welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 7*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 7

صفحه 1
    رسائل و مقالات/ ج7
   

صفحه 2

صفحه 3
رسائل و مقالات
7

صفحه 4
 

صفحه 5
 
رسائل و مقالات
تبحث في مسائل كلامية، عقائدية، فقهية، أُصولية، تراجم،
وحوارات مع بعض الأعلام، وفيها إرشادات
ودعوة إلى التقريب بين المذاهب
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني
الجزء السابع
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
آية الله العظمى جعفر السبحاني، 1347ق. ـ
رسائل و مقالات/ تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1432 ق = 1389
ج
(ج.7)2 ـ 464ـ357 ـ964ـ978ISBN:
(دوره)9 ـ 465ـ357 ـ964ـ978ISBN:
أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا:
المحتويات: ج.2. تبحث في مواضيع فلسفية، كلامية، فقهية وفيها الدعوة إلى التقريب بين المذاهب. ـ ـ ج.3. تبحث في مواضيع فلسفية، كلامية، فقهية واجتماعية. ج.4. تبحث في مواضيع فقهية، أُصولية، كلامية و.... ج5. مواضيع فقهية، أُصولية، كلامية، تراجم، ومكاتبات وحوارات مع بعض الأعلام. ـ ـ ج. 6. مسائل فلسفية، كلامية، فقهية، أُصولية، مكاتبات، تقاريض. ج. 7. تبحث في مسائل كلامية، عقائدية، فقهية، أُصولية، تراجم،وحوارات مع بعض الأعلام، وفيها إرشادات ودعوة إلى التقريب بين المذاهب
1. الشيعة ـ ـ العقائد ـ ـ مقالات ورسائل . 2. الإسلام ـ مسائل متفرقة . ألف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. العنوان.
1389 5ر 2س/5/211/BP   4172/297
اسم الكتاب:    رسائل و مقالات
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الجزء:    السابع
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
التاريخ:    1432هـ . ق
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
      تسلسل النشر:631                  تسلسل الطبعة الأُولى:372
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 7
m
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أمّا بعد; فقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «ثلاثة تخرق الحجب، وتنتهي إلى ما بين يدي الله: صرير أقلام العلماء، ووطء أقدام المجاهدين، وصوت مغازل المحصنات».1
لا شكّ أنّ هذا الحديث من جوامع الكلم التي أدلى به خير البشر، فالفقرة الأُولى تدل على أنّ العلم والثقافة ركن مهم من أركان المجتمع، كما أنّ الفقرة الثانية ترشدنا إلى أنّ الجهاد هو الركن الثاني للمجتمع الإسلامي المزدهر، والفقرة الثالثة تدلنا على أنّ العمل المقرون بالعفاف ركن ثالث، وبهذه الأركان الثلاثة يكون المجتمع قد سار على طريق الرقي والتقدم.
ومن المعلوم أنّ القلم الذي أُضفي عليه هذا الوصف، وأعطيت له هذه القيمة، هو القلم الذي يحلّ مشكلة من مشاكل المجتمع، أو يدعم عقيدة جاء بها الكتاب أو السنة، أو تُردّ به عادية الأعداء، وتحصن عقائد الشعب وأفكاره، إلى غير ذلك من الآثار الحسنة.
ولو أنّ القلم لم يتحمل واحدة من هذه المسؤوليات، وإنّما كتب شيئاً للانتفاع بالمال أو لكسب المنصب والمقام، فليس له قيمة عند الله ورسوله.

1 . الشهاب في الحكم والآداب:22.

صفحه 8
وعلى ضوء ذلك فقد توخينا أن تكون الرسائل والمقالات في هذه الموسوعة، سائرة على هذا المنهج، وموصوفة بالصفات المذكورة، خدمة للحق وإظهاراً له وإزهاقاً للباطل.
وهذا هو الجزء السابع من هذه الموسوعة نقدمه إلى القراء الكرام آملين أن يتحفونا بآراءهم ويرشدونا إلى الأخطاء.
وقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): «أحبّ إخواني من أهدى إليّ عيوبي» و ما قاله إلاّ تعليماً لشيعته وروّاد منهجه، صلوات الله عليه.
نرجو من الله سبحانه أن يجري الحق على ألسنتنا وأقلامنا، وأن يصوننا عن اقتفاء الباطل ونشره وتعليمه، إنّه سميع الدعاء.
والله من وراء القصد
جعفر السبحاني
قم المقدسة، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
23 محرّم الحرام 1432هـ.

صفحه 9

   الفصل الأوّل:

في الكلام والعقائد

1. التجسيم والتشبيه في منهج ابن تيمية
2. حركة الباري ونزوله عند ابن تيمية
3. الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية
4. نظرة إلى تكلّمه سبحانه في منهج ابن تيمية
5. عقائد شاذّة نابية لابن تيمية
6. العصمة وحقيقتها وآثارها
7. الأحكام الشرعية ألطاف في الأحكام العقلية
8. في الرؤية ومعنى الإله
9. البداء في الكتاب والسنّة
10. التبرّك في الكتاب والسنّة
11. التوسّل في الكتاب والسنّة
12. الاحتفال بيوم الغدير أو سلمان العودة توّاب عوّاد
13. القرضاوي وحرمة التسمية بعبد المسيح
14. محسن بن علي بين الحقيقة والخيال

صفحه 10

صفحه 11
مع ابن تيمية في عقائده
نبدأ هذا الفصل بطرح بعض أفكار ابن تيمية وعقائده ودراستها ومناقشتها والرد عليها على ضوء الكتاب والسنّة والعقل.
التجسيم والتشبيه في منهج ابن تيمية
1

التجسيم والتشبيه في منهج ابن تيمية

نزلت الشرائع السماوية على تنزيه الله سبحانه عن كونه جسماً أو جسمانياً مشابهاً لمخلوقاته إلى غير ذلك ممّا يعد من آثار المادّة.
غير أنّ احتكاك بعض الأقوام ممّن نزلت عليهم الشرائع بالوثنيين صار سبباً لميلهم إلى التجسيم والتشبيه، وعلى رأسهم قوم بني إسرائيل.
ويدلّ على ذلك شواهد، منها:

1. طلبهم من موسى(عليه السلام) الإله المجسّم

إنّ نبي الله موسى(عليه السلام) بعد ما عبر ببني إسرائيل البحر ونزلوا إلى الضفة الأُخرى منه، رأوا أنّ أقواماً يعبدون أصناماً، فطلبوا من موسى(عليه السلام) أن يجعل لهم إلهاً مثل ما لهؤلاء آلهة، لكي يعبدونها، فكأنّهم فكّروا أنّ عبادة الإله غير المرئي أمر غير مفيد، فيجب أن يُعبد الله سبحانه بصورة موجود مجسّم، وهذا ما يحكيه قوله سبحانه:
(وجاوزنا ببني إسرائيلَ البحرَ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنّكم قوم

صفحه 12
تجهلون).1
فالآية تحكي أنّ النزوع إلى الوثنية كان راسخاً في نفوسهم حتى غفلوا عن النعمة الكبرى التي شملتهم، وهي نجاتهم من فرعون، فطلبوا من موسى ما يضاد شريعته وعقيدته.

2. طلبهم رؤية الله تعالى

الشاهد الثاني على رسوخ فكرة التجسيم عندهم، أنّهم طلبوا من موسى(عليه السلام)رؤية الله سبحانه بالعين، ولولاها لم يؤمنوا به، وهذا ما يحكيه الذكر الحكيم في قوله سبحانه:(وإذ قلتم يا موسى لن نؤمنَ لك حتى نرى الله جهرةً فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون).2

3. عبادتهم العجل في غياب موسى(عليه السلام)عنهم

الشاهد الثالث على رسوخ فكرة التجسيم في أذهانهم وأنّهم كانوا يميلون إلى الإله المجسم أكثر من ميلهم لما دعاهم إليه موسى(عليه السلام)، إغترارهم بما صنع السامريّ حيث صنع لهم عجلاً جسداً له خوار، ودعاهم لعبادته، فعكف القوم ـ إلاّ القليل منهم ـ على عبادته، دون أن يدور في خلد أحدهم أنّ هذا يخالف ما دعاهم إليه نبيهم موسى(عليه السلام) عبر السنوات الطوال، وهذا ما يحكيه الذكر الحكيم عنهم، قال سبحانه:
(واتخذ قومُ موسى منْ بعدهِ من حليّهم عجلاً جسداً له خُوار ألم يروا أنّه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً إتخذوه وكانوا يظلمون).3
وفي آية أُخرى يتضح بصراحة أنّهم اتخذوا هذا العجل إلهاً لهم، قال سبحانه:

1 . الأعراف:138.
2 . البقرة:55.
3 . الأعراف:148.

صفحه 13
(فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خِوارٌ فقالُوا هذا إلهكُمْ وَإلهُ مُوسى فَنَسِيَ).1
وهذه الحوادث التاريخية المريرة على قلب موسى(عليه السلام)التي يذكرها القرآن الكريم، تحكي عن انحراف بني إسرائيل عن خط التنزيه إلى خط التجسيم .

تطرّق فكرة التجسيم إلى النصرانية

لمّا بُعث المسيح(عليه السلام) إلى بني إسرائيل ذكر بأنّه بُعث بنفس ما بعث به الكليم فقال: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إنّي رسول الله إليكم مصدّقاً لما بين يدي من التوراة).2
ولكن تطرّقت فكرة التجسيم إلى النصرانية بعد ما رفع الله المسيح(عليه السلام) . وكان المبدأ لذلك هو الديانة البرهمانية التي رفعت علم التثليث وقالت بالآلهة الثلاثة، أعني:
1. برهما ـ الخالق.
2. فيشنو ـ الواقي.
3. سيفا ـ الهادم.
فالإله عند البراهمة يشبه مثلثاً ذا أضلاع ثلاثة، وكانت تلك الفكرة منتشرة بين الروم القاطنين في سوريا وفلسطين وما جاورها حيث بعث المسيح(عليه السلام).
فأخذ أتباعه في القرن الثاني نفس الفكرة فصبغوها بشكل آخر، فصار التثليث بالنحو التالي:
الأب، الإبن، روح القدس. وهي التي يسمّونها الأقانيم الثلاثة، ينقل الأُستاذ محمد فريد وجدي عن دائرة معارف «لاروس»، ما يلي:
إنّ تلاميذ المسيح الأوّليّين الذين عرفوا شخصه، وسمعوا قوله، كانوا أبعد الناس عن اعتقاد أنّه أحد الأركان الثلاثة المكوّنة لذات الخالق، و ما كان بطرس ـ

1 . طه:88.
2 . الصف:6.

صفحه 14
أحد حوارييه ـ يعتبره إلاّ رجلاً موحى إليه من عند الله، أمّا بولس فإنّه خالف عقيدة التلاميذ الأقربين لعيسى وقال: إنّ المسيح أرقى من إنسان وهو نموذج إنسان جديد أي عقل سام متولد من الله.1
ثمّ إنّ القرآن الحكيم يحكي عن أنّ النصارى قد اقتبسوا هذه الفكرة من الذين كفروا من قبل، قال سبحانه: (وقالتْ اليهودُ عزيرٌ ابن اللهِ وقالتْ النصارى المسيحُ ابن اللهِ ذلك قولُهم بأفواهِهم يضاهئون قولَ الذين كفروا من قبلُ قاتلهم الله أنّى يؤفكون).2

دور الأحبار و الرهبان في نشر فكرة التجسيم

بعث النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) على تنزيهه سبحانه ورفع مقامه تعالى عن مشابهة المخلوقات، ملهماً من قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)3 غير أنّ قسماً من الأحبار والرهبان الذين استسلموا ظاهراً ـ ولكن بقوا على ما كانوا عليه من الديانة الموسوية أو العيسوية باطناً ـ أشاعوا بين المسلمين نفس الفكرة بواسطة الأحاديث والقصص التي كانوا يحكونها عن كتبهم، فأخذها السُّذّج من المحدّثين كحقائق صادقة واقعية، محتجّين بما نسب إلى النبي(صلى الله عليه وآله)من قوله: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».
وقد اغتر بهذه الإسرائيليات أو المسيحيات محدّثان معروفان هما: ابن خزيمة وابن مندة، فقد حشدا في كتابيهما كلّ ما يدلّ على تلك الفكرة الموروثة.
فعن الأوّل يقول الرازي في تفسيره الكبير عند تفسير قوله سبحانه:(ليس كمثله شيء): احتج علماء التوحيد قديماً وحديثاً بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء، وحاصلاً في المكان والجهة، وقالوا: لو كان

1 . دائرة معارف القرن العشرين،مادة ثالوث.
2 . التوبه:30.
3 . الشورى:11.

صفحه 15
جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام فيلزم وجود الأمثال والأشباه له، وذلك باطل بصريح قوله تعالى (ليس كمثله شيء).
ثم قال: واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بـ«التوحيد» وهو في الحقيقة كتاب الشرك، ثم وصفه بقوله: إنّه مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.1 ولكلامه صلة، من أراد فليرجع إليه.
وكفى في حق الثاني (ابن مندة) ما سنذكره عنه من قوله: إنّ لله سبحانه عرشاً يجلس عليه وهو يئط أطيط الرحل.

عقيدة أهل السنة في التنزيه

اتّفق أهل السنة وعلى رأسهم أئمة الأشاعرة على تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقات وقد أفاضوا الكلام في ذلك بإجمال تارة وتفصيل أُخرى، وشذّ عنهم بعض الحنابلة وأهل الحديث، وها نحن نذكر بعض كلماتهم ليقف القارئ على أنّ علماء المسلمين عن بكرة أبيهم مجمعون على أنّه سبحانه منزّه عن مشابهة المخلوقات وعن كونه جسماً أو جسمانياً، وإليك أسماء بعض هؤلاء مع مقتطفات من أقوالهم:
1. أبو جعفر أحمد بن محمد المصري الطحاوي(239ـ 321هـ) في رسالته المعروفة بـ «العقيدة الطحاوية» التي أصبحت مع بعض شروحها كتاباً دراسياً في الجامعات. قال:
ولا شيء مثله، ثم قال: لا تبلغه الأحكام ولا تدركه الأفهام، ولا يشبهه2الأنام.3

1 . التفسير الكبير:27/150.
2 . في شروح أُخرى: يشبه.
3 . شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز:57 و 84. ط، مؤسسة الرسالة.

صفحه 16
2. أبو الثناء اللامشي الحنفي الماتريدي من علماء القرن الخامس وأوائل السادس، قال ما نصّه: وإذا ثبت أنّه تعالى ليس بجوهر فلا يتصور أن يكون جسماً أيضاً لأنّ الجسم اسم للمتركب عن الأجزاء، يقال: هذا أجسمُ من ذلك، أي أكثر تركّباً منه، وتركب الجسم بدون الجوهرية وهي الأجزاء التي لا تتجزأ، لا يتصور، ولأنّ الجسم لا يتصور إلاّ على شكل من الأشكال، ووجوده على جميع الأشكال لا يُتصور أن يكون، إذ الفرد لا يتصور أن يكون مطوّلاً ومدوراً ومثلثاً ومربعاً، ووجوده على واحد من هذه الأشكال مع مساواة غيره إياه في صفات المدح والذم لا يكون إلاّ بتخصيص مخصص، وذلك من أمارات الحدث، ولأنّه لو كان جسماً لوقعت المشابهة والمماثلة بينه وبين سائر الأجسام في الجسمية، وقد قال الله تعالى: (ليس كمثله شيء).1
3. أبو بكر الباقلاني(المتوفى 403هـ) في تمهيد الأوائل، قال:
إن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون القديم سبحانه جسماً؟ قيل له: لما قدمناه من قبل، وهو أنّ حقيقة الجسم أنّه مؤلف مجتمع بدليل قولهم: رجل جسيم، وزيد أجسم من عمرو، وعلماً بأنّهم يقصرون هذه المبالغة على ضرب من ضروب التأليف في جهة العرض والطول، ولا يوقعونها بزيادة شيء من صفات الجسم سوى التأليف، فلما لم يجز أن يكون القديم مجتمعاً مؤتلفاً، وكان شيئاً واحداً، ثبت أنّه تعالى ليس بجسم.2
4. أبو المظفر الاسفراييني(المتوفى471هـ)، قال:
وأن تعلم أنّ القديم سبحانه ليس بجسم ولا جوهر، لأنّ الجسم يكون فيه التأليف، والجوهر يجوز فيه التأليف والاتصال، وكل ما كان له الاتصال أو جاز عليه الاتصال يكون له حدّ ونهاية. وقد دللنا على استحالة الحدّ والنهاية على

1 . التمهيد لقواعد التوحيد: 56، تحقيق عبد الحميد عبد المجيد تركي، ط. دار الغرب الإسلامي.
2 . تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل:111، ط. دار الكتب العلمية، تحقيق أحمد فريد المزيدي.

صفحه 17
الباري سبحانه وتعالى وقد ذكرالله تعالى في صفة الجسم الزيادة فقال: (وزاده بسطة في العلم والجسم)1فبيّن أنّ ما كان جسماً جازت عليه الزيادة والنقصان ولا تجوز الزيادة والنقصان على الباري سبحانه.2
5. عمر النسفي(المتوفّى 534هـ) في العقيدة النسفية، قال: والمحدث للعالم هو الله تعالى الواحد القديم القادر الحي العليم السميع البصير الشائي المريد ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر ولا مصور ولا ممدود ولا معدود ولا متبعض ولا متجز ولا متركب ولا متناه ولا يوصف بالمائية ولا بالكيفية ولا يتمكن في مكان ولا يجري عليه زمان ولا يشبهه شيء ولا يخرج من علمه وقدرته شيء.3
هذه إلمامة عابرة على عقيدة أهل السنة في التنزيه، فكتبهم الكلامية والعقديّة مليئة بهذه الكلمات ولا حاجة إلى نقل المزيد منها، إنّما الكلام دراسة عقيدة ابن تيمية في مجال التنزيه، فالرجل من مواليد سنة 661هـ وتوفي سنة 728هـ ، فقد أحيا عقيدة أهل التجسيم والتشبيه فتارة يخفي عقيدته ويقول: لا نقول إنّه سبحانه جسم ولا نقول إنّه ليس بجسم.
ولكنّه في بعض المواضع يصرّح بأنّه سبحانه جسم بالمعنى الذي اختاره للجسم وها نحن نذكر كلماته من كتبه المختلفة مشيرين إلى الكتاب وطبعته ومحققه حتى يرجع من أراد أن يحقق الموضوع عن كثب.
النص الأوّل: يقول في تفسير قوله سبحانه (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)4، و تفسير قوله (هَلْ تعلمُ لَهُ سميّاً)5، ما هذا نصّه:
«فإنّه لا يدلّ على نفي الصفات بوجه من الوجوه، بل ولا على نفي

1 . البقرة:247.
2 . التبصير في الدين: 159، ط. عالم الكتب، تحقيق كمال يوسف الحوت.
3 . العقيدة النسفية:4، طبعة استنبول.
4 . الشورى:11.
5 . مريم:65.

صفحه 18
ما يسمّيه أهل الاصطلاح جسماً بوجه من الوجوه».1
ومراده من الصفات في قوله: نفي الصفات، الصفات الخبرية التي أخبر عنها سبحانه كاليد والوجه وغيرهما، فهو يعتقد أنّ الجميع يوصف به سبحانه من غير تأويل ولا تعطيل بل بنفس المعنى اللغوي.
النص الثاني: وقال أيضاً:
«وأمّا ذكر التجسيم وذم المجسّمة، فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف والأئمّة، كما لا يعرف في كلامهم أيضاً القول بأنّ الله جسم أو ليس بجسم».2
النص الثالث: ويقول في كتاب آخر له:
«وأمّا ما ذكره ]العلاّمة الحلّي[ من لفظ الجسم وما يتبع ذلك، فإنّ هذا اللفظ لم ينطق به في صفات الله لا كتاب ولا سنّة، لا نفياً ولا إثباتاً، ولا تكلّم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم، لا أهل البيت ولا غيرهم».3
إلى هنا يتّضح أنّه أخفى التصريح بأنّه تعالى جسمٌ، ولكن ذكر أنّ تلك القضيتين ليستا من كلام السلف يعني أنّ الله جسم أو ليس بجسم، ولكنّه في موضع من كتابه منهاج السنّة أظهر عقيدته، وهذا ما نلاحظه في النص التالي.
النص الرابع: وقال أيضاً:
«وقد يراد بالجسم ما يشار إليه أو ما يرى أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة وتقوم به الصفات ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد بقوله: ليس بجسم هذا المعنى قيل له هذا المعنى ـ الذي قصدت نفيه

1 . موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول أو «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية:1/100، طبعة دارالكتب العلمية، ط1، بيروت ـ 1405هـ .
2 . نفس المصدر:1/189.
3 . منهاج السنة النبوية:2/192، مؤسسة قرطبة ـ 1406هـ ، ط 1، تحقيق محمد رشاد سالم.

صفحه 19
بهذا اللفظ ـ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول وأنت لم تقم دليلاً على نفيه.وأمّا اللفظ فبدعة نفياً وإثباتاً فليس في الكتاب ولا السنّة، ولا قول أحد من سلف الأُمّة وأئمتها إطلاق لفظ الجسم في صفات الله، لا نفياً ولا إثباتاً».1
فقد عرّف إلهه الذي يعبده بالأُمور التالية:
1. أنّه يُشار إليه.
2. أنّه يُرى
3. أنّه تقوم به الصفات فيكون مركباً.
4. أنّ له مكاناً وجهة، بدليل رفع الناس أيديهم عند الدعاء إلى الأعلى.
فالإله بهذا المعنى عنده ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول.
النص الخامس: وقال أيضاً:
«وأمّا القول الثالث ـ و هو القول الثابت عن أئمة السنة المحضة كالإمام أحمد وذويه ـ فلا يطلقون لفظ الجسم لا نفياً ولا إثباتاً، لأنّه ليس مأثوراً لا في كتاب ولا سنّة، ولا أثر من أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا غيرهم من أئمة المسلمين، فصار من البدع المذمومة».2
النص السادس: وقال أيضاً:
«وليس في كتاب الله، ولا سنّة رسوله، ولا قول أحد من سلف الأُمّة وأئمتها أنّه ليس بجسم، وأنّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً».3
هذه كلماته التي نقلناها بنص من كتبه المشهورة، ودع عنك ما ذكره في

1 . منهاج السنة:2/134ـ 135.
2 . منهاج السنة:2/224ـ225.
3 . بيان تلبيس الجهمية:1/101. مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، 1392هـ، ط1، تحقيق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم.

صفحه 20
الرسائل الكبرى التي سيوافيك شيء منه.
ولكن ما ندري ما ذا يريد بقوله: ثابت بصحيح المنقول، فهل يعني الذكر الحكيم؟ فما اختاره يضادّه تماماً حيث يقول : (ليس كمثله شيء)، فلو كان سبحانه جسماً يلزم أن يكون له طول وعرض وارتفاع، وبالتالي يكون مركباً من أجزاء محتاجّاً في تحقّقه إلى كلّ جزء. هذا ما يقوله صحيح المنقول.
وأمّا ما نسبه إلى صريح المعقول فهو أيضاً يضادّ ما ذكره تماماً كذلك إذ لو كان جسماً لاحتاج إلى مكان، فالمكان إمّا أن يكون قديماً فيكون إلهاً ثانياً، وإن كان حادثاً أحدثه سبحانه، فأين كان هو قبل إحداث هذا المكان؟
وأمّا رفع الناس أيديهم عند الدعاء فلا يعني أنّه سبحانه في السماء وإنّما يريدون إفهام رفعة مقام الله سبحانه برفعهم أيديهم; مضافاً إلى أنّ البركات تنزل من السماء، قال سبحانه: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُون)1، وسيأتي الكلام فيه، فانتظر.
وأمّا ما نسبه إلى السلف ـ فالسلف بريء منه براءة يوسف ممّا اتّهم به ـ فيكفينا أن نذكر كلام البيهقي في كتابه «الأسماء والصفات»، قال: احتجّ أهل السنّة على أنّه سبحانه ليس في مكان بالحديث النبوي التالي، قال(صلى الله عليه وآله): «أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان.2
وهناك كلمات كثيرة من أهل الحديث لا يسعها المقام.

إجابة عن سؤال

ربما نسمع من الكثير من أتباع الرجل قولهم: أنّه سبحانه جسم لا كالأجسام، نظير قولنا: شيء لا كالأشياء، فكما أنّ الثاني صحيح، فالأوّل صحيح أيضاً.

1 . الذاريات:22.
2 . الأسماء و الصفات: 400، باب ما جاء في العرش والكرسي.

صفحه 21
والجواب عنه واضح، وهو أنّ الشيء لا يدل على خصوصية خاصّة بل يدل على نفس الوجود والتحقق، فلا مانع من أن يقال: أنّه شيء لا كالأشياء، أي له وجود لا كوجود الأشياء.
وأمّا الجسم فيدل على خصوصية مقوّمة له، وهو كونه ذا عرض وطول وارتفاع، فالقول بأنّه جسم يلازم ثبوت هذه الصفات، فتعقيبه بـ :لا كالأجسام ينفي هذه الخصوصيات، فيكون الكلام حاملاً للتناقض.

كلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية

إنّ ابن تيمية قد بدأ بنشر أفكاره الشاذّة لأول مرّة في رسالته في العقيدة الواسطية ـ أعني: الرسالة التاسعة من مجموعة الرسائل الكبرى ـ ووصف فيها الباري سبحانه بالعبارة التالية:
«تواتر عن رسوله (صلى الله عليه وسلم) وأجمع عليه سلف الأُمّة من أنّه سبحانه فوق سماواته، على عرشه، عليٌّ على خلقه».1
ومعنى العبارة أنّه سبحانه:
1. فوق السماوات.
2. جالس على عرشه.
3. في مكان مرتفع عن السماوات والأرض.
وليس لهذه الجمل معنى سوى أنّه كملك جالس على السرير في مكان مرتفع ينظر إلى العالم تحته.
نعم استند هو في كلامه هذا بما نقله ابن مندة في توحيده عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)أنّه قال:
«ويحك أتدري ما الله، إنّ عرشه على سماواته وأرضيه ـ وأشار هكذا بأصابعه

1 . مجموعة الرسائل الكبرى، الرسالة التاسعة:1/401.

صفحه 22
ـ مثل القبة عليها، وإنّه ليئط أطيط الرحل بالراكب».1
وكأنّه سبحانه جسم كبير فوق الكبر له ثقل على العرش، وهو يئط كما يئط الرحل حينما يجلس عليه الإنسان الثقيل.
وللأسف فإنّ هذا الحديث قد ورد كثيراً في كتب الحديث، فقد نقله أبو داود في سننه برقم 4726، وابن خزيمة في توحيده برقم 147، وابن أبي عاصم في السنة، ص 575، وابن أبي حاتم في تفسير سورة البقرة برقم 223.
ولا شك أنّ هذا الحديث وأمثاله من الإسرائيليات التي تطرقت إلى كتب الحديث، هو من الآثار السلبية لمنع كتابة الحديث النبوي في القرن الأوّل وشيء من الثاني، حتى تداركه الدوانيقي عام 143هـ .
ثمّ إنّ ابن تيمية لما رأى أنّ كلامه يستلزم أن يكون سبحانه جسماً كالأجسام حاول التهرّب عن ذلك بوجه أوقعه ـ أيضاً ـ في المحذور، حيث جمع مصطلحات الحكماء والمتكلمين في الجسم وقال:
لفظ الجسم فيه إجمال، فقد يراد به :
1. المركب الذي أجزاؤه مفرّقة فجمعت.
2. أو ما يقبل التفريق أو الانفصال.
3. أو المركّب من مادة وصورة.
4. أو المركّب من الأجزاء المفردة التي تسمى الجواهر المفردة. وقال: والله تعالى منزّه عن ذلك كله.
ثم قال: وقد يراد بالجسم:
5. ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد ]العلاّمة الحلّي[ بقوله: ليس بجسم هذا المعنى قيل له: هذا

1 . توحيد ابن مندة: 429، طبعة مؤسسة المعارف، بيروت.

صفحه 23
المعنى ثابت لله ولم يقم دليل على نفيه.1
يلاحظ عليه: أنّ الجسم من المفاهيم الواضحة عند العرف وليس مشتركاً بين هذه المعاني التي أخذها من الفلاسفة والمتكلمين، فالصحابة عندما سمعوا قوله سبحانه: (إنّ الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم)2 أو قوله سبحانه: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم)3 لم يخطر ببال أحد منهم أي واحد من المعاني المذكورة حتى المعنى الأخير الذي اختاره وقال عنه: «هذا المعنى ثابت لله ولم يقم دليل على نفيه».
فالجسم عند العرب الأقحاح عامّة ما جاء نموذجه في نفس الآيتين نظير: طالوت في الآية الأُولى، والمنافقين في الآية الثانية. فكلّ شيء كان كهذين النموذجين فهو جسم، والذي يجمع الجميع هو اشتماله على الطول والعرض والعمق، فلو قلنا ـ العياذ بالله ـ أنّه سبحانه جسم، فلا محيص من اشتماله على ما اشتملت عليه سائر الأجسام من الأبعاد الثلاثة.
ثمّ إنّه كرر ما ذكره هنا في مقام آخر.4 ولا حاجة لنقله.
كما إنّه تفلسف أيضاً في تفسير المكان وقال: قد يراد بالمكان:
1. ما يحوي الشيء ويحيط به.
2. ما يستقر الشيء عليه بحيث يكون محتاجاً إليه.
3. قد يراد به ما كان الشيء فوقه وإن لم يكن محتاجاً إليه.
4. وقد يراد به ما فوق العالم وإن لم يكن شيئاً موجوداً.
ثم نفى ما ذكره من المعاني للمكان واختار المعنى التالي:
هو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهذا المعنى حق،

1 . منهاج السنة النبوية:2/134ـ 135.
2 . البقرة:247.
3 . المنافقون:4.
4 . لاحظ منهاج السنة النبوية:2/198ـ 200.

صفحه 24
سواء سميّت ذلك مكاناً أم لم تُسمّ.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه ليس للمكان إلاّ معنى واحد وهو كون شيء في شيء، وإحاطة شيء لشيء، ولذلك يفسره أهل اللغة بقولهم: المكان موضع كون الشيء، فلو كان لله سبحانه مكان فليس إلاّ بهذا المعنى، دون المعاني التي أخذها من مصطلحات الحكماء والمتكلمين، الذين لهم مصطلحات خاصّة في المفاهيم لا صلة لها بمصطلحات العامّة.
وثانياً: ماذا يريد من قوله: إنّه «على عرشه»؟ إذ عندئذ يتوجه إليه السؤال الثاني: ماذا يريد من قوله: إنّ ذاته سبحانه لا تخلو من أن تكون مماسّة للعرش ، أو غير مماسّة؟
فعلى الثاني تكون ذاته سبحانه منزهةً عن المكان لأنّ المكان عبارة عن كون شيء في شيء. لكنّه يكون ذا جهة وهو كونه فوق العرش يشار إليه فقد اثبت لله الجهة التي هي من خصائص الأُمور المادّية.
وإن كانت مماسّة (على الأول) فيكون محتاجاً إليه. ولعمر القارئ إنّ صرف الحبر والقلم في نقد هذه الأفكار الرديئة تضييع للمال والعمر، ولكن اغترار المتظاهرين بالسلفية بابن تيمية، ألجأني إلى دراسة هذه المواضيع. وسيأتي الكلام حول المكان والجهة لله في الرسالة الثالثة.

موقف أهل البيت(عليهم السلام) من فكرة التجسيم

تقدم أنّ ابن تيمية ذكر في كلماته أنّه لم يرد عن أهل البيت(عليهم السلام) ما يدل على عدم كونه جسماً، ولكنّه لبعده عنهم وما يبدو من كلماته من النصب والعداء الذي يكنّه لهم، فإنّه لم يراجع كلماتهم، فصار يرمي الكلام على عواهنه من غير دليل.
وقد وقف الأصم والأبكم فضلاً عن العلماء على أنّ التوحيد والتنزيه من

1 . منهاج السنة النبوية:1/144ـ145.

صفحه 25
شعار أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كما أنّ التشبيه والجبر من شعار الأمويين، وها نحن ننقل شيئاً قليلاً من كلمات أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله).
يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في أحدى خطبه:
«ما وحدّه من كيّفه، ولا حقيقته أصاب مَن مثّله، ولا إياه عنى من شبّهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه».1
روى الصدوق بإسناده إلى أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) يوماً خطبة بعد العصر، قال فيها:
«الحمد لله الذي لا يموت، ولا تنقضي عجائبه، لأنّه كل يوم في شأن، من إحداث بديع لم يكن، الذي لم يولد فيكون في العزّ مشاركاً، ولم يلد فيكون موروثاً هالكاً، ولم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحاً ماثلاً، ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلاً، الذي ليست له في أوّليّته نهاية، ولا في آخريّته حدّ ولا غاية، الذي لم يسبقه وقت، ولم يتقدمه زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، ولم يوصف بأين ولا مكان».2
فأي كلمة أوضح في نفي التشبيه والتجسيم من قوله(عليه السلام): «ولم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحاً ماثلاً».
وأي جملة أوضح في نفي المكان من قوله: «ولم يوصف بأين ولا مكان».
***
ثمّ إنّ ابن تيمية صار بصدد تصحيح حديث عبد الله بن خليفة الظاهر في التجسيم على ما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل باسناده عن عبد الله بن خليفة قال: جاءت امرأة إلى النبي(صلى الله عليه وآله) فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظّم الرب عزّ وجلّ وقال: (وسع كرسيه السمواتِ والأرضَ) إنّه ليقعد عليه جل وعز فما

1 . نهج البلاغة، الخطبة 186.
2 . توحيد الصدوق:31.

صفحه 26
يفضل منه إلاّ قيد أربع أصابع وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل إذا رُكب.1 فقال ردّاً على العلاّمة الحلي حيث نقل الحديث فقال: فهذا لا أعرف له قائلاً ولا ناقلاً ولكن روي في حديث عبد الله بن خليفة أنّه: ما يفضل من العرش أربع أصابع، يُروى بالنفي تارة ويُروى بالإثبات، والحديث قد طعن فيه غير واحد من المحدّثين كالإسماعيلي وابن الجوزي، ومن الناس من ذكر له شواهد وقوّاه.
ولفظ النفي لا يرد عليه شيء فإن مثل هذا اللفظ يرد لعموم النفي كقول النبي(صلى الله عليه وآله): «ما في السماء موضع أربع أصابع إلاّ وملك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد»، أي ما فيها موضع.2
يلاحظ عليه: أنّ الوارد في كتاب السنّة أي كتاب إمام مذهبه أحمد بن حنبل الذي نقله عنه ولده عبد الله هو الإثبات: ما يفضل منه إلاّ قيد أربع أصابع ـ ومعنى ذلك أنّ العرش يمتلأ بوجوده سبحانه ويبقى منه أربعة أصابع خالياً ـ وما احتمله من النفي للفرار عن المعنى الذي يضحك الثكلى، وما استشهد به من الحديث أعني قوله: «ما في السموات موضع أربع أصابع إلاّ وملك...» يفارق المقام، فإنّ الاستثناء فيه بعد أربع أصابع وفي المقام قبله.
وعلى كلتا الصورتين فالحديث ظاهر في التجسيم سواء امتلأ العرش بوجوده أو بقي منه أربع أصابع.
وعلى كلّ تقدير فآفة المشبهة لا تنتهي بما ذكرنا فإنّهم أخذوا التشبيه من اليهود.
يقول الشهرستاني: وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإنّ العرش ليئط من تحته كأطيط الرحل الحديد(الجديد)، وأنّه ليفضل من كل

1 . السنّة:1/305 برقم 593.
2 . منهاج السنة:2/629.

صفحه 27
جانب أربع أصابع.1
ولو أراد الباحث تنظيم العقيدة الإسلامية عما عليه المشبهة من حمل الصفات الخبرية في الكتاب والسنة على ظاهرها لأصبحت العقيدة الإسلامية عقيدة الزنادقة، وإن كنت في شك فلاحظ ما ذكره الشهرستاني، قال:
وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها، أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام، وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه الصلاة والسلام: «خلق آدم على صورة الرحمن»، وقوله: «حتى يضع الجبار قدمه في النار» وقوله: «قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن»، وقوله: «خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحاً»، وقوله: «وضع يده أو كفّه على كتفي»، وقوله: «حتى وجدت برد أنامله على كتفي» إلى غير ذلك; أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام.2
إنّ الصفات الخبرية هي التي أوجدت فكرة التشبيه والتجسيم عند بعض السلفيين، والمراد بها ما أخبر عنه سبحانه دون أن يدلّ عليه العقل من كونه مستوياً على عرشه، أو أنّ له الوجه واليدين، والجَنْب والمجيء والإتيان والفوق.
ثم إنّ السلف في تفسير الصفات الخبرية على مذاهب:
1. منهم مَن يثبت الصفات الخبرية كاليدين والوجه ويقولون هذه الصفات وردت في الشرع، فبالغوا في إثبات الصفات إلى حدّ التشبيه بصفات المحدثات.
قال الشهرستاني(المتوفّى548هـ): إنّ جماعة من المتأخّرين زادوا على ما قاله السلف، فقالوا لابد من إجرائها على ظاهرها فوقعوا في التشبيه الصرف، ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود... .3

1 . الملل والنحل:1/121، دار المعرفة، بيروت ـ 1416هـ .
2 . الملل والنحل:1/121.
3 . الملل والنحل:1/105.

صفحه 28
2. ومنهم مَن اكتفى بتلاوتها من دون أن يحقّقوا معانيها، ونسب ذلك إلى مالك بن أنس لمّا سُئل عن الاستواء على العرش، قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ونسب ذلك إلى أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود بن علي الإصفهاني.1
3. ومنهم مَن أوّل الظواهر كي يخرجوا عن مغبّة التشبيه والتجسيم، فقالوا: إنّ المراد من اليد قدرته ونعمته إلى غير ذلك من وجوه التأويل.
وعلى ذلك فالسلف إمّا مبتدعة وهم الذين يجرون الصفات الخبرية على ظاهرها، وإمّا معطلة الذين يمرّون على الآيات ويتلونها دون أن يتفكّروا في حقائقها، أو مؤوّلة يحملون الآية على خلاف ظواهرها من دون قرينة في نفس الآية.
وأمّا العلماء الواعون فهم برآء من التشبيه والتعطيل والتأويل، وإنّما يفرقون بين الظهور الإفرادي والظهور الجملي؟ وإنّما يحتاج إلى التأويل إذا أخذنا بالظهور الحرفي أو الإفرادي، وأمّا لو أخذنا بالظهور الجملي فنحن في غنى عنه، إذ تصير الجمل عندئذ ظاهرة في المعاني الكنائية أو المجازية، فالحجّة هو الثاني دون الأوّل، والآيات عندهم ظاهرة في معانيها التصديقية من دون حاجة إلى التأويل، وهي بين مجاز وكناية واستعارة، وأمّا تفصيل ذلك ففي مجال آخر، وقد أوضحنا حاله في كتابنا الإنصاف.2
وعلى كل تقدير فابن تيمية من الطائفة الأُولى، وهو إمام المدافعين عن بيضة أهل التشبيه وشيخ اسلام أهل التجسيم ممّن سبقه من الكرامية وجهلة المحدّثين الذين أخذوا بالظواهر ونسبوها إلى الله سبحانه وأحيوا بذلك عقيدة اليهود في الله سبحانه.

1 . الملل والنحل:1/105.
2 . الإنصاف:3/352ـ359.

صفحه 29
حركة الباري ونزوله عند ابن تيمية
2

حركة الباري ونزوله عند ابن تيمية

من الأُمور الّتي يصرّ عليها ابن تيمية، تجويز الحركة والانتقال والنزول لله سبحانه، بل إنّه يقول فوق ذلك بأنّه ينزل وينتقل من مكان إلى آخر، وأنّه لا مانع من ثبوت ذلك لله سبحانه، بل يدّعي أنّ عليه أئمة السلف!!
هذا ما يدّعيه ابن تيمية في غير واحد من كتبه، وهانحن ننقل شيئاً من كلماته، ليتّضح للقارئ موقف الرجل من هذا الأمر.
كتب بشر المريسي الجهني كتاباً في التوحيد ونقضه عثمان بن سعيد الدارمي المجسّم، وقد نقل ابن تيمية شيئاً من كتاب النقض مرتضياً به وإليك ما نقله: أمّا دعـواك (بشـر المـريسي) أنّ تفسيـر القيّـوم: الّـذي لا يـزول عن مكانه ولا يتحرك، فلا يقبل منك هذا التفسير إلاّ بأثر صحيح مأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو عن بعض أصحابه أو التابعين، لأنّ الحيّ القيوم يفعل ما يشاء، ويتحـرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمـارة ما بين الحـي والميّت، التحرّك كل حيّ متحرّك لا محالة، وكل ميّت غير متحرك لا

صفحه 30
محالة.1
ويقول ابن تيمية أيضاً: إنّ جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نُقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحمّاد بن زيد وغيرهما ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدّد 2.
وقال في «الموافقة»: وأئمة السنّة والحديث على إثبات النوعين، وهوالّذي ذكره عنهم مَنْ نقل مذهبهم، كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة، وأنّ ذلك هو مذهب أئمة السنّة والحديث من المتقدّمين والمتأخّرين، وذكر حرب الكرماني أنّه قول مَن لقيه من أئمة السنة، كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبدالله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وقال عثمان بن سعيد وغيره: إنّ الحركة من لوازم الحياة، فكلّ حيّ متحرك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات، الذين اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم .3
هذه الكلمات تكفي في بيان نظرية الرجل، وأنّه يثبت لله سبحانه ما هو من صفات الأجسام، وسيوافيك في آخر المقال أنّه جسّد عقيدته في نزوله سبحانه عن العرش، بنزوله درجة من درج المنبر إلى درجة أُخرى، وقبل دراسة هذه النظرية ومناقشتها، نقدّم أُموراً:

1 . موافقة صحيح المنقول لصريح العقول (درء التعارض): 1 / 333. نشر دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1405هـ . ما نقله من المريسي وما ردّ به عليه فهو من مصاديق: ضعف الطالب والمطلوب، فليس معنى القيّوم هو الّذي لا يزول عن مكانه، بل معناه القائم بنفسه في مقابل الممكن القائم بغيره، وأمّا ما رُدّ به فهو من الفضاحة بمكان ولا يحتاج إلى نقد وردّ!!
2 . منهاج السنة:2 / 638 ، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم .
3 . الموافقة: 1 / 309 .

صفحه 31

الأوّل: تعريف الحركة

عرّفت الحركة بتعاريف مختلفة أصحّها وأسدّها هو أنّ الحركة: عبارة عن خروج الشيء من القوّة إلى الفعل على سبيل التدرّج.
والقوة عبارة عن الاستعداد، ووجوده المستعدلة يلازم خروجه عن القوة إلى الفعلية، فهذا النوع من التعريف يشمل كلّ أنواع الحركة الجوهرية والعرضية، أمّا الأُولى فإنّ نواة البرتقال تنطوي على قابلية خاصّة، وهي قابلية أن تكون شجرة في المستقبل، فإذا وقعت تحت التراب تحولت تلك القابلية إلى الفعلية وبالتدريج تخرج من القوّة إلى الفعل.
هذا في الحركة الجوهرية، أمّا الحركة العرضية فمنها الحركة في الأين الّتي نسمّيها بالحركة الانتقالية إلى مكان آخر، فهي أيضاً داخلة في التعريف، ففي الجسم قابلية لأن ينتقل من مكان إلى مكان، فإذا أخذ بالحركة فقد صحّ أن تتحول تلك القوة والقابلية إلى الفعلية، سواء أكان ذلك بسبب عامل داخلي أو خارجي. هذه هي الحركة وأقسامها.

الثاني: وجود الإمكان في المتحرّك

إذا كانت الحركة هي الخروج من القوة إلى الفعل، فلازم ذلك إمكان وجود الشيء المترقّب في المتحرك . ومن المعلوم أنّ واجب الوجود بريء عن الإمكان فهو فعلية محضة لا ينسجم مع الإمكان. كيف يمكن أن يقال: إنّ في واجب الوجود، قوة ناقصة تتكامل بالخروج عنها إلى الفعلية، وهو كمال مطلق وغنيّ من عامة الجهات .

الثالث: ما هي الغاية من الحركة؟

إنّ الحركة لابدّ لها من غاية، فما هي الغاية في حركة الباري؟ فهل هي الحركة من النقص إلى الكمال أو من الكمال إلى النقص؟ أو لا هذا ولا ذاك؟

صفحه 32
أمّا الأوّل فيلازم وجود النقص في الله سبحانه مع أنّه الغني المطلق والكمال التامّ.
وأمّا الثاني فهو يلازم خروج الواجب من الكمال المطلق إلى النقص (الكمال النسبي).
وأمّا الثالث فهو يلازم العبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
هذه تحليلات فلسفية تعرضنا لها في هذا المقام لمن له مقدرة علمية على فهم هذه الأُمور، وهناك أمر آخر هو:
الرابع: إنّ السبب لذهاب ابن تيمية وأسلافه المجسّمة إلى إثبات الحركة والنزول لله سبحانه هو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَنْ يسألني فأُعطيه، مَنْ يستغفرني فأغفر له »1.
وعن هذا الحديث تثار تساؤلات، منها:
أوّلاً: أنّ الله سبحانه هو الغفور الرحيم، وأنّه أقرب إلينا من حبل الوريد، فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه إلى سماء الدنيا وندائه بقوله: مَن يدعوني فأستجيب له. وهو القائل عزّ اسمه: (فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم) 2.
والقائل أيضاً: (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحيم)3.
والقائل أيضاً: (قُلْ ياعِباديَ الَّذِينَ أَسْـرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ

1 . صحيح البخاري: 8 / 71، باب الدعاء نصف الليل برقم 6321 ; صحيح مسلم: 2 / 175، باب الترغيب في الدعاء.
2 . المائدة: 39.
3 . المائدة: 74.

صفحه 33
اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً)1، إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن سعة رحمته لعموم عباده.
كما أنّه سبحانه وعد عباده بأنّه يستجيب دعاء من دعاه ويقول: (إدْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ)2، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على قُرب المغفرة من المستغفرين، والإجابة من الله سبحانه للسائلين آناء الليل والنهار، فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه الكريم إلى السماء الدنيا وندائه بقوله: « من يدعوني فاستجيب له»؟!
ثانياً: تعالى ربّنا عن النزول والصعود والمجيء والذهاب والحركة والانتقال وسائر العوارض والحوادث التي تُفضي إلى الجسمية والتحيّز، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، ومن هنا صار هذا الحديث وأشباهه، سبباً لذهاب الحشوية إلى التجسيم والسلفية إلى التشبيه.
ثالثاً: أنّ لازم ما ذكره أن يكون الله سبحانه مستمراً طوال النهار والليل في النزول والصعود وذلك لتعاقب الليل والنهار، فربما يكون نصف النهار في بلد هو نصف الليل في بلد آخر، أو أوّل النهار في بلد هو أوّل الليل في بلد آخر، وكلّ بلد له نصف ليل، فحينئذ يلزم أن يكون سبحانه طول الليل والنهار بين النزول والصعود، إذ معنى ذلك أنّه يتحرك في عامّة الليل وعامّة النهار الّتي تكون ليلاً في بلد آخر وهو كما ترى .
رابعاً: أي فائدة في هذا النداء الّذي لا يسمعه أي ابن أُنثى حتّى يرغب في الدعاء؟!
***
ومن العجيب أنّه نسبه إلى أئمة السلف، ولكنّ السلف والخلف بريئان من

1 . الزمر: 53.
2 . غافر: 60.

صفحه 34
هذه النسبة; وذلك لأنّهم يتلون كتاب الله ليل نهار وهو يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)1 وإذا أثبتوا لله الحركة والنزول والصعود، فقد جعلوا لله مثلاً وشبيهاً.
ومن يرجع إلى كلمات علماء الإسلام الواعين من السلف والخلف يجد أنّهم متّفقون على تنزيهه سبحانه من أوصاف الجسم والجسمانيات وأنّهم أوّلوا الحديث المروي عن أبي هريرة.
يقول الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ما هذا نصّه: استدلّ به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور; لأنّ القول بذلك يُفضي إلى التحيّز، تعالى الله عن ذلك. وقد اختلف في معنى النزول على أقوال.... ثم قال: وقد حكى أبو بكر بن فورك أنّ بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكاً، ويقوّيه ما رواه النسائي من طريق الأعز عن أبي حويرة وأبي سعيد بلفظ: «إنّ الله يمهل حتّى يمضي شطر الليل ثم يأمر منادياً يقول: هل من داع فيستجاب له..» ثم قال: وبهذا يرتفع الإشكال .
ثم نقل عن البيضاوي أنّه قال: ولمّا ثبت بالقواطع أنّه سبحانه منزّه عن الجسمية والتميّز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه.2
نعم ربّما يتمسّك المجسّمة بقوله سبحانه: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا )3.
ولكن الناظر في آيات تلك السورة يقف على أنّه سبحانه يصوّر هول القيامة ورعبها ويقول قبل هذه الآية: (كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا)4 ثم يقول بعدها

1 . الشورى: 11.
2 . فتح الباري: 3 / 30 .
3 . الفجر: 22.
4 . الفجر: 21 .

صفحه 35
(وَجِيءَ يَوْمَئِذ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنى لَهُ الذِّكْرى )1. فإنّ المراد من مجيء جهنم إبرازها للعصاة كما في قوله تعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى)2
فالمراد من مجيئه سبحانه هو ظهور قدرته في ذلك اليوم العصيب وسطوع شوكته، وكثيراً ما يقال: جاء آل فلان، ويراد تسلطهم وسيطرتهم على البلاد.
وفي الكشّاف: هو تمثيل لظهورآيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه، مثّلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم 3.
وعلى ما ذكرنا فالمراد بمجيئه تعالى مجيء أمره قال تعالى: (وَ الأَمْرُ يَوْمَئِذ للهِ )4، ويؤيد هذا الوجه بعض التأييد قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ وَ الْمَلاَئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ)5 إذا انضم إلى قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ )6 وعليه فهناك مضاف محذوف والتقدير جاء أمر ربك، أو نسبة المجيء إليه تعالى من المجاز العقلي.7
وكان على ابن تيمية ومن لف لفه أن يرجعوا إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين هم اعدال الكتاب وقرناؤه، حتّى يعرفوا مكانة الحديث من الصحة والسقم .
روى يعقوب بن جعفر الجعفري عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)قال: ذكر عنده قوم يزعمون أنّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدّنيا، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لا ينزل، ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنّما منظره في القرب والبعد سواء، لم

1 . الفجر: 23.
2 . النازعات: 36 .
3 . الكشّاف: 3 / 337 .
4 . الانفطار: 19 .
5 . البقرة: 210 .
6 . النحل: 33 .
7 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 284 .

صفحه 36
يبعد منه قريب، ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج بل يُحتاج إليه، وهو ذو الطول، لا إله إلاّهو العزيز الحكيم.
أمّا قول الواصفين: إنّه تبارك وتعالى ينزل فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكلُّ متحرِّك محتاج إلى من يحرِّكه أو يتحرَّك به، فظنّ بالله الظنون فهلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدّ تحدّوه بنقص أو زيادة أو تحرّك أو زوال أو نهوض أو قعود، فإنّ الله جلّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين وتوهُّم المتوهِّمين، (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)1.2
وفي الختام: نقول إن الرجل صرّح بمذهبه وهو على منبر الشام، يقول الرّحالة ابن بطوطة: وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلم في فنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً. وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلم مرّة بأمر أنكره الفقهاء...ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي، وقال: «إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا» وعدّد ما أُنكر على ابن تيمية، وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.
قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلاّ الله، فأعاد عليه فأجاب عليه بمثل قوله: فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، وصنف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سماه «البحر المحيط» في نحو أربعين مجلداً.
ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرتُه يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر

1 . الشعراء: 217 ـ 219 .
2 . التوحيد للصدوق: 183، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث 18.

صفحه 37
الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: (إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا) ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً. 1
وربما يحاول بعض المتعصّبين، أن ينفي حضور ابن بطوطة في ذلك العام في دمشق، لكنّه غفل عن أنّ النقل لا ينحصر به، بل نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني في موسوعته الدرر الكامنة2، وهذا يدلّ على أنّ الخبر كان منتشراً يوم ذاك في البلد.
(ذلك مبلغهم من العلم انّ ربّك هو أعلم بمن
ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى).3

1 . الرحلة لابن بطوطة: 112، طبعة دار الكتب العلمية.
2. الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني:1/154.
3 . النجم:30.

صفحه 38
الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية
3

الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية

اتّفق علماء الإسلام ـ عدا بعض المحدّثين ـ على أنّه سبحانه منزّه عن الجهة والمكان، وقد برهنوا على ذلك ببراهين واضحة، نذكر بعضها:
1. أن الجهة أو المكان لو كانا قديمين للزم تعدّد القدماء، ولو كانا حادثين ليلزم أن يكون سبحانه محلاًّ للحوادث، حيث لم يكن ذا مكان ولا ذا جهة ثم وصف بهما.
2. أنّ الله سبحانه غني بالذات، فكونه ذا جهة أو ذا مكان، يلازم حاجته إليهما، فينقلب الغني فقيراً ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
3. أنّ كلّ ما هو في جهة إمّا جسم أو جسماني، وكلّ منهما ممكن بل حادث، فكيف يوصف بهما سبحانه وتعالى؟
وهذه البراهين مبثوثة ومشروحة في الكتب الكلامية والعقدية، ونحن في غنى عن أن نأتي بكلمات العلماء أو أن نشرحها.
هذه هي البراهين العقلية الّتي تفسّر لنا قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)1، فلو كان في جهة أو مكان، يكون له ملايين الأمثال، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وإذا رجعنـا إلى كلمات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ـ الذين ينزّهون الباري أشدّ

1 . الشورى: 11.

صفحه 39
التنزيه ـ نجد أنّهم يصفونه بنفي الجهة والمكان، وكلام الإمام علي (عليه السلام) خير شاهد على ذلك، حيث قال(عليه السلام) في خطبة له: مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، وَمَنْ قَالَ: كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَمَنْ قَالَ: «أَيْنَ» فَقَدْ حَيَّزَهُ». 1
وقال أيضاً: «لاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَلاَ يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلاَ يَصِفُهُ لِسَانٌ».2
وقال في خطبة أُخرى له: «ولا أنّ الأشياء تحويه، فتقلّه أو تهويه، أو أنّ شيئاً يحمله، فيميله أو يعدله!ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج».3
وروى الصدوق بإسناده عن سليمان بن مهران قال: قلت لجعفر بن محمد (عليه السلام): هل يجوز أن نقول: إنّ الله في مكان؟ فقال: «سبحان الله وتعالى عن ذلك، إنّه لو كان في مكان لكان محدثاً، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، والاحتياج من صفات المحدَث لا من صفات القديم» 4.
وروى أيضاً عن أبي بصيرد عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً».5
إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في الجوامع الحديثية المعتبرة .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى عقيدة ابن تيمية من خلال ما ورد في كتبه.
1. قال في «منهاج السنّة»: وجمهور السلف على أنّ الله فوق العالم، وأنّ

1 . نهج البلاغة: الخطبة: 152 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 178 .
3. نهج البلاغة، الخطبة 186.
4 . توحيد الصدوق: 178، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث رقم 11 .
5 . توحيد الصدوق، 184، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث رقم20.

صفحه 40
أحدهم لا يلفظ بلفظ الجهة، فهم يعتقدون بقلوبهم، ويقولون بألسنتهم: ربهم فوق.1
2. وقال في «بيان تلبيس الجهميّة»: والله تعالى قد أخبر عن فرعون أنّه طلب أن يصعد ليطلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبر أنّ الله فوق لم يقصد ذلك، فإنّه لو لم يكن مقرّاً به فإذا لم يخبره موسى به لم يكن إثبات العلو لا منه ولا من موسى (عليه السلام)، ثم قال: فموسى صدق محمداً في أنّ ربه فوق، وفرعون كذب موسى في أنّ ربه فوق. فالمقرّون بذلك متّبعون لموسى ولمحمد، والمكذبون بذلك موافقون لفرعون .2
والعجب أنّه يستدلّ بطلب فرعون من هامان ليبني له صرحاً ليصعد عليه ويطّلع إلى إله موسى، فهل يكون طلبه دليلاً على أنّ الله في السماء؟! ومن أين له أنّ موسى قد أخبر فرعون، بل أنّ طلبه مبني على توهّمه أنّ إله موسى جسم ماديّ فبما أنّه ليس في الأرض فلا بد أن يكون في السماء، فطلب من وزيره أن يجعل له صرحاً ليطّلع إلى إله موسى.
ولعمر القارئ أنّ هذا النوع من الاستدلال يكشف عن عجز المستدل حيث يتشبث بهذا النوع من التسويلات.
يقول المحقّق الدواني في شرح العقائد العضدية: ولابن تيمية أبي العباس أحمد وأصحابه ميل عظيم إلى إثبات الجهة ومبالغة في القدح في نفيها، ورأيت في بعض تصانيفه: أنّه لا فرق عند بديهية العقل بين أن يقال: هو معدوم، أو يقال: طلبته في جميع الأمكنة فلم أجده، ونسب النافين إلى التضليل.
3. وقال في «العقيدة الواسطية»: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله، الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله(صلى الله عليه وآله) وأجمع عليه سلف الأُمّة،

1 . منهاج السنة النبوية: 1 / 262 .
2 . بيان تلبيس الجهمية: 1 / 526.
Website Security Test