welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مع شيخ الأزهر في محاضراته الرمضانية*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

مع شيخ الأزهر في محاضراته الرمضانية

صفحه 1
    مع شيخ الأزهر في محاضراته الرمضانية
   

صفحه 2

صفحه 3
مع شيخ الأزهر
في
محاضراته الرمضانية

صفحه 4

صفحه 5
مع شيخ الأزهر
في
محاضراته الرمضانية
 
حوار هادئ مع الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر حول محاضراته الرمضانية الّتي تناول فيها: عدالة الصحابة ومسألة الخلافة والإمامة والعصمة وأُمور أُخرى اختلف فيها الفريقان
 
 
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
1437 هـ

صفحه 6
سبحانى تبريزي، جعفر ، 1308 ـ   
مع شيخ الأزهر في محاضراته الرمضانية / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1394.
208 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 561 - 8
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
چاپ دوم; 1394 .
1. شيعه اماميه ـ ـ دفاعيه ها و رديه ها . 2. طيب، أحمد، 1946 ـ ، نقد و تفسير . الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
6م2س/5/ 212 Bp   4172/297
1394
اسم الكتاب:    مع شيخ الأزهر في محاضراته الرمضانية
المؤلف:    الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ:    1394 ش ـ 1437 هـ
الطبعة:    الثانية
الكميّة:   1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
تسلسل النشر: 922                  تسلسل الطبعة الأُولى: 437
مركز التوزيع
قم، ساحة الشهداء، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تلفن: 37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 7
www.shia.ir , www.tohid.ir
مقدّمة المؤلّف   
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الّذي دعانا إلى الاعتصام بحبل الوحدة ونهانا عن التفرّق والتشرذم; والصلاة والسلام على نبيّ الرحمة وآله الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد ; يشهد العالم الإسلامي في كلّ يوم جرائم فظيعة وشلاّلات دم وهَدماً للمنشآت وقتلاً للأبرياء إلى غير ذلك من الجرائم الّتي يهتز لها عرش الرحمن، ومن المؤسف جدّاً أنّ هذه الأعمال الوحشية تقع باسم الدين إلى حدّ أصبح ذبح الإنسان الّذي عرّفه سبحانه بقوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ )1 أهون عندهم من ذبح الطير أو قتل الهوام.
وفي خضمّ هذه الأحداث المريرة قامت المرجعية الرشيدة

1 . الإسراء: 70 .

صفحه 8
في الحوزة العلمية في قم بعقد مؤتمر عالمي تحت عنوان «آراء علماء الإسلام في التيارات المتطرفة والتكفيرية» إمتداداً للعشرات من المؤتمرات واللقاءات الّتي عقدت في الجمهورية الإسلامية لتعزيز الوحدة ورصّ الصفوف أمام الخطر المحدق بالعالم الإسلامي، شارك فيه بحمد الله أصحاب الفضيلة من كلتا الطائفتين، وقام العلماء بإرسال العديد من المقالات والّتي ألقيت في المؤتمر.
وكان للمؤتمر صوت مدوّي في الأوساط العلمية ووسائل الإعلام، وكان الدكتور الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر أحد المدعوّين وإن لم يحضر، وكان المأمول من سماحته أن يقوم في محاضراته الّتي ألقاها عصر أيام شهر رمضان لعام 1436 هـ بما يوافق أهداف المؤتمر، إلاّ أنّه حفظه الله رغم دعوته إلى التقريب لكنّه في الوقت نفسه سلّط الضوء على أُمور لا تخدم التقريب بين الطائفتين .
ولأجل ذلك قمنا بتأليف هذه الرسالة الّتي سنناقش فيها ما أفاده الدكتور في تلك الحلقات ونبيّن مواضع الوفاق والخلاف، عسى أن تقع موقع القبول وتساهم في رفع الإشكالات المثارة .

صفحه 9
   
جعفر السبحاني
قم المقدسة
10 شوال المكرّم 1436 هـ

صفحه 10

الحلقة الأُولى:

اليوم الأوّل من شهر رمضان 1436 هـ

ركّز الدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر (حفظه الله) في حديثه اليومي الّذي كان يُبث من الفضائية المصرية قبل الإفطار، على أمرين:
1. أنّه سوف يخصّص بعض حلقات هذا الشهر أو كلّها لموضوع في غاية الأهمية وهو منزلة الصحابة الكرام وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة فيهم ـ إلى أن قال: ـ ونحن لا نريد توسيع الخلافات أو إحداث فتنة فالأزهر على مدى تاريخه مركز لوحدة المسلمين بكلّ طوائفهم ومذاهبهم.
2. أشار إلى وجود محاولات لضرب استقرار مصر من خلال دعوة شبابها إلى ترك مذهب أهل السنّة الّذي تربّوا عليه إلى مذهب آخر (التشيّع) وإدخالهم من بوابة محبّة أهل البيت، الّذين نحبّهم ـ حسب قوله ـ أكثر ممّا يحبهم غيرنا.
***
أقول: كان المترقّب من شيخ الأزهر الّذي يدّعي أنّ الأزهر على مدى تاريخه مركز لوحدة المسلمين، أن يركّز في الحلقة

صفحه 11
الأُولى من محاضراته وفي اليوم الأوّل من شهر رمضان المبارك على الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب ويشير إلى أنّ القرآن يأمرنا بالتمسّك بحبل الوحدة ويقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا)1، لما لهذه القضية من أهمية أشارت إليها الآية المباركة من خلال طرحها لنكتة عجيبة حيث أمر سبحانه بالاعتصام بحبل الله مكان أن يقول واعتصموا بالإسلام، أو بالقرآن، أو ما شابههما، وإنّما عدل عن ذلك كلّه إلى الاعتصام بحبل الله مشيراً إلى أنّ الأُمّة المتفرّقة المتشرذمة أشبه بمن تردّى في البئر فلا تكتب له النجاة إلاّ بالتمسّك بحبل قويّ يساعده في الخروج منه.
فعلى الأُمّة الإسلامية في هذه الأزمة الّتي تراق فيها دماء أبنائها كلّ يوم بأيدي سفلتهم أن يتمسّكوا بالمشتركات ويتركوا معالجة الخلافات إلى المحافل الدينية والمؤتمرات العلمية، فإنّ ما يجمعهم أكثر ممّا يفرّقهم.
ونحن إذا تأمّلنا في كتاب الله المجيد نرى أنّه سبحانه يجعل الخلاف بين الأُمة أحد مصاديق العذاب النازل من السماء أو من تحت الأرجل ويقول: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ

1 . آل عمران: 103 .   2 . الأنعام: 65 .

صفحه 12
بَأْسَ بَعْضِ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ).(2)
وقال أمير البيان علي (عليه السلام): «وَالْزَمُوا السَّوَادَ الاَْعْظَمِ فَإِنَّ يَدَ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ. وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ! فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ. أَلاَ مَنْ دَعَا إِلَى هذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هذِهِ».1
ومن هنا كان الأجدر بشيخ الأزهر الشريف التركيز على الوحدة الإسلامية ودعوة المسلمين إلى التمسّك بالمشتركات الكثيرة: وحدة الرب، وحدة الرسول، وحدة الكتاب، وحدة السنّة، وحدة الشريعة، وحدة القبلة، وحدة اللغة الدينية، وغير ذلك، بدلاً من الانطلاق من النقاط الخلافية والإشارة إلى الخلاف الموجود حول الصحابة بين الشيعة والسنّة أو انتشار التشيّع في مصر العزيزة!!
أمّا الوجه الأوّل فسيوافيك ما هو الحقّ في الموضوع.
وأمّا الثاني فقد أبدى انزعاجه بالنسبة إلى انتشار التشيع وكأنّ مارداً يجتاح أرض الكنانة، وهو انزعاج لا نرى من الناحية الموضوعية أيَّ مبرر له، ولا تشير المعطيات الواقعية إلى صوابية هذا الإدّعاء.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 127 .

صفحه 13
وعلى فرض صحّته لماذا أهمل سماحته الحملات التنصيرية في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية الّتي تؤمن بمرجعية الأزهر الشريف على أقل تقدير منذ سنين طوال الّتي تشقّ وحدة المسلمين؟! ولماذا لم يشر إلى الوهابية الّتي هي بوابة للإرهاب، الّتي أخذت تهدّد وحدة المسلمين في أرض مصر وغيرها من خلال ما تبذله من المال في شراء الذمم والأقلام المأجورة والدعاية ووعّاظ السلاطين؟!
هذا ما نقدّمه إلى شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيّب (طيّب الله قلمه ولسانه) وبشكل موجز راجين من سماحته أن يرصد ـ ولو على نحو الفهرسة والاستعراض العام ـ الدور الكبير الّذي لعبه كبار أعلام الشيعة، والمؤلّفات القيّمة الّتي خطّتها أنامل مراجعهم ومفكّريهم في هذا المجال، مضافاً إلى الجهود الكبيرة الّتي بذلت في تأليف القلوب وتقريب النفوس من خلال المؤتمرات العالمية الّتي عقدت في طهران وقم والنجف. على أمل اللقاء معه في حديثه اليومي الثاني الّذي بُثّ يوم الجمعة ثاني شهر رمضان.

صفحه 14

الحلقة الثانية:

مساء اليوم الثاني من شهر رمضان 1436 هـ

تحدّث شيخ الأزهر الشريف في ثاني حلقاته مساء اليوم الثاني من شهر رمضان المبارك عن تعريف الصحابي وقال: الصحابي هو مَن تحقّقت فيه ثلاثة أركان:
الأوّل: أن يكون قد لقي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وإن لم يره كما لو كان كفيفاً.
الثاني: أن يلقاه وهو مسلم، وبذلك فقد خرجت جماعة الكفّار والمشركين حتّى وإن أسلموا بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
الثالث: أن يموت على إسلامه.
فمن استوفى هذه الأركان الثلاثة فهو صحابي.
فخرج بالقيد الأوّل التابعي وما تلاه من الطبقات، وبالقيد الثالث عبدالله بن جحش 1 فقد خرج إلى الحبشة وهناك ارتدّ
عن الإسلام، كما يدخل بالثالث مَن لقي النبيّ وأسلم ثم ارتدّ

1 . الّذي تنصرّ في الحبشة هو عبيد الله بن جحش، وأمّا عبد الله فقد استشهد يوم أحد.

صفحه 15
ثم بعد ذلك عاد إلى الإسلام في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم مات على إسلامه نظير عبدالله بن أبي سرح.
***
ما ركّز عليه الدكتور من طول الصحبة هو أحد القولين في تعريف الصحابي، وفيه قول آخر لا يرى لطول الصحبة تأثيراً في وصف الرجل بالصحابي، وإليك الاشارة إلى بعض القائلين به :
أحمد بن حنبل: أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ من صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه .
وقال البخاري: من صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
وقال القاضي أبو بكر بن محمد بن الطيّب: لا خلاف بين أهل اللغة في أن الصحابي مشتق من الصحبة قليلاً كان أو كثيراً.
وقال صاحب الغوالي: لا يطلق اسم الصحبة إلاّ على من صحبه، ثم يكفي في الاسم من حيث الوضع، الصحبة ولو ساعة، ولكن العرف يخصّصه بمن كثرت صحبته.1
وسيأتي في الحلقة الثالثة بأن الأستاذ ذكر وجود قولين في

1 . أُسد الغابة: 1 / 11 ـ 12 .

صفحه 16
تعريف الصحابي أحدهما لمدرسة المحدّثين والآخر لمدرسة علماء أُصول الفقه.
ثم إنّ التوسّع في مفهوم الصحابي حسب ما جاء في بعض هذه الآراء ممّا لا تساعد عليه اللغة ولا العرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن جماعة تكون لهم خلطة ومعاشرة معه، مدّة مديدة، فلا تصدق على مَن ليس له إلاّ الرؤية من بعيد، أو سماع كلام، أو التحدّث معه مدّة يسيرة أو الإقامة في المدينة زمناً قليلاً، ونحن نصافق الأُستاذ في المقام .
وبعد هذه الإطلالة السريعة في تعريف الصحابي نلفت نظر شيخ الأزهر إلى أمرين:

الأوّل: ادّعاء الإجماع على موضوع غير محدّد

عدّ الشيخ حفظه الله عدالة الصحابة من الخطوط الحمراء وقال: إنّه أمر متّفق عليه بين أهل السنّة، فنسأله كيف تكون عدالة الصحابة جزءاً من تلك الخطوط وأمراً ثابتاً عندهم مع اختلافهم في موضوعه اختلافاً واسعاً، فإنّ الاتّفاق على حكم رهن الاتّفاق على تعريف محدّد وجامع لمفهوم الصحابي، وقد عرفت آراءَهم المختلفة، حتّى أنّ الأُستاذ صرّح في الحلقة الثالثة بأنّ المحدّثين توسّعوا كثيراً في معنى الصحابي .

صفحه 17

الثاني: التوسّع لحفظ كرامة بعض الصحابة

إنّ التوسّع في مفهوم الصحابي وشموله لمن رآه مرّة واحدة ثم ترك المدينة ولم يره بعد ذلك، إنّما جاء لغاية حفظ كرامة ثلّة من الصحابة، ويعلم ذلك بعد بيان مقدّمتين:
أ. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّه كان يحدّث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون (وفي رواية: يحلؤون) عن الحوض، فأقول: يارب أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقهرى» .1
ب. بعد رحيل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ارتدّ كثير ممّن أسلم وآمن به في اليمامة وغيرها بقيادة مسيلمة الكذّاب وغيره، وهؤلاء المرتدّون كانوا قد شاهدوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وسمعوا حديثه، ثم تركوا المدينة فعُدّوا من الصحابة.
ولمّا كان الارتداد يحطّ من كرامة الصحابة، حاولوا إرجاع الروايات الدالة على الارتداد إلى الّذين لم يصحبوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ زمناً قليلاً لا يعتدّ به، حتّى يصونوا بذلك كرامة الصحابة الآخرين.

1 . صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب في الحوض، الحديث رقم 6586، ولاحظ سائر روايات ذلك الباب تحت الارقام 6576 ـ 6593 .

صفحه 18
ولكنّها محاولة غير ناجحة ; لأنّ ما رواه البخاري ناظر ـ لمن تأمّل فيه ـ إلى مَن يعدّ من تلك الثلّة الجليلة، وذلك واضح لمن قرأ الروايات.

الحلقة الثالثة:

مساء اليوم الثالث من شهر رمضان 1436 هـ

تحدّث الدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر الشريف في محاضراته اليومية في الثالث من شهر رمضان المبارك عام 1436 هـ عن الصحابة وعدالتهم، ويتلخّص ما أفاده في أُمور:
الأوّل: الإشارة إلى أنّ هناك مدرستين لتحديد لقاء الصحابي، وهما: مدرسة المحدّثين، ومدرسة علماء أُصول الفقه.
فالمحدّثون توسّعوا كثيراً في معنى لقاء الصحابي بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: إنّ المراد باللقاء مجرّد اللقاء، ولو لم تطل المجالسة بأن كانت قصيرة، سواء روى عنه، أم لم يرو عنه، وسواء غزا معه أم لم يغز.
وأمّا الأُصوليون فقد احتاطوا كثيراً في تعريف الصحابي وقالوا: مَن طالت صحبته متتبعاً للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مدّة يثبت معها إطلاق

صفحه 19
«صاحب فلان فلاناً» بلا تحديد هذه المدّة. وقيل: ستة أشهر. وقيل: سنة، أو غزو.
الثاني: أنّ عدالة الصحابي لا تأتيه من كثرة عبادة ولا
صوم ولا صلاة ولا حجّ ولا زكاة، وإنّما تأتي من اجتماعه بالنبي
مع إسلامه إلى أن يموت .
الثالث: عدالة الصحابي بمعنى أنّه إذا روى حديثاً لا يبحث عنه فهو كما يقولون: «تجاوز القنطرة» وغيره لا يقبل حديثه إلاّ إذا خضع للجرح والتعديل، إذ الصحابي عدل والعدل تقبل أخباره.
الرابع: إنّ أهل السنّة لا يثبتون العصمة إلاّ للأنبياء، وأنّ الصحابة كلّهم عدول يجوز عليهم الخطأ.
هذه الأُمور الأربعة عصارة ما قاله في محاضرته الثالثة.
***
أقول: يلاحظ على الأمر الأوّل: بما عرفت من أنّ التوسّع في مفهوم الصحابة حتّى يشمل مَن رآه ساعة، كان لغاية خاصّة، وهي حفظ كرامة الصحابة المعروفين وذلك بإرجاع ما دلّ على ارتداد قسم منهم إلى غير المعروفين الّذين لم يصحبوا النبيّ إلاّ يوماً أو أقل. ولكن المحاولة غير تامّة لمن قرأ ما دل على ارتداد طائفة

صفحه 20
منهم بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).1
ويلاحظ على الأمر الثاني: أنّ ما أفاده من أنّ عدالة الصحابي وليد لقاء النبيّ فقط، أمر لا يقبله العقل الحصيف، إذ على هذا يصير اللقاء في تكوين الشخصية الإسلامية المثالية للصحابي كمادة كيمياوية تستعمل في تحويل عنصر كالنحاس ـ مثلاً ـ إلى
عنصر آخر كالذهب حتّى تصنع صحبة الجيل الكبير الّذي
يناهز مائة ألف، أُمّة عادلة مثالية تكون قدوة وأُسوة للأجيال المستقبلة.
وممّن التفت إلى هذا المعنى الإمام ابن الوزير (المتوفّى 842 هـ) حث استثنى من الصحابة مَن ظهر منه فسق أو ظلم; لأنّه يرى أنّ هذا الظالم والفاسق يسيء إلى صحبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: استثني من الصحابة مَن ذكر بالفسق الصريح كالوليد بن عقبة ـ ولو كانت الصحبة تؤثر بطريقة إعجازية لما فسق الوليد ـ ويقول: ومن مهمات هذا الباب القول بعدالة الصحابة كلّهم في الظاهر، إلاّ مَن قام الدليل على أنّه فاسقُ تصريح، ولابدّ من هذا الاستثناء على جميع المذاهب، وأهل الحديث وإن أطلقوا القول بعدالة الصحابة

1 . لاحظ : صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب في الحوض: الروايات برقم 6579، 6582، 6583، 6584، 6585، 6586، و 6587.

صفحه 21
كلّهم، فإنّهم يستثنون مَن هذه صفته، وإنّما لم يذكروه لندوره، فإنّهم قد بيّنوا ذلك في كتب معرفة الصحابة، وقد فعلوا مثل هذا في قولهم: إنّ المراسيل لا تقبل على الإطلاق من غير استثناء، مع أنّهم يقبلون مراسيل الصحابة .1
إنّ دعوة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم تكن دعوة إعجازية خارجة عن قوانين الطبيعة فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقم بتربية الناس وتعليمهم إلاّ مستعيناً بالأساليب التربوية المتاحة والإمكانيات المتوفّرة، والدعوة القائمة على هذا الأساس تختلف آثارها على حسب استعدادها وقابلياتها.
فبالنظر إلى ما ذكرنا نخرج بالنتيجة التالية:
إنّ الأُصول التربوية تقضي بأنّ من الصحابة مَنْ يمكن أن يصل في قوة الإيمان ورسوخ العقيدة إلى درجات عالية، كما يمكن أن يصل بعضهم في الكمال والفضيلة إلى درجات متوسطة، ومن الممكن أن لا يتأثّر بعضهم بالصحبة وسائر العوامل المؤثّرة إلاّ شيئاً طفيفاً لا يجعله في صفوف العدول وزمرة الصالحين.

1 . انظر: الصحبة والصحابة لحسن بن فرحان المالكي: 44، الطبعة الأُولى عام 1423 هـ .

صفحه 22
وهذا ما يدفعنا إلى تصنيف الصحابة إلى أصناف كالتابعين، وإلاّ فلازم ذلك كون مجرّد اللقاء سبباً جعل مائة ألف صحابي رجالاً مثاليين كأنّهم جنس من غير البشر، وأمّا الاستناد في ذلك إلى القرآن الكريم فسوف نفسّر الآيات بفضل الله تبارك وتعالى.
اعتقد أنّ المشكلة ليست في وثاقة الصحابي وقبول روايته كي يركّز الدكتور الطيّب عليها، وإنّما الكلام في السلوكيات المتضادّة مع الشريعة وعدم انسجامها مع القيم الإسلامية، فعلى سبيل المثال أين يضع الدكتور قضية مالك بن نويرة وقتله والاعتداء على زوجته؟!1 وأين يضع الموقف من أبي ذر2وعمّار3 و...؟! وأين يضع تمكين الأمويين وإرجاع المطرودين

1 . تضافرت الروايات على أنّ خالد بن الوليد بعد ما قتل الصحابي مالك بن نويرة بعذر واه وتزوج امرأته، فلمّا رجع إلى المدينة وانتشر خبره قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطّمها ثم قال له: أرئاء قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنك بأحجارك. تاريخ الطبري: 3 / 279، حوادث سنة 11 هـ .
2 . وقد سيّره عثمان إلى الربذة ومات هناك وحيداً. لاحظ : أنساب الأشراف: 5 / 52 .
3 . لاحظ ما ذكره البلاذري في «الأنساب»: 6 / 161 ممّا جرى بينه وبين عمّار حيث أمر عمّاله بقوله: خذوه، فأُخذ ودخل عثمان ودعا به فضربه حتّى غشي عليه. ثم أُخرج فحمل حتّى أُتي به منزل أُم سلمة زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فلم يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضّأ وصلّى .

صفحه 23
كالحكم وابنه مروان؟!1
وممّا ذكرنا يظهر الإشكال في الأمر الثالث أعني: أنّه يقبل حديث الصحابي ولا يخضع للجرح والتعديل، إذ معنى ذلك أنّ مجرد اللقاء ولو ساعة واحدة أو يوماً أو سمع حديثاً جعل مائة ألف ممّن لقي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)رجالاً مثاليين على وجه صاروا أصحاب ملكة تمنعهم من ارتكاب الكبائر أو الصغائر المسيئة أو المباحات المخلّة!! وأنّ للصحبة بعداً إعجازياً يؤثّر فيمن رآه تأثير المعاجز. وهذا أمر غريب جداً.
ولهذا لم يعد أحد، الصحبة معجزة من معاجزه صلوات الله عليه، إذ لم تكن دعوته خارجة عن حدود القوانين الطبيعية.
ويلاحظ على الأمر الرابع: وهو إدّعاء أنّ العصمة عند أهل السنّة لا تثبت إلاّ للنبي، أمر لا يصدقه القرآن الكريم، فهذا هو الذكر الحكيم يصف مريم (عليها السلام)بقوله: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ

1 . الحكم بن عاص فقد غرّبه وولده، رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الطائف غير أن الخليفة عثمان ردّهم إلى المدينة فأنكر المسلمون عليه إدخاله إياهم المدينة. الأنساب: 3 / 27 .

صفحه 24
اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)1، فقوله سبحانه (وَطَهَّرَكِ ) لا يريد تطهيرها من الدنس والقذارات وإنّما أراد تطهير روحها من الرذائل وتحليتها بالفضائل. والشاهد على ذلك أنّه كرر لفظة (اصْطَفَاكِ)وجعل قوله: (طَهَّرَكِ)بينهما.
وأمّا تفسير التطهير بتبرئتها ممّا قذفتها به اليهود بإنطاق الطفل، (2) فبعيد عن مساق الآية ; لأنّ الآية وردت قبل أن تحمل مريم حتّى تتّهم بما رمتها به اليهود، والشاهد على ذلك أنّ قصة حملها أتت بعد تلك الآية حيث جاء بعدها قوله: (إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ).
ومَن قرأ الآيات الّتي تعرّف مريم ومكانتها، يذعن بأنّها كانت معصومة منزّهة من كلّ ما يشين، يقول سبحانه: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِْمحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب )2. وهذه الكرامة يثبتها الذكر الحكيم لمريم قبل أن تحمل بالمسيح (عليه السلام)كما يشهد عليه سياق الآيات.

1 . آل عمران: 42 .   2 . تفسير البيضاوي: 1 / 159 .
2 . آل عمران: 37 .

صفحه 25
كما أنّ الذكر الحكيم يتحدّث عن عبد من عباد الله آتاه الله رحمة من عنده وعلّمه من لدنه علماً وصار معلّماً لموسى (عليه السلام)حيث قال له الكليم: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا )1 ولم يكن ذلك الرجل المثالي نبيّاً، ومع ذلك صار معلّماً لنبيّ، فهل يتصوّر أن يكون معلّم النبيّ إنساناً غير معصوم ربّما يخطأ وربّما يقترف المعاصي ثم يتوب؟! وهذا يدفعنا إلى القول بأنّ العصمة لا تساوق النبوّة، فكلّ نبي معصوم وليس كلّ معصوم نبي.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى كلام الرازي في تفسير قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )2حيث قال: اعلم أنّ قوله: (وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)يدلّ عندنا على أنّ إجماع الأُمّة حجّة، والدليل على ذلك أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته. إلى أن قال: فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي

1 . الكهف: 66 .
2 . الأنبياء: 59 .

صفحه 26
الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً... ثم أقرّ أنّ ذلك المعصوم هو أهل الحل والعقد .1
فكلام الرازي وهو من كبار علماء السنّة يخالف ادّعاء شيخ الأزهر بأنّ السنّة لا يثبتون العصمة إلاّ للأنبياء.
نكتفي بهذه الأسطر الموجزة على أمل اللقاء في الحلقة القادمة.

1 . لاحظ : تفسير الرازي: 10 / 144 .

صفحه 27

الحلقة الرابعة:

مساء اليوم الرابع من شهر رمضان 1436 هـ

أفاد الدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر الشريف في محاضرته لهذا اليوم بما هذه خلاصته:
إنّ السنّة والشيعة مسلمون ومؤمنون، فنحن أُمّة واحدة، وأبناء دين واحد، وفي زورق واحد، وهذه قضية لا يجب أن نقترب منها، لكن نحن الآن نتحدث عن قضايا مذهبية داخل الإسلام .
فمن القضايا المذهبية الفارقة بين السنّة والشيعة هي قضية عدالة الصحابة، فأهل السنّة يعتقدون أنّ الصحابة عدول، والشيعة ياللأسف يفتحون باب النقد على صحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على مصراعيه .
وأضاف: وأحياناً هذا النقد أدّى بالغلاة والمتطرّفين منهم إلى الجرأة على تكفير صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذه من المصائب الكبرى الّتي حلّت بالمسلمين أن يعتقد مسلم أنّه يمكن أن يكفّر أصحاب النبيّ.
ثمّ ذكر أنّ إحدى الشيعيات قالت له: نحن نلعن الصحابة

صفحه 28
بعد كلّ صلاة، وهذا لا يصحّ أبداً .
ثم أشار إلى أنّ المبشرين بالتشيّع بين أهل السنّة يقولون: إنّ عمر ـ وحاشاه وهذا كذب ـ ضرب السيدة فاطمة (عليها السلام).
واختتم كلامه بأنّ السنّة جميعاً على أنّ الصحابة عدول.
***
أقول: أشكر الإمام الأكبر لوجهين:
الأوّل: أنّه جعل الشيعة والسنة أُمّة واحدة وأبناء دين واحد وفي زورق واحد. وما قاله هو قضاء الكتاب والسنّة ; فهذا ما يروى عن عمر بن الخطاب أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا علي بن أبي طالب يوم خيبر وأعطاه الراية وقال: امش ولا تلتفت حتّى يفتح الله عليك، قال: فسار علي شيئاً ثم وقف ولم يلتفت فصرخ: يا رسول الله على ماذا أُقاتل الناس؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «قاتلهم حتّى يشهدوا أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله». 1
وفي حديث عن ابن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله،

1 . صحيح مسلم: 7 / 121، كتاب فضائل علي (عليه السلام).

صفحه 29
ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ الإسلام وحسابهم على الله».1
فإذا كان هذا ملاك الإسلام فكلّ مَن شهد الشهادتين وآمن بيوم المعاد فهو داخل تحت خيمة الإسلام من غير فرق بين مسلم ومسلم.
وعلى هذا فعدالة الصحابة ليست من صميم الدين الّذي يناط به الإيمان والإسلام، بل هي مسألة كلامية، وعلى حدّ تعبير الشيخ من القضايا المذهبية، فلماذا نكبّر هذا الاختلاف؟ وهل هي إلاّ كسائر المسائل الخلافية وما أكثرها بين المسلمين في الأُصول والفروع؟ فاللازم على الأُستاذ الّذي رزق صدراً رحباً ألاّ يوسّع هذه الفجوة.
وكان على شيخ الأزهر أن ينسب إلى الشيعة ما رووه عن إمامهم وإمام المسلمين عليّ (عليه السلام)فهو يصف أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: «لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ! لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً، وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ ، وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ

1 . صحيح البخاري: 26 برقم 25 .

صفحه 30
ذِكْرِ مَعَادِهِمْ! كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ ! إِذَا ذُكِرَ اللهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ، وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ!».1
وله (عليه السلام)كلمة أُخرى في صحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول فيها: «أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاِْسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ، وَقَرَؤُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَهِيجُوا إِلى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا، وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الاَْرْضِ زَحْفاً زَحْفاً، وَصَفّاً صَفّاً. بَعْضٌ هَلَكَ، وَبَعْضٌ نَجَا. لاَ يُبَشَّرُونَ بِالاَْحْيَاءِ، وَلاَ يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتى (القتلى)، مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الاَْلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ، عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ. أُولئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ. فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ، وَ نَعَضَّ الاَْيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهِمْ».2
وهذا هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)يقول في دعائه: «اللهم وأصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّة الّذين أحسنوا الصحبة والّذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا

1 . نهج البلاغة: الخطبة 97 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 117 .

صفحه 31
إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته...».1
وعلى هذا فالقول بأنّ الشيعة ينكرون عدالة الصحابة جميعاً أمر غير صحيح يبطله ما روي عن الإمامين الهمامين، والشيعة تعتقد بأنّ الصحابة على طبقات ودرجات من الإيمان والتقوى والعدالة، فمنهم مَن يستدرّ به الغمام، ومنهم مَنْ لا يعتدّ بإيمانه وقوله وفعله، ومنهم مَن هو في رتبة متوسطة.
وأمّا ما ذكر من تجرؤ الغلاة والمتطرفين على صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فيكفي في جوابه أنّ القائل به هم الغلاة، والغلاة عند الشيعة كفّار لا يحكم عليهم بالإسلام.
كيف يمكن القول بتكفير صحابة النبيّ وتفسيقهم وأنّ ثلّة جليلة من صحابة النبيّ هم روّاد التشيّع الّذين كانوا مع عليّ (عليه السلام)في عهد النبيّ تبعاً لوصاياه وبقوا على ما كانوا عليه بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد ذكرت كتب التاريخ أسماءهم نظراء: جندب ابن جنادة (أبو ذر الغفاري)، عمّار بن ياسر، سلمان الفارسي، المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، حذيفة بن اليمان صاحب سرّ النبيّ، خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، الخباب بن الأرت التميمي، سعد بن مالك، أبو سعيد الخدري، أبو الهيثم بن التيهان

1 . الصحيفة السجادية: الدعاء الرابع .

صفحه 32
الأنصاري، قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، أنس بن الحرث بن منبه أحد شهداء كربلاء، أبو أيوب الأنصاري، خالد بن زيد الّذي استضاف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عند دخوله المدينة و... وقد ذكرنا أسماءهم في كتابنا «عقيدة الإمامية في عدالة الصحابة» ص 144 فراجع.
ثمّ إنّ الواقع التاريخي يثبت أنّ جلّ الأصحاب بل كلّهم من المهاجرين والأنصار كانوا مع أمير المؤمنين (عليه السلام)في حروبه الثلاثة، قال الزرقاني في نهج المسالك: أتى علي (رضي الله عنه)في أهل العراق في سبعين ألفاً، فيهم تسعون بدرياً، وسبعمائة من أهل بيعة الرضوان، وأربعمائة من سائر المهاجرين والأنصار، وخرج معاوية في أهل الشام في خمسة وثلاثين ألفاً ليس فيهم من الأنصار إلاّ النعمان بن بشير ومسلمة بن مخُلد.1
وقال المسعودي في «مروج الذهب»: وكان ممّن شهد صفين مع علي من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً، منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وشهد معه من الأنصار ممّن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تسعمائة وكان جميع مَن

1 . راجع: النصائح الكافية للعلوي: 36 .

صفحه 33
شهد معه من الصحابة ألفين وثمانمائة .1
فهل من المعقول أن يقوم الشيعة مع هذا الدعم الكبير والمساندة القوية لسيد الأوصياء (عليه السلام)بتكفير الصحابة والنيل منهم؟! ومن هنا نحن نطالب الشيخ الطيّب أن يأتي لنا بعبارة واحدة تثبت أنّ علماء الشيعة ورجالييهم ضعّفوا الصحابة وقالوا بكفرهم أو أسسوا قاعدة تشير إلى هذا المعنى.
ثمّ أنا أتعجّب من الدكتور كيف جعل قول واحدة من النساء الشيعيات حجّة على الكلّ، والاعتماد على قولها، نظير احتجاج الشيعي في إتّهام أهل السنّة بسبّ عليّ بأنّ ناصبية من النواصب تلعن عليّاً!!
وما ذكره الأُستاذ هنا ينافي ما ذكره في واحدة من حلقات بحثه: إنّي سمعت عدداً من الفضلاء من علماء الشيعة يتبرّأون من هذه الأقوال ولا يرضونها.
وأمّا ما أنكر على ما جرى على السيدة فاطمة (عليها السلام)فنحن لا نريد أن نخدش العواطف غير أنّ أمراً مسلّماً في التاريخ لا يمكن لأحد إنكاره ألا وهو كشف بيت فاطمة حيث نقله كثير من الأعلام في كتبهم.

1 . مروج الذهب: 2 / 352، تحقيق أسعد داغر، قم ـ دار الهجرة، 1409 هـ .

صفحه 34
هذا هو عبدالرحمن بن عوف يقول: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الّذي توفّي فيه فسلّمت عليه، وقلت: ما أرى بك بأساً والحمد لله، ولا تأس على الدنيا، فوالله إن علمناك إلاّ كنت صالحاً مصلحاً. فقال: إنّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهم وودت أنّي لم أفعلهم، وثلاث لم أفعلهم وودت أنّي فعلتهم، وثلاث وددت أنّي سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عنهم; فأمّا الّتي فعلتها وودت أنّي لم أفعلها فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا. لخلّة ذكرها. قال: أبو عبيد لا أُريد ذكرها... 1
إن صاحب كتاب الأموال وإن تستّر على ما تمنّاه الخليفة أن لا يفعله غير أنّ كثيراً من المحققّين ذكروه بنصّه، فهذا هو المبرّد في كامله يقول: فأمّا الثلاث الّتي فعلتها وودت أنّي لم أكن فعلتها، فوددت أنّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلق
على حرب .2
وهذا هو المسعودي يقول ناقلاً عن الخليفة: فأمّا الثلاث الّتي فعلتها وددت أنّي تركتها، وددت أنّي لم أكن فتشت بيت

1 . الأموال: 193 ـ 194، مكتبة الكليات الأزهرية; وفي لسان الميزان وغيره: «فعلتهن».
2 . الكامل : 1 / 11 .

صفحه 35
فاطمة.1
وبما أنّ نقل كلمات المحقّقين والمؤلّفين يُطيل بنا المقام نشير إلى بعض المصادر أدناه .2 وعلى من أراد التحقيق في هذا الموضوع فليبحث في الموضوع فيتعرّف على مَن أصدر الأمر بالهجوم (أو الكشف) على بيت فاطمة (عليها السلام)ومن نفّذ هذا الأمر، وما هي تبعاته، وستتجلّى له الحقيقة بأجلى مظاهرها.
وهذا ما يذكره الشيعة استناداً إلى هذه المصادر .
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الشيعة تحترم الصحابة تبعاً لأئمتهم ولا يقولون بتكفيرهم، غير أنّهم يدّعون على أنّهم على مراتب من الإيمان. ودرجات مختلفة من التقى والعدالة.
وأمّا ما نسب إلى الغلاة والمتطرّفين فالشيعة الإمامية براء

1 . مروج الذهب: 2 / 301.
2 . الطبراني في المعجم الكبير: 1 / 62 برقم 43 ; ابن عبد ربه في العقد الفريد: 4 / 93 ; ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق: 13 / 122 ; ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 2 / 46 ; الجويني في فرائد السمطين: 2 / 34 ; الذهبي في تاريخ الإسلام: 3 / 117 ; نور الدين الهيتمي في مجمع الزوائد: 5 / 102 ; ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان: 4 / 188; المتقي الهندي في كنز العمال: 5 / 631 برقم 14113 ; عبد الوهاب عبد المقصود في كتاب الإمام علي: 4 / 74 .

صفحه 36
منه، وأمّا حكاية الكشف عن بيت السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، فهذا أمر نُقل بالتضافر، ومع ذلك ندعو إلى الوحدة مكان الفرقة قائلين: إنّ ما يجمعنا أكثر ممّا يفرّقنا.
إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضمّنا دين الهدى أتباعاً
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعاً
ولو أنّ الأُستاذ لم ينبس ببنت شفة في أمر فاطمة (عليه السلام)لما أشرنا إليه في هذه المحاضرة، غير أنّا دفاعاً عن الحقّ والحقيقة لم نر بدّاً من التطرّق إليه .

الحلقة الخامسة:

مساء اليوم الخامس من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف : إنّ الصحابي الّذي ثبتت صحبته لا يُسأل عن عدالته، ولا يحتاج لشهادة تزكية، لأنّ هذه الصحبة تعطيه هذه الشهادة بشكل تلقائي. ثم تابع حفظه الله في بيان معنى العدالة إلى أن انتهى بقوله: فإذا روى الصحابي حديثاً أو شهد في واقعة فإن روايته تقبل، وكذا شهادته، بدون أن أقول: مَن هو وما تاريخ حياته؟ هذا هو معنى

صفحه 37
عدالة الصحابة وهذا ما تميّز به عن غيره، وأمّا غير الصحابي بدءاً من التابعي حينما يروي أو يشهد فلابدّ من شهادة بعدله قبل قبول شهادته أو روايته.
وانتهى في آخر كلامه بأنّ الصحابي الفقير الّذي ربّما لا يمتلك نعلاً يمشي به، ثم يجود بنفسه وبكل ما يملك وعنده استعداد ليراق دمه حفاظاً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى الدين، يستحق أن تنزل فيه آيات القرآن الكريم لتقرّر عدالته.
***
أقول: ليس في كلامه حفظه الله شيءٌ جديدٌ وإنّما هو تكرار لما أفاده في المحاضرات السابقة ومع ذلك فنقدّم إلى سماحته الملاحظات التالية:
الأُولى: إنّ ما ذهب إليه الشيخ الطيب ادّعاء لابدّ من دعمه بالدليل والبرهان القاطع عقلاً أو نقلاً على مستوى الحديث والسنّة، هذا إذا لم نقل أنّ الدليل النقلي يعطي العكس من ذلك، كما سيأتي .
ثم مَن قال: إنّ الكلام في الصحابي الّذي وصفه الطيّب بتلك الصفات العالية، وهو الّذي يجود بنفسه وبكل ما يملك وعنده استعداد ليراق دمه حفاظاً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 38
وهل وجد الدكتور باحثاً منصفاً أو وجد أنصاف المتعلمين من الشيعة مَن تعرّض لمثل هكذا صحابي بسوء أو يشكّك فيه؟!
وأين هذا ممّن شرب الخمر وقاء وهو في محراب صلاته وكان من قبلُ قد نزل فيه آية من الذكر الحكيم تؤكّد فسقه؟!1
الثانية: أنّه يركّز على ملاك الصحبة وأنّ الّذي صيّر مائة ألف من الّذين كانوا غارقين في الوثنية والأخلاق الجاهلية ـ من وأد البنات إلى الإغارة ـ عدولاً، هو رؤية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ومصاحبته بشكل بين شروطه في المحاضرات المتقدمة، ومن هنا نقول:
إنّ صحبة الصحابة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لم تكن أشدّ ولا أقوى ولا أطول من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط، فقد صحبتا زوجيهما الكريمين، ولبثتا معهما ليلاً ونهاراً ولكن هذه الصحبة ـ للأسف ـ ما أغنت عنهما من الله شيئاً، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحِينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)2.

1 . لاحظ : الكامل في التاريخ: 2 / 246، حوادث سنة 30 هـ ; أسد الغابة: 5 / 452 برقم 5468 ; تاريخ الخلفاء: 144 ; الاستيعاب: القسم الرابع / 1556 برقم 2721 ; السيرة الحلبية: 2 / 284 .
2 . التحريم: 10.

صفحه 39
الثالثة: أنّ الكتاب العزيز يندّد ببعض نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأجل كشف سرّه ويعاتبهنّ في ذلك ويقول: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْض فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَني الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَات مُؤْمِنَات قَانِتَات تَائِبَات عَابِدَات سَائِحَات ثَيِّبَات وَأَبْكَارًا)1فأي عتاب أشدّ من قوله سبحانه: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا): أي مالت قلوبكما عن الحق، كما أنّ قوله: (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ)يعرب عن وجود أرضية فيهن للتظاهر ضد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وخلافه، وهو سبحانه أخبر عن إخفاق أُمنيتهن; لأنّ الله ناصر النبيّ وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة.
الرابعة: التدبّر في الآيات يبيّن لنا موقع المرأتين وأن الله سبحانه يخيّرهما بين أمرين:
1. التوبة والإنابة.
2. الحرب من الله وأنّ الله سبحانه سيكون ظهيراً للنبي ومعه

1 . التحريم: 3 ـ 5 .

صفحه 40
الملائكة وصالح المؤمنين.
وهذا يدلّ على أنّ ما صدر عنهما كان ذنباً ومعصية، ولذلك استحقتا هذا النحو من التحذير، ولو كان أمراً هيّناً وعادّياً لما استحقّ هذا القدر من التهديد والتحذير.
إنّ القرآن قد أجمل ولم يبيّن، هل تابت المرأتان، أو لم تتوبا وبقيتا على ما كانتا عليه من إيذائه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
***
إنّ الدكتور أحمد الطيب ـ مدّ الله في عمره ـ أشار في تعريفه للعدالة إلى أنّ ملكة العدالة تمنع الشخص من الكبائر، فإنّه سوف يمتنع عن الكذب بالضرورة وحين يريد أن يكذب لا تطاوعه نفسه!!
أقول: ما ذكره صحيح ولكن فليتدبّر فيما رواه البخاري عن عائشة في هذا المورد في تفسير الآيات الثلاث المتقدّمة، قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فواطيت أنا وحفصة عن أيّتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير؟! إنّي أجد منك ريح مغافير، قال: «لا، ولكنّي كنت أشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش، فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري

صفحه 41
بذلك أحداً» 1.
أليست نسبة النبيّ إلى أكلّ المغافير، نسبة كاذبة، وأين الملكة هنا من تواطئهما على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والاتفاق على الكذب في قضية كان الحسد أو الغيرة هي المحرّك الأساسي فيها؟!
كلّ هذا يدلّ على أنّ القضية أي عدالة الصحابة أمر مقبول لكن لا بشكل قضية كلّية تشمل كلّ فرد فرد.
فإنّ السيدة عائشة محترمة عندنا لأنّها زوجة النبيّ ونقول في حقّها ما ذكره الإمام علي (عليه السلام)في وقعة الجمل: «وَأَمَّا فُلاَنَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ (رائحة) النِّسَاءِ، وَضِغْنٌ غَلاَ فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ، لَمْ تَفْعَلْ. وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الاُْولَى، وَالْحِسَابُ عَلَى اللهِ تَعَالى».2
ومع ذلك فهذا لا يصدّنا عن دراسة ما قامت به في حرب الجمل من تجييش الجيوش إلى البصرة، وخالفت قوله تعالى:

1 . صحيح البخاري: 3 / 308، كتاب التفسير (65)، باب من سورة التحريم برقم 4912.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 156 .

صفحه 42
(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ).1 وقتل في هذه الحرب آلاف من أولادها.
ولم يذكر لنا الدكتور سبب غياب الملكة هذه والكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وإخباره بخلاف الواقع كما هو مسلّم في قضية الوليد بن عقبة وبني المصطلق الّتي نزل فيها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).2 حينما افترى الوليد على بني المصطلق مالم يصدر عنهم وكادت أن تقع في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فتنة عظيمة لولا التدخل الرباني!!
نكتفي بهذا البحث الموجز على أمل اللقاء في محاضرة قادمة.

1 . الأحزاب: 33 .
2 . الحجرات: 6 .

صفحه 43

الحلقة السادسة:

مساء اليوم السادس من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور الشيخ أحمد الطيب في محاضرته: إنّ القاعدة العامّة لمذهب أهل السنّة والجماعة تقضي بأنّ جميع الصحابة عدول وثبتت لهم العدالة، وسبب هذا التميّز هو صحبتهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فالصحبة تقتضي هذه العدالة.
إنّ أهل الحديث يرون أنّ الصحبة تَثبت بمجرّد اللقاء بالنبيّ، قصر اللقاء أم طال، والأُصوليّون اشترطوا طول الصحبة.
ثم قال: الفرق بين السنّة والشيعة في هذه النقطة، فالشيعة لا يرون هذا، أمّا أهل السنّة يعتقدون أنّ الصحابة جميعاً عدول، فالراوي غير الصحابي يجب البحث في تاريخه وحياته من خلال كتب الجرح والتعديل كي نصل في النهاية إلى أنّ هذا الراوي عدل تقبل روايته أو مجروح لا تقبل روايته .
أمّا إذا كان الراوي من الصحابة فتسلّم عدالته ولا يبحث في حياته ولا في تاريخه لأنّ مجرّد الصحبة يثبت عدالته.
***
أقول: إنّ شيخ الأزهر لم يأت في محاضرته في اليوم

صفحه 44
السادس من شهر رمضان بشيء جديد بل أكّد ما ذكره سابقاً، وكأنّه يعتقد بأنّ الصحبة أشبه بمادة كيمياوية حوّلت الصحابة من حالة سيئة إلى حالة حسنة، ومن فسق إلى عدالة، إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يكون بياناً لمراده.
كما أنّه يصوّر أنّ الصحابي بمجرّد الصحبة يصير إنساناً عادلاً منزّهاً عن كلّ ذنب، ولكن مع الأسف أنّ الصحابي نفسه لا يرى لنفسه هذا المقام!!

الصحابة أبصر بحالهم من غيرهم

إنّ من سبر تاريخ الصحابة بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يجد فيه صفحات مليئة بألوان الصراع والنزاع بينهم، حافلة بتبادل التّهم والشتائم، بل تجاوز الأمر بهم إلى التقاتل وسفك الدماء، فكم من بدريّ وأُحديّ انتُهكت حرمته، وصُبّ عليه العذاب صبّاً، أو أُريق دمه بيد صحابي آخر.
وهذا ممّا لا يختلف فيه اثنان، بيد أنّ الذي ينبغي التنبيه عليه، هو أنّ كلاًّ من المتصارعين ، كان يعتقد أنّ خصمه متنكّبٌ عن جادّة الصواب، وأنّه مستحقّ للعقاب أو القتل، وهذا الاعتقاد، حتّى وإن كان نابعاً عن اجتهاد، لكنّه يكشف عن أنّ كلاًّ من الفئتين المختلفتين لم تكن تعتقد بعدالة الفئة الأُخرى.

صفحه 45
فإذا كان الصحابي يعتقد أنّ خصمه مائل عن الحقّ ومجانب لشريعة اللّه ورسوله، وعلى أساس ذلك يبيح سلّ السيف عليه وقتله، فكيف يجوز لنا نحن أن نحكم بعدالتهم ونزاهتهم جميعاً، وأن نضفي عليهم ثوب القدسيّة على حدّ سواء؟! ونُبرّأهم من كلّ زيغ وانحراف؟!
أو ليس الإنسان أعرف بحاله وأبصر بمكانته؟!
أو ليست الصحابة أعرف منّا بنوازع أنفسهم، وبنفسيات أبناء جيلهم؟!
هذا بالإضافة إلى ما دار بينهم من حوارات تكشف عن اعتقاد بعضهم في حقّ البعض الآخر، فالاتّهام بالكذب والنفاق والشتم والسب كان من أيسر الأُمور المتداولة بينهم، فهذا هو سعد ابن عبادة سيّد الخزرج، يخاطب سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس وينسبه إلى الكذب كما حكاه البخاري في صحيحه عن عائشة أنّها قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج فقال لسعد ]بن معاذ[: كذبت لعمر الله... فقام أُسيد بن حضير وهو ابن عم سعد] بن معاذ [فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللّه يخفِّضهم حتّى سكتوا

صفحه 46
وسكت.1
أفيمكن وصف الحيّين من أوّلهما إلى آخرهما بالعدالة والوثاقة وهما على هذا الحد من قلّة الأدب والعصبية وعدم ضبط النفس في مجلس رسول الله؟! وتزداد الحيرة عندما تعلم أنّ السبب من وراء هذه القضية هو قول سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس: يا رسول الله: أنا أعذرك منه ـ يعني: المنافق عبدالله بن سلول ـ فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج وقد احتملته الحميّة دفاعاً عن ابن سلول المنافق؟!!
وعليه فإنّ القداسة الّتي أحاطت الصحابة أمر طارئ صنعتها عوامل كثيرة منها سياسية، ومنها ما أشار إليه كبار رجال المدرسة السنيّة في الجرح والتعديل كالشيخ الذهبي في معرفة الرواة، حيث قال:
ولو فتحنا هذا الباب (الجرح والتعديل) على نفوسنا لدخل فيه عدّة من الصحابة والتابعين والأئمة، فبعض الصحابة كفّر بعضهم بعضاً بتأويل ما. 2
وليست هذه القضية فريدة في بابها فلها نظائر وردت في

1 . صحيح البخاري: 3 / 245، كتاب التفسير، رقم الحديث 4750.
2 . معرفة الرواة: 45.

صفحه 47
الصحاح والمسانيد وفي غضون كتب التاريخ.
أو ليس من العجب العجاب، أنّ الصحابي يصف صحابياً آخر ـ في محضر النبيّ ـ بالكذب، والآخر يصف خصمه بالنفاق وكلا الرجلين من كبار الأنصار وسنامهم؟! ولكنّ الّذين جاءوا بعدهم يصفونهم بالعدل والتقوى، والزهد والتجافي عن الدنيا، وهل سمعت ظئراً أرأف بالطفل من أُمّه؟!
***
وعندما يقف الباحث السنّي على مصادر جمّة تكشف عن أفانين من اقتراف المعاصي وسفك الدماء الطاهرة، وهتك الحرمات، ويجابههم بهذه الحقائق، فلا يجد بدّاً من الالتجاء إلى ما يُروى عن عمر بن عبد العزيز وأحياناً عن الإمام أحمد بن حنبل من لزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الاختلاف، وكثيراً ما يقولون حول الدماء التي أُريقت بيد الصحابة ـ حيث قتل بعضهم بعضاً ـ : تلك دماء طهّر اللّه منها أيدينا، فلا نلوّث بها ألسنتنا.
ويُستشفّ من هذا الكلام أنّ الدماء التي أُريقت في وقائع الجمل وصفين والنهروان، كانت قد سُفكت بغير حق، وهذا ـ وأيم الحق ـ عين النصب، وقضاء بالباطل، وإلاّ فأي ضمير حرّ يحكم بأنّ قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، كان قتالاً بغير حقّ؟! وكلّنا

صفحه 48
يعلم أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان على بيّنة من ربّه وبصيرة في دينه، يدور معه الحقّ حيثما دار، وهو الذي يقول: «والله لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصيَ اللهَ في نملة أسلبُها جِلْبَ شعيرة ما فعلتُ».1
ما هذا التجنّي أمام الحقائق الواضحة؟!
أو ليس العزوف عن نقد الصحابة تبريراً للأخطاء، وهروباً من الواقع، وإيغالاً في التقديس؟!
أو ليس تنزيه الصحابة جميعاً تنكّراً للطبيعة البشرية.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 224 .

صفحه 49

الحلقة السابعة:

مساء اليوم السابع من شهر رمضان 1436 هـ

واصل الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في اليوم السابع من شهر رمضان حديثه عن عدالة الصحابة ـ أيضاً ـ ، وقال: إنّ القول بها لم يكن من اختراع أهل السنّة والجماعة وإنّما أخذاً من نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة.
أمّا القرآن فيدلّ عليها قوله سبحانه: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)1.
وأكّد أنّ الصحابة اكتسبوا هذا الفضل والتعديل بتعديل الله تعالى لهم وثناؤه عليهم.
ثم استدلّ بالسنّة بما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تسبّوا أصحابي، فوالّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه. وغيرها من الروايات.

1 . التوبة: 100 .

صفحه 50
***

تفسير الآية

إنّ شيخ الأزهر اقتصر بنقل الآية ولم يشرح لنا كيفية دلالتها على عدالة أصحاب النبيّ من أوّلهم إلى آخرهم وربّما يبلغ عددهم مائة ألف مع أنّ الآية أخصّ ممّا يدّعيه الدكتور وذلك بالبيان التالي:
قوله سبحانه: (وَالسَّابِقُونَ...) تشير إلى الأصناف الثلاثة:
1. (السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ).
2. السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ (الأَنْصَارِ) .
3. (وَالَّذِينَ ـ أي من أصحاب النبيّ ـ اتَّبَعُوهُمْ ـ أي اتّبعوا السابقين في الهجرة والنصرة اتّباعاً ـ بِإِحْسَان).
ثم إنّه سبحانه ذكر السبق والأوّلية في الصنفين الأوّلين ولم يذكر متعلّقهما، غير أنّ وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً، يرفع الإجمال عن الآية وأنّ الملاك هو السبق في الهجرة والنصرة .
ولأجل إيضاح المراد يجب أن ندرس الفقرتين الأُوليين ثم نرجع إلى الثالثة فنقول: إنّ ثناء الله يختصّ بالسابقين في هذين المضمارين (الهجرة والنصرة) لا بكلّ مهاجر وأنصاريّ بشهادة وجود (من)في قوله: (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ)فمن وصف

صفحه 51
بأحد الأمرين: السبق في الهجرة أو السبق في النصرة فالله سبحانه يقول: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) إنّما الكلام في مصاديق هاتين الطائفتين، ولا شكّ أنّ المراد هم السبّاقون الأوّلون في الهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة المنوّرة .
وأمّا السبّاقون الأوّلون في النصرة فهم الّذين بايعوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في البيعتين الأُولى والثانية، وقد كان عدد المبايعين من الأنصار في العقبة الأُولى اثني عشر رجلاً، وفي العقبة الثانية قرابة السبعين، فهؤلاء هم الّذين بايعوا للنصرة والدفاع عنه إذا نزل بأرضهم، فهؤلاء هم السبّاقون في النصرة.
وتخصيصهما بالذكر لأنّهم تحمّلوا أنواع العذاب فلم يروا منجاة لهم إلاّ الهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة المنوّرة أو الّذين نصروا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وآووه وآووا المهاجرين في ديارهم زمن غربة الإسلام وكونه مهدّداً من قبل الأعداء، فلفظ السبّاقون من الطائفتين ينطبق على مَن هاجر قبل معركة بدر الّتي كانت مبدأ ظهور الإسلام وقوته، أو آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وآواه وآوى المهاجرين من الأنصار.
فهذه الفقرة تحكي عن رضا الله عن تلك المجموعة وهم السبّاقون في الهجرة والنصرة قبل معركة بدر.
ويؤيّد ما ذكرناه أنّه سبحانه يذكرهم في سورة الأنفال ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي

صفحه 52
سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض)1. وبما أنّ سورة الأنفال نزلت عقب غزوة بدر فتكون دليلاً على أنّ المراد من الطائفتين هم الّذين وصفوا بالسبق والنصرة إلى حدّ النصف من السنة الثانية للهجرة.
إلى هنا تمّ الكلام في الفقرتين الأُوليين أمّا الفقرة الثالثة ـ أعني قوله: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان)ـ فأُريد بهم الّذين اتّبعوا الصنفين السابقين في الهجرة والنصرة فالصنفان الأوّلان إمامان متبوعان والصنف الثالث هم الأتباع وهم الّذين هاجروا بعد عزّ الإسلام وظهور قوّته أو نصروه كذلك، ولأجل تأخّرهم في الهجرة والنصرة صاروا أتباعاً، فكل مَن هاجر بعد غزوة بدر أو آمن أو نصر بعدها قبل فتح مكة فهذا هو المراد من الصنف الثالث.
وعلى ضوء ما ذكرنا، يكون رضا الله متعلّقاً بهذه الأصناف الثلاثة فقط، فكيف يصحّ أن تكون الآية دليلاً على عدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم حتّى الّذين اسلموا في العام التاسع من الهجرة وهو عام الوفود وفيه أسلم أغلب سكان الجزيرة العربية، فكيف تكون الآية دليلاً على عدالتهم؟! وهذا ما قلناه من أنّ المدّعى عام والدليل خاص .

1 . الأنفال: 72 .

صفحه 53

الرضا مقيّد لا مطلق

إنّ الله سبحانه قيّد تعلّق رضاه بالصنف الثالث بقوله: (اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان): أي اتّباعاً حسناً أو اتّباعاً في العمل الصالح، والقيد يكشف أنّ الصنف الثالث ينقسم إلى صنفين: مع الإحسان أو بدونه. فعلى هذا لو شكّ في واحد من مصاديق الصنف الثالث في وجود القيد فيه، فلا تكون الآية دليلاً على وجوده. نظير ما إذا قال القائل: «أكرم العالم العادل»، وشكّ في وجود العدالة، لا يجوز التمسّك بالدليل على وجود القيد في المورد.
إلى هنا ظهر أنّ الآية أخصّ من المدّعى بوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ الفقرة الأُولى (السبّاقون في الهجرة والنصرة) تختصّ بمَن وصفوا بالهجرة والنصرة قبل غزوة بدر.
الثاني: أنّ الفقرة الثانية تختصّ بمَن هاجر ونصر قبل غزوة بدر، ولا يشمل مَن آمن وهاجر ونصر بعدها.
الثالث: أنّ الرضا في الفقرة الثالثة مقيّد باتّباع بإحسان، فإذا شكّ في وجود القيد (وهو الإحسان) فلا تكون الآية دليلاً على وجود القيد.
وعلى هذا فقد كشفت الآية عن تعلّق الرضا بجماعة وفئة خاصة، وأين هذا من عامّة الصحابة الّذين يبلغ عددهم إلى مائة

صفحه 54
ألف. والمذكورة أسماؤهم منهم حوالي خمسة عشر ألف؟!
***
وهنا نكتة أُخرى غفل عنها كلّ مَن استدلّ بالآية وهي أنّ إخباره سبحانه بتعلّق رضاه بهذه الأصناف الثلاثة محدّد بكونهم باقين على ماكانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح والعدالة، وإلاّ فلو دلّ الدليل على خروج جمع قليل أو كثير عن هذه الضابطة فالآية ساكتة عن تلك الفئة ; وذلك لأنّ الأُمور بخواتيمها.
فقد روى البخاري في صحيحه عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إنّ العبد ليعمل فيما يرى الناس عمل أهل الجنّة وأنّه لمن أهل النار، ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنّة، وإنّما الأعمال بخواتيمها» .1
وليست منزلة الصحابة من الأوّلين والآخرين أعلى وأنبل ممّا يتحدّث عنه الذكر الحكيم بقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) .2
وعلى هذا فتعلّق الرضا بفئة أو شخص في فترة معيّنة لا يكون دليلاً على بقاء الرضا إلى نهاية عمرهم. فلو دلّ دليل على

1 . صحيح البخاري: 7 / 188، كتاب الرقاق، باب الأعمال بالخواتيم.
2 . الأعراف: 175 .

صفحه 55
تنكّب هؤلاء عن الصراط المستقيم فهذا لا يكون مخالفاً للآية ; لأنّ لكلّ ظرفاً وأمداً خاصّاً.
ثم إنّ الشيخ الطيب لم يبّين لنا الدليل على بقاء العدالة والوثاقة وعدم تزحزحها عنهم في الوقت الّذي وقعوا فيه في أُمور أخطر من الكذب في الحديث. وهذا ما اعترف به البراء بن عازب حيث روى البخاري في باب غزوة الحديبية عن العلاء بن المسيّب، عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب فقلت له، طوبى لك صحبت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبايعته تحت الشجرة!! فقال: يا ابن أخي: إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده! 1
ولا ريب أنّ الرجل كان شاهداً على الواقع وكان على معرفة بأسباب نزول الآيات الكريمة. ولذلك لم يتمسّك بها ويراها مشروطة بعدم العدول والانحراف عن الطريق بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ومواصلة السير على نهجه (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يعتبر صرف الصحبة بل البيعة كافية.
وكيف يفسّر لنا الشيخ الطيب تعوّذ ابن أبي مليكة من الافتتان بعد نقل روايات الحوض، قال البخاري: فكان ابن أبي مليكة يقول: اللّهم إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتتن عن

1 . صحيح البخاري: 5 / 66 ،كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية.

صفحه 56
ديننا!! .1
***
وأمّا الاستدلال بنهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عن سبّ أصحابه فيلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: أنّه لو صحّ الحديث سنداً فهو على خلاف المقصود أدلّ، لأن النبيّ يخاطب الصحابة ويقول لهم: لا تسبّوا أصحابي، ومعنى ذلك، وجود السابّ في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من الصحابة في حق بعضهم، ومن المعلوم أنّ السبّ فسوق، وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «قتال المؤمن كفر وسبابه فسوق»2. وما ربّما يقال من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يخاطب الأجيال الآتية لا الجيل المعاصر له، فهو كما ترى مخالف لصريح الرواية، حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «لا تسبّوا» والمخاطبون هم الحاضرون في مجلس الخطاب، ولو كان المخاطبون هم المسلمون في الأجيال الآتية لغيّر كلامه وقال: سباب إصحابي حرام، كما قال: «سباب المؤمن فسوق».
وهذا المعنى عين ما فهمه ابن حجر حيث قال: المراد بقوله:

1 . صحيح البخاري: 7 / 209، كتاب الرقاق، باب في الحوض .
2 . سنن ابن ماجة: 1 / 18 برقم 46 ; سنن الترمذي: 4 / 131 برقم 2771 .

صفحه 57
(أصحابي) أصحاب مخصوصون وإلاّ فالخطاب كان للصحابة .1
وعقب في نفس الموضع على القائلين بأنّ الخطاب لغير الصحابة وردّه باعتبار أنّ الخطاب كان بسبب حادثة سب خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف .2
أضف إلى ذلك أن السبّ حرام، ولكنّ ذكر سيرة حياتهم بإيجابيّاتها وسلبيّاتها لا يُعدّ انتقاصاً لهم، وبعبارة أُخرى: فالسبّ هو الشتم والنيل من كرامة الرجل وعرضه، ولا شكّ أنّ سبّ المؤمن فسوق، وأمّا نقد حياة الصحابة بذكر إيجابيّاتهم وسلبيّاتهم لا يُعدّ سبّاً وإنّما هو نقد لسيرتهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر ،
بل يشهد الحديث الصحيح على أمر فوق الحوار وهو أنّ الصحابي كان يتعرّض للسب; ففي صحيح مسلم عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك من أن تسبّ أبا التراب، فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حُمر النعم.

1 . فتح الباري: 7 / 34 .
2 . نفس المصدر .

صفحه 58
ثم أشار إلى فضائل ثلاثة للإمام علي (عليه السلام)وهي:
1. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام): «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى».
2. إعطاؤه الراية يوم خيبر وقوله: «لأعطينّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله».
3. لمّا نزلت الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي.1
وحصيلة الكلام: أنّ القوم خلطوا بين السبّ والنقد، والشيعة برآء من السبّ، فهم يرون أنّ السبّ فسق حسب قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو عمل النوكى. أمّا النقد أي دراسة سلوك الصحابي خلال حياته من قوة وضعف، فهو سيرة القرآن الكريم حيث يذكر حسنات الصحابة وسيئاتهم، وصالح أعمالهم وطالحها، وقد تطرق القرآن الكريم إلى ذكر أعمالهم الإيجابية، كما وذكر السلبيّة منها، وهذا واضح لمن قرأ الآيات التالية:
البقرة: 187، آل عمران 144، 153، 161، الحجر: 6، الأحزاب: 22، الجمعة: 6 .
ثم إنّ الشيخ الدكتور مدح الصحابة على وجه يظهر منه أنّ

1 . صحيح مسلم: 7 / 120 .

صفحه 59
الزمان لا يمكنه أن يأتي بمثلهم إلى يوم القيامة.
غير أنّ كلامه هذا على خلاف ما ورد في القرآن الكريم في مواضع:
الأوّل: تنبّأ القرآن الكريم بإمكان ارتداد الصحابة بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك لمّا انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد وقتل من قتل منهم .
يقول ابن كثير: نادى الشيطان على أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قتل. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قتل وجوّزوا عليه ذلك، فحصل ضعف ووهن وتأخّر عن القتال، روى ابن نجيح عن أبيه أنّ رجلاً من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)قُتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل الله سبحانه قوله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)1. (2)
قال ابن قيّم الجوزية: كانت وقعة أُحد مقدّمة وإرهاصاً بين

1 . آل عمران: 144 .   2 . تفسير ابن كثير: 1 / 409 .

صفحه 60
يدي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله أو قتل.1
الموضع الثاني: أخبر القرآن الكريم عن أنّه إن ارتدّ من الصحابة أحدٌ أو صنف (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم )2.
وهذا يدلّ على أنّ المستقبل لم يكن عقيماً عن أن يأتي بمن هو أفضل من بعض الصحابة، والله سبحانه هو الفيّاض المطلق ليس لفيضه حدّ محدود.
الموضع الثالث: قوله تعالى في سورة التوبة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ). 3
قال ابن عاشور في تفسيره «التحرير والتنوير»:... وإن جرينا

1 . زاد المعاد: 253 .
2 . المائدة: 54 .
3 . التوبة: 38 ـ 39 .   2 . التحرير والتنوير: 10 / 94 ـ 95 .

صفحه 61
على ما عزاه ابن عطية إلى النقّاش: أنّ قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ... الأرض) هي أوّل آية نزلت من سورة براءة كانت الآية عتاباً على تكاسل وتثاقل ظهرا على بعض الناس فكانت «إذا» ظرفاً للمستقبل، على ما هو الغالب فيها، وكان قوله: (إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)تحذيراً من ترك الخروج إلى غزوة تبوك. (2)
وقال ابن كثير في تفسيره: (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ): أي لنصرة نبيّه وإقامة دينه كما قال تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) .1 (وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا): أي ولا تضرّوا الله شيئاً بتولّيكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه.2
ونختم الكلام هنا بكلمة نقلها الدكتور أحمد أمين في «ضحى الإسلام» من رسالة لبعض الزيدية، قال: «إنّا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضاً، بل يلعن بعضهم بعضاً ـ ولو كانت الصحابة عند نفسها بالمنزلة الّتي لا يصحّ فيها نقد ولا لعن لعلمت ذلك من حال نفسها، لأنّهم أعرف بمحلّهم من عوامّ أهل دهرنا، وهذا طلحة والزبير وعائشة ومَن كان معهم وفي جانبهم، لم يروا أن يمسكوا عن علي، وهذا معاوية وعمرو بن العاص لم يقصرا

1 . محمد: 38 .
2 . تفسير القرآن العظيم: 4 / 135 ـ 136 .

صفحه 62
دون ضربه وضرب أصحابه بالسيف، وكالذي روي عن عمر من أنّه طعن في رواية أبي هريرة وشتم خالد بن الوليد وحكم بفسقه، وخوّن عمرو بن العاص ومعاوية ونسبهما إلى سرقة مال الفيء واقتطاعه، وقلّ أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أو يده، إلى كثير من أمثال ذلك ممّا رواه التاريخ . وكان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك ويقولون في العصاة منهم هذا القول، وإنّما اتّخذهم العامّة أرباباً بعد ذلك. والصحابة قوم من الناس، لهم ماللناس وعليهم ما عليهم. من أساء ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه، وليس لهم على غيرهم كبير فضل إلاّ بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير، بل ربّما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم، لأنّهم شاهدوا الأعلام والمعجزات، فمعاصينا أخفّ لأنّنا أعذر».1

الحلقة الثامنة:

اليوم الثامن من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف: إنّ العصمة

1 . ضحى الإسلام: 3 / 75 ـ 76 .

صفحه 63
هي عدم القدرة على الوقوع في الذنب، والمعصوم هو الّذي إذا أراد أن يقع في الذنب منعه الله تعالى عن الوقوع فيه .
أمّا العدالة فالملكة الراسخة في نفسه هي الّتي تمنع الشخص من الوقوع في الذنب، لكن في العصمة لا يقع المعصوم في الذنب لا لكونه لديه هذه الملكة فقط ; بل الله سبحانه وتعالى تولّى حفظه من مواقعة الذنوب الظاهرة والباطنة.
ثم مثل بمثال سيدنا يوسف (عليه السلام)ممّا في قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ) وقال: كان همّ يوسف همّ خطرات وحديث نفس (لَوْلاَ أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ).1
واستطرد الدكتور في ذكر الفرق بين وقوع الذنب أحياناً من الصحابي وعدم وقوعه من جانب النبيّ المعصوم، وقال: إنّ الموانع الّتي تمنع الصحابي كوابح داخلية إنسانية بشرية، يمكن أن تتخلّف، لكن الكوابح الّتي في المعصوم كوابح إلهية تمنع المعصوم من الوقوع في الذنب مطلقاً.
وأكدّ الدكتور أنّه من هنا صحّ وقوع الصحابي في الذنب دون النبيّ.
ثم اختتم حديثه بأنّ الشيعة يمدّون العصمة إلى اثني عشر

1 . يوسف: 24 .

صفحه 64
إماماً بدءاً من الإمام علي ومروراً بالإمامين الحسن والحسين ووصولاً إلى الإمام الثاني عشر الّذين يقولون أنّه في دور الغيبة، وهذا ما لا يقول به أهل السنّة والجماعة.
***
ولنا على كلامه حفظه الله ملاحظات:

الأُولى: تعريف العصمة

عرّف الدكتور العصمة بعدم القدرة على الوقوع في الذنب، وعلّله بوجود كوابح إلهية تمنع المعصوم من الوقوع في الذنب مطلقاً.
فنسأله: أنّ العصمة مفخرة يتحلّى بها الأنبياء والمعصومون، فلو كانوا معها غير قادرين على المعصية ومخالفة التكليف، فلا يُعدّ ذلك مفخرة لعدم قدرتهم على المعصية إذا أرادوها. ولذلك لو افتخر عنين بعدم اقتراف الفحشاء فلا يُعدّ ذلك فخراً له، إنّما الفخر ليوسف (عليه السلام)الّذي كان يتمتّع بالغريزة الكاملة ورغم كلّ ذلك فقد استعصم، وبذلك اعترفت امرأة العزيز وقالت: (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ )1.

1 . يوسف: 32 .

صفحه 65
وبعبارة أُخرى: إذا كان الامتناع عن الذنب يتمّ برادع خارجي يوكّل بالإنسان ويمنعه عنه، فلا فضيلة في ذلك، إذ المسألة تشبه أن يقوم شخص بالسرقة ويمتنع آخر عنها ; لأنّ معه دائماً شرطياً يتابعه. ففي هذه الحالة، الثاني سارق كالأوّل ولكن مع فارق فالأوّل يسرق، لا يحول دونه شرطي، والثاني سارق ولكن الشرطي يحول دون ممارسته للسرقة .1
وعلى ذلك فالتفريق بين المعصوم والعادل بالعجز عن المعصية في الأوّل والقدرة عليها عند الثاني، غير صحيح.

حقيقة العصمة

والصحيح أنّ العصمة هي نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي. حيث إنّ العلم القطعي بعواقب الأعمال الخطيرة، يخلق في نفس الإنسان وازعاً قوياً يصدُّه عن ارتكابها.
وأمثاله في الحياة كثيرة; فلو وقف أحدنا على أنّ في الإسلاك الكهربائية طاقة من شأنها أن تقتل مَن يمسّها من دون عائق، فإنّه يحجم من تلقاء نفسه عن مسّ تلك الأسلاك والإقتراب منها; ونظير ذلك، الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار

1 . الإمامة للشهيد المطّهري: 203 .

صفحه 66
الجراثيم، فإنّه إذا صادف ماءً اغتسل فيه مصاب بالجُذام أو البَرَص، أو إناءً شرب منه مصابٌ بالسِّلِّ، لا يقدم على الإغتسال فيه
أو شربه، مهما اشتدّت حاجته إليه، لعلمه بما يَجُرّ عليه
الشرب والإغتسال بذاك الماء الموبوء، من الأمراض. وقس
على ذلك سائر العواقب الخطيرة، وإن كانت من قبيل السقوط في أعين الناس، وفقدان الكرامة وإراقة ماء الوجه بحيث لا ترغد الحياة معه.
فإذا كان العلم القطعي بالعواقب الدنيوية لبعض الأفعال يوجد تلك المصونية عن الإرتكاب، في نفس العالم، فكيف بالعلم القطعي بالعواقبِ الأُخرويِة للمعاصي ورذائل الأفعال، علماً لا يداخله ريبٌ ولا يعتريه شكٌ، علماً تسقط دونه الحُجُب فيرى صاحبُه رَأي العينِ، ويَلْمِسُ لَمسَ الحِسِّ، تَبِعاتِ المعاصي ولوازِمَها وآثارَها في النشأة الأُخرى، ذَاك العلم الّذي قال تعالى فيه: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)1، فمِثْلُ هذا العِلم يخلُق من صاحبه إنساناً مثالياً، لا يخالفَ قول ربه قيد أنملة، ولا يتعدّى الحدود الّتي رسمها له في حياته قدر شعرة، ولن تنتفي المعصية من حياته فحسب، بل إنّ مجرّد التفكير فيها، لن يجد

1 . التكاثر: 5 و 6.

صفحه 67
سبيله إليه.
وما ذكرناه يفيد أنّ للعلم مرحلة قوية، راسخة، تُغَلِّب الإنسان على الشهوات وتَصُدُّه عن فعل المعاصي والآثام. ونجد هذا البيان في كلمات جمال الدين الفاضل مقداد بن عبد الله السُيوري الحلِّي في كتابه القيّم «اللّوامع الإلهية»، يقول: «العصمة ملكة نفسانية تمنع المتّصف بها من الفجور مع قدرته عليه. وتتوقّف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات; لأنّ العفة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التام بما في المعصية من الشقاء وفي الطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجباً لرسوخها في النفس، فتصير ملكة».1
وليس المُدَّعى أنّ كلّ علم بعواقب الأفعال يصد الإنسان عن ارتكابها، وأنّ العلم بمجرّده يورث العصمة، فإنّ ذلك باطل بلا ريب، لأنّا نرى الكثيرين من ذوي العلوم بمَضرَاتِ المُخَدِّرات والمُسكرات والأعمال الشنيعة لا يتورّعون عن ارتكابها، استسهالاً للذم في مقابل قضاء وَطَرهم منها. فلو كان العلم بعواقب المعاصي من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك العادي، لتسرّب إليه التخلّف، لكنّ سنخ العلم الّذي يصيِّر الإنسان معصوماً، ليس من

1 . اللوامع الإلهية: 170.

صفحه 68
سنخ هذه العلوم والإدراكات المتعارفة، بل علمٌ خاصٌ فوقها، ربما يعبّر عنه بشهود العواقب وانكشافها كشفاً تامّاً لا يبقى معه ريب.
نعم كلّ ما ذكرناه يرجع إلى العصمة بأحد معانيها، وهو المصونية عن المعصيّة والتمرّد على أوامر المولى، وأمّا العصمة في مقام تلقّي الوحي أوّلاً، والتحفّظ عليها ثانياً، وإبلاغه إلى الناس ثالثاً، والعصمة عن الخطأ في الأُمور الفردية والاجتماعية فلابدّ لها من عامل آخر، نتعرض له في الأبحاث الآتية بإذن الله .
***
الثانية: قال الدكتور: من هنا صحّ وقوع الصحابي في الذنب.
أقول: إنّ الشيخ قد تفرّد في هذا الرأي حيث إنّه يصرّح بأنّه قد صدر من الصحابة الذنب الكبير، إلاّ أنّ غيره من علماء السنّة يتعاملون مع الصحابة معاملة المعصوم حيث إنّهم يتحاشون عن نسبة الذنب إليهم، وكلّما يورد عليهم بصدور الذنب عن الصحابي، يقولون: إنّه اجتهد، والمجتهد مأجور فإن كان مصيباً فله أجران وإن كان مخطئاً فله أجر واحد ; وبالتالي صار مقترف الذنب ذا أجر، وليس هذا إلاّ المغالاة في حقّ الصحابة!!
***

صفحه 69

الحلقة التاسعة:

اليوم التاسع من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب: إنّ العدالة ـ عند أهل السنّة ـ هي ملكة بشرية تحول دون وقوع العدل في المعاصي، ولكن يجوز معها أن تتغلب النوازع ويقع في الذنب، أمّا العصمة فتعني استحالة الوقوع في الذنب بسبب حفظ الله (عزّوجلّ) للرسل والأنبياء بواطنهم وظواهرهم من التلبّس بالمعاصي.
ثم إنّه حفظه الله استرسل في الكلام حول عصمة الأنبياء بوجه جيد لا خلاف فيه، ثم قال: بأنّ مفهوم العدالة عند أهل السنّة هي العدالة الّتي يجوز معها الوقوع في الخطأ، وهذا المفهوم ينطبق على الصحابة رضي الله عنهم، ولكن الشيعة لمّا توسعوا في مفهوم العصمة اضطروا لفتح باب الوحي للأئمة من بعد الأنبياء، ونحن نقول: إنّ العصمة للأنبياء فقط، والوحي قد انقطع بوفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
***

أقول: وعلى كلامه حفظه الله ملاحظات:


صفحه 70
الأُولى: أنّك قد عرفت أنّ العصمة لا تلازم استحالة الوقوع في الذنب، وإلاّ لم تكن فخراً لواحد من الأنبياء، وقد مرّ تفصيله.
الثانية: أنّه تارة يقول: إنّ العدالة يجوز معها أن تتغّلب النوازع ويقع في الذنب.
ولكنّه مرّة أُخرى يقول: إنّ العدالة هي الّتي يجوز معها الوقوع في الخطأ.
ومن الواضح أنّ التعريف الثاني لا صلة له بالعدالة ، ولا منافاة بين الخطأ والعدالة، بخلاف الذنب.
الثالثة: أنّ ما نسبه إلى الشيعة من أنّهم لمّا توسّعوا في مفهوم العصمة اضطروا لفتح باب الوحي للأئمة من بعد الأنبياء .
إنّ الأُمّة الإسلامية سنّة وشيعة قالوا بغلق باب الوحي بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهذا هو إمام الأُمّة يقول عند تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالاِْنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ».1
وعلى ذلك كيف يمكن للشيعة بأن يقولوا بأنّ الأئمة يوحى إليهم، غير أنّ الأُستاذ في قضائه هذا لم يفرّق بين الوحي

1 . نهج البلاغة: الخطبة 235 .

صفحه 71
والتحديث، فإنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)محدَّثون، لا موحى إليهم، وقد عقد البخاري باباً في التحديث، وسيوافيك ما أورده فيه، بعد تعريف المحدَّث .
فالمحدّث هو مَن تكلّمه الملائكة بلا نبوّة ولا رؤية صورة، أو يُلهم ويُلقى في روعه شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره، أو غير ذلك من المعاني الّتي يمكن أن يراد منه، فوجود مَن هذا شأنه من رجالات هذه الأُمّة متّفق عليه بين فرق الإسلام، بيد أنّ الخلاف في تشخيصه، فالشيعة ترى أنّ عليّاً أمير المؤمنين وأولاده الأئمة(عليهم السلام)من المحدّثين، وأهل السنّة يرون أن منهم عمر بن الخطاب:
1. أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب عن أبي هريرة، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لقد كان فيمَن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أُمّتي منهم أحدٌ فعمر.1
2. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال

1 و 2 . صحيح البخاري: 4 / 200، باب مناقب عمر بن الخطاب، دار الفكر ـ 1401 هـ .

صفحه 72
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد كان فيما قبلكم من الأُمم محدَّثون فإن يكن في أُمّتي أحد فإنّه عمر .(2)
3. أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كان في الأُمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أُمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخطاب منهم.1
وقال ابن حجر أيضاً: قوله: «محدَّثون» بفتح الدال جمع محدّث واختلف في تأويله فقيل: ملهم، قاله الأكثر، قالوا: المحدَّث بالفتح هو الرجل الصادق الظن وهو من أُلقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدّثه غيره به، وبهذا جزم أبو أحمد العسكري، وقيل: مَن يجري الصواب على لسانه من غير قصد. وقيل: مكلّم أي تكلّمه الملائكة بغير نبوّة، وهذا ورد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً ولفظه: قيل: يا رسول الله وكيف يُحدّث؟ قال: تتكلّم الملائكة على لسانه. وحكاه القابسي وآخرون. ويؤيده ما ثبت في الرواية المعلقة، ويحتمل ردّه إلى المعنى الأوّل أي تكلّمه في نفسه وإن لم ير مكلّماً في الحقيقة فيرجع إلى الإلهام .2

1 . صحيح مسلم بشرح النووي: 15، رقم الحديث 6154 .
2 . فتح الباري: 7 / 50 .

صفحه 73
ولأعلام القوم حول المحدَّث والروايات الواردة في حقّه كلمات وافية تعرب ـ بوضوح ـ عن وجود الفرق بين المحدَّث والنبي، وأنّه ليس كلّ مَن يُنكَت في أُذنه أو يُلقى في قلبه نبيّاً، واختلاف الشيعة مع السنّة إنّما هو في المصاديق فالشيعة ـ كما قلنا ـ يرون أن عليّاً أمير المؤمنين وأولاده الأئمة من المحدَّثين وأهل السنّة يرون أنّ منهم عمر بن الخطاب.
***
ثم إنّ الدكتور أشار في محاضرته بأنّ هناك نوعاً آخر من العصمة عند أهل السنّة لابدّ من توضيحه بهذه المناسبة، وهو أنّ العصمة تكون لمجموع الأُمّة وليست لأفرادها، وهناك فرق بين المجموع وبين الأفراد، فلو أجمع علماء المسلمين على أمر وتلقّاه المسلمون بالقبول الحسن، فإنّ هذا الأمر يصير حقّاً، فإنّ الأُمّة معصومة في هذه الأحكام، وهي واجبة الاتّباع، بل هي حجج تشريعية بعد نصوص القرآن الكريم، والسنّة النبوية.
ثم قال: إنّ الشيعة يقولون إنّ إجماع الأُمّة لو كان بينهم الإمام المعصوم ـ بزعمهم ـ فإنّه يُعدّ هذا الإجماع معصوماً بعصمة الإمام.
وأمّا لو لم يكن بينهم إمام معصوم فإجماع الأُمّة حينئذ غير معصوم.

صفحه 74
يلاحظ عليه: بأنّ من مراتب التوحيد، التوحيد في التشريع بأنّه لا مشرّع إلاّ الله، وليس لأحد حقّ التشريع والتقنين: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ )1 .
وعلى هذا فمصدر التشريع هو الكتاب والسنّة فقط، وأمّا الاحتجاج بالعقل، فلأجل أنّ إدراكه كاشف عن الحكم الشرعي، فليس له حقّ التشريع، وإنّما يتمتّع بالكشف عمّا هو الحكم عند الشارع على وجه بيّنه الأُصوليون.
وأمّا إجماع الأُمّة فلم يدلّ دليل صحيح على أنّ إجماعهم على حكم إذا كان معه دليل ظنّي يرتفع الحكم مع الإجماع إلى حكم قطعي واقعي ويكون كسائر ما دلّ عليه الكتاب والسنّة. إذ معنى هذا أنّ الإجماع من مصادر التشريع، وقد عرفت أنّ مقتضى القول بالتوحيد في التشريع انحصار التشريع في الكتاب والسنّة.
وأمّا الشيعة فلا يرون الإجماع من أدوات التشريع، بل أنّه كاشف عن الحكم الشرعي فلو كان الإمام المعصوم بينهم فإجماعهم يكشف عن موافقة الإمام لهم، فيكون أيضاً كاشفاً عن الحكم الشرعي، وأمّا في غير هذه الصورة فالشيعة تقول بحجّية الإجماع بطرق مختلفة مذكورة في الكتب الأُصولية أوضحها أنّها

1 . يوسف: 40 .

صفحه 75
تكشف عن وجود دليل شرعي بين المجمعين، وصل إليهم ولم يصل إلينا، وعلى ذلك يصير النزاع في حجّية الإجماع نزاعاً لفظياً لا ثمرة له فهو حجّة في كلتا الحالتين، سواء أكان الإجماع من أدوات التشريع كما هو رأي أهل السنّة، أو كاشفاً قطعياً عن الحكم الشرعي أو الدليل الشرعي.
ونحن نقترح على شيخ الأزهر بأن يسمح بدراسة الفقه الإمامي في الأزهر الشريف حتّى يتبيّن أنّ الفوارق أقل ممّا يُتصور، وأنّه ما من مسألة شرعية ـ إلاّ ما شذّ ـ لها موافق من فقهاء السنّة قديمهم أو حديثهم، ويكفي في ذلك مطالعة كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي (رحمه الله)، وقد سمعت بأُذني من الفقيه المعاصر الدكتور وهبة الزحيلي عندما حلّ علينا ضيفاً في قم المقدّسة قال: إنّي أشهد أنّ الاختلاف بين فقهاء السنّة أكثر من الاختلاف بين السنّة والشيعة، أنار الله برهانه.

صفحه 76

الحلقة العاشرة:

اليوم العاشر من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب في هذه المحاضرة بعد بيان الفرق بين العصمة في الأنبياء والعدالة في الصحابة ما هذا حاصله:
إنّ العدالة ليست عصمة إلهية، ولذا قد تضعف العدالة عند الصحابي وتتغلّب عليه نوازع النفس ويقع في الإثم وسرعان ما يتوب إلى الله، لكنّها حالات محدودة، فمن الصحابة مَن اقترف بعض الآثام، وكان يعترف بإثمه، ويذهب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يطلب منه أن يطهره بإقامة الحدّ، والتاريخ يقصّ علينا أنّ بعض الصحابة قد دخلوا فيما يُسمّى بالفتنة الكبرى وهو الاقتتال الّذي حدث فقتل سيدنا عثمان، وفي عهد سيدنا علي ـ رضي الله عنهما ـ مع أنّهم ما دخلوا فيه إلاّ مجتهدين ومتأوّلين، فكلّ كان يعتقد أنّه يقاتل في سبيل الحقّ ومن أجل مصلحة المسلمين، ومعلوم أنّ المجتهد إذا اصاب له أجران: أجر الاجتهاد وأجر إصابة الحقّ، وأنّ المجتهد المخطئ له أجر واحد، وهو أجر الاجتهاد، وبالتالي فإنّ المسألة هنا لا تجرّم الصحابي الّذي ذهب وانضمّ للجيش المطالب بدم عثمان، ولا تجرّم الصحابي الّذي انظم لجيش علي.

صفحه 77
***
أقول: نحن رضينا بقول الدكتور بأنّ الصحابة يصدر منهم الذنب الكبير، وقد ذكر مثالاً واحداً وهو الّذي جاء إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)طالباً منه أن يطهّره، بإقامة الحدّ، ولكن بيت القصيد الّذي تدور عليه رحى الاختلاف، هم الّذين حاربوا الخليفة الشرعي أعني الإمام عليّاً (عليه السلام)في الحروب الثلاثة: الجمل، وصفين، والنهروان، والأُستاذ ـ حفظه الله ـ جعلهم مجتهدين متأوّلين وأثبت لهم الأجر، ثم إنّه في ختام كلامه قال: وليس مَن شرب الخمر وادّعى الاجتهاد مجتهداً، لأنّه لا اجتهاد ولا تأويل مع النصوص الواضحة.
فنحن نقول: أي نصّ أوضح من قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي وفاطمة والحسن والحسين: «أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم». 1
وقوله: «يا علي ستقاتلك الفئة الباغية وأنت على الحقّ، فمَن لم ينصرك يومئذ فليس منّي».2

1 . مجمع الزوائد للهيتمي: 9 / 169; المعجم الأوسط للطبراني: 3 / 179 ; المستدرك على الصحيحين: 3 / 161، برقم 4714 .
2 . تاريخ دمشق لابن عساكر: 12 / 370 ; برقم 1220 ; مجمع الجوامع للسيوطي: 6 / 155 ; كنز العمال: 11 / 613، برقم 32970 .

صفحه 78
وأي دليل أوضح من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية» وقال أيضاً: «ويح عمّار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار».1 وقد قتله جيش معاوية الّذين سمّاهم رسول الله الفئة الباغية.
أو ليس عمل الفئة الباغية هذا، اجتهاداً في مقابل النصّ، وأيُّ فرق بين تحليل الخمر مع ورود النصّ الروائي على حرمته ومحاربة الإمام الّذي نصّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على كون المحارب له باغياً، متجاوزاً عن ميزان الحقّ؟! أو يصحّ بعد ذلك تعديل هؤلاء والحكم بانّهم متأوّلون مثابون؟!
وبعبارة أُخرى: إنّ طبيعة القضية وخطورة الموقف المترتّب على الحروب الثلاثة تقتضي أن يكون النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قد حذّر الجميع منها، ورسم لهم الموقف المناسب الّذي عليهم اتّخاذه عند نشوبها ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حذّر ممّا هو أدنى منها خطورة، فكيف بقضية بحجم تلك الفتنة الّتي كادت أن تعصف بالعالم الإسلامي؟! وهذا ما تؤيّده الروايات الّتي انتهت إلى كبار الصحابة، وهذه كلمات الصحابة مبثوثة في طيّات الكتب والمعاجم، وهي تعرب عن أنّ

1 . الإصابة لابن حجر: 2 / 512 برقم 5704 ; تهذيب التهذيب: 7 / 409، برقم 665 ; البداية والنهاية لابن كثير: 7 / 298، حوادث سنة 37 هـ .

صفحه 79
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحثّ أصحابه على نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام)في تلك الحروب، ويدعوهم إلى القتال معه، ويأمر عيون أصحابه بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، ونشير هنا إلى نماذج من تلك الروايات الّتي تنتهي إلى كبار الصحابة كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)وأبي أيوب الأنصاري، وابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وعمّار بن ياسر، وابن عباس، ممّا يكشف عن مدى اهتمامه بهذه القضية:
أخرج الحاكم في المستدرك1 والذهبي في تلخيصه عن أبي أيوب الأنصاري: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، ورواه أيضاً الكنجي 2.
وأخرج الحاكم أيضاً 3، عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله يقول لعلي: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
ولمّا عوتب أبو أيوب الأنصاري على مقاتلة المسلمين احتجّ بأنّه عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال أبو صادق: قدم علينا أبو أيوب العراق فأهدت له الأزد جزراً، فبعثوها معي، فدخلت

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 139 .
2 . لاحظ : كفاية الطالب: 70 .
3 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 140 .

صفحه 80
فسلمت عليه وقلت له: يا أبا أيوب قد كرّمك الله عزَّ وجلَّ بصحبة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ونزوله عليك، فمالي أراك تستقبل الناس بسيفك تقاتلهم؟! هؤلاء مرّة وهؤلاء مرّة! قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عهد إلينا أن نقاتل مع علي الناكثين فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين، فهذا وجهنا إليهم ـ يعني: معاوية وأصحابه ـ وعهد إلينا أن نقاتل مع علي المارقين، ولم أرهم بعد .1
وروى علقمة والأسود عن أبي أيوب أنّه قال: إنّ الرائد لا يكذب أهله، وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمرنا بقتال ثلاثة مع علي بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين.2
وقال عتاب بن ثعلبة: قال أبو أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطاب: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع عليّ. ورواه عنه أصبغ بن نباتة غير أن فيه: أمرنا.3

1 . شرح نهج البلاغة: 3 / 207 .
2 . تاريخ ابن عساكر: 42 / 472، دار الفكر، بيروت ـ 1415 هـ ; تاريخ ابن كثير: 7 / 306 (7 / 339 حوادث سنة 37 هـ) ; كنز العمال: 11 / 352 ح 31720. وراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 207 الخطبة 48.
3 . تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: 42 / 472 ; ورواه الحاكم في المستدرك: 3 / 139 ـ 140 بلفظ قريب من هذا; وابن عبدالبرّ في الاستيعاب: 3 / 53 (القسم الثالث / 1117 برقم 1855 ).

صفحه 81
وعن أبي سعيد الخدري، قال: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال هؤلاء فمع مَن؟ قال: «مع عليّ بن أبي طالب».1
وعن أبي اليقظان عمّار بن ياسر، قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. أخرجه الطبراني، وفي لفظه الآخر من طريق آخر: أمرنا، أخرجه الطبراني وأبو يعلى، 2 وعنهما الهيتمي .
ومن كلام لعمّار بن ياسر خاطب به أبا موسى الأشعري، قال: أمّا إني أشهد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر عليّاً بقتال الناكثين، وسمّى لي فيهم من سمّى، وأمره بقتال القاسطين، وان شئت لأقيمنّ لك شهوداً يشهدون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما نهاك وحدك وحذرك من الدخول في الفتنة.3
والعجب أنّ الدكتور يساوي بين الجبهتين في أنّ كلاهما مجتهد!! وشتّان بين الشجرتين: شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها

1 . أخرجه الحاكم في أربعينه كما ذكره السيوطي، والحافظ الكنجي في الكفاية ص 72 (ص 173 الباب 38) ; وابن كثير في تاريخه: 7 / 305 (7 / 339 حوادث سنة 37 هـ).
2 . مسند أبي يعلى: 3 / 194 ح 1623 ; مجمع الزوائد: 7 / 238 .
3 . شرح نهج البلاغة: 14 / 15 .   3 . لاحظ : تاريخ الطبري: 11 / 365 .

صفحه 82
في السماء، وشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وما أبعد ما بين الشجرتين، شجرة مباركة زيتونة والشجرة الملعونة في القرآن بتأويل من النبيّ الأعظم، بلا اختلاف بين اثنين في أنّهم هم المراد من الشجرة الملعونة كما ذكر الطبري.(3)
نقل الأُستاذ محمد رشيد رضا في تفسيره: قال أحد كبار علماء الألمان في الاستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكّة: إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان (كذا) من عاصمتنا (برلين)، قيل له: لماذا؟ قال: لأنّه هو الّذي حوّل نظام الحكم الإسلامي من قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب، ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوربا عرباً مسلمين .1
ومن الجدير بالذكر فإنّ الدكتور قد تطرّق في نهاية كلامه إلى ما ذكرته وكالة أنباء فارس، وأجاب هو عن ذلك. ونحن لا نتدخل في ذلك .

1 . تفسير المنار: 11 / 260 .

صفحه 83

الحلقة الحادية عشرة:

اليوم الحادي عشر من شهر رمضان 1436 هـ

ركّز الدكتور أحمد الطيب في حديثه اليومي على عصمة الأُمّة وقال: إنّ تفخيم وتعظيم شأن الأُمّة على الرغم من عدم وجود دليل عقلي; ذاهب بنا إلى أنّ الأُمّة قد تجتمع على ضلال، وكثير من الأُمم اجتمعت على ضلالات كثيرة في التاريخ، وكان يمكن أن تجتمع الأُمة الإسلامية على ضلال عقلاً ولكن جاء الشرع ليستثني أُمّة المسلمين من الوقوع في الضلال، فعن ابن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: إنّ الله لا يجمع أُمّتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة، وعن أنس بن مالك أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقول: إنّ الله قد أجار أُمتي أن تجتمع على ضلالة، فاجتماع الأُمّة على أمر يعني أنّها معصومة من الخطأ فيه.
***
أقول: إنّ مصادر التشريع منحصرة في: الكتاب والسنّة والعقل والإجماع، وأُريد من الإجماع اتّفاق المسلمين على أمر شرعي بحيث يُعد من الاتّفاقيات بين عامّة المسلمين، وأين هذا من خلافة الخلفاء الّتي أصفق عليها جمع من المسلمين مع

صفحه 84
مخالفة غيرهم، فعلى هذا فهي ليست من الأُمور الّتي أطبق عليها كُلُّ المسلمين، كيف وقد خالف فيها جمع من الصحابة وهم روّاد التشيّع وعلى رأسهم أهل البيت كافّة؟!
فعلى سماحة الدكتور أن يقرأ تاريخ السقيفة وما جرى فيها من نزاع وتضارب في الآراء وشجار وعراك وسلّ السيوف، وقد خرج من تسنّم منصّة الخلافة برأي طائفة معيّنة من الأنصار وهم الأوس مع إنكار الخزرجيّين كلّهم.1
وأمّا الحديث الّذي استدلّ به الدكتور فهو ضعيف، وإليك بيانه على وجه الإجمال.
1. روى ابن ماجة في سننه عن أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إنّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم ».2
وفي سنده أبو خلف الأعمى، قال الذهبي: يروي عن أنس، كذّبه ابن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث .3

1 . لاحظ : تاريخ الطبري: 2 / 443، وغيره من المصادر.
2 . سنن ابن ماجة: 2 / 1303، برقم 3950 .
3 . ميزان الاعتدال: 4 / 521، برقم 10156 .

صفحه 85
2. روى الترمذي عن ابن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله لا يجمع أُمّتي، أو قال: أُمّة محمد، على ضلالة، ويد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ إلى النار».1
وفي سنده سليمان بن سفيان المدني، وقد عرّفه الذهبي قائلاً: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال مرّة: ليس بثقة، وقال أبو حاتم والدارقطني: ضعيف وليس له في السنن والمسانيد غير حديثين .2
3. روى أبو داود عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله أجاركم من ثلاث خلال ـ إلى أن قال: ـ وأن لا تجتمعوا على ضلالة».3
وفي سنده محمد بن عوف الطائي ذكره الذهبي ووصفه بكونه مجهول الحال.4
4. روى أحمد في مسنده عن أبي ذر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حديث أنّه قال: «اثنان خير من واحد ـ إلى أن قال: ـ إنّ الله عزوجل

1 . سنن الترمذي: 4 / 466، برقم 2167، كتاب الفتن.
2 . ميزان الاعتدال: 2 / 209، برقم 3469 .
3 . سنن أبي داود: 4 / 98، برقم 4253 .
4 . ميزان الاعتدال: 2 / 676، برقم 8030 .   5 . مسند أحمد: 5 / 145 .

صفحه 86
لم يجمع أُمّتي إلاّ على هدى».(5)
وفي سنده ابن عياش الحميري قال عنه الذهبي: مجهول.1
5. روى الحاكم النيسابوري في مستدركه هذا الحديث بمسانيد تشتمل جميعها على المعتمر بن سليمان. ذكره الذهبي قال: معتمر بن سليمان البصري أحد الثقاة الأعلام. قال ابن خراش: صدوق يخطأ من حفظه وإذا حدّث من كتابه فهو ثقة.
قلت: هو ثقة مطلقاً. ونقل عن ابن معين: ليس بحجّة .2
وعلى كلّ تقدير فهذا الخبر على علاّته خبر واحد لا تثبت به القاعدة القطعية حتّى يحتج به في عامّة الأبواب، ولذلك يقول تاج الدين السبكي (المتوفّى 771 هـ): أمّا الحديث فلا أشكّ أنّه اليوم غير متواتر، بل لم يصحّ منه طريق على السبيل الّذي يرتضيه جهابذة الحفاظ... إلى آخر ما قال .3
وبهذا يظهر بأنّه لا يمكن أن يحتج على صحّة خلافة

1 . ميزان الاعتدال: 4 / 594، برقم 10821 .
2 . ميزان الاعتدال: 4 / 143، برقم 8648 .
3 . رفع الحاجب عن ابن الحاجب، الورقة 176 ب، المخطوط في مكتبة الأزهر.

صفحه 87
الخلفاء بالإجماع وذلك من وجهين:
1. عدم وجود الإجماع لكثرة المخالفين.
2. أنّ الاستناد في حجّية مثل هذا الإجماع إلى الحديث المذكور، غير تام ; لأنّه خبر واحد لا يحتجّ به في العقائد والمعارف. وفي مثل الخلافة الّتي تعد من مهام الأُمور. مضافاً إلى ما عرفت من عدم تحقق الاجماع .
وقد تخلّف عن البيعة كثير من الأنصار كالخزرجيين وآل هاشم وعلى رأسهم الإمام علي بن أبي طالب وجمع معه.1

1 . لاحظ : تاريخ الخلفاء الراشدين، لابن قتيبة: 12; صحيح البخاري: 5 / 83 ، كتاب المغازي، غزوة خيبر، دار الفكر ـ 1401 هـ ; والطبعة الجديدة، برقم 4241 .

صفحه 88

الحلقة الثانية عشرة:

اليوم الثاني عشر من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب: إنّ عدالة الصحابة ليست محلّ نقاش بين السنّة وهي قضية مسلّمة، فبعد تعديل الله عزوجل إيّاهم وثنائه عليهم في نصوص واضحة من القرآن الكريم1، لا يصحّ أي تعديل بعد ذلك من أحد، ولا يجوز التطاول عليهم، ومَن يتطاول عليهم فإنّه يغامر بإيمانه والعياذ بالله.
ثم قال في تصريحات صحفية له: ومن ثم لا يصحّ أن نبحث في أحوالهم بنيّة معرفة هل الصحابي عدل أم لا؟ لأنّ القرآن الكريم أعطاهم شهادة تزكية، ومَن يتشكّك في هذا فهو متشكّك في هذه الشهادة الإلهية، ولذا لا يوجد في أي مصدر من مصادر علم الجرح والتعديل عند أهل السنّة اسم صحابي واحد، فهذا لم يحدث في كتب أهل السنّة، لعلمهم أنّهم معدّلون من فوق سبع سماوات.

1 . يشير إلى قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). التوبة: 100 .

صفحه 89
***
أقول: لم أجد في كلام شيخ الأزهر أمراً جديداً حتّى نتأمّل به. وقد مرّ في الحلقة السابعة أنّ الآية لا تدلّ إلاّ على رضا الله سبحانه عن جمع من الصحابة لا عن الكلّ من أوّلهم إلى آخرهم.
أضف إلى ذلك: أنّ كلّ تعديل وتحسين رهن بقاء المعدّل على الحالة السابقة إلى يوم وفاته، وقد مرّ نصّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ الأُمور بخواتيمها، وعلى هذا فلا يمكن الاستدلال بالآية المذكورة على عدالة الصحابة إذا دلّ الدليل على صدور الذنب منهم، خصوصاً إذا كان الصحابي محارباً للإمام المنصوص على إمامته، أو من اتّفق المهاجرون والأنصار على بيعته، كما هو الحال في الإمام علي (عليه السلام)فهو إمّا إمام منصوص عليه ـ كما عليه الإمامية ـ أو أنّه قد بايعه المهاجرون والأنصار ولم يتخلّف عن بيعته إلاّ مَن لم يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد.
ثم إنّ الدكتور لا يفرّق بين السبّ ودراسة حياة الصحابي، أمّا العمل الأوّل فقد مرّ أنّه عمل النوكى، والشيعة الإمامية برآء لا يسبّون أحداً، فكيف الصحابي؟! وأمّا الثاني فلا صلّة له بالسبّ، وهذا هو الّذي ربّما يتصوّر أنّه سبّ للصحابي.
فهذه السيدة عائشة أُمّ المؤمنين فهي وإن كان لها كرامتها

صفحه 90
الأُولى حسب ما قاله الإمام علي (عليه السلام)، ولكنّ ذلك لا يصدّنا عن تقييم ودراسة ما قامت به من أعمال حيث خرجت على إمام زمانها، على رأس جيش يقوده طلحة والزبير اللّذان كانا يحرّضان الناس ضد عثمان بن عفّان، ولكنّهما انقلبا على عقبيهما فصارا يطالبان بدمه الّذي أُريق بسببهما!!
وقد استعانا في تحريض الناس على الخروج على الإمام علي (عليه السلام)بزوج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الّتي أُمرت بأن تقرّ في بيتها بنصّ القرآن الكريم.
روى الطبري: أنّ عائشة لمّا انتهت إلى (سَرِف) راجعة في طريقها إلى مكّة لقيها عبد بن أُمّ كلاب وهو عبد بن أبي سلمة ـ ينسب إلى أُمّه ـ فقالت له: مَهيم؟ قال: قتلوا عثمان وبقوا (فمكثوا) ثمانياً، قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأُمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب، فقالت: والله ليت إن هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك. ردّوني ردّوني، فانصرفت إلى مكّة وهي تقول: قُتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبن بدمه، فقال لها ابن أُم كلاب: ولِمَ؟ فوالله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنت، ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر.

صفحه 91
قالت: إنّهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل. فقال لها ابن أُمّ كلاب:
فمنك البداء ومنك الغير *** ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام *** وقلت لنا إنّه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله *** وقاتله عندنا مَن أمر
فانصرفت إلى مكّة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجر فسترت ، واجتمع إليها الناس.1
هذا هو عملنا في دراسة حياة الصحابي والصحابية، ولا نتجاوزه بشيء، فإذا كان هذا سبّاً لهم، فأوّل من سبّ هم أصحاب السير والتاريخ الّذين جمعوا حياة الصحابة في موسوعاتهم التاريخية وغيرها.
وبذلك يظهر أنّ التشكيك في عدالة الصحابي ليس تشكيكاً في الشهادة الإلهية فهي حقّ في موضعها ومحلّها، كما أنّ الدراسة أيضاً حقّ في محلّها.
وكلّ ما يُسمّيه نظراء شيخ الأزهر سبّاً فهو من مقولة دراسة حياتهم وأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر، من دون النيل من

1 . تاريخ الطبري: 3 / 476 ، أحداث سنة 36 هـ ; ولاحظ : الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 206 ـ 207.

صفحه 92
كرامتهم أو أعراضهم، وما شابه ذلك .
وهناك كلمة قيّمة للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (قدس سره)قال: لعلّ قائلاً يقول: إنّ سبب العداء بين الطائفتين أنّ الشيعة ترى جواز المسّ من كرامة الخلفاء أو الطعن فيهم، وقد يتجاوز البعض إلى السبّ والقدح ممّا يسيء الفريق الآخر طبعاً ويهيج عواطفهم. فيشتدّ العداء والخصومة بينهم.
والجواب: أنّ هذا لو تبصّرنا قليلاً ورجعنا إلى حكم العقل بل والشرع أيضاً لم نجده مقتضياً للعداء أيضاً .
أمّا (أوّلاً) فليس هذا من رأي جميع الشيعة وإنّما هو رأي فردي من بعضهم، وربّما لا يوافق عليه الأكثر. كيف وفي أخبار أئمة الشيعة النهي عن ذلك، فلا يصحّ معاداة الشيعة أجمع لإساءة بعض المتطرّفين منهم.
(وثانياً): أنّ هذا على فرضه لا يكون موجباً للكفر والخروج عن الإسلام. بل أقصى ما هناك أن يكون معصية، وما أكثر العصاة في الطائفتين. ومعصية المسلم لا تستوجب قطع رابطة الأُخوة الإسلامية معه قطعاً.
(وثالثاً): قد لا يدخل هذا في المعصية أيضاً ولا يوجب فسقاً إذا كان ناشئاً عن اجتهاد واعتقاد، وإن كان خطأ، فإنّ من

صفحه 93
المُتَسالمَ عليه عند الجميع في باب الاجتهاد أنّ للمخطئ أجراً وللمصيب أجرين. وقد صحّح علماء السنّة الحروب الّتي وقعت بين الصحابة في الصدر الأوّل كحرب الجمل وصفين وغيرهما، بأنّ طلحة والزبير ومعاوية اجتهدوا وهم وإن أخطأوا في اجتهادهم، ولكن لا يقدح ذلك في عدالتهم وعظيم مكانتهم. وإذا كان الاجتهاد يبرر ولا يستنكر قتلَ آلاف النفوس من المسلمين وإراقة دمائهم، فبالأولى أن يبرر ولا يستنكر معه ـ أي مع الاجتهاد ـ تجاوز بعض المتطرفين على تلك المقامات المحترمة.
والغرض من كلّ هذا أننّا مهما تعمقّنا في البحث ومشينا على ضوء الأدلّة، عقلية أو شرعية، وتجرّدنا من الهوى والهوس والعصبيات، فلا نجد أي سبب مبرّر للعداء والتضارب بين طوائف المسلمين مهما اتّسعت شقّة الخلاف بينهم في كثير من المسائل.1

1 . مجلة رسالة الإسلام، العدد الثالث من السنة الثانية: 270 .

صفحه 94

الحلقة الثالثة عشرة:

اليوم الثالث عشر من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف: إنّ هدفنا هو البحث عن وحدة الأُمة الإسلامية لا فرقتها، فالأزهر لم يكن في يوم من الأيام مؤسسة فتنة أو فرقة بين المسلمين، فهو الّذي نادى في القرن الماضي بالتفاهم بين السنّة والشيعة، وهو حريص على هذه الوحدة، لأنّ ما أصابنا وما نكتوي بناره الآن، ما جاء إلاّ من هذه الفرقة بين أصحاب المذهبين، فليكن هذا معلوماً للجميع.
***
أقول: التقريب بين المذاهب الإسلامية أُمنية تمنّاها رجال التقريب في أوائل القرن الرابع عشر، وهم كانوا من العلماء المخلصين المتحمّسين للإصلاح (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ )1 .
ولتحقيق هذه الأُمنية قاموا بإصدار مجلة إسلامية عالمية باسم «رسالة الإسلام» 2 .

1 . الكهف: 13 ـ 14 .
2 . صدر العدد الأوّل بتاريخ ربيع الأوّل 1368 هـ .

صفحه 95
إنّ هذه المجلة بأُسلوبها المركّز وحيادها التام واحترامها المتقابل وابتعادها عن كافّة الميول والاتجاهات السياسية، لم تثمر إلاّ الخير والنصيحة للمسلمين ونالت ثقة علماء المذاهب .
إنّ هؤلاء الّذين رفعوا راية التقريب انتقلوا إلى رحمة الله سبحانه، فمن الشيعة أصحاب السماحة من العلماء الاعلام أمثال:
1. الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء.
2. السيد هبة الدين الشهرستاني.
3. السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي.
4. الشيخ محمد جواد مغنية.
والمراجع العظام نظراء:
1. آية الله البروجردي.
2. آية الله السيد صدر الدين الصدر.
3. آية الله السيد محمد تقي الخوانساري.
ومن علماء أهل السنّة شيخا الأزهر الكبيران :
1. الشيخ عبدالمجيد سليم.
2. الشيخ محمود شلتوت.
وجمع من علماء الأزهر أمثال: الشيخ محمود أبو زهرة،

صفحه 96
والشيخ محمد محمد المدني (رئيس تحرير المجلة)، والأُستاذ الكبير عبد العزيز عيسى أمين (مدير إدارة المجلة) وآخرون غيرهم.
ومن الكتّاب يومذاك السادة: أحمد أمين، وعباس محمود العقّاد، ومحمد فريد وجدي، وأمثالهم .
وهذه النخبة الفاضلة قلّما يتّفق أن يأتي الزمان بأمثالهم، وقد حملوا هموم المسلمين، ووقفوا على مواضع الخطر الّذي يهدّد الأُمة الإسلامية فوضعوا العلاج له، فياليت أن يقوم الخلف من بعدهم بالاقتداء بهم والتمسّك بالمشتركات الكثيرة وإيكال المسائل الخلافية إلى المعاهد والمراكز العلمية دون نشرها على رؤوس الملأ.
وإليك كلام أحد أعلام التقريب، قال: نعم ربّما يتصوّر أنّ التقريب بين المذاهب أمر ممتنع لوجود الفرق الجوهري بين الشيعة والسنّة، فالشيعة ترى أنّ الإمامة أصل من أُصول الدين وهي رديفة التوحيد والنبوّة، وأنّها منوطة بالنصّ من الله ورسوله، وليس للأُمّة فيها من الرأي والاختيار شيء، كما لا اختيار لهم في النبوّة، بخلاف إخواننا من أهل السنّة، فهم متّفقون على عدم كونها من أُصول الدين، ومختلفون بين قائل بوجوب نصب الإمام على

صفحه 97
الرعية بالإجماع ونحوه، وبين قائل بأنّها قضية سياسية ليست من الدين في شيء لا من أُصوله ولا من فروعه، ولكن مع هذا التباعد الشاسع بين الفريقين في هذه القضية، هل تجد الشيعة تقول إنّ مَن لا يقول بالإمامة غير مسلم (كلاّ ومعاذ الله) أو تجد السنّة تقول إنّ القائل بالإمامة خارج عن الإسلام ـ لا وكلاّ ـ إذن فالقول بالإمامة وعدمه لاعلاقة له بالجامعة الإسلامية وأحكامها من حرمة دم المسلم وعرضه وماله، ووجوب إخوّته، وحفظ حرمته، وعدم جواز غيبته، إلى كثير من أمثال ذلك من حقوق المسلم على أخيه.
ثم إنّ غرض مَن دعا إلى التقريب ليس إزالة الخلاف بين المذاهب الإسلامية وجعلها مذهباً واحداً سنّياً فقط أو شيعياً أو وهابياً، كيف واختلاف الرأي والخلاف في الجملة طبيعة ارتكازية في البشر; بل أقصى الغرض هو إزالة أن يكون هذا الخلاف سبباً للعداء والبغضاء، الغرض تبديل التباعد والتضارب بالإخاء والتقارب، فإنّ المسلمين جميعاً مهما اختلفوا في أشياء من الأُصول والفروع فإنّهم قد اتّفقوا على مضمون الأحاديث المقطوع عندهم بصحّتها من أنّ من شهد الشهادتين واتّخذ الإسلام ديناً له، فقد حرم دمه وماله وعرضه، والمسلم أخو المسلم، وأنّ مَن صلى إلى قبلتنا وأكلّ من ذبيحتنا ولم يتديّن بغير ديننا فهو منّا، له ما لنا

صفحه 98
وعليه ما علينا.1

الحلقة الرابعة عشرة:

اليوم الرابع عشر من شهر رمضان 1436 هـ

استدلّ الدكتور أحمد الطيّب على محبّة الصحابة ووجوب الإحسان لهم بقوله عزَّ وجلَّ: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).2
وقال: هذه الآية دليل على وجوب الإحسان والاستغفار للصحابة، لأنّ المولى سبحانه جعل لمن يأتي بعدهم حظّاً في الفيء ما أقاموا على محبّتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأنّ مَن سبّهم أو واحداً منهم أو اعتقد فيهم شرّاً، لا حقّ له في الفيء.
قال مالك: مَن كان يبغض أحداً من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)أو كان في قلبه عليهم غلّ، فليس له حقّ من فيء المسلمين، ثم قرأ:

1 . لاحظ مقالة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء المنشورة في العدد الثالث من السنة الثانية من مجلة رسالة الإسلام، الصادرة عن دار التقريب بين المذاهب .
2 . الحشر: 10 .

صفحه 99
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)وبهذه الآية يستدلّ على أنّ الأجيال الّتي تأتي بعد المهاجرين والأنصار مأمورة بالإحسان والاستغفار للصحابة من الفريقين، وهذا يقتضي حرمة سبّهم ولعنهم والإساءة إليهم.
***
أقول: إنّ الله سبحانه قسّم المسلمين في سورة الحشر من الآية الثامنة إلى العاشرة، إلى أصناف ثلاثة:
1. ما أشار إليه بقوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )1.
2. ما أشار إليه بقوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)2.
3. ما جاء في الآية التالية:
أ. (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا

1 . الحشر: 8 .
2 . الحشر: 9 .

صفحه 100
بِالإِيمَانِ).
أي أنّهم يَدْعونَ ويستغفرون لأنفسهم ولمَن سبقهم بالإيمان.
ب. (وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا)فهم يسألون الله تعالى أن يزيل الغلّ والحقد والعداء من قلوبهم، إذ لا يجتمع الإيمان مع وجود الغلّ في قلب مؤمن على المؤمن الآخر; لأنّ الحقد على المؤمن حقد على النفس، والمؤمنون كالجسد الواحد.
ج. (رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ): أي يسألونه سبحانه بما أنّه رؤوف رحيم أن ينزّه قلوبهم من الغلّ والنفاق .
وهذه الدعوات الثلاث تختلف مضموناً، فهم في الدعاء الأوّل يسعون في إصلاح أنفسهم ويطلبون العفو والرحمة من الله بتلك الغاية، وفي الدعاء الثاني يطلبون العفو والمغفرة لمَن سبقهم بالإيمان، وفي الثالث يركّزون على تصفية نفوسهم من الرذائل والضغائن لمَن سبقهم بالإيمان.
وفي هذه الأدعية مقابس نور لعامّة المسلمين، ولكلّ الأجيال ينبغي أن يستضيئوا بها في سلوكهم وتعاملهم مع إخوانهم بالصفاء والأُخوّة.
ثم إنّ قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا

صفحه 101
اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)دعاء لعامّة المؤمنين في الأجيال السابقة ولا يختصّ بالصحابة دون غيرهم، فالله تعالى يعلّم المسلمين في كلّ جيل أن يدعون للسابقين عن هذا الجيل .
وكأنّ الدكتور تصوّر أنّ هذه الفقرة ناظرة للتابعين في مصطلح أهل الحديث وهم الّذين لم يروا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن رأوا من رآه، فعندئذ جاء الحثّ لهم على الدعاء للصحابة، غير أنّ قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)يأمر المسلمين بلسان الإخبار بالدعاء إلى كافّة المسلمين ممّن غبر من دون اختصاص بالصحابة.
ولو فرضنا دلالة الآية على خصوص الدعاء للصحابة، لكنّها لا تدلّ على عدالتهم وأنّ سلوك الجميع كان سلوكاً صحيحاً لا غبار عليه; بل تدلّ على انهم أهل لطلب المغفرة لهم واين هذا من القول بالعدالة.
فخرجنا بالنتائج التالية:
الأُولى: أنّ الآية لا تختصّ بالصحابة، بل مفادها هو دعاء كلّ جيل لعامّة السابقين.
الثانية: أنّ طلب المغفرة للسابقين أو خصوص الصحابة لا يدلّ على كونهم أهل صلاح وفلاح، غاية الأمر يدلّ على أنّهم أهل لغفران الرب عزّ وجلّ.

صفحه 102
بقي الكلام في الفقرة الثانية: أعني قوله: (وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا) فهذا أيضاً دعاء عام لا يختصّ بجيل دون جيل، فالاستدلال بالآية في مورد الصحابة غفلة عن مفادها.
وختاماً نقول: إنّ هنا أُموراً:
1. سبّ الصحابي وشتمه والنيل من كرامته وكرامة أولاده وأزواجه.
2. حمل الحقد والعداء لواحد من الصحابة بما أنّه صحابي فإنّهما متناقضان.
3. دراسة أحوال الصحابة من الإيجابيات والسلبيات.
فالمسلمون عامّة والإمامية خاصّة لا يحومون حول الأمر الأوّل والثاني، ويرونهما عمل النوكى والسفهاء، وأمّا الأمر الثالث فهو سيرة المحقّقين الواعين الّذين يدرسون حياة السابقين على ضوء الكتاب والسنّة والعقل.
يضاف إلى ذلك كلّه: أنّ آيات سورة الحشر حصرت الحديث في المهاجرين الّذين أُخرجوا من ديارهم...، والأنصار الّذين تبوَّءوا الدار والإيمان ومن جاء بعدهم، فلا دلالة لإدراج مسلمة عام الفتح وما بعده تحت الآية المباركة.

صفحه 103

الحلقة الخامسة عشرة:

اليوم الخامس عشر من شهر رمضان 1436 هـ

ذكر الدكتور الطيّب أنّ الشيعة يسيئون لزوج النبيّ عائشة أُم المؤمنين وأبيها الخليفة أبي بكر، ويعدّ سبّهما سبّاً وتطاولاً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
***
أقول: إنّ الدكتور شيخ الأزهر استنكر على الشيعة لأنّهم يسيئون لزوج النبيّ عائشة أُم المؤمنين وأبيها. ونحن نقول:
إنّ السيدة عائشة من زوجات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأُمّهات المؤمنين، ولم يشكّ أحدٌ من المسلمين في براءتها من الإفك 1 الّذي صنعته يد النفاق، ونشره عميد المنافقين وأذنابه «عبدالله بن أُبّي بن سلول» في عصر النبيّ وحدّث عنه القرآن في آيات، يقول عزّوجلّ: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ

1 . أجمعت الروايات من طرق السنّة أنّ عائشة هي محور قصة الأفك غير أنّ رواياتنا الشيعة تذكر أنّ محور قصّة الإفك هي مارية القبطية، فنحن بكلمة واضحة نقول: إنّ نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)منزّهات مبرّآت من هذه التهم، سواء كانت عائشة أو غيرها.

صفحه 104
بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)1 ثم قال سبحانه: (وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ )2.
ولمعرفة تفاصيل هذه الفرية وتفسير الآيات النازلة حولها نرجع القارئ إلى تفسيرها في «مجمع البيان» للطبرسي. 3 ولكن هذا لا يصدنا عن دراسة حياتها بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)خصوصاً في فتنة الجمل.
هذا وأمّا والدها فنحن لا ننكر أنّه صاحب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في الغار وأنّه من المهاجرين السابقين ولكنّ الاعتراف بهذا لا يمنعنا من دراسة حياته وخلافته ومواقفه، وانّه كيف تمّت البيعة له، وكيف دامت، فكلّ ذلك على عاتق التاريخ. فإنّ إيقاف البحث حول الصحابة يورث حرمان الآخرين عمّا وقع في عصرهم من الحوادث الحلوة والمرّة.
ونحن إذا تأملنا في أُمّهات مصادر الحديث والتاريخ الّتي ألّفها كبار الأعلام من أهل السنّة نراهم لا يرون ضيراً في رصد

1 . النور: 11 .
2 . النور: 16 .
3 . لاحظ : مجمع البيان: 4 / 130، طبعة صيدا، لبنان.

صفحه 105
الواقع ونقل الأحداث الّتي بدأنا نتحاشى عن التعرّض لها اليوم، فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس قال: كنت أُقرئ رجالاً من المهاجرين منهم: عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجّة حجّها، إذ رجع إليّ عبدالرحمن فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة فتمّت..
وبعد أن ذكر البخاري بقية الرواية قال: ولما رجع الخليفة إلى المدينة خطب الناس فممّا جاء في خطبته: ثم إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترّن امرؤ أن يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألاّ وإنها كانت كذلك ولكنّ الله وقى شرّها .1
فهذا البخاري ومن قبله ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف لم يعتبروا قول القائل ولا قول الخليفة سبّاً لأبي بكر وإساءة له بل هو ذكر لحادثة تاريخية.
وهكذا ابن الأثير قال في النهاية : أراد بالفلتة الفجأة، ومثل

1 . صحيح البخاري: 1712، الحديث رقم 6830، باب رجم الحبلى من الزنا، من كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة.

صفحه 106
هذه البيعة جديرة بأن تكون مهيّجة للشر والفتنة، فعَصَم الله من ذلك ووقوا .
ثم قال: والفلتة كلّ شيء فُعل من غير رويّة، وإنّما بودر بها خوف انتشار الأمر. وقيل: أراد بالفلتة الخلسة. أي إنّ الإمامة يوم السقيفة مالت إلى توليها الانفس، ولذلك كثر فيها التشاجر فما قُلدّها أبو بكر إلاّ انتزاعاً من الأيدي واختلاساً.1
هذا كلام ابن الأثير وهو واضح في الإشارة إلى الشجار ورغبة كلّ فريق من المجتمعين في السقيفة بتولّي الخلافة والإمامة، ولم يرَ ابن الأثير في عرضه للخبر أنّه في معرض سب المجتمعين في السقيفة بقدر ما هو عرض لواقعة تاريخية!!

1 . النهاية في غريب الحديث والأثر: 3 / 467 .

صفحه 107

الحلقة السادسة عشرة:

اليوم السادس عشر من شهر رمضان 1436 هـ

رفض شيخ الأزهر أحمد الطيب يوم الجمعة 16 شهر رمضان تسمية الشيعة بالرافضة. وأنّ قلّة متعصّبة من أهل السنّة يكفّرون الشيعة، وتسمّيهم بالرافضة، ويقول: كيف يكون هناك تلاق والسنّة يسمعون هذه الإساءات من كثير من المنتسبين إلى الشيعة.
ثم قال: إنّنا نجد بعض السلبيات عند قلّة متعصّبة من أهل السنّة جعلت الشيعة يشعرون بالتوتر، مثل تكفير البعض للشيعة، والإصرار على تسميتهم «بالرافضة» مؤكداً أنّ هذا لا ينبغي.
***
أقول: إنّ تسمية الشيعة بالرافضة جهل بمعناها، فإنّ الرافضة كلمة سياسية تطلق على كلّ جماعة لم تقبل الحكومة القائمة سواء أكانت حقّاً أم باطلاً. هذا هو معاوية بن أبي سفيان يصف شيعة عثمان ـ الّذين لم يخضعوا لحكومة علي بن أبي طالب (عليه السلام)وسلطته ـ بالرافضة ويكتب في كتابه إلى عمرو بن العاص وهو في

صفحه 108
البيع1 في فلسطين أمّا بعد: فإنّه كان من أمر عليّ وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقدم علينا جرير بن عبدالله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتّى تأتيني، أقبل أُذاكرك أمراً .2
ترى أنّ معاوية يصف من جاء مع مروان بن الحكم بالرافضة، وهؤلاء كانوا أعداء عليّ ومخالفيه، وما هذا إلاّ لأنّ هؤلاء الجماعة كانوا غير خاضعين للحكومة القائمة آنذاك، وبما ذكرنا يظهر أنّ كلّ مَن رفض الحكومة الحاضرة فهو رافضي، سواء أكان سنّياً أو شيعياً أو مادّياً.
وبذلك يعلم أنّ ما نقله ابن منظور في معجمه عن الأصمعي غير صحيح ، حيث قال: كانوا قد بايعوا زيد بن علي ثم قالوا له: ابرأ من الشيخين نقاتل معك، فأبى فقال: كانا وزيري جدّي فلا أبرأ منهما، فرفضوه وارفضوا عنه، فسُمّوا رافضة. (2)
إذا عرفت ذلك نرجع إلى تقييم ما ذكره الدكتور فلا شكّ أنّ ما أفاده في هذه الحلقة من أروع كلامه وأنفع محاضراته وأطيب ما صدر منه في هذه الحلقات، فإنّ التقريب لا يتحقّق إلاّ بالالتزام

1 . كذا في الأصل .
2 . وقعة صفين: 29 .   2 . لسان العرب: 7 / 157، مادة «رفض».

صفحه 109
بالأدب الإسلامي الّذي أشار إليه سبحانه بقوله: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ)1.
ونحن نرحّب بكلّ دعوة تقرّب المسلمين وتوحّدهم وتجعلهم يداً واحدة وصفّاً واحداً أمام الصهاينة والمستكبرين الّذين يفرّقون المسلمين للتسلّط عليهم وشعارهم: «فرّق تَسُد»، ونحن نتبرأ من بعض الفضائيات الّتي تنال من وحدة المسلمين وتضرّ بها ببيانات بعيدة عن الأدب الإسلامي ومنطقه.

1 . الأنعام: 108 .

صفحه 110

الحلقة الثامنة عشرة: 1

اليوم الثامن عشر من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب: إنّ مسألة الإمامة ليست من أُصول الاعتقاد ولا متعلّقة بالإيمان أو بالكفر عند أهل السنّة; لأنّ الإيمان يُبنى على الاعتقاد، حيث إنّه عمل قلبي، وليس من أعمال الجوارح. في المقابل فإنّ الشيعة يقولون: إنّ الإمامة أصل من أُصول الدين فمن لا يؤمن بالإمامة لا يكتمل إيمانه وليس شيعياً، وأُصول الدين عند الشيعة هي: التوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة، والإيمان بالمعاد بالبعث أي الحياة بعد الممات والجنة والنار. والسنّة والشيعة متّفقون في كلّ هذه الأُصول ما عدا أصل الإمامة، فالشيعة يعتقدون أنّها من أُصول الدين، فكما يجب على المسلم أن يعتقد بالنبوة، فيجب عليه أيضاً بالإمامة.
***
أقول: ما ذكره الدكتور في بيان النظريتين لا غبار عليه، ولتبيين موضع الإمامة عند أهل السنّة نذكر ما ذكره التفتازاني في

1 . لم نعثر على محاضرة الدكتور أحمد الطيب في اليوم السابع عشر من شهر رمضان.

صفحه 111
شرح المقاصد حتّى يعلم أنّها فرع من فروع الدين عندهم يقول: لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق لرجوعها إلى القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، وهي أُمور كلّية تتعلّق بها مصالح دينية أو دنيوية ، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها ويقصد بتحصيلها في الجملة من غير أن يقصد أُصولها من كلّ أحد ولا خفاء في ذلك أنّها من الأحكام العملية دون الاعتقادية.1
ويقول السيد الشريف في شرح المواقف: الإمامة ليست من أُصول الديانات والعقائد بل هي عندنا من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمة سمعاً، وإنّما ذكرناه في علم الكلام تأسّياً بمن قبلنا إذ جرت العادة من المتكلمين بذكرها في أواخر كتبهم للفائدة المذكورة في صدر الكتاب.2
أقول: إذا كانت مسألة الإمامة من الأحكام الفرعية الّتي ربّما يكثر فيها الخلاف، فلا عتب على مَن لم يعتقد بخلافة الخلفاء استناداً إلى دليل مقنع عنده كما هو الحال في عامّة الأحكام الفرعية.

1 . شرح المقاصد: 5 / 232 .
2 . شرح المواقف: 8 / 344 .

صفحه 112
وأنت إذا لاحظت كتاب «المغني» لابن قدامة من القدماء، أو قرأت كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» للجزيري، قلّما تجد مسألة كلّية مصونة من الاختلاف، فكما يكون المخالف فيها معذوراً فليكن المخالف في خلافة الخلفاء كذلك.
وبما ذكرنا يظهر أنّ الاختلاف في عدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم ليست مسألة أُصولية عقديّة وإنّما هي أمر تاريخي يمكن أن يقع مورد الخلاف والخصام، فالموافق والمخالف كلّهم يتظلّلون تحت خيمة الإسلام لكنّهم يختلفون في أُمور تاريخية لكلّ دليله ومدركه، وللمحقّق سعد الدين التفتازاني كلام في المقام نذكره بنصّه .
يقول: إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقاة، يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حد الظلم والفسق. وكان الباعث له الحقد والعناد، والحسد واللداد، وطلب الملك والرئاسة، والميل إلى اللّذات والشهوات، إذ ليس كلّ صحابي معصوماً، ولا كلّ من لقي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالخير موسوماً .
إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنّهم بأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا

صفحه 113
يوجب التضليل والتفسيق صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة، ] لا [ سيما المهاجرين منهم والأنصار، والمبشرين بالثواب في دار القرار.
وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، وتنهدّ منه الجبال، وتنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور ومر الدهور، فلعنة الله على من باشر، أو رضي، أو سعى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.1
نعم أنّ نظرية الإمامة عند الشيعة الإمامية مبنية على أنّها منصب إلهي لا اجتماعي وقد بيّنت دلائلها ومصادرها في الكتب الكلامية. وبما أنّ الغرض هو الإيجاز في المقام وتحليل كلمات الدكتور أحمد الطيب فلنكتف بما ذكرنا، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الموسوعات الكلامية لعلماء الإسلام.2
وفي الختام لابدّ من الإيعاز إلى أمر وهو أنّ أُصول الدين

1 . شرح المقاصد: 5 / 310 ـ 311 .
2 . انظر: بحوث في الملل والنحل: 1 / 456 ; ومحاضرات في الإلهيات: 325 ـ 336 .

صفحه 114
عند الإمامية تنحصر في ثلاثة: التوحيد، والنبوّة، والمعاد، فمن اعتقد بها فهو مسلم، يحرم دمه وماله إلاّ بسبب شرعي; وأمّا الاعتقاد بالعدل والإمامة فهو من أُصول المذهب بمعنى أنّه لا يوصف الرجل بالشيعي إلاّ إذا اعتقد بهما وأن الله عادل لا يجور عقلاً، وأنّ القيادة الشرعية بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فوضت بتخصيص من النبيّ إلى علي وأوصيائه. ومن لم يعتقد بهما لا يوصف بكونه شيعيّاً، ولكنّه مسلم تجري عليه كلّ أحكام الإسلام. والتفصيل في محلّه .

صفحه 115

الحلقة التاسعة عشرة:

اليوم التاسع عشر من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب: اجتماع السقيفة نموذج مبكر لديمقراطية المسلمين.
وقال: إنّ الإمامة مفهوم إلهي عند الشيعة بينما هو عند السنّة مفهوم خاضع للأحكام البشرية، لأنّ أهل السنّة يرون أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم ينصّ على أحد من بعده وترك المسلمين أحراراً فيمن يختارون، مثل ما حدث في اجتماع الصحابة في السقيفة واختاروا أبا بكر خليفة للمسلمين بطريقة ديمقراطية، وهذا الأمر بالعكس عند الشيعة الّذين يقولون: إنّ النبيّ حدّد إماماً من بعده وهو الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)وأنّ المسألة لا تخضع لاختيار الأُمة ولا لاختيار المسلمين.
ثم أفاض الكلام في أنّ الخليفة عند أهل السنّة ليس معصوماً لكنّه معصوم عند الشيعة.
ثم قال: إنّ الإمامة عند الشيعة أصل من أُصول الدين، وليست أمراً متروكاً لتقدير الناس أو اختيارهم، ومن لا يعتقد بذلك فلا يكون شيعياً، بل لا يكون مسلماً عندهم. أمّا الخلافة عند أهل

صفحه 116
السنّة فليست من أُصول الدين، وإنّما هي من المسائل العملية، إذ لمّا كانت هناك أحكام تتطلّب خليفة أو حاكماً قلنا بوجوب اختيار الأُمّة لخليفة يقيم لها الأحكام ويحفظ عليها شريعة الإسلام .
***
أكّد الدكتور على أنّ انتخاب الخليفة الأوّل في سقيفة بني ساعدة يمثل ممارسة ديمقراطية في ذلك العهد، وها نحن نذكر مجريات الأُمور في السقيفة حتّى يُعلم أنّه هل كان الانتخاب انتخاباً صحيحاً وعقلائياً وحسب اصطلاح الدكتور ديمقراطياً، أو كان فلتة من الفلتات؟! ولا يعلم تحديد أحد الوجهين بدون سرد القصة كما وردت في المصادر، بدون تغيير، ثم القضاء عليها وتحليل الأحداث كما ورد ذكرها.
1. توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبو بكر في السنح، وعمر حاضر، فقام وقال: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله توفّي، وأنّ رسول الله والله ما مات ولكن ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران. والله ليرجعن رسول الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنّ رسول الله مات.1

1 . تاريخ الطبري: 3 / 200، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار التراث، الطبعة الثانية ـ 1967 م .

صفحه 117
2. وأقبل أبو بكر حتّى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس حتّى دخل على رسول الله ورسول الله مسجّى في ناحية البيت فأقبل حتّى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه فقبّله ثم ردّ الثوب على وجهه فقال: على رسلك يا عمر، فقال: أيّها الناس أنّه مَن كان يعبد محمّداً فإنّ محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت ثم تلا هذه الآية: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) 1. عندئذ قال عمر: «... وعرفت أنّ رسول الله قد مات »2.
3. لمّا قبض رسول الله انحاز هذا الحيّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة وأبو بكر وعمر حول بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يفكّران في تجهيز النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كسائر المهاجرين، إذ جاء رجلان من الأنصار (وهما: عويم بن ساعدة ومعن بن عُدي) 3فقالا: إنّ هذا الحيّ من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل

1 . آل عمران: 144.
2 . تاريخ الطبري: 2 / 232 ـ 233.
3 . تاريخ الطبري: 2 / 235 .

صفحه 118
أن يتفاقم أمرهم. ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في بيته لم يفرغ من أمره قد أَغلق دونه الباب أهله .
قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتّى ننظر ما هم عليه .1
4. فدخلا ومعهما أبو عبيدة السقيفة وسعد بن عبادة وهو يخطب ويقول: يا معشر الأنصار لكم سابقة وفضيلة ليست لأحد من العرب، إنّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم فما آمن به إلاّ القليل، ما كانوا يقدرون على منعه ولا على إعزاز دينه ولاعلى دفع ضيم، حتّى (إذا) أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة ورزقكم الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه فكنتم أشدّ الناس على عدوّه حتّى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً وأعطى البعيد المقادة صاغراً فدانت لرسوله بأسيافكم العرب، وتوفّاه الله وهو عنكم راض قرير العين، استبدّوا بهذا الأمر دون الناس، فإنّه لكم دونهم.
فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفّقت وأصبت الرأي ونحن نولّيك هذا الأمر فإنّك مقنع ورضاً للمؤمنين.2

1 . السيرة النبوية: 2 / 656 .
2 . الكامل في التاريخ: 2 / 328 ; تاريخ الطبري: 2 / 241 ـ 242 .

صفحه 119
5. ثم خطب أبو بكر وقال: أنتم يا معشر الأنصار مَن لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم في الإسلام رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأُمراء وأنتم الوزراء لا تفاوتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأُمور.1
6. ثم أضاف: إنّ هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس، وإن تطاولت إليه الأوس لم تقصر عنه الخزرج (وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى وجراح لا تداوى)، فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي أسد يضغمه (يقضمه) المهاجري ويجرحه الأنصاري.2
7. فقام حباب بن المنذر بين الجموع فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإنّ الناس في ظلّكم ولن يجترئ على خلافكم ولا يصدروا إلاّ عن رأيكم، أنتم أهل العزّ وأُولو العدد والمنعة وذوو البأس، وإنّما ينظر الناس ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم أمركم، وإن أبى هؤلاء إلاّ ما سمعتم، فمنّا أمير ومنهم أمير. ثم قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجّب، أنا أبو شبل

1 . تاريخ الطبري: 2 / 242 ; الكامل في التاريخ: 2 / 329 .
2 . البيان والتبيين: 4 / 10، دار إحياء التراث العربي، بيروت .

صفحه 120
في عرينة الأسد، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة. 1
8. فقام عمر وقال: هيهات لا يجتمع اثنان في (قرن) والله لا ترضى العرب أن تؤمّركم ونبينا من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولّي أمرها مَنْ كانت النبوّة فيهم، ولنا بذلك الحجّة الظاهرة، مَن ينازعنا سلطان محمّد ونحن أولياؤه وعشيرته. فأجاب عمر عن تهديد حباب: إذاً ليقتلك الله، فقال: بل إيّاك يقتل.2
9. لمّا تمّ الجدال بين الطائفتين، وهيمن السكوت لم يفضه إلاّ بشير بن سعد الخزرجي الّذي هو ابن عم سعد بن عبادة، حينما شعر بأنّ الأنصار يميلون إلى سعد بن عبادة، وكان يكنّ له العداء والحقد ولا يرضى بإمارته قال: يا معشر الأنصار إنّ محمداً من قريش وقومه أحق به وأولى، وأيم الله لا يراني الله أُنازعهم في هذا الأمر أبداً، فاتّقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم.
10. ففي هذه الحالة استغلّ أبو بكر الفرصة فقال: هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيّهما شئتم فبايعوا. فقالا: لا والله لا نتولّى هذا الأمر عليك أبسط يدك نبايعك.
فلمّا ذهبا يبايعانه سبقهما بشير بن سعد فبايعه فناداه

1 . الكامل في التاريخ: 2 / 329 .
2 . الكامل في التاريخ: 2 / 330 ; تاريخ الطبري: 2 / 243 .

صفحه 121
الحباب ابن المنذر: أنفِسَت على ابن عمّك الإمارة.
11. ولمّا رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض، وفيهم أسيد بن حضير، وكان أحد النقباء: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمره.1
12. فأقبل الناس (الأوس) من كلّ جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطئون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد:
اتّقوا سعداً لا تطئوه. فقال عمر: اقتلوه قتله الله. ثم قام على رأسه: فقال: لقد هممت أن أطأك حتّى تُندر عضدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، فقال أبو بكر: مهلاً يا عمر! الرفق، هاهنا أبلغ. فأعرض عنه عمر. وقال سعد: أما والله لو أنّ بي قوّة مّا، أقوى على النهوض، لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يجحرك وأصحابك، أما والله إذاً لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع. احملوني من

1 . تاريخ الطبري: 2 / 243 .

صفحه 122
هذا المكان، فحملوه وأدخلوه في داره وترك أيّاماً ثم بُعث إليه أن أقبل، فقال: وأيم الله لو أنّ الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتّى أُعرض على ربيّ، وأعلم ما حسابي، فقال عمر: لا تدعوه حتّى يبايع، فقال له بشير بن سعد: إنّه قد لجّ وأبى وليس بمبايعكم حتّى يقتل وليس بمقتول حتّى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فتركوه .1
13. وجاءت قبيلة أسلم فبايعت، فقوي أبو بكر بهم . (2)
قال الزهري: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتّى ماتت فاطمة رضي الله عنها.2
هذه صورة مصغرّة ملخّصة من أحداث السقيفة نقلتها من مصادرها بلا تصرّف .
فلنرجع إلى كلام الدكتور هل كانت هذه البيعة بيعة ديمقراطية أو فلتة؟! فلنرجع إلى ما حررنا.

تحليل أحداث السقيفة

1. كيف جهل عمر بهذا الأمر الواضح والحال أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . تاريخ الطبري: 2 / 244 .   2 . الكامل في التاريخ: 2 / 331 .
2 . المصدر نفسه.   4 . آل عمران: 144 .

صفحه 123
مسجّى في بيته؟! وكيف يصفه بأنّه غاب كغيبة موسى (عليه السلام)وسيرجع؟! وأعجب من ذلك أنّه رجع فوراً عند سماع الآية الّتي تلاها أبو بكر، أعني قوله تعالى: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)(4)؟! والّذي أظنّ كما تدلّ عليه قرائن الحادثة أنّه أراد بطرح هذه الفكرة أن يصرف القوم عمّا هم فيه ـ أعني: مَن ينوب مناب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ ويحوّل تفكيرهم إلى ناحية أُخرى حتّى لا يحدثوا بيعة واحد من الناس قبل وصول صاحبه، وليس هناك مَن تحوم حوله الأفكار إلاّ عليّاً للنصّ عليه كما نعتقد، أو لأنّه أولى الناس، حتّى كان عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول الله .1
2. إذا كان انتخاب الخليفة عن طريق المشورة باجتماع أهل الحلّ والعقد فهذا الشرط لم يكن متوفراً في سقيفة بني ساعدة، فلو أرادوا الانتخاب الصحيح للخليفة كان عليهم أن يخبروا عامّة المهاجرين وعلى رأسهم بنو هاشم بما يجري في سقيفة بني ساعدة حتّى يجتمع الجميع ويتشاوروا بضع أيام لانتخاب ما هو الأصلح، مع أنا نرى أنّ الشيخين لم يخبرا أحداً من المهاجرين إلاّ أبا عبيدة، أو شخصاً رابعاً، وهذا يدلّ على أنّ موقفهم هذا كان

1 . لاحظ : شرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 21 ; السقيفة: 85 ـ 86 .

صفحه 124
انتهازاً للفرصة، إذ لو كان بنو هاشم وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، في مجلس المشاورة لما تمّ هذا الأمر وبهذه السرعة في يوم واحد أو ساعة أو ساعتين لأبي بكر!!
3. إنّ للخليفة في الشريعة الإسلامية شروطاً ومؤهّلات، فكان اللازم على القوم أن يبحثوا عن وجود هذه الملاكات في أيّ شخص من المهاجرين والأنصار حتّى ينتخبوا الأعلم بكتاب الله وسنّة رسوله، والأقوى في إدارة الأُمور، إلى غير ذلك من الشروط.
ولكنّا نرى أنّ المجتمعين عدلوا عن هذه المعايير إلى معايير جاهلية وقبيلية، فالأنصار اعتمدوا على أنّهم نصروا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وآووا المهاجرين وجاهدوا المشركين، والشيخان وأبو عبيدة اعتمدوا على كون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)منهم، وكلا المعيارين لا يلازم كون الخليفة منهم، فنصرتهم للدين لا تدلّ على أنّ مرشّحهم واجد للمؤهلات، كما أنّ كون النبيّ من عشيرتهم لا يلازم ذلك .
4. إنّ الحيّين الأوس والخزرج كانا متنافسين ومتخاصمين منذ أمد بعيد، وكان يوم بُعاث أشدّ الأيام بينهم في القتال، والنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)جعلهما إخوة وأمرهم بتناسي ما سبق; ويا للأسف، ترى أنّ الخليفة يشير إلى تلك المنافسات الشيطانية ويقول: إنّ هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس، وإن تطاولت إليه الأوس لم تقصر عنه الخزرج، (وقد كانت بين الحيّين قتلى لا

صفحه 125
تنسى وجراح لا تُداوى)، فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي أسد يضغمه (يقضمه) المهاجري ويجرحه الأنصاري.1
فهو بكلامه هذا أحيا ما كان قد خفي من الخلافات والنزعات الجاهلية، فكلامه هذا صار سبباً لانفضاض الوحدة بين الأنصار.
مع أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)جعل الحيين إخوة وأمرهم بتناسي ما كانوا عليه من الخلافات، ورغم ذلك كانت جذور التنافس والتنافر بين الحيّين موجودة ويشهد على ذلك ما رواه البخاري عن عائشة في أمر الإفك حيث يقول: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من يومه فاستعذر من عبدالله بن أُبي وهو على المنبر فقال: يا معشر المسلمين مَن يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً وما يدخل على أهلي إلاّ معي. قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا يا رسول الله أعذرك فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على

1 . البيان والتبيين: 4 / 10 .

صفحه 126
قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل، فقام أُسيد بن حضير وهو ابن عمّ سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخفضّهم حتّى سكتوا وسكت.1
5. نرى أنّ أبا بكر يقدّم الرجلين للبيعة ويقول لكلّ من عمر وأبي عبيدة: ابسط يدك لأُبايعك، وهما يردّان عليه الأمر قائلين بأنّك الأولى!!
كلّ ذلك يدلّ على وجود اتّفاق بين الثلاثة حتّى يتمّ الأمر إلى أبي بكر.
6. أو ما كان اللازم للخليفة أن يبحث عن الأصلح داخل السقيفة وخارجها ويرشّحه للخلافة، مكان ترشيحه هذين الرجلين.
7. أنّ بيعة الأوس لم تكن مبنية على أنّ أبا بكر كان يتحلّى بالمؤهّلات الّتي تصلح لأن يكون هو الخليفة، وإنّما بايعوه لأجل أن لا يكون للحيّ المنافس لهم، مزيّة عليهم.

1 . صحيح البخاري: 1015، برقم 4141، باب حديث الإفك.

صفحه 127
8 . أنّ مجلس المشاورة يسوده الهدوء واستماع منطق المخالف، ثم أخذ الرأي بأمانة خاصّة، ولا نرى هذا الشرط موجوداً بأقل وجه في مجلس السقيفة، بل كان أشبه بمجلس المهاترة حيث إنّ سعد بن عبادة يأخذ بلحية عمر ويقول ما يقول، ويجيبه عمر بما مرّ عليك، إلى أن انتهى إلى وطء سعد بن عبادة، ذلك الرجل الهرم الّذي خدم الإسلام من حين آمن!!
9. كيف يصف الدكتور هذا الانتخاب انتخاباً ديمقراطياً مع أنّ رفيق الخليفة في شبابه وهرمه يصف الانتخاب بأنّه فلتة وقى الله المسلمين شرّها؟! فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس عن عمر أنّه قال: ثم إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترنّ امرؤٌ أن يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكنّ الله وقى شرّها...1
وقد صدق قوله: «كانت بيعة أبي بكر فلتة» إذ تمّ الانتخاب بسرعة خاطفة لم تبق مجال للمفكّر حتّى يفكّر بالموضوع، ولا للمعارض أن يقيم حجّة، فكانت مفاجأة في مفاجأة مع أنّ العاطفة

1 . لاحظ : صحيح البخاري: 1712 برقم 6830، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

صفحه 128
العدائية عند الأوس المهيّجة من أبي بكر كان لها الأثر الفعّال في انتخاب الخليفة، فلا يمكن لباحث أن يتّخذ هذا النوع من الانتخاب إسوة للأجيال الآتية فالحادثة من مبدئها إلى منتهاها كانت على غفلة من علي (عليه السلام)ومن بني هاشم إلى آخر لحظة منها، وأهمل شأنهم كأنّهم لم يكونوا من المسلمين، أو لم يكونوا من الحاضرين في المدينة إلاّ بعد أن تمّ كلّ شيء.1
فهل كان من مانع شرعي أو عقلي أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! ولو بأن يوكل حفظ الأمن إلى القيادة العسكرية مؤقتاً حتّى يستتب أمر الخلافة؟ أليس هذا المقدار من التريّث كان أرفق بهؤلاء المفجوعين؟! وهم وديعة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لديهم، وبقيته فيهم.
وأمّا ما جرى بعد انتخاب الخليفة على أهل بيت النبوّة وأخي رسول الله عليّ (عليه السلام)وبضعة الرسول فلنجعجع القلم عن ذكر الحوادث المريرة، ويكفي في مرارتها قول شاعر النيل حافظ إبراهيم في القصيدة العمرية:
وقولة لعليّ قالها عمر *** أكرم بسامعها أعظم بملقيها

1 . السقيفة: 108 .

صفحه 129
حرّقت دارك لا أبقي عليك بها *** إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص بقائلها *** أمام فارس عدنان وحاميها
فالبيعة الّتي تطالب بالتهديد والوعيد بإحراق البيت ومن فيه، هل تعدّ بيعة شرعية إسلامية؟! فلو كانت هذه البيعة بيعة إسلامية فعلى الإسلام السلام!! وأي ديمقراطية هذه الّتي تهدّد المعارضين بالقتل والنفي وحرق البيوت على أصحابها؟!
10. ونختم جوابنا بكلام الإمام علي (عليه السلام)لمّا انتهت إليه أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال (عليه السلام): ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منّا أمير ومنكم أمير، قال (عليه السلام): «فَهَلاَّ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلى مُحْسِنِهِمْ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟ قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟، فقال(عليه السلام): لَوْ كَانَتِ الاِْمَامَةُ (الأمارة) فِيهِمْ لَمْ تَكُنْ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ. ثم قال(عليه السلام): فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ؟ قَالُوا: احتجّت بأَنها شجرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال(عليه السلام): احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الَّثمَرَةَ».1

1 . نهج البلاغة: الخطبة 67 .

صفحه 130
وللإمام علي (عليه السلام)كلام آخر في ذلك، قال (عليه السلام): «وَاعَجَبَاهُ! أَتَكُونُ الْخِلاَفَةُ بِالصَّحَابَةِ وَلا تَكُونُ بِالصَّحابَةِ وَالْقَرَابَةِ؟ وروي له شعر في هذا المعنى :
فَإِنْ كُنْتَ بِالشُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ *** فَكَيْفَ بِهذا وَ الْمُشِيرُونَ غُيَّبُ؟
وَإِنْ كُنْتُ بِالْقُربَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ *** فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَ أَقْرَبُ1
وممّا ذكرنا يمكن للقارئ النابه أن يستنتج أنّ عمل القوم في انتخاب الخليفة لم يكن مستنداً إلى قاعدة إسلامية ولم يكن إلاّ قراراً خاطفاً تحكمت فيه العواطف في المبدأ والمنتهى وكانت المعايير الّتي اعتمدت في إنتخاب الخليفة معايير جاهلية، وبذلك تمثّل قوله سبحانه: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ).2
الحلقة العشرون   

1 . نهج البلاغة: 502، قسم الحكم برقم 190 .
2 . آل عمران: 144 .

صفحه 131

الحلقة العشرون:

اليوم العشرون من شهر رمضان 1436 هـ

ذكر الدكتور أحمد الطيّب في حديثه اليومي الّذي يُبث من الفضائية المصرية قبل الإفطار .
1. أنّ من الفوارق الواضحة بين السنة والشيعة أنّ الأئمة الاثني عشر عند السنّة بشر يصيبون ويخطأون بينما هم معصومون عند الشيعة .
2. أنّ الأئمة عند الشيعة أفضل من الأنبياء والرسل عدا النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا مخالف لعقيدة أهل السنّة الّذين يعتقدون أنّ الأنبياء والمرسلين معصومون ومفضّلون على باقي البشر، لأنّه يوحى إليهم من الله .
***
ركّز شيخ الأزهر في هذه الحلقة على أمرين: الأوّل: عصمة الأئمة الاثني عشر، والثاني: كون الأئمة أفضل من الأنبياء والمرسلين.
أمّا الأمر الأوّل: فيكفي في ثبوته ما ثبت من أحاديث صحيحة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومنها:

صفحه 132

1. حديث الثقلين

قال النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّها الناس كأنّي دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»، وقد ثبت تواتر هذا الحديث في مصادر الفريقين.1
إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد حكى في حديث الثقلين عن وجود التلازم بين عترته وأهل بيته وبين الكتاب العزيز، وأوصى المسلمين بالتمسّك بهما معاً مصطحبين، ليتجنّبوا الوقوع في الضلالة، وأشار(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» إلى أنّهما بمنزلة الخليفتين التوأمين عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا يقتضي أن يكون أهل البيت(عليهم السلام) مقارنين للكتاب في الوجود والحجّة. وإلاّ يلزم وجود أحد المتلازمين (الكتاب) دون الآخر.
وبعبارة أُخرى: إنّ ذلك يدلّ على أنّه لابدّ في كلّ عصر، من حجّة معصوم مأمون يُقطع بصحّة قوله.
وممّا يؤيد ما ذكرنا أنّه ورد في ذيل بعض السور أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما ذكر أنّه مخلّف كتاب ربه وعترته أهل بيته، قد

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 109، أخرجه الحاكم عن زيد بن أرقم.

صفحه 133
أخذ بيد عليّ(عليه السلام) ورفعها وقال: «هذا عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض»1، وعصمة القرآن أمرٌ مسلمٌ لا يُشكّ به؟! فلابدّ أن لا يشكّ في عصمة مَن لا يفارقه.

2. حديث السفينة

تضافرت الروايات عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه شبّه أهل بيته بسفينة نوح، وقال:«ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق».2
وفي لفظ آخر: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق، وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غُفر له».3
يقول السيد شرف الدين العاملي: وأنت تعلم أنّ المراد بتشبيههم(عليهم السلام)بسفينة نوح، أنّ مَن لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمتهم الميامين، نجا من عذاب النار، ومَن تخلّف عنهم كان كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله،

1. الصواعق المحرقة:124، المطبعة المحمدية بمصر.
2. المستدرك على الصحيحين: 2/343، و 3/151.
3. مجمع الزوائد للهيثمي:9/168. ولاحظ: المعجم الكبير للطبراني:3/46; كنز العمّال:2/435 و ج12/98.

صفحه 134
غير أنّ ذاك غرق في الماء، وهذا في الحميم والعياذ بالله.
والوجه في تشبيههم(عليهم السلام) بباب حطّة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والخضوع لحكمه، ولهذا كان سبباً للمغفرة. وقد جعل انقياد هذه الأُمّة لأهل بيت نبيّها والاتّباع لأئمتهم مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة. هذا وجه الشبه.
وقد ذكر ابن حجر1 في كلامه ـ بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها من أمثالها ـ : ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ مَن أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومَن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان... إلى أن قال: وباب حطّة ـ يعني: ووجه تشبيههم بباب حطّة ـ أنّ الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها.2
وأمّا الأمر الثاني أعني أفضلية الأئمة على الأنبياء غير النبيّ الخاتم: فظاهر الكتاب أنّ عليّاً (عليه السلام)أفضل من سائر الأنبياء لأنّه عدّ

1. الصواعق المحرقة:151، المطبعة المحمدية بمصر.
2 . المراجعات:77ـ 78، المراجعة 8.

صفحه 135
فيه نفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في آية المباهلة النازلة في مباهلة النبيّ مع نصارى نجران قال سبحانه: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)1.
وقد تضافرت النصوص على أنّ المراد بقوله تعالى: (وَأَنْفُسَنَا)هو عليّ بن أبي طالب، وأنّ المراد من قوله تعالى: (أَبْنَاءَنَا): الحسن والحسين، والمراد من قوله تعالى: (وَنِسَاءَنَا): فاطمة (عليها السلام).2
فإذا كان عليّ (عليه السلام)نفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو أفضل من سائر الأنبياء فليكن عليّ أيضاً كذلك، ومع ذلك فليس في المسألة قول موحّد للشيعة ; بل هي مسألة كلامية.
فهذا هو الشيخ المفيد يقول: قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمة من آل محمد على سائر من تقدّم من الرسل والأنبياء سوى نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأوجب فريق منهم لهم الفضل على جميع الأنبياء سوى أُولي العزم منهم(عليهم السلام)، وأبى القولين فريق منهم

1 . آل عمران: 61 .
2 . لاحظ : التفاسير الروائية كالطبري والدر المنثور ومن التفاسير العلمية، الكشاف وتفسير الرازي .

صفحه 136
آخر وقطعوا بفضل الأنبياء كلّهم على سائر الأئمة(عليهم السلام)، وهذا باب ليس للعقول في إيجابه والمنع منه مجال، ولا على أحد الأقوال فيه إجماع، وقد جاءت الآثار عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمير المؤمنين (عليه السلام)وذريته من الأئمة، والأخبار عن الأئمة الصادقين أيضاً من بعد، وفي القرآن مواضع تقوّي العزم على ما قاله الفريق الأوّل في هذا المعنى، وأنا ناظر فيه وبالله اعتصم من الضلال.1
ترى أنّ الشيخ المفيد شيخ الشيعة لم يتّخذ موقفاً موحّداً.
وهناك نص آخر للعلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني وقد سأله سائل بقوله: هل الأئمة أفضل من الأنبياء أو الأمر بالعكس؟ فأجاب (رحمه الله) عنه بهذا النص: أمّا بالقياس إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فالجميع دونه في جميع الفضائل وإنّما فضائلهم رشحات من فضله، وعلومهم مقتسبة من علمه، وشرفهم فرع شرفه. وأمّا بالقياس إلى سائر الأنبياء السالفين فلا يبعد أن تكون جملة من هؤلاء أفضل وأشرف من جملة من أُولئك، لأنّ في هؤلاء مَن هو أعلم وأشرف وأكثر جهاداً في سبيل الله وأصبر وأعظم نفعاً للبشر علمياً وأدبياً وأخلاقياً واجتماعياً، فلا يبقى ما يقف عثرة في سبيل التفضيل سوى ميزة النبوة. وقد قرّرت في محلّه أنّ الخلافة لأفضل الأنبياء

1 . أوائل المقالات: 42 ـ 43 .

صفحه 137
قد تعتبر أعظم درجة من بعض الأنبياء.
وبعبارة أُخرى: لم يثبت أنّ الخلافة الإلهية عن أعظم الأنبياء أقل درجة من كلّ نبي .1
هذان النصّان أحدهما من شيخ الشيعة القدامى، والآخر من بعض فطاحلهم المتأخّرين يعربان عن أنّ المسألة ليست مورد اتّفاق للشيعة حتّى تُعدّ ممّا يميّز به الشيعة عن غيرهم، والعجب أنّ الدكتور يطرح هذه المسألة ونظائرها لتمييز إحدى الطائفتين عن الأُخرى!!
ومن أراد التفصيل في هذه المسألة فليرجع إلى: متشابه القرآن للشيخ الجليل محمد بن شهرآشوب السروي (488 ـ 588 هـ) وأصل الشيعة وأُصولها للعلاّمة الشهير الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (1294 ـ 1373 هـ) .2

1 . أوائل المقالات: 43، الحاشية.
2 . لاحظ : متشابه القرآن: 44 ـ 45 ; وأصل الشيعة وأُصولها: 64، طبعة النجف الأشرف.

صفحه 138
الحلقة الحادية والعشرون   

الحلقة الحادية والعشرون:

اليوم الحادي والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب: من مسائل الخلاف بين السنّة والشيعة مسألة عقد الإمامة، أي بم تنعقد الإمامة؟! فعند أهل السنّة طريقان تنعقد بهما الإمامة لا ثالث لهما; إمّا باستخلاف الخليفة، كاختيار أبي بكر لعمر ليخلفه في الحكم; وإمّا ببيعة فريق من العلماء وأهل الحل والعقد; لاختيار شخص معيّن، فإذاً يصبح شرعاً هو الخليفة أو هو الحاكم، وهذا يشبه الوضع الحالي تقريباً لكنه وضع مصغّر.
وأضاف أيضاً: إنّ الخلافة الراشدة أو خلافة النبوّة هي الّتي قامت عقب وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي الدولة الّتي تعتمد الشورى في نظامها، وقد توالى على حكم الدولة الإسلامية أربعة خلفاء من كبار الصحابة، وجميعهم من العشرة المبشّرين بالجنّة، وهم: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطّاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وهذا وفق معتقد أهل السنّة.
وذكر أيضاً أنّ حديث «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنّة» معجزة للنبيّ حيث كانت خلافة الخلفاء الأربعة ثلاثين سنة.

صفحه 139
***
أقول: ركّز الدكتور شيخ الأزهر في هذه المحاضرة على أمرين:
الأوّل: استخلاف الخليفة إمّا باختيار الخليفة السابق أو باختيار أهل الحلّ والعقد.
الثاني: أنّ الخلافة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأربعة من كبار الصحابة، وأنّ حديث «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة معجزة للنبيّ».
أمّا الأمر الأوّل: فقد نصّ عليه الماوردي قال: الإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما: باختيار أهل الحلّ والعقد، والثاني: بعهد الإمام من قبل .1
أقول: لو كان أمر الإمامة منوطاً بانتخاب أهل الحلّ والعقد لما أهمل الرسول التصريح به والإرشاد إليه، كيف وأمر الإمامة أعظم الأُمور في حياة الأُمّة حيث يقود الإمام الأُمة الإسلامية بعد رحيل النبيّ، وكيف سكت عن ذلك مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكر مندوبات الوضوء وآداب المائدة وغيرها من المستحبّات ودقائق الأُمور، ومع ذلك لم يصرّح بذلك الأمر المهم والخطير الّذي يتوقّف عليه مصير الأُمّة ومستقبلها؟!

1 . الأحكام السلطانية: 6 ـ 7 .

صفحه 140
أضف إلى ذلك: أنّ أهل الحلّ والعقد تعبير غامض، فمَن هم أهل الحلّ والعقد؟
وماذا يحلّون؟! وماذا يعقدون؟!
يقول الشيخ عبدالكريم الخطيب: هم أهل أصحاب الفقه والرأي الّذين يرجع إليهم الناس فيما ينوبونهم في أُمور؟ وهل هناك درجة معيّنة من الفقه والعلم إذا بلغها الإنسان صار من أهل الحلّ والعقد؟ وما هي تلك الدرجة؟ وبأيّ ميزان توزن؟ ومَن إليه يرجع الأمر في تقديرها؟ إنّ كلمة أهل العقد والحلّ لأغمض غموضاً من (الأفراد المسؤولون) .1
إنّ التعبير بأهل الحلّ والعقد عبارة أُخرى عن كون أساس الحكم ومنشئه هو الشورى حتّى يتشاور أعضاء الشورى في أمر الخلافة، فلو كانت صيغة الحكومة بعد النبيّ هي الشورى كان على النبيّ توعية الأُمّة وتطبيقها في حياته، إذ ليس أمر الحكومة أمراً صغيراً ; بل هو أمر خطير خصوصاً في المجتمعات العشائرية الّتي يتنافس فيها شيخ العشيرة مع شيخ العشيرة الأُخرى.
وفي المقام تحقيق للعلاّمة الشهيد محمد باقر الصدر نأتي بإجماله:

1 . الخلافة والإمامة: 271 .

صفحه 141
لو كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قد اتّخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً إيجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة وإسناد زعامة الدعوة إلى القيادة الّتي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبده الأشياء الّتي يتطلّبها هذا الموقف الإيجابي أن يقوم الرسول القائد بعملية توعية للأُمّة والدعاة على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله وإعطائه طابعاً دينياً مقدّساً وإعداد المجتمع الإسلامي إعداداً فكرياً وروحياً لتقبّل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام وضعاً سياسياً على أساس الشورى وإنّما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبلية وعشائرية تتحكّم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حدّ كبير.
ونستطيع بسهولة أن ندرك أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يمارس عملية التوعية على نظام الشورى وتفاصيله التشريعية أو مفاهيمه الفكرية ; لأنّ هذه العملية لو كانت قد أُنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسّد في الأحاديث المأثورة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وفي ذهنية الأُمّة، أو على أقلّ تقدير في ذهنية الجيل الطليعي منها الّذي يضم المهاجرين والأنصار بوصفه هو المكلّف بتطبيق نظام الشورى، مع أنّنا لا نجد في الأحاديث المأثورة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أي صورة تشريعية محدّدة لنظام الشورى. وأمّا ذهنية الأُمّة أو ذهنية

صفحه 142
الجيل الطليعي منها فلا نجد فيها أي ملامح أو انعكاسات محدّدة لتوعية من ذلك القبيل.1
ولأجل غموض نظرية الشورى برمّتها وعدم ورود نصّ واضح وصريح حولها يقول الدكتور طه حسين: ولو قد كان للمسلمين هذا النظام المكتوب (يعني نظام الشورى) لعرف المسلمون في أيام عثمان ما يأتون من ذلك، وما يدّعون دون أن تكون بينهم فرقة أو اختلاف.2
أقول: إنّ في كون الشورى أساساً للحكم غموضاً آخر غيرما ذكر، لم يرد في الشرع حلّه، وذلك:
أوّلاً: مَن هم الذين يجب أن يشاركوا في (الشورى) المذكورة ؟ هل هم العلماء وحدهم، أو السياسيّون وحدهم، أو كلاهما معاً؟
ثانياً: مَن هم الذين يختارون أهل الشورى ؟
ثالثاً: لو اختلف أهل الشورى في شخص فبأي شيء يكون الترجيح، هل يكون بملاك الكمّ، أم بملاك الكيف ؟
إنّ جميع هذه الأُمور تتّصل بجوهر مسألة (الشورى)،

1 . تاريخ الإمامية للدكتور عبدالله فياض قسم المقدّمة.
2 . الخلافة والإمامة: 272 .

صفحه 143
فكيف يجوز ترك بيانها، وتوضيحها؟ وكيف سكت الإسلام عنها إن كان قد جعل (الشورى) طريقاً إلى تعيين الحاكم؟!
ثم إنّ الماوردي نفسه بعد تعرضه لبيان الوجهين في انعقاد الإمامة، تعرّض للاضطراب الّذي أصاب مفكري المدرسة السنية في هذا المجال حيث قال:
فأما انعقادها باختيار أهل الحلّ والعقد، فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى:
فقالت طائفة: لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل العقد والحلّ من كلّ بلد ليكون الرضاء به عامّاً والتسليم لإمامته اجماعياً.
ورده آخرون بأنّه مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها .
وقالت طائفة أُخرى: أقل من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالاً بأمرين:
أحدهما: أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها، وهم: عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وأسيد بن حضير وبشر بن سعد وسالم مولى أبي حذيفة.
والثاني: أن عمر جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهما

صفحه 144
برضا الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة.
وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكما وشاهدين كما يصحّ عقد النكاح بولي وشاهدين.
وقالت طائفة أُخرى: تنعقد بواحد، لأن العباس قال لعلي أُمدد يدك أبايعك فيقول الناس: عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان، ولأنّه حكم وحكم واحد نافذ.1
ولم يغفل ابن حزم عن نقطة فساد هذه الآراء، في مطاوي حديثه عنها حيث إنّ البعض منها يعد تكليفا بما لا يطاق مضافاً إلى ضياع أُمور المسلمين قبل أن يجمع جزء من مائة جزء من فضلاء أهل هذه البلاد، مع أنّه لو كان ممكنا لما لزم لأنّه دعوى بلا برهان. وأما قول من قال أن عقد الإمامة لا يصحّ إلاّ بعقد أهل حضرة الإمام وأهل الموضع الّذي فيه قرار الأئمة، فإن أهل الشام كانوا قد دعوا ذلك لأنفسهم حتّى حملهم ذلك على بيعة مروان وابنه عبدالملك واستحلوا بذلك دماء أهل الإسلام .
وهو قول فاسد لا حجة لأهله وكلّ قول في الدين عري عن ذلك من القرآن أو من سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أو من إجماع الأُمة

1 . الاحكام السلطانية للماوردي: 6 ـ 7 .

صفحه 145
المتيقن فهو باطل بيقين، قال الله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)1 فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس صادقاً فيه، فسقط هذا القول أيضاً .2
يضاف إلى ذلك: أنّ الدكتور الطيب اكتفى بذكر وجهين لتعيين الخليفة المتمثلين باختيار أهل الحلّ والعقد وتعيين الخليفة السابق، وأهمل الوجه الثالث المتمثل بالقهر والاستيلاء أو الغلبة بالسيف، قال الإمام أحمد: ومن غلبهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما، براً كان أو فاجراً. وعند وجود إمام مستقر ثم يخرج عليه آخر طلبا للملك، فقد قال الإمام أحمد: الإمامة لمن غلب، واحتجّ لذلك بأن ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة وقال: نحن مع من غلب .3 والأمر مطرد، فلو ثبتت الإمامة لواحد بالقهر والاستيلاء، فيجئ آخر ويقهره ويستولي على الأمر، ينعزل الأوّل ويصير الإمام هو الثاني.4
وهو كسابقه لا يستند إلى مرتكز شرعي وإنّما هو تبرير

1 . البقرة: 111.
2 . الفصل: 4 / 168 .
3 . الأحكام السلطانية، للفرّاء: 20 و 22 و 23 .
4 . مآثر الانافة: 1 / 71 .

صفحه 146
لواقع فرضته السياسة أو موقف اتخذه البعض كأبن عمر .
هذا كلّه حول كون الشورى أساس الحكم ، وأمّا انعقاد الإمامة بعهد الإمام من قبل فليس له أي دليل سوى عمل الخلفاء حيث تمّت خلافة عمر بن الخطاب بتعيين أبي بكر، وهكذا كان الأمر في الخلافة الأموية والعباسية، فلو كانت صيغة الحكومة الإسلامية بعهد الخليفة من قبل، فمرجع هذا إلى الاستبداد الّذي يخالف روح الإسلام، وعلى هذا الأساس غير المشروع دالت الخلافة بين الأمويين والعباسيين من والد إلى ولد دون أن تتوفّر فيهم المؤهّلات اللازمة للولاية والقدرة على الإدارة والسياسة الناجحة والإحاطة بأُصول الإسلام وأحكامه.
وحصيلة الكلام: أنّ شيخ الأزهر ومن سبقه من علماء أهل السنّة اتّخذوا الأمر الواقع بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)دليلاً على المشروعية دون أن يقيموا على صحة الأمر الواقع دليلاً من الكتاب أو من السنّة النبوية الشريفة.
ثم إنّ القوم أعرضوا عمّا ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمر الوصاية والخلافة من غير فرق بين ما أدلى به بوصاية الإمام في صدر البعثة، وما أوصى به في أواخر عمره.
أمّا في صدر البعثة فلمّا نزل قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ

صفحه 147
الأَقْرَبِينَ)1 دعا النبيّ أقرباءه فقال لهم: يا بني عبد المطلب إنّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم» .
قال علي (عليه السلام): «فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلتُ وإنّي لأحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».
قال: «فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع».2
وأمّا في أُخريات عمره فيكفي في ذلك ما بلّغ عن الله سبحانه في أمر الخلافة يوم الغدير وبما أنّ الحديث معروف بأسانيده فقد اقتصرنا بما مرّ عليك، وسيوافيك بعض تفاصيله في الحلقات التالية.

1 . الشعراء: 214 .
2 . تاريخ الطبري: 2 / 216; نقض العثمانيّة كما في شرح نهج البلاغة: 3 / 263، شرح الشفاء للقاضي عياض: 3 / 37، تفسير الخازن:390; مسند أحمد: 1 / 159 ; ولاحظ : حياة محمّد لهيكل:104 .

صفحه 148
***
ذكر الدكتور أحمد الطيب حفظه الله: أنّ قول رسول الله من أنّ الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة هي معجزة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث كانت خلافة الخلفاء الأربعة ثلاثين سنة.
أقول: اعتمد الدكتور في كلامه هذا على ما رواه الترمذي في سننه عن أحمد بن منيع، عن سريح بن النعمان، عن حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان قال: حدّثني سفينة (مولى رسول الله) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك.1
وأقول: إنّ الحديث لا يحتجّ به سنداً ولا دلالة، أمّا السند ففيه حشرج بن نباتة، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال مرّة: ليس بالقوّي، وأخرج له الترمذي حديثاً واحداً، ثم قال: ولحشرج غير ما ذكرت، وأحاديثه حسان وأفراد وغرائب. وقال: الساجي: ضعيف.
وقال ابن حبّان: كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد. 2

1 . سنن الترمذي: 3 / 341، باب ما جاء في الخلافة.
2 . تهذيب التهذيب: 2 / 325 .

صفحه 149
وفي سندها أيضاً سعيد بن جمهان البصري (المتوفّى 136 هـ)، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقوم يضعفونه، ليس له عند الترمذي غيره.1
هذا عن السند وأمّا دلالة الحديث، فإنّ ظاهر الحديث أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان واقفاً على أنّ الخلافة ستدوم ثلاثين سنة، فلو صرّح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بمدة خلافتهم، فلماذا لم يصرّح بأسمائهم وأعيانهم، فهل كان التصريح بمدة الخلافة أولى من التصريح بأعيانهم؟!
أضف إلى ذلك: أنّ مضمون الحديث يضاد تماماً مع ما ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)متضافراً بدوام الخلافة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)باثني عشر رجلاً، فقد عقد الشيخان (البخاري ومسلم) باباً لهذه الرواية وذكراها بأسانيد مختلفة، نذكر شيئاً طفيفاً منها:
أ. روى البخاري عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «يكون اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش .2
ب. روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول

1 . راجع تهذيب الكمال: 10 / 376 .
2 . صحيح البخاري: 9 / 81 ، باب الاستخلاف، ورواه ناقصاً كما يظهر ممّا نقله مسلم وغيره، ورواه أحمد في مسنده: 5 / 90 و 92 و 95 و 108.

صفحه 150
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال: كلّهم من قريش».1
3. وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: انطلقت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومعي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمّنيها الناس. فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال: كلّهم من قريش» .2
4. أحمد بن حنبل بسنده إلى مسروق قال: كنّا جلوساً عند عبدالله بن مسعود فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كم يملك هذهِ الأُمة من خليفة؟
فقال ابن مسعود: نعم، سألنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل» .3
وروى أحمد في مسنده حديث: «الاثني عشر خليفة» عن

1 . صحيح مسلم: 6 / 3، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش.
2 . صحيح مسلم: 6 / 3، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش. وروى نحوه: أحمد في مسنده: 5 / 98، وفيه: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً يُنصرون على ما ناواهم».
3 . مسند أحمد: 1 / 398، طبعة بيروت .

صفحه 151
جابر بن سمرة من أربع وثلاثين طريقاً .1
   
5. روى الحاكم في «المستدرك» بسنده عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزال أمر أُمّتي صالحاً حتّى يمضي اثنا عشر خليفة... كلهم من قريش».2
كلّ ذلك يدلّ على أن الخلافة تدوم أكثر من ثلاثين سنة، وبما أن القسم الثاني من الروايات متضافرة فيؤخذ بها ويترك غيرها. أعني ما يدلّ على أن مدّتها، ثلاثون سنة.

الحلقة الثالثة والعشرون:

اليوم الثالث والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ 3

قال الدكتور أحمد الطيب: لا عصمة لأيّ إمام أو خليفة من بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بداية من أبي بكر الصديق حتّى تقوم الساعة، وهذا ما أكّده سيدنا أبو بكر في خطبة التنصيب، قال: أيّها الناس! إني قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني. وهو يعترف بأنّ الخليفة يُخطئ أو يجانبه الصواب؟

1 . انظر : التشيع، لعبدالله الغريفي: 150 نقلاً عن المسند: 5 / 90، طبعة بيروت.
2 . المستدرك على الصحيحين : 3 / 618، طبعة بيروت.
3 . لم نعثر على محاضرة الدكتور في اليوم الثاني والعشرين.

صفحه 152
وقوله: (قوّموني) يعني تعيدونني وترجعونني إلى الصواب، وبالتالي فليس لأي أحد عصمة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم تابع الدكتور مسألة عدم وجود نص على إمامة سيدنا علي (عليه السلام)وقال: إنّ الأحاديث الّتي وردت في الثناء على الخلفاء ومنهم سيدنا عليّ، ليس فيها لا من قريب ولا من بعيد ما يشير إلى إمامة سيدنا علي (عليه السلام)بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). ولو كان الأمر كما ذهب الشيعة لنصّ على ذلك صراحة بأن يقول: أيّها المسلمون عليٌّ هو الإمام من بعدي، وتحسم المسألة، لكن نحن أمام نصّ خفيّ ـ كما قال الشريف المرتضى; وهو من أعمدة علماء الشيعة ـ يحتمل أن يكون دالاًّ ويحتمل أن يكون غير دال .
***
أقول: ما اعتمد عليه الدكتور فيما أُثر عن أبي بكر، فقد روي على وجهين:
الأوّل: أمّا بعد أيّها الناس فإنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني.1
الثاني: قوله: اعلموا أيّها الناس أنّي لم أجعل لهذا المكان أن

1 . الصواعق المحرقة لابن حجر: 11 .

صفحه 153
أكون خيركم ولوددت أنّ بعضكم كفانيه ولئن أخذتموني بما كان الله يقيم به رسوله من الوحي ما كان ذلك عندي وما أنا إلاّ كأحدكم، فإذا رأيتموني قد استقمت فاتّبعوني وإن زغت فقوّموني، واعلموا أنّ لي شيطاناً يعتريني... 1
أمّا الأوّل فيلاحظ عليه: أنّه إذا كان بين الصحابة مَن هو خير منه وأعلم بالأُصول والفروع والتنزيل والتأويل، فلماذا لم يشر إليه يوم السقيفة حتّى يختاره الناس ويبايعه هو؟! أليس هذا بخساً لحقّ الأُمّة أن يتسنّم الفاضل مع وجود الأفضل؟! أو المفضول مع وجود الفاضل .
وأمّا الثاني: فالاعتراف به عجيب وخطير جداً، فإنّ تدخل الشيطان في أفكاره في موضع بيان الأحكام والقضاء أمر غير مغتفر، فليس لمثل هذا أن يترشّح للزعامة!!
ثم إنّ الغاية من تنصيب الرجل للزعامة هو تدبير الأُمّة على ضوء الكتاب والسنّة، وهو رهن أن يكون الخليفة عارفاً بما تحتاج إليه الأُمّة في الإدارة والسياسة، قال علي (عليه السلام): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهذَا الاَْمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللهِ فِيهِ. فَإِنْ شَغَبَ

1 . تاريخ الخلفاء لابن قتيبة: 1 / 16 .

صفحه 154
شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ، فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ». 1
وقال الإمام الحسين بن علي (عليه السلام): «والله ما الإمام إلاّ القائم بالقسط، الحاكم بالكتاب، الحابس نفسه على ذات الله».2
وظاهر كلام الخليفة أنّه يحتاج في أمر القيادة إلى أفراد آخرين، وعندئذ تكون النتيجة: أنّه كان يفقد مقوّماتها ومؤهلاّتها.
ثم إنّ الدكتور أنكر وجود النصّ على إمامة عليّ (عليه السلام)ونقل عن السيد المرتضى أنّه قال: يحتمل أن يكون النص دالاًّ ويحتمل أن يكون غير دال.
وأقول: الدكتور اعتمد في نقله هذا على ما كتبه أحمد الكاتب في المقام، ولم ينقله بوجه صحيح، وإليك كلامه الّذي أشار إليه الكاتب قال: الّذي نذهب إليه أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على أمير المؤمنين (عليه السلام)بالإمامة بعده، ودلّ على وجوب فرض طاعته ولزومها لكلّ مكلّف. وينقسم النص عندنا في الأصل إلى قسمين: أحدهما يرجع إلى الفعل ويدخل فيه القول، والآخر إلى القول دون الفعل.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 172 .
2 . روضة الواعظين: 206 .

صفحه 155
إلى أن قال (رحمه الله): قد دللنا على ثبوت النصّ بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)بأخبار مجمع على صحّتها، متّفق عليها، وإن كان الاختلاف واقعاً في تأويلها، وبيّنا أنها تفيد النصّ عليه (عليه السلام)بغير احتمال ولا إشكال كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» و «من كنت مولاه فعليّ مولاه» إلى غير ذلك ممّا دللنا، على أنّ القرآن يشهد به كقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)1، فلابدّ من أن نطرح كلّ خبر نافِ ما دلّت عليه هذه الأدلة القاطعة إن كان غير محتمل للتأويل، ونحمله بالتأويل على ما يوافقها ويطابقها إذا ساغ ذلك فيه .2
ترى أنّه (رحمه الله) عدّ حديث الغدير من الأحاديث الّتي تفيد النص عليه (عليه السلام)بلا احتمال ولا إشكال، وأنّ دلالتها قاطعة توجب طرح كلّ خبر ينافيها.
والنقل إن عَدِم الأما *** نة كان عنوانَ الخسار
وقد بحث هذا الموضوع المحقّق الأُستاذ حيدر محمد علي البغدادي الطحّان في كتابه «واحة اليقين»، وكشف الهفوات الّتي

1 . المائدة: 55 .
2 . الشافي في الإمامة: 3/ 99، مؤسسة إسماعيليان، قم ـ 1410 هـ .

صفحه 156
وقع فيها أحمد الكاتب في كتابه المذكور.1
ثم إنّ الدكتور قال: لو كان الأمر كما ذهب إليه الشيعة لنصّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على إمامة علي بصراحة، بأن يقول: أيّها الناس عليّ هو الإمام من بعدي.
أقول: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كرّر ذلك القول أكثر من مرّة خلال سنيّ حياته، ومنها:
1. ما تقدّم نقله من حديث بدء الدعوة، وقد مرّ نصّه.
2. إنّ حديث الولاية يعني قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ علي (عليه السلام) : «علي منّي وأنا من علي، وهو وليّكم من بعدي» من الأحاديث المتضافرة الّذي أخرجه غير واحد من أئمّة الصحاح والسنن وحفّاظ الحديث، وقد نقله جمّ غفير من كبار أئمّة الحديث في كتبهم، ربما يبلغ عددهم حسب ما استخرجه المحقّق المتتبع السيد حامد حسين اللكهنوي (المتوفّى 1306 هـ) في كتابه «عبقات الأنوار» إلى 65، وعلى رأسهم :
1. سليمان بن داود الطيالسي (المتوفّى 204 هـ).
2. أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (المتوفّى 239 هـ).

1 . لاحظ : واحة اليقين: 418 ـ 420، طبع في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام).

صفحه 157
3. أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 هـ).
4. محمد بن عيسى الترمذي (المتوفّى 279 هـ).
5. أحمد بن شعيب النسائي (المتوفّى 303 هـ).
إلى غير ذلك من أئمّة الحفّاظ والمحدّثين 1، وإليك نصّ الحديث :
1. أخرج النسائي في سننه قائلاً: حدّثنا واصل بن عبد الأعلى، عن ابن فضيل، عن الأعرج، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليمن مع خالد بن الوليد وبعث عليّاً على جيش آخر، وقال: إن التقيتما فعليٌّ على الناس، وإن تفرّقتما فكلّ واحد منكما على جنده، فلقينا بني زبيد من أهل اليمن، وظفر المسلمون على المشركين، فقاتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى عليٌّ جاريةً لنفسه من السبي، فكتب بذلك خالد بن الوليد إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمرني أن أنال منه. قال: فدفعت الكتاب إليه ونلت من عليّ، فتغيّر وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقلت: هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وألزمتني بطاعته فبلّغت ما أُرسلت به. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لي: «لا تقعنَّ يا بريدة في عليّ، فإنّ عليّاً منّي وأنا

1 . لاحظ : نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار: 15 / 51 ـ 54 .

صفحه 158
منه وهو وليّكم بعدي».1
2. وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس، عن بريدة، قال: غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلمّا قدمتُ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكرت عليّاً فتنقصته فرأيت وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يتغيّر، فقال: «يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»، قلت: بلى يا رسول الله، قال: «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه» .2
وما جاء في الحديث الّذي أخرجه النسائي من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليّ منّي وأنا من علي وهو وليكم بعدي» لا ينافي المنقول في مسند أحمد ولعلّ الرسول جمع بين الكلمتين، أو أنّ الراوي نقل بالمعنى فقال: مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه.
وعلى كلّ حال فالحديث كان مذيّلاً بما يدلّ على ولايته بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ويؤيد ذلك أنّ الإمام أحمد أخرج الحديث عن عمران بن حصين بالشكل التالي:
3. قال: بعث رسول الله سرية وأمّر عليهم علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)فتعاقد أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا أمره لرسول

1 . خصائص علي بن أبي طالب: 75 .
2 . مسند أحمد بن حنبل: 5 / 347 .

صفحه 159
الله، قال عمران: وكنّا إذا قدمنا من سفرنا بدأنا برسول الله، فسلّمنا عليه، قال: فدخلوا عليه، فقام رجل منهم، فقال يا رسول الله: إنّ عليّاً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه.
ثمّ نقل قيام الثلاثة الباقين وتكرارهم ذلك القول وإعراض الرسول عنهم، حتّى انتهى إلى قوله: فأقبل رسول الله على الرابع وقد تغيّر وجهه، فقال: «دعوا عليّاً، إنّ عليّاً مني وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي». 1
4. وأخرج الترمذي عن عمران بن حصين ونقل الحديث مثل ما نقل أحمد بن حنبل إلى أن قال: فقام الرابع، فقال مثل ما قالوا، فأقبل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ والغضب يُعرف في وجهه ـ فقال: «ما تريدون من عليّ! ما تريدون من عليّ! ما تريدون من عليّ! إنّ عليّاً مني وأنا منه وهو ولي كلّ مؤمن بعدي».2
ترى أنّ الرواية تنصّ على الولاية الدالّة على أنّه الإمام بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى هذا: أنّ حديث الغدير نصّ على ولاية علي (عليه السلام)، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكر في خطبته التوحيد والرسالة والمعاد،

1 . مسند أحمد: 4 / 438 .
2 . سنن الترمذي: 5 / 632 .

صفحه 160
فقال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الجنة حق وأنّ النار حق وتؤمنون بالكتاب كلّه؟» قالوا: بلى، قال: «فإنّي أن قد صدقتم وصدقتموني، إلاّ وأنّي فرطكم وأنّكم تبعي توشكون أن تردوا عليّ الحوض، فأسألكم حين تلقوني عن ثقلي، كيف خلفتموني فيهما»؟ قالوا: ما ندري ما الثقلان؟ قال: الأكبر منهما كتاب الله تعالى.. والأصغر منهما عترتي... ثم أخذ بيد علي فرفعها ثم قال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه. من كنت وليّه فهذا وليّه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» قالها ثلاثاً.
ثم توّج رسول الله عليّاً بعمامته أمام الجموع الحاشدة من المؤمنين بيده الشريفة، فسدل طرفها على منكبه وأمر المهاجرين والأنصار أن يسلّموا على عليّ بأمر المؤمنين .
هذه خلاصة ما جرى في الغدير وقد حضر خطبته جموع كثيرة من عشرات الآلاف، في أرض غدير خم القريبة من الجحفة.
حديث الغدير رواه قرابة 119 صحابياً، ومن التابعين ما يقارب 90 تابعياً، ومن العلماء السنّة عبر القرون ما يناهز 360 عالماً، وبما أنّ هذه الرسالة تضيق عن ذكر جميع المصادر فعلى الدكتور الرجوع إلى موسوعة الغدير للعلاّمة الحجّة عبدالحسين

صفحه 161
الأميني النجفي فقد جمع رواة الحديث من الصحابة والتابعين ومَن نقله من الحفاظ في كتابه وهو من حسنات الدهر.
5. روى الحاكم في «المستدرك» بالإسناد إلى عبدالله بن أسعد بن زرارة، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أوحي إليّ في عليّ ثلاث: إنّه سيّد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين» قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه.1 وروى مثله الطبراني في المعجم الصغير عن حكيم الجهني 2 وابن الأثير في أُسد الغابة 3 والمغازلي الشافعي في المناقب .4
وليس يصحّ في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النهار إلى دليل

1 . المستدرك على الصحيحين : 3 / 137 ـ 138، طبعة بيروت.
2 . المعجم الصغير: 2 / 360، طبعة بيروت.
3 . أُسد الغابة: 1 / 84 ، طبعة بيروت.
4 . مناقب المغازلي: 83 ، طبعة بيروت.

صفحه 162

الحلقة الرابعة والعشرون:

اليوم الرابع والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

قال فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر: إنّ قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه» لا يصحّ أن يكون نصّاً صريحاً يلزم المسلم بأن عليّاً هو الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّ الجميع فهم تقديراً خاصّاً لسيدنا عليّ.
وتابع فضيلته في حديثه اليومي قال: إنّ لازم قول الشيعة الإمامية إنّ الصحابة خانوا عهد الله وعهد رسوله ورضوا أن يغتصب الخلافة من سيدنا علي، وهذا كلام غير معقول، إذ كيف يوصف الصحابة الكرام بالخيانة ونقض العهد.
ثم إنّ الصحابة هم الّذين حملوا إلينا القرآن الكريم وبلّغوا لنا هذا الدين الحنيف فلو كانت الصحابة خونة كيف أخذ الشيعة كالسنّة القرآن وفهموه من الصحابة.
***
ركّز الدكتور في محاضرته هذه على أُمور:
الأوّل: قصور دلالة حديث الغدير على كون عليّ إماماً .
الثاني: لو كان عليٌّ هو الإمام المنصوص فمعنى ذلك خيانة الصحابة لعليّ.

صفحه 163
الثالث: لو كانت الصحابة بهذا الوصف فكيف أخذ الشيعة القرآن من جماعة لهم هذا الوصف. ولنأخذ كلّ واحد بالتحليل.
أمّا الأمر الأوّل: فقد أجبنا عنه في الحلقة السابقة وقلنا: إنّ خطبة الحديث أفضل دليل على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بصدد بيان أصل من أُصول الإسلام حيث أخذ الشهادة على الأُصول الثلاثة من الحاضرين، ثم رفع يد عليٍّ وقال ما قال، فلو كانت الغاية بيان فضيلة من فضائل الإمام لما احتاج إلى ذكر الأُصول الثلاثة، على أنّ في خطبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «ألست أولى بكم من أنفسكم؟» قالوا: بلى، ثم قال: «مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه» وما يدلّ على أنّ النبيّ بصدد تنزيل عليّ منزلة نفسه في الأولوية على أنفس الآخرين، والأولى على الأنفس والأموال، يلازم كون الموصوف زعيماً إلهيّاً، فأي تنصيص أظهر من ذلك؟!
على أنّ الحاضرين فهموا من الحديث تفويض قيادة المجتمع إلى عليّ (عليه السلام)، فهذان هما الشيخان لما أمر الرسول المسلمين بالتسليم على عليّ بإمرة المؤمنين قدما يسلّمان عليه بإمرة المؤمنين ويهنّئانه حتّى قال عمر: بخ بخ لك يا عليّ فقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة. أو بالفاظ تقارب هذا المعنى.1

1 . لاحظ : تفسير الرازي : 12 / 49 ; المصنّف لابن أبي شيبة: 12 / 78 برقم 12167; مسند أحمد: 5 / 355 برقم 18011 ; المعيار والموازنة للإسكافي: 212 ، إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة والّتي ذكرها العلاّمة الأميني في موسوعة الغدير: 1 / 510 ـ 527، طبعة مركز الغدير للدراسات ـ قم المقدّسة.

صفحه 164
ومن الحاضرين في واقعة الغدير حسّان بن ثابت شاعر عصر الرسالة فقد صاغ حديث الغدير في قالب الشعر وقال:
يناديهم يوم الغدير نبيُّهم *** بخمّ وأسمع بالرسول مناديا
فقال فمن مولاكم ونبيكم *** فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبينا *** ولم تلق منّا في الولايةِ عاصيا
فقال له قُمْ يا عليُّ فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليُّهُ *** فكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعا اللهم وال وليّهُ *** وكن للّذي عادا عليّاً معادياً1
وهناك قرائن كثيرة في متن الحديث ربّما تناهز العشرة قد أسهب الكلام فيها الباحث الكبير العلاّمة الأميني في موسوعته وأثبت أنّ المراد هو الولاية الإلهية لعلي (عليه السلام). فلو أراد الدكتور الإلمام بهذه القرائن فليرجع إلى الجزء الأوّل من كتاب الغدير. هذا كلّه حول الأمر الأول .

1 . الغدير: 2 / 65، نقله عن اثني عشر مصدراً من أعلام السنّة وستاً وعشرين مصدراً من أعلام الشيعة.

صفحه 165
وأمّا الأمر الثاني: وهو اتّهام الشيعة بالقول بخيانة الصحابة فإنّ هذه الكلمة من الدكتور غريبة جدّاً، وذلك:
أوّلاً: أنّ جمّاً غفيراً من الصحابة بقوا على ما كانوا عليه في عهد الرسالة فأكّدوا على إمامة عليّ وأنّه الإمام المنصوص، وهم روّاد الشيعة ويبلغ عددهم مائتين أو أزيد، ولا يساعد المقام على ذكر أسمائهم، وقد تحملّ عبء هذا العمل الشيخ الدكتور أحمد الوائلي في كتابه «هويّة التشيع» فعلى الدكتور أحمد الطيّب الرجوع إلى هذا الكتاب ليعرف أنّ قسماً من الصحابة لم يتّفقوا مع الآخرين. وقد سبقه في هذا الموضوع العلاّمة السيد علي خان المدني (المتوفّى 1120 هـ) في كتابه: «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الإمامية»، وتلاه غير واحد من المحقّقين .
وأمّا عدول غيرهم عن إمامة الإمام عليّ إلى الآخرين فإنّما كان من باب التأويل والاجتهاد حيث إنّ كثيراً من الصحابة يقدّمون المصلحة المزعومة على النصّ الصريح، وليس هذا المورد أوّل قارورة كسرت في الإسلام، فكم لكبار الصحابة من مواقف عدلوا فيها عن النص الصريح إلى الاجتهاد. وها نحن نذكر منها شيئاً قليلاً:

صفحه 166

1. رزية يوم الخميس

أخرج البخاري عن ابن عباس وقال: لمّا اشتدّ بالنبيّ
وجعه قال: إئتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده. قال
عمر: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عنيّ ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه.1
ترى أنّ الصحابة الّذين حضروا عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يومذاك رفضوا الانصياع لأمر النبيّ وهو حيّ يرزق، متمسّكين بعذر يخجل القلم من ذكره، فكيف بأوامره ونصوصه بعد رحيله عنهم؟!

2. الاعتراض على صلح الحديبية

لمّا تمّ الصلح بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ورؤساء الشرك عملاً بما توحيه المصلحة وثب عمر بن الخطاب وقد أدركته الحميّة، فأتى أبا بكر وقد استشاط غضباً وغيظاً، فقال: يا أبا بكر أليس هو برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أليسوا

1 . صحيح البخاري: كتاب العلم برقم 114، وأخرجه في أبواب أُخرى من الصحيح.

صفحه 167
بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلى م نُعطي الدنية من ديننا؟ فقال له أبو بكر: أيها الرجل إنّه رسول الله وليس يعصي ربّه .1

3. الأمر بالإحلال

لمّا تمّ صلح الحديبية بين المسلمين والمشركين واتّفقا على رجوع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من مكانه هذا إلى المدينة ومجيئه في العام القادم في نفس الوقت إلى العمرة، وكان بين المسلمين من ساق بدنة، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» قال: فوالله ما قام منهم رجل حتّى قال ذلك ثلاث مرّات، فلمّا لم يقم منهم أحد، دخل على أُمّ سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أُمّ سلمة: يا نبيّ الله أتحب ذلك؟ أُخرج ثم لا تُكلِّم أحداً منهم كلمة حتّى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلّم أحداً منهم حتّى فعل ذلك: نحر بدنة ودعا حالقه فحلقه، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتّى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً .2
هذا الحديث وما قبله يدلّ على أنّ ما اشتهر بين الناس من

1 . صحيح البخاري: برقم 2732 ; صحيح مسلم: 5 / 175، بتفاوت في المخاطب.
2 . صحيح البخاري: برقم 2732، كتاب الشروط.

صفحه 168
أنّ الصحابة كانوا أطوع للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من مطاوعة الظل لصاحبه ممّا لا أساس له، بل يوافقونه تارة فيما لم يخالف هواهم.
وأمّا اجتهاد القوم وتأويلهم للنصوص بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فحدّث عنه ولا حرج، ولا يسعنا المقام الإشارة إلى قليل منه فضلاً عن الكثير، وإنّما نقتصر بذكر موردين من ذلك حتّى يعلم موقف كبار الصحابة من النصوص النبوية.

4. سرية أُسامة

إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر أصحابه بالتهيّؤ لسرية أمّر عليها أُسامة بن زيد، وكان ذلك لأربع ليال بقين من صفر سنة 11 للهجرة، فلمّا كان من الغد دعا أُسامة فقال له: سر إلى موضع قتل أبيك، فقد وليتك هذا الجيش، فلمّا كان يوم الثامن والعشرون من صفر بدأ به مرض الموت، فحمّ وصدع، فلمّا أصبح يوم التاسع والعشرون ووجدهم متثاقلين، خرج إليهم فحضّهم على السير وعقد اللواء لأُسامة بيده الشريفة تحريكاً لحميّتهم وإرهافاً لعزيمتهم، ثم تثاقلوا، فلم يبرحوا مع ما سمعوه من النصوص الصريحة في وجوب إسراعهم، وطعن قوم في تأمير أُسامة، ولمّا بلغ كلامهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)صعد المنبر وقال: «أيّها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أُسامة، ولئن طعنتم في تأميري

صفحه 169
أُسامة، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وأيم الله إن كان لخليقاً بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق بها» فجعل يقول: «جهّزوا جيش أُسامة، أنفذوا جيش أُسامة، أرسلوا بعث أُسامة»، يكرّر ذلك وهم مُثّاقلون.
وفي نهاية الأمر خرج أُسامة في ثلاثة آلاف مقاتل وتخلّف عنه جماعة ممّن عبّأهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في جيشه، ولم يطيعوا أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى لقي ربه، وما هذا إلاّ لأنّهم تشبّثوا بأعذار واهية من أنّ إشفاقهم على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو طريح فراش الموت، هو الّذي ثبّطهم عن السير، مع أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «جهّزوا جيش أُسامة، لعن الله مَن تخلّف عنه».1

5 . إسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم

جعل سبحانه المؤلّفة قلوبهم أحد المصارف للزكاة وقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ)2 لكن لمّا ولي أبو بكر جاء المؤلّفة قلوبهم لاستيفاء

1 . تاريخ الطبري: الجزء الأوّل أحداث سنة 11 هـ ، السيرة الحلبية: 3 / 209 ; السيرة الدحلانية في هامش السيرة: 2 / 240 ; طبقات ابن سعد: 2 / 189 ـ 192 ; الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 23.
2 . التوبة: 60 .

صفحه 170
سهمهم هذا، جرياً على عادتهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكتب أبو بكر لهم بذلك، فذهبوا بكتابه إلى عمر ليأخذوا خطه عليه فمزّقه وقال: لا حاجة لنا بكم فقد أعز الله تعالى الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتّم على الإسلام وإلاّ فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقّه عمر، فقال: هو إن شاء الله ووافقه .1
ولسنا بصدد استقصاء مخالفة القوم لنصوص النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعليماته، فإنّ المخالفات ربّما تربو على نيّف وسبعين مورداً استقصاها بعض الأعلام.2
بقي الكلام في بيان ما هي المصلحة المزعومة الّتي سببت العدول؟
إنّ في غضون التاريخ شواهد واضحة على سبب عدولهم عن زعامة الإمام (عليه السلام).

1 . لاحظ : روح المعاني للآلوسي: 10 / 122، تفسير سورة التوبة، وذكر القدوري في كتابه الجوهرة النيّرة في الفقه الحنفي: 1 / 164 .
2 . لاحظ كتاب النص والاجتهاد للسيد الإمام عبد الحسين شرف الدين وهو كتاب ممتع مليء بالأحداث الّتي قُدّم فيها الاجتهاد الخاطئ ـ لا الصحيح فإنّه تبع النص ـ على النص النبوي الجلي، وعلى ضوء ذلك لا يكون ترك العمل بحديث الغدير من أكثرية الصحابة دليلاً على عدم تمامية دلالته.

صفحه 171
قال ابن أبي الحديد المعتزلي: قال عمر: يابن عباس أما والله إنّ صاحبك هذا أولى الناس بالأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ أنّا خفناه على اثنين ـ إلى أن قال ابن عباس ـ : فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: خفناه على حداثة سنّه، وحبّه بني عبدالمطلب. وفي موضع آخر قال: كرهناه على حداثة السنّ، وحبّه بني عبدالمطلب .1
ونقل ابن أبي الحديد عن أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب «تاريخ بغداد» في كتابه مُسنداً، حيث قال: روى ابن عباس (رضي الله عنه)، قال: دخلتُ على عُمَر في أوّل خلافته، وقد أُلقي له صاعٌ من تمر على خَصَفة، فدعاني إلى الأكل فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتّى أتى عليهن ثم شرب من جَرّ كان عنده، واستلقى على مِرفقة له، وطفق يحمد الله، يكرّر ذلك.
ثم قال: من أين جئت يا عبدالله؟ قلتُ: من المسجد، قال: كيف خلّفت ابن عمك؟ فظننته يعني عبدالله بن جعفر، قلتُ: خلّفتُه يلعب مع أترابه، قال: لم أعنِ ذلك، إنّما عنيتُ عظيمَكم أهلَ البيت، قلتُ: خلّفته يمتح بالغَرْب 2 على نخيلات من فلان، وهو

1 . شرح نهج البلاغة: 6 / 51 .
2 . الغَرْب: الدلو.

صفحه 172
يقرأ القرآن.
قال: يا عبدالله، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها! هل بقيَ في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق.
فقال عمر: لقد كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمره ذَرْوٌ 1 من قول لا يثبتُ حُجّة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربَع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا ورب هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً! ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم.2
ونقل ابن أبي الحديد في مكان آخر نظرية الخليفة في مسألة اجتماع النبوّة والخلافة في بيت واحد، فخاطب ابن عباس بقوله: يابن عباس، أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: لكنّي أدري، قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال:

1 . ذرو: طرف.
2 . شرح نهج البلاغة: 12 / 20 ـ 21، ولاحظ أيضاً ص 53 .

صفحه 173
كرهتْ قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة، فيجخِفوا جخفاً، فنظرتْ قريش لنفسها فاختارت، ووفقت فأصابت.1
هذه النصوص تعرب عن وجه عدول الصحابة عن النصّ على الولاية لعليّ .
إنّ هذا التعبير يعرب عن أنّ الخليفة لا يرى صحّة اجتماع النبوّة والخلافة في بيت واحد، وفي مقابل هذا الرأي يحكي الذكر الحكيم عن اجتماع النبوّة والإمامة في آل إبراهيم ، يقول سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)2، فالملك العظيم هو الإمامة والخلافة الراشدة الّتي أعطاها الله سبحانه لآل إبراهيم مع ما آتاهم من النبوّة وخصّهم بالوصاية.
ما ذكرناه غيض من فيض وقليل من كثير ممّا يدلّ على أنّ إعراض القوم عن حديث الغدير وما يشابهه الدالّ على الولاية الكبرى والزعامة العظمى لعليّ (عليه السلام)، كان نابعاً عن اجتهادات وتأويلات ولمصالح متوهّمة، وإلاّ لم يكن أي شكّ ولا ريب في

1 . شرح نهج البلاغة: 12 / 53. فيجخفوا: يتكبّروا، وفي بعض المصادر (فتجحفوا الناس جحفاً).
2 . النساء: 54.

صفحه 174
قلوب الحاضرين في يوم الغدير من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)جعله إماماً للناس وزعيماً بعده.
بقي هنا أمران:
الأوّل: أنّ الدكتور أحمد الطيب زعم أنّ حديث الغدير تقدير خاص لسيدنا علي (عليه السلام).
يلاحظ عليه: أنّه لو كان مفاد حديث الغدير فضيلة خاصّة لعليّ، لما كانت ضرورة لجمع الناس العائدين من الحجّ حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا وصل غدير خم من الجحفة الّتي تتشعب فيها طرق المدنيين والشاميين والعراقيين، أمر الناس بالترجل عن رواحلهم وكان أوائل القوم قريباً من الجحفة فأمر رسول الله برجوع مَن تقدم منهم وبحبس مَن تأخّر عنهم في ذلك المكان، وكان يوماً هاجراً، إذ يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء، وظلّل لرسول الله بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فلمّا انصرف (صلى الله عليه وآله وسلم)من صلاته قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الابل وأسمع الجميع، رافعاً عقيرته، وقال:... الحمد لله... إلى آخر الخطبة).
إنّ ذكر فضيلة خاصّة بعلي لا يحتاج إلى هذه المقدّمات الكثيرة والتمهيدات والاستعدادات المتعدّدة المحرجة!!

صفحه 175
ونحن نرجو من الدكتور حفظه الله أن يراجع شأن نزول قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)1 فقد نصّ غير واحد من اعلام السنّة على نزول هذه
الآية في حادثة الغدير، والقرائن الموجودة في الآية تؤيد ذلك حيث إن مورد التبليغ، بلغ من الأهمية حدّاً قيل في حقه (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)، فما هو هذا الأمر الّذي لو لم يؤده لم يؤد الرسالة الإلهية بشكل كامل؟ مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)صرف 23 سنة من عمره الشريف في تبليغ رسالة ربّه، أضف إلى ذلك قوله تعالى: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...) فهذه الفقرة تكشف عن حساسية المهمة، بحيث تحيطها الاخطار والردود المعاكسة من قبل المنافقين ومن في قلوبهم مرض.
هذا الأمران يؤيدان نزول الآية في قضية سياسية مهمة يُعد عدم تبليغها عدم تبليغ الرسالة، وأن في تبليغها خوفاً على النفس والنفيس، وليس لها مصداق إلاّ التصريح بالزعامة العامّة لرجل من أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . المائدة: 67. وقد روى نزول الآية في واقعة الغدير جمٌّ غفير يناهز إلى ثلاثين بين محدث ومفسر، ومؤرخ ومحقّق لاحظ : الغدير: 1 / 424 ـ 438 .

صفحه 176
وممّا يؤيد أن تصريح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم الغدير ليس فضيلة خاصّة، الروايات الّتي رواها كبار علماء السنة، منهم:
1. ابن عساكر في ترجمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)فقد روى بإسناده عن أبي هريرة قال: مَن صام ثمانية عشر من ذي الحجّة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير خمّ لمّا أخذ النبيّ بيد علي فقال: الست ولي المؤمنين؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم، فأنزل الله الآية.1
2. الحاكم الحسكاني الحنفي فقد روى بإسناده عن أبي سعيد الخدري، قال: إنّ رسول الله لمّا نزلت هذه الآية قال: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ برسالتي وولاية علي، اللّهم والِ من والاه، وعاد من عاداه، وأنصر من نصره، وأخذل من خذله».2
الثاني: قال الدكتور الطيب: إنّ الشيعة قالوا إنّ الصحابة خانوا عهد الله وعهد رسوله.. إلى أن قال: فلو كانت الصحابة خونة كيف أخذ الشيعة كالسنة، القرآن وفهموه من الصحابة؟

1 . تاريخ دمشق: 42 / 233 .
2 . شواهد التنزيل: 1 / 201، برقم 211 .

صفحه 177
أقول: نحن لا نصفهم بما ذكر كما مرّ ; بل نقول إنّ القرآن الكريم كتاب الله الّذي ضمن سبحانه من أن لا يتسرّب إليه التحريف ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقال سبحانه: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)1 وعندئذ لا يتمكّن أي ابن أُنثى من أن يُدخل على القرآن الكريم نقيصة ولا يزيد فيه زيادة، من غير فرق بين الصحابي وغيره .

الحلقة الخامسة والعشرون:

اليوم الخامس والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر:
1. إنّي لا أُريد أن أُحدث فرقة أو فتنة بين السنّة والشيعة فما حملني على هذا البرنامج إلاّ لنتفاهم بهدوء لنزع أسباب الفرقة وتفتيت المؤامرات الشيطانية الكبرى العالمية لضرب أُمّة الإسلام بإرشاد الأُمّة لما فيه الخير في الدنيا والآخرة .
2. إنّ عليّاً بايع أبا بكر وعمر وعثمان، ولو كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على إمامته لما رضي ببيعتهم ولقاتلهم كما حدث بينه وبين

1 . القيامة: 17 .

صفحه 178
معاوية بعد 25 سنة .
3. إنّ الإمامة الّتي تلي شؤون الحكم والمنصوص عليها من قبل الله تعالى غير معقولة، وللأسف الشديد هذه النظرية هي الّتي تبعث الآن ليقتل السنّي الشيعي ويقتل الشيعي السنّي.
4. إنّ الشيعة الأوائل الّذين كانوا حول عليٍّ لم يعرفوا إمامة الإمام وزعامته بعد النبيّ وإنّما ظهرت هذه النظرية في القرن الثاني الهجري .
***
ما ذكرناه خلاصة ما أكّد عليه شيخ الأزهر في حديثه اليومي الّذي يقدّم في الشهر المبارك من على الفضائية المصرية، ونحن نرجع ونحلّل كلّ واحد من الأُمور الأربعة الّتي أكد عليها.
أقول: أمّا الأمر الأوّل: فقد ذكر فضيلة الشيخ أنّ الهدف هو نزع فتيل الفتنة والفرقة وإرشاد الأُمّة إلى التفاهم بهدوء، ونحن نرحب بهذا الهدف السامي الّذي فيه تقوية الإسلام وعلو شأنه، لكن كان يجب على الشيخ قبل إلقاء المحاضرة أن يجمع علماء الإسلام من السنّة والشيعة حول طاولة مستديرة لمناقشة هذه الأُمور بشكل علمي بعيداً عن الضجيج الإعلامي، غير أنّه عدل عن هذا الطريق الصحيح بإلقاء محاضرات على الهواء يبيّن فيها

صفحه 179
الفوارق الموجودة بين الطائفتين ويؤيّد إحداهما ويردّ على الأُخرى، وهذا العمل لا ينتج إلاّ استنزاف القوى وتشتّت الصف الإسلامي، وهو خلاف ما يتبّناه .
وأما الأمر الثاني: وهو بأنّ عليّاً بايع الخلفاء الثلاثة، فلم يرد في التاريخ إلاّ بيعة علي لأبي بكر بعد ستة أشهر عقب وفاة بنت المصطفى فاطمة الزهراء (عليها السلام).
فقد جاء في صحيح البخاري... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدتْ فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت. وعاشت بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ستة أشهر. فلمّا توفيّت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها، وكان لعليّ من الناس وجهٌ حياةَ فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليٌّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر.1
فلو كانت بيعة أبي بكر بيعة صحيحة لا فلتة،2 فلماذا لم

1 . صحيح البخاري: 1036، برقم 4241 .
2 . كما وصفها عمر حيث قال:... ثم إنّه بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترن امرؤ أن يقول إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرّها.. (صحيح البخاري: 1713 برقم 6830، باب رجم الحبلى من الزنا).

صفحه 180
تبايع بنت المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي سيدة نساء العالمين إلى أن توفيت وهي واجدة على أبي بكر؟! أو ما سمعت قول أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم): «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». 1
أفيمكن أن نرمي بنت النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) بما ورد في هذا الحديث الصحيح؟!
ونسأل أيضاً لماذا تأخر عليّ (عليه السلام)عن بيعة أبي بكر مدة 6 أشهر؟!
نعم أنّ عليّاً لمّا شاهد إقصاءه عن منصة الخلافة، ترك الأمر إليهم لمصلحة أشار إليها في بعض خطبه وقال: «فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلاَن يُبَايِعُونَهُ. فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الاِْسْلاَمِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ ...» .2
وأمّا الأمر الثالث: فقد أفاد الدكتور بأنّ الإمامة المنصوصة عليها من قبل الله غير معقولة وتثير النزاع بين السنّة والشيعة.
أقول: ياللأسف يذكر الدكتور أنّ كون الإمامة أمراً منصوصاً

1 . صحيح مسلم: 56 / 22; السنن الكبرى: 8 / 156 .
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 62.

صفحه 181
من الله سبحانه، أمراً غير معقول مع أنّ النبيّ الأكرم ينصّ على صحّة الإمامة بهذا المعنى، وذلك لمّا عرض الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه على بني عامر الّذين جاءوا إلى مكّة في موسم الحج ودعاهم إلى الإسلام قال له كبيرهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على مَن خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء».1
وهذا هو الشيخ الرئيس ابن سينا يقول: «والاستخلاف بالنصّ أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب والتشاغب والاختلاف» .2
ثم العجب من أنّه جعل وجود القتال بين الطائفتين من آثار القول بالنصّ في مورد الحكم مع أنّه لا صلة بين الأمرين، فإذا كانت الخلافة من الأحكام الفرعية وكان الاختلاف فيها أمراً شائعاً فما هو السبب لأن يقتل السنّي الشيعي؟! إن القتال من آثار تعظيم الخلاف ورفع مستواه إلى حدّ الإيمان والكفر من قبل المتشددين.
إنّ الدماء الطاهرة الّتي تراق كلّ يوم في بلاد الرافدين واليمن الفيحاء كلّها من آثار فتاوى التكفير الّتي يقوم بها مَن لا علم

1 . السيرة النبوية لابن هشام:2/424ـ 425.
2 . الشفاء: 452، قسم الإلهيات المقالة العاشرة من الفصل الخامس، طبعة مصر.

صفحه 182
له بالكتاب والسنّة ولا تقوى حتّى تصدّه عن هذا العمل الشنيع .
قال السيد الأمين: إنّ السلطان سليم قتل في الأناضول وحدها أربعين ألفاً وقيل سبعين، لا لشيء إلاّ لأنّهم شيعة، وفي «الفصول المهمّة» أنّ الشيخ نوح الحنفي أفتى بكفر الشيعة ووجوب قتلهم، فقتل من جرّاء هذه الفتوى عشرات الألوف من شيعة حلب، وقتل العثمانيون الشهيد الثاني المشهور بفضله وورعه; وفعل الجزّار والي عكّا بجبل عامل فعل الحجّاج في العراق، وقد نهب الجزار أموال العامليين وأحرق مكتباتهم، وكان في مكتبة آل خاتون خمسة آلاف مجلد، وبقيت أفران عكّا توقد أُسبوعاً كاملاً من كتب العامليين، ولم يسلم من ظلم الجزّار إلاّ مَن استطاع الفرار.1
ومن هنا نطالب الدكتور الطيب برصد الواقع التاريخي للمسلمين لنرى ما هي الأسباب الحقيقية للصراع الّذي نشب في العالم الإسلامي، فعلى سبيل المثال أنّ معركة الجمل وصفّين لم يكن للإمامة بما هي أمامة دور فيها، بل حدثت بسبب تمرّد البعض على الخليفة الشرعي تحت ذريعة المطالبة بدم الخليفة المقتول، وأمّا النهروان فقد انطلق الخوارج فيها من فكرة الكفر بالله بسبب

1 . الشيعة والحاكمون للشيخ مغنية: 195، نقلاً عن أعيان الشيعة: 1 / 4 .

صفحه 183
تحكيم الرجال في أمر الدين كما يزعمون. وهكذا تواصل الصراع ووقع الاختلاف الكبير بين المسلمين في العصر الأُموي والعصر العباسي بعد هارون الرشيد بين الإخوة الأمين والمأمون ولم يكن للإمامة المنصوصة فيه أثر و...
ثم كيف أهمل الدكتور ظاهرة التكفير والصراع بين المعتزلة والأشاعرة ; فهذا الإمام أحمد ـ إن صدقت الحنابلة في النقل عنه ـ قال: مَن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومَن زعم أنّ القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من قول الأوّل، ومَن زعم أنّ الفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي، ومَن لم يكفّر هؤلاء القوم فهو مثلهم. 1 وهل للنصّ على الإمام مكان في كلامه؟!
وهذا كتاب «السنّة» لعبدالله بن أحمد لم يسلم منه فريق، فقد جاء فيه: المرجئة مثل الصابئة (ص 616 و 662) والمرجئة يهود (ص 661) وأنّه لا يوجد أقذر ولا أطفس من الرافضة (الحديث 436) وإنّهم براء من الإسلام (1159) ، وليس قوم أشدّ نقضاً للإسلام من الجهمية والقدرية، (الحديث رقم 2) وأنّ الجهمية كفّار والقدرية كفّار (الحديث رقم 1). وهل في هذا

1 . طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى: 1 / 29 .

صفحه 184
الصراع مكان للإمامة؟!
وما هو دور النصّ على الإمامة في قضية التجسيم الّتي اتّهم بها الأشاعرة حشوية الحنابلة، وقضية التعطيل الّتي اتّهم بها الحنابلة الأشاعرة و... وقد سالت من جرّاء ذلك دماء غزيرة. بل بلغ التعصّب بين بعض أتباع المذاهب الأربعة حدّ التكفير، فهذا محمد ابن موسى الحنفي قاضي دمشق (المتوفّى 506 هـ) يقول: لو كان لي من الأمر شيء لأخذت على الشافعية الجزية؟ وسئل أحد متعصّبي الشافعية عن طعام وقعت فيه قطرة نبيذ فقال: يرمى لكلب أو حنفي؟!1
إلى غير ذلك من عوامل الاختلاف الّتي ليس للإمامة فيها نصيب قطّعاً .
وأمّا الأمر الرابع: فيقول الدكتور: إنّ الشيعة الأوائل لم يعرفوا إمامة الإمام بالمعنى الّذي ظهر في القرن الثاني .
أقول: إنّ الشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار ومَن تبعهم بإحسان في الأجيال اللاحقة ، من الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمر القيادة ، ولم يغيِّروه ، ولم يتعدّوا عنه إلى غيره ، ولم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل

1 . الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، لأسد حيدر: 1 / 190 .

صفحه 185
النصوص ، وصاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه : (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ سَميعٌ عَليمٌ)1 ففزعوا في الأُصول والفروع إلى عليّ وعترته الطاهرة (عليهم السلام)، وانحازوا عن الطائفة الأُخرى مِنَ الذين لم يتعبّدوا بنصوص الخلافة والولاية وزعامة العترة ، حيث تركوا النصوص ، وأخذوا بالمصالح . والشيعة بهذا المعنى كانوا متواجدين في عصر الرسول وبعد رحيله، وليس للشيعة تاريخ سوى تاريخ الإسلام ولم تكن وليد الجدالات السياسية ولا الكلامية، بل الإسلام والتشيّع كعملة واحدة يمثل الإسلام وجهها الأوّل والتشيّع الوجه الثاني منها.
إنّ الآثار المرويّة في حقّ شيعة الإمام عن لسان النبيّ الأكرم ـ والذين هم بالتالي شيعة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ ترفع اللثام عن وجه الحقيقة ، وتعرب عن التفاف قسم من المهاجرين والأنصار حول الوصيّ ، فكانوا معروفين بشيعة عليّ في عصر الرسالة ، وأنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وصفهم في كلماته بأنّهم هم الفائزون ، وإن كنت في شكّ من هذا فسنتلو عليك بعض ما ورد من النصوص في المقام :
1 . أخرج ابن مردويه عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله

1 . الحجرات : 1 .

صفحه 186
مَن أكرم الخلق على الله؟ قال : «يا عائشة أما تقرئين :(إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَرِيَّة)».1
2 . أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبيّ(صلى الله عليه وآله) فأقبل عليّ، فقال النبيّ : «والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة» ، ونزلت : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَريَّة) فكان أصحاب النبيّ إذا أقبل عليّ قالوا : جاء خير البريّة.2
3 . أخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً : «عليّ خير البريّة».(3)
4 . وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِك هُمْ خَيرُ البَريَّة) قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعليّ : «هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين» .(4)
5 . أخرج ابن مردويه عن عليّ قال : قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «ألم تسمع قول الله : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِك هُمْ خَيرُ البَريَّة) أنت وشيعتك ، موعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت

1 . الدر المنثور : 6 / 589، والآية هي السابعة من سورة البيّنة .
2 و 3 و 4 . الدر المنثور : 6 / 589 .

صفحه 187
الأُمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين».1
6 . روى ابن حجر في صواعقه عن أُمّ سلمة قالت: كانت ليلتي ، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله)عندي فأتته فاطمة فتبعها عليّ ـ رضي الله عنهما ـ فقال النبيّ : «يا عليّ أنت وأصحابك في الجنّة ، أنت وشيعتك في الجنّة».2
7 . روى ابن الأثير في نهايته : قال النبيّ مخاطباً عليّاً : «يا عليّ ، إنّك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيّين ، ويقدم عليه عدوُّك غضاباً مقمحين» ثمّ جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح . قال ابن الأثير : الإقماح : رفع الرأس وغض البصر.3
8 . روى الزمخشري في ربيعه : أنّ رسول الله قال : «يا عليّ ، إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله تعالى ، وأخذت أنت بحجزتي ، وأخذ ولدك بحجزتك ، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم ، فترى أين يؤمر بنا؟».4 والحجزة كناية عن مقام من المقامات.
9 . روى أحمد في المناقب : أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ : «أما ترضى

1 . الدر المنثور : 6 / 589 .
2 . الصواعق المحرقة: 161 .
3 . النهاية : 4 / 106. ورواه ابن حجر في الصواعق : 154 .
4 . ربيع الأبرار: 1 / 808 .

صفحه 188
أنّك معي في الجنّة ، والحسن والحسين وذرّيتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرّيتنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا».1
10 . روى الطبراني : أنّه(صلى الله عليه وآله) قال لعليّ : «أوّل أربعة يدخلون الجنّة : أنا وأنت والحسن والحسين ، وذرّيتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرّياتنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا».2
11 . أخرج الديلمي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال : «يا عليّ ، إنّ الله قد غفر لك ولذرّيّتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ، فأبشر فإنّك الأنزع البطين».(3)
12 . أخرج الديلمي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال لعليّ: «أنت وشيعتك تردون الحوض رواء مرويّين ، مبيضّة وجوهكم ، وإنّ عدوّك يردون على الحوض ظماء مقمحين».(4)
13 . روى المغازلي بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله : «يدخلون من أُمّتي الجنّة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ـ ثمّ التفت إلى عليّ فقال : ـ هم شيعتك وأنت إمامهم».3
14 . روى ابن حجر : أنّه مرّ عليّ على جمع فأسرعوا إليه

1 . الصواعق المحرقة: 161 .
2 و 3 و 4 . الصواعق المحرقة: 161 .
3 . مناقب المغازلي : 293 .

صفحه 189
قياماً ، فقال : «مَن القوم؟» فقالوا : من شيعتك يا أمير المؤمنين ، فقال لهم خيراً ، ثمّ قال : «يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا وحلية أحبَّتنا؟» فأمسكوا حياءً ، فقال له من معه : نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصّكم وحباكم ، لما أنبأتنا بصفة شيعتكم فقال : «شيعتنا هم العارفون بالله ، العاملون بأمر الله».1
15 . روى الصدوق (306 ـ 381هـ ) : أنّ ابن عباس قال : سمعت رسول الله يقول : «إذا كان يوم القيامة ورأى الكافر ما أعدّ الله تبارك وتعالى لشيعة عليّ من الثواب والزلفى والكرامة . . .».2
وهذه النصوص المتضافرة الغنيّة عن ملاحظة أسنادها ، تعرب عن كون عليّ(عليه السلام) متميّزاً بين أصحاب النبيّ بأنّ له شيعة وأتباعاً ، ولهم مواصفات وسمات كانوا مشهورين بها ، في حياة النبيّ وبعدها ، وكان(صلى الله عليه وآله) يشيد بهم ويبشّر بفوزهم ، وهم ـ بلا ريب ـ ليسوا بخارجين قيد أُنملة عن الخط النبوي المبارك للفكر الإسلامي العظيم ، وهذا الأمر يؤكّد على حقيقة التشيّع ومبدئه الذي لا يفترق عن نشوء الدين واستقراره .

1 . الصواعق المحرقة: 154 .
2 . علل الشرائع : 156 .

صفحه 190

الحلقة السادسة والعشرون:

اليوم السادس والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

أكّد الدكتور أحمد الطيب في هذه الحلقة على الأُمور التالية:
1. أنّ الجيل الأوّل من الشيعة لم يكن يعرف نظرية الإمامة الإلهية بدليل أنّ سيدنا عمر استعمل بعض الولاة من أنصار سيدنا عليّ (عليه السلام)منهم سلمان الفارسي، ومالك بن الأشتر، وحجر بن عدي، فظهر أنّ نظرية الإمامة لم تكن موجودة في ذلك العصر.
2. أشار إلى كتابين: أحدهما لأحمد الكاتب باسم «السنّة والشيعة وحدة الدين خلاف السياسة والتاريخ» وثانيهما للسيد علي الأمين باسم «السنة والشيعة أُمّة واحدة». وقرّر الأوّل أنّ الأوائل الّذين كانوا حول عليّ كان لهم موقف إيجابي خالص من الخلفاء الثلاثة، ولمّا انتهى القرن الهجري الأوّل وتعرّض الشيعة إلى ضغوط سياسية شديدة على أيدي الأمويين، حتّى نشأت لدى فريق صغير ـ كردّ فعل على هذه الضغوط الصعبة ـ نظرية الإمامة الإلهية.
3. ختم فضيلته حديث هذا اليوم بأنّنا (في حاجة) بحاجة إلى مثل هذا الصوت المعتدل الّذي يمكن أن يساهم في مسيرة التفاهم بين أهل السنة والشيعة على أُسس واضحة.

صفحه 191
***
أقول: أمّا الأمر الأوّل وهو أنّ الجيل الأوّل من الشيعة لا يعرفون نظرية الإمامة الإلهية، بشهادة استعمال عمر لأنصار سيدنا علي (عليه السلام) كولاة في بعض البلدان، فما استشهد به خال عن الدلالة على ما يرتئيه، فإنّ موقف هؤلاء لا يشذّ عن موقف الإمام علي (عليه السلام)الّذي نصر الإسلام والمسلمين في زمان الخلفاء ; لأنّ ظاهرة الارتداد كادت تقضي على الإسلام كما قال: «حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الاِْسْلاَمِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم)فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّام قَلاَئِلَ» .1
فمنذ أُقصي علي (عليه السلام)عن ولايته الحقّة رأى أنّ رفع صوت الخلاف والقيام بمن معه من الأنصار، يسبّب محق الإسلام، خصوصاً وأنّ المنافقين بعد في المدينة منتشرون يتحيّنون الفرص للانقضاض على الإسلام .
فردّة العرب من جانب وكيد المنافقين من جانب آخر، ألجأ الإمام عليّاً (عليه السلام)إلى المماشاة وتبعه أنصاره.

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 62 .

صفحه 192
ولذلك قال الإمام علي (عليه السلام): «وَوَاللهِ لاَُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ; وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَيَّ خَاصَّةً»1.
واقتدت به شيعته فتعاملوا مع الخلفاء إذا اقتضت المصلحة.
وأمّا ما ذكر من أنّ الجيل الأوّل من الشيعة لم يكونوا يعرفون نظام الإمامة، فقد عرفت خلافه في الحلقة السابقة، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الّذي بذر بذرة التشيّع وربّى جمعاً يوصفون بأنّهم من شيعة علي (عليه السلام)في عصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والمجال لا يساعد على أن نذكر أسماء هؤلاء الّذين تفانوا في ولاية الإمام (عليه السلام)ولا يعرفون قائداً إلاّ إيّاه، وكفاك هنا ما ذكره «كرد علي» في كتابه: «خطط الشام» قال: عُرِف جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليّ في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مثل سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعليّ بن أبي طالب والموالاة له.
ومثل أبي سعيد الخدري الّذي يقول: أُمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولمّا سئل عن الأربع، قال: الصلاة، والزكاة، وصوم شهر رمضان، والحجّ.
قيل: فما الواحدة الّتي تركوها؟
قال: ولاية عليّ بن أبي طالب.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 74 .

صفحه 193
قيل له: وإنّها لمفروضة معهنّ؟
قال: نعم هي مفروضة معهنّ.
ومثل أبي ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيّوب الأنصاري، وخالد ابن سعيد، وقيس بن سعد بن عبادة.1
ثم إنّ الشيعة في أوائل القرن الأوّل لو كانوا لا يختلفون عن إخوانهم السنّة في الأُصول والفروع ويعتقدون بخلافة الخلفاء بدءاً من أبي بكر وانتهاء بعلي، فما هو السبب في الضغط عليهم إذ لم يكن أي فارق بينهم وبين بقية المسلمين حتّى يلتجئوا إلى القول بنظرية الإمامة لعلي وأولاده في القرن الثاني، ومجرّد حبهم لعلي وأولاده لا يكون مبرراً للضغط، لاشتراك عامّة المسلمين في حب أهل البيت(عليهم السلام).
نعم نسي أحمد الكاتب أو تناسى أو غفل عن سبب الضغط، فإنّهم كانوا يهتفون بولاية عليّ بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ويرون أنّ خلافة الآخرين خلافة غير صحيحة، وبالتالي خلافة مَن جاء بعد علي كمعاوية وأولاده فصار كلّ ذلك سبباً للضغط، فلم يكن تفاني هؤلاء في حب أهل البيت(عليهم السلام)أو اتّخاذهم أُسوة وقدوة في الحياة

1 . خطط الشام: 5 / 251 .

صفحه 194
إلاّ لنصوص صحيحة عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)دون أن يكون ردّ فعل للضغوط.
وأمّا ما أشار إليه الدكتور من الصوت المعتدل، فهو ليس بمعتدل، بل معنى ذلك ذوبان الشيعة في السنّة، وهذا مستحيل، كما أنّ ذوبان السنّة في الشيعة كذلك مستحيل. والصوت المعتدل هو الأخذ بالمشتركات المتوفرة بين الطائفتين وإرجاع البحوث الكلامية إلى المعاهد العلمية بين العلماء.
والغريب أنّ الدكتور قال بضرورة الصوت المعتدل لأحمد الكاتب والسيد الأمين موحياً للمشاهد بأنّها حالة طارئة على الوسط الشيعي، وأنّ السائد في المدرسة الشيعية هو التطرّف والغلو، متجاهلاً ذلك الصوت الوحدوي والّذي ضرب أروع الأمثلة في الاعتدال على مرّ التاريخ، فهاهم رجال الشيعة ومرجعياتهم تتصدّى للثورة ضد الحاكم الإنجليزي في ثورة العشرين 1 ثمّ قدّموا الحكم لإخوانهم السنّة على طبق من ذهب، ومن قبل ذلك وقفوا إلى جانب الحاكم العثماني السنّي رغم أنّه بخل عليهم بالسلاح والعتاد ولم يدعمهم بشيء، بل تآمر بعض قادته عليهم. وعندما اشتدّت الحملة الأمريكية على نظام صدام

1 . ثورة العشرين الّتي حدثت إبّان الاحتلال البريطاني للعراق في عام 1920 م .

صفحه 195
رفضت الجمهورية الإسلامية في إيران السماحَ للمحتَّل الأمريكي من الاستفادة من مجالها الجوي والبري والبحري رغم الجرائم الّتي اقترفها صدام بحق الشعب الإيراني، وعندما غزا صدام
الكويت السنيّة وقفت الجمهورية الإسلامية في إيران إلى جانب الإخوة الكويتيين وهي تعلم أنّهم ساندوا النظام البعثي ووفّروا له كلّ ما يريد في حربه القذرة.
وبعد أن سقط نظام صدام عام 2003 م فتح الشيعة قلوبهم قبل بيوتهم لأخوتهم وطالبوا بفتح صفحة جديدة إلاّ أنّ الردّ كان قاسياً فكان نصيبهم آلاف المفخّخات الّتي كان نصيب الشيعة ومناطقهم منها أكثر من 95 %، وفي مقدّمتها هدم ضريح الإمامين العسكريين (عليهما السلام)وحادث جسر الأئمة في بغداد الّذي راح ضحيته أكثر من 1500 شهيد، ورغم كلّ ذلك صرّحت المرجعية الشيعية المتمثّلة بالسيد السيستاني حفظه الله بأنّه لا تقولوا إخواننا أهل السنّة بل قولوا أنفسنا أهل السنّة؟!!
هذا ولا ننسى دور المدرسة القميّة ومراجعها العظام بتحريم الإساءة إلى رموز أهل السنّة والوقوف إلى جانب أفغانستان وحماس السنيتين وتحمّل المسؤولية الكبيرة في دعمها بالمال والسلاح و المواقف السياسية.
نعم، يا سماحة الدكتور أنّ الشيعة وقفوا وسيقفون إلى

صفحه 196
جانب إخوتهم أهل السنّة لأنّ ذلك أدب ورثوه من أئمة الهدى(عليهم السلام) .
وأتمنّى من الدكتور الطيب أن يرصد العلاقة الحميمة الّتي
تسود الشارع الإيراني سنّة وشيعة ليدرك بما لا ريب فيه مدى الأُخوّة بين الطائفتين وكيف يعيش المسلم السنّي إلى جانب أخيه الشيعي رغم محاولات بعض دول الجوار تعكير الصفو من خلال تحريكها لبعض المغفلين والانتهازيين.
وأمّا تقييم الكتابين اللّذين أشار إليهما الدكتور فيحتاج إلى تأليف رسالة مستقلة، فقد قام أحمد الكاتب بتحريفات كثيرة في عشرات الروايات تأييداً لأفكاره، وكفانا في ذلك ما ألفه الأُستاذ حيدر محمد علي البغدادي الطحّان في كتابه «واحة اليقين».
وأمّا الكتاب الآخر فسيوافيك الكلام فيما نقله عنه في الحلقة التالية.

صفحه 197

الحلقة السابعة والعشرون:

اليوم السابع والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

تابع شيخ الأزهر في حديثه اليومي الّذي يبث من الفضائية المصرية قبيل الإفطار، وقال: الجديد الّذي يمكن أن يقرأ من كتاب السيد علي الأمين، أنّه يفرق بين الإمامة الدينية وبين الإمامة السياسية، فالإمامة الدينية تعني الرجل العالم التقي الّذي يُهتدى به ويلجأ إليه في أُمور الدين وفي مدلهمات الأُمور، ويقصد بكلامه هداية الناس، وأمّا الإمامة السياسية تعني الرجل الّذي يتولى الحكم وإدارة شؤون المجتمع وتطبيق الشريعة والحدود وإنصاف المظلوم، فهو معنيّ بالأُمور الدنيوية الحياتية والحياة المدنية، وبالتالي هناك إمام للحياة الدينية وإمام للحياة المدنية، والفرق بينهما كبير.
وأضاف شيخ الأزهر: ويرى السيد علي الأمين أنّه حدث خلط عند كثير من الشيعة بين مسألة الإمامة الدينية ومسألة الإمامة السياسية.
***
أقول: إنّا لم نعثر على كتاب السيد علي الأمين وإنّما أقضي

صفحه 198
على نظريته حسب ما نقله الدكتور الطيّب، فإنّها ليست شيئاً جديداً، وإنّما هي نظرية غربية ألا وهي تفكيك الدين عن السياسة، متأثّراً بالمقولة المشهورة: «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله».
كيف يمكن القول بالتفكيك مع أنّ القرآن الكريم يجمع لآل إبراهيم (عليه السلام)بين المقامين ويقول: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)1 فإيتاء الكتاب والحكمة علامة النبوّة وإيتاء الملك العظيم هو الحكم والسيادة .
ولقد تأثّر المؤلّف في نظريته هذه بما أُثر عن عمر بن الخطاب حيث قال لابن عباس: يابن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: لكنّي أدري. قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟
قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، فيجخفوا جخفاً، فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت .2
روي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام)في قوله تعالى: (فَقَدْ آتَيْنَا

1 . النساء: 54.
2 . شرح نهج البلاغة: 14 / 53 .

صفحه 199
آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً)1 قال: «جعل منهم الرسل والأنبياء والأئمة، فكيف يُقرّون في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)» قال: قلت: (وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)قال: «الملك العظيم أن جعل فيهم أئمة، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله، فهو الملك العظيم».2
إنّ الإمامة بمعنى الحياة الدينية، لم تكن مختصّة بالإمام، بل كان بين الصحابة الكرام من يصلح لأن يكون قدوة، ممّن بلغوا في الإيمان والتقوى مرحلة سامية، فلماذا تعلّقت الشيعة بعلي (عليه السلام)نافين غيره من التسلّق إلى هذا المقام الشامخ؟ وهذا يكشف عن أنّ إمامته كانت أمراً لا يتقمّصه إلاّ هو وليست هي إلاّ الرئاسة العامّة في الدين والدنيا .
ثم نقل الدكتور أنّ السيد علي الأمين استدلّ على نظريته بكلام الإمام علي (عليه السلام)عندما جاء الناس لمبايعته بعد مقتل عثمان بن عفّان حيث قال: «دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان» وقال بعد نقل كلامه (عليه السلام): يعني اتركوني وانتخبوا غيري، فالخير أن أكون فيكم ناصحاً آمراً بالمعروف وناهياً عن

1 . النساء: 54 .
2 . الكافي: 1 / 160 .

صفحه 200
المنكر من أن أكون لكم أميراً أتولّى الإمامة والسياسة.
وهذا ما سنناقشه في الحلقة القادمة بتوفيق من الله تعالى.

صفحه 201

الحلقة الثامنة والعشرون:

اليوم الثامن والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور الطيب: إنّ قول الإمام علي (عليه السلام): «دعوني والتمسوا غيري... وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم وأنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميراً» يدلّ على أنّه (رضي الله عنه)لم يطلب الإمامة السياسية أبداً ولم تكن في ذهنه بل كان ينفر منه (كذا ـ منها) وهذا كان بعد مقتل عثمان حيث كانت الساحة خالية أمامه ليتولّى إمامة المسلمين. ومعنى كلامه: اتركوني وابحثوا عن غيري.
***
أقول: إنّ للإمام علي (عليه السلام)كلمات في هذا المضمون، فقد قال لابن عباس مشيراً إلى نعله: ما قيمة هذا النعل؟ فقال له: لا قيمة لها. قال (عليه السلام): «والله لهي أحب إليّ من إمرتكم».1
لكن الاستدلال بهذه الكلمات نابع عن عدم الوقوف على زمان صدور هذه الأقوال، وأنّه في أي موقف رفض بيعة القوم وقال: «دعوني والتمسوا غيري»، وأي خلافة رفضها وقال في

1 . نهج البلاغة: الخطبة 33 .

صفحه 202
حقّها ما قال.
إنّ الذين أرادوه للبيعة هم الذين بايعوا الخلفاء السابقين، وكان عثمان منهم، وقد استأثر بأموال المسلمين، فلمّا قُتِل قالوا لعليّ: نبايعك على أن تَسير فينا بسيرة الرسول، فاستعفاهم وسألهم أن يطلبوا غيره، ثم ذكر عدم قبوله في ذيل كلامه وهو «إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإنّ الآفاق قد أغامت والمحجّة قد تنكرت»1 مشيراً إلى أنّ الشبهة قد استولت على العقول والقلوب، وجهل أكثر الناس محجّة الحق، ففي مثل هذه الظروف فإنّي لا أقدر أن أسير فيكم بسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في أصحابه مستقلاًّ بالتدبير، لفساد أحوالكم، وتعذّر صلاحكم.
وقد صدق الخُبْر الخَبَر، فلمّا قام الإمام (عليه السلام)بالأمر وقسّم الأموال بينهم بالعدل، نكثت طائفة، ومرقت أُخرى، وقسط آخرون.2
فالذي رفضه الإمام هو الخلافة الّتي يتقمّصها الإمام عن طريق البيعة، وأمّا الخلافة الالهية الّتي ألبسها الله سبحانه إيّاه يوم

1 . نهج البلاغة: الخطبة 92 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .

صفحه 203
الغدير وغيره فلم تكن مطروحة لدى المبايعين والإمام، حتّى يستقيلها أو يقبلها.
وأمّا الخلافة الّتي ينحلها الناس عن طريق البيعة، فالإمام وغيره أمامها سواء، وفي حقّها قال: «دعوني والتمسوا غيري». وأمّا الخلافة الإلهية الّتي تدّعيها الشيعة بفضل النصوص الكثيرة فهي غنية عن البيعة، غير خاضعة لإقبال الناس وإدبارهم. وليس الناس أمامها سواء، بل تختصّ بمن خصّه سبحانه بها، وليس لمن خصَّه بها حق رفضها ولا استقالتها. والإمامة بهذا المعنى لم تكن مطروحة حين الحوار حتّى يرفضها الإمام .
وليس هذا أوّل كلام للإمام وآخره حول رفضه بيعة القوم وإن أصرّوا عليه وتداكّوا عليه تداكّ الإبل على حياضها يوم وِرْدها، يقول:
«وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الاِْبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ، وَوُطِئَ الضَّعِيفُ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ»1.2

1 . نهج البلاغة: الخطبة 229 .
2 . قال ابن أبي الحديد في شرح مفردات الخطبة:
التداك: الازدحام الشديد، والإبل الهيم: العطاش.
وهدج اليها الكبير: مشى مشياً ضعيفاً مرتعشاً، والمضارع يهدج، بالكسر.
وتحامل نحوها العليل: تكلّف المشي على مشقّة .
وحسرت إليها الكعاب: كشفت عن وجهها حرصاً على حضور البيعة، والكعاب: الجارية الّتي نهد ثديها، كعُب تكعُب (بالضم).
قوله: «حتّى انقطع النعل وسقط الرداء» شبيه بقوله في الخطبة الشقشقية: «حتّى لقد وطئ الحسنان وشُقَّ عِطفاي». لاحظ : شرح نهج البلاغة: 13 / 3 ـ 4 .

صفحه 204
أقول: إنّ الذين جاءوا لمبايعة عليّ من الصحابة والتابعين، إنّما حاولوا أن يبايعوه كما بايعوا الخلفاء الماضين، فالخليفة في هذا المقام يستمدّ شرعية خلافته من بيعة الناس، وهي التي وقف منها الإمام موقفاً رافضاً لعدم رغبته فيها ، وعلماً منه بأنّ المبايعين لا يطيقون عدله وقضاءه.
وأين ذلك من الإمامة الإلهية الثابتة له بتنصيص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في غير واحد من المواقف؟! فإنّ المبايعين في تلك الظروف العصيبة لم يكن لهم همّ سوى تنصيب الخليفة من دون نظر إلى الإمامة المنصوصة لعلي (عليه السلام)، حتّى يستقيلها الإمام أو يقبلها.
وفي الختام نودّ الإشارة إلى نكتة، وهي أنّ البيعة الّتي تمّت لعلي (عليه السلام)على النحو الّذي وصفها الإمام (عليه السلام)كانت ظاهرة استثنائية لم يكن لها مثيل في من سبقه من الخلفاء، ومع ذلك نرى أنّه لمّا

صفحه 205
استتب الأمر للإمام (عليه السلام)ظهرت بوادر التمرّد والعصيان عليه، والتي شغلت باله(عليه السلام)منذ تولِّيه منصب الخلافة وحتّى استشهاده (عليه السلام).
ثم إنّ الإمام في نهاية الأمر يبيّن وجه قبوله لبيعة هؤلاء (مع عدم رغبته في الخلافة) في خطبة أُخرى، حيث يقول :
أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلاَ سَغَبِ مَظْلُوم، لاََلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَلاََلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز!».1

1 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .

صفحه 206

الحلقة التاسعة والعشرون:

اليوم التاسع والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

أكّد الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في هذه الحلقة الّتي هي خاتمة المطاف، على أنّ الأزهر من أحرص المؤسسات الدينية على وحدة الأُمّة الإسلامية وقال: إنّ حديثنا خلال شهر رمضان المبارك لم نكن نقصد به إحداث فرقة أو إثارة ضغائن بين السنّة والشيعة.
وتابع سماحته قائلاً بأنّ الأزهر لا يحجر على الرأي أبداً; لأنّ الله عزّ وجلّ قال: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ )1 ولكنّا نقول: تعالوا نلتقي على أُصول واضحة تمنع وقوع الفتن، تعالوا لإيقاف شلاّلات الدم الّتي تجري بين المسلمين.
وأضاف فضيلته: بأنّ مصر بلد سنّي ولا نريد أن يتحوّل شعبه المسلم إلى طائفتين تقتتل من أجل الطائفية، وإنّ مصر ليس فيها شيعة ولذلك يراد الآن إحداث فتنة فيها من خلال إيجاد قاعدة شبابية تتمذهب بالمذهب الشيعي. ثم عزّز كلامه بتنبؤات بيرنارد

1 . الكهف: 29 .

صفحه 207
لويس حول الشرق الأوسط يقول فيها: «عاجلاً وليس آجلاً سيعاود النمط التاريخي في المنطقة ـ يقصد الخلاف بين السنّة والشيعة ـ ظهوره إلى العلن فتركيا إسلامية وإيران إسلامية ستتنافسان على الزعامة وستكون المنافسة كما كانت عليه منذ عدّة قرون بين المذهبين السنّي والشيعة».
وفي ختام كلامه طالب فضيلته علماء الشيعة الاجتماع بالأزهر لإصدار فتاوى من المراجع الشيعية ومن أهل السنة تحرّم على الشيعي أن يقتل السنّي وتحرم على السنّي أن يقتل الشيعي.
***
أقول: التقريب بين الطوائف الإسلامية من الأماني العزيزة الّتي يتمنّاها كلّ مسلم واع بصير، خصوصاً في الأوضاع الراهنة، والأجواء السائدة على المسلمين، والظروف المحيطة بهم في شتى النواحي والأقطار، ولا يشكّ في ضرورته إلاّ اثنان: جاهل مغفل، وجاحد معاند ماكر. إذ لا يمرّ على المسلمين يوم إلاّ وفيه مجازر رهيبة، وحروب دامية طاحنة، فرضتها عليهم القوى الكافرة، الّتي تخاف من سيادة الإسلام في ربوع العالم، وانتشاره فيها، فعادت تؤجّج نار الحرب بين آونة وأُخرى، فتضرب المسلم بالمسلم تارة، وبالكافر أُخرى فتحقّق أُمنيتها الكبرى.

صفحه 208
فعلى هذا فهو رأي متفّق عليه بيننا وبين الدكتور أحمد الطيب حفظه الله، والشاهد على ذلك أنّ علماء الشيعة قد اتّفقوا مع شيخ الأزهر في وقته الشيخ محمود شلتوت في تأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وقد تبادلت الرسائل بين مشايخ الأزهر ومراجع الشيعة كآية الله البروجردي وغيره. فعلى هذا فهذه النقطة أمر يعرفه مَن له إلمام بالأوضاع المريرة في حياتنا الإسلامية.
نعم إنّ الدكتور شيخ الأزهر ينزعج من وجود التبشير الشيعي داخل مصر وأنّه بلد سنّي لا شيعي لكن نسأل الأُستاذ لماذا لا ينزعج من التبشير المسيحي في مصر والّذي يمتدّ تاريخه لعشرات السنين حتّى أنّ القبطيّين لهم دور في التبشير؟! كما إنّي لا أظن وجود تبشير شيعي بمعنى تحويل السنّي إلى شيعي بينما يريد إزالة العقبات وإزاحة الموانع بين الطائفتين وأنّ بينهما مشتركات كثيرة. ومن عجائب الكلام أنّ الدكتور يقول إنّ السنّة يمثّلون 90 % من المسلمين في العالم، ولكنّه تصوّر غير تام، فإنّ الشيعة يمثّلون ربع المسلمين لو لم يكن أكثر، ثم إنّ بينهم علماء وحكماء، كتّاب وخطباء، ومثقّفين وأساتذة من طبقات مختلفة، وهم أحرار لا يمكن للمرجعية أن تكمّم أفواههم عن التكلّم بما

صفحه 209
يعتقدون ونشر ما يريدون خصوصاً إذا كان لرفع سوء الظن بين الطائفتين. كما أنّ علماء الأزهر وأهل السنّة لا يستطيعون السيطرة على جميع علمائهم ومثقّفيهم وتكميم أفواههم . نعم نحن نجانب ونخالف كلّ تبشير من أي طائفة تريد إشعال نار الفتنة بين الطائفتين.
فنحن نرى ما يمضي من يوم إلاّ وينتشر كتاب أو رسالة أو مقال من أهل السنّة في تكفير الشيعة وتحريض الشباب على إراقة دمائهم، وليس هذا ببعيد ممّن يقرأ شيئاً ممّا يجري في أفغانستان وباكستان والعراق وسورية واليمن وغيرها من البلدان.
ثم إنّ ما نقله عن بيرنارد لويس ووصفه بالتنبّؤات غير صحيح جدّاً، فإنّه مخطّط لهم وليس تنبّؤاً، إذ ليس هناك أي تنافس بين إيران وتركيا على الزعامة، وما ذكره ليس إلاّ مؤامرة تدبّرها الدول الاستكبارية لضرب الدولتين باسم التنبّؤ .
وأقول بصراحة: إنّ الحرب في العراق وسورية واليمن حرب سياسية وليست حرباً طائفية فإنّ يد الدول الكبرى وراء هذه الحروب، فهذه الدول بإشعال فتيل الحرب في تلك المناطق تنتفع كثيراً حيث تتم الحرب بإضعاف المسلمين أوّلاً، وتهديم منشآتهم الاقتصادية ثانياً، وبيع الاسلحة عليهم ثالثاً، ودفع الخطر عن

صفحه 210
إسرائيل وجعلها أكثر أمناً رابعاً، إلى غير ذلك من الآثار المشؤومة.
والعجب أنّ الأزهر الشريف سكت عن شلاّلات الدماء الّتي تجري في اليمن الجريح الّتي تُدّمر كلّ يوم وليلة بأعذار واهية.
وهذا آخر مقالي وكلامي إلى سماحة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر حفظه الله عسى أن يقوم بما تبنّاه من اجتماع رؤساء الطائفتين ودراسة الموضوع، أي وحدة المسلمين ونجاتهم ممّا يحيط بهم من مؤامرات عسى أن يصل الجميع إلى أُمنياتهم.
ونحن على إيمان ويقين بأنّه لو كان الاجتماع لله وبنية خالصة فالله سبحانه يسدّد خطاهم ويوفّقهم لما فيه الصلاح والسداد .
يقول تبارك وتعالى: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا )1.
***
تمّت الرسالة مساء يوم الخميس الثاني
عشر من شهر ذي القعدة الحرام
في مدينة قم المقدّسة عش آل محمد
صلوات الله عليهم أجمعين .

1 . النساء: 35 .

صفحه 211
جعفر السبحاني
Website Security Test