welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 8*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 8

صفحه 1

صفحه 2

صفحه 3
رسائل ومقالات
8

صفحه 4
 

صفحه 5
 
رسائل ومقالات
تبحث في مسائل كلامية، عقائدية، فقهية، أُصولية، تراجم،
وحوارات مع بعض الأعلام، وفيها إرشادات
ودعوة إلى التقريب بين المذاهب
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني
الجزء الثامن
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
آية الله العظمى جعفر السبحاني، 1347ق. ـ   
رسائل ومقالات: تبحث في مسائل كلامية، عقائدية، فقهية، أُصولية، تراجم، وحوارات مع بعض الأعلام، وفيها إرشادات ودعوة إلى التقريب بين المذاهب / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1433 ق = 1391
ج.   (Vol.8) ISBN: 978-964-357-503-8
(Vol.SET) ISBN: 978-964-357-465-9
أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا:
1. الإسلام ـ ـ مقالات وخطابات 2. الشيعة ـ رسائل ومقالات. ألف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. العنوان. تبحث في مسائل كلامية، عقائدية، فقهية، أُصولية، تراجم، وحوارات مع بعض الأعلام، وفيها إرشادات ودعوة إلى التقريب بين المذاهب.
5ر 2س/5/10/BP   08/297
1391
اسم الكتاب:    رسائل ومقالات
الجزء:    الثامن
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
التاريخ:    1433 هـ . ق
الكمية:    1000 نسخة
عدد الصفحات:    488 صفحة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
      تسلسل النشر: 717                  تسلسل الطبعة الأُولى: 389
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir
   
    رسائل ومقالات / ج 8

صفحه 7
الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأفضل بريته، محمد وعلى آله، موضع سرّه، وملجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه، الذين أذهب ربهم عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فقد وقفت منذ ـ زمن قديم ـ على حديث مرويّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هو: «المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم، تكون تلك الورقة ستراً فيما بينه وبين النار»1.
فهذا الحديث وما ورد في معناه ومضمونه في الجوامع الحديثية، مضافاً إلى قول الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل سلب نور الإيمان»2، كان حافزاً لي للإجابة عن الأسئلة والشبهات الّتي تطرح بكثرة في هذه الأيام عن الإسلام والتشيّع .
وقد قمت بتحرير مجموعة من المقالات والرسائل في مناسبات مختلفة لغاية الدفاع عن الإسلام، والذبّ عن حياضه، وإماطة اللثام عن وجه الحقيقة ; وقد تناولت مواضيع متفرّقة، وبحوث متعدّدة في الكلام والفقه وعلوم القرآن، وغيرها من الكلمات الّتي ألقيناها في بعض المؤتمرات واللقاءات العلمية. وقد

1 . أمالي الصدوق: 40 برقم 3.
2 . وسائل الشيعة: 11، الباب 40 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 9 .

صفحه 8
قمنا بإدراج هذه المقالات والرسائل في هذا الجزء، وهو الجزء الثامن من موسوعتنا «رسائل ومقالات» الذي يزفّه الطبع للقرّاء الكرام راجين أن يقع موقع القبول.
وقد اشتمل هذا الجزء على فصول أربعة، هي:
الفصل الأوّل: المقالات. ويحتوي على سبع مقالات في الفقه والكلام والتراجم.
الفصل الثاني: مقالات وردود. ويشتمل على أربع مقالات كلامية تجيب عن شبهات القوم حول التقية، والبداء، وقاعدة اللطف والاختبار، وإتقان الاستدلال بآية الابتلاء .
الفصل الثالث: مقالات قرآنية. ويشتمل على ثمان مقالات في علوم القرآن وتفسيره، هي: المجاز في القرآن، الوحي لغةً واصطلاحاً، نزول القرآن في شهر رمضان، فرية انقطاع الوحي، غار حراء وذكريات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فيه، صيانة القرآن من التحريف، الإعجاز البياني للقرآن، وتفسير سورة القيامة.
الفصل الرابع: رسائل وتقاريظ. ويشتمل على ست رسائل، هي: الحسن والقبح العقليان، تفسير كلام الإمام علي (عليه السلام)في توحيده تعالى، استنكار الاحتفال الذي أُقيم في لندن، بياننا إلى طالبات الحوزة المهدوية في المدينة المنوّرة، بحار الأنوار دائرة معارف إسلامية، وخصوصيات التشريع الإسلامي والمسائل المستحدثة.
أشكر الله سبحانه على نعمه الوافرة وأستغفره من جميع الذنوب والآثام .
وأُصلي وأُسلم على نبيه وآله الأطهار
جعفر السبحاني

صفحه 9
الفصل الأوّل:
المقالات
1 . الحدوث والقدم
2 . تطوّر العلوم سر بلوغ القمّة
3 . فلسفة الفقه: مخاضات التأصيل
4 . صفة حج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الإمام الباقر (عليه السلام)
5 . تغيير الجنس في الشريعة الإسلامية
6 . شدّ الرحال لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الأطهار (عليهم السلام)
7 . كمال الدين ميثم البحراني.. حياة مليئة بالعطاء والأحداث

صفحه 10

صفحه 11
1
الحدوث والقدم
الحدوث لغة هو: كون الشيء بعد أن لم يكن، عرضاً كان ذلك أو جوهراً، وإحداثه إيجاده، والمُحدَث ما أُوجِدَ بعد أن لم يكن.1
وفي الحديث: «إيّاكم ومحدثاتِ الأُمور» أي: اجتنبوا عن الأُمور التي ليست في الكتاب والسنّة ولا في سيرة النبي(صلى الله عليه وآله)، وفي حديث آخر: «من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ مردود».
وأُريد أنّ من أدخل في الدين ما ليس منه فهو مردود باطل.2
وعلى هذا فالحدوث نقيض القِدم، والحديث نقيض القديم.(3)
غير أنّ العرف يتسامح في استعمال الحادث والقديم، فكلّ ظاهرة طال عمرها يقال عنها قديمة، وما قصر عمرها فهي حادثة.
إنّ البحث عن حدوث العالم أو قدمه، له جذور في الفلسفة الإغريقية وقد نُقلت عن أفلاطون وأرسطو أُمور لها صلة بهذا البحث، وهذا يعرب عن أنّ المسألة كانت مطروحة بين الفلاسفة منذ زمن قديم.
الحدوث والقدم تارة يبحث عنهما في إطار واسع يعبّر عنه بمعرفة

1 . مفردات الراغب، مادة «حدث».
2 . مجمع البحرين، مادة «حدث».   3 . لسان العرب، مادة «حدث».

صفحه 12
الوجود، فيكون الوجود بما هو وجود موضوعاً للبحث فينقسم إلى قديم وحادث، فالله سبحانه هو القديم وغيره حادث.
وتارة أُخرى يبحث عنهما في إطار ضيق وهو معرفة العالم، وأنّه هل هو حادث أو قديم؟ وإن شئت قلت: معرفة الوجود الإمكاني، فيبحث عن حدوثه وقدمه بمعان مختلفة.
أمّا البحث عنهما في الإطار الواسع فمحلّه هو الأُمور العامة التي يبحث فيها عن الموجود بما هو موجود فيصحّ تقسيم الوجود إلى قديم وحادث، وقد عُرّفت الأُمور العامة بقولهم: نعوت كلية تعرض للموجود من حيث هوهو من دون أن يكون مقيّداً بقيد رياضي أو طبيعي.1
أو يبحث عن أُمور لا تختص بموجود خاص كالجوهر والعرض.2
فالمحمول في الأُمور العامة يعرض على الموجود بما هو موجود ويقال: الموجود إمّا واجب أو ممكن، والممكن إمّا مجرد أو مادّي، إلى غير ذلك من العوارض كالعلية والمعلولية والحدوث والقدم التي تعرض على ذات الموجود بما هو موجود.
وإن شئت قلت: إنّ المحمول في الأُمور العامة كالوجوب والإمكان والعلّة والمعلول والحدوث والقدم والتجرّد والمادة، يعرض على ذات الموجود، لا الموجود بقيد كونه رياضياً أو طبيعياً.
وبذلك يتميّز البحث الفلسفي عن البحوث العلمية فالموضوع في الأوّل

1 . الأسفار الأربعة:1/28.
2 . شرح التجريد للفاضل القوشجي:4.

صفحه 13
هو الموجود أو الوجود بما هوهو، ولكن الموضوع في العلوم، هو الموجود المتخصّص بالطبيعية أو الرياضية، فالبحث عن عوارض الجسم الطبيعي بحث علمي طبيعي، كما أنّ البحث عن عوارض الكم المنفصل والمتصل بحث علمي رياضي.
وليعلم أنّ المراد من عروض هذه المحمولات على الوجود هو العروض في الذهن، يعني أنّ الذهن يتصوّر الوجود أوّلاً ويصفه ثانياً بالوجوب والإمكان، وأمّا في الخارج فالمحمولات عين الوجود بمعنى أنّ الوجود يتحقّق في ضمن هذه القوالب والخصوصيات، فالوجوب قالب والإمكان قالب آخر، والقدم والحدوث قالب ثالث ورابع بمعنى ظهور الوجود بهذه الخصوصيات والتعيّنات، وليست هذه الخصوصيات إلاّ نفس الشيء في الخارج.
وقد عرفت أنّ هذه المباحث ترجع إلى الأُمور العامة ولا صلة لها بمقالنا هذا، وإنّما نركّز فيه على الحدوث والقدم في إطار العالم الإمكاني. وقد درس علماء اليونان هذه المسألة فخرجوا بنتائج لم تصلنا على وجه التفصيل، لكن لمّا ترجمت الكتب اليونانية إلى العربية خاض فلاسفة الإسلام في حدوث العالم وقدمه وجاءوا بنتائج مهمة نذكرها تباعاً، ولكن قبل أن نستعرض آراءهم نركّز على أمرين:

أ. اتّفاق أصحاب الشرائع على حدوث العالم زماناً

اتّفق أتباع الشرائع السماوية على حدوث العالم زماناً، وقد ذاع فيهم

صفحه 14
قولهم: كان الله ولم يكن معه شيء.1
وقد شاع تفسير هذه الكلمة القدسية بقولهم: كان زمان ولم يكن للعالم أثر ولا خبر، فالزمان المتصوّر قبل هذا العالم يُعدّ مهداً متضمّناً لعدم هذا العالم، ثم انقلب العدم في برهة من هذا الزمان إلى الوجود.
هذا هو الشيخ الأنصاري يقول: اتّفقت الشرائع السماوية على حدوث العالم زماناً بهذا المعنى.2

ب. التفسير الخاطئ لما نقل عن أفلاطون وأرسطو

قيل: إنّه سُئل أفلاطون عن قدم العالم وحدوثه، فقال: النظم حادث والمادة قديمة، كما قيل: إنّه سئل أرسطو نفس هذا السؤال فقال: الحركة والزمان لابداية لهما، لأنّ تصوّر الحدوث لهما يلازم وجود زمان لم يكن فيه حركة ولا زمان ثم حدثا، فكيف يمكن تصوير ذلك مع أنّ الزمان مقدار الحركة. فيجب أن يكون قبل العالم أفلاك متحركة توجد الزمان، والمفروض أنّه لا أفلاك قبلها.3
وقد انتزع بعض من ليس له قَدمٌ في المسائل الفلسفية أنّ العلمين لا يعتقدان بوجود واجب أوجد العالم.
مع أنّه لو صحّت هذه النسبة، لا يصحّ نسبة الإلحاد إليهما، بل غاية ما تدلّ عليه أنّ المادة قديمة زماناً لا قديمة ذاتاً، والقدم الزماني غير غني عن الواجب.

1 . صحيح البخاري:4/73، و 8/175.
2 . فرائد الأُصول:57.
3 . دانشنامه جهان اسلام: 28ـ29، مادة «حدث».

صفحه 15
ويمكن تفسير كلام العلمين بأنّ العالم حادث ذاتاً لا زماناً، لأنّ لازم كونه حادثاً زماناً تصوير وجود زمان قبل العالم خالياً عن وجوده، فحدث فيه، مع أنّ الزمان هو جزء من هذا العالم وليس خارجاً عنه، فهذا ما دعا الفيلسوفان إلى القول بحدوث النظم زماناً وقدم المادة زماناً لا ذاتاً، فالعالم الإمكاني بنظامه ومواده موجود إمكاني قائم بالله سبحانه مخلوق له وإن لم يكن هنا فاصل زماني بينه سبحانه وبين العالم.
هذا ما يمكن به تفسير كلامهما، والعلم عند الله سبحانه.
***
إذا علمت ذلك فلنرجع إلى بيان أقسام الحدوث والقدم والمتمثّلة بالعناوين التالية:
1. الحدوث الزماني للعالم.
2. الحدوث الذاتي للعالم.
3. الحدوث الدهري للعالم.
4. حدوث المادة حسب العلوم الحديثة.
5. الحدوث الاسمي للعالم.
فها نحن نشرح آراء وعقائد القائلين بهذه الأقسام، من دون انحياز منّا إلى واحد منها، وسيوافيك ما هو المختار في آخر المقال:

1. الحدوث الزماني للعالم


صفحه 16
الحدوث الزماني عبارة عن سبق زمان على وجود الشيء لم يكن عنه ـ في ذلك الوعاء ـ خبر ولا أثر، وكأنّ الزمان السابق على الوجود وعاء عدم الشيء، ثم حدث وتحقّق. ومن المعلوم أنّ العدم السابق المتحقّق في وعاء الزمان عدم مقابل لا يجتمع مع الوجود، فلا يوصف هذا العدم بالعدم المجامع مع وجود الشيء بل بالعدم المقابل، فيقال: لم يكن زيد موجوداً في عصر كذا، ثم ولد ووجد وحدث.
ولا شكّ أنّ الإنسان يواجه حوادث كثيرة لم يكن لها أثر في الزمان السابق ثم حدثت، فما نشاهده من آلاف الظواهر في يومنا هذا كانت مسبوقة بالعدم في الأمس، وهكذا ظواهر الأمس الدابر كانت مسبوقة بالعدم قبل الأمس، وهكذا فصاعداً، وكلّ حادث في زمان كان معدوماً في الزمان السابق له،... وعلى هذا فالعالم بإجزائه المتسلسلة حادث زماني كلّ جزء منه مسبوق بالعدم في الزمان السابق، وما هذا إلاّ لأنّ وجود الحركة في العالم تعكس عدم الحوادث الجديدة.
ولذلك اتّفق اتّباع الشرائع السماوية على حدوث العالم زماناً فلم يكن العالم موجوداً في برهة، ثم حدث.

تقييم النظرية

لا شكّ أنّا إذا نظرنا إلى كلّ جزء من أجزاء العالم الذي نحن فيه وإلى كلّ جزء ممّا سبق، نجد أنّ كلّ ظاهرة كانت غير متحقّقة ثم حدثت، فكلّ ظاهرة مسبوقة بالعدم قبل وجودها، وهكذا إذا نظرنا إلى ملايين الظواهر المتسلسلة في العالم فكلّ قطعة مسبوقة بالعدم في القطعة المتقدمة وكأنّ كلّ قطعة متقدّمة،

صفحه 17
مهد لعدم القطعة المتأخّرة.
إنّما الكلام إذا نظرنا إلى العالم نظرة كلّية فاحصة عنه بكلّه، فهل يمكن أن يقال: كان مسبوقاً بزمان حقيقي حاضن لعدم العالم، ثم تبدّل العدم في ذلك إلى الوجود مع أنّ الزمان الذي صار مهداً لعدم العالم هو جزء من هذا العالم وليس أمراً منفصلاً عنه، فكيف يمكن أن يتقدّم قبل العالم ويصير مهداً لعدم العالم، وعلى فرض صحّة ذلك ينتقل الكلام إلى هذا الزمان الذي صاراً عاكساً لعدم هذا العالم، فهل هو حادث زماني، بمعنى أنّه كان في صفحة الوجود زمان لم يكن عن هذا الزمان فيه أثر ثم حدث.
فلو صحّ هذا ينتقل الكلام إلى كيفية هذا الزمان الثاني، فيلزم التسلسل. ولذلك ترى أنّ الحكيم السبزواري يسمّي الزمان الذي يعكس عدم هذا العالم بالزمان الموهوم لا الزمان الحقيقي.1
وهناك من يتجاسر ويريد أن يثبت عدم هذا العالم في ظرف من الظروف ويقول: إنّ وجوده سبحانه بما أنّه موجود قديم كاف لانتزاع عدم العالم منه، وكأنّ وجوده سبحانه حاضن لعدم هذا العالم.
وأظن أنّ هذا التصوير غير لائق بالطرح والإجابة ; لأنّ وجوده سبحانه أرفع من أن يكون منشأً لانتزاع الزمان الحقيقي، لأنّ الزمان مقدار الحركة، والموجود المنزّه عن التحوّل والتغيّر والتبدّل لا يتصوّر فيه الزمان الحقيقي.2

1 . شرح المنظومة للسبزواري، قسم الحكمة: 77.
2 . مجلة مكتب تشيّع، السنة2، مقال العلاّمة الطباطبائي: 148.

صفحه 18

ما هي المصلحة في إمساك الفيض؟

لمّا كان لازم القول بالحدوث الزماني للعالم كلّه أن يكون هناك فاصل زماني بين وجوده سبحانه وإيجاده العالم فيتوجه للقائلين بذلك، السؤال التالي: أي مصلحة في إمساك الفيض مدّة، ثم إحداث العالم؟
ولكن هذا السؤال في غير محلّه، إذ يمكن أن تكون في إمساك الفيض مصلحة لا ندركها بعقولنا القاصرة فهي لا تحيط بعامة المصالح.
نعم اعترض الشيخ الرئيس على إمساك الفيض بوجه آخر، وقال: إنّ العدم الصريح لا يتميز فيه حال يكون فيها إمساك الفاعل عن الفاعلية أولى بالقياس إليه، أو يكون لا صدور الفعل أولى بالقياس إلى الفعل من حال أُخرى يصير فيها فاعليته أولى به، أو صدور الفعل أولى بالفعل.1
وما ذكرناه إيضاح من المحقّق الطوسي لعبارة الشيخ في الإشارات حيث يقول هو فيها: إنّه لم يتميز في العدم الصريح حال الأولى به فيها أن لا يوجد شيئاً أو بالأشياء أن لا توجد عنه أصلاً وحال بخلافها.2
وحاصله: أنّ العدم الفاصل بين ذاته سبحانه وفعله عدم مطلق، وباطل محض، وظلمة بحتة لا نور فيها فلا يتصوّر فيها النفي والإثبات حتى يقال: الإمساك أفضل من الإفاضة أو بالعكس... .
كلّ هذه المفاهيم إنّما تتصوّر فيما إذا كان هناك فصل حقيقي وزمان واقعي حتى يقاس الإمساك إلى الإفاضة ويحكم على الأوّل بالأصلحية.

1 . شرح الإشارات:3/131.
2 . نفس المصدر.

صفحه 19

2. الحدوث الذاتي للعالم

إنّ الكون بتمام أجزائه حادث ذاتاً ويراد به أنّ كلّ جزء منه في حدّ ذاته فاقد للوجود والتحقّق، وإنّما يعرض له الوجود في مرتبة متأخّرة بعد الانتساب إلى العلّة، وهذا النوع من الفقدان أمر ذاتي له لا ينفك عنه حتى بعد الوجود ولذلك يوصف بالعدم المجامع فيقال: الشيء الممكن المتحقّق فاقد للوجود في حدّ ذاته، واجد له بعد الانتساب إلى العلّة.
وقد عرّف الشيخ الرئيس الحدوث الذاتي بالتعبير التالي:
ثم أنت تعلم أنّ حال الشيء الذي يكون للشيء باعتبار ذاته متخلّياً عن غيره قبل حاله من غيره قبليّة بالذات، وكلّ موجود عن غيره يستحقّ العدم لو انفرد، أو لا يكون له وجود لو انفرد، بل إنّما يكون له الوجود عن غيره. فإذن لا يكون له وجود قبل أن يكون له وجود و]هذا[ هو الحدوث الذاتي1.
وقد وقع قول الشيخ الرئيس: «كلّ موجود عن غيره يستحق العدم لو انفرد» موضع الاعتراض، من قِبل شراح كلامه، فقال الرازي في شرحه على الإشارات: الممكن لا يستحق الوجود من ذاته ولا يلزم منه أنّه يستحقّ اللاوجود، فإنّ المستحق للاّوجود هو الممتنع. فإذن وجوده مسبوق بلا استحقاق الوجود لا بالعدم، أو باللاّ وجود.
ثمّ قال: ففي قول الشيخ: «إنّه يستحق العدم لو انفرد، أو لا يكون له وجود لو انفرد» مغالطة ; لأنّه إن أراد بالانفراد اعتبار ذاته من حيث هي هي، فهو في

1 . شرح الإشارات والتنبيهات، القسم الثالث:113.

صفحه 20
هذه الحالة لا يستحقّ العدم أو اللاّوجود، وإلاّ لكان ممتنعاً لا ممكناً، وإن أراد به اعتبار ذاته مع عدم علّته فلا يكون الانفراد انفراداً.1
وما اعترض به الرازي على كلام الشيخ الرئيس ربما يورد على القول المعروف في تعريف الماهية، فيقال:«الماهية من حيث ذاتها أن تكون ليس، ومن جانب علّتها أن تكون أيس» فيتوهم أنّ المراد أنّ الماهية بحدّ ذاتها تقتضي العدم كما هو ظاهر قوله:«ليس».
ثمّ إنّ المحقّق الطوسي أجاب عن الإشكال وقال: لفظة «لا يكون له وجود» في قول الشيخ: «أو لا يكون له وجود لو انفرد» ليست بمعنى العدول حتى يكون معناه «انّه يثبت له أن لا يكون له الوجود» بل هي بمعنى السلب، وتقدير الكلام كلّ موجود عن غيره فليس له معنى الوجود لو انفردت ماهيته.2
وبعبارة أُخرى: فرق بين قولنا: الماهية لا يكون لها الوجود لو انفردت، على نحو المعدولة فتكون الماهية في حدّ ذاتها موصوفة بأن لا يكون لها الوجود لو انفردت، فتكون مقتضية للعدم وتتساوى مع ممتنع الوجود، وبين قولنا: ليست الماهية مقتضية للوجود لو انفردت، إذ معناه عدم الاقتضاء لا اقتضاء العدم.
وبذلك يصحّ أن يقال: إنّ اتّصاف الماهية بالعدم سابق لاتّصافها بالوجود.3

1 . الإشارات والتنبيهات، القسم الثالث: 115.
2 . شرح الإشارات:3/116.
3 . لاحظ : نهاية الحكمة:206. بتصرف.

صفحه 21

المحقّق الداماد ونقد الحدوث الذاتي

الحدوث الذاتي وإن كان أمراً صحيحاً لكنّه لم يكن مقنعاً للسيد المحقّق الداماد، ولذلك حاول أن يثبت للعالم حدوثاً آخر أسماه الحدوث الدهري، وإليك نصّ كلامه:
قد تعرّفت أنّ سبق العدم بحسب الحدوث الذاتي سبقاً بالذات ليس سبيله مسبوقية الوجود بالعدم المقابل له، إذ سلب الوجود في مرتبة نفس الماهية من حيث هي هي لا يقابل الوجود الحاصل في حاقّ الواقع من تلقاء العلّة الفاعلة بل يجامعه.1
توضيحه: أنّ الذي نحن بصدده هو إثبات سبق العدم على وجود الممكن، سبقاً مقابلاً غير مجامع، وأمّا الحدوث الذاتي فلا يُثبت عدماً سابقاً على الوجود، بل العدم فيه مجامع مع الوجود وليس هناك تقابل بينهما،فالعدم في مرتبة الماهية من حيث هي هي، مع الوجود في مرتبة وجود العلّة الفاعلة، متجامعان يتعانقان ولا يتقابلان.

المحقّق الداماد والحدوث الزماني

ثمّ إنّ المحقق الداماد كما اعترض على الحدوث الذاتي بأنّه على فرض ثبوته غير مطلوب لنا، كذلك اعترض على الحدوث الزماني بقوله: وكذلك سبق العدم بحسب الحدوث الزماني، سبقاً بالزمان، ليس سبيله ـ أن يكون الوجود الحادث مسبوقاً بعدم يقابله في امتداد الزمان، فإنّ قبليّة العدم السابق ممايزة

1 . القبسات:17.

صفحه 22
لبعديّة الوجود اللاحق بحسب تمايز زمانيهما في الوجود، لكونهما زمانيين، وحدّ العدم القبل غير حدّ الوجود البعد، والحدّان غير مجتمعين في امتداد الزمان الغير القارّ، بل إنّما هما معاً بحسب الوجود في متن الدّهر، معيّة دهريّة غير متكممة. ومن الوحدات المعتبرة في التقابل بين الإيجاب والسلب الزمانيين، وحدة الزمان البتّة وفي هذا النوع من الحدوث (كالحدوث الذاتي) لا تقابل بين القبل والبعد ألبتة.1
وحاصل كلامه: أنّ العدم السابق على الوجود بما أنّهما في مرحلتين من الزمان وإن كانا غير مجتمعين لكنّهما ليسا بمتناقضين، إذ يشترط في التناقض عدة وحدات منها الوحدة في الزمان، ومن المعلوم أنّ العدم السابق العارض للماهية في برهة من الزمان لا يعدّ نقيضاً لوجود الماهية المتحقّق في برهة أُخرى.
إنّ هذين الاعتراضين المتوجّه أحدهما على الحدوث الذاتي والآخر على الحدوث الزماني، صارا سبباً لتصوّر حدوث آخر للعالم باسم الحدوث الدهري، وسيوافيك بيانه في موضعه.

نظريتنا في الاعتراض

وأظن أنّ كلا الاعتراضين لا يضرّان القول بالحدوث الذاتي أو الزماني، لأنّ الحدوث الذاتي ـ بالمعنى الذي عرفت ـ أمر واقعي لا يمكن لأحد إنكاره، وأنّ كلّ ممكن معدوم في حدّ ذاته ثم يعرض له الوجود، وأمّا الإشكال عليه بأنّ

1 . القبسات:17.

صفحه 23
هذا العدم مجامع للوجود غير مقابل له لا يضر، إذ ليس القائل بصدد بيان إثبات العدم المقابل للوجود، بل هو بصدد توضيح ما اتّفق عليه أصحاب الشرائع السماوية بأنّ العالم حادث، حتى يتحقّق تلاؤم بين الفلسفة والشريعة.
هذا وقد روى الصدوق عن الإمام الباقر(عليه السلام) حديثاً يكشف عن صحّة النظرية وأنّ العالم حادث ذاتاً، قال الإمام الباقر(عليه السلام):«إنّ الله تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره، نوراً لا ظلام فيه، وصادقاً لا كذب فيه، وعالماً لا جهل معه، وحيّاً لا موت فيه، وكذلك هو اليوم، وكذلك لا يزال أبداً».1 فإنّ قوله: «وكذلك هو اليوم» يرجع إلى عامّة الصفات وأنّه تعالى حتى في ذلك اليوم «ولا شيء غيره» فعندئذ نسأل كيف يكون سبحانه بعد أن خلق العالم بكلّ ما فيه ومع ذلك يوصف سبحانه بكونه «ولا شيء غيره» مع أنّ معه عامّة الأشياء قال سبحانه:(وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)2؟ ولا يصحّ تفسير ما أُثر عن باقر علم النبيين(عليه السلام)إلاّ بما جاء به الشيخ الرئيس ; لأنّ ما يُعد غيراً فهو في حدّ ذاته معدوم وفاقد للوجود، فيصحّ أن يقال: كان الله ولم يكن معه شيء في ذلك الحدّ حتى اليوم، وأمّا بعد التنزّل عنه فالأشياء كلّها مشهودة معلومة قائمة معه.
وأمّا الاعتراض على الحدوث الزماني، فلا يضرّ ; لأنّ القائل به يريد أن يثبت للأشياء عدماً متقدّماً على وجودها، فكون عدمها في فترة ووجودها في فترة أُخرى وإن كان خارجاً عن التناقض المصطلح ولكن القائل ليس بصدد إثبات العدم والوجود المتناقضين الواقعي في فترة واحدة، بل هو بصدد أمر آخر

1 . التوحيد:141، برقم 5.
2 . الحديد:4.

صفحه 24
وهو سبق العدم الزماني على الوجود.

الشيخ الرئيس وحدوث العالم

إنّ الموضوع للحدوث عند الشيخ هو الوجود وهو يعتقد بأنّ لوجود العلّة تقدّماً ذاتياً على المعلول، وللمعلول تأخّراً ذاتياً عن العلّة، وإن اجتمعا وجوداً في زمان واحد، وهو يوضح ذلك بالمثال المعروف، حرّك زيد يده فتحرّك المفتاح، فإنّ حركة المفتاح وإن كانت متزامنة مع حركة اليد، غير أنّه لمّا كانت (حركة المفتاح) مفاضة من حركة اليد فيكون لها تقدّماً ذاتياً، ولحركة المفتاح تأخّراً كذلك وإن كانتا متزامنتين.
وعلى ضوء ذلك فبما أنّ الواجب سبب تام لوجود العالم الإمكاني فيكون للسبب تقدّماً ذاتياً وللمسبب تأخّراً كذلك، وهذا هو المراد من حدوث العالم، هذا ما يريده الشيخ، وإليك نصّ عبارته: فإذن وجود كلّ معلول واجب مع وجود علّته، ووجود علّته واجب عنه وجود المعلول. وهما معاً في الزمان أو الدهر أو غير ذلك، ولكن ليسا معاً في القياس إلى حصول الوجود; وذلك لأنّ وجود ذلك لم يحصل من هذا، فذلك له حصول وجود ليس من حصول وجود هذا، ولهذا حصول وجود هو من حصول وجود ذلك، فذلك أقدم بالقياس إلى حصول الوجود.1

3. الحدوث الدهري للعالم


1 . الإلهيات من كتاب الشفاء:172.

صفحه 25
قلنا: إنّ المحقّق الداماد لم يقتنع بالحدوث الذاتي ولا بالحدوث الزماني، فحاول طرح نظرية جديدة فراراً عن الإشكالين اللّذين وجّههما عليهما، وقد بيّن نظريته في كتابه «القبسات» الذي كان الغرض المهم من تأليفه هو توضيح هذه النظرية ولذلك لا محيص لنا إلاّ تلخيصها، وقد سبقنا في هذا المضمار المحقّق السبزواري في شرحه على المنظومة، والشيخ محمد تقي الآملي في شرحه عليها.
إنّ هذه النظرية مبنية على تقسيم مراتب الوجود إلى أقسام ثلاثة:
1. الماديات، التي يعبر عنها بعالم الملك وتشمل كلّ موجود طبيعي يقع في أُفق الزمان.
2. المجرّدات والمفارقات عن المادة وآثارها، ويعبر عنها بعالم الملكوت، وهو عالم العقول والنفوس الكلّية.
3. الوجود الواجب المنزّه عن الإمكان والفقر، فضلاً عن الحركة والزمان.
ثمّ إنّ لكلّ من هذه المراتب وعاءً خاصّاً، فالموجود المادي وعاؤه الزمان، والموجود المجرد وعاؤه الدهر، والواجب تبارك وتعالى وعاؤه السرمد; ولا يراد من الوعاء ما يراد من قولك: الماء في القدح، بل أنّ الظرف نفس المظروف، وهو خصوصية موجودة فيه.
إذا علمت هذا فلنشرح هذه المقولات الثلاث التي تعد وعاءً لما فيها:

أ. مقولة الزمان

إنّ لكلّ موجود وعاءً خاصّاً به، فالظواهر السيّالة المتحركة، ظرفها الزمان

صفحه 26
لا بمعنى أنّ الزمان شيء والحركات والمتحرّكات شيء آخر كالماء في الكوز، بل بمعنى أنّ الزمان والزماني كالخارج والخارجي، فكما أنّ الموجود الخارجي ليس منفكّاً عن الخارج بل نوع وحدة بينهما، فهكذا الزمان والزماني فبينهما وحدة.
يقول السيد الداماد: العقل يدرك ثلاثة أكوان: أحدها: الكون في الزمان وهو متى الأشياء المتغيّرة التي يكون لها مبدأً ومنتهى، ويكون مبدأه غير منتهاه، بل يكون مقتضياً، ويكون دائماً في السيلان وفي تقضّي حال وتجدّد حال.1
يقول الحكيم السبزواري: إنّ كلّ موجود فلوجوده وعاء أو ما يجري مجراه، فوعاء السيالات كالحركات والمتحرّكات هو الزمان... إلخ.2

1 . القبسات:7.
2 . شرح المنظومة:76.

صفحه 27

ب. مقولة الدهر

يقول السيد الداماد: بأنّ المجرّدات أو المفارقات النورية ـ حسب تعبيره ـ كالعقول متحقّقة في عالم الدهر، والدهر كالعقول منزّه عن المادة وعوارضها كالاتصال والسيلان، ونسبة عالم الدهر إلى الزمان نسبة الروح إلى الجسد، فإنّ ما في وعاء الزمان يقبل التبدّل والتغيّر، وما في عالم الدهر منزّه عن ذلك، وما ذلك إلاّ لأنّ الدهر محيط، والزمان والزمانيات محاطان.
يقول السيد الداماد: الدهر وعاء الزمان بمعنى أنّه محيط والزمان محاط به، والزمان ضعيف الوجود لكونه سيالاً غير ثابت.1
يقول الحكيم محمد تقي الآملي في توضيح قوله: «ونسبته إلى الزمان نسبة الروح إلى الجسد»: وذلك لأنّ ما في الدهر من الموجودات مبادئ وجود الزمان وما فيه من الزمانيات بأنواعها، والعلّة مرتبة كمال المعلول كما أنّ المعلول مرتبة ضعف العلّة، فتكون نسبة الدهر إلى الزمان كنسبة الروح إلى الجسد في كون الروح علّة.2
وليعلم أنّ نسبة الدهر إلى المفارقات كنسبة الزمان إلى السيالات، وقد قلنا: إنّ التعدد في التعبير، وإلاّ ففي الحقيقة الدهر نفس المفارقات والعقول الكلية والنفوس كذلك التي تقع في درجة العلّة لما تحتها من العوالم المادّية.

1 . القبسات:8.
2 . درر الفوائد:254، الطبعة الثانية.

صفحه 28

ج. مقولة السرمد

ويراد من السرمد الوجود الذي لا بداية له ولا نهاية، وليس هو إلاّ الله تبارك وتعالى وأسماءه وصفاته، فهو محيط بالدهر كإحاطة الدهر بالزمان، ونسبة السرمد إلى الدهر نسبة الروح إلى الجسد، وما ذلك إلاّ لأنّ السرمد في مرتبة العلّة، والعقول والنفوس في مرتبة المعلول.
يقول السيد الداماد: والثالث كون الثابت مع الثابت ويسمّى السرمد وهو محيط بالدهر.1
يقول الحكيم السبزواري:وما يجري مجرى الوعاء للحق وصفاته وأسمائه هو السرمد.2
إلى هنا تمّ بيان أمرين:
أ. تبيين مراتب الوجود إلى مراتب ثلاث.
ب. تبيين ما هو الوعاء لكلّ من هذه المراتب.
فلنشرح نفس النظرية التي تبتني على بيان الأمرين المذكورين.
فنقول: إنّ كلّ موجود زماني راسم لعدم موجود زماني آخر، وإنّما لم نقل مصداق لعدم موجود زماني آخر ; لأنّ الوجود بما هو وجود لا يعقل أن يكون مصداقاً للعدم، ولذلك نقول: كلّ موجود زماني يعكس ويرسم عدم وجود زماني آخر، وبذلك يمكن بيان الحدوث الدهري بالبيانين التاليين:

1 . القبسات:7.
2 . شرح المنظومة:76.

صفحه 29
إنّ عالم الدهر يرسم ويعكس عدم عالم الطبيعة ; لأنّ عالم الدهر بما أنّه سابق على عالم الطبيعة فيحتضن الدهرُ عدَمَ الموجود المتأخّر فيقال: عالم المادة بتمام صورها مسبوق بالعدم في عالم الدهر، وهذا ما يقال: إنّ الملكوت يحتضن عدم عالم الملك لسبق الملكوت في مرتبة الوجود على الملك.
ويمكن لك بيان هذا بتعبير آخر هو:
إنّ الحدوث الدهري عبارة عن كون الماهية الموجودة المعلولة مسبوقة بعدمها المتقرّر في مرتبة علّتها بما أنّها يُنتزع عدمها بحدّها عن علّتها وإن كانت علّتها واجدة لكمال وجودها بنحو أعلى وأشرف.1
توضيح ما ذكره: أنّ عالم الدهر علّة لعالم الملك، فبما أنّ كلّ علّة جامعة لكمال معلولها ومع ذلك كلّه فعدم المادة بحدّه ـ لا بكماله ـ متقدّم على وجوده، وهذا ما يقال له: الحدوث الدهري، أي سبق عدم عالم المادة على وجوده في مرتبة علّتها. فظهر أنّ الحدوث الدهري ليس إلاّ سبق عدم الماديات على وجودها، وليس لهذا النوع من العدم محلٌ إلاّ عالم الدهر.
فلو كان الحدوث هو سبق عدمه على الوجود فهذه العوالم المحسوسة سبقت عدمها على وجودها لأنّ علّتها ـ أعني: المفارقات ـ تعكس عدمها.
وإن شئت بياناً أوضح فاستمع إلى بيان الشيخ الآملي على شرح المنظومة2: إنّ عالم الملك مسبوق الوجود بالعدم الدهري، ووجه كونه

1 . نهاية الحكمة:206.
2 . راجع شرح المنظومة: 2 / 291 و 288 .

صفحه 30
مسبوق الوجود بالعدم الدهري هو أنّ وجود عالم الملك وهو عالم الناسوت والشهادة متأخّر عن وجود عالم الملكوت، وأنّ العدم الدهري يكون في رتبة الوجود الدهري، فعالم الملك حادث دهري، أي وجوده مسبوق بعدمه الواقعي الفكّي الواقع في عالم الدهر.
والذي دعا المحقّق الداماد إلى القول بالحدوث الدهري الأمران التاليان:
1. أنّ العدم في الحدوث الذاتي لم يكن منفكّاً عن الوجود، بل كان عدماً مجامعاً معه، ولكن العدم في الحدوث الدهري منفكّ عن الوجود، فوجود الحادث في عالم الناسوت وعدمه في عالم الدهر، فيكون منفكّاً.
2. أنّ العدم في الحدوث الزماني لم يكن متزامناً مع الوجود، بل كان العدم في فترة والوجود في فترة أُخرى، بخلاف العدم في الحدوث الدهري فإنّه متزامن مع الوجود، فالحادث المادّي في فترة معيّنة له الوجود وفي الوقت نفسه عدمه متحقّق في عالم الدهر.
***

صدر المتألّهين والحركة الجوهرية

اتّفقت كلمة الفلاسفة قبل صدر المتألّهين على جواز الحركة في الأعراض الأربعة:(الكيف، والكم، والوضع، والأين) واختلفوا في إمكان وقوعها في غير ذلك من الأعراض الخمسة، وفي الوقت نفسه اتّفقوا على عدم جوازها في الجواهر، غير أنّ صدر المتألّهين أثبت أنّ العالم بوجوده من الجواهر والأعراض في حال الحركة والتغيّر والتبدّل.

صفحه 31
إنّ صدر المتألّهين توصّل بالبراهين العقلية إلى أنّ التغيّر والحدوث المتجدّد لا يختصّ بصفات المادة وعوارضها، بل يتطرّق هذا التغيّر إلى ذات المادة بمعنى أنّ الكون بجميع ذراته في تحوّل وتغيّر مستمر، وإنّ ما يتراءى للناظر من الثبات والاستقرار والجمود في مادة الكائنات الطبيعية ليس إلاّ من خطأ الحواس، إذ الحقيقة هي غير ذلك، فكلّ ذرّة من ذرّات المادّة خاضعة للتغيّر والتبدّل والسيلان والصيرورة. وبفضل هذا الكشف تبيّن تعدّي التغيّر من سطوح الطبيعة إلى أعماقها، ومن ظواهرها إلى بواطنها.
وقد أقام مكتشف نظرية الحركة الجوهرية براهين رصينة على ما تبنّاه، ثمّ إنّه رتّب على نظريته الحدوث الزماني للعالم بأوضح الوجوه، وحاصل ما أفاد: أنّ كلّ قطعة من المادة السيّالة وكلّ درجة متعانقة مع الزمان، منها لمّا لم يكن من القطعة اللاحقة أثر ولا عين فيها، صحّ توصيف القطعة اللاحقة بالحدوث الزماني، وهو أنّه لم تكن القطعة اللاحقة في ظرف القطعة السابقة، وهكذا الحال إذا وضعنا البنان على كلّ جزء جزء من تلك المادة السيّالة. وبهذا يثبت الحدوث الزماني للطبيعة من دون أي إشكال. وفي هذا الصدد يقول الحكيم صدر الدين الشيرازي: فقد ثبت وتحقّق أنّ الأجسام كلّها متجدّدة الوجود في ذاتها، وأنّ صورتها صورة التغيّر والاستحالة، وكلّ منها حادث الوجود مسبوق بالعدم الزماني كائن فاسد لا استمرار لهوياتها الوجودية، ولا لطبائعها المرسلة، والطبيعة المرسلة وجودها عين شخصياتها، وهي متكثّرة، وكلّ منها حادث ولا جمعية لها في الخارج حتّى يوصف بأنّها حادث أو قديم.1

1 . الأسفار:7/297 و 285، ولاحظ: 292ـ 293.

صفحه 32
وقال أيضاً: إنّ الطبائع المادّية كلّها متحرّكة في ذاتها وجوهرها مسبوقة بالعدم الزماني، فلها بحسب كلّ وجود معيّن مسبوقية بعدم زماني غير منقطع في الأزل.1
إنّ هذه النظرية وإن كانت لها قيمة علمية عالية حيث إنّها كشفت عن البعد الرابع لعالم الطبيعة وهو الزمان وراء الأبعاد الثلاثة التي اتّفق عليها العلماء، ولكنّها لا تقنع المتشرّعين في تفسير الحدوث الزماني للعالم، وذلك لما ذكرناه عند بيان الإشكال على الحدوث الزماني، وهو أنّ الحدوث الزماني بهذا المعنى يصحّ في حالة النظرة التجزيئية فإنّ كلّ قطعة من عالم المادة مسبوقة بالعدم في القطعة المتقدّمة، وأمّا إذا نظرنا إلى العالم نظرة جملية لا تشذ عنه قطعة، فعندها لا يصحّ توصيف العالم بالحدوث الزماني، لأنّ الزمان وليد حركة المادّة، والمفروض أنّ الزمان جزء من العالم فكيف يمكن أن يتقدّم عليه ويحتضن عدم العالم؟ ومع ذلك كلّه، فلهذه النظرية نتائج مفيدة أُخرى يقف عليها من له إلمام بالفلسفة الإسلامية.

1 . نفس المصدر.

صفحه 33

حدوث المادة والعلوم التجريبية

إنّ إثبات حدوث المادة يمكن بطريقين:
1. الطريق الفلسفي الذي يعتمد على البراهين العقلية والفلسفية، ومنها القول بالحركة الجوهرية حيث تثبت حدوث المادة.
2. الطريق العلمي الذي يستند إلى معطيات الفيزياء الحديثة، وها نحن ندرس هذا الطريق بإيجاز.
لقد أثبتت العلوم الطبيعية الحديثة أنّ الكون يسير باتّجاه موت حراري وشيخوخة يصطلح عليها في الفيزياء بالانتروبي، فقد توصّل «إسحاق نيوتن» نتيجة تحقيقاته إلى أنّ العالم يتّجه ـ باستمرار ـ نحو التفكّك والتحلّل، والبرود والاهتراء، وسيأتي اليوم الّذي تتساوى فيه كلّ الأجسام في حرارتها، وتغدو كالماء الذي استقر في الأواني المستطرقة بصورة متساوية السطوح، وحينئذ ستتوقف كلّ حركة، ويترك الصخب والضجيج مكانهما للجمود والسكوت، وتترك الحياة مكانها للموت.
لقد أثبت من خلال دراسته للحرارة أنّه في جميع التغيّرات الحاصلة في الحرارة يتحول قسم من «الطاقة ذات الوجود الحراري» إلى «طاقة غير ذات وجود حراري» ولا يمكن العكس أي أن تنتقل الطاقة غير ذات الوجود الحراري إلى الطاقة ذات الوجود الحراري.
ويسمّى هذا القانون بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية الّذي يسمّى قانون الطاقة المتاحة أيضاً.

صفحه 34
فهذا الكشف يثبت أنّ الحرارة تنتقل بصورة تدريجية من وجود حراري إلى عدم حراري والعكس غير ممكن، وهو أن تنتقل هذه الحرارة من عدم حراري إلى وجود حراري أكثر، ويعني هذا أن يأتي وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات، وحينذاك لا تبقى أيّة طاقة مفيدة للحياة والعمل والتحرك، ويترتّب على ذلك انتهاء العمليات الكيمياوية والطبيعية وتنتهي الحياة.
إذ أنّ وجود الحركة والحياة في هذا الكون إنّما هو نتيجة التفاوت والاختلاف الموجود بين أجزائه في الحرارة، فإذا انتقلت الحرارة من الأجسام الحرارية إلى الأجسام الأُخرى وتساوت الحرارة في الجميع وحلّت البرودة مكان الحرارة لم يبق مجال للتفاعل الّذي هو نتيجة الاصطكاك بين الأجزاء المتفاوتة والفعل وردة الفعل.
هذا هو الأصل العلمي الّذي اتّفقت عليه كلمة علماء الفيزياء الحديثة، ونحن نستنتج من هذا الأصل «حدوث المادة» بالبيان التالي:

الاستنتاج الفلسفي من القانون الحراري

إنّ الكشف المذكور يعدّ دليلاً قوياً على حدوث الكون، إذ لو كان هذا العالم المادي أزلياً لزم أن تبرد فيه الحرارة منذ زمن بعيد، وأن تنعدم فيه الحياة منذ وقت طويل، لأنّ العالم محدود في طاقاته، فكيف يمكن أن يكون هذا العالم موجوداً منذ الأزل إلى الآن وهو يفقد كلّ يوم هذه الكمية الهائلة من حرارته نتيجة الانفجارات المتلاحقة في ذراته؟!
وبعبارة ثانية: أنّ العالم لو كان أزلياً لكان ينبغي أن تنعدم الحياة والحركة

صفحه 35
فيه منذ أقدم العصور نتيجة فقدان أجزائه للحرارة، وانتقال طاقاتها المتاحة إلى طاقة غير متاحة، وتوقّف العمليات الطبيعية والكيمياوية، وللزم أن لا نجد على الأرض أيّ أثر للحياة والأحياء، وأن لا تبقى إلى الآن أيّة حرارة للشمس لحصول الموت الحراري الّذي أشار إليه الكشف المذكور منذ زمن بعيد، نظراً للكمية المحدودة للحرارة في الكون.
فنستنتج من ذلك أنّ لهذا الكون بداية وأنّه حادث، وليس أزلياً، فالكون يشبه السراج النفطي الّذي يفقد أجزاء من وقوده عند الاشتعال باستمرار، فلا يمكن أن يكون مشتعلاً منذ الأزل، إذ يلزم من ذلك أن ينتهي نفطه ووقوده منذ وقت طويل، لأنّ الوقود المحدود لا يمكن أن يبقى إلى الأبد.
فإذا وجدناه لا يزال مشتعلاً استنتجنا من ذلك كونه حادثاً، وعرفنا أنّ اشتعاله وإضاءته لم تكن من الأزل.
إنّ نظامنا الشمسي بل مجرّتنا الّتي يعتبر هذا النظام الشمسي جزءاً صغيراً منها أشبه ما يكون بالسراج النفطي المذكور الّذي تتناهى طاقاته، لأنّ هذه المجرة تملك طاقات محدودة، فلو كانت هذه المجرة قديمة في وجودها وانفجاراتها لزم أن يكون قد انتهى كلّ ما فيها من الطاقات، وللزم أن لا نرى الآن أي أثر للعمليات والتفاعلات الطبيعية، والحال أنّنا نشاهد استمرار هذه العمليات والتفاعلات، ونلاحظ ـ تبعاً لذلك ـ استمرار مظاهر الحياة التابعة لذلك، وهذا يكشف بجلاء عن وجود بداية لهذا الكون، ويبطل القول بأزليته وقدمه.
***
بقيت في المقام نظرية أُخرى وهي نظرية الحدوث الإسمي التي طرحها

صفحه 36
الحكيم السبزواري في كتابيه:«شرح الأسماء»، و «شرح المنظومة».

الحدوث الإسمي للعالم

يقول الحكيم السبزواري في منظومته:
والحادث الإسمي الذي مصطلحي *** إن رسمٌ، إسم جاء، حديث منمحي
والنظرية مبنية على أمرين:
1. كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود، فالوجود الإمكاني لا يخلو عن أمرين:
أ. الوجود والتحقّق.
ب. حدّه في مراتب الوجود، فيحدّد بكونه عرضاً أوجوهراً، جسماً أو نفساً أو عقلاً، فلا ينفكّ الوجود الإمكاني عن حدّ يحدّده، به تتعيّن هوية الشيء وتتشخّص. فلو أُخذ الحدّ ولم يبق إلاّ الوجود لا يتميّز شيء عن شيء، وهذه الحدود هي التي توجب تميّز الوجود وتشخّصه... .
2. أنّ العالم بمعنى المفاهيم والمعاني المعبّر عنها بالأسماء والصفات التي تنتزع عن حدود الوجود المنبسط كلّه مسبوق بالعدم في المرتبة الأحدية، فهو برمّته من العقول والنفوس والصور والأجسام أسماء حدثت بعد تجلّي الذات للعوالم الممكنة باسمه المبدع، كما أنّه ينمحي عند تجلّيه باسمه القهّار.
فالحدوث الاسمي عبارة عن حدوث هذه الحدود بعد تجلّيه سبحانه باسم المبدع، حيث إنّ الوجود الإمكاني يتحدّد بهذه المفاهيم.

صفحه 37
إذا علمت هذين الأمرين فاعلم أنّ الماهيات لمكان كونها اعتبارية كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماءً ليس لها حقيقة ولا أثر فليست إلاّ أسماء سميّتموها ما أنزل الله بها من سلطان، بل النازل من صقعه ليس إلاّ الوجود، فالماهية ليست شيئاً حتى يبحث عن قدمها أو حدوثها، وأمّا الوجودات فهي وإن كانت متحقّقات إلاّ أنّها ليست خارجة عن الصقع الربوبي لأنّها تنزلات وجود الحق وتجلّياته ورشحاته وأظلاله، وهي قائمة بوجوده سبحانه لا بإيجاده، فالفرق بينهما بالتشكيك لا بالتباين، وإلى هذا يومي المروي عن مولى الموالي(عليه السلام) من أنّ البينونة وصفية لا عزلية.1
يلاحظ عليه: أنّ القول بأنّ هذا النوع من الحدوث أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، لأنّ موضوعه هو العالم وهو مركّب من الماهيات التي ليست بشيء حتّى يبحث عن حدوثها أو قدمها والوجود ليس إلاّ ظلال وجوده سبحانه وتجلّياته قائم بوجوده لا بإيجاده فلم يبق شيء يبحث عن حدوثه إلاّ أن يقال: يتمركز الحدوث في تجلّيه، فتأمّل.
إلى هنا تمّ طرح النظريات العلمية والفلسفية التي جاءت بها أفكار المتألّهين حسب التخصّصات المختلفة.
وها نحن نذكر ما هو مختارنا في الموضوع.

نظريتنا في الحدوث الزماني

لقد عرفت أنّ ما قام به الحكماء من تفسير الحدوث الزماني للعالم وإن

1 . شرح الأسماء:77.

صفحه 38
كان ناجحاً في بعض الصور، أي في النظرة التجزيئية إلى العالم، ولكنّه غير ناجح في النظرة الجملية، وعلى هذا فيجب أن يفسّر بشكل لا يكون مخالفاً لما أجمعت عليه الشرائع السماوية، وما نذكره مبني على أمرين:

1. وجود عوالم قبل هذا العالم

ربما يتصوّر الإنسان أنّ هذا العالم الذي نعيش فيه هو أوّل عالم خلقه الله سبحانه، ولكن المرويّ عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّ لله عز وجلّ اثنتي عشر ألف عالم كلّ عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين.1
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه الصدوق، من جواب الإمام (عليه السلام)، حيث بعد أن أجاب عن سؤاله على وجه التفصيل أنشأ يقول:
ولم يزل سيدي بالحمد معروفاً *** ولم يزل سيدي بالجود موصوفاً
فلعل قوله: لم يزل سيدي بالجود موصوفاً إشارة إلى تعاقب العوالم واحداً بعد الآخر.
وعلى هذا: فكلّ عالم متأخر مسبوق بالعدم الزماني بعالم آخر متقدّم عليه، وليس هذا العدم عدماً موهوماً بل عدماً واقعياً حيث إنّ كلّ العالم متقدّم يحضن عدم عالم متأخّر، فيقال: حدث العالم في زمان لم يكن منه عين ولا أثر.

2. تفسير حدوث ما سوى الله

إنّ المراد من قولنا: «إنّ سوى الله حادث» إمّا أن يراد به هذا العالم المشهود

1 . الخصال:639.

صفحه 39
لنا من السماء والسماويات والعنصر والعنصريات، وإمّا أن يراد به مطلق ما سوى الله ممّا يتصوّر وراء هذا العالم المشهود.
فإن كان الأوّل فهذا المحسوس حادث زماني، أي مسبوق العدم، أي مسبوقاً بالعدم الزماني ويكون وعاء عدمه زماناً منتزعاً من عالم قبله، وهو العالم الذي خلق قبله فهو أيضاً حادث زماني مسبوق بعدمه الواقع في عالم ثالث قبل ذاك العالم الثاني، وهكذا. والمفروض وجود الحركة والزمان في العوالم كلّها.
فلو أراد أصحاب الشرائع السماوية من قولهم كون العالم حادثاً زمانياً، هذا المعنى فهو موافق للحديث والعقل والعلم. وأمّا الحديث والعقل فقد عرفت، وأمّا العلم فإنّ العلوم العصرية نطقت بأنّ الأمر كذلك، فإنّ المنظومة الشمسية مسبوقة بعدم واقعي متأخّر عن عالم متقدّم متألف من منظومة أُخرى مع ما حولها من السيارات، وهكذا سائر المنظومات الشمسية فهي بشمسها وكواكبها متأخّرة الوجود عمّا تقدّمها.
فعلى هذا يصحّ ما أجمع عليه أصحاب الشرائع السماوية.
وأمّا إذا أُريد الثاني أي مطلق العوالم وجملة ما سوى الله سبحانه، فالحق أنّ حدوثه بهذا المعنى شيء لم يتّفق عليه الإلهيون، ولم يثبت له حدوث بهذا المعنى في شرعنا المقدّس، وقد عرفت ما يدلّ على وجود عوالم قبل عالمنا هذا، ويلائم هذا كونه تعالى دائم الفضل على البرية وباسط اليدين بالعطية ولا إمساك له عن الفيض.
وعلى هذا يصبح النزاع في حدوث العالم وقدمه واقعاً على أمر غير معيّن، فلو قال الحكماء بقدم هذا العالم الذي نعيش فيه زماناً فهم خاطئون لما

صفحه 40
عرفت من حدوثه الزماني بصورة واضحة، وإن أرادوا مجموع ما سوى الله، فالعالم بهذا المعنى ليس مصب الإجماع ولا إشكال في وصفه بالقدم الزماني
هذا ما توصّلنا إليه بفضل ما استفدناه من أساتذتنا وعلمائنا، ولعلّ العلم في المستقبل يكشف لنا حقائق أُخرى حول حدوث العالم، والله العالم بحقائق الأشياء.
Website Security Test