه، وهو وجهان:
الأوّل: اللازم للجسم إمّا جميع الكائنيات أو واحدة. والأوّل معلوم البطلان.والثاني إمّا أن يكون اللازم كائنية واحدة على التعيين، أو لا على التعيين.والأوّل ظاهر الفساد لما ذكرتموه في إبطال وجوب حصول شيء من الأجسام في حيّز معين. والثاني أيضاً باطل; لأنّ كون الشيء لازماً لشيء فرع وجوده في نفسه، فإنّ مالا وجود له في نفسه يمتنع أن يكون وجوده لازماً لغيره، والكائنية المبهمة لا وجود لها في الخارج، فإنّ كلّ ما يوجد في الخارج لابدّ وأن يكون معيّناً،

1 . أي على وجود الأجسام.

صفحه 39
ولا شيء من المعين بلازم للجسم فلا شيء من الكائنيات الموجودة في الخارج بلازم للجسم. وأمّا المبهم الذي لا وجود له في الخارج فليس بلازم للجسم في الخارج وإلاّ لكان موجوداً في الخارج. فإذن لا شيء من الكائنيات بلازم في الخارج، بل في الذهن.
لا يقال: الكائنية من حيث هي كائنية لها مفهوم مشترك بين الكائنيات الجزئية، وذلك المفهوم المشترك هو اللازم للجسم.
لأنّا نقول: ذلك المشترك من حيث هو لا يوجد إلاّ في الذهن، لكنّا بيّنا أنّ ما كان كذلك يمتنع أن يكون لازماً للجسم.
الثاني: الجسم وكائنيته ليس أحدهما علةً للآخر، لامتناع كون الجسم علّة، وإلاّ لكان علّة لكائنية معيّنة; لأنّ الجسم معيّن فلا يقتضي مبهماً. ويلزم منه اشتراك الأجسام في الحصول في ذلك الحيز. وإن فرضت الكائنية علّة للجسم كان وصف الشيء المحتاج إليه الذي لا يعقل قيامه إلاّ به علّة متقدمة عليه مع تأخره عنه، هذا خلف.
ثمّ إنّ الجسم شرط الكائنية لأنّه محلّها، فالكائنية ليست شرطاً له، لامتناع الدور. فالكائنية إذن ليست علّة للجوهر ولا معلولة له ولا شرط فيه1، فجاز خلو الجوهر عنها.
ثمّ إن سلّمنا أنّ الجسم لا يخلو عن الكائنية، لكن لا نسلّم أنّ الكائنية حادثة.
قوله:«كلّ جسم يصحّ خروجه عن حيزه»2.

1 . نهاية العقول:«له».
2 . وقد ذكر الرازي في تقريره دلائل كثيرة في المطالب العالية4:292.

صفحه 40
قلنا: ممنوع.
قوله:«لو وجب حصول جسم في حيز لكان ذلك الوجوب إمّا لأجل الجسمية أو لعارضها أو لمعروضها أو لأمر آخر لا يكون عارضاً لها ولا معروضاً لها».
قلنا: التقسيم غير منحصر; لأنّ من الأقسام أن يقال: هو لا لأمر.والدليل عليه إجمالاً: أنّه لو وجب تعليل كلّ أمر لعلّة لزم تعليل علّية تلك العلّة لعلّة أُخرى وتسلسل.وتفصيلاً من وجهين:
الأوّل: الوجوب عدمي فلا يستدعي علّة.
الثاني: لو كان وجودياً امتنع تعليله، وإلاّ لاحتاج إلى العلّة فيكون ممكناً لذاته، فينقلب الوجوب إمكاناً، وهو محال.
سلّمنا كون الوجوب ممكناً، فلِمَ قلتم: إنّ الممكن لابدّ له من مؤثر؟ وقد سبق1.
سلمنا احتياج الممكن إلى المؤثر، ولكن متى؟ كان الممكن حادثاً، أو إذا لم يكن؟ وسيأتي تقريره.
فإذن لا يمكنكم بيان احتياج الكائنية إلى المؤثر،إلاّ إذا بنيتم حدوثها، لكنّكم بنيتم بيان حدوثها على كونها محتاجة إلى المؤثر، فدار.
سلمنا احتياجه إلى المؤثر على الإطلاق، فلِمَ لا يكون الوجوب لنفس الجسمية؟
قوله:«يلزم حصول كلّ جسم في ذلك الحيز لاشتراك الجسمية بين الأجسام، واشتراك العلّة يوجب اشتراك الحكم».

1 . نهاية العقول:«و تقريره يأتي في مسألة إثبات العلم بالصانع».

صفحه 41
قلنا: لا نسلّم اشتراك الجسمية بين أفراد الأجسام، وإلاّ لكانت شخصية كلّ واحد من الأجسام زائدة على جسميته; لأنّ ما به الاشتراك غير ما به الامتياز، لكن يستحيل أن تكون شخصية الجسم المشخص زائدة على جسميته; لأنّ انضمام ذلك الزائد إلى الجسمية في الخارج يتوقف على حصول الجسمية في الخارج، وحصول الجسمية في الخارج يتوقف على تشخيصه1 الذي هو عبارة عن انضمام ذلك الزائد إليه، فيدور. فالقول بكون الجسمية أمراً مشتركاً بين أشخاص الأجسام يؤدي إلى هذا المحال، فيكون محالاً.
لا يقال: المعقول من الجسمية إنّما هو شغل الحيز ومنع الغير عن أن يكون بحيث هو، وهذا القدر مشترك.
لأنّا نقول: ليس الشغل والمنع من2 نفس الجسمية، بل حكمان من أحكامها. ولا يلزم من الاشتراك في الأثر الاشتراك في المؤثر.
سلّمنا3، لكن لا نسلم الاشتراك في المعلول عند اشتراك العلّة لوجوه:
الوجه الأوّل: الذات حال الحدوث يجب افتقارها إلى الفاعل، وحالة البقاء يمتنع افتقارها إليه مع وحدة الذات في الحالين، ومعلوم أنّ التفاوت بين المثلين أكثر من التفاوت بين الذات الواحدة في الحالين، فإذا جاز أن ينقلب الشيء الواحد من الوجوب إلى الامتناع الذاتيين بحسب زمانين، فلإن4 يجوز ذلك في المثلين كان أولى.
وأيضاً، فلأنّ الجوهر الحادث مثل الباقي، ثمّ لا يلزم من تماثلهما تساويهما

1 . نهاية العقول:«تشخصه».
2 . «من» ساقطة في نهاية العقول .
3 . كون الجسمية مشتركة.
4 . نهاية العقول:«فان».

صفحه 42
في صحّة المقدورية وامتناعها، فكذا هنا. وكذا العَرَض غير الباقي يصحّ أن يحدث في زمان عدمه مثله، ولا يلزم من صحّة حدوث مثله في ذلك الزمان صحّة وجوده في ذلك الزمان، فكذا هنا.
الوجه الثاني1: الممكن المعين محتاج إلى مؤثر معين أو شرط معين، وعلّة تلك الحاجة الإمكان، إذ لو رفع لبقى الوجوب أو الامتناع، وهما مغنيان عن المؤثر، ثمّ الإمكان مشترك بين الممكنات ولا يلزم من اشتراكها في الإمكان اشتراكها في الحاجة إلى ذلك المؤثر المعين، أو إلى ذلك الشرط المعين; لأنّ أكثر الطوائف أثبتوا أُموراً ثبوتية غير اللّه تعالى، فبعضهم زعم أنّ العبد موجد، وبعضهم أثبت معاني توجب أحوالاً، وبعضهم أثبت طبيعة وعقلاً ونفساً.
ثمّ لو كان المؤثر واحداً، لكن لا نزاع في كثرة الشرط، فانّ الجوهر شرط للعَرَض، والحياة شرط للعلم اتّفاقاً، ومعلوم أنّ حاجة المشروط إلى الشرط لإمكانه، والشرط علّة لصحّة المشروط، مع أنّه لا يلزم من احتياج صحّة ذلك المشروط إلى الشرط احتياج كلّ صحّة إلى ذلك الشرط، فلا يلزم من الاشتراك في المقتضي الإشتراك في الحكم.
سلّمنا أنّ الإشتراك في السبب يقتضي الإشتراك في الحكم، ولكن متى؟ إذا فقد شرط، أو وجد مانع; أو إذا لم يكن2؟ع م3.
بيانه أنّ الأشياء المتماثلة في الماهية لابدّ وأن تتمايز بتشخصاتها وما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز، فتشخص كلّ شخص زائد على ماهيته. ولأنّ

1 . راجع المطالب العالية1:155.
2 . أي إذا لم يفقد شرط ولا يوجد مانع.
3 . كذا في المخطوطة ونهاية العقول. ولعلّ معنى «ع» أنّ الأوّل(فقد شرط، أو وجد مانع) ممنوع ومعنى «م» أنّ الثاني (لم يفقد شرط ولا يوجد مانع) مسلم.

صفحه 43
المتصور من الجسم مثلاً أمر يصحّ حمله على كثيرين، والمتصور من هذا الجسم لا يصحّ حمله على كثيرين، مع العلم الضروري بأنّ المتصوّر من الجسم داخل في المتصور من هذا الجسم، فالمتصور من هذا الجسم داخل فيه أمر زائد على المتصور من هذا الجسم. وإذا ثبت ذلك ظهر أنّ تعيّن كلّ مشخص1 زائد على ماهيته فيحتمل أن تكون شخصية الشخص المعين من الأجسام المتماثلة شرطاً لاقتضاء الجسمية الحصول في ذلك الحيز، أو تكون شخصية الجسم الآخر مانعة من ذلك الاقتضاء. وإذا كان كذلك لم يلزم من اشتراك الأجسام في تمام الجسمية وكونها موجبة للحصول في الحيز المعين اشتراك كلّ الأجسام في ذلك، وحينئذ يظهر ضعف المقدمة الشهيرة«أنّ المتماثلات يجب تساويها في اللوازم».
لا يقال: التعين عدمي، لأنّ معناه انّه ليس غيره، فلا يكون جزءاً من المقتضي.
لأنّا نقول: نمنع كونه عدمياً.
سلّمنا، لكن المقصود حاصل، لأنّه لا نزاع بين العقلاء أنّ العدم يصلح للشرطية، فانّ عدم الضد2 شرط لصحّة حلول الضدّ الآخر في المحلّ.
سلّمنا عدم جواز انّه يجب حصول الجسم المعيّن في الحيز المعيّن لجسميته، فلِمَ لا يجوز أن يكون لبعض لوازمه؟
قوله:«الكلام في لزوم ذلك اللازم كالكلام في الأوّل، ويتسلسل أو يدور».
قلنا: نمنع استحالتهما.
سلّمنا انّه لا يجوز أن يكون لشيء من عوارض الجسم، فلِمَ لا يجوز أن يكون لبعض معروضاته؟ وما ذكرتموه من «الدلالة على أنّ الجسمية لا محلّ لها» ممنوع،

1 . نهاية العقول:«شخص».
2 . ق:«الضوء»، وهو خطأ.

صفحه 44
فلِمَ لا يجوز أن يكون حصول ذلك المحل في تلك الجهة تبعاً لحصول الجسمية فيها؟ وهذا لا ينافي كون الجسمية صفة له، فانّ اللّه تعالى موصوف بالصفات أو الأحكام أو الأحوال أو السلوب أو الإضافات، على اختلاف مذاهب العقلاء فيه، مع امتناع حصول ذاته تعالى في الحيز. فعلمنا أنّ كون الشيء صفة لغيره أمر مغاير لحلوله في جهة المحلّ تبعاً لحصوله1 فيه ويكون تبعاً لحصولها فيه2.
سلمنا دلالة ما ذكرتموه على3] نفي[ محلّ الجسمية، لكنّه معارض بما ذكرناه من4 أنّ للجسم هيولى.
ثمّ إن سلّمنا أنّه لا يجوز أن يكون لشيء من معروضات الجسم، فلِمَ لا يجوز أن يكون لشيء مباين عن الجسمية مجرد؟
قولكم:« نسبته إلى جميع الأجسام واحدة، فلم يكن بأن يجب لأجله حصول بعض الأجسام في ذلك الحيز أولى من سائر الأجسام».
قلنا: يبطل بأمرين:
الأوّل: الباري تعالى خصص خلق العالم بوقت معيّن مع مساواته لسائر الأوقات، فإذا جاز ذلك فلِمَ لا يجوز منّا مثله؟
الثاني: صحّة حدوث العالم وصحّة محدثية الباري تعالى حدثتا في وقت معين مع كونه مساوياً لسائر الأوقات المقدّرة التي قبله وبعده، إذ لو لم تكن لهاتين الصحتين بداية لم يصح قطعكم بوجوب حدوث العالم، وإذا جاز ذلك هناك فليجز هنا.

1 . نهاية العقول:« لحصولها».
2 . «و يكون تبعاً لحصولها فيه» ساقطة في نهاية العقول.
3 . في النسخ:+«يدل» قبل «على»، وهو زيادة من الناسخ.و مابين المعقوفين من نهاية العقول.
4 . في النسخ:«في»، أصلحناها طبقاً للسياق.

صفحه 45
سلّمنا صحّة خروج كلّ جسم عن حيزه، فلِمَ قلتم: إنّه بتقدير الخروج عن الحيز لابدّوأن تعدم تلك الكائنية، فجاز أن تكون كامنة أو انتقلت إلى محل آخر أو لا إلى محل. ومع هذه الاحتمالات لا يمكن الجزم بالعدم1.
سلّمنا أنّ كلّ كائنية فانّه يصحّ عليها العدم، فلِمَ قلتم إنّ ما يصحّ ]عليه[2 العدم يجب أن يكون حادثاً3؟
قوله:«لأنّ القديم إمّا واجب لذاته أو مستند إليه».
قلنا: جاز أن يكون واجباً لذاته.
ونمنع4 امتناع عدم ما يجب وجوده، فانّه ينتقض بامتناع وجود العالم أزلاً وإمكانه فيما لا يزال. فإذا عقل زوال الامتناع الذاتي وتجدُّد الإمكان فليعقل زوال وجوب الواجب لذاته.
سلّمنا انّه ليس واجباً لذاته ، فلِمَ قلتم: إنّه واجب لغيره؟لاحتمال أن تكون الوجودية أولى وإن كان قابلاً للعدم، فلأجل قبوله للعدم لا يكون واجباً، ولأجل الأولوية استغنى عن السبب، كالصوت والحركة اللّذين يكون العدم لهما أولى، ولذلك لا يوجدان إلاّ عند تعلّق القادر بهما مع صحّة الوجود عليهما.
سلّمنا تساوي قبوله للوجود والعدم، فلِمَ قلتم: إنّه لابدّ من سبب؟ لأنّ جهة الحاجة الحدوث، لاستغناء البناء حال استمراره عن الباني، والحجر المرمي 5 بعد مفارقة الرامي.

1 . راجع المطالب العالية4:295.
2 . أثبتناه طبقاً للسياق ولنهاية العقول.
3 . مرّ في ص 19 ـ 20.
4 . جواب لقوله: «لأنّه ما يجب لذاته يمتنع عدمه».
5 . إلى فوق بالقسر.

صفحه 46
ولأنّ الأثر لو احتاج حال البقاء، فالمؤثر إن لم يكن له أثر كان ذلك الأثر في ذلك الوجود غنياً عن المؤثر. وإن كان له أثر، فإن كان الوجود الأوّل لزم تحصيل الحاصل، وإن كان غيره لزم وجود الشيء مرتين. ولو سلّم فالمحتاج المتجدد لا الأوّل، فلا يكون الباقي محتاجاً، فجهة الحاجة الحدوث1. فما لم تبيّنوا أنّ الذي يصحّ عدمه يجب أن يكون حادثاً، لا يمكنكم إثبات حاجته إلى المؤثر، ولو بينتموه استغنيتم عن هذه الحجة2.
سلّمنا أنّه لابدّمن سبب، فلِمَ لا يجوز أن يكون موجباً؟
قوله:«يلزم من امتناع عدم الواجب امتناع عدمه».
قلنا: إذا جاز أن يتخلف الأثر عن القادر مع حصول جميع جهات المؤثرية، فلِمَ لا يتخلف عن الموجَب؟
سلمنا أنّه لا يكون موجباً، فجاز أن يكون مختاراً.
قوله:«كلّ فعل للمختار حادث».
قلنا: ما الدليل عليه؟ وتدل على بطلانه وجوه3:
الأوّل: العدم السابق ينافي وجود الفعل وفاعلية الفاعل، فلا يكون شرطاً لهما4.

1 . راجع شرح الإشارات3:68ـ69; المطالب العالية4:192و 231.
2 . قال الرازي بعد هذه العبارة في نهاية العقول:«ثمّ هنا وجوه كثيرة تدلّ على أنّ الإمكان لا يجوز أن يكون علّة للحاجة، سيأتي ذكرها في باب إثبات العلم بالصانع تعالى».
3 . أُنظر تفصيل الوجوه في المطالب العالية 4:232ـ239. راجع أيضاً المصدر نفسه:272.
4 . فالعدم السابق لا يكون شرطاً لكون الفعل فعلاً ولا لكون الفاعل فاعلاً، فإذن الفعلية والفاعلية قديتحقّقان عند عدم العدم السابق، فإذن لا يجب أن يكون فعل المختار حادثاً. راجع نهاية العقول.

صفحه 47
الثاني: للمحدث وجود وعدم ومسبوقية الوجود بالعدم. والعدم مستغن; لأنّه نفي محض، والمسبوقية واجبة للمحدث فيستغني، فالمحتاج الوجود.وليس جهة الحاجة كونه وجوداً وإلاّ تسلسل، واحتياج الشيء إلى نفسه، فليست جهة الحاجة الحدوث، بل الإمكان. فالمحتاج في وجوده إلى القادر لا يجب أن يكون محدثاً.
الثالث : الممكن حالة البقاء ممكن، لاستحالة انقلابه إلى الواجب والممتنع، لاستحالة انقلاب الحقائق، والإمكان علّة الحاجة فالباقي محتاج، فليس من شرط الحاجة الحدوث.
لا يقال: إنّه حال بقائه يصير أولى، فيكون غنياً عن المؤثر.
لأنّا نقول: تلك الأولوية إن كانت حاصلة لذاته كانت حاصلة حالة الحدوث، فاستغنى الحادث عن المؤثر. وإن حصلت لأمر، كان الباقي محتاجاً في بقائه إلى علّة تلك الأولوية بواسطة حاجته إلى الأولوية، وهو قول بحاجة الباقي إلى المؤثر.
الرابع: الحدوث مسبوقية الشيء بالعدم فهو صفة للوجود متأخر، فيتأخر عن تأثير القادر فيه المتأخر عن احتياج الحادث إلى القادر المتأخر عن علّة الاحتياج، فلا يكون علّة الحاجة وإلاّ دار، وإذا لم يكن للحدوث مدخل في الحاجة لم يلزم أن يكون المحتاج حادثاً1.
سلّمنا ، لكن القديم يجوز عدمه للوجوه الستّة السابقة في خواص

1 . قال في نهاية العقول:«واعلم انّا قد أوردنا قبل هذا السؤال سؤالاً ذكرنا فيه أنّ علّة الحاجة هي الحدوث لا الإمكان وذلك إنّما ذكرناه على ما يليق بالسائل من المطالبة بكلّ جانب من جوانب الاحتمال، ولكن ذاك ليس مذهباً للقوم، وإنّما مذهبهم هذا الذي قررناه في هذا المقام . وسترى من هذا النوع كثيراً في هذا الكتاب وإنّما نبهناك عليه لئلاّ تعدّه من الغفلة».

صفحه 48
القديم1.
سلّمنا أنّ الجسم لا يخلو عن الحوادث، فلِمَ قلتم: إنّ لتلك الحوادث بداية؟
قوله في الأوّل2: «مجموع العدمات السابقة على الحوادث لما كانت حاصلة في الأزل، فإن حصل معها وجود بعضها اقترن السابق والمسبوق».
قلنا: هذا معارض لصحّة حدوثها في الأوقات المقدّرة، فإنّ صحّة حدوث الحادث المعين في الوقت المعين تقديراً كان ذلك الوقت أو تحقيقاً لا يحصل إلاّ عند حصول ذلك الوقت التقديري أو التحقيقي، ثمّ ذلك الوقت مسبوق بعدم لا بداية له3، وكذا الكلام في كلّ صحّة تفرض مختصة بوقت معيّن، فلا حادث إلاّ وصحّة حدوثه في الوقت المعيّن مسبوقة بعدم لا بداية له. فيلزم على قولكم أن تكون لصحّة كلّ الحوادث بداية وهو محال، لأنّه يفضي إلى السفسطة وإلى نفي الصانع تعالى.
وأيضاً فانّ هذا الإشكال إنّما وقع من لفظة الأزل4، فانّ الإنسان يتخيل منه انّه وقت معيّن قد اجتمع فيه جميع5الحوادث، فحينئذ يجب الاعتراف بخلو ذلك الوقت عن وجود الحوادث، وليس الأمر كذلك، فانّ الأزل ليس إلاّ عبارة عن نفي الأولية، فقولكم6:«كلّ واحدمن العدمات السابقة حاصل في الأزل» لا

1 . ذكرها في المجلد الأوّل، ص 233 ـ 235 .
2 . أي في الوجه الأوّل من الوجوه الدالّة على أنّ الحوادث متناهية، ص 21 .
3 . والعبارة في نهاية العقول هكذا:«ثمّ إنّ ذلك الوقت مسبوق بأوقات لا بداية لها، فإذن صحّة حدوث الحوادث في ذلك الوقت مسبوق بعدم لا بداية لها».
4 . راجع المطالب العالية4:266و 269.
5 . نهاية العقول: «عدم جميع».
6 . مرّ في ص 21.

صفحه 49
معنى له، إلاّ أنّ كلّواحد من الحوادث مسبوق بعدم لا أوّل له.
ثمّ قولكم بعده:«فيجب أن لا يوجد شيء من الحوادث في الأزل» معناه: أنّه لابدّمن الانتهاء إلى حادث لا يكون مسبوقاً بغيره. فيرجع حاصل كلامكم إلى أنّه لمّا كان كلّ واحد من الحوادث مسبوقاً بعدم لا أوّل له، وجب انتهاء تلك الحوادث إلى حادث لا يكون مسبوقاً بغيره وهذا نفس المسألة، ويؤكد هذه المطالبة: أنّه تعالى قديم ولا يعقل من قدمه إلاّأنّه متقدم على العالم بأزمنة محققة لا بداية لها على ما يقوله الفلاسفة، أو بأزمنة مقدّرة لا بداية لها على ما يقوله المتكلّمون.
ثمّ دليلكم على إبطال أزمنة محقّقة لا بداية لها، قائم في المقدّرة.و1 لأنّ كُلاً من الأزمنة مسبوق بعدم لا أوّل له، فمجموع العدمات السابقة على الأزمنة المقدّرة حاصل في الأزل، فيجب أن لا يحصل في الأزل شيء من تلك الأوقات2المقدّرة فتكون لتلك الأوقات المقدرة بداية،وهو يقتضي نفي قدمه تعالى، وهو باطل. فعلمنا أنّ ما قلتموه مغالطة وقعت بسبب الاشتباه في لفظة الأزل.
قوله في الثالث:«إنّ الحوداث بأسرها فعل فاعل مختار»3 يشتمل على المصادرة على المطلوب; لأنّ كلّ الحوادث إمّا أن تكون عبارة عن كلّ واحد منها، وهو معلوم البطلان; للعلم الضروري بأنّ العشرة ليست كلّواحد من آحادها. ولانّكم بعد استدلالكم على أنّ كلّ واحد من الأكوان حادث تستدلون على أنّ مجموعها حادث، ولو لم يكن المجموع مغايراً لكلّ واحد لكان استدلالكم الثاني عبثاً أو مغايراً لها.

1 . «و»ساقطة في نهاية العقول.
2 . «الأوقات» ساقطة في ج.
3 . مرّ في ص 22.

صفحه 50
فنقول: ذلك المجموع واجب الحصول عند حصول كلّ الآحاد بالضرورة، وإذا كان كذلك لم يكن مجموع الحوادث من حيث هو مجموع واقعاً بالفاعل، بل الواقع بالفاعل هو كلّ واحد من آحادها، فيرجع حاصل الاستدلال إلى أنّ الفاعل تعالى لمّا كان سابقاً على كلّواحد واحد1 من الحوادث وجب أن يكون سابقاً على مجموعها، وهو عين النزاع.
سلّمنا أنّ تلك الحوادث من حيث كونها كلاً فعل فاعل، لكن لِمَ قلتم: إنّه مختار؟2
سلّمنا، فلِمَ قلتم:« إنّ فاعل3 المختار يجب أن يكون سابقاً على فعله؟» لأنّ المخ4تار إن حصل عنده جميع ما يتوقف عليه الايجاد وجب وجود الفعل عنه; لأنّه لو لم يجب الأثر عند استجماع جميع جهات المؤثرية بل جاز تخلفه، كان صدوره عنه عند استجماعه لكلّ تلك الأُمور ممكن وكلّ ممكن فله مؤثر، فحينئذ لا يكون المؤثر مستجمعاً لجميع شرائط المؤثرية وقد فرض كذلك، هذا خلف. وإن لم تحصل جميع جهات المؤثرية امتنع صدور الأثر عنه، إذ لو صحّ لم يكن صدوره موقوفاً على حصول أمر آخر، فحينئذ لا يكون شيء من شرائط المؤثرية ثابتاً مع انّا فرضناه ثابتاً، هذا خلف.
فثبت أنّ الفاعل المختار متى تمت جميع جهات فاعليته وجب حصول الفعل عنه.5فبطل قولكم بوجوب تقديمه على فعله.
قوله في الرابع: «الحوادث الماضية محتملة للزيادة والنقصان» ممنوع; لأنّ

1 . «واحد» الثاني ساقطة من نهاية العقول.
2 . قال الرازي:«و تقريره سيأتي في مسألة إثبات العلم بالمختار»، نهاية العقول.
3 . في النسخ: «فعل»، وما أثبتناه من نهاية العقول.
4 . دليل لاستحالة أن يكون سابقاً على فعله.
5 . نهاية العقول:«معه».

صفحه 51
معنى قولنا:«كذا موصوف بشيء، أنّ تلك الصفة ثابتة لذلك الموصوف، لأنّ وصف الشيء بالشيء إن لم يقتضِ ثبوت الصفة للموصوف وجب أن يقتضي نفي حصوله للموصوف، لامتناع الخروج عن النقيضين.
وإذا ثبت ذلك، فنقول: ثبوت الوصف للموصوف فرع على ثبوت الموصوف في نفسه، فانّ الشيء مالم يثبت في نفسه لم يثبت له غيره، بل قد يثبت في نفسه ولا يثبت له غيره، فلو قلنا: الحوادث الماضية قابلة للزيادة والنقصان وتتصف بهما فقد ادعينا ثبوت الزيادة و1 النقصان لها، ثمّ الموصوف بهذا الوصف إن كان موجوداً في الخارج، فإمّا أن يكون هو كلّواحد من الحوادث الماضية أو مجموعها، فإن كان الأوّل لزم أن تكون لكلّواحد بداية، وهو مسلّم. وإن كان الثاني فهو باطل، لأنّ مجموع تلك الحوادث لا وجود له في وقت من الأوقات، وما لا وجود له لا يمكن أن يوصف بوصف ثبوتي في الخارج.
لا يقال: إنّكم تصفون ذلك المجموع بأنّه لا يمكن وصفه بالزيادة والنقصان، فنفي الوصف عنه دون غيره وصف له، وهو متناقض. ولأنّ اليوم حال حضوره لا يوصف بالأمسية وإنّما يتصف بها بعد مضيه.
لأنّا نقول: نفي الوصف لو كان وصفاً كان نفي الشيء عين ثبوته، وكلّواحد من النقيضين هو الآخر، وهو محال. والأمسية وصف اعتباري لا خارجي. وإن كان المحكوم عليه بهذا الوصف هو الصورة الذهنية، فنقول: الذهن لا يقوى على استحضار مالا يتناهى على التفصيل، بل يقوى على استحضار اللا نهاية،2 ومعنى اللا نهاية من حيث هو3 هذا المعنى أمر واحد

1 . نهاية العقول:«أو».
2 . أي معنى اللا نهاية.
3 . «هو»ساقطة في ق، وهو خطأ.

صفحه 52
ليس فيه كثرة. وفرق بين اللا نهاية ومعنى ما صدق عليه اللا نهاية التي هي الاعداد الموصوفة بذلك، فكيف يلزم من اقتدار الذهن على استحضار معنى اللا نهاية اقتداره على استحضار الأُمور التي حمل عليها اللا نهاية؟ فظاهر أنّه لا يمكن الحكم على الحوادث الماضية بالزيادة والنقصان.
سلمنا إمكان الاتصاف، لكن لِـمَ قلتم: إنّه يقتضي البداية؟ فانّكم إن عنيتم باحتمال الحوادث الزيادة والنقصان أن ّالناقص1 ينتهي ويفضل عليه من الزائد شيء، فهو ممنوع. وإن عنيتم أنّه أبداً يوجد في جانب الزائد مالا يوجد في جانب الناقص، فمسلّم ، لكن لا يستلزم التناهي.
سلمنا2، لكن هنا ما يدل على عدم دلالته على التناهي، وهو وجوه:3
الوجه الأوّل: الصحّة الماضية من زمان الطوفان أقلّ ممّا مضى من زماننا، ثمّ لا يجب أن تكون للصحّة بداية، لما مرّ.
الوجه الثاني: الحوادث المستقبلة من زمان الطوفان أكثر منها إذا أخذت من زماننا، ومع ذلك فلا يقتضي ثبوت آخر الحوادث، فكذا هنا.
الوجه الثالث: الباري تعالى متقدم على العالم بما لو كان هناك زمان لكان لا بداية له، ثمّ ذلك الزمان المقدّر محتمل للزيادة والنقصان، ولا يجب أن تكون لذلك الزمان المقدر بداية، وإلاّ لزم حدوثه تعالى.
الوجه الرابع: تضعيف الألف مراراً لا نهاية لها أقلّ من تضعيف الألفين، وكلاهما غيرمتناهيين مع ثبوت التفاوت بينهما.

1 . في نهاية العقول:«مناقص».
2 . دلالة ما ذكرتموه على أنّ المحتمل للزيادة والنقصان يجب أن يكون متناهياً.
3 . أُنظرها في المطالب العالية4: 254 وما يليها و1:143ـ144; كشف المراد:171ـ173; نقد المحصل:208.

صفحه 53
الوجه الخامس: معلومات اللّه تعالى أكثر من مقدوراته1، وهما غيرمتناهيين.
الوجه السادس: إذا علم اللّه تعالى شيئاً فلابدّوأن يعلم أنّه عالم بذلك الشيء وأن يعلم بعلمه بذلك الشيء إلى مالا يتناهى، فهناك علوم غيرمتناهية مترتبة مع انّها قابلة للزيادة والنقصان .و سيأتي بطلان القول بأنّ العلم بالعلّة نفس العلم.
الوجه السابع: أثبت مشايخ المعتزلة الذوات المعدومة ولا نهاية لها مع احتمالها للزيادة والنقصان. وبعضهم2 أثبت للّه تعالى عالميات وقادريات لا نهاية لها.3
سلّمنا أنّ الحوادث الماضية لها بداية، فلِمَ قلتم: إنّ الجسم إذا لم ينفك عنها يجب أن تكون له بداية؟ فانّه لا يجب تساوي المتلازمين في جميع الأحكام، وإلاّ لكان الجوهر عرضاً وبالعكس.
و الجواب: قوله :«المقدمة الثانية إعادة الدعوى مع زيادة دعاو».
قلنا: لا نسلّم; لأنّ المطلوب ثبوت الحدوث للعالم، وجائز في بعض صفات الشيء أن يكون بيّناً وبعضها غير بيّن، وهذا غير البيّن يكون بيّناً لما هو بيّن للشيء،

1 . لأنّ العلم يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل والقدرة لا تتعلق إلاّ بالجائز.نهاية الاقدام في علم الكلام:29. وقال المصنّف:«لانّ الواجب والممتنع يُعلمان ولا يُقدر عليهما». كشف الفوائد:168.
2 . في نهاية العقول: «جمع من الصفاتية».
3 . راجع المحيط بالتكليف 69(فصل:و لابد... من أن نبين أنّ الحوادث لها أول)، حيث قال: «والطريقة التي بها نعلم تناهي الأشياء، أن نعلم جواز وجود الزيادة والنقصان فيها». وبعد الاستدلال بهذه الطريقة يستدل بطريقة أُخرى ويقول:«و كما ندل بطريق الزيادة والنقصان على ما هي هذه الحوادث، فانّا ندل بطريقة الوصل والقطع على تناهي العالم...».

صفحه 54
فجاز أن يكون المجهول مكتسباً بواسطة اللازم المعلوم، فالحدوث مجهول الثبوت للجسم ومعلوم الثبوت لما لم يخل عن الحوادث، وعدم الخلو عن الحوادث يكون معلوم الثبوت للجسم، فتصير تلك النسبة المجهولة معلومة بواسطة النسبتين المعلومتين، فليست الثانية إعادة للدعوى.
قوله: «المنتج مجموع المقدمتين أو إحداهما؟»
قلنا: المجموع.
ومجموع1 المقدّمتين حاصل في الذهن لاجتماع التصورات في الذهن، فإنّا نحكم بأمر على آخر والحكم يستدعي حضور المحكوم عليه والمحكوم به دفعة في الذهن، وإلاّ امتنع الحكم; لأنّه نسبة يتوقف ثبوته على ثبوت المنتسبين دفعة. وكذا التصديقات يمكن اجتماعهما2 في الذهن، فانّه يمكننا الحكم بتلازم القضايا وتعاندها، فنقول: كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً . وإمّا أن تكون الشمس طالعة وإمّا أن يكون الليل موجوداً.و لولا حصول علمنا بطلوع الشمس ووجود النهار والليل دفعة امتنع هنا الحكم باللزوم والتعاند، لأنّ الحكم بكون أحدهما لازماً والآخر ملزوماً حكم باللازمية والملزومية، وهو يستدعي العلم بكلّ واحد منهما.
قوله:«إذا لم يكن كل واحد منهما مؤثراً3 لم يكن المجموع مؤثراً».
قلنا: إنّ عند اجتماع المقدمتين يحصل لهما وصف الاجتماع، فبالطريق الذي عقل به حصول الإجتماع لهما مع امتناع حصوله لكلّ واحد منهما منفرداً يعقل به حصول النتيجة منهما لا من كلّواحدة منهما.

1 . جواب لقوله:«احتياج النتيجة إليهما يستدعي وجودهما معاً».
2 . ق: «اجتماعها».
3 . عند الانفراد.

صفحه 55
قوله:«لا يمكن أن ينتج هنا».
قلنا: لا نسلم.
و النقض بحمل الجنس على الحيوان والحيوان على الإنسان غير وارد; لعدم اجتماع الشرائط، لأنّ من جملتها كلية الكبرى وهو منفي هنا، لكذب كلّ حيوان جنس، لامتناع صدق الجنسية على كلّ فرد، بخلاف الكبرى في قياسنا، فانّها كلية يصدق محمولها على كلّ فرد.
قوله: «المقدمة الثانية كاذبة، لأنّ بتقدير أن لا تكون للحوادث بداية لا يلزم من عدم خلو الجسم عنها حدوثه».1
قلنا: الكلام عليه من وجهين:
الأوّل: هذا التقدير عندنا محال، ولا يلزم من عدم صحّة الكلام على تقدير باطل بطلان الكلام، فلو قلنا: كلّ خمسة فرد كانت قضية صادقة مع أنّا لو قدرنا انقسام الخمسة بمتساويين لم يكن فرداً، لكن لمّا كان هذا التقدير باطلاً لم يقدح في صدق الكلية، فكذا هنا.
الثاني: نذكر الدليل على وجه آخر، فنقول: الأجسام لا تخلو عن الحوادث ولتلك الحوادث بداية، ينتج: الأجسام لا تخلو عن حوادث لها بداية، وهو المعنى بحدوثها.
لا يقال: إذا قلنا الأجسام لا تخلو عن الحوادث ثمّ قلنا: والحوادث لها بداية لم يتّحد الوسط، فانّ الموضوع في الكبرى الحوادث وهو جزء محمول الصغرى، فلا ينتج. كما لو قلنا: كلّ جسم ففيه كائنية، وكل كائنية عرض، لم ينتج أنّ كلّ جسم عرض، وإنّما لم ينتج لأنّ موضوع الكبرى جزء محمول الصغرى.

1 . مرّ في ص 25.

صفحه 56
لأنّا نقول: لا ندعي أنّه متى كان موضوع الكبرى جزء محمول الصغرى تلزم النتيجة حتى يرد ما قلتم، بل قد لا ينتج كما مثّلتم به وقد ينتج بحيث يعلم ذلك بالضرورة،كما1 في قولنا:«أ»مساو لـ«ب» و«ب» مساو لـ«ج» فانّه يلزم انّ «أ» مساو لـ«ج» بالضرورة ، مع أنّ موضوع الكبرى جزء محمول الصغرى.
قوله: «إن دلّ امتناع خلو الجسم عن الكائنيات على حدوثه دلّ استحالة لا خلوه عنها على قدمه».2
قلنا: ليس قولنا يمتنع خلو الجسم عن كلّ الكائنيات نقيض قولنا إنّه يمتنع لا خلوه عن كلّ الكائنيات، فانّهما قد يجتمعان على الصدق، لأنّ الحقّ أنّ الجسم أبداً موصوف بكائنية واحدة، فنقيض «يستحيل خلوه عن الكل» لا يستحيل خلوه عن الكل، لا أنّه يستحيل لا خلوه عن الكل.
سلّمنا أنّ استحالة الخلو عن الكلّ تناقضها استحالة اللا خلو عن الكل، لكن ليس يلزم أن يكون اللازم من أحد النقيضين نقيضاً للازم من الآخر، فانّ الضدين يتشاركان في الدخول تحت جنس واحد فيجوز تشاركهما في أمر واحد3، فبطل ما قالوه.
قوله:«لا بدّ من تفسير الحدوث».
قلنا: تفسيره المسبوق بالعدم أو بالغير.
ولا نسلّم حصر أقسام التقدم في الخمسة، فان تقدّم أمس على اليوم ليس

1 . في نهاية العقول:«إذا قلنا الأشياء ثلاثة: إنّ الأوّل منها مساو للثاني والثاني مساو للثالث، انتج لا محالة: أنّ الأوّل مساو للثالث».
2 . مرّفي ص 26.
3 . نهاية العقول: «أثر».

صفحه 57
أحدها.1 وتقدّم الباري تعالى على العالم ليس بالزمان أيضاً، لامتناع كونه تعالى زمانياً، واستلزام أن يكون الزمان قديماً. وإذا ثبت أنّ هذين التقدمين ليسا على2 أحد الأنحاء الخمسة ثبت نوع سادس للتقدم، فبطل ما قالوه; فانّهم بالوجه الذي عقلوا فيه تقدّم الأمس على اليوم وتقدم الباري تعالى على الحادث، يجب3 أن يعقلوا به تقدم عدم العالم على وجوده وتقدّم الباري على العالم.
قوله:«صحّة حدوث العالم إمّا أن تكون لها بداية».4
قلنا: صحّة حدوث العالم كصحة حدوث الحادث المعين بشرط كونه مسبوقاً بالعدم، فانّه لا أوّل لصحّة حدوث هذا الحادث مع امتناع أزليته، فانّ الشيء بشرط كونه مسبوقاً بالعدم يمتنع أن يكون أزلياً.
قوله:«ما المعنى بالحصول في الحيز؟».
قلنا: لا حاجة إلى تفسيره، فإنّ كلّ عاقل يعلم أنّه في مكانه المعيّن دون سائر الأمكنة، وما كان كذلك لا نحتاج إلى تفسيره.
قوله: «لا نسلم أنّ حصول الجسم في الحيّز زائد عليه».5

1 . قال المصنف في أنوار الملكوت :«السبق على خمسة معان...و على سادس زاده المتكلّمون وهو: تقديم أمس على اليوم»: 51(المسألة الثالثة من المقصد الرابع).
وقال الشهرستاني:«و لو طالبهم مطالب لِـمَ حصرتم الأقسام في أربعة أو خمسة لم يجدوا على الحصر دليلاً سوى الاستقراء...» نهاية الاقدام:8.
راجع أيضاً المطالب العالية 4: 15; المباحث المشرقية 1:571; كشف المراد: 58; شرح المواقف6:270; شرح المقاصد2:20.
2 . ق: «المتقدمتين».
3 . ق:«لزم».
4 . أو لا تكون.
5 . مرّ في ص 32.

صفحه 58
قلنا: إنّا نعلم بالضرورة أنّ الكائنية أمر زائد على ذات الجسم ثبوتي، والأُمور الضرورية لا تبطل بالشّبه، فانّ النظريات كسبية فإمّا أن يكتسب كلّ علم من علم كسبي فيتسلسل أو يدور، أو ينتهي إلى علم غير مكتسب وهو قول بإثبات علوم غير كسبية، والنظرية متفرعة عليها، والفرع لا يقدح في الأصل، وإلاّ لقدح في نفسه، ولا وجه أبلغ في الفساد من كون الشيء قادحاً1. ولا شكّ أنّ أظهر العلوم العلم بكون المتحركية والساكنية أُمور متغايرة في حقائقها لحقيقة الجسم، فما ذكرتموه من الشبه يجري مجرى شبه السوفسطائية في عدم استحقاقها للجواب.
سلّمنا أنّه كسبي، لكنّا نستدل عليه بتبدل الساكنية بالمتحركية وبالعكس مع بقاء الذات.
«و مَنْع بقاء الذات في الحالتين» ضروري البطلان، فان زيداً الذي شاهدته بالأمس هو الذي شاهدته الآن بالضرورة من غير تبدل.
لا يقال: المسلمون اتّفقوا على أنّ اللّه تعالى قادر على أن يخلق شخصاً مثل زيد في شكله وصورته من جميع الوجوه، ومع التجويز كيف يدعي الضرورة بانّه المشاهد بالأمس؟
لأنّا نقول: هذا الشكّ لا يقدح في علمي بانّي الذي كنت موجوداً بالأمس، فاندفع الإشكال، وهو مبني على نفي النفس الناطقة.
قوله:«تبدل الساكنية بالمتحركية لا يدل على وجود واحد منهما، كتبدل الامتناع بالصحّة».2

1 . في نفسه.
2 . أي كما أن تبدل الامتناع بالصحة لا يدل على وجود واحد منهما.

صفحه 59
قلنا: لا نسلم تبدل الامتناع بالصحّة، وكيف لا نمنع ذلك؟ وتجويزه يفضي إلى عدم الثقة بالقضايا البديهية، حتى يلزم تجويز أن تنقلب استحالة الجمع بين الضدّين في بعض الأوقات ممكناً بل واجباً، وهو جهل. بل نقول: المحال هو وجود الفعل الأزلي، وهذا المعنى لم تزل استحالته في شيء من الأوقات.و الممكن وجود الفعل فيمالا يزال، وهذا لم تزل الصحّة عنه في شيء من الأوقات.
قوله:«الحدوث يتبدل بالبقاء من غير أن يكون واحد منها ثبوتياً».
قلنا: الحدوث حصول الذات في الزمن1 الأوّل، والبقاء حصولها في الزمن الثان2ي، فالمتبدل إنّما هو النسبة إلى الأزمنة فقط، وذلك ليس ثبوتياً، وإلاّ لكان لذلك الأمر نسبة إلى ذلك الزمان، ويتسلسل. وأمّا الكائنية فهي النسبة إلى الأحياز والأمكنة، وهي أحوال طارئة على الجسم مدركة بالمشاهدة، فهي لا محالة ثبوتية.
قوله:«المتحركية والساكنية غير مشاهدة».
قلنا: الفرق بين الحالتين مشاهد بالحس فإنكاره مكابرة. وعدم الإحساس في الصورة التي ذكرتموها لا يدلّ على انتفاء كونهما مدركتين في ذاتيهما، وإلاّ لما أدركنا قط. نعم يدل على أنّ إدراكهما مشروط ببعض الشرائط المفقودة في تلك الصورة.
قوله: «لو سلّمنا دلالة التبدل على كون أحد المتبدلين ثبوتياً، لكن لا يدل على كونهما وجوديين».

1 . نهاية العقول:«الزمان».
2 . نهاية العقول:«الزمان».

صفحه 60
قلنا: الحركة هي حصولات متعاقبة و1 أحياز متوالية2، والسكون حصول واحد في حيز واحد، فالتفاوت بين الحركة والسكون إنّما هو بالدوام وعدمه، وإذا كان كذلك فمتى كان أحدهما وجودياً كان الآخر كذلك، ضرورة توافقهما في الحقيقة.
قوله:«ما ذكرتموه معارض بأُمور».
قلنا: إفادة النظر في الدليل العقلي لا يتوقف على نفي ما يعارضها، وإذا كان كذلك لم نلتفت إلى المعارضات في العقليات، لكن هذا كلام جدلي، فانّه ليس جعل أحدهما أصلاً والآخر معارضه أولى من العكس.
قوله: «الحصول في الحيز لشيء3 فوجوده في الخارج يستدعي وجود الحيز في الخارج».
قلنا: هذا باطل بالعلم، فانّه نسبة أو ذو نسبة بين العالم4 والمعلوم. ثمّ إنّا نعلم المحالات ولا وجود لها في أنفسها مع أنّ النسبة المسماة بالعلم حاصلة موجودة، فعلمنا أنّ وجود النسبة لا يقتضي وجود كلّ واحد من المنتسبين.
قوله:«الكائنية لها نسبة إلى محلّها».
قلنا: إنّما أثبتنا الكائنية لأنّا رأينا الجوهر الواحد تحرك بعد أن كان ساكناً فعلمنا أنّ المتبدل غير المستمر، فلو كانت الكائنية الواحدة تارة تحل محلاً وتارة تخرج عنه وتحل غيره كانت مثالاً لمسألتنا، لكن لمّا استحال ذلك ظهر الفرق.

1 . نهاية العقول:«في».
2 . قال الرازي:«إنّ الدليل على أنّ الحركة عبارة عن الحصولات المتعاقبة في أحياز متلاصقة وجوه» ذكرها في المطالب العالية 4:289 وما يليها.
3 . نهاية العقول:«أمر لشيء».
4 . في النسخ:«العلم»، أصلحناها طبقاً للمعنى.

صفحه 61
قوله:«لوكانت الحركة موجودة لكانت إمّا مركّبة من أُمور غيرمتناهية قابلة للقسمة الزمانية أو لا».
قلنا: اختار مثبتوا الجزء الأوّلَ.
قوله:«إذا انتقل الجزء من حيّز إلى آخر متصل به، متى يكون متحركاً؟».
قلنا: عندما يلاقي كلّية الثاني.
قوله:«إنّه حينئذ قد انقطعت1 الحركة».
قلنا: الخروج عن الحيّز الأوّل هو غير2 الدخول في الحيز الثاني، والدخول في الحيز الثاني يسمى في أوّل أوقات وجوده حركة، ثمّ إذا استمر فانّه يسمى حال استمراره سكوناً. وعن هذا زعموا أنّ الحركة تماثل السكون.
وأمّا نفاة الجزء، فانّهم اختاروا القسم الثاني وهو عدم تركّب الحركة من أجزاء غيرمنقسمة زماناً. وبيانه:
أنّ الحاصل في الحاضر الذي هو الفارق بين الماضي والمستقبل طرف الحركة وأمّا الحركة فانّها لا توجد في ذلك الفاصل وإنّما توجد في الزمان، وهو عبارة عن الحصول بين حدّين من حدود المسافة على وجه لا تكون حال ذلك الحاصل في ذلك الحصول في آن من الآنات المفروضة مشابهة لما قبلها أو لما بعدها، ومعلوم أنّ هذه الحالة لا توجد في الآن، بل هي مفترضة بين كلّ آنين يفترضان في الزمان، وليس كلّ مالا يوجد في الآن يجب أن لا يكون موجوداً، وإلاّ لما كان الزمان موجوداً، لأنّه غير موجود في الآن.3

1 . مرّ في ص 36 هكذا : «انقضت».
2 . كذا، وفي نهاية العقول:«عين».
3 . قال الرازي:« وبعد ذلك دقائق لا يليق بهذا الموضع، سنذكرها في مسألة الجزء». نهاية العقول.

صفحه 62
ثمّ نعارض بالجسم، فانّ لقائل أن يقول: لو كان الجسم موجوداً لكان إمّا أن ينقسم وهو محال; لأنّه يلزم من انقسامه انقسام الحركة، ويلزم منه نفيها في الذهن والخارج. ومحال أن لا يكون منقسماً لما ذكروه فيلزم منه نفي الجسم. ولمّا كان ذلك باطلاً، فكذا ما قالوه.
قوله:«لا نسلّم أنّ الجسم إذا كان موجوداً كان حاصلاً في الحيز».
قلنا: قد بيّنا أنّ المقدار الممتد في الجهات الثلاث لا يمكن أن يكون له محل، بل هو قائم بنفسه، والذي لا حقيقة له إلاّ كونه ممتداً في الجهات، يمتنع1 خلوه عن الحصول في الجهات.
قوله:«هب2 أنّ الجسم غير مركّب من الأجزاء، فتكون له هيولى».
قلنا: لا نسلم فساد القول بالجزء الذي لا يتجزأ.
سلّمنا نفي الجزء، فلِمَ قلتم بأنّ الجسم هيولى؟
والانفصال3 إن عنى به الانقسام، وبالاتصال المقدار، فلِمَ قلتم بأنّ المقدار لا يقبل الانقسام؟و كيف يمكن أن يقال ذلك مع أنّ قبول4 التجزئة للمقدار بالذات5 ولغيره بواسطته؟ وإن عنيتم بالانفصال والاتصال شيئاً آخر فاذكروه لنتكلم عليه.
سلّمنا أنّ للجسم هيولى، لكن لا نسلم صحّة خلوها عن الجسمية.
قوله:«لو امتنع خلوها لزم الدور».

1 . ق:«يمكن»، وهو خطأ.
2 . نهاية العقول:«ثبت».
3 . جواب لقوله:«لأنّ الجسم قابل للانفصال والقابل للانفصال ليس هو الاتصال».
4 . نهاية العقول:«قول».
5 . ق:« للمقدار بالمقدار بالذات»، والصحيح ماأثبتناه من ج.

صفحه 63
قلنا: يجوز أن تكون الجسمية من لوازم الهيولى وإن لم تكن الهيولى محتاجة إليها1، كما نقوله في جميع لوازم الماهيات.
سلّمنا احتياج الهيولى إلى تلك الصورة لا من حيث إنّها تلك الصورة بل من حيث إنّها صورة2، وأمّا الصورة فتحتاج إلى الهيولى لا من حيث إنّها صورة بل من حيث إنّها تلك الصورة، وإذا اختلف الاعتبار اندفع الدور.
قوله: «كلّ محدث فانّه مسبوق بإمكان الوجود».
قلنا: مسلّم، لكن ليس الإمكان ثبوتياً3، وإلاّ لكان ممكناً; لاستحالة وجوبه لذاته لاحتياجه إلى الموصوف، فيتسلسل.
ولأنّ ثبوته إن كان في ذات الممكن فهو محال، لأنّ ثبوت الشيء في الشيء يتوقف على ثبوت ذلك الشيء، فلو كان الإمكان ثبوتياً قائماً بالممكن لكان ثبوت الممكن سابقاً على ثبوته له، فيلزم من استحالة زوال الإمكان عن الممكن لذاته استحالة وجود4 ذلك الممكن الذي هو شرط ذلك الإمكان، فيكون الممكن واجباً، هذا خلف.
و إن كان قائماً بغيره5 فكذلك، فانّ إمكانات الممكنات أُمور يستحيل

1 . كما انّ الحصول في الحيز من لوازم الجسمية وإن لم تكن الجسمية محتاجة إليه وكما نقول في جميع لوازم الماهيات. نهاية العقول.
2 . كالسقف يبقى بدعائم تزال واحدة وتقام أُخرى. شرح المقاصد3:77. والعبارة كلّها في نهاية العقول هكذا:«لم لا يجوز أن يقال: الهيولى تحتاج إلى تلك الصورة لا من حيث إنّـها صورة، بل من حيث إنّها تلك الصورة؟».
3 . وهو كذلك عند الرازي، واستدل عليه في المباحث المشرقية1:211ـ 214. راجع أيضاً نقد المحصل:108.
4 . نهاية العقول:+«زوال» قبل «وجود».
5 . ج:«في غيره».

صفحه 64
زوالها لأعيانها فلو كانت الإمكانات قائمة بغيرها كان وجود ذلك المحال شرطاً لوجود الإمكانات التي يمتنع زوالها لأعيانها، وما كان شرطاً لشيء واجب الوجود لعينه1 فهو أولى أن يكون كذلك. فإذن وجود الهيولى واجب لعينه، وهو محال بالاتفاق. ولأنّ إمكانات الماهيات لوازم لها، ولوازم الماهيات لا يعقل حصولها لغيرها2، وإلاّ لم تكن لوازم.
وإن كان لا في محل، فهو باطل.
أمّا أوّلاً: فلأنّه لا يعقل وجود إمكان مجرّد إلاّ لممكن.
وأمّا ثانياً: فلأنّه يغني عن الهيولى.
قوله:«لا فرق بين نفي الإمكان وبين الإمكان المنفي».3
قلنا: يلزم مثله في الامتناع، فانّه لو لم يكن ثبوتياً لم يبق فرق بين نفي الامتناع وبين امتناع منفي، بل يلزمكم أن يكون العدم موجوداً، وإلاّ فلا فرق بين نفي العدم وبين عدم منفي.
قوله:«بديهة العقل حاكمة بأنّ الشيء لا يحصل إلاّ من شيء».4
قلنا: بل هي حاكمة بأنّ حدوث الشيء من الشيء غير معقول; لأنّ حدوث الشيء من الشيء هو أن يصير بعض الشيء شيئاً آخر، وصيرورة الشيء شيئاً آخر غير معقول، لأنّ ذلك الشيء إن بقي على حاله فهو لم يصر شيئاً آخر، وإن لم يبق على حاله فقد عدم و وجد آخر، إلاّ أن تفسروا حدوث الشيء من الشيء بأنّ الحادث لابدّ وأن يكون حدوثه في شيء، فحينئذ تكون هذه النسبة5 مفهومة،

1 . ق:«بعينه».
2 . نهاية العقول:«في غيرها».
3 . مرّ في ص 38.
4 . مرّ في ص 38.
5 . نهاية العقول:«القضية».

صفحه 65
لكنّها ممنوعة. وكيف وقد بيّنا أنّ حدوث الجسمية في المحلّ محال؟
قوله: «اللازم للجسم إمّا كلّ الكائنيات أو بعض مبهم أو معين».1
قلنا: هنا قسم آخر. بيانه:
أنّ لكلّ شيء حقيقة ثمّ2 يعرض لتلك الحقيقة العموم تارة والخصوص أُخرى والتعيين3 تارة والإبهام أُخرى، وهي من جهة أنّها تلك الحقيقة مغايرة لتلك القيود، فالكائنية من حيث هي كائنية مغايرة للوحدة والكثرة والتعيين والإبهام4، فلا نقول : الجسم تلزمه كلّ كائنية أو كائنية معينة أو مبهمة ، بل الجسم تلزمه الكائنية من حيث هي كائنية وهي حقيقة معينة ولها وحدة نوعية، فالجسم يقتضي تلك الحقيقة.
قوله: «تلك الحقيقة أمر لا يوجد إلاّ في الذهن، فكيف يكون لازماً للجسم؟».5
قلنا: هذا سوء فهم لما قلنا; لأنّ الحقيقة الذهنية هي الكائنية الكلية أو المبهمة، والكائنية الكلية أو المبهمة مقيدة بقيد وهي الكلية والإبهام، وليس كلامنا فيها ، بل في الكائنية من حيث هي كائنية فقط وهي موجودة في الأعيان، لأنّ الكائنية المعينة موجودة في الأعيان، والكائنية المعينة كائنية مع قيد، وإذا كانت الكائنية مع القيد موجودة كانت الكائنية أيضاً موجودة، ثمّ الك6ائنية بقيد كونها كلية أو مبهمة غير موجودة في الأعيان، وليس كلامنا فيها.

1 . مرّفي ص 38.
2 . ق:«لم».
3 . نهاية العقول:«التعين».
4 . نهاية العقول:«التعين».
5 . مرّ في ص 39.
6 . نهاية العقول:«نعم».

صفحه 66
قوله:«الكائنية ليست علة للجسم ولا معلولة له ولا شرطاً، فوجب جواز خلو الجسم عنها».1
قلنا: الجسم من حيث هو جسم علة الكائنية من حيث هي كائنية، فتلك الحقيقة لازمة للجسم من حيث إنّها معلولة، والعلّة لا تنفك عن المعلول، ولا دور.وأمّا الكائنيات المعينة فالجوهر غير محتاج إلى شيء منها، فلا دور.
قوله:«لِـمَ قلتم إنّ الكائنية حادثة؟».2
قلنا: لصحة عدمها; لأنّه لو وجب حصوله في حيز لكان الوجوب إمّا لنفس الجسمية، أو لعارضها، أو لمعروضها، أو لأمر لا عارض ولا معروض.
قوله:«التقسيم غير منحصر، لجواز أن يثبت ذلك الوجوب لا لعلّة».3
قلنا:وجوب حصول الجوهر في الحيز صفة لذلك الحيز، وإذا لم يكن حصول الجسم في الحيز مستقلاً بنفسه فكيف يكون الوجوب المحتاج إليه مستقلاً بنفسه؟
قوله: «لو كان كلّ حكم معللاً بعلّة لكانت علّية العلّة لعلّة وتسلسل».4
قلنا : علّية العلّة معلّلة بذاتها، فلا تسلسل.
قوله:«لو كان الوجوب معللاً لكان ممكناً لذاته».5
قلنا: إن عنيتم بكونه ممكناً كونه غير مستقل بوجوده بل هو في وجوده ومعقوليته تبع للغير، فلِمَ قلتم: إنّ الوجوب ليس كذلك؟بل صريح العقل يشهد بأنّ الوجوب حكم تابع في الثبوت والتصور للغير. وإن عنيتم به أمراً آخر،

1 . مرّ في ص 39.
2 . مرّفي ص 40.
3 . مرّفي ص 40.
4 . مرّفي ص 40.
5 . مرّفي ص 40.

صفحه 67
فاذكروه.
قوله: «لِـمَ لا يكون الوجوب لجسميته؟».
قلنا: لأنّ الجسمية أمر مشترك، واشتراك العلّة يقتضي اشتراك الحكم، فكان يجب حصول كلّ الأجسام في ذلك الحيز.1
قوله:«لا نسلّم أنّ الجسمية أمر مشترك».2
قلنا: المرجع في تماثل المتماثلاث واختلاف المختلفات إمّا إلى العقل أوإلى الحس، وهما حاكمان بتساوي الأجسام في الجسمية; لأنّ المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات، والعقل يشهد بأنّ هذا القدر غير مختلف في أفراد الأجسام.3وأمّا في الحس، فلأنّ كلّ جسمين يتساويان4 فيما عدا الجسمية من الصفات، فانّه يلتبس أحدهما بالآخر حتى يظن بأنّ أحدهما هو الآخر، ولو كان الاختلاف في الجسمية حاصلاً لما حصل هذا الالتباس.و في هذا الكلام نظر.
قوله:«لو كانت الجسمية أمراً مشتركاً لتوقف دخوله في الوجود الخارجي على انضمام المشخِص إليه، وتوقف انضمام المشخِص إليه على دخوله في الوجود».5
قلنا: هذا إنّما يلزم لو جعلنا التشخص أمراً وجودياً زائداً على تلك الحقيقة،

1 . مرّفي ص 40 ـ 41.
2 . مرّفي ص 40 ـ 41.
3 . قال الرازي :«و إنّما قلنا: إنّ الأجسام متماثلة لأنّـها في الجسمية والحجمية والامتداد في الجهات فإن لم يخالف بعضها بعضاً في شيء من أجزاء الماهية فقد ثبت التماثل...» معالم أُصول الدين:42(المسألة الأُولى من الباب الثالث).
4 . ق:«متساويان».
5 . مرّفي ص 41.

صفحه 68
فإذا لم نقل بذلك بل جعلناه عبارة عن قيد عدمي وهو أنّه ليس غيره، اندفع الإشكال. والذي يحقق أنّ التشخص لا يمكن أن يكون أمراً ثبوتياً أنّه لو كان كذلك لكان1 له تشخص آخر ويتسلسل. ونحن قد حقّقنا هذا فيما تقدم في باب التشخص.2
قوله: «التفاوت بين المثلين أكثر من التفاوت بين الذات الواحدة في حالتين، وإذا عقل وجود اتصاف الذات بالمقدورية في حالة وامتناع اتصافها في حالة أُخرى، فلِمَ لا يجوز أن يكون أحد المثلين يقتضي حكماً دون الآخر؟».3
قلنا: هذا الإشكال إنّما يلزم لو جعلنا الحقيقة مقتضية لصحّة المقدورية من حيث هي تلك الحقيقة، ثمّ إنّها تقتضي تارة ولا تقتضي أُخرى، ونحن لا نقول كذلك، بل نقول : الذات بشرط الحدوث تقتضي المقدورية، وفي زمان البقاء فقد الشرط فلا جرم يزول الحكم.
والتحقيق أن نقول: المقتضي لصحّة المقدورية إنّما هو الحدوث، وهو أمر مغاير للبقاء، والذات لا تعلّق لها بالاقتضاء.
قوله: «الباقي مثل الحادث، ثمّ لم يلزم من تماثلهما اشتراكهما في صحّة المقدورية».4
قلنا: إنّما يلزم5 ذلك لما ذكرناه، لأنّ صحّة المقدورية ليست معللة بالذات وحدها بل بالذات بشرط الحدوث. على أنّ كثيراً من الناس ذهبوا إلى احتياج

1 . «كذلك لكان»ساقطة في ق، والصحيح ما أثبتناه من ج.
2 . المجلد الأوّل، ص 177 ـ 183.
3 . مرّفي ص 41.
4 . مرّ في ص 41 ـ 42.
5 . كذا،وفي نهاية العقول:«لم يلزم».

صفحه 69
الباقي الممكن إلى السبب كما يحتاج الحادث، بل هذا أولى، لما تقدّم.1
قوله:«الممكن المعيّن إنّما يحتاج إلى المؤثر المعيّن لإمكانه، والإمكان مشترك بين جميع الممكنات مع عدم حاجة الجميع إلى ذلك المؤثر بعينه».2
قلنا: لا نسلّم أنّ إمكان الممكن المعيّن علّة لاحتياجه إلى ذلك المؤثر بعينه، بل هو علّة لاحتياجه إلى مطلق المؤثر، ثمّ إنّ ذلك المؤثر المعيّن علّة لذاته المخصوصة لوجود ذلك المعيّن، وإمكان المعلول محوج إلى مؤثر مطلق، فلا جرم متى تحقّق الإمكان تحققت الحاجة إلى العلّة المطلقة. وأمّا تعيّن العلّة فإنّما جاء من خصوصية ذات المؤثر، وتلك الخصوصية غير مشتركة بينه وبين سائر المؤثرات.
قوله:«لِـمَ لا يجوز أن يكون تعيّن الشخص المعيّن شرطاً لصدور الحكم عن العلّة، و3 تعين غيره يكون مانعا؟».
قلنا: هذا إنّما يتم لو كان تعيّن كلّ متعيّـن مخالفاً لتعيّـن المتعيّـن الآخر، أمّا إذا تساوت التعينات في تمام ماهياتها اندفع الإشكال.و هنا أبحاث دقيقة يجب التأمّل فيها.
قوله: «لِـمَ لا يجوز أن يكون ذلك الوجوب شيـئـاً4 من عوارض الجسمية؟».5
قلنا: لأنّ ذلك العارض إن لم يكن لازماً لم يكن الحصول في الحيز المعين

1 . في المجلد الأوّل، ص 157 (البحث العاشر: في أنّ الممكن الموجود، هل يحتاج في بقائه إلى السبب أم لا؟).
2 . مرّ في ص 42.
3 . نهاية العقول:«أو».
4 . نهاية العقول:«لشيء».
5 . مرّ في ص 43.

صفحه 70
الحاصل نسبته لازماً، وإن كان لازماً كان لزومه إمّا للجسمية أو للازم آخر، ويتسلسل.
قوله:«لِـمَ لا يجوز أن يكون لمعروض الجسمية؟».1
قلنا: بيّنا امتناع حلول الجسمية في محلّ.
قوله:«لِـمَ لا يجوز أن يكون حصول ذلك المحلّ في الجهة تبعاً لحصول الجسمية فيها؟».2
قلنا: لأنّه يكون3 ذلك المحل محتاجاً إلى الجسمية، فلو كانت الجسمية حالّة فيه لوجه آخر كانت محتاجة إليه; لاحتياج الحال إلى المحل، فيدور.
والمعارضات تقدّم الجواب عنها.4
قوله:«لِـمَ لا يكون لشيء غير جسم ولا جسماني؟».5
قلنا: ثبت6 أنّ نسبته إلى جميع الأجسام متساوية، فلم يكن بأن يجب حصول بعض الأجسام لأجله في حيّز معيّن أولى من أن يجب حصول الباقي فيه.
قوله:«إذا جاز أن يرجِّح القادر أحدَ المثلين على الآخر جاز في الموجَب».
قلنا: الفرق ظاهر، فانّ الضرورة قاضية بأنّ الجائع المشرف على الموت لجوعه إذا وضع عنده رغيف فانّه يبتدى بأكل جانب معيّن من غير شيء اقتضى ترجّح ذلك الجانب على غيره من الجوانب المساوية له. والضرورة أيضاً قاضية بأنّ السراج إذا أضاء جانباً بقدر ذراع فانّه يجب أن يضيء من الجانب الآخر بذلك القدر. وإذا فرقت الضرورة بينهما امتنع القياس. وبتقدير عدم الفرق فالمقصود

1 . مرّ في ص 43 ـ 44.
2 . مرّ في ص 43 ـ 44.
3 . ق:«لأن».
4 . راجع ص 44.
5 . راجع ص 44.
6 . راجع ص 44.

صفحه 71
حاصل، فانّ الموجَب إذا عقل منه ما يعقل في القادر فكما أنّ القادر يجعل الجسم في الحيّز ثمّ يخرجه عنه فليعقل أيضاً ذلك من الموجب، وبهذا التقدير يكون خروج الجسم عن الحيز ممكناً.
قوله:«صحّة وجود الشيء معللة بحقيقته، ثمّ إنّ حقيقة العالم اقتضت الصحة في بعض الأوقات دون البعض، فقد تخصص أثر الموجب».
قلنا: هذا بناءً على أنّ الصحّة أمر وجودي، وليس لما مرّ. ولأنّه لا يمكن جعل الصحّة من معلولات1 الحقيقة، فانّ قبل الحدوث لم يكن للحادث ذات وعين وثبوت حتى يجعل علّة لشيء، بل ذلك أُمور فرضية ذهنية.
قوله:«ثبت2 أنّ الجوهر يصحّ خروجه عن حيزه، فلِمَ قلتم:إنّ الكائنية تعدم؟ فجاز أن تكون كامنة أو تنتقل إلى محلّ آخر أو لا إلى محل».3
قلنا: لا نعني بالكائنية إلاّ حصول الجسم في الحيز. والمعنى بخروج الجسم عن الحيز انّه لم يبق حاصلاً فيه، فالكمون والانتقال على الكائنية محالان. أمّا من أثبت معاني4 هي علل موجبة لهذه الكائنية فانّه يتوجه عليه هذا السؤال.5
قوله:«لِـمَ قلتم باستحالة عدم القديم؟».6
قلنا:لأنّه إمّا واجب أو مستند إليه.
قوله: «هذا ينتقض بزوال امتناع وجود العالم وحدوث صحته مع انّهما

1 . في النسخ:+«حقيقة» قبل «معلولات»، ولعلّها من زيادة الناسخ.
2 . نهاية العقول:«هب».
3 . مرّفي ص 45.
4 . وهم أبو هاشم وأتباعه. راجع ص 262 (البحث الأوّل من المطلب الأوّل من الفصل الأوّل من النوع الثاني من هذا الكتاب).
5 . وأمّا على طريقة نفي المعاني، وهي طريقة المصنف أيضاً لا يتوجه هذا السؤال.
6 . راجع ص45 .

صفحه 72
حكمان واجبا الحصول لذاتيهما».1
قلنا: الصحّة والامتناع وصفان ذهنيان لا خارجيان.
قوله:«لِـمَ لا يكون ممكناً، بمعنى قبوله للعدم وتكون الوجودية أولى؟».2
قلنا: تقدم بطلانه.
قوله: «ثبت3 أنّ قبول الوجود والعدم على السواء، فلِمَ قلتم: إنّه لابدّله من سبب؟».4
قلنا: لأنّ بديهة العقل شاهدة بأنّ الحقيقة إذا كانت نسبة الوجود إليها كنسبة العدم، فانّه لا يترجح إحدى النسبتين على الأُخرى إلاّ لمرجّح.
قوله:«الحدوث علّة الحاجة، فانّ البناء يستغني عن الباني حال بقائه».5
قلنا: المحتاج إلى الباني ليس هو استقرار أجزائه في مواضعها، بل انتقال تلك الأجزاء من موضع إلى موضع آخر، فأمّا استقرارها في مواضعها فللأكوان التي يخلقها اللّه تعالى فيها حالاً بعد حال، أو أنّ فيها قوى تقتضي البقاء والاستمرار في تلك الأحياز. وكذا الحجر المرمي.
قوله:«لو احتاج الأثر إلى المؤثر حال بقائه فلا يخلو إمّا أن يكون للمؤثر فيه تأثير أو لا، فإن كان فإمّا أن يكون تأثير المؤثر فيه هو الوجود الأوّل أو وجود آخر».6
قلنا: إن عنيتم بقولكم«المؤثر هل له فيه تأثير؟» أنّ المؤثر هل فيه تأثير

1 . راجع ص 45.
2 . راجع ص 45.
3 . نهاية العقول:«هب».
4 . راجع ص 45.
5 . مرّ في ص 45 ـ 46. راجع أيضاً كشف المراد:81(في أنّ الممكن الباقي محتاج إلى المؤثر).
6 . مرّ في ص 45 ـ 46. راجع أيضاً كشف المراد:81(في أنّ الممكن الباقي محتاج إلى المؤثر).

صفحه 73
جديد؟ فليس الأمر كذلك. وإن عنيتم أنّ المؤثر له فيه تأثير، بمعنى أنّ الأثر الذي وجد عنه استمر لأجل استمراره، فالأمر كذلك.
قوله:«سلّمنا أنّه لابدّمن مؤثر، فلِمَ لا يجوز أن يكون المؤثر موجباً؟».1
قلنا: لأنّ ذلك الموجب إمّا واجب أو مستند إليه، ويلزم من امتناع زواله امتناع زوال ذلك القديم.
قوله:«إن جاز تخلّف الأثر عن القادر جاز في الموجَب».2
قلنا: قد مرّالفرق.3
قوله: «لِـمَ لا يجوز أن يكون المؤثر قادراً؟».
قلنا :لأنّا نجد من أنفسنا تعذّر الاقتدار على الباقي، والعلم4 به ضروري.
قوله:«العدم السابق مناف لوجود الفعل والفاعلية، فكيف يكون شرطاً لهما؟».5
قلنا: إنّما تتحقّق6 بشرط المقارنة، فلِمَ لا يجوز أن يكون المنافي عند المقارنة بعدمه شرطاً لوجوب الشيء المستمر، كما أنّ كلّ جزء من أجزاء الحركة علّة معدّة لحدوث الجزء الآخر الذي يتلوه مع امتناع اجتماع7 الأجزاء، فكذا هنا.

1 . مرّ في ص 46. راجع أيضاً كشف المراد:81 (في أنّ الممكن الباقي محتاج إلى المؤثر).
2 . مرّ في ص 46.
3 . راجع ص 20 ـ 21.
4 . ق:«فالعلم».
5 . مرّفي ص 46.
6 . أي المنافاة.
7 . ق: «امتناع» ساقطة، وأثبتناه من ج، وهو الصحيح.

صفحه 74
قوله:«المحتاج1 إلى المؤثرإمّا الوجود أو المسبوقية بالعدم».
قلنا: الوجود بشرط كونه ممّا سيحدث، والباقي ليس كذلك.
قوله:«الباقي ممكن الوجود فيحتاج إلى السبب، فلا يُشترط الحدوث في الحاجة».2
قلنا: لا نزاع في أنّ مطلق الحاجة لا تتوقف على الحدوث بل الحاجة إلى القادر والتعلق3 به هو المحتاج إلى قيد الحدوث، وهذا القدر هو الدعوى، وهو ضروري.
قوله:«لو كان الحدوث علّة دار».4
قلنا: ليس العلّة الحدوث، بل الإمكان بشرط كون الممكن ممّا سيحدث لا بمعنى أنّ الشرط كونه حادثاً، حتى لا يلزم الدور لأجل الشرطية.
لا يقال: هذا مناقض لما تقدم، لأنّك جعلت الآن المحتاج إلى المؤثر يجب أن يكون حادثاً، وقد ذكرت قبل ذلك أنّه لا تتوقف حاجة الشيء إلى المؤثر على الحدوث.
لأنّا نقول: الذي ذكرناه أوّلاً أنّ الحاجة إلى المؤثر الموجَب لا تتوقف على الحدوث، وذكرنا الآن أنّ الحاجة إلى القادر تتوقف على الحدوث، فزال التناقض.5
قوله:«لِـمَ قلتم: إنّ لتلك الحوادث بداية؟ وسبق العدمات معارض

1 . ق: «المؤثر المحتاج»، وهو خطأ. ومرّ قوله في ص47.
2 . مرّفي ص 47(الوجه الثالث).
3 . ق: «المتعلّق».
4 . مرّفي ص 47.
5 . راجع نقد المحصل:120.

صفحه 75
لصحّة حدوثها في الأوقات المقدرة».1
قلنا: الصحّة أمر ذهني لا تحقّق له في الخارج.
قوله:«الخيال وقع لتوهم كون الأزل حالة معينة».
قلنا:لا حاجة في تقرير الدليل إلى ما ذكرتموه، لأنّ كلّ واحد من الحوادث مسبوق بعدم لا أوّل له، فلو قدرنا كلّواحد من تلك العدمات شيئاً موجوداً لكان كلّواحد من تلك الأشياء قديماً، وتلك القدماء لابدّ وأن تفرض متقارنة الوجود في حيزها2 وإلاّ لكان بعضها بعد البعض،و هو يقدح في كونها قدماء، وإذا كانت تلك الأشياء متقارنة فعند حصولها بأسرها لا يوجد شيء من الحوادث، لأنّ أحد الأُمور الحاصلة عند ذلك المقارن المفروض هو عدم هذا الحادث، فلو حصل وجود هذا الحادث معه لكان وجود الشيء مع عدمه، وهو محال.فثبت أنّا متى فرضنا أنّ لكلّ حادث عدماً سابقاً عليه لا أوّل له لزم كون كلّها مسبوقاً بالعدم.3
قوله:«هذا معارض بالأوقات المقدّرة».4
قلنا: الأوقات المقدّرة ليست أُموراً وجودية فلا يكون مثالاً لمسألتنا. وإذا ظهر جواب الأسئلة على الأوّل ظهر جواب الأسئلة على الثاني.
قوله على الثالث: «مجموع الحوادث غير حاصل بالفاعل، لأنّه واجب الحصول عند حصول آحاده».5

1 . مرّفي ص 48، وهو قوله على الوجه الأوّل.
2 . كذا، ولعلّ الصواب:«حيز ما».
3 . أُنظر عبارات «قوله...» و«قلنا...» في المطالب العالية 4:266و269. راجع أيضاً كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد:141ـ142.
4 . مرّفي ص 48.
5 . مرّفي ص 49 ـ 50.

صفحه 76
قلنا:تعنون به أنّه واجب الحصول عند كلّ واحد من آحاده، أو عند حصول مجموع آحاده. والأوّل فاسد، فانّ العشرة لا تجب عند حصول كلّواحدمن آحادها.و الثاني فاسد، لأنّ مجموع الحوادث ليس إلاّجملة آحاده على الاجتماع. والقول بتعليل حصول الشيء عند حصول غيره يستدعي التغاير، فإذا انتفى التغاير بطل التعليل.
سلّمنا حصول التغاير، لكن المجموع لمّا كان محتاجاً إلى هذه الأشياء المتأخرة في وجودها1 عن الباري وجب أن يكون هو أيضاً متأخراً عنه.
قوله على الرابع:«وصف الشيء بالزيادة والنقصان ]يستدعي وجود ذلك الشيء[»2، مع أنّ أجزاء الزمان بمجموعها قط لا توجد في شيء من الأوقات. فإذا اعترفتم باحتماله للزيادة والنقصان عندما حاولتم إثباته، فكيف منعتم من وصفه بهما عندما حاولنا إثبات تناهيه؟ وعلى أنّ هنا طريقة أُخرى، وهي أن نقدّر انّه حصل في كلّ دورة من الدورات الماضية شيء وبقي ذلك الشيء إلى الآن، كما يقوله الفلاسفة في النفوس الناطقة، فمجموع النفوس الحاصلة في هذا اليوم محتملة للزيادة والنقصان فتكون متناهية ويلزم من تناهيها تناهي الدورات الماضية، ويحصل المقصود.
قوله 3: «لا بداية للصحة الماضية والزمان الماضي المقدّر ولا نهاية للصحّة في المستقبل».
قلنا: قد بيّنا أنّ الصحّة ليست وجودية، وكذا الزمان المقدر والصحّة المستقبلة، فلا يمكن وصفها بالزيادة والنقصان، لما ذكرتم من أنّ مالا يكون

1 . في النسخ:«وجوده»، أصلحناها طبقاً للسياق.
2 . أضفناها طبقاًللمعنى ولما مرّفي ص 50 ـ 51.
3 . مرّ في ص 51.

صفحه 77
موجوداً لا يتصف بالوصف الوجودي. وكذا القول في تضعيف الألف مراراً لانهاية لها، فانّ ذلك التضعيف ليس حاصلاً في الخارج، بل هو اعتباري ذهني.
و أمّا العلم بالشيء مع العلم به، قلنا: ليس علم اللّه تعالى عبارة عن هذه التعلقات1، بل عن صفة قائمة به تعرض لها تلك التعلقات، وأمّا تلك التعلقات فليس لها في الخارج وجود بل هي من باب النسب والإضافات.
وأمّا التفاوت بين معلومات اللّه ومقدوراته2، فليس هناك في المعلومات أعداد وفي المقدورات أعداد أُخر وجودية مع أنّ أحد المجموعين أقلّ من الآخر حتى يلزم الإشكال، بل المعنى بقولنا3:«لا نهاية لمقدورات اللّه تعالى» أنّه لا تنتهي إلى حدّ إلاّ ويصحّ منه الإيجاد بعد ذلك. فحاصل القول في عدم تناهي مقدورات اللّه تعالى دوام صحّة موجديته، لا أنّ4 هناك أعداداً موجودة محتملة للزيادة والنقصان.
قوله:«لو لزم من استحالة خلو الجسم عن الحوادث كونه حادثاً لزم من5 استحالة خلوه6 عن العرض كونه عرضاً».
قلنا: الفرق بينهما ظاهر; لأنّ الشيئين إذا تلازما وامتنع انفصال أحدهما عن

1 . ق: «التعقلات»،و هو خطأ.
2 . قال الشهرستاني بعد نقل هذا الإشكال:«والجواب قلنا: نحن لم نثبت معلومات أو مقدورات هي أعداد بلا نهاية، بل معنى قولنا انّها لا تتناهى أي العلم صفة صالحة يعلم به مايصح أن يعلم والقدرة صفة صالحة يقدر بها على ما يصحّ أن يوجد، ثمّ ما يصحّ أن يعلم وما يصحّ أن يقدر عليه لا يتناهى، وليس ذلك عدد أنقص من عدد حتى يكون ذلك نقضاً لما ذكرناه...» نهاية الاقدام:29ـ30.
3 . ج: «لقولنا».
4 . ق: «لأنّ » بدل «لا أنّ»، وهو خطأ.
5 . «من» ساقطة من ق ، وهو خطأ.
6 . في النسخ:«خلوها»، أصلحناها طبقاً للسياق.

صفحه 78
الآخر كانت مدّة وجود أحدهما مساوية لمدة وجود الآخر، فإذا كانت مدّة وجود أحدهما متناهية كانت مدّة الآخر كذلك، ولكن لا يلزم من التلازم كون كلّواحد من المتلازمين مساوياً في حقيقته وماهيته للآخر، فظهر الفرق.
وهنا سؤال مشكل وهو أن يقال: إن أردتم بالحوادث الأُمور الشخصية منعنا صدق الصغرى لانّها قد1 تخلو عن الأشخاص .و إن أردتم نوعها فلا نسلّم حدوثه.و الحاصل أنّ الذي لا ينفك الجسم عنه هو نوع الحوادث وذلك قديم، والحوادث إنّما هي الشخصية والأجسام تنفك عنها.
والجواب أن نقول: قدم النوع يستلزم قدم شخص، فالاستحالة وجود النوع في الخارج منفكاً عن شخص، لكن كلّ شخص حادث ولا شيء من الأشخاص بقديم فلا شيء من النوع بقديم.
قال أفضل المحقّقين:«الدليل الذي اعتمد عليه الجمهور من المتكلّمين في هذه المسألة يحتاج إلى إقامة حجّة على دعوى واحدة من الدعاوي الأربع المذكورة وهي امتناع وجود حوادث2 لا أوّل لها في جانب الماضي، فنورد أوّلاً ما قيل فيه وعليه، ثمّ أذكر ما عندي فيه، فأقول : الأوائل قالوا في وجوب تناهي الحوادث الماضية: إنّه لمّا كان كلّواحد منها حادثاً كان الكلّ حادثاً.
و اعتُرِض عليه بأنّ حكم الكل3 ربما يخالف الحكم على الآحاد، ثمّ قالوا: الحوادث الماضية تتطرق إليها الزيادة والنقصان، فتكون متناهية. وعُورِض بمعلومات اللّه تعالى ومقدوراته، فانّ الأُولى أكثر من الثانية مع عدم تناهيهما.
ثمّ قال المحصلون منهم: الحوادث الماضية إذا أُخذت تارة مبتدئة من الآن

1 . ق:«لا».
2 . ق:«الحوادث».
3 . ق:«الحكم على الكل».

صفحه 79
مثلاً ذاهبةً في الماضي وتارة مبتدئة من مثل هذا الوقت من السنة الماضية ذاهبةً في الماضي وأطبقت إحداهما على الأُخرى في التوهم بأن يجعل المبدءان واحداً وهما في الذهاب إلى الماضي متطابقان1، استحال تساويهما، وإلاّ كان وجود الحوادث2
الواقعة في الزمان الذي بين الآن وبين السنة الماضية وعدمها واحداً، واستحال كون المبتدئة من السنة الماضية زائدةً على المبتدئة من الآن; لأنّ ما نقص من المتساويين لا يكون زائداً على كلّواحد منهما.
فإذن يجب أن تكون المبتدئة من السنة الماضية في جانب الماضي أنقص من المبتدئة من الآن في ذلك الجانب، ولم3يمكن إلاّبانتهائه قبل انتهاء المبتدئة من الآن، ويكون الأنقص متناهياً، والزائد عليه بمقدارمتناه يكون متناهياً، فيكون الكلّ متناهياً.
واعترض الخصم عليهم بأنّ هذا التطبيق لا يقع إلاّفي الوهم، وذلك يكون4 بشرط ارتسام المتطابقين فيه، وغير المتناهي لا يرتسم في الوهم. ومن البيّن انّهما لا يحصلان في الوجود معاً، فضلاً عن توهم التطبيق بينهما5 في الوجود.
فإذن هذا الدليل موقوف على حصول مالا يحصل لا6 في الوهم ولا في

1 . في المخطوطة:«مطابقان»، وما أثبتناه من المصدر.
2 . ق:«حادث»، وهو خطأ.
3 . في المصدر: «لا».
4 . ق:«و يكون ذلك».
5 . في المصدر:«فيهما».
6 . ق:«إلاّ»،و هو خطأ.

صفحه 80
الوجود. وأيضاً الزيادة والنقصان إنّما يفرض في الطرف المتناهي لا في الطرف الذي وقع النزاع في تناهيه، فهو غير مؤثر فيه. هذا حاصل كلامهم في هذا الموضع».
ثمّ قال:«وأنا أقول: إنّ كلّ حادث موصوفٌ بكونه سابقاً على ما بعده وبكونه1لاحقاً بما قبله والاعتباران مختلفان ، فإذا اعتبرنا الحوادث الماضية المبتدئة من الآن تارة من حيث كلّواحد منها2 سابق وتارة من حيث هو بعينه لاحق، كانت السوابق واللواحق المتباينتان3 بالاعتبار4 متطابقتين5 في الوجود، ولا يحتاج في تطابقهما إلى توهم تطبيق . ومع ذلك يجب كون السوابق أكثر من اللواحق في الجانب الذي وقع النزاع فيه. فإذن اللواحق متناهية في الماضي، لوجوب انقطاعها قبل انقطاع السوابق والسوابق الزائدة عليها 6بمقدار متناه متناهية أيضاً. ولمّا تبين امتناع وجود حوادث لا أوّل لها في جانب الماضي، وتبين ممّا مرّ امتناع وجود حوادث لها أوّل ينتهي إليه وهو سكون أزلي، فقد تبين امتناع وجود مالا تخلو الأجسام عنها في الأزل، وتبين منه امتناع وجود الجسم في الأزل.
فإذن قد تمّ هذا الدليل مع7 سقوط ما اعترض به عليه. ويتم بذلك الدليل على حدوث العالم بطريقة الجمهور، وهو لا يخلو عن نظر».8

1 . في المصدر: «يكون».
2 . في المصدر:«منهما».
3 . في المخطوطة:«المتباينان»، وما أثبتناه من المصدر.
4 . في المخطوطة :«باعتبار»،و ما أثبتناه من المصدر.
5 . في المخطوطة:«متطابقين»، وما أثبتناه من المصدر.
6 . ق:«المقدار»، وهو خطأ.
7 . في المصدر:«في».
8 . في المصدر:«فهذا ما عندي فيه» بدل «و هو لا يخلو عن نظر». انتهى كلام الطوسي في نقد المحصل:208ـ209.

صفحه 81
و المعتمد أن نقول: هنا أكوان حادثة فالمدعى قدمه: إمّا أن يكون المجموع وهو باطل بالضرورة، لأنّ المجموع متأخر عن آحاده الحادثة والمتأخر عن الحادث بالضرورة حادث. وإمّا أن يكون كلّواحد وهو باطل بالضرورة، لأنّا فرضناه حادثاً. أو يكون واحداً منها وهو محال أيضاً، وإلاّ لم يكن ذلك حادثاً فلا يكون بعض آحاد مجموع الحوادث، هذا خلف. ولا يكون مسبوقاً بغيره فتنقطع الحوادث عنده فلا توصف باللانهاية، ولا نوعها لما تقدم من أنّ النوع لا يوجد في الخارج منفكاً عن شخص.1

الوجه الثاني : في الحدوث2

أن نقول: لو كانت الأجسام أزلية لكانت في الأزل إمّا متحركة3 أو ساكنة4، والتالي بقسميه باطل، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية:أنّ الجسم إن كان مستقراً في مكان واحد أكثر من زمان واحد فهو الساكن، وإن لم يستقر كذلك كان متحركاً5، لكنّه لا يجوز أن يكون متحركاً في الأزل لوجوه:

1 . قد تمّ الوجه الأوّل في حدوث الأجسام الذي ابتدأ من ص 15.
2 . أُنظر الوجه الثاني في الكتب التالية: نقد المحصل:195; المطالب العالية4:245(تقرير الدلالة المبنية على الحركة والسكون )و 281; معالم أُصول الدين:41; مناهج اليقين:37; كشف الفوائد:143; قواعد المرام في علم الكلام:58(الركن الأوّل من القاعدة الثالثة في حدوث العالم); شرح المواقف7:222ـ227; إرشاد الطالبين:67; اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية:65.
3 . وهو قول أرسطاطاليس وديمقراطيس وأتباعهما. راجع المطالب العالية4:281.
4 . وهو قول أكثر الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطاطاليس. المصدر نفسه.
5 . و هذا الحصر ضروري، لأنّه دائر بين النفي والإثبات. راجع الرازي، المسائل الخمسون في أُصول الدين، تحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا:18(المسألة الأُولى).

صفحه 82
الأوّل: ماهية الحركة: حصول الجسم في حيز بعد أن كان في آخر، فماهيتها تستدعي المسبوقية بالغير1، والأزلية تقتضي اللا مسبوقية بالغير، والجمع بينهما محال.
الثاني: كلّواحد من الحركات محدث فهو مفتقر إلى موجِد، وكلّ ما كان كل واحد منه مفتقراً إلى الموجِد كان كلّه مفتقراً إلى الموجد، فلكلّ الحركات موجد مختار، وكلّ فعل لفاعل مختار فهو محدث لابدّله2 من أوّل، فلكل الحركات أوّل، وهو المطلوب.
الثالث: إن حصل في الأزل حركةٌ مالم تكن مسبوقة بغيرها وكانت أول الحركات. وإن لم يحصل في الأزل شيء منها كانت حادثة.
الرابع: كلّ حركة مسبوقة بعدم قديم وليس معها حركة ولا تساوي السابق والمسبوق، فللمجموع أوّل.
الخامس: كلّما تحرك زحل دورة تحركت الشمس ثلاثين دورة3، فعدد دورات زحل أقلّ من عدد دورات الشمس.
السادس: التطبيق دالّ على التناهي.4

1 . لكونها تغيراً من حال إلى حال، وكوناً بعد كون وهذا سبق زماني حيث لم يجامع فيه السابق المسبوق، والمسبوق بالغير سبقاً زمانياً مسبوق بالعدم، لأنّ معنى عدم مجامعة السابق المسبوق أن يوجدالسابق ولا يوجد المسبوق، والمسبوقية بالعدم هو معنى الحدوث هاهنا. شرح المقاصد 3:111.
2 . «له» ساقطة في ق.
3 . وعند كلّ دورة من دورات الشمس يتحرك القمر اثنتي عشرة دورة، فتكون دورات زحل أقلّ من دورات الشمس، وأدوار الشمس أقل من أدوار القمر. وكلّ ما كان أقلّ من غيره فهو متناه. راجع الرازي، المسائل الخمسون:20.
4 . وقد شرح الايجي برهان التطبيق وجعله الوجه الرابع الدال على حدوث الأجسام.راجع شرح المواقف7:224.
راجع أيضاً أنوار الملكوت في شرح الياقوت:32(المسألة الأُولى من المقصد الثالث).

صفحه 83
السابع: لو كانت الأدوار الماضية غير متناهية لكان وجود اليوم موقوفاً على انقضاء مالا نهاية له1 وانقضاء مالا نهاية له محال، والموقوف على المحال محال.
وأمّا انّه لا يجوز أن يكون ساكناً فلوجوه:
الوجه الأوّل: لو كانت ساكنة فإمّا أن تصحّ عليها الحركة أو لا. والأوّل محال، لأنّ صحّة الحركة عليها تتوقف على صحّة وجود الحركة في نفسها، وقد سبق أنّوجود الحركة في الأزل محال، فثبت أنّه لا تصحّ الحركة عليها.
فذلك الإمتناع إن كان لازماً للماهية وجب أن لا يزول البتة، فوجب أن لا تصحّ الحركة على الأجسام فيما لا يزال، هذا خلف. وإن لم يكن من لوازم الماهية أمكن زواله وتكون الحركة عليه جائزةً، وقد أبطلناه.
الوجه الثاني2: السكون أمر ثبوتي على ما يأتي، فلو كان ذلك السكون قديماً امتنع زواله، لأنّه3 إن كان واجباً لذاته فظاهر، وإن كان ممكناً استند إلى واجب موجب دفعاً للدور والتسلسل4 وقدم5 فعل المختار، لكن التالي باطل، لأنّا نشاهد عدم السكون في الفلكيات والعنصريات معاً ولا جسم إلاّهذين.
ولأنّ الأجسام متماثلة6، فإذا صحّ على بعضها الحركة صحّ على الجميع.

1 . «له» ساقطة في ق.
2 . أُنظر الوجه الثاني في معالم أُصول الدين:42.
3 . «لأنّه» ساقطة في ق.
4 . «و التسلسل» ساقطة في ق.
5 . ق:«قد».
6 . قال الرازي:«و من أراد تعميم الدلالة فلابدّ له من بيان تماثل الأجسام».و اعترض عليه الطوسي وقال: «إنّ الدليل إن صحّ دلّ على امتناع وجود مالا ينفك إمّا عن الحركة أو عن السكون، سواء كان ذلك شيئاً واحداً أو أشياء متماثلة أو مختلفة، ولو ثبت اتّفاق الاتصاف بهما أزلاً لشيء لا يخلو عنهما لثبت حدوث ذلك الشيء كيف ما كان». نقد المحصل:196و203.

صفحه 84
و لأنّ الجسم إمّا بسيط أو مركّب من البسائط، وكلّ بسيط فانّ مقولة الوضع له غير واجبة، لأنّه إذا لاقى بأحد طرفيه جسماً صحّ على طرفه الآخر تلك الملاقاة، وإنّما يمكن ذلك بالحركة، فصحّت الحركة عليه.1 وكذا المركب من البسائط فانّه يصحّ على كلّ واحد منها ذلك، والقديم لا يمكن عدمه، فالسكون ليس بقديم.
الوجه الثالث2: كما أنّ ماهية الحركة تستدعي المسبوقية بالغير، كذا السكون يستدعي المسبوقية بالغير، لأنّه عبارة عن الحصول الثاني في الحيز الأوّل، فانّ أوّل حصول الجسم في المكان لا يكون سكوناً فإذا لبث فيه آناً ثانياً سمي حينئذ سكوناً. فماهية السكون تستدعي المسبوقية بالحصول الأوّل في المكان; لأنّ الحصول الثاني مسبوق بالحصول الأوّل، والأزلية تنافي المسبوقية بالغير، فالسكون ليس بأزلي.
فثبت أنّ الجسم يمتنع أن يكون أزلياً. وهذا الدليل قريب من الأوّل.
فإن قيل هذه الدعوى متناقضة3، لأنّه لا أوّل لإمكان العالم، وإلاّ لكان قبله إمّا واجباً أو ممتنعاً ثمّ انقلب ممكناً، وهو باطل; لأنّ الإمكان للممكن ضروري، فيكون العالم قد كان ممتنع الاتصاف بالإمكان ثمّ صار واجب الاتصاف به فجاز أن يكون العالم ممتنع الاتصاف بالوجود ثمّ اتصف بوجوبه، فيلزم نفي الصانع.

1 . فالجسم الذي هو ممسوس يمينه، وجب أن يصحّ كونه ممسوساً يساره، وبالعكس.ولا يمكن حصول هذا المعنى، إلاّ بحركة تلك الأجزاء. راجع المطالب العالية4:294.
2 . ذكره الرازي في المطالب العالية4:265.و قال أيضاً:«واعلم أن بتقدير أن يكون السكون عبارة عن عدم الحركة، فانّه لا يصحّ هذا الدليل، لأنّ زوال العدم الأزلي جائز بالاتّفاق، إذ لو لم يجز ذلك، لبطل القول بحدوث الأجسام ».نفس المصدر:282.
3 . راجع نقد المحصل:196;المطالب العالية4:266.

صفحه 85
و لأنّه لو جاز الانتقال من الامتناع إلى الإمكان لجاز في شريك الباري، والجمع بين الضدين، وإذا لم تكن لإمكان العالم بداية كان القول بامتناعه في الأزل متناقضاً لهذا.
و أيضاً إن فسر الحدوث بالمسبوقية بالعدم وأُريد السبق الذاتي لم يقتض الحدوث والسبق بالعلّة والمكان، والشرف منفي هنا، وبالزمان يقتضي قدمه; لأنّ ذلك السبق إذا لم يكن له أوّل وكان مفهومه يقتضي تحقّق الزمان لم يكن للزمان أوّل، فهو قديم فمحلّه وهو الحركة قديم فمحلّها وهو الجسم قديم1، فتفسير الحدوث يوجب العدم، وهو تناقض.
وإن فسر بالمسبوقية بوجوده تعالى، فإن أُريد السبق بالعلية أو بالطبع أو بالشرف فمسلّم، والمكان منفي والزمان يقتضي قدمه.
سلمنا، لكن لا نسلّم أنّ الجسم لو كان قديماً لكان إمّا متحركاً أو ساكناً، لأنّ ذلك فرع حصول الجسم2 في المكان، وهو منفي، لأنّ المكان إن كان معدوماً لزم حصول الموجود في المعدوم، وهو محال. وإن كان موجوداً لزم أن يكون له مكان إن كان جسماً لصحّة الحركة عليه ويتسلسل، ولو صحّ فالموجود حاصل، لأنّ تلك أجسام فتقبل الحركة وهي الانتقال من مكان إلى مكان، فلكلّ الأجسام مكان ليس بجسم لخروجه عن كلّ الأجسام، وإن لم يكن مشاراً إليه لم يكن مكاناً، لأنّ المكان هو الذي يتحرك عنه وإليه فإليه إشارة.
سلّمنا، لكن لا نسلم أنّ الأزلية تنافي حركات بغير نهاية وإن نافت حركةٌ حركة منها. ولأنّ كون ماهية الحركة مركّبة من جزء سابق وجزء لاحق ينافي دوامها في ضمن أفرادها المتعاقبة لا إلى أوّل، وهو المعنى بكونها أزلية.

1 . ق:«القديم».
2 . «الجسم» ساقطة في ق.

صفحه 86
ولا نسلّم أنّ المجموع فعل للمختار، لأنّ الموجَب قد يتخلّف عنه الأثر إمّا لفوات شرط أو لحضور مانع، فلِمَ لا يجوز أن يقال: المؤثر في وجود هذه الحوادث موجب بالذات، إلاّ أنّ كلّ حادث يتقدم تقدمه1 شرط لأن يصدر عن العلّة الموجبة حادث ا خر بعده؟
سلّمنا أنّه فعل المختار، لكن لا يجب حدوثه، لأنّوجود الحادث وصحّة تأثير المؤثر فيه ممكن أبداً، لاستحالة انتقاله من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، وإذا كان كلّ منهما ممكناً2 أزلاً كان تأثير القادر في الأثر أزلاً جائزاً.و ليس في الأزل شيء من الحركات الجزئية بل القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد الجزئية وهي ليست مسبوقة بغيرها، ولم يلزم أن يكون لكلّ الحركات الجزئية أوّل.
واجتماع العدمات إن عنيت به في حيز ما، فهو ممنوع; لأنّه ما من حيز يفرض إلاّو ينتفي واحد منها فيه لوجود الحركة التي هي عدمها ضرورة تعاقب تلك الحركات لا إلى أوّل.
وإن عنيت به أنّه لا ترتب في بدايات تلك العدمات كما في بدايات الوجودات، فلا يلزم من اجتماع بعض الموجودات معها محذور.
والجملة الناقصة لا تنقطع من المبدأ، وإنّما يكون الشيء مع غيره كهُوَ لا مع غيره لو كانت أفراد الناقص مثل أفراد الزائد، كما في مراتب الأعداد من الواحد إلى مالا يتناهى إذا أطبقنا إحدى الجملتين على الأُخرى.
و انقضاء مالا نهاية له محال، أمّا انقضاء مالا بداية له ففيه النزاع.
اعترضه الشيخ3 بسؤال واقع وهو أنّ توقّفه على انقضاء مالا نهاية له يفهم

1 . كذا،و في نقد المحصل:«متقدم فتقدمه»، ص 198.
2 . «ممكناً» ساقطة في ق، والصحيح ما أثبتناه من ج ونفس المصدر.
3 . راجع شرح الإشارات3:136. ونقله الرازي بقوله:«اعترض الخصم فقال...» المطالب العالية 4:275.

صفحه 87
منه أمران، أحدهما: أن يفرض الحادث ومالا يتناهى معدومين في وقت من الأوقات، ثمّ يفرض توقّف وجود الحادث بعد ذلك الوقت على وجود مالا يتناهى بعده ولا شكّ في استحالته. والثاني: أن لا يفرض وقت يكون الحادث ومالا يتناهى معدومين فيه لكن لا يوجد الحادث إلاّإذا وجدت أفراد لا تتناهى على التعاقب قبله، وهو نفس النزاع; فإنّ مالا يتناهى إنّما يستحيل وجوده بشرطين: وجود أفراده دفعة والترتب العقلي أو الوضعي بينهما، وباعتبار الشرط الأوّل جاز ترتّب الحوادث إلى مالا يتناهى، وباعتبار الثاني جاز وجود نفوس غير متناهية.
سلّمنا انّها لم تكن متحركة، فلِمَ لا تكون1 ساكنة؟
وامتناع الحركة عدمي لا يعلل.
ويرد عليكم في امتناع العالم أزلاً، فانّه إن كان لازماً للماهية استمر الامتناع أبداً، وإن لم يكن لازماً اعترفتم بجواز أزلية العالم.
ولا نسلّم كون السكون ثبوتياً.
سلّمنا، لكن لا نسلّم افتقاره إلى المؤثر، لأنّ علّة الحاجة الحدوث فلا يمكنكم بيان افتقار هذا السكون إلى المؤثر إلاّإذا بيّنتم حدوثه، لكنّكم فرّعتم حدوثه على هذه المقدمة، فدار.
سلّمنا، لكن نمنع امتناع عدم القديم; فانّ قدرته تعالى أزلية، وبعد الايجاد عدمت لاستحالة تحصيل الحاصل.و القدرة2 على إعدامه ثمّ إيجاده غير مفيدة، لأنّ كلامنا في تعلق القدرة بالايجاد ابتداءً.
و لأنّه تعالى عالم في الأزل بأنّ العالم معدوم، فإذا وجد زال العلم الأزلي.

1 . ق:«يجوز».
2 . دفع دخل مقدّر وهو أن يقال:إنّه تعالى بعد الايجاد قادر أيضاً بأن يعدم ثمّ يوجده مرّة أُخرى. وأجاب عليه بانّ كلامنا في تعلّق القدرة ابتداءً ]وما ذكرتموه تعلّق آخر[.

صفحه 88
والجواب: لا بداية لإمكان حدوث العالم، ولا يلزم ]منه[ صحّة كونه أزلياً، كالحادث إذا أخذ مشروطاً بكونه مسبوقاً بالعدم سبقاً زمانياً، فانّه لا أوّل لصحّة وجوده مع هذا الشرط، وإلاّ انتهى في فرض التقدم إلى حيث لو وُجِدَ قبله بآن كان أزلياً، وهو محال. ومع أنّه لا بداية لهذه الصحّة لا يلزم صحّة كونه أزلياً، للتنافي بين الأزلية وسبق العدم بالزمان، فكذا هنا.
و تقدم عدم العالم على وجوده، وتقدّم وجود الباري تعالى عليه1 كتقدّم بعض أجزاء الزمان على البعض.
ولا حاجة لنا أن نفسر2 المكان، لأنّ السكون هو كون الجسم مماساً لغيره باقياً على تلك المماسة، والحركة زوال تلك المماسة وحدوث مماسة أُخرى لغير المماس الأوّل.
لا يقال: لِمَ لا يجوز أن يقال: العالم في الأزل كان جسماً واحداً والحركة والسكون بالتفسير الذي ذكرتموه لا يفرض إلاّ عند حصول الجسمين.
لأنّا نقول: بيّنا أنّ الواحد يستحيل إنقسامه، فلما صار منقسماً علمنا عدم وحدته أزلاً.
قوله:«الأزلي نوع الحركة لا شخصها».
قلنا: هذا باطل. أمّا أوّلاً، فلامتناع وجود النوع منفكاً عن شخص. وأمّا ثانياً، فلأنّ الحركة ماهيتها بحسب نوعها مركّبةٌ من أمر تقضّى ومن أمر حصل، فماهيتها متعلّقة بالمسبوقية بالغير، وماهية الأزلية منافية له، والجمع بينهما محال.
قوله:«لِمَ لا يجوز أن يكون المؤثر موجباً ويكون كلّ سابق شرطاً لوجود

1 . أي على وجود العالم.
2 . ج:«إلى تفسير» بدل«أن نفسر».

صفحه 89
اللاحق عن ذلك الموجب».1
قلنا:سيأتي إبطاله عند إثبات القادر.
والقديم لا يجوز أن يستند إلى المختار، لما تقدّم.2
وقد بيّنا إمتناع قدم الكلي ، وإلاّ لكان جزئي مّا قديماً لامتناع تحقّقه إلاّ في جزئياته، ولا شيء من الجزئيات بقديم، واجتماع العدمات أزلي بمعنى انّه لا أوّل له فإن لم يكن شيء من الحركات الجزئية كذلك فالجميع حادث.
والجملة الناقصة إنّما تنقطع من المبدأ، لأنّا أخذنا الجملتين من المنتهى الواحد، فيظهر التفاوت في الطرف الآخر بالضرورة.
والمراد من الانقضاء أنّه لا يوجد اليوم حتى توجد أُمور غير متناهية على التعاقب وتنقضي، وهذا محال، فيكون وجود اليوم محالاً.
وقول الرئيس باطل، لاستحالة توقّف وجود الحادث على انقضاء مالا يتناهى بالمعنيين معاً، والتسلسل باطل مطلقاً على ما يأتي.
والمراد بامتناع الحركة وجوب السكون; لأنّ كلّ ما امتنع على الجسم أن يصير مماساً لجسم آخر وجب أن يبقى مماساً للأوّل، والسكون لما كان عبارة عن المماسة الباقية والمماسة ثبوتية، لانّها مبصَرة محسوسة، ولا شيء من المحسوس بعدمي. ولأنّها نقيض اللا مماسة العدمية.و لأنّه من نوع مقولة الوضع.
قوله:«يلزم في صحّة العالم».3
قلنا: العالم معدوم فلا يصحّ عليه الحكم بالصفات الثبوتية، والسكون هنا

1 . مرّفي ص 86.
2 . راجع ص 21.
3 . في نقد المحصل:«يلزمكم هذا في صحّة العالم»:200.

صفحه 90
ثبوتي لما تقدم; ولأنّه مساو للحركة في الحقيقة والحركة ثبوتية فالسكون ثبوتي.
قوله:«علّة الحاجة الحدوث».
قلنا: تقدّم بطلانه.
وقدرة اللّه تعالى وعلمه باقيان لا يعدمان، بل التعلق الإضافي.1
قال أفضل المحقّقين: يجب بيان ماهية الأزل حتى يتصور2 معنى قوله: «لو كان الجسم أزلياً لكان في الأزل إمّا متحركاً أو ساكناً».
وقد فسّر بعض المتكلّمين الأزل بنفي الأوّلية. وفسّره بعضهم باستمرار الوجود في أزمنة مقدّرة غير متناهية في جانب الماضي. ولا شكّ في أنّ كلّواحدة من الحركات لا تكون أزلية على أيّ تفسير يفسّر به الأزل، إنّما الكلام في مجموع الحركات التي لا أوّل لها، فانّه يمتنع منافاة الأزلية لوجود حركة قبل حركة لا إلى أوّل.
والجواب: بأنّ«ماهية الحركة بحسب نوعها مركّبة من أمر تقضّى وأمر حصل، فإذن ماهيتها متعلقة بالمسبوقية بالغير وماهية الأزلية منافية]لها[» ليس بمفيد; لأنّ النوع باق مع الأُمور المنقضية والأُمور الحاصلة.ولا حجّة على أنّ ذلك النوع مسبوق3 بالعدم في كلامكم، وماهية الحركة يمكن أن توصف بالدوام وأشخاصها لا تمكن، وتبين من ذلك أنّ المركّب من أمر تقضّى ومن أمر حصل يرجع إلى أشخاصها لا إلى نوعها، فإذن نوعها لا ينافي الأزلية. ويلزم4 شيء آخر،

1 . جواب على قوله:«تعلّق قادريّة اللّه تعالى بإيجاد العالم، وتعلّق علمه بانّ العالم سيوجد قديم، وقد عُدِمَ بعد وجود العالم ». راجع نقد المحصل:200.
2 . في المصدر: «يتقرّر».
3 . في المصدر:«مساوق».
4 . في المصدر:«يلزمه».

صفحه 91
لأنّه فسّر الحركة بالحصول في حيز بعد الحصول في حيز آخر، فليس هو نفسالحصول وحده، بل يجب أن يقترن به معنى بعدية الحصول السابق، وهو إضافي، والإضافيات غير ثبوتية عنده. وقد أطلق القول بوجود الحركة فلزم1 كونأحد جزئي ماهيتها معدوماً، فلا يكون القول بوجودها على الإطلاق صحيحاً.
قوله في بيان امتناع أزلية الحركة:«كلّ الحركات2 تحتاج إلى موجد مختار» فغير بيّن بنفسه، ولم يذكر عليه دليلاً.و قد يلوح من كلامه عند الاعتراض عليه أنّه إنّما قيد الموجد بالمختار، لتخلّف الحركة عنه وامتناع تخلف المعلول عن العلّة الموجبة. لكن لو سلّم له هذا لسلّم في كلّ واحد من الحركات. أمّا المجموع أو النوع فلم يثبت كونهما متخلفين عن مؤثرهما حتى يمكن الاستدلال بالتخلف على كون الموجد مختاراً.
و تعليل الوجود بالعدم وإن كان ممتنعاً، لكن اشتراط الوجود بالعدم غير ممتنع، فإنّ عدم الغيم شرط في إضاءة وجه الأرض من الشمس، وعدم الدسومة شرط في انصباغ الثوب من الصبغ.
وقوله: في امتناع كون الجسم في الأزل ساكناً: «إنّ صحّة الحركة تتوقف على صحّة وجود الحركة في نفسها وقد تقدّم استحالتها». يقال له قد تبيّن فيما مرّ إمكان استمرار نوع الحركة في الأزل، فبطل أصل الدليل. وأيضاً امتناع الحركة لا يكون لذاتها، وهو عدمي، والعدمي عنده لا يكون علّة ولا معلولاً ولا مضافاً، لأنّ الإضافة عدمية عنده أيضاً، فلا تكون لازماً، لما مرّ، وهو أنّ اللزوم من غير اعتبار العلية والمعلولية غير معقول.

1 . ق:«فلزمه».
2 . ق:«حركة».

صفحه 92
وقوله:«المماسة نقيض اللا مماسة العدمية» فإنّ المماسة والمباينة1 إضافتان2، ولا شيء من المضاف عنده بثابت; والسكون ليس إضافياً، فلا يصحّ تفسيره بالإضافيات.
و قوله:«السكون إن كان أزلياً وكان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجب، إلى آخره» إنّما يتم بعد تسليم كون السكون ثبوتياً، لو امتنع كون كلّ شرط مشروطاً بشرط آخر قبله لا إلى نهاية.
ولا حاجة إلى تساوي الأجسام3; لأنّ الدليل إن صحّ دلّ على امتناع وجود مالا ينفك، إمّا عن الحركة أو عن السكون سواء كان ذلك واحداً أو أشياء متماثلة أو مختلفة. ولو ثبت امتناع4 الاتصاف بهما أوّلاً5 لشيء لا يخلو عنهما ليثبت حدوث ذلك الشيء كيف كان.
وقوله: «إمكان وجود العالم لا أوّل له فامتناعه في الأزل مناقض له». وجوابه عنه: «إنّه لا بداية لإمكان حدوث العالم لكن أزليته مع فرض الحدوث محال». زاد في الجواب لفظ الحدوث لتصحّ له المغالطة، وكان من الصواب أن يقول: الإمكان الذاتي والامتناع بالغير لا يتناقضان. وإنّما يمتنع وجود العالم أزلاً مع إمكانه، لاستناده إلى فاعل مختار، أو لغير ذلك ممّا يقتضي حدوثه.
وقوله في الجواب عن الوجه الثاني من المناقضة، وهو أنّ سبق عدم الجسم على وجوده يقتضي قدم الزمان:«إنّ ذلك كتقدم بعض أجزاء الزمان على بعض». ليس بوارد عند خصمه; لأنّه يقول: التقدّم والتأخّر يلحقان الزمان لذاته وغيره

1 . في المصدر: «المسامتة»: نقد المحصل:202.
2 . في المصدر: «إضافيتان».
3 . جواب على قوله:«من أراد تعميم الدلالة فلابدّ له من بيان مماثلة الأجسام». نفس المصدر:196.
4 . في المصدر: «إتّفاق».
5 . في المصدر:«أزلاً».

صفحه 93
به، فتقدم العدم على الوجود يحتاج إلى زمان يقعان فيه، لعدم دخول الزمان المقتضي للتقدم والتأخر في مفهومهما. وأمّا بعض أجزاء الزمان يتقدم على البعض الآخر، لكون التقدم والتأخّر داخلين في مفهومهما.
وقوله في جواب انّ العالم ليس في مكان، فلا يكون متحركاً ولا ساكناً:«فانّا1 إذا فرضنا جوهرين متماسين عنينا بالسكون بقاءهما على ذلك الوجه، وبالحركة زوالهما عنه». تفسير جديد للحركة والسكون بما لا يفيده، فانّ ذلك القول يقتضي أنّ الجسم الواحد لا يكون متحركاً ولا ساكناً. وأيضاً أنّ الجسم إذا تحرك كانت أجزاؤه ساكنةً لبقائها على المماسة. وأيضاً لمّا كان العالم عنده عبارة عن جميع الأجسام ولا يمكن أن يكون معه جسم آخر فلا يكون متحركاً ولا ساكناً وإن كانت أجزاؤه متحركةً وساكنةً، وحينئذ يبطل أصل الدليل. ومن قَبْل فسَّر الحركة والسكون بالحصول في الحيز.
و«كون المكان أمراً عدمياً حتى يكون الجسم في أمر عدمي»2 غير ممتنع.
و أسقط3 كون المكان حالاً في متحيز، وكأنّه قال: يمتنع أن يكون ذلك المتحيز غير العالم، لأنّه حينئذ لا يجوز أن يكون داخلاً، لامتناع كون المكان داخلاً في المتمكن; ولا يجوز أن يكون خارجاً، لأنّ خارج العالم لا متحيز، ويمتنع أن يكون ذلك المتحيز هو ا لعالم، لاقتضائه الدور، فانّ العالم يكون فيه، وهو في العالم.

1 . في المصدر:«بانا».
2 . قال الطوسي:«و ادّعى]الرازي[ أنّ ذلك محال ولم يأت فيه بحجّة. ولعلّه قال ذلك، لأنّه تخيل أنّه قول بكون الموجود معدوماً وذلك محال. واعتراضه ذلك باطل، لأنّ ذلك يقتضي كون الجسم في مكان هو أمر عدمي، وليس ذلك بممتنع». نقد المحصل:204.
3 . قال الطوسي:«وقد وقع هاهنا، في النسخ التي وقعت إلينا، ترك ذكر امتناع كون المكان حالاً في متحيز...» نفس المصدر.

صفحه 94
وجوابه: أنّ الدور يلزم لو كانت لفظة «في» بمعنى واحد، لكنّها هاهنا تدل بالاشتراك على شغل الحيز وعلى القيام بالمحل، فلا دور.
ولا يلزم من كون المكان جسماً افتقاره إلى مكان لصحة الحركة عليه، فيلزم عدم نهاية الأجسام; لأنّ اللازم منه إمّا الانتهاء إلى جسم لا تصحّ عليه الحركة، أو وجود أجسام لا نهاية لها.1
وفيه نظر، فانّ الأزل كما ينافي حركة شخصه كذا ينافي وجود حركة قبلها حركة إلى مالا يتناهى، لاستحالة استمرار شخص مّا منها، فاستحال استمرار الكلي لما عرفت من أنّ الكلي لا يوجد إلاّ مشخصاً.
و منه يظهر أنّ النوع يجب أن يكون مسبوقاً بالعدم، ثمّ ماهية الحركة النوعية إذا تركبت من أمرين أحدهما سابق على الآخر لم يجز أن يقال: إنّ تلك الماهية باقية مع السابق واللاحق، وليس المرجع في تركبها من أمر تقضّى وأمر حصل إلى تركب أشخاصها، بل ماهية الحركة من حيث نوعها وشخصها إنّما تعقل مع التقدم والتأخر، لأنّها ماهية إنّما تحصل يسيراً يسيراً لا دفعة.
و تفسير الحركة بالأمر الإضافي تفسير للشيء بلازمه وهو غير مستبعد، كما يفسر الإنسان بأنّه الذي يمشي على قدميه.
و مجموع الحركة لا يجوز أزلياً لتركبه من الحوادث ونمنع سبق المركّب على أجزائه وكذا النوع على ما عرفت، فقد تخلفا عن مؤثرهما.
والشروط العدمية إنّما هي شروط لأُمور اعتبارية هي العلية.
واستمرار نوع الحركة قد بيّنا امتناعه في الأزل، فلم يبطل أصل الدليل.
والعدمي علّة لمثله.

1 . انتهى كلام الطوسي في نقد المحصل:201ـ205. مع تصرفات من المصنف.

صفحه 95
وقد تقدّم تفسير الغير الإضافي بالإضافي على معنى التفسير بالعوارض.
ووجود مالا يتناهى من الشروط محال، كما استحال وجود علل غير متناهية، والمحال إنّما يلزم من فرض الحدوث لما سبق من إمكان العالم بالنظر إلى ذاته، ولا مغالطة فيه.
وقد سبق امتناع تقدّم بعض أجزاء الزمان على بعض لذاته، وإلاّ يوجد مالا يتناهى من الآنات واقتضى اختلاف أجزاء الزمان بالماهية، أو عدم الأولوية مع ثبوتها.
وتفسير السكون والحركة تبعاً للمماسة وعدمها ليس تفسيراً جديداً، بل هو من لوازمهما على ما تقدم، ويصحّ كون الجسم الواحد متحركاً وساكناً بهذا التفسير، على معنى أنّ الجسم لو ضامّه غيره لكان إمّا باقياً على مماسته أوّلاً وأجزاء المتحرك الظاهرة متحركة وكذا الباطنة، لأنّها لو كانت ظاهرة لخرجت عن المماسة للخارج.ومنه يظهر حركة العالم وسكونه، على أنّ قولنا: العالم إمّا متحرك أو ساكن يشير بذلك إلى كلّ فرد من أفراده. والضرورة قاضية بأنّ الحركة عن الشيء وإليه وقبوله للإشارة يمنع من كون ذلك الشيء عدمياً.
والدور ظاهر، لأنّ قيام العرض بالمتحيز موقوف على حصول المتحيز في مكانه.
وكون المكان جسماً مستلزم للمحال، لاستلزامه كذب الكلية الصادقة، وهي أنّ كلّ جسم في مكان وأنّه قابل للحركة وتناهي الأجسام.

صفحه 96

الوجه الثالث

في بيان الحدوث 1

أن نقول: العالم ممكن، وكلّ ممكن محدث، فالعالم محدث.2
أمّا الصغرى، فلوجوه:3
الوجه الأوّل: العالم إمّا أن يفسر بأنّه كلّ موجود سوى اللّه تعالى، أو أنّه

1 . راجع الكتب التالية: الفارابي، الجمع بين رأيى الحكمين: 58(العالم حادث عند أفلاطون وأرسطو، ومن قال انّ أرسطو يقول بقدم العالم مخطئ); الرازي، المسائل الخمسون:20(الدليل الثاني على أنّ الأجسام محدثة); وهذا الوجه هو المسلك الثاني من أدلّة حدوث الأجسام في نهاية العقول للرازي; المطالب العالية4:318; كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد:145; قواعد المرام في علم الكلام:59(البرهان الثالث من البحث الأوّل من الركن الثاني); شرح المواقف7:227(المسلك الرابع); مير داماد، القبسات:27(القبس الأوّل).
2 . هذا هو الطريق الثالث من المتكلمين في إثبات الصانع. والطريقان الأوّلان (1. عدم خلو الجسم من الحوادث 2. الجسم في الأزل إمّا متحرك وإمّا ساكن) يدلان بالذات على حدوث الأجسام، ويستلزم حدوثُها حدوثَ الأعراض، فدلالتهما عليه بالعرض. ولم يدلاّ على حدوث الجواهر المجردة، لو قلنا بها. وهذا البرهان يدل على حدوث كلّ ممكن، سواء أكان جسماً أو عرضاً أو جوهراً مجرداً من النفوس والعقول. ولهذا البرهان عموم باعتبار كثرة نتائجه، فانّ الأوّلَين يدلاّن على ثبوت الصانع تعالى، وهذا البرهان يدل على ثبوته ووجوبه. كشف الفوائد:146.
3 . والرازي ذكر ثلاثة منها في المباحث المشرقية، حيث قال:«ثمّ للذين احتجوا على أنّ العالم ممكن ثلاثة أُمور...»2:469.

صفحه 97
عبارة عن السماء والأرض وما بينهما1، وعلى كلا التفسيرين فانّه قد اشتمل على كثرة بالضرورة، ولا شيء من واجب الوجود بمشتمل على كثرة، وإلاّ لكانت متشاركة في الوجوب ومتباينة بخصوصياتها ومابه الاشتراك غير ما به الامتياز، فوجوب كلّواحد منها مغاير لنفسه2، فإمّا أن تكون بين وجوبه وتعينه ملازمة أو لا، فإن كان التعين مقتضياً للوجوب كان الوجوب معلولاً، فيكون ممكناً، إنّما يوجد عند صيرورته واجباً بعلته، فإذا كانت علّته واجبة، فلو كان وجوب تلك الأشياء معلولاً لتلك التعينات لكانت تلك التعينات واجبة قبل كونها واجبة، ويتسلسل، أو يكون الوجوب مقتضياً للتعين، فكلّواجب فهو ذلك المتعين فما ليس بذلك المتعين لا يكون واجباً، فلا يتعدد الواجب. وإن لم تكن بينهما3 ملازمة لم يمكن اجتماعهما إلاّ لعلّة مغايرة، فكلّواحد من تلك الأشياء متعلقة بآخر فيكون ممكناً، فكلّواحد منها ممكن. فالأُمور الكثيرة لا تكون واجبة، والعالم ليس بواجب لذاته، فهو ممكن.
الوجه الثاني: وجود العالم زائد على ماهيته، فهو ممكن.
أمّا الصغرى، فلانفكاكهما في التصور. ولاشتراكها في الوجود وتباينتها بالماهية، فتغايرا.
أمّا الاشتراك في الوجود:

1 . واختلفوا في التفسير الثاني، فقال بعض : يراد به جملة ما يعقل ومالا يعقل في السماوات والأرض وما بينهما. وقال بعض آخر: يراد به ما يعقل خاصة، فالعالمون هم الملائكة والجن والإنس، واحدهم عالم.
وقد يطلق لفظ العالمَ بالمعنى العام على جميع ما هو موجود في الزمان والمكان، أو على كلّ ما وجوده ليس بذاته من حيث هو كل. راجع الشرفي، شرح الأساس الكبير1:281; صليبا، تاريخ الفلسفة العربية:229(مسألة قدم العالم).
2 . نهاية العقول: «لتعينه».
3 . أي بين الوجوب والتعين .

صفحه 98
فلبقائه حال زوال اعتقاد الخصوصيات.
ولأنّ السلب واحد فمقابله كذلك1، لانتفاء الواسطة بين النقيضين.
و لقبوله التقسيم إلى الواجب والممكن، ومورد التقسيم مشترك.2
و لأنّ الحاكم بعدم اشتراكه إنّما يحكم على وجود واحد، فلولا اشتراكه لم يعم الحكم بعدم الاشتراك كل وجود.
و لأنّ العلم باشتراكه ضروري.و لهذا لو كرر الشاعر الوجود في جميع قوافيه حكم العقلاء بتكريره، بخلاف اللفظ المشترك.وإذا كان مشتركاً كان زائداً.3
لا يقال: جاز أن يكون الوجود جنساً.
لأنّا نقول:4 إنّه باطل، وإلاّ لاستحال تعقل الماهية مع الذهول عن

1 . قال الرازي في إبطال القول بالاشتراك اللفظي في وجود الواجب والممكن:«إنّ بديهة العقل حاكمة بأنّ الوجود لا يقابله إلاّ العدم، وإنّ العدم لا يقابله إلاّ الوجود، فوجب أن يكون الوجود مفهوماً واحداً، كما أنّ العدم مفهوم واحد، حتى يصحّ ذلك التقابل بينهما». المطالب العالية1:291; المباحث المشرقية1:113.
2 . وقال أيضاً:«إنّ الوجود يصحّ تقسيمه إلى الواجب وإلى الممكن والجوهر والعرض، ومورد التقسيم مشترك بين كلّ الأقسام». المصدر نفسه. راجع أيضاً مناهج اليقين:10.
3 . قال الرازي:«إنّ واحداً من الشعراء لو ذكر شعراً وجعل قافية أبياته الوجود أو الثبوت أو الحصول، يقضي عقل جميع العقلاء بأنّ تلك القافية مكررة. ولو أنّه ذكر شعراً وجعل قافية أبياته لفظ العين إلاّ أنّه أراد بهذا اللفظ في كلّ بيت معنى غير المعنى الذي أراده في البيت الآخر يقضي عقل كلّ عاقل بأنّ القافية غير مكررة في المعنى، وذلك يدل على أنّ صريح عقول العقلاء قاضية بأنّ معنى الحصول والوجود والتحقّق معنى واحد في الكل». المطالب العالية1:292.
4 . قال الرازي:«لا يجوز أن يكون ]الوجود[ جنساً لها» ثمّ استدل بستة أُمور. المباحث المشرقية1:118.
و ذكرها المصنف في المجلد الأوّل، ص41 ـ 42. وقال ابن سينا:«الوجود لا يدخل في المفهومات ألبتة دخول مقوّم أيّ جزء، فإن دخل في مفهوم شيء ففي مفهوم الأوّل فقط. والجنس لا يدخل في مفهوم ماهية واحدة فقط، بل أقلّه في ماهيّتين». المباحثات:248(الرقم :728).

صفحه 99
الوجود لكونه جزءاً.
و لكان الباري تعالى مركّباً، فيكون ممكناً.1
ولكان للوجود وجود آخر; لأنّ الفصل مقوّم للجنس في وجوده.
و لانّ الوجود إن افتقرت طبيعته إلى المحل وهو جزء الجوهر فالجوهر مفتقر إلى المحل فيكون عرضاً، وإلاّ كان العرض غنياً عن المحل لكون جزئه غنياً، وهذه الملازمة ممنوعة.
و لأنّه مقول بالتشكيك، ولا شيء من الجنس كذلك، لأنّ ما به التفاوت إن كان معتبراً في تحقّق الماهية امتنع تحقّقها بدونه، وإلاّ لم يكن جزءاً، وبتقدير صحّته لا يقدح في المطلوب; لأنّ الماهية وإن كانت مركّبة من الوجود وما به الامتياز إلاّ أنّ الوجود خارج عمّا به الامتياز، وهو كاف في بيان الإمكان.
و لأنّا ندرك تفرقة بين الجوهر موجود وبين الجوهر جوهر، فالوجود زائد2، فهو إن استقل بذاته ولم يعرض لغيره لم يكن شيء من الوجودات عارضاً لماهية، فإمّا أن لا تكون ماهيةٌ ما موجودة ألبتة أو يكون وجودها عينها. وإن كان عارضاً للمحل توقف تحققه عليه فيكون ممكناً فله مؤثر، فإن كان نفس ماهيات الممكنات لزم التسلسل; لأنّ الشيء إنّما يكون سبباً لو كان موجوداً، فلو كانت ماهيةٌ علّة لوجودها كان لها وجود سابق ويتسلسل، وبتقدير صحّته فالمقصود حاصل، لأنّه إن كان هناك وجود لا واسطة بينه وبين الماهية لم يكن تأثير الماهية في ذلك الوجود بواسطة وجود آخر، فيكون المؤثر في الوجود غير موجود، وإن لم يكن كان ذلك

1 . قال المصنف:«وفيه نظر; لأنّ البحث ليس إلاّ في الوجود الممكن». المجلد الأوّل، ص 41.
2 . قال الرازي في الاستدلال على زيادة الوجود على ماهيات الممكنات:«لو كان الوجود نفس الماهية لكان قول القائل الجوهر موجود مثل قوله الجوهر جوهر، وبالجملة لا يكون الحمل والوضع هاهنا إلاّفي اللفظ، ولما لم يكن كذلك علمنا أنّ الوجود مغاير للجوهرية». المباحث المشرقية1:112.

صفحه 100
اعترافاً بأنّ تلك الماهية غير مقتضية لشيء من الوجودات، ولمّا ثبت أنّ علّة وجود الماهية ليس نفس تلك الماهية فلابدّ لها من علّة أُخرى.
الوجه الثالث: من مشاهير الفلاسفة تركّب الجسم من المادة والصورة1، وكلّ مركب مفتقر في تحققه إلى كلّ واحد من جزئَيه فيكون ممكناً، فالجسم ممكن. ولأنّ كلّ واحد من جزئيه ممكن، لافتقار الصورة إلى المحلّ الذي هو الهيولى، والهيولى لا يمكن إنفكاكها عن الصورة، وليست علّة لها لأنّها قابلة، فنسبتها إليها بالإمكان، فلو كانت مؤثرة لكانت نسبتها إليها بالوجوب، فالواحد نسبته إلى الواحد بالوجوب والإمكان معاً، هذا خلف. وإذا لم تكن علّة للصورة وثبت امتناع خلوها عنها كانت محتاجة في وجودها إلى الصورة، فهي ممكنة.
لا يقال:الصورة محتاجة إلى الهيولى المعينة،و الهيولى تحتاج إلى مطلق الصورة، فلا دور. أو يقال: الهيولى حينما احتاجت الصورة إليها لا تكون محتاجة إلى تلك الصورة، بل إلى صورة سابقة عليها، فانّ الصورة لا تحتاج إلى الهيولى إلاّ في حدوثها، فانّه لولا حدوث الاستعداد التام في الهيولى لم تحدث الصورة وحينما تصير الهيولى مستعدة لحدوث تلك الصورة لم تكن متقوّمة بتلك الصورة، بل بصورة سابقة عليها، فاندفع الدور.
الوجه الرابع: قد بيّنا أنّ الكائنية زائدة على الجسم وأنّه يمتنع أن يكون شيء من الأجسام المعينة يلزمه شيءمن الكائنيات المعينة، فالجسم والكائنية متلازمان ليس أحدهما علّة للآخر; لأنّ الجسم لو كان علّة للكائنية لامتنع انفكاك ذلك الجسم عن تلك الكائنية، وقد سبق بطلانه. وظاهر أنّ الكائنية ليست علّة للجسم، وإذا ثبت ذلك فالجسم محتاج إلى الكائنية احتياجاً لو قدرنا ارتفاعها ارتفع الجسم، وكلّ ما كان كذلك كان ممكناً لذاته فالجسم ممكن لذاته،

1 . هذا هو المتَّفق عليه بين الحكماء. المباحث المشرقية2:46.

صفحه 101
فالأعراض المحتاجة إليه أولى بالإمكان، فإذن العالم ممكن.
وأمّا الكبرى، فلأنّ الممكن لا يترجح وجوده على عدمه ]إ[لا1 لمؤثر2، وذلك المؤثر يمتنع أن يكون موجباً، لما تقدم أنّ كلّ عرض يصحّ ثبوته فانّه يصحّ ثبوته في آخر، ونسبة الموجب المجرّد إلى كلّ الأجسام واحدة، فلم يكن بأن يختص بعض الأجسام بقبول بعض الصفات منه أولى من الباقي، فإمّا أن يجتمع كلّ الصفات المتضادة في كلّ واحد من الأجسام، أو يخلو كلّ واحد منها عن كلّها، وهو محال. فثبت أنّ المؤثر ليس بموجب فهو مختار، وكلّ فعل لفاعل مختار فانّه محدث، فالعالم محدث.
و لأنّ كلّ ممكن مفتقر إلى المؤثر بالضرورة، وكلّ مفتقر إلى المؤثر محدث، لأنّ افتقاره إليه يمتنع أن يكون حال بقائه لامتناع إيجاد الموجود، فهو إمّا حال حدوثه أو حال قدمه، وعلى كلّ تقدير يجب حدوثه.
فإن قيل: لانسلّم أنّ العالم ممكن، وجاز أن يكون وجوب الوجود وصفاً سلبياً، والأشياء3 الكثيرة يجوز أن تشرك في قيد سلبي، فانّ كلّ ماهيتين بسيطتين اشركتا في سلب ماعداهما عنهما وهنا قد اشتركت الأشياء الكثيرة في قيد سلبي هو الوجوب وتختلف بتمام حقائقها، فلا يلزم التركيب.
وإنّما قلنا: الوجوب سلبي، لأنّه لو كان وجودياً لشارك باقي الموجودات في

1 . في النسخ:«لا »، أصلحناها طبقاً للمعنى.
2 . راجع المطالب العالية1:74(بيان انّ الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلاّ لمرجح). وقال الطوسي:«هذا حكم أولى وإن كان قد يمكن للعقل أن يذهل عنه ويفزع إلى ضروب من البيان، كما يفزع إلى التمثيل بكفّتي الميزان المتساويتين اللتين لا يمكن أن يترجح إحداهما على الأُخرى من غير شيء ينضاف إليها». شرح الإشارات3:121.
3 . نهاية العقول:«فالأشياء».

صفحه 102
الوجود وخالفها في حقيقته التي هي الوجوب، وما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز، فوجود وجوب الوجود مغاير لحقيقته، فاقتضاء حقيقته لذلك الوجود إن كان ممكناً كان الوجوب ممكناً، فيكون وجود واجب الوجود أولى بالإمكان; لأنّه إنّما هو واجب بهذا الوجوب، وهذا الوجوب يمكن زواله لأنّه ممكن، وإذا أمكن زواله خرج الواجب عن كونه واجباً، فيكون واجب الوجود ممكن الوجود، هذا خلف. وإن كان و اجباً كان للوجوب وجوب زائد ويتسلسل.
و لأنّه لو كان ثابتاً فامّا أن يكون نفس الحقيقة، وهو محال لإمكان حمله على الذات والمحمول مغاير لموضوعه. ولأنّ وجوب الواجب معلوم وحقيقته غير معلومة. ولأنّه وصف إضافي لا يعقل إلاّ عند نسبة أمرإلى آخر، والذات غير إضافية ،و إلاّلم تكن مستقلة بنفسها.
وبهذا يظهر أنّه ليس جزءاً من الذات، بل هو أظهر في الاستحالة، لأنّ الإضافي متأخر عن الذات والذات متأخر عن جزئها، فيدور.و لأنّ المتقوم بالإضافي لا يعقل أن يكون مستقلاً، فالذات لا يعقل كونها مستقلة، هذا خلف. ولأنّ كلّ مركب ممكن.
و ليس خارجاً عن الذات، وإلاّ لكان صفة عارضة لها فاحتاج إليها، فيكون ممكناً، والممكن إنّما يجب تبعاً لوجوب سببه، فيلزم أن يكون الواجب ممكناً لذاته واجباً لوجوب معروضه فقبل كلّ وجوب وجوب آخر للذات وله إلى غير النهاية. ولأنّ الممتنع يصدق عليه أنّه واجب أن لا يوجد، فالوجوب المحمول على اللا وجود لو كان ثبوتياً لكان المعدوم موصوفاً بالوصف الوجودي، وهو محال.
اعترض بأنّ قول الوجوب على وجوب العدم والوجود بالاشتراك اللفظي، وهو خطأ; لأنّ مفهومه واحد ولأنّ ذلك الوجوب الذي نضيفه إلى الوجود يمكننا

صفحه 103
إضافته إلى العدم.
سلّمنا كون الوجوب ثبوتياً، لكن نمنع إشتراكه، فجاز أن يكون المفهوم من كون كلّ منهما1 واجباً مغايراً للمفهوم من كون الآخر واجباً.
لا يقال: أدلّة إشتراك الوجود بعينها أدلّة اشتراك الوجوب.
لأنّا نقول: تلك الوجوه ضعيفة.
سلّمنا اشتراكها في الوجوب، لكن نمنع كون الهوية ثبوتية2 فجاز أن تكون عدمية، ومعناها أنّ كلّ واحد من الأشياء ليس هو الآخر، لأنّها لو كانت وجودية لكانت شخصية كلّ شخص مساوية لشخصية الآخر في مطلق حقيقة الشخصية، ولابدّلها من امتيازها عنها في كونها تلك ا لشخصية، فانّ شخصية كلّ شخص مغايرة لشخصية الآخر فتكون للشخصية شخصية أُخرى، ويتسلسل.
و لأنّ تلك الشخصية لو كانت وجودية لكان انضمامها إلى الماهية في الوجود الخارجي بعد دخول الماهية في الوجود، فلو توقف دخول الماهية في الوجود الخارجي على انضمام تلك الشخصية إليها دار.
و لأنّه لو كان التعين زائداً على الذات توقف اختصاص كلّ ذات به على تميزها عن سائر الذوات الموقوف على بعضها، وهو دور.
و لكان الواحد مركباً من الذات والتعين، وكلّ منهما من آخرين ـ هو وتعينه ـ وهلمّ جرّا، فالواحد أعداد غير متناهية، وهو محال، إذ الواحد لا يكون عدداً. وأيضاً كلّ كثرة ففيها واحد لكن ذلك الواحد له تعين، فليس الواحد

1 . نهاية العقول:«منها».
2 . أنكر المتكلّمون ثبوتية التعيّن واحتجوا بأُمور، ذكرها المصنف هنا والرازي في المحصل وأشكل عليها الطوسي في نقد المحصل:232(كلّ موجودين فلابدّ وأن يتباينا بتعينهما). راجع أيضاً شرح الإشارات3:48.

صفحه 104
واحداً.
ثمّ هذا التركب لازم في الواجب الواحد لوجوه:
الأوّل: كون الثلاثة فرداً والأربعة زوجاً واجب لذاته، ولزم التركيب المذكور.
قيل: هذا التركيب إنّما لزم من تعدد الواجب لذاته وليس بجيد، لأنّ اللوازم واجبة يمتنع انفكاكها لذاتها عن ملزوماتها في نفس الأمر وواجب الوجود لذاته واحد فيتشاركان في الوجوب الذاتي، ويلزم التكثير ، بل الوجه أنّ وجوب فردية الثلاثة وزوجية الأربعة لذاتها، وكيف لا وهي محتاجة إلى الموضوعات؟
الثاني: واجب الوجود لذاته يشارك الواجب لغيره في مسمّى الوجوب، ويباينه بتعينه.
الثالث: أنّه يشارك سائر الموجودات في الوجود ويباينها في تعينها.
ثمّ المركّب قد يكون واجباً لوجوب جزئيه معاً.
سلّمنا أنّ الهويّة ثبوتية، لكن نمنع التكثير في ذات كلّ واحد من تلك الأشياء الواجبة.
قوله:«إنّها متشاركة في الوجوب وهو يدخل في الذات، فتكون متشاركة في ذاتي ومتباينة بمقوماتها1 التي هي ثبوتية، والبديهة شاهدة بالتغاير بين ما به الاشتراك ومابه الامتياز فتقع الكثرة في ذات كلّ منهما».2
قلنا: إن اقتضى ذلك وقوع الكثرة في ذات كلّ واحد من تلك الأشياء اقتضى وقوع الكثرة في الواجب وإن فرض واحداً; لاشتراك الوجود وامتياز

1 . نهاية العقول: «بهوياتها».
2 . نهاية العقول:«منها».

صفحه 105
الواجب عن الممكن في خصوصية ذاته على ما قدمناه، فالتركيب لازم سواء فرض الواجب واحداً أو كثيراً.
سلمنا1، فلِمَ قلتم: إنّ الكثرة في ذات كلّ واحد من تلك الأشياء محال؟ وبين كلّ واحد من الجزئين ملازمة، فلا يكون أحدهما تابعاً كتلازم المضافين، كالأُبوة والبنوة، ولا معية وإلاّ لم يكذبا معاً بالذات، فلا تكون إضافات.
سلمنا التبعية، فجاز أن يكون ما به الاشتراك تابعاً لما به الامتياز.
وما ذكرتموه من امتناع كون الوجوب تابعاً معارض بأمرين:
الأمر الأوّل: ما مرّ من كون الوجوب إضافياً، والإضافة تابعة لغيرها.
الأمر الثاني: الوجوب بالذات يشارك الوجوب بالغير في أصل الوجوب لانقسامه إليهما ومورد التقسيم مشترك، فذلك المشترك إن كان مستقلاً والوجوب بالغير متقوم به والمتقوم بالمستقل بنفسه يجب أن يكون مستقلاً بنفسه، فالوجوب بالغير غني عن الغير فيكون الوجوب بالغير وجوباً بالذات، هذا خلف، وليس بجيد. وإن كان2 المشترك غير مستقل بنفسه والوجوب بالذات متقوم به والمتقوم بما لا يكون مستقلاً لا يكون هو أيضاً مستقلاً بنفسه بطريق الأولى، فالوجوب بالذات غير مستقل بنفسه، بل يكون حكماً تابعاً لغيره.
سلّمنا أنّ الوجوب لا يكون تابعاً للتعيّن، فجاز أن يكون التعين تابعاً له.
قوله:«يجب تحقّق ذلك التعيّن في كلّ موضع تحقّق فيه الوجوب، لامتناع انفكاك المؤثر عن الأثر».
قلنا: قد سبق في الدليل الأوّل النقوض على هذه القاعدة.

1 . انّ ذلك يوجب وقوع الكثرة في ذات كلّ واحد من تلك الأشياء.
2 . «كان» ساقطة في ق، وهو خطأ.

صفحه 106
وأمّا الوجه الثاني على إمكان العالم، فلا نسلم أنّ وجود العالم زائد على ماهيته.
قوله:«نعقل الماهية ونشك في وجودها».
قلنا: ينتقض بما ذكرناه في زيادة الكائنية. وبأمرين آخرين:
النقض الأوّل: يمكننا أن نعقل ماهية الوجود مع الشكّ في حصوله في الأعيان، فيكون للوجود وجود ويتسلسل.
لا يقال1: الشكّ في تحقّق الوجود في الأعيان بعد تصور ماهيته ليس شكاً في ثبوت وجود آخر له، بل في2 ثبوته للماهية وهو يقتضي المغايرة، وهو المطلوب.
وأيضاً الوجود وحده لا يعقل3 بالمعلومية، بل لابدّ وأن يتصور أوّلاً ما يكون الوجود وجوداً له، فالوجود وحده لا يمكن الحكم عليه بالوجود واللاوجود، بل المحكوم عليه بذلك الماهية.
لأنّا نقول: الأوّل: ضعيف; لأنّ حصول الشيء للشيء إنّما يكون بعد حصوله في نفسه، فالوجود مالم4 يتحصل أوّلاً لم يكن حاصلاً لغيره، وإذا كان كذلك ظهر الفرق بين حصول الوجود في نفسه وبين حصوله لغيره، ونحن بعد تصوّر ماهية الوجود يمكننا الشكّ في حصوله في نفسه، إذ لو كان نفس ماهية

1 . قال الرازي:«فإذن الشكّ في أنّ الوجود هل هو ثابت ليس شكاً في ثبوت وجود آخر له بل هو شكّ في أنّه هل هو ثابت لماهيّته أم لا؟ وذلك يقتضي أن يكون مغايراً لذلك الأمر الذي هو ثابت له، وهذا هو الذي تمسكنا به ابتداءً في إثبات هذا المطلوب». المباحث المشرقية1:116.وأجاب عليه في نهاية العقول.
2 . ق: «هو في ».
3 . نهاية العقول:«يستقل».
4 . ق:«لا» بدل «مالم»، وهو خطأ.

صفحه 107
الوجود هي نفس تحصلها في الأعيان، وكون الماهيات ماهيات أُمور ممتنعة التبدل، فحينئذ يكون كون الوجود حاصلاً في الأعيان أمراً ممتنعاً عن الزوال1 لما هوهو فيكون كلّ واحد من الوجودين واجباً لذاته، وهو يبطل ما ذكرتموه.
والثاني: ضعيف أيضاً، لأنّ الوجود الذي للسواد إمّا أن تكون ماهيته ممتازة عن ماهية السواد، فيستقيم الالزام; لأنّ تلك الماهية إن كانت محصلة في الخارج كان للوجود وجود آخر ويتسلسل، وإن لم تكن محصلة كان وجود الموجود معدوماً، فيكون الموجود معدوماً. وإن لم يكن وجود السواد ممتازاً في ماهيته عن ماهية السواد كان وجود السواد نفس السواد،و هو يناقض أنّ الوجود زائد.
النقض الثاني: يمكننا أن نعقل حقيقة اللّه تعالى مع الذهول عن وجوده، فيكون وجوده زائداً على حقيقته، وهو باطل عندكم.2
قوله في الوجه الثاني على زيادة الوجود:«الماهيات مشتركة في الوجود»3 ممنوع.
قوله:«اعتقاد الوجود باق عند تبدل اعتقاد الخصوصيات».4
قلنا: ينتقض بالماهية، فإنّا إذا اعتقدنا ماهية فانّ ذلك الاعتقاد لا يتبدل عند تبدل اعتقاد كونها جوهراً أو عرضاً، فيكون كون الماهية ماهية وصفاً زائداً على حقيقتها وتكون مشتركاً فيه بين الماهيات، وهو باطل لوجهين:
الأوّل: ماهية الشيء متحققّة عند فرض قطع النظر عن جميع صفاتها، فلوكان كون الماهية ماهية صفة له لزم أن لا تبقى الماهية عند فرض زوال تلك الصفة، وهو محال; لأنّ تحقّق الصفات متوقف على تحقّق الموصوف، فلو توقف

1 . نهاية العقول:«التبدل».
2 . لقولكم:إنّ كلّ ما كان كذلك فهو ممكن محدث.
3 . مرّ في ص 97 ـ 98.
4 . مرّ في ص 97 ـ 98.

صفحه 108
تحقّق الموصوف على تحقّق شيء من الصفات دار.
الثاني: كونه ماهية لو كان أمراً زائداً عليه فذلك الزائد مخالف لسائر الماهيات بحقيقته المخصوصة ومشاركاً لها في كونه ماهية من الماهيات، فيكون كون ذلك الزائد ماهية زائداً عليه أيضاً، ويتسلسل.
سلمنا سلامة ما ذكرتموه من النقض، لكن نقول: قولكم«إنّ اعتقاد وجود موجود لا يتبدل عند تبدل اعتقاد الخصوصيات كالجوهرية والعرضية» إن أردتم بوجود الجوهر أو العرض نفس كونه جوهراً أو1 نفس كون العرض عرضاً، فمعلوم أنّ هذا الاعتقاد يتبدل عند تبدّل اعتقاد الجوهرية أو العرضية. وإن عنيتم بوجود الجوهر والعرض أمراً زائداً على جوهريته وعرضيته كان دليلكم مبنياً على كون وجود الجوهر زائداً على جوهريته، والدليل الذي يبتني صحته على صحّة المطلوب يكون باطلاً.
قوله في الوجه الثاني في بيان اشتراك الوجود:«إنّه مقابل للسلب والسلب واحد».2
قلنا: إن عنيتم بالسلب المقابل للثبوت أنّ تحقّق كلّ ماهية يقابل لا تحقّق تلك الماهية فصحيح ، لكن لا يلزم منه كون الماهيات متشاركة في الثبوت المطلق.وإن عنيتم به أنّ هنا ثبوتاً عاماً مشتركاً بين كلّ الأشياء الثابتة، وأنّ ذلك الثبوت العام مقابل للسلب العام فهو بناء على عام3 مشترك، وهو المتنازع فيه أوّلاً، فيكون الدليل هنا مبنياً على المطلوب.
لا يقال : السلوب غير متخالفة، وإلاّ لكان لكلّ واحد منها في نفسه

1 . نهاية العقول:«و».
2 . راجع ص 98.
3 . نهاية العقول:+«ثبوت» قبل «عام».

صفحه 109
خصوصية وتعين، ولا معنى للوجود1 إلاّذلك فيكون كلّ من السلوب وجودياً، وهو محال. وإذا تساوت السلوب في مفهوم السلبية وجب أن يقابلها ثبوت عام، وإلاّ لم يكن المقابل لذلك السلب العام ثبوتاً عاماً واحداً بل أُموراً كثيرة،و ذلك يبطل انحصار القسمة في الطرفين.
لأنّا نقول: إنّكم تصفون السلوب بالكثرة والعدد2، ثمّ مع ذلك لا يلزم كونها ثبوتية، فلِمَ لا يجوز وصفها بالكثرة النوعية وإن لم تكن ثبوتية؟
و لأنّ قولهم: السلوب لا اختلاف فيها كاذب، فإنّ عدم العلّة والشرط يقتضيان عدم المعلول والمشروط، وعدم غيرهما لا يقتضيه، وعدم الضدّ مصحح لوجود الضدّ بخلاف غيره، فلولا اختلاف السلوب وإلاّ لما كان كذلك.
ولأنّ هذا الوجود الذي جعلتموه مقابلاً للعدم المطلق إن كان من قسم الثبوت فقد شارك غيره من الأُمور الثابتة في مطلق الثبوت ويمتاز عنها بخصوصيته التي له، فله ثبوت آخر ويتسلسل.و إن كان من قسم العدم المطلق كان وجود الوجود3معدوماً، وذلك متناقض. وإن خرج عن القسمين بطل دليلكم من أنّه لا واسطة بين النقيضين.
قوله في الثالث4: «الوجود مورد التقسيم بالواجب والممكن».
قلنا: إن عنيتم به أنّ حقيقة كلّ واحد من الأشياء يمكن أن يقال بأنّ كونه تلك الحقيقة إمّا أن يكون من الواجبات أو من الممكنات، فصحيح ولكنه يكون مورد التقسيم في كلّ شيء حقيقته المخصوصة. وإن عنيتم به أنّ هنا ثبوتاً عاماً

1 . نهاية العقول:«للموجود».
2 . نهاية العقول:«بالكثرة العددية».
3 . نهاية العقول:«الموجود».
4 . أي في الدليل الثالث على اشتراك الوجود المذكور في الوجه الثاني، ص 98.

صفحه 110
وهو مورد التقسيم، فإنّما يثبت بعد صحّة القول بثبوت عام، والنزاع ما وقع إلاّفيه. وينتقض أيضاً بالماهية حيث يجعل مورداً لهذه القسمة، فيقال: الماهية إمّا جوهر أو عرض فيلزم أن يكون كون الجوهر ماهية وكون العرض ماهية اعتباراً مشتركاً زائداً على حقائقها، وقد أبطلناه.
قوله في الرابع1: «الحكم بأنّ الوجود غير مشترك إنّما يتم لوكان مشتركاً».
قلنا:هذا يقتضي أن يكون الحكم بأنّ الماهيات2 المختلفة لا تكون مشتركة في ماهياتها، لا يصحّ إلاّ إذا كانت تلك الماهيات مشتركة فيلزم كون المختلفات غير مختلفات، وهو باطل، فكذا هنا.
قوله في الخامس3: «العلم بكون الوجود مشتركاً ضروري».
قلنا: ممنوع.
والتكرير لو جعل الوجود قافية أبيات4، فلزم أن يكون كون هذه الحقائق والماهيات حقائق وماهيات وصفاً مشتركاً زائداً عليها، وهو باطل.
سلّمنا دلالة ما ذكرتم على اشتراك الوجود، ولكن5 يعارضه ما ذكرناه في الوجه الأوّل من6 أنّ الجسمية7 يمتنع أن يكون مشتركةً بين الأجسام.

1 . أي في الدليل الرابع على اشتراك الوجود المذكور في الوجه الثاني، ص 98.
2 . ق: «الماهية»، وهو خطأ.
3 . أي في الدليل الخامس على اشتراك الوجود المذكور في الوجه الثاني، ص 98.
4 . العبارة كذا. وهي إشارة إلى قوله:«إنّ من جعل الوجود قافية لأبياته، فإنّ كلّ أحد يحكم عليه بالتكرير». وأجاب الرازي عنه في نهاية العقول هكذا:«قلنا: وكذا لو جعل الماهية قافية من قوافي أبياته، فانّهم يحكمون عليه بالتكرير، فيلزم أن يكون كون هذه الحقائق...».
5 . ج:«لكن ».
6 . في النسخ:«في»، أصلحناها طبقاً للسياق.
7 . في النسخ:«الجسم»، أصلحناها طبقاً للسياق والمعنى.

صفحه 111
قوله:«البديهة فرّقت بين قولنا: الجوهر جوهر وبين قولنا: الجوهر موجود».1
قلنا: فكذا2 فرّقت بين قولنا: الجوهر جوهر والجوهر ماهية فيلزم أن يكون كون الجوهر ماهية زائداً عليه.و كذا فرّقت بين قولنا: الأسد أسد والأسد ليث، فيلزم أن تخرج للشيء بحسب كلّ اسم صفة.3 وفرّقت بين قولنا: الباري تعالى باري والباري موجود مع أنّ وجوده نفس ماهيته. ولأنّكم بيّنتم هذه الطريقة على أنّ كلّ ما كان وجوده زائداً عليه فانّه يكون ممكناً محدثاً، فكيف يمكن التزامه في حقّ الباري تعالى؟!
سلّمنا، لكن مَعَنا ما يدل على أنّ الوجود ليس زائداً4، وإلاّ لتوقف ثبوته للماهية على ثبوت الماهية في الخارج; لأنّ حصول الشيء للشيء فرع على ثبوت ذلك الشيء في نفسه، إذ مالا ثبوت له في الخارج يمتنع حصول غيره له خارجاً; لأنّ حصول غيره له إضافة للغير إليه في الخارج، وإضافة الغير إليه في الخارج بعد تحقّقه في الخارج، فحصول الوجود للماهية موقوف على كون الماهية موجودة، فيسبق5 الشيء نفسه أو يجتمع6 المثلان.وعلى هذا التقدير يكون الكلام في ذلك الوجود كالأوّل، ويتسلسل.
و بتقدير تسليمه لابدّ وأن ينتهي إلى7 وجود تكون الماهية قابلة له لما هي

1 . مرّ في ص 99.
2 . ق:«هكذا».
3 . أُنظر موارد النقض والجواب عليها في المباحث المشرقية1:113.
4 . راجع شرح المقاصد1:312.
5 . ق: «فسبق».
6 . ق:«مجتمع».
7 . ق:«على»، وهو خطأ.

صفحه 112
هي، فالقابل1 للوجود غير موجود، ويلزم المحال.
وأيضاً لو كان الوجود زائداً فإن كان ثابتاً تسلسل، وإلاّ كان وجود الموجودات معدوماً.
لا يقال: الوجود موجود لوجود2 هو نفسه.
لأنّا نقول: ماهية الوجود يصحّ أن تعقل مع الشكّ في تحصله3 في الخارج فتكون موجودية الوجود غير كونه موجوداً.
وأيضاً لو كان الوجود زائداً لصحّ أن تعقل الماهية محصلة في الأعيان مع الذهول عن وجودها أو بالعكس، فلما لم يصحّ ذلك علمنا أنّ الوجود نفس الماهية.
سلّمنا أنّ الوجود زائد، فلم قلتم: إنّه يلزم منه كون الماهيات ممكنة؟
قوله: «إمّا أن يكون الوجود محتاجاً إلى تلك الماهية أو غنيّاً» .
قلنا: يكون غنيّاً في ذاته عن الماهية، لكنّه لذاته يقتضي أن يكون مقارناً للماهية، فلا يكون الوجود في نفسه ممكناً; فانّ ذات الباري تعالى تقتضي صفاتاً ثابتة ولا يلزم من امتناع انفكاك ذاته عنها احتياج ذاته إليها4، بل ذاته غنية عن تلك الصفات ولكن حصول تلك الصفات له من لوازم ذاته، فكذا هنا يجوز أن يقال: الوجود غني في5 نفسه عن الماهية ولكن من لوازم الوجود وجوب مقارنته للماهية.

1 . ق:«و القابل».
2 . ق:«لموجود»، وهو خطأ.
3 . ق: «تحصيله».
4 . في النسخ:«إليه»، أصلحناها طبقاً للسياق.
5 . في النسخ:«عن»، أصلحناها طبقاً للمعنى.

صفحه 113
قوله:«المؤثر لابدّ1 وأن يوجد قبل وجود الأثر، فلو أثرت الماهية في وجودها كانت موجودة قبل أن تكون موجودة».
قلنا: نمنع تقدّم المؤثر على الأثر في الوجود، لوجوه:
الوجه الأوّل: دليلكم مبني على احتياج الممكن إلى مؤثر واجب، فذلك الواجب وجوده مساو لوجود غيره ـ لأنّكم بيّنتم اشتراك الوجودات2 بأسرها في الوجود ـ فذلك الوجود لابدّأن يقارن ماهية غيره لما يأتي، فإمّا أن يقال: بأنّ ذلك الوجود وإن كان مقارناً للماهية إلاّ أنّه غني عن المؤثر، أو يقال: المؤثر فيه نفس تلك الماهية أو شيء آخر؟ فالأوّلان إن كانا صحيحين، فلِمَ لا يجوز مثله في الأجسام والأعراض؟ والثالث يقدح في كون الواجب لذاته واجباً.
الوجه الثاني: الماهيات مقتضية للوازمها واقتضاؤها للوازمها3 لا يتوقف على الوجود، وإلاّ لكانت قبل الوجود خالية عن تلك اللوازم، فلا تكون تلك اللوازم لوازم الماهية مطلقاً، بل للوجود أو لشرط4 الوجود، وكلامنا في اللوازم المطلقة كزوجية الأربعة والمحاذاة للنقطة، ولمّا بطل ذلك ثبت أنّ اقتضاءها للوازمها لا يتوقف على الوجود، وهو يبطل ما ذكرتموه.
الوجه الثالث: قابلية الماهية5 الممكنة للوجود ليست مشروطةً6 بالوجود، وإلاّتسلسل، وإذا جاز أن لا تتوقف القابلية على الوجود جاز أن لا تتوقف المؤثرية عليه.

1 . «لابد» ساقطة في ق، وهو خطأ.
2 . نهاية العقول: «الموجودات».
3 . ق: «للوازم».
4 . ق: «بشرط»، وهو خطأ.
5 . «الماهية» ساقطة في ق.
6 . في النسخ: «ليس مشروطاً»، أصلحناها طبقاً للسياق.

صفحه 114
الوجه الرابع: كون الماهية قابلة للوجود حكم ثابت لا بالفاعل بل لذاتها. فإذن ذواتها قابلة للوجود، فتلك القابلية يكون المؤثر فيها ذات الماهية ولا يمكن أن يكون ذلك التأثير متوقّفاً على الوجود، وإلاّ دار، ولمّا بطل ذلك ثبت المطلوب.
قوله في الوجه الثالث على إمكان العالم:«الجسم مركّب من المادة والصورة»1 باطل عندكم، وقد بنيتم الطريقة الأُولى على إبطال ذلك. وإذا كان كذلك لم يكن بناء الحجّة عليها بناءً برهانياً بل إلزامياً، وهو غير مفيد.
سلّمنا، لكن لِمَ قلتم: إنّ الهيولى والصورة ممكنتان؟
وحلول2 الصورة لا يقتضي حاجتها; لجواز أن تكون الصورة غنية في ذاتها عن الهيولى، لكنّها اقتضت لذاتها المقارنة للهيولى.
سلّمنا3، فلِمَ قلتم: الهيولى محتاجة؟ وجاز أن تكون الهيولى علّة للصورة. والقبول لا ينافيه.4 لأنّ الفلاسفة عوّلوا على هذه المقدمة في صفاته5 تعالى، وأنتم قدحتم فيها وكشفتم عن فسادها، فكيف يمكنكم القول بها؟
قوله في الرابع:«الجسم ليس علّة الكائنية».6
قلنا: ممنوع.
ولا يلزم7 حصول كلّ جسم في ذلك الحيز، لما مرّفي الوجه الأوّل.

1 . راجع ص 100.
2 . جواب لقوله:«الصورة حالة في الهيولى فتكون محتاجة إليها».
3 . احتياج الصورة إلى الهيولى.
4 . جواب لقوله:«الهيولى قابلة للصورة، فلا تكون علّة لها».
5 . نهاية العقول:«نفي صفاته».
6 . راجع ص 100.
7 . جواب لقوله:«يلزم أن يكون كلّ جسم حاصلاً في ذلك الحيز».

صفحه 115
سلّمنا، فجاز أن لا تكون له حاجة إلى الكائنية، بأن تكون ذات الجسم تقتضي وجوب كونه تعالى مقارناً للكائنية بالمحلية; لأنّ الجسم لو احتاج إلى الكائنية المحتاجة إليه لكونها صفة، دار.
سلّمنا دلالة ما ذكرتم على إمكان العالم، لكن يعارض بأنّه لا ممكن هنا لدلائل سبقت.1
سلّمنا إمكانه، لكن جاز أن تكون الوجودية أولى فيستغني عن المؤثر.
سلّمنا تساوي العدم والوجود، لكن نمنع الافتقار إلى المؤثر على ما يأتي.2
سلّمنا، لكن متى يحتاج إلى المؤثر إذا كان محدثاً أو لا؟ م ع3، وحينئذ إنّما يمكنكم بيان احتياجه إلى المؤثر لوثبت حدوثه، وأنتم بنيتم حدوثه على احتياجه إلى السبب، فدار.
سلّمنا، فلِمَ لا يكون موجباً؟و لا نسلم تساوي نسبته إلى جميع الأجسام.4
سلّمنا، فلم قلتم: إنّه يلزم من تساوي نسبته إلى جميع الأجسام تساوي جميع الأجسام في قبول الأثر عنه؟
سلّمنا ، لكن ينتقض بالقادر، فانّ نسبته إلى المقدورين5 الضدين على السواء مع صدور أحدهما دون الآخر عنه.
سلّمنا أنّ المؤثر فاعل بالاختيار، فلِمَ لا يجوز أن يقال: إنّ ذاته موجب لوجود الأجسام وبالاختيار فاعل لصفاتها؟ فيقال6: هنا شيء يوجب وجود

1 . قال الرازي:«و ذلك سيأتي إن شاء اللّه في مسألة إثبات العلم بالصانع» نهاية العقول.
2 . قال الرازي:«و ذلك سيأتي إن شاء اللّه في مسألة إثبات العلم بالصانع» نهاية العقول.
3 . أي إذا كان محدثاً فهو مسلم،و إذا لم يكن محدثاً فهو ممنوع.
4 . جواب لما مرّ في الوجه الرابع، ص 101 (و نسبة الموجب المجرد إلى جميع الأجسام واحدة).
5 . في النسخ:«المقدرين»، أصلحناها طبقاً للمعنى.
6 . نهاية العقول:«أو يقال».

صفحه 116
الأجسام ويوجب وجود قادر يتولى تخصيص بعض1 الأجسام بصفاتها المخصوصة وأعراضها المعيّنة.
سلّمنا أنّ ]فاعل الأجسام [2 فاعل لها، فلِمَ قلتم: إنّه لا بدّ من حدوثها؟
و بيانه: ما سبق من أنّ احتياج الفعل إلى الفاعل ليس لأجل الحدوث.و لأنّ زوجية الأربعة وفردية الخمسة ممكنة لذواتها لاحتياجها إلى تلك الماهية فهي معلولة لها مع امتناع انفكاكها عنها.
ثمّ ينتقض دليلكم بكونه تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة، فإنّ علمه إنكان واجباً لذاته فقد وجد واجبان لذاتيهما وبطلت المقدمة الأُولى.و3 إن كانممكناً كان واجباً لوجوب ذاته، ولزم كون الأثر والمؤثر ذاتين وبطلت الثانية.
والجواب قوله:«لا نسلم أنّ الوجوب ثبوتي».4
قلنا: لأنّه يناقض اللا وجوب، والموصوف باللا وجوب إمّا المحال وهو معدوم، أو الممكن وهوجائز العدم. فإذن اللا وجوب إنّما يتّصف به المعدوم أو ما يجوز أن يكون معدوماً، وما كان كذلك امتنع أن يكون ثبوتياً، فانّ الوصف الثبوتي لا يحصل للمعدوم، فاللا وجوب عدمي فالوجوب ثبوتي ضرورة انقسام النقيضين في الثبوت والانتفاء.
ولأنّ المعقول من الوجوب استحقاق الوجود، والضرورة قاضية بأنّ

1 . ساقطة في نهاية العقول.
2 . أضفناها طبقاً للمعنى.
3 . ق:«أو»،و هو خطأ.
4 . راجع ص 101.

صفحه 117
استحقاق الوجود ثبوتي، كما قضت1 بأنّ حصول الجسم في الجهة ثبوتي بل هنا أولى، لأنّ حصول الجسم في الجهة انتساب مخصوص للجسم إلى الجهة، والجهة أمر تقديري لا وجود له، فإذا كان العلم الضروري هناك حاصلاً مع هذا الإشكال كان مع2 عدم الإشكال أولى.
قوله:«لو كان الوجوب ثبوتياً لكان ثبوته واجباً، فللوجوب وجوب آخر لا إلى نهاية».3
قلنا: هذا مشكل ويمكن دفعه بأنّ الوجوب واجب لوجوب هو ذاته، فانقطع التسلسل.
ولقائل أن يقول: بيّنا أنّ الوجوب لوكان ثبوتياً لكان وجوبه4 مغايراً للماهية5 ووجوب وجوده كيفية عارضة لانتساب وجوده إلى ماهية6، وهي مغايرة7 لنفس ماهيته.
قوله:«لو كان الوجوب8 زائداً فإمّا أن يكون تمام الماهية، إلى آخره».9
قلنا: يكون تمام الماهية; لأنّا إذا أخذنا الأشياء الممكنة مع وجودها صارت

1 . ق:«قضيت».
2 . ق: «هذا مع».و في نهاية العقول:«هنا مع».
3 . راجع ص 102 ـ 103.
4 . نهاية العقول: «وجوده».
5 . نهاية العقول: «لماهيته».
6 . نهاية العقول: «ماهيته».
7 . في النسخ:«هو مغاير»، أصلحناها طبقاً للمعنى، والمراد انّ الكيفية العارضة لانتساب وجوده إلى ماهيته مغايرة لنفس ماهيته.
8 . ق: «الوجود»،و هو خطأ.
9 . راجع ص 102.

صفحه 118
واجبة غير محتاجة، فإنّ المشي1 وإن كان ممكناً للإنسان لكن ثبوت المشي2 في زمان المشي3 واجب له، فإذا صار الممكن بشرط أخذ وجوده يصير واجباً فالواجد4 الوجود المجرّد عن كلّ ما عداه كان أولى بالوجوب فكان ذلك الوجوب هو تمام ذلك الوجود المجرّد، وقد كنّا تعقّلنا أنّه كيف يمكن أن يكون الوجوب تمام الذات الواجبة.و إذا عقل ذلك في الجملة بطل قولهم: الوجوب وصف إضافي.
و لقائل أن يقول: ماهية الوجوب إن كانت إضافية فحيث وجدت كانت مجرّد إضافة. اللّهمّ إلاّ إذا قيل: بأنّ الوجوب على الأشياء الواجبة باشتراك الاسم وهو يهدم أصل هذه الطريقة. وإذا لم تكن إضافية ، فهو باطل; لأنّا إذا قلنا: الشيء يجب اتصافه بكذا فمفهوم الوجوب هنا إضافة لا تعقل إلاّ5 عند تعقل المضافين، وإذا كان الوجوب هنا إضافة وجب أن يكون في جميع المواضع كذلك.
قوله: «لِمَ لا يجوز أن يكون وجوب كلّ شيء مخالفاً لوجوب الآخر؟».6
قلنا: دليل أنّ الوجود مقول بالسوية7 يدل على الوجوب كذلك.
ولأنّ المرجع في الاختلاف والتماثل إلى العقل، وكما يشهد بتساوي السوادين أو البياضين كذا يشهد في الوجودين بالتساوي في هذا القدر، ولو كان اختلاف لكان في غيره.8

1 . في النسخ:«الشيء» أصلحناها طبقاً للمعنى.
2 . في النسخ:«الشيء» أصلحناها طبقاً للمعنى.
3 . في النسخ:«الشيء» أصلحناها طبقاً للمعنى.
4 . ق:«للواجد».
5 . «إلاّ» ساقطة في ق، وهو خطأ.
6 . راجع ص 103.
7 . وأنّه ليس باشتراك الاسم.
8 . أي في غير مفهوم الوجود.

صفحه 119
قوله:«لِمَ قلتم بوجود التعين؟».1
قلنا: التعين جزء من المتعين والمتعين من حيث هو ذلك المتعين ثبوتي وجزء الثبوتي ثبوتي، فالتعين ثبوتي.
والتعيّن2 يتعيّن لذاته، فينقطع التسلسل.
ولقائل أن يقول: إن كان المراد من هذا الكلام أنّ ماهية مطلق التعيّن هو نفس تعيّن هذا المعيّن، فهو باطل; لأنّ هذا التعيّن شارك سائر التعيّنات في كونه تعيّناً وخالفها في خصوصية تلك التعيّنات، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز. وإن عنيتم به أنّ ماهية مطلق التعيّن غيرٌ وشخصية هذا التعيّن غيرٌ، فيكون تعيّن التعيّن مغايراً له وتسلسل.
قوله: «يتوقف انضمام التشخص إلى الحقيقة على وجودها في الخارج».3
قلنا: إذا عقل أن4 يتوقف اتصاف الحقائق بوجودها ولوازمها على وجودها الخارجي، فليعقل هنا كذلك.
و لقائل أن يقول: الإشكال المذكور متوجه أيضاً في الأمثلة المذكورة.
قوله:«لو لزمت الكثرة ممّا قلتموه لزمت الكثرة من مشاركة الواجب الواحد الممكن في أصل الوجود وامتيازه عنه بالحقيقة».5
قلنا: وجود الباري تعالى زائد على حقيقته عندنا ولا تركيب في حقيقته فلا تكون حقيقته ممكنة وهي مقتضية لوجودها، فلا يلزم الإمكان. والأجسام

1 . راجع ص 103.
2 . جواب لقوله:«يلزم أن يكون للتعين تعين آخر إلى غير النهاية».
3 . ويتوقف وجودها في الخارج على انضمام التشخص إليه فيلزم الدور». راجع ص 103.
4 . نهاية العقول: «أن لا».
5 . راجع ص 104.

صفحه 120
والأعراض مركّبات فهي ممكنة.1
قوله: «لِمَ قلتم: إنّ كلّ متلازمين فأحدهما محتاج إلى الآخر؟».
قلنا: لأنّ مقارنتهما إن كان لحقيقتهما فهما مضافان فاحتاجا إلى شيئين يكونان عارضين لهما فليس يمكن أن يكونا مقومين للواجب بذاته. وإن لم يكن لحقيقتهما فوجوب تلك المقارنة إن كان لوجودهما دار، أو لوجود أحدها فقط كان واجباً والآخر ممكناً معلولاً، أو لثالث لزم احتياج كلّ منهما إلى ثالث فلا يكون هو مجموعه2 ولا بأجزائه واجباً.
ولقائل أن يقول: لِمَ قلت إنّه لو وجب تقارنهما لذاتيهما كانا مضافين؟ نعم كلّ مضافين يجب تقارنهما لذاتيهما، والعكس الكلي3 غير معلوم.
قوله: «لِمَ لا يجوز أن يكون الوجوب تابعاً؟».4
قلنا: لِما مرّ.
والكلام على كونه وصفاً إضافياً تابعاً5، مرّ.
ولا نسلّم6 أنّ الوجوب بالغير مركّب ممّا به يشارك الوجوب بالذات ويمتاز عنه، وجاز أن يكون محتاجاً لا في كلّ أجزائه بل في بعضها.
ولا يجوز أن يكون التعيّن تابعاً للوجوب7 وإلاّ لتحقّق في صور الوجوب.

1 . فظهر الفرق.
2 . نهاية العقول: «بمجموعه».
3 . وهو أنّ كل ما يجب تقارنهما لذاتيهماكانا مضافين.
4 . راجع ص105.
5 . أي الوجوب وصف إضافي فيكون تابعاً.
6 . جواب لقوله:«القدر المشترك بين الوجوب بالذات وبين الوجوب بالغير إن كان غنياً عن الغير لزم أن يكون الوجوب بالغير غنياً عن الغير».
7 . لانّه يلزم من تحقّق حقيقة الوجوب تحقّق ذلك التعين. نهاية العقول.

صفحه 121
وقد سبق في الوجه الأوّل جواب الأسئلة عليه.
وأمّا الوجه الثاني: فدليل زيادة الوجود1 ـ وهو الشكّ مع تعقل الماهية ـ لا ينتقض بالوجود2; فإنّ الشكّ فيه ليس في أنّه موجود أم لا، لأنّ الوجود لا يقبل الوجود، وإلاّ لكان الحالّ مثل المحلّ، فليس أحدهما بالأصالة والمحلية أولى. ويلزم وجود الشيء مرّتين. ويكون الكلام في ذلك الوجود كالأوّل ويتسلسل. ولا العدم3; لأنّا لو قدّرنا عروض العدم للوجود وعروض ذلك الوجود للماهية فتكون الماهية موجودة بوجود معدوم، والضرورة تبطله. فالشكّ في الوجود شكّ في حصوله للماهية، وهو نافع في المطلوب.
ولا يلزم أن يكون حصول الوجود4 زائداً على الوجود; لأنّ حصول الشيء للشيء ليس زائداً، وإلاّ لكان هو حاصلاً لذلك المحلّ ويتسلسل، بل حصول شيء لشيء اعتبار ذهني، فظهر الفرق.
وحقيقته5 تعالى ليست معلومة، بل المعقول السلوب والإضافات. ثمّ لا ندري إذا عقلنا حقيقته هل يمكننا الذهول عن وجوده؟ فاندفع النقض.
قوله على الأوّل من أدلة الإشتراك في الوجود:«إنّه منقوض بالماهية».6
قلنا: كون السواد ماهيةً اعتبارٌ زائد على ذات السواد، والسواد من حيث إنّه سواد ليس إلاّ السواد، فانّ السواد حقيقة منفردة فإذا أخبرت عنها بشيء

1 . ق:«الوجوب»، وهو خطأ.
2 . أُنظر النقض في المطالب العالية1:303(الحجة التاسعة).
3 . أي لا يقبل العدم. وفي ق:«لعدم»، وهو خطأ.
4 . للماهية.
5 . جواب لقوله: «انّا نعقل حقيقة اللّه تعالى مع الذهول عن وجوده».
6 . راجع ص 107.

صفحه 122
فالمخبر به لا محالة مغاير في المفهوم للمخبر عنه، فإذا قلنا: السواد ماهية وجب أن يكون كونه ماهية مغايراً لكونه سواداً، وكيف لاو كونه ماهية مشترك بينه وبين غيره، وكونه سواداً ليس كذلك؟ بل كونه ماهية إمّا اعتبار سلبي أو ذهني غير منته إلى صفة خارجية، والوجود لا يمكن أن يكون كذلك، فظهر الفرق.
قوله:1«ما الذي يريدون بوجود الجوهر، نفس كونه جوهراً أو أمراً زائداً على كونه جوهراً؟».
فانّه يمكننا أن نعتقد أنّ اللّه تعالى خلق موجوداً هو جوهر، ثمّ يمكننا أن نعتقد أنّ ذلك الموجود الذي كنّا نعتقد فيه أنّه كان جوهراً ما كان كذلك بل كان عرضاً، ومن دفع إمكان ذلك فهو مكابر، ومعلوم بالضرورة أنّ الوجود الذي لا يتعيّن2 اعتقاد تحقّقه بخلاف اعتقاد كونه جوهراً أو عرضاً لابدّو أن يكون مشتركاً بين الجوهر والعرض، فحينئذ يعلم بالضرورة أنّ الوجود مشترك.
وما ذكرتموه من:«أنّ ذلك بناءً على كون الوجود زائداً»، فليس بل يلزم منه كون الوجود زائداً; لأنّ الأمر الذي ذكرنا معلوم بالضرورة قبل العلم بكونه زائداً أم لا.
قوله على الثاني:«سلب كلّ حقيقة يقابله ثبوته الخاص، وليس بين ذلك السلب وذلك الإيجاب واسطة، وإن ادعيتم ثبوتاً عاماً يقابل سلباً عاماً، فهو النزاع».3
قلنا: إذا قلنا السواد إمّا أن يكون موجوداً أو لا، لا نعني به أنّ4 السواد إمّا

1 . راجع ص 108.
2 . كذا، وفي نهاية العقول:«لا يتغير».
3 . راجع ص 108.
4 . ق: «أمّا»، وهو خطأ.

صفحه 123
أن يكون سواداً أو لا، لعدم فائدة هذه المنفصلة، فإنّ كلّ عاقل1 يعرف صدق أحد جزئيها وكذب الآخر، فبطل كون المرادمن التقسيم ما ذكرتموه، فبقى المراد منه التقسيم بالوجود العام والعدم العام.
قوله:«الوجود إمّا في قسم الثبوت أو لا».2
قلنا: في قسم الثبوت العام.
ولا يلزم التسلسل3; لأنّه إنّما يلزم لو ساوى الوجود المجرّد سائر الأُمور الموجودة في أصل الوجود وامتاز بوصف آخر حقيقي، وليس بل الوجود ممتاز عن سائر الموجودات بقيد عدمي، وهو أنّ الوجود المجرّد وجود ليس معه مفهوم آخر وسائر الموجودات وجودات يقارنها غيرها، وإذا كان الامتياز بعدمي فلا تسلسُل.
قوله على الثالث:«مورد التقسيم بالوجوب والإمكان نفس حقيقة كلّ شيء».4
قلنا: يبطل بما مرّ في الثاني.
ولا ينتقض بالماهية; لأنّ كون الشيء ماهية5 اعتبار عام مشترك ذهني بخلاف أصل الوجود الذي6 لا يمكن أن يقال : إنّه مجرّد اعتبار ذهني.

1 . ق:«فاعل»، وهو خطأ.
2 . راجع ص 109.
3 . جواب لقوله: «فعلى هذا التقدير يكون هو مساوياً لسائر الأُمور الثابتة في أصل الثبوت ولابدّ وأن يكون ممتازاً عنها باعتبار آخر فيكون للثبوت ثبوت آخر ويلزم التسلسل».
4 . راجع ص 109.
5 . ق: «ماهيته»، وهو خطأ.
6 . ق:«أن».

صفحه 124
قوله في الرابع: «لو كان الحكم بعدم اشتراك الوجود لا يعم إلاّ عند اشتراكه لكان الحكم على المختلفات بعدم الاشتراك لا يعمّ إلاّعند اشتراك المختلفات، وهو تناقض».1
قلنا: نمنع التناقض; لأنّ المختلفات مشتركة في كونها مختلفة، لأنّ الاختلاف حكم شامل لها، بل الاختلاف اعتبار ذهني لا حصول له في الخارج، أمّا الوجود فلا يمكن أن يكون كذلك، فظهر الفرق.
قوله في الخامس:«من جعل الماهية قافية2 أبيات قضية3 واحدة، حَكَم العقلاء عليه بالتكرير».4
قلنا: لأنّ المفهوم من كون الجوهر ماهية مفهوم مشترك بين كلّ الأُمور، ولكنّه اعتبار ذهني أو سلبي، بخلاف الوجود.
وكون5 الجوهر ماهية اعتبار ذهني زائد على نفس كونه جوهراً. وكذا الأسد مسمّى بالليث اعتبار إضافي وهو زائد، لكن لا وجود له في الخارج بخلاف نفس الوجود.و كون الباري تعالى موجوداً مشكل6، ويمكن دفعه، بأنّ المعقول من وجود الباري تعالى صفة إضافية وهي مغايرة لنفس وجوده تعالى.
قوله:«لو كان الوجود زائداً على الماهية لكان القابل للصفة الوجودية غير موجود».7

1 . راجع ص 110.
2 . في النسخ:«ماهية»، أصلحناها طبقاً لنهاية العقول.
3 . نهاية العقول:«قصيدة».
4 . راجع ص 110.
5 . جواب لقوله:«هذا منقوض بقولنا الجوهر ماهية، وبقولنا الأسد ليث، وبقولنا الباري موجود».
6 . وفي نهاية العقول:«فهو الإشكال العظيم».
7 . وهو محال. راجع ص 112.

صفحه 125
قلنا: لا نسلّم إمتناعه، فجاز أن يكون تعيّن الماهية من حيث إنّها ماهية كافياً في قابلية الوجود.
لا يقال: الماهية القابلة للوجود إذا لم تكن موجودة كانت معدومة، فالمعدوم موصوف بالوجود، وهو محال.
لأنّا نقول: اعتبار الماهية من حيث إنّها ماهية مغاير لاعتباركونها موجودة أو معدومة. وإسقاط الوجود عن درجة الاعتبار في القابلية للوجود لا يقتضي دخول اعتبار العدم، فانّ الماهية لا يمكن الحكم عليها بالإمكان عند اعتبار كونها موجودة; لأنّها حال وجودها لا تكون قابلة للعدم، فانّ العدم لا يحتاج أن يجامع الوجود، وكذا عند1 اعتبار كونها معدومة لا تكون قابلة للوجود. فإذن الماهية لا تتصف بالإمكان بشرط وجودها أو عدمها، بل إذا جردت عنهما. فإسقاط الوجود عن الاعتبار لا يوجب دخول العدم فيه.
قوله:«لو كان الوجود زائداً، فإن كان ثابتاً تسلسل».2
قلنا: ممنوع; لأنّ امتيازه بأمر سلبي.
قوله:«لو كان زائداً لصحّ أن تعقل الماهية حاصلة في الخارج مع الذهول عن وجودها».3
قلنا: معنى الوجود الحصول في الأعيان، فإذا عقلنا كون الماهية حاصلة في الأعيان فقد عقلناها موجودة، ولا يمكن الغفلة عنه.
قوله:«لِـمَ قلتم: إنّه إذا كان زائداً كان ممكناً؟».4
قلنا: لمامرّ من أنّ الوجود إن كان غنياً عن المحل استحال كونه عارضاً

1 . «عند» ساقطة في ق.
2 . راجع ص 112.
3 . راجع ص 112.
4 . راجع ص 112.

صفحه 126
لشيء من الماهيات.
قوله:«يجوز أن يكون غنياً عن المحل، ولكنّه يقتضي كونه مقارناً لتلك الماهية».1
قلنا: مقارنة الشيء لغيره ليست زائداً، وإلاّ لكان أيضاً مقارناً ويتسلسل.وإذا لم تكن المقارنة زائدة لم يمكن جعلها معلول ماهية المقارنة.
سلّمنا، لكن الشيء لمّا وجبت مقارنته لغيره فعند زوال ذلك الغير لابدّ وأن يزول ذلك الشيء، فحينئذ يكون ذلك بحيث يلزم من فرض عدم غيره فرض عدمه، وذلك ممّا تحقّق عليه الإمكان.
قوله:«لِمَ لا تكفي الماهية في اقتضاء الوجود؟».2
قلنا: مرّ دليله.
قوله:«معارض بالباري».
قلنا: هذا صعب على هذه الطريقة، وإنّما يدفعه أمران:
الأوّل: قول الوجود على الواجب والممكن باشتراك الاسم، ثمّ تبيّن أنّ وجود الممكنات زائد على ماهياتها بالوجه الأوّل والثالث لا بالثاني، ويمنع كون وجود الباري تعالى زائداًعلى ماهيته، ويقدح في الوجه الثاني.
الثاني: أن نقول: الوجود عليهما بالاشتراك المعنوي، لكن الوجود تمام حقيقته تعالى، وهو غير مقارن لشيء من الماهيات، وهي طريقة الفلاسفة.3

1 . راجع ص 112.
2 . راجع ص 115.
3 . قال الرازي:«و إنّها أضعف الطرق على ما سيأتي في مسألة إثبات العلم بوجود الصانع». نهاية العقول.

صفحه 127
قوله: «لِمَ لا يكون الجسم علّة الكائنية؟».1
قلنا: لما مرّ في الأوّل.
قوله:«لو احتاج الجوهر إلى الكائنية دار».2
قلنا: يجوز احتياج كلّ منهما إلى الآخر من وجهين مختلفين، فلا دور.
قوله:«لِمَ قلتم: إنّ نسبة المؤثر إلى كلّ الأجسام واحدة؟».3
قلنا: لأنّ المؤثر إن كان جسماً أو جسمانياً، فالكلام في وجوب اختصاصه بتلك المؤثرية من سائر الأجسام يعود بعينه. وإن لم يكن جسماً ولا جسمانياً والأجسام بأسرها قابلة للأثر الفايض4 عنه، فما5 لأجله اختص البعض بقبول ذلك الأثر عنه قائم في الكل، فوجب أن يقبل6 الكل ذلك.
قوله: «يجوز أن يكون المؤثّر موجباً لذوات الأجسام ومختاراً في إحداث صفاتها».
قلنا: الأجسام لا تخلو عن الأشكال والحصول في الأحياز، فلو كانت الأجسام قديمة والفاعل لأشكالها وتخصيصاتها بأحيازها فاعلاً مختاراً لكان ذلك المختار موجداً لتلك الأشكال والكائنيات في الأزل، والايجاد بالاختيار أزلاً محال بالضرورة، وهو بعينه جواب أن يكون موجباً للأجسام ولوجود قادر مختار، ثمّ إنّ ذلك القادر يخصص بعض الأجسام بصفاتها.

1 . راجع ص 114.
2 . راجع ص 115.
3 . راجع ص 115.
4 . ق: «القابض»،و هو خطأ.
5 . ق: «ممّا»، وهو خطأ.
6 . ق:«تعقل»، وهو خطأ.

صفحه 128

الوجه الرابع1

لو كان الجسم قديماً فقدمه لا يجوز أن يكون عدمياً، وإلاّ لكان الحدوث الذي يناقضه ثبوتياً، فإن كان الحدوث حادثاً تسلسل. ومحال أن يكون قديماً، لاستحالة أن يكون الوصف المحتاج ثبوته إلى ثبوت الحادث قديماً. ويستحيل أن يكون ثبوتياً، لاستحالة أن يكون عين الجسم، وإلاّ لكان العلم بهما واحداً فيكون العلم بقدمه ضرورياً، كما أنّ العلم بكونه جسماً ضروري.ولا زائداً عليه، لاستحالة أن يكون قديماً، وإلاّ تسلسل، ولا حادثاً، لاستحالة كون قدم القديم وصفاً ثبوتياً حادثاً، لأنّه غير معقول.
فإن قيل: الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأوّل:ما يتعلّق بالنظم، فنقول: إنّه غير2 منتج لوجوه:
الأوّل: الملازمة التي ادعيتموها ليست ثبوتية.
أمّا أوّلاً: فلأنّها إن كانت ملازمة للمتلازمين كانت ملازمتهما زائدة وتسلسل.3 وإن لم تكن ملازمة لهما لم تتحقق الملازمة أصلاً; لأنّ نفس الملازمة إذا

1 . راجع المطالب العالية4:320(الحجّة العاشرة); شرح المقاصد3:120.وهو المسلك الثالث في نهاية العقول.
2 . «غير» ساقطة في ق، وهو من إقحام الناسخ.
3 . والعبارة في نهاية العقول:«فلانّها إن كانت ثبوتية لكانت إمّا أن يكون ملازمة للأمرين اللّذين وصفتموهما بهذه الملازمة أو لا يكون، فإن كان الأوّل كان كونها ملازمة لذينك الأمرين زائداً على ذاتها فتسلسل».

صفحه 129
لم تكن لازمة للمتلازمين وجب انتفاء الملازمة بينهما.
وأمّا ثانياً: فلأنّكم ادعيتم أنّ قدم الجسم يستلزم كون القدم1 ثبوتياً أو عدمياً ثمّ أبطلتموهما، وبيّنتم عليّة2 ابطال قدم الجسم، والملزوم واللازم هنا عدميان والأُمور العدمية إذا كانت متعلقة بالملازمة لم تكن الملازمة صفة ثبوتية، لاستحالة أن يكون الوصف الثبوتي حاصلاً للموصوف المعدوم، فالملازمة ليست ثبوتية فهي عدمية.
ولا فرق بين ملازمة لا ثبوت لها وبين عدم الملازمة، إذ لو تميز عدم الملازمة عن الملازمة العدمية لكان في العدم تميّز وتعيّن، ولا معنى للوجود3 إلاّ ما كان كذلك، فلو وجد في العدم هذا المعنى لم يتميز العدم عن الوجود، وهو محال فوجب نفي الملازمة.
الثاني: الملازمة عبارة عن امتناع تحقّق الملزوم إلاّ عند تحقّق اللازم، وهو غير معقول; لأنّ الذي يحكم بتوقفه4 على تحقّق اللازم ليس هو ماهية الملزوم; لأنّ الماهية إمّا بسيطة والبسيط لا تعرض له الإضافة، لأنّ الإضافة لا تعقل إلاّ بين أمرين، فالواحد يستحيل عروض الإضافة له، وإذا امتنع عروض الإضافة امتنع عروض الإمكان الذي هو نوع منها، وإذا امتنع عروض الإمكان للبسيط امتنع توقفه على الغير، لأنّ التوقّف على الغير ليس إلاّ الحاجة والإمكان، وإذا استحال توقف البسيط على الغير استحال توقف المركّب الذي لا معنى له إلاّ مجموع أُمور كلّواحدمنها بسيط، على الغير. فتبين أنّ الماهية لا يمكن توقّفها على الغير سواء

1 . ق: «العدم».
2 . «عليّة» ساقطة في ق.
3 . نهاية العقول:«للموجود».
4 . ق: «موقعه»، وهو خطأ.

صفحه 130
كانت بسيطة أو مركبة وليس هو الوجود، لذلك أيضاً. وإذا ثبت ذلك كان الذي فرض ملزوماً غير متوقف الماهية والوجود أصلاً على الغير أعني اللازم، وإذا كان كذلك انقطع التلازم.
الثالث: مقتضى التلازم إمّا عدم الملزوم عند عدم اللازم أو وجود اللازم عند وجود1 الملزوم.
أمّا الأوّل، فانّه غير صحيح; لأنّ المعقول من الملازمة أن يكون وجود اللازم واجب الحصول عند وجود الملزوم، وذلك كيفية عارضة لوجودهما. فإذن تتوقف هذه الملازمة على ثبوت اللازم وثبوت الملزوم، ثمّ إذا حكمنا في المقدمة الثانية بعدم اللازم2 كان ذلك مناقضاً لدعوى اللزوم الذي لا يحصل إلاّ عند ثبوت اللازم، فعلمنا التناقض بين المقدمتين.
وأمّا الثاني، فباطل أيضاً; لأنّ دعوى كون الشيء ملزوماً لغيره دعوى لثبوت إضافة بين ذينك الشيئين، والحكم بثبوت الإضافة بين أمرين لا يمكن إلاّ بعد ثبوتهما فيتوقف حكمنا بتلك الملازمة على ثبوت المتلازمين، مع أنّ المطلوب هنا معرفة ثبوت اللازم3 فلا يعرف ثبوت اللازم إلاّ بعد معرفة ثبوت اللازم، فيدور.
الرابع: الشرطية إن ذكرت كلية استحال إرادة عموم الأشخاص، لأنّها قد تكون كلية ولا أشخاص لها، مثل:كلّما كان زيد عالماً فهو حي. واستحال إرادة عموم الأحوال، لأنّ الشرطية يمتنع أن تصدق كلية في عموم الأحوال، لأنّ4 من جملة الأحوال التي يمكن اعتبارها انتفاء الملازمة، فيمتنع حينئذ صدق اللزوم.

1 . ق: «دخول»، وهو خطأ.
2 . نهاية العقول: «التلازم».
3 . نهاية العقول: «الملازمة».
4 . «لأن» ساقطة في ق، وهو خطأ.

صفحه 131
وإن ذكرت مهملة فهي في قوة الجزئية والجزئية لا تنتج، إذ لا يلزم من كون الشيء لازماً لغيره في بعض الأحوال تحقّق اللازم لا محالة عند تحقّق الملزوم وانتفاء الملزوم عند انتفاء اللازم.
سلّمنا سلامته1، لكن لِمَ قلت: إنّه لو كان الجسم قديماً لكان قدمه إمّا ثبوتياً أو عدمياً؟
لا يقال: لا واسطة بين الثبوت والانتفاء.
لأنّا نقول: مورد التقسيم بالثبوت والإنتفاء ليس هو نفس الثبوت ولا الانتفاء; لأنّ مورد التقسيم لابدّ وأن يكون ثابتاً مع جملة الأُمور التي بها وقعت القسمة لكن الثبوت لا يجامع الانتفاء، فلا يمكن أن يكون مورد التقسيم بالثبوت أو2 الانتفاء هو الثبوت أو الانتفاء، ولما بطلا ثبت أنّ المورد مغاير لهما فتتحقق الواسطة بين الثبوت والانتفاء، فبطل الحصر.
الوجه الثاني: ما يتعلّق بالمقدمات، فنقول: جاز أن يكون القدم زائداً ويكون قديماً لذاته فلا يتسلسل، كتقدم الزمان لذاته وغيره به. وجاز أن يكون حادثاً. ولا تناقض، فانّ الأشعرية زعموا أنّ الجوهر باق ببقاء ممتنع البقاء، فإذا عقل ذلك فليعقل أن يكون الشيء قديماً بقدم غير قديم.
ثمّ يعارض بوجوه:
الأوّل: لو كان الجسم حادثاً فحدوثه إن كان عينه3 كان العالِم بالجسم عالماً بحدوثه بالضرورة، وإن كان زائداً فإن كان حادثاً تسلسل، وإن كان قديماً كان حدوث الحادث قديماً.

1 . أي سلامة النظم.
2 . نهاية العقول: «و».
3 . ق: «عينية»، وهو خطأ.

صفحه 132
الثاني: قدمه تعالى إن كان نفس ذاته لزم من العلم بذاته العلم بقدمه وليس كذلك، فانّا بعد معرفة وجوده نحتاج في علم قدمه إلى دليل مستأنف، وإن كان زائداً لزم التسلسل أو التناقض.1
الثالث: الحادث المستمر إن كان استمراره نفس ذاته فالعالِم بذاته عالم بمدة استمراره وليس2، أو زائداً عليه فإن كان مستمراً تسلسل، أو لا فلا يكون استمرار المستمر مستمراً، فجاز أن لا يكون قدم القديم قديماً.
والجواب: أمّا الأسئلة على نظم التلازم، فلا تستحقّ الجواب; لأنّها إن لم يلزم منها القدح في نظم التلازم لم يلزم الجواب، وإن لزم ثبتت الملازمة في الجملة فلا يسمع القدح في الملازمة بعده، لأنّه يكون متناقضاً.
ونفي الواسطة بين النفي والإثبات ضروري لا يمكن إثباته بالدلالة.
ومورد التقسيم بالنفي والإثبات شيء ثالث. ولا واسطة ; لأنّا لم نقل: الحقائق إمّا النفي أو الإثبات حتى يكون ثبوت حقيقة ثالثة قدحاً فيما قلنا، بل قلنا: إنّها لا تخلو عن النفي أو الإثبات، وكأنّا سلّمنا أنّ هنا حقائق كثيرة، إلاّ أنّا ادّعينا أنّ كلّواحد منها لا يخلو عن هذين، فلا يبطل الحصر بما ذكرتم.
لا يقال: وجدنا بعض الصور قد خلا الحكم بالنفي والإثبات فيها، فإنّا إذا قلنا: الموجود إمّا موجود أو لا فالقسمان باطلان3 بالاتّفاق، فانّه يمتنع4 سلب الشيء عن نفسه فكذب الثاني.و الأوّل كاذب لقضاء البديهة بأنّ المحكوم به مغاير للمحكوم عليه فيكون للموجود وجود آخر زائد عليه من حيث إنّه موجود،

1 . إن كان قديماً لزم التسلسل، وإن كان حادثاً لزم التناقض.
2 . أي وليس كذلك.
3 . في النسخ:«باطل»، أصلحناها طبقاً للسياق.
4 . ق:«يمنع».

صفحه 133
وهو باطل. و1 لأنّ من جعل الوجود نفس الماهية ينكر ذلك، ومن جعله زائداً أثبت للوجود وجوداً آخر، ولوحصل للماهية مع الوجود وجود آخر تسلسل، فثبت كذب النقيضين، وهو المطلوب.
لأنّا نقول: هذا تشكيك في الضروريات فلا يسمع.
قوله: «جاز أن يكون قدم القديم نفس ذاته».
قلنا: محال، لأنّ قدم الجسم إذا كان زائداً على الجسم كان ذلك الزائد مساوياً لذات الجسم في الاستمرار ومخالفاً له2في حقيقته المخصوصة ومابه الاشتراك غير ما به الامتياز فحقيقة القديم مغايرة لاستمرار وجود تلك الحقيقة، وهو يقتضي كون قدم القديم زائداً ويتسلسل.
قوله: «جاز أن يكون حادثاً».
قلنا: محال، لأنّ المعنى بالقدم الاستمرار من الأزل إلى الأبد وليس ذلك أُموراً كثيرة بل معقولاً واحداً ثابتاً في الأزل والثابت في الأزل يستحيل أن يكون حادثاً. وكون الجوهر باقياً ببقاء لا يبقى محال.
و الحدوث وصف عدمي فلا يلزم من العلم بنفس الجسم العلم به، بخلاف القدم فانّه ثبوتي.
وتحقيقه: أنّ الحدوث لا يتقرر إلاّ عند وجودحاصل وعدم سابق فجاز أن يكون العالِم بالوجود الحاصل جاهلاً بالعدم السابق، فلا يعلم الحدوث، أمّا القدم فهو عبارة عن نفي العدم السابق ونفي النفي إثبات.
وليس بجيد3 ،والباري تعالى قدمه نفس ذاته. ولا نسلم أنّا إذا دللنا على

1 . ساقطة في نهاية العقول.
2 . في النسخ:«لها»، أصلحناها طبقاً للسياق.
3 . العبارة كذا.

صفحه 134
وجوده وبعض صفاته فقد عرفنا حقيقته المخصوصة، بل تلك الحقيقة عندنا مجهولة.
ولقائل أن يقول: لمّا علمنا كونه قديماً مع جهل حقيقته لزم التغاير ويتوجه الإشكال.
والباقي إذا كان محدثاً فانّا لا نعرف مقدار مدّة بقائه إلاّ إذا عرف حدوثه في الزمان الذي حدث إمّا مقدّراً أو محقّقاً، ولمّا أمكن العِلم بوجوده مع الجهل بذلك الزمان الذي حدث فيه لا جرم كانت مدّة بقائه مجهولة، بخلاف القديم فانّ وجوده غير مختصّ بزمان دون زمان حتى يكون الجهل بشيء من الأزمنة قادحاً في الجهل بالقدم، فافترقا.

الوجه الخامس1

كلّ جسم متناه على ما تقدّم2 وكلّ متناه محدث، لأنّه يجوز عقلاً كونه أزيد وأنقص فاختصاصه بذلك القدر دون الزائد والناقص يحتاج إلى مرجّح مختار3 وإلاّ فقد ترجّح الممكن لا لمرجح، وفعل المختار محدث.

1 . راجع الرازي، المسائل الخمسون في أُصول الدين:21(الدليل الثالث); المطالب العالية4:314(الحجّة الخامسة).
2 . في المجلد الأوّل، ص 356 (البحث التاسع: في تناهي الأبعاد).
3 . ويمتنع أن يكون المرجح موجباً، لأنّ نسبة الموجب إلى جميع المقادير على السوية، فلم يكن كونه موجباً لمقدار معين أولى من كونه موجباً لغير ذلك المقدار. راجع المصدر نفسه.

صفحه 135

الوجه السادس1

لو كان الجسم أزلياً لامتنعت عليه الحركة، والتالي باطل بالحس، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ كلّ جسم فلابدّ له من حيّز معيّن يوجد فيه، لاستحالة حصوله لا في حيّز أو في كلّ حيز2، فلو كان الجسم أزلياً لوجب في الأزل أن يكون حاصلاً في حيّز معين لكنّه لو كان كذلك لامتنع زواله عنه لاستحالة عدم القديم فامتنعت الحركة عليه، لكنّها جائزة.
قيل: معنى الأزل3«الدائم لا إلى أوّل» فمعنى قولنا : لو كان الجسم أزلياً لكان في الأزل مختصاً بحيّز، أنّه لو كان دائماً لا إلى أوّل لكان حصوله في حيز معيّن واحد دائماً وهو معنى السكون، وهذا ممنوع، بل يكون دائماً حصوله في موضع معيّن إمّا عيناً أو على البدل، أي يكون في كلّوقت في حيّز معيّن غير الذي كان حاصلاً فيه قبله.
و يندفع4 ببطلان حوادث غير متناهية على ما سبق.

1 . راجع المصدر نفسه:313(الحجّة الرابعة). وقال الرازي: «هذا الدليل لا يتم أيضاً في الحقيقة، إلاّ عند الرجوع إلى دليل الحركة والسكون، إلاّ أنّه أقلّ مقدمات من ذلك الدليل».
2 . أو في حيز مبهم، لاستحالة حصول الجسم المعيّن في حيز مبهم.
3 . الأزل« Eternity»: دوام الوجود في الماضي، كما انّ الأبد دوامه في المستقبل. وقيل: هو اللامسبوقية بالغير، وهذا معنى ما قيل: الأزل نفي الأوّلية. وقيل: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدّرة غير متناهية في جانب الماضي. راجع كشاف اصطلاحات الفنون، مادة «أزل»; تعريفات الجرجاني:32; دستور العلماء1:77.
4 . ق: «فيندفع».

صفحه 136

المسألة الثالثة

في إبطال شبه 1 الفلاسفة

اعلم أنّ الفلاسفة ذهبوا إلى أنّ العالم قديم، واحتجوا عليه بوجوه:
الأوّل: العالم إن كان واجباً لذاته كان قديماً، وإن كان ممكناً فلابدّ له من مؤثر، فمؤثره إن كان حادثاً لزم أن يكون له محدِث فيكون من جملة العالم فإمّا أن

1 . الشبهة ما به يشتبه ويلتبس أمر بأمر، وربما يطلق على دليل الخصم. دستور العلماء2:196. والفرق بين الدلالة والشبهة فيما قال بعض المتكلمين: إنّ النظر في الدلالة يوجب العلم والشبهة يعتقد عندها انّها دلالة فيختار الجهل لا لمكان الشبهة ولا للنظر فيها، والاعتقاد هو الشبهة في الحقيقة لا المنظور فيه. الفروق اللغوية:52(الباب الثالث).
وقد استقصى المصنف شبه الفلاسفة هنا إلى اثنتين وعشرين شبهة، ونقل الرازي ست عشرة شبهة في نهاية العقول، فراجع.
و راجع أيضاً أنوار الملكوت في شرح الياقوت:37(المسألة الثالثة في شبه الخصوم والردّ عليها); شرح الأُصول الخمسة:115(الشبه التي تورد في قدم العالم); التوحيد للنيسابوري:284 (فصل في ذكر شبههم); شرح الإشارات3:131; نقد المحصل:205(بيان الفلاسفة في امتناع حدوث العالم); المطالب العالية4:45(من المقالة الثانية إلى المقالة الثانية عشر); الرازي، المسائل الخمسون:22; قواعد المرام:59; نهاية الاقدام في علم الكلام :30، وعبّر الشهرستاني فيه بـ«شبه الدهرية»; وعبّـر في الملل والنحل في ترجمة برقلس بـ «شبه برقلس»، حيث قال:«إنّ القول في قدم العالم وأزلية الحركات بعد إثبات الصانع والقول بالعلّة الأُولى إنّما ظهر بعد أرسطوطاليس، لانّه خالف القدماء صريحاً وأبدع هذه المقالة على قياسات ظنّها حجّة وبرهاناً، فنسخ على منواله من كان من تلامذته، وصرحوا القول فيه، مثل الاسكندر الافروديسي وثامسطيوس وفرفوريوس وصنف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه المسألة كتاباً وأورد فيه هذه الشبهة...» الملل والنحل، ترجمة برقلس.
راجع أيضاًكشف المراد: 173;مناهج اليقين:41; كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد:150; شرح المواقف7: 228; شرح المقاصد 3:120.

صفحه 137
يدور أو يتسلسل أو ينتهي إلى مؤثر قديم، فنقول: إذا كان المؤثر قديماً وجب أن يكون أثره قديماً، لأنّ كلّ ما لابدّ منه في مؤثرية المؤثر القديم في العالم إمّا أن يكون بتمامه حاصلاً في الأزل أو لا يكون، فإن لم يحصل في الأزل كان حادثاً فله مؤثر، ثمّ ننقل الكلام إلى ذلك المؤثر فإمّا أن يدور أو يتسلسل أو ينتهي إلى مؤثر قديم، وإن كان حاصلاً في الأزل وجب حصول الأثر، لأنّه إذا استجمع المؤثر جميع جهات المؤثرية فإمّا أن يجب حصول أثره أو لا، والثاني محال، وإلاّ لكان حصوله في وقت حصوله دون ما قبله وبعده من الأُمور الجائزة فتخصصه بوقت حدوثه دون ما تقدم أو تأخّر إن كان لا لأمر لزم ترجيح أحد الأُمور الجائزة بالوجود من غير مرجح، وهو باطل بالضرورة، ولأنّه يسدّ باب إثبات الصانع تعالى، وإن كان لأمر لم يكن المؤثر التام حاصلاً في الأزل وقد فرضناه حاصلاً، هذا خلف.وإذا1 ثبت قدم المؤثر التام في العالم وثبت أنّ قدم المؤثر التام يستدعي قدم أثره وجب القول بقدم العالم. وهذه الشبهة هي أقوى شبه القوم.2
الثاني: العالم صحيح الوجود3 في الأزل وإذا كان صحيح الوجود في الأزل كان واجب الوجود في الأزل.
أمّا الصغرى، فلأنّه لو لم يكن صحيحاً في الأزل لكان ممتنعاً أو واجباً، فإن كان الثاني فالمطلوب، وإن كان الأوّل لزم انقلاب الممتنع لذاته ممكناً لذاته4، وانقلاب الحقائق محال. ولأنّه لو جاز ذلك انتفت دلالة الحدوث على المؤثر لجواز أن يكون العالم محالاً في الأزل ثمّ صار واجباً لذاته فيما لا يزال فيستغني عن المؤثر.

1 . ق:«فاذا».
2 . وهي العمدة عندهم في إثبات مطلبهم ومأخوذ من العلّة المؤثرة، شرح المواقف7:228.و قال البحراني:«وهي العمدة الكبرى لهم». قواعد المرام:59.
3 . أي ممكن الوجود.
4 . وانّه يرفع الأمان عن البديهيات كجواز الجائزات واستحالة المستحيلات شرح المواقف7:230.

صفحه 138
ولأنّ ذلك الحكم المتجدد إن كان لسبب فهو مسبوق بالإمكان الذاتي فكان الإمكان الذاتي مسبوقاً بالإمكان الذاتي، وهو محال.1
وأمّا الكبرى، فلأنّ صحيح الوجود في الأزل لو كان معدوماً في الأزل لاستحال أن يوجد في الأزل، لأنّ الحادث في وقت معيّن لا يكون حدوثه في ذلك الوقت المعيّن موجباً حصوله في الأوقات الماضية، لأنّ الشيء يستحيل أن يتجدد له حصول في الزمان الماضي. فإذن لو لم يكن موجوداً في الأزل لم يصحّ أن يكون أزلياً، لكن العالم يصحّ أن يكون أزلياً كما تقدّم فيجب أن يكون أزلياً.
الثالث:2 كلّ محدَث فانّه مسبوق بإمكان عائد إليه على ما سبق وذلك الإمكان يستدعي محلاً هو الهيولى، فإن كانت الهيولى محدثة افتقرت إلى هيولى أُخرى وتسلسل. وإن كانت قديمة وجب قدم الصورة لما تقدم من استحالة انفكاك الهيولى عن الصورة ومجموع الهيولى والصورة هو الجسم، فالجسم قديم.
الرابع: كلّ محدَث فانّه مسبوق بزمان، لأنّ عدمه سابق على وجوده، وإلاّ لكان قديماً، وذلك السبق والتأخر ليس عبارة عن مجرّد العدم والوجود، لأنّ العدم قبل كالعدم بعد، وليس القبل بعد، فالقبلية والبعدية صفتان وجوديتان فلهما موصوف موجود، فقبل حدوث كلّ حادث لابدّ من شيء وجودي يكون موصوفاً لذاته بالقبلية حتى يكون العدم الحاصل فيه موصوفاً بكونه قبلاً لذلك الحادث، والشيء الذي يكون قبلاً لذاته هو الزمان، فقبل حدوث كلّ حادث زمان لكن الزمان شيء غير مستقر بل هو على التقضي، فقبل كلّ زمان زمان لا إلى أوّل، ويلزم من قدم الزمان قدم الحركة لأنّه من لوازمها، ويلزم من قدم الحركة قدم

1 . والفرض الثاني لا يوجد في النسخ، وهو في نهاية العقول هكذا:«وإن لم يكن لسبب كان المتجدد غنياً عن السبب، بل كان المتجدد واجب الوجود لذاته وهو محال».
2 . ذكره الرازي في المطالب العالية4:169(المقالة السادسة في الوجوه المستنبطة من العلّة المادية). وقال:«إنّ هذه الشبهة قوية، لو ثبت أنّ الإمكان صفة موجودة».

صفحه 139
الجسم.
الخامس:1 لو كان العالم محدَثاً لكان محدِثه إمّا أن يقال: إنّه كان قادراً على أن يحدث العالم قبل الوقت الذي أحدثه فيه بمدة متناهية أو ما كان قادراً عليه، والثاني محال، لأنّه يلزم إمّا انتقال الخالق من القدرة إلى العجز2 أو انتقال المخلوق من الامتناع إلى الإمكان، وهما محالان، فثبت3 الأوّل.
و بمثله ثبت أنّه كان قادراً على أن يخلق أيضاًحوادث تنتهي إلى الوقت الذي أحدث العالم فيه بمقدار ضِعف تلك المدّة، وإذا ثبت هذا فإمّا أن يقال: إنّه يمكن إحداث ما ينتهي إلى العالم بضعف تلك المدّة مع إحداث ما ينتهي إليه أيضاً بتلك حتى يكون ابتداؤهما وانتهاؤهما معاً أو لا يكون ذلك ممكناً.و الأوّل ضروري البطلان.و الثاني يقتضي وجود زمان قبل حدوث العالم، لأنّ هناك أمراً يتسع لقدر معيّن كسنة مثلاً ولا يتسع لسنتين وهناك ما يتسع لسنتين ولا يصير مستغرقاً لسنة، وكلّ قابل للزيادة والنقصان والتقدير فهو أمر وجودي مقداري وذلك هو الزمان، فقد ثبت حصول الزمان قبل حدوث العالم، وإذا ثبت قدم الزمان ثبت قدم الحركة، فثبت قدم الجسم.
لا يقال: التقدير الذي ذكرتموه يكشف عن إمكان وجود زمانين أحدهما أطول من صاحبه، ولا يدل على وجودهما.
لأنّا نقول: الأمر التقديرى يتغير عند تغير الفرض، وما ذكرناه من وجود أمر

1 . ذكره الشيخ بقوله:«و هؤلاء المعطلة الذين عطلوا اللّه تعالى عن جوده لا يخلو أمرهم إمّا أن يسلموا انّ اللّه عزّوجلّ كان قادراً قبل أن يخلق الخلق...» إلهيات النجاة(فصل في أنّ المخالفين يلزمهم أن يضعوا وقتاً قبل وقت بلا نهاية...). وهي الحجّة العاشرة المستنبطة من الزمان في المطالب العالية 4:208.
2 . في نهاية العقول:«من العجز إلى القدرة».
3 . ق: «و ثبت».

صفحه 140
قبل العالم بحيث لا يتسع إلاّ لحوادث سنة سواء وجد فرض فارض أو لم يوجد، وأمر آخر يتسع لحوادث سنتين ولا يصير مستغرقاً لحوادث سنة1 لا يتغير سواء وجد فرض أو لا، فعلمنا أنّ التقدير الذي ذكرناه يكشف عن وجود هذه الإمكانات المتقدرة بالمقادير المحدودة قبل وجود العالم لا أنّه يكشف عن مجرّد فرض ذهني واعتبار وهمي.
السادس:2 اللّه تعالى قديم، فلو كان العالم محدَثاً لكان اللّه تعالى متقدماً عليه بالضرورة، وإلاّ لكان القديم محدثاً أو المحدث قديماً، وإذا كان متقدماً عليه فإمّا بمدّة أو لا بمدّة، والثاني يستلزم أحد المحالين السابقين3، والأوّل إمّا أن تكون المدّة متناهية ويلزم حدوث اللّه تعالى، لأنّ المتقدم على الحادث بمدّة متناهية يكون حادثاً بالضرورة، أو غير متناهية ويلزم قدم الزمان المستلزم لقدم الحركة المستلزم لقدم الجسم.
السابع: لو كان العالم محدثاً لكان اللّه تعالى متقدماً عليه بقدم لا بداية له لأنّه قديم، وذلك التقدم ليس عبارة عن وجود الباري تعالى وعدم العالم، لأنّ اللّه تعالى بمجرّد هذا الاعتبار لا يكون قبل العالم، فكونه متقدماً على العالم كيفية وجودية زائدة على وجوده تعالى وعدم العالم، ولابدّ لتلك الكيفية الثبوتية من شيء يتصف بها لذاته، والذي يتصف بالقبلية والبعدية لذاته هو الزمان فتقدم الباري تعالى على العالم بالزمان، فإذا لم تكن لتقدمه على العالم بداية وجب أن لا تكون للزمان بداية.

1 . في النسخ:«عشرة أيّام»، أصلحناها طبقاً للسياق والمعنى.
2 . راجع المطالب العالية4: 197.(الحجّة الأُولى من الوجوه المستنبطة من الزمان).
3 . قال الشهرستاني:«فإن تأخّر لا بمدّة فقد قارن وجوده وجود الباري تعالى». نهاية الاقدام:30. وليس هذا الوجه في نهاية العقول.

صفحه 141
لا يقال: إنّه تعالى متقدم على العالم بأزمنة لا بداية1 لها مقدّرة لا محقّقة.
لأنّا نقول: المقدّر في الذهن إن لم يكن له وجود في الخارج لم يكن الباري تعالى متقدماً على العالم أصلاً، وإن كان له وجود في الخارج حصل المقصود.
الثامن: لو كان العالم محدثاً لَصَدق أنّه لم يكن في الأزل موجوداً، وهذا سلب يكون مستمراً من2 الأزل إلى الأبد، فإمّا أن يكون المفهوم من ذلك أنّ العالم ما كان حاصلاً في زمان وجودي يقضي، أو مفهومه أنّه كان موجوداً في العدم الصرف، فالباري تعالى أيضاً ما كان موجوداً في العدم الصرف فيلزم أن يصدق عليه أنّه ما كان موجوداً في الأزل، لكن ذلك كاذب، وإذا بطل ذلك ثبت أنّ المفهوم من قولنا: لم يكن العالم موجوداً في الأزل أي ما كان موجوداً في الأزمنة الماضية، ولمّا كان مفهوم قولنا:«لم يكن العالم موجوداً في الأزل» مستمراً من الأزل إلى الآن لزم أن يكون استمرار الزمان من الأزل إلى الآن حاصلاً.
التاسع:3 لو لم يكن الزمان قديماً لم يتميز وقت عدم العالم عن وقت وجوده، ولو لم يتميز ذلك لاستحال القصد إلى ايجاده، لأنّه لمّا كان الجمع بين وجوده وعدمه محالاً كانت صحّة وجوده موقوفة على امتياز وقت وجوده عن وقت عدمه، فإذا لم يكن الوقتان متميزين استحال القصد إلى الايجاد.4
العاشر: لو كان العالم محدثاً لكان المؤثر فيه قادراً، والتالي باطل، فالمقدّم

1 . في نهاية العقول:«نهاية».
2 . في النسخ:«مستمر في»، أصلحناها طبقاً للسياق. وفي نهاية العقول: «و هذه اللميكُنيّة مستمرة من الأزل إلى الأبد».
3 . قال الشيخ:«كيف يجوز أن تتميز في العدم وقت ترك ووقت شروع، وبم يخالف الوقت الوقت». إلهيات النجاة (فصل في أنّ ذلك يقع لانتظار وقت...). راجع أيضاً المطالب العالية4:203.
4 . قال الرازي في نهاية العقول بعد ذكر الشبهة المتقدمة:«فهذه الشبه كلّها فلسفية محضة، وهاهنا شبه أُخرى مستخرجة من القواعد الكلامية ونحن نرد مهماتها».

صفحه 142
مثله.
والشرطية ستأتي في بيان القادر. ويدلّ على بطلان التالي وجهان:
الأوّل: لو كان قادراً فإمّا أن يقدر على الايجاد في الأزل أو لا، والأوّل محال; لأنّ معنى الايجاد الاخراج من العدم إلى الوجود، وذلك ينافي الأزلية. والثاني أيضاً محال; لأنّ عدم تمكّنه من ذلك ليس لعدم المقتضي، لأنّه إخراج له عن القادرية ولا لوجود المانع، لأنّ المانع إن كان واجباً لذاته امتنع زواله، وإن كان ممكناً فلابدّ له من مؤثر، فذلك المؤثر إن كان قادراً كان ذلك المانع حادثاً فلا يكون الامتناع أزلياً وقد فرض كذلك، هذا خلف. وإن كان موجباً لزم من دوام الموجب دوام ذلك المانع فكان ينبغي أن لا يصحّ وجود العالم. فالقول بكون المؤثر قادراً يفضي إلى هذه المحالات.
الثاني: القادر إذا أوجد الفعل فإمّا أن تبقى قادريته على إيجاد ذلك الفعل أو لا تبقى، والقسمان باطلان، فالقول بكونه قادراً باطل.
أمّا بطلان بقاء تلك القادرية: أنّه كان قبل وجود الفعل قادراً على إيجاد ذلك الفعل فلو بقيت تلك القادرية لكان قادراً على إيجاد ذلك الفعل بعد وجوده فيكون ذلك إيجاداً للموجود، وأنّه محال.
وبيان استحالة زوال تلك القادرية: أنّ قادرية اللّه تعالى على إيجاد ذلك الفعل كانت ثابتة في1 الأزل إلى الآن، وإلاّ كانت قادرية اللّه تعالى على إيجاد ذلك الفعل متجددة وذلك باطل اتّفاقاً، فإذا وجد الفعل فلو لم تتعلق قدرته تعالى بذلك الفعل كان ذلك زوالاً لذلك التعلّق الثابت من الأزل إلى الآن فيكون ذلك عدماً للقديم، وهو محال.

1 . كذا.

صفحه 143
الحادي عشر:1 لو كان العالم محدثاً لكان اللّه تعالى عالماً بالجزئيات، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ المؤثر يستحيل أن يقصد إلى الايجاد والإحداث إلاّ إذا كان عالماً بأنّ ذلك الشيء معدوم، فانّه لو لم يعلم عدمه لاستحال منه القصد إلى الايجاد، ثمّ إذا أوجد الفعل فلابدّ وأن يصير عالماً بوجوده، وذلك يقتضي وقوع التغيير في علم اللّه تعالى، وهو محال.
الثاني عشر:2 لو كان العالم محدثاً لكان فاعله مختاراً، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: ظاهر، وأمّا بطلان التالي فلوجهين:
الأوّل: ذلك الاختيار إن كان لغرض وجب أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من عدمه وإلاّ لم يكن غرضاً، وإذا كان الغرض أولى له كان اللّه تعالى مستكملاً بخلق العالم، وهو محال.
لا يقال: إنّما يلزم الاستكمال لو كان ذلك الغرض عائداً إليه، أمّا إذا كان عائداً إلى غيره وكان الداعي هو الإحسان إلى الغير اندفع المحذور.
لأنّا نقول:3 الإحسان إلى الغير إن كان بالنسبة إلى ذاته أولى من ترك الإحسان عاد الغرض إليه، وإلاّ لم يكن غرضاً. ولأنّ كلّ من فعل لغرض غيره كان الفاعل أخَسّ من المفعول له كالخادم والمخدوم، ولمّا استحال أن يكون غير اللّه

1 . هذا الوجه مبني على علم الباري تعالى. وقد استقصى الرازي الدلائل المبنية على صفة العلم في المطالب العالية4:155ـ166.
2 . راجع إلهيات النجاة (فصل في أنّ ذلك يقع لانتظار وقت...). وهي الحجّة الرابعة من الدلائل المستنبطة من الحسن والقبح والحكمة والعبث في المطالب العالية4: 140.
3 . أُنظر الجواب في شرح الإشارات3:149.

صفحه 144
تعالى أشرف منه استحال أن يفعل لغرض غيره.
و إن1 كان ذلك الاختيار لا لغرض كان عبثاً، والعبث على اللّه تعالى محال.ولأنّه يكون ترجيحاً لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وهو محال.
الثاني: لو كان اللّه تعالى فاعلاً بالاختيار فإمّا أن يجوز منه فعل القبيح أو لا، والقسمان باطلان.
أمّا الأوّل، فلأنّه لو جاز منه فعل القبيح لجاز إظهار المعجزة على يد الكذابين وأن يؤيدهم وينصرهم2 وأن يكون كاذباً في كلّ ما أخبر عنه من وعده ووعيده، فلا يعلم انّه يثيب المطيع ويعاقب العاصي، والعقل قاض بقبح عبادة3 من هو بهذه الصفات، وذلك لا يقوله أحد من أرباب الملل.
وأمّا الثاني، وهو أن يقال: لا يفعل القبيح فلوجهين:
الأوّل: أصحاب الملل اتّفقوا4 على أنّه كلّف الكافر بالإيمان مع علمه بكفره، ووقوع ما علم أنّه لا يقع محال فيكون صدور الإيمان محالاً فيكون التكليف تكليفاً بالمحال، وهو قبيح.
الثاني: الغالب في الدنيا الشرور والآفات وأنواع الآلام والعقوبات، والقول بالعوض باطل على ما يأتي، فبطل القول بالمختار. وهذه الشبهة عوّل عليها ابن

1 . دفع دخل مقدّر بانّه فعل العالم لا لغرض.
2 . ولقد أجاد المصنف في عبارته وهي أفضل من عبارة الرازي:«لما أمنا أن يكون الأنبياء الذين ظهرت المعجزات على أيديهم كلّهم يكونون كذابين مع انّ اللّه تعالى أيدهم ونصرهم...»، نهاية العقول في دراية الأُصول.
3 . ق:«العبادة»، وهو خطأ.
4 . ق:«يتفقون».

صفحه 145
الراوندي1 وأبو زكريا الطبيب.2
الثالث عشر:3 علّة وجود العالم جود الباري وجوده قديم أزلي4، فيكون وجود العالم أزلياً.
الرابع عشر: الايجاد إحسان وفعله أفضل من تركه فلو كان العالم محدثاً لكان اللّه تعالى تاركاً للإحسان ـ الذي هو أفضل الأُمور ـ مدّة غير متناهية، وترك الأفضل نقص، وهو على اللّه تعالى محال.
الخامس عشر: المفهوم من كون اللّه تعالى مؤثراً في العالم غير المفهوم من ذات

1 . قال بقدم العالم ، كما في الانتصار للخياط:17 و150.و له كتاب «التاج» أبطل فيه حدوث الأجسام. المصدر نفسه:2.
2 . كما في التوحيد للنيسابوري:285، وفي نهاية العقول :«المتطيب».وانظر الوجه في المطالب العالية 4:148.
3 . هذا من شبه برقلس، كما في نهاية الاقدام:45; الملل والنحل للشهرستاني، ترجمة برقلس. ذكره القاضي عبد الجبار أيضاًفي المحيط:74(و ممّا يعتمدونه قولهم: إنّ الباري جواد لم يزل...).
وجعل الرازي هذا الوجه وما يأتي بعده من الدلائل المستنبطة من الحسن والقبح والحكمة والعبث. المطالب العالية4: 137و 138.
4 . فإنّ من أسمائه الحسنى: قديم الإحسان، دائم الفضل، باسط اليدين بالعطية، وكلماته لا تنفد ولا تبيد.
وقال ابن سينا في تعريف الجود:«أتعرف ما الجود؟ الجود هو إفادة ما ينبغي لا لعوض. فلعلّ من يهب السكين لمن لا ينبغي له ليس بجواد، ولعلّ من يهب ليستعيض معامل فليس بجواد. وليس العوض كلّه عيناً، بل وغيره حتى الثناء والمدح والتخلّص من المذمّة والتوصل إلى أن يكون على الأحسن أو على ما ينبغي. فمن جاد ليشرف أو ليحمد أو ليحسن به ما يفعل فهو مستعيض غير جواد. فالجواد الحقّ هو الذي يفيض منه الفوائد لا لشوق منه وطلب قصدي لشيء يعود إليه. واعلم أنّ الذي يفعل شيئاً لو لم يفعله قبح به أو لم يحسن منه فهو بما يفيده من فعله متخلّص». شرح الإشارات 3: 145. وانظر التفصيل أيضاً في «غاية الجود للواجب تعالى» في الفصل الخامس من المقالة السادسة من إلهيات الشفاء:296.

صفحه 146
الباري تعالى ومن ذات العالم، لإمكان تعقل ذات اللّه تعالى وذات العالم مع الجهل بكونه تعالى مؤثراً في العالم1، فمفهوم المؤثرية ليس وصفاً عدمياً وإلاّ لكان عدم المؤثرية وجودياً، ضرورة أنّ أحد النقيضين لابدّ وأن يكون ثبوتياً، لكن المعدومات يصحّ وصفها بأنّها غير مؤثرة في شيء فيلزم أن تكون المعدومات موصوفة بالصفات الثبوتية، وهو محال، فثبت أنّ عدم كون الشيء مؤثراً في غيره أمر عدمي فالمؤثرية صفة ثبوتية. فحينئذ نقول: لو لم يكن الباري تعالى مؤثراً في الأزل في وجود العالم ثمّ صار مؤثراً فيه لزم حدوث صفة في ذاته، وهو محال، فوجب أن تكون مؤثرية الباري تعالى في العالم ثابتة دائماً، وهو المطلوب.
السادس عشر: لو كان العالم محدثاً لكان اللّه تعالى سابقاً عليه بمدّة غير متناهية على ما تقدّم2 فيكون حدوث العالم موقوفاً على انقضاء قدم3 المدّة الغير المتناهية وانقضاء مالا يتناهى محال والموقوف على المحال محال، فالتقدّم محال، وإذا انتفى التقدّم ثبت القدم.
السابع عشر: ما رأينا شيئاً حادثاً إلاّمن شيء، فالبيضة لا توجد إلاّ من دجاجة ولا دجاجة إلاّ من بيضة4 فلو جوزنا حدوث العالم لا من شيء لزم تجويز خلاف القضايا المطردة، حتى يجوز أن يدرك الأعمى الذي بالصين في الليلة الظلماء بقّة في الأندلس ولا يبصر الإنسان الصحيح الحس في النهار الواضح

1 . ولأنّها (أي المؤثرية) نسبة بينهما والنسبة مغايرة للمنتسبين. قواعد المرام:60.
2 . في الوجه السادس.
3 . كذا، وفي نهاية العقول:«تلك».
4 . وقد نقل الرازي مثالاً آخر عن المتقدمين وهو: ما شاهدنا ليلاً إلاّ وقبله نهار، ولا نهاراً إلاّو قبله ليل، فوجب أن يكون الأمر كذلك. وقال:«والمتكلمون شنَّعوا عليهم، وقالوا: هذا جمع بين الشاهد والغائب بمحض التحكم، وأنّه باطل». ثمّ نقل عن الفلاسفة وجوهاً لدفع هذا الإشكال. راجع المصدر نفسه:191ـ194.

صفحه 147
الجبل الذي يحضر به، إلى غير ذلك من المحالات. والأشعرية وإن التزمت هذا لكنّا نلزمهم مالم يلتزموه وهو أنّهم اتّفقوا على امتناع حصول العلم بدون الحياة ولا طريق إلى ذلك إلاّ الاستقراء، فإذا جوزنا حصول الأمر على خلاف ما شاهدناه، فلم لا يجوز حصول علم بدون حياة؟ فثبت أنّا لو لم نقس الغائب على الشاهد مطلقاً لزمنا القول بالسفسطة.
الثامن عشر: لو كان العالم محدثاً لكان الباقي مقدوراً باللّه تعالى، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ المفتقر إلى القادر ليس العدم السابق لأنّه نفي محض فلا تأثير للقادر فيه، أو الوجود الحاصل، لكن وجود الشيء حال حدوثه هو وجوده حال بقائه، وحكم الشيء الواحد لا يختلف، فلمّا افتقر إلى القادر حال حدوثه وجب أن يفتقر إليه حال بقائه.
وأمّا بطلان التالي، فلاستلزامه تحصيل الحاصل، لأنّ القادر تأثيره في تحصيل الوجود والوجود حاصل.
التاسع عشر: قالت المانوية1: لو كان الجسم حادثاً استحال أن يكون حدوثه عدمياً.
لأنّا نقول: لم يكن حادثاً فصار حادثاً فأحدهما نقيض للآخر فأحدهما ثبوتي، فإذا علمنا ضرورة أنّ قولنا«ماحدث» عدمي علمنا أنّ قولنا «حدث» ثبوتي. ويستحيل أن يكون نفس الجسم، وإلاّ لكان متى ثبت الجسم ثبت حدوثه

1 . المانوية:أصحاب ماني بن فاتك (أو فتق بابك)الحكيم الثنوي صاحب القول بالنور والظلمة، ظهر أيّام سابور بن أردشير ملك الفرس، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور، وذلك بعد عيسى عليه السَّلام ، اتخذ ديناً بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح عليه السَّلام ولا يقول بنبوة موسى عليه السَّلام . راجع فهرست النديم:456; الشهرستاني، الملل والنحل،(ترجمة المانوية).

صفحه 148
فالباقي حال بقائه حادث، وهو باطل بالضرورة فهو زائد، فإن كان قديماً كان حدوث الحادث موجوداً قبل وجود ذلك الحادث فالحدوث حاصل قبل الحدوث، هذا خلف. وإن كان حادثاً فله حدوث ويتسلسل. وإذا أدى الحدوث إلى هذه الأقسام الباطلة كان باطلاً.
لا يقال: حدوثه نفس ذاته ويلزم أن يكون الجسم حادثاً أبداً، فإنّ الجسم لا يوجد في وقت من الأوقات إلاّو يكون محكوماً عليه بأنّه حادث، ثمّ يعارض بأمرين:
الأوّل: إنّا وإن اختلفنا في حدوث الأجسام لكنّا توافقنا على حدوث الأعراض وتقسيمكم عائد فيه.
الثاني: هذا التقسيم بعينه عائد في القدم.
لأنّا نقول: لا يمكن الحكم على الجسم حال بقائه بالحدوث، كيف والمراد منه أنّه ما كان قبل الآن موجوداً وإنّما حدث الآن، والشيء حال بقائه غير محكوم عليه بذلك بل هو حال بقائه محكوم عليه بأنّه كان قبل ذلك، وليس كلامنا فيه بل في نفس الحدوث، والاعراض لا نثبتها.
سلمنا، لكن لا يبقى، لأنّ حدوث العرض لمّا كان نفس ذاته لا جرم متى تحقّق كان حادثاً، فلهذا حكمنا أنّ العرض لا يبقى، وأنتم التزمتم بقاء الجسم، فإن التزمتم عدم بقائه كان مكابرة، والجمهور منكم معترفون بفساده.
والمعارضة بالقدم باطلة، لأنّا لا نحكم على الجسم بأنّه قديم أزلي ولذلك نحكم عليه بأنّ قدمه عين ذاته. أمّا لو قلتم بأنّ حدوثه عين ذاته يلزمكم أن يكون أبداً حادثاً ولزم المحذور.
العشرون: لو كان الجسم محدثاً فمُحدِثه إن ساواه من كلّ وجه كان محدثاً

صفحه 149
مفتقراً إلى محدِث ويتسلسل، وهو محال. وإن خالفه من كلّ وجه لم يكن موجوداً، لأنّ ما يخالف الموجود من كلّ وجه يكون قد خالفه في كونه موجوداً، فلا يكون موجوداً. وإن ساواه من وجه دون وجه فالمحدِث من الوجه الذي يساوي المحدَث لابدّ وأن يكون محدَثاً فيكون المحدِث مركباً من القدم والحدوث، وهو محال، لأنّ الكلام بعينه يعود في ذلك الوجه.
الحادي والعشرون: المؤثر في الجسم إن كان موجباً لزم من قدمه قدم الجسم، وإن كان مختاراً والمختار هو الذي يكون مخيّراً بين الفعل والترك، والترك يستحيل أن يكون عدمياً، لأنّ القادر إنّما يتخيّر فيما يكون له أثر فيه والعدم المحض لا أثر فيه وإلاّ لكان العدم وجوداً بل الخيرة إنّما تتحقّق بين الضدين، فلو كان المؤثر في الجسم قادراً وجب أن يكون للجسم ضد وأن لا يخلو القادر من فعل الجسم وفعل ضدّه فهو في الأزل إن كان فاعلاً للجسم كان الجسم أزلياً، وإن لم يكن فاعلاً له كان فاعلاً لضدّه، وهو محال; لأنّه لا يعقل للجسم ضد، ولأنّه لو كان كذلك لكان ضدّ الجسم قديماً، والقديم يستحيل عدمه، وإذا استحال عدم الشيء استحال وجود ضدّه فكان يلزم أن لا يوجد العالم أصلاً، فلما ثبت بطل ما ذكرتموه.
الثاني والعشرون: لو كان الجسم محدثاً وجب أن يكون له محدِث بالضرورة، فإمّا أن يكون نفسه، وهو محال; لأنّ المحدِث متقدم بالوجود على المحدَث والشيء لا يتقدم على نفسه. أو غيره وهو محال، أمّا أوّلاً: فلأنّ ذلك الغير إمّا إن أثر فيه لأنّه هو لزم من دوامه دوام الجسم، أو لا لأنّه هو فيعود التقسيم المذكور. وأمّا ثانياً: فلأنّ ذلك الغير إن كان موجباً عاد الإلزام، وإن كان قادراً، والقادر مالم تفرض بينه وبين المقدور نسبة وتعلق، استحال تأثيره فيه، لكن حصول النسبة بينه وبين غيره موقوف على حصول ذلك الغير فلو كان حصول ذلك الغير لأجل تلك

صفحه 150
النسبة دار.
والجواب عن الوجه الأوّل من وجوه:1
الوجه الأوّل: نمنع قدم الأثر لو كان المؤثر الجامع لجميع جهات المؤثرية أزلياً، فانّ قدم الأثر إنّما يتبع قدم مؤثره لو كان المؤثر موجَباً، أمّا إذا كان مختاراً فلا، فانّه يجوز بل يجب أن يتأخّر أثره عنه.
الوجه الثاني:2 المؤثر مستجمع لجميع جهات المؤثرية في الأزل لكنّه مختار والمختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح، كالهارب من السبع إذا عرض له طريقان متساويان من جميع الوجوه فيما يرجع إلى مقصوده فانّه يسلك أحدهما دون الآخر لا لمرجح. والجائع إذا حضره رغيفان متساويان من كلّوجه فانّه يتناول أحدهما من غير مرجّح، وإن حضره واحد يتناول من بعض جوانبه دون بعض مع المساواة. والعطشان إذا حضره قدحان متساويان شرب أحدهما من غير مرجح.
الوجه الثالث: العالم إنّما حدث في ذلك الوقت لأنّ المؤثر مختار، والقادر إنّما يفعل أحد مقدوريه دون الثاني، لأنّ إرادته اقتضت ترجيح ذلك المقدور على غيره.
لا يقال: لماذا رجحت الإرادة ذلك الشيء على غيره؟
لأنّا نقول: هذا السؤال ساقط، لأنّ الإرادة مرجّحة ومخصصة لذاتها. و لأنّها

1 . أُنظر الوجه الأوّل إلى السادس في أنوار الملكوت في شرح الياقوت:39. راجع أيضاً شرح الأُصول الخمسة:115; شرح الإشارات3:130; المطالب العالية4:46; تهافت الفلاسفة:50(في إبطال قولهم بقدم العالم); شرح المواقف7:229.
2 . تمسك به أصحاب أبي الحسن الأشعري ومن يحذو حذوه وغيرهم من المتكلمين المتأخرين. شرح الإشارات3:131.

صفحه 151
لو رجحت غيره لكان السؤال عائداً. وعلى هذا التقدير يلزم أن يكون كون الإرادة مرجّحة معللة بعلّة أُخرى وهو محال، لأنّ كون الإرادة مرجّحة صفة نفسية لها، كما أنّ كون العلم بحيث يعلم به المعلوم أمر ذاتي له ولمّا استحال تعليل الصفات الذاتية استحال تعليل كون الإرادة مرجّحة.
و المعتمد في دفع السؤال اسناد الترجيح إلى ذات الإرادة لئلا يرد عليه قول الرئيس.
لا يقال: هذا السؤال باطل لأنّه عائد في كلّ وقت.
لأنّا نقول: بل هو حقّ لأنّه عائد في كلّ وقت.
الوجه الرابع: قالت الأشعرية: إنّه تعالى عالم وعلمه متعلّق بجميع الأشياء وإذا كان كذلك كان تعالى عالماً بأنّ الأشياء توجد وأنّها لا توجد ووقوع ما علم اللّه تعالى أنّه لا يوجد محال، وعدم وقوع ما علم أنّه يوجد محال أيضاً والإرادة لا تتعلّق بالمحال، فلا جرم تعلّقت الإرادة بوقوع ما تعلّق العلم بوقوعه وبعدم وقوع ما تعلّق العلم بعدم وقوعه. ولمّا علم اللّه تعالى أنّ العالم يوجد في الوقت المعيّن أراد إيجاده فيه دون ما قبله وما بعده.
الوجه الخامس: قالت المعتزلة: إنّ اللّه تعالى إنّما رجح إيجاد العالم في ذلك الوقت، لأنّ الإيجاد إحسان والإحسان أفضل من تركه، وإنّما اختص الإيجاد بذلك الوقت لجواز أن يكون إيجاده في ذلك الوقت متضمناً لنوع مصلحة عائدة إلى المكلّف لو أوجده في وقت آخر لم تحصل تلك المصلحة، وحينئذ يكون إيجاده في ذلك الوقت أولى من إيجاده في غيره.و لمّا دلّ الدليل على حدوث العالم ودلّ الدليل على أنّ اختصاصه بالحدوث في ذلك الوقت دون ما عداه إنّما يكون لاختصاص ذلك الوقت بمرجح ومخصص لا يوجد في غيره وجب علينا القطع بذلك وإن

صفحه 152
كنّا لا نقع على تفصيل تلك المصلحة.1
الوجه السادس: قال بعض المعتزلة: حدوث العالم قبل أن أحدثه اللّه تعالى محال فلهذا لم يحدثه اللّه تعالى فيه.
الوجه السابع: العالم محال الوجود في الأزل، وإلاّ لكان إمّا متحركاً أو ساكناً وهما محالان في الأزل، فاستحال وجود العالم في الأزل.
و لأنّ الفعل في الأزل محال، لأنّ الفعل ما له أوّل والأزل مالا أوّل له والجمع بينهما محال. وإذا كان ممتنعاً لم يصحّ إيجاده أزلاً فلهذا كان العالم حادثاً عن اللّه تعالى وامتنع كونه قديماً.
الوجه الثامن: قبل العالم لا وقت ، فلا يصحّ أن يقال: لم لاحدث العالم قبل أن يحدث؟2
الوجه التاسع: تعارض قولكم باستحالة الترجيح من غير مرجّح بأُمور سبعة:
الأمر الأوّل: الفلك عند الفلاسفة جسم متشابه الأجزاء فالنقط المفروضة فيه متشابهة، ثمّ إنّ بعضها يعيّن للقطبية3دون البعض. وحصلت دائرة مخصوصة تعينت لكونها منطقة4 دون غيرها مع تساوي الجميع من غير مرجّح. وكذا يتعين خط لأن يكون محوراً دون سائر الخطوط المتساوية من غير مرجّح.

1 . قال الرازي:«أقصى ما في الباب أن يقال:إنّا لانعرف لذلك الوقت المعيّن خاصية معينة، إلاّ أنّا نقول: عدم علمنا بذلك لا يقدح في حصوله في ذلك الوقت» المطالب العالية 4:48.
2 . وهذا قول أبي القاسم البلخي ـ وهو المعروف بالكعبي ـ ومن تبعه منهم. شرح الإشارات3: 131.
3 . في النسخ:«للقطعية»، والصحيح ما أثبتناه طبقاً لما في المطالب العالية:«فاختصاص نقطتين من تلك النقط الغير المتناهية بالقطبية...» 4:51.
4 . في النسخ: «منقطعة»، ولعلّ الصواب ما أثبتناه.

صفحه 153
الأمر الثاني: حركة الفلك الأعلى على خلاف التوالي كما انّه ممكن، فكذا حركته على التوالي ممكن أيضاً فاختصاصه بالحركة من جهة دون غيرها مع تساويها ترجيح من غير مرجّح.
الأمر الثالث: جميع الحركات بأسرها متساوية النسبة إليه، ولا ريب أنّ الحركات مختلفة بالسرعة والبطء، فحصول سرعة معيّنة في حركة الفلك دون غيرها يكون ترجيحاً من غير مرجّح.
الأمر الرابع: كلّ فلك من الأفلاك له ثخن معين وحدّ محدود مع أنّ حصوله على أكثر من ذلك الثخن أو الحدّ، أو أقلّ ممكن، فاختصاصه بذلك الثخن المعيّن والقدر الخاص يكون ترجيحاً من غير مرجّح.
الأمر الخامس: الفلك بسيط متشابه الأجزاء من كلّ الوجوه فاختصاص جانب منه بالنقرة التي ترتكز الكواكب فيها دون سائر الجوانب يكون ترجيحاً للشيء على ما هو مثله من غير سبب.
الأمر السادس: الفلك بسيط فاختصاص كلّ واحد من التداوير والأوجات والحضيضات بجانب معيّن منه دون جانب مع تساوي سائر الجوانب، وإلاّ لم يكن بسيطاً، ترجيح من غير مرجّح.
الأمر السابع: الفلك الممثل في كلّ كوكب له فلك ممثل يشمل على فلك خارج المركز وعلى متمم، فاختصاص جانب من متممات الأفلاك الخارجة المركز بالغلظ دون الجانب الآخر ترجيح من غير مرجّح.
الأمر الثامن: العالم عندكم قديم لكن لا شكّ في حدوث الاعراض والتراكيب فاختصاص حدوث كلّ واحد منها بالوقت المعيّن دون الوقت الذي حدث فيه مثله يكون ترجيحاً من غير مرجّح، فلزمكم في الصفات المحدثة ما ألزمتمونا في حدوث العالم.

صفحه 154
الأمر التاسع: اتصاف مادة كلّ عضو بصورته إمّا أن يكون لاستحقاق تلك المادة لتلك الصورة أو لا يكون كذلك، فإن كان الأوّل لم يكن ذلك الاستحقاق للجسمية المشترك فيها بل لأمر ورائها فيكون كلّ جزء من حامل ذلك الاستحقاق موصوفاً به والقوّة القائمة بحامل ذلك الاستحقاق كذلك. فإمّا أن يكون تأثير القوّة في ذلك الجسم تأثيراً متشابهاً، والجسم الذي يكون متشابه الشكل هو الكرة، فتكون أعضاء الحيوانات على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، هذا خلف. أو لا يكون تأثيرها فيها متشابهاً مع أنّ نسبتها إلى جميع أجزاء الحامل على السوية فقد جوزتم في الموجب أن يترجح بعض آثاره على البعض مع استواء نسبته إلى الكل، فإن جوزتموه في الموجب فتجويزه في القادر أولى. وإن كان الثاني كان واهب الصورة قد خصص كلَّ واحد من مواد الأعضاء بصورة مخصوصة مع أنّ نسبة جميع تلك1 المواد إلى جميع تلك الصور على السواء وذلك يقدح في أصل دليلكم.
قالت الفلاسفة: حاصل أجوبتكم كلّها يرجع إلى شيء واحد وهو أنّكم اخترتم2أنّ كلّ ما لابدّ منه في المؤثرية لم يكن حاصلاً

1 . «تلك» ساقطة في ق.
2 . ق: «أجزتم».

صفحه 155
في الأزل.1
أمّا أوّلاً: فلأنّ الفعل2 لم يكن ممكناً في الأزل فشرط جوازه ووجوده عن المؤثر انتفاء الأزل، وانتفاء الأزل لم يكن ثابتاً في الأزل، فلا يكون شرط التأثير موجوداً، فلا يكون كلّ مالابدّ منه في المؤثرية حاصلاً في الأزل.
وأمّا ثانياً: فلأنّ شرط الوجود ترجيح القادر وذلك الترجيح لم يكن حاصلاً في الأزل، وإلاّ لوجد العالم في الأزل، فلم يكن كلّ ما لابدّ منه في المؤثرية حاصلاً في الأزل.
وأمّا ثالثاً: فلأنّ شرط التأثير الإرادة المتعلقة بذلك الوقت الذي حدث فيه وذلك الوقت لم يكن حاصلاً في الأزل، فلا يكون كلّ مالابدّ منه في المؤثرية حاصلاً في الأزل.
وأمّا رابعاً: فلأنّ شرط التأثير حصول الوقت الذي تعلّق العلم بإيجاده فيه وذلك الوقت لم يكن حاصلاً في الأزل، فلا يكون كلّ ما لابدّ منه في المؤثرية حاصلاً في الأزل.
وأمّا خامساً: فلأنّ شرط الايجاد حصول المصلحة وتلك المصلحة لم تكن حاصلة إلاّ في وقت إيجاده، فلا يكون كلّ مالابدّمنه في المؤثرية حاصلاً في الأزل.
وأمّا سادساً: فلأنّ الوقت الذي يمكن فيه وجود العالم شرط لوجود العالم وهو جزء من المؤثر التام، ولم يكن حاصلاً في الأزل.
وأمّا سابعاً: فلأنّ الأزلية إذا كانت مانعة من3 وجود العالم كان نفيها شرطاً في إيجاده ونفيها لم يكن حاصلاً في الأزل، فلم يكن ما لابدّ له في المؤثرية حاصلاً في الأزل.
فظهر أنّ حاصل هذه الأجوبة كلّها راجع إلى أحد القسمين اللذين أبطلناهما، وهو أنّ كلّ ما لابدّله في المؤثرية لم يكن حاصلاً في الأزل.
وأمّا ثامناً: فلأنّ شرط حدوث العالم حضور وقته وقبل العالم لا وقت، فلم يكن الشرط حاصلاً في الأزل.
ثمّ نجيب عن كلّ واحد واحد على التفصيل:

1 . أو أنّ الممكن لا يحتاج إلى المرجّح. المطالب العالية 4:59.
2 . ق: «العقل».
3 . ق:«في».

صفحه 156
أمّا الأوّل: فلأنّ هذا المختار إمّا أن لا يمكنه إيجاد العالم في وقت آخر أو يمكنه ذلك فإن لم يمكنه ذلك فهوإمّا أن يكون لأجل خاصيّة في هذا الوقت أو لا لخاصيّة فيه، والأوّل باطل لتساوي الأوقات كلّها في الماهية بالضرورة فيستحيل أن يختصّ الواحد منها بحكم واجب.
وأيضاً صحّة حدوث العالم في نفسه وصحّة محدثية الباري تعالى له إن اختصتا بذلك الوقت كانتا قبله ممتنعتين لذاتيهما ثمّ انقلبتا إلى الإمكان، وانقلاب الحقائق محال لافضائه إلى السفسطة ويلزم نفي الصانع على ما تقدّم. وإن لم تختصا بذلك الوقت كان المؤثر متمكناً من التأثير في غير ذلك الوقت.
وأيضاً فذلك الوقت إن امتاز عن سائر الأوقات في اختصاصه بهذه الصحّة كان ذلك الوقت موجوداً قبل حدوث العالم، وهو يقتضي قدم الزمان.و لأنّ الوقت من العالم فيكون العالم موجوداً قبل أن يكون موجوداً.
وأيضاً فتلك الصحّة لمّا لم تكن حاصلة قبل ذلك الوقت ثمّ حصلت فيه فإن لم يكن لها مؤثر أصلاً فقد حدث الشيء لا عن مؤثر، وهو محال ويسدّ باب إثبات الصانع. وإن كان لها مؤثر نقلنا الكلام إلى صحّة تأثير ذلك المؤثر في تلك الصحّة أنّها مختصة بذلك الوقت أو غير مختصة، ويعود الكلام الأوّل بعينه.
و إن لم يكن لخاصيّة في ذلك الوقت كانت تلك المؤثرية الواجبة غير موقوفة على اعتبار شيء من الأوقات ومتى كان كذلك وجب دوام تلك المؤثرية.
وأمّا إن كان الفاعل مختاراً يمكنه أن لا يوجد العالم في الوقت الذي أوجده فيه فيكون إيجاد العالم في الوقت الذي أوجده فيه ممكناً فيحتاج إلى المؤثر، ويعود الإشكال.
لا يقال: القادر يرجح لا لأمر، كالهارب من السبع وشبهه. أو أنّ الإرادة الأزلية خصصت ترجيح المقدور على غيره لذاتها في وقت معين.

صفحه 157
لأنّا نقول: تقدم إبطال الترجيح من غير مرجّح، وسيأتي هنا. والقادر إن لم يمكنه اختيار العالم في غير ذلك الوقت فهو موجب.و لأنّ اختيار إيقاع ذلك الفعل يبطل عند وقوعه، فذلك الاختيار لا يكون واجباً لذاته ولا من لوازم ذاته، فيكون وجوبه تعالى غير ذاته وهو محال; لأنّ ما عدا ذاته يستند إلى اختياره فلا يجوز أن يكون اختياره مستنداً إلى ما عدا ذاته. وإن أمكنه لم يترجح أحد الاختيارين إلاّلمرجّح ، فإن كان اختياراً آخر تسلسل أو انتهى إلى ذاته، وذلك عوداً إلى ما قلناه.
وأمّا الثاني: فهو باطل، لأنّ العمدة في إثبات الصانع احتياج الممكن إلى المؤثر، فلو جوزنا ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجّح لم يمكننا أن نحكم في شيء من الممكنات باحتياجه إلى المؤثر، وهو يسدّباب إثبات الصانع. ونمنع تساوي الطرفين في صورة الهارب من كلّ الوجوه.
سلّمنا، لكنّه يرجّح لأنّه يعتقد ترجيح أحدهما على الآخر من بعض الوجوه أو يغفل عن أحدهما، فأمّا لو اعتقد تساويهما من كلّ الوجوه فانّه يستحيل منه والحال هذه أن يسلك أحدهما، لأنّ الإنسان إذا تعارضت دواعيه إلى الحركات المتضادة فانّه يقف في ذلك الموضع ولا يمكنه أن يتحرك إلاّ عند المرجّح.
أونقول: لا نسلّم انتفاء المرجّح فجاز أن يرجّح أحدهما لأمر لا نعلمه وكذا باقي الصور. وأيضاً لمّا تساوى الفعل والترك بالنسبة إلى القادر كان وقوع أحدهما من غير مرجح اتفاقاً وحينئذ يجوز في سائر الحوادث ذلك ويلزم نفي الصانع.
وأيضا لمّا استويا بالنسبة إليه فترجّح أحدهما إن لم يتوقف على نوع مرجّح منه كان وقوعه لا بايقاعه بل من غير سبب فيلزم نفي الصانع، وإن توقّف عاد التقسيم فيه أنّه هل كان حاصلاً في الأزل أم لا؟
وأمّا الثالث: فباطل، لأنّا لا نعلل أصل كون الإرادة مرجّحة بل نعلل كونها

صفحه 158
مرجّحة لهذا الشيء على ضدّه، ولا يلزم من تعليل خصوص المرجّحية تعليل أصل المرجّحية، فإنّ الممكن لمّا دار بين الوجود والعدم حكمنا بأنّه لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلاّلمرجح، ولا يكون ذلك تعليلاً لأصل كونه ممكناً، فكذا هنا. والحاصل أنّ كون الإرادة مقتضية للترجيح ذاتي، فأمّا هذا الترجيح فلا.
لا يقال: لو كانت مرجّحية المعيّنة مقتضية علّة لكان مطلق مرجّحيته مقتضياً علّة.
لأنّا نقول: الملازمة ممنوعة، لأنّ المرجّحية المطلقة لا توجد وإنّما الموجود مرجّحية خاصة وهي واقعة على نعت الجواز فتستدعي مسبباً، كما أنّ الممكنات دائماً مستدعية مؤثراً لامن حيث إنّها ممكنة بل من حيث إنّها لا تخلو عن طرفي الوجود والعدم اللذين هما متعلّق الإمكان.
و أيضاً إرادته إن لم تكن صالحة لتعلّق إيجاده في سائر الأوقات كان موجباً بالذات فلزم قدم العالم. وإن كانت صالحة فترجّح بعض الأوقات بالتعلق إن لم يتوقف على مرجّح وقع الممكن لا عن المرجّح. وإن توقّف عاد الكلام فيه وتسلسل.
وأيضاً تعلّق إرادته بإيجاده إن لم يكن مشروطاً بوقتمّا لزم قدم المراد، وإن كان مشروطاً به كان ذلك الوقت حاضراً في الأزل، وإلاّ عاد الكلام في كيفية احداثه ويتسلسل.
وأمّا الرابع: فباطل، لأنّ العلم بالوقوع تبع1 الوقوع ووقوع ذلك الشيء تبع الأمر الذي خصصه بالوقوع دون مثله وهو الإرادة فلو عللنا تعلّق الإرادة بوقوعه بتعلق علم اللّه بوقوعه دار. وأيضاً تغير المعلوم محال فيمتنع عقلاً إحداثه في وقت علم عدم حدوثه فيه وعدم إحداثه في وقت علم حدوثه فيه، وهو يقتضي كونه

1 . ق: «مع».

صفحه 159
موجباً بالذات.
وأمّا الخامس: فباطل أيضاً، لأنّ المصلحة التي تحصل من خلق اللّه تعالى العالم في ذلك الوقت دون سائر الأوقات إن أمكن حصولها بتقدير خلق اللّه تعالى العالم في وقت آخر، لم يكن ذلك مرجّحاً لذلك الوقت على سائر الأوقات. وإن لم يمكن حصولها في سائر الأوقات فيكون حصول تلك المصلحة بتقدير حدوث العالم في وقت آخر محالاً، فتلك الاستحالة إمّا أن تكون لعين الشيء وذاته أو لأمر لازم أو لأمر عارض، والأقسام باطلة لما مرّ.
وأيضاً فلأنّا نعلم بالضرورة انّا لو قدّرنا أنّ اللّه تعالى خلق العالم قبل خلقه بآن واحد أو خلقه أزيد من المقدار الذي خلقه بجزء لا يتجزأ أو أنقص منه بذلك المقدار لم يختلف بسبب ذلك شيء من مصالح المكلّفين لا سيّما إذا لم يخلق اللّه تعالى فيهم علماً بذلك.
وأيضاً حدوث وقت تلك المصلحة إن كان لا لمحدث لزم نفي الصانع، وإن كان لمحدث عاد الكلام فيه.
وأيضاً تلك المصلحة إن كانت حاصلة قبل ذلك الوقت لزم حدوثه قبله، وإن وجب حدوثه في ذلك الوقت جاز في غير ذلك ولزم نفي الصانع، وإن لم يجب عاد الكلام في اختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة وتسلسل.
و لأنّ فاعلية اللّه تعالى إن اعتبر فيها رعاية المصالح وجب فيما لا مصلحة فيه أن لا يوجده، لكن خلق الكافر وتكليفه مع العلم بانّه لا يستوجب إلاّالعقاب ليس مصلحة فوجب أن لا يوجد. وإن لم تعتبر فيها تلك بطل أصل الجواب.
وأمّا السادس: فباطل لما تقدّم من امتناع انقلاب الممتنع لذاته ممكناً لذاته. ولأنّ الماهية لا يمتنع قبولها للوجود أو لا قبولها له، فيكون شاملاً للأوقات.

صفحه 160
وأمّا السابع: فباطل بما تقدّم من أنّ التأثير لا يستدعي تقدّم العدم. وأيضاً يعارض بأنّه لو وقع العالم قبل الوقت الذي وقع فيه بمقدار سنة فقط لم يصر بذلك أزلياً فحينئذ يتحقّق الإشكال وهو أنّ إمكان حدوث العالم ليس له ابتداء، إذ لا وقت يفرض أن يكون مبدأً للإمكان إلاّ وهو ممكن الحدوث قبله وأنّه لا يصير أزلياً بأن يوجد قبله بآن واحد. وإذا امتنع أن يكون لإمكانه مبدأ ثبت أنّه دائماً ممكن الثبوت.
وأمّا 1المعارضات فضعيفة.2
أمّا الأوّل: فلأنّ تعين النقطتين للقطبية وتعين تلك الدائرة للمنطقية والخط للمحورية إنّما كان لأجل أنّ الفلك إذا تحرك على الوجه الذي تحرك عليه فانّه يستحيل عقلاً أن تصير سائر النقط قطباً وسائر الدوائر منطقة، فإذن تعيّن الأقطاب والمناطق بسبب تعين الحركات. وتعين الحركات لأُمور ثلاثة:
الأوّل: إنّ نظام العالم السفلي لا يحصل إلاّ بالحركة على هذا الوجه.
الثاني: الحركة من المشرق إلى المغرب مضادة للحركة من المغرب إلى المشرق

1 . ق: «القبول».
2 . قال الرازي: «واعلم أنّا قبل الخوض في الجوابات المفصلة نذكر كلاماً كلياً عقلياً في دفعها: فنقول: إنّ النقوض المذكورة ، إنّما أوردتموها على قولنا: الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلاّلمرجّح. فهل أنتم تعترفون بصحّة هذه المقدمة أو تنكرونها؟ فإن سلمتم صحّتها فقد زالت تلك النقوض وتلك المعارضات، لانّها بأسرها واردة على هذه المقدمة فلما كانت هذه المقدمة صحيحة كانت تلك النقوض والمعارضات كلّها فاسدة مدفوعة باطلة. وأمّا إن منعتم صحّة هذه المقدمة، فحينئذ لا يمكنكم أن تستدلوا بإمكان الممكنات وحدوث المحدثات على وجود موجود واجب الوجود، وذلك في نهاية الفساد والبطلان. فهذا كلام كلي في دفع هذه النقوض والمعارضات على سبيل الإجمال». المطالب العالية 4:79.

صفحه 161
ولا يلزم من كون الشيء قابلاً للشيء كونه قابلاً لضده.1 فإذن لا يكون اختصاص الفلك بإحدى الحركتين دون الأُخرى ترجيحاً لأحد المثلين على الآخر بل ترجيحاً للشيء على ما يخالفه وهو غير منكر، إنّما المنكر ترجيح الشيء على مثله.
الثالث: حركات الأفلاك لأجل التشبه بالعقول المفارقة، وإذا كان كذلك فمن المحتمل أن يكون التشبه لا يحصل إلاّبالحركة المخصوصة، فلذلك اختار الفلك تلك الحركة على سائر الحركات.
و بهذه الأجوبة الثلاثة خرج الكلام في البطء والسرعة.
قال أفضل المحقّقين:«اختصاص أحد الأوضاع الفلكية بأن يستدير عليه الفلك من سائرها يجب أن يكون بحسب مخصص عائد إلى محركه، إذ المتحرك بسيط فهذا حكم يوجبه العقل وإن لم يعرف وجه التخصيص بالفعل2، ولمّا وجد3متحركاً على وضعمّا حكم بوجود4 ذلك المخصص بالإجمال، وحكم بأنّ ذلك المخصص بعينه يجب أن يكون مانعاً عن الاستدارة على سائر الأوضاع لامتناع وجود حركتين مختلفتين في جسم واحد».5
وأمّا الثاني والثالث: فلأنّ مادة كلّ فلك لا تقبل غير ذلك النوع من الحركة، أو أنّها وإن كانت قابلة لسائر الأنواع لكن العناية بالسافلات لا تحصل إلاّمن

1 . لأنّه لم يثبت في العقل:أنّ الماهيات المختلفة يجب استواؤها في اللوازم والأحكام. نفس المصدر:81.
2 . في المصدر:«بالتفصيل».
3 . في المصدر:«وجده».
4 . في بعض نسخ المصدر:«بجوده»، وهو خطأ.
5 . شرح الإشارات2: 233ـ234.

صفحه 162
هذه الحركة، أو لأنّ تشبه كلّ فلك بالجوهر المفارق الذي هو معشوقه لا تحصل إلاّ بهذه الحركة.
وأمّا الرابع: فلأنّ مادة كلّ فلك غير قابلة لما هو أزيد من المقدار الحاصل لفلكها أو أنقص، ولمّا كان الزائد والناقص محالين لاجرم استمر ذلك الامتناع، وأمّا حدوث العالم قبل أن حدث فلو كان ممتنعاً استمر ذلك الامتناع ولما حدث أصلاً، فلمّا حدث علمنا أنّه ممكن في كلّوقت.
وأمّا الخامس: فاختصاص الكواكب والتداوير والأوجات والحضيضات بمواضع معينة من الفلك، فلأنّا لا نقول: حصل الفلك أوّلاً ثمّ حصل الكوكب1 وأحدث فيه نقرة حتى يرد السؤال بأنّه لِمَ أحدث النقرة من ذلك الجانب دون سائر الجوانب؟ بل نقول: حدث الفلك والكوكب معاً، ويلزم من حدوث الكوكب حصول تلك النقرة، ثمّ استحال بعد ذلك انتقال الكوكب منه لاستحالة الخرق على الفلك.
فالحاصل: أنّ موضع الكوكب لو تعين قبل حصول الكوكب فيه كان هذا السؤال لازماً. فأمّا إذا كان تعيّن تلك الأحياز والمواضع بسبب2 اختصاصها بها فلا، فإنّ ذلك الحيز إنّما صار ذلك الحيز بحصول ذلك الكوكب فيه وإلاّ كان مُصمتاً من3غير تلك الحفرة والنقرة.
ثمّ إنّ الكوكب بعد اختصاصه بذلك الموضع امتنع عليه التبدل لامتناع الخرق على الفلك، وهو جواب السادس والسابع.
وأمّا الثامن: فلأنّ حدوث الحوادث في عالمنا هذا إنّما يكون لأنّ المواد

1 . ج: «الكواكب».
2 . ج: «لسبب».
3 . ق:«عن».

صفحه 163
العنصرية بسبب اختلاف الحركات السماوية الدورية يختلف استعدادها بحسب الاستعدادات المختلفة تفيض1عليها من العقل الفعال كيفيات مختلفة، فلولا الحركات السماوية لاستحال حدوث الحوادث في عالمنا هذا، ثمّ تلك ا لحركات السماوية لابدّ وأن يكون كلّ واحد منها مسبوقاً بغيره لا إلى أوّل ليكون كلّ متقدم متقرباً للعلّة الموجدة إلى المعلول بعد بعدها عنه، وذلك هو الذي يقتضي قدم العالم.
والأصل في ذلك أنّ العلّة قد تكون معدّة وقد تكون مؤثرة.
أمّا المعدّة فيجوز تقدمها على المعلول لأنّها غير مؤثرة في الوجود بل هي تقرّب العلّة إلى المعلول.وأمّا المؤثرة فانّها يجب أن تكون مقارنة للأثر معه. مثاله في الأفعال الطبيعية: أنّ الثقل علّة للهوى، ثمّ إنّ الثقل لا ينتهي بحركته إلى حدّ من حدود المسافة إلاّ ويصير ذلك الانتهاء سبباً لاستعداده لأن يتحرّك منه إلى الحدّ الذي يليه، فالحركة السابقة علّة لحصول الاستعداد والمؤثر في وجود الحركة هو الثقل وهو موجود مع الأثر.
ومثاله من الأفعال الإرادية: أنّ مريد الحج تكون تلك الإرادة الكلية سبباً لحدوث إرادات جزئية مترتبة يكون كلّ واحد منها علّة بالعرض للآخر، فانّه لا تنتهي الحركة إلى حدّ من حدود المسافة إلاّو يكون انتهاؤه إلى ذلك الحدّ سبباً لأن يحدث له قصد آخر جزئي إلى أن يتحرك منه إلى الحدّ الذي يليه، والمؤثر في وجود تلك الحركة هو القصد الكلي وهو مقارن لجميع أجزاء الحركة موجود معها. فلهذه الحوادث سبب قديم هو الواهب للصور المفيض للوجود، لكن فيضانها عنه موقوف على صيرورة المادة مستعدة لقبول ذلك الفيض، وصيرورة المادة مستعدة بعد أن لم تكن إنّما تكون بواسطة الحركات والتغيرات حتى يكون كلّ سابق علّة

1 . كذا.

صفحه 164
لاستعداد المادة لقبول اللاحق.
فإذن لا يمكن أن يحدث شيء من الأشياء إلاّبواسطة حركة تقرّب العلّة إلى المعلول، وتجعل المادة مستعدة لقبول التأثير. وأيّ شيء يفرض أن يكون أوّلاً للحوادث فلابدّ وأن تكون قبله حركة وتغير ليكون سبباً لحدوث ذلك الاستعداد في ذلك الوقت، فعلى هذا النهج يمكن حدوث الحوادث.
لا يقال: تجدد مؤثرية المؤثر يستدعي علّة.
لأنّا نقول: المؤثرية حكم إضافي لا وجود له في الخارج فلا يستدعي علّة.
و لنعقد في هذا الموضع مبدأ برهان آخر على دوام الفاعلية، فنقول: هذه الحوادث لابدّ لها من أسباب، ولابدّ وأن تكون أسبابها حادثة أو مشاركة في أُمور حادثة، فإمّا أن يكون حدوثها لحدوث عللها دفعة أو لحدوث قرب عللها منها، والأوّل يوجب وجود علل ومعلولات غير متناهية معاً، وهو محال.
فإذن حدوثها لأجل قرب عللها منها وذلك القرب لأجل أنّ السابق علّة لصيرورة ذلك الحادث مستعداً لقبول الفيض عن واهب الصور، فتلك الأُمور المتعاقبة إن كانت آنيّة لزم تتالي الآنات، وقد تقدّم بطلانه.
وأيضاً لا يكون بينها اتصال بل هي متقاطعة فلا يكون وجود شيء منها متعلقاً بوجود الآخر فلا يكون السابق منها واجب الانتهاء إلى اللاحق، فلا يكون علّة معدّة وقد فرض كذلك، هذا خلف.
فإذن بين تلك الحوادث اتصال. فإذن الآنات غير موجودة بالفعل، بل يمكن فرضها في ذلك الشيء فرضاً بحيث متى فرض فيه آن كان مشتركاً بين الجزئين ويكون نهاية للماضي وبداية للمستقبل، والذي هذا حاله هو الزمان، والزمان متعلق الوجود بالحركة، فثبت أنّ السبب القريب لحدوث الحوادث أمر

صفحه 165
متقض متصل غير مركّب من أُمور غير قابلة للقسمة.و ذلك أيضاً مبدأ من مبادي نفي الجزء الذي لا يتجزأ.
فظهر منه أنّه يمتنع حدوث حادث إلاّ وقبله حادث آخر لا إلى نهاية.
وأمّا التاسع: فلأنّ اختصاص مادّة كلّ عضو بصورته لأنّ تلك المادة كانت مستعدة لتلك الصورة بسبب أُمور حادثة سابقة عليها. والسبب في حصول تلك الأُمور السابقة حال حصولها أُمور أُخر سابقة عليها لا إلى أوّل.
والجواب: قولكم:«إنّه قد تقرر في بداية العقول أنّ الممكن كيف كان لابدّ له من مرجّح سواء كان قادراً أو لم يكن» مسلّم، فانّا نوجب استناد الممكن إلى المؤثر، لكن ليس بحثنا في ذلك بل في تجويز وقوع أحد طرفي الممكن عن المؤثر لا لمرجح; فإنّا ندعي الضرورة فيه، كالهارب من السبع والجائع والعطشان إذا تساوت الأشياء المؤدية إلى مطلوبه، فانّه يختار أحدها لا لمرجح.
ولا نقول: إنّه يقف متحيراً حتى يدركه السبع أو يشتد جوعه أو عطشه. ولو خطر ببال أحد شيء يمكن أن يكون مرجّحاً مثل أن يكون أحد الجوانب أقرب إليه أو أحسن لوناً أو أكثر نضجاً، فلنفرض الاشتراك في هذه الأُمور.
وأيضاً يقتضي دوام المعلول الأوّل لوجوب دوام واجب الوجود ودوام الثاني لدوام الأوّل وهلم جراً، وهو ينفي الحدوث أصلاً. والقادر يمكنه الإيجاد في غير ذلك المؤثر.
قوله1: «إمّا أن يعتبر في تعلّق الإرادة بإيقاع العالم في وقت معيّن ذلك الوقت أو لا يعتبر» ضعيف، لأنّكم إن عنيتم بكون ذلك الوقت معتبراً أنّ للوقت

1 . أي قول الرازي حكاية عن الفلاسفة في المطالب العالية 4:59 وما يليها . كذلك في سائر الموارد الآتية.

صفحه 166
أثراً في كون الإرادة متعلّقة بإيقاع العالم في ذلك الوقت فذلك لا نقول به. وإن عنيتم به أنّ إرادة اللّه تعالى اقتضت لذاتها من حيث هي هي إيقاع العالم في ذلك الوقت على أن يكون الوقت ظرفاً للوقوع لا مقتضياً للإيقاع، فهو حق. وأنتم ما ذكرتم في إبطال هذا الاحتمال شيئاً ولا يلزم منه دوام العالم. وكما استند أصل الترجيح إلى الإرادة كذا الترجيح الخاص، وإلاّ لكان موجباً بالنسبة إلى الخصوصية، وهو محال.
وبالجملة فكلّ فعل إرادي سواء كان كلياً أو شخصياً فانّ الإرادة مخصصة له بالإيجاد لذاتها، وإذا تعلّقت بوقت خصصت ذلك الوقت على سبيل الوجوب. ولا يلزم كونه تعالى موجباً، لأنّ الموجب هو الذي يفعل لا1 بالقصد والإرادة . ليس الذي يفعل بإرادة موجبة للتخصيص لذاتها وإرادته متعلّقة بإيجاده في وقت مقدّر. وليس بحادث، لأنّه أمر مقدّر لا محقّق فلا يكون حادثاً.
والعلم التابع هو الإنفعالي لا الفعلي، وتغير المعلوم محال من حيث العلم الذي هو فرض لمطابق العلم، ولا ريب في وجوب الشيء حال فرض وجوده وحال فرض مطابق وجوده .و المصلحة إذا فرض اختصاصها بوقت امتنع حصولها في غيره. وادعاء العلم بعدم اختلال شيء من المصالح على تقدير إيجاد العالم قبله بآن أو على تقدير حصول أزيد منه2 في المقدار، دعوى باطلة. وخلق الكافر مصلحة وكذا تكليفه، وسيأتي البحث فيه إن شاء اللّه تعالى.
والانقلاب غير حاصل، لأنّ فرض الامتناع في وقت لا يزول فانّه دائماً ممتنع في ذلك الوقت، وقبل الوقت لا وقت حتى يفرض فيه إمكان وجود العالم.
قوله:«تعيّن النقطتين المخصوصتين للقطبية والدائرة المخصوصة لكونها

1 . «لا» ساقطة في ق.
2 . ج:«فيه».

صفحه 167
منطقة والخط لكونه محوراً لأجل تعين تلك الحركة».
قلنا: لا نزاع في ذلك، ولكن لماذا اختص الفلك المعيّن بالحركة المخصوصة؟
قوله:«لأنّ نظام العالم لا يحصل إلاّ بالحركة على هذا الوجه».
قلنا: هذا باطل، لأنّا نعلم بالضرورة أنّا لو قدّرنا حركة الكواكب هذه الحركة المخصوصة وعلى بطئه وسرعته، لكن إلى ضدّ تلك الجهة فانّه لا يختل شيء من منافع العالم.
سلّمنا، لكن يبطل أصل الدليل، لأنّه إذا جاز لكم أن تزعموا أنّ الفلك اختار الحركة المخصوصة رعاية منه لنظام العالم، فلِمَ لا يجوز أن يقال: الباري تعالى إنّما اختار ايجاد العالم في الوقت المعيّن رعاية منه لنظام العالم ورعاية لمصلحة العالم؟ وبأيّ شيء يقدح في هذا أمكن أن يقدح به فيما ذكرتموه.
قوله:«الحركة من جهة إلى أُخرى تضاد الحركة من الجهة الأُخرى إلى الأُولى ولا يلزم من كون الشيء قابلاً لشيء كونه قابلاً لضدّه».
قلنا: لا نزاع في مضادة هاتين الحركتين، ولكن قد دللنا على أنّ كلّ عرض يصحّ أن يتصف به جسم يصحّ أن يتصف به كلّ جسم، وإذا كان كذلك فالحركة من المشرق إلى المغرب حاصلة في الفلك الأوّل فيلزم أن يكون الفلك الثاني قابلاً لها وبالعكس فيكون اختصاص كلّواحد من الفلكين بإحدى الجهتين لا لمرجح، وذلك يبطل كلامكم.
قوله:«حركات الأفلاك لأجل التشبه بالعقول فجاز أن يكون التشبه حاصلاً بإحدى الحركتين دون الأُخرى، فلهذا اختار الفلك تلك الحركة على سائر الحركات».

صفحه 168
قلنا: هذا باطل، لأنّ الفلك إذا حاول التشبه بالعقول1 فليس ذلك لأنّه يحاول أن يجعل نفسه مثل العقل; لأنّ الجسم لا يصير عقلاً لاستحالة انقلاب الأجناس، بل المعيّن من هذا التشبه أنّ الفلك يحاول أن يحصّل بالفعل كلّ الكمالات التي يمكن حصولها له كما أنّ العقل قد حصل له بالفعل من الكمالات كلّ ما يمكن الحصول له، وإن كان المعنى من التشبه ذلك لم يكن اختلاف ماهيات العقول موجباً اختلاف هذه الحركات، لأنّ العقل المجرّد كيف كان حقيقته وماهيته فإن تشبه الفلك به من الوجه المذكور لا يختلف أصلاً.
لا يقال: ماهيات العقول مختلفة فلا يلزم من كون ماهية عقل موجبة لحركة2 مخصوصة كونها موجبة حركة أُخرى، لأنّه ليس الموجب لذاته شيئاً موجباً لذاته كلّ شيء.
لأنّا نقول: لا نزاع في ذلك، ولكن العقل لمّا لم يكن جسماً ولا جسمانياً كانت نسبته إلى جميع الأجسام المتماثلة واحدة فلم يكن بأن يختصّ بعض الأجسام لقبول أثره الخاص أولى من غيره إلاّ لأمر زائد على الجسمية، وذلك الزائد إن كان حالاً في الجسم عاد السؤال فيه وإن كان محلاً له كان باطلاً لما مرّ من أنّ الجسمية لا محلّ لها.
قوله:«انتقار الموضع المعيّن من الفلك ليس متأخّراً عن وجود الفلك».
قلنا: هذا باطل، لأنّ كون ذلك الموضع للكوكب عبارة عن السطح مع إضافة خاصة وهي كونها محيطاً بجسم آخر فتلك الإضافة متأخرة عن ذلك السطح المتأخر عن وجود الجسم فيكون حصول تلك النقرة متأخراً لا محالة عن

1 . ج: «العقل».
2 . ج: «حركة».

صفحه 169
تكون جسم الفلك، وذلك يبطل ما ذكرتموه، وهو جواب عذرهم عن المتممات.
قوله على المعارضة الثامنة1:«حدوث الحوادث إنّما كان لأنّ الحركات السماوية معدّة لفيضان تلك الحوادث عن واهب الصور».
قلنا: هذه عبارات هائلة، ونحن نذكر تقسيماً حاصراً يبطلها، فنقول: علّة هذه الحوادث إن كانت قديمة فإن لم يتوقف فيضانها عن تلك العلّة القديمة على حدوث حادث كان ذلك اعترافاً بأنّ المؤثر القديم لا يجب أن يكون أثره قديماً، فيبطل أصل دليلكم. وإن توقّف فالعلّة قبل حصول الشرط ما كانت علّة بالفعل وعند حصوله صارت علّة بالفعل، فكونها علّة بالفعل حكم حادث لتلك الماهية بعد أن لم يكن فلابدّ لها من مؤثر، وذلك المؤثر إن كان سابقاً عليه فقد أمكن أن تكون علّة وجود الشيء مقدماً عليه، وإذا جاز ذلك جاز استناد وجود كلّ حادث إلى حادث آخر قبله لا إلى أوّل، كما هو مذهب الفلاسفة، من غير أن يستند ذلك الحادث إلى مؤثر قديم، وذلك يسدّ باب إثبات المؤثر القديم. وإن كان المؤثر في تلك العلّة أمراً مقارناً له فالمقارن إن كان معلولاً له دار، وإن لم يكن معلولاً فالكلام في حدوث ذلك المقارن كالكلام في الأوّل وتسلسل، وتعود الأقسام المذكورة بعينها.
وإن كانت علّة الحادث المعيّن حادثة أيضاً فذلك الحادث إن وجب أن يكون معه كان الكلام فيه كالكلام في الأوّل فيلزم إثبات علل ومعلولات لا نهاية لها معاً، وهو يسدّ باب إثبات الواجب. وإن كان سابقاً عليه كان هو أيضاً مستنداً إلى حادث آخر سابق عليه لا إلى أوّل على ما هو مذهب الفلاسفة، وذلك يسدّ باب إثبات الصانع. فثبت أنّه إمّا أن يلزمهم نفي الصانع أو الاعتراف بمؤثر قديم يتخلف أثره عنه.

1 . في النسخ:«الخامسة»،و ما أثبتناه هو الصواب.

صفحه 170
لا يقال: أنتم بنيتم هذا الكلام على أنّ علّية العلّة المؤثرة حكم زائد على ذاتها، وهو ممنوع.
لأنّا نقول: الفلاسفة اتّفقوا أنّ مقولة أن يفعل أحد أجناس الأعراض، فلا يمكنكم الإمتناع من ذلك هنا.
ثمّ نقول: هذه الشبهة التي ادعيتم قوتها لا تدل على قدم الأجسام لاحتمال أن يقال: إنّواجب الوجود مريد بإرادات حادثة لا أوّل لها وكلّ سابق منها علّة لحصول اللاحق على الوجه الذي ذكرتموه في الحركة ثمّ تلك الإرادات انتهت إلى إرادة حادثة متعلّقة بإيجاد الأجسام. فعلى هذا: الحوادث وإن لم تكن لها بداية إلاّ أنّ الأجسام مع ذلك تكون حادثة.
لا يقال: هذا مبني على أنّه تعالى عالم بالجزئيات قاصد إلى إيجادها.
لأنّا نقول: سيأتي إثباتهما.
سلّمنا : فلِمَ لا يجوز أن يكون واجب الوجود لذاته علّة لوجود موجود غير جسماني له إرادات جزئية لا بداية لها، ثمّ إنّها انتهت تلك الإرادات إلى إرادة متعلّقة بخلق الأجسام؟ وعلى هذا الفرض تكون الأجسام محدثة.
لا يقال: القصود الجزئية لا تحصل إلاّ مع الإدراكات الجزئية وهي لا تحصل إلاّ مع الآلات الجسمية، فيلزم من لا أوّلية تلك الإرادات لا أوّلية الجسم.
لأنّا نقول: لا نسلّم أنّ الإرادات الجزئية إنّما تحصل بالآلات الجسمانية. وهذا الاحتمال مذهب قوم من الحكماء القائلين بحدوث العالم، وكان محمد بن زكريا الطبيب من المتأخرين ناصراً له، ولم يستقل أحد من أصحاب أرسطوا بإبطاله.

صفحه 171
والجواب عن الثاني1: أنّه معارض بالحادث اليومي، فانّه صحيح الوجود في الأزل وإلاّ لم يوجد فيكون واجب الوجود في الأزل لما قلتم، لكنّه حادث بالضرورة، فما هو جوابكم عنه فهو جوابنا عن العالم.فإن أجبتم بأنّ الحادث المعيّن كان ممتنعاً في الأزل ثمّ انقلب ممكناً فيما لا يزال، فنحن نقول في كلّ العالم كذلك. وإن قلتم: إنّه كان ممكناً في الأزل مع أنّه لم يجب حصوله في الأزل، فكذا هنا.
ثمّ نقول: إنّه صحيح الوجود في الأزل بالنظر إلى ذاته لا إلى كونه محدثاً وممتنع في الأزل باعتبار وصف المخلوقية، فلا يلزم انقلاب الممتنع لذاته ممكناً ولا وجوده أزلاً ولا استحالة العالم في الأزل لذاته ولا استغناء الحادث عن المؤثر، وبه يعرف بطلان الكبرى.
وعن الثالث:2 لا نسلّم سبق الإمكان في الخارج، لأنّه أمر ذهني لا وصفاً ثبوتياً على ما تقدّم3 فلا يستدعي محلاً، وإلاّ تسلسل. وتلازم الهيولى والصورة، تقدّم بطلانه.4 ويعارض بالهيولى نفسها فانّها ممكنة فإمكانها ليس حالاً فيها، لامتناع قبول الشيء تقدّمه عندكم فلها هيولى، وكذا للمجردات الممكنة عندكم.

1 . من الوجوه التي تمسك بها الفلاسفة لإثبات قدم العالم .تقدم في ص 137.
2 . أجاب عنه الشهرستاني أيضاً بأنّ الإمكان أمر راجع إلى التقدير الذهني. نهاية الاقدام:34. وكذا الرازي في المحصل والمطالب العالية 4:170. واعترض عليه الطوسي وفرّق بين الإمكان الذي محلّه الماهية وبين الإمكان الذي محلّه المادة; بأنّ الأوّل منهما أمر عقلي يعقل عند انتساب الماهية إلى وجودها، والثاني عبارة عن الاستعداد، وهواستعداد وجود شيء يكون قبل وجود ذلك الشيء ويحتاج إلى محلّ، لأنّه عندهم عرض موجود من جنس الكيف.
ثمّ ذكر الجواب الصحيح بأنّ الأُمور الإبداعيّة لا يتصور فيها استعداد يتقدّم وجودها... نقد المحصل:206ـ207.
3 . في المجلد الأوّل، ص 111 و 112 .
4 . في ج2، ص 546 وما يليها.

صفحه 172
وعن الرابع: ما تقدّم من عدم استدعاء السبق الزمان.1 وانتقاضه بأجزاء الزمان وبواجب الوجود تعالى. ونمنع كون الزمان مقداراً للحركة تابعاً لها، فإنّ بعضهم ذهب إلى أنّه مقدار لمطلق الوجود.2
وعن الخامس: أنّ الإمكان المفترض قبل العالم الذي يتسع لحوادث عشرة أيّام أقلّ من الذي يتسع لعشرين يوماً، إنّما هو أمر ذهني واعتبار عقلي لا تحقّق له في الخارج.
ثمّ ما المراد من هذا الكلام؟ إن عنيتم به أنّه وجد قبل حدوث العالم بأجسامه وأعراضه أمر يتسع لعشرة من الدورات وأمر آخر يتسع لعشرين فهو مصادرة على المطلوب الأوّل، فلِمَ قلتم: إنّه يوجد قبل حدوث العالم مدّة وزمان وهل النزاع إلاّ فيه؟
وإن عنيتم به أنّ الدورات العشرة إذا وجدت كانت أقلّ من الدورات العشرين فمسلّم، ولكن ذلك لا يقتضي وجود زمان قبل حدوث العالم.
ولقد سألت شيخنا أفضل المحقّقين نصير الملّة والدين ـ قدّس اللّه روحه ـ عن ذلك، فقال: لا فرق بين فرض امتدادين في الزمان أحدهما أطول من الآخر وامتدادين في المكان أحدهما أطول من الآخر، فإن اقتضى الفرض الأوّل وجود زمان محقّق اقتضى الفرض الثاني وجود بعد محقّق.و كما أنّ الأوّل يكون غير متناه

1 . إنّ القبلية تستلزم وجود الزمان إذا ثبت أنّها أمر موجود في الخارج. قواعد المرام:61ـ62. وذكر فيه وجوه المنع عن كونها في الخارج.
2 . راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب، ص 334. وقال الرازي:«إنّ أصحاب أرسطاطاليس يحتجون على قدم الزمان، ثمّ لما كان مذهبهم: أنّ الزمان مقدار الحركة، لا جرم أمكنهم أن يستدلوا بقدم الزمان على قدم الحركة، وبقدم الحركة على قدم الجسم. فإذا قلنا المدّة والزمان: جوهر قائم بنفسه، وأنّه ليس من لواحق الحركة، فحينئذ لا يمكن الاستدلال بقدم المدة على قدم الحركة والجسم. فلتكن هذه الدقيقة معلومة». المصدر نفسه:200.

صفحه 173
كذا الثاني. وكون الأوّل عقلياً والثاني وهمياً تحكّم.
ونعم ما قال، فانّ الجسم الذي يزيد قطره على نصف قطر هذا العالم بعشرة أذرع لا يتسع له ما يتسع لنصف قطر هذا العالم فيلزم منه إثبات الخلاء خارج العالم، وهم لا يقولون به.
وعن السادس: أنّ اللّه تعالى متقدّم على العالم بتقدير أوقات غير متناهية، ولا يلزم من ذلك قدم الزمان ولا الحركة ولا الجسم.و هذا لو لم يكن له في الواقع مثال لامكن، فكيف وأنّ له مثالاً في الواقع وهو: تقدّم بعض أجزاء الزمان على بعض.1
وعن السابع: كذلك أيضاً . ولا يلزم من نفي التقدّم بالزمان في الخارج نفي التقدم، فانّ الواجب تعالى والممتنع كلاهما لا تحقّق للوجوب والامتناع منهما في الخارج مع صدقهما عليهما ذهناً، فكذا هنا.وتحقيقه ما تقدّم في نفس الأمر.
وعن الثامن: أنّ المفهوم من قولنا: العالم لم يكن في الأزل،ما هو المفهوم من قولنا: هذا الزمان كائن الآن وأنّه ليس كائناً فيما مضى، وكما لا يدلّ ذلك على وجود زمان حصل فيه الزمان، فكذا هنا.
وعن التاسع: أنّ تميز وقت عدم العالم عن وقت وجوده كتميز الوقت الذي حدث فيه اليوم عن2 الوقت الذي حدث فيه الأمس، لأنّه لو لم يتميز وقت اليوم

1 . كتقدم الأمس على اليوم، فإنّه ليس بالزمان والمدّة، وإلاّ لزم وقوع المدّة في مدّة أُخرى إلى مالانهاية له. المطالب العالية4:198. وذكر فيه وجوهاً ستة لأنّه لا يجب أن يكون تقدّم الباري على العالم بالمدّة والزمان، ثمّ أجاب عنها. راجع أيضاً نهاية الاقدام:31، وقد فصل فيه الجواب عن هذه الشبهة.
2 . ج:«من».

صفحه 174
عن وقت أمس كان اليوم حاصلاً مع أمس وهو محال، فيكون للزمان زمان. فما هو جوابكم عن ذلك فهو جوابنا عن العالم.و الأصل أنّ الزمان هنا تقديري لا حقيقي.
وعن العاشر: أنّ قولكم:«لوكان العالم محدثاً مستنداً إلى القادر لكان القادر إمّا أن يكون يصحّ منه الفعل أزلاً أو لا » إن عنيتم به أنّه يصحّ منه في الأزل إيجاد الفعل في الأزل، فهو محال.و إن عنيتم به صحّة وجود العالم في نفسه لا باعتبار اسناده إلى القادر، فهو صحيح.أو أنّه يصحّ منه في الأزل إيجاد الفعل فيما لا يزال، فهذه الصحّة ثابتة أزلاً وأبداً، فالذي كان صحيح الوجود في وقت فهو صحيح الوجود أزلاً وأبداً والذي هو ممتنع الوجود فهو ممتنع أزلاً وأبداً.
وأيضاً فمعارض بالحادث اليومي بشرط كونه مسبوقاً بالعدم، فانّه إن كان صحيحاً لذاته لم يلزم ثبوت الصحّة في الأزل فكذا في كلّ العالم، وإن لم يكن صحيحاً فعدم تلك الصحّة إمّا لعدم المقتضي أو لوجود المانع، و1 يعود التقسيم الذي ذكروه.
قوله:«إذا أوجد الفعل فإمّا أن تبقى قادريته على ذلك الفعل أو لا ».
قلنا: القادرية أمر ثبوتي وهي باقية بعد وجود الفعل.وأمّا تعلقها بالفعل فقد بيّنا أنّه ليس أمراً ثبوتياً في الخارج، بل هي من الأُمور الإضافية التي لا وجود لها إلاّ في الذهن.
وعن الحادي2 عشر: أنّ التغير ليس في العلم بل في تعلقه، كالقدرة. ثمّ يعارض بالحادث اليومي وكلّ الاعراض والصفات والأحوال الحادثة فانّها معلومة له تعالى، فما هو جوابكم عنها فهو جوابنا عن جملة العالم.

1 . ق: «أو».
2 . ق: «الحادية».

صفحه 175
وعن الثاني عشر: أنّ فعله لغرض عائد إلى الغير.1
قوله:«حصول نفع الغير إن ساوى عدم حصوله بالنسبة إليه كان ترجيحاً من غير مرجّح، وإلاّ كان مستكملاً».
قلنا: إن عنيتم بذلك أنّه إذا كان حصول الغرض لغيره لا يتضمن حصول كمال له وعدم حصول ذلك الغرض لذلك الغير لا يتضمن فوات كمال عنه وجب أن لا يكون ذلك حاملاً له على الفعل، وهو ممنوع; لأنّ مجرّد انتفاع الغير يصلح داعياً للفاعل إلى الفعل. نعم الفاعل الذي هذا شأنه يستحقّ المدح والثناء بحيث لو لم يصدر عنه ذلك الفعل لم يحصل ذلك الاستحقاق. فإن عنيتم بالاستكمال هذا، فلِمَ قلتم: إنّه محال؟ وما الدليل عليه. على أنّ حديث الكمال والنقصان خطابي.و لأنّه تعالى كامل لذاته فاقتضى لذاته الكمال ومن جملته نفع الغير، فكان صادراً عنه بمقتضى كماله. ولا نسلم أنّ من فعل لأجل الغير يكون أنقص وأخسّ منه. وينتقض بالنبي عليه السَّلام المبعوث لنفع الأُمّة ولإرشادهم وهو أشرف من الأُمّة وأكمل منهم، والراعي أشرف من الغنم.ولا نسلّم أنّ خلق الكافر قبيح، وتكليف مالا يطاق بالنسبة إليه ممنوع. وليس الغالب الشر والآفات، والعوض واجب على ما يأتي بيان ذلك كلّه إن شاء اللّه تعالى في باب العدل.

1 . هذا على رأي المتكلّمين . وعلى رأي بعضهم أنّه لا غاية هناك. وعند الفلاسفة أنّ الغاية هناك نفس الفاعل، لأنّه تعالى إنّما يفعل لذاته; ولأنّه فوق الكمال. راجع نقد المحصل:208.
وقال الطوسي: «إنّ قوماً من المتكلمين يعلّلون أفعال الباري تعالى بالحسن والأولوية، فيقولون: إنّ إيصال النفع إلى الغير حسن في نفسه وفعله أولى من تركه. فلأجل ذلك خلق اللّه تعالى الخلق. والشيخ ]ابن سينا[ أراد أن ينبّه على أنّ هذا الحكم في حقّ اللّه تعالى مقتضى لاسناد نقصان إليه...» شرح الإشارات3: 143.

صفحه 176
وعن الثالث عشر:1 أنّ الجود ليس هو مطلق الإيجاد بل إيجاد الممكن على2 جهة النفع، والعالم في الأزل محال الوقوع عن المختار، وإنّما يحصل النفع لو أوجد العالم في وقت إيجاده.
وعن الرابع عشر: بذلك أيضاً3. وينتقض بإيجاد الحادث المعيّن، فانّه جود وإحسان ولا يلزم من ذلك دوامه ولا أزليته.و قد منع بعض الناس كون الإيجاد إحساناً، لأنّ الإحسان يستدعي وجود المنعَمعليه حال وصول تلك النعمة إليه، والشيء لم يكن موجوداً حال وصول الوجود إليه، وإلاّتسلسل، فلا يكون الإيجاد إحساناً.و الحقّ الأوّل، فانّ المقدمة الصغرى هنا ممنوعة.
وعن الخامس عشر: أنّ المؤثرية ليست صفة ثبوتية زائدة، وإلاّ كانت ممكنة مفتقرة إلى مؤثر ومؤثرية ويتسلسل، بل هي وصف اعتباري حكمها في الثبوت والانتفاء واحد. وأحد النقيضين يجب أن يكون إيجاباً أمّا موجوداً فلا، كما في الوجوب ونقيضه وكذا في قسيميه.4
وعن السادس عشر: ما تقدّم5 من أنّ تقدّمه تعالى على العالم بأوقات

1 . أجاب عنه الشهرستاني أوّلاً بجعله الجود من صفات الفعل والإضافات كالخالق والرازق، وأنّ دليلهم لإثبات قدمه ليس إلاّ مصادرة على المطلوب الأوّل. وثانياً بانّه تعالى جواد حيث يتصور الجود ولا يستحيل الموجود... فاستحالة وجود الموجود هو المانع لفيض الوجود... هذا كما يقدره المتكلم انّ الباري سبحانه يوصف بالقدرة على ما يجوز وجوده وأمّا ما يستحيل وجوده فلا يقال الباري تعالى ليس قادراً عليه بل يقال المستحيل في ذاته غير مقدور فلا يتصور وجوده. نهاية الاقدام:46ـ47.
2 . ق:«عن».
3 . راجع قواعد المرام: 62; المطالب العالية4: 137ـ138.
4 . ق:«قسميه». وأجاب البحراني بنفس الجواب وأجاب عن الإشكال الوارد في المقام، فراجع قواعد المرام:61.
5 . في الجواب عن السادس.

صفحه 177
مقدّرة غير متناهية لا محقّقة. وما ذكرتموه ينتقض بالحادث اليومي، فانّه متأخر عن العالم عندكم بأوقات محقّقة غير متناهية وانقضاء مالا يتناهى محال، فما هو جوابكم عن هذا السؤال فهو جوابنا عن العالم.
لا يقال: التوقّف عبارة عمّا إذا كان الشيئان معدومين ثمّ توقّف دخول أحدهما في الوجود على أن يبتدئ الآخر في الوجود وينقضي ثمّ يحصل بعده الآخر، وهذا لا يمكن فرضه إلاّ إذا كان للحوادث الماضية بداية، أمّا إذا لم تكن لها بداية لم يتحقّق هذا التوقف.
لأنّا نقول: إن صحّ لكم هذا الجواب في الأوقات المحقّقة فاقبلوه منّا في الأوقات المقدّرة.
وعن السابع عشر: أنّه خيال ضعيف عامي لا تحقّق له عند الخواص1،فلا يجوز إثباته في الكتب العلمية ولا الالتفات إليه ألبتة. على أنّ البديهة فرّقت بين الأمرين، فانّا إذا رأينا شخصاً قطعنا بأنّه تولد عن الأبوين، وإذا عرضنا على ذهننا أنّه هل يمكن في الجملة قبل زماننا حدوث شخص لا عن الأبوين؟ لم نجد الذهن قاطعاً بامتناع ذلك، وإذا حكمت البديهة بالفرق لم يضر الجهل بكمية ذلك الفرق.

1 . قال القاضي عبد الجبار: و منها ما يتعلق بـ «عوام الملحدة» ثمّ ذكره وأجاب عليه بقوله:«إنّ هذا اعتماد على مجرّد الوجود، والاعتماد على مجرّد الوجود في مثل هذه المسائل لا يمكن.... يبين ذلك أنّ أرباب المذاهب جملة أثبتوا خلاف ما قد وجدوه ولم يعتمدوا على مجرّد الوجود. ولهذا فإنّ الفلاسفة يقولون: إنّ في هذا العالم مواضع لا ينبت فيها نبات ولا يعيش فيها حيوان، وإنّما تكون دائمة الظلمة أو الشمس، مع أنّهم لم يشاهدوا مثله.
على أنّا نقول لهم: إنّ الحال فيما ذكرتموه لا يخلو، إمّا أن تكون الدجاجة والبيضة قديمتين أو محدثتين أو أحدهما قديمة والأُخرى محدثة، فإن كانتا محدثتين فهو الذي نقوله، وإن كانتا قديمتين لم يصحّ كون أحدهما من الأُخرى وكذلك الكلام إذا جعل إحداهما قديمة والأُخرى محدثة». شرح الأُصول الخمسة:117ـ118.

صفحه 178
وعن الثامن عشر: بمنع الملازمة ، فجاز أن تكون صحّة المقدورية مشروطة بالحدوث.
سلّمنا، لكن لا نسلّم امتناع التالي، فإنّ الباقي محتاج ولا يلزم تحصيل الحاصل، وإنّما يلزم لو كان المؤثر معطياً الوجود مرّة أُخرى، أمّا إذا كان حافظاً للوجود السابق فلا. على أنّ هذا لو ثبت امتنع اسناد أمر مّا إلى مؤثر على الإطلاق، وهو ضروري البطلان.
وعن التاسع عشر: أنّ الحدوث وصف إعتباري ويعارض بالقدم.
قوله:«إنّه أبداً قديم».
قلنا: هذه مغالطة، لأنّه في الحال لا يحكم عليه بأنّه في الأزل بل محكوم عليه بانّه كان في الأزل، كما أنّه في الحال لا يكون محكوماً عليه بأنّه حادث بل إنّه كان حادثاً، فظهر أنّ القول في القديم كالقول في المحدث.
واعلم أنّ النظام زعم أنّ الحدوث هو نفس الحادث فلأجل ذلك حكم باستحالة بقاء الجوهر. وزعم معمر بن عباد أنّ الحدوث زائد على الحادث والتزم القول بما لانهاية له من المعاني.
وعن العشرين: أنّ الاتصاف بالعوارض المتكثرة لا يستلزم التركيب.وما ذكروه جار مجرى ما يقال: السواد إن ساوى البياض من كلّوجه كان السواد بياضاً وهو محال، وإن خالفه من كلّ وجه لم يكن موجوداً ولا عرضاً، وإن خالفه من وجه وساواه من آخر كان السواد بياضاً من الوجه الذي تساويا فيه، وكما أنّ هذا معلوم البطلان بالضرورة فكذا ما قالوه.
وعن الحادي والعشرين: بمنع كون العدم ليس أثراً.والتخيير بين الشيء وضده إنّما كان لأنّ ضدّه يتضمن عدمه فلولا ثبوت التخيير بين فعل الشيء ولا فعله لما حصلت الخيرة بين الشيء وضدّه.

صفحه 179
وعن الثاني والعشرين: أنّ المحدث أثر فيه لا من حيث هوهو، لأنّه مختار فاعل بالقصد والاختيار، فلا يجب دوام أثره بدوامه. والنسبة ممنوعة إن أُريد بها غير الايجاد.
تذنيبات
التذنيب الأوّل: الطريقة الأُولى التي ذكرناها في الحدوث1 مبنية على امتناع خلو الجسم عن الكائنيات الحادثة.و مشايخ المعتزلة ومثبتوا الأحوال بنوا هذه الطريقة على امتناع خلو الجسم عن معان2 هي علل لهذه الكائنيات، وسيأتي البحث معهم إن شاء اللّه تعالى. على أنّ تلك الطريقة3 لا حاجة إليها في إثبات المطلوب.
الإشكال الأوّل: إثبات تلك المعاني،ولا يمكن إثباتها إلاّ بعد مقدّمات كثيرة لا يتمشى أكثرها.
الإشكال الثاني: لا يتمّ بعد تلك المقدمات إلاّ بابطال حصول هذه الكائنيات بالفاعل المختار ولا سبيل إلى إبطاله بشبهة فضلاً عن حجّة.
الإشكال الثالث: حدوث تلك المعاني، وذلك يستدعي إبطال القول بالكمون والظهور، وإبطال الانتقال على الأعراض،و إبطال قيام المعنى بالمعنى، وإبطال حصول المعاني لا في محلّ، وهذه مقدّمات عسرة الإثبات صعبة القبول.

1 . في ص 15 ومايليها.
2 . راجع المحيط بالتكليف:65(فصل: وإذا صحّ حدوث المعاني وأنّ الجسم لم يخل منها، فالذي به تعرف حدوث الجسم عند ذلك أحد الطريقين...); شرح الأُصول الخمسة: 95. وقال القاضي:«و أوّل من استدل بها شيخنا أبو الهذيل، وتابعه باقي الشيوخ».
3 . ق:+«تشتمل على إشكالات» بعد «تلك الطريقة».

صفحه 180
التذنيب الثاني: هذه الطريقة مبنية على جواز خروج كلّ جسم عن حيزه، وقد برهنّا عليه1.و يمكن أن يستدل عليه بوجوه أُخر:2
الوجه الأوّل: لو وجب حصول جسم في حيز لكان الحيز الذي يحصل فيه الجسم الآخر إمّا أن يكون مخالفاً للأوّل أو لا يكون، فإن كان مخالفاً له كان ثبوتياً، لأنّ العدم الصرف والنفي المحض لا يتصور فيه الاختلاف، لأنّ مفهوم الاختلاف أن تكون حقيقة غير قائمة مقام حقيقة أُخرى، وهويستدعي حقائق معيّنة في أنفسها وذلك في العدم الصرف محال.و لمّا بطل ذلك ثبت أنّ الأحياز لو تخالفت لكانت وجودية، فإمّا أن تكون مشاراً إليها أو لا، والأوّل على قسمين: إمّا أن تكون حالّة في الأجسام فيستحيل حصول الجسم فيه، وإلاّ دار، أو لا تكون مع أنّه يمكن الإشارة إليها وذلك هو التحيز، فيكون الحيز متحيزاً وكلّ متحيز فله حيز ويتسلسل، وإن لم يكن الحيز مشاراً إليه استحال حصول الجسم المشار إليه فيه. فثبت أنّ الحيز نفي محض، وأنّه إذا كان كذلك استحال أن يخالف حيزاً آخر، وإذا كان كذلك فكلّ جسم حصل في حيّز فانّه لابدّ وأن يمكن حصوله في حيز آخر لوجوب تساوي المتماثلات في جميع اللوازم.
اعترض: بأنّ قولنا في الجوهر: إنّه حصل في حيز معيّن دون غيره، إمّا أن يقتضي امتياز ذلك الحيز عن غيره أو لا، فإن كان الأوّل عادت المحالات التي ذكرتموها، وإن كان الثاني، فنقول: إذا جاز أن يحصل في حيز دون حيز وإن لم يتميز أحدهما عن الآخر، فلم لا يجوز أن يجب حصول ذلك في حيز دون حيز وإن لم يتميز أحدهما عن الآخر؟
الوجه الثاني: كلّ متحيز لابدّ وأن تفرض فيه جهتان ويكون هو لكلّ واحد

1 . راجع ص 72 وما قبلها.
2 . راجع المطالب العالية 4: 292(المسألة الثانية : في بيان أنّ كلّ جسم، فانّه يصحّ خروجه عن حيزه المعين).

صفحه 181
من جهتيه مسامتاً شيئاً غير ما سامته بجهته1 الأُخرى، وجهتاه لابدّ وأن تكونا متساويتين في تمام الماهية، وإلاّ كان ذلك الحيز مركباً عن جزئين مختلفين بتمام الماهية فحينئذ ينتقل الكلام إلى كلّ واحد من جزئيه، فإن كان كلّ واحد من جزئيه مركّباً من جزئين آخرين تسلسل، وبتقدير تسليمه لابدّ من الاعتراف بحيز غير مركّب، لأنّ كلّ مركّب ففيه الواحد بالضرورة وحينئذ نتكلّم في إحدى جهتي ذلك الواحد، وإذا كانا متساويين صحّ على كلّ واحد من جهتيه أن تصير مسامتة لما سامتته الأُخرى ضرورة وجوب تساوي المتماثلات في جميع اللوازم، وهو يقتضي صحّة حركة الجزء في مكان نفسه،و متى صحّ ذلك لزم أن يكون حصوله في ذلك الحيز واجباً.
الوجه الثالث: وهو إلزامي، نقول: الجسم عند الفلاسفة إمّا فلكي أو عنصري، والأفلاك وإن امتنع الحركة على كلياتها عندهم لكن أجزاؤها دائمة الحركة على الاستدارة، والعناصر لا نزاع في صحّة الحركة على أجزائها بالاستقامة والاستدارة، فكلّ جسم باتّفاق الخصم صحت الحركة عليه.
الوجه الرابع: لا نتعرض للكلية، بل نقول: الأجسام التي نشاهدها متحركة، فثبت حدوثها والأجسام متماثلة وحكم الشيء حكم مثله فحدوث بعض الأجسام يستلزم حدوث الكلّ.2
و هذه الطريقة وإن كانت جيّدة لكن الطريقة التي قلناها أوّلاً أقوى.

1 . ق:«بجهة».
2 . قال الرازي بعد ذكر هذه الوجوه على صحّة خروج الجسم عن حيزه المعين: «واعلم أنّ المجسمة والكرّامية وكلّ من زعم أنّ اللّه مختص بحيز معين وحاصل في جهة معينة، فانّه لا يمكنه تقرير هذه الدلائل ألبتة; لأنها بأسرها تصير منقوضة على قوله بذات اللّه تعالى». المطالب العالية4: 295.

صفحه 182
التذنيب الثالث: القديم لا يصحّ عليه العدم لما تقدّم1، وقد ذكروا فيه وجوهاً أُخر:2
الأوّل: القديم موجود لذاته فيمتنع العدم عليه.
الثاني:3 عدم القديم إن كان لذاته أو لوازم ذاته بحيث يجب عدمه عند عدمه ووجوده عند وجوده فلابدّ لعدمه من مرجح، وليس مختاراً، لأنّ الفاعل لابدّ له من فعل والإعدام ليس بفعل، لأنّه لو كان فعلاً لكان ذلك الفعل إمّا أن يكون مقتضياً عدم القديم فيكون عدم القديم بذلك الفعل لا بالفاعل، أو لا يكون مقتضياً فلا يحصل عند ذلك عدم القديم.
ولا موجَباً عدمياً، لأنّ العدمي عدم شيء يتوقف عليه وجود ذلك القديم، وذلك الشيء يمتنع أن يكون حادثاً لأنّ القديم لا يكون مشروطاً بالحادث فهو قديم، والكلام فيه كالكلام في الأوّل ويتسلسل. ولا وجودياً، لأنّه لو كان قديماً لزم من قدمه قدم عدم ذلك القديم فلا يكون القديم قديماً. وإن كان حادثاً فهو محال، لأنّ القديم أقوى من الحادث فاندفاع الحادث بالقديم أولى من ارتفاع القديم بالحادث.
و أيضاً التضاد حاصل من الطرفين فليس انعدام أحدهما بالآخر أولى من العكس فيلزم أن ينعدم كلّ منهما بالآخر، ولا شكّ أنّ علّة عدم كلّ واحد منهما بالآخر فلو عدم كلّ واحد منهما بالآخر لزم أن يكون كلّواحد منهما موجوداً حال صيرورته معدوماً وهو محال، فثبت أنّ القول بعدم القديم يفضي إلى أقسام فاسدة، فيكون باطلاً.

1 . في المجلد الأوّل، ص 232 من هذا الكتاب.
2 . راجع المحيط بالتكليف: 60; شرح الأُصول الخمسة:107; النيسابوري، التوحيد:226(فصل في أنّ القديم لا يجوز عليه العدم والبطلان). أيضاً ص 191 و196(دليل آخر); المطالب العالية1: 324 و4: 221 و297; كشف المراد: 84; مناهج اليقين: 21; شرح المقاصد2:11.
3 . وهي الحجّة التي عليها تعويل الأشعرية. المطالب العالية 1:324.

صفحه 183
التذنيب الرابع: استدل المتكلّمون على أنّه لمّا كان لكلّ واحد من الحوادث أوّل وجب أن يكون للمجموع أوّل1، كما أنّه لمّا كان كلّ واحد من الزنج أسود وجب أن يكون الكل أسود.
ولا شكّ2 في أنّ إطلاق القول بأنّ المجموع لابدّ وأن يكون مساوياً لجميع أجزائه في كلّ الأحكام باطل، وإلاّ لكان كلّ واحد من العشرة عشرة، وهو محال. والقياس على الزنج غير مستقيم، لأنّ من عقل كون كلّ واحد من الزنج أسود اضطر إلى العلم بأنّ الكلّ كذلك، بخلاف المتنازَع، وإذا فرقت البديهة بطل الإلحاق.ومع صحّته فانّه غير مفيد، لأنّا لم نقل: إنّ حكم المجموع مخالف لحكم الآحاد لا محالة بل قد يكون مخالفاً وقد لا يكون، وهو موقوف على الدليل. والصورة الواحدة لا تقتضي ثبوت الحكم في كلّ الصور.
على أنّ هنا بحثاً آخر، وهو أنّا نقول: لا شكّ في جواز خلو كلّ واحد من الأجسام المعينة عن كلّ واحد من الأكوان المعيّنة وإلاّ فحينئذ يجب اتصاف كلّ جسم معيّن بكون معيّن، وحينئذ لا يمكن إثبات حدوث الأكوان، وإذا ثبت ذلك فنقول: إن لم يلزم من جواز خلو الجسم المعين عن كلّ واحد من الكائنيات المعينة جواز خلوه عن كلّ الكائنيات كان حكم المجموع مخالفاً لحكم الآحاد هنا، وإذا كان كذلك بطل قولهم في هذه المقدمة: إنّ حكم المجموع لابدّو أن يساوي حكم الآحاد. فظهر من هاتين المقدمتين نوع تناقض وربما أمكن تكلف إزالته، لكن الذي قدّمنا يغني عن ذلك كلّه.
والحقّ أن نقول هنا: إذا كان كلّ واحد حادثاً وجب أن يكون الكلّ حادثاً لتقومه بآحاده.

1 . راجع المحيط بالتكليف: 66ـ67; المطالب العالية 4: 277.
2 . أُنظر الاعتراضات على استدلال المتكلّمين في المطالب العالية 4: 277 قوله:(اعترض الخصم).

صفحه 184

البحث السابع

في إمكان فناء الأجسام 1

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: في نقل المذاهب في ذلك

اختلف الناس في أنّ الأجسام هل يصحّ فناؤها أم لا؟
وتقريره أن نقول: الأجسام إمّا أن تكون باقية أو لا2.
والثاني مذهب النظام من المعتزلة3، فانّه زعم أنّه يحدث الجسم حالاً بعد حال، وأنّه لا يمكن أن يحتمل الوجود إلاّ وقتاً واحداً كالصوت، وأنّ اللّه تعالى يحدثه حالاً بعد حال، ولولا ذلك لبقى معدوماً بعد الوجود.

1 . الفناء ) Annihilation): فناء الشيء زوال وجوده. والفرق بينه وبين الفساد أنّ فناء الشيء عدمه، على حين أنّ فساده تحوله إلى شيء آخر. صليبا، المعجم الفلسفي2:167. وانظر البحث في الكتب التالية: الأشعري، مقالات الإسلاميين:366; المفيد، أوائل المقالات:96; عبد القاهرالبغدادي، أُصول الدين:66و 229; نقد المحصل:219و 396; قواعد المرام:149; أنوار الملكوت:41; الخياط، الانتصار:19; المطالب العالية4: 221; كشف المراد: 401; مناهج اليقين: 130; شرح المواقف7: 231; شرح المقاصد 5:98.
2 . وقد مرّبحثه في ج2، ص 578 من هذا الكتاب.
3 . كما في نقد المحصل :211; كشف المراد: 169; شرح المواقف7:231.

صفحه 185
وربما يكون مراده ما اختاره الفلاسفة من احتياج الأجسام حال بقائها إلى المؤثر فظن الناقل عنه ما نقله.
والأوّل الأقوال فيه ثلاثة:
القول الأوّل: ينكر صحّة عدمها.
القول الثاني: أن يعترف بصحّة عدمها.
القول الثالث: أن يتوقّف فيهما.
أمّا المنكرون فامّا أن يقولوا بأزليتها وهم جماهير الفلاسفة1 فانّهم اعتقدوا وجوب أزلية العالم وأبديته، لكن لا لذاته بل لغيره. وإن كان بعضهم ذهب إلى أنّها واجبة الوجود لذاتها خصوصاً الأجسام السماوية وهم الصابئة وقد تقدم.
و ذهب بعضهم إلى أنّها تحدث حالاً فحالاً لا بمعنى أنّها تعدم ويتجدد لها وجود كلّ وقت، بل عدمها على طريقة التفرق وعود ما كان من الهواء إليه ومن النار إليه ثمّ كذلك. وتكون الأجسام عندهم بمنزلة السيالات، وشبهوا ذلك بالواقف في الماء الجاري فانّه يمرّ به في كلّ حال غير ما كان في الأوّل.

1 . قال الشيخ:«فإذا كان شيء من الأشياء لذاته سبباً لوجود شيء آخر دائماً كان سبباً له دائماً مادامت ذاته موجودة. فإن كان دائم الوجود كان معلوله دائم الوجود، فيكون مثل هذا من العلل أولى بالعلية، لأنّه يمنع مطلق العدم للشيء، فهو الذي يعطى الوجود التام للشيء... والذي يكون للشيء في نفسه أقدم عند الذهن بالذات لا في الزمان من الذي يكون عن غيره...» الفصل الثاني من المقالة السادسة من إلهيات الشفاء:266.
وقال الرازي في شرحه عبارة الشيخ في الإشارات(و هذا سرّ تطّلع منه على أسرار أُخرى): «كون كلّ سابق علّة معدّة للاّحق سر عظيم تطّلع منه على أسرار هي اقتضاء ذلك أن لا تكون للحوادث بداية زمانية، وأنّه لابدّ من حركة سرمديّة لا بداية لها ولا نهاية لتكون تلك الحركة سبباً لحصول تلك الاستعدادات المختلفة في المادة». ثمّ قال الطوسي:«و من تلك الأسرار التنبيه بوجود مبدء قديم يفيض وجود هذه الحوادث عند حصول الاستعدادات...» شرح الإشارات2: 113ـ114. راجع أيضاً نفس المصدر3: 82; ابن رشد فيلسوف قرطبة:167(أزلية العالم).

صفحه 186
وقال بعضهم: إنّ الجواهر لا تحدث في كلّ حال حتى يحدث في الثاني مثل ما حدث في الأوّل.و لكنّه يقول: الذات تكون واحدة والحدوث متجدد عليها في كلّ حال كتجدد الإرادات على أحدنا، وحمل كلام النظام أيضاً عليه.
وإمّا أن لا يقولوا بأزليتها، بل يقولون بحدوثها، لكنّها بعد أن دخلت في الوجود يستحيل عدمها وهو مذهب الجاحظ وجمع من الكرّامية.1
وأمّا المعترفون بصحّة فنائها فقد اختلفوا في موضعين:
الأوّل: هل في العقل طريق إلى معرفة هذه الصحّة؟ فجمهور المسلمين اعترفوا بذلك. وذهب أبو هاشم إلى أنّه لا طريق إلى معرفة هذه الصحّة إلاّ بالسمع; فانّ السمع لمّا دلّ على عدم العالم عرف بعد ذلك صحّة عدمه.2
الثاني: في كيفية فناء العالم3، فانّه إمّا أن يكون فناؤه لا لأمر، ولم يذهب إليه أحد. وإمّا أن يكون لأمر، فإمّا أن يكون لاعدام معدم أو لحصول ضد أو لانقطاع شرط.
أمّا الأوّل : فيحتمل وجهين:

1 . راجع الشهرستاني، الملل والنحل (الجاحظية) و(الكرامية).
2 . أُنظر كلامه في المجموع في المحيط بالتكليف2: 286. وذهب إليه البحراني أيضاً حيث قال:«الطريق إلى الحكم بذلك ليس إلاّ من جهة السمع، لانّ العقل ليس له إلاّ الحكم بجواز ذلك، لكن ليس كلّ ما جاز وقع». قواعد المرام:149. وقال أيضاً القاضي عبد الجبار:«اعلم أنّ العقل يجوّز فيه أن يصحّ فناؤه، ويجوّز أن يستحيل ذلك فيه. فطريقه من حيث العقل التجويز; لأنّه لا دليل يقتضي القطع على أحد الأمرين. وما انتفى الدليل فيه وجب التوقف، على ما نقوله في سائر المصالح الشرعية».و استدل لإثبات الفناء بالأدلّة السمعية، فراجع المغني 11:432 (الكلام في الفناء والإعادة).
3 . قال الخياط:«إنّ الكلام في فناء الشيء، هل هو غيره أو ليس بغيره أو هل يحلّ فيه أو يحلّ في غيره؟ من غامض الكلام ولطيفه.و قد اختلف الناس فيه اختلافاً شديداً». ثمّ ذكر الأقوال في هذه المسألة، فراجع الانتصار:19.

صفحه 187
الوجه الأوّل: أن يعدم اللّه تعالى العالم فيصير معدوماً، كما أنّه لما أوجده في أوّل الأمر صار موجوداً وهذا هو أحد قولي القاضي من الأشعرية وقول الجاحظ وقول محمود الخوارزمي من المعتزلة.
الوجه الثاني: أن يقول اللّه تعالى له «إفْنَ» فيفنى، كما قال في الابتداء والاحداث «كن» فكان، وهذا هو مذهب أبي الهذيل.1
و أمّا الثاني: وهو أن يكون فناء العالم لحدوث ضدّ له، وهو مذهب جمهور المعتزلة2 ويسمون ذلك الضدّ فناءً.ثمّ ذلك الفناء إمّا أن يكون له حصول في الحيز على طريق الاستقلال أو لا، فإن لم يكن فإمّا أن يكون قائماً بالمتحيز أو لا يكون، فهاهنا احتمالات ثلاثة. ذهب إلى كلّ واحد منها قوم من المعتزلة.
الأوّل: مذهب ابن الاخشيد3، فانّه قال: إنّ الفناء وإن لم يكن متحيزاً إلاّ أنّه يكون حاصلاً في جهة معيّنة فإذا أحدثه اللّه تعالى فيها عدمت الجواهر بأسرها.
الثاني: مذهب ابن شبيب، فانّه زعم أنّ اللّه تعالى يحدث في كلّ جوهر فناءً ثمّ إنّ ذلك الفناء يقتضي عدم الجوهر في الثاني.4

1 . قال أبو الهذيل:«... والبقاء قول اللّه عزّ وجلّ للشيء إبقَ والفناء قوله إفنَ». مقالات الإسلاميين:366(واختلف المتكلّمون في البقاء والفناء). راجع أيضاً شرح الأُصول الخمسة:562.
2 . قال القاضي عبد الجبار:«فعند مشايخنا أنّه ينتفي بضد». المجموع في المحيط بالتكليف: 288.
3 . سبق الترجمة له في الجزء الأوّل.
4 . أي في الزمان الثاني. وقال محمد بن شبيب: المعنى الذي هو فناء ومن أجله يعدم الجسم لا يقال له فناء حتى يعدم الجسم وأنّه حالٌّ في الجسم في حال وجوده فيه ثمّ يعدم بعد وجوده. مقالات الإسلاميين:367.و هذا مثل قول القلانسي حيث يقول: إنّما يُفني اللّه الجوهر ببقاء يخلقه فيه فيَفنى الجوهر في الحال الثانية من حال حدوث الفناء فيه. غير أنّ القلانسي أثبت بقاءالجسم معنى غير الجسم وزعم ابن شبيب أنّ البقاء ليس غير الباقي. البغدادي، أُصول الدين: 230و231.

صفحه 188
الثالث: مذهب الجبائيين، فانّهما زعما أنّ اللّه تعالى يحدث الفناء في محلّ فتنفى الجواهر بأسرها حال حدوث ذلك الفناء. ثمّ هذا القسم يحتمل وجهين:
الوجه الأوّل: أن يكون الفناء الواحد كافياً في عدم الجواهر، وهو مذهب أبي هاشم وعبد الجبار بن أحمد.1
الوجه الثاني: أن لا يكون الفناء الواحد كافياً في عدم الجواهر بل لكلّ فان فناء يختص به، وهو مذهب أبي علي.2
وأمّا الثالث: وهو أن يكون فناء الجواهر لانقطاع شرط وجودها، فذلك الشرط إمّا أن يكون قائماً بذاته أو لا يكون. والثاني مذهب بشر فانّه زعم أنّ الجوهر تبقى ببقاء موجود لا في محلّ، فإذا عدم ذلك البقاء وجب عدم الجوهر.و الأوّل مذهب من يقول: الجوهر إنّما ينتفي لانتفاء الأعراض، وذلك على قسمين فإنّه إمّا أن يقال: الجوهر ينتفي لانتفاء كلّ الأعراض أو لانتفاء بعضها على التعين، والأوّل مذهب من أوجب اتصاف الجوهر بنوع من كلّ جنس من أجناس الأعراض إذا كان قابلاً له، وهو قول الجويني.
وأمّا الثاني ففيه مذهبان:
المذهب الأوّل: قول من يقول الجوهر انّما يبقى ببقاء قام به وذلك البقاء غير باق بل يخلقه اللّه تعالى حالاً بعد حال فإذا لم يخلق اللّه تعالى البقاء وجب انتفاء الجواهر، وهذا مذهب أكثر الأشعرية وقول أبي القاسم البلخي.3

1 . المغني11:444( فصل: في أنّ الضد الواحد من ضدّ الجوهر يجب أن ينفي الجواهر أجمع).
2 . وقد اختلف فيه كلام أبي علي فربّما قال: إنّ الذي به ينتفي بعض الأجسام هو الذي ينتفي به سائرها، وربما قال بخلاف ذلك فلا يجعل فناء البعض فناء الجميع. وهذا القول هو الذي ربّما تشدّد في التمسك به كثير من أصحاب أبي علي. والقول الأوّل هو الذي يختاره أبو هاشم وأصحابه . راجع المجموع في المحيط بالتكليف2: 297.
3 . وإلى هذا القول ذهب ضرار بن عمرو. البغدادي، أُصول الدين:230.

صفحه 189
المذهب الثاني: قول من يقول شرط استمرار الجوهر حصول الأكوان فيه والأكوان غير باقية فمتى لم يخلق اللّه تعالى الأكوان في الجوهر1 عدم الجوهر.و هو القول الثاني للقاضي أبي بكر.
فهذا تفصيل مذاهب القائلين بصحّة عدم2 العالم.
وأمّا المتوقفون في إثبات هذه الصحّة وعدمها فهم أصحاب أبي الحسين البصري.
فهذا ضبط المذاهب في هذه المسألة . والكلام فيها يقع في موضعين:
الموضع الأوّل: في إثبات صحّة عدم العالم.
الموضع الثاني: في بيان كيفية اعدامه. ونحن نستدل على الأول بحيث يندرج فيه الثاني بعون اللّه تعالى.

المسألة الثانية: في صحّة فناء العالم

لنا فيه وجهان:
الأوّل: العالم ممكن لأنّه مركب وكثير على ما مر تقريره،3 وكلّ ممكن فإنّ وجوده وعدمه بالنسبة إليه على السواء، فالعالم من حيث هوهو يصحّ عليه العدم، وهو المطلوب.
الثاني: العالم محدث على ما سبق4، وكلّ محدث فانّه يصحّ عليه العدم،

1 . س: «الجواهر».
2 . في النسخ:«بعدم صحّة»، أصلحناها طبقاً للمعنى.
3 . في ص 96 (أمّا الصغرى).
4 . في ص 101 (وأمّا الكبرى).

صفحه 190
فالعالم يصحّ عليه العدم.
والصغرى قد سلفت.
وأمّا الكبرى: فلأنّ المحدث هو الذي اتصفت ماهيته بالوجود بعد اتصافها بالعدم، وكلّ موصوف بصفة فانّ ماهيته قابلة لها بالضرورة، ولمّا اتصفت ماهية المحدث تارة بالوجود وتارة بالعدم وجب أن تكون ماهيته قابلة لهما وهذهالقابلية من لوازم الماهية لاستحالة التسلسل، فتكون الماهية قابلة للعدم أبداً.
وأيضاً كلّ محدث فانّه حال بقائه يحتاج إلى المؤثر، وكلّ ما كان كذلك كان العدم عليه ممكناً.
أمّا الصغرى، فلأنّ المعقول من المحدث «الموجود المسبوق بالعدم» وهذا المفهوم مركب من أُمور ثلاثة: الموجود والمعدوم ومسبوقية ذلك الموجود بالعدم، فنقول: المحتاج إلى المؤثر لا يخلو إمّا أن يكون هو الوجود الحاضر أو العدم السابق أو مسبوقية ذلك الموجود بذلك العدم، ومحال أن يكون المحتاج هو العدم; لأنّ العدم السابق نفي محض فلو كان له بالفاعل تعلّق لكان تعلّقه إمّا أن يكون في أن يستمر ذلك النفي نفياً أو في أن ينقلب ثبوتاً، فإن كان الأوّل كان ذلك مانعاً من دخوله في الوجود، لأنّ الفاعل إذا كان مقتضياً استمرار عدم الشيء استحال أن يكون هوبعينه بذلك الاعتبار أيضاً مقتضياً وجوده، وإن كان الثاني كان ذلك قولاً بأنّ الفاعل يقتضي أن يصيّر العدم وجوداً، وذلك محال لاستحالة أن يصير أحد النقيضين عين نقيض الآخر.
و محال أن يكون المحتاج هو مسبوقية ذلك الوجود بذلك العدم، لأنّ تلك المسبوقية حكم واجب الثبوت، وما كان كذلك لا يكون محتاجاً.
أمّا الأوّل: فهو ظاهر، لأنّ من المعلوم بالضرورة أنّ المحدث يستحيل أن

صفحه 191
يحصل له وجود إلاّ ويكون ذلك الوجود مسبوقاً بالعدم، بل المحدث في نفسه ممكن الوجود ولكن كون وجوده مسبوقاً بالعدم ليس من الممكنات بل من الواجبات، ومن المحتمل أن يكون الشيء في نفسه ممكناً ثمّ إنّه يكون واجب الاتصاف ببعض الصفات بعد اتصافه بذلك الأمر الممكن، كما أنّ الجوهر ممكن الوجود في ذاته ثمّ إنّه بعد وجوده يكون واجب الحصول في حيز مّا وواجب الاتصاف بكون مّا وأنّه إذا كان ذا لون وجب أن يكون مرئياً وأنّه يجب أن يكون ذا ظل إلى غير ذلك من اللوازم.
وأمّا أنّ الواجب لا تكون به حاجة إلى الفاعل فهو ضروري، لأنّ المحتاج إلى الفاعل هو الذي لو لم يؤثر الفاعل فيه لم يوجد، والواجب هو الذي يكون حاصلاً سواء وجد الغير أو لم يوجد.
فإذن العدم السابق ومسبوقية ذلك الموجود بذلك العدم غير محتاجين إلى المؤثر، فلم يبق إلاّ أن يكون المحتاج إلى المؤثر هو وجود المحدث، وإذا ثبت هذا، فنقول: حاجة ذلك الموجود إلى المؤثر إمّا أن تكون موقوفة على حدوثه أو لا تكون. والأوّل باطل، لأنّ الحدوث كيفية في وجوده وكيفية وجود الشيء متأخرة عن وجود ذلك الشيء ووجود المحدث متأخر عن تأثير القادر فيه وتأثير القادر فيه متأخّر عن كونه بحيث يصحّ أن يؤثر فيه القادر وهذه الصحّة متأخرة عن حاجة المحدث إلى المؤثر، فلو توقّفت هذه الحاجة على الحدوث لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب، وهو محال، فثبت أنّ حاجة المحدث إلى المؤثر غير موقوفة على حدوثه، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ذلك الموجود محتاجاً إلى المؤثر حال وجوده وحال عدمه.
وأمّا الكبرى، وهو أنّ العالم لمّا كان محتاجاً إلى المؤثر حال البقاء كان العدم عليه صحيحاً، لأنّا قد بيّنا أنّ المؤثر في العالم قادر لا موجَب وأنّه سبحانه وتعالى

صفحه 192
إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، فإذا كان بقاء العالم متعلقاً بإبقاء اللّه تعالى إيّاه وثبت أنّه يصحّ من اللّه تعالى أن لا يبقيه فبتقدير أن لا يبقيه وجب أن لا يبقى، فثبت أنّ الفناء على العالم1 ممكنٌ.
لا يقال: لا نسلم أنّ المحتاج إلى المؤثر إمّا الوجود أو العدم أو مسبوقية الوجود بالعدم بل المحتاج هو خروج الشيء من العدم إلى الوجود، فهذا قسم وراء ما ذكرتموه.
سلمنا أنّ الوجود هو المحتاج إلى المؤثر، فلِمَ قلتم: إنّه تبقى تلك الحاجة حال البقاء؟ بيانه هو: أن الشيء حال العدم كان العدم به أولى فلا جرم وجب أن لا يخرج من العدم إلى الوجود إلاّ بمؤثر، ثمّ إذا دخل في الوجود صار الوجودية أولى فتلك الأولوية تُغني الباقي عن الحاجة إلى المؤثر.
سلّمنا أنّ الممكن حال البقاء محتاج إلى المقتضي، ولكن لِمَ قلتم: إنّ انقطاع تأثير القادر عنه بعد تعلّقه به ممكن؟ وما الدليل عليه؟
لأنّا نقول:لا يعقل قسماً آخر مغايراً للثلاثة، لأنّ كلّ معقول فإمّا أن يكون ثابتاً أو منتفياً، وإذا كان الثابت متجدد الثبوت كان ذلك الثبوت متأخّراً عن ذلك العدم، وذلك يقتضي أن لا يعقل قسم زائد. والخروج الذي أثبتموه رابعاً إن لم يكن إيجاداً لم يكن محتاجاً، وإن كان فهو الذي اخترناه.
وأمّا الأولوية2، فالشيء حال بقائه إمّا يقال: إنّه بقى كما كان حال حدوثه أو ما بقي كذلك، فإن كان الأوّل لزم من احتياجه إلى المؤثر حال حدوثه احتياجه إليه حال بقائه، وإن كان الثاني فهو باطل، لأنّ تلك الذات التي كانت حاصلة وقت الحدوث إن لم تكن هي بعينها حال البقاء حاصلة لم يكن هاهنا شيء باق،

1 . ق:« البقاء على العدم»، وهو خطأ.
2 . وقد مرّ إبطال القول بالأولوية في المجلد الأوّل، ص 146.

صفحه 193
بل فنيت تلك الذات وحدثت ذات أُخرى. وإن كانت هي بعينها الذات التي كانت حاصلة فتلك الذات بعينها باقية كما كانت، بل ربما حدثت فيها صفة أو زالت عنها صفة، وذلك لا يقتضي تغير تلك الذات في نفسها، بل تلك الذات من حيث هي تكون باقية كما كانت فيلزم احتياجها إلى المؤثر في هذه الحالة كما كانت محتاجة إليه حال الحدوث. ثمّ بتقدير الصحّة فانّه لا يفيد المطلوب، لأنّ كونه أولى بالوجود إن كان حاصلاً حال الحدوث اقتضى إمّا الاستغناء عن المؤثر حال الحدوث كما اقتضاه حالة البقاء أو أن لا تنقطع الحاجة إلى المؤثر حال البقاء كما لم تنقطع حال الحدوث.والثاني يقتضي أن تكون تلك الأولوية حكماً متجدداً فلابدّ له من مؤثر فلتلك الأولوية مؤثر، ثمّ إنّ استغناء الباقي عن المؤثر إنّما كان لتلك الأولوية، فرجع حاصل الكلام إلى أنّ الباقي إنّما بقى بحدوث أمر فيه يسمى بالأولوية، وتلك الأولوية محتاجة إلى مؤثر آخر، فيكون هذا قولاً باحتياج الباقي إلى المؤثر، وهو المطلوب.
وأمّا ثانياً: فلأنّ هذه الأولوية لما كانت ممتنعة الحصول للذات حال حدوثها كان حصولها في الذات متوقفاً على بقائها، فإذن لو كان بقاؤها لأجل تلك الأولوية دار، فإذن لابدّ من مقتض يقتضي استمراره حتى تحصل تلك الأولوية مرتباً على ذلك الاستمرار.
و أمّا ثالثاً: فلأنّ هذه الأولوية حكم غير مستقل في نفيها وفي ثبوتها بل هي محتاجة إلى الذات، ولو احتاجت الذات إليها دار.
فثبت بما ذكرنا أنّ تلك الأولوية التي ذكروها ممنوعة، لأنّ الحوادث إمّا جواهر أو أعراض، والأعراض غير باقية عند الأشاعرة، وإنّما يعتقدون بقاءها عندهم1 لتوالي أمثالها على شيء واحد. والجواهر هي محل النزاع فكيف يستدل

1 . كذا.

صفحه 194
بها عليها؟
قوله:«هب أنّ الجواهر حال بقائها محتاجة إلى الفاعل، فلِمَ قلتم: إنّه يجوز انقطاع المؤثر عنها؟».
قلنا: لأجل أنّ المختار لابدّ وأن يكون متمكناً من الفعل والترك.
وفيه نظر، لأنّ تعلّق النفي بالفاعل إذا كان في أن يستمر ذلك النفي نفياً لا نسلم أنّه يكون مانعاً من دخوله1 في الوجود، لأنّ ذلك إنّما يلزم لو كان ذلك التعلّق بذات الفاعل الموجب، أمّا إذا كان متعلقاً بذات الفاعل المختار فلا، فإنّ عدمه مستند إلى اختيار العدم كما استند وجوده إلى اختيار الإيجاد.
سلّمنا، لكن نمنع الحصر لجواز تعلّقه بالفاعل بأن يزيل ذلك النفي لا بأن يقلبه ثبوتاً، بل بأن يقلب المنفي ثابتاً بأن يزيل عنه النفي بأن يوجد المنفي.
سلّمنا، لكن نمنع استغناء المسبوقية فانّ مسبوقية الوجود بالعدم وصف لاحق بالوجود المحتاج إلى الفاعل والمحتاج إلى المحتاج محتاج. وبالجملة فاعل السبب فاعل المسبب وا لواجب لذاته مستغن عن الفاعل لا مطلق الواجب، فانّ الواجب بالغير إنّما يجب بذلك الغير فهو محتاج إلى ذلك الغير، وكما أنّ الحدوث كيفية للوجود كذا حاجة الوجود كيفية له ولا بُعد في احتياج إحدى الكيفيتين إلى الأُخرى.
سلّمنا، لكن حاجة الوجود معلوم انّها غير مستندة إلى مطلق الوجود المشترك بين الواجب والممكن فجاز أن يستند إلى الوجود الذي ليس بأزلي، وهذا وصف سلبي لا يتوقف على وجود الشيء في الخارج بل يكفي وجوده ذهناً. والخروج ليس هو الإيجاد ولا الوجود ولا العدم ولا المسبوقية. وكون الأولوية موجبة

1 . ق: «وصوله».

صفحه 195
للاستغناء حالة البقاء لا يقتضي كونها موجبة له حالة الحدوث لأنّ الفاعل هو السبب الأصلي القوي في الايجاد1بخلاف الأولوية فانّها لم يمكن أن تكون معطية للوجود لضعفها فجاز اسناد الأثر الضعيف وهو الحفظ إليها. والأولوية كالوجوب فانّه حكم غير مستقل بنفسه، بل قائم بالذات مع احتياج الذات إليه فانّ الذات مالم تجب لم توجد.
والتحقيق أن نقول: إن كان النزاع في الصحّة الذاتية والإمكان الراجع إلى الماهية فهو غلط إلاّ عند من يعتقد وجوب العالم لذاته، وذلك مذهب ساقط قد بيّنا بطلانه، واتّفقت البراهين القطعية والقوانين الفلسفية على إبطاله.و إن كان هو المنافي للوجوب بالغير فهو في محلّ التوقف عند أبي الحسين.
أمّا النظام فسيأتي بطلان كلامه.
وأمّا الفلاسفة فقد احتجوا على امتناع عدم العالم بوجوه:2
الأوّل: العالم قديم على ما تقدم3 فيمتنع عدمه لامتناع عدم القديم.
الثاني: المؤثر في العالم موجب بالذات على ما يأتي وهو دائم الوجود، لأنّه واجب الوجود لذاته، ويلزم من دوام العلّة دوام المعلول.
الثالث: واجب الوجود علّة في العالم فلا يجوز فناء العالم لاستلزام عدم اللازم عدم الملزوم، وإمكان عدم اللازم إمكان عدم الملزوم، لكن عدم واجب الوجود محال لذاته فعدم العالم محال لذاته.
الرابع: الزمان لا يمكن عدمه، وإلاّ لكان عدمه بعد وجوده بالزمان فيكون

1 . «في الايجاد» ساقطة في ق.
2 . مرّ بعض الوجوه في ص 136 (المسألة الثالثة في إبطال شبه الفلاسفة). راجع أيضاً المطالب العالية4:221.
3 . في ص 136.

صفحه 196
الزمان موجوداً حال ما فرض معدوماً هذا خلف.و باقي الوجوه الدالة على أزلية الزمان السابقة1 تدلّ على أبديته.
الخامس: لو أمكن عدم العالم لكان إمكان2 عدمه سابقاً على عدمه ولابدّ لذلك الإمكان من محل، أي من شيء يحكم عليه بأنّه ممكن الاتصاف بذلك العدم، وليس هو وجود ذلك الشيء، لأنّ الذي يمكن اتصافه بالشيء لابدّ وأن يكون باقياً مع ذلك الشيء ووجود الشيء لا يتقرر مع عدمه، فإذن لابدّ من شيء آخر يقوم به إمكان عدمه وذلك هو الهيولى، فإذن كلّ ما يصحّ عليه العدم فله هيولى فلو صحّ العدم على الهيولى لافتقرت إلى هيولى أُخرى لا إلى نهاية وهو محال، فالهيولى لا تقبل العدم. ثمّ ثبت أنّ الهيولى لا تخلو عن الصورة الجسمية، فإذن عدم الجسم محال. ولأنّه لو أمكن عدمه لكان بعد عدمه ممكن الوجود، وإلاّ لزم انقلاب الممكن ممتنعاً هذا خلف، ولذلك الإمكان محلّ هو الهيولى.
السادس: أنّه سيأتي3 بيان امتناع الخرق على الأفلاك فلا يجوز عليها العدم.
السابع:4 سيأتي5 أن الفلك متحرك على الاستدارة وأنّ كلّ متحرك على الاستدارة لا يقبل الحركة على الاستقامة فلا يقبل الفساد.6

1 . في المسألة الثالثة في إبطال شبه الفلاسفة.
2 . ق: «إمكان» حذف سهواً.
3 . في ص 235 (المسألة الخامسة في جواز الخرق على الأفلاك).
4 . استدل به بُرُقلس كما في الملل والنحل للشهرستاني (شبه برقلس في قدم العالم).
5 . في ص 238.
6 . قال الشيخ ابن سينا:«إنّ بعض هذه البسائط.]و هي الأجزاء الأوّلية للعالم [لا يقبل الكون والفساد، وهي البسائط التي في جواهرها مبادئ حركات مستديرة... انّ الأجسام التي في طباعها أن تقبل الكون والفساد في طباعها أن تتحرك على الاستقامة». الفصل الأوّل من الفن الثالث من طبيعيات الشفاء:77ـ 78.

صفحه 197
الثامن: احتج جالينوس بأنّ العالم لو كان مما يفنى في المستقبل لظهر النقصان فيه بعد تطاول مدّة بقائه، ولو كان كذلك لصارت الأفلاك والنجوم أصغر ممّا شاهدها القدماء من المنجمين، ولمّا لم يكن كذلك علمنا أنّ العالم لا يفنى.
والجواب : نمنع قدم العالم،و قد بيّنا حدوثه. ونمنع كون المؤثر موجباً لما يأتي.و لا يمكن ادعاء وجوب وجود العالم لذاته مع الحكم بأنّه معلول للواجب لذاته فانّه متناقض. والعالم إذا أخذ من حيث إنّه معلول للواجب لم يبق عدمه ممكناً فانتفى المحذور، وإن أخذ من حيث هوهو لم يلزم من عدمه محذور أيضاً إذالواجب هنا لم يوجد من حيث إنّه علّة. وقد سبق الجواب عن الزمان والمادة.وسيأتي جواز الخرق على الأفلاك وقبولها للحركة المستقيمة إن شاء اللّه تعالى.
وكلام جالينوس في غاية السقوط فما يُدريه تقدر العالم قبل ذلك، والمنجم كيف يعلم ذلك إلاّ على جهة التخمين والظن، فلو نقص جزء لا يتجزأ في كلّ وقت لم يعلم المنجم ولا غيره ذلك، فانّه من المعلوم أنّ القطعة الصغيرة من الياقوت وشبهه من الأجسام الصلبة وإن بقيت مدّة مديدة فانّه لا يظهر فيها نقصان محسوس مع أنّ الخشب وغيره قد يظهر في أقل من تلك المدّة نقصان ظاهر. وإذا كان كذلك فمن الجائز أن تكون نسبة الفلك في الصلابة إلى الياقوت كنسبة الياقوت إلى الخشب، فإذا لم يظهر لحسّنا ما حصل من النقصان في القطعة الصغيرة فلئن لا يظهر لناما يحصل في الفلك من النقصان في القطعة الصغيرة مع غاية صلابته وعظمه وبعده عن أعيننا كان أولى. ثمّ ليس المنجم معلوم الصدق بحيث تبتني على قوله هذه القاعدة الحكميّه.
سلّمنا، لكن إنّما يلزم ذلك لو قلنا: إنّه يعدم على وجه الذبول أمّا إذا لم يكن

صفحه 198
كذلك، بل قلنا: إنّه سيعدم، لم يلزم ما ذكره.
قال أفضل المحقّقين:1 لا منافاة بين أدلّة الحكماء وما ادّعاه المسلمون من صحّة الفناء، لأنّ أدلّة الحكماء بأسرها ترجع إلى أنّ العالم واجب لغيره2 ودعوى المسلمين أنّه ممكن لذاته، وليس بين الأمرين منافاة تقتضي مخالفتَهما; لأنّ اسناد امتناع عدمه إلى مؤثره الموجب يدل على الامتناع نظراً إلى الغير. وكذا امتناع عدم الزمان بعد وجوده لا يدل على امتناعه لذاته. ودليل سبق الإمكان لم يفرّق بين الإمكان الذاتي فيه وبين الإمكان بمعنى الاستعداد، والإمكان ] الثاني [يقتضي الاحتياج إلى المادة دون الأوّل، ولم يدع أحد الخصمين ذلك الإمكان. وامتناع العدم بهذا المعنى ليس لذات الممكن لذاته إنّما يكون عند من يقول به لاحتياج ما يعدم3 بعد وجوده إلى المادة السابقة.
واحتجّ المسلمون4 على امتناع العدم بالعقل والنقل.
أمّا العقل: فهو أن نقول: لو انتفى العالم فإمّا أن يكون انتفاؤه لمؤثر أو لا لمؤثر.و الثاني باطل، لأنّ اختصاص انتفائه بذلك الوقت دون ما قبله ومابعده لو وقع لا عن مرجّح مع تساوي الأوقات بالنسبة إليه لجاز وقوع الممكن لا عن المرجح لتساوي طرفي الوجود والعدم في استغناء الممكن عن المؤثر وحاجته إليه.
وإن كان لمؤثر فذلك المؤثر إمّا أن يكون عدمياً أو وجودياً، فإن كان عدمياً فذلك لابدّ وأن يكون عدماً لشيء لا يوجد الجوهر إلاّ عند وجوده حتى يكون عدمه مقتضياً لعدم الجوهر وهو انتفاء الشرط، وهو باطل:

1 . نقد المحصل: 219ـ 221. بتصرفات من المصنّف.
2 . في المصدر: «بغيره».
3 . في المصدر:«المنعدم».
4 . في المصدر: «]الكرامية[ المسلمون».

صفحه 199
أمّا أوّلاً: فلأنّ ذلك الشيء إمّا أن يكون باقياً أو لا، فإن كان باقياً كان الكلام في كيفية انتفائه بعد استمرار وجوده كالكلام في الجوهر، وإن لم يكن باقياً استحال احتياج الجوهر إليه، لأنّه إمّا أن يحتاج إلى واحد معيّن أو إلى واحد غير معين. والأوّل باطل، لأنّه لا واحد إلاّ ويبقى الجوهر بعد عدمه فلا تكون به حاجة إليه. والثاني أيضاً باطل، لأنّ الواحد الذي لا يكون متعيناً استحال دخوله في الموجود ومالا يكون موجوداً استحال احتياج وجود غيره إلى وجوده.
وأمّا ثانياً: فلأنّ ذلك الشيء إمّا أن يكون حالاً في الجوهر أو لا، فإن كان حالاً في الجوهر كان محتاجاً إلى الجوهر، وإذا كان كذلك استحال احتياج الجوهر إليه، وإلاّ دار. وإذا لم يكن الجوهر محتاجاً إليه بل كان هو محتاجاً إلى الجوهر فما كان محتاجاً إلى الشيء يكون محتاجاً إلى الشيء في وجوده وأيضاً في عدمه، فإذن عدم ذلك الشيء يكون محتاجاً إلى عدم الجوهر فيستحيل أن يكون عدم الجوهر محتاجاً إلى عدمه، وإلاّ دار.
وأمّا إن لم يكن ذلك الشيء حالاً في الجوهر فإمّا أن يكون محلاًّ للجوهر أو لا، والأوّل باطل. أمّا أوّلاً: فلأنّا قد دللنا على استحالة حلول المتحيز في المحلّ. وأمّا ثانياً: فلأنّ ذلك المحل إن صحّ بقاؤه كان الكلام في عدمه كالكلام في الجوهر، وإن لم يصح بقاؤه لزم من وجوب تجدده وجوب تجدد الجسم، وهو باطل. وإن لم يكن حالاً في الجوهر لا محالة كان شيئاً قائماً بنفسه، والجوهر أيضاً كذلك، فإن لم تكن حاجة أحدهما إلى الآخر أولى من العكس فإمّا أن يحتاج كلّ واحد إلى الآخر أو يستغني كلّ واحد عن الآخر، فلا يلزم من عدم واحد منهما عدم الآخر. وأيضاً إذا كان عدمه لانتفاء الشرط لم يكن ذلك الشرط إلاّ العرض، لأنّ ما عدا الجوهر عرض ويستحيل أن يكون العرض شرطاً للجوهر، لأنّ العرض يحتاج إلى الجوهر والمشروط يحتاج إلى الشرط، فيلزم الدور.

صفحه 200
وأمّا إن كان عدم الجوهر لأمر وجودي فذلك الشيء إمّا موجب أو مختار. أمّا الموجب فهو أن يقال: إنّه ينتفي عند وجود ضده، وهو باطل لوجهين:
الأوّل: أنّ التضاد حاصل من الجانبين وكلّ منهما قابل للعدم، فليس انتفاء الجوهر بذلك الضد أولى من انتفاء ذلك الضدّ بوجود الجوهر، فإمّا أن ينتفي كلّواحد منهما بالآخر، وهو محال، لأنّ المؤثر في عدم كلّ واحد منهما وجود الآخر، والمؤثر حاصل مع الأثر فلو حصل العدمان معاً لحصل الواحدان معاً فيكونان موجودين معدومين دفعة واحدة، وهو محال: أو لا ينتفي أحدهما بالآخر فيلزم اجتماع الضدين.
لا يقال: انتفاء الجوهر بذلك الضد أولى لوجهين:
الوجه الأوّل:الجوهر باق والضدّ حادث والحادث أقوى من الباقي. أمّا أوّلاً: فلأنّ الحادث يستحيل عدمه، لأنّه لو عدم لكان عدمه مقارناً لوجوده، وهو محال، وأمّا الباقي فإنّه لا يستحيل عدمه، لأنّه بتقدير عدمه لا يكون عدمه مقارناً لوجوده.وأمّا ثانياً: فلأنّ الحادث متعلّق السبب والباقي منقطع عن السبب، فكون1 الحادث مع السبب يفيده زيادةَ قوّة.
الوجه الثاني: أن يخلق اللّه تعالى من ذلك الضد أعداداً أكثر من أعداد الجوهر فلا جرم كانت باعدام الجوهر أولى.
لأنّا نقول: لا نسلّم أنّ الحادث أقوى.
قوله:«لو عدم الحادث لكان عدمه مقارناً لوجوده».
قلنا: نحن لا نقول: إنّ الحادث يوجد و2 يعدم في وقت واحد بل الباقي

1 . ق:«فيكون».
2 . ق:«و قد».

صفحه 201
يمنعه من الدخول في الوجود.و1 لأنّ الباقي أيضاً لو عدم حال بقائه لصار عدمه مقارناً لوجوده، وكما أنّه يصحّ أن ينعدم في الزمان الثاني من وجوده كذلك الحادث يصحّ أن ينعدم في الزمان الثاني من وجوده.
قوله:«الحادث متعلّق السبب فيكون أقوى».
قلنا:ألستم قد برهنتم على أنّ الباقي أيضاً متعلّق السبب، فزال الترجيح.
قوله:«اللّه تعالى يخلق اعداداً من ذلك الضد».
قلنا: هذا غير مستقيم.
أمّا أوّلاً: فلأنّ الذي استقر عليه رأي المعتزلة أنّ اللّه تعالى يعدم الجواهر كلّها بجزء واحد من الفناء.
وأمّا ثانياً: فلأنّ الجواهر متماثلة فليس بأن يوجب فناء عدم واحد منها أولى من الفناء الآخر بأن يوجب عدمه. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّه يقوم الفناء بالجوهر أو يختص بالحيز الذي يجاوره، لكن الأوّل باطل لاشتماله على اجتماع الضدين. والثاني يكون قولاً بحصول العرض في الحيز على سبيل الاستقلال من غير محل وهو محال، إذ لا معنى للجوهر إلاّ ما يكون حاصلاً في الحيز.
الثاني:2 أنّ حدوث الضد يتوقف على انتفاء الضدّ الأوّل فلو كان انتفاء الضد الأوّل معللاً بحدوث هذا الضدّ لزم الدور المحال.
وأمّا إن فنيت الأجسام باعدام الفاعل المختار فهو محال، لأنّ الفاعل لابدّ له من فعل، فالاعدام إمّا أن يكون شيئاً متميزاً عن غيره وإمّا أن لا يكون، فإن كان الأوّل كان الاعدام عبارة عن حدوث شيء، وذلك الشيء إن اقتضى عدم الجوهر

1 . «و»ساقطة في ق.
2 . أي الوجه الثاني لامتناع اعدام الجواهر بحدوث الضد.

صفحه 202
كان ذلك قولاً ببقاء الجوهر لأجل ضد، وإن لم يقتض عدمه كان ذلك الجوهر باقياً بعد حصول ذلك الاعدام.
وأمّا إن لم يكن الاعدام أمراً مشاراً إليه متميزاً عن غيره استحال جعله تأثير مؤثر أو فعل قادر لما ذكرنا أنّ القادر من له الأثر. ولأنّ الاعدام إن لم يكن وجودياً كان عدماً محضاً فامتنع اسناده إلى المؤثر، لأنّه لا فرق بين أن يقال: لم يفعل اللّه شيئاً وبين أن يقال: فعل العدم، وإلاّ كان أحد العدمين مخالفاً للثاني فيكون لكلّ واحد من العدمين تعيّن وثبوت فيكون للعدم ثبوت، هذا خلف.
وإن كان وجودياً لم يكن ذلك الوجود عينَ عدم العالم، وإلاّ لكان1 الوجود عين العدم، بل غايته أنّه يقتضي عدم الجوهر فيكون ذلك اعداماً بالضد وليس هو هذا القسم2، فالقول بفناء الجواهر يفضي إلى أقسام باطلة فيكون القول بفنائها باطلاً.
و أمّا النقل: فقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السَّلام :(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيي المَوتى)3. وإبراهيم عليه السَّلام سأله عن كيفية إحياء الموتى، ثمّ إنّه تعالى أراد الجمع بين التفريق والاحياء بعده، وإذا أراه ذلك جواباً لسؤاله صحّ أن يكون بالتفريق دون الفناء لوجهين:

1 . ج:«كان».
2 . ق: «هذا هو هذا القسم»، وفي عبارات الرازي:«و ليس هذا هو القسم الأوّل، بل هو القسم الثاني».
وهو يشتمل على السؤال عن جميع المقدمات التي يفعلها اللّه تعالى حتى يهيأهم ويعدّهم لنفخ الروح فأمره اللّهتعالى بأخذ أربعة من الطير وتقطيعها وتفريق أجزائها ومزج بعض الأجزاء ببعض ثمّ يفرقها ويضعها على الجبال ثمّ يدعوها فلما دعاها ميز اللّه تعالى أجزاء كلّ طير عن الآخر وجمع أجزاء كلّ طير وفرقها عن أجزاء الآخر حتى كملت البنية التي كانت عليها أوّلاً ثمّ أحياها اللّه تعالى. راجع كشف المراد:402.
3 . البقرة/260.

صفحه 203
الأوّل: لو أفناه لما صحّ فيه الجمع إلاّ على تقدير أن يخلق أجزاءهم متفرقة ثمّ يجمعها وذلك باطل. ولمّا ثبت الجمع في كيفية الاحياء ثبت أنّه لا تفنى على معنى الاعدام.
الثاني: أنّه عليه السَّلام سأله عن جميع مقدمات الاحياء فلو كان اللّه تعالى يعدمها ثمّ يخلقها احياءً لأراه ذلك. وأيضاً أنّه تعالى بعد أن بيّن أنّ مبدأ الخلق جمع بعد تفريق لقوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ تُراب)1، وقوله تعالى: (وَ بَدَأَ خَلْق الإِنْسان مِنْ طين)2، وقوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَروا كَيْفَ يَبْدَؤا اللّه الْخَلْق ثُمَّ يُعيده)3، وقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْض فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدأَ الخَلْق)4، وبدؤ الخلق الذي يمكننا أن نراه أو ننظر إليه هو الجمع دون الإيجاد عن عدم كما يشاهد ذلك في فصل الربيع من نشوء الاغصان. ثمّ لمّا قرر أنّ البدء ]هو[ الجمع قال: (كَما بَدَأَكُمْ تََعُودُون) ، فنصَّ تعالى على أنّ البدء كما كان جمعاً للتفريق كذا عودكم يكون بالجمع بعد التفريق.وقد قرر اللّه تعالى ذلك في آيات كثيرة بعبارات مختلفة فشرح تعالى كيفية جمعه فيما يخرج من النبات والزروع والأشجار، ثمّ شبه يوم البعث به في قوله تعالى:(كَذلِكَ النُشُور)5 و(كَذلِكَ تُخرَجُون).6

1 . الروم /20 وفاطر /11 وغافر/67.
2 . السجدة/7.
3 . العنكبوت/19.
4 . العنكبوت/20. وفي المخطوطة:« أو لم يسيروا في الأرض فينظروا...»،والموجود في القرآن ليس بهذه الصورة .
5 . والآية هكذا: >>وَ اللّهُ الّذِي أَرْسَلَ الرياحَ فَتثير سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَد مَيّت فَأَحْيَيْنا بِهِ الأَرْضَ بعدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُور) فاطر/9. راجع أيضاً الأعراف/57.
6 . والآية هكذا:(يخْرجُ الحَيَّ مَنَ المَيِّت وَ يخرجُ المَيّت مِنَ الحَيّ وَ يُحي الأَرْضَ بَعْدَمَوتِها وَكَذلِكَ تُخرَجُون)الروم/19.

صفحه 204
والجواب عن المعقول أن نقول: لِمَ لا يعدم باعدام الفاعل؟
قوله:«الاعدام إمّا أن يكون أمراً وجودياً أو لا».
قلنا: هذا يقتضي أن لا يعدم شيء ألبتة، لأنّه يقال: إذا عدم الشيء فهل يتجدد أمر أم لا؟فإن لم يتجدد أمر فهو لم يعدم، وإن تجدد فالمتجدد عدم أو وجود؟ لا جائز أن يكون عدماً، لأنّه لا فرق بين أن يقال: تجدد العدم أو لم يتجدد شيء، وإلاّ فأحد العدمين مخالف للآخر، وهو محال. وإن كان وجوداً كان ذلك حدوثاً لموجود آخر لا عدماً للموجود الأوّل.1
سلّمنا فساد هذا القسم، فلِمَ لا يعدم لحدوث الضد؟
قوله: في المضادة مشتركة من الجانبين.
قلنا: لِمَ لا يجوز أن يكون الحادث أقوى لحدوثه وإن كنا لا نعرف لميّة كون الحدوث سبباً للقوة؟2
قوله في الثاني: «حدوث الحادث يتوقّف على عدم الباقي».
قلنا: لا نسلم، فإنّ عندنا عدم الباقي معلول الحادث، والعلّة وإن امتنع انفكاكها عن المعلول لكن لا حاجة بها إلى المعلول.
وأيضاً جاز أن يكون التوقف توقّف المعيّة فلا دور ولا استحالة.
سلّمنا فساد هذا القسم، لكن لِمَ لا يجوز أن يعدم الجسمُ لانتفاء الشرط؟ وبيانه: أنّ الأعراض لا تبقى والجوهر ممتنع الخلو عنه فإذا لم يخلق اللّه تعالى العرض انتفت الجواهر.

1 . ولمّا كان ذلك باطلاً بالضرورة فكذا ما قلتموه. أنوار الملكوت:46.
2 . هذا الجواب وما يأتي بعده من الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن نوبخت صاحب الياقوت، كما في أنوار الملكوت: 45.

صفحه 205
قوله: «إنّه يلزم الدور».
قلنا: جاز أن يكون الجوهر والعرض متلازمين1، وإن لم يكن لأحدهما حاجة إلى الآخر، كالمضافين ومعلولي العلّة الواحدة، فإذا لم يوجد أحد المتلازمين وجب أن يعدم الآخر.
قال أفضل المحقّقين:«مذهب الكرامية: أنّ العالم محدث وممتنع الفناء وإليه ذهب الجاحظ.و قالت الأشعرية وأبو علي الجبائي بجواز إفناء العالم عقلاً. وقال أبو هاشم: إنّما يعرفُ ذلك بالسمع. ثمّ إنّ الأشعرية قالوا: إنّه يفنى لأنّ اللّه تعالى لا يخلق الأعراض التي تحتاج الجواهر إلى وجودها. أمّا القاضي أبوبكر فقال في بعض المواضع: إنّ تلك الأعراض هي الأكوان. وقال في بعض المواضع: إنّ الفاعل المختار يفنيه2 بلا واسطة، وهو مذهب محمود الخياط. وقال القاضي في موضع آخر: إنّ الجوهر يحتاج إلى نوع من كلّ جنس من أجناس الأعراض فإذا لم يخلق اللّه تعالى أيّ نوع كان عدم الجوهر. وقال الجويني مثل ذلك. وقال بعضهم: إذا لم يخلق اللّه تعالى البقاء وهو عرضٌ عدم الجوهر، وبه قال الكعبي. وقال أبو الهذيل: كما أنّه قال له «كن» فكان كذا يقول له «إفنَ» فيفنى. وقال أبو علي وأبو هاشم انّه تعالى يخلق الفناء وهو عرض فيفنى جميع الأجسام، وهو لا يبقى3. وأبو علي يقول: إنّه يخلق لكلّ جوهر فناءً،و الباقون قالوا: بل فناء واحد يكفي لافناء الكل. فهذه مذاهبهم.
و قوله في الدليل:«إنّ الاعدام باطل، لأنّه لا فرق بين أن يقال: لم يفعل البتة وبين أن يقال: فَعَلَ العدم»، ليس بشيء للفرق بينهما في بديهة النظر، فانّ القول

1 . في النسخ: «متلازمان»، أصلحناها طبقاً للسياق.
2 . في المصدر:«يفنى».
3 . ويفنى لذاته. أنوار الملكوت:42.

صفحه 206
بأنّه لم يفعل حكم بالاستمرار على ما كان وبعدم صدور شيء من الفاعل1، والقول بأن فَعَلَ العدم حكم بتجدد العدم بعد أن لم يكن وبصدوره عن فاعله، وتمايز العدمين يكون بانتسابهما إلى وجودين أو بانتساب أحدهما دون الآخر.
وقوله في الجواب:«إنّ هذا يقتضي أن لا يعدم شيء ألبتة»، ليس بجواب، إنّما هو زيادة الإشكال وتأكيد لقول من يقول: الانعدام غيرممكن إلاّبطريان الضد أو انتفاء الشرط، وهو مذهب أكثر المتكلّمين.
وأمّا إبطال الاعدام بطريان الضد فجواب الوجه الأوّل وهو إلزام الدور كما ذكره، وهو أنّ عدم الباقي معلول الحادث.
و قولهم:«إنّ الحادث لا يكون أقوى من الباقي بكونه متعلّق السبب لأنّ الباقي حال البقاء أيضاً متعلق السبب»، ليس بصحيح، لأنّ الباقي عند قدماء المتكلّمين مستغن عن السبب.وأمّا عند القائلين بأنّه محتاج إلى سبب مُبق فجوابهم أنّ الموجِد أقوى من ا لمُبقي، لأنّ الايجاد اعطاء الوجود الذي لم يكن أصلاً والتبقية حفظ الوجود الحاصل، ولكونه أقوى فيرجح الحادث ويعدم المرجوح.
و ايراد الاعتراض بأنّ الحادث لو عدم بسبب الباقي حال الحدوث لكان موجوداً معدوماً معاً،و هو محالٌ، والباقي لو عدم بسبب الحادث ما لزم منه محال.
ثمّ الجواب ـ بأنّ الباقي يمنع الحادث عن أن يصير موجوداً، ولا يلزم منه محال ـ ليس بمرضيّ، فانّ الباقي لو كان بحيث يمنــع لكان أقـوى، وليس كذلك.

1 . فهو ترك الفعل وليس فعلاً. قال الطوسي في تجريد الاعتقاد:«وانتفاء الفعل ليس فعل الضد». كشف المراد:283. وقال المصنف: «فانّ الأعدام يستند إلى الفاعل كما يستند الوجود إليه. والامتياز واقع بين نفي الفعل وفعل العدم». كشف المراد: 401.

صفحه 207
والاعتراض بتجويز كون الحادث أكثر عدداً من الباقي، والجواب بامتناع اجتماع المثلين، ليس ممّا يذهب إليه وهم.
وجواب الوجه الثاني من إبطال الاعدام بطريان الضدّ وهو:«أنّ التضاد حاصل من الطرفين على السواء فتجويز1 كون الحادث أقوى وإن كنّا لا نعرف لميته»، ليس بجواب. والجواب ما بيّناه من كون الحادث أقوى لترجح الموجِد على المبقي.
وأمّا إبطال الاعدام بسبب انتفاء الشرط وأنّ الشرط لا يكون إلاّ عرضاً فدعوى مجرّدة، فانّه من الجائز أن يكون هناك شرط خال عن2 العرض، كما يكون الجوهر الذي هو المحل شرطاً في إيجاد الأعراض فيه. وأيضاً يجوز أن يكون الشرط لا جوهراً ولا عرضاً بل أمراً عدمياً، وقد مرّ بيان جواز الاشتراط به وزوال ذلك الأمر يقتضي انعدام المشروط به.
و بيان كون العرض شرطاً في الاعدام ـ بأنّ العرض لا يبقى والجوهر ممتنع الخلو عنه فيعدم بانعدامه ـ ليس ممّا يفيد مع هؤلاء الخصوم، لأنّ الكرّامية لا يقولون بذلك كالمعتزلة. وأمّا الزامهم الدور بسبب احتياج الجوهر إلى العرض، فباطل; لأنّ الدور يكون إذا كان المحتاج إليه محتاجاً إلى المحتاج فيما يحتاج فيه إليه وهنا ليس كذلك، فانّ احتياج الجوهر إلى عرض مّا لا بعينه، لا إلى عرض معين، والعرض المعيّن محتاج إلى جسم بعينه، فلا يلزم منه الدور.
والجواب بتجويز التلازم من غير احتياج أحدهما إلى الآخر، ليس بمفيد هنا، فانّ العرض محتاج في وجوده إلى الجسم، والتلازم وإن كان باحتياج كلّواحد من المتلازمين إلى عين الآخر محال، لكن من غير احتياج أحدهما إلى الآخر أو إلى

1 . في المصدر:«بتجويز».
2 . في المصدر: «غير» بدل «خال عن».

صفحه 208
ما يتعلّق بالآخر ليس بمعقول، فإنّ ذلك يكون مصاحبةً اتفاقيةً، وهي لا تقتضي امتناع الانفكاك.
و إيراد المثال بالمتضايفين1 على الوجه المشهور، غير صحيح; فإنّ إضافة كلّ واحد منهما محتاجة في الوجود إلى ذات الآخر لا إلى إضافة ، ومعلولا علّة واحدة يحتاج كلّ منهما إلى علّة الآخر، فليس فيهما عدم الاحتياج مطلقاً من غير لزوم الدور».2
وفيه نظر، فانّ الفرق الذي ذكره بين قولنا: ما فعَلَ وبين قولنا: فعل العدم، وإن كان ظاهراً لكن ليس المقصود ما ذكره، بل القصد أنّه في كلا الحالين لم يصدر عنه شيء وما حصل بواسطة الفعل ثبوت شيء ولا تحقّقه، ولمّا لم يكن العدم فعلاً كان فعله ليس فعلاً في الحقيقة.
والجواب بأنّه يقتضي أن لا يعدم شيء، صحيح3; لأنّ الحكم الضروري لا يرتفع بالشبه، فإذا أورد المشكك شبهة تدل على رفع حكم ضروري، علمنا على سبيل الإجمال أنّ هذه الحجّة باطلة علماً ضرورياً وإن عجزنا عن وجه الغلط فيها. ولمّا كان العلم الضروري ثابتاً لنا بأنّ الاعدام متحقّق، كانت الشبهة الرافعة له باطلة عند العقل. وهذا جواب صحيح لا مدفع له.
قوله:«الموجد أقوى من المبقى».
قلنا: متى إذا خلى عن المبقي العارض له أوإذا لم يخل؟ م ع.4

1 . في النسخ:«بالمتضادين»، وما أثبتناه من المصدر.
2 . انتهى كلام أفضل المحقّقين في نقد المحصل:222ـ224.
3 . دافع المصنّف عن هذا الجواب في أنوار الملكوت هكذا: «إنّ الجواب بالمعارضة إنّما هو بانسحاب كلام الخصم فيما علم بطلانه بالضرورة فيكون باطلاً وليس فيه زيادة شكّ بل هو إبطال كلام الخصم». ص 46.
4 . لعلّ المراد من «م» أنّ صورة الخلو عن المبقي العارض له، مسلم. ومن «ع» أنّ صورة عدم الخلو، ممنوع.

صفحه 209
وقوله: «الباقي إنّما يمنع لو كان أقوى وليس كذلك»، ممنوع; لأنّ الباقي موجود والحادث قبل حدوثه في حيز العدم والباقي حال عدم الحادث موجود، والموجود أقوى من المعدوم. والجهل بوجه قوّة الحادث لا يخرج الجواب عن كونه جواباً. وكون الشرط ليس بعرض، غير معقول; لاستحالة أن يكون الجوهر شرطاً في نفسه. وثبوت واسطة بين الجوهر والعرض وكون الشرط عدمياً، غير معقول هنا ; لأنّ العدمي لا يكون إلاّ مضافاً إلى ملكة وليست الملكة هنا الجوهر. أمّا أوّلاً: فلأنّ الجواهر متماثلة فيستحيل أن يكون وجود جوهر مشروطاً بعدم آخر. وأمّا ثانياً: فلأنّا ننقل الكلام إلى عدم ذلك الجوهر فانّه إمّا أن يعدم أو لا، والثاني مطلوبهم، والأوّل يفتقر إلى معدم ويعود البحث فيه. ولا العرض، لأنّ وجود ذلك العرض لابدّ له من محل جوهري ويعود البحث في عدمه. وأيضاً فهو الفناء الذي قال به المشايخ.
قوله:«الجسم يحتاج إلى عرض ما».
قلنا: عرضٌ ما إمّا أن يكون موجوداً أو لا، وعلى كلا التقديرين يلزم المحال.و البحث في المتضايفين قد تقدم. والاحتياج إلى العلّة لا تقتضي الاحتياج إلى المعلول، وإلاّ لزم الدور أو الترجيح من غير مرجّح، فقد تحقّق الاستلزام مع الاستغناء.
والجواب عن المنقول: أنّ الاحياء والإماتة ليس اعداماً وإيجاداً فلا يرد ما ذكرتم فيه، فانّ المكلّفين يفرّق اللّه تعالى أجزاءهم فإذا أعادهم جمعها، فصحّ فيه الاراءة والإدراك.
ولا نسلم أنّ إبراهيم عليه السَّلام سأل عن جميع مقدّمات الاحياء، بل عن كيفيته. وابتداء خلق الآدمي وإن كان جمعاً، لكن أصله ابتداء إيجاد لأنّ العالم حادث، وكذا بدؤ خلق النبات وغيره. والإعادة للمكلّفين أيضاً الجمع إن قلنا: إنّ المكلّف

صفحه 210
تتفرق أجزاؤه لا أنّه يعدم بالكلية، وكذا النشور والاخراج. وبالجملة ليس البحث هنا في فناء الآدمي خاصة حتى يحمل على الاعدام بالكلية أو التفريق، بل جميع الأجسام.1

المسألة الثالثة: في إبطال كلام المشايخ

قدعرفت كلام المشايخ وأنّهم أثبتوا الفناء معنى يضاد الجواهر لا في محل2، وهو باطل من وجوه:
الوجه الأوّل: التضادّحاصل من الطرفين لأنّه نسبة وإضافة لا تعقل إلاّ بين اثنين فكما ضاد الفناء الجواهر كذا الجواهر تضاد الفناء، وكلّ واحد من هذين الضدين ممكن وقابل للعدم ويعدم اتّفاقاً وليس انتفاء أحدهما بالآخر أولى من العكس، فليس انتفاء الجوهر بذلك الضد أولى من انتفاء ذلك الضدّ بوجود الجوهر فاستحال أن يفنى به.
وفيه نظر، لأنّا لا نسلّم انتفاء الأولوية فانّ الضدّ الطارئ يعدم الباقي لأنّ اللّه تعالى أراد اعدام الجوهر وإيجاد ضدّه فأوجد الضدّ فأعدم الجوهر.
قيل: والحس شاهد بذلك فانّ بعض الأعراض تعدم بطرو البعض الآخر. ولأنّ الاعتمادات التي توجب ضدّ ما يوجبه الآخر فانّ بعضها ينفي حكم الآخر، فبالطريق الذي جوزتموه ثمّ جوزوه هنا. ولأنّ الحادث أقوى لأنّه متعلّق السبب.

1 . ذهب الطوسي إلى الفرق بين معنى الفناء في المكلفين كالإنسان وبين غيرهم، فجاز الاعدام بالكلية في غير المكلّفين إذ لا يجب إعادتهم، بخلاف الإنسان الذي يجب إعادته، فقد تأول معنى فنائه وإعدامه بتفريق أجزائه، فإذا أراد اللّه تعالى إعادته جمع تلك الأجزاء وألفها كما كانت. وقال: «و يتأول في المكلف بالتفريق كما في قصة إبراهيم عليه السَّلام ».كشف المراد:402.
2 . راجع المجموع في المحيط بالتكليف2: 298.

صفحه 211
ولأنّه لو عدم لاجتمع فيه النقيضان.و لجواز أن يخلق اللّهتعالى عدد الضدّ الحادث أكثر.
اعترض من حيث الإجمال والتفصيل.
أمّا الإجمال فهو أنّوجود الضدّ إمّا أن يكفي في منافاته لضدّه أو لابدّ معه من أمر زائد، فإن كان مجرّد وجوده كافياً وذلك غير مختلف فيهما لزم تعذر نفي أحدهما بالآخر دون العكس لعدم الأولوية،وإن كان لابدّ معه من زائد فباعتبار انتفاء ذلك الزائد يلزم أن يمكن أن يجامع ضدّه، ولو جاز ذلك فيه بطل دعوى المنافاة بالتضاد. كيف وأنّه غير مستقيم على أُصولكم؟ فانّ عندكم لا يصح أن تتوقّف المنافاة بشيء زائد على الضدّ، لأنّ ما يتنافيان بالتضادّ يتنافيان بأنفسهما وحدهما ولهذا قالوا: إنّ التضاد يرجع إلى الآحاد دون الجمل ، ولهذا لم تفترق الحال في تعذر الجمع بين جزء واحد من البياض في محلّ فيه جزءٌ واحدمن السواد وبين أن يكون فيه الف جزء.
وفيه نظر، فانّا نقول: وجود كلّ من الضدّين كاف في المنافاة، ولهذا لا يكون أحدهما موجوداً مع صاحبه ولا يتخصص أحدهما بالوقوع من حيث إنّه ضدّ بل يحتاج في ترجيحه إلى الفاعل، فلما أوجد الفاعل أحد الضدّين كان قاهراً1 لصاحبه ونافياً له، فإذا أراد الفاعل إيجاد الآخر افتقر المتجدد في اعدام الأوّل إلى مرجّح وهو إرادة الفاعل لايجاده. فالحاصل أنّ المنافاة من الطرفين على السواء لكن تخصيص أحدهما بالوجود أو بالعدم إنّما يكون بواسطة الزائد وهو ترجيح الفاعل.
وأمّا التفصيل فقالوا:
على الأوّل: لا نسلّم أنّ في الأعراض ما هو باق فجاز أن يكون اللّه تعالى

1 . الكلمة مشوشة في النسخ، ولعلّ الصواب ما أثبتناه.

صفحه 212
يجدد في الجسم أمثال تلك الأعراض بخلاف الجسم، فانّ كلّ واحد منّا مع كونه جسماً يعلم من نفسه أنّه هو الذي كان بالأمس فكان كون الجسم معلوماً بخلاف الاعراض.
سلّمنا بقاءها، فلِمَ قلتم: إنّ انتفاءها إنّما كان بضدّ ولم يكن بفوات شرط؟ فإنّ من الأعراض ما يحتاج في بقائه إلى شرط، كالعلم المحتاج إلى الحياة والحياة المحتاجة إلى البنية المعتدلة.
والوجه الذي ذكرتم في إبطال كون وجود الجسم مشروطاً، لِمَ قلتم بوروده هنا؟ فانّكم قلتم في ذلك الوجه: أنّ ذلك الشيء الذي يكون شرطاً في وجود الجسم إمّا أن يكون حالاً في الجسم أو لا، فإن كان حالاً في الجوهر كان محتاجاً إلى الجوهر فيستحيل احتياج الجوهر إليه، وإلاّ دار. وإن لم يكن حالاً كان شيئاًقائماً بنفسه، والجوهر أيضاً كذلك فلم تكن حاجة أحدهما إلى الآخر أولى من العكس فإمّا أن يحتاج كلّ منهما إلى الآخر وهو محال أو يستغني كلّ منهما عن الآخر فلا يلزم من عدم واحد منهما عدم الآخر، وهذا إنّما يمكن وروده في الأجسام دون الأعراض.
سلّمنا أنّ عدمها ليس بعدم الشرط، فلِمَ لا يعدم باعدام معدم؟ بأن يعدمها اللّه تعالى ابتداءً كما أوجدها ابتداءً، ولهذا كان حدّ القادر هو الذي يصحّ منه أن يفعل وأن لا يفعل فكان لا يفعل داخلاً في حدّ القادركالفعل، ولهذا قلتم: إنّ الصحيح ما ذهب إليه أبو هاشم من أنّ الذم والمدح بترك الواجب وبترك القبيح يرجع إلى نفي الفعل دون ما ذهب إليه أبو علي من أنّ ترك الفعل يرجع إلى فعل ضدّ دون نفي الفعل1، ولهذا جعلتم مثل هذا الاعدام تأثير الضدّ، فإذا جاز

1 . اختلف المتكلمون في الترك للشيء، هل هو فعل وكف أم لا؟ فانظر الآراء والمسائل المرتبطة بالترك في مقالات الإسلاميين: 378 وما يليها.

صفحه 213
عندكم أن يكون تأثير الضد، فلِمَ لا يجوز أن يكون تأثير القادر؟ وهذا هو الوجه الذي ذهب إليه أبوالحسين1 الخياط في جواز عدم الأجسام. وهذا وإن لزم منه صحّة الاعدام للأجسام بهذا الطريق، ولكن لم يحصل به صحّة اعدامها بما ذهبوا إليه من الفناء ،و هذا هو المقصود في هذا المقام.
سلّمنا انّها تزول بالضد، لكن قلتم: إنّه إنّما كان زوال الزائل بالضد أولى ، لأنّه خلق ضدّين في محلّ فيه ضدّ واحد، وهذا العذر لا يستقيم على أُصولكم لوجهين:
الأوّل: التضاد عندكم يرجع إلى الآحاد.
الثاني: إنّما تكلّمنا في هذه المسألة مع من يقول: الفناء يفني جميع الأجسام ولا يستقيم له هذا الجواب.
وعلى الثاني: أنّ الباقي كالحادث في استلزام اجتماع الوجود والعدم، فإن جعلتم الباقي يرتفع في الزمن الثاني من وجوده فكذا ارتفاع الحادث.
وعلى الثالث: أنّ الباقي ممكن لذاته والوصف الذاتي لا يتبدل فلا فرق بين حالة الحدوث والبقاء. ولو سلّمنا أنّه غير متعلّق السبب، ولكن لِمَ قلتم: بأنّ أثر السبب في أكثر من وجوده، ثمّ الوجود الذي هو مسبب السبب لا يختلف بين الحادث وبين الباقي فصار وجود السبب كعدمه فيما يرجع إلى زيادة قوة في وجود الحادث؟

1 . في النسخ وكذا في أنوار الملكوت: 49: «أبوالحسن»، وهو خطأ.و هو عبد الرحيم بن محمد بن عثمان، أبوالحسين الخياط. صاحب كتاب الانتصار. ذكره ابن المرتضى في رجال الطبقة الثامنة. توفي سنة 300هـ. (طبقات المعتزلة:85). وقال الشهرستاني: إنّه أُستاذ أبي القاسم ابن محمد الكعبي، وهما من معتزلة بغداد على مذهب واحد، إلاّ أنّ الخياط غالى في إثبات المعدوم شيئاً... الملل والنحل، ترجمة (الخياطية والكعبية).

صفحه 214
وعلى الرابع: بأنّ هذا الجواب لا يتمشى على قول من يقول: إنّ اللّه تعالى يخلق فناءً واحداً يعدم به جميع الجواهر التي في العالم، خصوصاً وقد بيّنا أنّ ما كان ضدّاً بنفسه لا يختلف حاله في ذلك بين أن يكون واحداً وبين أن يكون أكثر من واحد.
الوجه الثاني: شرط التنافي بين الشيء وضدّه أن يتعاقبا في محلّ واحد، وهذا الشرط غير حاصل في الفناءمع الجسم، فيستحيل ثبوت المنافاة فيه.
أمّا الأوّل: فلأنّ السواد والبياض وكلّ نوع من أنواع الأضداد إذا وجد أحدهما في محل ووجد الآخر في محلّ آخر فانّه يستحيل بينهما المنافاة لفقد ما ذكرنا من الشرط، حتى لو قدرنا هذا الشرط حاصلاً فانّه تحصل المنافاة.
وأمّا الثاني: فانّ الجسم وإن جاز وجوده في الحيز، لكن يستحيل حصوله في المحل فكذا الفناء الذي يذهبون إليه يستحيل حصوله في المحل، وإذا استحال حلول كلّواحد منهما في المحل استحال فيهما ما هو الشرط في المنافاة فتستحيل المنافاة.
لا يقال: كلّ واحد منهما موجود على حسب وجود الآخر، فانّ الجسم ليس في محل وكذا الفناء، فلِمَ لا يكفي هذا في المنافاة؟
لا يقال: إذا قدّرنا سواداً في محل وبياضاً في آخر وقدّرنا محلاً ثالثاً فكلّ واحد من السواد والبياض موجود على حسب وجود الآخر في أنّه ليس في ذلك المحلّ الثالث، ومع ذلك لا يكفي هذا في المنافاة بينهما، لأنّ شرط المنافاة بينهما مفقود وهو تعاقبهما على محلّ واحد.
وفيه نظر، فانّ التضاد قد يكون على المحل فيشترط فيه اتحاده، وقد يكون على الوجود عندهم كما في الجواهر والفناء فكان نسبة الوجود إليهما نسبة المحل في

صفحه 215
الضدين وهذا الأخير لا يشترط فيه1 المحل.
الوجه الثالث: الفناء عرض، ووجود عرض لا في محلّ محال، ونعني بالعرض الحادث الذي لا يكون في جهة، وذلك لأنّ كلّ ما يوجِده القادر يجب أن يوجد على وجه يكون مشاراً إليه وإلى جهته وهذا ضروري، وبهذا يبطل جميع ما ادعوه من الأعراض التي توجد لا في محلّ كالإرادة والكراهة والفناء2، وهذا العلم في الظهور فوق علمنا بأنّ الأكوان والطعوم وغيرها تحتاج إلى محل فإن أمكن منع هذا الظهور أمكن المنع في الجميع.و لظهور هذه القضية قالت الكرامية: هذه القضية عامة في جميع الموجودات قديماً كان أو حادثاً.
وهذا أقوى ما لهم من الحجّة في هذه المسألة التي بها يصولون على من خالفهم ويعدّون منكر ذلك مكابراً، ونحن قد قلنا بأنّ ذلك متصور في الحوادث دون القديم تعالى.
و فيه نظر، لأنّ ذلك راجع إلى اختلاف التفسير، فانّهم إن عنوا بالعرض ما يوجد في المحل فالفناء ليس بعرض بهذا المعنى، وإن عنوا به ما يعرض في الوجود ولا بقاء له كبقاء الأجسام فهو عرض، وإن عنوا بالجوهر ما يستقل بذاته فالفناء جوهر بهذا المعنى، ولا مشاحة في الأسماء.
الوجه الرابع: هذا الفناء إن نافى الجسم فإمّا أن ينافيه من حيث وجوده أو لا من حيث وجوده بل من حيث حقيقته أو مقتضاه أو شيء آخر. لا جائز أن ينافيه

1 . ق: «في»، وهو خطأ.
2 . ذكر الشهرستاني المسائل التي انفرد بها الجبائيان، «فمنها: أنّهما أثبتا إرادات حادثة لا في محل... وفناء لا في محل... وإثبات موجودات هي أعراض، أو في حكم الأعراض لا محلّ لها كإثبات موجودات هي جواهر أو في حكم الجواهر لا مكان لها. وذلك قريب من مذهب الفلاسفة». الملل والنحل، ترجمة (الجبائية والبهشميّة).

صفحه 216
من حيث الوجود، لأنّه لو نافاه من حيث الوجود والوجود عام مشترك بين جميع الموجودات وجب أن ينفى القديم وهو محال، وينفى نفسه فانّه أيضاً موجود.
لا يقال: إنّهما لا يتنافيان بالوجود ولا بالحقيقة، ولكن يتنافيان بما هو مقتضى حقيقتهما.
لأنّا نقول: فيجب أن يقتصر الانتفاء على ما وقع فيه المنافاة فتخرج كلّ واحدة من الحقيقتين عن مقتضى صفتهما الذاتية دون الوجود، فلا يعدم الجسم.
لا يقال: إنّه وإن كان كذلك لكنّه يستحيل أن يخرج المقتضي عن مقتضاه وهو موجود، لأنّ المقتضي وهو الصفة الذاتية تقتضي مقتضاه نحو التحيز في الجسم بشرط الوجود فإذا وجد المقتضي مع الشرط استحال أن يتخلف عنه المقتضى. وكذا أيضاً قولهم في العلّة: إنّها إذا وجدت لا يجوز أن يتخلف عنها حكمها.
فإذا قيل لهم: لِمَ لا يجوز أن يتخلف المقتضى عن المقتضي وكذا الحكم عن العلّة وإن وجب الشرط الذي هو الوجود لما أنّه يحتاج إلى شرط آخر ولما أنّ مانعاً يمنع من الحكم فيحتاج إلى زواله، كما قلتم في سائر المؤثرات كالأسباب وأنتم جوزتم أنّ توقف مسبباتها مشروط بزوال المانع؟
لا يقال: إنّا إذا جوّزنا ذلك يبطل الفرق بين المنتفي المعدوم والموجود وكذلك هذا في العلّة، لأنّه لا يظهر المقتضي والعلّة إلاّبالمقتضى والحكم، ثمّ إنّه لا يمكن تأثير المقتضى والحكم في حالة العدم، فلو لم يلزمه في حالة الوجود فقد استوى حالة عدمه ووجوده ، فيبطل الفرق الذي ذكرناه.
لأنّا نقول: لا نسلّم أنّه يبطل الفرق وتستوي حالة وجودهما وعدمهما، وذلك لأنّه حين كان معدوماً كان يتوقف مقتضاه وحكمه على أمرين: الوجود، والشرط الثاني زوال المانع، وبعد الوجود لا يتوقف إلاّ على شيء واحد وهو الشرط

صفحه 217
الثاني وهو1 زوال المانع.
ثمّ نقول: هب أنّه يستحيل تخلف المقتضى مع الوجود ولكنّه أيضاً يستحيل انتفاء الوجود من غير مناف. ثمّ هذا الفناء لا يخلو إمّا أن يصير منافياً للوجود فيلزم منه ما ألزمناه من نفي القديم، أو لا يصير منافياً له فيلزم منه انتفاء الوجود من غير وجود ما يقتضي ذلك، وهو أيضاً محال.
فإذن القول بالفناء يؤدي إلى أحد محالين: إمّا تخلف المقتضى عن المقتضي مع حصول شرط الاقتضاء وهو الوجود وأنّه محال عندكم. وإمّا انتفاء الوجود لا لأمر وأنّه محال، فصحّ أنّ القول بالفناء يؤدي إلى أقسام باطلة، فيكون القول به باطلاً.
لا يقال: هب أنّه لا ينافي الوجود، ولكن لِـمَ لا يجوز أن ينتفي بالفناء ما هو شرط الوجود فينتفي الوجود وهو المقتضى؟
لأنّا نقول: إنّ الوجود شرط المقتضى فلو كان شرط الوجود لزم منه الدور، وهو محال.
و يقال لهم: إن كان لا تنتفي حقيقة الجسم بالفناء، بل ينتفي بالفناء أمر زائد على حقيقة كونه جسماً يسمّون ذلك الزائد وجوداً، فإذن المنتفي والزائد على الحقيقة أمر زائد على الجسم وكان تسمية الجسم معدوماً بعدم أمر زائد عليه تسمية له بذلك على سبيل المجاز بالحقيقة. وحقيقته لمّا كان لم تعدم بعدم لا يجوز عليه العدم، فأنتم في الحقيقة أشدّ الناس قولاً باستحالة عدم الجواهر والأجسام.
وفيه نظر لجواز أن ينافيه من حيث الوجود، ونمنع عموم الوجود.
سلّمنا، فلِمَ لا ينافيه من حيث الوجود الممكن أو المحدث أو المستند إلى

1 . ق: «أو» بدل «وهو».

صفحه 218
الفاعل أو وجود الجوهر؟
سلمنا، لكن لِـمَ لا ينافيه من حيث الماهية، على معنى أنّ ماهية الجوهر منافية لذاتها لماهية الفناء في الوجود لا مطلقاً فلا يتنافيان في العدم، كما أنّ الضدّين يتنافيان في المحل الخارجي وإن جاز اجتماعهما معاً في الذهن؟
سلّمنا، فلِمَ لا ينافيه باعتبار آخر غير ما ذكرتم؟
الوجه الخامس1: هذا الفناء الذي يذهبون إليه لِمَ لا يجوز أن لا2 تقارنه منفعة لأحد من الاحياء ولا ايصال حقّ إلى مستحق؟ وما كان كذلك كان عبثاً قبيحاً واللّه تعالى منزّه عن فعل العبث، فيجب في الحكمة أن لا يفعل هذا الفناء.
أمّا الصغرى، فلأنّ المنفعة إمّا عاجلة وإمّا آجلة فلابدّ فيهما من الفعل والحياة، وإنّما يتصور ذلك في الجسم إذا كان موجوداً، وهذا الفناء الذي يدعونه لا يقارنه عدم الجسم وعدم الجسم لا تقارنه الحياة فلا تقارنه المنفعة. وهو البيان لنفي إمكان إيصال الحقّ إلى المستحق. فثبت أنّ الفناء الذي يدعونه لا تقارنه منفعة ولا إيصال حقّ إلى مستحقّ.
وأمّا الكبرى، فلأنّ مالا تقارنه المنفعة ولا إيصال حقّ إلى المستحق يكون عبثاً قبيحاً فضروري، فيقبح في الحكمة هذا الفناء.
فإن قيل: هذا يبطل بعذاب القبر ومساءلة منكر ونكير وأهوال يوم القيامة وعذاب أهل النار فانّه لا منفعة هناك لا عاجلة ولا آجلة ومع ذلك فهو حسن، فجاز هنا مثله. ثمّ نمنع انتفاء المنفعة هنا.
قوله: «الفناء الذي يقارنه العدم لا تقارنه الحياة فلا تقارنه المنفعة».

1 . راجع شرح المقاصد5: 104ـ106.
2 . «لا» ساقطة في ق.

صفحه 219
قلنا: إذا جاز أن يقارن وجود الفناء عدم الأجسام، فلِمَ لا يجوز أن يقارن وجود المنفعة عدم الحياة؟
سلّمنا أنّه لا يجوز أن يقارنه، لكن لِمَ لا يجوز أن يتقدمه أو يتأخر عنه؟ فانّ الإنسان قد يعد غيره أو يتوعده ثمّ يفي ذلك من بعد لما قد سبق له من المنفعة بالوعيد والوعد، وكذا يلقي البذر في الأرض مع ما فيه من النقصان لما يتوقعه من بعد من الحصاد، فكذا هنا لِمَ لا يجوز أن يخبر اللّه تعالى عن الفناء لما لهم من منفعة المصلحة؟ ثمّ إنّه تعالى يفعل ذلك من بعد وفاءً بما أخبر.
أو نقول: إنّه لمّا أخبر وكان لا يجوز أن ينتفع بالمخبر1 عنه مع توقع الكذب فيجب فعله، فيكون الخبر عن المخبر كالشيء الواحد حتى يكون الموجود من المصلحة في الخبر كالموجود في المخبر.
لم يعارض بالفناء الذي ذهبتم إليه من الموت وتفرق الأجزاء خصوصاً موت أجزاء الاحياء، فانّه حينئذ لا منفعة هناك له ولا لغيره ولا اعتبار لأحد به، ومع ذلك فانّه يجوز، فلِمَ لا يجوز فيما ذهبنا إليه؟
فالجواب: أنّ النقوض غير واردة، لأنّا قلنا: ولا إيصال حقّ إلى مستحقه، وعذاب القبر وعقاب الآخرة يكون مستحقاً.
قوله:«لِمَ لا يجوز أن يقارن المنفعة وجود الفناء؟».
قلنا: لما ذكرناأنّه يقارنه عدم الجسم وعدم الجسم يقارنه عدم الحياة ويستحيل وجود اللذة للحي مع عدم الحياة، بخلاف وجود الفناء فانّه لا يحتاج إلى وجود شيء يزول بزوال الجسم.

1 . ق:«بالخبر».

صفحه 220
قوله: «لِمَ لا يجوز أن يتقدمه أو يقارنه؟»
قلنا: لوجهين:
الأوّل: القادر الذي استوى الفعل وعدمه منه لقدرته لا يجوز أن يفعل إلاّ إذا رجح منه أن يفعل بالداعي وهو أن يعلم أو يظن أنّه تتعلق بفعله منفعة إن فعله حصلت وإلاّ فاتت. وإن لم يكن له داع على هذا التفسير، فإمّا أن نقول: بأنّه لا يصحّ منه وجود الفعل كما هو قول أبي الحسين في جوابه عن شبه النظام في قدرة اللّه تعالى على القبيح، أو نقول: إنّه وإن صحّ منه لكن لا يفعله لقبحه على ما ذهب إليه سائر الشيوخ.وما قد أخبر اللّه تعالى عن إيجاده فهو وإن تعلقت المنفعة بالخبر لكن إذا لم تتعلق بنفس المخبر لم يكن ذلك المخبر ممّا قد دعاه إليه الداعي على ما فسرنا به الداعي، إلاّ أن يقولوا بأنّ اللّه تعالى ينتفع بفعل المخبر لما فيه من صيانة . قوله: عن الكذب. واللّه يتعالى عن الانتفاع فلم يجز أن يخبر عن مخبر هذا حاله.
وأمّا من يقول: ما وعد به فانّه ينتفع بذلك لما يحصل له من السرور بصفة الكمال بالوفاء1 والاحتراز عن صفة النقصان بقول الكذب.
لا يقال:لِمَ لا يجوز أن يكون القبيح في الكذب لو لم يف بما أخبر به صارفاً عن الترك وداعياً إلى فعل المخبر به، كالانتفاع. ولهذا يفعل اللّه تعالى الأفعال الحسنة ويترك القبائح لمجرّد الحسن والقبح وإن لم تكن في ذلك منفعة له تعالى على تفسير السرور واللذة خصوصاً على مذهبكم في مسألة التحسين والتقبيح; فانّكم قلتم: بأنّ في العقل واجبات وقبيحات لا على سبيل المنفعة والمضرة بل على سبيل أنّ العقل يمنع من فعله له ومن الاخلال بأن يفعله.

1 . ق: «بالبقاء»، وهو خطأ.

صفحه 221
لأنّا نقول: سيأتي في مسألة التحسين والتقبيح أنّ الكذب الذي يدعى فيه القبح ليس هو الخبر الذي مخبره بخلافه حتى إذا أخبر عن أنه سيفعل في الغد كذا أن يتوقف كونه كذباً على أن لا يفعل وكونه صدقاً على أن يفعل، بل إذا أخبر عن مخبر وعنده أنّ الخبر بخلافه فهو الكذب، ولذا عدّ المنافقين كاذبين مع وجود المخبر لما لم يكن عندهم أنّ المخبر على ما أخبروا به، فقال تعالى: «واللّهُ يعلمُ إِنّ المنافقينَ لكاذِبُون».1 إذا صحّ ذلك علم أنّ المخبر به لا يتوقف عليه كونه صدقاً غير كذب خبر يصلح داعياً إلى فعل كلّ المخبر به.
لا يقال: يفعل لتحصيل الانتفاع بالخبر.
لأنّا نقول: إذا كان تتوقف المنفعة بالخبر على الفعل وكذا الفعل يتوقف على الخبر فحينئذ يتوقف أحدهما على الآخر، وهو دور.
وأمّا من يلقي البذر في الأرض فانّه يتوقع بفعله ـ القاء البذر ـ منفعة تحصل له بذلك لولاه لما حصل. وعلى هذا التخريج نسلّم جواز خلق اللّه تعالى لما فيهمنقبل خلق العالم. فإذا صحّ هذا الجواب صارت الطرق متمشية على أُصولنا.
والجواب: أنّا وإن سلّمنا جواز أن يفعل اللّه تعالى لمنفعة سابقة ولاحقة لكن ذلك لا يستقيم على أُصولهم، فانّ هؤلاء المشايخ الذين قالوا بالفناء منعوا من جواز أن يفعل اللّه تعالى فعلاً لا لمنفعة مقارنة. وقالوا: إنّ الخبر عن إيجاد الشيء لا يجوز إلاّ وأن يكون ذلك المخبر يقارن وجود منفعة، ولولا ذلك لم يجز الخبر عنه. وإذا تعلّق حسن الخبر بحسن المخبر وكونه نافعاً فلو تعلّق حسن المخبر بحسن الخبر وكونه نافعاً دار. ولذلك منعوا صحّة ما روي: أنّ اللّه تعالى يقول عند افناء

1 . والآية هكذا: (واللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنافِقينَ لَكاذِبُونَ)المنافقون/1.

صفحه 222
الخلق: لمن الملك اليوم؟1 إلاّأنّه لا تقارنه منفعة وإن كان يجوز أن يتقدمه بخبره عنه، ولذلك منعوا الروايات التي فيها: أنّ اللّه تعالى خلق شيئاً، قبل أن يخلق عالماً مُلكاً2 أو يخبره وإن كان يمكن أن تحصل به المنفعة من بعد كما أنّه لم يقارنه. وإذا صحّ ذلك من أُصولهم لم يصحّ قولهم بخلق الفناء مع استحالة مقارنة المنفعة به.
وأمّا المعارضة بالفناء فالجواب من وجهين:
الأوّل: أنّه يمكن فيه حصول منفعة الاعتبار أو منفعة اللذة، فانّ تفريق أجزاء الحي إذا كانت مع الشهوة كان لذيذاً، فيجوز أن يكون موت أجزاء الأحياء كذلك. ويجوز أيضاً أن يكون ألماً فيكون عقاباً ولوماً.
الثاني: إنّما نمنع وجوب مقارنة المنفعة على ما شرطتم أنتم، فيكون هذا الكلام لازماً لكم.

1 . غافر/16. وانظر ما روي بهذه التعابير في بحار الأنوار6:324ـ326. منها ما روي عن عليّ بن الحسين عليمها السَّلام في حديث، حيث قال: «ينادي الجبّار جلّ جلاله: «لمن الملك اليوم؟» فلا يجيبه مجيب، فعند ذلك ينادي الجبّار جلّ جلاله مجيباً لنفسه: «للّه الواحد القهّار» وأنا قهرت الخلائق كلّهم وأمتّهم، إنّي أنا اللّه لا إله إلاّ أنا وحدي، لا شريك لي ولا وزير» الحديث، وفي الوقت نفسه هو خبر واحد.
وينقل المجلسي رحمه اللّه احتمالات عن المفيدرحمه اللّه لخطابه عزّ وجلّ عند فناء الخلق وأنّه تعالى كيف يخاطب المعدوم؟
ثمّ يقول: هذه الأخبار دافعة لتلك الاحتمالات، والشبهة مندفعة بأنّ الخطاب قد يصدر من الحكيم من غير أن يكون الغرض إفهام المخاطب أو استعلام شيء، بل لحكمة أُخرى كما هو الشائع بين العرب من خطاب التلال والأماكن والمواضع لإظهار الشوق أو الحزن أو غير ذلك، فلعلّ الحكمة هاهنا اللّطف للمتكلّفين من حيث الإخبار به قبل وقوعه ليكون أدعى لهم إلى ترك الدنيا وعدم الاغترار بملكها ودولاتها، وإلى العلم بتفرّد الصّانع بالتدبير وغير ذلك من المصالح للمكلّفين. المصدر نفسه.
2 . العبارة كذا.

صفحه 223

المسألة الرابعة : في حجج مثبتي الإعدام

ذهب مشايخ المعتزلة إلى1 إمكان افناء العالم وإعدامه، وأنّه سيقع. ثمّ ادعوا على ذلك الإجماع ولم يُذكر فيه خلاف2، إلاّ ما شنّع به ابن الراوندي على الجاحظ، فانّه زعم أنّه لا يقول بافناء العالم، وأنكره جماعة3 وقالوا: لو كان مذهباً له لحكاه غيره وذكره. واللّه أعلم بحقيقة الحال.
واستدلوا على ذلك أيضاً بأنّ العالم قد ثبت أنّه ممكن وكلّ ممكن فانّه يقضي العقل بإمكان عدمه كما يقضي بإمكان وجوده. والنبي عليه السَّلام قد أخبر بوقوع عدمه فوجب أن يثبت عدمه. وبينوا أخبار الصادق بوقوعه بوجوه:
الوجه الأوّل: ما ذكره قاضي القضاة في قوله تعالى:(هُوَ الأَوّلُ وَالآخر)4،

1 . في النسخ: «على»، وهو من إقحام الناسخ.
2 . وادّعى المصنف أيضاً الإجماع على ذلك حيث قال:«و قد وقع الإجماع على الفناء وإنّما الخلاف في كيفيته» كشف المراد:402.
3 . منهم الخياط حيث قال بعد هذا الإسناد: «و هذا كذب على الجاحظ عظيم، وذلك أنّ قول الرجل إنّما يُعرف بحكاية أصحابه عنه أو بكتبه، فهل وجد هذا القول في كتاب من كتبه؟ فانّ كتب عمرو الجاحظ معروفة مشهورة في أيدي الناس. أو هل حكاه عنه أحد من أصحابه؟» الانتصار:22.
والجدير بالذكر أنّ ابن الراوندي ليس وحيداً في هذا الاسناد، بل ذكره كثير من المتكلمين وغيرهم، منهم: 1. البغدادي في أُصول الدين: 66(المسألة الخامسة عشرة من الأصل الثاني في إجازة الفناء على العالم). 2. الشهرستاني في الملل والنحل في ترجمة الجاحظية. 3. الطوسي في نقد المحصل:222.
4 . الحديد/3. قال القاضي عبد الجبار:«فأمّا الذي يدلّ من السمع على أنّه تعالى يُفني الجوهر، فوجوه. منها قوله سبحانه:(هُوَ الأَوّلُ وَ الآخر)المغني11:437. المجموع في المحيط بالتكليف2: 287. واستدل فيهما بالآية الرابعة والخامسة أيضاً، فراجع. وانظر أيضاً الأدلّة السمعية في كشف المراد:402; شرح المقاصد 5: 100و مايليها.

صفحه 224
فانّ اللّه تعالى كما حكم بكونه أوّلاً حكم بكونه آخراً، ثمّ إنّه لما كان أوّلاً في الوجود يجب أن يكون آخراً في الوجود ولا يكون كذلك إلاّ بعد عدم الموجودات، ثمّ إنّها لا تعدم بعد يوم القيامة فيجب أن يكون ذلك قبل يوم القيامة.
الوجه الثاني: قوله تعالى:(وَ هُوَ الّذي يَبْدَؤُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعيده)1، وإعادة الخلق لا يتصور إلاّ بعد عدمهم.
الوجه الثالث: قوله تعالى:(كَما بَدَأْنا أَوّلَ خَلْق نُعيدُهُ)2،و لمّا كان مبدأ الخلق هو الاحداث عن عدم محض لحدوث العالم كذا تكون الإعادة، لأنّه تعالى شبّه الإعادة بالابتداء وساوى بينهما فكما كان الابتداء عن العدم وجب أن تكون الإعادة أيضاً عن العدم وكذا قوله تعالى: (كَما بدَأَكُمْ تَعُودُون).3
الوجه الرابع: قوله تعالى:(كُلُّ مَنْ عَلَيْها فان)4، والفناء هو العدم فدلّ على فناء من على الأرض.
والمعتزلة لمّا قالوا بالفناء الموجود لا في محلّ قالوا:5 إنّه إنّما يمكن إفناء من على الأرض بخلق فناء لا في محل، ومتى وجد فناء لا في محلّ وجب انتفاء جميع الجواهر، فدلت هذه الآية على فناء كلّ الجواهر ويلزم انتفاء جميع الأعراض وليس العالم إلاّ الجواهر والأعراض.
الوجه الخامس: قوله تعالى: (كُلُّ شَيْء هالِكٌ إِلاّوجْههُ)6، والهلاك يطلق تارة على الخروج عن كونه منتفعاً به وتارة على العدم. والأوّل غيرممكن الإرادة هنا ، لأنّه لا يمكن خروج العالم عن كونه منتفعاً به، لأنّه سواء بقي موجوداً أو صار

1 . الروم/27.
2 . الأنبياء/104.
3 . الأعراف/29.
4 . الرحمن/26.و قال الطبرسي: (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فان)، أي كلّ من على الأرض من حيوان فهو هالك يفنون ويخرجون من الوجود إلى العدم . مجمع البيان، ذيل الآية.
5 . « قالوا» ساقطة في ق.
6 . القصص/88.

صفحه 225
معدوماً فانّه يمكن الاستدلال به على وجود الصانع تعالى وذلك من أعظم المنافع. وإذا لم يمكن حمله على المعنى الأوّل وجب حمله على الثاني وإلاّ لصار مهملاً، والكلام بالمهمل قبيح على اللّه تعالى.
وأيضاً المراد من هذه الآية تمدحه تعالى بالدوام والبقاء وعدم تطرق الهلاك والعدم إليه، فلو كان العالم باقياً بأجزائه أو1 بجملته لم يكن هذا التمدح مختصاً به تعالى، وهو مناف للغرض من الآية.
وأيضاً الهلاك في الحقيقة إنّما هو العدم والفناء، وإنّما اطلق على غير المنتفع به أنّه هالك بنوع من المجاز والأصل عدمه ولهذا يصدق سلب الهلاك عن الذات الباقية وإن كانت غير منتفع بها.
الوجه السادس: الإجماع دالّ على أنّ العالم يفنى ويعدم.2
والاعتراض3 على الأوّل من وجوه:4
أ. الآية دلّت على كونه آخراً على الإطلاق ولم تدل على كونه آخراً لكلّ الذوات أو لبعضها، والاخبار نحن نعمل بموجبها ونحملها على أنّه تعالى يبقى حياً بعد موت جميع الأحياء، وإذا عملنا في هذه الصورة بمقتضى إطلاق اللفظ سقط أصل الاستدلال.

1 . ق:«و».
2 . قال القاضي عبد الجبار:«قد اعتمد شيوخنا في ذلك أيضاً على الإجماع وأنّه لا خلاف أنّه تعالى يفني العالم ثمّ يعيده . وقد حكى عن بعض العلماء في هذا الباب الخلاف. وهذا لو صحّ لم يعترض ما ذكرناه; لأنّ الحال في ذلك في الصحابة والتابعين ومن بعدهم أظهر من أن يصحّ أن يُدعى فيه الخلاف; لأنّ الإجماع على ذلك من الأُمور العامة الفاشية الظاهرة. وإنّما يمكن أن يتأول إجماعهم على أنّ المراد به الموت دون الفناء، وهذا لا يسوغ في الإجماع، كما لا يسوغ في إطلاق الكتاب». المغني 11:441.
3 . على خمسة من الوجوه، وما ذكر المصنف اعتراضاً على الوجه السادس.
4 . راجع المصدر نفسه ; شرح المقاصد5: 102.

صفحه 226
و فيه نظر، لأنّا قد بيّنا أنّ المراد التمدح بوجوب البقاء والدوام والتخصص به من دون غيره. ولأنّ إطلاق الآخرية إنّما يحسن لو كان عامة.
ب. جاز أن يكون المراد هو الأوّل والآخر بحسب الاستحقاق لا بحسب الزمان.
وفيه نظر، لأنّ الأوّلية والآخرية إضافتان أخذتا بمعنى واحد والمراد في الأوّل هنا بحسب الزمان لما ثبت من حدوث العالم، فيكون الآخر كذلك.
ج. المراد ليس بحسب الزمان في الآخر، لأنّ على تقدير الافناء إذا أعاد الخلق وأسكنهم الجنة لا يفنيهم بعد ذلك، فلا يكون آخراً مطلقاً كما كان أوّلاً. فإذن لابدّ فيه من تأويل، وبه حمل الأوّل على كونه مبدأً لكلّ شيء والآخر على كونه غايةً لكلّ شيء.
وفيه نظر، فانّ العالم إذا عدم فقد صدق عليه تعالى أنّه آخر، وأمّا المعاد فذلك لا يخرجه عن كونه آخراً على الإطلاق وقت الاعدام.
د. قولكم:«الآية اقتضت كونه تعالى أوّلاً في الوجود فيجب أن تقتضي كونه آخراً فيه».
قلنا: الآية تقتضي كونه أوّلاً في الوجود على معنى يتحقق كونه ذاتاً وحقيقة، أو على معنى اختصاص ذاته بصفة زائدة على ذاته. إن عنيتم الأوّل، لم يصح على قولكم إنّ ذلك يقتضي ابتداء كون غيره ذاتاً، فيلزم منه أنّ المعدوم ليس بذات، وكونه آخراً يقتضي أن تخرج الجواهر والأعراض عن كونها ذاتاً ولزم من ذلك انتفاء الحقائق بعد تحقّقها،وهذا لا يستقيم على قولكم. وإن عنيتم الثاني، فلا نسلّم أنّ الآية تقتضي ذلك وإنّما يصحّ أن تقتضيه لو ثبت وجود على هذا التقدير وهو أن نثبت لها صفة زائدة على كونها ذاتاً.
وفيه نظر، فانّ المفهوم المتعارف ليس إلاّ الأوّل في الوجود والآخر فيه.

صفحه 227
سلّمنا، لكن هذا المذهب باطل عندنا فلا يتمشى هذا الجواب.
هـ. سلّمنا أنّ للحقائق وجوداً، لكن لِمَ قلتم بأنّ الآية تقتضي كونه أوّلاً فيه؟
قوله: «لأنّا علمنا بأنّه أوّلاً1 في الوجود بدلالة حدوث غيره».
قلنا: هذه زيادة وصف عقلي واعتراف بأن النصّ وحده لا يكفي. ثمّ نقول على هذا: إنّه كما يمكن أن يكون أوّلاً في الوجود لكون وجوده غيرمتجدد لكان يمكن كونه أوّلاً في سائر صفاته من القدرة والعلم والحياة، فلِمَ كان حمله على ما ذكرتم أولى من حمله على غيره؟
لا يقال: يحمل على الجميع فيندرج كونه أوّلاً في الوجود.
لأنّا نقول: لِـمَ قلتم بأنّ في النصّ مايقتضي العموم حتى يحمل على الكل؟ فانّ أدنى درجات العام أن يكون مذكوراً وأنّه ليس بمذكور، فانّ النصّ لا ينافي كونه أوّلاً في وصف ما على التعيين.
وفيه نظر، فانّ الأوّل لمّا أمكن إضافته إلى الوجود وغيره وحصلت قرينة تدل على إرادة الوجود وهو تمام الآية في قوله:(هُوَ الّذي خَلَقَكُمْ) ، فوجب الحمل عليه. ولا امتناع في دلالة الآية على مقدمة ودلالة غيرها على أُخرى ليتم المطلوب، ولا تخرج الآية حينئذ عن كونها جزء الدليل وأنّ الدليل إنّما يتم بها.و الصفات كونه2 أوّلاً فيها إنّما هو باعتبار الوجود في الزمان.و العموم مفهوم من الإطلاق، لأنّا بيّنا أنّ الآية إنّما تدل على التمدح لو دلت على العموم. ولأنّ الأوليّة إنّما تطلق إذا كان عاماً وإلاّ لوجب التقييد.
و. سلّمنا اقتضاء النص كونه أوّلاً في الوجود، فلِمَ قلتم: إنّه يقتضي كونه آخراً في الوجود؟ فانّ الآخر في وصف من الأوصاف إنّما يتحقّق كونه آخراً فيه إذا

1 . كذا.
2 . ق: «كونها».

صفحه 228
لم يتوقع حصول مثله في ذلك الوصف بعده فإنّ الحالف بعتق عبد يشتريه أخيراً إنّما يعتق من يشتريه آخر عبيده ثمّ يموت قبل شراء غيره فبعد الموت يقع اليأس من شراء عبد فيكون ما اشتراه أخيراً أخيراً. وهذا1 غير متحقّق هنا، لأنّ الجنّةوالنار موجودان أبداً، فكيف يتحقّق كونه تعالى آخراً في الوجود؟
وفيه نظر، لما بيّنا من رجوع ذلك إلى أحوال الدنيا لا إلى المعاد.
سلّمنا، لكن لا نسلّم دوام الجنة والنار بالشخص فجاز إنقطاعهما وفناؤهما بالشخص لا بالنوع.
ز. سلّمنا الآخرية في الوجود بأن يعدمهما ولو ساعة، ولكن الأوّلية والآخرية قد يستفاد من هاتين اللفظتين إذا استعمل كلّ منهما مفردة أو إذا استعملا معاً في ذات واحدة على الجمع؟م ع.2
بيانه: أنّه إذا قيل في الشيء: إنّه الأوّل والآخر، فانّه يستفاد منه توحد ذلك الشيء، كما لوجاء إنسان واحد3 ثمّ سئل عنه أنّه الأوّل أم الآخر؟ فقيل: هو الأوّل والآخر، فإنّه يراد به توحده وأنّه لم يجيء سواه.و كذلك هذه الآية وردت محاجة مع المشركين على تقدير الوحدانية في إلهيته، فقال: هو الأوّل والآخر. وقد روي عن النبي عليه السَّلام أنّه قال: لو دليتم أحداً إلى الأرض السفلى لهبط على اللّه تعالى، ثمّ تلا قوله تعالى: (هُوَ الأَوّلُ وَ الآخر ) . أنّه تعالى هو الإله في السماء وفي الأرض وفيما تحت الثرى.
أو يكون المراد ما ذهب إليه بعض المفسّرين: أنّه الأوّل خالقاً والآخر رازقاً،

1 . ق: «هنا».
2 . لعلّ المراد من «م» أنّ صورة استعمال كلّ منهما مفردة، مسلم. ومن «ع» أنّ صورة استعمالهما معاً، ممنوع.
3 . كما إذا قيل لك: أهذا أوّل من زارك أو آخرهم؟ فتقول: هو الأوّل والآخر، وتريد أنّه لا زائر سواه. شرح المقاصد5: 102.

صفحه 229
قال: (خَلَقكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ) .1
وفيه نظر، فإنّ المراد هنا قد بيّنا أنّه الأوّل في الوجود والآخر فيه لتقوى الحجّة على المشركين الذين أثبتوا إلهية محدثة تعدم وتفنى واللّهتعالى قديم أزلي باق أبدي، وليس المراد في الحديث لو سلم الأوّل والآخر في المكان، فلم يبق إلاّ في الوجود.
والاعتراض على الثاني بوجوه:
أ. الخلق هو المخلوق2، وذلك تارة يكون بالايجاد وتارة بالاحياء، فلِمَ قلتم: إنّ المراد هنا الإيجاد دون الإحياء؟

1 . الروم/40.
2 . الخلق في اللغة: التقدير بمعنى المساواة بين شيئين . وأطلق على ايجاد شيء، وفي الأنوار: إيجاد شيء على تقدير. وأطلق على الجمع، والقطع أيضاً. وقد يطلق بمعنى الكذب والافتراء، وعليه (وتخلقون إفكاً) أي تكذبون كذباً.و الخلق: مصدر مخالف لسائر المصادر، فانّ معنى جميعها التأثير القائم بالفاعل المغاير له وللمفعول، وأمّا الخلق فهو نفس المخلوق. راجع أبي البقاء، الكليات 2: 303ـ 304; لسان العرب4: 194. وقد استعمل في القرآن لفظ الخلق بمعنى المخلوق، مثل قوله تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْق جَديد) إبراهيم/19. وفي دعاء لمولانا أبي إبراهيم موسى بن جعفر الصادق عليمها السَّلام مخاطباً الخالق تعالى: «لا يبيد عزك ولا تموت وأنا خلق أموت وأزول وأفنى» ابن طاوس، مهج الدعوات ومنهج العبادات:284 (دعاء لسعة الرزق).
و قد وقع الخلاف ـ بما لا طائل تحته ـ بين المتكلّمين في حقيقة الخلق، هل هو نفس المخلوق أو غيره أو لا نفسه ولا غيره بل هو صفة له؟ فذهب إلى الأوّل إبراهيم النظام والجبائي، وإلى الثاني أبو الهذيل العلاف ومعمّر وبشربن المعتمر وأبو موسى المردار، وإلى الثالث هشام بن الحكم على ما حكى عنه. وكان عباد بن سليمان إذا قيل له: أتقول انّ الخلق غير المخلوق؟ قال: خطأ أن يقال ذلك، لأنّ المخلوق عبارة عن شيء وخلق، وكان يقول: خلق الشيء غير الشيء ولا يقول الخلق غير المخلوق، وكان يقول: إنّ خلق الشيء قول كما يقول أبو الهذيل ولا يقول إنّ اللّه قال له «كُن»كما كان أبو الهذيل يقول. فمن أراد التفصيل في ذلك فليراجع مقالات الإسلاميين: 363ـ365.

صفحه 230
لا يقال: الألف واللام للاستغراق.
لأنّا نقول: متى إذا كان هناك معهود أو لا؟ ع م1، لكن هنا معهود وهو قوله تعالى: (خََلَقَكُمْ مِنْ تُراب)2، وقوله تعالى: (وَ بَدأَ خَلْق الإِنْسان من طين)3، وقوله :(أَوَ لَمْ يَرَوا كَيْفَ يبْدِئُ اللّه الخَلْق)4 ،والخلق الذي يمكننا أن نراه هو الاجزاء، وإذا ثبت أنّ المراد من الخلق الجمع صارت الآية حجّة عليهم لقوله تعالى: (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُون)5 فيجب أن يكون العود هو الجمع بعد التفرق.6 وهو الجواب عن الثالث. ولأنّ تشبيه الشيء بغيره لا يستلزم مشابهتهما في كلّ الأُمور، بل تمتنع.
وفيه نظر، لأنّ المراد بالخلق الإيجاد، لأنّه أبلغ في القدرة التي يريد اللّه تعالى وصف نفسه بها مع أنّها في غاية الكمال. ويؤيده قوله تعالى: (وَ هُوَ أَهْوَنُ عليه).7
ب. الخلق يستعمل في التركيب، لقوله تعالى لعيسى: (وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطينِ كَهَيْئَة الطَيْر)8 وأراد به التركيب، وقال تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ تُراب)9 أي ركبكم. ويقال فلان يخلق الإفك أي يقول الكذب ويضم بعضه إلى بعض، فلا

1 . أي الأوّل ممنوع، والثاني مسلم.
2 . الروم/20.
3 . السجدة/7.
4 . العنكبوت/19.
5 . الأعراف/29.
6 . قال أبو البركات: «ليس المراد بالخلق في قوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ تُراب) ، (وَبدأ خَلْقُ الإِنْسانِ مِنْ طين) غير الاحياء وتأليف الأجزاء. المصدر نفسه.
7 . الروم/27.
8 . المائدة/110.
9 . الروم/20.

صفحه 231
يستعمل في غيره دفعاً للاشتراك.
و فيه نظر، لأنّ الخلق هو الإيجاد في المشهور ولهذا قال تعالى:(خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُوَلَمْ تَكُ شَيئاً).1 وهيئة الطير لم تكن موجودة في الطين، وكذا تركيب الإفك.
ج. سلّمنا أنّ الخلق يستعمل في الإيجاد فيكون مشتركاً، فلابدّله من دليل زائد على أنّ المراد به هذا دون ذلك والدليل معنا وهو أنّه تعالى ما ذكر في القرآن بدأ الخلق إلاّ وقد أراد به الجمع والتركيب، كما في قوله:(وَ بَدَأَ خَلْقَ الإِنْسان مِنْ طين)2 ، (أَوَ لَمْ يَرَوا كَيْفَ يُبْدِئُ اللّه الخَلْق)3، وبدؤ الخلق الذي نراه هو الجمع والتركيب دون إيجاد الجواهر.
لا يقال: إنّا نحمله على معنى الإيجاد مطلقاً حتى يكون وقوعه على الكل بالتواطؤ دون الاشتراك المخالف للأصل.
لأنّا نقول: الإشكال من وجهين:
الوجه الأوّل: أنّه وضع للتركيب من حيث هو تركيب فإذا استعمل في الايجاد الذي التركيب فيه كان ذلك استعمالاً4في غير ما وضع له من التركيب.
الوجه الثاني: سلّمنا أنّه لمطلق الإيجاد، ولكن لم يحمل على جميع أنواع الإيجاد؟
لا يقال: فانّه أدخل فيه الألف واللام وأنّه للاستغراق.
لأنّا نقول: متى يحمل على الاستغراق؟ إذا كان هناك معهود أو إذا لم يكن؟

1 . مريم/9.
2 . السجدة/7.
3 . العنكبوت/19.
4 . ق: «استعماله».

صفحه 232
ع م1، وهنا معهود وهو ما ذكرنا من أنّه تعالى ما ذكر في القرآن بدء الخلق إلاّ وأراد منه التركيب من الجواهر الموجودة.
وفيه نظر، فإنّ تعميم القدرة إنّما يكون بإرادة الجميع.على أنّ إرادة الإيجاد على تقدير الاشتراك أولى، لأنّه المتبادر إلى الذهن. ولأنّ القدرة فيه أتم. وقد بيّنا أنّ الآيات التي ذكروها تدلّ على الايجاد إمّا للأجزاء أُصولها أو للهيئة التركيبية .ولا نسلّم أنّه وضع للتركيب من حيث هو تركيب لتبادر الايجاد إلى الفهم. وحمله على جميع أنواع الإيجاد أولى لعموم تأثيره، وقد بيّنا أنّ الآيات المراد منها الايجاد ابتداءً.
د. سلّمنا أنّه لا معهود، لكن متى يحمل على الايجاد إذا أمكن أو إذا لم يمكن؟ م ع.2
بيان التعذر: أنّه تعالى ذكر بدء الخلق بلفظ المضارع فتعذر حمله على الايجاد، فانّ الجواهر موجودة فلو حملناه على الايجاد اقتضى إيجاد الموجود وهو محال، فتعين حمله على الجمع بعد التفريق.
وفيه نظر، فإنّ صيغ المضارع وردت في القرآن للفعل المطلق أو الماضي كثيراً، كقوله تعالى: «]إنّ[ (اللّه يفعل ما يريد)3، (اللّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ)4، إلى غير ذلك. ولأنّ الجواهر لا نسلم أنّها موجودة حالة الاخبار بذلك، وجاز أن يتقدم الاخبار على الانزال.و التشبيه يقتضي العموم إلاّ في الخصوصية.
والاعتراض على الرابع: بالمنع من كون الفناء حقيقة في العدم بل الفناء

1 . أي الأوّل ممنوع، والثاني مسلم.
2 . أي الأوّل مسلم، والثاني ممنوع.
3 . الحج/14. ومثلها البقرة/253. وفي النسخ:«و اللّه يفعل ما يريد»،و في القرآن بدون «و».
4 . آل عمران/47.و مثلها آل عمران/40; المائدة/17; إبراهيم/27; النور/45. في النسخ: «واللّه يخلق ما يشاء»، وفي القرآن بدون «و».

صفحه 233
خروج الشيء عن الصفة التي ينتفع به عندها، ولهذا يستعمل الفناء في الموت، يقال: افناهم الحرب، وفنا1 زاد القوم، والأصل في الإطلاق الحقيقة. قال الكعبي: الفناء عند أهل اللغة الموت.وإذا ثبت كون الفناء حقيقة فيما ذكرناه وجب أن لا يكون حقيقة في العدم دفعاً للاشتراك.
و قيل في التفسير: معنى ا لآية كلّ من على وجه الأرض من الاحياء فهو ميّت. وحمله على هذا أولى ، لأنّه خصّ الفناء بمن في الأرض وتخصيص الحكم بالشيء دلالة قصر الحكم عليه عند البعض وأمارة قصره عند الكل. ولأنّ الفناء الذي ادعيتموه يكون دفعة ويستحيل أن يكون على التدريج، وقد ذكرنا أنّ الفناء يقتضي مفهومه حصوله شيئاً فشيئاً وذلك ممكن فيما ذكرناه.
وفيه نظر، فانّ مفهوم الفناء العدم وهو المتبادر إلى الذهن عند سماعه والأمثلة التي ذكروها دالّة عليه، فانّ الحرب أعدم الحياة، وأكل الزاد أعدم كونه مأكولاً. وسمّي الموت فناء لاشتماله على عدم الحياة. وحمل الفناء على الموت مع بقاء الأجزاء نوع مجاز، ولهذا لا يقال للميت: إنّه قد فنى إلاّإذا صار رميماً. والتخصيص بالذكر ضعيف.و مفهوم الفناء لا يشتمل على التدريج.
و الاعتراض على الخامس: بأنّ الهلاك خروج الشيء عن كونه منتفعاً به الانتفاع المخصوص فالإنسان من حيث هو إنسان والأجسام بعد تفرقها تصير كذلك، ليس هو أن يستدل به على إثبات الصانع بل أُمور أُخر. وكذلك فانّ الميت إذا بلى وتمزّق قيل: إنّه خرج عن أن ينتفع به، وإذا كان كذلك كان معنى الآية هلاك الموت، كما قال تعالى: (إِنِ امرؤا هلك).2
وقيل في التفسير: كلّ عمل لم يرد به وجه اللّه فهو هالك، أي غير مثاب

1 . كذا في ق، وفي ج مشوشة.
2 . النساء/176.

صفحه 234
عليه.1 وإذا كان كذلك سقط ما قالوه.2
سلّمنا أنّ الهالك المعدوم، لكن الآية على هذا التقدير لا يمكن اجراؤها على ظاهرها، لأنّ وصفها بكونها هالكة يقتضي أن تكون معدومة في الحال وهو باطل اتّفاقاً، فوجب تأويلها.و أنتم حملتموه على أنّ مآلها إلى الهلاك ونحن حملناه على أنّها قابلة للهلاك، فلِمَ كان تأويلكم أولى من تأويلنا؟ بل تأويلنا أولى، لأنّا لو حملناه على العدم وقد أُضيف الهلاك إلى الشيء، فإمّا أن يكون الشيء هو الذي يعدم حتى يخرج عن كونه شيئاً فيلزم أن يخرج الشيء عن كونه شيئاً فلا يكون المعدوم شيئاً، وهو خلاف مذهبهم. وإمّا أن لا يعدم الشيء شمل3 أن يعدم عنه أمر زائد نحو ما يذكرونه من الوجود الذي هو صفة زائدة على الشيء فيكون ذلك حملاً4 للنص على المجاز وحمله على الحقيقة أولى.
وفيه نظر، فانّ الجواهر الأفراد المتفرقة منتفع بها. وإثبات الصانع من أعظم الانتفاعات وهو الغاية في الوجود، كما قال تعالى: (وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الإِنْس إِلاّلِيَعْبُدُونَ)5. والميت هالك باعتبار عدم معظم صفاته.و العمل الذي لا يراد به

1 . قال الطبرسي صاحب التفسير القيم (مجمع البيان): «قيل: معناه كلّ شيء هالك إلاّما أُريد به وجهه، فانّ ذلك يبقى ثوابه. عن عطا، وابن عباس، وعن أبي العالية والكلبي وهو اختيار الفراء وانشد:
استغفر اللّه ذنباً لستُ محصيَهُ ربّ العباد إليه الوجهُ والعَمَلُ
أي إليه أوجه العمل. وعلى هذا يكون وجه اللّه ما وجه إليه من الأعمال .مجمع البيان، ذيل الآية 88، سورة القصص. وقد فُسر الوجه في الروايات عن علي بن الحسين عليمها السَّلام وجعفر بن محمد عليمها السَّلام بالأئمة الإثني عشر. وشرحها العلاّمة الطباطبائي في الميزان19:103.
2 . قال البحراني: «لا يمكن حمل الهلاك على الفناء المحض، لما ثبت من وجوب الحشر والنشر وامتناع إعادة المعدوم بعينه، فوجب حمله على تفرق الأجزاء وتشذبها وخروج المركب عنها عن حدّالانتفاع به، وصدق الهلاك على ذلك ظاهر». قواعد المرام:149.
3 . كذا.
4 . ق: «عملاً».
5 . الذاريات/56.

صفحه 235
وجه اللّه تعالى هالك باعتبار عدم الغاية الذاتية فيه. والهالك هو المعدوم وهو الذي سلب1 عنه الوجود، فإذا سلب عن الشيء ذلك صدق أنّه هالك. ولا يلزم من الإطلاق الاتصاف في الحال، لأنّ اسم الفاعل يصلح للحال والاستقبال، كالأفعال المضارعة2. وثبوت الهلاك أولى من القبول هنا، لأنّه أدخل في المدح بالبقاء للّه تعالى. ولا مجاز إذا حملنا الهلاك على سلب الوجود، لأنّ المعدوم أيضاً كذلك.على انّا نمنع صحّة هذا المذهب، فانّ الحقّ عندنا أنّ المعدوم ليس بشيء.

المسألة الخامسة: في جواز الخرق على الأفلاك

اتّفق الملّيون على ذلك خلافاً لأكثر الفلاسفة.3
لنا وجوه:4
الوجه الأوّل: الأجسام ممكنة بذواتها وأجزائها وكلّ ممكن فانّه يجوز عليه

1 . ق: «يسلب».
2 . قال العلاّمة الطباطبائي في تفسيره القيم (الميزان): «و أمّا على تقدير كون المراد بالهالك ما يستقبله الهلاك والفناء بناء على ما قيل: إنّ اسم الفاعل ظاهر في الاستقبال، فظاهر الآية أنّ كلّ شيء سيستقبله الهلاك بعد وجوده إلاّوجهه. نعم استقبال الهلاك يختلف باختلاف الأشياء فاستقباله في الزمانيات إنتهاء أمد وجودها وبطلانها بعده وفي غيرها كون وجودها محاطاً بالفناء من كلّ جانب. وهلاك الأشياء على هذا بطلان وجودها الابتدائي وخلوّ النشأة الأُولى عنها بانتقالها إلى النشأة الأُخرى ورجوعها إلى اللّه واستقرارها عنده، وأمّا البطلان المطلق بعد الوجود فصريح كتاب اللّه ينفيه، فالآيات متتابعة في أنّ كلّ شيء مرجعه إلى اللّه وأنّه المنتهى وإليه الرُّجعى وهو الذي يبدئ الخلق ثمّ يعيده».16:92.
3 . وخلافاً للرازي في المباحث المشرقية2: 88، حيث استدل على امتناع الخرق بوجهين، فراجع. ولكنّه في المحصل عبر عن مذهب الفلاسفة بالزعم وأحال الجواب عن أدلّتهم إلى كتبه الكلامية والحكمية. راجع نقد المحصل:225ـ226.
4 . راجع قواعد المرام: 148(البحث الرابع).

صفحه 236
العدم، فيجوز على جميع الأجسام الفلكية عدم ذواتها وصورها وصفاتها العارضة واللازمة.
الوجه الثاني: الأجسام متساوية في الجسمية فلو وجب اتصاف جسم الفلك بصفة لكان ذلك الوجوب إمّا لكونه جسماً فيلزم عموم تلك الأحكام. أو لما يكون حالاً فيها، وهو إن كان لازماً عاد طلب لميّة ذلك الوجوب ويلزم منه إمّا الاشتراك المذكور وإمّا التسلسل ويلزم مع ذلك الاشتراك، أو غير لازم فلا يكون الحاصل بسببه لازماً. أو لما يكون محلاً له، وهو محال لما بيّنا أوّلاً من استحالة حلول الجسمية في محل. أو لما لا يكون حالاً ولا محلاً وهو إن كان جسماً أو جسمانياً عاد السؤال، وإن لم يكن كذلك فإمّا أن تكون الأجسام بأسرها متساوية في قبول ذلك الأثر عنه فحينئذ يصحّ على كلّ واحد منها ما يصحّ على الباقي، أو لا تكون متساوية فيعود السؤال عن لميّة ذلك التفاوت.
الوجه الثالث: الرقة لازمة للّطافة، والصلابة للكثافة، والأجرام الفلكية لطيفة فهي إذن رقيقة.
اعترض بأنّ اللطيف إن عنى به الشفاف منعنا الملازمة بين اللطافة والرقة، كالبلور والزجاج. وإن أُريد سرعة الانفعال منعناه.
سلّمنا، لكن اشتراك اللوازم لا يقتضي اشتراك الملزومات.
الوجه الرابع: الدلائل السمعية من القرآن والأحاديث النبوية دلّت على انخراقها، وهو أمر ممكن قد أخبر الصادق بوقوعه فيحكم بوقوعه.
احتجت الفلاسفة بوجوه:1

1 . راجع الفصل الرابع من الفن الثاني من طبيعيات الشفاء; المطالب العالية4: 227; شرح المقاصد5: 109.

صفحه 237
الأوّل: الجهة1 أمر يمكن الإشارة إليه فتكون موجودة في جانب الإشارة التي وقعت إليه وليست منقسمة لما مرّ.2وليست في خلاء أو ملاء متشابه من غير محدد، وهو3 باطل لعدم أولوية بعض الحدود المفترضة منهما بأن تكون جهة من الآخر. فلابدّ من محدد، وليس غير جسم لافادته ما يتعلّق بالوضع. ولا جسماً واحداً من حيث هو واحد، لأنّ اقتضاءه لتحديد الجهات لو كان لانّه واحد لم يحدد سوى القرب منه دون البعد عنه. ولا اثنين، لأنّ اختصاص أحدهما بقدر معيّن من القرب أو البعد لا يكون إلاّ لامتياز ذلك الحيز عن سائر الأحياز بخاصية يعود الكلام فيها والاحتياج إلى علّة تلك الخاصية. فهو إذن بجسم4 محيط بحيث يحصل بمحيطه غاية القرب وبمركزه غاية البعد. ولا تصحّ عليه المستقيمة وإلاّ لكان ذا جهتين5ينتقل من إحداهما إلى الأُخرى وتكونان قبله لا به فلا يكون هو المحدد، فلا يصحّ عليه الخرق والالتئام والكون والفساد6، لأنّ الخرق والالتئام إنما يعقلان عند الحركة المستقيمة، والكون والفساد إنّما يصحّان على ما تصحّ عليه الحركة المستقيمة، لأنّ تكوّنه إنّما يكون في مكان غريب

1 . أُنظر حقيقة الجهة وأحكامها في عيون الحكمة لابن سينا:20.
2 . في المجلد الأوّل من هذا الكتاب، ص 450 (البحث الخامس عشر: في ا لجهات ـ المسألة الأُولى: في تحقيق الجهة).
3 . كذا. وقال الشيخ: «ثمّ من المحال أن يتعيّن وضع الجهة في خلاء أو ملاء متشابه، فانّه ليس حدّ من المتشابه أولى بأن يجعل جهة مخالفة لجهة أُخرى من غيره، فيجب إذن أن يقع بشيء خارج عنه...». وقال قطب الدين الرازي في شرح قوله:«أو ملاء متشابه»: أي ملاء لا اختلاف فيه أصلاً في الواقع. راجع شرح الإشارات2:175.
4 . ق: «مجسم»،و هو خطأ. قال الطوسي:«فإذن محدد الجهات جسم واحد محيط بالأجسام ذوات الجهات». المصدر نفسه:180.
5 . ما عنه وما إليه، حاصلتان له لا به. نقدالمحصل: 225.
6 . قال الطوسي: «الكون والفساد هما حدوث صورة وزوال أُخرى عند تبدل الصور المختلفة بالنوع على الهيولى الواحدة». شرح الإشارات2: 235.

صفحه 238
أو ملائم، والمكان الواحد لا يستحقه جسمان طبعاً.
الثاني:1 دلّ الرصد على أنّ الحركة السماوية دورية فلا يكون فيها مبدأ ميل مستقيم، لأنّ المستقيم يقتضي التوجيه إلى جهة والمستدير يقتضي الصرف عنها فلا يجتمعان2، وإذا لم يكن فيه مبدأ ميل مستقيم لم يكن قابلاً للحركة المستقيمة، لأنّ كلّ متحرك لابدّ وأن يكون فيه مبدأ ميل إلى تلك الجهة، ولهذا يضعف الميل القسري شدة الميل الطبيعي وبالعكس، فلو خلا جسم عن الميل وقعت حركته لا في زمان، فالجسم الذي هو عديم الميل لا يقبل الحركة وإذا امتنع وجود الميول المستقيمة في الأفلاك امتنع قبولها للحركة المستقيمة، فلا تقبل الخرق والالتئام.
الثالث: الزمان أزلي أبدي وهو من لواحق الحركة فيلزم وجود حركة أزلية، وتلك الحركة يمتنع أن تكون مستقيمة، لوجوب إنتهاء كلّ مستقيمة إلى سكون لتناهي الأبعاد وعدم اتصال الحركات ذوات الزوايا والانعطاف فالحافظة للزمان في الدورية، والحركة لابدّ لها من حامل يمتنع عليه الخرق والالتئام وإلاّ لانقطعت الحركة عند ذلك الخرق وانقطع الزمان عنده.
الرابع: لو انخرق الفلك لتحركت الأجزاء المنخرقة عند نفوذ الخارق عن مواضعها وعند خروجه إليها بالاستقامة، لكن الحركة المستقيمة ممتنعة، فالخرق محال.

1 . استدل ابن سينا بهذا الوجه وشرحه الرازي والطوسي، فراجع شرحي الإشارات:95 (النمط الثاني).
2 . هكذا استدل الشيخ ابن سينا على أنّ الجسم البسيط يستحيل أن يجتمع في طباعه ميلان مستدير ومستقيم وقال: «الجسم الذي في طباعه ميل مستدير يستحيل أن يكون في طباعه ميل مستقيم; لأنّ الطبيعة الواحدة لا تقتضي توجهاً إلى شيء وصرفاًعنه» شرح الإشارات2:237.

صفحه 239
الخامس: ثبت ـ لا بالبنــاء على امتنــاع الخـرق على الفـلك ـ أنّ حركة الكواكب ليست بنفسها1 بل بحركة الفلك، فالفلك يتحرك على الاستدارة ففيه ميل مستدير، فلو انخرق لخرج ذلك الجزء عن موضعه الطبيعي، فإذا زال الخارق فإن لم يعد كان المكان الغريب مطلوباً بالطبع والطبيعي متروكاً بالطبع، أو يعود فيكون ذلك بحركة مستقيمة ففيه ميل مستقيم ففي الجسم مبدأ ميل مستقيم ومستدير، وهو محال.
السادس: انخراق الفلك إن كان لذاته لزم خروج جميع الانقسامات التي لانهاية لها إلى الفعل، ولم يكن ملتئماً في وقت من الأوقات. وإن كان لسبب منفصل فإن كان جسماً فإمّا أن يكون بسيطاً أو مركّباً، والبسيط ليس إلاّ الأفلاك والكواكب والعناصر.
أمّا الأفلاك، فلو اقتضى جانب من الكواكب انخراقَ جانب من فلك آخر لاقتضى كلّ جوانبه ذلك لبساطة الفلك الفاعل والقابل.
وأمّا الكواكب، فإمّا أن يخرق الفلك بحركتها فيه وهو باطل بالأدلّة المبنية لا على الخرق، انّ حركة الكوكب ليست لذاته بل لحركة الفلك أو لوجه آخر، وهو غير معقول.
وأمّا العناصر، فالأجسام لا تؤثر إلاّ بالمماسة2 والمماس للفلك هو النار من جميع الجوانب، فلو اقتضت انخراق بعض جوانب الفلك لاقتضت انخراق كلّ

1 . في النسخ: «بنفسه»، أصلحناها طبقاً للسياق.
2 . قال ابن سينا:«الفعل والانفعال إنّما يجري بين الأجسام التي عندنا الفاعل بعضها في بعض، إذا كانت بينهما مماسة، ولأجل ذلك جرت العادة بأن يخص هذا المعنى في هذا الوضع بالمماسة، حتى إذا التقى جسمان ولم يؤثر أحدهما في الآخر لم يسم في هذا الوضع مماسة... فالفاعل من هذه الأجسام يفعل بالمماسة». الفصل السادس من الفن الثالث من طبيعيات الشفاء:126.

صفحه 240
جوانبها.
وأمّا المركبات فانّها لا تصل إلى الفلك، لأنّ النار تحرقها قبل وصولها إلى الفلك.
وإن كان جسمانياً، فتلك القوة إن كانت في الجسم المنخرق فإن كانت طبيعية لزم الانخراق في كلّ الجوانب لبساطة الفلك، وإن كانت قسرية عاد الطلب في سبب حصولها. وإن كانت في جسم آخر عاد الكلام في أنّ ذلك الجسم إمّا أن يكون فلكياً أو عنصرياً. وإن كان مجرداً غير جسم ولا جسماني استحال أن يختص بعض جوانب الفلك بالانخراق دون البعض إلاّ لأمر اختص به ذلك الجانب، فيعود الكلام إلى القسم الثاني.
السابع: الآلات الرصدية شاهدة ببقاء الأجرام على مقاديرها وأشكالها وحركاتها، وأنّه لم يتطرق إليها التغير في شيء من ذلك أصلاً ولو كان ذلك التغير ممكناً لوقع.
الثامن: القرآن دلّ على امتناع الخرق عليها حيث قال تعالى:(سَبْعاً شِداداً)1 وصفها بالشدة، فالخرق ينافيها.
والاعتراض على الأوّل من وجوه:
الأوّل: عندكم الجهة طرف الامتداد وطرف الامتداد نقطة والنقطة عدمية، وإلاّ لزم الجزء.
الثاني: لو كانت النقطة وجودية لكانت عرضاً فلا يشار إليها إلاّ تبعاً لغيرها

1 . في النسخ:«سبع شداد»و الآية هكذا: (وَ بَنَيْنا فَوقَكُمْ سَبْعاً شِداداً) النبأ/12.

صفحه 241
فتكون للمشار إليه بالذات جهة سابقة، هذا خلف.
الثالـث: النقط متساوية فالجهتان متساويتان بالذات، فالمحدد ليس محصلاً لهما، لأنّ الأبعاد متناهية. ولا مميزاً، لتساوي النقط في جميع الذاتيات.
الرابــع: البعد يتحدد بتناهي الأبعاد، فلا حاجة فيه إلى محدد.
الخامس: اختصاص الاثنين بالقرب المعين كاختصاص المتحدد في جميع أحواله من كمه وكيفه ووضعه وجهة حركته وسرعته بالبعض دون ما يساويه.
السادس: نمنع قبلية الجهتين عليه. ولا يلزم من قبليتهما على حركته قبليتهما عليه.
السابـع: الجسم من حيث هو جسم قابل للحركة المستقيمة، وإنّما تمتنع عليه باعتبار صورة خاصة، فهو لذاته يقبل الكون والفساد والخرق والالتئام، والامتناع في ذلك لمانع، ونحن نجوزه.
الثامــن: الحركة المستقيمة جائزة على الفلك لأنّها جائزة على العناصر، وعندكم الأجسام متساوية في الماهية. ولأنّ الصورة الجسمية عندكم طبيعة واحدة نوعية تختلف بالخارجات عنها دون الفصول على ما نصّ عليه الشيخ في الإشارات1، والمادة في العناصر واحدة فتكون مادة الأفلاك كذلك، لأنّ حدّ المادة عندكم هو الجوهر القابل وهو واحد. ولأنّه لولا ذلك لزم تركب المادة من مادة أُخرى ويتسلسل. و لأنّه لا يجوز اشتمالها على جهتي فعل واستعداد كما

1 . قال الشيخ:«إنّها طبيعة نوعية محصّلة تختلف بالخارجات عنها دون الفصول». وقال الطوسي في شرحه«و كأنّ هذا الكلام جواب عن إيراد نقض للحكم المذكور وهو أن يقال: كما كانت الحيوانية مقتضية للضحك في الإنسان دون غيره من سائر الحيوانات، فلم لا يجوز أن يكون الامتداد الجسماني مقتضياً لوجود القابل فيما يقبل الإنفكاك دون غيره من الأجسام؟ فأجاب عنه...» شرح الإشارات 2: 50ـ51.

صفحه 242
استدل به الشيخ في الشفاء على إثبات المادة1 وإذا كانت المادة والصورة واحدة في الفلكيات والعنصريات تساوت أحكامهما، وقد ثبت للعناصر قبول الخرق والالتئام والكون والفساد فيثبت للأفلاك. ولأنّ مادة الأفلاك لا تقتضي منعاً عن شيء بل ليس للمادة أثر ألبتة وإنّما لها القبول خاصة والصورة واحدة، فتساوت الأفلاك والعناصر.
التاسع: نمنع أنّ المكان الواحد لا يستحقه جسمان.
العاشر: جاز أن يكون التحدد حاصلاً بجسم واحد تمتنع عليه الحركة المستقيمة، لكن العدم جائز عليه فلا يلزم ارتفاع التمايز عند عدمه.
الحادي عشر: لو سلّمنا ارتفاع التمايز من دون محدد، لكن يكفي الواحد بالنوع، فإذا عدم جسم تجدد في ذلك الآن غيره.
الثاني عشر: يجوز أن يكون تمايز الجهات بالفاعل المختار، أو تخصيص أحد الجسمين بالبُعد المعين عن صاحبه يكون مستنداً إلى الفاعل المختار، وهو الحقّ.
والاعتراض على الثاني من وجوه:
الأوّل: دلالة الرصد ظنية بل هي وهمية، فلا يجوز بناء الأُمور القطعية عليها.
الثاني: لانسلّم تنافي الميلين ، فانّ الميلين المتضادين أشدّ تعانداً من

1 . قال:«إنّ الجسم من حيث هو جسم له صورة الجسمية فهو شيء بالفعل، ومن حيث هو مستعد أيّ استعداد شئت فهو بالقوة. ولا يكون الشيء من حيث هو بالقوة شيئاً هو من حيث هو بالفعل شيئاً آخر، فتكون القوة للجسم لا من حيث له الفعل. فصورة الجسم تقارن شيئاً آخر غيراً له في أنّه صورة، فيكون الجسم جوهراً مركّباً من شيء عنه له بالقوة ومن شيء عنه له بالفعل. فالذي له بالفعل هو صورته والذي عنه بالقوة هو مادته، وهو الهيولى». الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء:67.

صفحه 243
المختلفين ويمكن إجتماعهما في الجسم الواحد، كالحجر الكبير والصغير إذا رمى بهما علواً فانّ الكبير أعصى والصغير أطوع ولولا اجتماع الميلين لما كان كذلك.
الثالث: الاختلاف في الاقتضاء لا يمنع من الاجتماع لجواز قهر أحدهما الآخر، كما في الممتزجات.
الرابع: لِمَ لا يجوز أن يقتضي ا لجسم الواحد ميلاً مستقيماً عند كونه في المكان الغريب وميلاً مستديراً عند كونه في مكانه الطبيعي، كما أنّ الجسم الذي في طباعه ميل مستقيم يقتضي الحركة عند لا حصوله في مكانه ويقتضي السكون عند حصوله فيه؟1
وهذا سؤال مشهور أجاب عنه أفضل المحقّقين: بأنّ اقتضاء الحركة والسكون شيء واحد تقتضيه الطبيعة الواحدة، وذلك الشيء هو استدعاء المكان الطبيعي فقط. فإن كان غير حاصل فذلك الاستدعاء يستلزم حركة تحصله ، وإن كان حاصلاً فهو بعينه يستلزم سكوناً، ومعناه أنّه لا يستلزم حركة، فهو إذن ليس بشيء آخر غيرما اقتضته أوّلاً. وأمّا اقتضاء الحركة المستديرة فهو أمر مغاير لاستدعاء المكان الطبيعي، إذ قد يوجد أحدهما منفكاً عن صاحبه وقد يوجد معه. وأيضاً في الأمكنة مكان طبيعي يطلبه المتحرك على الاستقامة وليس في الأوضاع وضع طبيعي يطلبه المتحرك على الاستدارة، ولذلك أُسندت إحدى الحركتين إلى الطبيعة بخلاف الأُخرى. فإذن ليس مبدؤهما شيئاً واحداً.2

1 . والعبارة في شرح الإشارات هكذا:«وعليه سؤال مشهور وهو أنّ الجسم الذي في طباعه ميل مستقيم قد يقتضى الحركة عند حصوله في مكانه وقد يقتضى السكون عند حصوله فيه، فلم لا يجوز أن يقتضي جسم ميلاً مستقيماً عند إحدى حالتيه وميلاً مستديراً عند الحالة الأُخرى، وذلك لأنّ الطبيعة الواحدة إنّما لا تقتضي أمرين بانفرادها أمّا بحسب اعتبارين فقد تقتضي». 2: 238(النمط الثاني).
2 . المصدر نفسه.

صفحه 244
وفيه نظر، فانّا لا نسلّم أنّ اقتضاء الحركة أو السكون شيئاً1 واحداً. ولأنّ كلامه على المثال فلا يبطل به أصل الاعتراض.
سلّمنا أنّ اقتضاء الحركة الدورية مغاير لاستدعاء المكان الطبيعي، لكن جاز أن يكون هناك أمر محصَّل بالحركة المستديرة ويكون حصوله موقوفاً على حصول الجسم في مكان معين، فإذا خرج عنه اقتضى الحركة المستقيمة وإذا حصل فيه اقتضى الحركة الدورية.
الخامس: نمنع ثبوت الميل، وقد سبق.2
والاعتراض على الثالث من وجوه:
الأوّل: لا نسلّم أزلية الزمان وأبديته، وقد سبق.3
الثاني: لا نسلّم أنّ الزمان من لواحق الحركة، فانّ جماعة من الحكماء ذهبوا إلى أنّه واجب لذاته، وذهب آخرون إلى أنّه جوهر قائم بذاته، لأنّه لو فرض معدوماً لزم منه المحال عندكم وهو اجتماع وجوده وعدمه، وكلّ ما يلزم من فرض عدمه لذاته المحال لذاته لا يتوقف وجوده على الحركة.
الثالث: لِمَ لا يجوز أن يكون عائداً إلى النسب الواقعة أنّها4 كانت إلى أُمور واقعة أنّها كانت5، كما ذهب إليه قوم آخرون من الحكماء؟
الرابع: لِمَ لا يجوز أن يكون مقداراً لمطلق الوجود، فانّ زمان بعض الأُمور

1 . كذا.
2 . راجع المجلد الأوّل، ص 517.
3 . أُنظر المذاهب في ماهية الزمان في المجلد الأوّل، ص 329 ومايليها.
4 . ج: «أنّهما».
5 . العبارة كذا.

صفحه 245
الثابتة قد يكون أزيد من زمان بعض أو أقل فيكون عارضاً لمطلق الوجود، كما ذهب إليه أبو البركات البغدادي.1
الخامس: لا نسلّم أنّ الزمان من لواحق الحركة الدورية، فانّه لو سلّم أنّه يلحق التغير على الاتصال لم يجب أن يكون جسمانياً.
السادس: لا نسلّم أنّ الحركة تابعة للجسم، فانّه قد تحصل كيفيات على الاتصال نفسانية متصلة اتصال الحركة الجسمانية.
السابع: لا نسلّم أنّ بين الحركات المستقيمة المتضادة سكوناً، بل يجوز2 اتصالها على ما يأتي.
والاعتراض على الرابع من وجوه:3
الأوّل: يجوز عدم بعض الجوانب للخارق وتجدد غيرها عند مفارقة الخارق.
الثاني: لِمَ لا ينخرق بعض الجوانب بأن يتحرك في كمه دون أن يعدم منه شيء فينتقص مقدار الجانب المنخرق بحيث إذا عاد إلى الرتق عاد الكم إلى حاله.
الثالث: لو صحّ هذا الدليل مع مقدماته المشكلة لكان مختصاً بالمحدد دون باقي الأفلاك.
و الاعتراض على الخامس:
لا نسلّم حركة الفلك على الاستدارة.4

1 . راجع المعتبر في الحكمة2: 69 وما يليها(الفصل السابع عشر في الزمان).
2 . ق: «يحدث».
3 . أُنظر بعض الوجوه في شرح الرازي على الإشارات (في النمط الثاني).
4 . قال الرازي:«هذا في الفلك المحدد وأما سائر الأفلاك ففيها سؤال آخر وهو أنّا لا نسلّم أنّ فيها ميلاً مستديراً، لأنّ دليلكم في ذلك مبني على بساطة الفلك والدليل على بساطة الفلك إنّما يجري في المحدد لا في غيره». المصدر نفسه.

صفحه 246
سلّمنا، لكن لا نسلّم امتناع اجتماع الميلين.
والاعتراض على السادس:
لانسلّم حصر القسمة.
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ الكواكب لا تخرق الفلك بحركته على ما يأتي.
سلّمنا، لكن يجوز أن يختار اللّه تعالى فتقه تارة ورتقه أُخرى.
سلّمنا الايجاب، لكن لِمَ لا يختلف حاله في الاستعداد للرتق تارة والفتق أُخرى بواسطة الحركة الأُولى أو حركتين؟ وبالجملة فكلّ ما يجوز في البسائط العنصرية من الاختلاف بواسطة الحركات الفلكية يجوز مثله في الفلكيات بواسطة حركة بعضها.
سلّمنا، لكن الكواكب والأفلاك عندهم احياء ناطقة، فلِمَ لا يجوز أن يختار بعض الأفلاك أو بعض الكواكب خرق فلك آخر؟
سلّمنا، لكنّه إنّما يدلّ على أنّها لا تنخرق لعدم الخارق لا على أنّها غير قابلة للانخراق.
والاعتراض على السابع:
انّ عدم الاحساس بعدم التغير لا يدلّ على عدمه حقيقة، فانّ الذي يتحللمن الياقوت، في مدّة عمر الواحد منّا، شيء يسير جداً مع صغر الياقوت وقربه منّا، فكيف لو قدرنا تحلل شيء قليل من هذه الأجرام العظيمة مع بعدها عنّا؟
سلّمنا عدم التغير، لكن العدم لا يدلّ على الامتناع.

صفحه 247

المسألة السادسة: في أنّ اللّه تعالى قادر على أن يخلق عالماً آخر1

هذه مسألة خلاف بين المتكلّمين والفلاسفة، فجوزه المتكلّمون ومنعه الفلاسفة.2 وربما ذهب البلخي إلى مذهب الفلاسفة، لاعتقاده بوجوب3 فعل الأصلح في الدنيا.4
لنا وجوه:
الوجه الأوّل: الأجسام متساوية في الماهية والحقيقة5، والمتساويان حكمهما واحد، وهذا العالم ممكن الوجود فيكون مساويه كذلك، وإلاّ لكان ممتنعاً فيكون مساويه الموجود ممتنع الوجود، هذا خلف.

1 . قال المصنّف: يتوقف إيجاب المعاد على هذه المسألة. كشف المراد: 400(المسألة الأُولى من المقصد السادس).
2 . أُنظر دلائل المتكلمين واعتراضهم على دلائل الفلاسفة في:«المطالب العالية 6:193; كشف المراد:400; مناهج اليقين: 336; شرح المواقف7:244; شرح المقاصد5:108.وانظر دلائل الفلاسفة في: الفصل العاشر من الفن الثاني من طبيعيات الشفاء; ابن سينا، المباحثات:214(الرقم 631); طبيعيات النجاة1: 168(فصل في أنّ العالم واحد); المباحث المشرقية2:151.
3 . في النسخ:«في وجوب»، أصلحناها طبقاً للسياق.
4 . قال قطب الدين النيسابوري:«وقد يعبّر عن اللطف بالصلاح والأصلح. وأمّا الأصلح في الدنيا فهو غير واجب على اللّه تعالى خلافاً لما قاله البغداديون على ما هو مشروح في الكتب». الحدود:102.
5 . قال الرازي:«هذه المسألة(أي مسألة: تماثل الأجسام في الماهية والحقيقة) أصل عظيم في تقرير الأُصول الإسلامية. وذلك لأنّ بهذا الطريق يمكن الاستدلال على وجود الإله الفاعل والمختار. وبه أيضاً: يمكن إثبات معجزات الأنبياء. وبه أيضاً: يمكن إثبات الحشر والنشر والقيامة... فيجب الإهتمام بتقريره». ثمّ قرّر الأصل المذكور في المسائل الثلاث. راجع المطالب العالية 6:189.

صفحه 248
الوجه الثاني: وجود الجسم وتعدده في الخارج يستدعي إمكانهما وأنّ حقيقة الجسم يصحّ عليها إيجاد شخص بعد شخص، فذات كلّ جسم تفرض قابلة للإيجاد، واللّه تعالى قادر على كلّ مقدور، فيجب أن يقدر على خلق عوالم أُخر.
الوجه الثالث: السمع، قال اللّه تعالى: (أَوَ لَيْسَ الّذي خَلَقَ السَّماوات والأَرض بِقادر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ الخَلاّق العَلِيم) .1
احتجت الفلاسفة بوجوه:
الأوّل: لو وجد عالم آخر لحصلت لا محالة في ذلك العالم جهات مختلفة، والجهات المختلفة لا تتحدد إلاّ بالمحيط والمركز، والمحيط بسيط فيكون شكله الكرة، فيكون العالم الثاني كريّا، والكرتان إذا اجتمعتا حصل الخلاء المحال، فيكون خلق عالم آخر محالاً.
الثاني: العالم الثاني إن صدر عن اللّه تعالى لزم أن يكون الواحد مصدراً لأكثر من واحد، وهو محال.و إن صدر عن إله آخر لزم القول باثنينية الواجب، وهو محال.
الثالث: لو وجد عالم آخر لكان إمّا محيطاً بهذا العالم فيكون العالم واحداً جزؤه هذا العالم، وهذا غير منكر; أو يكون غير محيط به فإمّا أن يكون محاطاً بهذا العالم، وهذا غير منكر، لأنّ العالم على التقديرين يكون واحداً. وإمّا أن يكون خارجاً عن هذا العالم غير محيط به، فنقول: لابدّو أن يقع على جانب منه دون جانب، وهو يستدعي امتياز ذلك الجانب عن سائر الجوانب فتكون خارج العالم أحياز مختلفة، وإنّما تختلف الأحياز بواسطة جرم محيط فخارج المحيط لا توجد فيه أحياز مختلفة، فلا يوجد خارج الجرم المحيط عالم آخر. وإنّما وجب الامتياز، لأنّ

1 . يس/81.و في النسخ:«والأرض» ساقطة.

صفحه 249
حصوله في جانب دون جانب مع تساويهما لابدّ له من مرجّح سواء كان حصوله في ذلك الجانب بسبب فاعل مختار أو لا.
الرابع: لو وجد عالم آخر وحصل فيه نار وهواء وماء وأرض لكانت قدر العناصر مساوية لهذه التي في عالمنا في الماهية، والأجسام المتساوية في الطبيعة أمكنتُها واحدة، وكلّ جسم فانّه بالطبع متحرك إلى مكانه، فإذن يجب أن تنحدر أرض كلّ واحد من العالمَين إلى وسط العالم الثاني، ثمّ إنّ وسط كلّ واحد من العالمَين ملائم للأرض الحاصلة فيه فيلزم سكون كلّواحد من الأرضَين في موضعه لحصول حيزه الطبيعي وحركته عنه لخروجه عن وسط العالم الثاني الذي هوحيزه الطبيعي فيكون كلّ واحد من الأرضين ساكنة متحركة، وهو محال.
الخامس: لو حصل عالم آخر مساو لهذا العالم في الطبيعة حتى تكون فيه أرض وماء وهواء ونار1، وهي كما في عالمنا، لزم أن تكون الأجسام المتفقة في الطبع تسكن أماكن طبيعية متباينة في الطبع، وهو محال. ولو وجدت أرضون كثيرة لكانت متساوية في الماهية، فانفصال بعضها عن بعض ليس بطباعها، وإلاّ لاستحال أن يوجد منها جزء متصل; ولا للسماويات، لانّها علّة تحدد أمكنة العنصريات لا علّة حصول تلك العنصريات في تلك الأمكنة. فإذن انفصال بعضها عن البعض ليس لذواتها ولا للسماويات، فهوإذن لقاسر خارج، وهو محال; لما ثبت من امتناع الخرق على الفلك، وامتناع انفصاله عن وضعه في موضعه إلى وضع آخر.
و الاعتراض على الأوّل من وجوه:
الأوّل: لا نسلّم حصول جهات مختلفة بالطبع، بل ولا متفقة. نعم تحصل هناك محاذاة بين العالمين مخصوصة وجهة بهذا المعنى.

1 . في الشفاء:+«و سماء».

صفحه 250
الثاني: حصول الجهات يوجد باعتبارين:
أ. أن تكون في الخارج جهات متمايزة ذوات أوضاع مشار إليها حاصلة في الأعيان، وهو ممنوع هنا.
ب. أن يفرض الذهن محاذاة لبعض الكواكب خارج العالم1 دون بعض، وهذا المعنى لا يتوقف على وجود عالم آخر، بل هو حاصل سواء وجد عالم على التحقيق أو على التقدير، وهذا لا يستلزم محذوراً. فإن أردتم بثبوت الجهات ـ لو وجد عالم آخر ـ المعنى الثاني، فهو مسلّم غير مفيد لكم. وإن أردتم الأوّل، فهو ممنوع.
الثالث: لا نسلّم أنّ الامتياز إنّما يكون بجسم محيط.
الرابع: لا نسلّم أنّ ذلك المحيط بسيط.
الخامس: لا نسلّم أنّ شكل البسيط الكرة.
لا يقال: البسيط طبيعة واحدة فلا تقتضي من الأشكال إلاّواحداً ولا واحد من الأشكال إلاّ الكرة.
لأنّا نقول: لا نسلّم اسناد الشكل إلى طبيعة الجسم، بل إلى اللّه تعالى.
السادس: لا نسلّم أنّ ما عدا الكرة من الأشكال ليس واحداً، وحصول الزوايا والخطوط إنّما هو كحصول جزئين في الأبلق، فانّ اشتمال الأبلق على جزئين أحدهما أسود والآخر أبيض لا يوجب كثرة حقيقته في الجسم، ولا يخرج الجسم بذلك عن وحدته، فكذا هنا.
السابع: لا نسلّم أنّ الطبيعة لا تفعل إلاّ أمراً متشابهاً، فإنّ طبيعة الفلك واحدة وقد اختلفت آثارها من المتممات وخوارج المركز وأفلاك التداوير بالرقة

1 . ق:«عن العالم».

صفحه 251
والغلظ، مع أنّه لا قسر هناك ولا اختلاف في الطبيعة.
الثامن: ينتقض ما ذكرتم بالقوة المصورة في الحيوان، فانّها إن كانت بسيطة لزم أن يكون الحيوان على شكل الكرة، وإن كانت مركبة لزم أن يكون على شكل كرات، ولمّا اقتضت القوة المصورة صوراً مختلفة وخلقاً متباينة جاز هنا مثله.
التاسع: نمنع إمتناع الخلاء، فقد سلف وقوعه.1
العاشر: لِـمَ لا يجوز أن يكون الفلك الأقصى بما فيه من الأفلاك والعناصر مركوزاً في ثخن فلك آخر، وأن يكون في ثخن ذلك الفلك ألف ألف كرة مثل الفلك الأقصى بما فيه من الأفلاك والكواكب2؟ وجاز أن يكون ذلك الفلك الكبير مركوزاً في عشر كرة أُخرى وهكذا إلى ما شاء اللّه تعالى وإن كانت الأجسام بأسرها متناهية.3
و الاعتراض على الثاني من وجوه:
الأوّل: لا نسلّم امتناع صدور الكثير عن العلّة الواحدة، وسيأتي.
الثاني: متى يمتنع صدور الكثير عن الواحد إذا لم يكن هناك شرط أو جزء علّة أو لحوظ أمر آخر أو4 إذا كان م ع.5لكن بالاتفاق العالم الثاني يصدر عن الواجب تعالى بواسطة العالم الأوّل. و6 لا نزاع بين العقلاء أنّ الواحد لا يصدر

1 . في المجلد الأوّل، ص 401 (البحث الثالث عشر: في الخلاء ـ المسألة الأُولى: في أنّه هل هو ثابت أم لا؟).
2 . ولا استبعاد في ذلك، فانّهم قالوا: تدوير المريخ أعظم من ممثل الشمس بما فيها من الأفلاك الثلاثة والعناصر الأربعة ثلاث مرات. راجع شرح المواقف7:244.
3 . ومن الذي يمكنه أن يذكر في إبطال هذا الاحتمال خيالاً إقناعياً، فضلاً عن البرهان اليقيني. المطالب العالية6:194.
4 . ق: «و».
5 . أي إذا كان الفرض الأوّل فهو مسلم، وإذا كان الفرض الثاني فهو ممنوع.
6 . ق:«إذ».

صفحه 252
عنه بالاستقلال أكثر من واحد وأنّه يجوز عند اختلاف الاعتبارات تعدّد المعلولات.
الثالث: متى نمنع صدور الواحد عن أكثر من واحد إذا كان علّة موجبة أو قادراً مختاراً م ع؟1 فانّ الاتفاق وقع على إمكان تعدد آثار المختار الواحد.
الرابع: لا امتناع في صدور الكثير عن الواحد بواسطة أو وسائط.
والاعتراض على الثالث: بأنّ اختصاص العالم الثاني بأحد الجوانب للقادر المختار، وامتياز الجوانب خارج العالم بالإضافة إلى مسامتة جوانب العالم، ولا نسلم أنّ الإمتياز إنّما يكون بالمحيط.و الفاعل المختار يرجح أحد الأمرين لا لمرجّح بالوجدان.
والاعتراض على الرابع: لا نسلّم أنّ لكلّ جسم حيزاً طبيعياً.
سلّمنا، لكن يجوز أن تكون هيولى أرض العالم الثاني تكون2 مخالفة لهيولى أرض هذا العالم فلا جرم لا تطلب أرض ذلك العالم وسط عالمنا، كما في الأفلاك مع استوائها في الجسمية واختلافها في الهيولى حتى وجب اختصاص كلّواحد منها بموضع معيّن ومقدار معيّن.
سلّمنا، لكن وسط كلّ عالم مساو في الحقيقة لوسط العالم الآخر وكذا باقي الأحياز، فمقتضى الأرضية واحد، واختصاص أحدهما كاختصاص جزء من العنصر بمكان جزئي من مكان كلية ذلك العنصر فكما لا تنجذب قطعة من الأرض إلى مكان قطعة أُخرى كذا لا تنجذب أرض كلّ عالم إلى وسط العالم الآخر. والأصل أنّ كليهما3 طبيعي إذا اتّفق حصول المتمكن في أحدهما وقف فيه وإلاّ

1 . أي إذا كان الفرض الأوّل فهو مسلم، وإذا كان الفرض الثاني فهو ممنوع.
2 . كذا، ولعلّها من زيادة الناسخ.
3 . في النسخ: «كلاهما»، أصلحناها طبقاً للسياق.

صفحه 253
طلب أحدهما.
سلّمنا، لكن لا نسلّم تساوي النارين في الطبيعة عند استوائهما في الحرارة واليبوسة والبعد من المركز والقرب من المحيط وتختلفان في الصور المقومة1، فانّ الإشتراك في اللوازم لا يقتضي الإشتراك في الملزومات.
والاعتراض على الخامس:2 أنّ الأرضين وإن تكثرت بالعدد إلاّ أنّها مشتركة في الأرضية وأمكنتها مشتركة في كونها وسطاً لتلك العوالم، فالأرضية المطلقة تقتضي الوسط من العالم والأرض المعينة تقتضي الوسط من العالم المعين.
أجاب الشيخ بأنّه: «و إن كان لا نشكّ3 في أنّ الأجسام الكثيرة بالعدد لها أمكنة كثيرة بالعدد، ولكن يجب أن تكون كثيرة4 على نحو يجعل5 الكل لو اجتمع كل6 المتمكن شيئاً واحداً ومكاناً واحداً بالعدد، على7 ما بيّناه. وهذا الاجتماع ممّا لا مانع له في طبيعته8، فانّ الطبيعة الواحدة المتشابهة لا تقتضي الافتراق والتباين».
والاعتراض9: الشيخ زعم أنّ الأجسام الفلكية والكواكب وإن كانت

1 . والذي يقرر هذا: أنّ مذهب الشيخ الرئيس: أنّ الصورة النارية صفة مغايرة للحرارة واليبوسة والإشراق والإحراق والصعود مقتضية للصفات. وتلك الصورة هي الطبيعة النارية. المطالب العالية 6:195.
2 . أُنظر الاعتراض والجواب عنه في الفصل العاشر من الفن الثاني من طبيعيات الشفاء:74ـ75.
3 . في المصدر:«شك».
4 . ج: «كثرة».
5 . ق: «تحصل».
6 . في المصدر: «كان».
7 . ج:«و على»، وهو خطأ.
8 . في المصدر: «له عنه في طبعه».
9 . أُنظر الاعتراض في المباحث المشرقية2: 153.

صفحه 254
مشتركة في الجسمية1 والكَوْكبية والضَّوء واللَّون والمقدار، فانّ كلّ واحد منها مخالف للآخر بنوعيته; فإذا جوزتم ذلك فلِمَ لا تجوزون أن تكون الأرْضون الموجودة في العوالم متشابهة في الأرضية، إلاّ أنّه مع ذلك تكون لكلّ واحد منها حقيقة نوعية مخالفة لنوعية الأرض الأُخرى، وعلى هذا تلك الأرْضون لأجل اشتراكها في مطلق الأرضية تكون طالبة لمطلق الوسط، ثمّ إنّ كلّ أرض بحقيقتها المخصوصة ـ التي بها تخالف الأرض الأُخرى ـ تكون طالبة للوسط المعيّن؟ وإذا كان الذي قلناه محتملاً لم تكن حجّتكم برهانية.
لا يقال:2 لا يعقل من الأرض إلاّ الجسم البارد اليابس لطبعه3، فإن كان هناك خصوصية وراء ذلك لم تكن تلك الخصوصية لازمة لهذا القدر المشترك، وإذا لم تكن لازمة أمكن فرض الأرضين عارية عن تلك الخصوصية، وعند ذلك الفرض تكون الأرضون متساوية في النوعية وتطلب كلّ واحدة منها ما تطلبه الأرض الأُخرى.
لأنّا نقول: إن كان الأمر كذلك لزم أن تكون الأجرام الفلكية كلُّها متحدة في النوع، لأنّها مشتركة في مطلق الجسمية، فإن كان هناك خصوصية لم ]تكن [تلك الخصوصية لازمة لتلك الجسمية، وإذا لم تكن لازمة أمكن فرض تلك الجسمية عارية عن الخصوصية، وعند ذلك الفرض تكون الأجرام الفلكية متساوية في النوعية، فيجب أن يطلب كلّ واحد منها ما يطلبه الفلك الآخر من الوضع والحيّز.
لا يقال:هذه الأجسام الفلكية اختلفت موادها فلذلك اختلفت أمكنتها

1 . في النسخ: «التسمية»، وما أثبتناه من المباحث.
2 . أُنظر الإشكالين والجواب عنهما في المصدر نفسه.
3 . في المباحث:«بطبعه».

صفحه 255
وأوضاعها.
لأنّا نقول: فجوزوا هنا أن تختلف الأرضون في موادها حتى يكون لكلّ أرض بسيطة1 عالم معيّن.
فإن ادعوا تماثل الأرضين في المادة، قلنا: لا نزاع في أنّ أجزاء الأرض التي في عالمنا متشاركة في المادة، لكن لِمَ قلتم بأنّ مادة الأرض الموجودة في عالم آخر يجب أن تكون مساوية لمادة الأرض الموجودة في هذا العالم؟
وبالجملة فكلّ ما يذكرونه هنا ينتقض بالأجرام الفلكية.
والاعتراض على السادس: بأنّ تلك الحجّة مبنية أيضاً على أنّها لو كانت موجودة لكانت متحدة في النوع، وقد سبق البحث فيه.2
واعلم أنّ بعض الناس3 احتج على إثبات عوالم كثيرة بأن قال: مفهوم قولنا«عالم» إن منع عن4 الشركة لم يكن علمنا بوحدة العالم كسبياً موقوفاً على برهان، بل كلّ من تصوّر العالم تصوّر كونه واحداً بالضرورة، وليس كذلك بالضرورة فهو غير مانع من الشركة، لكن العالم ليس من الأُمور التي إذا فرضت له جزئيات كانت تلك الجزئيات على سبيل إنّ واحداً يكون بعد واحد لأنّ العالم أزلي، بل لما ثبت إمكان وجود العالم فقد ثبت إمكان وجود أزليته، والأُمور الأزلية

1 . في المباحث:«وسط».
2 . قال الرازي بعد ذكر الجواب عن دلائل الفلاسفة:«فقد ظهر بهذه البيانات: أنّ دلائل الفلاسفة في إثبات هذه المطالب أوهن من بيت العنكبوت. وأنّ الحقّ : أنّ العقول البشرية ضعيفة، والعلوم الإنسانية حقيرة. وأنّ الحقّ الصريح ما جاء في الكتاب الإلهي، حيث قال:(وَ ما أُوتيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاّقَلِيلاً) واللّه أعلم». المطالب العالية 6:195.
3 . انساق إلى كثرة العوالم من أصول فاسدة وغير متناسبة للعلم الطبيعي، بل هي فلسفية ومنطقية.... الفصل العاشر من الفن الثاني من طبيعيات الشفاء.
4 . ج:«من».

صفحه 256
لو لم تكن موجودة في وقت استحال حصولها، لأنّها إذا كانت معدومة فمن المستحيل أن توجد بعد عدمها بحيث تكون أزلية. فإذن لو كان العالم1 ممكن الوجود لكان أزلياً، لكنّه ممكن الوجود فهو أزلي، فالعوالم الكثيرة موجودة في الأزل.
والجواب2: أنّ الكلي هو الذي لا يكون مفهومه سبباً لامتناع الشركة فيه، ولا يلزم من عدم تعليل امتناع الشركة بنفس ذلك المفهوم عدم إمتناع الشركة، إذ الممتنع لا يُعقل أن يكون إمتناعه معللاً بكلّ شيء، بل علّة الإمتناع أمر واحد. ثمّ لا يلزم من سلب تعليل ذلك الإمتناع بما عدا ذلك الواحد سلب الإمتناع، فكذا هنا لا يلزم من كون ذلك المفهوم غير موجب لذلك الامتناع أن يكون الامتناع حاصلاً. مع أنّ القول بأزلية العالم محال.

المسألة السابعة: في حلّ شكوك الفلاسفة غير ما تقدّم3

قالت الفلاسفة: كلّ محدث فله علل أربع: المادة، والصورة، والغاية، والفاعل. وكلّ واحد من هذه الجهات يقتضي القدم.
أمّا بالنظر إلى الفاعل، فلأنّه لو أحدث العالم لكان تخصيص وقت منه بالاحداث دون ما قبله وبعده مع تساوي النسب ترجيحاً4 من غير مرجح. ولأنّ احداثه في الوقت الذي أحدثه فيه لا يكون لمرجح، لأنّ النفي المحض لا يعقل فيه الإمتياز ذاتاً.

1 . في المباحث:«العالم الثاني».
2 . أُنظر الجواب في الشفاء، والمباحث.
3 . راجع نقد المحصل:205.
4 . في النسخ: «ترجيح»، أصلحناها طبقاً للسياق.

صفحه 257
وأمّا بالنظر إلى المادة، فلأنّ كلّ محدث فهو مسبوق بمادة يحل فيها إمكانه السابق عليه، فإن كانت حادثة تسلسل. وإن كانت قديمة افتقرت إلى صورة ومجموعهما الجسم، فهو قديم.
وأمّا بالنظر إلى الصورة، فلأنّ الزمان لا يقبل العدم، وإلاّ لافتقر سبق عدمه على وجوده إلى زمان وتسلسل.
و أمّا بالنظر إلى الغاية، فلأنّ الفاعل لو كان مختاراً فلابدّ له من غاية في الإيجاد فكان مستكملاً بذلك الإيجاد فكان ناقصاً، وإن لم يكن مختاراً كان موجباً فيلزم من قدمه قدم الأثر.
والجواب عن الأوّل: ما ذكرناه من اختصاص الكوكب بالموضع المعيّن من الفلك مع كونه بسيطاً;و اختصاص أحد جانبي المتمم بالثخن والآخر بالرقّة.
وأيضاً1 الاختصاص مستند إلى إرادة اللّه تعالى بإحداثه في ذلك الوقت وذلك التعلّق واجب، فيستغني عن المرجح.
لا يقال: تخصيص الإحداث بوقت معيّن يستدعي امتيازه عن سائر الأوقات، فتكون الأوقات موجودة قبل ذلك الحادث.
لأنّا نقول: كما يجوز إمتياز وقت عن وقت بأن2 لم يكن للوقت وقت آخر، فلم لا يجوز إمتياز العدم عن الوجود من غير وجود الوقت؟
والجواب عن الثاني: أنّ الإمكان ليس وصفاً وجودياً، على ما مرَّ. ولأنّ المادة ممكنة فيلزم أن يقوم إمكانها بمادة أُخرى.
لا يقال: المادة قديمة فإمكانها قائم بها، أمّا إمكان الحادث فلا يمكن قيامه به، لاستحالة قيام الموجود بالمعدوم.

1 . وصفه الرازي بالجواب الحقيقي. المصدر نفسه:206.
2 . في المحصل: «و إن».

صفحه 258
لأنّا نقول: لو قام إمكان المادة بها لكان وجود المادة شرطاً في إمكانها1، لأنّ وجود المحلّ شرط في وجود الحالّ، فلو كان إمكان المادة قائماً بها لكان إمكانها مشروطاً بوجودها، لكن وجودها عرضي مفارق والموقوف على المفارق مفارق فالإمكان مفارق، هذا خلف.
والجواب عن الثالث: انّكم لمّا قلتم«كل محدث فعدمه سابق على وجوده»، فقد اعترفتم بكون العدم موصوفاً بالسابقية، ووصف العدم لا يجوز أن يكون موجوداً لاستحالة قيام الموجود با لمعدوم، فثبت أنّ السابقية ليست صفة وجودية، فيبطل2 دليلكم بالكلية.
والجواب عن الرابع: انّا سنبيّن أنّه تعالى فاعل مختار.
قال أفضل المحقّقين:«التشكيك الأوّل ـ بأنّ إحداث العالم في وقت دون وقت يقتضي ترجيح3 أحد المتساويين على الآخر من غير مرجّح.والجواب بأنّه كاختصاص الكوكب بموضع من الفلك دون موضع;و اختصاص ثخن المتمم بجانب دون جانب ـ فغير مفيد; لأن الأُمور الموجودة يمكن أن يقال: المرجح هناك موجود وليس بمعلوم، أمّا في الأُمور العدمية فلا يمكن ذلك.
و قوله في الجواب الحقيقي ـ بأنّ إرادة اللّه تعالى تتعلق بأحد الوقتين تعلقاً واجباً من غير احتياج إلى مرجح ـ دعوى مجرّدة عن الحجّة.
والاعتراض عليه ـ بأنّ القول بالترجيح يستدعي وجود الأوقات ـ صحيح.
والجواب: ـ أنّ الامتياز هناك كما لا يقتضي أن يكون للوقت وقت، كذلك لا يقتضي في امتياز العدم عن الوجود أن يكون لهما وقت ـ ليس بجواب عنه، وقد مرّ

1 . في النسخ:«إمكانه»، أصلحناها طبقاً للسياق.
2 . ج: «فبطل».
3 . في المصدر: «ترجح».

صفحه 259
أنّ الوقتين لا يحتاجان إلى وقت آخر، فالعدم والوجود محتاجان إلى وقت غيرهما.
والجواب الصحيح أن يقال: الأوقات التي يطلب فيها الترجيح1 معدومة، ولا تمايز بينها إلاّ في الوهم، وأحكام الوهم في أمثال ذلك غير مقبولة، إنّما يبتدئ وجود الزمان مع أوّل وجود العالم، ولم يمكن وقوع ابتداء سائر الموجودات قبل ابتداء وجود الزمان أصلاً.
وأمّا التشكيك الثاني ـ بأنّ كلّ محدث يحتاج إلى مادة تسبقه وتكون محلاً لإمكانه، والمادة إن حدثت احتاجت إلى مادة تسبقها. فالجواب عنه بأنّ الإمكان غير وجودي. وأيضاً المادة ممكنة فيلزم أن يقوم إمكانها بمادة أُخرى ـ ليس بوارد; لأنّ الإمكان الذي محلّه الماهية غير الإمكان الذي محلّه المادة، فانّ الأوّل منهما أمر عقلي يعقل عند انتساب الماهية إلى وجودها، والثاني عبارة عن الاستعداد وهو استعداد وجود شيء يكون قبل وجود ذلك الشيء ويحتاج إلى محل، لأنّه عندهم عرض موجود من جنس الكيف.
و الجواب الصحيح: أنّ الأُمور الإبداعية لا يتصور فيها استعداد يتقدم وجودها.وإمكانها إنّما يعقل عند وجودها وهو صفة لماهيتها التي لا توجد قبل وجودها.
والتشكيك الثالث ـ بأن سبق العدم على الوجود يقتضي وجود حادث قبل ذلك الحادث. والجواب بأنّ السابق ليس ثبوتياً أيضاً ـ ليس بمفيد; لأنّهم يعترفون بأنّ ذلك السبق ذهني يلزم من توهم العدم السابق، إلاّ أنّه يوجب وجود زمان عندهم يقع فيه العدم السابق والوجود المسبوق، وهو لم يبطل ذلك.
والتشكيك الرابع ـ بأنّ فعل المختار يكون لغاية يستكمل بها الفاعل، وذلك في حقّ اللّه تعالى محال ـ فلم يجب عنه إلاّ بقوله: إنّا سنبيّن أنّ الفاعل مختار.

1 . في المصدر: «الترجح».

صفحه 260
والجواب الصحيح على رأي ]بعض[ المتكلّمين : أنّ الغاية هناك استكمال الفعل لا الفاعل.وعلى رأي بعضهم أنّه لا غاية هناك. وعند الفلاسفة أنّ الغاية هناك نفس الفاعل، لأنّه تعالى إنّما يفعل لذاته، ولأنّه فوق الكمال».1
وفيه نظر، فانّه لا فرق بين تخصيص أحد الوقتين بالإحداث الثابت دون الوقت الآخر المعدوم وبين تخصيص ثخن معيّن ورقّة معيّنة دون غيرهما من الثخن والرقة المعدومين. والجوانب المساوية وإن كانت موجودة لكن مقادير الثخن والرقّة متفاوتة. والترجيح يثبت في المعدومات كالموجودات، فانّ المعدوم الذي عدم بعدم جميع أسبابه وشرائطه وأجزاء علله أرجح في العدم من الذي عدم بعدم بعض شرائطه البعيدة، وإذا جاز أن يقع فيه الترجيح جاز استناده إلى سبب غير معلوم. فالوجود وكون الإرادة موجبة لترجيح أحد المرادين، غني عن البرهان; ولا يحتاج إلى حجّة في ذلك، لأنّها لذاتها مخصصة.
والترجيح إذا كان يصحّ دخوله في العدم لم يكن ترجيح بعض الأوقات يستدعي وجودها.
ولا فرق بين الإمكان الذاتي والاستعدادي في أنّهما ذهنيان; لأنّ الاستعدادي لو كان موجوداً تسلسل. ولأنّ الاستعداد عبارة عن ترجح الوجود أو العدم، وهو قابل للشدة والضعف وأحد طرفيه الوجوب، فإذا كان الاستعداد الذي لا يبلغ حدّ الوجوب مقتضياً للمادة فالبالغ حدّ الوجوب كذلك، والمبتدعات لها هذا الإمكان، وإلاّ لما وجدت. والإمكان الذاتي لا شكّ في ثبوته للمبتدعات، ولا شكّ في سبقه، فقوله: «إنّما يعقل عند وجودها مشكل»، لأنّه يقال: أمكن فوجد، ولا يقال: وجد فأمكن على أن يكون الإمكان متأخراً عن الوجود، وقد بيّن أوّلاً أنّ السبق لا يستدعي الزمان، وإلاّ لكان للزمان زمان آخر.

1 . نقد المحصل:206ـ208.

صفحه 261

النوع الثاني

في الأعراض

و فيه فصول:

الفصل الأوّل

في الكون1

وفيه مطلبان:

1 . « Generation». الكون بالمعنى العام هو الوجود بعد العدم، وهو تغير دفعي، لانّه لا وسط بين العدم والوجود، كحدوث النور بعد الظلام دفعة. وقد قيد الحدوث بالدفعي، لأنّه إذا كان على التدريج كان حركةً لا كوناً(تعريفات الجرجاني).
والكون بالمعنى الخاص هو حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن حاصلة فيها، وهو عند أرسطو تحول جوهر أدنى إلى جوهر أعلى، ويقابله الفساد) Corruption)، لأنّ الفساد زوال الصورة عن المادة بعد أن كانت حاصلة.
والكون، والثبوت، والوجود، والتحقق، عند الأشاعرة ألفاظ مترادفة، أمّا عند المعتزلة فالثبوت أعم من الوجود، والثبوت والتحقّق عندهم مترادفان ، وكذا الكون والوجود. راجع صليبا، المعجم الفلسفي2: 248ـ 249.
و المتكلّمون يعبرون عن الأين ـ أعني حصول الجوهر في الحيز ـ بالكون ويعترفون بوجوده، وإن أنكروا وجود سائر الاعراض النسبية، وقد حصروه في أربعة هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون. شرح المقاصد2: 396.

صفحه 262

المطلب الأوّل

في ماهيته وأحكامه

وفيه مباحث:

البحث الأوّل

في ماهيته

اعلم أنّا إذا أردنا تحريك جسم أو تسكينه فعلنا فيه إعتمادات نحو الجذب أو الدفع فيحصل التحرّك والسكون.وهذا التحرك والسكون معلوم لكلّ عاقل لا يشكّ فيه أحد، لكن هل نفعل شيئاً آخر حتى يحصل التحرك أم لا؟
فذهب أبو هاشم وأصحابه إلى أنّه نفعل معنى زائداً نسميه حركة، ذلك المعنى يوجب كون الجسم متحركاً وانّه أمر زائد على الاعتماد وعلى التحرك. والتحرك والسكون ليسا صادرين عنا، بل الصادر عنّا ذلك المعنى المسمى بالكون، وذلك المعنى يوجب التحرك والسكون المعلومين عندنا.
وذهب سائر الشيوخ إلى نفي هذا الزائد وهو مذهب أبي الحسين البصري، وهوالحقّ عندنا.
و مثبتوه رسموه بأنّه ما يوجب كون الجوهر كائناً في جهة.1

1 . قال أبو هاشم الجبائي:«إنّ الجوهر لا يوجد إلاّ وهو متحيز، ولا يكون متحيزاً إلاّ وهو كائن، ثمّ لا يكون كائناً في جهة إلاّ بكون». النيسابوري، التوحيد:76 .و قال القاضي عبد الجبار:«و فائدته (أي الكون) ما به يصير الجوهر في جهة دون جهة». المحيط بالتكليف:41.

صفحه 263
و قيل: ما أوجب تخصيص الجوهر بمكان أو تقدير مكان . والكائنية ليس اختصاص الجوهر بمكان أو تقدير مكان.
والأسامي تختلف1عليه وإن كان الكل من هذا النوع، فإن كان حاصلاً عقيب ضده سمي حركة. وإن بقى به الجوهر كائناً في جهة أزيد من وقت واحد أو وجد عقيب مثله فهو سكون. ومتى كان مبتدأ لم يتقدمه غيره فهو كون فقط، وهو الموجود في الجوهر حال حدوثه.فلفظة الكون إذن يقال بالإشتراك على المعنى الشامل للحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق، والتكون، وعلى الكون الخاص وهوالذي يخلقه اللّه تعالى ابتداءً في الجسم حالة حدوثه. وإن حصل بقرب هذا الجوهر جوهر آخر سمي ما فيهما مجاورة، ومتى كان على بُعد منه سمّى ما فيهما مفارقة.

1 . في النسخ:«مختلف»، أصلحناها طبقاً لعبارة «المحيط بالتكليف»، حيث قال: «ثمّ الأسامي تختلف عليه والكلّ في الفائدة يرجع إلى هذا القبيل، فتارة نسميه كوناً مطلقاً إذا وجد ابتداءً لا بعد غيره... ثمّ يصحّ أن نسميه سكوناً إذا بقي;و تارة يسمّى ذلك الكون تكوناً، وهو أن يحدث عقيب مثله، أو يبقى به الجوهر في جهة واحدة وقتين فصاعداً;و تارة نسميه حركةً إذا حدث عقيب ضدّه أو أوجب كون الجسم كائناً في مكان بعد أن كان في غيره بلا فصل; وتارة نسمّي بعضه مجاورة ومقاربة وقرباً إذا كان بقرب هذا الجوهر جوهر آخر على وجه المماسة بينهما; وتارة نسمّي بعضه مفارقة ومباعدة وافتراقاً إذا وجد على البعد منه جوهر آخر». المصدر نفسه . راجع أيضاً التوحيد:76
هذا ،و لكن الإيجي جعل المجاورة من أقسام الإفتراق ، حيث قال:«و الافتراق مختلف، فمنه قرب وبعد متفاوت ومجاورة». راجع شرح المواقف6:171.

صفحه 264

البحث الثاني

في أنّ هذا المعنى ليس بثابت 1

لنا على ذلك وجوه:
الوجه الأوّل: أنّه لو كان القادر منّا يفعل ذلك المعنى لوجب أن يعلمه إمّا إجمالاً أو تفصيلاً، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ القادر هو الذي يستوي من حيث كونه قادراً أن يفعل وأن لا يفعل هذا الفعل أو ضده فلابدّمن أن يترجح عنده اختيار أحدهما بالداعي فإذا دعاه الداعي وصار قاصداً له لابدّ وأن يكون عالماً به.
وأمّا بطلان التالي: فلأنّا نعلم من أنفسنا أنّه لا يخطر ببالنا حال التحريك والتسكين هذا المعنى الذي يثبته أبو هاشم خصوصاً في حقّ العوام الذين لا يمكنهم فهمه لو تكلفنا افهامهم.
فإن قيل: لا نسلّم أنّ القادر هو الذي يستوي عنده أن يفعل وأن لا يفعل، فانّهما لو استويا عنده لم يؤثر فيهما.

1 . قال المصنف:«اختلف الإمامية في هذه المسألة، فقال السيّد المرتضى: إنّ الحركة معنى يوجب انتقال الجسم، والسكون معنى يوجب لبث الجسم في الحيز، وهو مذهب أبي هاشم وأتباعه، قالوا: وذلك المعنى هو الكون وهو يقتضي الحصول في الحيز، والحصول يقتضي الكائنية. والمصنف (أبو إسحاق ابن نوبخت) نفى هذا المعنى،و هومذهب أبي الحسين وسائر النفاة.
ثمّ استدل على نفيه بوجهين، فراجع أنوار الملكوت:25; مناهج اليقين:53.

صفحه 265
سلّمنا أنّه لابدّ وأن يستوي الأمران عنده لكونه قادراً، لكن نمنع المرجح، كالعطشان والهارب والجائع، فانّهم يختارون أحد الأمرين لا لمرجّح لفرض التساوي.
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ المرجح هو الداعي، فانّ الساهي والنائم يفعلان حالة السهو والنوم مع أنّه لا داعي لهما ولم يكن ذلك إلاّ لوجود مرجّح آخر غير الداعي.
سلّمنا، لكن يكفي الظن والتجويز ولا يشترط العلم.
سلّمنا، لكن نمنع انتفاءه.
قوله:«لا يخطر ببال العوام ذلك».
قلنا: جملة أو تفصيلاً؟ ع م.1
بيانه: أنّهم وإن لم يعلموا تفصيل ما يعملون ولكنّهم يعلمون على الجملة أنّهم يفعلون أمراً من الأُمور، وهذا علم إجمالي.
فالجواب: معنى القادر من استوى عنده الطرفان ولا يرجح أحدهما إلاّ لداع ، حتى لو كان قد ترجح منه صدور الأثر إمّا لذاته أو لزائد غير الداعي سميناه موجباً، ويحدّ القادر بأنّه الذي يصحّ منه أن يؤثر بحسب الداعي إذا لم يكن مانع. وقد ثبت القادر بالضرورة في الشاهد على ا لوجه الذي ذكرناه.
قوله: «لِمَ قلتم: إنّه إذا استوى منه الأمران افتقر إلى المرجّح؟».
قلنا: لاستحالة ترجيح أحد المتساويين لا لمرجّح.و ما ذكروه من الصور نمنع انتفاء المرجّح فيه، بل يوجد فيه أدنى مرجّح، وللطفه وقصر زمانه لا يتذكر ولو لم يحصل المرجح لتحير ووقف عن الفعل ولو دام سبب التحير دام التوقف.

1 . لعلّ المراد: إن أُريد جملة فممنوع،وإن أُريد تفصيلاً فمسلّم.

صفحه 266
ثمّ المرجّح قد يكون حقيقياً وقد يكون خيالياً.
قوله:«المرجّح غير الداعي».
قلنا: كلّ مؤثر يستند ترجيح أثره إلى غير الداعي فانّه موجب وبهذا نفرق بين القادر والموجب.
قوله: «لِمَ لا يكفي الظن؟»
قلنا: ظن المصلحة في الفعل يستدعي تصوّر حقيقة الفعل والمصلحة، والظن لا يدخل في التصور، بل إذا تصور الطرفان أمكن دخول الظن في النسبة. ولأنّا قد نحرك الأشياء ولا يكون لنا علم ولا ظن بل ولا تجويز لشيء آخر غير الاعتماد وغير التحريك، ولكن نكون معتقدين لانتفائه، فكيف يتصور لنا ظن أو تجويز لشيء نعتقد نفيه؟
قوله: «ليس لنا علم، إجمالي أو تفصيلي؟».
قلنا: كلاهما.
قوله: «نحن نعلم أنّا فعلنا أمراً».
قلنا: نعم الاعتماد والتحريك، أمّا غيرهما فلا.
الوجه الثاني: وهو يدلّ على نفي المعنى على الوجه الذي ذهب إليه أبو هاشم من أنّه يستحيل أن يوجد في الجسم إلاّ وهو في الجهة التي يوجب كونه كائناً فيها، وهو أنّ توقّف حصول الكائنية في الحيز على المعنى الذي لا يوجد في الحيز إلاّ وهو في الجهة التي يوجب كونه كائناً فيها يؤدي إلى احتياج كلّواحد منهما إلى نفسه، وهو محال.
بيان الأوّل: أنّ المعنى الذي يوجب كون الجسم كائناً في الجهة إذا لم يتصور حصوله إلاّفي الجسم الموصوف بصفة كونه كائناً في الجهة الثانية فقد احتاج في

صفحه 267
وجوده إلى كون الجسم كائناً في الجهة الثانية حسب احتياج المشروط إلى الشرط، فإذا كان كونه كائناً في الجهة الثانية معلول هذا الكون فقد احتاج إلى هذا الكون حسب احتياج المعلول إلى العلّة، فكان كل من الكون والكائنية محتاجاً إلى الآخر، فيلزم احتياج الشيء إلى نفسه.
فإن قيل: اقتصرتم في إبطال المعنى بإبطال أحد قسميه ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فجاز أن يوجد في الجسم وهو في الجهة الأُولى كما يعرض له عندكم.
ثمّ نقول: قولكم«فإن توقف حصول الكائنية بالكون يؤدي إلى احتياج الشيء إلى نفسه.» إن عنيتم بذلك أنّهما يوجدان معاً في زمان واحد، فلا نسلم امتناعه بل هو شرط تحقّق العلّية; فانّ العلّة التامة إذا وجدت قارنها معلولها، والسواد إذا طرأ على محلّ البياض فانّه ينفي البياض، مع أنّ طريان السواد على محلّ البياض وزوال البياض متقارنان.
سلّمنا الزيادة على التقارن، لكن لا نسلّم استحالة هذا الاحتياج; فانّ الجسم محتاج إلى الكون حاجة المشروط إلى الشرط والكون يحتاج إلى الجسم حاجة المعلول إلى العلّة.
سلّمنا، لكن كلّ منهما يحتاج إلى الآخر لا على سبيل التعين، فإنّ كونه كائناً في الجهة الثانية يحتاج إلى كون ما لا بعينه حتى لو لم يكن هذا الكون قام كون آخر مقامه، فلم يحتج إليه على التعيين.
ثمّ ما ذكرتم في إبطال الموجب ثابت في القادر، فانّا نقول: إنّ القادر لا يقدر على تحصيله في الجهة الثانية إلاّ بشرط أن يخرجه من الجهة الأُولى، ولا يخرجه من الجهة الأُولى إلاّ بشرط أن يحصله في الجهة الثانية، فاحتاج في فعل كلّ منهما إلى الآخر.

صفحه 268
والجواب قوله:«لِمَ اقتصرتم في إبطال الكون معنى موجباً على أحد قسميه؟».
قلنا: لأنّ هذا القسم هوالمختلف فيه، وما عداه مجمع على بطلانه.
قوله:«يعنون اقترانهما في زمان واحد».
قلنا: نعني معنى آخر زائد على التقارن في الزمان، فانّا لو قدّرنا حصول الحياة والعلم وصفة العالمية ـ التي هي موجبة العلم عندهم ـ تقارنه في الزمان فانّا نعقل أمراً زائداً في حاجة العلم إلى الحياة ليست تلك الحاجة للعلم إلى معلوله الذي هو صفة العالمية وإن اشترك الكلّ في حصولها في زمان واحد، حتى لو قدّرنا هذه الكائنية معللة بعلّة أُخرى غير هذا الكون فما دلّ من الدليل الدال على حاجة هذا الكون إليه يقتضي أن لا يوجد الكون بدونها، وإن لم يكن معلولاً لها على هذا التقدير، وهو الذي أردناه بقولنا: إنّ الكون محتاج في وجوده إلى كون محلّه كائناً في الجهة الثانية، لأنّه كما استحال أن يوجد هذا الكون لا في محل، لأنّه لا يكون له اختصاص بجسم دون جسم، استحال أيضاً أن يوجد فيه وهو في الجهة الأُولى، لأنّهم زعموا أنّه حينئذ لا يكون له اختصاص بجهة دون أُخرى، فإمّا أن يوجب حصوله في الجهات السبب أو لا يوجب حصوله في شيء من الجهات، وإن استحال أن يوجد فيه إلاّو هو في الجهة الثانية صحّ ما ادّعيناه أنّ الكون على هذا التقدير يحتاج إلى كون الجسم كائناً في الجهة الثانية; بخلاف السواد وزوال البياض، فانّ ذلك مجرّد إقتران في الزمان بخلاف احتياج الكون إلى الكائنية في الجهة الثانية فانّه ليس بمجرّد التقارن.
قوله:«يبطل بالجسم مع الكون».
قلنا: الجسم يقتضي وجوب كونه كائناً في جهة ما والمقتضي إذا حصل وجب أن يقارنه مقتضاه، ولهذا لم يتصور وجود الجسم إلاّ مع الكون.

صفحه 269
ولا نسلم أنّ الجسم يحتاج في وجوده إلى الكون وإلى الكائنية. وكون الجسم يستحيل وجوده بدون كونه كائناً لا يقتضي احتياج الجسم إلى الكون، فانّ العلّة يستحيل وجودها بدون وجود المعلول.
قوله: «متى يستحيل إذا احتاج إليه على التعيين، أو لا على التعيين؟».
قلنا: سواء احتاج إليه على التعيين أو لا; لأنّه إذا احتاج في كونه كائناً إلى كون ما، لكن ذلك الكون إذا استحال حصوله إلاّفي الجسم الموصوف بكونه كائناً في الجهة الثانية وكونه كائناً في الجهة الثانية معلول ذلك الكون، فيلزم حاجة الشيء إلى نفسه.
ولا نسلّم أنّ القادر محتاج في تكوينه في الجهة الثانية إلى زوال كونه في الجهة الأُولى.
الوجه الثالث:1 ذلك المعنى الذي يوجب حصوله في ذلك الحيز إمّا أن يصحّ وجوده قبل حصوله في ذلك الحيز أو لا، فإن صحّ فإمّا أن يقتضي اندفاع ذلك الجوهر إلى ذلك الحيز أو لا، فإن كان الأوّل كان ذلك هو الاعتماد ولا نزاع فيه، وإن كان الثاني لم يكن بأن يحصل بسبب ذلك المعنى في حيز أولى من حصوله في غيره. اللّهمّ إلاّ بسبب منفصل، ثمّ يعود الكلام الأوّل فيه.وأمّا إن لم يصحّ وجوده إلاّ بعد حصول الجوهر في ذلك الحيز كان وجوده متوقفاً على حصول الجوهر فيه، فلو كان حصول الجوهر فيه محتاجاً إلى ذلك المعنى لزم الدور.
احتج أبو هاشم بوجوه:2

1 . أُنظره في نقد المحصل:147ـ148.
2 . راجع المصدر نفسه، وقال الطوسي بعد ذكر الوجوه: «و ضعف هذه الحجج غنيّ عن الشرح». راجع أيضاً: أنوار الملكوت: 26; المحيط بالتكليف:41; التوحيد للنيسابوري:30و 44; نهاية العقول(الفصل التاسع في: العلّة والمعلول); مناهج اليقين:53.

صفحه 270
الوجه الأوّل: لو قدرنا على جعل الجسم كائناً من غير واسطة معنىً لقدرنا على ذات الجسم وسائر صفاته كالحياة والقدرة والسواد والبياض وغير ذلك، والتالي باطل، فالمقدم مثله.
بيان الشرطية: وجهان:
الأوّل: القادر إذا قدر على أن يجعل الذات على بعض الصفات فقد صارت الذات مقدورةً له يتصرفُ فيها كيف شاء.
الثاني: القياس على الكلام، فانّ من قدر على أن يجعل الكلام على صفة الخبر والأمر قدر على ذاته، ولمّا لم يقدر على كلام غيره لم يقدر على جعله على صفة الخبر1، ولا علة لذلك إلاّ كونه قادراً على بعض صفاته.
والاعتراض: لا نسلّم أنّ من قدر على بعض الصفات قدر على الذات وباقي الصفات.
وما تعنون بصيرورة الذات مقدورةً؟ إن عنيتم انّها صارت مقدورة من هذه الجهة كان ذلك إلزاماً للشيء بنفسه، ويصير بمنزلة قولكم: من قدر على الشيء على أن يجعله على بعض الصفات قدر على ذلك الشيء أن يجعله على بعض الصفات.2و إن عنيتم انّه تصير مقدورة من جميع الجهات ثم ألزمتم من ذلك أن يقدر على جميع الصفات، كنتم قد عللتم الشيء بنفسه، ثمّ نطالبكم بالدلالة عليه.
سلّمنا، لكن لِمَ قلتم: إنّ كون الجسم كائناً صفة وليس بذات؟
لا يقال: إذا سلمتم كونه ذاتاً سلمتم المسألة; لأنّا لا نعني بالكون إلاّ ذاتاً

1 . والعبارة في نهاية العقول هكذا:« ولما لم نقدر على جعل كلام غيرنا خبراً لم نقدر على ذات الكلام».
2 . أي صار الموضوع والمحمول واحداً.

صفحه 271
ومقدوراً للقادر ويوجد بالفاعل.
لأنّا نقول: لا نسلّم أنّه تسليم للمسألة، فانّكم تثبتون الكون معنى موجباً لكون الجسم كائناً، ونحن على هذا التقدير لا نسلّم لكم إلاّ كونه كائناً من غير أن يكون موجِباً لشيء أو موجَباً عن شيء، ولو سلم إطلاق اسم الذات عليه لكن هذا القدر لا يثبت لكم إثبات المعنى الموجب لكون الجسم كائناً.
لا يقال: لو كانت ذاتاً لقبلت الاتصاف بالصفات.
لأنّا نقول: لا نسلّم أنّها لا تقبل الصفات، فانّها توصف بالحسن والقبح وبكونها ثابتة للجسم. ولا نسلم أنّه ليس في الذوات ما يساوي الصفات في عدم قبول الصفات.
والقياس على الكلام باطل، فانّا لا نسلّم أنّ الكلام ـ الذي هو الأصل1ـ ذات يصحّ أن يحدث على ما زعمتم أنّ الذات إذا حدثت ثبتت له صفة الوجود، بخلاف الصفة إذا تجددت فانّه لا تثبت لها صفة الوجود.
لا يقال: الدليل لا يفتقر إلى أن يثبت للصوت معنى وذاتاً; لأنّ لنا أن نقول: إن كان الصوت صفة فانّه لا يقدر على جعله على حكم الخبر إلاّ من قدر على تجديده، والعلّة في ذلك انّه قدر على تجديد الأصل فلذلك قدر على تجديد الفرع. ولأنّه لو كان صفة فإمّا للذات وهو محال، وإلاّ لم يتجدد بحسب أحوال الفاعل، ولو وجب اشتراك الأجسام كلّها فيها فسمع جميعها2، وإمّا للفاعل فكان لم يجز أن يتناول الإدراك للذات عليها ، لأنّ الإدراك يتناول الشيء على

1 . هكذا عبّر عنه النيسابوري، حيث قال:«و الأصل المردود إليه دلالتنا كلام الغير...» التوحيد:31.
2 . لأنّ الصوت لو كان جسماً لوجب أن يكون مثلاً لسائر الأجسام، لأنّ الأجسام كلّها متماثلة، ولوكانت كذلك لوجب أن تكون الأجسام كلها مسموعة، لأنّ تماثلها يقتضي إشتراكها في الصفة الأخص التي فيها الخلاف والوفاق. راجع المصدر نفسه:42.

صفحه 272
أخص صفاته، لأنّه طريق إلى تمييز الأجناس بعضها من بعض، فلو تناول ما لا تتميز الأجناس به لم يكن طريقاً إلى تميزها.
لأنّا نقول:
أمّا الأوّل: فباطل، لأنّ شرط القياس وردّ الفرع إلى الأصل في الحكم المساواة في إثبات الحكم، وإذا كان الحكم المطلوب في الفرع غير الحكم الثابت في الأصل لم يمكن ردّذلك إليه. ومن قدر أن يثبت حكماً فيخبر فلو قدر على نفس الخبر الذي هو صفة لا يلزم فيمن قدر أن يجعل الذات على صفة أن يقدر على إحداث الذات قياساً عليه، فإنّ إثبات الصفة غير إمكان إحداث الذات، خصوصاً عليقولكم القدرة لا تتعلق على تجدد الصفة، فانّ القادر لا يتعدى طريقه الاحداث وإنّما يتعلّق بالاحداث، فإذا اختلف المتعلّق جاز أن يختلف ما يتعلّقبه.
و أمّا الثاني: فانّا لا نسلم أنّه لو كانت صفة وكانت بالفاعل لم يصحّ أن يتعلق الإدراك به.
قولكم:«الإدراك يتعلق بأخص الصفات ليكون طريقاً إلى التمييز».
قلنا: إن كان شرط1 تمييز الشيء بالإدراك أن يتعلّق بأخص صفاته على هذا التفسير، فبينوا أوّلاً أنّه ليس بالفاعل حتى يكون طريقاً إلى تمييزه. فلِمَ قلتم بأنّه يلزم أن يكون الإدراك يتعلّق بأخص صفاته حتى يكون طريقاً إلى تمييزه؟
سلّمنا أنّ الصوت ذات، لكن قياس الفرع على الأصل لأجل إثبات ما ثبت في الأصل في الفرع للعلّة الجامعة يقتضي كون الحكم في الأصل معلوماً بالعلّة التي بها ثبت الحكم، وأن تعلم العلّة في الفرع حتى يمكن تعدية الحكم إليه، وكلّ ذلك

1 . ق: «من» بدل «شرط».

صفحه 273
غير معلوم عندكم، فإنّ كلّ هذه صفات، فإنّ كون الكلام خبراً وحدوثه صفةًو كون الجسم كائناً صفةٌو ما يلزم من ذلك وهو القدرة على إحداث الذات أو إثبات سائر الصفات كلّها صفات، فإذا لم تكن الصفة معلومة عندكم لم يعلم الدليل فكيف يعلم المدلول؟
لا يقال: الصفة وإن لم تكن معلومة لكن الذات مع الصفة تكون معلومة.1
لأنّا نقول: «قولكم الذات مع الصفة مجمل»و نحن نقسم فصول الدليل الدالّ على الحكم، إمّا أن يكون هو الذات وحده وليست بدليل، لأنّه ليس هو الذي يتحدد بالفاعل عندكم. وإمّا الصفة وحدها وليست معلومة عندكم خصوصاً من يجعل الصفة ليست زائدة على الذات. وإمّا المجموع ويلزم منه أن تكون الصفة معلومة، لأنّ العلم بالمركّب يستلزم كون كلّ جزء من أجزائه معلوماً.
سلّمنا، لكن نمنع ثبوت الحكم في الأصل، فانّا نمنع أنّ كون الكلام خبراً أو أمراً صفة راجعة إلى الكلام حتى يصحّ أن يقال: إنّ قدرتنا على صفة الكلام توجب قدرتنا على أصل الكلام; فانّ الخبرية والأمرية وغيرهما لو كانت صفات، لم تعم لكلّ واحد من آحاد الحروف، ولا لواحد منها، وإلاّ لكان الحرف الواحد خبراً أو أمراً أو نهياً، وهو محال. ولا لمجموع الحروف، وإلاّ لزم إنقسام الخبرية والأمرية2، ولأنّه لا وجود لمجموع الحروف.
لا يقال: صيغة الخبر في الصدق والكذب واحدة، وإذا كان صدقاً تعلّق به المدح، وإذا كان كذباً تعلّق به الذم، فدلّ على الزائد.
لأنّا نقول: جاز أن يرجع بذلك إلى مجرّد إيقاع الصيغة لغرض مخصوص،

1 . هذا هو الاعتراض المشهور عندهم. مناهج اليقين:55.
2 . لانقسام المحل. مناهج اليقين:55

صفحه 274
ويكون لأجل اختلاف الغرض والدواعي تختلف الأحكام.
سلّمنا أنّ الخبرية وجه يقع عليه الخبر، لكن لِمَ قلتم: إنّه يثبت بالقادر، فانّ القادر لا يتعدى طريقه الاحداث وصفة الخبر غير صفة الحدوث؟
سلّمنا أنّه يثبت بالقادر ولكن ابتداءً أو بواسطة؟ع م.1
بيانه: أنّ كونه خبراً وإن كان يثبت بالقادر لكن بواسطة كونه مريداً، ومن قدر على بعض الإرادات قدر على الجميع فلذلك وجب فيمن قدر أن يجعل الكلام على صفة كونه خبراً عن زيد أن يقدر على أن يجعله خبراً عن غيره، لأنّ ذلك يحصل باقتران الإرادة وأي إرادة قرنها به صار على صفة أُخرى، بخلاف المتنازع من كون الجسم كائناً وكونه على سائر الصفات فإنّ ذلك لا يثبت بالإرادة حتى إذا رام كونه على تلك الصفة لا يحصل ذلك بإرادته، ولو لزم ذلك فيمن يثبت للذات صفة بواسطة أن يقدر على تلك الذات للزم إذا تجدد له صفة كونه مدركاً أو كونه مريداً بأي صفة كان أن تصير ذاته تعالى مقدورة.
سلّمنا أنّه يقدر على ذلك بدون واسطة، لكن لا نسلّم أنّه يمكن أن يجعل القدرة على أحد الأمرين علّة للقدرة على الآخر، فانّه لا يخلو إمّا أن تكون القدرة على جعله خبراً هي القدرة على الذات وعلى سائر الصفات أو غيرها، فإن كان الأوّل وهو الأقرب لمذهبهم أنّ القدرة تتعلّق بالضدّين، فنقول: كيف يمكن أن يجعل تعلّق القدرة على أحدهما علّة للتعلّق على الآخر، فانّه ليس أولى من العكس؟ وكذا إن كان الثاني، فانّه كيف يمكن جعل إحدى القدرتين علّة لوجود التأثير؟
سلّمنا أنّه يمكن جعل أحدهما علّة، لكن لِمَ قلتم: إنّ صحّة اقتدارنا على

1 . لعلّ المراد من ع انّ الأول (ابتداءً ) ممنوع ، ومن م أنّ الثاني (بواسطة) مسلم.

صفحه 275
صفة الكلام علّة إقتدارنا على ذات الكلام؟ بل الأمر بالعكس، فانّ الذات أصل للصفات فجعل الاقتدار على الأصل علّة الاقتدار على الفرع.
سلّمنا، لكن ما دليل ثبوت هذه العلّة.
قوله:«متى قدرنا على جعله خبراً قدرنا على ذاته وإذا لم نقدر على جعله خبراً لم نقدر على ذاته».
قلنا: الدوران لا يدل على العلية، فانّه يجوز أن يقترن مع الشيء الذي دار معه الحكم أمر آخر هو العلّة .
أجابوا بأُمور أربعة:
الأوّل: أنّه لا طريق إلى ذلك المقارن فوجب نفيه.
الثاني: أنّا متى علمنا هذا الشيء علمنا هذا الحكم وإن لم نعلم شيئاً آخر، ولو لم نعلم هذا الشيء لم نعلم الحكم وإن علمنا شيئاً آخر.
الثالث: أنّه لو جاز ذلك جاز اسناد التحرك إلى غير الحركة وإن كانت تدور معها وجوداً وعدماً وذلك يقدح في باب التعليل ويفتح باب الشكّ في العلل والمعلولات.
الرابع: أنّ ذلك المقارن إن أمكن انفكاكه عن هذا الشيء، أو أمكن انفكاك هذا الشيء عن ذلك المقارن لم يكن الحكم دائراً معه وجوداً وعدماً، وإن لم يمكن إنفكاك المقارن عن الشيء ولا إنفكاك هذا الشيء عن المقارن فحيث حصل ذلك الشيء حصل ذلك المقارن علّة لذلك الحكم، وذلك يفيد ما هو المطلوب.
والاعتراض من حيث الإجمال ومن حيث التفصيل.
أمّا الإجمال فلوجوه:
الأوّل: تعليل الحكم بعلتين مختلفتين إن لم يكن جائزاً كان الإنعكاس في

صفحه 276
العلل واجباً وإذا كان كذلك دار المعلول مع العلّة والعلّة مع المعلول وجوداً وعدماً، فلم يكن جعل أحدهما علّة أولى من العكس. وإن جاز لم يكن الإنعكاس في العلل واجباً، فلا يمكن توقيف معرفة علّية العلّة بالطرد والعكس.
الثاني: الحكم كما يدور مع العلّة كذا يدور مع الشرط وليس بعلّة.
الثالث: يجوز أن يكون حكمان لعلّة واحدة فيتلازمان وجوداً وعدماً، فلا يكون أحدهما علّة.
وأمّا التفصيل:
فقوله في المقارن:«لا دليل عليه فيجب نفيه»، سيأتي بطلانه.
قوله:«متى علمنا هذه الوجوه علمنا هذا الحكم وإن لم نعلم شيئاً آخر، ومتى لم نعلم هذه الوجوه لم نعلم الحكم وإن علمنا سائر الأشياء».
قلنا: يبطل بالأُمور العادية، فانّ كثيراً من العاديات نعلمها عندما نعلم شيئاً آخر وإذا لم نعلمه لم نعلم ذلك، كما إذا علمنا تغير الفصول من الصيف إلى الشتاء علمنا تغير الهواء، ونعلم الشبع الذي عند تناول الطعام والشراب. والإضافتان متى علم إحداهما علمت الأُخرى وليس البعض علّة للبعض.
قوله:«إذا علمنا أشياء أُخر لم نعلم الحكم».
قلنا: لأنّا لا نعلم كونها عللاً وتجويز اسناد المحركية إلى غير الحركة لازم على القائلين بالمعاني مع الفرق فإنّا نعني بالحركة الشيء الذي تلزمه المتحركية. فإن قلتم بأنّه تحصل المتحركية بدون الحركة فكأنّكم قلتم: إنّه يكون المؤثر في المتحركية غير المؤثر في المحركية، وهو محال.
قوله: «المقارن مع الشيء إمّا أن يتلازما أو لا ».

صفحه 277
قلنا: يتلازمان كالعاديّات، أو إن كان تلازمهما حقيقياً، لكنّه يقتصر على محل الأصل دون سائر المحالّ بأن يكون ذلك المقارن الذي هو العلّة هو ما به امتاز الأصل عن الفرع، أو يكون جزءاً منها فلا يتعدى الحكم محل الأصل، أو يكون ذلك المقارن مع ذلك الشيء معلولي علّة واحدة، فانّهما يتلازمان إذا صدرا عن تلك العلّة، فإذا كان علّة أُخرى جاز أن يصدر عنها أحدهما دون الآخر فيوجد ذلك الوصف الذي هو العلة بدون ذلك الشيء فيثبت ذلك الحكم ويوجد هذا الشيء بدون ذلك الوصف، فلا يميز ذلك الحكم.
سلّمنا دلالة الدوران على العلية، لكن ثبوته ممنوع.
قوله:«إذا لم يقدر على جعل كلام غيره خبراً لم يقدر على إيجاده».
قلنا : لم قلتم : إنّه لا يحدث شيء آخر بحال الحكم عليه؟
بيانه: أنّ كلام غيرنا مقدور غيرنا فلا يكون مقدوراً لنا، لاستحالة تعلق القادرَيْن بمقدور واحد عندكم.وأيضاً لا يقدر على الكلام ابتداءً، بل بواسطة الآلات كاللسان واللهوات، وإنّما يقدر على أن يفعل الكلام بهذه الآلات إذا كانت متصلة بنا. أمّا لو قلنا: نفعل الكلام في غيرنا كان ذلك اختراعاً للفعل وهو غير مقدور للبشر.
سلّمنا أنّه لا معنى سوى ما ذكرتم، وأنّ العلّة في وجوب اقتداره على ذات الكلام إقتداره على جعله على صفة الخبر، لكن لِمَ قلتم: بأنّه يلزم فعله في الجسم إذا قدر على كونه كائناً؟
قوله: «لأنّ العلّة تجمعهما».
قلنا: لا نسلّم.
بيانه: أنّ ذات الكلام وصفات الكلام غير ذات الجسم وغير صفاته التي هي كونه حياً قادراً أسود أبيض،و من الجائز أن تكون بعض الصفات مقدورة

صفحه 278
للقديم وبعضها لا تكون، فانّكم قلتم: إنّ القدرة إذا تعلّقت على الذات يلزم أن تتعلّق بسائر الذوات ولكن بشرط أن تكون تلك الذوات من مقدورات البدن، حتى قلتم بأنّه لا يقدر على الأكوان وإن قدر على الأكوان، بل قلتم: إنّ المقدورات من جنس واحد بعضها يتعلّق بها، فإذن الذات وبعضها تتعلّق به القدرة، فإذا شرطتم في تعلّق القدرة على المقدورات أن يصحّ أن يتعلّق بهما1ثمّ يتعلّق به، فلِمَ لم تشترطوا ذلك في الصفات؟ ولهذا لم يلزم من ذلك أن يقدر على صفات الأجناس لما لم تتعلق بها القدرة، كذا هنا.
سلّمنا أنّه يلزم من قدرته على الصفة قدرته على سائر الصفات، لكن على ما تساوى تلك الصفة من الصفات، أو على ما يخالفها ؟م ع.2و إذا كان كذلك من أين يلزم إذا قدر على كونه كائناً أن يقدر على كونه حياً قادراً وهي غير متماثلة؟ فإنّ كونه كائناً يرجع إلى الاجزاء وكونه حياً قادراً عالماً يرجع إلى الجمل، فلِمَ قلتم: إنّ من قدر على أن يجعل الجسم على صفة يرجع إلى الأجزاء يلزم أن يقدر على أن يجعله على صفات ترجع إلى الجملة لا إلى الأجزاء؟
سلّمنا أنّه يلزم أن يقدر على جميع الصفات وعلى نفس الذات ولكن متى إذا قدر على أن يجعل الذات على صفة تكون تلك الصفة وجهاً تقع الذات عليها أو مطلقاً؟ م ع.3
بيانه: أنّ صفة كون الكلام خبراً وجه يقع الكلام عليه حال حدوثه فلا جرم من قدر على إيقاعه على ذلك الوجه قدر على إحداثه. أمّا الكائنية فليست وجهاً لأن يقع الجوهر عليه إلاّ حال حدوثه، فلِمَ قلتم بأنّه يلزم من الاقتدار عليها الاقتدار على أصل الجوهر؟

1 . ج:«بها».
2 . لعلّ المراد أنّ الأوّل مسلّم، والثاني ممنوع.
3 . لعلّ المراد أنّ الأوّل مسلّم، والثاني ممنوع.

صفحه 279
سلّمنا أنّه لابدّ من توسط المعنى، فلِمَ لا يجوز أن يكون هو الاعتماد؟فانّه معنى أثبتموه.
الوجه الثاني:1 الثقيل والخفيف سواء في صحّة تحريكهما; لأنّ المصحح لذلك غيرهما وقد اشتركا فيه وحال القادر معهما على السواء، فلو كان مقدوره هو التحريك فقط لما يقدر عليه تحريك الثقيل دون الخفيف ولما شقّ عليه أحدهما دون الآخر، فوجب أن يكون قادراً على معان تكثر وتقل، والثقيل يحتاج في تحريكه إلى معان كثيرة لا تفي قدرة الضعيف بها والخفيف لا يحتاج.
والاعتراض: سلّمنا استواء الثقيل والخفيف في صحّة تحريكهما والقادر معهما على السواء، فلابدّ في ثقل الثقيل من زائد في إيجاد القادر، فلِمَ قلتم: إنّه المعنى الذي أثبتموه؟
لا يقال: ذلك الزائد إمّا ذات وهو قولنا، أو صفة فلا يصحّ فيه التزايد إلاّ بواسطة المعاني، كالأسود إذا زاد سواده، فلابدّمن كثرة السواد.
لأنّا نقول: يكون الزائد واقعاً في الصفات.
قوله: «لا يعقل إلاّ بتزايد المعاني».
قلنا: الزائد في الصفات إن كان مستحيلاً في ذاته استحال أن يثبت بسبب من الأسباب وإن لم يكن مستحيلاً وقع الشكّ في أنّ الزائد في الصفات والمعاني، فلابدّ عند ذلك من دليل زائد على أنّ ذلك معنى.
سلّمنا أنّه لابدّ من معنى، فلِمَ لا يكون الاعتماد لا الكون؟ فانّ رفع الثقيل يحتاج إلى مدافعات أكثر ممّا يحتاج إليه الخفيف حتى تزيد على مدافعات الثقيل إلى أسفل. وبالاتّفاق الثقيل ليس ينتقل إلى العلو بالأكوان، بل بالمحادثات.

1 . من الوجوه التي استدل بها أبو هاشم لإثبات المعنى. راجع المحيط بالتكليف :48; التوحيد:47.

صفحه 280
ثمّ نقول: قولكم بالأكوان الكثيرة محال; لأنها توجب كائنات كثيرة فيزداد كون الجسم كائناً في الجهة، وأنّه محال; لأنّ معنى كونه كائناً في الجهة هو كونه شاغلاً لها والشغل لا يعقل فيه التزايد.
الوجه الثالث1: صفة الكائنية يصحّ فيها التزايد وما يصحّ فيه التزايد لا يكون بالفاعل.2 أمّا الصغرى فلوجهين:
الأوّل: القوي إذا وضع يده على جسم واستفرغ جُهدَه في تسكينه لم يقدر الضعيف على تحريكه، ومتى لم يستفرغ جهده في تسكينه أمكنه تحريكه، فعلمنا أنّه رام في الأوّل أزيد ممّا رامه في الثاني.
الثاني: الجزء الواحد إذا التصق بكفيّ قادرين فدفعه أحدُهما حال جذب الآخر فانّه يتحرك بهما، وليس فعلهما واحداً لاستحالة مقدور بين قادرين.
وأمّا الكبرى فلوجهين:
الأوّل: الفاعل كالعلّة3 وكما لا تؤثر العلّة في أزيد من صفة واحدة، كذا الفاعل.
الثاني: الوجود لمّا كان بالفاعل امتنع فيه التزايد، فكذا هنا.
والاعتراض: قوله: «صفة الكائنية يصحّ فيها التزايد».
قلنا: الضرورة تبطل ذلك، فانّ الكائنية هي الحصول في الحيز وقد يعبر عنه بكونه محاذياً لجسم الآخر ومن المعلوم بالضرورة أنّ كون الجسم محاذياً لآخر أو في الجهة ممّا لا يصحّ فيه التزايد.

1 . من الوجوه التي استدل بها أبو هاشم لإثبات المعنى.
2 . قال النيسابوري:«و الصفات المتزايدة لا بدّمن أن تكون مستندة إلى علل متزايدة ولا يجوز أن تستند إلى فاعل». التوحيد:77.
3 . في كونه مؤثراً.

صفحه 281
وليس إمتناع تحريك الضعيف ما يسكنه القوي لزيادة صفة الكائنية، بل لمعنى آخر وهو تزايد الاعتماد والمدافعة، كما يمتنع عليه نقل الحجر لما فيه من الاعتماد لا من الكون، لأنّ الكون الباقي لا حظ له في ا لمنع عندهم.
ولا نسلّم إمتناع مقدور بقادرين على ما يأتي.
ولا نسلّم أنّ الفاعل كالعلّة.
ولا نسلّم أنّ الوجود صفة وأنّها زائدة على الذات، بل هو نفس الذات. وتزايد الشيء الواحد مع أنّه واحد محال سواء كان بالفاعل أو بالعلّة، إلاّ إذا أُريد بتزايد الذات أن تصير معها في الوجود ذات أُخرى، وذلك جائز، وهو بالفاعل.1
سلّمنا زيادة الوجود، فلِمَ قلتم: إنّه لا يتزايد؟
اعتذروا بوجهين:
الأوّل: لو تزايد الوجود لصحّ أن تحصل صفتا وجود بقادرين، وفي ذلك كونُ مقدور بقادرين.
الثاني: لو صحّ تزايد الوجود لصحّ من القادر أن يُجدّد للفعل حال البقاء صفة وجود.
و هما ضعيفان.
أمّا الأوّل: فلاستلزامه الدور، لأنّهم ربما يعلمون استحالة كون مقدور بقادرين بعد أن يعلموا أنّه لا تزايد في صفة الوجود، فإن جعلتم الطريق إلى نفي التزايد استحالة كون مقدور من قادرين دار.
لا يقال: نبين استحالة مقدور من قادرين ما لا يتوقف على نفي تزايد

1 . وهذا لا يمكنهم إقامة برهان عليه أكثر من الدوران الضعيف. مناهج اليقين: 55.

صفحه 282
الوجود، فنقول: لو تعلّق قادران بمقدور واحد بأن يجددا له صفة وجود صحّ من أحدهما أن يوجده دون الثاني، فيكون ذلك الشيء موجوداً ومعدوماً دفعة.
لأنّا نقول: إن أردتم بكونه معدوماً موجوداً أن تحصل له صفة وجود ولا يحصل له ما زاد عليها، فمسلّم .و إن أردتم أن لا تكون له صفة وجود أصلاً، فكيف يلزم ذلك وقد فرضتم له صفة الوجود؟
سلّمنا، لكن لِـمَ لا يجوز أن يتزايد الوجود بقادر واحد ويمتنع تزايده بقادرين؟و إلاّ لزم ما ذكرتم من وقوع مقدور بقادرين.
وأمّا الثاني: فلِمَ لا يتجدد وجود حالة البقاء؟
لا يقال: لوجهين:
الأوّل: لو صحّ ذلك لصحّ منا.
الثاني: يكون باقياً مبتداءً، وهو محال.
لأنّا نجيب عن الأوّل: بأنّ الواحد منّا لا يوجد ذاتاً، وهل النزاع إلاّ فيه؟ لأنّ أفعالنا في الشاهد، أمّا الأكوان وهي صفات وأنتم لا تثبتون للصفات صفة وجود، وأمّا غيرها نحو أفعال القلوب والاعتماد والتأليف والصوت وهي أيضاً صفات وغير باقية، فكيف تثبت لها صفةٌ في البقاء؟
سلّمنا، فلِمَ لا يجدد الواحد منّا صفة الوجود؟ فانّ القوي إذا استفرغ جهده لإمساك جسم في محاذاة يجوز أن يجدد للكون فيه صفات الوجود بدلاً من قولكم إنّه يجدد فيه ذوات الأكوان.
وعن الثاني: إن عنيتم بكونه باقياً مبتداءً، أنّه لم يكن له وجود من قبل مع الفرض بأنّه كان موجوداً من قبل، فهو متناقض. وإن أردتم أنّه تتجدد له صفة بعد ثبوت أُخرى من قَبلُ، فهو المتنازع. وأنتم قد جوزتم فيما كان مستمر الحصول

صفحه 283
في الجهة أن يتجدد له حصول فيكون مستمراً متجدداً، فجاز مثله هنا.
سلّمنا استحالة التزايد في الوجود، فلِمَ قلتم: إنّ العلّة فيه كونه بالفاعل؟ ولِـمَ لا يكون الوجود هو العلّة في امتناع التزايد فيه أو جزء العلّة أو شرطها؟
لا يقال: هذا يبطل بصفات الأجناس فانّها ليست بصفة وجود ولا يصحّ فيه التزايد.
لأنّا نقول: هذا عكس العلّة وهو غير مبطل للعلّة وهو مبطل لتعليلكم أيضاً، لأنّ صفات الأجناس لا يصحّ فيها التزايد وليست عندكم بالفاعل.
الوجه الرابع:1 كل ما يكون بالفاعل ممّا هو زائد على الوجود لا يتجدد في حال البقاء، والكائنية تتجدد في حال البقاء، فلا تكون بالفاعل.
أمّا الصغرى فلوجوه:
الأوّل: لمّا كان الحسن والقبح بالفاعل لم يتجددا بالفاعل حال البقاء، ولا علّة لذلك إلاّ انّهما بالفاعل وكلّ2 ما هو بالفاعل لا يتجدد في حال البقاء.
الثاني: الصوت وغيره إذا عدم لم يصحّ أن يحصل على وجه، ولا علّة لذلك إلاّ امتناع الحدوث عليه في حال عدمه وهذا قائم حال البقاء.
الثالث: الواحد منّا لا يصحّ منه أن يجعل كلام غيره خبراً ويصحّ أن يجعل كلام نفسه، ولا فرق إلاّ أنّ كلام غيره لم يحدث منه وكلامه حدث منه فيجب أن تكون الصفات الزائدة على الحدوث إذا كانت بالفاعل تختص حالة الحدوث.
وأمّا الكبرى فظاهرة.
و الاعتراض: إن عنيتم بالحسن والقبح نفس الاستحقاق للمدح والذم

1 . من الوجوه التي استدل بها أبو هاشم لإثبات المعنى.
2 . ج: «فكلّ».

صفحه 284
منعنا أنّه بالفاعل; لأنّ ما بالفاعل يمكنه أن لا يفعله فكان يلزم صحّة أن يقدر القادر على فعل القبيح وإن لم يفعل كونه مستحقاً للذم، وهو باطل.و إن عنيتم به الوجه الذي لأجله يثبت الاستحقاق، وهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون كذلك لما يرجع إليه، وهو على ضربين أيضاً:
أ.أن لا يعين1 فيه إلاّ ما يرجع إليه نحو كون الجهل جهلاً2، فانّ ذلك عندهم ليس بالفاعل فانّ ذلك من صفات جنسه. وعندنا أنّ ذات الجهل يكون ذاتاً بالفاعل فمتى تجدد كونه ذاتاً وجهلاً فقد تجدد حدوثها، وليس تجدد كونها جهلاً سوى حدوثها.
ب. أن تعين3 فيه أُمور عدمية نحو كون الألم من غير جناية سابقة أو منفعة لاحقة، فأمّا كون الألم ألماً فذلك صفة جنسه، وأمّا عدم الجناية والعوض فذلك أُمور عدمية وذلك لا يمكن أن يكون بالفاعل.
وأمّا الثاني: وهو الذي يقبح لا لما يعود إلى الفعل بل لما يرجع إلى غرض الفاعل، كالسجود للصنم، فانّ جهة القبح كون هذا السجود أوجده الفاعل لأجل الصنم، ومعناه أنّ غرض الفاعل في ذلك كان تعظيم الصنم ولا يفعل سوى ذلك.
فإن ادعيتم غيره فبيّنوه وأثبتوه بالدليل وكان غير معلل بالفاعل. فثبت أنّ وجه القبح غير معلل بالفاعل، فلا يمكن قياس الكائنية عليه.
سلّمنا أنّ وجه القبح صفة للفعل، ولكن لِمَ قلتم: إنّها بالفاعل وأنّ ذلك ليس لكونه مريداً، وإذا كان كذلك لم يمكن نسبة الكائنية التي هي بالفاعل ولا

1 . نهاية العقول:«يعتبر».
2 . نهاية العقول: «الاعتقاد جهلاً».
3 . نهاية العقول:« تعتبر».

صفحه 285
قياسها عليه؟
لا يقال: إذا حصل بالفاعل وإن كان لكونه مريداً صحّ القياس عليه.
لأنّا نقول: لا نسلّم أنّه إن كان يحصل بكون الفاعل مريداً صحّ قياس الكائنية عليه للفرق، فإنّ الإرادة إنّما تتعلّق بالفعل حال الحدوث دون حال البقاء، وإنّما امتنع إثبات صفة القبح للفعل حال البقاء لامتناع المؤثر وهو تعلّق إرادة الاحداث. ثمّ على وجه القبح فأشبه تأثيره تأثيرَ العلل، فوجب أن يختصّ به نهاية ما يمكن من الاختصاص، وللفعل بالفاعل في حال حدوثه من الاختصاص ما ليس له حال البقاء. ألا ترى أنّه بهذا التعلّق والاختصاص اختص المنع بحال الحدوث دون حال البقاء، وإذا كان للفعل حالة الحدوث هذه الزيادة من الاختصاص جاز أن يكون ذلك شرطاً لتعلّق الإرادة وإيجابها لوجه القبح، وليس كذلك حال البقاء. ألا ترى أنّه قد انقطع عن الفاعل بخلاف صفة الكائنية فانّها ليست موجَبة عن صفة من صفات القادر، بل هي حاصلة بالفاعل لكونه واحداً.
سلّمنا أنّ صفة القبح بالفاعل من حيث كونه قادراً، ولكن لِمَ قلتم بأنّه إنّما اختص إحداثها له بحال الحدوث من حيث إنّها كانت بالفاعل؟
لا يقال: هذا الحكم دار معه وجوداً وعدماً فانّ هذا لما كان بالفاعل اختص بحال الحدوث، ولمّا لم يكن بالفاعل بل بالمعنى لم يختص به.
لأنّا نقول: الدوران ضعيف.وأيضاً لِمَ قلتم: بأنّه قد ثبت صفة بالمعنى حتى يقال بأنّها لمّا كانت بالمعنى صحّ ثبوتها حال البقاء، وإن كان الكلام فيه؟ وأيضاً لِمَ قلتم: إنّه لا معنى غير ما ذكرتم يكون هو العلّة، بل هنا وجه آخر.
بيانه: أنّ كون القبح كيفية في الحدوث فانّه وجه يقع عليه الحدوث، فانّ المستحق للذم يستحقّ الذم لأنّه أحدث القبيح على ذلك الوجه، ومعلوم أنّ الحدوث وابتداء الوجود يتعذر حال البقاء فلهذا تعذر تحديد وجه القبح، ولو

صفحه 286
قدرنا إثبات الوجه بالعلّة فانّه يتعذر ذلك كما يتعذر بالفاعل، بخلاف الكائنية فانّها ليست كيفية في الحدوث فصحّ إثباتها للجسم بالفاعل في حالة البقاء كما صحّ إثباتها له عندكم بالمعنى.

صفحه 287

البحث الثالث

في التماثل والاختلاف في الأكوان1

اعلم انّا قد بيّنا أنّ الحق نفي هذا المعنى الذي أثبته أبو هاشم، لكنّا نبحث في فروع مبنية على إثباته على مذهبهم، فنقول: ذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أنّ الأكوان منها متماثلة ومنها مختلفة، والمختلف منها متضاد.
ثمّ اختلف الشيخان، فقال أبو هاشم2: الكونان المتماثلان هما اللذان يختصان بمحاذاة واحدة سواء كانا حركة أو سكوناً وسواء اتحد المحلّ أو تغاير، ولا يؤثر في تماثله أن يكون مرّة حركة يمنةً والآخر حركة يسرة، فانّ الواحد إذا مشى في جهة ثمّ رجع إلى ما ابتدأ منه كانت الأكوان الصادرة منه أوّلاً متماثلة للصادرة عنه ثانياً، لأنّ تحركه في الحالين في محاذاة واحدة. وأمّا الأكوان المتضادة فهي التي لا تختص بمحاذاة واحدة.
و بنَوا ذلك على مقدمة هي: أنّ التماثل في المعلولات يستدعي تماثل العلل، وهو باطل.

1 . راجع التوحيد للنيسابوري:133; نقد المحصل:151; مناهج اليقين:61.
2 . قال النيسابوري:«إن ّ على مذهب الشيخ أبي هاشم فإنّ تماثل الأكوان واختلافها إنّما يكون باتحاد الجهات وتغايرها. فكلّ كونين حصلا في محاذاة واحدة فهما مثلان، سواء كانا حركتين أو سكونين أو كان أحدهما حركة والآخر سكوناً. وكلّ كونين حصلا في محاذاتين فهما مختلفان». التوحيد: 132ـ133.

صفحه 288
وقال أبو علي: قد يجوز في الموجود في جهة واحدة أن يشتمل على المتماثل والمتضاد، لما اعتبر في ذلك بكونها حركة أو سكوناً فأثبت التضاد بينهما على كلّ حال.و هو مذهب أبي القاسم الكعبي، لكنّه اختص بإيجاب الخلاف بالقبح والحسن فجعل ا لقبيح من الحركات مخالفاً للحسن.و هو خطأ، لأنّ الحسن والقبح قد يشتمل عليهما النوع الواحد، والتماثل والاختلاف يثبتان لما عليه الشيء في ذاته.
وقال أبو يعقوب: لا تضاد في الأكوان أصلاً، بل تختلف وتتماثل من غير تضاد.
وعند جماعة من الأشاعرة كالقاضي أبي بكر وغيره من القائلين بأنّ المماسة ليست كوناً قائماً بالجوهر: أنّ الأكوان كلّها متضادة، لأنّها إن اقتضت الحصول في حيز واحد كانا مثلين فكانا متضادين، وإن اقتضت الحصول لا في حيز واحد فلا شكّ في تضادها1، وقد تتعاقب وقد تمتنع، وهو بعينه كلام المعتزلة، لكن الفرق بينهما إمكان اجتماع الأمثال، فالمعتزلة جوزوه والأشاعرة منعوه فلهذا حكموا بأنّ المثلين ضدّان، لأنّ الضدّين عندهم هما اللّذان يمتنع إجتماعهما.
وإن قيل: المختلفان اللّذان لا يمكن اجتماعهما، خرج المثلان. وإن زيد فيه: ويصحّ تعاقبهما على محل واحد، لم تكن جميع المختلفات من الأكوان متضادة.
والمشهور عند المتكلّمين الأخير والحكماء زادوا قيداً آخر وهو أن يكون

1 . إنّ الكونين إن أوجبا تخصيص الجوهر بحيز واحد فهما متماثلان، فلا يجتمعان كالحصول الأوّل والثاني في حيز واحد، لأنّ كلاً منهما يسدّ مسدّ الآخر في تخصيص الجوهر بذلك الحيز. وإن أوجب كلّ منهما تخصيصه بحيز آخر فمتضادان ضرورة إمتناع إجتماع حصول الجوهرين في آن واحد في حيزين. راجع شرح المقاصد2:402.

صفحه 289
بينهما غاية التباعد فلا يكون ضدّ الواحد إلاّ واحداً.
ومن جوز قيام المماسات بالجوهر الواحد وجعلها إلزاماً لأبي الحسن وأبي إسحاق لم يطلق القول بالتضاد عليهما ، لأنّ المماساة عنده أكوان وليست أضداد لاجتماعها فهي أكوان مختلفة غير متضادة.
احتجّ المشايخ على التماثل أيضاً فيما إذا اتحدت الجهة بأنّها لو كانت مختلفة لافترقت في وجه يوجب الخلاف، والتالي باطل، فالمقدّم مثله. والشرطية ظاهرة.
و بيان بطلان التالي: أنّه لا يمكن الإشارة إلى وجه يوجب المخالفة سوى الأسماء، فيقال في بعضها حركة وفي البعض سكون.و اختلاف العبارة لا يوجب اختلاف الحقيقة، فانّ الحركة تصير سكوناً إذا بقيت والبقاء لا يقلب الجنس، ونفس ما هو سكون قد كان يجوز أن تقع حركة، فانّه تعالى لو قدم خلق الجوهر في مكان لصحّ أن ينتقل بهذا الكون إلى هذا المكان فتكون حركة وإن كان الآن سكوناً.
قال أبو علي: لو كانت الحركة في جهة والسكون فيها مثلين وجب صحّة اجتماعهما.وأبو هاشم التزم به، لكن عند الاجتماع تخرج الحركة عن أن تسمى بذلك، من حيث إنّ هذه التسمية تقتضي أن ينتقل بها إلى مكان سواه وقد بيّنا أنّ نفس ما هو حركة يصير سكوناً بالبقاء، ونفس ما هو سكون قد كان يصحّ أن يوجد حركة على ضرب من التقدير، فأمّا في الوجود فالسكون محال أن يصير حركة من بعد، لأنّه يقتضي قلب جنسه من حيث إنّ أخص ما عليه هوإيجابه لكون الجوهر كائناً في هذه المحاذاة فلو اقتضى انتقال الجوهر لانقلب جنسه. وعلى التضاد فيما إذا خرجت الأكوان عن الاختصاص بالجهة الواحدة بالعلم الضروري بامتناع حصول الجوهر الواحد في الوقت الواحد في مكانين، ولا وجه لهذه الاستحالة إلاّ تضاد الكونين اللذين بهما يحصل في الجهتين، فلاستحالة إجتماعهما

صفحه 290
لتضادهما استحال حصوله في الجهتين.
لا يقال: التضاد في الحقيقة لا يثبت إلاّ والجهة واحدة وإلاّ لكان تضاداً في الجنس وهو يوجب صحّة وجود الجوهر في جهتين.
لأنّا نقول: إذا اتحد المحل تضادا وإن تعددت الجهة على الحقيقة، وإنّما يتضادان في الجنس لوتعدد المحلّ.
لا يقال: هلا كان المحيل لذلك تحيّزه؟
لأنّا نقول: تحيزه يصحح كونه في كلّ واحدة من الجهتين على البدل، وما يصحح أمراً من الأُمور لا يحيله.
لا يقال: التحيز عندكم يصحح في كلّ واحد من الجوهرين أن يحصل في جهة، والتحيز بعينه يحيل اجتماع جوهرين في الجهة الواحدة، فقد صار نفس ما صحح حكماً محيلاً له.
لأنّا نقول: انّا نجعل التحيز محيلاً، لحصوله1 في غيره ولوجوده في جهة لا على وجه الشغل لها، ونجعله مصححاً، لوجوده في الجهة على وجه الشغل لها، فصارت هذ الصفة مصححة لأمر ومحيلة لما سواه. وليس كذلك ما قلتم، لأنّكم جعلتم المصحح لأمر هو المحيل لذلك الأمر بعينه.

1 . «لحصوله» ساقطة في ق، وهو خطأ، وفي هامش نسخة ج:«لحلوله».

صفحه 291

البحث الرابع

في تفاريع التضاد والتماثل

وهي ستة:
الأوّل: قال مشايخ المعتزلة: متماثل الأكوان مختص بحكم من بين سائر المتماثلات ليس إلاّ له وهو استحالة وجوده والوقت واحد في مَحالّ متغايرة.و إنّما يوجد في المحالّ على البدل مع اتحاد الوقت، لاستحالة اجتماع الجواهر المتعددة في مكان واحد. أمّا غيره من المتماثلات فيمكن حصولها في وقت واحد لمحالّ متعددة كسوادين حلاّ جوهرين دفعة. ويختص أيضاً بحكم آخر وهو صحّة وقوع التمانع به1 وذلك معقود في غيره، لأنّه يقع بالأُمور المتضادة أو الجارية مجراها، فانّ الخط المركب من ثلاثة أجزاء لو أراد أحدنا نقل أحد طرفيه إلى الأوسط وأراد القديم تعالى نقل الآخر إليه فمراده هو الواقع وتقع الممانعة لا بنفس الجوهر، بل بالأكوان.
الثاني : متضاد الأكوان إمّا أن تتنافى أو لا، فالأوّل مثل الكون في المكان الثاني فانّه ينفي الكون في المكان الأوّل، والثاني كالكون في المكان الثالث بالنسبة إلى الكون في المكان الأوّل فانّه لا ينفيه، لأنّ نفيه حصل بالكون في المكان الثاني

1 . ق: «فيه».

صفحه 292
وكلّ كون سابق فإنّه لا ينفي غيره من الأكوان.
الثالث: المتضاد من الأكوان إمّا أن يثبت ضداً في الجنس، كالكون في المكان الأوّل مع الكون في الثالث، وإمّا أن يثبت ضداً في الحقيقة وهو أن يردأحدهما على الآخر فينفيه1، كالكون في المكان الثاني مع الكون في الأوّل.2
ولا يكون كذلك إلاّمع اتحاد المحل، فأمّا عند تغايره فهو مثل ما نقولهفي المضادة بين الأكوان على هذين الوجهين.و جملة ذلك على ثلاثة أضرب:
أ. يصحّ فيه طريق البدل أو المعاقبة بأن تكون المحاذاتان قريبتين والكونان من فعل اللّه تعالى مبتداءً، فانّه يصحّ أن يوجد أحدهما بدلاً من الآخر ويعاقب أحدهما صاحبه.
ب. يصحّ فيه التعاقب دون البدل بأن يكون الكونان من فعلنا أو من فعله تعالى متولداً في محاذاتين متجاورتين، فانّ أحدهما يصحّ معاقبته للآخر ولا يجوز وجوده بدلاً منه.
ج. يصحّ فيه البدل دون المعاقبة، ولا يتأتى ذلك إلاّ فيما هو من فعله تعالى خاصة حال حدوث الجوهر في مكانين متباعدين فيصحّ من اللّه تعالى إيجاد

1 . في النسخ:«فيفنيه»، ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
2 . كذا قسّمه النيسابوري، حيث قال:«و المتضاد على ضربين: منه ما يكون متضاداً على الجنس. ومنه ما يكون متضاداً على الحقيقة. فالأوّل: كلّ كونين موجودين في محلين متغايرين، فانّهما متضادان على الجنس، على معنى أنّ من جنسهما ما يجوز أن يطرأ على كلّ واحد منهما فينفيه. والثاني: هو كلّ ما يمتنع وجوده لأجل وجود صاحبه.» ثمّ قسّم الثاني على قسمين وهما الأوّل والثالث المذكورين في المتن. التوحيد: 133.

صفحه 293
الجوهر بالبصرة بدلاً منه ببغداد1 وهما كونان ضدان، والتعاقب بينهما لا يصحّ لامتناع الطفرة. وإنّما استحال منا لامتناع أن يصدر منّا الكون في الأوّل منه في العاشر.2
الرابع: قالوا: إذا صحّ لنا تضاد الحركتين في جهتين بطل قول الفلاسفة: إنّ الجسم يتحرك دفعة واحدة حركتين متضادتين إحداهما بالذات والأُخرى بالعرض3، لأنّه يقتضي حصوله على حالتين متضادتين، كفلك البروج المتحرك بذاته على التوالي وكحركة المحيط على خلاف التوالي، وكذا الكواكب السيارة، وكالمتحرك في السفينة على خلاف حركتها، والنملة المتحركة على الرحى على خلاف جهتها.
وأجابوا بأنّ المتحرك في السفينة إنّما يتحرك حال وقوفها فإذا تحركت وقف. وكذا النملة تتحرك حال سكون الرحى ويسكن حال حركتها.و الأصل فيه أنّ السكنات تتخلل الحركات.
الخامس: ومنعوا من وصف الحركة بالسرعة والبطء4 إلاّ باعتبار تخلل

1 . فإنّ أحد الكونين لو كان قد أوجده اللّه في الجسم حال حدوثه وهو في المكان الأوّل، لكان يصحّ بدلاً منه أن يوجده وهو في المكان العاشر، فقد تأتّى فيه ضرب من التقدير. ولولا امتناع الطفر على الجواهر لكان يصحّ في حال البقاء منه مثل ما صحّ في حال الحدوث. ولولا اختصاص مقدوراتنا بأوقات لتأتّى منّا مثل ما تأتّى منه جلّ وعزّ. المحيط بالتكليف:148. راجع أيضاً ص60; أوائل المقالات:131.
2 . وقال النيسابوري:«إنّ الكون الذي يفعله الواحد منّا في الجسم فانّه يستحيل أن يوجد في المكان الثاني منه الكون المختص بالوقت العاشر.» التوحيد:134.
3 . راجع الفصل السادس من المقالة الرابعة من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء.
4 . راجع أوائل المقالات:130(القول في الحركات هل يكون بعضها أخفّ من بعض؟). وذهب إلى استحالته، وجوزه في المتحرك وقال:«إنّما يصحّ القول في المتحرك بأنّه أخفّ من متحرك غيره وأسرع، ولا يستحيل ذلك في الأجسام. وهذا أيضاً مذهب أبي القاسم وأكثر أهل النظر، ،و قد خالف فيه فريق من الدهريّة وغيرهم». وانظر بحث السرعة والبطء في شرح الإشارات 2:216 وما يليها.

صفحه 294
السكنات، وإنّما يكون مجموع ذلك في مجموع حركات، أمّا الحركة الواحدة فيستحيل عندهم وصفها بالسرعة والبطء، لأنّ كلّ حركة فانّه لا يصحّ أن يقطع بها إلاّ مكان واحد، إذ لو قُطع بها مكانان لصارت على صفة ضدين. وإنّما تسرع الحركة عندهم بخلوها من السكنات أو قلتها. وأبطلوا دوام حركة الكواكب دائماً والفلك دائماً مع سرعة أحدهما وبطء الآخر.و ليس لكثرة الحركات في الجسم تأثير في القطع، ولهذا لو تحرك جسم أوقاتاً بعشر حركات متوالية وتحرك آخر في خمسة أوقات بأُلوف حركات وسكن في خمسة أوقات لكان وصول الأوّل أسرع وإن كانت حركات الآخر أكثر. وليست الحركات ممّا تظهر للحس كأجزاء السواد وإنّما تؤثر كثرة الحركات في قوة المنع.
وقال أبو هاشم: العلّة في سرعة حركة أحد الجسمين وبطء الآخر أنّ أحد الجسمين يكون أثقل من الآخر فتكون الحركة الموجودة عن الثقل أكثر.
وهذا لا يتم على قول من يقول: إنّ كثرة الحركات كقلتها في أنّه لا يقطع بها والوقت واحد إلاّمكاناً واحداً.
السادس: منع المشايخ حركة الجسم على الاستدارة، لأنّ الأجزاء لا يصحّ تحريكها في سمت إلاّ على الحدّ الذي يصحّ ملاقاتها لغيرها، ومتى تحركت دوراً كان هناك من الوجه ما يصغر قدره عن الجزء ولا شيء أصغر من الجزء.

صفحه 295

البحث ا لخامس

في بقاء الأكوان 1

اختلف الشيخان هنا، فقال أبو هاشم: إنّه يصحّ البقاء عليها أيّ شيء منها كان. وقال أبوعلي:لا يجوز بقاء الحركة2، وهو مذهب الكعبي.و أمّا السكون فجوز أبو علي بقاءه إذا كان من فعل القادر منّا ثمّ صادف منعاً أو عجزاً، ومنع جماعة من القائلين ببقاء الأعراض من بقائها. وأمّا الأشاعرة فمذهبهم في ذلك ظاهر فانّهم منعوا من بقاء كلّ الأعراض.
و الدليل على البقاء أنّ الكائن في جهة لا يخرج عن كونه كائناً فيها إلاّعند طرو ضدّ على طريقة واحدة.
وأيضاً إذا تشبّث أحدنا بجسم فمن دونه في القوة لا يتمكن من دفعه فإذا زال يده عنها أمكنه ذلك، فكانت العلّة أنّه في الابتداء كان يجذب السكون حالاً

1 . قال المصنف:«ذهب البصريّون إلى صحّة البقاء على الكون، وكان المرتضيرحمه اللّه يشكّ في بقائه وبقاء كلّ ما يدعون بقاءه من الأعراض. وأبو الهذيل وأبو علي قالا: إنّ الحركة لاتجوز عليها البقاء». مناهج اليقين: 62. راجع أيضاً شرح المواقف6:183(المقصد السابع: في اختلافات للمعتزلة).
2 . راجع التوحيد:132.و كان محمد بن شبيب يزعم انّ الحركات لا تبقى وكذلك السكون لا يبقى. وكان محمد بن عبد الوهاب الجبائي يقول: الحركات كلّها لا تبقى والسكون على ضربين... وقال بشر بن المعتمر: السكون يبقى. مقالات الإسلاميين:359 و360.

صفحه 296
فحالاً والحادث مانع وفي الثاني كف عن فعله فصار ما كان فيه باقياً ولا حظ للباقي في الأكوان في المنع ولولا ذلك لتعذر عليه رفعه في الثاني على حدّ يعذره في الأوّل.
وأيضاً لو لم تكن الأكوان باقية لزم أحد الأمرين وهو إمّا أن يمتنع علينا نقل الأجسام الثقيلة أصلاً أو يتأتى منا نقلها بسهولة، لأنّ القديم عزّوجلّ إن أراد إيجاد السكون فيه حالاً بعد حال فمراده بالحصول أحقّ فكان يمتنع ، وإن كان لا يريد ذلك فيجب أن يتأتى على سهولة، فلما صعب دلّنا هذا على أنّ هناك ما يحتاج إلى إبطاله فهوباق.
احتجّ أبو علي بوجوه:
الوجه الأوّل: الحركة لو بقيت لصارت سكوناً.1
و الجواب :نلتزم ذلك، فانّ الجنس واحد.
لا يقال: الحركة تدرك على خلاف ما يدرك السكون فلو بقيت لاقتضى أن تتغير في الإدراك.
لأنّا نقول: لا نسلّم أنّ الأكوان مدركة.
الوجه الثاني: لو بقي السكون لانقلب الحسن قبيحاً، والتالي باطل لامتناع قلب الحقائق، فالمقدم مثله.
بيان الشرطية: أنّ من أذن لغيره في الجلوس في داره يكون جلوسه حسناً فلو أمره بالخروج فلم يخرج صار ذلك السكون بعينه قبيحاً، أمّا على قولنا بعدم البقاء

1 . أمّا الملازمة، فإذا لا معنى للسكون إلاّ الكون المستمر في حيز واحد والحركة هي الكون في الحيز الأوّل فلو كانت باقية كانت في الزمن الثاني كوناً مستمراً في الحيز الثاني، فيكون عين السكون. راجع شرح المواقف6:183.

صفحه 297
فانّ الجالس يجدد السكون حالاً فحالاً فلذلك يستحقّ الذم.
والجواب: أنّه يستحق الذمّ لأنّه لم يفعل ما وجب عليه من الخروج متى نهاه، والحسن لم ينقلب قبيحاً. وقد يحتاج الجالس في دار غيره إلى تجدد أكوان في نفسه حتى لو لم يفعلها لسقط ممّا فيه من الثقل فيكون النهي والكراهية متناولين لذلك.
الوجه الثالث: لو بقيت الحركة لكانت قطعاً للمكان في حال بقائها ، أو كانت تسمى حركة وهي باقية كما تسمى بذلك إذا كانت حادثة.
والجواب : لا عبرة بالعبارة .وأمّا المعنى فانّها وإن بقيت لم تخرج عن أن تكون كوناً في هذا المكان، لأنّ بقاء الشيء لا يقلب جنسه، ولو قطع بها مكان آخر لاقتضى قلب جنسها فهو كالسواد في أنّه لا يصحّ أن يقال: لو بقي صار بياضاً أوحمرة، وهذا قول أبي هاشم في بعض كتبه.
و قال في الجامع: إذا بقيت لا يصحّ أن يقطع بها غير ذلك المكان، كما إذا بقي السواد لا يجب أن يسود به غير ذلك المحل لما كان السواد يختص محلاً معيّناً، والحركة توجب كون الجوهر كائناً في جهة مخصوصة.
تذنيب: قالوا: لو سأل سائل عن وجود الحركة في الجسم أتوجد في الأوّل أو في الثاني من مكانَيه؟ أجبنا بأنّه قد وجد فيه فينتقل به إلى الثاني فكان حال وجودها حال انتقاله إلى الثاني، وتحقيقه أنّه يوجد في الثاني من مكانَيه.1

1 . أُنظر تفصيل هذا البحث في مقالات الإسلاميين: 353(و اختلف المتكلّمون في معنى الحركة والسكون وأين محلّ ذلك في الجسم هل هو في المكان الأوّل أو الثاني؟); البغدادي، أُصول الدين:40.

صفحه 298

البحث السادس

في إدراك الأكوان

اختلف الشيخان هنا1، فقال أبو علي: إنّ الأكوان أجمع تدرك رؤيةً ولمساً، وهو قول الكعبي. ومنع أبو هاشم من ذلك، وقال: الإدراك لا نتناولها ألبتة، لكنّه تارة يقول: إنّها تعلم بالضرورة وإن لم تدرك، وذلك حيث جعل العلم بالمتحرك علماً بحركته، وتارة رجع عن ذلك. وأبو علي قال أولاً بقول أبي هاشم ثمّ رجع.
احتج أبو هاشم: بأنّ راكب السفينة لا يفصل بين كونها سائرة وكونها واقفة، ولو كانت الأكوان مدركة لوجب أن يفصل بينهما، لأنّ الإدراك للشيء إنّما

1 . فكان أبو علي يذهب إلى كونها مدرَكةً بالعين وبغيرها من الحواس. وكان أبو هاشم يقول أوّلاً: إنّها وإن لم تكن مدركة فهي معلومة باضطرار، ثمّ رجع عن ذلك وقال بأنّ طريقها الاستدلال. المحيط بالتكليف:40. وقال أبو الهذيل: الأجسام ترى وكذلك الحركات والسكون والألوان والاجتماع والافتراق...وانّ الإنسان يرى الحركة إذا رأى الشيء متحركاً ويرى السكون إذا رأى الشيء ساكناً برؤيته له ساكناً... وكان يزعم انّ الإنسان يلمس الحركة والسكون بلمسه للشيء متحركاً أو ساكناً، لأنّه قد يفرق بين الساكن والمتحرك بلمسه له ساكناً ومتحركاً كما يفرق بين الساكن والمتحرك برؤيته لأحدهما ساكناً والآخر متحركاً... وأنكر (عباد بن سليمان) أن يرى أحد لوناً أو حركة أو سكوناً أو عرضاً. مقالات الإسلاميين361ـ363. راجع أيضاً مناهج اليقين: 63; شرح المواقف6:185.

صفحه 299
يتعلّق بخصوصه لا لمطلق الوجود.1
لا يقال: المانع من وقوع الفصل أنّه يحدث فيه مثل ما يحدث في السفينة من الأكوان فتصير كالمبرود الذي لا يدرك برد الماء.
لأنّا نقول: الحادث في السفينة ضدّ ما يحدث فيه. وأيضاً فهو ينظر إلى الشط فلا يعرف حركته وسكونه وإن كان لا يحدث فيه شيء. وأيضاً كان يلزم أن لا يقع له الفصل إذا ركب دابة بين سيره ووقوفه.
لا يقال: غير راكب السفينة يفصل بين كونها متحركة وواقفة فيجب أن يدلّ على أنّ الكون مرئي.
لأنّا نقول: لو كانت مرئية في نفسها لوقع لراكب السفينة الفصل، وهو ممنوع. وأيضاً لو كانت مدركة لوقع الفصل بين كثيرها وقليلها، كاللون والطعم وغيرهما، ونحن لا نفرّق بين أن يكون في الجسم حركة واحدة أو كثيرة. وأيضاً لو كانت الأكوان مدركة لوقع العلم الضروري بها، فكنا نستغني عن الاستدلال على سكون الأرض.
احتج أبو علي بأنّا ندركه بفرقة بين المتحرك والساكن.
والجواب :لا نسلم أنّ التفرقة باعتبار الإدراك.
و لأبي هاشم في الاعتذار عنه وجهان:
الأوّل: قال في العسكريات: إنّ التفرقة هي باعتبار أنّ الجسم إذا تحرك عن مكانه وشغل غيره فإنّا نشاهد الأوّل فارغاً بعد أن كان غير مرئي لكون الجسم فيه،

1 . واستدل به النيسابوري أيضاً، حيث قال: «إنّ الأكوان لو كانت مدركة لوجب في راكب السفينة أن يفصل بين أن تكون السفينة واقفة وسائرة; لأنّ المرئي قد حصل على الوجه الذي يدرك والرائي قد حصل على الوجه الذي يرى، والموانع مرتفعة، فيجب أن يدرك ويفصل بينه وبين غيره إذا لم يكن هناك لبس». واستدل أيضاً بأربعة وجوه أُخرى، فراجع التوحيد:139ـ141.

صفحه 300
ولا نرى ما كنا رائين له من المكان لتغطيته بالجسم المنتقل إليه، فلأجل أنّه لا نرى ما كان رائياً ونرى ما لم يكن رائياً لم يقع الفصل.
الثاني: الجسم إذا تحرك انخرق شعاع الرائي بعد أن كان منفصلاً عنه على حد الاستواء إذا تحرك يمنة ويسرة ويقصر شعاعه بعد استطالته إذا تحرك إلى خلف، فالفصل بين حالات الجسم إنّما هو باعتبار اضطراب حال الشعاع ولا يجب في من لا يعرف الشعاع أن لا يقع له هذا الفرق، فإنّ طريق الحكم غير الحكم.
لا يقال: يجب من هذا أن لا يعرف أبو علي الأكوان حيث اعتقد أنّها مرئية وهذا يقدح في علمه بحدوث الجسم، لأنّ طريق الحدوث معرفة حدوث الأكوان المتوقفة على معرفتها.
لأنّا نقول: إذا عرف عند نظره أنّ الكون غير الجسم فقد عرف نفس المعنى ولا يمنعه ذلك الاعتقاد من هذا النظر.

صفحه 301

البحث السابع

في أنّ الأكوان مقدورة

البرهان على أنّا قادرون على الأكوان هو البرهان الدالّ على قدرتنا على جميع الأفعال الصادرة عنّا1 من وجوب وقوعها بحسب قصودنا ودواعينا، ووجوب انتفائها بحسب صوارفنا. ولأنّها موقوفة على ما نفعله من السبب الذي هو الاعتماد، وفاعل السبب فاعل المسبب.و من ثبوت الاتقان والاحكام فيها إلى ما شاكل ذلك.
ثمّ إنّ الكون يقع منّا على وجهين: الابتداء والتوليد، إمّا في محلّ القدرة أو معدّى عنها، وإن كان في كلا الحالين يكون الاعتماد هو الذي يولده.
و من الأكوان ما لا يصحّ صدوره عنّا ألبتة وهو الموجود في الجوهر حالة الحدوث، فانّ القديم تعالى هو المختص بالقدرة عليه.2 لأنّ الذي نفعله في غير محلّ القدرة من شأنه أن يكون هناك مماسة بين محل الاعتماد وبين محلّ السكون، ومماسة المعدوم محال.

1 . قال القاضي عبد الجبار:«و أمّا قدرتنا عليه فظاهرة بمثل ما به نعلم قدرتنا على سائر الأفعال المقدورة لنا، وهو وقوعه بدواعينا وقصودنا، وحسن المدح والذم فيه، ووقوعه بحسب ما نفعله من الأسباب التي هي الاعتمادات...فإنّ الأكوان التي نجعلها مقدورة لنا يصحّ منا إيقاعها طاعات ويصحّ منّا إيقاعها معاص، وكذلك القصود قد يصحّ أن نجعلها قربة إلى اللّه عزّ وجلّ وقد يصحّ خلافه...» المحيط: 47.
2 . قال النيسابوري: «إنّ الكون في ابتداء وجود الجوهر من فعل اللّه تعالى، ويكون مبتدأً.» التوحيد : 146.

صفحه 302

البحث الثامن

في أنّ الكون يولِّد غيره

اعلم أنّ الكون أحد الأسباب، وإنّما يولِّد التأليف بشرط تجاور المحلين1.و يولّد الألم بشرط انتفاء الصحّة عن المحلّ. وإنّما علمنا الأوّل باعتبار حصول التأليف مناسباً للكون فانّ المجاورات إذا حصلت طولاً حصل التأليف كذلك، فإذا حصلت عرضاً حصل التأليف في هذه الجهة، فيختلف حاله بحسب اختلافها فيجب أن تكون مولدة له، ولأجل هذا تكثر التأليفات في المحال عند كثرة المجاورات. وبهذا نعلم أنّه ليس يتولد التأليف عن الرطوبة، لأنّه يحصل التأليف بحسب المجاورة دونها.2 وعلى أنّه كان يجب لو شاركت الرطوبة الكون في توليده التأليف لشاركته في توليد الألم. وإنّما علمنا الثاني بأنّه متى حصل التفريق وجد الألم بحسبه، ولولاه لأمكن الإنفكاك وهو محال. ولابدّمن شرط انتفاء الصحّة، وإلاّ لوجب أن يتألّم أحدنا بانتقاله عن مكانه لحدوث كون فيه. والمجاورة كونان حاصلان في جوهرين لا يفعلان جزءاً واحداً

1 . قال النيسابوري:«اعلم أنّ التأليف لا يوجد إلاّ متولداً من الكون، سواء كان ذلك من فعلنا أو من فعل القديم تعالى، إذا كان محلّ الكون مجاورة لغيره». التوحيد:80.
2 . قال القاضي عبد الجبار:«وأمّا ما يتولد عن الكون من نحو التأليف والألم، فالشرط في وجود التأليف أن يكون المحلان متجاورين، والشرط في توليده له أن يكون حادثاً ـ أعني الكون ـ فانّه إذا كان باقياً ففيه خلاف هل يولّد أم لا يولّد؟» المحيط بالتكليف:394.

صفحه 303
من التأليف، وإلاّ لزم وقوع الفعل بفاعلين إذ من الجائز أن يكون أحد الكونين فعلاً لفاعل والآخر فعلاً لغيره، بل كلّ واحد منهما يوجد جزءاً من التأليف في محلّه على الانفراد.

صفحه 304

البحث التاسع

في التفريع على التوليد

وهومن وجوه:
الوجه الأوّل: اختلف الشيوخ في توليد الكون في حالتي الحدوث والبقاء. وكلام أبي هاشم دالّ على أنّه يولد في الحالين معاً، لكن شرط في توليده التأليف تجدد المجاورة، وإلاّ لازداد صعوبة التفكيك فيه على الأوقات لتزايد التأليف، وإذا لم يكن كذلك فلأجل أنّ التجاور فيه مستمر غير متجدد، ومتى كان الجسم ملتئماً متجاوراً فثقلت1 فيه مجاوراة زائدة فالمنع بتبعها، لأنّ التأليف يزداد. وكذا في اعتبار تجدد انتفاء الصحّة، لأنّ الكون لو وجد وكان انتفاء الصحّة مستمراً غير متجدد لم يزدد الألم على ما كان، فانّ اليد المجروحة لو سكنت في الجو وانتفاء الصحّة على ما كان عليه لم يزد الألم فإن زاد فمنه تعالى.
و إنّما اختار ذلك لأنّ توليده لما يولده هو لأمر يرجع إلى ذاته فلا يجوز أن يختلف في حالتي الحدوث والبقاء.
وأمّا أبو علي فانّه لمّا لم يقل ببقاء الحركات ولم يجعل الاعتماد مولداً قال: إنّ التوليد يتبع الحادث دون الباقي.

1 . كذا.

صفحه 305
الوجه الثاني: لا يجوز مع تكامل شروط التوليد في الكون أن لا يقع مسببه، لأنّ وجود عارض فيه لا يصحّ من حيث إنّ ما يولده الكون لا ضدّ له من تأليف وألم، فإذا لم يوجد مسبب الكون فلفقد بعض الشروط بخلاف الاعتماد، لأنّه إذا ولد الكون فله ضد يصحّ حصوله فيمنع الاعتماد من التوليد ولا يحصل مسببه مع تكامل الشروط وإن صحّ أن يجعل وجود هذا الضدّ ممّا لا تكمل معه الشروط، بل الشرط يحصل بانتفائه، وإذا وجدت أكوان كثيرة في المحلّ وانتفت الصحّة اشتركت في توليد الألم، إذ ليس بعضها بالتوليد أحقّ من الآخر، خلافاً لأبي هاشم حيث قال: إنّه متى انتفت صحّة واحدة ولد بعضها دون بعض، وإنّما تجتمع علّة التوليد إذا انتفت الصحّة عن محالّ كثيرة. وهو غلط، لفقد الاختصاص، والشرط حاصل في الكل، فلا وجه للتخصيص.
الوجه الثالث: لا يولِّد الكون شيئاً من الأجناس سوى الألم والتأليف. أمّا المعاني التي يمكن مفارقة الكون لها على كلّ وجه فلا شبهة في أنّه لا يجري بينهما توليد. وإنّما اشتبه الحال فيما لا يوجد عارياً عنه كالجوهر، وتوليده عنه غير صحيح; لأنّا نقدر على الكون فلو ولده لقدرنا عليه، لأنّ القادر على السبب قادر على المسبب.
وأيضاً نازع أبو علي هنا فجوّز توليد الحركة للحركة، وتوليد الحركة للصوت، وأجاز في الحركة توليدها للسكون في محلّه، ومنع في السكون أن يولد السكون. وأجاز أبو القاسم الكعبي ذلك كما أجاز في الحركة توليدها لأُخرى. والمشهور أنّ الذي يولد جميع ذلك هو الاعتماد; لأنّ الحركة1 لو ولدت الحركة لم تكن بأن تولد الحركة يمنه أولى من يسرة لتساوي حالها مع الجهتين.و لهذا يفارق الاعتماد، لأنّه يختص بجهة يتولد منها والحركة لا جهة لها وإلاّ كانت مثلاً

1 . ذكر النيسابوري خمسة وجوه لإبطال توليد الحركة حركة أُخرى، راجع التوحيد:142ـ143.

صفحه 306
للاعتماد; وكان يلزم في السكون أن يختص بجهة، لأنّه قد يكون من جنس الحركة.
وأيضاً الحركة الثانية تضاد الأُولى ولا شيء من الأضداد يولِّد ضدّه، لأنّ مضادته تقتضي إحالة وجوده وتوليدَه له يقتضي تصحيحه، فيؤدي إلى أن يكون محيلاً ومصححاً.
وأيضاً كان يلزم أن لا يتراجع الحجر إذا رمى إلى فوق، بل يذهب أبداً بأن1 تولد الحركة الحركة.إلاّ أنّ هذا الوجه إنّما يصحّ على قول أبي هاشم حيث يقول: بتكافئ الاعتمادات ورجوع الحجر لتناقضها2، أمّا إذا جعلت العلّة أمراً يحدث في الجو فلقائل أن يقول: إنّ الحركة تولّد مثلها. ولكن نراجعه بالأمر الذي يقولونه، وهذا هو الذي أدّى أبا هاشم إلى أن جعل علّة رجوع الحجر تناقض الاعتماد، لنسلّم له هذا الدليل، وإلاّ انقلب عليه في الاعتماد حتى لا يجعل مولداً للحركة، لعلمنا بتراجع الحجر.
وأمّا أنّ السكون لا يولد السكون فظاهر، وإلاّ لزم مالا يتناهى. ولزم أن لا يفترق الحال بين تشبث القوى بالجسم وبين رفع يده عنه في تعذر رفعه على الضعيف، لأنّه كان يجري مجرى ما كان الفاعل يحدثه فيه عند تشبثه به. وكان يلزم أن لا يسقط المعلَّق في الهواء مع قطع الحبل بأن يولِّد السكونُ الذي كان فيه قبل القطع سكوناً آخر بعده; وعلى مثل هذا يلزم فيمن سكّن نفسه ثمّ نام أن لا يسقط لتوليد سكونه ـ الذي فيه ـ غيره من السكنات. وبهذه الجملة الأخيرة يستدل على أنّ الحركة لا تولد السكون، وإلاّ لزم ما تقدم.

1 . في النسخ:«فان»، ولعلّ الصواب ما أثبتناه طبقاً للمعنى.
2 . قال النيسابورى: «و هذا إنّما يمكن التعلق به على مذهب الشيخ أبي هاشم، حيث قال: إنّ العلّة في رجوع الحجر هو ما في الحجر من الاعتماد اللازم ، فانّه يمنع بعض المجتلب من التوليد ويبطله، وهو القدر الذي يقابله، ثمّ كذلك في كلّ وقت بقدر ما يقبله حتى ينقضي المجتلب رأساً، فيعود الحال إلى اللازم، فيرجع.» التوحيد:143.

صفحه 307
وأمّا السكون فلا يولِّد الحركة، لأنّه ليس توليدها في جهة أولى من غيرها. ومنه يعلم أنّه لا يولد الكون الاعتماد، وإلاّ لم يختص بجهة دون غيرها.
والحركة لا تولد الصوت، لأنّ الحركة لا جهة لها فلا تولد في غير محلّها والصوت يحصل في غير محلّها، فالمولّد له الاعتماد.
الوجه الرابع: المكان عند المشايخ هو ما منع من اعتماد الثقيل من النزول على وجه ثقله عند اعتماده عليه. وقال الكعبي: هو المحيط لغيره من جميع جوانبه.1 وأبطلوه بأنّه ليس في المتعارف تسمية القميص مكاناً.
إذا عرفت هذا فإنّه يمكن حركة جسم لا في مكان، لأنّ اللّه تعالى لو خلق جسماً ثقيلاً لهوى عند فقد العائق، وإن لم يكن مكان فقد تحرك لا في مكان. وقال النظام: الجسم لا تقع حركته إلاّ في مكان، وهو مذهب الكعبي2، فإنّه منع من

1 . كذا عرفه الشيخ المفيد، حيث قال: «أقول: إنّ المكان، ما أحاط بالشيء من جميع جهاته». وقال: «لا يصحّ تحرك الجواهر إلاّ في الأماكن وهو مذهب أبي القاسم وغيره من البغداديّين وجماعة من قدماء المتكلّمين، ويخالف فيه الجبائي وابنه وبنو نوبخت والمنتمون إلى الكلام من أهل الجبر والتشبيه». أوائل المقالات:100.
ويقول أبو رشيد بأنّ البصريين يرون بأنّ المكان هو«الشيء الذي يسند الجسم الثقيل وزنه إليه، وحفظ هذا المكان يمنع من سقوط الجسم». ويستطرد أبو رشيد في بحثه قائلاً بأنّه لا يمكن اعتبار الفضاء المحيط مكاناً، لانّه غير ثابت ومستقر. ولكن لو كان هناك جسم ثقيل واحد، ليس له مكان يستقر عليه، فليس له وجود في مكان معيّن، عندها لا يكون هناك معنى لسقوطه.
إنّ أساس هذا الاختلاف هو اعتقاد البصريّين بوجود الخلاء، وإنكار البلخي لوجوده. ولو لم يكن هناك شيء اسمه الخلاء، فسوف يكون الجسم المماس لسطح الأجسام الأُخرى دائماً محيطاً به. ولو كان الخلاء موجوداً، فلا يحتاج الجسم بأن يكون مماساً مع الأشياء الأُخرى من جميع الجوانب، وأفضل شيء يقال في جواب السؤال: أين هو؟ الإدلال على الشيء المستقر عليه إذا كان في حالة السكون. راجع مارتن مكدرموت، نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد:259.
2 . قال أبو رشيد بأنّ البلخي ينكر رأي البصريّين القائل بأنّ الجسم يمكن أن يتحرك بدون كونه في مكان . المصدر نفسه: 258.

صفحه 308
صحّة حركة الجسم أو سكونه أو وجود كون فيه إذا لم يكن هناك مكان، وقال: لو خلق اللّه تعالى الجوهر الواحد فقط لخلا عن الكون.
و احتجا بأنّ الحركة لا تعقل إلاّ مفرغاً لمكان شاغلاً لغيره، وهو ممنوع، بل الواجب أن تكون في جهة.
وقال الكعبي: إذا زال المكان عن تحت المتمكن عليه فهوى، فهويه لأجل زوال المكان عن تحته، وعند المشايخ لما فيه من الثقل لاختلاف الحال بحسب ثقله كالحجر والريشة، وكان لا يجب اختصاص الجهة بالهوي دون غيرها، فانحداره على وتيرة واحدة يدلّ على أنّه للثقل.

صفحه 309

البحث العاشر

في القدرة على التحريك والتسكين

لا خلاف بين الشيخين في أنّ اللّه تعالى يصحّ أن يسكن الساكن، وأنّ ذلك السكون الذي كان فيه يبقى، ثمّ يحدث مثله من جهته حالاً فحالاً على ما يقال في سكون الأرض.1 وكذا لا خلاف في صحّة تحريك أحدنا أبعاضه وتسكينها أبداً.
و اختلفا في أنّ أحدنا هل يصحّ منه تسكين الساكن أم لا؟ فمنع أبو علي منه وقال: ما نفعله في الأوّل يبطل فلا يمكن أن نسكن الجسم سكوناً متوالياً. وبناء ذلك على قوله أنّ المولِّد هو الحركة فلابدّ من أن تتخلل سكونين حركةٌ. وجوزه أبو هاشم، لأنّ الشيء لا يمنع عن مثله فصحّ اجتماعهما. وأيضاً إذا تشبث أحدنا بجسم فلو لم يسكنه حالاً بعد حال لكان مَن دونه في القوة لا يتعذر عليه تحريكه.
واختلف قول أبي هاشم في الجسم الذي لا يقدر أحدنا على تحريكه هل يقدر على تسكينه؟ قال في الجامع: لا يصحّ، وهو ظاهر قول أبي القاسم الكعبي، وحكي عنه أنّه رجع عمّا قاله في الجامع فجوزه. وأمّا أبو علي فالذي ذهب إليه هو المنع من تسكين مالا نقدر على تحريكه، حتى قال: لا يصحّ أن نفعل فيه الاعتماد،

1 . سيأتي هذا القول في التذنيب الثامن، ص 316.

صفحه 310
لأنّه ذهب إلى تضادّ الاعتمادات، كما منع من فعل السكون.
واستدل من جوزه: بأنّ الاعتماد الذي هو سبب السكون حاصل والمحل محتمل ولامانع فيجب وجود مسببه. ولا يصحّ أن يجعل ثقله مانعاً، لأنّ منعه هو بموجبه الذي هو السكون، ولا منافاة بين السكونين، ولهذا تجد الحمال إذا اعتمدنا على حمله مشقة ومدافعة زائدة فلابدّ وأن يولِّد اعتماده السكون فيه وإن لم يقدر على تحريكه.
لا يقال: إذا عجز عن تحريكه فقد عجز عن تسكينه.
لأنّا نقول: لا نسلّم الملازمة، لأنّ في التحريك منعاً ليس في التسكين، هو امتناع أن يجتمع موجَب الاعتمادين، ولا يمتنع وجود السكونين. ولأنّه يجب أن يفعل بعدد ما في جميع أجزاء الحبل من الثقل وزائداً إذا أراد تحريكه، وليس كذلك عند التسكين.
إذا عرفت هذا، فإذا صحّ تسكين ما لا نقدر على تحريكه، فالقدر الذي نسكنه ماهو؟ إذ لا يجوز أن يقال: إنّ جميع الجبل يسكن، وإلاّ لزم فيمن بعد عنه إذا أراد قلع شيء من الحجارة أن يحتاج إلى أن يفعل أزيد ممّا يفعله من الأكوان لو لم يكن هنا مُسكن، وخلافه معلوم، فيجب أن يقال: هو القدر المسامت ليده إذا اعتمد بها حتى يبلغ إلى آخر تخوم الأرض على ما قاله أبو إسحاق، بخلاف ما قاله أبو هاشم: إنّه يسكن القدر الذي لو انفصل لقدر على تحريكه، لأنّ السبب الواحد قد صحّ توليده في المحال الكثيرة كالقدرة ولا يلزم الشناعة بأن يبلغ اعتماده آخر الأرضين السابعة، لأنّه يجب ذلك إن ثبت الاتصال في الجميع، ولا يكون من الباب الذي يدّعي الضرورة في خلافه.
لا يقال: إذا نقدر تحريك بعض الجبل من دون بعض فهلا نقدر مثله في التسكين؟

صفحه 311
لأنّا نقول: الفرق ظاهر، لأنّه بالالتصاق قد صار في حكم الشيء الواحد فلو حرك بعضه مع سكون الباقي لحصل افتراق، وإذا كان ساكناً فليسكن بعضه زيادة سكون دون غيره فلا يحصل المانع، فافترقا.
تذنيبات
الأوّل: قال بعض المشايخ: يجوز أن يتحرك الجسم حركات متوالية لا سكون فيها في جميع الأجسام.و جوزه الكعبي في الخفيف دون الثقيل. ولو قيل بالعكس كان أقرب، فإنّا إذا رمينا الخفيف لم نجد سرعة حركته كسرعة حركة الثقيل، والمانع في الجو يمنع الخفيف بأكثر من منعه للثقيل، ولا وجه يمكن الإشارة إليه من منع توالي الحركات في الثقيل إذا كانت الأحوال سليمة ولا عارض في الجو،و الذي بسببه يقع الفرق بين نزول الخفيف والثقيل هو الهواء الذي في الجو، وإلاّفلولاه لكان الحجر والريشة الهابطان ينزلان معاً، إلاّ أنّ الهواء مانع للخفيف من النزول والثقيل يخرقه. هذا هو الصحيح عند مشايخ المعتزلة وإن كان أبو هاشم قد استبعده.
الثاني: يصحّ من القديم تعالى تسكين الثقيل من دون قرار ولا علاقة بأن يخترع فيه سكوناً فيقف.1 وقال الكعبي: إنّه غير مقدور.
و يبطل قوله، لأنّ السكون لا يحتاج إلى أكثر من المحل ومحله يحتمله لتحيزه فلا وجه للحاجة إلى قرار أو علاقة، بل إذا فعل اللّه تعالى فيه السكون وقف كما

1 . ذهب الشيخ المفيد إلى استحالته حيث قال:«هل يصحّ وقوفه(أي الثقيل) في الهواء الرقيق بغير علاقة ولا عماد؟ وأقول: إنّ ذلك محال لا يصحّ ولا يثبت، والقول به مؤدّ إلى اجتماع المضادات، وهذا مذهب أبي القاسم البلخي وجماعة من المعتزلة وأكثر الأوائل، وخالفهم فيه البصريّون من المعتزلة ، وقد حكي انّه لم يخالف فيه أحد من المعتزلة إلاّ الجبائي وابنه وأتباعهما». أوائل المقالات:129.

صفحه 312
يقف إذا فعله على قرار. هذا مادام السكون زائداً على موجَب الثقل.و لأنّه تعالى يسكن السماوات والأرض ولا قرار لهما.
احتج بأنّه لو صحّ منه تعالى لصحّ منّا.
و هو ممنوع، لتوقّف فعلنا على آلات وأسباب بخلاف فعله تعالى.
الثالث: منع الكعبي1 من صحّة تحريك اللّه تعالى الثقيل بغير جاذب ولا دافع، ومن صحّة إيجاد الحركة مخترعة من غير سبب. وهو خطأ لاستغنائه تعالى عن الآلات والأسباب. ولأنّ الحركة وجودها مقصور على وجود المحلّ فيجب صحّة وجودها من دون ما شرطه، ولو لم يصحّ منه إيجاد الحركة مخترعة لما صحّ منه فعل الكون في حال حدوث الجوهر، لأنّه لا يقع إلاّ مخترعاً.
الرابع: اختلف الشيخان، فقال أبو هاشم: يصحّ أن نحرك جسماً باعتمادنا عليه من دون تحرك محل الاعتماد، لكن هذا في أوّل الحركات أمّا إذا توالت

1 . في كتاب «عيون المسائل»، ومنعه الشيخ المفيد أيضاً، وخالفهما الجبائيان. راجع أوائل المقالات:130.
والمسألة وما قبلها تدوران حول قدرة اللّه تعالى للتدخل مباشرة في السير الاعتيادي للعليّة الطبيعية . وأنّ ما نستنتجه من هذا كلّه هو أنّ البغداديين (من المعتزلة)و الشيخ المفيد كانوا متشدّدين أكثر بشأن العليّة الميكانيكية الطبيعية، في حين كان البصريّون يرون بأنّ اللّه قادر أن يفعل بالأجسام مباشرة دون استعمال آلات مادية. راجع مارتن مكدرموت، نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد: 281ـ282.
والحقّ أن نقول طبقاً للأحاديث: «أبى اللّه أن يجري الأُمور إلاّبأسبابها». وهذا لا يعني به الانتقاص من قدرة اللّه سبحانه، كما أنّ عدم تعلّق قدرته بالمحالات لا يوجب نقصاً في قدرته تعالى، لانّه قادر على الممكنات لا الممتنعات. وقد روي عن أبي عبداللّه الصادق عليه السَّلام أنّه قيل: لأمير المؤمنين عليه السَّلام : هل يقدر ربّك أن يُدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغر الدنيا أو يكبر البيضة؟ قال:«إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يُنسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون». الصدوق، التوحيد، باب 9، رواية 9، ص 130. ومثلها رواية 10.

صفحه 313
فلابدّمن الحركة، لأنّ المماسة شرط وهي تبطل في الثاني إذا تحرك عنه فلابدّ من أن يتحرك إليه ليثبت شرطه، وبناه على أنّ الذي يولد في الغير هو الاعتماد. ومنع أبو علي أن يتحرك حركة واحدة إلاّ بعد حركة محلّ الاعتماد بناءً منه على أنّ المولد في الغير هو الحركة أو أنّها شرط في توليد الاعتماد.
احتجّ أبو هاشم بوجهين:
الوجه الأوّل: لو جعل تحرك محلّ الاعتماد شرطاً في توليده للحركة لوجب في حال حصول الاعتماد ثبوت الحركة، فإنّ هذا واجب فيما هو شرط في التوليد، ومعلوم أنّ محلّ الاعتماد لا يتحرك إلاّ بعد تحرك ما ماسه فينتقل إلى مكانه، وحركة ما ماسه إنّما تحصل عن الاعتماد في الثاني وحال حصولها يجوز أن يقدم الاعتماد بأن يكون مجتلباً، فكيف يحتاج إليها؟
الوجه الثاني: لوخلق اللّه تعالى صفحة من أجزاء لا تتجزأ في الجو ولا ثقل فيها وخلق جبلاً فوقها لكان يهوى الجبل لا محالة، ولو كان الأمر بخلاف ما قلناه، لكان الجبل لا يتحرك إلاّ بتحرك هذه الصفحة حتى يحصل في مكانها وهي لا تتحرك إلاّ بعد حركة الجبل، لأنّ حركته شرط في توليد اعتماده التحريك في غيره فيقتضي أن لا يتحرك واحد منهما وأن يقفا، وهو باطل.
الخامس: اختلف الشيوخ، فقال أبو إسحاق وقاضي القضاة: يحتاج الواحد منّا في حمل الثقيل وتحريكه إلى أن يفعل في كلّ جزء منه بقدر ما فيه وفي جميع الأجزاء من الثقل وجزءاً آخر زائداً، فإذا كان المحمول عشرة أجزاء من الثقل يحتاج أن يفعل في كلّ جزء إحدى عشرة حركة، وكذا في تسكين الثقيل المنحدر. ومنع أبو هاشم هذه الزيادة وقال: يكفي أن يفعل في كلّ جزء بعدد ما في جميعه.
وأمّا أبو علي فانّه لما لم يجعل الثقل معنى ورجع به إلى ذات الجوهر أوجب

صفحه 314
أن يفعل في كلّ جزء بعدد أجزاء المحمول كلّها، فصار قوله في نفس المحمول مثل قول أبي هاشم في المعاني التي نافته.
احتجّ الأوّلون بأنّ الثقل الحاصل في جميع الأجزاء يصير كأنّه موجود في هذا الجزء الواحد لمكان الاتصال، فإذا فعلنا في كلّ جزء عشرة أجزاء من الحركة قابل ما فيه من الثقل فلا يكون وجود التحريك والحمل أولى من أن لا يوجدا، بل صارا كالقادرَين المتساويين قدرة إذا تجاذبا حبلاً فإنّه إنّما يصير إلى جهة أحدهما بزيادة فعل.
و اعلم أنّ التحريك أسهل من الحمل، ولهذا صحّ من أحدنا تحريك الحجر الكبير دون حمله لمساعدة الأرض لفاعل التحريك دون الحمل، فيحتاج الحمل إلى زيادة. ولأنّ الحمل يوجب ضعفاً في محلّ القدرة وتفريقاً فلا يمكنه الاستمرار عليه.
أمّا فكّ بعض الجسم عن بعض فانّه يحتاج فيه إلى أزيد ممّا يحتاج في حمله ولهذا يمكن من حمل ما يعجز عن فكه، لكن القدر الذي يحتاج إليه في التفكيك غير محصور بعدد.
وأمّا المتمانعان فتكفي زيادة يسيرة من جهة أحدهما في حصول الجسم في جانبه.
السادس: إذا حركنا جسماً كالحجر وغيره فكلّ أجزائه تتحرك1، خلافاً للكعبي فإنّه قال: إذا حرك لا تتحرك إلاّالصفحة العليا منه دون ما بطن، وذلك أنّ الكل من أجزائه يحصل في جهة سوى ما كانت فيه، وإلاّ لشوهدت الأجزاء

1 . ذهب إليه الجبائي أيضاً حيث قال: «إنّ الجسم إذا تحرك ففيه من الحركات بعدد أجزاء المتحرك في كلّ جزء حركة» مقالات الإسلاميين:320. وخالفه الشيخ المفيد وفاقاً للكعبي وغيره من المتقدّمين. أوائل المقالات:128.

صفحه 315
الباطنة ساكنة في الأوّل.
وأيضاً لولا حركة ما فيه لم تتفاوت حركة الزق المملوء هواءً وزيبقاً، لأنّه في الحالين لا تحرك إلاّ الصفحة العليا.
قال أبو هاشم: هذا القول يقتضي أنّ أحدنا إذا أطلي بدهن وانتقل من بلد إلى آخر أن لا يكون متحركاً بل يوصف الدهن بذلك وكان لا يجد مشقة وتعباً، وهذا ضروري البطلان، فانّ حركة الدهن تابعة لحركته في نفسه.
والكعبي بنى ذلك على قوله: إنّ المتحرك إنّما يتحرك في مكان، وعنده المكان ما أحاط لغيره.1 ولا شكّ أنّ المفارق هو الصفحة العليا للهواء المحيط لها دون الأجزاء الباطنة من حيث إنّها لم تفارق ما أحاط بها، بل هي بحالها.
و التحقيق هنا أن نقول: إن أُريد بالمكان السطح الحاوي كما ذهب إليه الكعبي وأرسطوطاليس، والحركة عبارة عن مفارقة مكان إلى مكان، فلا شكّ أنّ الباطن ليس بمتحرك بهذا المعنى. وإن جعلنا الحركة عبارة عن مفارقة جهة إلى جهة، فلا شكّ في أنّه متحرك.
وبالجملة فالمحوى يتحرك بحركة الحاوي بالعرض لا بالذات بالنسبة إلى المحاذيات والجهات.
السابع: قال الكعبي: القادران إذا تعاونا على حركة جسم فهما محرك واحد

1 . تصوّر الكعبي المكان بأنّه سطح خارجي للجسم، وكان يعتقد بأنّ المكان هوالسطح المحيط المباشر، على خلاف البصريّين الذين كانوا يرون بأنّ المكان هو المحل الذي يستقر عليه الجسم، ويقول: إنّ الحركة تغيير في المكان، ثمّ يستنتج بأنّ السطح الخارجي للجسم المتحرّك يتحرّك فقط، وأنّ السطح المحيط بداخل الجسم هو السطح الخارجي الذي يظلّ على حاله طوال الحركة الكليّة للجسم. ولذلك لا يتطلّب أن تتحرك جميع أجزاء المتحرك. راجع المصدر من مكدرموت: 277.

صفحه 316
وما فعلاه حركةٌ واحدة.1 فأداه هذا إلى امتناع اجتماع الميلين بأن منع من إيجاب فعل كلّ واحد من القادرين كون الجوهر كائناً، وعلّق ذلك باجتماع فعلهما. فهو مخالف للمشايخ في المعنى حيث قالوا بفساده.
واعلم أنّ من جوز اجتماع الميلين قال: كلّ واحد من القادرين فَعَلَ حركة مساوية لحركة صاحبه.وأمّا القدماء فانّهم جعلوا السرعة كيفية قائمة بالحركة، فكانت الصادرين2 أسرع من غيرها.3
الثامن: قالت الثنوية: إنّ الأرض ليست ساكنة بل هي هابطة دائماً.4 وهو باطل، وإلاّ لما وصل الخفيف إليها فكنا إذا رمينا سهماً أو حجراً خفيفاً لا يصل إلى الأرض، لأنّها أثقل فحركتها تكون أسرع.5

1 . واتّفق الشيخ المفيد مع الكعبي وخالف البصريّين في هذه المسألة ، وقال: «هذا مذهب أبي القاسم وجماعة كثيرة من أهل النظر. وقد خالف فيه فريق من المعتزلة وجماعة من أصحاب الجهالات». أوائل المقالات:129(القول في الجزء الواحد هل يصحّ أن توجد فيه حركتان في وقت واحد؟).
ونقل أبو رشيد اختلاف البلخي مع أبي هاشم في هذا المجال، وينقل كلامهما، ثمّ يقول:«و هذا الكلام نزاع لفظي فقط. كلّ محرّك إذا كان وحده فلا يحرّك الشيء، لذلك فانّ الحركة المولّدة واحدة». نقلاً عن مارتن مكدر موت.
2 . كذا وفي هامش ج:«الصادر عن».
3 . وأبطله المفيد بقوله:«إنّ السرعة إنّما تكون في توالي قطع الأماكن دون القطع الواحد للمكان الواحد».
4 . هذا مذهب بعض السمنية أيضاً كما في أُصول الدين للبغدادي:60 (المسألة الثانية عشرة من الأصل الثاني).
5 . استدل البغدادي بهذا الوجه وبوجهين آخرين هما: 1. «و لو كانت للأرض حركة دورية لاحسسنا بذلك كما نُحسُّ بحركتها عند الزلزلة. 2. أنّا لوجعلنا قطعة من الأرض على طبق لم تَدُر عليه ولو رمينا بها في الهواء لنزلت على الاستواء ولم تدر على نفسها، فإذا كانت كلّ قطعة منها لا تدور فكيف دارت جملتها؟» المصدر نفسه:62.

صفحه 317
واختلف الشيوخ في علّة سكونها1 واتّفقوا على وجه منها، وهو أنّ اللّه تعالى يسكنها حالاً بعد حال قدراً يوفى على ما فيها من الثقل.
و ذهب أبو هاشم إلى آخر وهو أنّ النصف الأسفل يطلب الصعود، والأعلى الهبوط.2
و قال بعضهم: إنّ اللّه تعالى يسكن الصفائح التي هي تحت القرار على وجه لا يخرقها ثقل ما فوقها، لأنّ وجه الأرض لو كان ساكناً لامتنع حفر الآبار من حيث كان مراد القديم أحقّ بالوجود.
و ليس بمعتمد، لجواز أن يكون السكون الذي في وجه الأرض دون ما يقدر عليه وإن حدث حالاً فحالاً، فلهذا يتأتى منا الحفر. وأيضاً يجوز أن يكون سكونه باقياً ولا يثبت له حظ في المنع.

1 . وقد ذكر الأشعري آراء الشيوخ في علّة سكون الأرض، حيث قال: «واختلفوا في وقوف الأرض، فقال قائلون من أهل التوحيد منهم «أبو الهذيل» وغيره: إنّ اللّه سبحانه سكّنها وسكّن العالم وجعلها واقفةً لا على شيء.
وقال قائلون: خلق اللّه سبحانه تحت العالم جسماً صعّاداً من طبعه الصعود فعمل ذلك الجسم في الصعود كعمل العالم في الهبوط فلما اعتدل ذلك وتقاوم وقف العالم ووقفت الأرض.
وقال قائلون: إنّ اللّه سبحانه يخلق تحت الأرض في كلّوقت جسماً ثمّ يفنيه في الوقت الثاني ويخلق في حال فنائه جسماً آخر فتكون الأرض واقفة على ذلك الجسم وليس يجوز أن يهوى ذلك الجسم في حال حدوثه ولا يحتاج إلى مكان يُقلِّه، لأنّ الشيء يستحيل أن يتحرك في حال حدوثه ويسكن.
وقال قائلون: إنّ اللّه سبحانه خلق الأرض من جسمين أحدهما ثقيل والآخر خفيف على الاعتدال وقفت الأرض لذلك». مقالات الإسلاميين: 326(اختلفوا في وقوف الأرض). راجع أيضاً أوائل المقالات للشيخ المفيد:99; المباحث المشرقية2: 116; شرح المواقف 7:147.
2 . قال البغدادي: «و زعم آخرون أنّ الأرض مركّبة من جسمين أحدهما منحدر والآخر مصعد فاعتدلا فيها، فلذلك وقفت». المصدرنفسه:62.

صفحه 318
وقال النظام: علّة سكونها أنّها لم تجد مكاناً تتحرك فيه. وكان عنده أنّ المتحرك لا يتحرك إلاّ في مكان.
وأمّا كلمات الأوائل1 في هذا الباب فستأتي إن شاء اللّه تعالى.
التاسع: قال الكعبي : الأرض خفيفة، لقوله تعالى:(وَ جَعَلْنا فِي الأَرضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ)2، فأثبتت الجبال مؤثرة في وقوف الأرض فهي بأن تعيّنها على النزول أولى لولا أنّها خفيفة.

1 . من الفلاسفة ، فذهب جماعة منهم: أفلاطون وأرسطوطاليس وبطلميوس واقليدس إلى وقوف الأرض وقال أرسطوطاليس: إنّ علّة وقوفها أنّها تطلب مركزها الذي في وسطها. وقال قوم من الفلاسفة: إنّ علّة وقوفها سرعة دوران الفلك حولها. وقال آخرون: علّة وقوفها جذبُ الفلك لها من كلّ جانب إلى نفسه. وقال آخرون: علّة وقوفها دفعُ الفلك لها عن نفسه من كلّ جانب.
وحكى أرسطو في كتاب السماء والعالم عن قوم من الفلاسفة : أنّ الفلك ساكن وأنّ الأرض هي التي تدور بما عليها من المشرق والمغرب في كلّ يوم وليلة دورة واحدة. راجع البغدادي، أُصول الدين:60ـ61; الفصل السابع والثامن من الفن الثاني من طبيعيات الشفاء; مناهج اليقين: 135.
2 . الأنبياء/31. وأيضاً قوله تعالى: (وَ أَلْقى فِي الأَرْض رَواسيَ أَنْ تَميدَ بِكُمْ) النحل/15، لقمان/10.

صفحه 319

المطلب الثاني

في أنواع الكون

والنظر في أمرين :

النظر الأول

ما يتعلّق بأنواعه على الوجه الكلي

و فيه مباحث

البحث الأوّل

في أعدادها

الكون جنس يندرج تحته أُمور خمسة:
الأوّل : الكون المبتدأ1 حال حدوث الجسم.
الثانــي : الحركة.
الثالـث : السكون.
الرابــع : الإجتماع.
الخامس : الإفتراق.

1 . وهو إذا وجد ابتداءً لا بعد غيره، وليس هذا إلاّ في الموجود حال حدوث الجوهر. المحيط بالتكليف:41.

صفحه 320
والكون المبتدأ لا يخالف الحركة والسكون في جنسه، بل هو في معناهما، ولكن لا يسمّى حركة لأنّها الحصول الأوّل في الحيز الثاني، ولا سكوناً لأنّه الحصول الثاني في الحيز الأوّل. وحكي عن الوراق أنّه حركة، والمحل متحرك به. وعن الأشعري أنّه سكون1، والمحل ساكن به. وذهب أبو الهذيل العلاف وأبو علي وأبوالقاسم الكعبي إلى أنّ ذلك المعنى غير الحركة والسكون. والتحقيق أنّه في معناهما.2 ثمّ رجع أبو علي عن مقالته هذه وجعله من جنس السكون وأثبت الحركة مخالفة له. والمشهور ما تقدّم من اتحاد الحقائق، وإنّما تتغير العبارات لوقوعها على وجوه; لأنّه لا حال للساكن ولا للمتحرك أزيد من كونهما كائنين في المكان الذي هما فيه، كما نقول: الباقي لا حال له بكونه باقياً أزيد من الوجود المستمر فيجب فيما يوجب هذه الحالة أن يكون جنساً واحداً سواء سمي حركة أو سكوناً أو كوناً، لأنّ تساوي المعلولات يستلزم تساوي العلل.
وأيضاً إن ضادّهذا الكون السكون3 وجب أن لا يصح في الكائن أن

1 . قال الطوسي: «وأمّا من قال هو السكون، فإنّما قاله لأنّه يقول: الأكوان في الأحياز كلّها سكونات، ويكون بعضها حركات باعتبارات أُخر; وذلك لأنّه قد روي عن أبي الحسن الأشعري أنّه قال:الجوهر إذا كان في مكان فالكون الذي فيه سكون. وإذا تحرك إلى مكان آخر فأوّل كونه في المكان الثاني سكونه فيه وحركته إليه». نقد المحصل: 150.
2 . قال به أبو رشيد المعتزلي أيضاً حيث قال:«اعلم أنّ الجسم في ابتداء خلق اللّه تعالى لا يخلو من الكون الذي من جنس الحركة والسكون، لأنّه لو بقى صار سكوناً ولو كان موجوداً عقيب ضدّه على سبيل التقريب كان حركة، إلاّ أنّه لا يسمى ذلك الكون لا بحركة ولا بسكون وإن كان من جنسهما، لأنّ معنى السكون هو أن يوجد كونٌ عقيب ضدّه أو يبقى كون واحد وقتين، والحركة عبارة عن كون واقع عقيب ضدّه ...و ذهب الشيخ أبو هذيل إلى القول بأنّ ذلك الكون ليس من قبيل الحركات والسكنات، بل هو جنس برأسه وهو قول الشيخ أبي علي أوّلاً، ثمّ رجع، فقال: إنّه من جنس السكون ولا يكون من جنس الحركة». التوحيد:131. أيضاً ص 63و75.
3 . استدل أبو رشيد بوجوه ثلاثة على بطلان ما ذهب إليه أبو الهذيل من تخالف هذا الكون مع الحركة والسكون. فراجع التوحيد:135ـ136.

صفحه 321
يكون ساكناً في ذلك المكان، وإن خالفه وجب أن لا ينتفي بالحركة بل ينتفي1 السكون خاصة، لأنّ الحركة تضاد السكون دون الكون، وإنّ نفي السكون دونه فيجب أن يثبت كائناً في مكانه الذي كان فيه مع طرو الحركة، وهذا باطل.
لا يقال: لِمَ لا يوجد كون آخر مع الحركة يضاد السكون الأوّل؟
لأنّا نقول: كان يصحّ أن لا يوجد على بعض الوجوه، وكان يقدح في تأثير المتضادات فكنّا نجوّز أنّ السواد لا ينفي البياض وإنّما يوجد معه سواه ينفيه.
وأيضاً لو كان مخالفاً للسكون وليس بينهما تعلّق لزم وجوده في الجوهر ويبقى فيه وقتين فصاعداً ولا يكون ساكناً، بأن2 لا يوجد السكون. وإنّما قلنا: إنّه لا تعلّق بينهما، لأنّه لو كان يحتاج إليه في الوجود لم يصحّ أن يوجد أوّلاً ولا سكون، وإذا لم يحتج إليه في وجوده لم يحتج في بقائه لأنّ الصفة واحدة، وإذا حصلت حاجته إلى الحركة والسكون فهما ضدّان ولا يمكن حاجته إليهما، وإلاّلما وجد لاستحالة إجتماعهما، وإذا لم يحتج إليه في وجوده لم يحتج في بقائه لأنّ الصفة واحدة.

1 . ق: «ينفى».
2 . ق: «و أن».

صفحه 322

البحث الثاني

في الإجتماع والإفتراق

لا خلاف أنّ الحركة والسكون والكون من قبيل الأكوان. وأمّا الإجتماع والإفتراق فقد اختلف في أنّهما أمران مغايران للكون المخصّص للجوهر بالحيز. فذهب قدماء الأشاعرة إلى ذلك. وأبو الهذيل العلاف ذهب إلى أنّ للافتراق معنى مغايراً له. وبه قال أبو علي أوّلاً، ثمّ رجع عنه.1 وعند باقي مشايخ ا لمعتزلة أنّ الإفتراق عبارة عن الكونين اللّذين يحصل بهما الجسمان في مكانين بعيدين. والمجاورة هي الكونان على وجه القرب، ولا يحصل عند الإفتراق معنى زائداً عليهما كما يحصل عند المجاورة معنى هو التأليف.
والتحقيق أن نقول: الكون جنس لهذه الخمسة على ما تقدّم2، وكلّ واحد من هذه الخمسة لابدّ وأن يمتاز عن البواقي بفصول زائدة على المعنى المشترك،

1 . اعلم أنّ الشيخ أبا الهذيل ذهب إلى أنّ الافتراق معنى زائد على كونَي الجوهرين على سبيل البعد، كما ذهب في التأليف إلى أنّه معنى زائد على كوني الجوهرين على سبيل القرب. وإليه ذهب الشيخ أبو علي أوّلاً، ثمّ رجع عنه في «مسائله» على أبي الهذيل... ويقال إنّ الشيخ أبا علي لم يكن في عينه أحدٌ أعظم من أبي الهذيل، ومع هذا فقد خالفه في أربعين مسألة، هذه إحداهنّ. التوحيد:119 و101; طبقات المعتزلة:84. واختار أبو رشيد ما ذهب إليه أبو علي آخراً وهو قول أبي هاشم وسائر المعتزلة أيضاً واستدل عليه بوجوه، فراجع.
2 . آنفاً في البحث الأوّل من النظر الأوّل.

صفحه 323
كما في الاجتماع إن لم يقترن حصول الجوهرين في حيزيهما بقيد أن لا يتخللهما ثالث لم يكن إجتماعاً. وإن كان المعنى بمطلق الكلي مغايراً للمتميز1 وجب مغايرة النوع لذلك الجنس، وهو مراد من زعم المغايرة. أمّا إن قالوا: إنّ كون المطلق مغايراً للإجتماع والإفتراق ليست مغايرة الجنس للنوع، كان باطلاً.
واحتجّ أبو هاشم على نفي هذا المعنى بأنّ ما ليس بمدرك لا يصحّ إثباته إلاّ بحالة أو حكم صادرين عنه، فإذا كان الإدراك لا طريق له في إثبات هذا المعنى ولا يعقل للمفترقين بكونهمامفترقين أكثر من أحدهما كائناً في هذا المكان وكون الآخر في مكان بعيد عنه، فقد عرى هذا المعنى عن دليل يدلّ عليه فيجب نفيه. وهذا في غاية السقوط.

1 . ق:«المميز»، وعبارة الطوسي هكذا:«تعقل الجوهرين في حيزيهما إن لم تقترن بقيد أن لا يتخلّلهما ثالث لم يكن إجتماعاً، والمعنى المطلق مغاير للمقيّد، وهم لا يعنون بالزائد غير ذلك». نقد المحصل:151.

صفحه 324

البحث الثالث

في ما يتعلّق بألفاظ مستعملة هنا

اختار أبو هاشم لفظة الكون، لأنّها أعمّ حالات الجسم وهو يجري عليه في العدم والوجود، ويجري مجرى الكون وغيره في أنّه لا يقتضي إلاّ إبانة نوع من نوع دون أن يفيد وجوداً على وجه. وما عدا ذلك لا يقال إلاّ عند الوجود، كقولنا حركة وسكون واجتماع وافتراق، لأنّه يقتضي أنّه كون واقع على وجه. وقد ذكر أبو علي هذه اللفظة أيضاً وواصل بن عطاء وأحد الجعفريين.
وقال أبو علي : إنّه يوصف بأنّه حركة وهو معدوم، وكذا ما يفيد فائدة الحركة، كالنقلة والزوال. وقال: لا يوصف بأنّه سكون، لأنّ عنده يقتضي بقاءه فكيف يجري عليه حالة عدمه؟و قال: الحركة لا تكون إلاّكذلك فصار كقولنا كون. وجعل المشي والعدو كالسكون في أنّه لا يجري عليه حال العدم، لأنّه يقتضي إنضمام حركات.
وأبو هاشم منع ذلك ، لأنّ الحركة كون واقع على وجه، وليست كما قال أبو علي:إنّها لا توجد إلاّحركة، بل يصحّ وجودها ولا تسمى حركة، وإنّما تسمى بذلك إذا وجدت عقيب ضدّها، أو يحصل بها الجوهر في مكان بعد أن كان في غيره بلا فصل.
وأمّا السكون فقيل: يكون كوناً باقياً، وقد يكون حادثاً عقيب مثله عند أبي هاشم. وقال أبو علي: السكون لا يسمّى به إلاّ الباقي.

صفحه 325

النظر الثاني

في مباحث الحركة

 

البحث الأوّل

في تعريفها1

أمّا المتكلّمون فقالوا: الحركة هي حصول الجوهر في حيز بعد أن كان في حيز آخر.2 فالحصول المطلق عرض عام، لأنّه نفس الوجود. وتقييده بكونه في

1 . الحركة« Move,motion,movement» في العرف يطلق غالباً على الانتقال من مكان إلى مكان آخر وإليه ترجع الحركة في الوضع لتغيّر مكان الأجزاء، لكن معناها المصطلح في عرف الفلاسفة أعمّ من ذلك، فيشمل الحركة في الكيف والكم وغيرهما أيضاً. ثمّ إنّ تعريف الحركة المصطلحة لا يمكن بالحد المنطقي، سواء اعتبرت مقولة كما ذهب إليه في التلويحات، ص 11، أو اعتبرت نحواً من الوجود كما اختاره صدرالمتألهين ومن تبعه لعدم وجود الجنس والفصل لا للمقولات وللمفاهيم الوجودية التي هي من المعقولات الثانية الفلسفية.
2 . أُنظر هذا التعريف في : مقالات الإسلاميين: 354، المحيط بالتكليف:41; النيسابوري، التوحيد:131; الفرق بين الفرق:158; البغدادي، أُصول الدين:40; بهمنيار، التحصيل:418; أنوار الملكوت:24; أبوالبركات، المعتبر في الحكمة2: 28; المباحث المشرقية1: 669; الرازي، معالم أُصول الدين:34; قواعد المرام:41; كشف المراد: 261;مناهج اليقين:57; أبو البقاء، الكليات2: 213; الجرجاني، التعريفات: 114.

صفحه 326
الحيز خصصه عن المجردات والأعراض. وقولنا: «بعد أن كان في حيز آخر» خصصه عن باقي أنواع الكون. وهو مبني على القول بالجوهر الفرد وتتالي الآنات وتتالي الحركات التي لا تتجزأ.1
وأمّا الحكماء فقالوا2: الموجود يستحيل أن يكون بالقوة من كلّ وجه، وإلاّ لكان في وجوده أيضاً بالقوة فلا يكون موجوداً وقد فرضناه كذلك، هذا خلف. بل ويكون في كونه بالقوة بالقوة فتكون القوة حاصلة وغير حاصلة، هذا خلف. ولأنّ نفي القوة ليس لنفي الإمكان لأنّا فرضناه موجوداً بل لثبوت الوجود، والقوة تقتضي العدم فيكون موجوداً معدوماً، هذا خلف. وإذا كانت القوّة حاصلة بالفعل فهي صفة لشيء، لامتناع بقائها بذاتها، فذلك ا لشيء يكون بالفعل بالضرورة.
فإذن كلّ موجود إمّا أن يكون بالفعل من كلّ وجه، أو يكون بالفعل من وجه وبالقوة من وجه، وكلّ ما هو بالقوة فإمّا أن يكون خروجه إلى الفعل دفعة أو على التدريج، والثاني هو الحركة. فحقيقتها هو الحدوث أو الحصول أو الخروج من القوّة إلى الفعل يسيراً يسيراً أو على التدريج أو لا دفعة. وبهذا عرفها قدماء الحكماء.3

1 . قال الطوسي:«هذا الحدّ للحركة هو حدّها عند المتكلّمين ، وهو مبني على القول بالجوهر الفرد وتتالي الحركات الأفراد غير المتجزئة». نقد المحصل:149. راجع أيضاً المطالب العالية4: 289.
2 . راجع الفصل الأول من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء; مناهج اليقين:57.
3 . أُنظر هذا التعريف في الفصل الأوّل من المقالة الثانية من طبيعيات النجاة;مقاصد الفلاسفة:304; شرح المواقف6:196; شرح المقاصد 2: 409; الجرجاني، التعريفات: 114.

صفحه 327
وأمّا المحقّقون، كأرسطو وأتباعه فانّهم منعوا هذا التعريف لاستلزامه الدور; فانّ قولنا:«لا دفعة» لا يمكن معرفته إلاّ بالدفعة، والدفعة هي الحصول في الآن، والآن عبارة عن طرف الزمان، والزمان عبارة عن مقدار الحركة، فينتهي تعريف الدفعة إلى الحركة، فلو أخذناها في حدّ الحركة لزم الدور.
وكذا قولنا«يسيراً يسيراً» أو «على التدريج» فانّ كلّ ذلك لا يعرف إلاّ بالزمان1 الذي لا يعرف إلاّ بالحركة.
وأُجيب: بأنّ تصور حقيقة الدفعة واللا دفعة والتدريج ويسيراً يسيراً بديهي، لإعانة الحسّ عليها، فأمّا أنّ هذه الأُمور إنّما تعرف بسبب الآن والزمان فذلك هو المحتاج إلى البرهان، فمن الجائز أن تعرّف الحركة بهذه الأُمور، ثمّ تجعل الحركة معرِّفة للزمان والآن اللّذَين هما سببا هذه الأُمور الأوّلية التصور، ولا دور حينئذ.
وهذا جيد2، لأنّ كلّ عاقل يعرف هذه المعاني وإن لم يخطر بباله شيء من كلمات الحكماء في الآن والزمان.
ولمّا أبطل أرسطو تعريف القدماء سلك نهجاً آخر في التعريف3، فقال: الحركة ممكن الحصول للجسم، وكلّ ما يمكن حصوله للجسم أو لغيره فانّ حصوله كمال له، فالحركة إذن كمال لما يتحرك، لكنّها تفارق سائر الكمالات من حيث إنّه لا حقيقة لها إلاّ التأدّي إلى الغير والسلوك4 إليه، وما كان كذلك

1 . فيقال: التدريج هو وقوع الشيء في زمان بعد زمان.
2 . واستحسن الرازي أيضاً هذا الجواب في المباحث 1:670.
3 . قال الشيخ بعد بيان الدور في التعريف السابق:«فاضطر مفيدنا هذه الصناعة إلى أن سلك في ذلك نهجاً آخر...» نفس المصدر من الشيخ.
4 . في النسخ:«السكون»و ما أثبتناه من المباحث.

صفحه 328
فله خاصيّتان:
أ. أنّه لا بدّهناك من مطلوب ممكن الحصول، ليكون التوجه توجهاً إليه.
ب. أنّ ذلك التوجه مادام كذلك فإنّه بقى منه شيء بالقوة، فانّ المتحرك إنّما يكون متحركاً بالفعل إذا لم يصل إلى المقصود، فانّه إذا وصل إلى المقصود وقف، ومادام هو متحرك فقد بقى منه شيء بالقوّة. فإذن هوية الحركة متعلّقة بأنيبقى منها شيء بالقوّة، وبأن لا يكون المقصود من الحركة حاصلاً بالفعل.
وسائر الكمالات لا يوجد فيها شيء من هاتين الخاصيتين، فانّ الشيء إذا لميكن مربعاً فحصل أن صار مربعاً فحصول المربعية من حيث هي هي لا يوجب أن ينقضي ويستعقب شيئاً غيره.وأيضاً إذا حصل لا يبقى منه شيء بالقوّة.
إذا ثبت هذا، فالجسم إذا كان في مكان وهو ممكن الحصول في آخر ففيه إمكانان: إمكان الحصول في ذلك المكان، وإمكان التوجه إليه. وقد عرفت أنّ كلّ ما يكون ممكن الحصول فانّ حصوله يكون كمالاً له، فالتوجه إلى ذلك المطلوب كمال، وحصوله في المكان الثاني كمال أيضاً، لكن التوجه إلى المكان الثاني أسبق الكمالين، وإلاّ لم يكن الوصول إليه على التدريج.
فإذن التوجه كمال أوّل للشيء الذي بالقوة، لكن لا من كلّ وجه، فليست1 الحركة كمالاً للجسم في جسميته، وإنّما هي كمال له من الجهة التي هو باعتبارها كان بالقوّة. ثمّ لمّا كانت كمالية الحركة بأن تستعقب شيئاً مفقوداً عن المتحرك إذ لو كانت كمالاته حاصلة بالفعل انتفت الحركة، وجب أن يقال: في

1 . ق:«و ليست».

صفحه 329
حدّها: إنّها كمال أوّل لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة.1 هذا تفسير أرسطو.
واعترض عليه بوجوه:2
الإعتراض الأوّل: تعريف الشيء بما هو أخفى منه، فانّ كلّ أحد يتصور ماهية الحركة ويفرّق بينها وبين السكون ويميز بين كون الجسم متحركاً وبين كونه ساكناً، وما ذكرتموه في التعريف لا يفهمه إلاّ الأذكياء.
الإعتراض الثاني: الكمال الأوّل لا يفرض إلاّ لما يكون حدوثه على التدريج، وسيأتي بطلانه.3
الإعتراض الثالث: هب أنّ الحدوث يسيراً يسيراً غير ممتنع، لكن الكمال الأوّل ممّا لا يمكن تصوّر ثبوته إلاّ في الشيء الذي يفرض حدوثه على سبيل التدريج فإن كان تصوّر الحدوث على التدريج متوقفاً على تصور الحركة على ما يعتقد أصحاب أرسطو، فقد فسد هذا التعريف.و إن لم يكن متوقفاً عليه كان تعريف الحركة ابتداءً بأنّها الحدوث على التدريج أولى من هذه التطويلات.

1 . توضيحه: أنّ الجسم المتمكّن في مكان مثلاً إذا قصد التمكن في مكان آخر ترك المكان الأوّل بالشروع في السلوك إلى المكان الثاني حتى يتمكن فيه. فللجسم وهو في المكان الأوّل، كمالان هو بالنسبة إليهما بالقوة. وهما السلوك الذي هو كمال أوّل والتمكن في المكان الثاني الذي هو كمال ثان. فالحركة وهي السلوك، كمال أوّل للجسم الذي هو بالقوة بالنسبة إلى الكمالين، لكن لا مطلقاً بل من حيث إنّه بالقوة بالنسبة إلى الكمال الثاني، لأنّ السلوك متعلّق الوجود به. راجع العلامة الطباطبائي، نهاية الحكمة:201. وانظر هذا التعريف في الفصل الأوّل من المقالة الثانية من الفن الأول من طبيعيات الشفاء; رسالة الحدود لابن سينا; الآمدي، المبين; العلوم الطبيعية في فلسفة ابن رشد:129; التحصيل:421(الفصل الثاني عشر من المقالة الثانية من علم ما بعد الطبيعة); إيضاح المقاصد من حكمة عين القواعد:273.
2 . راجع الملخص للرازي كما في شرح المواقف6:195; شرح المقاصد2:411.
3 . بعد قليل في: البحث الثاني في إمكان الحصول التدريجي.

صفحه 330
وفيه نظر، لأنّا نمنع من معرفة حقيقة الحركة وتصوّر ذاتها، بل المتصوّر لنا بعض عوارضها، كما في النفس. وكون الشيء لا يتصوّر ثبوته إلاّ في الشيء، لا يستدعي توقّف تصوّره على تصوّر ذلك الشيء، بل قولنا:«كمال أوّل» يتوقّف على معرفة الزمان، لأنّ أقسام السبق قد عرفت عددها وليس المراد هنا إلاّ الزماني، فيدور.
والحقّ أن يقال: إنّ تصوّر الحركة ضروري وإن لزمها ما ذكرتم.
ونقل عن أفلاطون: إنّها خروج عن المساواة. وعنى بذلك كون الشيء بحيث لا يفرض آن من الآنات إلاّ ويكون حاله فيه بخلاف حاله في الآن الذي يكون قبله أو بعده، ولا يكون مساوياً لحالته السابقة أو اللاحقة.
و رسمها فيثاغورس بالغيرية، لأنّ حال الجسم في صفة من الصفات في كلّ آن مغايرة لحاله قبل ذلك الآن وبعده.1

1 . وقال الشيخ بعد نقل هذه التعاريف وتزييفها:«و هذه رسوم إنّما دعا إليها الاضطرار وضيق المجال ولا حاجة بنا إلى التطويل في إبطالها ومناقضتها، فإنّ الذهن السليم يكفيه في تزييفها ما قلناه.» الفصل الأوّل من ثانية الأوّل من طبيعيات الشفاء1:83. راجع أيضاً المباحث المشرقية1: 671; الأسفار3:26.

صفحه 331

البحث الثاني

في إمكان الحصول التدريجي

نازع أفضل المتأخرين في ذلك1، وذهب إلى امتناعه. واستدل عليه بأنّ: «الشيء إذا تغير فذلك التغيّر إنّما يكون لحصول شيء فيه أو لزوال شيء عنه، إذ لو لم يحدث فيه شيء ما كان موجوداً أو لم يزل عنه شيء ممّا يكون موجوداً، وجب أن يكون حاله في ذلك الآن كحاله قبله فلا يكون فيه تغير وقد فرض فيه تغيّر، هذا خلف.
فإذن كلّ شيء متغير فلابدّ له من حدوث شيء فيه أو زوال شيء عنه فليفرض أنّه حدث فيه شيء، فذلك الحادث قد كان معدوماً ثمّ صار موجوداً ـ تحقيقاً للحدوث ـ وكلّ ما كان كذلك فلوجوده ابتداء بالضرورة وذلك الابتداء غير منقسم، وإلاّ لكان أحد جزئيه هو الابتداء لا هو، فذلك الذي حدث إمّا أن يكون في ابتداء وجوده موجوداً أو لا يكون، فإن لم يكن فهو بعد في عدمه لا في ابتداء وجوده، وإن حصل له وجود فلا يخلو إمّا أن يكون قد بقى منه شيء بالقوّة أو لم يبقَ، فإن لم يبق فالشيء قد حصل بتمامه في أوّل حدوثه، فهو حاصل دفعة لا يسيراً يسيراً، وإن بقي منه شيء بالقوّة فذلك الذي بقى إمّا أن يكون عين الذي وجد، وهو محال، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد موجوداً معدوماً دفعة واحدة،

1 . وقد ذكر بهمنيار هذه الشبهة عمّن سبقه من الأقدمين وأبطلها، كما في الأسفار3: 27.

صفحه 332
وإمّا أن يكون غيره فحينئذ الذي حصل أوّلاً فقد حصل بتمامه، والذي لم يحصل فهو بتمامه معدوم، فليس هناك شيء واحد له حصول على التدريج، بل هناك أُمور متتالية.
فالحاصل: أنّ الشيء الأحديّ الذات يمتنع أن يكون له حصول1 إلاّ دفعة، بل الشيء الذي له أجزاء كثيرة أمكن أن يقال حصوله على التدريج، على معنى أنّ كلّ واحد من تلك الأفراد الحقيقية إنّما يحصل في حين بعد حين حصول الآخر. وأمّا على التحقيق فكلّ ما حدث فقد حدث بتمامه دفعة، وما لم يحدث فهو بتمامه دفعة لم يحدث بل هو معدوم».2
و الأوائل منعوا من كون الحادث ابتداءً من نوعه، فليس لابتداء الحركة آن فيه حركة، ولا لابتداء الزمان زمان. وبالجملة فالأشياء عندهم تنقسم إلى ما يوجد في آن وهو ما يوجد دفعة كالجوهر والأعراض القارّة.و منها مالا يمكن وجوده إلاّ في زمان فأيّ شيء فرضت منه لابدّ وأن يطابقه زمان، ولا يمكن أن يوجد فيه شيء يكون أقل ما يمكن، وإلاّ لزم الجزء الذي لا يتجزأ، وهو عندهم محال. فالبحث معهم يقع في هذا أوّلاً، وقد أبطلنا قواعدهم فيه.

1 . ق:«حصوله».
2 . المباحث المشرقية1:671ـ 672. راجع أيضاً شرح الإشارات3: 188.

صفحه 333

البحث الثالث

في تحقيق مفهوم الحركة

قال الرئيس : الحركة اسم لمعنيين:1
الأوّل: الأمر المتصل المعقول للمتحرك الممتد في أوّل المسافة إلى آخرها.
الثاني: كون الجسم متوسطاً بين المبدأ والمنتهى للمسافة بحيث أيّ آن فرضته

1 . وفي شرح المواقف إسناد هذا القول إلى أرسطو، فراجع 6:197.وانظر كلام الرئيس في الفصل الأوّل من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء. ولخّصه بهمنيار في التحصيل: 419، والرازي في المباحث المشرقية1:672ـ 673، والمصنف في إيضاح المقاصد: 274. ونقله صدر المتألهين في الأسفار3: 31ـ32. ومن هنا نشأ البحث حول الحركة التوسطيّة والقطعيّة، فقيل بوجود الحركة بمعنى التوسط في الخارج دون القطع، وقيل بالعكس، وقيل بوجودهما معاً. وذهب السيد مير الداماد إلى وجود كلتا الحركتين في الخارج وأقام عليه ثلاثة براهين، وأنكر اسناد القول بنفي الحركة القطعية إلى كبار الفلاسفة، وقال:«لا تحسبنّ أحداً من رؤساء الفلاسفة ومعلميهم وأتباعهم المحصلين، مستنكراً...و وجود الحركات القطعية المتصلة جميعاً في ظرف الأعيان في وعاء وجودها، وهو الزمان الممتد المتصل الموجود في الدهر.» ونسب القول بقصر الوجود في الخارج على الحركة التوسطية إلى شرذمة من المقلدين، واستشهد بكلمات للشيخ لإثبات أنّه قائل بوجود الحركة القطعية في الخارج أيضاً. راجع القبسات:211.
وقد فرّق بين الحركتين وذكر أُموراً لتمييزهما، منها: أنّ الحركة التوسطية راسمة للزمان، والحركة القطعية واقعة في وعاء الزمان، وأنّ الأُولى تكال بالآن السيال، والثانية تقدّر بالزمان. راجع المصدر نفسه:205ـ206.

صفحه 334
يكون المتحرك فيه في حدّ من الحدود المفروضة للمسافة لا يكون قبله ولا بعده في ذلك الحدّ.1
أمّا الأوّل: فلا وجود له في الأعيان، لأنّ المتحرك مادام لم يصل إلى المنتهى فالحركة لم توجد بتمامها، وإذا وصل فقد انقطعت الحركة وانتهت.
فإذن لا وجود له عيناً، بل في الذهن، فانّ للمتحرك نسبتين: نسبة إلى المكان الذي تركه ونسبة إلى المكان الذي أدركه، فإذا ارتسمت صورة كونه في المكان الأوّل في الخيال ثمّ ارتسمت صورة كونه في المكان الثاني قبل زوال الصورة الأُولى عن الخيال، اجتمعت الصورتان في الخيال، فيشعر الذهن حينئذ بهما معاً على أنّهما شيء واحد، وأدرك أمراً ممتداً من أوّل المسافة إلى آخرها، وليس في الخارج لهذه الحركة وجود ألبتة.2
وأمّا الثاني: فهو أمر موجود في الخارج مستمر مادام الشيء يكون متحركاً، ولا حصول له في شيء من حدود المسافة إلاّ آناً واحداً، فانّه لو استقر في حدّ واحد أكثر من ذلك لكان ذلك الحدّ منتهى حركته فيكون حاصلاً في المنتهى لا في المتوسط بين المبدأ والمنتهى، وليس في هذه الحالة تغيُّـر أصلاً، بل قد تتغير حدود المسافة بالعرض، لكن ليس كون المتحرك متحركاً لأنّه في حدّمعيّن من الوسط، وإلاّلم يكن متحركاً عند خروجه منه ولا بعد دخوله فيه بل هو متحرك، لأنّه متوسط على الصفة المذكورة وتلك الحالة ثابتة في جميع حدود ذلك الوسط، وهذه الصورة توجد في المتحرك وهو في آن، لأنّه يصحّ أن يقال في كلّ آن يفرض أنّه في حدّ متوسط لا قبله ولا بعده فيه.

1 . هكذا عرفها التفتازاني في شرح المقاصد2:411، والجرجاني في التعريفات:115.
2 . وقال بهمنيار بعد ذكر هذا المعنى للحركة: «فذلك ألبتّة لا يحصل للمتحرك بالفعل، بل إنما هو أمر يحصل في العقل.» التحصيل: 422.

صفحه 335
وقولهم: «كلّ حركة في زمان» إن عنوا بها1 الأمر المعقول المتصل فهو في الزمان، ووجودها فيه على سبيل وجود الأُمور في الماضي، لكن يفارقها بأنّ الأُمور الموجودة في الماضي قد كان لها وجود في آن من الماضي كان حاضراً فيه، وهذا ليس كذلك، لاستحالة تحقّقه في آن ما من آنات الماضي.
وإن عنوا به المعنى الثاني ـ وهو الحركة بمعنى التوسط ـ فكونه في الزمان لا على معنى أنّه تلزمه مطابقة الزمان، بل على معنى أنّه لا تخلو من حصول قطع ذلك القطع مطابق للزمان فلا ينفك من حدوث زمان. ولأنّه2 ثابت في كلّ آن من ذلك الزمان فيكون ثابتاً في هذا الزمان بواسطة.
واعلم أنّ الماهية إنّما تتشخص بأُمور خارجية، وتلك الأُمور هنا: وحدة الموضوع والزمان وما فيه الحركة، فإذا اتحدت هذه الثلاثة يتشخص الحصول الذي هو الحركة، فتكون الحركة الواحدة بالعدد هي التوسط بين مبدأ بالشخص ومنتهى بالشخص لموضوع واحد بالشخص في زمان واحد في نوع واحد، وهذا المعنى أمر واحد موجود في الآن مستمر باستمرار الزمان كسائر الأعراض. فإذا افترضت للمسافة حدود معينة فعند وصول المتحرك إليها يعرض لذلك الحصول في الوسط ان صار حصولاً في ذلك الوسط، لكن صيرورته حصولاً في ذلك الوسط أمر زائد على ذاته الشخصية. فإذا خرج الجسم عن ذلك الحدّ فقد زال كونه حاصلاً في ذلك الوسط، وما زال كونه حاصلاً في الوسط بين ذلك المبدأ وذلك المنتهى فلا جرم تلك الحركة باقية بالشخص لكن زال عنها عارض من عوارضها. ثمّ لا يمكن تعاقب آحاد هذه العوارض، لأنّ تعاقبها إنّما يكون بتتالي النقط في المسافة والآنات في الزمان، ولمّا امتنع ذلك امتنع تتالي هذه العوارض.

1 . أي بالحركة.
2 . في بعض نسخ الشفاء:«لا أنه».

صفحه 336
فظهر أنّ الحركة كسائر الأعراض في أنّ لها وجوداً في الآن ووجوداً في الزمان بالوجه الذي ذكرناه.
ففي قوله:«الحصول في الوسط كلّي، وذلك لا يوجد في الأعيان»، فنقول: ذلك التوسط إنّما تكون فيه كثرة عددية إذا كانت في المسافة كثرة عددية، حتى يقال: الذي وجد في هذا الحدّمن المسافة غير الذي وجد في الحدّ الآخر لكن المسافة متصل واحد، فلا تكون القُطُوع والحدود فيه واجبة الحصول، فإذا لم تحصل لم تكن هناك إلاّ مسافة واحدة، فلا يكون ذلك التوسط بين ذلك المبدأ وذلك المنتهى لذلك المتحرك في ذلك الزمان في النوع الواحد إلاّ أمراً واحداً بالعدد، لأنّ الجزئي ما يمنع نفس مفهومه الشركة، فهو إذن جزئي.1 وإمكان فرض الأجزاء فيه لا يجعله كلياً، فإنّ إمكان فرض الأجزاء في الشيء لا يجعله كلياً، كالخط يمكن فرض أجزاء كثيرة فيه مع تشخصه، بل المعتبر في كلية الشيء إمكان فرض الجزئيات.
واعلم أنّ هذا الكلام تصريح من الشيخ بأنّ الحركة المفتقرة إلى مطابقة الزمان ليس موجودة في الخارج، بل في الذهن، وأنّ الحركة الموجودة في الخارج آنية، وإن كانت لا توجد إلاّفي زمان لا على معنى مطابقتها للزمان، بل انّها لا توجد إلاّوأن يسبقها زمان.
واعترض2، بأنّ ما لا وجود له في الخارج بل في الذهن كيف يتقدر بالزمان الموجود في الأعيان؟ بل الحركة عند الشيخ محلّ للزمان وعلّته، وكيف يمكن أن يكون المعدوم محلاً للموجود وعلّة له؟ اللّهمّ إلاّأن يقال: الزمان لا وجود له في

1 . ونفس مفهوم التوسط المذكور مع وحدة الموضوع وا لزمان وما فيه وما إليه بالعدد يمنع من وقوع الشركة فيه، فهو إذن أمر جزئي. المباحث المشرقية1: 675.
2 . ذكره الرازي في المباحث 1:673ـ 674.

صفحه 337
الخارج بل في الذهن، والشيخ غير قائل بهذا المذهب.
وأيضاً كيف يكون وجود الحركة بالمعنى الأوّل في الزمان على سبيل الوجود في الماضي مع الإعتراف بأنّ حصول الشيء في الماضي هو أن يكون قد كان له حصول في آن من الآنات الماضية مع أنّه ليس لهذه الحركة وجود أصلاً؟

صفحه 338

البحث الرابع

في أنّ الحركة وجودية 1

الضرورة قاضية بأنّ الحركة وجودية2.و قد نازع زينون الحكيم3 وبارمنيدس4 وغيرهما في وجودها، واستدلوا بوجهين:

1 . راجع المعتبر في الحكمة2:30; المطالب العالية4: 288; نقد المحصل:184; إيضاح المقاصد: 273. ويقول ابن سينا: «فمن الناس من منع... وجود الحركة. أما من أبطل الحركة المكانية والوضعية فلا كثير فائدة لنا في الاشتغال بمناقضته، وإن كانت العادة قد جرت بها.» الفصل الأوّل من الفن الثالث من طبيعيات الشفاء.
2 . قال أبو البركات البغدادي: «...إنّ هذه الحركة موجودة فإنّه من الأشياء الظاهرة المحسوسة. وأمّا كيف وجودها وعلى أيّ نحو هو وأيّ معنى يفهم منه ففيه نظر لطيف.» المعتبر في الحكمة 2:30.
3 . زينون الإيلي(490ـ430) هو تلميذ بارمنيدس. وله أربع حجج ضد الحركة: الأُولى تسمى حجّة القسمة; الثانية وهي تمثيل للأُولى تسمّى حجّة أخيل، الثالثة تسمّى حجّة السهم، الرابعة تسمّى حجّة الملعب. ويستنتج منها وهمية الحركة. راجع يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية:30.
قال أرسطو: «وحجج زينون في الحركة، التي يعسُر حلُّها أربع» وسمّى الثانية بحجة أخلوس. وقال الشارح: إنّه اسم رجل كان سريع الاحضار(= العدو)، وزينون يمثل به في حجته. راجع أرسطوطاليس، الطبيعة2:713.
4 . في النسخ:«برمايندس»، وما أثبتناه من تاريخ الفلسفة اليونانية.
ولد في إيليا ويقال إنّه تتلمذ لأكسانوفان.وضع كتابه «في الطبيعة» شعراً، فكان أوّل من نظم الشعر في الفلسفة.و كتابه قسمان: الأوّل في الحقيقة، أي الفلسفة. وا لثاني في الظن، أي العلم الطبيعي. المصدر نفسه:28. وانظر آراءه في الحركة في كتاب أفلاطون المحاورات الكاملة، ج2، محاورة بارمنيدس،تعريب شوقي داود تمراز.

صفحه 339
الوجه الأوّل: لو كانت الحركة موجودة لكانت إمّا أن تقبل القسمة دائماً أو لا تكون كذلك. والتالي بقسميه باطل، فالمقدّم مثله، والشرطية ظاهرة.
وأمّا بطلان الأوّل: فلأنّ الحركة إمّا أن لا يكون لها وجود في الحال أو يكون، فإن لم يكن لم تكن الحركة موجودة مطلقاً، لأنّ ما لا وجود له في الحال لا وجود له في الماضي ولا في المستقبل، لأنّ الماضي هو الذي كان موجوداً في وقت كان حاضراً فيه، والمستقبل هو الذي سيحضر في وقت، فإن استحال أن يكون له وجود في الحال استحال أن يكون ماضياً ومستقبلاً، وهو نفي للحركة بالكلية.
وإن كان لها وجود في الحال فذلك القدر الحاضر منه في الحال إمّا أن يكون منقسماً أو لا، والأوّل محال، لأنّ أحد نصفيه لا يكون سابقاً على النصف الآخر، لأنّ الأجزاء المفترضة في الحركة منقضية غير مستقرة فحينئذ لا يكون الحاضر حاضراً، هذا خلف، بل يكون بعضه ماضياً أو مستقبلاً وبعضه حاضراً.
وأيضاً فإمّا أن لا يحضر منه شيء أصلاً وهو القسم الأوّل. أو يحضر بعضه، فيعود الكلام في ذلك البعض أنّه منقسم.
فيثبت أنّ الحاضر من الحركة غير منقسم، والذي يحصل عقيبه أيضاً غير منقسم، فتكون الحركة مركبة من أُمور متتالية غير قابلة للقسمة، وذلك أيضاً محال لوجهين:
الأوّل: ذلك الجزء من الحركة يقع على مسافة منقسمة لما عرفت من بطلان الجوهر الفرد فتكون الحركة إلى نصفها نصف الحركة إلى كلّها، فذلك الجزء من الحركة منقسم.
الثاني: لو قدرنا تركب المسافة من الأجزاء التي لا تتجزأ فإذا تحرك جزء من جزء إلى جزء آخر فالحركة إن حصلت حالة كونه ملاقياً لتمام الجزء المتحرك عنه، فهو محال لأنّه حينئذ لم يتحرك. أو عند كونه ملاقياً لتمام الجزء المتحرك إليه، وهو

صفحه 340
محال لأنّه حينئذ قد انقطعت الحركة. أو فيما بينهما فتكون المسافة منقسمة أبداً والحركة عليها منقسمة.
و بهذا يبطل ما ظنَّه بعض المتأخرين من أنّ الحركة عبارة عن حصولات متعاقبة في حدود من المسافات متتالية، لأنّ كلّ واحد من تلك الحصولات إن وجد أكثر من آن واحد كان لكلّ واحد منها حصولات مستقرة فلا يكون شيء منها حركة، وإن لم يوجد الواحد منها أكثر من آن واحد فهناك أُمور آنية متتالية فيلزم تتالي الآنات، وهو باطل. ولأنّ كلّ واحدمن تلك الحصولات ليس كمالاً أوّلاً بل هو الكمال الثاني، لأنّ الحركة هي السلوك إلى الحصول في حدّ1 معيّن لا أنّه نفس ذلك الحصول.
الوجه الثاني: الحركة إمّا أن تكون عبارة عن المماسة الأُولى، أو عن المماسة الثانية، أو مجموع المماستين، أو انتقال الجسم من أحدهما إلى الآخر.
والأوّل باطل، لأنّه بعد لم يتحرك.
والثاني باطل أيضاً، لأنّ الحركة قد انتهت. وأيضاً لو كانت الحركة هي المماسة لكان متى حصلت المماسة حصلت الحركة، وليس كذلك.
والثالث باطل لوجهين:
الأوّل: أنّهما لا يوجدان معاً، فإذا كانت الحركة عبارة عنهما وجب أن لا يكون للحركة وجود أصلاً.
الثاني: المماسة الأُولى هي التي عنها الحركة، والمماسة الثانية هي التي إليها الحركة، والضرورة قاضية بأنّ الحركة ليست هي نفس ما عنه الحركة أو إليه الحركة. ولأنّه لو كان كذلك لزم تتالي الآنات وتشافع النقط.

1 . في المباحث:«حيّز».

صفحه 341
والرابع باطل، لأنّ انتقال الجسم من مماسة إلى أُخرى معناه اتصافه بإحداهما بعد اتصافه بالأُخرى، وقد بيّنا أنّ اتصاف الجسم بما يحل فيه ليس أمراً ثبوتياً بل هو ذهني إعتباري . وبتقدير كونه ثبوتياً إلاّ أنّه لا يكون ذلك الثبوتي الذي حصل حركة، لأنّه نهاية الحركة ونهاية الحركة ليست حركة.
والجواب: أنّ هذا استدلال في مقابلة الضرورة، فلا يكون مسموعاً.
وأيضاً جاز أن ينقسم إلى أجزاء لا تتجزأ، كما هو الحقّ من إبطال أدلّة الحكماء في نفي الجوهر.
سلّمنا، لكن الحركة ليست موجودة إلاّ في الماضي أو المستقبل، أمّا الحال فهو نهاية الماضي وبداية المستقبل وليس بزمان، وما ليس بزمان لا تكون فيه حركة، لأنّ كلّ حركة في زمان.و المماسة لا يمكن أن يقال :إنّها عدمية. فالحركة عبارة عن الانتقال من المماسة الأُولى إلى الثانية، وكلّ ما يفرض ثانياً فانّه مسبوق بمماسة قبلها، وهكذا إلى ما لا يتناهى عندهم.

صفحه 342

البحث الخامس

في وجود السكون وباقي الأنواع

ذهب المتكلّمون إلى أنّ السكون أمر ثبوتي في الأعيان كالحركة، لأنّه عبارة عن: حصول الجسم في المكان أكثر من زمان واحد، والحركة حصوله في المكان زماناً واحداً عقيب حصوله في مكان آخر. فالماهية واحدة وإنّما افترقا بالبقاء وعدمه وليس البقاء معنى زائداً، ولو كان لم يؤثر في تماثل الحقيقة، كالصبي والرجل.1
قال أفضل المتأخّرين2:«السكون عند المتكلّمين حصوله في الحيز الواحد أكثر من زمان واحد».3
قال أفضل المحقّقين:«هذا يقتضي أن تكون الحركة التي تكون قبل السكون سكوناً بعينه. والصواب أن يقال: هو الحصول في حيز بعد حصوله في ذلك الحيز

1 . قال النيسابوري:«إنّ الكون إن بقى وقتين سُمّي سكوناً، وإن طرأ عليه ضد فنفاه وانتقل به الجوهر إلى جهة ثانية، فهذا الثاني يكون حركة، ويكون الأوّل من جنسها أيضاً.» التوحيد:76; راجع أيضاًمقالات الإسلاميين: 346; ابن حزم، الفصل 5:175; الفرق بين الفرق، ذكر النظامية:138; البغدادي، أُصول الدين:40و46.
واستدل الرازي بهذا الوجه ووجوه أُخرى لإثبات أنّ السكون صفة موجودة بعد إبطال حجج المتكلّمين وبيان ضعفها لإثبات المدعى. راجع المطالب العالية4: 283 ومايليها.
2 . أُنظر كلام الرزاي والطوسي في نقد المحصل:149ـ150.
3 . قال الطوسي: «وقد قال هو ذلك بعينه في آخر هذا الفصل.» المصدر نفسه.

صفحه 343
بعينه، حتى تخرج منه الحركة».1
و معناه أنّا إذا أخذنا الحصول في المكان أكثر من زمان تعتبر البداية من الآن الثاني كان الحصول الأوّل يصدق عليه أنّه حصول الجسم في المكان الواحد أكثر من زمان واحد فكان سكوناً.
«وأمّا الاجتماع فهو: حصول الجوهرين في حيّزين ولا يمكن أن يتخلّلهما ثالث. والإفتراق كونهما بحيث يتخلّلهما ثالث».
قال أفضل المحقّقين:«ينبغي أن يحدّ الإجتماع بحيث يختص بجوهر واحد، والذي قاله يفهم منه أن يكون لجوهرين حصول واحد، لأنّه قال: حصول الجوهرين. والصواب أن يقال: هوحصول الجوهر في الحيز بحيث لا يمكن أن يتخلل بينه وبين جوهر2 آخر ثالث».
و إذا عرفت مفهومات هذه المعاني، فنقول: إنّها وجودية. إمّا لما سبق من أنّ الحصول في المكان أمر واحد في الجميع ثبوتي ولا تختلف الأنواع التي تحته إلاّ بالعدد، إذ المميزات فيها أُمور عارضة، كالثبات وعدمه في الحركة والسكون ومماسة الجسم لغيره وعدمها. أو نقول: إنّ الجسم لم يكن على حال من هذه الأحوال ثمّ يصير عليها، فيكون غير متحرك ثمّ يصير متحركاً، ويكون غير ساكن ثمّ يصير ساكناً، ويكون غير مجتمع ثمّ يصير مجتمعاً، ويكون غير متفرق ثمّ يصير متفرقاً، والتغير من أمر إلى أمر يستدعي وجود الصفة.
لا يقال: هذا ينتقض بأنّ الباري تعالى كان عالماً بأنّ العالم سيوجد ثمّ صار عالماً بأنّه موجود. وكذا لم يكن رائياً للعالم لاستحالة رؤية العدم ثمّ صار رائياً. ولم يكن فاعلاً للعالم ثمّ صار فاعلاً; والفاعلية تمتنع أن تكون صفة حادثة،

1 . في بعض نسخ المحصل: «حيز واحد».
2 . في المصدر:+]حيّزه[ قبل «جوهر».

صفحه 344
وإلاّلافتقرت إلى احداث آخر ويلزم التسلسل.
وأيضاً التغيّر يكفي في تحقّقه كون إحدى الحالتين ثبوتية، وأنتم ادعيتم أنّ الحركة والسكون كلاهما ثبوتيان.
لأنّا نقول: تغيّر الإضافات لا يوجب تغيّر الذات والصفات. والحركة والسكون نوع واحد، لأنّ المرجع بهما إلى الحصول في الحيّز، إلاّ أنّ الحصول إن كان مسبوقاً بحصول آخر كان حركة، وإن كان مسبوقاً بالحصول في ذلك الحيز كان سكوناً، وإذا اتحدا في الماهية وكان أحدهما ثبوتياً كان الآخر كذلك بالضرورة. وبهذا الطريق ثبت أنّ الكون المبتدأ ثبوتي.
و إنّما احتاج المتكلّمون إلى أنّ السكون ثبوتي لبناء مسألة الحدوث عليه.
والأوائل جعلوا السكون أمراً عدمياً هو عدم الحركة عمّا من شأنه أن يتحرك1، فالتقابل بينه وبين الحركة تقابل العدم والملكة عندهم.2 وعند المتكلمين تقابل الضدية.3
واعلم أنّ التحقيق منا: أن نقول للساكن حالتان: إحداهما حفظ النسب إلى الأُمور الثابتة وبقاؤها على وتيرة واحدة، والثانية عدم الحركة عنه مع أنّه من شأنه أن يتحرك. فإن جعلنا السكون عبارة عن الأوّل فهو أمر ثبوتي، وإليه أشار المتكلّمون4، وجعلنا الثاني لازماً للأوّل. وإن جعلناه عبارة عن الثاني كان أمراً

1 . راجع طبيعيات النجاة، فصل في الحركة:134; الفصل الرابع من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء; التحصيل: 429. وكذا عرفها أبو البركات في المعتبر2:30و 40.
2 . قال الشيخ:«إنّ المشهور من مذهب الطبيعيين أنّ السكون مقابلته للحركة هي مقابلة العدم للقنية، لا مقابلة الضد.» المصدر نفسه.
3 . راجع النيسابوري، التوحيد: 132; أنوار الملكوت: 24(في تعريف السكون).
4 . وهو مختار الطوسي أيضاً في تجريد الاعتقاد، حيث قال: «والسكون حفظ النِّسب فهو ضد.» كشف المراد:271.

صفحه 345
عدمياً. فتصير المنازعة هنا لفظية، لاعتراف الفريقين بثبوت هاتين الحالتين.1 فلكلّ أحد أن يطلق السكون على أيّهما شاء، لكن الحكماء جعلوه عبارة عن الثاني لوجهين:2
الوجه الأوّل: لا شكّ في التقابل بين الحركة والسكون، وهذا التقابل إنّما يكون لو فهمنا من لفظ السكون الأمر العدمي لا الوجودي، وذلك لأنّ المتقابلات يجب أن تكون حدودها متقابلة. فلا يخلو إمّا أن نحدّ الحركة أوّلاً ثمّ نطلب للسكون حدّاً يقابل حدّها أو بالعكس.
فإن كان الأوّل فقد حددنا الحركة بأنّها كمال أوّل لما بالقوة، فهنا ألفاظ ثلاثة: الكمال، والأوّل، والقوة، فلابدّ أن نأخذ في حدّالسكون ما يقابل أحدها. فإذا جعلنا السكون أمراً ثبوتياً وجب حفظ الكمال على حاله. ثمّ إمّا أن نأخذ مقابل الأوّل، فنقول: السكون كمال ثان لما بالقوة فيلزم أن تكون قبل كلّ سكون حركة، وإلاّ لم يكن السكون ثانياً. أو نأخذ مقابل الثاني، فنقول: السكون كمال أوّل لما بالفعل فيلزم أن تكون بعد كلّ سكون حركة، وإلاّ لم يكن السكون أوّلاً. ولمّا لم يقتضِ مفهوم السكون أحد الأمرين بطل الحدّان المذكوران وبقي أن يورد في رسم السكون مقابل الكمال، وهو الأمر العدمي.
و إن رسمنا السكون أوّلاً وعنينا به الأمر الثبوتي وهو حصوله في الحيز لم يمكننا أن نرسمه إلاّ بما يشعر باستمرار ذلك الحصول، وذلك غير ممكن إلاّ بذكر الزمان أو لواحقه، مثل أن نقول: إنّه الحصول في المكان الواحد زماناً وأكثر من

1 . قال المصنف في مناهج اليقين:«والأوائل وإن قالوا بكون السكون عدمياً لكنّهم يثبتون صفةً أُخرى هي الوضع ويجعلونها وجوديةً. ونحن لا نعني بالسكون إلاّ هذا.» ص 60(المطلب الثالث: في السكون).
2 . راجع المصدر نفسه; المباحث المشرقية1:712.

صفحه 346
آن، أو الحصول في المكان بحيث يكون قبله وبعده فيه، وكلّ ذلك ممّا لا يعرف إلاّ بالزمان الذي لا يعرف ]إلاّ [بالحركة التي وصفنا أنّها لا تعرف إلاّبعد معرفة السكون، فيدور. ولمّا بطل ذلك تعين جعل رسم الحركة أوّلاً ثمّ يطلب منه رسم السكون بحيث يكون مقابلاً له، وذلك لا يمكن إلاّ إذا كان السكون عدمياً.
الوجه الثاني: لكلّ حركة من الحركات سكون يقابلها، فللنمو سكون يقابله وللاستحالة سكون يقابلها، وكما أنّ السكون المقابل للاستحالة ليس هو الكيف المستمر بل عدم ذلك التغير، فكذلك السكون المقابل للانتقال ليس هو الأين المستمر بل عدم التغير في الأين.1
وفيه نظر، لأنّ التعريف الذي ذكروه للحركة ليس تعريفاً حدياً بل رسمياً، ولا يجب التطابق بين الرسم والمرسوم في الثبوت والانتفاء.
سلّمنا، لكن لِمَ لا يعرف السكون بأنّه كمال ثان؟ ولا يستلزم سبق حركة، بل سبق حصوله في المكان، ونحن نقول بموجبه فانّ السكون هو الحصول الثاني ولا شكّ في سبقه بالحصول الأوّل.
سلّمنا لكن لِمَ لا نقول في تعريفه: إنّه كمال أوّل لما بالفعل؟ وذلك لا يستلزم عين الحركة، بل يستلزم تعقب كمال بعده إمّا حركة أو سكون ولا شكّ فيه.
سلّمنا، لكن التقابل المأخوذ لا يجب أن يكون بالعدم والوجود، بل يكفي تقابل الضدية.
والزمان ضروري التصور.
سلّمنا، لكن لا نعرف الحركة من الجهة التي بها عرفنا السكون، وإذا اختلفت الجهتان فلا دور.

1 . وبالجملة فهذا بحث لفظي. المباحث المشرقية1: 713.

صفحه 347
ولا نجعل عدم التغير في الأين هو السكون، بل استمرار الأين، وهو غير الأين المستمر.
والتحقيق في هذا ما قدّمناه نحن أوّلاً.

صفحه 348

البحث السادس

في الأُمور التي تتعلّق بها الحركة 1

اعلم أنّ الحركة تتعلّق بأُمور ستة:
الأوّل : المتحرك.2
الثانــي : المحرك.3
الثالـث : ما فيه الحركة.4
الرابــع : ما منه الحركة.5
الخامس : ما إليه الحركة.6
السادس : الزمان.7

1 . راجع أرسطوطاليس، الطبيعة، تحقيق عبد الرحمن البدوي، 2: 492; الفصل الأوّل من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء1: 87; التحصيل:423;ا لمعتبر في الحكمة2: 33; المباحث المشرقية1: 676; كشف المراد: 262; مناهج اليقين:57; شرح المواقف6:229; شرح المقاصد2: 414.
2 . وهي العلّة القابلية والموضوع الذي له الحركة، أو المحل الذي تقوم به الحركة.
3 . وهي العلّة الفاعلية والفاعل الذي به الحركة.
4 . وهي المسافة وهي المقولة.
5 . وهو مبدؤها.
6 . وهو منتهاها.
7 . وهو المقدار الذي تتقدر به الحركة.

صفحه 349
فهنا مسائل:

المسألة الأُولى: في المتحرك

الحركة عرض من الأعراض لا توجد إلاّ في محلّ يقوّمها كغيرها من الأعراض، فذلك المحلّ هو المتحرك فلابدّ منه في كلّ حركة. وقد سبق البحث في أنّ الحالّ في المتحرك هل هو متحرك أم لا؟الحقّ أنّه متحرك بالعرض لابالذات.
ثمّ إن جعلت الحركة ما تكون مبدأ المفارقة منه فليس بمتحرك. وإن جعلت أعمّو هي المباينة للأُمور الثابتة فهو متحرك.
والحاوي في الفلكيات كالمحيط يحرك ما تحته كفلك البروج، إمّا لتشبث أجزاء أحدهما بأجزاء الآخر، أو لأنّ كلّ واحد من أجزاء المحوى له مكان خاص في الحاوي إذا تحرك يتبعه. والعذران قالهما الحكماء مع أنّهما لا يستقيمان على مذهبهم.
وأجزاء المتحرك المتصل عند المتكلّمين متحركة، لأنّها موجودة فيه بالفعل، أمّا عند الأوائل فانّها غير موجودة بالفعل، وإنّما توجد بالفرض فقبل الفرض لا حركة لها ألبتة، إذ لا وجود لها أصلاً. والحركة وصف يستحيل ثبوته بدون ثبوت الموصوف، وإذا فرضها العقل فرض لها حركة لا عن جميع مكانها للاتصال بالكل، بل عن بعضه وهو الجانب المحاط بالهواء، أمّا باقي الأجزاء فإنّما تفرض لها حركة وتنمية بمعنى حركة المحوى في الحاوي، وإذا تحرك على نفسه حركة دورية وجب وجود نقطة في وسطه لا تتحرك هي المركز يتحرك المتحرك عليها، ولا يلزم وجودها بالفعل، بل بالفرض أيضاً.