welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 7*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 7

صفحه 1
    رسائل و مقالات/ ج7
   

صفحه 2

صفحه 3
رسائل و مقالات
7

صفحه 4
 

صفحه 5
 
رسائل و مقالات
تبحث في مسائل كلامية، عقائدية، فقهية، أُصولية، تراجم،
وحوارات مع بعض الأعلام، وفيها إرشادات
ودعوة إلى التقريب بين المذاهب
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني
الجزء السابع
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
آية الله العظمى جعفر السبحاني، 1347ق. ـ
رسائل و مقالات/ تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1432 ق = 1389
ج
(ج.7)2 ـ 464ـ357 ـ964ـ978ISBN:
(دوره)9 ـ 465ـ357 ـ964ـ978ISBN:
أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا:
المحتويات: ج.2. تبحث في مواضيع فلسفية، كلامية، فقهية وفيها الدعوة إلى التقريب بين المذاهب. ـ ـ ج.3. تبحث في مواضيع فلسفية، كلامية، فقهية واجتماعية. ج.4. تبحث في مواضيع فقهية، أُصولية، كلامية و.... ج5. مواضيع فقهية، أُصولية، كلامية، تراجم، ومكاتبات وحوارات مع بعض الأعلام. ـ ـ ج. 6. مسائل فلسفية، كلامية، فقهية، أُصولية، مكاتبات، تقاريض. ج. 7. تبحث في مسائل كلامية، عقائدية، فقهية، أُصولية، تراجم،وحوارات مع بعض الأعلام، وفيها إرشادات ودعوة إلى التقريب بين المذاهب
1. الشيعة ـ ـ العقائد ـ ـ مقالات ورسائل . 2. الإسلام ـ مسائل متفرقة . ألف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. العنوان.
1389 5ر 2س/5/211/BP   4172/297
اسم الكتاب:    رسائل و مقالات
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الجزء:    السابع
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
التاريخ:    1432هـ . ق
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
      تسلسل النشر:631                  تسلسل الطبعة الأُولى:372
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 7
m
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أمّا بعد; فقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «ثلاثة تخرق الحجب، وتنتهي إلى ما بين يدي الله: صرير أقلام العلماء، ووطء أقدام المجاهدين، وصوت مغازل المحصنات».1
لا شكّ أنّ هذا الحديث من جوامع الكلم التي أدلى به خير البشر، فالفقرة الأُولى تدل على أنّ العلم والثقافة ركن مهم من أركان المجتمع، كما أنّ الفقرة الثانية ترشدنا إلى أنّ الجهاد هو الركن الثاني للمجتمع الإسلامي المزدهر، والفقرة الثالثة تدلنا على أنّ العمل المقرون بالعفاف ركن ثالث، وبهذه الأركان الثلاثة يكون المجتمع قد سار على طريق الرقي والتقدم.
ومن المعلوم أنّ القلم الذي أُضفي عليه هذا الوصف، وأعطيت له هذه القيمة، هو القلم الذي يحلّ مشكلة من مشاكل المجتمع، أو يدعم عقيدة جاء بها الكتاب أو السنة، أو تُردّ به عادية الأعداء، وتحصن عقائد الشعب وأفكاره، إلى غير ذلك من الآثار الحسنة.
ولو أنّ القلم لم يتحمل واحدة من هذه المسؤوليات، وإنّما كتب شيئاً للانتفاع بالمال أو لكسب المنصب والمقام، فليس له قيمة عند الله ورسوله.

1 . الشهاب في الحكم والآداب:22.

صفحه 8
وعلى ضوء ذلك فقد توخينا أن تكون الرسائل والمقالات في هذه الموسوعة، سائرة على هذا المنهج، وموصوفة بالصفات المذكورة، خدمة للحق وإظهاراً له وإزهاقاً للباطل.
وهذا هو الجزء السابع من هذه الموسوعة نقدمه إلى القراء الكرام آملين أن يتحفونا بآراءهم ويرشدونا إلى الأخطاء.
وقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): «أحبّ إخواني من أهدى إليّ عيوبي» و ما قاله إلاّ تعليماً لشيعته وروّاد منهجه، صلوات الله عليه.
نرجو من الله سبحانه أن يجري الحق على ألسنتنا وأقلامنا، وأن يصوننا عن اقتفاء الباطل ونشره وتعليمه، إنّه سميع الدعاء.
والله من وراء القصد
جعفر السبحاني
قم المقدسة، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
23 محرّم الحرام 1432هـ.

صفحه 9

   الفصل الأوّل:

في الكلام والعقائد

1. التجسيم والتشبيه في منهج ابن تيمية
2. حركة الباري ونزوله عند ابن تيمية
3. الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية
4. نظرة إلى تكلّمه سبحانه في منهج ابن تيمية
5. عقائد شاذّة نابية لابن تيمية
6. العصمة وحقيقتها وآثارها
7. الأحكام الشرعية ألطاف في الأحكام العقلية
8. في الرؤية ومعنى الإله
9. البداء في الكتاب والسنّة
10. التبرّك في الكتاب والسنّة
11. التوسّل في الكتاب والسنّة
12. الاحتفال بيوم الغدير أو سلمان العودة توّاب عوّاد
13. القرضاوي وحرمة التسمية بعبد المسيح
14. محسن بن علي بين الحقيقة والخيال

صفحه 10

صفحه 11
مع ابن تيمية في عقائده
نبدأ هذا الفصل بطرح بعض أفكار ابن تيمية وعقائده ودراستها ومناقشتها والرد عليها على ضوء الكتاب والسنّة والعقل.
التجسيم والتشبيه في منهج ابن تيمية
1

التجسيم والتشبيه في منهج ابن تيمية

نزلت الشرائع السماوية على تنزيه الله سبحانه عن كونه جسماً أو جسمانياً مشابهاً لمخلوقاته إلى غير ذلك ممّا يعد من آثار المادّة.
غير أنّ احتكاك بعض الأقوام ممّن نزلت عليهم الشرائع بالوثنيين صار سبباً لميلهم إلى التجسيم والتشبيه، وعلى رأسهم قوم بني إسرائيل.
ويدلّ على ذلك شواهد، منها:

1. طلبهم من موسى(عليه السلام) الإله المجسّم

إنّ نبي الله موسى(عليه السلام) بعد ما عبر ببني إسرائيل البحر ونزلوا إلى الضفة الأُخرى منه، رأوا أنّ أقواماً يعبدون أصناماً، فطلبوا من موسى(عليه السلام) أن يجعل لهم إلهاً مثل ما لهؤلاء آلهة، لكي يعبدونها، فكأنّهم فكّروا أنّ عبادة الإله غير المرئي أمر غير مفيد، فيجب أن يُعبد الله سبحانه بصورة موجود مجسّم، وهذا ما يحكيه قوله سبحانه:
(وجاوزنا ببني إسرائيلَ البحرَ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنّكم قوم

صفحه 12
تجهلون).1
فالآية تحكي أنّ النزوع إلى الوثنية كان راسخاً في نفوسهم حتى غفلوا عن النعمة الكبرى التي شملتهم، وهي نجاتهم من فرعون، فطلبوا من موسى ما يضاد شريعته وعقيدته.

2. طلبهم رؤية الله تعالى

الشاهد الثاني على رسوخ فكرة التجسيم عندهم، أنّهم طلبوا من موسى(عليه السلام)رؤية الله سبحانه بالعين، ولولاها لم يؤمنوا به، وهذا ما يحكيه الذكر الحكيم في قوله سبحانه:(وإذ قلتم يا موسى لن نؤمنَ لك حتى نرى الله جهرةً فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون).2

3. عبادتهم العجل في غياب موسى(عليه السلام)عنهم

الشاهد الثالث على رسوخ فكرة التجسيم في أذهانهم وأنّهم كانوا يميلون إلى الإله المجسم أكثر من ميلهم لما دعاهم إليه موسى(عليه السلام)، إغترارهم بما صنع السامريّ حيث صنع لهم عجلاً جسداً له خوار، ودعاهم لعبادته، فعكف القوم ـ إلاّ القليل منهم ـ على عبادته، دون أن يدور في خلد أحدهم أنّ هذا يخالف ما دعاهم إليه نبيهم موسى(عليه السلام) عبر السنوات الطوال، وهذا ما يحكيه الذكر الحكيم عنهم، قال سبحانه:
(واتخذ قومُ موسى منْ بعدهِ من حليّهم عجلاً جسداً له خُوار ألم يروا أنّه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً إتخذوه وكانوا يظلمون).3
وفي آية أُخرى يتضح بصراحة أنّهم اتخذوا هذا العجل إلهاً لهم، قال سبحانه:

1 . الأعراف:138.
2 . البقرة:55.
3 . الأعراف:148.

صفحه 13
(فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خِوارٌ فقالُوا هذا إلهكُمْ وَإلهُ مُوسى فَنَسِيَ).1
وهذه الحوادث التاريخية المريرة على قلب موسى(عليه السلام)التي يذكرها القرآن الكريم، تحكي عن انحراف بني إسرائيل عن خط التنزيه إلى خط التجسيم .

تطرّق فكرة التجسيم إلى النصرانية

لمّا بُعث المسيح(عليه السلام) إلى بني إسرائيل ذكر بأنّه بُعث بنفس ما بعث به الكليم فقال: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إنّي رسول الله إليكم مصدّقاً لما بين يدي من التوراة).2
ولكن تطرّقت فكرة التجسيم إلى النصرانية بعد ما رفع الله المسيح(عليه السلام) . وكان المبدأ لذلك هو الديانة البرهمانية التي رفعت علم التثليث وقالت بالآلهة الثلاثة، أعني:
1. برهما ـ الخالق.
2. فيشنو ـ الواقي.
3. سيفا ـ الهادم.
فالإله عند البراهمة يشبه مثلثاً ذا أضلاع ثلاثة، وكانت تلك الفكرة منتشرة بين الروم القاطنين في سوريا وفلسطين وما جاورها حيث بعث المسيح(عليه السلام).
فأخذ أتباعه في القرن الثاني نفس الفكرة فصبغوها بشكل آخر، فصار التثليث بالنحو التالي:
الأب، الإبن، روح القدس. وهي التي يسمّونها الأقانيم الثلاثة، ينقل الأُستاذ محمد فريد وجدي عن دائرة معارف «لاروس»، ما يلي:
إنّ تلاميذ المسيح الأوّليّين الذين عرفوا شخصه، وسمعوا قوله، كانوا أبعد الناس عن اعتقاد أنّه أحد الأركان الثلاثة المكوّنة لذات الخالق، و ما كان بطرس ـ

1 . طه:88.
2 . الصف:6.

صفحه 14
أحد حوارييه ـ يعتبره إلاّ رجلاً موحى إليه من عند الله، أمّا بولس فإنّه خالف عقيدة التلاميذ الأقربين لعيسى وقال: إنّ المسيح أرقى من إنسان وهو نموذج إنسان جديد أي عقل سام متولد من الله.1
ثمّ إنّ القرآن الحكيم يحكي عن أنّ النصارى قد اقتبسوا هذه الفكرة من الذين كفروا من قبل، قال سبحانه: (وقالتْ اليهودُ عزيرٌ ابن اللهِ وقالتْ النصارى المسيحُ ابن اللهِ ذلك قولُهم بأفواهِهم يضاهئون قولَ الذين كفروا من قبلُ قاتلهم الله أنّى يؤفكون).2

دور الأحبار و الرهبان في نشر فكرة التجسيم

بعث النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) على تنزيهه سبحانه ورفع مقامه تعالى عن مشابهة المخلوقات، ملهماً من قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)3 غير أنّ قسماً من الأحبار والرهبان الذين استسلموا ظاهراً ـ ولكن بقوا على ما كانوا عليه من الديانة الموسوية أو العيسوية باطناً ـ أشاعوا بين المسلمين نفس الفكرة بواسطة الأحاديث والقصص التي كانوا يحكونها عن كتبهم، فأخذها السُّذّج من المحدّثين كحقائق صادقة واقعية، محتجّين بما نسب إلى النبي(صلى الله عليه وآله)من قوله: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».
وقد اغتر بهذه الإسرائيليات أو المسيحيات محدّثان معروفان هما: ابن خزيمة وابن مندة، فقد حشدا في كتابيهما كلّ ما يدلّ على تلك الفكرة الموروثة.
فعن الأوّل يقول الرازي في تفسيره الكبير عند تفسير قوله سبحانه:(ليس كمثله شيء): احتج علماء التوحيد قديماً وحديثاً بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء، وحاصلاً في المكان والجهة، وقالوا: لو كان

1 . دائرة معارف القرن العشرين،مادة ثالوث.
2 . التوبه:30.
3 . الشورى:11.

صفحه 15
جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام فيلزم وجود الأمثال والأشباه له، وذلك باطل بصريح قوله تعالى (ليس كمثله شيء).
ثم قال: واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بـ«التوحيد» وهو في الحقيقة كتاب الشرك، ثم وصفه بقوله: إنّه مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.1 ولكلامه صلة، من أراد فليرجع إليه.
وكفى في حق الثاني (ابن مندة) ما سنذكره عنه من قوله: إنّ لله سبحانه عرشاً يجلس عليه وهو يئط أطيط الرحل.

عقيدة أهل السنة في التنزيه

اتّفق أهل السنة وعلى رأسهم أئمة الأشاعرة على تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقات وقد أفاضوا الكلام في ذلك بإجمال تارة وتفصيل أُخرى، وشذّ عنهم بعض الحنابلة وأهل الحديث، وها نحن نذكر بعض كلماتهم ليقف القارئ على أنّ علماء المسلمين عن بكرة أبيهم مجمعون على أنّه سبحانه منزّه عن مشابهة المخلوقات وعن كونه جسماً أو جسمانياً، وإليك أسماء بعض هؤلاء مع مقتطفات من أقوالهم:
1. أبو جعفر أحمد بن محمد المصري الطحاوي(239ـ 321هـ) في رسالته المعروفة بـ «العقيدة الطحاوية» التي أصبحت مع بعض شروحها كتاباً دراسياً في الجامعات. قال:
ولا شيء مثله، ثم قال: لا تبلغه الأحكام ولا تدركه الأفهام، ولا يشبهه2الأنام.3

1 . التفسير الكبير:27/150.
2 . في شروح أُخرى: يشبه.
3 . شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز:57 و 84. ط، مؤسسة الرسالة.

صفحه 16
2. أبو الثناء اللامشي الحنفي الماتريدي من علماء القرن الخامس وأوائل السادس، قال ما نصّه: وإذا ثبت أنّه تعالى ليس بجوهر فلا يتصور أن يكون جسماً أيضاً لأنّ الجسم اسم للمتركب عن الأجزاء، يقال: هذا أجسمُ من ذلك، أي أكثر تركّباً منه، وتركب الجسم بدون الجوهرية وهي الأجزاء التي لا تتجزأ، لا يتصور، ولأنّ الجسم لا يتصور إلاّ على شكل من الأشكال، ووجوده على جميع الأشكال لا يُتصور أن يكون، إذ الفرد لا يتصور أن يكون مطوّلاً ومدوراً ومثلثاً ومربعاً، ووجوده على واحد من هذه الأشكال مع مساواة غيره إياه في صفات المدح والذم لا يكون إلاّ بتخصيص مخصص، وذلك من أمارات الحدث، ولأنّه لو كان جسماً لوقعت المشابهة والمماثلة بينه وبين سائر الأجسام في الجسمية، وقد قال الله تعالى: (ليس كمثله شيء).1
3. أبو بكر الباقلاني(المتوفى 403هـ) في تمهيد الأوائل، قال:
إن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون القديم سبحانه جسماً؟ قيل له: لما قدمناه من قبل، وهو أنّ حقيقة الجسم أنّه مؤلف مجتمع بدليل قولهم: رجل جسيم، وزيد أجسم من عمرو، وعلماً بأنّهم يقصرون هذه المبالغة على ضرب من ضروب التأليف في جهة العرض والطول، ولا يوقعونها بزيادة شيء من صفات الجسم سوى التأليف، فلما لم يجز أن يكون القديم مجتمعاً مؤتلفاً، وكان شيئاً واحداً، ثبت أنّه تعالى ليس بجسم.2
4. أبو المظفر الاسفراييني(المتوفى471هـ)، قال:
وأن تعلم أنّ القديم سبحانه ليس بجسم ولا جوهر، لأنّ الجسم يكون فيه التأليف، والجوهر يجوز فيه التأليف والاتصال، وكل ما كان له الاتصال أو جاز عليه الاتصال يكون له حدّ ونهاية. وقد دللنا على استحالة الحدّ والنهاية على

1 . التمهيد لقواعد التوحيد: 56، تحقيق عبد الحميد عبد المجيد تركي، ط. دار الغرب الإسلامي.
2 . تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل:111، ط. دار الكتب العلمية، تحقيق أحمد فريد المزيدي.

صفحه 17
الباري سبحانه وتعالى وقد ذكرالله تعالى في صفة الجسم الزيادة فقال: (وزاده بسطة في العلم والجسم)1فبيّن أنّ ما كان جسماً جازت عليه الزيادة والنقصان ولا تجوز الزيادة والنقصان على الباري سبحانه.2
5. عمر النسفي(المتوفّى 534هـ) في العقيدة النسفية، قال: والمحدث للعالم هو الله تعالى الواحد القديم القادر الحي العليم السميع البصير الشائي المريد ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر ولا مصور ولا ممدود ولا معدود ولا متبعض ولا متجز ولا متركب ولا متناه ولا يوصف بالمائية ولا بالكيفية ولا يتمكن في مكان ولا يجري عليه زمان ولا يشبهه شيء ولا يخرج من علمه وقدرته شيء.3
هذه إلمامة عابرة على عقيدة أهل السنة في التنزيه، فكتبهم الكلامية والعقديّة مليئة بهذه الكلمات ولا حاجة إلى نقل المزيد منها، إنّما الكلام دراسة عقيدة ابن تيمية في مجال التنزيه، فالرجل من مواليد سنة 661هـ وتوفي سنة 728هـ ، فقد أحيا عقيدة أهل التجسيم والتشبيه فتارة يخفي عقيدته ويقول: لا نقول إنّه سبحانه جسم ولا نقول إنّه ليس بجسم.
ولكنّه في بعض المواضع يصرّح بأنّه سبحانه جسم بالمعنى الذي اختاره للجسم وها نحن نذكر كلماته من كتبه المختلفة مشيرين إلى الكتاب وطبعته ومحققه حتى يرجع من أراد أن يحقق الموضوع عن كثب.
النص الأوّل: يقول في تفسير قوله سبحانه (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)4، و تفسير قوله (هَلْ تعلمُ لَهُ سميّاً)5، ما هذا نصّه:
«فإنّه لا يدلّ على نفي الصفات بوجه من الوجوه، بل ولا على نفي

1 . البقرة:247.
2 . التبصير في الدين: 159، ط. عالم الكتب، تحقيق كمال يوسف الحوت.
3 . العقيدة النسفية:4، طبعة استنبول.
4 . الشورى:11.
5 . مريم:65.

صفحه 18
ما يسمّيه أهل الاصطلاح جسماً بوجه من الوجوه».1
ومراده من الصفات في قوله: نفي الصفات، الصفات الخبرية التي أخبر عنها سبحانه كاليد والوجه وغيرهما، فهو يعتقد أنّ الجميع يوصف به سبحانه من غير تأويل ولا تعطيل بل بنفس المعنى اللغوي.
النص الثاني: وقال أيضاً:
«وأمّا ذكر التجسيم وذم المجسّمة، فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف والأئمّة، كما لا يعرف في كلامهم أيضاً القول بأنّ الله جسم أو ليس بجسم».2
النص الثالث: ويقول في كتاب آخر له:
«وأمّا ما ذكره ]العلاّمة الحلّي[ من لفظ الجسم وما يتبع ذلك، فإنّ هذا اللفظ لم ينطق به في صفات الله لا كتاب ولا سنّة، لا نفياً ولا إثباتاً، ولا تكلّم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم، لا أهل البيت ولا غيرهم».3
إلى هنا يتّضح أنّه أخفى التصريح بأنّه تعالى جسمٌ، ولكن ذكر أنّ تلك القضيتين ليستا من كلام السلف يعني أنّ الله جسم أو ليس بجسم، ولكنّه في موضع من كتابه منهاج السنّة أظهر عقيدته، وهذا ما نلاحظه في النص التالي.
النص الرابع: وقال أيضاً:
«وقد يراد بالجسم ما يشار إليه أو ما يرى أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة وتقوم به الصفات ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد بقوله: ليس بجسم هذا المعنى قيل له هذا المعنى ـ الذي قصدت نفيه

1 . موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول أو «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية:1/100، طبعة دارالكتب العلمية، ط1، بيروت ـ 1405هـ .
2 . نفس المصدر:1/189.
3 . منهاج السنة النبوية:2/192، مؤسسة قرطبة ـ 1406هـ ، ط 1، تحقيق محمد رشاد سالم.

صفحه 19
بهذا اللفظ ـ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول وأنت لم تقم دليلاً على نفيه.وأمّا اللفظ فبدعة نفياً وإثباتاً فليس في الكتاب ولا السنّة، ولا قول أحد من سلف الأُمّة وأئمتها إطلاق لفظ الجسم في صفات الله، لا نفياً ولا إثباتاً».1
فقد عرّف إلهه الذي يعبده بالأُمور التالية:
1. أنّه يُشار إليه.
2. أنّه يُرى
3. أنّه تقوم به الصفات فيكون مركباً.
4. أنّ له مكاناً وجهة، بدليل رفع الناس أيديهم عند الدعاء إلى الأعلى.
فالإله بهذا المعنى عنده ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول.
النص الخامس: وقال أيضاً:
«وأمّا القول الثالث ـ و هو القول الثابت عن أئمة السنة المحضة كالإمام أحمد وذويه ـ فلا يطلقون لفظ الجسم لا نفياً ولا إثباتاً، لأنّه ليس مأثوراً لا في كتاب ولا سنّة، ولا أثر من أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا غيرهم من أئمة المسلمين، فصار من البدع المذمومة».2
النص السادس: وقال أيضاً:
«وليس في كتاب الله، ولا سنّة رسوله، ولا قول أحد من سلف الأُمّة وأئمتها أنّه ليس بجسم، وأنّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً».3
هذه كلماته التي نقلناها بنص من كتبه المشهورة، ودع عنك ما ذكره في

1 . منهاج السنة:2/134ـ 135.
2 . منهاج السنة:2/224ـ225.
3 . بيان تلبيس الجهمية:1/101. مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، 1392هـ، ط1، تحقيق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم.

صفحه 20
الرسائل الكبرى التي سيوافيك شيء منه.
ولكن ما ندري ما ذا يريد بقوله: ثابت بصحيح المنقول، فهل يعني الذكر الحكيم؟ فما اختاره يضادّه تماماً حيث يقول : (ليس كمثله شيء)، فلو كان سبحانه جسماً يلزم أن يكون له طول وعرض وارتفاع، وبالتالي يكون مركباً من أجزاء محتاجّاً في تحقّقه إلى كلّ جزء. هذا ما يقوله صحيح المنقول.
وأمّا ما نسبه إلى صريح المعقول فهو أيضاً يضادّ ما ذكره تماماً كذلك إذ لو كان جسماً لاحتاج إلى مكان، فالمكان إمّا أن يكون قديماً فيكون إلهاً ثانياً، وإن كان حادثاً أحدثه سبحانه، فأين كان هو قبل إحداث هذا المكان؟
وأمّا رفع الناس أيديهم عند الدعاء فلا يعني أنّه سبحانه في السماء وإنّما يريدون إفهام رفعة مقام الله سبحانه برفعهم أيديهم; مضافاً إلى أنّ البركات تنزل من السماء، قال سبحانه: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُون)1، وسيأتي الكلام فيه، فانتظر.
وأمّا ما نسبه إلى السلف ـ فالسلف بريء منه براءة يوسف ممّا اتّهم به ـ فيكفينا أن نذكر كلام البيهقي في كتابه «الأسماء والصفات»، قال: احتجّ أهل السنّة على أنّه سبحانه ليس في مكان بالحديث النبوي التالي، قال(صلى الله عليه وآله): «أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان.2
وهناك كلمات كثيرة من أهل الحديث لا يسعها المقام.

إجابة عن سؤال

ربما نسمع من الكثير من أتباع الرجل قولهم: أنّه سبحانه جسم لا كالأجسام، نظير قولنا: شيء لا كالأشياء، فكما أنّ الثاني صحيح، فالأوّل صحيح أيضاً.

1 . الذاريات:22.
2 . الأسماء و الصفات: 400، باب ما جاء في العرش والكرسي.

صفحه 21
والجواب عنه واضح، وهو أنّ الشيء لا يدل على خصوصية خاصّة بل يدل على نفس الوجود والتحقق، فلا مانع من أن يقال: أنّه شيء لا كالأشياء، أي له وجود لا كوجود الأشياء.
وأمّا الجسم فيدل على خصوصية مقوّمة له، وهو كونه ذا عرض وطول وارتفاع، فالقول بأنّه جسم يلازم ثبوت هذه الصفات، فتعقيبه بـ :لا كالأجسام ينفي هذه الخصوصيات، فيكون الكلام حاملاً للتناقض.

كلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية

إنّ ابن تيمية قد بدأ بنشر أفكاره الشاذّة لأول مرّة في رسالته في العقيدة الواسطية ـ أعني: الرسالة التاسعة من مجموعة الرسائل الكبرى ـ ووصف فيها الباري سبحانه بالعبارة التالية:
«تواتر عن رسوله (صلى الله عليه وسلم) وأجمع عليه سلف الأُمّة من أنّه سبحانه فوق سماواته، على عرشه، عليٌّ على خلقه».1
ومعنى العبارة أنّه سبحانه:
1. فوق السماوات.
2. جالس على عرشه.
3. في مكان مرتفع عن السماوات والأرض.
وليس لهذه الجمل معنى سوى أنّه كملك جالس على السرير في مكان مرتفع ينظر إلى العالم تحته.
نعم استند هو في كلامه هذا بما نقله ابن مندة في توحيده عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)أنّه قال:
«ويحك أتدري ما الله، إنّ عرشه على سماواته وأرضيه ـ وأشار هكذا بأصابعه

1 . مجموعة الرسائل الكبرى، الرسالة التاسعة:1/401.

صفحه 22
ـ مثل القبة عليها، وإنّه ليئط أطيط الرحل بالراكب».1
وكأنّه سبحانه جسم كبير فوق الكبر له ثقل على العرش، وهو يئط كما يئط الرحل حينما يجلس عليه الإنسان الثقيل.
وللأسف فإنّ هذا الحديث قد ورد كثيراً في كتب الحديث، فقد نقله أبو داود في سننه برقم 4726، وابن خزيمة في توحيده برقم 147، وابن أبي عاصم في السنة، ص 575، وابن أبي حاتم في تفسير سورة البقرة برقم 223.
ولا شك أنّ هذا الحديث وأمثاله من الإسرائيليات التي تطرقت إلى كتب الحديث، هو من الآثار السلبية لمنع كتابة الحديث النبوي في القرن الأوّل وشيء من الثاني، حتى تداركه الدوانيقي عام 143هـ .
ثمّ إنّ ابن تيمية لما رأى أنّ كلامه يستلزم أن يكون سبحانه جسماً كالأجسام حاول التهرّب عن ذلك بوجه أوقعه ـ أيضاً ـ في المحذور، حيث جمع مصطلحات الحكماء والمتكلمين في الجسم وقال:
لفظ الجسم فيه إجمال، فقد يراد به :
1. المركب الذي أجزاؤه مفرّقة فجمعت.
2. أو ما يقبل التفريق أو الانفصال.
3. أو المركّب من مادة وصورة.
4. أو المركّب من الأجزاء المفردة التي تسمى الجواهر المفردة. وقال: والله تعالى منزّه عن ذلك كله.
ثم قال: وقد يراد بالجسم:
5. ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد ]العلاّمة الحلّي[ بقوله: ليس بجسم هذا المعنى قيل له: هذا

1 . توحيد ابن مندة: 429، طبعة مؤسسة المعارف، بيروت.

صفحه 23
المعنى ثابت لله ولم يقم دليل على نفيه.1
يلاحظ عليه: أنّ الجسم من المفاهيم الواضحة عند العرف وليس مشتركاً بين هذه المعاني التي أخذها من الفلاسفة والمتكلمين، فالصحابة عندما سمعوا قوله سبحانه: (إنّ الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم)2 أو قوله سبحانه: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم)3 لم يخطر ببال أحد منهم أي واحد من المعاني المذكورة حتى المعنى الأخير الذي اختاره وقال عنه: «هذا المعنى ثابت لله ولم يقم دليل على نفيه».
فالجسم عند العرب الأقحاح عامّة ما جاء نموذجه في نفس الآيتين نظير: طالوت في الآية الأُولى، والمنافقين في الآية الثانية. فكلّ شيء كان كهذين النموذجين فهو جسم، والذي يجمع الجميع هو اشتماله على الطول والعرض والعمق، فلو قلنا ـ العياذ بالله ـ أنّه سبحانه جسم، فلا محيص من اشتماله على ما اشتملت عليه سائر الأجسام من الأبعاد الثلاثة.
ثمّ إنّه كرر ما ذكره هنا في مقام آخر.4 ولا حاجة لنقله.
كما إنّه تفلسف أيضاً في تفسير المكان وقال: قد يراد بالمكان:
1. ما يحوي الشيء ويحيط به.
2. ما يستقر الشيء عليه بحيث يكون محتاجاً إليه.
3. قد يراد به ما كان الشيء فوقه وإن لم يكن محتاجاً إليه.
4. وقد يراد به ما فوق العالم وإن لم يكن شيئاً موجوداً.
ثم نفى ما ذكره من المعاني للمكان واختار المعنى التالي:
هو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهذا المعنى حق،

1 . منهاج السنة النبوية:2/134ـ 135.
2 . البقرة:247.
3 . المنافقون:4.
4 . لاحظ منهاج السنة النبوية:2/198ـ 200.

صفحه 24
سواء سميّت ذلك مكاناً أم لم تُسمّ.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه ليس للمكان إلاّ معنى واحد وهو كون شيء في شيء، وإحاطة شيء لشيء، ولذلك يفسره أهل اللغة بقولهم: المكان موضع كون الشيء، فلو كان لله سبحانه مكان فليس إلاّ بهذا المعنى، دون المعاني التي أخذها من مصطلحات الحكماء والمتكلمين، الذين لهم مصطلحات خاصّة في المفاهيم لا صلة لها بمصطلحات العامّة.
وثانياً: ماذا يريد من قوله: إنّه «على عرشه»؟ إذ عندئذ يتوجه إليه السؤال الثاني: ماذا يريد من قوله: إنّ ذاته سبحانه لا تخلو من أن تكون مماسّة للعرش ، أو غير مماسّة؟
فعلى الثاني تكون ذاته سبحانه منزهةً عن المكان لأنّ المكان عبارة عن كون شيء في شيء. لكنّه يكون ذا جهة وهو كونه فوق العرش يشار إليه فقد اثبت لله الجهة التي هي من خصائص الأُمور المادّية.
وإن كانت مماسّة (على الأول) فيكون محتاجاً إليه. ولعمر القارئ إنّ صرف الحبر والقلم في نقد هذه الأفكار الرديئة تضييع للمال والعمر، ولكن اغترار المتظاهرين بالسلفية بابن تيمية، ألجأني إلى دراسة هذه المواضيع. وسيأتي الكلام حول المكان والجهة لله في الرسالة الثالثة.

موقف أهل البيت(عليهم السلام) من فكرة التجسيم

تقدم أنّ ابن تيمية ذكر في كلماته أنّه لم يرد عن أهل البيت(عليهم السلام) ما يدل على عدم كونه جسماً، ولكنّه لبعده عنهم وما يبدو من كلماته من النصب والعداء الذي يكنّه لهم، فإنّه لم يراجع كلماتهم، فصار يرمي الكلام على عواهنه من غير دليل.
وقد وقف الأصم والأبكم فضلاً عن العلماء على أنّ التوحيد والتنزيه من

1 . منهاج السنة النبوية:1/144ـ145.

صفحه 25
شعار أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كما أنّ التشبيه والجبر من شعار الأمويين، وها نحن ننقل شيئاً قليلاً من كلمات أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله).
يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في أحدى خطبه:
«ما وحدّه من كيّفه، ولا حقيقته أصاب مَن مثّله، ولا إياه عنى من شبّهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه».1
روى الصدوق بإسناده إلى أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) يوماً خطبة بعد العصر، قال فيها:
«الحمد لله الذي لا يموت، ولا تنقضي عجائبه، لأنّه كل يوم في شأن، من إحداث بديع لم يكن، الذي لم يولد فيكون في العزّ مشاركاً، ولم يلد فيكون موروثاً هالكاً، ولم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحاً ماثلاً، ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلاً، الذي ليست له في أوّليّته نهاية، ولا في آخريّته حدّ ولا غاية، الذي لم يسبقه وقت، ولم يتقدمه زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، ولم يوصف بأين ولا مكان».2
فأي كلمة أوضح في نفي التشبيه والتجسيم من قوله(عليه السلام): «ولم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحاً ماثلاً».
وأي جملة أوضح في نفي المكان من قوله: «ولم يوصف بأين ولا مكان».
***
ثمّ إنّ ابن تيمية صار بصدد تصحيح حديث عبد الله بن خليفة الظاهر في التجسيم على ما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل باسناده عن عبد الله بن خليفة قال: جاءت امرأة إلى النبي(صلى الله عليه وآله) فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظّم الرب عزّ وجلّ وقال: (وسع كرسيه السمواتِ والأرضَ) إنّه ليقعد عليه جل وعز فما

1 . نهج البلاغة، الخطبة 186.
2 . توحيد الصدوق:31.

صفحه 26
يفضل منه إلاّ قيد أربع أصابع وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل إذا رُكب.1 فقال ردّاً على العلاّمة الحلي حيث نقل الحديث فقال: فهذا لا أعرف له قائلاً ولا ناقلاً ولكن روي في حديث عبد الله بن خليفة أنّه: ما يفضل من العرش أربع أصابع، يُروى بالنفي تارة ويُروى بالإثبات، والحديث قد طعن فيه غير واحد من المحدّثين كالإسماعيلي وابن الجوزي، ومن الناس من ذكر له شواهد وقوّاه.
ولفظ النفي لا يرد عليه شيء فإن مثل هذا اللفظ يرد لعموم النفي كقول النبي(صلى الله عليه وآله): «ما في السماء موضع أربع أصابع إلاّ وملك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد»، أي ما فيها موضع.2
يلاحظ عليه: أنّ الوارد في كتاب السنّة أي كتاب إمام مذهبه أحمد بن حنبل الذي نقله عنه ولده عبد الله هو الإثبات: ما يفضل منه إلاّ قيد أربع أصابع ـ ومعنى ذلك أنّ العرش يمتلأ بوجوده سبحانه ويبقى منه أربعة أصابع خالياً ـ وما احتمله من النفي للفرار عن المعنى الذي يضحك الثكلى، وما استشهد به من الحديث أعني قوله: «ما في السموات موضع أربع أصابع إلاّ وملك...» يفارق المقام، فإنّ الاستثناء فيه بعد أربع أصابع وفي المقام قبله.
وعلى كلتا الصورتين فالحديث ظاهر في التجسيم سواء امتلأ العرش بوجوده أو بقي منه أربع أصابع.
وعلى كلّ تقدير فآفة المشبهة لا تنتهي بما ذكرنا فإنّهم أخذوا التشبيه من اليهود.
يقول الشهرستاني: وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإنّ العرش ليئط من تحته كأطيط الرحل الحديد(الجديد)، وأنّه ليفضل من كل

1 . السنّة:1/305 برقم 593.
2 . منهاج السنة:2/629.

صفحه 27
جانب أربع أصابع.1
ولو أراد الباحث تنظيم العقيدة الإسلامية عما عليه المشبهة من حمل الصفات الخبرية في الكتاب والسنة على ظاهرها لأصبحت العقيدة الإسلامية عقيدة الزنادقة، وإن كنت في شك فلاحظ ما ذكره الشهرستاني، قال:
وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها، أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام، وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه الصلاة والسلام: «خلق آدم على صورة الرحمن»، وقوله: «حتى يضع الجبار قدمه في النار» وقوله: «قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن»، وقوله: «خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحاً»، وقوله: «وضع يده أو كفّه على كتفي»، وقوله: «حتى وجدت برد أنامله على كتفي» إلى غير ذلك; أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام.2
إنّ الصفات الخبرية هي التي أوجدت فكرة التشبيه والتجسيم عند بعض السلفيين، والمراد بها ما أخبر عنه سبحانه دون أن يدلّ عليه العقل من كونه مستوياً على عرشه، أو أنّ له الوجه واليدين، والجَنْب والمجيء والإتيان والفوق.
ثم إنّ السلف في تفسير الصفات الخبرية على مذاهب:
1. منهم مَن يثبت الصفات الخبرية كاليدين والوجه ويقولون هذه الصفات وردت في الشرع، فبالغوا في إثبات الصفات إلى حدّ التشبيه بصفات المحدثات.
قال الشهرستاني(المتوفّى548هـ): إنّ جماعة من المتأخّرين زادوا على ما قاله السلف، فقالوا لابد من إجرائها على ظاهرها فوقعوا في التشبيه الصرف، ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود... .3

1 . الملل والنحل:1/121، دار المعرفة، بيروت ـ 1416هـ .
2 . الملل والنحل:1/121.
3 . الملل والنحل:1/105.

صفحه 28
2. ومنهم مَن اكتفى بتلاوتها من دون أن يحقّقوا معانيها، ونسب ذلك إلى مالك بن أنس لمّا سُئل عن الاستواء على العرش، قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ونسب ذلك إلى أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود بن علي الإصفهاني.1
3. ومنهم مَن أوّل الظواهر كي يخرجوا عن مغبّة التشبيه والتجسيم، فقالوا: إنّ المراد من اليد قدرته ونعمته إلى غير ذلك من وجوه التأويل.
وعلى ذلك فالسلف إمّا مبتدعة وهم الذين يجرون الصفات الخبرية على ظاهرها، وإمّا معطلة الذين يمرّون على الآيات ويتلونها دون أن يتفكّروا في حقائقها، أو مؤوّلة يحملون الآية على خلاف ظواهرها من دون قرينة في نفس الآية.
وأمّا العلماء الواعون فهم برآء من التشبيه والتعطيل والتأويل، وإنّما يفرقون بين الظهور الإفرادي والظهور الجملي؟ وإنّما يحتاج إلى التأويل إذا أخذنا بالظهور الحرفي أو الإفرادي، وأمّا لو أخذنا بالظهور الجملي فنحن في غنى عنه، إذ تصير الجمل عندئذ ظاهرة في المعاني الكنائية أو المجازية، فالحجّة هو الثاني دون الأوّل، والآيات عندهم ظاهرة في معانيها التصديقية من دون حاجة إلى التأويل، وهي بين مجاز وكناية واستعارة، وأمّا تفصيل ذلك ففي مجال آخر، وقد أوضحنا حاله في كتابنا الإنصاف.2
وعلى كل تقدير فابن تيمية من الطائفة الأُولى، وهو إمام المدافعين عن بيضة أهل التشبيه وشيخ اسلام أهل التجسيم ممّن سبقه من الكرامية وجهلة المحدّثين الذين أخذوا بالظواهر ونسبوها إلى الله سبحانه وأحيوا بذلك عقيدة اليهود في الله سبحانه.

1 . الملل والنحل:1/105.
2 . الإنصاف:3/352ـ359.

صفحه 29
حركة الباري ونزوله عند ابن تيمية
2

حركة الباري ونزوله عند ابن تيمية

من الأُمور الّتي يصرّ عليها ابن تيمية، تجويز الحركة والانتقال والنزول لله سبحانه، بل إنّه يقول فوق ذلك بأنّه ينزل وينتقل من مكان إلى آخر، وأنّه لا مانع من ثبوت ذلك لله سبحانه، بل يدّعي أنّ عليه أئمة السلف!!
هذا ما يدّعيه ابن تيمية في غير واحد من كتبه، وهانحن ننقل شيئاً من كلماته، ليتّضح للقارئ موقف الرجل من هذا الأمر.
كتب بشر المريسي الجهني كتاباً في التوحيد ونقضه عثمان بن سعيد الدارمي المجسّم، وقد نقل ابن تيمية شيئاً من كتاب النقض مرتضياً به وإليك ما نقله: أمّا دعـواك (بشـر المـريسي) أنّ تفسيـر القيّـوم: الّـذي لا يـزول عن مكانه ولا يتحرك، فلا يقبل منك هذا التفسير إلاّ بأثر صحيح مأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو عن بعض أصحابه أو التابعين، لأنّ الحيّ القيوم يفعل ما يشاء، ويتحـرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمـارة ما بين الحـي والميّت، التحرّك كل حيّ متحرّك لا محالة، وكل ميّت غير متحرك لا

صفحه 30
محالة.1
ويقول ابن تيمية أيضاً: إنّ جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نُقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحمّاد بن زيد وغيرهما ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدّد 2.
وقال في «الموافقة»: وأئمة السنّة والحديث على إثبات النوعين، وهوالّذي ذكره عنهم مَنْ نقل مذهبهم، كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة، وأنّ ذلك هو مذهب أئمة السنّة والحديث من المتقدّمين والمتأخّرين، وذكر حرب الكرماني أنّه قول مَن لقيه من أئمة السنة، كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبدالله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وقال عثمان بن سعيد وغيره: إنّ الحركة من لوازم الحياة، فكلّ حيّ متحرك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات، الذين اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم .3
هذه الكلمات تكفي في بيان نظرية الرجل، وأنّه يثبت لله سبحانه ما هو من صفات الأجسام، وسيوافيك في آخر المقال أنّه جسّد عقيدته في نزوله سبحانه عن العرش، بنزوله درجة من درج المنبر إلى درجة أُخرى، وقبل دراسة هذه النظرية ومناقشتها، نقدّم أُموراً:

1 . موافقة صحيح المنقول لصريح العقول (درء التعارض): 1 / 333. نشر دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1405هـ . ما نقله من المريسي وما ردّ به عليه فهو من مصاديق: ضعف الطالب والمطلوب، فليس معنى القيّوم هو الّذي لا يزول عن مكانه، بل معناه القائم بنفسه في مقابل الممكن القائم بغيره، وأمّا ما رُدّ به فهو من الفضاحة بمكان ولا يحتاج إلى نقد وردّ!!
2 . منهاج السنة:2 / 638 ، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم .
3 . الموافقة: 1 / 309 .

صفحه 31

الأوّل: تعريف الحركة

عرّفت الحركة بتعاريف مختلفة أصحّها وأسدّها هو أنّ الحركة: عبارة عن خروج الشيء من القوّة إلى الفعل على سبيل التدرّج.
والقوة عبارة عن الاستعداد، ووجوده المستعدلة يلازم خروجه عن القوة إلى الفعلية، فهذا النوع من التعريف يشمل كلّ أنواع الحركة الجوهرية والعرضية، أمّا الأُولى فإنّ نواة البرتقال تنطوي على قابلية خاصّة، وهي قابلية أن تكون شجرة في المستقبل، فإذا وقعت تحت التراب تحولت تلك القابلية إلى الفعلية وبالتدريج تخرج من القوّة إلى الفعل.
هذا في الحركة الجوهرية، أمّا الحركة العرضية فمنها الحركة في الأين الّتي نسمّيها بالحركة الانتقالية إلى مكان آخر، فهي أيضاً داخلة في التعريف، ففي الجسم قابلية لأن ينتقل من مكان إلى مكان، فإذا أخذ بالحركة فقد صحّ أن تتحول تلك القوة والقابلية إلى الفعلية، سواء أكان ذلك بسبب عامل داخلي أو خارجي. هذه هي الحركة وأقسامها.

الثاني: وجود الإمكان في المتحرّك

إذا كانت الحركة هي الخروج من القوة إلى الفعل، فلازم ذلك إمكان وجود الشيء المترقّب في المتحرك . ومن المعلوم أنّ واجب الوجود بريء عن الإمكان فهو فعلية محضة لا ينسجم مع الإمكان. كيف يمكن أن يقال: إنّ في واجب الوجود، قوة ناقصة تتكامل بالخروج عنها إلى الفعلية، وهو كمال مطلق وغنيّ من عامة الجهات .

الثالث: ما هي الغاية من الحركة؟

إنّ الحركة لابدّ لها من غاية، فما هي الغاية في حركة الباري؟ فهل هي الحركة من النقص إلى الكمال أو من الكمال إلى النقص؟ أو لا هذا ولا ذاك؟

صفحه 32
أمّا الأوّل فيلازم وجود النقص في الله سبحانه مع أنّه الغني المطلق والكمال التامّ.
وأمّا الثاني فهو يلازم خروج الواجب من الكمال المطلق إلى النقص (الكمال النسبي).
وأمّا الثالث فهو يلازم العبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
هذه تحليلات فلسفية تعرضنا لها في هذا المقام لمن له مقدرة علمية على فهم هذه الأُمور، وهناك أمر آخر هو:
الرابع: إنّ السبب لذهاب ابن تيمية وأسلافه المجسّمة إلى إثبات الحركة والنزول لله سبحانه هو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَنْ يسألني فأُعطيه، مَنْ يستغفرني فأغفر له »1.
وعن هذا الحديث تثار تساؤلات، منها:
أوّلاً: أنّ الله سبحانه هو الغفور الرحيم، وأنّه أقرب إلينا من حبل الوريد، فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه إلى سماء الدنيا وندائه بقوله: مَن يدعوني فأستجيب له. وهو القائل عزّ اسمه: (فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم) 2.
والقائل أيضاً: (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحيم)3.
والقائل أيضاً: (قُلْ ياعِباديَ الَّذِينَ أَسْـرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ

1 . صحيح البخاري: 8 / 71، باب الدعاء نصف الليل برقم 6321 ; صحيح مسلم: 2 / 175، باب الترغيب في الدعاء.
2 . المائدة: 39.
3 . المائدة: 74.

صفحه 33
اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً)1، إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن سعة رحمته لعموم عباده.
كما أنّه سبحانه وعد عباده بأنّه يستجيب دعاء من دعاه ويقول: (إدْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ)2، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على قُرب المغفرة من المستغفرين، والإجابة من الله سبحانه للسائلين آناء الليل والنهار، فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه الكريم إلى السماء الدنيا وندائه بقوله: « من يدعوني فاستجيب له»؟!
ثانياً: تعالى ربّنا عن النزول والصعود والمجيء والذهاب والحركة والانتقال وسائر العوارض والحوادث التي تُفضي إلى الجسمية والتحيّز، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، ومن هنا صار هذا الحديث وأشباهه، سبباً لذهاب الحشوية إلى التجسيم والسلفية إلى التشبيه.
ثالثاً: أنّ لازم ما ذكره أن يكون الله سبحانه مستمراً طوال النهار والليل في النزول والصعود وذلك لتعاقب الليل والنهار، فربما يكون نصف النهار في بلد هو نصف الليل في بلد آخر، أو أوّل النهار في بلد هو أوّل الليل في بلد آخر، وكلّ بلد له نصف ليل، فحينئذ يلزم أن يكون سبحانه طول الليل والنهار بين النزول والصعود، إذ معنى ذلك أنّه يتحرك في عامّة الليل وعامّة النهار الّتي تكون ليلاً في بلد آخر وهو كما ترى .
رابعاً: أي فائدة في هذا النداء الّذي لا يسمعه أي ابن أُنثى حتّى يرغب في الدعاء؟!
***
ومن العجيب أنّه نسبه إلى أئمة السلف، ولكنّ السلف والخلف بريئان من

1 . الزمر: 53.
2 . غافر: 60.

صفحه 34
هذه النسبة; وذلك لأنّهم يتلون كتاب الله ليل نهار وهو يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)1 وإذا أثبتوا لله الحركة والنزول والصعود، فقد جعلوا لله مثلاً وشبيهاً.
ومن يرجع إلى كلمات علماء الإسلام الواعين من السلف والخلف يجد أنّهم متّفقون على تنزيهه سبحانه من أوصاف الجسم والجسمانيات وأنّهم أوّلوا الحديث المروي عن أبي هريرة.
يقول الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ما هذا نصّه: استدلّ به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور; لأنّ القول بذلك يُفضي إلى التحيّز، تعالى الله عن ذلك. وقد اختلف في معنى النزول على أقوال.... ثم قال: وقد حكى أبو بكر بن فورك أنّ بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكاً، ويقوّيه ما رواه النسائي من طريق الأعز عن أبي حويرة وأبي سعيد بلفظ: «إنّ الله يمهل حتّى يمضي شطر الليل ثم يأمر منادياً يقول: هل من داع فيستجاب له..» ثم قال: وبهذا يرتفع الإشكال .
ثم نقل عن البيضاوي أنّه قال: ولمّا ثبت بالقواطع أنّه سبحانه منزّه عن الجسمية والتميّز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه.2
نعم ربّما يتمسّك المجسّمة بقوله سبحانه: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا )3.
ولكن الناظر في آيات تلك السورة يقف على أنّه سبحانه يصوّر هول القيامة ورعبها ويقول قبل هذه الآية: (كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا)4 ثم يقول بعدها

1 . الشورى: 11.
2 . فتح الباري: 3 / 30 .
3 . الفجر: 22.
4 . الفجر: 21 .

صفحه 35
(وَجِيءَ يَوْمَئِذ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنى لَهُ الذِّكْرى )1. فإنّ المراد من مجيء جهنم إبرازها للعصاة كما في قوله تعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى)2
فالمراد من مجيئه سبحانه هو ظهور قدرته في ذلك اليوم العصيب وسطوع شوكته، وكثيراً ما يقال: جاء آل فلان، ويراد تسلطهم وسيطرتهم على البلاد.
وفي الكشّاف: هو تمثيل لظهورآيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه، مثّلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم 3.
وعلى ما ذكرنا فالمراد بمجيئه تعالى مجيء أمره قال تعالى: (وَ الأَمْرُ يَوْمَئِذ للهِ )4، ويؤيد هذا الوجه بعض التأييد قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ وَ الْمَلاَئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ)5 إذا انضم إلى قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ )6 وعليه فهناك مضاف محذوف والتقدير جاء أمر ربك، أو نسبة المجيء إليه تعالى من المجاز العقلي.7
وكان على ابن تيمية ومن لف لفه أن يرجعوا إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين هم اعدال الكتاب وقرناؤه، حتّى يعرفوا مكانة الحديث من الصحة والسقم .
روى يعقوب بن جعفر الجعفري عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)قال: ذكر عنده قوم يزعمون أنّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدّنيا، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لا ينزل، ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنّما منظره في القرب والبعد سواء، لم

1 . الفجر: 23.
2 . النازعات: 36 .
3 . الكشّاف: 3 / 337 .
4 . الانفطار: 19 .
5 . البقرة: 210 .
6 . النحل: 33 .
7 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 284 .

صفحه 36
يبعد منه قريب، ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج بل يُحتاج إليه، وهو ذو الطول، لا إله إلاّهو العزيز الحكيم.
أمّا قول الواصفين: إنّه تبارك وتعالى ينزل فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكلُّ متحرِّك محتاج إلى من يحرِّكه أو يتحرَّك به، فظنّ بالله الظنون فهلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدّ تحدّوه بنقص أو زيادة أو تحرّك أو زوال أو نهوض أو قعود، فإنّ الله جلّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين وتوهُّم المتوهِّمين، (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)1.2
وفي الختام: نقول إن الرجل صرّح بمذهبه وهو على منبر الشام، يقول الرّحالة ابن بطوطة: وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلم في فنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً. وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلم مرّة بأمر أنكره الفقهاء...ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي، وقال: «إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا» وعدّد ما أُنكر على ابن تيمية، وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.
قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلاّ الله، فأعاد عليه فأجاب عليه بمثل قوله: فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، وصنف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سماه «البحر المحيط» في نحو أربعين مجلداً.
ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرتُه يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر

1 . الشعراء: 217 ـ 219 .
2 . التوحيد للصدوق: 183، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث 18.

صفحه 37
الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: (إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا) ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً. 1
وربما يحاول بعض المتعصّبين، أن ينفي حضور ابن بطوطة في ذلك العام في دمشق، لكنّه غفل عن أنّ النقل لا ينحصر به، بل نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني في موسوعته الدرر الكامنة2، وهذا يدلّ على أنّ الخبر كان منتشراً يوم ذاك في البلد.
(ذلك مبلغهم من العلم انّ ربّك هو أعلم بمن
ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى).3

1 . الرحلة لابن بطوطة: 112، طبعة دار الكتب العلمية.
2. الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني:1/154.
3 . النجم:30.

صفحه 38
الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية
3

الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية

اتّفق علماء الإسلام ـ عدا بعض المحدّثين ـ على أنّه سبحانه منزّه عن الجهة والمكان، وقد برهنوا على ذلك ببراهين واضحة، نذكر بعضها:
1. أن الجهة أو المكان لو كانا قديمين للزم تعدّد القدماء، ولو كانا حادثين ليلزم أن يكون سبحانه محلاًّ للحوادث، حيث لم يكن ذا مكان ولا ذا جهة ثم وصف بهما.
2. أنّ الله سبحانه غني بالذات، فكونه ذا جهة أو ذا مكان، يلازم حاجته إليهما، فينقلب الغني فقيراً ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
3. أنّ كلّ ما هو في جهة إمّا جسم أو جسماني، وكلّ منهما ممكن بل حادث، فكيف يوصف بهما سبحانه وتعالى؟
وهذه البراهين مبثوثة ومشروحة في الكتب الكلامية والعقدية، ونحن في غنى عن أن نأتي بكلمات العلماء أو أن نشرحها.
هذه هي البراهين العقلية الّتي تفسّر لنا قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)1، فلو كان في جهة أو مكان، يكون له ملايين الأمثال، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وإذا رجعنـا إلى كلمات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ـ الذين ينزّهون الباري أشدّ

1 . الشورى: 11.

صفحه 39
التنزيه ـ نجد أنّهم يصفونه بنفي الجهة والمكان، وكلام الإمام علي (عليه السلام) خير شاهد على ذلك، حيث قال(عليه السلام) في خطبة له: مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، وَمَنْ قَالَ: كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَمَنْ قَالَ: «أَيْنَ» فَقَدْ حَيَّزَهُ». 1
وقال أيضاً: «لاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَلاَ يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلاَ يَصِفُهُ لِسَانٌ».2
وقال في خطبة أُخرى له: «ولا أنّ الأشياء تحويه، فتقلّه أو تهويه، أو أنّ شيئاً يحمله، فيميله أو يعدله!ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج».3
وروى الصدوق بإسناده عن سليمان بن مهران قال: قلت لجعفر بن محمد (عليه السلام): هل يجوز أن نقول: إنّ الله في مكان؟ فقال: «سبحان الله وتعالى عن ذلك، إنّه لو كان في مكان لكان محدثاً، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، والاحتياج من صفات المحدَث لا من صفات القديم» 4.
وروى أيضاً عن أبي بصيرد عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً».5
إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في الجوامع الحديثية المعتبرة .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى عقيدة ابن تيمية من خلال ما ورد في كتبه.
1. قال في «منهاج السنّة»: وجمهور السلف على أنّ الله فوق العالم، وأنّ

1 . نهج البلاغة: الخطبة: 152 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 178 .
3. نهج البلاغة، الخطبة 186.
4 . توحيد الصدوق: 178، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث رقم 11 .
5 . توحيد الصدوق، 184، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث رقم20.

صفحه 40
أحدهم لا يلفظ بلفظ الجهة، فهم يعتقدون بقلوبهم، ويقولون بألسنتهم: ربهم فوق.1
2. وقال في «بيان تلبيس الجهميّة»: والله تعالى قد أخبر عن فرعون أنّه طلب أن يصعد ليطلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبر أنّ الله فوق لم يقصد ذلك، فإنّه لو لم يكن مقرّاً به فإذا لم يخبره موسى به لم يكن إثبات العلو لا منه ولا من موسى (عليه السلام)، ثم قال: فموسى صدق محمداً في أنّ ربه فوق، وفرعون كذب موسى في أنّ ربه فوق. فالمقرّون بذلك متّبعون لموسى ولمحمد، والمكذبون بذلك موافقون لفرعون .2
والعجب أنّه يستدلّ بطلب فرعون من هامان ليبني له صرحاً ليصعد عليه ويطّلع إلى إله موسى، فهل يكون طلبه دليلاً على أنّ الله في السماء؟! ومن أين له أنّ موسى قد أخبر فرعون، بل أنّ طلبه مبني على توهّمه أنّ إله موسى جسم ماديّ فبما أنّه ليس في الأرض فلا بد أن يكون في السماء، فطلب من وزيره أن يجعل له صرحاً ليطّلع إلى إله موسى.
ولعمر القارئ أنّ هذا النوع من الاستدلال يكشف عن عجز المستدل حيث يتشبث بهذا النوع من التسويلات.
يقول المحقّق الدواني في شرح العقائد العضدية: ولابن تيمية أبي العباس أحمد وأصحابه ميل عظيم إلى إثبات الجهة ومبالغة في القدح في نفيها، ورأيت في بعض تصانيفه: أنّه لا فرق عند بديهية العقل بين أن يقال: هو معدوم، أو يقال: طلبته في جميع الأمكنة فلم أجده، ونسب النافين إلى التضليل.
3. وقال في «العقيدة الواسطية»: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله، الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله(صلى الله عليه وآله) وأجمع عليه سلف الأُمّة،

1 . منهاج السنة النبوية: 1 / 262 .
2 . بيان تلبيس الجهمية: 1 / 526.

صفحه 41
من أنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليّ على خلقه، وهو معهم سبحانه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون كما جمع بين ذلك في قوله: (هُوَ الذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير)1 وليس معنى قوله: (وهو معكم أينَ مَا كنتم): أنّه مختلط بالخلق فإنّ هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأُمّة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطّلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته .2
يلاحظ عليه: أنّ كلامه صريح في أنّ الله سبحانه واقع في جهة وهي فوق السماوات، مستقر على عرشه، مستعل على خلقه، فهو مهما أراد أن ينكر عقيدته بأنّ الله سبحانه في جهة، فلا يتسنّى له ذلك.
ثمّ إنّه لمّا لاحظ التعارض بين عقيدته ـ أعني: أنّ الله سبحانه مستقر على عرشه، بائن عن خلقه ـ وقوله سبحانه: (وهو معكم أين ما كنتم) حاول أن يجمع بين الآيتين، بتفسير المعيّة بالمعية العلمية، حيث إنّه سبحانه في العرش مع أنّه مطّلع على أعمال عباده.
أقول: وليس هذا إلاّ تأويلاً للكتاب العزيز وتفسيراً بالرأي حيث إنّ عقيدته بأنّ الله فوق السماوات صارت سبباً لتفسير الآية بما مرّ.
إنّ ابن تيمية كثيراً ما يرد على الجهمية بتأويلهم آيات الصفات ولكنّه وقع بنفس ما يردّ به عليهم .
هبّ أنّه صح تأويله سبحانه: (وهومعكم) بالمعيّة، فبماذا يفسّر قوله سبحانه:

1 . الحديد:4.
2 . مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية:1/400ـ 401; العقيدة الواسطية، الرسالة التاسعة، طبعة محمد علي صبيح.

صفحه 42
(ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَة إلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أدْنى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أكْثَرَ إلاّ هُوَ مَعَهُمْ أينَ ما كَانُوا ثُمَّ يُنَبّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم)1؟! فإنّ الآية صريحة في حضوره سبحانه بين الثلاثة وهو رابعهم، وبين الخمسة وهو سادسهم، لا أنّه مستقر في عرشه ينظر إلى مادونه فيعلم بما يجري بين العباد.
ثمّ إنّ الرجل لمّا لم يتوفّق لتفسير المعيّة، تصور أنّ القول بالمعيّة يستلزم الحلول، ومن المعلوم أنّ الحلول في المخلوقات كفر بواح، لا يتكلّم به المتشرّع المؤمن بكتابه وسنّة رسوله، وإنّما المراد بالمعيّة، المعيّة القيوميّة فهو مع كونه خارجاً عن مخلوقاته لكن لا بنحو تنقطع صلته بهم، بل هو مع كونه موجوداً بنفسه، لكن عالم الإمكان قائم به قيام صدور لا قيام حلول.
وإذا أردنا أن نصوّر ذلك بتصوير أدنى فلنذكر هذا المثال:
إنّ النفس الإنسانية مع علوها واستقلالها، لكن الصور الإبداعية التي تخلقها في عالمها قائمة بها، فلا الصور داخلة في النفس، ولا النفس منقطعة عنها، بشهادة أنّ النفس لو ذهلت عن الصور لم يبق منها شيء، فمن قال بالمعية ـ تبعاً للذكر الحكيم ـ إنّما يريد المعيّة القيوميّة، ولذلك يقول الإمام علي(عليه السلام): «مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة».2
ثمّ إنّ الرجل لمّا وقف على كلام الإمام علي(عليه السلام) في شأنه سبحانه مع المخلوقات، حاول أن يردّ عليه دون أن يذكر اسمه، يقول مخاطباً خصمه: فأنت تقول: إنّه موجود قائم بنفسه وليس بداخل في العالم ولا خارج عنه ولا مباين له ولا محايث(مجانب) له، وأنّه لا يقرب منه شيء ولا يبعد منه شيء، وأمثال ذلك من النفي الذي لو عُرض على الفطرة السليمة جزمت جزماً قاطعاً أنّ هذا باطل

1 . المجادلة:7.
2 . نهج البلاغة، الخطبة1.

صفحه 43
وأنّ وجود مثل هذا ممتنع، وكان جزمها ببطلان هذا أقوى من جزمها ببطلان كونه فوق العالم وليس بجسم.1
ويقول في موضع آخر: وأمّا الأحكام الكلّية فهي عقلية فحكم الفطرة بأنّ كل موجودين إمّا متحايثان (متجانبان) وإمّا متباينان، وبأنّ ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلاّ معدوماً. وأنّه يمتنع وجود ما هو كذلك.2
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قوله: «بأنّ جزم الفطرة ببطلان القول بأنّه سبحانه ليس بداخل في العالم ولا خارج عنه، أقوى من جزمها ببطلان كونه فوق العالم وليس بجسم» يدلّ على أنّ كلا القولين عنده باطل، ولكن الأوّل أظهر بطلاناً من الثاني. فأين قوله: بأنّ سلف الأُمّة اتفقوا على أنّه فوق العالم، وأنّه ليس لنا أن نصفه بأنّه ليس بجسم، إذ لم يرد في الكتاب والسنّة؟!
وثانياً: أنّ قوله: «ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلاّ معدوماً»، يدل على أنّه يتصوّر أنّه سبحانه جسم، إذ من المعلوم أنّ الجسم إذا لم يكن داخل العالم ولا خارجه يكون معدوماً.
وأمّا إذا قلنا: بأنّه سبحانه فوق أن يكون جسماً أو جسمانياً، وأنّ سنخ وجوده أعلى وأنبل من أن يكون مادّة أو مادّياً، جوهراً أو عرضاً، أو ينال حقيقته العقل، فمثل هذا أعلى من أن يوصف بأنّه في خارج العالم أو داخل العالم، إذ الخارج والداخل ظرف للأُمور الجسمية، وما هو غير مماثل له فلا يوصف بالداخل ولا بالخارج.
ثمَّ إنّ الرجل يصرّح بأنّ جعفر بن محمد(عليهما السلام) من أئمة الدين، ويقول: قد استفاض عن جعفر الصادق أنّه سئل عن القرآن أخالق هو أم مخلوق؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنّه كلام الله، وهذا ممّا اقتدى به الإمام أحمد في المحنة،

1 . منهاج السنة النبوية:2/147.
2 . منهاج السنة النبوية:2/149.

صفحه 44
فإنّ جعفر بن محمد من أئمة الدين باتّفاق أهل السنّة.1
فإذا كانت هذه مكانة الإمام الصادق(عليه السلام) فهو وآباؤه الأقدمون بدأ من علي(عليه السلام)إلى أن ينتهي بأبيه الباقر(عليه السلام) كلّهم من أئمة الدين، فلماذا لم يرجع إلى شيء من أحاديثهم حول تنزيهه سبحانه عن المكان والجهة؟! فهذه خطب الإمام علي(عليه السلام)وأحاديث العترة، وهي واضحة في تنزيه الله سبحانه عن شوائب المادّة والمادّيات وعن الجهة والمكان.
قال الإمام علي(عليه السلام): «الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماؤه العادّون، ولا يؤدّي حقّه المجتهدون، الذي لا يدركه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حدّ محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود... ـ إلى أن قال(عليه السلام): ـ فمن وصف الله سبحانه (بصفة زائدة على ذاته) فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال:فيمَ؟ فقد ضمّه، ومن قال: علامَ؟ فقد أخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة».2
وقال الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام): «إنّ الله تبارك وتعالى كان لم يزل بلا زمان ولا مكان وهو الآن كما كان، لا يخلو منه مكان، ولا يشغل به مكان، ولا يحلّ في مكان، ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم، ولا خمسة إلاّ هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال».3

1 . منهاج السنة النبوية:2/245.
2 . نهج البلاغة، الخطبة1.
3 . التوحيد للصدوق:179، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث12.

صفحه 45
وفي النهاية أنّ الرجل متأثر بالأحاديث التي أدخلتها مستسلمة أهل الكتاب في الأحاديث الإسلامية وأنت تقرأ كثيراً منها في توحيد ابن خزيمة وابن مندة وغيرهما.
والجدير بالذكر، أنّ ابن تيمية كأنّه يسلم بأنّ كثيراً من هذه الأحاديث يوافق التوراة، ولكن بما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يردّه فيكون دليلاً عنده على صحة غير المردود، قال: إنّ المشركين من العرب لم تكن تنازع فيه كما كانت تنازع في المعاد، مع أنّ التوراة مملوءة من ذلك ولم ينكره الرسول(صلى الله عليه وآله) على اليهود كما أنكر عليهم ما حرّفوه وما وصفوا به الرب من النقائص، كقولهم: (إنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أغْنِياءُ)1و(يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) 2، ونحو ذلك.3
وفي موضع آخر: وقد علم أنّ التوراة مملوءة بإثبات الصفات التي تسمّيها النفاة تجسيماً، ومع ذلك فلم ينكر رسول الله ولا أصحابه على اليهود شيئاً من ذلك ولا قالوا: أنتم تجسّمون.4
وكفى في ردّ ما يخبره الأحبار في باب المعارف قوله سبحانه:(وَما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ)5 أي ما وصفوه حق وصفه وما عرفوه حق معرفته.
أقول: إنّ موقف القرآن من التوراة ـ في أغلب الموارد ـ موقف النفي حيث يصرّح في غير واحد من آياته بأنّها محرّفة وكذلك يصفها بأنّها أمنية، قال سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُون).6

1 . آل عمران:181
2 . المائدة:64.
3 . منهاج السنة النبوية:2/152.
4 . منهاج السنّة:2/251، الطبعة القديمة.
5 . الزمر:67.
6 . البقرة:79.

صفحه 46
فالآية صريحة في أنّ الأحبار كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، وأنّهم يتكسّبون بفعلهم هذا، وليس هذا الكتاب المزوّر إلاّ التوراة المحرّفة، وكذلك ما يوصف بالكتب السماويّة الواردة في العهدين، وهذا المقدار كاف في عدم جواز الاعتماد على ما ورد في الكتب الموصوفة بالسماوية في باب المعارف خصوصاً ما يرجع إلى صفات الله سبحانه من التجسيم والتشبيه والحركة والنزول، والتمكّن من المكان.
كيف نعتمد على كتاب وصف بكونه ممّا أُنزل على موسى وهو يذكر مصارعة الرب مع يعقوب إلى نهاية الفجر في خيمته؟! يقول: ثم قام في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر،وعبر مخاضة يبوق، أخذهم وأجازهم الوادي وأجاز ما كان له. فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسانٌ حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنّه لا يقدر عليه ضرب حُقّ فخذه. فانخلع حُقّ فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال: أطلقني لأنّه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل.1
هذه هي التوراة التي كتبتها أيدي الأحبار، ليتكسّبوا بها في الدنيا وهي مليئة بنزول الرب وحركته وجسمانيته، وغير ذلك ممّا لا يليق أن يكتب ويسطّر!!
وقد افتخر أحد المحاضرين في قناة المستقلة، بأنّ ابن تيمية حلّ مشكلة تدور في أذهان الإلهيين، وهي أنّهم يقولون:إنّ الله سبحانه لا في داخل العالم ولا في خارجه، وعندئذ يطرح هذا السؤال: إذا لم يكن لا في داخل العالم ولا في خارجه، فكيف يكون موجوداً؟ فقد حلّ ابن تيمية المشكلة بقوله :إنّ الله على عرشه خارج هذا العالم. هذا ما تطرّق له المحاضر في تلك القناة الفضائية...
غير أنّه غفل عن أنّ السؤال عن مكان الله سبحانه وأنّه هل هو في هذا العالم

1 . الكتاب المقدس، الإصحاح 32 من سفر التكوين.

صفحه 47
أو خارجه، يساوق تسليم كونه جسماً متحيّزاً، ومن المعلوم أنّ المتحيّز لا يفارق الحيّز، فلابد أن يكون له مكان وهو إمّا داخل العالم أو خارجه، وهذا يكشف عن أنّهم لم يعرفوا الله حق قدره، وصوّروه موجوداً مادّياً، فطلبوا مكاناً له. وزعموا أنّه إذا لم يكن داخل العالم فهو في خارج العالم وليس هو إلاّ فوق السماوات.
ولكن البارئ سبحانه بما أنّه ليس كمثله شيء ليس جسماً ولا جسمانياً، فلا معنى أن نطلب له مكاناً داخل العالم أو خارجه.
على أنّ خارج العالم إذا لم يكن أمراً مادّياً فهو مساوق عند المحاضر للعدم، فيعود السؤال أيضاً: كيف يكون موجوداً في عالم معدوم؟
ثم أين كان سبحانه قبل أن يخلق هذا العالم؟ فإن قال: خارج هذا العالم، فيقال له: إنّ الخارج لا يتصور إلاّ مع وجود الداخل، والمفروض أنّه لم يخلق الداخل حتى يتصور له خارج، ويكون فيه.
وحقيقة الكلام: أنّ البحث في أنّه سبحانه في داخل هذا العالم أو خارجه أو ليس فيهما، كلّ ذلك مبني على تصويره سبحانه موجوداً مادّياً، فيتطلب أنّه إمّا في داخل العالم أو خارجه لا في غيرهما.
وأمّا على القول بأنّ وجوده أرفع من أن يحيطه مكان أو يحدّه زمان، فهو قد خلقهما، فعندئذ يسقط السؤال عن مكانه في داخل العالم أو خارجه أو لا هذا ولا ذاك، بل هو موجود قيّوم قائم بنفسه والكون قائم به نظير قيام الصور العلمية بالنفس، وعندئذ فهو في نفس العالم لكن لا بالحلول والممازجة وفي خارج هذا العالم لكن لا بالمباينة، فلا يمكن للإنسان الغور في كنه وجوده كما قال القائل:
فيك يا أُعجوبة الكو *** ن غدا الفكر كليلاً
كلّما قدم فكري فيـ *** ك شبراً فرّ ميلاً وبذلك تقف على قيمة كلام ابن تيمية حيث يقول:ولم يقل أحد من سلف الأُمّة ولا من الصحابة والتابعين إنّ الله ليس في السماء، ولا إنّه ليس على العرش، ولا إنّه في كل مكان، ولا إنّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنّه داخل العالم ولا

صفحه 48
خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنّه لا تجوز الإشارة الحسيّة إليه بالأصابع ونحوها.1

أخبار الآحاد هي المصدر عنده للعقائد

إنّ جذور فكرة التجسيم والتشبيه التي استولت على فكر ابن تيمية ومقلّديه في العصر الحاضر هي أنّهم يعتمدون في الأُصول والفروع على أخبار الآحاد، وقد انعقد مؤتمر قبل سنين في المدينة المنوّرة وكان موضوعه: دراسة حجّية أخبار الآحاد في الأُصول والفروع، وقد قُدّم إلى المؤتمر حوالي ثمانين مقالاً كلّها تؤيد حجّية خبر الآحاد في الأُصول، ولم يدر في خلد واحد منهم، أنّ المقصود الأسنى في العقائد هو تحصيل اليقين، ومن المعلوم أنّ أخبار الآحاد لا توجب علماً ولا يقيناً، نعم هي حجّة في باب الفروع لأنّ المقصود فيها هو تطبيق العمل على مضمون الخبر، سواء أفاد يقيناً أو ظناً أولا هذا ولا ذاك، وهو أمر ممكن.
إنّ أخبار الآحاد التي يعتمد عليها هؤلاء في الأُصول والمعارف أكثرها مدسوسة وموضوعة من قبل مستسلمة أهل الكتاب أو الوضّاعين والكذّابين الذين كانوا يتاجرون بوضع الأحاديث، وقد أدخلوها في الأحاديث الإسلامية ونشروها بين المحدّثين واغترّ بها السذّج منهم، فتصوّروها حقائق راهنة، وحيكت الأسانيد بشكل لا يظهر تدخل الأحبار والرهبان في وضع هذه الأحاديث. ودوّنها أصحاب الصحاح والسنن وجمعها ابن خزيمة وابن مندّة في كتابيهما.
هؤلاء المجسّمة الذين يصورون الله تعالى أنّه في السماء ينظر إلى ما دونه من الخلائق يستدلّون بحديث الجارية، على ما رواه مسلم في صحيحه، التي سألها رسول الله: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله...

1 . الرسالة الحموية الكبرى في مجموعة الرسائل الكبرى:ص 489، 419.

صفحه 49
قال(صلى الله عليه وآله) ]لسيدها[: «اعتقها فإنّها مؤمنة».1
إنّ الاحتجاج بهذه الرواية مشكل من جهتين:
الأُولى: أنّ السيرة المستمرة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في دعوته الناس للإسلام هو أخذ الاعتراف بالشهادتين، ولم يرد أنّه سأل أحداً ـ غير هذه الجارية ـ عن الله ومكانه وصفاته، فلماذا خُصّت هذه الجارية التي كانت بعيدة عن الإسلام، بهذا السؤال المشكل؟!
الثانية: أنّ هذه الرواية رويت بشكل آخر أيضاً، فهذا هو مالك يرويها في الموطّأ بالشكل التالي: أنّ رسول الله قال لها: أتشهدين أن لا إله إلاّ الله؟ فقالت: نعم، قال: أتشهدين أنّي رسول الله؟ قالت: نعم.2
ورواها أحمد بالنحو التالي: قال: جاء رجل من الأنصار بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله: أنّ عليّ رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة فاعتقها، فقال لها رسول الله: أتشهدين أن لا إله إلاّ الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أنّي رسول الله؟ قالت: نعم، قال: تؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال: اعتقها.3
وللعلاّمة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي كلام حول هذه الرواية نذكر عصارته: وأنّه مأوّل لمخالفته القواطع العقليات والنقليات، إذ لا يُتجاوز عن الظاهر إلاّ لضرورة، فإنّ حجج الله تعالى تتعاضد ولا تتضاد،... إلى أن قال: إنّها كانت أعجمية لا تقدر أن تفصح عمّا في ضميرها من اعتقاد التوحيد بالعبارة فتعرف بالإشارة أنّ معبودها إله السماء، فإنّهم كانوا يسمّون الله إله السماء، كما دلّ السؤال والاكتفاء بتلك الإشارة.4
وبهذا يسقط الاستدلال بظاهر حديث الجارية على كونه سبحانه في السماء.

1 . صحيح مسلم:2/71; سنن أبي داود:1/211 ،الحديث رقم 930.
2 . الموطأ:1/145، كتاب العتاقة والولاء، باب ما يجوز من العتق.
3 . مسند أحمد:3/451.
4 . إشارات المرام من عبارات الإمام: 199ـ200.

صفحه 50
والعجب أنّ ابن تيمية كلّما يذكر شيئاً ممّا يدلّ على التجسيم والتشبيه والحركة والنزول ينسبه إلى السلف قاطبة، وكأنّ السلف عنده يتلخّص في مبتدعة السلفيين وأمّا الآخرون فكأنّهم ليسوا من الأُمّة ولا من سلفهم، حتى أنّه يرمي المفكّرين من المسلمين ـ كإمام الحرمين والغزالي ـ في كتابيه منهاج السنة والموافقة بأنّهما أشد كفراً من اليهود والنصارى! فلو كان هؤلاء المفكرون أشد كفراً من أهل الكتاب فعلى الإسلام السلام!!
بقي الكلام فيما يستند إليه المجسّمة وهو أنّ كل إنسان يتوجّه إلى السماء حين الدعاء ويرفع إليها يديه، وكأنّ الإنسان بالفطرة قائل بأنّ الله في السماء.
ولكن الإجابة عن ذلك واضحة.
أمّا أوّلاً: فبما أنّ الخيرات والبركات تنزل من السماء كما في قوله: (وفي السماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُون)1، فلأجل ذلك يتوجّه إلى السماء وترفع الأيدي إليها.
وثانياً: أنّ الإنسان بهذا العمل يجسّد علو مقامه سبحانه ورفعته.

ابن تيمية وجلوسه سبحانه على العرش

لا شكّ أنّ الجلوس والقعود من صفات الإنسان أو الموجود الحىّ، من غير فرق بين أن يكون الجلوس تربعاً، أو على ركبتيه، وهذا كالتحيّز، من صفات المادّة والمادّي، والموجود المنزّه عنهما لا يوصف بالجلوس.
ومع ذلك فإنّ جلوس الله ينسبه ابن تيمية إلى أهل السنّة حيث قال في تفسير قوله تعالى: (الرحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) 2: الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة، لا على المجاز.3

1 . الذاريات:22.
2 . طه:5.
3 . مجموع الفتاوى: 5/519.

صفحه 51
وقال في كتابه بيان تلبيس الجهمية: إنّ العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه، وكالسقف إلى ما تحته، فإذا كان القرآن قد جعل لله عرشاً، وليس هو بالنسبة إليه كالسقف، عُلم أنّه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره، وذلك يقتضي أنّه فوق العرش.1
ولا أدري إذا كان الله سبحانه جالساً على السرير ينزل ويصعد، فما معنى قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، بل إنّه عندئذ أصبح ذا أمثال كثيرة وعديدة.
وقد جمع ابن قيّم الجوزيّة آراء أُستاذه ابن تيمية في قصيدته النونية، المليئة بالتجسيم، وأنّ الله بزعمه فوق سماواته، على عرشه، وأنّه ينزل ويهبط ويصعد.
وإليك بعض أبيات قصيدته هذه التي أخذ فيها يستهزأ بعقيدة التنزيه:
فأسرّ قول معطل ومكذب *** في قالب التنزيه للرحمن
إذ قال ليس بداخل فينا ولا *** هو خارج عن جملة الأكوان
بل قال ليس ببائن عنها ولا *** فيها ولا هو عينها ببيان
كلا ولا فوق السماوات العُلى *** والعرش من رب ولا رحمان
بل حظه من ربه حظ الثرى *** منه وحظ قواعد البنيان
لو كان فوق العرش كان كهذه *** أجسام سبحان العظيم الشأن2
ترى أنّه كيف يستهزأ بعقائد المسلمين في هذه الأبيات.
وقد فسّر المجسّمة المقام المحمود في قوله سبحانه:(عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)3 بإقعاد النبي(صلى الله عليه وآله) على العرش في جنبه.
وقد نسب ابن القيّم لابي الحسن الدارقطني الأبيات التالية:
حديث الشفاعة عن أحمد *** إلى أحمد المصطفى نسنده
وجاء حديث بإقعاده *** على العرش أيضاً فلا نجحده

1 . بيان تلبيس الجهمية:1/576.
2 . السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل:35.
3 . الإسراء:79.

صفحه 52
أمروا الحديث على وجهه *** ولا تدخلوا فيه ما يفسده
ولا تنكروا أنّه قاعد *** ولا تنكروا أنّه يقعده1فالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) ـ عندهم ـ يجلس جنب الله وهو في عرشه.
وسيوافيك الكلام فيه في المقال الخامس2، فانتظر.

1 . لاحظ بدائع الفوائد لابن القيّم:4/39.
2 . لاحظ صفحة 68 من هذا الجزء.

صفحه 53
نظرة إلى تكلّمه سبحانه في منهج ابن تيمية
4

نظرة إلى تكلّمه سبحانه في منهج ابن تيمية

اتّفق المسلمون ـ تبعاً للكتاب والسنّة ـ على كونه سبحانه متكلّماً، واختلفوا في كيفيّته، ويعدّ وصف التكلّم لله سبحانه من الصفات الخبريّة حيث أخبر عنه سبحانه في الذكر الحكيم ولولاه لما صحّ لنا وصفه به لأنّ أسماءه وصفاته توقيفية. قال سبحانه: (وكلّم الله موسى تكليماً)1 وقال: (وماكان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنّه عليّ حكيم).2
إنّما الكلام في تفسير حقيقة تكلّمه سبحانه فهناك أقوال للمسلمين مع اتّفاقهم على تنزيهه سبحانه عن كونه متكلّماً بحرف وصوت، قائمين بذاته كتكلّم الإنسان بهما، وإليك النظريات المعروفة:

نظرية المعتزلة

ذهبت المعتزلة إلى أنّ كلامه تعالى أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها في غيره، وتكلّمه في الحقيقة من صفات الفعل لا من صفات الذات نظير كونه رازقاً ومنعماً.

1 . النساء:164.
2 . الشورى:51.

صفحه 54
قال القاضي عبد الجبار: حقيقة الكلام هي الحروف المنظومة والأصوات المقطّعة، وهذا كما يكون سبحانه منعماً بنعمة توجد في غيره ورازقاً برزق يوجد في غيره، وهكذا يكون متكلّماً بإيجاد الكلام في غيره، وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه الفعل.1
هذه النظرية وإن كانت صحيحة لكنّها إنّما تتمّ إذا كان المخاطب شخصاً خاصّاً كتكليمه موسى أو تكليمه أحداً من الأنبياء بالطرق الثلاثة حيث قال:
1. (إلاّ وحياً).
2. (أو من وراء حجاب).
3. (أو يرسل رسولاً).
وأمّا إذا كان المخاطب عموم الناس من الأوّلين والآخرين، فلابدّ أن يفسّر بوجه آخر وهو أنّ كلامه هو الفعل المنبئ عن جماله، المظهر لكماله، كما سيوافيك.

نظرية الأشاعرة

ذهبت الأشاعرة إلى أنّ التكلّم من الصفات الذاتية كالعلم والقدرة، هذا من جانب ومن جانب آخر صاروا بصدد تنزيهه سبحانه عن قيام الأصوات والحروف بذاته، فاختاروا هنا مذهباً باسم الكلام النفسي وقالوا: إنّه غير العلم والإرادة. وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ حقيقة الكلام معنى قائم بذات المتكلم وإنّما هو القول لذي يجده العاقل في نفسه ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلاماً حقيقياً تردّد، أهو على سبيل الحقيقة أم على سبيل المجاز؟ وإن كان على طريق الحقيقة فإطلاق الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك اللفظي.2
ترى أنّ الأشعري يرى أنّ واقع الكلام ليس قائماً بالحروف والأصوات وأنّ

1 . شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار:528، و شرح المواقف للسيد الشريف:495.
2 . الشهرستاني، نهاية الاقدام في علم الكلام، ص 320، طبعة اكسفورد، 1934.

صفحه 55
حقيقته هي المعاني التي يردّدها الإنسان في خلده ويجيله وبهذا المعنى فسّر كلامه سبحانه وأسماه بالكلام النفسي.
ولسنا في صدد نقد عقيدة الأشعري في المقام، لكن نشير إلى نكتة بأنّ ما ذكره من قيام المعاني والمفاهيم بذاته ـ على فرض تسليمه ـ يوجب رجوع وصف التكلّم إلى العلم، إذ ليس للعلم الحصولي حقيقة وراء قيام المفاهيم المتصوّرة بالذات، فلا يكون وصفاً لغير ذلك.
على أنّ قيام المفاهيم المجرّدة بذاته سبحانه لا يخلو عن إشكال واضح مبيّن في محلّه.
وإنّما ذكرنا المذهبين (المعتزلة والأشاعرة) لأجل الإشارة إلى أنّ المسلمين قاطبة ـ وإن اختلفوا في حقيقة التكلّم ـ ولكن اتفقوا على تنزيهه سبحانه بقيام الحروف والأصوات بذاته. أمّا المعتزلة فذهبوا إلى إيجاده سبحانه الحروف والأصوات في الشجر وغيره، وامّا الأشاعرة فلم يعيروا لهما قيمة، وإنّما ركّزوا على الكلام النفسي الباطني القائم بالذات.

نظرية الإمامية

إنّ مشاهير الإمامية قسّموا كلامه إلى قسمين:
1. ما إذا كان المخاطب فرداً معيّناً فتكلّمه سبحانه هو ما أشار إليه في سورة الشورى بأنّه سبحانه: إمّا يوحي إليه أو يكلّمه من وراء حجاب أو يرسل رسولاً، فقد أشار بقوله: (إلاّ وحياً)إلى الكلام الملقى في روع الأنبياء بسرعة وخفاء من دون توسيط ملك، وأشار بقوله: (أو من وراء حجاب) إلى الكلام المسموع لموسى في البقعة المباركة من الشجرة. قال سبحانه: (ولمّا أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إنّي أنا الله ربّ

صفحه 56
العالمين).1 وأشار بقوله: (أو يرسل رسولاً) إلى الإلقاء الذي يتوسط فيه ملك الوحي.
وأمّا إذا كان المخاطب عامّة الناس في عامة الأجيال والأعصار فيفسّر كلامه بصورة أُخرى يسمعه كل الناس سماعاً عقلياً وسماعاً يضفي على الإنسان التعرّف على كمال الله سبحانه، وهذا ما سنشرحه تالياً.
لا شكّ أنّ الكلام في أنظار عامّة الناس هو الحروف والأصوات الصادرة من المتكلم القائمة به وهو يحصل من تموّج الهواء واهتزازه بحيث إذا زالت الأمواج زال الكلام معه، ولكن الإنسان يتوسّع في إطلاقه، فيطلقه على كلّ فعل من أفعال المتكلم إذا أفاد نفس الأثر الذي كان يفيده الكلام اللفظي.
فالكلام وإن وضع يوم وضع للأصوات والحروف المتتابعة الكاشفة عمّا يقوم في ضمير المتكلم من المعاني إلاّ أنّه لو وجد هناك شيء يفيد ما تفيده الأصوات والحروف المتتابعة بنحو أعلى وأتمّ، لصحّت تسميته كلاماً أو كلمة وهذا الشيء الذي يمكن أن يقوم مقام الكلام اللفظي هو فعل الفاعل الذي يليق أن يسمّى بالكلام الفعلي، ففعل كل فاعل يكشف عن مدى ما يكتنفه الفاعل من العلم والقدرة والعظمة والكمال، غير أنّ دلالة الألفاظ على السرائر والضمائر وضعية، ودلالة الأفعال والآثار على ما عليه الفاعل من العظمة تكوينية.
ويمكن أن يستدلّ على هذا القسم من الكلام ببعض الآيات. يقول سبحانه: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحق إنّما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه).2ترى أنّه سبحانه يصف المسيح بكونه كلمته، لأنّ تولده بلا لقاح يعرب عن قدرة خالقه، وهكذا كلّ ما في الكون من الذرة إلى المجرّة، فالجميع كلامه ولسانه في مقام الفعل يتكلّم بلسان

1 . القصص:30.
2 . النساء:171.

صفحه 57
الحال، ويدل على عظمة الخالق وسعة علمه واحاطة قدرته بكلّ شيء.
يقول الإمام علي(عليه السلام): «يقول لما أراد كونه: كن، فيكون، لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع. إنّما كلامه سبحانه فعل منه، أنشأه ومثّله لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».1
وقد نسب إليه هذان البيتان:
أتزعم أنّك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي *** بأحرفه يظهر المضمر
فكلّ ما في صحيفة الكون من الموجودات الإمكانية كلماته، وتخبر عمّا في المبدأ من كمال وجمال وعلم وقدرة.

نظرية ابن تيمية

هذه نظرة عابرة إلى آراء المسلمين في وصف كونه سبحانه متكلماً وقد عرفت اتّفاقهم على تنزيهه من وصفه بالتكلّم، بمعنى قيام الحروف والأصوات بذاته، وحان حين البحث عن عقيدة ابن تيمية وسلفه.
وحاصل كلامه: أنّه سبحانه لم يزل متكلّماً وأنّ نوع التكلم قديم، ولكن مصاديقه حادثة نظير ما يقول الحكماء في العالم في بعض الأنواع بأنّ النوع قديم والمصاديق غير قديمة. وعلى كلّ تقدير فالحروف والأصوات قائمة بذاته ولا تفارق العلم والإرادة والكراهة، فالجميع من صفات الذات، وإليك نصوص كلامه من كتبه.
1. قال في «منهاج السنة»: وسابعها: قول من يقول: إنّه لم يزل متكلّماً إذا شاء بكلام يقوم به وهو متكلم بصوت يسمع، وإنّ نوع الكلام قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعيّن قديماً. وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنّة، وبالجملة

1 . نهج البلاغة، الخطبة 186.

صفحه 58
أهل السنة والجماعة أهل الحديث.1
2. وقال في «الموافقة»: وإذا قال السلف والأئمة إنّ الله لم يزل متكلّماً إذا شاء فقد أثبتوا أنّه لم يتجدد له كونه متكلّماً، بل نفس تكلّمه بمشيئته قديم، وإن كان يتكلّم شيئاً بعد شيء، فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه، إلاّ إذا وجب تناهي المقدورات والمرادات.2
3. وقال: فحينئذ فيكون الحق هو القول الآخر وهو أنّه لم يزل متكلّماً بحروف متعاقبة لا مجتمعة.3
وقال أيضاً: وقد يقول هؤلاء إنّه يتكلّم إذا شاء ويسكت إذا شاء، ولم يزل متكلّماً بمعنى أنّه يتكلّم إذا شاء ويسكت إذا شاء.4
وقال أيضاً: وفي الصحيح إذا تكلّم الله بالوحي، سمع أهل السماوات كجرّ السلسلة على الصفوان، فقوله:«إذا تكلم الله بالوحى سمع» يدل على أنّه يتكلم به حين يسمعونه. وذلك ينفي كونه أزلياً، وأيضاً فما يكون كجرّ السلسلة على الصفا يكون شيئاً بعد شيء، والمسبوق بغيره لا يكون أزليّاً.5
وقال أيضاً: وجمهور المسلمين يقولون إنّ القرآن العربي كلام الله وقد تكلّم الله به بحرف وصوت، فقالوا: إنّ الحروف والأصوات قديمة الأعيان، أو الحروف بلا أصوات، وأنّ الباء والسين والميم مع تعاقبها في ذاتها فهي أزليّة الأعيان لم تزل ولا تزال، كما بسطت الكلام على أقوال الناس في القرآن في موضع آخر.6
حصيلة كلامه عبارة عن الأُمور التالية:

1 . منهاج السنة:2/362.
2 . موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول:2/278، دارالكتب العلمية، بيروت ـ 1417هـ .
3 . نفس المصدر:4/127 .
4 . مجموع الفتاوى:6/150، تحقيق عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية.
5 . مجموع الفتاوى:6/234.
6 . مجموع الفتاوى:5/556ـ557.

صفحه 59
1. إنّ تكلمه سبحانه من صفات ذاته كالعلم والقدرة، فيجب أن يكون قائماً بذاته لا قائماً بفعله وليس كالرزق والنعمة، حتى يقوم بفعله، فإذا أنعم يصير منعماً وإذا رزق يصير رازقاً، بل تكلمه ككونه عالماً وقادراً.
2. إذا كان تكلمه قائماً بالذات وداخلاً فيها، يجب أن يكون قديماً كقدم علمه وقدرته ولا يكون حادثاً.
3. وبما أنّ التكلم سنخ وجوده التدّرج، وحقيقته قائمة به أيضاً، فلابدّ أن يكون نوع التكلم قديماً وافراده حادثاً، نظير قول الحكماء من الأغارقة أنّ النفس الإنساني قديم بالنوع وإن كانت مصاديقه حادثة.
4. إنّ ما ذكره عقيدة جمهور المسلمين، وكأنّ المسلمين عنده هم جماعة أهل الحديث فقط.
يلاحظ على ما ذكره أوّلاً: بأنّه إذا كان التكلم الذي واقع وجوده الحدوث والتجدد، قائماً بالذات ونابعاً عنها، فلازم ذلك، حدوث الذات، لأنّ حدوث الجزء يلازم حدوث الكل، إلاّ أن يرجع التكلّم إلى صفة الفعل، كما عليه العدلية من المعتزلة والشيعة.
وثانياً: إنّ القول بأنّ نوع التكلم قديم ومصاديقه حادثة يستلزم قدم الكلام فيكون الهاً ثانياً كما في كلام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) كما مرّ. إلاّ أن يكون التكلم جزء الذات فيكون قديماً بقدمها.
وثالثاً: كيف ينسب مختاره إلى جمهور المسلمين، مع أنّ جمهور المسلمين هم الأشاعرة والماتريدية والإمامية والمعتزلة، والجميع يتبرأون من تلك النسبة. بل هم بُرآء منها براءة يوسف ممّا اتهم به. وهذا هو الإمام الاسفرائيني شيخ الأشاعرة في عصره يقول: إنّا نعلم أنّ كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت، لأنّ الحرف والصوت يتضمنان جواز التقدّم والتأخر، وذلك مستحيل على القادر

صفحه 60
سبحانه.1
ورابعاً: لو كان تكلمه سبحانه مع كل فرد من المكلّفين بالحروف والأصوات، فلا يكون أسرع الحاسبين بل أبطأهم مع أنّه سبحانه يقول: (ثمّ ردّوا إلى الله مولاهم الحقّ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين).2
وخامساً: إنّ ما زعمه في كيفية تكلّمه سبحانه يتفق تماماً مع ما ورد في التوراة في قصة آدم وحوّاء عند أكلهما من الشجرة، فقد جاء فيها ما هذا نصّه:
«ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للأكل ومتعة للعيون وأنّ الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأتت أيضاً زوجها الذي معها، فأكل فانفتحت أعينهما فعرفا أنّهما عريانان، فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر، فسمعا وقع خطى الرب الإله، وهو يتمشّى في الجنة عند نسيم النهار، فاختبأ الإنسان وامرأته من وجه الرب الإله فيما بين أشجار الجنّة، فنادى الرب الإله الإنسان وقال له: أين أنت؟ قال: إنّي سمعت وقع خطاك في الجنّة، فخفت لأني عريان فاختبأت. قال: فمن أعلمك أنّك عريان، هل أكلت من الشجرة التي أمرتك أن لا تأكل منها؟ فقال الإنسان: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت...»3.
وبذلك تقف على قيمة كلام الشهرستاني في الملل والنحل حيث يقول:
«زادت المشبهة في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأكثرها مقتبس من اليهود فإنّ التشبيه فيهم طباع حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه... وزادوا على التشبيه قولهم في القرآن: إنّ الحروف والأصوات والرقوم المكتوبة قديمة أزلية، وقالوا: لا يعقل كلام ليس بحروف ولا كلم.4

1 . التبصير في الدين:167، تحقيق كمال يوسف الحوت، طبعة عالم الكتب، بيروت.
2 . الأنعام:62.
3 . التوراة، سفر التكوين، الفصل الثالث، الفقرات رقم 6ـ13.
4 . الملل والنحل للشهرستاني:1/106، نشر دار المعرفة، بيروت.

صفحه 61

الاستدلال برواية جابر بن عبد الله

استدلّ ابن تيمية على أنّ تكلّمه سبحانه بحرف وصوت برواية جابر بن عبد الله التي أشار إليها البخاري في كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم إشارة إجمالية وقال:«ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد».1
وأمّا ما هو هذا الحديث فقد نقله في صحيحه في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن أذن له) فقال: ويذكر عن جابر عن عبد الله ابن أنيس قال: سمعت النبي يقول: يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك أنا الديَّان.2ترى أنّه ينقله بتمريض حيث يقول: «ويذكر عن جابر» الظاهر في عدم جزمه بالصحّة. نعم نقله في «الأدب المفرد» بلا لفظ: (ويذكر)، قال:
عن ابن عقيل أنّ جابر بن عبد الله حدّثه أنّه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي فابتعت بعيراً فشددت إليه رحلي شهراً حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أنّ جابراً بالباب فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم فخرج فاعتنقني، قلت: حديث بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت. قال: سمعت النبي يقول: يحشر الله العباد أو الناس عراة غُرلاً بُهماً، قلنا: ما بُهماً؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد(أحسبه قال: كما يسمعه من قَرُب): أنا الملك.3

1 . صحيح البخاري :ج1، برقم 19، كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم.
2 . صحيح البخاري برقم 7480.
3 . الأدب المفرد:326، الباب 442 باب المعانقة برقم 973.

صفحه 62

تحليل الحديث

يلاحظ على الاستدلال أوّلاً: أنّه لا شك أنّ صحيح البخاري أصحّ من كتاب «الأدب المفرد» وقد نقله فيه بصيغة التمريض، وهذا يدل على عدم جزمه فلا يعادل ما في «الصحيح» ما نقله في «الأدب المفرد».
وثانياً: أنّ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي: يقول الله يا آدم ويقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.1 فقوله: «فينادي» يقرأ على وجهين: بصيغة المعلوم فيكون المنادي هو الله ويصير كالشاهد على مذهب ابن تيمية، وبصيغة المجهول:«فيُنادى بصوت» فيكون نائب فاعله هو آدم، ومع هذا الاحتمال لا يمكن أن يستدل بمثل هذا الحديث على عقيدة يطلب فيها العلم.
ثالثاً: أنّ البخاري أخرجه في كتاب أحاديث الأنبياء عن أبي سعيد الخدري(رضي الله عنه)عن النبي باللفظ التالي: يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار... .2
فقد ورد فيه: يقول الله تعالى مكان «فينادى بصوت» فصار الحديث مردداً بين التعبيرين ولا دلالة في التعبير الثاني على مرامه إذ هو نظير قوله سبحانه: (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم).3
فتلخص مما ذكرنا أنّ الحديث لا يمكن الاحتجاج به من جهات:
أوّلاً: رواه البخاري في كتاب التوحيد عن جابر عن عبد الله بن أنيس بصيغة التمريض.
وثانياً: رواه البخاري أيضاً في كتاب التوحيد عن أبي سعيد الخدري بلفظ: فينادي، الذي يُحتمل فيه وجهان: صيغة المعلوم وصيغة المجهول.

1 . صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى:(ولا تنفع الشفاعة)برقم 7483.
2 . صحيح البخاري، كتاب حديث الأنبياء، برقم 3348.
3 . المائدة:119.

صفحه 63
قال ابن حجر: «فيُنادى» مضبوطاً للأكثر بكسر الدال، وفي رواية أبي ذر بفتحها على البناء للمجهول، ولا محذور في رواية الجمهور فإنّ قرينة قوله: «إنّ الله يأمرك» تدل على أنّ المنادي ملك يأمره الله بأن ينادي بذلك.1
وثالثاً: رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ـ أيضاً ـ في كتاب حديث الأنبياء بلفظ: يقول الله تعالى، دون لفظ: ينادي بصوت. ومع هذا الاضطراب هل يصح لعالم أن يستدل بمثله على أصل من أُصول الدين.
ورابعاً: أنّ معنى قوله: فينادي بصوت: أنّه يوجد النداء يوم القيامة ويسمعه من قرب ومن بعد لا أنّه يتكلّم بذاته بالحروف والأصوات ومثل هذا الاستعمال كثير فلا فرق بين أن يقول «نادى» أو يقول«قال»، فالجميع من صفات الفعل.
وخامساً: إذا دلّ العقل الحصيف الذي عرفنا به الله سبحانه وتعالى على امتناع قيام الحوادث بذاته لا يعتد بخبر الواحد وان بلغ من الصحة ما بلغ إذا كان على خلاف ما يحكم به العقل الحصيف الذي هو من حجج الله سبحانه.
وللمحقق الكوثري في نقد هذا كلام نذكره بنصه:
قال: وقد أفاض الحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ المنذري في رسالة خاصّة في تبيين بطلان الروايات في ذلك زيادة على ما يوجبه الدليل العقلي القاضي بتنزيه الله عن حلول الحوادث فيه سبحانه، وإن أجاز ذلك الشيخ الحرّاني(ابن تيمية) تبعاً لابن ملكا اليهودي الفيلسوف المتمسلم، حتى اجترأ على أن يزعم أنّ اللفظ حادث شخصاً قديم نوعاً يعني أنّ اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثاً حتماً، لكن ما من لفظ إلاّ وقبله لفظ صادر منه إلى ما لا أوّل له فيكون قديماً بالنوع... إلى أن قال: ولم يدر المسكين بطلان القول بحلول الحوادث في الله جلّ شأنه وأنّ القول بحوادث لا أول لها هذيان، لأنّ الحركة انتقال من حالة إلى حالة فهي تقتضي بحسب ماهيتها كونها مسبوقة بالغير، والأزل ينافي كونه مسبوقاً

1 . فتح الباري:13/460، كتاب التوحيد.

صفحه 64
بالغير، فوجب أن يكون الجمع بينهما محالاً.1

استدلال بحديث آخر

روى البخاري قال: وقال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً.2
فنقله ابو داود بلفظ آخر وقال: إذا تكلّم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صَلْصَلة كجرّ السلسلة على الصفا.3
وقد زعم المستدل أنّ الصوت لله سبحانه، ولكن ظاهر الحديث الذي نقله أبو داود أنّ الصوت للسماء حيث إنّ المسموع لأهل السماء هو قوله: «للسماء صلصلة».
أضف إلى ذلك أنّ الاستدلال بحديث أعرض عن ذيله البخاري في صحيحه وتفرّد بنقله أبو داود أمر مرفوض جدّاً، فإنّ معرفة العقائد لا تخضع لخبر واحد.
إنّ الله تعالى مستغن عن أن يستعين في كلامه بالحروف والأصوات وإلاّ يكون فقيراً كالإنسان تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ولذلك اشتهر بين المحققين أنّ من وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر فقد كفر.
وفي نهاية المقال نذكر ما ذكره الخطيب البغدادي حيث قال: يُرد الحديث الصحيح الإسناد لأُمور:
أن يخالف القرآن، أو السنة المتواترة، أو العقل، لأنّ الشرع لا يأتي إلاّ بمجوزات العقول.4

1 . مقالات الكوثري:124، طبعة عام 1414هـ، المكتبة الأزهرية للتراث.
2 . صحيح البخاري، باب قول الله تعالى:(ولا تنفع الشفاعة عنده) برقم: 7480.
3 . سنن أبي داود:2/421، كتاب السنّة، باب في الشفاعة، الحديث رقم4738، دار الفكر ـ 1410هـ .
4 . الفقيه والمتفقه:1/132.

صفحه 65
ومن المعلوم أنّ هذه الأحاديث على خلاف العقل الحصيف ومن أوضح مصاديق تشبيه الخالق بالمخلوق، غير أنّ اغترار بعض الحنابلة ـ و على رأسهم ابن تيمية ـ بالتعبد بالأحاديث جرّهم إلى تلك المغبّة، وإلاّ فالموحّد الذي يعتمد على النصوص القرآنية أوّلاً والنبوية ثانياً وحكم العقل الحصيف ثالثاً لا يحوم حول هذه الأحاديث ولا يقيم لها قيمة.

ذاته سبحانه ليست محلاًّ للحوادث

إنّ نظرية ابن تيمية في تكلّمه سبحانه، وقوله:إنّ الصوت والحروف قائمان بذاته، تستلزم أنّ ذاته تكون محلاًّ للحوادث، ولم يقل به أحد من أئمة السلف إلاّ الكرّامية، وقد استدلّ المحقّقون على امتناع كون ذاته محلاًّ للحوادث بوجوه نأتي بها إجمالاً:
1. إنّ حدوث الحوادث في ذاته يدلّ على انفعاله، والانفعال من شؤون الممكن لا الواجب، كما هو واضح.
2. إنّ المقتضي للحادث إن كان ذاته كان أزلياً وهو خلاف الفرض، وإن كان غيره، كان الواجب مفتقراً إلى الغير.
3. إن كان الحادث صفة كمال استحال خلو الذات عنها، وإن كان صفة نقص استحال اتّصاف الذات بها.1
وقد أوضح سيف الدين الآمدي الوجه الثالث في كتابه «غاية المرام» وقال ما هذا نصّه: فالرأي الحق والسبيل الصدق والأقرب إلى التحقيق أن يقال: لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتّصافه بها إمّا أن توجب له نقصاً، أو كمالاً، أو لا نقص ولا كمال.

1 . كشف المراد:294.

صفحه 66
لا جائز أن يقال بكونها غير موجبة للكمال ولا النقصان، فإنّ وجود الشيء بالنسبة إلى نفسه أشرف له من عدمه، إلى أن قال:
ولا جائز أن يقال: إنّها موجبة لكماله، وإلاّ لوجب قدمها لضرورة أن لا يكون البارئ ناقصاً محتاجاً إلى ناحية كمال في حال عدمها.
فبقي أن يكون اتّصافه بها ممّا يوجب القول بنقصه بالنسبة إلى حاله قبل أن يتّصف بها، وبالنسبة إلى ما لم يتّصف بها من الموجودات، ومحال أن يكون الخالق مشروفاً أو ناقصاً بالنسبة إلى المخلوق، ولا من جهة ما.1
وقال الاسفرائيني: إنّ الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته; لأنّ ما كان محلاًّ للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل منها كان محدثاً مثلها; ولهذا قال الخليل(عليه السلام): (لا أحب الآفلين)2 بيّن به أنّ من حلّ به من المعاني ما يغيره من حال إلى حال كان محدثاً لا يصحّ أن يكون إلهاً.3
وبذلك ظهر أنّ ابن تيمية قد أحيا منهج الكرّامية لا منهج السلف الصالح ولا من تبعهم بإحسان، والله هو الهادي.

1 . غاية المرام في علم الكلام: 191ـ192.
2 . الأنعام:76.
3 . التبصير في الدين:160ـ161.

صفحه 67
عقائد شاذّة نابية
5

عقائد شاذّة نابية

إنّ القول بتجسيم الله سبحانه وحركته ونزوله و تكلّمه بصوت، الذي تبنّاه ابن تيمية وإن كان قولاً غريباً بعيداً عن الكتاب والسنّة ودلائل العقل، إلاّ أنّ للرجل عقائد أُخرى أغرب من ذلك، نذكر منها نماذج ثلاثة:
1. استقرار الله على العرش وإمكان استقراره على ظهر بعوضة.
2. إقعاد النبي(صلى الله عليه وآله) جنبه سبحانه في العرش.
3. فناء النار والعذاب، عن أهل النار.
أمّا الأوّل: فيقول: ولو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة، فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، فكيف تنكر أيها النفّاج أنّ عرشه يقلّه.1
إنّ ابن تيمية قد اعتقد أنّ الله عزّ وجل جسم وأنّ له استقراراً وأنّه مع عظمته وكبره يستطيع أن يستقر على ظهر بعوضة، أفيصح في عصرنا هذا الذي غلب على أهله التعقّل أكثر من التعبّد، الدعوة إلى الاعتقاد برب تستطيع أن تحمله بعوضة، وهو في نفس الوقت أكبر من العرش، وهذا العرش أكبر من السماوات والأرض؟!! فوالله إن نشر هذه الأفكار السخيفة في هذه الأيام يورث ابتعاد الناس عن الدين، والعزوف إلى الماديّة.
وأمّا الثاني: ـ أعني:إقعاد الله النبي جنبه على العرش ـ فقد قال الحافظ أبو

1. بيان تلبيس الجهمية:1/568.

صفحه 68
حيان في تفسيره:
وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية ـ هذا الذي عاصرناه وهو بخطه سمّاه كتاب العرش ـ :إنّ الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكاناً يقعد فيه معه رسول الله(صلى الله عليه وآله).1
إنّ النسخة المطبوعة من التفسير خالية من هذا المطلب2، قال الزاهد الكوثري في تعليقه على (السيف الصقيل): وقد أخبرني مصحّح طبعه في مطبعة السعادة أنّه استفظعها جدّاً، فحذفها عند الطبع، لئلاّ يستغلها أعداء الدين، ورجاني أن أسجل ذلك هنا استدراكاً لما كان منه ونصيحة للمسلمين.3
وقد مرّ في الفصل الثالث ما نسبه ابن القيم إلى أبي الحسن الدارقطني من الأبيات التي تضمنت هذه الأُسطورة.
وأمّا الثالث: ـ أعني قوله بفناء النار ـ فقد قال ما نصّه:
وفي المسند للطبراني ذكر فيه أنّه ينبت فيها الجرجير، وحينئذ فيحتج على فنائها بالكتاب والسنّة، وأقوال الصحابة، مع أنّ القائلين ببقائها ليس معهم كتاب ولا سنّة ولا أقوال الصحابة.4
وقد نسب القول بفناء النار إلى السلف أيضاً، ونقل هذا عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم.
وفيما ادّعاه رد لصريح القرآن والسنّة، فقد قال سبحانه: (إنّ الله لعن الكافرين

1. تفسير النهر الماد:1/254، تفسير آية الكرسي.
2. وقد نقل هذه الفقرة تقي الدين أبو بكر الحصني الدمشقي(المتوفّى829هـ) عن أبي حيّان النحوي الأندلسي في تفسيره المسمّى بالنهر الماد، في كتابه:«دفع شبه من شبّه وتمرّد»:1/47ـ 48، نشر المكتبة الأزهرية للتراث، مصر.
3. السيف الصقيل ردّ ابن زفيل للسبكي: 97، طبعة مكتبة زهران; دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه لابن الجوزي:123، تحقيق حسن السقاف، طبعة الأردن، 1412هـ; كشف الظنون لحاجي خليفة:2/1438.
4. الردّ على من قال بفناء الجنة والنار:67.

صفحه 69
وأعدّ لهم سعيراً* خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً).1
وقد رد عليه الكثير من علماء الإسلام، فهذا المناوي يقول: إنّ الجنّة أبدية لا تفنى والنار مثلها، وزعم جهم بن صفوان أنّهما فانيتان لأنّهما حادثتان، ولم يتابعه أحد من الإسلاميين بل كفّروه به، وذهب بعضهم إلى إفناء النار دون الجنة، وأطال ابن القيّم كشيخه ابن تيمية في الانتصار له في عدة كراريس، وقد صار بذلك أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان لمخالفته نصّ القرآن، وختم بذلك كتابه الذي في وصف الجنان.2
وقال الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي: وبينما تراه ـ يعني: ابن تيمية ـ يسبّ جهماً والجهمية، إذا بك تراه يأخذ بقوله في أنّ النار تفنى وأنّ أهلها ليسوا خالدين فيها أبداً.3
وقال أبو بكر الحصيني الدمشقي(752ـ 829هـ): واعلم أنّه انتُقد عليه زعمه: أنّ النار تفنى، وأنّ الله تعالى يفنيها، وأنّه جعل لها أمداً تنتهي إليه وتفنى، ويزول عذابها. وهو مطالب أين قال الله عزّ وجل؟ وأين قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)وصحّ عنه؟4
ويكفي في بطلان هذه العقيدة قوله سبحانه في أهل الجحيم: (كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أُعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق).5
وقال سبحانه:(مأواهم جهنم كلّما خبت زدناهم سعيراً).6
وقال: (إنّ عذابها كان غراماً).7

1.الأحزاب:64و 65.
2. فيض القدير:6/341.
3. فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان:135.
4. دفع الشبهة عن الرسول والرسالة :116، طبعة 1418هـ، القاهرة; دفع شبه من شبّه وتمرّد للحصني:1/58، طبعة المكتبة الأزهرية للتراث، فى. مصر، والعنوانان هما لكتاب واحد.
5. الحج:22.
6. الإسراء:97.
7. الفرقان:65.

صفحه 70
العصمة حقيقتها وآثارها
6

العصمة حقيقتها وآثارها

لماذا نبحث عن العصمة؟

ليست(العصمة)، من المسائل الخلافية التي عفا عليها الزمن والتي يجب أن تُترك إلى غيرها من المسائل، بل (العصمة) من الأُمور التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة والحياة الإسلامية الحاضرة، لأنّ بحث(العصمة) بحث فيما يضمن سلامة هذه الثقافة واستقامتها، وبالتالي يضمن مطابقة حياتنا الحاضرة لما أنزل الله من تشريع وما ترك نبيه العظيم(صلى الله عليه وآله) من سنّة.
فكما تشترط(العصمة) في النبي الذي يوحى إليه، ضماناً لسلامة تبليغه، وإلاّ لما وثق الناس بكلامه، ولما اطمأنّوا إلى إخباره وحديثه، كذلك لابد من اشتراط هذه الصفة في مَن يحمل إلى الأجيال المتلاحقة هذا التشريع الإلهي ويكون امتداداً للنبوة في وظائفها ومسؤولياتها، حفاظاً على الدين من تحريف المحرفين، وإبطال المبطلين، وتشكيك المشكّكين.
إنّ أسوأ داء أصاب الشرائع السابقة هو أنّ أتباعها أخذوا أحكام أنبيائهم بعد غيابهم من كلّ مَن هَب ودبّ، فكان التحريف ـ الذي تحدّث عنه الكتاب العزيز

صفحه 71
في ثلاثة مواضع1 ـ وكان الضلال، وكان الضياع.
إنّ بحـث العصمـة لا يعنـي إلاّ التعـريف بالطـريق الأفضـل، لتلقّـي الشـريعـة الإلهية على نقاوتها وأصالتها، ومن هنا يكون طرح هذه المسألة على بساط البحث ضـرورة يقتضيهـا الـواجب علـى كلّ مسلم بأن يتلقّى دينه من أكثر الطرق اطمئنـاناً.

العصمة في اللغة

العصمة في اللغة بمعنى المنع، ويطلق على ما يعتصم به الإنسان ويمنع به نفسه عن الوقوع فيما يكره.
ومنه قولهم: اعتصم فلان بالجبل إذا امتنع به، ومنه سمّيت العصم وهي وعول الجبال لامتناعها بها.
قال سبحانه:(سَآوِي إلى جَبَل يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عاصِمَ اليومَ مِنْ أمْرِ اللهِ إلاّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُما الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)2 أي التجأ إلى الجبل زاعماً أنّه يمنعه من الماء، وأُجيب بأنّه: لا مانع من أمره سبحانه إلاّ من رحم.3

العصمة في مصطلح المتكلمين

في مصطلح أهل الكلام تعني العصمة: التوفيق واللطف والاعتصام عن الذنوب والغلط في دين الله، وهي تفضّل من الله على من علم أنّه يتمسّك بعصمته.4
وبعبارة أُخرى: العصمة لطف من الله إلى المكلّف يمنع منه وقوع المعصية

1 . لاحظ: البقرة:75; النساء:46; المائدة:13.
2 . هود:43.
3 . أوائل المقالات:111.
4 . شرح عقائد الصدوق، 60.

صفحه 72
وترك الطاعة مع قدرته عليهما.1
ويقرب من هذين التعريفين، ما عرّفه غير واحد من علماء الكلام.2
وهذه التعاريف توقفنا على حقيقة العصمة، وأنّها ليست أمراً اكتسابياً، بل هي موهبة من الله سبحانه لمن فيه قابلية ذلك الفيض وتلك الموهبة، وهذا ممّا لا بحث فيه، وإنّما الكلام هو في منشأ هذه العصمة، وبعبارة أُخرى: من أي مقولة هي؟

العصمة من مقولة العلم الرادع

الحق أنّ العصمة نوع من العلم يفاض منه سبحانه على من اختاره الله سبحانه فيمنعه عن ارتكاب المعصية أو الوقوع في الخطأ، بل ويردعه عن التفكير في كلّ ذلك، فضلاً عن العمل، وذلك أثر العلم وخاصيته، فإنّ العلم النافع والحكمة البالغة يوجبان تنزّه صاحبهما عن الوقوع في مهالك الرذائل، والتلوث بأقذار المعاصي، وذلك ممّا نشاهده في رجال العلم والحكمة من أهل الدين والتقى، غير أنّ سببية (العلم العادي) سببية غالبية لا دائمية.
وإن شئت قلت: هو مقتض للتنزّه عن المعاصي، كما هو شأن سائر الأسباب الموجودة في عالم المادة، وعلى ذلك فكلّ متلبّس بالكمال، يحجزه ذلك الكمال عن النقص، ويصونه عن الخطأ حسب قوته وشدته.
هذا هو شأن(العلم) وأثره، غير أنّ القوى الشعورية والغريزية الأُخرى ربّما توجب مغلوبية (العلم) وتنفي أثره، أو توجب ضعفه، فصاحب ملكة التقوى ـ مثلاً ـ مادام يشعر بتلك الفضيلة ويخضع لتلك الملكة فهو لا يميل إلى الشهوة غير المرضية، وإنّما توجب أن يجري صاحبها على مقتضى تقواه، غير أنّ اشتعال نار الشهوة، ربما أوجب تغلّب الشهوة على ذلك الشعور الديني، فلا يلبث دون أن

1 . النكت الاعتقادية:45.
2 . لاحظ تعاليق أوائل المقالات:30.

صفحه 73
يرتكب مالا ترتضيه التقوى، وعلى هذا النمط يكون حال سائر الأسباب الشعورية في الإنسان فهو لا يحيد عن حكم سبب ومقتضاه مادام ذلك السبب قائماً على قدم وساق، ومادام الإنسان يخضع له ويعيش في جوّه إلاّ إذا غلبته سائر القوى البشرية الأُخرى، فهناك يسقط تأثير السبب المغلوب، وينساق الإنسان مع مقتضى السبب الغالب.
نعم شتّان بين (العلم العادي) الذي يحجز صاحبه عن ارتكاب الرذائل و(العلم المفاض من الله سبحانه إلى أوليائه)، فإنّ العلم المفاض سبب علمي غير مغلوب البتة، ولو كان من قبيل ما هو متعارف من أقسام الوعي والعلم، ومن الأنواع المألوفة من الشعور والإدراك، لتسرب إليه التخلّف، فهذا العلم الذي يصون حامله عن ارتكاب المعاصي والخطايا، يغاير سائر العلوم والإدراكات العادية المألوفة التي تحصل بالاكتساب والتعلّم، ولعلّه إلى ذلك يشير سبحانه بقوله:(وَأنْزَل اللهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ).1
فإن قوله: (وَعَلَّمك ما لم تَكُنْ تَعْلَم)بقرينة عطفه على نزول الكتاب والحكمة، يفيد أنّ للنبي علماً مفاضاً منه سبحانه مضافاً إلى العلم والحكمة اللّذين أُنزلا عليه.
ويؤيده أنّ مورد الآية هو قضاء النبي(صلى الله عليه وآله) في الحوادث الواقعة والدعاوي التي يقضي فيها النبي بعلمه الخاص، وليس في ذلك شيء من الكتاب والحكمة.
من كلّ هذا تبيّن أنّ هذه الموهبة الإلهية التي نسمّيها بالعصمة نوع من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلم في أنّه غير مغلوب لشيء من القوى الشعورية، بل هو الغالب القاهر على سائر القوى المستخدمة إيّاه، ولأجل ذلك فإنّ العصمة ـ بهذا المعنى ـ تصون صاحبها، وتمنعه من الوقوع في المعاصي، بل والتفكّر فيها، وقد ورد في الروايات والأخبار أنّ للنبي والإمام روحاً تسدّده، وتعصمه عن

1 . النساء:113.

صفحه 74
المعصية والخطيئة.1
وممّا يقرب كون العصمة من مقولة العلم هو أنّه ربما يبلغ العلم في الأفراد العاديين مرتبة يوجب إيجاد العصمة في آحاد الناس في بعض الموارد، ولذلك لا يمسّ الإنسان العاقل بيده الأسلاك الكهربائية ولا يلقي بنفسه أمام السيارة المتحركة، لعلمه بأنّ في ذلك هلاكه وموته.
فلو بلغ علم الإنسان في جميع المجالات إلى هذه المرحلة لصار معصوماً ومصوناً من كلّ المعاصي، وعاد مثالاً لقوله سبحانه:(كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِين* لَتَرُونَّ الْجَحيم* ثُمَّ لَتَروُنَّها عَيْنَ الْيَقِين).2

العصمة لا تسلب الاختيار عن صاحبها

وممّا يجب التنبيه عليه هو أنّ صاحب العصمة ـ مع ماله من تلك الموهبة الإلهية العظيمة ـ قادر على ارتكاب المعصية وإن كان لا يختارها، وهذا يعني أنّ العلم الإلهي المذكور لا يوجب سلب الاختيار عن صاحبه.
وإن شئت قلت: إنّ صاحب العصمة وإن كانت لا تصدر منه المعصية قط إلى آخر عمره، إلاّ أنّ عدم الصدور ليس بمعنى كونه مجبوراً على الترك، ومضطراً إلى الطاعة بل (المعصوم) قادر على كلا الطرفين: الفعل والترك، ويختار الطاعة على المعصية بإرادته واختياره، وسنوضح ذلك بالمثال التالي:
لا شكّ أنّ قدرته سبحانه عامة تشمل قدرته على القبائح كقدرته على الحسن، غير أنّه لا يصدر منه القبيح قط في زمن من الأزمان، ولأجل ذلك نرى عمومية قدرته لكلّ شيء، ونرى في جانبه عدم صدور القبيح منه سبحانه، إذ لو لم يقدر على القبيح لما صح قولنا: إنّه على كلّ شيء قدير.
ونظيره المعصوم المصون من القبائح فهو يعصم نفسه طيلة حياته من أي

1 . لاحظ الكافي:1/273، والميزان:5/80.
2 . التكاثر:5ـ7.

صفحه 75
قبيح وإن كان قادراً على الإتيان به، وقد نصّ بذلك علماؤنا الأعلام.
فقد قال المفيد: وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن ولا ملجئة له إليه، بل هي الشيء الذي يعلم الله تعالى أنّه إذا فعلها بعبد من عبيده لم تؤثر معه معصية له. وليس كلّ الخلق يعلم هذا من حاله، بل المعلوم منهم ذلك، بل هم الصفوة والأخيار.
قال الله تعالى:(إنَّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنى).1
وقال سبحانه:(وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعالَمينَ).2
وقال سبحانه:(وَإنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيار).3

موقف الشيعة من العصمة

يجد المتتبع في الأبحاث الكلامية: إنّ الشيعة الإمامية أشدّ الفرق التصاقاً بالعصمة، وأكثر الطوائف الإسلامية تنزيهاً للأنبياء عن وصمة النقص والذنب والخطأ، ويلاحظ ذلك من السبر في الأقاويل المنقولة حول عصمة الأنبياء من الفرق الإسلامية.
فالمعتزلة جوّزوا الصغائر على الأنبياء، وذهبت الأشاعرة، والحشوية إلى أنّه يجوز عليهم الصغائر والكبائر إلاّ الكفر والكذب.
وقال «الإمامية»: إنّه يجب عصمتهم عن الذنوب كلّها صغيرة كانت أو كبيرة، وهناك أقوال أُخر تظهر من ملاحظة الكتب الكلامية.4

1 . الأنبياء:101.
2 . الدخان:32.
3 . ص:47. ولاحظ شرح عقائد الصدوق:6.
4 . كشف المراد:217; و دلائل الصدق:1/368.

صفحه 76

العصمة وآية التطهير

قد استدلّت الشيعة عن بكرة أبيهم بآية التطهير، أعني: قوله سبحانه:(إنّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)1 على عصمة أهل البيت النبوي الطاهر.
وقد أفاض المفسّرون حول الآية وأتوا ببيانات شافية في وجه دلالة الآية على عصمة أهل البيت، كما نقلوا الروايات الموضحة للمراد منها، يقف عليها كلّ من راجع تفاسير الفريقين.
غير أنّ هناك جماعة من العلماء قد اعتنوا بشرح هذه الآية عناية خاصة، وقاموا بتفسيرها بأكمل الوجوه وأفردوا لذلك تآليف ورسائل نشير ـ فيما وقفنا عليه ـ إلى ما يلي:
1. «السحاب المطير في تفسير آية التطهير» للسيد القاضي نور الله بن الشريف الحسيني المرعشي (الشهيد عام 1019هـ.).2
2. «تطهير التطهير» تأليف العلاّمة بهاء الدين محمد بن حسن الاصفهاني الشهير بالفاضل الهندي(المتوفّى عام 1335هـ.)، وقد بحث فيه عن آية التطهير وكتبه رداً على من فسرها بغير معناها ومفادها من العامة.
3. «شرح تطهير التطهير» كتبه العلاّمة السيد عبد الباقي الحسيني شرحاً لما كتبه الفاضل الهندي الآنف الذكر.
4. «إذهاب الرجس عن حظيرة القدس» للعلامة الشيخ عبد الكريم بن محمد طاهر القمي، كتبه في رد اعتراضات أوردها بعضهم على «تطهير التطهير» للفاضل الهندي.
وله أيضاً كتاب: «الصور المنطبعة» الذي بحث فيه عن إثبات العصمة للأئمة

1 . الأحزاب:33.
2 . الذريعة إلى تصانيف الشيعة:4/469.

صفحه 77
بآية التطهير.
وهذه الكتب الأربعة الأخيرة توجد في مجموعة موجودة في مكتبة آية الله العظمى الگلپايگاني في دار القرآن الكريم، في قم المقدسة.1
5. «تفسير آية التطهير»، وهي رسالة فارسية من تأليف الشيخ إسماعيل بن زين العابدين الملقب بمصباح قد أثبت فيها: أنّ أهل البيت مطهّرون من كلّ رجس دنيوي.2
6.«التنوير في ترجمة رسالة آية التطهير» التي ألّفها القاضي نور الله الشهيد، ترجمها إلى اللغة الأُردوية السيد حسن عباس الموسوي النيسابوري الكنتوري منشئ(دفتر الشهيد) طبع الأصل مع تذييل في كل صفحة بالهند عام 1341هـ. .3
7. «جلاء الضمير في حل مشكلات آية التطهير» للشيخ محمد علي بن محمد تقي البحراني طبع في بمبئي بالمطبعة المظفرية عام 1325هـ. .4
8. «أقطاب الدوائر» التي ألّفها العلاّمة «عبد الحسين بن مصطفى» أحد علماء الإمامية في القرن الثاني عشر، ألّفه لأحد أُمراء عصره «بهمن ميرزا» ولم نعثر على ترجمته غير أنّه يعد من طبقة تلاميذ العلامة المجلسي(قدس سره) وربّما يعبر عنه بالفاضل المجلسي، وقد فرغ من الكتاب في شهر رجب عام (1138هـ.) ولم نعثر على حياته، غير أنّ له شرحاً على «الباب الحادي عشر» وقد أشار فيه إلى الكتاب المزبور.
وقد قمنا بطبع هذا الكتاب خدمة لأهل بيت الرسالة، ويرى الباحث عن الحقيقة فيه عمقاً في البحث وسعة اطّلاع في الموضوع، فهو بحجمه الصغير ينبئ عن مكانة المؤلّف المرموقة بحبه وولائه ونضاله في الدفاع عن حريم التشيّع، ولم

1 . لاحظ فهرس مخطوطات مكتبة السيد الگلپايگاني:42ـ52.
2 . الذريعة إلى تصانيف الشيعة:2/326.
3 . الذريعة إلى تصانيف الشيعة:12/150.
4 . الذريعة إلى تصانيف الشيعة:5/124.

صفحه 78
نقف على أزيد من نسخة، ولعلّها بخط المؤلف نفسه.
وقد كانت في مكتبة آية الله الوالد المرحوم الشيخ محمد حسين السبحاني(قدس سره)الذي استوهبها من صديقه العالم التقي الشيخ حسين «النمروري» الذي كان مولعاً بجمع الكتب المخطوطة ومهتماً بها، رحمهما الله ورحم الماضين من علمائنا.
هذا وقد وفّق الله سبحانه الفاضل المحقّق الشيخ علي الفاضل القائيني النجفي صاحب «معجم مؤلفي الشيعة» لأن يكرس اهتمامه في استنساخ هذه الرسالة النفيسة وتحقيقها، وتخريج مصادرها، والتعليق عليها بما لا بد منه في فهم المراد، ومقابلة النصوص الواردة فيها مع أُصولها الحديثية والقرآنية، فجاءت الرسالة هذه رسالة كافلة لإثبات ما يتوخّاه مؤلّفها، فشكر الله مساعي المؤلّف والمعلّق عليها، ولهما الشكر الجزيل منّا ومن كلّ قارئ يحمل بين جنبيه الود والولاء الخالص لآل الرسول عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
جعفر السبحاني
قم ـ 20 جمادى الآخرة 1403هـ.

صفحه 79
الأحكام الشرعية،ألطاف في الأحكام العقلية
7

الأحكام الشرعية،

ألطاف في الأحكام العقلية
اشتهر بين المتكلمين ـ وتبعهم الأُصوليون ـ أنّ الأحكام الشرعية ألطاف في الأحكام العقلية، وربّما يُعبر عن ذلك بتعبيرين آخرين:
1. الأحكام السمعية ألطاف في الأحكام العقلية.
2. الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية.
وقد اختلفت كلمة القائلين في تفسير القاعدة، وبالتالي في الموارد الّتي استدل بها عليها، وإليك بعض ما عثرنا عليه في كلا المقامين:
وقبل بيان التفاسير المختلفة للقاعدة نلفت نظر القارئ على نكتة، وهي أنّ اللطف عبارة عما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية فلابدّ من حفظ هذا المعيار في تفسير القاعدة، ولو فقد التفسير ذلك الملاك لكان غير صحيح، وإليك التفاسير :

1. صيرورة الإنسان مستعداً لامتثال الأحكام العقلية

العقل مستقل على إتيان أُمور كردّ الأمانة ومجازاة الإحسان بالإحسان، كما أنّه يستقل بلزوم ترك أُمور كخيانة الأمانة ومجازاة الإحسان بالإساءة، يستقل بذلك مع قطع النظر عن حكم الشرع، ويحثُّ العقلُ على تطبيق الحياة عليها بحكم أنّ

صفحه 80
الحاكم بذلك هوالعقل العملي.
ولكن الاستمرار على أداء الواجبات العقلية وهكذا على ترك المناهي العقلية رهن وجود ملكة طاعة في الإنسان تحثّه على الطاعة وتمنعه عن الانهزام أمام القوى الجامحة للنفس الأمّارة، كخيانة الأمانة مثلاً.
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ بعثة الأنبياء بين الناس لا تنفك عن برنامج عملي فيه فرائض ومحرمات، فهم يحثون الناس على فعل الأُولى، وترك الثانية مقروناً بالوعد والوعيد .
وممّا لا شك فيه: امتثال التكاليف الشرعية يُحدث في الإنسان ملكة الطاعة، وعندئذ يسهل له أيضاً فعل الواجبات وترك المنهيات العقلية أيضاً، وبذلك تصبح الأحكام الشرعية ألطافاً في الواجبات العقلية لكون الاستمرار على الأحكام العقلية رهن ملكة قوية تتولد في الإنسان ضمن امتثال تكاليف شرعية، وتجعل الإنسان مطيعاً للأوامر والنواهي من غير فرق بين السمعية والعقلية.
وبهذا المعنى فسّر القاعدة المحقّق الطوسي حيث قال في مسألة «وجوب بعثة الأنبياء»:
وهي واجبة لاشتمالها على اللطف في التكاليف العقلية، وأوضحها العلاّمة الحلّي بأنّ الإنسان إذا كان مواظباً على فعل الواجبات السمعية وترك المناهي الشرعية كان من فعل الواجبات العقلية والانتهاء من المناهي العقلية أقرب .1
يقول الفاضل القوشجي: بأنّ الإنسان إذا كان واقفاً على التكاليف بحسب الشرع كان أقرب من فعل الواجبات العقلية وترك منهياتها .2
أقول: ما ذكره من أنّ امتثال الفرائض الشرعية يُرسّخ في النفس ملكة الطاعة، وبالتالي يكون الإنسان ممتثلاً للأحكام العقلية أيضاً ـ وإن كان صحيحاً ـ ومحقّقاً

1 . كشف المراد: 154، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).
2 . شرح التجريد: 358 .

صفحه 81
لمعنى اللطف، فيكون التكليف الشرعي مقرباً للطاعة، أي طاعة الأحكام العقلية والابتعاد عن مخالفتها، لكن الكلام في مورد آخر، وهو أنّ تعليل لزوم بعثة الأنبياء بهذا الوجه لا يخلو من بعد، لأنّ الأحكام العقلية لا تتجاوز عدد الأنامل، فلزوم بعثة الأنبياء عبر القرون مع البرامج الهائلة لهذا الغرض القليل، أمر بعيد جداً. نعم يمكن أن يكون هذا من فوائدها ولذلك قال القوشجي: لا يخفى ما في هذا من البعد فالأقرب أن يحال وجه وجوب البعثة إلى ما بيّنه آنفاً من اشتمالها على فوائد1 .
أقول: ذكر المحقّق الطوسي فوائد تسعة في مسألة «حسن بعثة الأنبياء» وذكر هذه القاعدة في مسألة «وجوب بعثة الأنبياء» وما ذكره من الفوائد التسعة في حسن البعثة يكفي في إثبات وجوبها أيضاً من دون حاجة إلى تلك القاعدة الّتي هي شيء قليل بالنسبة إلى وجوب البعثة .

2. باعثة على معرفة المعبود

إنّ شكر المنعم ممّا يستقل به العقل، إذ في تركه وجود الضرر المحتمل الّذي يستقل العقل أيضاً على دفعه، و شكر المنعم رهن معرفته بما له من الصفات الجمالية والجلالية، والعمل بالتكاليف الشرعية الّتي جاء بها الأنبياء: يبعث الإنسان على معرفة المنعم.
وبهذا الوجه علّلوا وجوب البعثة، يقول الفاضل المقداد في ذلك الصدد: إنّ التكاليف السمعية ألطاف في التكاليف العقلية، أي مقربة إليها فإنّنا نعلم ضرورة أنّ الإنسان إذا واظب على فعل الصلاة والصوم دعاه ذلك إلى العلم بالله تعالى وصفاته ويعلم أنّ العبادة هل هي لائقة به أو لا وكلّ لطف واجب.2
ويقـول أيضـاً في كتـاب آخـر:إنّ العبـادات متلقـاة من النبيّيـن ولا شـك أنّ

1 . شرح التجريد: 358 .
2 . إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 147، الطبعة الأُولى.

صفحه 82
المـواظبـة عليهـا بـاعثـة علـى معـرفـة المعبـود الـواجبـة عقلاً فيكـون لطفاً فيهـا1 .
واللطف بالمعنى المصطلح موجود في هذا التفسير فإنّ معرفة المنعم من الأحكام العقلية، والعمل بالأحكام الشرعية ينتهي إلى معرفة المعبود المطلوبة عقلاً، إلاّ أنّه يلاحظ على هذا التفسير بما ذكرناه في التفسير الأوّل، فإنّ تعليل وجوب بعثة الأنبياء(عليهم السلام) بهذا الطريق بعيد، لأنّه يرجع إلى أنّ في بعثة الأنبياء فائدة خاصّة وهي معرفة المعبود الواجبة عقلاً، ومن المعلوم أنّ هذه الغاية لوحدها لا يمكن أن تكون علّة غائية لبعثة الأنبياء(عليهم السلام)، نعم يمكن أن تكون من فوائدها الكثيرة.
اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ الغاية من التكاليف السمعية هي معرفة الله سبحانه، كما قال: (وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)2، ولا مانع من أن تكون هنا غايات طولية أُخرى لها، إلاّ أنّ الغاية القصوى هو معرفته سبحانه.

3. تأكيد العقليات

لاشك أنّ العقل يستقل بإتيان المحاسن من الأفعال وترك القبائح منها، فإذا ورد في الشرع ما يؤكد على ذلك فيكون سبباً لتأكيد ما يدعو إليه العقل، وهذا هو الذي يستفاد من كلام صدر الدين الشيخ محمود الحمصي الرازي يقول في مبحث حسن البعثة: وقد قيل فيما يتصوّر أن يكون غرضاً في البعثة ] هو [تأكيد العقليات لو علم الله تعالى أنّ المكلّفين عند تأكيدهم ودعائهم يختارون من الطاعات ما لا يختارونه مع فقد دعائهم، أو يجتنبون عن القبائح ما لا يجتنبون عن فقد دعائهم .3

1 . اللوامع الإلهية: 231، الطبعة الثانية.
2 . الذاريات: 56 .
3 . المنقذ من التقليد: 1 / 374. وانظر: شرح التجريد للمحقّق الشعراني: 460 .

صفحه 83
واللطف بالمعنى المصطلح متحقّق في هذه الصورة، لأنّ السمعيات تقرب إلى الإنسان امتثال ما يحكم به العقل ـ قبل الشرع ـ من إتيان المحاسن وترك القبائح فإنّ الشرع يوعده، وإيعاده يبعث الإنسان إلى محاسن الإحسان ويصده عن قبائحها.
4. محصلة للقرب
القرب إلى الله سبحانه وتعالى من أفضل الفرائض عند العقل، إذ هو كمال للنفس ولا كمال فوقه وهذا هو الّذي يحكم به العقل، ولكنّه غير واقف على ما يحصل به القرب .
وبعبارة أُخرى: العقل يدرك الكبرى وهي لزوم تحصيل القرب ولكن لا يعرف الصغرى أي بماذا يحصل ذلك الكمال النفساني، إلاّ من طريق الشرع حيث إنّ الأحكام الشرعية واجباتها ومستحباتها، وهكذا مكروهات الشرع ومنهياته تولّد في النفس الإنسانية القرب من مركز الكمال ومعدنه، فلذلك تكون الأحكام الشرعية ألطافاً في الأحكام العقلية.
روى أبان بن تغلب، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: «أنّ الله جلّ جلاله قال: ما يتقرّب إليّ عبد من عبادي بشيء أحب إليّ ممّا افترضت عليه، وإنّه ليتقرب إليّ بالنافلة حتّى أُحبّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الّذي يسَمع به، وبَصره الّذي يبُصر به، ولسانه الّذي ينطق به، ويده الّتي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته».1
وإن شئت قلت: العقل يحكم بتحصيل ما يقرّب من الله سبحانه والابتعاد عما يورث البعد عنه، غير أنّه لا يعرف المقرّب والمبعد، فالأحكام الشرعية الّتي أتى بها الأنبياء توضح له الطريق وتبيّن له ما هو المقرّب وما هو المبعد.2

1 . الوسائل: 3، الباب 17 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 3 .
2 . بحر الفوائد للمحقّق الآشتياني في تعليقته على الفوائد للشيخ الأنصاري : 2 / 155. ذكره بصورة أحد المحتملات للقاعدة، وإن لم يرتضه.

صفحه 84
إلاّ أنّ تسمية ذلك لطفاً بالمعنى المصطلح مشكل، إذ ليس فيه شيء يقرب من الطاعة ويبعد من المعصية، غاية الأمر أنّ الشرع يرفع الجهل عمّا يقرّب. نعم هو لطف بالمعنى العام.

5. الكشف عن المصالح والمفاسد

لاشك ـ عند العدلية ـ أنّ الأحكام الشرعية بأسرها مبنية على المصالح والمفاسد في نفس المأمور به، وشذ من اكتفى في المورد بوجود المصلحة في الأمر، فإنّ مواضعها قليلة جدّاً، ولكن مناطات الأحكام قد تكون معلومة، وأُخرى مجهولة، وعلى كل تقدير فلصيانة فعل الشارع عن اللغو لا محيص من القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الكامنة في المتعلّق، قال سبحانه: (إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ )1 هذا من جانب .
ومن جانب آخر إن العقل يحثّ على تحصيل المصالح والمفاسد، غير أنّه لا يمكنه أن يحدد مواضعها. فإذا حكم الشارع بوجوب شيء ونهى عن شيء آخر فقد أظهر للعقل ما يبتغيه من التعرّف على المصالح والمفاسد، فيكون حكم الشارع ألطافاً في الحكم العقلي.2
يرد عليه: أنّه ليس لطفاً بالمعنى المصطلح، بل هو لطف بالمعنى العام .
وحقيقة الكلام: أنّ القاعدة يمكن أن تكون صحيحة في عامة الموارد الخمسة الّتي مرّ تفصيلها، دون أن تختصّ بمورد دون غيره، بشرط أن يريد من اللطف المعنى الأعم وهو استعانة العقل بالشرع، وعندئذ يصلح أن يقال:
إنّ العقل مع أنّه حجّة في باب المعارف، ولكنّه غير مستغن عن السمع حتّى في تلك المواضع، ولولا هداية الوحي الإلهي المنزّل على الأنبياء الإلهيين وخلفائهم المعصومين في ذلك المجال، لما استطاع العقل من تسلّق قمة

1 . العنكبوت: 45 .
2 . بحر الفوائد: 2 / 154، بتوضيح منا.

صفحه 85
المعارف.
هذا في مجال المعارف، وأمّا دوره في مجال العبادات والعقود والإيقاعات وغيرها فهو قليل جدّاً.
إن القيم الإنسانية وإن كانت هي الغاية المنشودة للحكيم ولكن معطيات العقل في ذلك المقام ليست متوفرة حتّى يستغني بها العقل عما ورد في الشرع، والّذي يوضح ذلك هو المقارنة بين الأخلاق اليونانية الّتي سار على ضوئها أمثال ابن مسكويه، وبعده الغزالي وما جاء به الوحي الإلهي وشرحه أولياؤه المعصومون.
كلّ ذلك يكشف أنّ الشرع هو العماد الأكبر للعقل في كثير من المجالات، وإن كان له دور كبير في مواضع تخصّه .
جعفر السبحاني
صبيحة يوم الأحد السادس والعشرين
من شهر جمادى الآخرة
عام 1429 هـ

صفحه 86
في الرؤية ومعنى الإله
8

في الرؤية ومعنى الإله

الأُستاذ الفاضل علي محيي الدين علي القره داغي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تسلّمنا بيد التكريم كتاب «معنى لا إله إلاّ الله» للإمام بدر الدين الزركشي، وقد لاحظنا أنّكم قد بذلتم جهوداً كبيرة لإحياء الكتاب من خلال تعاليقكم القيّمة.
شكر الله مساعيكم في سبيل إحياء آثار السلف ومآثر المسلمين.
وممّا لفت نظرنا قولكم في ص 148، حول الاستدلال على إثبات الرؤية لله سبحانه يوم القيامة بقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )1وفسّرتم هاتين الآيتين بقولكم: أي تنظر هذه الوجوه الضاحكة الصافية في الجنة إلى وجه الله تعالى.
وقد استغربت من هذا التفسير، فإنّ ما جاء هنا عبارة عن أربع آيات على وجه اللف والنشر المرتّب :
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ)      يقابلها:       (وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ)
(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)            يقابلها:       (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ)
فبالإمعان في الجزء الثاني يرتفع الإبهام عن معنى الجزء الأوّل.
فإنّ معنى الجملة الثانية أنّهم ينتظرون العذاب الكاسر لظهورهم، ومثل هذا

1 . القيامة: 22 ـ 23 .

صفحه 87
الظن لا ينفك عن الانتظار، فتكون قرينة على أنّ المراد من الجملة الأُولى: أنّ أصحاب الوجوه المشرقة ينتظرون رحمته الواسعة .
ولو حملت الجملة الثانية على الرؤية خرجت الجملة عن التقابل.
ويمكن رفع الإبهام عن قوله سبحانه: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)بالإمعان في قوله سبحانه في سورة «عبس»:
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ)          يقابلها:      (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ)
(وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ)      يقابلها:      (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ)
فقوله سبحانه: (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ)بمنزلة قوله سبحانه: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).
فالجميع يهدف إلى معنى واحد وهو أنّ مصير الكافرين إلى عذاب الله سبحانه ومصير المؤمنين إلى رحمته الواسعة، فالطائفة الأُولى ذات وجوه غبرة، والطائفة الثانية ذات وجوه مستبشرة، وقد فصّلنا الكلام في هذا الموضوع في الرسالة الّتي نهديها إليكم فلاحظوا الصفحة 66 إلى ـ 68 .
وقد بعثنا إليكم رسالة «رؤية الله سبحانه في الكتاب والسنّة» عسى أن تكون خير وسيلة للحوار.
***
لقد ذكرتم الأقوال الكثيرة في معنى الإله، والاختلاف هذا في معنى الإله قائم بين اللغويين والمفسّرين على قدم وساق، ولكنّ لنا نظرية أُخرى نطرحها عليكم، وهي: أنّه لا فرق بين «الإله» ولفظ الجلالة، في المعنى، إلاّ أنّ الثاني علم، والأوّل مفهوم كلّي.
ويؤيّد ذلك بعض الآيات كقوله سبحانه: (وَ لاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)1 فإن مقتضى المعيّة أن يراد من لفظ الإله نفس ما أُريد من لفظ الجلالة لكن بتفاوت أنّ أحدهما علم والآخر كلّي. وليست هذه الآية هي

1 . الذاريات: 51 .

صفحه 88
الوحيدة في استظهار تلك النظرية، بل هناك آيات أُخرى يمكن استنباطها منها.
وبعبارة أُخرى : إنّ ها هنا اسماً عامّاً وهو «إله» ويجمع على «آلهة» ،واسماً خاصّاً وهو «اللّه» ولا يجمع أبداً، ويرادفه في الفارسية «خدا» وفي التركية «تاري» وفي الانجليزية «گاد» ; غير أنّ الاسم العام والخاص في اللغة الفارسية واحد وهو «خدا» ويعلم المراد منه بالقرينة، غير أنّ «خداوند» لا يطلق إلاّ على الاسم الخاص، وأمّا «گاد» في اللغة الانجليزية فكلّما أُريد منه الاسم العام كتب على صورة «god»، وأمّا إذا أُريد الاسم الخاص فيأتي على صورة « God»، وبذلك يشخّص المراد منه.
فهل عندكم ما يؤيّد هذه النظرية؟!
وفي الختام أرجو لكم ولمن حولكم من الأساتذة الأعزاء خير الدنيا والآخرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
25 ربيع الثاني 1430 هـ . ق

صفحه 89
البداء في الكتاب والسنّة
9

البداء

في الكتاب والسنّة
البداء من المسائل الشائكة لمن لم يتدبّر فيه، ومن المسائل الواضحة لمن تدبّر وأمعن النظر فيه، ولم تزل الشيعة منذ قرون في قفص الاتّهام لأجل الاعتقاد بالبداء، وذلك لجمود المخالف على ظاهر اللفظ الذي هو بمعنى الظهور بعد الخفاء، فإذا قلنا: «بَدا لله» يُتوهم منه أنّه ظهر له بعدما خفي، ومن المعلوم أنّ وصف الحق تعالى به على حد الكفر، لإحاطة علمه سبحانه بعامة الأُمور والحـوادث قبـل وجـودها وحينـه وبعـده، قـال سبحـانه: (مَـا أَصَـابَ مِـنْ مُصِيبَـة فِي الأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُـمْ إِلاَّ فِي كِتَـاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِك عَلَى اللهِ يَسِيـرٌ)1.
ولكن بعد ما قام الباحث بتفسير البداء ثبوتاً وإثباتاً، وأثبت : أنّ هذا التعبير من باب المشاكلة على حد قوله سبحانه: (وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)2 حتّى نقل عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «بدا لله في الأبرص والأقرع والأكمه»، فعندئذ يرجع المخالف عن رأيه ويؤمن بالبداء شيئاً فشيئاً على نحو

1 . الحديد: 22 .
2 . الأنفال: 30 .

صفحه 90
يذعن بأنّه عقيدة كلّ مسلم آمن بالله وكتابه ورسوله وحديثه، كما اتّفق ذلك لي في مناظرة مع أحد علماء أهل السنة في طهران عند تنظيم القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
قد مرّ أنّ الشيعة لم تزل في قفص الاتّهام منذ قرون ويشهد على ذلك ما ذكره الشيخ الطوسي في التبيان، حيث حكى عن البلخي (المتوفّى عام 317 هـ)، قوله في هذا المضمار: قال قوم ليس ممن يُعتبرون، ولكنّهم من الأُمّة على حال أنّ الأئمة المنصوص عليهم ـ بزعمهم ـ مفوض إليهم نسخ القرآن وتدبيره، وتجاوز بعضهم حتى خرج من الدين بقوله: إنّ النسخ قد يجوز على وجه البداء، وهو أن يأمر اللّه عز ّوجلّ عندهم بالشيء ولا يبدو له، ثمّ يبدو له فيغيّره، ولا يريد في وقت أمره به ]وله [ ، أن يغيّره هو ويبدله وينسخه، لأنّه عندهم لا يعلم الشيء حتّى يكون، إلاّ ما يقدره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا أنّ ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة.1
هذا كلام البلخي الذي هو من أئمّة المعتزلة.
وكلامه يعرب عن أنّه تبع ظاهر حرفية البداء ولم يرجع فيه إلى المصادر الشيعية أو رواية مرويّة عن أئمّتهم، ولذلك قال الشيخ الطوسي بعد كلامه:
وأظن أنّه عنى بهذا أصحابنا الإمامية، لأنّه ليس في الأُمّة من يقول بالنصّ على الأئمّة(عليهم السلام) سواهم. فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم، لأنّهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمّة(عليهم السلام)، ولا أحد منهم يقول بحدوث العلم.2
وتبعه في ذلك أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين 3، وفخر الدين

1 . التبيان:1/13ـ 14، ط النجف عام 1376هـ .
2 . التبيان:1/13ـ14.
3 . مقالات الإسلاميين: 107، 109، 119.

صفحه 91
الرازي في تفسيره 1، وتلخيص المحصل 2، ومن المعاصرين الشيخ أبو زهرة المصري 3، إلى غير ذلك من كُتّاب مغفّلين الذين صدّروا في تقييم عقائد الشيعة من كتب المخالفين .
ولو أنّهم رجعوا إلى كتب أعلام الطائفة، لآمنوا بالبداء وندموا على ما فعلوا، ولكن ربّما لا ينفعهم الندم .
فرفع الغشاء عن وجه الحقيقة رهن الكلام في البداء ثبوتاً وإثباتاً على وجه الإيجاز، وقد قمنا بالتفصيل في محاضراتنا الكلامية، وأفرده بالتأليف بعض الأعزة ـ حفظه الله ـ .

1. البداء ثبوتاً

ويراد من البداء ثبوتاً، أنّ للإنسان أن يُبدّل ما كتب وقُدِّر له، بأعماله الصالحة أو الطالحة، إذ ليس ما قُدّر، تقديراً محتوماً غير قابل للتغيير والتبديل، خلافاً لليهود حيث قالت باستحالة تعلّق مشيئة الله بغير ما جرى به قلم التقدير، وقد تبلورت تلك العقيدة في كلامهم (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)قال سبحانه حاكياً عنهم:
(وَ قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّك طُغْيَانًا وَكُفْرًا)4.
إنّ كثيراً من المفسّرين وإن فسّروا الآية بالعطاء والسعة في الرزق، ولكن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) فسّروا قولهم: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)، بالفراغ من الأمر 5، ورتّبوا على

1 . مفاتيح الغيب: 10 / 145 في تفسير الآية 59 من سورة النساء .
2 . تلخيص المحصل: 420 .
3 . الإمام الصادق(عليه السلام): 238 ـ 239 .
4 . المائدة: 64 .
5 . تفسير البرهان: 1 / 486، الحديث 3 .

صفحه 92
ذلك امتناع نسخ الأحكام وتغيير المصير والمقدّر.
وقد ردّ سبحانه عليهم بأنّه: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)1، وأنّه يزيد وينقص من العمر (وَ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر وَ لاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِك عَلَى اللهِ يَسِيرٌ)2.
وقد دلّ غير واحد من الآيات على أنّ مصير الإنسان فيما يرجع إلى السعادة والشقاء في الحياة الدنيوية والأُخروية بيده، فالكفر بأنعم الله يُزيلها، والشكر لها، يزيدها، يقول سبحانه: (ذَلِك بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَك مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)3، وقد تضافر هذا المضمون في سائر الآيات.4
وبكلمة جامعة: انّ ما قُدر وقُضي بين ما يكون تقديراً قطعياً، وقضاء حتمياً، فهذا لا يُبدّل بأي عمل، وهذا النوع من التقدير لا يرجع إلى سعادة الإنسان وشقائه، كتقديره سبحانه بأنّ (كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)5، وأنّه سبحانه (يُحْيِي الْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ)6، وأنّ (مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرًّا يَرَهُ)7، إلى غير ذلك من الأُمور المحتومة الّتي لا تُبدل ولا تتغيّر.
وبين ما يكون تقديراً معلّقاً قابلاً للتبديل حسب ما يقوم به الإنسان من العمل في حياته الدنيوية (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)8.
والبداء بهذا المعنى مذهب كلّ مسلم آمن بالله ورسوله وكتابه . أمّا الآيات فقد عرفت بعضها وأشرنا إلى البعض الآخر في الهامش.

1 . فاطر: 1 .
2 . فاطر: 11 .
3 . الانعام: 53 .
4 . لاحظ: الرعد:11; والأعراف:56.
5 . آل عمران: 185 .
6 . يس: 78 .
7 . الزلزلة: 7 ـ 8 .
8 . الرعد: 39 .

صفحه 93
وأمّا الروايات فيكفيك ما رواه السيوطي في «الدر المنثور» عن علي (عليه السلام)، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقد سأله الإمام عن تفسير قوله: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ) فقال الرسول(صلى الله عليه وآله): «لأقُرَّنَّ عينك بتفسيرها ولأقُرّنَّ أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها وبرّ الوالدين واصطناع المعروف، يحوّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء» .1
والروايات بهذا المضمون كثيرة يقف عليها من تتبّع الجوامع الحديثية.
والبداء بهذا المعنى، أصل تربويّ يبعث في الإنسان روح العزيمة على إصلاح حاله في المستقبل، إذا كانت سيئة فيما مضى، وكأنّه مصباح جاء ينوّر الطريق له، ليسلك طريق الصلاح، بعدما كان سالكاً طريق الهلاك.
فالقائل بالبداء وانّ في مَقْدرته تبديل ما قدّر بعمله الصالح، إنسان راج يبعثه رجاؤه إلى العمل الصالح، ملبّياً قوله سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)2; والمنكر للبداء بهذا المعنى آيس من سعادته وغفرانه، يستمر في عصيانه وغلوائه إلى أُخريات عمره ويلقى الله سبحانه ضالاً خاسراً، فأي الفريقين أحق بالأمن يا تُرى؟!
هذا في البداء ثبوتاً، وإليك الكلام في البداء إثباتاً.

2. البداء إثباتاً

المراد من وقوع البداء إثباتاً هو إمكان إخبار النبي أو الوليّ عن حادث في المستقبل لوجود المقتضي له ولكنّه لم يقع لأجل وجود المانع عن تأثير المقتضي، فيكون المخبر صادقاً في إخباره لوجوده في لوح المحو والإثبات، غير أنّ النبي ـ حسب المصالح ـ لم يكن واقفاً على المانع الذي يمنع عن تأثير المقتضي .

1 . الدر المنثور: 4 / 661 .
2 . الزمر: 53 .

صفحه 94
توضيح ذلك: أنّ لله سبحانه في مقام علمه الفعلي لوحين :
1. اللوح المحفوظ الذي لا يتطرّق إليه التغير، وقد أشار إليه سبحانه بقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِك عَلَى اللهِ يَسِيرٌ)1.
2. لوح المحو والإثبات فيكتب فيه التقدير الأوّل، وهو وإن كان بظاهره مطلقاً وظاهراً في الاستمرار إلاّ أنّه مشروط بشروط فإذا تغيرت الشروط انتهى أمر التقدير الأوّل وحان وقت التقدير الثاني، وإلى هذا اللوح أشار سبحانه بقوله: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)2.
ومثل هذا التغيّر في التقدير لا يمس كرامة العلم الإلهي الأزلي أبداً، ثم إنّ النبيّ ربّما يطّلع على المقتضي للشيء دون العلّة التامّة لوقوعه، فيخبر استناداً إلى المقتضي مع عدم الوقوف على العلّة التامّة التي من أجزائها عدم المانع من تأثير المقتضي .
فإخباره يستند إلى وجود المقتضي للشيء، وأمّا عدم وقوعه فلاستناده إلى وجود المانع من تأثير المقتضي. كل ذلك إذا اتصل بلوح المحو والإثبات، ولما ذكرنا نظائر في الكتاب والسنّة:

1. إخبار يونس عن نزول العذاب

أخبر يونس(عليه السلام) قومه بنزول العذاب، ثم ترك القوم وكان في وعده هذا صادقاً، إذ رآه مكتوباً في ذلك اللوح، ولكن لم يطّلع على وجود المانع وهو إنابة القوم عن غيّهم وعصيانهم. قال سبحانه: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)3.

1 . الحديد: 22 .
2 . الرعد: 39.
3 . يونس: 98 .

صفحه 95
وإن أردت أن تتّضح لك حقيقة البداء في مقام الإثبات، فاستظهر حاله من النسخ في الشريعة، فإنّ النسخ في التكوين نظير النسخ في التشريع .
يقول المحقّق الداماد: البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي والأحكام التكليفية فهو نسخ وفي الأمر التكويني والمكوّنات الزمانية بداء، فالنسخ كأنّه بداء تشريعي، والبداء كأنّه نسخ تكويني، ولابداء في القضاء ولا بالنسبة إلى جناب القدس الحق.. وكما أنّ حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره، لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذلك حقيقة البداء انبتات1 استمرار الأمر التكويني وانتهاء اتصال الإفاضة 2.

2. إخبار موسى بثلاثين ليلة في الميقات

ذكر المفسّرون أنّه سبحانه واعد موسى ثلاثين ليلة فقضاها موسى (عليه السلام)، فلمّا تمّ الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل بعشر. قال سبحانه: (وَ وَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قَالَ مُوسَى لاَِخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)3.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير الآية: إنّ موسى قال لقومه: إنّ ربّي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه واخلف هارون فيكم، فلمّا فصل موسى إلى ربّه زاده الله عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله .4
إنّ هنا إخبارين:
1. إخبار بالمكث في الميقات ثلاثين ليلة.
2. إخبار بأنّه يمكث أربعين ليلة.

1 . الانقطاع.
2 . نبراس الضياء: 56 .
3 . الأعراف: 142 .
4 . الدر المنثور: 3 / 335.

صفحه 96
وكان موسى صادقاً في كلا الإخبارين حيث كان الخبر الأوّل مستنداً إلى جهات تقتضي إقامة ثلاثين ليلة، وكان هذا الإخبار مقيّداً في الواقع بقيد لم يكن موسى مطّلعاً عليه وكان الله سبحانه عالماً به، وهو أنّ مكث ثلاثين ليلة مشروط بعدم طروء ملاك آخر يقتضي أن يكون الوقوف أزيد من ثلاثين.
هذا بعض ما وقع فيه البداء الذي أخبر عنه سبحانه في كتابه، وأمّا الروايات فحدّث عنها ولا حرج:
1. مرّ يهوديّ بالنبي(صلى الله عليه وآله)فقال: السام عليك، فقال النبي(صلى الله عليه وآله) له: «وعليك»، فقال أصحابه: إنّما سلّم عليك بالموت، فقال: الموت عليك؟ فقال النبي(صلى الله عليه وآله) : «وكذلك رددت»، ثمّ قال النبي(صلى الله عليه وآله)لأصحابه:«إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله». قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثمّ لم يلبث أن انصرف.
فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله):«ضعه»، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال(صلى الله عليه وآله) : «يا يهوديّ ما عملت اليوم؟» قال: ما عملت عملاً إلاّ حطبي هذا حملته فجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) : «بها دفع اللّه عنه»، وقال : «إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان».1
2. أنّ المسيح مرّ بقوم مجلبين، فقال: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح اللّه فلانة بنت فلانة تُهدى إلى فلان في ليلته هذه، فقال: يُجلَبُون اليوم ويَبكوُن غداً، فقال قائل منهم: ولِمَ يا رسول اللّه؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فلما أصبحوا وجدوها على حالها، ليس بها شيء، فقالوا : يا روح اللّه إنّ التي أخبرتَنا أمس أنّها ميتة لم تمت، فدخل المسيح دارها فقال: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت: لم أصنع شيئاً إلاّ وكنت أصنعه فيما مضى، إنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فننيله ما نقوته إلى مثلها. فقال المسيح: تنحّ عن مجلسك، فإذا تحت ثيابها أفعى مثل

1 . بحار الأنوار:4/121.

صفحه 97
جذعة، عاضّ على ذنبه، فقال (عليه السلام) : بما صنعت، صرف عنك هذا.1
أقول: إنّ الإخبارات الصادرة من الأنبياء لأجل اتّصالهم باللوح الثاني الذي في معرض التغيّر والتبدّل كثيرة مبثوثة في الكتب، فيخبرون لمصالح حسب ما يقتضي المقتضي مع احتمال تغيّرها حسب توفّر الشروط وعدمها أو الموانع وعدمها.

إطلاق البداء على الله سبحانه

لاشك أنّ إطلاق البداء على الله سبحانه بالمعنى اللغوي غير صحيح، لكن وصفه سبحانه به من باب المشاكلة، وهو باب واسع في كلام العرب، فإنّه سبحانه يعبّر عن فعل نفسه في بعض الموارد بما يعبّر به الناس عن فعلهم، وما ذلك إلاّ لأجل المشاكلة الظاهرية بين الفعلين، وإليك نماذج من هذا النوع من الاستعمال :
يقول سبحانه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ)2.
ويقول: (وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)3.
وقال عزّ من قائل: (وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)4.
وقال عز اسمه: (وَ قِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا)5.
إذ لا شك أنّه سبحانه لا يخدع ولا يمكر ولا ينسى، لأنّها من صفات الإنسان الضعيف، ولكنّه سبحانه وصف أفعاله بما وصف به أفعال الإنسان من باب المشاكلة، والجميع كناية عن إبطال خدعهم ومكرهم وحرمانهم من مغفرة الله سبحانه وبالتالي عن جنته ونعيمها.
وعلى ضوء ذلك فلا غرو في أن نعبّر عن فعله بما نعبّر عن أفعالنا، إذا كان

1 . بحار الأنوار:4/94.
2 . النساء: 142 .
3 . آل عمران: 54 .
4 . الأنفال: 30 .
5 . الجاثية: 34.

صفحه 98
التعبير مقروناً بالقرينة الدالة على المراد، فإذا ظهر الشيء بعد الخفاء فبما أنّه بداء بالنسبة إلينا، فوصف فعله سبحانه به أيضاً من باب المشاكلة، وإلاّ فهو في الحقيقة بداء من الله للناس ولكنّه يتوسّع كما يتوسّع في غيره من الألفاظ ويقال: بدا لله تمشياً مع ما في حسبان الناس وأذهانهم وقياس أمره سبحانه بأمرهم، ولا غرو في ذلك إذا كانت هناك قرينة على المجاز والمشاكلة.
والذي يرشدك إلى صحّة هذا النوع من الاستعمال وروده في كلام النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) الذي رواه البخاري في صحيحه قال: «بدا لله سبحانه في الأبرص والأقرع والأعمى أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذّرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر ـ هو شك في ذلك أنّ الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر ـ فأُعطي ناقة عُشراء، فقال: يبارك اللّه لك فيها.
وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا، قد قذرني الناس، قال: فمسحه، فذهب، وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها.
وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد اللّه إليّ بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ اللّه إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً. فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من الغنم.
ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ باللّه ثمّ بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري; فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذّرك الناس، فقيراً فأعطاك اللّه؟ فقال: لقد وَرِثت لكابر عن كابر؟ فقال: إن كنتَ كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.

صفحه 99
وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فردّ عليه مثلما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ باللّه، ثمّ بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرَك، شاةً أتبلّغ بها في سفري; فقال: قد كنت أعمى فرد اللّه بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فواللّه لاأجْحَدك اليوم بشيء أخذتَه للّه ، فقال: أمسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضي اللّه عنك وسخط على صاحبيك».1
***
هذا هو كلام الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وقد استعمل لفظ البداء في حقّه سبحانه، ومن الطبيعي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)لم يستعمل هذا اللفظ في معناه اللغوي لاستلزامه ـ و العياذ باللّه ـ الجهل على اللّه سبحانه، بل استعمله في معنى آخر لمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي.
وعلى ضوء ذلك فلا غرو في أن نعبّر عن فعله بما نعبّر به عن أفعالنا، إذا كان التعبير مقروناً بالقرينة الدالة على المراد، فإذا ظهر الشيء بعد الخفاء، فبما أنّه بداء بالنسبة إلينا نوصف فعله سبحانه به أيضاً وفقاً للمشاكلة، وإلاّ فهو ـ في الحقيقة ـ بداء من اللّه للناس، ولكنّه يتوسع كما يتوسّع في غيره من الألفاظ، ويقال: بدا للّه تمشّياً مع ما في حسبان الناس وأذهانهم وقياس أمره سبحانه بأمرهم، ولا غرو في ذلك إذا كانت هناك قرينة على المجاز والمشاكلة.
وبذلك يعلم أنّ النزاع في البداء أمر لفظي لامعنوي، وأنّ الفريقين متّفقان على البداء ثبوتاً وإثباتاً، والذي صار سبباً لإنكار البداء وطعن الشيعة به هو تصوّر أنّ المراد منه هو الظهور بعد الخفاء، وقد عرفت أنّ المراد هو الإظهار بعد الإخفاء، وأنّ إطلاق البداء في المقام من باب المشاكلة.

1 . صحيح البخاري:4/172، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل.

صفحه 100
التبرك في الكتاب والسنّة
10

التبرك في الكتاب والسنّة

لا يشك ذو مسكـة في أنّ التقـريب بيـن المـذاهب الإسلاميـة وقـادتهـا وأتبـاعهـا، هـو بغيـة كلّ مسلـم عـارف بمـا يسـودهـم من الظـن السيِّئ والتبـاعد بينهـم، وأنّ أعـداء الإسلام علـى سعـي حثيث، فـي زرع العـداء والتبـاغض بيـن أبنـاء الأُمّـة الـواحدة، وإغـراء طائفـة على طائفـة أُخـرى بصـور مختلفـة، وبين ظهرانيهم آذان صاغية للنعرات الجاهلية، كما أنّ بينهم أقلاماً مستأجرة تلعب بحبـل الأعـداء لإشعـال نار الفتنـة بين الإخـوة، الذين تجمعهم وتربطهم أُمور شتّى من الإيمان بالله ورسله وكتبه وخاتم أنبيائه وسنّته وشريعته إلى غير ذلك من أواصر الوحدة .
والطريق الوحيد لتقريب الخُطى بين الإخوة هو الدعوة إلى الأخذ بالمشتركات، وتبيين أنّ ما يوحِّد المسلمين على اختلاف فرقهم أكثر ممّا يفرقهم ويشتّتهم، فاللازم هو التأكيد على أواصر الوحدة، والإغماض عما يسبِّب الفُرقة، خصوصاً إذا كانت المفرّقات مسائل كلامية أو فروعاً فقهية ممّا لا تمتّ إلى الإيمان والكفر بصلة.
ولأجل أن نجسّد كيفية الدعوة إلى الوحدة الإسلامية نضع أمام القارئ الكريم (سنّيـاً كـان أم شيعيـاً) رسـالة التبرّك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله) الّذي هو من الأُصول

صفحه 101
المشتركة بين عامّة المذاهب الإسـلامية، عسى أن نُسكت الصوت المخالف لهذا الأمر الّذي دعا إليه الكتاب والسنّة، ونساهم في تعزيز الروابط بين المسلمين، حتّى يصبح الجميع في كلّ موطن ومـوقف إخوة متحابّين متمسّكين بحبل الوحدة، الّذي أرشد إليه سبحـانه بقـوله عزّ من قائل : (وَ اعْتَصِمُـوا بِحَبْـلِ اللهِ جَمِيعًـا)1.
إنّ من ينطلق من الكتاب والسنّة وأحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)والسيرة الرائجة بين المسلمين لا يخالف في أمر التبرّك قدر شعرة، وإنّما يخالف فيه ويناقش في مشروعيته، مَن يأبى التحرّر من أسر تقليد بعض مَن لم يُمعن النظر في هذه المصادر، ولم يُرزَق التوفيق في التبرّك بآثار النبي، الّذي يعبّر عن غاية مودّته وتوقيره وتعظيمه (صلى الله عليه وآله).
التبرّك لغةً
التبرّك مأخوذ من «برك» وله معنيان:
1. الثبات والدوام، كما يقال: وبارك على محمد وعلى آل محمد، أي أثبت وأدم ما آتيتهم من التشريف والكرامة.
2. الزيادة والنمو.2 ويناسب المعنى الثاني قوله تعالى: (وَ هَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ)3، وقوله سبحانه: (الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)4 .
ويقال في المثل: بارك الله الشيء وبارك فيه وعليه. ففي الموارد المشار إليها، خير مكنون يزيد وينمو على مرّ الزمان. ويقصده المتبرِّك.

1 . آل عمران: 103 .
2 . مقاييس اللغة: 1 / 227 ; النهاية في غريب الحديث: 1 / 120 .
3 . الأنعام: 155 .
4 . الإسراء: 1 .

صفحه 102

التبرّك اصطلاحاً

التبرّك اصطلاحاً هو طلب ثبوت الخير الإلهي في الشيء1 .
وعلى هذا فالمتبرِّك بالقرآن وبالآثار المتبقية عن الأنبياء والأئمة، يطلب الخير الإلهي، لا بمعنى أنّها تحمل خيراً في ذاتها وإنّما يتوسّل بها لطلب الخير من الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا فالأحرى أن يعدّ التبرّك من فروع التوسّل، فكلّ خير من الأثر المتبرّك به فإنّما هو من الله سبحانه وهو الّذي أعطاه هذا الأثر، فطلب الخير منه طلب خير من الله وهو كعملة ذات وجهين، فهو يطلب الخير من الأثر ظاهراً ولكن يطلبه من الله حقيقة، لأنّ ما للسبب من الأثر هو من الله سبحانه وليس منه بالذات، وهنا كلمة قيمة لبعض الأعلام نأتي بنصّها:
إنّ التبرّك ليس إلاّ توسّلاً إلى الله تعالى بذلك المتبرّك به، سواء أكان أثراً أو مكاناً أو شخصاً.
أمّا الأعيان فلاعتقاد فضلها وقربها من الله سبحانه وتعالى مع اعتقاد عجزها عن جلب خير أو دفع شر إلاّ بإذن الله.
وأمّا الآثار فلأنّها منسوبة إلى تلك الأعيان فهي مشرّفة بشرفها ومكرّمة ومعظّمة ومحبوبة لأجلها.
وأمّا الأمكنة فلا فضل لها لذاتها من حيث هي أمكنة، وإنّما لما يحلّ فيها ويقع من خير وبرّ، كالصلاة والصيام وجميع أنواع العبادات ممّا يقوم به عباد الله الصالحون، إذ تتنزّل فيها الرحمات وتحضرها الملائكة وتُغشِّيها السكينة، وهذه هي البركة الّتي تطلب من الله في الأماكن المقصودة لذلك.
وهذه البركة تطلب بالتعرض لها في أماكنها، بالتوجّه إلى الله تعالى ودعائه واستغفاره، وتذكر ما وقع في تلك الأماكن من حوادث عظيمة ومناسبات كريمة

1 . الموسوعة الكويتية: 10 / 69 .

صفحه 103
تحرّك النفوس وتبعث فيها الهمّة والنشاط للتشبّه بأهلها أهل الفلاح والصلاح.1
إذا عرفت ذلك فلنذكر النصوص الدالّة على جواز التبرّك بين الأُمم السالفة، والأُمّة الإسلاميّة .

1. التبرّك في الأُمم السالفة

يظهر من الآيات والروايات أنّ التبرّك بآثار الأنبياء كان رسماً شائعاً عند الأُممّ السالفة، فكانوا يطلبون الخير تارة من الأسباب الطبيعية، وأُخرى من الأسباب غير الطبيعية.
وبعبارة أُخرى: أنّ الخير في كلا الموردين بيد الله تعالى لقوله تعالى: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ)2، ولكنّه ينزل ضمن أسباب خاصّة، تارة عادية طبيعية، وأُخرى على خلاف العادة، وطالب الخير تارة يقصده من القسم الأوّل وأُخرى من الثاني والسيرة جارية على هذا في أكثر الأُمم .
ذكر صاحب تاريخ الخميس في خلافة «المتقي لله» القصة التالية: في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة أرسل ملك الروم يطلب منه ـ المتقي لله ـ منديلاً زعم أنّ المسيح مسح به وجهه، فصارت صورة وجهه فيه، وكان هذا المنديل في كنيسة الرهبان، وأرسل ملك الروم يقول: إن أرسلت هذا المنديل أطلقت لك عشرة آلاف أسير من المسلمين.
فأحضر المتقي لله الفقهاء واستفتاهم فقالوا: أرسل إليهم هذا المنديل، ففعل وأطلق الأسراء .3
وما نقله الدياربكري يكشف عن وجود التبرّك عند المسيحيّين وقد ورثوا الفكرة عن آبائهم وأجدادهم.

1 . مفاهيم يجب أن تصحّح للسيد محمد بن علوي المالكي الحسيني: 219، الطبعة العاشرة.
2 . آل عمران: 26 .
3 . تاريخ الخميس: 2 / 352 .

صفحه 104
وقد ورد لفظة «بارك» ومشتقاتها كثيراً في الكتاب المقدس ومنه: «بركة هارون وبنيه لبني إسرائيل» (عد 6: 23 ـ 27) وقد بارك المسيح تلاميذه قبل أن يصعد. (انجيل لوقا: 24: 50، 51).1

2. التبرّك في القرآن الكريم

وقد ذكر القرآن الكريم التبرّك في العديد من الآيات نذكرها تباعاً :
1. هذا هو نبي الله يعقوب الّذي تبرّك بقميص يوسف، قال تعالى حاكياً عن يوسف: (اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)2. ثم قال تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)3.
فالله سبحانه هو الّذي جدّد بصر يعقوب بعدما كُفَّ، لكن بسبب خاص وهو قميص ولده يوسف .
وأمّا ما هي الصلة بين القميص المنسوج من القطن وإعادة البصر إلى يعقوب فغير معلومة لنا، وعلى كل تقدير فللقميص وإرادة يوسف مدخلية في إعادة البصر بإذن من الله سبحانه.
2. تبرّك بني إسرائيل بصندوق العهد، أي التابوت، والتابوت هو الصندوق الّذي صنعه موسى (عليه السلام)بأمر الله تعالى وقد وصفه في قاموس الكتاب المقدس بأنّ طوله كان ذراعين ونصفاً وعرضه ذراعاً ونصفاً وارتفاعه ذراعاً ونصفاً، وكان في التابوت، الوعاء الّذي يحتوي على المنّ، وعصا هارون الّتي أفرخت، ولوحا العهد وكان عليهما وصايا الله العشر المكتوبة.4

1 . قاموس الكتاب المقدس: 171 .
2 . يوسف: 93 .
3 . يوسف: 96 .
4 . قاموس الكتاب المقدس: 209 .

صفحه 105
ويصفه سبحانه بقوله: (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَ آلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ)1.
قال الطبرسي: إنّ التابوت كان ] هو [ الّذي أنزله الله على أُم موسى فوضعت فيه ابنها وألقته في البحر وكان في بني إسرائيل معظّماً يتبرّكون به، فلمّا حضر موسى الوفاة، وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آثار النبوة، وأودعه عند وصيه يوشع بن نون فلم يزل التابوت بينهم، وبنو إسرائيل في عزّ وشرف ما دام فيهم 2.
وقال السيوطي: كان في التابوت عصا موسى وعصا هارون وثياب موسى وثياب هارون ولوحان من التوراة والمنّ وكلمة الفرج «لا آله إلاّ الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، والحمدلله رب العالمين»3 .
وعلى كل تقدير فقد كان بنو إسرائيل يتبرّكون به ويحملونه عند مواجهة الأعداء فينتصرون، وكفى في قداسة التابوت أنّه سبحانه يقول: (تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ)وقصة التابوت وكيفية غلبة العمالقة على بني إسرائيل وأخذ التابوت منهم، مذكورة في التفاسير، والله سبحانه وعدهم بأنّهم لو قاتلوا مع ملكهم طالوت، يسترجع إليهم التابوت وتحمله الملائكة إليهم يقول: (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَ آلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ)4، أي أنّ آية ملك (طالوت) هو أنّه يحارب الأعداء ويسترجع التابوت الّذي تحمله الملائكة فيرونه بنو إسرائيل عياناً .5

1 . البقرة: 248 .
2 . مجمع البيان: 1 / 614، ط. بيروت.
3 . الدر المنثور: 1 / 778 .
4 . البقرة: 248 .
5 . مجمع البيان: 1 / 615 .

صفحه 106
3. التبرّك بأصحاب الكهف، فعندما يذكر الله سبحانه وتعالى أصحاب الكهف والرقيم في سورة الكهف يبتدئ ببيان قصتهم بالآية التاسعة ويختمها بالآية 26.
وقد نزلت هذه الآيات لتشدّ قلوب المؤمنين وتثبت الإيمان فيها، وذلك بالوقوف على مصير أصحاب الكهف الذين تركوا متاع الحياة الدنيا وزينتها وهجروا مجتمعهم الغارق في الوثنية والتجأوا إلى كهف ضيّق موحش من أجل أن تبقى قلوبهم عامرة بالعقيدة الصحيحة، متوهّجة بحرارة الإيمان.
فلمّا علم سبحانه صدقهم وثباتهم في طريق التوحيد شملتهم عناية الله تبارك وتعالى فالتجأوا إلى الكهف، فأطبق الله سبحانه على آذانهم فناموا سنين طويلة ، وبذلك خلصوا من مكائد الملك وأعوانه الذين كانوا يروّجون الوثنية ويحاربون الموحّدين، فلمّا بعثهم الله سبحانه بعد مضي ثلاثة قرون وانكشف أمرهم للناس، وثبت أنّ وعد الله حق حيث إنّ إيقاظهم الّذي يشبه البعث والإحياء بعد إنامتهم الّتي تُشبه الموت، أقوى دليل على قدرته سبحانه على أن يبعث الناس يوم القيامة ثم إنّه بعدما تبيّن ما هو الغرض من إنامتهم وإيقاظهم أماتهم الله سبحانه واختلف الناس في حقّهم وفي شأنهم، فذهب فريق منهم إلى إغلاق باب الكهف وسترهم عن أعين الناس وجعلهم وراء البنيان وإلى هذا يشير قوله سبحانه: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا)1، والقائلون بذلك هم الأقلية الوثنية، أرادوا بذلك أن يخفوا أمرهم لكي ينساه الناس ولا يتحدّثون به، وقالوا ـ تحقيراً بشأنهم ـ : (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ)(2)، وقال الفريق الآخر، أي : (الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ )(3)، أي على أمر القائلين بالاقتراح الأوّل: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)(4) تتعبّدون فيه لله سبحانه تبركاً بتربتهم، وهذا يدل على أمرين:
1. جواز بناء المساجد على قبور الأولياء .

1 ـ4. الكهف: 21 .

صفحه 107
2. جواز التبرّك بتربة القبور، لأنّ القرآن يذكر ذلك من دون ردّ واعتراض، بل يظهر منه التأييد والموافقة.

تبرّك الصحابة بآثار النبي (صلى الله عليه وآله)

ذكر أصحاب السير والتاريخ تبرّك الصحابة بأنواع متعددة من آثار النبي (صلى الله عليه وآله)نظير: «التبرّك بماء وضوئه، وبريقه، وبنخامته، وبدمه، وبشعره، وبسؤره، وبطعامه، وبأظافره، وبلباسه، وبأوانيه، وبما لمسه، وبمصلاه»، هذا ما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: 10 / 70 ـ 71، ولكن الموارد أوسع ممّا ذكر هناك، ولأجل الإشارة إلى شيء منها، نذكر بعض النصوص:

1. التبرّك بماء وضوئه (صلى الله عليه وآله)

أرسلت قريش عروة بن مسعود الثقفي ليمثّلها في صلح الحديبية مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكلّمه رسول الله بنحو ما كلّم به أصحابه وأخبره أنّه لم يأت يريد حرباً وبعدما تمت المذاكرة بين الطرفين قام عروة من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضّأ، إلاّ ابتدروا وضوءه، ولا يَبْصق بُصاقاً إلاّ ابتدروه. ولا يسقط من شعره شيء إلاّ أخذوه. فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قُريش، إنّي قد جئت كِسْرى في مُلكه، وقيصر في مُلكه، والنجاشيِّ في مُلكه، وإني والله ما رأيت مَلِكاً في قوم قط مثلَ محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يُسلمونه لشيء أبداً، فَرَوا رأيكم .1

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 328 .

صفحه 108

2. التبرّك بقدحه

أخرج البخاري في صحيحه عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أنّه قال: فأقبل النبي (صلى الله عليه وآله)يومئذ حتّى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: اسقنا يا سهل، فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه ]وقال أبو حازم [ فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، قال: ثم استوهبه عمر بن عبدالعزيز بعد ذلك فوهبه له.1

3. التبرّك بسؤره

روى أحمد بن حنبل عن أبي صالح، عن أُم هاني أنّ النبي (صلى الله عليه وآله)دخل عليها يوم الفتح، فأتته بشراب، فشرب منه، ثم فضلت منه فضلة، فناولها فشربته، ثم قالت: يا رسول الله، لقد فعلت شيئاً ما أدري يوافقك أم لا؟ قال: «وما ذاك يا أُمّ هاني؟»، قالت: كنت صائمة فكرهت أن أرد فضلك فشربته، قال: «تطوعاً أو فريضة؟» قالت: قلت: بل تطوُّعاً، قال: «فإنّ الصائم المتطوع بالخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر» 2.

4. التبرّك بمنبره

سأل عبدالله بن أحمد عن أبيه قال: سألته عن الرجل يمسّ منبر النبي (صلى الله عليه وآله)ويتبرّك بمسّه، ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك، أو نحو ذلك، يريد بذلك التقرب إلى الله جلّ وعزّ، فقال: «لا بأس بذلك» .3
وعلّق محقّق كتاب (العلل ومعرفة الرجال) على هذا الحديث وقال: أمّا مسّ منبر النبي (صلى الله عليه وآله)فقد أثبت ابن تيمية ـ في الجواب الباهر لزوّار المقابر ـ فعله عن ابن عُمر، دون غيره من الصحابة، وروى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنّف (4 / 121)

1 . فتح الباري: 10 / 98، برقم 5687 .
2 . مسند أحمد: 10 / 391، برقم 27454. ط. دار الفكر، بيروت.
3 . العلل ومعرفة الرجال: 2 / 492، برقم 3243 .

صفحه 109
عن زيد بن الحباب قال حدّثني أبو مودود قال: حدّثني يزيد بن عبدالملك بن قسيط، قال: رأيت نفراً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رُمّانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا، قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك».
وقال الكرماني حول قول عمر: عندما جاء إلى الحجر الأسود فقبّله فقال: إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أنّي رأيت النبي يقبلك ما قبلتك: «وأمّا تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرّك وكذلك تقبيل أيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنية، وقد سأل أبو هريرة الحسن (رضي الله عنه)أن يكشف له المكان الّذي قبّله رسول الله (صلى الله عليه وآله)وهو سرته فقبّله تبرّكاً بآثاره وذريته (صلى الله عليه وآله)، وقد كان ثابت البناني لا يدع يد أنس (رضي الله عنه)حتّى يقبّلها ويقول: يد مسّت يد رسول الله، وقال أيضاً: وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزه قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ ان الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي (صلى الله عليه وآله)وتقبيل منبره فقال: لا بأس بذلك، قال: فأريناه للشيخ تقي الدين بن تيمية، فصار يتعجّب من ذلك ويقول: عجيب أحمد عندي جليل يقوله هذا كلامه أو معنى كلامه. وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد انّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الّذي غسله به، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة وكيف بآثار الأنبياء(عليهم السلام)؟! ولقد أحسن مجنون ليلى حيث يقول:
أمرّ على الديار ديار ليلى *** أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا1

1 . عمدة القارئ: المجلد 5 الجزء 9 / 241 .

صفحه 110

5. التبرّك بالدنيانير الّتي لمسها النبي (صلى الله عليه وآله)

أخرج أحمد في مسنده عن جابر بن عبدالله قال: كنت مع النبي في سفر ـ إلى أن قال: ـ وكنت على جمل فاعتلّ قال: فلحقني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا في آخر الناس قال: فقال: «مالكَ يا جابرُ؟» قال: قلت اعتلّ بعيري، قال: فأخذ بذنبه ثم زجره قال: فما زلت إنّما أنا في أوّل الناس يهمني رأسه فلمّا دنونا من المدينة قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما فَعَلَ الجملُ؟» قلت: هو ذا، قال: «فبعنيه» قلت: لا بل هو لك، قال: «بعنيه» قال: قلت: هو لك، قال: «لا، قد أخذته بأُوقية، اركبه فإذا قدمتَ فائتنا به» قال: فلمّا قدمت المدينة جئت به فقال: «يا بلال زن أوقيةً وزده قيراطاً» قال: قلت: هذا قيراط زادنيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)لا يفارقني أبداً حتّى أموت قال: فجعلته في كيس فلم يزل عني حتّى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوه فيما أخذوا.1

6. التبرّك بالعصا الّتي أعطاها النبي (صلى الله عليه وآله)

روى أحمد في مسنده عن عبدالله بن أنيس في حديث فلمّا قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)فرآني فقال: «أفلح الوجه». قال: قلت: قتلته يا رسول الله قال: «صادقت». قال: ثم قام معي رسول الله (صلى الله عليه وآله)فدخل في بيته فأعطاني عصاً فقال: «أمسك هذه عندك، يا عبدالله بن أنيس». قال: فخرجت بها على الناس فقالوا:ما هذه العصا؟ قال: قلت: أعطانيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)وأمرني أن أمسكها، قالوا: أو لا ترجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: «آية بيني وبينك يوم القيامة، إنّ أقل الناس المتخصّرون يومئذ يوم القيامة». فقرنها عبدالله بسيفه فلم تزل معه حتّى إذا مات أمر بها فصبت معه في كفنه ثم دفنا جميعاً.2

1 . مسند أحمد: 5 / 51 ـ 52 برقم 14383 .
2 . مسند أحمد: 5 / 431 برقم 16047 .

صفحه 111

7. التبرّك بقميص النبي (صلى الله عليه وآله)

روى ابن عبد البر في ترجمة فاطمة بنت أسد بن هاشم، قال: أسلمتْ وهاجرتْ إلى المدينة وتوفيت بها، وقال الزبير: هي أوّل هاشمية ولدت لهاشمي. قال: وقد أسلمت وهاجرت إلى الله ورسوله وماتت بالمدينة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله)وشهدها رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال أبو عمر: روى سعدان بن الوليد السابري، عن عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس قال: لمّا ماتت فاطمة أُم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله (صلى الله عليه وآله)قميصه واضطجع معها في قبرها فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه، فقال: «إنّه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها، إنّما ألبستها قميصي لتكسي من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها» 1.
8 . التبرّك بالبردة المهداة
قدم كعب بن زهير على الرسول (صلى الله عليه وآله)وأنشد قصيدته اللامية المعروفة الّتي مستهلها:
بانت سعاد فقلبي اليوم مبتول *** متيّم إثرها لم يُفد مكبول
وجاء فيها قوله:
كل ابن أُنثى وإن طالت سلامته *** يوماً على آلة حدباء محمول
أُنبئت أنّ رسول الله أوعدني *** والعفو عند رسول الله مأمول
إنّ الرسول لنور يستضاء به *** مهنّد من سيوف الله مسلول
قال الدياربكري: رمى عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)بردة كانت عليه، وأنّ معاوية بذل له فيها عشرة آلاف مثقال، فقال: ما كنت لأُوثر بثوب رسول الله (صلى الله عليه وآله)أحداً، فلمّا مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفاً فأخذها منهم. قال: وهي البردة الّتي عند السلاطين إلى اليوم .2

1 . الإصابة: 4 / 368 ; والاستيعاب بهامش الاصابة: 4 / 370 .
2 . تاريخ الخميس: 2 / 131 .

صفحه 112

التبرّك بجبّته (صلى الله عليه وآله)

روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر أنّها أخرجت جبّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)كانت عند عائشة، فلمّا قبضت قبضتها، وكان النبي (صلى الله عليه وآله)يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى ونستشفي بها.1

9. التبرّك بالقبر الشريف

أخرج الحاكم في مستدركه عن داود بن أبي صالح، قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري (رضي الله عنه)فقال: جئت رسول الله (صلى الله عليه وآله)ولم آت الحجر، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه (يعني البخاري ومسلم) 2.
وروى السمهودي عن أبي الجوزاء قال: قُحِطَ أهلُ المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة، فقالت: فانظروا قبر النبي (صلى الله عليه وآله)فاجعلوا منه كُوَّةً إلى السماء حتّى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا، فمطروا حتّى نَبَتَ العُشْبُ وسمنت الإبلُ حتّى تفتقت من الشحم، فسمى عام الفتق.
قال الزين المراغي: واعلم أنّ فتح الكُوَّة عند الجَدْب سُنَّةُ أهل المدينة حتّى الآن، يفتحون كوة في سفل قبة الحجرة: أي القبة الزرقاء المقدسة من جهة القبلة، وإن كان السقف حائلاً بين القبر الشريف وبين السماء.
قلت: وسنّتُهم اليوم فتحُ الباب المواجهِ للوجه الشريف من المقصورة

1 . صحيح مسلم: برقم 2069، باب النهي عن لبس الحرير ، كتاب اللباس والزينة.
2 . مستدرك الحاكم: 4 / 115، كتاب الفتن والملاحم.

صفحه 113
المحيطة بالحجرة، والاجتماع هناك، والله أعلم.1
وروى البخاري: لمّا حضرت الوفاة عمر بن الخطاب، قال لابنه عبدالله: انطلق إلى أُم المؤمنين عائشة، فقل: يقرأ عليك عمر السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، قال: فاستأذن وسلم، ثم دخل عليها وهي تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه .
فقالت: كنت أُريده لنفسي ولأُوثرنّه اليوم على نفسي، فلمّا أقبل قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. قال: ما كان شيء أهم من ذلك المضجع فإذا قبضت فاحملوني ثم سلّموا ثم قل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فادفنوني، وإلاّ فردّوني إلى مقابر المسلمين .2

10 . التبرّك بالمواضع الّتي صلّى فيها الرسول (صلى الله عليه وآله)

أخرج البخاري عن مولى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبدالله يتحرّى أماكن من الطريق فيصلّي فيها ويحدّث أنّ أباه كان يصلّي فيها، وأنّه رأى النبي (صلى الله عليه وآله)يصلّي في تلك الأمكنة، وحدثني نافع عن ابن عمر أنّه كان يصلي في تلك الأمكنة، وسألت سالماً فلا أعلمه إلاّ وافق نافعاً في الأمكنة كلها إلاّ أنّهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء .3

11. التبرّك بخاتم النبي (صلى الله عليه وآله)

روى عبدالرزاق عن معمر، قال: أخرج إلينا عبدالله بن محمد (بن) عقيل خاتماً نقشه تمثال، وأخبرنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله)لبسه مرّة أو مرّتين، قال: فغسله بعض من

1 . وفاء الوفا: 1 / 560 .
2 . صحيح البخاري: برقم 1392 ، كتاب الجنائز .
3 . صحيح البخاري: برقم 483، باب المواضع الّتي صلى فيها النبي (صلى الله عليه وآله) .

صفحه 114
كان معنا فشربه .1

12. التبرّك بالمسح واللمس

كانت الصحابة يطلبون من النبي (صلى الله عليه وآله)أن يمسح على رؤوسهم ويبارك لهم، ومن هؤلاء زياد بن عبد اللّه بن مالك الهلالي، قال ابن حجر: فدخل زياد منزل ميمونة أُمّ المؤمنين وكانت خالته ... فقالت: يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) إنّه ابن أُختي، فدعاه فوضع يده على رأسه ثمّ حدرها على طرف أنفه، فكان بنو هلال يقولون: ما زلنا نعرف البركة في وجه زياد.
ثمّ قال ابن حجر: وذكر ابن سعد القصة مطولة عن هشام بن الكلبي... وقال الشاعر لعلي بن زياد المذكور:
يا ابن الذي مسح الرسول برأسه *** ودعا له بالخير عند المسجد
مازال ذاك النور في عرنينه *** حتى تبّوأ بيته في ملحد2
هذه اثنا عشر مورداً تبرّك فيها الصحابة ولم يعترض عليه أحد وكانوا يتلقون التبرّك بأنّه غير مناف للتوحيد الّذي بعث لأجله النبي (صلى الله عليه وآله)والموارد كثيرة نكتفي بهذا المقدار، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتابين التاليين فقد بلغا الغاية:
1. «تبرّك الصحابة بآثار النبي والصالحين» للعلاّمة المحقّق والمؤرّخ الخبير محمد طاهر بن عبد القادر بن محمود المكي، طبع الكتاب في القاهرة، مطبعة المدني، عام 1385هـ.ق .
2. «التبرّك» بقلم المحقّق الخبير آية اللّه علي الأحمدي الميانجي(1344ـ 1421هـ)، فقد تتبّع (قدس سره) في كتابه هذا ـ وبنحو يثير الإعجاب حقّاً ـ المسألة من جميع أبعادها التاريخية والحديثية و...، وأثبت بما لا مزيد عليه وبنحو لا يدع للترديد أو الشكّ مجالاً في أنّ سيرة المسلمين عامّة والصحابة والتابعين خاصة

1 . المصنف لعبدالرزاق الصنعاني: 1 / 347 .
2 . الإصابة:1/539ـ 540، رقم الترجمة2856.

صفحه 115
كانت قائمة على التبرّك بآثار النبي والصالحين.

التبرّك في روايات أهل البيت(عليهم السلام)

قد ذكرنا فيما مضى التبرّك في السنة النبوية ومصادر التاريخ، والآن نذكر ما ورد عن أئمة أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهم أعلم بما فيه .

1. التبرّك باسم الله جل وعلا

روى الإمام الحسن بن علي العسكري، عن آبائه، عن علي(عليهم السلام)ـ في حديث ـ أنّ رجلاً قال له: إن رأيت أن تعرّفني ذنبي الّذي امتحنت به في هذا المجلس، فقال: «تركك حين جلست أن تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)حدّثني عن الله عزّوجلّ أنّه قال: كلّ أمر ذي بال لا يذكر بسم الله فيه فهو أبتر» 1.
2. التبرّك بالقرآن الكريم
روى الكليني بسنده عن ابن القدّاح، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): البيت الّذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزوجل فيه تكثر بركته وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض، وإنّ البيت الّذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله عزوجل فيه تقلّ بركته وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين» .2

1 . تفسير الإمام العسكري: 7/24 و 25 ; الوسائل: (كتاب الصلاة)، الباب 17 من أبواب الذكر، الحديث 4 .
2 . أُصول الكافي: 2 / 611، كتاب فضل القرآن.

صفحه 116

3. التبرّك بماء وضوء النبي (صلى الله عليه وآله)

روى الصدوق في «عيون أخبار الرضا (عليه السلام)»، عن الإمام الرضا (عليه السلام)قال: «سمعت أبي يحدّث عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام)، عن جابر بن عبدالله قال: كان رسول في قبّة من أدم وقد رأيت بلالاً الحبشيّ وقد خرج من عنده ومعه فضل وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)فابتدره الناس، فمن أصاب منه شيئاً تمسّح به وجهه، ومن لم يُصب منه شيئاً أخذ من يدي صاحبه فمسح به وجهه، وكذلك فعل بفضل وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام)».1
4. التبرّك بقبر النبي (صلى الله عليه وآله)
روى الكليني بسنده عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن موسى، عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام)قال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام)يقف على قبر النبي (صلى الله عليه وآله)فيسلم عليه ويشهد له بالبلاغ، ويدعو بما حضره، ثمّ يسند ظهره إلى العروة الخضراء الدقيقة العرض ممّا يلي القبر، ويلتزق بالقبر ويسند ظهره إلى القبر، ويستقبل القبلة فيقول: «اللّهم إليك ألجأت ظهري، وإلى قبر نبيّك محمّد (صلى الله عليه وآله)عبدك ورسولك أسندت ظهري، والقبلة الّتي رضيت لمحمّد (صلى الله عليه وآله)استقبلت، اللّهم إنّي أصبحت لا أملك لنفسي خير ما أرجوه، ولا أدفع عنها شرّ ما أحذر عليها، وأصبحت الأُمور بيدك فلا فقير أفقر منّي، ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير، اللّهمّ ارددني منك بخير فإنّه لا رادّ لفضلك، اللّهم إنّي أعوذ بك من أن تبدّل اسمى، أو تغيّر جسمي، أو تزيل نعمتك عندي، اللّهمّ كرّمني بالتقوى، وجمّلني بالنعم، وأعمرني بالعافية، وارزقني شكر العافية».2
وروى الكليني ـ أيضاً ـ عن ابن فضّال قال: رأيت أبا الحسن (الرضا) (عليه السلام)وهو يريد أن يودّع للخروج إلى العمرة فأتى القبر من موضع رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله)بعد

1 . عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 227 ; بحار الأنوار: 17 / 33، برقم 15 .
2 . الوسائل: 14، (كتاب الحج)، الباب 6 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث 2 .

صفحه 117
المغرب فسلّم على النبي (صلى الله عليه وآله)ولزق بالقبر، ثمّ أتى المنبر، وانصرف حتّى أتى القبر فقام إلى جانبه يصلّي، وألصق منكبه الأيسر بالقبر قريباً من الأسطوانة الّتي دون الأسطوانة المخلقة الّتي عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله)فصلّى ستّ ركعات ـ أو ثماني ركعات ـ في نعليه.1
وروى الكليني بسنده عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله)فائت المنبر فامسحه بيدك وخذ برمانتيه، وهما السفلاوان، وامسح عينيك ووجهك به فإنّه يقال: إنّه شفاء للعين، وقم عنده فاحمد الله وأثن عليه وسل حاجتك فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)قال: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على ترعة من ترع الجنّة ـ والترعة هي الباب الصغير ـ ثمّ تأتي مقام النبي (صلى الله عليه وآله)فتصلّي فيه ما بدا لك».2
 
شبهة القائلين بحرمة التبرّك
لما وقف القائل بمنع التبرّك على هذه الروايات الهائلة الحاكية عن تبرّك الصحابة بآثار النبي (صلى الله عليه وآله)، حاول أن يتخلّص من ذلك بالوجهين التاليين:
الأوّل: التبرّك مخصوص بآثار النبي (صلى الله عليه وآله)في حال حياته لا بعد رحيله 3.
ولسـائل أن يسـأل القـائل: هـل كـان التبـرّك بآثـار النبـي (صلى الله عليه وآله)فـي حـال حياته أمراً عباديّاً يتقرّب به إلى الله سبحانه أو كان عملاً عادّياً ـ لا عبادّياً ـ نظير

1 . الوسائل: 14، كتاب الحج، الباب 15 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 14، كتاب الحج، الباب 7 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث 1 .
3 . التبرّك والتوسل والصلح مع العدوّ الصهيوني: 40. والقائل عبدالعزيز بن باز مفتي السعودية سابقاً.

صفحه 118
الأعمال الّتي يقوم بها الناس حسب فطرتهم؟ فعلى الأوّل يكون التبرّك عندئذ شركاً يعدّ نوع عبادة للغير فلا يجوز للنبي أن يقرّه فيسكت عنه أو أن يدعمه بدفع العصا وغيرها، كيف وقد وصف سبحانه الشرك بأنّه ظّلم عظيم؟ قال سبحانه مخاطباً لنبيّه: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ )1 وعلى هذا فلا محيص من ردّ هذا الفرض.
وعلى الثاني أي كون التبرّك أمراً عادّياً يطلب المتبرك الخير من مورده كما يطلب الخير من سائر الأُمور فلا يصحّ تخصيص الجواز بآثار النبي، لأنّ المفروض أنّه خارج عن إطار العبادة وداخل تحت الأُمور العاديّة .
إنّ التبرّك بآثار الأولياء والعلماء والأخيار أمر فطري للناس، ولذلك تبرّكت بنو إسرائيل بتابوت موسى، كما تبرّك الموحدون بأصحاب الكهف ببناء المسجد على قبورهم والعبادة فيه، وقد مرّ أن إمام الحنابلة أحمد بن حنبل تبرّك بماء غسل فيه قميص الشافعي 2 وقد جاء في بعض الروايات أنّ في سؤر المؤمن شفاء. 3ونقل بعض الثقات أنّه شارك في ضيافة أقامها الشيخ عبدالعزيز بن باز لجماعة من العلماء وهو منهم ورأى بأُم عينيه أنّ أصحاب المفتي في نهاية الأمر تسابقوا إلى سؤر طعامه، أفيصحّ بعد ذلك تخصيص التبرّك بآثار النبيّ؟!
الثاني: أنّ التبرّك يختصّ بما مسّ جسده الشريف .
إنّ التبرّك بما مسّ جسده (عليه السلام)من ماء وضوء أو عَرَق أو شعر، فهذا معروف وجائز عند ا لصحابة لما في ذلك من الخير والبركة. وهذا قد أقرّه النبي دون ما لم يمسّ جسده .4
وعلّق محقّق كتاب الإمام أحمد باسم «العلل ومعرفة الرجال» فقال في

1 . الزمر: 65 .
2 . مرّ ص : 79.
3 . الوسائل: 25، الباب 18 من أبواب الأشربة المباحة، الحديث 1 .
4 . التبرّك والتوسل والصلح مع العدو الصهيوني: 40 .

صفحه 119
الهامش: وأنّ هذا كان لمّا كان منبره الّذي لامس جسده الشريف، أمّا الآن فقد تغيّر، لا يقال بمشروعيّة مسه تبركاً به .1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تخصيص التبرّك بالآثار مسّها جسد النبي المطهّر لا يخلو من وجهين:
1. إنّ لجسـده المطهّـر تأثيـراً فـي نشـوء الخيـر وزيـادة النعمـة. وهـذا الـوجه مـرفـوض بمـا عليـه علمـاء السنّـة وبالأخص فقهـاء الحنـابلة، لأنّهـم ينكـرون أيّ مؤثر في العالم سوى الله تبارك وتعالى وشعارهم في هذا الموضع قول القائل:
ومن يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملّة
فعلى هذا الأصل فليس لجسده المطهر أي تأثير في وجود الخير وزيادة النعمة، وإلاّ يلزم الاعتقاد بمؤثر سوى الله سبحانه، ولو كان التأثير ظلّياً وتابعاً لمشيئته سبحانه فإنّهم ينفون ذلك كلّه.
2. نفي القول بالتأثير لكن تبرّك الصحابة كان في خصوص ما مسّ جسده الشريف لا غير. لكن هذا الوجه مردود بنصّ التاريخ، وذلك:
أوّلاً: أنّ فاطمة الزهراء بنت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)الّتي طهرها الله سبحانه في كتابه وقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )2، وأناط سبحانه رضاه وغضبه برضا فاطمة وغضبها فقال النبي (صلى الله عليه وآله):
«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني».3
وفي رواية أُخرى، أنّ غضب الزهراء (عليها السلام) ورضاها يوجب غضب اللّه سبحانه ورضاه، فقال:

1 . العلل ومعرفة الرجال: 2 / 494 .
2 . الأحزاب: 33 .
3. صحيح البخاري: 4/210، دار الفكر، بيروت; فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7 / 84 .

صفحه 120
«يا فاطمة إنّ اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»1.
إنّها (عليها السلام)تبركت بتراب قبر أبيها ووضعت شيئاً منه على عينها وقالت:
ماذا على مَنْ شمَ تربة أحمد *** ألاّ يشم مدى الزمان غواليا
صُبّت علي مصائب لو أنّها *** صُبّت على الأيام صرن لياليا2
والتراب الّذي أخذته بنت النبي لم يمسَّ جسد النبي (صلى الله عليه وآله)، إذ لم تأخذه من تراب داخل القبر الّذي مسّ جسده، بل أخذته من تراب ظاهر القبر الّذي يوارى به الميّت .
وهذا هو مضيّف النبي أبو أيوب الأنصاري حيث جعل خدّه على تراب قبر النبي (صلى الله عليه وآله)متبرّكاً به أيّام كانت الحكومة بيد الأمويين وعلى رأسهم مروان بن الحكم .3
وهؤلاء هم صحابة النبي (صلى الله عليه وآله)كانوا يتبرّكون بالصلاة في أماكن صلّى فيها النبي، ومن المعلوم أنّ تلك الأماكن لم تكن مسقّفة أو مفروشة بالحُصُر والبواري، بل كانت أراض مكشوفة صلّى فيها النبي (صلى الله عليه وآله)، فمن المعلوم أنّ الأمطار والرياح والعواصف تفرّق ترابها إلى نقاط بعيدة وترسل غبار الأماكن الأُخرى إليها.
إنّه سبحانه أمر حجّاج بيته الحرام بالصلاة في مقام إبراهيم (عليه السلام)فقال: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى )4 وليس المقام إلاّ جزءاً من المسجد الحرام، ولكنّه سبحانه أمر بالصلاة فيه وما هذا إلاّ للتبرّك به، والمقام الموجود حاليّاً وحتّى الموجود في القرون السابقة لم يكن ممّا مسّه جسد بطل التوحيد.

1. مستدرك الحاكم:3/154; مجمع الزوائد:9/203، وقد استدرك الحاكم في كتابه الأحاديث الصحيحة حسب شروط البخاري ومسلم ولكن لم يخرجاه. وعلى ذلك فهذا الحديث صحيح عند الشيخين وهو متفق عليه.
2 . المغني لابن قدامة: 2 / 411 .
3 . مرّ ص 82 .
4 . البقرة: 125 .

صفحه 121
ومَن قرأ تبرّك الصحابة بآثار النبي يقف على أنّ تلك المحاولة ليست إلاّ لرأي مسبق ودعماً للمذهب ولم تكن هذه المحاولة وما تقدّمها في خلد أي صحابي يتبرّك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله).
وثانياً: أنّ كثيراً من الأعمال الّتي يمارسها المسلمون في الحرمين الشريفين من تقبيل الضريح والجدران والأبواب وأركان البيت وغير ذلك كله تجسيد منهم لحبّ الله وحبّ رسوله الّذي أمر سبحانه به في قوله: (إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)1 .
وأمر في آية أُخرى بتوقير النبي (صلى الله عليه وآله)إلى جانب الإيمان به ونصرته واتّباعه وقال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)2، والمراد من التعزير هو تكريمه وتوقيره، وبما أنّ يد المحبين لا تصل إلى يد النبي (صلى الله عليه وآله)حتّى يقبّلونها، يقبّلون ما له، به صلة، وهذه هي العادة السائدة بين العقلاء فيقبّل الولد ما ورثه من الآباء من ألبسة وكتب وأقلام وتصاوير، وكأنّ منطق الجميع منطق مجنون ليلى العامرية:
أمر على الديار ديار ليلى *** أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وماحب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا3
وقد عدّ البيهقي محبة النبي من شعب الإيمان 4، كما عقد مسلم في صحيحه باباً باسم توقيره (صلى الله عليه وآله)وترك إكثار سؤاله عمّا لا ضرورة إليه 5 .

1 . التوبة: 24 .
2 . الأعراف: 157 .
3 . مرّ مصدر البيتين ص 79.
4 . شعب الإيمان: 2 / 129 .
5 . صحيح مسلم: كتاب الفضائل، الباب 37 .

صفحه 122
والعجب أنّ أتباع ابن تيمية ـ الّذي يعدّ التبرّك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله بدعة ـ كانوا يتبرّكون بالماء الّذي فضل من غسله، يقول تلميذه ابن كثير في حوادث سنة 728 هـ : شرب جماعة الماء الّذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الّذي غُسّل به، ودفع في الخيط ـ الّذي كان فيه الزئبق الّذي كان في عنقه بسبب القمل ـ مائة وخمسون درهماً، وقيل: إنّ الطاقية الّتي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهماً، وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير وتضرع، وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية وبالبلد، وتردد الناس إلى قبره أياماً كثيرة ليلاً ونهاراً يبيتون عنده ويصبحون، ورويت له منامات صالحة ورثاه جماعة بقصائد جمّة.1
الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصالحات
تمّت الرسالة بيد العبد الفقير
إلى الله الغني، عشية يوم السبت
ثاني شهر محرم الحرام من شهور عام 1431 هـ

1 . البداية والنهاية: 14 / 142 ـ 143 .

صفحه 123
التوسّل في الكتاب والسنّة
11

التوسّل في الكتاب والسنّة

التوسّل: مأخوذ من مادة «وسل» بمعنى التقرّب من الشخص. و «الوسيلة» ما يتقرّب به إلى الغير، والجمع «الوسائل»، وفي الحديث: «اللهم آت محمداً الوسيلة»، قيـل: هـي الشفـاعة يـوم القيـامة، وقيـل: هـي منـزلة من منازل الجنة.1
وقـد أمـر الله سبحـانه وتعالى المـؤمنين أن يبتغـوا إليـه الوسيلـة، قـال: (يَا أَيُّهَا الَّـذِينَ آمَنُـوا اتَّقُوا اللهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)2.
والآية تدلّ بوضوح على أنّ تقرّب المؤمن إلى الله سبحانه رهن تحصيل الوسيلة أو الوسائل حتّى يتقرّب بها إليه سبحانه، ويكون في النهاية من المفلحين.
وأمّا ما هي الوسيلة؟ فالآية ساكتة عن ذلك، نعم ذكر الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)ما يتمكن أن يُتقرّب به، فقال: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعَالى، الاِْيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الاِْسْلاَمِ; وَكَلِمَةُ الاِْخْلاَصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ; وَإِقَامُ الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ; وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ; وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ; وَحَجُّ الْبَيْتِ وَاعْتَِمارُهُ فَإِنَّهُمَا

1 . انظر: لسان العرب: 11 / 725; النهاية لابن الأثير: 5 / 185 .
2 . المائدة: 35 .

صفحه 124
يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ، وَيَرْحَضَان الذَّنْبَ; وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي
الاَْجَلِ; وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ; وَصَدَقَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ; وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ».1
وفي خطبة أُخرى يقول (عليه السلام)في ذكر النبي (صلى الله عليه وآله): «فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيثُكَ نِعْمَةً، وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً. اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ، وَاجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ. اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ (النّاس) بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ، وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ، وَآتِهِ الْوَسِيلَةَ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ وَالْفَضِيلَةَ».2

أنواع الوسائل

قد أشار الإمام علي (عليه السلام)في كلامه إلى بعض الوسائل، ومن أنواع الوسائل الاهتمام بالنوافل، قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «إنّ الله جل جلاله قال: ما يُتقرب إليّ عبد من عبادي بشيء أحبُ إليّ ممّا افترضتُ عليه، وإنّه ليتقرب إليّ بالنافلة حتّى أُحبَّه فإذا أحببتُه كنتُ سمَعه الّذي يَسمع به، وبصرَه الّذي يُبصر به، ولسانَه الّذي يَنطق به، ويده الّتي يُبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته» .3
ومن الواضح أنّه لا يصلح كل عمل أن يتقرّب به الإنسان إلى الله سبحانه، وإنّما يصلح بعمل قد ورد في الشريعة الأمر بالتوسّل به والتقرّب به إلى الله، وهذا ما نبحثه تالياً:
الأوّل: التوسّل بأسماء الله وصفاته
إنّه سبحانه وتعالى يأمرنا أن ندعوه بأسمائه فيقول: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى

1 . نهج البلاغة: الخطبة 110 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة: 105 .
3 . الكافي: 2 / 263 ح 8 ; الوسائل: ج 2، الباب 17 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 6 .

صفحه 125
فَادْعُوهُ بِهَا)1 .
وقد وردت أسماؤه الحسنى في الذكر الحكيم والسنّة النبوية، وهي بين ما هو وصف للذات كقولنا: عالم وقادر، أو وصف للفعل كقولنا: خالق ورازق، وبين ما هي أوصاف الجمال كقولنا: سميع بصير، أو أوصاف الجلال كقولنا: قدوس، فيصحُ لِمن يريد التقرّب إلى الله أن يقول: ياالله، يا رحمن، يا رحيم، يا خالق السماوات والأرض، يا غافر الذنوب، ويا رازق الطفل الصغير.. فلا شكّ أنّ دعاءه سبحانه بهذه الأوصاف يبعث رحمته ومغفرته إلى الداعين ويوجب قضاء حوائجهم.
أخـرج التـرمـذي عـن عبـدالله بن بـريـدة الأسلمـي، عـن أبيـه قال: سمع النبـي (صلى الله عليه وآله)رجـلاً يـدعو ويقـول: اللهم إنّي أسألك بأنّي أشهـد أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت الأحد الصمد الّذي لم يلـد ولم يـولد ولم يكـن له كفـواً أحد، قال فقال: «والّذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الّذي إذا دُعي بـه أجاب، وإذا سُئل أعطى».2
وقد كان الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام)يفتتحان دعاءهما باسمه العظيم الأعظم، على النحو التالي: «اللّهم إنّي أسألك باسمك العظيم الأعظم الأعزّ الأجل الأكرم الّذي إذا دُعيتَ به على مغالق السماء للفتح بالرحمة انفتحت، وإذا دُعيتَ به على مضايق أبواب الأرض للفرج انفرجت، وإذا دُعيت به على العسر لليُسر تيسّرت ».3
الثاني: التوسّل بالقرآن الكريم
إنّ للقرآن الكريم منزلة رفيعة عند الله سبحانه، وهو من الوسائل الّتي يمكن

1 . الأعراف: 180 .
2 . سنن الترمذي (الجامع الصحيح): 5 / 515، الحديث: 3475 .
3 . مصباح المتهجد: 374 .

صفحه 126
للعبد أن يتقرّب بها إليه سبحانه من خلال تلاوته، روى أحمد بن حنبل بسنده عن عمران بن حصين أنّه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول: «اقرأوا القرآن واسألوا الله تبارك وتعالى به، قبل أن يجيء قوم يسألون به الناس»1.
وروى حـريـز بن عبـدالله السجستـاني عـن الإمـام الباقـر (عليه السلام)أنّ من أعمـال ليلة القـدر أن تأخـذ المصحـف في ثلاث ليـال مـن شهـر رمضـان وتنشـره وتضعـه بيـن يديـك وتقـول: اللهـم إنّـي أسـألك بكتـابك المنـزل ومـا فيه، وفيه اسمك الأكبر وأسماؤك الحسنى وما يخاف ويرجى أن تجعلنـي من عتقـائك من النار.2

الثالث: التوسّل بالأعمال الصالحة

قلّما يتفق لمؤمن أن لا يقوم بعمل صالح بعيد عن الرياء والسمعة عبْر حياته فيمكـن أن يتوسّـل بعملـه الصـالح ثم يدعو الله تعالى أن يقضي حاجته به. ولأجل ذلك نرى أنّ نبي الله إبراهيم (عليه السلام)يدعو الله سبحانه حينما يشتغل بعمل صالح كرفع قواعد البيت الحرام كما يحكـي عنه سبحانه ويقول: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَـيْتِ وَإِسْمَـاعِيلُ رَبَّنـَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)3.
فقد طلب (عليه السلام)من الله سبحانه أُموراً أربعة حينما كان يرفع قواعد البيت كما هو ظاهر لمن تأمل في تلك الآية الكريمة.
كما أنّه عزّوجلّ يذكر دعاءً آخر للمؤمنين فيقول سبحانه: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا

1 . مسند أحمد: 4 / 445 .
2 . إقبال الأعمال: 1 / 346 .
3 . البقرة: 127 ـ 128 .

صفحه 127
إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ قِنَا عَذَابَ النَّارِ)1 فهاهم قد طلبوا من الله سبحانه غفرانَ ذنوبهم وصيانتهم من العذاب بعدما أظهروا الإيمان وقالوا: (رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا...).
وقد ورد هذا النوع من التوسل في الأحاديث الشريفة نذكر نموذجاً منه:
أخرج البخاري عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)قال: «بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلاّ الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه.
فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير يعمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه وأنّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقراً وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها. فقال لي: إنّما لي عندك فرق من أرز. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنّها من ذلك الفرق، فساقها. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساخت عنهم الصخرة.
فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتّى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنّا بشربتهما، فلم أزل انتظر حتّى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساخت عنهم الصخرة حتّى نظروا إلى السماء.
فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي وإنّي راودتها عن نفسها فأبت إلاّ أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتّى قدرت فأتيتها بها

1 . آل عمران: 16 .

صفحه 128
فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلاّ بحقه، فقمت وتركت المائة دينار. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا، ففرج الله عنهم فخرجوا» 1.

الرابع: التوسل بدعاء الأخ المؤمن

إنّ التوسّل بدعاء الأخ المؤمن من الوسائل الّتي أمر بها الكتاب والسنّة، ويمكن استظهار ذلك من خلال أنّ حملة العرش يستغفرون للمؤمنين، قال سبحانه: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءْ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)2، فلولا أنّ دعاء الغير مقرون بالاستجابة لما قام حملة العرش بالاستغفار لمن آمن .
وفي ضوء هذا فقد روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله)طلب من الأُمّة أن يسألوا الله سبحانه أن يرزقه الوسيلة.
أخرج مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنّه سمع النبي (صلى الله عليه وآله)يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة ».3
وفي روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)إشارات إلى ذلك ، روى الحسين بن سعيد الأهوازي بسنده عن أبي بصير، قال: أمر أبو جعفر(عليه السلام)غلاماً له وقال: «يا بني إذهب

1 . صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، الحديث 3465 ; وكتاب البيوع، الحديث 2215 ; مجمع البيان: 3 / 452 في تفسير الآية 9 من سورة الكهف; نور الثقلين: 3 / 249، في تفسير نفس الآية.
2 . غافر: 7 .
3 . صحيح مسلم: 2 / 4، كتاب الصلاة، الحديث 384 / 735 .

صفحه 129
إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)فصلّ ركعتين ثم قل: اللهم اغفر لعلي بن الحسين خطيئته يوم الدين، ثم قال للغلام: اذهب فأنت حر لوجه الله» 1.
وروى الإربلي عن علي بن محمد الحجّال قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): أنا في خدمتك وأصابني علة في رجلي ولا أقدر على النهوض والقيام بما يجب، فإن رأيت أن تدعو الله أن يكشف علتي ويعينني على القيام بما يجب عليّ وأداء الأمانة في ذلك ويجعلني من تقصيري من غير تعمد مني، وتضييع ما لا أتعمده من نسيان يصيبني في حلّ ويوسّع عليّ وتدعو لي بالثبات على دينه الّذي ارتضاه لنبيه (عليه السلام).
فوقّع: «كشف الله عنك وعن أبيك، قال: وكان بأبي علّة ولم أكتب فيها فدعا له ابتداء ».2

الخامس: التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)في حياته

التوسل بدعاء النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)في حال حياته ممّا اتّفقت عليه كلمات العلماء ولم يختلف فيه أحد. ويظهر من القرآن الكريم وجود هذا النوع من التوسل في الأُممّ السالفة بشهادة أنّ إخوة يوسف بعدما تبيّن خطأهم طلبوا من أبيهم الاستغفار لهم، فقالوا: (يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)3 وقد استجاب لهم أبوهم يعقوب وقال: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)4. فإذا كان التوسّل بدعاء الأخ المؤمن أمراً راجحاً مرجو الاستجابة فالتوسل بدعاء النبي الطاهر أولى بذلك .
ولذلك نرى أنّه سبحانه يحثّ الذين ظلموا أنفسهم (بالعصيان) على أن

1 . بحار الأنوار: 46 / 92، الحديث 79 .
2 . كشف الغمة: 3 / 251 .
3 . يوسف: 97 .
4 . يوسف: 98 .

صفحه 130
يتوسلوا بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)واستغفاره، ويقول سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)1 .
وفي آية أُخرى يندد بالمنافقين بأنّهم إذا خوطبوا بالذهاب إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)ليستغفر لهم أعرضوا عن ذلك وصدّوا تكبّراً، قال سبحانه: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)2.
إلى هنا تم بيان أنواع التوسلات الّتي لم يظهر فيها خلاف، وأمّا الأنواع الأُخرى الّتي ظهر فيها الاختلاف من زمان ابن تيمية، فإليك بيانها:

السادس: التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله

التوسّل بدعاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)رهن ثبوت أمرين:
1. كونه حيّاً يُرزق عند ربه.
2. وجود الصلة بينه وبين المتوسل.
أمّا الأمر الأوّل: فيكفي في ثبوت الحياة البرزخية ما دل على حياة الشهداء بعد رحيلهم من الدنيا، فإذا كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فنبي الشهداء أولى بها .
أمّا حياة الشهداء فالذكر الحكيم صريح في ذلك الأمر، قال سبحانه: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)3.
وليست هذه هي الآية وحيدة في الموضوع ، بل يدل على ذلك غير واحدة

1 . النساء: 64 .
2 . المنافقون: 5 .
3 . آل عمران: 169 ـ 170 .

صفحه 131
من الآيات منها:
1. قال سبحانه: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)1 .
والخطاب في قوله: (ادْخُلِ) متوجه لمن جاء من أقصى المدينة وخاطب قومه بقوله: (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَ هُمْ مُهْتَدُونَ )2وبعدما أتم كلامه ودعا الناس إلى الإيمان برسل المسيح، قام قومه بضربه ورجمه حتّى مات فعند ذلك خاطبه سبحانه بقوله: (ادْخُلِ الْجَنَّةَ)فقال الرجل: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)، فالاستدلال مركّز على تبيين المراد من الجنة؟ هل هي جنة المأوى الّتي يدخل فيها الإنسان المؤمن بعد الحشر والنشر؟ أو المراد منها الجنة البرزخيّة الّتي يتنعم فيها العباد الصالحون بعد موتهم إلى يوم القيامة، فتكون الآية شاهداً لاستمرار الحياة بعد الرحيل عن هذه الدنيا.
وممّا نلفت إليه نظر القارئ هو أنّ الحياة البرزخية تعمّ المؤمن والكافر، غاية الأمر المؤمن منعّم فيها والكافر معذّب، يقول سبحانه في حق الفراعنة: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).3
إنّ القول بأنّ الموت إبطال للإنسان ولا يبقى بعد الموت منه شيء عقيدة مادّية يصرّ عليها حماة المادة في عصرنا هذا، حيث يعتقدون بأنّ الموت نهاية وجود الإنسان ولا يبقى بعد الموت منه شيء، والقرآن الكريم يرفض تلك العقيدة قائلاً بأنّ الموت فناء للجسم الّذي هو بمنزلة الثوب للروح، وأمّا الروح فهي الّتي يأخذها ملك الموت وتبقى عند الله تبارك وتعالى، وهذه الحقيقة قد أشار إليها سبحانه في جواب نفاة المعاد بقولهم: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي

1 . يس: 26 ـ 27 .
2 . يس: 20 ـ 21 .
3 . غافر: 46 .

صفحه 132
خَلْق جَدِيد)1 فأجابهم سبحانه بأمرين:
1. (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ).
2. (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)2.
فقوله سبحانه: (يَتَوَفَّاكُمْ) بمعنى: يأخذكم. فالآية الثانية تدلّ على أنّ الباقي في الأرض الّذي اعتمد عليه نفاة المعاد وزعموا امتناعه بحجة تفرقه وتبعثر أجزاء بدنه، غير واقع الإنسان وأنّ هنا واقعاً ثابتاً لا يضل ولا يُنسى بل يأخذه ملك الموت ويبقى عند الله سبحانه وهو روحه الّتي أشار إليها سبحانه بعد إتمام خلق الإنسان بقوله: (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)3 .
وحصيلة الكلام: أنّ الآية لا تصلح جواباً لشبهة المنكرين إلاّ بالقول بأنّ الضالّ في الأرض، غير الباقي عند الله، وأنّ الرميم فيها شيءٌ منفصل عن حقيقة الإنسان، إذ أنّ حقيقته هي الّتي يأخذها ملك الموت الموكل بقبض الأرواح. وهي باقية عند الله إلى رجوعه يوم القيامة. والسنّة النبوية تؤيد ذلك حيث عقد البخاري باباً باسم «باب الميّت يسمع خفق النعال» فروى فيه عن أنس، عن النبي (صلى الله عليه وآله)أنّه قال: «العبد إذا وضع في قبره وتولّى وذهب أصحابه، حتّى إنّه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه... الخ» .4
وبما أنّ بحوثنا تدور حول دلالة القرآن الكريم والأحاديث المتضافرة، اقتصرنا في إثبات الأمر الأوّل ـ وهو بقاء الإنسان بعد الموت ـ على هذا المقدار، وقد أقام المحقّقون على تجرّد روح الإنسان وبقائها، براهين علمية متقنة، ومن أراد التفصيل فليرجع إليها.5

1 . السجدة: 10 .
2 . السجدة: 11 .
3 . المؤمنون: 14 .
4 . صحيح البخاري: 316، كتاب الجنائز، الحديث رقم 1338 .
5 . لاحظ شرح الإشارات: 2 / 292، الأسفار لصدر المتألهين: 3 / 445 و 8 / 260 ـ 303 .

صفحه 133
وأمّا الأمر الثاني أعني: وجود الصلة بين من يعيش على وجه البسيطة وبين الأرواح، فإنّ من أنكر التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله ربّما يسلّم بالأمر الأوّل وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله)حيّ بحياة برزخية بعد رحيله، ولكن ربّما ينكر الصلة بيننا وبين عالم الأرواح، ويصرّ على الانقطاع، بينما القرآن الكريم يدلّ بوضوح على وجود الصلة بيننا وبينهم بشهادة أنّ نبيين كريمين ـ أعني: صالحاً وشعيباً ـ قد خاطبا قومهما بعد هلاكهم، فلو كانت الصلة منتفية فما معنى تكلّمهما مع قومهما بعد هلاكهم؟!
أمّا نبي الله صالح (عليه السلام)فقد حكى القرآن تكلّمه مع قومه بعد هلاكهم بقوله سبحانه : (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)1 فالآية صريحة في هلاك قومه، وموتهم عن آخرهم، وبعد ذلك يحكي تكلّم النبي صالح (عليه السلام)معهم، ويقول: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ )2.
إنّ «الفاء» في قوله: (فَتَوَلَّى) دالّ على وجود الترتيب بين هلاكهم وتكلّم نبيهم معهم، فلولا وجود الصلة فما معنى قوله: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ)، حتّى أنّ قوله: (وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)3 حاك عن أنّ أرواحهم قد بلغت من الخبث حتّى أنّهم لا يحبون النبي (عليه السلام)بعد هلاكهم أيضاً .
ونقل نظير ذلك الخطاب في قصة شعيب (عليه السلام)، قال سبحانه: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)4، ثم يحكي فعل شعيب بقوله: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ)5 أي تولّى شعيب عن قومه، ومع ذلك خاطبهم بقوله: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي

1 . الأعراف: 78 .
2 . الأعراف: 79 .
3 . الأعراف: 79 .
4 . الأعراف: 91 .
5 . الأعراف: 93 .

صفحه 134
وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ)1.

تكلّم النبي (صلى الله عليه وآله)مع الهالكين من قريش

لمّا قتل صناديد قريش ورؤساؤهم أمر النبي (صلى الله عليه وآله)برميهم في القليب ويبلغ عددهم 24 رجلاً فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، ثم قام النبي (صلى الله عليه وآله)على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقّاً؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تُكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «والّذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». 2
والعجب أنّ الوصي (عليه السلام)أيضاً خاطب الناكثين بعدما قتلوا في الجمل، حيث لمّا انجلت الحرب في البصرة وقتل طلحة والزبير وحملت عائشة إلى قصر بني خلف ركب أمير المؤمنين (عليه السلام)وتبعه أصحابه، وعمّار (رحمه الله) يمشي مع ركابه حتّى خرج إلى القتلى يطوف عليهم ثم سار حتّى وقف على كعب بن سور القاضي وهو مجدل بين القتلى وفي عنقه المصحف فقال نحّو المصحف وضعوه في مواضع الطهارة ثم قال أجلسوا إليّ كعباً فأُجلس ورأسه ينخفض إلى الأرض فقال: «يا كعب بن سور قد وجدتُ ما وعدني ربي حقّاً، فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟»، ثم قال: «أضجعوا كعباً»، فتجاوزه.
فمرّ فرأى طلحة صريعاً فقال: أجلسوا طلحة فأُجلس فخاطبه بمثل ما خاطب به كعباً.
فعند ذلك قال رجل لأمير المؤمنين (عليه السلام): ما كلامك، هذه الهام قد صديت لا تسمع لك كلاماً ولا ترد جواباً! فقال (عليه السلام): «والله إنهما ليسمعان كلامي كما تسمع

1 . الأعراف: 93 .
2 . صحيح البخاري: 971، كتاب المغازي، الحديث رقم 3976 .

صفحه 135
أصحاب القليب كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله)ولو أُذن لهما في الجواب لرأيت عجباً ».1
كيف يمكن لنا إنكار الصلة بيننا وبين النبي (صلى الله عليه وآله)والمسلمون ليلاً ونهاراً يسلّمون عليه مخاطبين له بقولهم: السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته.
حتّى أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)عندما زار بقيع الغرقد خاطب أهل القبور بقوله: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً ـ مؤجلون ـ وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم أغفر لأهل بقيع الغرقد» .2

سيرة المسلمين بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله)

من أمعن النظر في ما نُقل عن سيرة المسلمين بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله)يقف على أنّ التوسّل بدعاء النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)كانت سيرتهم المستمرة، وإليك نماذج من سيرة الصحابة الكرام:
1. روى البخاري: أقبل أبوبكر على فرسه من مسكنه بالسنح، حتّى نزل ودخل المسجد فلم يكلّم الناس حتّى دخل على عائشة، فتيمم النبي (صلى الله عليه وآله)وهو مسجّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه، فقبّله ثم بكى. فقال: بأبي أنت يانبي الله! لا يجمع الله عليك موتتين. أمّا الموتة الّتي كتب الله عليك فقد متّها .3
2. وجاء في سيرة ابن هشـام: وأقبل أبو بكر حتّـى نزل على باب المسجد حين بلغـه الخبـر، وعمـر يكلِّـم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتّى دخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله)في بيت عائشة، فأقبل حتّى كشف عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: ثم أقبل عليه فقبَّله، ثم قال: بأبي أنت وأُمّي، أمّا الموتة الّتي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً.4

1 . الجمل والنصرة للشيخ المفيد: 392 .
2 . صحيح مسلم: 3 / 63، كتاب الجنائز; وانظر صفحة 441 برقم 2144. ط. دار الفكر.
3 . صحيح البخاري: 294 ، كتاب الجنائز، 1241 ـ 1242 .
4 . سيرة ابن هشام: 4 / 656 ; ولاحظ الروض الأنف: 4 / 260 .

صفحه 136
3. وروى الحلبي في سيرته أنّه قال: «بأبي أنت وأُمّي»، وتكلّم كلاماً بليغاً، سكّن به نفوس المسلمين وثبّت جأشهم 1 .
4. وجاء في سيرة زيني دحلان: دخل أبو بكر على النبي (صلى الله عليه وآله)فأكبّ عليه وكشف الثوب عن وجهه، وقال: طبت حيّاً وميتاً، وانقطع لموتك ما لم ينقطع للأنبياء قبلك، فعظمتَ عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أنّ موتك كان اختيارياً لجدنا لموتك بالنفوس، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن على بالك 2.
أقول: لو أنّ الصلة بين النبي (صلى الله عليه وآله)والأحياء كانت مقطوعة، فما معنى مخاطبة أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وآله)بالعبارات الّتي مرّت عليك؟!
ولو لم يكن التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله فما معنى قوله: اذكرني يا محمد عند ربك، ولنكن على بالك؟!
5. قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)ـ عندما ولي غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ : «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالاِْنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ ـ إلى أن قال: ـ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!3
6. ذكر غير واحد من المؤرخين بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي أنّه قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي (صلى الله عليه وآله)فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثم قال: يا خير الرسل إنّ الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)4، وإنّي جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي، مستشفعاً بك، وفي رواية: وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي، ثم بكى وأنشأ يقول:

1 . سيرة الحلبي: 3 / 392 .
2 . سيرة زيني دحلان في هامش سيرة الحلبي: 3 / 391 .
3 . نهج البلاغة، قسم الخطب، الخطبة 235 .
4 . النساء: 64 .

صفحه 137
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف وفيه الجودُ والكرمُ
ثم استغفر وانصرف .
فرقدت فرأيت النبي (صلى الله عليه وآله)في نومي وهو يقول: ألحقِ الرجل فبشّره بأنّ الله قد غفر له بشفاعتي. فاستيقظت فخرجت أطلبه، فلم أجده .1
أقول: إنّ الأعرابي أدرك بسلامة فطرته أنّ الآية الكريمة الّتي تدعو المسلمين إلى المجيء إلى النبي (صلى الله عليه وآله)حتّى يطلبوا منه الاستغفار لهم، ليست خاصّة بحياة النبي (صلى الله عليه وآله)بل تعمّ الحياة الأُخروية، فلأجل ذلك قام يطلب من النبي (صلى الله عليه وآله)أن يستغفر له.
وقد ذكر المؤرخون قضايا كثيرة من المسلمين ـ من الصحابة والتابعين إلى غيرهم ـ كانوا يتوسّلون بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله، وقد ذكر السمهودي شيئاً كثيراً من هذه القصص والآثار، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابه وفاء الوفا .2
ولعل هؤلاء فهموا جواز التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله من قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما).
وقد أوضح السبكي دلالة الآية على جواز التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)في حالتي حياته وبعد رحيله; فقال في الباب الخامس: في تقرير كون الزيارة قربة، وذلك بالكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس: أمّا الكتاب فقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)، ثم قال ]بعد مقدمة [: فقد ثبت على كل تقدير أنّ الأُمور الثلاثة المذكورة في الآية ]يعني: المجيء، واستغفار المؤمنين، واستغفار الرسول (صلى الله عليه وآله)لهم [، حاصلة لمن

1 . مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر: 2 / 408 ; المواهب اللدنية: 4 / 583 ; وفاء الوفا: 4 / 1361; شفاء السقام: 151، ط. مصر، 1419 هـ وغيرها.
2 . وفاء الوفا: 4 / 1354 ـ 1363 .

صفحه 138
يجيء إليه (صلى الله عليه وآله)مستغفراً في حياته وبعد مماته.
والآية وإن وردت في أقوام معيّنين في حالة الحياة، فتعمّ بعموم العلّة كلّ من وجِدَ فيه ذلك الوصف في الحياة وبعد الموت.
ولذلك فهم العلماء من الآية العموم في الحالتين، واستحبّوا لمن أتى إلى قبره (صلى الله عليه وآله)أن يتلوا هذه الآية، ويستغفر الله تعالى .
وحكاية العتبي في ذلك مشهورة، وقد حكاها المصنّفون في المناسك من جميع المذاهب، والمؤرّخون، وكلهم استحسنوها ورأوها من آداب الزائر، وما ينبغي أن يفعله، وقد ذكرناها في آخر الباب الثالث.1
ونقل السمهودي عن الحافظ أبي عبدالله محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام» أنّ الحافظ أبا نصير السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، قال: قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر النبي (صلى الله عليه وآله)وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله، قلتَ فسمعنا قولك، ووعيتَ عن الله سبحانه، وما وعينا عنك، وكان فيما أُنزل عليك: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما) وقد ظلمتُ وجئتُك تستغفرْ لي، فنودي من القبر: أنّه قد غُفر لك.
ونقله السمهودي أيضاً بسند آخر عن الإمام علي (عليه السلام).2
ولا منافاة بين النقلين لإمكان التعدد، وعلى فرض الوحدة فأحد النقلين اقتصر والآخر أسهب، فنقل القصة كاملة.
وهذا هو القاضي عياض بن موسى الأندلسي في كتابه: «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» ذكر مناظرة أبي جعفر المنصور مع إمام دار الهجرة مالك، يقول: ناظر

1 . شفاء السقام: 181 ـ 183، وانظر أيضاً الصفحة: 151 .
2 . وفاء الوفا: 4 / 1361 .

صفحه 139
أبو جعفر ـ أمير المؤمنين ـ مالكاً في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإنّ الله تعالى أدّب قوماً فقال: (لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبي )1 وذمّ قوماً فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ )2 .
وأنّ حرمته ميتاً كحرمته حيّاً، فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبدالله، أستقبلُ القبلةَ وأدعو أم أستقبلُ رسول الله؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام)إلى الله تعالى إلى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به، فيشفّعه الله، قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما) 3.
ونحن نجد في هذه المناظرة الّتي نقلت بسند صحيح 4، دلالة واضحة على حياة النبي (صلى الله عليه وآله)ووجود الصلة بينه وبين الزائر له، وأنّ قوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما) تختص برسول الله (صلى الله عليه وآله)في حياته وبعد رحلته.
إلى غير ذلك من قصص الصحابة والتابعين والّتي تثبت شمول الآية لكلتا الحالتين.

1 . الحجرات: 2 .
2 . الحجرات: 4 .
3 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 2 / 92 ـ 93 .
4 . يقول المحقّقون لكتاب الشفا وفي هذا الحديث ردّ على من قال بأنّ استقبال القبر الشريف في الدعاء عند الزيارة أمر منكر لم يقل به أحد إلاّ في حكاية مفتراة على الإمام مالك يعني هذه القصة وقد أوردها المؤلف له القاضي عياض ـ ولله الحمد ـ بسند صحيح وذكر أنّه تلقاها من عدّة من ثقات مشايخه فهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي رضي الله عنهم في استحباب استقبال القبر الشريف في الدعاء وهو مسطّر في كتبهم.

صفحه 140

شبهات المخالفين

قد ورث المتأخّرون عن ابن تيمية ووارث منهجه (محمد بن عبدالوهاب) شبهات يطرحونها لإغواء السذّج من الناس، وهي شبهات واهية لا تعتمد على دليل رصين، وإليك تحليلها.

الأُولى: البرزخ مانع من الاتصال

قالوا: إنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ الله تعالى، فهي حياة مستقلة نؤمن بها ولا نعلم ماهيتها، وإنّ بين الأحياء والأموات حاجزاً يمنع الاتصال فيما بينهم قطعياً، وعلى هذا يستحيل الاتصال لا ذاتاً ولا صفاتاً وأنّه سبحانه يقول: (وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)1، والبرزخ معناه الحاجز الّذي يحول دون اتصال هؤلاء بهؤلاء .2
أقول: إنّ البرزخ في اللغة هو الحاجز بين الشيئين، لا بمعنى انقطاع الصلة بين أهل الدنيا وأهل الآخرة، ومن فسّره بهذا المعنى فإنّما قام بذلك لدعم مذهبه، فالمراد من البرزخ هو المانع من رجوع الناس إلى حياتهم الدنيوية، ويدل على ذلك أنّه سبحانه ذكر وجود البرزخ بعد ما ذكر تمنّي العصاة الرجوع إلى الدنيا، قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)3.
فقوله: «كلا» ردع لتمنّي رجوعهم، يعني لا يستجاب دعاؤهم، ثم عاد سبحانه يؤكده بقوله: (وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)أي حائل مانع من الرجوع إلى الدنيا إلى يوم يبعثون.
وأمّا ما ذكره المانع من أنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ الله، فهو لا صلة له

1 . المؤمنون: 100 .
2 . التوصل إلى حقيقة التوسل: 267 .
3 . المؤمنون: 99 ـ 100 .

صفحه 141
بموضوع البحث، ولكنّه لو أمعن النظر في الآيات الناظرة إلى الحياة البرزخية لوقف على بعض خصوصياتها.

الشبهة الثانية: امتناع إسماع الموتى

قالوا: إنّ الله تعالى يقول: (فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى )1، وقال سبحانه: (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى)2، وقال تعالى: (وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ )3.
والرسول (صلى الله عليه وآله)بعد أن توفّاه الله هو من الموتى ومن أهل القبور، فثبت أنّه لا يسمع دعاء أحد من أهل الدنيا وإن كان هو والأنبياء، لا يُبْلُون لأن الله قد حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ولكنّهم أجساد بلا أرواح وهم أموات .4
أقول: من أمعن النظر في هذه الآيات وما جاء بعدها وقبلها من الآيات الكريمة يقف على أنّ المراد نفي الانتفاع لا نفي الاستماع، بشهادة أنّ المشرك يسمع ولا ينتفع، فالموتى أيضاً يسمعون ولا ينتفعون، وإلاّ لاختل التشبيه، فإنّ أحد طرفيه يسمع ولا ينتفع فيجب أن يكون الطرف الآخر كذلك بمعنى أنّ المشركين والموتى سيّان يسمعون ولاينتفعون.
وقد بلغ مفاد الآية أعلى حدّ من الظهور فقد فسّر ابن قيّم الجوزية تلميذ ابن تيمية الآيات على نحو ما ذكرنا، وإليك نص كلامه: أمّا قوله تعالى: (وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ )فسياق الآية يدلّ على أنّ المراد منها أنّ الكافر الميّت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعاً ينتفع به، كما أن مَنْ في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعاً ينتفعون به، ولم يرد سبحانه أنّ أصحابَ القبور لا يسمعون شيئاً البتة، كيف وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله)أنّهم يسمعون خفق نعال المشيعين وأخبر أنّ قتلى

1 . الروم: 52 .
2 . النمل: 80 .
3 . فاطر: 22 .
4 . التوصل إلى حقيقة التوسل: 267 .

صفحه 142
بدر سمعوا كلامه وخطابه، وشرّع السلام عليهم بصيغة الخطاب للحاضر الّذي يسمع، وأخبر أنّ من سلم على أخيه المؤمن رد عليه السلام.
هذه الآية نظير قوله: (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَ لاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)1 .
وقد يقال: نفي إسماع الصم مع نفي إسماع الموتى يدل على أنّ المراد عدم أهلية كل منهما للسماع وأنّ قلوب هؤلاء لمّا كانت ميتة صمّاء كان إسماعها ممتنعاً بمنزلة خطاب الميت والأصم وهذا حق ولكن لا ينفي إسماع الأرواح بعد الموت إسماع توبيخ وتقريع بواسطة تعلّقها بالأبدان في وقت ما، فهذا غير الإسماع المنفي، والله أعلم.2

الشبهة الثالثة: انقطاع عمل الإنسان

قالوا: إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله)قد انقطع عمله بوفاته، فلم يعد يتحرك أبداً فضلاً عن أن يحرك لسانه بالاستغفار أو غيره فهو على ضجعته من يوم أن دفن إلى يومنا هذا إلى يوم القيامة.
أمّا أن يسمع أو يتكلم أو يصدر عنه أي عمل فلا. وقد انقطع عمله نهائياً كما قال هو عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له». ولا شك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)يشمله هذا الحديث. لأنّه من بني آدم، وقد قضى الله عليه بالموت والتحق بالرفيق الأعلى.3
وعلى هامش هذه الشبهة نقول: إنّ مَنْ وطّن نفسه على إثبات ما يتبنّاه، سواء أكان حقاً أم باطلاً فهو يتمسّك بكل شيء، سواء أكانت له دلالة على رأيه أم لا.

1 . النمل: 80 .
2 . الروح لابن القيّم: 45 ـ 46 .
3 . التوصل إلى حقيقة التوسل: 267 .

صفحه 143
فأي دلالة لهذا الحديث على انقطاع الصلة، إذ غاية ما يدل عليه أنّ الإنسان لا ينتفع بعمله شخصياً بعد ما انتقل إلى البرزخ إلاّ عن ثلاث، فليس له عمل مباشر ينتفع به إلاّ هذه الثلاث، وأمّا أنّه لايتمكّن من التكلّم والجواب والاستغفار في حق الغير فلا دلالة للحديث عليه.
ثم كيف يقول إنّ الأموات في الحياة البرزخية غير قادرين على التكلم مع أنّه سبحانه ينقل عن الشهداء أنّهم يتكلّمون حيث يقول: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللهِ وَفَضْل وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)1.
وهذا هو ناصر رسل عيسى (عليه السلام)فعندما قتل ودخل الجنة قال: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)2.

الشبهة الرابعة: التوسّل بدعاء الأنبياء شرك

هذه الشبهة قرّرها مفتي السعودية (ابن باز)، إذ قال في رسالة له إلى أحد علماء الإمامية: وأمّا دعاء الأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك فهو الشرك الأكبر، وهو الّذي كان يفعله كفّار قريش مع أصنامهم وأوثانهم، وهكذا بقية المشركين يقصدون بذلك أنّها تشفع لهم عند الله، وتقرّبهم إليه زلفى، ولم يعتقدوا أنّها هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم، كما بيّن سبحانه ذلك عنهم في قوله: (وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ )3 فردّ عليهم سبحانه بقوله: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ لاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا

1 . آل عمران: 170 ـ 171 .
2 . يس: 26 ـ 27 .
3 . يونس: 18 .

صفحه 144
يُشْرِكُونَ)1 .
ونظير ذلك ما ذكره ابن تيمية في الفتاوى 2 .
وجوابنا عن هذه الشبهة يأتي ضمن أُمور:
1. كيف يمكن أن يكون عملاً واحداً في حال حياة المدعوّ نفس التوحيد، وبعد رحلته يكون الشرك بعينه؟!
فإنّ طلب الدعاء من النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحلته هو نفس طلب الدعاء منه حال حياته، فكيف يمكن أن يكون الثاني موصوفاً بالتوحيد ويكون الأوّل موصوفاً بالشرك، مع أنّ ماهية الطلب في كلتا الحالتين لم تتغير، واعتقاد الطالب بحق النبي في كلا الموضعين سيّان، غاية الأمر لو لم نقل بحياة المدعو أو عدم وجود الصلة يكون الطلب أمراً لغواً لا شركاً وحراماً. وهذه النكتة لو وقف عليها المستدل ومَنْ يقتفي أثره لرجع عن دليله إذا كان إنساناً واعياً ومنصفاً.
2. إنّ عطف عمل المسلمين بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله)على عمل المشركين في دعاء الأصنام والأوثان قياس باطل، وذلك أنّ المشركين كانوا يعتقدون بإلوهية الأصنام وأنّها تضرّ وتنفع في غير واحد من المقامات بشهادة قوله سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)3، وقوله تعالى: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)4، وقوله عزوجل: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ)5 فالعز والنصر في الحروب بيد الأصنام حسب اعتقادهم، وأنّها أنداد لله سبحانه في قضاء الحوائج ورفع الملمّات، إلى غير ذلك من صفات الله سبحانه.

1 . يونس: 18 .
2 . الفتاوى: 1 / 157 .
3 . مريم: 81 .
4 . يس: 74 .
5 . البقرة: 165 .

صفحه 145
فأين هذا من دعاء المسلمين فإنّهم يطلبون من النبي (صلى الله عليه وآله)الدعاء والشفاعة من دون أن يعتقدوا بأنّ النصر والعزّة بيده (صلى الله عليه وآله)أو أنّه ند لله سبحانه؟!
فتشبيه عمل المسلمين بعمل المشركين تعسّف واضح، لا يصدر إلاّ عن المتعصب لما تربى عليه .
3. ثم إنّه حاول التقريب بين عمل المشركين والمسلمين قائلاً: بأنّ الكفّار لم يقصدوا من آلهتهم أنّهم يشفون مرضاهم أو يقضون حوائجهم وإنّما أرادوا منهم أن يقربونهم من الله زلفى كما في الآية المباركة.1
يلاحظ عليه: كيف يقول أنّهم لم يقصدوا من آلهتهم شفاء المرضى وقضاء الحوائج، مع أنّه سبحانه ينقل عنهم قولهم بأنّ العز والنصر بيد الآلهة، بل كانوا يتجاوزون هذا الحد ويعتقدون بالأنداد.
نعم كان المشركون في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله)ربّما يخفون عقيدتهم ويتظاهرون بأنّ عبادتهم للأصنام ليست إلاّ وسيلة ليقربونهم إلى الله زلفى فقط، ولكن ما تظاهروا به كان كذباً وفرية فضحها الذكر الحكيم وقال: (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)2 .
حيث كانوا كاذبين في حصر وجه عبادتهم للأصنام على تقريبهم إلى الله زلفى، بل هم كانوا يعبدونها لأجل أنّ مصيرهم في الحياة وفي الحروب بيد هذه الأصنام والآلهة، ومن أمعن النظر في الآيات النازلة في حق المشركين يقف على أنّهم كانوا يعتقدون فيهم نفس ما يعتقده المسلمون في الله سبحانه.
4. أفيصح أن نجعل الجميع في صف واحد; من يسوّي بين الأصنام ورب العالمين، ويقول: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)3 ويصورها نداً لله سبحانه، ومَنْ يعبد الله سبحانه ولا يرى له ندّاً ولا مثلاً ويتلوا كل يوم وليلة قوله سبحانه: (قُلِ

1 . التبرك والتوسل والصلح مع العدو الصهيوني: 43.
2 . الزمر: 3 .
3 . الشعراء: 98.

صفحه 146
اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءْ قَدِيرٌ)1.
5. وقد روى ابن هشام في سيرته أنّ عمرو بن لُحيّ كان أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان، وعندما سألهم عمّا يفعلون بقوله: ما هذه الأصنام الّتي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلاتعطوني منها صنماً، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يقال له هُبَل، فقدم به مكَّة، فنصبه وأمرَ الناس بعبادته وتعظيمه.
فمع هذه القصة والآيات الّتي تلوناها عليك كيف يقول الشيخ: بأنّهم لم يعتقدوا بأنّ آلهتهم هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم؟!2

الشبهة الخامسة: أنّ دعاء النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله بدعة

قالوا: لو كان طلب الدعاء من النبي (صلى الله عليه وآله)أمراً جائزاً لسبق إليه الصحابة لأنّهم أعلم بحلاله وحرامه.3
يلاحظ عليه: أنّ البدعة عبارة عمّا لم يكن له أصل في الكتاب والسنّة، وقد عرفت دلالته فيها، وقد مرّت سيرة الصحابة والتابعين في ذلك المجال. فكيف يوصف هذا العمل بكونه بدعة.
***

1 . آل عمران: 26 .
2 . التبرّك والتوسل والصلح مع العدوالصهيوني: 150 .
3 . المصدر نفسه: 59. وهذا النوع من الدليل عندهم يُستدل به في كل مورد يرونه حراماً، أو بدعة أو شركاً، ولا يختص بمورد واحد .

صفحه 147

السابع: التوسّل بذات النبيّ حال حياته

كان القسم السابق هو التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)ومن المعلوم أنّ التوسّل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله)في حياته أو بعد رحيله ليس إلاّ لأجل أنّه دعاء روح طاهرة ونفس كريمة وشخصية مثالية وهو أفضل الخلائق ففي الحقيقة ليس الدعاء بما هو دعاء، وسيلة، وإنّما الوسيلة هي الدعاء النابع عن تلك الشخصية الإلهية الّتي كرمها الله وعظّمها ورفع مقامها وقال عنها: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)،1 وأمر المسلمين بتكريمه وتعزيزه حيث قال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)2.
فإذا كان رصيد استجابة الدعاء، هو الشخصية الفذة المثالية للداعي، ومنزلته عند الله فأولى أن يتوسّل بها كما يتوسّل بدعائها، فمن اعترف بجواز الثاني ومنع الأُولى فقد فرّق بين أمرين متلازمين.
ونحن نغض النظر عمّا ذكرنا من الدليل، ونذكر ما ورد في السنّة النبوية من التوسل بذاته وشخصه بطريق صحيح وقد أقرّ بصحّته الأقطاب من أهل الحديث :

توسّل الضرير بشخص النبي (صلى الله عليه وآله)

أخرج الترمذي، وابن ماجة، وأحمد بأسانيد صحيحة عن عثمان بن حنيف أنّه قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى النبي فقال: أُدعُ الله أنْ يعافيني فقال (صلى الله عليه وآله): «إن شئتَ دعوتُ وإن شئتَ صبرت وهو خير».
قال: فإدعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضؤه ويصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهم إنّي أسألك وأتوجُه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربّي في حاجتي لتقضى، اللّهم شفّعه فيّ».
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا كأن لم

1 . الحشر: 4 .
2 . الأعراف: 157 .

صفحه 148
يكن به ضَر .1
والاستدلال بالحديث رهن صحة السند أوّلاً، وتمامية الدلالة ثانياً. أمّا صحة السند فقد اعترف الأقطاب بصحته :
1. قال الترمذي: هذا حديث حق، حسن، صحيح .
2. وقال ابن ماجة: هذا حديث صحيح.
3. وقال ابن تيمية: قد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي (صلى الله عليه وآله)أنّه علم رجلاً أن يدعو ويقول: اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيك، وروى النسائي نحو هذا الدعاء 2 .
4. ورواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين .3
5. وقال الرفاعي: لا شك أنّ هذا الحديث صحيح مشهور.4وأبو جعفر الوارد في السند هو أبو جعفر الخطمي، كما في بعض الأسانيد. إلى هنا تبيّنت صحة سند الحديث فلم يبق لمشكّك شك ولا لمريب ريب.
وأمّا الدلالة فإليك بيانها :
إنّ الحديث يدل بوضوح على أنّ الأعمى توسّل بذات النبي بتعليم منه (صلى الله عليه وآله)، والأعمى وإن طلب الدعاء من النبي الأكرم في بدء الأمر إلاّ أنّ النبي علّمه دعاء تضمّن التوسّل بذات النبي ، وهذا هو المهم في تبيين معنى الحديث .
وبعبارة ثانية: أنّ الذي لا ينكر عند الإمعان في الحديث أمران:
الأوّل: أنّ الرجل طلب من النبي (صلى الله عليه وآله) الدعاء ولم يظهر منه توسّل بذات النبي .
الثاني: أنّ الدعاء الذي علّمه النبي ، تضمّن التوسّل بذات النبي بالصراحة

1 . سنن الترمذي: الصحيح كتاب الدعوات، الباب 119، برقم 3578 ; سنن ابن ماجة: 1 / 441برقم 1385 ; مسند أحمد: 4/ 138 إلى غير ذلك من المصادر.
2 . مجمع الرسائل والمسائل: 1 / 13 .
3 . المستدرك: 1 / 313 .
4 . التوصل إلى حقيقة التوسل: 158 .

صفحه 149
التامّة ، فيكون ذلك دليلا على جواز التوسّل بالذات .
وإليك الجمل والعبارات الصريحة في بيان المقصود :

1 . اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك

إنّ كلمة «بنبيّك» متعلّقة بفعلين هما «أسألك» و «أتوجّه إليك»، والمراد من النبي (صلى الله عليه وآله)نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاؤه .
وتقدير كلمة «دعاء» قبل لفظ «بنبيّك» حتى يكون المراد هو «أسألك بدعاء نبيّك أو أتوجّه إليك بدعاء نبيّك» تحكّم وتقدير بلا دليل ، وتأويل بدون مبرّر ، ولو أنّ محدثاً ارتكب مثله في غير هذا الحديث لرموه بالجَهْمية والقدريّة .

2 . محمد نبي الرحمة

لكي يتّضح أنّ المقصود هو السؤال من الله بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله)وشخصيته فقد جاءت بعد كلمة «بنبيّك» جملة «محمد نبي الرحمة» لكي يتّضح نوع التوسّل والمتوسّل به بأكثر ما يمكن .

3 . يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي

إنّ جملة «يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي» تدلّ على أنّ الرجل الضرير ـ حسب تعليم الرسول ـ اتّخذ النبي نفسَه ، وسيلة في دعائه، أي أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه (صلى الله عليه وآله) .

4 . وشفّعه فيّ

إنّ قوله «وشفّعه فيّ» معناه: يا ربِّ اجعل النبي شفيعي ، وتقبّل شفاعته في حقّي ، وليس معناه تقبّل دعاءه في حقّي; فإنّه لم يرد في الحديث أنّ النبي دعا بنفسه حتى يكون معنى هذه الجملة: استجب دعاءه في حقّي .

صفحه 150
ولو كان هناك دعاء من النبي لذكره الراوي; إذ ليس دعاؤه(صلى الله عليه وآله) من الأُمور غير المهمّة حتى يتسامح الراوي في حقّه .
وحتى لو فرضنا أنّ معناه «تقبّل دعاءه في حقّي» فلا يضر ذلك بالمقصود أيضاً; إذ يكون على هذا الفرض هناك دعاءان: دعاء الرسول ولم يُنْقَل لفظه ، والدعاء الذي علّمه الرسول للضرير ، وقد جاء فيه التصريح بالتوسّل بذات النبي وشخصه وصفاته ، وليس لنا التصرّف في الدعاء الذي علّمه الرسول للضرير ، بحجّة أنّه كان هناك للرسول دعاء .
لقد أورد هذا الحديث النسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم في مستدركه ، ولكن الترمذي والحاكم ذكرا جملة «اللّهمّ شفّعه فيه» بدل «وشفّعه فيّ» .
وهنا كلمة للدكتور عبدالملك السعدي نأتي بنصها: وقد ظهر في الآونة الأخيرة أُناس ينكرون التوسل بالذات مطلقاً، سواء كان صاحبها حيّاً أو ميتاً، وقد أوّلوا حديث الأعمى وقالوا: إنّ الأعمى لم يتوسّل، ولم يأمره النبي (صلى الله عليه وآله)به بل قال له: صلِّ ركعتين ثم اطلب منّي أن أدعو لك، ففعل.
وأنت يا أخي عليك أن تقرأ نص الحديث هل يحتمل هذا التأويل، وهل فيه هذا المدّعى؟ أم أنّه أخذ يطلب من الله مستشفعاً بالنبي (صلى الله عليه وآله)ولم يدع له (صلى الله عليه وآله). ولو أراد منه ذلك لاستجاب له أوّل مرة حيث طلب منه الدعاء بالكشف عن بصره فأبى إلاّ أن يصلّي ويتولّى الأعمى بنفسه الدعاء.1
***
الثامن: التوسل بذات النبيّ (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله
إنّ الصحابي الجليل عثمان بن حنيف فهمَ من الحديث السابق أنّ التوسّل

1 . البدعة في مفهومها الإسلامي: 46، ط بغداد.

صفحه 151
بذات النبي وشخصه يعم حياته ومماته، ولذلك علّمه لبعض أصحاب الحاجة، وقد عمل به من تعلّم وكان ناجحاً في قضاء حاجته .
روى الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (المتوفّى 360 هـ) عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمّه عثمان بن حنيف ، أنّ رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان(رضي الله عنه) في حاجة له ، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى ابن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضّأ ، ثمّ ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله) نبي الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فتقضي لي حاجتي» فتذكر حاجتك ورح إليَّ حتى أروح معك .
فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان(رضي الله عنه)، فجاء البوّاب حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كانت الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها .
ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمته فيّ ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلّمته ، ولكنّي شهدت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقد أتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أفتصبر ؟ فقال : يا رسول الله ليس لي قائد وقد شقّ عليّ .
فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ائت الميضأة فتوضّأ ثمّ صلّ ركعتين ، ثمّ ادع بهذه الدعوات  .
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط1 .
إنّ الاستدلال بالحديث رهن صحة السند وصحة الدلالة.

1 . المعجم الكبير: 9 / 16 ـ 17 ، باب ما أُسند إلى عثمان بن حنيف ، برقم 8310 ، والمعجم الصغير له أيضاً: 1 / 183 ـ 184 .

صفحه 152
أمّا الثانية فقد تبيّن ممّا ذكرناه في الرواية السابقة، فإن المتن والمضمون في كليهما واحد.
وأمّا السند فقد ناقش فيه مؤلف «التوصل إلى حقيقة التوسل» وقال: إنّ في سند هذا الحديث رجلاً اسمه روح بن صلاح وقد ضعّفه الجمهور، وابن عدي وقال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة .1
أقول: لعلّ المناقش لم يرجع إلى مصدر الحديث، وإنّما نقله عن مصدر ثانوي وفيه روح بن صلاح ، وإليك نص الطبراني في معجمه الكبير قال: حدثنا طاهر بن عيسى بن قريش المصري المقري: حدثنا أصبغ بن الفرج: حدثنا ابن وهب عن أبي سعيد المكي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف 2.
ورواه البيهقي بالسند التالي:
أخبرنا أبو سعيد عبدالملك بن أبي عثمان الزاهد (رحمه الله): أنبأنا الإمام أبو بكر محمد بن علي بن الشاشي القفّال، قال: أنبأنا أبو عروبة: حدّثنا العباس بن الفرج: حدثنا إسماعيل بن شبيب: حدثناً أبي عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المدني... إلى آخر السند .3
وأنت ترى أنّه ليس في طريق الرواية روح بن صلاح بل هو روح بن القاسم، والكاتب صرح بأن الرواية رواها الطبراني والبيهقي، وهذا يعرب عن أن الكاتب لم يرجع إلى المصدرين، وإنّما اعتمد على نقول الآخرين .
نحن نفترض أنّه ورد في سند الرواية روح بن صلاح، ولكن ما ذكره من أنّ الجمهور ضعّفوه أمر لا تصدّقه المعاجم فيما بين أيدينا، وإنّما ضعفه ابن عدي، وفي الوقت نفسه وثّقه ابن حِبّان والحاكم وقال الذهبي: روح بن صلاح المصري

1 . التوصل إلى حقيقة التوسل: 237 .
2 . المعجم الكبير: 9 / 17 ; وفي المعجم الصغير له أصبغ بن الفرج مكان أصبغ بن فرح.
3 . دلائل النبوة: 6 / 168 .

صفحه 153
يقال له ابن سيّابة ضعفه ابن عدي، يكنّى أبا الحارث، وقد ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال الحاكم: ثقة مأمون.1

التاسع: التوسّل بحق الصالحين وحرمتهم ومنزلتهم

إنّ من التوسّلات الرائجة بين المسلمين، التوسّل بحق النبي ومن سبقه من الأنبياء، ومن المعلوم أنّه ليس لأحد على الله حق إلاّ ما جعله الله سبحانه حقّاً على ذمته لهم تفضّلاً وتكريماً قال سبحانه: (وَ كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)2.
روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أنّه لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُمّ علي ـ رضي الله عنها ـ دخل عليها رسول الله فجلس عند رأسها فقال: «رحمكِ الله يا أُمّي، كنتِ أُمِّي بعد أُمِّي تجوعين وتشبعيني ، وتعرين وتكسينني ، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني ، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة» .
ثم أمر أن تغسّل ثلاثاً ثلاثاً فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله بيده ، ثم خلع رسول الله قميصه فألبسها إيّاه وكفّنها ببرد فوقها ، ثم دعا رسول الله أُسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها ، فلمّا بلغوا اللحد حفره رسول الله بيده وأخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل رسول الله فاضطجع فيه وقال: «الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، اغفر لأُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجتها ، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين» وكبّر عليها أربعاً وأدخلها اللحد والعباس وأبوبكر .
والاستدلال بالرواية يتوقف على تمامية الرواية سنداً ومضموناً .
أمّا المضمون فلا مجال للخدشة فيه ، وأمّا السند فصحيح ، رجاله كلّهم ثقات; لا يغمز في حقّ أحد منهم ، نعم فيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبّان والحاكم; وقد

1 . ميزان الاعتدال: 2 / 85 برقم 2801 .
2 . الروم: 47 .

صفحه 154
عرفت كلام الذهبي فيه1 .
وقد رواه أئمة الحديث وأساتذته ، وإليك أسماء من وقفنا على روايتهم:
1 ـ رواه الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في المعجم الأوسط ص 356 ـ 357 .
2 ـ رواه أبو نعيم عن طريق الطبراني في حلية الأولياء: 3 / 121 .
3 ـ رواه الحاكم في مستدركه: 3 / 108 وهو لا يروي في هذا الكتاب إلاّ الصحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم .
4 ـ رواه ابن عبد البرّ في الاستيعاب على هامش الإصابة: 4 / 382 .
5 ـ نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء: 2 / 118 برقم 7 .
6 ـ رواه الحافظ نور الدين الهيثمي (المتوفّى 708 هـ) في معجم الزوائد ومنبع الفوائد: 9 / 256 ـ 257 ، وقال: ورواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبّان والحاكم .
7 ـ رواه المتّقي الهندي في كنز العمال: 13 / 636 برقم 37608 .
وأمّا التوسّل بحقّ الأولياء والشخصيّات الإلهيّة ففي أدعية أئمة أهل البيت(عليهم السلام)نماذج من أدعية التوسّل ، وهي كثيرة وموزعة في الصحيفة العلوية2 ودعاء عرفة3 والصحيفة السجادية4 وغيرها من كتب الدعاء .
وفيما يلي نذكر نماذج من تلك الأدعية:
1 ـ يقول الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء له:
« . . . بحقّ محمّد وآل محمّد عليك ، وبحقّك العظيم عليهم أن تصلّي عليهم

1 . للوقوف على حال روح بن صلاح المصري لاحظ : ميزان الاعتدال: 2 / 85 برقم 2801 .
2 . وهي المجموعة التي تضم بعض أدعية الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) جمعها الشيخ عبد الله السماهيجي .
3 . وهو دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في عرفات ، يوم عرفة .
4 . هي بعض أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام) .

صفحه 155
كما أنت أهله ، وأن تعطيني أفضل ما أعطيت السائلين من عبادك الماضين من المؤمنين وأفضل ما تعطي الباقين من المؤمنين . . »1 .
2 ـ ويقول الإمام سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة:
« . . . اللّهمّ إنّا نتوجّه إليك ـ في هذه العشية التي فرضتها وعظّمتها ـ بمحمد نبيّك ورسولك وخيرتك من خلقك» .
3 ـ ويقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه بمناسبة حلول شهر رمضان:
« . . . اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ هذا الشهر وبحقّ من تعبّد فيه»2 .
إلى هنا تمّت بعض الأدلّة على جواز التوسّل بالشخصيات الطاهرة التي لها منزلة ومكانة ، وهناك روايات أُخرى في هذا الصدد نتركها لئلاّ يطول بنا الكلام; فإنّ الغرض الإيجاز لا الإطناب .

العاشر: التوسّل بحقّ السائلين

روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال: «من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: «اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك ، وأسألك بحق ممشاي هذا ، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سُمعة إنّما خرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تعيذني من النار وأن تغفر ذنوبي إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت» ، إلاّ أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك»3 .
إنّ دلالة الحديث واضحة لا يمكن لأحد التشكيك فيها ، وسند الحديث صحيح ورجاله كلّهم ثقات ، نعم اشتمل السند على عطية العوفي وقد وثّقه لفيف من أهل الجرح والتعديل .
قال أبو حاتم: يكتب حديثه ، وقال ابن معين: صالح ، وقال ابن حجر: عطية

1 . الصحيفة العلوية : 51 .
2 . الصحيفة السجادية: الدعاء رقم 44 .
3 . سنن ابن ماجة: 1 / 256 برقم 778; مسند أحمد: 3 / 21 .

صفحه 156
بن سعيد بن جنادة العوفي الجدلي الكوفي أبو الحسن صدوق ، قال ابن عدي: قد روى عن جماعة من الثقات ، توفّي سنة إحدى عشرة ومائة ، قال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الأشعث فكتب الحجّاج إلى محمد بن القاسم أن يعرض عليه سبَّ علي ـ إلى أن قال: ـ كان ثقة ، وله أحاديث صالحة ، وكان أبوبكر البزّاز يعدّه في التشيّع ، روى عن جلّة الناس1 .
نعم ، هناك من ضعّفه لا لأنّه غير صدوق ، بل لأنّه كان يتشيّع ، وليس تشيّعه إلاّ ولاؤه لعلي وأهل بيته ، وهل هذا ذنب ؟!
إنّ لوضع الحديث دوافع خاصّة توجد أكثرها في أبواب المناقب والمثالب وخصائص البلدان والقبائل ، أو فيما يرجع إلى مجال العقائد ، كالبدع الموروثة من اليهود والنصارى في أبواب التجسيم والجهة وصفات الجنة والنار ، وأمّا مثل هذا الحديث الذي يعرب بوضوح عن أنّه كلام إنسان خائف من الله سبحانه ترتعد فرائصه من سماع عذابه فبعيد عن الوضع .

توسّل الأنبياء(عليهم السلام)بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)

يظهر ممّا رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنّ الأنبياء العظام يتوسّلون يوم القيامة بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)عندما يجمع الله تعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد، وتدنو الشمس ويبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولايحتملون... إلى أن قال: فيأتي الأنبياء محمداً فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقَعُ ساجداً لربّي عزّ وجلّ ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفّع ، فأرفَعُ رأسي فأقولُ: أُمّتي يا ربّ أُمّتي يا ربّ ،

1 . تقريب التهذيب: 2 / 24 برقم 216 ، وتهذيب التهذيب: 7 / 227 برقم 413 .

صفحه 157
فيقال: يا محمد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ، ثم قال : والذي نفسي بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة كما بين مكة وحميراً وكما بين مكّة وبصرى»1 .
فالحديث يدلّ على جواز التوسّل بالمقام والمنزلة لقولهم: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ...، كما أنّ فيه دلالة على طلب الشفاعة منه لقولهم اشفع لنا إلى ربك .
إنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء ليس بملاك جسمانيتهم فإنّهم وغيرهم في ذلك المجال سواسية ، وإنّما يتوسّل بهم بروحانيتهم العالية; وهي محفوظة في حال الحياة وبعد الارتحال إلى البرزخ وإلى الآخرة .
فالتفريق في التوسّل بين الحياة والممات ينشأ من نظرة مادية تعطي الأصالة للجسم والمادّة ولا تقيم للمعنى والروحانية وزناً ولا قيمةً .
فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)مدار الفضائل والكمالات وهو يتمتع بأروع الكرامات وكلّها ترجع إلى روحانيته ومعنويته القائمة المحفوظة في جميع الحالات .
فما هذا التفريق بين الحياة المادّية والبرزخية والأُخروية ؟
فمن اتّخذ الأنبياء والأولياء وغيرهم ممّن باتوا لربّهم سجّداً وقياماً ، أسباباً حال حياتهم أو بعد مماتهم ، ووسائل لقضاء حوائجهم ووسائط لجلب الخير ودفع الشر ، لم يحيدوا عمّا تهدف إليه الشريعة، ولم يتجاوزوا الخط المشروع، ولم يتعدّوا مقصود الرسالة النبوية وغاياتها .
فالأسباب لا يمكن إنكارها ، ولا يعقل تجاهلها ، ولا يتأتّى جحودها; لأنّه تعالى هو الذي خلق الأسباب والمسبّبات ورتّب النتائج على المقدّمات فمن تمسّك بالأسباب فقد تمسّك بما أمر الله سبحانه .

1 . صحيح البخاري: 6 / 84 ـ 85 ; صحيح مسلم: 1 / 127 ـ 130 ; مسند أحمد: 2 / 412 .

صفحه 158

خاتمة المطاف

سيرة الموحدين في توسّلهم

بالطيبين والطاهرين
التاريخ الصحيح يشهد على أنّه جرت سيرة الموحدين على التوسّل بالطيبين والطاهرين عند الشدائد والأزمات، عند الجفاف وقلة الأمطار، وسنوات القحط. وهانحن نذكر هنا نماذج من هذه التوسّلات الّتي أمضاها النبي (صلى الله عليه وآله)وأظهر رضاه على هذا النوع من التوسّل .

1. استسقاء عبدالمطلب بالنبي (صلى الله عليه وآله)وهو صغير

استسقى عبدالمطلب بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)وهو طفل رضيع حتّى أنّ ابن حجر قال: إنّ أبا طالب يشير بقوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
إلى ما وقع في زمن عبدالمطلب حيث استسقى لقريش والنبي (صلى الله عليه وآله)معه غلام.

2. استسقاء أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله)وهو غلام

أخرج ابن عساكر عن أبي عرفة ، قال: قدمت مكة وهم في قحط ، فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي ، وأجدب العيال ، فهلم فاستسق ، فخرج أبو طالب ومعه غلام ـ يعني: النبي (صلى الله عليه وآله) ـ كأنّه شمس دجى تجلّت عن سحابة قتماء ،

صفحه 159
وحوله أُغيلمه ، فأخذ النبيَّ أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ، ولاذَ إلى الغلام وما في السماء قزعة ، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغدودق ، وانفجر له الوادي ، وأخصب النادي والبادي ، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل1
وقد كان استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام ، بل استسقاء عبد المطلب به وهو صبي أمراً معروفاً بين العرب ، وكان شعر أبي طالب في هذه الواقعة ممّا يحفظه أكثر الناس .
ويظهر من الروايات أنّ استسقاء أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله)كان موضع رضاً منه(صلى الله عليه وآله) فإنّه بعدما بعث للرسالة استسقى للناس فجاء المطر وأخصب الوادي فقال النبي: لو كان أبو طالب حيّاً لقرّت عيناه ، ومن ينشدنا قوله ؟ فقام علي (عليه السلام)وقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)كأنّك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل2
إنّ التوسّل بالأطفال في الاستسقاء أمر ندب إليه الشارع ، قال الدكتور عبد الملك السعدي: من السنّة أن نُخرج معنا إلى الصحراء الشيوخ والصبيان والبهائم لعلَّ الله يسقينا بسببهم3 .
وهذا هو الإمام الشافعي يقول في آداب صلاة الاستسقاء: «وأُحب أن يخرج الصبيان ، ويتنظفوا للاستسقاء ، وكبار النساء ، ومن لا هيبة منهنّ ، ولا أُحبّ خروج ذات الهيبة ، ولا آمر بإخراج البهائم»4 .
فما الهدف من إخراج الصبيان والنساء الطاعنات في السن ، إلاّ استنزال الرحمة بهم وبقداستهم وطهارتهم ؟ كل ذلك يعرب عن أنّ التوسّل بالأبرياء

1 . فتح الباري: 2 / 494 ; السيرة الحلبية: 1 / 116 .
2 . إرشاد الساري: 2 / 338 .
3 . البدعة: 49 .
4 . الأُم: 1 / 230 .

صفحه 160
والصلحاء والمعصومين مفتاح استنزال الرحمة وكأنّ المتوسّل يقول: ربّي وسيّدي !! الصغير معصوم من الذنب ، والكبير الطاعن في السن أسيرك في أرضك ، وكلتا الطائفتين أحقّ بالرحمة والمرحمة . فلأجلهم أنزل رحمتك علينا ، حتى تعمّنا في ظلّهم  .
إنّ الساقي ربّما يسقي مساحة كبيرة لأجل شجرة واحدة ، وفي ظلّها تُسقى الأعشاب وسائر الحشائش غير المفيدة .

3 ـ توسّل الخليفة بعمّ النبي: العباس

روى البخاري في صحيحه قال: كان عمر بن الخطاب إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه)وقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا ، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا ، قال: فيُسقون1 .
والحديث صريح في أنّ عمر بن الخطاب توسّل بنفس العباس بما أنّ له من وشيجة بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وتشهد على ذلك الأُمور التالية:
1. قول عمر عند الدعاء: اللّهم إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبينا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعم نبينا فاسقنا، ومعنى ذلك أنّ الخليفة قام بالدعاء وتوسّل في أثناء الدعاء بعم الرسول (صلى الله عليه وآله)لا بدعاء عمّه .
2. روى ابن الأثير كيفية الاستسقاء فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة لمّا اشتدّ القحط، فسقاهم الله تعالى به، وأخصبت الأرض، فقال عمر: هذا والله الوسيلة إليّ والمكان منه، وقال حسّان:
سأل الإمام وقد تتابع جدبنا *** فسقى الغمام بغُرّة العباس
عمِّ النبي وصنو والده الذي *** ورث النبي بذاك دون الناس
أحيى الإله به البلاد فأصبحت *** مخضرّة الأجناب بعد الياسِ

1 . صحيح البخاري: 2 / 32، باب صلاة الاستسقاء .

صفحه 161
ولمّا سَقوا طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون هنيئاً لك يا ساقي الحرمين 1 .
أيها القارئ: أمعن في قول عمر: «هذا والله الوسيلة».
ويظهر من قول حسّان: «سأل الإمام...»، أنّ المستسقي كان هو عمر، وهو الداعي وكان العباس وسيلته لإجابة الدعاء.
وربّما يقال: لو كان المقصود التوسل بذات العباس لكان النبي (صلى الله عليه وآله)أفضل وأعلم، فلماذا لم يتوسل بذات النبي (صلى الله عليه وآله)؟
ولكن الإجابة عنه واضحة، وذلك لأن الهدف من إخراج عم النبي (صلى الله عليه وآله)إلى المصلّى وضمّه إلى الناس هو استنزال الرحمة، فكأن المصلّين يقولون: ربّنا إذا لم نكن مستحقّين لنزول الرحمة، فإنّ عمّ النبي مستحق لها، فأنزل رحمتك إليه لتريحه من أزمة القحط والغلاء، وعندئذ تعمّ الرحمة غير العباس، ومن المعلوم أنّ هذا لا يتحقق إلاّ بالتوسّل بإنسان حيّ يكون شريكاً مع الجماعة في الصبر وفي هناء العيش ورغده لا مثل النبيّ الراحل الخارج عن الدنيا والنازل في الآخرة، نعم يجوز التوسل بشخصه أيضاً ولكن لا بهذا الملاك بل بملاك آخر لم يكن مطروحاً لعمر في هذا المقام.
***
نجزت بحمد الله رسالتنا في التوسّل وقد أسفرت الحقيقة عن وجهها وعُلم أنّ التوسّل بأنواعه العشرة أمر مندوب إليه، دعا إليه الكتاب والسنّة، وعمل به النبي (صلى الله عليه وآله)وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. واستمرت السيرة على التوسّل بأصنافه الماضية، عند عامّة المسلمين.
ولا يجد المنصف فيها أي رائحة للشرك، بل روح الجميع خضوع لرب الأرباب خالق السماوات والأرض، والمتوسّلون يطلبون استجابة حوائجهم من خالقهم وربّهم ومعبودهم ولكن من خلال التوسّل بوسائل تنزل مغفرته وتثير

1 . أُسد الغابة: 3 / 111، ط. مصر.

صفحه 162
رحمته.
فعلى الغيارى من علماء الإسلام التصدي للدعايات الفارغة عن الدليل، والمفرّقة لوحدة المسلمين، بالنقد والرد حتّى (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَ يَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة )1، بإذن من الله سبحانه .
نسأل الله تعالى أن ينير أبصارنا ويصلح قلوبنا ويخلص نوايانا، ويجعلنا من أنصار كتابه وسنة نبيّه، والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم / مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
26 ذي الحجة الحرام
من شهور عام 1430 هـ

1 . الأنفال: 42 .

صفحه 163
الاحتفال بيوم الغدير أو سلمان العودة توّاب عوّاد
12

الاحتفال بيوم الغدير

أو

سلمان العودة توّاب عوّاد

إنّ سلمان العودة من رجال الوهابية المتعصّبين، وقد سار على هذا المنهج أعواماً، غير أنّه عَدَلَ عن مواقفه القاسية وأصبح أحد المعتدلين وندد بالمتطرفين والتكفيريين في خطبه وكلماته، كما أظهر أنّه يدعم موقف التقريب بين المذاهب والدعوة إلى الأُلفة والوحدة الإسلامية، لغاية تكاتف أبناء الأُمّة الإسلامية وتضامنهم أمام الأعداء.
حتّى أنّه عندما نشرت بعض وسائل الإعلام خطاباً له ربّما يُشمّ منه العنف والتطرّف، اعتذر بأنّه خطاب قديم سجّل على الشريط وأُذيع مؤخّراً.
ومع ذلك كلّه فقد عاد سلمان بن فهد العودة ـ مجدّداً ـ إلى ما رجع عنه، ونقض ما فتل أخيراً (كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا)1، وصار عمله هذا مجسّداً لاسمه «سلمان العودة»، وهذا ما نراه في مقاله الّذي نشرته جريدة

1 . النحل: 92 .

صفحه 164
«الجزيرة» 1 وإليك نصّه:
«وأعياد الأُممّ الكافرة ترتبط بأُمور دنيوية مثل قيام دولة أو سقوطها، أو تنصيب حاكم أو تتويجه، أو زواجه، أو لحلول مناسبة زمانية كفصل الربيع أو غير ذلك، ولليهود أعيادهم، وللنصارى أعيادهم الخاصّة بهم، فمن أعياد النصارى العيد الّذي يكون في الخميس الّذي يزعمون أنّ المائدة أُنزلت فيه على عيسى(عليه السلام)، وكذلك عيد ميلاد عيسى، وعيد رأس السنة «الكريسميس»، وعيد الشكر، وعيد العطاء، ويحتفلون بها الآن في جميع البلاد الأُوربية والإمريكية وغيرها من البلاد الّتي للنصرانية فيها ظهور، وإن لم تكن نصرانية، وللمجوس كذلك أعيادهم الخاصة بهم، مثل عيد المهرجان، وعيد النوروز وغيرهما. وللرافضة أيضاً أعيادهم، مثل عيد الغدير الّذي يزعمون أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)بايع فيه علياً (رضي الله عنه)بالخلافة».
وها نحن نلفت نظر الشيخ إلى النقاط التالية، ولعلّه يجد لها أجوبة أو يرجّح العودة الثانية إلى صف المعتدلين، والاعتذار عمّا أبداه في هذا المقال:
1. أنّه ـ عفا الله عنّا وعنه ـ اعتبر الاحتفال بتأسيس الدولة أو سقوطها في يوم من أيام السنة شأن الأُممّ الكافرة، ولكن الشيخ لم ينس ولن ينسى أنّ الدولة السعودية شعباً وحكومة احتفلت بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية عام 1419 هـ ، وكان لهذا الاحتفال صدى في المملكة وحضوراً واسعاً من الطبقات المختلفة، فهل الشيخ يعدّ الاحتفال بهذه المناسبة من أعياد الأُممّ الكافرة، أو يعدّ المشايخ والعلماء الذين حضروا فيه من الكفّار؟ ياترى ؟!!
2. أنّ الشيخ عدّ اتّخاذ النصارى خميس آخر السنة عيداً من أعياد الأُممّ الكافرة مع أنّ الأساس لهذا العيد هو دعاء نبي الله عيسى بن مريم كما حكى عنه سبحانه: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا

1 . انظر جريدة «الجزيرة» العدد 12799، يوم الأحد الثاني من شوال 1428 هـ .

صفحه 165
عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَ آيَةً مِنْك وَ ارْزُقْنَا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)1.
وكون النصرانية من الأُممّ الكافرة لا يكون مبرراً لإنكار عملهم هذا الّذي نرى أنّ له جذوراً في الكتاب العزيز كما عرفت.
3. لقد عدّ عيد الغدير الّذي يحتفل به الشيعة احتفالاً باهراً، من أعياد الأُمم الكافرة وبذلك عطف ربع المسلمين أو ثلثهم إلى معسكر الأُممّ الكافرة، وهذا يدل على أن الرجل باق على مواقفه السابقة القاسية، ولو تكلّم بشيء من اللين والتسامح فإنّما هو لمصلحة جرّته إلى ذلك، وإلاّ فالرجل من حملة التكفير ودعاة العنف.
إنّ أرخص التهم بين هؤلاء هو رمي الآخرين بالكفر تارة، والشرك أُخرى، والبدعة ثالثةً، وكأنّ معايير الشرك والكفر فُوّضت إليهم، يكفّرون مَن شاءوا ويصفون مَن شاءوا بالشرك!!
إنّ الشيعة يحتفلون باليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام ويجتمعون في المساجد والمعاهد ويذكرون في هذا اليوم فضائل الإمام علي (عليه السلام)شكراً لله على عظيم النعمة الّتي أعطيت لهذه الأُمّة.
فإذا كانت المائدة السماوية الّتي تشبع البطن عدة ساعات سبباً لاتّخاذ ذلك اليوم عيداً لأوّلهم وآخرهم فلم لا يكون تنصيب علي ـ أعلم الأُمّة وأتقاهم ـ للإمامة والولاية موجباً للمسرة والفرح؟!
إنّ الشيعة لم يصدروا في عملهم هذا عن هوى وإنّما صدروا عن السنة النبوية الّتي أمرت باتّخاذ هذا اليوم عيداً، وأمر النبي(صلى الله عليه وآله) أصحابه بالتهنئة لصاحب الولاية علي أمير المؤمنين(عليه السلام) في ذلك اليوم.
إنّ ولاية علي يوم الغدير، نزل بها كتاب الله المبين، وتواترت بها السنّة النبوية وتواصلت حلقات أسانيدها منذ عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا.

1 . المائدة: 114 .

صفحه 166
والثابت الصحيح من السيرة النبوية أن رسول الله(صلى الله عليه وآله)أجمع الخروج إلى الحج العام العاشر من الهجرة وأذّن للناس بذلك، فقدم المدينة خلق كثير يأتمون به في حجّته الّتي يقال لها حجّة الوداع، وحجّة الإسلام، وحجّة البلاغ، ولم يحجّ غيرها منذ هاجر إلى أن توفّاه الله، فلمّا قضى مناسكه وانصرف راجعاً إلى المدينة وصل إلى غدير خم من الجهة الّتي تتشعب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وذلك يوم الخميس 18 من ذي الحجة، نزل إليه جبرئيل الأمين عن الله بقوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّكَ)1 وأمره أن ينصب علياً علماً للناس ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كل أحد.
فقام(صلى الله عليه وآله) خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل وأسمع الجميع رافعاً صوته، فحمدالله وشهد له بالتوحيد ولنفسه بالرسالة، وقال: ألستم تشهدون أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد عبده ورسوله، وأنّ الموت حق والساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟!
قالوا: نشهد بذلك.
قال: اللّهم اشهد.
ثم قال: أيّها الناس ما أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلىّ مولاه، يقولها ثلاث مرات .
وقد روى حديث الغدير أُمّة كبيرة من الصحابة والتابعين والعلماء.
فمن الصحابة يربو عدد الرواة إلى مائة وعشرين صحابياً .
ومن التابعين إلى أربع وثمانين تابعياً .
ومن العلماء ثلاثمائة وستين عالماً.

1 . المائدة: 67 .

صفحه 167
وهذا الجمع الغفير من الصحابة والتابعين لهم بإحسان والعلماء وفيهم المحدّثون واللغويون والأُدباء والمؤرّخون، يمتنع تواطؤهم على الكذب، فلو لم يوصف حديث الغدير بالتواتر، كما يدّعي البعض زوراً وبهتاناً، فلن تجد مثيله في الأحاديث الإسلامية من خلال تعدّد طرقه، وكثرة رواته، ووفرة المصادر التي نقلته من الفريقين.
وقد نزلت في هذا اليوم آية التبيلغ أي: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّكَ)فاجتماع المسلمين في ذلك اليوم هو تجسيد لآية التبليغ وتجسيد لطلب النبي (صلى الله عليه وآله): «ألا فليبلغ الشاهدُ الغائب».
وأمّا التهنئة في ذلك اليوم فقد صدرت الأُمة الإسلامية عن حديث النبي(صلى الله عليه وآله)فقد أمر النبي أصحابه بعد ما نزل من على المنبر بقوله: سلّموا على علي بإمرة المؤمنين: (وَ قَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَ مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ)1. 2
روى المؤرخ ابن خاوندشاه (المتوفّى 903 هـ) في «روضة الصفا» في الجزء الثاني من ج 1 ص 173 بعد ذكر حديث الغدير ما ترجمته: ثم جلس رسول الله(صلى الله عليه وآله)في خيمة تخصّه وأمر أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) أن يجلس في خيمة أُخرى وأمر إطباق الناس بأن يهنّئوا علياً في خيمته، ولمّا فرغ الناس من تقديم التهنئة له(عليه السلام)، أمر رسول الله أُمّهات المؤمنين بأن يَسرن إليه ويهنّئنه ففعلن، وممّن هنّأه من الصحابة: عمر بن الخطاب، فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب! أصبحت مولاي ومولى جميع المؤمنين والمؤمنات .
وقد روى المحقّق العلاّمة الأميني حديث التهنئة يوم الغدير عن ستين شخصاً.

1 . الأعراف: 43 .
2 . الغدير: 1 / 270. نقلاً عن كتاب الولاية في طرق الحديث، للحافظ أبي جعفر محمد بن جريرالطبري.

صفحه 168
وقد كان أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كالصادق والكاظم والرضا(عليهم السلام) يحتفلون في ذلك اليوم، فمن أراد الاطلاع فليرجع إلى الكافي للكليني، وقد ذكر نصوص الروايات العلاّمة الاميني في الغدير 1.
وقد كان ذلك اليوم في القرون السابقة معروفاً بعيد غدير خم، فهذا هو ابن خلكان يقول في ترجمة المستعلي الفاطمي:
وكانت ولادة المستعلي لعشر ليال بقين من المحرم سنة 469 هـ بالقاهرة وبويع في يوم عيد غدير خم وهو الثامن عشر من ذي الحجة سنة 487 هـ 2.
وقال ـ أيضاً ـ : في ترجمة المستنصر: وكانت ولادة المستنصر صبيحة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة عشرين وأربعمائة، وتوفّي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى .
قلت: وهذه الليلة هي ليلة عيد الغدير، أعني ليلة الثامن عشر من ذي الحجة، وهو غدير خم ـ بضم الخاء وتشديد الميم ـ ورأيت جماعة كثيرة يسألون عن هذه الليلة متى كانت من ذي الحجة؟ وهذا المكان بين مكة والمدينة، وفيه غدير ماء، ويُقال إنّه غيْضَة هناك ولما رجع النبي(صلى الله عليه وآله)من مكة، شرفها الله تعالى، عام حجة الوداع، ووصل إلى هذا المكان وآخى عليَّ بن أبي طالب(عليه السلام)، قال: علي مني كهارون من موسى، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله .3
وقال المسعودي بعد ذكر حديث الغدير: وولد علي (رضي الله عنه) وشيعتهُ يعظّمون هذا اليوم.4

1 . الغدير: 1 / 185 ـ 287 .
2 . وفيات الأعيان: 1 / 180، تحقيق الدكتور إحسان عباس .
3 . وفيات الاعيان: 5 / 230 ـ 231 .
4 . التنجيم والاشراف: 221 .

صفحه 169
وقال الثعالبي: بعد أن عدّ ليلة الغدير من الليالي المشهورة عند الأُمّة ما هذا لفظه: هي الّتي خطب رسول الله في غدير خم على أقتاب الإبل فقال في خطبته: من كنت مولاه فعليّ مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. فالشيعة يعظّمون هذه الليلة ويحيونها قياماً.1
إلى غير ذلك من النصوص الدالّة على اشتهار ذلك اليوم بعيد الغدير، وذكره الحفاظ والمؤرخون بهذا الوصف من دون غمز ولمز.
ففي الختام نرجو من الخطيب سلمان العودة أن يعود إلى ما رجع عنه ويعتذر عن وصف أُمّة كبيرة بالكفر ويتّخذ موقفاً علمياً صحيحاً تابعاً للكتاب والسنّة والتاريخ الصحيح.

1 . ثمار القلوب: 511 .

صفحه 170
في تسمية الولد بعبد المسيح
13

في تسمية الولد بعبد المسيح1

قرأنا في قسم الفتاوى في العدد (479) من مجلة «الشريعة» الأردنية أسئلة مختلفة أجاب عنها عددٌ من الشيوخ والأساتذة ـ حفظهم اللّه تبارك وتعالى ـ. ومن تلك الأسئلة سؤال يتعلق بجواز تسمية الولد بـ (عبد المسيح) وقد أجاب عنه الشيخ يوسف القرضاوي قائلاً: هذه التسمية حرام، حرام، حرام، أعني: أنّ حرمتها مضاعفة ثلاث:
الأُولى: أنّ كل اسم معبد لغير الله تحرم التسمية به بإجماع المسلمين .
أقول: ولنا على الشق الأوّل من هذه الإجابة تعليق ينبغي التنبيه عليه ينفع في إبعاد شبهة تثار حول جواز التسمية بأسماء شاعت بين المسلمين كعبد النبي أو عبد الرسول أو غير ذلك.
ولو أنّ الشيخ وضّح معنى العبد في مثل هذه الأسماء لما ادّعى الإجماع على حرمته، لأنّ العبودية تطلق ويراد بها معان مختلفة ويختلف حكمها حسب اختلاف الموارد وهذا بيانه:
1. العـبودية التكوينية، وهي بهذا المعنى ناشئة من المملوكية التكوينية التي تعمّ جميع العباد، ومنشأ المملوكية كونه سبحانه خالقاً، والإنسان مخلوقاً.

1 . تم إرسال هذه المقالة في 16 ذي الحجة 1426 هـ .

صفحه 171
فالعبودية إذا كانت رمزاً للمملوكية الناشئة من الخالقية، فهي لا تضاف إلاّ إلى اللّه سبحانه كما يقول سبحانه: (إِنْ كُـلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحمن عَبْداً).1
وقال سبحانه حاكياً عن المسيح:(إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيّاً).2
2. العبودية الوضعية الناشئة من غلبة إنسان على إنسان في الحروب، وقد أمضاها الشارع تحت شرائط معينة مذكورة في الفقه.
فأمر الأُسارى ـ الذين يقعون في الأسر بيد المسلمين ـ موكول إلى الحاكم الشرعي فهو مخيّر بين إطلاق سراحهم بلا عوض، أو بأخذ مال منهم، أو استرقاقهم.
فإذا اختار الثالث فيكون الأسير عبداً للمسلم، ولذلك ترى أنّ الفقهاء عقدوا باباً باسم «العبيد والإماء».
قال سبحانه:(وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ).3
تجد أنّه سبحانه ينسب العبودية والإمائية إلى الذين يتملكونهم ويقول:(عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ)فيضيف العبد إلى غير اسمه جلّ ذكره.
3. العبودية بمعنى الطاعة وبها فسرها أصحاب المعاجم.4
والمعنى الثالث هو المقصود من تلك الأسماء فيسمُّون أولادهم باسم عبد الرسول أي مطيع الرسول ، وعبد الحسين أي مطيعه، وكلّ مسلم مطيع للرسول والأئمّة من بعده، ولا شكّ أنّه يجب إطاعة النبي(صلى الله عليه وآله)وأُولي الأمر.

1 . مريم:93.
2 . مريم:30.
3 . النور:32.
4 . لاحظ:لسان العرب: مادة عبد، وكذلك «القاموس المحيط» في نفس المادة.

صفحه 172
قال سبحانه: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ).1
فعرّف القرآنُ النبيَ بأنّه مطاع والمسلمين بأنّهم مطيعون، ولا عتب على الإنسان أن يبرز هذه المعاني من خلال تسمية أولاده وفلذات كبده بهذه الأسماء المقدّسة.
نعم المسمّى بعبد الرسول هو عبد للرسول وفي الوقت نفسه عبد للّه أيضاً، ولا منافاة بين النسبتين لما عرفت من أنّ العبودية في الصورة الأُولى هي العبودية التكوينية النابعة من الخالقية، ولكنّها في الصورة الثانية والثالثة ناجمة عن تشريعه سبحانه حيث جعل الغالب مولى والأسير عبداً، كما جعل النبي مطاعاً وغيره عبداً أي مطيعاً، وشتّان ما بينهما وبين المعنى الأوّل، ولا أجد مسلماً على أديم الأرض يسمّي اسمَ ولده بعبد الرسول ويقصد به العبودية التكوينية للرسول، وانّما يقصد المعنى الثالث وهو كونه مطيعاً للرسول. وغاية ما يمكن أن يقال يقصد العبودية التشريفية والتنزيلية بضرب من المجاز وتشبيهاً بالعبودية الرائجة بين الموالي العرفيين وعبيدهم.

1 . النساء:59.

صفحه 173
محسن بن علي بين الحقيقة والخيال
14

محسن بن علي بين الحقيقة والخيال

رسالة إلى الناطق
باسم مبرّة الآل والأصحاب الشيخ محمد العوضي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أمّا بعد;
فقد بلغنا أنّ جنابكم تكلّمتم حول محسن«السقط» وقلتم:إنّ القصة أُسطورة اختلقتها الشيعة، مستدلّين بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) قد أسرّ حديثاً قبل وفاته إلى بضعته فاطمة(عليها السلام) بحيث بكت في أوّله ثم ضحكت (الحديث المعروف)، وقلتم إنّ هذا الحديث مروي عن الفريقين.
وأضفتم بأنّ المحسن هو من أهل البيت وسقوطه ـ بمعنى وفاته ـ ينافي الحديث المتفق عليه من أنّ فاطمة هي أوّل أهل البيت لحوقاً بالنبي(صلى الله عليه وآله).
ولكن الذي ألفت نظركم إليه هو أنّ الموضوع الذي نفيتم قد أكده أكثر من عشرين مؤرخاً ومحدّثاً من أهل السنّة، وقد قام المؤرّخون المحقّقون بتنقيب الموضوع وتحقيقه، غير أنّ جنابكم لم تقفوا على جهود هؤلاء، وها نحن نذكر عصارة ما قام به أحد أقطاب التاريخ والنسب وهو السيد محمد مهدي الخرسان أحد علماء النجف الأشرف(بتصرف وتلخيص) وهو ليس فريداً في ذلك الباب فقد قام بتحقيق الموضوع غير واحد من علمائنا الأعلام.

صفحه 174
وإليك أسماء من ذكر هذا الموضوع من فضلاء السنّة:
1. أبو إسحاق إبراهيم النظّام (المتوفّى 231هـ.) قال: إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها. نقله عنه الصفدي في الوافي بالوفيات:6/17، والشهرستاني في الملل والنحل:1/77.
2. ابن قتيبة(المتوفّى 276هـ.) قال: إنّ محسناً فسد من زحم قنفذ العدوي، نقله عنه الحافظ السروي المعروف بابن شهرآشوب(المتوفّى 588هـ.) في كتابه «مناقب آل أبي طالب»:3/933، ولكن يد الأمانة حذفت هذه الجملة من معارف ابن قتيبة، كما حذفت غيرها مما كشفه بعض الأعلام عنه، كالعلامة الأميني في غديره.
وليس ابن شهرآشوب هو الوحيد في نقل هذه الجملة عن المعارف بل أنّ الحافظ الكنجي الشافعي نقلها عنه حيث قال: إنّ فاطمة أسقطت بعد النبي(صلى الله عليه وآله)ذكراً سماه رسول الله(صلى الله عليه وآله) محسناً، ثم قال: وهذا شيءٌ لم يوجد عند أحد من أهل النقل إلاّ عند ابن قتيبة.1
3. النسابة الشيخ أبو الحسن العمري الذي كان حياً في (425هـ.) قال في كتابه المجدي ـ بعد ذكر اختلاف النسابين في المحسن ـ : ولم يحتسبوا بمحسن لأنّه ولد ميّتاً وقد روت الشيعة خبر المحسن والرفسة، ووجدت بعض كتب أهل النسب يحتوي على ذكر المحسن،ولم يذكر الرفسة من جهة أعوّل عليها.2
4. النسابة محمد بن أسعد بن علي الحسيني الجواني(المتوفّى588هـ.) قال: وقيل درج صغيراً والصحيح أنّ فاطمة أسقطت جنيناً.3
5. كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي(المتوفّى 652هـ.) قال في مطالب السؤول عند ذكر أولاد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): وذكروا فيهم محسناً شقيقاً للحسن

1. سنذكر مصدره تحت رقم6.
2 . المجدي في أنساب الطالبيين:12.
3. الشجرة المحمدية والنسبة الهاشمية(نسخة مصورة في مجلة الموسم، ع32، سنة 1418هـ.).

صفحه 175
والحسين وكان سقطاً.1
6. الحافظ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي(المتوفّى 658هـ.) حكى في كتابه «كفاية الطالب» أنّ فاطمة أسقطت بعد النبي(صلى الله عليه وآله) ذكراً كان سمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله)محسناً. وقد مرّ كلامه عند نقل القصة عن ابن قتيبة.2
7. الحمويني(المتوفّى730هـ.) ذكر القصة باسناده وقال: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن إلى أن قال:وأمّا ابنتي فإنّها سيدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، وهي بضعة مني وهي...، وإنّي لمّا رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأنّي بها وقد دخل الذلّ بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصب حقها، ومُنعت إرثها، وكُسر جنبها، وأُسقطت جنينها.3
8. الحافظ جمال الدين المزّي في كتابه تهذيب الكمال قال: كان لعلي من الولد الذكور...والذين لم يعقبوا محسن درج سقطاً.4
9. الحافظ الذهبي(المتوفّى749هـ.) قال في كتابه «فتح المطالب في فضل علي بن أبي طالب»: إنّ المحسن سقط، نقله عنه صلاح الدين الصفدي المذكور تالياً، وذكره أيضاً في سير أعلام النبلاء.5
10. صلاح الدين الصفدي(المتوفّى 734هـ.) قال في الوافي بالوفيات: والمحسن طرح، وحكى ذلك من كتاب شيخه الذهبي «فتح المطالب في فضل علي بن أبي طالب».6
11. التقي الفاسي الحسني المكي (المتوفّى 832هـ.) في كتابه «العقد الثمين في

1. مطالب السؤول:62، الفصل 11.
2. كفاية الطالب:423.
3. فرائد السمطين:2/34.
4. تهذيب الكمال:20/479.
5.سير أعلام النبلاء:3/125.
6. الوافي بالوفيات:21/281.

صفحه 176
تاريخ البلد الأمين»، قال: ولعلي من الولد الحسن والحسين ومحسناً، ثم ذكر في صفحة تالية قول الحافظ المزّي في «تهذيب الكمال»: ومحسن درج سقطاً، ولم يعقب عليه بشيء.1
12. إبراهيم بن عبد الرحمن الحنفي الطرابلسي(كان حياً 841هـ.) قال في المشجرة التي صنعت للخليفة الناصر وكتبت لخزانة صلاح الدين ص 9: محسن ابن فاطمة أسقط، وقيل درج صغيراً، والصحيح أنّ فاطمة أسقطت جنينها.
13. ابن الصباغ المالكي الصفاقسي(المتوفّى 855هـ.) قال في ذكر أولاد الإمام: وذكروا أنّ فيهم محسناً شقيقاً للحسن والحسين ذكرته الشيعة وإنّه كان سقطاً.2
14. أبو الفضيل محمد الكاظم بن أبي الفتوح قال في كتابه«النفحة العنبرية في أنساب خير البرية» الذي ألفه سنة 891هـ.: والمحسن وأخوه ولدا ميتين من الزهراء(عليها السلام).3
15. الصفوري الشافعي (المتوفّى 894هـ.) قال: كان الحسن أوّل أولاد فاطمة الخمسة: الحسن والحسين والمحسن ـ كان سقطاً ـ وزينب الكبرى وزينب الصغرى.4
وقال في كتابه الآخر «المحاسن المجتمعة في الخلفاء الأربعة» نقلاً من كتاب الاستيعاب لابن عبد البر قال: وأسقطت فاطمة سقطاً سماه علىّ محسناً5، وقد حذفت يد الأمانة هذه الجملة من الاستيعاب المطبوع، ولعبت بالآثار الإسلامية في غير واحد من الموارد.
16. الشيخ جمال الدين يوسف المقدسي(المتوفّى 909هـ.) في «الشجرة

1. العقد الثمين:6/202 و 203.
2. الفصول المهمة:54.
3. النفحة العنبرية النسخة مصورة عن نسخة المجمع العلمي العراقي.
4. نزهة المجالس:2/229.
5. المحاسن المجتمعة:164.

صفحه 177
النبوية في نسب خير البرية» قال: محسن قيل: سقط، وقيل: بل درج صغيراً، والصحيح أنّ فاطمة أسقطت جنيناً.1
17. النسابة عميد الدين الذي كان حيّاً سنة (929هـ.) قال: والمحسن الذي سقط.2
18. السيد المرتضى الزبيدي (المتوفّى1205هـ.) قال في «تاج العروس» مادة شبر: المحسّن ـ بتشديد السين ـ ذهب أكثر الإمامية من أنّه كان حملاً فأسقطته فاطمة الزهراء لستة أشهر وذلك بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله).3
19. الشيخ محمود بن وهيب الحنفي قال: وأمّا محسن فأدرج سقطاً.4
20. الشيخ محمد الصبان الشافعي (المتوفّى1206هـ.) قال: وأمّا محسن فأدرج سقطاً.5
21. الشيخ حسن الحمزاوي المالكي قال في كتابه«مشارق الأنوار» الذي فرغ من تأليفه سنة 1264هـ. : وأمّا محسن فأدرج سقطاً.6
هذه جملة من المحدثين والنسابين والمؤرخين ذكروا حديث سقط المحسن، فكيف تكون أسطورة اختلقتها الشيعة؟!
فإذا أُضيف إليها ما ذكره علماء الشيعة من العصور الأُولى إلى العصر الحاضر رأيت أنّ القصة صارت ظاهرة متواترة لا يشك فيها إلاّ من أغمض عينيه عن رؤية الحق.
والذي نرجوه من الشيخ أن ينظر إلى هذه المصادر ولا يكون من رماة الكلام

1. الشجرة النبوية في نسب خير البرية:60.
2. المشجر الكشاف:229.
3. تاج العروس: مادة (شبر).
4. جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام:104.
5. إسعاف الراغبين بهامش مشارق الأنوار للحمزاوي:81.
6. نفس المصدر.

صفحه 178
على عواهنه.
***
وأمّا ما استدل به من أنّ القول بسقط المحسن ينافي الحديث المعروف من أنّ السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)هي أوّل أهل البيت لحوقاً بالنبي(صلى الله عليه وآله) فالجواب عنه واضح جدّاً ـ ووجدان الشيخ قاض بذلك ـ، لأنّ الحديث ناظرٌ إلى المتواجدين والحاضرين حول الرسول(صلى الله عليه وآله) وأمّا الجنين المستور في ظلمات ثلاث فلا يعد من أهل البيت مادام لم يظهر إلى عالم الوجود.
والسلام عليكم وعلى كل من أحبّ الحق وترك التعصب لأجل الحق.
جعفر السبحاني
قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
5 شوال المكرم1430هـ.

صفحه 179

   الفصل الثاني:

في الأُصول والحديث والفقه

1. أُصول الفقه ومناهجه عبر العصور
2. مصطلح«المسند» في علوم الحديث والمسانيد في عصر الأئمة(عليهم السلام)
3. منهجية نقد متن الحديث
4. حجة الوداع خطب وإرشاد
5. ما هو المراد من أنّ الأنبياء لم يورثوا؟
6. رسالة إلى الدكتور عبد الوهاب في رؤية الهلال
7. شركة الاعمال في الفقه الإسلامي
8. وقف الحلي والأثمان
9. رسالة في إرث الزوجة
10. هل ترك النبي(صلى الله عليه وآله) من مصادر التشريع
11. ادّعاء تحريم الزواج المؤقّت(المتعة)
12. عدم كفاية التسمية عند الأكل
13. حرمة الاستمناء كتاباً وسنة
14. الغناء والموسيقى في الكتاب والسنّة
15. في عدم مساواة دية المرأة لدية الرجل

صفحه 180
 

صفحه 181
أُصول الفقه ومناهجه عبر العصور
1

أُصول الفقه

ومناهجه عبر العصور
عُرّف علم الأُصول بالعلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية، ولمّا كان هذا التعريف مختصّاً بالموارد التي يستنبط المجتهد فيها الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة، ولا يشمل ما يستنبطه المجتهد بما يعد وظيفة فعلية للشاك في التكليف كأصل البراءة والاحتياط وغيرهما من الأُصول العملية، أضاف المتأخّرون من الأُصوليين على التعريف قيداً آخر، وهو:«أوما ينتهي إليه المستنبط في مقام العمل».
وعلى كلّ تقدير فأُصول الفقه في كلا الحقلين يقع في خدمة الفقه، ويوصف بالطريق الموصل إليه، فلذلك يعدّ من المبادئ التصديقية للقواعد والمسائل الفقهية، ويراد من المبادئ التصديقية القضايا التي يتوقّف التصديق بالنسب الموجودة في العلم (الفقه) عليها.
وهذا التعريف للمبادئ التصديقية ينطبق تماماً على أُصول الفقه، مثلاً قد وردت في الكتاب والسنّة أوامر ونواهي، والتصديق بوجوب ما أمر به أو حرمة ما نهي عنه موقوفٌ على ثبوت المسألة الأُصولية، وهو أنّ الأمر يدلّ على الوجوب وضعاً أو عقلاً، والنهي يدلّ على الحرمة كذلك، وهكذا سائر المسائل الأُصولية التي لها دور في استنباط الأحكام الشرعية.

صفحه 182
إنّ أبواب المفاهيم لها دور في استنباط الحكم الشرعي، فلو ثبت في علم الأُصول أنّ الجملة الشرطية والوصفية تدلاّن على الثبوت عند الثبوت والانتفاء عند الانتفاء، تستخدم المسألة الأُصولية في استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الجمل الشرطية والوصفية الواردة في الكتاب العزيز. ويحكم على الحكم الشرعي في قوله:«الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء» بالثبوت لدى ثبوت القيد والانتفاء عند انتفائه.
ونظير ذلك باب العام والمطلق فإنّ حجّية عموم العام وإطلاق المطلق عند الشك في التخصيص والتقييد مسألة أُصولية يستنبط منها الحكم الشرعي الفرعي، وذلك إذا ورد عام أو مطلق وشككنا في خروج فرد أو طائفة من تحتهما. إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي لها دور في استنباط الأحكام.
فإذا كان لعلم الأُصول ذلك الشأن فلا محيص من الاهتمام به ودراسته وتدريسه وتدوينه، إلى غير ذلك ممّا يزيد في تكامل العلم وتساميه.

أُصول الفقه في أحاديث العترة

لم يكن علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولاً عنه في عصر الأئمّة(عليهم السلام)، فقد أملى الإمام الباقر(عليه السلام) وأعقبه الإمام الصادق(عليه السلام) على أصحابهما قواعد كليّة في الاستنباط، رتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث أُصول الفقه.
ونخصّ بالذكر الكتب الثلاثة التالية:
1. الفصول المهمة في أُصول الأئمة للمحدث الحرّ العاملي(المتوفّى 1104هـ.).
2. الأُصول الأصلية للعلاّمة السيد عبد الله شبر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242هـ.).
3. أُصول آل الرسول، للسيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى 1318هـ.).

صفحه 183
فقد بدأ نشاط تدوين علم أُصول الفقه عند الإمامية على ضوء القواعد الكلية الموجودة في أحاديث أئمتهم(عليهم السلام) بالنحو التالي:
فألّف يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208هـ.) كتابه «اختلاف الحديث ومسائله» وهو نفس باب التعادل والترجيح في الكتب الأُصولية.
كما ألّف أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي(237ـ 311هـ.) كتاب الخصوص والعموم، والأسماء والأحكام، وإبطال القياس.
إلى أن وصلت النوبة إلى الحسن بن موسى النوبختي فألّف كتاب «خبر الواحد والعمل به». وهذه هي المرحلة الأُولى لنشوء علم أُصول الفقه عند الشيعة القدماء.
وبذلك يعلم أنّ أئمّة الشيعة(عليهم السلام) سبقوا غيرهم في إملاء القواعد الأُصولية على أصحابهم، كما أنّ تلامذتهم شاركوا الآخرين في حلبة التأليف والتصنيف.

أُصول الفقه ومناهجه المختلفة

لمّا ألّف الشافعي رسالته في أُصول الفقه وذاعت بين الفقهاء، عمد فقهاء أهل السنّة إلى تدوين مسائل الأُصول على طريقتين: اختصّ المتكلّمون بطريقة، وفقهاء الأحناف بطريقة أُخرى.

الطريقة الأُولى: طريقة المتكلّمين

فقد تميّزت كتبهم بأمرين:
1. هؤلاء نظروا إلى علم الأُصول نظرة استقلاليّة، وأنّه علم برأسه، فصاروا يقتنصون قواعده من هنا وهناك من دون نظر إلى فتوى فقيه دون فقيه، وبذلك صار أُصول الفقه علماً مستقلاً كسائر العلوم يخدم الفقه بما أنّه من مبادئه التصديقية، وبه توزن فتوى الفقيه فإن وافقت القاعدة فقد أصاب، وإن خالفت فقد أخطأ.

صفحه 184
2. سيادة الطابَع العقلي على مؤلّفهاتهم الأُصولية فأدخلوا فيه مسائل كلامية، كالحسن والقبح العقليّين وجواز تكليف ما لا يطاق وعدمه، إلى غير ذلك من المسائل العقلية .
فما بال علم باض وفرّخ بيد أهل المعقول الذين لا يصدرون في علومهم ومعارفهم إلاّ عن البرهان، فلا محالة تتسم آراء الأُصوليين بالطابع العقلي .
فأوّل من بدأ التأليف على هذا النمط هو أبو بكر الصيرفي (المتوفّى 330 هـ.)، قال القفّال في حقّه: ما رأيت أعلم بالأُصول بعد الشافعي من أبي بكر الصيرفي، له في الأُصول كتاب «البيان في دلائل الأعلام على أُصول الأحكام» وكتاب في الإجماع.
وقد تتابع التأليف على هذا النمط إلى أواخر القرن الثامن، فألّف جمال الدين الأسنوي شيخ الإسلام ورئيس الشافعية بالديار المصرية (المتوفّى 772 هـ.) «نهاية السؤول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأُصول» المطبوع المنتشر، وله أيضاً كتاب الزوائد وهو تلخيص للكتب الثلاثة: «المحصول» للرازي، و «الإحكام» للآمدي و «مختصر الأُصول» لابن الحاجب.
وممّا يجدر ذكره أنّ الكتب الأُم لهذه الطريقة لا تتجاوز ثلاثة:
1. المعتمد لأبي الحسين البصري (المتوفّى 436 هـ.).
2. البرهان لإمام الحرمين الجويني (المتوفّى 478 هـ.).
3. المستصفى للغزالي (المتوفّى 505 هـ.).
وأمّا سائر الكتب فتتمتع بالتلخيص، فقد لخّص هذه الكتب الثلاثة فخر الدين الرازي (المتوفّى 606 هـ.) وأسماه بالمحصول، كما قام بهذا العمل وزاد على الثلاثة شيئاً أبو الحسين المعروف بالآمدي (المتوفّى 621 هـ.) في كتابه المعروف بالإحكام في أُصول الأحكام، حتّى أنّ «منتهى السؤل والأمل في علم الأُصول والجدل» لابن الحاجب (المتوفّى 643 هـ.) هو تلخيص لكتاب «الإحكام» للآمدي.

صفحه 185
وقد كان هذا النوع من التأليف أي الجمع والتلخيص عملاً شائعاً بين الأُصوليّين في تلك المرحلة.

الطريقة الثانية: طريقة الأحناف

هذه الطريقة على خلاف ما عليه أصحاب الطريقة الأُولى حيث نظروا إلى علم أُصول الفقه نظرة آلية لا استقلالية، فلم يعمدوا إلى جمع مسائله وشوارده من هنا وهناك، بل عمدوا إلى جمع المسائل الفقهية الموافقة لفتوى أبي حنيفة فانتزعوا منها قاعدة أُصولية، فصارت القاعدة خاضعة للفروع لا حاكمة عليها، ولذلك لاترى في هذا النمط من الآثار بحثاً عقلياً أو مسألة كلامية.
وقد ظهرت هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث، وأوّل من ألّف على وفقها هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي (المتوفّى 220 هـ.) فله في الأُصول رسالة مطبوعة ذكر فيها الأُصول الّتي عليها مدار كتب أصحاب أبي حنيفة.
ثم تبعه أبو منصور الماتريدي (المتوفّى 333 هـ.) شيخ أهل السنّة في المشرق الإسلامي وله كتاب «مآخذ الشرائع في الأُصول» .1
ثم تلاه أبو بكر الجصّاص (المتوفّى 370 هـ.) وقد ألّف كتاباً في أُصول الفقه باسم «أُصول الجصاص» وقد تتلمذ على أبي الحسن الكرخي.
وجاء بعده أبو زيد الدبّوسي السمرقندي (المتوفّى 430 هـ.) وقد ألّف كتاب «تأسيس النظر» وهو مطبوع.
وتلاه فخر الإسلام البزدوي (المتوفّى 482 هـ.) فألف في الأُصول كتاب «كنز الوصول إلى معرفة الأُصول» وهو كتاب سهل العبارة يعدّ أوضح كتاب ألّف وفقاً لهذه الطريقة.
وتلاه شمس الأئمة السرخسي (المتوفّى 483 هـ.) له كتاب «تمهيد الفصول

1 . لاحظ كتابنا: بحوث في الملل والنحل: 3 / 11 .

صفحه 186
في الأُصول» 1 .
وآخر من ألّف على هذا النمط الحافظ النسفي (المتوفّى 790 هـ.) ومن تصانيفه «منار الأنوار» و «كشف الأسرار في شرح المنار» المطبوعان.
ولعلّ هناك مَن ألّف على هذه الطريقة ولم نقف عليه .

الطريقة الثالثة: الجمع بين الطريقتين

لمّا كانت لكل من الطريقتين مزيّة حيث إنّ النظرة إلى أُصول الفقه نظرة استقلالية والاستدلال عليها بالبرهنة تعدّ من مزايا هذه الطريقة غير أنّه تعوزها الصلة بين القاعدة والفروع المستنبطة، فالطالب يدرس أُصول الفقه كقواعد جافّة من دون أن يطّبقها على مواردها والفروع الّتي تترتب عليها، بخلاف الطريقة الثانية، فإنّ الصلة بين القاعدة والفروع قويمة حيث إنّ القاعدة تنتزع من جمع الفروع من هنا وهناك غير أنّه تفقد شمولية القاعدة لسائر المذاهب الفقهية، لأنّ المفروض أنّ القاعدة منتزعة من فتوى الإمام المعين كأبي حنيفة، فكيف يمكن أن يستند إليها فقهاء سائر المذاهب؟
ولهذا حاول بعض المتأخّرين الجمع بين الطريقتين بمعنى تأسيس القاعدة والبرهنة عليها ثم تطبيقها على الفروع الكثيرة الواردة في الكتب الفقهية، وهذا نمط ثالث جدير بالتقدير، فإنّ القواعد الأُصوليّة كالقواعد الرياضية لا ينتفع بها المتعلم إلاّ بالتمرّن وحلّ المسائل على ضوء القواعد.
وممّن وفّق للتأليف على هذا النمط الفقيه المعروف بابن الساعاتي (المتوفّى 694 هـ.) له مصنّفات في الفقه والأُصول، منها «بديع النظام في أُصول الفقه»، جمع فيه بين طريقتي الآمدي في كتابه «الإحكام» الّذي عنى فيه بذكر القواعد دون التطبيق على الفروع، وطريقة فخر الإسلام البزدوي في كتابه«كنز الوصول» الّذي

1 . الفوائد البهية: 158 ; الجواهر المضيئة: 2 / 28 .

صفحه 187
عنى فيه بالشواهد الجزئية الفرعية.
وتلاه صدر الشريعة البخاري (المتوفّى 747 هـ) له كتاب «تنقيح الأُصول» المطبوع وشرحه «التوضيح» المطبوع أيضاً، جمع فيه بين ثلاثة كتب من أُصول البزدوي الحنفي المؤلّف على الطريقة الثانية والمحصول للرازي ومنتهى السؤل والأمل لابن الحاجب المؤلّفين على طريقة المتكلمين.
إلى غير ذلك من الكتب المؤلّفة على هذه الطريقة.

الطريقة الرابعة: تخريج الفروع على الأُصول وتخريج الفروع على القواعد العربية

قد تعرفت على الطرق الثلاثة في تأليف أُصول الفقه، وهناك طريقة رابعة ربّما تكون أجمل وأكمل من الطريقة الثالثة، وهي تخريج الفروع على الأُصول على الطريقة الثالثة وتخريج الفروع على القواعد العربية، وهذا هو الّذي يميّز هذه الطريقة عن الطريقة الثالثة، حيث خرّج الفروع الفقهية على ضوء العلمين:
1. أُصول الفقه.
2. القواعد العربية.
وما أُلف على هذا النمط قليل جدّاً، نذكر منه:
1. الكوكّب الدّري للأسنوي الشافعي (المتوفّى 772 هـ).
2. تمهيد القواعد الأُصولية، والعربية للشهيد الثاني (المتوفّى 966 هـ) .
فقد جمع الشهيد فيه بين تخريج الفروع على الأُصول وتخريجها على القواعد العربية، فذكر من القسم الأوّل مائة قاعدة أُصولية يستنبط منها أحكام فقهية، كما ذكر من القسم الثاني مائة قاعدة عربية لها مدخلية تامّة في استنباط الأحكام. والكتاب جدير بالمطالعة، ومن حسن الحظ أنّه طبع أخيراً في المشهد الرضوي بتحقيق أنيق، فشكر الله مساعي القائمين بإنجاز الكتاب بصورة بهيّة .

صفحه 188

منهج الإمامية في تدوين أُصول الفقه

إنّ أُصول الفقه لدى الأحناف ـ في الحقيقة ـ علم بالقواعد الفقهية حيث إنّ الفقيه يضمّ مسألة إلى مسألة ثم يوحّد بينهما وبين المسائل الأُخرى وينتزع من الجميع قاعدة فقهية. مثلاً إنّ الفقيه لمّا وقف على أنّ صحيح الإجارة وفاسدها يوجب الضمان ووقف أيضاً على أنّ البيع صحيحه وفاسده يوجب الضمان، إلى غير ذلك من المسائل الّتي فيها مبادلة مالين أو مال وانتفاع، فينتزع من الجميع قاعدة فقهية كلية ويقول: «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» وهذا غير علم الأُصول الّذي يستعين الفقيه به في استنباط الحكم الشرعي، فلذلك نرى أنّ أصحابنا الإمامية منذ العصور الأُولى ألّفوا على طريقة المتكلّمين، فطرحوا أُصولاً وقواعد لها دور في استنباط الحكم الشرعي وربّما ألجأتهم الظروف إلى إدخال المسائل الكلامية، وهذا النمط هو السائد على ما ألّفه أصحابنا الإمامية من العصور المتقدمة إلى زماننا هذا، وفي الوقت نفسه ميّزوا القواعد الفقهية عن القواعد الأُصولية فألّفوا في ذينك الحقلين كتباً كثيرة، وها نحن نذكر بعض مَنْ ألّف في علم الأُصول:
1. الشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ.) له كتاب «التذكرة في أُصول الفقه» .
2. الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ.)له كتاب «الذريعة إلى أُصول الشريعة».وقد قامت مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) بتحقيقه ونشره مجدداً في مجلد واحد، عام 1429هـ. .
3. سلاّر الديلمي (المتوفّى 448 هـ.)له كتاب «التقريب في أُصول الفقه» .
4. الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ.)له كتاب «العدّة في أُصول الفقه».
5. ابن زهرة الحلبي (المتوفّى 558 هـ.)له كتاب «غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع» .
6. سديد الدين الحمصي (المتوفّى 600 هـ.)له كتاب «المصادر في أُصول الفقه».
7. نجم الدين المحقّق الحليّ (المتوفّى 676 هـ.)له كتاب «المعارج في أُصول

صفحه 189
الفقه». شكر الله مساعيهم.
إلى أن وصلت النوبة لنادرة الآفاق وعلاّمة العراق الحسن بن يوسف بن المطهر (المتوفّى 726 هـ.) المعروف بالعلاّمة الحلي فغار في بحار هذا العلم وغاص في عبابها فأخرج لآلئها، وإليك أسماء ما صنّفه في هذا العلم على وجه الإجمال:
1. «غاية الوصول وأيضاح السبل» في شرح مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأُصول والجدل لابن الحاجب (المتوفّى 646 هـ.)، ذكره المصنّف في «خلاصة الرجال»، وقد حقّق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)وطبع الجزء الأوّل منه عام 1430هـ.، والجزء الثاني قيد الطبع.
2. «مبادئ الوصول إلى علم الأُصول» مطبوع ذكره المصنّف لنفسه في «الخلاصة». وفي إجازته للسيد المهنّا.
3. «منتهى الوصول إلى علم الكلام والأُصول» ذكره المصنّف في الخلاصة وفي إجازته للسيد المهنّا، فرغ منه يوم الجمعة السادس عشر من شهر جمادى الأُولى سنة 687 هـ .
4. «نهج الوصول إلى علم الأُصول»، ذكره المصنّف في الخلاصة وإجازته للسيد المهنّا.
5. «نهـاية الـوصـول إلى علم الأُصول» وقد حُقّق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ونشر في خمسة أجزاء ما بين الأعوام 1425ـ 1429هـ. .
6. «تهذيب الوصول إلى علم الأُصول» المطبوع المنتشر، ولم يزل هذا الكتاب موضع اهتمام منذ تأليفه إلى يومنا هذا، وتشهد على ذلك كثرة الشروح والتعاليق عليه الّتي ذكرها شيخنا المجيز آغا بزرگ الطهراني (المتوفّى 1389 هـ.) في كتابه «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» فقد بلغ عدد الشروح 23 شرحاً، كما بلغ عدد التعاليق خمسة .
وربّما يوجد في المكتبات شروح وتعاليق أُخرى لم يقف عليها شيخنا

صفحه 190
المجيز، والكتاب يتميّز بالإيجاز في التعبير والرصانة في المعنى على نحو يناسب الكتب الدراسية .
وممّن قام بشرحه في عصر المؤلف أو بعد رحيله بقليل، الأخوان العالمان الكبيران والكوكبان المضيئان ابنا أُخت العلاّمة وتلميذاه، أعني:
1. عميد الدين ابن الأعرج: عبدالمطلب بن محمد بن علي بن محمد بن الأعرج الحسيني المعروف بالسيد عميد الدين أبوعبدالله الحلي البغدادي (681 ـ 754 هـ.) ابن أُخت العلاّمة الحلي وتلميذه. وسمّاه «النقول في شرح تهذيب الوصول إلى علم الأُصول» على ما ذكره ابن الفوطي.1
2. ضياء الدين ابن الأعرج:(بعد 681 ـ كان حياً 740هـ) وسمّى الشرح بـ«منية اللبيب في شرح التهذيب»، وقد قامت اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) بتحقيق هذا الكتاب ونشره في جزأين.
كما أنّ الشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي(733ـ786هـ) جمع بين الشرحين في كتاب سمّاه «جامع البين من فوائد الشرحين» .
يقول شيخنا المجيز: جمع الشهيد فيه بين فوائدهما وزاد عليهما فوائد أُخرى، ثم ينقل عن كشف الحجب: إن الشهيد ألّفه في أوائل شبابه ولم يراجع المسودّة فبقيت النسخة غير منقحّة، فوجدها الشيخ عزالدين حسين بن عبدالصمد والد الشيخ بهاء الدين (المتوفّى 984 هـ) فأصلحها في سنة 941 هـ.، وقال بعد تمام الإصلاح: «ثم إنّ الشيخ الشهيد ميّز ما اختص به شرح الضياء بعلامة (ض) وما اختص به شرح العميد بعلامة (ع) وأنا تابعته في ذلك، وما كان زائداً عليهما، كتبت في أوّله لفظة (زيادة) وفي آخره (هـ.)، فصارت هذه النسخة مميّزة مختصات الشرحين والزائدة عليهما ومختصّة بمزيد الإصلاح والتصحيح، ثم ينقل عن كشف الحجب أيضاً أنّه ظفر بحمدالله على نسخة خط الشيخ حسين بن

1 . راجع: موسوعة طبقات الفقهاء:8/119 برقم 2745.

صفحه 191
عبدالصمد. أوّله: «أحمدك اللهم على سوابغ نعمائك وأبلغ محامدك وأسألك المزيد من فضلك»1.
وقد حقّق الكتاب ونشره في جزأين مكتب الإعلام الإسلامي في قم، سنة 1430هـ. . وليس ما بأيديهم من النسخ ما يميّز أحدهما عن الآخر.

1 . الذريعة: 5 / 43 ـ 44 .

صفحه 192
مصطلح «المسند» في علوم الحديث والمسانيد في عصر الأئمّة عليهم السلام
2

مصطلح «المسند» في علوم الحديث

والمسانيد في عصر الأئمّة(عليهم السلام)
يطلق «المسند» ويقع وصفاً للحديث، يقال: «حديث مسند» وهو ما اتصل اسناده من راويه إلى منتهاه.1 ويطلق عليه المتصل وربما يفرّق بينهما بملاحظة الرفع في المسند، فهو مرفوع إلى النبي(صلى الله عليه وآله). أمّا المتصل فما اتصل سنده بسماع كل راو من رواته فمن فوقه سواء أكان مرفوعاً إلى النبي(صلى الله عليه وآله) أم موقوفاً على التابعي.2
وأُخرى يطلق على الحديث المدوّن، يجمع المؤلّف أحاديث صحابي في موضوعات مختلفة دون ترتيب بينها كمسند عبد الله بن العباس أو عبد الله بن مسعود أو أبي بن كعب.
يقول التهانوي: ويطلق المسند عندهم أيضاً على كتاب جمع فيه مسند كلّ صحابي على حدة أي جمع فيه ما رواه من حديثه صحيحاً كان أو ضعيفاً واحداً فواحداً.3

1. تدريب الراوي:1/147، دار الكتاب العربي; محاسن الاصطلاح:46ـ47، دار الكتب العلمية.
2. تدريب الراوي:60.
3. كشاف اصطلاحات الفنون: 2/ 246، دار صادر، بيروت.

صفحه 193

المسانيد في عصر الأئمّة(عليهم السلام)

قد تضافر النقل على أنّه روى عن الإمام الصادق(عليه السلام) من مشهوري أهل العلم، أربعة آلاف إنسان، وصُنِّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب تسمّى «الأصول» رواها أصحابه وأصحاب ابنه موسى الكاظم(عليه السلام)،يقول المحقق الحلّي: كتبت من أجوبة مسائل جعفر بن محمد(عليه السلام) أربعمائة مصنف لأربعمائة مصنف سمّوها أصولاً.1
وقال الشهيد: إنّ أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) كُتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف، ودوّن من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل من أهل العراق والحجاز وخراسان والشام، وكذلك عن مولانا الباقر(عليه السلام)، ورجال باقي الأئمّة معروفون مشهورون، أُولو مصنّفات مشتهرة ومباحث متكثّرة، قد ذكر كثيراً منهم العامّة في رجالهم، ونسبوا بعضهم إلى التمسّك بأهل البيت(عليهم السلام).2
إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة، وهذه الأُصول كلّها كانت مسانيد لمؤلّفيها، حيث جمع الراوي ما سمعه من الإمام بلا واسطة أو ممن سمعه كذلك، في أصل .
ولم يكن لهذه الأُصول ترتيب خاص في نقل الروايات حسب الكتب والأبواب وما ذلك إلاّ لأنّ جلّها من إملاءات المجالس وأجوبة المسائل النازلة المختلفة، ويشهد على ذلك ما هو الموجود من هذه الأُصول الستة عشر الّتي وقف عليها أُستاذنا السيد محمد الحجّة الكوه كمري وقام بطبعها.
وقال الشيخ بهاء الدين العاملي: قد بلغنا عن مشايخنا ـ قدس الله سرّهم ـ أنّه كان من دأب أصحاب الأُصول أنّهم إذا سمعوا عن أحد من الأئمّة(عليهم السلام) حديثاً بادروا إلى إثباته في أُصولهم، لئلاّ يعرض لهم نسيان لبعضه أو كلّه بتمادي

1. المعتبر:1/ 26.
2. موسوعة الشهيد الأوّل:1/22.

صفحه 194
الأيّام.1
وقال المحقّق الداماد: كان من دأب أصحاب الأُصول أنهم إذا سمعوا من أحدهم(عليهم السلام) حديثاً بادروا إلى ضبطه في أُصولهم من غير تأخير.2
ومن الواضح انّ احتمال الخطأ والغلط والسهو والنسيان في الأصل المسموع شفاهاً عن الإمام(عليه السلام) أو عمن سمع عنه، أقلّ منه، ممّا هو منقول عن كتاب آخر، فالاطمئنان بصدور عين الألفاظ المندرجة في الأُصول أكثر والوثوق به آكد. فإذا كان مؤلف الأصل من الرجال المعتمد عليهم، الواجدين لشرائط القبول، يكون حديثه حجّة لا محالة وموصوفاً بالصحة.3
وعلى هذا فهذه الأصول كانت مسانيد لأصحابنا في القرنين: الثاني والثالث، ولم يكن تأليف الأصول مختصاً بحياة الإمام الصادق والكاظم(عليهما السلام) بل استمرت كتابتها على هذا النمط إلى عهد الإمام العسكري(عليه السلام).
وبما أنّ ابن أبي عمير أدرك أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) وعاصر الإمام موسى ابن جعفر(عليه السلام) والرضا(عليه السلام)فما أخذه من تلاميذ الإمام الصادق(عليه السلام) أو من الإمامين الهمامين يعدّ أصلاً من الأُصول، وله قيمة كقيمة سائر الأُصول.
لقد امتاز الرجل من بين أقرانه أنّه روى عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ما لم يروه عنهم غيره، حيث بلغ عدد رواياته حسب ما جمعه ولدنا الفاضل الشيخ بشير المحمدي المازندراني(4443) رواية، وهذا يدلّ على مكانته العلمية وولعه بحفظ آثار أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ونقلها إلى الأجيال الآتية، فالرجل حقّاً من مصاديق قول الإمام الصادق(عليه السلام): اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر روايتهم عنّا.4
إنّ التعرف على شخصية ذلك المحدّث الرفيع يتوقف على الكلام في محاور

1. مشرق الشمسين:268.
2. الرواشح السماوية، الراشحة: 92.
3. الذريعة:2/126.
4. رجال الكشي:9.

صفحه 195
ثلاثة:
1. مكانته العلمية والاجتماعيّة.
2. التعرّف على مشايخه الذين يعدّون بالمئات.
3. مراسيله كمسانيده في الحجّية.
وأمّا الأمر الثاني أي التعرف على مشايخه، فقد قامت به لجنة التحقيق في دار الحديث فذكروا مشايخه ومن أخذ عنه الحديث على وجه التفصيل.
وأمّا الثالث فالسبب لانقلاب مسانيده إلى المراسيل أنّه لما تعرّض للظلم والاضطهاد والتعذيب، وأُصيب بمحنة هلاك كتبه، لم تضعف عزيمته، بل حدّث من حفظه، فأسند ما كان في ذاكرته وأرسل غيره، وقد اشتهر أنّ مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده، وهذا ما أوضحنا حاله في كتابنا «كليات في علم الرجال»، وأثبتنا أنّ الرجل ممّن كان لا يروي إلاّ عن ثقة، وأجبنا عن النقوض التي وجهها إليه السيد المحقق الخوئي(قدس سره) في «معجم رجال الحديث».1
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

1. لاحظ كليات في علم الرجال:216 و 234.

صفحه 196
منهجية نقد متن الحديث
3

منهجية نقد متن الحديث

الحديث هو المصدر الثاني في حقلي العقائد والأحكام، بعد كتاب الله الكريم، وقد خصّ الله سبحانه به المسلمين دون سائر الأُمم، فاهتموا بنقل ما أُثر عن النبي(صلى الله عليه وآله)وخلفائه المعصومين(عليهم السلام) وتحرّوا في نقله الدقة، وهذا أمر واضح لا سترة عليه.
ولأجل هذه المكانة قام غير واحد من الصحابة بالاهتمام بتدوين حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله)على شكل صحف كما هو الحال في المسانيد، إلى أن جاء دور التدوين فرتّب على صورة كتب ومواضيع .
كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من السبّاقين لتدوين السنة النبوية في عصره، وقد كتب ما أملاه عليه النبي(صلى الله عليه وآله)في صحيفة عرفت بـ «كتاب علي» تارة و «بالجامعة» أُخرى، وقد ورث هذه الصحيفة أبناؤه واحداً بعد الآخر، وكانوا يرجعون إليها حيناً بعد حين .
وقد توالى الاهتمام بالحديث بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله)عصراً بعد عصر، وإن كان هناك تفاوت في هذا الاهتمام حسب رغبات حكام الوقت وأهدافهم وضغوطهم على المحدّثين.
وبالنظر للدور الهام للحديث عند المسلمين فقد استغله الوضّاعون فراج اختلاق الحديث والتكذيب على رسول الله(صلى الله عليه وآله)بعد رحلته، وكان النبي(صلى الله عليه وآله)قد تنبّأ

صفحه 197
به من قبل فقال: «من تعمّد عليّ كذباً فليتبّوأ بيتاً في النار».1
وكلّما ابتعد الناس عن عصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، كثر الوضع والدس في الحديث فنشرت سماسرة الهوى وأعداء الدين كل غث وسمين باسم الدين وباسم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتّى أنّ الغلاة من الشيعة أدخلوا في الحديث ما ليس منه، ولذلك فقد تبرّأ منهم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) .
ولهذا وذاك قام المخلصون المتفانون في خدمة الحديث إلى وضع قواعد لتمييز الصحيح عن غيره، وركّزوا في ذلك على دراسة أسانيد الحديث فقسّموه إلى أقسام، وأسّسوا لذلك علماً باسم علم الرجال أوّلاً، والدراية ثانياً. فالأوّل يبحث عن الصغرى أي حال الراوي ومكانته في نقل الحديث، والثاني يبحث في تقسيم الحديث والأحكام الطارئة عليه، وبذلك قدّموا خدمات جليلة يقيّمها كل من له إلمام بالحديث.
غير أنّهم ركّزوا في تمحيص السنّة على دراسة الأسانيد وقسّموا الحديث باعتبارها إلى: الصحيح والحسن والموثّق والضعيف، كما قسّم آخرون الحديث بنفس هذا الملاك إلى الأقسام الثلاثة الأُولى، والكل يركّزون في دراستهم للحديث على سنده.
غير أنّ هناك طريقاً آخر في تمحيص السنّة قد ابتكره أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وتبعهم أكابر علماء الحديث من الشيعة، ألا وهو دراسة مضمون الحديث ونقده على ضوء مقاييس قطعية :
وليس نقد الحديث كنقد السند، فإنّ الثاني سهل لمن راجع المعاجم، ولكن الأوّل يتوقّف على الإحاطة بمعارف وعلوم كثيرة، ولذلك لما سُئل ابن قيّم الجوزية وقيل له: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ فأجاب: هذا سؤال عظيم القدر وإنّما يعلم ذلك من تضلّع في معرفة السنن

1 . مسند أحمد: 1 / 70 .

صفحه 198
الصحيحة... وصار له اختصاص شديد بمعرفة السُّنن والآثار. 1
وإليك الضوابط الست الّتي اخترناها لتمييز الصحيح عن غيره.

1. عرض الحديث على كتاب الله الكريم

لاشك أنّ القرآن الكريم هو المرجع الأوّل للمسلمين في الشريعة والعقيدة، وقد عرفه الله سبحانه بأنّ فيه تبياناً لكل شيء، قال سبحانه: (وَ نَزَّلْنَا عَلَيْك الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءْ )2 .
وقال سبحانه في آية أُخرى: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)3 .
فإذا كان القرآن ميزاناً للحق والباطل أوّلاً، ومهيمناً على جميع الكتب السماوية ثانياً، فأولى به أن يكون ميزاناً للحق والباطل في حقل الحديث ومهيمناً على ما ينسب إلى صاحب الشريعة المحمدية من صحيح وسقيم.
وعلى ضوء هذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كلّ شيء لا يوافق كتاب الله فهو زخرف».4
والمراد من عدم الموافقة هو المخالفة، وهو واضح.
وقد اتّبع المحدّث الكبير الشيخ الكليني تلك الطريقة فقال في ديباجة أثره الخالد: اعلم يا أخي ـ أرشدك الله ـ أنّه لا يسع أحداً تمييز شيء ممّا اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه إلاّ ما أطلقه العالم بقوله: «أعرضوها على كتاب الله، فما وافقه كتاب الله عزوجل فخذوه، وما خالف كتاب الله

1 . المنار المنيف، لابن قيم الجوزية: 43 ـ 45 .
2 . النحل: 89 .
3 . المائدة: 48 .
4 . وسائل الشيعة: 18، كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14.

صفحه 199
فردّوه».1
ثم إنّ عرض الحديث على كتاب الله وإن وقع موقع نقاش عند بعض أهل السنّة، إلاّ أنّ قسماً منهم وافقوا على هذا الميزان، قال الخطيب البغدادي: ولا يُقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل وحكم القرآن الثابت المحكم .2

2. عرض الحديث على السنّة القطعية

السنّة القطعية والكتاب العزيز حجتان واضحتان، غير أنّ الكتاب وحي بلفظه ومعناه والسنّة وحي بمعناها لا بلفظها، ولذلك تصلح أن تكون أيضاً معياراً لتمييز الصحيح من الباطل، وقد نبّه على ذلك الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث أيوب بن الحر، قال: قال (عليه السلام) : «كل شيء مردود إلى الكتاب والسنّة» .3

3. عرض الحديث على العقل الحصيف

احتل العقل مكانة رفيعة في الإسلام، وليس المراد من العقل الأساليب والاستدلالات العقلية الّتي يختصّ فهمها بأصحاب الفكر والحكمة، وإنّما المراد به ما اتّفق عليه العقلاء بوحي من الفطرة إذا تجردوا عن كلّ النزعات والرواسب والخلفيات.
ولولا حجّية العقل لانسَدّ باب إثبات الصانع، بل ينسد إثبات حجّية كلّ شريعة من الشرائع السماوية، ولذلك ركّز سبحانه على العقل في غير واحد من الآيات ربّما ناهز عددها الخمسين .
ولأهمية العقل فقد افتتح المحدّث الكبير الشيخ الكليني كتابه «الكافي» بكتاب أسماه كتاب العقل والجهل، وذكر فيه 34 حديثاً، وجعل الكتاب الثاني

1 . الكافي: 1 / 49 .
2 . الكفاية في علم الدراية: 606 .
3 . الكافي: 1 / 49 .

صفحه 200
باسم كتاب العلم; وبهذا يظهر البون الشاسع بين الكافي وصحيح البخاري الّذي افتتحه مؤلفه بكتاب العلم وفضله ولم يذكر عن العقل شيئاً.
وقد اقتفى ذلك المنهج محدِّثو الشيعة وعلماؤهم، يقول الشيخ المفيد(رحمه الله): وكذلك إن وجدنا حديثاً يخالف العقول أطرحناه لقضية العقل بفساده .1
وقال السيد المرتضى(رحمه الله): كلّ خبر دلّ ظاهره على إجبار أو تشبيه أو ما جرى مجرى ذلك ممّا علمنا استحالته وجب الحكم ببطلانه، لأنّ الحكمة والدين يمنعان من الخطاب بما يحتاج إلى تكلّف وتعسّف شديد حتّى يحتمل الصواب.2
وهل يقبل العقل الحصيف ما ذكره ابن تيمية على منبر الجامع الأموي في دمشق يوم الجمعة خطيباً فقال: (إنّ الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا)، ونزل درجة من درج المنبر، يريهم نزول الله تعالى نزولاً حقيقياً بكل ما للنزول من لوازم، كالحركة والانتقال من العالي إلى السافل.3
نعم يوجد بعض المتشدّدين من المحدّثين من ينتقد ذلك المنهج (أي عرض الحديث على العقل الحصيف)، وذلك لما ورد في الصحيحين من الروايات الكثيرة الظاهرة في الجبر والتشبيه وإثبات الجهة حتّى نسبة التحرك إلى الله سبحانه، فإذا قبلوا هذا المنهج فعليهم برفض هذه الأحاديث.

4. عرض الحديث على التاريخ الصحيح

التاريخ الصحيح الّذي اتّفق عليه أعلام المسلمين أحد المعايير لتمييز الصحيح عن السقيم.
ولكن لا نقول: إنّ كل ما ورد في كتب السيرة صحيح، وإنّما نعني ما اتّفق عليه

1 . تصحيح عقائد الإمامية: 149 .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 516 .
3 . رحلة ابن بطوطة: 1 / 57 .

صفحه 201
المؤرخون وكتّاب السيرة المنصفون.
فمن رجع إلى كتب الحديث وجد أنّ قسماً من الأحاديث لا يصدقه التاريخ الصحيح بل يكذبه.
وهذا ما تراه في الأُنموذج التالي: أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي: يا نبي الله ثلاث أعطنيهنّ؟ قال: نعم.
قال: عندي أحسن العرب وأجمله أُم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها؟ قال: نعم.
قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك؟ قال: نعم .
قال: وتؤمرني حتّى أُقاتل الكفّار كما كنت أقاتل المسلمين؟ قال: نعم.
قال أبو زميل: ولولا أنّه طلب ذلك من النبي(صلى الله عليه وآله)ما أعطاه ذلك، لأنّه لم يكن يسأل شيئاً إلاّ قال نعم .1
إنّ أبا سفيان أسلم ـ حسب الظاهر ـ يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، والنبي(صلى الله عليه وآله)قد تزوّج أُمّ حبيبة في مكة قبل الهجرة، ولذلك يقول القاضي عياض: والمعروف أنّ تزويج النبي لها كان قبل الفتح والّذي وقع في مسلم من هذا، غريب جداً .2

5. عرض الحديث على اتّفاق الأُمّة

إنّ اتفاق الأُمّة دليل قطعي على الصحّة، وبذلك تقف على صحّة ما أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» عن طريق علي بن زيد بن جدعان، عن أنس قال: مطرت السماء برداً فقال لنا أبو طلحة: ناولوني من هذا البرد فجعل يأكل وهو صائم وذلك في رمضان، فقلت: أتأكل وأنت صائم؟! فقال: إنّما هو برد نزل من

1 . صحيح مسلم: 7 / 171، باب فضائل أبي سفيان بن حرب.
2 . إكمال المعلم بفوائد مسلم (للقاضي عياض): 7 / 546 .

صفحه 202
السماء نطهر به بطوننا وأنّه ليس بطعام ولا شراب، فأتيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)فأخبرته بذلك، فقال: «خذها عن عمّك» .1
أقول: إنّ اتّفاق الأُمّة على أنّ الأكل والشرب مطلقاً مبطل للصوم يكفي في الحكم على هذا الحديث بالوضع والدس، وإن صحّ سنداً.

6. مخالفة الحديث لمسلّمات العلم

إنّ المسلّمات العلمية الّتي أيّدتها التجربة عبر قرون وصدقها الخبراء ووسائل العلم تكون ميزاناً لنقد مضامين بعض الأحاديث.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة يقول: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله)يقول إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإنّ في إحدى جناحيه داء والأُخرى شفاء .2
ولكن العلم كشف أنّ الذباب يحمل في جناحيه الجراثيم المهلكة والمبيدة، ولم نجد أحداً من العقلاء يتفوّه بخلاف ذلك.
***
هذه المنهجية هي الّتي سرنا عليها في كتابنا «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» مع أنّها منهج بديع ولكنّها ليست مبتكرة، فقد سبقنا إليها رجال آخرون شاركناهم في نقد الحديث مضموناً في مقابل نقده سنداً، نظير:
1. نقد متون السنّة تأليف مسفر عزم الدميني.
2. منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي لصلاح الدين الأدلبي.
3. الفوائد المقصودة في الأحاديث الشاذة المردودة للشيخ أبي الفضل الغماري.
4. الحديث النبوي بين أهل العقل والفهم للشيخ المجاهد محمد الغزالي.

1 . مشكل الآثار: 2 / 238، برقم 1983 .
2 . صحيح البخاري: 4 / 130 .

صفحه 203
5. أضواء على السنّة المحمدية للكاتب المصري الدكتور محمود أبو ريّة.
وقد قام غير واحد من أعلام الطائفة بدراسة هذه المنهجية نذكر منهم ما يلي:
1. شيخ الشريعة فتح الله النمازي الاصفهاني (المتوفّى 1339 هـ) في كتابه: «القول الصراح في نقد الصحاح».
2. سيد الطائفة السيد شرف الدين العاملي (المتوفّى 1377 هـ) في كتابه: «أبو هريرة» وقد بحث فيه عن سيرته ورواياته.
3. المحقّق محمد تقي التستري (المتوفّى 1415 هـ) مؤلف كتاب: «الأخبار الدخيلة».
4. هاشم معروف الحسني، مؤلف كتاب: «الموضوعات في الآثار والأخبار».
وأخيراً ننوه إلى أمرين:
الأوّل: أنّ دراسة الأحاديث على ضوء هذه الضوابط ليست «رمية كل رام، وشرعة كل وارد»، بل يحتاج تطبيق هذه المنهجية إلى تشكيل لجان تضم المختصين في العلوم الإسلامية حتّى تنسد بذلك جميع الثغرات المحتمل حصولها إذا كان هذا العمل فردياً.
الثاني: من حُسن الحظ أنّ الفقهاء عبر القرون قاموا بدراسة الروايات الواردة حول الأحكام الشرعية دراسة دقيقة سنداً ومضموناً، وخرجوا بنتائج باهرة، إلاّ أن الروايات المتعلّقة بالعقائد والمعارف والتاريخ والسنن الكونية والسيرة والأخلاق بقيت بحاجة ماسّة إلى هذا النوع من الدراسة.
ولذلك أصبح ترك دراسة هذه الجوانب ذريعة للأعداء لكي يشنّون بواسطة بعض الروايات حملات عنيفة ضد الإسلام .
هذه هدية متواضعة مني للحضّار الكرام في مؤتمر «الطرق والمناهج لدراسة الحديث» عسى أن تحظى بقبولهم، وأن تكون منهجاً متميّزاً عن المناهج الأُخرى.
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
11 جمادى الأُولى 1429 هـ.

صفحه 204
حجة الوداع.. خطب وإرشاد
4

حجة الوداع..

خطب وإرشاد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وخاتم رسله محمد الأمين وعلى آله الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى قيام يوم الدين.
أمّا بعد;
بلغنا من خلال صفحات الانترنيت أنّ وزارة الحج الموقّرة في المملكة العربية السعودية ستعقد ـ خلال أيام الحج هذا العام 1428 هـ ـ ندوة إسلامية كبرى تحت عنوان «حجة الوداع.. شعائر وقِيَم»، وذلك على قاعة التضامن الإسلامي في مكة المكرمة.
ونحن إذ نثمن انعقاد مثل هذه الندوات الّتي تلم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم وتوحّد صفوفهم أمام الأعداء، ونعتبرها خطوةً مباركة للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وتظاهرةً علمية لتلاقح الأفكار ; لا يفوتنا المساهمة المتواضعة في هذا المهرجان الكبير أداءً لحق رسول الله(صلى الله عليه وآله)وحباً له من خلال استعراض خطبه وكلماته في حجة الوداع، آملين أن تقع موقع القبول والرضا .
جعفر السبحاني

صفحه 205

مقدّمة

في السنة العاشرة للهجرة عزم رسول الله(صلى الله عليه وآله)على أن يحج بيت الله الحرام فخرج لخمس بقين من ذي القعدة ووصل مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة.1
وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله)قد حرّض المسلمين على الحج وقال: «من أراد الحج فليتعجّل، فإنّه قد يمرض المريض، وتضلّ الضالّة، وتعرض الحاجة»2.
وبعد أن أمر الله تعالى نبيه بالأذان والإعلان للحج، أمر النبي(صلى الله عليه وآله)المؤذنين أن يؤذّنوا بذلك بين المسلمين، وكتب إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)وجنده، وإلى أبي موسى الأشعري وأتباعه في اليمن أن يلتحقوا به(صلى الله عليه وآله)في مكة المكرّمة.
والظاهر أنّ أوّل هذا الإخبار والإعلام كان في أوائل ذي القعدة الحرام، فقد قال ابن إسحاق: فلمّا دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذو القعدة تجهّز للحج، وأمر الناس بالجهاز له .3
خرج النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)من المدينة مغتسلاً متدّهناً وخرجت معه نساؤه كلّهنّ، وتبعه جمّ غفير من المسلمين الذين حرصوا على مرافقته من المدينة ليتشرّفوا بصحبته .
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب فاجتمعوا، فحجّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنّما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون ويتبعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه» .4
وروي عن جابر بن عبدالله الانصاري أنّه قال: فقدم المدينة بشر كثير كلّهم

1 . السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 248 .
2 . مسند أحمد بن حنبل: 1 / 458 ; سنن ابن ماجة: 2 / 962 ; المعجم الكبير للطبراني: 18 / 296 ; السنن الكبرى للبيهقي:6/ 463.
3 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 248 .
4 . الكافي للكليني: 4 / 245 ; تهذيب الاحكام: 5 / 454 .

صفحه 206
يلتمس أن يأتمّ برسول الله(صلى الله عليه وآله)ويعمل مثل عمله .1
وكان المسلمون ينتظرون هذا السفر، ليتعلّموا مناسك الحج ، فأي منسك أدّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله)فهو من الحج الإبراهيمي، وما تركه فهو من أعمال الجاهلية الأُولى.
ويتجلّى هذا التهيّؤ والانتظار في رغبتهم وشوقهم واجتماعهم العظيم حتّى سلكوا طريق مكة رجالاً وركباناً، طريقاً يقرب من ألف كيلومتر ذهاباً وإياباً .
وقد اختلف المؤرخون والمحدثون في عدد المسلمين آنذاك، فمنهم من قال: إنهم كانوا مائة وعشرين ألفاً .2
وقال المقريزي في وصف خطبة النبي(صلى الله عليه وآله)في يوم عرفة: فإنّه شهد الخطبة نحواً من أربعين ألفاً.3
وقال الطبرسي: وبلغ من حجّ مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)من أهل المدينة وأهل الأطراف والأعراب سبعين ألف إنسان أو يزيدون .4
ثم إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)بعد أن أتمّ الحج غادر مكة المكرمة متوجّهاً إلى المدينة في الليلة الرابعة عشرة من ذي الحجة الحرام، فدخلها في الثالث والعشرين منه.
وخلال مسيرته هذه كانت له وقفات في العديد من الأماكن الّتي مر بها وشهدت له إلقاء الخطب الرائعة والتوجيهات التربوية والحضارية السامية، والإرشادات التعليمية حيث إنّه كان يجسد عملياً أهداف الحج الّتي أرادها الله تعالى من هذه الفريضة الإسلامية الهامّة.
وسوف نشير في هذه الرسالة بالإيعاز الموجز والإشارة العابرة إلى خطبه وكلماته الّتي ألقاها في هذه الرحلة التاريخية، وننوه إلى ما تضمنته كل منها إلى مبادئ الإسلام وأُصوله ومقاصد الشريعة وأهدافها.

1 . صحيح مسلم: 2 / 724 ; المغازي للمقريزي: 2 / 1088 .
2 . تذكرة الخواص: 30 .
3 . إمتاع الأسماع: 2 / 112 .
4 . الاحتجاج: 1 / 134.

صفحه 207

عدد خطبه(صلى الله عليه وآله)في حجة الوداع

اختلف أصحاب السير والمؤرخون في عدد الخطب الّتي ألقاها النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع.
فقد قال الحلبي في السيرة: خطب رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الحجّ خمس خطب: الأُولى يوم السابع من ذي الحجّة بمكّة، والثانية يوم عرفة، والثالثة يوم النحر بمنى، والرابعة يوم القرّ 1 بمنى، والخامسة يوم النفر الأوّل بمنى أيضاً .2
ويقول المقريزي : خطب(صلى الله عليه وآله) في حجّته ثلاث خطب: الأُولى قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكّة، والثانية يوم عرفة بعرفة حين زاغت الشمس على راحلته قبل الصلاة، والثالثة يوم النحر بمنى بعد الظهر على راحلته القصواء. وقيل: بل خطب الثانية ثاني يوم النحر.
ثم قال: وقال المحب الطبري: دلّت الأحاديث على أنّ الخطب في الحج خمسة: خطبة يوم السابع من ذي الحجة، وخطبة يوم عرفة، وخطبة يوم النحر، وخطبة القرّ، وخطبة يوم النفر الأوّل.3
ومهما كان الحال فعلينا أن نورد ما ذكرته كتب التاريخ والحديث من خطبه وكلماته (صلى الله عليه وآله)، وقد رتّبناها حسب زمانها ومكانها، فكانت كما يلي:

1. خطبته(صلى الله عليه وآله)في اليوم السابع والثامن من ذي الحجة

قال الواقدي في مغازيه: خطب رسول الله(صلى الله عليه وآله)قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكة .4
وقال الحاكم النيسابوري في مستدركه: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)إذا كان قبل التروية

1 . مراده من يوم القرّ اليوم الحادي عشر من ذي الحجّة.
2 . السيرة النبوية للحلبي: 3 / 333 .
3 . إمتاع الأسماع: 2 / 117 .
4 . المغازي: 2 / 1100 .

صفحه 208
بيوم خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم .1
وجاء في صحيحة معاوية بن عمّار الطويلة عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «فلمّا كان يوم التروية عند زوال الشمس أمرالناس أن يغتسلوا ويهلّوا بالحجّ، وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ الّذي أنزل على نبيّه: (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ ـ أبيكم ـ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)2فخرج النبيّ(صلى الله عليه وآله)وأصحابه مهلّين بالحجّ حتّى أتوا منى فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ثمّ غدا والناس معه» .3

2. كلماته(صلى الله عليه وآله)في يوم عرفة

وردت لرسول الله(صلى الله عليه وآله)كلمات وأحاديث كثيرة خلال تواجده في يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) في عرفات نذكر منها :
1. جاء في التهذيب بسنده عن سعد بن عبدالله، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن محمّد بن سماعة الصيرفي، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «... إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقف بعرفات فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته، يقفون إلى جانبها، فنحاها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس إنّه ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف، ولكن هذا كلّه موقف، وأشار بيده إلى الموقف وقال: هذا كلّه موقف، فتفرّق الناس، وفعل ذلك بالمزدلفة...».4
2. وفي صحيحة معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «ثمّ

1 . المستدرك على الصحيحين: 1 / 632; وجاء مثله في; السيرة النبويّة لابن كثير: 4 / 337، وإمتاع الأسماع للمقريزي: 2/ 117 ـ 118، ونيل الأوطار للشوكاني: 3 / 307، والسيرة النبويّة للحلبي: 3 / 227 و 333 .
2 . آل عمران: 95 .
3 . الكافي: 4 / 246 ـ 247 .
4 . تهذيب الأحكام: 5 / 180 ; من لا يحضره الفقيه: 2 / 464 .

صفحه 209
غدا(صلى الله عليه وآله)والناس معه وكانت قريش تفيض من المزدلفة ـ وهي جَمْع ـ ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله تعالى عليه: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللهَ)1 يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق: في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم. فلمّا رأت قريش أنّ قبّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)قد مضت كأنّه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتّى انتهى إلى نمرة ـ وهي بطن عرنة بحيال الأراك ـ فضرب قبّته، وضرب أخبيتهم عندها، فلمّا زالت الشمس خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله)ومعه قريش، وقد اغتسل وقطع التلبية حتّى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثمّ صلّى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ثمّ مضى إلى الموقف فوقف به، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جنبها فنحاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس، ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف، ولكن هذا كلّه ـ وأومأ بيده إلى الموقف ـ فتفرّق الناس، وفعل مثل ذلك بمزدلفة، فوقف الناس حتّى وقع القرص ـ قرص الشمس ـ ثمّ أفاض وأمر الناس بالدّعة حتّى انتهى إلى المزدلفة ».2
3. وفي الكافي عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، مثله.3
4. وفي رواية جابر في صحيح مسلم: وأمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولا تشك قريش إلاّ أنّه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله(صلى الله عليه وآله)حتّى أتى عرفة، فوجد القبّة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها حتّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له فأتى

1 . البقرة: 199.
2 . الكافي: 4 / 247 ; تهذيب الأحكام: 5 / 456 .
3 . الكافي: 4 / 463 .

صفحه 210
بطن الوادي، فخطب الناس... ثمّ أذّن ثمّ أقام فصلّى الظهر، ثمّ أقام فصلّى العصر ولم يصلِّ بينهما شيئاً، ثمّ ركب رسول الله(صلى الله عليه وآله)حتّى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه 1 واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتّى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتّى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله(صلى الله عليه وآله).2
5. وروى الشيخ الطوسي عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن حمّاد الخطيب المدائني قال: حدّثنا عثمان بن عبدالله بن عمرو بن عثمان قال: حدّثنا عبدالله بن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبدالله يقول: بينا النبيُّ بعرفات، وعليّ (عليه السلام) تجاهه، ونحن معه، إذ أومأ النبيُّ(صلى الله عليه وآله)إلى علي (عليه السلام) فقال: اُدن منّي يا عليُّ، فدنا منه، فقال: ضع خمسك يعني كفّك في كفّي، فأخذ بكفّه، فقال: يا عليّ خلقت أنا وأنت من شجرة، أنا أصلها، وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلّق بغصن من أغصانها أدخله الله الجنّة برحمته.3
6. روى الشيخ الطوسي بإسناده عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)ألقى كلمة بعرفة، وإن كانت هذه الكلمة جاءت في خطبته المشهورة بالإجمال، لكن ننقلها تأكيداً وتكميلاً. ثمّ روى أيضاً رواية أُخرى تؤكد أنّ هذه الكلمة أُلقيت بمنى: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضّل قال: أخبرنا أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري قراءةً، وعليّ بن محمّد بن الحسن بن كاس النخعي ـ واللفظ له ـ

1 . في النهاية: 1 / 333 جعل حبل المشاة بين يديه: أي طريقهم الّذي يسلكونه في الرمل.وقيل: أراد صفّهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيهاً بحبل الرمل.
2 . صحيح مسلم: 2 / 726 ; ونحوه في دعائم الإسلام: 1 / 319 .
3 . أمالي الطوسي: 611 ; عنه بحار الأنوار: 15 / 20 و ج 65/69 ح125; ورواه ابن المغازلي في المناقب: 90 و297 ; وعنه في الطرائف: 111 ; ورواه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق: 42 / 64 ـ 66 .

صفحه 211
قالا: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا الأودي الصوفي قال: حدّثنا حسن بن حسين ـ يعني العرني ـ قال: حدّثني يحيى بن يعلى، عن عبدالله بن موسى التيمي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)في حجّة الوداع وركبتي تمسّ ركبته يقول: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، أما إن فعلتم لتعرفنّي في ناحية الصف ».1
وروى البيهقي بسند ذكره عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)وهو بعرفات، فأتاه نفر من أصحابه فأمروا رجلاً فنادى: يا رسول الله كيف الحجّ، كيف الحجّ؟ قال: فأمر رجلاً فنادى: الحجّ يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فقد تمّ حجّه، أيّام منى ثلاثة: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)2 ثمّ أردف رجلاً من خلفه فنادى بذلك .3

3. خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)يوم عرفة

في الضحى من اليوم التاسع استقرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)في قبّته الّتي ضُرِبت له بنمرة قرب عرفات، وقد اغتسل وتهيّأ لأداء أعمال هذا اليوم، وبعد أن زالت الشمس خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله)من خيمته وتوجّه ليخطب في الناس.
ففي صحيحة معاوية بن عمّار الطويلة عن الإمام الصادق (عليه السلام) بما يتعلّق بمناسك حج رسول الله(صلى الله عليه وآله)وردت إشارة إلى هذه الخطبة، فقد قال (عليه السلام): «فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم (ولم يذكر متن الخطبة)».4
وقد وردت هذه الخطبة ـ مختصرة ـ في صحيح مسلم ومصادر أُخرى حسب

1 . أمالي الطوسي: 503 ; عنه بحار الأنوار: 32 / 294، ونحوه في ص 363 ; مجمع البيان: 9 / 72;تفسير فرات: 280 .
2 . البقرة: 203 .
3 . السنن الكبرى: 7 / 378 .
4 . الكافي: 4 / 247; تهذيب الأحكام: 5 / 456 .

صفحه 212
رواية جابر الطويلة 1 .
إن هذه الخطبة هي المشهورة والمعروفة في كتب الفريقين، وفي عالم الأدب لها شأن عظيم، لجزالة ألفاظها، وعظم معانيها.
وقد وقع كلام بينهم في مكانها وزمانها، فهل ألقاها رسول الله(صلى الله عليه وآله)في عرفة أو منى؟ وفي أي يوم من أيام منى ؟
فبعضهم أوردها ولم يذكر في أيّ مكان تكلّم بها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كابن شعبة الحرّاني في تحف العقول 2، والجاحظ في البيان والتبيين 3، وابن عبد ربّه الأندلسي في العقد الفريد 4، بل أوردوها بعنوان «خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)في حجّة الوداع» .
وبعض آخر أوردها وذكر أنّها خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)بعرفة، كابن هشام في السيرة النبويّة والنسائي في السنن الكبرى 5، ومسلم في صحيحه كما ذكرناها، ولم يذكر له(صلى الله عليه وآله)خطبة بمنى.
وثالث أوردها وذكر أنّها خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)أيّام منى، كالبخاري في صحيحه عن ابن عبّاس، قال: إنّ رسول الله خطب الناس يوم النحر. 6 وهكذا البغوي في مصابيح السنّة 7، ولم يذكر له(صلى الله عليه وآله)خطبة بعرفة.
وقد أوردها الهيثمي بطرق عديدة بعنوان «باب الخُطب في الحجّ» .8

1 . صحيح مسلم: 2 / 726 ; سنن أبي داود: 294 ـ 296 ; سنن ابن ماجة: 2 / 1022 ; السنن الكبرى للبيهقي:6/ 14 ـ 19; المصنف لابن أبي شيبة: 4 / 423 ـ 426 .
2 . تحف العقول: 30 ـ 34 .
3 . البيان والتبيين: 228 .
4 . العقد الفريد: 4 / 57 ـ 58 .
5 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 250 ـ 252 ; السنن الكبرى: 2 / 421 .
6 . صحيح البخاري: 2 / 231 ; فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 4 / 2260 .
7 . مصابيح السنّة: 2 / 272 .
8 . مجمع الزوائد: 3 / 585 ـ 599 .

صفحه 213
وروى ابن كثير روايات في خطبته يوم العيد، وذكر الخطبة الشريفة الطبري أيضاً وابن الأثير .1
وفي كنز العمّال والطبقات الكبرى قد وردت الخطبة بروايات مختلفة.2
وروى ابن ماجة بأنّه(صلى الله عليه وآله)خطب في حجّة الوداع، وأُخرى بأنّه خطب بعرفات، وثالثة بأنّه خطب يوم النحر بين الجمرات .3
وفي بعض الروايات: نزلت هذه السورة (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَ الْفَتْحُ)4 على رسول الله(صلى الله عليه وآله)في أوسط أيّام التشريق، فعرف أنّه الوداع، فركب راحلته العضباء فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس كلّ دم كان في الجاهلية فهو هدر .5
وأوردها ابن كثير مختصراً مرّة بعنوان خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)بعرفة ـ على رواية مسلم ـ وأُخرى بعنوان خطبة رسول الله بمنى برواية البخاري .6
وأورد الواقدي في المغازي بعض فقرات هذه الخطبة في ضمن خطبة النبي(صلى الله عليه وآله)بمكّة يوم الفتح 7. وكذلك المقريزي في إمتاع الأسماع .8
واعلم أنّ كلّ من ذكر متن الخطبة مطوّلاً أو مختصراً بعنوان أنّها خطبة النبي(صلى الله عليه وآله)في حجّة الوداع، أوبعنوان خطبته بعرفات، أو ذكرها بعنوان أنّها

1 . البداية والنهاية: 3 / 185 ـ 189 ; تاريخ الأُممّ والملوك: 3 / 150 ـ 152 ; الكامل في التاريخ: 2 / 302.
2 . كنز العمال: 5 / 286 ـ 297 ; الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 183 ـ 186 .
3 . سنن ابن ماجة: 2 / 1015 ـ 1016 .
4 . النصر: 1 .
5 . الخصال: 486، و عنه بحار الأنوار: 74 / 118 .
6 . السيرة النبويّة لابن كثير: 4 / 387 ـ 392. وانظر أيضاً; جمهرة خطب العرب: 1 / 155 ـ 158 الخطبة 13 ; وتاريخ اليعقوبي: 2 / 109 ـ 112 ; وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 126 ـ 128 ; والسيرة النبويّة للحلبي: 3 / 327 ; والسنن الكبرى : 7 / 17 و ج 8 / 111 ; ودلائل النبوّة للبيهقي: 5 / 441 ـ 442 ; وتفسير القمي: 1 / 171 ; وبحار الأنوار: 37 / 113 .
7 . المغازي: 2 / 836 .
8 . إمتاع الأسماع: 1 / 392 وج 2 / 111 ـ 112 .

صفحه 214
خطبته(صلى الله عليه وآله)بمنى يوم النحر، أو أوسط أيّام التشريق، فكلّها قريبة المفاد والمعنى.
والّذي يبدو جلياً أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)خطبها بعرفة، ونظراً لأهميتها وعظيم ما تضمّنته من معان جليلة ومطالب هامّة فقد أعاد رسول الله(صلى الله عليه وآله)محتوياتها وفقراتها في مناسبات ومواقف عديدة وأماكن أُخرى في يوم النحر أو اليوم الحادي عشر، فهي تُعد بحق خطبة كاملة وكلمة جامعة وأساساً متيناً لوحدة المسلمين وتبياناً لشؤون دينهم ودنياهم.
وهي وإن اختلفت المصادر الّتي ذكرتها في بعض ألفاظها، فإنّ هذا الاختلاف لا يضرّ بالمعنى والمفاد، وإليك بعض ما ورد فيها.
فبعد الحمد والثناء والاستعاذة والشهادة بالتوحيد والعبودية والرسالة قال(صلى الله عليه وآله):
أُوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثّكم على العمل بطاعته; وأستفتح الله بالذي هو خيرٌ.
أمّا بعدُ: أيّها الناس! اسمعوا منِّي ما أُبيِّنُ لكم، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا.
أيُّها الناس! إنَّ دماءكم وأعراضكم عليكم حرامٌ إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلِّغت؟ اللّهُمَّ اشهد.
فمن كانت عندهُ أمانةٌ فليؤدها إلى من ائتمنهُ عليها، وإنَّ ربا الجاهليَّة موضوع، وإنَّ أوَّل رباً أبدأُ به ربا العباس بن عبدالمطلب ; وإنَّ دماء الجاهليَّة موضوعةٌ، وإنَّ أوَّل دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، وإنَّ مآثر الجاهليَّة موضوعةٌ غير السدانة والسقاية، والعمدُ قود، وشبه العمد ما قُتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن ازداد فهو من الجاهلية .
أيُّها الناسُ! إنَّ الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنَّه قد رضي بأن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون من أعمالكم.

صفحه 215
ثم قال (صلى الله عليه وآله): (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)1 ولا يحلُّ لمؤمن مالُ أخيه إلاّ عن طيب نفس منهُ. ألا هل بلغت؟ اللّهُمَّ اشهد، فلا ترجعنَّ كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلُّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي. ألا هل بلغتُ؟ اللّهُمَّ اشهد.
أيُّها الناسُ! إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكُم واحدٌ، كلُّكم لآدم وآدم من تُراب (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)2 وليس لعربيٍّ على عجميٍّ فضلٌ إلاّ بالتقوى. ألا هل بلَّغتُ؟ قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهدُ الغائب.3
ما ذكرناه هو بعض ما ورد في هذه الخطبة النبوية القدسية والّذي يجب علينا هنا الإشارة إلى النقاط المهمة فيها، وهي:
1. حمد الله وثناؤه والاستغفار والاستعاذة والشهادتين.
2. إيصاء عباد الله تعالى بتقواه والعمل بأوامره والتجنب عن معاصيه.
3. حثّ المسلمين على الاستماع لكلامه وفهمه.
4. حرمة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وأداء الأمانة.
5. تحريم الربا وإلغاء دماء (ثارات) الجاهلية، وإبطال مآثر الجاهلية الرثة.
6. تثبيت بعض الأحكام والحدود والديات في الشريعة الإسلامية وإبلاغ الناس بها.
7. إبطال النسيء، والتذكير بحقوق النساء، والنهي عن الظلم في الوصية.
8. تثبيت مبدأ الأُخوة الإسلامية .
9. إيجاب التمسّك بالثقلين.
10. إقرار مبدأ التفاضل بين المسلمين على أساس التقوى .
وبالإضافة إلى هذه الخطبة فقد ورد أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قد ألقى كلمة قصيرة

1 . الحجرات: 10 .
2 . الحجرات: 13.
3 . تحف العقول: 30 ـ 34 .

صفحه 216
حين غروب الشمس وهو بعرفات، وقد أجمعت كافة المصادر الّتي روتها على أنّه(صلى الله عليه وآله)دعا عشيّة عرفة لأُمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فأوحى الله تعالى إليه 1 أنّي قد فعلت، إلاّ ظُلم بعضهم بعضاً .2
كما وردت في بعض الكتب خطبة ألقاها رسول الله(صلى الله عليه وآله)بعرفة في كرامة الحاجّ عند الله تعالى، ونحن نوردها تتميماً للفائدة. ويظهر من صدر هذه الخطبة أنّه ألقاها عشيّة عرفة بعدما وقف بالموقف، والحال أنّ خطبته الشهيرة ألقاها بعد الزوال ببطن عرنة، وهي مكان آخر بجنب عرفة.
ورد في دعائم الإسلام: عن عليّ (عليه السلام) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)لمّاحجّ حجّة الوداع وقف بعرفة وأقبل على الناس بوجهه وقال: «مرحباً بوفد الله ـ ثلاث مرّات ـ الذين إن سألوا أُعطوا، وتخلف نفقاتهم، ويجعل لهم في الآخرة بكلّ درهم ألف من الحسنات ـ ثمّ قال ـ : « أيّها الناس ألا أُبشّركم؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إنّه إذا كانت هذه العشيّة باهى الله بأهل هذا الموقف الملائكة فيقول: يا ملائكتي أُنظروا إلى عبادي وإمائي أتوني من أطراف الأرض شعثاً غبراً هل تعلمون ما يسألون؟ فيقولون: ربّنا يسألونك المغفرة، فيقول: أُشهدكم أنّي قد غفرت لهم، فانصرفوا من موقفهم مغفوراً لهم ما سلف».3
وفي المستدرك عن القطب الراوندي في لبّ اللباب، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)قال: «إذا كانت عشيّة عرفة يقول الله لملائكته: أُنظروا إلى عبادي وإمائي شعثاً غبراً جاءُوني من كلّ فجٍّ عميق لم يروا رحمتي ولا عذابي ـ يعني الجنّة والنار ـ أُشهدكم ملائكتي إنّي قد غفرت لهم الحاجّ وغير الحاجّ. فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاء من النار من يوم

1 . وفي رواية أُخرى: فأجابه عزوجل.
2 . السنن الكبرى: 5 / 118 و 7 / 257.
3 . دعائم الإسلام: 1 / 293 ; وعنه بحار الأنوار: 96 / 49 ; ومستدرك الوسائل: 8 / 36 ; ورواه الشجري في أماليه: 3 / 58 .

صفحه 217
عرفة وليلتها».1
ثم إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قد أكثر من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى في عرفات، ولم يكتف بدعائه، بل راح يحث المسلمين ويحضهم على الدعاء والذكر والإنابة إلى الله تعالى .

4. خطبته(صلى الله عليه وآله)يوم النحر

عبّر بعض المصنفين ـ منهم البخاري والنسائي ـ عن خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)بعرفة بخطبة يوم النحر. كما ذكر بعض المؤرخين خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)بمنى، ومفادها يقرب من خطبته بعرفة، ولكن نصّوا على أنّها خطبته بمنى.
من هؤلاء محمّد بن سعد في الطبقات، قال: أخبرنا عبدالوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)بمنى وإنّي لتحت جران ناقته، وهي تقصع بجرّتها، وإنّ لعابها ليسيل بين كتفيّ، فقال: «إنّ الله قسم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث فلا تجوز لوارث وصيّة، ألا وإنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، ألا ومن ادّعى إلى غير أبيه أو تولّى غير مواليه رغبةً عنهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
وقال أيضاً: أخبرنا سليمان بن عبدالرحمن الدمشقي، أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا هشام بن الغاز، أخبرني نافع، عن ابن عمر: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجّة الّتي حجّ، فقال للناس: «أيّ يوم هذا»؟ فقالوا: يوم النحر.
قال: «فأيّ بلد هذا»؟ قالوا: البلد الحرام. قال: «فأيّ شهر هذا»؟ قالوا: الشهر الحرام. فقال: «هذا يوم الحجّ الأكبر، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا الشهر في هذا اليوم». ثمّ قال: «هل بلّغت»؟ قالوا: نعم.

1 . مستدرك الوسائل: 10 / 32 .

صفحه 218
فطفق رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول: «اللّهمَّ اشهد». ثمّ ودّع الناس، فقالوا: هذه حجّة الوداع.
وروى ابن سعد مثله بسند آخر، فقال : أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدّثني أبو مالك الأشجعي،، حدّثني نُبيط بن شريط الأشجعي، قال: إنّي لرديف أبي في حجّة الوداع إذ تكلّم النبي(صلى الله عليه وآله)، فقمت على عجز الراحلة ووضعت رجلي على عاتقي أبي، قال: فسمعته يقول: «أيّ يوم أحرم»؟ قالوا: هذا اليوم. قال: «فأيّ شهر أحرم»؟ قالوا: هذا الشهر، قال: «فأيّ بلد أحرم»؟ قالوا: هذا البلد. قال: «فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، هل بلّغت»؟ قالوا: اللّهمَّ نعم. قال: «اللّهمَّ اشهد، اللّهمَّ اشهد، اللّهمَّ اشهد».
وقال أيضاً: أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، حدّثني أبي، عن أبي غادية ـ رجل من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ قال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)يوم العقبة، قال: «يا أيّها الناس إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلّغت»؟ قال: قلنا: نعم، قال: «اللّهمَّ اشهد، ألا لا ترجعنّ بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».
ثم إنّ ابن سعد قال: أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمّار، حدّثني الهرماس بن زياد الباهلي قال: كنت ردف أبي يوم الأضحى ونبيّ الله(صلى الله عليه وآله)يخطب الناس على ناقته بمنى.
وقال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا عكرمة بن عمّار، أخبرنا الهرماس بن زياد قال: انصرف رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأبي مُرْدفي وراءه على جمل له، وأنا صبيّ صغير، فرأيت النبيّ(صلى الله عليه وآله)يخطب الناس على ناقته العَضْباء يوم الأضحى بمنى. 1

1 . الطبقات الكبرى: 2 / 183 ـ 186; ونحوه في كنز العمّال: 5 / 291 ـ 297 .

صفحه 219
ولا يخفى أنّ مفادها نفس مفاد الخطبة الّتي ذكرناها سابقاً، واستظهرنا بأنّه أوردها بعرفة، ويمكن إيرادها مرّة ثانية بمنى.
وفي المصنّف لابن أبي شيبة بسندين عن مجاهد ومسروق أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)خطبهم يوم النحر.1
وفي السنن الكبرى عن رجلين من بني بَكر قالا: رأينا رسول الله(صلى الله عليه وآله)يخطبُ بين أوسط أيّام التشريق، ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)الّتي خطب بمنى .2
وقال أيضاً: أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفّار، ]حدّ[ثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبدالله. وأخبرنا أبو نصر عمر بن عبدالعزيز بن عُمر ابن قتادة النعمانيّ، أنبأ أبو عمرو إسماعيل بن نُجيد السُّلمي، أنبأ أبو مسلم إبراهيم ابن عبدالله البصري، ] حدّ [ ثنا أبو عاصم، عن ربيعة بن عبدالرحمن بن حصن الغنويّ، حدّثتني سرّاءُ بنت نبهان ـ وكانت ربَّة بيت في الجاهلية ـ قالت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول في حجّة الوداع: «هل تدرون أيُّ يوم هذا؟». قال: وهو اليوم الّذي يدعون يوم الرؤوس، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا أوسط أيّام التشريق، هل تدرون أيّ بلد هذا؟». قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا المَشْعَرُ الحرام». ثمّ قال: «إنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد هذا، ألا وإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا حتّى تلقوا ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليُبَلِّغْ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلّغتُ» فلمّا قدمنا المدينة لم يلبث إلاّ قليلاً حتّى مات (صلى الله عليه وآله). ثمّ قال: رواه محمّد بن بشّار عن أبي عاصم بهذا الإسناد وقال: قالت: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)يوم الرؤوس .3
وفي مسند أحمد بن حنبل عن أبي نضرة قال: حدّثني من سمع خطبة

1 . المصنّف لابن أبي شيبة: 4 / 339 .
2 . السنن الكبرى: 7 / 330 .
3 . السنن الكبرى: 7 / 330 .

صفحه 220
النبي(صلى الله عليه وآله)في وسط أيّام التشريق فقال: «يا أيّها الناس! إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتقوى. أبلّغت»؟ قالوا: بلّغ رسول الله(صلى الله عليه وآله)إلى آخر الحديث .1
وقد روى في دعائم الإسلام عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، عن الإمام عليّ (عليه السلام)قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يخطب يوم النحر وهو يقول: «هذا يوم الثجّ والعجّ. والثجّ: ما تهريقون فيه من الدماء، فمن صدقت نيّته كانت أوّل قطرة له كفّارة لكلّ ذنب. والعجّ: الدعاء، فعجّوا إلى الله، فوالّذي نفس محمّد بيده لا ينصرف من هذا الموضع أحد إلاّ مغفوراً له إلاّ صاحب كبيرة مصرّاً عليها لا يحدِّث نفسه بالإقلاع عنها».2
ويُعتقد أنّ هذه الخطبة قد قالها(صلى الله عليه وآله)بمنى يوم النحر في حجّة الوداع، كما يدلّ على ذلك لفظة «هذا الموضع». ولكن يحتمل أن يكون قد ألقاها يوم عيد الأضحى بالمدينة المنوّرة في عام من الأعوام، ومراده من «هذا الموضع» مصلّى العيد ومكان الخطبة ومجمع المسلمين، ولكن روايات البيهقي صريحة في أنّه أوردها بمنى يوم النحر في حجّة الوداع.
فقد روى البيهقي بسنده عن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)يوم النحر فقال: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».
وفيه أيضاً بسنده عن الهرماس بن زياد قال: رأيت النبيّ(صلى الله عليه وآله)وأنا صبيّ أردفني أبي، يخطب الناس بمنى يوم الأضحى على راحلته.
وفيه أيضاً بسنده عن أبي أمامة: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)بمنى يوم النحر.

1 . مسند أحمد بن حنبل: 9 / 127 ; نيل الأوطار: 5 / 82 ، باب الخطبة أوسط أيّام التشريق ح 3 .
2 . دعائم الإسلام: 1 / 184; بحار الأنوار: 96 / 301 ; الجعفريات: 46.

صفحه 221
وفيه أيضاً بسنده عن رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعليّ يُعَبّرُ عنه، والناس بين قائم وقاعد.1
وروى الصدوق بسنده عن أبي أمامة يقول: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول: «أيّها الناس إنّه لا نبيّ بعدي، ولا أُمّة بعدكم، ألا فاعبدوا ربّكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجّوا بيت ربّكم، وأدّوا زكاة أموالكم طيّبة بها أنفسكم، وأطيعوا ولاة أمركم تدخلوا جنّة ربّكم».2
فهذه الرواية وإن لم تكن فيها دلالة على أنّ هذا الكلام صدر من النبيّ(صلى الله عليه وآله)في حجّة الوداع، لكن الروايتين الأُخريين تدلاّن على ذلك، فإنّ أحمد بن حنبل في مسنده والحاكم في المستدرك قد زادا فيما روياه: يقول أبو أمامة: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يخطب الناس في حجّة الوداع، وهو على الجدعاء واضع رجله في غراز الرحل يتطاول يقول: ألا تسمعون؟ فقال رجل من آخر القوم: ما تقول؟ قال: اعبدوا ربّكم، إلى آخر الحديث .3

5. خطبته(صلى الله عليه وآله)في مسجد الخيف

روى الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)خطب الناس في مسجد الخيف فقال: «نَضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها من لم يسمعها، فربّ حامل فقه غيرُ فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمّة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم

1 . السنن الكبرى: 7 / 308 ; سنن أبي داود: 302 ـ 303.
2 . الخصال: 322 .
3 . مسند أحمد بن حنبل: 8 / 274 ; المستدرك على الصحيحين: 1 / 547.

صفحه 222
محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم».
ثمّ قال: ورواه أيضاً عن حمّاد بن عثمان، عن أبان، عن ابن أبي يعفور مثله، وزاد فيه: «وهم يد على من سواهم». وذكر في حديثه أنّه خطب في حجّة الوداع بمنى في مسجد الخيف.1
ورواها الشيخ أبو عبدالله المفيد في الأمالي بسند آخر ذكره عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: خطب رسول الله يوم منى فقال... إلى آخره .2
ورواها أيضاً الشيخ الصدوق عن محمّد بن موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا علي بن الحسين السعدآبادي قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن خالد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبدالله (عليه السلام). ورواها بسند آخر في الخصال 3، وأيضاً وردت في جمهرة خطب العرب .4
ورواها ابن ماجة في السنن بسند ذكره عن جبير بن مطعم 5، أنّه قال: قام رسول الله(صلى الله عليه وآله)بالخيف من منى فقال: نضّر الله ـ إلى أن قال ـ : فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم. وأمّا صدر الحديث فقط، فقد ذكره في ضمن أحاديث متعدّدة .6
وقال الفيروزآبادي: رجع(صلى الله عليه وآله)إلى منزله بالقرب من مسجد الخيف، وخطب خطبة بليغة، بلغ صوته إلى جميع أهل الخيام في خيامهم، وهذا من جملة المعجزات النبويّة.7
وفي سنن أبي داود بسنده عن عبدالرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)ونحن بمنى ففتحت أسماعنا، حتّى كنّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا،

1 . الكافي: 1 / 403 .
2 . الأمالي للمفيد: 186 ; بحار الأنوار: 2 / 148 .
3 . الأمالي للصدوق: 431 ; الخصال: 149 .
4 . جمهرة خطب العرب: 1 / 151، خطبة النبيّ(صلى الله عليه وآله)بالخيف، رقم 5 .
5 . سنن ابن ماجة: 2 / 1015 .
6 . سنن ابن ماجة: 1 / 84 ـ 85 .
7 . سفر السعادة: 181 .

صفحه 223
فطفق يعلّمهم مناسكهم حتّى بلغ الجمار، فوضع إصبعيه السبّابتين، ثمّ قال: بحصى الخذف، ثمّ أمر المهاجرين فنزلوا في مقدّم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد، ثمّ نزل الناس بعد ذلك.1
وفي الكافي عن محمّد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن الحكم بن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكّة قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمّد (عليه السلام) قال: فذهبت معه إليه، فوجدناه قد ركب دابّته، فقال له سفيان: يا أبا عبدالله حدّثنا بحديث خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)في مسجد الخيف، قال: دعني حتّى أذهب في حاجتي فإنّي قد ركبت فإذا جئت حدّثتك، فقال: أسألك بقرابتك من رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما حدّثتني، قال: فنزل، فقال له سفيان: مُر لي بدواة وقرطاس حتّى أثبته، فدعا به، ثمّ قال: اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم. خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)في مسجد الخيف: «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، وبلّغها من لم تبلغه، يا أيّها الناس ليبلّغ الشاهد الغائب، فربّ حامل فقه ليس بفقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمّة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم».
فكتبه سفيان ثمّ عرضه عليه، وركب أبو عبدالله (عليه السلام) .2
وقد ذكر القمّي هذه الخطبة المباركة وزاد في آخرها: وصيّة النبي(صلى الله عليه وآله)في التمسّك بالثقلين 3، وليس ببعيد; لأنّه قد أمر المسلمين بالتمسّك بالثقلين مرّات عديدة وفي مواطن شتّى.

1 . سنن أبي داود: 303 ، ونحوه في الطبقات الكبرى: 2 / 185 .
2 . الكافي: 1 / 403 ; بحار الأنوار: 47 / 365 .
3 . تفسير القمي: 2 / 447; بحار الأنوار: 37 / 114 .

صفحه 224

6. خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)عند الكعبة

عندما قضى رسول الله(صلى الله عليه وآله)حجّته أتى مودِّعاً للكعبة الشريفة، فلزم حلقة الباب ونادى: أيّها الناس. فاجتمع من في المسجد الحرام ومن في السوق حوله، فخطب هذه الخطبة البليغة وذكر الفتن الّتي تحدث بعده والفساد الّذي يتعرّض له الناس في أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم، وتحقّق أشراط الساعة.
وجدير بالذكر أنّ لهذه الخطبة المباركة روايات متعدّدة مختلفة فيما بينها في بعض الألفاظ. ومشتركة في الأكثر. فقد روى السيوطي في الدرّ المنثور ذيل الآية الكريمة (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)1 وقال: أخرج ابن مردويه، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: حجّ النبي حجّة الوداع ثمّ أخذ بحلقة باب الكعبة فقال: أيّها الناس ألا أخبركم بأشراط الساعة... إلى آخره .2
ورواها أيضاً محيي الدِّين ابن العربي في محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار مرسلاً عن عبدالله بن عبّاس، عن النبي(صلى الله عليه وآله).3
وأمّا في كتب الشيعة الإماميّة فرويت في جامع الأخبار مرسلة عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال: حججت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)حجّة الوداع، فلمّا قضى النبي(صلى الله عليه وآله)ما افترض عليه من الحجّ أتى مودِّعاً الكعبة، فلزم حلقة الباب ونادى برفيع صوته: أيّها الناس. فاجتمع أهل المسجد وأهل السوق، فقال: اسمعوا إنّي قائل ما هو بعدي كائن إلى آخره .4
وجاء في تفسير القمي في ذيل الآية المباركة: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ)قال: حدّثني أبي، عن سليمان بن مسلم بن الخشّاب، عن عبدالله بن جريج المكّي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبدالله بن عبّاس قال: حججنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)حجّة

1 . محمّد: 18 .
2 . الدرّ المنثور: 7 / 412 .
3 . محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار: 1 / 60 ـ 62 .
4 . جامع الأخبار: 395 ـ 397 ; بحار الأنوار: 52 / 262.

صفحه 225
الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة، ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال:
«ألا أُخبركم بأشراط الساعة»؟ وكان أدنى الناس منه يومئذ سلمان رحمة الله عليه، فقال: بلى يا رسول الله !
فقال (صلى الله عليه وآله): «إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصلوات واتّباع الشهوات، والميل إلى الأهواء، وتعظيم أصحاب المال، وبيع الدين بالدنيا، فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يُذاب الملح في الماء ممّا يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره».
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال: «اي والّذي نفسي بيده، يا سلمان! إنّ عندها يليهم أُمراء جَوَرَة ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وأُمناء خونة».
فقال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال (صلى الله عليه وآله): «اي والذي نفسي بيده يا سلمان إنّ عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، ويؤتمن الخائن، ويخوّن الأمين، ويصدَّق الكاذب، ويكذَّب الصادق... إلى آخر الخطبة الشريفة».1

7. خطبته(صلى الله عليه وآله)في غدير خُم

بعد أن أتم رسول الله(صلى الله عليه وآله)والمسلمون حجّهم وقضوا مناسكهم خرجوا من مكة المكرمة في ضحى اليوم الرابع عشر من ذي الحجة الحرام متوجهين إلى المدينة المنورة، وكان موكب الرسول(صلى الله عليه وآله)يسير نحو المدينة منزلاً بعد منزل ومرحلة بعد مرحلة، حتّى مضى اليوم الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر وفي ضحى اليوم الثامن عشر وحينما بلغ الموكب الشريف قريباً من الجحفة بغدير خمّ وقد ابتعد 185 كيلومتراً عن مكة، وقبل تفرّق الحجاج في مسيرهم

1 . تفسير القمي: 2 / 303 ـ 307، عنه بحار الأنوار:9/ 305 ـ 309 ، وتفسير البرهان: 4 / 183 ذيل الآية الكريمة (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)(محمّد: 18).

صفحه 226
وذهابهم إلى أوطانهم، نادى منادي الرسول (صلى الله عليه وآله): الصلاة جامعة.
فارتج الحجاج من هذا النداء، إذ لم تكن هذه الساعة زمان نزول ولم يكن هذا المكان منزلاً وموقفاً للاستراحة، فتوقّف الموكب، فلحق من كان في آخر القافلة، ورجع من كان في مقدّمها، فجمعوا في الحرّ الشديد ليسمعوا الخبر الهامّ، حتّى وضع كثير منهم رداءه على رأسه من حرارة الشمس، ووضع البعض رداءه تحت قدميه اتّقاءً لِلَهيب الرمضاء.
فصلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله)بالمسلمين صلاة الظهر، ثمّ صنعوا من أقتاب الإبل منبراً رفيعاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فصار الأُلوف من البشر آذاناً صاغية لكلامه(صلى الله عليه وآله)ليسمعوا وليعوا كلام خطيب الله تعالى، فرقى المنبر وفتح فمه الطيّب وتكلّم بكلام بلّغ فيه المسلمين ما أمره الله تعالى بتبليغه.
ونحن نورد الخطبة الشريفة عن كتاب المناقب لابن المغازلي الشافعي بسند ذكره. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«الحمد لله نحمده ونستعينه، ونؤمن به ونتوكّل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، الّذي لا هادي لمن أضلّ، ولا مضلَّ لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله.
أمّا بعد أيّها الناس! فإنّه لم يكن لنبيّ من العمر إلاّ نصف من 1 عمّر من قبله، وإنّ عيسى بن مريم (عليه السلام)لبث في قومه أربعين سنة، وإنّي قد أسرعت في العشرين، ألا وإنّي يوشك أن أُفارقكم، ألا وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فهل بلّغتكم؟ فماذا أنتم قائلون؟»
فقام من كلّ ناحية من القوم مجيب يقولون: نشهد أنّك عبدالله ورسوله، قد بلّغت رسالته، وجاهدت في سبيله، وصدعت بأمره، وعبدته حتّى أتاك اليقين، جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيّاً عن أُمّته.

1 . في العمدة: 105 والبحار: 37 / 184: «ما» بدل «من».

صفحه 227
فقال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ الجنّة حقّ، وأنّ النار حقّ، وتؤمنون بالكتاب كلّه؟».
قالوا: بلى. قال: «فإنّي أشهد أن قد صدقتكم وصدّقتموني، ألا وإنّي فرطكم وإنّكم تبعي، توشكون أن تردوا عليَّ الحوض، فأسألكم حين تلقونني عن ثقليَّ كيف خلّفتموني فيهما»؟
قال: فأُعيل علينا 1 ما ندري ما الثقلان، حتّى قام رجل من المهاجرين وقال: بأبي وأُمّي أنت يا نبيّ الله ما الثقلان؟
قال (صلى الله عليه وآله): «الأكبر منهما كتاب الله تعالى، سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم، فتمسّكوا به ولا تضلّوا، والأصغر منهما عترتي. من استقبل قبلتي وأجاب دعوتي، فلا تقتلوهم ولا تقهروهم ولا تقصروا عنهم، فإنّي قد سألت لهم اللطيف الخبير فأعطاني، ناصرهما لي ناصر، وخاذلهما لي خاذل، ووليّهما لي وليٌّ، وعدوّهما لي عدوٌّ. ألا وإنّها لم تهلك أُمّة قبلكم حتّى تتديّن بأهوائها، وتظاهر على نبوّتها، وتقتل من قام بالقسط».
ثـمّ أخـذ بيـد علـيّ بن أبي طالـب (عليه السلام)فـرفعهـا ثـمّ قـال: «مَنْ كنتُ مولاه فهذا مولاه، ومَنْ كنتُ وليّهُ فهذا وليّهُ، اَللّهمَّ والِ من والاهُ، وعادِ مَنْ عاداهُ». قالها ثلاثاً.2
ثمّ تـوّج رسـول الله(صلى الله عليه وآله)عليّـاً (عليه السلام) بعمـامتـه «السحـاب» أمـام جمـوع حاشـدة مـن المؤمنيـن بيـده الشـريفـة فسـدل طـرفها على منكبه ، وأمر المهاجـرين والأنصـار أن يسلِّمـوا علـى علـيّ (عليه السلام) بإمـرة المؤمنين ويهنّئونه بهذه الفضيلة العظيمة.

1 . يقال: علت الضالّة أُعيل عيلاً وعيلاناً فأنا عائل: إذا لم تدر أيّ وجهة تبغيها; عن أبي زيد، وقال الأحمر: عالني الشيء يعيلني عيلاً ومعيلاً: إذا أعجزك، والمراد أي: عجزنا عن فهم الثقلين.
2 . المناقب لابن المغازلي: 16 ، عنه العمدة لابن البطريق: 104 ; وبحار الأنوار: 37 / 184 وانظر الأمالي للطوسي: 227 .

صفحه 228
فسلّم وجوه المسلمين 1 عليه بإمرة المؤمنين وهنّأوه.2
ومن يراجع أغلب المصادر التاريخية وكتب الحديث يجد أنّ هذه الخطبة قد احتلت العديد من الصفحات، وأبرز مؤلّفو كتب التاريخ وجوهها المختلفة، ومن هؤلاء الطبري الّذي ألّف كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خمّ في مجلّدين ضخمين.3
وقال الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة: حُكي عن أبي المعالي الجويني الملقّب بإمام الحرمين أُستاذ أبي حامد الغزالي أنّه قال: رأيت مجلّداً في بغداد في يد صحّاف فيه روايات خبر غدير خمّ مكتوباً عليه المجلّدة الثامنة والعشرون من طرق قوله (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فعليّ مولاه، ويتلوه المجلّدة التاسعة والعشرون .4
ومتن الخطبة الشريفة يختلف في الروايات الحاكية لها، وكلّها تشتمل على قول رسول الله(صلى الله عليه وآله)مخاطباً هذا الجمع العظيم: «ألست أولى بكم من أنفسكم»؟ قالوا: بلى، فأخذ بضبع عليّ بن أبي طالب ورفعها حتّى رُئيَ بياض إبطيهما، فقال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».

1 . أخرج الطبري في كتاب الولاية (214 ـ 216) حديثاً باسناده عن زيد بن أرقم، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال بعد خطبته تلك: معاشر الناس! قولوا: أعطيناك على ذلك عهداً، عن أنفسنا... إلى أن قال: قولوا ما قلت لكم، وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وقولوا: الحمد لله الّذي هدانا لهذا...
قال زيد بن أرقم: فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم سمعنا وأطعنا على أمر الله ورسوله بقلوبنا .
وكان أوّل من صافق النبي(صلى الله عليه وآله)وعلياً: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وباقي المهاجرين والأنصار وباقي الناس إلى أن صلى الظهرين في وقت واحد، وامتدّ ذلك إلى أن صلى العشائين في وقت واحد وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثاً.
2 . مسند أبي داود: 23 ; كنز العمال: 15 / 482 ; الرياض النضرة: 3 / 170; فرائد السمطين: 1 / 75 ; الفصول المهمة: 41; السيرة الحلبية: 3 / 341 .
3 . البداية والنهاية: 11 / 157.
4 . ينابيع المودّة: 1 / 113 ـ 114 .

صفحه 229
وفي الاحتجاج وروضة الواعظين والعدد القويّة واليقين 1 ذكروا خطبة طويلة جدّاً للنبيّ العظيم في هذا المشهد العامّ، وبعض المؤلِّفين ذكر نصّاً متوسّطاً بين القصير والطويل لهذه الخطبة; كابن المغازلي (المتوفّى 483 هـ) في المناقب كما مرّ، وابن الأثير في أُسد الغابة2، والشيخ أحمد أبو الفضل بن محمّد باكثير المكّي الشافعي (المتوفّى 1047 هـ) في وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل 3، والشيخ العاملي في ضياء العالمين عن كتاب الولاية للطبري المؤرِّخ 4، والمتّقي الهندي في كنز العمّال5، والحمويني في فرائد السمطين 6، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة 7، وابن كثير في البداية والنهاية8، وابن حجر في الصواعق المحرقة9 ، والحلبي في السيرة النبوية10 ، والهيثمي في مجمع الزوائد11، والقرماني في أخبار الدول12 ، وبعض المحدِّثين والرواة ذكروا فقط فقرة هامّة من هذه الخطبة; وهي قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فعليٌّ مولاه.
وبعد إيراد هذه الخطبة قال الشاعر الشهير حسّان بن ثابت لرسول الله (صلى الله عليه وآله):

1 . الاحتجاج: 1 / 133 ـ 162; روضة الواعظين: 89 ـ 101 ; العدد القويّة: 169 ; اليقين: 343 ـ 361. وراجع ما نقله العلاّمة المجلسي عن واقعة الغدير في بحار الأنوار: 37 / 108 ـ 253.
2 . أُسد الغابة: 3 / 33 ـ 34 .
3 . وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل: 116 ـ 118 .
4 . قال ابن كثير في تاريخه (ج 11 / 146) في ترجمة الطبري: إنّي رأيت له كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين. انظر: الغدير للعلاّمة الأميني: 1 / 424 ـ 426 .
5 . كنز العمال: 13 / 104 ـ 105.
6 . فرائد السمطين: 1 / 62 ـ 78.
7 . الفصول المهمة: 40 .
8 . البداية والنهاية: 5 / 197 ـ 205 و ج 7 / 328 ـ 331.
9 . الصواعق المحرقة : 42 ـ 49.
10 . السيرة النبوية: 3 / 336 ـ 337.
11 . مجمع الزوائد: 9 / 259 .
12 . أخبار الدول: 102.

صفحه 230
ائذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهنّ. فقال (صلى الله عليه وآله): قُل على بركة الله. فأنشد حسّان بن ثابت شعره المعروف:
يناديهمُ يوم الغدير نبيّهم *** بخمّ واسمع بالرسول مناديا
فقال: فمن مولاكمُ ونبيّكم *** فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبيّنا *** ولم تلق منّا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا عليّ فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعا: اللّهمّ والِ وليّه *** وكُن للّذي عادى عليّاً معاديا
وقد روى هذه الأبيات الستّة العلاّمة الأميني في كتابه الغدير 1 عن اثني عشر من علماء أهل السنّة وعن اثنين وعشرين من علماء الإمامية، ونقلها عن كتاب سليمان بن قيس الهلالي والمولى محسن الفيض الكاشاني في «علم اليقين»2بزيادة أبيات أربعة، وقال بعد البيت الأوّل:
وقد جاء جبريل عن أمر ربّه *** بأنّك معصوم فلا تك وانيا
وبلّغهم ما أنزل الله ربّهم إليك *** ولا تخش هناك الأعاديا
فقام به إذ ذاك رافع كفّه *** بكفّ عليٍّ مُعلن الصوت عاليا
وزاد بعد البيت السادس:
فياربّ انصر ناصريه لنصرهم *** إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا
ثمّ قال العلاّمة الأميني: والّذي يظهر للباحث أنّ حسّاناً أكمل هذه الأبيات بقصيدة ضمّنها نبذاً من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) .3
وفي ختام حديثنا عن هذه الخطبة الهامة ولكي نرفع ما قد يتسرب إلى نفوس البعض من الشك فيها نذكر شيئاً عن رواتها من الصحابة والتابعين، وما أُلِّفَ في

1 . الغدير: 2 / 65 .
2 . علم اليقين: 343 ـ 361 .
3 . الغدير: 1 / 73 .

صفحه 231
حديث الغدير، فنقول:
أوّلاً: روى حديث الغدير من الصحابة مائة وعشرون صحابياً، منهم:
1. أبو بكر بن أبي قحافة التيمي: (المتوفّى 13 هـ).
2. أبو هريرة الدوسي: (المتوفّى 57 ـ 59 هـ) .
3. أبو ليلى الأنصاري: استشهد بصفين مع الإمام علي (عليه السلام) سنة 37 هـ .
4. أبو زينب بن عوف الأنصاري.
5. أبو فضالة الأنصاري: بدري استشهد بصفين مع الإمام علي (عليه السلام) .
6. أبو قدامة الأنصاري.
7. أبوعمرة بن عمرو بن محصّن الأنصاري.
8. أبو الهيثم بن التيِّهان استشهد بصفين مع الإمام علي (عليه السلام) سنة 37 هـ .
9. أبو رافع القبطيّ.
10. أبو ذؤيب خويلد ـ أو خالد ـ ابن خالد بن محرث الهذلي .
ثانياً: ورواه أيضاً اثنان وثمانون من التابعين، نذكر منهم :
1. أبو راشد الحبراني الشامي، اسمه اخضر، نعمان.
2. أبو سلمة عبدالله بن عبدالرحمن بن عوف الزهري المدني (المتوفّى 94 هـ).
3. أبو سليمان المؤذّن.
4. أبو صالح السمّان، ذكوان المدني (المتوفّى 101 هـ).
5. أبو عنفوانة المازني.
6. أبو عبدالرحيم الكندي.
7. أبو القاسم الأصبغ بن نُباتة التميمي، الكوفي.
8. أبو ليلى الكندي.
9. إياس بن نُذَير.
10. جميل بن عمارة.

صفحه 232
ثالثاً: وقد أيّده ورواه من العلماء وأعلام الحفاظ والمؤرخين ثلاثمائة وستون، نذكر منهم:
1 . الحافظ أبو عيسى الترمذي (المتوفّى 279هـ) .1
2 . الحافظ أبو جعفر الطحاوي (المتوفّى 279 هـ) .2
3 . الحافظ ابن عبد البرّ القرطبي (المتوفّى 463 هـ) .3
4 . الفقيه أبو الحسن بن المغازلي الشافعي (المتوفّى 483 هـ) .4
5 . حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (المتوفّى 505 هـ) .5
6 . الحافظ أبو الفرج بن الجوزي الحنبليّ (المتوفّى 597 هـ).
7 . أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي (المتوفّى 654 هـ) .6
8 . ابن أبي الحديد المعتزلي (المتوفّى 655 هـ) .7
9 . الحافظ أبو عبدالله الكنجي الشافعي (المتوفّى 658 هـ) .8
10 . الشيخ أبو المكارم علاء الدين السمناني (المتوفّى 736 هـ) .9
11 . شمس الدين الذهبي الشافعي (المتوفّى 748 هـ ).10
12 . شمس الدين الجزري الشافعي (المتوفّى 833 هـ) .11

1 . سنن الترمذي: 5 / 591 .
2 . مشكل الآثار: 2 / 308 .
3 . الاستيعاب: 2 / 373.
4 . مناقب علي بن أبي طالب: 27 برقم 39.
5 . سر العالمين: 21.
6 . تذكرة الخواص: 29 .
7 . شرح نهج البلاغة: 9 / 166 .
8 . كفاية الطالب: 60 ـ 61 .
9 . العروة لأهل الخلوة: 422 .
10 . تلخيص المستدرك: 3 / 613.
11 . أسنى المطالب: 48 .

صفحه 233
13 . الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 هـ) 1.
14 . جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن صلاح الدين الحنفي .2
15 . نور الدين الهروي التازي الحنفي (المتوفّى 1014 هـ) .3
16 . زين الدين المناوي الشافعي (المتوفّى 1031 هـ) .4
17 . نور الدين الحلبي الشافعي (المتوفّى 1044 هـ) .5
18 . السيد محمد البرزنجي الشافعي (المتوفّى 1103 هـ) .6
19 . السيد ابن حمزة الحراني الدمشقي الحنفي (المتوفّى 1120 هـ) .7
20 . ميرزا محمد البدخشي.8
21 . مفتي الشام العمادي الحنفي الدمشقي (المتوفّى 1171 هـ) 9.
22 . أبو العرفان الصّبان الشافعي (المتوفّى 1206 هـ) .10
23 . محمود الآلوسي البغدادي (المتوفّى 1270 هـ) .11
24 . الشيخ محمود الحوت البيروتي الشافعي (المتوفّى 1276 هـ) .12
25 . المولوي وليّ الله اللكهنوي .13

1 . فتح الباري: 7 / 74 .
2 . المعتصر من المختصر: 2 / 301 .
3 . المرقاة في شرح المشكاة: 10 / 464 .
4 . فيض القدير:6/ 218 .
5 . السيرة الحلبية: 3 / 274 .
6 . النواقض للروافض: الورقة 8 .
7 . البيان والتعريف: 3 / 75 .
8 . نزل الأبرار: 54.
9 . الصلات الفاخرة: 49 .
10 . إسعاف الراغبين في هامش نور الأبصار: 153 .
11 . روح المعاني:9/ 195 .
12 . أسنى المطالب: 461 .
13 . مرآة المؤمنين في مناقب أهل بيت سيد المرسلين: 40.

صفحه 234
26 . الحافظ المعاصر شهاب الدين الغماري المغربي .1
27 . الشيخ عبد العزيز محمد بن الصدّيق المغربي.2
رابعاً: من ألف في حديث الغدير
وإليك قائمة بأسماء بعض مَن ألّف في حديث الغدير واسم كتابه أو رسالته ـ ولا ندّعي هنا أنّنا سنذكر كل ما أُلّف بهذا الصدد، لأنّ ذلك لا ولن يتوقف إن شاء الله تعالى ـ :
1 . أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، الآملي، (المتوفّى 310 هـ) له كتاب «الولاية في طرق حديث الغدير».
2 . أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، الحافظ المعروف بابن عقدة (المتوفّى 333 هـ) له «كتاب الولاية في طرق حديث الغدير».
3 . أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سالم التميمي، البغدادي، المعروف بالجُعابي (المتوفّى سنة 355 هـ) له كتاب «مَنْ روى حديث غدير خم».
4 . أبو طالب عبدالله بن أحمد بن زيد الأنباري، الواسطي (المتوفّى 356 هـ) له كتاب «طرق حديث الغدير».
5 . أبو غالب أحمد بن محمد بن محمد الزُّراري (المتوفّى 368 هـ) له جزء في خطبة الغدير.
6 . أبو المفضل محمد بن عبدالله بن المطّلب الشيباني (المتوفّى 372 هـ) له كتاب «مَنْ روى حديث غدير خم».
7 . الحافظ علي بن عمر الدارقطني، البغدادي (المتوفّى 385 هـ) قال الكنجي الشافعي في كفايته عند ذكر حديث الغدير: جمع الحافظ الدارقطني طرقه في جزء.

1 . تشنيف الآذان: 77 .
2 . مجلة الموسم: 74، م 2 ـ 1990 م، مهرجان الغدير/ لندن.

صفحه 235
8 . الشيخ محسن بن الحسين بن أحمد النيسابوري، الخزاعي، له كتاب «حديث الغدير».
9 . علي بن عبدالرحمن بن عيسى بن عروة بن الجراح القناني (المتوفّى 413 هـ) له كتاب «طرق خبر الولاية».
10 . أبو عبدالله الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري (المتوفّى 411 هـ) له كتاب «يوم الغدير».
11 . الحافظ أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السجستاني (المتوفّى 477 هـ) له كتاب «الدراية في حديث الولاية».
12 . أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (المتوفّى 449 هـ) له كتاب «عدة البصير في حجج يوم الغدير».
13 . علي بن بلال بن معاوية بن أحمد المهلبي: له كتاب «حديث الغدير».
14 . الشيخ منصور اللائي، الرازي، له كتاب «حديث الغدير».
15 . الشيخ علي بن الحسن الطاطري، الكوفي: صاحب كتاب «فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)» له «كتاب الولاية».
16 . أبو القاسم عبيدالله بن عبدالله الحسكاني: له كتاب «دعاة الهداة إلى أداء حق الموالاة»، يذكر فيه حديث الغدير.
17 . شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 748 هـ) له كتاب «طرق حديث الغدير».
18 . شمس الدين محمد بن الجزري، الدمشقي، المقري، الشافعي (المتوفّى 833 هـ) أفرد رسالة في «إثبات تواتر حديث الغدير».
19 . المولى عبدالله بن شاه منصور القزويني، الطوسي له: «الرسالة الغديرية ».
20 . السيد سبط الحسن الجايسي، الهندي، اللكهنوي: له كتاب «حديث الغدير» بالأُردوية، طبع في الهند.
21 . السيد مير حامد حسين ابن السيد محمد قلي الموسوي، الهندي،

صفحه 236
اللكهنوي (المتوفّى سنة 1306 هـ) ، ذكر حديث الغدير وطرقه وتواتره ومفاده في مجلّدين ضخمين في ألف وثمان صحائف. وهما من مجلّدات كتابه الكبير «العبقات».
22 . السيد مهدي ابن السيد علي الغريفي، البحراني، النجفي (المتوفّى 1343 هـ) له كتاب «حديث الولاية في حديث الغدير».
23 . الحاج الشيخ عباس بن محمد رضا القمي (المتوفّى 1359 هـ ).
24 . السيد مرتضى حسين الخطيب الفتحبوري، الهندي: له كتاب تفسير التكميل في آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) النازلة في واقعة الغدير.
25 . الشيخ محمد رضا ابن الشيخ طاهر آل فرج الله، النجفي: له كتاب «الغدير في الإسلام».
26 . العلاّمة الشيخ عبد الحسين بن أحمد الأميني النجفي (المتوفّى 1390 هـ)، له: «الغدير في الكتاب والسنة والأدب» في 11 جزءاً .1
***
هذا ما استطعنا أن نعرضه للقارئ الكريم من خطب رسول الله(صلى الله عليه وآله)في حجة الوداع، عسى أن نكون قد ساهمنا في رسم صورة لما بذله رسول الله(صلى الله عليه وآله)من جهود وتضحيات في سبيل إرشاد أُمتّه وتوضيح معالم الدين الإسلامي الحنيف لأجيال الأُمّة الإسلامية.
   نسأل الله أن يوفقنا للاستنان بسنّته وأن يرزقنا شفاعته في الآخرة وزيارته في الدنيا.
والشكر لله وله الحمد على توفيقه للصالحات
جعفر السبحاني

1 . يعد هذا الكتاب موسوعة شاملة لكل ما يتعلّق بخطبة النبي(صلى الله عليه وآله)في غدير خم في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام عام حجة الوداع. وهو شامل لمناقشات تتعلّق بأسانيد الخطبة ودلالتها وما تثبته وتنفيه .

صفحه 237
ما هو المراد من أنّ الأنبياء لم يورثوا؟
5

ما هو المراد من أنّ الأنبياء لم يورثوا؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الدكتور عبدالعزيز حسن دامت معاليه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو من الله سبحانه أن يديم عليكم لباس الصحّة والعافية، وعلى جميع الإخوة وأفراد العائلة.
وصلتني رسالتكم عبر البريد الالكتروني ووقفت على أسئلتكم فيها، وأنتم بحمد الله تعالى عارفون بأجوبتها، غير أنّكم أحببتم أن أُشارككم في الإجابة عنها.
السؤال الأوّل:
ماذا يريد الإمام الصادق (عليه السلام) في الرواية التي رواها الإمام الكليني عن أبي البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولاديناراً وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه؟ فإنّ فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ]الكافي: 1 / 32، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 2 [ .
الجواب: أقول: إنّ كشف الستر عن وجه الحقيقة رهن دراسة الحديث سنداً ومتناً.

صفحه 238
أمّا السند فلا غبار عليه إلاّ في الراوي عن الإمام (عليه السلام)، أعني أبا البختري فهو وهب بن وهب .
قال النجاشي: وهب بن وهب بن عبدالله أبو البختري، روى عن أبي عبدالله (عليه السلام) وكان كذّاباً.
وقال الطوسي في الفهرست: عامّي المذهب (أي لم يكن شيعياً)، ضعيف، له كتاب.
قال ابن الغضائري: أبو البختري القاضي كذاب عامي، ونقل الكشي عن ابن شاذان أنّه قال فيه: أكذب البرية.
ومع ذلك كيف يمكن أن يستند إلى هذه الرواية في مقابل الآيات الناصّة على أنّ سليمان ورث داود.
كما أنّ زكريا طلب من الله سبحانه أن يهب له ذرية طيبة ترثه وترث من آل يعقوب، وقال: (وَ إنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).1
ولا يتبادر من لفظ الإرث إلاّ ما هو المتبادر والمعروف عند العرف.
والشاهد على أنّ المراد من الوراثة في دعاء زكريا أنّه قال: (وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) ، فلو كان المراد من الوراثة الوراثة في النبوة صار هذا الطلب أمراً لغواً، واحتمال أنّ المراد هو الوراثة في العلم لا يناسب قوله: (يَرِثُني وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) ، إذ ليس آل يعقوب بأجمعهم عُلُماء فهماء كأخوة يوسف. وإلاّ فهل يحتمل أن يطلب زكريا ولداً يرث ما في إخوة يوسف من الخصال مع أنّ النبي يوسف (عليه السلام) قد وصفهم بالجهل، وقال: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ).2

1 . مريم:5 ـ 6.
2 . يوسف:89.

صفحه 239
وأمّا ما يرجع إلى سليمان أعني قوله: (وَ وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ) 1 فلا يمكن حمله على الوراثة في العلم، وذلك لأنّه سبحانه قد ذكر في الآية المتقدمة أنّه آتاهما علماً وقال: (وَ لَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَ سُلَيْمَانَ عِلْمًا وَ قَالاَ الْحَمْدُ للهِ الذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ)، 2 فبعد هذا التصريح بأنّ الله سبحانه وهبهما العلم فلا حاجة لتكرار ما ذكره بصراحة تامة، فتفسير قوله سبحانه: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ)، بالوراثة في العلم ساقط جداً، وبذلك تبيّن أنّ علم الناس على قسمين اكتسابي أو إيهابي، وليس العلم أمراً وراثياً إلاّ على سبيل المجاز.
فبعد هذه الآيات الناصّة على أنّ سنّة الله سبحانه في الأنبياء وغيرهم على نمط سواء، فهم يتوارثون كغيرهم وإنّما لا يتوارث أهل ملتين.

دراسة مضمون الحديث

لو افترضنا صحّة سند الحديث فنقول: إنّ الإمعان فيه يقودنا إلى أنّ المقصود من قوله: «العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما ورثوا أحاديث من أحاديثهم»، هو أنّ شأن الأنبياء ووظيفتهم هو توعية الناس وتعليمهم بأحاديثهم وكلماتهم، وليس من شأنهم أن يتركوا للناس الدنانير والدراهم، وأين هذا من أنّ النبي لو مات وترك بيتاً أو فراشاً أو أموالاً لا ترثها ورثته؟!
وبعبارة أُخرى: أنّ الحديث ـ لو صحّ ـ فهو بصدد بيان علاقة النبي مع أُمّته وأصحابه، وأنّه ما ترك لهم فضة ولا ذهباً وإنّما ترك لهم علماً وسنّة واضحة ليلها كنهارها، فعلى الأُمّة أن تأخذ بهذه الأحاديث عن طريق العلماء فمن أخذ بها أخذ حظاً وافراً.
ولا علاقة لهذا الحديث بما يتركه النبي من مال إلى أزواجه وأولاده.

1 . النمل:16.
2 . النمل:15.

صفحه 240
فلا يتبادر إلى ذهن أحد ـ مهما كان مجرداً عمّا جرى بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله)ـ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)بصدد بيان حرمان ابنته فاطمة الزهراء عمّا تركه من بيضاء وصفراء.
والذي يدلّ على ذلك أنّ الخليفة الذي روى حديث الحرمان لم يتعرض لما تركه النبي(صلى الله عليه وآله)لنسائه وأزواجه وإنّما تصدّى لخصوص فدك، فلو كان الحديث صحيحاً، وكان ما تركه النبي(صلى الله عليه وآله)صدقة يجب عليه استرداد عامة البيوت من أزواجه وتقسيمها على مستحقي الصدقات، مع أنّا نرى أنّه تركها لهنّ.
مضافاً إلى أنّه لم يتعرض أيضاً لما كان عند علي من سيف النبي(صلى الله عليه وآله)وخاتمه وفرسه وألبسته.
والعجب مع أنّه ادّعى أنّ الأنبياء لا يورثون، استأذن من ابنته عائشة لأن يدفن في بيتها، مع أنّ عائشة لم تكن مالكة له، بل كان من الأموال العامة.
حتى أنّ الخليفة الثاني أيضاً استأذن عائشة في أن يدفن في حجرتها. كل ذلك يدلّ على أنّ الخليفتين كانا على علم بأنّ عائشة مالكة لهذا البيت.
إنّ الحكم بحرمان أولاد الأنبياء من الأموال الخاصة لآبائهم نوع إهانة لهم، فأي فرق بين الأنبياء وغيرهم، فأولاد الآخرين محترمون، باقون تحت عطاء آبائهم، وأمّا أولاد الأنبياء فهم محرومون حتى من الشيء البسيط الذي يتركه الوالد!!
إنّ الذي يثير العجب أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)قد ذكر ذلك الحكم الإلهي ـ لو صحّ ـ لأبي بكر فقط مع أنّ اللازم أن يوجه كلامه إلى بنته التي هي وارثته بعد رحيله، فلماذا ترك صاحب الشأن وتحدّث به إلى من لا يعنيه؟!
وبذلك تتجلّى حقيقة كلام بنت المصطفى مخاطبة لأبي بكر قائلة: «يابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئاً فرياً. أفعلى عمد تركتم كتاب الله فنبذتموه وراء ظهوركم، وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا؟ أفخصّكم الله بآية أخرج أبي منها أم هل تقولون: إنّ أهل ملتين لا يتوارثان؟! أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة، أم أنتم أعلم بخصوص القرآن

صفحه 241
وعمومه من أبي وابن عمي؟!».
على أنّ فدك هي ممّا كان قد وهبه النبي لفاطمة في حياته بعد أن أمره الله سبحانه بقوله: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ)1. ولم يكن ما تركه النبي(صلى الله عليه وآله)لا يورث ويكون صدقة. ويكفي في ذلك الأحاديث الواردة حول تفسير الآية .
روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه)قال: لمّا نزلت هذه الآية (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله)فاطمة فأعطاها فدك.
وروى أيضاً عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: لمّا نزلت (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) أقطع رسول الله(صلى الله عليه وآله)فاطمة فدكاً .2
***
السؤال الثاني: ما هو الوجه لتسمية الأئمة أولادهم بأسماء الصحابة؟
الجواب: إنّ أسماء الخلفاء الثلاثة لم تكن أسماء مختصّة بهم فقط ، بل هي أسماء كانت شائعة ومنتشرة بين العرب قبل الإسلام وبعده ، واتّخاذ عليّ(عليه السلام) هذه الأسماء لأبنائه لا يكون دليلاً على حُسن العلاقة بينه وبين أصحاب الخلافة ، وأنتم بإمكانكم مراجعة الكتب الرجاليّة مثل كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البرّ وكتاب «أُسد الغابة» لابن الأثير ، لتلاحظوا الصحابة الذين كانوا يحملون أسماء أبي بكر أو عمر أو عثمان .
ونحن هنا نستعرض أسماء الأشخاص الذين يحملون اسم عمر ـ قبل الإسلام وبعده ـ من كتاب واحد فقط ، وهو كتاب «أُسد الغابة في معرفة الصحابة» كأُنموذج لما ذكرنا : 1. عمر الأسلمي 2. عمر الجمعي 3 . عمر بن الحكم 4 . عمر بن سالم الخزاعي 5 . عمر بن سراقة 6. عمر بن سعد الأنماري 7 . عمر بن سعد السلمي 8 . عمر بن سفيان 9 . عمر بن أبي سلمة 10 . عمر بن عامر السلمي 11.

1 . الإسراء:36.
2 . الدر المنثور: 4 / 177، في تفسير الآية 36 من سورة الإسراء .

صفحه 242
عمر بن عبيدالله 12 . عمر بن عكرمة 13. عمر بن عمرو الليثي 14 . عمر بن عمير 15 . عمر بن عوف 16 . عمر بن غزية 17 . عمر بن لاحق 18 . عمر بن مالك بن عقبة 19 . عمر بن مالك الأنصاري 20 . عمر بن معاوية الغاضري 21 . عمر بن يزيد 22 . عمر بن اليماني .
هؤلاء فقط الأشخاص الذين أورد ابن الأثير أسماءهم ، وإلاّ فلو أضفنا التابعين الذين يحملون اسم عمر ، فسوف نقطع بأدلّة راسخة بأنّ هذا الاسم وأسماء الخلفاء الآخرين هي من الأسماء المعروفة والمشتهرة عند العرب في الجاهليّة والإسلام ، ولا يرد في بال أحدهم هذا الادّعاء على الإطلاق .
والحاصل: إنّ التسمية لم تحمل بُعداً عقائدياً إلى عصور متأخّرة، فعلى سبيل المثال نجد من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) ومن بعدهم من أصحاب الأئمة(عليهم السلام)مَن يسمّى بمعاوية ويزيد و...، وكذلك تجد من سفراء الإمام الحجة (عليه السلام) مَن اسمه عثمان، وكما نجد من المخالفين لمدرسة أهل البيت: من يحمل أسماء الأئمة(عليهم السلام)، ممّا يكشف عن أنّ التسمية لم تكن تحمل بُعداً عقائدياً.

الهدف هو التوقّي من الأعداء

ولنتجاوز هذا ونقول : لو نظرنا إلى الأوضاع المزرية والتضييق الذي لحق الشيعة في تلك الأيّام ، فإنّنا سندرك أنّ الأئمّة المعصومين من أهل البيت : قد أُجبروا على تصرّفات معيّنة بهدف الحفاظ على الشيعة وتجنيبهم تلك الويلات، وهي تصرّفات ـ قطعاً ـ جائزة شرعاً .
ومن جملة تلك التصرّفات أنّهم : قد وضعوا أسماء الخلفاء على أبنائهم ، أو أنّهم قاموا بعقد علاقات عائليّة مع بعض كبار الصحابة عن طريق الزواج ، حتّى يقلّلوا من تلك الضغوطات ، ولئلاّ تتمكّن آلة الظلم الأمويّة والعبّاسيّة من استغلال معارضة الأئمّة : للخلفاء الثلاثة للضغط على شيعة أهل البيت والإمعان في قتلهم وسحقهم ، خصوصاً وأنّ المجتمع الإسلامي آنذاك كانت تسيطر البساطة

صفحه 243
والسذاجة على أفراده .
وأمّا تخصيص ليالي محرم فليس هو أمراً تعبدياً منصوصاً من الأئمة(عليهم السلام)، بل هو من صنع الوعاظ وأرباب المقاتل وقد اقتصروا على ابرز الشهداء وأفجع المصائب، وإلاّ فالجميع عند الله سبحانه في مقام عظيم ودرجة رفيعة يغبطها عليهم سائر الشهداء والصالحين.
وفي الختام بلّغوا سلامنا إلى المؤمنين راجين منهم ذكرنا في صالح دعواتهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جعفر السبحاني
28 صفر المظفر 1430 هـ

صفحه 244
رسالة إلى الدكتور عبدالوهاب في رؤية الهلال
6
رسالة إلى الدكتور عبدالوهاب في رؤية الهلال
فضيلة الأُستاذ الفذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان
دامت معاليه، وتواترت بيض أياديه
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
وصلني ـ وصلكم اللّه ـ رسالتكم القيّمة حول إثبات رؤية الهلال ووقفت على ما فيها من جلائل الحقائق وأبهى النظريات، وأعجبني ما أبديتم من الرأي حول علم الفلك في العصر الحديث وقلتم «بأنّه بلغ من الدقة حدّاً لم يبلغه في العصور السابقة، واكتشف من العوالم الكونية ما لم تعرفه الإنسانية في الماضي، ولذا فإنّه من المفترض أن يستفيد منه المسلمون مما يعينهم في أُمور دينهم ودنياهم».
وداعيكم يؤيد هذه النظرية تماماً، وأنّ ما ورد من النهي عن التنجيم منصرف إلى القواعد الظنية غير المفيدة للعلم خصوصاً فيما يرجع إلى تَنبُّئِهم عن المغيبات من وقوع الحرب والصلح والغلاء والسيول وموت الفجأة وغير ذلك.
ويترتّب على هذا الأساس أنّه لو اتّفق المنجمون على عدم إمكان رؤية الهلال لا يعتد بشهادة نفر أو نفرين بل أكثر وتُحمل شهادتهم على خطأ الباصرة وتوهم الرؤية، وهنا حديث روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)ننقله في المقام ربما يؤيد

صفحه 245
ذلك الموقف.
قال الراوي قلت له : كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: «إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلا تؤدّوا بالتظنّي، وليست رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علّة أقلّ من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر».1
وهذا يدفعنا إلى الاحتياط التام في إثبات الهلال خصوصاً إذا كانت السماء صحوة ولم يكن فيها علة فلا يجوز للحاكم أن يحكم بدخول الشهر بشهادة أفراد قليلين، إذ لو كانوا صادقين فربما تكون شهادتهم مستندة إلى خطأ الباصرة. حيث إنّ المشاهد من شدّة رغبته إلى رؤية الهلال ربما يتخيل أنّه رآه، كما يرى العطشان السراب ماءً.
فعلى هذا يُحتج باتّفاق الفلكيين على عدم إمكان الرؤية على ضد مَن يدّعي الرؤية عندما تكون الرؤية حسب القواعد العلمية القطعية غير ممكنة.
نعم لايحتج بقولهم في ثبوت الهلال وأنّ الليلة أوّل الشهر، لأنّ الصوم والإفطار معلّقان على الرؤية، لا على العلم بوجود الهلال في السماء، قال(صلى الله عليه وآله):«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وروي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام): «صم للرؤية وأفطر للرؤية»، فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ قول الفلكيين حجة في مورد دون مورد.
1. حجة فيما إذا اتفقوا على عدم إمكان الرؤية وعدم تولّد القمر لأجل عدم ابتعاده عن ضوء الشمس بمقدار يخرجه عن تحت شعاعها، ولو ادّعيت الرؤية فلا يعتدّ بها.
2. وليس بحجّة إذا ادّعوا إمكان الرؤية وخروجه عن تحت الشعاع ولكن لم

1. وسائل الشيعة:4، الباب11 من أبواب أحكام شهر رمضان من كتاب الصوم، الحديث10.

صفحه 246
تمكن رؤيته، مع تصدّي جماعة لاستهلال الهلال.
***
ثمّ هل الحجّة الرؤية المباشرة بالعين المجردة، أو أعمّ منه ومن الرؤية بمساعدة الأجهزة المقرّبة؟
وبعبارة أُخرى: هل الحجة الرؤية بالعين غير المسلحة أو أعم منها ومن الرؤية بالعين المسلّحة؟
يظهر من سماحتكم أنّ الحجّة هي الأعم كما قلتم في ص 19 : المراد بالرؤية، الرؤية المباشرة بالعين المجردة أو بمساعدة الأجهزة المقرّبة، والمكبّرة كالنظارات والنواظير وأجهزة المراصد، لأنّ الرؤية من خلال هذه الوسائل رؤية حقيقية، فتدخل في الرؤية في الأحاديث.1
وهناك أسئلة تطرح لعل عند سماحة الشيخ أجوبة شافية لها:

1. التخيير بين الأقل والأكثر أمر لغو

إنّ لازم هذا القول هو التخيير بين الأقل والأكثر وهو أمر لغو.
توضيحه: إنّ التخيير بين الأقل والأكثر في عالم التشريع غير صحيح، لكون مثل هذا التشريع لغواً لا يصدر من الحكيم فلو قال: اغسل ثوبك من البول ، تكفيك مرة، ثم قال: اغسل ثوبك من البول تكفيك ثلاث مرات، فلا يصحّ أن يجعل الشارع المرة الأُولى مطهرة وفي الوقت نفسه أن يجعل الثلاثة مطهرة أيضاً، لأنّ الثوب بالغسلة الأُولى صار طاهراً وليس نجساً حتى يطهر بثلاث مرات. نعم يمكن استحباب الغسل ثلاثاً، لابتغاء تأكيد النظافة، ولكن لا يمكن أن تُعدّ المرات الثلاث مطهرة بمعنى أنّ الثوب كان قبله نجساً وصار طاهراً بثلاث دفعات.
وهذه هي القاعدة الأُصولية، فنسأل عن قولكم: «الرؤية المباشرة بالعين

1. الرسالة:19.

صفحه 247
المجردة أو بمساعدة الأجهزة»، فهل الشارع جعل كل واحد من السببين موجباً للصوم والإفطار أو جعل واحداً منهما؟
لا سبيل إلى الثاني حسب نظركم، فتعيّن الأوّل فنقول: كيف يكون كل موجباً للصوم والإفطار مع أنّ الرؤية بمساعدة الأجهزة متقدّمة يوماً ـ على الأقل ـ على الرؤية المجردة. فلا يبقى مجال للسبب الثاني. وعلى ضوء ذلك لا يمكن أن يجعل الشارع كلا السببين حجة مع لغوية إحدى الحجتين لتأخّر الثانية زماناً عن الحجة الأُخرى دائماً.
ويمكن أن يقال: إنّ اللغوية ترتفع بأحد وجهين:
1. أنّ الرؤية المباشرة بالعين المجردة للمناطق المتخلّفة، والرؤية بمساعدة الأجهزة للمناطق المتحضّرة.
2. أنّ العبرة بالسبب الأوّل راجعة للقرون السابقة ولكن الاعتبار بالسبب الثاني للعصر الحاضر.
وأنت خبير بأنّ كلاًّ من الوجهين لا يمكن أن ينسب إلى الشرع المقدس الذي يعم حكمه على الجميع بشكل واحد وعلى البشرية في عامة القرون بنظر واحد.
وهذا الوجه ـ أي امتناع التخيير بين الأقل والأكثر ـ يصد الفقيه عن اعتماد الرؤية بمساعدة الأجهزة.

2. استلزام ذلك فقهاً جديداً

أ. اتفق الفقهاء أنّه إذا نوى المكلّف السفر لا يجوز له أن يقصر الصلاة حتى يغيب عنه البنيان ويخفى عنه أذان مصره، أو جدران بلده.1
ومن المعلوم أنّ خفاء البنيان بالعين المجردة يحصل بابتعاد المسافر مسافة ثلاثة كيلومترات تقريباً، وأمّا بمساعدة الأجهزة ربما لا يخفى حتى مسافة

1. الخلاف للشيخ الطوسي:1/572، رقم المسألة:324، ونسبه في الهامش إلى الأُمّ:1/180، واللباب:1/107، والمجموع:4/349، وبداية المجتهد:1/163.

صفحه 248
20كيلومتراً، فعلى القول باعتبار الرؤية بالأجهزة المساعدة يجب أن لا يفطر ولا يقصر حتى وإن بلغ 20كيلومتراً، وهو كما ترى.
وهنا تأتي أيضاً لغوية التقدير بالأقل(3كيلومترات) إذا كان الملاك (20 كيلومتراً) حسب الفرض.
ب. الأبقار الحلوبة ذات الإنتاج الغزير ربما يرى في حليبها أجزاء صغيرة من الدم القليل فيما لو نظر إليها بواسطة المجهر(الميكروسكوب)، فلو قلنا بحجّية معطيات هذه الأجهزة يجب الحكم عليه بالنجاسة، للدم المرئي بالأجهزة، وهو كماترى، لأنّ الميزان هو الرؤية العادية لا الرؤية بالأجهزة .
ج. الرجل الذي أجرى عملية جراحية لعلاج غدة البروستات، ربما يخرج مع البول بعض المني الذي لا يشاهد بالعين المجردة، وإنّما يرى بواسطة التحاليل أو أجهزة المختبرات، فهل يحكم على هذا الرجل بالجنابة لأنّ الميزان هو خروج المني وقد تحقّق ذلك؟
د. لون الدم طاهر باتفاق الفقهاء، بحجّة أنّه ليس دماً عرفاً، ولكنه حسب التحاليل والنظر الدقيق فهو دم ضعيف.
هذه الأمثلة ونظائرها تصد الفقيه من الإفتاء بمعطيات هذه الأجهزة، وإلا لاحتجنا إلى تأسيس فقه جديد.

3. الإفطار في شهر رمضان والصيام في العيد

لو كانت الرؤية بالأجهزة المساعدة حجة في إثبات أوّل الشهر يكون معنى ذلك أنّ الملاك واقعاً في دخول الشهر تولد القمر في السماء وابتعاده عن الشمس بدرجة خاصة يتمكن الإنسان من رؤيته بالجهاز المساعد.
بناءً على ذلك فأوّل الشهر هو وجود القمر في السماء بالنحو الماضي، أي لو نظر إلى السماء لرؤي.
فيترتب على ذلك الأمر التالي الذي لا يمكن الالتزام به وهو أنّ المسلمين

صفحه 249
طيلة أربعة عشر قرناً أفطروا في أوّل شهر رمضان بحجة أنّهم لم يروا الهلال بالعين المجردة مع أنّه كان في الواقع أول الشهر وصاموا في يوم العيد بحجة أنّهم لم يروا الهلال في السماء بعيونهم مع أنّه كان أوّل الشهر في الواقع.
ونتيجة ذلك هو أنّهم أفطروا في شهر رمضان عن عذر وصاموا أوّل شوال عن عذر أيضاً، فهل يمكن لمتفقّه ـ فضلاً عن الفقيه ـ أن يلتزم بذلك ويقول: إنّ إفطارهم وصيامهم كان على خلاف الواقع ولكنّهم كانوا معذورين؟!
فهل يمكن نسبة هذا الحكم إلى النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)والصحابة والتابعين؟!
فاللازم على فقهاء مكة المكرمة المشرفين على مناسك الحج وأعماله:
1. تحري الدقة في ثبوت الهلال إذا كان الميزان هو العين المجردة، وأن لا يعتمدوا على شهادة فرد أو فردين، بل يجمعوا الكثير من الشهود من مناطق مختلفة، لأنّ فتواهم صارت ملاكاً لعمل ملايين المسلمين، الذين يتربصون أعواماً عديدة حتى يحجّوا.
2. وإذا اعتمدوا على الرؤية بواسطة الأجهزة فلا يفرضوا آراءهم على غيرهم من المسلمين الذين يتبنّون رأياً آخر، كلّ ذلك مشروط بحفظ النظام والهدوء خلال أداء مراسم الحج.
***
شيخنا العزيز!
ورسالتنا هذه مرفقة بهدية نورانية وتراثاً ربانياً«الصحيفة السجادية» وهي مشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب. وهي من مطبوعات أحد دور النشر في العربية السعودية.
وفيها تجدون أنّ الإمام زين العابدين(عليه السلام) قد علّم الإنسان المؤمن آداب خطابه مع رب العالمين.
وممارسة هذه الأدعية والتدبر في مضامينها تعرج بروح الإنسان إلى المقامات

صفحه 250
العلوية، وربما تبلغ بالإنسان درجة يصدق عليه قول الإمام علي(عليه السلام): «قد أحيا عقله، وأمات نفسه، حتى دق جليلُه، ولطف غليظُه، وبرق له لامع، كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه، في قرار الأمن والراحة».1
وفي الختام ندعو لكم بدوام الصحة والعافية وطول العمر في خدمة الدين الحنيف ببيانكم وخطابكم وبنانكم ويراعكم بتوفيق من الباري تعالى.
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
28شوال المكرم1429هـ

1. نهج البلاغة، الخطبة رقم 215.

صفحه 251
شركة الأعمال في الفقه الإسلامي
7

شركة الأعمال في الفقه الإسلامي

شركة الأبدان أو الأعمال أحد أقسام الشركة الّتي تعرض لها العلماء في كتبهم الفقهية، وينبغي تحرير محل النزاع، وذلك لأنّ الشركة في الأعمال تتصوّر على وجهين :
الأوّل: لو أجر اثنان نفسهما بعقد واحد وعمل واحد بأُجرة معيّنة، صحّت الشركة وكانت الأُجرة بينهما، أو حاز اثنان معاً مباحاً كما لو اقتلعا شجرةً معاً أو اغترفا ماءً دفعة بآنية واحدة أو صادا بشبكة واحدة سمكةً كان الصيد بينهما.
والظاهر أنّ هذا القسم خارج عن مصب كلماتهم كما ستوافيك .
الثاني: أن يوقعا اثنان على عملين بشرط أن تكون أُجرة كلّ منهما مشتركة بينهما، سواء اتفقا في العمل كالخياطة كأن يعمل كل برأسه، وشاركا في الأُجرة; أو اختلفا كالخياطة والنساجة، وهذا هو المبحوث في المقام.
ثم إنّ الأصحاب بين من قام بتعريف الشركة في الأعمال وبين من اكتفى في مقام التعريف بذكر الأمثلة فقط، وإليك الإشارة إلى كلا القسمين:
1. قال الشيخ الطوسي: هي أن يشترك الصانعان على أنّ ما يرتفع منهما من كسبهما فهو بينهما على حسب شرطهما، سواء أكانا متّفقي الصنعة كالنجارين والخبازين، أو مختلفي الصنعة كالنجار والخباز .1

1 . الخلاف: 3 / 330، كتاب الشركة، المسألة 6.

صفحه 252
2. وقال العلاّمة: هي أن يشترك اثنان فصاعداً فيما يكتسبونه بأيديهم، تساوت الصنعة أو اختلفت .1
3. عرفه المصنّف بقوله : هي أن يوقعا العقد على أن تكون أُجرة عمل كلٍّ منهما مشتركاً بينهما، سواء اتفق عملهما كالخياطة، أو كان عمل أحدهما الخياطة والآخر النساجة.
ومن الأصحاب من اقتصر في التعريف على ذكر المثال، كالشيخ المفيد في المقنعة2، والمحقّق في الشرائع3.
هذا كلّه يرجع إلى أصحابنا الإمامية، وأمّا غيرهم فقد عرّفها ابن قدامة في المغني وقال: معنى شركة الأبدان أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم كالصُّنّاع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم.4
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
إنّ شركة الأعمال هي أن يتعاقد اثنان على أن يتقبّلا نوعاً معيناً من العمل أو أكثر، أو غير معيّن، لكنّه عام، وتكون الأُجرة بينهما بنسبة معلومة، وذلك كالخياطة والصباغة والبناء وتركيب الأدوات الصحية، أو كلّ ما يتقبّل فلابدّ من التعاقد قبل التقبّل .5
فما ذكره من التعاقد قبل التقبّل هو الأمر المهم في المقام، فإنّ شركة الأعمال شركة عقدية وليست شركة ملكية الّتي تحصل بمزج المالين اختياراً أو بلا اختيار، فذكر هذا القيد لازم في التعاريف.
هذه هي تعاريف الفقهاء لشركة الأبدان فلندرس أقوالهم فيها .

1 . قواعد الأحكام: 2 / 324 .
2 . المقنعة: 632 .
3 . شرائع الإسلام: 2 / 130 .
4 . المغني: 5 / 111 .
5 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 16 / 37، مادة «شرك» .

صفحه 253

أقوال الفقهاء في شركة الأعمال

المشهور بين فقهاء الإمامية هو بطلان شركة الأعمال، وكلّ مَنْ تعرض منهم لها أفتى به.
نعم ربّما تأمل فيه بعض المتأخّرين، وسيوافيك قوله.
أمّا الصدوق فلم يذكرها في «المقنع»، وما ورد في الينابيع الفقهية 1 عن «المقنع» من تقسيم الشركة إلى الشركة في الأموال والأبدان فإنّما هو موجود في «المقنعة» للشيخ المفيد لا في المقنع للصدوق، فليس في «المقنع» بحث عن الشركة بتاتاً.
وأوّل مَنْ عنونه في الكتب الفقهية هو شيخنا المفيد فقال:
والشركة لا تصح إلاّ في الأموال، ولا تصحّ بالأبدان والأعمال، وإذا اشترك اثنان في عمل كنساجة ثوب، أو بناء دار أو نجارة باب وما أشبه ذلك لم تصحّ شركتهما وكان لكلّ واحد منهما أجر عمله خاصّة، فإن لم يتميّز عملاهما لاختلاطهما قُضي بالصلح بينهما.2
وقال السيد المرتضى: وممّا انفردت به الشيعة الإمامية أنّ الشركة لا تصح إلاّ في الأموال ولا تصحّ في الأبدان والأعمال، ومتى اشترك اثنان في عمل كصياغة عِقْد ونساجة ثوب وما أشبه ذلك، لم يثبت بينهما شركة.3
وقال الشيخ في «الخلاف»: شركة الأبدان عندنا باطلة، وهي أن يشترك الصانعان على أنّ ما يرتفع لهما من كسبهما فهو بينهما على حسب شرطهما.4
وقال ابن زهرة: وَمِنْ شرطِ صحة الشركة أن تكون في مالين متجانسين، إذا خلطا اشتبه أحدهما بالآخر ـ إلى أن قال: ـ وعلى ما قلناه لاتصح شركة الأبدان،

1 . الينابيع الفقهية: 17 / 3 .
2 . المقنعة: 632، طبع النشر الإسلامي.
3 . الانتصار: 229.
4 . الخلاف: 3 / 330، كتاب الشركة، المسألة6.

صفحه 254
وهي الاشتراك في أُجرة العمل.1
وقال ابن إدريس: لا تصح شركة الأبدان، وهي الاشتراك في أُجرة العمل.2
وقال الكيدري: ولا تصح شركة الأبدان، وهي الاشتراك في أُجرة العمل.3
وقال المحقّق: ولا تصح الشركة بالأعمال، كالخياطة والنساجة .4
وأمّا العلاّمة في القواعد فبعد أن عرّف شركة الأبدان وغيرها قال: والكل باطل.5
وأنت إذا سبرت الكتب الفقهية لأصحابنا ـ بعد العلاّمة الحلي ـ تجد القول بالبطلان أمراً مسلّماً عندهم حتى أنّ السيد العاملي في «مفتاح الكرامة» نقل الإجماع المنقول على البطلان عن تسعة عشر كتاباً6 ، ولم يظهر بينهم مخالف إلاّ ما نسب إلى ابن الجنيد، ولكن عبارته المنقولة في «المختلف» مبهمة تحتاج إلى مزيد تأمل.
نعم يظهر الميل إلى الصحة من المحقّق الأردبيلي مطلقاً وصاحب «الحدائق» في خصوص الشركة في حيازة المباحات.
قال الأوّل: لايظهر دليل على عدم الجواز سوى الإجماع، فإن كان فهو، وإلاّ فلا مانع، فإنّه يرجع إلى الوكالة في بعض الأُمور، وتمليك مال في البعض الآخر، وبذل نفس وعمل في مقابلة عوض، ولا مانع منه في العقل والشرع .7
وقال الثاني (أعني: صاحب الحدائق): وسببية الحيازة إمّا بأن يشتركا في نصب حبالة الصيد المشترك ورمي السهم المثبِت له (الصيد)، فيشتركان في ملكه،

1 . غنية النزوع: 1 / 263 .
2 . السرائر: 2 / 399 .
3 . إصباح الشيعة: 259 .
4 . شرائع الإسلام: 2 / 130.
5 . قواعد الأحكام: 2 / 325 .
6 . المستمسك: 13 / 7 .
7 . مجمع الفائدة والبرهان: 10 / 193 .

صفحه 255
أو بأن يقتلعا شجرة أو يغترفا ماءً دفعة، فإنّه تتحقّق الشركة بذلك في الجملة، إلاّ أنّه يكون لكلّ منهما من ذلك المحاز بنسبة عمله، ويختلف ذلك بالقوة والضعف، ولو اشتبه مقدار كلّ واحد فطريق التخلّص، الصلح، وما كان من الحيازة على غير الوجوه المذكورة فإنّه يختص كلّ بما حازه على الأظهر. هذا مع تميزه، لأنّه في معنى شركة الأبدان، وهي جائزة على الأشهر الأظهر .1
ولا يخفى أنّ ما صحّحه خارج عن محل النزاع كما عرفت في صدر البحث.
وأمّا القسم الثاني فلو اختص كل بما حازه فهو بمعنى بطلان الشركة ولا معنى لقوله: وهي جائزة على الأشهر الأظهر .
وأمّا فقهاء السنة ففي الخلاف: أنّ الشافعي قال بالبطلان .
وقال أبو حنيفة: يجوز مع اتّفاق الصنعة واختلافها، ولا يجوز في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد والاغتنام.
وقال مالك: يجوز الاشتراك مع اتفاق الصنعة ولا يجوز مع اختلافها.
وقال أحمد: يجوز الاشتراك في جميع الصنائع وفي الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد والاغتنام .2
وحاصل الأقوال: إنّ الشافعي يوافق أصحابنا في البطلان. وأمّا أبو حنيفة فقد خصّها بمورد الصنعة، سواء أكانت متفقة أم مختلفة ولم يجوزه في الاشتراك في المباحات العامّة.
وأمّا مالك فخصّها بالصنعة المتّفقة، وخالف أبا حنيفة في مختلفها. وأمّا أحمد فقال بالجواز على وجه الإطلاق .
وقال في المغني: معنى شركة الأبدان أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصُّناع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم فما رزق الله تعالى فهو

1 . الحدائق الناضرة: 21 / 156 .
2 . الخلاف: 3 / 330، كتاب الشركة، المسألة6.

صفحه 256
بينهم، فإن اشتركوا فيما يكتسبون من المباح، كالحطب والحشيش والثمار المأخوذة من الجبال والمعادن والتلصلص على دار الحرب، فهذا جائز. نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: يصح في الصناعة ولا يصحّ في اكتساب المباح كالاحتشاش والاغتنام، لأنّ الشركة مقتضاها الوكالة ولا تصحّ الوكالة في هذه الأشياء، لأنّ من أخذها ملكها.1
وقال الشافعي: شركة الأبدان كلّها فاسدة لأنّها شركة على غير مال ولم تصح كما لو اختلفت الصناعات.2
وما نقله عن الأئمة الأربعة نفس ما نقله الشيخ في «الخلاف» غير أنّ الشيخ خصّ قول مالك بصورة اتفاق الصنعة لا مع اختلافها، ومن المعلوم أنّ كتاب «المغني» يمثل فقه أحمد، فلا غرو في أن لا ينقل مذهب مالك على وجه دقيق.
وقال القرطبي: شركة الأبدان بالجملة عند أبي حنيفة والمالكية جائزة، ومنع منها الشافعي.. إلى أن قال: ومن شرطها عند مالك اتفاق الصنعتين والمكان، وقال أبو حنيفة: تجوز مع اختلاف الصنعتين ويشترك عنده الدباغ والقصّار، ولا يشتركان عند مالك.3
وما نقله عن مالك مطابق لما نقله الشيخ، ومن المعلوم أنّ «بداية المجتهد» تُمثّل مذهب مالك. وقد نقل إمام مذهبه بوجه دقيق.
نعم وافق ابن حزم الشافعي فذهب إلى عدم الجواز، وسيأتي كلامه في آخر المقال فانتظر.
هذه هي الأقوال عندالفريقين فلندرس أدلة المانعين من أصحابنا.

1 . لعلّه ناظر إلى القاعدة المعروفة:«من حاز ملك»، وفي رواياتنا: «للعين ما رأت ولليد ما أخذت».
2 . المغني: 5 / 111 .
3 . بداية المجتهد: 2 / 255 .

صفحه 257

أدّلة القائلين بعدم الجواز

استدلّ أصحابنا على عدم الجواز بوجوه ندرسها تالياً:

1. الإجماع على البطلان

أجمعت الطائفة على عدم الجواز، وهذا هو الظاهر من غير واحد من القائلين بالمنع: منهم: السيد المرتضى في «الانتصار»، قال: وممّا انفردت به الشيعة الإمامية أنّ الشركة لا تصح إلاّ في الأموال ولا تصح في الأبدان والأعمال.. إلى أن قال: دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه، الإجماع المتردّد.1
ومنهم: الشيخ في «الخلاف»، قال: دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم 2 .
ومنهم: ابن إدريس فإنّه بعدما شرح عدّة من الشركات وهي شركة المفاوضة وشركة الوجوه وشركة الأبدان قال: وإجماعنا منعقد على فساد ذلك أجمع.3
ومنهم: العلاّمة، قال: دليلنا: إجماع الفرقة، وخلاف ابن الجنيد غير معتد به، لانقراضه وحصول الاتفاق بعده .4
ومنهم: المحقّق الثاني حيث علّق على قول العلاّمة: «والكل باطل سوى الأوّل» بقوله: سوى شركة العنان، وذلك باتفاقنا.5
ومنهم: الشهيد الثاني قال: ولا خلاف عندنا في بطلان شركة الأعمال إلاّ من ابن الجنيد حيث أجازها مع تشاركهما في الفضل .6
ومنهم المحقّق الأردبيلي، قال: ولا يظهر دليل على عدم الجواز سوى

1 . الانتصار: 229، تحقيق السيد محمد رضا الخرسان.
2 . الخلاف: 3 / 331، المسألة6.
3 . السرائر: 2 / 400 .
4 . المختلف:6/ 230.
5 . جامع المقاصد: 8 / 13.
6 . مسالك الأفهام: 4 / 307 .

صفحه 258
الإجماع، فإن كان فهو وإلاّ فلا مانع، فإنّه يرجع إلى الوكالة في بعض الأُمور، وتمليك مال في البعض الآخر، وبذل نفس وعمل في مقابل عوض، ولا مانع منه في العقل والشرع .1
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي ورد فيها ذكر الإجماع.
يلاحظ عليه: بما حقّق في محله من أنّ الإجماع إنّما يكون حجة على الحكم إذا كشف عن وجود الدليل الشرعي الواصل إلى المجمعين وغير الواصل إلينا. أو عن اشتهار الحكم عند أصحاب الأئمة.
ومن المعلوم أنّ هذا القول ليس له هذا الشأن، وذلك:
أوّلاً: لو كان في المسألة نص بين القدماء لجاء ذكره في الفقه الرضوي الّذي هو نتيجة الروايات المعتبرة مع حذف أسانيدها، أو لذكره الشيخ الصدوق في المقنع، كلّ ذلك يسبب الريب والشك في أنّ الإجماع مستند إلى الدليل.
ثانياً: أنّ المجمعين استدلّوا وراء الإجماع بأدلّة أُخرى كما ستوافيك، فلو كان الحكم اتفاقياً لم يحتج إلى الاستدلال بأدلّة أُخرى، وذلك يقرب كون إجماع المجمعين مستنداً إلى الأدلّة الّتي نتلوها عليك.

2. كونها غررية

استدلّ الشيخ وآخرون على البطلان بنهي النبي(صلى الله عليه وآله)عن بيع الغرر، وهذا غرر بدلالة أنّ كلّ واحد منهما لا يدري أيكسب صاحبُه شيئاً أو لا يكسب، وكم مقدار ما يكسبه؟2
وجاء في «الغنية»: ويدل على فساد هذه الشركة أيضاً أنّه(صلى الله عليه وآله)قد نهى عن الغرر وهو حاصل فيها، لأنّ كلّ واحد من الشريكين لا يعلم أيكسب الآخر شيئاً أم لا،

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 10 / 193 .
2 . الخلاف: 2 / 331 .

صفحه 259
ولا يعلم مقدار ما كسبه .1
وقال ابن إدريس: والّذي يدلّ على فساد ذلك كلّه (يعني شركة الأبدان) نهيه (عليه السلام) عن الغرر، وفي هذه غرر عظيم، وهو حاصل وداخل فيها، لأنّ كلّ واحد من الشريكين لايعلم أيكسب الآخر شيئاً أم لا، ولا يعلم مقدار ما يكسبه.2
إلى غير ذلك من الأقوال التي استدلّ أصحابُها بهذا الحديث.
يلاحظ عليه: أنّ الوارد في النصوص هو النهي عن بيع الغرر، لا نفس الغرر. وعلى فرض التسليم فيختص النهي بموارد الغرر، بمعنى الجهل بمقدار ما يكسبه الشريك الآخر دونما إذا علم ما يكسبه على وجه الإجمال، وأحيانا على وجه التفصيل. ومن حسن الحظ أنّ أكثرشركة الأعمال الّتي يعبّر عنها بشركة الخدمات من هذا القبيل.
1. نفترض أنّ عدداً من المعلمين يؤسّسون مدرسة خاصة يشاركون فيها بتدريس الطلاب الكتابة، والحساب، وتحفيظ القرآن إلى غير ذلك من الدروس.
فإنّ هؤلاء المعلّمين يشتركون في الأُجور الّتي يدفعها الطلاب في آخر السنة أو الفصل.
2. وهكذا الأطباء حينما يؤسّسون مستوصفاً، يعالج كلّ طبيب منهم المرضى حسب تخصّصه، ومن ثم فهم يشتركون في المبالغ الّتي يدفعها المرضى إلى إدارة المستوصف مقابل العلاج.
3. ونظيره مكاتب المهندسين الذين يقومون برسم الخرائط اللازمة لبناء عمارة سكنية، فكلّ مهندس وخبير يرسم الخارطة حسب اختصاصه، فمنهم من يرسم الخارطة الأساسية للبناء، والثاني يخطط لقنوات تكييف الهواء، أو لأنابيب المياه، وغيره للمجاري الصحية، أو لتأسيس الكهرباء، وهكذا.

1 . الغنية: 1 / 264 .
2 . السرائر: 2 / 400 .

صفحه 260
4. ومثال آخر يتّضح من خلال ملاحظة الشركة الّتي تقوم بتأسيس شبكة الماء في الشوارع والأزقة، فهذه الشركة تتألّف من عدد من الأخصائيين والفنيّين والعمال الماهرين، فكلّ من هؤلاء له عمل خاص به، فهناك من يقوم بالرسم وأخذ القياسات والتخطيط، وهناك من يحفر المجاري والقنوات، وهناك من يوصل الأنابيب بعضها بالبعض، وهكذا.
ففي كلّ هذه الأمثلة يشترك العاملون في إنجاز العمل الكبير، كلٌ من موقعه، ومن بعد الإنجاز فهم يقتسمون الأرباح بينهم لكلّ منهم بحسب عمله واختصاصه بعد إخراج ما تمّ صرفه في مجال عملهم.
وعلى ضوء ذلك فلو كانت هناك اتفاقية بين الشركاء في الأرباح الّتي يحصلون عليها، فلا غرر في البين، ولا ضرر، والغرر الجزئي يعفى عنه.
أضف إلى ذلك: أنّ الشركة في الأعمال كانت هي الأصل في حياة الإنسان القديم والجديد، فإنّ الأدوات اللازمة لإنجاز الأعمال كانت قليلة، والطاقة البشرية لم تكن كافية لإنجاز عمل كبير، فلم يكن بد من الاشتراك بالأعمال.
5. فمثلاً حفرالقنوات كان يقع على عاتق الاشتراك بالأعمال، حيث كان العمال يشاركون في حفر قناة بطول 10 كيلومترات أو أكثر كلّها تحت الأرض يتوسط بين كلّ 50 متر فتحة لإخراج التراب وتمهيد القناة لمرور الماء.
هذه الأعمال ليست شأن عمل فرد واحد، بل هي عمل جماعة يشارك بعضهم البعض حتى يبلغوا الهدف، ولم يرد نهي عنه في المجامع الحديثية .
6. وهكذا قنوات السقي المأخوذة من الأنهار الكبيرة كدجلة والفرات، فهي نتيجة اشتراك جماعة في إنجاز هذا المشروع لغاية الاستفادة منه بشكل مشترك في سقي الأراضي الزراعية.
7. وقد صارت الشركة في الأعمال أمراً رائجاً في عامة البلدان غبّ الثورة الصناعية، يرجع إليها الفقيه وغيره من غير أن يدور في خلدهم أنّها شركة باطلة، وأبسط الأمثلة على ذلك هو الاستفادة من مكاتب السيارات الخاصة في التنقل في

صفحه 261
داخل المدن أو خارجها، إذ ربّما تكون هذه الشركة مؤلفة من شركة الأموال والأعمال.
ويظهر من كلّ من علّل فساد الشركة «بأنّ كلّ شريك لا يعلم أيكسب الآخر شيئاً أم لا، ولا يعلم مقدار ما يكسبه» أنّهم فرضوا المسألة فيما إذا عمل كلّ شريك على انفراد، دون أن يطّلع أحدهما على عمل الآخر، ودون أن تكون علاقة بين العملين، فعندئذ يرد التعليل من أنّ الشريك لا يعلم بما يكسبه الشريك الآخر.
وأمّا على الفروض الّتي ذكرناها أو ما هو الرائج في أيامنا الحاضرة من شركات الخدمات، فالكلّ يصب عمله في مورد واحد معيّن وكلّ يكمّل عمل الآخر، ولذلك قيّد مالك الجواز باتفاق الصنعتين والمكان خلافاً لأبي حنيفة حيث جوّز مع اختلاف الصنعتين فيشترك عنده الدباغ والقصّار، ودليل مالك زيادة الغرر الّذي يكون عند اختلاف الصنعتين أو اختلاف المكان .1 ولكن الميزان هو أن يكون العمل الجماعي عملاً يكمل بعضه بعضاً أو يرفع حاجات الشركة بشكل مترابط.
وحصيلة الكلام في شركة الأعمال أنّه يجب ان يوصف بالتعاون في البر ويدخل تحت قوله سبحانه: (وَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ) وعلى ذلك فلابدّ من شمول العمومات لهذا النوع من الشركة من رعاية أُمور:
1. أن تكون الشركة أمراً عرفيّاً ذائعاً بين الناس على نحو يعدونها من أنواع الشركات فخرج ما إذا اشتركا في نوعين من الصناعة خصوصاً إذا كانا في مكانين مختلفين لا يربط أحدهما بالآخر إلاّ الاتفاق عند أجراء الصيغة، كما إذا شارك النجار مع الخياط في المنافع، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الشركة غير رائج ولا يرغب فيه العقلاء إلاّ الشذاذ منهم .
2. أنّ ما ذكرنا من الامثلة إنّما يحتج به إذا كانت الأُجرة لمجموع الافراد من

1 . بداية المجتهد: 2 / 255.

صفحه 262
المهندسين والعمال وغيرهم ممن يشاركون في العمل ويكون تقسيم الأُجرة حسب اتفاقهم عند تأسيس الشركة، وأمّا إذا كانت هناك عقود متعددة حسب اختلاف ماهية العمل فالذي يرسم الخارطة الأساسية للبناء يعقد مستقلاً مع صاحب العمل، كما أن المخطط لقنوات تكييف الهواء يعقد أيضاً مستقلاً، وهذا يخرج عن الشركة في الأعمال، لأنّ محور الشركة وحدة العقد لا العقود .
3. ان يكون العقد بين الأشخاص وصاحب العمل، وتكون الأُجرة لأنفسهم سواء أكانت الشركة تمليكة أو عقدية.
وأمّا إذا كان طرف التعهد عنوان الشركة «كالرافدين» و«المتقين» بحيث يكون للعنوان شخصية مستقلة فهو الّذي يملك ويعقد ويشترط كما سيوافيك تفصيله هذا عند دراسة الشركات الحديثة، فيخرج أكثر هذه الأمثلة عن شركة الأعمال إذ يكون طرف التعهد عندئذ هو نفس الأشخاص، فلا محيص عن تبيين هذه الأمثلة على نحو ينطبق عليه عنوان الشركة في الأعمال .

3. كون المعاملات توقيفية

استدلّ غير واحد من المانعين على أنّ المعاملات توقيفية، ولم يرد في الشرع ما يدل على جوازها.
يقول الشيخ الطوسي: العقود الشرعية تحتاج إلى أدلّة شرعية وليس في الشرع ما يدلّ على صحّة هذه الشركة.1
وقال السيد المرتضى: إنّ معوّل القائلين بالجواز كلّها على الظنون والحسبان والرأي والاجتهاد، ومرجعنا فيما نذهب إليه فيها إلى توقيف، فما قلناه أولى .2
وقد استدلّ به صاحب الجواهر، وقال في رد استدلال القائل بالجواز بقوله

1 . الخلاف: 3 / 331 .
2 . الانتصار: 230.

صفحه 263
تعالى: (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)1 ما هذا نصّه : والتراضي بما لم تثبت شرعيته غير مجد، والمراد بالتجارة عن التراضي ما ثبت التكسّب به شرعاً.2
يلاحظ عليه: مإذا يريد من توقيفية المعاملات، فإن لكلامه احتمالين:
1. أنّ الشركة في الأعمال لم تكن موجودة في عصر الرسالة، حتّى تشملها العمومات والإطلاقات، فإن أراد ذلك فهو مردود بما ذكرنا من أنّ الشركة في الأعمال أصل عقلائي بُني عليه صرح الحياة، وقد مرّ أنّ الحياة البدائية للإنسان كانت مشحونة بهذا النوع من التعاون والتعاضد، وعلى هذا فالأدلّة العامة تشملها بلا ترديد.
نفترض أنّه لم تكن موجودة في عصر الرسالة لكن الأدلّة تشمل كلّ عقد عقلائي، سواء أكان موجوداً في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله) أم لا، غاية الأمر يجب أن يكون مجرداً عما حرّمه الله كالربا والغرر، والشرط المخالف لمقتضى العقد أو الكتاب والسنة.
ويؤيد ذلك أنّ تعليق الحكم بالوصف مستمر بالعلّية، فإيجاب الوفاء بالعقود إنّما هو لأجل كونه عقداً وتعهداً والتزاماً، ومن المعلوم أنّ نقض العهد على خلاف كرامة الإنسان، وعلى هذا فلا فرق بين العقد الرائج في عصر الرسالة والرائج بعده، لأنّ الموضوع لوجوب الوفاء هو العهد .
فالمعاملات إذا لم تكن منهياً عنها ـ لا موضوعاً ولا شرطاً ـ فهي مواثيق بين المتعاملين يجب الوفاء بها، وعلى ضوء ذلك فكلّ عقد عقلائي ينعقد بين فردين يجب الوفاء به بشرط أن لا يكون ممّا حرمه الله سبحانه، كما إذا كان ربوياً أو غررياً أو غير ذلك، وبالجملة فكلّ معاملة لم يكن فيها عنصر ممّا حرمه الله وضعاً أو تكليفاً، جزءاً أو شرطاً، فهو واجب الوفاء.

1 . النساء: 29 .
2 . الجواهر: 26 / 296 .

صفحه 264
2. أنّ الشركة في الأعمال كانت موجودة في عصر الرسالة، لكن وجودها في عصرها لا يكفي إلاّ إذا علم رضا الشارع بهذا النوع من العقد، والظاهر أن عبارة الجواهر ناظرة إلى هذا الاحتمال حيث قال: إنّ المراد التراضي بما شرعه الله.
يلاحظ عليه: أنّه لو أُريد ذلك لانسد باب التمسك بالعمومات في الموارد المشكوكة، لأنّه إذا كان الموضوع هو البيع والعقد الشرعيين أو التراضي بشيء عُلمت شرعيته، يصير بالعمومات من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
وقد طرح الشيخ الأنصاري إشكال صاحب الجواهر في تعريف البيع وأجاب عنه بأنّ الموضوع للحلية ووجوب الوفاء هو البيع والعقد العرفيان إلاّ ما خرج بالدليل. فتكون شرعية الشيء عند العرف طريقاً إلى شرعيته عند الشرع، إلاّ إذا قام الدليل على تخلّف الطريق كما في بيع الكلب والخنزير ، أو سائر المحرمات.

4. تمليك المعدوم

يظهر من السيد الخوئي أنّ وجه البطلان هو أنّها من قبيل تمليك المعدوم، ولذلك فصّل في المقام بين الشركة في الأُجرتين اللتين تحصل لهما من عملهما وبين الشركة في نفس المنفعة ; أمّا الأوّل فقال: لا ينبغي الإشكال في بطلانها لما تقدّم غير مرّة من عدم الدليل على صحّة تمليك المعدوم فإنّه ليس للإنسان أن يملّك غيره ما لا يملكه بالفعل.
وأمّا الثاني ـ أعني: الشركة في نفس المنفعة ـ فهو أن يملك كلٌ منهما نصف خياطته في ذلك اليوم له، فلا وجه لبطلانها فإنها من شركة المنافع، وقد عرفت صحّتها بناءً على عدم اعتبار الامتزاج.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا مانع من تمليك المعدوم عند وجود المقتضي، وهو استعداد كلّ شريك للعمل المربح، ولذلك يصح اشتراط تمليك ثمرة شجرة معيّنة

1 . كتاب المضاربة، تقريرات لأبحاث السيد الخوئي:245.

صفحه 265
عند البيع فيقول: اشتريت الثوب بشرط أن تكون ثمرة هذه الشجرة في الصيف لي، وما هذا إلاّ لوجود المقتضي للإثمار. أضف إلى ذلك: لا مانع من تمليك المعدوم بشرط الوجود وهو أمر عرفي.
وثانياً: فإن أراد من تمليك نصف خياطته في ذلك اليوم، تمليكه قبل العمل فهو أيضاً من قبيل تمليك المعدوم، وإن أراد بعده فهو خارج عن مصب البحث، لأنّه منعقد على عقد الشركة مثل الاشتغال بالعمل.

5. عدم المزج

يظهر من الحلبي أنّ المانع هو عدم وجود المزج بين العملين فإنّه بعد ما عرّف الشركة بقوله: أن تكون في مالين متجانسين إذا اختلطا اشتبه أحدهما بالآخر، فرّع على هذا بطلان شركة الأبدان، وذلك لعدم المزج فيها .1
وقال في المسالك: لأنّ كلّ واحد متميّز ببدنه ومنافعه، فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في مالين منهما متميزان .2
يلاحظ عليه: أنّ المزج هو شرط في الشركة الملكية لا الشركة العقدية، والأساس في الثاني هو العقد، سواء أكان هناك مزج أم لا.

6. من قبيل شركة المنافع

إنّ شركة الأعمال قسم من شركة المنافع وهي باطلة.
يلاحظ عليه: أنّ بطلان شركة المنافع أوّل الكلام، إذ يقع السؤال عن الفرق بين تمليك عمل الإنسان منفعة عمله لشخص آخر، بالإجارة تارة وبالشركة أُخرى، فيجوز في الأوّل دون الثاني مع أنّه تفكيك بلا وجه، إذ كيف يجوز تمليك منفعة داره ولا يجوزتمليك منفعة عمله.

1 . غنية النزوع: 1 / 263.
2 . مسالك الأفهام: 4 / 307 .

صفحه 266
على أنّ شركة الأعمال غير شركة المنافع وإن كانت النتيجة واحدة.
إلى هنا تبيّن أنّه ليس في المسألة دليل شرعي قاطع يعتمد عليه في الحكم بالبطلان، وعندئذ يكون المعتمد هو العمومات والإطلاقات السالمة عن الدليل بالخلاف.
وأمّا أصالة الفساد الّتي ركن إليها صاحب الجواهر في كلامه فهي محكومة بالدليل الاجتهادي والسيرة العقلائية عبر الزمان من دون ردع.1
إلى هنا ظهر أنّه لا دليل صالح يركن إليه في الإفتاء بالبطلان، وأنّ الدليل الوحيد لتجويز هذه الشركة هو العمومات والإطلاقات أوّلاً، والسيرة العقلائية عبر الزمان ثانياً .

ابن حزم وبطلان شركة الأعمال

إنّ ابن حزم مؤخّر الظاهريين أفتى بعدم جواز الشركة بالأبدان مطلقاً، وقال: لا تجوز الشركة بها أصلاً، لا في دلالة، ولا في تعليم، ولا في خدمة، ولا في عمل يد، ولا في شيء من الأشياء، فإن وقعت فهي باطل لا تلزم ولكلّ واحد منهم أو منهما ما كسب، فإن اقتسماه وجب أن يُقضى له بأخذه.
ثم استدلّ بوجوه إمّا لا صلة لها بالموضوع، أو لا دلالة لها. أمّا الأوّل، فكالتالي:
1. قوله تعالى: (وَ لاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس إِلاَّ عَلَيْهَا)2.
2. قوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَ عَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)3.
3. قـول رسـول الله(صلى الله عليه وآله): «إنّ دمـاءكم وأمـوالكم عليكـم حـرام». 4 وفسّـره

1 . جواهر الكلام: 26 / 296 .
2 . الأنعام: 164 .
3 . البقرة: 286 .
4 . سنن البيهقي: 5 / 8 ; صحيح البخاري: 1 / 35 .

صفحه 267
بقـوله: فلا يحـل أن يقضى بمال مسلم أو ذمّي لغيره، إلاّ بنص قرآن أو سنّة، وإلاّ فهو جور.
وأمّا الثاني فاستدلّ عليه بقوله تعالى: (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ)1 .2
أقول: أمّا الآية الأُولى فهي ناظرة إلى الأُمور الأُخروية بشهادة صدرها وذيلها، أمّا الصدر فيقول سبحانه : (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيء وَ لاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس إِلاَّ عَلَيْهَا)، وأمّا الذيل فقوله تعالى: (وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ)، ومجموع الآية يدلّ على أنّها بصدد بيان أنّ كلّ إنسان مسؤول عن أعماله، وهو يتحمّل وزر عمله لا غير، ولا صلة للآية بما إذا اتّفق العاملان على أن يحفرا بئراً لإنسان مسلم يسقي منه زرعه، فليس هناك عمل سيِّئ حتى يكون عليها لا على غيرها، ولا وزر تتحمّله هي لا غيرها.
وأمّا الآية الثانية فهي بصدد بيان أنّ لكلّ إنسان ما له وما عليه، وهذا لا ينافي أن يملّك الإنسان ما يملك لغيره بعقد مرضي بينهما.
فنتيجة عمل كلّ إنسان له ولكن له أيضاً أن يشارك الغير فيه .
وأمّا الآية قول الرسول(صلى الله عليه وآله)فهو بصدد بيان حرمة دم المسلم وماله، ولكن أين هذا من عدم جواز أن يهب المسلم ماله بطيب النفس للغير .
وأمّا الآية الثالثة ـ وإن كان لها صلة بالموضوع ـ إلاّ أن الدلالة ضعيفة، وذلك لأنّ الاستدلال إمّا بصدرها أعني قوله سبحانه: (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)فيلاحظ عليه بأنّ الباء في قوله: (بِالْبَاطِلِ) للسببية، والمراد هو الأكل بالأسباب الباطلة كالرشوة والقمار والغصب. وكون الشركة في الأعمال بطيب النفس من الأسباب الباطلة، أول الكلام.

1 . النساء: 29 .
2 . المحلّى: 8 / 122 ـ 124 .

صفحه 268
وإمّا بذيلها ـ أعني: (إلاّ أن تكونَ تجارةً عن تراض) ـ فالمفروض وجود التراضي .

أدلّة المجوّزين من السنّة

ثم إنّ فقهاء السنّة استدلّوا بوجه غير ناهض لإثبات الجواز، فهؤلاء مكان أن يعتمدوا على العمومات والإطلاقات وعلى السيرة العقلائية غير المردودة من جانب الشرع استدلّوا بما روى أبو عبيدة عن عبدالله بن مسعود قال: أشرك رسول الله بيني وبين عمّار وسعد بن أبي وَقاص، فجاء سعد بأسيرين ولم يجيئا بشيء.1
فإن قلت: إنّ الحديث لا يدل على المطلوب، إذ ليس فيه أنّ هؤلاء اشتركوا فيما يغتنمونه في الحرب ثم خاضوا في ميادينها، إنّما يدل على أنّ سعداً أتى بأسيرين دون الآخرين وأشرك النبي(صلى الله عليه وآله)بينهم.
قلت: الظاهر خلاف ما ذكر بشهادة قوله: «فجاء سعد»، فإنّ توسط «الفاء» حاك عن المراد من قوله: «اشرك» أي عقد الإشراك بينهم، ويشهد على ما ذكر صورة أُخرى للحديث .
قال: اشترك سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود وعمّار بن ياسر فيما يغتنمونه، فأتى سعد بأسيرين ولم يأتيا بشيء، فأقرّهما النبي(صلى الله عليه وآله). قال أحمد: أشرك النبي بينهم.2
وأجاب عنه العلاّمة بوجهين:
1. الغنائم مشتركة بين الغانمين بحكم الله تعالى فكيف يصحّ اختصاص

1 . المغني: 5 / 111. ولاحظ ما رواه البيهقي في سننه :6/ 79، باب الشركة في الغنيمة; والدارقطني في سننه: 3 / 31. والحديث ضعيف لوجود الانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه ـ أعني: عبدالله بن مسعود ـ لأنّه لا يروي عن أبيه شيئاً. لاحظ إرواء الغليل: 5 / 295 ; المحلّى: 8 / 122 .
2 . تذكرة الفقهاء: 16 / 315. أخرجه أبو داود برقم 3388، وابن ماجة برقم 2288 ; سنن البيهقي: 6 / 79. والسند أيضاً مثل السابق منقطع، لأنّ أبا عبيدة لا يروي عن أبيه شيئاً.

صفحه 269
هؤلاء بالشركة فيها؟
2. لا نسلّم أنّ سعداً أعطاهم على سبيل الوجوب، بل أراد التبرّع والوفاء بالوعد الّذي لا يجب إنجازه، أمّا على سبيل اللزوم فلا.1
وهناك جواب آخر وهو: أنّ غنائم بدر كانت لرسول الله(صلى الله عليه وآله)فكان له أن يدفعها إلى مَنْ شاء، فيحتمل أن يكون فَعَل ذلك لهذا، وذلك بشهادة قوله سبحانه: (يَسْأَلُونَك عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ)2، وقد فسّروا الأنفال في الآية بالغنائم الّتي حازها المسلمون في غزوة بدر.
نعم الأنفال في مصطلح الفقهاء هو الفيء الوارد في قوله سبحانه: (وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَ رِكَاب وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيءْ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)3.
والأنفال في مصطلح الحديث أيضاً هي الفيء، بل أوسع من ذلك عن رؤوس الجبال وبطون الأودية و... 4
وفي الختام نلفت نظر القارئ إلى نكتة وهي أنّ شركة الأعمال كانت في الأزمنة السابقة شركة في الأعمال فقط، دون أن تكون مقرونة بالأموال، وأمّا في العصر الحاضر فإنّ شركات الخدمات هي في الواقع تتألف من شركة الأعمال وشركة الأموال، أي أنّها مزيج منهما، وهذا ينطبق على ما ذكرناه من الأمثلة فالأطباء الذين أسّسوا المستوصف، فإنّ الأجهزة الطبية والأدوات واللوازم

1 . تذكرة الفقهاء: 16 / 315 .
2 . الأنفال: 1 .
3 . الحشر:76 .
4 . الوسائل: 7، الباب 1 من أبواب الأنفال.

صفحه 270
الخاصة بالفحص والعلاج كلّها ملك الأطباء، فهم يعملون بواسطة هذه الأموال .
وكذلك مكاتب المهندسين، فهم يمتلكون أدوات الرسم الهندسي، ويعملون بواسطتها.
وعلى ضوء هذا فإبطال هذا النوع من الشركة بوجوه غير ناهضة، أو الاحتياط في مقام الإفتاء بعدم الجواز، يوجب شل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات.
وأقصى ما يمكن أن يقال هو: أنّه يجب على المشاركين عقد الشركة على وجه يحدد عمل المشاركين بنحو يرفع الجهل والغرر غير المعفو من أعمالهم.
***

تصحيح شركة الأعمال

ثم إنّ غير واحد من الفقهاء لمّا أحس بضرورة هذا النوع من الشركة صاروا إلى تصحيحها بوجه آخر، نذكر منهم:
1. المحقّق الأردبيلي ـ فإنّه (قدس سره) لمّا واجه الإجماع على البطلان ـ حاول التصحيح بوجه آخر وقال ـ كما مرّ ـ فإنّه يرجع إلى الوكالة في بعض الأُمور، وتمليك مال في البعض الآخر ] في مقابل مال آخر [، وبذل نفس وعمل في مقابلة عوض ولا مانع عنه في العقل والشرع .1
2. السيد الطباطبائي اليزدي، إذ قال: ولو أرادا الاشتراك في ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعته المعيّنة أو منافعه إلى مدة كذا بنصف منفعة أو منافع الآخر، أو صالحه نصف منفعته بعوض معيّن وصالحه الآخر أيضاً نصف منفعته بذلك العوض .2
3. السيد الخوئي فقد صحّح شركة الأعيان عن طريق كونها شركة في المنافع

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 10 / 193 .
2 . العروة الوثقى: فصل في أحكام الشركة، المسألة 1 .

صفحه 271
وأن يملّك كُلٌّ منهم نصف خياطته في ذلك اليوم لصاحبه في قبال تمليك صاحبه نصف خياطته في ذلك اليوم. نعم له لو كان مصبُّ الشركة هو الأُجور المحصلة فلا يجوز، لأنّه من مقولة تمليك المعدوم.1
ولا يخفى أنّ ما ذكروه وإن كان موافقاً للاحتياط، ولكنّه أمر لا يخطر ببال أحد من المتشاركين. وكان الأولى صرف الهمة إلى تصحيحها لا إلى إرجاعها إلى أمر مغفول عنه عند المتشاركين. على أنّك قد عرفت الإشكال في قوله: «ولا يجوز تمليك المعدوم».
***

شركة الأعمال فرع من الشركات المعنوية

إلى هنا جرينا على غرار ما ذكره الأصحاب حول شركة الأعمال، إذ أنّهم صوّروها بصورة شركة بسيطة بين شخصين يصبان جهودهما في عمل جزئي خاص، وهناك أمر آخر ربّما يندفع به أكثرما أُشكل عليها، وهو: أنّ الشركة في الأعمال من أقسام الشركة المعنوية بمعنى أنّ الشركة ـ نفسها ـ تعتبر شخصاً اعتبارياً قانونياً يتمتع بجميع الحقوق إلاّ ما كان منها ملازماً لصفة الإنسان الطبيعية ولها ذمة مالية مستقلة، فبعد إجراء أُمور تعتبرها القوانين المدنية للبلد يصبح عنوان الشركة مالكاً لعامة الأموال والمنافع الّتي تدرها ويكون الأعضاء هم أصحاب الحق في الشركة، وعلى ضوء ذلك فالعمال كلهم يعملون لهذه الشخصية الاعتبارية، ويملّكون منافع أيديهم لها، لا لواحد من الشركاء ولا لاثنين منهم، بل الكلّ في خدمة الشركة حتى تجتمع المنافع في الشركة. نعم بمجرد قسمة الأموال تبطل الشركة ولا يبقى منها أثر.
وعلى ضوء ذلك فما أُثير حولها من الإشكال فالجميع مندفع أيضاً بما

1 . مباني العروة الوثقى: 3 / 245 .

صفحه 272
عرفت والّذي يحتاج إلى التوضيح هو حل الإشكال الثالث. أعني: توقيفية المعاملات فيندفع أيضاً بوجود هذا النوع من الشخصية الاعتبارية في الشريعة الإسلامية نظير:
1. بيت المال الذي له عنوان اعتباري يتملّك ما يرجع إلى الدولة الإسلامية من الأموال.
2. الزكوات فإنّ المالك لها هو عنوان الفقراء لا مصاديقهم، وإنّما هم مصارف لها.
3. الخمس فإنّ المالك له هو مقام الإمامة والولاية كما هو الوارد في رواية أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء، فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيه .1
فإنّ ظاهر العبارة أنّ المالك للخمس هو مقام الإمامة والخلافة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) . وأمّا الموارد فهي مصارف لا أنّهم مُلاّك حقيقة .
4. الأراضي المفتوحة عنوة ملك لعنوان المسلمين الذي يصدق على الموجودين والمعدومين.
روى محمد الحلبي قال: سُئل أبوعبدالله (عليه السلام)عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم، ومن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد» 2 .
على أنّك عرفت أنّ توقيفية المعاملات لا تنسجم مع كون الإسلام ديناً خالداً وشريعة خالدة إلى يوم القيامة. وقد ملأت الشركات المعنوية العالم من غير

1 . الوسائل: 7، (كتاب الخمس) الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث6 .
2 . الوسائل: 17، الباب 18 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 .

صفحه 273
فرق بين البلاد الإسلامية وغيرها.
وأمّا تمليك المعدوم أو عدم المزج، فهما بالنسبة إلى هذه النظرية وما عليه الأصحاب في معنى شركة الأعمال على وجه سواء، وقد عرفت جوابهما.
وأمّا أنّها من قبيل شركة المنافع فيقال: إنّ الشركة المعنوية لا صلة لها بشركة المنافع، فإنّ الشخصية المعنوية تمتلك كل شيء عيناً أو منفعة حتى ولو كان ديناً، دون أن يمتلك أحد الشركاء منافع الشريك الآخر.
***

صفحه 274
 
في وقف الحُلِيّ والأثمان
8

في وقف الحُلِيّ والأثمان

يقع الكلام في وقف الذهب والفضة تارة فيما إذا كانا بهيئة الحليّ، وأُخرى فيما إذا كانا مسكوكين.
أمّا الأوّل: فالظاهر من العلاّمة في «التذكرة» عدم الخلاف في جواز وقفهما بين الأصحاب وغيرهم، وإنّما خالف أحمد في إحدى الروايتين عنه. قال: يصح وقف الذهب والفضة إذا كان لفائدة اللُّبس، والإجارة، والإعارة، ولأنّه عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائماً، فصحّ وقفها كالعقار، وبهذا قال الشافعي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وفي الثانية لا يصح، لأنّ التحلّي ليس المقصد الأصلي من الأثمان فلم يصحّ وقفها عليه كما لو وقف الدنانير والدراهم.1
والظاهر أنّ قوله: «في الأثمان» تصحيف، لأنّ الكلام في الذهب والفضة إذا كانا حُليّين لا في المسكوكين .
أقـول: إذا كـان حدّ الـوقف ـ أعني: تحبيس العيـن وتسبيـل المنفعـة ـ منطبقـاً على المـوقوف وعُدّ التحلّي منفعـة رائجـة لـه مضـافاً إلى إجارتـه وإعـارتـه لما كان وجه للتـردّد في صحّتـه، مثلاً: ربّمـا يتصـوّر الـواقف فيمـا يتـرك مـن بنات وحفيدات وأسباط، بأنّ بعضاً منهنّ ربّما لا يتمكّنّ من التحلّي في

1 . التذكرة: 2 / 432، الطبعة الحجرية.

صفحه 275
الضيـافـة، فيعطف على هـذه الطبقة الفقيرة، فيقف الخاتم والسوار والأقراط والقلادة والخلخال عليهنّ تقرباً إلى الله سبحانه، لأنّه بذلك يحفظ كرامتهنّ بين الناس، وليس وقف الحليّ عندئذ إلاّ كوقف الثياب والأواني والفرش والكتب والسلاح حيث يُنتفع بها كما ينتفع بالحليّ، بل ربّما إذا كانت الحليّ كثيرة تنتفع بها العائلة كما تنتفع بالأراضي الموقوفة، وذلك بإجارتها وغير ذلك من الطرق التي تدر نفعاً.
***
أمّا الثاني: أي وقف المسكوك منها، فهل يجوز وقفه بصورة الدرهم والدينار أو لا؟ ففيه وجوه بل أقوال:

1. عدم جواز الوقف

ذهب أكثر علمائنا إلى عدم جواز وقف المسكوك لعدم انطباق حدّ الوقف عليه ـ أعني: حبس العين وتسبيل المنفعة ـ إذ لا يُنتفع بالمسكوك مع بقاء عينه. وإليك بعض الكلمات :
قال ابن زهرة: ولا يصحّ وقف الدراهم والدنانير بلا خلاف يعتدّ به، لأنّ الموقوف عليه لا ينتفع بهما مع بقاء عينهما في يده .1
وهذا هو الظاهر من ابن إدريس 2، والكيدري 3 معلّلين عدم الجواز بنفس ما ورد في الغنية.
وقال العلاّمة في «القواعد»: منع الشيخ وابن إدريس وابن البراج وأكثر علمائنا من وقف الدراهم والدنانير، لأنّه لا نفع يفرض لهما إلاّ مع إتلافها فأشبهت المأكول والمشروب، وجوّز بعض علمائنا وقفها لإمكان فرض نفع مع بقاء العين

1 . غنية النزوع: 1 / 298 .
2 . السرائر: 2 / 480 .
3 . إصباح الشيعة بمصباح الشريعة: 346 .

صفحه 276
ولهذا صحّت إعارتها.1

2. جواز الوقف

قد عرفت أنّ العلاّمة نقل في القواعد جواز وقفهما ولم يسمّ القائل، ويظهر من الشهيد جواز وقفهما إن كان لهما منفعة حكمية، قال: ويصحّ وقف الدراهم والدنانير إن كان لهما منفعة حكمية مع بقاء عينهما كالتحلّي بهما، ونقل في المبسوط الإجماع على المنع من وقفهما إلاّ ممّن شذ.2
وقال المحقّق الثاني: والحق أنّه إن كان لهما منفعة مقصودة عرفاً سوى الإنفاق صحّ وقفهما وإلاّ فلا .3
وقـال الشهيـد الثـاني: والأقـوى الجـواز، لأنّ هذه المنـافع (التحلّي وتـزيين المجلس والضـرب علـى سكّتهـا ونحـو ذلك) مقصـودة ولا تمنع قـوة غيرهـا عليها. نعـم لو انتفت هذه المنافع عادة في بعض الأزمان والأمكنة اتّجه القول بالمنع.4

3. التردّد وعدم الجزم بشيء

يظهر من العلاّمة في القواعد التردّد، قال: وفي الدراهم والدنانير إشكال .
قال الفخر في شرح العبارة: منشؤه أنّه هل يصح أن يكون لها منفعة حكمية معتبرة في نظر الشارع مع بقاء عينها، أو لا؟5
إلـى غيـر ذلك مـن الكلمـات التـي لا تخـرج عـن حدود هذه الأقوال

1 . قواعد الأحكام: 2 / 394.
2 . الدروس: 2 / 27.
3 . جامع المقاصد: 9 / 58.
4 . مسالك الأفهام: 5 / 322 .
5 . إيضاح الفوائد في مشكلات القواعد: 2 / 190 .

صفحه 277
الثلاثة1 .
أقول: المانع عن القول بالجواز هو دوران الأمر بين حبس العين وتسبيل المنفعة، فحبس العين يستلزم عدم المنفعة أو قلّتها، فإنّ إعارة الدراهم والدنانير للعارية والإجارة قليل، وتسبيل المنفعة يستلزم البيع والشراء بهما وهو يتنافى مع حبس العين. وبما أنّ حبس العين أمر مسلّم في ماهية الوقف، والتحلّي فائدة نادرة، كان الأظهر عدم جواز وقفها. إذ هنا فرق واضح بين الذهب والفضة غير المسكوكين والمسكوك منهما، فإنّ الأوّل له منافع بالتحلّي والإجارة وغير ذلك، بخلاف المسكوك إذ ليس له فائدة بارزة، بل تبقى العين صامتة ساكتة لا ينتفع بها إلاّ منفعة نادرة.

تصحيح وقف الأثمان مع التجارة بها

قد عرفت أنّ المانع المهم هو لزوم حفظ العين وإبقائها في الوقف، وهذا غير ميسر في المسكوكين إذا أُريد الانتفاع بهما بالمنفعة الرائجة كالتجارة بهما، ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ الضابطة المذكورة وإن وردت في كلام النبي (صلى الله عليه وآله) لكن يُحتمل كونها ناظرة إلى ما هو الأغلب آنذاك، حيث إنّ الوقف كان يدور حول الأراضي والبساتين والآبار والعيون الجارية إلى غير ذلك من الأُمور التي تدرّ نفعاً مع بقاء عينها.
وأمّا إذا أمكن الانتفاع بالتصرف بالعين مع الحفاظ على ماليتها فلا وجه لعدم صحّة الوقف حينئذ، مثلاً إذا وقف سجادة على مسجد وشرط أنّها إذا صارت قديمة تباع ويشترى بثمنها سجادة أُخرى، فالمنع عن هذا النوع من الوقف بحاجة إلى دليل.

1 . انظر: مفاتيح الشرائع: 3 / 209 ; الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع: 3 / 281 ; مفتاح الكرامة: 9 / 75 ; المناهل: 495 ; جواهر الكلام: 28 / 90 ; تكملة العروة الوثقى: 1 / 206 ; تحرير المجلة:2/79، القسم الثالث.

صفحه 278
وعلى هذا فلو وقف الأثمان على عائلة فقيرة ولكن أجاز لهم التصرف في أشخاص الأثمان لغاية التجارة بها، حتّى يعود نفعها للموقوف عليهم بشرط الحفاظ على المالية في عامة المتبدّلات والبيع والشراء.
وعلى ضوء ماذكرنا يكون الموقوف هو المالية السيّالة بين المتبدّلات دون الأعيان، وعلى هذا لا يختص الجواز بالذهب والفضة المسكوكين، بل يعم الأوراق النقدية الرائجة حالياً، فلا مانع من أن يقف الواقف مبلغاً مالياً على عائلة فقيرة ولكن رخّص للمتولّي البيع والشراء بها طول الزمان حتّى تدر نفعاً للموقوف عليهم وتبقى المالية محفوظة.
ومن حسن الحظ أنّه صار هذا (وقف المالية دون العين) من الأُمور الشائعة في عصرنا الحاضر، فالجمعيات الخيرية تقوم بالمساهمة وجمع الأموال لأهداف إنسانية لا تورث ولا توهب ويشترون بها الأراضي والبنايات والمدارس والمراكز الثقافية وغيرها، فالأموال تخرج عن ملكية المتبرّعين وتنتقل إلى العنوان الّذي اختاره أعضاء هذه الجمعيات لأنفسهم، فالعنوان يملك مالية الأعيان وعينها فلهم أن يتصرفوا في الأعيان بالبيع والشراء، وليس لهم التصرف في ماليتها بإتلافها وهبتها وتوريثها، بل تبقى المالية ما دامت الظروف تساعد على بقائها، وإلاّ فيعمل على وفق ما اتفقوا عليه في الاتفاقية المعقودة بينهم.
وقد أوضحنا في بحوثنا في مقدّمات البيع أنّ المعاملات الحديثة إذا لم تكن مخالفة للأُصول، تكون ممضاة من قبل الشارع، لقوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، أو قوله (صلى الله عليه وآله): «المؤمنون عند شروطهم».
فالمفروض أنّ هذا النوع من الوقف أمر عقلائي له منافع بالنسبة للطبقة الموقوف عليهم، وليس مخالفاً للأُصول التي بُني عليها الفقه الإسلامي فلا يحرّم حلالاً ولا يحلّ حراماً، ولايناقض كلام الله وسنّة نبيه. فالقول بجواز هذا الوقف مطابق للأُصول ورائج بين العقلاء، ولا مانع منه ظاهراً في الشرع، والله العالم.
فلو قلنا بأنّ هذا النوع من تجميد الأموال بماليتها لا بأعيانها، داخل تحت

صفحه 279
عمومات الوقف فيكون محكوماً بحكمه وإلاّ يكون عقداً أو إيقاعاً مستقلاً، رائجاً بين العقلاء، وليس فيه ما يخالف الأُصول المسلّمة في باب المعاملات، فيكون نافذاً ولازماً يجب العمل على وفق ما اتّفقوا عليه عند إيجاد الجمعيات الخيرية، والمراكز الثقافية أو غير ذلك; وإذا عجزت الجمعية عن إدارة الأموال، فإن كانت قد حسبت لهذه الحالة الحرجة حساباً في قانونهم فيعمل بما اتّفقوا عليه، وإلاّ فيرجع إلى الحاكم الشرعي فيضعها في الأقرب فالأقرب من مقاصد الجمعية وأغراضها .والله العالم

صفحه 280
رسالة في إرث الزوجة
9

رسالة في إرث الزوجة

حضرة العلاّمة الحجة آية الله السيد محمود الشاهرودي دامت بركاته
أمّا بعد فقد أتحفني صديقي العزيز الفاضل الشيخ محمد الرحماني ـ دامت تأييداته ـ بالأعداد: 45، 46، 47، 48 من مجلة فقه أهل البيت(عليهم السلام) فقرأت ما دبّجه يراعكم حول إرث المرأة من الأرض ووقفت على جهودكم العلمية التي بذلتم في تحقيق المسألة، شكر الله مساعيكم، ولاسيّما في العدد الخامس والأربعين، والسادس والأربعين وفيهما غنى وكفاية لبيان موقفكم من المسألة .
لكن لنا ملاحظات حول نظركم في كيفيّة إرث الزوجة، نقدّمها إليكم عسى أن يتّضح بها نظر المشهور في المسألة.
لاشك أنّ للقرآن الكريم مقاماً منيعاً لا يمكن رفع اليد عن ظاهره بخبر الواحد، وهذا هو رأي المحقّق (رحمه الله)في المعارج في المسألة، وهذا هو المختار عندنا أيضاً في محلّه ولكن المورد ليس بهذا الشأن، فالروايات هنا متضافرة مفيدة للعلم وقد عدّ مضمونها من خصائص فقه الشيعة، فلو استثنيت فتوى ابن الجنيد فهناك رأي متميز لفقهاء الشيعة بين سائر الفقهاء، على اختلافهم في كيفية ميراث المرأة من الأقوال التي ذكرتموها في المجلة .
ذكرتم حول قوله (عليه السلام): «إنّ المرأة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار أو

صفحه 281
أرض إلاّ أن يقوّم الطوب والخشب قيمة فتعطى ربعها أو ثمنها».
«إنّ الظاهر من إضافة المنع إلى تربة الدار والأرض أنَّ النظر إلى عين الدار وترابها أي ذاتها لا ما قد يتولد فيها وعليها من الأموال الإضافية حتى المالية والقيمة نتيجة الإحياء والبناء، ولهذا استدرك بلسان الاستثناء «إلاّ أن يقوّم البناء والجذوع والخشب أو الطوب وهي الآجر ونحوها»، وظاهر الاستثناء، الاتصال مع أنّ الطوب والخشب ليس من الأرض فكيف استثني منها؟
«والظاهر أنّ أقرب المعاني لمثل هذا التركيب ليس ما فعله المشهور من جعل الاستثناء على الانقطاع، بل ينبغي الحفاظ على ظهوره في الاتصال مع كون المستثنى هو الإضافات الحاصلة في القيمة والمالية، سواء بالنسبة إلى ذات البناء أو الأرض أو ما أحدث فيها أو عليها بسبب الإحياء من المالية فيكون المتفاهم عرفاً من مثل هذا التركيب من أنّها لا ترث من العين والتربة ولكن ترث أصل حقّها من التركة بأن تؤتي من قيمة الأرض وما عليها بسبب البناء والإحياء بما فيها مالية الأرض ومنفعة المكان الحاصلة بذلك، فتعطى ربعها أو ثمنها».
وفيما أكّدتم عليه ملاحظات:
الملاحظة الأُولى: فإذا كان المقصود النهائي : هو أنّ المرأة ترث من قيمة المجموع أرضاً وبناءً، فلماذا فصّل الإمام (عليه السلام) بين تربة الدار والأرض، وبين الطوب والخشب في العبارة مع أنّ المجموع محكوم بحكم واحد وهو أنّها ترث منه قيمة لا عيناً؟!
إنّ التفصيل (بين التربة وسائر الأموال ذكر في كثير من الروايات كصحيحة زرارة (1 / 6)1 ومحمد بن مسلم (2 / 6) ويزيد الصائغ (8 / 6) وطربال بن رجاء (12 /6)والأحول (16 / 6) قاطع للشركة، ويدلّ على أنّ للأرض والتربة حكماً

1 . مابين القوسين إشارة إلى الوسائل: ج17، الباب6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1. وهكذا بقية الروايات الموجودة في هذه الرسالة.

صفحه 282
وللبناء حكماً آخر، فلو كان الجميع ميراثاً لها بالثمن والقيمة ومحكوماً بحكم واحد فلا وجه للتفصيل.
وبعبارة واضحة: فإذا كان فتوى الإمام هو إرث المرأة من المجموع قيمة لا عيناً كان عليه (عليه السلام) أن يذكر ذلك ببيان واضح ويقول: «إنّ المرأة لا ترث من عين الدار وما عليها من البناء ولا ما فيها من الأشجار وإنّما ترث القيمة من المجموع ».
إنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) فُصَحاء ـ كما قالوا ـ فما هو وجه الكلام تارة في تربة الدار والأرض وأُخرى فيما عليها من الطوب والخشب مع اشتراك الجميع في النتيجة، وهو إرث المرأة من قيمة الجميع.
الملاحظة الثانية: أنّ المستثنى منه في بدء النظر لا يخلو من أحد أُمور أربعة :
1. إمّا أن يكون عين التربة والأرض فيكون الاستثناء منقطعاً، وأنتم لا ترضون بذلك .
2. أن يكون المستثنى منه هو القيمة، فتكون النتيجة خلاف المدّعى وموافقاً لقول المشهور، إذ معناه لا ترث من قيمة الدار إلاّ قيمة البناء.
3.أن المستثنى منه، مجموع الدار من الأرض والبناء بأن أُريد من الدار كلا الجزأين: الدار والبناء، فيصح استثناء الطوب منه استثناء متصلاً لدخوله في المستثنى منه، إذ أُريد من الدار مجموع البناء والمبنيّ عليه، ويكون موافقاً لفتوى المشهور.
4. أنّ المستثنى منه هو الدار مع الإضافات ومنها القيمة كما هو الظاهر من كلامكم .
ويلاحظ عليه: أنّه خلاف الظاهر، لاستلزامه لحاظ الجمع بين المبدل (العين) والبدل (القيمة) مع أنّهما طوليّان لا عرضيّان.
الملاحظة الثالثة: أنّ المرجع في تفسير الحديث هو العرف الدقيق لا العقل الدقيق ولا العرف المتسامح، وهذه الرواية ونظائرها إذا نظر إليها العربي الصميم، المتجرد ذهنه عن الخلافات الفقهية ينتقل إلى أنّ المراد هو حرمان المرأة من

صفحه 283
الأرض دون البناء.
الملاحظة الرابعة: قولكم: «إنّ المالك إنّما يملك حياة الأرض لا ذات الرقبة وإنّما يكون له حق الاختصاص بها» على خلاف ما ذهب إليه الفقهاء إلاّ من شذ، فإنّ الأرض تملك بالإحياء وتقبل النقل والانتقال.
يقول المحقّق: ويملكها المحيي عند عدم الإمام من غير إذن .1 ونظير ذلك في المنتهى. 2
وقال الشيخ الأكبر في كشف الغطاء: ثم إن أحياها المحيي ـ كائناً من كان ـ بعد الغيبة كانت ملكاً له، ويملكها من شاء ويوقفها ويجري عليها أحكام الملك. 3
وقد تضافر عنهم(عليهم السلام):«أنّ من أحيا أرضاً فهي له». فاللام للملكية دون الاختصاص، ولذلك لو خربت الأرض فما لم يعلم الإعراض من صاحبها ليس للآخر إحياؤها، وما في بعض الروايات: من ترك أرضاً ثلاثة أعوام يجوز للآخر التصرف فيها قد أعرض عنه المشهور.
الملاحظة الخامسة: نقلتم عن المحقّق الشعراني (رضي الله عنه) أنّ الوجه لعدم ذكر قيمة الأرض هو أنّ أكثر الأراضي خصوصاً ما كان بيد الشيعة في الكوفة ونواحيها كان من المفتوحة عنوة وكان لها حق اختصاص بسبب تملّك الآلات....» .
إنّه (قدس سره) وإن كان من أعلام المحقّقين المخلصين، وقد زرته من قرب فوجدته رجلاً موسوعيّاً، ومع ذلك يُرد على كلامه أُمور:
1. أنّ لازم كلامه أن تكون هذه الروايات قضايا خارجية لا قضايا حقيقية، وهل السائلون كلّهم كانوا عراقيين؟
2. لازم كلامه ان يعمّ الحرمان الرجال أيضاً إذ لا فرق بين الطائفتين في مورد الأراضي المفتوحة عنوة .

1 . الشرائع: 1 / 293 .
2 . المنتهى: 1 / 936 .
3 . كشف الغطاء: 4 / 295 .

صفحه 284
3. انّ الحقوق المالية كحق الاختصاص تورث أيضاً فلماذا لم تلحظ في هذه الروايات مالية حق الاختصاص في أرثها بناء على ما ذكرتم من انها ترث من مالية أرض الدار .
الملاحظة السادسة: أنّه قد ورد في روايات كثيرة أنّ المرأة لا ترث شيئاً، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، وإليك هذه التعابير:
1. عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام):«إنّ المرأة لا ترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح شيئاً وترث من المال والفرش». 1 /6 .
2. عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام):«ترث المرأة الطوب ولا ترث من الرباع شيئاً». 2 /6.
3. عن زرارة عن أبي جعفر، ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام):«لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً».6/6.
4. عن طربال بن رجاء، عن أبي جعفر (عليه السلام):«إنّ المرأة لا ترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئاً وترث...» 12 /6.
5. عن محمد بن مسلم وزرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام):«إنّ النساء لاترثن من الدور ولا من الضياع شيئاً». 13 /6
6. عن الأحول، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سمعته يقول:«لا يرثن النساء من العقار شيئاً ولهن قيمة البناء». 16 /6
إنّ حمل هذه الروايات على أنّها لا ترث من العين، ولكن ترث من القيمة بعيد غايته بشهادة أنّه لو قال القائل بعد هذه الجمل:«إلاّ قيمة الدور» يتلقّى كلاماً فاقداً للبلاغة، إذ لو كان المراد الحرمان من العين دون القيمة لما كان هناك أي حاجة إلى استخدام النكرة في سياق النفي بل كان اللازم أن يقول: لا ترث من الدور بل ترث من القيمة.
الملاحظة السابعة: أنّ السيد المرتضى إنّما اختار أنّها ترث من قيمة الجميع لأجل الجمع بين عموم آيات الإرث، وما أجمع عليه الأصحاب من الحرمان،

صفحه 285
بتخصيص الحرمان بالعين وإيجاب القيمة على نحو ما اختاره في الحبوة.
وبما أنّ الإجماع دليل لبّي أخذ بالقدر المتيقّن وعذره في المقام أنّه لم يعتد بالأخبار الواردة في المقام لكونها أخبار آحاد لا قيمة لها عنده، وأمّا من يعتد بها كسماحتكم فليس له إلاّ الأخذ بظواهرها، على أنّ كلمة المجمعين صريحة في الحرمان مطلقاً عيناً وقيمة، ولاوجه للاقتصار بالقدر المتيقّن.
الملاحظة الثامنة: أنّ لازم الجمع بين الروايات والآيات على النحو المذكور في كلامكم هو القول بأنّ قوله سبحانه: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ)1، أو (فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ)2 يتضمّن حكمين مختلفين: إرث العين من المنقول كالنقود وغيره، والقيمة من الدار والتربة. ومن المعلوم أنّ الحكمين من قبيل المتباينين لما مرّ من أنّ الإرث من القيمة بدل الإرث من العين فهل تتحمّل الآية بيان كلا الحكمين بلفظ واحد؟
وإلى ما ذكرنا يشير بعض المحقّقين إذ يقول: إذ ليس كلّ من العين والقيمة مندرجاً في العام اندراج المصاديق في المفهوم الكلّي حتى يكون حمل كلّ منهما على بعض أفراده عملاً به في الجملة .3
الملاحظة التاسعة: ذكرتم حول رواية الأحول: «وما ورد في ذيلها «يعني من البناء الدور» أنّها ظاهرة في أنّ المراد إعطاؤها قيمة الدور بما فيها قيمة رقبة أرضها...» .
أقول: هذا التفسير من الراوي، وعلى فرض كونه من الإمام (عليه السلام) فلعلّ المراد هو تضييق صدق البناء وأنّه لا يشمل إلاّ بناء الدور لا سائر الأبنية كبناء الطاحونة والمعمل وغيرهما .
الملاحظة العاشرة: روى الكليني عن يزيد الصائغ عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:

1 . النساء: 12.
2 . النساء:12.
3 . بلغة الفقيه: 3 / 93 .

صفحه 286
سألته عن النساء هل يرثن من الأرض؟ فقال:«لا ولكن يرثن قيمة البناء» قال: قلت:إنّ الناس لا يرضون بذا، قال: «إذا ولّينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط» .1
فلو كان المقصود هو الحرمان من العين دون القيمة، فلماذا لا يرضى الناس به، فإنّ دفع القيمة يكون أنفع للمرأة لخروج سهمها عن الإشاعة إلى الإفراز.
الملاحظة الحادية عشرة: ذكرتم إنّ التعبير بالإعطاء أو إعطاء حقّها أو إعطاء ربعها أو ثمنها الوارد في ألسنة هذه الروايات، يجعلها ناظرة إلى مقام التقسيم والإفراز لحقوق الورثة وبيان أنّ حقّها من التركة ـ وهو الربع والثمن ـ لايعطى من عين الأرض والعقار بل يعطى لها من سائر التركة.
يلاحظ عليه: أنّه ورد في الرواية الأُولى من الباب «قوله: إنّ المرأة لاترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدوابّ شيئاً وترث من المال والفرش والثياب ومتاع البيت ممّا ترك وتقوّم النقض والأبواب والجذوع والقصب فتعطى حقّها منه» .
فعلى ما ذكرتم يكون المعنى يعطى حق المرأة من القرى والدور والسلاح والدواب من قيمة هذه الأُمور الأربعة (النقض والأبواب والجذوع والقصب) أفهل يمكن أن تكون قيمة هذه الأُمور وافية لحق المرأة من قيمة القرى والدور والسلاح والدواب كلّها، ومثل ذلك لو أضفنا إلى الأُمور الأربعة ما تقدّمها من الأُمور الثلاثة ـ أعني: الفرش والثياب ومتاع البيت ـ بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المراد أنّه يعطى حق المرأة المتعلّق بهذه الأُمور من قيمة هذه الأُمور.
ونظيرها ما رواه صاحب الوسائل برقم 5 و 7 و 12 و 15 في الباب السادس، والجميع على غرار واحد وسبيكة واحدة .

1 . الباب 6، الحديث 8 و 11.

صفحه 287

1. حول الروايات المعارضة لنظر المشهور

هناك روايات معارضة لنظر المشهور، وأُمور ربّما تكون دليلاً لمختاركم ندرسها تالياً: أما الروايات فهي:
1. روى عبيد بن زرارة وفضل بن العباس قال: قلنا لأبي عبدالله(عليه السلام) ما تقول في رجل تزوج امرأة ثم مات عنها وقد فرض الصداق؟ قال: «لها نصف الصداق وترثه من كل شيء، وإن ماتت فهو كذلك».
ومحل الاستدلال قوله: «وترثه من كل شيء».
أقول: إنّه ظهور بدوي، وذلك لأنّ الراوي لمّا توّهم أنّ عدم الدخول يسبّب عدم إرثها من زوجها بتاتاً، وكأنّ العلقة عند السائل تتحقّق بالدخول لا بالعقد، فردّه الإمام (عليه السلام) أنّ موت الزوج قبل الدخول لا يؤثر في ما تستحق من الإرث. فعلى هذا معنى قوله: «فترثه من كل شيء» أي ممّا تستحق أن ترث.
وبعبارة أُخرى: أنّ الإمام (عليه السلام) في مقام دفع التوهم المذكور لا في مقام بيان حد الإرث وما ترث.
2. رواية الصحاف قال: مات محمد بن أبي عمير بياع السابري وأوصى إلي وترك امرأة له لم يترك وارثاً غيرها، فكتبت إلى العبد الصالح (عليه السلام)، فكتب إليّ: «اعط المرأة الربع واحمل الباقي إلينا» .1
ومحل الاستدلال إطلاق قوله: «اعط المرأة الربع» .
يلاحظ عليه: أنّه لم يرد في الرواية أنّ الرجل ترك أرضاً أو تربة أو ربعاً أو ما شاكله، ولعلّ التركة كانت غير الأرض والدار، وليس المراد من محمد بن أبي عمير هو التاجر الثريّ المعروف، لأنّه توفّي عام 217هـ وتوفّي العبد الصالح (عليه السلام)(186هـ).
أضف إلى ذلك: أنّه يمكن أن يكون اللام في الربع للعهد الذهني، أي الربع المعهود في ذهن الشيعة في إرث الزوجة.

1 . الباب 4 الحديث 2 .

صفحه 288
3. معتبرة ابن أبي يعفور والفضل بن عبدالملك وجاء فيها عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئاً؟ فقال: «يرثها وترثه من كل شيء ترك، وتركت ».1
أقول: الرواية على عكس المدّعى أدلّ حيث إنّ الراوي قد سلّم أنّ المرأة لا ترث عن التربة فيسأل الإمام (عليه السلام)عن إرث الرجل وانّه هل هو بمنزلة المرأة حتى لا يرث من الأرض أو لا؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) بأنّها ترث من كل شيء، فالرواية تشهد بأنّ الرأي السائد بين الشيعة ـ يوم ذاك ـ كان هو عدم إرث المرأة من الأرض، وعلى ذلك بنى السائل سؤاله وقاس الزوج بالزوجة، فعند ذاك لا محيص من حمل الجواب على التقية، لكونها مخالفة لما هو المشهور بين الشيعة حسب ما تعطيه الرواية، وإلاّ لما اكتفى الإمام (عليه السلام)في ردع هذه الذهنية للسائل بجملة بسيطة ذكرت استطراداً في مقام الجواب عن سؤال آخر.
وقد اتقى أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في بيان الفروض في غير مورد نذكر منها موردين تجنباً للإطالة:
روى عبدالله بن مُحرز قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى إليّ، وهلك وترك ابنته فقال:«اعط الابنة النصف، واترك للموالي النصف»، فرجعت فقال أصحابنا: لا والله، لا للموالي شيء. فرجعت إليه من قابل فقلت له: إن أصحابنا قالوا ما للموالي شيء، وإنّما اتقاك.
فقال: «لا والله ما اتقيتك وإنّي خفت عليك أن تؤخذ بالنصف، فإن كنت لا تخاف فادفع النصف الآخر إلى ابنته فإن الله سيؤدي عنك».
وممّا يشهد على تقيتهم في مسائل الإرث ما رواه الفقيه باسناده عن ابن عباس أنّه قال: كتب إليّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) في ستة إخوة وجدّ، أن أجعله

1 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1 .

صفحه 289
كأحدهم واِمحِ كتابي، فجعله عليّ (عليه السلام) سابعاً معهم، وقول: وامحِ كتابي، كره أن يشنع عليه بالخلاف على مَنْ تقدمه. 1

2. مشكلة اختلال الميزان في الفرائض والأسهم

«.. إذا كانت الزوجة لا ترث من العقار شيئاً فلا محالة سوف يقلّ سهمها عن الربع والثمن للتركة، وتقييد ذلك بالربع والثمن ممّا ترث منه من التركة لا كلّ التركة وإن كان يحفظ عنوان الربع والثمن، إلاّ أنّ هذا عندئذ يكون خلاف مقام التحديد وتعيين السهام بالنِّسَب والفروض، أي يوجب اختلال الميزان للفرائض والسهام ويكون أشبه بالألغاز والتمويه حينئذ وليس بابه التقييد والتخصيص».
يلاحظ عليه: أوّلاً: ما الفرق بين المقام حيث يُحدّد فرضها بالثمن ثم يشار بدليل منفصل إلى أنّ فرض الثُمن يتعلّق بغير العقار وبين قوله سبحانه: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى )2 ثم يحدّ بان الخمس بعد المؤونة.
وثانياً: ان هذه المشكلة ليست مختصة بهذا المورد فإنّ اختلال الميزان للفرائض والسهام ـ لو صحّت تسميته إخلالاً بهما ـ ليس شيئاً غريباً في باب الإرث لتوفّره في الموارد التالية :
1. عند زيادة السهام على التركة يدخل النقص على طائفة دون طائفة. وبالتالي ينقص الميراث عن السهام .
2. عند زيادة التركة على السهام يُردّ الباقي على الورّاث، وبالنتيجة يزيد الميراث على السهام.
خلافاً لأهل السنّة حيث عالجوا المشكلة في الموردين بالعول والتعصيب .
3. سهم الولد الأكبر يزيد على الفرض بالحبوة. فيكون سهم الولد الأكبر أزيد

1 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث، 7، ولاحظ أيضاً الحديث 4 .
2 . الأنفال: 41 .

صفحه 290
من حظ الأُنثيين وقد قال سبحانه: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)1 .
4. حرمان القاتل والكافر من الإرث وبالتالي تحصل الزيادة في سهام الآخرين. كالبنت والبنتين إذا كان الأب قاتلاً أو كافراً.
5. إذا مات الرجل عن بنت واحدة فهي ترث النصف فرضاً والباقي قرابة، فتكون وارثة للكل لا للنصف، وان كان ذلك باعتبارين، ومثلها إذا مات عن بنتين فهما ترثان الثلثين فرضاً والباقي قرابة فيكون ميراث الواحدة أو الاثنين ازيد من الفرض المحدّد الوارد في قوله سبحانه: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَك وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)2.

3. مشكلة تأخير البيان

إنّ مشكلة تأخير البيان لاتختص بالمورد، فإنّ كثيراً من أُصول الأحكام أوّلاً والمقيّدات والمخصّصات ثانياً ورد في لسان الصادقين(عليهما السلام)ومن بعدهما من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ولا يمكن الالتزام فيهما بالنسخ، إذ لا نسخ بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله). فالجواب في الجميع أمر واحد وهو وجود المصلحة أوجب بيان الأحكام تدريجاً، فالأحكام كلّها كانت مشرّعة في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله)نازلة عليه، غير أنّه(صلى الله عليه وآله)بيّن ما بيّن، وأودع مالم يُبيّن ـ إمّا لعدم استعداد المجتمع، أو لعدم وجود الفرصة للبيان، أو لوجود المصلحة في تأخيره ـ عند أوصيائه الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بعده، و ليس تأخير البيان أمراً قبيحاً بالذات حتى لا يُغيّر حكمه، و إنّما هو بالنسبة إلى القبح كالمقتضي نظير الكذب، فلو كانت هناك مصلحة غالبة كنجاة المؤمن كان أمراً حسناً. هذا هوالحقّ الذي يدركه من سبر حال النبي(صلى الله عليه وآله)والمجتمع الإسلامي.
فأقصى ما في تأخير البيان وقوع المكلّف في المشقّة، أو تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، و كلّها هيّنة إذا اقتضت المصلحة الكبرى تأخير البيان.

1 . النساء: 11 .
2 . النساء: 11.

صفحه 291
والمسألة مطروحة في باب التعادل والترجيح، وأخصّ بالذكر فرائد الشيخ، وقد ذكر وجوهاً لهذا النوع من التأخير، وتبعه غيره من الأعلام في نفس الباب .
أضف إلى ذلك: أنّ الظاهر من رواية الصفار أنّ البيان لم يتأخر، وإنّما خفي على الناس بعد وروده. روى محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين (الخطاب)، عن جعفر بن بشير، عن الحسين بن مخلد، عن عبدالملك قال: دعا أبو جعفر (عليه السلام)بكتاب علي (عليه السلام) فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطوياً، فاذا فيه: انّ النساء ليس لهنّ من عقار الرجل إذا توفي ـ عنهن ـ شيء. فقال أبو جعفر (عليه السلام):«هذا والله خط علي وإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله)».1
على أنّ تأخير البيان أمر مشترك بين الحرمان مطلقاً أو الحرمان من العين والدفع من القيمة، إذ لم يرد في الرواية بوجه صريح ما يدلّ على حرمانها من الأصل، ودفع سهمها من القيمة، وذلك لأنّ الظاهر من الآيات كونها سهيمة في عين التركة كسائر الورّاث.
***

الآن حصص الحق

قد ظهر من هذا البحث الضافي أنّ حرمان الزوجة من العقار أمر لا يمكن تجاوزه، وذلك بالوجوه التالية:
1. أنّ التفصيل بين الدار والطوب والخشب في الروايات قاطع للشركة، كما مرّ.
2. أنّ استخدام النكرة ووقوعها في سياق النفي لا يلائم حرمانها من العين فقط دون القيمة.
3. الظاهر من رواية يزيد الصائغ أنّ حرمانها من العقار كان أمراً مسلّماً في

1 . الوسائل: 17، الباب6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 17 .

صفحه 292
عصر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ولذلك يقول الصائغ: «قلت: إنّ الناس لا يرضون بذا، قال: إذا ولينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط» فإنّ إعمال السوط أفضل دليل على الحرمان المطلق لا الحرمان من العين دون القيمة، لأنّ كثيراً من الناس يرضون بذلك.
4. أنّ معتبرة ابن أبي يعفور تدل على أنّ حرمان الزوجة من الأرض كان أمراً مسلّماً عند الراوي وبالتالي عند الشيعة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) حيث جعل معتقده في المورد أساساً للسؤال عن إرث الزوج من الزوجة، وأنّه هل هو كإرث الزوجة من الزوج في الحرمان من الدار والأرض؟
5. نرى أنّ أبا جعفر (عليه السلام)يحلف بالله في حرمان الزوجة من عقار الرجل ويقول: «هذا والله خط عليّ وإملاء رسول الله». فإنّ هذا الحلف يناسب حرمانها على وجه الإطلاق لا حرمانها على الوجه النسبي بأن ترث القيمة دون العين.
6. أنّ كتاب عليّ أفضل دليل على عدم تأخير البيان وإنّما طرأ عليه الخفاء بعد البيان، وقد أظهره الإمام الصادق (عليه السلام)بعد خفائه فترة من الزمن.
7. أنّ مشكلة التأخير ـ على فرض التسليم ـ أمر مشترك بين القولين، إذ لم يرد في الرواية ما يدل صريحاً على إرثها من قيمة جميع ما تركه الرجل.
8 . أنّ معتبرة ابن أبي يعفور على عكس المدّعى أدّل، حيث تدلّ على أنّ الرأي السائد بين الشيعة في عصر صدور الرواية هو حرمانها من العقار، أفيمكن أن تكون هذه الشهرة بلا دليل ولا وجه؟! وعلى ذلك يكون قول الإمام: «يرثها وترثه من كل شيء» محمولاً على التقية، وليس التقية في باب الفرائض أمراً نادراً، حيث إنّ الإمام اتّقى في رواية عبدالله بن مُحرز وقال: «النصف للبنت والنصف الآخر للعصبة»، كما أنّ الإمام علياً(عليه السلام) بعدما أفتى في مورد الجدّ بشيء، كتب إلى ابن عباس ألاّ ينشر ما كتب ويجعل الجد كأحد الأخوة.
9. أنّ الشهرة الفتوائية المجردة عن الرواية بين أصحاب الأئمة(عليهم السلام) فضلاً عمّا إذا كانت مدعمة بالروايات المستفيضة، من مميزات الحجّة عن اللاحجّة، لا من

صفحه 293
المرجّحات، فلذلك ترى أنّ عبدالله بن محرز لمّا فهم الرأي السائد بين أصحاب الإمام ترك قول الإمام الذي سمعه مباشرة وتوقّف عن العمل بمناسبة وجود الشهرة على خلاف قوله (عليه السلام)، إلى أن لقيه في العام القابل وذكر القصة فأفتاه الإمام بالحكم الواقعي، وفي المقام قد عرفت أنّ بعض الروايات يدلّ على وجود الشهرة الفتوائية بين الأصحاب في عصر الأئمة(عليهم السلام)، وهي حرمان المرأة من العقار.
ومع هذه القوة التي هي فوق المرجحات كيف يمكن الإفتاء بالخلاف؟!
10. وأمّا ما ورد في رواية ميسّر بيّاع الزطّي عن أبي عبدالله (عليه السلام) من تعليل الحرمان بأنّه إنّما صار هذا كذا لئلاّ تتزوج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم 1 .
إذ ربّما يتوهّم اختصاص الحكم بما إذا كان هناك وارث غير الزوجة دونما إذا لم يكن، وارث غيرها، فلا وجه لحرمانها عندئذ .
فملحوظ فيه، حيث إنّها من قبيل الحِكَم، لا العلل، كتعليل لزوم الاعتداد للمرأة بالعِلم بحالها من كونها حاملاً أو لا، مع أنّه يجب الاعتداد عليها وإن علمت حالها كما إذا لم يكن هناك لقاء عبر سنة. ولذلك تعامل الفقهاء مع أمثال هذه العلل، معاملة الحكمة فلا يدور الحكم مدارها ثبوتاً وتعيّناً.
هذه ملاحظات متواضعة نقدّمها إليكم راجين إمعان النظر فيها، لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً.
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
20 صفر المظفر 1430 هـ

1 . الوسائل: 17، الباب6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3 .

صفحه 294
هل ترك النبي(ص) من مصادر التشريع
10

هل ترك النبي(صلى الله عليه وآله) من مصادر التشريع

اتّفق الفقهاء على أنّ السنّة المطهّرة من مصادر التشريع ومبادئه، وقد فسّروها بقول الرسول أو الإمام المعصوم وفعله وتقريره.
أمّا الأوّلان فحجّيتهما من لوازم عصمته في مجال التبليغ والسلوك، وأمّا الثالث فلو صدر فعل من صحابي بمرأى ومسمع منه ولم ينه عنه، فهذا يلازم كون هذا الفعل سائغاً لا حراماً، وإلاّ لما سكت عنه النبي(صلى الله عليه وآله)بل يزجره وينهاه .
هذا كلّه يرجع إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وأمّا الصحابي فليس قوله ولا فعله ولا تقريره من السنّة، ما لم يُعلم نسبته إلى المعصوم، وذلك لافتراض أنّه غير معصوم، فربّما يخطئ ولا يصيب. مضافاً إلى أنّه لا يوحى إليه من الله، ولا فرق بينه وبين سائر الناس من هذه الجهة.
يقول الشوكاني: والحق أنّ قول الصحابي ليس بحجّة، فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّ نبينا محمداً(صلى الله عليه وآله) وليس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابة ومَنْ بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة، فمن قال إنّه تقوم الحجة في دين الله بغيرهما فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر الله به .1
وما ربّما يقال من أنّ الصحابة هم الذين عاصروا رسول الله(صلى الله عليه وآله)ونقلوا أقواله

1 . إرشاد الفحول: 214 .

صفحه 295
وأفعاله وكانوا أعرف الناس بأسرار التشريع الإسلامي ومصادره وموارده، فمن اتّبعهم من الذين قال الله فيهم: (وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان)1 ،2 غير تام، لأن ما ذكره من أنّهم أعرف بأسرار التشريع لا يلازم كون فتاواهم أو منقولاتهم هي ممّا وصلهم أو سمعوه عن النبي(صلى الله عليه وآله)، إذ من المحتمل أنّهم اجتهدوا فيما أفتوا به بوصف أنّهم أعرف بأسرار التشريع. وفتوى المجتهد حجة على نفسه لا على غيره.
أضف إلى ذلك: أنّ المقصود هو الاتّباع على النمط الحسن، وهو بعدُ غير ثابت، لاحتمال كون ما رواه الصحابي رأيه، لا قول النبي(صلى الله عليه وآله) فلا يُعدّ اتّباعه للمجتهد اتّباعاً حسناً.
هذا كلّه حول السنّة وقد عرفت معناه، ثم إنّه يقع الكلام فيما ظهر أخيراً من الاحتجاج بترك الرسول(صلى الله عليه وآله)أمراً ما، على لزوم اتّباع النبي(صلى الله عليه وآله)في الترك. ولو صحّ ذلك لصارت مصاديق السنّة أربعة:
1. القول.
2. الفعل.
3. الإقرار.
4. الترك.
وهذا من عجائب القول الذي ظهر بعد أربعة عشر قرناً، ولم ينبس به أحد من القدماء، من غير فرق بين فقيه مذهب وفقيه مذهب آخر، وعلى هذا فهو يُعدّ بدعة ظاهرة في مجال التشريع ومورثاً للجدال والنقاش في حياة المسلمين، ولأجل إيضاح المقام نبحث في موضعين:
الأوّل: الترك في مجال الأُمور العاديّة.

1 . التوبة: 100 .
2 . مصادر التشريع الإسلامي للدكتور شعبان محمد إسماعيل: 269 .

صفحه 296
الثاني: الترك في مجال العبادات والقربيات.
أمّا الأُمور العاديّة: فهي عبارة عن الأُمور الّتي يمارسها الناس في حياتهم الفردية والاجتماعية، وهي بين سائغ ومحظور. فما حرّمه التشريع فهو حرام إلى يوم القيامة لخلود الشريعة الإسلامية إلى يوم القيامة، وذلك كالخمر والميسر والرشوة والقتل إلى غيرها من كبائر المعاصي وصغائرها.
وأمّا السائغ منها فهو كالسابق حلال إلى يوم القيامة لا يحرمه شيء إلاّ بعنوان طارئ، ككونه ضاراً أو غير ذلك.
ثم إنّ الأُمور العادية لا تبقى على حالها الأوّل، بل أنّها تتكامل وتتطور حسب تكامل حياة البشر وفقاً للتقدّم الحضاري، وهذا واضح للعيان في لباس الإنسان ومسكنه وراحلته .
فقد تطوّرت وتكاملت هذه الأُمور من الحالة العادية إلى ما نشاهده الآن.
إنّ السلف الصالح والخلف من بعدهم لم يجمدوا في حياتهم الاجتماعية على النمط الّذي كانوا يعيشون عليه في عصر صدر الإسلام، بل أخذوا من الحلال حلوه، ومن الجائز صفوته، دون أن يعترض عليهم أحدٌ، ويتّهمهم بالأخذ بمحدثات الأُمور (وكلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). وذلك لافتراض أنّ هذه الأُمور سائغة وجائزة ومن الطيّبات الّتي أحل الله سبحانه لعباده، من غير فرق بين صورتها الأُولى وصورتها الثانية والثالثة .
وذلك لوجهين:
1. أنّ طبيعة الإنسان المتحضّر هي التدرّج في الحضارة والترقّي في مدارجها، وهذا أمر طبيعي فطري لا يمكن إيقافه والمنع عنه، لأنّه يضاد الفطرة الّتي نشأ عليها الإنسان منذ أن وطأت قدماه هذا الكوكب.
وعلى فرض إمكان الإيقاف وتحريم التطور كان على الشارع إيضاح ذلك والدعوة إلى الجمود وإيقاف الحياة على ما كانت عليه.
2. إذا كان لهذه الأُمور العادية دليلٌ في التشريع الإسلامي ومسوغ لها

صفحه 297
فالتطورات صور طارئة عليها، فما لم يكن فيها عنصر محرم أو ملازم للمحرم فهو حلال بلا شك استناداً إلى أصالة الحلية في الأُمور العادية ما لم يدلّ دليل على حرمته.
ذكر بعض المؤرّخين أنّ أوّل تطوّر ظهر في حياة المسلمين دخول المناخل، ولم يكن لهم عهدٌ بها، وهي من أدوات التنعم والترفه في المأكل ممّا لم يكن يعرفه العرب ولا المسلمون من قبل، وقد نظروا إلى المسألة أنّها من الأعراف المرسلة عن قيود الاتّباع وعدمه، وهي من مصاديق قوله سبحانه: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)1 .
وكانت للمكيّين أعراف وعادات نشأوا عليها، فلمّا هاجروا إلى المدينة فوجئوا بعادات أُخرى غير ما مارسوه في بلادهم ممّا يتعلق بالمسكن والملبس والمأكل فاقتبسوا من هذه الأعراف أفضلها وأكملها، ولم يدر بخلد أحد أنّها من محدثات الأُمور.2
كل ذلك يدلّ على أنّ ما يرجع إلى العادات المحلّلة بالكتاب والسنّة مطلق مرسل لا يحدد بحدّ وإن تطورت وتكاملت، إلاّ إذا انطبق عليه عنوان محرم أو كان ملازماً لأمر محرم.
إنّ المسلمين فتحوا البلاد وأشاعوا التوحيد بين الأُمم المتحضّرة، وقد كانت لهم أعراف في حياتهم الاجتماعية وآلات وأدوات في التعليم والتعلّم أو فتح البلاد وغزوها، فاستقبلوها برحابة صدر وتعلموها واستخدموها في حياتهم، غير ما كان محرماً بالذات.
أين الأزقة الضيّقة في مكة المكرمة والمدينة المنورة من الشوارع الواسعة في عواصم العراق والشام؟!

1 . الأعراف: 32 .
2 . السلفية مرحلة مباركة لا مذهب إسلامي: 46 .

صفحه 298
أين كوخ الفلاحين في الجزيرة العربية من القصور المشيدة بعد قرن في نفس الجزيرة، ثم أين جشوبة العيش في صحاري الحجاز من العيش الرغيد في البلاد المفتوحة؟!
كل ذلك حصل بمرأى ومسمع من الصحابة والتابعين والفقهاء ولم يقل أحدٌ بحرمته رغم كونه من الأُمور المحدثة.
وعلى ذلك جرت حياة المسلمين عبر قرون إلى أن انتهى الأمر إلى ركوب السيارات والطائرات واستخدام الإذاعات المسموعة والمرئية ووسائل الإعلام الأُخرى.
وهاهم ينشئون مشاريع تجارية وثقافية لم يكن لها نظير في القرون السالفة، كل ذلك شريطة أن لا يكون حراماً بالذات أو مقروناً به.

حكم العباديات والقربيات

أمّا العباديات والقربيات فهي من صميم الدين وجوهره، ولا يجوز التصرف فيها بزيادة ونقيصة حيث إنّ ذلك يُعد بدعة ومن محدثات الأُمور في صميم الدين الّتي وضعها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)وقال: «وإياكم ومحدثات الأُمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» .1
وهذا ما آمن به عامة المسلمين أخذاً بقوله سبحانه: (ءأللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ )2 .
وقال: (إِنَّمَا يَفْتَري الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَ أُولَئِك هُمُ الْكَاذِبُونَ)3 .
إلى غير ذلك من الآيات والروايات الّتي تحرم التصرف في صميم الدين

1 . مسند أحمد: 4 / 126 ; سنن الدارمي: 1 / 45 .
2 . يونس: 59 .
3 . النحل: 105 .

صفحه 299
بنقص أو زيادة.
إنّ لازم الإيمان بالله سبحانه ورسوله هو التسليم في مقابل الشريعة الّتي جاءنا بها من عند الله، قال سبحانه: (فَلاَ وَ رَبِّك لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيًما )1.
إنّ التصرف في التشريع الإسلامي بتحليل الحرام أو تحريم الحلال أو زيادة شيء في العبادات أو النقص من الواجبات يُعدّ تقدماً على الله ورسوله، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)2.
هذا كلّه ممّا لا سترة عليه، فإنّ حرمة البدعة ثابتة عقلاً وشرعاً.
إنّما الكلام فيما إذا كان أمر ديني أو قربي مشروع بنص الكتاب والسنّة، ولكن لم يرد في الأثر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)مارسه، فهل يكون ترك الرسول(صلى الله عليه وآله)لهذا العمل دليلاً على لزوم اتّباعه في ذلك وبالتالي يصبح هذا الشيء أمراً محرماً لازم الاجتناب؟ هذا ما سندرسه تالياً.
إنّ السنّة عبارة عن قول النبي وفعله وتقريره ـ كما عرفت ـ ولم يقل أحد أنّ ترك الرسول لأمر قربي دليل على حرمته، فإدخال الترك في مصادر التشريع بدعة حصلت في هذا العصر.
وذلك لأنّ الترك أمر لبّيّ لا يمكن الوقوف على بواعثه ودوافعه، فلعل الظروف لم تسمح له (صلى الله عليه وآله)بممارسته بعد أن لم يكن أمراً واجباً معيّناً وإنّما أخذ من الواجب أحد أعدال التخيير أو ترك المستحب لبعض الدوافع، وعلى ذلك فلا يحتج بالترك المجهول دافعه وعلّته بعد وجود الدليل على جواز الشيء وقربيته.
والّذي يرشدنا إلى ذلك أنّه حصل بين المسلمين أُمور قربية لم يمارسها

1 . النساء: 65 .
2 . الحجرات: 1 .

صفحه 300
الرسول(صلى الله عليه وآله)بل ولا كثير من أصحابه. وإليك نماذج منها:

1. تنقيط القرآن وإعرابه

إنّ القرآن الكريم في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله)لم يكن منقّطاً ولا معرباً ولا مكتوباً على الصحف.
روى المؤرّخون أنّ أوّل من نقّط القرآن هو أبو الأسود الدؤلي .
قال يحيى بن أبي كثير: كان القرآن مجرداً في المصاحف، فأوّل ما أحدثوا فيه النقط على الباء والتاء والثاء وقالوا: لا بأس به هو نور به، ثم أحدثوا نقطاً عند منتهى الآية، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم .1
كما أنّ أوّل من أمر بالتعشير هو المأمون العباسي، وأوّل من أدخل الحركات الإعرابية في المصحف هو أحمد بن خليل الفراهيدي.

2. التطوّر في بناء المساجد

بعد أن هاجر النبي(صلى الله عليه وآله)إلى يثرب، فإنّ أوّل عمل قام به هو بناء مسجد للصلاة فيه، وقد بناه باللبن وسقفه من الحصر والبواري، وترك أرضه متربة يسجدون على التراب وكان المسجد طول حياته الشريفة على هذه الشاكلة، وبعد رحلته(صلى الله عليه وآله)ضاق المسجد بالمسلمين فقاموا بتوسيعه وبنائه بالحجارة والجصّ، وكلّما اتّسعت رقعة الدولة الإسلامية زاد التطوّر في بناء المسجد الحرام والمسجد النبوي . إلى أن وصل الأمر في العصر الراهن إلى ما يراه كل من يقصد الحرمين الشريفين، فهما كوكبان لامعان في قلب العالم الإسلامي، مشيّدان على أحدث طراز وبأحسن المواد الإنشائية، ومزدانان بأحدث الفنون والزخارف الرائعة .
وعمارة المسجد من الأُمور القربية، قال تعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا

1 . الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 1 / 63 .

صفحه 301
مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَ فِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَ آتَى الزَّكَاةَ وَ لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُولَئِك أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)1.

3. المناظرة مع أصحاب المقالات

اتّسعت رقعة الإسلام ودخلت في حظيرته أُمم مختلفة الثقافة فأثاروا ـ وهم في لباس الإسلام ـ شبهات وإشكالات تمسّ صميم العقيدة من التوحيد وعصمة الأنبياء وغيرها ممّا ورد في الكتب الكلامية، فقام المسلمون وفي مقدّمتهم الإمام علي (عليه السلام)وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)بالمناظرة والاحتجاج عليهم بالبرهان الثابت والدليل القاطع، واحتجاجاتهم مبثوثة في كتب التاريخ والحديث والعقائد، نذكر أُنموذجاً واحداً منها.
من كلام للإمام علي (عليه السلام)للسائل الشامي لمّا سأَله: أَكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله و قدر؟ بعد كلام طويل هذا مختاره :
وَيْحَكَ! لَعَلَّك ظَنَنْتَ قَضَاءً لاَزِماً، وَقَدَراً حَاتِماً! وَلَوْ كَانَ ذلِك كَذلِك لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ. إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً، وَكَلَّفَ يَسِيراً، وَلَمْ يُكَلِّفْ عَسِيراً، وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً; وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَهاً، وَلَمْ يُرْسِلِ الاَْنْبِيَاءَ لَعِباً، وَلَمْ يُنْزِلِ الْكِتَابَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً، ولاَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا: (ذلِك ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَارِ)2.3
نعم ناظر النبي(صلى الله عليه وآله)وجادل أهل الكتاب لكن بصورة قراءة الآيات الواردة في حقّهم، ولم يرد في المأثور أنّه اجتمع للمناظرة مع أصحاب الأهواء والمقالات،

1 . التوبة: 17 و 18 .
2 . ص: 27.
3 . نهج البلاغة: 4 / 18، برقم 78 .

صفحه 302
غير أن القرآن أمرنا بالجدال بالتي هي أحسن، وقال: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)1 .

4. كتابة الحديث

اتّفقت السلفية على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) نهى عن كتابة الحديث، ورووا في ذلك روايات مبسوطة في الصحيحين والسنن، حتى أنّ بعض الخلفاء أحرق ما كتبه بعض الصحابة من سنن الرسول (صلى الله عليه وآله) وصارت كتابة الحديث أمراً متروكاً معرضاً عنه. وأمّا ما هوالباعث إلى ترك كتابة الحديث خلال أكثر من قرن فهذا ما لا نخوض فيه، إنّما نتحدث في انقلاب الحال في عهد عمر بن عبدالعزيز، الّذي كتب إلى أبي بكر بن حزم عالم المدينة: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ أحاديث النبي(صلى الله عليه وآله)ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً .2
أفيمكن لأحد أن يمنع عن كتابة الحديث وضبطه وتسجيله ونشره على النحو المعهود، بحجة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)لم يأمر بكتابته أو أنّ الصحابة لم يمارسوا كتابته.

5. النبي وحج التمتع

إنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)اعتمر عدّة مرات وحجّ مرة واحدة وهي حجة الوداع، وكان حجّه حج قران لأنّه ساق الهدي، وكلّ من ساق الهدي يكون حجّه حج قران، ولذلك لم يتحلّل بعد العمرة، حتى أنّ علياً لما أَهلّ بتهليل النبي صار حجّه أيضاً حج قران.
إنّ حج التمتّع ممّا أطبق المسلمون على تشريعه، وهم بين مَن يفضّل التمتّع

1 . النحل: 125.
2 . صحيح البخاري: 1 / 27 .

صفحه 303
على القسمين الآخرين: القران والإفراد ومن يعكس، وعلى كل تقدير فلو كان ترك النبي دليلاً على الحرمة أو كراهة الفعل فهل كان لمسلم أن يتفوّه بكراهة حج التمتع مع أنّه(صلى الله عليه وآله)أمر المسلمين في حجّة الوداع بأن يتحلّلوا ثم يهلّوا للحج حتى يكون حجّهم حج التمتع.

6. صلاة التراويح

إنّ التهجّد في ليالي شهر رمضان سنّة مؤكدة وقد جاء فيه في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله): «والتهجّد فيها ـ يعني: ليالي شهر رمضان ـ بنوافلها من أفضل القربات».
أخرج البخاري عن أبي هريرة أنّه قال: سمعت رسول الله أنّه يقول:«... من قامه (يعني شهر رمضان) إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه».1
إلاّ أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله)حثّ على أنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة، وإنّ للمرء أن يجعل للبيت نصيباً من الصلاة.
أخرج مسلم عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول اللّه حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)يصلّي فيها، قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلّون بصلاته، قال: ثمّ جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)عنهم، قال: فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) مغضباً، فقال لهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): مازال بكم صنيعكم حتّى ظننت أنّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة.2
هذه هي صلاة النبي وصلاة أصحابه في حياته وأنّه لم يصلّ معهم إلاّ صلوات معدودة، فأين ما قام به النبي(صلى الله عليه وآله)من أداء صلاة أو صلاتين من صلاة التراويح الّتي تقام في الحرمين الشريفين وفي عامة المساجد بالنحو المعلوم حيث يختم القرآن

1 . صحيح البخاري: 3 / 44، باب فضل من قام رمضان.
2 . صحيح مسلم: 2/188، باب استحباب صلاة النافلة في بيته و جوازها في المسجد.

صفحه 304
الكريم خلال هذه الليالي في ستمائة ركعة أو أزيد.
قال الجزيري: روى الشيخان أنّه(صلى الله عليه وآله)خرج من جوف الليل ليالي من رمضان، وهي ثلاث متفرقة: ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين، وصلّى في المسجد، وصلّى الناس بصلاته فيها، وكان يصلّي بهم ثماني ركعات ويكملون باقيها في بيوتهم فكان يسمع لهم أزيز، كأزيز النحل.
قال: ومن هذا يتبين انّ النبي(صلى الله عليه وآله)سنّ لهم التراويح والجماعة فيها، ولكن لم يصلّ بينهم عشرين ركعة كما جرى عليه من عهد الصحابة ومن بعدهم إلى الآن.1
كل ذلك يدلّ على أنّ ترك الرسول(صلى الله عليه وآله)لايدل على التحريم أو التشريع، إلاّ إذا كان في الشرع دليل على الجواز أو الاستحباب، وعلى ذلك جرى السلف والخلف .
فالقول بأنّ الترك دليل على عدم الجواز ، من محدثات الأُمور.

7. ترك النبي(صلى الله عليه وآله)استلام الحجر بيده

اتّفق الفقهاء على استحباب استلام الحجر الأسود وتقبيله، وعليه جرت سيرة المسلمين عبر قرون في الحج والعمرة، إلاّ أنّ الروايات قد تضافرت على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)لم يستلم الحجر بيده في حجة الوداع وإنّما استلمه بمحجن معه وقبّل رأس المحجن (وهو العصا)، ولم يحج النبي(صلى الله عليه وآله)طيلة رسالته إلاّ مرة واحدة وهي حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة، نعم اعتمر ثلاث أعمار.
هذا ومسلم يروي في صحيحه عن جابر بن عبدالله أنّه قال: طاف رسول الله(صلى الله عليه وآله)بالبيت في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه، لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه.

1 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/251.

صفحه 305
وروى أيضاً عن أبي الطفيل أنّه قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجنه ويقبّل المحجن .1
ولو صحّ ما روي عن عمر بن الخطاب أنّه قال عند استلامه الحجر: إنّك لاتضر ولا تنفع ولولا أنّي رأيت رسول الله قبّلك لما قبّلتك، فمحمول على تقبيله بواسطة المحجن، أو على تقبيله في أعماره لا في حجّه.
وعلى أي حال لم يقبّل النبي(صلى الله عليه وآله)الحجر، فهل يصحّ لمتفقّه ـ فضلاً عن الفقيه ـ أن يفتي بترك الاستلام باليد وتقبيله، بحجّة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)ترك الاستلام.
وما ذكرناه نماذج ممّا ثبت فيها ترك النبي(صلى الله عليه وآله)أمراً مندوباً ولكن المسلمون قد مارسوه.
وأظن ـ وظن الألمعي صواب ـ إنّ وراء الكواليس شيء، وأنّ الغاية من تلك الأُحدوثة الّتي هي بدعة في عالم الفتوى، أمران:
1. إدّعاء أنّ الاحتفال بمولد النبي(صلى الله عليه وآله)بدعة بحجة أنّه(صلى الله عليه وآله)لم يحتفل بذلك، ولا الصحابة بعده. مع أنّا قد أثبتنا في مقال خاص أن الاحتفال مؤيد بالكتاب والسنّة وإجماع المسلمين عبر قرون، وأنّ الاحتفال من مظاهر الحب والمودّة للرسول الكريم، كما أنّ في ذلك إعلاء لذكره(صلى الله عليه وآله)انطلاقاً من قوله سبحانه: ( وَ رَفَعْنَا لَك ذِكْرَكَ)2 .
إلى غير ذلك من الأدلة الّتي سقناها على استحباب الاحتفال، بما أنّ له أصلاً قرآنياً وحديثياً.
2. إمحاء آثار الرسالة الّتي بقيت بعد هدم كثير منها بمعول الجهل بأحكام الإسلام وسننه ، فقد هدموا كثيراً من قبور أئمة أهل البيت: وصحابة الرسول(صلى الله عليه وآله)كما دمروا الآثار الباقية من عهد الصحابة كبيت مضيّف النبي (صلى الله عليه وآله)،

1 . صحيح مسلم: 4 / 67 ـ 68 ; مسند أحمد: 5 / 474 ; سنن ابن ماجة: 2 / 982 ـ 983 .
2 . الشّرح: 4 .

صفحه 306
وبعض المساجد الّتي صلى فيها النبي(صلى الله عليه وآله)أو صحابته وأنصاره، وذلك بحجّة أنّ الرسول لم يذهب إلى زيارة هذه القبور والآثار.
ومن الواضح أنّ لهدم الآثار والمعالم التاريخية الإسلامية ـ لا سيّما في مهد الإسلام، مكة والمدينة ـ نتائج ومضاعفات كبيرة وخطيرة على الأجيال اللاحقة، الّتي سوف تأتي ولا تجد أثراً لوقائع التاريخ الإسلامي، وسوف يتسرب الشك إلى نفوسهم بأنّ الإسلام قضية مفتعلة وفكرة مبتدعة ليس لها واقع ولا جذور تاريخية، كما هو الحال في قضية السيد المسيح (عليه السلام) في نظر الكثير من الغربيين فنراهم ينظرون إليها وكأنّها قضية أُسطورية حاكتها أيدي البابوات والقساوسة، والّذي شجع على هذه العقيدة عدم وجود آثار ملموسة تدلّ على أصالة هذه القضية ووجودها التاريخي.
أرجو من الله سبحانه أن يلمّ الشعث ويرأب الصدع ويجمع كلمة المسلمين، حتى يكون الجميع يداً واحدة في مقابل الأعداء .
والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
18ربيع الثاني من شهور عام 1430هـ.

صفحه 307

نظرة وتعليق على فتاوى القرضاوي الفقهية

ادّعاء القرضاوي تحريم الزواج المؤقت (المتعة)
11

ادّعاء تحريم الزواج المؤقت (المتعة)1

تكلّم الشيخ القرضاوي عن الزواج المؤقت وقال: إنّ الزواج في الإسلام عقد متين وميثاق غليظ يقوم على نية العشرة المؤبدّة من الطرفين لتحقّق ثمرته النفسية التي ذكرها القرآن من السكن النفسي والمودّة والرحمة، وغايته النوعية العمرانية من استمرار التناسل وامتداد بقاء النوع الإنساني، قال تعالى: (وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَ جَعَل لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً)2 .
أمّا زواج المتعة فهو ارتباط الرجل بامرأة لمدة يحدّدانها لقاء أجر معيّن فلا يتحقق فيه المعنى الّذي أشرنا إليه ، وقد أجازه الرسول (صلى الله عليه وآله)قبل أن يستقر التشريع في الإسلام، أجازه في السفر والغزوات ثم نهى عنه وحرّمه على التأبيد.
ثم أشار الشيخ إلى الظروف التي رُخّص فيها ثم حُرّم بقوله: أخرج مسلم في صحيحه عن سيرة الجهني أنّه غزا مع النبي (صلى الله عليه وآله)في فتح مكة فأذن لهم في متعة النساء، فلم يخرج حتّى حرّمها رسول الله (صلى الله عليه وآله). وفي لفظ من حديثه: وأن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة.
ولكن هل هذا التحريم بات كزواج الأُمّهات والبنات، أو تحريم مثل تحريم

1 . تم تحرير هذه المقالة بتاريخ 20 شوال المكرّم 1429 هـ .
2 . النحل: 72 .

صفحه 308
الميتة والدم ولحم الخنزير فيباح عند الضرورة وخوف العنت؟ الّذي رآه عامة الصحابة أنّه تحريم باتٌّ حاسم لا رخصة فيه بعد استقرار التشريع.
وخالفهم ابن عباس فرأى أنّها تباح للضرورة، ولمّا رأى أنّ الناس توسّعوا فيها ولم يقتصروا على موضع الضرورة أمسك عن فتياه ورجع عنها.1
***
أقول: شرّع الله سبحانه المتعة بصورة أنّها دواء لا غذاء، وبقيت على حلّيتها السابقة لتلك الغاية، وهذا ممّا اتّفقت عليه المذاهب الفقهية، وإنّما اختلفوا في استمرار حليتها وكونها منسوخة أو لا، فالشيعة الإمامية ولفيف من الصحابة والتابعين على بقاء الحلية، خلافاً للمذاهب الأربعة فهي على التحريم.
ولسنا في هذه الرسالة الموجزة بصدد بيان أدلّة حلّيتها وإباحتها من الكتاب والسنة ثم بيان بقاء حلّيتها إلى يومنا هذا، فإنّ ذلك يجبرنا على التوسع في الكلام، وإنّما نعلّق على ما جاء في كلام الشيخ القرضاوي، بوجوه:

1. أخذ التأبيد في تعريف الزواج

عرف الشيخ الزواج الدائم بقوله: (عقد متين وميثاق غليظ يقوم على نيّة العشرة المؤبدة من الطرفين).
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه أخذ التأبيد في تعريف الزواج وهو أوّل الكلام، فإنّ الزواج المؤقت من أقسام الزواج، وهو لا يتم أيضاً إلاّ بعقد صحيح دال على قصد الزواج جدّاً، وكل مقاربة تحصل بين رجل وامرأة من دون عقد لا تكون متعة حتّى مع التراضي والرغبة، ومتى تمّ العقد كان لازماً يجب الوفاء به.
وثانياً: لو كان التأبيد من مقومات الزواج فعندئذ تخرج المتعة عن تعريفه ويدخل في الزنا، إذ لا وسطية بين الزواج والزنا فيما لو كانت الزوجة حرّة. فلازم

1 . الحلال والحرام في الإسلام: 180 ـ 181 .

صفحه 309
ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله)رخّص الزنا لصحابته في الأراضي المقدسة، نعني مكة المكرمة، كما صرّح بذلك الشيخ عند إجابته ناقلاً عن سيرة الجهني أنّه غزا مع النبي (صلى الله عليه وآله)في فتح مكة فأذن لهم في متعة النساء، أفيصح أن نرمي النبي (صلى الله عليه وآله)بترخيصه الفحشاء، حيث قال سبحانه: (وَ لاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَ سَاءَ سَبِيلاً)1.

2. أهداف الزواج

ذكر الشيخ أنّ من أهداف الزواج; السكن النفسي والمودّة، والرحمة، وهذه الأهداف تتحقّق في كلا الزواجين خصوصاً إذا كانت المدّة طويلة، فإنّ صون النفس عن الزنا والتوقّي عن اختلاط الأنساب أمر مشترك بين الزواجين، إذ يجب على المتمتع بها الاعتداد بحيضتين حتّى يبرأ رحمها، فإن كانت ذات حمل تخرج من العدّة بوضع الحمل، وإن لم تكن فتخرج بحيضتين أو طهرين.
وأمّا ما ذكره أنّ من أهداف الزواج هوالغاية النوعية العمرانية من استمرار التناسل وبقاء النوع الإنساني.
فيلاحظ عليه أوّلاً: أنّه يتحقق أيضاً في الزواج المؤقت خصوصاً إذا كانت المدة طويلة .
وثانياً: أنّ الدكتور خلط علّة التشريع ومناطه بحكمته، فإنّ تكوين الأُسرة وإيجاد النسل حكمة التشريع التي لا يدور الحكم مدارها، وليست علةً له، والتي يدور الحكم مدارها، ولذلك نرى وجود الزواج الصحيح مع عدم هذه الحكمة، فالزواج صحيح في الصور التالية:
1. زواج العقيم بالمرأة الولود.
2. زواج المرأة العقيم بالرجل المنجب.
3. الزواج من المرأة اليائسة.

1 . الإسراء: 32.

صفحه 310
4. الزواج من الصغيرة.
5. زواج الشاب من الشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.
أفيصح للأُستاذ أن يشطب على هذه الأنكحة، بسبب عدم انطباق التعريف الّذي اختاره عليها؟!
وبذلك تبيّن عدم صحة قوله: فلا يتحقّق في زواج المتعة ذلك المعنى الّذي أشرنا إليه .

3. ادّعاؤه تحريم المتعة على التأبيد

ذكر الدكتور أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله)ـ قبل أن يستقر التشريع ـ أجازه في السفر والغزوات ثم نهى عنه وحرّمه على التأبيد.
يلاحظ عليه: أنّ الترخيص والتأبيد حسب نقل الدكتور كان في فتح مكة، وقد فُتحت مكة في السنة الثامنة من هجرته الشريفة، وتمّ أمرُ التشريع في النساء قبل سنين من ذلك حيث إنّه سبحانه شرع في بيان ما حرّم الله من النساء وما أحلّه بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَ بَنَاتُ الأُخْتِ وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيماً * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَات وَ لاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان فَإِذَا

صفحه 311
أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)1.
وقد نزلت هذه الآيات قبل فتح مكة بسنين.
وممّا يثير العجب أنّ الأُستاذ لم يدقّق في الآية الدالّة على حلّيّة المتعة في الآيات الماضية، أعني قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)، فقد ذهب جل المفسرين إلى نزولها في زواج المتعة وإن اختلفوا في نسخها أو بقائها على الحلّية.
ولسنا بصدد بيان دلالة الآية على حكم المتعة، فإنّ ذلك يحوجنا إلى التبسط في الكلام.

4. هل أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) حرّم المتعة؟

زعم الدكتور القرضاوي أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)هو الّذي حرّم المتعة حيث قال: حتّى حرّمها رسول الله (صلى الله عليه وآله)وفي لفظ من حديثه: انّ الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة .
أقول: كيف ينسب ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)مع أنّ لفيفاً من أصحابه الكرام قد أفتوا بحلية المتعة إلى يوم القيامة، نذكر منهم ما يلي:
1. عبد اللّه بن عمر، أخرج الإمام أحمد من حديث عبد اللّه بن عمر، قال ـ وقد سئل عن متعـة النساء ـ : واللّه ما كنّا على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) زانين ولا مسافحين، ثمّ قال: واللّه لقد سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يقول: «ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون وأكثر». 2
2. عبد اللّه بن مسعود، أخرج البخاري عن عبد اللّه بن مسعود، قال: كنّا نغزو

1 . النساء: 23 ـ 26 .
2 . مسند أحمد: 2/95.

صفحه 312
مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وليس لنا شيء ، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل معين، ثمّ قرأ علينا: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تُحَرِّموا طَيّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدين) 1. 2
3. عمران بن حصين، أخرج البخاري في صحيحه عنه، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ، ولم ينزل قرآن يحرّمها ولم ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء. 3
4. أخرج مسلم عن ابن جريج قال: أخبرني أبوالزبير قال: سمعت جابر بن عبدالله يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)وأبي بكر حتّى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث. 4
5. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي نظرة قال: كنت عند جابر بن عبدالله فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلانهما مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما. 5
هذه نماذج من الروايات الواردة عن الطبقة العليا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)الذين كانوا يفتون بجواز المتعة، ولو كان الرسول (صلى الله عليه وآله)محرّماً لها لما خفي عنهم تحريمه لها، ولو علموا لما خالفوه فيها.

5. المحرِّم هو الخليفة نفسه

إنّ الدكتور وإن نسب التحريم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)ولكنّه لو أمعن النظر وسبر غضون الروايات والآثار، لوقف على أنّ المحرِّم هو الخليفة عمر بن الخطاب لا

1 . المائدة: 87.
2 . صحيح البخاري: 7/4، باب ما يكره من التبتل والخصاء، من كتاب النكاح.
3 . صحيح البخاري: 6/27، تفسير قوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) .
4 . صحيح مسلم: 4 / 131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
5 . صحيح مسلم: 4 / 131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.

صفحه 313
غيره، هذا ما يلمسه كل من نظر إلى المسألة عن كثب، وقد مر عليك في الروايات السابقة نسبة التحريم إليه، وإليك المزيد:
1. قال الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام)ـ فيما أخرجه الطبري بالإسناد إليه ـ : «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي».1
وهناك روايات مأثورة عن الخليفة نفسه، تعرب عن أنّ التحريم كان من صميم رأيه، من دون استناد إلى آية أو رواية.
2. أخرج مسلم عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وأبي بكر حتّى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.2
3. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد اللّه، فأتاه آت فقال: ابن عباس و ابن الزبير اختلفا في المتعتين ، فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللّه ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.3
4. أخرج الترمذي أنّ رجلاً من أهل الشام سأل ابن عمر عن المتعة، فقال: هي حلال، فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها؟ فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وقد صنعها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أأمر أبي نتّبع أم أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).4
وهذه المأثورات تعرب عن جملة من الملاحظات نجملها بملاحظتين هما:
الأُولى: أنّ المتعة كانت باقية على الحل إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وبقيت حلالاً في أيامه حتى نهى عنها ومنع.
و الثانية: أنّه باجتهاده قام بتحريم ما أحلّه الكتاب والسنة، ومن المعلوم أنّ اجتهاده ـ لو صحّت تسميته بالاجتهاد ـ حجّة على نفسه لا على غيره.

1 . تفسير الطبري: 5 / 9 .
2 . صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
3 . صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
4 . سنن الترمذي:3/186، برقم 824.

صفحه 314
وممّا يدل بوضوح على أنّ الخليفة هو المحرِّم ما ذكره ابن القيّم في «زاد المعاد» حيث قال:
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)وأبي بكر حتّى نهى عنهما عمر في شأن عمرو بن حريث، وفيما ثبت عن عمر أنّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)أنا أنهى عنهما: متعة النساء ومتعة الحج؟
قيل: الناس في هذا طائفتان: طائفة تقول: إنّ عمر هو الّذي حرّمها ونهى عنها وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)باتّباع ما سنَّه الخلفاء الراشدون، ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح فإنّه من رواية عبدالملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده، وقد تكلّم فيه ابن معين ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه مع شدّة الحاجة إليه وكونه أصلاً من أُصول الإسلام، ولو صحّ عنده لم يصبر عن إخراجه والإحتجاج به، قالوا: ولو صحّ حديث سبرة لم يخف على ابن مسعود حتّى يروي أنّهم فعلوها ويحتج بالآية. وأيضاً ولو صحّ لم يقل عمر أنّها كانت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)وأنا أنهى عنها وأُعاقب عليها، بل كان يقول: إنّه (صلى الله عليه وآله)حرّمها ونهى عنها. قالوا: ولو صحّ لم تفعل على عهد الصديق وهو عهد خلافة النبوة حقاً.1
إنّ الخليفة العباسي المأمون أوشك أن يُنادى في أيّام حكمه،بتحليل المتعة إلاّ أنّه توقف خوفاً من الفتنة وتفرق المسلمين. قال ابن خلكان، نقلاً عن محمد بن منصور أنّه قال: كنّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكّرا غداً إليه، فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل، قال : فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما، ومن أنت يا

1 . زاد المعاد: 1 / 444. وللكلام صلة جاء فيها نظر الطائفة الثانية فلاحظ.

صفحه 315
جُعَل حتى تنهى عما فعله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر ؟ فأومأ أبو العيناء إلى محمد ابن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن؟! فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيّراً؟ فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: و ما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا؟ قال: نعم، المتعة زنا، قال: و من أين قلت هذا؟ قال: من كتاب اللّه عزّوجلّ ، وحديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) ، قال اللّه تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمنُون ـ إلى قوله:ـ وَالّذينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّعَلى أَزواجِهم أَوْ ما مَلَكَتْ أَيمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْر مَلُومِين* فَمَنِ ابْتَغْى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادون) 1يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند اللّه ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين. 2
أقول: هل عزب عن ابن أكثم ـ و قد كان ممّن يكنّ العداء لآل البيت(عليهم السلام)ـ انّ المتعة داخلة في قوله سبحانه :(إِلاّعَلى أَزْواجِهِم) و انّ عدم الوراثة تخصيص في الحكم، وهو لا ينافي ثبوت الزوجيّة، وكم لها من نظير، فالكافرة لا ترث الزوج المسلم، وبالعكس، كما أنّ القاتلة لا ترث وهكذا العكس، وأمّا الولد في زواج المتعة فيلحق قطعاً، ونفي اللحوق ناشئ إمّا من الجهل بحكمها أو التجاهل به.
وما أقبح كلامه حيث فسر المتعة بالزنا وقد أصفقت الأُمّة على تحليلها في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) والخليفة الأوّل، أفحسب ابن أكثم أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) حلّل الزنا ولو مدة قصيرة؟!

1 . المؤمنون: 1 ـ 7.
2 . وفيات الأعيان: 6/149 ـ 150.

صفحه 316
عدم كفاية التسمية عند الأكل
12

عدم كفاية التسمية عند الأكل1

الذكاة الشرعية المطلوبة تتم بشروط ومنها: أن يذكر اسم الله تعالى على الذبيحة، يقول سبحانه: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ)2 .
ويقول تعالى: (وَ لاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)3، ولا شبهة في هذا الشرط، وعلى هذا لا تحل ذبيحة الكتابي بدليل أنّهم لا يسمّون عند الذبح، مضافاً إلى أنّ من الشروط كون الذابح مسلماً.
وقد ابتليت بلاد الإسلام باستيراد اللحوم من الدول الكافرة والتي نعلم بعدم حصول التسمية على الذبائح فيها، ولذا قام بعض من يحاول تسهيل الإسلام على الجيل الحاضر فأفتى بكفاية التسمية عند الأكل ممّا علم ترك التسمية عليه، وهذا ما نقله الشيخ القرضاوي والظاهرمنه رضاه به وقال: وذهب بعض العلماء إلى أنّ ذكر اسم الله لا بدَّ منه، ولكنّه ليس من اللازم أن يكون ذلك عند الذبح، بل يجزئ عنه أن يذكره عند الأكل، فإنّه إذا سمّى عند الأكل على ما يأكله، لم يكن آكلاً لما لم يذكر اسم الله عليه.
ثم قال: وفي (صحيح البخاري) عن عائشة: أنّ قوماً حديثي عهد بجاهلية قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله): إنّ قوماً يأتوننا باللحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم

1 . تم تحرير هذه المقالة بتاريخ 15 شوال المكرم 1429 هـ .
2 . الأنعام: 118 .
3 . الأنعام: 121 .

صفحه 317
يذكروا؟ أنأكل منها أم لا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «اذكروا اسم الله وكلوا» .1
يلاحظ عليه: بأنّ ظاهر قوله سبحانه: (وَ لاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ)هو حرمة الأكل إذا لم يذكر اسم الله عليه عند الذبح مطلقاً، سواء أذُكر اسمه تعالى عند الأكل أم لا.
فالقول بجواز الأكل لأجل كفاية التسمية عند الأكل مخالف لإطلاق الآية، بل يخالف ما اتفق عليه الفقهاء.
وأمّا الاستدلال بحديث عائشة فيفارق مورده المقام بوجهين:
الأوّل: أنّ الذابح هناك مسلم «حديث العهد بالاسلام»، كما نجده في قوله: إنّ قوماً حديثي عهد بجاهلية قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله): إنّ قوماً يأتوننا باللحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا، فإنّ المتبادر أنّ الآتين باللحم من أقوام السائلين كانوا حديثي العهد بالجاهلية وبالتالي فهم مسلمون.
ولكن اللحوم المستوردة حالياً من الخارج هي من ذبائح أهل الكتاب أو المشركين.
الثاني: أنّ فرض السؤال في الرواية، الشك في التسمية، فيؤكل عندئذ حملاً لعمل المسلم على الصحة، وأين هذا ممّا نحن فيه الّذي نعلم بعدم التسمية؟!
وحصيلة الكلام: أنّ فكرة تسهيل الإسلام على الجيل الحاضر فكرة جيّدة، ولكن بشرط أن لا تتجاوز الحدود والأُصول.
فعلى زعماء الإسلام والمسلمين أن يقوموا بأحد أمرين:
1. دعم القطاع الزراعي لانتاج اللحوم من نفس البلاد حتّى يستغنوا عن استيراد اللحوم من البلاد الأجنبية .
2. إن كان ولابد فيجب إرسال هيئات شرعية تشرف على الذباحة على أن تكون مطابقة للشروط الإسلامية .

1 . الحلال والحرام في الإسلام: 58 .

صفحه 318
حرمة الاستمناء (العادة السرّية)
13

حرمة الاستمناء (العادة السرّية) 1

يقول الدكتور في حديثه عن موضوع حكم الاستمناء: وقد يثور دم الغريزة في الشاب فيلجأ إلى يده يستخرج بها المني من جسده ليريح أعصابه، ويهدئ من ثورة الغريزة، وهو ما يعرف اليوم «بالعادة السرية