welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : اصباح الشيعة بمصباح الشريعة*
نویسنده :الفقيه البارع الأقدم قطب الدين البيهقي الكيدري*

اصباح الشيعة بمصباح الشريعة

اصباح الشيعة
بمصباح الشريعة

تأليف

الفقيه البارع الأقدم

قطب الدين البيهقي الكيدري
من أعلام القرن السادس

تحقيق
الشيخ إبراهيم البهادري

نشر

مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ


(2)


(3)

تقديم:

بقلم: جعفر السبحاني


بسم الله الرحمن الرحيم

الشريعة الاِسلامية
أو
رجّة البعث في الحياة البشرية

بُعث النبي الاَكرم صلَّى اللّه عليه وآله وسلم بكتاب مبين، وسنة زاهرة ، وشريعة جامعة ، فأخدت رجة في الكافة جوانب الحياة الاِنسانية ، ولم يبق مظهر للحياة إلاّ اهتزّ وظهرت معالم التطوّر فيه .

كانت الشريعة الاِسلامية زلزالاً في حقل الدين والعقيدة فعصفت بالشرك وجعلت من الاِنسان المشرك، موحّداً ضحّى بنفسه ونفيسه في سبيل التوحيد ومكافحة الوثنية.

كانت زلزالاً في جانب العادات والتقاليد والآداب والاَخلاق، فقد أبادت الرسوم الجاهلية وذهبت بأعرافها فاصبح الاِنسان العاكف للخرافات الموروثة من الآباء الجاهلين، فرداً موضوعياً رافضاً لما يخالف الفطرة والعقل السليم.

كانت هزّة عنيفة في مجال العلم والمعرفة بعالم الوجود وفسيح الكون وقد دعت إلى النظر في بديع الصنع وخاطبت الاِنسان بقوله: "قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمواتِ وَالاَرض" (يونس ـ 101)، فعاد الجاهل عالماً بالسنن الكونية، سابحاً في بحار المعرفة بتأسيسه علوماً وفنوناً لم يكن لها مثيل، كما أكمل فنوناً موروثة من المتقدّمين.


(4)

ومن أعجب ما أحدثته في الحياة الاِنسانية تشريع أُسُس ونُظُم في حقل التكاليف والحقوق مبنية على الفطرة والخلقة البشرية لا تحيد عنها قيد شعرة، ولم يرتحل صاحب الدعوة وحامل الشريعة حتى أرسى دعائم أعظم حضارة عرفتها البشرية فكان رائدها وموجدها حيث لم ير التاريخ مثلها فيما عبر وغبر في الشمولية والعمومية. فصارت الشريعة الاِسلامية كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توَتي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها، وصار المسلمون مراجع في الكلام والعقيدة، وأساتذة في الاَخلاق وعباقرة العلوم، وعلماء شامخين في الوظائف والحقوق، استغنوا في ظل التشريع الاِسلامي عن أي تشريع سواه. ومن مميزاتها البارزة شموليّتها وعموميّتها بحيث لم يبق موضوع إلاّ وتناولته تشريعاً وتقنيناً، وهذا إن دل على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الشريعة الاِسلامية ليست وليدة الفكر البشري المتناهي وإنّما هي أثر العلم والقدرة الواسعين غير المتناهيين.

حفّاظ الشريعة وحملتها:

لبّى النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ دعوة ربّه وترك كنزين ثمينين ووديعتين كريمتين عرّفهما في حديثه الخالد المعروف بحديث الثقلين وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي» فكان الكتاب شمساً ساطعة، والعترة الطاهرة أقماراً منيرة أناروا الطريق للمهتدين.

فسلام اللّه على العترة الطاهرة حملة السنّة النبويّة وحفظة الشريعة، وعلى أصحابهم المتربّين في حجورهم الطاهرة، الحافظين لعلومهم وأسرارهم، والناقلين لاَمانتهم إلى الاَجيال اللاحقة، فهم كما قال رسول اللّه: «يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد»(1)

ولو عرضنا أسماء من تخرّجوا من مدرستهم في القرون الاِسلامية الاَُولى وبالاَخص في


(1) رجال الكشي: 10.


(5)

القرن الثاني والثالث لطال بنا الكلام وطال موقفنا مع القرّاء الكرام، وبما أنّ موَلف هذا الكتاب من أبطال القرن السادس ومن كبار المجتهدين على مذهب العترة الطاهرة في ذلك العصر، نذكر أسماء مشاهير فقهاء ذلك القرن من الاِمامية بوجه موجز مقتصراً على

1 ـ الحسـن بن محمّد بن الحسن الطوسي المجاز عن والده شيـخ الطائفة في سنة 455هـ. الراوي عن والده وعن سلار الديلمي (ت 463هـ) ويروي عنه جمع كثير، منهم: أبو الرضا فضل اللّه بن علي الراوندي وكان حياً عام 515هـ.

2 ـ الاِمام فضل اللّه بن علي بن هبة اللّه المعروف بالسيد الاِمام ضياء الدين أبي الرضا الحسنيّ الراوندي الكاشاني، جمع مع علو النسب، كمال الفضل والحسب، وكان أُستاذ أئمّة عصره، كان حياً سنة 548 هـ.

3 ـ الاِمام الطبرسي: الفضل بن الحسن بن الفضل (471 ـ 548هـ) صاحب «مجمع البيان في تفسير القرآن» وهو غني عن التعريف وآراوَه في الفقه معروفة.

4 ـ الحسين بن علي بن محمد جمال الدين أبو الفتوح النيسابوري الخزاعي، نزيل الري صاحب التفسير الكبير باسم «روض الجنان» من مشايخ ابن شهر آشوب وكان حياً عام 552هـ.

5 ـ الاِمام قطب الدين سعيد بن هبة اللّه الراوندي موَلف «فقه القرآن» المتوفى 573هـ.

6 ـ عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه حمزة أُستاذ موَلف هذا الكتاب قطب الدين الكيدري، وستوافيك اجازته للمترجم.

7 ـ عبـد اللّه بن علي بـن زهرة أخو أبي المكارم صاحب «الغنية» (531 ـ 580هـ) له «التجريد لفقه الغنية عن الحجج والاَدلّة» وغيره.

8 ـ الشيخ الاِمام رشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب (488 ـ 588 هـ)


(6)

صاحب المناقب والمتشابهات.

9 ـ حمزة بن علي بن زهرة المعروف بـ «ابن زهرة» (511 ـ 585 هـ) له «غنية النزوع في علمي الاَُصول والفروع» فقيه شهير.

10 ـ محمد بن المنصور المعـروف بـ «ابن إدريس العجلي» (543 ـ 598هـ) صاحـب كتاب«السرائر والحاوي لتحرير الفتاوي»، أحد الفقهاء الكبار المعروف بالجرأة على الخلاف.

11 ـ سديد الدين محمود بن علي بن الحسن، علاّمة زمانه في الاَُصولين، له «المصادر في أُصول الفقه» توفي سنة 600هـ.

12 ـ علي بن الحسن بن أبي المجد الحلبيّ موَلف كتاب «إشارة السبق» المحقّق المنتشر أخيراً.

هوَلاء نماذج من مشاهير فقهاء القرن السادس الذي نبغ فيه شيخنا الموَلف قطب الدين الكيدري البيهقي، وإليك ترجمته حسب ما وقفنا عليه في كتب التراجم وغيرها.

الاقليم الخصب بالمواهب والصلاحيات:

إنّ إقليم خراسان إقليم خصب، بالمواهب والاستعدادات، وتربة طيبة صالحة لاِنبات الاَشجار اليانعة والاَزاهير المتفتحة، والمزارع الباهرة، ولم تقتصر قابليتها على انتاج المواهب الطبيعية، بل كانت ولم تزل تربّي في أحضانها رجالاً كباراً وأدمغة جبارة كانوا مصادر العلم والحديث، ومفاتيح الخطابة والمحاضرة، ومعاقل الفكر والتيارات الكلامية.

ولقد كانت هذه المنطقة في القرن السادس ولا سيما منطقة بيهق بيئة شيعية، خرج منها أفذاذ من الفقهاء والعلماء منهم الشيخ قطب الدين البيهقي الذي نحن بصدد ترجمته.

قال في معجم البلدان: وقد أخرجت هذه الكورة من لا يحصى من الفضلاء والعلماء والفقهاء والاَدباء ومع ذلك والغالب على أهلها مذهب الرافضية (1)

حياة الموَلف ومشايخه وموَلفاته:

هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن تاج الدين الحسن بن زين الدين محمد بن الحسين بن أبي المحامد البيهقي النيسابوري.


(1) ياقوت الحموي: معجم البلدان: 1|538.


(7)

كل من ذكر شيخنا المترجم له فقد أطراه وأثنى عليه، وإن كان ما ذكر في حقّه من الكلمات لا تستطيع أن ترسم لنا حياته

1 ـ قال الشيخ الحر العاملي: الشيخ قطب الدين محمد بن الحسين بن أبي الحسين القزويني فقيه صالح، قاله منتجب الدين (1)

2 ـ قال السيد بحر العلوم: محمد بن الحسين بن أبي الحسين بن أبي الفضل القزويني المعروف بـ «قطب الديـن القزويني»، فقيـه فاضل من أهل بيت العلم والفقه، ذكره الشيخ منتجب الدين وذكر أباه وأخويه ـ إلى أن قال: ـ ولعل الشيخ قطب الدين محمد بن الحسين القزويني المذكور، هو الشيخ قطب الدين الكيدري المشهور أحد الفضلاء الاَعلام والفقهاء المنقول عنهم الاَحكام(2)

وهذان النّصان مأخوذان من عبارة الشيخ منتجب الدين وإليك نصه:

المشايخ: قطب الدين محمد، وجلال الدين محمود، وجمال الدين مسعود، أولاد الشيخ الاِمام أوحد الدين، الحسين بن أبي الحسين القزويني كلّهم فقهاء صلحاء(3).

غير أنّ في انطباق ما ذكره الشيخ منتجب الدين على شيخنا الكيدري شكّاً، وذلك من جهتين:

1ـ أنّه منسوب إلى «بيهق» و «كيدر» من مضافاته، وكلاهما في منطقة خراسان المعروف اليوم بـ«سبزوار» و «بيهق» وأين هما من بلدة قزوين الواقعة في غرب طهران وبين البلدين بعد المشرقين.

2ـ أنّ الشيخ الفقيه عبد اللّه بن حمزة من أساتذة شيخنا وقد أجاز له وذكر اسمه في إجازته هكذا: محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري البيهقي، كما سيوافيك، وهو يغاير الموجود في فهرست منتجب الدين. كلّ ذلك يورث الظّن القوّي بأنّ المترجم في الفهرست، غير شيخنا الكيدري.


(1) الحر العاملي: أمل الاَمل:2|266 برقم 770.
(2) بحر العلوم: الرجال:3|240 ـ 241.
(3) منتجب الدين: الفهرست: 187 برقم 89 .


(8)

نعم قال الحموي في معجم البلدان:

كندر: موضعان: أحدهما: قرية من نواحي نيسابور من أعمال طريثيث (1) والثاني: قرية قريبة من قزوين(2)

ولعل صاحب المعجم لم يقف على «كيدر» بتاتاً، ولاَجل ذلك لم يذكره في معجم البلدان وإنّما ذكر «كندر» .

واحتمال أنّ «كيدر» مصحف «كندر» والمترجم من منطقة «كندر» في قزوين حتى ينطبق عليه ما ذكر في الفهرست بعيد جدّاً، كيف وقد وصفه أُستاذه ابن حمزة المشهدي بالكيدري لا بالكندري؟! كما أنّ العلاّمة الحلي أكثر عنه النقل في مختلف الشيعة وأسماه بقطب الدين الكيدري.

كل ذلك يدل على أنّ عبارة منتجب الدين في فهرسته لا تمتُّ بالمترجَم بصلة فلا محيص لنا من التتبع في سائر المعاجم حتى نقف على ترجمته.

3 ـ وصفه شيخه عبد اللّه بن حمزة في إجازته له بقوله: الاِمام الاَجل، العالم الزاهد، المحقّق المدقّق، قطب الدين تاج الاِسلام فخر العلماء ومرجع الاَفاضل محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري البيهقي وفقه اللّه لما يتمناه في دنياه وعقباه(3).

4 ـ قال صاحب الروضات (ت 1313هـ):

كان من أكمل علماء زمانه في أكثر الاَفنان، وأكثرهم إفادة لدقائق العربية في جموعه المِلاح الحسان(4)

5 ـ وقال المحدّث النوري نقلاً عن صاحب الرياض: إنّ قطب الدين يطلق على جماعة كثيرة: الاَوّل: على قطب الدين الراوندي.

والثاني: على الشيخ أبي الحسن قطب الدين محمد بن الحسن بن الحسين الكيدري السبزواري صاحب «مناهج النهج» بالفارسية وغيره (5)


(1) كذا في المصدر.
(2) معجم البلدان: 4|482.
(3) سوف يوافيك نصّ الاِجازة في أثناء المقال.
(4) الخوانساري: روضات الجنات: 6|295 رقم الترجمة 587.
(5) النوري: المستدرك: 3|448. ولكن الصحيح في اسمه: الحسين بن الحسن.


(9)

6ـ وقال شيخنا الطهراني: محمد بن الحسين بن الحسن البيهقي الشيخ قطب الدين أبو الحسن النيسابوري الشهير بـ «قطب الدين الكيدري» شارح نهج البلاغة سنة 576 هـ، ثم ذكر تآليفه(1)

7 ـ وقال المحدّث القمي: أبو الحسن محمد بن الحسين بن الحسن البيهقي النيسابوري الاِمامي الشيخ الفقيه، الفاضل الماهر والاَديب الاَريب، البحر الزاخر صاحب «الاِصباح» في الفقه، وأنوار العقول في جمع أشعار أمير الموَمنين ـعليه السلامـ وشرح النهج(2)

8 ـ وذكر شيخنا المدرس في ريحانته قريباً ممّا ذكر(3)

مشايخه:

روى عن جمع من مشايخ الاِمامية وإليك أسمائهم:

1 ـ الشيخ الاِمام نصير الدين أبو طالب عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه الطوسي الشارحي المشهدي وعرفه منتجب الدين في فهرسته بقوله: فقيه، ثقة، وجه(4).

2 ـ المفسّـر الكبيـر الفضـل بـن الحســن الطبرسـي (471 ـ 548هـ) قال شيخنا الطهراني: يظهر نقله عنه من أثناء كتابه هذا (أنوار العقول) عند ذكر الحرز المشهور عن أمير الموَمنين _ عليه السَّلام _ في قوله:«ثلاث عصى طفقت بعد خاتم»(5).

3 ـ الاِمام أبو الرضا فضل اللّه بن علي بن هبة اللّه المعروف بضياء الدين أبي الرضا الحسنيّ الراوندي الكاشاني ذكر العماد الكاتب الاصفهاني في خريدة القصر أنّه رآه في كاشان سنة 533هـ وهو يعظ الناس في المدرسة المجدية.

نقل شيخنا المجيز الطهراني رواية الكيدري عنه وأنّه يروي عنه بغير واسطة وربّما يروي عنه بواسطة أُستاذه الشيخ عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه الطوسي(6) ولعل الثاني أقرب .


(1) الطهراني: طبقات أعلام الشيعة (القرن السادس): 259.
(2) الكنى والاَلقاب: 3|74.
(3) المدرس التبريزي: ريحانة الاَدب: 4|473.
(4) منتخب الدين: الفهرست: 269 برقم 272.
(5) الذريعة: 2|431 برقم 1697، تحت عنوان أنوار العقول.
(6) طبقات أعلام الشيعة (سادس القرون): 260، وهو غير محمد بن عليبنحمزةالطوسيالفقيه موَلف «الوسيلة» وان كانا معاصرين. ويظهر من المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي كونه صاحب الوسيلة. تراثنا: العدد: 39|303. والحق خلافه.


(10)

4 ـ محمد بن سعيد بن هبة اللّه الراوندي المعـروفبـ ظهير الدين (ت573هـ)فقد ترجمه منتجب الدين في فهرسته وقال: فقيه ثقة، عدل، عين. ذكر شيخنا الطهراني أنّ صاحب الترجمة يروي عنه في كتابه «بصائر الاَُنس بحظائر القدس» نقله البياضي في الصراط المستقيم (1)

تآليفه:

إنّ لشيخنا الكيدري تآليف في موضوعات مختلفة يظهر أنّه كان ميّالاً لاَكثر من فن واحد، نذكرها حسب ترتيب حروف الهجاء:

1 ـ إصباح الشيعة بمصباح الشريعة: وهذا هو الكتاب الذي يزّفه الطبع إلى القراء وسوف نبرهن على أنّه من تأليفه، لا من تأليف الفقيه الصهرشتي.

2 ـ أنوار العقول من أشعار وصيّ الرسول: وهو ديوان أشعار منسوبة إلى الاِمام أمير الموَمنين _ عليه السَّلام _ مرتبة قوافيها ترتيب حروف الهجاء، قال شيخنا الطهراني: من جمع قطب الدين الكيدري أوّله: «الحمد للّه لانت لعزته الجبابرة، وتضعضعت دون عظمته الاَكاسرة» ذكر في أوّله أنّه جمع أوّلاً خصوص أشعاره المشتملة على الآداب والحكم والمواعظ والعبر وسمّاه الحديقة الاَنيقة، ثم جمع أشعاره _ عليه السَّلام _ جمعـاً عامـاً في هذا الكتاب الّذي سمّـاه «أنـوار العقول»(2)

3 ـ البراهين الجليّة في إبطال الذوات الاَزليّة: ذكره صاحب الروضات وشيخنا الطهراني في الذريعة(3)

4ـ بصائر الاَُنس بحظائر القدس (4)

5 ـ تنبيه الاَنام لرعاية حقّ الاِمام: ذكره الموَلف في كتاب إصباح الشيعة(5)

6 ـ حدائق الحقائق في فسر دقائق أفصح الخلائق: شرح على كتاب نهج البلاغة وفرغ منه عـام 576هـ، ذكر صاحب الروضات أنّه وجد في آخر نسخة عتيقة من الشرح المذكور صورة خط لبعض أعاظم فضلاء عصر الشارح المعظم، بهذه الصورة: وافق الفراغ من


(1) طبقات أعلام الشيعة (سادس القرون): 265، ولاحظ أيضاً ص260.
(2) الطهراني: الذريعة: 2|431 برقم 1697 (أنوار العقول).
(3) نفس المصدر: 3|80 برقم 241.
(4) طبقات أعلام الشيعة سادس القرون ص 265 ولاحظ أيضاً ص 260.
(5) إصباح الشيعة: 128.


(11)

تصنيف الاِمام العالم الكامل المتبحر الفاضل قطب الدين نصير الاِسلام مفخر العلماء مرجع الاَفاضل محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري البيهقي تغمده اللّه تعالى برضوانه في أواخر الشهر الشريف شعبان سنة ست وسبعين وخمسمائة(1)وقد ألّفه بعد شرح ظهير الدين البيهقي المعروف بابن فندق 493 ـ 565 (2)وقد أسماه معارج نهج البلاغة طبع عام 9041 بتحقيق «محمد تقي دانش پژوه» ونشرته مكتبة السيد المرعشي في قم، وشرح شيخه قطب الدين الراوندي، وقد أسمى شرحه بمنهاج البراعة، وطبع بتحقيق المحقق العطاردي عام 1403 ثمّ أُعيدت طبعته في ثلاثة أجزاء عام 1406 بتحقيق السيّد عبد اللطيف القرشي .

وقد ذكر صاحب الروضات ملامح الكتاب وقد نقل شيئاً من مقدّمة الكتاب وأنّه قال في ديباجته:

«أنّه كامل بإيراد فوائد على ما فيهما (يريد كتابي المنهاج لابن فندق والمعارج لاَُستاذه قطب الدين الراوندي) زوائد، لا كزيادة الاَديم، بل كما زيد في العقل من الدرر اليتيم، ومتمم ما تضمّناه بتتمة لا تقصر في الفضل دونهما، إن لم ترب عليهما، وأنّه قد اندرج فيه من علوم نوادر اللغة والاَمثال، ودقائق النحو وعلم البلاغة، وملح التواريخ والوقائع، ومن غوامض الكلام لمتكلمي الاِسلام، وعلوم الاَوائل، وأُصول الفقه والاَخبار، وآداب الشريعة وعلم الاَخلاق ومقامات الاَولياء، ومن علم الطب والهيئة والحساب، على ما اشتمل عليه المعارج، كل ذلك لا على وجه التقليد والتلقين، بل على وجه يجدي بلجَّ اليقين..(3) وقد نقل عنه المحقّق ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة في تفسير الخطبة الشقشقية(4)

وقد نقل عنه العلاّمة المجلسي في بحاره في أجزاء السماء والعالم(5)


(1) الخوانساري: روضات الجنات: 6|298، الاَمين: أعيان الشيعة: 8|245.
(2) ياقوت الحموي: معجم الاَدباء: 5|208.
(3) روضات الجنات: 6|295 برقم 587. وذكر شيخنا الطهراني أن منهنسخةفيالمدرسةالفاضلية الذريعة: 6|285.
(4) ابن ميثم: شرح نهج البلاغة: 1|269 ـ 271.
(5) بحار الاَنوار: 55|279، وقد ذكر السيد بحر العلوم بعض مواضع النقل،لاحظالفوائدالرجالية:3|242 .
والعجب انّ المحدّث النوري ذكر انّ اسم شرحه على النهج هو «الاِصباح» لاحظ المستدرك: 3|513. أضف أنّه ذكره تارة باسم «أبو الحسن البيهقي» وأُخرى باسم «أبي الحسين».


(12)

7ـ الحديقة الاَنيقة: وقد مضى أنّه ألّفه قبل تأليف أنوار العقول.

8ـ الدرر في دقائق علم النحو: ذكره شيخنا المدرس في موسوعته(1)

9ـ شرح الايجاز في النحو: لاحظ مجلة تراثنا العدد 39|302.

10ـ شريعة الشريعة: ذكره في حدائق الحقائق: 3|1451.

11 ـ كفاية البرايا في معرفة الاَنبياء: ذكره شيخنا الطهراني في الذريعة قال: وقد نقل جملة من عباراته شيخنا النوري في خاتمة المستدرك(2)

12ـ لبّ الاَلباب في بعض مسائل الكلام: ذكره الطهراني في الذريعة، والمدرس في موسوعته(3)

13ـ مباهج المِهج في مناهج الحُجج (بالفارسية): ذكر شيخنا الطهراني أن له منتخباً فارسياً باسم «بهجة المناهج» في فضائل النبي والاَئمة ومعجزاتهم(4)

وذكر السيد المحقّق الطباطبائي في مذكّراته أنّ منه نسخة في مكتبة المسجد الاَعظم في قم المشرفة ذكرت في فهرستها ص383، ومخطوطة أُخرى في مكتبة مدرسةالسيّد الگلپايگاني في قم رقم 2125 ذكرت في فهرستها: 3|169.

إصباح الشيعة من موَلفات الكيدري:

إنّ هذا الكتاب الذي يزفّه محقّقه إلى طلاب الفقه وأساتذة الفنّ من تأليف شيخنا المحقّق الكيدري بلا ريب، وإن نسبته إلى الشيخ سليمان بن الحسن بن سليمان الصهرشتي خطأ، وذلك بالاَدلّة التالية:

أوّلاً: أنّ الشيخ منتجب الدين الذي قام في فهرسته بترجمة علماء الاِمامية من بعد عصر الشيخ إلى زمانه (460 ـ 600هـ) ترجم شيخنا الصهرشتي وذكر تآليفه ولم يذكر له ذلك


(1) ريحانة الاَدب: 4|475.
(2) الذريعة: 8|89 برقم 812، وذكره شيخنا المدرس في ريحانة الاَدب:4|475،ولمنعثرعليهفي المستدرك.
(3) الذريعة: 18|282، برقم 117، وريحانة الاَدب: 4|475.
(4) الذريعة: 19|460 برقم 241. ورياض العلماء: 2|445 وذكره في الذريعة22|349باسم«مناهج المنهج» وقال: والظاهر انّ الصحيح «مباهج المهج في مناهج الحجج».


(13)

الكتاب وقال: الشيخ الثقة أبو الحسن سليمان بن الحسن بن سليمان الصهرشتي فقيه، وجه، دين، قرأ على شيخنا الموّفق أبي جعفر الطوسي وجلس في مجلس درس سيدنا المرتضى علم الهدى(ره) وله تصانيف، منها: كتاب النفيس، كتاب التنبيه، كتاب النوادر، كتاب المتعة أخبرنا بها الوالد عن والده عنه(1) ولو كان له ذلك الكتاب الرائع لما غفل عن ذكره.

وثانياً: أنّ العلاّمة الحلي (648 ـ 726 هـ) قد نقل عن ذلك الكتاب شيئاً كثيراً ونسبه إلى المحقّق الكيدري، وذلك في مواضع كثيرة والنصوص المنقولة موجودة في هذا الكتاب(2)

وثالثاً: أنّ نفس الكتاب ينفي أنّه تأليف الصهرشتي الذي هو من تلاميذ المرتضى والشيخ الطوسي ويبدو أنّه قد توفي في أواخر القرن الخامس وكان حياته بين (400 ـ 500 هـ) وذلك لاَنّه ينقل في ذلك الكتاب(3) السيد الجليل حمزة بن علي بن زهرة المعروف بـ «ابن زهرة» المشهور بكتابه «غنية النزوع إلى علمي الاَُصول والفروع» وقد ولد كما في نظام الاَقوال في رمضان 511 و توفي سنة 585هـ، فكيف يمكن أن يكون الكتاب أثراً للصهرشتي الذي أجازه النجاشي سنة 442؟!

قال صاحب الرياض: إنّ الشيخ الصهرشتي قال في أواخر «قبس المصباح»: فصل: أخبرنا الشيخ الصدوق أبو الحسن أحمد بن علي بن أحمد النجاشي والصيرفي المعروف بـ «ابن الكوفي» ـيعني النجاشي صاحب الرجال ـ ببغداد في آخر شهر ربيع الاَوّل سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة وكان شيخاً، بهيّاً، ثقة، صدوق اللسان عند الموالف والمخالف _ رضي الله عنه _ ، ثم ذكر رواياته عن أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري المتوفى عام 463هـ وغيره(4)

ورابعاً: أنّ من سبر الكتاب يقف على أنّ الموَلف سار على ضوء كتاب الغنية، ترتيباً للكتب، تبويباً للاَبواب غالباً، وربما يستخدم من عباراتها شيئاً في طرح المسائل وشرحها.

وهذه الوجوه تثبت بوضوح أنّه من تأليف شيخنا الموَلف الذي بخس التاريخ حقّه، إذ


(1) منتجب الدين: الفهرست: 85 برقم 184، و رياض العلماء: 2|445.
(2) لاحظ مختلف الشيعة كتاب زكاة الفطرة: 199، وكتاب الخمس: 205، كتابالشفعة:403،كتاب الوقف: 491 و 494، كتاب النكاح: 543 و 553 و 556 و 559 ونكاح المتعة: 560، 564، كتاب الفرائض: 733 في ميراث العم والخال: 735وغير ذلك كلّه من الطبعة القديمة الحجرية.
(3) لاحظ: ص 99 و 100 من هذا الكتاب.
(4) منتجب الدين: الفهرست: 185 برقم 184.


(14)

مضافاً إلى أنّه لم يذكر من حياته إلاّ شيئاً قليلاً، و قد أعار أثره النفيس لغيره.

ثم إنّ أوّل من نسب الكتاب إلى الشيخ الصهرشتي هو شيخنا العلاّمة المجلسي عند ذكر مصادر بحار الاَنوار حيث قال: وكتاب «قبس المصباح» من موَلّفات الشيخ الفاضل أبي الحسن سليمان بن الحسن الصهرشتي من مشاهير تلامذة شيخ الطائفة ـ إلى أن قال: ـ وكتاب إصباح الشيعة بمصباح الشريعة له أيضاً(1).

ولمّا كان ذلك العزو غير مرضي عند صاحب الرياض قال: ونسَبه الاَُستاذ الاستناد في البحار إليه وينقل عنه فيه، والذي يظهر من كتب الشهيد، أنّ الاِصباح المذكور من موَلّفات قطب الدين الكيدري، لاَنّ العبارات التي ينقلها عن القطب المذكور هي مذكورة في الاِصباح المزبور(2)

وتبع صاحب البحار، شيخنا المجيز الطهراني في طبقات أعلام الشيعة في ترجمة شيخنا الصهرشتي وقال: وله إصباح الشيعة بمصباح الشريعة كذا في فهرست منتجب ابن بابويه(3)

ومانسبه إلى فهرست منتجب ليس بموجود فيه إذ لم يذكر الكتاب في ترجمة الصهرشتي(4)

ومنهم: السيد الاَمين فقد تبع صاحب الذريعة فنسب الاِصباح إلى الصهرشتي(5).

ولم يبق في المقام سوى احتمال أنّ الموَلفين الجليلين ألّفا كتابين مسمّين باسم إصباح الشيعة بمصباح الشريعة، غير أنّه وصل إلينا أحدهما دون الآخر، وقد عرفت أنّ الواصل إلينا ليس إلاّ تأليف الشيخ الكيدري.

نعم اشترك الموَلفان في اسم كتاب آخر وهو التنبيه غير أنّ ما ألّفه الصهرشتي أسماه «تنبيه الفقيه»(6)وما ألّفه شيخنا الموَلف أسماه بـ «تنبيه الاَنام لرعاية حق الاِمام».


(1) المجلسي، البحار: 1|15.
(2) رياض العلماء: 2|446.
(3) طبقات أعلام الشيعة (القرن الخامس): 88.
(4) منتجب الدين: الفهرست : 86.
(5) الاَمين: أعيان الشيعة: 7|297.
(6) ابن شهر آشوب: معالم العلماء: 56 برقم 373.


(15)

إجازة شيخه ابن حمزة للموَلف:

إنّ شيخنا الموَلف لما فرغ من كتاب «حدائق الحقائق» الذي ألّفه شرحاً لنهج البلاغة، على غرار ما ألّفه ابن فندق البيهقي، وشيخه قطب الدين الراوندي، عرضه على أُستاذه الشيخ عبد اللّه بن حمزة، استحسنه وكتب تقريظاً له، وأجازه فيه أن يروي عنه ما صحت له روايته ونص الاَجازة موجودة على ظهر مصورة كتاب إصباح الشيعة بمصباح الشريعة في مكتبة المرعشي المسجل برقم 127 واليك نصها:

هذا الكتاب الموسـوم بـ«حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة» كتاب جامع لبدائع الحكم، وروائع الكلم، وزواهر المباني وجواهر المعاني، فائق ما صنّف في فنّه من الكتب، حاوٍ في فنون من العلم لبابَ الاَلباب، ونكت النخب، ألفاظه رصينة متينة، ومعانيه واضحة مستبينة، فبالحري أن يُمسي لكلام أفصح العرب بعد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ شرحاً، ويقابل بالقبول والاَقبال، ولا يعرض عنه صفحاً، وصاحبه الاِمام الاَجل العالم الزاهد، المحقّق المدقق، قطب الدين تاج الاِسلام، مفخرُ العلماء، مرجعُ الاَفاضل، محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري البيهقي، وفّقه اللّه لما يتمناه في دنياه وعقباه، قد عبّ في علوم الدين من كل بحر ونهر، وقلب كل فن ممّا انطوى عليه الكتاب بطناً لظهر، ولم يأل جهداً في اقتناء العلوم والآداب، وأدأب نفسه في ذلك، غاية نهار عمره كل الاِداب، حتى ظفر بمقصوده، وعثر على منشوده، وها هو منذ سنين يقتفي آثاري ويعشو إلى ضوء ناري، يغتذي ببقايا زادي، ويطأ مصاعَد جوادي.

وقد صح له وساغ رواية جميع ما سمعته وجمعته من الكتب الاَُصولية والفروعية والتفاسير والاَخبار والتواريخ وغير ذلك على ما اشتمل عليه فهارس كتب أصحابنا وغيرهم، من مشايخي المشهورة لا سيما الكتاب الذي شرحه هو، وهو نهج البلاغة.

وله أن يرويه بأجمعه عنّي، عن السيد الشريف السعيد الاَجل أبي الرضا فضل اللّه بن علي الحسين الراوندي، عن مكي بن أحمد المخلّطي، عن أبي الفضل محمد بن يحيى الناتلي، عن أبي نصر عبد الكريم بن محمد الديباجي، المعروف بسبط بشر الحافي، عن السيد الشريف الرضي _ رضي الله عنه _ ، وعن غير هوَلاء من مشايخي.

وهو حري بأن يوَخذ عنه، وموثوق بأن يعول عليه. وهذا خط العبد المذنب المحتاج إلى رحمة اللّه عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه الطوسي في شهر رمضان عظم اللّه بركته سنة ست وتسعين وخمسمائة.


(16)

وأظنّ أنّ التسعين مصحّف السبعين، لمقاربتهما كتابةً، ويبدو أنّ الموَلف لمّا فرغ من شرحه على النهج عام 576هـ، عرض على أُستاذه في هذه السنة أو وقف أُستاذه عليه عفواً، ومن البعيد أن يقف عليه بعد الفراغ بعشرين سنة، أو يعرضه عليه موَلّفه الكتاب بعد تلك الفترة من تأليفه.

فالاَجازة دليل على حياة ابن حمزة في تلك السنة، كما هي دالة على أنّ شيخنا الموَلف كان أحد الموَلّفين الاَفذاذ الكبار في ذلك العصر.

ثم إنّ شيخنا قطب الدين المجاز صرّح بقراءته على أُستاذه ابن حمزة في بعض كتبه الذي ألّفه عام 573 هـ قال المحدّث النوري: «قال محمد بن الحسين القطب الكيدري تلميذه في كتاب كفاية البرايا في معرفة الاَنبياء والاَوصياء: حدّثني مولاي وسندي الشيخ الاَفضل، العلاّمة، قطب الملّة والدين نصير الاِسلام والمسلمين، مفخر العلماء، مرجع الفضلاء، عمدة الخلق، ثمال الاَفاضل عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه بن حمزة الطوسي أدام ظل سمّوه وفضله للاَنام، وأهله ممدوداً، وشرّع نكته وفوائده لعلماء العصر مشهوداً قراءة عليه بـ«ساترواربهق» (1) في شهور سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة» (2)

وفاته:

لم تحدد وفاته بالضبط لكنه كان حيّاً في سنة 610 لاَنّه كتب في هذا التاريخ اجازةً على ظهر كتاب «الفائق» لمن قرأه عليه، أورد ابن الفوطي صورتها في ترجمة الكيدري (3)

كلمة في الكتاب وموَلّفه ومحقّقه:

1 ـ إنّ موَلّفنا الجليل ينقل في كتابه هذا عن كتاب «المبسوط» و «النهاية» لشيخ الطائفة وكتاب «المراسم» لسلاّر الديلمي، و «الغنية» لابن زهرة، وكثيراً ما ينقل آراء السيد المرتضى وابن البراج الطرابلسي ولا يذكر مصادر رأيهما وقد استخرج محقّقنا الفاضل مصادر رأيهما في التعليق.


(1) معرب «سبزواربيهق».
(2) النوري: المستدرك:3|472.
(3) مجلة تراثنا: العدد 39|302.


(17)

2ـ إنّ المعروف أنّ القرن السادس قرن الجمود والتقليد لما ورث الفقهاء من الآراء عن الشيخ الطوسي _ قدس سره _ وأن أوّل من نهض لرفض الجمود هو الشيخ محمد بن إدريس الحلي (ت 598 هـ) ولكن ذلك زعم غير صحيح، وهذا هو الشيخ ابن البراج الطرابلسي (400 ـ 481هـ) قد خالف في كتابه «المهذّب» آراء أستاذه أبي جعفر الطوسي، وقد ذكرنا بعض مناظراته الفقهية مع الشيخ الطوسي في تقديمنا لذلك الكتاب.

والنموذج البارز لبطلان ذلك العزم هو كتاب «إصباح الشيعة» لشيخنا الكيدري، فمع أنّ الرأي المنقول عن الشيخ، والموجود في كتابه «النهاية» في فريضة الخمس هو دفنه أو الوصاية حيث قال: ولو أنّ إنساناً استعمل الاحتياط وعمل على أحد الاَقوال المقدّم ذكرها من الدفن أو الوصاية لم يكن مأثوماً(1)

مع أنّ هذا كان هو رأي شيخنا الطوسي لكن يتراءى أنّ موَلّفنا أبدى بشجاعة علمية خاصة رأياً خاصاً وألّف كتاباً فيه، وقال: فأمّا ما عدا ذلك من أخماسهم، فلا يجوز لاَحد التصرّف فيه، وحكمه في أيدي شيعتهم ومن اشتغل به ذمتهم، حكم ودائع المسلمين وأماناتهم. وقد أمليت في ذلك مسألةً مستوفاةً مستقصاةً وسميتها «تنبيه الاَنام لرعاية حق الاِمام» يطلع بها على ثنايا هذه المسألة وخباياها(2)

يا حبّذا لو أطلعنا على هذا الكتاب حتى نتعرف على ما في ثناياه، فلعلّ فيها، شيئاً على خلاف ما ذهب إليه الشيخ في النهاية.

3ـ إنّ شيخنا (محقّق الكتاب) قد أخذ مصورة مكتبة المرعشي برقم 127 والذي جاء اسمه في الجزء الاَوّل ص 123 من فهرست المصورات، أصلاً في التحقيق والتعليق، ويرجع تاريخ كتابتها إلى سنة 645هـ قريباً من عصر الموَلّف، ولم يكن خالياً من سقط وتصحيف، ومع ذلك فلها قيمتها الخاصة، وبما أنّ إصباح الشيعة قد طبع مبّعضاً وموزعاً على الكتب الفقهية في الموسوعة: سلسلة الينابيع الفقهية، اتخذه المحقّق نسخة ثانية وأشار إليها برمز «س» و مع التقدير لجهود جامعها: العلاّمة الشيخ علي أصغر مرواريد ـ دام مجده ـ لم تكن المطبوعة في الموسوعة خاليةً عن السقطات الكثيرة والاَغلاط المغيّرة للمعنى وقد أشار المحقّق إلى لفيف منها في التعليقة وأعرض عن كثير. وهذا يفرض على مدّونها، أعادة النظر في تصحيحها وتحقيقها خصوصاً أن الموسوعة، أصبحت، أوسع موسوعة فقهية شيعيّة في العالم الاِسلامي.


(1) الطوسي: النهاية: 201.
(2) لاحظ هذا الكتاب: 128.


(18)

4ـ لم يكن كتاب إصباح الشيعة كتاباً مهجوراً عند العلماء كيف وقد نقل عنه لفيف من المتأخّرين منهم شيخنا صاحب «الجواهر» في مبحث الاَقارير المبهمة(1)بسوالفاضل الهندي في «كشف اللثام» في مبحث آداب الخلوة(2) كما نقل عنه المتقدّمون عليهما كالعلاّمة في «المختلف» كما نقل غيره.

5ـ بما أنّ الموَلف في كتابه هذا سارَ على ضوء «المبسوط» لشيخ الطائفة و «غنية النزوع» لابن زهرة فقد استعان شيخنا المحقّق في تصحيح بعض الكلمات غير المقروءة أو المطموسة بكتابي «المبسوط» و «الغنية» ولاَجل الاِيعاز إلى هذا، ربما ينقل نصّ المبسوط والغنية في التعليق لِيُعلم مصدر التصحيح.

6ـ قد سبق أن شيخنا الموَلف كان له شجاعة أدبية في التعبير عن آرائه وكان لا يأبه بالمخالفة للمشهور، نرى أنّه ربّما يفتي بخلاف المشهور، فقد أفتى في صلاة الاحتياط بالتخيير بين قراءة الحمد والتسبيح(3)مع أنّ المشهور بين الفقهاء قراءة الحمد.

7ـ وفي نهاية المطاف نتقدم بالشكر إلى الفاضل المحقّق والمجاهد المخلص الشيخ إبراهيم البهادري ـدامت أفاضاته ـ حيـث قام بتصحيح الكتاب والتعليق عليه وأتعب نفسه في ذلك المجال ولا يقوم به إلاّ بغاة العلم وعُشّاق الفضيلة فشكر اللّه مساعيه الجميلة، وليس هذا أوّل كتاب قام بتحقيقه، فقد كرّس حياته الثمينة، في هذا المجال مضافاً إلى دراساته العلمية وتآليفه الثّمينة، وإليك فهرس ما حقّقه من الكتب.

1ـ عمدة عيون صحاح الاَخبار: لابن البطريق (523 ـ 600هـ) في الفضائل والمناقب وطبع في جزئين، وقد حقّقه وصحّحه مع زميله الحجة الشيخ مالك المحمودي ـ حفظه اللّه ـ.

2ـ جواهر الفقه: للقاضي ابن البراج (400 ـ 481هـ) وقد طبع في جزء واحد.

3ـ الاحتجاج: للشيخ الطبرسي في جزئين، وقد تحمل عبأً كثيراً مع زميله الشيخ محمّد هاديبه ـحفظهما اللّهـ في ارجاع مراسيله إلى المسانيد، وبذلك أضفيا على الكتاب ثوباً جميلاً.

4ـ إشارة السبق: تأليف الشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل بن أبي


(1) النجفي: الجواهر:35|39.
(2) الفاضل الهندي، كشف اللثام: 1|19.
(3) لاحظ: 83 من هذا الكتاب.


(19)

المجد الحلبي، وقد طبع في جزء واحد.

5ـ الرسائل الاعتقادية: للشيخ الطوسي.

6ـ المسائل الميافارقية: للسيد المرتضى، وقد طبعت الرسالتان في ذيل جواهر الفقه.

وشيخنا المحقّق بعد جادّ في عمل التصحيح، وساع في ميدان التحقيق، وهو الآن مشغول بتحقيق كتاب «غنية النزوع» لشيخنا ابن زهرة _ قدس سره _ .

أرجو من اللّه سبحانه أن يوفّقه لاحياء التراث أزيد ممّا سبق، ويرحم اللّه الماضين من علمائنا ويحفظ اللّه الباقين منهم.

موَسسة الاِمام الصادق _ عليه السَّلام _ إذ تنشر هذا الكتاب تتقدم بالشكر للمحقّقين والعاملين فيها والمشرفين على إخراج هذا الكتاب إخراجاً فنياً رائعاً.

قم ـ موَسسة الاِمام الصادق _ عليه السَّلام _
جعفر السبحاني
ذي الحجة الحرام
من شهور عام
1415



(20)

مصادر الترجمة:

قد راجعنا في ترجمة الموَلف إلى المصادر التالية:

1ـ أعيان الشيعة: 8|245 و 451.

2ـ أمل الاَمل: 2|266.

3ـ بحار الاَنوار: 55|279 (ط. بيروت).

4ـ الذريعة في مختلف أجزائها.

5ـ روضات الجنات:6|295.

6ـ ريحانة الاَدب: 6|473.

7ـ سفينة البحار: 2|437.

8 ـ شرح نهج البلاغة لابن ميثم: 1|269.

9 ـ طبقات أعلام الشيعة (سادس القرون): 259.

10ـ الغدير: 4|321.

11ـ فهرست منتجب الدين: برقم 489.

12ـ الفوائد الرجالية لبحر العلوم: 3|240.

13ـ قصص العلماء (للتنكابني): 434.

14ـ الكنى والاَلقاب: للمحدّث القمّي: 3|74.

15ـ (لغت نامه دهخدا): 37|351.

16ـ مجلة تراثنا: العدد 37 و 39.

17ـ مستدرك سفينة البحار: 8|547.

18ـ مستدرك الوسائل:3|448، 472.

19ـ معجم البلدان: 4|482.


(21)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدللّه الّذي ألهمنا أن نحلّ (1)معاقد الحقّ، فنحلّ (2)بحلّها مقاعد الصدق، وأمدّنا بإمداد التوفيق حتى تحرّينا سواء الطّريق، وتنزَّهت عقائدنا في الدّين عن الاَهواء المضلَّة وآراء المرتدين، وقابَلَنا بالاِقبال والقبول مراسم العترة الطّاهرين من آل الرّسول ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ، فاتّخذناهم في تتبّع الشرائع قدوةً، وفي التطلّع على ثنايا الحقائق أُسوةً، وجعَلَنا عتبتهم الشريفة بابَ حِطَّةٍ، يُفْزَع إليها من كلّ معضلة وحطة، لانبغي مدى الاَعمار عنهم حِوَلاً (3) ولانرضى بمن في الاَقطار منهم، فللّه جلّ اسمه الحمد على ما توالت من نِعَمه الّتي لاتُحصى ولاتُعدُّ، وتَلاَلاَت من آلائه الّتي لاتوصف ولا تُعَدُّ، حمداً على صفايا المحامد يرتضيه، ومن صحائف الكتبة الكرام يصطفيه.

ثمّ أفضل الصَّلاة والتّحيّة على محمّد المصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعلى وصيّه الّذي هو في


(1) من الحلّ بمعنى الفتح يقال: حلّ العقدة: فتحها ـ لسان العرب ـ.
(2) من الحلّ بمعنى النزول والحلول نقيض الاِرتحال. ـ المصدر السابق ـ.
(3) من التحوّل بمعنى التنقل من موضع إلى موضع والاِسم الحِوَل ومنهقولهتعالى:(خالدينفيها لايبغون عنها حِوَلاً). الكهف: 108 ـ لسان العرب.


(22)

غوامض العلم باب مدينته.

أمّا بعد: فانّ درّة يتيمة من الصدف النبويّ. وثمرة ذات قيمة عظيمة من الشجر العلوي، قد انتج من خاطره اللّطيف، وخرج من لطيفه الشريف فرط عنايته وشدّة تشوّفه (1)إلى كتاب بديع في فقه الفرقة المتسمية بالشيعة الاِماميّة الموسومين بفضل اختصاص بأهل البيت من بين الفرق الاِسلامية، على آنق (2) ترتيب وتهذيب، وأرشق تفضيل وتبويب، قد أُقتصر على محض الاَُصول، وجرِّد عن فضول الفصول، يشتمل على فوائد المجلدات، ويندرج لخفّة حجمه في سلك المختصرات، من أتقنه تُيقِّن أنّ الحقّ مغزاه وفحواه.

فحداني عالي همّته وحتم إشارته على تصنيف هذا الكتاب، الّذي برز بفنون من الفضل على أكثر كتب الاَصحاب، يشهد بصحّته العقلُ ومُلْهَمُه والعاقل ومَعْلَمُهُ (3) ويرتع في رياضه العالم البصير، ويسبح (4) النحرير، وما ذلك، ـ بعد توفيق اللّه عزّ اسمه ـ إلاّ بيمن نفسه وعُلوِّ همّته، أرجو أن يقع فيما يرضاه من مبتداه إلى منتهاه، فيكون شكراً منّي لبعض نعمائه.

وسمّيته «إصباح الشّيعـة بمصباح الشّريعة» جعله اللّه للمتفقهة مصباحاً، ولليل حيرتهم صباحاً، واللّه أعتَد وإيّاه أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل.



(1) تشوّفت إلى الشيء: تطلعتُ، مجمع البحرين.
(2) الآنق: الحسن المعجب.
(3) المَعْلَمُ: الاَثر الذي يستدل به على الطريق. ومَعْلَمُ كل شيءٍ مظنّته. لسان العرب.
(4) سَبَحَ الرجل في الماء سبحاً، من باب نَفَعَ، والاِسم السِباحة بالكسر. المصباح المنير.


(23)

كتاب الطّهارة

الطّهارة إمّا بالماء أو بالتراب، فالّتي بالماء الوضوء والغسل، والّتي بالتّراب التّيمّم.

الفصل الاَوّل(1)

الماء كلّه طاهر مالم تحصل فيه نجاسة، والطّاهر قد يكون غير مطهّر كما استخرج من جسم أو اعتصر منه والمرقة وغير ذلك ممّا لايطلق عليه اسم الماء.

ومطهّر الماء ما عدا ذلك وهو إمّا راكد أو جارٍ؛ والجاري إذا خالطه نجاسة غيّرت لونه أو طعمه أو رائحته فهو نجس لايطهر إلاّ بزوال ذلك التغيّر بتكثير الماء، وماء المطر الجاري من الميزاب وإن خالطه نجاسة وماء الحمّـام مع المادّة كالجاري كلاهما.

والرّاكد إمّا أن يكون في بئر له نبع أو لايكون كذلك؛ فماء البئر ينجس بما يقع فيه من النّجاسة قليلاً كان أو كثيراً، ثمّ إن تغيّر إحدى صفاته بالنّجاسة نزح إلى أن يزول ذلك التغيّر [إن تعذّر نزح الكلّ] (2)وإن لم يتغيّر نزح الكلّ.

إذا وقع فيها مسكر أو فقّاع أو منيّ أو دم حيض أو استحاضة أو نفاس أو


(1) تعريف الفصول وترقيمها فيما إذا تجاوزت فصلاً واحداً منّا.
(2) ما بين المعقوفتين موجود في «س».


(24)

مات فيها بعير، فإن تعذّر نَزْحُ الكلّ تناوب في نزحه أربعة رجال من الغداة إلى الرّواح.

وإن مات فيها حمار أو بقرة أو دابّة أو ما هو في قدر جسمها نزح منه كرّ، وإن مات فيها إنسان كبير أو صغير، نزح سبعون دلواً، وإن وقع فيها دم كثير أو عذرة رطبة، نزح خمسون دلواً، وإن مات فيها كلب أو خنزير أو ثعلب أو أرنب أو سنّور أو شاة أو غزال أو ما أشبهها أو بال فيها رجل أو امرأة أو وقع فيها ماء نجس فأربعون دلواً.

وإن وقع فيها دم قليل أو عذرة يابسة فعشرة دلاء، وإن وقع فيها كلب وخرج حيّاً أو مات فيها حمامة أو دجاجة وما أشببههما، أو فأرة تفسّخت فيها أو وزغة ماتت فيها وتفسّخت، أو بال فيها صبيّ أو ارتمس جنب فسبع دلاء، وإن وقع فيها ذرق الدّجاج فخمس دلاء.

وإن مات فيها فأرة ولم تتفسّخ أو حيّة أو وزغة أو عقرب فثلاث دلاء، وإن مات فيها عصفور وما أشبهه أو بال فيها رضيع لم يأكل الطّعام فدلو واحد، والاعتبار بالدّلو المعتادة.

والاَولى أن يكون بين البئر والبالوعة سبع أذرع إذا كانت البئر تحتها أو الاَرض رخوة، وإن كانت في الصّلبة أو فوقها ممّا يكون نبعُ الماء من جهته فخمسة أذرع، وكلّ نجاسة لم يرد في النّزح منها نصّ، وجب نزح الجميع من ذلك احتياطاً.

وأمّا ماء غير البئر: فإن كان كرّاً فحكمه حكم الماء الجاري، والكرّ ما يكون ثلاثة أشبار ونصفاً طولاً وعرضاً وعمقاً، أو ألفاً ومائتي رطل بالعراقيّ، وقيل: بالمدنيّ، (1) فإن تغيّر بالنجاسة بحيث يسلبه إطلاق اسم الماء لم يجز استعماله، وإن


(1) القائل هو السيد المرتضى اختاره في الناصريات المسألة 2، ورسائلالشريفالمرتضىالمجموعة الثالثة |22، واختاره الصدوق في الفقيه: 1|6.


(25)

نقص عن كرّ نجس بما يقع فيه من النّجاسة قليلة [كانت](1)أو كثيرة إلاّ ما تعذر التحرّز منه، كروَوس الاِبر من الدّم وغيره، فإنّه معفوٌّ عنه.

فإن تمّم كرَّاً بطاهر أزال التغيّـر طهر، وكذلك إن كان الكرّ النّجس في موضعين فجمع بينهما مع فقد التغيّر، وقيل: لايطهر في المسألتين بذلك، بل إنّما يطهر بِطَريانِ كرّ طاهر عليه إن زال به التغيّر، وإن لم يزل فبزيادته إلى أن يزول.(2) إذا جمع بين طاهر غير مطهّر ومطهّر فالحكم للاَغلب، فإن تساويا، قيل: يطهر لاَنّ الاَصل الاِباحة. (3)وقيل: لايطهر بدليل الاحتياط [وفقد اطلاق اسم الماء] (4) وقيل: يطهر إن أطلق اسم الماء. (5)

وسوَر الكلب والخنزير والكافر ومن في حكمه وجلاّل الطّيور والبهائم وما في منقاره أثر دم يأكل الميتة من الطّيور (6)كلّ ذلك نجس.وسوَر الحائض المتّهمة والدّجاج غير الجلاّل والبغال والحمير مكروه.

ومااستعمل في غسل الجنابة والحيض يجوز استعماله إذا لم يكن بها نجاسة إلاّ في رفع الحدث به خاصّة وما استعمل في إزالة النّجاسة نَجِسٌ.

ويكره الطّهارة بالمشمّس، ولايجوز الطهارة بالمائع غير الماء ولا إزالة النّجاسة وقيل: يجوز إزالة النّجاسة (7)والمعوّل على الاَوّل، ويكره استعمال ماء


(1) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(2) ذهب إليه الشيخ ـ قدّس سرّه ـ في الخلاف، المسألة 48 ـ 50 من كتاب الطهارة،وقالالعلاّمةفي التذكرة: 1|23: لو جمع بين نصفي كر نجس لم يطهر على الاَشهر...وقال بعض علمائنا: يطهر وبه قال الشافعي.
(3) ذهب إليه الشيخ الطوسي ـ قدّس سرّه ـ في المبسوط: 1|8.
(4) مابين المعقوفتين من «س».
(5) لاحظ المهذّب للقاضي ابن البراج: 1|24.
(6) وفي «س»: أو يأكل الميتة من الطيور.
(7) القائل هو السيد المرتضى ـ قدّس سرّه ـ لاحظ الناصريات، المسألة 22.


(26)

مات فيه الوزغة والعقرب من الماء القليل. ولا يجزي الطهارة بالماء المغصوب.

الماء النّجس لايجوز استعماله إلاّ في الشّرب عند الخوف من الهلاك.

لو شكّ في الماء أهو طاهر أو نجس؟ لم يلتفت إلى الشكّ إذ الاَصل الطّهارة.

اشتبه إناءان أحدهما طاهر ماوَه والآخر نجس لم يجز استعمالهما، وإن كان أحدهما طاهراًغير مطهّر والآخر مطهّراً استعملهما معاً، وإن أخبره رجلان بتعيين ذلك لم يجب عليه القبول لفقد الدّليل، وقيل: يجوز قبول قول عدلين في ذلك.(1)

يجب غسل الاِناء من النّجاسة، ثلاث مرّات بالمطلق، وروي مرّة واحدة، (2) والاَوّل أحوط، ومن الخمر والمسكر وموت الفأرة سبع مرّات، ومن ولوغ الكلب والخنزير ثلاث مرّات أوّلهنّ بالتّراب إن وجد.

إذا غسل مرّة أو مرّتين فوقع فيه نجاسة أُخرى، استأنف الغسل ثلاثاً ولايعتدّ بالسّالف، وقيل: لايستأنف. (3)

ما كان قرعاً (4)أو خشباً من إناء الخمر لايطهر بالغسل، وقيل: إنّ النّهي عن استعمال ذلك محمول على الكراهيّة دون الحظر. (5)

لا يجوز الاستقاء للطّهارة بالدّلو المأخوذة من جلد ما لايوَكل لحمه وإن ذكّي.


(1) لاحظ السّرائر : 1|86.
(2) انظر تهذيب الاَحكام: 1|283، ح830 قال العلاّمة ـ قدّس سرّه ـ بعد نقل الحديث: علّقنفيالبأس على مطلق الغسل الحاصل بالمرة الواحدة. انظر مختلف الشيعة: 1|500 من الطبع الحديث.
(3) لاحظ المبسوط: 1|14.
(4) القرع: الدباء وبالعكس: وهو وعاء كانوا ينتبذون فيه فكان النبيذ يغلي فيه سريعاً ويسكرـلسان العرب، ومجمع البحرين، وانظر الوسائل: 2|1075، ب 53 من أبواب النجاسات، ح2.
(5) القائل هو الشيخ ـ قدّس سرّه ـ في المبسوط: 1|15.


(27)

الفصل الثاني

مقدمة الوضوء ضربان: مفروض ومسنون.

والمفروض (1)

ع: ترك استقبال القبلة واستدبارها في حال البول والغائط، إلاّ في موضع لايمكن الانحراف، وغسل مخرج النّجو أو مسحه بالحجر حتّى ينقى إن لم يتعدّ النّجاسة موضعها، أو بما يزيل العين كالحجر والمدر والخرق إن كان طاهراً، وغسل مخرج البول بالماء لاغير، وأقلّه مِثلا ما عليه، وعند ضرورة حرج وفقد ماء ينشّفه بالمدر والخرق.

ولايستنج (2) مع الاختيار إلاّ باليسار ولايستنج (3)بالرّوث ولا بما لايزيل العين كالعظم والحديد، ولا استعمال الاَحجار الّتي استعملت في الاستنجاء.

والمسنون: التّستّر عن النّاس عند الحاجة، وتقديم الرِّجل اليسرى عند دخول الخلاء، واليمنى عند الخروج، والتّسمية والتعوّذ من الشّيطان عند دخول الخلاء، وتغطية الرأس، وترك استقبال القمرين بالحدثين، والرّيح بالبول، والتجنّب عندهما من أفنية الدّور ومواضع اللّعن والشّوارع والمشارع، وفيء النّزّال، ومسقط الثّمار، وحيث يتأذّى المسلمون بنجاسته فيه، والمياه الجارية والرّاكدة.

ولايبول في جحرة الحيوان، ولا في الاَرض الصّلبة، ويقعد على أرض مرتفعة عند البول، ولايطمح (4)ببوله في الهواء، ولايستنجِ وفي إصبعه خاتم، نَقْشُ فصّه اسم اللّه تعالى أو أسماء خيرته من بريّته، أو فصّه حجر له حرمة كحجر زمزم.


(1) في «س»: فالمفروض.
(2) في الاَصل: ولايستنجى.
(3) في الاَصل: ولايستنجى.
(4) طمح ببوله: رفعه ورمى به. مجمع البحرين.


(28)

ولايقرأ القرآن حال الغائط إلاّ آية الكرسي، ولايأكل ولايشرب ولايستاك ولايتكلّم مختاراً، ويدعوا بالاَدعية المشهورة.

وإذا بال مسح من عند المقعد إلى أصل القضيب ثلاثاً وينتر (1)القضيب ثلاثاً، ولايضرّه ما يرى (2)بعده من البلل، وإن لم يفعل ذلك ورأى بللاً بعد الوضوء انتقض، وأن يجمع بين الحجر والماء وأن يستعمل ثلاثة أحجار وإن نقى بواحد.

الفصل الثالث

الوضوء إمّا واجب وهو ما تستباح به الصّلاة أو الطّواف بالبيت، وإمّا ندب كما يقصد به مسّ المصحف أو كتابته، أو الدّخول إلى موضع شريف، أو للنّوم، أو لما ندب إليه من الكون على الطّهارة، ثمّ هو يشتمل على واجب وندب:

فالواجب: أن ينوي به رفع الحدث واستباحة الصّلاة، أو الطّواف متقرّباً إلى اللّه تعالى، وإن نوى استباحة صلاة بعينها جاز أن يستبيح به سائر الصّلوات نفلاً كان أو فرضاً، وأن لاينتقل من تلك النيّة إلى نيّة ترفع حكمها وينافيها.

ويتعيّن وجوبها عند غسل الوجه، وهي بالقلب لا علقة بها (3)باللّسان، وأن يغسل وجهه بكفّ من الماء من قصاص شعر الرّأس إلى محادر (4)الذّقن طولاً في عرض ما دارت عليه الاِبهام والوسطى، فإن غسل من المحادر إلى القصاص لايجزئه لاَنّه خلاف المأمور به، وقيل: يجزئه لاَنّه يكون غاسلاً (5) ويغسل بكفّ


(1) النتر: جذب الشيء بجفوة. ومنه نتر الذكر في الاِستبراء. مجمع البحرين.
(2) في «س»: ما رأى.
(3) في «س»: لها.
(4) محادر الذقن: ـ بالدال المهملة ـ: أوّل انحدار الشعر عن الذقن وهو طرفه. مجمع البحرين.
(5) القائل هو السيّد المرتضى بناء على ما حكاه عنه المحقق في المعتبر: 1|143.


(29)

أُخرى يده اليمنى، من المرفق إلى أطراف الاَصابع، وإن ابتدأ من روَوس الاَصابع إلى المرفق لا يجزئه، وقيل: يجزئه لاَنّه غاسل (1)ويغسل المرفق أيضاً ثمّ يغسل يسراه كذلك.

ومقطوع اليد دون المرفق يغسل ما بقي، وفوق المرفق لا غسل، والزّائد من اليد والاِصبع دون المرفق يجب غسله وفوقه لايجب، وأن يمسح ببقيّة النّداوة رأسه، ولايستأنف للمسح ماءً جديداً، فإن لم يبق نداوة أخذ من أشفار عينيه وحاجبيه ولحيته، فإن لم يكن استأنف الوضوء، ولايمسح إلاّ مقدّم الرأس مقدار ما يقع عليه اسم المسح.

ولايستقبل شعر الرّأس، فإن خالف أجزأه لاَنّه ماسح، وقيل: لايجزئه (2) ويجوز أن يمسح على شعر رأسه ويمسح الرّجلين من روَوس الاَصابع إلى الكعبين وإن عكس جاز، والكعب العظم النّاتىَ في وسط القدم عند معقد الشّراك.

ومقطوع الرّجل إلى الكعبين لايلزمه مسح، ولايجوز المسح على حائل بين العضو والمسح لا في الرّأس ولا في الرّجل مختاراً.

وأقلّ ما يجزي من الماء في الوضوء ما يكون به غاسلاً ولو كالدَّهن بشرط أن يجري على العضو، والاِسباغ في مدّمن الماء، وأن يبدأ بغسل الوجه ثمّباليد اليمنى ثمّ باليسرى ثمّ بمسح (3)الرأس ثمّ بمسح (4)الرّجلين، ولايجب التّرتبيب في الرجلين، وقيل: يقدّم اليمنى على اليسرى (5) وأن لا يوَخّر غسل عضو من عضو


(1) القائل هو السيد المرتضى في المسائل الناصريات، المسألة 29، واختاره الحلّي في السرائر:1|99.
(2) ذهب إليه الشيخ في الخلاف، المسألة 31 من كتاب الطهارة واختاره سلار في المراسملاحظالينابيع الفقهية: 1|247.
(3) في «س»: ثمّ يمسح.
(4) في «س»: ثمّ يمسح.
(5) وهو خيرة سلار في المراسم لاحظ الينابيع الفقهية: 1|247.


(30)

إلى أن يجفّ ما تقدّم مع اعتدال الهواء، وأن يوصل الماء إلى ما تحت الخاتم ونحوه، ويمسح على خرقة الجرح والجبائر إن تعذّر نزعها وإن أمكنه وضع ذلك العضو في الماء وضعَهُ، ولايمسح عليها ولايوضّئه غيره مختاراً.

وأمّا النّدب: فأن يغسل يده من النّوم أو البول مرّة ومن الغائط مرّتين قبل إدخالهما الاِناء، ويتمضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً بغرفة أو غرفتين أو ثلاث، وأن يغسل وجهه ويديه، [ثانياً وقيل: الغسلة الثانية بدعة وما عليه معوّل] (1) ويبتدىَ الرّجل في الغسلة الاَُولى بظاهر يديه، وفي الثّانية بباطنها، والمرأة بالعكس، وأن يمسح الرأس بمقدار ثلاثة أصابع مضمونة، وأن تضع المرأة قناعها لمسح الرّأس في المغرب والغداة خاصّة، ويمسح الرّجل بكفّه كلّها، وأن يقدّم الاستنجاء على الوضوء، ولايستعين بغيره بصبّ الماء عليه، ولايتمندل، ويأتي في خلال ذلك بالاَدعية المشهورة.

من تيقّن الحدث وشكّ في الوضوء أو تيقّنهما معاً ولم يدرِ أيّهما سبق، أو شكّ في الوضوء وهو على حاله، أو ترك عضواً من أعضاء الطّهارة متعمّداً أو ناسياً إلى أن لم تبق معه نداوة، أعاد في جميع ذلك الوضوء والصّلاة إن صلاّها، وكذلك من ترك الطّهارة متعمّداً أو ناسياً، ومن شكّ في بعض أعضاء الوضوء وهو على حاله أعاد عليه وعلى ما بعده، ومن ترك الاستنجاء أو الاستبراء متعمّداً أو ناسياً وصلّى أعاد ذلك مع الصّلاة دون الوضوء.

ومن توضّأ وصلّى الظّهر ثمّ أحدث وتوضّأ وصلّى العصر ثمّ ذكر أنّه أحدث عقيب إحدى الطّهارتين قبل أن صلّى، أو ذكر أنّه ترك عضواً من أعضاء الطّهارة ولا يدري من أيّ الطّهارتين كان وقد أحدث فيما بينهما، أعاد الوضوء والصّلاتين


(1) مابين المعقوفتين موجود في «س».


(31)

في المسألتين لاَنّه ما أدّى واحدة منهما بيقين. (1)

ومن توضّأ لكلّ صلاة من الخمس وضوءاً على حِدَةٍ ثمّ ذكر أنّه أحدث عقيب واحدة من هذه الطّهارات لا غير، ولايدري ما هي، توضّأ وأعاد الصّلوات كلّها لاَنّه لايقطع على أنّه صلّى واحدة منها بيقين، (2)فإن لم يحدث عقيب واحدة إلاّ أنّه ذكر أنّه ترك عضواً من أعضاء طهارة لايتعيّن له، أعاد الصّلاة الاَُولى لا غير، لاَنّ المشكوك هي الاَُولى تعلّق الشكّ بها أو لا.

الفصل الرابع

ما ينقض الطّهارة على ثلاث أضرب:

ضرب ينقضها ويوجب الوضوء لا غير، وهو البول والغائط والرّيح والنّوم الغالب على السّمع والبصر، وكلّ ما يزيل العقل والتمييز، من الاِغماء والجنون والسّكر وغيرها.

وضرب ينقضها ويوجب الغسل، وهو خروج المنيّ على كلّ حال، والتقاء الختانين، والحيض والنّفاس، ومسّ الميّت من النّاس بعد البرد بالموت قبل الغسل، ومسّ قطعة قطعت من حيّ أو ميّت من النّاس وفيها عظم.

وضرب ينقضها ويوجب الوضوء في حالٍ والغسل في أُخرى، وهو دم الاستحاضة وما يخرج من الجوف من بول أو غائط إن كان دون المعدة ينقض الطّهارة، وإن كان فوقها فلاينقض، ولاناقض سوى ذلك.


(1) ولايخفى أنّه إن أتى بأربع ركعات بقصد ما في الذمة بطهارة مجددة كان متيقناً لذلك،فلايحتاج إلى إعادتهما جميعاً، نعم يجب عليه إعادتهما إن اختلفتا في العدد، كالمغرب والعشاء.
(2) ولايخفى ما فيه، لاَنّه إن توضأ وأتى بالصبح والمغرب وأربع ركعات بقصد ما فيالذمّةمرددة بين الظهر والعصر والعشاء مخيّـراً فيها بين الجهر والاِخفات لكان موَدياً جميعها بيقين.


(32)

الفصل الخامس

الغسل: إمّا واجب كما لاستباحة الصّلاة أو الطّواف، أو لدخول المساجد، أو مسّ كتابة المصحف أو اسم من أسماء اللّه تعالى أو أسماء أنبيائه وحججه ـ عليهم السلام ـ، وإمّا ندب كما سيأتي، ومن الواجب تغسيل الميّت من النّاس وغسل من مسّه، وقيل: إنّه ندب (1)والاَشهر الاَوّل. (2)

الفصل السادس

الجنابة تكون بشئين: بإنزال الماء الدّافق، وبالجماع في الفرج وإن لم يُنْزِل، وحدّ الجماع التقاء الختانين وغيبوبة الحشفة، ويجب [الغسل] (3)على الرّجل والمرأة بأحد هذين أعني الجماع المذكور وخروج المنيّ، والجماع في الدّبر من غير إنزال هل يوجب الغسل عليهما ؟فيه روايتان، وإن أولج في فرج بهيمة ولم ينزل يجب الغسل احتياطاً، وقيل: لايجب لفقد الدّليل، والاَصل براءة الذّمّة. (4)

من وجد في ثوبه منيّاً ولم يعلم متى خرج، فإن كان الثّوب يستعمله هو وغيره لايجب عليه الغسل (5)وإن كان فعله أولى احتياطاً، وإن لم يستعمله غيره اغتسل وجوباً ويعيد كلّ صلاة صلاّها فيه من آخر نومة نام فيه (6)إن لم يغتسل بعدها بما يرفع الحدث، وقيل: [لاإعادة] (7)لفقد الدّليل، ويغسل الثّوب ويعيد


(1) اختاره السيد المرتضى على ما حكاه عنه الشيخ في الخلاف، كتاب الطهارة، المسألة 193.
(2) بل هو المشهور لاحظ المختلف: 1|313 من الطبع الحديث.
(3) ما بين المعقوفتين موجود في «س».
(4) الشيخ: المبسوط: 1|28.
(5) في الاَصل: لا يجب الغسل عليه.
(6) في الاَصل: نومه نام فيه، وقال في المبسوط: 1|28: من أوّل نومة نامها.
(7) ما بين المعقوفتين ليس في الاَصل، والصحيح ما في المتن.


(33)

كلّ صلاة لم يخرج وقتها. (1)

يحرم على الجنب خمسة أشياء: قراءة العزائم، وهي ألم تنزيل وحم السّجدة، و والنّجم واقرأ، ومسّ كتابة المصحف وشيء عليه اسم اللّه أو نبيّ أو وصيّ أو إمام، ودخول المساجد إلاّ عابر سبيل ووضع شيء فيها، ويكره له الاَكل والشّرب إلاّ بعد المضمضة والاستنشاق، والنّومُ إلاّ بعد الوضوء والخضاب.

ويجب الاستبراء بالبول والاجتهاد عند الغسل على الرّجل، فإن لم يفعل ورأى بللاً بعد الغسل أعاد، ويغسل يديه إن نجستا وجوباً وإلاّ فاستحباباً ثلاثاً(2) ويتمضمض ويستنشق ثلاثاً ثلاثاً ندباً، وينوي رفع الحدث واستباحة ما يستبيح به من القُرب متقرّباً إلى اللّه تعالى أعني: رضاه وثوابه واجباً، ويقرن النيّة بحال غسل الرّأس أو غسل اليدين.

ويجب استدامة حكم النيّة إلى حين الفراغ عن الغسل بأن لاينتقل منها إلى نيّةٍ تنافيها، فإن فعل ذلك في خلال الغسل ثمّ تمّمه لم يرتفع حكم حدثه لنقضه النيّة، فإن عاد إلى النيّة بنى على ما غسل سواء جفّما سبق أو لا إذ الموالاة غير واجبة في الغسل، وإن نوى مع رفع الحدث التبرّد جاز لاَنّهما لايتنافيان، ثمّ يغسل رأسه، ثمّميامنه، ثمّمياسره بحيث يصل الماء إلى أُصول الشّعر وظاهر جميع البدن.

والتّرتيب المذكور فيه واجب لايجزي فيه خلافه، وإن غسل رأسه بكرةً وجسده ظهراً جاز مالم يحدث ناقضاً للوضوء، فإن أحدث وجب الاستئناف ولم يجز البناء وقيل: يبني ويتوضّأ لاستباحة الصّلاة، وهو اختيار المرتضى.(3)


(1) الشيخ: المبسوط: 1|28.
(2) في «س»: ثلاثةً.
(3) حكاه المحقّق عنه في المعتبر: 1|196.


(34)

وأقلّ ما يجزي من الماء في الغسل ما يجري على البدن ولو كالدّهْن، والاِسباغُ بتسعة أرطال، ويسقط التّـرتيب بالارتماس في الماء والوقوف تحت المجرى أو المطر والغَسْلُ بذلك، وقيل: يترتّب حكماً. (1)وبمجرّد غسل الجنابة خاصّة تستباح الصّلاة من غير وضوء، وقِرانُ الوضوء[ مع الغسل] (2)بدعة.

الفصل السابع

دم الحيض أسود حارّ، يحرم به ما يحرم على الجنب والصّلاةُ والصّوم والاعتكاف والطّواف بالبيت والجماع، ويجب عليها الغسل عند انقطاع الدّم وقضاء الصّوم دون الصّلاة، ويجب على زوجها إن وطأها حائضاً متعمّداً التعزير، وعليها أيضاً إن طاوعته، وعلى الزوّج بالوطء في أوّل الحيض تصدُّق دينار وفي وسطه نصفُ وفي آخره ربع.

وهل ذلك واجب أو ندب؟ فيه روايتان، واختار الشيخ القول بالنّدبيّة. (3)

ويكره لها قراءة ما عدا العزائم ومسّ المصحف وحمله والخضاب، ولايصحّ منها الوضوء والغسل لرفع الحدث ولايصحّ طلاقها.

ولا يكون الحيض قبل تسع سنين ولا بعد خمسين سنة، وروي أنّه في القرشيّات يمتدّ إلى ستّين(4) ولايكون للحامل المستبين حملها، وأقلّ مدّة الحيض ثلاثة أيّام متواليات، وقيل: ثلاثة في جملة العشرة (5) وأكثر ذلك عشرة وما بينهما بحسب عادة النّساء، فأوّل ما ترى المرأة الدّم يجب أن تمتنع من الصّوم والصّلاة،


(1) وهو خيرة سلار انظر المختلف: 1|336.
(2) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(3) النهاية: 26.
(4) لاحظ وسائل الشيعة: 2|580، ب31 من أبواب الحيض.
(5) الشيخ: النهاية: 26، وابن البراج: المهذّب: 1|34.


(35)

فإن استمرّ بها ثلاثة أيّام متواليات قطعت على أنّه دم حيض وإلاّ فلا، وقضت الصّوم والصّلاة، وعلى الرّواية الاَُخرى (1)إذا رأته في جملة العشرة ثلاثة أيّام لزم قضاء الصّوم دون الصّلاة، وأقلّ مدّة الطّهر بين الحيضتين عشرة أيّام ولاحدّ لكثيره.

والصّفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وما بعد انقضاء أكثر أيّام الحيض يكون [دم الاستحاضة، وما بعد انقضاء أيّام الطّهريكون] (2)حيضاً مستأنفاً، والمبتدأة إذا اختلطت أيّامها كلّما رأت الدّم تركت الصّوم والصّلاة، وكلّما طهرت صامت وصلّت إلى أن تستقرّ عادتها بتقضّـي شهرين أو ثلاثة ترى فيها الدّم أيّاماً معلومة أو أوقاتاً معيّنة فتعتمد عليها.

ويتميّز دم الحيض من دم العُذرة بأنّ القطنة تخرج منغمسة بدم الحيض، ومتطوّقة بدم العذرة، ودمُ القرح يخرج من جانب الاَيمن ودم الحيض من الاَيسر، ويتميّز من دم الاستحاضة بالصّفة.

إذا انقطع الدّم فيما دون العشرة ولم تعلم أهي بعدُ حائض أم لا؟ أدخلت القطنة، فإن خرجت وعليها دم وإن كان قليلاً، فهي بعدُحائض، وإلاّ فلا.

وتتوضّأ الحائض في كلّ وقت صلاة وتجلس في مصلاّها مستقبلة القبلة ذاكرةً للّه تعالى مقدار الصّلاة ندباً، وإذا طهرت جاز للزّوج وطوَها قبل الغسل بَعْدَ غسل فرجها، وغسل الحيض كغسل الجنابة، ولايجوز به استباحة الصّلاة من دون الوضوء، وقيل: يجوز (3)والاَوّل أشيع.

إذا دخل عليها وقت صلاة ومضى منه مقدار ما يمكنها أداوَها ولم تفعل ثمّ


(1) الوسائل: 2، ب12 من أبواب الحيض، ح2.
(2) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(3) السيد المرتضى: جمل العلم والعمل في ضمن رسائل الشريف المرتضى المجموعةالثالثة:24.


(36)

حاضت، يجب عليها قضاوَها، وإن طهرت في وقت الصّلاة وأخذت في تأهُّب الغسل من غير توان فخرج الوقت، فلا قضاء عليها، وإن توانت وجب عليها القضاء، وإذا طهرت قبل مغيب (1)الشّمس بمقدار ماتصلّي فيه خمس ركعات تقضي الظّهر والعصر ندباً، فإن أدركت مقدار فردِ ركعةٍ إلى أربع لزمها العصر لا غير، وإذا طهرت بعد مغيب الشّمس إلى نصف اللّيل، قضت العشاءين وجوباً، وإذا طهرت إلى قبيل الفجر مقدار ما تصلّي فيه أربع ركعات، تقضيهما ندباً، وإن لم تدرك أكثر من مقدار (2)ثلاث ركعات أو أقلّ، لم يلزمها سوى العشاء الآخرة، وإذا (3) طهرت قبل طلوع الشّمس مقدار ما تصلّي فيه ركعة فلا.

إذا أصبحت صائمة ثمّ حاضت أفطرت وقضت، وإذا حاضت بعد العصر، أو كانت حائضاً فطهرت خلال النّهار أمسكت بقيّة النّهار ندباً وقضت وجوباً.

الفصل الثامن

الغالب على دم الاستحاضة الرقّة والبرودة والاِصفرار، وعلى دم الحيض الغِلْظة والحرارة والتدفّق والحمرة المائلة إلى الاِسوداد، وما زاد على أكثر أيّام الحيض أو النّفاس وهو عشرة أيّام فهو استحاضة وإن لم يكن بالصّفة المذكورة.

وإذا استمرّ الدّم بالمستحاضة المبتدئة فلها أربعة أحوال:

أوّلها: أن يتميّز لها الدّم بالصّفة، فما رأته بصفة الحيض حيض (4)بشرط أن


(1) في «س»: قبل تغيّب الشمس.
(2) في الاَصل: وإن لم يبق أكثر مقدار.
(3) في الاَصل: وإن طهرت.
(4) في «س»: فحيض.


(37)

لايخرج من حدّيه، وما رأته بصفة الاستحاضة استحاضة.

وإذا رأت المبتدئة ثلاثة أيّام [دم الحيض وثلاثة أيّام] (1)دم الاستحاضة وأربعة أيّام كدرة (2)كان الكلّ من الحيض، وإنّما يحكم بالطّهر إذا جاوز العشرة، وإن رأت ثلاثة أيّام دم الاستحاضة ثمّ ثلاثة دم الحيض ثمّ دم الاستحاضة وجاوز العشرة، فما هو بصفة دم الحيض حيض وما هو بصفة دم الاستحاضة طهر، تقدّم ذلك أو تأخّر، إذ ليست الثلاثة المتقدّمة أولى بالاضافة إلى الحيض[من المتأخّرة، فسقطا وعملت على التّعيين فيما بصفة دم الحيض] (3) وكذلك إن رأت دم الاستحاضة خمسةً ثمّ رأت باقي الشّهر دم الحيض، فأوّل ما رأته بصفة الحيض حيض إلى تمام العشرة وما بعدها استحاضة، فإن استمرّ ذلك جعلت بعد الحيضة الاَُولى عشرة أيّام طهراً، وما بعدها استئناف حيضة ثانية، وإن رأت ثلاثة عشر يوماً دم الاستحاضة. ثمّ رأت الحيض واستمرّ بها، كان ثلاثة من الاَوّل حيضاً، والعشرة طهراً، وما بعدها حيضة ثانية.

وثانيها: أن لايتميّز لها وهو أن ترى الدّم أقلّ من ثلاثة أيّامِ دمِ الحيضِ وبعدها دم الاستحاضة إلى آخر الشّهر، فيجب أن ترجع إلى عادة نسائها من أهلها.

وثالثها: أن لاتكون لها نساء أو كنّ مختلفات العادة، فلترجع إلى لداتها (4) من بلدها.

ورابعها: أن لايكون لها لدات أو كنّ في العادة مختلفات، فلتترك الصّلاة


(1) مابين المعقوفتين موجود في «س» وهو الصحيح لاحظ المبسوط: 1|46.
(2) في الاَصل: دم كدرة.
(3) ما بين المعقوفتين موجود في «س» وهو الصحيح لاحظ المبسوط: 1|46.
(4) اللِّدةُ: التِّربُ والجمع لِدات ولِدون. لسان العرب.


(38)

والصّوم في الشهر الاَوّل ثلاثة أيّام، وفي الثّاني عشرة أيّام، أو في كلّشهر سبعة أيّام، مخيّرة في ذلك.

أمّا المعتادة فعلى أربعة أقسام:

الاَوّل: من لها عادة بلا تميّز، (1)مثال ذلك: أن جرت عادة حيضها في الخمسة الثّانية من الشّهر، فرأت الدّم من أوّل الشّهر واستمرّ بها، تجعل ابتداء حيضها من الخمسة الثّانية، وإذا كانت عادتها خمسة أيّام في كلّ شهر فرأت الدّم قبلها أو بعدها بخمسة ولم تَرَ فيها شيئاً، كان حيضاً (2)قد تقدّم أو تأخّر، وإن اعتادت الدّم في أوّل كلّ شهر خمسة فرأت ذلك في بعض الشّهور على العادة وطهرت عشرة أيّام ثمّ رأت دماً؛ فإن انقطع دون أكثر مدّة الحيض كانت حيضة ثانية، وإن استمرّ كذلك عملت على عادتها في الخمسة الاَُولى وجعلت الباقي استحاضة.

والثانية: من لها عادة وتميّز كأن اعتادت الحيض من أوّل كلّ شهر خمسة أيّام فرأت في شهر عشرة أيّام دم الحيض، ثمّ رأت [بعدها] (3)دم الاستحاضة واتّصل، يكون حيضها عشرة أيّام، اعتباراً بالتميّز، وكذا إذا اعتادت ثلاثة أيّام من كلّ شهر، فرأت ستّة أيّام في أوّل الشّهر دماً أحمر وأربعة أيّام دماً أسود واتّصل، أو اعتادت خمسة من أوّل الشّهر فرأت في أوّل الشّهر ثلاثة أيّام دماً أحمر وثلاثة أسود وأربعة أحمر واتّصل، كان حيضها في المسألتين الدّم الاَسود اعتباراً بالتميّز وإن عملت في هذه المسائل على العادة دون التميّز لقولهم _ عليهم السَّلام _ : المستحاضة ترجع إلى عادتها (4)ولم يفصّلوه كان قويّاً.


(1) في الاَصل: ولاتميز.
(2) في «س»: كان حيضها.
(3) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(4) لاحظ الوسائل: 15، ب5 من أبواب العدد، والوسائل: 2، ب5 من أبواب الحيض.


(39)

والثّالثة: الّتي لها تميّز ونسيت عادتها أو اختلطت عليها فيجب أن ترجع إلى صفة الدّم وتعمل على التميّز.

والرّابعة: الّتي لاتميّز لها بصفة الدّم واطبق عليها الدّم وقد نسيت عادتها فانّها تترك الصّلاة والصّوم في كلّ شهر أيّاماً مخيّرة في أوّل الشّهر أو وسطه أو آخره وللباقي حكم الاستحاضة.

وللمستحاضة ثلاثة أحوال:

أحدها: أن ترى دماً (1)لايرشح على القطنة، فعليها تجديد الوضوء عند كلّ صلاة، وتغيير القطنة والخرقة.

وثانيها: أن يرشح على الكرسف ولايسيل، فعليها غسل لصلاة الغداة، وتجديد الوضوء لباقي الصلوات مع تغيير (2)القطنة والخرقة.

وثالثها: أن يرشح ويسيل، فعليها غسل للظّهر والعصر، وغسل للعشاءين، وغسل لصلاة اللّيل والفجر وتجمع بين كلّ صلاتين، فإذا فعلت ما ذكرناه من الغسل وتجديد الوضوء (3)لم يحرم عليها ما يحرم على الحائض، ويجوز لزوجها وطوَها، ولم يجب عليها قضاء ما صامت في تلك الاَيّام، فإن لم تفعل ذلك وصلّت وصامت فعليها القضاء ولايجوز لها أن تجمع بين الفرضين بوضوء واحد.

والاستحاضة حدث ينقض به الوضوء، فإن كان دمها متّصلاً فتوضّأت ثمّ ينقطع قبل الشّروع في الصّلاة، استأنفت الوضوء لا محالة، لا إذا انقطع في أثناء الصّلاة، وإذا توضّأت قبل دخول الوقت وصلّت في الوقت، أو توضّأت في الوقت وصلّت في آخر الوقت، لم يصحّ وضوءها ولاصلاتها، لاَنّ عليها أن تتوضّأ وتصلّي عقيبه بلا فصل.


(1) في الاَصل: أن ترى الدّم.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وتجديد الوضوء لكل صلاة مع تغيّر.
(3) في الاَصل: أو تجديد الوضوء.


(40)

الفصل التاسع

النّفاس هو دم عقيب الولادة، ولا حدَّ لقليله إذ من الجائز أن يكون لحظة ثمّ ينقطع، فيجب على المرأة الغسل في الحال، ومتى ولدت ولم يخرج منها دم أصلاً لم يتعلّق بها حكم النّفاس، وأكثره عشرة، وقيل: ثمانيةعشر يوماً. (1) إذا ولدت ولدين وخرج معهما جميعاً الدّم، كان أوّل النّفاس من الولد الاَوّل وآخره يستوفى من وقت الولادة الآخرة ولاءً إلى أكثر أيّامه إن امتدّ خروجه ولم ينقطع قبل ذلك، وإن رأت الدّم ساعة ثمّ انقطع ثمّ عاد قبل انقضاء العشرة، كان الكلّ نفاساً، وإن لم يعاودها حتّى تمضي عشرة أيام طهر، كان ذلك من الحيض لا من النّفاس، والحيض لايتعقّب النّفاس بلا طهر بينهما، وإذا رأت الدم بعد مضيّ الطّهر عقيب النّفاس أقلّ من ثلاثة، لم يكن ذلك دم حيض، بل يكون ذلك دم فاسدٍ(2) وكلّ أحكام النُّفَساء كأحكام الحائض (3)سوى حدّالقليل.

الفصل العاشر

يجب غسل الموتى والقتلى وأبعاضهما (4)إلاّ المقتول بين يدي الاِمام أو نائبه المحمول عن المعركة بلا رمق، وإن كان جنباً فإنّه يدفن بما أصابه دمه من لباسه (5)

ة إلاّ الخفّين ففيهما قولان، والكافر باغياً كان أو غيره، والمرجوم والمقتول قِوَداً إلاّ أنّهما يوَمران بالاغتسال والتحنّط والتّكفّن قبل الحدّ، والسّقط الّذي لم يبلغ أربعة أشهر، فإنّه يُلََفّ في خرقة ويدفن بدمه، والرّجل الّذي مات بين نساء بلا رجل مسلم


(1) السيد المرتضى: الاِنتصار لاحظ الينابيع الفقهية: 1|129.
(2) في «س»: دم فسادٍ.
(3) في «س»: «وأحكام الحائض» والصّحيح ما في المتن.
(4) في الاَصل: وأبعاضها.
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: يدفن بما أصاب لباسه.


(41)

ولامحرم له فيهنّ يدفن بثيابه، وكذا المرأة بين الرجال، وكلّ قطعة من ميّت لم تكن موضع الصّدر ولا فيها عظم، وكلّ مخالف لاتقيّة في ترك غسله، ومن بجسده آفة يُخاف من صبّ الماء عليه تقطُّعُهُ فإنّه يُيَمَّم، ومن لم يتمكّن من الماء في غسله، أو منع من غسله مانع بردٌ أو غيره ولم يتمكّن من إسخان الماء في غسله، أو منع من غسله مانع من أصحاب الماء، والخنثى المشتبه إذا مات بعد البلوغ يُيَمَّم.

والفرض في الغسل أن يغسل ثلاث مرّات على ترتيب غسل الجنابة، وكيفيّته: مستور العورة، أوّلها بماء السّدر والثّاني بماء جُلال (1)الكافور والثالث بالماء القراح، وقيل: الواجب تغسيله مرّة بماء القراح. (2)

وأن يعقد الغاسل النّية لغسله ويكون توجيهه إلى القبلة في حال الغسل، ووقوف الغاسل على جانب يمينه، وغمزُ بطنه في الغسلتين الاَُوليين، والذّكر والاستغفار عند الغسل، وأن يجعل لمصبّ الماء حفيرة يدخل فيها، وأن يغسل تحت سقف.

وينبغي أن يغسله أولى النّاس به، وأن يوضع على ساجة أو سرير مستقبل القبلة، فيجعل باطن قدمي الميّت إليها على وجه لو جلس لكان مستقبل القبلة، ولايسخّن الماء لغسله إلاّ لبرد شديد، ويفتق جيب قميصه وينزع من تحته ويترك على عورته ما يستره، ويليّن أصابعه إن أمكن، ويلفّ الغاسل على يده اليسرى خرقة نظيفة ويغسل فرجه أوّلاً بماء السّدر والحرض (3)ثلاثاً، ويغسل رأسه بالسّدر والخطميّ (4) ويغسله برفق يبدأ بشقّ رأسه الاَيمن ثمّ الاَيسر، وهكذا في البدن،


(1) الجُلال: الجليل وهو الجيّد فهو من أوزان المبالغة في أوصاف الجودة.
(2) سلار: المراسم: 47.
(3) الحُرُض: الاَشنان. المصباح المنير.
(4) الخطمي: ورق معروف يغسل به الرأس. مجمع البحرين.


(42)

ويصبّ الماء عليه من قرنه إلى قدمه متوالياً، في كلّ غسلة يبدأ بغسل فرجه ثلاثاً، وقيل: يغسله بكلّ واحد من المياه الثّلاث ثلاث غسلات (1) والغاسل يغسل بعد كلّ غسلة يديه إلى المرفقين، (2)والاجّانةُ بماء القراح (3) ولايركب الميّتَ في حال غسله ولايقعده، وقد روي أنّه يوضّئه قبل الغسل (4) وروي أنّه لايوضّئه وعلى هذا عمل الطّائفة لاَنّه كغسل الجنابة، ومن عمل بالاَوّل جاز، هكذا قال الشّيخ أبو جعفر (5) ولايقصّ شيء من أظفاره ولاشعره ولايسرّح رأسه ولحيته، وإن سقط شيء من ذلك في حال غسله جعل في كفنه، ويكثر الغاسل من ذكر اللّه تعالى وطلب العفو للميّت، ثمّ ينشّفه بثوب طاهر، ويكره أن تصبّ الغسالة إلى الكنيف، وإذا لم يوجد سدر ولا كافور غسل بماء القراح، وإذا خرج منه نجاسة بعد الغسل، غسل ذلك الموضع فقط، وإن أصاب الكفن قُرِضَ ذلك القدر.

الفصل الحادي عشر

إذا لم يوجد للرّجل من يغسّله من الرّجال المسلمين غسّلته زوجته أو ذوات أرحامه، فإن لم يوجد مَنْ هذه صفته غسّلته الاَجانب في قميصه مغمضات، وكذلك الحكم في المرأة إذا ماتت بين الرّجال، وقيل: إذا لم يوجد للرّجل إلاّ الاَجانب من النّساء وللمرأة إلاّ الاَجانب من الرّجال دفن كلّ واحد منهما بثيابه من غير غسل، (6) والاَوّل أحوط.


(1) لاحظ الوسيلة لابن حمزة في ضمن الينابيع الفقهية: 2|408.
(2) في الاَصل: من المرفقين.
(3) الاِجّانة ـ بالتشديد ـ: إناء يغسل فيه الثياب، والجمع أجاجين. المصباح المنير.
(4) الوسائل: 2، ب6 من أبواب غسل الميت، ح1و4و5.
(5) المبسوط: 1|178.
(6) الشيخ: المبسوط: 1|175.


(43)

والصبيّ والصبيّة إذا بلغا ثلاث سنين، فحكمهما حكم الكبار، وفيما دون ذلك يجوز غسلُ الرّجلِ الصبيّة والمرأةِ الصبيّ.

إذا مات الولد في بطن أُمّه ولم تَمُت الاَُمّ ولم يخرج الولد أدخلت القابلة يدها في فرجها وقطّعت الصّبيّ وأخرجته قطعاً، وغسّل وحُنِّط وجهّز، وبالعكس يشقّ جانب الاَُمّ ويخرج، ويغسل الشّهيد إذا حمل من المعركة وبه رمق ثمّمات.

وغسلُ الميّت وتكفينه والصّلاة عليه ودفنه فرضٌ على الكفاية.

الفصل الثاني عشر

من لمس جسد آدميّ برد بالموت أو قطعةً من حيّ قطعت وفيها عظم ـ ولم يغسل بعدُ ـ وجب عليه الغسل، فإن مسّه قبل بردِه غَسَل يده لا غير، ولابدّ مع هذا الغسل من الوضوء لمستبيح الصّلاة، وقال المرتضى _ رضي الله عنه _ : الاَقوى أنّ هذا الغسل سنّة (1)وعمل الطائفة وفتواهم على الاَوّل.

الفصل الثالث عشر

المحتضر يجب أن يوجّه إلى القبلة، بأن يضجع على ظهره بحيث تكون رجلاه تلقاءها، حتّى لو وقف لكان متوجّهاً إليها توجيهه في الصّلاة، وندب إلى أن يُحْضَرَ بالقرآن (2)وإذا تصعّب عليه خروج نفسه نقل إلى مصلاّه، ويلقّن الشّهادتين وأسماء الاَئمّة _ عليهم السَّلام _ وكلمات الفرج، وتغمض عيناه، وإذا قضى نحبه أُطبق فوه ومدّ يداه وساقاه وشدّ لحيه (3) وغطّي بثوب، وإن كان ليلاً أُسرج


(1) نقله عنه الشيخ في الخلاف كتاب الطّهارة، المسألة 193.
(2) في «س»: بالقرّاء.
(3) في «س»: لحييه.


(44)

عنده مصباح إلى الصّباح، ويهتمّ بالاَخذ في أمره، ويمنع الجنب والحائض من الدّخول عليه، ولايترك وحده، ولايوضع على بطنه حديد.

الفصل الرابع عشر

وإذا غُسّل، كفّن، وفي التكفين فرض ونفل.

فالفرض: تكفينه في ثلاثة أثواب مع القدرة: مئزر وقميص وإزار، وإمساس شيء من الكافور مساجده إن وجد.

وأمّا الندب: فأن يوضع على فرجيه قطن عليه ذريرة (1) ثمّ يشدّبخرقة إلى وركيه، وقيل: يعدُّ له مقدار رطل من القطن ليحشى به المواضع الّتي يخشى خروج شيء منها (2) ويكثر ذلك لِقُبُلِالمرأة، وتُزاد للرّجل لِفافتان ويعمّم بعمامة، ويشدّ ثديا المرأة إلى صدرها بخرقة، ويكون طول ما يشدّبه الفخذان ثلاثة أذرع ونصفاً في عرض شبر، وإحدى اللفافتين حبرة (3)عبريّة غير مطرّزة بالذّهب أو الحرير، ويزاد للمرأة لفافتان والزّائد على ذلك سرَفٌ، وعند الضرورة يكفي مايستره.

ولا يجوز الكفن في الحرير المحض ولا بالمصبّغ وبما فيه ذهب، ويكره فيما خلط فيه الغزل بالاِبريسم، وفي الكتّان وفي السّواد، ولابأس بالقميص المخيط إذا فقد غيره، ويقطع أزراره دون أكمامه، وإنّما يكره الاَكمام فيما يُبتدأ به منه.

وتفرش الحبرة وفوقها الاِزار وفوق الاِزار القميص، وينثر على كلّ واحد شيء


(1) الذريرة: نوع من الطيب، قال الزمخشرى: هي فتات قصب الطيب، وهو قصب يوَتى به منالهند، كقصب النشاب. المصباح المنير.
(2) القاضي: المهذّب: 1|56.
(3) الحبرة ـ بكسر الحاء وفتح الباء وزان عِنَبَة ـ: ثوب يماني من قطن أو كتان مخطط. المصباحالمنير لاحظ في تفصيل معاني هذه الاَلفاظ، كتاب الجواهر: 4|219ـ220.


(45)

من الذّريرة المعروفة بالقمحة، ويُكتب على ثلاثتها وعلى العمامة الشّهادتان والاِقرار بالاَئمّة الحجج من آل محمّد بتربة الحسين _ عليهم السَّلام _ ، وإن لم توجد فبالاِصبع لا بالسّواد، وإذا لم يوجد الحبرة أبدل منها لفافة أُخرى.

ويكره قطع الكفن بالحديد بل يخرق ويخاط بخيوط منه ولايُبلّ بالرّيق.

ويعدّ من الكافور الّذي لم تمسّه النّار ثلاثة عشر درهماً وثلث أو أربعة مثاقيل أو درهم، وإن لم يوجد أصلاً دفن بغيره، ولايخلط بالكافور شيءٌ من الطّيب(1) وخاصّة المسك، وتوَخذ جريدتان خضراوان من النّخل، وإلاّ فمن السّدر، وإلاّ فمن الخلاف، وإلاّ فمن شجر آخر رطب بقدر عظم الذّراع، ويلفّ عليهما شيء من القطن، ويكتب عليهما ما كتب على الكفن.

وينبغي أن يكون الاِزار عريضاً يبلغ من صدره إلى الرّجلين، ويسحق الغاسل الكافور بيده (2)لا بغيرها، ويضعه على مساجده، وجبهته، وباطن كفّيه، يمسح به راحتيه، وأصابعهما، وعيني ركبتيه، وظاهر أصابع قدميه، دون سمعه وبصره وفيه، فإن فضل شيء جعله على صدره.

ويضع إحدى الجريدتين من جانبه الاَيمن مع ترقوته يلصقها بجلده، والاَُخرى من الاَيسر ما بين القميص والاِزار، ثمّيأخذ وسط العمامة فيلفّها على رأسه بالتّدوير ويحنّكه بها، ويطرح طرفيها جميعاً على صدره، ولايعمِّمْهُ عِمّة الاَعرابيّ بلا حنك، ثمّ يلفّه في اللفافة (3)فيطوي جانبها الاَيسر على جانبها الاَيمن، وجانبها الاَيمن على جانبها الاَيسر وكذلك يصنع بالحبرة، ويعقد طرفيها ممّا يلي رأسه ورجليه، ولا يُقرَبُ المحرمُ الكافورَ.


(1) في «س»: ولا يخلط الكافور بشيء من الطّيب.
(2) في «س»: بيديه.
(3) في «س»: باللّفافة.


(46)

الفصل الخامس عشر

إذا (1) كُفِّن وصُلّي عليه دفن فرضاً، ويجب أن يوضع على جانبه الاَيمن، موجّهاً إلى القبلة.

والندب أن يتبع الجنازة أو بين جنبيها، وأن توضع الجنازة عند رجل القبر إن كان رجلاً، وقدّامه ممّا يلي القبلة إن كانت امرأة، ويوَخذ الرّجل من قِبَلِ رأسه والمرأة بالعرض.

وأن يكون القبر قدر قامة أو إلى الترقوة، واللّحد أفضل من الشقّ، وأن يكون اللّحد واسعاً، مقدار ما يجلس فيه الجالس، والذّكر عند تناوله وعند وضعه في اللّحد، ويكره الرّكوب خلف الجنازة مختاراً.

ونَدْبُ المشيِّع أن يحمل الميّت من أربع جوانبه يبدوَه بمقدّم السّرير الاَيمن يمرّمعه، ويدور من خلفه إلى الجانب الاَيسر، فيأخذ رجله الاَيسر، ويمرّ معه إلى أن يرجع إلى المقدّم دور الرّحا، ويكره الاِسراع بالجنازة بلا عذر، ولايفدح (2) في القبر دفعة واحدة بل يجاء به إلى شفيره بثلاث دفعات.

وينزِلُ إلى القبر الوليّ أو من يأمره، ولاينزل إلى قبر المرأة إلاّ زوجها أو ذو رحم لها إن وجد، وإلاّ فموَمن آخر، ومع فقد القرابة (3)نزول امرأة أولى، وينزل حاسراً متحفّياً محلولَ الاَزرار، ويحلّ عُقَدَ الاَكفان ويضع وجهه على التّراب، ويضع شيئاً من تربة الحسين _ عليه السَّلام _ معه، ويلقّنه الشّهادتين والاِقرار بالنبيّ


(1) في الاَصل: فإذا.
(2) قال في مجمع البحرين: في حديث الميت: إذا أتيت بأخيك الميت إلى القبر فلا تفدحه أيلاتطرحه في القبر وتفجأه به وتعجل عليه بذلك، ولكن أصبر عليه هنيئة....
(3) في الاَصل: فقد القريب.


(47)

والاَئمّة _ عليهم السَّلام _ ، ويشرّج (1)اللِّبْن ويخرج من قبل رجل القبر، ويطمّه ويرفعه من الاَرض مقدار أربع أصابع، ويهيل (2)التراب عليه بظهور الاَكفّ ثلاثاً مَنْ عدا ذوي الاَرحام، ولايطرح في القبر من غير ترابه، ويسوّيه ويربّعه ويصبّ الماء عليه من عند رأسه، ثمّ يدور عليه حتّى يعود إلى موضع الرّأس، ويصبّ الفاضل على وسطه، ويضع عند رأسه لِبْنَةً أو لوحاً، ويضع اليد عليه ويترحّم عليه، ويلقّنه بعد انصراف النّاس عنه وليّه.

وإذا ماتت ذميّة مع جنين من مسلم، دفنت في مقبرة المسلمين لحرمة ولدها، واستدبرت بها القبلة ليكون ولدها مستقبلها، ومن مات في السّفينة ولم يقدر على الشطّ ثُقِّلَ وطرح في البحر، ليرسب (3)إلى قرار الماء بعد فعل ما يجب فعله.

ويكره التّابوت، ويكره تجصيص القبر والبناء عليه، ويكره نقل الميّت من متوفّاهُ إلى بلد آخر إلاّ إلى بعض المشاهد فإنّه مستحبّ مالم يدفن، وبعد الدّفن فلا، ويكره تجديد القبر بعد اندراسه.

الفصل السادس عشر

الاَغسال المسنونة اثنان وثلاثون: غسل يوم الجمعة، وليلة النّصف من رجب، وليلة السّابع والعشرين منه، ويومها، وليلة النّصف من شعبان، وأوّل ليلة من شهر رمضان، وفي صبيحتها، وليلة النّصف منه، وليلة سبع عشرة منه، وليلة تسع عشرة منه، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة الفطر، ويوم


(1) شرّج اللِّبْنَ: نضده، أي ضم بعضه إلى بعض.المصباح المنير.
(2) هال عليه التراب يهيل هيلاً واهالة: صبّه. مجمع البحرين.
(3) رسب الشيء رسوباً ـ من باب قعد ـ: ثقل وصار إلى أسفل. المصباح المنير.


(48)

الفطر، ويوم الاَضحى، وغسل الاِحرام، وعند دخول الحرم، وعند دخول مكّة، وعند دخول مسجد الحرام، وعند الوقوف بعرفات، وعند دخول الكعبة، وعند دخول المدينة، وعند دخول مسجد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وعند زيارة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والاَئمّة _ عليهم السَّلام _ ، ويوم الغدير، ويوم المباهلة وهو الرّابع والعشرين من ذي الحجّة، وعند صلاة الحاجة، وعند صلاة الاستخارة، وغسل من تاب وأسلم من الكفر وإن كان قد أجنب في حال كفره فالغسل واجب عليه، وغسلُ قاضي صلاة الكسوف أو الخسوف إذا احترق القرص كلّه وتركها متعمّداً، وغسل من يسعى إلى مصلوب بعد ثلاثة أيّام لروَيته، وغسل المولود حين ولد.

ومن اجتمع عليه أغسال مفروضة ومسنونة أجزأ عنها غسل واحد إذا نواها، وإن نوى به الواجب أجزأ عن المسنون (1) وأمّا بالعكس فلا، ويجب الوضوء مع جميع الاَغسال، لاستباحة الصّلاة إلاّ الجنابة.

الفصل السابع عشر

التيمّم: طهارة ضرورة لايجوز إلاّ مع عدم الماء مع الطّلب، أو عدم ما يتوصّل إليه من ثمن أو آلة، أو خوف على النّفس، أو مرض يضرّ به (2)أو أن يشينه أو يشوّه به، أو برد شديد يخاف معه التّلف، أو لحوق مشقّة عظيمة.

ويجب طلب الماء قبل تضيّق وقت الصّلاة في رحله ومن أربع جوانبه مقدار رميةٍ في الحَزَن و رميتين في السّهل (3)إلاّ عند الخوف، وإن تيمّم قبل الطّلب لايعتدّ به، ومن نسى الماء في رحله وتيمّم وصلّى أعاد الصّلاة بالوضوء إن كان فرّط


(1) في «س»: عن المسنونة.
(2) في الاَصل: أو مرض مضرّ به.
(3) في «س»: أو رميتين في السّهل.


(49)

بالطّلب، وإلاّ فلا، ومتى كان معه ماء يسير يحتاج إليه للشرب أو كان لايكفيه للوضوء أو الغسل تيمّم، ويجب عليه شِراءُ الماء بأيّ ثمن كان إذا لم يضرّ به، وييمّم الميّت أيضاً عند بعض الاَعذار ثمّ يتيمَّمُ من ييمِّمه. (1) وإذا اجتمع جنب وحائض وميّت ومحدث ومعهم من الماء ما يكفي أحدهم ولم يكن ملكاً لاَحدهم، فهم بالخيار في الاستعمال من يشاءُ ذلك منهم، وإن كان ملكاً لاَحدهم كان أولى به، ومن كان في بعض جسده أو بعض أعضاء طهارته جراح أو عليه ضرر في إيصال الماء إليه دون الباقي جاز له التيمّم، والاَحوط أن يغسل الاَعضاء الصّحيحة ويتيمّم، والعاصي بسفره إذا تيمّم لفقد الماء وصلّـى فلا إعادة عليه، وكذلك كلّ من صلّـى بتيمّم، إلاّ من تعمّد الجنابة على نفسه فإنّه يصلّي بتيمّم ثمّ يعيد الصّلاة.

ولا يجوز التيمّم إلاّ في آخر الوقت عند الخوف من فوت الصّلاة فإن قدّمه على ذلك لم تصحّ صلاته به، ويجوز أن يصلّي بتيمّم واحد صلواتٍ كثيرة، فرضاً ونفلاً، ابتداءً وقضاء بجمعٍ أو تفريق، ولاتنافي بين المسألتين فإنّ التيمّم (2) لايجوز أن يوَدّى به صلاة فريضة إلاّ بأن يفعل في أضيق وقت أداء فريضةٍ يخشى فوتها إن لم يشرع فيها، وسواء ابتدأ فعله على هذا الوجه أو استمرّ من حالة إلى أُخرى بعد أن يكون قد فعل في الاَصل على الوجه المذكور؛ وعلى هذا يجوز أن يوَدّي صلاة يوم وليلة بتيمّم واحد بأن يتيمّم (3)عند تضيّق صلاة الفجر ثمّ يبقى على تيمّمه يوَدّي صلاة كلّ وقت عند التضيّق إلى أن يوَدّي العشاء الآخرة في آخر وقتها (4)؛ ولايلزم على هذا أن يتيمّم لاَداءِ نافلةٍ أو قضاءِ فرضٍ ثمّ يستمرّ على تيمّمه فيوَدّي به


(1) في الاَصل: من يمّمه.
(2) في «س»: فإنّ المتيمّم.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: بتيمم عند تضيق.
(4) في الاَصل: في العشاء الآخرة في آخر أوقاتها.


(50)

فريضة عند تضيّقها لما سبق، من وجوب حصول التيمّم عند تضيّق أداء فرض، إمّا مبتدءً أو مستمرّاً عليه، هكذا ذكر المرتضى _ رضي الله عنه _ (1)وقال الشّيخ أبو جعفر: متى تيمّم في غير وقت فريضة حاضرة لصلاة نافلة أو لقضاء فريضة ويصلّـي به فريضة إذا دخل وقتها جاز لعموم الاَخبار في جواز الصّلوات الكثيرة بتيمّم واحد.(2)

وكلّ ما يستباح بالطّهارة بالماء يستباح بالتيمّم سواء، ولاينتقض تيمّمه بخروج الوقت، ولايجب استئنافه لكلّصلاة، والاَفضل أن يجدّد لكلّ صلاة.

ولا يجوز التيمّم إلاّ بما يقع عليه اسم الاَرض بالاِطلاق إذا كان طيّباً، تراباً كان أو مدراً أو حجراً أو حصى، كان عليه تراب أو لا، ويستحبّ أن يكون من عوالي الاَرض دون مهابطها، ويكره بالرّمل (3)والسّبخة، ولايجوز بالرّماد والزّرنيخ وغيرهما ولا من المعادن كلّها، وإذا اختلط التّراب بالذّريرة أو الكحل أو النّورة أو المائع غير الماء ونحو ذلك لم يجزبه التيمّم (4)لاَنّه ليس بتراب ولا أرضٍ مطلق إلاّأن يكون قدراًمستهلكاً، وقال المرتضى _ رضي الله عنه _ : يجـوز التيمّم بالجصّ والنورة(5)ولايجوز بالزّرنيخ من المعادن.

وإذا أصاب الاَرض بول وجفّفتها الشّمس خاصّة جاز التيمّم بها.

إذا فقد الماء والتّراب نفض ثوبه أو لبد دابّته أو عرفها وتيمّم بغبرته، وإذا لم


(1) الناصريات في ضمن الينابيع الفقهية: 1|170، المسألة 53.
(2) المبسوط: 1|33.
(3) في «س»: «ويكره الرّمل» والصحيح ما في المتن.
(4) في «س»: لم يجزئه التيمّم.
(5) جمـل العلم والعمل في ضمن رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة|26.والينابيعالفقهية: 1|100.


(51)

يجد إلاّ الوحل ضرب يديه عليه وفركهما وتيمّم به، فإن لم يجد إلاّ الثّلج يعتمد عليه حتى تتندّى يده و يتطهّر، فإن لم يتمكّن من ذلك أخّر الصلاة إلى أن يجد الماء أو التراب.

ويبدأ قبل التيمّم بالاستنجاء والاستبراء ويُنَشِّف مخرج البول بالاَحجار أو الخرق وما يشبه ذلك، وإذا لم يجد ما يزيل به النّجاسة عن بدنه تيمّم وصلّى وأعاد، ولاينوي بالتيمّم رفع الحدث لاَنّه لا يرفعه فإن نوى ذلك لم يَجُزْ له الدخول به في الصّلاة ـ كذلك ذكره الشيخ ـ (1)بل ينوي به استباحة الصّلاة، وإذا تيمّم الجنب بنيّة أنّه يتيمّم بدلاً من الوضوء لم يجز له الدّخول في الصّلاة، لاَنّ النيّة الواجبة ما حصلت فيه.

وكيفيّته أن يضرب يديه على الاَرض مفرّجاً أصابعه، وينفضهما ويمسح إحداهما بالاَُخرى، ثمّ يمسح بهما وجهه من قصاص شعر رأسه إلى طرف أنفه، ثمّ يضع كفّه اليسرى على ظهر كفّه اليمنى ويمسح بها من الزّند إلى أطراف الاَصابع، ثمّ يضع بطن اليمنى على ظهر اليسرى كذلك، هذا إذا كان بدلاً من الوضوء، وإن كان بدلاً من الغسل ضرب ضربتين واحدة للوجه والاَُخرى لليدين، والباقي سواءٌ ولا تكرار فيه، قال المرتضى _ رضي الله عنه _ : وقـد روي أنّ الضّربة الواحـدة للوجه واليدين تجزي في كلّ حدث. (2) ويجب فيه التّرتيب والموالاة. والتيمّم مع ترك شيء من موضع المسح قليلاً كان أوكثيراً لايجزي، ويسقط فرض التيمّم من مقطوع اليدين من الذّراعين، ويستحبّ له مسح ما بقى.


(1) المبسوط: 1|34.
(2) جمل العلم والعمل في ضمن رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة|25 والينابيعالفقهية: 1|101.


(52)

ونواقضُه نواقضُ الوضوء سواء، والتمكّن من استعمال الماء فإنّ المتيمّم إذا وجد الماء ولم يتوضّأ ثمّ عدمه وأراد الصّلاة استأنف التيمّم وإن لم يحدث عن الاَوّل، فإن وجد الماء بعد الشّروع في الصّلاة بتكبيرة الاِحرام مضى فيها ولايجب الرّجوع عنها، ويستحبّ الرّجوع قبل الرّكوع، فأمّا بعده فلايجوز.

إذا وجد الماء وهو في الصّلاة فلمّا فرغ من الصّلاة فَقَد الماء، استأنف التيمّم لما يستأنف من الصّلاة احتياطاً، لاَنّ تيمّمه قد انتقض في حقّ الصّلوات المستقبلة.

إذا تيمّم من الجنابة ثمّ أحدث بما ينقض الوضوء ووجد من الماء ما يكفيه للوضوء أعاد التيمّم ولم يتوضّأ.

ومن احتلم في المسجد الحرام أو مسجد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لايخرج منهما إلاّ بعد أن يتيمّم، ويجوز أن يتيمّم لصلاة الجنازة مع وجود الماء.

المسافر إذا جامع زوجته ولم يجد من الماء ما يغسلان به الفرج تيمّما وصَلَّيا ولا إعادة عليهما، لقوله تعالى: "أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيمّمُوا صَعِيداً طَيِّباً" . (1)ولم يفصّل، والاَحوط وجوب الاِعادة عليهما.

الفصل الثامن عشر

النجاسات: هي الدّمُ إلاّ دمُ البقِّ والبرغوث (2)والسّمك، والبولُ، والغائط ممّا لايوَكل لحمه، والمسكر، والفقّاع، والمنيّ من سائر الحيوان، وذرق الدّجاج، وبول الخُفّاش (3)خاصّة من الطّيور، ولعابُ الكلبِ والمسوخِ والمسوخُ أنفسها


(1) المائدة: 6.
(2) في «س»: والبراغيث.
(3) وفي الاَصل: الخُشّاف ـ بالشين قبل الفاء كرمّان ـ: هو الخطاف أعني الطائر بالليل، سمّي بهلضعف بصره. وعن الصنعاني: هو مقلوب، وبتقديم الشين أفصح.مجمع البحرين.


(53)

كلّها (1)، والكلبُ والخنزير والثعلب، والاَرنب والوزغة والعقرب والفأرة، والكافر ومن هو في حكمه، والميّتُ إلاّ ميتة ما لا نفس له سائلة (2) وعرق الجنب من الحرام، وعرق الاِبل الجلاّلة، وعظم نجس العين خاصّة كالكلب والخنزير، وكلّ ماء ناقصٍ عن كرّ غسلت به النّجاسة أو لاقاه نجسٌ، وكلّ مائع لاقاه نجس.

أمّا الدّم فثلاثة:

أحدها: يجب إزالةٌ قليله وكثيره، وهو دمُ الحيض والاستحاضة والنّفاس.

والثاني: لايجب إزالة قليله ولاكثيره، وهو دم البقّ والبرغوث والسّمك والجروح اللاّزمة والقروح الدّامية. (3)

والثالث: يجب إزالته إذا بلغ مقدار درهم واف وهو المضروب من درهم وثلث فصاعداً دون ما نقص منه، وهو دم سائر الحيوان سواء كان في موضع أو في مواضع، وإن قلنا: إذا كان جميعه لو جمع كان مقدار الدّرهم وجب إزالته، كان أحوط للعبادة.

وكلّ مسكر والفقّاع والمنيّ من كلّ حيوان والبول والغائط إلاّ ما يوَكل لحمه سوى ذرق الدّجاج يجب إزالة قليلِ ذلك وكثيره.

وما يكره لحمه يكره بوله وروثه كالبغال والحمير والدّوابّ وقيل: بنجاستها أيضاً (4).

وبول الطّيور كلّها معفوّ عنه سواء أُكِلَ لحمها أو لا، إلاّ بول الخفّاش فإنّه نجس.


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «ولعاب الكلب والمسوخ انفسها كلّها» والصحيح ما فيالمتن.
(2) وفي «س»: «والميّت الآدميّ وما لا نفس له سائلة» والصحيح ما في المتن.
(3) في الاَصل: والجرح اللازم والقرح الدّامي.
(4) الشيخ: النّهاية|51، وابن الجنيد لاحظ المختلف: 1|457، الطبع الحديث.


(54)

وبول الصبيّ قبل أن يطعم يكفي أن يصبّ الماء عليه، بخلاف بول الصبيّة إذ لابدّ من غسله كبول غيرها.

ولعابُ الكلب والمسوخِ ممّا يجب إزالة قليله وكثيره، وما مسّه الكلب والخنزير والثّعلب والاَرنب والفأرة والوزغة بسائر أبدانها إذا كانت رطبة أو أدخلت أيديها وأرجلها في الماء، وَجَبَ غسل الموضع وإراقة ذلك الماء، ولايراعى في غسله العدد لاَنّ العدد يختصّ الولوغَ، وإن كان يابساً رشّ الموضع بالماء، فإن لم يتعيّنِ الموضع غُسِلَالثّوب كلّه أو رُشّ، وكذا من مسّ أحد هذه الاَشياء بيده رطباً وجب غسل يده، وإن كان يابساً مسحه بالحائط أو التّراب، وقد رويت (1) رخصة في استعمال ما شرب منه سائر الحيوان في البراري سوى الكلب والخنزير، وما شربت منه الفأرة في البيوت والوزغ أو وقعا فيه فخرجا حيّين، لاَنّه لايمكن التحرّز من ذلك، وحكمُ الذّميّ والمحكوم بكفره والنّاصب المعلن بذلك حكمُ الكلب.

وإن أصاب ثوبه جيفة إنسان قبل الغسل وجب غسل ذلك الموضع، فإن لم يتعيّن غَسَلَ الكلّ، وإن مسحه بيده أو قطعة منه وفيه عظم قبل الغسل وجب الغسل كما سبق، وإن لم يكن في القطعة عظم أو كان الميّت من غير النّاس غسل ما مسّه به لا غير، وما عرق فيه الجنب من حرام يجب غسله، وعرق الاِبل الجلاّل يجب إزالته.

والماءُالّذي ولغ فيه الكلب والخنزير إذا أصاب الثّوبَ وجب غَسْله، وإن أصابه من الماء الّذي يغسل به الاِناء لايجبُ غَسله سواء كان من الغسلة الاَُولى أو الثّانية، وإن قلنا إنّه يغسل من الغسلة الاَُولى كان أحوط، وإذا أصاب الثّوب أو البدن نجاسة يابسة لم يجب الغَسل، وإنّما ندب إلى مسح اليد بالتّراب أو نضح الثّوب.


(1) لاحظ التهذيب: 1|225 ح647.


(55)

إذا أصاب الاَرض أو الحصير أو البارية (1)خاصّةً بولٌ وجفّفته الشّمس طهر وجاز السّجود عليه والتيمّم منه، وإن جفّف بغير الشّمس لم يَجُز.

وما لانفس له سائلة من الحيوان لاينجس الثّوب والبدن والمائع والماء بموته فيه وإن تغيّر أوصاف الماء به سوى الوزغ والعقرب فإنّه يستحبّ إراقة ما يموتان فيه.

ويستحبّ إزالة الطّين الّذي أتى عليه ثلاثة أيّام في الطّريق ولم يعلم فيه نجاسة.

ومايستنجى به من الماء أو يغتسل به من الجنابة إذا رجع إلى الثّوب لايجب إزالته إلاّ إذاكان رجوعه بعد وقوعه على نجاسة.

وما استعمله شارب مسكر أو فقّاع ولم يعلم أنّه أصابه شيء من ذلك ندب إلى غَسله. إذا شكّ هل حصل النّجاسة أم لا ولم يتحقّق فالاَصل الطّهارة.

إذا صبّ الماء على ثوب نجس وتحته إجّانة فجرى الماء إليها لايجوز استعماله.

إزالة المذي والوذي ندب غير واجب، وقيل: إنّ القيء والقيح والصّديد نجس. (2) والظاهر الشّائع بخلافه.

وما لايتمّ الصّلاة فيه منفرداً كالخفّ والجورب والتّكّة والقلنسوة لم يجب


(1) البارية: الحصير الخشن. مجمع البحرين.
(2) الصديد: الدم المختلـط بالقيـح، وقال أبو زيد: هو القيح الذي كأنّه الماء في رقـته والدم فيشكله.المصباح المنير. قال الشيخ في المبسوط: 1|38: والقيء ليس بنجس، وفي أصحابنا من قال: هونجس، والصديد والقيح حكمهما حكم القيء سواء. انتهى.
أقول: وفي هامشه نقل عن المختلف انّه قال: لااعرف فيه مخالفاً إلاّ ابن الجنيد.


(56)

إزالة النّجاسة منه للصّلاة وإن كان ذلك أفضل.

ومربيّة الصّبيّ إذا لم تملك إلاّ ثوباً واحداً فينجس (1)ولايمكنها التحرّز منه غسلته كلّ يوم مرّة وصلّت فيه، وقال صاحب المراسم: غسل الثّوب من ذرق الدّجاج وعرق الجلاّل من الاِبل وعرق الجنب من حرام ندب (2)وقد قال الشيخ أبو جعفر _ رضي الله عنه _ في هذا الاَخير: يقوى في نفسي أنّ ذلك تغليظ في الكراهيّة دون فساد الصّلاة لو صلّى فيه. (3)

إذا جبر عظم بعظم حيوان نجس العين خاصّة، كالكلب والخنزير يجب قلعه إن لم يوَدّ إلى مشقّة عظيمة أو خوف على النّفس، فإن لم يقلعه وصلّى بطلت صلاته لاَنّه حامل النّجاسة، وإن أدّى إلى ذلك لم يجب قلعه، ولايجوز أن يحمل في الصّلاة قارورة فيها نجاسة مشدودة الرّأس.

جلد الميتة (4) لاينتفع به قبل الدّباغ ولا بعده، سواء كان جلد ما يوَكل لحمه أو لايوَكل، وما لايوَكل لحمه إذا ذكّى لاينتفع بجلده إلاّ بعد الدّباغ إلاّ الكلب والخنزير فإنّهما لايطهران، ولا يجوز الانتفاع بهما وإن ذكّيا ودبغا.

والشّعر والصّوف والوبر من الميتة طاهرٌ إذا جُزَّ، وشعر الكلب والخنزير لاينتفع به ولا يَطْهُر بالغَسل وغيره.

* * *


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: فتنجّس.
(2) سلاّر: المراسم: 56.
(3) المبسوط: 1|91.
(4) في «س»: جلد الميّت.


(57)

كتاب الصَّلاة

الصّلاة في الشّرع أفعال مخصوصة، من قيام وركوع وسجود، مع أذكار مخصوصة، ولها مقدّمات يجب على المكلّف بها معرفتها وهي الطّهارة، وأعداد الصّلاة، والوقت، والقبلة، واللّباس، والمكان، والمسجد، وستر العورة، وتطهير الثّوب والبدن، والمندوب من المقدّمة، الاَذان والاِقامة.

الفصل الاَوّل

الصّلاة ضربان (1)مفروض ومسنون، فالمفروض قسمان: ما يجب بإطلاق الشّرع، وما يجب عند سبب، إمّا من جهة المكلّف كصلاة النّذر، وإمّا غير متعلّق به كصلاة الكسوف والعيدين، وما يجب بالاِطلاق فالصّلوات الخمس وشرائط وجوبها البلوغُ وكمالُ العقل. لاَنّ غير البالغ لاتجب الصّلاة عليه وإنّما يوَخذ به بعد ستّ سنين تمريناً وتعليماً، وغير كامل العقل لاتجب الصّلاة عليه وإن بلغ.

ومن شرط وجوبها على المرأة أن تكون طاهراً من حيض.


(1) في «س»: على ضربين.


(58)

الفصل الثاني

الصّلاة قسمان: سفريّ وحضريّ.

ففرائض الحضر سبع عشرة ركعة: الظّهر والعصرُ والعشاء الآخرة، كلّ واحدةٍ أربع، والمغرب ثلاث، والفجر ركعتان، ونوافل الحضر أربع وثلاثون: ثمان للظّهر، وثمان للعصر، وأربع للمغرب، وركعتان من جلوس للعشاء الآخرة، وإحدى عشرة ركعة صلاة اللّيل، وركعتان للفجر.

وفرائض السّفر إحدى عشرة ركعة، كلّ واحدٍ من الظّهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتان، والباقي كما في الحضر، ونوافل السفر سبع عشرة ركعة، يسقط ما للظّهر والعصر والعشاء الآخرة، وللصّلاة أقسام أُخر تأتي بعد.

الفصل الثالث

لوقت كلّ صلاة أوّل وهو وقت من لاعذر له، وآخِرٌ وهو وقت من له عذر، والعذر إمّا سفر، أو مطر، أو مرض، أو شغل يضرّ تركه ديناً أو دُنياً، أو ضرورة كالكافر إذا أسلم والصبيّ إذا بلغ، والحائض إذا طهرت والمجنون أو المغمى عليه إذا أفاق.

إذا زالت الشّمس فقد دخل وقت فريضة الظّهر، ويختصّ به مقدار أداء أربع ركعات، ثمّ يشترك بينه وبين العصر إلى أن يصير ظلّ كلّ شيء مثله، وروي: حتّى يزيد (1)يالظلّ على أربعة أقدام، وهو أربعة أسباع الشّخص المنتصب، ثمّ يختصّبالعصر إلى أن يصير ظلّ كلّ شيء مثليه، وحينئذٍ فات وقت العصر للمختار، فأمّا للمضطرّ فمشترك فيه إلى أن يبقى من النّهار مقدار [أداء] (2)أربع


(1) في الاَصل: حتى زيد.
(2) ما بين المعقوفتين موجود في «س».


(59)

ركعات فحينئذ اختصّبالعصر.

وقيل: إنّ هذا أيضاً وقت المختار (1) فإن لحق ركعة من العصر قبل غروب الشّمس لزمه العصر كلّها ويكون موَدّياً لجميعها، وقيل: يكون قاضياً لجميعها، (2) وقيل: يكون قاضياً لبعضها، والاَوّل الظّاهر من المذهب.

وإن لحق أقلّ من ركعة يكون قاضياً بلا خلاف، وإذا لحق من النّهار مقدار ما يصلّي فيه خمسة ركعات يجب عليه الصّلاتان معاً، فإن لحق أقلّ من خمسة (3)لم يلزمه إلاّ العصر، وينبغي أن يلحق زائداً على ذلك مقدار ما يمكنه الطّهارة؛ فإن لحق مقدار ما يتطهّر فيه من غير تفريط فيخرج الوقت لم يلزمه القضاء.

ويعتبر زيادة الفيء من الموضع الّذي انتهى إليه الظلّ دون أصل الشّخص، فأمّا حيث لاظلّ للشّخص فيه أصلاً مثل مكّة وما أشبهها فإنّه يعتبر الزّوال بظهور الفيء، فإذا (4)ه ظهر دلّ على الزّوال، فإن كان حيث للشّخص فيه فيء فيعرف الزّوال بأن يُنْصَبَ الشّخصُ، فإذا ظهر له ظلّ في أوّل النّهار فإنّه ينقص مع ارتفاع الشّمس إلى نصف النّهار، فإذا وقفت وقف الفيء. فتُعلِّمَ على الموضع، فإذا زالت رجع الفيء إلى الزّيادة، وقد روي أنّ من يتوجّه إلى الرّكن العراقيّ إذا استقبل القبلة ووجد الشّمس على حاجبه الاَيمن عَلِمَ أنّها زالت (5) فأمّا اعتبار الذّراع والقدم والقامة وما أشبه ذلك من الاَلفاظ المرويّة فإنّما هي لتقرير النّافلة، فإنّ النافلة يجوز تقديمها هذا المقدار، فإذا بلغ ذلك القدر كانت البدأة بالفرض أولى.

وأوّل وقت المغرب غيبوبة الشّمس بأن يراها غابت عن العين والسّماء


(1) وهما خيرة المرتضى، انظر الخلاف، كتاب الصلاة، المسألة 4و11.
(2) وهما خيرة المرتضى، انظر الخلاف، كتاب الصلاة، المسألة 4و11.
(3) في «س»: خمس.
(4) في الاَصل: فانّه إذا.
(5) لاحظ المبسوط: 1|73.


(60)

مصحية (1) ولا حائل بينه وبينها، وفي أصحابنا من يراعي زوال الحمرة من ناحية المشرق (2) وهو أحوط، فإذا غابت عن البصر ورأى ضوءها على جبل يقابلها أو مكان عال كمنارة الاِسكندرية مثلاً فإنّه يصلّي على القول الاَوّل، ولايجوز على الثاني حتّى تغيب في كلّ موضع، وآخره غيبوبة الحمرة من ناحية المغرب للمختار، ووقت الضّرورة يمتدّ إلى ربع اللّيل.

وأوّل وقت العشاء الآخرة غيبوبة الحمرة من المغرب، وآخره ثلث اللّيل للمختار، وللمضطرّ نصف اللّيل، وقيل: إلى طلوع الفجر (3)وقيل: إذا غابت الشّمس يختصّالمغرب مقدار ما يصلّى فيه ثلاث ركعات، وما بعده مشترك بينه وبين العشاء الآخرة إلى أن يبقى إلى آخر الوقت مقدار ما يصلّى فيه أربع ركعات، فيختصّ بالعشاء الآخرة (4) والاَوّل أظهرُ وأحوطُ.

وأوّل وقت صلاة الصّبح إذا طلع الفجر الثّاني المعترض في أُفق السّماء، وآخره طلوع الحمرة من ناحية المشرق للمختار، وطلوع الشّمس للمضطرّ.

ووقت نوافل الزّوال من بعد الزّوال إلى أن يبقى إلى آخر الوقت مقدار مايصلّى فيه فريضة الظّهر، ووقت نوافل العصر ما بين الفراغ من فريضة الظّهر إلى خروج وقته للمختار، ولايجوز تقديم نوافل النّهار قبل الزوال إلاّ يوم الجمعة، ووقت نوافل المغرب عند الفراغ من فريضته، ووقت الوتيرة بعد الفراغ من فريضة العشاء الآخرة، ويختم الصّلاة بالوتيرة، ووقت صلاة اللّيل بعد انتصاف اللّيل إلى


(1) الصحو: ذهاب الغيم يقال: اصحت السماء أي انقشع عنها الغيم فهي مصحية.مجمعالبحرين.
(2) قال في مفتاح الكرامة: إجماعاً كما في السرائر، وعليه عمل الاَصحاب كما في المعتبر، وهوالمشهور كما في كشف الالتباس... لاحظ مفتاح الكرامة: 2|25.
(3) في هامش المبسوط: 1|75: قال الشهيد في الذكرى: إنّه يظهر من الصدوق في الفقيه،واختاره في الخلاف لذوي الاَعذار. لاحظ الخلاف: كتاب الصلاة، المسألة 13.
(4) نقله في المبسوط: 1|75 عن بعض أصحابنا.


(61)

طلوع الفجر الثّاني، ورُخّص لصاحب العذر في تقديمها أوّل اللّيل، والقضاءُ أفضلُ من ذلك، ووقت ركعتي الفجر طلوعُالفجر الاَوّل إلى طلوع الحمرة من ناحية المشرق.

ويكره ابتداء النّوافل بعد فريضة الغداة، وعند طلوع الشّمس، وعند قيامها نصف النّهار إلى أن تزول إلاّ في يوم الجمعة، وبعد فريضة العصر، وعند غروب الشّمس، فأمّا النافلة الّتي لها سبب كقضاء النّوافل، وصلاة الزّيارة، وتحيّة المسجد، وصلاة الاِحرام والطّواف، فإنّه لايكره على حال.

والصّلاة بعد وقتها قضاء، وفي وقتها أداء، وليس لها قبل وقتها إجزاءٌ، وأوّل الوقت أفضل ممّا بعده، وقيل: إنّ الفرض متعلّق بأوّله، ومن أخّره لغير عذر أَثِمَ غير أنّه قد عُفيَ عنه (1) والاَوّل أمتن. (2)

من فاتته صلاة فريضة فوقتها حين يذكرها ما لم يتضيّق وقت فريضة حاضرة، وكذلك قضاء النافلة مالم يدخل وقت فريضةٍ، وصلاةُ الكسوف وصلاة الجنازة وركعتا الاِحرام وركعتا الطّواف كذلك.

من شرع في الصّلاة قبل دخول وقتها على ظنّ دخوله ثمّ دخل وهوفي الصّلاة أجزأه، وإن دخل بعد فراغه منها أعاد، ولايجوز لغير ذي العذر قبول قول الغير في دخول الوقت، ويجوز لذي العذر، إلاّ أنّه إذا قبل ثمّ علم أنّه فرغ قبل دخوله أعاد.

الفصل الرابع

من كان مشاهداً للكعبة بأن يكون في المسجد الحرام، أو في حكم المُشاهِد


(1) المفيد في المقنعة: 94.
(2) في الاَصل: والاَوّل أبين.


(62)

بأن يكون ضريراً، (1)أو يكون بينه وبين الكعبة حائل، أو يكون خارج المسجد بحيث لاتخفى عليه جهة القبلة، يلزمه التوجّه إلى نفس الكعبة، ومن كان مشاهداً للمسجد أو في حكم المشاهد ممّن كان في الحرم يلزمه التوجّه إلى نفس المسجد، ومن كان خارج الحرم أو نائياً عنه يلزمه التوجّه إلى الحرم.

وأهلُ العراق يتوجّهون إلى الرّكن العراقيّ، وأهل اليمن إلى الرّكن اليمانيّ، وأهل المغرب إلى الغربيّ، وأهل الشّام إلى الشّاميّ، ويلزم أهل العراق التّياسر قليلاً استظهاراً لاَنّ الحرم عن يمين ا لكعبة أربعة أميال وعن يسارها ثمانية، ويعرِفُ أهل العراق ومن يصلّي إلى قبلتهم من أهل الشّرق قِبلتَهُم بكون الجدي خلف المنكب الاَيمن لمستقبلها، أو بكون الفجر (2)موازياً لمنكبه الاَيسر، أو بِكَون (3) الشّفقِ موازياً لمنكبه الاَيمن، أو بكون (4)عين الشّمس عند الزّوال على حاجبه الاَيمن، فإن فقد هذه الاَمارات أو اشتبه عليه ذلك صلّى الصّلاة الواحدة أربع مرّات إلى أربع جهات (5) ومع الضّرورة إلى جهة واحدة أيّتها شاء.

وقد تعلم القبلة بالمشاهدة، أو بخبر عن مُشاهدةٍ توجب العلم، أو بأن نصبه النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أو بعض الاَئمّة _ عليهم السَّلام _ ، أو علم أنّهم صلّوا إليها، ومن لايحسن الاستدلال بالاَمارات أو كان أعمى جاز له أن يرجع في معرفة القبلة إلى قول عدل، فإن فقد العدل فحكمه حكم فاقد الاَمارات.

ومن كان في جوف الكعبة صلّى إلى أيّ جهة شاء، وكذا (6)إن كان فوقها وقف حيث شاء إلاّ على طرف الحائط بحيث لايبقى بين يديه جزء من البيت، فإنّ


(1) الضرير: الاَعمى.
(2) في «س»: أو يكون الفجر.
(3) في الاَصل: «أو كون» بحذف الباء.
(4) في الاَصل: «أو كون» بحذف الباء.
(5) في الاَصل: أربع جهة.
(6) في «س»: وكذلك.


(63)

صلاته حينئذ لاتجوز لاَنّه يكون مستدبر القبلة، ويجوز أن يصلّي مستلقياً متوجّهاً إلى البيت [المعمور] (1)ومتى انهدم البيت جاز الصّلاة إلى عرصته، وإن وقف في عرصته جاز إلاّ إذا لم يبق بين يديه جزء من أساسه.

وبالجملة فرض المتوجّه العلم بجهة القبلة (2)فإن تعذّر العلم قام الظنّ مقامه، ولايجوز الاقتصار على الظنّ مع إمكان العلم، ولا على الحدس مع إمكان الظنّ، فمن فعل ذلك فصلاته باطلة وإن أصاب بتوجّهه جهة القبلة لاَنّه ما فعل التّوجّه على الوجه المأمور به، فيجب أن يكون غير مجز (3)

ومن توجّه مع الظنّ ثمّ تبيّن أنّتوجّهه كان إلى غير القبلة أعاد الصّلاة إن كان وقتها باقياً، ولم يُعِد إن كان قد خرج، إلاّ أن يكون استدبرها، فإنّه يعيد على كلّ حال، ولايصلّي إلى أربع جهات إلاّ من لم يعلم جهة القبلة ولاظنّها، ومن عدا أهل العراق أماراتهم غير هذه الاَمارات بل يكون على حسب ما يناسب أركانهم(4).

الفصل الخامس

يجوز الصّلاة في كلّ لباس إلاّ ما كان نجساً، أو إبريسماً محضاً للرّجال بالاختيار، أو ممنوعاً من التّصرّف فيه شرعاً، أو شعر ما لايوَكل لحمه سوى الخزّ الخالص، أو كان ذهباً؛ طِرازاً (5)كان أو خاتماً أو غير ذلك، وجلد مالا يوَكل لحمه


(1) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(2) في «س»: الكعبة.
(3) في الاَصل: غير مجزئة.
(4) في الاَصل: أركانها.
(5) في «س»: طرزاً. والطراز: علم للثوب. وهو معرّب وجمعه طرز مثل كتاب وكتب وثوبمطرز بالذهب وغيره. المصباح المنير.


(64)

ـ سوى الكلب والخنزير ـ إذا ذكّي ودبغ يجوز لبسه في غير حال الصّلاة، فأمّا في الصّلاة فلا، ويجوز الصّلاة في السّنجاب والحواصل خاصّة. (1)

وتكره الصّلاة في الثّوب المكفوف بالحرير للرّجال، وفي خلاخل من ذهب لها صوتٌ للمرأة، وفي خاتم الحديد، وفي التكّة والجورب والقلنسوة المعمول من وَبرِ ما لا يوَكل لحمه ما لم يكن هو أو المصلّي رطباً، أو المعمول عن حرير محض، وذكر أنّ الصّلاة في ثوب يكون تحت وبر الثّعلب أو فوقه مكروهة غير محظورة، وفي الثّوب أو الخاتم الّذي فيه تمثال أو صورة ذي روح خاصّة، ومع اللّثام والنّقاب للمرأة، أو يكون مشدود الوسط، أو في قباء مشدود إلاّ في الحرب، وفي الثياب السّود ما عدا العمامة (2)والخفّ فإنّه لابأس بهما، وفي الثّياب المفدمة (3)يكون مكروهاً، أو يكون موَتزراً فوق القميص، أو مشتملاً للصّماء وهو أن يلتحف بالاِزار ويدخل طرفيه جميعاً من تحت يديه ويجعلهما على منكب واحدٍ فِعْلَ اليهود، وفي عمامة لا حنك لها وبغير رداء للاِمام، وفي ثوب شافٍّ لا مئزر تحته، وفي الشّمشك (4) والنّعل السّنديّ (5) ومع الحديد المشهّر، سكّيناً كان أو سيفاً أو مفتاحاً أو دراهم سوداً، وفي ثوب شارب الخمر ومستحلِّ شيء من النّجاسات وإن لم يعلم أنّ عليه نجاسة، ويكره وصل الشّعر بشعر الغير من الرّجل والمرأة جميعاً.


(1) نقل العلاّمة المجلسي ـ قدّس سرّه ـ في البحار: 80|228 عن حياة الحيوان انّالحوصلجمعه حواصل وهو طير كبير له حوصلة عظيمة يتخذ منها الفروة.ونقل عن ابن البيطار انّ هذا الطائر يكون بمصر كثيراً ويعرف بالبجع.
(2) في الاَصل: إلاّ العمامة.
(3) الثوب المفدم ـ بإسكان الفاء ـ: المصبوغ بالحمرة صبغاًمشبعاً.مجمع البحرين.
(4) الشُّمِشك ـ بضمّ الشين وكسر الميم ـ قيل: إنّه المشاية البغدادية. مجمع البحرين.
(5) النعـل السندي منسوب إلى بلاد السند، أو إلى السندية قرية معروفة من قرى بغـداد. مجمـعالبحرين.


(65)

الفصل السّادس

العورة الّتي لايجوز الصّلاة إلاّ بسترها من الرّجل سوأتان ومن المرأة من فوقها إلى قدمها إلاّ الوجه والكفّين وظهر القدمين (1)وإن كان الاَفضل منها ستر ما سوى الوجه، والاَمة يجوز أن تصلّي مكشوفة الرأس إلاّ المكاتبة غير المشروط عليها وقد انعتق بعضها بأداء شيء، أو كان بعضها حرّاً فهي إذاً كالحرّة سواء، والفضل للرّجال في ستر ما بين السرّة إلى الرّكبة مع الرّكبة، وأفضل منه أن يصلّي في ثوب صفيق ورداء، والاَمة إذا أُعتقت وهي في الصّلاة حاسرة سترت الرّأس إن أمكن، وإلاّ أتمّت الصّلاة ولاشيء عليها، وحكم الصّبيّة دون تسع سنين حكم الاَمة، وإن بلغت خلال الصّلاة بما لاينقض الوضوء فكما في عتق الاَمة.

الفصل السابع

ما لا يجوز عليه الصّلاة من المكان هو المغصوب والنّجس، سواء كان المصلّـي هوالغاصب أو غيره، فإنّه لايجزيه صلاته فيه إلاّ مضطرّاً، وإذا دخل ملك غيره وعلم بشاهد الحال أنّ صاحبه لايكره الصّلاة فيه وصلّى جاز.

من كان في ملك غيره بإذنه فأمره بالخروج عند تضيّق وقت صلاة فتشاغل بالخروج وصلّى في طريقه جاز، لاَنّه متشاغل بالخروج وإنّما قدّم فرضَ الصّلاة على فرض غيره، وإن لم يتضيّق لم يُجْزِهِ.

ولايجوز أن يصلّي الرّجل وامرأة تصلّي متقدّمة له أو محاذية لجهته سواء كانت مقتدية به أو لا، فإن فعلا بطلت صلاتهما إلاّ إذا كان (2)بينهما عشر أذرع فصاعداً،


(1) في الاَصل: وظهور القدمين.
(2) في «س»: كانت.


(66)

أو كانت هي غير مصلّية، وإن صلّت بجنب الاِمام بطلت صلاتها وصلاة الاِمام ولا تبطل صلاة المأمومين، وإن صلّت خلفه في صفّ بطلت صلاة من عن يمينها وشمالها ومن يحاذيهـا من خلفـهـا لا غـير، وحَمَلَ المرتضـى _ رضي الله عنه _ ذلك على الكراهة. (1)

وتكره الصّلاة في وادي ضجنان، و وادي الشّقرة، والبيداء، وذات الصّلاصل، وهي أربعة مواضع في طريق مكّة، (2)وفي قرى النّمل، وجوف الوادي، والحمّام سوى المسلخ، وبين المقابر إلاّ إذا كان بينه وبين القبر عشر أذرع


(1) في كتابه المسمى بـ «المصباح »لاحظ المختلف: 2|111 من الطبع الحديث.
(2) في الجواهر: قيل: إنّ ذات الصلاصل اسم الموضع الذي أهلك اللّه فيه نمرود، وضجنانوادأهلك اللّه فيه قوم لوط.
و«البيداء»: هي التي يأتي إليها جيش السفياني قاصداً مدينة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيخسف اللّه به تلك الاَرض.
وفي خبر ابن المغيرة المرويّ عن كتاب الخرائج والجرائح: «نزل أبو جعفر _ عليه السَّلام _ في ضجنان فسمعناه يقول ثلاث مرّات: لا غفر اللّه لك، فقال له أبي: لمن تقول جعلت فداك؟قال: مرّ بي الشامي لعنه اللّه يجرّ سلسلته التي في عنقه وقد دلع لسانه يسألني أن أستغفر له، فقلت له: لا غفراللّه لك».
وعن عبد الملك القمي: سمعت أبا عبد اللّه _ عليه السَّلام _ يقول: بينا أنا وأبي متوجّهان إلى مكة من المدينة فتقدم أبي في موضع يقال له «ضجنان» إذ جاءني رجل في عنقه سلسلة يجرّها فأقبل عليّ فقال: اسقني، فسمعه أبي فصاح بي وقال: لاتسقه لاسقاه اللّه تعالى، فإذا رجل يتبعه حتى جذب سلسلته وطرحه على وجهه في أسفل درك الجحيم، فقال أبي: هذا الشامي لعنه اللّه تعالى.
والمراد به على الظاهر معاوية صاحب السلسلة التي ذكرها اللّه تعالى في سورة الحاقّة.
أُنظر جواهر الكلام: 8|349. والوسائل: 3|450، الباب 33 و34 من أبواب مكان المصلّي.
وقال في مجمـع البحرين: في الحديـث نهي عن الصلاة في وادي شقرة ـ وهو بضـم الشين وسكون القاف. وقيل بفتح الشين وكسر القاف ـ: موضع معروف في طريق مكة. قيل: إنّه والبيداء وضجنان وذات الصلاصل مواضع خسف وأنّها من المواضع المغضوب عليها.


(67)

من جهاته سوى خلفه.

والنافلة إلى قبور الاَئمّة مرخّص فيها، وفي أرض الرّمل والسّبخة إذا لم يتمكّن من السّجود عليهما وفي جوادّ الطّرق (1)سوى الظّواهر بينها، وفي معاطن الاِبل خاصّة، وفي البيع والكنائس وبيوت النّيران، وبيوت المجوس إلاّ إذا رشّ الموضع بالماء وجفّ، وفي بيت فيه مجوسيّ، وفي موضع ينزُّ حائط قبلته من بول أو قذر، وحيث يكون في قبلته نار في مجمرة أو قنديل (2)أو سيف مشهّر إلاّ عند الخوف من العدوّ، أو يكون في قبلته أو يمينه أو شماله صور وتماثيل إلاّ أن يغطّيها أو كانت الصّورة تحت رجليه، وأن يكون بين يديه مصحف مفتوح أو شيء مكتوب، لاَنّه يشغله عن الصّلاة، وأن يصلّي الفرض خاصّة في جوف الكعبة مختاراً، ومن كان موضع سجوده طاهراً وعلى باقي مكانه نجاسة يابسة لاتتعدّى إليه أجزأت صلاته سواء تحرّكت بحركته أو لم تتحرّك بأن تكون النّجاسة في أطرافه.

الفصل الثامن

لا يجوز السّجود إلاّ على الاَرض أو ما أنبتته الاَرض ممّا لايوَكل ولايلبس على مجرى العادة بعد أن كان ملكاً، أو في حكم الملك، وخالياً من النّجاسة، ولايجوز على ما هو بعضه كاليد، ولا على المعادن كلّها، ولا على الكحل والزّرنيخ والنّورة، ولا على القير مختاراً، ولا على الزّجاج والرّماد والصّهروج (3) ومن وقع في أرض


(1) الجادّة: وسط الطريق والجمع: جوادّ كدابّة ودوابّ. مجمع البحرين.
(2) في «س»: أوفي قنديل.
(3) الصهروج والصاروج ورد كلاهما في الحديث. قال في القاموس: الصاروج: النورةواختلاطها، والصّهريج كقنديل: حوض يجتمع فيه الماء، والمصهرج المعمول بالصاروج.


(68)

رمضاء سجد على ثوب يتّقي به الحرّ، فإن فقد الثوب فعلى كفّه، وكذلك يسجد على الثّوب من كان في موضع قذرٍ ولم يتمكّن من غيره.

ويكره السّجود على القرطاس المكتوبة لمن يحسن القراءة خاصّة، ومن (1) وقع في الثّلج ولم يجد ما يسجد عليه دقّ الثّلج بحيث يتمكّن من السّجود [عليه](2) وسجد عليه، وإذا عملت سجّادة بسيور ظاهرة تقع الجبهة عليها لم يجز السّجود عليها، وإذا أصاب شيئاً ممّا عمل من نبات الاَرض سوى القطن والكتّان نجاسة مانعة وجفّفتها الشّمس خاصّة جاز السّجود عليه، وكذا الاَرض، وإذا صار الميّت رميماً واختلط بالتّراب لم يجز السّجود على ذلك التّراب لاَنّه نجس.

الموضع الّذي أصابه البول تزول نجاسته بإحدى ستّة أشياء: إمّا بأن يكثر عليه الماء حتّى يستهلكه ولايرى له لون ظاهر ولا رائحة، أو بأن يمرّ عليه سيلٌ أو ماءٌ جارٍ، أو بأن يحفر الموضع في حال رطوبته فينتقل ترابه جميع الاَجزاء الرّطبة، أو يحفر الموضع فينقل ترابه حتّى يغلب على الظنّ أنّه نقل جميع الاَجزاء النّجسة، أو بأن يجيء (3)عليه مطر أو سيل فيقف فيه بمقدار ما يكاثره من الماء، أو بأن يجفّ الموضع بالشّمس دون غيرها.

وحكم الخمر حكم البول إلاّ في تجفيف الشّمس فإنّه لا يطهّره، ولايحكم بطهارة الموضع مع بقاء لون الخمرة أو رائحتها لاَنّ بقاء ذلك يدلّ على بقاء العين إلاّ أن يظنّ أنّ رائحته بالمجاورة فحينئذٍ يحكم بطهارته.

والجامد من النّجاسة كالعَذِرَةِ والدّم إذا كان العين قائمة وكانت يابسة فأُزيلت عن مكانها فالمكان طاهر، وإن بقيت لها رطوبة بعد الاِزالة فتلك الرّطوبة


(1) في «س»: وإن.
(2) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(3) في «س»: يجري.


(69)

بمنزلة البول، وإن كانت العين مستهلكة فإنّما يجوز السّجود على ذلك الموضع إمّا بقلع التّراب حتّى يتحقّق أنّه لم يبق من النّجاسة شيء، وإمّا بأن يطيّن المكان بطين طاهر، فإن ضُرِبَ منه لِبْنُ لم يجز السّجود عليه، فإن طبخ آجراً طهّرته النّار.(1)

الفصل التاسع

الاَذان والاِقامة سنّتان موَكّدتان في الفرائض الخمس خاصّة للمنفرد، وواجبان في الجماعة بها، وروي أنّهما يجبان على الرّجال في كلّ صلاة جماعة سفراً وحضراً، ويجبان عليهم جماعة وفرادى سفراً وحضراً (2)في الفجر والمغرب والجمعة، والاِقامة دون الاَذان يجب عليهم في باقي الفرائض، ومن قال بالندبيّة جعلهما في هذه المواضع أوكد (3) ومن صلّى جماعة بغيرهما فاتته فضيلة الجماعة وأجزأته الصّلاة.

ولا يجوزان في النوافل، ولا في صلاة الكسوف والعيدين بل يقال فيهما: الصّلاة الصّلاةَ، وإذا شرع المنفرد الصّلاة (4)بغيرهما رجع إليهما واستأنف ندباً إلاّ إذا كان رَكَعَ، ومن جمع بين صلاتين لا يوَذّن بينهما، ومن أذّن وأقام ليصلّي وحده فجاءه قوم وأرادوا الجماعة أعادهما، وإذا دخل قوم وقد صلّى الاِمام جماعة، فأرادوا الجماعة صلّى بهم أحدهم بلا أذان وإقامة مالم ينفضّ الجمع، فإن انفضّ أعادهما،


(1) الآجرّ بالمد والتشديد أشهر من التخفيف: اللِّبن إذا طبخ، والواحدة الاجرة وهومعرب.مجمع البحرين.
(2) في «س»: بسفروحضرٍ.
(3) السيّد المرتضى في الناصريات، المسألة 65.
(4) في «س»: في الصلاة.


(70)

وإذا أتت النّساء بهما لم يسمعن الرّجال.

وإذا سمع الاَذان امتنع من الكلام ندباً ولو عن القرآن، والتّرتيب في فصولهما واجب، ونُدِبَ الموَذّنُ إلى أن يأتي بهما على طهارة، ويكون مستقبل القبلة، ولايتكلّم في خلالهما، ويكون قائماً مع الاختيار، ولايكون ماشياً ولا راكباً، ويرتّل الاَذان ويحدر الاِقامة، ولايعرب أواخر الفصول، ويفصل بينهما بجلسة، أو سجدة، أو خطوة، أو نفس، أو ركعتين نافلةً إلاّ في المغرب فإنّه لا يأتي فيه بالرّكعتين ولا بالسّجدة.

ومن شرط صحّتهما دخول الوقت، وإن تكلّم أو أحدث في خلال الاَذان بنى على ما سبق بعد أن توضّأ من الحدث، وفي الاِقامة استأنف، والسكوت الطّويل بين فصول الاَذان يبطل حكمه.

ويجوز أذان الصبيّ والمرأة والاَعمى إذا سدّد وعرف الوقت، والتّثويب بدعة، وهو قول «الصّلاة خير من النّوم».

وفصول الاَذان أربع تكبيرات، ثمّ الاِقرار بالتّوحيد مرّتين، ثمّ الاِقرار بالنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مرّتين، ثمّ الدّعاء إلى الصّلاة مرّتين، ثمّ إلى الفلاح مرّتين، ثمّ إلى خير العمل مرّتين، ثمّ تكبيرتان، ثمّ تهليلتان.

والاِقامة يسقط من أوّلها التّكبير دفعتين، ويزاد بعد «حيّ على خير العمل»، «قد قامت الصّلاة» دفعتين، ويسقط التّهليل مرّة واحدة، ولابأس أن يقتصر في السّفر وحال الضّرورة على مرّة مرّة فيهما، ولايجوز الاَذان للصلاةقبل دخول وقتها وقد روي جواز ذلك في الفجر خاصّة (1)


(1) في «س»: ما يفعل.


(71)

الفصل العاشر

ما يقارن (1) حال الصّلاة على ضربين مفروض ومسنون، وكلّ واحد منهما ينقسم قسمين: فعل وكيفيّة.

والمفروض من الاَفعال في الرّكعة الاَُولى أربعة عشر فعلاً: القيامُ مع القدرة أو ما يقوم مقامه مع العجز عنه، والتوجّه إلى القبلة، والنيّة، وتكبيرة الاِحرام، والقراءة، والرّكوع، والتّسبيح فيه، ورفع الرأس منه، والسّجود الاَوّل، والتّسبيح فيه، ورفع الرّأس منه، والسّجود الثّاني، والذّكر فيه، ورفع الرّأس منه.

والمفروض من الكيفيّات في هذه الرّكعة ثلاث وعشرون كيفيّة: مقارنة النيّة لتكبيرة الاِحرام، واستدامة حكمها إلى عند الفراغ من الصّلاة، والتلّفظ بـ «اللّه أكبر»، وقراءة الحمد وسورة أُخرى معها في الفرائض مع القدرة والاختيار، وفي النوافل الحمد وحدها مُجز، والجهر بالقراءة فيما يُجهر فيه وهو الغداة والمغرب والعشاء الآخرة، والاِخفات فيما يُخافت فيه وهو الظهر والعصر، والانحناء في الرّكوع بمقدار مايتمكّن من وضع الكفّين على الرّكبتين، والتسبيح فيه وفي كلّ واحد من السّجدتين مرّة مرّة، والطّمأنينة في الرّكوع، والطّمأنينة إذا انتصب منه،(2) والسّجدة على سبعة أعظم: الجبهة واليدين والرّكبتين وأطراف أصابع الرّجلين، والطُّمأنينة في السّجدة الاَُولى، والطّمأنينة إذا انتصب منها والطّمأنينة في السجدة الثّانية.

والترتيب في الصّلاة، وهو أن يبدأ بالقيام، والتوجّه إلى القبلة، ثمّ النيّة، ثمّ تكبيرة الاِحرام، ثمّ القراءة، ثمّ الرّكوع، ثمّ السّجود، يكون جميع الاَفعال والكيفيّات في الرّكعة الاَُولى سبعة وثلاثين فعلاً وكيفيّةً.


(1) لاحظ الوسائل: 4 ب 8 من أبواب الاَذان والاِقامة.
(2) في «س»: عنه.


(72)

وفي الرّكعة الثّانية مثلها إلاّ تجديد النيّة وكيفيّتها، وتكبيرة الاِحرام وكيفيّتها، وهي أربعة (1) وينضاف إلى ذلك في الثّانية ستّة أشياء: الجلوسُ للتشهّد، والطّمأنينة فيه، والشّهادتان، والصّلاة على النبيّ، والصلاة على آله، يصير الجميع ستّة وسبعين فعلاً وكيفيّةً.

فإن كانت صلاة الفجر انضاف إلى ذلك التّسليم على قول بعض أصحابنا وعلى قول الباقين هو سنّة. (2)

وإن كانت المغرب انضاف إلى ذلك في الركعة الثالثة مثل ما في الثّانية وصار التّسليم في آخرها.

وإن كانت الصّلاة رباعيّة انضاف إلى ما في الرّكعتين مثل ذلك إلاّ الاَربعة المذكورة ويحوّل التّسليم إلى آخرها.

فمن ترك شيئاً من هذه الفرائض أو قدّم شيئاً منها على شيء متعمّداً بطلت صلاته، وإن كان ناسياً بطلت في موضع دون موضع، إلاّ القيام والتوجّه إلى القبلة فإنّه لايترتّب أحدهما على الآخر وجوباً بل يجوز أن يقدّم أيّهما شاء، أو يقعا منه في حالةٍ واحدة.

وتنقسم هذه المفروضات قسمين: أحدهما يسمّى ركناً، والآخر لايسمّى ذلك، والرّكن هو ما إذا تركه عامداً أو ناسياً بطلت صلاته، وما ليس بركن إذا تركه عامداً بطلت صلاته، وإذا تركه ناسياً لم تبطل صلاته وله حكمه، (3)فالاَركان خمسة: القيام مع القدرة، والنيّة، وتكبيرة الاِحرام، والرّكوع، والسجود.

وأمّا الاَفعال المسنونة وكيفيّتها (4)فسيأتي شرحها بعون اللّه تعالى.


(1) في «س»: أربع.
(2) لاحظ المختلف: 2|174 من الطبع الحديث، والتذكرة: 3|242 من الطبع الحديث.
(3) في الاَصل: لم تبطل وله حكم.
(4) في «س»: وكيفيّاتها.


(73)

الفصل الحادي عشر

من النّدب أن ينظر المصلّي في حال القيام إلى موضع سجوده، ويفرّق بين قدميه بمقدار أربع أصابع إلى شبر، ويضع يديه على فخذيه محاذياً لعيني ركبتيه، والمرأة تجمع بين قدميها وتضمّ ثديها إلى صدرها.

والنيّة بالقلب ولا اعتبار فيها باللّسان، ولابدّ فيها من التّعيين، مثاله أن يُخْطِرَ بباله: أنّي أُصلّي فريضة الظهر أداءاً قربة إلى اللّه تعالى، لايجزي أقلّ منه، فينوي الصّلاة ليتميّز ممّا ليس بصلاة، وينوي الظّهر ليتميّز من العصر ونحوه، وينوي الفرض ليتميّز من النّدب، وينوي الاَداء ليتميّز من القضاء، وينوي القربةليتميّز ممّا يراءى به، ووقتها حين استفتاح الصّلاة، وما تقدّم عزم لا اعتبار به.

ومعنى استدامة حكم النيّة أن لا ينقض نيّته (1)إلى أن يفرغ من الصّلاة بنيّةٍ ترفع حكمها؛ كأن ينقلها من القربة إلى اللّه إلى القربة إلى غير اللّه أو من الفرض إلى النّفل، أو نوى بالقيام أو الرّكوع لغير الصّلاة، فأمّا إذا دخل في الصّلاة بنيّة النّفل ثمّ نذر إتمامها خلال الصّلاة فقد انعقد نذره ووجب عليه إتمامها (2) ومتى نوى الكلام في الصّلاة أو الخروج منها أو الحدث، فقد أثم ولم تبطل صلاته إلاّ بعد فعل ذلك.

ومن ذكر وهو في الصّلاة أنّعليه فائتةً نَقَلَ النيّة إلى الفائتة مالم يتضيّق وقت الحاضرة، فإن نقل مع التضيّق، أو نقل نيّته من الفريضة إلى النّافلة أو من النافلة إلى الفائتة بطل كلاهما ولم يجزه عن واحد منهما، وكذا إن نوى الظهر والعصر


(1) في الاَصل: بنيّته.
(2) في الاَصل: إتمامه.


(74)

[معاً(1) لم يجز عن واحدة لاَنّهما لايتداخلان.

وقيل: إنّ كيفيّة النيّة أن يريد فعل الصّلاة المعيّنة لوجوبها، أو لكونها ندباً على الجملة، أو للوجه الّذي له كانت كذلك على التّفصيل، إن عرفه طاعة للّه وقربةً إليه أي إلى ثوابه. (2)

ويجب مقارنة النيّة آخر جزء منها لاَوّل جزء من تكبيرة الاِحرام، ولابدّ من التلفّظ بـ «اللّه أكبر»، ولايقوم مقامها لفظة أُخرى مثل «اللّه الاَكبر» و «اللّه الكبير» وغير ذلك، ومن لم يتأتَّ له التلفظ بالتّكبير بالعربيّة جاز أن يقول معناه بلُغَتِهِ.

ورفعُ اليدين بتكبيرة الاِحرام وغيرها إلى حذاء شحمة الاَُذن، مضمومتي الاَصابع، موجهتي الرّاحة نحو القبلة، ثمّ إرسالهما على الفخذ حِيال الرّكبة سُنّة.

ونُدِبَ إلى التّوجّه بسبع تكبيرات معهنّ ثلاثة أدعية في سبعة مواضع: [أوّل كل فريضة] (3)، وأوّل ركعة من نوافل الظّهر، وأوّل ركعة من نوافل المغرب، وأوّل الوتيرة، وأوّل ركعة من صلاة اللّيل، وفي أوّل الوتر، وفي ركعتي الاِحرام، والواجب من هذه التّكبيرات ما نوى به الدّخول في الصّلاة أيّها كانت والباقي ندب.

إذا كبّـر بعد تكبيرة الاِحرام تكبيرة أُخرى ونوى بها الافتتاح بطلت صلاته، لاَنّ الثّانية غير مطابقة للصّلاة، فإن كبّر ثالثة ونوى بها الافتتاح انعقدت صلاته، وعلى هذا أبداً، وإن لم ينو بالثّانية الافتتاح صحّت صلاته.


(1) مابين المعقوفتين ليس بموجود في الاَصل.
(2) القائل هو صاحب الغنية، أُنظر الغنية المطبوع مبعضاً في سلسلة الينابيع الفقهية: 4|540.
(3) ما بين المعقوفتين ليس بموجود في الاَصل والصحيح ما في المتن.


(75)

الفصل الثاني عشر

التعوّذ قبل القراءة في الرّكعة الاَُولى خاصّة ندب ولا يجهر به، و«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» آية من كلّ سورة، وحكمها حكم السّورة في الجهر بها والاِخفات، ويستحبّ الجهر بها فيما يخافت فيه بالقراءة، ومن قدّم بعض آي الحمد على بعض متعمّداً استأنف الصّلاة، إذ التّرتيب واجب فيها، وإن كان ساهياً أتى بها مرتّبة ولا شيء، ولايقوم مقام الحمد غيرها في الاَُوليين، ومن لايحسنها أو لايحسن بعضها قرأ ما يحسن منها أو غيرها، وإن لم يحسن شيئاً من القرآن سبّح أو هلّل بدله ثمّ تعلّمه إن أمكن، ومن ترك تشديدةً من الحمد متعمّداً فلا صلاة له لقوله _ عليه السَّلام _ : «لاصلاة إلاّ بفاتحة الكتاب». (1)وذلك يفيد قراءة جميعها والتّشديد حرف منها، وكذا إن لحن متعمّداً أو مع التّمكّن من تعلّمه سواء أحال المعنى أو لا، ولا شيء على الناسي.

وقراءة من لايقدر على القراءة أن يحرّك لسانه، ولايجوز أن يقرأ القرآن بغير لغته، ولايجزي من القراءة ما لايُسْمِعُهُ نَفسَه (2)فيما يخافت، وفيما عدا الاَُوليين هو مخيّر بين الحمد وبين قول: «سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّاللّه واللّه أكبر» ثلاثاً، وإن لم يقل«اللّه أكبر» إلاّ في المرّة الثالثة جاز، وإن نسي القراءة في الاَُوليين استحبّ له القراءة في الاَُخريين، وروي أنّها تعيّنت له حينئذٍ. (3)

إذا قرأ مع الحمد في الاَُوليين بعض سورةٍ أو قرن بين سورتين معهما لم يحكم ببطلان صلاته وإن كان ذلك غير جائز، ويجوز ذلك في حال الضّرورة.


(1) مستدرك الوسائل: 4 ب 1 من أبواب القراءة، ح5.
(2) في «س»: ما لاتسمعه نفسه.
(3) انظر وسائل الشيعة: 4 ب30 من أبواب القراءة ح3.


(76)

والضّحى وألم نشرح سورة واحدة، وكذا الفيل والاِيلاف، ولايبعّضان في الفريضة، (1) ويجوز الانتقال من سورة إلى أُخرى مالم يتجاوز نصفها إلاّ الاِخلاص والجحد فإنّه لاينتقل عنهما إلاّ في الظّهر يوم الجمعة، فإنّه يجوز الانتقال عنهما إلى الجمعة والمنافقين مالم يتجاوز نصفها، فإن تجاوز أتمّ ركعتين واحتسبهما نافلة واستأنف الفرض بهما.

ولا يقرأ في الفريضة سورة طويلة يفوت بقراءتها وقت الصّلاة ولا العزائم الاَربع، فإن اتّفق ذلك فلا يقرأ موضع السّجود، وأفضل ما يقرأ في الفرض بعد الحمد، القدر والاِخلاص والجحد، وهو مخيّر فيما سوى ذلك، وإن قرأ في النّافلة موضع سجدة واجبة سجد فإذا ارتفع قام [عن السّجود] (2)بالتّكبير فتمّم السّورة، وإن كانت السّجدة آخر السّورة قام عن السّجود بالتكبير وقرأ الحمد ثمّ ركع عن قراءة.

الفصل الثالث عشر

ومن النّدب أن يكبّر قبل الرّكوع، ويمدّعنقه فيه، ويسوّي ظهره، ولايدلي رأسه، ولايرفع ظهره ولايجعله كسرجٍ، ويردّ ركبتيه إلى خلفه ولايقوّسهما، والمرأة تضع يديها على فخذيها، وقيل: إنّ تكبير الرّكوع واجب. (3)

ومن التّكبيرات تكبير للقنوت، [وتكبير للرّكوع]، (4)وتكبير للسّجود، وآخر للارتفاع منه، وتكبير للسّجود الثاني، والآخر للارتفاع منه، ومن أصحابنا من أسقط تكبير القنوت وجعل بدله تكبير القيام من التشهّد الاَوّل (5) والاَوّل أظهر


(1) في الاَصل: في الفرائض.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في الاَصل.
(3) سلاّر في المراسم: 69.
(4) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(5) وهوالشيخ المفيد ـ قدّس سرّه ـ انظر المختلف: 2|179 من الطبع الحديث.


(77)

وأشهر، والزّائد على التّسبيحة الواحدة في الرّكوع والسّجود إلى الثّلاث أو الخمس أو السّبع ندب.

وينظر في حال الرّكوع إلى مابين رجليه، ويكره أن تكون يده تحت ثيابه حال الرّكوع، بل الندّب أن تكون بارزة أو في كمه، ويتلقّى الاَرض بيديه قبل ركبتيه للسّجود، ويرغم بأنفه، وقيّد السّيد المرتضى _ رضي الله عنه _ إرغام الاَنف بطرفه الّذي يلي الحاجبين (1)وموضع السّجود من قصاص شعر الرّأس إلى الجبهة، أيّ موضع وضع على الاَرض منه أجزأه، ومن منعه مانع من السّجود على الجبهة سجد على أحد جانبيه فإن لم يتمكّن فعلى ذقنه.

وكشف الجبهة ووضعها على المسجد بلا حائل واجب، ولايجوز أن يكون مسجده أرفع من مقامه إلاّ بما لايعتدّ به كقدر لبنة، ومن ترك تسبيح الرّكوع أو السّجود ناسياً حتّى رفع رأسه فلا شيء عليه.

ومن النّدب أن يكون متخوّياً (2)في السّجود لايضع شيئاً من جسده على شيء، ولاساقيه على الاَرض، ويضع يديه حذاء منكبيه وشحمتي أُذنيه، ويضمّ أصابع يديه، ويوجّهها إلى القبلة، ولا يَحدودِب (3) ويفرّج بين فخذيه، وينظر في السّجود إلى طرف أنفه، والمرأة تقعد ثمّ تسجد لاطئة بالاَرض.

ومن الندّب جلسة الاستراحة بين السّجدتين، ويتورّك فيها ولايقعي وكذا بعدهما، وإذا قام إلى الثّانية رفع ركبتيه قبل يديه بخلاف المرأة فإنّها لا تعتمد على يديها. ويرفع يديه بعد القراءة في الثّانية بالتّكبير للقنوت إلى حذاء شحمتي أُذنيه


(1) رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الثالثة: 32.
(2) خوى الرجل في سجوده: رفع بطنه عن الاَرض، وقيل: جافى عضديه. المصباح المنير.
(3) من الحَدَب بالتحريك: ما ارتفع وغلظ من الظهر واحْدُودَبَ ظهرُه وقد حَدِبَ ظهرُه حَدَباً.لسان العرب.


(78)

موجّهاً راحتيه نحو السّماء، ويقنت بكلمات الفرج أو يسبّح ثلاثاً، أو يدعو بما شاء لدينه ودنياه بالعربيّة فإن لم يحسنها فبلغته، ثمّ يردّ بطن راحتيه تلقاء ركبتيه على تمهّلٍ (1) ويكبّر ويركع.

ومن النّدب أن يجلس في التشهد على وركه الاَيسر ويضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، ويضع يديه على فخذيه محاذياً لعيني ركبتيه مضمومتي الاَصابع مبسوطتين وينظر إلى حجره، والمرأة تجلس على إليتيها مضمومة الفخذين رافعة ركبتيها من الاَرض، وأن يأتي بما زاد على الشّهادتين والصّلاة من الاَلفاظ المرويّة.

والاِمام والمنفرد (2)يسلّم تجاه القبلة، والمأموم إن كان على يساره أحد سلّم تسليمتين يميناً وشمالاً وإلاّ سلّم يمينه مرة؛ يكبّر ثلاثاً رافعاً بها يديه إلى حذاء شحمتي أُذنيه ثمّ يعقّب بما شاء من الدّعاء، ولايَدَعَنَّ تسبيح الزّهراء ـ عليها السلام ـ وهي أربع وثلاثون تكبيرة وثلاث وثلاثون تحميدة وثلاث وثلاثون تسبيحة وإن قدّم التسبيح على التحميد (3)جاز، وإذا فرغ سجد سجدة (4)الشّكر لاطئاً بالاَرض؛ يسجد ثمّ يضع خدّه الاَيمن على الاَرض ثمّالاَيسر ثمّ يسجد أُخرى ويأتي فيهما بما روي من الاَذكار، فإذا ارتفع كبّر وأمرّ يده على مسجدهومسح بها وجهه وصدره ثلاثاً وعلى علّته إن كانت، ثمّينصرف على اليمين.


(1) في «س» :مهل، تمهّل في الاَمر: تمكّث ولم يعجّل. المصباح المنير.
(2) في «س»: أو المنفرد.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: بتقديم التسبيح على التّحميد.
(4) في «س»: سجدتي.


(79)

الفصل الرابع عشر

كلّ ما ينقض الوضوء إذا عرض في الصّلاة يبطل الصّلاة عمداً كان أو سهواً، ومن الاَفعال ما إذا حصل عمداً قطع الصّلاة وإن حصل سهواً أو للتّقيّة فلا؛ وذلك وضع اليمين على الشّمال، وقول «آمّين» آخر الحمد، والالتفات بالكلّيّة إلى وراء، والتكلّم بما ليس في الصّلاة، والفعل الكثير الّذي ليس من أفعال الصّلاة، والاَنين بحرفين، والتأفّف بحرفين، والقهقهة، وأن يصلّي الرّجل معقوص الشّعر متعمّداً، ومن سلّم في الاَُوليين ناسياً ثمّ تكلّم عمداً على ظنّ أنّه فرغ من الصّلاة ثمّ ذكر أنّه صلّى ركعتين قيل: يجب أن يستأنف، وقيل: لايجب (1) وهذا أصحّ.

والفعل الكثير إن كان يتعلّق بالصّلاة أو كان من جملة العبادة لم يفسد الصّلاة، كأن يرتدي بردائه إذا سقط، أو يسوّي حصى مسجده، أو يعدّ التّسابيح بالحصى، أو يحمد اللّه تعالى بعد العطسة، أو يقول للمسلم: سلام عليكم، ولايجوز أن يقول: وعليكم السّلام، أو قرأ آية رحمة فسأل منها أو آية عذاب فاستعاذ منه، أو يبكي من خشية اللّه، وإن بكى لاَمر دنياويّ قطع الصّلاة، أو رعف فمشى إلى الماء وغسل ما أصابه الدّم من ثوبه أو بدنه يبني على صلاته مالم ينحرف عن القبلة أو لم يتكلّم متعمّداً بما يفسد الصّلاة.

وتكره قراءة القرآن في الرّكوع والسّجود والتشهد، والالتفات إلى اليمين أو الشّمال، والتثاوَب، والتّمطّي، (2)والفرقعة بالاَصابع، والعبث باللّحية أو بشيء من


(1) القول الاَوّل للشيخ في النهاية:90، واختار في المبسوط القول الثاني، انظر المبسوط:1|118و اختاره الحلّي في السرائر: 1|235.
(2) التثاوَب: هي فترة تعتري الشخص فيفتح عندها فاه.والتّمطي: التّبختر ومدّ اليدين فيالمشـي مجمع البحرين.


(80)

الجوارح، والتّأوّه بحرف واحد، والنّفخ في موضع السّجود، والاِقعاء بين السّجدتين، ومدافعة الاَخبثين، والتّنخّم، (1)والتّبصُّق، ومن عرضه شيء من ذلك يأخذه بثيابه (2)أو يرمي به تحت رجليه أو يميناً أو شمالاً، ولايرميه تجاه القبلة.

ومن النّدب أن يجعل بينه وبين ما يمرّ به ساتراً ولو عنزة (3)أو لبنة، فإن لم يجد خطّ في الاَرض بين يديه خطّاً، ويجوز شرب الماء في النّافلة، وتنبيه الغير بتكبير أو إيماء أو ضرب حائط أو تصفيق يدٍ، وقتلُ العقرب والحيّة إذا خاف منهما إن لم يُوَدِّ إلى فعل كثير.

الفصل الخامس عشر

لا حكم للشكّ مع غلبة الظنّ لاَنّها تقوم مقام العلم في وجوب العمل عليه، وإنّما الحكم لما تتساوى فيه الظّنون أو كان شكّاً محضاً، وجميع أحكام الشكّ والسّهو يقع في مائة موضع من الصّلاة تنقسم خمسة أقسام:

أحدها: يوجب إعادة الصّلاة وذلك في ثلاثين موضعاً: من سها فصلّى بلا طهارة، أو تطهّر بماء نجس ثمّ صلّى وقد سبق علمه بذلك، خرج الوقت أو لا، أو صلّى قبل دخول الوقت، أو صلّى مستدبر القبلة بقي الوقت أو لا، أو صلّى إلى يمينها أو شمالها مع بقاء الوقت، أو صلّى في ثوب نجس، أو سجد على شيء نجس وكان قد سبق علمه بذلك، أو صلّى في ثوب مغصوب أو مكان مغصوب، مع تقدّم علمه بذلك مختاراً، أو ترك النيّة، أو لم يدر فرضاًنوى أو نافلة، أو ترك


(1) تنّخم: رمى بنخامته، وهو ما يخرجه الاِنسان من حلقه من مخرج الخاء.المصباح المنير.
(2) في الاَصل: في ثيابه.
(3) العنزة بالتحريك، أطول من العصا وأقصر من الرّمح. كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يجعل العنزة بين يديه إذا صلّى وكان ذلك، ليستتر بها عن المارة.مجمع البحرين.


(81)

تكبيرة الاِحرام، أو ترك الرّكوع حتّى يسجد بعده فيما عدا الاَُخريين من الرّباعيّات، أو ترك السّجدتين فيما ذكرناه حتّى يركع (1)وكذا إذا ترك ركوعاً أو سجدتين في ركعة واحدة ولايدري في أيّها، أو زاد ركوعاً أو سجدتين في ركعة من الرّكعات المذكورة ولايدري في أيّها زاد، أو زاد في الصّلاة ركعة فصاعداً أو نقص ركعة فصاعداً ولم يذكر حتّى تكلّم، أو استدبر القبلة، وقيل: لايعيد بل يبني على صلاته سواء كان ذلك في الثّنائيّ أو الرّباعيّ؛لاَنّالفعل الّذي وقع منه بعد ذلك كان في حكم السّهو، واختار هذا الشيّخ أبو جعفر _ رضي الله عنه _ ، (2)أو شكّ في الاَُوليين من كلّ رباعيّة، أو في المغرب كلّها، أو في الغداة، أو الجمعة، أو فرض السّفر ولايدري(3)كم صلّى، أو أتمّ حيث يجب فيه التّقصير ساهياً وذَكَرَ والوقت باق، أو شكّ فلم يدرِ كم صلّى.

وثانيها: يوجب التّلافي إمّا في الحال أو بعدها وذلك في ثلاثين موضعاً: من شكّ في النيّة ولم ينتقل من حالها، أو في تكبيرة الاِحرام وهو في حالها نوى وكبّر، أو في القراءة أو شيء منها وهو قائم لم يركع وقرأ؛ فإن ذكر أنّه قرأ فلاشيء عليه أو سها عن القراءة أو شيء منها حتّى كاد يركع فذكر أنّه لم يقرأ، قرأ ثمّركع، أو سها عن قراءة الحمد حتّى قرأ سورة أُخرى قرأ الحمد ثمّ السّورة [فلا شيء عليه] (4)أو شكّ في الرّكوع وهو قائم ركع؛ فإن ذكر أنّه ركع لايرفع رأسه فإن لم يذكر حتّى يرفع رأسه حذف الرّكوع الزّائد إن كان في الاَُخريين، وإن كان غيرهما أعاد كما مضى، أو شكّ في تسبيح الرّكوع أو سها عنه فذكر وهو راكع سبّح، أو ترك الرّكوع ناسياً وقد هوى إلى السّجود فذكر قبل أن يسجد، رجع فركع، فإن لم يذكر حتّى


(1) كذا في الاَصل، ولكن في «س»: ذكرنا فركع.
(2) المبسوط: 1|121.
(3) في الاَصل: فلا يدرى.
(4) ما بين المعقوفتين موجود في «س».


(82)

سجد السّجدتين حذف السّجدتين وأعاد الرّكوع إن كان في الاَُخريين، وفيما عداهما يعيد، أو نسي السّجدتين وعاد إلى القراءة ثمّ ذكر وهو قائم لم يركع سجدهما، فإن لم يذكر حتّى ركع حذف الرّكوع وسجد السجدتين إن كان في الاَُخريين، أو شكّ في السّجدتين أو واحدة منهما قبل أو يقوم سجدهما أو إحداهما، أو شكّ في تسبيح السّجود وهو ساجد أو سها عنه وذكر قبل رفع رأسه سبّح، أو رفع المأموم رأسه من الرّكوع أو السّجود قبل الاِمام ناسياً ثمّ ذكر عاد إليه، أو ترك السّجدة الواحدة وقام ثمّ ذكر قبل الرّكوع، رجع فسجد من أيّ ركعة كانت، فإن لم يذكر حتّى ركع مضى في صلاته وقضاها بعد التّسليم، وكذا إن نسي في كلّ ركعة سجدة واحدة أو نسي التشهّد الاَوّل حتى قام ثمّ ذكر قبل الرّكوع رجع فتشهّد، فإن لم يذكر حتّى ركع مضى وقضاه إذا سلّم بلا تسليم.

وإن نسي التشهد الاَخير حتّى يسلّم ثمّ ذكر، قضاه بتسليم بعده، ومن نسي ركعتين من صلاة اللّيل أو أكثر، ثمّ ذكر بعد أن أوتر صلّى ما نسي وأوتر بعده خرج الوقت أو لا، ومن نسي التشهد في النّافلة وذكر في الرّكوع بعده أسقط ذلك وجلس وتشهّد وسلّم ثمّ استأنف ما كان يصلّي.

وثالثها: ما لا حكم له وذلك أيضاً في ثلاثين موضعاً: من شكّ في شيء وقد انتقل إلى حالة أُخرى؛ كأن شكّ (1)في النيّة أو في تكبيرة الاِحرام وهو في حال القراءة، أو في القراءة وهو في الركوع، أو في الرّكوع وهو في السجود، أو في السّجود وهو قائم، أو في تسبيح الرّكوع أو السّجود وقد ارتفع منه، أو في التشهّد الاَوّل وقد قام إلى الثّالثة، أو سها عن القراءة حتى ركع، أو نسى الجهر أو الاِخفات في موضعيه، أو نسى التّسبيح في الرّكوع أو السّجود حتّى ارتفع، أو نسى رفع الرّأس من الرّكوع، أو الطُّمَأنينة بين السّجدتين، أو زاد سجدة واحدة في أيّ ركعة كانت،


(1) في الاَصل: كأن قد شك.


(83)

أو صلّى إلى يمين القبلة أو شمالها ولم يذكر حتّى يخرج الوقت، أو سها وتواتر سهوه، وقيل: إنّ حدّ ذلك أن يسهو ثلاث مرّات متواليات، (1)أو سها في سهو، أو سها فوضع اليمين على الشّمال، أو قال: «آمين» آخر الحمد، أو التفت إلى ورائه، أو أنّ أَنِيناً بحرفين، أوقهقَه قهقهةً، أو تأَفَّف بحرفين، أو فعل فعلاً كبيراًليس من أفعال الصّلاة مالم يكن من نواقض الطّهارة، أو سها فلم يمكّن جبهته على الاَرض في السّجود، أو سها في النّافلة سوى ما سبق، أو سها الاِمام وقد حفظ عليه المقتدون، أو سها المقتدون وقد حفظ عليهم الاِمام، وإن سها كلّهم أو أكثرهم فيما يوجب الاستئناف أعادوا احتياطاً.

ورابعها: ما يوجب الاحتياط وذلك في خمسة مواضع:

من شكّ فلايدري كم صلّى ثنتين أم ثلاثاً في الرُّباعيّات وقد تساوت ظنونه، بنى على الثّلاث وتمّم، فإذا سلّم صلّى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس، بالحمد وحدها أو ما يقوم مقامها من التّسبيح، فإن كان صلّى أربعاً كانت الرّكعة من قيام أو الرّكعتان من جلوس نافلة، وإن كان صلّى ثلاثاً كان ذلك تمام الصّلاة.

وكذا من شكّ بين الثّلاث والاَربع بنى على الاَربع، وسلّم وصلّى ركعتين من جلوس أو ركعة من قيام.

وإن شكّ بين الثّنتين والثّلاث والاَربع، بنى على الاَربع فإذا سلّم، صلّى ركعتين من قيام، وركعتين من جلوس، فإن كان صلّى ثنتين كانت الرّكعتان من قيام تمام الصّلاة والرّكعتان من جلوس نافلة، وإن كان صلّى ثلاثاً كانت الرّكعتان من جلوس تمام الصّلاة والرّكعتان من قيام نافلة، وإن صلّى أربعاً كان كلاهما نافلة.


(1) ابن حمزة في الوسيلة: 102.


(84)

ومن شكّ بين الثّنتين والاَربع بنى على الاَربع، فإذا سلّم صلّى ركعتين من قيام.

ومن شكّ في النّافلة فلا يدري كم صلّى بنى على الاَقلّ وإن بنى على الاَكثر جاز.

وخامسها: ما يوجب الجبران بسجدتي السّهو وذلك في خمسة مواضع: إن تكلّم في الصّلاة ناسياً، أو سلّم في غير موضعه ناسياً، أو نسى التشهّد الاَوّل حتّى ركع في الثّالثة وقضاه بعد التّسليم، أو نسى سجدة واحدة حتّى ركع فيما بعدها ثمّ قضاها بعد التسليم، أو شكّ بين الاَربع والخمس بنى على الاَربع فإن ذكر أنّه صلّى خمساً أعاد، وفي أصحابنا من قال: تجب سجدتا السّهو في كلّ زيادة أو نقصان على سبيل النّسيان بعد التّلافي. (1)

وتكون سجدتا السّهو بعد التّسليم يكبّر ويسجد ويقول: [فيه] (2) «بسم اللّه وباللّه، السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته» أو غير ذلك من ذكر اللّه تعالى، ثمّ يرفع رأسه بالتّكبير ثمّ يعود إلى السّجدة الثّانية بالتّكبير، ويفعل كما فعل في الاَُولى، ويجلس ويتشهّد تشهّداً خفيفاً، يتضمّن الشّهادتين والصّلاة على النبيّ وآله _ عليهم السَّلام _ ، ويسلّم بعده.

وهما واجبتان فمن تركهما كانتا في ذمّته ويجب عليه الاِتيان بهما ولو بعد حين، لكن لايجب بتركهما إعادة الصّلاة، فمن شكّ فيهما أو في إحداهما قبل الانتقال إلى حالة أُخرى أتى بهما احتياطاً وبعد الانتقال لا، ومن سها سهوين أو أكثر ممّا يوجب سجدتي السّهو سجدهما لكلّ سهو بانفراده احتياطاً، وقيل: ليس عليه أكثر من سجدتين، لاَنّ زيادته يحتاج إلى دليل. (3)


(1) قال في مفتاح الكرامة: 3|315: قيل بوجوبهما لكل زيادة ونقصان ونسبه جماعة منهمالمصنف في التحرير وولده في الاِيضاح إلى الصدوق.
(2) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(3) في «س»: محتاج إلى دليل. ولاحظ المبسوط: 1|123.


(85)

الفصل السادس عشر

صلاة الجمعة لاتصحّ ولاتنعقد إلاّ بحضور السّلطان العادل أو من يأمره هو، واجتماع سبعة نفر وجوباً وخمسة ندباً، وأن يكون بين الجمعتين ثلاثة أميال وهي فرسخ واحد فصاعداً، وأن يخطب خطبتين، ولاتجب إلاّ على كلّ ذكرٍ حرٍّ بالغ، كامل العقل، غير مريضٍ ولا أعمى ولا أعرج، ولا شيخ لا حراك به، ولا مسافر، ولا من بينه وبين مصَلَّى الجمعة ما زاد على فرسخين، (1)ولابدّ أن يكون مسلماً حتّى تصحّ منه العبادة.

والعبد والمسافر والمرأة إذا صلّوها سقط عنهم فرض الظّهر وإن كان لم يجب عليهم ولم ينعقد بهم، (2)والمريض والاَعمى والاَعرج ومن كان على أكثر من فرسخين أو حضروا الجمعة وتمّ بهم العدد وجب عليهم الدّخول فيها وانعقدت بهم وإن كان لم تجب عليهم.

والكافر تجب عليه ولاتنعقد به، لاَنّه مخاطب أي مكلّف بالعبادات، ولايصحّ ذلك منه كافراً.

ومن كان بينهم وبين الجمعة فرسخان إلى فرسخ وفيهم العدد الّذي ينعقد به الجمعة، أقاموها إن شاءُوا أو حضروا البلد للجمعة، فإن لم يكن فيهم العدد لزمهم حضورها مالم تتجاوز المسافة فرسخين؛ فإن تجا وزت فعليهم الظّهر لا غير.

إذا صلّيت الجمعة في موضعين بينهما أقلّ من فرسخ في حالة واحدة بطلتا، وعليهما الجمعة في موضع واحد إن بقي الوقت وإلاّ فالظّهر أربعاً، وإن تقدّمت إحداهما لزمت المتأخّرة الظّهر لا غير، فإن لم تُعلم السّابقة أو لم تتعيّن بطلتا معاً،


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «ولا من بينه وبين من يصلّـي الجمعة ما زاد على فرسخين».
(2) في «س»: ولاينعقد بهم.


(86)

والسّبقة تحصل بمقدار تكبيرة الاِحرام.

والمسافر إذا نوى مقام عشرة أيّام لزمته الجمعة، ومن لزمه الجمعة فصلّى الظّهر عند الزّوال أربعاً لم يجز عن الجمعة، فإن لم يحضرها حتى خرج الوقت قضاها أربعـاً، وإن صلّـى الظّهـر في أوّل الوقـت مَنْ فرضُه الاَربـع منفرداً أو في جماعة ثمّ حضر الجمعة لم يجب عليه الدّخول فيها، والاَفضل الدّخول.

يتعمّم الاِمام ويتردّى بِبُرد يمنيّة أو عدنيّ، شاتياً كان أو قائظاً (1) ولاتصحّ الجمعة من دون الخطبة، ومن شرطها أن يأتي بها قائماً، ويفصل بين الخطبتين بجلسة وقراءة سورة خفيفة، والكلام فيهما وبينهما مكروه غير محظور، ويعتمد على سيف أو عصى أو قوس، فإن خطب جالساً بلا عذر، بطلت صلاة من علم دون من لم يعلم، ومن شرط الخطبة الطّهارة، وأقلّ ما تكون الخطبة حمدُ اللّه تعالى والثّناء عليه والصّلاة على النبيّ وعلى الاَئمّة من آله _ عليهم السَّلام _ ، و الدعاء للموَمنين، والوعظ والاِنذار، وقراءة سورة خفيفة بين الخطبتين، ويقتصد في الخطبة ولايطوّل لئلاّ تفوته فضيلة أوّل الوقت.

يأخذ الاِمام في الخطبة بقدر ما إذا فرغ منها زالت الشّمس، فإذا زالت نزل وصلّى بالنّاس، وإذا أخذ في الخطبة فليس لاَحد أن يصلّي أو يتكلّم بل يصغى إلى الخطبة، ومن دخل في خلال الخطبة لايسلّم، والاَذان يوم الجمعة مرّةواحدة والثّاني مكروه، وأدنى ما يلحق الجمعة أن يدرك الاِمام راكعاً في الركعة الثّانية، فإن وافق تكبيرة الاِحرام حال رفع رأس الاِمام منه فقد فاته الجمعة وعليه الظّهر أربعاً، وإذا أدرك مع الاِمام ركعة صلّى أُخرى إذا سلّم الاِمام.

ويستحب للاِمام الجهر بالقراءة في الجمعة، ويقنت قنوتين: أحدهما في الرّكعة الاَُولى قبل الرّكوع، والآخر في الثانية بعد الرّكوع، ومن صلّى يوم الجمعة


(1) من القيظ وهو شدّة الحرّ، والمراد انّه يلبس العمامة والرداء في الصّيف والشّتاء.


(87)

أربعاً يستحبّ له الجهر أيضاً، ولابأس أن يُجمَّع الموَمنون في زمان التّقيّة بحيث لا ضرر عليهم فيصلّوا جماعة بخطبتين ركعتين، وأبى ذلك صاحب المراسم، (1) وأراه آخذاً بزمام الاحتياط.

ومن وكيد السّنن غسل يوم الجمعة، ووقته من طلوع الفجر إلى الزّوال، وكلّما قرب من الزّوال كان أفضل، فإن فاته قضاه بعد الزّوال أو يوم السّبت، وإذا خاف فقد الماء قدّمه يوم الخميس.

ويستحبّ تقديم النّوافل للظّهر والعصر يوم الجمعة خاصّة قبل الزّوال، وأن يزاد فيها أربع ركعات، ويجمع بين الفريضتين بلا توسّط أذان بينهما، وإن صلّى ستّ ركعات من النّوافل بين الفرضين جاز، فإن لم يتّفق تقديمها أخّرها إلى بعد العصر، فإنّ الجمع بين الفرضين في أوّل الوقت [كان] (2)أفضل على كلّ حال، ويحرم البيع يوم الجمعة حين يقعد الاِمام على المنبر بعد الاَذان على من وجبت عليه الجمعة خاصّة.

الفصل السابع عشر

يكره تعلية المساجد بل تبنى جُمّاً (3)وسطاً، ويكره أن تكون مظلّلة، ويستحب أن تكون مكشوفة، ولايجوز أن تكون مزخرفة أو مذهّبة أو مصوّراً عليها، ولا تعلى المنارة على حائط المسجد، وتكره المحاريب الدّاخلة في الحائط، ولايجوز نقض المسجد إلاّ إذا استهدم، ولايوَخذ شيء منه في ملك ولا في طريق، ويكره أن


(1) سلاّر: المراسم: 261.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في الاَصل.
(3) أي بلاشرفة. قال في مجمع البحرين: وفي الحديث: انّ المساجد لاتشرف تبنى جماً، أي لاتشرف جدرانها.


(88)

يتّخذ طريقاً، ويُجنَّب البيع والشّراء، والمجانين والصّبيان، وإقامة الحدود، وإنشاد الشّعر والضّالّة ورفع الاَصوات، وعمل الصّنائع، ويكره سلّ السّيف فيه.

ولايجوز إزالة النّجاسة فيه، ولا دخول مشرك فيه ذمّيّاً كان أو غيره، ولايبصق ولايتنخّم فيه، ولايقصع القمل (1) ولاتكشف العورة، ولايدخله من أكل الثّوم والبصل ونحوهما نيّاً حتّى تزول رائحته، ويكره النّوم فيه، ولايجوز الدّفن فيه، ومن أراد دخوله تعاهد نعله احترازاً من النّجاسة ويقدّم الرّجل اليمنى على اليسرى، وإذا خرج فبالعكس.

الفصل الثامن عشر

الجماعة فيما عدا الجمعة من الفرائض سنّة موَكّدة، وأقلّ من تنعقد به اثنان، ولا تنعقد إلاّ بتقديم الاَذان والاِقامة، وقيل: إنّ ذلك من الفضل دون الوجوب، (2) ولاينبغي أن يترك الجماعة مختاراً، ولايجوز أن يقف المأموم قدّام الاِمام، ومن كان بينه وبين الصّفوف حائل يمنع من مشاهدتها لم يجز له الاقتداء، وينبغي أن يكون بين الصّفّين مربض غنم، ويكره وقوف الاِمام في المحراب الدّاخل في الحائط، ولايجوز أن يكون الاِمام على مثل دكّة عالية أو سقف والمقتدون أسفل منه، ويكره أن يقف المأموم وحده وفي الصّفوف فرجة.

ويجب أن يكون الاِمام موَمناً معتقداً للحقّ من القول (3)بالتّوحيد والعدل والنّبوّة وإمامة الاثني عشر _ عليهم السَّلام _ والبراءة من أعدائهم، وأن يكون عدلاً


(1) القصع: قتل الصوَاب والقَمْلة بين الظفرين.لسان العرب.
(2) الشيخ: الخلاف كتاب الصلاة، المسألة 28 من مسائل مواقيت الصلاة. والمرتضى: الناصريات، المسألة 65.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: يوَمن.


(89)

مرضيّاً، ولايجوز إمامة المخالف في شيء من ذلك ولا الموافق إذا لم يكن عدلاً مرضيّاً، ومن صلّى خلف إمام ثمّ تبيّن أنّه كان فاسقاً أو كافراً لم يجب عليه الاِعادة ولا عليهما إذا تابا.

ويقدّم في الجماعة أقرأهم، ويعتبر في القراءة ما يحتاج إليه في الصّلاة، فإن تساووا فأفقههم، فإن تساووا فأشرفهم، فإن تساووا فأقدمهم هجرة، فإن تساووا فأسنّهم(1) في الاِسلام، وإن تساووا فأصبحهم وجهاً، والهاشميّ المستجمع للصّفات أولى من غيره.

ولا يجوز أن يوَمّ أُميٌّ بقارىء، ولا عبد بحرّ، ولا أعرابيّ بمهاجر، ولا مقيّد بمطلق، ولا قاعد بقائم، ولا مجذوم ولا أبرص و لامحدود ولا مفلوج بمن ليس كذلك ويجوز بمثلهم، ولايجوز إمامة ولد الزّنا، ولا عاقّ والديه، و لاقاطع رحم، ولاسفيه، ولا أغلف، ولا أن توَمّ امرأة بخنثى ويجوز بالعكس، ويجوز أن يوَم الاَعمى بالبصير إذا كان معه من يوجّهه إلى القبلة.

ويكره الاقتداء بمن يبدّل حرفاً بحرف ولا يأتي بالحروف على البيان و الصحّة أو لا يفصح بالقراءة لعُجمة أو غيرها، أو يلحن في القراءة؛ إذا لم يحسن إصلاح لسانه، فإن أحسن وتعمّد اللّحن بطلت صلاته وصلاة من اقتدى به إن علموا بذلك، فإن لم يعلموا فلا شيء عليهم، ولايتقدّمن أحد على غيره في مسجده ولا في منزله ولا في إمارته إلاّ بأمره وإذنه.

ويكره للرّجل أن يصلّي بقوم وهم له كارهون، ويكره أن يوَمّ المتيمّم بالمتوضّىء، والمسافر بالحاضر، فإن فعل فإنّه إذا أتمّ صلاته يقدّم من يصلّي بهم تمام الصّلاة، ولايمكّن الصّبيان والعبيد من الصفّ الاَوّل. وإذا (2)صلّي في مسجدٍ


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: فأسبقهم.
(2) في الاَصل: فإذا.


(90)

جماعةً كره أن يصلّـى تلك الصّلاة فيه دفعة أُخرى جماعة، فإن حضر قوم صلّوها فرادى، وروي: أنّه يجوز إلاّ أنّهم لايوَذّنون ولايقيمون مالم تنفضّ الصّفوف؛ فإذا انفضّت (1) أذّنوا وأقاموا ثمّ صلّوها جماعة.

ويجوز أن يأتمّ المتنفّل بالمفترض وأن يَوَمّ به، اختلف الفرضان أو اتّفقا؛ كمن صلّى وحده ثمّ ائتمّ بغيره أو أمّ به معيداً تلك الصّلاة ثانية تطوّعاً، ويجوز أن يقتدي الموَدّي بالقاضي وإن اختلف الفرضان، ولايجوز لمن لم يصلّ الظّهر أن يصلّي مع الاِمام العصر، فإن صلّى ظهره مع عصر الاِمام جاز، ولايجوز الاقتداء بمن اقتدى بغيره.

وإن صلّى اثنان كلّ واحد منهما على عزم أنّه مأموم بطلت صلاتهما، وعلى عزم أنّه إمام صحّت، ومن فارق الاِمام لا لعذر بطلت صلاته، فإن فارقه لعذر وتمّم صحّت صلاته.

من كبّر تكبيرة الاِحرام قبل الاِمام لم يصحّ ووجب عليه أن يقطعها بتسليمةٍ ثمّ يستأنف الصّلاة معه أو بعده بتكبيرة الاِحرام، ولايجوز أن يقرأ خلفه سواء كانت الصّلاة يُجْهَر فيها بالقراءة أو لا يجهر؛ بل ينصت إلى القراءة فيما يجهر ويسبّح اللّه مع نفسه فيما لا يجهر، وروي استحباب قراءة الحمد وحدها فيما لايجهر فيه، (2) وإذا خفي قراءة الاِمام على المأموم فيما يجهر قرأ لنفسه؛ فإن سمع همهمة فهو بالخيار، وإذا صلّى خلف من لايقتدى به متّقياً أجزأه (3)من القراءة كحديث النّفس، وإن قرأ الحمد وحدها جاز، وإن قرأ الاِمام سجدة العزائم ولم يسجد أومأ هو بالسّجود.


(1) في الاَصل: مالم تنقضّ الصّفوف فإذا انقضّت. لاحظ الوسائل:5 ب65 من أبواب صلاة الجماعة.
(2) نفس المصدر : ب31، من أبواب صلاة الجماعة، ح15.
(3) في الاَصل: اجزأته.


(91)

ومن أدرك من الرّكوع مع الاِمام مقدار أن يسبّح تسبيحة فقد أدرك تلك الرّكعة، فإن خاف فوت الرّكوع أجزأه تكبيرة واحدة للافتتاح والركوع وينوي به الافتتاح لا غير، ولابأس أن يأتي ببعض التّكبير منحنياً، ومن خاف فوت الركوع أحرم وركع ومشى في ركوعه حتّى يلحق بالصّفّ، والاَفضل أن يسجد موضعه ثمّ يلحق معه في الرّكعة الثّانية.

من فاته ركعة مع الاِمام جعل ما يلحق معه أوّل صلاته، فإذا سلّم الاِمام قام فتمّم ما فاته، ويقرأ مع الاِمام الحمد وسورة إن أمكن وإلاّ فالحمد وحدها.

وإذا جلس لا في وقت جلوسه مع الاِمام حَمدَ اللّه وسبّحه، ويستحبّ للاِمام أن يُسمع من خلفه التّكبيرات كلّها، وقول: سمع اللّه لمن حمده، والشّهادتين، ولا يجوز للمأموم أن يرفع رأسه من الرّكوع أو السّجود قبل الاِمام؛فإن فعله ناسياًعاد إليه، وإن كان عامداً لم يَعُدْ بل يقف حتّى يلحقه الاِمام، هذا للمقتدي، وغير المقتدي لا يجوز له العود مطلقاً.

إذا حدَثَ الاِمام حدثٌ يجب أن يستخلف غيره ليتمّم الصّلاة بهم، ويستحبّ أن لايستخلف إلاّ من شهد الاِقامة، فإن استخلف من فاته بعض الصّلاة صلّى بهم تمام صلاتهم، ويومىء إليهم ليسلّموا ويقوم هو فيتمّم صلاة نفسه، وإذا مات الاِمام فجأةً نُحِّى عن القبلة من غير أن يباشر جسمه، ويُقدّم من يتمّم بهم الصّلاة.

ولا يجوز الجماعة في النّوافل إلاّ صلاة الاستسقاء، ولايبرح الاِمام مكانه حتّى يتمَّ صلاته من فاته شيء منها.


(92)

الفصل التاسع عشر

يجب التّقصير في الصّلاة والصّوم في كلّ سفر بلغ ثمانية فراسخ، بريدين، أربعة وعشرين ميلاً، إلاّ إذا كان السّفر معصية فإنّه لايجوز فيه، وذلك مثل اتّباع السّلطان الجائر في طاعته من غير ضرورة، وطلب الصّيد لللّهو والبطر لا لنفقة العيال، فأمّا للتّجارة فروي: أنّه يتمّ الصّلاة ويفطر الصّوم، (1)وإذا كانت المسافة أربعة فراسخ (2) وأراد الرّجوع من يومه قصّر، وإن لم يرد ذلك وكان أربعة فصاعداً ولم يبلغ الثّمانية فهو مخيّر بين الاِتمام والتّقصير في الصّلاة دون الصّوم، وإن نقص عن أربعة لم يجز التّقصير في الصّلاة أيضاً، ومع ما ذكرنا لا يجوز التّقصير إلاّ بعد أن يخرج ويتوارى عنه جدران بلده، أو يخفى عليه أذان مصره، والمسافة في البحر كهي في البرّ في ذلك، وإذا ردّت الرّيح السّفينة فوقفت لذلك كان الفرض التّقصير، لاَنّه لم ينوِ المقام.

المكاري والملاّح والرّاعي والبريد والبدويّ، والّذي لم يكن له دار مقام، والوالي الّذي يدور في ولايته، والّذي يدور في جبايته، والدّائر في تجارته من سوق إلى سوق، ومن كان سفره أكثر من حضره، لايجوز لهوَلاء التّقصير إلاّ إذاكان لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام؛ فحينئذٍ يجب التّقصير، وإن كان مقامهم في بلدهم خمسة أيّام قصروا الصّلاة بالنّهار وتمّموها باللّيل، ولايحتاج إلى نيّة التّقصير، بل ينوي فرض الوقت فحسب.

ومن خرج بنيّة السّفر ثمّ بدا له وهو في الصلاة تمّم، وإذا خرج من منزله وقد دخل وقت الصّلاة وجب عليه التّمام إذا بقي من الوقت ما يفي به، فإن تضيّق


(1) جامع الاَحاديث: 7|61، ب13 من أبواب صلاة المسافر.
(2) في «س»: أربع فراسخ.


(93)

الوقت قصّر، وكذا إذا قَدِمَ وقد بقي وقت التّمام تمّم وإلاّ قصّر.

قال المرتضى _ رضي الله عنه _ (1) الاَظهر أنّه يصلّي بحسب حاله وقت الاَداء فيتمّم الحاضر ويقصّر المسافر ماداما في وقت من الصّلاة وإن كان أخيراً، فإن خرج الوقت لم يجز إلاّ قضاوَها بحسب حاله عند دخول أوّل وقتها، ومن دخل عليه الوقت وهو مسافر فنوى المقام قبل خروج الوقت لزمه. وكلّ من تعلّق عزمه بعزمه التّمام؛ فإن غيّر نيّته عن المقام بعد أن صلّى على التّمام ولو واحدة لم يجز له التّقصير إلاّ بعد الخروج، وإن غيّر نيّته قبل أن يصلّي شيئاًعلى التّمام قصّر ما بينه وبين شهر، فإذا مضى شهر لم يجز له التّقصير ولو صلاة واحدة.

ومن دخل في الصّلاة بنيّة القصر ثمّ عنّ (2)له المقام عشراً تمّم، وكذا إذا دخل بنيّة المقام [عشراً] (3)ثمّ عنّ له الخروج تمّم لاغير.

إذا مال في سفر التّقصير إلى الصّيد لهواً أو بطراً تمّم إلى أن يعود إلى السّفر.

إذا مرّ في طريقه بضيعة له أو ملك له أو حيث له فيه قرابة فنزل ثمّ طرح ولم ينوِ المقام، فإن كان قد استوطنه ستّة أشهر فصاعداً تمّم وإلاّ قصر.

إذا خرج في طلب غريم هرب أو عبد آبق على عزم أن يرجع حيث يجده لم يقصّر، لاَنّه شاكّ في المسافة مالم يَسِـرْها، فإذا بدا له الرّجوع عن بعض الطّريق كان في حكم سفر مستأنف ويعتبر المسافة.

ومن خرج إلى مسافة فرسخ بنيّة أن ينتظر الرّفقة ولم ينوِ المقام قصّر إلى شهر ثمّ تمّم، فإن عنّ لبعضهم حاجة في البلد فعاد إليه قصّر في الطّريق، فإذا حضر


(1) في المصباح لاحظ المختلف: 3|119 من الطبع الحديث.
(2) عنَّ: عرض.لسان العرب.
(3) مابين المعقوفتين ليس في الاَصل.


(94)

بلده (1) وحضرت الصّلاة تمّم لاَنّه في مقامه وإن أراد الخروج بلا فصل، وإن عاد في طريقه إلى بلد غير بلده وكان قد نوى فيه مقام عشرة لحاجة، قصّر فيه لاَنّه لم يعد إلى وطنه، ومن أتمّ في السّفر ناسياً ثمّ علم (2)به لم تلزمه الاِعادة إلاّ إذا بقي الوقت، وإن أتمّ متعمّداً أعاد إلاّ إذا لم يكن عالماً بوجوب التّقصير.

من قصّر مع الجهل بجواز التّقصير بطلت صلاته، لاَنّه صلّى صلاة على غير بصيرة من صحّتها، ومن سافر إلى بلد له طريقان: أحدهما فيه مسافة التّقصير دون الآخر، فسلك الاَبعد لغير غرض لزمه التّقصير (3)لاَنّ ما دلّ على وجوب التّقصير عامٌّ، وقال ابن البرّاج: لم يقصّر. (4)

ويستحبّ الاِتمام في السّفر في أربعة مواطن: مكّة، والمدينة، و مسجد الكوفة، والحائر، وروي: في حرم اللّه وحرم الرّسول وحرم أمير الموَمنين ـعليه السّلامـ وحرم الحسين _ عليه السَّلام _ (5)فعلى هذه الرّواية يجوز الاِتمام خارج المسجد بالكوفة وبالنّجف، وعلى الاَوّل لايجوز إلاّ في نفس المسجد.

وقال المرتضى _ رضي الله عنه _ : لاتقصير في مكّة ومسجد الرّسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومشاهد الاَئمّة القائمين مقام الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ . (6)

ويستحبّ للمسافر أن يعقِّب كلّ فريضة «سبحان اللّه و الحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر» ثلاثين مرّة جبراناً للصّلاة.


(1) كذا في «س» ولكن في الاَصل: فإذا دخل بيته وحضرت....
(2) في الاَصل: وعلم.
(3) في الاَصل: لزمه القصر.
(4) المهذّب: 1|107.
(5) لاحظ الوسائل: 5 ب 25 من أبواب صلاة المسافر ح1.
(6) رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الثالثة: 47.


(95)

الفصل العشرون

يجب التقصير في الصّلاة عند الخوف من العدوّ سفراً كان أو حضراً، وقيل: لايقصّر إلاّ بشرط السّفر.

إذا كان العدوّ في غير جهة القبلة بحيث لايتمكّن من الصّلاة إلاّ أن يستدبر القبلة، أو يكون على يمينها، أو شمالها، ولايأمن المسلمون مكرهم، وخافوا إن يتشاغلوا بالصّلاة هجموا عليهم، وكان في المسلمين كثرة بحيث يمكن أن تُقاوم فرقة منهم (1) العدوّ؛ فحينئذٍ يفرّقها الاِمام فرقتين إحداهما توازي العدوّ والاَُخرى يصلّون معه، فإذا قاموا إلى الثانية طوّل الاِمام قراءته وهم يتمّمون الصّلاة وينوون الانفراد بها ويسلّمون ويمضون إلى العدوّ، وتجيء الفرقةالاَُخرى ويصلّي بهم الاِمام الرّكعة الثّانية، ويطوّل التشهّد حتّى يتمّوا (2)صلاتهم فيسلّم بهم.

وإن كانت صلاة المغرب صلّى بأيّ الفرقتين شاء من الاَُولى والاَُخرى ركعة، وبالثّانية ركعتين، وأن يصلّي بالاَُولى ركعة وبالثانية ركعتين فأفضل. (3)

وينبغي أن يكون سلاحهم الّذي يصلّون معه خالياً من النّجاسة إلاّ ما لا يتمّ الصّلاة فيه منفرداً؛ كالسّيف والسّكّين والقوس والسّهم والرّمح، فإن صلّى الاِمام مرّتين بالفرقتين وتكون الاَُخرى نفلاً له جاز.

إذا سها الاِمام في الرّكعة الاَُولى بما يوجب سجدتي السّهو كان عليه وعلى الفرقة الاَُولى سجدتان، وإن سها في الثانية كان عليه وعلى الفرقة الثّانية، وإن سهت الفرقتان فيما انفردوا به فعليهم دون الاِمام.


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: كلّفرقة منهم.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: يتممّوا.
(3) كذا في «س» ولكن في الاَصل: وأن يصلّي بالاَُولى ركعة أفضل.


(96)

إذا صلّى كلّ واحد منهم منفرداً بلا جماعة بطل حكم التّقصير إلاّ في السّفر.

إذا اشتدّ الخوف فلم يتمكّنوا من الصّلاة كذلك صلّى كلّ واحد منهم إيماءً بحسب الاِمكان راكباً كان أو ماشياً، فإن لم يمكنه استقبال القبلة استقبلها بتكبيرة الاِحرام، ويسجد على الاَرض أو على قربوس سرجه إن أمكن، وإلاّ فبالاِيماء يكون سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يمكنه الاِيماء أجزأه عن كلّ ركعة مرّةً «سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر».

ومن صلّى مع شدّة الخوف ركعة ثمّ أمِنَ نزل وتمّم صلاته على الاَرض إن لم يستدبر القبلة، فإن استدبرها استأنف، وكذا إن صلّى ركعة على الاَرض آمناً فلحقه شدّة الخوف ركب وتمّم إيماءً، ويجوز صلاة شدّة الخوف إذا خاف من سيل يلحقه، أو عدوّ يأخذه، أو سبع يفترسه، ولم يقدر على التحرّز منه.

إذا رأى سواداً فظنّ أنّه عدوّ فصلّى صلاة شدّة الخوف ثمّ تبيّن أنّه لم يكن عدوّاً فلا إعادة عليه.

إذا كان العدوّ في جهة القبلة لايسترهم شيء، ولايُخاف من جنبتهم وبالمسلمين كثرة فلا صلاة خوفٍ، ويجوز أن يصطفّ المسلمون خلف الاِمام صفّين فيركعوا جميعاً، ثمّ يسجد الاِمام مع الصفّ الاَوّل، والصفّ الاَخير قيام يحرسونه، فإذا فرغوا من السجود سجد الصفّ الاَخير، ثمّ يتأخّر الصفّ الاَوّل ويتقدّم [أوّل] (1)الاَخير إلى مقام الاَوّل، ثمّ يركع الاِمام مع الصفّين، ثمّ يسجد مع الصفّ الّذي يليه، والصفّ الاَخير قيام يحرسونه، فإذا جلس الاِمام والصفّ الاَوّل، سجد الاَخير، ثمّيسلّم بهم جميعاً.


(1) ما بين المعقوفتين موجود في «س».


(97)

الفصل الحادي والعشرون

راكب السّفينة يستقبل القبلة ويدور مع السّفينة كيف ما دارت متوجّهاً إليها، فإن تعذّر استقبلها بتكبيرة الاِحرام ثمّ صلّى كيف ما دارت، فإن لم يتمكّن من الصلاة قائماً صلّى جالساً، فإن لم يجد ما يسجد عليه وكان خشب السّفينة مقيّراً غطّاه بثوب وسجد عليه، فإن لم يجد سجد على القير وقد أجزأه، والنّافلة تُصلّى إلى صدر السّفينة إذا عجز عن التوجّه. (1)

الفصل الثاني والعشرون

من زال عقله بجنون أو إغماء سقط عنه فرض ما تقضّى وقته دون ما أفاق في وقته، والمريض الثّابت العقل يصلّي قائماً، فإن عجز اعتمد على عصا أو حائط، فإن عجز صلّى جالساً، والاِنسان على نفسه بصيرة، وروي: أنّه إذا لم يقدر على الوقوف أو المشي مقدار زمان صلاته، صلّى جالساً، فإن صلّى جالساً وقدر أن يقوم فيركع فعل، فإن لم يقدر على السّجود، رفع إليه ما يسجد عليه، فإن عجز عن الصّلاة جالساً صلّى مضطجعاً على يمينه ويسجد، فإن عجز عن السّجود أومأ به، فإن لم يتمكّن من الاضطجاع فمستلقياً إيماء؛ يغمض عينيه للرّكوع وللسّجود ويفتحهما للارتفاع، فإن عرض له في أثناء الصّلاة تمكّنٌ أو عجز عمل على مقتضاه بانياً على ما سبق منه، [و] (2)من عجز عن الوقوف لقراءة سورة طويلة لمرض أو ضعف جاز أن يقعد، سواء كان منفرداً أو مع الاِمام، وإذا صلّى المريض جالساً جلس لما عدا التشهد متربّعاً أو مفترشاً، وللتشهد متورّكاً، والمريض في


(1) في «س»: من التوجّه.
(2) ما بين المعقوفتين موجود في «س».


(98)

السّفر يصلّي الفرض على ظهر الدّابّة حسب الطّاقة إن لم يقدر على النّزول.

إذا حدث بالمبطون وهو في الصّلاة ما ينقض وضوءه أعاد الوضوء وبنى على صلاته، وكذلك سلس البول إذا استبرأ، نُدِبَ إلى لفّ خرقة على ذَكَرِه لئلاّ تتعدّى النّجاسة، ولايلزمه تجديد الوضوء عند كلّ صلاة.

والمقيّد والاَسير في الكفّار والمصلوب، يصلّون إيماءً إذا عجزوا عن شرائط الصّلاة، وإذاتضيّق وقت الصّلاة على الموتحل (1)والغريق والسّابح ولم يتمكّنوا ممّا يصلّون عليه أو فيه صلّوا إيماءً؛سجودهم أخفض من ركوعهم، مستقبلي القبلة (2)مع الاِمكان، والعريان إذا فقد ما يستر به عورته من ثوب أوحشيش أو غيره (3)وكان وحده آمناً من اطّلاع بشرـ صلّى قائماً، وإن لم يأمن ووجد نقباً صلّى فيه قائماً، وإلاّ فجالساً، وإن كانوا جماعةً عراةً وأرادوا الجماعة صلّوا من جلوس صفّاً واحداً لايتقدّمهم الاِمام إلاّ بركبتيه، ويكون ركوعه وسجوده إيماءً؛ سجوده أخفض من ركوعه، والمقتدون يركعون ويسجدون على الاَرض جلاّساً، ولايمكن أن تصلّي معهم النّساء إلاّ خلف (4)حائل أو منفردين.

الفصل الثالث والعشرون

من فاته صلاة لم يكن مخاطباً بها، كالمجنون، والمغمى عليه، والزّائل العقل بسببٍ من اللّه تعالى، لم يلزمه قضاوَها إلاّ إذا أفاق وقد بقي من وقتها مقدار أدائها أو مقدار ركعة منها، ويستحبّ له قضاء ثلاثة أيّام، وأقلّه يوم وليلة، وكافر الاَصل لايلزمه أيضاً قضاء ما فاته في حال كفره.


(1) استوحل المكان: صار ذا وحل، وهو الطّين الرّقيق.المصباح المنير.
(2) في الاَصل: «الكعبة» بدل «القبلة».
(3) في الاَصل: وغيره.
(4) في «س»: مع حائل.


(99)

وأمّا من كان كامل العقل، بالغاً، وعلى ظاهر الاِسلام أيّ نحلة كانت، فإنّه يجب عليه قضاء ما فاته بمرض (1)أو كسل أو سكر أو تناول مرقد أو نوم، وإذا استبصر مخالف الحقّ لم يجب عليه إعادة ما صلاّه قبل استبصاره، ووقت الصّلاة الفائتة وقتُ ما ذكرها (2)مالم يتضيّق وقت فريضة حاضرة، ومتى شرع في الفريضة الحاضرة في أوّل وقتها ثمّ ذكر أنّ عليه فائتة، عدل بنيّته إلى الفائتة ثمّ استأنف الحاضرة، وينبغي أن يقضى الفوائت كما فاتته أوّلاً فأوّلاً، فإن خالف لم يُجـزِه، (3) فإذا تضيّق وقت الحاضرة قطع الفائتة وصلّى الحاضرة، وإن صلّى الحاضرة في أوّل الوقت قبل علمه بأنّ عليه فائتة أجزأته؛ وبعد علمه فلا يجزئه، ومن فاتته صلاة واحدة من الخمس ولايدري أيّها هي؟ صلّى أربعاً وثلاثاً وثنتين، ينوي بالاَربع إمّا الظّهر أو العصر أو العشاء الآخرة، وبالثّلاث المغرب، وبالثّنتين الغداة، وقال صاحب الغنية: من فاتته صلاة من الخمس غير معلومة له بعينها لزمه أن يصلّي الخمس بأسرها وينوي لكلّ صلاة منها قضاء الفائتة؛ بدليل الاِجماع وطريقة الاحتياط. (4)

من فاتته صلاة بعينها مرّات ولايحصيها صلّى إلى أن يغلب على ظنّه أنّه أتى عليها أو زاد، فإن لم يعلمها بعينها صلّى في كلّ وقت من كلّ صلاة إلى أن يغلب على ظنّه أنّه قضى ما عليه، ولا يجوز نقل النيّة من النّافلة إلى الفرض، بل يجب استئناف الفائتة، ويقضي في الحضر ما فاته في السّفر مقصوراً، وفي السّفر ما فاته في الحضر تامّاً.


(1) في «س»: لمرض.
(2) في «س»: ما ذكرناها.
(3) في «س» لم يجزئه.
(4) ابن زهرة: الغنية المطبوع في ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة: 4|561.


(100)

ومن وجب عليه صلاة وأخّرها عن وقتها حتّى مات قضاها عنه وليّه كما يقضى عنه حجّة الاِسلام والصّيام ببدنه، وإن تصدّق بدله عن كلّ ركعتين بمدّ أجزأهُ، فإن لم يقدر فلكلّ أربع مدّ، فإن لم يقدر فمدّ لصلاة النّهار ومدّ لصلاة اللّيل، والصّلاة أفضل، هكذا ذكره المرتضى _ رضي الله عنه _ في العليل (1)وصاحب الغنية عاماً، لايقال: كيف يكون فعل الوليّ تلافياً لما فرّط فيه المتوفّى وكان متعلّقاً في ذمّته وليس للاِنسان إلاّ سعيه وقد انقطع بموته عمله؟! لاَنّا نقول: إنّ اللّه تعالى تعبّد الولي له بذلك، والثّواب له دون الميّت، وسمّى به قضاء عنه من حيث حصل عند تفريطه، وتعويلنا في ذلك على إجماع الفرقة المحقّة وطريقة الاحتياط، (2) وممّا يمكن التمسّك به في ذلك عموم قول النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : فَدَيْنُ اللّه أحقُّ أن يقضى. (3)

المرتدّ الّذي يستتاب يقضي ما فاته من الصّلاة والصّوم والحجّ والزّكاة في حال الردّة وقبلها إذا تاب، وكذا إذا أخلّ العاقل بعبادة ثمّ زال عقله ببلاء من اللّه تعالى يجب عليه قضاء ذلك إذا أفاق، فإن لم يفق وجب على وليّه. ومن ترك الصّلاة وقال: لا اعتقد وجوبها عليّ، فهو مرتدّ يجب قتله، وإن قال: هي واجبة إلاّ أنّي (4) ما فعلتها لكسل أو نحوه، أُنكر عليه وأُمر بالقضاء. فإن لم يفعل عزّر، وإن ترك ثلاث صلوات عزّر ثلاث مرّات واستتيب في الرّابعة؛ فإن تاب وإلاّ قتل، ويجري عليه حكم المسلم لا المرتدّ.

ومن فاته شيء من النّوافل المرتّبة في اليوم واللّيلة قضاه متى شاء مالم يكن


(1) جمل العلم والعمل المطبوع في ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة: 3|182، ورسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة: 39.
(2) ابن زهرة: الغنية المطبوع في ضمن سلسلة الينابيع الفقهية: 4|562.
(3) مستدرك الوسائل: 8|26، ب18 من أبواب وجوب الحجّ، ح3، وبحار الاَنوار: 85 |316 هذا نصّ الحديث: «فَدينُ اللّه أحقُ بالقضاء».
(4) كذا في الاَصل، ولكن في «س»: «لكن» بدل«إلاّ انّي».


(101)

وقت فريضة [حاضرة] (1)وإن كانت كثيرة ولم يتمكّن من قضائها تصدّق عن كلّ ركعتين بمدّ من الطّعام، (2)وإلاّ فعن كلّ يوم بمدّ ليحوز به فضلاً، ويجوز قضاء صلاة اللّيل متى شاء ولو بعد الغداة أو العصر، ومن فاتته صلاة الجمعة قضى الظّهر أربعاً.

الفصل الرابع والعشرون

يجب ركعتا الطّواف خلف مقام إبراهيم _ عليه السَّلام _ يقرأ في الاَُولى بعد الحمد الاِخلاص وفي الثّانية الجحد ندباً، فإن نسيها صلاّها ثمّ يعيد فإن لم يتمكّن من الرّجوع إليه صلاّها حيث يذكر.

الفصل الخامس والعشرون

ومن نذر صلاة على صفة أو في مكان أو زمان مخصوص لزمه فعلها على ما نذر، فإن خالف لم يجزه (3)ولزمه الاِعادة، وإن كان ما علّقها به من الزّمان لا مثل له فأخلّ بها فيه مختاراً لزمه الكفّارة على ما سيأتي.

الفصل السادس والعشرون

صلاة العيدين لا تجب إلاّ على من تجب عليه الجمعة، وشروطها شروطها، ولاقضاء فيها، ومن لم يحضر لمنع، صلاّها في منزله سُنَّةً كما يصلّي مع الاِمام، وروي جواز أن يصلّيها أربعاً، (4)والغسل فيه ندب، ووقتها عند انبساط الشّمس إلى


(1) ما بين المعقوفتين ليس في الاَصل.
(2) في الاَصل: «من طعامٍ».
(3) في «س»: لم يجزئه.
(4) لاحظ الوسائل: 5|99، ب5 من أبواب صلاة العيد، ح2.


(102)

زوالها و تفوت (1)إذا زالت، ووقت الغسل بعد طلوع الفجر إلى أن تصلّى صلاة العيد، ويأتي بصلاة الفطر في أوائل الوقت ندباً بخلاف الاَضحى، ويَطْعَم قبل صلاة الفطر حلاوةً بخلاف الاَضحى فإنّه يطعم بعد الصّلاة فيه من الشّواء (2) لاقبلها، وهي في الصّحراء أفضل مع الاِمكان إلاّ بمكّة فإنّه يصلّى في المسجد الحرام، ويتعمّم الاِمام شاتياً أو قائظاً، ويخرج حافياً على سكينة ووقار غير راكب مع التمكّن ندباً، والاَذان والاِقامة فيهما (3)بدعة بل يقول الموَذّن: الصّلاةَ؛ثلاثاً، ولايسجد إلاّ على الاَرض ندباً، ولايصلّى يوم العيدين (4)بل الزوال نافلة لا ابتداءً ولا قضاءً إلاّ بالمدينة فإنّه يصلّى فيه في مسجد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ركعتين قبل الخروج إلى المصلّـى [ندباً ] (5)وفي المسجد الحرام ندباً.

وإذا اجتمعت صلاة عيدٍ وجمعة في يوم واحد، فمن شهد صلاة العيد سقط عنه فرض الجمعة وكان مخيّراً في حضورها، ويكره السّفر بعد طلوع الفجر في يوم العيد حتّى يصلّي صلاته، والمسافر والعبد نُدِبَ إليهما وإن لم يجب عليهما، ولايجوز الخروج إليها لذوات الجَمال من النّساء دون العجائز.

وهي ركعتان بتسع تكبيرات زائدة فيها على المعتاد في سائر الصّلوات؛ خمس في الاَُولى، وأربع في الثّانية، فيرفع يديه مع كلّ تكبيرة ويقنت ويدعو بعدها في المأثور والقراءة في الاَُولى بعد الحمد سورة الاَعلى، وفي الثّانية والشّمس وضحاها، والتّكبيرات بعد القراءة، ولا يجوز الخطبة فيها إلاّ بعد الصّلاة، ويحثّ الاِمام الناس في الخطبة على الفطرة في الفطر، وعلى الاَضحية في الاَضحى ندباً.


(1) في «س»: ويفوته.
(2) الشواءككتاب بمعنى مشويّ من شويت اللحم شيّاً.مجمع البحرين.
(3) في الاَصل: «فيها».
(4) في الاَصل: يوم العيد.
(5) مابين المعقوفتين ليس في الاَصل.


(103)

ومن حضر صلاة العيد وصلاّها كان مخيّراً في سماع الخطبة، ويخطب على منبر (1) من الطّين ولاينقل من موضعه، ومن نسي التكبيرات حتى يركع مضى ولا شيء عليه، وإن كبّر قبل القراءة ناسياً أعادها بعد القراءة، وإن فعل ذلك تقيّة فلا شيء عليه، وإن شكّ في عددها بنى على اليقين احتياطاً، وإن أدرك مع الاِمام بعضها تمّمها مع نفسه، وإن خاف فوت الرّكوع قضاها بعد التّسليم، ويكبّر في الفطر عقيب أربع صلوات: المغرب، والعشاء الآخرة ليلة الفطر، والغداة، وصلاة العيد، وفي الاَضحى إن كان بمنى عقيب خمس عشرة صلاة: أُولاها الظّهر من يوم النّحر وأُخراها الفجر من رابع النّحر، وفي غير منى عقيب عشرٍ من ظهر يوم النحر إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً، كلّ ذلك ندباً، ومن نسي صلاة منها إلى انقضاء أيّام التّشريق قضاها وكبّر بعدها، ويرجع في صلاة العيد من غير الطّريق الّذي جاء منه ندباً.

الفصل السابع والعشرون

صلاة الكسوف فريضة على الرّجال والنّساء والعبيد والمسافر أيضاً مع التّمكّن؛ عند كسوف الشمس وخسوف القمر والزّلازل المتواترة والرّياح المخوفة والظّلمة الشّديدة، والجماعة فيها ندبٌ، وكذا الاِتيان بها تحت السّماء، ومن تركها متعمّداً وقد احترق القرص كلّه وجب قضاوَها مع غسل، وإن لم يحترق كلّه قضاها بلا غسل، وإن تركها ناسياً وقد احترق القرص كلّه وجب قضاوَها، وإن احترق بعضه فلا قضاء، ووقتها إذا ابتدأ في الانكساف، وإذا ابتدأ في الانجلاء فقد مضى وقتها، وإذا (2)فرغ منها قبل الابتداء في الانجلاء أعادها ندباً، ومن لم يمكنه النّزول من الدّابّة صلّى على ظهرها، ويجوز تقديمها على فريضة الوقت إذا لم يتضيّق وقت


(1) في الاَصل: على المنبر.
(2) في الاَصل: «وإن» بدل «وإذا».


(104)

تلك الفريضة، وقد روي: أنّه يقدّم فرض الوقت على كلّ حال (1) ولايقدم النافلة عليه، وإذا اجتمع صلاة الكسوف وصلاة الميّت بدأ بصلاة الميّت.

وهذه الصّلاة عشر ركعات بأربع سجدات وتشهّد واحد، يفتتح الصّلاة ويقرأ الحمد وسورة ثمّ يركع، فإذا رفع رأسه كبّر وعاد إلى القراءة ثمّ يركع هكذا خمساً، ويقول بعد الخامس: «سمع اللّه لمن حمده» ثمّ يسجد سجدتين، ثمّ يقوم فيفعل كذلك مرّة أُخرى، ويقنت قبل كلّ ركوعين، أعني: قبل الرّكوع الثّاني، ثمّ قبل الرّابع ثمّ السّادس ثمّ الثّامن ثمّالعاشر، وإن اقتصر على القنوت في العاشر جاز، ويجعل مقدار قيامه في الصّلاة مقدار الكسوف، ومقدار ركوعه مقدار قراءته، ويقرأ السّور الطّوال، ويجهر بالقراءة، كلّ ذلك ندباً، (2)فإن قرأ في الاَُولى مع الحمد بعض سورة وأراد قراءة باقيها في الثّانية لم يلزمه قراءة الحمد، فإن أراد قراءة سورة أُخرى قدّم الحمد عليها.

الفصل الثامن والعشرون

يجب الصّلاة على كلّ ميّت مظهرٍ للشّهادتين (3)ومن كان بحكمهم من المجانين والاَطفال الّذين بلغوا ستّ سنين فصاعداً، ويصلّى على من لم يبلغ ذلك ندباً، وهي فرض على الكفاية، وأولى النّاس بالصّلاة على الميّت بعد الاِمام العادل الوليّ أو من يقدّمه الوليّ، ويستحبّ له أن يقدِّمَ هاشميّاً إن حضر، وإذا اجتمع جماعة من الاَولياء فأولاهم به أولاهم بميراثه، فإن كانوا في درجة قدّم الاَقرأ، ثمّ الاَفقه، ثمّ الاَسنّ، فإن تساووا أُقرع بينهم، والوليّ الذّكر أولى من الاَُنثى، والحرّ أولى من المملوك، والزّوج أحقّ بالصّلاة على المرأة من كلّ أحد.


(1) الوسائل: 5|147، ب5 من أبواب صلاة الكسوف، ح1.
(2) كذا في «س» ولكن في الاَصل: ويقرأ السور الطوال كلّ ذلك ندباً ويجهر بالقراءة ندباً.
(3) في«س»: يظهر الشهادتين.


(105)

ويجوز فيها الجماعة والاِفراد، وإذا اجتمع جنازة رجل وصبيّ ابن ستّ سنين وخنثى وامرأة قدّم المرأة إلى القبلة، ثمّ الخنثى، ثمّ الصبيّ، ثمّ الرّجل، ويقف الاِمام عنده، وإن لم يبلغ الصبيّ ستّاً قدّم هو أوّلاً، ثمّ المرأة، والاَفضل أن يصلّي عليهم فرادى، وإذا (1)كان المصلّي اثنين وقف الثّاني خلف الاِمام لا عن يمينه بخلاف الجماعة.

يقف الاِمام حذاء وسط الرّجل وصدر المرأة، ولايبعد عن الجنازة، وإذا لم يوجد ما يستر به الميّت وضع في القبر وغطّيت سوأته بالتّـراب ثمّ يصلّى عليه.

ليس من شرط هذه الصّلاة الطّهارة وإن كانت من فضلها، فإن فاجأته جنازة يتيمّم ندباً، ويجوز هذه الصّلاة من الجنب والحائض بلا غسل، والفضل في أن يتيمّما إن لم يغتسلا، ويتحفّى الاِمام من النّعلين دون الخفّ و الشّمشك، وهذه الصلاة خمس تكبيرات بعدها أذكار وأدعية يرفع يديه بكل تكبير (2)والاَفضل أن يرفعهما إلاّ مع الاَُولى، وإذا فرغ لايبرح حتّى ترفع الجنازة.

من فاته شيء من التّكبيرات أتمها عند فراغ الاِمام متتابعة، وإن رفعت الجنازة كبّر عليها، وإن (3)بلغت إلى القبر كبّر على القبر إن شاء، ومن كبّر قبل الاِمام أعاد معه.

من فاتته الصّلاة على الجنازة جاز أن يصلّي على القبر يوماً وليلة لا غير، ويُكره أن يصلّي الاِنسان على جنازة واحدة مرّتين، وإذا تضيّق وقت فريضة بدىَ بها ثمّ بالصّلاة على الميّت إلاّ أن يخاف ظهور حادثة به.

إذا كبّر الاِمام على جنازة بتكبيرة أو تكبيرتين ثمّ أُحضرت جنازة أُخرى كان


(1) في «س»: وإن.
(2) في الاَصل: بكل تكبيرات.
(3) في «س»: فإن.


(106)

مخيّراً بين أن يتمّ خمس تكبيرات على الاَُولى ثمّ استأنف على الاَُخرى، وبين أن يكبّر خمساً من حيث انتهى إليه، وقد أجزأه عن الصّلاة عليهما، ومتى صلّى على جنازة ثمّ بان أنّها كانت مقلوبة سوّيت وأُعيدت الصّلاة عليها مالم يدفن، وليس في هذه الصّلاة قراءة ولا تسليم.

الفصل التاسع والعشرون

صلاة الاستسقاء ندب عند قلّة المطر والجدب، يأمر النّاس الاِمامُ بصيام ثلاثة أيّام: السّبت والاَحد والاِثنين، أو غيرها من الاَيام إلاّ أنّ الاَفضل ذلك، ثمّ يبرز بهم اليوم الثالث إلى الصّحراء، ويقدّم الموَذّنين ويخرج على أثرهم بسكينة ووقار، ثمّ يصلّي بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة على ترتيب صلاة العيد، ولايصلّي في المسجد إلاّ بمكّة، فإذا فرغ استقبل القبلة وكبّر اللّه مائةً، ثمّ التفت بيمينه فسبّح مائة، ثمّ التفت بيساره (1)فهلّل مائة، ثمّ استقبل النّاس وحمد اللّه مائة، رافعاً بجميع ذلك صوته هو والناس جميعاً، ثمّ يدعو ويخطب بالمأثور.

ويستحبّ إخراج الشّيوخ الكبار، والصّبيان الصّغار، والبُلْهِ، والعجائز دون الشّوابّ، (2) ويخرج البهائم في ذلك، ويكره إخراج أهل الذّمّة.

ويستحبّ للاِمام والمأموم تحويل الرّداء من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين دفعةً واحدة، رجاء أن ينقلب الجدب خصباً، ويجوز الاستسقاء لنضوب(3) ماء العيون والآبار. ومن نذر صلاة الاستسقاء يلزمه الوفاء بنفسه.

واعلم أنّ فيما عدا ما ذكرناه من النّوافل المرغّب فيها، المتعلّقة بالاَوقات والاَحوال كثيرة فالرأي أن نحيل بها على كتب العمل إيثاراً للاختصار.


(1) في الاَصل: ثمّ التفت يمنةً فسبح مائة ثمّ التفت يسرةً.
(2) الشّوابّ جمع شابّة، كدابّة ودوابّ. مجمع البحرين، وفي الاَصل: دون الشوات والبهائم.
(3) نضب الماء ينضب ـ من باب قعدـ نضوباً: إذا غار في الاَرض وسفل. مجمع البحرين.


(107)

كتاب الزّكاة

الزّكاة إخراج بعض المال لينمو الباقي بالبركات ويزيد لصاحبه من الدّرجات، ويُطهَّر هو من الحرام وصاحبه من الآثام. ويحتاج فيها إلى معرفة سبعة أشياء: أقسامها وما يجب فيه، وشرائط وجوبها، وصحّة أدائها، ومقدار الواجب منها، ومَن المستحقّ لها، ومقدار ما يُعطى منها، وأحكام ذلك. (1)

أمّا أقسامها فضربان: مفروض ومسنون.

فالمفروض: زكاة الاَموال وزكاة الرّوَوس.

وزكاة الاَموال تجب في تسعة أشياء: الذّهب والفضّة والخارج من الاَرض من الحنطة والشّعير والتّمر والزّبيب وفي الاِبل والبقر والغنم. ولاتجب في ما عدا ذلك.

وشرائط وجوبها في الذّهب والفضّة: البلوغ، وكمال العقل، وبلوغ النّصاب، والملك له، والتصرّف فيه بالقبض أو الاِذن، وحوَول الحول عليه وهو كامل في الملك لم يتبدّل أعيانه ولا دخله نقصان، وأن يكونا مضروبين دنانير ودراهم


(1) كذا في الاَصل: ولكن في «س»: وأحكامها.


(108)

منقوشين أو سبائك فرّ بسبكها من الزّكاة.

وفي الاَربعة الاَصناف من الغلاّت شرطان: الملك، وبلوغ النصاب.

وفي الاَصناف الثلاثة من المواشي أربعة شروط: الملك والحول والسّوم وبلوغ النّصاب.

وشرائط صحّة أدائها: الاِسلام، والبلوغ، وكمال العقل، والنيّة، ودخول الوقت في أدائها على جهة الوجوب، ومقدار الواجب من الزّكاة.

وأمّا الذّهب فلا شيء فيه (1)حتى يبلغ عشرين مثقالاً، فإذا بلغها وتكاملت الشّروط وجب فيه نصف مثقال، ثمّ لا شيء فيما زاد عليه حتّى تبلغ الزّيادة أربعة مثاقيل، ففيها عُشر مثقال، وهكذا في كلّ عشرين مثقالاً نصف مثقال وفي كل أربعة بعد العشرين عُشر مثقال.

وأمّا الفضّة فلا شيء فيها حتى تبلغ مائتي درهم فإذا بلغها وتكاملت الشروط وجب فيها خمسة دراهم، ثمّلاشيء في الزائد حتى تبلغ أربعين درهماً ففيها درهم واحد، ثمّ على هذا الحساب.

وأمّا الغلاّت فالواجب في كلّ صنف منها إن كان سقيه سيحاً أو بعلاً أو بماء السماء العشر، وإن كان بالغرب والدوالي والنّواضح (2)نصف العشر، وإن كان السقي بالاَمرين معاً كان الاعتبار بالاَغلب من المدّتين فإن تساوى زكى النّصف بالعشر والنصف بنصف العشر، هذا إذا بلغ بعد إخراج الموَن وحقّ المزارع (3)،


(1) في الاَصل: فلا شيء عليه.
(2) المراد بالسيح: الجريان على وجه الاَرض. وبالبعل: ما يشرب بعروقه في الاَرض الّتي تقرب من الماء.والغرب ـ بالغين المعجمة وسكون الرّاء ـ: الدلو العظيم الذي يتّخذ من جلد الثور.والدّوالي جمع دالية وهي الناعورة التي تديرها البقر أو غيرها.والنواضح جمع ناضح وهو البعير يستقى عليه.لاحظ جواهر الكلام: 15| 237.
(3) في «س»: وحقّ الزرّاع.


(109)

خمسة أوسق، والوسق ستّون صاعاً والصاع أربعة أمداد بالعراقي، والمدّ رطلان وربع. وما زاد على النصاب قلّ أو كثر (1)فبحسابه بالغاً ما بلغ.

وأمّا الاِبل فلا شيء فيها حتى تبلغ خمساً، وفيها إذا تكاملت الشروط شاة. وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة، ثلاثة شياه. وفي عشرين أربعة شياه، وفي خمس وعشرين خمس شياه.وفي ست وعشرين، بنت مخاض وهي ما لها حول كامل، وفي ست وثلاثين، بنت لبون وهي التي لها حولان ودخلت في الثّالث.وفي ستَ وأربعين، حقّة وهي التي لها ثلاث أحوال ودخلت في الرّابع.وفي إحدى وستين، جذعة وهي الّتي لها أربعة أحوال ودخلت في الخامس.وفي ستّ وسبعين بنتا لبون وفي إحدى وتسعين حقّتان، وإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين فصاعداً سقط هذا الاعتبار ووجب في كلّ أربعين بنت لبون وفي خمسين حقّة. ولاشيء فيما بين النصابين.

وأمّا الواجب في البقر ففي كلّ ثلاثين، تبيع (2)حولى أو تبيعة وهو الجذع منها. وفي كلّ أربعين مسنّة وهي الثنيّة فصاعداً. ولاشيء فيما دون الثّلاثين ولا فيما بين النصابين، وحكم الجاموس حكم البقر.

وأمّا الواجب من الغنم ففي كلّ أربعين منها شاة.وفي كلّ مائة وإحدى وعشرين، شاتان. وفي مائتين وواحدة، ثلاث شياه. وفي ثلاثمائة وواحدة، أربع


(1) في الاَصل: أم كثر.
(2) قال ابن البراج: وقد ذكر أنّ التّبيع هو الّذي له سنتان، وذُكر أنّ هذا الاِسم لايدلّ على شيء، ذُكر ذلك عن أبي عبيدة، وذَكَرَ غيره أنّه إنّما سمّي بهذا الاسم لاَنّه يتبع أُمّه في المرعى، وذَكَر غير من ذكرناه أنّه الّذي يتبع قرنه أُذنه. وإذا لم يستقرّمن جهة اللّغة في حقيقة التّبيع ما يعتمد عليه في هذا الباب، فانّ المعوَّل على ما ورد في الشّرع، وقد ورد عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّّه قال: «تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة» وفسّر ذلك الباقر والصادق _ عليهما السَّلام _ بالحول. المهذّب: 1|163 ولاحظ الوسائل: 6، ب4 من أبواب زكاة الاَنعام، ح1، وسنن البيهقي: 4|98ـ 99.


(110)

شياه وإذا زادت على ذلك سقط هذا الاعتبار وأخرج عن كلّ مائة، شاة ولا شيء فيما دون الاَربعين ولا في ما بين النصابين، والمأخوذ من الضَّأن الجذع ومن المعز الثنيّ،ولايوَخذ دون الجذع ولايلزم فوق الثنيّ.

وأمّا المستحقون فالفقير الّذي له دون كفايته والمسكين الّذي لا شيء له، وقيل بالعكس منه (1)والعامل عليها السّاعي في جبايتها والمستمال للجهاد والمكاتب والعبد المبتلى بالضرّ والشّدة، ويجوز أن يشترى من مال الزّكاة ويعتق ويكون ولاوَه لاَرباب الزّكاة، والّذي ركبه الدّين في غير معصية،وفي الجهاد وغيره من مصالح المسلمين، كعمارة الجسور والسبّل وفي الحجّ والعمرة وتكفين أموات الموَمنين وقضاء ديونهم.

وأمّا ابن السبيل فهو المنقطع به وإن كان غنيّاً في بلده [وروي أنّه الضّيف النّازل بالاِنسان وإن كان في بلده غنيّاً] (2)ويعتبر فيمن عدا السّاعي في جباية الزكاة والمستمال للجهاد الاِيمان والعدالة، وأن لايكون ممّن يمكنه الاكتساب لما يكفيه، وأن لايكون ممّن يجب (3)على المرء نفقته وهم الاَبوان والجدّان والولد والزوجة والمملوك، وأن لايكون من بني هاشم المستحقّين للخمس المتمكنين من أخذه فإن كان غير متمكّن من أخذه أو كان المزكّي هاشميّاً مثله جاز دفع الزّكاة إليه. (4)

وأمّا أقلّ ما يعطى للفقير الواحد (5)ما يجب في النصاب الاَوّل فإن كان من


(1) الشيخ: المبسوط: 1|246، وابن البراج: المهذّب: 1|169.
(2) مابين المعقوفتين موجـود في الاَصـل. ولاحظ الوسـائـل: 6 |146 ب1 من أبواب المستحقين للزكاة: ح9.
(3) في الاَصل: يجبر.
(4) في «س»: «عليه» بدل «إليه».
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وأقلّ ما تعطى الفقير الواحد.


(111)

الدنانير فنصف دينار وإن كان من الدّراهم فخمسة دراهم وكذا في الاَصناف الباقية. وقد رُوي أنّ الاَقل من ذلك ما يجب في أقلّ نصاب الزّكاة وذلك من الدّنانير عشر مثقال ومن الدّراهم درهم واحد، ويجوز أن يدفع إليه منها الكثير وإن كان فيه غناه.

الفصل الاَوّل

لا اعتبار في الذّهب والفضّة بالعدد وإنّما يراعى الوزن. وزن أهل الاِسلام كلّ درهم ستّة دوانيق وكلّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل.

إذا كان (1)

ص معه دراهم جيّدة الثمن ودراهم دونها في القيمة ومثلها في العيار، ضُمّ بعضُها إلى بعض وأخرج منه الزّكاة والاَفضل أن يُخْرج من كل جنس ما يخصّه وكذا حكم الدّنانير، والدّراهمُالمحمولُ عليها لايجب فيها الزّكاة إلاّ أن يبلغ ما فيها من الفضّة نصاباً وحينئذٍ لا يجوز أن يخرج دراهم مغشوشة بل يجب دراهم فضّة خالصة. وإن لم يكن معه إلاّ المغشوش وأحاط علمه بقدر ما فيها من الفضّة أخرج منها مقدار ما يكون فيه من الفضّة بمبلغ ما يجب عليه فيه من الزكاة، كأن يكون معه ثلاث مائة درهم مغشوشة وهو يعلم أنّ فيها مائتي درهم فضّة أخرج من جملة ذلك سبعةَ دراهم ونصف درهم، وقد أجزأه لاَنّه أخرج الواجب والجمل زائدة (2)وإن لم يحط علماً بما فيها (3)من الفضّة، صفّاها حتى يعرف مقدار خالصها، وأعطى زكاة ذلك أو أعطى ما يقطع منه أنّه (4)أخرج قدر الواجب استظهاراً وكذا في الدّنانير المغشوشة.


(1) في «س»: وإن كان.
(2) في الاَصل: «والحمل زائد» والظاهر كلاهما تصحيف والصحيح: «لاَنّه أخرج الواجب وزيادة».
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وإن لم يحط على ما فيها.
(4) في الاَصل: أو أعطى ما يقع معه أنّه.


(112)

ويجوز إخراج الزّكاة من غير الجنس بالقيمة إذا لم يكن ممّا فيه رباً. فإن كان ممّا فيه رباً وأخرج مثلاً بمثلٍ ترك الاحتياط، بعدوله عن الجنس الّذي يجب فيه.

وسبائك الذّهب والفضّة لايجب فيها الزّكاة وإن مضت عليها أحوال (1) كثيرة إلاّ إذا قصد به صاحبه الفرار من الزّكاة فحينئذٍ يجب، وكذا في الحليّ والاَواني والمراكب وغير ذلك، أو كان مجرى في السقوف المذهّبة، لا فرق في ذلك بين الحليّ المباح والمحظور، كحليّ الرجال للنساء أو بالعكس.

الفصل الثاني

من وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون، أُخذت منه وأُعطي شاتين أو عشرين درهماً. وإن وجبت (2)عليه بنت لبون وعنده بنت مخاض، أُخذت منه مع شاتين أو عشرين درهماً.وبين بنت لبون وحقّة من التفاوت في القيمة ما بين بنت لبون وبنت مخاض. وكذا ما بين الحقّة والجذعة. وإن وجبت عليه بنت مخاض أو جذعة أو غيرهما، وليس معه إلاّ فوق الجذعة أو دون بنت مخاض من الاَسنان، فلا شيء مقدّر فيه إلاّ أنّه يقوّم ويترادّان الفضل. ويجوز النزول من الجذعة إلى بنت مخاض والصّعود من بنت مخاض إلى جذعة بما سوّمه من التفاوت. (3)

وإن اجتمع عدد يمكن أن يخرج كلّواحدٍ منه على الانفراد، كان مخيّراً في إخراج أيّ ذلك شاء؛كأن يكون مائتين فإنّه يخرج أربع حقاق أو خمس بنات لبون غير أنّ الفضل إخراج أربع الاَسنان. وكذا في البقر لايوَخذ (4)ما دون التبيع


(1) في «س»: مضت فيها أحوال.
(2) في الاَصل: فإن وجبت.
(3) في الاَصل: بما سبق من التفاوت.
(4) في الاَصل: ولايوَخذ.


(113)

والتّبيعة ولا ما فوق المسنّة من الاَسنان ولا الذّكر إلاّ بالقيمة.

الغنم إن كان كلّها فوق السنّ الواجب فيها أو دونها جاز أن يوَخذ بالقيمة.

إذا كان المال ضأناً وماعزاً وبلغ النّصاب أخرج من أيّهما شاء ربّ المال، لعموم اسم الغنم. وكذا أعطى بدل الذّكر الاَُنثى أو بالعكس أُخذ.

إذا كانت الاَُمّهات من الغنم والذّكور من الظّباء فالاَولى وجوب الزّكاة فيها، لتناول اسم الغنم لذلك، وإن كان بالعكس من ذلك فلايجب.

ولايوَخذ في الزّكاة ذات عوار ولا هرمة ولامهزولة إلاّ إذا كانت كلّها كذلك فيوَخذ من وسطها، ولايوَخذ السّمينة في الغاية إلاّ إذا تبّرع بها صاحبها فإن تشاحّ [حينئذ] (1) ربّ المال والسّاعي أقرع بين المال ويقسم إلى أن لايبقى إلاّ الواجب فيخرجه.

إذا كان النّصاب مختلفاً كأن يكون بعض الغنم ضأناً وبعضها [ماعزاً وبعض البقرة جواميس وبعضها نبطياً] (2)أو بعض الابل بُختيّاً (3)وبعضها لوكاً(4)يوَخذ من كلّ جنس ما يكون قيمته مقدار ما يجب فيه على قدر قيمة المال، وكذا الغلاّت إذا اختلفت أجناسها.

مَن كان له نصاب في البلدين من أيّ جنس كان لم يسقط عنه الزكاة وإذا ملك من أجناس ما تجب فيه الزكاة ما يكون بمجموعه أكثر من نصاب إلاّ أنّه


(1) ما بين المعقوفتين ليس في الاَصل.
(2) البخت نوع من الاِبل، الواحد بختيّ، مثل روم وروميّ.مجمع البحرين.وما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(3) البخت نوع من الاِبل، الواحد بختيّ، مثل روم وروميّ.مجمع البحرين.وما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(4) لم نعثر على هذه اللفظة في المعاجم العربية، والظاهر أنّها فارسية، وفسرها في معجم «فرهنك عميد» بالاِبل الحمول الضّخم.وفي معجم «لغت نامه دهخدا» انّها مصطلح أهل «خراسان».وفي «برهان قاطع» انّها قسم من الاِبل قليل الشَّعر الحمول.وفي «س»: «لو كان» بدل «لوكا» والصحيح ما في المتن ولاحظ المبسوط: 1|201 وفيه «الوك».


(114)

لايبلغ كلّ جنس منه نصاباً لاتجب فيه الزّكاة إلاّ إذا قصد به الفرار منها فإذاً تجب فيه.

الفصل الثالث

إذا كانت الماشية نصاباً ومعلوفة مدّة الحول أو في أكثره فلا زكاة فيها وإن كانت سائمة في أكثر الحول، تجب الزّكاة. فإن تساوت المدّتان، زكّى منها احتياطاً، ومن استأجر أجيراً ليرعى له أربعين شاةً بشاة معيّنة منها حولاً، لم يجب فيه الزّكاة، وإن لم يعيّنها، بل جعلها في ذمّته وجب فيها الزّكاة. ومن اشترى نصاباً ولم يقبضها حتّى حال عليها الحول فإن كان متمكناً من قبضها متى شاء، كان عليه الزّكاة وإلاّ فلا. وهكذا في الدّين إذا كان معه بعض النّصاب والبعض الآخر ديناً يتمكّن من أخذه متى شاء، تجب الزّكاة منها،وإن لم يتمكّن من أخذ البعض الآخر متى شاء فلا.

وزكاة مال القرض على المستقرض إلاّ إذا ضمنها المقرض.

ومن كان عنده نصاب فغصب منه أو غاب عنه أو ضلّولايتمكّن منه ثمّ عاد إليه في أثناء الحول استأنف به الحول غير معتدّ بما سبق، وكذا إذا مات المالك وانتقل إلى الوارث، استأنف الحول، إذا بادل جنساً بجنسٍ مخالفٍ له استأنف الحولَ بالبدل إلاّ إذا فرّ به من الزّكاة أو كانت المبادلة فاسدة، وإن بادله بجنس موافق له لم يستأنف.

من باع نصاباً قبل حوَول الحول بشرط الخيار مدّة (1)فحال الحول في مدّة الشّرط فإن كان الشّرط للبائع أو لهما، فعليه الزّكاة، لاَنّملكه لم يزل (2)وإن كان للمشتري استأنف الحول.


(1) في «س»: بشرط خيار المدّة.
(2) في «س»: لم يبدل.


(115)

من باع نصاباً قبل إخراج الزّكاة منه انعقد البيع في حقّه دون حقّالمساكين لاَنّ حقّهم تعلّق بالعين لا بالذّمة وللمشتري ردّه بالعيب إلاّ أن يقيم مقام حقّ المساكين من غيره. ولايسقط الدّينُ عن صاحب المال، الزّكاة، لاَنّها تتعلّق بالمال، والدّين يتعلّق بالذمّة.

إذا كان معه مائتا درهم فقال: للّه عليّ أن أتصدّق بمائة درهم، وحال الحول على المائتين وجب فيها الزّكاة.وإن كان قال: بمائة درهم من جملة المائتين فلا؛ لاَنّ ملكه زال عن مائة قبل حوَول (1)الحول وكذا إن هلك بعض النّصاب قبل الحول.

لا يقف وجوب الزّكاة مع حصول شرائطها على إمكان الاَداء فمتى أمكنه الاِخراج ولم يخرج فهلك، ضمن. فالاِمكان شرط في الضّمان لا في الوجوب.

ووقت وجوب الزّكاة في الحبوب إذا اشتدّت.وفي الثّمار إذا بدأ صلاحها. ووقت إخراجها إذا ديسَ الحبُّ ونقّي (2)وصُفّي وجُفِّفت الثمرة وشُمِّست (3) فإن أراد صاحبها جذاذها (4)رطباً خرّصت عليه ما يكون تمراً. إذا وُقِفَتْ على جماعةٍ ضيعةٌ فأخرجت الغلّة وبلغت النّصابَ حصّة كلّ واحد منهم كان عليهم الزّكاة وإن نقص فلا. وإن وُقِفَ على إنسان أربعون شاة وحال (5)عليها الحول فلا زكاة فيها لاَنّها غير مملوكة بخلاف المسألة الاَُولى لاَنّ الغلّة هناك [مملوكة(6) فإن نتجت وحال على أولادها (7)الحول فكانت نصاباً ففيها الزّكاة إلاّ إذا شرط الواقف أن يكون الولد أيضاً وقفاً.


(1) في «س»: «دخول»بدل«حوَول».
(2) الدائس وهو الذي يدوس الطعام ويدقه ليخرج الحبّ من السّنبل.
(3) شيء مشمّس أي عمل في الشمس.لسان العرب وفي «س»: سمّيت.
(4) الجذ: القطع والكسر.
(5) في «س»: ويحال.
(6) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(7) في «س»: على الاَولاد.


(116)

من استأجر أرضاً فزرعها فالزّكاة عليه في زرعه دون مالك الاَرض، لاَنّه يأخذ الاَُجرة.ولاتجب الزّكاة في الاَُجرة وكذا إن استأجرها بغلّة من [غير] (1)تلك الاَرض، [فإن استأجرها بغلّة من تلك الاَرض بطلت] (2)الاِجارة، والغلّة للزّارع وعليه أُجرة المثل، والزّكاة عليه أيضاً.

الفصل الرابع

حكم غلاّت الاَطفال والمجانين ومواشيهم حكم أموال البالغين في وجوب الزّكاة، ويتولّى اخراج ذلك الوليّ أو الوصيّ لا غير، فإن قصّر في إخراجها حتّى هلك المال فالضّمان على الوليّ لا (3)في مال الصبيّ، وما كان من الدّراهم والدّنانير لهوَلاء، فلا تتعلّق به الزّكاة، ومن اتّجر بمالهم نظراً لهم، أخرج منه الزّكاة ندباً؛ (4) وإن اتّجر به لنفسه فالزّكاة [عليه] (5)والمكاتب المشروط عليه وغير المشروط [عليه](6)إن لم يوَدِّيا شيئاً (7)لا زكاة عليهما في مالهما ولا على سيّدهما، لاَنّه ليس بملك لهما، إذ العبد لايملك شيئاً، ولا لسيّدهما ملكاً صحيحاً، لاَنّه لايملكه إلاّ بعد عجز العبد عن أداء مال المكاتبة، وإذا أخذ السيّد المال استأنف به الحول من يوم أخذه، وكذا المكاتب إذا أدّى المال استأنف بما بقى الحول، وغير المشروط عليه إذا تحرّر منه أعطى الزّكاة بحساب حرّيّته إذا بلغ ما يصيبه بالحرّيّة النّصاب.

لا يجب على العبد الزّكاة بتمليك المولى إيّاه النصاب، وإنّما يجب على المولى، لبقاء ملكيّته بعدُوإن جاز للعبد التصرّف فيه، وأمّا فاضل الضريبة (8)وأرش


(1) ما بين المعقوفتين في الموردين موجود في الاَصل.
(2) ما بين المعقوفتين في الموردين موجود في الاَصل.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «إلاّ» والصّحيح ما في المتن.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «قدماً» وهو تصحيف.
(5) ما بين المعقوفتين في الموردين موجود في الاَصل.
(6) ما بين المعقوفتين في الموردين موجود في الاَصل.
(7) كذا في الاَصل ولكن في «س» : «إن لم يوَدباشياء» وهو تصحيف.
(8) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «حاصل الضريبة» والصحيح ما في المتن.


(117)

الجناية في نفسه فقيل: يملكه، وقيل: لايملكه، وهو الصحيح (1)فتكون زكاته على المولى أيضاً.

والمرتدّ إذا كان له مال (2)يعتبر فيه الحول وقد حال عليه أخذ منه الزّكاة.

إذا استهلّ الشّهر الثاني عشر فقد وجبت الزّكاة فيما يراعى فيه الحول ويجب إخراجها على الفور.فمن لم يخرجها مع الاِمكان، كان ضامناً إن كان من أهل الضّمان.وما لايراعى فيه الحول تجب الزكاة فيه إذا بدا صلاحه.

لا يجوز تقديم الزّكاة قبل محلّها إلاّ على وجه القرض، فإذا دخل الوقت وكان الدافع والمدفوع إليه على ما يعتبر من الصفة أو مات المدفوع إليه احتسب به من الزّكاة وإلاّ استردّها.

إذا عجّل (3) زكاته ثمّتغيّر حال المدفوع [إليه] (4)بغنى أو ردّة أو فسق استردّها إذا أعطاه مقيّداً بأن قال: هذه زكاتي عجّلتها لك (5) وإن أعطاه مطلقاً فلا. وإن كان المعطي الوالي جاز له استرجاعها مقيّداً أو مطلقاً.

إذا أطلق (6) الزّكاة لمسكين قبل الحول، ثمّحال وقد أيسر من هذا المال بأن كانت (7) ماشية فتوالدت أو مالاً فاتّجر به وربح فلا يجوز له استرجاعها، وإن كان أيسر من غيره استرجعها أو أخرج عوضها.


(1) كـذا في الاَصل ولكـن في «س»: فقيـل: «يملك وهو الصّحيح».ولاحـظ الاَقوال في المختلف: 3|156 من الطبع الحديث.
(2) في «س»: معه مال.
(3) في الاَصل: تعجّل.
(4) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل وهو الصّحيح.
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: هذه زكاة عجّلتها.
(6) أطلق: أرسل وعجّل.لسان العرب.
(7) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «فإن كانت» والصحيح ما في المتن.


(118)

الفصل الخامس

النيّة المعتبرة في الزّكاة نيّة المعطي مالكاً كان أو وكيله أو وليّه، وينبغي (1)أن يقارنَ حال الاِعطاء وينوي الزّكاة أو صدقة القرض، ولايحتاج أن ينوي أنّ هذا زكاة مالٍمعيّنٍ، ومن كان له [مالُ غائب يمكنه التصرف فيه فأخرج زكاته وقال: إن كان] (2) سالماً فهذه زكاته أجزأته (3)إن سلم وإن تلف لم يُجْزِ.

ولم يَجُزْ أن ينقله (4)إلى زكاة مال سواه لفوات وقت النيّة وهو حال الاِعطاء، ولابدّ من نيّة الموكّل والوكيل، لاَنّ نيّة الوكيل (5)بانفرادها لاتجزىء، لاَنّه ليس بربّ المال، ونيّة ربّالمال بانفرادها لاتجزىء لاَنّها تقدّمت حال الاِعطاء.

الفصل السادس

من يقدر على أن يكسب ما يقوم بأوده (6)أود عياله أو يكون له ضيعة أو عقار ترد عليه كفايته وكفاية من يلزمه نفقته، تحرم عليه الزّكاة وإن كانت لاترد عليه ذلك حلّت له ويجوز أن يعطاها من له مملوك يخدمه أو دار يسكنها فأمّا إذا كانت دار غلّة تكفيه وعياله على الاقتصاد فلا.


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: فينبغي.
(2) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل، وهو الصحيح.
(3) في «س»: أجزئه.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وإن تلف لم يجز أن ينقله.
(5) في «س»: إذ نيّة الوكيل.
(6) كذا في الاَصل ولكن في «س» بعد حذف «فصلٌ»: «من يقدر على أن يكتسب بأوده»والاَود: العوج، وأوِدَ الشيءُ بالكسر يأود أوداً أي أعوج، ومنه أقم بهم أودي أي اعوجاجي، والمعنى: اصلح بهم شأني. مجمع البحرين.


(119)

ومن ادّعى أنّه يحتاج إلى الصّدقة لايقبل إلاّ ببيّنة، ويجوز أن يعطى [المستحق] (1) الزكاة أو يقاصّه من دَينٍ له عليه (2)وإن لم يُعْلِمْه ذلك. ويجوز أن يعطى أطفال الموَمنين دون المشركين، ومن أُعطي زكاة ليفرّقها وكان محتاجاً إليها جاز أن يأخذ منها بمثل ما يُعطي غيره إلاّ إذا عُيّن (3)لها قومٌ مخصوصٌ فحينئذٍ لايجوز.

وسهم الموَلّف (4)القلب وهو الكافر المستمال للجهاد والاِسلام بشيء من المال، لايجوز دفع ذلك إليه إلاّ للنبيّ أو الاِمام القائم مقامه.

ومن وجب عليه عتق رقبة في كفارة ولايقدر عليه جاز أن يُعْتَقَ عنه من سهم الرّقاب.والمكاتب لايُعطى من الزكاة إلاّ إذا فقد ما وجب عليه من مال الكتابة(5) أوحلّ به نجم [وليس معه ما يكفيه لنجمه، وإن لم يحلّعليه نجم](6) جاز أن يعطى إن لم يكن معه [ما يكفيه لنجمه فإن لم يحل عليه نجم جاز أن يعطى إن لم يكن معه ] (7)شيء.

الغارم إذا كان استدان في معصية وقد تاب عن ذلك وكان فقيراً أُعطي لفقره وإلاّ فلا، وإن صرف الغارم ما أخذه في غير قضاء الدَّين لم يسترجع منه، وقضاء الدَّين عن الميّت داخل في سبيل اللّه سواء كان الميّت ممّن يجب عليه نفقته في حياته أو لا.


(1) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: أويقاصّه من له دين عليه.
(3) في «س»: لا ما إذا عيّن.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «ومنهم الموَلف» والصحيح ما في المتن.
(5) في «س»: «المكاتبة» بدل «الكتابة».
(6) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(7) ما بين المعقوفتين من زيادات «س».


(120)

العاصي بسفره لايستحق شيئاً من سهم ابن السّبيل، وكذا المنشىء للسّفر من بلده إلاّ أن يكون فقيراً فيعطى من سهم الفقير لا غير، ومتى أُعطي ابنُ السّبيل بقدر كفايته لذهابه ومجيئه فبدا له من السفر وأقام أُسترجع منه، وإذا اجتمع لشخص واحد سببان (1)أو أكثر ممّا استحقّ بكلّ واحد الصدقة (2)جاز أن يأخذ بجميع ذلك.

السّاعي للصّدقة والغازي والموَلف والغارم لمصلحة ذات البين وابن السبيل فهوَلاء يأخذون الصّدقة مع الغنى والفقر.والفقير والمسكين والرّقبة والغارم لمصلحة نفسه لا يأخذونها (3)إلاّ مع الفقر، ومن عدا الموَلف القلب من المستحقين إنّما يستحقّ الزكاة بشرط الاِيمان والعدالة، وكلّ من يجب على المزكّي نفقته إن كان(4) من العاملين أو الغانمين أو الغارمين أو الرّقاب أو الغزاة أو الموَلّفة جاز أن يعطى من سهم هوَلاء دون سهام المساكين والفقراء.

وابن السبيل إن كان ممّن يجب على المزكّي نفقته جاز أن يدفع إليه قدر حاجته للحمولة (5)دون النفقة، وتحرم الصّدقة الواجبة على ولد هاشم مع تمكينهم من خمسهم ويحل لهم إذا كانوا ممنوعين من الخمس، وأمّا الصّدقة المندوبة أو صدقة بعضهم على بعض فلاتحرم عليهم مع تمكّنهم من الخمس، وأُجرة الكاتب والحاسب والكيّال والوزّان تكون من سهم العامل إن احتيج إليهم، وفي حال غيبة [الاِمام يسقط سهم العاملين وا لغزاة والموَلّفة، ومن نقل الزّكاة من بلد إلى آخر] (6)


(1) في «س»: شيئان.
(2) في الاَصل: أو أكثر ليستحقّ لكلّواحدٍ الصّدقة.
(3) في «س»: لايأخذها.
(4) في الاَصل: وكل من يجبر على نفقته وإن كان.
(5) في «س»: جاز أن يدفع عليه حاجة للمحمولة.
(6) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.


(121)

مع وجود المستحقّ فيه ووصل إلى المستحقّ أجزأه وإن هلك في الطريق كان ضامناً، قريباً كان ذلك البلد أو بعيداً، وإن نقلها مع فقد المستحقّ فهلك فلا ضمان عليه، وزكاة الفطرة تفرّق في بلد صاحبها، لاَنّها تتعلّق بالاَبدان لا بالاَموال.

ويجوز وضع الزكاة في صنف واحد من أربابها مع وجود الباقين، والاَفضل أن يجعل لكل صنف منهم سهماً إن وجد، والاَقارب الحُضَّر أولى من الاَجانب، يجوز أن يشرّك بين الجماعة فيما يجب في نصاب المواشي، والاَفضل أن يعطى كلّ مستحق ما يجب في نصابٍ.

إذا دفع زكاة ماله إلى من ظاهره الفقر ثمّ بان أنّه كان غنياً، أو إلى من ظاهره الاِسلام أو الحريّة، أو الصّلاح ثمّ بان أنّه كان بخلاف ذلك، أو كان هاشميّاً، فإن كان الآخذ قد مات أو لم يبق معه شيء فلا ضمان على المعطي، وإن كان قد أعلمه حال الدفع انّه صدقة واجبة فله استرجاعه إن بقى أو أخذ قيمته إن تلف.

من لم يجد المستحق لزكاته ولا الاِمام وجب أن يعزلها من ماله وانتظر به وجود المستحق أو حضور الاِمام فإن حضرته الوفاة وصّى بذلك، فإن مات والحال هذه وجب أن تخرج الزكاة من ماله وصّى أو لم يوصّ إن كانت معلومة الوجوب والمقدار كالدين. ومن دفع الزكاة إلى سلطان الجور أو أخذها منه متغلِّبٌ لم يُجزه ولا تحلّ، وروى أنّه يجزيه (1)والاَوّل أحوط، والمخالف إذا أعطى الزّكاة لاَهل نحلته ثمّاعتقد الحقّ أعادها.

الفصل السّابع

كلّ أرض أسلم أهلها عليها طوعاً من غير قتال كان ملكاً لهم إذا قاموا بعمارتها، ويوَخذ منهم العشر أو نصف العشر عند اجتماع الشّروط، فإن تركوها


(1) لاحظ الوسائل: 6، ب20 من أبواب المستحقين للزّكاة.


(122)

خراباً كان للاِمام أن يقبّلها ممّن يعمّرها بما يراه، وعلى المتقبّل إذا بقى له النصاب بعد إخراج حقّ القبالة وموَونة الاَرض العشر أو نصف العشر، ويعطي الاِمام أربابها حقّ الرّقبة أي طسق الاَرض، وكلّ أرض صالح أهلها عليها يلزمهم ما صالحهم الاِمام عليه لا غير، ويكون ذلك للمجاهدين في سبيل اللّه ويصرفها لاَهلها (1) وللاِمام أن يزيد وينقص مال الصّلح بعد انقضاء مدّته، فإذا أسلموا فحكم أرضهم حكم القسم الاَوّل يسقط عنهم مال الصّلح، لاَنّه جزية وعليهم العشر أو نصفه.

وكلّ أرض أُخذت بالسّيف عنوةً فهي للمسلمين قاطبة للمقاتلة وغيرهم يقبّلها الاِمام ممّن يقوم بعمارتها بما يراه، وعلى المتقبّل فيما يفضل له بعد إخراج مال القبالة وحقّ الرّقبة إذا بلغ نصاباًالعشر أو نصفه، فلايصحّ التصرّف في هذا النّوع بالبيع والوقف وغير ذلك، وللاِمام التصرّف فيه حسب ما يراه من مصلحة المسلمين وأن ينقله من متقبّل إلى آخر إذا انقضت مدّة زمانه وارتفاع ذلك يصرف إلى المسلمين ومصالحهم، وأراضي الاَنفال تذكر بعد.

الفصل الثّامن

وأمّا المسنون من الزّكاة ففي أموال التّجارة إذا طلب برأس المال أو الربح، وفي كلّ ما يخرج من الاَرض ممّا يكال أو يوزن سوى ما تقدّم، وفي الحليّ المحرّم لبسه، وسبائك الذّهب والفضّة والاَواني المصاغة منهما إذا لم يفرّ بذلك من الزكاة، والمال الغائب الذي لايتمكّن مالكه من التّصرف فيه إذا قدر عليه وقد مضى عليه حول أو أحوال زكّاه لحول، والمال الصامت (2)لمن ليس بكامل العقل إذا اتّجر به


(1) في الاَصل: وتصرّفها.
(2) المال الصامت: الذهب والفضة. مجمع البحرين.


(123)

الوليّ تكرّماً لهم.

وفي الاِناث من الخيل في كلّ رأس من العتاق ديناران، ومن البراذين دينار واحد. وشرائط الاستحباب كشرائط الوجوب، ويسقط في الخيل اعتبار النّصاب، والمقدار المستحقّ إخراجه مثل المقدار الواجب إلاّ في الخيل، ويستحبّ أيضاً في المنازل والدّكاكين والعقار وغيرها إذا كانت للغلّة.

وقال بعض أصحابنا: إذا طلب مال التّجارة برأس المال أو الرّبح (1)يجب فيه الزّكاة. إذا اشترى سلعة بمائتين فأقامت عنده حولاً فباعها بألفين زكّى المائتين بحوله (2) ويستأنف لزكاة الفائدة الحول (3)من حين ظهورها. إذا اشترى سلعة فحال عليه الحول فحولها حول الاَصل لاَنّها مردودة إليه بالقيمة ولايستأنف، وإن كان اشتراها بعرض للقنية استأنف بها الحول والزكاة تتعلّق بقيمة التجارة لا بها بعينها. (4) إذا كانت معه سلعة للتجارة فنوى بها القنية سقط زكاتها وإن كانت للقنية فنوى بها التجارة لاتصير تجارة حتى يتصرّفَ فيها للتجارة وما لزم في رأس مال المضاربة من الزكاة به على ربّ المال وما لزم في الرّبح كان بينهما.

الفصل التاسع

زكاة الرّوَوس هي زكاة الفطرة وتجب على كلّ حرّ بالغ مالك للنّصاب يجب فيه الزّكاة مسلماً كان أو كافراً غير أنّه لايصحّ من الكافر إخراجها إلاّ بعد الاِسلام، ولايضمن إلاّ بشرط الاِسلام، فمن وجبت عليه يلزمه أن يخرجها عن نفسه وجميع من يعوله من والد وولد وزوجة ومملوك غائباًكان أو حاضراً أو ضيفٍ مسلماً كان


(1) في الاَصل: «والرّبح» القائل الصدوق في المقنع: 52.
(2) في الاَصل: لحول.
(3) كذا في الاَصل: ولكن في «س»: ويستأنف الزّكاة لفائدة الحول.
(4) في الاَصل: نفسها.


(124)

أو ذمياً، وعن المدبر والمكاتب المشروط عليه وغير المشروط عليه إذا لم يتحرّر منه شيء فإن تحرّر بعضه لزمه بحساب ذلك إن لم يكن ممّن يعوله [فإن كان ممّن يعوله](1)لزمه كمال فطرته، وكذا غير المكاتب إن كان بعضه ملكاً له، والعبد المغصوب لايلزم الغاصب فطرته ولا المغصوب منه، ومن ولد له مولود أو ملك عبداً قبل هلال شوّال ولو بلحظة لزمته فطرتهما وإن كان بعد هلاله قبل صلاة العيد استحبّ ذلك وأمّا بعدها فلا شيء. (2)

من ملك نصاباً من الاَموال الزّكويّة قبل أن يهلّ بشوّال ولو بلحظة وجب عليه الفطرة، وكذا إذا أسلم قبل الهلال وإن كان بعد ذلك وقبل الصلاة فندب(3)

والمرأة إذا كانت مطلّقة طلاقاً يملك رجعتها إذا أهلَّ شوّال لزم الزّوج فطرتها، فإن لم يملك [رجعتها أو كانت ناشزة فحينئذٍ فلا.

ومن لايملك] (4) نصاباً لا يجب عليه الفطرة بل يستحبّ له ذلك، وإن أراد فقراء أهل بيتٍ فضيلة الفطرة تُرادّوا فطرة رأس واحد ثمّ أخرجوها إلى خارج، وقيل: تجب الفطرة على الفقير وإن لم يملك النّصاب، (5)وليس بصحيح.

والمرأة الموسرة إذا كانت تحت معسر أو مملوك لايلزمها فطرة نفسها، وكذا الاَمة الموسرة تحت معسر أو مملوك، لاَنّبالتّزويج سقط عنها فطرتها ونفقتها وسقط عن الزّوج أيضاً لاِعساره. (6)


(1) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(2) في «س»: وما بعدها فلا شيء.
(3) في الاَصل: وإن كان بعد ذلك، قبل الصلاة فندب.
(4) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(5) حكى ذلك عن الاِسكافي لاحظ جواهر الكلام: 15|488.
(6) في الاَصل: للاِعسار.


(125)

ويخرج في الفطرة التّمر أو الزّبيب أو الحنطة أو الشعير أو الارزّ أو الاَقط أو اللّبن أيّها شاء إلاّ أنّ الاَفضل التّمر أو الزّبيب أو ما هو أعلى من قوته، والاَصل أن يخرج ما هو أغلب على قوته؛ يخرج عن كلّرأس صاعاً واحداً، وهو تسعة أرطال بالعراقيّ أو ستّة بالمدنيّ، إلاّ اللّبن فإنّه يجزي منه ستّة أرطال بالعراقيّ أو أربعة بالمدنيّ.

ويجوز إخراج القيمة من أيّ جنس كانت، ولايجوز إخراج صاع واحد من جنسين (1) إلاّ على جهة القيمة.

ووقت وجوب الفطرة حين استهلّ هلال شوّال، فإن قدّمها على جهة القرض جاز، وآخر وقتها حين الفراغ من صلاة العيد، فإن لم يجد المستحقّ قبل الصّلاة عزلها عن ماله ثمّيسلّمها بعده، فإن هلكت فلا ضمان عليه، وإن وجد المستحقّ قبل الصلاة ولم يدفعها إليه وهلكت فعليه الضّمان، وإن قصّر في إخراجها حتّى صلّيت صلاة العيد فعليه قضاوَها، وقيل: وقت وجوبها من طلوع الفجر من يوم العيد إلى قُبيلِ صلاته. (2)

فإن أخّر إخراجها إلى بعد الصّلاة لغير (3)عذر أخلّ بواجب وسقط وجوبها وجرت إن أخرجها مجرى ما يتطوّع به من الصّدقات، وإن كان عزلها عن ما له انتظاراً لمستحقّها فهي مجزئة عنه، ومستحقّها مستحقّ زكاة الاَموال الجامع بين الفقر والاِيمان والتّنزّه عن الكبائر.

ويجوز إعطاوَها أطفال الموَمنين ومن كان بحكمهم من مجانين أهل الاِيمان والبله منهم، فإن فقد المستحقّ في البلد جاز أن يعطي المستضعفين من غيرهم.


(1) في «س»: من جنس.
(2) السيـد المرتضى: الجمل لاحـظ المختلـف: 3|297 من الطبع الحديث واختاره ابن البراج في المهذّب: 1|176.
(3) في «س»: بغير.


(126)

ولا يجوز حملها (1)من بلد إلى بلد آخر، ولايجوز إعطاوَها لمن لامعرفة له إلاّ عند التقيّة أو عدم المستحقّ، فالاَفضل ألاّ يعدل بها عن الاَقارب إلى الاَباعد وعن الجيران إلى الاَقاصي (2) وأقلّ ما يُعطى الفقير منها صاعٌ واحد، وقد روي أنّه إذا حضر جماعة وليس هناك من الاَصواع ما يصيب كلاً منهم صاع جاز أن يفرّق عليهم (3) ولايجوز مع الاختيار ويجوز أن يعطى الواحد أصواعاً.

الفصل العاشر في الخمس:

الخمس يجب في كلّ ما يغنم من دار الحرب ما يحويه العسكر وما لم يحوه، مايمكن نقله إلى دار الاِسلام وما لايمكن من الاَموال والذّراريّ والاَرض والعقار والسّلاح والكراع وغير ذلك ممّا يصحّ تملّكه وكانت في أيديهم من غير جهة الغصب لمسلم.

وفي المعادن كلّها ما ينطبع منها كالذّهب والفضّة والحديد والصّفر والنّحاس والرّصاص، وما لم ينطبع كالكحل والزّرنيخ والياقوت والزّبرجد والبلخش (4) والفيروزج والعقيق والقير والنفط والزّئبق والكبريت والملح والمومياء والمنّ والعسل الّذي يوجد في الجبال، وكلّ ما يخرج بالغوص من البحر أو يوجد على رأس الماء، وفي العنبر، وفي أرباح التّجارات والمكاسب كلّها، وفيما يفضل من الغلاّت المذكورة عن قوت السنة له ولعياله، وفي الكنوز الّتي توجد في دار الحرب من الذّهب والفضّة والدّراهم والدّنانير كان عليها أثر الاِسلام أو لا، وفيما يوجد


(1) في الاَصل: نقلها.
(2) في «س»: إلى قاص.
(3) التهذيب: 4|89 ح262.
(4) البلخش معرّب بلخچ وهو الزّاج الاَسود.


(127)

منها في بلاد الاِسلام ولم يكن عليها أثر الاِسلام أو كان عليها أثر الجاهليّة هذا إذا لم يعرف لها أهل، وفي ما اختلط الحلال بالحرام من المال ولم يتميّزا.

وفي المعدن الخمس وإن كان للمكاتب أو كان العامل فيه عبداً، وما يجب فيه الخمس لايعتبر فيه الحول، ويجب في قليله وكثيره إلاّ الكنوز ومعادن الذّهب والفضّة فإنّها لايجب فيها الخمس إلاّ إذا بلغت النّصاب الّذي فيه الزكاة.

والغوص لايجب فيه الخمس إلاّإذا بلغ قيمته ديناراً، ولا خمس فيما يُصطاد من حيوان البحر.والغلاّتُ والاَرباح يجب فيها الخمس بعد إخراج حقّ السّلطان وموَونة الرّجل وموَونة عياله لسنته على الاقتصاد.

والكنوز والمعادن يجب فيها الخمس بعد إخراج موَنها.

والخمس نصفه للاِمام القائم مقام الرّسول والنّصف الآخر يقسّم (1)ثلاثة أقسام: قسم ليتامى آل محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقسم لمساكينهم وقسم لاَبناء سبيلهم لا غير، يقسّمه (2)الاِمام بينهم على قدر كفايتهم في السّنة على الاقتصاد، ولايخصّ فريقاً منهم بذلك (3)دون فريق، وليسوّي بين الذكر والاَُنثى (4) والصّغير والكبير، فإن فضل شيء كان له خاصّة، وإن نقص كان عليه إتمامه من حصّته. واليتامى وأبناء السّبيل يعطيهم مع الفقر والغنى لاَنّ الظّاهر يتناولهم.

ومستحقّ الخمس من يحرم عليه الزّكاة الواجبة من بني هاشم، ولايستحقّه من كانت أُمّه هاشميّة دون أبيه وإن كان بالعكس منه جاز، ولايخصُّ بالخمس الاَقربُ ولايفضّل بعضهم على بعض، ولايعطى إلاّ من كان موَمناً أو بحكم الاِيمان من الاَطفال والمجانين، ويكون عدلاً مرضيّاً، فمن فرّق في الفسّاق


(1) في «س»: فيقسّم.
(2) في «س»: يقسّم.
(3) في «س»: ولايختصّ بذلك فريق.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: الذكور و الاِناث.


(128)

فلا ضمان عليه لاَنّ الاسم يتناولهم، ولايُحمل الخمس من بلدٍ إلى غيره مع وجود مستحقّه إلاّ بشرط الضّمان، وإذا لم يوجد إلاّ صنف أو صنفان جاز أن يفرّق فيهم ولا يُنتظر غيرهم.

الفصل الحادي عشر في الاَنفال:

الاَنفال: كلّ أرض خربة باد أهلها وكلّ أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وهي ما انجلى أهلها، وكلّ أرض أسلمها أهلها بغير قتال، وروَوس الجبال وبطون الاَودية، والآجام والاَرضون الموات الّتي لا أرباب لها، وصواف الملوك وقطائعهم التي كانت في أيديهم لا على وجه الغصب، وميراث من لا وارث له، ومن الغنائم قبل القسمة الجارية الحسناء والفرس الفارة والثّوب المرتفع، وما لا نظير له من رقيق أو متاع مالم يجحف ذلك بالغانمين ولم يستغرق الغنيمة (1)وما غُنِم من أهل الحرب بغير إذن الاِمام كان كلّ هذا للاِمام القائم مقام الرّسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فمن تصرّف فيه بغير إذنه كان غاصباً (2)وما يحصل من الفوائد يكون للاِمام دونه، وقد وردت الرّخصة عن الاَئمّة _ عليهم السَّلام _ بشيعتهم خاصّة أن يتصرّفوا في حقوقهم ممّا يتعلّق بالاَخماس وغيرها ممّا لابدّ منه من المساكن والمتاجر والمناكح دفعاً للحرج عنهم وتطييباً لولادتهم، فأمّا ما عدا ذلك من أخماسهم فلايجوز لاَحد التصرّف فيه، وحكمه في أيدي شيعتهم ومن اشتغل به ذمتهم حكم ودائع المسلمين وأماناتهم.

وقد أمليت في ذلك مسألة مستوفاةً مستقصاةً وسمّيتها «تنبيه الاَنام لرعاية حقّ الاِمام» يُطَّلَع بها على ثنايا هذه المسألة وخباياها (3)وباللّه التوفيق. (4)


(1) في «س»: القيمة.
(2) في «س»: عاصياً.
(3) الخبايا جمع الخبيئة من الخبأ وهو كلّ شيء مستور.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وقد أمليت في ذلك مسألة مستقصاة وسمّيتها بتنبيه الاَناملرعاية حقّ الاِمام يطلع بها على ثنايا هذه المسألة وبأخبارها» والصحيح ما في المتن.


(129)

كتاب الصّوم
الفصل الاَوّل

الصّوم إمساك مخصوص على وجه مخصوصٍ في وقت مخصوص من ذي وصف مخصوص. أعني: الاِمساك عن الطّعام والشراب وغيرهما ممّا نذكر بعدُ، على وجه العمد دون النّسيان، في النّهار (1)دون اللّيل، ممّن كان طاهراً ليس بجنب ولا حائض، وموَمناً ليس بكافر، مقيماً ليس بمسافر.

ومن شرط انعقاده النيّة المقارنة له فعلاً أو حكماً كالنّائم طول شهر رمضان والمغمى عليه فإنّه لا نيّة لهما وقد صحّ صومهما.

ومن شرط وجوبه كمال العقل والطّاقة (2)البلوغ، وليس من شرط الوجوب الاِسلام لاَنّ الكافر متعبَّد بالشّرائع إلاّ أنّه لايلزمه القضاء إذا أسلم، لاَنّ القضاء فرض ثانٍ، ومن صام غير عارف بالحقّ ثمّ استبصر فلا إعادة عليه، والمرتدّ إذا أسلم يلزمه قضاء ما فاته في حال الارتداد ولايبطل صومه بنفس الارتداد مالم يفعل ما يُفْطره، وأمّا زوال العقل؛ إن كان بما يفعله (3)المكلّف بنفسه على وجهٍ يرجى زواله بمجرى العادة كالسّكر وغيره، فإنّه يلزمه قضاء ما فاته حينئذٍ من


(1) في «س»: وفي النهار.
(2) في «س» : والاِطاقة.
(3) في الاَصل: ممّا يفعله.


(130)

العبادات، وإن زال عقله بجناية على وجهٍ لايعود، كأن صار مجنوناً مطبقاً أو بفعل من قِبَلِ اللّه تعالى فلا قضاء، فعلى هذا إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مغمى عليه أو مجنون أو نائم وبقي كذلك أيّاماً ـ أفـاق في بعضها أو لا ـ فلا قضاء عليه إلاّ لما أفطر فيه، أو طرح في حلقه دواء وهو مفيق.

وحدّ البلوغ الاحتلام في الرّجال، والحيض في النّساء، والاِنبات فيهما، أو كمال خمس عشرة سنة في الرّجال وفي النّساء عشر سنين، ويستحبّ أخذ الصبيّ بالصّوم إذا أطاقه من تسع سنين تمريناً له.

الفصل الثّاني

الصّوم على خمسة أقسام: مفروض، ومسنون، وصوم إذن، وصوم تأديب، وصوم قبيح.

فالمفروض (1) ضربان: مطلق من غير سبب، وواجب عند السبب.

فالمطلق صوم شهر رمضان، وشرائط وجوبه ستّة: البلوغ، وكمال العقل، والصحّة، والاِقامة أو حكمها، والطّهارة من الحيض وغيره، ومن شرط صحّة الاَداء الاِسلام، وشرائط وجوب القضاء ثلاثة: البلوغ، وكمال العقل، والاِسلام.

والواجب عند سبب ضربان: ما كان سببه تفريطاً أو عصياناً، أو ما لم يكن كذلك.

فالاَوّل ستّة: صوم كفّارة الظّهار، وكفّارة من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً، وكفّارة من أفطر يوماً يقضيه من شهر رمضان بعد الزّوال، وكفّارة القتل عمداً، وجزاء الصّيد، وكفّارة اليمين.


(1) في الاَصل: فالفرض.


(131)

والثّاني ستّة أنواع: قضاء ما فات من شهر رمضان لعذر من مرض أو سفر أو حيض، وصوم النّذر، وصوم كفّارة أذى حلق الرّأس، وصوم دم متعة الحجّ، وصوم الاعتكاف، وكفّارة قتل الخطاء.

وتنقسم هذه الواجبات ثلاثة أقسام: مضيّق ومخيّر ومرتّب.

فالمضيّق خمسة: صوم شهر رمضان، وقضاء ما فات منه، وصوم النّذر، وصوم كفّارة قتل العمد، وصوم الاعتكاف.

والمخيّر أربعة: صوم كفّارة أذى حلق الرّأس، وكفّارة من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً، على خلاف فيه بين الطائفة في كونه مخيّراً أو مرتّباً، وصوم كفّارة من أفطر يوماً من قضاء شهر رمضان بعد الزّوال متعمّداً بلا عذر، وصوم جزاء الصّيد.

والمرتّب أربعة: صوم كفّارة اليمين، وصوم كفّارة قتل الخطاء، وصوم كفّارة الظّهار، وصوم دم الهدي.

وينقسم الواجب قسمين آخرين: أحدهما يتعلّق بإفطاره متعمّداً بلا ضرورة قضاء وكفّارةوهو أربعة: صوم شهر رمضان، وصوم النّذر المعيّن بزمان، وصوم قضاء شهر رمضان إذا أفطر بعد الزّوال، وصوم الاعتكاف، والثاني (1)لايتعلّق به كفّارة وهو ما عدا ما ذكرناه. وينقسم الواجب أيضاً قسمين آخرين: أحدهما يراعى فيه التّتابع، والآخر لايراعى.

فالاَوّل ضربان:

منه ما إذا أفطر في حال دون حال بنى، وهو سبعة: من وجب عليه صوم شهرين متتابعين إمّا في قتل العمد أو قتل الخطاء أو الظّهار أو إفطار يوم من شهر


(1) في الاَصل: والآخر.


(132)

رمضان. أو نذر معيّن بيوم، أو وجب عليه صوم شهرين متتابعين بنذر غير معيّن، فمتى أفطر في الشّهر الاَوّل أو قبل أن يصوم من الثّاني شيئاً ولو يوماً واحداً بلا عذر من مرض أو حيض استأنف، وإن كان إفطاره بعد أن صام من الثّاني ولو يوماً واحداً، أو كان إفطاره في الشّهر الاَوّل لمرض (1)أو حيض بنى على كلّ حال، وكذا من أفطر يوماً من شهرٍ نذر صومه متتابعاً، أو وجب عليه ذلك في كفّارة قتل الخطاء أو الظّهار لكونه مملوكاً قبل أن يصوم خمسة عشر يوماً بلا عذر من مرضٍ أو حيض[استأنف، وإن كان بعد أن صام خمسة عشر يوماً أو كان إفطاره قبل ذلك لمرض أو حيض] (2)بنى، وصوم ثلاثة أيّام لدم المتعة فإن صام يومين ثمّ أفطر بنى، فإن صام يوماً ثمّ أفطر أعاد.

ومنه ما يوجب الاستئنافَ على كلّ حال وهو ثلاثة مواضع: صوم كفّارة اليمين، وصوم الاعتكاف، وصوم كفّارة من أفطر يوماً يقضيه من شهر رمضان بعد الزّوال.

والقسم الثّاني وهو مالا يراعى فيه التّتابع، أربعة مواضعَ: السّبعة الاَيّام في دم المتعة، وصوم النّذر إذا لم يشرط التّتابع، وصوم جزاء الصّيد، وصوم قضاء شهر رمضان لمرض أو سفر أو حيض، وإن كان التّتابع فيه أفضل.

ولا يجوز الصّوم الواجب في السّفر، ولافي يوم العيدين، (3)ولا لمن كان بمنى في أيّام التّشريق؛ إلاّ القاتل في الاَشهر الحرم (4)فإنّه يجب عليه صوم شهرين متتابعين من الاَشهر الحرم وإن دخل فيه صوم يوم العيدين والتّشريق، ومن وجب


(1) في «س»: بمرض.
(2) مابين المعقوفتين ليس بموجود في الاَصل.
(3) في الاَصل: في يوم العيد.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: في الشّهر الحرام.


(133)

عليه صوم شهرين متتابعين في أوّل شعبان تركه إلى انقضاء شهر رمضان، فإن صام شعبان وشهر رمضان لم يجز (1)إلاّ أن يكون قد صام من رجب (2) شيئاً مع شعبان فيكون قد زاد على الشّهر فيبني عليه بعد رمضان.

وأمّا الصّوم المسنون فجميع أيّام السّنة إلاّ ما يحرم فيه الصّوم إلاّ أنّ فيها ما هو أشدّتأكيداً على ما عدّفي كتب العبادات.

وأمّا صوم الاِذن فثلاثة: لاتصوم المرأة تطوّعاً إلاّ بإذن زوجها فإن صامت بغير إذنه لم ينعقد صومها وكان له تفطيرها، و لا المملوك إلاّ بإذن سيّده، ولا الضّيف إلاّ بإذن مضيفه، كلّ ذلك في التطوّع خاصّة.

وأمّا صوم التّأديب فخمسة: المسافر إذا قدم أهله وقد أفطر، والحائض إذا طهرت، والمريض إذا برأ، والكافر إذا أسلم، والصبيّ إذا بلغ، كلّ منهم يُمْسك بقيّة نهاره أدباً. (3)

وأمّا الصّوم القبيح فعشرة: يوم الشكّ على أنّه من شهر رمضان، ويوم الفطر، ويوم الاَضحى، وثلاثة أيّام التّشريق لمن كان بمنى، وصوم نذر المعصية، وصوم الصّمت، وصوم الوصال. وهو أن يجعل عشاءه سَحوره أو يطوي يومين من غير أن يفطر بينهما، وصوم الدّهر، لاَنّه يدخل فيه العيدان، والتّشريق.

الفصل الثالث

علامة شهر رمضان روَية الهلال أو قيام البيّنة بروَيته دون العدد، فمن لم يره وقد رُوَيَ في البلد روَيةً شائعةً وجب عليه الصّوم، وكذا إن كان في السّماء غيم أو


(1) في «س»: لم يجزئه.
(2) في الاَصل: من الرّجب.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: تطوّعاً.


(134)

غبار وشهد عدلان مسلمان بروَيته من أهل البلد أو من خارجه وجب الصّوم، ومع فقد العلّة لايقبل إلاّ بشهادة (1)خمسين رجلاً من البلد أو الخارج، ومتى لم يُرَ في البلد ورُوَي في بلد آخر أو في البراري وجب العمل به إذا كان البلد الّذي روَي فيه بحيث لو كانت السماء مُصْحِيةً (2)والموانع مرتفعة لرُوَِي في الموضعين معاً لتقاربهما، وأمّا إذا بعدت فلكلّ بلدٍ حكم نفسه، ولا يجب على أهل أحدهما العمل بما رُوَي في الآخر، ولا يقبل شهادة النّساء في روَية الهلال لا على الانفراد ولا مع الرّجال، ولا شهادة الفسّاق والصّبيان والكفّار إلاّ إذا بلغت حدّالتواتر، ومتى غُمّ هلال رمضان (3) عدَّ شعبان ثلاثين يوماً وصام بعده بنيّة رمضان، فإن غُمَّ شعبان أيضاً عدّ رجباً ثلاثين وصام فرضاً بعد السّتّين، فإن رُوَي هلال شوّال ليلة تسع وعشرين من رمضان قضى يوماً واحداً بَدَله لا غير، لاَنّ الشهر لايكون أقلّ من تسعة وعشرين يوماً، فإن لم يتحقّق هلال شهر من شهور السّنة سوى الاَوّل نظر اليوم الّذي صام من السّنة الماضية وعدّ خمسة أيّام وصام اليوم الخامس لاَنّ شهور السّنة لا يكون كلّها تامّة.

ولا اعتبار بتطوّق الهلال أو غيابه بعد الشّفق أو روَيته قبل الزّوال أو بعده بل يجب العمل بالرّوَية، ويوم الشكّ يصومه على أنّه من شعبان وقد أجزأه وإن كان من رمضان، وإن صامه بنيّة رمضان بلا إعادة، يجب عليه قضاوَه (4)متى صحّ أنّه كان من رمضان، ويجوز أن ينوي الفرض إن كان من رمضان والنّفل إن كان من شعبان غير قاطع على أحدهما، ومتى عد ّ شعبان ثلاثين يوماً وصام بعده


(1) في الاَصل: «شهادة».
(2) الصّحو: ذهاب الغيم يقال: أصحت السماء بالاَلف أي انقشع عنها الغيم فهي مُصحية.مجمعالبحرين.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ومتى لم ير هلال رمضان.
(4) في «س»: عليه القضاء.


(135)

ثمّ قامت البيّنة بأنّه روَي الهلال قبله بيوم قضى يوماً بدله لا غير، ومتى قامت البيّنة على هلال شوّال بعد الزّوال في اللّيلة الماضية وجب الاِفطار.

ومن كان أسيراً أو محبوساً بحيث لا يهتدي إلى العلم بشهر رمضان فليتوخّشهراً وليصمه (1)بنيّة القربة، فإن وافق شهر رمضان فقد أجزأه، وكذا إن كان بعده كان قضاء، وإن كان قبله فعليه القضاء.

الوقت الّذي يجب فيه الاِمساك عن الطّعام والشّراب هو طلوع الفجر الثّاني، فإن طلع وفي فيه طعام أو شراب لَفَظَه وتمّ صومه، فإن شكّ في الفجر فأكل (2) وبقي على شكّه فلا شيء، فإن علم بعد أنّه كان طالعاً فعليه القضاء.

ويجوز الجماع إلى أن يبقى إلى طلوع الفجر قدر إمكان الغسل، فإن جامع بعده فعليه القضاء والكفّارة، وإن جامع ظانّاً امتداد الوقت إلى الفجر فطلع وهو مجامع (3) امتنع واغتسل وقد صحّ صومه، وإن تحرّك حركة تعين على الجماع لا على الامتناع فقد أفطر، وكذا إن غلب في ظنّه أنّ الفجر قد قرب أو علم ذلك وأقدم على الجماع فطلع عليه مجامعاً فعليه القضاء والكفّارة، ووقت الاِفطار أوّل وقت المغرب وقد مرّ.

الفصل الرّابع

صوم شهر رمضان يكفي فيه نيّة القربة ولايحتاج في انعقاده إلى نيّة التعيين، ونيّة القربة أن ينوي أنّه يصوم متقرّباً إلى اللّه تعالى، ونيّة التّعيين أن يعيّن أنّه يصوم شهر رمضان والجمع بينهما أفضل، وإذاكان من نيّته أنّه (4)يصوم الشّهر إذا حضر


(1) في «س»: فليصمه.
(2) في «س»: وأكله.
(3) في «س» وهو يجامع.
(4) في«س»: بنيّته أن.


(136)

ولم يجدّدها عند دخول الشهر لسهوٍ أو نومٍ أو إغماءٍ صحّ صومه، ويجوز في نيّة القربة أن تكون متقدّمة، والاَفضل أن تكون مقارنة يأتي بها ليلة الشهر (1)من أوّلها إلى آخرها متى شاء، ويجزيه أن ينوي ليلة الشّهر صوم الشّهر كلّه، والاَفضل أن يجدّدها كلّ ليلة، ومتى نوى بصوم شهر رمضان النّذر أو القضاء أو نفلاً لم يقع إلاّ عن رمضان.

إذا صام الشاكّ أوّل الشّهر بنيّة النّفل أجزأه، وأمّا بنيّة الفرض فلا، فإن لم ينو إلى قُبيل الزّوال لسهو أو فقد علم بدخول الشّهر صحّ، وكذا في غير رمضان من الصّوم المفروض، وإن (2)أخّر النيّة إلى بعد الزّوال في رمضان لعدم علمه بدخوله جدّدها وقضى إن كان أصبح بنيّة الاِفطار، وإن كان صائماً بنيّة النّفل يجزئه متى جدّدها، وإن أصبح بنيّة الاِفطار مع العلم بأنّه من الشّهر ثمّ جدّد النيّة لم ينعقد وعليه القضاء.

ومن هو في سفر التّقصير إذا صام بنيّة رمضان لم يجزه (3)وبنيّة التطوّع يجزىَ، ومن نذر أيّاماً فوافق شهر رمضان فصام عن أيّهما شاء حاضراً فقد أجزأه عن كليهما، وإن كان مسافراً وكان قد نذر أنّه يصوم مسافراً كان أو حاضراً فذلك للنّذر وعليه القضاء لرمضان (4) وإن لم يكن قيّد النذر لم يُجزِ عن أحدهما لاَنّ ما عداه من واجب الصّوم لايصحّ في السّفر، وما عدا ما ذكرناه من مفروض الصّوم ومسنونه لايجزىَ فيه نيّة القربة عن التعيين. (5)

ووقت النيّة في ذلك ليلة الصّوم من أوّلها إلى طلوع الفجر الثّاني لاتجزىَ


(1) في «س»: ليلاً لشهر.
(2) في «س»: «وإذا» بدل «وإن».
(3) في «س»: لم يجزئه.
(4) في «س»: فذلك للنذر لم يجز وعليه القضاء لرمضان.
(5) كذا في «س»ولكن في الاَصل: لايجزىَ فيه نية القربة غير نيّة التعيين.


(137)

المتقدّمة عليه، ويجوز تجديدها إلى الزّوال فإن زالت فقد فات الوقت إلاّ في النوافل، إذ قد روي تجديد النيّة فيها إلى أن يبقى من النّهار ما يمكن أن يكون صوماً، (1)ويصحّ من الصبيّ نيّة الصّوم.

لايوَثّر في الصّوم المنعقد نيّة الاِفطار حتّى يتناول مفطراً ولا كراهةُ الامتناع من الاَشياء المخصوصة. ونيّة الصوم يجب أن يتعلّق بكراهة المفطرات من حيث كانت إرادة، والاِرادة تتعلّق بحدوث الشيّء ولاتتعلّق بأن لايفعل الشّيء وليس هناك إلاّ الكراهة وقيل: إنّما هي تتعلّق بإحداث توطين النّفس وقهرها على الامتناع بتجديد الخوف من العقاب والرّجاء للثّواب وغير ذلك. (2)

الفصل الخامس

ما يجب على الصّائم الاِمساك عنه ضربان: واجب وندب، والواجب ضربان: أحدهما فِعْلُهُ يفسد الصوم، والآخر لا يُفسده. وما يفسده إمّا أن يقع في صوم شهر رمضان والنّذر المعيّن بزمان مخصوص، أو في غيرهما ممّا لايتعيّن، فما يقع فيهما ضربان: أحدهما يوجب القضاء والكفّارة، والآخر يوجب القضاء دون الكفّارة. فما يوجبهما جميعاً تسعة: الاَكل والشّرب لكلّ ما يكون به آكلاً وشارباً، والجماع في الفرج أنزل أو لا قبلاً كان أو دبراً فرجَ امرأة أو غلامٍ أو ميتةٍ أو بهيمةٍ، وقد روي أنّ الوطء في الدّبر بلا إنزال لاينقض الصّوم وأنّ المفعول به لاينقض صومه بحال، (3)والاَوّل أظهر وأحوط، وإنزال الماء الدّافق متعمّداً، والكذب على اللّه وعلى رسوله وعلى الاَئمّة _ عليهم السَّلام _ متعمّداً مع العلم بأنّه كذب، والارتماس في


(1) لاحظ الوسائل: 7 ب 3 من أبواب وجوب الصوم ونيّته.
(2) في الاَصل: والرجاء إلى الثواب.والقائل هو ا لشيخ في المبسوط: 1|278.
(3) الوسائل: 1 ب 12، من أبواب الجنابة، ح3ـ4.


(138)

الماء، وإيصال الغبار الغليظ إلى الحلق كغبار الدّقيق والتّراب ونحوهما، وفي أصحابنا من قال: إنّ الارتماس والكذب المذكور لايفطران (1) وإنّ الغبار يوجب القضاء دون الكفّارة (2) والبقاء على الجنابة حتّى يطلع الفجر متعمّداً بلا ضرورة، ومعاودة النّوم جنباً بعد انتباهتين حتّى يطلع الفجر متعمّداً.

والكفّارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكيناً لكلّ مسكين مدّان وأقلّه مدّ مخيراً في ذلك، وروي أنّها مرتّبة، (3)والتّخيير أظهر وأشيع، وروي أنّه إذا أفطر يوماً من رمضان بمحظور كالخمر والزّنا لزمهُ الجمع بين هذه الكفّارات الثّلاث. (4)ومن أفطر يوماً معيّناً نذر صومه فحكمه حكم رمضان، وروي أنّ عليه كفّارة اليمين، وذلك محمول على من لايقدر إلاّعليها، وروي أنّه لا شيء عليه، (5) وذلك محمول على من لا يقدر أصلاً.


(1) السيد المرتضى في جمل العلم والعمل، ورسائل الشريف المرتضى: 3 |54، وسلار وابن عقيل، لاحظ المختلف: 3|397 و400 من الطبع الحديث.
(2) ابن إدريس: السرائر: 1|377، أقول: ذهب الاَصحاب في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال، كما صرح بها صاحب الحدائق ـ قدّس سرّه ـ على ما هذا نصه: اختلف الاَصحاب في إيصال الغبار إلى الحلق، فذهب جمع ـ منهم الشيخ في أكثر كتبه ـ إلى أنّ إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق متعمداً موجب للقضاء والكفارة، وإليه مال من أفاضل متأخّري المتأخرين المحدّث الشيخ محمد بن الحسن الحرّ في كتاب الوسائل.
وذهب جمع ـ منهم ابن إدريس والشيخ المفيد على ما نقل عنه وأبو الصلاح وغيرهم، والظّاهر أنّه المشهور ـ إلى وجوب القضاء خاصة متى كان متعمداً.
وذهب جمع من متأخري المتأخرين إلى عدم الاِفساد وعدم وجوب شيء من قضاء أو كفارة، وهو الاَقرب. لاحظ الحدائق: 13|72.
(3) لاحظ الوسائل: 7، ب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم: ح2و5.
(4) نفس المصدر: ب10، ح1.
(5) لاحظ الوسائل: 7، ب7 من أبواب بقية الصوم الواجب، أحاديث الباب ومستدرك الوسائل: 7، ب4 من أبواب بقية الصوم الواجب. والمختلف: 3|568 من الطبع الحديث.


(139)

وتكرار الفعل يوجب تكرار الكفّارة سواء كان ذلك في يومين أو في رمضانين، وسواء كفّر عن الاَوّل أو لا. وإذا تكرّر في يوم واحد ففي وجوب التّكرار قولان، والاَظهر أنّه يتكرّر، وإذا طاوعت المرأة زوجها في جماعها في نهار شهر رمضان كان عليها أيضاً القضاء والكفّارة ويضرب كلّ واحد منهما خمسة وعشرين سوطاً، وإن أكرهها الزّوج فعليه كفّارتان ويضرب خمسين سوطاً.

ومن وجبت عليه الكفّارة ولم يقدر على شيء منها صام ثمانية عشر يوماً، وكذا من وجب عليه صوم شهرين متتابعين بنذر أو غيره، فإن عجز عن ذلك اسْتَغفر اللّه ولم يعد، ومن وجبت عليه كفّارةٌ فتبرّع عنه إنسان بها جاز، ومن أفطر في شهر رمضان متعمّداً بلا عذر وقال: لا حرج عليّ في ذلك؛ وجب قتله، فإن قال: عليّ فيه حرج، عزّره الاِمام مغلّظاً فإن عاد ثالثاً (1)بعد تعزيره دفعتين قتل.

فأمّا ما يوجب القضاء دون الكّفارة فثمانية عشر شيئاً: الاِقدام على الاَكل والشّرب والجماع وإنزال الماء [الدّافق] (2)قبل أن يرصد الفجر مع القدرة عليه ويكون طالعاً، وترك القبول عمّن قال: إنّ الفجر قد طلع وكان طالعاً، والاِقدام على ما مرّ أو على الجماع ونحوه، وتقليد الغير في أنّ الفجر لم يطلع مع القدرة على مراعاته، [والاِقدام على ما سبق وقد طلع الفجر، وتقليد الغير في دخول اللّيل مع القدرة على مراعاته] (3)والاِقدام على الاِفطار بدخوله ولم يدخل، وكذا الاِقدام على الاِفطار لما يعرض في السّماء من ظلمة بلا احتياط ثمّ تبيّن أنّ اللّيل لم يدخل، ومعاودة النّوم بعد انتباهة واحدة على الجنابة ولم ينتبه حتّى يطلع الفجر، ووصول(4)


(1) في الاَصل: ثلاثاً.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في الاَصل.وفيه: على الاَكل والشرب أو الجماع أو إنزال الماء قبل ....
(3) ما بين المعقوفتين موجود في «س».
(4) في «س»: ودخول الماء.


(140)

الماء إلى الحلق من غير قصد إليه للتبرّد به دون المضمضة (1) والنّظر إلى ما لا يحلّ بشهوة حتّى أنزل، وتعمُّدُ القيء وابتلاع ما يحصل في فيه من قيء ذرعه (2) ولم يتعمّده مع الاختيار، وابتلاع ما يخرج من بين أسنانه بالتخلّل متعمّداً، وابتلاع ما ينزل من رأسه من الرّطوبة أو ما يصعد إلى فيه من صدره من النّخامة والدّم وغيرهما مع إمكان التحرّز، وابتلاع ما وضعه في فيه من خَرزٍ وذهب وغيرهما بلا حاجة إليه (3)ناسياً، وابتلاع الرّيق الّذي انفصل من الفم، والسّعوط (4) الّذي يصل إلى الحلق، والاحتقان بالمائعات، وصبّ الدّواء في الاِحليل حتّى وصل إلى الجوف، واستجلاب ما له طعمٌ ويجري مجرى الغذاء كالكندر في إحدى الرّوايتين، وفي الاَُخرى أنّه لايفطر، قال الشيخ: والاَوّل هو الاحتياط (5). ومتى وقع شيء من ذلك في غير ما ذكرناه من الصّوم أبطله ويوجب القضاء إن كان فرضاً.

وإن وقع في قضاء شهر رمضان بعد الزّوال فعليه مع صيام يوم بدله إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيّام متوالية (6)ومن فعل شيئاً من جميع ذلك ناسياً في أيّ صوم كان فلا شيء عليه وصحّ صومه، وإن فعل شيئاًمن ذلك ناسياً في صوم معيّن (7) ثمّاعتقد أنّ ذلك يفطر فأكل أو شرب أو أتى بمفطر آخر فعليه القضاء والكفّارة، وقيل: عليه القضاء لا غير.

وأمّا ما يجب الاِمساك عنه وإن لم يفسد الصّوم فجميع المحرّمات والقبائح سوى ما سبق.


(1) كذا في «س» ولكن في الاَصل: للمتبرّد دون المتمضمض.
(2) ذرعه القيء: غلبه وسبقه. المصباح المنير.
(3) في الاَصل: بلا حاجة به إليه.
(4) السّعوط على وزن رسول: دواء يصب في الاَنف. المصباح المنير.
(5) المبسوط: 1|273.
(6) كذا في الاَصل ولكن في «س»: متواليات.
(7) في الاَصل: في صوم متعين.


(141)

وما يكره للصّائم فعله اثنا عشر شيئاً: السّعوط الّذي لم ينزل إلى الحلق سواء بلغ الدّماغ أو لا، والكحل الّذي فيه شيء من المسك والصّبر (1) وإخراج الدّم على وجه يضعفه، ودخول الحمّام الموَدّي إلى الضّعف، وشمّ الرّياحين كلّها، وأشدها كراهة (2)النّرجس، واستدخال الاَشياف الجامدة (3) وتقطيرالدّهن في الاَُذن، وبلّ الثّوب على الجسد، واستنقاع المرأة في الماء إلى الحلق، والقبلة، وملاعبة النّساء المحلّلات، ومباشرتهنّ مالم يوَدِّ شيء من ذلك إلى الاِمناء، ولابأس أن يزقّ الصّائم الطّائر أو يمضغ الطّعام للصّبيّ أو يذوق المرقة إذا لم يبلع شيئاً.

الفصل السّادس

من نذر أن يصوم شهراً بعينه لزمه الوفاء سواء كان تامّاً أو ناقصاً، وإن علّقه بوقت قدوم زيد مثلاً فوافق بعض الشّهر لزمه أن يصوم ثلاثين يوماً، وإن أطلق النّذر ولم يعيّنه كان مخيّراً بين أن يصوم شهراً بين هِلالَين أو ثلاثين يوماً، وكذا إذا نذر أن يصوم شهرين أو أكثر، وإن نذر أن يصومه مسافراً كان أو حاضراً لزمه صومه، وإن كان مسافراً فوافق ما نذر صومه (4)معيّناً يوم العيد أفطر وقضى، وإن علّق صومه بيوم العيدين (5)أفطر ولاقضاء لاَنّه نذرٌ في معصيةٍ، وإن نذر أن يصوم يوم يقدم فلان فقدم ليلاً أو نهاراً بعد أن أفطر فلا شيء عليه، وإن قدم قبل الزّوال ولم يفطر جدّد النيّة وصام، وإن نذر صوماً وعلّقه بشرط فلم يعيّن مقدار الصّوم صام أقلّ ما يكون به صائماً إذا حصل الشّرط وهو يوم واحد، والزّمان خمسة أشهر، والحين ستّة أشهر. ومن نذر أن يصوم ببلد بعينه شهراً وجب عليه أن يحضره


(1) الصّبر ـ بكسر الباءـ: الدواء المرّ. مجمع البحرين. وفي لسان العرب: عُصارة شجر مرّ.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وأشدّ كراهية.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: الاَشياء الجامدة.
(4) في الاَصل: فإن وافق ما نذر صومه.
(5) في «س»: بيوم العيد.


(142)

ويصوم، فإن حضره وصام بعضه ثمّ لم يمكنه المقام خرج وقضى الباقي إذا عاد إلى أهله أو حيث عزم المقام فيه عشرة أيّام فصاعداً. ومتى عجز عن صيام ما نذر فيه تصدّق عن كلّ يومٍ بمدّ من الطعام. ومَنْ (1)نذر أن يصوم غداً وكان يوم الاَضحى ولم يعلم، أفطر ولا قضاء، والاَفضل أن يقضيه. ومن نذر أن يصوم لا على وجه القربة بل على وجه (2)التّمرين ومنع النّفس لم ينعقد نذره. ومن صام بنيّة التّطوّع جاز له أن يفطر متى شاء إلاّ بعد الزّوال فإنّه مكروه إلاّ أن يدعوه إلى ذلك أخ موَمن فحينئذٍ الاِفطار أفضل.

الفصل السّابع

كلّ سفر يجب فيه قصر الصّلاة يجب فيه الاِفطار، والشّرائط هنا كهي، ثمّ ومتى كان السّفر أربع فراسخ ولم يرد الرّجوع من يومه لم يجز له الاِفطار، ومن صام في السفر الذي يجب فيه الاِفطار (3)فعليه الاِعادة إذا كان عالماً بوجوب الاِفطار وإلاّ فلا.

من بَيَّتَ للسّفر (4)وخرج قبل الزّوال أفطر وقضى، وإن خرج بعد الزّوال لم يفطر وقضى، وإن لم يبيّت النيّة للسّفر وتجدّد له رأى فيه، أتمّ ذلك اليوم ولا قضاء، فإن جامع وأفطر فيه فعليه القضاء والكفّارة، ولايجوز الاِفطار بعد تكامل الشّروط إلاّ بعد أن يخرج وتتوارى عنه جدران بلده أو يخفى عليه أذان مصره.

وواجبُ الصّوم لايجوز في السّفر إلاّ النّذر المقيّد صومه بحال السّفر وصومُ الاَيّام الثّلاثة لدم المتعة، وصوم التّطوّع مكروه فيه. ويكره للمختار إنشاء السّفر في


(1) في «س»: ومتى.
(2) في الاَصل: على جهة.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ومن صام في سفر يجب الاِفطار.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «يبيت» بيّت النيّة:: إذا عزم عليها ليلاً. المصباح المنير.


(143)

رمضان إلاّ بعد مضيّ ثلاثة وعشرين يوماً منه.

وإذا قدم المسافر أهله نهاراً وقد أكل في صدره أمسك عمّا يفطر بقيّة النّهار أدباً ويقضي، وكذا إذا ورد بلداً يريد فيه المقام عشراً، وإن دخله ولم يفطر في صدر النّهار وجب عليه أن يمتنع ويجدّد النيّة إن كان قبل الزّوال ولا قضاء، وإن كان بعد الزّوال أمسك وقضى، والاَفضل لمن يعلم وصوله إلى البلد أن يبيّت صوم يومه ذاك.

الفصل الثّامن

كلّ مرض لايقدر صاحبه على الصّوم أو يخاف الزّيادة في مرضه يجب معه الاِفطار ولو كان قبل الغروب بساعة، فإن صام والحال هذه أعاد واجباً، وإن برأ وسط النّهار وكان قد تناول مفطراً أمسك بقيّة النّهار أدباً وقضى، وإن لم يتناول جدّد النيّة قبل الزّوال، وإن كان بعد الزّوال قضى تناول أو لا، والحامل المُقْرب والمرضعة القليلة اللّبن إذا أضرّ بهما الصّوم وخافتا على الولد أفطرتا وتصدّقتا (1) عن كلّ يوم بمدّين من طعام فإن لم تقدرا فبمدٍّ ثمّ تقضيانه، وكذا من به عُطاش يرجى زواله، وأمّا من لم يُرْجَ زوال عطاشه والشّيخ الكبير والمرأة الكبيرة إذا عجزوا عن الصّوم أفطروا وتصدّقوا بما مرّ ولاقضاء. وكلّ من أُبيح له إفطار لاينبغي أن يتملاَ من الطّعام ويروى من الشّراب ولايجوز له أن يجامع.

ومن كان مفيقاً في أوّل (2)الشّهر ونوى الصّوم ثمّ أُغمي عليه أيّاماً فلا قضاء عليه مالم يفطر، وكذا إن كان مغمى عليه في أوّل الشّهر لاَنّالنيّة المتقدّمة كافية. ومن جنّ أيّاماً متوالية ثمّأفاق فلا قضاء عليه ـ وإن أفطر ـ لاَنّه ليس بمكلّف،


(1) في الاَصل: «أفطرا و تصدّقا» والصّحيح ما في المتن.
(2) في الاَصل: من أوّل.


(144)

ومن بقي نائماً قبل دخول الشّهر أو بعده أيّاماً وقد سبقت منه نيّة القربة فلا قضاء عليه، وكذا من أصبح (1)صائماً ثمّجنّ في بقيّة يومه أو أُغمي عليه.

الفصل التّاسع

من فاته شيء من شهر رمضان لمرض واستمرّ به المرض إلى رمضان آخر صام الحاضر وتصدّق عن الاَوّل ولا قضاء، وكذا حكم ما زاد على رمضانين. وإن برأ من مرضه قبل لحوق رمضان آخر وجب عليه القضاء، فإن لم يقض ثمّ مات قضى عنه وليّه وهو أكبر أولاده الذّكور، فإن كانوا جماعة في سنّ واحد كان عليهم القضاء بالحِصَص(2)أو يقوم به بعضهم فيسقط عن الباقين، فإن لم يخلّف من الاَولاد إلاّ الاِناث لم يلزمهنّ القضاء وكان الواجب الفدية من ماله عن كلّ يوم بمدّين من طعام وأقلّه مدّ، فإن لم يمت وفي عزمه القضاء من غير توان ويجيئه (3) رمضان آخر صام الحاضر وقضى الاَوّل ولا كفّارة، وإن أخّره توانياً صام الحاضر وقضى الاَوّل وتصدّق عن كلّ يوم بما مرّ، وإذا لم يبرأ (4)ومات صام عنه وليّه ندباً.

وكلّ من مات وقد فاته صوم واجب وتمكّن منه فلم يصمه يصوم عنه وليّه أويتصدّق عنه من أصل تركته إذا لم يكن له وليّ، وإن كان قد اجتمع على الميّت الصّوم والكفّارة صام الوليّ وتصدّق من تركته بما مرّ، فإن لم يكن له وليّ فلكلّ يوم كفّارتان، وكذا حكم المرأة الحائض إذا طهرت في بعض النّهار أمسكت أدباً وقضت، سواء أفطرت أو لا، والاَفضل أن يقضي ما فاته من صيام رمضان متتابعاً، وإن تتابع ستّة أيّام أو ثمانية وفرّق الباقي جاز، والاَوّل أحوط. (5)


(1) في الاَصل: إذا أصبح.
(2) في الاَصل: بحصص.
(3) في الاَصل: «ولحقه» بدل «ويجيئه».
(4) في الاَصل: وإن لم يبرأ.
(5) في الاَصل: والاَحوط الاَوّل.


(145)

ولايجزي قضاء فائتِ الصّوم الواجب في سفر يجب فيه التّقصير، ومن أفطر يوماً يقضيه من شهر رمضان بعد الزّوال قضاه وكفّر بإطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيّام، وروي أنّ عليه ما على من أفطر يوماً من شهر رمضان (1) والصّحيح الاَوّل، وروي أن لاشيء عليه؛ (2)[وذلك] (3)محمول على من لايتمكّن، وأمّا قبل الزّوال فلا شيء عليه.

ومن أصبح جنباً عامداً أو ناسياً فلا يصم ذلك اليوم (4)لاقضاءً ولا تطوّعاً، ومن أجنب في أوّل الشّهر ونسي الغسل ثمّ ذكر[الغسل] (5)اغتسل وقضى ما أتى به بينهما من الصّلاة والصّوم، وإن اتّفق له بينهما غسل يرفع الحدث قضى ما سبق ذلك الغسل.

ومن كان (6) عليه قضاء صوم واجب لم يجز له أن يتطوّع بالصّيام. وما ندب إليه من صيام ثلاثة أيّام في كلّ شهر أربعاء بين خميسين يجوز ـ لمن لايقدر عليه ـ تأخيره من شهر إلى آخر ومن الصّيف إلى الشّتاء وقضاه، فإن لم يقدر تصدّق عن كلّ يوم بدرهم أو مدّ من طعام وإلاّ فلا شيء.

الفصل العاشر

الاعتكاف هو اللّبث للعبادة، وشروطه أن يكون المعتكف مسلماً بالغاً عاقلاً، وأن ينوي ثلاثة أيّام لايصحّ أقلّ منها، وأن يكون صائماً مدّة اعتكافه، وأن


(1) انظر الوسائل: 7، ب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح3.
(2) نفس المصدر، ح4.
(3) ما بين المعقوفتين موجود في «س».
(4) في الاَصل: «لايصح ذلك اليوم».
(5) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(6) كذا في الاَصل ولكن في «س» ومتى كان.


(146)

يعتكف في مسجد صلّى فيه نبيّ أو إمام عادل جمعةً بشرائطها؛ ولايكون ذلك إلاّ أحد المساجد الاَربعة: المسجد الحرام، ومسجد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. والمرأة في ذلك كالرّجل.

والاعتكاف إمّا واجب وهو ما يوجبه الاِنسان على نفسه بالنّذر أو العهد، وإمّا مندوب، ومتى شرط المعتكف على ربّه أنّه متى عرض له عارض رجع فيه، كان له الرّجوع إلاّ إذا مضى يومان فإنّ عليه إتمام الثّلاثة إذاً، وإن لم يشترط وجب عليه بالدّخول فيه إتمام ثلاثةٍ، ولايصحّ الاعتكاف ممّن عليه ولاية كالزّوجة والعبد والاَجير والضّيف إلاّ بإذن من له الولاية من الزّوج والسيّد والمستأجر والمضيف، وحكمُ المدبّر والمكاتب حكمُ العبد إذا لم تَستكمل حرّيته، ومن أذن له الوليّ مدّة معيّنة لم يكن له فسخه عليه إلاّ بعد مضيّها، فإن كان أُطلق في الاِذن لم يلزمه الصّبر عليه أكثر من ثلاثة أيّام وهو أقلّ مدّة الاعتكاف.

يجوز الاعتكاف في جميع أيّام السّنة إلاّ ما لايصحّ صومه كالعيدين، وأفضل أوقاته العشرة الاَخيرة من شهر رمضان. ولا حدّ لاَكثر أيّامه، فإن زاد على الثّلاثة(1) يومين لزمه إتمام ثلاثة أيّام أُخَر، ومتى نذر أن يعتكف يوماً أو يومين لم ينعقد نذره. ويصحّ الاعتكاف في الاَيّام مفردة عن اللّيالي (2)ولايصحّ بالعكس لاَنّه لايصحّ إلاّ مع الصّوم.

وإذا نذر الاعتكاف شهراً ولم يشرط التّتابع (3)جاز له التّفريق غير أنّه لايكون كلّ فرق أقلّ من ثلاثة أيّام، وإن شرط التّتابع لزمه ذلك، فإن فرّق يجب


(1) في الاَصل: على ثلاثةٍ.
(2) في الاَصل: ويصحّ إعتكاف الاَيّام مفردةً من اللّيالي.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ولم يشترط التتابع.


(147)

عليه الاستئناف، فإن كان معلّقاً بوقت فخالفه وخرج بطل مقدار ما خرج (1)دون ما اعتكف إذا لم ينقص عن ثلاثة، فإن نقص بطل الجميع. ولايجب الاعتكاف باليمين ومنع النّفس إلاّ إذا تقرّب به إلى اللّه تعالى.

ويحرم على المعتكف الوطء وسائر ضروب المباشرة والقبلة والملامسة، واستنزال الماء بجميع أسبابه، والبيع والشّراء، والخروج من حيث اعتكف فيه إلاّ لضرورةٍ كالبول والغائط والغسل من الاحتلام، أو لاَداء فريضة أو قربةٍ وعبادةٍ، كحضور جنازة وعيادة مريض وقضاء حاجة موَمن غير أنّه لايمشي تحت الظّلال ولايجلس حيث يدخله ولايصلّي إلاّ حيث اعتكف فيه إلاّ بمكّة فإنّه يجوز أن يصلّي في أيّ بيوتها شاء، وإذا تعيّنت عليه إقامة شهادةٍ خرج لاِقامتها ولا يجلس حتّى يعود إليه، ويجوز أن ينكِح ويُنكح ويشمّ الطّيب ويأكل لحم الصّيد (2)وينظر في أمر معيشته ويتحدّث بما شاء من الكلام المباح، وإن انهدم المسجد كلّه أتمّ اعتكافه في عرصته، وحكم اللّيل حكم النّهار إلاّ في الصّوم.

الخروج من المسجد بغير عذرٍ وطاعةٍ يفسد الاعتكاف، ويفسده السّكر، وكذا الجماع والمباشرة الموَدّية إلى الاِنزال عمداً، ويجب بهذين القضاء والكفّارة، وقيل: يجب بما عدا الجماع القضاء دون الكفّارة. (3)ومتى جامع نهاراً لزمته كفّارتان، وأمّا ليلاً فواحدة، ومن (4)أكره امرأته على الجماع وهي معتكفة بأمره نهاراً لزمته أربع كفّارات، (5)وليلاً كفّارتان على قول بعض أصحابنا، (6)وإن كان


(1) في «س»: ما يخرج.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ويأكل اللحم.
(3) الشيخ: النهاية|171ـ172.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وإن.
(5) كذا في «س» ولكن في الاَصل: لزمه أربع كفارات.
(6) القاضي ابن البراج: المهذب: 1|204.


(148)

اعتكافها بغير إذنه لم يلزمه إلاّ كفّارة نفسه، والكفّارة هي الّتي تجب في إفطار يوم من شهر رمضان على خلاف في كونها مخيّرة أو مرتّبة.

ومتى وطأ ليلاً أو نهاراً أو أكل نهاراً أو خرج من المسجد ساهياً لم يفسد اعتكافه، ومتى خرج المعتكف لعذر من مرض أو خوف أو نحو ذلك عاد إذا زال عذره، وبنى عليه إن كان خروجه بعد مضيّ أكثر مدّة الاعتكاف، وإن كان قبل ذلك استأنفه (1) واجباً كان الاعتكاف أو ندباً، ومن خرج من الاعتكاف بلا عذر وجب عليه قضاوَه واجباً كان أو ندباً، ومن مات قبل انقضاء مدّة اعتكافه قيل: يقضي عنه وليّه أو يخرج من ماله إلى من ينوب عنه قدر كفايته (2) ولاينعقد البيع والشّرى في حال الاعتكاف، ولا يُفسِد الاعتكافَ جدالٌ وسِبابٌ، والنّظر في العلم ومذاكرة أهله في حال الاعتكاف أفضل من الصّلاة تطوّعاً.

* * *


(1) كذا في «س» ولكن في الاَصل: استأنف.
(2) قال الشيخ في المبسوط: ومن مات قبل انقضاء مدّة اعتكافه في أصحابنا من قال: يَقضي عنه وليّه، أو يخرج من ماله إلى من ينوب عنه قدر كفايته، لعموم ما روي: من أنّ من مات وعليه صوم واجب، وجب على وليِّه أن يقضي عنه أو يتصدق. المبسوط: 1|294.


(149)

كتاب الحجّ

الحجّ قصد بيت الحرام لاَداء مناسك مخصوصة، يتعلّق بزمان مخصوص ويحتاج إلى معرفة أقسامه وشروطه وكيفيّة فعله وما يُفسده وأحكامه.

الفصل الاَوّل

أمّا أقسامه فثلاثة: متمتِّع بالعمرة إلى الحجّ وقِران وإفراد، فالتّمتّع أن تقدّم على أفعال الحجّ عمرة يُتحلَّل منها ويُستأنف الاِحرام للحجّ، والقِران أن يُقْرن بإحرام الحجّ سياق الهدي، والاِفراد أن يُفرد الحجّ من الاَمرين.

والتّمتّع (1) فرض من لم يكن من أهل مكّة وحاضريها ـ وهم مَنْ كان بينه وبينها إثنا عشر ميلاً فما دونها ـ لايجزيهم مع التمكّن من حجّة الاِسلام سواه. (2)

وأمّا أهل مكّة وحاضروها ففرضهم القِران والاِفراد ولايجزيهم في حجّة الاِسلام سواه. (3)


(1) في الاَصل: «فالتّمتع».
(2) في «س»: «غيرها» بدل «سواه» ولعلّ التأنيث بلحاظ حجة التّمتع.
(3) في الاَصل: غيره.


(150)

والحجّ ضربان: مفروض ومسنون، فالمفروض: حجّ الاِسلام وحجّ النّذر والعهد (1) وحجّ الكفّارة، والمسنون ما عدا ذلك، ويفارق الواجب في أنّه لايجب الابتداء به ويساويه بعد الدّخول فيه في وجوب المضي فيه وفي سائر أحكامه إلاّ وجوب القضاء لَه إذا فات.

الفصل الثّاني

وأمّا شروطه فضربان: شرائط الوجوب وشرائط صحّة الاَداء، فشرائط الوجوب في حجّ الاِسلام (2) [الحرّيّة] (3)والبلوغ وكمال العقل والاستطاعة تكون بالصحّة والتّخلية وأمن الطّريق ووجود الزّاد والرّاحلة والكفاية له ولمن يعوله والعود إلى كفاية (4)من صناعة أو غيرها، وشرائط صحّة الاَداء: الاِسلام وكمال العقل والوقت والنيّة والختنة. (5)

الفصل الثالث

أفعال الحجّ هي: الاِحرام والطّواف والسّعي والوقوف بعرفة والوقوف بالمشعر الحرام ونزول منى والرّمي والذّبح والحلق.


(1) في «س»: أو العهد.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: فشرائط وجوب حج الاِسلام.
(3) ما بين المعقوفتين موجود في «س».
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س» إلى كفايته.
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «الحريّة » بدل «الختنة».


(151)

الفصل الرّابع

الاِحرام ركن من أركان الحجّ من تركه متعمّداً فلا حجّ له، ولايجوز إلاّ في شوّال وذي القعدة وتسع من ذي الحجّة، فمن أحرم قبل ذلك لم ينعقد إحرامه.

ومعقد الاِحرام لمن حجّ على طريق المدينة ذو الحليفة وهو مسجد الشّجرة، ولمن حجّ على طريق الشّام الجحفة، ولمن حجّ على طريق العراق بطن العقيق وأوّله المسلخ وأوسطه غمرة وآخره ذات عرق، ولمن حجّ على طريق اليمن يَلَمْلَمْ، ولمن حجّ على طريق الطائف قرن المنازل لايجوز إلاّ كذلك.

ومن تجاوز الميقات (1)بلا إحرام متعمّداً ولم يتمكّن من الرّجوع إليه كان عليه إعادة الحجّ من قابل، وإن كان ناسياً أحرم من موضعه ويجوز أن يحرم من منزله دون الميقات، وإحرامه من الميقات أفضل، وميقات المجاور ميقات أهل بلده، فإن لم يتمكّن فمن خارج الحرم، فإن لم يقدر فمن المسجد الحرام.

ويستحبّ لمريد الاِحرام قصّ أظفاره وإزالة الشّعر عن إبطيه وعانته والغسل ويجب عليه لبس ثوبي إحرامه، يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر، ولايجوز أن يكونا ممّا لاتجوز الصّلاة فيه، ويُكره أن يكونا ممّا يكونا ممّا تُكره الصّلاة فيه، ويجزي مع الضّرورة ثوب واحد، ويستحبّ أن يصلّي صلاة الاِحرام ويذكر ما أراده من التّمتّع والقِران والاِفراد.

ويجب عليه أن ينوي للاِحرام ويعقده بالتّلبية الواجبة وهي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَ الْمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. (2)


(1) في «س» ومتى جاوز الميقات.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «... والملك لك لاشريك لك لبيك».


(152)

ولا ينعقد الاِحرام إلاّ بها أو بما يقوم مقامها (1)من الاِيماء ممّن لايقدر على الكلام ومن التّقليد أو الاِشعار للقارن (2)ويذكر زائداً على ذلك من ألفاظ التّلبية ما ورد به الرّسم ندباً ويقول إن كان متمتّعاً: لَبَّيْكَ مُتَمَتِّعاً بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ لَبَّيْكَ. ولايقول: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَ حَجَّةٍ تَمامُها عَلَيْكَ، لاَنّ ذلك يفيد بظاهره تعليق نيّة الاِحرام (3) بالحجّ والعمرة معاً وذلك لايجوز، وإن كان قارِناً أو مفرِداً قال: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ تَمامُها وَ بَلاغُها عَلَيْكَ، وإن كان نائباً عن غيره قال: لَبَّيْكَ عَنْ فُلانٍ ابن فُلانٍ (4) لَبَّيْكَ.

وأوقات التّلبية أدبار الصّلوات وحين الانتباه من النّوم وبالاَسحار (5)وكلّما علا نجداً أو هبط غوراً أو رأى راكباً (6) ويستحبّ رفع الصّوت بها للرّجال وأن لايفعل إلاّ على طهر، وآخر وقتها للمتمتع إذا شاهد بيوت مكّة، وحدّها من عقبة المدنيّين إلى عقبة ذي طوى، وللقارِن والمفرِد إذا زالت الشّمس من يوم عرفة، وللمعتمر عمرة مبتولة إذا وضعت الاِبل أخفافها في الحرم، وإن كان المعتمر خارجاً من مكّة فإذا شاهد الكعبة.

والمتمتّع إذا لبّى بالحجّ متعمّداً بعد طواف العمرة وسعيها وقبل التقصير بطلت متعته وصار ما هو فيه حجّة مفردة، وإن لبّى ناسياً لم يبطل، وإذا انعقد إحرامه يحرم عليه أن يجامع أو يستمني أو يقبّل أو يلامس بشهوة، وأن يعقد نكاحاً


(1) في «س»: بهما أو بما يقوم مقامهما.
(2) في «س»: للقِران.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: لاَنّه يفيد بظاهره تعليق الاِحرام.
(4) في «س»: عن فلان لبيك.
(5) في «س»: أو بالاَسحار.
(6) في «س»: وكلّما علا أو انحدر أو هبط غوراً ورأى راكباً.


(153)

لنفسه أو لغيره أو يشهد عقداً، فإن عقد فالعقد فاسد، وأن يلبس مخيطاً إلاّ سراويل عند الضّرورة عند بعض أصحابنا، (1)وعند بعضهم لا يلبسه حتّى يَفْتق ويصير كالمئزر وهو أحوط.

وأن يلبس ما يستر ظاهر القدم من خفّ أو غيره، وأن تلبس المرأة القُفّازين(2) وأن يغطّي الرّجل رأسه والمرأة وجهها، ، وأن يستظلّ وهو سائر بحيث يكون الظّلال فوق رأسه كالقبّة، وأمّا إذا نزل فلا بأس بجلوسه تحت الظّلال من خيمة أو غيرها، وأن يرتمس في الماء، وأن يصطاد أو يذبح صيداً أو يدلّ على صيد أو يكسر بيضةً، وأن يأكل لحمه وإن صاده المحلّ ولم يكن منه دلالة عليه. وأن يدّهن بما فيه طيب أو يأكل ممّا فيه ذلك وأن يتطيّب بالمسك أو العنبر أو العود أو الكافور أو الزَّعفران، وقد أُلحق بذلك الورس والفسق وهو الكذب على اللّه تعالى أو على رسوله أو على أحد الاَئمّة من آله، والجدال وهو قول: «لا واللّه» و«بلى واللّه»، وأن يقطع شيئاً من شجر الحرم الّذي لم يغرسه في ملكه وليس من شجر الفواكه والاِذخِر (3)[وأن يجزّ حشيشه، فأمّا شجر الفواكه] (4)والاِذخر، وما غرسه الاِنسان في ملكه فيجوز قطعه وكذا رَعْي الحشيش، وأن يزيل شيئاً من شعره أو يقصّ شيئاً من أظفاره وأن يتختّم (5)للزّينة أو يُدمى جسده بحكٍ أو غيره، وأن يزيل القمل عن نفسه أو يسدّ أنفه من الرّائحة الكريهة، وأن يلبس سلاحاً أو يشهّرهُ إلاّ لضرورة، وأن يقتل شيئاً من الجراد أو الزّنابير مختاراً.

فأمّا البقّ والبراغيث فلا بأس أن يُقتـل في غير الحرم ولا بـأس بقتل ما


(1) القاضي ابن البراج: المهذّب: 1|212.
(2) القُفّاز مثل تفّاح: شيء تتخذه نساء الاَعراب ويحشى بقطن يغطّي كفي المرأة وأصابعها. المصباح المنير.
(3) الاِذخرـ بكسر الهمزة والخاء ـ: نبات معروف زكيّ الريح. المصباح المنير.
(4) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل وهو الصّحيح.
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «يتحنى» ولعلّه تصحيف.


(154)

يخافـه (1) من الحيّات والعقارب والسّباع في الحرم وغيره، وأن يمسك ما كان معه من صيد قبل الاِحرام، وأن يُخرج شيئاً من حمام الحرم منه وأن لايرُدَّه (2)بعد إخراجه وأن يُمسك ما يدخل به إلى الحرم من الطّير.

الفصل الخامس

ويمضي المحرم على حاله حتّى يشاهد بيوت مكّة فيقطع التّلبية إن كان متمتَّعاً، ومن النّدب أن يكثر حمد اللّه على بلوغها، ويغتسل إذا انتهى إلى الحرم ويدخله ماشياً بسكينة، ويدخل مكّة من أعلاها ويغتسل قبل دخولها (3)ويدعو بما رسم ويغتسل قبل دخول المسجد ويدخله من باب بني شيبة ويقبّل الحجر الاَسود ويمسحه بيده ثمّ ينوي للطّواف وجوباً ويطوف.

والطّواف على ضربين (4) مفروض ومسنون، فالمفروض ثلاثة: طواف المتعة وطواف الزّيارة ـ وهو طواف الحجّ ـ وطواف النّساء وماعدا ذلك مسنون، ومن النّدب على ما روي أن يطوف مدّة مقامه بمكّة ثلاثمائة وستّين أُسبوعاً [فإن لم يتمكّن طاف] (5)ثلاثمائة وستّين شوطاً.

ووقت طواف المتعة للمختار من حين يدخل مكّة إلى أن تغيب الشّمس من يوم التّروية وللمضطرّ إلى أن يبقى من غروب الشّمس ما يدرك في مثله عرفة في آخر وقتها، فمن فاته مختاراً بطل حجّه متمتّعاً وكان عليه قضاوَه من قابل إن كان فرضاً وصار ما هو فيه حجّة مفردة ولم يُجزِ عنه طواف الحجّ.


(1) في الاَصل: ما خافه.
(2) كذا في «س» ولكن في الاَصل: وعليه أن يردّه.
(3) في «س»: قبل الدّخول.
(4) في الاَصل: والطواف ضربان.
(5) في «س»: بدل ما بين المعقوفتين «أو ثلاث...».


(155)

ومن فاته طواف المتعة مضطرّاً قضاه بعد فراغه من مناسك الحجّ ولا شيء عليه، وطواف الزّيارة ركن من تركه متعمّداً فلا حجّ له، وإن تركه ناسياً قضاه إذا ذكره، فإن لم يذكره حتّى عاد إلى بلده لزمه قضاوَه عن قابل بنفسه، فإن لم يستطع استناب من يطوفه، ووقته للمتمتّع من حين يحلق رأسه من يوم النّحر إلى آخر أيّام التشريق، ويجوز للمضطرّ والمعذور بعد ثلاثة، وأوّل وقته للقارِن والمُفرِد من حين دخول مكّة وإن كان ذلك قبل الموقفين.

ووقت طواف النّساء من حين الفراغ من سعي الحجّ إلى آخر أيّام التّشريق، فمن تركه متعمّداً أو ناسياً حتى عاد إلى أهله لم يفسد حجّه لكنّه لايحلّ له النّساء حتّى يطوفه أو يُطاف عنه، والواجب في الطّواف النيّة ومقارنتها واستمرار حكمها، والطّهارة من الحدث والنّجس وستر العورة والبداءة بالحجر الاَسود والختام به، وأن يكون سبعة أشواط، وأن يكون البيت عن يسار الطائف (1)وأن يكون خارج الحجر، وأن يكون بين البيت والمقام، فمن ترك شيئاً من ذلك لم يجزه الطّواف، ويستلم الاَركان كلّها ندباً ويلصق بطنه وخدّه بالمستجار في الشّوط السّابع.

ولا يجوز قطع الطّواف إلاّ لصلاة فريضة أو لضرورة، فإن قطعه للصّلاة بنى على ما طاف ولو كان شوطاً واحداً، وإن قطعه لضرورة أو سهو بنى على ما طاف إن كان أكثر من النّصف، وإن كان أقلّ منه استأنف، ويستأنفه إن قطعه مختاراً على كلّ حال، ويستأنفه إن شكّ وهو طائف فلم يدر كم طاف أو شكّ بين ستّة وسبعة، فإن شكّ بين سبعة وثمانية قطعه ولا شيء عليه وهكذا لو ذكر وهو في بعض الثّامن أنّه طاف سبعة، فإن ذكر بعد أن تمّمه (2)أضاف إليه ستّة أُخرى وصار له طوافان ولزمه لكلّطواف ركعتان، ولايجوز له الطّواف راكباً إلاّ لضرورة.


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: عن يساره.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: بعد أنّه تمّمه.


(156)

الفصل السّادس

فإذا أراد السّعي ندب إليه أن يأتي (1)الحجر الاَسود فيستلمه (2) ويأتي زمزم ويشرب من مائها ويغتسل منه إن تمكّن أو يصبّ على بعض جسده من الدّلو المقابل للحجر الاَسود ويخرج إلى السّعي من الباب المقابل له.

الفصل السّابع

السّعي ركن وهو ضربان: سعي المتعة وسعي الحجّ، وأوّل وقت سعي المتعة حين يفرغ من طوافها، وأوّل وقت سعي الحجّ حين الفراغ من طوافه، وحكمه في جواز التّقديم للضّرورة حكم الطّواف ويمتدّ كلّ واحد منهما بامتداد وقت الطّواف، وحكم كل واحد منهما في الاِخلال به اختياراً أو اضطراراً (3)ما سبق من حكم المخلّ بالطّواف.

والمفروض في السّعي النّيّة ومقارنتها واستدامة حكمها والبداية بالصّفا والختام بالمروة، وأن يكون سبعة أشواط، والمسنون فيه أن يكون على طهارة وأن يصعد الصّفا ويستقبل الكعبة ويكبّر اللّه ويحمده ويهلّله سبعاً سبعاً ويصلّي على محمّد وآله ويقرأ إنّا أنزلناه وإذا بلغ المنارة هرول الرّجل دون المرأة، فإذا وصل إلى سوق العطّارين قطع الهرولة ومشى إلى المروة وصعد عليها وأتى بالتّكبير والتّحميد والتّهليل والصّلاة على محمّد وآله كما قال على الصّفا، وإذا انحدر عائداً إلى الصّفا فعل في كلّ موضع كما فعل أوّلاً، هكذا يكمله سبعة أشواط، وحكم قطع السّعي


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ندب إلى أن يأتي.
(2) في الاَصل: فليستلمه.
(3) في الاَصل: عن اختيار أو اضطرارٍ.


(157)

والسّهو فيه والشكّ حكم ذلك في الطواف، ولايجوز الجلوس بين الصّفا والمروة ويجوز الوقوف عند الاِعياء والجلوس على الصّفا والمروة ويجوز السّعي راكباً والمشي أفضل.

الفصل الثّامن

فإذا فرغ من سعي المتعة قصّر واجباً وهو أن يقصّ شيئاً من أظفاره وأطراف شعر رأسه ولحيته أو من أحد ذلك، وقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ الصّيد لكونه في الحرم، والاَفضل له أن يتشبّه بالمحرمين إلى أن يحرِم (1)بالحجّ[فإن نسي التقصير حتى أُحرم بالحجّ] (2)فعليه دم شاة، والاِحرام بالحجّ ينبغي أن يكون عند زوال الشّمس من يوم التّروية في المسجد الحرام، وأفضل ذلك تحت الميزاب أو عند المقام، ويصنع فيه كما صنع في الاِحرام الاَوّل من الغسل ولبس ثوبيه والصّلاة والدّعاء والنيّة، وعقد بالتّلبية الواجبة إلاّ أنّه لايذكر في الدّعاء إلاّ الحجّ فقط ولايرفع صوته بالتّلبية، ثمّ يخرج متوجّهاً إلى منى قارئاً إنّا أنزلناه، فإذا بلغ إلى الرّقطاء دون الرّدم (3)وأشرف على الاَبطح رفع صوته بالتّلبية الواجبة والمندوبة ويقول: «لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ تَمامُها عَلَيْكَ» ويبيت بمنى ندباً ويصلّي بها العشائين والفجر لتكون الاِفاضة منها إلى عرفات، ولايفيض منها الاِمام حتّى تطلع الشّمسويلبّي بالواجبة والمندوبة رافعاً بهما صوته ويقرأ إنّا أنزلناه حتى يأتي عرفات.


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: يخرج، والصحيح ما في المتن.
(2) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(3) الرقطاء: موضع دون الردم، يسمّى مدعى الاَقوام مجتمع قبائلهم، و«الرّدم» أي السدّ ومنه الردم بمكّة وهو حاجز يمنع السيل عن بيت الحرام ويعبّـر عنه الآن بالمدعى.مجمع البحرين.


(158)

الفصل التاسع

الوقوف بعرفة ركن، وأوّل وقته حين تزول الشّمس (1)من اليوم التّاسع وآخره للمختار إلى غروبها وللمضطرّ إلى طلوع الفجر يوم النّحر، فمن فوّته مختاراً بطل حجّه، وإن كان مضطرّاً فأدرك المشعر الحرام فحجّه ماض، ونُدِبَ لمن أتى عرفات أن يضرب خباءه بنمرة، وهي بطن عرنة وأن يغتسل إذا زالت الشّمس ويجمع بين الظّهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، وأن يكون وقوفه في ميسرة الجبل وأن يدعو في حال الوقوف.

والواجب في الوقوف النيّة ومقارنتها واستدامة حكمها وأن لايكون تصعيده في الجبل (2)إلاّ لضرورة ولا في نمرة ولا ثويّة ولا ذي مجاز ولا تحت أراك، وأن يكون إلى غروب الشّمس، فإن أفاض قبل الغروب متعمّداً، عالماً بأنّذلك لا يجوز فعليه بدنة، وكيفية الوقوف أن يتوجّه إلى القبلة فيسبّح اللّه ويحمده ويهلّله ويكبّره ويصلّي على محمّد وآله مائةً مائةً، ويأتي بعد ذلك من الآيات والاَذكار والاَدعية بما هو مذكور في مظانّه.

الفصل العاشر

فإذا غربت الشّمس أفاض منها إلى المشعر فإذا وصل إليه نزل به، وحدّه ما بين المأزمين (3)إلى الحياض وإلى و ادي محسِّر. (4)


(1) في الاَصل: حتى تزول الشمس.
(2) في الاَصل: وأن لايكون يصعد في الجبل.
(3) المأزم ـ وزان مسجد ـ: الطريـق الضيـق بين الجبليـن ويقال للموضـع الذي بين عرفـة والمشعر «مأزمان». مجمع البحرين.
(4) وهو بين منى ومزدلفة، سمّى بذلك لاَنّ فيل أبرهة كلَّ فيه وأعيى فحسر أصحابه بفعله وأوقعهم في الحسرات. المصباح المنير.


(159)

الفصل الحادي عشر

الوقوف بالمشعر ركن، ووقته للمختار من طلوع الفجر إلى ابتداء طلوع الشّمس، ويمتدّ للمضطرّ إلى اللّيل كلّه، فمن فاته حتّى طلعت الشّمس فلا حجّ له.

والواجب في الوقوف النيّة ومقارنتها واستدامة حكمها وأن لايرتفع الواقف إلى الجبل إلاّ لضرورة من ضيق أو غيره، والدّعاء بأقلّ ما يسمّى به المرء داعياً عند بعض أصحابنا. (1)

والمستحبّ أن يطأ المشعر وأن يكبّر اللّه ويسبّحه ويحمده ويهلّله مائةً مائةً ويصلّي على محمّد وآله وأن يجتهد في الدّعاء والمسألة إلى ابتداء طلوع الشّمس، فإذا طلعت أفاض من المشعر، ولايجوز للمختار أن يخرج منه قبل طلوع الفجر ولايجوز وادي محسّر حتّى تطلع الشمس، [ولايخرج الاِمام من المشعر حتّى تطلع الشمس](2) ويجوز للنّساء إذا خفن مجيء الدّم الاِفاضة ليلاً وإتيان منى والرّمي والذّبح والتّقصير ودخول مكّة للطّواف والسّعي، ولايجوز أن يُصلّى العشاءان إلاّ في المشعر إلاّ أن يخاف فوتها بخروج وقت المضطرّ، ويستحبّ الجمع بينهما بأذان واحـد وإقامتين وأن يسير ـ إذا أفـاض من المشعر إلى منى ـ ذاكراً للّه تعالى ومستغفراً له وأن يقطع وادي محسّر بالهرولة ويجزئه أن يهرول فيه مائة خطوة وإن كان راكباًحرّك فيه راحلته.

الفصل الثاني عشر

من السنّة المبيت بمنى ليلة عرفة، ونزولها يوم النّحر لقضاء المناسك بها من


(1) الحلبي: إشارة السبق: 135.والحلّـي: السرائر المطبوع في ضمن سلسلة الينابيع الفقهية: 8|609.
(2) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.


(160)

رمي جمرة العقبة والذّبح و الحلق أو التّقصير، ونزولها أيّام التّشريق للرّمي، والمبيت بها ليالي هذه الاَيّام إلى (1)حين الاِفاضة، وحدّ منى من طرف وادي محسّر إلى العقبة، فإن ترك المبيت بها مختاراً بلا عذر ليلةً فعليه دم، فإن ترك ليلتين فدمان، فإن ترك الثّالثة فلا شيء عليه، لاَنّ له أن ينفر في النّفر الاَوّل وهو يوم الثّاني من أيّام التّشريق، فإن لم ينفر فيه حتّى غربت الشّمس فعليه المبيت اللّيلة الثّالثة، فإن نفر ولم يبت فعليه دم ثالث.

ومن أصاب النّساء أو شيئاً من الصّيد أو كان صرورة (2)فليس له أن ينفر في النّفر الاَوّل بل يقيم إلى النّفر الاَخير وهو اليوم الثّالث من أيّام التّشريق، ويجوز لمن عدا من ذكرناه أن ينفر في الاَوّل، وتأخير النّفر إلى [النّفر] (3)الاَخير أفضل له، ومن أراد النّفر في الاَوّل فلاينفر حتّى تزول الشّمس إلاّ لضرورة فإنّه يجوز معها قبل الزّوال، ومن أراد النّفر في الاَخير جاز له ذلك بعد طلوع الشّمس متى شاء، ومن أراد المقام بها جاز له ذلك إلاّ الاِمام وحده فإنّ عليه أن يصلّي الظّهر بمكّة.

الفصل الثالث عشر

لا يجوز الرّمي إلاّ بالحصى، ولايجوز بالحصى المأخوذ من غير الحرم ولا بالمأخوذ من المسجد الحرام أو من مسجد الخيف، ولا بالحصى الّذي قد رُمِي به مرّة أُخرى، سواء كان هو الرّامي به أو غيره، ومقدار الحصاة (4)كرأس الاَنملة وأفضله الملتقط من المشعر الحرام البُرش (5)منه ثمّ البيض والحُمْر، ويُكره السّود


(1) في الاَصل: «إلاّ» بدل «إلى».
(2) والصَّرورة ـ بالفتح ـ: الذي لم يحجّ. المصباح المنير.
(3) مابين المعقوفتين ليس بموجود في الاَصل بل موجود في «س».
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ومقدار الحصى.
(5) هي المشتملة على ألوان مختلفة. مجمع البحرين.


(161)

ويُكره أن يكسره، وهو سبعون حصاة يَرْمي يوم النّحر جمرة العقبة وهي القصوى بسبعٍ ويرمي كلّ يوم بعد [ه] الجمارَ الثلاثَ (1)بإحدى وعشرين حصاة، ووقت الاستحباب لرمي الجمرة العقبة بعد طلوع الشّمس من يوم النحر، ووقت الاِجزاء من طلوع الفجر مع الاختيار.

فمن رمى قبل ذلك لم يجزه إلاّ لضرورة، ووقت الرّمي في أيّام التّشريق كلّها بعد الزّوال، ومن فاته رمي يوم حتّى غربت الشّمس قضاه في اليوم الثّاني في صدر النّهار، ومن فاته الرّمي بخروج أيّام التّشريق قضاه من قابل أو استناب من يرمي عنه، ويجب أن يبدأ بالجمرة الاَُولى وهي العظمى وهي الّتي إلى منى أقرب ثمّ الوسطى ثمّ العقبة وهي الّتي إلى مكّة أقرب، فإن خالف التّرتيب استدركه.

ويستحبّ أن يقف عند الاَُولى والثّانية ويكبّر مع كلّحصاة ولايقف عند الثّالثة وأن يكون الرّامي على طهارة وأن يقف من قِبَلِ وجه الجمرة ولايقف من أعلاها وأن يكون بينه وبينها قدر عشرة أذرع إلى خمسة عشر ذراعاً وأن يقول والحصاة في يده: اللّهمّ هوَلاءِ حصياتِي فَأَحْصِهِنَّ لي وَ ارْفَعْهُنَّ في عَمَلي.

وأن يرمي حذفاً وهو أن يضع الحصاة على باطن إبهامه ويدفعها (2)بظاهر مسبّحته وإذا نسي فرمى الاَُولى بثلاث حصيات ورمى الجمرتين الاَُخريين على التّمام ثمّ ذكر استأنف رَمْي الجمرات الثّلاث من أوّله، فإن كان رمى الاَُولى بأربع تمّم رميها بثلاث حصيات ولم يعد الرّمي على الجمرتين الاَُخريين، وهكذا حكمه (3)، إذا نسي فرمى الوسطى بثلاث أو أربع ورمى الثّالثة على التّمام، وإذا علم أنّه قد نقص حصاة ولم يعلم لاَيّ الجمرات هي، رمى كلّ جمرة بحصاة، وإذا رمى حصاة


(1) مابين المعقوفتين منّا أثبتناه لتتميم الكلام. وفي الاَصل: ويرمى كلّ يوم نفرٍ الجمارَ الثلاث.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ويكفيها.
(3) في الاَصل: وهذاحكمه.


(162)

فوقعت في محملٍ أو على ظهر بعير ثمّ سقطت على الاَرض أجزأت وإلاّ فعليه أن يرمي عوضاً عنها.

الفصل الرابع عشر

الذّبح على ضربين: مفروض ومسنون، فالمفروض في هدي النّذر وهدي الكفّارة وهدي التمتّع وهدي القِران بعد التّقليد أو الاِشعار، والمسنون في هدي القِران قبل التّقليد أو الاِشعار والاَضحيّة، وهدي النّذر يلزمه في صفته وسياقِه، وتعيينِ موضعِ (1)ذبحه أو نحره ما يشترط النّاذر، وإن نذر هدياً بعينه لم يُجزِهِ غيرُهُ، وإن نذر مطلقاً ولم يعيّن شيئاً ممّا ذكرناه فعليه أن يهدي إمّا من الاِبل أو البقر أو الغنم وأن ينحره أو يذبحه بمكّة قبالة الكعبة، ولايجوز أن يكون الهدي إلاّ ما ذكرناه، وهدي النّذر مضمون على النّاذر يلزمه عوض ما انكسر منه أو فات أو ضلّ ولا يحلّ له الاَكل منه.

وأمّا هدي الكفّارة فيختلف اختلافَ الجنايات كما سبق [ويلزمه سياق ما وجب عن قتل الصّيد من حيث حصل القتل إن أمكن ولايلزم سياق] (2)ما وجب عمّا عدا ذلك من الجنايات (3)ويذبح أو ينحر إن كان لتعدٍّ في إحرام المتعة(4)أو العمرة المفردة بمكّة قبالة الكعبة، وفي إحرام الحجّ بمنى وحكمه في الضّمان وتحريم الاَكل حكم هدي النّذر.

وأمّا هدي التمتّع فأعلاه بدنة وأدناه شاة ويذبح أو ينحر (5)بمنى وكذا


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ويعيّن موضع.
(2) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: كما سبق ولم يستاق ما وجب عمّا عدا ذلك، من الجنايات.
(4) كذا في «س» ولكن في الاَصل: لزمه في إحرام المتعة.
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وأمّا هدي التمتع فإنّما هي بدنة.فصل فيأتي ويذبح أو ينحر.


(163)

هدي القِران (1)ويلزمه سياقه بعد التّقليد أو الاِشعار، وإن كان ابتدأه تطوّعاً.

والتقليد أن يعلّق عليه نعل أو مزادة.والاِشعار أن يشقّ السّنام (2)من الجانب الاَيمن بحديدة حتّى يسيل الدّم وسنَّ (3)ذلك لكلّ من ساق هدياً، ويجوز الاَكل من هدي التمتّع والقِران ومن الاَضحية، وأفضل الهدي و الاَضاحي من الاِبل والبقر[الاِناث، ومن الغنم الفُحولة، ولايجوز من الاِبل والبقر] (4)والمعز إلاّ الثنيّ وهو من الاِبل الّذي تمّت له خمس سنين ودخل في السّادسة ومن البقر والمعز الّذي تمّت له سنة ودخل في السّنة الثّانية، ويجزي من الضّأن الجذع وهو الّذي لم يدخل في السّنة الثّانية، ولايجوز مع الاختيار أن يكون ناقص الخلقة ولا أعور بيِّن العور ولا أعرج بيِّن العرج ولا مهزولاً ولا أخرم ولا أجدع وهو مقطوع الاَُذن ولا خصياً ولا أعضب وهو مكسور القرن إلاّ أن يكون الدّاخل صحيحاً والخارج مقطوعاً فإنّه جائز.

ولايجوز التّضحية بمنى إلاّ بما قد أحضر(5)عرفات سواء أحضره هو أو غيره، ولا يجزي الهدي الواحد في الواجب إلاّ عن واحد مع الاختيار ومع الضّرورة [تُجْزي] (6)البدنة والبقرة عن خمسةٍ وعن سبعة.

وأمّا المتطوّع به فيجوز اشتراك الجماعة فيه مع الاختيار إذا كانوا أهل خوان واحد، وإن لم يكونوا كذلك فاشتراكهم جائز مع الاضطرار، ومن السنّة أن يتولّى


(1) في «س»: وهكذا هدي القِران.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ويلزمه بسياقه وبعد التقليد أو الاِشعار أن يشقّ السّنام.
(3) في «س»: وسنّن.
(4) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(5) في «س»: قد أحضرت.
(6) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.


(164)

المُهدي الذّبح أو النّحر بنفسه أو يشارك الفاعل لذلك (1)وأن ينحر ما ينحر وهو قائم معقول اليد اليسرى من الجانب الاَيمن من اللّبة ولايجوز أن يُعطى الجزّار شيئاً (2) من الهدي ولا من جَلده (3)على جهة الاَجر ويجوز على وجه الصّدقة.(4)

وأيّام الذّبح بمنى أربعة: يوم النحر وثلاثة بعده، وفي سائر الاَمصار ثلاثة: يوم النّحر ويومان بعده. ويجوز ذبح هدي المتمتّع طول ذي الحجّة، ومن لم يجده ووجد ثمنه تركه عند من يثق به ليشتريه في العام المقبل ويذبح عنه، فإن لم يقدر على الثّمن صام ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله.

الفصل الخامس عشر

إذا ذبح الحاجّ هديه أو نحره فليحلق رأسه، يجلس مستقبل القبلة ويأمر الحلاّق أن يبدأ بالنّاصية من الجانب الاَيمن ويدعو، والحلق نسك وليس إباحة محضةً (5) كاللّبس والطّيب، ويجوز التّقصير بدلاً من الحلق، وقد روي: أنّ الصّرورة لا يجزئه إلاّ الحلق، (6)وينبغي أن يكون الحلق بمنى فمن نسيه حتّى خرج منها عاد إليها فحلق، فإن لم يتمكّن حلق بحيث هو وبعث شعره ليُدفن بها.

الفصل السّادس عشر

ثمّ يدخل مكّة من يومه أو من الغد لطواف الزّيارة وهو طواف الحجّ،


(1) في «س»: كذلك.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «إن شاء» بدل «شيئاً».
(3) في «س»: ولا من جلاله.
(4) في الاَصل: على جهة الصّدقة.
(5) في «س»: «محضورة» ولعلّه تصحيف.
(6) أُنظر الوسائل: 10، ب7 من أبواب الحلق، ح10.


(165)

وللسعي بين الصّفا والمروة ولطواف النّساء، ويصنع قبل دخول مكّة والمسجد وفي الطّواف والسّعي مثل ما فعله أوّلاً.

ثمّ يخرج (1) من يومه إلى منى للمبيت بها ورمي الجمار كما مرّ، وإذا نفر من منى نُدب إلى أن يأتي مسجد الخيف فيصلّي فيه ستّ ركعات عند المنارة الّتي في وسطه ويسبّح تسبيح الزّهراء ـعليها السلامـ ويدعو، وأن يحوّل وجهه إلى منى إذا جاوز جمرة العقبة ويدعو، وأن يدخل مسجد الحصباء إذا بلغ إليه ويصلّي فيه ويستريح بالاستلقاء على ظهره، فإذا أراد المسير من مكّة استحبّ أن يطوف بالبيت طواف الوداع وأن يدخله ويصلّي في زواياه وعلى الرّخامة الحمراء ويكثر من التضرّع والدّعاء، وأن يأتي زمزم فيشرب من مائها ويصلّي عند المقام ركعتين ويدعو.

الفصل السَّابع عشر

وحكم النّساء حكم الرّجال إلاّ في النّحر والاِحرام والحلق وعليهنّ كشف الوجوه والتقصير، ولايستحبّ لهنّ رفع الصّوت بالتّلبية ولا الهرولة بين الميلين، وتوَدّي الحائض والنّفساء جميع المناسك إلاّ الطّواف فإنّها تقضيه إذا طهرت، وليس وجود المحرم شرطاً في وجوب الحجّ على المرأة في صحّة الاَداء.

الفصل الثّامن عشر

شروط التّمتّع ستّة: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، ويحجّ من سنته، ويحرم بالحجّ من جوف مكّة، ولا يكون من حاضري المسجد الحرام، ويحرم بعمرته من الميقات، والنيّة، والاَفضل أن تكون مقارنة للاِحرام، فإن فاتت جاز تجديدها إلى وقت التّحلّل.


(1) في الاَصل: خرج.


(166)

وشرائط القارن و المفرِد (1)أن يحرم في أشهر الحجّ، وأن يحرم من ميقات أهله إن لم يكن مكّياً، وإن كان فمن دويرة أهله، وأن يحجّ من سنته، والنيّة.

والمفروض من أفعال الحجّ ضربان: ركن وغير ركن، فأركان المتمتع عشرة: النية والاِحرام من الميقات في وقته، وطواف العمرة، والسّعي بين الصّفا والمروة لها، والاِحرام بالحجّ من جوف مكّة، والنيّة له، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر، وطواف الزّيارة، والسّعي للحجّ.

وغير الرّكن ثمانية: التّلبيات الاَربع [مع الاِمكان] (2)أو ما يقوم مقامها مع العجز، وركعتا طواف العمرة، (3)والتقصير بعد السّعي، والتّلبية عند الاِحرام بالحجّ وما يقوم مقامها، والهدي أو ما يقوم مقامه من الصّوم مع العجز، وركعتا طواف الزّيارة، وطواف النّساء، وركعتا الطّواف له.

وأركان القارِن والمفرِد ستّة: النيّة، والاِحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر، وطواف الزّيارة، والسّعي.

وغير الرّكن فيهما أربعة: التّلبية أو ما يقوم مقامها من تقليد أو إشعار، وركعتا طواف الزّيارة، وطواف النّساء، وركعتا الطّواف له.

الفصل التّاسع عشر

كيفيّة أفعال المتمتّع أن يبدأ بوفر شعر رأسه ولحيته (4)من أوّل ذي القعدة ولايمسّ (5) شيئاًمنهما، فإذا انتهى إلى ميقات بلده أحرم بالحجّ متمتّعاً ومضى إلى


(1) كذا في الاَصل: ولكن في «س»: وشرائط المفرد.
(2) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وركعتا الطواف والعمرة.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: فيوفّر شعر رأسه ولحيته.
(5) في «س»: ولايلمس.


(167)

مكّة فإذا شاهد بيوت مكّة قطع التّلبية، فإذا دخل المسجد الحرام طاف بالبيت سبعاً وصلّى عند المقام ركعتين، ثمّ خرج إلى السّعي فسعى بين الصّفا والمروة سبعاً وقصّ من شعر رأسه، وقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه (1)إلاّ الصّيد لكونه في الحرم.

فإذا كان يوم التّروية عند الزّوال صلّى الظّهر والعصر وأحرم بالحجّ ومضى إلى منى وبات بها، ثمّ غدا منها إلى عرفات فيصلّي (2)بها الظّهر والعصر ووقف إلى غروب الشّمس، ثمّ أفاض إلى المشعر الحرام فوقف بها تلك اللّيلة، فإذا أصبح يوم النّحر غدا منها إلى منى وقضى مناسكه ثمّ يمضي يوم النّحر أو من الغد لايوَخّر ذلك إلى مكّة ويطوف بالبيت طواف الحجّ، ويصلّي ركعتي الطّواف ويسعى وقد فرغ (3)من مناسكه كلّها، وحلّ له كلّشيء إلاّ النّساء والصّيد، ثمّ يطوف طواف النّساء متى شاء مدّة مقامه بمكّة، فإذا طافه حلّت له النّساء، وعليه هديٌ واجب وهو نسك ليس يجبر أن ينحره بمنى يوم النّحر، فإن لم يتمكّن منه صام ثلاثة أيّام في الحجّ (4)سبعة إذا رجع إلى أهله.

والقارنُ يحرم (5)من ميقات أهله، ويسوق الهديَ يشعره من مواضع الاِحرام يَشُقُّ سنامه (6)ويلطّخه بالدّم ويعلّق في رقبته نعلاً كان يصلّي فيها ويسوق الهدي معه إلى منى، ولا يجوز له أن يحلّ حتّى يبلغ الهديُ مَحِلَّه ويجوز له أن يدخل مكّة لكن لايقطع التلبية [وكلّما طاف بالبيت تطوّعاً لبّى بعده ليعقد إحرامه بالتلبية] (7)


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: من كلّ ما أحرم عنه.
(2) في الاَصل: فصلّى.
(3) في «س»: وقد خرج.
(4) في «س»: بالحجّ.
(5) في «س»: وللقارن.
(6) في «س»: بشق سنامه.
(7) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل وهو الصّحيح.


(168)

ثمّ يقضي مناسكه بالموقفين ومنى، ثمّ يعود إلى مكّة فيطوف بالبيت سبعاً ويسعى(1)بين الصّفا والمروة كذلك، ثمّ يطوف طواف النّساء وقد أحلّ من كلّ شيء[أحرم منه] (2)وعليه العمرة بعدُ وهي تسقط عن المتمتّع لدخولها في الحجّ، ولا يجوز للقارِنِ والمفرِد قطع التّلبية إلاّ بعد الزّوال من يوم عرفة ولا هدي عليهما ونُدِبا إلى الاَضحية.

الفصل العشرون

ما يلزم المحرم على جناياته ضروب:

منها: ما يجب فيه بدنة وهو أن يصيب نعامة أو بيض نعامة يتحرّك فرخها(3) وإن لم يتحرّك أرسل فحولة الاِبل في إناثها وأهدى للبيت ما نتج منها، أو يجامع في الفرج أو فيما دونه متعمّداً قبل الوقوف بالمزدلفة ويعيد الحجّ من قابل في الجماع في الفرج، وكذا في حجّة التطوّع وكذا على المرأة إن طاوعته وإن أكرهها فلا شيء عليها وعليه كفّارتان، أو يجامع متعمّداً بعد الوقوف بالمشعر، أو يجامع مُحِلٌّ مملوكته المحرمة بإذنه، وبغير إذنه لا شيء، أو يأتي المرأة في دبرها أو الغلام أو البهيمة، وفي فساد الحجّ بذلك إذا وقع قبل عرفة أو قبل المشعر قولان. (4).

أو يجامع قبل طواف الزّيارة أو قبل التقصير وهو قادر على البدنة أو قبل طواف النّساء بعد المناسك (5)أو يجامع محرم بعمرة مبتولة قبل أداء مناسكها، ويقيم مع ذلك بمكّة ليعيد العمرة في الشّهر الدّاخل، أو يعبث بذكره فيمني يعيد


(1) في الاَصل: وسعى.
(2) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(3) في «س»تحرّك فرخها.
(4) في «س»: «وقبل المشعر» لاحظ المختلف: 4|151ـ252 الطبع الحديث تجد الاَقوال هناك.
(5) في «س»: «بعد منى».


(169)

مع البدنة الحجّ من قابل إن كان قبل الوقوف بالمزدلفة، وإن كان بعده فالبدنة لا غير، أو ينظر إلى غير أهله فيُمني قادراً على البدنة، أو ينظر إلى أهله فيُمني، أو يلاعبها كذلك، أو يعقد على امرأة لغيره ويدخل بها، أو يجادل ثلاثاً كاذباً، أو يقبّل امرأته عن شهوة، أو ينسى طواف الزّيارة حتّى يرجع إلى أهله يقضيه مع البدنة إن تمكّن، أو يفيض من عرفات إلى المزدلفة قبل غروب الشّمس متعمّداً جاهلاً بذلك، أو يجامع وهو في طواف الزّيارة وعليه الاِعادة، أو يجامع في طواف النّساء ولم يجز نصفه (1)فإن جازه بنى عليه، أو ينذر الحجّ ماشياً ويركب (2)للعجز يقوم معها في المعابر، أو يجامع بين السّعي يُتمِّمه معها (3)وإن جامع لظنّه أنّه تمّم، تمّم ولاشيء، وكلّ ما بلغ بدنةً لايجب فيه التّضعيف وتكرار الوطء يوجب تكرار (4). الكفّارة في مجلس واحد كان أم لا، كفّر عن الاَوّل أم لا.

ومنها: ما فيه بقرة وهو أن يصيب حمار وحشٍ أو بقرة وحشيّة أو يجادل مرّتين كاذباً أو يقلع من شجرة الحرم ما لم يغرسه هو في ملكه (5)ولا نبت في داره (6). بعد بنائه لها (7)إن كانت كبيرة، أو لايكون قادراًعلى البدنة الواجبة في الجماع قبل طواف الزّيارة أو في الاِمناء من النّظر إلى الاَهل.

ومنها: ما فيه كبش[وهو أن يُصيب أسداً إلاّ على سبيل الدفع عن النّفس.

ومنها: ما فيه شاة] (8)وهو أن يصيب ظبياً أو أرنباً أو ثعلباً أو نحو ذلك في


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ولم ينصفه.
(2) في «س»: وركب.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «بنى التسع فتمّمه» والصحيح ما في الاَصل.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وتكرار الكفارة في مجلس» والصحيح ما في الاَصل.
(5) في «س»: وهو في ملكه.
(6) في «س»: «ولايثبت» بدل«ولانبت» والصّحيح ما في الاَصل.
(7) في «س»: بعد نباته لها.
(8) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل وهو الصّحيح.


(170)

الحلّ، أو يصيب طائراً من حمام الحرم أو يخرجه منه أو ينفّره فيرجع (1) فإن لم يرجع فعليه لكلّ طائر شاة، أو يأكل جراداً كثيراً أو يصيبه متمكّناً من أن لا يصيبه.

أو يذبح محلٌّ طائراً من الصّيد في الحرم، أو يصيب حَجَلَةً أو حمامةً (2)أو شيئاً من بيضهما وقد تحرّك فيه الفرخ فإن لم يتحرّك أرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض، والنّتاج هدي، أو يغلق محرم على حمام الحرم باباً فيهلك فلكلّ طير شاة، أو لايقدر على بدل البدنة من البقرة في الموضعين، أو يجادل ثلاثاً صادقاً أو مرّة كاذباً.

أو يقبّل زوجته بلا شهوة، أو يقلّم أظفار يديه أو رجليه أو الجميع في مجلس واحد، فإن قلّم شيئاً منها ناسياً فلا شيء عليه، أو يمسّ رأسه أو لحيته لا للطّهارة فيسقط منه شعر كثير، أو يقلع شجرةً صغيرة في الحرم بالصّفة المذكورة، أو يفتي غيره بتقليم ظفرٍ فأدمى إصبعه، أو يحلق رأسه لاَذىً، أو يظلّ على نفسه، أو يستعمل دهناً فيه طيب، أو يلبس أو يأكل ما لايحلّ له، أو يَنْتفَ إبطيه جميعاً، أو يقلع ضرساً له، أو يخرج من المشعر قبل طلوع الفجر.

أو يلبس قميصاً أو ثياباً جماعة في مجلس واحد، فإن لبسها منفرداً فعليه لكلّ واحد شاة وينزع الثّوب من قبل رجليه، أو يحلق رأسه متعمّداً قبل يوم النّحر، أو ينسى (3). التّقصير حتّى يهلّ بالحجّ (4) أو يقبّل زوجته قبل التّقصير، أو يترك الحلق(5) والتّقصير حتّى يزور البيت، أو يهلّ عليه المحرّم (6)ولم يكن صام الثّلاثة


(1) في الاَصل: أو ينفّر ذلك، فيرجع.
(2) في «س»: «حجلاً وحمامة » والحجل: طير معروف الواحدة حجلة.المصباح المنير.
(3) في الاَصل: وينسى.
(4) أهلَّ المحرم: رفع صوته بالتّلبية.المصباح المنير.
(5) في «س»: أو ترك الحلق.
(6) والمراد انّه دخل عليه شهر المحرّم.


(171)

الاَيّام لدم المتعة ولاعوضها من ذي الحجّة، أو يبيت ليلة من ليالي التّشريق بغير منى، أو يضرب بطائر الاَرض في الحرم فيقتله، وعليه مع الشاة قيمتان والتّعزير، أو توقِدُ جماعة [ناراً] (1)فيقع فيها طائر فعلى كلٍّ منهم الفداء إن قصدوا ذلك وإلاّ فعلى الجميع [واحداً]. (2)

وإذا اشترى محلٌّ لمُحْرمٍ بيضَ نعام فأكله المحرم فعلى المحلّ لكلّبيض (3) درهم وعلى المحرم لكلّ منها (4)دم شاة، وفي كلّ واحد من البطّ والاِوَزّ والكركيّ(5) شاة وقيل: القيمة. ومن غلّق على حمام باباً فهلك فرخُها فلكلّفرخ حَمَلٌ (6) فطيمٌ، ومن أصاب قطاةً أو قتل فرخاً في الحلّ وكذلك في اليربوع جدي، (7) وكذا في القنفذ والضّبّ وشبه (8)ذلك.

[الفصل الحادي والعشرون ] (9)

[واعلم] (10) انّ من قتل صيداً له مثل [وكان] (11)حرّاً كامل العقل محلاً في الحرم أو محرماً في الحلّ فعليه [فداوَه بمثله من النَّعم، وإن كان مُحرماً في الحرام


(1) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل، وهو الصّحيح.
(2) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(3) في الاَصل: «لكل بيضةٍ».
(4) في «س»: «لكلٍ منهم» والصحيح ما في المتن.
(5) البطّ من طير الماء يطلق على صغاره وأمّا الاِوَزّ ـ بكسر الهمزة وفتح الواو وتشديد الزاءـ فيطلق على كباره. والكُركي ـ بضم الكاف ـ: طائر معروف. مجمع البحرين.
(6) الحَمَلُ ـ بفتحتين ـ: ولد الضائنة في السنة الاَُولى. المصباح المنير.
(7) والجدي هو الذكر من أولاد المعز.المصباح المنير.
(8) في «س»: وشبهه والصحيح ما في المتن.
(9) ما بين المعقوفتين من زيادات «س».
(10) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(11) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل وهو الصحيح.


(172)

فعليه ] (1) الفداء والقيمة أو الفداء مضاعفاً، وإن كان مملوكاً فكفّارته على مالكه إن كان إحرامه بإذنه، وعليه إن كان بغير إذنه بالصّوم، وإن كان غير كامل العقل فعلى وليّه، وتكرار القتل يوجب تكرار الكفّارة في النّاسي، وفي المتعمّد قولان، (2) وفي شرب لبن ظبية في الحرم دم وقيمة اللّبن، وفي قتل المحرم حمامة في الحرم دم وقيمة، وفي إصابته (3)بيضَ حمامٍ في الحرم الجزاء والقيمة.

ومن أدخل الحرم صيداً كان معه زال عنه ملكه، فإن أخرجه وهلك فعليه فداوَه، ومن دلّ على صيد فقُتِل فعليه فداوَه (4) وإذا قتل جماعة محرمون صيداً معاً فعلى كلّ منهم فداء، وإذا اشتروا لحم صيدٍ وأكلوه لزم كلاّ ً منهم فداءٌ كاملٌ، وإذا رمى إثنان صيداً فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر لزم كلاّ ً منهم الفداء (5)، وإذا قتل محرم ومحلّ صيداً في الحرم فعلى المحرم الفداء والقيمة وعلى المحلّ القيمة، وفي غير الحرم على المحرم خاصّة الجزاء، وكلّ ما يصيبه المحرم من الصّيد في الحلّ فعليه الفداء لا غير وما يصيبه في الحرم فعليه الفداء والقيمة معاً ويلزم المحلّ في الحرم القيمة، وما لا دم فيه كالعصفور إذا أصابه المحرم في الحرم فعليه قيمتان.

إذا قتل المحرم صيداً في الحرم ثمّ يأكله (6)فعليه فداءان، ومن رمى صيداً ولم يعلم هل أثّر فيه أم لا، ومضى على وجهه، لزمه الفداء، وإن أثّر فيه ثمّ رآه وقد صلُح، فعليه ربع الفداء.وإذا رمى مُحلٌّ صيداً يَوَمُّ الحرمَ فأصابه ودخل الحرم (7)


(1) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(2) لاحظ المختلف: 4|122 من الطبع الحديث.
(3) في «س»: إصابة.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: جزاوَه.
(5) في الاَصل: فداءٌ كامل.
(6) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «في الحرم لم يأكله» والصحيح ما في المتن.
(7) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وادخل الحرم.


(173)

ومات فيه، كان لحمه حراماً وعليه الفداء، وروي: أنّ من أصاب صيداً فيما بين البريد وبين الحرم فعليه الفداء، (1)وإن أصاب شيئاً منه بأن فقأ عينيه (2)أو كسر قرنه أو رِجليه فعليه صدقة.

ومتى وقف صيداً بحيث يكون بعضه في الحلّ وبعضه في الحرم فقتله محلٌّ ضَمِنَه، وإذا قتل مُحْرِمٌ أو محلٌّ طائراً على شجرةٍ أصلها في الحرم وغصنها في الحلّ أو بعكس ذلك ضمنه، وإذا رمى صيداً فقتله ونفذ السّهم إلى صيد آخر لزمه جزاءان، وإن رمى طائراً فقتله واضطرب فقتل فرخاً له أو كسر بيضه فعليه ضمانه، وإن قتل صيداً مكسوراً أو أعورَ فالاَحوط أن يفديه بصحيح وإن أخرج مثله جاز، وإن قتل ذكراً جاز أن يفديه بأُنثى وكذا بالعكس، وبمثله أفضل.

وإذا جرح ظبياً مثلاً ولم تَسرِ الجَراحة إلى نفسه أو لم يصر غير ممتنع، قُوّم صحيحاً ومعيباً وضمن ما بين القيمتين من المثل وهو الشّاة وكذا في غيره، وإن صار غير ممتنع وكان لايقدر على العَدْوِ والطّيران أو سرت الجراحةُ إلى نفسه لزمه جزاءٌ مثله، فإن غاب ولم يدر حاله لزمه الجزاء كملاً. وإذا كسر بيض طيرٍ لم ُنَصَّ(3) عليه ممّا لايوَكل لحمه فعليه قيمته، (4)وإن باض صيدٌ في الحرم في دار إنسانٍ فنقل البيض من موضع (5)إلى آخر فنفر الصّيد فلم يحضنه فعليه ضمانه.

إذا ضرب صيداً حاملاً فألقت جنيناً وماتا معاً فعليه جزاء المثل عن


(1) البريد بمعنى الرّسول ثمّ استعمل في المسافة التي يقطعها المسافر.وهي اثنا عشر ميلاً. وانظر الوسائل: 9، ب32، من أبواب كفارات الصّيد.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: فأفقأ عينه.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وإذا كسر طير لم يحضن» والصّحيح ما في المتن.
(4) كذا في «س» ولكن في الاَصل: «فما يوَكل لحمه فعليه قيمته».
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «ووضع» بدل «من موضع».


(174)

كلّ منهما، وإن مات أحدهما (1)فعليه مثله لا غير، وإن أثّر الضّرب في الاَُمّ لزمه بحسب ذلك (2)، وإن ضرب بطنها فألقت جنيناً ميّتاًفعليه في الجنين ما ينقص من قيمة الاَُمّ بين كونهاحاملاً وحايلاً بعد الاِسقاط فيلزم ذلك في المثل.

إذا أمسك محرمٌ صيداً فذبحه محلٌّ في الحلّ فعلى المحرم الجزاء لا غير، وإن(3) ذبحه محرم آخر وكانا في الحرم فعلى كلٍّ منهما الجزاء والقيمة، وإن أمسكه محلٌّ في الحرم فقتله محلٌّ فعلى كلّ منهما القيمة، وإن كان الصّيد ملك إنسان فالجزاء والقيمة له. إذا رمى محلٌّ في الحلّ[ في الحرم فقتله لزمه جزاوَه، وكذا إن رماه في الحرم فقتله في الحلّ]. (4)

إذا أشلا المحرم (5)كلباً معلّماً على صيدٍ فقتله (6)ضمنه، في الحلّكان أو في الحرم، فإن كان في الحرم زادت عليه الفدية، وإن كان في الحل أو كان محلاّ ً في الحرم(7) لزمه جزاء واحد.

إذا نفّر صيداً فهلك من تنفيره أو أصابته آفةٌ فأخذه جارح آخر لزمه ضمانه، وكذا إن ركب المحرم دابّةً فرمحت صيداً برجلها أو رَفَسَتْه (8)بيدها أو عضّته، وكذا إذا جرح (9)صيداً فمات بعده أو قتله غيره.


(1) في «س»: واحدهما.
(2) في «س»: لزمه ذلك.
(3) في «س»: فإنْ.
(4) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.وهو الصحيح.
(5) كذا في الاَصل والمبسوط: 1|347. وفي «س»: «إذا أرسـل المحرم» أشليت الكلب على الصيد: مثل أغريته به وزناً ومعنى.مجمع البحرين.
(6) كذا في الاَصل ولكن في «س»: كلباً معلّماً فقتله.
(7) في «س»: أو كان محلٌّ في الحرم.
(8) رفسه رفساً ـ من باب ضرب ـ: ضربه برجله.المصباح المنير.وفي «س»: «مَسَّتْه» بدل «رَفَسَتْه».
(9) في الاَصل: «اخرج» والظاهر انّه تصحيف والصحيح ما في المتن.


(175)

كلّ صيد يكون في البرّ والبحر معاً، فإن كان ممّا يبيض ويفرّخ في البحر فلا بأس بأكله، وإن كان يفعل ذلك في البرّ لم يَجُزْ صيده ولا أكله.

المتولّد بين جنسين مختلفين يوَكل لحمهما وجب فيه الجزاء، ويجوز للمحرم ذبح الدّجاج الحبشي في الحرم وكذا كلّ ما يوَكل من الحيوان الاِنسي ولا جزاء.

إذا اضطرّ المحرم إلى أكل الميتة والصّيد أكل الصّيدَ وفداه (1) فإن لم يتمكّن من الفداء جاز له أكل الميتة.

إذا ذبح المحرم صيداً في غير الحرم أو ذبحه محلّ في الحرم لم يجز أكله وكان بحكم الميتة.

إذا أخذ المحرم جراد الحرم لزمه جزاوَه. إذا أمر محرم محلاّ ً أن يحلق رأسه فحلق فعلى المحرم الفداء.

ومن جعل في رأسه زئبقاً بعد الاِحرام فقتل القمل لزمه الفداء، وإن فعل ذلك قبل الاِحرام وقتل القمل بعد الاِحرام فلا شيء عليه.

ومن لبس الخفّين أو الشّمشك بلا ضرورة لزمه دمٌ (2) ومن لبس السّواد لزمه الفداء.

وإذا لبس المحرم ثوباً لايحلّ له لبسه لضرورة برد أو حرّ فلا شيء عليه، ومن خَضبَ رأسه أو طيَّبه (3)أو غطّاه بعصابة أو قرطاس أو حمل على رأسه شيئاً يغطّيه أو ارتمس في الماء حتّى غطّى رأسه لزمه الفداء، فإن غطّاه بيده أو شعره فلا شيء، وإذا غطّاه لحرٍّ أو بردٍ فداه ولا إثم.


(1) في «س»: «إلى أكل الميتة وأكل الصيد وفداه» والصحيح ما في المتن.
(2) في «س»: دمه.
(3) في «س»: «طيّنه» وهو تصحيف.


(176)

ومن تطيّب بطيب من الاَجناس السّتّة المذكورة قبلُ، أو أكل ما فيه شيء منه، أو مسّ بيده شيئاًمنه رطباً، أو جعله في دواء من سعوط أو حقنة (1)أو غير ذلك واستعمله فعليه الفداء، وما عدا تلك الاَجناس من الطّيب يكره استعماله، ولا يجب فيه الكفّارة إلاّ أن يتّخذ منه الاَدهان الطيّبة فيدهن بها فحينئذٍ تتعلّق بها الكفّارة.

إذا جمع المحرم (2)بين أجناس كاللّبس والطّيب والحلق والتقليم والقُبلة، لزمه عن كلّ جنس فدية، سواء كان في وقت واحد أو أوقات متفرّقة، وكذا إذا فعل جنساً واحداً منه في أوقات متفرّقة ولكلّ دفعةٍ فديةٌ سواء [كان] (3)كفّر عن الاَوّل أو لا، فأمّا إذا فعل جنساً واحداً في وقتٍ واحدٍ فعليه فديةٌ واحدةٌ، ويجب في كلّ صيدٍ جزاءٌ سواء كان في وقتٍ واحدٍ أو أكثر.

ما يَنْبُتُ في المباح من شجرة الحرم كلّها مضمون إلاّ الاِذخر والفاكهة، ومن قلع شجراً من الحرم ثمّ ردّها إلى مكانها فعادت كما كانت فلا شيء وإن جفّت ضمنها، والشّجرة إذا كان أصلها في الحلّ وفرعُها في الحرم أو بالعكس منه يستوى حكم الاَصل والفرع في وجوب الضّمان، وفي قلع حشيش الحرم قيمته، وحدّ الحرم الّذي لايجوز قلع شجره بريدٌ في بريد.

وما فيه القيمة: (4)

أن يصيب محرمٌ بيضَ حمام في الحلّ، لكلّ بيضةٍربع درهم إلاّ أنّ قيمة


(1) السَّعوط ـ مثال رسول ـ: دواء يصبّ في الاَنف. والحُقْنة ـ بالضم ـ اسم دواء يحقن به المريض المحتقن. المصباح المنير.والعين.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «إذا اجتمع لمحرم» والصحيح ما في المتن.
(3) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(4) كذا في «س» ولكن في الاَصل: ممّا فيه القيمة.


(177)

الاَهليّ يتصدّق بها على المساكين وقيمة الحرميّ يشتري بها علفاً لها، أو يُخرج طائراً من الحرم ومات معه، أو يَقْتُلَ مُحْرِمٌ أو محلٌّ (1)صيداً في الحرم ويتضاعف على المحرم، أو يَفْقَأَ عيني غزالٍوفي أحدهما نصف القيمة وهكذا في اليدين والرِّجلين، أو يكسر قرنيه فيهما نصف القيمة وفي الواحد الرّبع، أو يَغْلِقَ محرمٌ باباً على حمام الحرم حتّى يهلك ومعها بيض، فلكل بيض درهم، وإن أغلق قبل الاِحرام فلكلّ طائرٍ درهم، ولكلّ فرخ نصف(2)ولكلّ بيضٍ ربع، أو يقتل المحلّ فرخاً في الحرم فعليه نصفُ درهم[وفي قتل المحلّ حمامة في الحرم درهم] (3) وفي قطع غصنٍ من أغصان شجر الحرم القيمة.

وما فيه طعام:

من أصاب عصفوراً أو قنبرة أو نحوها تصدّق بمدّ من طعام، ومن نتف أحد إبطيه أطعم ثلاثة مساكين، ومن مسّ رأسه أو لحيته لا للطّهارة فسقط به شَعْرٌ تصدّق بكفّين من طعام وإن سقط في الوضوء فعليه كفّ به (4)وقيل: لاشيء عليه. (5).

ومن أصاب زنبوراً متعمّداً أو رمى عن نفسه قملةً أو قتلها فعليه كفٌّ من طعام، ومن قلّم ظفراً أو أكثر متعمّداً فعليه مدٌّ من طعام، ومن نتف ريشةَ حمامةٍ من حمام الحرم تصدّق بتلك اليد، ومن أصاب جَرادةً تصدّق بتمرة.

من لم يقدر على البدنـة قـوّم الجـزاء وفضّ ثمنـه على البُـرّ وأطعـم (6) ستّين


(1) كذا في «س» ولكن في الاَصل«محرمٌ ومحلٌ».
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «فلكل فرخ نصف» والصحيح ما في المتن.
(3) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل وهو الصحيح.
(4) كذا في الاَصل، ولعلّه تصحيف والصحيح «منه» بدل «به».
(5) القاضي ابن البراج: المهذّب: 1|226.
(6) في «س»: فأطعم.


(178)

مسكيناً، لكلّ واحد نصف صاع (1) فإن زاد فله وإن نقص يجزئه، وفي البقر فعلى ثلاثين، وفي الشّاة والحمل والجنين عشرة، فإن لم يجد صام عن كلّنصفِ صاعٍ يوماً، فإن عجز صام عن البدنة ثمانية عشر يوماً وعن البقرة تسعة أيّام وعن الشّاة ثلاثة أيّام.

ومن لم يقدر على إرسال فحولة الاِبل (2)في الاِناث في بيض النّعام، فعليه عن كلّبيضةٍ شاةٌ فإن عجز أطعم عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيّام، وفي حلق الرّأس دمُ شاةٍ أو إطعام ستة مساكين (3)أو صيام ثلاثة أيّام.

ما لا مثل له:

يُقَوِّمُهُ ويشتري به طعاماً ويتصدّق به أو يصوم عن كلّمدّ (4)يوماً، ومالم يكن منصوصاً على قيمته يرجع فيه إلى قول عدلين. ومن ربط صيداً بجنب الحرم فدخل الحرم حرم لحمه وثمنه ولم يَجُزْ له إخراجه.

ويجوز للمحرم الاِحتجام والاِفتصاد (5)ودخول الحمّام وإزالة الوسخ عن البدن والاغتسال بلا إرتماس، ولا يلزمه بسقوط الشّعر في الغسل شيء.

ويكره للمحرم من الطّيب ما خالف الاَجناس المذكورة وكذا الاِكتحال والخضاب للزّينة والنّظر في المرآة، وأمّا الاِكتحال بما فيه طيبٌ فقيل: إنّه مكروه وقيل: محظور. (6)


(1) كذا في «س» ولكن في الاَصل: كلّ واحدٍ نصفَ صاع.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: على إرساله فحولة الاِبل.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «ستين مسكيناً».
(4) في «س»: «منه» بدل «مدّ» والصحيح ما في المتن.
(5) الفصد: قطع العروق، وافتصد فلان: قطع عرقه ففصد. كتاب العين.
(6) لاحظ المختلف: 4| 76 من الطبع الحديث.


(179)

الفصل الثاني والعشرون

من مات وعليه حجّة الاِسلام وجب إخراجها من أصل التّركة سواء أوصى بها أو لا، ويجوز الاستئجار للحجّ عن الميّت وعمّن عجز عن القيام به بنفسه، ثمّ إن مات المستأجر سقط عنه فرضه وإن صلح وجب عليه القضاء بنفسه، وإذا فعل الاَجير ما يلزمه كفّارة كان عليه في ماله، فإن أفسد الحجّ وجب عليه قضاوَه عن نفسه وكانت الحجّة باقية عليه، ثمّ إن كانت معلّقة بتلك السّنة، انفسخت الاِجارة، لفوات الوقت الّذي عيّنه، ولزم المستأجر أن يستأجر من ينوب عنه فيها، وإن لم تكن معيَّنةً (1) بل كانت في الذّمّة لم تنفسخ الاِجارة وعليه أن يحجّ منه حجّة أُخرى بعد قضاء ما أفسد عن نفسه، ولم يكن للمستأجر فسخ هذه الاِجارة عليه.

وإذا مات الاَجير (2)قبل الاِحرام وجب على ورثته أن يردّوا جميع ما أخذ ولايستحقّ شيئاً منه لاَنّه لم يفعل شيئاً من أفعال الحجّ، هذا إذا استأجره أن يحجّ عنه مطلقاً، وإن استأجره أن يحجّ من موضع مخصوص ويقطع المسافة إلى الميقات يستحقّ الاَُجرة (3)بمقدار ما قطع من الطّريق، وإن مات بعد الاِحرام لم يلزم الورثة شيء وأجزأ عن المستأجر استوفى الاَركان أو لا.

إذا استأجر أجيراً ليحجّ عنه (4)بنفسه لم يكن للاَجير أن يستأجر غيره في تلك النّيابة إلاّ إذا فوّض الاَمر إليه في ذلك، وإذا أخذ حجّةً عن غيره لم يَجُزْ له أن يأخذ الاَُخرى إلاّ بعد أن يَقضي الاَُولى، ومن حجّ عمّن وجب عليه الحجّ بعد موته


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وإن لم يعيّنه.
(2) في«س»: وإن مات الاَجير.
(3) في «س»: استحق الاَُجرة.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: للحجّ عنه.


(180)

تطوّعاً منه سقط بذلك فرضُه عن الميّت، ومن كان عنده وديعةٌ ومات صاحبها ولم يحجّ حجّة الاِسلام وغلب على ظنّه (1)أنّ ورثته لايقضونَها عنه، جاز له أن يحجّ بها عنه ويردّ الباقي على الورثة، وإن غلب على ظنّه (2)أنّهم يقضونها عنه لم يجز ذلك.

ولا يجوز لاَحد أن يحجّ عن مخالفٍ له في الاِعتقاد إلاّ أن يكون أباه، وقد أبى ذلك ابن البراج أيضاً (3)، ويجوز للرّجل أن يحجّ عن المرأة وبالعكس، ومن كان حجّة الاِسلام واجبة عليه لا يجوز أن يحجّعن غيره إلاّ بعد أن يحجّ عن نفسه.

الفصل الثالث والعشرون

لايصحّ النذر بالحجّ والعمرة إلاّ من كامل العقل حرٍّ، ولا يُراعى في صحّة النّذر باقي الشروط، ومن نذر أن يحجّ ولم يعتقد زائداً على حجّة الاِسلام [ثمّ حجّ](4) بنيّة النذر أجزأته عن حجّة الاِسلام.

وإن نذر حجّة زائدة عليها ثمّ حجّ بنيّة إحديهما لم يُجْزِهِ عن الاَُخرى، فإن مُنع النّاذر عن المضيّ فيما نذر وجب فعله إذا زال المانع إلاّ أن يقيّد نذرَه بسنة (5) معيّنة فمُنِع فيها لم يلزمه في ما بعد إلاّ إذا قصّر فيه (6)فيلزمه بعد ذلك، فإن كان المانع مرضاً عرض له أوان الخروج استناب من يحجّ عنه، فإذا عُوفي حجّ هو بنفسه وجوباً، وإن مات في مرضه لم يلزم ورثته شيء.


(1) في الاَصل: «وغلب في ظنّه».
(2) في الاَصل: «وغلب في ظنّه».
(3) المهذّب: 1|269، وفي «س»: «وقد رأى» بدل «أبى» والصحيح ما في المتن. لاَنّ ابن البراج قال ـ بعد استثناء الاَب المخالف في الاعتقاد ما هذا نصّه: «وذلك عندي لايجوز».
(4) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(5) في «س»: «لسنةٍ».
(6) في «س»: «قصّر هو فيه».


(181)

ومن نذر أن يحجّ (1)ماشياً قام في المعابر، فإن عجز عن المشي، ركب [وساق بدنة، وإن ركب] (2)مع القدرة على المشي وجب أن يعيد الحجّ يركب ما مشى ويمشي ما ركب، ومن مات وعليه حجّة الاِسلام [وحجّة النّذر، أُخرجت حجة الاِسلام ] (3)من صلب ماله وحجّة النّذر من ثُلثه، فإن لم يترك إلاّ [ما يفي(4) ] بأحدهما حجّ حجّة الاِسلام وحجّ وليّه حجّة النّذر ندباً، ومن مات في طريق الحجّ فإن كان موته بعد دخول الحرم أجزأه وإن كان قبله فعلى وليّه القضاء عنه، ومن مات وعليه حجّ ودَيْنٌ ولم يسعهما المال قُسم بينهما. وحجّ بما يخصّه من حيث يمكن. (5)

الفصل الرابع والعشرون

وجوب الحجّوالعمرة على الفور، الصبيّ إذا بلغ أو العبد إذا أُعتق أو المجنون (6) إذا رجع إليه العقل، قبل أن يفوته الوقوف فوقف بها وأتى بباقي المناسك يجزئه عن حجّة الاِسلام، ويعتبر في الزّاد نفقته ذاهباً وجائياً ونفقة من يخلّفه ممّن يجب عليه نفقته قدرَ كفايتهم، ويَفضُل معه ما يرجع إليه يستعين به على أمره إن كان صاحب تجارةٍ وتصرُّفٍ، وإن كان ذا صِناعةٍ أو حرفةٍ رجع إليها، وإن كان له ضياع يكون قدر كفايته لزمه الحجّ ولايلزمه بيعُ مسكنٍ يسكنه وخادمٍ يخدمه خاصّة، وإن كان عليه دَيْن حالّ أو موَجّل بقدر ماله من المال لم يلزمه الحجّ [ومن وجب عليه الحج] (7)فحجّ مع غيره في نفقته أو آجر نفسه من غيره


(1) في الاَصل: «ومن نذر الحجّ».
(2) مابين المعقوفات موجود في الاَصل، وهو الصحيح.
(3) مابين المعقوفات موجود في الاَصل، وهو الصحيح.
(4) مابين المعقوفات موجود في الاَصل، وهو الصحيح.
(5) في «س»: من حيث بلغ.
(6) كذا في الاَصل ولكن في «س»: والعبد إذا أُعتق والمجنون.
(7) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل وهو الصّحيح.


(182)

ليخدمه ثمّ حجّ (1)أجزأه عن [حجّة] (2)الاِسلام.

ومن بذل له الاستطاعة لزمه الحجّ، إذا لم يكن(3)إلاّ طريق واحد وفيه عدوّ أو لُصوص ولايقدر على دفعهم سقط الوجوب (4) فإن لم يندفع العدوّ إلاّ بدفع [مالٍ] (5) أو خفارة (6)فهو غير مخلّى السّرب فإن تحمّل (7)ذلك كان حسناً، وإن تطوّع غيره ببذله لزمه.

من مات قبل أن تنزاحَ العلّة لم يجب أن يحجّ عنه، وإذا مضى من الزّمان قدرُ ما يمكنه فيه الحجّ (8)بعد الوجوب، ولم يحجّ ثبت في ذمّته وإن تلف ماله (9) ويجب أن يحجّ عنه من أصل تركته، فإن لم يخلّف مالاً حجّ عنه وليّه ندباً، ومن حجّ بعد الاستطاعة بنيّة التّطوّع أجزأت عنه حجّة الاِسلام، وإن حجّ عن نفسه وعن غيره لم يُجْزِ عن أحدهما ولا يستحقّ على الغير الاَجر لفقد النيّة.

الفصل الخامس والعشرون

من أحرم بحجّ أو عمرة فمنعه عدوّ من الوصول إلى البيت ولم يكن له طريق إلاّ ما صُدّ فيه فله أن يتحلّل، وإن كان له طريق آخرُ لا مانع منه يلزمه


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س» ثمّ رجع وهو تصحيف.
(2) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س» لم يتمكّن.
(4) في «س»: يسقط الوجوب.
(5) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(6) والخفارة: الاَمان واللّجوء وهو أن يرد في جواره.
(7) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وهو غير محل السيوف فمات بحمل» والصحيح ما في المتن.
(8) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وإذا قضى من الزمان فيه ما يمكنه فيه الحجّ.
(9) في «س»: «في ذمّته من ثلث ماله» والصحيح ما في المتن.


(183)

سلوكه على إحرامه، فإن فاته الحجّ لزمه القضاء في الواجب لا التّطوّع، وإن حُبس بسبب خاصّ به كدينٍ (1)عليه أو غيره، فإن قدر على قضائه لم يكن له التحلّل، وإن لم يقدر على قضائه أو حبس ظلماً كان له التّحلّل، ومن له التّحلّل لايجوز له إلاّ بعد هدي.

ومن صُدّ عن البيت وقد وقف بعرفة والمشعر، تحلّل ورمى وحلق وذبح إذا لَحِقَ أيّام الرّمي وإلاّ إستناب (2)في ذلك، فإن تمكّن أتى مكّة (3)وطاف طواف الحجّ وسعى وقد تمّ حجّه ولا قضاء عليه، هذا إذا أقام على إحرامه حتّى يطوف ويسعى وإلاّ حجّ من قابل، وإذا طاف وسعى ومُنع من المبيت بمنى وعن الرّمي تَمَّ حجُّه، لاَنّ ذلك ليس من الاَركان، فإن صدّ من الوقوف بالموقفين أو أحدهما لا من المبيت جاز له التّحلّل، فإن أقام على إحرامه حتّى فاته الوقوف بها فقد فاته الحجّ.

إذا لم يجد المصدود الهدي أو لايقدر (4)على ثمنه، فلا يجوز أن يتحلّل حتّى يهدي وليس له الانتقال إلاّ ببدلٍ (5)من الصّوم أو الاِطعام، ولابدّ في التّحلّل من نيّته.

إذا بذل لهم العدوّ تخليةَ الطّريق، فإن كانوا معروفين بالغدر، جاز لهم الاِنصراف، وإن كانوا معروفين بالوفاء لم يَجُزْ لهم التّحلُّل ولايلزم الحاجَّ (6)بذلُ ما يطلبه العدوّ من المال على التّخلية قليلاً كان أو كثيراً.


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س» «كدسّ» وهو تصحيف.
(2) في «س»: «إذ الحلق أيام الرّمي ولا إفساد» والصحيح ما في المتن.
(3) في «س»: «فإن تمكن إلى مكة» والصحيح ما في المتن.
(4) في «س»: ولايقدر.
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «إلى بدلٍ» والصحيح ما في المتن.
(6) في «س»: «ولايلزمه الحجّ» والصحيح ما في المتن.


(184)

والمريض الّذي لا يقدر على العود (1)إلى مكّة بعد إحرامه يبعث بهديه إلى مكّة ويجتنب ما يجتنبه المحرم إلى أن يبلغ الهدي مَحِلَّه، ومَحِلُه للحاجّ منى، وللمعتمر فِناء (2)الكعبة، فإذا بلغ محلّه قصّر من شعر رأسه وحلّ له كلّ شيء إلاّ النّساء، ويحجّ الصَّرورةُ من قابلٍ وجوباً وغيره ندباً ولم تحلّ له النّساء إلاّ أن يحجّ في القابل.

ويستنيب المتطوّع لطواف النّساء، فإن وجد من نفسه خِفَّةً فأدرك مكّة قبل نحر هديه قضى مناسكه وأجزأه، وإلاّ حجّ من قابل، وإن ذبحوه فقد فاته الحجّ لاَنّ الذّبح لايكون إلاّ يوم النّحر وقد فاته الموقفان، (3)وإن لم يسق الهديَ بعث قيمته وتواعد وقتاً يُشترى فيه ويُذبح عنه ثمّ يحلّبعده، فإن لم يجد الهدي وردّوا عليه الثّمن، وقد أحلّ فلا شيء، ويجب أن يبعث به في العام المقبل ويمسك ممّا يمسك عنه المحرم إلى أن يُذبح عنه.

والمحصور إذا أحرم بالحجّ قارناً لم يجز أن يحجّ في العام المقبل متمتّعاً، ومن بعث هدياً تطوّعاً اجتنب ما يجتنبه المحرم إلاّ أنّه لايلبّي فإن فعل شيئاً ممّا يحرم عليه [كانت عليه] (4)الكفّارة كما على المُحْرم.

الفصل السّادس والعشرون

العمرة فريضة كالحجّ وشرائط وجوبهما واحدة، فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ سقط منه فرضها، وإن لم يتمتّع بأن كان (5)من حاضري المسجد الحرام أو منعه (6)


(1) في الاَصل: «على النفوذ» بدل «على العود».
(2) في «س»: قبال الكعبة.
(3) في «س»: الوقتان.
(4) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل وهو الصّحيح.
(5) في «س»: إن كان.
(6) في «س»: أوجبته.


(185)

ضرورة من التّمتّع فحجّ قارناً (1)أو مفرداً، اعتمر بعد انقضاء [الحجّ إمّا بعد إنقضاء] (2) أيّام التّشريق أو في استقبال المحرّم، ويذكر في دعائه أنّه محرم بالعمرة المفردة، وإذا دخل مكّة طاف [طوافاً واحداً للزّيارة، وسعى وقَصَّرَ وحَلَق ثمّ طافَ] (3) طواف النّساء ولايجوز أن يعتمر في أقلّ من عشرة أيّام، وأفضلها ما يكون في رجب.

وإذا دخل مكّة بالعمرة المفردة في غير أشهر الحجّ لم يجز له أن يتمتّع بها إلى الحجّ، فإن أراد التّمتّع كان عليه تجديد عمرة في أشهر الحجّ، وإن دخل مكّة بالعمرة المفردة في أشهر الحجّ جاز أن يقضيها ويخرج، والاَفضل أن يقيم حتّى يحجّ ويجعلها متعة، فإن دخلها بنيّة التّمتّع لم يجز أن يجعلها مفردة وأن يخرج من مكّة لارتباطه بالحجّ، وأمّا الزّيارات فشرحها (4)طويل، ولها كتب مفردة، وذِكرُها بكتب العمل أليق.

* * *



(1) في «س»: «لحجّ قارناً».
(2) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(3) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل وهو الصّحيح.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وأمّا الآداب فشرحها».


(186)


(187)

كتاب الجهاد

الجهاد من فرائض الاِسلام ويحتاج فيه (1)إلى معرفة خمسة أشياء:شرائط وجوبه، وكيف يجب، ومن يجب جهاده، وكيفيّة فعله [وأحكامه(2)] وأحكام الغنائم.

أمّا شرائط وجوبه: فالحرّية والذّكورة والبلوغ وكمال العقل والاستطاعة له بالصحّة والقدرة عليه وعلى ما يفتقر إليه فيه، من ظَهْرٍ ونفقة وأمر الاِمام العادل به، أو من ينصبه الاِمام أو ما يقوم مقام ذلك من حصول (3)خوف على الاِسلام أو على الاَنفس والاَموال.

ومتى اختلّ أحد هذه الشّروط سقط الوجوب، وهو مع تكاملها فرض على الكفاية، إذا قام به من فيه كفاية (4)سقط عن غيره.

وأمّا من يجب جهاده:فكلّ من خالف الاِسلام من سائر أصناف الكفّار، ومن أظهر الاِسلام وبغى على الاِمام العادل وخرج عن طاعته، أو قصد إلى أخذ مال المسلم وما هو في حكمه من مال الذّمّي، وشهر السّلاح في برٍّ أو بحرٍ أو سفرٍ


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ويحتاج إليه فيه.
(2) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل. وهو الصحيح.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س» كحصول.
(4) في «س» إذا قام من له كفاية.


(188)

أو حضرٍ.

وكيفيّته: أن يوَخّر لقاء العدوّ إلى أن تزول الشّمس وتُصلّـى الصّلاتان، وأن يقدّم قبل الحرب الاعذار والاِنذار والاِجتهاد في الدّعاء إلى الحقّ، وأن يمسك عن الحرب بعد ذلك [كلّه] (1)حتّى يبدأ بها العدوّ لتحقّ الحجّة عليه، ويتقلّد بذلك البغي.

فإذا عزم أمير الجيش عليها إستخار اللّه تعالى في ذلك ورغّب إليه في النّصر، وعبَّأَ (2)أصحابه صفوفاً وجعل كلّفريق منهم تحت راية أشجعهم وأبصرهم بالحرب، وجعل لهم شعاراً يتعارفون به، وقدّم الدّارع أمام الحاسر(3)ووقف هو في القلب، وليجتهد في الوصيّة لهم بتقوى اللّه، والاِخلاص في طاعته، وبذل الاَنفس في مرضاته، ويذكّرهم مالهم في ذلك من الثّواب في الآجل، ومن الفضل وعلوّ الكلمة في العاجل، ويخوّفهم الفرار ويذكّرهم ما هم فيه من عاجل العار وآجل النّار.

وإذا أراد الحملة أَمَر فريقاً من أصحابه بها وبقي هو في فريق آخر ليكونوا فئة يُتَحَيَّزُ (4)إليها، فإذا تَضَعْضَعَ لهم العدوّ وزحف هو بمن معه زَحْفاً، يبعث من أمامه على الاَخذ بكظم القوم، فإذا زالت صفوفهم عن أماكنهم حمل هو حملة واحدة.

ولا يجوز أن يُبارز أحدٌ إلاّ بإذن الاِمام أو من نصبه الاِمام، ولايجوز أن يفرّ واحد من واحد ولا من إثنين ويجوز من ثلاثة فصاعداً.


(1) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل. وهو الصحيح.
(2) عبَّأ الجيش: رتَّبهم في مواضعهم وهيَّأهم للحرب. مجمع البحرين.
(3) رجلٌ دارع: ذو درع ـ على النسب ـ كما قالوا: لابن وتامر. والحاسر ـ خلاف الدارع ـ: الذي لابيضة على رأسه.لسان العرب.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س» متحيّزاً.


(189)

ويجوز قتال العدوّ بكلّ ما يُرْجى به الفتحُ من نار ومنجنيق وغيرهما وإن كان فيما بينهم مسلمون، إلاّ إلقاء السمّ في ديارهم فإنّه لايجوز، ولا يُقاتل في الاَشهر الحُرُم من يرى لها حرمة من الكفّار [إلاّ أن يبدأوا فيها بالقتال.

وجميع من خالف الاِسلام من الكفّار] (1)يُقتَلون مقبلين [مدبرين] (2) ويقتل أسيرهم ويُجهز (3)على جريحهم، وكذا حكم البغاة على الاِمام إن كان لهم فئة يرجعون إليها، وإن لم يكن لهم فئة لم يُتبع مدبرهم ولم يُجْهَز على جريحهم ولم يُقتل أسيرهم.

وأُسراء من عدا ما ذكرناه من المحاربين على أخذ المال إن كانوا قَتلوا ولم يأخذوا مالاً قُتلوا، وإن أخذوا مع القتل مالاً صلبوا بعد القتل، وإن تفرّدوا بأخذ المال قُطعوا من خِلافٍ، وإن لم يَقتلوا ولا أخذوا مالاً نُفوا من الاَرض بالحبس أو النّفي من مصر [إلى مصرٍ]. (4)

ومن لا كتابَ له من الكفّار فلا يُكَفُّ عن قتاله إلاّ بالرّجوع إلى الحقّ، وكذا حكم مَنْ أظهر الاِسلام من البغاة والمحاربين، ومن له كتاب ـ وهم اليهود والنّصارى والمجوس ـ يُكفّ عن قتالهم إذا بذلوا الجزيةَ ودخلوا تحت شروطها.(5)

ولا يجوز أخذ الجزية من عبّاد الاَوثان ولا من الصّابئين، والجزية ما يوَدّونه في كلّ سنة ممّا يضعه الاِمام على روَوسهم أو على أرضهم، وليس لها قدرٌ (6) معيّن بل ذلك راجع إلى ما يراه الاِمام، ولا يجوز أخذها إلاّ من الذّكور البالغين الكاملي العقول.


(1) مابين المعقوفات موجود في الاَصل، وهو الصّحيح.
(2) مابين المعقوفات موجود في الاَصل، وهو الصّحيح.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ويُجاز. والاِجهاز على الجريح هو أن يسرع على قتله.مجمع البحرين.
(4) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل، وهو الصّحيح.
(5) في «س»: شروطهم.
(6) في «س»: «حدّ» بدل «قدرٌ».


(190)

وإذا أسلم الذمّي وقد وجبت عليه الجزية بحوَول (1)الحول سقطت عنه بالاِسلام، والجزية تُصرَفُ إلى أنصار الاِسلام خاصّة.

وشرائط الجزية:ألاّ يجاهروا المسلمين بكفرهم ولا بتناول المحرّمات في شريعة الاِسلام، ولايسبّوا مسلماً، ولايعينوا على الاِسلام، ولايتّخذوا بيعةً ولا كنيسةً، ولا يعيدوا ما استهدم من ذلك. (2)ويلزم نصرتهم والمنع منهم ما وفوا بهذه الشّروط، ومتى أخلّوا بشيء منها صارت دماوَهم هدراً وأموالهم وأهاليهم فيئاً للمسلمين.

ويُغْنم من جميع مَنْ خالف الاِسلام من الكفّار ما حواه العسكر وما لم يحوه، من الاَموال والاَمتعة والذّراريّ والاَرضين، ولا يُغنم ممّن أظهر الاِسلام من البغاة والمحاربين إلاّ ما حواه العسكر من الاَموال والاَمتعة الّتي تخصّهم فقط، من غير جهة غصب دون ما عداها.

وبعد إخراج الصّفايا والخمس من الغنيمة يقسم ما بقي ممّا حواه العسكر بين المقاتلة خاصّة، لكلّ راجلٍ سهمٌ ولكلّ فارسٍ سهمان ولو كان معه عدّة أفراس، ويأخذ المولود في دار الجهاد، ومن أدرك المجاهدين للمعونة لهم، مثل مايأخذ المقاتل، وحكم غنيمة البحر كغنيمة البرّ، وباقي أحكام الغنائم قد مرّ.

وإذا بيعت أرض الجزية (3)من مسلم سقط خراجها وانتقلت الجزية إلى رأس بائعها.

ومن أخذ أسيراً قبل أن تضع الحرب أوزارها وجب قتله ولم يجز للاِمام إستبقاوَه، وإن أخذ بعد الفتح فالاِمام مخيّر بين المنّ عليه بالاِطلاق أو المفاداة أو


(1) في «س»: بحول الحول.
(2) في الاَصل: ما استهلك من ذلك.
(3) في «س»: «أرض الحدّ» وهو تصحيف.


(191)

الاستعباد.

وإذا غلب الكفّار على شيء من أموال المسلمين وذراريهم ثمّ ظفر عليهم المسلمون فأخذوا ذلك، فالذّراريّ خارجون من الغنيمة، وما عداهم من الاَمتعة والرّقيق، إن وجده صاحبه قبل القسمة أخذه بلا عوض، وإن وجده بعدها، دفع الاِمام إلى من وقع في سهمه قيمته من بيت المال لئلاّ تنتقض القسمة.

فصل

الزّنديق: وهو من يبطن الكفر ويظهر الاِسلام يقتل ولا تقبل (1)توبته، ومن ارتدّ عن إيمانٍ وُلِد عليه فإنّه لا يُستتاب ولايقبل منه الاِسلام، وإن رجع إليه يجب قتله في الحال، ومن ارتدّ عن الاِسلام سبَقه كفرٌ (2)يستتاب فإن تاب وأسلم قُبِل إسلامه، وإن لم يتب وجب قتله، والمرتدّة (3)لاتقتل بل تحبس حتّى تُسلِم أو تموت في الحبس.

والاِرتداد: هو أن يظهر الكفر باللّه تعالى وبرسوله أو الجحد بما يعمّ فرضه (4) والعلم به من دينه بعد إظهار التّصديق.

* * *


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «ويظهر الاِسلام فلا تقبل» والصحيح ما في المتن.
(2) في «س»: بعد كفرٍ.
(3) في «س»: «والمرأة» بدل «والمرتدّة».
(4) كذا في الاَصل، ولكن في «س»: «الارتداد وهو أن يظهر الكفر باللّه تعالى وبرسوله والجحد بما نعم به فرضه » والصحيح ما في المتن.


(192)


(193)

كتاب السَّبق والرِّماية

روي عن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال: لا سبق إلاّ في نصل أو خفّ أو حافر. (1)

يجوز المسابقة على الخيل والبِغال والحمير والاِبل والفيل لعموم الخبر، وكذا على النُّشّابة والسّهم والمزاريق والرّماح والسّيوف، لتناول اسم النّصل ذلك، ولايجوز على ما عدا ذلك، ولايجوز المسابقة حتّى يكون ابتداء الغاية وانتهاوَها(2)،

رمعلومين، ومن شرط ذلك أن تكون الغاية الّتي يجريان إليها واحدة، ولايكون إحدى الغايتين أبعد من الاَُخرى.

إذا قيل لاِثنين: من سبق فله عشرة ومن صلّى (3)فله عشرة؛ فسد، لاَنّ كلاّ ً منهما لايجتهد، وإذا قيل لثلاثة: أيُّكم سبق وصلّى فله عشرون؛ صحّ لاَنّ كلاّ ً [منهم(4)] يخاف أن يكون ثالثاً لايأخذ شيئاً. وإن أخرج كلّ منهما عشرة وقال:من سبق فله العشرون معاً؛ فإن لم يُدخلا بينهما مُحَلِّلاً فهو القمار بعينه، وإن أدخلا ثالثاً لايخرج شيئاً وقالا:إن سبقت أنت فلك السّبقان معاً جاز،وإن أدخلا بينهما مُحَلِّلاً، فرسه دون فرسيهما فهو قمار، وإن كان فرسه كفواً لفرسيهما جاز.


(1) الوسائل: 13، ب3 من أبواب السبق والرماية، ح4.
(2) في الاَصل: وانتهاوَه.
(3) والمصلّـي من الخيل: الذي يجيء بعد السابق لاَنّ رأسه يلي صلا المتقدّم وهو تالي السابق.وقيل: إنّما سمّي مصلِّياً لاَنّه يجيء ورأسه على صلا السابق، وهو مأخوذ من الصلوين وهما مكتنفا ذنب الفرس فكأنّه يأتي ورأسه مع ذلك المكان يقال: صلّى الفرس: إذا جاء مصلياً. لسان العرب.
(4) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.


(194)

إذا سبق كلّ منهما عشرة وأدخلا بينهما مُحَلِّلاً لايُخرج شيئاً وقالا:أيّ الثّلاثة سبق فله السّبقان؛ فسبق أحد المُسَبِّقين (1)فله كلاهما، وإن وصلوا معاً فلكلّ منهما نصيبه ولاشيء للمُحَلِّل، وكذا إن سبق المُسبِّقان معاً وتأخّر المُحَلِّل، وإن سبق المحلّل وحده أخذهما معاً، وإن سبق أحدهما والمحلّل فالمسبِّق السّابقُ يأخذ عشرته، والعشرة الاَُخرى بينه وبين المحلّل بنصفين.

إذا تسابق (2) الفرسان وكانا متساويين في الخلقة في القدّوطول العنق، فمتى سبق أحدهما الآخر بالهادي (3)أو ببعضه أو بالكَتدِ (4)فقد سبق، وإن كانا مختلفين في الخلقة كأن يكونَ طول عنق أحدهما ذِراعاً والآخر ذراعاً وشبراً، فإن سبق القصير الطّويل بالهادي أو ببعضه فقد سبق، وكذا إن كان الرّأسان سواء، فإن سبق الطّويلُ القصير؛ فإن كان بقدر الزّيادة في الخلقة لم يكن سابقاً، لاَنّ ذلك لطول خلقته لا لسرعة عدوه، وإن كان بأكثر من ذلك كان سابقاً.

فصل

المناضَلة لاتصحّ إلاّ بعد معرفة الرِّشقِ وعدد الاِصابة وصفتها والمسافة وقدر الغرض والسّبق وشرط المبادرة والمحاطّة. (5)أمّا الرِّشق فعدد الرّمي وبالفارسيّة «دست» وعدد الاِصابة كأن يقال: الرّشق عشرون والاِصابة خمسة، وصفة الاِصابة كأن يقال: يصيب ما بين الغرض أو جانبيه أو يثبت في الغرض أو لايثبت فيه، والسَّبَقُ المالُ، والمبادرة أن يبادر أحدهما إلى الاِصابة مع تساويهما في عدد الرّمي،


(1) في «س»: أحد المستبقين.
(2) في «س»: إذا سابق.
(3) الهادي: العنق، سمّي بذلك لاَنّه يهدي الجسد.مجمع البحرين.
(4) الكَتَدُ والمَكتِدُ: مجتمع الكتفين من الاِنسان والفرس. وقيل: هو أعلى الكتف، وقيل: هو الكاهل. لسان العرب.
(5) في الاَصل: أو المحاطّة.


(195)

كأن يشترطا (1)الرّشقَ عشرين والاِصابة خمسة فرمى كلّمنهما عشرة وأصاب خمسة فقد تساويا ولايرميان ما بقي، وإن أصاب أحدهما خمسة والآخر أربعة فقد نضله.

والمحاطّة أن يبادر أحدهما إلى الاِصابة مع تساويهما في عدد الرّمي بعد إسقاط ما تساويا، كأن يَرْمِيَ في الصورة المذكورة كلّ منهما عشرة فأصاب خمسة تحاطّا ذلك وأكملا الرِّشقَ، وإن أصاب أحدهما سبعةً والآخر خمسةً تحاطّا خمسةً بخمسة فيكملان. (2)

والسَّبق والنّضال من العقود الجائزة كالجعالة أيّهما أراد إخراج نفسه من السِّباقِجاز له ذلك.

إذا قال:إرمِ بسهمك هذا فإن أصبتَ فلك دينـار؛ صحّ لاَنّها جُعالةٌ فيما لـه فيه غرض صحيح، وكذا إن قال: إرم عشرين سهماً فإن كان صوابك أكثر من خطائك فلك دينار؛ صحّ، وإن قال:إرم عشرين وناضل نفسك فإن كان صوابك أكثر فلك كذا؛ بطل، لاَنّه لايصحّ أن يناضل نفسه.

إذا شرطا نوعاً من القِسِيّ (3) كالعربيّة والعجميّة، تعيّن ذلك النّوع، ولم يكن لاَحدهما العدول عنه، وإن عيّن قوساً من النّوع، كان له العدول إلى غيرها، وأمّا المسابقة فلاتصحّ حتّى تعيّن الفرس، ومتى نفق لم يستبدل (4)صاحبُه غيره، بخلاف النِّضال فإنّ القوس متى انكسرت كان له أن يستبدل وإن عيّن لاَنّ المقصود من النّضال الاِصابة ومعرفة حِذق الرّامي، وهذا لايختلف لاَجل القوس والقصد في المسابقة معرفة السّابق ويختلف الفرسان.

إذا قال:إن أصبت ذلك فلك عشرة وإن أخطأت فعليك عشرة؛ بطل.


(1) في الاَصل: يشرطا.
(2) في الاَصل: ثمّ يكملان.
(3) القِسِّيُ، جمع القوس وهو آلة معروفة ترمى بها السهام.لسان العرب.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: لم يتبدل.


(196)


(197)

كتاب البيع

البيع عقد ينتقل به عين مملوكة، من شخص إلى غيره بعوض مثلها أو مخالفٍ لها (1) في الصّفة، على وجه التّراضي، ولابدّ من معرفة أقسامه، وشروطه، وأسباب الخيار فيه، ومسقطاته، وأحكامه.

وأقسامُهُ أربعةٌ:بيع عين حاضرة مرئيّة، وبيع خيار الرّوَية في الاَعيان الغائبة، وبيع ما فيه الرّبا بعضه من بعض، وبيع موصوف في الذّمّة إلى أجل معلوم، وهو السَّلَمُ.

وأمّا شروطه فضربان: أحدهما شرائط صحّة إنعقاده، والثّاني لُزومه.

فالاَوّل: ثبوت الولاية (2)في المعقود عليه، وأن يكون معلوماً مقدوراً على تسليمه منتفعاً به منفعةً مباحةً، وأن يحصل الاِيجاب من البائع، والقبول من المشتري بلا إكراهٍ إلاّ في موضع نذكره. ولبيع ما فيه الرّبا وبيع السّلم شروط أُخر تأتي بعد.

احترزنا بثبوت الولاية من بيع من ليس بمالكٍ للمبيع، ولا في حكم المالك[له] (3) وهم ستّة:الاَب والجدّ ووصيّهما والحاكم وأمينه والوكيل، واشترطنا أن


(1) في «س» أو مخالفاً لها.
(2) في «س»: «ثوبت الولاية» والصحيح ما في المتن.
(3) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.


(198)

يكون المعقود عليه معلوماً لاَنّ العقد على المجهول باطل، لاَنّه من بيع الغرر، واحترزنا بكونه مقدوراً على تسليمه ممّا لايمكن ذلك فيه، كالسّمك في الماء، والطّير في الهواء، فإنّه لايجوز بيعه، لاَنّه من بيع الغرر.واحترزنا بكونه منتفعاً به ممّا لا منفعة فيه، كالحشرات، وقلنا: مُباحةً، تحرّزاً من المنافع المحرّمة والنّجس إلاّ ما يستثنى بدليلٍ.

واعتبرنا الاِيجاب والقبول، تحرّزاً من القول بانعقاده بالاستدعاء من المشتري، والاِيجاب من البائع من غير قبول، وبالمعاطاة أيضاً، واشترطنا عدم الاِكراه لاَنّ حصوله مفسد للعقد (1)بلا خلافٍ إلاّ إكراه الحاكم على البيع، لاِيفاء ما يلزم من حقّ، لاَنّه يصحّ البيع معه.

والشروط المقترنةُ بعقد البيع ضروب:

أوّلها: ما هو فاسد مفسدٌ للعقد، كأن يَشْرِطَ في الرّطب أن يصير تمراً وفي الزّرع أن يُسَنْبِلَ، وكأن يُسْلِفَ في زيتٍ على أن يكون حادثاً في المستقبل من شجر معيّن، إذ هو غير مقدورٍ على تسليمه. (2)

وثانيها: ما هو صحيح، والعقد معه كذلك، كأن يَشْرِطَ في العقد ما يقتضيه أو ما للمتعاقدين (3)مصلحة فيه، كاشتراط القبض، وجواز الانتفاع والاَجل والخيار والرّهن والكفيل، أو كأن يشرط ما يمكن تسليمه، كأن يشتري ثوباً على أن يخيطه البائع أو يصبغه، أو يبيعه شيئاً آخر، أو يبتاع منه، وأن يشترط البائع على المشتري كون المبيع له إن ردّ الثّمن عليه في وقت كذا، وأن يشترط على مشتري العبد عِتْقَه.


(1) في الاَصل: مفسدة للعقد.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: إذ هو غير معيّن مقدور على تسليمه.
(3) في «س»: وما للمتعاقدين.


(199)

وثالثها: ما هو فاسد غير مفسدٍ للعقد كأن يشترط بائع العبد أن يكون ولاوَه له إذا عتق.وأمّا شرائط لزومه فهي مسقطات الخيار في فسخه.

الفصل الاَوّل

أسباب الخيار خمسة:

أحدها: اجتماعهما في مجلس العقد، وهو خيار المجلس.

والثـاني: اشتراط المدّة.

والثالث: أن لم يتقدّم من المتبايعين أو من أحدهما روَية ما يبيعه منه في الحال غائباً.

والرابـع: ظهور عيب كان في المبيع قبل قبضه.

والخامس: ظهور غبنٍ لم تجر العادة بمثله، ولم يكن المشتري من أهل الخبرة، فإن فقد أحد الشّرطين فلا ردّ.

أمّا خيار المجلس فلايسقط إلاّ بأحد أمرين: تفرّق، وتخاير. فالتّفرّق أن يُفارق كلٌّ منهما صاحِبه بخطوةٍ فصاعداً عن اختيار. (1)والتّخاير ضربان: تخاير في نفس العقد؛ كأن يقول: بعتك بشرط أن لايثبت بيننا خيار المجلس، فيقول المشتري:قَبِلْتُ. وتخايرٌ بعد العقد؛ كأن يقول أحدهما لصاحبه في المجلس:إختر(2) فيختار إمضاء العقد.

وأمّا الخيار باشتراط المدّة فينقطع بأحد ثلاثة أشياء: انقضاء المدّة المضروبة له، والتّخاير في انتهائها، والتصرّف في المبيع، وهو من البائع فسخٌ ومن المشتري


(1) في الاَصل: عن إيثار.
(2) في «س»: إختره.


(200)

إجازة.

وأمّا خيار الرّوَية فينقطع بأحد أمرين:أحدهما: أن يرى المبيع على ما عيّن ووصف. الثّاني: أن يرى بخلاف ما وصف ويهمل الردّ لاَنّه على الفور.

وأمّا خيار ظهور عيبٍ كان في المبيع قبل قبضه، فلاينقطع إلاّ بأحد أُمور خمسة:

أحدها: إشتراط البراءة عن العيوب حالة العقد.

وثانيها: تأخير الردّ مع العلم بالعيب، لاَنّه على الفور.

وثالثها: الرّضاء بالعيب.

ورابعها: حدوث عيب آخر عند المشتري.

وخامسها: التصرّف في المبيع الّذي لايجوز مثله إلاّ بملك أو بإذنٍ حاصلٍ، بعد العلم بالعيب أو قبل العلم به وكان ممّا يغيّر المبيع (1)بزيادة فيه كالصّبغ للثّوب أو نقصانٍ منه، كقطعه.

الفصل الثاني

وشروط جواز بيع بعض المكيل أو الموزون (2)ببعضٍ ـ إذا اتّفق الجنس أو كان في حكم المتّفق، كالحنطة والشّعير ـ ثلاثةٌ زائدة على ما سبق: الحلول النّافي للنّسيئة والتّماثل في المقدار، والتّقابض قبل الافتراق بالاَبدان، فإن اختلف الجنس سقط اعتبار التّماثل.


(1) في الاَصل: وكان ممّن يغيّر المبيع.
(2) في «س»: والموزون.


(201)

ويصحّ البيع بدون الآخرين وإن كان مكروهاً، هذا إن لم يكونا ذهباً وفضةً، فإن كان أحدهما ذهباً أو فضّة (1)والآخر ممّا عداهما سقط اعتبار الشّروط الثّلاثة. وروي أنّه إذا اتّفق كلّ واحد من العوضين في الجنس وأُضيف إلى أحدهما ما ليس من جنسه سقط اعتبار التّماثل في المقدار، كبيع دينارٍ ودرهمٍ بدينارين. (2)

الفصل الثالث

وللسَّلم أربعةُ شروطٍ تخصّه، زائدةً على ما سبق وهي: ذكر الاَجل، وذكر موضع التّسليم، وأن يكون رأس المال مُشاهداً، وأن يقبض في مجلس العقد.

الفصل الرابع

إذا قال المشتري للبائع: بِعْنيه بكذا، فقال [البائع] (3) بعتك، لم يصحّ حتّى يقول المشتري بعده: اشتريتُ، فعلى هذا كلّ ما يجري بين النّاس إنّما هي استباحة وتراضٍ، وليس ذلك بيعاً منعقداً، ويصحّ من كلّ واحد (4)من المتبايعين الرّجوع.

من باع عيناً غائبة ولم يذكر الصّفة والجنس أو أحدهما لم يصحّ البيع، ولايجوز بيع عين بصفة مضمونة كأن يقول:بعتك هذا الثّوب على أنّ طوله كذا وعرضه كذا، فإن لم يكن كذا، فعليّ بدله بتلك الصّفة، لاَنّ العقد لم يقع على البدل ويحتاج فيه إلى استئناف عقد.


(1) كذا في «س» ولكن في الاَصل: «وإن كان أحدهما ذهباً وفضةً».
(2) انظر وسائل الشيعة: 12، ب6 من أبواب الصّرف. ومستدرك الوسائل: 13، ب16 من أبواب الرّبا.
(3) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ويصحّ لكلّ واحد.


(202)

إذا ابتاع ثوباً على حفّ نسّاج (1)وقد نسج بعضه، على أن ينسج الباقي، بطل، لاجتماع خيار الرّوَية وانتفائها في شيء واحد.

إذا اشترى شيئاً ممّا يُسرع إليه التّلف، كالفواكه، بعد أن رآه بزمان يعلم أنّه قد تلف فيه، بطل.

كلّ ما يمكن اختباره من المطعوم والمشروب من غير إفساد له، لايجوز بيعه بغير اختباره، فإن تبايعا كانت الصحّة موقوفة على تراضيهما.

الفصل الخامس

يثبت في الحيوان الخيار ثلاثاً للمشتري خاصّةً شرطا أو لا، وما زاد فبحسب الشّرط، فإن شرطا مدّة معلومة ثمّ أوجبا البيع، ثبت العقد وبطل الشّرط المتقدّم.

إذا ابتاع بشرط الخيار ولم يسمِّ وقتاً، بل أطلقه، فله الخيار ثلاثاً لاغير. وإذا ابتاع معيّناً وتفرّقا بلا تقابض، فالمبتاع أحقّ به إلى ثلاثة أيّام، فإن مضت ولم يحضر الثّمن، فالبائع بالخيار بين الفسخ والمطالبة بالثّمن، وإن هلك في مدّة الثّلاثة، فهو من مال البائع.

إذا أراد انعقاد ما يشتريه لولده من نفسه، اختار لزومَ العقد عند انعقاده، أو يختار بشرط بطلان الخيار على كلّ حال، وقيل: ينتقل من مكان العقد. (2)

بيع العين المشاهدة يدخله خيار المجلس بإطلاق العقد، وخيار الشّرط


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «ولو باع ثوباً على خف نسّاج» والصّحيح ما في المتن. والحَفُّ: المِنْسج. لسان العرب.
(2) قال الشيخ في المبسوط: 2|78: إذا أراد أن يشتري لولده من نفسه، وأراد الانعقاد، ينبغي أن يختار لزوم العقد عند انعقاد العقد، أو يختار بشرط بطلان الخيار على كلّ حالٍ، وقد قيل: إنّه ينتقل من المكان الذي يعقد فيه العقد، فيجري ذلك مجرى تفرق المتبايعين.ولاحظ المهذّب: 1|353.


(203)

بحسب الشّرط ثلاثاً فصاعداً، وبيع الحيوان يدخله خيار المجلس وخيار الثّلاثة بإطلاق العقد وما زاد فبالشّرط، وبيع خيار الرّوَية يدخله الخيارانِ معاً، وخيار الشّرط إذا رآه.

وخيار الرّوَية يكون على الفور دون خيار المجلس، وكذا بيع السَّلم، الصّرفُ يدخله خيار المجلس دون خيار الشّرط لاَنّ من شرط صحّته القبض.

وأمّا النّكاح والطّلاق والخلع والعتق والوقف والصّلح فلا يدخلها الخياران معاً، وكذا المكاتبة المطلقة إذا أدّى شيئاً، فأمّا المشروطة فللمولى خيار الشّرط دون خيار المجلس، وللعبد الخياران معاً.

وأمّا الاِجارة والمزارعة والمساقاة والقسمة والسّبق والرّماية والحوالة والجُعالة والقِراض، فلا يدخلها خيار المجلس لاَنّه يختصّالبيع، ولا مانع من دخول خيار الشّرط. وأمّا الهبة فللواهب الخيارُ قبل القبض وبعده مالم يتعوّض منها أو لم يتصرّف فيها الموهوب له ولم يكن الهبة لولده الصّغار.

والشّفيع إذا ملك الشّقص بالثّمن وانتزع من يد المشتري فليس له خيار المجلس، والرّهن بدينٍ للرّاهن الخيارُ بين أن يقبض أو لا، فإن أقبض لزم من جهته، وكان من جهة المرتهن جائزاً إن شاء أمسك أو فسخ، قال الشّيخ:والاَحوط أن يقول: إنّالرّهن يلزم من قِبلِ الرّاهن بالقول، ويلزمه إقباضه، وأمّا من جهة المرتهن، فهو جائز على كل حال. (1)

وإن كان رهناً في بيع كأن يقال:بعتك هذه الدّار بألفٍ على أن ترهن عبدك، فالرّاهن بالخيار في مدّة خيار المجلس أو الشّرط بين أن يقبض الرّهن أو لا، فإن أقبض لزم الرّهن من جهته، ولكلٍّ منهما فسخ البيع في مدّة الخيار، فإن لزم بالتّفرّق


(1) المبسوط: 2|79.


(204)

أو بانقضاء خيار الشّرط فقد لزم الرّهن على ما كان، وإن فسخا أو أحدهما البيع بطل الرّهن، وإن لم يقبض الرّهن حتّى لزم البيع بالتّفرّق أو بانقضاء مدّة الخيار، فالرّاهن بالخيار (1)بين أن يقبض أو لا، فإن أقبض لزم الرّهن من جهته وإن امتنع لم يجبر عليه وكان البائع المرتهن بالخيار، إن شاء أقام على البيع بلا رهن وإن شاء فسخ، وعلى ما سبق من لزوم الرّهن بالقول من الرّاهن ولزوم الاِقباض، متى لزم البيع لزم إقباض الرّهن.

خيار الشّرط يورَثُ إذا مات أحد المتبايعين أو كلاهما يقوم الوارث مقامه. وإن كان عبداً أو مكاتباً قام مولاه مقامه، وكذا إن جنَّ أحدهما أو أُغمي عليه في مدّة الخيار قام الوليّ مقامَه ولا اعتراض له إذا أفاق.

يجوز التّقابض في مدّة الخيارات الثّلاث والخيار باق. ومبدأ خيار الشّرط من حين التفرّق بالاَبدان لا من حين العقد، لاَنّ الخيار يدخل بعد ثبوت العقد، والعقد لايثبت إلاّ بعد التفرّق، فإن شرطا أن يكون من حين العقد، أو يكون مدّة أحدهما أقلّ من مدّة الآخر، صحّ، ولكلّ منهما الفسخ بالعيب، والاِمضاء قبل القبض وبعده، ولايحتاج إلى حضور صاحبه.

إذا باع وشرط الخيار لاَجنبيّ صحّ، وإذا قال: بعتك (2)على أن أستأمر فلاناً في الردّ، كان على ما شرط، ولا حدّ لاستئماره إلاّ أن يذكر زماناً معيّناً.

إذا قال: بعتك (3)على أن تنقد لي الثّمن إلى عشرٍ مثلاً فإن نقدتني، وإلاّ فلا بيع، كان على ما شرط.


(1) في الاَصل: فللراهن الخيار.
(2) في الاَصل: «بعتكه ». قال في الحدائق: 19|40: والفرق بين الموَامرة وجعل الخيار لاَجنبيّ، انّ الغرض من الموَامرة الانتهاء إلى أمره، فليس لذلك المستأمر ـ بفتح الميم ـ الفسخ أو الالتزام، وإنّما إليه الاَمر والرّأي خاصّة، بخلاف من جعل له الخيار.
(3) في الاَصل: بعتكه.


(205)

إذا باع عبدين وشرط مدّة الخيار في أحدهما ولم يعيّنه بطل البيع، وإن عيّنه ثبت الخيار فيمن (1)عيّن لا غير.

إذا اشترى شاة وحبسها (2)ثلاثة أيّام، ثمّ أراد ردّها، ردّ معها ثلاثة أمداد من طعام إن كان لها لبن وقد شربه، وإلاّ فلا.

وروى أصحابنا أنّ البيع بشرط يجوز وهو أن يقول:بعتك إلى شهر. قال الشّيخ: والاَحوط عندي أن يكون المراد بذلك أن يكون للبائع خيار الفسخ دون أن يكون مانعاً من انعقاد العقد. (3)

كلّ تصرّف لو وقع من البائع كان فسخاً، ومتى وقع من المشتري، كان إقراراً بالرّضاء بالبيع ولزم العقد من جهته. (4)

الاِكراه على التفرّق لا يُبطِلُ خيار المجلس.

إذا قال: بعتك بشرطٍ، ولم يذكر مقدار الشّرط، كان البيع باطلاً. وقيل: يصحّ البيع ويرجع ويُثْبِت شرطاً فقط. (5)

إذا باع بشرط الخيار متى شاء، فالبيع باطل لاَنّه مجهول.

إذا هلك المبيع قبل القبض في مدّة الخيار أو بعدها، بطل البيع، وهلك على البائع وبطل الثّمن، وردَّ الثّمن إن كان مقبوضاً، وسقط (6)عن المشتري إن لم يكن


(1) في «س»: «فيما» بدل «فيمن».
(2) في «س»: «فحبسها».
(3) المبسوط: 2|82 وفي «س»: وروى أصحابنا انّالبيع بشرطٍ لايجوز....
(4) في الاَصل: لزمه العقد من جهته.
(5) قال الشيخ في المبسوط: 2|83: وإذا قال: بعتك بشرطٍ ولم يذكر مقدار الشرط، كان البيع باطلاً، وقال بعضهم: يصحّ البيع ويرجع ويثبت شرطاً فقط.
(6) في «س»: ويسقط.


(206)

مقبوضاً، وإن هلك بعد (1)القبض لم يبطل البيع وإن ردّه على البائع وديعة أو عارية.

الفصل السّادس

الرّبا هو التّفاضل بين شيئين من جنس واحد من المكيل والموزون خاصّةً، وذلك محظور غير سائغ، لا نقداً ولانسيئة، ولاتفاوت في ذلك إن كان النّقدان من الذّهب والفضّة أحدهما مضروباً أو مصاغاً، أو لايكون كذلك وإن كان المصاغ أكثر قيمة.

والمغشوش من الذّهب أو الفضّة (2)لايجوز بيعه بغير المغشوش من ذلك الجنس، لاَنّ ما فيه من الذّهب أو الفضّة مجهول سواء كان الغشّ مستهلكاً أو لا، فإن اشترى بالمغشوش ثوباً مثلاً جاز، وإن اشترى بالذّهب المغشوش فضّة أو بالعكس كان جائزاً.

ويجوز بيع الذّهب بالفضّة متفاضلاً نقداً لا نسيئة، وكذا في كلّ جنسين اختلفا ممّا يكال أو يوزن (3) ولايجوز فيه التفرّق قبل القبض، فإن فعلا بطل البيع.

إذا باع موزوناً أو مكيلاً بجنس آخر منه غير الثّمنين كبُـرٍّ بتمر مثلاً، أو مكيلاً بموزونٍ جاز التّفاضل فيه والتّماثل، فإن افترقا قبل القبض لم يبطل البيع،والاَحوط التّقابض قبل التفرّق. ويجوز بيع جنس بجنس مثله متماثلاً، وأمّا متفاضلاً فلا، والاَحوط أن يكون يداً بيد.

ما لا يكون فيه الرّبا كالثّياب والحيوان مثلاً، وما لا يكال ولا يوزن، يكره


(1) في «س»: «قبل القبض» والصّحيح ما في المتن.
(2) في «س»: والفضة.
(3) في الاَصل: ويوزن.


(207)

التّفاضل فيه نسيئة، كبيع ثوب بثوبين.

البُـرُّ والشّعير جنس واحد في الرّبا، وفي الزّكاة جنسان.

بيع الرّطب بالتمر لايجوز متفاضلاً ومتماثلاً.

ما يتداوى به من الطّين الاَرمنيّ وغيره ممّا يوزن ففيه الرّبا، وأمّا الطّين الّذي يوَكل، فحرام أكله وبيعه.

الماء لا ربا فيه لاَنّه لا يُكال ولايُوزن.

[المماثلة المعتبرة في الرّبا عرف أهل الحجاز على عهد الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فما] (1)كانت العادة فيه الكيل، لم يجز إلاّ كيلاً في سائر البلاد وكذا في الوزن. (2)والمكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكّة.

وما لاتعرف له عادةٌ في عهد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، يحمل على عادة بلد ذلك الشّيء.

بيع الحنطة بدقيقها متماثلاً نقداً جائز، ولايجوز نسيئةً لا متماثلاً ولا متفاضلاً، والاَحوط في ذلك الوزن، دون الكيل، لاَنّ الدّقيق أخفّ وزناً من الحنطة.

ولايجوز بيع ليِّن الخبز بيابسه لا متماثلاً ولا متفاضلاً، إذا كان من جنسه، وبغير جنسه يجوز متماثلاً ومتفاضلاً، كخبز الحنطة بخبز الذُّرَة.

الاَدهان إذا كانت في الاَصـل واحـداً ـ وإن اختلفت أسماوَهـا ـ لايجـوز التّفاضل فيها، كدهن الورد والنّيلوفر والياسمين والبنفسج، إذ الاَصل فيها دهن الشّيرج.

يجوز بيع الشّهد بالعسل مثلاً بمثله وإن كان في الشّهد الشّمع، وكذا


(1) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل، وهو الصّحيح.
(2) في «س»: وكذا الوزن.


(208)

الحبوب وإن كان في أحد المثلين قليل تبنٍ، أو زُوانٍ (1)أو غيرهما.

لبن الغنم الاَهليّ جنس غير لبن الغنم الوحشيّ وهو الظّباء، وكذا لبن البقر الاَهليّ خلاف لبن بقر الوحش، ولبن الاِبل جنس آخر، يجوز بيع جنس منها بجنس آخر متفاضلاً، وأمّا بجنسه فلا، إلاّ متماثلاً، وكذا حكم ما يتّخذ من اللّبن كالسّمن والزّبد والجبن والاََقِّطِ والمصل وغيرها. (2)

واللّحمان كالاَلبان في اختلاف الاَجناس وكذا الحيتان.

والطيور كلّ ما اختص منها بصفة واسم فهو صنف غير الآخر، لايجوز بيع جنس منها بجنسه متفاضلاً، نيئاً (3)كان أحدهما والآخر (4)مشوياً أو مطبوخاً سميناً كان [أحدهما] (5)والآخر مهزولاً.

والشّحم والاِلية واللّحم ليس بعضها جنساً لبعض.

بيع اللّحم بحيوان من جنسه لايجوز، كبيع لحم شاةٍ بشاةٍ، وبغير جنسه يجوز، وإن كان الحيوان غير مأكول اللّحم كالبغل والعير.

يجوز بيع دجاجة فيها بيض، بالبيض، وشاةٌ في ضرعها لبنٌ باللّبن.

وما يجري فيه الرّبا، لايجوز بيع بعضه ببعضه جزافاً، وكذا ما يباع عدداً، لايجوز بيعه جزافاً. ويجوز بيع بعضه ببعضٍ، متفاضلاً ومتماثلاً، كبيضة ببيضتين،


(1) الزّوان: حبّ يخالط البرّ فيكسبه الرداءة وفيه لغات....المصباح المنير.
(2) الاََقِّط: يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثمّ يترك حتى يمصل.والمصل ـ مثال فلس ـ: عصارة الاَقط، وهو ماوَه الذي يعصر منه حين يطبخ. المصباح المنير.
(3) النَّيْءُ ـ مهموز وزان حمل ـ: كلّشيء شأنه أن يعالج بطبخ، أو شيء ولم ينضج، فيقال: لحمٌ نيءٌ. المصباح المنير.
(4) في الاَصل: أو الآخر مشوياً.
(5) مابين المعقوفتين موجود في «س».


(209)

وحلّة بحلّتين، وحمار بحمارين.ويجوز بيع مدّ من بُرٍّ ودرهمٍ بِمُدَّي بُرٍّ (1)وبيع دينار وألف درهم بألف دينار، وزيادة كلّ ذلك نقداً.

لا يجوز بيع التّمر بالتّمر إذا كان خَرصاً بما يوجد منه.

ومن كان معه دراهم أو دنانير محمول عليها، لم يجز صرفها بالجياد إلاّ بعد بيانها وإن كانت صارت إليه بالجياد.

إذا اشترى سلعة بدراهم أو دنانير معيّنة لم يجز تسليم غيرها إلاّ برضاء البائع.

إذا خرج المبيع من غير جنس ما وقع عليه البيع، بطل البيع، وإن خرج بعض من غير جنسه دون الباقي، بطل البيع في ذلك البعض خاصّةً.

إذا اشترى دراهمَ بدنانير بأعيانها، فوجد ببعضها عيباً، كان البيع صحيحاً، وللمشتري أن يردّ المعيب بالعيب، أو يفسخ البيع في الجميع، وإن كان في الذّمّة بلا تعيين (2) وأطلقا، رجع الاِطلاق إلى نقد البلد إن كان واحداً وإلى الغالب (3)من نقوده إن اختلفت، وإن لم يكن غالبٌ لم يصحّ البيع إلاّ إذا وصف وذكر حال العقد.

ولايجوز أن يتفرّقا حتّى يتقابضا، وإذا (4)وجد أحدهما بعد التّقابض عيباً من جنسه، أو لا من جنسه قبل التفرّق، فله الاِبدال، وبعد التفرّق إن كان العيب لامن جنسه بطل الصرف، لاَنّهما تفرّقا من غير قبض، لما تناوله العقد، وإن كان العيب في البعض، بطل العقد في ذلك البعض لاغير، وإن كان العيب من جنسه،


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ودرهم بمدّين.
(2) في الاَصل: بلاتعيّن.
(3) في الاَصل: أو إلى الغالب.
(4) في «س»: فإذا.


(210)

بأن يكون الذّهب خشناً أو سكّة أحدهما مخالفة للسّكّة المعروفة وكان في الكلّ، فله إمّا الردّ واسترجاع ثمنه، أو الرّضى أو إبداله، وإن كان في البعض، أبدل أو فسخ في الجميع.

الاَواني المُصاغَةُ من الذّهب والفضّة معاً، إذا لم يمكن تخليص أحدهما من الآخر، وكذا الدّنانير المضروبة منهما لم تُبَعْ إلاّ بالذّهب، إذا كان الغالب فيها الفضّة، أو بالفضّة إذا كان الغالب الذّهب، فإن تساويا بيعت بالذّهب والفضّة معاً، والاَحوط أن يُجعل معهما شيءٌ آخر.

جوهر الذّهب والفضّة (1)ومعادنهما لايجوز بيعهما إلاّ بغير جنسهما، ليُوَمَنَ فيه من الرّبا. وجوهر الاَسرب والنّحاس والرّصاص لابأس بالاِسلاف فيه (2) وإن كان فيه ذهبٌ يسيرٌ أو فضّة قليلة.

إذا باع سيفاً محلّى بفضةٍ بدراهمَ أو سيفاً محلّى بذهبٍ بدنانيرَ وكان ما فيه من الذّهب أو الفضّة أقلّ من الثّمن في الوزن جاز، وكان الفاضل من الثّمن ثَمَن النَّصلِ والعِلاقة، (3)فإن كان ما فيه من الذّهب أو الفضّة مثله أو أكثر منه لم يجز إلاّ أن يستوهب السّير(4)والنّصل إذا كان مثله، فأمّا إذا كان أكثر فلا يجوز على حال، ويجوز بيعه بغير جنس حليته أو بعوض.

إذا اشترى خاتم فضّةٍ مع فصّه بفضّة جاز إذا كان الثّمن أكثر ممّا فيه من الفضة.


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: شيء آخر غير جوهر الذّهب والفضّة.
(2) في «س»: «بالاِسلام فيه» وهو تصحيف.
(3) النَّصل: حديدة السيف والرمح والسكين. والعلاقة من العِلق وهو السيف، والنّفيس من كل شيء. لسان العرب.
(4) السَّيْرُ: ما قُدَّ من الاَديم طولاً. لسان العرب.


(211)

من كان معه مائة درهم صحاح، يريد أن يشتري بها مكسّرةً أكثر منها وزناً، فاشترى بصحاح ذهباً، ثمّ اشترى بالذّهب دراهم مكسّرةً، أكثر وزناً من الدّراهم الصّحاح، جاز.

إذا تقابضا وافترقا بالاَبدان، أو تخايرا إمضاء البيع بعد التّقابض، فإن تخايرا قبل التّقابض، بطل الصّرف، فأمّا إذا تقابضا قبل التفرّق والتّخاير، لكنّه اشترى منه بالذّهب الّذي قبضه، دراهمَ مكسّرةً، صحّ الشِّرى، لاَنّ هذا تصرّفٌ منه، والتصرّفُ إمضاءٌ للبيع، وقطع للخيار، فإذا باع الصّحاح بوزنها من المكسّرة ووهب [له] (1) الزّيادة جاز، وكذا إن ضمّ إلى الصّحاح جنساً آخر يكون ثمناً للزّيادة.

إذا اشترى ديناراً بعشرين درهماً، ومعه تسعة عشر درهماً، فسلّمها إليه، ثمّ قبض الدّينار منه، ثمّ استقرض منه درهماً ممّا دفعه إليه وأعطاه في المجلس، إتماماً [للعشرين] (2)جاز، فإن لم يقرضه فاسَخَه الصّرف، واشترى منه من الدّينار، بقدر دراهمه التّسعة عشر، فيكون في يده جزءٌ من عشرين جزءاً من الدّينار، مقبوضاً عن وديعةٍ، والباقي عن الصّرف، فإن شاء استرجع ذلك الجزء منه، أو وهبه له، أو اشترى به عوضاً منه، أو جعله ثمناً لموصوف في ذمّته إلى أجل، فيكون سلماً.

وإن لم يفاسخه لكن قبض الدّينار وفارقه ليوفّيه الدّرهم انفسخ الصّرف في قدر الدّرهم دون الباقي، فإن تصارفا فلا بأس أن يُطَوِّلا مقامهما (3)في مجلسهما، أو أن يصطحبا من مجلسهما إلى غيره، ليوفّيه، لاَنّهما لم يتفرّقا.

والتّوكيل في القبض، لايكون قبضاً، بل يجب أن يقبض الوكيل قبل تفرّقهما، لاَنّ قبض وكيله بمنزلة قبضه، ولايجوز التفرّق إلاّ بعد القبض أو المفاسخة، لاَنّه رباً.


(1) مابين المعقوفات موجود في الاَصل.
(2) مابين المعقوفات موجود في الاَصل.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: أن يطول مقامهما.


(212)

إذا اشترى عشرين درهماً بدينار فقال له آخر: وَلِّني نصفها بنصف الثّمن، صحّ. والتّولية بيع. وإن قال له: اشتر عشرين درهماً نقرةً بدينار لنفسك ثمّ ولِّني نصفها بنصف الثّمن لم يجز، لاَنّه إذا اشتراها لنفسه ثمّ ولاّه كانت التّولية بيعاً من الغائب وذلك لا يجوز.

إذا كان له عند صيرفيّ دينارٌ فقبض منه الدّراهم من غير أن يبتاع لم يكن ذلك صرفاً وكان للصّيرفيّ في ذمّته تلك الدّراهم، وله عند الصّيرفيّ دينار، ولايجوز أن يتقاصّا لاَنّهما جنسان مختلفان، فإن أبرأ كلّ منهما صاحبَه ممّا له عليه فقد برأت ذمّتهما.

من كان له على غيره دنانير وأخذ منه الدّراهم ثمّ تغيّرت الاَسعار، كان له أن يُسعر يوم قبض الدّراهم.

إذا كان له على صيرفيّ دنانير فقال له: حَوِّلْها إلى الدّراهم، وساعره (1)على ذلك، جاز وإن لم يوازنه ويناقده في الحال، لاَنّ النّقدين جميعاً من عنده.

إذا قال لصائغ (2) صُغْ لي خاتماً من فضّة لاَعطيك وزنها فضّةً وأجرتك للصّياغة، فعمل لم يصحّ وكان الخاتم ملك الصّائغ، واحتاج في شرائه إلى عقد مستأنف.

ولابأس بابتياع درهم بدرهم ويشترط معه (3)صياغة خاتم أو غيره، وكذا لابأس أن يشتري طعاماً على أن يطحنه أو دقيقاً على أن يخبزه أو ثوباً على أن يخيطه ونحو ذلك ممّا يكون في مقدوره، فأمّا ما لايكون في مقدوره من الشّرط كأن يَشْتَريَ الزّرع على أن يسلّمه إليه سنبلاً أو الرُّطَبَ على أن يسلّمه تمراً فلا يجوز.


(1) ساعر: ساوم.
(2) في «س»: للصّائغ.
(3) في الاَصل: يشرط معه.


(213)

ولايجوز أن يبيع ثوباً بمائتي درهم من صرف عشرين درهماً بدينار، لاَنّ الثّمن غير معيّن ولاموصوفٍ بصفةٍ يُعْلم بها، وكذا لايصحّ أن يشتريَ ثوباً بمائتي درهم [إلاّ] (1) ديناراً أو بمائة دينار إلاّ درهماً، لاَنّ الثّمن مجهول، لا يدرى إلاّ بالتّقويم والرجوع إلى أهل الخبرة.

لا ربا بين الولد ووالده لاَنّ مال الولد في حكم مال الوالد، ولا بين العبد وسيّده لاَنّمال العبد لسيّده، (2)ولا بين الرّجل وأهله، ولا بين المسلم والحربيّ، لاَنّهم في الحقيقة فيء للمسلمين، وإنّما لايتمكّن منهم، ويثبت بين المسلم والذميّ، فمتى اشترى المسلم من الحربيّ درهمين بدرهم جاز، ولايجوز أن يبيعه درهمين بدرهم.

من ارتكب الرّبا جاهلاً بتحريمه ثمّعلم به استغفر اللّه ولم يَعُدْ،وإن كان عالماً بتحريمه وجب عليه ردّ كلّ ما جمع من الرّبا على صاحبه، فإن جهل المقدار صالحه على ما يرضى به، وإن لم يعرف صاحبه تصدّق به عنه، فإن لم يعرف المقدار ولا الصّاحب أخرج الخمس والباقي مباحٌ له. (3)

الفصل السابع: في أحكام العقود

من باع نخلاً قد أطلع، فإن كان قد أُبِّر (4) فثمرته له وإلاّللمشتري، وكذا في وجوه التّمليك، (5)إن أطلعت النّخلة في ملك المشتري ثمّ فُلِّس (6) بالثّمن،


(1) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل، وهو الصحيح.
(2) في الاَصل: لاَنّ ماله لسيّده.
(3) في «س»: «مباح» بإسقاط«له».
(4) تأبير النّخل هو تلقيحه.
(5) في الاَصل: في وجوه التّمليكات.
(6) في «س»: ثمّ أفلس.


(214)

رجع البائع عليه بالنّخلة دون الطّلع، فإن أُبِّر بعضٌ دون بعضٍ فثمرة المأبور للبائع وثمرة غير المأبور للمشتري، وإن هلكت الثّمرة للمشتري في يد البائع قبل التّسليم كان للمشتري فسخ البيع وإجازته في الاَُصول بجميع الثّمن، أو بحصّته من الثّمن.

وإذا اشترى عبداً فقطعت يده قبل القبض، فالمشتري مخيّـر بين فسخ البيع وإجازته بجميع الثّمن لا غير، لاَنّ الثّمن لاينقسم على الاَطراف، وينقسم على أُصول النّخل والثّمرة.

إذا باع أرضاً وفيهاالقطن وقد خرجت جوزته، فإن كان قد تشقّق الجوزة فالقطن للبائع وإلاّ فللمشتري، إلاّ أن يقع الشّرط بخلافه في الحالين، وإن كان بدل القطن الحنطة، أُعتبر بإخراج السّنابل. (1)

يجوز بيع أُصول القطن دون الاَرض (2)إذا كان ممّا يبقى فيحمل سنتين فصاعداً.

ما لايكون في الاَكمام من الثّمرة كالعنب والتّين والتّفّاح إذا بيع أصله وقد خرجت الثّمرة فهي للبائع إلاّ بالشّرط، وإن خرجت في ملك المشتري فهي له.

وما يخرج من ثمرته (3)في أكمام ودونه قشر كالجوز واللّوز إذا بيع الاَصلُ وقد ظهرت الثّمرة فهي للبائع إلاّ بالشّرط.

وإذا بيع شجرُ الورد أو الياسمين أو النّسرين أو البنفسج أو النّرجس وغير ذلك ممّا يبقى أصله في الاَرض، ويحمل حملاً بعد حملٍ، فإن كان تفتَّحَ وردُه فللبائع وإلاّ فللمشتري.


(1) في الاَصل: إخراج السّنابل.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: يجوز بيع أُصول القطن دون القطن ودون الاَرض.
(3) في الاَصل: وما يخرج ثمرته.


(215)

إذا باع أصل التّوت وقد خرج ورقه فهو للمشتري تفتَّحَ أو لا، لاَنّ الورق من الشّجر بمنزلة الاَغصان وليس بثمر.

إذا باع نخلاً على أن يقطعه المشتري أجذاعاً فتركه حتّى أثمر، فالثّمرة للمشتري، فإن كان البائع سقاه وراعاه فله أُجرة المثل.

إذا باع شجرة تينٍ وعليها تين ظاهر ولم يلقطه حتّى حدث حمل آخر للمشتري، فاشتبها سلّم الجميع إلى المشتري، أو يفسخ البيع إذ لايمكن تسليم المبيع، وكذا في الباذنجان والقثّاء والبطّيخ.

إذا قال: بعتك هذه الاَرض بحقوقها، دخل البناء والشّجر في البيع، وإن لم يقل بحقوقها لم يدخل. و اسم البستان يشتمل على الاَرض والشّجر.

إذا قال: بعتك هذه القرية بحقوقها، لم يقع اسم القرية إلاّ على البيوت، ولايكون المزارع من حقوقها، وإن كانت بين البيوت أشجار دخلت في البيع لاَنّها من حقوق القرية والبيوت.

إذا باع داراً دخل في البيع الاَرضُ والبناءُ والشّجرةُ النّابتة فيها والحيطانُ والسّقوف والاَغلاق والاَبوابُ المنصوبة والبئر وما فيها من الآجر والماء، دون متاع البيت والاَبواب المقلوعة وشبهها ممّا لايدخل تحت اسم الدّار.

لايصحّ بيع ماء البئر لاَنّه إن باع الجميع فهو مجهول، لاَنّ له مدداً، وإن باع الموجود منها لم يمكن تسليمه إلاّ بأن يختلط بغيره، فإن باع منه أرطالاً معلومةً وعلم أنّ الماء أكثر منها جاز، ويجوز بيع العين كلّها أو سهم منها.

يباع معدن الذّهب والفضّة بغير جنسه ليوَمن من الرّبا.

إذا باع أرضاً وفيها بذرٌ لم ينبت بعدُ وكان بذراً لِما يُجَزُّ دفعة بعد أُخرى، كالقتّ (1) ، أو لاَصل يبقى لحمل بعد حمل كنوى التّمر، دخل في البيع، لاَنّه من


(1) القتّ: الرَّطب من علف الدواب أو يابسه. مجمع البحرين.


(216)

حقوقه، وهكذا إذا غرس في الاَرض (1)راساً وباع (2)قبل أن ينبت الغراس ويرسخ عروقه، دخل في البيع.

وإن كان بذراً لما يحصد مرّةً واحدةً كالحنطة، فإن كان قد باع الاَرض مطلقاً، لم يدخل البذر في البيع، وللمشتري الخيار بين الفسخ والاِجازة إن لم يعلم ذلك، وإن علم فلا وعليه تركه إلى أوان الحصاد، (3)وإن كان باع الاَرض مع البذر، صحّ.

وحيث قلنا يترك إلى أوان الحصاد، إن حصده البائع قصيلاً (4)لم يكن له الانتفاع بالاَرض إلى وقت الحصاد، لاَنّ الّذي استحقّه هو تبقية الزّرع الّذي حصده.

إذا كان الزّرع ممّا يحصد مرّةً بعد أُخرى وكان مجزوراً دخلت العروق في بيع الاَرض لاَنّها من حقوقه، وإن لم يكن مجزوراً، فالجزّة الاَُولى للبائع لا غير، إلاّ إذا شرطها المشتري، وإن لم يشترط طالب البائع بجزّها في الحال لئلاّ يختلط حقّهما، ولابأس ببيع الزّرع قصيلاً، وعلى المبتاع قطعه قبل أن يُسَنْبِلَ، فإن لم يقطعه كان البائع بالخيار بين أن يقطعه وأن يتركه، فإن تركه إلى أوان الحصاد، كانت الغلّة للمشتري وعليه خراج ذلك.

الفصل الثّامن

بيع الثّمرة دون الشّجرة بعد بدوِّ صلاحها جائز، وأمّا قبل بدوّ صلاحها، فإن كان البيع سنتين فصاعداً جاز، وإن كان سنة واحدة جاز بشرط القطع في


(1) في «س»: «الاَصل» بدل «الاَرض».
(2) في «س»: أو باع.
(3) في حاشية الاَصل: «وقت الحصاد ـ بالفتح ـ: يوم الحصيد، وبالكسر: يوم الكيل والوزن».
(4) القصل: القطع، والقصيل: ما اقتصل من الزرع أخضر. لسان العرب.


(217)

الحال، وأمّا بشرط التّبقية أو مطلقاً بلا شرط فلا. وإن كان الاَصل لواحدٍ والثّمرة لآخر، فباع الثّمرة صاحبها من صاحب الاَصل، لم يصحّ، كما لم يصحّ من غيره.

وبدوّ الصّلاح في النّخل أن يتلوّن البُسرُ ويَصْفرَّ، وفي الورد أن ينشر ورده (1) وتنعقد الثّمرة، وفي الكرم أن ينعقد الحِصرم (2) وفي القثّاء أن يتناهى عظم بعضه.

إذا كان في البستان ثمارٌ مختلفة وبدا صلاح بعضها، جاز بيع الجميع، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، وأمّا البستانان، فلكلّ واحد حكم نفسه.

بيعُ الحمل الظّاهر دون الاَصل مثلِ القثّاء (3)قبل بدوّ الصّلاح مطلقاً أو بشرط التّبقية إلى أوان اللّقاط، لايجوز، ويجوز بشرط القطع، وبعد بدوّ الصّلاح يجوز على الوجوه الثّلاثة، فإن اشتراه وتركه حتّى اختلط بحملٍ حادثٍ ولم يتميّزا، سلّم البائع الجميعَ إلى المشتري، أو فسخ البيع.

يجوز أن يبيع الثّمار في بستان، ويستثني منها أرطالاً معلومة، أو ثمارَ نخلاتٍ معيّنةٍ، واستثناءُ الرّبعِ أو الثّلثِ أحوط. واستثناء نخلةٍ غير معيّنةٍ لايجوز، لاَنّ ذلك مجهول.

إذا أصاب الثّمرة جائحة (4)قبل التّخلية بينها وبين المشتري، بطل البيع إن تلف الجميع، وإن تلف البعض، انفسخ في التّالف لا غير، وبعد التّسليم لاينفسخ، وكان من مال المشتري، وإذا عجز البائع عن سقي الثّمرة وتسليم الماء، فللمشتري الخيار.


(1) كذا في «س» ولكن في الاَصل: وفيما الورد ان ينتثر ورده. وفي المبسوط: 2|114: فامّا ما يتورّد فبدو صلاحه: أن ينتثر الورد وينعقد.
(2) الكرم: ـ وزان فلس ـ العنب، والحصرم: أوّل العنب ما دام حامضاً. مجمع البحرين.
(3) في «س»: من مثل القثاء.
(4) الجائحة: الآفة يقال: جاحت الآفة المال: إذا أهلكته. المصباح المنير.


(218)

وحكم التلف (1) من جهة البائع، كالتّلف بالجائحة، وأمّا التّلف من جهة أجنبيّ (2) فالمشتري مخيّر بين فسخ البيع واسترداد الثّمن وبين إجازته، ورجوعه بالقيمة إلى الاَجنبيّ، هذا قبل القبض، وأمّا بعده فمِنْ ضمان المشتري، وله الرّجوع بالقيمة إلى المتلف إن كان غير اللّه، بائعاً كان أو غيره.

لابأس أن يبيع ما ابتاعه من الثّمرة بزيادة ممّا اشتراه، وإن كان قائماً في الشّجر.

لا يجوز بيع محاقلة؛ (3)ما انعقد فيه الحَبّ واشتدّ من السّنبل بحبّ من ذلك السّنبل،وأمّا بحبٍّ سواه من جنسه فجائز، وإن كان الاَحوط أن لايفعل، تحرّزاً من الرّبا.

ولا يجوز بيع مزابنة (4)التّمر على روَوس الشّجر بتمر منه، وأمّا بتمرٍ على

الاَرض (5) فلابأس، والاَحوط أن لا يجوز، لما سبق في السّنبل.

ومن له نخلة في دار غيره ويشقّ عليه الدّخول إليها فيبيعها منه بخرصها تمراً جاز فيها، لا غير، أعني: في النخلة خاصّة.

وما فيه الرّبا لا يجوز التفرّق عن المكان قبل القبض، والقبض فيما على النّخلة، التّخليةُ، وفي التّمر، النّقلُ.

إذا كان شجر بين اثنين فقال أحدهما للآخر: أعطنيه (6)بكذا رطلاً، أو: خذه منّي به، جاز ما اتّفق.


(1) في «س»: وحكم التالف.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وأمّا التلف بأجنبىٍّ.
(3) المحاقلة: هي بيع الزرع في سنبله بحنطةٍ. المصباح المنير.
(4) المزابنة: بيع الثمر في روَوس النخل بتمر كيلاً. المصباح المنير.
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: مزابنة الثمرة على روَوس الشجر بثمر منه وأمّا على الاَرض.
(6) كذا في «س» ولكن في الاَصل: اعطتيته بكذا.


(219)

الفصل التّاسع

يجوز بيع ما ابتاعه قبل القبض إلاّ في الطّعام، وقبض ما لاينقل كالعقار التّخلية بينه وبين المبيع، وفي الحيوان أن يمشي به إلى مكان آخر، وفي العبد أن يقيمه إلى موضع آخر، وفيما يباع جزافاً، أن ينقله من موضعه، وفيما يكال أن يكيله.

والقبض الصّحيح أن يسلّم البائع المبيع باختياره، وأن يكون الثّمن موَجّلاً أو حالاّ ً إلاّ أن يكون المشتري أوفاه، فيصحّ قبضه بغير اختيار البائع، فأمّا إذا كان حالاّ ً ولم يوفِّهِ فلا يصحّ قبضه بلا اختياره،وللبائع مطالبته بردّ المبيع إلى استيفاء الثّمن، وإذا كان الثّمن معيّناً جاز بيعه قبل قبضه، إلاّ إذا كان صرفاً. ويجوز بيع صداق المرأة ومال الخلع للرّجل قبل القبض.

إذا أسلم في طعام ثمّ باعه من آخر، لم يصحّ إلاّ أن يجعله وكيله في القبض.

إذا أسلم في طعامٍ معلومٍ، واستسلف من آخر مثله، فلمّا حلّ عليه الاَجل، قال لمن أسلم إليه: امض (1)إلى من أسلمت إليه واكتَل لنفسك، (2)لم يصحّ، لاَنّه يكون قد باع طعاماً قبل أن يكيله، ويحتاج أن يردّ ما أخذه على صاحبه، ويكتاله عن الآمر بقبضه بتوكيله إيّاه، أو يكتاله الآمر ويُقبِضه إيّاه بكيلٍ مجدّدٍ، إذا شاهده أو يصدّقه فيه، والاَحوط للمشتري أن يكتاله بعد اكتيال الآمر.

إذا حلّ عليه الطّعام بعقد السَّلَم فدفع (3)بدله إلى المسلم دراهم، لم يجز، لاَنّ بيع المسلم فيه لايجوز قبل القبض، وإن قال: اشتر بها الطّعام لنفسك، لم يصحّ، لاَنّ الدّراهم باقية على ملك المسلَم إليه، فلايصحّ أن يشتري بها طعاماً


(1) كذا في «س» ولكن في الاَصل: «افض» بدل «امض».
(2) في «س»: «واكتل إليه لنفسك».
(3) في «س»: ودفع.


(220)

لنفسه، هذا إذا اشتراه بعينها، وأمّا إذا اشتراه في الذّمّة، ملك الطّعام وضمن الدّراهم الّتي عليه، فيكون للمسلم إليه في ذمّته دراهم (1) وله عليه الطّعام الّذي أسلم فيه.(2)

من كان له على غيره طعامٌ من سلم، ولذلك الغير على آخر طعامٌ سلماً أيضاً، فأحاله عليه لم يجز، لاَنّ بيع المسلم فيه (3)لايجوز قبل القبض، فإن كان أحد الطّعامين أو كلاهما قرضاً جاز.

من كان له على غيره طعامٌ فباع منه جنساً آخر من الطّعام في الذّمّة، وفارقه قبل القبض، لم يجز، لاَنّه بيع دينٍ بدينٍ، وأمّا من غير الطّعام فيجوز، وإن فارقه قبل القبض إذا كان معيّناً في الذّمّة.

إذا باع طعاماً بعشرةٍ موَجّلة، فلما حلّ الاَجل، أخذ بها طعاماً مثل ما أعطاه، جاز وأمّا (4) أكثر منه فلا، وروى جوازه مطلقاً. (5)

إذا اشترى نخلاً حايلة، ثمّ أثمرت في يد البائع، كانت الثّمرة للمشتري، وهي أمانة في يد البائع، فإن هلكت الثّمرة في يده، لم يجب عليه ضمانها للمشتري، إذا سلمت الاَُصول، فإن هلكت الاَُصول دون الثّمرة، انفسخ البيع، وسقط الثّمن عن المشتري، وله الثّمرة بلا عوض، لاَنّه ملكها.


(1) في النسخ الّتي بأيدينا «للمسلم» والصّحيح ما أثبتناه وذلك لاَنّ المسلم إليه هو البائع والدراهم له، فتشتغل ذمة المشتري للبائع الذي هو المسلم إليه.
(2) في «س»: أسلمه فيه.
(3) في الاَصل: بيع السّلم.
(4) في «س»: فأمّا.
(5) لاحظ الخلاف كتاب البيوع، المسألة 165. والمختلف: 5|282 و289 من الطبع الحديث.


(221)

الفصل العاشر: في العيوب

لا يجوز بيع المصرّاة من النّاقة والبقرة والشّاة، وهي الّتي لاتحلب يوماً فصاعداً، إذا أُريد عرضُها للبيع فيظنّها المشتري كثيرة الدّرّ فيرغب في ابتياعها، وذلك تدليس، فمن اشتراها على غير بصيرة ثمّ حلبها وأراد ردّها، ردّ معها صاعاً من تمر، أو بُرٍّ، فإن لم يجد، فقيمة اللّبن وجوباً، ولاحكم للتّصرية فيما عدا ما ذكرناه، فإن صار لبن المصرّاة عادةً، لجودة المرعى، أو كان المشتري عالماً بالتّصرية وقت الابتياع، فلا خيار له. (1)

إذا ابتاع شاةً محلوبة حال البيع (2)وحلبها أيّاماً، ثمّ وجد بها عيباً، كان له ردّها دون ما حلبه من لبنها، لاَنّه حدث في ملكه.

يجب على بائع المعيب أن يبيّن للمشتري عيبه، أو يتبرّأ إليه من العيوب، فإن خالف ارتكب محظوراً، وإن وقف المشتري على العيب بعدُ، استردّ الثّمن، وردّالمعيبَ، دون ما استفاد من نتاج، أو ثمرة، أو كسب، لقوله _ عليه السَّلام _ : الخراج بالضّمان، (3)فإن كانت الفائدة ممّا حصل قبل القبض، ردّها مع المعيب.(4)

من اشترى بهيمة حائلاً،فحملت عنده، ونقصت قيمتها بالولادة، ثمّ اطّلع على عيبٍ كان بها، فله الاَرش دون الردّ، لتعذّر ردّها كما أخذ، وإن كان اشتراها حاملاً، والحال ما سبق، ردّها مع الولد.


(1) في الاَصل: فلا اختيار له.
(2) في الاَصل: حالة البيع.
(3) عوالي اللئالي: 1|219؛ ومستدرك الوسائل: 13، ب7 من أبواب الخيار؛وسنن ابن ماجة: 2، ب43، كتاب التجارات، ح2243؛ ومسند أحمد بن حنبل: 6|49 و 337؛ وسنن النسائي: 7|254.
(4) في الاَصل: مع المبيع.


(222)

إذا اشترى أمة حائلاً، فولدت عنده عبداً مملوكاً، ثمّ وجد بها عيباً، ردّها دون الولد، مالم تنقص قيمتها بالولادة، فإن نقصت، فله الاَرش دون الردّ، كالبهيمة، فإن كان وطَأَها فله أرش ما بين قيمتها صحيحة ومعيبة لاغير، وكذا في الجارية إذا وَطأَها، وإن لم تلد، بكراً كانت أو ثيّباً، سواء كان العيب قبل البيع، أو حدث بعده في يد البائع.

لايصحّ شراء الجارية، حتّى ينظر إلى (1)شعرها، لاَنّه مقصود، ويختلف الثّمن باختلاف لونه، من السّواد والبياض والشّقرة والجعودة والسّبوطة، فإن جعد شعرها ثمّ بان سبوطته (2)فللمبتاع الرد، لاَنّه عيب، وكذا إذا ابيضّ وجهها ثمّ اسمرّ أو احمرّ ثمّاصفرّ.وإن قلنا: لا ردّ لفقد الدّليل على أنّه عيب يوجب الردّ، كان قويّاً.

إذا رضى المشتري بالعيب فلا خيار له ولا أرش.

إذا أجاز المشتري البيع مع أرش العيب لم يجبر البائع (3)على بذل الاَرش.

إذا اشترى اثنان عبداً بعقد واحد، فليس لهما الردّ بالعيب إلاّ بالاتّفاق، فأمّا إذا اشترى كلّ منهما نصفه بعقد على حدة، فله ردّ نصيبه.

إذا اشترى جارية بشرط البكارة، فخرجت ثيّباً، فله الاَرش، لا الخيار.

إذا خرج العبد مخنّثاً أو خصيّاً أو سارقاً، فله الخيار [وإن شرط أن يكون خصيّاً فخرج فحلاً فله الخيار أيضاً لاَنّه بخلاف الشّرط] (4)وكذا إذا كان (5) مجنوناً أو أبرص أو أجذم، ويردّ من هذه الاَحداث الثّلاثة إذا ظهرت بعد البيع إلى سنة،


(1) في «س»: حتى ينظر شعرها.
(2) في «س»: سبوطه.
(3) في الاَصل: يجبر البائع.
(4) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(5) في الاَصل: وكذا إن كان .


(223)

و[أمّا(1)] بعدها فلا.

إذا اشترى عبداً بشرط الاِسلام فخرج كافراً فله الخيار (2)وأمّا بالعكس فلا، لقوله _ عليه السَّلام _ :الاِسلام يعلو ولا يُعلى عليه. (3)

إذا اشترى جاريةً، لاتحيض (4)في ستّة أشهر، ومثلها تحيض، فله الردّ.

إذا اشترى شيئاً وباعه بعد علمه بالعيب، فبيعه رضىً، وإن باعه قبل علمه، فلا ردّ، لزوال الملك، ولا أرش، لرجاء الردّ، فإن رجع المبيع إليه بردّ أو بيع أو هبة أو إرث فله الردّ أو أرش العيب، فإن هلك في يد المشتري الثّاني، أو حدث به عيب أو عتق أو وقف، فللمشتري الاَوّل الاَرش، ليأسه من الردّ.

إذا اشترى عبداً فأبق وكان يأبق قبل البيع، صبر، فإن رجع، ردّه، وإن هلك في الاِباق أخذ الاَرش، فأمّا في الاِباق الحادث عند المشتري، فلا ردّ ولا أرش.

إذا اشترى عبداً فوجده مأذوناً في التّجارة، وعليه دين، فلا خيار له.ودين التّجارة في ذمّة العبد، وإن كان مأذوناً في الاستدانة، فالدّين في ذمّة السّيّد الآذن.

إذا اشترى عبداً فأعتقه أو وَقََفه أو قتله، أو هلك ثمّ علم بعيبه، فله الاَرش، فإن علم به بعد تدبيره، أو هبته، فله الردّ أو الاَرش لاَنّالرّجوع هنا جائز. (5)


(1) مابين المعقوفتين منّا.
(2) كذا في الاَصل، ولكن في «س»: فله الرّد.
(3) وسائل الشيعة: 17، ب 1 من أبواب موانع الاِرث، ح11.
أقول: إنّ للعلاّمة الفهّامة سيّدنا آية اللّه العظمى السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ـ قدّس سرّه ـ، كلاماً حول معنى الحديث فأحببت أن أنقله بعين عبارته، قال ما هذا نصّه:
«هذا الخبر يحتمل معانٍ خمسةً: أحدها: بيان كون الاِسلام أشرف المذاهب، وهو خلاف الظاهر جدّاً.الثاني: بيان أنّه يعلو من حيث الحجّة والبرهان. الثالث: أنّه يعلو بمعنى يَغلبُ على سائر الشّرائع. الرابع: أنّه لاينسخ. الخامس: ما أراده الفقهاء من إرادة بيان الحكم الشّرعي الجعلي بعدم علوّ غيره عليه». تعليقة المكاسب: 31.
(4) في «س»: ولا تحيض.
(5) في الاَصل: لاَنّ له الرجوع هنا.


(224)

إذا اشترى طعاماً فأكله، أو ثوباً فقطعه، أو صبغه، ثمّ علم بالعيب، فله الاَرش، أو يقبل البائع الثّوب مع العيبين، أو يضمن قيمة الصّبغ.

إذا حدث بالمبيع (1)عيبٌ عند المشتري، زائداً على ما كان عند البائع، فله الاَرش دون الردّ.

وكيفيّة الاَرش أن يقوّم المبيع صحيحاً ومعيباً، فينظر ما نقص من القيمة، يُنْقَصُ بقدره من الثّمن، ويعتبر التّقويم في أقلّ الحالين قيمةً من وقتي العقد والقبض.

يسقط الردّ بالرّضاء بالعيب أو بترك الردّ بعد العلم بالعيب، أو بحدوث عيب آخر عند المشتري، أو تصرّف منه زاد به ثمنه، أو نقص، إلاّ أن يكون العيب من حَبَلٍ في أمَةٍ وقد تصرّف فيها بالوطء، فعليه ردّها مع نصف عشر قيمتها، للوطء[إن كانت ثيّباً فإن كانت بكراً فعليه عشر قيمتها للوطء]. (2)

إذا اشترى عبدين أو ثوبين أو درهمين أو زوجي خفٍّ أو مصراعي باب ونحو ذلك، فوجد بأحدهما عيباً، فله ردّ الجميع، أو أرش المعيب، وليس له ردّ المعيب دون الصّحيح، وكذا إذا مات أحد العبدين، لتعذّر ردّ الجميع.

إذا اشترى ما يكون مأكوله في جوفه بعد كسره (3) كالجوز والبطّيخ والرمّان ونحوها، فكسره فوجده فاسداً، فله الاَرش دون الردّ إلاّ أن يكون ممّا لا قيمة لفاسده، كبيض الدّجاج، فيبطل بيعه.

يصحّ العقد مع البراءة من العيوب، وتصحّ هي، سواء كان العيب معلوماً أو مجهولاً، ظاهراً أو باطناً، حيواناً أو غيره، فإن لم يبرأ من العيب، ثمّ ظهر عيب


(1) في «س»: «إذا حدث بالمعيب».
(2) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(3) في الاَصل: وبعد كسره.


(225)

يوجب الردّ، فله الردّ، سواء كان ذلك في المبيع قبل البيع، أو بعده قبل القبض، فإن قبض المشتري بعض المبيع دون بعض وحدث العيب بما لم يقبض، فكما سبق(1).

إذا جنى العبد جناية فباعه مولاه بغير إذن المجنى عليه، فلا يصحّ بيعه، ويستردّ إن كانت الجناية ممّا يوجب القصاص، وإن كانت ممّا يوجب الاَرش، صحّ بيعه إذا التزم مولاه الاَرش.

إذا اشترى جاريةً حاملاً ولم يعلم بحملها، فماتت من الطَّلق (2)في يده، فله الاَرش.

إذا كان العبد مستحقّاً للقتل أو القطع في يد البائع، فقتل، أو قطع في يد المشتري، ولم يعلم به حال الشِّـرى، يرجع على البائع في القتل، بقيمة العبد، وفي القطع، مخيّرٌ بين الفسخ والاِمضاء، وإن علم قبل الشِّـرى فلا شيء.

إذا اشترى زيتاً أو بذراً (3) فوجد فيه دُرْديّاً (4)ولم يعلم به حال الابتياع، فله الردّ، وإن علم فلا.

إذا اختلف أهل الخبرة (5)في القيمة، عمل على أوسط ما ذكروه من القيم.(6)


(1) في «س»: بما لم قبض فكما سبق.
(2) طلقت المرأة ـ بالبناء للمفعول ـ طلقاً فهي مطلوقة: إذا أخذها المخاض وهو وجع الولادة. المصباح المنير.
(3) البذر ـ بفتح الباء وكسرها ـ مفسّر بدهن الكتان و أصله محذوف المضاف أي دهن البذر. والبذر بالفتح فالسكون: ما يبذر ويزرع من الحبوب كلّها وقال بعضهم: البذر في الحبوب كالحنطة، والبِزْرُ ـ بالزاء المعجمة ـ للرياحين والبقول. مجمع البحرين.
(4) الدّردي من الزيت وغيره: ما يبقى في أسفله.مجمع البحرين. وفي «س»: «فوجد فيه رديئاً» قال الشيخ في النهاية: 395: «من اشترى زيتاً أو بِزراً، ووجد فيه دُرديّاً، فإن كان يعلم أنّ ذلك يكون فيه، لم يكن له ردّه، وإن لم يعلم ذلك كان له ردُّه».
(5) في الاَصل: وإن اختلف أهل الخبرة.
(6) كذا في الاَصل ولكن في «س»: من القيمة.


(226)

الفصل الحادي عشر: في ابتياع الحيوان

لا يصحّ أن يملك الاِنسان أحد أبويه أو جدّيه وإن عليا، ولا أولاده وإن نزلوا، ولا إحدى المحرّمات عليه، كالاَُخت وبناتها وبنات الاَخ وإن نزلن والعمّة والخالة، ويصحّ [عليه] (1)فيما عدا هوَلاء، ومتى حصل أحدهم في ملكه، انعتق في الحال.

ومن يحرم تملّكه من جهة النّسب، يحرم تملّك مثله من جهة الرّضاع.

ومن ملك ذا رحمٍ نُدِب إلى اعتاقه في الحال، ولا يصحّ أن يملك أحد الزّوجين الآخر، فإن ملك بطل العقد بينهما في الحال، ولايملك الكافرُ المسلم ولايعتق بإعتاقه.وإذا اشترى الكافر أباه المسلم لم يعتق عليه، لاَنّ الكافر لا يملك المسلم.

الفصل الثاني عشر

من باع عبداً له مال فالمال لمولاه إلاّ أن يشترط أنّه للمشتري، وروي أنّ البائع إذا علم أنّ له مالاً حال البيع فالمال للمشتري وإن لم يعلم فله. (2)ويجوز أن يشتري عبداً آبقاً مع شيء آخر، وأمّا منفرداً فلا.

ومن اشترى جاريةً فهلكت، أو عابت في [يده] (3)مدّة الاستبراء، فإن كان المشتري (4) سلّمها إلى العدل بعد القبض، فمن ماله، ولا خيار له إن هلكت، وإن كان البائع سلّمها إلى العدل قبل القبض، بطل البيع، وإن عابت فالمشتري


(1) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(2) وسائل الشيعة: 13، ب7 من أبواب بيع الحيوان، ح2.
(3) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(4) في «س»: وكان المشتري.


(227)

بالخيار.

ومن اشترى رقبة من سوق المسلمين فادّعى الحرّيّة لم يقبل إلاّببيّنة.

ولايجوز التّفرقة بين الاَطفال وأُمّهاتهم. إذا مُلِكوا حتّى يستغنوا عنهنّ، ولابأس ببيع أُمّهات الاَولاد بعد موتهم، فأمّا مع وجود الولد فلا، إلاّ إذا كان ثمن رقبتهنّ ديناً على مولاها، ولايقدر على قضائه إلاّببيعها.

المملوكان إذا كانا مأذونين في التّجارة، فاشترى كلّ منهما صاحبه من مولاه فالبيع للسّابق منهما، والآخر مملوك فإن اتّفق العقدان في حال واحدة أقرع بينهما، وروي: بطلان العقدين، (1)والاَوّل أحوط.

من أتت جاريتُه بولد من الزّنا، جاز له بيعهما معاً. ويجوز ابتياع أبعاض الحيوان، ولايجوز أن يشترى شيئاً من الحيوان من جملة قطيع، على أن يَنْتَقِيَ خيارها(2) لاَنّ ذلك مجهول، لكن يميّز ويعيّن ما يشتري بالصفة. (3)

إذا اشترك اثنان في شراء حيوان، وقال أحدهما: إنّ الرّأس والجلد لي بمالي من الثّمن، بطل، بل يقتسمان على أصل المال بالسّويّة.

إذا باع حيواناً واستثنى الرّأس والجلد كان شريكاً للمبتاع فيه بما استثناه.

الفصل الثالث عشر: في البيع بالنقد والنسيئة والوفاء

من باع شيئاً ولم يذكر لا نقداً ولانسيئة، كان الثّمن عاجلاً، فإن ذكر أحدهما كان على ما ذكر، ولو ذكر أجلاً مجهولاً غير معيّن، كقدوم الحاجّ وإدراك الغلاّت، وهبوب الرّياح، أو باع نسيئةً ولم يذكر الاَجل، بطل البيع، وإذا قال: ثمن هذا


(1) وسائل الشيعة: 13، ب18 من أبواب بيع الحيوان.
(2) في «س»: «يبقى خيارها» والصحيح ما في المتن.والانتقاءُ: الاختيار.مجمع البحرين.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: تميّز وتعيّن.


(228)

المتاع مثلاً عشرون إلى سنة، وأربعون إلى سنتين، ثمّ أمضى البيعَ كان له أقلّ الثّمنين وأبعد الاَجلين.

إذا باع شيئاً إلى أجل فحلّ الاَجل، وليس ثمنه عند المشتري، فأخذ منه المبيع، بأنقص ممّا باعه، لم يصحّ، ولزمه الثّمن، وإن أخذه بما باعه سواء، جاز، وكذا إن أخذ منه متاعاً يستوي (1)ماله عنده.

إذا أحضر المبتاعُالثّمن قبل حلول الاَجل، فالبائع مخيّر في قبضه، وكذا في المثمن.

لايجوز تأخير الثمن عن وقت وجوبه بزيادة فيه، ولابأس بتعجيله بنقصان منه، ولابأس أن يشتريَ حالاّ ً ما ليس بحاضر في الحال، إذا أمكن وجوده، كالحنطة والشّعير والتّمر والزّبيب والثّياب، وأمّا فيما لايملك وجوده في الحال، كالبطّيخ والقثّاء في أوان الشّتاء فلا يجوز.وكذا لايجوز بيع ما لايَملك بعدُ لا حالاّ ً ولا نسيئةً ليشتريها ويسلّمها إلى المشتري.

إذا اشترى من غيره متاعاً أو حيواناً أو غير ذلك نقداً أو نسيئة، ويشترط أن يُسلِفه منه البائع (2)في مبيع، أو يَسْتَسلِفَ (3)منه في شيء، أو يقرضه شيئاً معلوماً إلى أجل، أو يستقرض منه، صحّ البيع ووجب الوفاء بالشّرط، وكذا إن اشترى أرضاً أو حيواناً أو غيرهما، وشرط البائع أن يردّ عليه، بما اشتراه به من الثمّن، في وقت معلوم، صحّ البيع، ولزمه الردّ في الوقت، (4)فإن مضى الوقت ولم يجىء البائع، كان المشتري مخيّراً بين بيعه منه، وإمساكه، وإن هلك في مدّة الاَجل، كان


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «متعاً يسوى» وهو تصحيف.
(2) في الاَصل: أن يُسْلفه البائع.
(3) في «س»: «أو يستلف» والظاهر أنّه تصحيف.
(4) في «س»: لزم الردّ في الوقت.


(229)

من مال المشتري، والمنافع له أيضاً فيها.

من اشترى شيئاً بحكم نفسه (1)ولم يذكر الثّمن بعينه، بطل البيع وإن هلك كان عليه قيمته يوم اشتراه، إلاّ أن يحكم على نفسه بأكثر من ذلك، فيلزمه ما حكم دون القيمة، وإن كان المبيع قائماً بعينه، فللبائع انتزاعه من يده، وإن أحدث فيه ما نقص قيمته، أخذ أرشه، وإن زاد الحدث في قيمته، ردّ عليه قيمة الزّيادة، وإن اشتراه بحكم البائع في ثمنه، فحكم بأكثر من قيمته، لم يكن له أكثر من القيمة حال البيع، إلاّ أن يتبرّع المشتري بأكثر منه (2)وإن حكم بأقلّ مضى.

وإذا باع ملك غيره والمالك حاضر، فسكت ولم يطالب به، ولا أنكر ذلك، لم يدلّ ذلك على إجازته البيع، ولا على فقد تملّكه، وكان له المطالبة متى شاء.

من قال لغيره(3): اشتر لي هذا المتاع، وأزيدك شيئاً، ففعل، لم يلزم الآمر أخذه، ويكون مخيّراً في اشترائه. ولابأس أن يبيع متاعاً بأكثر ممّا يسوى في الحال نسيئةً إذا كان المشتري من أهل المعرفة، وإن لم يكن كذلك، كان البيع مردوداً.

إذا قال الواسطة للتّاجر:خبّرني بثمن هذا المتاع، واربح عليّ فيه كذا، ففعل غير أنّه لم يواجبه البيع، ولا ضمن هو الثّمن، ثمّ باع الواسطة بزيادةٍ على ذلك كان ذلك للتّاجر، وله أُجرة المثل لا أكثر، فإن كان قد ضمن الثّمن، فله الرّبح الزّائد، وللتّاجر ما قرّر (4)معه من رأس المال لا غير.

ولايجوز بيع المتاع في أعدالٍ مَحزومةٍ وجُرُبٍ مشدودة، (5)إلاّ أن يكون لهما


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: من اشترى عدّة أشياء بحكم نفسه.
(2) في الاَصل: إلاّ أن يتبرّع المشتري بالتزامه.
(3) في «س»: للغير.
(4) في «س»: ما قدّر.
(5) العِدْل: اسم حِمْلٍ معدول بحمل أي مسوّى به والجمع أعدال وعدول. والحزم: حزمك الحطب حُزْمةً، وحزم الشيء يحزمه حَزْماً: شدّه. والجراب: الوِعاء. لسان العرب.


(230)

بارنامج، (1)وقف منه على صفة المتاع في ألوانه وأقداره، فحينئذٍ يجوز بيعه، فإن وجد بخلاف ما وُصِف، بطل البيع.

الفصل الرابع عشر

يجوز بيع المرابحة إذا ذكر ما وُزن من النقد، وكيفيّة الصّرف يوم وزن المال، ومقدار ما يربح، فإن كان رأس المال أو الرّبح مجهولاً، بطل البيع، كأن يقول:بعتك بربح عشرةٍ، ولم يذكر رأس المال، أو يقول:رأس المال كذا،والربح ما نتّفق عليه.(2)

ويكره بيع المرابحة بالنّسبة إلى أصل المال، كأن يقول:بعتك بربح عشرةٍ واحداً أو بربح «ده يازده أو ده دوازده».

إذا اشترى متاعاً بمائةٍ، ثمّ عمل فيه هو أو أحدٌ من قِبَلِهِ ما أجرته عشرة، لم يصح أن يقول:اشتريته بمائة وعشرة أو رأس مالي فيه، مائة وعشرة، أو هو عليّ بمائة وعشرة، لاَنّ عمله على ماله لايقابله ربح، بل يقول:هو عليّ بمائة وعملت فيه ما قيمته عشرة، وبعتكه بمائة وعشرة وربح درهمٍ على كلّ عشرة، ليصحّ على كراهة. (3)

وإن لم يعمل هو ولا غيره فيه، فيقول مثلاً: اشتريته بمائة وأبيعكه بمائة وعشرة صحّ.

إذا اشترى ثوباً بخمسين، فباعه من غلامه الحرّ، بمائة بشرط ألاّ يبيعه إلاّ


(1) قال الحلّي في السرائر: «البارنامج» كلمة فارسية معناها: أنّالفرس تسمّي المحمول«بار» قلّ أم كثر، و«النامج» بالفارسية «نامه» وتفسيره الكتاب لمعرفة ما في المحمول من العدد والوزن. لاحظ السرائر المطبوع في ضمن الموسوعة «سلسلة الينابيع الفقهية»: 14|329.
(2) في الاَصل: والرّبح ما يتّفق عليه.
(3) في «س»: على كراهية.


(231)

منه، ثمّ اشتراه بمائة وباعه من غيره مرابحة، وأخبر بالثّمن الثّاني،بطل، لاَنّه خيانة، وللمشتري الخيار إذا علم به.

وما يحطّه عن الثّمن في مدّة الخيار، يلحق العقد، ويجب أن يحطّعنه عند عقد المرابحة، وإن كان الحطّ بعد لزوم العقد، كان ذلك هبةً للمشتري، والثّمن ما عقد عليه، ولم يجب حطّه عند عقد المرابحة.

إذا اشترى سِلعتين صفقةً واحدةً، لم يجز أن يبيع إحداهما مرابحةً بتقويمه على نفسه (1) إلاّ أن يبيّن ذلك، وكذا الحكم في بعض السِلعة.

إذا اشترى ثياباً فلايجوز له أن يبيع خيارها (2)رابحة، لاَنّ ذلك مجهول.

إذا اشترى سلعة إلى أجل ثمّ باعها مرابحة في الحال ثمّ علم المشتري به، كان مخيّراً بين أخذه بالثّمن حالاّ ً، وبين ردّه بالعيب، لاَنّه تدليس.

إذا قال: بعتكه بمائةٍ ووضيعة (3)درهم من كلّ عشرة، صحّ، وكان الثّمن تسعين.

إذا قال:اشتريته بمائة وبعتك بربح درهمٍ على كلّ عشرة لا بل اشتريته بتسعين، صحّ البيع، ولزمه من الثّمن تسعة وتسعون، وإن قال:لابل اشتريته بأكثر من مائة، لم يقبل، وإن أقام البيّنة، لاَنّه كذّبها بالقول الاَوّل، وكان البيع الاَوّل صحيحاً.

إذا اشترى جاريةً فولدت أو ماشية فنتجت أو شجرة فأثمرت، وأراد بيعها مرابحةً، فعليه أن يخبر بما اشتراها، ولايطرح قيمة الفائدة، لاَنّها تجدّدت في ملكه،


(1) في الاَصل: بتقويمه مع نفسه.
(2) في الاَصل: أن يبيعه خيارها.
(3) كذا في «س» ولكن في الاَصل: «بمائة وضعة».


(232)

فإن اشترى شجرةً مثمرةً، فأكل الثّمرة، ثمّ أراد بيع الشّجرة مرابحة، وجب أن يضع حصّة الثّمرة من الثّمن، ويخبر عن حصّة الشّجرة من الثّمن الباقي، لاَنّها أثمرت قبل أن يشتريها. (1)

إذا اشترى عبداً فجنى جنايةً يتعلّق أرشها (2)برقبته، ففداه سيّده وأراد بيعه مرابحةً لم يجز أن يضمّ الفدية إلى ثمنه، لاَنّه إنّما (3)فداه لاستنقاذ ملكه،(4)فإن جُنيَ على العبد فأخذ السيّد أرشه ثمّ أراد بيعه مرابحةً لم يلزمه حطّ ذلك من ثمنه إلاّ أن تكون الجناية نقصت من ثمنه، فحينئذٍ يلزمه أن يخبر بحاله.

الفصل الخامس عشر: في تفريق الصّفقة واختلاف المتبايعين

إذا باع شيئين صفقة واحدةً ينفذ في أحدهما البيع دون الآخر، صحّ فيما ينفذ وبطل فيما لاينفذ، سواء كان أحدهما مالاً والآخر غير مال، ولا في حكم المال، كأن باع خلاً وخمراً أو حرّاً وعبداً أو شاة وخنزيراً، أو كان أحدهما مالَه والآخر مالَ غيره، أو شيئاً لايجوز بيعه، كوقف أو أُمّ ولد مع بقاء ولدها، ويقسط الثّمن (5) على أجزائهما.

إذا أمسك المشتري ما نفذ فيه البيع، يأخذه بحصّته من الثّمن، وإن شاء ردّه، وإن أخذه بجميع الثّمن، فلا خيار للبائع.

إذا باع ثمرةً فيها الزّكاة، بطل البيع في قدر الزّكاة، دون ما عداه.

إذا باع عبدين فمات أحدهما قبل القبض، بطل البيع في الميّت لا غير،


(1) في الاَصل: قبل أن اشتراها.
(2) في «س»: تعلق ارشها.
(3) في الاَصل: وإنّما فداه.
(4) في الاَصل: لاستبقاء ملكه.
(5) في الاَصل: ويسقط الثمن.


(233)

وللمشتري الخيار بين الاِمساك بالحصّة أو الردّ، (1)لا خيار للبائع إذا أمسكه المشتري بكلّ الثّمن.

إذا باع شيئاً من غيره بثمن في الذّمة، وقال كلّ واحد منهما: لا أُسلّم حتى تسلّم، يجبر الحاكم البائع أوّلاً على تسليم المبيع، ثمّ المشتري على تسليم الثّمن، لاَنّ الثّمن تابع للمبيع.

إذا باع عبداً بيعاً فاسداً وأقبضه، لم يملكه المبتاع بالقبض، ولم ينفذ عتقه ولا بيعه ولا هبته ولا وقفه ويجب ردّه وردّ ما كان من نمائه المنفصل منه، وإن كان ناقصاً كان عليه أرش ما نقص، وإن تلف في يده كان عليه أكثر ما كانت قيمته من وقت القبض إلى وقت التّلف. وإن كان المبيع جاريةً فوطأها فلا حدّ، لاَنّه اعتقد أنّه مَلَكَها، ويجب عليه المهر، إن كانت بكراً فعشر قيمتها، وإن كانت ثيّباً فنصف العشر، فإن كان أحبلها، كان الولد حرّاً للشّبهة، ولا ولاء لاَحدٍ عليه، ويجب على الواطىَ قيمته يوم سقط حيّاً، وإن سقط ميّتاً فلا شيء عليه.

وإن ماتت الجارية من الولادة (2)لزمته قيمتها، وإن سلمت وجب ردّها وما ينقص من قيمتها بالولادة، وإن ردّها حاملاً، وولدت في يد البائع، لزمه ما ينقص من قيمتها بالولادة، وإن ماتت لزمته قيمتها، لاَنها تلفت بسبب من جهته، وإن ملكها بعدُ كانت أُمّ ولده.

إذا اشترى عبداً بشرط أن يعتقه، صحّ البيع والشرط، ويجب الوفاء، فإن لم يفِ فالبائع بالخيار.

إذا باع شيئاً بثمن موَجّل، وشرط أن يرهن عبداً بعينه، فامتنع المشتري من ذلك، فالبائع مخيّر بين فسخ البيع وإجازته من غير رهن.


(1) في «س»: بالحصة والردّ.
(2) في «س»: في الولادة.


(234)

إذا باع داراً وشرط سكناها لنفسه مدّة معلومة، أو باع دابّةً وشرط ركوبها مدّةً معلومة، أو مسافة معلومة، صحّ.

إذا تلف المبيع أو الثّمن المعيّن قبل القبض، بطل البيع.

إذا اشترى جاريةً بشرط ألاّ خسارة عليه (1)أو بشرط ألاّ يبيعها، أو لايعتقها(2)حى أو لا يطأها، صحّ البيع، وبطل الشّرط.

كلّ شرطٍ (3)يوافق مقتضى العقد، أو يتعلّق به مصلحة العقد للمتعاقدين، كالاَجل والخيار والرّهن والضّمان والشّهادة، أو لايتعلّق به مصلحة العقد، لكنّه بني على التّغليب والسراية، كشرط العتق، فإنّه جائز، وما لايتعلّق به مصلحة العقد ولم يبن على التّغليب والسراية، فهو باطل، إلاّ أنّه لايفسد العقد، إذ لا دليل عليه.

إذا اختلفا في الثّمن، فالقول قول البائع مع يمينه، إذا بقيت السّلعة، وإن تلفت، فقول المشتري مع اليمين، وإن اختلفا في قدر الثّمن، فالقول قول البائع (4) مع يمينه، وكذا إذا اختلفا في أصل الاَجل أو قدره.

إذا قال:بعتك بخمر، وقال المشتري(5) بل بعتَني بذهبٍ، فالقول قول من ينفي ما يفسد البيع، وكذا إذا قال البائع: تفرّقنا عن فسخ، وقال المشتري: بل عن تراض، فالقول قول من يدّعي الاِبرام.

إذا قال: بعتك هذا العبد بألف، وقال المشتري: بل بعتني هذه الجارية


(1) في الاَصل: بشرط ألاّ خيار عليه.
(2) في الاَصل: ولايبيعها.
(3) في «س»: كلّ شيء.
(4) في الاَصل: «فالقول البائع» والصحيح ما في المتن.
(5) في «س»: فقال المشتري.


(235)

بألفٍ، ولا بيّنة فالقول قول البائع، مع يمينه أنّه ما باع الجارية، وقيل: قول المشتري، مع يمينه أنّه ما اشترى العبد. (1)

الفصل السادس عشر : فيما يوزن أو يمسح

إذا قال: بعتك هذه الصّبرة بعشرة دراهم أو نصفها أو ربعها، لم يصحّ البيع، لاَنّه جزاف.

يجوز أن يستثنى مدّاً أو قفيزاً من الصّبرة إذا كانت معلومة المقدار، ويجوز بيع صبرةٍ معلومة المقدار بمثلها، والسّمن في الظّرف مفتوح الرّأس ينظر إليه المتبايعان يجوز بيعه، والنّظر إليه كالنّظر إلى ظاهر الصّبرة، لتساوي أجزائه.

إذا باع ولم يذكر نقداً معيّناً، فله ما يجوز بين النّاس في البلد من النقد، فإن اختلف النّقد بطل البيع.

ما تختلف (2) قيمة أجزائه، كالاَرض والدار والثّوب، لا ينقسم الثّمن على أجزائه.

إذا قال: بعتك نصيباً من هذه الدّار، أو نصيبين منها بكذا، لم يجز، لاَنّه مجهول.

إذا قال: بعتك هذه الاَرض على أنّها كذا ذراعاً، فنقصت، فالمشتري مخيّر بين فسخ البيع وإجازته بجميع الثّمن، وإن زادت فللبائع ذلك الخيار بعينه، وكذا في الثّوب المنشور.


(1) لاحظ الخلاف، كتاب البيوع، المسألة 240. وقال في المبسوط: 2|147: ومتى قال البائع: بعتك هذا العبد بألف فأنكر المشتري وقال: بل بعتني هذه الجارية بألف، فهاهنا دعويان في عينين: إحداهما دعوى البائع أنّه باعه العبد فعليه البيّنة أو على المنكر اليمين، والاَُخرى دعوى المشتري أنّ البائع باعه الجارية فعليه البيّنة أو على البائع اليمين....
(2) في «س»: ما اختلف.


(236)

الفصل السابع عشر

السّلم والسّلف (1) أن يسلف عوضاً حاضراً أو في حكم الحاضر، بعوض موصوف في الذّمّة إلى أجل معلوم. ولابدّ أن يذكر النّوع وصفاته ومقداره وأجله وموضع (2) تسليمه إذا كان لحمله موَنة، وأن يكون مأمون الانقطاع في محلّه، عام الوجود، وأن يكون الثّمن مُشاهداً، أو وصفه مع مشاهدته، وأن يقبض الثّمن في مجلس العقد. فإن اختلّ شيء من هذه الشّروط الثّمانية بطل السّلم ووجب على المسلف إليه ردّ ما قبضه من الثّمن إن بقي، أو مثله إن تلف، وإن اختلفا في المقدار فالقول قول المسلم إليه مع يمينه (3)لاَنّه الغارم.

وإذا كان الثّمن جوهراً أو لوَلوَة مشاهدةً، لم يلزم ذكر الوصف، لاَنّه ليس ممّا يكال أو يوزن أو يذرع.

من أسلم في الرُّطَب مثلاً في أوانه إلى أجل، فلم يتمكّن من مطالبة المسلَم إليه به، لغيبة أحدهما، فإذا تحاضرا، انقطع الرّطب وفقد، فالمسلِفُ بالخيار بين فسخه وتأخيره إلى قابل.

كلّ حيوان يجوز بيعه، يجوز السّلم فيه، إذا ذكر الجنس والاَسنان والاَوصاف بالشّرائط المذكورة، ما لم ينسب إلى قطيع بعينه، وكذا يجوز في الاَثمان إذا كان ثمنها من غير جنسها، وكذا في الغلاّت مالم تكن منسوبةً إلى أراض معيّنة، أو قرى


(1) السلّم والسلف: هو ابتياع كلّي موَجل بثمن حالٍّ عكس النسيئة، ويقال للمشتري: «المسلِم» بكسر اللاّم، وللثّمن «المسلَم» بفتحها، وللبائع: «المسلم إليه» وللمبيع: «المسلم فيه».ومن خواصّه أنّ كلّ واحد من البائع والمشتري صالح لاَن يصدر منه الاِيجاب والقبول من الآخر.لاحظ وسيلة النجاة: 1|422، تأليف الفقيه السيّد أبو الحسن الاِصفهاني ـ قدّس سرّهـ.
(2) في «س»: «وموضوع» وهو تصحيف والصحيح ما في المتن.
(3) في «س»: مع اليمين.


(237)

مخصوصة، والفواكه إلى أشجار مسمّـاة، والاَدهان إلى بُزور معيّنة، والثّياب إلى نساجة أشخاص مذكورة، أو غزل شخص معيّن، والشّحوم والسّمون والاَلبان إلى نعاج معروفة، وكذا الاَصواف والاَوبار والاَواني والاَمتعة إلى صنعة صانع معيّن، والآجرُّ (1)إلى ضرب المسلم إليه أو أحد سواه معيّن فمهما ذكر ذلك في حال العقد لم ينعقد وكان المبيع غير مضمون.

وينبغي أن يذكر في الثّياب طولها وعرضها وغِلظها ودقّتها وجنسها، ولا يجوز السّلم فيما لا يتحدَّد بحدٍّ ولا يتصّف بصفة (2)يتميّز بهما؛ كروايا الماء واللّحم والخبز.

ولايجوز أن يسلم الجنس الواحد ممّا يدخله الرّبا بعضه ببعض وزناً إذا كان أصله الكيل، ولا كيلاً إذا كان أصله الوزن، لئلاّ يتفاضل لثقل أحدهما وخفّة الآخر.

ولايجوز أن يسلم السّمسم بالشّيرج ولا الكتّان بالبزر، بل يثمّن كلاً منهما على حياله.

ولابأس بالسّلف في جنسين مختلفين، أو جنس واحد إلى أجلين أو أكثر.

والمختلط من الطّيب كالغالية (3)والندّ (4)والعود والمطر (5)لايجوز السّلم


(1) الآجُرُّ ـ بالمدّوالتشديد أشهر من التخفيف ـ: اللَّبِنُ إذا طبخ، والواحدة الاَجرة، وهو معرّب. مجمع البحرين.
(2) في «س»: «لايحدّده بحدّ ولا يتّصفه بصفة».
(3) الغالية: ضرب من الطّيب مركب من مسك وعنبر وكافور ودهن البان وعود. مجمع البحرين.
(4) النِّدُ والنَّدُ: ضرب من الطيب يُدخَّن به. لسان العرب.
(5) قال في المبسوط: 2|185: وأمّا العطر فعلى ضربين: ضرب هو صنف مفرد وضرب هو أخلاط مجتمعة...والضرب المختلط فمثل الغالية والنّد والعود والمطر.....


(238)

فيه، لاَنّ كلّ نوع منه مقصود ولايعرف (1)قدره، فيكون سلماً في مجهول، وكذا لايجوز السّلم في متاع الصّيادلة، (2)إذا كان مختلطاً، كالمعجونات، أو كان جنساً مجهولاً عند عدول المسلمين، وإن كان معروفاً عند الاَطبّاء من غيرهم.

ولا يجوز بيع التّرياق والسّلف فيه، لاَنّه يعمل من لحوم الاَفاعي، وهي نجسة إذا قتلت، وكذا سموم الحيّات كلّها.

والسمّ النّباتيّ، ما كان قليله وكثيره قاتلاً، لم يجز بيعه، وما كان قليله نافعاً وكثيره قاتلاً، كالسّقمونياء، يجوز بيع قليله وكثيره والسّلف فيه، ولايجوز السّلم في اللّبن المشوب بالماء، لاَنّ الماء قد أفسده، وكذا المخيض، لما فيه من الماء، ولا في القزّ الّذي فيه دود، لاَنّ الدّود ليس بمقصود، ولا في النّبل، لاَنّفيه الخشب والرّيش والحديد والغراء والقشر، فلايضبط بالصّفة، ولا في الجواهر الّتي يتحلّى بها، من لوَلوَ وياقوت وزبرجد وعقيق وفيروزج وغيرها، لاَنّها لاتنضبط بالصّفة، وتتباين تبايناً عظيماً، ولا في نبات الاَرض كالقِثّاء والبطّيخ والفجل (3)والبقول والفواكه عدداً، لتفاوتها إلاّ وزناً معلوماً، ولا في قصب السُّكّر إلاّوزناً بعدما انقطع(4) أعلاه وأسفله، وما لا حلاوة له، ويطرح ما عليه من القشور، وكذا القصب والقصيل.

وكلّ ما أنبتته الاَرض لا يُسلم فيه إلاّ وزناً، ويجوز في التّين كيلاً ووزناً من جنس معيّن، وفي اللّوز والفستق والفندق لايجوز [فيه] (5)إلاّ كيلاً أو وزناً، ويجوز في البيض والجوز وزناً، ولايجوز في الرّوَوس وجلود الغنم، لتفاوتها، وتعذّر ضبطها


(1) في الاَصل: مقصود لا يعرف.
(2) الصيادلة جمع الصيدلاني وهو بائع الاَدوية. المصباح المنير.
(3) الفُجْل ـ وزان قفل ـ: بقلة معروفة. المصباح المنير.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: بعد أن قطع.
(5) مابين المعقوفتين موجود في «س».


(239)

بالصّفة، ولا فيما يُتّخذ منها من الخِفاف والنِّعال وغيرهما، وروي جوازه في الجلود إذا شوهد الغنم (1)والاَوّل أحوط، ويجوز في القرطاس إذا ضبط بصفته بالطّول والعرض والرّقّة واللّون والوزن كالثّياب، ولايجوز في العقار، لاَنّه يختلف باختلاف الاَماكن وإن عيّن الموضع لم يصحّ، لاَنّ بيع العين بصفة مضمونةٍ لايصحّ.

ولا يجوز عقد السّلم بالسّلم، لوجوب قبض الثّمن قبل التّفرّق، حتّى يصحّ السّلم.

إذا أسلم مائةَ درهمٍ في كرٍّ من طعام، وشرط خمسين نقداً وخمسين ديناً له في ذمّته، صحّ في النّقد بالحصّة، دون الدَّين.

تصحّ الاِقالة في جميع المسلم فيه وفي بعضه، وكذا في سائر البيوع، والاِقالة فسخ وليست ببيع، ولذلك لايثبت حقّ الشّفعة عندها. (2)

إذا أقاله بأكثر من الثّمن، أو أقلّ، أو بجنس غيره في أنواع البيوع، فسدت الاِقالة، والمبيع على ملك المشتري، وإذا حصلت الاِقالة، جاز أن يأخذ بدل ما أعطاه من غير جنسه.

إذا أسلف في شيء لم يجز أن يُشْرِكَ فيه غيرَه ولا أن يولِّيه (3)قبل القبض، ويجوزانِبعده، وروي: جواز الشّركة في بيوع الاَعيان قبل القبض. (4)


(1) وسائل الشيعة: 13، ب5 من أبواب السلف، ح4.
(2) في «س»: «عندنا» قال الشيخ في الخلاف ـ كتاب السلم، المسألة 13 ـ: الاِقالة فسخ في حقّ المتبايعين... وقال مالك: الاِقالة بيع... وفائدته في وجوب الشفعة بالاِقالة فعند أبي حنيفة يجب الشفعة بالاِقالة وعندنا وعند الشافعي لاتجب.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ولا توليته.
(4) قـال في المبسـوط: 2|187: إذا سلف في شيء فلا يجوز أن يشرك فيه غيره ولا أن يولّيه ... قبل القبض... وقد روى أصحابنا جواز بيعه والشّركة فيه قبل القبض.


(240)

إذا أتى المسلَم إليه بالمسلَم فيه قبل محلّه، لم يلزم المُسْلِم قبوله، وإذا قال المسلم إليه: زدني شيئاً وأُقدّم لك المسلم فيه قبل أجله، لم يجز. وإذا لم يكن عنده ما باعه، جاز للمسلمِ أن يأخذ رأس ماله بلا زيادة.

إذا أخذ قيمة المسلَم فيه عند محلّ الاَجل، جاز مالم يزد ثمنه على ما أعطاه، فإن زاد وقد باعه بمثل ما اشتراه من الجنس، لم يجز بيعه. فإن اختلف الجنسان جاز.

إذا كان له عليه طعامٌ كيلاً، لم يجز أن يأخذه وزناً، وكذا بالعكس.

إذا شرط مكان التّسليم حال البيع، فبذله في غير موضعه، لم يجبر على قبوله، وإن بذل أُجرة المثل بحمله. (1)

إذا وجد المُسلِم بالمسلَم فيه عيباً، فله الردّ بالعيب والمطالبة بما في ذمّة المسلَم إليه (2)فإن حدث عنده عيب آخر فيه، فله الاَرش دون الردّ.

لا يجوز بيع موَجّل لم يحلّ، فإن حلّ جاز أن يبيعه من الّذي عليه، أو من غيره، وإن باعه من غيره، وأحال عليه بالمتاع جاز وإن لم يقبض هو المتاع. ويكره ذلك فيمايُكال أو يُوزن. (3)فإن وكّل المبتاع منه بقبضه جاز. ويجوز أن يبتاع ما اكتاله غيره ويصدّقه إلاّ أنّه لايبيعه إلاّ بعد الكيل. (4)
الفصل الثامن عشر: فيما يجوز بيعه وما لايجوز ووجوه المكاسب

مايكال أو يوزن (5)أو يعدّ، يبطل بيعه جزافاً، فإن تعذّر الوزن أو العدّ، يوزن


(1) في «س»: لحمله.
(2) في الاَصل: والمطالبة بما فيه ذمة المسلم إليه.
(3) في الاَصل: فيما يكال ويوزن.
(4) وقد وقع الاختلاف في «س» في المقام فقدّم الموَخّر وأخّر المقدّم.
(5) في الاَصل: ما يكال ويوزن.


(241)

مكيالٌ أو يعدّ (1)ويعتبر الباقي بحسابه كيلاً كالجوز.

ولايجوز بيع ما لا يملكه في الحال، ليشتريه ويسلّمه إلى المشتري بعده، ولا بيع الدّابّة على أنّها تحمل، لاَنّه غير معلوم، فإن اتّفق ذلك مضى البيع، ولا خيار للمشتري، وإن لم تحمل فله الخيار، وإن اشترط أنّها لبون جاز، وإن شرط أنّها تحلب كلّ يوم أرطالاً لم يجز.

إذا باع بهيمةً حاملاً أو جاريةً حاملاً واستثنى حملها لنفسه لم يجز، لاَنّ الحمل كالعضو من الاَُمّ، وإن باع جاريةً حبلى بولد حرّ لم يجز، لاَنّ الحمل يكون مستثنى وهو يمنع من صحّة البيع، وبيع الحمل في بطن أُمّه منفرداً عن الاَُمّ لايجوز، ولايجوز بيع عبد شائع من عبيد، لاَنّه مجهول.

وبيض ما لايوَكل لحمه كلحمه في أن لايجوز بيعه، ويجوز بيع دود القز وبذره، (2) والنّحل إذاحبسها في بيتها ورآها المشتري.

ولايجوز بيع السّمك في الماء والطّير في الهواء، لفقد الملك، وتعذّر التّسليم، ويجوز بيع القصب في الآجام مع ما فيها من السّمكة. والحمامة الطّيّارة الّتي تأوى إلى البروج، لايجوز لاَصحابها بيعها إلاّ إذاكانت البروج مسدودة (3) لاطريق لها إلى الطّيران منها، وكذا حكم السّمك في الماء، ويجوز تقبيل بِرَكِ الحيتان إذا قبّل الاَرض والماء، فإن قبّل السّمك دون غيره لم يُجز، ولايجوز أن يشترى من الصيّاد مايضرب بشبكته، لاَنّه مجهول، ومن دخل الماءُ أرضه فبقى فيها سمك فصاحب الاَرض أحقّ به، ولايملك إلاّ بالاَخذ، وإن كان الاَرض استأجرها غيره، فالمستأجر أحقّ به.


(1) في الاَصل: أو يعدّه.
(2) في الاَصل: وبزره.
(3) في الاَصل: «مشدودة» بدل «مسدودة».


(242)

وإذا عشّش طائر في دار إنسان أو أرضه، وفرّخ، أو انكسرت رِجلُ ظَبيٍ فيها أو خاض في الطّين (1)فبقي فيها، أو نزل الثّلج فمكث، فصاحب الاَرض أحقّ بذلك، فإن أخذه غيره ملكه بالاَخذ. ومن وقع طائر في شبكته مَلَكَهُ، وإن أخذه غيره وجب ردّه عليه.

ويجوز إكتراء شبكة الصيد، ولايجوز بيع اللّبن في الضرع، ولا الصّوف على الغنم، إلاّ إذا باع معهما شيئاً آخر، وإن حلب شيئاً من اللّبن واشتراه مع ما بقي في الضّرع في الحال جاز، وكذا لايجوز بيع ما في بطون الاَنعام والطّيور من الحمل والبيض وغيرهما منفرداً، لاَنّه مجهول ولايمكن تسليمه، وله أن يبيعه مع شيء آخر، فإن لم يحصل ممّا في البطون شيء كان الثّمن فيما معه.

ولابأس أن يُعطى الاِنسان الغنمَ والبقرَ بالضّريبة مدّةً بالسّمن والمصل، وإعطاء ذلك بالذّهب والفضّة أحوط.

المسك طاهر يجوز بيعه في فأره قبل أن يفتح، والاَحوط أن يباع بعد فتحه.(2)

وإذا أتى بثوب في ظلمة (3)وقال: بعتكه بكذا فإذا لَمَسْتَهُ وجب البيع ولا خيار بعده، لم يصحّ، للجهل بالمبيع. (4)

رجلان لكلّ منهما عبد على حِدَةٍ فباعاه من آخر بثمن واحد لم يجز، لاَنّ ثمن كل منهما مجهول، فإن كانا شريكين في العبدين جاز، ولايجوز بيعتان في بيعة واحدة كأن يقول: بعتك بألف درهم نقداً وبألفين (5)نسيئة بأيّهما شئت فخذه، لاَنّ الثّمن


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: أو انكسرت رجل ظبي وخاض في الطّين.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: والاَحوط أن يباع بعده.
(3) في «س»: في ظلماء.
(4) لكونه من مصاديق بيع الملامسة، قال في المبسوط: 2|158: فأمّا بيع الملامسة فهو أن يأتي الرّجل بثوبه مطويّاً أو منثوراً في ظلمة فيقول: بعتك هذا الثّوب بكذا وكذا فإذا لمسته وجب البيع ولا خيار لك، إذا نظرت إلى طوله وعرضه، والمنابذة أن يبيعه ...وهذا كلّه لايصح للجهل بالمبيع إجماعاً.
(5) في الاَصل: أو بألفين.


(243)

غير معيّن، وكذا إذا قال: بعتكه بألف على أن تبيعني دارك بألف، لم يصحّ، لاَنّه لا يلزمه بيع ذلك.

ولا يجوز أن يزيد في ثمن سلعة (1)زيادة لايشترى بها غير راغب في شرائها بل ليقتدي به المستام.

إذا تبايع اثنان سلعةً وهما بعدُ في مجلس الخيار، فجاء آخر يعرض على المشتري سلعةً كسلعته، بأقلّ منها أو خيراً منها، ليفسخَ ما اشتراه، أو يشتريها منه، فقد فعل محظوراً، غير أنّه ينفسخ بفسخ المشتري، ويصحّ شرى الثّانية، وكذا يحرم السّوم على سوم أخيه إلاّ أن يكون المبيع في المزايدة. ولايجوز أن يبيع حاضر لبادٍ بأن يكون سمساراً له، ولايجوز تلقّي الجَلَب، فإن فعل واشترى صحّ البيع وللبائع الخيار إذا ورد السّوق، فإذا وردها ولم يشتغل بتعرّفِ السّعر وتبيَّن الغبن بطل خياره.

وحدّ التّلقّي المنهيّ عنه أربع فراسخ فما دونها، فإن زاد فلا بأس، وكذا لابأس إذا رجع من ضيعته (2)فلقي جلباً فاشتراه.

الآدميّ إذا كان حرّاً أو مملوكاً لكن موقوفاً أو مكاتباً غير مشروط وقد أدّى شيئاً من مكاتبته أو أُمّ ولد حيّ لم يكن ثمنها باقياً في ذمّة صاحبها، فإنّه لايجوز بيع هوَلاء، واللّقيط كالحرّ.

وغير الآدميّ من الحيوان ضربان: نجس وطاهر. فالنجّس (3)ضربان: نجس العين ونجس الحكم.


(1) في «س»: في ثمن سلعته.
(2) في الاَصل: من ضيعةٍ.
(3) في «س»: والنجس.


(244)

فنجس العين: الكلب والخنزير وجميع المسوخ، كالقردة والدّببة (1) وغيرهما من مسوخ الماء، فلايجوز بيع شيء من ذلك، ولا الانتفاع به إلاّ الكلب المعلَّم للصّيد، وكلب الماشية، و الحائط للزّرع أو البيوت خاصّة.

ونجس الحكم ضربان: ما ينتفع به و ما لا ينتفع به. فما ينتفع به يجوز تملّكه وبيعه كالفهد والنّمر والثّعلب والاَرنب والسّنّور وجوارح الطّير.

وما لاينتفع به لايجوز بيعه ولا تملّكه، كالاَسد والذّئب والضّبع والحِدأة (2) والنّسر والرَّخَمَة (3)وبغاث الطّير (4)وأنواع الغربان (5)وسائر الحشرات من الحيّات والعقارب والفأرة والجعلان والدّيدان.

وأمّا الطاهر من الحيوان فيجوز بيعه وتملّكه.

وغير الحيوان ضربان: نجس وطاهر، فالنّجس ضربان: نجس العين ونجس الحكم.

فنجس العين لايجوز بيعه ولا الانتفاع به، كالخمر وكلّ مسكر والفقّاع والمنيّ من كلّ حيوان، والبول والعذرة (6)والسرقين ممّا لايوَكل لحمه، وميتات كلّ ما له نفس سائلة، وجلودها قبل الدّباغ وبعده، ودماوَها.


(1) الدِّبَبَة ـ كعنبة ـ جمع الدُّبِّ بضم المهملة وتشديد الموحّدة حيوان خبيث يعدّ من السباع. مجمع البحرين.
(2) الحِدَأة ـ كعِنَبَة ـ : وهو طائر خبيث، ويجمع بحذف الهاء كعنب. مجمع البحرين.
(3) الرَّخَمة ـ كقصبةـ: طائر يأكل العذرة، وهو من الخبائث، وليس من الصّيد. مجمع البحرين.
(4) البغاث ـ جمع بغاثة ـ: طائر أبيض بطيء الطيران أصغر من الحدأة.وفي الدروس: البغاث ما عظم من الطير وليس له مخلاب معقب أي معوج، وربما جعل النسر من البغاث. مجمع البحرين.
(5) الغربان جمع الغراب.
(6) في الاَصل: والبول والغائط.


(245)

ونجس الحكم ضربان: جامد ومائع. فالجامد إن كانت النّجاسة على ظاهره ولم يختلط به غُسِلَ، فإن تعذّر الغَسْل، أُزيلت النّجاسة، وشيء ممّا حوله، ثمّ يبيع، وذلك (1) كالجَمَد والفواكه والخضر[والبواري] (2)والثّياب والاَحجار وغيرها، ومتى اختلطت النّجاسة بالماء، ثمّ جمد (3)أو بالدّقيق أو العجين، ثمّ خبز أو باللّبن ثمّاتّخذ منه الجبن (4)و الاَقط لم يجز بيعه بحال. والمائع من السّمن والدّهن واللّبن والعسل والخلّ إذا نجس لم يجز بيعه [بحالٍ] (5)وكذا الماء النّجس لايجوز بيعه قبل تطهيره، ولايمكن تطهير الدّهن المائع إذا نجس، لاَنّه لايمتزج بالماء فيطهر به، ورخّص في بيع الدّهن [النّجس] (6)ممن يستصبح به تحت السّماء، ويجوز بيع لبن المرأة والاَتان. (7)

ولايجوز بيع شعر الاِنسان وظفره وغيره ممّا ينفصل عنه لاَنّه لاثمن له، وأمّا عذرته وسِرقين ما لايوَكل لحمه وخُرء الكلاب والنَّعم فيجوز الانتفاع بها في الزّرع وأُصول الاَشجار، وإن لم يجز بيعها.

إذا باع مجوسيٌّ خمراً أو خنزيراً ثمّ أسلم وقبض الثّمن بعد الاِسلام حلّ له، ولايجوز أن يبيع شيئاً من ذلك بعد الاِسلام، لاَنّ تملّكه قد زال، وروي أنّه إذا كان عليه دين جاز أن يبيعه عنه من ليس بمسلم ويقضى بذلك دَينه ولايجوز أن يتولّى ذلك مسلم. (8)


(1) في «س»: يبيع ذلك.
(2) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(3) في «س»: ثمّ أجمد.
(4) في الاَصل: «الخبز» بدل «الجبن».
(5) ما بين المعقوفات موجود في «س».
(6) ما بين المعقوفات موجود في «س».
(7) الاَتان: الاَُنثى من الحمير. المصباح المنير.
(8) وسائل الشيعة: 12، ب57، من أبواب ما يكسب به، ح2.


(246)

ولايجوز بيع أنواع الملاهي، كالطّنابير والعيدان (1)وغيرهما، وكذلك عمل الاَصنام والصّلبان والتّماثيل المجسّمة وصور الحيوان محظور بيعُها وشراوَها، ولابأس باستعمالها في الفرش وما يوطأ بالاَرجل.

واللّعب بالشّطرنج والنّرد وسائر أنواع القمار وبيعها وشراوَها محرّم، وكذلك معونة الظّالمين وأخذ الاَُجرة على ذلك، وبيع السّلاح لسائر الكفّار، وكسب المغنّيات والنّوائح بالاَباطيل، وأخذ الاَُجرة على غسل الاَموات وحملهم ودفنهم، والتّكسّب بنسخ كتب الضّلال وحفظها، وأخذ الاَُجرة على الاَذان، والصّلاة بالنّاس، وكسب الزّواني (2)ومهور البغايا وتعلّم السّحر والكهانة والقيافة والشّعبذة والتّكسّب بها كلّها وهجاء (3)أهل الاِيمان ومدائح أهل الضّلال بلا ضرورة.

وأمّا أخذ الاَُجرة على مدح (4)أهل الاِيمان بالصّدق، وعلى نسخ كتب الضّلال وانتساخها، لاِثبات الحجج على الخصم والنّقض، فلا بأس به.وكذا أخذ الاَُجرة على الخطبة في الاَملاك وأُجرة المغنّية في الاَعراس (5)إذا لم تغنِّ بالاَباطيل ولا يدخلن على الرّجال، وعلى ختن الرّجال وخفض الجواري، لابأس بذلك.

ويحلّ كسب الماشطة إذا لم تغشّ، ولم تدلّس في العمل، بأن تصل شعرَ المرأة بشعر غيرها من النّساء، وتشم الخدود وتستعمل ما لا يجوز في شريعة الاِسلام، ولابأس أن تصل بشعر غير النّاس، ويحلّ كسب القابلة، وكذا كسب الحجّام إذا


(1) عود اللّهو وعود الخشب جمعه أعواد وعيدان، والاَصل «عودان» لكن قلبت الواو ياءً لمجانسة الكسرة قبلها. المصباح المنير.
(2) الزّوان: حب يخالطه البرّ فيكسبه الرّداءة وفيه لغات... وأهل الشام يسمونه الشيلم. المصباح المنير.
(3) في «س»: وبهجاء.
(4) في «س»: على مدائح.
(5) في الاَصل: وكذا أخذ الاَجر في الاِملاكات وأجرالمغنيّة في الاَعراس.


(247)

لم يشرط، ويكره له الشّرط، والاَفضل لذي المروءة أن ينزّه نفسه عن أكل أُجرة الحجام.

ولابأس بأخذ الاَُجرة والرّزق على الحكم والقضاء بين النّاس، من السّلطان العادل خاصّة، دون الظّالم والتنزّه عنه أفضل، ولا بأس بشراء المصاحف وبيعها غير أنّه لايباع المكتوب بل يباع الجلد والاَوراق، ولابأس ببيع ما يُكَنُّ به من آلة السّلاح، كالدّروع والخفاف من الكفّار، والتّنزّه عنه أفضل.

ولا يأخذ ما ينثر في الاَعراس والاِملاكات إلاّ إذا علم من قصد صاحبه الاِباحة، ولابأس بأخذ أجر العقارات والدّور والمساكن إلاّ إذا عمل فيها شيء من المحظورات باختياره ورضاه، فإنّه لايجوز إذاً، ولابأس بأُجرة السّفن والحَمولات، إلاّ إذا علم أنّه يحمل فيها أو عليها شيء من المحرّمات، فإنّه لايجوز، ولابأس ببيع الخشب ممّن ينحتُ منه الصّنم أو الصّليب أو شيئاً من الملاهي، ولابأس ببيع العنب والعصير ممّن يجعله خمراً.

فأمّا إذا باع الخشب على أن ينحت منه ذلك، أو باع العنب على أن يجعله خمراً، فلا يجوز، ولابأس ببيع عظام الفيل، واتّخاذ المُشْط والمدهن وغير ذلك منها، والتّكسّب بها، ولا بأس ببيع جلود السّباع، كالاَسد والنّمر والفهد وغيرها، إذا كانت مذكّاةً ومدبوغة.

ومن مرَّ بالثّمر (1)جاز له أن يأكل منها قدر كفايته، ولايجوز حمل شيء منها وإفساده.

ولا يجوز بيع السّرقة والخيانة وشراوَهما إذا عرفهما بعينهما، فإن لم يعرفهما فلابأس. ولايجوز بيع تراب الصّياغة، لاَنّ له أرباباً لايتميّزون، فإن باعه، تصدّق به على الفقراء.


(1) في «س»: بالثمرة.


(248)

إذا انكسرت سفينة في البحر، فأخرج البحرُ بعض ما غُرِقَ وأُخرج بعضٌ بالغوص، فما أخرجه البحر، لاَربابه، وما أُخرج بالغوص لمن أخرجه.

ولايجوز بيع الاَرزاق من السّلطان، لاَنّ ذلك غير مضمون، ولايجوز شراء مايعلمه غصباً، فإن أَلْجأته الضّرورة إلى ذلك، ردّه إلى صاحبه إن تمكّن، وإلاّ تصدّق به عنه، ولا بأس بشراء الاَطعمة والحبوب على اختلافها من سلاطين الجور مالم يعلم شيئاً من ذلك غصباً، وإن علم فلا يجوز، ويجوز أخذ جوائزهم وشراء ما يأخذونه من الخراج والصّدقات، وإن لم يستحقّوها، إذا لم يعلمها غصباً، وكذا شراء ما يسبونه، لاَنّ الاَئمّة _ عليهم السَّلام _ أحلّوا لشيعتهم من ذلك.

ولايجوز شراء الجلود إلاّ ممّن يثق به أنّه لايبيع إلاّ ذكيّاً (1)فإن اشتراها ممّن لايثق به، فلايجوز أن يبيعها على أنّها ذكيّة، بل يبيعها بلا ضمان.

ويكره استعمال الصُّروف، لاَنّ صاحبها لايكاد يسلم من الرّبا، وبيع الاَكفان، لاَنّ صاحبها لايسلم من تمنّي موت الاَحياء، وبيع الطّعام، لاَنّه لايسلم من الاحتكار، وبيع الرّقيق وشراوَهم، وصنعة الذّبح والنّحر، لاَنّ ذلك يسلب الرّحمة من القلب، وكلّ حرفة فيها استخراج نجاسةٍ ومباشرتها، كالكنّاس والقصّاب.ولابأس بالنّساجة والحياكة، والتّنزّه عنه أفضل.

ويكره كسبُ الصّبيان، وأخذُ الاَُجرة على تعليم القرآن، ونسخ المصاحف، إذا شرط المعلِّم أو النّاسخ، وإن لم يشرط فلابأس، ويكره أن يُنزِيَ الحميرَ على الدّوابّ، ولابأس بكسب صاحب الفحل من الاِبل والبقر والغنم إذا أقامها للنّتاج، ويكره عقد الاِجارة على ذلك.

ينبغي أن يجتنب مدح ما يبيعه، وذمّ ما يشتريه، واليمين على ذلك، وكتمان


(1) في «س»: إلاّ ممّن يثق انّه لايبيعه إلاّ ذكيّاً.


(249)

العيب فيما يبيعه، وعرض الجيّد دون الرّديء، وإذا قال له غيره: اشتر لي شيئاً، فلا يُعطِه (1) من عنده، وإن كان ما عنده خيراً إلاّ بعد إعلامه به، وكذا (2) إذا قال له : بعه لي، فلا يشتره (3)لنفسه، وإن زاد في ثمنه، إلاّ بإعلامه، ولايربح على الموَمن إلاّ عند الضّرورة، ويقبل المستقبل، ويسوّى بين الصّغير والكبير والسّاكت والمماكس والعارف بالسّعر والجاهل به في البيع أو الشّراء (4)ويكره الاستحطاط من الثّمن بعد عقد البيع، وقبض المبيع، ويجتنب مبايعة السّفلة وذوي العاهات والمحارَفين والاَكراد، ويكره السّوم فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس. ولايكوننَّ أوّل من يدخل السّوق.

الفصل التاسع عشر

أُجرة المنادي على من أمر به، وأُجرة الكيّال و وزّان المتاع على البائع، لاَنّ عليه توفير المتاع، وأُجرة النّاقد ووزّان المال، على المبتاع، لاَنّعليه توفية المال، ومن انتصب نفسه للبيع (5)والشّراء للنّاس، فأُجرة ما يبيعه على البائع، وأُجرة مايشتريه على المبتاع.

من دفع متاعاً إلى السّمسار ولم يأمره ببيعه، فباعه، أو أمره ببيعه، ولم يذكر له لا نقداً ولا نسيئةً، فباع نسيئة (6) أو أمره ببيعه نقداً فباعه نسيئةً (7)أو بالعكس منه، كان مخيّراً بين الفسخ والاِمضاء، وكذا إن باعه بأقلّ ممّا رسمه نقداً أو نسيئةً،


(1) في «س»: فلا يعطيه.
(2) في الاَصل: وكذلك.
(3) في «س»: فلا يشتريه.
(4) في «س»: في البيع والشراء.
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وينتصب للبيع.
(6) في «س»: بنسيئةٍ.
(7) في «س»: بنسيئةٍ.


(250)

فإن أمضاه (1)كان له مطالبة الوسيط بتمام المال، وإن باعه بأكثر ممّا سمّى له، كان ذلك لصاحب المال إن لم يختر فسخ البيع، لمخالفة الوسيط له.

إذا هلك المتاع عند الواسطة بتفريط منه، ضمن قيمته، وأمّا بغير تفريط فلا، ولا ضمان على الواسطة فيما يغلبه عليه ظالم، و الدّرك في جودة المبيع على البائع، وفي جودة المال على المبتاع.

الفصل العشرون

يكره حبس الاَقوات السّتّة: الحنطة والشّعير والتّمر والزّبيب والسّمن والملح، إذا لم يوجد ذلك إلاّ عند إنسان بعينه، وأضرّ ذلك بالمسلمين، ويجب إذاً على السّلطان إجبارُ صاحبه على بيعه، من غير تعيين سعرٍ، ولايمكّنه الاِمام من حبسه في حال الغلاء وقلّة الاَطعمة أكثر من ثلاثة أيّام، وفي الرّخص والسّعة أكثر من أربعين يوماً.

ولايكره حبس ما عدا ما ذكرناه لا في الرّخص ولا في الغلاء (2)ولا حبسها مع وجودها.ومن كان عنده فاضل طعام في القحط، وبالنّاس ضرورة، وجب عليه بذله.

* * *


(1) في «س»: « فإن أمضى».
(2) في الاَصل: ولا الغلاء.


(251)

كتاب إحياء الموات
فصل

الموات من الاَرض للاِمام القائم مقام النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خاصّة، لا يجوز لاَحد أن يتصرّف فيه إلاّ بإذنه، ومن أحيى أرضاً بإذن مالكها، أو سبق إلى التّحجير عليها، كان أحقّ بالتصرّف فيها من غيره، وليس للمالك أخذها منه، إلاّ أن لايقوم بعمارتها، ولايقبل عليها ما يقبل غيره، ولايجوز لاَحد أن يغيّر ما حماه النبيّ _ عليه السَّلام _ (1)من الكلاء، لاَنّ فعله حجّة، يجب الاقتداء به، كقوله، وللاِمام أيضاً أن يحمي من الكلاء لنفسه، ولخيل المجاهدين ونَعَمِ الصَّدقة و الجزية والضّوالّ مايكون في الفاضل عنه كفايةٌ لمواشي المسلمين، ولا اعتراض لاَحد عليه، ولايجوز للاِمام أن يقطع شيئاً من الشّوارع والطّرقات ورحاب الجوامع، إذ لايملكها واحد بعينه، والنّاس فيها مشتركون.

والماء المباح يملك بالحيازة، سواء حازه في إناء، أو ساقه إلى ملكه في نهر، أو قناةٍ أو غلب (2)بالزّيادة فدخل إلى أرضه، وهو أحقّ بماء البئر الّتي ملك التصرّف فيها بالاِحياء، وإذا كانت في البادية (3)فعليه بذل الفاضل عن حاجته لغيره، لنفسه وماشيته، ليتمكّن من رَعْيِ ما جاور البئر من الكلاء المشترك، وليس عليه بذله لزرعه، ولا بذل آلة الاستقاء.


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: أن يغيرها حماه النبيّ _ عليه السَّلام _ .
(2) في الاَصل: إذا غلب.
(3) في «س»: بالبادية.


(252)

ولمن أحيى البئر من حريمها ما يحتاج إليه في الاستقاء من آلة ومطرح الطّين، وروي: أنّ حدّ ما بين بئر المَعْطِنِ (1)إلى بئر المَعْطِنِ أربعون ذراعاً وما بين بئر الناضح إلى بئر النّاضح ستّون ذراعاً وما بين بئر العين وبئر العين في الاَرض الصّلبة خمسمائة ذراع وفي الرِّخوة ألف ذراع (2)وعلى هذا لو أراد غيره حفر بئرٍ (3) إلى جانب بئره ليسرق (4)منها الماء، لم يكن له ذلك.

ولايجوز له الحفر إلاّ أن يكون بينهما الحدّ المذكور، فأمّا من حفر بئراً في داره، أو في أرض له مملوكة، فإنّه لايجوز له منع جاره (5)من حفر بئر أُخرى في ملكه، ولو كانت بئر بالوعةٍ تضرّ به، والفرق بينهما أنّ الموات (6)يملك التصرّف فيه بالاِحياء، فمن سبق إلى حفر البئر صار أحقّ بحريمه، وليس كذلك الحفر في الملك، لاَنّ ملك كلّ واحد منهما مستقرّ ثابت، فجاز له أن يعمل فيه ما شاء.

ومن قَرُبَ إلى الوادي، أحقّ بالماء المجتمع فيه من السّيل، ممّن بَعُدَ عنه، وقضى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : أنّ الاَقرب إلى الوادي يحبس الماء للنّخل إلى أن يبلغ في أرضه إلى أوّل السّاق وللزّرع إلى أن يبلغ إلى الشّراك ثمّيرسله إلى من يليه (7)ثمّ هكذا يصنع الّذي يليه مع جاره، ولو كان ذرع الاَسفل يهلك إلى أن يصل إليه الماء لم يجب على من فوقه أن يرسله إليه حتّى يكتفى ويأخذ منه قدر المذكور. (8)


(1) بئر المَعطِن هي البئر التي يستقى منها لسقي الاِبل وأصل المَعْطِن و العطن مباركها حول المياه لتشرب. لاحظ السّرائر للحلّي ـ قدّس سرّه ـ: 2|374 من الطبع الحديث.
(2) لاحظ وسائل الشيعة: 17، ب11 من أبواب إحياء الموات، ح5و2. باختلاف قليل ولايخفى انّ الناضح ـ كما في لسان العرب ـ : البعير الذي يستقى عليه الماء، والمراد هنا حدّ حريم البئر التي يستقى منهابالناضح.
(3) في «س»: حفر البئر.
(4) في «س»: ليسترق.
(5) في «س»: «منع جاده» وهو تصحيف.
(6) في «س»: انّه الموات.
(7) لاحظ وسائل الشيعة: 13، ب8 من أبواب احياء الموات.
(8) في «س»: «قدرالزكاة» وهو تصحيف.


(253)

كتاب الشّفعة

الشّفعة عبارة عن استحقاق الشّريكِ المخصوص على المشتري تسليم المبيع بمثل ما بذلَ فيه أو قيمته.وهي مأخوذة من الزّيادة، لاَنّ سهم الشّريك يزيد بما ينضمّ إليه (1)فكأنّه كان وتراً، فصار شفعاً.

ويحتاج إلى معرفة شروط استحقاقها وأحكامها.

أمّا الشّروط فستّة وهي: أن يتقدّم عقد بيع ينتقل معه الملك إلى المشتري.(2)

وأن يكون الشّفيع شريكاً بالاختلاط في المبيع أو في حقّه من شربه أو طريقه.

وأن يكون واحداً.

وأن يكون مسلماً إذا كان المشتري كذلك.

وأن لا يُسقِطَ حقّ المطالبة، ولايعجز عن الثّمن.

اشترطنا تقدّم عقد البيع، لاَنّ الشّفعة لاتستحقّ قبله ولاتستحقّ بما ليس ببيع، من هبة أو صدقةٍ أو مهر زوجةٍ أو مصالحة أو ما أشبه ذلك، (3)واعتبرنا أن ينتقل الملك معه إلى المشتري، تحرّزاً من البيع الّذي فيه الخيار للبائع أو له


(1) في «س»: «يزيد ينضم إليه» والصحيح ما في المتن.
(2) في «س»: ينتقل منه الملك إلى المشتري.
(3) في «س»: وما أشبه ذلك.


(254)

وللمشتري معاً، فإنّ الشّفعة لاتستحقّ هاهنا، لاَنّالملك لم يزل عن البائع؛ فأمّا ما لا خيار فيه، أو فيه الخيار للمشتري وحده، ففيه الشّفعة لاَنّ الملك قد زال به عنه.

واشترطنا أن يكون شريكاً للبائع، تحرّزاً من القول باستحقاقها بالجوار، فإنّها لاتستحقّ (1)بذلك.

واشترطنا أن يكون واحداً، لاَنّ الشيء إذا كان مشتركاً بين أكثر من اثنين، فباع أحدهم لم يستحقّ شريكه الشّفعة عند أكثر أصحابنا؛ (2)وعلى هذا إذا كان الشّريك واحداً، ووهب بعض السّهم، أو تصدّق به، وباع الباقي للموهوب له، أو المتصدّق عليه، لم يستحقّ [فيه] (3)الشّفعة.

واشترطنا أن يكون مسلماً إذا كان المشتري كذلك، تحرّزاً من الذّمّي لاَنّه لايستحقّ على مسلم شفعةً.

واشترطنا أن لايسقط (4)حقّ المطالبة، لاَنّه أقوى من قول من يذهب (5) إلى أنّ حقّ الشّفعة على الفور، ويسقط بتأخير الطّلب مع القدرة عليه (6)لاَنّ ذلك هو الاَصل في كلّ حقّ عقلاً وشرعاً، ولايخرج منه إلاّ ما أخرجه دليل قاطع.

واشترطنا عدم عجزه عن الثمن، لاَنّه إنّما يملك الاَخذ إذا دفع إلى المشتري ما بذله للبائع فإذا تعذّر عليه ذلك سقط حقّه من الشّفعة، سواء كان عجزه لكونه


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «فانّه لايستحق».
(2) قال العلاّمة في المختلف: 5|332ـ الطبع الحديث ـ: اختلف علماوَنا في الشفعة هل تثبت مع زيادة الشركاء على اثنين؟فمنع منه الشيخان، وعليّ بن بابويه والسيد المرتضى وسلار وأبو الصلاح وابن البرّاج وابن حمزة والطبرسي وابن زهرة، وقطب الدين الكيدري....
(3) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «واشترطنا أن يكون لايسقط» والصّحيح ما في المتن.
(5) في الاَصل: «لاَنّه أقوى من يذهب» والصحيح ما في المتن.
(6) الشيخ، المبسوط: 3|108، والنهاية: 424، والخلاف: كتاب الشفعة، المسألة 4.


(255)

معسراً، أو لكون ما وقع عليه العقد أو بعضه غير معلوم القيمة، وقد فقدت عينه، وروى أصحابنا أنّ حكمه كذا، متى لم يُحْضِـر الثّمن من البلد الّذي هو فيه حتّى مضت ثلاثة أيّام (1)ومتى ادّعى إحضاره من مصرٍ (2)آخر فلم يحضره حتّى مضت مدّة يمكن فيها وصول الثّمن وزيادة ثلاثة أيّام، هذا ما لم يوَدّ الصّبر عليه إلى ضرر، فإن أدّى إلى ذلك بطلت الشّفعة، وإذا كان الثّمن موَجّلاً فهو على الشّفيع كذلك، ويلزمه إقامة كفيل به إذا لم يكن ملّياً، وهذا لايتفرّع على مذهب من قال من أصحابنا: أنّ حقّ الشّفعة لايسقط بالتأخير. (3)

وإذا حطّ البائع من الثّمن بعد لزوم العقد، فهو للمشتري خاصّة ولم يسقط عن الشّفيع، لاَنّه إنّما يأخذ الشّقص بالثّمن الّذي انعقد البيع عليه، وما يُحطُّ بعد ذلك هبة مجدّدة لا دليل على لحوقها بالعقد.

وإذا تكاملت شروط استحقاق الشّفعة، استحقّت في كلّ مبيع، من الاَرضين (4) والحيوان والعروض، كان ذلك ممّا يحتمل القسمة أو لا، ومن أصحابنا من قال: لايثبت حقّ الشّفعة إلاّ فيما يحتمل القسمة شرعاً من العقار والاَرضين لا فيما لايحتملها كالحمّـامات والاَرحية، ولا فيما لاينقل ولايحوّل إلاّ على وجه التّبع للاَرض، كالشّجر والبناء. (5)

والشّفعة مستحقّة على المشتري دون البائع، وعليه الدّرك للشّفيع.وإن لم يقبض المشتري المبيع قبض الشّفيع، وكان قبضه بمنزلة قبضِالمشتري، وإذا كان الشّريك غير كامل العقل، فلوليّه أو النّاظِر في أُمور المسلمين المطالبة له بالشّفعة،


(1) لاحظ النهاية: 425.
(2) في «س»: «من حضر» وهو تصحيف.
(3) السيد المرتضى: الاِنتصار: 219.
(4) في «س»: من الاَرض.
(5) الشيخ: النهاية: 424.


(256)

وإذا ترك الوليّ ذلك، فللصّغير إذا بلغ، والمجنونِ إذا عقل المطالبةُ. وإذا غرس المشتري وبنى ثمّ علم الشّفيع بالشّراء، وطالب بالشّفعة، كان له إجباره على قلع الغرس والبناء، إذا ردّ عليه ما نقص من ذلك بالقلع، وإذا استهدم المبيع لا بفعل المشتري، أو هَدَمَهُ هو قبل علمه بالمطالبة من ذلك بالشّفعة، فليس للشّفيع إلاّ الاَرض والآلات، وإن هدمه بعد العلم بالمطالبة فعليه ردّه إلى ما كان، وإذا عقد المشتري البيع على شرط البراءة من العيوب، أو علم بالعيب ورضي به، لم يلزم الشّفيع ذلك، بل متى علم بالعيب ردّه على المشتري إن شاء، (1)وإذا اختلف المتبايعان والشّفيع في مبلغ الثّمن، وفقدت البيّنة، فالقول قول المشتري مع يمينه.

وحقّ الشّفعة موروث عند بعض أصحابنا (2)لعموم آيات الميراث، وعند بعضهم (3) يورث.

لاشفعة في المعاوضة عند أكثر أصحابنا. (4)وتثبت الشّفعة للغائب. ومتى ثبتت الشّفعة للشّفيع ولم يعلم بها إلاّ بعد ان استقال البائع المشتري البيع (5)فأقاله كان للشّفيع إسقاط الاِقالة وردُّ الشّقص إلى المشتري وأخذه بالشّفعة.

إذا اشترى شقصاً واستحقّ الشّفيع الشّفعة، فأصابه نقص (6) وهدم قبل أخذ الشّفيع، كان بالخيار بين أخذه ناقصاً بكلّ الثّمن، وبين تركه، إن كان ذلك


(1) في الاَصل: إذا شاء.
(2) المفيد في المقنعة: 619،والسيد المرتضى في الانتصار: 217.
(3) الشيخ في النهاية: 425، والخلاف كتاب الشفعة: المسألة 12، والقاضي في المهذّب: 1|459.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «لاَنّالشفعة» بدل«لاشفعة» والصحيح ما في المتن. قال العلاّمة في المختلف: 5|339 من الطبع الحديث: المشهور انّه لاشفعة إلاّ إذا انتقلت الحصة إليه بالبيع. ولو انتقلت بغيره من المعاوضات كالصلح والاِجارة ...بطلت الشّفعة.
(5) كذا في الاَصل ولكن في «س»: إلاّ بعد استقالة البائع المشتري.
(6) هذا ما أثبتناه ولكن في النسخ التي بأيدينا «نقض» قال في المبسوط: 3|116: إذا اشترى شقصاً ...فأصابه نقص ... .


(257)

بآفة (1) سماويّة، وإن كان بفعل آدميّ، أخذ الشّفيع العرَصَةَ بحصّتها.

إذا أخذ الشّفيع الشّقص من المشتري فليس لهما خيار المجلس، لاَنّه ليس ببيع. ومتى صالح المشتري الشّفيع، على ترك الشّفعة بعوض بعد ثبوتها، جاز.

إذا بلغ الشّفيع أن الثّمن دنانير أو حنطة فعفا فكانت دراهم أو شعيراً أو غيرهما لم تسقط الشّفعة.

إذا بيع بعض الدّار بدَين ميّت، لم تثبت الشّفعة لورثته، لاَنّ ملك الورثة كالمتأخّر عن البيع، لاَنّه حادث بعد موته، وكذا إذا أوصى ببيع بعض الدّار والتصدق بثمنه، فلا شفعة لورثته لذلك. (2)

إذا كانت دار بين ثلاثة شركاء أثلاثاً، فاشترى أحدهم نصيب أحد شريكيه، فالمشتري والشّريك الآخر في المبيع شريكان، (3)يملك المشتري نصفه بالبيع، ويملك الآخر نصفه بالشّفعة، هذا على قول من يُثبِتُ الشّفعة مع زيادة الشّركاء على اثنين، (4) وإن كان المشتري أجنبيّاً، استحقّ الشّريكان ما اشتراه بالشفعة.

* * *


(1) في «س»: إن كان بآفة.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وكذلك» والصحيح ما في المتن.
(3) كذا في «س» ولكن في الاَصل: فالمشتري والشريك الآخر في البيع يشتركان.
(4) القائل هو ا بن الجنيد، لاحظ المختلف: 5|333 من الطبع الحديث.


(258)


(259)

كتاب الشّركة

من شرط صحّة الشّركة، أن تكون في مالين متجانسين، إذا اختلطا اشتبه أحدهما بالآخر، وأن يخلطا حتّى يصيرا مالاً واحداً، وأن يحصل الاِذن في التصرّف في ذلك، وهذه الشركة هي الّتي تسمّى شركة العنان. (1)

ولاتصحّ شركة المفاوضة، وهي أن يشتركا في كلّ ما لهما وعليهما، ومالاهما متميّزان، و لا شركة الاَبدان، وهي الاشتراك في أُجرة العمل، ولا شركة الوجوه، وهي أن يشتركا على أن يتصرّف (2)كلّ واحد منهما بجاهه، لا برأس مالٍ، على أن يكون ما يحصل من فائدةٍ، بينهما.

وإذا انعقدت الشّركة اقتضت أن يكون لكلّ واحد من الشّريكين من الرّبح بمقدار رأس ماله، وعليه من الوضيعة بحسب ذلك، فإن اشترطا تفاضلاً في


(1) في «س»: «شركة العيان» وهو تصحيف.قال في الحدائق: 21|161 في بيان وجه هذه التسمية ما هذا نصّه: فقيل: من عنان الدّابة إمّا لاستواء الشريكين في ولاية الفسخ والتّصرف واستحقاق الرّبح على قدر رأس المال، كاستواء طرفي العنان... وإمّا لاَنّ لكلّ واحد منهما أن يمنع الآخر من التّصرف كما يشتهي ويريد، كما يمنع العنان الدابّة ...وقيل: من «عنَّ» إذا ظهر. إمّا لاَنّه ظهر لكل واحد منهما مال صاحبه، أو لاَنّها أظهر أنواع الشركة، ولهذا أجمع على صحّتها.وقيل: من «العانة» وهي المعارضة، لاَنّ كلّ واحد منهما عارض بما أخرجه الآخر.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «يقترض» والظاهر أنّه تصحيف.


(260)

الرّبح، أو الوضيعة، مع التّساوي في رأس المال، أو تساويا في كلّ ذلك (1)مع التّفاضل في رأس المال، لم يلزم الشّـرط، وكذا إن جعل أحد الشّريكين للآخر فضلاً في الرّبح (2)بإزاء عمله، لم يلزم ذلك، وكان للعامل أُجرة مثله، ومن الرّبح بحسب رأس ماله، ويصحّ كلّ من ذلك بالتّراضي، ويحلّ تناول الزّيادة بالاِباحة (3). دون عقد الشّركة ويجوز الرّجوع بها (4)لمبيحها مع بقاء عينها.

والتصرّف في مال الشّركة على حسب الشّرط، إن يشترطا أن يكون لهما معاً على الاجتماع، فلم يَجُز لاَحدهما أن ينفرد به، وإن يشترطا (5)أن يكون تصرّفهما على الاجتماع والانفراد، فهو كذلك، وإن اشترطا التصرّف لاَحدهما لم يجز للآخر إلاّ بإذنه، وكذا القول في صفة التصرّف في المال، من السّفر به والبيع بالنّسيئة والتّجارة في شيء معيّن، ومتى خالف أحدهما ما وقع عليه الشّرط، كان ضامناً.

والشّركة عقد جائز من كلا الطّرفين، يجوز فسخه لكلّ واحد منهمامتى شاء، ولايلزم شرط التّأجيل فيها.

والشّريك المأذون له في التصرّف، موَتمن على مال الشّركة، والقول قوله، فإن ارتاب به شريكه، حلف على قوله، وإذا تقاسم الشّريكان لم يقتسما الدّينَ بل يكون الحاصل منه بينهما، والمنكسر عليهما، ولو اقتسماه فاستوفى أحدهما ولم يستوفِ الآخر لكان (6)له أن يقاسم شريكه على ما استوفاه.


(1) في «س»: أو تساويا في ذلك.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وكذا إن جعل الشريكين للآخر أحد فصلا في الرّبح» والصحيح ما في المتن.
(3) في «س»: «بالاَخذ» بدل «بالاِباحة» والصحيح ما في المتن.
(4) في «س»: «بهما» والصحيح ما في المتن.
(5) في الاَصل: وإن اشترطا.
(6) في «س»: «كان» بدل «لكان».


(261)

وإذا باع من له التصرّف في الشّركة، وأقرّ على شريكه الآخر بقبض الثّمن، مع دعوى المشتري ذلك، وهو جاحد، لم يبرأ المشتري من شيء منه؛ أمّا ما يخصّ البائع فلاَنّه ما اعترف بتسليمه إليه، ولا إلى من وكّله على قبضه (1)فلا يبرأ منه، وأمّا ما يخصّ الّذي لم يبع، فلاَنّه منكر لقبضه، وإقرار شريكه البائعِ عليه لايقبل، لاَنّه وكيله، وإقرار الوكيل على الموكّل، بقبض الحقّ الذي وكلّه في استيفائه، غير مقبولٍ، إذ لا دليل عليه، ولو أقرّ الّذي لم يبع ولا أذن له في التصرّف، أنّالبائع قبض الثّمن، برىَ المشتري من نصيب المقرّ منه.

ويكره شركة المسلم للكافر.

إذا اشترك اثنان في عمل شيء، لم تنعقد الشّركة،وكان لكلّ منهما أجر عمله.

إذا شارك نفسان سقّاءً، على أن يكون من أحدهما دابّة ومن الآخر راوية (2) واستسقى السّقّاء فيها على الدابّة، لم تصحّ الشّركة، لفقد اختلاط المال، فيكون ثمن الماء للسّقّاء، ويرجع الآخرانِ عليه بمثل أُجرة الدابّة والرّاوية.

وإذا أراد الشّريكان (3)مقاسمة ما في مقاسمته ضرر، كجوهر (4)أوحمّام أو حجر رحى أو ثوب ثمين يجبر على بيعه من امتنع منه.

وتنفسخ الشّركة بموت أحد الشّريكين، ولايجوز للثّاني التصرّف في حصّة الميّت، وللوارث أو الوصيّ أو الوليّ (5)أن يطالب بالقسمة، أو يبقى على الشّركة، فإن بقي عليها، استأنف الاِذن في التصرّف، إلاّ إذا كان هناك دين.


(1) في الاَصل: ولا إلى وكيله على قبضه.
(2) الرّاوية: المَزادة وهي الوعاء الذي يكون فيه الماء، سمّيت راوية لمكان البعير الذي يحملها. لسان العرب.
(3) في الاَصل: فإن أراد الشريكان.
(4) في «س»: كجوهرة.
(5) في الاَصل: أو الوالي.


(262)


(263)

كتاب المضاربة
فصل

القراض والمضاربة واحد، وهو أن يدفع الاِنسان إلى غيره مالاً ليتّجر به، على أنّما رزقه اللّه تعالى من ربح، كان بينهما على ما يشرطانه.

ومن شرط صحّته، أن يكون رأس المال فيه، دراهمَ أو دنانيرَ معلومةً مسلّمة(1) إلى العامل، ولايجوز القراض بالفلوس ولا بالورق المغشوش

وتصرّف المضارب موقوف على إذن صاحب المال؛ إن أذن له في السّفر به أو في البيع نسيئة، جاز له ذلك، ولا ضمان عليه لما يهلك أو يحصل من خسران، وإن لم يأذن له في البيع بالنّسيئة، أو في السّفر، أو أذن له فيه إلى بلد معيّن، أو شَرطَ ألاّ يتّجر إلاّ في شيء معيّن، ولا يعامل إلاّ إنساناً معيّناً، فخالف، لزمه الضّمان.

وإذا سافر بإذن ربّ المال، كانت نفقة السّفر من المأكول والمشروب والملبوس من غير إسراف، من مال القراض، ولا نفقة للمضارب منه في الحضر، وقيل: لا نفقة له حضراً ولا سفراً، لاَنّ المضارب دخل على أن يكون له من الرّبح سهم معلوم فليس له أكثر منه إلاّ بالشّرط (2).


(1) في «س»: معلومة ومسلّمة.
(2) الشيخ: المبسوط: 3|172.


(264)

وإذا اشترى العامل من يعتق على ربّ المال بإذنه صحّ الشّراء وعتق عليه، وانفسخ القراض، إذا كان الشّراء بجميع المال، لاَنّه خرج عن كونه مالاً، وإن كان ببعض المال، انفسخ من القراض بقدر قيمة العبد، وإن كان الشّراء بغير إذنه وكان بعين المال، فالشّراء باطل، لاَنّه اشترى ما يتلف ويخرج عن كونه مالاً عقيب الشّراء، وإن اشترى بثمن في الذّمّة، صحّ الشّراء، ووقع الملك للعامل، ولايجوز له أن يدفع الثّمن من مال القراض، فإن فعل لزمه الضّمان، لاَنّه تعدّى بدفع مال غيره في ثمن لزمه في ذمّته، وإذااشترى المضارِبُ من يعتق عليه قوّم، فإن زاد ثمنه على ما اشتراه، انعتق منه بحساب نصيبه من الرّبح، واستُسعي في الباقي لربّ المال، وإن لم يزد ثمنه على ذلك، أو نقص عنه، فهو رقّ.

والمضاربة عقد جائز من الطّرفين، لكلّ واحد منهما فسخه متى شاء، وإذا بدا لصاحب المال من ذلك بعد ما اشترى المضارب المتاعَ، لم يكن له غيره، ويكون للمضارب أُجرة مثله.

والمضارب موَتمن لا ضمان عليه، إلاّبالتعدّي، فإن شرط عليه ربّ المال ضمانه، صار الرّبح كلّه له (1)والخسران عليه، دون ربّ المال، ويكره أن يكون المضاربُ كافراً.

إذا دفع إلى حائك غزلاً وقال: انسجه لي ثوباً على أن يكون الفضل بيننا؛ لم يصحّ، لاَنّ موضع القراض على أن يتصرّف العامل في رقبة المال ويتّجر فيها، فإذاً يكون الكلّ لربّ المال وللعامل الاَُجرة.

إذا سمّى ربّ المال النّصف لنفسه، وسكت، يكون فاسداً، لاَنّ العامل لايستحقّ شيئاً إلاّ بالشّرط.


(1) في «س»: له كلّه.


(265)

إذا قارض غيره على أن يكون له الثلث، ولمملوكه ثلث، وللعامل ثلث، جاز، سواء شرط عمل الغلام أو لا، فإن شرط الثّلث لمن لا يملكه، لم يصحّ إلاّ بشرط العمل، ولايجوز أن يشترط المقارِض الانتفاع ببعض مال القراض، كأن يشترط استخدام العبد إن كان فيه عبد.

إذا استأجر العامل أجيراً يعمل فيه ما يعمله بنفسه، كانت الاَُجرة من ضمانه، لاَنّه أنفق المال في غير حقّه.

إذا دفع إليه ألفين (1)متميّزين، وسمّى لكلّمنهما ربح ألف معيّن، لم يجز، وإن كانا مختلطين، وقال: لكلٍّ منّا ربح ألف؛ جاز.

العامل في القراض أمين فيما في يديه، فمهما ادّعى تلف المال، كان القول قوله، وإن ادّعى ردّه إلى مالكه قُبل.

إذا قارض العامل آخر بإذن ربّ المال، على أن يكون الرّبح بينه وبين ربّالمال، كما تقرّر، صحّ، وإن شرط لنفسه معهما شيئاً من الرّبح، لم يصحّ لاَنّ الرّبح من القراض لايستحقّ إلاّ بمال، أو بعمل (2)وإن لم يسمّ للعامل الثّاني شيئاً، وعمل فيه، كان الربح كلّه لربّ المال، وللعامل أُجرة المثل، وإن كان القراض مع العامل الثّاني (3)بغير إذن ربّ المال، ولم يعلم (4)العامل الثّاني فسد، ويكون الرّبح كلّه لربّ المال، وللعامل الثّاني أُجرة المثل، ولاشيء للاَوّل، وعليه ضمان ما هلك، لتعدّية، دون الثّاني.


(1) في «س»: «أهنين» وهو تصحيف والصحيح ما في المتن.
(2) في «س»: «أو بعوض» والظاهر أنّه تصحيف والصحيح ما في المتن.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وإن كان قراض العامل الثاني.
(4) في «س»: «ولم يعمل» وهو تصحيف والصّحيح ما في المتن.


(266)

إذا كان له على غيره مالُ قرض، لم يجز أن يقارضه على ذلك، إلاّ بعد قبض المال.

إذا دفع إثنان إلى عامل (1)كلّ منهما مائة، فاشترى العامل بمال كلّمنهما جارية، ثمّ اشتبهتا عليه ولم تتميّزا، تبايعان، ويدفع إلى كلّ منهما نصفه إذا لم يكن(2) في المال فضل، فإن كان فضل أخذ كلّ منهما رأس ماله، واقتسموا الرّبح على الشّرط وإن كان فيه خسران، فالضّمان على العامل، لتفريطه، وإن استعمل القرعة جاز.

إذا دفع إلى عامل مائة قراضاً، فخسر عشرةً، ثمّ أخذ ربّ المال عشرة، ثمّ اتّجر العامل وربح، أفرد رأس المال (3)تسعين إلاّ درهماً وتُسعَ درهم، وما حصل فهو بينهما على الشّرط، وذلك لاَنّه لم ينتقص القراض (4)في الخسران، لتمامه بالرّبح، لكنّه انتقص (5)في العشرة الّتي أخذها ربّ المال، انتقص في الخسران (6) ما يخصّه من العشرة، فتوزّع العشرة المأخوذة على تسعين، يكون لكلّ عشرةٍ درهم وتُسعُ درهم، فيكون رأس المال ما بقي.

وإن أخذ ربّ المال خمسة وأربعين بعد خسران العشرة انتقص القراض (7) في المأخوذ وفي نصف الخسران، وهي خمس فيكون رأس المال بعد هذا خمسين، والاَصل أن يجعل الخسران كالموجود فإذا انتقص في سهم من الموجود، انتقص


(1) في «س»: على عاملٍ.
(2) في «س»: لم يبق.
(3) في «س»: «أفرز» بدل «أفرد».
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «لم ينقص القراض» وفي المبسوط: لم ينتقض القراض.
(5) في «س»: للرّبح لكنه ينقص.
(6) في «س» ما ينقص في الخسران.
(7) كذا في الاَصل ولكن في «س» بعد الجبران العشرة ينقص القراض.


(267)

بحصّته من الخسران. (1)

إذا اشترى العامل جارية، فليس له ولا لربّ المال وطوَها، كان في المال فضل أو لا (2) ولا تزويجها إلاّ إذا اتّفقا على التّزويج، ولا مكاتبتها إلاّ باتّفاقهما معاً، فإن عتق العبد وفي المال فضل، فولاوَه بينهما على ما شرطا في الرّبح، وإلاّ فلربّ المال، وإن لم يشترطا عليه (3)الولاء، فولاوَه للاِمام إذا لم يتوالَ إلى أحد.

إذا قال لغيره: اغرس أرضي هذه كذا، على أنّ ما رزق اللّه من غرس فيها، كان بيننا نصفين، والاَرض بيننا نصفين؛ لم يكن ذلك شركة، لاَنّ المالين لايختلطان، ولا قراضاً، لاَنّ من العامل العمل دون شيء من المال، فإذَنْ الاَرض تكون لمالكها والغرس للعامل، ولايملك ربّ الاَرض نصف الغراس، ولا العامل نصف الاَرض، لاَنّ ذلك بيع معلومٍ بمجهول.


(1) ولاَجل إيضاح العبارة نأتي بنصّ المبسوط قال:
«إذا كان المال في القراض مائة، فخسر عشرةً، فأخذ ربُّ المال بعد الخسران عشرةً، ثمّ اتّجر العامل وربح بعد هذا فأراد المقاسمة، أفرد رأس المال تسعين إلاّ درهماً وتُسْعَ درهمٍ، وما فضل فهو بينهما على الشرط، لاَنّ المال إذا خسر لم ينتقض القراض فيه، بدليل أنّ المال متى ربح بعد الخسران ردّ إليه من الرّبح حتّى يتمّ ما ذهب من رأس ماله، فإذا لم ينتقض القراض من الخسران، كان الخسران كالموجود في يد العامل، فإذا أخذ ربّ المال عشرةً انتقض القراض في المال المأخوذ، بدليل أنّه لو أخذ الكلّ انتقض القراض فيه، فإذا انتقض في العشرة انتقض في الخسران ما يخصّه من العشرة، فيسقط العشرة المأخوذة على تسعين، يكون لكلّ عشرة درهمٌ وتُسْعُ درهمٍ فكأنّه أخذ أحد عشر درهماً وتُسعاً، فيكون رأس المال ما بقي بعد هذا.
بيان هذا: إذا خسر عشرة وأخد ربّ المال خمسة وأربعين، انتقض القراض في المأخوذ، وهو خمسة وأربعون، وفي نصف الخسران وهو خمسة، فيكون رأس المال بعد هذا خمسين».لاحظ المبسوط: 3|201.
(2) في «س»: أم لا.
(3) في الاَصل: وإن لم يشرطا عليه.


(268)

إذا وقع الفسخ (1)منع العامل من الشّراء دون البيع، وإذا مات أحد المتقارضين انفسخ القراض، ولورثة ربّ المال استئناف العقد مع العامل إلاّ إذا كان المال عروضاً، فإنّه لايصحّ فيه، لاَنّ عقد القراض على غير الاَثمان لا يجوز.

* * *


(1) في الاَصل: إذا دفع الفسخ.


(269)

كتاب المُساقاةِ والمزارعة

المساقاة أن يدفع النّخل إلى غيره على أن يُلقِّحَه ويضربَ جرائده (1) ويصلح الاَجاجين (2)تحته ويسقيه، أو يدفع إليه الكرم على أن يعمل فيه، فيقطع الشّفش(3) ويصلح مواضعه ويسقيه، على أنّ ما رزق الله من ثمرةٍ كانت بينهما، على ما يشترطانه.

ولايجوز ذلك (4) إلاّ فيما له ثمرة من الشّجر (5) ولابدّ أن تكون مؤجّلة بأجل معلوم، ويكون قدر نصيب العامل معلوماً.

وإذا كانت له أنواع نخل فساقاه بالنّصف على البعض، وبالرّبع على البعض، أو أقلّ أو أكثر، جاز إذا علم العامل قدر كلّ صنف منها في الحائط، وإن لم يعلم فلا، لاَنّه غرر.


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «ويصرّف جرائده».
(2) الاَجاجين جمع الاِجّانة بالكسر والتشديد: موقع الماء تحت الشجرة ومنه يجب على العامل تنقية الاَجاجين والمراد ما يحوط حول الاَشجار. مجمع البحرين. وقد وقع هنا في «س» تقديم وتأخير فقدّم الموَخّر وأخّر المقدّم فلاحظ.
(3) في المسبوط: فيقطع الشيف والشيف: الشوك، يكون في موَخر عسيب النخل.
(4) في «س»: ولايجوز نحو ذلك.
(5) في «س»: من الشجرة.


(270)

ولايجوز أن يشترط (1)للعامل مثلاً ألف رطل، أو خمسمائة رطل بل ينبغي أن يشترط (2) له سهماً من سهام الثّمرة.

إذا ساقاه على أن يكون له ثمرة نخلات بعينها، بطل، وكانت الثّمرة لربّ الاَرض وللعامل أُجرة المثل.

كلّ ما يستزاد به في الثّمرة، فعلى العامل، وكلّ ما فيه (3)حفظ الاَصل فعلى ربّ المال، وإن شرط أحدهما بعض ما يلزمه على الآخر، جاز ما دام يبقى للعامل عمل، وإلاّ بطلت المساقاة.

وينبغي أن تكون المساقاة قبل ظهور الثّمرة، أو حين بقي للعامل عمل يستزاد به الثّمرة، كالتّأبير والسّقي، فإن لم يبق إلاّ اللّقاط والجذاذ (4)فلا مساقاة. وخراج الثّمرة على ربّ الاَرض. (5)

إذا ساقاه العامل (6)على أن يعمل معه ربّ المال بطل، وإن شرط أن يعمل معه غلام ربّ المال جاز، لاَنّه ضمُّ مال إلى مالٍ، ما لم يكن العمل في ملك خاصّ للعامل، ولايكون نفقة الغلام على العامل إلاّ إذا شرط.

إذا قال للعامل: ساقيتك على أنّ لك النّصف من الثّمرة (7) صحّ، ولو قال(8) : ساقيتك على أنّ النّصف لي من الثّمرة، لم يصحّ، وللعامل أُجرة المثل.

وتنفسخ المساقاة بموتهما أو بموت أحدهما.


(1) في الاَصل: أن يشرط.
(2) في الاَصل: أن يشرط.
(3) في «س»: وكلّ ما فيها.
(4) اللِّقاط من اللّقط وهو أخذ الشيء والاسم اللِّقاط. لسان العرب. والجذّ: القطع. مجمع البحرين.
(5) في الاَصل: «على النّخل».
(6) في الاَصل: إذا ساقى العامل.
(7) في «س»: على أنّ النصف لك من الثمرة.
(8) في الاَصل: إذا قال.


(271)

إذا ساقاه على أنّه إن ساقاها بماء السّماء أو سيح فله الثّلث، وإن ساقاها بالنّضح أو الغَربِ (1)فله النّصف، بطل، لاَنّه عمل مجهول، فالثّمرة لربّ النّخل، وللعامل أُجرة المثل.

فصل في المزارعة

المزارعة استكراء الاَرض ببعض ما يخرج فيها. ولايصحّ على سهم معيّن، كأن يكون الشّتويّ لاَحدهما والصّيفيّ للآخر، أو يكون لاَحدهما أرطالُ معلومة، وإنّما يصحّ إذا زارعه على سهم مشاع، كأن يجعل له النّصف، أو الثّلث[أو الرّبع](2) أو أقلّ أو أكثر.

ويجوز إجارة الاَرض للزّراعة بكلّ ما يجوز أن يكون ثمناً من الدّراهم والدّنانير (3) والطّعام وغير ذلك، بعد أن يكون في الذّمّة ، ولا يكون من تلك الاَرض.

ويجوز أن يكتري ربّ الاَرض نصف عمل الاَكّار (4)ونصف عمل آلته بشيء من الدّراهم والدّنانير، ويُكريه نصف أرضه بمثله والبذر بينهما، ويتقاصّان في الاَجرين.

إذا أكرى أرضاً مدّة معلومة، فأراد المكتري أن يزرعها ما لايدرك في تلك المدّة، كان للمكري منعه من ذلك في الحال، فإن زرع فليس له المطالبة بالقلع إلاّ


(1) الغرب ـ مثل فلس ـ: الدّلو العظيمة. المصباح المنير.
(2) ما بين المعقوفتين موجود في «س».
(3) في الاَصل: من الدرهم والدينار.
(4) الاَكّار: اسم الفاعل للمبالغة من اكرت الاَرض: حرثتها والجمع أكرة كأنّه جمع آكر و زان كفرة جمع كافر. المصباح المنير.


(272)

بعد تقضّي المدّة، فإن اتّفقا على التّبقية بإعارة أو إجارة إلى مدّة معلومة جاز، ولايجوز أن يجعلها إلى الحصاد، لاَنّه مجهول، وإن زرع ما يبلغ في تلك المدّة إلاّ أنّه تأخّر إدراكه بسبب من قبل اللّه تعالى، كاشتداد بردٍ أو لاِضطرار ماءٍ (1)فحينئذٍ لايجبر على القلع، بل يمهل إلى وقت الاِدراك، وعليه أُجرة المدّة الزّائدة.

إذا اكترى أرضاً لاينالها إلاّ المطر، أو أرضاً لايبلغها الماء إلاّ إذا زاد في النّهر زيادة مفرطة نادرة، جاز، إذا ذكر ذلك أو أطلق العقد، ولايجوز المزارعة على الاَرض الّتي لاينحسرُ عنها الماء في أغلب الاَحوال.

إذا غرقت أرض المزارعة عقيب العقد بطل العقد، وإن غرقت بعد مدّة (2) انفسخ فيما بقي دون ما مضى، وإن غرق بعضها انفسخ فيما غرق لا غير، وله الخيار بين الردّ والاِمساك بحصّته، وإن غُصِبَت ومضت المدّة في يد الغاصب لم ينفسخ، وله الخيار، إن شاء فسخ وإن شاء أمضى ورجع على الغاصب بأُجرة المثل.

إذا هلك الزّرع بسيل أو حريق أو جراد لم ينفسخ العقد، لاَنّه فساد في الزّرع لا في الاَرض.

إذا اكتراها لزرع الحنطة مثلاً، فزرع كتّاناً أو قطناً، فللمكري الاَُجرة المسمّاة وقدر ما نقص من الاَرض بالتّعدّي، هذا إذا علم به، وقد استحصد الزرع، وإن علم به قبل إدراكه، فله قلعه لاَنّه غير مأذون له فيه، كالغاصب، فإذا قلعه وقد بقي من المدّة شيء، كان للمكتري أن ينتفع بباقيها. (3)


(1) كذا في حاشيـة الاَصل ولكن في متنه: «لاضطراب مّا» وفي «س»: لاِضطرار ما، وفي المبسوط: 3|258: لاِضطراب الماء أو شدّة البرد.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: و إن غرقت بعده بمدّةٍ.
(3) كذا في «س» ولكن في الاَصل: بما فيها.


(273)

إذا اكترى أرضاً وأطلق لم يجز، لاَنّها تصلح لمنافع مختلفة متباينة، فلابدّ من تعيين جنس منها.

إذا اكترى أرضاً سنة ليغرسها، فانقضت المدّة، فله قلع ما غرس، شَرَط عليه المكري (1) ذلك أو لا، لاَنّه مُلكُهُ، فإن لم يرد قلعه فالمكري بالخيار بين أن يغرم قيمته ويجبر المكتري على ذلك؛ وبين أن يجبر المكتري على قلعه بشرط أن يغرم ما ينقص من الاَرض بالقلع.

إذا اكترى أرضاً بشرط أن يزرعها بنفسه لم يجز أن يعطيها غيره، ولابأس أن يشارك غيره أو يقيم (2)فيها من يقوم مقامه إذا زارعه مطلقاً، وإذا زارعها على النّصف أو الثّلث جاز أن يوَجرها بأكثر من ذلك أو أقلّ.

وأمّا إن استأجرها بالدّراهم أو الدّنانير، فلم يجز أن يوَجرها بأكثر إلاّ بإحداث حدث يصلحها، وإن شرط صاحب الاَرض على المزارع جميع موَنة الاَرض كان عليه والبذر منهما على ما شرطا، وكذا إن شرطا أن يكون (3)على المزارع خراج الاَرض وموَنة السّلطان جاز، وما زاد من الموَنة من قبل السّلطان لم يكن على المزارع، وإن لم يمكّن صاحبُ الاَرض المزارع من التصرّف فيها إلى انقضاء المدّة، فلا شيء عليه، فإن مكّنه بعد مضيّ بعض المدّة فعليه أُجرة ما تصرّف فيها لا غيره.

والمزارعة لاتصحّ إلاّ بأجل معلوم، فإن لم يذكر الاَجل، فما خرج فلصاحب الاَرض، وللمزارع ماأنفق فيها وأُجرة المثل، ومن زرع أرض غيره غصباً أو عمرها


(1) في الاَصل: المكترى.
(2) في «س»: وأن يقيم.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وكذا إن شرط أن يكون.


(274)

وبنى (1) فيها فله الغلّة، ولصاحب الأرض طسقها.(2) من آجر أرضاً ثمّ باعها لم تبطل الاِجارة، سواء كان بحضرة المزارع أو لا، وصحّ البيع، وعلى المشتري الصّبر إلى انقضاء مدّة المزارعة، وكذا يصبر ورثة المشتري إن مات، وتبطل المزارعة بموت الموَجر أو المستأجر.

إذا اكترى شيئاً مدّة معلومة فمضت وكان متمكّناً منه استقرّت عليه الاَُجرة، سواء تصرّف وانتفع أو لا.

* * *


(1) في «س»: أو بنى.
(2) الطّسق ـ كفلـس ـ: الوظيفة من خراج الاَرض المقرّرة عليها، فارسي معرّب.مجمع البحرين.قال الحلّي في السرائر: ومن أخذ أرض إنسان غصباً فزرعها أو عمرها وبنى فيها بغير إذن المالك، كان لصاحب الاَرض قلع ما زرع فيها وبنى وأخذ أرضه وله أُجرة المثل على الغاصب مدّة ما كانت في يده، فإن كان الغاصب زرع فيها وبلغت الغلة كانت للغاصب، لاَنّها نماء بذره، ويكون لصاحب الاَرض طسق الاَرض. والطسق: الوظيفة توضع على صنف من الزرع لكل جريب، وهو بالفارسية «تسك» فأُعرب وهو كالاَُجرة. لاحظ السرائر : 2|448.


(275)

كتاب الاِجارة

يستباح بعقد الاِجارة نفس الاِنسان وعبده وثوبه وداره وعقاره، وتفتقر صحّتها إلى شروط:

منها: ثبوت ولاية المتعاقدين، فلايصحّ أن يوَجر الاِنسان ما لايملك التصرّف فيه، لعدم ملك أو إذن، أو ثبوت حجرٍ، أو رهن، أو إجارة متقدّمة، أو غير ذلك.

ومنها: أن يكون المعقود عليه من الجانبين معلوماً، فلو قال: آجرتك إحدى هاتين الدّارين، أو بمثل ما يوَجر به فلان داره، لم يصحّ.

ومنها: أن يكون مقدوراً على تسليمه، حسّاً وشرعاً، فلو آجر عبداً آبقاً أو جملاً شارداً، لايتمكّن من تسليمه، أو ما لا يملك التصرّف فيه، لم يصحّ.

ومنها: أن يكون منتفعاً به، فلو آجر أرضاً للزّراعة في وقت يفوت بخروجه، والماء واقف عليها لايزول في ذلك الوقت، لم يصحّ، لتعذّر الانتفاع.

ومنها: أن تكون المنفعة مباحة، فلو آجر مسكناً، أو دابّة، أو وعاء في محظور، لم يجز، فإن كان المستأجر مسكناً، احتيج مع ما تقدّم من الشّروط إلى تعيين المدّة، وإن كان دابّة، افتقر إلى ذلك أيضاً وإلى تعيين المسافة. (1)


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: افتقر إلى ذلك أو إلى تعيين المسافة.


(276)

وإذا صحّ العقد استحقت الاَُجرة عاجلاً، إلاّ أن يشترط التّأجيل.

ويملك الموَجر الاَُجرة والمستأجر المنفعة بنفس العقد، حتّى لو استأجر دابّة ليركبها إلى مكان بعينه، فسلَّمها إليه، فأمسكها مدّة يمكنه المسير فيها، فلم يفعل، استقرّت الاَُجرة عليه، وإذا قال: آجرتك هذه الدّار كلّ شهر بكذا؛ صحّ العقد، وإن لم يعيّن آخر المدّة، ويستحقّ الاَُجرة للزّمان المذكور بالدّخول فيه، ويجوز الفسخ بخروجه مالم يدخل في الثّاني. ومن أصحابنا من قال: لايجوز أن يوَجر مدّة قبل دخول ابتدائها لافتقار صحّة الاِجارة إلى التّسليم، (1)ومنهم من قال بجوازه، وأنّ التّسليم مقدور عليه حين استحقاق المستأجر له، وتعذُّرهُ قبل ذلك، لاينافي عقد الاِجارة. (2)

ولايجوز أن يوَجر بأكثر ممّا استأجر به من جنسه، سواء كان المستأجر هو الموَجر أو غيره، إلاّ أن يحدث فيما استأجره حدثاً يصلحه به، ولابأس بذلك مع اختلاف الجنس، كأن يستأجر بدينار فيوَجره بأكثر من قيمته من العروض، وإذا ملك المستأجر التصرّف بالعقد، جاز أن يملّكه لغيره، على حسب ما يتّفقان عليه، من زيادة أو نقصان، إلاّ أن يكون استأجر الدّار على أن يكون هو السّاكن، والدابّة على أن يكون هو الرّاكب، فإذَن لايجوز إجارته لغيره.

والاِجارة عقد لازم من كلا الطّرفين، لاينفسخ إلاّ بحصول عيب من قبل المستأجر، نحو أن يفلس، فيملك الموَجر الفسخ، أو من قِبَلِ المستأجر، مثل انهدام المسكن، أو غرقه على وجه يمنع من استيفاء المنفعة، فيملك المستأجر الفسخ، وتسقط عنه الاَُجرة إلى أن يعيد المالك المَسْكَنَ إلى الحالة الاَُولى، إلاّ أن يكون ذلك بتعدّي المستأجر، فيلزمه الاَُجرة والضّمان.


(1) الشيخ: الخلاف: كتاب الاِجارة، المسألة 13؛ والمبسوط: 3|230؛ والكافي ـ الينابيع الفقهية ـ: 17|281.
(2) القاضي: المهذب: 1|473، والحلّـي: السرائر: 2|461.


(277)

وتنفسخ الاِجارة بموت أحد المتعاقدين، ولايملك المستأجر فسخ الاِجارة بالسّفر، وإن كان ذلك بحكم حاكم، ولا بغير ذلك، من الاَعذار المخالفة لما سبق، كأن يستأجر جملاً للحجّ، فيمرض، أو يبدو له من الحجّ، أو حانوتاً ليتّجر به ببيع البزِّ فيه وشرائه، فيحترق بَزُّه (1)أو يأخذ ماله اللّصوص.

ولاتنفسخ الاِجارة بالبيع، وعلى المشتري إن كان عالماً بذلك الاِمساك عن التصرّف، حتّى تنقضي مدّتها، وإن لم يكن عالماً بذلك فله خيار الردّ بالعيب (2) ومتى تعدّى المستأجر ما اتّفقا عليه من المدّة أو المسافة (3)أو الطّريق أو مقدار المحمول أو عينه إلى ما هو أشقّ في الحمل، أو المعهود في السّير أو في وقته أو في ضرب الدّابّة، ضمن الهلاك أو النّقص، ويلزمه أُجرة الزّائد على الشّرط، ولو ردّ الدابّة إلى المكان الّذي اتّفقا عليه بعد التعدّي بتجاوزه، لم يزل الضّمان، فإن ردّها إلى البلد الّذي استأجرها منه إلى يد صاحبها، زال ضمانه، هذا إذا لم يكن معها صاحبها، وإن كان معها صاحبها، فلا ضمان.

والاَجير ضامن لتلف ما استوَجر فيه أو نقصانه، إذا كان ذلك بتفريطه، أو نقصان من صنعته، سواء كان مستأجراً لعملٍ في الذّمّة، أو للعمل مدّة معلومة.

إذا اختلف الموَجر والمستأجر في قدر الاَُجرة، أو المنفعة، وفقدت البيّنة، حكم بينهما بالقرعة، فمن خرج اسمه حَلَف وحكم له.

إذا كان العمل والمدّة معلومين، لم تصحّ الاِجارة، كأن يقول: استأجرتك اليوم لتخيط ثوبي هذا، لاَنّه يجوز أن لايتمّ ذلك آخر النّهار، ويجوز أن يفرغ منه


(1) البزّ ـ بالفتـح ـ: نـوع من الثيـاب، وقيل: الثياب خاصة من أمتعة البيت، وقيل: أمتعة التاجر من الثياب. المصباح المنير.وفي «س»: «البُرُّ» في كلا الموردين.
(2) كذا في «س» ولكن في الاَصل: فله الخيار والرّد بالعيب.
(3) في الاَصل: من المدة والمسافة.


(278)

وسط النّهار أيضاً.

إذا استأجر عبداً من مولاه فأبق، انفسخ الاِجارة، كالدّار إذا انهدمت، وللمستأجر الخيار، لاَنّه يرجو رجوع الآبق قبل تقضّي المدّة، فإن رجع انفسخ العقد فيما مضى من المدّة دون ما بقي.

إذا اكترى داراً ثمّ انهدم بعضها لم يجبر المكري على بناء ذلك وللمكتري الخيار بين الفسخ والاِمضاء فيما بقي من المدّة، فإن كان ذلك من قبل المكتري أو بتفريط منه، كان ضامناً له، وعليه مال الاِجارة، وإذا انسدّت البالوعة أو انطمّ (1) الخلاء بعد الاِجارة، فعلى المكتري كنسها.

إذا استأجر داراً فأسكنها حدّاداً أو قصّاراً وتقطّع البناءُ بصناعتهما، فلصاحبها الاَُجرة المسمّاة، وأرش ما نقص من قيمتها بالتعدّي.

إذا آجر عبداً سنة، فمات العبد قبل القبض أو بعده، قبل الاستنفاع به، انفسخ العقد، وإن مات بعد الاستنفاع به في أثناء السّنة، انفسخ العقد فيما بقي منها، وله الاَُجرة بمقدار ما مضى من السّنة، وهكذا الدّار إذا انهدمت.

إذا استاجر دابّة من موضعه إلى أُخرى ثمّ تجاوز بها من حيث استأجرها إليه، يلزمه الاَُجرة المذكورة وأُجرة المثل في المسافة الزّائدة، ويكون ضامناً لها إن لم يكن معها صاحبها، للتّعدّي (2)إلى أن يردّها إلى صاحبها في الموضع الّذي استأجرها فيه، ومع صاحبها لا ضمان.

إذا اكترى دابّةً ليركبها هو، لم يجز أن يُركبها غيره، فإن فعل فهلكت أو عابت فعليه الضّمان أو أرش العيب، ومتى هلكت الدابّة بتعدٍّ من قِبل المكتري لزمه قيمتها أكثر ما يكون من وقت تعدّيه إلى حين هلكت.


(1) طمّ البئر طماً ـ من باب قتل ـ : ملاَها حتى استوت مع الاَرض. مجمع البحرين.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: من حين التّعدي.


(279)

إذا اكترى بهيمة بذكر الجنس والصّفة في الذمّة، فأتعبته بسيرها (1)فله ردّها واستبدال غيرها، وإن اكتراها بعينها فله الردّ دون الاستبدال.

ويلزم المكري أن يبرك البعير لركوب المرأة والمريض ومن لايقدر على ركوبه قائماً، وكذلك لنزولهم، وكذلك يبرك للصّلاة الفريضة، ويوقف للفراغ منها، وأمّا للنّافلة والاَكل والشّرب فلايلزم إلاّ بعد الشّرط.

ومتى نزل الاَكراد وغيرهم القرى والاَراضي جاز، يوَخذ منهم ما جرت به العادة من الاَُجرة والسُّخرة (2)بعد الشّرط عليهم، ولايجوز أخذه بلا شرط.

إذا قال: آجرتك هذه الدّار شهراً أو سنة؛ ولم يقل من هذا الوقت لم يجز، وكذا إذا آجره إيّاها في شهر أو سنة مستقبلة لم يدخل بعدُ، وأمّا إذا كانت المنفعة في الذّمّة، فلابأس، بأن يكون غير متّصلة بحال العقد، كأن يستأجر من يبني له حائطاً أو يخيط له ثوباً.

يجوز عقد الاِجارة (3)على غير العقار معيّناً وفي الذمّة، ولابدّ في العقار من تعيين موضعه.

إذا منعه ظالم من التصرّف في المستأجَر وقد مكّنه الموَجر لزمه الاَُجرة وله الرّجوع على الظّالم، ولايجوز الاِستيجار لحفر البئر حتّى يكون المعقود عليه معلوماً بتقدير المدّة، وتقدير نفس العمل (4) كأن يقول: إكتريتك لتحفر لي بئراً يوماً فصاعداً في هذه الاَرض، في عرض كذا، وعمق كذا ذراعاً، فإن استقبله حجر ولم


(1) في الاَصل: «فاتعبها بسيرها» والصّحيح ما في المتن.
(2) السُّخْرة ـ وزان غرفة ـ: ما سخرت من خادم أو دابة بلا أجر ولا ثمن، وسخرته في العمل بالتثقيل: استعملته مجاناً. المصباح المنير.
(3) في «س»: يجوز الاِجارة.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: بتقدير المدّة أو تقدير نفس العمل.


(280)

يمكنه حفره أو نقله، انفسخ العقد فيما بقي دون ما حفر.

إذا استأجره ليحفر له عشرة أذرع بعشرة دراهم، فحفر بعضها ثمّ عجز عن إتمامها، تقسم العشرة على خمسة وخمسين جزءاً فيكون للذّراع الاَُولى (1)جزء من الخمسة وخمسين وللثّانية اثنان منهاوللثّالثة ثلاثة، وعلى هذا الحساب فيكون للعاشر عشرة. (2)


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: فيكون أُجرة الذّراع الاَولى.
(2) مصدر الفتوى رواية الرفاعي قال: سألت أبا عبد اللّه _ عليه السَّلام _ عن رجل قبل رجلاً يحفرله بئراًعشر قامات بعشرة دراهم فحفر له قامة ثمّ عجز، قال: تقسم عشرة على خمسة وخمسين جزءاً، فما أصاب واحداً فهو للقامة الاَُولى، والاِثنين للثانية والثّلاثة للثّالثة وعلى هذا الحساب إلى العشرة.الوسائل: 13، ب35، من أبواب الاِجارة، ح2، ونقلها الشيخ في النهاية: 348 في آخر كتاب القضايا والاَحكام. وقال الحلّي في السرائر ـ كتاب القضاء باب النوادر في القضايا والاَحكام بعد نقل الرواية ـ ما هذا نصّه: وقد ضعَّفَه شيخنا ولم يلتفت إليه، وجعله رواية ولذلك أورده في أبواب النوادر في نهايته.ولم يورده غيره من أصحابنا المتقدمين عليه لا شيخنا المفيد ولا السيّد المرتضى ولا أمثالهما. لاحظ السرائر: 2|286.
وقال المحقّق في الشرائع على ما في الجواهر: 27|291: «وفي المسألة قول آخر مستند إلى رواية مهجورة». وقال صاحب الجواهر بعد نقل الرواية: وهي مع عدم معرفة طريق الشيخ إلى سهل وجهالة الرفاعي ... لم يعمل بها أحد من الاَصحاب إلاّ ما يحكى عن ابن سعيد في الجامع، ومخالفته للضوابط من وجوه....
نعم يمكن حملها ـ وإن بعد ـ على ما إذا تناسبت القامات على وجه يكون نسبة القامة الاَُولى إلى الثانية انّها بقدر نصفها في المشقّة والاَُجرة وهكذا، وذلك يقتضي جمع الاَعداد الواقعة في العشرة، فما بلغت قسطت عليه الاَُجرة، ولاريب انّ الاَعداد في العشرة، كواحد واثنين وثلاثة إذا جمعت بلغت ذلك فانّ ضابطه أن تضرب عدد القامات في نفسه، فما بلغت، زادت عليه عشرة المسمّى بجذرها، فنصّفته، ففي المسألة مضروب العشرة في نفسها مائة وجذر ذلك عشرة إذا نصَّفتها كان خمسة وخمسين، وذلك مجموع الاَعداد الّتي تضمنتها العشرة. انتهى.
2 × 2 =4 4ـ1=3
3×3=9 9ـ3=6
4×4=16 16ـ6=10
5×5=25 25ـ10=15
6×6=36 36ـ15=21
7×7=49 49ـ21=28
8×8=64 64ـ28=36
9×9=81 81ـ36=45
10×10=100 100ـ45=55


(281)

وإذا استأجره لحفر عشرين بعشرة دراهم أو أقلّ أو أكثر، قسّم على مائة قسمٍ وعشرة أقسام، وذلك لاَنّ حفر ما قرب من الاَرض أسهل، لاَنّه يخرج التّراب من قرب. وإذا استأجره لحفر الاَنهار والقنى، جاز تقدير ذلك بالاَيّام والشّهور وبالعمل، ومتى قدّره بالعمل أراه الاَرض مقدار طولها وعرضها وعمقها.

إذا استأجر امرأة للرّضاع مطلقاً، لم يلزمها مراعاة الصبيّ وتربيته إلاّ بالشّرط، ومن شرط صحّة ذلك تقدير المدّة، ومشاهدة الصبيّ، وتعيين الاَُجرة، فإن استأجرها بنفقتها وكسوتها، لم يصحّ، لاَنّه مجهول.

إذا آجر عبداً مدّة، ثمّ أعتقه، نفذ العتق، وصحّ الاِجارة، وليس للعبد الرّجوع على سيّده بأُجرة المثل، لما يلزمه من العمل في الاِجارة بعد العتق.

إذا آجر الاَبُ أو الوصيُّ الصبيَّ أو شيئاً من ماله صحّت الاِجارة، فإن (1)بلغ الصبيّ قبل انقضاء المدّة، لم يكن له فسخها فيما بقي، ومتى تيقّن الوصيّ، أنّه يبلغ قبل مضيّالمدّة، بطل إجارة ما زاد على وقت البلوغ.

إجارة المشاع جائزة، ويقوم المستأجر مقام المالك، ويجوز إجارة الدّراهم والدّنانير والحليّ، بشرط أن يعيّن جهة الانتفاع بها، فإن لم يعيّن فلا.

إذا تلف الشّيء في يد صانع بتعدّ منه، فعليه ضمانه، وأمّا بغير التعدّي فلا،


(1) في «س»: فإذا.


(282)

وكذا في الفساد والعيب.

وما ضاع في الحمّام، لاضمان على الحمّاميّ فيه.

الرّائض(1) والرّاعي إذا خرجا من عادة الرّياضة(2) والرّعاة في ضرب البهائم، فعليهما ضمان التالف (3)بذلك.

إذا تلف ما استوَجر الصّانع للعمل فيه، بحضرة مالكه بعد الفراغ من العمل، لم تسقط أُجرته، وإن لم يكن بمحضر منه، فعمل وتلف قبل التّسليم، لم يستحقّ الاَُجرة، ولايضمن الصّانع إلاّ بالتّعدّي.

ومن استأجر غيره لينفّذه في حوائجه، فنفقته عليه دون الاَجير إلاّ بالشّرط، ولايجوز للاَجير أن يعمل لغير من استأجره، حين يكون أجيراً. (4)

* * *



(1) راض الدابة يروضها روضاً ورياضة: وطّأها وذلَّلها، أو علَّمها السّير. لسان العرب.
(2) في «س»: من عادة الرّاضة.
(3) في «س»: ضمان التلف.
(4) في الاَصل: حتّى يكون أجيراً.


(283)

كتاب القرض

القرض جائز من كلّ مالك، للتّبرّع، فلايجوز للوليّ أو الوصيّ (1)إقراض مال الطفل، إلاّ أن يخاف ضياعه، فيحتاط في حفظه بإقراضه. ويكره للمرء أن يستدين ما هو غنيّ عنه، ويحرم ذلك عليه مع عدم القدرة على قضائه، وزوال الضّرورة إليه. وكلّ ما يجوز السّلم فيه، يجوز إقراضه، من المكيل والموزون والمزروع والحيوان وغير ذلك، وكلّ ما لايصحّ ذلك فيه، ممّا لايتحدّد بالصّفة، كالجواهر، لايصحّ مداينته. (2)وهو مملوك بالقبض. ويجوز أن يقرض غيره مالاً، على أن يأخذه في بلد آخر، وعلى أن يعامله في بيع أو إجارة أو غيرهما.

ويجوز أن يأخذ المقرض خيراً ممّا كان فيه (3)من غير شرط، سواء كان ذلك عادة من المقترض أو لا. ويحرم اشتراط الزّيادة فيما يقضى به، سواء كانت في القدر أو الصّفة، وكذا إذا كان فيما يدخله (4)الرّبا لعموم الاَخبار. (5)وإذا كان للدّين مثل، بأن يكون مكيلاً أو موزوناً فقضاوَه بمثله لا بقيمته، وإذا كان ممّا لامثل له،


(1) في الاَصل: للوليّوالوصيّ.
(2) في الاَصل: لايصحّ هذا فيه.
(3) في «س»: ممّا كان له.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وكذا إن كان فيما لايدخله» والصحيح ما في المتن.
(5) لاحظ الوسائل: 12، ب15و12 من أبواب الرّبا.


(284)

كالثياب والحيوان، فقضاوَه بردّ قيمته.

ولايحلّ المطل بالدّين (1)بعد المطالبة به، لغنيٍّ، ويكره لصاحبه المطالبة به مع الغنى عنه، وظنّ حاجة من هو عليه إلى الارتفاق به، ويحرم عليه ذلك مع العلم بعجزه عن الوفاء، ولايحلّ له المطالبة على حال. (2)

ويكره له النّزول عليه، فإن نزل لم يجز له أن يقيم أكثر من ثلاثة أيّام، ويكره له قبول هديّته لاَجل الدّين، والاَولى به إذا قبلها الاحتساب بها من جملة ما عليه.

ولايجوز لصاحب الدّين الموَجّل، أن يمنع من هو عليه من السّفر، ولا أن يطالبه بكفيل، ولو كان سفره إلى الجهاد، أو كانت مدّته أكثر من أجَل الدّين، ويكره استحلاف الغريم المُنكِر، ومتى حلف لم يجز لصاحب المال إذا ظفر بشيء من ماله، أن يأخذ منه بمقدار حقّه، ويجوز له ذلك إذا لم يحلف إلاّ أن يكون ما ظفر به وديعة عنده، فإنّه لا يجوز له أخذ شيء منها بغير إذنه. ويصحّ الرّجوع في القرض كما في الهبة.

إذا كان له على غيره مال حالّ، فأجّله فيه، لم يصر موَجّلاً، وإنّما يستحبّ له الوفاء بما وعده، وكذا إن اتّفقا على الزّيادة لم يثبت، وإن حطّ عنه بعضه أو كلّه صحّ.

ومن وجب عليه دين، وغاب عنه صاحبه غيبة لم يقدر عليه معها، وجب أن يعزل مقدار ذلك من ملكه، فإن حضرته الوفاة، ولم يرجع صاحبه، أوصى به إلى من يثق به، فإن مات من له الدّين سلّمه (3)إلى ورثته، فإن لم يعرِف له وارثاً، اجتهد في طلبه، فإن لم يجد له وارثاً، تصدّق به عنه وبرئت ذمّته.


(1) مطله بدينه مطلاً: إذا سوفه بوعد الوفاء مرة بعد أُخرى. المصباح المنير.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ولايحلّ له المطالبة في الحرم على كل حالٍ.
(3) في «س»: «سلمت» والصحيح ما في المتن.


(285)

وإذا استدانت المرأة على زوجها، في حال كونه غائباً عنها، وجب عليه قضاء ما أنفقته (1)بالمعروف لا ما زاد عليه.

من مات حلّما عليه من دين موَجّل، ولايحلّ ماله من دين (2) وقد روي من طريق الآحاد أنّه يحلّ أيضاً (3) ولايثبت الدّين في التّركة إلاّ بإقرار جميع الورثة، أو شهادة عدلين منهم، أو من غيرهم به، مع يمين المدّعي، فإن أقرّ بعضهم ولم يكن على ما ذكرناه، لزمه من الدّين بمقدار حقّه من التركة، ولم يلزم غيره.

ومتى لم يترك المقتول عمداً ما يقضى به دينه، لم يجز لاَوليائه القود إلاّ أن يضمنوا قضاءه.

إذا استدان العبد بغير إذن سيّده، فلا ضمان عليه ولا على السيّد إلاّ أن يعتق فيلزمه الوفاء، وروي أنّه يستسعي العبد في ذلك في حال العبوديّة. (4)

* * *


(1) في «س»: قضاوَه وما انفقته.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: ولايحلّ له ماله من دين.
(3) الوسائل: 13، ب12، من أبواب الدين والقرض، ح1و4.
(4) نفس المصدر: ب31، ح1.


(286)


(287)

كتاب الرّهن

الرّهن جعل العين وثيقةً في دين وغيره، وشروط صحّته: حصول الاِيجاب والقبول من جائزي التصرّف (1) وأن يكون المرهون عيناً لاديناً، وأن يكون ممّا يجوز بيعه، وأن يكون المرهون به ديناً لاعيناً مضمونة، كالمغصوب مثلاً؛ لاَنّ الرهن إن كان على قيمة العين إذا تلفت لم يصحّ، لاَنّ ذلك حقّ لم يثبت بعدُ، وإن كان على نفس العين فكذلك، لاَنّ استيفاء نفس العين من الرّهن لايصحّ، وأن يكون الدّين ثابتاً؛ فلو قال: رهنت كذا بعشرة تقرضنيها غداً، لم يصح، وأن يكون لازماً ثابتاً في الذّمّة؛ كالقرضِ والثّمن والاَُجرة وقيمة المتلَف (2)وأرش الجناية.

ولا يجوز أخذ الرهن على مال الكتابة المشروطة، لاَنّه غير لازم، فأمّا القبض فشرط في لزومه من جهة الرّاهن دون المرتهن، وقيل: يلزم بالاِيجاب والقبول لقوله تعالى: "أَوفُوا بِالْعُقُودِ" (3)الظّاهر من المذهب المجمع عليه، هو الاَوّل، وظاهر الآية، يُترك للدّليل، واستدامة القبض في الرّهن ليست بشرط.

ولا يجوز للرّاهن أن يتصرّف في الرّهن بما يبطل حقّ المرتهن، كالبيع والهبة


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وجواز التصرف» بدل« من جائزي التصرف».
(2) في «س»: وقيمة التلف.
(3) المائدة: 1 ، والقائل هو الشيخ في الخلاف كتاب الرّهن المسألة 5.


(288)

والرّهن عند آخر، والعتق؛ فإن تصرّف، كان تصرّفه باطلاً، ولم ينفسخ الرّهن، وإنّما ينفسخ الرهن إذا فعل ما يبطل به حقّ المرتهن منه بإذنه. (1)

ويجوز له الاِنتفاع بما عدا ذلك، من سكنى الدّار، وزراعة الاَرض، وخدمة العبد، وركوب الدّابّة، وما يحصل من صوف، ونتاج ولبن، إذا اتّفق هو والمرتهنُ على ذلك، وكذا يجوز للمرتهن الانتفاع بالسّكنى والزّراعة والخدمة و الرّكوب والصّوف واللّبن، إذا أذن له الرّاهن، أو تكفّل بموَنة الرّهن، والاَولى أن يصرف قيمة منافعه من صوف ولبن في موَنته، وما فضل من ذلك كان رهناً مع الاَصل، فإن سكن المرتهن الدّار أو زرع الاَرض بغير إذن الرّاهن، أثم ولزمه أُجرة الاَرض والدّار، وكان الزّرع له، لاَنّه عين ماله، والزّيادة حادثة فيه، وهي غير متميّزة منه.

ولايحلّ للرّاهن ولا المرتهن وطء الجارية المرهونة، فإن وطأها الرّاهن بغير إذن المرتهن، أثم، وعليه التّعزير، فإن حملت وأتت بولد؛ فإن كان موسراً وجب عليه قيمتها [و] (2)تكون رهناً مكانَها لحرمة الولد، (3)وإن كان معسراً بقيت رهناً بحالها وجاز بيعها في الدّين، فإن وطأها بإذن المرتهن، لم ينفسخ الرّهن، حملت أو لم تحمل، فإن وطأها المرتهن بغير إذن الرّاهن، فهو زانٍ، وولده منها رقّ لسيّدها، ورهن معها، فإن كان الوطءُ بإذن الرّاهن وهو عالم بتحريم ذلك، لم يلزمه مهر، فإن أتت بولد، كان حرّاً، لاحقاً بالمرتهن ولاتجب قيمته، ورهن المشاع جائز كالمقسوم.

ويجوز توكيل المرتهن في بيع الرّهن، وإذا كان الرّهن ممّا يسرع إليه الفساد، ولم يشترط بيعه إذا خيف فساده، كان الرّهن باطلاً، لاَنّ المرتهن لاينتفع به والحال هذه، وإذا أَذِنَ المرتهن للرّاهن في بيع الرّهن، بشرط أن يكون ثمنه رهناً مكانه جاز،


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: إذا فعل ما يبطل به من المرتهن منه بإذنه.
(2) ما بين المعقوفتين موجود في «س».
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: لحريّة الولد.


(289)

ولم يبطل البيع.

وإن قال له: بع الرّهن بشرط أن تجعل ثمنه من ديني قبل مَحِلّه، صحّ البيع وكان الثّمن رهناً إلى وقت المحلّ، ولم يلزم الوفاء بتقديم الحقّ قبل محلّه.

والرّهن أمانة في يد المرتهن، إن هلك (1)من غير تفريط فهو من مال الرّاهن، ولايسقط بهلاكه شيء من الدَّين، وإذا ادّعى المرتهن هلاك الرّهن، كان القول قوله مع يمينه، سواء ادّعى ذلك بأمر ظاهر أو خفيّ.

وإذا اختلف الرّاهن والمرتهن في الاحتياط والتّفريط، وفقدت البيّنة، فالقول قول المرتهن [أيضاً] (2)مع يمينه، وإذا اختلفا في مبلغ الرّهن أو مقدار قيمته، فالقول قول الرّاهن [مع يمينه] (3)وإذا اختلفا في مبلغ الدّين، أُخِذ ما أقرّ به الرّاهن وحلف على ما أنكره.

إذا مات المرتهن قبل القبض، لم ينفسخ الرّهن، ويجب على الرّاهن تسليم الرّهن إلى ورثته، وإن جُنَّ، سُلِّمَ إلى وليّه، ويسقط الاَجل بموت الرّاهن ويصير حالاّ ً، و لايسقط بموت المرتهن، وينفسخ الرّهن بفسخ المرتهن دون الرّاهن.

ولايجوز للمرتهن أن يُعير الرّهن أو يكريه، فإن أكراه كان الكراء للرّاهن دونه، فإن اكترى شيئاً، ثمّ ارتهن الرّقبة، ثمّ أكراه من الرّاهن أو أعاره منه جاز.

إذا رهن شيئاً بدين إلى شهر، على أنّه إن لم يقبض إلى محلّه، كان مبيعاً منه بالدّين الّذي له عليه، لم يصحّ الرّهن، ولا البيع.

ونفقة الحيوان على الرّاهن دون المرتهن، فإن أنفق المرتهن عليها، كان له


(1) في «س»: وإن هلك.
(2) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(3) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل، وهو الصّحيح.


(290)

ركوبها، أو الانتفاع بها، أو الرّجوع على الرّاهن بما أنفق، فإن احتاجت الماشية إلى الرّعي، كان على الرّاهن رعيها بالنّهار، ثمّ يأوي بها إلى المرتهن باللّيل.

إذا دبّر عبده ثمّ رهنه، صحّ رهنه وبطل تدبيره.

إذا رهن عصيراً، ثمّ صار خمراً، زال ملك الرّاهن، وانفسخ الرّهن، فإن صار(1) بعده خلاً، عاد ملك الرّاهن كما كان، وعاد الرّهن بحاله.

لايدخل الشّجر والبناء في رهن الاَرض إلاّبالشّرط، فإن رهن الاَرض بحقوقها دخل فيها ذلك، وإن رهن حيواناً حاملاً، لم يدخل الحمل في الرّهن إلاّ بالشّرط، وإن حمل في حال الارتهان، كان مع أُمّه رهناً.

إذا رهن نخلاً مثمراً أوموَبّراً أو دار غلّة أو أرضاً أو غنماً أو غيرها، لايدخل الثّمرة ولا الغلّة ولا الاَُجرة في الرّهن إلاّ بالشّرط.

إذا رهن أرضاً بيضاء وسلّمها إلى المرتهن، ثمّ نبت فيها شجر بإنبات الرّاهن، أو حمل السّيل إليها نوىً (2)فنبتت فيها، لم يدخل في الرّهن.

إذا وضعا الرّهن على يدِ عدل، وشرطا أن يبيعه العدلُ وقت حلول أجل المال، صحّ[وكان] (3)توكيلاً في البيع، ولا ينعزل بعزل الرّاهن والمرتهن عن البيع (4) إذا كانت الوكالة شرطاً في عقد الرّهن، ويجب على الوكيل ألاّ يبيعه في المحلّ إلاّ بإذن المرتهن ومطالبته، ولايحتاج إلى إذن الرّاهن.

إذا امتنع الرّاهن عن قضاء الدّين في محلّه، وعن بيع الرّهن، حبسه


(1) في «س»: فإذا صار.
(2) النّوى: العجم، الواحدة نواة.المصباح المنير.
(3) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل، وهوا لصحيح.
(4) في الاَصل: على البيع.


(291)

الحاكم،(1) أو باع عليه الرّهن وقضى من ثمنه دينه.

إذا مات الرّاهن لم يكن لاَحد من غرمائه أن يطالب بالرّهن إلاّ بعد استيفاء المرتهن ماله على الرّهن.

إذا سافر المرتهن بالرّهن ضمن، ولايزول ضمانه إلاّ بأن يسلّمه الرّاهن إليه من الرّأس، أو يبرئه من الضّمان.

إذا حدث بالرّهن عند المرتهن بعد القبض حدث ينقص به ثمنه، لم يكن له ردّه.

من كان عنده رهنٌ ولايدري لمن هو ولم يطالبه به أحدٌ، باعه وأخذ ماله عليه وتصدّق بالباقي عن صاحبه.

* * *


(1) في «س»: «حبسه الراهن» والصّحيح ما في المتن.


(292)


(293)

كتاب التّفليس والحجر

المفلس من رَكِبَتْهُ الدّيون ومالُه لايفي بقضائها. ويجب على الحاكم الحجر عليه بشروط أربعة:

أحـدها: ثبوت إفلاسه.

والثـاني: ثبوت الدّيون عليه.

والثالث: كونها حالّة.

والرابـع: مسألة الغرماء الحجرَ عليه. فإذا حجر عليه تعلّق بحجره أحكام ثلاثة:

أوّلها: تعلّق ديونهم بالمال الّذي في يده.

وثانيها: منعه من التصرّف في ماله بما يُبطل حقّ الغرماء، كالبيع والهبة والاِعتاق والمكاتبة والوقف، ولو تصرّف لم ينفذ تصرّفه، ويصحّ تصرفه فيما سوى ذلك، من خلعٍ، وطلاقٍ، وعفوٍ عن قصاص، ومطالبةٍ به، وشراءٍ بثمن في الذّمّة، ولو جنى جناية توجب الاَرش، شارك المجنيّ عليه الغرماءَ بمقداره[لاَنّ ذلك حقّ ثبت على المفلّس بغير اختيار صاحبه] (1) ولو أقرّ بدين وذكر أنّه كان عليه قَبْلَ


(1) ما بين المعقوفتين موجود في «س».


(294)

الحجر، قُبِلَ إقراره، وشارك المقرُّ له (1)سائر الغرماء.

وثالثها: إنّ كلّ من وجد عين ماله من غرمائه، كان أحقّ بها من غيره إن وجد العين بحالها لم تتغيّـر، ولاتعلّق بها حقّ لغيره، برهنٍ أو كتابةٍ، فإن تغيّرت لم يخل تغيّرها إمّا أن يكون بزيادة أو نقصان:

فإن كان بنقصان، كان بالخيار بين أن يترك ويضرب بالثّمن مع باقي الغرماء، وبين أن يأخذ، فإن أخذ وكان نقصان جزء، ينقسم الثمن عليه، كعبدين تلف أحدهما، أخذ الموجود، وضارب الغرماء بثمن المفقود، وإن (2)كان نقصان جزءٍ لاينقسم الثّمن عليه، كذهاب عضو من أعضائه؛ فإن كان لا أرش له لكونه بفعل المشتري، أو آفةٍ سماويّةٍ أخذ العين ناقصةً من غير أن يضرب مع الغرماء بمقدار النّقص، وإن كان له أرش، لكونه من فعل أجنبيّ، أخذه وضرب بقسط ما نقص بالجناية مع الغرماء.

وإن كان تغيّر العين بزيادة، لم يخل إمّا أن تكون متّصلةً أو منفصلةً، فإن كانت متّصلة، لم يخلُ إمّا أن تكون بفعل المشتري أو بغير فعله، فإن كانت بفعله، كصبغ الثّوب وقصارته، كان شريكاً للبائع بمقدار الزّيادة، وإلاّ أدّى إلى إبطال حقّه، وذلك لايجوز، وإن كانت بغير فعله كالسِّمَن والكِبَر وتعليم الصّنعة، أخذ العين بالزّيادة، لاَنّها تبعٌ، وإن كانت منفصلة كالثّمرة والنّتاج، أخذ العين دون الزّيادة، لاَنّها حصلت في ملك المشتري.

ولو كانت العين زيتاً، فخلطه بأجود منه، سقط حقّ بائعه من عينه، لاَنّها في حكم التّالفة، بدلالة أنّها ليست موجودةً مشاهدة، ولا من طريق الحكم، لاَنّه ليس له أن يطالب بقسمته.


(1) في الاَصل: «وشارك المقدار» والصحيح ما في المتن.
(2) في«س»: فإن.


(295)

ولا يجب على المفلس بيع داره الّتي يسكنها، ولا عبده الّذي يخدمه، ولا دابّته الّتي يجاهد عليها، ويلزمه بيع ما عدا ذلك، فإن امتنع باع الحاكم عليه، وقسّم الثّمن بين الغرماء، وإذا ظهر غريم آخر بعد القسمة، نقضها الحاكم وقسّم عليه.

ولاتصير الدّيون الموَجّلة على المفلس حالّة بحجر الحاكم عليه، ويسمع البيّنة على الاِعسار، ويجب سماعها في الحال، ولايقف ذلك على حبس المعسر.

وإذا ثبت إعساره بالبيّنة أو صدّقه في دعوى ذلك الغرماء لم يجز للحاكم حبسه، ووجب عليه المنع من مطالبته وملازمته إلى أن يستفيد مالاً، وليس للغرماء مطالبة المعسر، بأن يوَجر نفسه ويكتسب، لاِيفائهم، بل هو إذا علم من نفسه القدرة على ذلك، وارتفاع الموانع عنه فَعَلَهُ ليبرىَ ذمّته.

وعلى الحاكم إشهار المفلّس بذلك، ليعرف، ولايعامله إلاّ من رضى بإسقاط دعواه عليه.

الفصل الاَوّل

المحجور عليه ضربان: محجور عليه لحقّ غيره، ومحجور عليه لحقّ نفسه. فالاَوّل ثلاثة: المفلس، وقد مرّ، والمريض محجور عليه في الوصيّة بما زاد على الثّلث من التّركة، لحقّورثته، والمكاتب محجور عليه فيما في يده لحقّسيّده.

والثاني أيضاً ثلاثة: الصبيّ والمجنون والسّفيه.

ولا يرتفع الحجر عن الصبيّ إلاّ بأمرين: البلوغ والرّشد، والبلوغ يكون بأحد خمسة أشياء: السّن وظهور المنيّ والحيض والحلم والاِنبات.

وحدّ السّنّ في الغلام خمس عشرة سنة، وفي الجارية تسع سنين، والرّشد (1)


(1) في«س»: والرّشيد.


(296)

يكون بشيئين: أن يكون مصلحاً لماله، وعدلاً في دينه، فإن اختلّ أحدهما استمر الحجر [عليه] (1)أبداً إلى أن يحصل الاَمران، فإن ارتفع الحجر باجتماع الاَمرين ثمّصار مبذّراً مضيّعاً أُعيد الحجر عليه، وإن عاد الفسق دون تبذير المال فالاحتياط يقتضي إعادة الحجر عليه.

ويصحّ طلاقُ المحجور عليه، للسّفه، وخُلعُهُ، ولاتدفع المرأة بدل الخلع إليه، (2) ويصحّ مطالبته بالقصاص، وإقراره بما يوجبه ، ولا يصحّ تصرّفه في أعيان أمواله، ولا شراوَه بثمن في الذّمّة.

ولايزول حجر[السّفيه إلاّ بحكم الحاكم، وحجر المفلس لايزول إلاّ بقسمة ماله بين الغرماء، وحجر الصبيّ يزول ببلوغه رشيداً] (3) من كان للحاكم الحجر عليه كالسّفيه والمفلس، فالنّاظر في ماله الحاكم، ومن يصير محجوراً عليه، كالصبيّ والمجنون، كان النّاظر في ماله الاَب أو الجدّ.

الفصل الثاني

لا يجوز التصرّف لوليّ الطّفل مع شيء من ملكه إلاّللغبطة والمصلحة له، أو لحاجة شديدة من الطّفل إلى نفقته وكسوته، ولاوجه له سواه[ويجوز له شراوَه(4) ويجوز له أن يتصرّف في ماله بالتّجارة (5)وشرى العقار نظراً له، وإذا بلغ الصبيّ وقد باع وليّه شيئاً من أملاكه، فادّعى أنّه باعه بلا حاجة ولا غبطة، فالقول قول الوليّ إن كان أباه أو جدّه، وقول الصبيّ، إن كان الوليّ وصيّاً أو أميناً، وعليهما


(1) ما بين المعقوفتين موجود في «س».
(2) في«س»: بذل الخلع إليه.
(3) مابين المعقوفتين موجود في الاَصل.
(4) ما بين المعقوفتين موجود في «س».
(5) في «س»: للتجارة.


(297)

البيّنة، ويقبل قول الاَب أو الجدّ له أنّه أنفق على الصبيّ أو على عقاره بلا بيّنة، ولايقبل من الوصيّ إلاّ ببيّنة، ويستحقّ الوليّ أُجرة مثله في القيام بأمر اليتيم.

ومتى تصرّف الوليّ على وجهٍ لاحظّ لليتيم فيه بطل، ولم يستحقّ أجراً، ولايصحّ بيع الصبيّ وشراوَه إلاّ بعد أن يبلغ عشر سنين فصاعداً ويكون رشيداً.

للاَب الفقير أن يأخذ من مال الولد الغنيّ نفقته بلا إسراف، إذا لم ينفق عليه الولد، وإن كان منفقاً فلايجوز إلاّ بإذنه، وله أن يأخذ منه ما يحجّ به الفرض خاصّة بلا إذنه، ولايجوز أن يأخذ من مال ولده الصّغير إلاّ قرضاً، ويجوز أن يقوّم جارية ولده قيمة عادلة على نفسه، ويضمنها، ثمّ يطأها ما لم يطأها الولد، ولا لامسها بشهوة، ولايجوز للولد أن يأخذ من مال الوالدين (1)بلا إذن منهما إلاّ ما يمسك به رمقه عند الخوف من تلف النّفس، ولايجوز للمرأة أخذ مال زوجها بلا إذنه، إلاّ المأدوم على الاقتصاد.

* * *


(1) في الاَصل: من مال أبويه.


(298)


(299)

كتاب الصّلح والقسمة

الصّلح جائز ما لم يوَدِّ إلى تحليل حرام أو تحريم حلال، ولايحلّ أن يأخذ بالصّلح ما لايستحقّ ولايمنع به المستحقّوهو جائز مع الاِنكار.

إذا صالح غيرَه على نصيبه ممّا ورثاه بشيء معلوم جاز.

نفسان لكلّ منهما حقّعند صاحبه، أحاط عِلماً بمقداره أو لا، فاصطلحا على أن يتتاركا ويتحلّلا جاز، ولا رجوع لاَحدهما على الآخر إن كان بطيبة نفس منهما.

من كان له على غيره ألفان فأبرأه من ألف وقبض الباقي، فاستحقّه آخر وردّه على المستحقّ فلا رجوع له فيما أبرأه لاَنّه لم يشترط(1)في الاِبراء سلامة الباقي له.

ادّعى اثنان داراً في يد آخر، أنّها بينهما نصفين، وصدّق المدعى عليه أحدهما، وكذّب الآخر، يرجع المكذَّب على المصدَّق بنصف ما صدِّق فيه، فإن صالح المقِرُّ المُقَرَّ له من المُقَرِّ به على مال بإذن صاحبه صحّ، وكان المال(2)بينهما نصفين، وإن كان بغير إذنه، صحّ الصّلح في حقّه دون حقّ صاحبه.


(1) في الاَصل: لم يشرط.
(2) في الاَصل: إن كان المال.


(300)

إذا ادّعى داراً في يد آخر فأقرّ له بها وقال: صالحني منها على أن أسكنها سنة ثمّ أسلّمها إليك؛ جاز وله الرّجوع، وإن لم يقرّ له بها، ثمّ صالحه ذلك(1)فلا رجوع له فيه.

إذا صالح من الدّراهم على بعضها لم يجز، لاَنّه رباً، ولكن إن قبض بعضها وأبرأه من الباقي جاز.

الشّوارع على الاِباحة، يجوز لكلّ أحدٍ التصرّف فيها بما لايتضرّر به المارّة(2) فإن أشرع جناحاً(3)وكان عالياً لايضرّ بالمجتازين، تُرك ما لم يعارض فيه أحد من المسلمين، فإن عارض وجب قلعه.

والسكّة غير النّافذة ملك لمن فيها طريق دورهم، فلا يجوز لبعضهم فتح باب ولا إشراع جناح إلاّ برضا الباقين ضرّ ذلك أو لا،(4)ومتى أذنوا في ذلك كان لهم الرّجوع فيه، لاَنّه إعارة، ولو صالحوا له على ترك الجناح بعوض لم يصحّ، لاَنّ إفراد الهواء بالبيع باطل.

ولا يجوز منعه من فتح كوّة في حائطه، لاَنّ ذلك تصرّف في ملكه خاصّة، فإن تساوت الاَيدي في التصرّف في شيء، وفقدت البيّنة حكم بالشّركة، أرضاً كان ذلك، أو داراً، أو سقفاً، أو حائطاً، أو غير ذلك.(5)

فإن كان للحائط عقد إلى أحد الجانبين، أو فيه تصرّف خاصّ لاَحد المتنازعين، كوضع الخشب، فالظّاهر أنّه لمن العقد إليه، والتصرّف له، فيقدَّم


(1) في «س»كذلك.
(2) في «س»: فيما لايتضرر به المارّة.
(3) في «س»: فإن أخرج جناحاً.
(4) في «س» : أضر ذلك أو لا.
(5) في الاَصل: وغير ذلك.


(301)

دعواه، ويكون القول قوله مع يمينه، وإنّما كلّفناه اليمين(1)، لجواز أن يكون هذا التصرّف مأذوناً فيه، أو مصالحاً عليه، والحائط ملك لهما.

ويحكم بالخصّ(2) لمن إليه معاقد القمط(3) وهي مشادّ الخيوط في القصب.

وإذا انهدم الحائط المشترك، لم يجبر أحد الشّريكين على عمارته والاِنفاق عليه، وكذا القول في كلّمشترك، وكذا لايجبر صاحب السّفل على إعادته لاَجل العلوّ.

وإذا أراد أحدهما الانفراد بالعمارة، لم يكن للآخر منعه، فإن عمّر متبرّعاً بالآلات القديمة، لم يكن له المطالبة لشريكه(4)بنصف النّفقة، ولا منعه من الانتفاع[به]،(5) وإن عمّر بآلات مجدّدة، فالبناء له، وله نقضه إذا شاء والمنع (6) لشريكه من الانتفاع به، وليس له سكنى السّفل ولا منع شريكه من سكناه، لاَنّ ذلك انتفاع بالاَرض لا بالبناء.

ولايجوز لاَحد الشّريكين في الحائط أن يدخل فيه خشبةً[خفيفةً](7)لاتضرّ بالحائط ضرراً كثيراً إلاّ بإذن الآخر، ومتى أذن لشريكه(8)في الحائط في وضع خشب عليه، فوضعه ثمّ انهدم أو قلع، لم يكن له أن يعيده إلاّ بإذنٍ مُجَدّدٍ.(9)


(1) في «س»: كلّف اليمين.
(2) الخص بالضم والتشديد. البيت من القصب. مجمع البحرين.
(3) القُمُطُ ـ جمع القِماط وهو حبل يشدّ به الاَخصاص. مجمع البحرين.
(4) في «س»: مطالبة شريكه.
(5) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(6) في«س»: إذا شاء مجدّده والمنع.
(7) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(8) في «س»: شريكه.
(9) في الاَصل: بإذن مجدّده.


(302)

وإذا تنازع اثنان [في](1)دابّة أحدهما راكبها والآخر آخذ بلجامها وفقدت البيّنة، فهي بينهما نصفين. ومن ادّعى على غيره مالاً مجهولاً فأقرّ له به وصالحه فيه على مال معلوم صحّ الصلح.

اثنان معهما درهمان، ادّعاهما أحدهما، وادّعى الآخر اشتراكهما فيهما، أُعطي من ادّعاهما، درهماً لاِقرار صاحبه به، وقسّم الآخر بينهما إذا فقدت البيّنة ونكلا عن اليمين.

زيد دفع إليه عمرو عشرين درهماً وبكر ثلاثين، فاشترى بكلّ منهما ثوباً، ثمّ اشتبها عليه، بيعا وقسّم الثّمن على خمسة، اثنان منها لعمرو وثلاثة لبكر.

استودعه رجل دينارين، وآخر ديناراً، فضاع دينارٌ ولم يتميّز له، أُعطي صاحب الدّينارين ديناراً ونصفاً، وصاحب الدّينار نصف دينار.

لرجل خمسة أرغفة ولآخر ثلاثة، فآكَلَهُما فيها آخر، وأعطاهما بدل ما أكله ثمانية دراهم، كان لصاحب الثّلاثة واحد، والسّبعة الباقية لصاحب الخمسة.(2)

تنازع اثنان حائطاً بين ملكيهما، ولا بيّنة، فالجدار لمن حلف مع نكول صاحبه، فإن حلفاأو نكلا فبينهما نصفين، واستعمال القرعة أحوط.

لايجوز(3) لاَحد الشّريكين في حائط أن يفتح فيه كوّةً للضوء (4) ولا أن يبني عليه ولا أن يُدخل فيه خشباً، أو يضع عليه جذوعاً، إلاّ بإذن صاحبه، فإن أذن وفعل المأذون له ذلك، فلا رجوع، وإن لم يفعل، فله الرّجوع.

لرجلٍ بيت وعليه غرفة لآخر، وتنازعا في حيطان البيت، فالقول قول


(1) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(2) في «س»: «لصاحبه الخمسة» والصحيح ما في المتن.
(3) في «س»: ولايجوز.
(4) في «س»: كوة ضوءٍ.


(303)

صاحب البيت، وإن تنازعا في حيطان الغرفة، فالقول قول صاحبها والبيّنة(1)على صاحب البيت، فإن تنازعا في سقف البيت الّذي عليه الغرفة، ولا بيّنة لاَحدهما، حلف كلّ منهما على دعوى صاحبه، فإذا حلفا أقرع بينهما وحُكِم لمن خرج اسمه.

يجوز قسمة الحائط المشترك طولاً وعرضاً، وقسمة عرصته إذا انهدم، ويجبر الممتنع على ذلك.

من دخل أغصان شجرة جاره إلى داره، فله أن يطالبه بإزالة ذلك، لاَنّ هواء داره ملكه، على طريق التّبع، فإن لم يُزِل فله أن يعطف الغصن، أو يقطعه ويردّ عليه ما قطع.

زقاق(2) غير نافذ ليس فيه إلاّ داران لرجلين، وباب دار أحدهما قريب من أوّل الزّقاق، فليس له أن يوَخّر بابه من حيث هو، لاَنّه يزيد في حقّه.

إذا أخرج من داره روشناً(3)إلى طريق المسلمين، فإن كان عالياً لايضرّ به المارّة، لم يقلع(4) وإن ضرّ وجب قلعه.

فصل

كلّ ما يصحّ قسمته بلا ضرر لاَحد الشّركاء، يقسّم بينهم إذا طلبوا القسمة أو بعضهم، ولا قسمة في ما لا يتجزّأ على قدر أنصباء الشّركاء.

دارٌ بين شريكين فاقتسماها، وصار السّفل لاَحدهما والعلوّ لآخر، جاز إذا لم


(1) هذا ما أثبتناه ولكن في الاَصل: «فقول صاحبها» وفي «س»: فالقول قول والبينة صاحبها.
(2) الزقاق ـ بالضم ـ: الطريق والسبيل والسوق، ومنه زقاق العطارين.مجمع البحرين.
(3) الروشن: الكوّة. لسان العرب.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: لم يضر بالمارة لم يقلع.


(304)

يكن [فيه](1)ظلم أو غبن، فإن كان فيها ذلك وعلماه ورضيا به مضى القسمة، فإن لم يعلما ولا رضياه، بطلت ووجب فسخها.

إذا قسموا(2) داراً أو أرضاً بشرط أن لايكو لواحد منهم طريق إلى ذلك بطل الشّرط، فإن جعلوا الطّريق في نصيب أحدهم وللباقين المرور بالاقدام فيها بالتّراضي صحّ.

إذا كان بين جماعة دور فقال بعضهم: أُريد أن آخذ حقّي في كلّ دار، وقال بعضهم: يجمع(3)لكلّ واحد حقّه في مكان واحد ، وكانت الدّور معتدلة في بقاعها وأحوالها ورغبة النّاس فيها، قسّم لكلّ واحد حقّه في مكان واحد، وإن كانت مختلفة اختلافاً بيّناً قسّمت لكلّ دار منها ناحية، وأخذ كلّ منهم حقّه منها.

إذا كانوا شركاء في حوائط وأراضي في نواحٍ متفرّقة قريب بعضها من بعض، وأراد كلّ و احد منهم أخذ نصيبه في ناحية واحدة بقيمة عادلة جاز، وإن كان ذلك لاينقسم على الاَنصباء وفي قسمته ضرر على بعض الشّركاء بحيث يخرج حقّه بانفراده من الانتفاع به(4) وجب أن يجمع حصّة كلّواحد من ناحيته(5) بقيمة عادلة.

إذا كان بين قوم دار وهي غائبة عنهم قد عرفها جميعهم، جاز أن يقتسموها على الصّفة الّتي عرفوها، ويصير لكلّ واحد منهم حقّه بحسب ما عرفوها، فإن لم يعرفوها أو عرفها بعضهم دون بعض، لم يصحّ قسمتها إلاّ بعد أن يحضروها أو من


(1) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(2) في «س»: إذا اقتسموا.
(3) في «س»: نجمع.
(4) في الاَصل: بحيث يخرج منه بانفراده على الانتفاع به.
(5) في «س»: في ناحيته.


(305)

يقوم مقامهم فيه، وكذا الشّجر والاَرض.

إذا كان بينهم ساحة وبيوت، جاز أن يقسموا البيوت بالقيمة، والسّاحة بالذّراع(1) ، ويترك من السّاحة طريق لاَصحاب البيوت.

إذا قسّم العلوّ والسّفل كان سقف السّفل على صاحب السّفل، ويكون كالاَرض لصاحب العلوّ، ولا يجوز لصاحب السّفل هدمه وإلزام صاحب العلوّ بتسقيفه، بل إذا استهدم بلا جناية من صاحب العلوّ لزم صاحب السّفل عمله.


* * *


(1) في الاَصل: بالذّرع.


(306)


(307)

كتاب الوديعة

المرء مخيّر في قبول الوديعة وردّها، وهو أولى مالم يكن فيه ضرر على المودِع، ويجب عليه حفظها بعد قبولها.

وهي أمانة لايلزم ضمانها إلاّ بالتعدّي، فإن تصرّف فيها أو في بعضها ضمنها وما أربحت، وكذا إن فكّ ختمها أو حلّ شدّها(1)أو نقلها من حرز إلى ما هو دونه، كان متعدّياً ويلزمه الضّمان، وكذا إن لم يكن هناك ضرورة من خوف نهب أو غرق أو غيرهما [من الفساد فيها](2)فسافر بها أو أودعها أميناً آخر وصاحبها حاضر، أو خالف ما رسم صاحبها في كيفيّة حفظها، وكذا لو أقرّ بها لظالم يريد أخذها من دون أن يخاف القتل أو سلّمها إليه بيده أو بأمره، وإن خاف ذلك يجوز له أن يحلف أنّه ليس عنده وديعة إذا طولب بذلك، و ورّى في يمينه بما يسلم به من الكذب.ولاضمان عليه إن هجم الظّالم فأخذ الوديعة قهراً.

ولو تعدّى المودِع ثمّ أزال التعدّي، مثل أن يردّها إلى الحرز بعد إخراجها، لم يزل الضّمان، ولو أبرأه صاحبها من الضّمان بعد التعدّي فقال: قد جعلتها وديعة عندك من الآن، برىَ ويزول الضّمان بردّها إلى صاحبها أو وكيله، سواء أودعه إيّاها


(1) في الاَصل: إن فكّ ختمها فحلّ شدّها.
(2) مابين المعقوفتين موجود في «س».


(308)

مرّة ثانية أم لا.

وإذا علم المودَع أنّ المودِع لايملك الوديعة لم يجز له ردّها إليه مع الاختيار، بل يلزمه ردّ ذلك إلى مستحقّه إن عرفه بعينه، فإن لم يتعيّن له حملها إلى الاِمام العادل، فإن لم يتمكّن لزمه الحفظ بنفسه في حياته وبمن يثق إليه في ذلك بعد وفاته إلى حين التمكّن من المستحقّ، ومن أصحابنا من قال: يكون والحال هذه في حكم اللّقطة(1)والاَوّل أحوط.

وإن كانت الوديعة من حرام وحلال لايتميّز(2)أحدهما من الآخر، لزم ردّ جميعها إلى المودِع متى طلبها(3)، ومتى ادّعى صاحب الوديعة تفريطاً فعليه البيّنة، فإن فقدت فالقول قول المودَع مع يمينه، و روي أنّه لايمين عليه إن كان ثقة غير مرتاب به(4) ، وإذا ثبت التفريط واختلفا في قيمة الوديعة، ولا بيّنة فالقول قول صاحبها مع يمينه، ومن أصحابنا من قال: يأخذ ما اتّفقا عليه ويحلف المودَع على ما أنكر من الزّيادة.(5)

وللمودِع أن يستردّ الوديعة متى شاء، وللمودَع أن يردّها كذلك، ولا يبرأ ذمّته بردّها على غير صاحبها أو وكيله من حاكم أو ثقة إلاّ لعذر، وليس له دفنها إذا أراد سفراً إلاّ بإذن صاحبها.

من غصبه ظالم شيئاً ثمّ تمكّن من ارتجاعه أو أخذ عوضه من ماله جاز له


(1) في «س»: «في الحكـم كاللّقطة» والقائل الشيخ في النهاية: 436.وابن الجنيد لاحظ المختلف: 444، الطبعة القديمة.
(2) في «س»: ولا يتميّز.
(3) في الاَصل: متى طالبها.
(4) لاحظ جواهر الكلام: 27|148.والوسائل: 13، ب4 من أبواب أحكام الوديعة، ح7.
(5) الحلبي: الكافي ـ ضمن سلسلة الينابيع الفقهية: 17|112.


(309)

أخذ قدره بلا زيادة مالم يكن وديعة عنده للغاصب، فإنّ الاَخذ منها لايجوز بلا علم الغاصب.

من أودع وديعة بشرط الضّمان بطل الشّرط، إذا كانت الوديعة غير محرزة كدنانير في إناء مفتوح الرّأس فأخذ منها ديناراً ضمن ما أخذ دون الباقي، فإن ردّه بعينه إلى موضعه، أو ردّ بدله ولم يخلطه بالباقي ضمن ذلك القدر، وإن خلطه بالباقي ضمن الكلّ للتّصرّف فيه، وكذا إذا خلط الودائع بعضها ببعض.

وإذا أودع حيواناً وغاب صاحبه فلم يقم بسقيه والاِنفاق عليه ضمن.

إذا أودعه وديعة ولم يقل اجعلها في موضع كذا بل أطلق يلزمه أن يحفظها في حرز مثلها، وإن قال: ضعها في موضع كذا، فخالفه بلا عذرٍ ضمن.

إذا اتّجر المودَع بمال الوديعة فالرّبح لصاحبها والخسران على المودَع.

من أخذ الوديعة من صبيّ فتلفت بلا تعدٍّ منه ضمن إذ لاحكم لاِيداع الصبيّ وليس له الاَخذ منه ولا يزول الضّمان بردّها عليه، بل عليه أن يردّها على وليّه.

إذا وُُجد في «روزنامچة» ميّت مكتوب: لفلان عندي كذا، لم يلزم الورثة ردّ ذلك عليه بمجرّد ذلك.

* * *


(310)


(311)

كتاب العارية

العارية ضربان: مضمونة وغير مضمونة، فالمضمونة العين والورق (1)على كلّ حال وما عداهما بشرط التّضمين أو التعدّي أو التّفريط، وغير المضمونة ما عدا ذلك.

وإذا اختلف المالك والمستعير في التّضمين أو التعدّي، وفقدت البيّنة، فعلى المستعير اليمين، وإذا اختلفا في مبلغ العارية أو قيمتها، أخذ ما أقرّ به المستعير، وكان القول قول المالك مع يمينه فيما زاد على ذلك.

وإذا اختلف مالك الدّابة وراكبها فقال المالك: آجرتكها، أو غصبتنيها، وقال الرّاكب: بل أعرتنيها، فالقول قول الرّاكب مع يمينه، وعلى المالك البيّنة، وكذا إذا اختلف مالك الاَرض وزارعها.

إذا استعار دابّة ليحمل عليها وزناً معيّناً، فحمل أكثر منه، أو ليركبها إلى مكان معيّن، فتعدّاه ضمنَ، ولو ردّها إلى المكان المعيّن.

إذا أذن مالك الاَرض للمستعير في الغراس(2)أو البناء، فزرع جاز، ولايجوز


(1) الورق ـ بكسر الراء والاِسكان للتخفيف ـ: النقرة المضروبة، ومنهم من يقول: النقرة مضروبة كانت أو غير مضروبة . المصباح المنير.
(2) في الاَصل: إذا أذن مالك المستعير للغراس.


(312)

بالعكس، لاَنّ ضرر الغراس والبناء أكثر، والاِذن في القليل لايكون إذناً في الكثير، وكذا لا يجـوز لـه أن يزرع الدّخن أو الذّرة إذا أذن له في زرع الحنطة، ويجـوز [له](1) أن يزرع الشّعير، وإذا أراد مستعير الاَرض للغراس والبناء قلعه، كان له ذلك، لاَنّه عين ماله، وإذا لم يقلعه وطالبه المعير بذلك بشرط ضمان أرش النّقص، وهو ما بين قيمته قائماً ومقلوعاً، أجبر المستعير على ذلك.

وليس للمستعير أن يطالب بالتّبقية بشرط أن يضمن أُجرة الاَرض، فإن طالبه المعير بالقلع من غير أن يضمن أرش النّقصان، لم يجبر عليه، فإذا أذن له إلى مدّة معلومة ثمّ رجع قبل مضيّها(2)وطالب بالقلع لم يلزمه إلاّ بعد ضمان الاَرش.

وإذا أعار(3) شيئاً بشرط الضّمان، فردّه المستعير إليه أو إلى وكيله برئ من ضمانه، ولا يبرأ إن ردّه إلى ملكه، كأن يكون دابّة فيشدّها(4)في إصطبل صاحبها.

ولايجوز للمستعير إعارة العارية ولا إجارتها، ويجوز إعارة الشّاة للانتفاع بلبنها، والجارية للخدمة خاصّة. وتقدير مدّة العارية أولى وأحوط، وإن لم يكن ذلك من شرطها.

* * *


(1) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(2) في «س»: قبل تقضّيها.
(3) في «س»: ولو أعاره.
(4) في «س»: فشدّها.


(313)

كتاب الحوالة

الحوالة تفتقر(1)في صحّتها إلى شروط:

منها رضاء المحتال والمحيل والمحال عليه(2)وأن يكون المحال عليه مليّاً في حال الحوالة، فإن رضي المحتال(3)بعدم ملائه(4)جاز.

وتصحّ الحوالة على من ليس عليه دين إذا قبل الحوالة.

وإذا كان عليه دين اعتبر شرطان آخران: إتّفاق الحقّين في الجنس والنّوع والصّفة، وأن يكون الحقّ ممّا يصحّ أخذ البدل فيه قبل قبضه، ولايجوز الحوالة بالمُسْلَم فيه، ولاتصحّ الحوالة إلاّ في ذوات الاَمثال من الاَموال.

وإذا صحّت الحوالة انتقل الحقّ إلى ذمّة المحال عليه، ولايعود الحقّ إلى ذمّة المحيل إذا جحد المحال عليه الحقّ وحلف عليه أو مات مفلساً أو أفلس وحجر الحاكم عليه.


(1) في «س»: تفقر وهو تصحيف. وحقيقة الحوالةتحويل المديون ما في ذمته إلى ذمة غيره وهي متقوّمة بأشخاص ثلاثة: «المحيل» وهو المديون و«المحتال» وهو الدائن و «المحال عليه» وأمّا المحال به فهو المال الذي أحاله المحيل إلى ذمّة المحال عليه.
(2) كذا في «س» ولكن في الاَصل: رضاء المحيل والمحال عليه.
(3) في الاَصل: «فإن رضي المحال» بدل «المحتال» وكذا في ما يأتي.
(4) في الاَصل: بعدم ملاته.


(314)

وإذا أحال المشتري البائع بالثّمن ثمّ ردّ المبيع بالعيب بطلت الحوالة، لاَنّها بحقّ البائع وهو الثّمن وإذا بطل البيع سقط الثّمن فبطلت، فإن أحال البائع على المشتري بالثّمن ثمّ ردّ المبيع بالعيب لم تبطل الحوالة، لاَنّه تعلّق به حقّ لغير المتعاقدين.

وإذا اختلفا فقال المحيل: وكّلتك بلفظ الوكالة، وقال المحتال: بل أحلتني بلفظ الحوالة، فالقول قول المحيل لاَنّهما اختلفا في لفظه وهو أعرف به[من غيره](1) ولو كان النّزاع بالعكس كان القول قول المحتال، لأنّ الأصل بقاء حقّه في ذمّة المحيل.

إذا اتّفقا على اللّفظ وأنّه قال: أحلتك بمالي عليه من الحقّ، ثمّ اختلفا فقال المحيل: أنت وكيلي في ذلك وقال المحتال: بل أحلتني[بلفظ الحوالة](2)لآخذ ذلك لنفسي، فالقول قول المحيل، ويجوز الحوالة لمن لاحقَّ له عنده ومتى أحال بدين موَجّل، لم يحلّ الدّين بموت المحيل أو المحال له وإنّما يحلّ بموت المحال عليه، لاَنّ الدّين الموَجّل يحلّ بموت من هو عليه.

وتجوز الحوالة بما لا مثل له من الثّياب والحيوان إذا ثبتت في الذمّة بالقرض، وكذلك تجوز إذا كان الحيوان ثابتاً في الذّمّة بجناية كأرش الموضحة وغيرها، ولايجوز للسيّد أن يحيل بمال المكاتبة غريماً له على مكاتبه لاَنّه ليس بثابت.

* * *


(1) مابين المعقوفتين في كلا الموردين موجود في الاَصل وهو الصحيح.
(2) مابين المعقوفتين في كلا الموردين موجود في الاَصل وهو الصحيح.


(315)

كتاب الضّمان والكفالة

من شرط صحّة الضّمان: (1)

أن يكون الضّامن مختاراً غير مولّى عليه مليّاً في حال الضّمان إلاّ أن يرضى المضمون له بعدم ملاءته فيسقط هذا الشّرط.

وأن يكون إلى أجل معلوم وأن يقبل المضمون له ذلك.

وأن يكون المضمون حقّاً لازماً في الذمّة كمال القرض والاَُجرة وما أشبه ذلك.

ويصحّ ضمان مال الجعالة بشرط أن يفعل ما يستحقّ به، وليس من شرط صحّته أن يكون المضمون معلوماً، بل لو قال: كلّ حقّ ثبت(2)على فلان فأنا ضامنه، صحّ ولزمه ما يثبت بالبيّنة أو الاِقرار، وقد اشترطه بعض أصحابنا.(3)

وليس من شرط صحّته رضى المضمون عنه ولا معرفته ومعرفة المضمون له. وإذا صحّ الضّمان انتقل الحقّ إلى ذمّة الضامن وبرىَ المضمون عنه منه ومن المطالبة به، ولايرجع الضّامن على المضمون عنه بما ضمنه إذا ضمن بغير إذنه، فإن كان أذن له في الضّمان رجع عليه،(4)سواء أذن في الاَداء أو لا، ويصحّ ضمان الدّين عن الميّت


(1) قـال الشيخ في المبسوط: 2|323: فمن شرطه وجود ثلاثة أشخاص: ضامن، ومضمون له، ومضمون عنه، فالضامن هوالكفيل بالدين والمتحمّل له، والمضمون له هو صاحب الدين، والمضمون عنه فهو من عليه الدين.
(2) في «س»: كلّ حقّ ما ثبت.
(3) الشيخ: الخلاف، كتاب الضمان، المسألة 13، والمبسوط: 2|328.
(4) في «س»: رجع إليه.


(316)

المفلّس.

إذا كان الضّامن غير مليىَ بما ضمن ولم يعلم بذلك المضمون له، لم تبرأ ذمّة المضمون عنه، وإن علم بذلك فقد برئت، فإن ظنّ المضمون له ملائه في حال الضّمان ثمّ ظهر خلاف ذلك فله الرّجوع على المضمون عنه، وإن كان مليّاً في الحال ثمّ عجز فلا رجوع.

ولا يصحّ ضمان مال ليس بلازم في الحال، كنفقة المرأة إذا كانت مستقبلة ومال الكتابة، وقد يصحّ الضّمان فيما لايكون مستقرّاً في الحال، غير أنّه يسقط ببطلان أسبابه، كثمن مبيع قبل التّسليم، أو أُجرة قبل انقضاء مدّتها أو مهر قبل الدّخول.

ولا يصحّ ضمان مال مجهول سواء كان واجباً أو غير واجب، فالواجب مثل أن يقول: أنا ضامن لما يقضي لك به القاضي أو يقوم لك البيّنة من المال على فلان أو ما تكون لك مثبتة في دفترك، وعند بعض أصحابنا يصحّ ضمان جميع ذلك دون ما يخرج به دفتر الحساب.(1)وغير الواجب كأن يقول: ضمنت لك ما تعامل فلاناً.

إذا أبرأ المضمون له المضمون عنه لم يبرأ الضّامن، لاَنّه إبراء من لا حقّ له عليه.(2)

إذا ادّعى على رجلين ألف درهم بالسّويّة وأنّ كلاً منهما ضمن عن صاحبه ما لزمه من نصف الاَلف بإذنه وأحدهما غائب لم يكن له مطالبة الحاضر بالاَلف، لاَنّ ما يخصّه من ذلك قد انتقل عنه إلى شريكه بإقراره.


(1) الشيخ: النهاية: 315.
(2) في الاَصل: لاَنّه أبرأ لا من حقّ له عليه، ووجهه أنّ الضمان، من قبيل انتقال ذمّة إلى ذمة وعليه يكون ذمّة المضمون عنه بريئة، وابراء البريء غير صحيح.


(317)

فصل

ولا يجوز أن يتكفّل بمال موَجّل على غيره حالاّ ً، ويجوز أن يتكفّل به موَجّلاً وهو حالٌّ.

لايصحّ ضمان العبد غير المأذون له في التّجارة إلاّ بإذن سيّده، فإن أذن له في الضّمان، وأطلق الضّمان، تعلّق بكسبه، وإن عيّـن مال الضّمان في كسبه أو في ذمّته أو غير ذلك وجب فيما عيّن(1)وكذا الحرّ إذا عيّـن ضمانـه في مال، لزمـه قضـاوَه منه، ويصحّ ضمان المأذون له في التّجارة، ويلزمه فيما في يده.

ولا يصحّ ضمان من لايعقل(2)ولا الضّمان عنه. وكلّ مالٍ لا يكون مضموناً كالودائع ومال المضاربة في يد المضارب، ومال الوصاية في يد الوصيّ، وغير ذلك، لم يصح الضّمان عنهم إلاّ أن يتلف في أيديهم بتفريط من قبلهم، فصاروا ضامنين له، فحينئذ يصحّ ضمانه عنهم.

يصحّ ضمان النّفوس حالاّ ً وموَجّلاً، ولايجوز ذلك إلاّ بإذن من تُكُفِّل عنه، ومتى تكفّل ببدن إنسان مطلقاً، كانت الكفالة حالّة، وللمكفول له مطالبته بتسليمه في الحال، وإذا تكفّل به على أن يسلّمه في موضع بعينه فسلّمه إليه في موضع آخر، لم يلزمه قبوله، إلاّ إذا تبرّع بالقبول، فيبرأ الكفيل، فإن لم يعيّن لتسليمه موضعاً، وجب تسليمه في موضع عقد الكفالة، وإذا جاء المكفول به إلى المكفول له وقال: سلّمت نفسي إليك من كفالة فلان، وأشهد على ذلك شاهدين بريَ الكفيل.

إذا أحضره الكفيل للتّسليم، فلم يتسلّمه مع التمكّن، فقد برئت ذمّته.


(1) في «س»: «فيما بيده» بدل «فيما عيّن» والصحيح ما في المتن.
(2) في الاَصل: «من لايعدل».


(318)

إذا مات المكفول به برئت ذمّة الكفيل من الكفالة ولم يلزمه المال، وروي أنّه إذا قال الكفيل: ضمنت فلاناً إلى كذا إن لم آتِ به كان عليّ كذا، وحضر الاَجل، لم يلزمه إلاّ إحضار الرّجل، وإن قال: عليّ كذا إلى كذا إن لم أُحضر فلاناً ثمّ لم يحضره، وجب عليه المال(1)[ويصحّ].(2)

ومن خلّـى غريماً لرجل من يده إكراهاً، ضمن ما عليه.

* * *


(1) لاحظ النهاية: 315.
(2) مابين المعقوفتين موجود في «س».


(319)

كتاب الوكالة

لاتصحّ الوكالة إلاّ فيما يصحّ دخول النّيابة فيه، مع حصول الاِيجاب والقبول ممّن يملك عقدها بالاِذن فيه، أو بصحّة التصرّف منه فيما هي وكالة(1)فيه بنفسه. فلاتصحّ الوكالة في أداء الصلاة و الصّوم عن المكلّف بأدائهما من ذلك، لاَنّ ذلك ممّا لاتدخل النّيابة فيه، ولايصحّ من محجور عليه أن يوكّل فيما قد منع من التّصرّف، ولاتصحّ الوكالة من العبد وإن كان مأذوناً له في التّجارة، لاَنّ الاِذن له في ذلك ليس بإذنٍ في الوكالة، وكذا الوكيل لايجوز له أن يوكّل فيما جُعل له التصرّف فيه إلاّ بإذن [موكّله].(2)

ولايصحّ أن يتوكّل المسلم على تزويج المشركة من الكافر، ولا أن يتوكّل الكافر على تزويج المسلمة من المسلم، لاَنّهما لايملكان ذلك لاَنفسهما، ولايجوز للمسلم أن يوكّل الكافر، ولا أن يتوكّل له على المسلم.

وتصحّ وكالة الحاضر إلاّ في الطّلاق، ويلزم الخصم مخاصمة الوكيل ولا يعتبر رضاه بالوكالة، وتصرّف الوكيل موقوف على ما يقع العقد عليه؛ وإن(3)كان


(1) في «س»: «فيما بنى وكالته» والصحيح ما في المتن.
(2) مابين المعقوفتين موجود في «س».
(3) في «س»: فإن.


(320)

مطلقاً عمّت الوكالة كلّ شيء إلاّ الاِقرار بما يوجب حدّاً أو تأديباً، فإن كان مشروطاً بشيء اختصّت الوكالة به.

ومتى فعل الوكيل مالم يجعل له لم يصحّ ولزمه الدَّرَكُ فيه، ولو أقرّ الوكيل في الخصومة دون الاِقرار بقبض موكّله الحقّ الّذي وكّله في المخاصمة عليه لم يلزمه إقراره إلاّ إذا أذن له في الاِقرار عنه.

والوكيل موَتمن لا ضمان عليه إلاّ أن يتعدّى، ومطلق الوكالة بالبيع يقتضي أن يبيع بثمن المثل من نقد البلد حالاًّ، فإن خالف لم يصحّ البيع، وإذا اشترى(1) الوكيل وقع الملك للموكّل من غير أن يدخل في ملك الوكيل؛ولهذا لو وكّله على اشتراء عبد فاشترى الوكيل من يُعتق عليه لم ينعتق.

والوكالة عقد جائز من كلا الطرفين يجوز لكلّ واحد منهما فسخه، فإذا فسخه الوكيل وعزل نفسه انفسخ؛ سواء كان موكّله حاضراً أو غائباً، ولم يجز له بعد ذلك التصرّف فيما وُكِّل فيه.

ومتى أراد الموكّل فسخه وعزل الوكيل، افتقر ذلك إلى إعلامه إن أمكن، فإن لم يمكن فليشهد به،(2)وإذا فعل ذلك انعزل الوكيل، ولم ينفذ بعده شيء من تصرّفه، وإن اقتصر على عزله من غير إشهاد، أو على الاِشهاد من غير إعلام وهو متمكّن لم ينعزل، ونفذ تصرّفه إلى أن يعلم.

فإن اختلفا في الاِعلام فعلى الموكّل البيّنة به، فإن فقدت فعلى الوكيل اليمين أنّه ما علم بعزله، فإن حلف مضى ما فعله، وإن نكل عن اليمين بطلت وكالته من وقت قيام البيّنة بعزله، وتنفسخ الوكالة بموت الموكّل أو عتقه للعبد الّذي وكّل في بيعه، أو بيعه له قبل بيع الوكيل.


(1) في الاَصل: وإن اشترى.
(2) في «س»: يشهد به.


(321)

إذا وكّله في كلّ قليل وكثير لم يصحّ، لاَنّ في ذلك غرراً عظيماً؛ لاَنّه ربّما يلزمه بالعقود ما لايمكنه الوفاء به، فيوَدّي إلى ذهاب ماله كلّه، ولايرضى بذلك إلاّ ذو سفه.

إذا وكّل غريماً له في إبراء(1)غرمائه أو حبسهم ومخاصمتهم لم يكن هو من جملتهم؛ لاَنّالمخاطب لايدخل فيما أمره المُخاطب في أمر غيره.

للمدّعى عليه أن يحضر مجلس الحكم وأن يوكّل(2)غيره في الخصومة، رضى به المدّعي أو لا، وكذا له أن يوكّل غيره في جواب خصمه مع حضوره، وللوكيل أن يقبل الوكالة في الحال أو يوَخّر قبولها إلى وقت آخر، وله القبول باللّفظ أو الفعل(3)وهو التصرّف فيما وكّل فيه.

ومتى وكّله في تزويج امرأة بعينها، فزوّجه غيرها، لم يثبت النّكاح ولزم الوكيل مهرها، لاَنّه غرّها، وإن عقد له على الّتي أمره ثمّ أنكر الموكّل الاَمر بذلك، ولابيّنة للوكيل، لزمه أيضاً مهر المرأة، ولاشيء على الموكّل، وللمرأة أن تتزوّج بعده، ويجب على الموكّل طلاقها فيما بينه وبين اللّه تعالى، وتنفسخ الوكالة بالجنون.

ومن وكّل وكالة مقيّدة لايجوز له أن يوكّل غيره فيها إلاّ بإذن موكِّله، وكذا إذا كانت مطلقةً إلاّ أن يكون المطلق(4)في عمل يترفّع مثله عنه ولم تجر عادته بالابتذال به فجاز إذاً توكليه.

إذا ادّعى الوكيل تلف ما سلَّم إليه الموكّل وأنكر الموكّل فالقول قول الوكيل، لاَنّه أمين.


(1) في الاَصل: إذا وكل غيره بماله في إبراء.
(2) في الاَصل: ويوكل.
(3) في «س»: القبول اللفظيّ أو الفعلي.
(4) في «س» إلاّ أن تكون المطلقة.


(322)

إذا استردّ الموكِّل الوكيل المال قبل تصرّفه فلم يردّه بلا عذر فتلف ضمن، وكذا إن تلف بعد زوال العذر وإمكان الردّ.

ولايجوز لوكيل واحد أن يتوكّل للمتداعيين في الخصومة ليخاصم عنهما جميعاً، فيتضادّ الغرضان في ذلك، وكذلك لايجوز للوكيل أن يبيع مال الموكّل من نفسه، ولا من ابنه الصّغير، ولا من عبده المأذون له في التّجارة، لئلاّ تلحقه التّهمة.

وإذا قال: وكّلتك في قبض حقّي من زيد، ثمّ مات زيد، لم يكن له مطالبة الورثة (1) لاَنّ اللّفظ لم يتناول الورثة(2) وإن قال: وكّلتك في قبض حقّي الّذي على زيد، كان له مطالبة الورثة، لاَنّ ذلك من المطالبة بحقّه الّذي(3)كان على زيد.

إذا وكّله في بيع ماله فباعه من رجل يعلم بوكالته من موكّله في ذلك، كان للموكّل والوكيل جميعاً المطالبة بالثّمن، ولايكون الاِبراء منه إلاّ للموكّل.

وإذا اشترى لموكّله شيئاً، وذكر حال العقد، أنّه يشتريه لموكّله، كان للبائع مطالبةُ أيّهما شاء بالثّمن.

إذا وكّل رجلين في التصرّف، وصرّح بجواز تصرّفِ كلّ منهما بانفراده، كان كلّ منهما وكيلاً على حدة، وإن صرّح بوكالة مشتركة بينهما، أو أطلق الوكالة لهما لم يكن لاَحدهما الانفراد بالتصرّف، فإذا مات أحدهما، أو غاب، أو عزل نفسه، لم يكن للآخر التصرّف إلاّ بعد تجديد توكيله.

وإذا اشترى الوكيل غير ما سمّاه الموكّل، لم يصحّ الشِّرى في حقّ الموكّل، وصحّ في حقّ الوكيل إن اشتراه في الذّمّة[أو] (4)مطلقاً.


(1) في «س»: لم يكن له المطالبة من الورثة.
(2) في الاَصل: لم يتناول إلاّ الموروث عنه.
(3) في الاَصل: بحقّ الذي.
(4) ما بين المعقوفتين موجود في «س».


(323)

كتاب اللّقطة

من وجد في البريّة حيواناً يستطيع الامتناع من صغار السّباع إمّا بقوّته أو بسرعة(1) عدوه أو بطيرانه، وكان مملوكاً للغير، فليس له أخذه لقوله _ عليه السَّلام _ : لايوَوي الضّالة (2)إلاّ ضالّ(3)فإن أخذه ضمنه ولم يزل ضمانه إلاّ بردّه على صاحبه أو إلى الاِمام، وإن وجد فيها دابّة في غير كلاء وماء قد خلاّها صاحبها من جهدٍ فله أخذها ولانزاع لاَحد فيه، وإن كانت في كلاء وماء فلا.

وإن وجد في البريّة ما لايمتنع من صغار السّباع، فله أخذه لقوله ـعليه السّلامـ: خذها فإنّما هي لك أو لاَخيك أو للذّئب،(4)فإن أخذه فإمّا أن يأكله ويضمن قيمته لصاحبه إذا جاء[وإن كان مطعوماً أكله وضمن قيمته عليه].(5)أو ينفق عليه تطوّعاً، أو يرفع خبره إلى الاِمام أو الحاكم، فإن أنفق عليه ولم يتمكّن من رفع خبره أو لم ينتفع منه بلبن أو ركوب أو خدمة، رجع بذلك على صاحبه، وإن


(1) في «س»: لسرعة.
(2) قال الحلّي: الضالة من البهائم ما يضيع يقال: ضالّ، ومن العبيد يقال: آبق، ومن الاَحرار لقيط ومنبوذ. وما يكون من غير الحيوان يقال: لقطة.لاحظ السرائر : 2|99.
(3) سنن البيهقي: 6|190.
(4) الوسائل: 17، ب13، من أبواب اللّقطة، ح5و7.
(5) مابين المعقوفتين موجود في «س».


(324)

تمكّن من ذلك أو انتفع فلا رجوع.

وإن وجد بهيمة في العمران إلى نصف فرسخ منها فله أخذها، ممتنعة كانت من السّباع أم لا، ثمّ هو مخيّـر فيها فيما سوى الاَكل ممّا سبق، فإن وجد من غير الحيوان ما كان هو أو قيمته دون درهم أو كان في موضع خَرِبٍ باد أهله وتنكّر رسمه، وإن كثر فله أخذه بلا ضمان وتعريف.

وما عدا ذلك يكره أخذه، فإن أخذه وكان ممّا يجوز البقاء عليه، عرّفه سنة فإن لم يجىء صاحبه حفظه عليه، أو أنفقه على نفسه بشرط العزم على ردّ قيمته على صاحبه إن جاء، وإن كان مطعوماً أكله وضمن قيمته لصاحبه أو سلّمه إلى الحاكم ليبيعه ويعرّف ثمنه، فإن لم يجىء صاحبه ردّه إلى الملتقط.وإن كان الحظ في تجفيفه دون بيعه أنفق الحاكم بعضه على تجفيفه ويدّخر لمجيء صاحبه أو يتصدّق به.

واللّقطة أمانة في يد واجدها ويلزمه أن يعرّفها سنة ثمّإمّا أن يحفظها إلى مجيء صاحبها، أو يتصدّق بها عن صاحبها خاصّة بشرط الضّمان إن لم يرض الصّاحب، أو يتصرّف فيها وضمنها لصاحبها، وإن وجدها في الحرم يكون بعد التّعريف سنة مخيّراً فيما عدا التّملّك من الحفظ والتصدّق بشرط الضّمان.

وإذا اتّجر بها من له التصرّف فيها وربح لم يكن لصاحبها استرداد الرّبح إلاّ إذا كان ذلك قبل اختياره تملّكها.ويشهد على اللّقطة واجدها ندباً، ولايزول ضمان واجدها إلاّ بالردّ على صاحبها.

وتعريفها ينبغي أن يكون حين يراه النّاس في المواسم والجمعات والمحافل وأبواب المساجد دون داخلها، وفي الاَسواق وفي أوّل جمعة وأُسبوع أصابها(1)، فإن عرّف ستّة أشهر ثمّ ترك، جاز أن يبنى عليها إذ ليس من شرطه التّوالي، ويجوز أن يستعين في التّعريف بغيره، أو يستأجر لذلك عنه غيره بماله، ومتى أراد حفظ


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «واسبوع صابها» والصحيح ما في المتن.


(325)

اللّقطة على صاحبها من حين وجدانها، لم يلزمه تعريف سنة.

إذا ضاعت اللّقطة قبل التّعريف ووجدها آخر، كان الاَوّل أولى بها، لاَنّه لمّا وجدها استحقّ التّعريفَ باليد.(1)واللّقطة في يد واجدها أمانة وإن كان بعد الحول مالم يختر(2) تملّكها.فإن هلكت أو أبقت بتفريط من الواجد ضمن.

إذا وجد عبدٌ اللّقطة(3)لم يكن له أن يتملّكها، فإن تملّكها كانت مضمونة في رقبته يتبع به إذا أعتق، هذا إذا لم يعلم به مولاه، وإن علم به وتركه في يده وكان العبد غير أمين، كان في ضمان المولى، وإن كان أميناً جاز وعلى المولى التّعريف.

فإن كان أعتقه قبل علمه باللّقطة، فله أخذها منه، لاَنّها من كسبه، وحكم العبد الصّغير في اللّقطة حكم المال، وحكم الكبير المميّز حكم الضّوالّ، يُلتَقط الاَوّل دون الثّاني، بل يرفع حكم الثّاني إلى الحاكم إن أخذه.

من جاء ووصف لواجد اللّقطة عِفاصَها ووكاءَها (4)ووزنها وعددها وحليتها، وغلب في ظنّه أنّه صادق، جاز له أن يعطيها، ولايلزمه ذلك إلاّ ببيّنة.

من ابتاع بعيراً أو بقرة أو شاة فوجد في جوفه ماله قيمة، عرّفه من ابتاعه منه، فإن عرفه أعطاه، وإلاّ أخرج خمسه وله الباقي.وإن اشترى سمكة فوجد في جوفها درّةً، أو نحوها، أخرج الخمس وله الباقي، وكذا من ابتاع داراً فوجد فيها كنزاً من دفن أهل الاِسلام، عرّف البائع، فإن عرفه، وإلاّ أخرج خمسه وله الباقي، وإن كان


(1) في «س»: استحقّ للتعريف باليد.
(2) في «س»: ما لم يتخيّر.
(3) في«س»: وجد اللّقطة عبد.
(4) العِفاص ـ وزان كتاب ـ: الوعاء الذي تكون فيه النفقة، من جلد أو خرقة أو غير ذلك، والوِكاء ـ مثل كتاب ـ: حبل يشدّ به رأس القربة.المصباح المنير وفي «س»: «عقاصها» وهو تصحيف.
5ـ في «س»: وعدّها.


(326)

من دفن الجاهليّة فلا تعريف.

ومن أودعه لصّ مغصوباً، لم يجز له ردّه عليه، فإن عرف صاحبَه ردّه عليه، وإلاّ فكاللّقطة.

فصل

أخذ اللّقيط(1) فرض على الكفاية، لاَنّه بمنزل المضطّر، وإطعام المضطرّ واجب. ويملك الصبيّ المنبوذ ما كان معه وعليه، وإن لم يكن ملتقطه أميناً انتزعه الحاكم من يده، وسلّمه إلى أمين، ونفقته من ماله إن كان له مال، ولاينفق الملتقط عليه ذلك إلاّ بإذن الحاكم، وإن أنفق عليه بغير إذن الاِمام أو الحاكم ضمن، فإن لم يكن إمام ولا حاكم وأنفق الاَمين عليه منه(2)لم يضمن، لاَنّه موضع ضرورة، وإن لم يكن لللّقيط مالٌ ينفق عليه (3)من بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال مال استعان بالمسلمين إلى أن يظهر في بيت المال مال، فإن لم يعاون أنفق عليه من مال نفسه بالمعروف، ورجع بذلك على اللّقيط إذا بلغ، وإن كان يجد من يعينه فلم يستعن فلا رجوع له. وإن ادّعى أكثر من المعروف لم يقبل قوله في الزّيادة، وإن اختلفا في قدر النّفقة فالقول قول الملتقط. وإذا كان لللّقيط(4)مال، وأنفقه عليه الملتقط، وادّعى عليه بعد البلوغ أنّه لم ينفق ماله عليه، فالقول قول الملتقِط مع يمينه.

لو وجد اثنان لقيطاً فتشاحّا على حضانته وتربيته، وقد تساويا في الحريّة والاِسلام والاَمانة واليسار، ولم يتركه أحدهما للآخر، أعطي أحدهما بالقرعة، فإن


(1) في المبسوط: 3|336: المنبوذ والملقوط واللقيط بمعنى واحد.
(2) في الاَصل: «ماله» بدل «منه».
(3) في الاَصل: انفق عليه.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وإذ اللقيط» والصحيح ما في المتن.


(327)

كان أحدهما فاسقاً أو عبداً أو بدويّاً أو مسافراً أو كافراً، أعطى من ليس كذلك.واللّقيط المحكوم عليه بالكفر، يترك في يد ملتقطه الكافر، بخلاف المحكوم عليه بالاِسلام.

الطفل يحكم بإسلامه إذا كان أحد أبويه أو كلاهما مسلماً، أو يكون من سباه مسلماً إذا لم يكن معه أحدهما، أو وجد لقيط في بلد إسلام أو بلد كفر، فيه مسلم مستوطن، أو أسارى مسلمون، وإن وجد في بلد كفر ليس فيه من ذكرناه، حكم بكفره، سواء كان الملتقط مسلماً أو كافراً، بخلاف السّابي، فإنّالسّابي الكافر، يتبعه المسبيّ في الكفر حكماً، والمجنون يتبع والديه في الاِسلام حكماً، سواء بلغ مجنوناً أو جنّ بعد البلوغ.

* * *


(328)


(329)

كتاب الجُعالة

الجعالة من العقود الجائزة فيجوز أن يكون العمل والمدّة مجهولين، وأمّا العوض فلابدّ أن يكون معلوماً، والمجعول له بعد التّلبّس بالجعالة، مخيّر بين الاِتمام والرّجوع.ولا رجوع للجاعل بعد التّلبّس إلاّ أن يبذل أُجرة ما عمل.

من جاء بضالّة إنسان أو بآبق أو بلقطة من غير جعل ولم يشرط (1)فيه لم يستحقّ شيئاً وجوباً، وإنّما يعطى من جاء بعبدٍ أو بعير إذا وجده خارج المصر أربعين درهماً قيمتها أربعة (2)دنانير، وإن وجده في المصر فعشرة دراهم ندباً، ولاموظّف فيما عدا ذلك بل بحسب العادة في مثله.

إذا قال: من جاء بعبدي الآبق فله دينار، فجاء به اثنان أو ثلاثة لم يستحقّوا أكثر من دينار، بخلاف إن قال: من دخل داري فله دينار، لاَنّ لكلّ داخل من ذلك (3) إذناً، فإن شرط أُجرة مجهولة لزم أُجرة المثل.

إذا قال لكلّ واحدٍ من ثلاثة نفر: إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرة، فجاءوا به مجتمعين، كان لكلّ منهم ثلث العشرة، وإن شرط لاَحدهم عشراً وللآخر


(1) في «س»: ولم يشترط.
(2) في «س»: فقيمتها أربعة.
(3) في الاَصل: لكل داخل ذلك.


(330)

عشرين وللثّالث ثلاثين، فجاءوا به، كان لكلّ واحد منهم ثلث ما سمّاه، فإن شرط لواحد ديناراً فجاء به هو وغيره، فله نصف دينار [وجوباً](1)وللآخر نصف أُجرة المثل ندباً، ومتى هرب الآبق من المشروط له في الطّريق لم يستحقّ شيئاً، وإن شرط له ديناراً إن جا ء به من عشر فراسخ مثلاً، فجاء به من خمسٍ، استحقّ نصف دينار.

ومتى اختلف في مقدار الجعالة، كان القول قول الجاعل مع يمينه، ثمّ يستحقّ عليه المجعول له أُجرة المثل، وإن اختلفا في نفس الشّرط فقال المشروط له: شارطتني على جعل، وأنكر الجاعل، فقول الجاعل مع اليمين.

* * *


(1) مابين المعقوفتين موجود في «س».


(331)

كتاب الاِقرار

لايصحّ الاِقرار إلاّ من مكلّف غير محجور عليه لسفه أو رقٍّ، فلو أقرّ المحجور عليه [للسّفه] (1)ما يوجب حقّاً في ماله، لم يصحّ، ويُقبل إقراره فيما يوجب حقّاً على بدنه، كالقصاص والقطع والجلد.

ولايُقبل إقرار العبد على مولاه بما يوجب حقّاً في ماله من قرض (2)أو أرش جناية، بل يلزمه ذلك في ذمّته يُطالب به إذا أُعتق، إلاّ أن يكون مأذوناً له في التّجارة، فيقبل فيما يتعلّق بها خاصّة، نحو أن يقرّ بثمن مبيع أو أرش عيب أو ما أشبه ذلك، ولايقبل إقراره بما يوجب حقّاً على بدنه، للاِجماع(3) ولاَنّ فيه إتلافاً لمال السيّد، ومتى صدّقه السيّد قُبل إقراره في كلّ ذلك.

ويصحّ إقرار المحجور عليه لاِفلاس، وإقرار المريض للوارث وغيره، ويصحّ الاِقرار بالمبهم (4)أن يقول: لفلان عليّ شيء.

ولاتصحّ الدّعوى المبهمة لاَنّا إذا رددنا الدّعوى المبهمة كان للمدّعي ما يدعوه إلى تصحيحها، وليس كذلك الاِقرار، لاَنّا إذا رددناه لا نأمن ألاّ يقرَّ ثانياً،


(1) ما بين المعقوفتين موجود في «س».
(2) في «س»: من إقراض.
(3) في الاَصل: بالاِجماع.
(4) في الاَصل: ويصحّ إقرار المبهم.


(332)

والمرجع في تفسير المبهم إلى المقرّ، ويقبل تفسيره بأقلّ ما يتموّل في العادة، وإن لم يفسّر (1)جعلناه ناكلاً، ورددنا اليمين على المقرّ له فيحلف علي ما يقول ويأخذه، فإن لم يحلف فلا حقّ له.

إذا قال: له عليّ مال عظيم أو جليل أو نفيس أو خطير، لم يقدّر ذلك بشيء، ويرجع في تفسيره إلى المقرّ، ويقبل تفسيره بالقليل والكثير، لاَنّه لا دليل على مقدار معيّـن، والاَصل براءة الذّمة، وإذا أقرّ بمال كثير، كان إقراره بثمانين، لاِجماع الطّائفة.وروي في قوله تعالى: "في مَواطِنَ كَثيرَةٍ" (2)أنّها كانت ثمانين موطناً.(3)

إذا قال: له عليّ ألف ودرهم، لزمه درهم ويرجع في تفسير الاَلف إليه، لاَنّها مبهمة، والاَصل براءة الذّمّة، وكذا لو قال: ألف ودرهمان. فأمّا إذا قال: وثلاثة دراهم، أو: ألف وخمسون درهماً، أو: خمسون وألف درهم، أو ما أشبه ذلك، فالظّاهر أنّ الكلّ دراهم، لاَنّ ما بعده تفسير.

وإذا قال: له عليّ عشرة إلاّ درهماً، كان إقراراً بتسعة، فإن قال: إلاّ درهمٌ، بالرّفع كان إقراراً بعشرة، لاَنّ المعنى غير درهم، فإن قال: ماله عليّ عشرة إلاّ درهماً، لم يكن مقرّاً بشيء، لاَنّ المعنى ما له عليّ تسعة، ولو قال: ماله عليّعشرة إلاّ درهم، كان إقراراً بدرهم، لاَنّ رفعه بالبدل من العشرة فكأنّه قال: ماله عليّ إلاّ درهم.

وإذا قال: له عليّ عشرة إلاّ ثلاثة إلاّ درهماً، كان إقراراً بثمانية، لاَنّ المراد إلاّ ثلاثة لايجب إلاّ درهماً يجب من الثّلاثة (4) لاَنّ الاستثناء من الاِيجاب نفي، ومن


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وإن يفسّر» والصحيح ما في المتن.
(2) التوبة: 25.
(3) تفسير العياشي: 2|84 ح37، والكافي: 7|463 ح21، والوسائل: 16، ب 3 من أبواب النذر والعهد ح1و4، وقال في الجواهر: 35|39 مزجاً: ولوقال: كثير قال الشيخ في المحكي من خلافه ومبسوطه: يكون ثمانين وتبعه ابن زهرةوقطب الدين الكيدري والقاضي.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: من الثلاثة يجب.


(333)

النّفي إيجاب. واستثناء الدّرهم يرجع إلى ما يليه فقط، ولايجوز أن يرجع إلى جميع ما تقدّم لسقوط الفائدة، وإذا كان الاستثناء الثّاني معطوفاً على الاَوّل، كانا جميعاً راجعين إلى الجملة الاَُولى، فلو قال: عليّ عشرة إلاّ ثلاثة وإلاّ درهماً، كان إقراراً بستّة.

وإذا استثنى بما لايبقى معه من المستثنى منه شيء بطل، لاَنّه بمنزلة الرّجوع عن الاِقرار فلا يقبل، وإن استثنى بمجهول القيمة(1)كقوله: عليّ عشرة إلاّ ثوباً، فإن فسّر قيمته بما يبقى معه من العشرة شيء صحّ، وإلاّ بطل، ويجوز استثناء الاَكثر من الاَقلّ وفي القرآن: "إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ" (2) وفيه: "فَبِعَزَّتِكَ لاََُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ* إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ" (3) فاستثنى من عباده الغاوين مرّة، و المخلَصين أُخرى، ولابدّ أن يكون أحد الفريقين أكثر من الآخر.

إذا قال: له عليّكذا درهم، بالرّفع، لزمه درهم واحد، لاَنّ التقدير هو درهم أي الّذي أقررت به درهم.وإن قال: كذا درهماً، فقيل: لزمه درهم واحد لاَنّه أخرجه مخرج التفسير(4) وقيل:(5)لزمه عشرون درهماً، لأنّ ذلك أقلّ عدد انتصب الدّرهم بعده، فيجب حمله عليه، وإن قال: كذا درهمٍ، بالخفض لزمه أقلّ من درهم، فبأيّ قدر فسّره قُبل منه، لاَنّه يحتمل أن يريد بعض درهم، لاَنّ «كذا» عبارة


(1) في «س»: لمجهول القيمة.
(2) الحجر : 42.
(3) ص: 82.
(4) كذا في الاَصل ولكن في «س»: لاَنّدرهماً أخرجه مخرج اليقين والصحيح ما في المتن لاَنّ هذا القول ذهب إليه القاضي وقال: إذا قال لك عليّكذا درهماً، كان عليه درهم واحد، لاَنّه أخرجه مخرج التفسير.لاحظ جواهر الفقه: 89، المسألة 327.
(5) الشيخ: الخلاف، كتاب الاِقرار، المسألة 8 وابن زهرة: الغنية ـ الينابيع الفقهية ـ 12|184.


(334)

عن البعض وعن الجملة، وقيل: لزمه مائة درهم، لاَنّ ذلك أقلّ عدد يخفض بعد الدّرهم،(1) وقيل: يلزمه درهم واحد،(2)ولي في جواز خفض المعدود بعد "كذا" وهل هو مستعمل أم لا، نظر.

وإن قال: كذا كذا درهماً، لزمه أحد عشر، لاَنّ ذلك أقلّ عددين ركّبا وانتصب ما بعدهما. وإن قال: كذا وكذا درهماً، كان إقراراً بأحد وعشرين، لاَنّ ذلك أقلّ عددين عطف أحدهما على الآخر، وانتصب الدّرهم بعدهما.

إذا أقرّ بشيء وأضرب عنه واستدرك غيره(3)فإن كان مشتملاً على الاَوّل بأن يكون من جنسه وزائداً عليه وغير متعيّن، لزمه دون الاَوّل، كقوله: عليّ درهم لا بل درهمان، وإن كان ناقصاً عنه، لزمه الاَوّل دون الثّاني، كقوله: عليّعشرة لا بل تسعة، لاَنّه أقرّ بالعشرة ثمّ رجع عن بعضها فلم يصحّ رجوعه، ويفارق ذلك قوله: له عليّ عشرة إلاّ درهماً، لاَنّ عن التّسعة عبارتين أحدهما لفظ التّسعة، والآخر لفظ العشرة، مع استثناء الواحد، فبأيّهما أتى فقد عبّر عن التّسعة.

وإن كان مااستدركه من غير جنس الاَوّل كقوله: عليّ درهم لا بل دينار، أو قفيز حنطة لا بل قفيز شعير، لزمه الاَمران معاً، لاَنّ ما استدركه لايشتمل على الاَوّل، فلايسقط برجوعه عنه، وإن كان ما أقرّ به أوّلاً وما استدركه متعيّنين بالاِشارة إليهما أو بغيرهما ممّا يقتضي التّعريف(4)، لزمه أيضاً الاَمران، سواء كانا


(1) الشيخ، الخلاف: كتاب الاِقرار، المسألة 11.
(2) قال في المبسوط: 3|12: وإن قال: «درهم» بالكسر لزمه أقلّ من درهم فبأيّ قدر فسّره قبل منه، لاَنّه يحتمل أن يريد بعض درهم، لاَنّ «كذا» عبارة عن البعض وعن الجملة، وفي الناس من قال: يلزمه درهم واحد والاَصح الاَوّل للاحتمال.
(3) في «س»: واستدرك غيراً.
(4) في الاَصل: عمّا يقتضي التصرّف.


(335)

من جنس واحد أو من جنسين أو متساويين في المقدار أو مختلفين، لاَنّ أحدهما، والحال هذه، لايدخل في الآخر، فلا يُقبل رجوعه عمّا أقرّ به أوّلاً كقوله: هذا الدّرهم لفلان لا بل هذا الدّينار، أو هذه الجملة من الدّراهم لا بل هذه الاَُخرى.

وإذا قال: له عليّ ثوب في منديل، لم يدخل المنديل في الاِقرار، لاَنّه يحتمل أن يريد في منديل لي، ولايلزم من الاِقرار إلاّ المتعيّن دون المشكوك فيه، إذ الاَصل براءة الذمّة.

إذا قال: له عليّ ألف درهم وديعة، قُبل منه، لاَنّ لفظة «عليّ» للاِيجاب، وكما يكون الحقّ في ذمّته، فيجب عليه تسليمه بإقراره، كذلك يكون في يده فيجب عليه ردّه وتسليمه إلى المقرّ له بإقراره، ولو ادّعى التّلف بعد الاِقرار قبل، لاَنّه لم يكذّب إقراره، وإنّما ادّعى تلف ما أقرّ به بعد ثبوته بإقراره، بخلاف ما إذا ادّعى التّلف وقت الاِقرار بأن يقول: كان في علمي(1)أنّها باقية فأقررت لك بها وكانت تالفة في ذلك الوقت، فإنّ ذلك لايقبل منه، لاَنّه يكذّب إقراره المتقدّم من حيث كان تلف الوديعة من غير تعدّ يسقط حقّ المودع.

وإذا قال: له عليّ ألف درهم إن شئت، لم يكن إقراراً، لاَنّ الاِقرار إخبار عن حقّ واجب سابق له، وما كان كذلك لم يصحّ تعليقه بشرط مستقبل.

وإذا قال: له من ميراثي من أبي ألف درهم، لم يكن إقراراً لاَنّه أضاف الميراث إلى نفسه(2)ثمّ جعل له منه جزءاً ولايكون له جزء من ماله إلاّ على وجه الهبة.ولو قال: له من ميراث أبي ألف، كان إقراراً بدَين في تركته، ولو قال:(3)داري هذه لفلان، لم يكن إقراراً لما سبق.ولو قال: هذه الدّار الّتي في يدي لفلان كان


(1) في الاَصل: «كان عندي» بدل «كان في علمي».
(2) في الاَصل:« إلى لنفسه» والصحيح ما في المتن.
(3) في «س»: وكذا لو قال.


(336)

إقراراً، لاَنّها قد تكون في يده بإجارة أو عارية أو غصب.

ويصحّ الاِقرار المطلق للحمل، إذ يحتمل أن يكون من جهة صحيحة، كميراث أو وصيّة.ومن أقرّ بدَين في حال صحّته ثمّ مرض فأقرّ بدَين آخر في حال مرضه صحّ، ولايقدّم دين الصحّة على دين المرض إذا ضاق المال عن الجميع، بل يقسم على قدر الدَّينين.

فصل

لايثبت النّسب بالاِقرار إلاّ بشروط ثلاثة: أن يمكن كون المقرّ به ولداً للمقرّ بنقصان السنّ وهوخمس عشرة سنةً، وأن(1)يكون مجهول النّسب، وأن لاينازعه فيه غيره، لاَنّ مع المنازعة لايثبت النّسب إلاّ ببيّنة، هذا في المقرّ به الصّغير.وفي الكبير العاقل شرط رابع، وهو أن يصدّقه المقرّ به في الاِقرار. ومن ثبت(2)نسبه بذلك، إذا بلغ وأنكر أن يكون ولداً له، لم يُقبل منه ولم يُسمع دعواه.

وثبوت النّسب يحتاج إلى الشّروط المذكورة، سواء أقرّ على نفسه بالنّسب، أو على غيره، كأن يقرّ بأخ له أو أُخت أو عمٍّ أو خال، ويراعى في ذلك إقرار رجلين عدلين أو رجل وامرأتين من الورثة، ولايثبت إلاّ بذلك، فإن كان المقرّ واحداً أو كانا غير عدلين، يثبت له الميراث بقدر ما يخصّ المقرّ ممّا في يده، وإن كان المقرّ له أولى، فله جميع ما في يد المقرّ.

ولو مات المُقَرُّ له لم يرثه المقِرّ، لاَنّه لم يثبت نسبه إلاّ أن يكون قد صدّقه المقَرُّ له وكان عاقلاً بالغاً، ولايتعدّى منهما إلى غيرهما إلاّ إلى أولادهما.(3)


(1) في «س»: أو يكون.
(2) في الاَصل: ومن يثبت.
(3) في الاَصل: إلاّ أولادهما.


(337)

إذا(1) مات وخلّف ابناً فأقرّ بأخ ثمّ أقرّا بثالث ثمّ أنكر الثّالث الثّاني، سقط نسبه إذا لم يقرّ بنسبه(2)اثنان من الورثة وإنّما أقرّ به الاَوّل فيكون المال بين الاَوّل والثّالث، ويأخذ الثّاني من الاَوّل، ثلث ما في يده، لاَنّه مقرّ به وبغيره.

إذا خلّف ثلاث(3) بنين، فأقرّ اثنان بأخ آخر وجحد الثّالث ؛ فإن كان مرضيّين ثبت نسبه بإقرارهما، وإن كانا غير عدلين لم يثبت، وقاسم الاثنين على قدر حصتهما.

إذا أقرّ بوارثين فصاعداً متساويين في استحقاق الميراث وتناكروهم ذلك النّسب لم يُلتفت إلى إنكارهم، وقبل إقراره لهم، فإن أنكروا إقراره أيضاً لم يكن لهم ميراث، وإن أقرّوا له بمثل ما أقرّ لهم به توارثوا بينهم إذا كان المقرّ له ولداً أو والداً، وإن كان غيرهما من ذوي الاَرحام لم يتوارثوهم وإن صدّق بعضهم بعضاً ولايتعدّى الحكم فيه مال الميّت بحال.

ومتى أقرّ بوارث أولى منه بالميراث وأعطاه، ثمّ أقرّ(4)بآخر أولى منهما، لزمه أن يغرم له مثل المال ثمّ هكذا، وإن أقرّ بوارث مساو للمُقَرّ له في الميراث يغرم له مثل نصيبه.

إذا أقرّ بزوج للميتة أعطى نصيبه، فإن أقرّ بعده بزوج آخر بطل إقراره إلاّ أن يكذّب نفسه في الاِقرار الاَوّل، فحينئذٍ يغرم للثّاني نصيبه بلا رجوع على الاَوّل.

إذا أقرّ الولد بزوجة للميّت أعطاها ثُمن ما في يده من التركة، فإن أقرّ بأُخرى أعطاها نصف الثُّمن، فإن أقرّ بثالثةٍ أعطاها ثلث ثمن ذلك، فإن أقرّ


(1) في «س»: فإن مات.
(2) في «س»: «إذ لم ينسبه» وهو تصحيف والصّحيح ما في المتن.
(3) في «س»: ثلاثة.
(4) في «س»: «ثم اقرّا».


(338)

برابعةٍ أعطاها ربع ثمن ذلك، فإن أقرّ بخامسةٍ وقال: إنّ إحدى من أقررت لها ليست بزوجة لاَبي، لم يلتفت إلى إنكاره ولزمه أن يغرم للمقرّ لها بعد، وإن لم ينكر واحدة من الاَربع بطل إقراره بالخامسة.

إذا خلّف زوجة وأخاً فأقرّت الزّوجة بابن للميّت وأنكره الاَخ، لم يثبت نسبه، إلاّ أنّه يقاسمها، فيأخذ منها ما فضل من نصيبها، وهو الثّمن مع وجود الولد، لاَنّها أقرّت بابن لمورثها، ومع فقد الولد كان لها الرّبع، فيكون ما في يدها من الرّبع بين الابن وبينها نصفين.

إذا خلّف ابنين فأقرّ أحدهما بأخ وجحد الآخر فإنّ نسب المقرّ به لايثبت، فإن مات الجاحد ورثه المقرّ والمقرّ به، وكان المال بينهما نصفين، وإن كان الجاحد خلّف ابناً فوافق عمّه على إقراره، ثبت النّسب والميراث لاِقرارهما به ويرث هو نصيب أبيه.

إذا خلّف ابنين عاقلاً ومجنوناً، فأقرّ العاقل بنسب أخٍ، لم يثبت النّسب بإقراره، فإن أفاق المجنون ووافقه على إقراره، ثبت النّسب والميراث، وإن خالفه أو لم يفق فكما سبق، وإن خلّف كافر أو مسلم ابنين كافراً ومسلماً فالميراث للمسلم دون الكافر، فإن أقرّ المسلم بأخ مسلم قاسمه، ولا اعتبار بجحود الكافر ولا بإقراره.

إذا أقرّ ببنوّة صبيّ لم يكن ذلك إقراراً بزوجيّة أُمّه، لاَنّه يحتمل أن يكون الولد من نكاح فاسد، أو من وطء شبهة.

إذا مات صبيّ وله مال، فأقرّ رجل بنسبه ثبت، وورثه باعتبار الشّروط السّابقة،(1) وكذا(2)إن كان الميّت كبيراً، ولايراعى هنا تصديقه.


(1) في الاَصل: الشروط السّالفة.
(2) في «س»: وكذلك.


(339)

كتاب الغصب

من غصب ما لَه مثلٌ ـ وهو ما تساوت قيمة أجزائه، كالحبوب والاَدهان والتّمور(1) وما أشبه ذلك ـ وجب عليه ردّه بعينه، فإن تلف فعليه مثله، فإن أعوز المثل أخذت القيمة، فإن لم يقبض بعد الاِعواز حتّى مضت مدّة، اختلفت القيمة فيها، كان له المطالبة بالقيمة حين القبض، لاحين الاِعواز، وإن كان قد حكم بها الحاكم حين الاِعواز.

وإن غصب ما لامثل له ـ ومعناه أن لاتتساوى(2)قيمة أجزائه، كالثّياب والرّقيق والخشب والحطب والحديد والرّصاص والعقار وغير ذلك ـ وجب أيضاً ردّه بعينه.

فإن تعذّر ذلك بتلفه، وجبت قيمته لاَنّه لايمكن [له](3)الرّجوع فيه إلى المثل، لاَنّه إن ساواه في القدر(4)خالفه في الثّقل، وإن ساواه فيهما، خالفه من وجه آخر وهو القيمة، فإذاتعذّرت المثليّة كان الاعتبار بالقيمة. ومتى(5)لم يعرف


(1) التّمور جمع التمرة. المصباح المنير.
(2) في الاَصل: ومعناه لاتتساوى.
(3) ما بين المعقوفتين موجود في «س».
(4) في الاَصل: «إن ساواه في القدّ» والظاهر انّه تصحيف.
(5) في «س»: ومن.


(340)

صاحب المغصوب، أودعه في بيت مال المسلمين، حتّى يحضر هو أو وارثه فيأخذه، فإن كان زمان سلاطين الجور تصدّق به عنه، فإن حضر ولم يرضَ بالصّدقة، عوّضه عنه وتاب منه.

ويضمن الغاصب ما يفوت من زيادة قيمة المغصوب بفوات الزّيادة الحادثة فيه لا بفعله، كالسّمن والولد وتعلّم الصّنعة والقرآن، سواء ردّ المغصوب أو مات في يده، لاَنّ ذلك حادث في ملك المغصوب منه لم يزل بالغصب، وإذا كان كذلك فهو مضمون على الغاصب، لاَنّه حالَ بينه وبينه.

فأمّا زيادة القيمة لارتفاع السّوق، فغير مضمونة مع الردّ، لاَنّ الاَصل براءة الذّمّة، فإن لم يردّ حتّى هلكت العين، لزمه ضمان قيمتها بأكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التّلف.

وإذا صبغ الغاصب الثّوب بصبغ يملكه، فزادت لذلك قيمته، كان شريكاً فيه بمقدار الزّيادة فيه، وله قلع الصبغ، لاَنّه عين ماله بشرط أن يغرم ما ينقص من قيمة الثّوب، لاَنّ ذلك يحصل بجنايته.

ولو ضرب النّقرة دراهم، والتّراب لبناً، ونسج الغزل ثوباً، وطحن الحنطة، وخبز الدّقيق، فزادت القيمة بذلك لم يكن له شيء، لاَنّ هذه آثار أفعال، وليست بأعيان أموال، ولايدخل المغصوب بشيء(1)من هذه الاَفعال في ملك الغاصب، ولايجبر صاحبه على أخذ قيمته.

ومن غصب زيتاً فخلطه بأجود منه فالغاصب بالخيار بين أن يعطيه من ذلك، ويلزم المغصوب منه قبوله، لاَنّه تطوَّع له بخير من زيته، وبين أن يعطيه مثله من غيره، لاَنّه صار بالخلط كالمستهلك، ولو خلطه(2)بأردأ منه، لزمه أن يعطي


(1) في الاَصل: ولايدخل المغصوب شيء.
(2) في الاَصل: ولو خالطه.


(341)

من غير ذلك، مثل الزّيت الّذي غصبه، ولايجوز أن يعطيه منه بقيمة زيته الّذي غصبه، لاَنّ ذلك رباً، وإن خلطه بمثله، فالمغصوب منه شريكه فيه، يملك مطالبته بقسمته.

ومن غصب حبّاً فزرعه، أو بيضة فأحضنها، فالزّرع والفرخ لصاحبهما دون الغاصب، لاَنّ المغصوب لايدخل في ملك الغاصب بتغيّره، فإذا كان باقياً على ملك صاحبه، فما تولّد منه ينبغي أن يكون له دون الغاصب، ومن أصحابنا من اختار القول بأنّ الزّرع والفرخ للغاصب وعليه القيمة لاَنّ عين الغصب تالفة، وهو أبو جعفر(1) وابن البرّاج(2) _ رضي الله عنهما _ . والمذهب هو الاَوّل.

ومن غصب ساجة(3) فأدخلها في بنائه، لزمه ردّها، وإن كان في ذلك قَلْعُ ما بناه في ملكه، لما سبق في ضرب النّقرة، وكذا لو غصب لوحاً، فأدخله في سفينة ولم يكن في ردّه هلاك ما له حرمة، وعلى الغاصب أُجرة مثلِ ذلك من حين الغصب إلى حين الردّ، لاَنّ الخشب يُستأجر للانتفاع به. وكلّمنفعة تملك بعقد الاِجارة، فإنّها تضمن بالغصب أيضاً.

وإذا غصب أرضاً فزرعها ببذر من ماله، أو غرسها كذلك، فالزّرع والشّجر له، لاَنّه عين ماله، وإنّما تغيّرت صفته(4)بالزّيادة والنّماء، وعليه أُجرة الاَرض وأرش نقصانها.

ومتى قلع الشّجر(5)فعليه تسوية الاَرض، وكذا لو حفر بئراً أُجبر على طمّها، وللغاصب ذلك، وإن كره مالك الاَرض، لما في تركه من الضّرر عليه لضمان


(1) الخلاف: كتاب الغصب، المسألة 38.
(2) المهذّب: 1|452.
(3) الساج: ضرب عظيم من الشجر، الواحدة ساجة وجمعها ساجات.المصباح المنير.
(4) في «س»: تغيرت الصّفة.
(5) في «س»: «ومتى الشجر» والصحيح ما في المتن.


(342)

ما يتردّى فيه.

ومن حلّ دابّة فشردت، أو فتح قفصاً، فذهب ما فيه، لزمه الضّمان، سواء كان ذلك عقيب الحلّ والفتح، أو بعد أن وقفا، لاَنّ ذلك كالسّبب في الذّهاب، ولولاه لما أمكن، ولم يحدث بسبب آخر من غيره.ولو حلّ رأس الزّقّ فخرج ما فيه وهو مطروح ولايمسك ما فيه غير الشدّ لزمه الضّمان، ولو كان الزقّ قائماًمستنداً وبقي محلولاً حتّى حدث ماأسقطه من ريح أو زلزلة أو غيرهما، فاندفق مافيه، لم يلزمه الضّمان، لاَنّه قد حصل هاهنا مباشرة وسبب من غيره.(1)

ومن غصب عبداً فأبق، فعليه قيمته، فإذا أحرزها صاحب العبد ملكها، ولايملك الغاصب العبد، فإن عاد انفسخ الملك عن القيمة ووجب ردّها وأَخذ العبد، لاَنّ أخذ القيمة إنّما كان لتعذّر أخذ العبد والحيلولةِ بين مالكه وبينه، ولم يكن عوضاً عنه على وجه البيع، لاَنّا بيّنا أنّ ملك القيمة بتعجيل هاهنا، وملكُ القيمة بدلاً عن العين الفائتة بالاِباق لايصحّ على وجه البيع، ولمّا ملكت القيمة هنا والعبد آبق ولم يجز الرجوع بها مع تعذّر الوصول إلى العبد ثبت أنّ ذلك ليس على وجه البيع.

ومن غصب جاريةً بكراً فوطأها، عالـمَين بالتّحريم وحملت، حدّا معاً، وعليه أرش البكارة عشر قيمتها، ولا مهر لها إلاّ أن تكون مكرهة، ولايلحق النّسب، لاَنّه عاهر والولد ملك لسيّد الجارية، فإن نقصت بالولادة، لزم الغاصب أرشُ النّقصان، فإن وضعت الولد ميّتاً لم يلزمه قيمته، وإن تلف الولد بعد الولادة، ضمن أكثر قيمته من حين الوضع إلى حين التّلف.

وإن كانا جاهلين بالتّحريم، لقرب عهدهما بالاِسلام، لم يحرم الوطء وسقط الحدّ ووجب المهر مع أرش البكارة، وأُجرة مثلها من حين الغصب إلى حين الردّ،


(1) في «س»: بسبب من غيره.


(343)

والولد حرّ، ويلزمه أرش ما نقصت بالوضع، وقيمة الولد أيضاً إن وضعته حيّاً ولايضمن الميّت.

وإن كانت(1) الجارية عالمة ومكرهة، والغاصب جاهلاً ، فكما لو كانا جاهلين، وإن كانت مطاوعة فكذلك، إلاّ في سقوط الحدّ عنها والمهر عن الغاصب.

وإن كان عالماً وكانت جاهلةً، فكما لو كانا عالمين، إلاّ في سقوط وجوب الحدّ عنها، ووجوب المهر عليه.

فإذا باعها الغاصب، فوطأها المشتري، فعلى المشتري ما على الغاصب من الضمان، وكلّ ما وجب بفعل المشتري من أرش بكارةٍ ونقصان ولادةٍ وقيمتها إن تلفت وقيمة الولد والمهر والاَُجرة، فللسيّد أن يرجع على من شاء منهما، فإن رجع على المشتري، لم يكن للمشتري أن يرجع على الغاصب إذا كان قد علم الغصب، وإن لم يعلم رجع عليه بالمهر والاَُجرة وقيمة الولد، لا بأرش البكارة، ونقصان الولادة، وقيمة الجارية إن تلفت، وإن رجع السيّد على الغاصب، رجع الغاصب على المشتري بأرش البكارة، ونقصان الولادة، وقيمتها إن تلفت، لابقيمة الولد والمهر والاَُجرة.

وإذا غصب عصيراً فصار خمراً، ثمّ صار خلاً، وكان قيمة العصير أكثر من قيمة الخلّ حين أراد ردّه، لزمه ردّ الخلّ مع قيمة ما نقص من ثمن العصير.(2)

إذا اشترى جارية بثمن معيّن في الذّمّة، ثمّ أدّى الثمن من مال مغصوب، فالفرج له حلال، وعليه وزر المال، فإن حجّ بذلك المال لم يُجز عن حجّة الاِسلام.

إذا غصب عبداً فردّه أعور، ثمّاختلفا، فقال صاحبه للغاصب: عَوِرَ العبد


(1) في «س»: فإن كانت.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: من ثمن العصير الآن.


(344)

عندك، وقال الغاصب: بل عندك، فالقول قول الغاصب لاَنّه غارم، وإن اختلفا فيه، وقد مات العبد ودفن، فقول سيّده، لاَنّه إذا مات ودفن، الاَصلُ فيه السّلامة، وليس كذلك حال حياته، لاَنّه مشاهد عوره.

إذا غصب حرّاً صغيراً فتلف في يده، من غير تعدٍّ وسبب من قبله لم يضمن، وإن كان عبداً، ضمن على كلّ حال.

* * *


(345)

كتاب الوقف

الوقف تحبيس الاَصل وتسبيل المنفعة. وشروط صحّته:

أن يكون الواقف مختاراً مالكاً للتّبرع، فلو وقف وهو محجور عليه لاِفلاس، لم يصحّ.

وأن يتلّفظ بصريحه، قاصداً له وللتقرّب(1)به إلى اللّه تعالى.

والصّريح من ألفاظه: وقفت وحبّست وسبّلت، وأمّا تصدّقت وحرّمت وأبّدت فذلك يحتمل الوقف وغيره، فلا يُحمل عليه إلاّ بدليل، وقال بعض أصحابنا: لاصريح في الوقف إلاّ قوله: وقفت(2) ولو قال: تصدّقت، ونوى به الوقف صحّ فيما بينه وبين اللّه تعالى، ولكن لايصحّ في الحكم، للاحتمال(3).

وأن يكون الموقوف معلوماً مقدوراً على تسليمه، ويصحّ(4)الانتفاع به مع بقاء عينه في يد الموقوف عليه، وسواء في ذلك المنقول وغيره والمشاع والمقسوم، ولايجوز وقف الدّراهم والدّنانير، لاَنّ الموقوف عليه لاينتفع بها مع بقاء عينها في يده.


(1) عطف على الضمير.وفي الاَصل: قاصداً له للتقرب.
(2) الشيخ: المبسوط: 3|292.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: لايصح في الاحتمال.
(4) في الاَصل: على تسليمه يصحّ.


(346)

وأن يكون الموقوف عليه غير الواقف، فلو وقف على نفسه لم يصحّ، فأمّا إذا وقف شيئاً على المسلمين عامّةً، جاز له الانتفاع به، لاَنّه يعود إلى أصل الاِباحة، فيكون هو وغيره فيه سواء.

وأن يكون معروفاً متميّزاً، ليصحّ التّقرب إلى اللّه تعالى بالوقف عليه، وهو ممّن يملك المنفعة حالة الوقف، فلايصحّ أن يقف على شيء من معابد أهل الضّلال، ولا على مخالف الاِسلام، ولا على معاند للحقّ إلاّ أن يكون ذا رحم له، ولا على أولاده ولا ولد له، ولا على الحمل قبل انفصاله، ولا على عبد.

ولو وقف على أولاده وفيهم موجود صحّ، ودخل في الوقف مَنْ سيولد له على وجه التّبع(1)لاَنّ الاعتبار باتّصال الوقف في ابتدائه بمن هو من أهل الملك، ويصحّ الوقف على المساجد والقناطر وغيرهما لاَنّ المقصود بذلك مصالح المسلمين وهم يملكون الانتفاع.

وأن يكون الوقف موَبّداً غير منقطع فلو قال: وقفت كذا سنة، لم يصحّ. فأمّا قبض الموقوف عليه أو من يقوم مقامه في ذلك،(2)فشرط في اللّزوم.

وإذا تكاملت هذه الشّروط، زال ملك الواقف، ولم يجز له الرّجوع في الوقف، ولا تغييره(3)من وجوهه إلاّ على وجه نذكره.

وينتقل الملك إلى الموقوف عليه، ويجوز للموقوف عليه بيع الوقف إذا صار بحيث لا يجدي نفعاً وخيف خرابه وكانت بأربابه حاجةٌ شديدةٌ ودعتهم الضّرورة إلى بيعه.


(1) في «س»: على وجه المتبع.
(2) في «س»: أو من يقوم مقام ذلك.
(3) في «س»: ولايتغيّره.


(347)

ويتّبع في الوقف ما يشرطه الواقف من ترتيب الاَعلى على الاَدنى، واشتراكهما، أو تفضيل في المنافع، أو مساواة فيها، إلى غير ذلك.

وإذا وقف على أولاده وأولاد أولاده، دخل فيهم ولد البنات، لوقوع اسم الولد عليهنّ لغةً وشرعاً، وكذا إذا وقف على نسله أو عقبه أو ذريّته.

وإن وقف على عترته فهم(1)ذرّيّته، وإذا وقف على عشيرته أو قومه ولم يعيّنهم بصفة، عمل بعرف قومه في ذلك الاِطلاق، وروي أنّه إذا وقف على عشيرته كان ذلك على الخاصّ من قومه الّذين هم أقرب النّاس إليه في نسبه.(2)

وإذا وقف على قومه، كان ذلك على جميع أهل لغته، من ذكور دون إناث، وإذا وقف على جيرانه ولم يسمّهم، كان ذلك على من يلي داره من جميع الجهات إلى أربعين ذراعاً.

ومتى بطل رسم المصلحة الّتي وقف عليها(3)أو انقرض أربابه، جعل ذلك في وجوه البرّ، وروي: أنّه يرجع إلى ورثة الواقف،(4)والاَوّل أحوط.

وإذا وقف على ولده الصّغار، فالّذي يتولّى عنهم القبض، هو لاغير. إذا علّقالوقف بما ينقرض كأن يقول: وقفته على أولادي وأولاد أولادي، وسكت عليذلك، قال بعض أصحابنا: إنّه يصحّ، وقال الباقون: إنّه يصحّ ويرجع الموقوف عندانقراض الموقوف عليه إلى الواقف إن كان حيّاً فإن كان ميّتاً فإلى


(1) في «س»: وهم.
(2) النهاية: 599.
(3) في «س»: وقف إليها.
(4) النهاية: 599.


(348)

ورثته.(1)

وإذا وقف وقفاً وشرط أن يبيعه متى شاء أو أن يخرج من شاء [من أرباب الوقف من بينهم، أو يفضّل بعضهم على بعض، أو أدخل فيهم من شاء](2)معهم، بطل الوقف إلاّ فيما سبق، من ضمّ الولد الغير الموجود بعدُ إلى الموجود في الحال.

إذا وقف على قوم وجعل النّظر إلى نفسه أو إلى غيره، كان كما جعل الوقف في المرض المخوف، وصدقة التّمليك والهبة فيه، روي أنّذلك من الثّلث، وروي أنّه منجّز في الحال.(3)

إذا قال: إذا جاء الشّتاء أو دخل شهر كذا أو سنة كذا، فقد وقفت هذه الدّار على فلان، لم يصحّ.

إذا وقف على ولده ثمّ على الفقراء والمساكين بعد انقراضهم، كان وقفاً على أولاد صلبه دون ولد الولد وقيل: إنّه إذا وقف على ولده دخل فيه ولد الولد من البنين والبنات البطن الثّاني والثّالث فما زاد عليه(4).

إذا وقف الكافر على الفقراء، مضى في فقراء أهل ملّته لا غير. واللّه أعلم.


(1) قال الشيـخ في المبسوط: 3|292: فإذا علّقه بما ينقرض مثل أن يقول: وقفت هذا على أولادي وأولاد أولادي وسكت على ذلك ...فهل يصح ذلك أم لا ؟من أصحابنا من قال: يصح، ومنهم من قال: لا يصحّ، وبهذا القولين قال المخالفون... ومن قال: يصحّ قال: إذا انقرض الموقوف عليه لم يرجع الوقف إلى الواقف إن كان حيّاً ولا إلى ورثته إن كان ميتاً. وقال قوم يرجع إليه إن كان حياً وإلى ورثته إن كان ميتاً، وبه يشهد روايات أصحابنا، ولاَنّ رجوعه إلى أبواب البرّ يحتاج إلى دليل.
(2) ما بين المعقوفتين موجود في الاَصل، وهو الصحيح.
(3) قال الشيخ في المسبوط: 3|298: إذا وقف في مرضه المخوف ـ وكذلك صدقة التمليك والهبة والوصية ـ لاَصحابنا فيه روايتان احداهما أنّ ذلك من الثلث، وهو مذهب المخالفين، والاَُخرى أنّ ذلك منجّز في الحال.
(4) القاضي: المهذّب: 2|89، والمفيد: المقنعة ـ الينابيع الفقهية ـ: 12|18.


(349)

كتاب الهبة

الهبة تفتقر صحّتها إلى الاِيجاب والقبول.وهي ضربان: ما لايجوز الرّجوع فيه، وما يجوز.

فالاَوّل أن تكون الهبة مستهلكة، أو قد يعوّض عنها، أو تكون لذي رحم ويقبضها هو أو وليّه، سواء قصد بها وجه اللّه تعالى أو لا، أو يقبض(1)وقد قصد بها وجه اللّه تعالى، ويكون الموهوب له ممّن يصحّ التقرّب إلى اللّه تعالى بصلته.

والثّاني ما عدا ذلك.

والهبة في المرض المتّصل بالموت، محسوبة من أصل المال لا من الثّلث، وقيل: من الثّلث.(2)وهبة المشاع جائزة، ولو قبض الهبة من غير إذن الواهب، لم يصحّ ولزمه الردّ.

وإذا مات الواهب قبل القبض بعد قبول الموهوب له الهبة، لم يبطل عقد الهبة.


(1) في «س»: «أو لم يقبض» والصّحيح ما في المتن.
(2) الشيخ: المبسوط: 3|315، قال العلاّمة في المختلف: الطبعة الحجرية|487: إذا وهب المريض شيئاً ومات في مرضه مضت الهبة من الثلث عند أكثر علمائنا... وقال ابن إدريس: يمضي من الاَصل.


(350)

وإذا وهب المودِع للمودَع وديعته لم يحتج الموهوب إلى إذنٍ في قبضه،(1) ويجوز هبة الجارية المزوّجة والدّار المستأجرة.

إذا كان له في ذمّة رجل مالٌ فوهبه له، كان ذلك إبراء بلفظ الهبة، ومن شرط صحّته قبول الموهوب له، فإن لم يقبل لم يصحّ، فأمّا إذا وهبه لغيره صحّ، ولم يلزم إلاّ بالقبض.

من أخرج شيئاً ليتصدّق(2)به على موَمن بعينه للّه تعالى(3)فلم يجده، فليتصدّق به على غيره ولايردّه في ماله.

من وُهِبَ له حيوانٌ فظهر بها في يده حمل ووضعت عنده، أو كان شجراً فجنى ثمرته، كان للواهب الرّجوع في الاَصل دون الفرع، ما لم يتصرّف الموهوب له في ذلك، بإجارة أو إعارة أو قصارة أو عتق أو تزويج أو وطء وغير ذلك،(4)فإن تصرّف بطل حكم الرّجوع. ويجوز أن يهب شيئاً ويشترط(5)على الموهوب له عوضاً معلوماً أو مجهولاً.

ومن منح غيره ناقةً أو بقرةً أو شاةً، لينتفع بلبنها مدّة معلومة، لزمه الوفاء بذلك إذا قصد به وجه اللّه تعالى، وكان الغير ممّن يصحّ التقرّب إلى اللّه تعالى ببرّه، ويضمن هلاك المنحة ونقصانها بالتعدّي، وكذا لايجوز الرّجوع في السُكنى والرُّقبى والعُمرى، إذا كانت مدّتها محدودة، وقصد بها وجه اللّه تعالى.

والرّقبى والعمرى سواء، وإنّما يختلفان في التّسمية، فالرّقبى أن يقول: أرقبتك


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: إذا وهب المودع للمودع وديعة لم يحتج الموهوب إلى إذنه في قبضه.
(2) في «س»: يتصدق.
(3) كذا في الاَصل ولكن في «س»: على موَمن لوجه اللّه تعالى.
(4) في «س»: أو غير ذلك.
(5) في الاَصل: ويشرط.


(351)

هذه الدّار مدّة حياتك أو حياتي.

والعمرى أن يقول: أعمرتك كذلك، وقيل: إنّ الرّقبى من رقبة العبد وهو أن يقول: جعلت لك خدمة هذا العبد مدّة حياتك.(1)

وإذا علّق المالك ذلك بموته، رجع إلى ورثته إذا مات، فإن مات السّاكن قبله، فلورثته السّكنى إلى أن يموت المالك، فإن علّقه بموت السّاكن رجع إليه إذا مات، فإن مات المالك قبله، فله السّكنى إلى أن يموت، ومتى لم يعلّق ذلك بمدّة، كان له إخراجه متى شاء، ولايجوز أن يسكن من جعل ذلك له من عدا ولده وأهله إلاّ بإذن المالك، ومن شرط صحّة ذلك كلّه الاِيجاب والقبول.

وإذا حبس فرسه في سبيل اللّه، وغلامه وجاريته في خدمة البيت الحرام، وبعيره في معونة الحاجّ والزّوار لوجه اللّه تعالى جاز، ولم يجز له تغييره بعد ذلك.

وإذا قال: جعلت خدمة عبدي لفلان، مدّة كذا ثمّ هو حرّ بعد ذلك، جاز، وصار حرّاً إذا خدم تلك المدّة، فإن أبق العبد إلى انقضاء المدّة فلا سبيل عليه للمستخدم، وإن كان مالكه جعل خدمته لنفسه قبل تحريره، انتقض التّدبير بإباقه(2) وصار ملكاً.

ومن السنّة الاِهداء وقبول الهديّة إذا عريت من وجوه القبح، ومتى قصد بها وجه اللّه تعالى وقبلت لم يجز الرّجوع فيها ولا العوض عنها، وكذا إن قصد بها التكرّم والمودّة الدّنيويّة، وتصرّف فيها من أُهديت إليه، وكذا إن قصد بها العوض عنها فدفع وقَبِلَهُ المهدي، وهو مخيّر في قبول هذه الهدّية وردّها، ويلزم العوض عنها إذا


(1) قال الشيخ في المبسوط: 3|316: والرقبى يحتاج أن يقول: أرقبتك هذه الدار مدّة حياتك أو مدّة حياتي وفي أصحابنا من قال: الرقبى أن يقول: جعلت خدمة هذا العبد لك مدّة حياتك أو مدّة حياتي وهو مأخوذ من رقبة العبد، والاَوّل مأخوذ من رقبة الملك.
(2) في «س»: بالاِباق.


(352)

قبلت بمثلها، والزّيادة أفضل، ولايجوز التصرّف فيها إلاّ بعد التّعويض أو الغرم عليه.

ومن أراد عطيّة أولاده، فالاَولى أن يسوّي بينهم، ولو كانوا ذكوراً أو إناثاً، وإن فضّل بعضهم على بعض جاز.

* * *


(353)

كتاب الوصيّة

لا يجوز أن يوصي المسلم لكافر حربيّ ولا ذمّيّ، لارحم له منه، ويجوز لغيرهما، والوصيّة بأكثر من الثّلث لاتمضي إلاّ برضاء الورثة، فإذا رضوا فلا امتناع لهم بعد، ولو بعد وفاة الموصي.

ويجوز الوصيّة للحمل المخلوق حال الوصيّة(1)إذا خرج حيّاً، وإذا خرج ميّتاً فلا تصحّ، ويكون المال لورثة الموصي.

إذا أوصى لعبده بثلث ماله؛ فإن كانت قيمته أقلّ من الثّلث أُعتق وأُعطي الباقي، وإن كانت مثله، أُعتق لا له ولا عليه، وإن كانت أكثر منه ولم تبلغ ضِعفي الثّلث، أُعتق واستسعى في الباقي، وإن كانت ضِعفي الثّلث بطلت الوصيّة.

إذا أوصى بعتق عبده وعليه دَين؛ فإن كانت قيمة العبد ضِعفي الدَّين استسعى في خمسة أسداس قيمته، ثلاثة للدّيّان وسهمان للورثة، وإن كانت أقلّ منه بطلت الوصيّة.

ومن أوصى لعبد أو مكاتب لغيره، لم يوَدّ(2)من مكاتبته شيئاً، مشروطاً كان


(1) في «س»: حال وصيّته.
(2) في «س»: لم يردّ.


(354)

أو لا لم تصحّ، وإن لم يكن مشروطاً وقد أدّى شيئاً جازت له الوصيّة بمقدار ما أدّى لاغير.

وللاِنسان أن يرجع في وصيّته مادام حيّاً، ويغيّر شرائطها، وينقلها من شيء إلى شيء، ومن شخص إلى آخر. وتدبير العبد كالوصيّة في أنّه من الثّلث وصحّة الرّجوع فيه.

ومن شرائط الوصيّة كون الموصي ثابت العقل حرّاً، وابن عشر سنين إذا لم يضع الاَشياء إلاّ في مواضعها أمضت وصيّته في وجوه البرّ لاغير، وكذلك(1) يجوز صدقته وهبته بالمعروف.

ومن أوصى بماله في غير مرضات اللّه تعالى، كان للوصيّ مخالفته في ذلك، وصرفها فيما يرضاه اللّه تعالى، وإذا جرح نفسه بما فيه هلاكها، ثمّ أوصى لم يجز العمل على وصيّته، فإن أوصى ثمّقتل نفسه مضت وصيّته.

إذا أوصى ثمّ قُتل أو جُرِح، مضت وصيّته في ثلث ماله وثلث ديته أو ثلث أرش جراحته.

وتنفذ وصيّة المرأة ومنع غيرها(2)من التصرّف في مالها، إذا كانت حرّةً عاقلةً قد بلغت تسع سنين، ولم تكن سفيهةً ولا ضعيفة العقل.

ومن شرط الوصيّة أن يشهد الموصي عليها عدلين، فإن لم يُشهد وأمكن الوصيّ إنفاذها جاز ذلك.


(1) في «س»: وكذا.
(2) كذا في الاَصل ولكن في «س»: «وصية المرأة وغيرها» والصّحيح ما في المتن.


(355)

[شرائط الوصيّ]

(1)

الفصل الاَوّل

لا تصحّ الوصيّة إلاّ إلى من(2)جمع خمس صفات: البلوغ وكمال العقل والاِسلام والعدالة والحريّة.وتبطل الوصيّة باختلال إحداها، إذ لاحكم لكلام الصبيّ والمجنون ولا الكافر ولا الفاسق لاَنّه لا أمانة لهما، والوصيّة أمانة، والمملوك لايملك التصرّف، وحكم المدبّر وأُم الولد والمكاتب ومن انعتق بعضه حكم العبد، ويعتبر هذه الصّفات حال الوصيّة لا حال القبول وحال الوفاة، لاَنّها حال التصرّف.

ويصحّ وصيّة الكافر إلى المسلم وإلى الكافر ذمّيّاً كان أو عابد وثن إلاّ أن يكون غير رشيد في ملّته، فإذاً لاتصحّ.وتصحّ الوصيّة إلى المرأة المتّصفة بالصّفات المذكورة.

وإذا تغيّر حال الوصيّ بكبر أو مرض، أُضيف إليه أمين آخر، ولا يخرج من يده، وإن تغيّر بفسق أو ارتداد أُخرجت من يده.

إذا أوصى إلى رجلين وجعل التصرّف إليهما على الانفراد والاجتماع، فاجتمعا على التصرّف، أو انفرد أحدهما بذلك جاز، ولم يضرّ تغيّر حال أحدهما بشيء [ممّا سبق](3)وإن أوصى إليهما مطلقاً أو نهى كلاًّ منهما على الانفراد بالتصرّف، رُدّ


(1) مابين المعقوفتين منّا.
(2) في «س»: «إلاّ لمن» والصحيح ما في المتن.
(3) مابين المعقوفتين موجود في «س».


(356)

تصرّف المنفرد إلاّ ما يعود بمصلحة الورثة، فعلى الناظر في أمر المسلمين(1) حملهما على الاجتماع أو الاستبدال بهما، وكذا إن تغّر حالهما، وإن تغيّر حال أحدهما أقام النّاظر مقامه آخر.

إذا تشاحّ الوصيّان(2)وخالفا، قسم بينهما التّركة قسمة المقاربة (3)لا قسمة العدل وجعل في يد كلّ منهما نصفه ليتصرّف، هذا في الصّورة الّتي أوصى إلى كلّ منهما مجتمعاً ومنفرداً خاصّة.

ولابأس أن يوصى إلى عاقل وصبيّ، ويجعل للعاقل النّظر في الحال وللصّبيّ إذا بلغ، فإن مات قبل البلوغ أو بلغ فاسد العقل، أنفذها العاقل وإن أنفذها قبل بلوغه جاز، ولم يكن للصبيّ إذا بلغ النّزاع فيه، إلاّ أن يكون الكبير خالف شرط الوصيّة.

إذا أوصى إلى ورثته الصّغار والكبار، كان للكبار إنفاذ الوصيّة، إلاّ إذااشترط الموصي إيقاف الوصيّة إلى وقت بلوغ الصّغار، ويكون الموصى به ممّا يجوز تأخيره فإذن لايجوز، والوصيّ بالخيار بين قبول الوصيّة وردّها، ولا يجوز له ترك القبول إذا بلغه ذلك بعد موت الموصي ولا ترك القيام بما فوّض إليه من ذلك(4) إذا لم يقبل وردّ فلم يبلغ الموصي ذلك حتّى مات.

إذا أوصى إلى شخص ولم يقل له: إذا متّ فوض إلى غيرك، هل يجوز له أن يوصى إلى غيره؟فيه قولان.

ولايجوز للوصيّ صرف شيء من مال الوصيّة في غير الوجه المأمور به، فإن فعل أو اختار ضمن المال، وعلى النّاظر في أمر المسلمين أن يعزله ويقيم أميناً


(1) كذا في الاَصل ولكن في «س»: وعلى الناظر في المسلمين.
(2) في الاَصل: وكذا إن تشاحّ الوصيّان.
(3) في المبسوط: 4|54: قسمه المقارنة.
(4) في «س»: «بما فرض إليه من ذلك»والصحيح ما في المتن.


(357)

مقامه، وكذا إن مات من غير وصيّة، فعلى النّاظر أن يقيم أميناً ينظر في مصلحة ورثته، وإن نظر في ذلك موَمن من قبل نفسه، واستعمل الاَمانة مع فقد السّلطان جاز، وإذا عجز الوصيّ عن القيام بتنفيذ الوصيّة، أقام النّاظر معه مُعيناً أميناً ولم يعزله.

وإذا(1)لا أمره الوصيّ بأن يتصرّف في تركته لورثته ويتّجر لهم بها ويأخذ نصف الرّبح جاز وحلّله ذلك، وإن كان للوصيّ على الميّت مال لم يجز له أن يأخذه من تحت يده بل عليه إقامة البيّنة بذلك.

ولايصحّ أن يوصي إلاّ على الاَولاد الصّغار مع عدم الاَب والجدّ، ومع وجودهما لايوصي عليهم إلاّفي قدر الثّلث وقضاء الدّيون، وكذلك لايوصي على من عداهم إلاّ فيما ذكرناه.والاَُمّ لاتلي على أطفالها إلاّ أن يكون الاَب أوصى إليها.ولايصحّ توصية المرأة(2)إلى رجل أجنبيّ، بالنّظر في أموال أطفالها.

الفصل الثاني

من أوصى لغيره بمثل نصيب أحد ورثته، كان له نصيب أقلّهم قسماً ما لم يزد على الثّلث، فإن زاد عليه ردّ عليهم.(3)

إذا قال: أوصيت له بنصيب ابني، بطل لاَنّ نصيب ابنه لايستحقّ غيره. إذا قال: له حظّ من مالي أو نصيب أو قليل، يقال للورثة: أعطوه ما يقع عليه اسم ذلك إلاّ أن يدّعي الموصى له أكثر من ذلك، أو يدّعي عليهم بذلك، فإذَنْ(4)القول قولهم مع يمينهم.


(1) في «س»: وإن.
(2) في «س»: ولايصحّ وصية المرأة.
(3) في الاَصل: «ردّ إليه» ولعلّ الاَصحّ: «ردّ إليهم».
(4) في «س»: «فانّ» بدل «فإذن» وهو تصحيف والصحيح ما في المتن.


(358)

إذا قال له جزء من مالي، فله سبع ماله، وروي عشر ماله،(1)ويوَوّل لفظ الكثير بثمانين، والسّهم بالثّمن، والشّيء بالسّدس. إذا قال: لزيد ثلث مالي، ولعمرو ربع مالي، ولبكر نصف مالي، في وصيّة واحدة وأجازته الورثة بدىَ بالاَوّل فالاَوّل، ويدخل النّقصان على الاَخير، وإن لم يجيزوه(2)ففي الاَوّل ثلثه وسقط الباقون.

إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ثمّ أوصى لآخر بثلث ماله، نسخت الثّانية الاَُولى، وعلى هذا إذا أوصى بوصيّة ثمّ أوصى بأُخرى، فإن أمكن العمل بهما جميعاً، وجب العمل بها، وإلاّ فبالاَخير لا غير.

إذا أوصى بعتق جماعة من عبيده دفعة واحدة، وزادت قيمتهم على الثّلث، استخرج الثّلث بالقرعة، وأعتق. إذا أوصى بعتق رقبة موَمنة، ولم يوجد كذلك، جاز أن يعتق من لايعرف بِنَصبٍ ولا عداوة، فإن أُعتقت نسمة على أنّها موَمنة، ثمّ ظهر أنّها لم تكن كذلك، أجزأه عن الوصيّ.(3)

إذا أوصى بعتق رقبة بثمن معلوم فلم يوجد إلاّ بأقلّ منه، اشترى وأعطى ما بقي من ثمنه وأعتق، وإن لم يوجد إلاّ بأكثر منه، توقّف فيه إلى وقت وجوده بالثّمن المذكور أو أقلّ.

ويجوز الوصيّة بالحمل، كأن يكون جارية حبلت من زوج شرط عليه استرقاق الولد، أو حبلت من الزّنا. إذا أوصى لغيره بجارية فأتت بعد الوصيّة بولد مملوك إمّا من زنا أو من زوج شرط عليه ذلك، فإن كان قبل موت الموصي فالولد له، وأمّا بعده فالولد مع أُمّه للموصى له.


(1) لاحظ الوسائل: 13، ب54 من أبواب أحكام الوصايا، ح1ـ4.
(2) في «س»: «وإن لم يخيروه» وهو تصحيف والصحيح ما في المتن.
(3) في «س»: «عن الموصى» وهو تصحيف والصحيح ما في المتن.


(359)

إذا أعتق في مرضه المخوف جارية حبلى، ثمّ مات انعتقت الجارية وسرى العتق إلى الحمل، لاَنّه كالجزء منها إن خرجت من الثّلث، وإلاّ انعتق الثّلث منهما ويقوّمان معاً، فإن كان الموصي أعتق الحمل أوّلاً ثمّ أُمّه ولم يخرجا من الثّلث وكان قيمة الولد بقدر الثّلث، عتق الولد لا غير، لاَنّه أسبق في العتق، وإن كانت أكثر من الثّلث عتق بقدر ذلك، وإن كانت أقلّ عتق الولد والاَُمّ بقدر ما بقي من الثّلث، وإن أتت بتوأمين ولم يخرجوا من الثّلث ولا الولدان(1)أخرج أحد الولدين بالقرعة وأُعتق.

والقرعة: أن يكتب رقعتان إحداهما بالحريّة والاَُخرى بالرّقّ، أو ثلاث رقاع إحداهما بالحريّة والباقي بالرقّ، فمن خرج باسمه رقعة الحريّة عتق.

إذا قال: أعتقوا بثلث مالي موالي وموالي أبي، ولم يبلغ الثّلث ذلك، كان النّقصان داخلاً على موالي أبيه.

إذا قتلت أُمّ الولد مولاها، والولد باق انعتقت من نصيب ولدها، وإن كان مولاها أوصى لها بشيء لم تمنع لمكان القتل، وكذا المدبّر إذا قتل مولاه لم ينقض تدبيره، لاَنّ التّدبير وصيّة، والوصيّة للقاتل جائزة، ولايجوز الوصيّة بجميع ما يملكه وإن كان لايرثه أحد.

إذا أوصى ولم يملك شيئاً في الحال، ثمّ ملك قبل الوفاة، لزمت الوصيّة بالموت، وكذا إذا زاد ماله بعد الوصاية، لزم الوصيّة في الجميع.

إذا باع في مرضه عبداً قيمته مائتان بمائة وبرأ، لزم البيع، وإن مات في مرضه صحّ إن خرج من الثّلث على إحدى الرّوايتين، وإن لم يخرج لزم البيع في نصف العبد وفي ثلثه بالمحاباة، ولم يلزم في سدسه إلاّ بإجازة الورثة.(2)


(1) في «س»: «وله الولدان» والصحيح ما في المتن.
(2) ولاَجل ايضاح العبارة لاحظ كلام الشيخ في المبسوط: 4|64.


(360)

إذا أنفذ الوصيّ الوصيّة من الشّراء والبيع والعتق وغير ذلك، ثمّ ظهر بعد ذلك دين على الموصي يحيط بجميع التّركة بطل جميع ما أنفذه، لاَنّ الوصيّة إنّماتصحّ في الثّلث فما دونه بعد قضاء الدّيون، وأداء ما فرّط فيه من الحجّ والزّكاة والكّفارة وغيرها من فرائض الشّريعة المحتاج أداوَها إلى المال.

إذا أوصى بحجٍّ مطلقاً، حجّ عنه من رأس ماله، وإن أوصى به من الثّلث ولم يبلغه الثّلث حُجّ(1)بالزّيادة عليه، هذا في حجّة الاِسلام خاصّة، فأمّا في التطوّع فإنّه يُحجّ من الثّلث من حيث أمكن.

إذا أوصى بحجّة الاِسلام وحجّة التطوّع وغيرهما من القربات، حجّ عنه حجّة الاِسلام من أصل المال وما عداها من ثلث ما بقي من التّركة، فإن لم يسع الثّلث بذلك بدأ بحجّة التطوّع ثمّ بغيرها.

إذا قال: حجّوا عنّي بثلث مالي، ولم يقل كم حجّة، يُحجّ عنه ما يبقى من الثّلث شيء، ولايجوز أن يستأجر من يحجّ عنه بأكثر من أُجرة المثل، فإن فضل من الحجّ ما لايمكن أن يحجّ به أُخرى، أُعطي الورثة أو صُرف في وجوه البرّ.

إذا أوصى أن يحجّ عنه في كلّ سنة من ارتفاع ضيعة بعينها على وجه التّأبيد، فلم يرتفع كلّ سنة مقدار ما يحجّ به، جاز أن يجعل ارتفاع سنتين وثلاث لسنة واحدة، ويجوز أيضاً أن يوصي بغلّة داره، أو ثمرة بستانه، أو خدمة عبده المعيّن أبداً، ما لم يتجاوز ثمن الملك والغلّة ثلث التّركة في الحال، وكذلك يجوز أن يوصي بذلك مدّة معيّنة، لكن هاهنا لايقوّم إلاّ المنفعة، لاَنّ الرّقبة مردودة بعد انقضاء تلك المدّة إلى الورثة.

إذا مات الموصي ولزمت الوصيّة ثمّ مات الموصى له قبل قبوله، قام ورثته مقامه في القبول، والوصيّة بالثّلث المشاع جائزة.


(1) في «س»: يحجّ.


(361)

إذا أوصى بثلث ماله للفقراء صرف إلى فقراء ذلك البلد، ويعمّ الكلّ استحباباً، فإن خصّ بعضهم لم يجز أن ينقص من أقلّ الجمع وهو ثلاثة نفر(1) إذاأوصى لقرابته أو لذي رحمه دخل فيه كلّ من يتقرّب إليه إلى آخر أب وأُمّ له في الاِسلام، وقيل:(2)يُصرف إلى من كان يُعرف بثبوت قرابة بينه وبين الموصي وارثاً كان أو لا.

إذا أوصى الكافر بشيء للفقراء، كان لفقراء أهل ملّته لا غير.إذا أوصى لاَهل بيته أو ذرّيّته، فأهل بيته هم الآباء والاَجداد وبنوهم والاَولاد، وذريّته أولاده وأولاد أولاده، وأولاد الاَولاد يدخل في الولد.

إذا أوصى بصندوق أو جراب معيّن وفيه مال ولم يستثنِ شيئاً كان بما فيه للموصى له إن كان الموصي عدلاً وإلاّ فالثّلث.إذا نسى الوصيّ باباً من أبواب الوصيّة صرف سهمه في وجوه البرّ.

تصرّف الموصي في الموصى به، كالبيع والعتق والهبة وطهو الطّعام(3) وعجن الدّقيق ونحو ذلك رجوع