welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 21*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 21

صفحه 1
المقدمة   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج

21
(21)

صفحه 2

صفحه 3
21   
الجزء الواحد والعشرون ويشتمل على تفسير السور التالية:
العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1394 .
      30 ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 564 - 9 (VOL.21)
ISBN 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 /

297
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج

21
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1394 هـ ش / 1437 هـ . ق / 2016 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 898   تسلسل الطبعة الأُولى:

439
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ;

09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف   
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على المصطفى محمّد وآله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وجعلهم(صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الثقلين بقوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي».
أمّا بعد
فقد قال رسول الله الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع وماحل مصدّق، مَن جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومَن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل»1.
لا يشكّ أحد ممّن له إلمام بالأوضاع السائدة في بلاد الإسلام والمسلمين في أنّ الفتن أحاطت وحاقت بهم كقطع الليل المظلم، ولو دامت هذه الفتن عبر سنين لأحرقت الأخضر واليابس، وعند ذاك يصدق علينا قوله سبحانه:(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)2.
وأيّة فتنة أضرّ على الإسلام والمسلمين من الفتنة التي أشعل فتيلها الاستكبار العالمي والصهيونية الحاقدة، لضرب المسلم بالمسلم، وتخريب

1 . الكافي:2/599.
2 . الأنفال:25.

صفحه 8
المنشآت الحيوية، وتهجير العوائل المسالمة عن ديارها وبيوتها، إلى غير ذلك من المصائب والويلات التي تنشرها وسائل الإعلام يوماً بعد يوم.
وهناك جماعة من المسلمين ربّما يلتجئون اليوم إلى أحضان الغرب، وجماعة أُخرى إلى أحضان الشرق ويتصوّرون أنّ الدواء لهذا الداء العياء بيد هؤلاء، غافلين عن أنّ هؤلاء هم الذين أشعلوا فتيل الفتن وهم الذين يموّلون طائفة ضد طائفة أُخرى، ولو فتّشنا عن العلاج الشافي لهذه الفتن لوجدناه في التمسّك بالكتاب والسنّة، اللّذين دعيا المسلمين إلى الصلح والصلاح والمشاورة والائتمار عند ظهور الفتن، وإلى ردع مَن يتمادى في بغيه وعدوانه، كما قال سبحانه:(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).1
***
وممّا يُدمي قلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتعرّض الآلاف من ضيوف الرحمن وفي يوم العيد2 في الحرم الآمن إلى القتل وبنحو فظيع، دون أن يمدّ إليهم أحد يد المساعدة، لا المؤسسات المختصّة، ولا غيرها.
وأسوأ من ذلك أن يقوم وعّاظ السلاطين من على منبر الحرم الشريف بتوجيه هذه الجريمة الشنيعة بأنّها من قبيل تقدير الله سبحانه، دون أن يكون أحدٌ مسؤولاً عنها!!

1 . الحجرات:9.
2 . عاشر ذي الحجة الحرام سنة 1436هـ .

صفحه 9
ودَعْ عنك نَهْباً صيحَ في حَجَراتهِ *** ولكنْ حديثاً ما حديثُ الرّواحلِ
***
إنّ من ألطافه سبحانه أن وفِّقنا لزيارة الإمام الثامن عليّ بن موسى الرضا عليه آلاف التحية والثناء في أواخر شهر شوال المكرّم عام (1436هـ) مضافاً إلى إلقاء محاضرات حول الشبهات التي نسجها الإلحاد حول القرآن الكريم ونبوّة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان لهذه المحاضرات صدىً واسع، وقد قام بطبعها المركز الذي ألقينا فيه هذه المحاضرات.
***
ولمّا زرنا ضريح الإمام الثامن(عليه السلام) دار في خلدي، عند التوسّل بدعاء الإمام الذي لا يُردّ، ما قاله ابن حِبّان (أحد كبار علماء السنّة)، وهو يذكر قبره الشريف: قد زرته مراراً كثيرة، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس، فزرت قبر عليّ بن موسى الرضا صلوات الله على جدّه وعليه، ودعوت الله إزالتها عنّي إلاّ استجيب لي، وزالت عني تلك الشدّة، وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك. أماتنا الله على محبّة المصطفى وأهل بيته صلّى الله عليه وعليهم أجمعين.1
وقلت في نفسي: إنّ دعاء الإمام الهمام لا يُردّ، فلأتوسّل بدعائه إلى الله سبحانه أن يصلح أُمور المسلمين، ويوحّد كلمتهم، ويرفع عنهم هذا البلاء الوبيل.
ثمّ إني وقفت بعد ذلك على ما جادت به قريحة صديقي الوفيّ

1 . كتاب الثقات:8/457.

صفحه 10
الأُستاذ حيدر الطحّان البغدادي المحترم عند زيارته الإمام(عليه السلام)ذاكراً ما أشرت إليه، في قصيدة له:
أيُزال الكربُ بعد الكرب عن *** إبن حبّان، ويحظى بالعطاءْ
ويُلاقي مَن يواليكم أذىً *** ليس هذا من سجايا الكرماءْ
***
ثمّ إنّ هذا الجزء يتضمّن رسالتين حول موضوعين مهمّين:
1. رسالة حول أُميّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ودلائلها وما حولها من الشبهات وقد جاءت الرسالة بعد تفسير سورة العنكبوت.
2. رسالة حول صفات الله سبحانه الموسومة بالخبرية التي يفسّرها أهل الحديث بما يلازم التشبيه والتجسيم وقد بيّنا ما أُريد منها. وقد جاءت في آخر الجزء.
***
وقد التقيت في سفري هذا بالأُستاذ الشيخ حسن الصفّار أحد علماء المنطقة الشرقية في الحجاز، جاء أيضاً زائراً، وهو رجل مجاهد وكاتب قدير له آثار قيّمة، وقد اطّلع على موسوعتنا التفسيرية وأبدى إعجابه بها، فكتب مقالاً أعرب فيه عن رأيه بالكتاب، وها نحن نأتي بنصّه تقديراً وشكراً له.
المؤلّف

صفحه 11
كتاب كريم: بقلم الأُستاذ الشيخ حسن الصفّار   

كتاب كريم

بقلم الأُستاذ الشيخ حسن الصفّار

حين تواجه الأُمّة تحدّياً خطيراً في أي بُعد من أبعاد وجودها وحياتها، وخاصة في الجانب الفكري والمعرفي، فإنّ عليها أن تفزع إلى كتاب الله المجيد، القرآن الكريم، لأنّه معقد إيمانها، والمرجعية الأساس لدينها وشريعتها، وهو مصدر الهدى، ومبعث النور الّذي يضيء للأُمّة دروب الحياة، ويقدّم لها أفضل الحلول والمعالجات لمختلف المشاكل والأزمات، يقول تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلتي هِيَ أَقْوَمُ)1 .
ولذلك حثّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الأُمّة على الرجوع والعودة إلى كتاب الله تعالى عند مواجهة التحدّيات والمشاكل، كما جاء في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا التبست الأُمور عليكم كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن».
ولمّا سئل (صلى الله عليه وآله وسلم)عن المخرج أمام الأُمّة من الفتن الّتي ستواجهها؟ أجاب (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: «كتاب الله العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، مَن ابتغى العلم في غيره أضلّه الله».
وحيث تواجه الأُمّة الإسلامية اليوم خطراً من أعظم الأخطار التي

1 . الإسراء: 9 .

صفحه 12
مرّت بها في تاريخها الطويل، وهو خطر نمو التوجّهات التكفيرية والتعصّبية المتطرّفة، الّتي رفعت شعارات العنف، وأعلنت حرب الإرهاب باسم الإسلام على كلّ من يخالف توجّهاتها من المسلمين والعالم أجمع، فدمّرت بلاد المسلمين، ومزّقت وحدتهم، وهتكت كلّ الحرمات، وشوّهت صورة الإسلام أمام الرأي العام العالمي، حتّى أصبح عنواناً للوحشيّة والعنف والإرهاب.
والجانب الأخطر في هذه التوجّهات المتطرّفة هو قدرتها على استقطاب مجاميع كبيرة من أبناء الأُمّة وشبابها من مختلف البقاع والأصقاع، وتنشئتها على أساس التعصّب المذهبي، والتشدّد الديني، وحشو أدمغتها بثقافة الكراهية والتكفير والعنف، بادّعاء أنّ ذلك يمثّل العقيدة الصحيحة، ومنهج السلف، ومفهوم التوحيد الخالص، والبراءة من الشرك والابتداع، مستغلّة مشاعر الغضب والسخط الّتي تسود أجواء الأُمّة، بسبب واقع التخلّف والاستبداد والجور، واستمرار العدوان الصهيوني والهيمنة الأجنبية.
ولا يخفى دور الاستكبار العالمي والحركة الصهيونية وأنظمة الاستبداد الحاكمة، في دعم هذه التوجّهات التكفيرية المتطرّفة لأنّها تحقّق لهم كثيراً من الأهداف والخدمات.
في مواجهة هذا الخطر الماحق على الدين والأُمّة لابدّ من اللجوء إلى القرآن الكريم، لتستلهم الأُمّة من هديه ما يحصّن وعي أبنائها من تأثيرات هذه التوجّهات المنحرفة، وكشف مكامن الخلل والفساد في هذا الفهم المعوجّ للدين، ولتحفيز طاقات الأُمّة واستنهاضها للدفاع عن حقائق

صفحه 13
الإسلام ومفاهيمه الصحيحة، ولحماية كيان المجتمعات الإسلامية من التمزّق والانهيار، ولتجلية الصورة المشرقة الناصعة للإسلام أمام الرأي العام العالمي.
وفي هذا السياق تأتي أهمية التفسير القيّم «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» الّذي يتابع إصدار أجزائه الفقيه المحقّق المرجع الديني الشيخ جعفر السبحاني «أدام الله ظله وتأييده». إنّه دعوة ونداء للأُمّة للاحتكام إلى كتاب الله تعالى، والانفتاح الصادق على معاني آياته دون حواجز أو عوائق ينتجها التقيّد بآراء السابقين. فهو تفسير يشكّل استجابة لحاجة فكرية ملحّة في ساحة الأُمّة في هذا الظرف العصيب، حيث يركّز على استنطاق آيات القرآن الكريم في مهمّات المسائل العقدية والكلامية، وخاصّة تلك الّتي تسلَّل الفكر التكفيري المتطرّف من خلال بعض تفاصيلها إلى تراث بعض المذاهب والمدارس الإسلامية .
إنّه يقدّم الرؤية القرآنية في مختلف جوانب العقيدة والشريعة والتاريخ عبر منهجية علمية موضوعية، وبأُسلوب أدبي رفيع، لا غموض ولا تعقيد في كلماته ومصطلحاته، حيث يجمع بين عمق المضمون ودقّة البحث العلمي من جهة، وبين وضوح المطلب وإشراقة اللغة من جهة أُخرى، فهو مرجع علمي للباحث المتخصّص، ومورد لاستفادة القارئ المثقّف المتطلِّع لمعارف القرآن وفيض علومه.
ومن الميزات المهمّة لهذا التفسير الرائع للقرآن الكريم، أنّه يؤصِّل ثقافة التسامح، وإقرار حرية الرأي والفكر، واحترام وجهات النظر الأُخرى، والتعاطي معها في ميدان البحث العلمي بموضوعية وإنصاف، بعيداً عن

صفحه 14
التعصّب والتشدّد، والإساءة والعدوان، انطلاقاً ممّا تؤكّد عليه آيات القرآن الكريم في منهج الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار والجدال بالتي هي أحسن. إن رسالة هذا التفسير هي بناء الشخصية الإيمانية العقائدية للإنسان المسلم على أساس رصين من هدي القرآن ومعارفه، مع التحلّي بأرفع درجات الخلق الإنساني والسلوك الحضاري في الحياة الاجتماعية.
حقاً أنّ تفسير «منية الطالبين» يشكّل إضافة نوعية مهمّة في هذا العصر للمكتبة القرآنية، ويمثّل استجابة لتحدٍّ فكريّ خطير تواجهه الأُمّة، نأمل أن يشقّ هذا التفسير القيّم طريقه إلى أوساط العلماء والباحثين وأساتذة الجامعات والشباب المثقفين، وأن يطيل الله في عمر شيخنا المعظّم الشيخ السبحاني، ويمتّعه بالصحّة والعافية والنشاط ليكمل هذا المشروع المبارك، وليواصل خدمة العلم والدين، بحقّ القرآن العظيم.
والحمد لله رب العالمين
حسن الصفار
17 شوال 1436 هـ

صفحه 15
تفسير سورة العنكبوت   

سورة العنكبوت

(المْ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآت وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ

صفحه 16
 
اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْء إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ * وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ

صفحه 17
 
فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْني عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ

صفحه 18
 
اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مْسَتْبِصِريَن * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ * خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ * اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ *وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ

صفحه 19
 
الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ * وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْني وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ *وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَلَئِنْ

صفحه 20
 
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ * اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).
سورة العنكبوت: خصائص السورة   

صفحه 21

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت في المصاحف بسورة «العنكبوت» لورود هذا اللفظ فيها، ولم يرد في سورة أُخرى.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها تسع وستون آية بالإجماع. وهي مكّية بشهادة مضامين أكثر آياتها.
وربّما تستثنى الآيات العشر الأُولى من كونها مكّية، فيقال إنّها مدنية اعتماداً على ما روي أنّها نزلت في أُناس بمكّة قد أقرّوا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة لمّا نزلت آية الهجرة: أنّه لا يُقبَل منكم قرار ولا إسلام حتى تهاجروا، قال: فخرجوا عامدين إلى المدينة، فأتبعهم المشركون فردّوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم أنّه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا فقالوا: نخرج فإن اتَّبعَنا أحد قاتلناه، فخرجوا فأتبعهم المشركون، فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)1.2

1 . النحل:110.
2 . تفسير الدر المنثور:6/449.

صفحه 22
ومع ذلك لا دليل في سياق الآيات على أنّها نزلت بعد الهجرة، بل أقصى ما يستفاد منها أنّ جماعة أسلموا في مكّة المكرمة وقد مارس معهم المشركون ضغوطاً حتى يرجعوا إلى دين آبائهم وملّتهم فصاروا موضعاً للفتنة والمحنة، فمنهم مَن رجع ومنهم مَن ثبت، وقد حفظ التاريخ تعذيب المشركين عمّار بن ياسر ووالديه، كما ورد في السيرة تعذيب بلال وغيره. وما مرّ من شأن النزول لا يوافق سياق الآيات، فالظاهر أنّ السورة كلّها مكّية.

أغراض السورة

التدبّر في آيات السورة يكشف عن أنّ المحور الّذي تدور عليه هو الافتتان والاختبار، وأنّه سبحانه لا يريد الإيمان المجرّد القائم باللفظ، بل يريد الإيمان الذي لا تزيله العواصف ويستقر في القلوب وإن دارت عليه الدوائر، ويُعلم ذلك من خلال التعرّض لأنواع الفتن والمحن التي تميّز المؤمن القويّ ذا الإيمان العميق الثابت عن المؤمن الضعيف ذي الإيمان الطارئ المتزلزل. كما تكشف الآيات أنّ المحنة والفتنة سنّة من سنن الله سبحانه، ولا تختصّ بأُمّتنا المرحومة، بل كانت سائدة في الأُمم السابقة، وهم بين ثابت وزالق.
سورة العنكبوت: الآية الأُولى   
ويؤكّد ذلك أنّه سبحانه يحدّثنا في سورة البروج عن الفتنة التي مرّ بها أصحاب الأخدود، فيقول سبحانه في حقّهم:(قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَ

صفحه 23
مَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)،1 وهذا دليل على أنّ الأُمم الماضية لم تكن بمنأى عن الفتن والامتحانات الإلهية.
هذا هو الهدف المهمّ في هذه السورة، وتأتي في إطار توضيحه، الإشارة ـ في ثنايا السورة ـ إلى قصص الأنبياء العظام كنوح وإبراهيم ولوط وشعيب(عليهم السلام) الّذين واجهوا أعداء الله من الطغاة المترفين والفاسدين، بقلوب ثابتة.

التفسير

الآية الأُولى

1. (الم):
هي من الحروف المقطّعة وسيوافيك في سورة الأحقاف تفسير هذه الحروف، ولقد اخترنا بين الأقوال الكثيرة الناهضة إلى العشرين أنّه سبحانه يشير بالإتيان بهذه الحروف في صدر هذه السور إلى أنّ القرآن معجزة كبرى نازلة من الله سبحانه وليس للبشر فيه أي صنع حتى النبيّ النازل على قلبه، وإن كنتم في شكّ من كونه كلام الله فانهضوا إلى معارضته واستعينوا بكل أحد، فإنّه أُلّف من تلك الحروف وهي في متناول المخاطبين فليقوموا فليأتوا بسورة من مثله في البلاغة والفصاحة والنظم، فإذا عجزوا فهو الدليل على أنّه فوق الطاقة البشرية، وصحّ أنّه من عند الله تعالى.

1 . البروج: 4 ـ 8 .

صفحه 24
والعجب أنّ فخر الدين الرازي استوفى البحث في الحروف المقطّعة في الجزء الأوّل من تفسيره عند تفسيره لسورة البقرة، ولكنّه في هذا المقام جاء برأي خاص بعيد عن ساحة القرآن، وحاصل نظره: أنّه ليس لهذه الحروف معنى ولا رمز وإنّما أُوتي بها لطلب إقبال السامع إلى كلام المتكلّم، يقول: يحسن من الحكيم أن يقدّم على الكلام المقصود، حروفاً هي كالمنبّهات، لأنّ تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع وكان قولاً مفهوماً فإذا سمعه السامع ربّما يظن أنّه كلّ المقصود ولا كلام له بعد ذلك، فيقطع الالتفات إليه، أمّا إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجذبه بأنّ ما سمعه ليس هو المقصود، فإذاً تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع، على الكلام المقصود، فيه حكمة بالغة.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لو كان المراد هو جلب إقبال المخاطب لكلامه فلماذا خصّ ذلك بسور يبلغ عددها تسعاً وعشرين سورة، وأهمل سائر السور وهي كثيرة، حيث يبلغ عدد السور (114) سورة، وهذا يعني أنّ ثلاثة أرباع القرآن يخلو من هذه الحروف!! ولمّا التفت الرازي إلى هذا الإشكال لجأ إلى القول بأنّ عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز.
سورة العنكبوت: الآيات 2 ـ 7   
وثانياً: أنّ الرازي تصوّر أنّه سبحانه أتى بهذه الحروف التي يبلغ عددها أربعة عشر حرفاً بلا حساب ولا مناسبة، لكنّه غفل عن أنّ هذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، فمثلاً تجد

1 . تفسير الرازي:21/26.

صفحه 25
فيها من المهموسة نصفها، ومن المهجورة نصفها، ومن الشديدة نصفها، ومن الرخوة نصفها إلى غير ذلك من صفات الحروف. وسوف تجد تفصيل ذلك في سورة الأحقاف في الجزء السادس والعشرين.
وثالثاً: أنّه سبحانه كلّما بدأ سورة بهذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن بعدها، إلاّ سور أربع وهي: مريم وهذه السورة والروم والقلم، ومع ذلك جاء ذكر الوحي والكتاب في أثناء هذه السور أيضاً، وهذا يؤيدّ الرأي الّذي اخترناه وأشرنا إليه آنفاً.

الآيات: الثانية إلى السابعة

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللّهِ لآت وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللّهَ لَغَنيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ):

المفردات

يفتنون، فتنّا: الفتنة: الامتحان والاختبار.
فليعلمنّ الله: أي ليظهرنّ صدقهم. ويمكن أن يراد العلم الفعلي الذي

صفحه 26
هو عين الأشياء في مقابل العلم الذاتي الذي هو قبل خلق الأشياء.
السيئات: الشرك والمعاصي الموبقة.
أن يسبقونا: أي أن يفوتون عن المجازاة.
ساء ما يحكمون: بئس الشيء الّذي يحكمون بتصوّرهم أنّهم يهربون من الله.
لقاء الله: يريد في يوم القيامة، وهو إمّا بمعنى لقاء جزائه أو لقاءً شهودياً لا صلة له بالرؤية البصرية.
أجل الله: الزمان الذي عيّنه الله تعالى للقائه، وهو يوم القيامة.
جاهد: بمعنى السعي للسعادة، نظير قوله سبحانه:(وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي)1، وليس المراد الجهاد ضدّ المشركين لافتراض أنّ السورة مكية، ومن زعم أنّها مدنية تمسّك بهذا اللفظ وبالمنافقين في الآية 11، وسيوافيك توضيح المراد من اللفظين خلال التفسير.
لنُكفِّرنّ: التكفير: الستر، أي ستر السيئات، من كفَر بمعنى ستَر.

التفسير

أشرنا فيما سبق إلى أنّ الامتحان الذي عبّر عنه سبحانه بالفتنة، سنّة إلهية جارية في عامّة الأُمم من غير استثناء وفي الأُمّة المرحومة خاصّة، والغرض من الفتنة هو أحد أمرين:

1 . العنكبوت:8.

صفحه 27
الأوّل: إخراج ما بالقوّة إلى الفعل، بمعنى أنّ الكمالات المعنوية المكنونة في نفس الإنسان تخرج بالامتحان من حدّها إلى الفعلية، ولولا الامتحان لبقي الكمال في حدّ القوّة، وذلك كامتحان الله سبحانه خليله إبراهيم(عليه السلام)الّذي كان مخلصاً في طاعته لربّه، ممتثلاً لأوامره ونواهيه، مستعدّاً لأداء ما يُعهد إليه من تكاليف، من غير فرق بين أن ترجع إلى نفسه أو إلى نفيسه من الأولاد والأموال، ولكن ذلك الكمال كان مكنوناً في ذات إبراهيم (عليه السلام)، فلمّا أمره سبحانه بذبح فلذة كبده، وامتثل هذا الأمر بالعزم على تنفيذه، تجلّى إخلاصه لله وفناؤه في حبّه، وصار ذلك سبباً لارتقائه إلى قمّة الكمال الإنساني حتى سمّي خليل الله ووفيّه. وإلى هذا المعنى يشير الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في تفسير قوله:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)، قال: «وَمَعْنَى ذلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَ الرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ سُبْحانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلكِنْ لِتَظْهَرَ الاَْفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ; لاَِنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذُّكُورَ وَيَكْرَهُ الاِْنَاثَ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ الْمَالِ، وَيَكْرَهُ انْثِلاَمَ الْحَالِ».1
الأمر الثاني: تمييز الصادق من الكاذب، فالمجتمع إذا كان مشتملاً على المؤمنين والكافرين، والطيبين والخبيثين، فتميّز إحدى الطائفتين عن الأُخرى هو الغاية السامية للفتنة، وإليه يشير سبحانه في قوله: (مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)2 وهذه الغاية هي المقصودة من الآية التالية.

1 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 193.
2 . آل عمران:179.

صفحه 28
2. (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ):
الفعل «حسب» يستعمل في الاستنكار، كما في قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)1، ومعنى الآية أزعمَ (النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا) بمجرّد(أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا) بألسنتهم (وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ):أي لا يُمتحَنون ويُختَبرون؟ فهذا النوع من الإيمان دون أن يُعلم ثباته في القلب وانعكاس أثره في السلوك وفي الموقف العملي، غير كاف عند الله، ولذلك يقول:
3. (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ):
يشير إلى أنّ الفتنة بمعنى الامتحان من سنن الله تعالى في سائر الأُمم، ولأجل التأكيد يقسم ويقول: (وَلَقَدْ) اللام للقسم (فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)اختبرناهم وامتحنّاهم بألوان الامتحانات الإلهية. ثمّ أشار إلى الغاية من ذلك، فقال : (فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) ومن المعلوم أنّه سبحانه عالم بكلّ الأشياء، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ويعلم ما توسوس به نفسه، ورغم ذلك فهو يمتحن، لماذا؟ حتى يتحقّق صدق الصادقين وكذب الكاذبين، وتتبيّن مظاهرهما في ساحة الواقع.
وكأنّ الامتحان بمنزلة النار التي يتعرّض لها الذهب إذا أُريد تنقيته من الشوائب. وقد أُشير إلى هذه الغاية في آيات أُخرى، يقول سبحانه في تغيير القبلة:(إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)(2) ويقول سبحانه:

1 . البقرة:214.   2 . البقرة:143.

صفحه 29
(وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)1، فعلمه سبحانه هنا عبارة عن ظهور الواقع للناس وتحقّقه.
وإليك بعض ما ورد عن المعصومين(عليهم السلام)حول الفتنة وأشكالها وسبل النجاة منها.
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «إنّ لكلّ أُمّة فتنة، وفتنة أُمّتي المال».2
وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «لاَنا لفتنة السرّاء أخوف عليكم من فتنة الضرّاء. إنّكم ابتُليتم بفتنة الضرّاء فصبرتم، وإنّ الدنيا حلوة خَضِرة».3
وقال الإمام علي (عليه السلام):«إِنَّ أَبْغَضَ الْخَلاَئِقِ إِلَى اللهِ رَجُلاَنِ: رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ; فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، مَشْغُوفٌ بِكَلامِ بِدْعَة، وَدُعَاءِ ضَلاَلَة، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ».4
وقال (عليه السلام): «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ».5
وقال (عليه السلام): «وَلاَ تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَأَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا، وَخَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا، فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ».6

1 . آل عمران:140.
2 . الترغيب والترهيب: 4 / 178 برقم 57 .
3 . الترغيب والترهيب: 4 / 184 برقم 74 .
4 . نهج البلاغة: الخطبة 17 .
5 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 1 (وابن اللَّبون: ابن الناقة إذا استكمل سنتين).
6 . نهج البلاغة: الخطبة 187 .

صفحه 30
وعن هشام بن سالم عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «ما من قبض ولا بسط إلاّ ولله فيه المنّ والابتلاء».1
وأمّا صلة الآية ببيئة مكّة فهذا ما سنذكره تالياً.
4. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ):
(أَمْ) بمعنى «بل»، وقوله سبحانه:(أَمْ حَسِبَ) استفهام إنكاري يراد به إبطال هذا الحسبان، وأريد من (السَّيِّئَاتِ)الأعمال التي كانوا يقومون بها ضد المؤمنين من فنون الأذى والاضطهاد والتعذيب (أَنْ يَسْبِقُونَا): أي يغلبونا (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ): أي بئس الشيء الذي يحكمون حكمهم هذا، ونظير الآية قوله سبحانه: (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ ومَا كَانُوا سَابِقِينَ).2
وحاصل الآية: إنّ مجرمي قريش الذين كانوا يصبّون ألوان العذاب على المؤمنين يحسبون أنفسهم سابقين وغالبين كما يحسبوننا مسبوقين ومغلوبين، ساء هذا الحسبان وهذا الحكم، فسوف يُعلم من الغالب ومن المغلوب. وفي هذا الكلام نوع تقوية لقلوب المسلمين المعذَّبين ليتحمّلوا ما ينزل بهم من ضُرٍّ وأذىً، بصبر وثبات ، فالآية السابقة كانت ناظرة إليهم وأنّهم لا يُتركون بل يُفتنون حتّى تستبين حقيقة إيمانهم، وهذه الآية ناظرة

1 . التوحيد للصدوق: 354 برقم 1، الباب 57 ; بحار الأنوار : 5 / 216 برقم 4 (وفيه: لعلّ القبض والبسط في الأرزاق بالتوسيع والتقتير، وفي النفوس بالسرور والحزن، وفي الأبدان بالصحة والألم، وفي الأعمال بتوفيق الإقبال إليه وعدمه، وفي الأخلاق بالتحلية وعدمها، وفي الدعاء بالإجابة له وعدمها، وفي الأحكام بالرخصة في بعضها والنهي عن بعضها).
2 . العنكبوت:39.

صفحه 31
إلى أعدائهم الذين كانوا يظنون أنّ لهم الغلبة بتسلّطهم على المؤمنين وسعيهم في أن يفتنوهم عن دينهم بالتعذيب .
5. (مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللّهِ لآت وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ):
الآية تشتمل على مقاطع ثلاثة:
1. (مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ).
2. (فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآت).
3. ختم الآية باسمين كريمين أعني: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
فلنرجع إلى تفسيرها فنقول:
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ ظرف اللقاء هو يوم القيامة، وهو المتبادر من هذه اللفظة في غير هذا المقام، مثل قوله:(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ)1ومن المعلوم أنّ المشركين ينكرون البعث ويوم القيامة، كما في قوله تعالى:(وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ).2
إنّما الكلام فيما هو المراد من اللقاء أو لقاء الله، فربّما يفسّر بلقاء جزاء الله من ثواب أو عقاب، ولكن الظاهر المراد وقوف العبد موقفاً لا حجاب بينه وبين ربّه إلاّ حجاب الذات، فإنّ يوم القيامة شأن ظهور الحقائق.

1 . الأنعام:31.
2 . الروم:8.

صفحه 32
وأمّا الثاني ـ أعني:(أَجَلَ اللّهِ) ـ : فإنّه يستعمل تارة في نهاية الأجل المضروب، وأُخرى في مجموع المدّة، وأُريد هنا الأوّل وهو أجل يوم القيامة، الأجل الذي عيّنه الله سبحانه لحشر المؤمنين والكافرين فهو آت قطعاً فيَجزي فيه كلّ إنسان بفعله.
وأمّا الثالث ـ أعني: تذييل الفقرتين بالوصفين ـ : فواضح، فالله سميع لأقوال هؤلاء، عليم بأحوالهم وأعمالهم.
وفي الآية ـ أيضاً ـ نوع تقوية لقلوب الموحّدين في مكّة المكرمة بأنّ مَن يرجو لقاء الله ـ بأي معنى فسِّر اللقاء ـ فليعلم أنّ أجل الله، أي الأجل الذي أجله سبحانه ليوم القيامة، سيأتي ويحشر الناس. فالناس خيّرهم وشرّيرهم يجزَون، والله كان سامعاً لكلامهم عليماً بأفعالهم.
6. (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللّهَ لَغَنيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ):
الجهاد هنا بمعنى السعي في طريق الفلاح والصلاح وليس بالمعنى المصطلح، أعني: القتال مع الكفّار، وإنّما هو نظير قوله:(وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي)1.
وحصيلة الآية: إنّ الذين كانوا راجين لقاء الله فليعملوا لهذا اليوم وليسعوا، ولذلك يقول:(وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ) فهو المنتفع بعمله ونظيره قوله سبحانه: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لاَِنْفُسِكُمْ).

1 . العنكبوت:8.

صفحه 33
ثمّ علّل ذلك بقوله:(إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ): أي مُستغن عن جميع خلقه، فليس له بطاعتهم انتفاع.
7. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ):
الآية عطف على قوله: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ)فتكون تفسيراً له، فقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فالله سبحانه يجزيهم بوجهين:
1.(لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ): أي لنعفونّ عن سيئاتهم، فإنّ التكفير وإن كان بمعنى الستر ولكنّه كناية عن العفو.
2. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ): أي نجزيهم بأحسن أعمالهم الصالحة، فلو كانت في أعمالهم جهة رديئة أو خسّة فنتعامل معها معاملة الجهة الفاقدة لها، وهذا هو المراد من قوله: (أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ): أي فلمّا كان عملهم فاقداً لبعض وجوه الكمال نرفعه نحن إلى المرتبة الكاملة أي الأحسن.
وحصيلة هذه المجموعة من الآيات عبارة عن الأُمور التالية:
1. الاختبار والمحنة من سنن الله سبحانه، فلا يترك الإنسان بمجرّد قوله بلسانه: آمنت، وإنّما يختبره في ظروف مختلفة، حتّى يتكشّف جوهره.
2. أنّ هذه السنّة كانت سائدة في الأُمم السابقة منذ زمن نوح إلى عصر المسيح(عليهما السلام)، فلقد امتحنهم سبحانه بضروب من البأساء والضرّاء من غير فرق بين الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ

صفحه 34
كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا)1.
3. أنّ الغاية من المحنة هي إخراج ما بالقوّة إلى الفعل وتمييز الخبيث من الطيّب.
4. أنّه سبحانه يمهل المشركين المتجاهرين بالسيئات، ولكن ظنّهم بأنّهم يسبقونه ويهربون من سلطانه ظنّ باطل، بل يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما قال الإمام علي (عليه السلام): «وَلَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ، وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ، وَبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ»2.
5. أنّ الله يحثّ الراجين لقاء الله على السعي والجهاد قائلاً بأنّ مَن يجاهد فإنّما يجاهد لنفسه، وقد قال عزّ وجلّ في آية أُخرى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا)3 .
6. يبيّن عزّ وجلّ حقيقة السعي والجهاد بأنّه يتمثّل بالإيمان والعمل الصالح، ويذكر أنّ هذين العاملين يستتبعان تكفير السيئات وجزاء كلّ الأعمال بأحسن عمل يعمله الإنسان في حياته.
سورة العنكبوت: الآيتان 8 ـ 9   

الآيتان: الثامنة والتاسعة

(وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ

1 . آل عمران: 146 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 97 .
3 . الأنعام: 104 .

صفحه 35
تَعْمَلُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) .

المفردات

وصَّينا: الوصية: التقدّم إلى الغير بما يعمل به مقترن بوعظ، قال سبحانه: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ)1.
حُسناً: الحسن عبارة عن كلّ مبهج مرغوب فيه .
جاهداك: الجَهد: ـ بالفتح ـ المشقّة، والجُهد ـ بالضمّ ـ الطاقة، والمراد هنا: جعلاك في المشقّة.

التفسير

8 . (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):
تستهدف الآية الأمر بالإحسان إلى الوالدين وطاعتهما ويقول: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)ويركّز على ذلك في آية أُخرى أيضاً ويقول: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )2 .

1 . البقرة: 132 .
2 . الإسراء: 23 .

صفحه 36
إنّما الكلام في صلة الآية بما قبلها، والّذي يوضحه ما أخرجه غير واحد من المحدّثين عن سعد بن أبي وقاص قال: قالت أُمّي: لا آكل طعاماً ولا أشرب شراباً حتّى تكفر بمحمد، فامتنعت من الطعام والشراب حتّى جعلوا يسجرون فاها بالعصا، فنزلت هذه الآية .1

الخدمة الكبرى

من بين الخدمات الّتي يقدّمها بعض الناس للبعض الآخر، لا تجد خدمة أفضل وأكبر ممّا يبذله الوالدان في حقّ أولادهما، فلا أبالغ إذا قلت: إنّ مثلهما مثل الشمعة الّتي تذيب نفسها وتضيء ما حولها فينتفع الغير بضوئها، وهكذا الوالدان فهما يبذلان ما في وسعهما من جهد وطاقة لأجل إسعاد الولد حتّى يبلغ إلى حدٍّ يستطيع فيه إدارة نفسه.
ولذلك نرى أنّ الإسلام يؤكّد على الإحسان إلى الوالدين والبِرّ بهما في غير واحدة من السور والآيات، كما في الموارد التالية:
1. قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ).(2)
2. قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )2.
3. قال تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)3.

1 . تفسير الدر المنثور: 6 / 452 .   2 . البقرة: 83 .
2 . النساء: 36 .
3 . الأنعام: 151 .

صفحه 37
4. قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )1.
5. قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْن وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ )2.
6. قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا )3.
والإمعان في هذه الآيات يوقفنا على رؤية الإسلام لعلاقة الولد بوالديه، فالقرآن الكريم تارة يجعل عبادة الله في جنب الإحسان إلى الوالدين، وأُخرى يجعل النهي عن الشرك مقروناً بالأمر بالإحسان إلى الوالدين، فإذا كان الشرك من أعظم المحرّمات، فالإحسان إلى الوالدين يصبح من أعظم الواجبات.
وثالثة يوصي بشكرهما، ويبيّن وجه الإيصاء بالأُمّ وهو معاناة الحمل والضعف الناشئ عنه، وكذلك مشقّة الرضاع لمدّة حولين كاملين، كُلّ ذلك حباً بالولد وإيثاراً له، وأي إيثار أفضل من ذلك؟ والأنبياء مع عظمتهم ومقامهم عند الله جلّ شأنه كانوا يراعون حقوق الآباء والأُمهات أحياءً وأمواتاً.
فهذا نبي الله نوح (عليه السلام)يجعل استغفاره لنفسه في جنب استغفاره لوالديه ويقول: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا )4.

1 . الإسراء: 23 .
2 . لقمان: 14 .
3 . الأحقاف: 15.
4 . نوح: 28 .

صفحه 38
وهذا إبراهيم الخليل (عليه السلام)يدعو لنفسه كما يدعو لوالديه ويقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ )1.
وهذا هو المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام)يفتخر بأنّ الله سبحانه جعله بارّاً بوالدته ويقول: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي)2 ومع ذلك كلّه لم يأمر الله بإطاعة الوالدين على وجه الإطلاق وإنّما حدّدها وجعل لها إطاراً خاصّاً، وهو الإطاعة في الأمر المشروع لا المحظور، ولذلك قال: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا)لأن إطاعة الله سبحانه مقدّمة على إطاعة الوالدين. أضف إلى ذلك: أنّه إذا كانت إطاعة الغير ـ وإن كانت ذاتية على الإنسان ـ مورثة للضلال والانحراف عن طريق الهدى، فالعقل يحكم برفض الإطاعة في ذلك المقام .
ثم إنّه سبحانه ربّما يوعد من يطيع الوالدين بالأُمور المحظورة بقوله: (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فمرجع الجميع إلى الله فهو يجزي كلّ حسب عمله.. المحسن بإحسانه، والمسيء بما هو أهل له.
ومن المعلوم أنّ رفض إطاعة الوالدين لا يُعدّ عقوقاً، فالذي يجب على الولد حُسن معاشرتهما، والقيام ببرّهما، ورعاية الأدب معهما، وأمّا امتثال أمرهما فيما يضرّه ولا ينفعهما فالعقل والشرع ينفيه.
قال الإمام علي (عليه السلام): «فَحَقُّ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْء، إِلاَّ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ سبحانه».3

1 . إبراهيم: 41 .
2 . مريم: 32.
3 . نهج البلاغة: الكلمات القصار برقم 399 .

صفحه 39
وروى الكليني عن معمر بن خلاّد ] البغدادي [ قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): أدعو لوالديّ إذا كانا لا يعرفان الحقّ؟ قال: ادعُ لهما وتصدّق عنهما، وإنْ كانا حيَّين لا يعرفان الحقّ فدارِهما، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنَّ الله بَعَثني بالرَّحمة لا بالعُقوق».1
ويعجبني أن أذكر هذه الرواية للتدليل على مدى اهتمام أئمة أهل البيت(عليهم السلام)برعاية الوالدين :
روى الكليني عن زكريا بن إبراهيم، قال: كنت نصرانيّاً فأسلمت وحججت فدخلت على أبي عبدالله (عليه السلام)فقلت: إنّي كنت على النصرانيّة وإنّي أسلمت، فقال: وأيّ شيء رأيت في الإسلام؟ قلت: قول الله عزَّ وجلَّ: (مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ)2فقال: لقد هداك الله، ثمّ قال: اللّهم اهده ـ ثلاثاً ـ سَلْ عمّا شئت يا بُنيّ، فقلت: إنّ أبي وأمّي على النصرانيّة وأهل بيتي; وأُمّي مكفوفة البصر، فأكون معهم وآكل في آنيتهم؟ فقال: يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت: لا ولا يمسّونه، فقال: لا بأس، فانظر أُمّك فبرّها، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الّذي تقوم بشأنها ولا تخبرنّ أحداً أنّك أتيتني حتّى تأتيني بمِنى إن شاء الله، قال: فأتيته بمنى والنّاس حوله كأنّه معلّم صبيان، هذا يسأله وهذا يسأله، فلمّا قدمت الكوفة ألطفت لأُمّي وكنت أطعمها وأفلّي ثوبها ورأسها 3 وأخدمها، فقالت لي: يا بنيَّ ما كنت تصنع بي هذا وأنت على

1 . الكافي: 2 / 159 برقم 8 ، كتاب الكفر والإيمان، باب البرّ بالوالدين .
2 . الشورى: 52 .
3 . أفلّي وفلّى: يفتش ويفحص.

صفحه 40
ديني فما الّذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفيّة؟ فقلت: رجلٌ من ولد نبيّنا أمرني بهذا، فقالت: هذا الرَّجل هو نبيّ؟ فقلت: لا، ولكنّه ابن نبيّ، فقالت: يا بنيَّ إنَّ هذا نبيٌّ إنَّ هذه وصايا الأنبياء، فقلت: يا أُمّه إنّه ليس يكون بعد نبيّنا نبيّ ولكنّه ابنه، فقالت: يا بنيَّ دينك خير دين، أعرضه عليّ فعرضته عليها فدخلت في الإسلام وعلّمتها، فصلّت الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثمَّ عرض لها عارضٌ في اللّيل، فقالت: يا بنيَّ أعد عليَّ ما علَّمتني فأعدته عليها، فأقرَّت به وماتت، فلمّا أصبحت كان المسلمون الذين غسّلوها، وكنت أنا الّذي صلّيت عليها ونزلت في قبرها.1
9. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) :
تضمّنت الآية أثراً ثالثاً للإيمان والعمل الصالح، فقد تقدّم في الآية السابعة أنّ من آمن وعمل صالحاً تُكفَّر عنه سيئاته أوّلاً ويُجزى بأحسن ما كان يعمل، وأشارت هذه الآية إلى أثر ثالث وهو أنّه سبحانه يجعله من الصالحين، والمراد من الصالحين هم الأبرار. ومن المعلوم أنّ الإدخال في زمرة الصالحين كالشهداء والأولياء أرفع بكثير من العفو والجزاء.
سورة العنكبوت: الآيات 10 ـ 13   

الآيات: العاشرة إلى الثالثة عشرة

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ

1 . الكافي: 2 / 160 ـ 161 برقم 11، كتاب الإيمان والكفر، باب البرّ بالوالدين.
Website Security Test