welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : شبهات وردود*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

شبهات وردود

صفحه 1

صفحه 2

صفحه 3
شبهات وردود

صفحه 4

صفحه 5
شبهات وردود
رسائل أربع في الكلام والفقه تردّ على الشبهات
الواردة حول المعاد الجسماني والسعادة والشقاء الذاتيّين والارتداد ونظام الرقّ في الإسلام

تأليف
العلاّمة الفقيه
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
1433 هـ

صفحه 6
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ
شبهات وردود: رسائل اربع في الكلام والفقه تردّ على الشبهات الواردة، حول المعاد الجسماني والسعادة والشقاء الذاتيين والارتداد ونظام الرق في الإسلام / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1391.
216 ص .   ISBN: 978-964-357-511-3
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس .
چاپ دوم; 1392 .
1. اسلام ـ ـ مقاله ها و خطابه ها. 2. كلام ـ ـ مقاله ها و خطابه ها. الف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان. ج. عنوان : رسائل اربع في الكلام والفقه تردّ على الشبهات الواردة حول المعاد الجسماني والسعادة والشقاء الذاتيتين والارتداد و نظام الرّق في الإسلام.
2ش 2س5/10BP   08/297
1392
اسم الكتاب:    شبهات وردود
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    الثانية ـ مصححة ومنقحة
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التاريخ:    1392 هـ . ش / 1435 هـ . ق / 2013 م
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 804   تسلسل الطبعة الأُولى: 395
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir, www.tohid.ir
كلمة مدرسة نواب للعلوم الإسلاميّة   
    شبهات وردود

صفحه 7
المعارف الإلهية تتلخّص أُصولها في أُمور ثلاثة:
1. المعارف والعقائد .
2. الأحكام الشرعية العملية في مختلف الحقول.
3. الأخلاق والسلوك العملي.
هذه هي أُمّهات العلوم الّتي بعث بها الأنبياء لأجل هداية الأُمم إلى قمم الكمال.
وقد تلقّتها أُمّة كبيرة من الناس بالقبول، وواجهها آخرون بالنقاش واللجاج، لكن لا نقاشاً علمياً موضوعياً بل كان جدالاً نابعاً عن عتوّ وعناد.
ولم يزل الذكر الحكيم يردّ على هذه النقاشات بمنطق سليم خصوصاً فيما يرجع إلى التوحيد والمعاد، وقد فندّ منطق المشركين ودمّره، وأثبت أنّ الحياة بلا معاد عيش بلا غاية،

صفحه 8
وركّز القرآن الكريم على هذين الموضوعين انطلاقاً من انتشار الشرك وإنكار البعث في الجزيرة العربية؟
وهكذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يرد عليهم بحواراته المذكورة إلى حدّ ربما انتهى الحوار إلى الاتّفاق على المباهلة بينه وبين المخالفين.
لم تزل الحال على هذا والأُمة الإسلامية منتفعة بكلمات أُئمة أهل البيت(عليهم السلام)فلهم اقتداء بجدّهم، ولهم احتجاجات وردود حفلت بها كتب التاريخ والحديث ، وأخصّ بالذكر أوّل الأوصياء الإمام علي (عليه السلام)الذي كان له دور في الإجابة عن الشبهات الواردة من اليهود والنصارى الوافدين إلى المدينة المنوّرة بعد رحيل النبي الصادع بالحق.
وهذا ولده الطاهر الإمام علي بن موسى الرضا (عالم آل محمد) صلوات الله عليه وعلى آبائه فقد ارتجّت أرض طوس بكلماته وحججه أمام الطبيعيين ، ومغالطات الأحبار والرهبان.
نعم اقتدى بأئمة أهل البيت(عليهم السلام)عظماء الإمامية وأكابر علمائهم، فقد اشتهر الشيخ المفيد (قدس سره)باحتجاجاته، وتلميذه المرتضى بغرره ودرره، والعلاّمة الحلي بآثاره.

صفحه 9
وهكذا كان الأمر كذلك إلى عصرنا هذا، حتّى وصلت النوبة إلى العالم المحقّق آية الله الشيخ جعفر السبحاني (دام ظلّه) فقد عقد دروساً عبر سنوات في مدرسة النواب العامرة بالعلم والتقى وقد تناول فيها مواضيع في الكلام والعقائد الّتي كانت تشغل بال طلاب المعارف الدينية في هذه الفترة الّتي تتولّد فيها الشبهات يوماً فيوماً من قبل الأعداء .
وهذا هو الطبع يزفّ إلى القرّاء الكرام دروسه الّتي ألقاها في صيف عام 1391 هـ . ش ـ 1433 هـ ، في هذه المدرسة المباركة في جوار مشهد الإمام الرضا (عليه السلام). حول مسائل أربع وقد أغرق نزعاً في التحقيق ولم يُبق في القوس منزعاً.
وقد أفاد بها سماحته جمعاً كبيراً من عشّاق العلم وطلاب الفضيلة. ونحن بدورنا نرحّب بالأُستاذ ودروسه وندعو له بالتوفيق ودوام الصحة.
رحم الله الماضين من علمائناً وحفظ الله الباقين منهم.
مشهد المقدسة
مديرية مدرسة
نواب للعلوم الإسلامية

صفحه 10

صفحه 11
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأشرف رسله محمد وآله الطاهرين، الذين فرض الله تعالى مودّتهم والاهتداء بهداهم وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فمن فضل الله ومنّه على عبده الفقير أن سهّل له في السنوات الأربع الأخيرة زيارة مشهد ثامن الحجج عالم آل محمد علي بن موسى الرضا (عليه وعلى آبائه آلاف التحية والسلام).
وقد قمنا خلال إقامتنا في المشهد الرضوي، بإلقاء محاضرات في الكلام والعقائد والفقه، والإجابة عن الشبهات المثارة في غير واحد من المواضيع.
وقد اخترنا في هذه السنة (صيف 1433 هـ) من بين الموضوعات المقترحة، المواضيع الأربعة التالية:

صفحه 12
1. المعاد الجسماني العنصري في الكتاب والسنّة والشبهات المثارة حوله.
2. السعادة والشقاء الذاتيان.
3. الارتداد ; موضوعاً وحكماً والشبهات المثارة حوله.
4. موقف الإسلام من نظام الرق.
وقد سلكنا في هذه المحاضرات النهج الموضوعي الذي يعتمد على الأدلّة العقلية والنقلية المستقاة من الكتاب العزيز والسنّة النبوية وما ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام); وإتماماً للفائدة قمنا بطبع هذه المحاضرات في كتاب مستقل أسميناه: «شبهات وردود» راجين أن يساهم هذا الكتاب في الذبِّ عن حياض الإسلام ودفع الشبهات المثارة حوله، وعلى الخصوص في مجالي الكلام والفقه.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدسة
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
29 رمضان المبارك 1433 هـ

صفحه 13

   الرسالة الأُولى

المعاد الجسماني العنصري في الكتاب والسنّة
والشبهات المثارة حوله
وفيها فصلان:
الفصل الأوّل: المعاد الجسماني العنصري في الكتاب والسنّة
تأكيد القرآن على عودة الإنسان إلى الحياة مجدّداً ضمن آيات تربو على الألفين.
المعاد يصون الخلقة عن العبث واللاهدفية.
المعاد جسماني عنصري
نظرية ابن سينا حول المعاد الجسماني العنصري
البرهان العقلي للمعاد الجسماني العنصري

صفحه 14
الفصل الثاني: في الشبهات المثارة حول المعاد الجسماني العنصري:
1. عدم التعرّف على الأجزاء البالية من بدن كلّ إنسان المتفرّقة في أنحاء الأرض .
2. الموت إبطال للشخصية وإعادتها يكون أمراً مماثلاً، لا عينها.
3. شبهة الآكل والمأكول، والإجابة عن الفروض المختلفة.
4. تعلّق الروح ـ بعد المفارقة ـ بالبدن: تناسخ .
5ـ . عود ما بالفعل إلى ما بالقوّة.
6. المعاد العنصري رجوع إلى الدنيا المذمومة.
7. عدم كفاية المواد الأرضية لإحياء الناس.
8 . ضيق سطح الأرض لبعث النفوس عامّة.
9 . المعاد الجسماني يفقد الغرض .
10. أين مكان الجنة والنار العنصريتين؟

صفحه 15
المعاد الجسماني العنصري في الكتاب والسنّة والشبهات المثارة حوله   
 

الفصل الأوّل

المعاد الجسماني العنصري

في الكتاب والسنّة
الاعتقاد بالمعاد أصل أساسي في كلّ شريعة لها صلة بالسماء، ويحتل في الأصالة والتأثير محلّ العمود الفقري من بدن الإنسان، ولا تصحّ تسمية شيء باسم الدين إلاّ أن يكون فيه ذلك الأصل، ولو خلا عنه، لا يعدّ ديناً بل هو مسلك من المسالك.
وقد أكّد القرآن الكريم عليه في آيات ربّما تُناهز الألفين إمّا تصريحاً أو تلميحاً.
ويظهر من الآيات الحاكية عن خطابه سبحانه في أوّل الخليقة أنّ الاعتقاد بالمعاد كان أمراً مهماً وقد ركّز عليه في ذلك الوقت.

صفحه 16
قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَ أَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)1.
فهذا هو شيخ الأنبياء نوح (عليه السلام)يخاطب أُمّته بقوله: (وَ اللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا)2.
وهذا خليل الرحمن يخاطب قومه بقوله: (وَ اعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)2، وفي آية أُخرى حكاية عنه: (وَالذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ * وَ الذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)3 .
كما أنّه سبحانه يخاطب موسى (عليه السلام)بقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا تَسْعَى)4 .
ويظهر من بعض الآيات أنّ القول بالمعاد كان أمراً مسلّماً بين أتباع الشرائع السماوية، فهؤلاء قوم موسى يخاطبون قارون

1 . الأعراف: 35 ـ 36 .         2 . نوح: 17 ـ 18 .
2 . العنكبوت: 17 .
3 . الشعراء: 81 ـ 82 .
4 . طه: 15 .

صفحه 17
بقولهم: (وَ ابْتَغِ فِي مَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَ لاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)1.
كما أنّ مؤمن آل فرعون يصرّح في مجلس الفراعنة بإيمانه بالمعاد ويقول: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَ إِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)2 .
ونجد ذلك في لسان من نصر مبعوثي عيسى (عليه السلام)وقد استشهد في هذا الطريق حيث قال عندما يُضرب بالحجارة: (وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الذِي فَطَرَني وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَ لاَ يُنْقِذُونَ * إنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)2.
وبكلمة قصيرة: إنّ الدعوة إلى الاعتقاد بالمعاد جاءت في الكتب السماوية الثلاثة، يقول سبحانه: (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ)4،

1 . القصص: 77 .   2 . غافر: 39 .
2 . يس: 22 ـ27 .   4 . التوبة: 111 .

صفحه 18
إلى غير ذلك من الآيات الناطقة عن لسان الأنبياء أو أتباعهم بأنّ المعاد أحد أركان الدعوات الإلهية بحيث لو قطع النظر عن هذا الركن الركين لما اتّسمت الدعوة بالإلهية والسماوية.
وقد ظهرت في العصور الأخيرة حتّى القرون الغابرة شخصيات لهم نيّات خالصة في إصلاح المجتمع البشري وإيقاف الحروب وتبديلها إلى التعايش السلمي، وربما نالوا بعض النيل ممّا راموه ولكنّها لمّا لم تتسم بالصبغة الإلهية أو السماوية لخلوّها عن الدعوة إلى الإيمان بالمعاد. لم يكتب لهم النجاح إلاّ قليلاً، وآخر ما يمكن وصف دعواتهم به هو أنّها مسالك بشرية ظهرت لإصلاح الأُمم والشعوب.

المعاد يصون الخلقة عن العبث واللاهدفية

كيف لا يكون المعاد عنصراً أساسياً في الديانات الإلهية مع أنّه لولا المعاد لصارت الخلقة عبثاً وبلا غاية، فإنّ أفعاله سبحانه وإن كانت مجردة عن الأغراض العائدة إليه، ولكنّها ليست مجردة عن الغاية لنفس الفعل، وإلى ذلك يشير سبحانه بقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)1.

1 . المؤمنون: 115 .

صفحه 19
ويظهر من دراسة الآيات الواردة في سورة النبأ أنّ خلق النظام البديع السائد في الكون كأنّه مقدّمة لتحقيق المعاد، قال سبحانه: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّات أَلْفَافًا * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا)1.
وبما أنّ هذا الموضوع وما يشبهه ممّا تعرّض له علماء الكلام والعقائد في مبحث المعاد، لذا رأينا أنّه يلزمنا الإحجام عن إفاضة البحث فيه، وإنّما اللازم أن نشير إلى بعض الشبهات المثارة حول المعاد الجسماني العنصري ونجيب عنها.
لاشكّ أنّ مَن تدبّر في الآيات القرآنية التي تحدّثت عن المعاد، يقف على أنّ المعاد الّذي يتحدّث عنه القرآن الكريم هو معاد جسماني لا روحاني، عنصري لا برزخي.

1 . النبأ: 6 ـ 17 .

صفحه 20

المعاد جسمانيّ عنصري

إذا تدبّر الإنسان في الآيات الواردة حول المعاد، يقف على وجه القطع بأنّ ما دعا إليه القرآن هو المعاد الجسماني العنصري، أي عودة الإنسان بنفس بدنه الّذي كان يعيش به، وكان يأكل ويشرب ويقوم ويقعد به، من دون فرق بين تحرّك النفس من البرزخ إلى البدن الذي بقي في الدنيا متفرّق الأجزاء بعد اجتماع أجزائه المتفرّقة ثانياً وصيرورته قابلة لتعلّق النفس به، وبين تحرك البدن إلى النفس تحرّكاً خاصّاً يخلصه عن الزوائد ويصلحه لتعلّق النفس به، كما عليه بعض المحقّقين1، كما سيوافيك.
وعلى كلّ تقدير فالمعاد الجسماني العنصري هو المعروف بين المتشرعين، نعم يمكن أن يقال: إن البدن الأخروي وإن كان جسمانياً عنصرياً لكنّه ألطف وأفضل من البدن الدنيوي، ولذلك صار صالحاً لتعلّق النفس به، فالعينية محفوظة، غاية الأمر الفرق بين البدنين هو الفرق بين التراب المشتمل على الذهب، والذهب الخالص، بشرط أن تقف على

1 . الحكيم علي المدرس الزنوزي في رسالته سبيل الرشاد في اثبات المعاد، وسيأتي ذكره في هذا الفصل .

صفحه 21
أن المثال يقرب من وجه ويبعد من ألف، ويعلم ذلك (كونه عنصرياً) عن طريقين:

الطريق الأوّل: اعتراض المشركين

كان المشركون يتحسّسون من أمرين:
1. الدعوة إلى إله واحد بدل الآلهة المتعدّدة، وكانوا يعترضون على نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقولهم: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيء عُجَابٌ)1.
2. القول بأنّ وراء الحياة الدنيا حياةً أُخروية وهي دار الجزاء، وكانوا يشمئزّون من الآيات الّتي تصرّح بذلك، ويظهر من كلماتهم أنّ المعاد الّذي دعا إليه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)هو إحياء البدن العنصري ومجازاتهم، فكانوا ينكرون ذلك أشدّ الإنكار، ويكتشف من نكيرهم ما دعا إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك بعض الآيات :
1. قال سبحانه: (وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)2.

1 . ص: 5 .   2 . يس: 78 ـ 79 .

صفحه 22
2. قال سبحانه: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ)1.
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تتضمّن إنكار المشركين الحياة الأُخروية الّتي سمعوها من الصادع بالحق.
وذلك يكشف عن أنّ اتّجاه الدعوة كان إلى الاعتقاد بالمعاد الجسماني العنصري لا المعاد الروحاني، ولا المعاد البرزخي المثالي.

الطريق الثاني: الآيات الّتي تصف يوم القيامة

الآيات الّتي تصف يوم القيامة وأحواله، تكشف عن كون المعاد هو عود البدن العنصري الجسماني حيث تثبت له آثار الجسم العنصري لا المثالي، قال سبحانه: (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) 2، إلى غيرها من الآيات الّتي لا يصحّ في منطق العقل تأويلها بأنّ المعاد يتعلّق بجسم مثالي أشبه بالبدن الّذي يعيش فيه الإنسان بالمنام.
وهذا هو الّذي دعانا إلى أن ندرس بعض الشبهات الّتي

1 . القيامة: 3 ـ 4 .
2 . العاديات: 9 .

صفحه 23
أُثيرت حول هذا الموضوع.
وقبل أن نبدأ بدراسة الشبهات نذكر عقيدة الشيخ الرئيس في المعاد.

نظرية ابن سينا حول المعاد الجسماني العنصري

ربّما نسمع ممّن ليس له قدم راسخ في العلوم العقلية اتّهام الشيخ الرئيس بأنّه يعتقد بالمعاد الروحاني دون الجسماني العنصري، ولكن النسبة في غير محلّها، وسيوافيك نصّ عبارته، وأنّه يقول بأنّ القسم الروحاني ممّا قام عليه البرهان العقلي وخضع الحكيم بقبوله، وأمّا المعاد الجسماني العنصري فلم يقم على ضرورته برهان عقلي ومع ذلك فقد نزل به الوحي وأوجب الاعتقاد به. وكم له من نظير، فإنّ عبادة الله سبحانه ممّا قام على وجوبها برهان عقلي حيث دلّت البراهين العقلية على وجوب شكر المنعم، وأمّا كيفية الشكر الذي يتجسّد بالصلاة فإنّما دلّ عليه الشرع وأنّه يؤدي شكر المنعم بالصلوات الرباعية والثلاثية والثنائية، فالكبرى أمر عقلي، والصغرى أمر نقلي تعبّدي، ونظير ذلك المعاد فالكبرى عقلية برهانية، وأمّا الكيفية فهي تثبت عن طريق الشرع، وإن

صفحه 24
كنت في شك ممّا فسّرنا به كلامه، فنذكر نص عبارته.
قال: يجب أن يُعَلَم أنّ المعاد منه ما هو مقبول من الشرع، ولا سبيل إلى إثباته إلاّ من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة، وهو الّذي للبدن عند البعث، وخيرات البدن وشرورُه معلومةٌ لا تحتاج إلى أن تُعلم، وقد بسطت الشريعة الحقّة الّتي أتانا بها سيدنا ومولانا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، حال السعادة والشقاوة الّتي بحسب البدن.
ومنه ما هو معلوم مدرك بالعقل والقياس البرهاني، وقد صدقته النبوة وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالقياس اللتان للأنفس، وإن كانت الأوهام منّا تقصر عن تصوّرهما الآن، والحكماء الإلهيون، رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في إصابة السعادة البدنيّة، بل كأنّهم لا يلتفتون إلى تلك وإن أُعطوها، ولا يستعظمونها في جنب السعادة الّتي هي مقارنة الحق الأوّل .1
وكلامه هذا صريح في أنّه يقول بكلا المعادين غير أنّه يفسّر المعاد الجسماني باللّذات والآلام الجسمانية من الجنة ونعيمها والنار ولهيبها، وأنّ إثبات خصوص هذه اللّذات يرجع

1 . النجاة: 291 ; الشفاء، قسم الإلهيات، المقالة التاسعة، الفصل 7 .

صفحه 25
إلى عالم الوحي، ولولا السمع لما قدرنا على الحكم بأنّ لله سبحانه في النشأة الأُخرى هذه النعم والنقم.
وبعبارة أُخرى: أنّ البرهان قائم على وجوب المعاد وأمّا كيفيته وأنّ اللّذات عقلية محضة أو عقلية وحسيّة، فإنّما يثبت بالشرع، لأنّ هذه الخصوصيات لا تخضع للبرهان .
يقول الحكيم السبزواري: القول الفحل والرأي الجزل، ] هو الجمع بين المعادين[; لأنّ الإنسان بدن ونفس، وإن شئت قلت: نفس وعقل، فللبدن كمال ومجازاة، وللنفس كمال ومجازاة، وكذا للنفس وقواها الجزئية كمالات وغايات تناسبها، وللعقل والقوى الكلية كمال وغاية، ولأنّ أكثر الناس لا يناسبهم الغايات الروحانية العقلية، فيلزم التعطيل في حقّهم في القول بالروحاني فقط...1.
ثم إنّ الظاهر من كلام الشيخ الرئيس أنّ البرهان العقلي مختصّ بالمعاد الروحاني، وأمّا الجسماني فقد ثبت بالشرع دون العقل، ولكن يمكننا القول بأنّه أيضاً قد ثبت به.

1 . الاسفار الأربعة: 9 / 165 (الهامش).

صفحه 26

البرهان العقلي للمعاد الجسماني العنصري

أمّا الشرع فواضح ; وأمّا العقل، فإنّه سبحانه تبارك وتعالى قد وعد عباده في الجنّة بنعم ومثوبات مادّية كما هو ظاهر لمن سبر آيات القرآن الكريم، ومن المعلوم أنّ الروح لا تتمتّع بهذه الجوائز المادّية إلاّ إذا تعلّقت ببدن جسماني عنصري، فوجوب الوفاء بالوعد على الله سبحانه يلزمنا بالقول بالمعاد الجسماني العنصري ولولاه لزم تخلّف الوعد وهو قبيح على الله تعالى، فمن قرأ سورة الرحمن يقف على أنّ لعباده الصالحين نعماً وآلاءً لا تفارق النعم الدنيوية غير أنّها أكمل منها.
يقول سبحانه: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ)1.
ويقول سبحانه: (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَة زَوْجَانِ)2.
ويقول سبحانه : (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُش بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق وَ جَنى الْجَنَّتَيْنِ دَان)2.
ويقول سبحانه: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاَ جَانٌّ )3 .

1 . الرحمن: 50 .   2 . الرحمن: 52 .
2 . الرحمن:54.
3 . الرحمن: 56 .

صفحه 27
ويقول سبحانه: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ)1.
فإنّ جزاء المحسنين ومثوباتهم من النعم الأُخروية، يحكي عن آلاء لا تتمتّع النفس بها إلاّ بعد التعلّق بالبدن، فلزوم الوفاء بالوعد يجرّنا إلى القول بالمعاد الجسماني العنصري وراء المعاد الروحاني.
وقد أشار المحقّق الطوسي إلى هذا البرهان بقوله: ووجوب إيفاء الوعد والحكمة يقتضي وجوب البعث .2
وحاصل الاستدلال: أنّ الله تعالى وعد بالثواب وتوعّد بالعقاب مع مشاهدة الموت للمكلّفين، فوجب القول بعودهم ليحصل الوفاء بوعده ووعيده .3
إذا عرفت ذلك فالمهم هو دراسة الشبه التي خصصنا هذه الرسالة ببيانها وتحليلها.

1 . الرحمن: 68 .
2 . كشف المراد: 285، قسم المتن.
3 . لاحظ شرح التجريد للقوشجي: 495 .

صفحه 28

الفصل الثاني

الشبهات المثارة حول المعاد الجسماني العنصري

الشبهة الأُولى:

عدم التعرّف على الأجزاء المندثرة

الشبهة: إنّ الاجزاء المتلاشية المبعثرة في أكناف الأرض لا يمكن التعرّف عليها حتى تعود أجزاء بدن كلّ إنسان إليه.
وإن شئت قلت: لا يمكن التعرّف على الأجزاء البالية من بدن كلّ إنسان المتفرقّة في أنحاء الأرض.
وهذه الشبهة قديمة كان يثيرها المشركون، قال سبحانه حاكياً عنهم: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ)1 .
الجواب: إنّ مثير الشبهة قاس علم الله سبحانه بعلمه هو، وهذا قياس غير صحيح، ولذلك يقول سبحانه: (قَدْ عَلِمْنَا مَا

1 . ق: 3 .

صفحه 29
تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ )1.
ويقول تعالى : (مَا خَلْقُكُمْ وَ لاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْس وَاحِدَة إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)2.
فالتركيز على كونه سميعاً وبصيراً يعرب عن كونه جواباً عن شبهتهم وهي عدم إمكان التعرّف على أجزاء بدن كلّ إنسان.

الشبهة الثانية:

الموت إبطال للشخصية

الشبهة: كلّ مَن يتصوّر أنّ الإنسان مجموعة من خلايا وعروق وأعصاب وعظام وجلود لا بُدّ له أن يقول: إنّ الموت إبطال للشخصية، فإذا مات الإنسان وصار تراباً بطلت شخصيته، فكيف يمكن أن يكون المعاد هو رجوع نفس الإنسان الأوّل؟
ولو أُعيد الإنسان بعد صيرورته تراباً وصار ذا مجموعة من الخلايا والعروق والأعصاب والعظام والجلود، فليس هو نفس الشخص الأوّل، لأن الأوّل قد انعدم بموته فإعادته ثانيةً

1 . ق: 4 .   2 . لقمان: 28 .

صفحه 30
إنّما هو بنفخ حياة جديدة يكون بها غير الإنسان الأوّل. بل مماثلاً له، وبعبارة أُخرى: إنّ الإعادة إيجاد بعد إيجاد، وتعدّد الفعل يدلّ على تعدّد المفعول.
وإن شئت قلت: تعدّد الإيجاد يدلّ على تعدّد الموجود، فإذن الشخصية الثانية غير الشخصية الأُولى وإن كانت المواد فيها واحدة.
وعلى هذا فخلق العروق والأعصاب والأرجل والأيدي وغيرها من الأعضاء من نفس المادة الترابية والمائية خلق جديد وإيجاد طارئ، فلو أُصيب أو أوقب يكونان في غير محلّهما، لأنّ الشخصية الأُولى انعدمت وحدثت شخصية أُخرى.
وبعبارة مختصرة: الصلة بين الشخصيتين مفقودة، فكيف يمكن أن يقال: إنّ عقاب الشخص الثاني نفس عقاب الشخص الأوّل، فإنّ وحدة المواد لا تضفي على الوجودين وحدة حقيقية؟
ولعلّ هذه الشبهة هي المعروفة بأنّ المعدوم لا يعاد فيمتنع حشر الموتى .1

1 . الشواهد الربوبية: 269، المشهد الرابع، الإشراق الرابع.

صفحه 31
والظاهر من بعض الآيات أنّ المُعاد ـ بالضمّ ـ نفس الشخص الأوّل لا مثله، يقول سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)1.
الجواب: إنّ هذه الشبهة أيضاً ـ ليست جديدة ـ بل كان يطرحها العرب في الجاهلية فقد قالوا ـ كما يحكي عنهم القرآن الكريم ـ : (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)2.
فإنّ مرادهم من الضلال في الأرض بطلان الهوية بطلاناً كاملاً لا يمكن أن يتّسم بالإعادة، بل يكونون خلقاً جديداً مماثلاً للخلق الأوّل، لا نفسه. ثم إنّه سبحانه يردّ على هذه الشبهة بوجهين:
1. قوله تعالى: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)2.
2. قوله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)3.
فالآية الأُولى تشير إلى أنّ الباعث لإثارة هذه الشبهة هو

1 . يس: 77 .   2 . السجدة: 10 .
2 . السجدة : 10 .
3 . السجدة: 11.

صفحه 32
تبنِّيهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء الله تعالى، فبما أنّهم يكفرون بذلك اللقاء يثيرون هذه الشبهة، وهي قولهم: (وَ قَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)، فلو كانوا مؤمنين باللقاء لما تمسّكوا بهذه الشبهة.
وأمّا الآية الثانية فهي بصدد قلع الشبهة من أساسها، وذلك من خلال تفسير التوفّي وأنّه ليس بمعنى الإماتة في الآية، بل بمعنى الأخذ، ففرق بين التوفّي وبين الموت، فالأوّل أعمّ من الثاني بشهادة قوله سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)1.
ترى أنّ لفظة (الّتي) معطوفة على (الأَنْفُسَ)وتقدير الآية: الله يتوفّى الّتي لم تمت في منامها، فقد جمع بين التوفّي وعدم الموت، وهذا أفضل شاهد على أنّ التوفّي إنّما هو بمعنى الأخذ لا الإماتة.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى توضيح مفاد الآية جواباً عن الشبهة:
يقول سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ): أي يأخذكم

1 . الزمر: 42.

صفحه 33
ملك الموت الّذي وكلّ بكم ثم إنّكم إلى الله ترجعون، ومعناه أنّ شخصيتكم الحقيقية يأخذها ملك الموت ولا تبقى في الأرض حتّى تضل، وما يأخذه ملك الموت هو عندنا محفوظ لا يضل، وإنّما الضال ـ عندكم ـ هو البدن الّذي يكون بمنزلة اللباس لهذه الشخصية، وعلى هذا فالبدن الضال (على فرض ضلاله) لا يمت لشخصية الإنسان بصلة، وأمّا ما يمت إلى شخصية الإنسان بصلة فهو غير ضالّ، فلو تعلّق بالبدن العنصري تتحقّق الشخصية الإنسانية الّتي كانت تعيش في عالم المادة، وإلى هذا يرجع قول العلماء: شخصية الإنسان بنفسه وروحه.
فلو أُريد منه أنّ المعاد هو النفس والروح فهو مخالف لصريح القرآن، وإن أُريد به أنّ النفس هي الّتي تحفظ بها شخصية الإنسان، لا العروق والأعصاب والجلود المتبدّلة إلى التراب فهو صحيح، وعلى هذا لو تعلّق ما هو المحفوظ عند الله سبحانه بالبدن الدنيوي في الحشر يكون المُعاد نفس الأوّل .
وحاصل الكلام: أنّ الشبهة مبنية على أنّ الإنسان هو نفس البدن بما فيه من أعضاء وأعصاب وغير ذلك ، فإذا صار تراباً بطلت روحياته ونفسانياته من خير وشر، فلو أُعيد يكون مثلاً لا

صفحه 34
عين الأوّل، ويقع الثواب والعقاب في غير محلّه.
وأمّا لو قلنا بأنّ للإنسان ـ وراء البدن ـ حقيقة متعالية لا تندثر بمرّ الزمان وكرّ الجديدان وهي الّتي تحمل روحيات الإنسان من خير وشر، وهي الصلة الوثيقة بين المبتدأ والمُعاد، فلا يلزم الإشكال.
وذلك لأنّ ما هو المحفوظ عند الله يجعل البدن الثاني إعادة للشخص الأوّل، والبدن الثاني وإن لم يكن عين البدن الأوّل بل مثله.
لكن الروح المصونة عن كلّ تغيّر، إذا تعلّقت بالبدن الثاني يكون المُعاد هو المبتدأ ; لأنّ المناط في تحديد الشخصية الإنسانية هو روحه ونفسه والبدن غير مهتم به، والسبب الداعي لحشره ببدنه هو عدم إمكان تعذيب الروح أو تنعمها إلاّ عن طريق البدن، فإذا كانت الشخصية محفوظة فلا تنقطع الصلة بين المبتدأ والمعاد، خصوصاً أنّ أجزاء البدن المبعثرة معلومة لله سبحانه، فهو يركّب تلك الأجزاء المبعثرة وتصير بواسطة الحركة الجوهرية في داخلها إلى حدٍّ تكون قابلة لأن تتعلّق بها الروح السابقة.

صفحه 35

الشبهة الثالثة:

شبهة الآكل والمأكول

الشبهة: إنّ هذه الشبهة من أقدم الشبهات الّتي وردت في الكتب الكلامية حول المعاد الجسماني، وقد اعتنى بدفعها المتكلّمون والفلاسفة عناية بالغة، وإلى هذه الشبهة أشار المحقّق الطوسي ـ في ضمن الجواب ـ بقوله: ولا تجب إعادة فواضل المكلّف .1 وقد قُرّرت بصور نذكر منها ما يلي:
1. لـو أكـل إنسانٌ كافرٌ، إنساناً مؤمناً، وقلنا بأنّ المراد من المعاد هو حشر الأبدان الدنيوية في الآخرة، فيلزم تعذيب المؤمن، لأنّ المفروض أنّ بدنه أو جزءاً منه، صار جزءاً من بدن الكافر، والكافر يُعذَّب، فيلزم تعذيب المؤمن .2
2. أنّ المقابر الواقعة في أكناف البلاد تتبدّل إلى حدائق للتنزّه والتفرّج أو إلى مزارع وحقول زراعية يتغذّى منها

1 . كشف المراد: 258 .
2 . لاحظ : شرح المواقف للسيد الشريف: 8 / 245; شرح المقاصد للتفتازاني: 2 / 216 .

صفحه 36
الحيوان والإنسان، فيؤول بدن الإنسان الميّت، جزءاً من الإنسان الحي، فعندئذ يطرح الإشكال المتقدّم.
الجواب: وهو من وجهين:
الأوّل: ما أجاب به غير واحد من المتكلّمين وحاصله: أنّ المُعاد، إنّما هو الأجزاء الأصلية، وهي الباقية من أوّل العمر إلى آخره، لا جميع الأجزاء على الإطلاق، وهذه الأجزاء الأصلية، التي كانت للإنسان المأكول، هي في الآكل فضلات، فإنّا نعلم أنّ الإنسان يبقى مدّة عمره وأجزاء الغذاء تتوارد عليه وتزول عنه، فإذا كانت فضلات فيه، لم يجب إعادتها في الآكل بل في المأكول.1
ويظهر من المحقق الطوسي ارتضاؤه ـ هذا القول ـ حيث قال: ولا تجب إعادة فواضل المكلّف ـ كما مرّ ـ وأوضحه العلاّمة الحلي بقوله: إنّ لكلّ مكلّف أجزاء أصلية لا يمكن أن تصير جزءاً من غيره، بل تكون فواضل من غيره لو اغتذى بها.2
الثاني: ما يحتاج إلى تقديم مقدّمة، وهي أنّ الإشكال مبني على أنّ للإنسان عبر الحياة بدناً واحداً، لا يتبدّل ولا يتغيّر،

1 . شرح المواقف:8/296.   2 . كشف المراد:256.

صفحه 37
ولكن الثابت عند الاخصّائيين غير ذلك، فقد ذهبوا إلى أنّ مجموع خلايا البدن تتبدّل إلى خلايا أُخرى كلّ عشر سنوات، فبدن الإنسان بعد عشر سنين، من عمره يغاير بدنه الموجود قبل عشر سنين، وعلى هذا فالإنسان الّذي يبلغ عمره ثمانين سنة قد عاش في ثمانية أبدان مختلفة، وهو يحسبها بدناً واحداً.
إذا عرفت ذلك فنقول هنا فروض للشبهة، نفترضها ثم نجيب عنها:
1 . لو فرض أنّ بدن إنسان صار جزءاً من بدن إنسان آخر، فبما أنّ للمأكول أبداناً متعدّدة على مدى حياته، فواحد منها مقرون بالمانع، والأبدان الأُخرى خالية منه فيحشر مع الخالي.
2 . لو فرض أنّ جميع أبدانه اقترنت بالمانع، فإنّه أيضاً لا يصد عن القول بالمعاد الجسماني، لأنّ الناموس السائد في التغذية، هو أنّ ما يستفيده الإنسان من الغذاء لا يتعدى ثلاثة بالمائة من المأكول والباقي يدفعه.
فإذن لا مانع من أنْ تتعلق الروح بالأجزاء الباقية الّتي تتفاوت عن البدن الدنيوي من حيث الوزن والحجم، ولم يدلّ دليل على أنّ المحشور في النشأة الأُخروية يتّحد مع الموجود في النشأة الدنيوية في جميع الجهات وعامّة الخصوصيات.

صفحه 38
3 . لو فرض أنّ قانون التحوّل ساد على أبدان المأكولين، فلم يبق من كلّ بدن إلاّ النزر اليسير الّذي يتشكّل منه بدن إنسان كامل، فلا مانع في هذا الفرض النادر من تكميل خلقته بالمواد الأرضية الأُخرى حتى يكون إنساناً قابلاً لتعلّق الروح به، وليس لنا دليل على أنّ المُعاد في الآخرة يتّحد مع الموجود في الدنيا في جميع الجهات حتى المادة الّتي يتكّون منها أكثر البدن.
نعم، إنْ كانت المادة الترابية الّتي تكوّن منها البدن الدنيوي موجودة، فلا وجه للعدول عنها إلى تراب آخر، وأمّا إذا كانت مقرونة بالمانع، فلم يبق إلاّ جزء يسير لا يكفي لتكوّن البدن، فلا غرو في أن يُتَسَبَّب في تكميل خلقته بالأخذ من المواد الترابية غير المقرونة بالمانع.
وهنا جواب آخر عن عامّة الفروع، وهو: أنّ العلم الحديث كشف عن وجود خلايا أساسية لكلّ فرد من أفراد الكائنات الحية، فلو بقي من كلّ إنسان خلية أساسية واحدة وهي إذا خضعت للتربية والنمو والتكامل تكون إنساناً كاملاً، ولا شكّ أنّ الإنسان يتشكّل بدنه من مليارات الخلايا، ومن البعيد أن تؤكل عامّة خلاياه ولا يبقى منها حتّى ولو خلية واحدة تقبل التكامل والإعادة في يوم المعاد.

صفحه 39

الشبهة الرابعة:

تعلّق الروح ـ بعد المفارقة ـ بالبدن تناسخ

الشبهة: ربّما يتصوّر أن تعلّق الروح ـ بعد المفارقة ـ بالبدن، تناسخ، لأنّ التناسخ عبارة عن انتقال الروح بالموت من البدن المادي إلى بدن مثله في هذه النشأة، وهذا النوع من الانتقال هو التناسخ المصطلح الّذي ذهب إليه بعض الفلاسفة من البراهمة والهندوس، ورائد هذا الفكر هو «يوذاسف»، فلو قلنا بالمعاد الجسماني العنصري لكانت النتيجة هي التناسخ الّذي اتّفق علماء الإسلام على بطلانه وحكموا بكفر من يقول به .
وقد أشار إلى هذه الشبهة صدر المتألّهين حاكياً عن المنكرين، قولهم: إنّه يلزم التناسخ.
الجواب: إنّ صاحب الشبهة لم يفرّق بين التناسخ المصطلح الرائج بين الهنود والبراهمة، والمعاد الجسماني

صفحه 40
العنصري الّذي قال به القرآن الكريم، وإليك الفرق بينهما.
إنّ التناسخ المصطلح عبارة عن تعلّق روح الإنسان ـ بعد مفارقة البدن بالموت ـ بجنين إنسان أو حيوان أو خلية نباتية، والكلّ دونها في الكمال. فأصحاب هذا القول يتصوّرون أنّ النفوس المتوسطة تنتقل بعد فناء أبدانها إلى أجنّة الإنسان أو الحيوان، و تعود إلى الدنيا لمتابعة مسيرة الاستكمال، و الإرتقاء إلى درجة النفوس الكاملة.
ولكنّه خيال باطل، لأنّ تعلّق تلك النفوس بالجنين الإنساني أو الحيواني بما لها من الكمال المناسب لمقامها، أمر غير ممكن عقلا، لأنّ النفس ما دامت في البدن تزداد في فعليتها شيئاً فشيئاً حتى تصير أقوى وجوداً و أشد تحصُّلا. و مثل هذا لا يمكنه أن يتعلّق بالموجود الأدنى منه، الّذي لا يتحمّل ذلك الكمال و تلك الفعليّة، لعدم تحقّق التعاضد و الانسجام بينهما.
و بعبارة أُخرى: إنّ واقعية النفس التّي عاشت مع البدن أربعين سنة مثلا، واقعيةُ تَفَتُّح القوى وبلوغها مقام الفعلية. و أمّا النفس التّي تتعلّق بالأجنّة، فتفقد كلّ فعلية، ويكون انتسابها الى جميع الكمالات بالقوة، فحسب. فإذن القول بتعلّق النفس