welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 21*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 21

صفحه 1
المقدمة   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج

21
(21)

صفحه 2

صفحه 3
21   
الجزء الواحد والعشرون ويشتمل على تفسير السور التالية:
العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1394 .
      30 ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 564 - 9 (VOL.21)
ISBN 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 /

297
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج

21
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1394 هـ ش / 1437 هـ . ق / 2016 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 898   تسلسل الطبعة الأُولى:

439
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ;

09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف   
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على المصطفى محمّد وآله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وجعلهم(صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الثقلين بقوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي».
أمّا بعد
فقد قال رسول الله الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع وماحل مصدّق، مَن جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومَن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل»1.
لا يشكّ أحد ممّن له إلمام بالأوضاع السائدة في بلاد الإسلام والمسلمين في أنّ الفتن أحاطت وحاقت بهم كقطع الليل المظلم، ولو دامت هذه الفتن عبر سنين لأحرقت الأخضر واليابس، وعند ذاك يصدق علينا قوله سبحانه:(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)2.
وأيّة فتنة أضرّ على الإسلام والمسلمين من الفتنة التي أشعل فتيلها الاستكبار العالمي والصهيونية الحاقدة، لضرب المسلم بالمسلم، وتخريب

1 . الكافي:2/599.
2 . الأنفال:25.

صفحه 8
المنشآت الحيوية، وتهجير العوائل المسالمة عن ديارها وبيوتها، إلى غير ذلك من المصائب والويلات التي تنشرها وسائل الإعلام يوماً بعد يوم.
وهناك جماعة من المسلمين ربّما يلتجئون اليوم إلى أحضان الغرب، وجماعة أُخرى إلى أحضان الشرق ويتصوّرون أنّ الدواء لهذا الداء العياء بيد هؤلاء، غافلين عن أنّ هؤلاء هم الذين أشعلوا فتيل الفتن وهم الذين يموّلون طائفة ضد طائفة أُخرى، ولو فتّشنا عن العلاج الشافي لهذه الفتن لوجدناه في التمسّك بالكتاب والسنّة، اللّذين دعيا المسلمين إلى الصلح والصلاح والمشاورة والائتمار عند ظهور الفتن، وإلى ردع مَن يتمادى في بغيه وعدوانه، كما قال سبحانه:(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).1
***
وممّا يُدمي قلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتعرّض الآلاف من ضيوف الرحمن وفي يوم العيد2 في الحرم الآمن إلى القتل وبنحو فظيع، دون أن يمدّ إليهم أحد يد المساعدة، لا المؤسسات المختصّة، ولا غيرها.
وأسوأ من ذلك أن يقوم وعّاظ السلاطين من على منبر الحرم الشريف بتوجيه هذه الجريمة الشنيعة بأنّها من قبيل تقدير الله سبحانه، دون أن يكون أحدٌ مسؤولاً عنها!!

1 . الحجرات:9.
2 . عاشر ذي الحجة الحرام سنة 1436هـ .

صفحه 9
ودَعْ عنك نَهْباً صيحَ في حَجَراتهِ *** ولكنْ حديثاً ما حديثُ الرّواحلِ
***
إنّ من ألطافه سبحانه أن وفِّقنا لزيارة الإمام الثامن عليّ بن موسى الرضا عليه آلاف التحية والثناء في أواخر شهر شوال المكرّم عام (1436هـ) مضافاً إلى إلقاء محاضرات حول الشبهات التي نسجها الإلحاد حول القرآن الكريم ونبوّة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان لهذه المحاضرات صدىً واسع، وقد قام بطبعها المركز الذي ألقينا فيه هذه المحاضرات.
***
ولمّا زرنا ضريح الإمام الثامن(عليه السلام) دار في خلدي، عند التوسّل بدعاء الإمام الذي لا يُردّ، ما قاله ابن حِبّان (أحد كبار علماء السنّة)، وهو يذكر قبره الشريف: قد زرته مراراً كثيرة، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس، فزرت قبر عليّ بن موسى الرضا صلوات الله على جدّه وعليه، ودعوت الله إزالتها عنّي إلاّ استجيب لي، وزالت عني تلك الشدّة، وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك. أماتنا الله على محبّة المصطفى وأهل بيته صلّى الله عليه وعليهم أجمعين.1
وقلت في نفسي: إنّ دعاء الإمام الهمام لا يُردّ، فلأتوسّل بدعائه إلى الله سبحانه أن يصلح أُمور المسلمين، ويوحّد كلمتهم، ويرفع عنهم هذا البلاء الوبيل.
ثمّ إني وقفت بعد ذلك على ما جادت به قريحة صديقي الوفيّ

1 . كتاب الثقات:8/457.

صفحه 10
الأُستاذ حيدر الطحّان البغدادي المحترم عند زيارته الإمام(عليه السلام)ذاكراً ما أشرت إليه، في قصيدة له:
أيُزال الكربُ بعد الكرب عن *** إبن حبّان، ويحظى بالعطاءْ
ويُلاقي مَن يواليكم أذىً *** ليس هذا من سجايا الكرماءْ
***
ثمّ إنّ هذا الجزء يتضمّن رسالتين حول موضوعين مهمّين:
1. رسالة حول أُميّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ودلائلها وما حولها من الشبهات وقد جاءت الرسالة بعد تفسير سورة العنكبوت.
2. رسالة حول صفات الله سبحانه الموسومة بالخبرية التي يفسّرها أهل الحديث بما يلازم التشبيه والتجسيم وقد بيّنا ما أُريد منها. وقد جاءت في آخر الجزء.
***
وقد التقيت في سفري هذا بالأُستاذ الشيخ حسن الصفّار أحد علماء المنطقة الشرقية في الحجاز، جاء أيضاً زائراً، وهو رجل مجاهد وكاتب قدير له آثار قيّمة، وقد اطّلع على موسوعتنا التفسيرية وأبدى إعجابه بها، فكتب مقالاً أعرب فيه عن رأيه بالكتاب، وها نحن نأتي بنصّه تقديراً وشكراً له.
المؤلّف

صفحه 11
كتاب كريم: بقلم الأُستاذ الشيخ حسن الصفّار   

كتاب كريم

بقلم الأُستاذ الشيخ حسن الصفّار

حين تواجه الأُمّة تحدّياً خطيراً في أي بُعد من أبعاد وجودها وحياتها، وخاصة في الجانب الفكري والمعرفي، فإنّ عليها أن تفزع إلى كتاب الله المجيد، القرآن الكريم، لأنّه معقد إيمانها، والمرجعية الأساس لدينها وشريعتها، وهو مصدر الهدى، ومبعث النور الّذي يضيء للأُمّة دروب الحياة، ويقدّم لها أفضل الحلول والمعالجات لمختلف المشاكل والأزمات، يقول تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلتي هِيَ أَقْوَمُ)1 .
ولذلك حثّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الأُمّة على الرجوع والعودة إلى كتاب الله تعالى عند مواجهة التحدّيات والمشاكل، كما جاء في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا التبست الأُمور عليكم كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن».
ولمّا سئل (صلى الله عليه وآله وسلم)عن المخرج أمام الأُمّة من الفتن الّتي ستواجهها؟ أجاب (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: «كتاب الله العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، مَن ابتغى العلم في غيره أضلّه الله».
وحيث تواجه الأُمّة الإسلامية اليوم خطراً من أعظم الأخطار التي

1 . الإسراء: 9 .

صفحه 12
مرّت بها في تاريخها الطويل، وهو خطر نمو التوجّهات التكفيرية والتعصّبية المتطرّفة، الّتي رفعت شعارات العنف، وأعلنت حرب الإرهاب باسم الإسلام على كلّ من يخالف توجّهاتها من المسلمين والعالم أجمع، فدمّرت بلاد المسلمين، ومزّقت وحدتهم، وهتكت كلّ الحرمات، وشوّهت صورة الإسلام أمام الرأي العام العالمي، حتّى أصبح عنواناً للوحشيّة والعنف والإرهاب.
والجانب الأخطر في هذه التوجّهات المتطرّفة هو قدرتها على استقطاب مجاميع كبيرة من أبناء الأُمّة وشبابها من مختلف البقاع والأصقاع، وتنشئتها على أساس التعصّب المذهبي، والتشدّد الديني، وحشو أدمغتها بثقافة الكراهية والتكفير والعنف، بادّعاء أنّ ذلك يمثّل العقيدة الصحيحة، ومنهج السلف، ومفهوم التوحيد الخالص، والبراءة من الشرك والابتداع، مستغلّة مشاعر الغضب والسخط الّتي تسود أجواء الأُمّة، بسبب واقع التخلّف والاستبداد والجور، واستمرار العدوان الصهيوني والهيمنة الأجنبية.
ولا يخفى دور الاستكبار العالمي والحركة الصهيونية وأنظمة الاستبداد الحاكمة، في دعم هذه التوجّهات التكفيرية المتطرّفة لأنّها تحقّق لهم كثيراً من الأهداف والخدمات.
في مواجهة هذا الخطر الماحق على الدين والأُمّة لابدّ من اللجوء إلى القرآن الكريم، لتستلهم الأُمّة من هديه ما يحصّن وعي أبنائها من تأثيرات هذه التوجّهات المنحرفة، وكشف مكامن الخلل والفساد في هذا الفهم المعوجّ للدين، ولتحفيز طاقات الأُمّة واستنهاضها للدفاع عن حقائق

صفحه 13
الإسلام ومفاهيمه الصحيحة، ولحماية كيان المجتمعات الإسلامية من التمزّق والانهيار، ولتجلية الصورة المشرقة الناصعة للإسلام أمام الرأي العام العالمي.
وفي هذا السياق تأتي أهمية التفسير القيّم «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» الّذي يتابع إصدار أجزائه الفقيه المحقّق المرجع الديني الشيخ جعفر السبحاني «أدام الله ظله وتأييده». إنّه دعوة ونداء للأُمّة للاحتكام إلى كتاب الله تعالى، والانفتاح الصادق على معاني آياته دون حواجز أو عوائق ينتجها التقيّد بآراء السابقين. فهو تفسير يشكّل استجابة لحاجة فكرية ملحّة في ساحة الأُمّة في هذا الظرف العصيب، حيث يركّز على استنطاق آيات القرآن الكريم في مهمّات المسائل العقدية والكلامية، وخاصّة تلك الّتي تسلَّل الفكر التكفيري المتطرّف من خلال بعض تفاصيلها إلى تراث بعض المذاهب والمدارس الإسلامية .
إنّه يقدّم الرؤية القرآنية في مختلف جوانب العقيدة والشريعة والتاريخ عبر منهجية علمية موضوعية، وبأُسلوب أدبي رفيع، لا غموض ولا تعقيد في كلماته ومصطلحاته، حيث يجمع بين عمق المضمون ودقّة البحث العلمي من جهة، وبين وضوح المطلب وإشراقة اللغة من جهة أُخرى، فهو مرجع علمي للباحث المتخصّص، ومورد لاستفادة القارئ المثقّف المتطلِّع لمعارف القرآن وفيض علومه.
ومن الميزات المهمّة لهذا التفسير الرائع للقرآن الكريم، أنّه يؤصِّل ثقافة التسامح، وإقرار حرية الرأي والفكر، واحترام وجهات النظر الأُخرى، والتعاطي معها في ميدان البحث العلمي بموضوعية وإنصاف، بعيداً عن

صفحه 14
التعصّب والتشدّد، والإساءة والعدوان، انطلاقاً ممّا تؤكّد عليه آيات القرآن الكريم في منهج الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار والجدال بالتي هي أحسن. إن رسالة هذا التفسير هي بناء الشخصية الإيمانية العقائدية للإنسان المسلم على أساس رصين من هدي القرآن ومعارفه، مع التحلّي بأرفع درجات الخلق الإنساني والسلوك الحضاري في الحياة الاجتماعية.
حقاً أنّ تفسير «منية الطالبين» يشكّل إضافة نوعية مهمّة في هذا العصر للمكتبة القرآنية، ويمثّل استجابة لتحدٍّ فكريّ خطير تواجهه الأُمّة، نأمل أن يشقّ هذا التفسير القيّم طريقه إلى أوساط العلماء والباحثين وأساتذة الجامعات والشباب المثقفين، وأن يطيل الله في عمر شيخنا المعظّم الشيخ السبحاني، ويمتّعه بالصحّة والعافية والنشاط ليكمل هذا المشروع المبارك، وليواصل خدمة العلم والدين، بحقّ القرآن العظيم.
والحمد لله رب العالمين
حسن الصفار
17 شوال 1436 هـ

صفحه 15
تفسير سورة العنكبوت   

سورة العنكبوت

(المْ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآت وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ

صفحه 16
 
اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْء إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ * وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ

صفحه 17
 
فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْني عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ

صفحه 18
 
اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مْسَتْبِصِريَن * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ * خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ * اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ *وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ

صفحه 19
 
الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ * وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْني وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ *وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَلَئِنْ

صفحه 20
 
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ * اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).
سورة العنكبوت: خصائص السورة   

صفحه 21

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت في المصاحف بسورة «العنكبوت» لورود هذا اللفظ فيها، ولم يرد في سورة أُخرى.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها تسع وستون آية بالإجماع. وهي مكّية بشهادة مضامين أكثر آياتها.
وربّما تستثنى الآيات العشر الأُولى من كونها مكّية، فيقال إنّها مدنية اعتماداً على ما روي أنّها نزلت في أُناس بمكّة قد أقرّوا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة لمّا نزلت آية الهجرة: أنّه لا يُقبَل منكم قرار ولا إسلام حتى تهاجروا، قال: فخرجوا عامدين إلى المدينة، فأتبعهم المشركون فردّوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم أنّه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا فقالوا: نخرج فإن اتَّبعَنا أحد قاتلناه، فخرجوا فأتبعهم المشركون، فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)1.2

1 . النحل:110.
2 . تفسير الدر المنثور:6/449.

صفحه 22
ومع ذلك لا دليل في سياق الآيات على أنّها نزلت بعد الهجرة، بل أقصى ما يستفاد منها أنّ جماعة أسلموا في مكّة المكرمة وقد مارس معهم المشركون ضغوطاً حتى يرجعوا إلى دين آبائهم وملّتهم فصاروا موضعاً للفتنة والمحنة، فمنهم مَن رجع ومنهم مَن ثبت، وقد حفظ التاريخ تعذيب المشركين عمّار بن ياسر ووالديه، كما ورد في السيرة تعذيب بلال وغيره. وما مرّ من شأن النزول لا يوافق سياق الآيات، فالظاهر أنّ السورة كلّها مكّية.

أغراض السورة

التدبّر في آيات السورة يكشف عن أنّ المحور الّذي تدور عليه هو الافتتان والاختبار، وأنّه سبحانه لا يريد الإيمان المجرّد القائم باللفظ، بل يريد الإيمان الذي لا تزيله العواصف ويستقر في القلوب وإن دارت عليه الدوائر، ويُعلم ذلك من خلال التعرّض لأنواع الفتن والمحن التي تميّز المؤمن القويّ ذا الإيمان العميق الثابت عن المؤمن الضعيف ذي الإيمان الطارئ المتزلزل. كما تكشف الآيات أنّ المحنة والفتنة سنّة من سنن الله سبحانه، ولا تختصّ بأُمّتنا المرحومة، بل كانت سائدة في الأُمم السابقة، وهم بين ثابت وزالق.
سورة العنكبوت: الآية الأُولى   
ويؤكّد ذلك أنّه سبحانه يحدّثنا في سورة البروج عن الفتنة التي مرّ بها أصحاب الأخدود، فيقول سبحانه في حقّهم:(قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَ

صفحه 23
مَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)،1 وهذا دليل على أنّ الأُمم الماضية لم تكن بمنأى عن الفتن والامتحانات الإلهية.
هذا هو الهدف المهمّ في هذه السورة، وتأتي في إطار توضيحه، الإشارة ـ في ثنايا السورة ـ إلى قصص الأنبياء العظام كنوح وإبراهيم ولوط وشعيب(عليهم السلام) الّذين واجهوا أعداء الله من الطغاة المترفين والفاسدين، بقلوب ثابتة.

التفسير

الآية الأُولى

1. (الم):
هي من الحروف المقطّعة وسيوافيك في سورة الأحقاف تفسير هذه الحروف، ولقد اخترنا بين الأقوال الكثيرة الناهضة إلى العشرين أنّه سبحانه يشير بالإتيان بهذه الحروف في صدر هذه السور إلى أنّ القرآن معجزة كبرى نازلة من الله سبحانه وليس للبشر فيه أي صنع حتى النبيّ النازل على قلبه، وإن كنتم في شكّ من كونه كلام الله فانهضوا إلى معارضته واستعينوا بكل أحد، فإنّه أُلّف من تلك الحروف وهي في متناول المخاطبين فليقوموا فليأتوا بسورة من مثله في البلاغة والفصاحة والنظم، فإذا عجزوا فهو الدليل على أنّه فوق الطاقة البشرية، وصحّ أنّه من عند الله تعالى.

1 . البروج: 4 ـ 8 .

صفحه 24
والعجب أنّ فخر الدين الرازي استوفى البحث في الحروف المقطّعة في الجزء الأوّل من تفسيره عند تفسيره لسورة البقرة، ولكنّه في هذا المقام جاء برأي خاص بعيد عن ساحة القرآن، وحاصل نظره: أنّه ليس لهذه الحروف معنى ولا رمز وإنّما أُوتي بها لطلب إقبال السامع إلى كلام المتكلّم، يقول: يحسن من الحكيم أن يقدّم على الكلام المقصود، حروفاً هي كالمنبّهات، لأنّ تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع وكان قولاً مفهوماً فإذا سمعه السامع ربّما يظن أنّه كلّ المقصود ولا كلام له بعد ذلك، فيقطع الالتفات إليه، أمّا إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجذبه بأنّ ما سمعه ليس هو المقصود، فإذاً تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع، على الكلام المقصود، فيه حكمة بالغة.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لو كان المراد هو جلب إقبال المخاطب لكلامه فلماذا خصّ ذلك بسور يبلغ عددها تسعاً وعشرين سورة، وأهمل سائر السور وهي كثيرة، حيث يبلغ عدد السور (114) سورة، وهذا يعني أنّ ثلاثة أرباع القرآن يخلو من هذه الحروف!! ولمّا التفت الرازي إلى هذا الإشكال لجأ إلى القول بأنّ عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز.
سورة العنكبوت: الآيات 2 ـ 7   
وثانياً: أنّ الرازي تصوّر أنّه سبحانه أتى بهذه الحروف التي يبلغ عددها أربعة عشر حرفاً بلا حساب ولا مناسبة، لكنّه غفل عن أنّ هذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، فمثلاً تجد

1 . تفسير الرازي:21/26.

صفحه 25
فيها من المهموسة نصفها، ومن المهجورة نصفها، ومن الشديدة نصفها، ومن الرخوة نصفها إلى غير ذلك من صفات الحروف. وسوف تجد تفصيل ذلك في سورة الأحقاف في الجزء السادس والعشرين.
وثالثاً: أنّه سبحانه كلّما بدأ سورة بهذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن بعدها، إلاّ سور أربع وهي: مريم وهذه السورة والروم والقلم، ومع ذلك جاء ذكر الوحي والكتاب في أثناء هذه السور أيضاً، وهذا يؤيدّ الرأي الّذي اخترناه وأشرنا إليه آنفاً.

الآيات: الثانية إلى السابعة

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللّهِ لآت وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللّهَ لَغَنيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ):

المفردات

يفتنون، فتنّا: الفتنة: الامتحان والاختبار.
فليعلمنّ الله: أي ليظهرنّ صدقهم. ويمكن أن يراد العلم الفعلي الذي

صفحه 26
هو عين الأشياء في مقابل العلم الذاتي الذي هو قبل خلق الأشياء.
السيئات: الشرك والمعاصي الموبقة.
أن يسبقونا: أي أن يفوتون عن المجازاة.
ساء ما يحكمون: بئس الشيء الّذي يحكمون بتصوّرهم أنّهم يهربون من الله.
لقاء الله: يريد في يوم القيامة، وهو إمّا بمعنى لقاء جزائه أو لقاءً شهودياً لا صلة له بالرؤية البصرية.
أجل الله: الزمان الذي عيّنه الله تعالى للقائه، وهو يوم القيامة.
جاهد: بمعنى السعي للسعادة، نظير قوله سبحانه:(وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي)1، وليس المراد الجهاد ضدّ المشركين لافتراض أنّ السورة مكية، ومن زعم أنّها مدنية تمسّك بهذا اللفظ وبالمنافقين في الآية 11، وسيوافيك توضيح المراد من اللفظين خلال التفسير.
لنُكفِّرنّ: التكفير: الستر، أي ستر السيئات، من كفَر بمعنى ستَر.

التفسير

أشرنا فيما سبق إلى أنّ الامتحان الذي عبّر عنه سبحانه بالفتنة، سنّة إلهية جارية في عامّة الأُمم من غير استثناء وفي الأُمّة المرحومة خاصّة، والغرض من الفتنة هو أحد أمرين:

1 . العنكبوت:8.

صفحه 27
الأوّل: إخراج ما بالقوّة إلى الفعل، بمعنى أنّ الكمالات المعنوية المكنونة في نفس الإنسان تخرج بالامتحان من حدّها إلى الفعلية، ولولا الامتحان لبقي الكمال في حدّ القوّة، وذلك كامتحان الله سبحانه خليله إبراهيم(عليه السلام)الّذي كان مخلصاً في طاعته لربّه، ممتثلاً لأوامره ونواهيه، مستعدّاً لأداء ما يُعهد إليه من تكاليف، من غير فرق بين أن ترجع إلى نفسه أو إلى نفيسه من الأولاد والأموال، ولكن ذلك الكمال كان مكنوناً في ذات إبراهيم (عليه السلام)، فلمّا أمره سبحانه بذبح فلذة كبده، وامتثل هذا الأمر بالعزم على تنفيذه، تجلّى إخلاصه لله وفناؤه في حبّه، وصار ذلك سبباً لارتقائه إلى قمّة الكمال الإنساني حتى سمّي خليل الله ووفيّه. وإلى هذا المعنى يشير الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في تفسير قوله:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)، قال: «وَمَعْنَى ذلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَ الرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ سُبْحانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلكِنْ لِتَظْهَرَ الاَْفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ; لاَِنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذُّكُورَ وَيَكْرَهُ الاِْنَاثَ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ الْمَالِ، وَيَكْرَهُ انْثِلاَمَ الْحَالِ».1
الأمر الثاني: تمييز الصادق من الكاذب، فالمجتمع إذا كان مشتملاً على المؤمنين والكافرين، والطيبين والخبيثين، فتميّز إحدى الطائفتين عن الأُخرى هو الغاية السامية للفتنة، وإليه يشير سبحانه في قوله: (مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)2 وهذه الغاية هي المقصودة من الآية التالية.

1 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 193.
2 . آل عمران:179.

صفحه 28
2. (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ):
الفعل «حسب» يستعمل في الاستنكار، كما في قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)1، ومعنى الآية أزعمَ (النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا) بمجرّد(أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا) بألسنتهم (وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ):أي لا يُمتحَنون ويُختَبرون؟ فهذا النوع من الإيمان دون أن يُعلم ثباته في القلب وانعكاس أثره في السلوك وفي الموقف العملي، غير كاف عند الله، ولذلك يقول:
3. (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ):
يشير إلى أنّ الفتنة بمعنى الامتحان من سنن الله تعالى في سائر الأُمم، ولأجل التأكيد يقسم ويقول: (وَلَقَدْ) اللام للقسم (فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)اختبرناهم وامتحنّاهم بألوان الامتحانات الإلهية. ثمّ أشار إلى الغاية من ذلك، فقال : (فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) ومن المعلوم أنّه سبحانه عالم بكلّ الأشياء، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ويعلم ما توسوس به نفسه، ورغم ذلك فهو يمتحن، لماذا؟ حتى يتحقّق صدق الصادقين وكذب الكاذبين، وتتبيّن مظاهرهما في ساحة الواقع.
وكأنّ الامتحان بمنزلة النار التي يتعرّض لها الذهب إذا أُريد تنقيته من الشوائب. وقد أُشير إلى هذه الغاية في آيات أُخرى، يقول سبحانه في تغيير القبلة:(إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)(2) ويقول سبحانه:

1 . البقرة:214.   2 . البقرة:143.

صفحه 29
(وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)1، فعلمه سبحانه هنا عبارة عن ظهور الواقع للناس وتحقّقه.
وإليك بعض ما ورد عن المعصومين(عليهم السلام)حول الفتنة وأشكالها وسبل النجاة منها.
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «إنّ لكلّ أُمّة فتنة، وفتنة أُمّتي المال».2
وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «لاَنا لفتنة السرّاء أخوف عليكم من فتنة الضرّاء. إنّكم ابتُليتم بفتنة الضرّاء فصبرتم، وإنّ الدنيا حلوة خَضِرة».3
وقال الإمام علي (عليه السلام):«إِنَّ أَبْغَضَ الْخَلاَئِقِ إِلَى اللهِ رَجُلاَنِ: رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ; فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، مَشْغُوفٌ بِكَلامِ بِدْعَة، وَدُعَاءِ ضَلاَلَة، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ».4
وقال (عليه السلام): «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ».5
وقال (عليه السلام): «وَلاَ تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَأَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا، وَخَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا، فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ».6

1 . آل عمران:140.
2 . الترغيب والترهيب: 4 / 178 برقم 57 .
3 . الترغيب والترهيب: 4 / 184 برقم 74 .
4 . نهج البلاغة: الخطبة 17 .
5 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 1 (وابن اللَّبون: ابن الناقة إذا استكمل سنتين).
6 . نهج البلاغة: الخطبة 187 .

صفحه 30
وعن هشام بن سالم عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «ما من قبض ولا بسط إلاّ ولله فيه المنّ والابتلاء».1
وأمّا صلة الآية ببيئة مكّة فهذا ما سنذكره تالياً.
4. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ):
(أَمْ) بمعنى «بل»، وقوله سبحانه:(أَمْ حَسِبَ) استفهام إنكاري يراد به إبطال هذا الحسبان، وأريد من (السَّيِّئَاتِ)الأعمال التي كانوا يقومون بها ضد المؤمنين من فنون الأذى والاضطهاد والتعذيب (أَنْ يَسْبِقُونَا): أي يغلبونا (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ): أي بئس الشيء الذي يحكمون حكمهم هذا، ونظير الآية قوله سبحانه: (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ ومَا كَانُوا سَابِقِينَ).2
وحاصل الآية: إنّ مجرمي قريش الذين كانوا يصبّون ألوان العذاب على المؤمنين يحسبون أنفسهم سابقين وغالبين كما يحسبوننا مسبوقين ومغلوبين، ساء هذا الحسبان وهذا الحكم، فسوف يُعلم من الغالب ومن المغلوب. وفي هذا الكلام نوع تقوية لقلوب المسلمين المعذَّبين ليتحمّلوا ما ينزل بهم من ضُرٍّ وأذىً، بصبر وثبات ، فالآية السابقة كانت ناظرة إليهم وأنّهم لا يُتركون بل يُفتنون حتّى تستبين حقيقة إيمانهم، وهذه الآية ناظرة

1 . التوحيد للصدوق: 354 برقم 1، الباب 57 ; بحار الأنوار : 5 / 216 برقم 4 (وفيه: لعلّ القبض والبسط في الأرزاق بالتوسيع والتقتير، وفي النفوس بالسرور والحزن، وفي الأبدان بالصحة والألم، وفي الأعمال بتوفيق الإقبال إليه وعدمه، وفي الأخلاق بالتحلية وعدمها، وفي الدعاء بالإجابة له وعدمها، وفي الأحكام بالرخصة في بعضها والنهي عن بعضها).
2 . العنكبوت:39.

صفحه 31
إلى أعدائهم الذين كانوا يظنون أنّ لهم الغلبة بتسلّطهم على المؤمنين وسعيهم في أن يفتنوهم عن دينهم بالتعذيب .
5. (مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللّهِ لآت وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ):
الآية تشتمل على مقاطع ثلاثة:
1. (مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ).
2. (فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآت).
3. ختم الآية باسمين كريمين أعني: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
فلنرجع إلى تفسيرها فنقول:
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ ظرف اللقاء هو يوم القيامة، وهو المتبادر من هذه اللفظة في غير هذا المقام، مثل قوله:(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ)1ومن المعلوم أنّ المشركين ينكرون البعث ويوم القيامة، كما في قوله تعالى:(وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ).2
إنّما الكلام فيما هو المراد من اللقاء أو لقاء الله، فربّما يفسّر بلقاء جزاء الله من ثواب أو عقاب، ولكن الظاهر المراد وقوف العبد موقفاً لا حجاب بينه وبين ربّه إلاّ حجاب الذات، فإنّ يوم القيامة شأن ظهور الحقائق.

1 . الأنعام:31.
2 . الروم:8.

صفحه 32
وأمّا الثاني ـ أعني:(أَجَلَ اللّهِ) ـ : فإنّه يستعمل تارة في نهاية الأجل المضروب، وأُخرى في مجموع المدّة، وأُريد هنا الأوّل وهو أجل يوم القيامة، الأجل الذي عيّنه الله سبحانه لحشر المؤمنين والكافرين فهو آت قطعاً فيَجزي فيه كلّ إنسان بفعله.
وأمّا الثالث ـ أعني: تذييل الفقرتين بالوصفين ـ : فواضح، فالله سميع لأقوال هؤلاء، عليم بأحوالهم وأعمالهم.
وفي الآية ـ أيضاً ـ نوع تقوية لقلوب الموحّدين في مكّة المكرمة بأنّ مَن يرجو لقاء الله ـ بأي معنى فسِّر اللقاء ـ فليعلم أنّ أجل الله، أي الأجل الذي أجله سبحانه ليوم القيامة، سيأتي ويحشر الناس. فالناس خيّرهم وشرّيرهم يجزَون، والله كان سامعاً لكلامهم عليماً بأفعالهم.
6. (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللّهَ لَغَنيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ):
الجهاد هنا بمعنى السعي في طريق الفلاح والصلاح وليس بالمعنى المصطلح، أعني: القتال مع الكفّار، وإنّما هو نظير قوله:(وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي)1.
وحصيلة الآية: إنّ الذين كانوا راجين لقاء الله فليعملوا لهذا اليوم وليسعوا، ولذلك يقول:(وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ) فهو المنتفع بعمله ونظيره قوله سبحانه: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لاَِنْفُسِكُمْ).

1 . العنكبوت:8.

صفحه 33
ثمّ علّل ذلك بقوله:(إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ): أي مُستغن عن جميع خلقه، فليس له بطاعتهم انتفاع.
7. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ):
الآية عطف على قوله: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ)فتكون تفسيراً له، فقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فالله سبحانه يجزيهم بوجهين:
1.(لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ): أي لنعفونّ عن سيئاتهم، فإنّ التكفير وإن كان بمعنى الستر ولكنّه كناية عن العفو.
2. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ): أي نجزيهم بأحسن أعمالهم الصالحة، فلو كانت في أعمالهم جهة رديئة أو خسّة فنتعامل معها معاملة الجهة الفاقدة لها، وهذا هو المراد من قوله: (أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ): أي فلمّا كان عملهم فاقداً لبعض وجوه الكمال نرفعه نحن إلى المرتبة الكاملة أي الأحسن.
وحصيلة هذه المجموعة من الآيات عبارة عن الأُمور التالية:
1. الاختبار والمحنة من سنن الله سبحانه، فلا يترك الإنسان بمجرّد قوله بلسانه: آمنت، وإنّما يختبره في ظروف مختلفة، حتّى يتكشّف جوهره.
2. أنّ هذه السنّة كانت سائدة في الأُمم السابقة منذ زمن نوح إلى عصر المسيح(عليهما السلام)، فلقد امتحنهم سبحانه بضروب من البأساء والضرّاء من غير فرق بين الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ

صفحه 34
كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا)1.
3. أنّ الغاية من المحنة هي إخراج ما بالقوّة إلى الفعل وتمييز الخبيث من الطيّب.
4. أنّه سبحانه يمهل المشركين المتجاهرين بالسيئات، ولكن ظنّهم بأنّهم يسبقونه ويهربون من سلطانه ظنّ باطل، بل يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما قال الإمام علي (عليه السلام): «وَلَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ، وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ، وَبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ»2.
5. أنّ الله يحثّ الراجين لقاء الله على السعي والجهاد قائلاً بأنّ مَن يجاهد فإنّما يجاهد لنفسه، وقد قال عزّ وجلّ في آية أُخرى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا)3 .
6. يبيّن عزّ وجلّ حقيقة السعي والجهاد بأنّه يتمثّل بالإيمان والعمل الصالح، ويذكر أنّ هذين العاملين يستتبعان تكفير السيئات وجزاء كلّ الأعمال بأحسن عمل يعمله الإنسان في حياته.
سورة العنكبوت: الآيتان 8 ـ 9   

الآيتان: الثامنة والتاسعة

(وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ

1 . آل عمران: 146 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 97 .
3 . الأنعام: 104 .

صفحه 35
تَعْمَلُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) .

المفردات

وصَّينا: الوصية: التقدّم إلى الغير بما يعمل به مقترن بوعظ، قال سبحانه: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ)1.
حُسناً: الحسن عبارة عن كلّ مبهج مرغوب فيه .
جاهداك: الجَهد: ـ بالفتح ـ المشقّة، والجُهد ـ بالضمّ ـ الطاقة، والمراد هنا: جعلاك في المشقّة.

التفسير

8 . (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):
تستهدف الآية الأمر بالإحسان إلى الوالدين وطاعتهما ويقول: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)ويركّز على ذلك في آية أُخرى أيضاً ويقول: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )2 .

1 . البقرة: 132 .
2 . الإسراء: 23 .

صفحه 36
إنّما الكلام في صلة الآية بما قبلها، والّذي يوضحه ما أخرجه غير واحد من المحدّثين عن سعد بن أبي وقاص قال: قالت أُمّي: لا آكل طعاماً ولا أشرب شراباً حتّى تكفر بمحمد، فامتنعت من الطعام والشراب حتّى جعلوا يسجرون فاها بالعصا، فنزلت هذه الآية .1

الخدمة الكبرى

من بين الخدمات الّتي يقدّمها بعض الناس للبعض الآخر، لا تجد خدمة أفضل وأكبر ممّا يبذله الوالدان في حقّ أولادهما، فلا أبالغ إذا قلت: إنّ مثلهما مثل الشمعة الّتي تذيب نفسها وتضيء ما حولها فينتفع الغير بضوئها، وهكذا الوالدان فهما يبذلان ما في وسعهما من جهد وطاقة لأجل إسعاد الولد حتّى يبلغ إلى حدٍّ يستطيع فيه إدارة نفسه.
ولذلك نرى أنّ الإسلام يؤكّد على الإحسان إلى الوالدين والبِرّ بهما في غير واحدة من السور والآيات، كما في الموارد التالية:
1. قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ).(2)
2. قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )2.
3. قال تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)3.

1 . تفسير الدر المنثور: 6 / 452 .   2 . البقرة: 83 .
2 . النساء: 36 .
3 . الأنعام: 151 .

صفحه 37
4. قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )1.
5. قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْن وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ )2.
6. قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا )3.
والإمعان في هذه الآيات يوقفنا على رؤية الإسلام لعلاقة الولد بوالديه، فالقرآن الكريم تارة يجعل عبادة الله في جنب الإحسان إلى الوالدين، وأُخرى يجعل النهي عن الشرك مقروناً بالأمر بالإحسان إلى الوالدين، فإذا كان الشرك من أعظم المحرّمات، فالإحسان إلى الوالدين يصبح من أعظم الواجبات.
وثالثة يوصي بشكرهما، ويبيّن وجه الإيصاء بالأُمّ وهو معاناة الحمل والضعف الناشئ عنه، وكذلك مشقّة الرضاع لمدّة حولين كاملين، كُلّ ذلك حباً بالولد وإيثاراً له، وأي إيثار أفضل من ذلك؟ والأنبياء مع عظمتهم ومقامهم عند الله جلّ شأنه كانوا يراعون حقوق الآباء والأُمهات أحياءً وأمواتاً.
فهذا نبي الله نوح (عليه السلام)يجعل استغفاره لنفسه في جنب استغفاره لوالديه ويقول: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا )4.

1 . الإسراء: 23 .
2 . لقمان: 14 .
3 . الأحقاف: 15.
4 . نوح: 28 .

صفحه 38
وهذا إبراهيم الخليل (عليه السلام)يدعو لنفسه كما يدعو لوالديه ويقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ )1.
وهذا هو المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام)يفتخر بأنّ الله سبحانه جعله بارّاً بوالدته ويقول: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي)2 ومع ذلك كلّه لم يأمر الله بإطاعة الوالدين على وجه الإطلاق وإنّما حدّدها وجعل لها إطاراً خاصّاً، وهو الإطاعة في الأمر المشروع لا المحظور، ولذلك قال: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا)لأن إطاعة الله سبحانه مقدّمة على إطاعة الوالدين. أضف إلى ذلك: أنّه إذا كانت إطاعة الغير ـ وإن كانت ذاتية على الإنسان ـ مورثة للضلال والانحراف عن طريق الهدى، فالعقل يحكم برفض الإطاعة في ذلك المقام .
ثم إنّه سبحانه ربّما يوعد من يطيع الوالدين بالأُمور المحظورة بقوله: (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فمرجع الجميع إلى الله فهو يجزي كلّ حسب عمله.. المحسن بإحسانه، والمسيء بما هو أهل له.
ومن المعلوم أنّ رفض إطاعة الوالدين لا يُعدّ عقوقاً، فالذي يجب على الولد حُسن معاشرتهما، والقيام ببرّهما، ورعاية الأدب معهما، وأمّا امتثال أمرهما فيما يضرّه ولا ينفعهما فالعقل والشرع ينفيه.
قال الإمام علي (عليه السلام): «فَحَقُّ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْء، إِلاَّ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ سبحانه».3

1 . إبراهيم: 41 .
2 . مريم: 32.
3 . نهج البلاغة: الكلمات القصار برقم 399 .

صفحه 39
وروى الكليني عن معمر بن خلاّد ] البغدادي [ قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): أدعو لوالديّ إذا كانا لا يعرفان الحقّ؟ قال: ادعُ لهما وتصدّق عنهما، وإنْ كانا حيَّين لا يعرفان الحقّ فدارِهما، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنَّ الله بَعَثني بالرَّحمة لا بالعُقوق».1
ويعجبني أن أذكر هذه الرواية للتدليل على مدى اهتمام أئمة أهل البيت(عليهم السلام)برعاية الوالدين :
روى الكليني عن زكريا بن إبراهيم، قال: كنت نصرانيّاً فأسلمت وحججت فدخلت على أبي عبدالله (عليه السلام)فقلت: إنّي كنت على النصرانيّة وإنّي أسلمت، فقال: وأيّ شيء رأيت في الإسلام؟ قلت: قول الله عزَّ وجلَّ: (مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ)2فقال: لقد هداك الله، ثمّ قال: اللّهم اهده ـ ثلاثاً ـ سَلْ عمّا شئت يا بُنيّ، فقلت: إنّ أبي وأمّي على النصرانيّة وأهل بيتي; وأُمّي مكفوفة البصر، فأكون معهم وآكل في آنيتهم؟ فقال: يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت: لا ولا يمسّونه، فقال: لا بأس، فانظر أُمّك فبرّها، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الّذي تقوم بشأنها ولا تخبرنّ أحداً أنّك أتيتني حتّى تأتيني بمِنى إن شاء الله، قال: فأتيته بمنى والنّاس حوله كأنّه معلّم صبيان، هذا يسأله وهذا يسأله، فلمّا قدمت الكوفة ألطفت لأُمّي وكنت أطعمها وأفلّي ثوبها ورأسها 3 وأخدمها، فقالت لي: يا بنيَّ ما كنت تصنع بي هذا وأنت على

1 . الكافي: 2 / 159 برقم 8 ، كتاب الكفر والإيمان، باب البرّ بالوالدين .
2 . الشورى: 52 .
3 . أفلّي وفلّى: يفتش ويفحص.

صفحه 40
ديني فما الّذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفيّة؟ فقلت: رجلٌ من ولد نبيّنا أمرني بهذا، فقالت: هذا الرَّجل هو نبيّ؟ فقلت: لا، ولكنّه ابن نبيّ، فقالت: يا بنيَّ إنَّ هذا نبيٌّ إنَّ هذه وصايا الأنبياء، فقلت: يا أُمّه إنّه ليس يكون بعد نبيّنا نبيّ ولكنّه ابنه، فقالت: يا بنيَّ دينك خير دين، أعرضه عليّ فعرضته عليها فدخلت في الإسلام وعلّمتها، فصلّت الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثمَّ عرض لها عارضٌ في اللّيل، فقالت: يا بنيَّ أعد عليَّ ما علَّمتني فأعدته عليها، فأقرَّت به وماتت، فلمّا أصبحت كان المسلمون الذين غسّلوها، وكنت أنا الّذي صلّيت عليها ونزلت في قبرها.1
9. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) :
تضمّنت الآية أثراً ثالثاً للإيمان والعمل الصالح، فقد تقدّم في الآية السابعة أنّ من آمن وعمل صالحاً تُكفَّر عنه سيئاته أوّلاً ويُجزى بأحسن ما كان يعمل، وأشارت هذه الآية إلى أثر ثالث وهو أنّه سبحانه يجعله من الصالحين، والمراد من الصالحين هم الأبرار. ومن المعلوم أنّ الإدخال في زمرة الصالحين كالشهداء والأولياء أرفع بكثير من العفو والجزاء.
سورة العنكبوت: الآيات 10 ـ 13   

الآيات: العاشرة إلى الثالثة عشرة

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ

1 . الكافي: 2 / 160 ـ 161 برقم 11، كتاب الإيمان والكفر، باب البرّ بالوالدين.

صفحه 41
النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْء إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) .

المفردات

فتنة: عذاب.
خطاياكم: الخطايا: الآثام.
أثقالهم: جمع ثقل، أُريد بها خطاياهم وأوزارهم.

التفسير

10 و 11. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ):
هاتان الآيتان صارتا سبباً لتوهُّم أنّ الآيات العشر من هذه السورة

صفحه 42
مدنية خصوصاً بالنظر إلى ذكر المنافقين فيهما، ولكنّ أسباب النزول توضّح لنا مفاد الآيتين وأنّه لا صلة لهما بما ذكر، وقد نقل الطبرسي عن الكلبي سبب نزول الآية وقال: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة المخزومي، وذلك أنّه أسلم، فخاف أهل بيته، فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فحلفت أُمّه أسماء بنت مخرمة بن أبي جندل التميمي أن لا تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها ولا تدخل كِنّاً حتّى يرجع إليها، فلمّا رأى ابناها: أبو جهل و الحارث ابن هشام ـ وهما أخوا عيّاش لأُمّه ـ جزعها ركبا في طلبه، حتّى أتيا المدينة فلقياه وذكرا له القصة، فلم يزالا به حتّى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه وتبعهما، وقد كانت أُمّه صبرت ثلاثة أيام ثم أكلت وشربت، فلمّا خرجوا من المدينة أخذاه وأوثقاه كتافاً، وجلده كلّ واحد منهما مئة جلدة حتّى برئ من دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)جزعاً من الضرب، وقال ما لا ينبغي فنزلت الآية.1
وقال ابن إسحاق، والواقدي: إنّ عيّاشاً هاجر إلى المدينة، فلمّا نزل قُباء قدم عليه أخواه لأُمّه: أبو جهل والحارث ابنا هشام، فلم يزالا به حتّى ردّاه إلى مكة فأوثقاه وحبساه، ثم أفلتَ بعد ذلك فقدم المدينة.2
وعلى كلّ تقدير، فإنّ مَنْ دخل في حظيرة الإيمان على قسمين:
فقسم خالط الإيمان دمهم ولحمهم ومشاعرهم وفكرهم، فلا تزعزعهم الحوادث القاسية بل يبقون صامدين يردّون سهام الأعداء بصدورهم، وربّما ينتهي بهم الأمر إلى أن يذوقوا كأس المنون في طريق

1 . مجمع البيان: 8 / 8 ـ 9. وانظر: الكامل في التاريخ: 2 / 101 .
2 . طبقات ابن سعد: 4 / 129 .

صفحه 43
دينهم، وهؤلاء هم الّذين يصدّق قولُهم عملَهم، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)1.
وقسم منهم يتظاهر بالإيمان فربّما يصلّي ويصوم ولكنْ إذا تعرّضت مصالحه للخطر، تراه يتخلّى عن الإيمان ويترك ما كان عليه سابقاً، فهؤلاء هم المذبذبون الانتهازيون الّذين يميلون مع كلّ ريح، وإليهم يشير قوله سبحانه: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَ إِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَ نَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)2.
وهؤلاء هم الذين يصفهم أبو الشهداء وسيدهم الإمام الحسين (عليه السلام)بقوله: «الناس عبيد الدنيا، والدين لَعْق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء قَلَّ الديّانون»3.
وبهذا ظهر معنى قوله سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ)بلسانه (فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ): أي أُوذي لأجل إيمانه رجع عنه ولم يثبت عليه، ليتفادى ما يلحقه من أذى الناس، فيساوي بين عذاب منقطع وعذاب دائم، كما قال: (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ). والعجب أنّ هؤلاء يتظاهرون بالإيمان والإخلاص إن هبّت على المؤمنين أنسام العافية واليُسر، وانقشعت عنهم سُحُب الشدّة والعسر، كما يقول تعالى: (وَلَئِنْ جَاءَ)

1 . الحجرات: 15 .
2 . النساء: 141 .
3 . تحف العقول: 345 .

صفحه 44
للمؤمنين (نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ)وقد فسّره بعضهم بالنصر العسكري الّذي سيحصل بعد الهجرة، فتراهم يغيّرون اتجاههم بمقدار زاويتين قائمتين، ويدّعون الإيمان، كما يقول: (لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ): أي متابعين لكم في الإيمان ثابتين عليه ، فنحن معكم في المنافع والمغانم، ولكن بطل ادّعاؤهم; لأنّ الله عالم بحقيقتهم: (أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ): أي أنّه اعلم بكذبهم.
وقد مرّ أنّ الغاية من المحنة خروج ما بالقوّة إلى الفعل وما في السريرة إلى الظاهر، كما قال الإمام علي(عليه السلام): «فِي تَقَلُّبِ الاَْحْوَالِ، عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ»1، فيُعرف المؤمن بثباته في مقابل عذاب الناس، كما يقول سبحانه: (وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا): أي يحقّق إيمانهم ويظهره (وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) كما يحقّق نفاقهم وعدم إيمانهم وأحابيلهم، فأُريد من المنافقين هؤلاء الذين كان لهم درجة من الإيمان على حدٍّ إذا اصطدم مع مصالحهم الدنيوية تنكّروا له وعادوا إلى الكفر، وهذا النوع من النفاق غيره في الفترة المدنية، فالمنافقون في المدينة لم يؤمنوا من أوّل أيامهم بل كانوا عبدة للأصنام باطناً وتظاهروا بعبادة الله صوناً لدمائهم. وبذلك يُعلم أنّ المراد بالنفاق في هذه السورة ـ مع القول بأنّها مكّية ـ هو الإيمان المتزلزل غير الراسخ والّذي يرجع عنه صاحبه عند الابتلاء والامتحان، وهو غير النفاق الّذي تلبّس به فريق من الناس في العهد المدني، فهؤلاء كانوا يبطنون الكفر ولم يكونوا مؤمنين لحظة واحدة.

1 . نهج البلاغة: الكلمات القصار برقم 217 .

صفحه 45
12 و 13. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْء إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ):
ثم إنّ المشركين كانوا يخدعون الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خداعاً أشبه ما يكون بخدعة الصبيّ عن اللبن، وكانوا يقولون لهم: لا تتّبعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فإن كنتم تخافون خطاياكم عند الله كما خوّفكم بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فنحن نحملها عنكم، ومن المعلوم أنّ كلامهم هذا كان هراءً وتكذيباً للبعث، وإن كان ظاهر كلامهم على الخلاف، كما يقول: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا)المشركون (لِلَّذِينَ آمَنُوا)الذين يريدون إيذاءهم (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا)أي سبيل آبائنا (وَ) لو كان عليكم خطايا عند ربكم (لْنَحْمِلْ)نحن (خَطَايَاكُمْ): أي ذنوبكم عند البعث، ولكنّهم يكذبون في هذا الوعد (وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْء)لفظة (مِنْ)الثانية زائدة للتأكيد، ووجه ذلك (إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ): أي يقولون قولاً ليس عليه مسحة من الصدق ولا لمسة من الحق; لأنّ كلّ إنسان يحمل أوزاره، ولا معنى لأن يقترف إنسان ذنباً ويحمل تبعته آخر. ومع ذلك كلّه فالله سبحانه يعاقب هؤلاء المخادعين بعقابين: عقاب لضلالهم: وعقاب لإضلالهم الناس، وليس هذا بمعنى تحمّل خطايا الآخرين، بشهادة أنّهم أيضاً يعاقَبون على ضلالهم، كما يقول: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ): أي خطاياهم وأوزارهم بعينها فهي لازمة لفاعليها، ومع ذلك يحملون من الأوزار مثل أثقال فاعليها من دون أن ينقص من فاعليها شيء

صفحه 46
(وَأَثْقَالاً)مثل أثقالهم، أضف إلى ذلك (مَعَ)ما للمخدوعين من (أَثْقَالِهِمْ)فيصير معنى الآية: للمضلّ عقابان، وللضالّ عقاب واحد، فقوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً)إشارة إلى العقابين للخادعين (مَعَ أَثْقَالِهِمْ)إشارة إلى عقاب المخدوعين، نظير قوله سبحانه: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم).1
قوله تعالى: (وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) والظاهر أن المراد من الافتراء هو ادعاؤهم حمل أوزار المخدوعين أي قولهم: (وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ).

مسألة الفداء عند النصارى

تعتقد النصرانية بأنّ سيدنا المسيح (عليه السلام)قد صُلب وعلّق على صليب اليهود لأجل أن يكفّر عن ذنوب البشر وينقذهم من العقاب، وأُريد من الذنوب الذنب الذاتي الّذي ورثوه من أبيهم آدم (عليه السلام)، فإنّه لمّا عصى الله سبحانه بالأكل من الشجرة المنهيّ عنها ركبه ذنب، وانتقل ذلك الذنب إلى أبنائه وأولاده، فصار كلّ البشر مذنبين إلى يوم القيامة. وبما أنّ المسيح لم يكن من صُلب آدم فكان طاهراً من ذلك الذنب، فلأجل أن يطهّر البشرية من الذنب تعرّض للصلب.
وهم يصرّون على ذلك ويعتقدون بأنّ طريق الخلاص من العذاب هو الإيمان بهذه المسألة.(2) وهو بعيد عن المنطق، ولا يمكن تفسيره بأي وجه.

1 . النحل: 25 .   2 . لاحظ: الكتاب المقدّس (الإنجيل) في مواضع مختلفة.

صفحه 47
ولكن العقل الحصيف يردّ ذلك وأنّه افتراء على المسيح وذلك:
أوّلاً: لو أنّنا فرضنا أنّ أبانا آدم (عليه السلام)اقترف ذنباً، فما معنى انتقال ذنبه إلى أولاده؟ ولو صحّ ذلك فلماذا لا تنتقل ذنوب الطبقة الأُولى من أولاده إلى الطبقة الثانية ومعاصي هذه الطبقة إلى الطبقة الثالثة، وهلمّ جرّا؟ فإنّ أخذ البريء بذنب المجرم أمر لا يقبله كلّ ذي لُبّ.
وثانياً: لو افترضنا الانتقال وصار ذراري آدم كلّهم مذنبين، فتطهير هؤلاء من هذا الذنب موكول إليهم أنفسهم حتّى يستغفروا وينيبوا إلى ربّهم، وإلاّ فقيام المسيح بقبول الفداء لا يطهّر الأولاد من الذنب .
لنفترض أنّ ثمّة إنساناً ضعيفاً نحيفاً يحتاج لرفع ضعفه إلى الغذاء والدواء، وشرب ما يقوّيه، فهو لا يتقوّى بتناول أخيه أو أُمّه أو جاره ذلك الغذاء أو الدواء، ولذلك نرى أنّه سبحانه يؤكّد في آيات مختلفة على أنّ كلّ فرد مسؤول عن أعماله، وعن تحمُّل تبعة آثامه ، فيقول مثلاً: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى).1
ويقول أيضاً: (وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذ بِبَنِيهِ).(2)
***
بقي هنا سؤال، وهو أنّ المتبادر من قوله سبحانه: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ) وقوله سبحانه: (أَلاَّ تَزِرُ

1 . فاطر: 18 .   2 . المعارج: 10 ـ 11 .

صفحه 48
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)1 هو عدم تحمّل أي إنسان وزر آخر، ولكنّنا نجد انتقاض هذه القاعدة في الحياة الدنيا، وفي الآخرة.
أمّا الأُولى: فلأنّ العاقل يضمن دية الجاني الخاطئ كما هو قول الفقهاء عامّة،2 وقد ذكروا في كتبهم الفقهية شروطاً لتحمّل الدِّيَة. وعلى كلّ تقدير، ففي مورد وجود الشرائط تنتقض القاعدة.
الجواب: أنّ تحمّل العاقلة ديَة الجاني خطأً، نوع إعانة للخاطئ حيث إنّ القيام بوجوب دفع جميع ما على الجاني أمر باهظ موجب للعسر والحرج، يقول سبحانه: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ).3
يقول ابن قدامة: إنّ جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كثيرة، فإيجابه على الجاني في ماله يُجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له، تخفيفاً عنه إذا كان معذوراً في فعله وينفرد (الجاني) بالكفّارة.(4)
وليس ضمان العاقلة أمراً بديعاً، بل له نظير في الفقه الإسلامي، وهو عقد ضمان الجريرة بين الطرفين، كأن يقول أحدهما: عاقدتك على أن تنصرني وتدفع عنّي وتعقل عنّي وترثني، فيقول الآخر: قبلت، وهو من العقود اللازمة.4

1 . النجم: 38 .
2 . لاحظ : الخلاف للشيخ الطوسي: 5 / 281، المسألة 104 .
3 . النساء: 92 .   4 . المغني لابن قدامة: 9 / 497 .
4 . الروضة البهية للشهيد الثاني: 8 / 189 ط . دار العالم الإسلامي .

صفحه 49
فإنّ ضمان الجريرة عند ذاك مبنيّ على نوع تعاون بين العاقدين، فهذا يتحمّل جريرته مقابل أن يرثه.
وقد قام عقد التأمين في العصر الحاضر مقام ضمان الجريرة أو ضمان العاقلة، لكن بصورة أُخرى كما هو محرّر في محلّه، وليس لنا أن نفسّر هذا التشريع السماوي بالتقاليد القبَليّة في المجتمع القبليّ.
هذا ما حرّرناه في الإجابة عن هذا السؤال، ومن أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى «أحكام الدِّيَات في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء».1
وأمّا الثانية ـ أي انتقاض القاعدة في الحياة الأُخروية ـ فممّا روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «مَن سنّ خيراً فاستنّ به كان له أجره ومن أُجور من تَبِعهم غير مُنتقص من أُجورهم شيئاً، ومن أسنّ شرّاً فاستنّ به كان عليه وزره ومن أوزار من تَبِعه غير مُنتقص من أوزارهم شيئاً »2.
وروي عن إسماعيل الجعفي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي صلوات الله عليهما يقول: «مَن سنّ سنّة عدْل فاتُّبع كان له مثل أجر من عمل بها من غير أن يُنَقص من أُجورهم شيء، ومن سنّ سنّة جور فاتُّبع كان عليه وزر مَن عمل بها من غير أن يُنَقص من أوزارهم شيء».3
فإذا كان على مَن سنّ سنّة سيئة وزر من عمل بها فقد انتقضت القاعدة، أعني قوله سبحانه: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى).

1 . أحكام الدِّيَات في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء: 601 ـ 619 .
2 . الدر المنثور: 6 / 455 .
3 . أمالي المفيد: 191 ح 19 .

صفحه 50
والجواب: أنّ القاعدة ناظرة إلى ما إذا لم يكن هناك أي صلة بين الشخصين، فحمل وزر من لا صلة له بارتكاب الآخر ظلم منزّه عنه سبحانه، وأمّا مورد الرواية فيخصّ مَن سنّ سنّة سيّئة وصار ـ بعمله هذا ـ سبباً لاقتداء الآخرين به وإقبالهم على اجتراحها، ولولا سنّته السيّئة لما تبعه الآخرون فيها.
***
سورة العنكبوت: الآيات 14 ـ 18   

الآيات: الرابعة عشرة إلى الثامنة عشرة

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ * وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).

صفحه 51

المفردات

الطوفان: السَّيل المُغرق. يقول الراجز: أفناهم الطوفان موت جارف. والموت الجارف موت عام يحيط بالناس كالسَّيل.
آية للعالمين: علامة للخلائق أجمعين يعتبرون بها إلى يوم القيامة لأنّها فرّقت بين المؤمنين والكافرين.
إفكاً: الإفك: كلّ مصروف عن وجهه الّذي يحقّ أن يكون عليه، ومنه قيل للرياح العادلة عن مهابها بالمؤتفكة، ويوصف الكذب بالإفك لأجل صرفه عن الحقّ إلى الباطل.1

التفسير

لمّا ذكرت الآيات السابقة أذى المشركين للمؤمنين، وهم بين صامد أمام عذاب الناس، ومتولّ وراجع إلى دين آبائه، نزلت هذه الآيات لتسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه، وذلك بالإشارة إلى ما تعرّض له الأنبياء السابقون وأقوامهم من ابتلاء واختبار، وكيف أنّ الله سبحانه نجّى المؤمنين منهم وعذّب الآخرين، وذكر في هذا الصدد قصّة نوح وقصة إبراهيم اللّذين يُعدّان بَطَلين في نشر التوحيد ومكافحة الوثنية، أمّا الأوّل فقال عنه:
14. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ):

1 . المفردات للراغب: 19، مادة «افك».

صفحه 52
لقد قام النبي نوح (عليه السلام)بدعوة قومه إلى التوحيد كما يقول سبحانه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)لمكافحة الوثنية (فَلَبِثَ فِيهِمْ): أي عاش فيهم (أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا) يدعوهم فيها إلى عبادة الله وحده وإلى الكفّ عن الظلم والفساد.
ثم إنّ المتبادر من قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا) أنّ هذه المدّة كانت مدة رسالته بقرينة تفرّع (فَلَبِثَ)على (أَرْسَلْنَا) وإلاّ فلو كان المراد مدّة عمره وعيشه لجاء التعبير بشكل آخر فيقول: لقد عاش نوح في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً. وعلى أي حال فقد قام بدعوة قومه إلى التوحيد ورفض الوثنية بأساليب مختلفة، ولكن لم تؤثر دعوته إلاّ في عدد قليل منهم، فاستحقّ المعاندون العذاب (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ): أي السيل المغرق (وَهُمْ ظَالِمُونَ) وأي ظلم أكبر من الشرك بالله . والآية تدلّ على أنّ في وسع الإنسان أن يعيش مئات السنين بإذن الله سبحانه. والعجب أنّ هناك مَن يتلو هذه الآية ومع ذلك تراه يعترض على مسألة طول عمر الإمام المهديّ المنتظر «عجل الله فرجه الشريف»، وكأنّه لم يخشَ أن يكون من الّذين (مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ).1وسيوافيك فيه الكلام بعد قليل.
هذا، وليس أمراً عجيباً أنّ يعيش نوح بين قومه، وهو يستنشق الهواء الطلق ويأكل ويشرب ممّا يمدّ حياته، وأين هو من إمكان العيش في بطن الحوت الّذي أخبر عنه سبحانه ـ في مورد يونس ـ بقوله: (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ).(2)

1 . الحجّ: 74 .   2 . الصافات: 143 ـ 144 .

صفحه 53
15. (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) :
ولمّا كانت هنا مظنّة سؤال عن أنّ الطوفان لا يعرف الصديق والعدوّ، فإذا نزل يُغرق المشرك والمؤمن على السواء، جاءت الآية جواباً لهذا السؤال وهو أنّه سبحانه لا يترك عمل المؤمن سُدىً، فلذلك (فَأَنْجَيْنَاهُ): أي أنجينا نوحاً (وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ)الذين كانوا فيها (وَجَعَلْنَاهَا)السفينة أو الحادثة (آيَةً لِلْعَالَمِينَ).
والظاهر أنّ الضمير في (جَعَلْنَاهَا) يرجع إلى السفينة، فالآية هي السفينة بقرينة قوله سبحانه: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر)1، وقوله في سورة أُخرى (إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ )2 وسيوافيك توضيح ذلك في تفسير سورة القمر.

استبعاد وليس ببرهان

ثم إنّ بعض مَن ليس له قدم راسخة في المعارف الدينية يستبعد إمكانية أن يطول عمر صاحب العصر والزمان كلّ هذه المدّة، ويقول: كيف يمكن لإنسان أن يعيش أكثر من 1180 سنة؟ ونجيب عن ذلك بالقول: لو أراد سبحانه حفظ وليّه عبر الزمان إلى أن ينهض بدوره العظيم في بسط العدل وقلع جذور الظلم في أنحاء المعمورة، فليس ذلك أمراً بديعاً أو شيئاً غير ممكن، فهذا نوح (عليه السلام)ـ كما مرّ عليك ـ قد مكث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً يمارس فيها دوره الرسالي، والله يعلم في أي سنة من سنين

1 . القمر: 15 .
2 . الحاقة: 11 ـ 12.

صفحه 54
عمره بعث لتبليغ الرسالة.
وهذه هي قدرة الله البالغة تحفظ رسوله يونس (عليه السلام)في بطن الحوت، ويخبر بأنّه لولا تسبيحه للبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون.
ويؤكّد ذلك اتّفاق الأُمّة الإسلاميّة على أنّ المسيح (عليه السلام)حيّ يرزق إلى أن ينزل في آخر الزمان ويأتمّ في صلاته بالإمام المهدي (عليه السلام).1
قال العلاّمة الكراجكي في «كنز الفوائد» في الكتاب الموسوم بالبرهان على صحّة طول عمر الإمام صاحب الزمان: إنّ أهل الملل كلّهم متّفقون على جواز امتداد الأعمار وطولها، وقال بعد ذكر بعض ما في التوراة: وقد تضمّنت نظيره شريعة الإسلام، ولم نجد أحداً من علماء المسلمين يخالفه أو يعتقد فيه البطلان، بل أجمعوا على جواز طول الأعمار على ما ذكرناه.
وقد نقل مثل ذلك عن المجوس والبراهمة والبوذيين وغيرهم.
هذا كلّه مع ما ثبت في علم الحياة وعلم وظائف الأعضاء وعلم الطب، من إمكان طول عمر الإنسان إذا واظب على رعاية قواعد حفظ الصحة، وأنّ موت الإنسان ليس سببه أنّه عمّر تسعين أو ثمانين بل لعوارض تمنع من استمرار الحياة. وقد تمكّن بعض العلماء من إطالة عمر بعض الحيوانات (900) ضعف عمره الطبيعي، فإذا اعتبرنا ذلك في

1 . قال محمد بن الحسين الآبُريّ الشافعيّ (المتوفّى 363 هـ): قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)في المهدي، وأنّه من أهل بيته... وأنّه يؤمّ هذه الأُمة، وعيسى صلوات اللهِ عليه يصلّي خلفه. تهذيب الكمال: 25 / 149 برقم 5181، وفتح الباري: 6 / 493 ـ 494 .

صفحه 55
الإنسان وقدّرنا عمره الطبيعي (80 سنة) كان بالإمكان إطالة عمره (72000 سنة). وهذا هو العالم هوفلند (وهو من العلماء الذين صرفوا عنايتهم إلى درس الحياة) يقول في كتابه: «فن إطالة العمر»: إنّ المرء يولد مستعدّاً للحياة قرنين من حيث تركيب بنيته ونظام قواه قياساً على ما نراه في الحيوانات.
ويقول الدكتور فورونوف بإمكان إطالة الأعمار وبإمكان عود الشباب وقد أجرى تجاربه على بعض الحيوانات وقد تكلّلت العمليات بالنجاح، وغيرها من أقوال العلماء الّتي تؤكّد على إمكان إطالة عمر الإنسان.1
وثمّة بحث قيّم للشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)تناول فيه هذه المسألة على ضوء الإمكانات الثلاث: الإمكان العلمي، والإمكان العملي، والإمكان المنطقي أو الفلسفي، وخلص إلى هذه النتيجة:
أنّ طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعدّدة أمر ممكن منطقياً، وممكن علمياً ـ سواء أُخذ بوجهة النظر العلمية الّتي تتجّه إلى تفسير الشيخوخة بوصفها نتيجة صراع واحتكاك مع المؤثرات الخارجية، أم أُخذ بوجهة النظر الّتي تميل إلى افتراض الشيخوخة قانوناً طبيعياً للخلايا والأنسجة الحيّة نفسها ـ ولكنّه لا يزال غير ممكن عملياً، إلاّ أنّ اتجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل.2

1 . راجع بصدد هذا الموضوع: منتخب الأثر:2/276ـ 282، ففيه بحث مفصّل.
2 . بحث حول المهدي: 26 ـ 37، المطبوع في مقدمة كتاب «تاريخ الغيبة الصغرى» للشهيد السيد محمد بن محمد صادق الصدر، دار التعارف، 1412 هـ .

صفحه 56
إلى هنا تمّت قصة نبي الله نوح (عليه السلام)ثم بدأ سبحانه بذكر قصة إبراهيم (عليه السلام)الّذي لاقى في طريق دعوته ما لاقى من المصاعب والأهوال.
16. (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) :
بدأ سبحانه بذكر ثاني الأنبياء الكبار من أُولي العزم وهو النبيّ إبراهيم الخليل (عليه السلام)، الذي نشأ في أُمّة عريقة في الوثنية ولكنّه قام بنفسه في مكافحتها بكلّ ما أُوتي من حول وقوّة إلى حدّ لم يجد القوم بدّاً من الحكم عليه بالإحراق، وهذا يدلّ على أنّ أعداء التوحيد يقابلون رجال الإصلاح بمنطق القوة الغاشمة.
ثم إنّ إبراهيم دعاهم إلى أمرين:
1. عبادة الله سبحانه.
2. التقوى، كما قال: (وَإِبْرَاهِيمَ)معطوفاً على نوح والتقدير: وأرسلنا إبراهيم (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ)لا الأوثان والأصنام (وَاتَّقُوهُ): أي اتّقوا عذابه (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ): أي لو فكّرتم في ذلك لوجدتم أنّ ما دعوتكم إليه خير لكم، ففي عبادة الله ثواب الآخرة وفي الاجتناب عن معصيته نجاة من عذابها.
17. (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ):

صفحه 57
كان الأنبياء(عليهم السلام)يكافحون الوثنية بوجوه متنوّعة، ويقيمون، على صحّة دعوتهم إلى التوحيد والهدى وبطلان عقيدة المشركين، مختلف الحجج والبراهين، وفي هذا المقام يحتجّ عليهم إبراهيم الخليل بوجوه ثلاثة:
الأوّل: قوله لهم (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا)لا تسمع ولا تعقل ولا تبصر، والوثن عبارة عن صورة من حجر أو خشب مجسّمة على صورة إنسان أو حيوان، والفرق بين الوثن والصنم كون الأوّل أخصّ من الثاني، إذ لا يشترط في الصنم أيّة صورة، فأكثر ما كان العرب يعبدونه كان أصناماً بلا صور، فالنبي إبراهيم (عليه السلام)يؤكّد في هذه الفقرة على أنّ هذه الأصنام فاقدة للروح، إذ ليس لها إرادة ولا شعور.
الثاني: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا)وأنتم بتسميتهم آلهة تكذبون، إذ ليس لها من الأُلوهية سوى التسمية الكاذبة، ولذلك يقول سبحانه: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان )1.
قال الشريف الرضيّ: وهذه استعارة، والمراد أنّكم خلقتم من الأصنام صوراً، أي قدّرتموها على اختياراتكم ـ وأصل الخلق التقدير ـ ثم جعلتموها آلهة تعبدونها، والإله المعبود إنّما هو الخالق لا المخلوق والصانع لا المصنوع، فكأنّه قال: إنّكم جعلتم كذباً من الإله تعبدونه من دون الله ، والإفك هاهنا هو الكذب.2
الثالث: (لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا): أي لا يملكون لكم رزقاً أصلاً، فمن لا

1 . الأعراف: 71 .
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:180.

صفحه 58
يملك الرزق لا يستحقّ العبادة.
(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ)فالتمسوا الرزق عند الله لا عند أوثانكم، وبما أنّه الرزّاق فرّع عليه الأمرين التاليين وقال: (وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ). ثم إنّكم تجدون نتيجة أعمالكم، إذ (إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فلابدّ للحياة الأُخروية من استعداد.
سورة العنكبوت: الآيات 19 ـ 23   
18. (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ):
ثم إنّ إبراهيم (عليه السلام)لمّا أتمّ الحجّة عليهم أخذ في النصح لهم قائلاً بأنّ تكذيبكم ليس شيئاً جديداً، بل هو ديدن الأُمم الماضية مع أنبيائهم، فأنتم إنْ تصدّقوني فقد فزتم بسعادة الدارين (وَإِنْ تُكَذِّبُوا): أي تكذبوني فيما دعوتكم إليه فلا عجب (فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ)رسلهم كنوح وهود وصالح فذاقوا وبال عملهم. وأمّا الرسول فليس عليه إلاّ الدعوة لا الإكراه كما يقول سبحانه: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ): أي التبليغ الذي يرفع الشكّ عن ذهن المخاطب ويريه مستقبل أمره، وقد قمتُ بذلك.

الآيات: التاسعة عشرة إلى الثالثة والعشرين

(أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ

صفحه 59
يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

المفردات

النشأة: الخلقُ والإيجاد.
تُقلَبون: القلب هو الرجوع والردّ. أي إليه ترجعون يوم القيامة.
مُعجزين: أي جاعلين الله عاجزاً.
وليّ: قريب.
نصير: معين.

التفسير

لمّا تقدّم ذكر المعاد في قوله: (إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) صار ذلك سبباً للتحدّث عنه بإقامة البرهان عليه، وهذه الآيات الخمس من كلامه سبحانه وردت في خلال قصة إبراهيم، ووجه ذلك ما أشرنا إليه من وجود الإشارة إلى المعاد في قصة إبراهيم. ويمكن أن يكون له وجه آخر فقد تقدّم ذكر التوحيد في قوله: (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ )1، وتقدّم ذكر الرسالة في قوله: (وَمَا

1 . العنكبوت: 6 .

صفحه 60
عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ )1 فأوجب ذلك ذكر المعاد حتّى يتم بيان الأُصول الثلاثة الّتي يدور عليها فلَك الإسلام .
ثم إنّه سبحانه احتجّ على مشركي قريش الذين كانوا ينكرون المعاد ببيانين مختلفين: الأوّل في الآية التالية:
19. (أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ):
يذكر سبحانه إنشاء الخلق وإعادته، ويوجّه نظر الإنسان إليهما بصورة الاستفهام الإنكاري، فيقول: (أَوَ لَمْ يَرَوْا)رؤية حسّيّة أُولئك الّذين ينكرون البعث والنشور (كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ)كيف يُنشئُه؟ ومن المعلوم أنّه رؤية حسّية، فكلّ إنسان يرى بأُمّ عينه ولادة بعد ولادة في الإنسان، وإنّما الكلام في الجزء الثاني، أعني قوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ)، فلأجل أنّه ليس أمراً محسوساً ذكر الزمخشري بأنّ الجملة عطف على (أَوَ لَمْ يَرَوْا)لا على قوله: (يُبْدِئُ)فكأنّه قال: أو لم يروا كيف يُنشئُ الله الخلق بعد الخلق، فعند ذلك فاعلموا أنّ الله سبحانه: (ثُمَّ يُعِيدُهُ)وعندئذ لا تكون الإعادة جزءاً للمرئيّ، وإنّما هي كلام مستقل جاء بعد عطف نظر الإنسان إلى النشأة الأُولى فنبّهه على أن لا يقصر نظره على النشأة الأُولى بل يعطف نظره أيضاً إلى النشأة الأُخرى. قال في «الكشّاف»: (ثُمَّ يُعِيدُهُ)ليس بمعطوف على يبدئ، وليست الرؤية واقعة عليه، وإنّما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت، كما وقع النظر في قوله تعالى: (فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ

1 . العنكبوت: 18 .

صفحه 61
الآخِرَةَ) على البدء دون الإنشاء، ونحو قولك : مازلت أُوثر فلاناً وأستخلفه على من أخلفه.1
ولمّا كان هذا التأويل ـ أي فصل قوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) عن قوله: (يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ)ـ على خلاف الظاهر من جانب، ومن جانب آخر أنّ الرؤية الحسّية تتعلّق بالأمر الأوّل دون الثاني; لأنّ المفروض أنّه يتحقّق يوم القيامة، لجأ بعضهم إلى التصرّف في معنى الإعادة وقال: إنّ المراد بالإبداء ثم الإعادة إنشاء الخلق ثم إعادة أمثالهم بعد إفنائهم، ولكنّه غير تام، لأنّ الإعادة في المعاد إعادة نفس الشيء لا مثله، فعندئذ يكون الاستدلال غير كاف في إثبات المقصود.
ويمكن أن يقال: إنّ الإبداء والإعادة متعلّقان بالرؤية ولكنّ المراد من الرؤية هي العلمية، فالإبداء مرئيّ بالرؤيتين الحسيّة والعلمية لكنّ تعلّق العلم بالإبداء يكون دليلاً علمياً على تعلّق الرؤية العلمية بالإعادة أيضاً ببيان أنّ الإبداء ثم الإعادة من سنخ واحد وهو الإنشاء والإيجاد، فالقادر على الإنشاء الأوّل قادر على الإنشاء الثاني.
ويدلّ على ما ذكرنا من أن الإعادة أمر مرئيّ كالإبداء قوله في ذيل الآية: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) وذلك لأنّ القادر على الإنشاء ابتداء من غير سبق مادة أَولى بالإنشاء بعد وجود المادة. نعم قولنا: هذا أيسر من ذاك حسب منظارنا، وإلاّ فالجميع أمام قدرة الله سبحانه على وجه سواء.
قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ، وَالثَّقِيلُ

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 187 .

صفحه 62
وَالْخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ»1.
20. (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):
تضمّنت الآية برهاناً ثانياً على رفع الاستبعاد عن المعاد، والفرق بين البرهانين هو أنّ الأوّل عَطَفَ نظر الإنسان إلى الأنفس، حيث أمر بالتدبّر في الخلق أي خلق الإنسان، ولكنّه في هذه الآية عطف نظره إلى الآفاق، وروح البرهان في الموردين واحد فقال: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ)وشاهدوا ما فيها من جبال ومهاد، وبراري وقفار، وأشجار وثمار، وأنهار وبحار، وما في البحر من عظائم الخلق، وما في البرّ من عجائب الحيوانات، كلّ ذلك يدلّ على أنّ خالق الأرض وما فيها من العجائب والعظائم قادر على كلّ شيء خصوصاً إذا جاوز بنظره الأرضَ إلى السماوات وما فيها من الكواكب والنجوم والمجرّات، وكلّما تقدّم العلم في معرفة الأرض وما فيها يظهر للعلماء أنّهم ما زالوا يمشون رويداً على طريق معرفتها ولذلك قال: (فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)وتفكّروا في بدء الخلق على وجه الإطلاق فإنّه يدلّكم على أنّ ذلك الّذي أنشأ النشأة الأُولى هو الّذي ينشئ النشأة الآخرة، كما قال: (ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ): أي يعلمون كيف يعيد الإنسان عند البعث ويوجده مرّة أُخرى، وذلك (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)فلا يعجزه شيء، فالآية بمنزلة قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ)2.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 185.
2 . الواقعة: 62 .

صفحه 63
21. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ):
لمّا كان سبحانه حكيماً وأنّ جميع أفعاله موصوفة بالحكمة، وكان قد أخبر في الآيتين السابقتين عن النشأة الأُخرى، بيّن في هذه الآية سرّ تلك النشأة بقوله: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ)ولا يشاء إلاّ لحكمة وحسبما يقتضيه العدل، فمن عمل السيئات يستحقّ العذاب، ومن عمل الصالحات يستحقّ الرحمة.
قوله:(وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ): أي إليه ترجعون، وكأنّ هذه الفقرة تبيّن محلّ العذاب والرحمة، وإنّما عبّر عن الحياة الأُخروية بالقلب لظهور باطن الإنسان وسريرته الخافية كما يقول: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)1 .
وإنّما قدّم العذاب على الرحمة ; لأنّ الخطاب هنا ناظر إلى المشركين وهم بالعذاب أكثر استحقاقاً من الرحمة.
والمراد من قوله: (وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ)هو الدخول في الجنة بشهادة قوله: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)2.
ولمّا كانت هنا مظنّة توهّم بأنّ الإنسان في ذلك اليوم، الّذي يجمع الله الناس فيه على صعيد واحد، قد يستطيع الإفلات من عذاب الله سبحانه، يقول في ردّه هذا التوهّم:
22. (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير):

1 . الطارق: 9 .
2 . الإنسان: 31 .

صفحه 64
أي إنّكم مهما أُوتيتم من حول وقوة لا تُعجزون الله في الأرض، ولو فرضنا أنّ باستطاعتكم الصعود في السماء فلا تخرجون عن قدرته، فإنّ الوجود كلّه سلطان الله كما يقول: (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ)قريب (وَلاَ نَصِير): أي معين. وقريب من ذلك ما يقال: الوليّ مَن يعين الإنسان من دون طلب الاستعانة، والنصير من يعين الإنسان بطلب منه.
قلنا قريب من ذلك، لأنّ القريب لأجل العصبة والعِرق يعين من ينتمي إليه بلا طلب، بخلاف الغريب فإنّه لا يُنصر إلاّ بطلب من المنصور. وعلى أيّ حال فمضمون الآية أنّ الآخرة كلّها بيد الله سبحانه فلا مجال لأحد أن يخرج من سلطان قدرته. ونظير الآية قوله سبحانه: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان )1.
23. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):
سورة العنكبوت: الآيات 24 ـ 27   
لمّا ذكر سبحانه التوحيد والرسالة ودلائل البعث بدأ بتوعّد المشركين وقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ): أي الدلائل الدالّة على توحيده والآيات النازلة إلى نبيه الدالّة على رسالته وصدق مقاله (وَ) كفروا بـ (لِقَائِهِ): أي بالورود عليه تعالى يوم الحشر (أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي)التفت من الغيبة ـ أعني قوله: (بِآيَاتِ اللهِ) ـ إلى التكلّم لتأكيد التنبيه على استحقاقهم لذلك (وَأُولَئِكَ): أي هؤلاء الآيسون (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)لكفرهم بآيات الله .

1 . الرحمن: 33.

صفحه 65

الآيات: الرابعة والعشرون إلى السابعة والعشرين

(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) .

المفردات

اتّخذتم: الاتّخاذ: الاستمرار والبقاء على الشيء.
المودة: المحبّة.
يكفر بعضكم ببعض: أي يتبرّأ القادة من الأتباع.

التفسير

24. (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ):

صفحه 66
بدأ سبحانه في الآيات السابقة بذكر قصة إبراهيم(عليه السلام) بقوله: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهِ )1 وقبل أن يتمّ القصة بدأ بذكر المعاد لمناسبة اقتضاها المقام، وبعد الفراغ منه ذكر بقية القصة وهي: أنّ إبراهيم لمّا قام بعمل ثوريّ، وهو أنّه كسر جميع ما في الهيكل من أصنام وأبقى الكبير منها، أحدث ذلك ضجّة في المدينة، فاجتمعت كلمتهم على قتله ومجازاته أشدّ المجازاة، والله سبحانه يذكر ما اتّفقوا عليه من عقابه ويقول: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ): أي فما كان ردّ قوم إبراهيم على ما احتجّ به عليهم من البراهين الدامغة إلاّ استعمال منطق القوّة وهو إعدام المصلح بأحد أمرين: إمّا قتله بالسيف كما يقول: (إِلاَّ أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ)أو الإحراق (أَوْ حَرِّقُوهُ)وهذا يدلّ على اتّفاقهم على إعدامه وتردّدهم في كيفيته، ويحتمل أن يراد إعدامه بكلا الأمرين: القتل أوّلاً، ثم الإحراق. ويظهر من سائر الآيات استقرار نظرهم على الإحراق كما يقول: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ)2، (فَأَنْجَاهُ اللهِ مِنَ النَّارِ)الّتي سعّروها وألقَوه فيها، وذلك بإرادة صارمة من الله أن تصبح النار برداً وسلاماً عليه كما قال: (قُلْنَا يَا نَارُ كُوني بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)3 وقد بلغ عناد القوم وجهلهم إلى حدّ لم يستبصروا معه بهذه المعجزة الكبرى، حيث رأوا بأُمّ أعينهم انقلاب حفرة هائلة من النار إلى روضة من الجنان، ولذلك يخصّ سبحانه المؤمنين بالاعتبار بهذا الانقلاب ويقول: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ).

1 . العنكبوت: 16 .
2 . الأنبياء: 68 .
3 . الأنبياء: 69 .

صفحه 67
25. (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ):
الظاهر أنّ بطل التوحيد قال هذه المقالة بعد أن أنجاه الله سبحانه .
ويدلّ على ذلك مسألة القصر حيث حصر بقاءهم على الوثنية بأمر المودّة في البين، وهو يدلّ على أنّه قد تجلّى للقوم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الأوثان وأنّه كان أمراً تافهاً لا قيمة له، ولكنّهم مكان الاستبصار بقوا على الوثنية، وهذا ما تفسّره الآية إذ تقول: ( إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا): أي صرتم مستمرين بعد ذلك على عبادة الأصنام لأجل (مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). وهنا تفسيران:
الأوّل: أنّ استمراركم على الوثنية لأجل حبّ الآباء الّذي يقود إلى تقديس عقائدهم والتعصّب لسيرتهم.
الثاني: أنّكم تعلمون أنّ عبادة هؤلاء الآلهة المكذوبة لا تنفعكم، ولكن تستمرّون على عبادتها لغاية كون العبادة حلقة اتصال بينكم وبين قادتكم. فيكون المعنى: لغاية التوادد والتواصل بسبب اجتماعكم على عبادتها واتّفاقكم عليها وائتلافكم، كما يتّفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابّهم وتصادقهم.1
وعلى هذا، فقوله: (اتَّخَذْتُمْ)ـ على كلا القولين ـ فعل له مفعولان: أحدهما: (أَوْثَانًا)، والآخر محذوف تقديره: آلهة. وقوله: (مَوَدَّةَ)مفعول

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 189.

صفحه 68
لأجله لقوله:(اتَّخَذْتُمْ)، فيكون تقدير الآية: إنّما اتّخذتم من دون الله أوثاناً آلهة لسبب استمرار المودة بينكم في الحياة الدنيا، غير أنّ هذه المودّة ستتحول إلى عداء يوم القيامة، كما يقول سبحانه: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض): أي يتبّرأ القادة من الأتباع (وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا): ويلعن الأتباع القادة، وكلٌّ يلوم الآخر، قال سبحانه: (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ )1 .
وقد جاء مضمون الآية في سورة أُخرى، يقول سبحانه: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذَابَ)2، وقال تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا )3.
ثم إنّه سبحانه ذكر أنّ نهاية مسير التابع والمتبوع هو النار ولا يفيد جدالهم يوم القيامة كما يقول: (وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) .
26. (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
يظهر من الآية أنّه لم يؤمن بإبراهيم إلاّ (ابن أخيه) لوط، ولو آمن له غيره لذكره الله . قال سبحانه: (فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ)فالإيمان يتعدّى باللام تارة، وبالباء أُخرى، يقول سبحانه: (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ )4 وقال: (وَقَالَ

1 . الزخرف: 67 .
2 . البقرة: 166 .
3 . الأعراف: 38 .
4 . التوبة: 61 .

صفحه 69
إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي)وكأنّه هاجر مع إبراهيم، فقطن إبراهيم أرض فلسطين، واستقرّ لوط في أرض أُخرى، كما سيوافيك. ووصّف الهجرة بكونها إلى ربّه، لأنّه عزم على التخلّص من الشرك وأهله، والتوجّه إلى أرض أُخرى، يتمكّن فيها من ممارسة دوره الرسالي.
والظاهر أنّ الضمير في قوله: (وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ)يرجع إلى إبراهيم (عليه السلام)، ويؤيّده قوله سبحانه ـ حكاية عن إبراهيم ـ وقال: (إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)1.
ثم إنّه سبحانه ختم الآية بوصفين: (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)فالله سبحانه عزيز لا يذلّ مَن نصره كإبراهيم ولوط (عليهما السلام)، و حكيم لا يضيع إيمان من آمن به. قال سبحانه: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ )2.
27. (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) :
الضمير في قوله: (لَهُ) يرجع إلى إبراهيم (عليه السلام)فقد تفضّل سبحانه على هذا العبد المؤمن الأوّاه الحليم، أعني: إبراهيم بأُمور:
1. وهب له إسحاق ويعقوب بعد ما كانت زوجته عاقراً، كما قال : (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ).

1 . الصافات: 99 .
2 . البقرة: 143 .

صفحه 70
2 و 3. تفضّل عليه بأن جعل كلّ الأنبياء الذين بُعثوا بعده من ذريته، كما تفضّل بإنزال الكتاب عليهم، والمراد به جنس الكتاب السماوي، كالتوراة والزبور والقرآن، وأشار إلى هاتين النعمتين بقوله : (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ).
4. جمع له أجرين، كما قال: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا)حيث الثناء الحسن والذكر الطيّب في جميع الشرائع، (وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)الموعودين بالجنّة والرضوان.
سورة العنكبوت: الآيات 28 ـ 30   

الآيات: الثامنة والعشرون إلى الثلاثين

(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْني عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ).

المفردات

الفاحشة: الفعلة القبيحة التي تنفر منها النفوس الكريمة. وقال الراغب: الفُحْش والفَحشاء والفاحشة: ما عظُم قبحه من الأفعال والأقوال.1

1 . المفردات للراغب: 373، مادة «فحش».

صفحه 71
العالَمين: المراد بهم هنا الذكور من البشر.
السبيل: الطريق.
ناديكم: النادي والمنتدى والنديّ: المجلس إذا اجتمعوا فيه .

التفسير

لمّا أشار سبحانه في قوله: (فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ) صار ذلك سبباً لتبيين دعوته ورسالته، وما لاقى في طريقها من المصائب والمحن.
كان لوط (عليه السلام)قد آمن بدعوة إبراهيم الخليل (عليه السلام)الّذي بُعث في أرض بابل (العراق) ثم رافقه في هجرته إلى الأرض المباركة (فلسطين)، ولكنْ استقرّ لوط في بلاد الأردن وأقام في إحدى مدنها الّتي تسمّى «سدوم». قال المسعودي: «وأرسل الله لوطاً إلى سدوم وقراها الخمس وهي: صبغة، وعمرة، وإدماء، وصبوغ، وبالع».1
ولكنه شاهد في مهجره أقبح الأعمال وأشنعها.
28. (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ):
قوله: (وَلُوطًا)معطوف على قوله سبحانه: (نُوحًا): أي أرسلنا لوطاً (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ): أي الفعلة القبيحة الّتي تنفر منها النفوس الكريمة، حتى طباع الوحوش والحشرات (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ

1 . نقله عنه السيد عبد الصاحب الحسني في كتابه:«الأنبياء: حياتهم ـ قصصهم»: ص 158.

صفحه 72
الْعَالَمِينَ): أي ما نزا ذكر على ذكر قبلكم، وقد أطلق العالمين في الآية على المجتمع البشري أو خصوص الرجال منهم، ولعلّ الأوّل أفضل. والآية دليل على أنّ المراد من العالمين في الذكر الحكيم هو المجتمع الإنساني. وما قاله بعضهم من أنّ العالم عبارة عن كُلّ ما يُعلم به الله حتّى يشمل كلّ موجود ممكن، لا ينسجم مع هذه الآية.
وأمّا الخبائث الّتي كانوا يقترفونها، فعبارة عن الأُمور التالية:
1. الشذوذ الجنسي.
2. قطع الطريق على المارّة ليرتكبوا معهم الفاحشة.
3. ارتكاب القبائح والمنكرات علانية في نواديهم.
وقد أشار سبحانه إلى هذه الأُمور في الآيات التالية:
29. (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ):
وصفهم بأُمور ثلاثة:
1. (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ): أي كانوا يشبعون الغريزة الجنسية عن طريق الجنس الموافق، والّتي تسمى لواطاً، وكانت جريمة لم يسبقهم بها أحد من قبلهم .
2. (وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ): أي يقطعون الطريق على المارّة ليرتكبوا معهم الفاحشة.

صفحه 73
3. (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ)ولا يرون ذلك عملاً قبيحاً. فهذه هي الجرائم الّتي كانوا يرتكبونها، والله يعلم ببقيّة الجرائم الّتي كانوا يمارسونها. قال الطبرسي: كانت مجالسهم تشتمل على أنواع من المناكير والقبائح، مثل الشتم، والسخف، والصفع، والقمار، وضرب المخراق، وحذف الأحجار على من مرّ بهم، وضرب المعازف والمزامير، وكشف العورات واللواط. 1 فقام النبيّ لوط بمهمته الرسالية على أتمّ وجه حيث وعظ قومه وحاورهم ونصح لهم وخوّفهم من بأس الله وعذابه ولكنّهم لم يعبأوا به ولم يرتدعوا، فلمّا ألحّ عليهم بالعظات والإنذار صاروا يستخّفون بإنذاره وتخويفه كما يقول: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ).
ويظهر من آيات أُخرى أنّهم هدّدوه بالنفي والإبعاد من بلدهم، كما يحكي سبحانه ذلك عنهم بقوله: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).(2)
إن ردّهم هذا يعرب عمّا أصاب فطرتهم الإنسانيّة من تشويه وانحراف، حيث أصبح العمل القبيح عندهم حسناً، فعابوا لوطاً ومن آمن معه باجتنابهم ذلك، وقد يبلغ الجهل بالإنسان إلى مستوى يصبح عنده العمل القبيح حسناً والحسن قبيحاً، وهذا المستوى الهابط هو الّذي يلحق الإنسان بشر (الدَّوَابِّ)كما يقول سبحانه: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ )2.

1 . مجمع البيان: 20 / 22 .   2 . الأعراف: 82 .
2 . الأنفال: 22 .

صفحه 74
وهناك حديث طريف مرويّ عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يتحدّث فيه عن درجات فساد النساء والشباب، فيقول مخاطباً أصحابه: كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله ؟ فقال: وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ قال: نعم وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً1.

الشذوذ الجنسي جريمة بحقّ الإنسانيّة

لقد جرت سنّة الله سبحانه على استمرار وجود هذا الإنسان على وجه الأرض إلى يوم القيامة، وهذا لا يأتي إلاّ من خلال الميل الجنسي في البشر إلى الجنس المخالف والاتّصال به بعقد الزواج، وهذا أمر فطري تعارف عليه البشر.
وأمّا إطفاء الغريزة الجنسية عن طريق الجنس الموافق، فهو يضادّ حكمة خلق الذكر والأُنثى، ويؤدّي بالنسل البشري إلى الانقطاع مضافاً إلى ما فيه من آثار نفسية وصحيّة سيئة كشف عنها العلم، أخطرها مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) الّذي يهاجم فيه فيروس (HIV) كريّات الدم البيضاء ممّا يؤدي إلى تحطيم القدرة الطبيعية في جهاز المناعة ضد الأمراض، ويعتبر الاتصال الجنسي، السبب الرئيسي لانتقال الفيروس، ويكون احتمال الانتقال أكبر في اللواط (الشذوذ الجنسي) كما يعدّ الزنا

1 . وسائل الشيعة: 16، الباب 1 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 12 .

صفحه 75
ـ أي الاتصال الجنسي خارج نظام الأُسرة ـ أيضاً من الأسباب الرئيسية في عدوى هذا المرض الّذي يودي بحياة الانسان في النهاية .1
والعجب أنّ بعض المفكّرين في الدول الغربية ومجالس التشريع فيها (كمجلس العموم البريطاني)2 قد أضفوا على هذه الفاحشة النكراء صبغة الشرعية والقانونية، ووضعوا لذلك حدوداً وقوانين، وهم في الوقت نفسه يدّعون التقدّمية، ويتّهمون الآخرين بالتأخّر والوحشية. وعلى هذا يركّز لوط (عليه السلام)في خطابه لقومه: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ).3
فالغريزة الجنسية نعمة من الله سبحانه لكلّ إنسان، ليصون بها نسله ووجوده في المجتمع، وقد جعل الله هذه الغريزة في الزوجين المتخالفين في الجنس فإعمالها في الجنس الموافق انحراف عن الفطرة وصرف للنعمة في غير موردها، والّتي يعبّر عنها بالإسراف يقول سبحانه: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ)4.
ولمّا يئس لوط من هدى قومه واستماع كلامه، طلب من الله نصرته، كما في الآية التالية:
30. (قَالَ رَبِّ انْصُرْني عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ):

1 . الموسوعة العربية العالمية: 3 / 457 .
2 . أقرّ هذا المجلس في عام 1967 م، حقّ ممارسة هذه الرذيلة، الّتي تعبّر عن انحطاط النفوس وانحراف الطبائع .
3 . الشعراء: 165 ـ 166 .
4 . الأعراف: 81 .

صفحه 76
أي انصرني على الذين فعلوا المعاصي وارتكبوا القبائح وأفسدوا في الأرض وأتوا بفاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين، فاستجاب الله دعاءه، فأنزل عليهم عذاباً من السماء كما تذكره الآيات التالية:
سورة العنكبوت: الآيات 31 ـ 35   

الآيات: الحادية والثلاثون إلى الخامسة والثلاثين

(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْم يَعْقِلُونَ) .

المفردات

القرية: ذكرنا سابقاً أنّ لوطاً نزل بقرية سَدوم.
الغابرين: الباقين.
سيءَ بهم: أي ساء لوطاً مجيئهم لما رآهم في أحسن صورة لما كان يعلم من خبث فعل قومه.
ضاق بهم ذرعاً: أي ضاق قلبه، وهو كناية عن العجز عن تدبير

صفحه 77
الشؤون، لأنّ طويل الذراع ينال ما لا يناله قصيره.
الرجز: العذاب.

التفسير

31. (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) :
لمّا استنصر لوطٌ ربّه كما في الآية السابقة، استجاب الله دعوته وبعث ملائكة لإهلاكهم، ثم إنّ الملائكة مرّوا في طريقهم بإبراهيم وبشّروه بأنّ الله سيهب له غلاماً عليماً من امرأته العجوز العقيم، وأطلعوه على أنّهم مأمورون بإهلاك قوم لوط، لأجل كونهم ظالمين، وهذا ما يذكره قوله سبحانه: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى): أي جاءت الملائكة في طريقهم إلى إبراهيم (وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم)1 فهؤلاء الرسل كانوا حاملين بشارة وإنذاراً، أمّا البشارة فتخصّ إبراهيم (عليه السلام)، وقد جاء بيانها في سورة أُخرى تحدّثت عن قصته (عليه السلام)بهذا الأُسلوب: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْل سَمِين * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ).2

1 . الذاريات: 28 .
2 . الذاريات: 25 ـ 29 .

صفحه 78
وأمّا الإنذار فهو ما ذكروه بقولهم: (إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ)أشاروا بكلمة هذه ـ الّتي وضعت للقريب ـ إلى قرية «سَدوم» المجاورة للبحر الميّت (جنوب الأردن حالياً)، لقربها من مسكن إبراهيم. (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ)وهو بيان لسبب إهلاك هذه القرية.
ولمّا سمع إبراهيم (عليه السلام)قول الملائكة بإهلاك تلك القرية انتابه القلق لوجود لوط (عليه السلام)فيها، وهذا ما تحكيه الآية التالية، ففيها سؤاله وجواب الملائكة :
32. (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ):
قلنا: لمّا اطّلع إبراهيم على مصير قوم لوط اعتراه القلق، لأنّ العذاب إذا نزل على أهل بلد يبيد الأخضر واليابس، ولذلك سألهم بقوله: (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا): أي كيف تنزلون العذاب عليها مع وجود ذلك النبيّ فيها؟ فأجاب الملائكة: (قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا): أي نعرف كلّ من فيها من المؤمنين والمجرمين (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ)ولمّا كانت كلمة الأهل تشمل الزوجة لغةً، وكانت امرأته غير صالحة، استثنوها بقولهم: (إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)فإنّها لا تنجو من العذاب. وإنّما عبّر عن المستقبل بالماضي ـ حيث إن مقتضى الحال أن يقول: تكون من الغابرين ـ لأجل أنّ الأمر محقّق الوقوع.
33. (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا

صفحه 79
وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ):
دخل الملائكة على لوط بوجوه وضّاءة ناضرة، فشعر بالضيق وأحسّ بالقلق، وليس هو كالقلق الّذي انتاب إبراهيم بل بوجه آخر : (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ): أي ساءه مجيئهم لما رآهم ذوي وجوه وضّاءة ناضرة واحتمل أنْ يصيبهم أذى قومه (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا): أي ضاق صدره. ولمّا وقف الملائكة على حالته النفسية خاطبوه بقولهم وقالوا: (لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ): أي لا تخف من قومك علينا ولا تحزن بما نفعله بهم، فإنّهم قد بلغوا في الخبث مبلغاً لا مطمع في رجوعهم عنه، وأضافوا: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ): أي الباقين في العذاب، فقومك كلّهم هالكون إلاّ أنت وأهلك إلاّ امرأتك فيصيبها ما يصيب القوم.
ولمّا سمع لوط ما ذكره الملائكة استراحت نفسه وارتفع عنه الخوف والحزن، ثم شرحوا له كيفية تعذيبهم وإبادتهم بقولهم:
34. (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ):
أي إنّا سننزل على هذه القرية عذاباً يهلكهم، وما هذا إلاّ (بِمَا): أي بسبب الذي (كَانُوا يَفْسُقُونَ) .
وأمّا كيفيّة إهلاكهم فقد ذُكرت في سور مختلفة. وأجمع آية تذكر ذلك قوله سبحانه: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَ

صفحه 80
أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل).1
فحدثت زلزلة خسفت بهم الأرض وابتلعتهم في باطنها بعد أن أمطر الله عليهم حجارة من سجيل.
ثم إنّ في قولهم: (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ)أفضل دليل على وجود الأسباب والمسبّبات والمدبّر والمدبّرات، فقد نسبوا الإنزال إلى أنفسهم فقاموا بذلك بقدرة مكتسبة من الله سبحانه، وأين هذا من قول الأشاعرة من سلب أية قدرة وفاعلية لسبب من الأسباب؟!
ثم إنّه سبحانه ختم قصّة لوط هنا، بهذه الآية:
35. (وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْم يَعْقِلُونَ):
تدلّ الآية على أنّ آثار قوم لوط كانت شاخصة في طريق أهل مكّة عند ذهابهم إلى الشام للتجارة كما يقول سبحانه: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيل مُقِيم)2: أي مدينة لوط واقعة في طريقهم وهي قائمة ثابتة فيها. والظاهر أنّ المراد أنّ إهلاك قوم لوط آية تركها سبحانه لكلّ مَن يمرّ على ديارهم وهي باقية على طول الزمان إلى الآن. والمشهور أنّ البحر الميت هو قرية سدوم، وانقلبت بحراً بعد هذا الانفجار .
سورة العنكبوت: الآيات 36 ـ 40   

الآيات: السادسة والثلاثون إلى الأربعين

(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا

1 . الحجر: 73 ـ 74 .
2 . الحجر: 76.

صفحه 81
الْيَوْمَ الآخِرَ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

المفردات

مدين: هي مدينة قوم شعيب، سُمّيت بمدين بن إبراهيم (عليه السلام)، تقع على بحر القلزم (البحر الأحمر)، وهي محاذية لتبوك على نحو ست مراحل، وبها البئر الّتي استقى منها موسى (عليه السلام)لسائمة شعيب. ومدين اسم القبيلة.1 والظاهر أنّ المراد بها المدينة، قال سبحانه: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ... ).(2)
وربّما يقال: إنّ مدين يطلق عليها اليوم اسم «مَعان» .2

1 . انظر: معجم البلدان: 5 / 77 .   2 . القصص: 23 .
2 . أعلام القرآن: 572 .

صفحه 82
شعيباً: شعيب: من أنبياء الله العرب كهود وصالح، وعلى هذا فأهل مدين كلّهم عرب.
ولا تعثَوا: ولا تفسدوا.
الرجفة: الزلزلة الشديدة.
جاثمين: الجاثِم: البارك على ركبتيه مستقبلاً بوجهه الأرض، وهو هنا كناية عن الهلاك.
حاصباً: الحاصب: الريح العاصفة الّتي فيها حصباء، أي الحصى الصّغار.

التفسير

تضمّنت الآيات السابقة قصص أنبياء ثلاثة ـ أعني: النبي نوحاً، والنبي إبراهيم، والنبيّ لوطاً (عليهم السلام) ـ وتضمّنت هذه الآيات الخمس قصة أنبياء أربعة، وهم : شعيب وهود وصالح وموسى(عليهم السلام). كما تضمّنت أسماء ثلاثة من طواغيت الزمان، وهم: قارون وفرعون وهامان . ثم ذكر سبحانه أنّ الله أهلك هؤلاء الظالمين بأربعة ضروب من العذاب. هذا إجمال ما في هذه الآيات، وإليك التفصيل.

قصة شعيب(عليه السلام)

36. (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ):

صفحه 83
قوله: (وَإِلَى مَدْيَنَ): أي أرسلنا إلى مدين (أَخَاهُمْ شُعَيْبًا)فاللفظ الأوّل ـ أعني: «مدين» ـ مفعول لفعل محذوف ـ أعني: أرسلنا ـ وشعيباً عطف بيان .
ثم إنّ وصْف النبيّ شعيب بكونه: (أَخَاهُمْ) لعلّه لغاية التواضع، وأنّه لم تكن دعوته لغاية السلطة بل كان لهم كالأخ الّذي لا يحبّ لأخيه إلاّ ما يحبه لنفسه. ولعلّه وُصف بذلك لصلة القرابة الّتي كانت بينه وبين قومه.
وأمّا رسالته فقد أوجزتها الآيات في أُمور ثلاثة:
1. (اعْبُدُوا اللهَ)ولا تشركوا به شيئاً. والآية تدلّ على أنّ القوم كانوا مشركين.
2. (وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ): أي ترقّبوا، أو ارجوا بعبادتكم وأعمالكم جزاء اليوم الآخر وثوابه.
3. (وَلاَ تَعْثَوْا): أي لا تفسدوا في الأرض، وهو لفظ عام يشمل كلّ فساد وانحراف في الفرد والمجتمع. وهذه الأُمور الثلاثة هي أُصول عامّة لجميع الأنبياء، أعني: الدعوة إلى التوحيد، وإلى الحياة الأُخروية، وإلى الصلاح والفلاح في الحياة الدنيا. نعم جاء تفسير أُصول دعوة النبي شعيب في السور التالية: الأعراف: 85 ـ 86 ; هود: 84 ـ 86 ; الشعراء: 176 ـ 184. فلاحظ.
وبما أنّ تفسير هذه الآيات مذكور في محلّها، اقتصرنا في المقام على ما جاء في سورتنا هذه.
وأمّا مصير قومه فلم يكن إلاّ الإبادة والاستئصال جزاءً على موقفهم

صفحه 84
الرافض للرسالة وصاحبها، كما يقول:
37. (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ):
اجتهد شعيب (عليه السلام)ـ كما أبانت سائر الآيات ـ في إرشاد قومه والنصيحة لهم بأبلغ حجّة وأسطع برهان وألطف أُسلوب، ولكنّهم سخروا منه واستهزأوا به، فلم يجد شعيب بُدّاً من تهديدهم قائلاً: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ)1، ولذلك يقول سبحانه: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ): أي أخذتهم الزلزلة وجثوا على الرُّكَب، إلاّ أنّ الزلزلة تزامنت مع الصيحة فخرّوا صرعى منكبّين على وجوههم، يقول سبحانه: (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)(2) ولعلّ الصيحة كانت متزامنة مع الصاعقة، فيكونوا قد هلكوا غِبّ عوامل ثلاثة: الرجفة والصيحة والصاعقة.

قصة عاد وثمود

38. (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) :
أشار في هذه الآية إلى قصة نبيّين آخرين ـ أعني: هوداً وصالحاً ـ

1 . هود: 93 .   2 . هود: 94 .

صفحه 85
وقد بعث الله هوداً إلى عاد، قال سبحانه: (وَإِلَى عَاد أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)1 كما بعث صالحاً إلى ثمود، يقول سبحانه: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ)2.
وأمّا مضمون دعوته فكانت نظير دعوة شعيب، فتارة كان يدعوهم إلى التوحيد كما يقول: (وَإِلَى عَاد أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ)3، وأُخرى إلى الإيمان برسالته من الله سبحانه، وفي هذه الدعوة كفاية عن الدعوة إلى الحياة الأُخروية.
هذا كلّه حول النبي هود (عليه السلام)، وأمّا صالح، فقد بعثه سبحانه إلى ثمود، وكان مضمون دعوته نظير دعوة النبيّين، فدعا إلى التوحيد في العبادة وقال: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهِ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ)4.
وقد أوجزنا الكلام في دعوة هذين النبيين تبعاً للقرآن حيث أوجز هنا واختصر بقوله: (وَعَادًا وَثَمُودَ...): أي أهلكنا عاداً وثمود، ثم اقتصر سبحانه في بيان قصتهم على الجمل التالية: (وَقَدْ تَبَيَّنَ)إهلاكهم (لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِم)أي: من النظر إليها عند مروركم بها(وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ): أي وحسّن لهم الشيطان ما هم عليه من ضلال وفساد، بإظهاره في صورة الحقّ (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ): أي منَعهم ـ لاتّباعهم دعوته ـ عن طريق الحقّ

1 . الأعراف: 65 .
2 . الأعراف: 73 .
3 . هود: 50 .
4 . الأعراف: 73 .

صفحه 86
المتمثّل بالإيمان بالله والتصديق بنبيّه ( وَكَانُوا مْسَتْبِصِريَن): أي وكانوا عقلاء ذوي عقل يمكنهم التمييز بين الحقّ والباطل، وقد قصّروا.
39. (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ):
جاءت في هذه الآية الإشارة إلى طغاة ثلاث:
1. (وَقَارُونَ): وجاءت قصته في سورة القصص حيث قال: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ)1.
2. (وَفِرْعَوْنَ): طاغية مصر.
3. (وَهَامَانَ): وزير الطاغية فرعون ومعينه. وهؤلاء الطغاة: أوّلهم مظهر للمترف المسرف، وثانيهم مظهر للقوّة الغاشمة، والثالث مظهر لتشجيع الظلم وترسيخ جذوره . (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ)والدلائل والمعجزات فاستكبروا في الأرض حيث غرّت قارونَ ثروتُه وخزائنُه، كما غرّت فرعونَ قدرتُه العسكرية، ومع ذلك (وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ): أي فائتين حيث يفوت السابق. ثم إنّه سبحانه بعد ما ذكر هذه الأقوام الظالمة والطواغيت عاد يبيّن كيفية إهلاكهم وأنّهم لأجل تكذيبهم الرسل وتجبّرهم وتطاولهم على الناس، أُهلكوا بأسباب مختلفة كما يقول:
40. (فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا
وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ

1 . القصص: 76 .

صفحه 87
مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ):
تضمّنت الآية ألواناً أربعة من العذاب:
الأوّل: الحاصب: (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا) والحاصب هو الريح الشديدة، سُميّت حاصباً لأنّها تقلع الحصباء من الأرض، وقد أهلك الله سبحانه قوم عاد بهذا النحو من العذاب كما يقول في آية أُخرى: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَال وَثَمَانِيَةَ أَيَّام حُسُومًا)1 .
الثاني: الصيحة: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) وهم قوم ثمود حيث أُهلكوا بها، يقول سبحانه في آية أُخرى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)2.
الثالث: الخسف: (وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ) والخسف هو انقلاب بعض ظاهر الأرض إلى باطنها، وبه هلك قارون قال سبحانه: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَة يَنْصُرُونَهُ )3.
الرابع: الغرق: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا)وبه هلك فرعون وقومه قال سبحانه: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ)4 .
(وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ )، لأنّه غنيّ عن عذاب البريء، فإنّ عذابه ظلم

1 . الحاقة: 7 .
2 . القمر: 31 .
3 . القصص: 81 .
4 . الشعراء: 64 ـ 65 .

صفحه 88
ولا يرتكبه إلاّ الجاهل بقبحه أو المحتاج إليه. (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، فعذابهم جزاء على أعمالهم ونتيجة لفسادهم وعيثهم .
سورة العنكبوت: الآيات 41 ـ 45   

الآيات: الواحدة والأربعون إلى الخامسة والأربعين

(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ * خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ* اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) .

المفردات

أوهن: مشتقّ من الوهن، وهو ضعف من حيث الخَلق.1
العنكبوت: حشرة معروفة.
الفحشاء: الفحش والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال.

1 . المفردات للراغب: 535 ، مادة «وهن».

صفحه 89
المنكر: كلّ فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه.
تصنعون: تعملون

التفسير

ضرب سبحانه لآلهة المشركين أمثالاً، نذكر منها مثلين:
الأوّل: شبّهها بالذباب كما في قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ).1
الثاني: شبّهها بالعنكبوت وهو ما تضمّنته هذه الآية. ومن المعلوم أنّ التشبيه يترك أثراً بالغاً في النفوس وربّما يكون أقوى من تأثير الدليل والبرهان. مثلاً نرى أنّه تارة ينهى عن الغيبة ويقول: الغيبة حرام مورث للعقاب، وأُخرى يشبّه عمل المغتاب بمن يأكل لحم أخيه الميت ويقول:(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)2. والثاني أبلغ في التأكيد على المقصود.
وجه هذا التشبيه أنّ مَن يغتاب ينال من الغائب وهو لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، فصار عمله عمل من يأكل لحم الميت وهو لا يعلم ما يفعل به.
وعلى أي تقدير، فالغرض من تشبيهات الآلهة بالذباب والعنكبوت

1 . الحج:73.
2 . الحجرات:12.

صفحه 90
هو الحطّ من شأنها والاستهزاء بها.
41.(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ):
إنّ العنكبوت حشرة معروفة، ذكورها أصغر أجساداً من إناثها، وهي تتغذّى بالحشرات التي تصطادها بالشبكة التي تمدها على جدران البيوت، فتصنع تلك الشبكة من مادة تفرزها غدد في باطنها محتوية على سائل لزج تخرجه من فتحه صغيرة، فيتجمّد بمجرد ملامسته للهواء ويصير خيطاً في غاية الدقة، وما أن تقع الفريسة في تلك الشبكة حتى تنقضّ عليها وتنفث فيها سمّاً يوقف حركاتها، فلا تستطيع الدفاع عن نفسها.1
ومع ذلك فما نسجته بيتاً لنفسها يعدّ أوهن البيوت وأضعفها، بل لا يليق أن يصدق عليه عنوان البيت، الذي يتألّف من جدران، وسقف مظلّل، وأبواب ونوافذ، وبيتها يفقد أبسط تلك المقوّمات هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّ بيتها يفتقد لأدنى مقاومة أمام الظواهر الجوية والطبيعية، فلو هبّ عليه نسيم هادئ لمزّق النسيج، ولو سقطت عليه قطرات من الماء لتلاشى2، ولو وقع على مقربة من نار لاحترق، ولو تراكم عليه الغبار لتمزّق.
هذا هو حال المشبه به، والقرآن يمثّل حال أُولئك الّذين يلجأون إلى

1 . انظر: دائر معارف القرن الرابع عشر:6/772.
2 . يُذكر أنّ خيوط العنكبوت (الّتي تشبه الحرير) لا تذوب بالماء.

صفحه 91
الآلهة المزيفة راجين منها النفع والشفاعة والنصرة، بالعنكبوت الّتي اتّخذت بيتاً من شبكة من الخيوط الواهية لتلتجئ إليه، وتقي به نفسها ممّا تتعرّض له من أخطار!! فكما لا يغني عنها هذا البيت شيئاً، فكذلك تلك المعبودات الّتي اتّخذوها من دون الله لا تغني عنهم شيئاً، فلا تجلب لهم نفعاً، ولا تدفع عنهم ضرراً .
بل حال الآلهة المزيفة الكاذبة أسوأ من حال بيت العنكبوت، وذلك
أنّ العنكبوت تنسج بيتها لتصطاد به الحشرات ولولاه لماتت جوعاً،
ولكن الأصنام والأوثان، من حيث كونها آلهة، لا تنفع المتمسّكين بها
في شيء.
وبذلك تقف على عظمة التمثيل الوارد في قوله:(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ): أي الّذين يريدون نصرها ونفعها والرجوع إليها عند الحاجة (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) تأوي إليه وتحتمي به، لكن بيت العنكبوت لا يغني عنها شيئاً لأنّه في غاية الوهن والضعف(وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
ثمّ إنّ قوله: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ليس قيداً لقوله:(أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ)، لأنّه من الواضح لكلّ أحد أنّ بيت العنكبوت في غاية الوهن، وإنّما هو من متمّمات قوله:(اتّخذوا): أي لو علموا أنّ عبادة ا لآلهة كاتّخاذ العنكبوت بيتاً سخيفاً، لربّما أعرضوا عنها.
42.(إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):

صفحه 92
الظاهر أنّ «ما» في قوله:(مَا يَدْعُونَ) موصولة ومعنى الآية: (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ) الذي يدعون من دونه من شيء، أي ما يتّخذونه من دون الله أرباباً، لكنّ هؤلاء لا يضرّونه (وَهُوَ الْعَزِيزُ): أي الذي لا يغالَب فيما يريد (الْحَكِيمُ)في كلّ أفعاله. ولعلّ وجه الإتيان بوصف العزيز في المقام لأجل أنّه لو كان للأصنام حظّ في الإلهية لما سَلِم من ضرّها من يحقّرها، فالله سبحانه عزيز لا يغلب، حكيم لا تجوز عليه الأوهام.
43.(وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ):
أي الأمثال المضروبة في كلامه سبحانه يختلف تأثيرها، فهناك مَن يسمعها ولا يتأمّل في حقائقها فلا تزيده إلاّ بعداً، وهناك مَن يتأمّلها ويقف على وجه التشبيه فيها فتزيده علماً وإيماناً.
44. (خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ):
صلة الآية بما قبلها من المثل واضحة عند التأمّل، ولعلّ هناك من يتلقّى التمثيل المذكور أنّه تخيّل وكلام شعري، لكنّه سبحانه يشير في هذه الآية إلى أنّ ما ذكر في المثل أمر حقيقي ولا صلة له بالشعر والتخيّل، وذلك لأنّه سبحانه خلق السماوات والأرض بالحق، لا للّعب كما يقول سبحانه:(وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)1 بل لغاية أن تسكنهما الخلائق وتنتفع

1 . الدخان:38ـ39.

صفحه 93
بهما ثم يستدلّوا بالإتقان والنظام السائد فيهما على أنّ ثَمّة خالقاً قادراً حكيماً أبدع خلقهما ودبّر أمرهما على وجه لاترى فيه عوجاً ولا انحرافاً، فهل يصحّ ترك عبادة ذلك القادر الحكيم والعدول عنه إلى عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ولا يستطيع فعل أي شيء وهو أدنى في القدرة والحركة حتى من العنكبوت؟ (إنّ في ذلِك): أي في خلق السماوات والأرض بذلك النظام المحكم والدقيق (لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)فهم المنتفعون بها من خلال التدبّر فيها وإدراك مغازيها.
نعم لا شكّ في أنّ الكافر ينظر أيضاً إلى السماوات والأرض ويتأمل فيهما، ويجتهد في استخراج أحكامهما وحركاتهما، ولكن نظره إليهما وتأمّله فيهما لأجل كشف الروابط المادية بين أجزائهما، لا للاهتداء إلى دلالة ذلك على وجود الإله القادر المتفرّد بالخلق والتدبير .
45. (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) :
لمّا ذكر سبحانه أنّ الأمثال التي ضربها للناس في القرآن إنّما ينتفع بها المؤمنون، أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالاستمرار في تلاوة كتابه الّذي ضُرب فيه المثل المذكور وسائر الأمثال، والآية تضمّنت أُموراً أربعة:
1. تلاوة ما أُوحي إليه كما يقول: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) حتى ينتفع به المؤمنون ويزداد الآخرون حرماناً وبؤساً.
2. إقامة الصلاة لا فعل الصلاة وحدها، بل السعي إلى أن تقام الصلاة

صفحه 94
في المجتمع، ولذلك صار من مهمّات مَن تمكّن في الأرض إقامة الصلاة. قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ للهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ).1
ثمّ إنّه سبحانه بيّن سبب إيجاب الإقامة بقوله: (إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ): أي ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال(وَالْمُنْكَرِ) أي: كلّ فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه.
وهنا سؤال مطروح بين المفسّرين، وهو: أنّ ظاهر الآية يدلّ على أنّ المصلّين ينتهون عن الفحشاء والمنكر، مع أنّ الجميع ليسوا كذلك، فما هو وجه ذلك؟ والإجابة واضحة، وذلك لأنّ معنى كونها تنهى لا يعني أنّها تصدّ الإنسان عن الفحشاء والمنكر بل بمعنى أنّها تهيّئ الأرضية الصالحة التي تقرّب المصلّي من الانتهاء عن الفحشاء والمنكر. وبعبارة أُخرى: أنّ الصلاة تدعو المصلّين إلى الابتعاد عنهما. ومن المعلوم أنّ الدعوة ليس بمعنى العلّة التامّة الصارمة القاطعة. وإن شئت قلت: إنّ الصلاة تحذّر المصلّين من ارتكاب الفحشاء والمنكر تحذيراً هو من خصائصها.
أضف إلى ذلك: أنّ المراد من الصلاة هي الصلاة الصحيحة، وهي فرع أن يكون المصلّي متطهّراً من الحدث الأصغر والأكبر وأن يكون لباسه وما يسجد عليه أمراً مشروعاً، فحينئذ فلا محيص للمصلّي من الاجتناب عن قسم من المحرّمات التي تتوقّف عليها صحّة الصلاة.
وللسيد الطباطبائي هنا كلام حاصله: أنّ صدّ الصلاة المصلّي عن

1 . الحج:41.

صفحه 95
الأمرين على نحو الاقتضاء يقول: فلطبيعة هذا التوجّه العبادي ـ إذ أتى به العبد وهو يكرّره كلّ يوم خمس مرات ويداوم عليه، وخاصّة إذا زاول عليه في مجتمع صالح، يؤتى فيه بمثل ما أتى به ويهتم فيه بما اهتم به ـ أن يردعه عن كلّ معصية كبيرة يستشنعه الذوق الديني كقتل النفس عدواناً وأكل مال اليتيم ظلماً والزنا واللواط، وعن كلّ ما ينكره الطبع السليم والفطرة المستقيمة ردعاً جامعاً بين التلقين والعمل. ثم يقول: مضافاً إلى حمله إيّاه على التطهّر من الحدث والخبث في بدنه والطهارة في لباسه والتحرّز عن الغصب في لباسه ومكانه، واستقبال بيت ربّه، فالإنسان لو داوم على صلاته مدّة يسيرة واستعمل في إقامتها بعض الصدق، أثبت ذلك في نفسه ملَكة الارتداع عن الفحشاء والمنكر البتة، ولو أنّك وكلت على نفسك من يربّيها تربية صالحة تصلح بها لهذا الشأن وتتحلّى بأدب العبودية لم يأمرك بأزيد ممّا تأمرك به الصلاة، ولا روّضك بأزيد ممّا تروّضك به.1
3. (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قوله: (أَكْبَرُ) صيغة أفعل، تفضيل يحتاج إلى مفضّل عليه، فيمكن أن يقال: إنّ المراد من الذكر هو الذكر القلبي الذي يترتّب على الصلاة ترتّبَ الغاية على ذيّها، فكأنّه قيل:أقم الصلاة لتردعك عن الفحشاء والمنكر، بل الذي تفيده الصلاة من ذكر الله المتحقّق بها أكبر من النهي عن الفحشاء والمنكر لأنّ ذكر الله أعظم ما يناله الإنسان من الخير، وهو مفتاح كلّ خير، والنهي عن الفحشاء والمنكر جزء منه.2

1 . الميزان في تفسير القرآن:16/133ـ134.
2 . الميزان في تفسير القرآن:16/136.

صفحه 96
ويمكن أن يقال: إنّ المراد من الذكر هو الذكر اللساني الذي تشتمل عليه الصلاة، أكبر من هذا الأثر الذي هو النهي عن الفحشاء والمنكر; لأنّه أثر من آثار الذكر الحسنة.
وعلى هذين المعنيين فالمفضّل عليه هو الفحشاء والمنكر، والمصدر ـ أعني: الذكر ـ أُضيف إلى المفعول، أي ذكر العبد الله سبحانه، وربّما قيل: إنّ المصدر مضاف إلى الفاعل. والمراد: ولذكر الله إيّاكم برحمته أكبر من ذكركم إيّاه بطاعته; روي عن ابن عباس وسلمان وابن مسعود ومجاهد.1
أقول: لا شكّ أنّ الله سبحانه يذكر عبده بشهادة قوله: (فَاذْكُروني أذكُركُم)2 ولكن الآية بصدد بيان آثار الصلاة، وعلى هذا فذكر الله عباده لا صلة له بالصلاة وآثارها. ولعلّ الأوضح من الوجوه الثلاثة هو الوجه الأوّل.
***

الصلاة في الشرائع السابقة

لمّا كانت الغاية من بعث الرسول هو دعوة الناس إلى عبادة الله سبحانه والتبرّؤ من عبادة غيره كما يقول سبحانه:(وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)3 فربّما يفهم من الآية وجود الأمر بالصلاة في عامّة الشرائع; لأنّها أعظم عبادة وخضوع يقوم به الإنسان لله

1 . مجمع البيان:8/30.
2 . البقرة:152.
3 . النحل:36.

صفحه 97
سبحانه. ويدلّ على ذلك أيضاً أنّ النبي إبراهيم (عليه السلام)بعدما أن أسكن أهله وولده بواد غير ذي زرع، دعا الله سبحانه بقوله: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوةَ)1 فصارت إقامة الصلاة غاية لإسكانهم عند بيت الله الحرام، ولم يقتصر على ذلك حتى دعا لنفسه أن يجعله سبحانه من مقيمي الصلاة قائلاً:(رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ).(2)
هذا ويعرّف سبحانه النبيَّ إسماعيل(عليه السلام) بأنّه (كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ)2، وهذا هو المسيح عيسى ابن مريم عندما حملته أُمّه إلى قومه بني إسرائيل واتّهموها بالسوء، أشارت إلى طفلها الرضيع ليسألوه عن حقيقة الأمر، فتكلّم بإذن الله وقال: (قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا * وَ جَعَلَني مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَ أَوْصَاني بِالصَّلَوةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا).3
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الصلاة كانت أمراً مفروضاً في الشرائع السابقة على أُممهم، فلو دلّ ذلك على أمر فهو يدلّ على أنّها من أكبر الفرائض. وأمّا الذكر الحكيم فقد جاءت فيه لفظة الصلاة وحدها مجرّدة عمّا يشتق منها سبعاً وستين(67) مرّة، حتى ذكر أنّ بعض أهل الجحيم إذا سئلوا عن سبب مصيرهم السيِّئ : (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ).4

1 . إبراهيم:37.    2 . إبراهيم:40.
2 . مريم:55.
3 . مريم:30ـ 31.
4 . المدثر:43ـ45.

صفحه 98

الصلاة في الأحاديث الإسلامية

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يزال الشيطان ذَعِراً من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس لوقتهنّ، فإذا ضيّعهنّ تجرّأ عليه فأدخله في العظائم».1
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) في كلام يوصي به أصحابه:«تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاَةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، وَتَقَرَّبُوا بِهَا، فَإِنَّهَا ( كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً).2 أَلاَ تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ).3 وَإِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ، وَتُطْلِقُهَا إِطْلاَقَ الرِّبَقِ، وَشَبَّهَهَا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ، فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّات، فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ؟».4
وروي في «الكافي» عن أبي بصير: قال: قال أبو الحسن الأوّل ] الكاظم [(عليه السلام):«لمّا حضرت أبي الوفاة قال: يا بنيّ إنّه لا تنال شفاعتنا مَن استخفّ بالصلاة».5
ولعلّ هذا المقدار يكفي في المقام، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الجزء الرابع والثمانين من «بحار الأنوار»، حيث عقد أبواباً مختلفة في الصلاة وغيرها.

1 . الوسائل:3، الباب7 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 2.
2 . النساء: 103.
3 . المدّثر: 42.
4 . نهج البلاغة، الخطبة 199.
5 . الكافي:3/270، ح15، باب من حافظ على صلاته.

صفحه 99

آداب الصلاة وأسرارها

قام غير واحد من أصحابنا بتأليف رسائل حول آداب الصلاة وأسرارها، فكان سيدنا الأُستاذ الإمام الخميني(قدس سره) يصف بعض من ألّف رسالة في أسرار الصلاة بأنّها أقرب إلى الآداب من الأسرار، وقد عمل(قدس سره)رسالة في أسرار الصلاة يرجع إليها من له قدم راسخة في السلوك والعرفان، ونحن نقتصر على بيان بعض تلك الأسرار التي تفيد النَّشء الجديد.
1. الصلاة ذكر الله ، وهو يصدّ الإنسان عن كلّ منكر، يقول سبحانه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري) فالإنسان مهما يكن إباحياً أو طاغياً فإذا قام إلى الصلاة تنكسر أنانيته خصوصاً إذا تذكّر عند تلاوة قوله سبحانه:(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)ما للمجرمين في الحياة الأُخروية من عقاب وعذاب.
2. الصلاة رمز الوحدة بين المسلمين، فإذا زالت الشمس وأذّن المؤذنون قائلين:«حيّ على الصلاة»، أو: «قد قامت الصلاة»ترى هناك أنّ كثيراً من المؤمنين يتركون البيع وكلّ عمل ماديّ، ويستقبلون القبلة في صفوف متراصّة، وأي شيء يكون رمزاً للوحدة أفضل من الصلاة جماعة في وقت واحد في عامّة البلاد؟
3. الصلاة رمز المساواة وإلغاء الطبقية، إذ كلّ فرد من أي طبقة كان، أخذ يخضع أمام الله سبحانه بصورة واحدة، ويرغم أنفه وجبينه بتراب الأرض، وكأنّ الجميع أولاد بيت واحد لا يوجد فرق بينهم.
4. الصلاة رمز النظم، يقول سبحانه: (إنّ الصَّلاة كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

صفحه 100
كِتَابًا مَوْقُوتًا) 1 ومعنى ذلك أنّ لكلّ صلاة وقتاً معيّناً يجب إتيانها فيه، لا قبله ولا بعده. إنّ ممارسة العمل بصورة منظَّمة عبر سنين ربما يكون سبباً ليكون الإنسان منظَّماً في سائر شؤونه، ولذلك نرى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)ركّز في وصيته على النظم وقال: «أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ».2
سورة العنكبوت: الآيات 46 ـ 52   

الآيات: السادسة والأربعون إلى الثانية والخمسين

(وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ * وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى

1 . النساء:103.
2 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 47.

صفحه 101
لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْني وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

المفردات

تجادلوا: الجدل: الحجاج والمناظرة. قال الراغب: الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلتُ الحبلَ أي أحكمت فَتله، ومنه الجديل، وجدلت البناء أحكمته، ودرع مجدولة.. إلى أن يقول: فكأنّ المتجادلين يفتل كلّ واحد الآخر عن رأيه.1
مسلمون: مطيعون.
يجحد: الجحود: نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه، يقال جَحَد جُحوداً وجَحْداً، قال سبحانه: (وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ)2.3 وعلى هذا فالمراد الإنكار عن علم.
تخطّه: يقول الراغب: الخطّ كالمدّ، ويقال لما له طول ـ إلى أن قال:ـ ويعبّر عن الكتابة بالخطّ.
بيمينك: اليمين: أصله الجارحة، وإنّما خصّ تلك الجارحة لأنّ أكثر الناس تكتب بها لا بالجارحة اليسرى.

1 . المفردات:89، مادة «جدل».
2 . النمل:14.
3 . المفردات:88.

صفحه 102
ارتاب: من الارتياب: الشكّ والترديد.
المبطلون: الباطل نقيض الحقّ، وهو ما لا ثبات له عند الفحص، فالمبطلون: الذين يبطلون الحقّ.
الظالمون: الذين ظلموا أنفسهم بإنكار الحق.

التفسير

الجدال الأحسن

46. (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ):
الآية تأمر المسلمين بجدال أهل الكتاب بالنحو الأحسن، ويبدو أنّ الآيتين مدنيتان، وذلك لأمرين: أحدهما:خلوّ مكة من أهل الكتاب. والثاني: تقسيم الآية الأُخرى أهل الكتاب. إلى قسمين: 1. مَن يؤمن بالقرآن الكريم.2. مَن يجحد به. وهذا يشعر بوجود قسمين من أهل الكتاب عند نزول هاتين الآيتين، فالقول بأنّهما مدنيتان ليس ببعيد. نعم ذهب ابن عاشور إلى نزولهما في مكة المكرّمة مبرّراً ذلك بقوله: قد كانت هذه توطئة لما يحدثه من الدعوة في المدينة بعد هجرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّ مجادلة أهل الكتاب لا تعرض للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ولا للمؤمنين في مكّة، ولكن لمّا كان النبيّ (عليه الصلاة والسلام) في إبّان نزول أواخر هذه السورة على وشك

صفحه 103
الهجرة إلى المدينة وكانت الآيات السابقة مجادلةً للمشركين غليظة عليهم من تمثيل حالهم بحال العنكبوت، وقوله: (وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ) هيّأ الله لرسوله عليه الصلاة والسلام طريقة مجادلة أهل الكتاب. فهذه الآية معترضة بين محاجّة المشركين والعود إليها في قوله تعالى:(وَ كَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ)1.

ما المراد من الجدال بالأحسن؟

دلّ الذكر الحكيم على أنّ الجدال بالطريقة الحسنى، هو أحد طرق الدعوة إلى الإسلام كما في قوله سبحانه:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)2 فقد جعل الجدال بالأحسن في عداد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكلٍّ وجه ومورد، وقد بُيّن في محلّه، إنّما الكلام في معنى الجدال، فنقول: هو يفارق المراء، إذ المراء عبارة عن قصد المغالبة، والاستظهار على الطرف الآخر مع الشكّ في كون ما يدّعيه حقّاً أو باطلاً. أو إنّه يعني الإطالة في المناظرة مع وضوح الحقّ، و (العلماء الحكماء بُرَآء من التمادي بالمراء)3 لأنّ (التماري بالمراء يبثّ الافتراء).4 وأمّا المجادلة بالنحو الأحسن فهي عبارة عن عرض الآراء بعضها على بعض لإظهار الحقّ وتبيين الواقع مع عدم الإغلاظ في الكلام والطعن والإهانة للطرف الآخر، بل ينبغي أن تكون المجادلة بالقول الليّن

1 . التحرير و التنوير:20/181.
2 . النحل:125.
3 . التعايش السلمي للدكتور محمود الموسوي:41.
4 . التعايش السلمي :41.

صفحه 104
والكلمة الهادئة، وأن تتمّ في أجواء صافية، بعيداً عن إثارة غبار التصادم والتشنّج والانفعال، وعلى نحو إذا تمّ الجدال به وظهر الحقّ، أخذ به من يريد الوصول إليه دون أن يخدش في عواطفه، ومن هنا قيل: «الحقيقة بنت البحث» فهذا النوع من الجدال هو الذي أمر القرآن به، والتزم بما أمر به في مناظراته مع أهل الكتاب في أكثر من موضع، ونحن نذكر نموذجين من مناظراته مع أهل الكتاب التي تنطوي على مرونة خاصّة وتكريم للطرف الآخر:
1. يقول سبحانه: (وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين)1ترى أنّ الآية لا تركّز على هداية أحد الطرفين معيّناً وضلال الطرف الآخر كذلك، وإنّما تسوّي بينهما في ذلك الأمر وإن كانت تشير إشارة خفية إلى أنّ الحق في جانب الموحّد، حيث ابتدأ بقوله: (وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ) وابتدأ بالمقابل (لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل)ومقتضى النشر المرتّب كون الهداية ترجع إلى الطرف الأوّل.
2. كان المشركون يدّعون أنّ طريقة آبائهم هي الطريقة المثلى قائلين:(إنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمّة وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) لكن الوحي الإلهي يجادلهم بعطف ويأمر نبيّه أن يقول لهم: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ)2 فيستخدم كلمة (أهدى) التي تدلّ على التفضيل كأنّه يقول: إنّ ما أدعو إليه أفضل من الطريقة التي ورثتموها من آبائكم، وهذا هو الجدال بالأحسن الذي يحترم الآخر مع الاعتقاد ببطلان رأيه،

1 . سبأ:24.
2 . الزخرف:24.

صفحه 105
ولكن يصل إلى المقصود بأفضل وجه. وبهذا اتّضح معنى قوله سبحانه:(وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ).
نعم لكلّ قاعدة تخصيص واستثناء، فالجدال بالنحو الأحسن إنّما يفيد مع مَن كان مستعدّاً لسماع الطرف الآخر والتدبّر في قوله قبل أن يتّخذ موقفاً عدائياً بالنسبة إليه، وأمّا الذين أظهروا العداء للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأصرّوا على العناد، فلا يفيدهم الجدال بالتي هي أحسن كما يقول:(إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)(من أهل الكتاب) إذ ربّما يتلقّى المجادل حسن الجدال نوع مذلّة فلذلك لا تنفع معهم المجادلة بالأحسن، وأمّا ما هو طريق السلوك معهم، فقد بيّنه بقوله سبحانه:(وَقُولُوا آمَنَّا بِالذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا): أي بالكتاب الذي أُنزل إلينا(وَ)ما (أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ):أي الكتاب الذي أُنزل إليكم.(وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ)ليس له شريك (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ): أي طائعون. وعلى هذا فقوله: (وَقُولُوا آمَنَّا بِالذِي) ناظر إلى المستعدّين للجدال من أهل الكتاب حيث يجب الإشارة إلى المشتركات في التوحيد والنبوة.
وعلى هذا فالجدال بالأحسن يختصّ بمن كان مستعدّاً للحوار والتفاهم، وأمّا غير المستعدّين لذلك من المعاندين والمكابرين فيجب المماشاة معهم أيضاً بصورة الدعوة إلى الإله الواحد وأنّ الكتابين من الله سبحانه.
وهذا هو أدب الإسلام فيركّز على حفظه، سواء أكان بصورة جدال أو بصورة مذاكرة عابرة.
47. (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ

صفحه 106
يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ):
قوله:(وَكَذَلِكَ) إشارة إلى أنّه كما أنزلنا الكتاب على موسى وعيسى(أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ) أي القرآن وكأنّه تأكيد للآية السابقة: (وَقُولُوا آمَنَّا بِالذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إَلَيْكُم) ولكنّ أهل الكتاب بالنسبة إليه على صنفين:
1.(فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ): أي الذين هم أُمناء على الكتاب ولذلك لم يقل أهل الكتاب، مشيراً إلى مقامهم السامي بالنسبة إلى التوراة والإنجيل، وفي آية أُخرى وردت الإشارة إليهم بقوله: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ)1. وأُريد من هذه الفئة مَن أسلم من أهل الكتاب في العصر المدني وإن كانوا قليلين، فهؤلاء (يُؤْمِنُونَ بِهِ) إيماناً صادقاً وربّما يبذلون أموالهم في طريق نشر الإسلام، كمخيريق اليهودي الذي أسلم وأوصى بأمواله للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وشارك في غزوة أُحد واستشهد فيها.2
2. المعاندون الجاحدون، وهم الذين يرون الحقّ وتستيقنه أنفسهم ولكن يعاندون باللسان والأيدي، فهؤلاء هم الذين يصفهم الله سبحانه بقوله: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ).
وبذلك تبيّن أنّ موقف القرآن بالنسبة إلى أهل الكتاب ليس موقفاً سلبياً بل يصنفهم إلى مَن يستمع الكتاب ويتبع أحسنه، وإلى مَن يعاند

1 . المائدة:44.
2 . الإصابة: الترجمة 7852. وانظر الكامل لابن الأثير:2/162.

صفحه 107
ويجحد آيات الله، فالطائفة الأُولى نجادل معها جدالاً بالأحسن، والطائفة الثانية نتعايش معهم تعايشاً سلميّاً، ما لم يشهروا السيوف في وجوه المسلمين، و إذا قام للإسلام دولة لا يعاندونها وإلاّ فآخر الدواء الكيّ قال سبحانه: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ لاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَ لاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَ لاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ).1
48. (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ):
لمّا كان الجدال مع أهل الكتاب مركَّزاً على نبوّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) خلافاً للمشركين الذين كان الجدال معهم مركّزاً على التوحيد قبل النبوّة، أشار في هذه الآية إلى علامة واحدة من علامات صحّة دعوته ورصانة رسالته من الله سبحانه، وكأنّه أيضاً بيان مصداق للجدال بالأحسن، وهو أنّ النبيّ الأكرم جاء بكتاب بلغ في الفصاحة والبلاغة الذروة والسنام وأفحم الفصحاء والبلغاء، فالجميع اعترفوا بأنّ لكتابه مقاماً سامياً فوق أن يناله الإنسان، وفي الوقت نفسه يشتمل على أحكام وقوانين وسنن لو آمن بها الإنسان وعمل بها في قضاياه العامّة والخاصّة لأضحت حياته مشرقة بالسعادة عامرة بالخير، إلى غير ذلك من المزايا التي ذكرت في محلّها، كلّ ذلك جاء به رجل أُمّيّ لم يتعلّم عند بشر ولم يكتب كتاباً ومع ذلك يقول بملء فمه:(وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ)(2)

1 . التوبة:29.   2 . البقرة:23.

صفحه 108
فهذا أوضح دليل على أنّ الكتاب ليس من نتاج فكره وإنّما أُنزل إليه من ربّه، كما يقول:(وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا) يا محمد (مِنْ قَبْلِهِ): أي القرآن (مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ): أي الكتاب (بِيَمِينِكَ): أي بيدك اليمنى، وقد تلا النبي الأكرم هذه الآية على معشر قريش وغيرهم ولم يكن أحد منهم يكذّب ذلك أو يخالفه. وكأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: يا معشر العرب أنتم تحيطون خبراً بتاريخ حياتي فإنّي تربّيت بين ظهرانيكم ولبثت فيكم عمراً يناهز الأربعين، فهل رأيتموني أتلو كتاباً أو أخطّ صحيفة، فكيف ترمونني بالإفك الشائن بأنّه أساطير الأوّلين اكتتبتُها، ثم افتريتُها على الله، وأعانني على ذلك قوم آخرون؟!
ثمّ إنّه سبحانه يعلّل الوصفين اللّذين وصف بهما النبي: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا)، (وَلاَ تَخُطُّهُ): أي بأنّك لو مارست الكتابة والتلاوة اللّتين هما رمز التعليم والتعلم، عللّه بقوله:(إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) أي لاتّهمك المشركون بأنّ القرآن من جنس ما كنت تتلو وتخط،ولو كان الأمر على خلاف ذلك، لاتّخذه هؤلاء الذين يخوضون بالباطل ذريعة للشكّ في القرآن وقالوا لعلّه نقل ذلك عن الكتب السابقة، ولكنّهم أُفحموا لمّا لم يجدوا لهذه التهمة من سبيل، لاشتهار أُمّيّته(صلى الله عليه وآله وسلم) بين قومه. وعلى هذا فقوله: (إذاً)جواب لشرط مقدّر، أي لو كنت تتلو كتاباً أو تخطّه لارتاب المبطلون الذين يحاولون إبطال الحقّ وإزهاقه.
وربّما يتصوّر المعاند أنّ ما جاء في هذه الآية ادّعاء فاقد للدليل، ولكن مَن سبر حياة قريش قبل بزوغ شمس الإسلام يقف على أنّ الأُمِّية كانت سائدة على أكثر القاطنين في مكة المكرمة، وهذا هو البلاذري قد

صفحه 109
أتى بأسماء الذين كانوا عارفين بالقراءة والكتابة في مكة المكرمة فما تجاوز عددهم أكثر من سبعة عشر رجلاً في مكة، وأحد عشر نفراً في يثرب، قال: اجتمع ثلاثة نفر من طي بـ «بقة» وهم: مرامر بن مرّة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة، فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلّمه منهم قوم من أهل الأنبار، ثمّ تعلّمه أهل الحيرة من أهل الأنبار، وكان بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكندي ثم السكوني صاحب دومة الجندل، يأتي الحيرة فيقيم بها الحين وكان نصرانياً فتعلم «بشر» الخط العربي من أهل الحيرة، ثم أتى مكة في بعض شأنه فرآه سفيان بن أُمية بن عبد شمس وأبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب يكتب فسألاه أن يعلّمهما الخط فعلمهما الهجاء، ثم أراهما الخط فكتبا، ثم إنّ بشراً وسفيان وأبا قيس أتوا الطائف في تجارة فصحبهم غيلان بن سلمة الثقفي فتعلّم الخط منهم وفارقهم بشر، ومضى إلى ديار مضر، فتعلّم الخط منه عمرو بن زرارة بن أعدس فسمّي عمرو الكاتب، ثمّ أتى بشر الشام فتعلّم الخط منه ناس هناك وتعلّم الخط من الثلاثة الطائيين أيضاً رجل من طابخة كلب، فعلّمه رجلاً من أهل وادي القرى، فأتى الوادي يتردّد فأقام بها وعلّم الخط قوماً من أهلها إلى أن قال: فدخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً كلّهم يكتب: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب و....1
ومع أنّ النبي كان أُميّاً قد ولد بين الأُميّين ولم يقرأ ولم يكتب حتى البعثة مع ذلك عاد بعض المعاندين يشكّكون في رسالته وقرآنه، ويلوكون

1 . فتوح البلدان:457.

صفحه 110
في أشداقهم بأنّ ما جاء به من الآيات والسور إنّما تلقّاه من الصحف الدينية وقد صاغها وسبكها في قوالب فصيحة تهتزّ لها النفوس وترتاح إليها القلوب، فليس لما يدّعيه من نزول الوحي على قلبه، مسحة حقّ أو لمسة صدق.
وقد حكى سبحانه هذه الفرية الشائنة عن بعض المشركين بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَ أَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً).1 فالله سبحانه لقلع جذور الشكّ عن قلوب السذَّج من الأُمّة، والمبطلين منهم، احتجّ عليهم بأنّه لم يُعرف عنه لا التعلّم ولا الكتابة، حتى يصحّ لنبيّه أن يتلو على رؤوس الأشهاد قوله سبحانه: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)2.
هذا كلّه قبل البعثة وأمّا بعدها فالمشهور أنّ النبي بقي على الأُمّية أيضاً لمصلحة أولى وألزم، غير أنّ شيخنا المفيد(المتوفّى 413هـ) ممّن ذهب إلى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان عارفاً بالقراءة والكتابة بعد بعثته، واستدلّ على ذلك بوجوه أربعة نذكر منها الوجه الأوّل الذي هو المهمّ، قال: إنّ الله تعالى لمّا جعل نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) جامعاً لخصال الكمال كلّها، وخلال المناقب بأسرها لم تنقصه منزلة بتمامها، ليصحّ له الكمال، ويجتمع فيه الفضل، والكتابة فضيلة مَن منحها فضل، ومن حرمها نقص.3

1 . الفرقان:4ـ5.
2 . يونس:16.
3 . راجع أوائل المقالات:111ـ 113، ط تبريز.

صفحه 111
يلاحظ عليه: أنّ الكتابة وإن كانت من الكمالات «ومن منحها فضل، ومن حرمها نقص» غير أنّ ذلك يعدّ للأشخاص العاديين الذين ينحصر طريق اكتسابهم للمعارف بها وحدها، وأمّا من لا يحتاج إليها بل له طريق آخر لدرك الحقائق واكتساب المعارف ـ كما هو الحال بالنسبة إلى نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ فلا يعدّ التمكّن من الكتابة والقراءة فضيلة له حتى يكون عدمهما نقصاً في حقّه، كيف، وهو(صلى الله عليه وآله وسلم) قد عرف الواجب جلّ اسمه وصفاته وأفعاله ووقف على حقائق الكون ودقائقه عن طريق الوحي الذي هو أوثق وأسدّ الطرق الممكنة، لا يخطأ ولا يشتبه وعند ذاك لا حاجة له إلى هذه الطرق العادية غير المصونة عن الخطأ والاشتباه.
أضف إليه لو فرضنا أنّ بقاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على ما كان عليه من الأُميّة، كان يرفع الشكّ عن قلوب السذّج من الناس ويؤكّد إيمانهم وإذعانهم بنبوّته وبما جاء به من الشريعة والكتاب، وجب على المولى سبحانه إبقاءه على ما كان عليه من الصفات والنعوت، طلباً للغاية التي بعثه لأجل إحرازها وتحقّقها، فإذا كان هو الملاك في أُمّيته قبل بزوغ دعوته، فليكن هو الملاك في بقائه عليها فلا وجه لعد أحدهما نقصاً في حقّه(صلى الله عليه وآله وسلم)دون الآخر.
ثمّ بقي هنا أمر وهو أنّه يظهر ممّا رواه البخاري في كتاب بدء الوحي أنّ أمين الوحي جاء وهو في غار حراء فقال اقرأ قال: ما أنا بقارئ، ثم تكرّر هذا العمل مرّتين ففي المرة الثالثة يقول: فأخذني فغطّني الثالثة ثم أرسلني فقال:(اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق * اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ الأَكْرَمُ).1

1 . صحيح البخاري:1/5 برقم 3، كتاب بدء الوحي.

صفحه 112
فظاهر ذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) استطاع أن يقرأ الصحيفة التي كانت بيد أمين الوحي; وقد أجبنا عن ذلك بأنّ الحديث غير مرفوع إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقد جاء الحديث بالنحو التالي: عن عائشة أُمّ المؤمنين أنّها قالت: أوّل ما بدئ من الوحي الرؤيا الصادقة من النوم.
ولو صحّ الحديث فلماذا خصّ النبي زوجته عائشة فقط ولم يحدّث به غيرها مع أنّ المضمون لا يخلو عن أهمية. ولو أغمضنا عن كلّ ذلك فتمكّنه من قراءة الصحيفة البرزخية لا يلازم إمكان القراءة للصحف المادية، وقد أشبعنا الكلام في هذا الموضوع في رسالة مستقلة نأتي بنصّها بعد الفراغ من تفسير السورة.
ثمّ إنّ بعض المستشرقين ومن تبعهم من الشرقيّين حاولوا إثبات أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقرأ ويكتب بعد البعثة أو مطلقاً، كلّ ذلك لا لإجل حفظ مقام النبي الرفيع، بل لاتّخاذ ذلك منطلَقاً للتشكيك في كتابه، وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أخذه من كتب السابقين، ولهم في ذلك وجوه غير ناهضة فنّدناها في الرسالة التي ستأتي لاحقاً، ومن أعظم اشتباهاتهم أنّهم يفسّرون الأُمّي بالانتساب إلى أُمّ القرى (أي مكّة) لكنّهم غفلوا عن أن النسبة إلى أُمّ القرى هي القرويّ لا الأُمّيّ، وهذا ابن مالك يقول في ألفيته:
وانسبْ لصدر جملة وصدر ما *** رُكِّب مزجاً، ولثان تَمِّما
إضافةً مبدوّة بابن وأبْ *** أو ما له التعريف بالثاني وجبْ
فيما سوى هذا انسبنْ للأوّلِ *** ما لم يُخفْ لبسٌ كعبد الأشهلِ
قال ابن عقيل في شرحه: إذا نسب إلى الاسم المركّب، فإن كان مركّباً

صفحه 113
تركيب جملة أو تركيب مزج، حذف عجزه وأُلحق صدره ياء النسب، فتقول في تأبّط شرّاً: تأبّطي، وفي بعلبك: بَعْليّ، وإن كان مركّب إضافة، فإن كان صدره ابناً أو أباً أو كان معروفاً بعجزه، حذف صدره وأُلحق عجزه ياء النسبة، فنقول في ابن الزبير: زبيريّ، وفي أبي بكر: بكريّ، وفي غلام زيد: زيديّ، وإن لم يكن كذلك....1 وعلى هذا فالصحيح في النسبة إلى «أُمّ القرى» هو القرويّ لا الأُمّيّ. نعم ورد هذا التفسير في بعض الروايات وقد أوضحنا حالها في نفس الرسالة فلاحظ.
49.(بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ):
لمّا فرض في ذيل الآية السابقة ارتياب المبطلين جاءت هذه الآية لإبطال هذا الفرض، وأنّ القرآن الكريم أعلى وأنبل من أن يتطرّق إليه الإبطال، وذلك ببيان أمرين:
1. (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) تدلّ على صحّة رسالة النبيّ ودعوته (فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)، وهل المراد بصدور هؤلاء صدر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ التعبير بالجمع تعظيم له، أو أنّ المراد غيره؟ الظاهر هو الثاني; لأنّه سبحانه بصدد الاستدلال على صحّة دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فالذين أُتوا العلم يشهدون على صحّة نبوّته، ومن المعلوم أنّه يجب أن يكون الشاهد غير المشهود له، ولذلك ورد في روايات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بأنّه سبحانه قد عناهم بقوله هذا.

1 . شرح ابن عقيل:2/391.

صفحه 114
روى بُريد بن معاوية، عن أبي جعفر ] الباقر [(عليه السلام)قال: قلت له: قوله تبارك وتعالى: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)؟ قال: «إيّانا عنى».1
وقد جاء هذا المعنى في روايات عديدة مرويّة عن الباقر والصادق (عليهما السلام).2
ويمكن أن يقال: الآية تشير إلى الراسخين في العلم، وهم بالدرجة الأُولى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وبالدرجة الثانية العلماء المخلصون الذين درسوا القرآن عن وعي، فيعمّ الصالحين من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
2. (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ)، هذه الفقرة ناظرة إلى المشركين الذين استيقنوا أنّ الرسول مبعوث من جانب الله ، وأنّ هذا الكتاب كتاب سماويّ لا يعادله كتاب آخر; ومع ذلك جحدوا برسالة صاحب الكتاب; ولذلك وصفهم بالظالمين وقال: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ) وتقدّم وصفهم بالكافرين حيث قال: ( وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ).
50. (وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ):
لمّا تقدّم ذكر الجاحدين الذين ينكرون القرآن عناداً وتعصّباً للباطل،

1 . بصائر الدرجات الكبرى: 1 / 403 برقم 757 .
2 . انظر: بصائر الدرجات الكبرى: 1 / 403 ـ 407; والكافي: 1 / 213 ـ 214 .

صفحه 115
مع وضوح ما فيه من دلائل على أنّه وحيٌ من الله سبحانه، عاد إلى ذكر تحدّيهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)باستنزال معجزات خارقة للعادة تدلّل على صدق ارتباطه بالسماء، فلو كان نبيّاً لأتى بمعاجز تكوينية، كعصا موسى وإحياء الموتى وناقة صالح، إلى غير ذلك من المعاجز، فجاءت الآية ردّاً على هذا الاقتراح، فذكرت أوّلاً اقتراحهم بقوله: (وَقالُوا) المشركون (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ): أي على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(آيَاتٌ)خوارق للعادة تكوينية (مِنْ رَبِّهِ). ثم أجاب عن اقتراحهم بوجهين:
الأوّل:(قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ): أي إنزال الآيات الكونية تابع لإرادته سبحانه، فمهما تعلّقت إرادته بإتيان آية كونية فالنبيّ يأتي بها، وليس هو صاحب قدرة مستقلّة حتى يأتي بكلّ ما اقترحتموه. وقد تكرر هذا المضمون في القرآن الكريم غير مرّة. وليست هذه الفقرة ناظرة إلى نفي الإعجاز عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما تشير إلى أنّ خرق العادة بإذنه سبحانه، وقد أذن له في غير واحد من الموارد، كمعراجه إلى السماء، وشقّ القمر، إلى غير ذلك.
الثاني: (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ): أي إنّ الرسالة التي كُلِّفتُ بها، هي إنذاركم من عذاب الله سبحانه، وقد أنذرتكم غير مرّة. وبهذا البيان نقدر على تبيين مقاصد الآيات التي تحمل هذا المضمون وقد اتّخذها القساوسة ذريعة لنفي أي معجزة كونية للنبيّ، ولقد استعرضنا هذه الآيات بعامّتها التي تناهز ثماني عشرة آية في كتابنا «مفاهيم القرآن».1

1 . انظر: مفاهيم القرآن: 4/121ـ172.

صفحه 116
51. (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْم يُؤْمِنُونَ):
لمّا كان تحدّيهم للنبيّ باستنزال آيات كونية، يتضمّن إعراضاً واستصغاراً للمعجزة الكبرى للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وهي القرآن الحكيم، جاءت هذه الآية للردّ عليهم في هذا الأمر، وأنّهم لو كانوا طالبين للحقّ متحرّرين من أسر التعصّب والعناد، لكفاهم هذا الكتاب في البرهنة على صحّة نبوّتك ورسالتك حيث قال: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) ووجه كفايته أنّه أخرس لسان الفصحاء، وأفحم البلغاء عن معارضته، بل بالإتيان بسورة من مثله، فلو كانوا ينشدون الحقّ لأذعنوا به. ثم إنّه سبحانه ذكر خصائص الكتاب المجيد ومزاياه الّتي تدلّ على إعجازه وعظمته، وهي:
1. (يُتْلَى عَلَيْهِمْ): أي تدوم تلاوته عليهم، فيسمعونه في مجتمعاتهم وأنديتهم، فهو آية مستمرّة باقية وليس كمعجزات سائر الأنبياء التي تختصّ بالذين يشاهدونها، فالكتاب معجز إلى يوم القيامة.
2.(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً) لاحتوائه على ما يرشد الإنسان ـ إذا ما تمسّك بحبله ـ إلى الحقّ والهدى والصلاح والفلاح، وما يدفع بالمجتمع إلى صنع أرقى حضارة إنسانية، ففيه تشريع وأحكام، وآداب وقيم إيمانية، ومعارف وعلوم كونية، وقصص ومواعظ، وكلّ ذلك رحمة من الله .
3. (وَذِكْرى): أي تذكرة وموعظة(لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) أو تذكيراً لما عليه فطرة الإنسان، وبذلك يفارق معجزات الأنبياء، فهي تفقد الرحمة والذكرى ولم يكن لها أي تأثير في حياة الإنسان، وهذا بخلاف القرآن فهو يتضمّن

صفحه 117
منهجاً كاملاً للوصول إلى سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وخصّ المستفيدين بالمؤمنين لأنّهم هم المنتفعون من القرآن .
52. (قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْني وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ):
بعد ما أتمّ الحجّة عليهم بأنّه يكفي في إثبات صدق دعوة النبيّ كتابه المنزل الذي بيّن مزاياه آنفاً، فلو كانوا منصفين لآمنوا وأخبتوا ، ولكنّهم بقوا على عنادهم، وطلبوا منه الدليل على أنّه مبعوث من الله سبحانه، فأجابهم بوجهين:
الأوّل: إنّ الله تبارك وتعالى شاهد صدق على أنّه مبعوث منه سبحانه فقال: (قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْني وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا): أي كفى بالله أنّه يشهد عليّ بالرسالة والنبوّة. ووجه شهادته هو: أنّي تحدّيتكم مرّة بعد أُخرى، تارة تحدّيتكم بالإيتان بمجموع كتابي، وأُخرى بعشر سور منه، وثالثة بسورة من سوره، ولكنّكم عجزتم عن معارضته، وهذا دليل على صدق دعوتي، إذ لو كنت كاذباً لما زوّدني سبحانه بهذه المعجزة التي تجذب الناس إلى دعوتي، قال سبحانه: (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لاَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)1. وبذلك يعلم أنّ كلامه هذا ليس مجرد ادّعاء بل كلام برهاني واستدلالي دليله معه .
ثمّ إنّه سبحانه شهد بنحو آخر على نبوّته وقال: (وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ

1 . الحاقة:43ـ 46.

صفحه 118
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ...).1 وقال أيضاً: (مُحَمَّدٌ رسول الله وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ... ).(2)
ثمّ إنّ البيان القرآني بيّن قيمة هذه الشهادة وهو أنّ الشاهد(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) فهل يمكن لمن له هذا العلم الوسيع أن يزوّد رجلاً ـ غير صادق ـ بمعجزة تبهر العقول و تسحر النفوس؟
لمّا ذكر في الآية الحادية والخمسين أنّ الذكر الحكيم رحمة وتذكرة للمؤمنين، عاد في هذه الآية لبيان أنّ الكافرين هم الخاسرون كما يقول:(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ): أي ما ليس بحقّ كالاعتقاد بأُلوهية الأصنام(وَكَفَرُوا بِاللهِ): أي بوحدانيته (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) إذ لم ينتفعوا بالذكر الحكيم، الّذي يضيء للإنسان طريق الإيمان، المؤدّي إلى الفلاح في الدنيا، والفوز في الآخرة.
سورة العنكبوت: الآيات 53 ـ 57   

الآيات: الثالثة والخمسون إلى السابعة والخمسين

(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

1 . آل عمران: 144.   2 . الفتح:29.

صفحه 119

المفردات

يستعجلونك: العَجَلة: طلب الشيء وتحرّيه قبل أوانه.
بغتة: البغت: مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب.
الغشاوة: ما يُغطّى به الشيء.
محيطة: من أحاط بالشيء: أحدق وأحاط به من كلّ جهة.
الذوق: وجود الطعم بالفم، وأصله فيما يقل تناوله، فإنّ ما يكثر منه يقال له الأكل. وقد استخدم لفظ الذوق في الموت لكونه طارئاً على الحياة مرّة واحدة.1

التفسير

53. (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ):
يظهر من عدد من الآيات أنّ المشركين كانوا يستعجلون بالعذاب الإلهيّ من منطلق الاستهزاء والاستخفاف، ويطلبون من النبيّ العذاب الذي كان يوعدهم به، كقوله تعالى:(وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَ لَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ)2 وإلى هذا يشير سبحانه: (وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) وكأنّهم يتحدَّون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمرين:
الأوّل: ما تقدّم من قوله: (لَولاَ أُنزل عَلَيهِ آيَاتٌ مِنْ رَبّهِ).
الثاني: التعجيل بالعذاب، فلماذا لا يعذّبنا الله حسب ما تقول؟

1 . المفردات للراغب: 182، مادة «ذوق».
2 . الحج:47.

صفحه 120
فوافاهم الجواب: (وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ) وهذه الفقرة وما بعدها تحتمل وجهين:
الأوّل: المراد من الأجل المسمّى هو الأجل الذي عيّنه لتعذيب صناديد قريش وأتباعهم في غزوة بدر، ولأجل ذلك أُخّر عذابهم إلى ذلك الوقت.
وأمّا تأخير عذابهم إلى ذلك الأجل فهو لحكمة خاصّة، وهو أنّه قد يتّعظ بعض هؤلاء فيؤمن بالله وحده وبرسالة النبيّ ، ولأجل هذه الحكمة أخّر تعذيبهم إلى السنة الثانية للهجرة، وقد آمن بعضهم بين الفترتين.
والثاني: إنّ عدم التعجيل بالعذاب ليس بمعنى صرفه عنهم، بل ليأتينهم فَجأة من غير أن يشعروا بمقدّماته، كما قال: (وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) وهذا ينطبق على ما جرى عليهم في غزوة بدر حيث فاجأهم العذاب مفاجأة، في وقت كانوا يتصوّرون فيه أنّهم سيقضون على الإسلام، لكن سار الأمر على خلاف ما ظنّوا.
الثاني: ما عليه السيد الطباطبائي من أنّ المراد بالأجل المسمّى هو الذي قضاه لبني آدم حين أُهبط آدم إلى الأرض وقال: (وَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلَى حِين)1 وقال: (وَ لِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَ يَسْتَقْدِمُونَ)2 فهذا النوع من الأجل المسمّى (الذي يعادل انقضاء حياة الإنسان هو الذي حال بينهم وبين العذاب).3

1 . البقرة:36.
2 . الأعراف:34.
3 . الميزان في تفسير القرآن:16/141.

صفحه 121
وعلى هذا فالمراد بالأجل المسمّى هو مقدار العمر الذي قضاه سبحانه لكلّ امرئ، والمراد من العذاب هو العذاب بعد الموت، فيعمّ العذاب البرزخي والعذاب الأُخروي. ولعلّ الآية التالية تؤيّد الوجه الثاني فلاحظ.
54. (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ):
كرّر قوله: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) إشعاراً بكمال جهلهم وفساد فهمهم، وإنّ وجه عدم التعجيل به، هو أنّ العذاب في حقّهم مقضيّ في وقت خاص، فهم يطلبون الأمر المؤجّل تقديراً معجّلاً، ولكنّه خلاف التقدير، ومع ذلك فهم غافلون عن شيء وهو أنّ المؤجّل معجّل بنحو آخر وذلك: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)أي محدقة بهم من كلّ جهة. وظاهر المشتق (أي محيطة) أنّ العذاب بالفعل محيط بهم في دنياهم، وهؤلاء محاطون، وهذه الآية ـ بضميمة آيات أُخرى ـ تشير إلى أنّ للسيئات التي يرتكبها الإنسان حقائق كامنة فيها، تتجلّى في يوم القيامة ألواناً من العذاب كما عليه مسألة تجسّم الأعمال، فالجنة والجحيم صورتان أُخريان من الحسنات والسيئات، فالمسيء تحيط به نار جهنم في الحياة الدنيا وإن لم يشعر بها، كما أنّ المحسن تحيط به الجنة لأنّ ملكاته الحسنة وأعماله كذلك ستبدَّل إلى الجنة وما فيها من النعيم والقصور. ويشهد لذلك قوله
سبحانه:(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَ جُنوبُهُم وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لاَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)1، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ

1 . التوبة:34ـ 35.

صفحه 122
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا).1
55. (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):
لمّا تضمّنت الآية السابقة بأنّ جهنم محيطة بالكافرين، عاد البيان القرآني لتبيين هذه الإحاطة وأنّها على النحو التالي:(يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) فالنار تُجلّلهم وتغطّيهم، وقد ذكر من الجهات، الفوق والتحت ولم يشر إلى اليمين واليسار لوضوحه وعدم الحاجة إلى بيانه، ومثله قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في مدح عمّار بن ياسر «عمّار ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه».2(وَيَقولُ)يحتمل أن يكون القائل هو الله سبحانه أو الملك الموكّل بالعذاب (ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): أي جزاء عملكم، ويحتمل عدم تقدير الجزاء بل يذوقون نفس ما كانوا يعملون بناء على أنّ عمل الإنسان ـ من شرّ وخير ـ يتجسّم في الآخرة، فحينئذ يذوق نفس عمله.
56. (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ):
تدلّ الآية على أنّ المشركين قد مارسوا سياسة العنف والاضطهاد إلى درجة لا يتمكّن فيها المؤمنون من إظهار الإيمان والعمل بفرائضه، والله

1 . النساء: 10 .
2 . عوالي اللآلي:2/104.

صفحه 123
سبحانه يشرّفهم هنا بإضافتهم إلى نفسه، فيقول: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا)وأي تشريف أفضل من أن يكون الإنسان عبداً لله؟ وهذا هو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)نصفه بالعبودية قبل الرسالة ونقول: وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، ويقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)في مناجاته: «إلهي كفى لي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً. أنت كما أُحبّ، فاجعلني كما تحبّ».1
(إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ) فإذا لم تملكوا الحرية في العبادة ولم تقدروا على إقامة الفرائض، فهاجروا إلى مكان آخر يُتاح لكم فيه إقامة شعائر دينكم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«البلاد بلاد الله ، والعباد عباد الله ، فحيث ما أصبت خيراً فأقم».2 ولذلك لمّا ضاق بالمستضعفين مقامهم بمكة بعد أن اشتدّ عليهم الأذى والعذاب، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم، فآواهم ملكها وأحسن جوارهم ، كما هاجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)والّذين اتّبعوه إلى المدينة المنورة (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ): أي أُمرتم بالهجرة لأنّكم لا تتمكّنون من التوحيد في العبادة حتى تعبدوني دون غيري. وليس في الآية دليل على كون الآية مدنية لما عرفت من أنّ الهجرة تحقّقت في الفترة المكية أيضاً.
57. (كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ):
وجه صلة الآية بما قبلها هو أنّه سبحانه يؤكّد في هذه الآية على أنّ

1 . الخصال:420، باب التسعة، ح 14 .
2 . تفسير الدر المنثور:6/474.

صفحه 124
(كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) أي واجدة مرارة الموت وكَربَه، كما يجد الذائق طعم المذوق، وعلى هذا فإنّكم ميّتون، ومن كان هذا مصير حياته فعليه التزوّد والاستعداد له، ولا يحصل ذلك إلاّ بالهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإيمان، فتكون الآية بصدد الترغيب إلى الهجرة، وهذا ما يظهر من «الكشّاف»1، بتوضيح منّا، حيث قال:
إنّ الآية بصدد تسلية المؤمنين حيث كانوا معذّبين تحت ضغط المشركين وممنوعين عن إقامة الشعائر إلى غير ذلك من ألوان التعذيب والحرمان فجاءت الآية تسلية لهم وهو أنّ الحياة الدنيوية حياة مؤقتة سوف تنقضي كما يقول: (كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) والمهم هو الحياة الأُخروية التي تتحقّق عند الرجوع إليه سبحانه كما يقول: (ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ). وعلى هذا التفسير لا صلة للآية بالهجرة.
سورة العنكبوت: الآيات 58 ـ 60   

الآيات: الثامنة والخمسون إلى الستين

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

1 . تفسير الكشّاف:3/194.

صفحه 125

المفردات

بوّأ: قال في «الصحاح»: تبوّأت منزلاً: أي نزلته، وبوّأت للرجل منزلاً وبوّأته منزلاً: أي هيّأته ومكّنت له فيه.1
الغرف: جمع الغرفة، وهي العُلِّيّة من البناء، أي بيت منفصل عن الأرض ببيت ونحوه .
دابّة: الدابّة: كلّ نفس دبّت على وجه الأرض، عقلت أو لم تعقل.
لا تحمل: أي لا تدّخر.

التفسير

58. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ):
لمّا تقدّم بيان مصير الكافرين في قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)عاد البيان القرآني لبيان مصير المؤمنين وقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا): أي لننزلنّهم من الجنة مواضع عاليات، (تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)حيث تعلو عليها الغرف، أو بمعنى: تجري من تحت أشجارها المياه (خَالِدِينَ فِيهَا): أي

1 . صحاح الجوهري:1/37، مادة «بوأ».

صفحه 126
ماكثين فيها لا يتحوّلون عنها أبداً.(نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)فهو ثناء على الغرف التي تُعطى لهم جزاءً على ما قدّموا في حياتهم من أعمال ابتغوا بها مرضاة الله تعالى.
59.(الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ):
وهنا يصف سبحانه العاملين بوصفين:
1. (الَّذِينَ صَبَرُوا) في طريق دينهم من غير فرق بين الصبر في طريق الطاعة، أو الصبر عند المصائب والنوائب، أو الصبر عن المعاصي والآثام، (فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الاِْيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ)1، إذ الصبر رمز الاستقامة، وهو مفتاح النجاح في الحياة، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا).2 ولعلّ الأنسب هنا هو الصبر في تحمّل أذى المشركين.
سورة العنكبوت: الآيات 61 ـ 64   
2. (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فلا يعتمدون على أقوامهم وأوطانهم،
بل يتوكّلون على الله سبحانه، وبذلك يُعلم أنّ سمة المؤمن وشعاره الصبر والتوكّل، فالصبر يرسّخ ثبات الإنسان واستقامته أمام المشاكل، والتوكّل
على الله يوجب الاستمداد منه سبحانه للوصول إلى الهدف. وسيوافيك معنى التوكّل في تفسير قوله سبحانه:
(وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ
حَسْبُهُ
).3

1 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 82 .
2 . فصلت:30.
3 . الطلاق:3.

صفحه 127
60. (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ):
ولعلّ الآية نوع إجابة لمن كان يرجّح الإقامة في وطنه على الهجرة إلى ديار الغربة مخافة الجوع والحرمان والفقر، فجاء البيان القرآني بأنّ الرزّاق هو الله سبحانه بشهادة: كم من دابة لا تدّخر رزقها من الصيف إلى الشتاء لكنّ الله يرزقها كما قال: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لاَ تَحْمِلُ): أي تدخّر (رِزْقَهَا)، وإنّما قال:(وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة) ولم يقل: كلّ دابة، لأجل أنّ عدداً من الدوابّ ـ كالنملة مثلاً ـ تدّخر رزقها ولا تأكل إلاّ قدر كفايتها.
(اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ): أي الخشية من الإملاق أمر باطل، والله سبحانه هو الخالق وهو الرزّاق(وَهُوَ السَّمِيعُ)لأقوالكم الّتي عبّرتم فيها عن خشيتكم من مفارقة أوطانكم (الْعَلِيمُ) بأحوالكم لا يخفى عليه شيء من سرّكم وإعلانكم. وحصيلة الآية: إعطاء الاطمئنان لهؤلاء المستضعفين المعذَّبين في مكّة المكرّمة حتى يخرجوا من نير الظلم والعدوان إلى ساحة الأمن والاطمئنان، وليس لهم أن يجعلوا الخوف من الجوع والفقر ذريعة للبقاء في أوطانهم.

الآيات: الحادية والستون إلى الرابعة والستين

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ * اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ

صفحه 128
نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).

المفردات

سخّر: التسخير سياقة إلى الغرض المختص قهراً.
الإفك: كلّ مصروف عن وجهه الذي يحقّ أن يكون عليه، ومنه قيل للرياح العادلة عن المهابّ: مؤتفكة.
يَقْدر: أي يضيّق وهو ضد يبسط.
الحَيَوان: الحيوان والحياة واحد، ومعنى قوله: (لَهِيَ الْحَيَوَانُ) أي لهي الحياة الحقيقية.

التفسير

هذه الآيات الأربع ناظرة إلى قوله سبحانه:(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)حيث إنّهم كفروا بالله وآمنوا بالباطل، أي الأصنام والأوثان، ومع ذلك إذا سئلوا عن أشياء مَن هو خالقها ومدبّرها،

صفحه 129
ينسبون ذلك إلى الله سبحانه، وهذا نوع تناقض، فمن جانب يعبدون الأوثان الباطلة ويكفرون بالله الحق، ومن جانب آخر أنّهم إذا سئلوا أجابوا بما هو الحقّ نزولاً على حُكم الفطرة، وبذلك تعلم صلة هذه الآيات بما قبلها.
61. (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ):
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) عن أمرين كبيرين:
1. (مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ): أي مَن أوجدهما من العدم؟ فإنّ الوجدان لا يرضى لأن ينسب خلقهما إلى الأصنام والأوثان الصامتة والتي لا تسمع ولا تعقل، ولا إلى محكيّاتها من الملائكة والموجودات النورانية.
2. (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ): من خلال جريان كلّ منهما وفق سنن منتظمة مقدّرة بدقّة بالغة، لاترى فيها أي تخلّف في حركاتهما ودورانهما(لَيَقُولُنَّ اللهُ): أي هو الخالق والمسخّر، فعندئذ يُسألون بالقول: (فَأَنّى يُؤْفَكُونَ): أي فلماذا يُصرفون عن الحقّ إلى الباطل؟
62. (اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ):
ثمّة آيات عديدة تدلّ على أنّ سعة الرزق وضيقه بيد الله سبحانه. منها قوله عزّ من قائل: (اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَقْدِرُ)1، وقوله أيضاً: (أَوَ

1 . الرعد:26.

صفحه 130
لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ)1، وفي المقام يقول سبحانه: (اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ)الضمير يرجع إلى الموصول، فأُقيم الضمير مكان الظاهر فكأنّه قال: ويقدر لمن يشاء، فيكون مَن بُسط غير مَن قُدر، وليس المصداق للموصول هو نفس المصداق للضمير. نعم احتمل في «الكشّاف» أن يكون المصداق واحداً ولكن يتعاقب الأمران على واحد حسب المصلحة. ثم إنّه سبحانه يعلّل ذلك الاختلاف بقوله: (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ): أي يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم، وكلّ ذلك للحكمة التي هو أعرف بها.
بقي الكلام في توسّط الآية بين السؤال السابق ـ أعني :(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ...) ـ والسؤال الآتي، أعني: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ...)؟
والجواب: الظاهر أنّه تكميل لمعنى قوله سبحانه: (اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ)لأنّ الأوّل كلام في المرزوق وعمومه، وهذا كلام في الرزق توسعةً وتضييقاً.
وعن صاحب الكشف: اعترض ليفيد أنّ الخالق هو الرزاق، وأنّ مَن أفاض ابتداء وأوجد أَولى أن يقدر على الإبقاء وأكّد به ما ضمّن في قوله عزّ وجلّ:(وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).2
63.(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ

1 . الروم:37.
2 . روح المعاني:21/12.

صفحه 131
مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ):
قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ): أي بسببه (الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا)فتصير مخضرّة ذات نضارة ورونق من بعد أن كانت يابسة مُمحِلة (لَيَقُولُنَّ اللهُ) فاعل ذلك، وبذلك يعترفون بأنّ الموجد للممكنات ومدبّرها هو الله سبحانه. ثمّ إنّه سبحانه يأمر نبيّه بقوله:(قُلِ الْحَمْدُ للهِ) حيث أظهر حجّته إلى حدّ اعترف المشركون بما يلزمهم، فإذا كان الله سبحانه هو مبدأ الخلق والنعم وهو المدبّر لأمر خلقه، فهو إذاً أَولى بالعبادة من غيره.
ثم قال:(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)لأنّهم لا يتدبّرون، ولذلك بانَ التناقض بين معتقدهم في الخلق والتدبير وبين أفعالهم، أعني: الإعراض عن عبادة الحقّ إلى عبادة المخلوق.
64. (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ):
قسّم سبحانه المشركين إلى مَن يعقل وهو القليل ومَن لا يعقل وهو الأكثر، كما هو المستفاد من قوله:(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) ومع ذلك كلّه ترى اتّفاق المشركين كلّهم في أمر إنكار البعث والانغماس في الدنيا والتنافس في ملذّاتها، فجاء البيان القرآني ينعى عليهم هذا الانغماس، وما ذلك إلاّ لأنّ الحياة الدنيا أشبه شيء باللهو الذي يشغل الإنسان، واللعب الذي ينتهي بتمامه ولا يبقى أثر منه، فلو أنّ المشركين يريدون الحياة الباقية فليطلبوها من الحياة الأُخروية، ولذلك يقول: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ):

صفحه 132
أي ما يشتغل به الناس في أوقات فراغهم (وَلَعِبٌ)يتصدّى به الإنسان لانبساط نفسه، وبما أنّ لكلّ منهما وجوداً مؤقّتاً حيث بعد انتهاء اللهو واللعب يعود الإنسان إلى مكانته الأُولى دون أن يكتسب شيئاً، صحّ قوله سبحانه (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ): أي هي الحياة الحقيقية ببقائها وخلودها.
قال الشريف الرضيّ: ولمّا كانت الحياة دائمة فيها، حَسُن أن توصف بها على طريق المبالغة أنّها الحياة الواقعية لا الحياة الدنيوية 1.
(لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أنّ بعد هذه الدنيا الزائلة البائدة حياة أُخرى دائمة خالدة.
ثمّ إنّ هاهنا نكتة لابدّ من التنبيه عليها وهي أنّه سبحانه ليس بصدد ردّ سعي الإنسان في الحياة الدنيا ليتمتع بمواهبها; وذلك لأنّه يخالف ما عليه نفس الكتاب والسنّة بالأمر بتحصيل الرزق والتمتّع بالمواهب، يقول سبحانه: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ)2، وقال سبحانه:(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)(3) وإنّما هو بصدد التحذير من الانكباب على الدنيا بثمن نسيان الآخرة، فهذا هو الذي يؤكّد عليه القرآن في الكثير من آياته، ولذلك يصف في بعض
سورة العنكبوت: الآيات 65 ـ 69   
الآيات المؤمنين بأنّهم يطلبون خير الدنيا والآخرة كما يقول عن لسانهم: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَ فِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنَا عَذَابَ النَّارِ)3.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 181، بتصرّف .
2 . الجمعة:10.   3 . الأعراف:32.
3 . البقرة:201.

صفحه 133

الآيات: الخامسة والستون إلى التاسعة والستين

(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).

المفردات

الدين: الطاعة.
يتخطّف: الخطف والاختطاف: الاختلاس بالسرعة، قال تعالى: (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ)،1 فأُريد منه في الآية يُقتلون ويُسلبون.
مثوى: الثواء: الإقامة مع الاستقرار.

1 . الحجّ: 31 .

صفحه 134
التفسير
65. (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ):
هذا برهان آخر على عدم تعقّلهم، وتوضيحه أنّه سبحانه وصف أكثر المشركين بقوله:(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) فعاد إلى البرهنة على ذلك بأنّ عملهم يضادّ عقيدتهم مئة بالمئة، فمن جانب جعلوا التدبير بيد الأصنام والأوثان، يقول سبحانه حاكياً عنهم:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)1، ويقول سبحانه حاكياً عنهم أيضاً: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)2، وكلّ ذلك يدلّ على أنّهم أعطوا زمام التدبير لآلهتهم المكذوبة; لكنّهم من جانب آخر إذا ركبوا في الفلك وتقاذفتها الأمواج العاتية وحاق بهم الخطر، فعندئذ يفزعون إلى الله ، يدعونه بأكفّ عالية، ولا يخطر ببالهم أيّ معبود من معبوداتهم. وإنّما خصّ الفُلك بالذكر لأنّهم كانوا يخافون من البحر وأهواله، وهيجانه، وأمّا البرّ فكانوا يسافرون زَرافات وقوافل ومعهم سلاحهم ويقطعون طرقاً يعرفونها، ولذلك يقول سبحانه:(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): أي الطاعة وينسون طاعة الأصنام (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ)واستجاب دعاءهم (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)يعودون إلى ما كانوا عليه من شرك. وهذا يدلّ على أنّ الإنسان

1 . يس:74.
2 . مريم:81.

صفحه 135
إلهي بالفطرة وإنّه خُلق على التوحيد، كما يقول سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)،1 غير أنّ الانكباب على الدنيا أو الانخداع بوسائل الإعلام للقوى المعادية للقيم الإيمانية، يكون سبباً لنسيان الفطرة أو سترها، ولكن عندما يواجه الإنسان الأخطار المحدقة به ويرى أنّ الأسباب العادية لا تؤثر ولا تُنجي، فعندئذ ترتفع الأستار عن وجه الفطرة ويعود الإنسان إلى طبيعته الأُولى قبل غشيانها بأُمور مادّية، حتّى أنّه حُكي عن بعض الماديّين الذين ينكرون وجود الصانع بتاتاً، أنّهم كانوا يلتجئون إلى الله في الشدّة والخوف. وهناك حديث جميل عن الإمام الصادق(عليه السلام) يفصّل لنا رجوع الإنسان في الشدائد إلى الفطرة، وأنّ هذا أحد الدلائل على وجوده سبحانه، وإليك الحديث:
قال رجل للصادق(عليه السلام): يابن رسول الله دلّني على الله ما هو، فقد أكثر عليّ المجادلون وحيّروني؟
فقال له: «يا عبد الله هل ركبت سفينة قط؟»
قال: نعم.
قال: «فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟»
قال: نعم.
قال: «فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟»

1 . الروم:30.

صفحه 136
قال: نعم.
قال الصادق(عليه السلام): «فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث».1
66.(لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ):
لمّا تضمّنت الآية السابقة أنّ هؤلاء عند الشدة موحّدون وفي الرخاء والرفاه مشركون، عاد البيان القرآني إلى تهديدهم والتنديد بسلوكهم بالأمر بالكفر والتمتّع، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الأمر يُعتبر تهديداً، نظير قوله سبحانه: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)2، ونظيره قول القائل لولده: «إذا لم تسمع قولي وكلامي فاصنع ما شئت» فهو أمر في ظاهره وتهديد في باطنه، قال سبحانه: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ): أي ليجحدوا نعم الله في إنجائه إيّاهم، (وَلِيَتَمَتَّعُوا) في هذه الدنيا بباقي أعمارهم ناسين مَن إليه الرجوع، غافلين عن مصيرهم الّذي هم إليه صائرون. ويمكن أن تكون اللام لام العاقبة ويكون المعنى: أي إذا هم يشركون ليكون عاقبة أمرهم الكفر بالنعم والتمتع بالدنيا. ونظير الآية في كون اللام للعاقبة قوله سبحانه: (وَ قَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَئَهُ زِينَةً وَ أَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ).3 والأنسب هو المعنى الأوّل بقرينة ما يتضمّنه آخر الآية، أعني قوله: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)من تهديد ووعيد، أي فسوف يعلمون

1 . بحار الأنوار:3/41.
2 . فصّلت:40.
3 . يونس:88.

صفحه 137
عاقبة كفرهم وشركهم، عندما يُبعثون ويرَون العذاب .
67. (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ):
يتّضح معنى الآية بنقل ما روي عن ابن عباس: إنّهم قالوا: يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلاّ مخافة أن يتخطّفنا الناس لقلّتنا والعرب أكثر منّا، فمتى بلغهم أنّا قد دخلنا في دينك اختطفنا فكنّا أكلة رأس، فأنزل الله (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا).1
الآية تحكي عن عذر من أعذارهم المختلفة لعدم اتّباعهم الهدى قائلين بأنّا نعيش في مكّة المكرّمة عيشاً آمناً هادئاً لا يتعرّض أحد لنا، ولكن إذا آمنّا بدينك يا محمد نخاف أن نُتخطّف من قبل الناس، فجاء الوحي الإلهي يردّ عليهم بقوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا) رؤية حسّيّة(أَنَّا جَعَلْنَا)مكّة المكرّمة (حَرَمًا آمِنًا)أشبه بجزيرة آمن أهلُها من القتل و الغارة، قال الشريف الرضيّ: وهذه استعارة لأنّ الحرم لا يصحّ وصفه بالأمن حقيقة، وإنّما يأمن الناس فيه، فلاتّصال هذه الحال ودوامها واختصاص الحرم بين المواضع بها، حسن أن يوصف بالأمن على طريق المبالغة، ولذلك نظائر في القرآن كثيرة2، ولكنّ الناس خارج مكّة يعيشون في خوف وفزع على حياتهم وأموالهم، كما يقول: (وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ):أي يؤخذون فتُسلب أموالهم أو يُقتلون، فهذه هي النعمة الكبرى التي أعطاها الله سبحانه

1 . الدر المنثور:6/477.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:181 .

صفحه 138
لقريش وسكّان مكّة المكرّمة والحرم الشريف، والمشركون خارج مكّة يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم مال بعض، ولكنّهم يحترمون الحرم وأهله. ومع ذلك فهؤلاء غافلون عن نعمة الله سبحانه، ولذلك قال مهدّداً لهم (أَفَبِالْبَاطِلِ)الأصنام (يُؤْمِنُونَ)يصدّقون (وَبِنِعْمَةِ اللهِ)التي أنعم عليهم من النعم الظاهرة والخفية (يَكْفُرُونَ). وقد جاء مضمون الآية في سورة القصص، كما حكى سبحانه قولهم:(وَ قَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).1
وبما أنّ من نعم الله سبحانه على قريش وسكان مكّة بعثة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهم مكان أن يؤمنوا بنعمة الله كفروا بها، كما قال سبحانه: (وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ)، ولذلك جاءت الآية التالية مندّدة بكفرهم هذا.
68. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ):
تضمّنت الآية أُموراً:
الأوّل: (وَمَنْ أَظْلَمُ) عرّفهم بأنّهم أشدّ الظالمين ظلماً. وسيوافيك وجهه.
الثاني:(مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا) وصفهم بأنّهم يفترون على الله الكذب وينسبون إليه أنّه أمر بعبادة الأصنام، وقد حكى عنهم سبحانه تلك

1 . القصص:57.

صفحه 139
الفرية في آية أُخرى:(وَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَ اللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).1
الثالث:(أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ) ولعلّ المراد تكذيبهم رسالة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو كتاب الله العزيز. ثم ذكر عاقبة أمرهم.
الرابع: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) وهذه هي نهاية حياتهم جزاء تكذيبهم وافترائهم، فتكون جهنّم هي مكان إقامتهم خالدين فيها.
بقي الكلام عن سبب صيرورتهم أشدّ ظلماً من سائر الظالمين، ولعلّ وجهه يكمن في افترائهم على الله سبحانه حيث سلبوا منه أوضح صفاته وهو التوحيد وأثبتوا له ما هو منزّه عنه.
69. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ):
نزلت الآية في زمان كان فيه المؤمنون بمكّة مضطهدين صابرين على الأذى في طريق حفظ دينهم، فعلى هذا يكون المراد من قوله:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا): أي الذين صبروا على الاضطهاد والأذى في سبيل كسب رضا الله سبحانه. ويحتمل أن يكون المراد من قوله: (فينَا) في طريق الدين.
ثمّ إنّ العمل الصالح ـ خصوصاً مثل ذلك العمل العظيم ـ لا يخلو من أجر في الدنيا والآخرة، فالله سبحانه يَعِدهم بقوله: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)

1 . الأعراف:28.

صفحه 140
والظاهر أنّ المراد من الهداية إلى سبل الله هو تمكينهم من الهجرة الذي يلازم إنجاز الأعمال الصالحة التي هي السبل إلى كسب رضا الله سبحانه. والسبل وإن تعدّدت إلاّ أنّ الغاية واحدة، أعني: مرضاة الله سبحانه. وفي آخر الآية يصف هؤلاء بعنوان المحسنين ويَعِدهم بأنّ الله معهم كما يقول: (وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) وليس المراد من المعيّة المعيّة الجسمانية بل المراد عنايته سبحانه بهم.
هذا هو تفسير الآية عند النظر إلى زمان نزولها.
وأمّا مع قطع النظر عنه، فالآية بإطلاقها تدلّ على أسمى المعارف الإلهية، وهي أنّ لله تبارك وتعالى هدايتين: هداية عامة تشمل كلّ ذي عقل وشعور حتى إبليس وفرعون وتتحقّق تلك الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإلى غير ذلك من أدوات المعرفة. فإن جعل الإنسان نفسه في مهبِّ نسيم تلك الهداية يكون ذلك سبباً لهداية ثانية بلا وعي ولا اختيار كما يقول سبحانه:(وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)1، ويقول أيضاً في حق أصحاب الكهف:(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْنَاهُمْ هُدًى)2 فالتعبير بالزيادة في كلتا الآيتين أكبر دليل على أنّ الهداية الثانية نتيجة الهداية الأُولى. وعلى ضوء ما ذكرنا يمكن تفسير الآية بالنحو التالي: والذين اهتدوا وجاهدوا فينا، أي سعوا في طريق ديننا وكسب مرضاتنا سوف يتمتّعون بهداية ثانية، وهي الهداية إلى السبل التي تنتهي إلى مرضاته سبحانه، وما ذلك إلاّ لأنّ هؤلاء محسنون، والله سبحانه مع المحسنين.

1 . محمد:17.
2 . الكهف:13.

صفحه 141
والتدقيق في الآيتين الأخيرتين يرشد إلى أنّ الناس بين ظالم ومجاهد ومحسن، فالطائفة الأُولى أُشير إليها بقوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا)، وأُشير إلى الطائفة الثانية بقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا)، وإلى الطائفة الثالثة بقوله:(وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، فالمجاهد في سبيل الله إذا نالته الهداية الثانية يكون من مصاديق المحسنين.
***
تمّ تفسير سورة العنكبوت

صفحه 142
رسالة في مفاد كون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أُميّاً   

رسالة في مفاد كون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أُميّاً1

لم يختلف اثنان من الأُمّة الإسلامية في أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان أُمّياً لا يُحسن القراءة والكتابة قبل بزوغ دعوته لمصلحة صرّح الله بها في الكتاب العزيز، وسوف يوافيك بيانها، وصحائف حياته البيضاء أوضح دليل على ذلك، وقد أجمع أهل السير والتاريخ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُقبل على التعلُّم ولم يحضر على أحد للدراسة وتعلّم الكتابة، بل هو منذ نعومة أظفاره، يوم كان في أحضان جدّه وعمّه إلى أن بلغ الأربعين، لم يحم حول هذه الأُمور، وقد تواترت على ذلك كلمات العلماء الأبرار والفطاحل من أئمّة الإسلام، وقد اقتفوا في ذلك أثر كتاب الله العزيز، ودونك نصوصه من مواضع مختلفة.

النص الأوّل

قال تعالى:(وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرتَابَ المُبْطِلُونَ)2، سبحان الله ما أصرح كلامه وأوضح دلالته.

1 . مرّت الاشارة لهذه الرسالة ص 112 .
2 . العنكبوت : 48.

صفحه 143
هل تجد في نفسك ريباً في أنّه بصدد نفي تلاوة أي كتاب عن نبيّه الأكرم قبل نزول الوحي عليه، وكتابة أي صحيفة عنه، أوليس من القواعد الدارجة بين أئمّة الأدب، أنّ النكرة في سياق النفي تفيد انتفاء الحكم عن كل أفرادها وتعطي شمول السلب، كقوله سبحانه: (وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمالَهُ مِنْ مُكْرِم) 1، وقد قال سبحانه: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب)فأدخل النفي على النكرة وجعلها في سياقه، فإذن المراد من التلاوة المنفية تلاوة مطلق الكتاب، كما أنّ المراد من الخط المنفى عنه تسطير أي كتاب وترسيم أي صحيفة تقع في ذهن السامع، فالضمير المتّصل بالفعل (لاتخطّه) عائد إلى (كتاب) وكأنّه جل شأنه قال: وما كنت تخط كتاباً. وقد وافاك أنّ مثل هذا الكلام لوقوع النكرة في سياق النفي يفيد عموم النفي، فالله سبحانه نفى عن نبيّه مطلق التلاوة والكتابة قبل بعثته.
ثم إنّه عزّ اسمه أراد أن يبعث نبيّه أُمّياً لمصلحة أولى وألزم، وهي نفي ريب المبطلين وشكّ المشكّكين، إذ لو كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في برهة من عمره تالياً للكتب، وممارساً للصحف، لساغ للبسطاء من أُمّته والمعاندين منهم أن يرتابوا في رسالته وقرآنه، ويلوكوا في أشداقهم بأنّ ما جاء به من الصحف والسور والآيات، إنّما تلقّاها من الصحف الدينية وقد صاغها وسبكها في قوالب فصيحة ، تهتز لها النفوس وترتاح إليها القلوب، فليست لما يدّعيه من نزول الوحي على قلبه، مسحة حقّ أو لمسة صدق.
وقد حكى سبحانه هذه الفرية الشائنة عن بعض المشركين فقال

1 . الحج : 18 .

صفحه 144
سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُو ظُلْماً وَزُوراً* وَ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) 1 فالله سبحانه لقلع جذور الشكّ عن قلوب السذّج من الأُمّة، والمبطلين منهم، صرفه عن تعلّم الكتابة حتى يصح لنبيّه أن يتلو على رؤوس الأشهاد قوله سبحانه: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ).2
يعني يا معشر العرب: أنتم تحيطون خبراً بتاريخ حياتي فإنّي تربّيت بين ظهرانيكم ولبثت فيكم عمراً يناهز الأربعين، فهل رأيتموني أتلو كتاباً أو أخطّ صحيفة، فكيف ترمونني بالإفك الشائن: بأنّه أساطير الأوّلين اكتتبتها، ثم افتريتها على اللّه، وأعانني على ذلك قوم آخرون؟!
فلو لم يكن النبيّ أُمّياً لا يحسن القراءة والكتابة بل كان قارئاً وكاتباً وممارساً لهما على رؤوس الأشهاد، لما أمكن له أن يتحدّى العرب، وفي مقدّمتهم صناديد قريش بقوله: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)3، فلأجل تحقيق هذه المصلحة المهمّة، نشأ النبي في أحضان قومه وشبّ وترعرع إلى أن ناهز الأربعين وهو أُمّيٌّ لا يحسن القراءة والكتابة، ولو كان وقتئذ قارئاً وكاتباً وهم أُمّيون لراجت شبهتهم في أنّ ما جاء به نتيجة اطّلاع ودرس وأثر نظر في الكتب.
وجاء المفسّرون في المقام بكلمات درّية وجمل موضّحة للمراد،

1 . الفرقان : 4 ـ 5.
2 . يونس: 16.
3 . الفرقان : 6.

صفحه 145
فقال أمين الإسلام الطبرسيّ في تفسير الآية: «اللام» في قوله: (إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) للقسم وفي الكلام حذف، تقديره: ولو خططته بيمينك أو تلوت قبله كتاباً إذاً والله لارتابوا، والمعنى لو كنت تقرأ كتاباً أو تكتبه لوجد المبطلون طريقاً إلى إيجاد الشكّ في أمرك وإلقاء الريبة لضعفة الناس في نبوّتك ولقالوا: إنّما تقرأ علينا ما جمعته من كتب الأوّلين، فلمّا ساويتهم في المولد والمنشأ ثمّ أتيت بما عجزوا عنه، وجب أن يعلموا أنّه من عند الله تعالى وليس من عندك، إذ لم تجرِ العادة أن ينشأ الإنسان بين قوم يشاهدون أحواله من صغره إلى كبره، ويرونه في سفره وحضره، لا يتعلّم شيئاً من غيره، ثم يأتي من عنده بشيء يعجز الكلّ عنه وعن بعضه، ويقرأ عليهم أقاصيص الأوّلين 1.
***

آراء شاذّة للدكتور الهندي

تبنّى الدكتور عبد اللطيف الهندي في مقالة له حول أُمّية النبيّ الأكرم رأياً شاذّاً خالف به الإجماع المسلَّم بين طوائف المسلمين، حيث ذهب إلى أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن أُمّيّاً لا يحسن القراءة والكتابة، بل كان يقرأ ويكتب في حداثة سنّه إلى أُخريات أيّامه2، وقد ألقى الدكتور المذكور مقالته تلك باللغة الإنجليزية، في المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في حيدرآباد عام

1 . مجمع البيان:4/287.
2 . يبدو أنّه التقط هذا الرأي من بعض رجال الكنيسة والمستشرقين، الذين زعموا أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقرأ ويكتب، ومنهم المستشرق الإيطالي ليونِه كايتاني(المتوفّى 1345هـ/1926م) في الجزء الأوّل من كتابه «تاريخ الإسلام» المؤلَّف بالإيطالية.

صفحه 146
(1964م). ولمّا وجد أنّ هذا الرأي يخالف النصّ القرآنيّ الصريح، أخذ في تأويله تأويلاً بارداً، وقال ما هذا حاصله:
«المراد من الكتاب في قوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب) إنّما هو الكتب السماوية نظائر التوراة والإنجيل النازلة بغير اللغة العربية، فلم يكن النبي عارفاً بتلكم اللغات ولا قادراً على تلاوتها، وهو غير القول بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن قارئاً ولا كاتباً حتى باللغة العربية التي هي لسان قومه وبيته».
ولا أدري ما الذي حمل الكاتب على هذا التأويل، إذ لو كان المراد نفي معرفته بهذه الكتب المعينة، لما صحّ له أن يقول:(مِنْ كِتَاب) بل كان عليه أن يقول: ما كنت تتلو من قبله الكتاب أو الكتب مشيراً باللام إلى الكتاب أو الكتب المعهودة، وقد أُتي باللام فيما قصد به نفي العرفان بالكتب السماوية عنه في قوله تعالى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَ لاَ الإِيمَانُ وَلكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِرَاط مُسْتَقِيم).1
وقال عزّ شأنه: (وَكَذلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ).2
ترى أنّه سبحانه عندما رام أن يشير إلى هذه الكتب المعهودة عرفها باللام إشارة إلى معهوديتها.
أضف إليه: أنّ الهدف الأسمى للآية من نفي التلاوة والكتابة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . الشورى : 52.
2 . العنكبوت : 47.

صفحه 147
هو قلع جذور الريب والشكّ من قلوب المبطلين، ولا يتحصّل ذلك إلاّ بكونه أُمّياً غير قارئ ولاكاتب قط، ولا يُحسن القراءة والكتابة أصلاً. ولو صحّ ما يرتئيه الدكتور لما نهضت الآية إلى رفع آثار الشكّ وغبار الريب، بل كان باب إثارة الشك في أمره (صلى الله عليه وآله وسلم)وإلقاء الريب في قلوب ضعفاء الناس بنبوّته مفتوحاً على مصراعيه، إذ كان للجاحد المبطل أن يزعم، انطلاقاً من تماديه في التكذيب، أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بمزاولته القراءة والكتابة قد يكون اطّلع على أحوال الماضين وأقاصيص الأوّلين، فأودع نتائج أفكاره وما استحصل عليه من الكتب بعد سبره لغورها، في هذه الصحائف التي ضمّنها هذه السور والآيات هي التي افتراها على اللّه، وقد رماه بهذه الفرية الشائنة رؤوس الكفر والعناد فيما حكاه عزّ وجلّ: (وَ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).1
وفي نفس الآية دليل بارز على أنّ الهدف منها هو نفي مطلق التلاوة والكتابة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث عطف على الجملة الأُولى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب)قوله:(وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ).
بيانه: لو كان المراد من الآية خصوص عدم قدرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على تلاوة الكتب الدينية النازلة باللغة العبرانية أو غيرها من اللغات غير الدارجة في الجزيرة العربية لعدم معرفته بلغاتها، لكان له تعالى أن يقتصر على الجملة الأُولى، ولا يردفها بقوله: (وَلاَ تَخُطُّهُ) لوضوح الملازمة بين الأمرين. فإذا كان الرجل لا يقدر على قراءة كتاب أُلّف بلغة معيّنة، فهو لا

1 . الفرقان : 5.

صفحه 148
يقدر على خطّها ورسمها بتاتاً، فعلى ذلك لماذا جيء بالمعطوف مع إمكان الاستغناء عنه بما تقدّم عليها؟
ولكن لمّا كان الغرض هو التنبيه على أُمّية النبي بأوضح العبارات، والإجهار بها بأصحّ الأساليب، وأنّه قبل بعثته لم يكن قارئاً ولا كاتباً بتاتاً، بل كان بعيداً عن ذلك كلّ البعد، صحّ عطفها على ما تقدّم عليها، لأنّ العرف إذا حاول توصيف الرجل بالأُمّية يقول في حقّه: إنّه لا يعرف القراءة والكتابة، أو أنّه ليست بينه وبين التلاوة والكتابة أيّة صلة، ولا يقتصر على نفي الأُولى بل يردفها بنفي الأُخرى أيضاً، توضيحاً للمراد. والله سبحانه لمّا أراد التركيز على أُمّية النبي وأنّه طيلة عمره كان بعيداً عن مجالات العلم والدراسة، أتى بما هو الدارج في لسان العرب، إذا أرادوا توصيف الشخص بالأُمّية.
والشاهد على ما ذكرنا: أنّك لو ألقيت هذه الآية على أي عربي عريق في لغته ولسانه، يقضي بأنّ المقصد الأسنى منها نفي معرفته (صلى الله عليه وآله وسلم)بالتلاوة والكتابة على الإطلاق. نعم الآية خاصّة بما قبل البعثة، لا تعمّ ما بعدها، ولنا عودة إلى هذا الموضوع في الأبحاث الآتية فانتظر.
وربّما يقال: إنّ الآية تنفي مطلق التلاوة والكتابة، ولكن لا تدلّ على نفي إحسانهما عنه، لأنّه قد لا يكتب الكتاب من يحسنه.1 قلت: سيوافيك جوابه عند البحث عن وضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد البعثة.

1 . نقله الشيخ الطوسي في تبيانه، فراجع: ج8/216، ط بيروت.

صفحه 149

النص الثاني

قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ*... فَآمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتّبعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).1
قد وصف سبحانه نبيّه في هذه الآية بخصال عشر وهي:أنّه رسول، نبيّ، أُمّيّ، مكتوب اسمه في التوراة والإنجيل، ومنعوت فيهما بأنّه يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، يحلّ لهم الطيبات، يحرّم عليهم الخبائث، يضع عنهم الإصر، ويرفع عنهم الأغلال.
وهذه الصفات التي تضمّنتها الآية في حقّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) واضحة حتى الوصف الذي هو موضوع البحث (الأُمّيّ) إذ الأُمّيّ حسب تنصيص الكتاب المبين هو من لا يقدر على القراءة ولا يحسن الكتابة كما يقول سبحانه: (وَ مِنْهُم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ).2
قوله سبحانه: (لا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ) توضيح لقوله أُمّيون أي منهم أُمّة منقطعون عن كتابهم لا يعلمون منه إلاّ أوهاماً وظنوناً يتلوها عليهم علماؤهم، الذين يحرّفون كتاب الله وكلماته عن مواضعها، ويحسب هؤلاء

1 . الأعراف:157ـ 158 .
2 . البقرة : 78 .

صفحه 150
السذّج أنّه الكتاب المنزل إليهم من ربّهم. ولذلك قال سبحانه في الآية التالية: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هِذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ ممّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ ممّا يَكْسِبُونَ).1
فلو كانوا عارفين بالكتاب قادرين على قراءته وتلاوته لما اغترّوا بعمل المحرّفين، ولميّزوا الصحيح من الزائف غير أنّ أُمّيتهم وجهلهم به حالت بينهم وبين أُمنيّتهم.
قال الرازي: إنّه تعالى وصف محمداً في هذه الآية بصفات تسع،(2) إلى أن قال: الصفة الثالثة: كونه أُمّياً، قال الزجّاج: معنى الأُمّيّ الذي هو على صفة أُمّة العرب، قال عليه الصلاة والسلام: إنّا أُمّة أُمّية لا نكتب ولا نحسب 2، فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرأون، والنبي كان كذلك فلهذا السبب وصفه بكونه أُمّياً3.
وقال البيضاوي: الأُمّيّ لا يكتب ولا يقرأ، وصفه به تنبيهاً على أنّ كمال علمه مع حاله هذا، إحدى معجزاته 4.
هذا، وقد أصفقت على ما ذكرنا من المعنى للأُمّية معاجم اللغة المؤلّفة في العصور الزاهرة بأيدي الخبراء الأساطين وفي مقدّمهم: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا(المتوفّى 395هـ) صاحب «مقاييس

1 . البقرة : 79 .   2 . لا، بل عشر، كما عرفت.
2 . إيعاز إلى ما رواه البخاري في صحيحه:1/327 عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: إنّا أُمّة أُمّية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا أو هكذا، مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.
3 . مفاتيح الغيب:4/309.
4 . أنوار التنزيل وأسرار التأويل:3/230 مع شرحه لإسماعيل القونوي.

صفحه 151
اللغة» 1 وغيرها من الكتب الممتعة ودونك كلامه:
«أُمّ» له أصل واحد يتفرّع منه أربعة أبواب وهي الأصل، والمرجع والجماعة والدين، قال الخليل: كلّ شيء تضمّ إليه ما سواه ممّا يليه، فإنّ العرب تسمّي ذلك أُمّاً ومن ذلك أُمّ الرأس: وهو الدماغ، أُمّ التنائف: أشدّها وأبعدها، أُمّ القرى: مكة، وكلّ مدينة هي أُمّ ما حولها من القرى، وأُمّ القرآن: فاتحة الكتاب، وأُمّ الكتاب ما في اللوح المحفوظ، وأُمّ الرمح: لواؤه وما لفّ عليه، وتقول العرب للمرأة التي ينزل عليها: أُمّ مثوى، وأُمّ كلبة: الحمى، وأُمّ النجوم: السماء، وأُمّ النجوم: المجرّة ... إلى أن عدّ كثيراً من هذه التراكيب فقال: الأُمّيّ في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جِبلّة الناس لا يكتب، فهو في أنّه لا يكتب على ما وُلد عليه 2.
ومحصل كلامه أنّه ليس للأُمّ إلاّ مادة واحدة وهي الأصل لغيرها ومنه يتفرّع غيرها فأُمّ الإنسان أُمّ لأنّها أصله وعرقه، وهكذا ...
وهذا الزمخشري إمام اللغة والبلاغة فسّر قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) بأنّهم لا يحسنون الكتاب فيطالعوا التوراة ويتحقّقوا ما فيها3.

1 . بلغ ابن فارس الغاية في الحذق باللغة، وكنه أسرارها وفهم أُصولها، وقد حاول في تأليف هذا المعجم أن يوحّد المعاني المتعددة المفهومة من لفظ واحد وذلك بإرجاعها إلى أصل واحد تفرّعت عنه تلك المعاني في الاستعمال. وقد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف، ولم يسبقه إلى مثله أحد، ولم يخلفه غيره.
2 . مقاييس اللغة:1/21 ـ 28.
3 . الكشاف:1/224.

صفحه 152
وقال أمين الإسلام الطبرسي في «مجمع البيان»: ذكروا للأُمّيّ معاني:
أوّلها: أنّه الذي لا يكتب ولا يقرأ.
ثانيها: أنّه منسوب للأُمّة، والمعنى أنّه على جِبِلّة الأُمّة قبل استفادة الكتاب.
ثالثها: أنّه منسوب إلى الأُمّ، والمعنى أنّه على ما ولدته أُمّه قبل تعلُّم الكتابة.1
قلت: هذه المعاني متقاربة تستهدف مفهوماً واحداً. وإنّما الاختلاف في انتسابه إلى الأُمّ أو الأُمّة، وقد جمع ابن فارس في كلامه كلا الاحتمالين.
هذه نصوص بعض أئمّة اللغة وأساطين التفسير، إذا شئت فلاحظ كلمات الباقين منهم.

الآراء الشاذة في تفسير الأُميّ

ربّما يجد القارئ في طيّات بعض التفاسير معاني أُخر للأُمّي لا تتّفق مع ما أصفق عليه أئمّة اللغة والتفسير، فلا بأس بذكرها ودحضها:
الأوّل: الأُميّ منسوب إلى أُمّ القرى، وهي علَم من أعلام مكة كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)2 وعلى ذلك فالمراد من الأُمّي أنّه مكيّ.

1 . مجمع البيان:4/373.
2 . الشورى : 7 .

صفحه 153

وفيه مواقع للنظر والنقد:

أوّلاً: أنّ أُمّ القرى ليست من أعلام مكة ـ وإن كان يطلق عليها ـ غير أنّ الإطلاق لا يدلّ على كونه من أعلامها، بل هو موضوع على معنى كلّي وهي إحدى مصاديقه، ولا تنس ما ذكره ابن فارس بقوله: «كلّ مدينة هي أُمّ ما حولها من القرى» فيُعلم من ذلك أنّ أُمّ القرى مفهوم كلّي يصحّ إطلاقه على أية بلدة تتّصل بها قرى كثيرة بالتبعية، وهذه القرى تعتمد عليها في أُمور حياتها، ويعاضد ما ذكرناه (كون أُمّ القرى كلّياً) قوله عزّ وجلّ: (وَ مَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً) 1 فالآية (بحكم رجوع الضمير في أُمّها إلى القرى) صريحة في أنّها ليست علَماً لموضع خاص، لأنّ مشيئته تعمّ الأُمم في هذا الأمر (إهلاك الأُمم وإبادتهم بعد إنذارهم ببعث الرسل في مراكز قراها) ولا تختص بأُمّة دون أُخرى، أو موضع دون موضع، وعلى هذا فمفاد الآية: أنّ الله سبحانه يمهل أهل القرى من دون فرق بين قرية وقرية، حتى يبعث في مركزها (الذي هو مركز الثقل بالنسبة إليها، ومجتمع أكثر الناس، وملتقى أفكارهم)، رسولاً يبشّرهم وينذرهم، فإذا ضربوا عنه صفحاً وهجروا مناهجه، يبيدهم ويهلكهم بألوان العذاب، وهذه مشيئة الله وعادته في الأُمم السالفة البائدة جميعاً، مكيّة كانت أم غيرها.
وثانياً: لو صحّ كونه من أعلام مكة، فالصحيح عند النسبة إليها هو القُروي لا الأُمّيّ، وهذا ابن مالك يقول في ألفيته:

1 . القصص : 59 .

صفحه 154
وانسب لصدر جملة وصدرِ ما *** رُكِّب مَزجاً، ولِثان تَمّما
إضافةً مبدوءةً بابن أوَ ابْ *** أو ما له التعريف بالثاني وجبْ
فيما سوى هذا انسُبنْ للأوّلِ *** مالم يُخَف لَبْسٌ كعبد الأشهلِ
قال ابن عقيل في شرحه: إذا نسب إلى الاسم المركب فإن كان مركباً تركيب جملة أو تركيب مزج، حذف عجزه وأُلحق صدره ياء النسب، فتقول في تأبّط شراً: تأبّطي، وفي بعلبك: بَعليّ، وإن كان مركب إضافة، فإن كان صدره ابناً أو أباً أو كان معروفاً بعجزه، حذف صدره وأُلحق عجزه ياء النسبة، فنقول في ابن الزبير: زُبيريّ، وفي أبي بكر: بكريّ، وفي غلام زيد: زيديّ، وإن لم يكن كذلك ... 1.
والاقتصار على الابن والأب من باب المثال، والحكم يعمّ الأُمّ والابنة والأخ والأُخت، لاشتراك الجميع معهما في المناط والملاك ، وهو كونها مركّبة تركيب إضافة وحصول الالتباس لو أُلحقت بصدرها.
وثالثاً: أنّ الله وصف نبيّه في الآية بصفات تناسب موضوع النبوّة ، فلو كان الأُمّيّ فيها بالمعنى الذي أوضحناه، تلاءم الكلام، وكانت تلك الصفة كاشفة عن آية نبوّته وبرهان رسالته، لأنّه مع كونه أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب، أتى بشريعة كافلة لسعادة الناس وسيادتهم، وجاء بكتاب فيه هدى ونور، وتضمّن من الحقائق والمعارف ما لا يقف عليه حتى الأوحديّ من الناس فضلاً عمّن لم يقرأ ولم يكتب، وهذا برهان رسالته ودليل صلته بالله وكونه مبعوثاً ومؤيّداً منه تعالى.

1 . شرح ابن عقيل:2/391.

صفحه 155
ولو كان المراد منه ما زعمه القائل من كونه مكّياً وأنّه وليد ذلك البلد، لكان الإتيان به في ثنايا تلك الأوصاف والخصال إقحاماً بلا وجه، واقتضاباً بلا جهة.
وإن شئت قلت: لو كان المراد من الأُمّيّ ما ذكرناه، لكان فيه إشارة إلى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع كونه باقياً على الحالة التي ولد عليها، قد أتى بكتاب عجز الناس عن تحدّيه، وكَلّ البلغاء عن معارضته، وخرس الفصحاء لديه، مضافاً إلى ما فيه من المعارف الإلهية والحقائق العلمية والدساتير والقوانين الاجتماعية والاقتصادية في شؤون الحياة الانسانية ومسائلها المعقّدة، وهذا دليل على صدق دعوته، وأنّه مبعوث من عنده تعالى، وهذه النكتة تفوتنا إذا فسّرناه بأنّه مكّي ووليد الحرم والبلد الأمين، إذ ليس في كونه مكّياً أيّ امتياز حتى ينوّه به.
وإلى ما ذكرنا يشير قوله عزّ وجلّ: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين).1
فإنّ توصيف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه منهم (أي من الأُمّيّين) للإشارة إلى أنّه مع كونه أُمّياً مثلهم، يعلّمهم الكتاب والحكمة ، وما ذلك إلاّ لكونه مؤيّداً منه تعالى بروح تعاضده، وموجهاً بتوجيهه لارتقاء تلكم المدارج، فالآية من قبيل إتيان الشيء ببيّنته وبرهانه.
نعم ورد في بعض المأثورات حول تفسير الأُمّي انتسابه إلى أُمّ

1 . الجمعة : 2.

صفحه 156
القرى، وسوف نرجع إلى هذه الروايات بالإيراد والمناقشة في إسنادها ومضامينها.
الرأي الثاني: ما ذكره الدكتور عبد اللطيف الهندي في مقالته المشار إليها، فقال: الأُمّيّ من لم يعرف المتون العتيقة السامية، ولم ينتحل إلى ملّة أو كتاب من الكتب السماوية، والشاهد عليه أنّ الله جعل الأُمّي في الكتاب العزيز، مقابل أهل الكتاب، فيُستظهر منه أنّ المراد منه هي الأُمّة العربية الجاهلة بما في زبر الأوّلين من التوراة والإنجيل غير منتسبة إلى دين أو ملّة، لا من لا يقدر على التلاوة والكتابة.
أقول: ما ذكره الدكتور زلّة وعثرة لا تستقال، فإنّ إطلاق الأُمّيين على العرب المشركين ليس «بسبب جهلهم بالمتون السامية، وإن كانوا عارفين بلسان قومهم قادرين على تلاوته وكتابته» كما حسبه الدكتور، بل بسبب جهلهم بقراءة لغتهم وكتابتها لأنّ الثقافة العربية بمعنى قراءة اللغة العربية وكتابتها، كانت متدهورة في العصر الجاهلي، وكانت الأُمّية هي السائدة ولا يسودهم في تلكم الظروف شيء غيرها، وكانت القدرة على القراءة والكتابة محصورة في ثلّة قليلة لا يتجاوز أفرادها عدد الأصابع.
فهذا المؤرّخ البلاذري أتى «في فتوح بلدانه» بأسماء الذين كانوا عارفين بالقراءة والكتابة في العهد الجاهلي فما جاوزوا سبعة عشر رجلاً في «مكة» وأحد عشر نفراً في «يثرب» وقال: اجتمع ثلاثة نفر من طيّ بـ «بقة» وهم: مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة، فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلّمه منهم قوم من أهل الأنبار ثم تعلّمه أهل الحيرة من أهل الأنبار، وكان بِشر بن عبد الملك أخو

صفحه 157
أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجنّ الكندي ثم السكوني صاحب دومة الجندل، يأتي الحيرة فيقيم بها الحين وكان نصرانياً فتعلم «بشر» الخط العربي من أهل الحيرة، ثمّ أتى مكة في بعض شأنه فرآه سفيان بن أُمية بن عبد شمس وأبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب يكتب فسألاه أن يعلّمهما الخط فعلّمهما الهجاء، ثمّ أراهما الخط فكتبا، ثمّ إنّ بشراً وسفيان وأبا قيس أتوا الطائف في تجارة فصحبهم غيلان بن سلمة الثقفي فتعلّم الخط منهم وفارقهم بشر، ومضى إلى ديار مضر، فتعلّم الخط منه عمرو بن زرارة بن أعدس فسمّي عمرو الكاتب، ثمّ أتى بشر الشام فتعلّم الخط منه ناس هناك وتعلّم الخط من الثلاثة الطائيين أيضاً رجل من طابخة كلب، فعلّمه رجل من أهل وادي القرى فأتى الوادي يتردّد فأقام بها وعلّم الخط قوماً من أهلها ـ إلى أن قال: ـ فدخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً كلّهم يكتب، عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب و... 1.
وهذا ابن خلدون يحكي في مقدّمته، أنّ عهد قريش بالكتابة والخط العربي لم يكن بعيداً بل كان حديثاً وقريباً بعهد الرسول، فقد تعرّفوا عليها قبيل ظهور الإسلام، حيث قال في الفصل الذي عقده لبيان أنّ الخط والكتابة من عداد الصنايع الإنساية:
كان الخط العربي بالغاً مبالغه من الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة، لمّا بلغت من الحضارة والترف، وهو المسمّى بالخط الحِمْيري، وانتقل منها إلى الحيرة لما كان فيها دولة آل المنذر بسبأ التبابعة، إلى أن قال:

1 . فتوح البلدان:3/579، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.

صفحه 158
ومن الحيرة لقنه أهل الطائف وقريش فيما ذكر، يقال إنّ الذي تعلّم الكتابة من الحيرة هو سفيان بن أُمية ويقال حرب بن أُمية وأخذها من أسلم بن سدرة وهو قول ممكن وأقرب ممّن ذهب إلى أنّهم تعلّموها من إياد أهل العراق وهو بعيد، لأنّ إياداً وإن نزلوا ساحة العراق فلم يزالوا على شأنهم من البداوة، والخط من الصنايع الحضرية، فالقول بأنّ أهل الحجاز إنّما لقنوها من الحيرة ولقنها أهل الحيرة من التبابعة وحِمْير ، هو الأليق من الأقوال 1.
فإذا كان هذا مبدأ تعرّفهم على الكتابة والقراءة، وكان هذا مقياس ثقافتهم وتعرّفهم عليها في المنطقتين (مكة والمدينة) فما ظنك بهم في المناطق الأُخرى؟ نعم، كانت الربوع المختصّة باليهود والنصارى، تزدحم بأحبارهم وحفّاظ كتبهم، فكانت القراءة والكتابة رائجتين بينهم، لمسيس حاجتهم إلى معرفة كتابهم وما فيه من الطقوس والسنن.
فإذا ألممت أيّها الباحث ولو إلمامة عابرة بروح ذلك العصر، ووقفت على ما كان يسود في تلكم الظروف والبيئات، لقضيت بأنّ المراد من الأُمّي حتى في ما استعمل عند أهل الكتاب هو العاجز عن القراءة والكتابة بقول مطلق كقوله سبحانه: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتبَ وَ الأُمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ) (2) ويوضح ما ذكرناه قوله سبحانه: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ)(3).2 فالآية بحكم رجوع الضمير (وَمِنْهُمْ) إلى اليهود،

1 . مقدمة ابن خلدون:418، طبع بيروت، الطبعة الرابعة.      2. آل عمران:20.   3. البقرة: 78.
2 . هذه الآية بما أنّها تقسّم أهل الكتاب والمنتحلين إليه إلى طائفتين أُمّية وغير أُمّية، تبطل ما ادّعاه الدكتور من أنّ الأُمّي عبارة عن من لم ينتحل إلى الدين ولم ينسب إلى ملّة.

صفحه 159
تقسّم اليهود إلى طائفتين: طائفة يعلمون الكتاب ، وأُخرى أُمّية لا تعلم من الكتاب شيئاً، بل تتخيّله أمانيّاً، فقد أطلق الأُمّي في هذه الآية على بعض أهل الكتاب بملاك جهله بكتابه، قراءةً وكتابةً، ولكن الجهل بالكتاب الذي نزل بلسانه ولسان قومه يلازم الجهل بسائر اللغات طبعاً.
فهذا الكتابي، بما أنّه لا يحسن القراءة والكتابة قط، أُمّي كالعربي الأُمّي بلا تفاوت.
وقصارى ما يمكن أن يقال: إنّه ليس للأُمّي إلاّ مفهوم واحد وضع له وضعاً واحداً، غير أنّ مفهومه يختلف حسب اختلاف الظروف والبيئات، وحسب اختلاف الإضافات والنسب، فالأُمّي في أجواء الكتابيين عبارة عمّن لا يعرف لغة كتابه، فلو قيل: ذلك الكتابيّ أُمّي فالمقصود منه بقرينة لفظ «الكتابيّ» كونه أُمّياً بالنسبة إلى كتابه الذي ينتحله، كما أنّ الأُمّي في البيئات العربية عبارة عمّن لا يحسن العربية قراءة وكتابة وهكذا ...
وبناء على ذلك فالأُمّيون في قوله سبحانه: (وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيَّ) عبارة عن الطائفة الجاهلة بالمتون السامية من أهل الكتاب، لا يحسنون تلاوتها ولا كتابتها، إلاّ أنّ ذلك الإطلاق لا يُثبت كون الأُمّي موضوعاً لمن لا يعرف اللغة السامية كما حسبه الدكتور، بل لمّا كان محور البحث في الآية أهل الكتاب وانقسامهم إلى طائفة عالمة بما في كتابهم، وطائفة جاهلة به، (أُمّية لا تعلم من الكتاب شيئاً)، صار ذلك كالقرينة على أنّ المقصود من الأُمّيين فيها، هي الطائفة الجاهلة بالمتون السامية واللغة التي أُنزلت بها كتبهم.
وهذا الوجه لا يشمل «الأُمّي» في غير هذه الآية ولا على الموارد

صفحه 160
العارية عن هذه القرينة ولا يثبت كونه موضوعاً لمن يكون جاهلاً بالمتون السامية، كما ادّعاه القائل.
إذا وقفت على ما ذكرناه وقوف المستشفّ للحقيقة، لأذعنت أنّه ليس للأُمّي إلاّ مفاد واحد وهو الباقي على الحالة التي وُلد عليها. ولو أُطلق في مورد أو موارد على مَن لا يعرف المتون السامية، فلأجل قرينة دلّت عليه، فهو من باب تطبيق الكلّي على فرده الخاصّ، لا أنّه موضوع لذلك الخاصّ.

بحث وتنقيب

لقد بان الحقّ بأجلى مظاهره، ولم تبق لمجادل شبهة في دلالة الذكر الحكيم على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب قبل أن يختاره الله تعالى للتبشير والإنذار، وظهر ما هو الحقّ الصراح في معنى الأُمّي الذي وصف الله به نبيّه الأكرم. نعم، روي عن بعض أئمّة أهل البيت في تفسير الأُمّي ما يتراءى منه خلاف ما أوضحناه وحققناه ودونك ما روي عنهم في هذا الباب 1.
1. أخرج الشيخ الصدوق عن أبيه، عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد البرقي، عن جعفر بن محمد الصوفي قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) فقلت: يا بن رسول الله لم سمّي النبي الأُمّي؟ فقال: ما يقول الناس؟ قلت: يزعمون أنّه سمّي الأُمّي لأنّه لا يحسن أن يكتب، فقال: كذبوا عليهم لعنة الله في

1 . سوف نرجع في آخر البحث إلى تحقيق القول في الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وغيرهم في المقام، والغرض هنا عرض ما يرجع إلى خصوص تفسير لفظ الأُمّي فقط.

صفحه 161
ذلك، والله يقول في محكم كتابه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ)فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن، والله لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ ويكتب باثنين وسبعين أو قال: بثلاثة وسبعين لساناً وإنّما سمّي الأُمّي لأنّه كان من أهل مكة، ومكة من أُمّهات القرى، وذلك قول الله عزّ وجلّ: (وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)1.2
وأخرج الشيخ الأقدم محمد بن الحسن الصفّار (المتوفّـى290هـ) عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد البرقي، عن جعفر بن محمد الصوفي، مثله.3
والحديث على كلّ تقدير ينتهي إلى محمد بن خالد البرقي وهو مختلف فيه جدّاً لاستناده إلى المراسيل والضعاف، وهو يروي عن جعفر بن محمد الصوفي الذي أهمله أصحاب المعاجم، فالحديث ساقط عن الحجّية.
أضف إليه ما في متنه من الشذوذ، وفيه جهات من النظر:
أوّلاً: قوله إنّ النبيّ يقرأ ويكتب باثنين وسبعين لساناً، يعطي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان مشغولاً بقراءتها والكتابة بها في عامة حياته أو رسالته فقط، وحمله على الإمكان والتعليق وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قادراً عليهما باثنين وسبعين لساناً لو شاء وأراد، ولكنّه لم يشأ ولم يقرأ ولم يكتب بها أصلاً، خلاف الظاهر،

1 . الأنعام : 92 .
2 . علل الشرائع :53; معاني الأخبار:53ـ 54، برقم 6.
3 . بصائر الدرجات:1/439، الجزء الخامس، الباب4، برقم 1.

صفحه 162
وعلى ما استظهرناه فالرواية تخالف ماهو المتواتر من حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
إذ لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على النحو الذي تصفه الرواية لذاع ذكره وطار صيته بهذا الوصف ولا يكاد يخفى على الناس أمره. على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في البيئة العربية الأُمّية كان في منأى عن سماع الألسنة أو رؤية أصحابها فلم يكن في موطنه ولا دار هجرته من يعرفها أو يتكلّم بها، فكيف يتكلّم بهذه اللغات، وهو لا يجد من يشافهه بها، ولم تكن تحضره صحيفة أو صحائف كتبت بغير اللغة العربية؟!
ثانياً: أنّ تفسير الأُمّي بكونه منسوباً إلى أُمّ القرى، يخالف ما اتّفق عليه أئمّة الأدب، وجهابذة اللغة، وأعلام التفسير، بل يخالف القرآن الكريم حيث فسّره سبحانه بغير ذلك وقال: (ومنهم أُمّيّونَ لا يعلمونَ الكتاب) فلا يصحّ الركون في هذه المسألة إلى حديث ينتهي إلى مَن اختلف في وثاقته، وإلى مَن أهمله علماء الرجال في كتبهم.
ولسنا من الفئة التي تعرض القرآن والحديث الصحيح على القواعد العربية المدوّنة من قِبل علماء الأدب بعد أجيال من نزول القرآن ونشر الحديث، إذ الصحيح عرض القواعد على القرآن والحديث دون العكس، فإنّ المقياس الوحيد لتمييز الصحيح عن غيره، إنّما هو كلام أهل اللسان والأساليب الدارجة بينهم، لا القواعد المدوّنة إذا لم ترجع إلى مصدر وثيق.
وعلى هذا فلو وجدنا القاعدة الأدبية المصطادة من تتبع بعض الموارد من كلام العرب، مخالفة للقرآن الكريم أو الحديث الثابت عنهم، أو الكلام الصادر عن عربي صميم، وجب علينا هدم القاعدة، ورميها بالخطأ والغلط، لا تأويل الذكر الحكيم والحديث الصحيح، والكلام المنقول عن

صفحه 163
أهل اللسان، إذ القرآن سواء أقلنا إنّه كلام إلهي أُوحي إلى نبيّنا الأكرم، أم قلنا ـ على سبيل فرض المحال ـ إنّه من منشآته ومبدعاته، كلام صحيح، صادر إمّا عن الله سبحانه، أو عن عربي صميم شبّ وترعرع بين فصحاء العرب وبلغائهم وقضى عمره وحياته بين ظهرانيهم.
وعلى أي تقدير فهو الحجّة في تدوين القاعدة وتأسيسها دون العكس، ومثله الآثار المنقولة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم).
ونحن مع هذا الاعتراف الصريح لا نقرّ بما جاء في الحديث حول تفسير الأُمّي وأنّه منسوب إلى أُمّ القرى، ولا نرمي أئمّة الأدب بالخطأ والاشتباه، إذ الحديث قاصر سنداً حيث ينتهي إلى مَن اختلفت فيه كلمة أهل الجرح والتعديل، وإلى مَن لم تتّضح حاله ووثاقته، ولو ثبت صدوره عن أئمّة أهل البيت، لهدمنا القاعدة النحوية في باب النسبة وأخذنا بما فيه.
ثالثاً: أنّ الحديث لا ينسجم مع مضمون ما سيوافيك من الحديثين 1، فإنّ مفادهما هو كون النبي يقرأ ولا يكتب أصلاً، وهذا يثبت له القراءة والكتابة باثنين وسبعين لساناً، فلا مناص في مقام الترجيح من الأخذ بهما وطرح ذاك، لقوة اسنادهما وصحّتهما على ما عرفت.
2. روى الصفّار عن عبد الله بن محمد، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن علي بن أسباط أو غيره، قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام) إنّ الناس يزعمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن يكتب ولم يقرأ؟ فقال: كذبوا لعنهم الله أنّى ذلك وقد قال الله عزّ وجلّ: (هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الأُمِّييِّنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا

1 . راجع البحث الآتي تحت عنوان «عرض وتحقيق» والمقصود من الصحيحين ما رواه هشام بن سالم، والحسن الصيقل عن الصادق (عليه السلام).

صفحه 164
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين)، فيكون أن يعلّمهم الكتاب والحكمة وليس يحسن أن يقرأ ويكتب؟ قال: قلت: فلم سمّي النبي أُمّياً؟ قال: نسب إلى مكة وذلك قول الله عزّ وجلّ: (وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا)فأُمّ القرى مكة، فقيل اُمّي لذلك 1.
ورواها الصدوق بإسناده عن الخشّاب، عن علي بن حسان وعلي بن أسباط وغيره رفعه إلى أبي جعفر(عليه السلام).2
أقول: لا يمكن التعويل على هذه الرواية من جهة السند، دع ما في متنها من العلاّت، فما رواه الصفّار في حكم المرسل (لقوله: علي بن أسباط أو غيره)، بالإضافة إلى عدم التصريح بوثاقة شيخه (عبد الله بن محمد)، الذي يظهر أنّ المراد به: عبد الله بن محمد بن عيسى، الملقّب بُنان.
وأمّا رواية الصدوق، فمع كونها مضطربة الإسناد، فهي مرفوعة، والرفع نوع من المرسل الذي لا يعتمد عليه.
هذا، ويلمس القارئ في هذا البحث حقيقة ناصعة هي من أجلى الحقائق الدينية ألا وهي مغزى كون النبي لا يحسن القراءة والكتابة قبل أن يختاره الله تعالى للتبشير والإنذار.
نعم بقي الكلام في أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد البعثة ولأجل ذلك عقدنا لتحقيقه الفصل التالي:

1 . بصائر الدرجات:1/441ـ 442، الجزء الخامس، الباب4 برقم4.
2 . علل الشرائع:542; بحار الأنوار:16/133.

صفحه 165

أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

بعد بزوغ دعوته
قد اهتدينا بهدى القرآن وساقتنا الأدلّة إلى القول بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان قبل البعثة أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب ولم يسجل التاريخ له (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك العهد قراءة لوح أو كتابة صحيفة، ولم يكن ذلك اختلاقاً تواطأ عليه المسلمون لهدف خاص كما حسبه الدكتور في مقالته 1 بل كان تقريراً للواقع، وقد قابلنا التفكير السطحي الخاطئ بالردّ والنقد.
غير أنّنا إيضاحاً للحقيقة، واكمالاً للبحث، نردف البحث بالكلام عن وضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد بزوغ دعوته وبعثته إلى الناس، وأنّه هل بقي على ما كان عليه من الأُمية لنفس المصلحة التي أوجبت أُمّيته قبل أن يبعث إلى هداية الناس؟ أو لم يبق عليها، وإنّما كُشف الحجاب عن ضميره الحي، وعقله الواعي، وقلبه الواسع، عندما بزغت دعوته وبعث رسولاً إلى الناس؟ ولا يمكن القضاء الباتّ في هذا الأمر إلاّ بعد الوقوف على ما ذكره الفطاحل من رواة الحديث وأعلام التفسير، الذين اختار ثلّة منهم القول الثاني، أعني

1 . زعم الدكتور في مقالته أنّ أُمية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكرة حديثة بين المسلمين، لصيانة القرآن عن التحريف وحفظه عن حدوث الزيادة والنقيصة عليه من جانب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ الأُمّي يعكس كلّ ما أُلقي عليه بلا تغيير وتحريف، ولا يقدر على تحويره بخلاف غيره، فانظر ما أجرأ هذا الرجل على تحريف الكلم عن مواضعه.

صفحه 166
تمكّن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بإذنه سبحانه من القراءة والكتابة بعد ما نزل عليه الوحي، واستدلّوا على ذلك بوجوه لا تخلو من مناقشات وإشكالات، ونحن نذكر تلكم الوجوه، ثمّ نردفها بما هو المختار عندنا:

1. الوجوه التي اعتمد عليها شيخنا المفيد

استدل الشيخ محمد بن محمد بن النعمان الحارثي البغدادي، الشهير بالمفيد(المتوفّى 413هـ) بأدلّة ووجوه اعتقد أنّها الحجج الكافية لإثبات ما يرتئيه من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان عارفاً بالقراءة والكتابة بعد بعثته، وإليك ما أفاده برمّته:
1. إنّ الله تعالى لمّا جعل نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جامعاً لخصال الكمال كلّها، وخلال المناقب بأسرها لم تنقصه منزلة بتمامها، ليصحّ له الكمال، ويجتمع فيه الفضل والكتابة، فضيلة من منحها فضل، ومن حرمها نقص.
2. إنّ الله تعالى جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاكماً بين الخلق في جميع ما اختلفوا فيه، فلا بد أن يعلّمه الحُكم في ذلك، وقد ثبت أنّ أُمور الخلق قد يتعلّق أكثرها بالكتابة، فتثبت بها الحقوق، وتُبرأ بها الذمم، وتقوم بها البيّنات، وتُحفظ بها الديون، وتُحاط بها الأنساب، وأنّها فضل تشرّف المتحلّي به على العاطل منه، وإذا صحّ أنّ الله جلّ اسمه قد جعل نبيّه بحيث وصفناه من الحكم والفضل، ثبت أنّه كان عالماً بالكتابة، محسناً لها.
3. إنّ النبي لو كان لا يحسن الكتابة ولا يعرفها لكان محتاجاً في فهم ما تضمّنته الكتب من الحقوق وغير ذلك إلى بعض رعيّته، ولو جاز أن يُحوجَه الله في بعض ما كلّفه الحكم فيه إلى بعض رعيّته لجاز أن يُحوجه

صفحه 167
في جميع ما كلّفه الحكم فيه إلى سواه، وذلك مناف لصفاته ومضادّ لحكمة باعثه، فثبت أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحسن الكتابة.
4. إنّ الله سبحانه يقول: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِين) 1 ومحال أن يعلّمهم الكتاب وهو لا يحسنه، كما يستحيل أن يعلّمهم الكتاب والحكمة وهو لا يعرفهما، ولا معنى لقول من قال: إنّ الكتاب هو القرآن خاصّة، إذ اللفظ عام والعموم لا يُنصرف عنه إلاّ بدليل، لا سيما على قول المعتزلة وأكثر أصحاب الحديث.
5. يدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاْرْتَابَ المُبْطِلُونَ) 2 فنفى عنه إحسان الكتابة وخطّه قبل النبوّة خاصّة، فأوجب إحسانه بذلك لها بعد النبوّة، ولولا أنّ ذلك كذلك لما كان لتخصيصه النفي معنى يعقل، ولو كان حاله (صلى الله عليه وآله وسلم)في فقد العلم بالكتابة بعد النبوّة، كحاله قبلها لوجب إذا أراد نفي ذلك عنه أن ينفيه بلفظ يفيده، لا يتضمن خلافه، فيقول له: وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذ ذاك ولا في الحال، أو يقول: لست تحسن الكتابة ولا يتأتّى منك على كلّ حال، كما أنّه لما أعدمه قول الشعر ومنعه منه نفاه بلفظ يعمّ الأوقات، فقال الله تعالى: (وَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَه)3 وإذا كان الأمر على ما بيّناه ثبت أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحسن الكتابة بعد أن نبّأه الله تعالى على

1 . الجمعة : 2.
2 . العنكبوت : 48.
3 . يس : 69.

صفحه 168
ما وصفناه، وهذا مذهب جماعة من الإمامية ويخالف فيه باقيهم، وسائر أهل المذاهب والفِرَق يدفعونه وينكرونه 1.
وفي ما ذكره رحمه الله مناقشات نشير إليها:
أوّلاً: أنّ الكتابة وإن كانت من الكمالات «ومَن منحها فضل ومَن حرمها نقص» غير أنّ ذلك يعدّ للعاديين الذين ينحصر طريق اكتسابهم للمعارف بها وحدها، وأمّا من لا يحتاج إليها بل له طريق آخر لدرك الحقائق واكتساب المعارف كما هو الحال بالنسبة إلى نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يعدّ التمكّن من الكتابة والقراءة فضيلة له حتى يكون عدمهما نقصاً في حقّه، كيف؟ وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عرف الواجب جلّ اسمه وصفاته وأفعاله، ووقف على حقائق الكون ودقائقه عن طريق الوحي الذي هو أوثق وأسدّ الطرق الممكنة، لا يخطأ ولا يشتبه، وعند ذاك لا حاجة له إلى هذه الطرق العادية غير المصونة عن الخطأ والاشتباه.
أضف إليه: لو فرضنا أنّ بقاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على ما كان عليه من الأُمّية كان يرفع الشكّ عن قلوب السذّج من الناس ويؤكّد إيمانهم وإذعانهم لنبوّته وبما جاء به من الشريعة والكتاب وجب على المولى سبحانه إبقاؤه على ما كان عليه من الصفات والنعوت،تحقيقاً للغاية المنشودة من بعثته، فإذا كان هذا هو الملاك في أُمّيته قبل بزوغ دعوته فليكن هو الملاك في بقائه عليها، فلا وجه لعدّ أحدهما نقصاً في حقّه (صلى الله عليه وآله وسلم)دون الآخر.
ثانياً: أنّ قوله: «إنّ الكتابة فضل تشرّف المتحلّي به على العاطل منه، وإذا صحّ أنّ الله قد جعل نبيّه بحيث وصفناه من الحكم والفضل، ثبت أنّه

1 . أوائل المقالات:111ـ 113، طبعة تبريز.

صفحه 169
كان عالماً بالكتابة محسناً لها» صحيح جدّاً، وقد فضّل الله سبحانه نبيّنا على جميع الأنبياء والرسل ومنحه من الفضائل ما لم يمنحه لغيره، غير أنّه لمّا كانت هناك مصلحة أولى وأهمّ كما صرّح الله بها سبحانه في كتابه، وهي نفي الريب عن القلوب الضعيفة، ما عرف(صلى الله عليه وآله وسلم) القراءة والكتابة طيلة عمره، ولا حضر مجالس الدرس، لتتحقّق هذه الغاية المهمة، وتركُ المهمّ توخّياً للأهمّ لا يعدّ نقصاً لو لم يعدّ كمالاً.
وإلى ذلك يشير الفاضل القونوي في تعليقه على «أنوار التنزيل» بقوله: ولذلك صارت الأُمّية شرفاً وفخراً في شأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفة نقص في حقّ غيره.
وبذلك نجيب عن ما أفاده رحمه اللّه:
«لو كان لا يحسن الكتابة ولا يعرفها لكان محتاجاً في فهم ما تضمّنته الكتب من الحقوق وغير ذلك إلى بعض رعيّته، ولو جاز أن يحوجه الله في بعض ما كلّفه الحكم فيه إلى بعض رعيته لجاز أن يحوجه في جميع ما كلّفه الحكم فيه إلى سواه وذلك مناف لصفاته ومضاد لحكمته» لأنّه إذا جاز احتياج النبي الأعظم في مورد خاص إلى بعض رعيّته توخياً لبعض المصالح المهمة، لا يستلزم جواز احتياجه في الموارد الخالية عنها، فإنّ الأوّل لا يعد نقصاً عند العقلاء، ولأجل ذلك يرجّحون الأهمّ على المهمّ عند التزاحم، بخلاف الثاني.
ثالثاً: أنّ قوله سبحانه: (وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ) لا يدلّ على ما رامه، أمّا إذا قلنا: إنّ المراد من الكتاب هو القرآن كما هو الظاهر المتبادر إلى الذهن فإنّ تلاوة الآية لا تفتقر إلى معرفة الكتابة إذا تلقّى التالي محفوظاته

صفحه 170
من وحي أو تلقين، ومن الناس مَن يتعلّم القرآن من الصدور لا من السطور، ويتلوه كما حفظ بدون توقّف على معرفة الخط، وأمّا إذا قلنا إنّ المقصود منه الكتابة ـ وإن كان بعيداً جدّاً ـ فليس معناه تعليم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لقومه الكتابة مباشرة، إذ لم يعهد ولم يُرَ بأسانيد صحيحة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)جلس مع أفراد أُمّته يعلّمهم نقوش الحروف الهجائية وتراكيبها الأبجدية قطعاً، وإنّما المراد أنّه قام بأمر تعليم الأُمّة مهمة الكتابة، فقد تواتر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)جعل فداء بعض أسرى بدر من الذين يعرفون الكتابة أن يعلّموا أهل مدينته الخط والكتابة1، فكان الأسير إذا علّم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة أطلق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سراحه مكافأة لعمله، وبهذه الوسيلة البسيطة عمّم في أتباعه صناعة الخط وأخرجهم من ظلمة الأُمّية وأصبح مقرّ الأُسراء مدرسة يتعلّم فيها صبيان المدينة ما يحتاجون إليه من علوم ذلك العهد.
وأمّا ما تمسّك به من مفهوم الآية، وأنّ لفظة: (مِنْ قَبْلِهِ) يفهم منها أنّه كان قارئاً وكاتباً بعد الوحي إليه فيوافيك نقده في البحث التالي:
ثم إنّ للعلاّمة الحجّة هبة الدين الشهرستاني كلمة قيّمة في المقام نشرها في مجلة المرشد البغدادية(لسنتها الرابعة، ص 327ـ 328) وهي تجري مجرى الجواب عمّا ذكره الشيخ المفيد، فلاحظها2.

1 . قال الأُستاذ عمر أبو النصر في كتابه:العرب، 23: وكان فداء الأسرى الذين يعرفون القراءة والكتابة تلقين عشرة من صبيان المدينة الكتابة، وكذلك أصبح مقر الأسرى مدرسة يتعلّم فيها صبيان المدينة.
2 . نقلها عن المجلة المذكورة العلاّمة المتتبّع الجرندابي في تعاليقه على «أوائل المقالات»:113ـ 114.

صفحه 171

2. الاستدلال بمفهوم الآية

نقل شيخ الطائفة استدلال القوم على أُمّية النبي الأعظم بقوله سبحانه: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)1ثم اعترض عليهم بما هذا ملخصّه:
«إنّ الآية لا تدلّ على أنّ النبي كان أُمّياً، بل فيها أنّه لم يكن يكتب الكتاب وقد لا يكتب الكتاب من يحسنه كما لا يكتب من لا يحسنه...».
«ولو دلّت الآية على أنّه لم يكن يحسن الكتابة قبل الإيحاء إليه، لدلّت بالمفهوم على أنّه كان يحسنها بعد الإيحاء إليه، حتى يكون فرقاً بين الحالتين، ولا يكون الإتيان بالقيد ـ قبله ـ لغواً» 2.

وفي ما أفاده مواقع للنظر:

أوّلاً: ثَمّة فرق واضح بين مَن يحسن الكتابة ويتركها، ومَن لا يحسنها أصلاً ، فإنّ من يحسن الكتابة لا يتركها دائماً، بل يتركها مؤقتاً بسبب ظروف تلم به، ولا يصح الاستدلال بتركه مؤقتاً على أنّه لا يحسنها ولا يستكشف حاله منه، وأمّا مَن لم يكتب منذ نعومة أظفاره إلى أن بلغ الأربعين بل ناهز الخمسين كما هو الحال بالنسبة إلى نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيعدّ ذلك دليلاً عند العُرف على أنّه لا يحسنها أصلاً وبتاتاً.
فالآية حسب ما يفهم منها عُرفاً، تدلّ على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان أُمّياً لا يقدر على الكتابة، وقوله سبحانه: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ

1 . العنكبوت : 48 .
2 . التبيان:8/216، ط لبنان. ويظهر من الآلوسي في تفسيره الاعتماد على هذا الوجه.

صفحه 172
بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)بالنـظر إلى ذيله وهو رفع الشك عن قلوب المبطلين، كناية عن كونه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان أُمّياً لا يحسن شيئاً من القراءة، لا أنّه كان عارفاً بها ولكنّه تركها لمصلحة أو غيرها.
وثانياً: أنّ استفادة المفهوم من الآية ودلالة القيد (مِنْ قَبْلِهِ) عليه مشكل جداً وإن قلنا بدلالته على المفهوم في مقام آخر، وذلك أنّ دلالة القيد عليه إنّما هي إذا كان بقاء الحكم وعدمه عند ارتفاع القيد سواء، فعند ذلك يُستدلّ بأخذ القيد في موضوع الحكم على دخوله في الغرض وفي الحكم المذكور في القضية، ويكون مرجعه إلى ارتفاع الحكم السابق بارتفاع القيد، كما إذا قيل: أكل زيد قبل طلوع الشمس، وأمّا إذا كان بقاء الحكم عند ارتفاع القيد أولى في نظر السامع كما في المقام فلا يستنبط منه المفهوم، فإنّ من بقي على أُمّيته حتى ناهز الأربعين بل الخمسين أولى بأن يبقى على تلك الحالة في ما بقي من عمره، فإنّ الرجل إذا لم يتعلّم الكتابة حتّى العقد الخامس من عمره، يُستبعد منه عادة أن يُقبل على تعلّمها بعد هذه المراحل الطويلة، وعلى ذلك فلا يمكن الاستدلال على رفع الحكم المستفاد من قوله: (مَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ) وقوله: (ولا تَخُطُّهُ)عند ارتفاع القيد، أي لا يدلّ على أنّه كان قارئاً وكاتباً بعد بعثته كما هو المقصود.
خلاصة القول: إنّ الآية غير دالّة على وضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد بزوغ دعوته، ولا يدلّ على شيء من الطرفين والتمسّك بمفهوم القيد : (مِنْ قَبْلِهِ)إنّما يصحّ إذا سيق الكلام لأجل إفادته والإيماء إلى اختلاف حاله في المقامين، وأمّا إذا سيق الكلام لغير هذه الغاية فلا يدلّ على ما استظهره من المفهوم، فإنّ الغاية من الإتيان بالقيد هو الاستدلال بأُمّيته قبل نزول الوحي

صفحه 173
عليه، على صدق مقاله ودعوته، فإنّ الأُمّي إذا أتى بكتاب أخرسَ بفصاحته فرسان البلاغة وقادة الخطابة وسادات القوافي وملوك البيان بل أدهش بأحكامه وتشريعاته أساطين القانون والنظام، يعدّ كتابه هذا بهذه الأوصاف والنعوت آية على كونه وحياً إلهياً خارجاً عن طوق القدرة البشرية، وأمّا أنّه هل بقي على الأُمّية بعد ما صار نبيّاً يوحى إليه أو لا ؟ فخارج عن هدف هذه الآية، وليس له صلة بمرماها ومقصدها، وعلى ذلك نظائر في اللغة والعُرف.
ولقد أحسن الشريف المرتضى، فلم يجعل الآية دليلاً على تغيّر حاله بعد بعثته، وسلك مسلكاً متوسطاً غير ما سلكه أُستاذه الشيخ المفيد وما قصده تلميذه شيخ الطائفة الطوسي، ودونك نقل كلامه:
هذه الآية: (مَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب) تدلّ على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)
ما كان يحسن الكتابة قبل النبوّة، فأمّا ما بعدها فالذي نعتقده في
ذلك، التجويز لكونه عالماً بالقراءة والكتابة، والتجويز لكونه غير عالم
بهما من غير قطع بأحد الأمرين، وظاهر الآية يقتضي أنّ النفي قد تعلق
بما قبل النبوّة دون ما بعدها، ولأنّ التعليل في الآية يقتضي اختصاص
النفي بما قبل النبوّة1 لأنّ المبطلين إنّما يرتابون في نبوّته لو كان
يحسن الكتابة قبل النبوّة، فأمّا ما بعدها فلا تعلّق له بالريبة والتهمة، فيجوز

1 . اختصاص التعليل بما قبل النبوّة غير ظاهر بل لو تظاهر النبي بالقراءة والكتابة بعد نبوته، فهو وإن كان يعدّ معجزة ومفخرة له عند من خلصت نيته، وطهر قلبه، لكنّه يوجب تسلل الشك إلى اُمّيته قبل نبوته عند المبطلين والمشككين فيضلّون ويضلّون، وينشرون الأوهام والأراجيف حول دعوته ورسالته. نعم لو كان عارفاً بها غير متظاهر لصحّ اختصاص التعليل بما قبل النبوّة.

صفحه 174
أن يكون تعلّمها من جبرئيل بعد النبوّة.1
وكلامه هذا يعرب عن توقّفه في المسألة كما هو صريح قوله: «من غير قطع بأحد الأمرين»، وما ذكره «ظاهر الآية يقتضي أنّ النفي قد تعلّق بما قبل النبوّة دون ما بعدها» صحيح لو أراد بذلك نفي دلالة الآية على أحد الأمرين، وأمّا لو أراد به دلالتها على كونه قارئاً وكاتباً بعد فموهون بما أوضحناه عند البحث عن كلام تلميذه الجليل شيخ الطائفة رحمه اللّه، مع أنّه بعيد عن ظاهر كلامه.
وأمّا ما أفاده بقوله: «إنّ المبطلين إنّما يرتابون في نبوّته لو كان يُحسن الكتابة قبل النبوّة فأمّا ما بعدها فلا تعلّق له بالريبة والتهمة» فغير ثابت ولاظاهر، بل يمكن أن يتطرّق الشكّ إلى نبوّته لو كان يحسنها بعد النبوّة إذا تظاهر بها على مرأى ومسمع من الناس، فلاحظ التعليقة السابقة.

3. الاستدلال بقوله سبحانه: (يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً)

قال الدكتور عبد اللطيف الهندي، وهو يستند، في تأييد رأيه، إلى قوله سبحانه: (رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَة)2، قال: «إنّه يدلّ على تحقّق التلاوة منه(صلى الله عليه وآله وسلم) أيام رسالته وفي رحاب دعوته».
وما ذكره غير تام فإنّ التلاوة كما تصدق على التلاوة عن كتاب، تصدق كذلك على التلاوة عن ظهر القلب، ويؤيّد المعنى الثاني أنّه لم يرو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أيام رسالته أنّه تلا القرآن عن غير ظهر قلبه. أضف إلى

1 . مجمع البيان:8/287; مناقب آل أبي طالب:1/161.
2 . البينة : 2 ـ 3.

صفحه 175
ذلك: أنّ المراد بالصحف ـ كما يظهر ـ هو الصحف القدسيّة في العالم العلوي، وهي موجودة بأيدي الملائكة ومنها يتلقّى جبرئيل(عليه السلام) الوحي الذي أُمر بتبليغه، كما قال سبحانه:(فِي صُحُف مُكَرَّمَة * مَرْفُوعَة مُطَهَّرَة * بَأَيْدِي سَفَرَة * كِرَام بَرَرَة)1، وعندئذ لا يبقى للمستدلّ ما يتشبّث به من المعنى الذي يرومه.
ونظير ذلك قوله سبحانه: (سَنُقْرِئُكَ فَلاتَنْسَى * إِلاّ مَا شَاءَ اللهِ إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَ مَا يَخْفَى ) 2 إذ معناه: سنقرأ عليك القرآن فلا تنساه، ونجعلك قارئاً بإذن منه فلا تنسى ما تتلقّاه من أمين الوحي إلاّ بمشيئة منه، فإنّ الإقراء والإنساء كليهما بيده سبحانه، فلا يدل إلاّ على تلاوة القرآن وقراءته عن ظهر قلب فقط، كما كان هو دأب النبي في تلاوة كلّ ما أُوحي إليه، وهو غير ما يرومه الدكتور وأمثاله.
قال الزمخشري: بشّر الله تعالى بإعطاء آية بيّنة، وهي أن يقرأ عليه جبرئيل ما يقرأ عليه من الوحي وهو أُمّي لا يكتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه.
وأمّا الاستثناء فلا يدلّ على تحقّق الإنساء منه سبحانه بالنسبة إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل هو للتنبيه على أنّ الأمر كلّه بيده، وإنّ منح كرامة الحفـظ إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)ليس بمعنى تفويض الأمر إليه وخروجه عن يد الله سبحانه، بل الأمر في كلا الحالين بيده، فالله الذي جعله قارئاً لا ينسى، قادر على أن يصيّره ناسياً لا يحفظ شيئاً، ولا يخطر على روعه شيء، فوزان الاستثناء في

1 . عبس:13ـ 16.
2 . الأعلى: 7 ـ 8 .

صفحه 176
هذه الآية وزان الاستثناء في قوله سبحانه: (وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّماواتُ وَ الأرْضُ إلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ).1
فلا يدلّ على تحقّق المشيئة في المستقبل منه سبحانه حتى ينافي خلود المؤمنين في الجنة.

4. الاستدلال بقوله سبحانه: (اكْتَتَبَهَا)

استدلّ بعض الأعلام على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يكتب بقوله سبحانه: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)2، وإليك البيان: قال الزمخشري: اكتتبها: اكتتبها لنفسه وأخذها كما تقول: استكبّ الماء واصطبّه: إذا سكبه وصبّه لنفسه وأخذه3. وكأنّه يريد أن يفهم أنّ زيادة التاء في «اكتتبها» للدلالة على أنّ كتابته كانت لنفسه بخلاف اللفظ المجرّد عنها كقولنا: «كتب فلان» فإنّه أعمّ من أن يكون ذلك لنفسه أو لغيره.
وقال الشيخ الطوسي: اكتتبها هو وانتسخها فهي تُملى عليه حتى ينسخها.4
ووجه الاستدلال، أنّ المشركين قالوا: إنّ القرآن أساطير كتبها محمد لا من تلقاء نفسه بل بالإملاء عليه من غيره، فقولهم: يكتب الأساطير بإملاء

1 . هود: 108 .
2 . الفرقان : 5 .
3 . تفسير الكشّاف:2/400.
4 . التبيان في تفسير القرآن:7/472.

صفحه 177
الغير عليه، صريح في أنّه بعد الإيحاء إليه كان كاتباً يكتب القرآن، وبما أنّ الكتابة صفة كمال لا ينسبها إليه خصومه كذباً وافتراء، فلا بدّ أن تكون ثابتة له في تلك الحال 1.
ولكن ما أقامه من الدليل موهون جدّاً، فإنّ الكتابة وإن كانت صفة كمال إلاّ أنّ شهادة الخصم إنّما تدلّ على اتّصافه بها إذا كانت الشهادة صادرة عن خلوص وصفاء، وأمّا إذا جعلها ذريعة لإنكار نبوّته، فلا يعدّ رميه بها دليلاً على صدق النسبة، فإنّ القوم لمّا عجزوا عن الطعن في قرآنه ولم يتمكّنوا من معارضته ومباراته دخلوا من باب آخر، حتى يفتحوا بذلك باب الريب على نبوّته وكتابه، وقالوا: إنّ ثمّة مَن يملي عليه القرآن بكرة وأصيلاً، وهو يكتب ما يُملى عليه، ولا هدف لهم من تلك الفرية إلاّ التشكيك في نبوّته ونزول الوحي عليه ولولا ذلك لما وصفوه بها ولا بغيرها من الصفات، فإنّ التوصيف، بأدنى مراتب الكمال، يخالف ما يرمون إليه من انتقاصه.
على أنّ هنا في لفظة «اكتتبها» احتمالاً آخر، وهو أنّه أمر بالكتابة والاستنساخ، احتمل ذلك الرازي، بل اختاره وقال: معنى «اكتتب» هاهنا، أنّه أمر أن يكتب له، كما يقال: «احتجم» و «افتصد» إذا أمر بذلك2.
إلى هنا تمّ ما وقفنا عليه من الأدلّة القرآنية التي أقامها القائلون بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان قارئاً وكاتباً بعد نزول الوحي عليه، وقد عرّفناك وهن الجميع، ووقفت على ما فيها من المناقشات.

1 . تفسير الآيات المتشابهات:47 ـ 48.
2 . تفسير الرازي:6/353.

صفحه 178
نعم هناك وجوه عقلية واستحسانات، اعتمد عليها بعض من اختار هذا الرأي، ونحن نأتي بها.

5. الاستدلال بالأولوية

استدل المجلسي بالأولويّة وقال: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قادراً على التلاوة والكتابة بالإعجاز، وكيف لا يعلم من كان عالماً بعلوم الأوّلين والآخرين؟!إنّ هذه النقوش موضوعة لهذه الحروف، ومَن كان قادراً بإذن الله على شقّ القمر وأكبر منه، كيف لا يقدر على نقش الحروف والكلمات على الصحائف والألواح؟ والله تعالى يعلم1.
وما ذكره لا يخرج عن حدود الاستحسان إذ من الممكن أن لا يمكّنه الله من القراءة والكتابة لمصلحة هو أعلم بها، أو لأجل رفع الريب والشكّ عن جانب نبوّته كما هو غير بعيد حتى بالنسبة إلى ما بعد النبوّة، إذا تظاهر بالقراءة والكتابة.

6. التجارة تتوقّف على الكتابة

قال بعض من عاصرناه: «إنّ المشركين رموه بالكذب والسحر والجنون والفرية ولم ينسبوه إلى الأُمّية مع كونها صفة نقص لا سيما للتجار ذوي رحلة الشتاء والصيف، فإذا لم يعيبوه بالأُمّية كان ذلك دليلاً على أنّه كان بعد النبوّة قارئاً وكاتباً». (2)
ونحن نناقش ما أفاده بما يلي:

1 . بحار الأنوار:16/136.   2 . تفسير الآيات المتشابهات:50.

صفحه 179
أوّلاً: أنّ سبب عدم رميه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالأُمّية، هو لعدم كونها عيباً عندهم، كيف؟ والأُمّية كانت فاشية في القوم، وهي صفة سائدة في الغالبية العظمى منهم، فالرامي بها والمرميّ، كلاهما في هذا الوصف سواء.
ثانياً: أنّ التجارة وإن كانت تتوقّف على القراءة والكتابة في الأوساط المدنية غير أنّ الدارج في البيئات البعيدة عن الحضارات كان غير ذلك، خصوصاً قريش الذين كانت لهم رحلة الشتاء والصيف، فكانوا يبيعون أو يشترون، ويرجعون، من دون أن يبقى لهم أو عليهم شيء.
هذا ما لدى القائلين من الأدلّة على كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) قارئاً وكاتباً بعد بزوغ نبوّته، بقي هنا بعض ما وقفنا لهم في المقام من كلمات تؤكّد ما نقلناه عنهم.
قال الشيخ الطوسي: «إنّ الحاكم يجب أن يكون عالماً بالكتابة، والنبي عليه وآله السلام كان يحسن الكتابة بعد النبوّة وإنّما لم يحسنها قبل البعثة» 1.
وتبعه في هذا الرأي ابن إدريس الحلي في باب سماع البيّنات من كتاب القضاء، وجاء بعين ما نقلناه عن الشيخ2.
واختاره العلاّمة الحلّي في كتاب النكاح من تذكرته عند البحث في مختصّات النبي الأكرم حيث قال: كان يحرم عليه الخط والشعر تأكيداً لحجّته وبياناً لمعجزته قال الله تعالى: (وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) وقال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ).3

1 . المبسوط: 8/120، كتاب القضاء.
2 . السرائر:2/166، باب سماع البيّنات وكيفية الحكم بها من كتاب القضاء.
3 . يس : 69 .

صفحه 180
وقد اختلف في أنّه هل كان يحسنها أو لا؟ وأصحّ قولَي الشافعي الثاني، وإنّما يتّجه التحريم على الأوّل أي على القول بأنّه كان يحسن الكتابة، إذ على فرض عدم عرفانه بها، فالتحريم يكون لغواً وتحصيلاً للحاصل.
غير أنّ دلالة الآية على حرمة الكتابة عليه، مبنيّة على كون «لا» في قوله: (وَلاَ تَخُطُّهُ)ناهية وهو خلاف الظاهر، خصوصاً بملاحظـة سياق الآية، أي قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب) فإنّه جملة خبرية وهو يقتضي أن تكون الجملة التالية لها أيضاً خبرية لا إنشائية.1
وقد اقتفى في ذلك قول الشيخ في مبسوطه حيث قال: «وقد خصّ الله نبيّه محمداً بأشياء وميّزه بها عن خلقه أربعة: واجب، ومحظور، ومباح، وكراهة ـ إلى أن قال: ـ وأمّا المحظورات فحظرت عليه الكتابة وقول الشعر وتعليم الشعر»2.
***

أُمّية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأحاديث

لقد بان الحقّ وظهرت الحقيقة من هذا البحث الضافي حول هذه الآيات، فلم نجد آية تدلّ على أنّه بعد بزوغ دعوته، صار قارئاً أو كاتباً.
نعم وردت أحاديث وروايات، رواها الفريقان، ربّما يركن إلى بعضها، ويُستدل به على تمكّنه من القراءة والكتابة بعد بعثته، بإعجاز منه

1 . تذكرة الفقهاء:2 /566.
2 . راجع: المبسوط :4/152ـ 153، أوائل كتاب النكاح.

صفحه 181
سبحانه، وإن كان الكل لا يخلو من إشكال، ونحن نورد هنا تلكم الأحاديث:

1. حديث بدء الوحي

روى أصحاب السير والتفسير:
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجاور في حراء من كلّ سنة شهراً، حتى إذا كان الشهر الذي بعثه الله سبحانه فيه خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حراء حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، جاءه جبرئيل بأمر اللّه، ولنترك وصف ذلك إلى ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله:
«فجاءني جبرئيل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ ؟ قلت: ما أقرأ؟ فغَتَّني به1 حتى ظننت أنّه الموت، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ؟ قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتَّني به حتى ظننت أنّه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ؟ قال: قلت: ماذا أقرأ؟ فغتَّني به حتى ظننت أنّه الموت، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ؟ قال: قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلاّ افتداءً منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق* اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الأكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)قال: فقرأتها ثمّ انتهى، فانصرف، وهببت من نومي، فكأنّما كتبت في قلبي، قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل، قال: فرفعت رأسي إلى السماء انظر فإذا

1 . كذا في جامع الاُصول والطبري، والغتّ: حبس النفس، وفي صحيح البخاري والمواهب «غطّني» وهي بمعنى الغتّ أيضاً.

صفحه 182
بجبرئيل في صورة رجل صفَّ قدميه في أُفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل».
ويظهر من البخاري من صحيحه أنّ جبرئيل نزل بسورة العلق حينما كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقظاً لا نائماً، وأنّه تحمّل بدء الوحي في حال اليقظة حيث قال: فجاءه الملك فقال: اقرأ؟ قلت: ما أنا بقارئ1 قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ؟ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: اقرأ؟ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثالثة، ثمّ أرسلني فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق) .

كلمة حول سند الحديث

إنّ سند الحديث ينتهي إلى أشخاص ثلاثة يستبعد سماعهم الحديث عن نفس الرسول الأكرم، ودونك أسماءهم.
1. عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، أخرج الحديث عنه ابن هشام في سيرته: ج 1 ص 235، والطبري في تفسيره: ج30 ص 162، وفي تاريخه: ج2 ص 300، وقد ترجم الرجل ابن الأثير في أُسد الغابة: ج3 ص353، وقال: ذكر البخاري أنّه رأى النبيّ، وذكر مسلم أنّه ولد على عهد النبي، وهو معدود في كبار التابعين يروي عن عمر وغيره من الصحابة.

1 . وهذا شاهد على أنّ الملك لم يرد أن يلقّنه الآيات ليتابعه في القراءة فإنّ ذلك أمر مقدور للقارئ والأُمّي، ولو أراد هذا كان المناسب أن يقول ماذا أقرأ، بل أراد أن يقرئه النبي بنفسه بلا متابعة.

صفحه 183
2. عبد الله بن شداد، أخرج الحديث عنه الطبري في تفسيره: ج30 ص 162 وفي تاريخه: ج2 ص299. ترجمه ابن الأثير في أُسد الغابة: ج4 ص183. وقال: ولد على عهد النبي، روى عن أبيه وعن عمر وعلي.
وعلى ذين السندين فالحديث مرسل غير موصول السند إلى النبي الأكرم، إذ من البعيد أن يرويا الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه.
3. عائشة اُمّ المؤمنين، أخرج البخاري عنها الحديث في صحيحه: ج1 ص3 وج3 ص173 في تفسير سورة العلق، والطبري في تفسيره: ج30 ص 161. وعلى ذلك فقد تفرّدت هي بنقل هذا الحديث، ومن البعيد جدّاً أن لا يحدّث النبي بهذا الحديث غيرها، مع اشتياق غيرها إلى سماع أمثال هذه الأحاديث عنه(صلى الله عليه وآله وسلم). وعند ذلك يشكل الاستدلال بالحديث جدّاً.
نعم ورد مضمون الحديث في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام) كما في البحار: ج 18 ص 206، لكن كون التفسير مرويّ عن الإمام، فيه كلّ الشك والريب. ونقله من أعلام الطائفة ابن شهر آشوب في مناقبه: ج1ص40ـ44، والمجلسي في بحاره: ج 18 ص 196.

توضيح مفاد الرواية

إنّنا مهما جهلنا بشيء من الأشياء، فلا يمكن أن نجهل بأنّ النبوّة منصب إلهي لا يتحمّله إلاّ الأمثل فالأمثل من الناس، ولا يقوم بأعبائها إلاّ مَن عُمّر قلبه بالإيمان، وزوّد بالخلوص والصفاء، وغمره الطهر والقداسة، وأُعطي مقدرة روحية عظيمة لا يتهيّب معها حينما يتمثّل له رسول ربّه

صفحه 184
وأمين وحيه، ولا تأخذه الضراعة والخوف عند سماع كلامه ووحيه، وتلك المقدرة لا تفاض من الله على عبد إلاّ بعد إعدادات ومقدّمات، منها:
ـ شموخ أصلاب آبائه وطهارة أرحام أُمّهاته، حتى ينتقل من صلب شامخ إلى صلب آخر مثله، ومن رَحِم طيبة إلى أُخرى مثلها.
ـ البخوع للعبادة، والعكوف على المجاهدات النفسانية والرياضات التي لا تنازع الفطرة، بل تعدّل الميول والغرائز وتهديها سبيل الرشاد والسلام.
ـ التفكير في آثار صنعه وعجائب خلقه وبدائع كونه بتعمّق وتدبّر، حتى يهديه التفكير في جمال الطبيعة إلى معرفة بارئها معرفة تامّة تليق بحال نبيّه.
ـ أن يكون في رعاية أكبر ملك يهديه إلى طرق المكارم ومحاسن الأخلاق، كما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين في الخطبة القاصعة بقوله: «وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ. وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْم مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالاِْقْتِدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي. وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذ فِي الاِْسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا. أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: «هذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ. إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا

صفحه 185
أَرَى، إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْر» 1.
هذا البيان الضافي من أمير الإسلام والبيان(عليه السلام)يومئ إلى كثير ممّا ذكرناه من المقدّمات، ويرسم لنا صورة إجمالية عن حياة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل بعثته وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ نعومة أظفاره، ومنذ أن فطم من الرضاع، وقع تحت كفالة أكبر ملك يسلك به طريق المكارم، ويرشده إلى معالم الهداية ومدارج الكمال، ويصونه طيلة حياته من طفولته إلى شبابه وإلى كهولته من كلّ سوء.
هذا البيان يفيدنا بأنّ نفس أي إنسان لا تستعدّ لقبول الوحي إلاّ بعد اقتحام عقبات وطيّ مراحل، وأنّ المَلَك الأكبر لم يزل يواصل نبيَّ الإسلام بالرعاية والتسديد ليله ونهاره حتى استعدّت نفسه لقبول الوحي، وتمثّل أمينه بين يديه، وإلقاء كلام ربّه إليه ووعيه له منه، بانطباعه في لوح نفسه، وإذا اقتحم تلكم العقبات وتحقّقت تلكم المقدّمات والإعدادات وتمّ الاستعداد، ارتقت نفسه إلى ذلك الحدّ الأسمى فانحسرت عن قلبه الأغطية وارتفعت عنه الحجب، حيث أخذ يعاين الأشياء على ما هي عليه، ويقف على الحقائق على النحو الذي يليق به، ويقدر على تلاوة ما لم يكن قادراً عليه.
وقد تحقّقت تلك الغاية وبلغت نفسه الشريفة إلى ذلك الحدّ في الشهر الذي اختاره الله تعالى فيه رسولاً إلى الناس، فجاءه أمين الوحي بلوح برزخي يحتوي على آيات من القرآن الكريم فعرضه على النبي

1 . نهج البلاغة: الخطبة:192.

صفحه 186
وطلب منه أن يقرأه، فأبى وتجافى عن قراءته(كما ورد في الروايات المتقدّمة) قائلاً بأنّه أُمّي لا يقرأ ولا يكتب، وأنّه ماقرأ وما كتب طيلة عمره، فغطّه الأمين ثلاث مرّات فإذا به يقرأ.
ونحن لا نعلم كنه هذا الغطّ(المذكور في روايات السنّة) ولا نستطيع إدراكه، وليس هو إلاّ أثراً مادّياً لأمر معنوي كإماطة الستر عن روحه وقلبه، وهذا أمر طبيعي في مثل هذا الموقف العظيم الجليل الذي تنوء به أجسام وأرواح البشر، فإنّ لكل عمل روحي ولا سيما لمثل كشف الغطاء أثراً خاصّاً في أبداننا، والأثر البارز المادّي لكشف الغطاء عن قلب النبيّ ونفسه، هو الغطّ الذي أحسّه في ذلك الحين، وإلاّ فالغطّ المادّي لا مدخلية له في القدرة على القراءة والتلاوة.
هكذا كانت هذه اللحظة الحاسمة من حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) منعطفاً رائعاً إلى مرحلة جديدة، فكشف عنه الغطاء آن الغط، فقدر على قراءة ما لم يقدر عليه فعرف الحروف والنقوش، بل الحقائق فصار أكمل إنسان يطأ الأرض بقدميه، ويعيش في أديمها ويتظلّل بسمائها.
وهذا البيان منضمّاً إلى ما سمعته من حديث بدء الوحي يدفعنا إلى القول بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قد انقلبت حاله بعد البعثة بإعجاز من الله سبحانه وإقدار منه تعالى.
إنّ ما ذكرنا مبنيّ على صحّة الحديث واتّصال سنده إلى النبيّ، ولكنّك عرفت أنّ الحديث مقطوع غير موصول بالنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو أنّه ممّا انفردت به عائشة، فلاحظ.

صفحه 187

2. حديث المطالبة بالقلم والدواة

أخرجه أصحاب الصحاح والسنن ونقله أهل السير والأخبار كافّة، ويكفيك ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: لمّا حُضر رسول الله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، فقال عمر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبُنا كتابُ اللّه، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول قرِّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا، فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولَغَطهم1.
أخذ المستدلّ بظاهر الحديث وقال: النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)طلب أن يكتب كتاباً، وظاهره كون الكاتب نفسه لا غير، لكنّه نسي أو تناسى أنّ في الإسناد مجازاً وأنّه من باب: كتب الأمير، أو كتب الملك، وليس معناه أنّه كتب بنفسه، بل السيرة على أنّ الملك أو الأمير يُمليان والكاتب يكتب وينفّذانه بخاتمهما، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يُملي والكاتب يكتب ولا يكتب بيده، وهكذا كانت سيرة الخلفاء من بعده، ما كانوا يكتبون إلاّ في مواقف خاصّة.

3. قصة الحديبية

ملخّصها: لمّا اعتمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذي القعدة أبى أهل مكّة أن يدَعوه

1 . صحيح البخاري:4/10 برقم 5669، كتاب المرضى; صحيح مسلم:811 برقم 4125، كتاب الوصية; مسند أحمد:1/325.

صفحه 188
يدخل مكّة، وجرت مفاوضات بين الطرفين، انتهت بعقد وثيقة، فاستدعى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً (عليه السلام)، وأمره أن يكتب، فلمّا قال له اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قالوا: لا نقرّ بهذا، لو نعلم أنّك رسول للّه ما منعناك شيئاً، ولكن أنت محمد بن عبد اللّه، فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد اللّه، ثمّ قال لعلي (عليه السلام): امحُ رسول اللّه، قال عليّ: لا والله لا أمحوك أبداً، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الكتابَ وليس يُحسن يكتب، فكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يدخل مكة السلاح إلاّ السيف في القراب، الخ 1.
وقد تمسّك بظاهر الرواية أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي(المتوفّى474هـ) فادّعى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)كتب بيده بعد أن لم يكن يكتب، فشنّع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأنّ الذي قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم:
برئتُ ممّن شرى دنيا بآخرة *** وقال إنّ رسول الله قد كتبا
فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة،
وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنّه قيّد
النفي بما قبل ورود القرآن، فقال: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ
تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ
) وبعد أن تحققت أُمنيته وتقرّرت
بذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة

1 . صحيح البخاري:3/82 برقم 4251، كتاب المغازي; الكامل:2/138; مسند أحمد:4/298 (ولفظه هكذا: فكتب مكان رسول اللّه، هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ألاّ يدخل مكة السلاح إلاّ في القراب).

صفحه 189
بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أُخرى.
وذكر ابن دحية أنّ جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك منهم: شيخه أبو ذرّ الهروي، وأبو الفتح النيسابوري، وآخرون من علماء إفريقية وغيرها، واحتجّ بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبّة من طريق مجاهد، عن عون بن عبد اللّه، قال: ما مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى كتب وقرأ، قال مجاهد: فذكرته للشعبي فقال: صدق قد سمعت من يذكر ذلك 1.

الجواب عن الاستدلال بالرواية

إنّ ما رواه البخاري وغيره ممّن جنح إليه على خلاف ما يرتئيه المستدلّ أدلّ، فإنّ قوله: «وأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب» أصدق شاهد على أُمّيته.
أضف إلى ذلك: ما ورد في بعض الروايات من قول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ: «أرني إيّاها» أو قوله: «فضع يدي عليها» فهو شاهد صدق على بقائه على ما كان عليه من الأُمّية.
ولأعلام الحديث والتاريخ كلمات ضافية حول الرواية تميط الستر عن وجه الحقيقة، فلنأت بما وقفنا عليه.
1. قال ابن حجر: إنّ النكتة في قوله: «فأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب» هو بيان قوله: «أرني إيّاها» فإنّه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة

1 . فتح الباري:7/503ـ504، وأضاف الباجي بأنّ في معرفة الكتاب بعد أُمّيته (صلى الله عليه وآله وسلم) معجزة أُخرى لكونها من غير تعليم، لاحظ مناهل العرفان:1/358.

صفحه 190
التي امتنع عليٌّ (عليه السلام) من محوها، إلاّ لكونه كان لا يحسن الكتابة.
وعلى أنّ قوله بعد ذلك «فكتب» فيه حذف تقديره: أي فمحاها فأعادها لعلي فكتب، وبهذا جزم ابن التين وأطلق «كتب» بمعنى أمر بالكتابة، وهو كثير كقوله: كتب إلى قيصر، وكتب إلى كسرى.
وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة، أن يصير عالماً بالكتابة ويخرج عن كونه أُمّياً، فإنّ كثيراً ممّن لا يحسن الكتابة، يعرف تصوير بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده وخصوصاً الأسماء ولا يخرج بذلك عن كونه أُمّياً، ككثير من الملوك.
ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أُخرى في ذلك الوقت خاصّة، ولا يخرج بذلك عن كونه أُمّياً، وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمّة الاُصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي، وتعقّب ذلك السهيلي وغيره بأنّ هذا وإن كان ممكناً ويكون آية أُخرى، لكنّه يناقض كونه أُمّياً لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجّة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب لكنّه كان يكتم ذلك. قال السهيلي: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضاً، والحقّ أنّ معنى قولـه:(فكتب): أي أمر عليّاً أن يكتب1.
2. قال الحلبي: تمسك بعضهم بـظاهر الحديث وقال: إنّ النبي كتب

1 . فتح الباري :7/387. طبعة دار المعرفة، بيروت.

صفحه 191
بيده يوم الحديبية معجزة له، مع أنّه لا يقرأ ولا يكتب، وجرى على ذلك أبو الوليد الباجي المالكي، فشنّع عليه علماء الأندلس في زمانه وقالوا: هذا مخالف للقرآن(إلى أن قال):
والجمهور على أنّ الروايات التي فيها «أنّه أخذ الكتاب بيده فكتب» محمول على المجاز أي أمر أن يكتب الكاتب 1.
أقول: إنّ لفظة «بيده» ليست في نسخ صحيح البخاريّ، ونصّ على ذلك الحلبي أيضاً، وقوله: «ليس يحسن أن يكتب» الوارد في صحيحه وغيره من المصادر الأصلية 2 دالّ على ما نرتئيه في هذا المقال.
نعم، رواه البخاري في كتاب الصلح بصورة أُخرى، قال: «فلمّا كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا: لا نقرّ بها، فلو نعلم أنّك رسول الله ما منعناك إلى أن قال ـ : ثم قال لعلي: امحُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: لا والله لا أمحوك أبداً، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الكتاب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله لا يدخل مكة سلاح إلاّ في القراب» 3.
***
هذا وقد رويت تلك الواقعة بصورتين أُخريين، رواهما أعلام السير والتاريخ.
الأُولى: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر عليّاً أن يمحو لفظ «رسول اللّه» فامتنع

1 . السيرة الحلبية:3/24; وسيرة زيني دحلان في هامش السيرة:2/214 ولكن اللفظ للأخير.
2 . راجع: الأموال:158. ونقله عنه المجلسي في بحار الأنوار:20/371.
3 . صحيح البخاري:2/186 برقم 2699، فحذف قوله:«وليس يحسن يكتب».

صفحه 192
عليٌّ من محوه فقال رسول اللّه: أرنيه، فأراه علي، فمحاه بيده الشريفة، ثم أمر عليّاً أن يكتب، وإليك لفظ الرواية: أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً أن يكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سهيل بن عمرو، فقال: فعلى مَ نقاتل؟ اكتب اسمك واسم أبيك ، فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد اللّه، فأمر بمحوها فعند ذلك كثر الضجيج واللغط وأشاروا إلى السيوف، فقال علي (عليه السلام)ما أنا بالذي أمحوه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«ستدعى إلى هذا وأنت مضطهد مقهور»،1 إلى أن قال: وضجّ المسلمون وارتفعت الأصوات وجعلوا يقولون لا نعطي هذه الدنية، وجعل رسول الله يخفضهم ويومي بيده إليهم أن اسكتوا، ثمّ قال: أرنيه، فأراه علي (عليه السلام) فمحاه بيده الشريفة ثمّ أمر عليّاً أن يكتبه.
نعم، يظهر من البخاري أنّ النبي محاه من دون أن يريه علي (عليه السلام)وربّما يستدلّ به على تمكّنه من القراءة، فروى في كتاب الصلح: لمّا صالح رسول الله أهل الحديبية ـ إلى أن قال:ـ فقال لعلي: امحُه، فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله بيده، وصالحهم على أن يدخل ... 2.
ويحتمل أنّه تركه للاختصار، اعتماداً على ما نقله في كتاب «الجزية

1 . هذا من أعلام النبوّة فلاقى علي أمير المؤمنين يوم صفين عندما رضوا بالحكمين ما لاقاه رسول اللّه في هذا اليوم، روى أهل السير والتاريخ أنّ علياً أمر كاتبه أن يكتب: هذا ما اصطلح عليه أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومعاوية بن أبي سفيان، فقال عمرو بن العاص: لو علمنا أنّك أمير المؤمنين ما حاربناك، ولكن أكتب: هذا ما اصطلح عليه علي بن أبي طالب، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): صدق اللّه وصدق رسوله أخبرني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك ثم كتب الكتاب. راجع السيرة الحلبية:3/23.
2 . صحيح البخاري:2/186 برقم 2698، كتاب الصلح.

صفحه 193
والموادعة مع أهل الحرب» وقد نقل القصة فيه عن «البراء» هكذا ... فقالوا: لو علمنا أنّك رسول الله لم نمنعك ولبايعناك ولكن اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ـ إلى أن قال: ـ فقال لعلي: امح رسول الله ، فقال علي: لا أمحاه أبداً ، قال: فأرنيه؟ قال: فأراه إيّاه، فمحاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده 1.
ومع هذا التصريح لا يُعبأ بما نقله من دون هذه الزيادة.
وروى الشيخ الأكبر المفيد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي: فضع يدي عليها، فمحاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بيده، وقال لأمير المؤمنين (عليه السلام)ستُدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض ثم تمّم أمير المؤمنين (عليه السلام)الكتاب 2.
وفي «إعلام الورى»: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): امحها يا علي، فقال له: يا رسول الله إنّ يدي لا تنطلق لمحو اسمك من النبوّة. قال: فضع يدي عليها فمحاها رسول الله بيده، وقال لعلي: ستُدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض 3.
روى أمين الإسلام الطبرسي القصة بطولها وقال: ثمّ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)امح رسول اللّه، فقال: يا رسول الله إنّ يدي لا تنطلق لمحو اسمك من النبوّة، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فمحاه ،ثم قال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله 4.
وعلى هذه الصورة من الرواية: أنّ رسول الله نفسه محا لفظة رسول

1 . صحيح البخاري:4/104، كتاب الجزية.
2 . السيرة الحلبية:3/24; وسيرة زيني دحلان:2/212، والإرشاد:6، واللفظ للأخير.
3 . إعلام الورى: 106.
4 . مجمع البيان:9/118. وراجع تفسير القمي:634.

صفحه 194
اللّه، لكن عليّاً كتب الكتاب بأمره دون رسول اللّه.
الثانية: وهي تشترك مع الأُولى في التصريح بأنّ الكتاب كتبه علي (عليه السلام)من بدئه إلى ختمه بأمر رسول الله وإملاء منه، وتفترق عنها بأنّه ليس فيها عن محو لفظة رسول الله عين ولا أثر.
خلاصتها: أنّه عندما أحسّ الهدوء وانخفضت الأصوات بإيماء منه (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر رسول الله عليّاً أن يكتب: هذا ما صالح أو قاضى عليه محمد بن عبد الله ... فكتب على حسب ما أملاه عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك ما رواه الطبري في تاريخه:
قال سهيل: لو شهدت أنّك رسول الله لم أُقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وسهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب.1 وقريب منه ما رواه البخاري نفسه في موضع آخر2، واليعقوبي في تاريخه 3، والواقدي في مغازيه4، وابن هشام في سيرته 5، وغيرهم من أساطين التاريخ والحديث 6 ويقرب منه ما رواه الكليني في روضته حيث قال: قال رسول الله لعلي: اكتب: هذا ما قاضى رسول الله وسهيل بن عمرو، فقال

1 . تاريخ الطبري:2/281.
2 . صحيح البخاري:3/195، كتاب الصلح .
3 . تاريخ اليعقوبي:2/45.
4 . المغازي:2/610.
5 . السيرة النبوية:2/317.
6 . راجع: صحيح مسلم:5/174.

صفحه 195
سهيل: فعلى مَ نقاتلك يا محمد؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد اللّه، فقال له الناس: أنت رسول اللّه، قال:اكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللّه، فقال له الناس: أنت رسول الله 1.
فبعد هذا الاتّفاق والإصفاق من أعلام التاريخ والحديث والتفسير على أنّ الكتاب كتبه عليٌّ بإملاء من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من أوّله إلى آخره، فهل يصحّ الركون إلى ما تفرّد به البخاري وأحمد واعتمد عليهما الجزري في كامله، مع أنّ البخاري نقض ما نقله في باب «عمرة القضاء» في كتاب الصلح على ما عرّفناك.
على أنّ التضارب الصريح الذي نشاهده في نقل البخاري في المقام يمنع النفس من الركون إليه، فقد اضطرب نقله وكلامه من وجوه:
1. تراه أنّه نقل القصة في موضع هكذا: «أخذ رسول الله الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد اللّه» 2، وفي الوقت نفسه ساقها في موضع آخر من كتابه بنفس اللفظ السابق، ولكنه حذف قوله: «وليس يحسن يكتب»3.
2. تراه أنّه يصرّح بأنّ النبي محا لقبه بإراءة علي (عليه السلام) حيث يقول: فقال لعلي: امحه، فقال علي(عليه السلام):لا أمحاه أبداً، قال: فأرنيه؟ قال: فأراه إيّاه فمحاه النبي بيده 4.

1 . روضة الكافي: 326.
2 . صحيح البخاري: 3 / 82 برقم 4251.
3 . المصدر السابق:2/186 برقم 2699.
4 . المصدر السابق:2/326 برقم 3184، كتاب الجزية والموادعة.

صفحه 196
ومع ذلك تراه ينقل إمحاء النبي، من دون أن يشير بأنّه كان بإراءة من علي حيث قال: « فقال لعلي: امح رسول اللّه، فقال: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله بيده» 1.
3. يظهر منه في موضع أنّ عليّاً هو الذي كتب اسم النبي بعد إمحائه ما أمحاه، حيث قال: «فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني، اكتب محمد بن عبد اللّه» 2.

4. كتاب النبي إلى العذار

روى البخاري عن العذار بن خالد، قال: كتب لي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا ما اشترى محمد رسول الله من العذار بن خالد: بيع المسلم المسلم لا داء ولا خبيئة ولا غائلة 3.
ودلالته على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، كتب الكتاب بنفسه ضعيفة، لا يمكن الركون إليه في هذه المسألة، إذ كثيراً ما يسند الفعل إلى الأُمراء والملوك، ويراد منه التسبيب لا المباشرة.
كما أنّ الاستدلال على بقاء النبي على ما كان عليه قبل الدعوة بقوله في الحديث المروي: إنّا أُمّة أُمّية لا نكتب ولا نحسب، ليس بسديد إذ يكفي في صدق مضمونه كون أكثر من بعث إليه أُمّيون لا يكتبون ولا يحسنون الكتابة.

1 . المصدر السابق:2/186 برقم 2698.
2 . راجع: المصدر السابق:2/200 برقم 2731، 2732.
3 . صحيح البخاري:3/7.

صفحه 197

فذلكة البحث

ما سردناه لك من الأحاديث في هذه الصحائف، قد رواه الجمهور في صحاحهم، وقد وافاك عدم دلالة كثير منها على معرفته الكتابة بعد بعثته(صلى الله عليه وآله وسلم)، غير حديث بدء الوحي ولو صح سنده واعتمدنا على ما تفردت بنقله «عائشة» فإنّما يدل على أنّه سبحانه مكّن عبده من قراءة اللوح الذي كان بيد أمين الوحي، ولم يكن ذاك اللوح، لوحاً مادّياً وصحيفة جسمانية بل كان لوحاً برزخياً، ومن قدر على قراءة نقوش ذاك اللوح وحروفه وجمله يقدر على قراءة ما كتب في الألواح والصحائف المادّية، ولكنّك قد وقفت على إرسال الرواية وأنّ الحديث غير موصول بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ من ناحيتها.
بقيت في المقام روايات ضعاف ومراسيل، نقلها بعض المتأخّرين، ولا يمكن الاستدلال بها في مثل هذه المسألة، وإليك ما نقلوه:
قال القاضي الحافظ أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان لا يكتب ، ولكنّه أُوتي علم كلّ شيء حتى قد وردت آثار بمعرفته بالخط وحسن تصويرها، كقوله: لا تمدّوا بسم الله الرحمن الرحيم 1 ; رواه ابن شعبان 2 من طريق ابن عباس. وقوله في الحديث الآخر الذي يروى عن معاوية أنّه كان يكتب بين يديه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: ألق الدواة 3،

1 . قال الملاّ علي القاري في شرحه: أي مدّ سينه من غير تبيّن، روى الدارمي عن زيد بن السن: إذا كتبت فبيّن السين.
2 . هو أبو إسحاق العصري المالكي له ترجمة في الميزان، مات سنة خمس وستين وثلاثمائة.
3 . أمر من ألاق الدواة إذا جعل لها ليقة وأصلح لها مدادها.

صفحه 198
وحرّف القلم 1 وأقم الباء 2 وفرّق السين 3 إلى آخر ما نقله ...4والمظنون أنّ الحديث من ولائد النزعات الباطلة تزلّفاً للأُمويين.

عرض وتحقيق

لا بأس بإكمال البحث بما وصل إلينا من الروايات من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) مع ترجمة رجال إسنادها وتوضيح مضامينها على وجه الإجمال، وقد نقل المجلسي منها كثيراً في بحاره في الباب السادس من الجزء السادس عشر المخصّص لحياة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)5.
1. أخرج الصدوق في «علل الشرائع» عن ابن الوليد، عن سعد،(6) عن ابن عيسى 6، عن الحسين بن سعيد ومحمد البرقي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان النبي يقرأ الكتاب ولا يكتب».(8)
والحديث صحيح رجاله كلّهم ثقات بالاتّفاق، ولكنّه ظاهر، أو محمول على عهد الرسالة لما عرفت من تنصيص الكتاب العزيز على كونه أُمّياً قبل البعثة.
2. أخرج الصدوق في علله عن أبيه عن سعد7، عن ابن عيسى، عن

1 . أي: اجعل شقّه الأيمن أزيد من الطرف الآخر قليلاً لأنّه أسرع في الكتابة وأبدع في اللطافة.
2 . أي: طوّلها.
3 . أسنانها.
4 . راجع: فتح الباري:9/44; شرح الشفاء:1/726 ـ 727.
5 . بحار الأنوار:16/131 135.   6 . المراد به سعد بن عبد اللّه.
6 . أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي.    8 . علل الشرائع:126 برقم 6.
7 . قد أوضحنا المراد منه ومن بعده في الحديث المتقدّم.

صفحه 199
البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن الحسن الصيقل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول: «كان ممّا منّ الله على نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان أُمّياً لا يكتب ويقرأ الكتاب».1
والسند صحيح إلى البزنطي، نعم اختلفت كلماتهم في أبان ورمَوْه بالناووسية والنسبة غير محقّقة، والرجل من أصحاب الإجماع، والحسن الصيقل مهمل في كتب الرجال لم يوصف بالوثاقة ولم يرد فيه طعن، والحديث وإن لم يكن صحيحاً لكنّه يمكن أن يكون شاهداً للحديث المتقدّم لخصوصية نقل «أبان» الذي هو أحد أصحاب الإجماع عنه، والحديث نظير ما تقدّم عليه في الحمل والظهور، بل أظهر من سابقه في كونه راجعاً إلى أيام نبوّته وعهد رسالته(صلى الله عليه وآله وسلم)بقرينة قوله: «كان ممّا منّ الله عزّ وجلّ به على نبيّه».
3. أخرج الصدوق في «علل الشرائع» عن أبيه، عن سعد، عن معاوية بن حكيم، عن البزنطي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان ممّا منّ الله عزّ وجلّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يقرأ ولا يكتب، فلمّا توجّه أبو سفيان إلى «أُحد» كتب العباس إلى النبيّ فجاءه الكتاب وهو في بعض حيطان المدينة فقرأه، ولم يخبر أصحابه وأمرهم أن يدخلوا المدينة، فلمّا دخلوا المدينة أخبرهم».2
والخبر صحيح إلى البزنطي وهو من أصحاب الإجماع ورجاله كلّهم ثقات، غير أنّ في آخره إجمالاً وإهمالاً، يلحقه بالمراسيل. نعم لا بأس

1 . علل الشرائع:126برقم 7; ومعاني الأخبار:20.
2 . علل الشرائع:125ـ 126 برقم 5.

صفحه 200
بمضمونه فهو يؤيّد ما قدّمناه من الخبر الصحيح، وأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقرأ أحياناً في عهد الرسالة لكن نقله زيني دحلان في سيرته بصورة أُخرى وإليك نصّه: كتب العباس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأخبره بجمعهم وخروجهم وراودوه على الخروج معهم فأبى واعتذر بما لحقه يوم بدر ولم يساعدهم بشيء من المال، فجاء كتابه للنبي وهو بقبا وكان العباس أرسل الكتاب مع رجل من بني غفار استأجره وشرط عليه أن يأتي المدينة في ثلاثة أيام بلياليها ففعل ذلك، فلمّا جاء الكتاب فك ختمه ودفعه لأُبيّ بن كعب فقرأه عليه فاستكتم أُبيّاً، ثم نزل (صلى الله عليه وآله وسلم)على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس 1. وأنت ترى أنّ الذي قرأ الكتاب أُبَيّ، وليس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
4. أخرج الشيخ الأقدم محمد بن الحسن الصفّار عن الحسن بن علي، عن أحمد بن هلال، عن خلف بن حماد، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):إنّ النبي قد كان يقرأ ويكتب ويقرأ ما لم يكتب. 2 ويكفي في ضعف الحديث أنّه مروي عن أحمد بن هلال الذي خرج التوقيع من الناحية المقدّسة في لعنه، ونقل الصدوق عن شيخه ابن الوليد عن سعد أنّه قال: ما سمعنا ورأينا بمتشيّع رجع عن تشيّعه إلى النصب إلاّ أحمد بن هلال.
أضف إليه: أنّه مخالف لما قدمناه آنفاً من أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقرأ ولا يكتب3.

1 . سيرة زيني دحلان على هامش السيرة الحلبية:2/24.
2 . بصائر الدرجات:1/442 برقم 832.
3 . راجع الحديث الأوّل والثاني.

صفحه 201
فاتّضح أنّ ما يصحّ من هذه المأثورات إنّما هو الحديث الأوّل، ويؤيّده الثاني والثالث وهي بمجموعها تشير إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقرأ ولا يكتب أيام رسالته ورحاب دعوته، ولا ضير في الالتزام به ـ ولكن لا على سبيل الجزم ـ خصوصاً إذا كان غير متظاهر بالقراءة، مكتفياً بقدر الضرورة، ويؤيّدها حديث بدء الرسالة.
5. أخرج الكليني بإسناده عن الحسن بن العباس الحريش، عن أبي جعفر الثاني(عليه السلام)، عن أبي عبد الله قال:
«كان علي (عليه السلام) كثيراً ما يقول: ما اجتمع التيمي والعدوي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يقرأ: (إنّا أنزلناه)بتخشّع وبكاء فيقولان: ما أشد رقّتك لهذه السورة؟ فيقول رسول الله: لما رأت عيني ووعى قلبي، ولما يرى قلب هذا من بعدي، فيقولان: وما الذي رأيت وما الذي يرى؟ قال: فيكتب لهما في التراب: (تَنَزَّلُ الملائِكَةُ وَ الروحُ فِيهَا بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر) قال: ثمّ يقول: هل بقى شيء بعد قوله عزّ وجلّ : (كلّ أمر)فيقولان: لا، فيقول: هل تعلمان من المنزل إليه بذلك؟ فيقولان: أنت يا رسول اللّه، فيقول: نعم، فيقول: هل تكون ليلة القدر من بعدي؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول:فهل ينزل ذلك الأمر فيها؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول: إلى من؟ فيقولان: لا ندري، فيأخذ برأسي ويقول: إن لم تدريا فادريا هو هذا من بعدي، قال: فإن كانا ليعرفان تلك الليلة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من شدة ما يداخلهما من الرعب»1.
وجه الدلالة: أنّ قوله (عليه السلام): «فيكتب لهما في التراب» بصيغة المعلوم

1 . الكافي:1/249، الحديث5، كتاب الحجة باب «إنّا أنزلناه في ليلة القدر» وتفسيرها، طبع مكتبة الصدوق.

صفحه 202
دال على أنّ النبي كان يكتب هذه الآيات في التراب.
ويؤسفنا أنّ الحديث ضعيف للغاية، لأجل الحسن بن العباس بن الحريش، قال النجاشي: «روى عن أبي جعفر الثاني ضعيف جداً له كتاب «إنّا أنزلناه في ليلة القدر» وهو كتاب رديء الحديث، مضطرب الألفاظ1.
وقال الغضائري: ضعيف جداً يروي عن أبي جعفر الثاني فضل «إنّا أنزلناه في ليلة القدر» وله كتاب مصنّف فاسد الألفاظ، تشهد مخائله على أنّه موضوع، وهذا الرجل لا يلتفت إليه ولا يكتب من حديثه.
قال المحقّق التستري:إن أردت أن تقف على صحّة ما قاله النجاشي والغضائري في حقّ الرجل فراجع باب «فضل إنّا أنزلناه» من «الكافي» تجد صحّة كلامهما فترى أنّه روى في ذاك الباب تسعة أخبار بسند واحد كلّها عن الحسن بن عباس بن الحريش عن الجواد (عليه السلام)، فلفظها فاسد ومعناها كاسد، وهكذا راجع تفسير القميّ في أوّل سورة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).2
ثم نقل بعض أحاديثه، ونقده نقداً نزيهاً.

حصيلة الكلام في أُمّية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :

قد أصبحت أُمّية النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يختاره الله لإبلاغ رسالته أمراً واضحاً كوضوح شمس الضحى، لا يشكّ فيها ذو مسكة ومَن له أدنى إلمام بتاريخ الجزيرة وحياة الأُمّة العربية، وأمّا الكلام حولها بعد البعثة فالإمعان في ما نقلناه من حديث بدء الرسالة والخبرين المرويّين عن الإمام

1 . رجال النجاشي:60 برقم 138، تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي.
2 . قاموس الرجال:3/182 ـ 183. وراجع تنقيح المقال:1/286.

صفحه 203
الصادق (عليه السلام)يعطي أنّه كان يقرأ ولا يكتب، فلو جاز الركون في مثل المقام إلى هذه النقول المروية بصورة الآحاد من الأخبار، فنحكم بمفادها، وإلاّ فالحكم ببقائه على ما كان عليه من الأُمّية قبل البعثة أوثق وأسدّ، ويؤيّد الأخير ما نقلناه في قصة الحديبية في بعض صورها التي عرّفناك إيّاها، والتعليل الوارد في الآية الكريمة، أعني قوله سبحانه: (إذاً لارتاب المبطلون)خصوصاً لو كان مراد القائل تظاهره (صلى الله عليه وآله وسلم)بصناعة القراءة والكتابة على أظهر الناس، ورؤوس الأشهاد، فإنّه يجرّ الشك إلى ما قبل الرسالة كما لايخفى.

نحن وقساوسة الغرب والمستغربة:

بالرغم من شهادة تاريخ الحجاز في الدور الجاهلي، ومحيطه البدوي على أُمّية النبي وعشيرته وأقربائه، نجد مغالطات وتشكيكات أثارتها قساوسة الغرب حول أُمّيته(صلى الله عليه وآله وسلم) وتبعهم بعض المستغربة في الشرق، الذين يتطفّلون على موائد الغربيين في كلّ شيء، حتى فيما يرجع إلى الإسلام والمسلمين، والشرق والشرقي، غير واقفين على نواياهم وما تكنّه صدورهم وضمائرهم، من القضاء على الإسلام والمسلمين،
والحقد والعداء للنبي الأعظم ورسالته، وما يستهدفونه من بثّ هذه التشكيكات والمغالطات، التي لها طابع التحقيق، حول الرسول الأكرم وأُمّيته.
وفي الوقت نفسه، لا مصدر لهم في إنكار أُمّيته إلاّ مراسيل عن مجاهيل ، أو انتحالات أعداء الدين، نظراء ابن أبي العوجاء و ... كلّ ذلك لبثّ الريب في قلوب البسطاء من المسلمين بالنسبة إلى رسالته، ودينه،

صفحه 204
وكتابه، حتى يتّخذوا ذلك ذريعة لإنكار رسالته الإلهية واتّصاله بالعوالم الروحية حتى يصوّروا لهم، أنّ النبي كان قارئاً وكاتباً وأنّ ما جاء به من المعارف والأحكام هي إنتاج عبقريته الفذة وشخصيته اللامعة، وسبره في الكتب وغوره فيها، شأن كلّ باحث متتبّع.
غير أنّ جهلهم أو تجاهلهم الحقيقة ودعاياتهم الواسعة لا يؤثّر شيئاً في قلوب المثقفين الواعين من الأُمّة، كيف وقد تسالمت عليها الأُمّة منذ أكثر من (1400) سنة، ولم ينبس أحد ببنت شفة على خلافه، حتى جعل صاحب المنار وغيره «أُمّية» النبي أحد وجوه إعجاز القرآن وقال: إنّ الضمير في قوله سبحانه: (فأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ) يعود إلى المبلِّغ ـ بكسر اللام ـ أي الرسول نفسه لا إلى القرآن، وقال في تفسير الآية: «فإن خفي عليكم الحقّ بذاته فهذه آية من أظهر آياته، وهي عجزكم عن الإتيان بسورة من مثل سور القرآن، من رجل أُمّي مثل الذي جاءكم به، وهو عبدنا ورسولنا محمد وإن عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله، تساوي سورة في هدايتها وتُضارعها في أُسلوبها وبلاغتها، وأنتم فرسان البلاغة وعصركم أرقى عصور الفصاحة فاعلموا ما جاء به، بعد أربعين سنة فأعجزكم بعد سبقكم لم يكن إلاّ بوحي إلهي وإمداد سماوي» 1.
وما ذكره من رجوع الضمير إلى النبي وإن كان خلاف ظاهر الآية، خصوصاً في قوله سبحانه: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَ الجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً)2، وفي قوله

1 . المنار:1/191.
2 . الإسراء : 88 .

صفحه 205
سبحانه: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات)1 إلاّ أنّه أحد وجوه إعجازه.
قال العلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني 2: «إنّ من وجوه إعجاز القرآن والإعجاب به صدوره من مثل محمد الأُمّي ربيب البادية، البعيد عن حضائر الفنون، البعيد عن حواضر الحكماء ومحاضر العلماء ـ إلى أن أوضح مقاله بمثال ـ وقال: الشعب الواثق بأنّ سفيره لا يقرأ ولا يكتب ولا يخون، ولا يكذب ولم يعهد منه الشعر ففي وضع راهن كهذا لو يفاجئهم سفيرهم بكتاب فذّ في الكتابة والإنشاء والإملاء ... وادعى أنّه مرسل به من ناحية السلطان ... فإنّ الشعب ضروري إيمانه وإذعانه له، وعدم اتّهامه بأنّه المباشر لهذه الفرية».
***
تمّت الرسالة بعون الله تعالى و تبارك
سنة 1393 هـ

1 . هود : 13.
2 . أحد العلماء الكبار في العراق، له آثار قيّمة. توفّي (رحمه الله) سنة 1386 هـ .

صفحه 206

صفحه 207
تفسير سورة الروم    
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج

21

سورة الروم

(الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَان اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا

صفحه 208
 
يَسْتَهْزِئُونَ * اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَة يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ *فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاِتِه أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ

صفحه 209
 
الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْقِلُونَ * بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ* لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ * وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * فآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ

صفحه 210
 
السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ * اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ *فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَات وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْريَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ * اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ

صفحه 211
 
يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ * فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ * اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْف قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّة ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ).

صفحه 212
 

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة بسورة «الروم» لورود هذا اللفظ في الآية الثانية منها، ولم تسمّ باسم آخر.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها في عدّ المدني والمكّي تسع وخمسون آية، وفي عدّ الآخرين ستّون آية. وهي مكّية بشهادة مضامينها، مضافاً إلى اتّفاق المفسّرين على ذلك.

أغراض السورة

سورة الروم: الآيات 1 ـ 7   
من أغراض السورة تقوية قلوب المؤمنين الّذين كانوا يتعرّضون للمحن الشداد في مكّة، وإشعارهم بأنّ الإرادة الإلهية هي الّتي تقف وراء ما يجري في ساحة الحياة من قضايا وأحداث، وذكر لذلك مثالاً من الواقع، وهو هزيمة الروم في المعركة الّتي دارت بينهم وبين الفرس، وأنّ هذه الهزيمة سيعقبها الظَّفر، وسيكون الغالب مغلوباً والمغلوب غالباً، بعد بضع سنين، فليثق المؤمنون بربّهم، وليستعينوا به في مواجهة المشركين المغترّين بقوّتهم، ولا يعيشوا القلق والاضطراب على مصيرهم، فإنّه نعم المولى ونعم النصير.

صفحه 213
ومن تلك الأغراض التركيز على التوحيد الفطري بعد بيان دلائله في الآفاق والأنفس، والآية المتضمّنة لذلك من أغزر الآيات.
مضافاً إلى هذين الغرضين المهمَّين، جاء في ثنايا الآيات ذكر دلائل توحيده ولزوم البعث والتركيز على الحياة الأُخروية.

الآيات: السبع الأُولى

(الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهِ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).

المفردات

غُلبت:الغَلَبة: القهر.
أدنى: أُريد هنا الأقرب، ويقابله الأقصى قال سبحانه: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى)1 والدُّنيا مؤنث الأدنى.
بِضع: البضع: القطعة من العدد ما بين الثلاثة إلى العشرة، ومنه البضاعة أي القطعة من المال تدور في التجارة.

1 . الأنفال:42.

صفحه 214

التفسير

1.(الم):
من الحروف المقطّعة، وقد اختلفت كلمة المفسّرين في تفسير هذه الحروف، وسيوافيك توضيحها في صدر تفسير سورة الأحقاف، فانتظر.
ثمّ إنّ هذه السورة من إحدى السور الأربع التي صُدِّرت بحروف التهجّي، ولم يُذكر بعدها ما يشير إلى الكتاب والقرآن، خلافاً لسائر السور التي جاء بعدها ذكر القرآن الكريم بنحو من الأنحاء.
2و3.(غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ):
الروم: هم سكان الامبراطورية البيزنطية 1 الّتي تُعدّ استمراراً للامبراطورية الرومانية، وعُرفت أيضاً باسم الامبراطورية الرومانية الشرقية2، لأنّها حكمت ما يشكّل القسم الشرقي من الامبراطورية

1 . نسبة إلى بيزانتيوم (بيزنطة)، الاسم الإغريقي لمدينة تقع على مضيق البوسفور (وهي مدينة اسطنبول الحالية في تركيا). وكان الملك الروماني قسطنطين الكبير قد نقل في سنة (330 م) عاصمة امبراطوريته من روما إلى (بيزنطة)، الّتي أُطلق عليها اسم (القسطنطينية) بعد موت قسطنطين. وكان قسطنطين هذا قد تنصّر وشجّع رعاياه على التنصّر، وأصبحت النصرانية في عهد ثيودوسيوس الأوّل الّذي اعتلى العرش في سنة 379 م الديانة الرسمية للدولة .
2 . انقسمت الامبراطورية الرومانية في سنة (395 م) إلى امبراطوريتين: الشرقية (البيزنطية)، والغربية. ويؤرَّخ سقوط الامبراطورية الرومانية الغربية غالباً بسنة (476 م)، أمّا الامبراطورية الشرقية فظلّت قائمة إلى أن استولى الأتراك العثمانيون على القسطنطينيّة في سنة (1453 م) .

صفحه 215
الرومانية، وهي تشتمل على أجزاء من جنوبي أوربا وشرقيّها، وإفريقيا الشمالية، والشرق الأوسط.1
وكانت النصرانية قد ازدهرت في الامبراطورية البيزنطية في عهد جستنيان الأوّل، الّذي حكم البلاد من سنة 527 م حتّى وفاته في سنة 565 م (أي قبل مولد النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بنحو خمس سنوات).
يذكر أنّ هذا الامبراطور حاول توحيد امبراطوريته تحت معتقد نصراني واحد، فضيّق الخناق على الوثنيين وعلى المهرطقين النصارى، وقام في عام 529 م بإغلاق مدارس الفلسفة في أثينا باليونان، لأنّه أحسّ أنّها كانت تدرّس الوثنية.2
وكانت دولتا الروم (الامبراطورية البيزنطية) والفُرس تشكّلان ـ في عصر النبوّة وما قبلها ـ القوّتين العظميَين في الأرض، وكانتا تتنازعان على السيادة على بلاد الشام وغيرها، ولأجل ذلك دارت بينهما حروب كثيرة، منها الحرب الّتي وقعت في عهد كسرى أبرويز 3 (ملك الفرس)، حيث عيّن ثلاثة قوّاد، لمهاجمة دولة الروم، منهم القائد (شهريار) الّذي سار نحو الشام، فقتل أهلها قتلاً ذريعاً، حتّى أخذها كلّها عنوة.4
وبعد بضع سنوات تمكّن هِرَقْل (ملك الروم) من هزيمة الفرس، بالرغم من الضعف الّذي كان قد حلّ بالامبراطورية في أواخر القرن

1 . الموسوعة العربية العالمية: 2 / 684 .
2 . الموسوعة العربية العالمية: 8 / 370 .
3 . بُعث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد مُضيّ ست عشرة سنة من مُلك كسرى أبرويز. الأخبار الطوال: 74 .
4 . الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري: 106 .

صفحه 216
السادس وأوائل القرن السابع الميلاديّين بسبب الغارات الّتي شُنّت عليها من مختلف الأقوام .
قال أبو حنيفة الدينوري (المتوفّى 282 هـ): إنّ عساكر الفرس وافت كلّها الجزيرة، وسار هِرَقل نحوهم، فواقَعَهم، فهزمهم حتّى بلغ بهم الموصل، وبلغ ذلك كسرى، فخرج في جنوده نحو الموصل، وانضم إليه قوّاده الثلاثة، وسار نحو هرقل، فاقتتلوا، فانهزم الفرس.1
وهذه الغلبة هي الّتي أشارت إليها الآيات التالية، والّتي تعتبر إخباراً بحدث غيبيّ مستقبليّ مهمّ، وقد وقع كما أخبر عنه القرآن الكريم، وذلك من أجلى الدلائل على صدق الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فيما جاء به من الوحي.
بعد هذه المقدمة التاريخية نعود إلى تفسير فقرات الآية.
قوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ): أي هُزمت (فِي أَدْنى الأَرْضِ): أي في أقرب أرض الروم إلى بلاد العرب، لكن تنبّأ القرآن بقوله: (وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) الضمائر الثلاثة ترجع إلى الروم. و«غلب» مصدر أُضيف إلى المفعول بمعنى مغلوبيتهم.
ففي الآية الكريمة بشارة من الله للمسلمين بأنّ هزيمة الروم هذه سيعقبها الظَّفر في بضع سنين، أي في مدة تتراوح بين ثلاث سنوات وعشر، ولم يك مظنوناً وقت هذه البشارة، أن يُغلب الرومُ الفُرسَ في مثل هذه المدّة الوجيزة، بل كانت المقدّمات والأسباب تشير إلى العكس من ذلك; لأنّ الحروب الطاحنة أنهكتها حتى غُزيت في عُقر دارها.

1 . الأخبار الطوال: 107 .

صفحه 217
4. (فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ):
إنّ دولة الفرس كانت قوية وزادها الظفر الأخير قوّة ومنعة، ولكنّ الله تعالى أنجز وعده وتحقّقت نبوءة القرآن . والفاصل الزماني بين الهزيمة والانتصار ثمان أو تسع سنين، ولذلك يقول سبحانه:( فِي بِضْعِ سِنِينَ): أي ما بين الثلاثة والعشرة.
ثمّ إنّه يشير إلى أنّ الأمر قبل غلبة الفرس على الروم وبعد غلبة الروم عليهم كلّه بيد الله سبحانه كما يقول: (لِلهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ)الغلبة (وَ مِنْ بَعْدُ): المغلوبية، فهو ينصر من يشاء ويخذل من يشاء، ولكن ليس نصره وخذلانه أمراً فوضوياً بل كلّ من هزيمة الروم في الحرب الأُولى وغلَبتهم في الحرب الثانية كان بملاك خاص. فلكلّ حادث مادّي سبب خاص، فالعاقل يحلّل كلّ حادث بأسبابه ولا يحمله على عاتق التقدير دون أن يكون بين التقدير والحادثة سبب من جنس المسبب، فالله سبحانه هو المقدّر لكنّ تقديره نتيجة العلل التي تسبّب النصر أو الهزيمة. فعلى محقّق التاريخ، أن يحلّل السبب الذي أدّى إلى الانتصار أوّلاً، والهزيمة ثانياً، وليس تقديره سبحانه لكلا الأمرين خارجاً عن علل الانتصار والهزيمة في كلّ واقعة.
ثمّ إنّه سبحانه يخبر ويقول:(وَيَوْمَئِذ): أي ويوم يغلب الروم(يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ)، وتمتلئ قلوبهم سروراً.
إنّما الكلام في علّة فرح المؤمنين بغَلَبة الروم؟ وهذا ما تشير إليه الآية التالية:

صفحه 218
5.(بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):
ظاهر الآية يشير إلى أنّ فرح المؤمنين (بِـ)سبب (نَصْرِ اللهِ ) الروم . ووجه الفرح أنّ انتصار الروم سيكون مظهراً لانتصار دولة تؤمن برسالة سماوية على دولة وثنية، الأمر الّذي يفتح باب الأمل في وجه المؤمنين بالانتصار على المشركين عبَدَة الأوثان والأصنام، ويعزّز ثقتهم بالله وأنّه هو من وراء كلّ شيء .
ثمّ إنّه سبحانه يذكر ضابطة كلّية وهو أنّ النصر بيد الله :(يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ) ولكن ليس نصره بلا سبب وبلا ملاك، بل بالأخذ بأسبابه كما مرّ.
ثمّ ختم الآية بوصفين:(وَ هُوَ الْعَزِيزُ): أي الغالب الذي لا يُغلب وفي الوقت نفسه (الرَّحِيمُ)، فالجمع بين العزّة والرحمة نوع كمال، فالعزّة المطلقة بلا رحمة آية الكِبْر والتعسّف والشقاء، كما أنّ الرحمة بلا قدرة آية الضعف، فالله سبحانه عزيز في عين الرحمة، ورحيم في عين العزّة.
هذا المعنى هو ما يوحي به ظاهر الآية، أعني: أنّ فرح المؤمنين يومذاك كان لأجل انتصار مَن يمثّل الديانة الإلهية على الّذي يمثل الوثنية; ولكنْ لبعض المفسّرين رأي آخر وهو: أنّ انتصار المؤمنين على المشركين في غزوة بدر وافق ظفر الروم على الفرس، فقوله:(يَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ)حامل تنبّؤاً آخر، وهو أنّ المسلمين سيفرحون بنصر عزيز في ذلك الوقت الذي يغلب فيه الروم الفُرس، وقد صدق الله وعده في هذه كما صدقه في تلك، وهكذا تحقّقت النبوءتان في وقت واحد، مع تقطّع الأسباب في انتصار الروم، كما علمت، ومع تقطّع الأسباب أيضاً في انتصار

صفحه 219
المسلمين على المشركين على عهد هذه البشارة، لأنّهم كانوا أيامئذ في مكّة في قلّة وذلّة يضطهدهم المشركون ولا يرقبون فيهم إلاًّ ولا ذمّة، ولكن على رغم هذا الاستبعاد أو هذه الاستحالة العادية، نزلت الآيات كما ترى تؤكّد البشارتين وتسوقهما في موكب من التأكيدات البالغة التي تنأى بهما عن التكهّنات والتخرّصات.1
لا شكّ أنّ المؤمنين سيفرحون بانتصار الروم على الفرس، لكنّ السبب هو ما يشيعه هذا الانتصار في نفوس المؤمنين من تفاؤل بالنصر، لكونه من مقولة انتصار دولة تدين بديانة سماوية على دولة وثنية، لا لأجل انتصار المسلمين على المشركين في غزوة بدر الكبرى.
نعم الآية محتملة لكلّ من الوجهين وإن أصرّ الكاتب على استفادة المعنى الأوّل منها.
6. (وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ):
الوعد في قوله: (وَعْدَ اللهِ )مصدر أُضيف إلى الفاعل ونُصِبَ لكونه مفعولاً مطلقاً، والتقدير: وعَد الله ذلك وعداً. والمراد بالوعد ما ذكره سبحانه في الآية السابقة من أنّ الروم سيغلبون الفُرس فيما بعد. وبما أنّه قادر وحكيم فـ (لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ) وإنّما يُخلف وعده مَن يُخلف، اضطراراً إليه، أو جهلاً بقبحه، والله سبحانه منزّه عنهما، ومع ذلك (وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) أنّ الله سبحانه لا يُخلف وعده، لجهلهم بصفاته سبحانه وبما

1 . انظر: مناهل العرفان:2/266.

صفحه 220
يجوز عليه وما لا يجوز، ويتصوّرون أنّه سبحانه كالملوك والرؤساء يعِدون ولا يوفون.
7. (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ):
قوله:(يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) هو بدل من قوله: (لاَ يَعْلَمُونَ)والغرض منه إثبات أنّ علمهم وجهلهم سواء; لأنّ علمهم بظاهر الحياة الدنيا والغفلة عن باطن هذه الحياة يساوق الجهل بالأُمور الغيبية; قال الزمخشري: وفي هذا الإبدال من النكتة أنّه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسدّ مسدّه، ليعلمك أنّه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل (الذي ورد في الآية السابقة) وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز العلم بظاهر الدنيا (كما في هذه الآية).1
وبذلك ظهرت صلة الآية بما قبلها، فالله سبحانه في هذه الآية وما قبلها بصدد التركيز على جهلهم بالله سبحانه وصفاته وأفعاله وإنّما يقتصر علمهم بظاهر الحياة الدنيا من أسباب ومسبّبات سائدة فيها، ولأجل هذا القصور في العلم يصفهم سبحانه بقوله: (وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ). وقد أتى بلفظة (هُمْ) مكررة لغاية التخصيص، وأنّ المشركين هم الغافلون دون المؤمنين. ونعمَ قول الشاعر:
سورة الروم: الآيات 8 ـ 10   
نظرتُ إلى الدنيا بعين مريضة *** وفكرة مغرور، وتدبير جاهلِ
فقلتُ: هي الدار الّتي ليس غيرُها *** ونافستُ منها في غرور وباطلِ

1 . تفسير الكشّاف:3/215.

صفحه 221
وضيّعتُ أهوالاً أمامي طويلةً *** بلذّة أيام قصار قلائلِ1

الآيات: الثامنة إلى العاشرة

(أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ).

المفردات

أثاروا الأرضَ: حرثوها وأصلحوها للزراعة، وهي من الإثارة أي تحريك أجزاء الأرض وقلبها ظهراً لبطن.
عمروها: من العمران، وهو ما يُعمَر به المكان ويحسن حاله من الفلاحة وكثرة الأهالي والتمدُّن.
السوآى: الحالة السيئة، وهي مؤنث الأسوأ كالحسنى مؤنث الأحسن.
العاقبة: الحالة الأخيرة التي تعقب حالة ما قبلها.

1 . ديوان أبي العتاهية: 311 .

صفحه 222

التفسير

8 .(أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ):
دلّت الآية المتقدّمة على أنّ الحياة الأُخروية لبّ الحياة الدنيوية، والثانية قشر لها، ولكنّ المشركين أقبلوا على القشر ونبذوا اللبّ، ولذلك أخذ جلّ شأنه يستدلّ على وجود تلك الحياة بقوله:(أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا): أي خلق الجميع بوصفين:
1. (إلاّ بِالحَقّ): أي ملابس له، وما كان كذلك يكون منزّهاً عن العبث ومجرّداً عن الغاية.
2. (وَ أَجَل مُسَمًّى): أي خلق الجميع إلى أجل مقدّر، وأُريد من المسمّى: المقدّر، كما يقول سبحانه بقوله :(وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى)1 وكلّ ذي أجَل يوماً سيبلغه. وتحديد وجود الجميع بزمان مقدّر يدلّ على أنّ الدنيا مقدّمة لأمر آخر وهي الحياة الأُخروية التي تُعدّ غاية للخلق المحدّد، وإلاّ لصار الخلق المحدّد لغواً وعبثاً، ولو تدبّر المشركون هذين الأمرين لآمنوا بالآخرة، ولكنّهم بُعَداء عن التفكّر فيهما، ولذلك يجحدون البعث والجزاء، كما يقول تعالى:(وَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ

1 . الحج:5.

صفحه 223
بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ)لأنّهم جاهلون بأنّ فعل الله سبحانه بعيد عن العبث، قال سبحانه:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ).1
ثمّ إنّ الظاهر من صاحب الكشّاف أنّ قوله: (في أنفُسِهِمْ) ظرف للتفكّر وصلة له، وقال: (أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ماعداها.2ولكنّه زلّة من صاحب الكشّاف، إذ لو كان كذلك يجب أن يقول: أو لم يتفكّروا في أنفسهم وفي ما خلق من السماوات والأرض. والظاهر أنّ (في أنفُسِهِمْ) كناية عن فراغ البال وحضور الذهن، كأنّهم حينما أكبّوا على الدنيا وجعلوها أكبر همّهم، غابوا عن أنفسهم فلم يدركوا دلالة آيات الله في هذا الكون.
وحاصل الآية: إنّهم ـ في حال التجرّد عن كلّ غاية وعن كلّ عقيدة مسبقة ـ إذا تفكّروا في خلق السماوات والأرض وما بينهما، ووقفوا على السنن والقوانين الّتي تحكم الكون، والّتي تدلّ على القدرة المطلقة والحكمة البالغة للخالق المبدع، لوصلوا إلى الحقيقة الّتي لا ريب فيها، وهي صحّة وقوع البعث والجزاء، وإلاّ لكان خلق الجميع لغواً.
9. (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ

1 . المؤمنون:115.
2 . تفسير الكشّاف:3/198.

صفحه 224
وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ):
تحمل هذه الآية تنديداً بالمشركين ودعوة لهم للاعتبار بما حلّ بالأُمم الماضية الكافرة، كما قال: (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كعاد وثمود، والمراد من النظر، هو الرؤية الحسّية لأنّ قريشاً كانوا يمرّون في أسفارهم إلى اليمن على ديار عاد، كما يمرّون في أسفارهم إلى الشام على ديار ثمود وقوم لوط، فيرَون بأُمّ أعينهم كيف دمّر الله بلادهم.
ثمّ إنّه سبحانه وصف تلك الأُمم البائدة بأوصاف ثلاثة:
1. (كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) وأُريد بها قوة الأجسام.
2. (وَأَثَارُوا الأَرْضَ): أي حرثوها واستصلحوها للزراعة.
3. (وَ عَمَرُوهَا) عمراناً وبنياناً.
وكان يلزمهم في مقابل هذه النعم أن يتّبعوا رسل الله شكراً لنعمه (و)يا للأسف (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ): أي بالمعاجز ولكنّهم كذّبوا فأخذهم الله بذنوبهم، ولم يكن ذلك ظلماً من الله لهم كما يقول: (فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ)بل هم الظالمون لأنفسهم (وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). فهذه الأقوام العاتية مع كونهم ذوي قوة عظيمة وأبنية رصينة وأشجار مثمرة وزروع زاهرة كفروا بالله سبحانه فلم يفدهم شيء من هذه النعم، فما ظنّك بقريش وهي تعيش بواد غير ذي زرع؟! يقول في «الكشّاف»:و أهل مكة أهل واد غير ذي زرع ما لهم إثارة الأرض أصلاً ولا عمارة لها رأساً، فما هو إلاّ تهكّم بهم وبضعف حالهم في دنياهم; لأنّ معظم ما يستظهر به أهل

صفحه 225
الدنيا ويتباهون به أمر الدهقنة(الزراعة) وهم أيضاً ضعاف القوى.1
10. (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ):
وقبل تفسير الآية أُشير إلى نكات في الآية:
1. قوله:(الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى) يقابل قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى)2 ولعلّ هذا التعبير كناية عن المبالغة، والمراد من السوآى هو الحالة السيئة الّتي تنشأ من ارتكاب الأعمال القبيحة.
2. إنّ قوله: (أَنْ كَذَّبُوا) مؤوّل إلى المصدر، أي التكذيب وهو اسم كان، ولفظة (عاقبةَ) بالنصب خبر كان مقدّم، فيكون المعنى: ثم كان التكذيبُ بآيات الله عاقبةَ الذي أساءوا السوآى، فكان التكذيب بآيات الله عاقبة المسيء.
3. المعروف أنّ عدم الاعتقاد بيوم الجزاء والحساب يجرّ الإنسان إلى التحلّل في العمل عن القيم والمُثل; ولكن هناك قاعدة أُخرى ربّما يكون فيها الأمر على العكس، أعني أنّ انكباب الإنسان على المعاصي وتوغّله في الأُمور المادّية بلا هوادة ربما يفضي إلى زوال العقيدة الدينية التي كان يؤمن بها في أوّليات حياته، وقد يؤدي به هذا النوع من التجرّؤ إلى التكذيب بما كان يعتقد، وهذا ما نعبّر عنه بأنّ المادّية في العمل تنتهي إلى المادّية في العقيدة. ونحن قد شاهدنا مثل هذه النماذج عبر حياتنا، فكم

1 . تفسير الكشّاف:3/199.
2 . يونس:26.

صفحه 226
من إنسان ولد في بيت ملتزم دينيّاً، وعاش مع المؤمنين ولكن زلّت قدمه وانحرف عن الطريق المستقيم لمّا رافق الأشرار المفسدين وشاركهم في ملاذّ الحياة وتمادى في غيّه وصار ذلك سبباً للتوغل في المادّية عقيدة. وهذا هو المستفاد من الآية:(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى): أي واقترفوا المعاصي والسيئات(أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ )ولم يقتصروا على التكذيب بها، بل (كَانُوا بِهَا)أي بآيات الله (يَسْتَهْزِئُونَ).فالتكذيب بآيات الله والاستهزاء بها نتيجة ترك القيم والمثل الأخلاقية.
ويرشدنا إلى هذا المعنى أنّ عقيلة بني هاشم زينب بنت علي(عليهما السلام)استدلّت في خطبتها التاريخية في مجلس يزيد بهذه الآية على كفر
يزيد.
روى السيد ابن طاووس(المتوفّى 664هـ) أنّه لمّا جيء برأس الحسين (عليه السلام)إلى يزيد بالشام، دعا بقضيب خيزران وجعل ينكث به ثنايا الحسين(عليه السلام)ـ إلى أن قال: ـ وجعل يزيد يتمثّل بأبيات ابن الزبعرى
ويقول:
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسَلْ
إلى آخر الأبيات. فقامت زينب بنت علي(عليهما السلام) فقالت:
سورة الروم: الآيات 11 ـ 16   
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله كذلك حيث يقول:(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ) أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإماء، أنّ بنا على الله هواناً وبك

صفحه 227
عليه كرامة، وأنّ ذلك لعظيم خطرك عنده... .1

الآيات: الحادية عشرة إلى السادسة عشرة

(اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَة يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ).

المفردات

يُبْلس: أي يسكت وتنقطع حجّته. قال الراغب في «المفردات»: الإبلاس: الحزن المعترض من شدّة اليأس.
روضة: الروضة: الأرض المخضرّة بأنواع النبات.
يُحبَرون: يُسرّون، من الحُبور.

التفسير

11. (اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ):
لمّا تضمّنت الآيات السابقة تنديداً بالمشركين الّذين ينكرون الآخرة

1 . اللهوف على قتلى الطفوف:214ـ 215.

صفحه 228
ويغفلون عن مصيرهم فيها، وتذكيراً لهم بما حلّ بمكذّبي الأُمم السالفة من عذاب ربّاني، عاد البيان القرآني إلى الاستدلال على إمكان البعث وقال:(اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ): أي الإيجاد والإيعاد بيد الله سبحانه فهو الخالق وهو المعيد.
وممّا يلفت النظر أنّه سبحانه استدلّ على إمكان البعث في هذه السورة أربع مرّات بصيغة واحدة، وإليك الموارد الباقية:
قال تعالى:(اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ).1
وقال: (اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا...)إلى أن يقول: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا).2
وقال: (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْف قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّة)إلى أن يقول: (وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ).3
وبما أنّ المشركين كانوا يقرّون بأنّه سبحانه قد خلق الكون وما فيه بدءاً، فلازم ذلك أن يصدّقوا بالبعث; لأنّ القادر على الإيجاد قادر على الإعادة، ونتيجة ذلك ما يقول:(ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) فإنّ لفظة (ثُمَّ)تدلّ على التراخي، ولكنّه هنا رُتبيّ لا زماني; لأنّ الإعادة نفس الرجوع.
12. (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ):

1 . الروم:40.
2 . الروم: 48ـ 49.
3 . الروم: 54ـ55.

صفحه 229
لمّا دلّت الآية السابقة على رجوع الناس عامة إلى الله سبحانه، بيّن في هذه الآية حال المشركين عند الرجوع قائلاً: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) الساعة بمعنى جزء من الزمان ولكن صار في القرآن علَماً ليوم القيامة، ففي ذلك اليوم (يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ)، أي يستولي عليهم الحزن الّذي يُخرس الألسنة، فلا ينبسون ببنت شفة من شدة يأسهم. ولعلّ الإطناب في الآية حيث كان اللازم أن يقول: يومئذ يبلس المجرمون لكن قال: (وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ)لإفادة التهويل والرعب.
قال السيد الرضيّ (حول هذه الآية) : وهذه استعارة، والمراد بقيام الساعة حضور وقتها والأجل المضروب لها وعلى هذا قولهم: قد قامت السوق، أي حضر وقتها الذي يتحرّك فيه أصحابها، ويستمرّ بيعها وشراؤها. وعلى هذا المعنى سمّيت القيامة، وقد يجوز أيضاً أن تكون تسميتها بذلك لقيام الناس فيها على أقدامهم، قال سبحانه:(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)1.2
ثمّ إنّ السبب في إبلاس المشركين وسكوتهم الناشئ عن شدّة حزنهم هو انقطاع حجّتهم وعدم انتفاعهم بالشركاء، وهذا ما تفسّره الآية التالية.
13. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ):

1 . المطففين:6.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:181.

صفحه 230
كان المشركون يعبدون الأصنام دهوراً بحجّة أنّهم يشفعون لهم عند الله ، ولمّا تبيّن لهم، في يوم القيامة، بطلان شفاعتهم وأنّهم لا يملكون دفع شيء من العذاب عنهم، تحقّق معنى قوله: (وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ). أمّا الأصنام الجسمانية فهي أحقر من أن يكونوا شفعاء لأنّها لا تسمع ولا تعقل، وأمّا محكياتها من الملائكة والأُمور المجرّدة فلم يفوَّض إليهم أمر الشفاعة، وعندئذ يقع المشركون في بحر من الحيرة واليأس، ومن ثمّ: (وَ كَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ)كما يقول سبحانه: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا).1
14. ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذ يَتَفَرَّقُونَ):
أعاد سبحانه قوله: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) لنفس النكتة الماضية، أعني: التهويل والرعب، ثم أخبر أنّ المبعوثين ـ أعمّ من المشركين والمؤمنين ـ (يَوْمَئِذ يَتَفَرَّقُونَ) حتى يتميّز المجرمون عن المؤمنين، ويذهب كلّ إلى الغاية الّتي سعى إليها، فالمؤمنون إلى الجنة والمجرمون إلى النار (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)2.
15. (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَة يُحْبَرُونَ):
سورة الروم: الآيات 17 ـ 19   
لمّا ذكر أنّ المبعوثين يوم القيامة يتفرّقون، عاد البيان القرآني إلى ذكر

1 . العنكبوت:25.
2 . الشورى: 7 .

صفحه 231
مصير كلّ من الطائفتين، وقال: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)فينعمون بحياة يغمرها الأُنس والسرور في ظلال ما أُعدّ لهم من جنّة عامرة بألوان الأزهار والثمار كما يقول: (فَهُمْ فِي رَوْضَة يُحْبَرُونَ): أي يُسَرّون.
16. (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ):
وأمّا مصير الكافرين بالله ومكذّبي آياته ولقائه كما قال:(وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) بتوحيده سبحانه (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) وهي معاجز الأنبياء وكتبهم الّتي أُنزلت عليهم (وَلِقَاءِ الآخِرَةِ): أي يوم البعث والجزاء، فمصيرهم إلى العذاب الدائم كما يقول: (فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) ذُكر الإحضار وأُريد منه عدم الانفكاك عن العذاب، وربّما يفسّر بـ «معذَّبون» وهو تفسير باللازم لأنّ الحضور في العذاب يلازم كونه معذّباً.

الآيات: السابعة عشرة إلى التاسعة عشرة

(فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ).

المفردات

سبحان: مصدر سبّح سبحاناً، والتسبيح هو التنزيه من السوء على وجه التعظيم.

صفحه 232
تُمسون: الإمساء: الدخول في المساء، وهو إقبال الليل وظلامه.
تُصبحون: الإصباح: الدخول في الصباح، وهو إسفار النهار بضيائه.
وعَشيّاً: أي وفي العشيّ، وهو آخر النهار بعد الزوال.
تظهرون: الإظهار: الدخول في الظهيرة، وهي نصف النهار.

التفسير

17 و 18. (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ):
ابتدأ الآية بفاء النتيجة، وذلك أنّ المشركين لمّا أنكروا البعث الّذي يُفضي إلى نسبة العجز إلى الله سبحانه، أمر الله بتسبيحه وتنزيهه عن كلّ وصف هو منزّه عنه. وخصّ منها هذه الأوقات لما فيها من التبدّل الظاهر في أجزاء الزمن، والانتقال من حال إلى أُخرى على صورة واضحة، كالانتقال من الضياء إلى الظلام في المساء، ومن الظلام إلى النور في الإصباح، ومن ضياء تام وقت الظهيرة إلى اضمحلال لذلك الضياء وقت العشيّ، وهكذا. فقوله:(فَسُبْحَانَ اللهِ ) يحتمل وجهين:
الأوّل: الأمر بالتسبيح والتحميد في الأوقات الثلاثة: أي سبِّحوه ونزِّهوه عمّا لا يليق به أو ينافي تعظيمه من صفات النقص بالقول: سبحان الله والحمد لله . وتشهد لهذا الاحتمال الخطابات الثلاثة: (تُمْسُونَ)، (تُصْبِحُونَ)، (تُظْهِرُونَ)، وإنّما خُصّت هذه بالخطاب دون العشيّ لأنّه لم

صفحه 233
يُبنَ منه فعل من باب الإفعال.
الثاني: أنّ التسبيح والتحميد هو إنشاء تنزيه وثناء منه تعالى لا من غيره، فليس المعنى قولوا: سبحان الله أو قولوا: الحمد لله. ويشهد لهذا الاحتمال قوله:(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)1 وقوله:(تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ).2
وعلى كلّ تقدير فليست الآيتان بصدد ذكر أوقات الصلاة، وعلى فرض كونهما لبيانها فللمفسّرين في تفسير مفردات الآيتين أقوال نذكر منها أوضحها:
1. (حِينَ تُمْسُونَ): أي حين تدخلون في وقت المساء، وهو مجيء الظلام بالليل فيكون إشارة إلى صلاتي المغرب والعشاء.
2. (وَحِينَ تُصْبِحُونَ): إشارة إلى صلاة الفجر.
3. (وَعَشِيًّا): أي وفي العشيّ، فيكون إشارة إلى صلاة العصر .
4. (حِينَ تُظْهِرُونَ): أي حين تدخلون في وقت الظهيرة، فيكون إشارة إلى صلاة الظهر.
19. ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ).
الآية كأنّها تأكيد لمضمون قوله: (اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، ولعلّها

1 . الصافات:180.
2 . الفرقان:1.

صفحه 234
أيضاً علّة لتسبيحه سبحانه في الأوقات المذكورة لكونه محيياً ومميتاً وذا قدرة عظيمة، والآية تتضمّن أُموراً ثلاثة:
1. (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ): حيث يخلق ذوي الحياة من الأرض الميتة.
2. (وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): يبدل ذوي الحياة أرضاً ميتة.1
أقول: أمّا الأوّل فيصحّ فيه أن يقال:(يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ): أي يخلقه منه، وأمّا الثاني فليس من قبيل إخراج الميّت من الحيّ إلى الميّت، بل تبديل من الحيّ إلى الميّت. وبتعبير آخر: إماتة الإنسان ليست إخراجاً للميّت إلى الحيّ; لأنّ هذا التعبير يصحّ إذا بقي المخرج منه على حياته حتى يخرج منه الميّت، وإنّما ينتفي الموضوع بكماله بموت الحيّ، اللّهم إلاّ أن يقال: النفس المجرّدة باقية والبدن الميّت مخرج عنه.
ومنها يعلم ضعف ما يقال: أمّا مسألة إخراج الميّت من الحيّ فهي ليست شيئاً خافياً ولا مستتراً، فدائماً تموت الأشياء على الأرض وتتبدّل إلى الأخشاب، ويفقد الإنسان والحيوان حياتهما ويتبدّل كلّ منهما إلى جسد هامد لا روح فيه.2
إذ يردُ عليه ما أوردناه على الرأي السابق; فإنّ معنى الإخراج إخراج الشيء مع بقاء المخرج عنه، وفي المثال المذكور ينتفي المخرج والمخرج عنه معاً.

1 . الميزان في تفسير القرآن:16/162.
2 . الأمثل في تفسير كتاب اللهِ المنزل:12/446.

صفحه 235
وفسّره بعضهم بقوله:(يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ)الإنسان من النطفة (وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)النطفة من الإنسان.1 وكلا التفسيرين خطأ; لأنّ النطفة ليست ميّتة بل هي خليّة حيّة .
قال السيد الآلوسي: وقيل: يعقب الحياة بالموت وبالعكس.2
ولعلّ هذا القول أفضل ممّا سبق، وقد أُشير إلى هذا المعنى في ما ورد في بعض الأدعية: «يحيي ويميت ويميت ويحيي».
وقال قتادة (المتوفّى 117 هـ) في تفسيره: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.3 وكذا قال علي بن إبراهيم القمّي. 4 وهو تفسير بباطن الآية لا ظاهرها.
3. (وَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) فإحياء الأرض انتعاشها وابتهاجها بالنبات بعد جدوبها.
وكأنّه بيان مصداق للأمر الأوّل ـ أعني: يخرج الحيّ من الميّت ـ حيث يخرج النبات من الأرض الميّتة. وعلى كلّ تقدير فهو مقدّمة لقوله: (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ): أي تخرجون من قبوركم بإحياء جديد كإخراج النبات من الأرض بعد موتها.

1 . انظر: روح المعاني:21/30.
2 . المصدر نفسه.
3 . انظر: التبيان في تفسير القرآن: 8 / 238.
4 . تفسير القمّي: 2 / 130.

صفحه 236
سورة الروم: الآيات 20 ـ 26    

الآيات: العشرون إلى السادسة والعشرين

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاِتِه أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ).

المفردات

مودّة: قال الراغب: الودّ: محبّة الشيء وتمنّي كونِهِ.1 وهذا المعنى يناسب معنى التمنّي ولا يناسب ما هو المراد في المقام، والظاهر أنّ المودّة نوع انجذاب الإنسان للمحبوب لكمال فيه.
رحمة: الرحمة: رقّة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل

1 . المفردات للراغب:519، مادة «ودد».

صفحه 237
تارة في الرقّة المجرّدة وتارة في الإحسان المجرّد دون الرقّة كما إذا وصف به الباري تعالى.
ابتغاؤكم: البغي: الطلب.
فضله: الفضل: الزيادة. والمراد من فضل الله هو الرزق.
ألسنتكم: جمع لسان، وأُريد هنا اللغة.
البرق: لمعان السحاب. وهو عبارة عن شرارة كهربائية عملاقة تنتج عن الحركة السريعة للجسيمات المشحونة كهربائياً داخل السحب الركامية (الرعدية)، أو بين إحدى هذه السحب وسطح الأرض أو الهواء أو سحابة أُخرى .1
قانتون: القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، وهنا يفسّر بالطاعة وحدها أو بالخضوع كذلك.

التفسير

تمهيد

الآيات الست من هذه المجموعة بصيغتها الخاصّة كسبيكة واحدة ليس لها نظير في سائر السور، وهي تتميّز بأُمور:
الأوّل: قد ابتدئ في هذه الآيات بقوله: (وَ مِن آيَاتِهِ) مثلاً يقول: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...) نعم ورد الابتداء به أيضاً في

1 . الموسوعة العربية العالمية: 4 / 337 .

صفحه 238
سورتين مختلفتين لكن لا متّصلاً، نظير: (وَ مِنْ آيَاتِهِ الْلَيْلُ وَالنَّهَارُ).1وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أنَّكَ تَرى الأَرْضَ خَاشِعَةً).(2)
كما ورد في سورة الشورى أيضاً مرّتين ولكن لا متّصلاً نظير قوله: (وَ مِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).2 وقوله: (وَ مِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ)3.
الثاني: الغرض من هذه الآيات أمر واحد وهو أنّ المتصرّف في الكون هو الله سبحانه كما هو الخالق، والمشركون وإن كانوا موحّدين في الخلق بَيد أنّهم كانوا مشركين في التدبير، والله سبحانه ببيان خلقة الإنسان من تراب إلى تطوّره في رحم الأُم من النطفة إلى العلقة إلى المضغة حتى يكون إنساناً سويّاً يعيش باختلاف الألسن والألوان ويسعى في طلب الرزق ويستريح في المنام ويرى البرق خوفاً وطمعاً إلى أن يموت إلى أن يُبعَث بأمر الله سبحانه.. أنّه ببيان كلّ ذلك ـ أي هذه السلسلة المتصلة ـ يريد أن يُلفت نظر الإنسان إلى طلاقة قدرته تعالى، الدالّة على وحدانيته في الخلق والتدبير، وأنّه لم يفوّض أمر التدبير إلى غيره، فإذا كان هو المدبّر فليعبده دون غيره. هذا هو الغرض الذي صيغت لأجله تلك الآيات.
الثالث: أنّه سبحانه رتّب فواصل الآيات بالنحو التالي:(يَتَفَكّرون)، (لِلْعَالِمِينَ)، (يَسْمَعُون)، (يَعْقِلُون)، وفي هذا النوع من الترتيب عبور من مرحلة إلى مرحلة كاملة. فالإنسان إذا تفكّر تفكّراً صحيحاً يرتقي إلى درجة

1 . فصلت:37.   2 . فصلت:39.
2 . الشورى:29.
3 . الشورى:32.

صفحه 239
العلم فيكون عالِماً، ثم إذا سمع شيئاً من الحقائق يستمع إليه فيكون من مصاديق (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )1 ويأخذ في تعقّل ما سمعه.
نعم الآية الأُولى من الآيات الست والآية السادسة خلتا من الفواصل وسيوافيك وجهه.
إنّ هذه الآيات الدالّة على قدرته الباهرة، بين كونها آية أنفسية وأُخرى آية آفاقية، وربما اجتمع في بعض الآيات القسمان كما سيظهر.
إذا وقفت على ذلك فلندخل في تفسير الآيات.
20. (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ):

الآية الأُولى

(وَ مِنْ آيَاتِهِ): أي ومن دلائل قدرته(أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب) فإنّ النطفة تتخلّق من الأغذية الّتي يأكلها الإنسان، وهي بمختلف أصنافها ترجع إلى التراب، فيصحّ أن يقال:(أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب) ثم طوى الكلام عمّا يتوسّط بين التراب وصيرورته إنساناً سويّاً وقال: (ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) على سطح المعمورة، ففي الآية حجّتان على قدرته الباهرة:
1. خلق الإنسان من التراب، ولكن أين التراب من الإنسان السويّ؟!
2. انتشار نسله على وجه البسيطة حيث جعل خلقة الإنسان على

1 . الزمر:18.

صفحه 240
نحو يبقي نسله بالزواج.
ولك أن تنظر إلى ما يتمتع به الإنسان من جمال وحسٍّ وعقل وتفكير ومشاعر، ثمّ قس جميع ذلك إلى التراب الفاقد لكل جمال، فعندئذ تقف على أنّ هنا قدرة باهرة تأخذ بيد التراب وتوصله إلى تلك الغاية السامية، وهذه القدرة هي قدرة الله تعالى. والآية المذكورة من مقولة الآيات الأنفسية.
21. (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ):

الآية الثانية

لمّا تقدّم في الآية السابقة انتشار البشر على وجه البسيطة تضمّنت هذه الآية بيان سبب الانتشار وقال: (وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ): أي من جنسكم (أَزْوَاجًا) الزوج وإن كان يطلق على الشيئين المتماثلين كالخُفَّين والنَّعلين، ولكن في مصطلح القرآن كلّ من الرجل والمرأة بمفردهما زوج. قال الراغب: يقال لكلّ من القرينين من الذكر والأُنثى في الحيوانات المتزاوجة زوج. قال تعالى: (وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)، و «زوجة» لغة رديئة وجمعها زوجات وجمع الزوج أزواج، قال تعالى:(هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ).1

1 . المفردات:216.

صفحه 241
وبما ذكرنا يظهر معنى قوله سبحانه:(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)1 فإنّ معنى جعل الزوج منها هو خلقه من جنسها، فالزوجان من جنس واحد وإن اختلفا في بعض الخصوصيات على خلاف ما جاء في التوراة من أنّه سبحانه خلق أُمّنا حواء من ضلع أبينا آدم(عليهما السلام).2
وأمّا ما هي الغاية من خلق الزوج فقد أُشير إليه بقوله: (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)والفعل يتضمّن معنى الميل ولذلك تعدّى بـ«إلى»: وأمّا ما هو المراد من السكون المقرون بالميل؟ فهو أنّ كلاًّ من الزوجين إبّان شبابهما يجدان في أنفسهما ولعاً واشتياقاً إلى إعمال الغريزة الجنسية وهما يعيشان تلك الحالة، ولا تهدأ تلك الحالة إلاّ بارتباط أحدهما بالآخر فعندئذ يجدان في أنفسهما سكوناً وراحةً واستقراراً. ثمّ إنّه سبحانه لأجل توطيد العلاقة بين الزوجين أودع في إحساسَيهما عاطفة الحبّ والشعور بالرفق تجاه بعضهما، كما قال:(وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) وذلك لأنّ الحافز لانجذاب كلّ من الزوجين إلى الآخر هو الميل الجنسي الذي يعبّر عنه بالشَّبَق، ولكن بعد فترة أو فترات يضعف هذا الميل، والذي يحفظ استمرار الحياة الزوجية هو علاقة التراحم والتلاطف بين الزوجين، لأنّ طول العيش تحت سقف واحد والاشتراك في مرارة الحياة وحلوها يُسبّب وجود تلك العلاقة التي تقي الحياة الزوجية من الخلاف والشقاق.
وهناك احتمال آخر وهو جعل المودّة والرحمة في المجتمع الإنساني، فالكبار يرحمون الصغار فيتربَّون في ظل الرحمة، والصغار

1 . الأعراف:189.
2 . التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الثاني.

صفحه 242
يحبّون الآباء والأُمّهات لغاية تربّيهم في ظلّهما. وعلى كلّ تقدير فإنّ مشاعر التوادّ والتراحم الّتي هي من ألطافه سبحانه بالأُسرة أو المجتمع تُفضي إلى حفظ العلاقات وصيانتها من التصدّع أو الانهيار. ثمّ إنّه سبحانه يقول:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) جاء قوله:(يَتَفَكَّرُونَ) في ذيل الآية الثانية دون ما تقدّمها لكونها متمّمة للآية الأُولى، فَذَكَر التفكّر لأنّه مبدأ لما سيأتي من كون الإنسان عالماً أو سامعاً لقول الآخرين.
ويظهر من بعض الروايات أنّ حب المرأة لزوجها لا يقاس به حبّ سائر أعضاء الأسرة، فقد روي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لابنة جحش: قُتل خالك حمزة، فاسترجعت وقالت: احتسبه عند الله ، ثم قال لها: قُتل أخوك، فاسترجعت وقالت: احتسبه عند الله ، ثم قال لها: قُتل زوجك، فوضعت يدها على رأسها وصرخت. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما يعدل الزوج عند المرأة شيء».1
22. (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْعَالِمِينَ):

الآية الثالثة

ومن آيات قدرته(خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) في الفضاء دون سناد وعِماد، فإنّ ما في السماء من الكواكب والنجوم والمجرّات كلّها معلّقة في الفضاء بدون أعمدة تستند إليها كما عليه قوله سبحانه:(رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ

1 . نور الثقلين:4/174.

صفحه 243
عَمَد تَرَوْنَهَا)1 والله يعلم عددها وكبر خلقتها، فالناظر فيها يقف على أنّها مخلوقة بقدرة عظيمة لا يدرك حدّها، ففيها من عجائب الأسرار وغرائب
الآثار ما يدهش العقل، وكلّما تقدّم العلم في ذلك المجال يزداد الإنسان حيرة من عظيم الخلقة، فأين ما كشفه علماء الفلك في العصور الأخيرة ممّا كانت عليه هيئة بطليموس؟!(وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ): أي من آيات قدرته لغاتكم، فإنّ اختلاف القوميات غالباً في اللغة. ووجه شهادته على قدرته سبحانه أنّ جميع الأُمم ترجع إلى أب واحد وأُم واحدة ومع ذلك تكاثر أولادهم على وجه البسيطة وكلّ يتكلّم بلغة غير ما يتكلّم به الآخر. وكون الاختلاف في اللغة من آياته سبحانه ليس بمعنى عدم وجود سبب طبيعي لهذا الاختلاف ـ وذلك لأنّ أبناء آدم إذا تباعدوا وتعايشوا في نقاط مختلفة بعيدة عمّا يسكنه الآخرون، تحملهم الحاجة إلى التعبير عن مقاصدهم بلغة غير لغة الآخرين، فلو كان التواصل حاكماً على المجتمع البشري لما تعدّدت اللغات بل اختلفت اللهجات دون المواد ـ بل بمعنى أنّ الإنسان خلق على ملكة خاصة يقدر معها على التعبير عمّا يحتاج إليه بلفظ يحكي عنه ويستطيع على وضع لغة جامعة لبيان الحوائج مع كونها ذات نظام وقوانين، فالجميع يرجع إلى الله سبحانه.
ويحتمل أن يكون المراد من اختلاف الألسنة هو اختلاف الأصوات، فإنّ لكلّ إنسان صوت يميّزه عن غيره، من حيث الشدّة والطبقة والرنين، وليس ثمّة تماثل بين صوت وصوت حتى المتكلّمين بلغة واحدة.
ثمّ إنّ هنا اختلافاً آخر(وَ)هو اختلاف (أَلْوَانِكُمْ) ومن المعلوم أنّ

1 . الرعد:2.

صفحه 244
البشر ينحدرون من أب واحد وأُمّ واحدة، ومع ذلك اختلفت ألوانهم اختلافاً كبيراً.
وأُصول الألوان لا تخرج عن اثنين: البياض والسواد، وما بينهما يشتق منهما بزيادة أو نقصان كالأصفر والأسمر والأحمر.
ووجه كون اختلاف الألوان من آيات الله سبحانه هو أنّ المجتمع البشري بحاجة إلى معرفة الأفراد والأشخاص، ولو كان الجميع على لون واحد لم يعرف الأبناء آباءهم ولا الآباء أبناءهم، ولا الأزواج زوجاتهم... كما لا يتميّز العدو من الصديق، ولذلك ربما يحدث التوأمان مشكلة عند الآباء والأُمّهات إبّان ولادتهما، ولذلك يضعون علامة خاصة للكبير والصغير. وهنا كلام للرازي لا بأس بذكره، وهو:
إنّ الإنسان يحتاج إلى التمييز بين الأشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره والعدو من الصديق ; ليحترز قبل وصول العدو إليه، وليقبل على الصديق قبل أن يفوته الإقبال عليه، وذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور، وقد يكون بالسمع، فخلَق اختلاف الأصوات.1
فلأجل هذا الأثر البارز يقول سبحانه:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْعَالِمِينَ)هؤلاء هم الذين يعرفون عظمة خلق السماوات والأرض، ويعلمون أسرار اختلاف الألسن والألوان.
23. (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ):

1 . تفسير الرازي:25/111.

صفحه 245

الآية الرابعة

بعد أن تحدّثت الآيات السابقة عن خلق الإنسان وحالاته المتنوّعة وخصائصه الذاتية المختلفة، عاد البيان القرآني إلى ذكر حالة من حالاته العامّة التي لا يشذّ عنها إنسان وهي حاجته إلى النوم وإلى تحصيل الرزق، فقال سبحانه:(وَ مِنْ آيَاتِهِ): أي قدرته الهائلة:(مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) وهذه ـ أي نعمة النوم ـ موهبة عظيمة من الله سبحانه، إذ كلّ موجود يتعب بعد العمل الممتدّ، فيحتاج إلى الانقطاع عن العمل الفرديّ أو الجماعي حتى تتجدّد قواه، وهذا لا يتحقّق إلاّ بتعطيل عامّة الأجهزة سوى ما يتوقّف عليه بقاء حياته كدوران الدم والتنفس، ولولا النوم لَفَقد الإنسان المحروم منه طاقته وأصبح سريع الانفعال، وإذا زادت فترة عدم النوم على ثلاثة أيام فإنّه يجد صعوبة في التفكير والرؤية والسماع بوضوح.
ومن فوائد النوم أنّه يعيد الطاقة للجسم وخصوصاً الدماغ والجهاز العصبي. ويحتاج الناس للنوم ذي الموجة البطيئة، وللنوم الحالم; ولا يعوّض أحدهما عن الآخر. وقد يساعد النوم ذوالموجة البطيئة على بناء البروتين واستعادة تحكّم الدماغ والجهاز العصبي في العضلات والغدد وأجهزة الجسم الأُخرى، وقد يكون للنوم الحالم أهمّيته بشكل خاص في الحفاظ على أوجه النشاط العقلي مثل التعلّم والتعقّل والتكيّف العاطفي.1
ثمّ إنّه سبحانه يذكر ظرف المنام الطبيعي ويقول:(بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) وما ذلك إلاّ لأنّ الإنسان ربما يحتاج إلى النوم في النهار وخصوصاً في أيام

1 . راجع: الموسوعة العربية العالمية:25/590، مادة «النوم».

صفحه 246
الحرّ، أو عند طروء الضرورة للاشتغال بالليل، فلا محيص من النوم في النهار. ولكن هذا لا ينافي قوله:(وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)1 لأنّ حاجة الإنسان في النهار إلى النوم بصورة استثنائية (وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ): أي طلب الرزق وربّما يتصوّر أنّ الليل للمنام وأنّ النهار لابتغاء الفضل، وتقدير الآية (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) في النهار، وهذا هو خيرة الزمخشري، حيث يقول: هذا من باب اللف وترتيبه: ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، إلاّ أنّه فصل بين القرينين الأوّلين بالقرينين الآخرين لأنّهما زمانان والزمان الواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد، ويجوز أن يراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما، والظاهر هو الأول لتكرّره في القرآن.(2) ولا يخفى ما فيه من التكلّف، وما ذكرناه هو الواضح.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ): أي تعاقب الحالتين: المنام والابتغاء، من فضل الله عبر الحياة، وهما أفضل دليل على صنع الله سبحانه حيث إنّ الإنسان لا يستغني بأحدهما عن الآخر وقد خلق الإنسان على نحو يأتي كلّ بعد الآخر. (لآيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ): وفي استدعاء السمع هنا، دون حواسّ الإنسان الأُخرى إشارة إلى أنّ السمع الّذي يعطي فهماً، ثم يعطي لهذا الفهم ثمرة، هو السمع الّذي يخلي له الإنسان حواسّه كلّها، ويكون ذلك عندما يشتمل عليه الليل، ويمسك عليه حواسّه، ولم يبق له إلاّ سمعه المرهف، الموجّه إلى العالم الخارجي، وما يجيء منه .2

1 . النبأ:11.   2 . تفسير الكشّاف:3/201.
2 . انظر: التفسير القرآني للقرآن: 11 / 505 .

صفحه 247
24. (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ ):

الآية الخامسة

الآية عبارة عن إراءة البرق، لكن أشار إليها بذكر الفاعل وقال: (وَ مِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا)، وهو يورث أمرين: عقاباً وطمعاً. أمّا الأوّل حيث تصيب الصاعقة ما تصيب فتحرقه، وأمّا الثاني فيورث أملاً في نزول المطر، ولذلك يقول: (وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا): أي يخرج النبات من الأرض بعد جفافها وموتها: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ) حيث يدلّ على القدرة الباهرة مع أنّ النظام الموحّد أفضل دليل على مدبّر واحد.
بقي هنا كلام وهو ما هو واقع الصاعقة الذي يعبّر عنه القرآن بالبرق؟
الجواب: أنّ كلّ ما يحيط بنا في هذا العالَم يتكوّن من ذرّات، وعلى الرغم من أنّ الذرّات تكون في أغلب الأحيان متعادلة كهربائياً، إلاّ أنّها تصبح موجبة أو سالبة الشحنة إذا فقدت أو اكتسبت إلكترونات. وتنجذب الشحنات الموجبة والشحنات السالبة إلى بعضها بعضاً وأثناء حركة كلّ منها نحو الأُخرى فإنّها تُكَوّن تياراً كهربائياً يُحدِث شرارة، والبرق هو الشرارة (الكهربائية العملاقة في السماء) التي تنتج عن الحركة السريعة للجسيمات المشحونة كهربائياً داخل السحب الركامية، أي السحب الرعدية، أو بين إحدى هذه السحب وسطح الأرض أو الهواء أو سحابة

صفحه 248
أُخرى. والبرق ربّما يصيب الأبنية المرتفعة ومن الممكن أن يصعق البرق الإنسان، ويتلف الممتلكات، أو يسبب الحرائق.1
25. (وَمِنْ آيَاِتِه أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ).

الآية السادسة

هذه هي الآية السادسة وبها تنتهي الآيات، والفرق بينها وبين الآية الثالثة ـ أعني: خلق السماوات والأرض ـ واضح لأنّ الآية الثالثة تركّز على خلق السماوات والأرض، وهذه الآية تركّز على بقائهما على النظام الذي كانا عليه عبر ملايين السنين، ولذلك يعبّر عن بقاء النظام بقوله: (أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ). يقول الشريف الرضيّ في تفسير القيام: معناه أنّها تتماسك بأمره في مناطاتها وتقف على مستقرّاتها، ومثل ذلك قول القائل: «إنّما يقوم أمر فلان بكذا» يريد أنّه إنّما يتماسك به، وليس هناك في الحقيقة قيام يشار إليه.2
وقد جاء هذا المضمون في قوله سبحانه:(إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ)،(3) وقوله سبحانه:(وَ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ).3
إلى هنا تمّت الآيات الست.

1 . الموسوعة العربية العالمية:4/336، مادة «برق».
2 . تلخيص البيان: 208 .      3 . فاطر:41.
3 . الحج:65.

صفحه 249
وأمّا قوله:(ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) فاستنتاج ممّا سبق من الآيات، حيث إنّ القادر على خلق هذه الآيات الكاشفة عن القدرة العظيمة، قادر على إحياء الإنسان وإخراجه من الأرض وسوقه إلى المحشر كما يقول:(ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ)، والظاهر أنّ قوله: (من الأرض) متعلّق بقوله: (دعاكم)نظير ما يقال: دعوت فلاناً من فوق البيت فنزل، وكذلك تكون دعوة الناس من الأرض(إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)، وفي تصدير هذه الجملة الخبرية بأداة المفاجأة : (إذا) إشارة إلى سرعة خروجهم من الأجداث وبعثهم للحساب والجزاء كما يقول: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)1.
وهناك وجه آخر لذكر البعث بعد الآية السادسة، وهو: أنّه ربّما يتوهّم بقاء النظام السماوي والأرضي دائماً وليس لهما زوال، ولكن التركيز على دعوة الإنسان من الأرض يلازم اختلال النظام السائد، ولذلك يقول سبحانه: (َ مَا قَدَرُوا اللهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمينِهِ).(2)
إنّ التدبّر في هذه الآيات الست يثبت أنّ موضوعها هو الإنسان، حيث بدأت الآيات بخلقه وتكوّنه، ثم تصنيفه إلى الذكر والأُنثى، ثمّ صلته بخلق السماء والأرض، واختلاف لغته ولونه، ونومه في الليل والنهار وسعيه في طلب الرزق، وكون رؤية البرق مورثاً لخوفه وطمعه، وانتهت تلك الآيات بالتركيز على قيام السماء والأرض وحفظ نظامهما إلى أجل مسمّى حتى ينتفع بهما الإنسان إلى يوم القيامة، وفي كلّ ذلك دلائل

1 . يس: 51 .   2 . الزمر:67.

صفحه 250
واضحة له ليفتح عينيه على طلاقة قدرته تعالى وعظمة تدبيره، وعلى وجود غاية لهذا النظام الثابت الّذي يسير عليه الكون وما فيه من ظواهر جمّة ومتنوعة وإلاّ يلزم العبث، وهذا البيان البديع الّذي عُرضت به هذه الحقائق كسلسلة منظّمة لا يمكن أن يكون نتيجة تفكير رجل أُمّيّ عاش في مجتمع أُمّيّ وإنّما يهدي إلى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قد تلقّاه من عالَم آخر.
26. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ).
لمّا تضمّن قوله سبحانه:(ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) أنّ خروج هؤلاء من قبورهم أمر قطعيّ وليس بإراديّ، جاءت هذه الآية لبيان وجهه، وهو يتركّب من شيئين:
1. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (اللام) للملكيّة، فهو سبحانه يملك مَن في السماوات والأرض من الإنس والجنّ والملائكة ملكية تكوينية، ولذلك جاز له التصرّف فيهم بالإحياء والإخراج من الأرض، والتصرّف على الإطلاق لأجل كونه مالكاً إذ لكلّ مالك أن يتقلّب في ملكه.
سورة الروم: الآيات 27 ـ 29    
2. (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ): أي أنّ هؤلاء كلّهم طائعون منقادون له سبحانه، ولذلك ما إن يدعو الناسَ ـ بعد موتهم ـ من الأرض حتّى يستتبع ذلك خروجهم منها سراعاً وسوقهم إلى المحشر. روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة»، ولذلك روي عن ابن عباس أنّه قال: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ): أي كلّ له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث وإن عصَوا في العبادة.1

1 . الدر المنثور:6/491.

صفحه 251

الآيات: السابعة والعشرون إلى التاسعة والعشرين

(وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْقِلُونَ * بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).

المفردات:

من أنفسكم: أي منتزعاً من أحوال أنفسكم الّتي هي أقرب الأُمور إليكم، وأعرفُها عندكم.
ملكت أَيمانكم: يراد بمُلك اليمين: العبيد والإماء.
فيما رزقناكم: ما يملكه الإنسان من المنقول وغير المنقول.
تخافونهم: أي تخافون أن يستبدّ العبيد بالتصرّف فيه.
كخيفتكم أنفسكم: أي كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض.

التفسير

27. (وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):

صفحه 252
احتجّ سبحانه على ربوبيته وقدرته على المعاد في هذه السورة في مقاطع أربعة، وهذا هو المقطع الأوّل، حيث بدأ بالضمير دون الاسم الظاهر وقال: (وَ هُوَ الذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ).
وأمّا المقاطع الثلاثة الأُخرى فقد بدأها باسم الجلالة وقال:
الثاني:(اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ...)1
الثالث:(اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ ـ إلى أن قال:ـ إِنَّ ذَلِكَ لَُمحْيِي الْمَوْتَى).2
الرابع: (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْف قُوَّةًـ إلى أن يقول: ـ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ).3
ولمّا تقدّم في الآية السابقة ذكر البعث وخروج الناس من الأجداث، عاد البيان القرآني إلى أنّه سبحانه قادر عليه بشهادة أنّه قادر على الإيجاد، والقادر على الإبداع قادر على الإعادة، كما يقول:(وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ)أي ينشؤه من دون مثال ولا مادّة سابقة (ثُمَّ يُعِيدُهُ)، أي يرجعه إلى الحالة الأُولى (وَهُوَ) أي الإعادة4(أَهْوَنُ عَلَيْهِ) من الإبداع; وذلك لأنّ الإعادة عبارة عن جمع الأجزاء المتفرّقة، فالخالق من لا شيء أَولى من أن يكون

1 . الروم:40.
2 . الروم: 48ـ 50.
3 . الروم: 55ـ 56.
4 . تذكير الضمير فيه مع أنّه راجع إلى الإعادة المأخوذة من لفظ (يُعِيدُهُ) نظراً إلى المعنى دون اللفظ، وهو رجعُه أو ردُّه، أو أن تذكيره جاء مراعاة للخبر (أَهْوَنُ). انظر: إعراب القرآن وبيانه لمحيي الدين الدرويش: 7 / 500 .

صفحه 253
خالقاً من شيء، ثمّ إنّ قوله سبحانه:(وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) حسب تفكيرنا ورؤيتنا، وإلاّ فالأُمور الممكنة أمام مشيئته سواء. قال الإمام علي(عليه السلام): «وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ، وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ».1
ولأجل توضيح هذا المعنى ـ أي أنّ وصف الأَهْونية إنّما هو حسب تفكيرنا ورؤيتنا لا حسب الواقع ـ قال سبحانه:(وَ لَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى): أي الوصف الأتمّ والأكمل لله سبحانه، فهو علم كلّه، قدرة كلّه، حياة كلّه، ليس لأوصافه حدّ (فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): أي ليس له شبيه ونظير في صحيفة الوجود (وَ هُوَ الْعَزِيزُ)الغالب الذي لا يُغلب، فهو قادر على إحياء الإنسان (الْحَكِيمُ) فهو يتصرّف في الكون وفق الحكمة والسداد.
28. (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْقِلُونَ).
تضمّنت الآية مثلاً يبرهن به على بطلان الشرك بلسان التمثيل حيث إنّ المشركين قالوا بمشاركة الأصنام مع الله سبحانه في تدبير العالم وإدارته، والله سبحانه يبطل ذلك، بأن يوجّه لهم سؤالاً: هل أنتم ترضون في حياتكم بأن يشارك عبيدكم أو إماؤكم معكم في الأموال؟ فإذا كان الجواب بالنّفي، فكيف ترضون بذلك؟

1 . نهج البلاغة، الخطبة 189.

صفحه 254
وبعبارة أُخرى: إنّ العبد المملوك بالملكية الوضعية لا يصحّ أن يكون في رتبة مولاه على نحو يشاركه في الأموال، فأَولى أن لا يكون العبد المملوك تكويناً (الأصنام) في درجة الخالق المدبّر فيشاركه في الفعل كأن يدبّر العالم مشاركاً مع الله سبحانه. فالشيء الذي لا ترضونه لأنفسكم، كيف ترضونه لله سبحانه وهو ربّ العالمين؟!
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآية.
قوله: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ): أي ضرب لكم مثلاً متَّخَذاً من أنفسكم ممّا يرجع إلى حياتكم الدنيوية:(هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)العبيد والإماء (مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ): أي شركاء في أموالكم على نحو (فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ): أي يكون العبيد كسائر الشركاء الأحرار، فكما أنّ الشريك الحرّ يخاف من شركائه الأحرار ولا يتصرّف إلاّ بإذنهم، كذلك تخافون من عبيدكم إذا كانوا شركاء لكم. والجواب: لا. فإنّكم تأنفون من شراكة العبيد، فكيف ترضون شراكة المملوك بالملكية التكوينية لله سبحانه؟!(كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْقِلُونَ)فعلى ذلك فالمشبَّه جعل المخلوق في درجة الخالق، والمشبَّه به جعل المملوك بالملكية الوضعية شريكاً للمالك.
29. ( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ):
سورة الروم: الآيات 30 ـ 32    
لمّا كان مقتضى التمثيل الرصين عدم القول بتشريك العباد مع الله سبحانه، لكن مع الأسف نجد جماعة كثيرة وقعوا في هوّة الشرك، كما

صفحه 255
يقول: ( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم) حيث ذكر لوجه سقوطهم في شَرَك الشِّرك وجهين:
1. (ظَلَمُوا): أي ظلموا الله سبحانه باتّخاذهم شركاء له، لقوله سبحانه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)1.
ويحتمل أن يراد ظلموا أنفسهم فاستحقّوا العذاب الأليم.
2. اتّبعوا أهواءهم، فهم مكان أن يتدبّروا آيات الله ودلائله الّتي تقودهم إلى الحق، اتّبعوا أهواءهم وانقادوا لشهواتهم، بعيداً عن العلم الّذي تُدرك بنوره حقائق الأشياء، فتحيّروا في الظلمات، وارتكسوا في الضلال، فخلّى الله تعالى بينهم وبين أنفسهم الّتي غلبت عليها الأهواء المُردية، كما يقول: (فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ ). نعم أضلّهم الله سبحانه لأنّهم سلكوا، باختيارهم، طريق الضلال، ولم يهتدوا بما جاء به أنبياؤه ورسله من بيّنات وبصائر، فإذا جاء وعد الآخرة، نالوا جزاءهم العادل (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)ينقذونهم من عذاب الله إذا حلّ بهم.

الآيات: الثلاثون إلى الثانية والثلاثين

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ).

1 . لقمان:14.

صفحه 256

المفردات

أقم: من أقام العود وقوّمه إذا عدّله، والمراد الإقبال على الدين.
وجهك: أصل الوجه الجارحة، وأُريد هنا القلب.
حنيفاً: الحَنَف: الميل، فهو مائل من الضلال إلى الاستقامة، والجنف: هو ميل من الاستقامة إلى الضلال، قال تعالى في وصف إبراهيم (عليه السلام): (حَنِيفًا مُسْلِمًا).1
فَطَر: الفطر: شقّ الشيء طولاً، ويسمّى الخلق فطراً لأجل أنّ الخالق يشقّ ظلمة العدم بإيجاده وإبداعه. وصيغة «الفطرة» تدلّ على نوع من الفَطْر، كهيئة الخِلقة وما هذا النوع إلاّ خلق الإنسان على خصيصة يستعدّ معها على إدراك الحق وقبوله، وبما أنّها مضافة إلى لفظ الجلالة يُقال «فطرة الله»، وبما هو بيان للدين المتقدّم في قوله:(فَأقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطرَة اللهِ ) تدلّ على أنّ الإنسان يهتدي إلى هذا الدين بخلقته وفطرته، ويساق إلى الله بداع داخلي قبل أن يساق إليه بداع خارجي، وكأنّ وجوده عُجن بالدين.
القيّم: المستقيم.
منيبين إليه: أي راجعين بالعمل والتوبة. والإنابة: الانقطاع إلى الله بالطاعة.
فرّقوا دينهم: أي اختلفوا فيه.
شِيَعاً: فِرَقاً، وكلّ فرقة شيعة على حدة، سمّوا بذلك لأنّ بعضهم يتابع

1 . آل عمران: 67 .

صفحه 257
بعضاً على مذهبه، فشيعة الحقّ هم الذين اجتمعوا على الحقّ، وتطلق الشيعة اليوم على مَن شايع عليّاً(عليه السلام) واجتمع معه على الحقّ.

التفسير

30. (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ):
هذه الآية ـ كما يقول صديقنا العلاّمة مغنية(رحمه الله) ـ تدور كثيراً على ألسنة الخطباء وأقلام الكاتبين، ومنهم مَن يستشهد بها وكفى، ومنهم مَن يطلق حولها كلمات رنّانة عامّة ويقول: هذا هو الدين الصحيح الضخم الهائل... الخ. وليس من شكّ أنّ هذه الآية تقرّر أصلاً هامّاً يرتكز عليه الإسلام عقيدة وشريعة، وهو يدلّ دلالة واضحة على أنّ تعاليم هذا الدين من ألفه إلى يائه تهدي إلى الرشد والوفاء بمطالب الحياة ونموّها وتقدّمها إذا فُهم الإسلام على أساس فطرة الله التي فطر الناس عليها.1
فإذا كان الأمر بهذه الأهمية فلابدّ أن نبيّن الموضوع على وجه يتّضح معنى كون الدين فطرياً، فنقول:
ذهب علماء الاجتماع المحايدون إلى أنّ للاعتقاد والإيمان بالله جذوراً عميقة، وتاريخاً عريقاً في حياة الإنسان، بحيث لم يحدث للبشر أن

1 . التفسير الكاشف:6/140.

صفحه 258
حذف الدين من مناهج حياته ولا حتى لبرهة عابرة من الزمن.
لقد كان البشر ولا يزال طالباً للجديد، وخاضعاً لسنّة التطوّر والتحوّل والتغيّر، ففيما هو يوجد لنفسه ولحياته، أو يختار، برامج وأساليب جديدة لنظامه، نجده من جانب آخر يلغي أُموراً ـ تبعاً للعوامل الطبيعية والظروف المحيطية والعنصرية ـ طالما دافع عنها وأحبّها إلى درجة بذل النفس في سبيلها.
لكنّ هناك أمراً واحداً بقي ثابتاً لا يتغيّر في قاموس الحياة البشرية رغم كلّ تلك التغيّرات والتحوّلات، أمراً واحداً بالغ البشر في حفظه وصيانته وتوسيع دائرته ألا وهو موضوع «الدين» والإيمان بما وراء المادة الذي لم يَعرف فيه مللاً ولا فتوراً ولا إعراضاً.
هذا القِدَم في الوجود، وهذه الأصالة كاشفة ولا شكّ عن أنّ «التديّن» والدين يعتبر من العناصر التي تؤلّف ذات الإنسان وتعدّ من غرائزه الأصيلة وحاجاته الروحية والنفسية التي كانت ولا تزال معه بحيث لم تتسلّل إليها يد التغيير والتبديل.
وبما أنّ الأمر الفطري لا ينحصر بالدين أو الإيمان بالله بل يعمّ غير ذلك، فلنذكر أنّ الأفعال التي تصدر عن الإنسان على نوعين:
1. أفعال فطرية.
2. أفعال عادية.
أمّا الأوّل فهو تلك الأفعال التي تنبع من جبلّة الإنسان وفطرته، وتصدر عنه بلا تفكّر ولا تروٍّ، كالتنفّس والدفاع عن النفس عند مواجهة

صفحه 259
الخطر، كلّ ذلك يصدر منه بداع داخلي وكأنّه نداء يسمعه الإنسان من أعماق وجوده.
وأمّا الثاني فهو تلك الأفعال التّي يقوم بها الإنسان بداع خارجي عن ذاته، وذلك كالبيع والشراء والشعر والكتابة إلى غير ذلك.
ولأجل إيضاح النوع الأول، نأتي بأمثلة للأفعال الفطرية الّتي مبدأها الأُمور التالية (وكلّ ذلك داخل تحت ما ذكرنا وهو أنّ الإنسان كأنّه يسمع نداءً من صميم ذاته) :
1. الغريزة الجنسية نظير ميل كلّ جنس إلى مخالفه من الأُمور الفطرية التي تتجلّى لدى كلّ فرد من أبناء البشر في سنين متفاوتة. فكلّ أبناء البشر ـ بلا استثناء ـ يميلون في هذه الفترة من العمر إلى الزواج واللقاء الجنسي دون أن يدعوهم إلى ذلك داع أو مبلّغ ودون أن يسوقهم إلى ذلك مرشد أو معلّم.
2. الميل إلى الجاه والمكانة الاجتماعية هو الآخر من الأُمور الفطرية التي تنبع من أعماق الباطن البشري، وحنايا النفس الإنسانية. فالحكم على الناس والحصول على المناصب ليس شيئاً لا يريده أحد أو يحتاج إلى تعليم معلّم.
3. حب المال واكتناز الثروة وجمعها من الأُمور الفطرية كذلك. ألاترى كيف لا يشبع الإنسان من جمع المال، ولا يملّ من تكديس الثروة وكأنّ جبلّته عجنت بطلب الدنيا وحبها.
هذه هي بعض النماذج من الأفعال الفطرية، وهي كما نرى لا تخضع

صفحه 260
لأي تغيير وتبدلّ كما لا تخضع لأي عامل خارج الذات.
ويقابل ذلك مجموعة من الأفعال العادية التي تخضع لحالة التغيّر والتبدّل باستمرار.
فإذا كانت الحاجة إلى اللباس فطرية، فإنّ كيفية اللباس الذي يلبسه الإنسان ليست فطرية، ولأجل هذا نرى التفاوت الكبير في كيفية الثياب والألبسة والأزياء واختلافها من شعب إلى شعب ومن أُمّة إلى أُخرى.
وقس على ذلك أساليب تجميل النساء وطرق الزينة وزخارف المنازل، فالجميع خاضعة للتغيّر والتبدّل، حيث ينتخب كلّ شعب بنفسه شكلاً من الأشكال.
إلى هنا تبيّن أنّ الأفعال الصادرة من الإنسان على نوعين: فطرية وعادية، وقد تبيّن بفضل الأمثلة وجود القسمين ولكن يمكن بيان ضابطة لتمييز الفطرية عن العادية:
1. الأُمور الفطرية تتّسم بالشمولية والعمومية فلا تجد إنساناً خالياً منها بخلاف الأُمور العادية، فلكلّ قوم لون خاص.
2. الأُمور الفطرية تتحقّق بوحي الفطرة ولا تحتاج إلى تعليم معلم بخلاف الأُمور العادية، فهي تخضع لذلك.
3. الأُمور الفطرية لا تخضع لتأثير العوامل السياسية والاقتصادية والجغرافية وهي فعّالة في حياة الإنسان; بخلاف الأُمور العادية فإنّها تستمد من هذه العوامل، ولذلك لم تزل كيفية الألبسة والأبنية متغيّرة حسب ارتفاع الأسعار وانخفاضها كما تختلف كيفية الأبنية على ساحل

صفحه 261
البحر عن الأبنية في المناطق النائية عنه.
4. الدعايات المكثّفة ضد الأُمور الفطرية قد تضعفها ولكن لا تستأصلها بخلاف الأُمور العادية، فإنّ الدعايات ربّما تقلبها رأساً على عقب. ومثال ذلك أنّ النظام الحاكم في الاتحاد السوفيتي حاول ـ لسنوات طويلة ـ غسل الأذهان عن الاعتقاد بالمبدأ والمعاد، وسخّر لذلك وسائل الإعلام المتطوّرة والدعايات المختلفة، ولكنْ فشلت دعاياتهم وبطلت أساليبهم; والدليل على ذلك أنّه لمّا انهار الاتحاد السوفيتي الّذي كان الحزب الشيوعيّ الإلحاديّ يستبدّ بحكمه، ونال الناس حريتهم، أخذ المسلمون يتوجّهون إلى مساجدهم والمسيحيون إلى كنائسهم واليهود إلى بِيَعهم، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأُمور الفطرية التي لها جذور في حياة الإنسان لا تُقلَع بسهولة.

أُصول الأُمور الفطرية عند بعض المحلّلين

ذهب بعض المحلّلين إلى أنّ أُصول الأُمور الفطرية أربعة، وإليك بيانها:

1. غريزة حبّ الاستطلاع

وهذه الغريزة هي التي دفعت وتدفع الفكر الإنساني ـ منذ البداية ـ إلى البحث وإلى دراسة المسائل والمشاكل والسعي لاكتشاف المجهولات وفكّ الرموز واستكناه الحقائق. وهي الغريزة التي نشأت في ظلّها العلوم والصناعات، وتوسّعت المعارف وتطوّرت وتقدّمت. وهي الغريزة التي ساعدت المكتشفين والمخترعين منذ القدم، وكانت عوناً لهم على مواصلة

صفحه 262
البحث المُضني لاكتشاف ألغاز الطبيعة وأسرار الحياة وكشف القناع عنها، وتحمّل كلّ الصعوبات والمتاعب في ذلك الطريق الوعر.

2. غريزة حبّ الخير

وهي منشأ ظهور الأخلاق، ومعتمد الفضائل والسجايا الإنسانية والصفات النفسانية المتعالية. وهي الغريزة التي تدفع الإنسان إلى أن يحبّ بني نوعه ويطلب العدل والحق والسلام.
وهي التي توجد في المرء نوعاً من الميل الفطري الباطني إلى الأخلاق النبيلة والسجايا الحميدة ونفوراً من الرذائل والصفات الذميمة.

3. غريزة حب الجمال

وهي منشأ الفنون الجميلة قديماً وحديثاً وسبب ظهور الأعمال الفنية في شتّى مجالات الحياة.

4. غريزة التديّن

وتعني بأنّ كلّ فرد من أبناء الإنسان يميل بنحو ذاتي وفطري، وبحكم غريزته إلى ما وراء الطبيعة ويميل إلى التديّن، وينجذب عفوياً إلى معرفة ما وراء الطبيعة والقوّة الحاكمة على هذا الكون الذي يعيش ضمنه، ويكون وجود الإنسان فرعاً من وجوده وجزءاً من أجزائه.
ولقد أوجد اكتشاف هذا الشعور وهذا البعد الأخير حركة عظيمة في الأوساط العلمية، إذ حطّ هذا الاكتشاف العلمي المهمّ من غرور ماديّي القرن العشرين وكبريائهم.

صفحه 263
وإذا كان إنكار ما وراء الحسّ «الميتافيزيقيا» دليلاً على الفهم والعلم والتحقيق ذات يوم، فقد أصبح هذا الأمر ـ بعد اكتشاف البعد الرابع ـ علامة الجهل والتعصّب والتحجّر، والإنكار لأبده الحقائق الحاضرة.
***
إذا تبيّن ما ذكرنا يظهر لك أنّ الدين عقيدة وشريعة أمر فطري يصير الإنسان إليه بدافع داخلي.
أمّا الصانع وتوحيده فقد ظهر ممّا ذكرنا من أنّ الاعتقاد بما وراء الطبيعة أقدم شيء في حياة الإنسان، وسيوافيك في تفسير الآيات أنّ الإنسان مهما توغّل في المادّية يلجأ إليه عند طروء المصائب; وأمّا الشريعة فكفى في ذلك كون أُصولها أمراً فطرياً، ويشهد لذلك أنّه سبحانه بعد ما يذكر بعض هذه الأُصول، يصف الغاية بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، مشعراً بوجود جذور هذه الأُصول في فطرته وخلقته غير أنّه ربّما يغفل ويحتاج إلى التذكّر، يقول سبحانه :(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)1 فقوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أفضل دليل على أنّ الإنسان سائر على هذه الأُصول وفق دعوة الفطرة.
وأنت إذا تفحّصت عن الأُصول الأخلاقية والاجتماعية والسياسية التي دعا إليها الإسلام لرأيتها تنسجم مع الفطرة، ولذا يقبل الإنسان الأحكام المستندة إليها بسهولة حتى تلك الأحكام التشريعية الّتي تجعل للأزواج ـ

1 . النحل:90.

صفحه 264
في نظام الأُسرة ـ القوامة على الزوجات، كما قال تعالى: (اَلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)1.
إنّه سبحانه يصف ما جاء به في مجال التشريع حكمة، وقد بدأ في سورة الإسراء شيئاً من هذا التشريع الموافق للفطرة بقوله: (وَ قَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ـ إلى أن يقول:ـ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ )2 فقد تضمّنت تلك الآيات رؤوس التشريع التي لا تشذّ عن الفطرة قيد شعرة.
وقد دلّت السيرة النبوية على أنّ العربي المشرك المتحرّر من أسر العناد، إذا قرئ عليه شيء من الآيات يترك الوثنية ويتوجّه إلى التوحيد; وما ذلك إلاّ لأنّه يجد أنّ ما يدعو إليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر فطريّ يقضي به وجدانه الحرّ; فقد روي أنّ أسعد بن زرارة زار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أيام الحجّ وهو في حِجر إسماعيل وسلّم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قائلاً: أنعم صباحاً، فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأسه إليه وقال: «قد أبدلنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحيّة أهل الجنة: السلام عليكم» قال له أسعد: إنّ عهدك بهذا لقريب إلى مَ تدعو يا محمد؟ قال: «إلى شهادة ألاّ إله إلاّ الله وإنّي رسول الله ، وأدعوكم إلى: (أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا

1 . النساء:34.
2 . الإسراء: 23ـ 39.

صفحه 265
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).1
فلمّا سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّك رسول الله ، يا رسول الله بأبي أنت وأُمّي....2
ولعلّ ما ذكرناه يكفي لتوضيح أنّ الدين (عقيدة وشريعة) أمر فطري يميل إليه الإنسان بوازع داخلي، ولا يصدّه عنه إلاّ العوامل الخارجية المؤثرة. إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآية.
قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ): أي أقبل عليه بقلب واع غير غافل (لِلدِّين)الظاهر أنّ اللام للعهد والمراد به معرفة الله أو الإسلام عقيدة وشريعة (حَنِيفاً) حال من فاعل «أقم» فيكون حالاً للنبي ويؤيّده أنّه وصف به إبراهيم في قوله تعالى:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا)3: أي عادلاً عن الباطل إلى الحق; وربّما قيل: إنّه حال من الدين أو من الوجه، والأوّل أقرب. (فِطْرَةَ اللهِ ): حال من الدين، ويحتمل أن يكون منصوباً على الإغراء، أي الزمْ فطرة الله ، وفي إضافة الفطرة إلى الله إشعار بأنّ الدين موافق للفطرة، أي أقم وجهك وقلبك إلى الدين الذي هو فطرة الله (التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا): أي خلقهم على تلك الفطرة، وكأنّ الدين عُجن مع خلقتهم فهو يناسبها، وقد أودع الله سبحانه في ذاته خلاصة الدين، حيث أوحى إليها فجورها وتقواها، قال سبحانه:(وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا

1 . الأنعام:151ـ 152.
2 . إعلام الورى:1/138; بحار الأنوار:19/8 ـ 9.
3 . النحل:120.

صفحه 266
وَتَقْوَاهَا)1، والله سبحانه قد أكرم الإنسان بهدايتين:
الأُولى: الهداية التكوينية التي بها قوام حياة الإنسان وغيره عبر حياته، وهذا النوع من الهداية يشير إليه سبحانه بقوله:(رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى )،(2) وقوله: (الذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى)2.
الثانية: الهداية التشريعية التي بها قوام سعادته في الدنيا والآخرة، وهي الّتي يشير إليها سبحانه بقوله: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)3 والمراد من النجدين: سبيل الخير وسبيل الشر، وهما اللّذان تُناط بهما سعادة الإنسان وشقاؤه، فقد فطر الإنسان على كلتا الهدايتين التي تناط بهما حياته المادية والمعنوية.
نعم الهداية الأُولى لا تختصّ بالإنسان بل تعمّ كلّ شيء، كما مرّ.
قوله: (لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ): جملة حالية من الدين، وفيه وجهان:
1. أنّ النفي بمعنى النهي، أي لا يجوز أن تُبدَّل خلقة الله أو تُغيَّر من التوحيد إلى الشرك، فيكون نظير قوله سبحانه:(فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ )4.
2. أن يكون جملة خبرية والنفي على معناها، بمعنى لا يقدر أحد على أن يغيّر خلق الله سبحانه وفطرته بافتراض أنّه فطري وداخل في صميم ذاته.

1 . الشمس:7 ـ 8 .       2 . طه:50.
2 . الأعلى:2ـ3.
3 . البلد:8 ـ10.
4 . البقرة:197.

صفحه 267
(ذَلِكَ): أي الدين المأمور بإقامة الوجه له ولزوم الفطرة(الدِّينُ الْقَيِّمُ): أي المستوي الذي لا عوج فيه ولا انحراف عن الحق. وأصل القيّم القيّوم، فقلبت الواو ياءً وأُدغمت الياءان(وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)تلك الحقيقة.. حقيقة أنّ الدين المستقيم الّذي فيه نجاتهم وسعادتهم يتجاوب مع فطرتهم ومصالحهم الحقيقية، فيصدّون عنه. وهذا الجهل ناشئ عن اتّباع الهوى الّذي يجعل على قلوبهم غشاوة، فلا يبصرون ما يدلّ عليها.
31. (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ):
أمر سبحانه في الآية السابقة بإقامة الوجه للدين إقامة خالصة من كلّ شرك، فذكر للفاعل في قوله: (أقِم) حالين أو وصفين: أحدهما: (حَنيفاً)والثاني ما جاء في هذه الآية من قوله:(مُنِيبِينَ): أي مطيعين ملازمين للطاعة. وفي إفراد الألفاظ في الآية السابقة (فَأَقِمْ وَجْهَكَ)، وجمعها في هذه الآية (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ...)دليل على أنّ الآيتين تشملان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره، وإلاّ كان يجب أن يقول: منيباً إليه...
قوله: (وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ): التقوى هي خشية الله ومراقبته في السرّ والعلَن، وتتجسّد في اجتناب المحارم والقبائح، والمبادرة إلى الخير والعمل الصالح. وأمّا إقامة الصلاة فتعني المحافظة على أوقاتها وأداءها بحدودها وأركانها، وقد خصّها بالذكر من بين سائر العبادات للتنبيه على فضلها والعناية بأمرها (وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)الذين يبدّلون فطرة التوحيد إلى الشرك.

صفحه 268
32. (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ):
قوله تعالى: (مِنَ الَّذِينَ) بيان للمشركين في قوله: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشرِكين)فعرّفهم بأنّهم هم الذين(فَرَّقُوا دِينَهُمْ) وأمّا ما هو المراد من التفريق في الدين، فيفسّره قوله: (وَ كَانُوا شِيَعًا)حيث إنّهم ينتمون إلى فِرق مختلفة، كلّ منها يلتزم بعقيدة تختلف عن عقيدة الآخر، فمنهم من يعبد الأوثان، ومنهم من يعبد النار، وآخرون يعبدون الشمس إلى غير ذلك من الآلهة المكذوبة، بخلاف الموحّدين فإنّهم يعبدون ربّاً واحداً، ولكن (كُلُّ حِزْب): أي كلّ أهل ملّة وفرقة (بِمَا لَدَيْهِمْ) من المعتقدات المنحرفة الّتي صنعتها أهواء النفوس ومآربها (فَرِحُونَ) مسرورون، إذ كلّ حزب يظنّ أنّه على حقّ، ويحسب أنّ الصواب لا يعدوه إلى غيره، دون أن يستند إلى دليل بيِّن، وحجّة واضحة.
قال الشريف الرضيّ حول هذه الآية: وهذه استعارة، لأنّ الدين على الحقيقة لا يتأتّى فيه التفريق، وإنّما المراد ـ والله أعلم ـ أنّهم لمّا افترقوا في دينهم بمذاهب مختلفة وطرائق متباينة، كانوا كأنّهم فرّقوه فِرَقاً وجعلوه شِيَعاً فحسن وصفهم بذلك.1
إلى هنا تمّ تفسير الآيات. بقي هنا كلام وهو أنّ كون الدين فطرياً على ضوء الروايات.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:182.

صفحه 269

الشعور الديني الفطري في الأحاديث

نظراً للأهمية التي تتمتّع بها مسألة فطرية الحسّ الديني في العلوم الإنسانية، وردت بعض الأحاديث الصادرة من النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، والأئمة الطاهرين الصادقين(عليهم السلام) التي تتحدّث عن ذلك، منها:
ما رواه البخاري بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال رسول (صلى الله عليه وآله وسلم):«ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانِهِ أو ينصّرانِهِ أو يمجّسانِهِ...» ثم يقول: (فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).1
وقد ورد في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير آية الفطرة ما يقارب (15) حديثاً ففُسّرت تارة بالتوحيد، بمعنى أنّ توحيد الله والإيمان بذاته ووجوده وصفاته ممّا جُبل عليه البشر وعُجنت به فطرته.2
وأُخرى بـ «الإسلام»، وثالثة بـ :«معرفة الله » التي تعود في الحقيقة إلى المعنى السالف.
أمّا ما صرّح منها بالتوحيد، فقد روي عن زرارة عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) في قوله عزّ وجلّ:(فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)قال(عليه السلام):«فطرهم على التوحيد».3
وأمّا تفسير الفطرة بالإسلام، فقد روى عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق(عليه السلام) لمّا سأله عن قول الله عزّ وجل:(فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)

1 . صحيح البخاري:3 / 257 برقم 4775 ، كتاب التفسير; تفسير البرهان:3/261، الحديث5;التاج الجامع للأُصول:4/180.
2 . راجع: التوحيد للصدوق:328ـ 331; تفسير البرهان:3/261ـ 263.
3 . التوحيد للصدوق: 329، الحديث4، الباب 53(باب فطرة اللهِ عزّ وجلّ الخلق على التوحيد).

صفحه 270
ما تلك الفطرة؟ قال(عليه السلام):«هي الإسلام».1
وأمّا تفسير الفطرة بالمعرفة، فقد روى زرارة عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ:(حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ)وعن الحنيفية؟ فقال الإمام(عليه السلام): «هي الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ». ثم قال: «فطرهم الله على المعرفة».2 ولعلّ الجميع بصدد بيان الفرد الأعلى، وإلاّ فالظاهر عموم الدين للعقيدة وأُصول الشريعة.
سورة الروم: الآيات 33 ـ 37    

الآيات: الثالثة والثلاثون إلى السابعة والثلاثين

(وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ * وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ).

المفردات

مسّ: المسّ كاللَّمس، ولكنّ اللمس قد يقال لطلب الشيء وإن لم يوجد، والمسّ يقال في ما يكون معه إدراك بحاسّة اللَّمس، واشتمل المسّ

1 . التوحيد للصدوق: 329، الحديث3.
2 . التوحيد للصدوق: 30، الحديث9.

صفحه 271
في الآية على كلّ ما ينال الإنسانَ من أذى.1
أذاقهم: الذوق: وجود الطعم بالفم، وأصله فيما يقلّ تناوله دون ما يكثر.
سلطاناً: السلطان: الحجّة أو الكتاب.
يقنطون: القنوط: اليأس من الخير.
يقدر: يضيِّق.

التفسير

33. (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ):
قد تقدّم في الآيات السابقة أنّ معرفة الله وتوحيده أمر فطري جُبل عليه الإنسان، فالتوحيد داخل في صميم ذاته، وقد يَخفى الشعور الديني نتيجة عوامل مادّية تنكرها الفطرة، لكنّه يتجلّى عند الشدائد والمصائب، وكأنّ الأستار على الفطرة تتراجع وتنسحب فتتجلى الفطرة بأجلى مظاهرها خصوصاً إذا واجه الإنسانَ خطر فظيع، أو ألمّت به مصيبة فادحة، وهذا ما تشير إليه الآية.
قوله: (وَ إِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ)كما إذا أصابهم مرض أو فقر أو شدّة أو سجن فعندئذ (دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ): أي منقطعين إليه ومخلصين بالدعاء.

1 . مفردات الراغب: 467، مادة«مسّ».

صفحه 272
وقد ورد هذا المضمون في آيات عديدة، منها ما ورد في سورة الإسراء:(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ).1 وتدوم حالة التضرّع والابتهال إليه تعالى مادامت حالة الضرّ سائدة حاكمة، ولكن (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً)كما إذا نَضا عنهم ثياب المرض أو الفقر، عادوا إلى حالتهم السابقة، كما يقول: (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ): أي يعودون إلى عبادة غيره أو ينسون الله تبارك وتعالى. وقد أُشير إليه أيضاً في ذيل آية الإسراء المتقدّمة (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا).(2)
وهذه الآيات إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أمرين:
الأوّل: رحمته الواسعة التي تشمل الإنسان الذي يعلم سبحانه أنّه كفور بعد نزول الرحمة وزوال الضرّ.
الثاني: أنّ الفطرة مصباح ينير الدرب ويسوق الإنسان إلى الطريق السويّ، ومع ذلك فهي مقهورة وقد تُطمس غبّ الأفكار الضالّة والآراء الباطلة والعوامل المادّية التي تنسي الآخرة، فلذلك بعث سبحانه إلى الناس الأنبياء «لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ».(3) قال ابن أبي الحديد: ومعنى قوله (عليه السلام): «لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ»: أنّه لما كانت المعرفة به تعالى وأدلّة التوحيد والعدل مركوزة في العقول، أرسل سبحانه الأنبياء أو بعضهم ليؤكّدوا ذلك المركوز في العقول، وهذه هي الفطرة المشار إليها بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ مولود يولد على الفطرة».2

1 . الإسراء:67.      2 . الإسراء:67.   3 . نهج البلاغة: الخطبة 1 .
2 . شرح نهج البلاغة: 1 / 115 .

صفحه 273
34. (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ):
هذه الآية تقدّمت ـ باختلاف يسير ـ في سورة العنكبوت حيث قال تعالى:(فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ* لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).1
وقد ذكرنا أنّ في تفسير الآية وجهين:
1. أنّ هذا النوع من الأمر يعتبر تهديداً نظير قوله سبحانه:(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ).(2)
2. أن تكون اللام لام العاقبة، والمعنى يكفرون بما آتيناهم من النِّعم ويتمتّعون بالدنيا (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبة كفرهم، وهو إشارة إلى ما ينتظرهم من عذاب عند المصير إليه سبحانه.
35. (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ):
لمّا تقدّم تهديد القوم بقوله:(فَتَمَتَّعُوا) أعقبه بهذا التوبيخ والتبكيت: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا) وهو بمنزلة الاستفهام الاستنكاري، أي: ما أنزلنا عليهم سلطاناً، أي برهاناً يعتمدون عليه فهو ـ أي السلطان ـ (يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) فالفقرة بمعنى النفي، أي ما أنزلنا عليهم سلطاناً يتكلّم بما يدّعونه من الإشراك مع الله في العبادة حتى يتّخذوه سنداً!! وهو نظير قوله سبحانه:(أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ).(3)
قال الشريف الرضيّ: وهذه استعارة، والمراد بالسلطان هاهنا البرهان

1 . العنكبوت:65ـ 66.      2 . فصّلت:40.   3 . الزخرف:21.

صفحه 274
على أحد التأويلين، وهو الحقّ الذي يتسلّط به الإنسان على مخالفه ويظهر على منازعه، وإنّما وصفه سبحانه بالكلام لظهور حجّته وقوة دعوته فكأنّه ناطق ومدافع مناضل.1
36. (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ):
تقدّم في الآية الثالثة والثلاثين أنّه إذا نزل البلاء بالمشركين توجّهوا إلى الله ضارعين، وإذا شملتهم الرحمة نسوا الله وعادوا إلى ما كانوا عليه، وفي هذه الآية يذكر حالة أُخرى له، وهي أنّهم إذا شملتهم الرحمة استبدّ بهم الفرح والسرور ، كما يقول: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا) فلفظة (أذَقْنا)تدلّ على نزول قليل من الرحمة ولكنّهم مكان أن يشكروا يفرحون، فكأنّهم نسوا مبدأها و مُنْزِلها، وإن انقلب الأمر كما يقول سبحانه:(وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) ضد الرحمة (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) من المعاصي (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ): أي ييأسون من الرحمة، غافلين عن أنّ قسماً من المصائب التي تحلّ بالإنسان، هي نتيجة أعماله وذنوبه، فالسيئة التي حاقت بهم نتيجة ما كسبت أيديهم.
وهنا سؤال وهو: أنّه سبحانه وصف المشركين في الآية الثالثة والثلاثين بأنّهم إذا مسّهم الضرّ دعوا ربهم منيبين إليه، ولكنّه سبحانه في هذه الآية وصفهم بأنّه إذا أصابتهم سيئة صاروا قانطين، أي غير داعين وغير منيبين؟

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 164 .

صفحه 275
وبعبارة أُخرى: أنّ مقتضى هذه الآية أنّ الله إذا أعطى المشرك، فرح وإذا منعه سخط وقنط، ولكن مقتضى الآية المتقدّمة أنّه إذا أصابه الضرّ دعا الله سبحانه وأناب إليه، وإذا كشف عنه الضرّ عاد إلى ما كان عليه ، فكيف يمكن التوفيق بينهما؟
والجواب: أنّ الموضوع في الآيتين مختلف فالموضوع في الآية الأُولى هو أنّ المشرك إذا حاق به البلاء فعندئذ تنجلي فطرته ويدعو الله منيباً إليه، فإذا انكشف البلاء، نسي الله سبحانه وعاد إلى الشرك.
وأمّا الموضوع في الآية الأُخرى فهو أنّ المشرك إذا مسّته الرحمة فعندئذ يفرح بها، دون أن يتفكّر في مبدئها ومنزلها ويكونَ شاكراً، وإذا سُلبت عنه النعمة بما كسبت أيديه من السيئات، يكون قانطاً ساخطاً.
وللسيد الطباطبائي هنا بيان آخر يقول: إنّ مدلول هذه الآية أنّ أفهامهم سطحية إذا وجدوا فرحوا، وإذا فقدوا قنطوا، ومدلول تلك أنّهم إذا وجدوا فرحوا وإذا فقدوا دعوا الله منيبين راجعين إلى الله سبحانه، فلا تدافع.1
37. (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ):
لمّا تضمّنت الآية السابقة قنوط المشرك عند إصابة السيئة، عاد البيان القرآني إلى التصريح بجهلهم بسنن الله تبارك وتعالى في الناس، وهو أنّ

1 . الميزان في تفسير القرآن:16/184.

صفحه 276
بسط الرزق وضيقه من سنن الله تبارك وتعالى، فلو بسط فبملاك ولو قدَر فبملاك آخر كما قال:(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ): أي يضيّقه على من يشاء(إِنَّ فِي ذَلِكَ): أي بسط الرزق وضده (لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) بحكمته، كما قال الشاعر:
نكَدُ الأريب وطيب عيش الجاهلِ *** قد أرشداك إلى حكيم كاملِ
سورة الروم: الآيتان 38 ـ 39    

الآيتان :الثامنة والثلاثون والتاسعة والثلاثون

(فآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ).

المفردات

حقّه: أُريد به نفقة الأقارب كالآباء وإن علَوا والأبناء وإن نزلوا، أو الأعمّ وهو صلة الرحم والبرّ بهم وإن لم يكونوا واجبي النفقة .
المسكين: المُعْدم الذي لا مال له.
ابن السبيل: المسافر الذي نفدت نفقته وهو في أثناء الطريق وهو غنيّ في بلده.
رباً: زيادة.

صفحه 277

التفسير

38. (فآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ):
لمّا بيّن سبحانه أنّه يبسط الرزق لمن يشاء، أمر أصحاب السعة والمال أن ينفقوا على الآخرين ويعطوهم حقوقهم، وهم كالتالي:
الأوّل: ذو القربى، أي صاحب القرابة، إمّا أراد مَن تجب نفقته، أو الأعمّ.
الثاني: المسكين، وهو الذي يفقد كلّ إمكانيّات الحياة.
الثالث: ابن السبيل، وهو الذي انقطع في سفره وليس عنده شيء يوصله إلى وطنه. والخطاب في قوله سبحانه:(فآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) وإن كان للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّ القرائن تشهد أنّه حكم إلهي يعمّ أصحاب السعة والمال.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر الأثر الإيجابي لذلك الإنفاق والإعطاء بشرط أن يكون الدافع إليه امتثال أمر الله سبحانه وابتغاء مرضاته كما يقول: (ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ ) لأنّه سبحانه سوف يضاعف لهم الجزاء عليه (وَ)في النهاية (أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): أي الفائزون برضوان الله وفضله الكبير.
والآية تدلّ على عناية الإسلام بالأُسرة أوّلاً، والمجتمع ثانياً. أمّا الأُسرة فلقوله: ( ذَا الْقُرْبى)، وأمّا المجتمع فللأمر بالإنفاق على المسكين وابن السبيل.

صفحه 278
وأمّا إيجاب الإنفاق فلأنّ كلّ نعمة تصل العبد تستوجب الشكر، والشكر كما يتحقّق بالذكر اللساني في موارد، يتحقّق بالعمل في موارد أُخرى، فليس للإنسان الغنيّ أن يتصوّر أنّ المال له وأن ليس للآخرين حقّ في ماله، بل يجب أن يؤمن أنّ المال مال الله ، وأنّ الأغنياء وكلاؤه في الأرض كما يقول سبحانه:(وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)1 وعندئذ لا يمسك يده عن البذل والعطاء. وللتشريع الإسلامي عناية خاصّة بالإنفاق كتاباً وسنّة يقف عليها من رجع إلى مواضعه. وممّا ورد في الحثّ عليه:
1. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع. وما من أهل قرية يبيت وفيهم جائع ينظر الله إليهم يوم القيامة».2
2. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ ِللهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمُ اللهُ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا; فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ».3
3. وقال الإمام الحسن السبط (عليه السلام): «المعروف ما لم يتقدّمه مَطْلٌ ولا يتبعه مَنٌّ، والإعطاء قبل السؤال، من أكبر السؤدد».(4)
4. وقال الإمام علي بن الحسين، زين العابدين(عليه السلام)، وهو يخاطب الزُّهري (في خبر طويل): «إنّما الاستعداد للموت تجنّب الحرام، وبذل الندى والخير».4

1 . الحديد:7.
2 . الكافي:2/668 برقم 14، كتاب العِشرة، باب حقّ الجوار.
3 . نهج البلاغة: الحكمة 425 .   4 . بحار الأنوار : 75 / 113 .
4 . علل الشرائع: 88 ; وسائل الشيعة: 4 / 279 ـ 280 .

صفحه 279
ونعم ما يقول القائل:
إذا جادت الدنيا عليك فجُد بها *** على الناس طُرّاً إنّها تتقلّبُ
فلا الجود يُفنيها إذا هي أقبلت *** ولا البخل يُبقيها إذا هي تذهبُ
39. (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ):
لمّا أمر سبحانه بالإيتاء الذي أُريد به الإعطاء للأرحام وذوي الحاجة، أرشد إلى أنّ ما يُنفق من مال يجب أن يكون لله وطلباً لمرضاته إذ هو الذي يزيد ويُبارَك فيه عند الله ، وأمّا إذا أُريد به غير وجه الله فلا يزيد عند الله سبحانه كما يقول: (وَ مَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا): أي مَن قدّم للناس العطاء من غير نيّة القُربة، وإنّما (لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ): أي ليزيد بذلك أموال الناس (فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ ): أي لا يزيد عنده ولا ينمو (وَ مَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة): أي من صدقة (تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ): أي هم الذين يضاعف لهم ثواب ما أعطَوا.
وعلى هذا التفسير فأُريد من قوله: (مِنْ رِبًا) العطية لا لوجه الله ، وأُريد من قوله:(مِنْ زَكَاة): الصدقة المستحبّة لله سبحانه، فالأُولى لا تربو عند الله ، والثانية تربو بأضعاف مضاعفة.
وهناك احتمال آخر أقوى ممّا ذكر وهو أن يراد بالرّبا: الفائدة الّتي

صفحه 280
يحصل عليها صاحب المال من المَدين، وكان الرِّبا من الظواهر الفاشية في زمان الجاهلية بين العرب الذين كانوا يردّدون قولهم: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)والمراد من الزكاة هو الزكاة الواجبة، فمن أقرض ماله لأخذ الربا ليزيد في أمواله لن يحصل في الآخرة على أي شيء، وأمّا من أعطى الزكاة الواجبة لله سبحانه فهؤلاء هم الذين يثابون بأفضل ما عملوا.
وهذا الاحتمال لا ينافي كون السورة مكية لأنّ غالب آياتها مكية، أو أنّ ذكر الرِّبا هنا يمكن أن يكون إرهاصاً مكيّاً بكراهية الرِّبا الّتي جاءت بأُسلوب تشريعي تحريميّ في القرآن المدني وفقاً لأُسلوب القرآن المكيّ والمدنيّ، حيث يجنح الأُسلوب المكي إلى الحظر بالتخويف من عقاب الله الدنيوي والأُخروي وبيان مضارّ المحظور، في حين يجنح الأُسلوب المدنيّ إلى التشريع، لإمكانية تنفيذه في ظلّ الدولة الّتي أقامها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). 1
قال الشريف الرضي: المراد بالرِّبا هاهنا المال الذي يعطيه الإنسان غيره ليعطيه أكثر منه على الوجه المنهيّ عنه، وأصل الربا الزيادة والكثرة، وإنّما سمّي المال المعطى الذي يلتمسون به الزيادة ربا، لأنّه جعل غرضه لطلب الزيادة ووصلته إليها علّة لها، فحسن تسميته بذلك للسبب الذي ذكرناه.
ومعنى قوله:(لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ): أي ليزيد في أموال الناس وليس قوله سبحانه هاهنا بمعنى ليكون مدداً لأموال الناس (كما هو الحال في التفسير السابق) فتزيد به، وإنّما المعنى ليزيد هو بدخوله في أموال

1 . انظر: التفسير الحديث: 5 / 454 .

صفحه 281
الناس، ودخوله فيها هو أنّ صاحبه يعطيه الناس ليأخذ منهم أكثر منه، فإذا ما كره وأراد التعويض عنه بالقدر الزائد عليه كان كأنّه قد ربا أي كثر.1

كلام في نزول الآية 38 في إعطاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فدكاً

روى الطبرسي في «المجمع» قال: روى أبو سعيد الخدري وغيره: أنّه لمّا نزلت هذه الآية على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى فاطمة(عليها السلام) فدكاً وسلّمه إليها، وهو المروي عن أبي جعفر ]الباقر[(عليه السلام) وأبي عبد الله ]الصادق [ (عليه السلام).
والشيخ الطبرسي اقتصر على رواية واحدة ولكنّ القوم رووا نزولها فيما ذكرناه في غير واحد من كتبهم، نذكر منها ما يلي:
ما رواه الحاكم الحسكاني في «شواهد التنزيل» بسند متصل إلى ابن عباس قال: لمّا أنزل الله :(فآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة وأعطاها فدكاً، وذلك لصلة القرابة:( وَالْمِسْكِينَ)الطوّاف الذي سألك، يقول: أطعمه (وَابْنَ السَّبِيلِ): وهو الضيف، حث على ضيافته ثلاثة أيام، وإنّك يا محمد إذا فعلت هذا فافعله لوجه الله (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) يعني أنت ومن فعل هذا من الناجين في الآخرة من النار الفائزين بالجنّة.2
ورواه بسند آخر عن عطية عن أبي سعيد قال: لمّا نزلت(فآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فاطمة فدكاً.3

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:183.
2 . شواهد التنزيل:1/439، تحقيق محمد باقر المحمودي
3 . شواهد التنزيل:1/440.

صفحه 282
سورة الروم: الآيات 40 ـ 45    

الآيات: الأربعون إلى الخامسة والأربعين

(اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ).

المفردات:

البَرّ: الفيافي والقفار ومواضع القبائل.
البحر: كلّ مكان واسع جامع للماء الكثير ثم يكنّى به عن التوسّع، يقال: وجدته بحراً، ويطلق التبحّر على التوسّع في العلم. وفي «مفردات الراغب»:(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) قيل: أراد في البوادي والأرياف لا فيما بين الماء. وعلى ما ذكره فالبحر هنا بمعنى المدن; وربّما يؤيّد بما قاله سعد بن عبادة في عبد الله بن أُبيّ ابن سلول: ولقد أجمع أهل هذه البحيرة(المدينة) ليتوّجوه. ونقل عن ابن عباس أنّه قال: البَرّ ما كان من

صفحه 283
المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شط نهر. ومع ذلك لا وجه لرفع اليد عن ظهور البحر فيما هو الرائج بين الناس.
مردّ: المردّ: مصدر ميمي من الردّ وهو الدفع والصرف.
يصّدّعون: الصَّدْع: الكسر والشَّقّ ومنه تصدّع القدَح. وأصل يصّدّعون يتصدّعون فقلبت التاء صاداً لتقارب مخرجيهما ثم أُدغمت الصادان.

التفسير

40. (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ):
هذا هو المقطع الثاني من المقاطع التي احتجّ بها سبحانه على ربوبيّته وإبطال الشرك وإثبات المعاد، وبدأ المقطع بلفظ الجلالة خلافاً للمقطع السابق، وذكر من أفعاله الدالة على ربوبيّته أُموراً أربعة:
1. الخلق 2. الرزق 3. الإماتة. 4. الإحياء يوم القيامة. وقال: (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ).
ومن المعلوم أنّ هذه الأفعال من شؤونه سبحانه وليس لأحد من شركائهم الّذين يعبدونهم نصيب فيها، ولذلك يقول:(هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء) و (مَنْ يَفْعَلُ) مبتدأ تقدّم عليه خبره وهو (مِنْ

صفحه 284
شُرَكَائِكُمْ) والاستفهام إنكاري يتضمّن معنى النفي، والإشارة في قوله:(ذَلِكُمْ) إلى الخلق والرزق والإماتة والإحياء المفهومة من الأفعال المذكورة، والمعنى: ما من شركائكم من يفعل شيئاً من ذلكم. وإذا كان سبحانه هو القائم بهذه الأفعال فهو المدبّر والمدير، ومن ثمّ هو المعبود لا الشركاء، ولأجل تنزيهه وتقديسه عمّا يزعمه الوثنيون من ثبوت الربوبيّة للشركاء، قال : ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
41. ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ):
يشير قوله تعالى: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)إلى سنّة من سنن التاريخ، تتمثّل في العلاقة الّتي تربط بين الإنسان والأرض.. بين مواقفه وخيراتها برّاً وبحراً، وهي علاقة مسبَّب بسبب، فالفساد الّذي ينتشر في الأرض، ويشمل المجالات الاقتصادية والأخلاقية والأمنية والصحية، إنّما هو ـ وفق النظرية القرآنية ـ من صنع الناس الّذين يمارسون ألوان الظلم والاستغلال والأعمال السيئة، نتيجة إعراضهم عن الله تعالى، وبُعدهم عن خطّ الدين الّذي يرسم لهم النظام الاجتماعي المنسجم مع مصالحهم الحقيقية، ويكفل لهم السعادة والرخاء والهناء.
وبكلمة أُخرى: إنّ للإنسان بسلوكه الشاذّ النابع من إرادته واختياره والمعبّر عن فساد محتواه الداخلي.. إنّ له دوراً في خلق الأزمات الحادّة والكوارث والمحن وغيرها من مظاهر الفساد في البرّ والبحر.
وهذه العلاقة بين ظهور الفساد وما كسبت أيدي الناس لا يتُوصّل

صفحه 285
إليها بالأدوات العلمية وفي زمن قصير، وإنّما من خلال تجربة اجتماعية يمارسها المجتمع وتمتد لفترة طويلة، وقد صرّح سبحانه بوجود هذه العلاقة في واحدة من الآيات وقال:(وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)1. ولأجل إعلام الناس أنّ هذا الفساد إنّما هو نتيجة أعمالهم يقول:(لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذِي عَمِلُوا)اللام لام العاقبة، أي ينتهي فساد أعمالهم لإذاقة بعض الذي عملوه نظير قوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)2 وإنّما لم يذقهم سبحانه كلّ الذي عملوا تفضّلاً منه وكرماً، كما قال في آية أُخرى: (وَ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبَِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير)3.
وعلى كلّ تقدير يذيقهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ): أي رجاء أن يرجعوا من شركهم إلى التوحيد، والآية تتضمّن ـ كما قلنا ـ سنّة من سنن الله سبحانه على وجه البسيطة ولا تختصّ بعصر دون عصر فما في بعض التفاسير بتخصيص مورد الآية ببعض الموارد من قبيل تطبيق الكلّ على مصداقه .
ثمّ إنّ الظاهر من قوله:(لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذِي عَمِلُوا) أنّ ما يذوقه الإنسان في الآخرة هو نفس ما عمله في الدنيا لكن بثوب آخر.
42. (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ):

1 . الأعراف:96.
2 . القصص:8.
3 . الشورى:30.

صفحه 286
لمّا نبّه سبحانه بأنّ حلول الفساد في البر والبحر الذي يتضرّر به البشر عامة نتيجة أعمالهم، عرض عليهم السير في الأرض حتى يعتبروا بمصائر أقوام أشركوا مثل عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، فإنّ كثيراً من مشركي مكّة ومن والاها يمرّون على ديارهم وقال:(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ)للاتّعاظ والاعتبار (فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ) من الأقوام العاتية والأُمم العاصية كيف أهلكهم الله حتى صارت قصورهم قبورهم حيث (كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) فأذاقهم الله بعض ما عملوا ليعتبر به المتأخّرون. نعم بعض تلك الأُمم لم يكونوا مشركين ولعلّهم أُهلكوا لأعمالهم الفاسدة.
أمر سبحانه في هذه الآية، وفي آيات كثيرة أُخرى1 بالسير في الأرض ولكن الغاية من هذا السير هو أخذ العبرة من مصير المشركين والكافرين والمستكبرين على خلاف ما هو السائد في أيامنا الحاضرة، فإنّ الغاية، في هذه الأيام، من السياحة من الغرب إلى الشرق أو بالعكس إمّا التجسس لصالح الدول الاستعمارية حيث يستكشفون خلال سياحتهم في المدن والصحاري أسرار البلاد، وأسباب ضعف الشعوب وقوّتها، أو أن تكون الغاية هي الترفّه وإشباع الأهواء والشهوات.
43. (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذ يَصَّدَّعُونَ):
لما بيّن سبحانه مصير المشركين أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الظاهر وجميع المؤمنين ـ في الباطن ـ بالحذر منه والتوجّه إلى التوحيد، فابتدأ بفاء

1 . آل عمران:137، الحج:46، يوسف:109، فاطر:44، غافر:21 و 82، محمد:10.

صفحه 287
الفصيحة أي إذا كان أمر المشركين على ما مرّ (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ)أي الدين المستقيم الذي لا عوج فيه (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ) أي لا يقدر أحد على ردّه، يعني يوم القيامة، فالناس (يَوْمَئِذ يَصَّدَّعُونَ): أي يتفرّقون، كما قال سبحانه: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ).1
وربما يقال بأنّ المراد تفرّق الناس بأشخاصهم كما يشير إليه قوله: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ)(2)،2 ولكن الظاهر هو المعنى الأوّل بشهادة الآية التالية.
44. (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ):
أي (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ) وبال كفره وهي الجحيم، (وَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ): أي يوطّئون لأنفسهم كما يوطئ الرجل لنفسه فراشه لئلاّ تؤذيه أحجار الأرض وصلابتها، يقول الطبرسي:من أصلح عمله فكأنّه فرش لنفسه في القبر والقيامة وسوّى مضجعه ومثواه، وروى منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام):«إنّ العمل الصالح ليسبق صاحبه إلى الجنّة فيمهّد له كما يمهّد لأحدكم خادمه فراشه».3
ثمّ إنّه سبحانه أفرد الضمير في الكافر وقال: (فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ)وجمعه في جانب المؤمن وقال: (فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)، ولعلّ وجهه تحقير قدرهم وإن

1 . الشورى: 7 .      2 . القارعة:4.
2 . روح المعاني:21/49.
3 . مجمع البيان:8/72.

صفحه 288
كانوا كثيرين عدداً، وتكريم المؤمنين وإن كانوا أقلّ منهم عدداً.
يقول الشريف الرضيّ حول الآية: وهذه استعارة ومعنى (يَمْهَدُونَ)هاهنا أي يوطّئون لجنوبهم ويمكّنون لأقدامهم عند مصارع الموت ومواقف البعث وذلك كناية عن تقديم العمل الصالح والمتجر الرابح تشبيهاً بمن وطّأ لمضجعه بالفُرش الوثيرة والنمارق الكبيرة.1
ثمّ إنّه سبحانه ذكر خصوص العمل الصالح مع أنّه لا يُقبل بلا إيمان.
أقول: إنّما ذكره لوضوحه، مضافاً إلى التصريح به في الآيات التالية:
45. (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ):
سبق في الآية المتقدّمة أنّ أصحاب العمل الصالح يمهدون لأنفسهم لِما بعد الموت، ومن المعلوم أنّ تمهيد الفراش يكون لغاية من الغايات، والغاية هنا هي إحراز ما في الآخرة من نعيم ورضوان، كما قال: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) على قدر استحقاقهم، ومع ذلك يزيدهم (مِنْ فَضْلِهِ) فالآية تجمع بين أمرين: جزاء استحقاق، وجزاء تفضّل.
سورة الروم: الآيات 46 ـ 53    
ويمكن تفسير الآية بشكل آخر، وهو أنّ الجزاء كلّه من فضله وعن وجه التفضّل، فيكون الجزاء جميعاً من فضله سبحانه دون أن يكون هناك استحقاق، وما ذلك إلاّ لأنّ ما يقدّمه الإنسان الصالح ليس ملكاً له بل هو وعمله ملك لله سبحانه.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:184.

صفحه 289
قوله تعالى:(إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) كأنّه تعليل لحصر الجزاء من فضله على المؤمنين فقط، فإنّ كلاًّ من الكافر وعمله مبغوض من قبل الله تعالى، فلا يستحقّ الجزاء الجميل.

الآيات: السادسة والأربعون إلى الثالثة والخمسين

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَات وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْريَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ * اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ * فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ):

صفحه 290

المفردات

مبشّرات: من البشارة، وهي الخبر السارّ.
أجرموا: الجرم: أصله قطع الثمرة من الشجر، واستعير لكلّ اكتساب مكروه.
تثير: تحرّك.
يبسط: ينشر.
كِسَفاً: قِطَعاً.
الوَدْق: المطر.
خلاله: واحدها خلل، وهو الفرجة بين الشيئين.
مُبلسين: آيسين.
مصفرّاً: من الصفرة، وهي لون معروف، وهل هي صفة للأشجار والنبات، أو للسحاب أو للريح؟ هذا ما سيوافيك بيانه.

التفسير

قد تقدّم أنّ من أغراض السورة التأكيد على التوحيد في الربوبيّة، ومن ثمّ على التوحيد في العبادة، وقد مرّ قسم من دلائله في الآيات التي ابتدأت بقوله: (وَمِنْ آياتِهِ)1 فعاد هنا إلى ذكر الآيات التي ترشدنا إلى تفرّده في الربوبيّة أيضاً، وهو أنّه سبحانه يرسل الرياح مؤذنة بالخير والمطر، ويقول:

1 . الروم: 20ـ 25.

صفحه 291
46. (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَات وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْريَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ):
أي(وَ مِنْ آيَاتِهِ) الدالّة على ربوبيّته (أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ) فإنّ للرياح دوراً في سَوق السحاب الحامل للمطر من مكان إلى آخر، كلّ ذلك بأمر الله تعالى. ثمّ إنّه سبحانه يذكر أنّ الغاية من إرسال الرياح هي الأُمور الخمسة التالية:
1. (مُبَشِّرَات) تبشّر بالخير ونزول المطر الذي به حياة الإنسان والحيوان والنبات، حيث يجلب هبوب بعض الرياح (الّتي هي جزء من الدورة العامّة للرياح الّتي تحدث فوق سطح الأرض) أمطاراً إلى البلدان الّتي تهبّ عليها، فتنبت بها ألوان الزروع والثمار. ولولا المطر لعمّ الجفاف الأرض، وقد مرّ أنّ حياة الحيوانات في البحر أيضاً تقوم بالمطر.
2. (وَ لِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) عطف على مبشّرات، وتطلق الإذاقة على القليل وما ذلك إلاّ لأجل أنّ رحمته تعالى أكثر ممّا يذيقه الإنسان بنزول المطر. وقال الرازي: إنّ الإذاقة تقال في القليل، ولمّا كان أمر الدينا قليلاً وراحتها نزراً قال:(وَ لِيُذِيقَكُمْ)1، وما ذكرناه أوضح وهو أنّ رحمة الله أوسع، فما يدركه الإنسان من رحمته بالنسبة إلى رحمته الواقعية أشبه بالإذاقة.
3. (وَلِتَجْريَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ) فإنّ العامل المحرّك للسفن الشراعية هو

1 . تفسير الرازي:25/131.

صفحه 292
الرياح، وكان البحّارة يعتمدون عليها في توجيه سفنهم، ولكونها منتظمة أطلقوا عليها اسم الرياح التجارية، وهي قسمان: رياح تجارية جنوبية شرقية، ورياح تجارية شمالية شرقية.
4. (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ): أي تبتغوا بركوب السفن، التجارة والربح، أو تطلبوا بالأمطار من فضل الله فيما تزرعونه.
5. (وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)قيّد هذه الفقرة بلفظة «لعلّ» دون الغايات الأُخرى، يقول الطبرسي: تلطّف سبحانه بلفظة (لَعَلَّكُمْ) في الدعاء إلى الشكر، كما تلطّف في الدعاء إلى البِرّ، وقال: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهِ قَرْضًا حَسَنًا )1 وقال الرازي: ما ذكر من الغايات أُمور مترتّبة تكويناً فكلٌّ يؤثر في الآخر، يقول: في الرياح فوائد، منها: إصلاح الهواء، ومنها إثارة السحاب، ومنها جريان الفلك بها، فقال: (مُبشّرات) بإصلاح الهواء فإنّ إصلاح الهواء يوجد من نفس الهبوب ثم الأمطار بعده، ثم جريان الفلك فإنّه موقوف على اختبار من الآدمي بإصلاح السفن وإلقائها على البحر ثم ابتغاء الفضل بركوبها.2
وقال الشريف الرضيّ حول هذه الآية: وهذه استعارة والمراد بها ما جرت به العادة من هبوب الرياح أمام الغيوث، وأنّ ذلك يقوم مقام النطق البشّار والوعد بالأمطار المتوقعة بين يدي الرحمة، والرحمة في كثير من الآيات كناية عن الغيث، وعلى ذلك قوله تعالى في هذه السورة(فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ ) وقرئ «أثر رَحْمَةِ الله»: أي إلى ما كان يعقب الغيوث من

1 . البقرة:245.
2 . تفسير الرازي:25/131.

صفحه 293
منابت الأعشاب واكتساء القيعان.1
47. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ):
هذه الآية كأنّها جملة معترضة بين الآية السابقة (وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَات) والآية اللاحقة:(اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) فكلتا الآيتين تستهدفان أمراً واحداً، وهو الدعوة إلى التوحيد في الربوبيّة فتوسّطت بين الآيتين هذه الآية، لتثبّت قلوب المؤمنين وتقرّر أنّ الله سبحانه تعهّد بالانتقام من الكافرين ونصر المؤمنين، فلا خوف ولا وَجَل من عمل الكافرين بالنسبة إلى هذه الآيات كما قال: (وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ)بالحقّ والهدى، ولم يرسلهم فارغين مجرّدين عن المعجزات والدلائل الواضحة بل مزوّدين بها كما يقول: (فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)فانقسموا حيال دعوة الرسل إلى فريقين: مجرمين، وهؤلاء أخذهم سبحانه أخذ عزيز مقتدر كما يقول: (فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) ومؤمنين بالرسل، وهؤلاء نصرهم سبحانه نصراً عزيزاً كما يقول:(وَ كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) وحاصل الآية: إنّ الذين تلقّوا دعوة الرسل بالتكذيب والعصيان واجترحوا السيئات جوزوا بأعمالهم، والذين آمنوا بهم واستجابوا لدعوتهم نصرهم الله سبحانه بإنقاذهم من العذاب الّذي حلّ بالمجرمين، فيجب على المؤمن أن ينظر إلى عاقبة الأمر لا إلى ابتدائه.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:184.

صفحه 294
48. (اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ):
هذا هو المقطع الثالث من المقاطع الأربعة التي احتجّ فيها سبحانه على ربوبيّته وتمكّنه من إحياء الموتى، وقد بدأ هذا المقطع كالثاني والرابع بلفظ الجلالة، وبيّن فيه الأثر المهم لإرسال الرياح كما بيّن في الآية السابقة شيئاً من فوائدها.
وفي الآية تصريح بتأثير العلل الطبيعية كلّ في الآخر، حيث إنّ إرسال الرياح وهبوبها سبب لإثارة السحاب، كما أنّه سبب لانتشارها في السماء وجعله قطعاً قطعاً، ومن ثمّ نزول قطرات المطر من خلال قِطَع السحاب، كلّ ذلك بأمره سبحانه كما يقول:(اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) إرسالاً هادئاً على خلاف العواصف التي تقلع الأشجار وتهدم الأبنية ولا تفيد شيئاً، وهذه نعمة من نعم الله تعالى حيث إنّ الرياح بيد قدرته يرفع القيد عنها فيرسلها إرسالاً هادئاً (فَتُثِيرُ سَحَابًا): أي تحرّكه (فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ): أي ينشر السحاب ويدفعه إلى أعلى (كَيْفَ يَشَاءُ)والجميع من جنود الله سبحانه كما يقول: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ)1، (وَ يَجْعَلُهُ كِسَفًا): أي قِطَعاً مكثّفة متراكمة بعضها على بعض، وعندئذ فالناظر إلى الجو يرى ما تذكره الآية (فَتَرى الْوَدْقَ): أي قطرات المطر(يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ): أي من بين السحاب بعد ما صار مكثّفاً. ومن المعلوم أنّ حياة الإنسان خصوصاً من

1 . آل عمران:6.

صفحه 295
يمارس الزراعة ينظر إلى زرعه أوّلاً ثم إلى السماء ثانياً وكأنّه ينتظر رحمة الله سبحانه، وهذا ما يشير إليه قوله: (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ) المطر(مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ): أي يفرحون أو يبشّر بعضهم بعضاً.
قال الشريف الرضيّ حول هذه الآية: وهذه استعارة، والمراد بإثارتها السحاب أنّها تلفّق قِطَعه، وتوصل منقطعه، وتستخرجه من غيوبه، وتظهره بعد غيوضه، تشبيهاً بالقانص1 أي ينهضه من مجاثمه ويبرزه عن مكانه لتراه عينه، فيتأتّى لقنصه ويتمكّن من فرصه.2
49. (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ):
فربّما يتأخّر نزول المطر على نحو يطرأ اليأس على المزارعين والفلاحين كما يقول: (وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ) المطر (عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ)من قبل النزول(لَمُبْلِسِينَ) وآيسين.
وأمّا الوجه في تكرار لفظ (قبل) حيث قال: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ)ثم قال: (مِنْ قَبْلِهِ)، فأجاب عنه الزمخشري بأنّه من باب التكرير والتوكيد كقوله سبحانه:(فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا)3 ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أنّ عهدهم بالمطر قد تطاول وبعُد، فاستحكم يأسُهم وتمادى إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك.(4)
ويمكن أن يقال: إنّ التكرار لأجل الاختلاف في مرجع الضمير

1 . كذا. ويظهر حدوث سقط بعد قوله: (تشبيها بالقانص).
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:184.
3 . الحشر:17.   4 . تفسير الكشّاف:3/207.

صفحه 296
فأُريد من الأوّل قبل نزول المطر، ومن الثاني قبل إرسال الرياح .
50. (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):
يعدّ المطر من نِعَم الله تعالى الكبرى على عالم الحياة والنبات، ولولاه لعُدمت الحياة، ولهذه النعم آثار واضحة يلمسها كلّ إنسان، فبالمطر تحيا الأرض بعد موتها وفي ظله تنبت الأرض زرعها وأشجارها وتؤتي ثمارها كما يقول: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ) إحياء الأرض وإنباتها وثمارها (رَحْمَةِ اللهِ )الناشئة عن المطر (كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) يحييها بألوان الزروع والنبات بعد همودها وجدوبها ، فالقادر على إحياء الأرض قادر على إحياء الموتى كما يقول: (إِنَّ ذَلِكَ) الله تعالى (لَمُحْيِي الْمَوْتَى) في الآخرة، بعد كونهم رفاتاً، والدليل على ذلك وراء ما نشاهده من إحياء الموتى هو أنّ الله (وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) فلا يعجزه شيء.
51. (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ):
دلّت الآيات السابقة على أنّ بعض عباد الله سبحانه كان يغمرهم اليأس والقنوط قبل نزول المطر، كما قال: (وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) فلمّا أصابهم المطر فرحوا واستبشروا، ولما انقلب الأمر وأصابتهم البأساء أسرعوا إلى الكفران،دون أن يرضَوا بتقدير الله وقضائه، فإنّ إرسال النعمة وقبضها كلّها لمصالح وحكم، ولكن هؤلاء لا يفكّرون إلاّ

صفحه 297
في مصالحهم، فبالنعمة يستبشرون، وبسلبها يكفرون، كما قال:(وَ لَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ) الضمير يرجع إلى النبات المعلوم من السياق (مُصْفَرًّا)فإنّ الرياح الباردة إذا أصابت النبات تجعله مصفرّاً مؤذناً بيبسه،1 فعندئذ (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ): أي لصاروا ـ بعد أن كانوا راجين مستبشرين ـ يكفرون بنعمة الله ولم يرضوا بقضاء الله تعالى فيه، وهذا فعل من لم يعرف الله سبحانه بأنّه حكيم وفعله لا يكون عبثاً.
ثمّ إنّه يقع السؤال في أنّه لماذا جمع الريح في قوله: (اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) وأفرده في قوله: (وَ لَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا)؟ ولعلّ الوجه هو أنّ الغالب على الرياح هو النعمة والبركة، وأمّا الريح المبيدة للنبات فهي أقلّ بالنسبة إلى الأُولى.
ثمّ إنّ مورد الآية وإن كان هو الفلاّح الذي يستبشر إذا نزل الغيث، ويكفر بنعم الله إذا عصفت الريح المُهلكة بالزرع، ولكنّها ـ في المعنى ـ عامّة فتشمل جميع الأفراد الّذين يشعرون بالغبطة والسرور إذا أُفيضت عليهم النِّعم من الرزق الواسع والصحّة والأمان، ويملكهم اليأس فيجحدون نعم الله عليهم إذا نزلت بهم مصيبة أو عضّتهم فاقة، وربّما يعترضون على تقديره جلّ شأنه، غافلين أنّ كلاًّ من الحالتين رهن حكمة، يقول سبحانه:(وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).2

1 . وقيل: إنّ الضمير في قوله: (فَرَأَوْهُ) يرجع إلى السحاب، لأنّ السحاب إذا كان أصفر لم يمطر، وهو بعيد .
2 . الأعراف:96.

صفحه 298
52 و 53. (فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ):
الآيتان تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّ إعراض الناس كان ثقيلاً عليه، وهما تقسّمان الناس إلى طوائف أربع:
الأُولى: الموتى.
الثانية: الصُّمّ.
الثالثة: العُمي.
الرابعة: المؤمنون.
والألفاظ الثلاثة الأُولى من قبيل الاستعارة، فالمشركون لم يكونوا موتى بشهادة وجود آثار الحياة فيهم، ولم يكونوا صمّاً بشهادة أنّهم يسمعون كلام الله ثم يردّون عليه، ولم يكونوا عُمياً فاقدي الرؤية بشهادة أنّهم يميّزون الصديق من العدوّ، ولكنّه سبحانه شبّه المشركين بهذه الطوائف الثلاث، فبما أنّهم كانوا يقولون: (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ)1فصاروا لذلك كالموتى أشباحاً بلا إدراك وأجساماً بلا قلوب واعية، وبما أنّهم كانوا يقولون:(وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ)2 صاروا لذلك كالصمّ الّذين لا يسمعون ، وبما أنّهم كانوا مصرّين على سيرة آبائهم ولم يستضيئوا بأنوار

1 . فصلت:5.
2 . فصلت:5.

صفحه 299
الهداية الربّانية، صاروا لذلك كالعُمي الّذين لا يبصرون ، وبذلك تبيّن مفاد الآيتين.
قوله تعالى: (فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى): أي من كان شعارهم:(قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة)، (وَ لاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ)الذين قالوا: (وَ فِي آذَانِنَا وَقْرٌ)،(إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) وكيف يمكن هداية قوم إذا كانوا يبتعدون إعراضاً عن سماع القرآن؟ بل كانوا يمنعون الناس من الإصغاء إليه عند تلاوته بإثارة اللغو والضجيج، كما يقول: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرَوُا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)1.
قوله تعالى:(وَ مَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ): أي من لا يستعدّ للاهتداء ولا ينظر إلى دلائل النبوة، بل يكفّ بصره عن رؤيتها، فهذه الأصناف الثلاثة لا يمكن لأحد أن ينتشلهم من الضلال الّذي هم عليه لتماديهم فيه ، وإنّما يهتدي من يصغي إلى كلمة الحقّ ويملك إرادة الاستجابة لها، كما يقول: (إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا): أي ما تُسمع السماع الّذي ينتفع به سامعُه إلاّ مَن يعي ما يُلقى إليه من حجج وبراهين ويصدّق بها (فَهُمْ مُسْلِمُونَ): أي منقادون لأمر الله .
وممّا جاء في معنى هاتين الآيتين، ما ورد في كتاب للإمام علي(عليه السلام)إلى قُثَم بن العباس بن عبد المطّلب (واليه على مكّة)، يدعوه فيه إلى الحزم في مواجهة الدعايات المغرضة الّتي يبثّها أزلام الفئة الباغية في أيام الحجّ، قال (عليه السلام):
«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَيْنِي ـ بِالْمَغْرِبِ ـ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى

1 . فصلت:26.

صفحه 300
الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْعُمْيِ الْقُلُوبِ، الصُّمِّ الاَْسْمَاعِ، الْكُمْهِ الاَْبْصَارِ، الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيُطِيعُونَ الَْمخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ، وَيَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الاَْبْرَارِ الْمُتَّقِينَ».1
سورة الروم: الآيات 54 ـ 60    

الآيات: الرابعة والخمسون إلى آخر السورة

(اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْف قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّة ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ).

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 33 .

صفحه 301

المفردات

ضعف: الضّعف خلاف القوّة، وقد يكون في النفس أو البدن، وقيل: الضَّعف والضُّعف لغتان، قال الخليل: الضُّعف ـ بالضمّ ـ في البدن، والضَّعف ـ بالفتح ـ في العقل1، وعلى ما ذكره فيجب أن يُقرأ بالضمّ «ضُعف» ولكن قراءة عاصم بالفتح.
شَيبة: الشَّيب: بياض الشعر، قال تعالى:(وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا).(2)
الساعة: جزء من أجزاء الزمان ويعبَّر بها عن القيامة، وإنّما خُصّت في القرآن بيوم القيامة لأنّها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا.
ما لبثوا إلاّ قليلاً: أي ما أقاموا بعد الموت إلاّ يسيراً.
غير ساعة: أي غير قطعة قليلة من الزمان.
ضربنا: أُريد به هنا التوصيف والتبيين، فضرب المثل في القرآن هو توصيف حال فرد أو جماعة.
لا يستخفنّك: لا يزعجنّك ولا يزيلنّك عن اعتقادك بما يوقعون من الشُّبَه.

التفسير

هذا هو المقطع الرابع الذي ابتدأ بلفظ الجلالة، وهو يركّز على مرور الإنسان في مراحل خلقته، وأنّه تمرّ عليه المراحل التالية:

1 . المفردات للراغب:290، مادة «ضعف».   2 . مريم:4.

صفحه 302
الضعف أوّلاً، ثم القوّة ثانية، ثم الضعف ثالثاً، ثم الشيب رابعاً، وختمت الآية باسمين من أسماء الله الحسنى، وهما:(الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ).
54. (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْف قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّة ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ):
الآية وما بعدها بصدد الاستدلال على إمكان البعث بشهادة أنّه سبحانه هو وحده الّذي يدبّر الإنسان في أطواره المختلفة ومراحل تغيّراته الجسمية، فمن ضعف إلى قوّة، ومن قوّة إلى ضعف، كما يقول:(اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف)وليس المراد أنّ الضعف مادة الخلقة بل هو بدء الخلقة نظير قوله سبحانه:(وَ خُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا)1، فقد مرّت عليه أطوار، أوّلها أنّه خُلق من نطفة أمشاج (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْف قُوَّةً)وذلك في مرحلة الشباب الّتي هي ذروة النشاط والحيوية، ثم يسري الوهن في جسمه بالتدريج عندما يتقدّم في العمر، كما يقول:(ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّة ضَعْفًا)وذلك في مرحلة الشيخوخة(وَ شَيْبَةً) والشّيب ـ كما قيل ـ خِطام(2) المنيّة (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)حسب تدبيره وحكمته كما يقول:(وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) عليم بما يخلق وقادر عليه.
قال أبو تمّام الطائي في الشيب:
غدا الشَّيبُ مختطّاً بفَوْديَّ خُطّةً *** طريق الرَّدى منها إلى النفس مَهْيَعُ2

1 . النساء:28.   2 . الخِطام: ما يُجعل في أنف البعير ليُقاد به .
2 . الفَوْد: ما يحاذي الأُذن من شعر الرأس. ومَهيَع: بيِّن وواضح .

صفحه 303
له منظرٌ في العين أبيضُ ناصعٌ *** ولكنّه في القلب أسودُ أسفعُ1
وقال محمود بن حسن الورّاق:
بكيتُ لقُرب الأجلْ *** وبُعدِ فوات الأملْ
ووافدِ شيب طَرا *** بعُقب شباب رحلْ
شبابٌ كأن لم يكن *** وشَيبٌ كأن لم يزلْ
طواك بشير الـبَقا *** وجاء نذير الأجلْ
55. (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ):
لمّا تقدّم في الآيات السابقة ذكر الدلائل الباهرة على التوحيد في التدبير والقدرة على الإعادة والبعث يوم القيامة، وشبّه المشركين ـ لعدم انتفاعهم بما مرّ من الدلائل ـ بالموتى والصُّمّ والعُمي، عاد البيان القرآني ليصف حالهم عند قيام القيامة ويقول:(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) ويُبعث الناس بأجسامهم الصحيحة فيُخَيّل للمجرمين أنّهم لم يمكثوا إلاّ جزءاً قليلاً من الزمان، كما يقول: (يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة) إلاّ أمداً قصيراً، ويظنّون أنّ فترة البرزخ كانت فترة قصيرة، وكأنّهم كانوا نائمين لما رأوا صحّة أبدانهم وأعضائهم وعقولهم فاغتروا بذلك، ولم يقفوا على ما هو الواقع ولذلك يردّ عليهم القرآن بقوله: (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ): أي يُصرفون

1 . أسفع: شديد السواد.

صفحه 304
عن الحق إلى الباطل كما كانوا كذلك في الدنيا، والسبب سيادة الجهل عليهم لأنّ توغّلهم في الجهل صار سبباً لانصرافهم عن الحقّ في الدارين، فقد كانوا منكرين للمعاد بسبب هذا الجهل، وصاروا أيضاً منكرين له لذلك الوجه، وبذلك ظهر أنّ قسَمهم كما يحكي عنه قوله سبحانه: (يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة) كان قسماً صادقاً حسب اعتقادهم حيث لم يشعروا بأنّهم انتقلوا إلى الدار الآخرة وتوهّموا أنّهم قاموا من نومتهم، ولذلك نرى ـ في الآية التالية ـ أنّ المؤمنين يردّون عليهم بقولهم: (فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ).
56. (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ):
يحكي سبحانه ردّ طائفة عليهم بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ) قدّم العلم على الإيمان لأنّ الثاني ثمرة الأوّل، والمراد به المؤمنون الذين آمنوا بما وعد الله في كتابه (لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ): أي حسب علمه المثبّت في اللوح المحفوظ أو في القرآن الكريم حيث قال: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)1، (إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ) الذي كانوا يتصوّرون أنّهم في الدنيا(وَ لَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)فاستمرّ جهلكم في الدنيا إلى يومكم هذا.
ثمّ إنّ لفخر الدين الرازي كلاماً يوضح لنا سبب تصوّر المشركين قصر المدّة، وعلم المؤمنين بطولها، ويقول: الموعود بوعد إذا ضرب له

1 . المؤمنون:100.

صفحه 305
أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد إذا ضرب له أجل يستقلّ المدّة ويريد تأخيرها، لكن المجرم إذا حُشر علم أنّ مصيره إلى النار فيستقلّ مدّة اللبث ويختار تأخير الحشر والإلقاء في القبر، والمؤمن إذا حُشر علم أنّ مصيره إلى الجنّة فيستكثر المدّة ولا يريد التأخير، فيختلف الفريقان ويقول أحدهما: إنّ مدّة لبثنا قليل وإليه الإشارة بقوله:((يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة)ويقول الآخر: لبثنا مديداً وإليه الإشارة بقوله تعالى:(وَ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ) يعني كان في كتاب الله ضرب الأجل إلى يوم البعث ونحن صبرنا إلى يوم البعث (فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) يعني طلبكم التأخير، لأنّكم كنتم لا تعلمون البعث ولا تعترفون به، فصار مصيركم إلى النار فتطلبون التأخير.1
57. (فَيَوْمَئِذ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ):
ولمّا كانت هنا مظنّة توهّم أنّ هؤلاء المشركين إذا اعتذروا إلى الله سبحانه يقبل عذرهم، وأنّ ردّ الذين أوتوا العلم والإيمان عليهم قد كشف لهم عن حقيقة الموقف، نبّه سبحانه على عدم قبول عذر المعتذرين بقوله:(فَيَوْمَئِذ): أي إذا قامت القيامة (لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ): أي عذرهم، بل ربما لا يؤذن لهم حتى يعتذروا ، ولو اعتذروا لم يقبل عذرهم لفوات أوانه (وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) من العتب وهو الملامة، يقال:فلان عتب

1 . تفسير الرازي:25/136.

صفحه 306
على فلان، أي لامه، وإذا دخلت عليه الهمزة (همزة باب الإفعال) فيصير بمعنى إزالة الملامة، وعلى هذا فمعنى (يُسْتَعْتَبُونَ): أي لا يطلب منهم إزالة العتاب عن أنفسهم، فإنّ لهمزة باب الإفعال معان، منها الإزالة كما في المقام.
نعم ظاهر الآية أنّه يؤذن للمجرمين أن يعتذروا ولكن لا يقبل منهم الاعتذار، وظاهر بعض الآيات أنّه لا يؤذن لهم أن يعتذروا نظير قوله سبحانه:(وَ لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ )1. والجواب كما سيوافيك في تفسير سورة المرسلات أنّ يوم القيامة يوم طويل وللناس فيه مواقف كثيرة مختلفة يصمتون في بعضها إبلاساً، ويُسألون في غيرها فينطقون، وربما يعتذرون بقولهم:(وَ اللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ).(2)
58.(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ):
الظاهر أنّ قوله تعالى: (ضَرَبْنَا) بمعنى ذكرنا وبيّنا، والمراد من الناس: المشركون، ويحتمل أن يكون المراد هو الأعم لظاهر قوله سبحانه: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا)2 كما
أنّ المراد من المثل هو التمثيل، حيث إنّه سبحانه ذكر في تحقير آلهتهم تمثيلات فقال: (إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)3،

1 . المرسلات:36.   2 . الأنعام:23.
2 . الإسراء: 89 .
3 . البقرة:26.

صفحه 307
وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ
لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
)1، إلى غير ذلك من التمثيلات التي ناهزت السبعة والخمسين مثالاً، كلّ ذلك ليتدبّروا كما يقول: (وَ تِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)2 ولكن هؤلاء المشركين لانكبابهم على الدنيا وتماديهم في ضلالهم وعنادهم لم ينتفعوا بهذه الأمثال ولم يأخذوا منها العِبرة ولذلك يقول: (وَ لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَة): أي جئتهم بمعجزة باهرة وإن كانت ممّا اقترحوه لَما آمنوا وللجّوا في طغيانهم كما يقول: (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ): أي أصحاب الأباطيل،وما ذلك إلاّ لأنّهم يقيسون الحق والباطل بآرائهم وأفكارهم أو بمنافعهم ومضارّهم، فما وافق أهواءهم فهو الحقّ، وما خالفها فهو الباطل. ثم ذكر سبحانه وجه تولّيهم عن الحقّ في الآية التالية:
59. (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ):
الآية تذكر أنّ سبب إعراضهم عن أمثال القرآن المشحونة بالمواعظ والحكم والأفكار الصائبة، هو عدم انفتاح قلوبهم لنفوذ نور الهداية إليها، كما قال: (كَذَلِكَ): أي مثل ما طبع الله على قلوب هؤلاء(يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)وفي قوله: (لاَ يَعْلَمُونَ) إلماع إلى وجه الطبع والختم على القلوب وهو أنّ جهلهم الناشئ من عنادهم، صار سبباً لعدم الاهتداء بهدي

1 . الحج:73.
2 . الحشر:21.

صفحه 308
الأنبياء والكتب فصاروا محرومين من الهداية الثانية.
وبعبارة أُخرى: إنّ لله سبحانه هدايتين:
هداية عامّة تشمل كلّ المكلّفين حتى الشيطان والجبابرة والطواغيت وهي تتحقّق بإرسال الرسل وإنزال الكتب والدلائل العقلية، فمن اهتدى بهذه الهداية تشمله الهداية الثانية، وأمّا من تولّى عنها فقد حرم نفسه من الهداية الثانية، فهؤلاء هم المعنيّون بقوله: (يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) وفي موضع آخر قال تعالى: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)1 فليست الآية دالّة على الجبر، بل الطبع والختم نتيجة إعراضهم عن الهداية الأُولى، وفي الحقيقة إنّ الطبع والختم كناية عن حرمانهم من الهداية الثانية.
60. (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ):
ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية، تسليةً للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خصوصاً بالنسبة لقوله: (وَ لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ)فقال:(فَاصْبِر): أي استقم على عناد هؤلاء وإصرارهم على الكفر (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ): أي إنّ يوم القيامة حقّ سيُجزَون فيه (وَ لاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ): أي لا يحملنّك على ترك الصبر (الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ) أعني: المشركين، فإنّهم جهلة لا يقام لجهلهم وعنادهم وزن.

1 . البقرة:7.

صفحه 309
ولعلّ في الآية إشارة إلى انتشار دين الله في أقطار العالم وأرجاء الدنيا.
روى ابن أبي الحديد عن أنس بن عياض المدني، قال: حدّثني جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام)، عن أبيه، عن جدّه أنّ عليّاً كان يوماً يؤمّ الناس، وهو يجهر بالقراءة، فجهر ابن الكوّاء من خلفه: (وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)1، فلمّا جهر ابن الكواء وهو خلفه سكت عليٌّ، فلمّا أنهاها ابن الكواء عاد عليٌّ(عليه السلام)، فأتمّ قراءته، فلمّا شرع عليّ(عليه السلام) في القراءة أعاد ابن الكوّاء الجهر بتلك الآية، فسكت عليٌّ، فلم يزالا كذلك، يسكت هذا ويقرأ ذلك مراراً، حتى قرأ عليٌّ(عليه السلام): (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ)، فسكت ابن الكواء، وعاد(عليه السلام) إلى قراءته.2
***
تمّ تفسير سورة الروم

1 . الزمر:65.
2 . شرح نهج البلاغة:2/311.

صفحه 310

صفحه 311

سورة لقمان

تفسير سورة لقمان    
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج

21
(الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم * هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُوني مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَل مُبِين * وَلَقَدْ آتَيْنَا

صفحه 312
 
لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْن وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَتَكُنْ فِي صَخْرَة أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنيَّ أَقِمِ الصَّلَوةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ * أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُنِير * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى

صفحه 313
 
اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ * وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَاب غَلِيظ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ *للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ * وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْس وَاحِدَة إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ *أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري إِلَى أَجَل مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْري فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور * وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّار كَفُور * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَاز عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ * إِنَّ

صفحه 314
 
اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْري نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
سورة لقمان: خصائص السورة   

صفحه 315

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة بسورة «لقمان» لورود هذا الاسم فيها، وليس لها اسم آخر.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها ثلاث وثلاثون آية في عدّ الحجازي، وأربع وثلاثون في عدّ الباقين. وهي مكية تشهد لذلك مضامينها. وقد نسب إلى ابن عباس أنّه استثنى ثلاث آيات نزلت في المدينة تبتدأ من قوله سبحانه:(وَ لَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ...)إلى قوله: (تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)1، ولكن لا دليل على ذلك، بل أنّها تنسجم مع سائر آيات السورة في كونها مكيّة، كما سيوافيك.

أغراض السورة

الغرض المهم للسورة الدعوة إلى التوحيد ومكافحة الشرك، ويعلم ذلك من النصائح والحِكَم التي نقلت عن لقمان ووعظ بها ابنه، بل حتى من الآيات التي تشرح لنا أسرار الكون والخلقة.
وفي إطلاق اسم «لقمان» على هذه السورة، وفي عناية الباري تعالى

1 . لقمان:27 و 28 و 29.

صفحه 316
بنقل مواعظه ونصائحه في مصاف آياته، إشارة إلى أنّ لكلماته مسحة إلهية.
وروي أنّ سبب نزول هذه السورة هو أنّ قريشاً سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن قصة لقمان وابنه سؤال تعنّت واختبار، فنزلت الآيات. وسيوافيك ما ورد حول شخصية لقمان من الروايات.
سورة لقمان: الآيات 1 ـ 5   

الآيات: الخمس الأُولى

(الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

المفردات

الحكيم: إذا كان وصفاً للكتاب فمعناه كتاب مشتمل على الحكمة، ومنها ما ورد في السورة من الحِكَم التي أوصى بها لقمانُ ابنه.
وإن كان وصفاً لله يكون المراد أنّه منزّه عن اللغو والعبث وأنّ أفعاله لا تنفك عن الغاية الخاصّة.
الزكاة: بما أنّ السورة مكية فقد أُريد بالزكاة هنا الصدقة، فإنّ الزكاة بالمعنى المصطلح فُرضت في دار الهجرة في العام الثاني منها.

صفحه 317

التفسير

1.(الم):
من الحروف المقطعة، وقد افتتحت تسع وعشرون سورة بهذه الحروف التي هي عبارة عن الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون، والتي صيغت، بعد حذف المكرّرات، بالعبارة التالية: «صراط عليّ حقّ نمسكه».
وقد اختلفت كلمات المفسّرين في بيان المراد من هذه الحروف على وجوه، سنوافيك بأهمّها عند تفسير سورة الأحقاف.
وإجمال الوجه الأكثر اعتباراً هو ما رواه الصدوق عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ الله تبارك وتعالى أنزل هذا القرآن بهذه الحروف التي يتداولها جميع العرب ثم قال: (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا).1
2. (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ):
أشار سبحانه بقوله (تِلْكَ) إلى ما سيأتي من الآيات، نظير قوله سبحانه:(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ)2 فإنّ لفظة «ذلك» إشارة إلى مجموع الكتاب، وإنّما أشار بما يشار به إلى البعيد تعظيماً وتكريماً، وبياناً لرفعة مقامه.

1 . توحيد الصدوق:162.
2 . البقرة:2.

صفحه 318
وقوله:(آيَاتُ الْكِتَابِ) خبر اسم الإشارة، ووصف الكتاب بـ(الْحَكِيمِ)إشارة إلى ما فيه من الحكمة.
ثمّ إنّ في وصف الكتاب بالحكيم إشعاراً بأنّه ليس من لهو الحديث الذي سيأتي بيانه، وتمهيداً لما سيأتي في قصة لقمان، وهو قوله سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ).
3. (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ):
قوله:(هُدًى وَرَحْمَةً) كلاهما حالان من الكتاب، فالقرآن يهدي إلى الحقّ والرشاد ويوصل إلى سبيل السلامة، خلافاً للَّهو الذي يحول بين الإنسان وبين الحق والرشاد; لأنّه يشغله عمّا يهمّه، ويجرّه إلى مهاوي الرّدى، كما أنّه رحمة لأنّه يشتمل على نظام كامل يضمن سعادة الإنسان في الدارين، وقد قدّم الهداية على الرحمة لأنّ الإنسان لو لم يعرف الله على القدر المستطاع لما صار مستحقّاً للرحمة.
ثمّ إنّه سبحانه خصّ المحسنين بنَيل هذين الأمرين مع أنّ القرآن هدى لعامّة الناس، محسنين وغيرهم كما يقول: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ)،1 وما ذلك إلاّ لأجل أنّ كلا الأمرين صحيح، فالقرآن بطبيعته وجوهره، هدى للناس، وكلّ إنسان عاقل سليم القلب إذا استمع إلى آياته يهتدي إلى الحقّ ولكن لا ينتفع به إلاّ المتّقون كما في سورة البقرة.(2) أو المحسنون كما في هذه الآية، بشهادة أنّ الآية التالية تصف المحسنين بصفات ثلاث وهي تلازم انتفاعهم بالقرآن. وكأنّ قائلاً يقول: إذا كان

1 . البقرة:185.   2 . لاحظ: البقرة: 2.

صفحه 319
الكتاب هدى ورحمة للمحسنين، فمَن هم هؤلاء؟
وعندئذ يفسّره بالآية التالية، نظير قول أوس بن حَجَر:
الألمعيّ: الذي يظنّ بك *** الظنَّ، كأنْ قد رأى وقد سمعا
وقد روي أنّ الأصمعي سُئل عن معنى الألمعيّ، فأنشد هذا الشعر.
4.(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ):
الصفة الأُولى: إقامة الصلاة، التي هي صلة العبد بالخالق المدبّر سبحانه. ولعلّ الإقامة كناية عن إعطاء الصلاة حقّها من إتيانها بقلب واع .
الصفة الثانية: إيتاء الزكاة، التي هي صلة الإنسان بالمجتمع.
الصفة الثالثة: الإيمان اليقيني بالآخرة، الذي يبعث على أداء الواجبات واجتناب المحرّمات.
5. (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ):
الإشارة هنا إلى المحسنين، الّذين بيّنت الآية السابقة صفاتهم، فهم على بيّنة وبصيرة لإقبالهم عليه سبحانه بقلوب سليمة ونيّات خالصة من الشك والارتياب، وارتقائهم إلى مقام الإحسان في القول والعمل، ومن الحكم الجميلة المعاصرة: إنّ المحسن المُعين، وجه آخر للمَلاك الكريم.1 هذا، والتعبير عن شمول الهداية الإلهية لهم بقوله: (عَلَى

1 . فلسفة الجود والإيثار لدى الإمام علي(عليه السلام)للسيد محمود الموسوي:472.

صفحه 320
هُدًى)كأنّهم أخذوا بزمام الهداية، وهي تقودهم إلى الفلاح والسعادة في الدارين، كما قال (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
سورة لقمان: الآيات 6 ـ 9   

الآيات: السادسة إلى التاسعة

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

المفردات

لهو الحديث: ما يشغل الإنسان عمّا يعنيه ويهمّه، يقال: لهوتُ بكذا ولَهَيتُ عن كذا إن اشتغلت عنه بلهو.
وقراً: الوَقْر: الثقل في الأُذن.

التفسير

6.(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ):
كأنّ الآيات بصدد بيان أنّ الناس على صنفين:

صفحه 321
صنف يهتدون بهدي القرآن فيقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوقنون بالآخرة، وصنف يشتغل بلهو الحديث، فيعوقه ذلك عمّا يعنيه ويهمّه، ومن ثمّ يَضلّ ويُضلّ كما يقول: (وَ مِنَ النَّاسِ)أي صنف منهم (مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ) المراد بلهو الحديث نحو السمر بالأساطير والأحاديث التي لا أصل لها والتحدّث بالخرافات وفضول الكلام، ويؤيّد ذلك ما روي في سبب نزول الآية من أنّها نزلت في النضر بن الحارث، وكان يتّجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم ويحدّث بها قريشاً، ويقول: إن كان محمد يحدّثكم بحديث عاد وثمود، فأنا أُحدّثكم بأحاديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة، فيستمعون حديثه ويتركون استماع القرآن.1
قوله تعالى:(لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم) الجار والمجرور متعلّق بقوله:(يَشْتري)، والإضلال إمّا غاية أو عاقبة، فهذا الرجل باشترائه لهو الحديث والتحديث به يضلّ به الناس ويصرفهم عن سبيل الله يعني القرآن، ومن ثم (يَتَّخِذَهَا) سبيل الله (هُزُوًا) أي سُخرية واستهزاءً قائلاً بأنّ معارف القرآن وقصصه مثل القصص التي أنا أرويها وأُحدّثكم بها عن تلك الأُمم.
قوله: (أُولَئِكَ): أي مَن هذه صفتهم (لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ): أي يُهينهم الله به، كما استهانوا بسبيل الله .
هذا هو تفسير ظاهر الآية حسب سياق الآيات، فالمشتري عبارة عن النضر بن الحارث، و (لَهْوَ الْحَدِيثِ) القصص التي يشتريها من ملوك فارس وغيرهم، وبسردها يصدّ الناس عن القرآن، وهذا ومن هم على

1 . تفسير الدر المنثور:6/503.

صفحه 322
شاكلته سيجزون بما عملوا عذاباً مهيناً.
وربّما تفسّر الآية بوجهين:
الأوّل: اقتناء القينات المغنّيات مستدلاًّ بما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تبيعوا القينات ولا تشتروهنّ ولا خير في تجارة فيهن وثمنهنّ حرام» حتى قيل: إنّ الآية نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية فشغل الناس بها عن استماع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).1
ولا يخفى أنّ الموضوع في الآية هو الباطل من الحديث لا المتغنّي به، كالمغنّيات وكون بيعهنّ وشرائهنّ حراماً لا صلة له بالآية.
الثاني: أنّه تضافرت الروايات على الاستدلال بالآية على حرمة الغناء، فعن يحيى بن عبادة، عن أبي عبد الله ] الصادق [(عليه السلام) قال: قلت: قوله عزّ وجلّ:(وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ) قال: «منه الغناء».
وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ] الباقر [(عليه السلام): سمعته يقول: «الغناء ممّا أوعد الله عزّ وجلّ عليه النار، وتلا هذه الآية».
إلى غير ذلك من الروايات التي جمعها مؤلّف تفسير «نور الثقلين».(2)
ولعلّ وجه الاستدلال هو أنّ الموضوع في الواقع هو اللهو والتحدّث به آلة اللهو، فعلى هذا فالغناء من مصاديق اللهو، فيصحّ الاستدلال بالآية على حرمة الغناء.
ولعلّه إلى ما ذكرنا يشير السيد الرضيّ بقوله في تفسير الآية : وهذه

1 . التحرير والتنوير:21/90ـ91.   2 . تفسير نور الثقلين:4/193ـ194.

صفحه 323
استعارة والمراد بالاشتراء هاهنا الاستبدال بالشيء من غيره، وكذلك البيع للشيء يكون بمعنى استبدال غيره منه، فكأنّ المذموم بهذا الكلام استبدال لهو الحديث من سماع القرآن والتأدّب بآدابه والاعتلاق بأسبابه، ويدخل تحت لهو الحديث سماع الغناء والحداء، والإفاضة في الهزل والفحشاء، وما يجري هذا المجرى.1
وقد درسنا موضوع الغناء، وذكرنا الاستدلال على حرمته وما استثني منه في كتابنا «المواهب».2

أساليب الضلال ووسائله

إنّ الله سبحانه حرّم لهو الحديث وبيّن العلّة وقال:(لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم) فإذا كانت الغاية من التحريم هي الضلال بغير علم، فكلّ ما راج في هذا العصر من أساليب الضلال فهو محرّم، نظير:
1. الغناء في المسارح والاحتفالات.
2. العزف على آلات الموسيقى بأنواعها المختلفة.
3. الصحف المأجورة والكتب المؤلّفة لغاية إضلال الناس وتأمين أهداف حكّام الجور. وما أكثر ذلك في البلاد الإسلامية حيث يشيعون قضايا كاذبة تصبّ في مصلحة قوى الطغيان والاستكبار أو يسيئون إلى المقدّسات والشخصيات الإسلامية.
4. الأفلام الهابطة والقصص المضلّة الّتي تستهدف إخماد عزائم

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:185.
2 . لاحظ: المواهب في تحرير أحكام المكاسب:516ـ549.

صفحه 324
الشُّبّان والشابّات، وتبثَّ في صفوفهم الكسل والدعة والعجز.
كلّ ذلك وأشباهه يشمله قوله تعالى:(أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) حيث باعوا وجدانهم ووطنهم بالأماني الباطلة.
7. (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم):

غسيل الدماغ

إنّ الاسترسال مع لهو الحديث ليل نهار وفي كلّ فرصة مؤاتية، يؤثر في تفكير الإنسان وحاله وشعوره، فلو سمع شيئاً يغاير ما حصّله عن طريق لهو الحديث لم يُطق الإصغاء إليه، بل ينفر منه ويُعرض عنه تكبّراً، كما يقول سبحانه: (وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا) وما هذا إلاّ لأنّ الطبيعة الثانية التي اكتسبها بسبب الانغماس في اللهو تضادّ الآيات الإلهية وتخالفها، حتّى لكأنّ في أُذنيه ثقلاً يمنع من سماع الحقّ، كما يشير إليه قوله: (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) وقيل: الوقر هنا كناية عن الصمم، فكما أنّ الأصمّ لا يسمع في الواقع، فالمتوغل في لهو الحديث بالأساليب المختلفة يكون مثله، فمثل هذا الشخص يختم على قلبه ويغلق عليه فلا نهاية له إلا قوله:(فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم).
قال السيد الرضيّ حول قوله تعالى:(فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم): وهذه استعارة لأنّ البشارة في العرف إنّما تكون بالخير والسعادة والمسرّة لا بالشرّ والمضرّة، لكن إبلاغهم الوعيد بالعقاب لمّا كان كإبلاغهم الوعد

صفحه 325
بالثواب في تقدّم الخبر به، جاز أن يُسمّى لهذه العلّة باسمه. وكان أبو العباس المبرّد يذهب بذلك مذهباً حسناً، فيقول: إنّ لفظ البشارة مأخوذ من البشَرة، فكأنّ المخبر لغيره بخبر النفع والخير أو خبر الشرّ والضرّ، يلقي في قلبه من كلا الأمرين ما يظهر تأثيره في بشَرة وجهه، فإن كان خيراً ظهرت تباشير المسرّة، وإن كان شرّاً ظهرت فيه علامات المساءة، فحسُن على هذا المعنى أن تستعمل البشارة في الشرّ والضرّ، كما تستعمل في النفع والخير.1
هذا هو حال الكافرين، وأمّا المؤمنين فيذكر حالهم في الآيتين التاليتين:
8 و 9. ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
فإذا كان الكافر يتصامم عن الحقّ، فالمؤمن يتصامم عن الباطل ويفتح أسماعه لقول الحقّ، قال الإمام علي(عليه السلام) في وصف المتقّين: «غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ».2
فاتّضح معنى قوله سبحانه: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) وما هذا إلاّ لأنّهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويؤمنون بالآخرة إيماناً محقَّقاً. ثمّ إنّ الله سبحانه يصف هذه الجنات بالخلود ويقول:(خَالِدِينَ فِيهَا): أي مؤبّدين فيها (وَعْدَ اللهِ ) منصوب بفعل مقدّر أي

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:185.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 193 .

صفحه 326
وَعَدَ الله ذلك وَعْداً (حَقًّا) لا خلف فيه (وَ هُوَ الْعَزِيزُ)القادر على إنفاذ ما وعد به(الْحَكِيمُ) في جزاء المسيء بالإساءة، والمحسن بالإحسان.
سورة لقمان: الآيتان 10 ـ 11   

الآيتان: العاشرة والحادية عشرة

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم * هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُوني مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَل مُبِين).

المفردات

عَمَد: جمع عمود، وهو ما تعتمد عليه الخيمة من خشب ونحوه، ويعرف باسم (عمود البيت)، أو هو اسم جمع مفرده عماد أي سَند.
رواسي: جمع راسية: وهي بمعنى الجبال.
تميد: من المَيْد، وهو اضطراب الشيء العظيم.
زوج: صنْف، قال سبحانه:(فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَات شَتَّى)1.

التفسير

10. (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ

1 . طه:53.

صفحه 327
رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم):
لمّا تقدّم أنّ المنغمسين في اللهو إذا تتلى عليهم آيات الله تصامموا، أخذ سبحانه في ذكر عدد من آياته الكونية، التي تدلّ على قدرته العظيمة وحكمته الرصينة لعلّها توقظ عقول المنكرين لوحدانيته وربوبيّته، وهي:
1. (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا) وجاء هذا المضمون في سورة الرعد أيضاً، قال تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا).1
ثمّ إنّ قوله:(تَرَوْنَهَا) يمكن أن يكون قيداً توضيحياً، والمعنى أنّكم ترونها ولا عَمَد لها، وهذا هو خيرة الشيخ الطوسي، حيث قال: لأنّه لو كان لها عمد لرأيتموها فلمّا لم تروها دلّ على أنّه ليس لها عمد، لأنّه لو كان لها عمد لكانت أجساماً عظيمة حتى يصحّ منها إقلال السماوات، ولو كانت كذلك لاحتاجت إلى عمد أُخر، فكان يتسلسل، فإذاً لا عمد لها.2
وهناك وجه آخر وهو أنّ (تَرَوْنَهَا) صفة للعمَد وهو قيد احترازيّ، والمعنى أنّه خلقها بغير عَمَد مرئية، ولا ينافي أن تكون هناك عمد غير مرئية، أي عمد من شأنها ألاّ تُرى. وهذا ما تؤيده بعض الروايات، فقد جاء في تفسير علي بن إبراهيم عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال: قلت له: أخبرني عن قوله تعالى:(وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) فقال: هي محبوكة إلى الأرض وشبّك بين أصابعه، فقلت: كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله

1 . الرعد:2.
2 . التبيان في تفسير القرآن: 8 / 273 .

صفحه 328
يقول:(رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا)1 فقال: سبحان الله أليس يقول بغير عمد ترونها؟ فقلت: بلى، فقال: «فثَمّ عمد ولكن لا ترونها».2
هذا هو الأَولى إذ على الوجه الأوّل يلزم الالتزام بالتقديم والتأخير في الآية بأن يقال: إنّ الأصل خلق السماوات ترونها بغير عمد، وهذا خلاف الأَولى في اللغة.
والآية تعدّ من المعاجز العلمية للقرآن الكريم حيث أخبرت عن حقيقة كونية لم تكن معروفة في وقت نزول القرآن لعلماء ذلك العصر إلى ما بعده لقرون، وكان الرأي السائد في خلق السماوات والأرض ما ورثوه من الفلكي اليوناني الشهير بطليموس، حيث ذهب إلى أنّ العالم الجسماني كرة منضّدة من ثلاث عشرة كرة متلاصقة أعلاها الأطلس وهو كاسمه غير مكوكب، ثم فلك الثوابت وكلّها مركوزة في ثخنه بحيث يماس سطح أعظمها سطحيه وهذان هما العرش والكرسي بلسان الشرع، ثم السماوات السبع للسيارات السبع المشهورة كلّ في فلك يسبحون وترتيبها عن السلف مأثور والكلام فيه مشهور، ويحيط بكلّ من التسع سطحان متوازيان مركزها مركز العالم وهي الأفلاك الكلّية.3 وأين هذه النظرية من قوله سبحانه: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد)؟!
ومن الثوابت العلمية الّتي توصّلت إليها الدراسات الكونية، أنّ الجاذبية العامّة هي سنّة من سنن الله تعالى أودعها كافّة أجزاء الكون ليربط

1 . الرعد:2.
2 . تفسير نور الثقلين:4/195.
3 . تشريح الافلاك للشيخ بهاء الدين العاملي:12.

صفحه 329
تلك الأجزاء بواسطتها، وينصّ قانون هذه السنّة الكونية بأنّ قوة الجاذبية بين أي كتلتين تتناسب طردياً مع حاصل ضرب كتلتيهما، وعكسياً مع مربع المسافة الفاصلة بينهما.ولمّا كان لأغلب أجرام السماء كتل مذهلة في ضخامتها، فإنّ الجاذبية العامّة هي الرباط الحقيقي لتلك الكتل على الرغم من ضخامة المسافات الفاصلة بينهما، وهذه القوة الخفيّة (غير المرئية) تمثّل النسيج الحقيقي الّذي يربط كافة أجزاء الكون كما هو الحال بين الأرض والسماء، وهي القوة الرافعة للسماوات (بإذن الله ) بغير عمد مرئية... وهي نفس القوة الّتي تحكُم دوران الأجرام السماوية كلٌّ حول محوره، وتحكُم جريه في مداره، بل في أكثر من مدار واحد له..1
2. (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ).
قوله: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ): أي ألقى في الأرض جبالاً ثابتة (أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ): أي كراهة أن تميد بكم، أو خوف أن تميد بكم، أو: لئلاّ تميد بكم، كما في قوله:(يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)2 أي: لئلاّ تضلّوا.
وهذه الفقرة من الآية من المعاجز العلمية من وجوه:
أ. تدلّ على حركة الأرض في خضمّ الفضاء، لئلاّ تميد بكم،
فهي سفينة جوّية بحاجة لاستقرارها إلى رواسي تربطها عن
الميَدان، ويشهد لهذا التفسير قول الإمام علي(عليه السلام): «وَنَشَرَ الرِّيَاحَ

1 . من آيات الإعجاز العلمي.. السماء في القرآن الكريم: 351 ـ 352 .
2 . النساء:176.

صفحه 330
بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ»1.2
وهذا الوجه لا يخلو من تأمّل لأنّ مِرساة السفينة إنّما تكون مفيدة عند سكونها حتى لا تخرج عن الميناء، والمفروض أنّ الأرض مزودة بالرواسي في حال سبحها في خضمّ الفضاء، فلابدّ أن تفسَّر بوجه آخر، فنقول:
ب. إنّ الأرض في حال الحركة في مظنة تفكّك بعض أجزائها عن بعض، خصوصاً نتيجة الضغوط التي تنشأ من الحرارة الداخلية التي تكاد تفجّر الأرض، فصارت الجبال كالمسامير فهي داخلة من جوف الأرض إلى ما فوقها، تربط بعضها ببعض وتصده عن التفكّك والتفرّق.
وهذا التفسير يناسب قوله سبحانه:(وَالْجِبالَ أوتاداً)3 ولا يناسب قوله سبحانه:(وَ أَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) فلابدّ أن تكون الجبال شيئاً مانعاً من اضطراب الناس من على فوق الأرض، ولعلّ الوجه التالي أنسب.
ج. أثبتت بعض الأبحاث العلمية أنّ القشرة الأرضية تتعرض لجزْر ومدّ تسببهما الشمس والقمر، كما هو الحال في مياه البحار والمحيطات التي يحدث فيها المدّ والجزر، فلولا الجبال ذات الجذور الغائرة في الغلاف الصخري للأرض، لحدث في هذه الطبقة جزر ومدّ أقوى ممّا يحدث في البحار، ومن ثمّ صار للجبال دور في منع ميَدان الأرض

1 . نهج البلاغة: الخطبة1.
2 . لاحظ: الفرقان في تفسير القرآن:20ـ21/218.
3 . النبأ:7.

صفحه 331
واضطراب سكّانها، ويجعل حركتها أكثر انتظاماً وسلاسة.
ويضاف إلى هنا أنّ العواصف الشديدة تحرّك الرمال والتراب من على وجه الأرض، فلولا هذه الجبال لأصبح سطح الأرض كالصحاري اليابسة، وكأنّها تحدّ من ضغط الرياح على وجه الأرض ومن فيها.
3. (وَ بَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة).
وذلك كالحيوانات المختلفة من الطيور والحشرات والزواحف التي لكلّ منها حياة خاصّة، فلو قلنا بفرضية «لابلاس»: «أنّ الأرض كانت جزءاً من الشمس فانفصلت عنها إثر دوران الشمس على محورها وكانت شعلة وهاجة تبلغ حرارتها مقدار حرارة الشمس»، ومن المعلوم أنّ مثلها لا يكون منبتاً للنبات والحيوان حتى بعدما بردت وصارت صالحة للحياة، فإنّ الموجود الحيّ لا يتولّد إلاّ ـ من موجود مثله ـ والمفروض أنّه لم يوجد فيها أي حياة، فعندئذ يطرح السؤال: من أين ظهرت آثار الحياة على اختلاف ألوانها على سطح الأرض؟ وهذا يدلّ على أنّ ثَمّة خالقاً مبدعاً مدبّراً أوجد الحياة فيها بفضل قدرته.
ولمّا كانت هناك مظنّة سؤال من أنّ استمرار الحياة رهن وجود الماء، فمن أين انتفعت بذرة الحياة من يومها إلى يومنا هذا؟ جاء الجواب في الفقرة الآتية.
4. (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً).
عدل سبحانه في هذه الفقرة عن الغَيبة إلى التكلُّم مع الغير وقال: (وَ أَنْزَلْنَا) مع أنّ الجميع فعله سبحانه، ولعلّ وجه العدول إظهار العناية بفعله

صفحه 332
هذا ثم إنّ المراد من (السَّمَاءِ) هو كلّ ما علاك وأظلَّك، فكلّ دابة في الأرض تستمد حياتها من الماء الذي ينزله سبحانه من السماء، بل يستمد كلّ نبات حياته النباتية من الماء كما يقول:
5. (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم).
أي أنبتنا من كلّ صنف كريم، أي حسن النبتة وطيّب الثمرة والرائحة.
ومع هذه الآيات الكريمة هل يصحّ نسبة هذه الأُمور إلى الأصنام والأوثان؟ والظاهر أنّ قوله: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم) إشارة إلى الأصناف من كلّ نبات، ولا يشير إلى وجود الزوجية في عالم النباتات، وإن كانت الزوجية فيها أمراً مسلّماً عند العرب في بعض النباتات كالنخل.
نعم تستفاد الزوجية في عالم المادّة كلّه من قوله سبحانه:(وَ مِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)1.
11. (هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُوني مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَل مُبِين):
سورة لقمان: الآيات 12 ـ 19   
كأنّ الآية بمنزلة استنتاج ممّا تقدّم، وقوله: (فَأَرُوني) الأمر بالإراءة للتعجيز وهو متضمّن معنى الاستفهام أي استفهام إنكاري، والآية تندّد بالمشركين حيث إنّهم مع رؤية هذه الآيات الباهرة التي تدهش العقول يتركون عبادة الخالق ويعبدون المخلوق الذي لا يسمع ولا يبصر، فهؤلاء بسبب عبادتهم غير الله ظالمون وضالّون، كما يقول: (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَل

1 . الذاريات:49.

صفحه 333
مُبِين) أمّا كونهم ظالمين فلأنّ العبادة من حقوق الله سبحانه وهم جعلوها لمن هم ليسوا لها بأهل، وأمّا كونهم (فِي ضَلاَل مُبِين) فلأنّهم عدلوا عن الحقّ الجليّ إلى الباطل المحض.

الآيات: الثانية عشرة إلى التاسعة عشرة

(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْن وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَتَكُنْ فِي صَخْرَة أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنيَّ أَقِمِ الصَّلَوةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).

صفحه 334

المفردات

لقمان: اسم رجل حكيم، سيوافيك تفصيل حياته.
اشْكر: الشكر: صرف النعمة في محلّها وتقدير صاحبها.
وهناً على وهن: قال الراغب: كلّما عظُم في بطنها زادها ضعفاً على ضعف.
فِصاله: الفصال: الفطام، وهو الحيلولة بين الطفل والرضاع.
جاهداك: بذلا جهدهما وسعيهما.
مثقال: الثقل، لا الوزن المعروف الذي يجمع على مثاقيل.
خردل: نبات له حبّات سوداء صغيرة جدّاً يضرب المثل بصغرها.
لطيف: أُريد هنا وصول علمه إلى كلّ شيء خفيّ.
عليم: عالم بكُنه الأشياء وحقائقها.
عزم الأُمور: العزم: عقد القلب على إمضاء الأمر، وأُريد هنا الأُمور المعزومة التي قطعها الله قطع إيجاب.
تصعّر: الصَّعَر: إمالة الوجه عن الناس تكبّراً.
قال الشاعر :
وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه *** أقمنا له من ميله فتقوّما
مرحاً:فرحاً وبطراً.
مختالاً: الخيلاء: التكبّر عن تخيّل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه.
فخور: الفخر: ذكر المناقب للتطاول بها على السامع.

صفحه 335
اقصد: الاقتصاد يستعمل فيما له طرفان: إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، وكالشجاعة، فإنّها بين التهوّر والجبن، وعلى هذا فيكون المعنى لا تُبطئ ولا تُسرع. ويحتمل أن يكون المراد مشياً بين التكبّر والخضوع، والوسط بينهما هو التواضع.
اغضض: اخفض من صوتك إذا دعوت ولا ترفعه عالياً.

التفسير

12.(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنيٌّ حَمِيدٌ):
صلة الآية بما قبلها واضحة، فبينما تضمّنت تلك وصفاً لمن يستغرق في لهو الحديث وباطل الكلام ليضلّ به سامعيه عن سبيل الله ، تضمّنت هذه ما يقابلها، أعني وصفاً لمن يحمل الحكمة، فهو يهتدي ويهدي بها الناس، والله سبحانه يعرّف لنا رجلاً آتاه الله الحكمة ويقول:(وَ لَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)فيقع الكلام في موردين:
1. مَن هو لقمان؟
2. ما هو المراد من الحكمة؟
وإليك دراسة الموردين:

الأوّل: مَن هو لقمان؟

اختلفت في «لقمان» هذا كلمات المفسّرين والمؤرّخين والمحدّثين

صفحه 336
اختلافاً كبيراً، وها نحن نذكر بعض ما يكشف عن شخصيته، دون الدخول في التفاصيل .
أخرج الترمذي في نوادر الأُصول عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ لقمان كان عبداً كثير التفكّر، حسن الظن، كثير الصمت، أحبَّ الله فأحبّه الله تعالى، فمنّ عليه بالحكمة، نودي بالخلافة قبل داود(عليه السلام)فقيل له: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق، قال لقمان: إن أجبرني ربي عزّ وجلّ قبلت، فإنّي أعلم أنّه إن فعل ذلك أعانني، وعلّمني، وعصمني، وإن خيّرني ربي قبلت العافية، ولم أسأل البلاء، فقالت الملائكة: يا لقمان لِمَ؟ قال: لأنّ الحاكم بأشدّ المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كلّ مكان، فيخذل أو يُعان، فإنّ أصاب فبالحريّ أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً ضائعاً، ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير إلى ملك الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فغُطّ بالحكمة غطّاً، فانتبه فتكلّم بها، ثم كان يؤازر داود بحكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان، أُعطيت الحكمة، وصرفت عنك البلوى».1
ونقل الطبرسي أيضاً عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «والله ما أُوتي لقمان الحكمة لحسب ولا مال، ولا بسط في جسم ولا جمال، ولكنّه كان رجلاً قوياً في أمر الله، متورّعاً في الله ، ساكتاً سكيناً عميق النظر، طويل الفكر، حديد البصر، لم ينم نهاراً قط، ولم يتكئ في مجلس قوم قط، ولم يتفل في مجلس قوم قط، ولم يعبث بشيء قط، ولم يره أحد من الناس

1 . مجمع البيان:8/88 . ولاحظ : الدر المنثور:6/511.

صفحه 337
على بول ولا غائط قط، ولا على اغتسال، لشدّة تستّره وتحفُّظه في أمره، ولم يضحك من شيء قط، ولم يغضب قط مخافة الإثم في دينه، ولم يمازح إنساناً قط، ولم يفرح بما أُوتيه من الدنيا، ولا حَزِن منها على شيء قط، وقد نكح من النساء وولد له الأولاد الكثيرة، وقدّم أكثرهم أفراطاً فما بكى على موت أحد منهم، ولم يمر بين رجلين يقتتلان أو يختصمان إلاّ أصلح بينهما، ولم يمض عنهما حتى تحاجزا، ولم يسمع قولاً استحسنه من أحد قط إلاّ سأله عن تفسيره، وعمّن أخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والعلماء، وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين، فيرثي للقضاة بما ابتلوا به، ويرحم الملوك والسلاطين لعزّتهم بالله ، وطمأنينتهم في ذلك، ويتعلّم ما يغلب به نفسه، ويجاهد به هواه، ويحترز من السلطان، وكان يداوي نفسه بالتفكر والعبر، وكان لا يظعن إلاّ فيما ينفعه، ولا ينظر إلاّ فيما يعينه، فبذلك أوتي الحكمة، ومنح العصمة».1
ولعل هذا المقدار يكفي في التعرّف على شخصيّة ذلك الحكيم الذي نقل الله كلماته الحكيمة في مصافّ آياته. وسيوافيك شيء من حكمه بعد الفراغ من تفسير الآيات المتضمّنة لكلماته.

الثاني: ما هو المراد من الحكمة؟

الحكمة هي المعرفة العلمية النافعة، وهذا هو التعريف الجامع. فمعرفته سبحانه بما له من الصفات والأفعال من مصاديقها، كما أنّ معرفة كمال النفس الذي يعبّر عنه بعلم الأخلاق من مصاديقها، أو معرفة ما يُعدّ

1 . مجمع البيان:8/92ـ93; تفسير القمّي: 2 / 139 .

صفحه 338
كمال العائلة الذي يعبر عنه بتدبير المنزل، ويمكن أن يُعدّ من الحكمة ما فيه صلاح المجتمع الذي يعبَّر عنه بالسياسة المدنية.
والذي يدلّنا على سعة المفهوم أنّه سبحانه بعدما أفاض في سورة الإسراء في ذكر موضوعات متعدّدة، وصف الجميع بالحكمة، وقال: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ )1 والموضوعات هي: توحيده سبحانه ، والإحسان إلى الوالدين، وإيتاء ذي القربى حقّه، والنهي عن الإسراف والتقتير، وعن قتل الأولاد خشية الإملاق، واقتراف المعاصي الكبيرة كالزنا وقتل النفس، والتطفيف في الكيل والوزن، والمشي في الأرض مرحاً.
وعلى هذا فكلّ معرفة مُحكَمة غضّة طريّة في كلّ زمان ومكان لا تندرس بمرور الأزمنة، تُعدّ حكمة تكمن فيها سعادة الفرد والمجتمع.
قوله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ للهِ) على تقدير كلمة وهي (قلنا له: أن اشكر لله)، وربما يقال إنّه تفسير للحكمة، والأوّل أظهر.
والذي يؤيد الوجه الأوّل أنّ كلّ نعمة تفاض من الله سبحانه على عبد من عباده تقتضي الشكر، فبما أنّه سبحانه آتاه الحكمة فاقتضى ذلك أمرَه بالشكر، وهو عرفان النعمة من المنعم، ومقابلة إنعامه بما يرضيه .
ثمّ إنّ الشكر لمبدأ النِّعم مفتاحُ المعارف، فإنّه إذا أراد الشكر فعليه أن يعرف المنعم بأفعاله وصفاته حتى يكون شاكراً له، فيكون مثل هذا مبدأ للمعارف.
ولمّا كانت هنا مظنّة توهُّم أنّ الأمر بالشكر لحاجة من الله سبحانه

1 . الإسراء:39.

صفحه 339
إليه، دفعه بقوله: (وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ): أي أنّ منفعة الشكر تعود لمصلحة الشاكر نفسه وفائدته لا لحاجته سبحانه إليه وانتفاعه به، كيف؟ وهو عزّ اسمه غنيّ مطلق لا ينفعه شكر الشاكرين (وَمَنْ كَفَرَ) فلا يضرّه كفره، فالجزاء محذوف أُقيم مقامه قوله:(فَإِنَّ اللهَ غَنيٌّ)عن خلقه، غير محتاج لشكر من يشكر، ( حَمِيدٌ): أي محمود بصفاته الذاتية والفعلية، مستوجب للحمد والثناء.
هذا، والوجه في رجوع شكر الشاكر إلى نفسه واضح، وهو أنّه بالشكر تظهر معرفته بالمبدأ، ومن ثمّ استحقاقه للمزيد من النعم في الدنيا والآخرة، وأمّا الكافر فهو لكفره وعدم معرفته بمبدأ النعم قد أظهر جهله وعدم استحقاقه لمزيد من النعم، وفي الآخرة يُعرّض نفسه لسخط الله تعالى لأجل هذا الجهل.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «شكر النعم يوجب مزيدها، وكفرها برهان جحودها».1
وقال (عليه السلام): «شكر النعمة أمان من حلول النقمة».2
وقال (عليه السلام): «نعمة لا تُشكر كسيئة لا تغفر».3
ثمّ إنّه سبحانه عبّر عن الشكر بلفظ المضارع وعن الكفر بلفظ الماضي وقال: (وَ مَنْ يَشْكُرْ) ثم قال: (وَ مَنْ كَفَرَ ) ولعلّ ذلك لإفادة أنّ الشكر يجب أن يكون مستمراً لتجدّد النعم في كلّ يوم.

1 . عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمد الليثي الواسطي:291.
2 . عيون الحكم والمواعظ:291.
3 . عيون الحكم والمواعظ:497.

صفحه 340
وأمّا الكفر فيكفي فيه مرّة واحدة ليُحبط ما تقدّم عليه من الأعمال الصالحة.
إلى هنا تعرّفنا على شيء من أحوال لقمان ومقامه السامي. ثم إنّه سبحانه بدأ في الآيات التالية ـ التي لا تتجاوز ست آيات ـ ببيان كلماته الحكيمة التي أوصى بها ولده وهو بصدد وعظه، وقبل أن نفسّر مفاد هذه الكلم نشير إلى أمر، وهو:
أنّ ما أوصى به ابنه لا يخرج عن وصايا عشر،