welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الدرّ الثمين أو ديوان المعصومين عليهم السلام*
نویسنده :علامه فقيد مرحوم آيت الله ميرزا محمد على مدرس تبريزى*

الدرّ الثمين أو ديوان المعصومين عليهم السلام

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
الدرّ الثمين
أو
ديوان المعصومين (عليهم السلام)

صفحه 4

صفحه 5
الدرّ الثمين
أو
ديوان المعصومين (عليهم السلام)
وعليه شرح كاشف للحجاب عن معضلاته
ورافع للنقاب عن مشكلاته
تأليف
المحقّق البارع
محمد علي المدرّس
التبريزي الخياباني
(1296ـ1373هـ)

صفحه 6
هوية الكتاب

صفحه 7
إهداء
الن كان حقّاً على المؤلّفين إتحاف مؤلّفاتهم إلى أحد العظماء، فأنا أهدي هذا المختصر إلى منقذ البشرية، ومعقد آمالها، إمامنا وسيّدنا الحجّة ابن الحسن ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ ، معتذراً إلى مقامه السامي بأنّ الهدايا على مقدار مهديها.
المؤلف
محمد علي التبريزي الخياباني

صفحه 8

صفحه 9

تقديم: جعفر السبحاني

الشعر والشعراء

في

الكتاب والسنّة

الشعر في اللغة بمعنى العلم.

قال ابن فارس: والأصل قولهم شعرت بالشيء إذا علمتَه وفطنتَ له، وليت شعري: أي ليتني علمتُ، وسمّي الشاعر لأنّه يفطن لما لا يفطن له غيره. ومَشاعِرُ الحجّ: مواضع المناسك، سمّيت بذلك لأنّها مَعالم الحجّ.1
وفي «اللسان»: شَعَر به: علم، وأشعرتُ به: اطّلعتُ عليه، وشعر على كذا: أي فطِن له ـ إلى أن قال: ـ والشعر: منظوم القول غلب عليه لشرفه بالنظم والقافية، وإن كان كلّ علم شعراً.2
وعلى هذا فيستعمل اللفظ الموضوع للمعنى العام أي العلم، في علم يحمله كلام خاص، له وزن وقافية.

1 . مقاييس اللغة:3/193ـ 194، مادة «شعر».
2 . لسان العرب:7/132، مادة «شعر». ولاحظ تاج العروس:12/175ـ 178، مادة «شعر».

صفحه 10
وقال في «مجمع البحرين»: والشعر العربي ـ بالكسر والسكون ـ: النظم الموزون، وحدّه أن يركب تركيباً متعاضداً وكان مقفّى موزوناً به ذلك. قال في المصباح: فما خلا من هذه العقود أو بعضها لا يسمّى شعراً ولا صاحبه شاعراً، ولهذا ما ورد في الكتاب موزوناً فليس بشعر لعدم القصد والتقفية، ولا كذلك ما يجري على بعض ألسنة الناس من غير قصد، لأنّه مأخوذ من شعَرتُ إذا فطنت وعلمت، فإذا لم يقصده فكأنّه لم يشعر به، وهو مصدر في الأصل .1
هذا ما في اللغة.
وأمّا الذكر الحكيم فقد ورد لفظ الشعر والشعراء في الآيات التالية نذكرها حسب ترتيب السور:
قال سبحانه: (بَلْ قَالُوا أَضْغاثُ أَحْلام بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِ آيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوّلُونَ).2
وقال سبحانه: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ).3
وقال سبحانه: (وَمَا عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرآنٌ مُبِينٌ).4
وقال سبحانه: (وَيَقُولُونَ أَئِنّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنا لِشَاعِر مَجْنُون).5
وقال سبحانه: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ).6

1 . مجمع البحرين:2/519، مادة «شعر».
2 . الأنبياء:5.
3 . الشعراء:224.
4 . يس:69.
5 . الصافات:36.
6 . الطور:30.

صفحه 11
وقال سبحانه: (وَمَا هُوَ بِقَولِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ).1
ترى أنّ الآيات الكريمة تحكي عن أنّ العرب في عصر الرسالة يتّهمون النبي بأنّه شاعر، فلو دلّت الآيات في بادئ النظر على شيء، فإنّما تدلّ على أنّه لم يكن للشعر عندهم وزن ولا للشاعر مكانة، ولذلك كانوا يقولون: (أَئِنّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنا لِشَاعِر مَجْنُون).2
ولكن الملموس من تاريخ العرب أنّهم كانوا يقدِّرون الشاعر ويحترمونه من غير فرق بين العصر الجاهلي وعصر الرسالة. وكانوا يشاورونه في أمر حلّهم وترحالهم، ولا يجيزون لأنفسهم معارضته والتخلّف عن إرادته ورأيه.3
كانت العرب يقيمون المهرجانات الشعرية في أشهر الأماكن وأكثرها ازدحاماً، فهذه عكاظ ومجنة وذو المجاز ـ أسواق تجارية مشهورة لمكة في الجاهلية ـ كانت تحتضن تلك المهرجانات والاحتفالات الأدبية وكانت مركزاً لتجمع أشهر الشعراء والخطباء وأبرزهم. كما كان للشعر مكانة مرموقة في المجتمع العربي حتّى سُمّي بـ «ديوان العرب» فهذا هو ابن عباس يقول: الشعر ديوان العرب; فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الّذي أنزله اللّه بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه.4
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإنّ الشعر ديوان العرب.5

1 . الحاقة:41.
2 . الصافات:36.
3 . الموجز في تاريخ العرب قبل الإسلام:9/67.
4 . الإتقان للسيوطي: 2/55.
5 . تفسير القرطبي:1/24.

صفحه 12
وقد ذكر السيوطي حواراً دار بين نافع بن الأزرق وابن عباس حيث سأله عن أشياء من كتاب اللّه، وقال: نسألك عن أشياء من كتاب اللّه فتفسرها لنا وتأتينا بماصدقه من كلام العرب، فإنّ اللّه تعالى إنّما أنزل القرآن بلسان عربي مبين....
ثمّ نقل السيوطي الأسئلة الّتي طرحها ابن الأزرق وأجاب عنها ابن عباس بالاستشهاد بالشعر، وقد ناهز عددُ الأسئلة المائة.1
وإذا كان هذا مقام الشعر والشعراء فكيف يُذمّ النبي في لسان المشركين بأنّه شاعر لا نترك بقوله مسلك الآباء؟!
ولكن الإجابة عنه واضحة وذلك أنّ للشعر والشاعر إطلاقين:
1. الشعر: كلّ كلام خيالي ـ منظوماً كان أو منثوراً ـ غير هادف، يحلّق بالسامع في عالم الخيال والوهم دون أن يعتمد على أصل عقلي وضابطة اجتماعية، ومن أوضح مصاديقه ما كان القصّاصون عليه في رواياتهم وقصصهم.
سُئل الإمام الصادق(عليه السلام) عن قوله تعالى : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)2 قال: « هم القصّاصون ».3
ومن أبرز هؤلاء: النضر بن الحارث الّذي نزل في حقّه قوله سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ).4
يقول ابن هشام : كان النضر بن الحارث من شياطين قريش و ممّن كان

1 . نفس المصدر:57ـ 88.
2 . الشعراء:224.
3 . بحار الأنوار:69/264.
4 . الأنعام:93.

صفحه 13
يؤذي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلَّم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مجلساً فذكّر فيه باللّه، وحذّر قومه ما أصاب من قبلهم من الأُمم من نقمة اللّه، خلفه في مجلسه إذا قام، ثمّ قال: إنّا واللّه يا معشر قُريش، أحسن حديثاً منه، فهلّم إليّ، فأنا أُحدّثكم أحسنَ من حديثه، ثمّ يُحدّثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثمّ يقول: بماذا محمّدٌ أحسنُ حديثاً مني؟!
قال ابن هشام: وهو الّذي قال فيما بلغني: (سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ)1.2
وعلى هذا فالشعراء القصّاصون غير الهادفين الذين يؤيّدون الأحزاب الباطلة وقَوَلة الزور ويدعون إلى المجون والخلاعة، هم الذين ذمّهم اللّه وعناهم بقوله سبحانه: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ).3
وإذا كانت الوثنية تصف القرآن بأنّه شعر والنبي بأنّه شاعر فإنّما تريد هذا المعنى من الشعر والشعراء.
2. الشعر الهادف الّذي يدعو إلى الأخلاق والمُـثُل العليا وصلاح المجتمع ويوقظ شعور أبنائه الصالحين ويدعوهم إلى الحرية ومكافحة الظالمين، فهؤلاء هم الذين استثناهم اللّه سبحانه وقال: (إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ).4
روى ابن كثير في تفسيره أنّه لما نزلت (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) جاء

1 . الأنعام:93.
2 . السيرة النبوية:1/300.
3 . الشعراء:224.
4 . الشعراء:227.

صفحه 14
حسان بن ثابت وعبد اللّه بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) و هم يبكون قالوا: قد علم اللّه حين أنزل هذه الآية انّا شعراء، فتلا النبي: (إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ).
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنتم».
نعم السورة مكية وهؤلاء مدنيون ولكن يحتمل نزول الآية مرتين، وعلى كلّ تقدير فلو شكّ في صحّة الرواية السابقة فلا نشكّ أنّ الاستثناء ينطبق على كلّ شاعر يؤمن باللّه ويعمل عملاً صالحاً ويذكر اللّه كثيراً في شعره وكلامه. ويكون قريضه رائدَ الأُمّة إلى الصلاح والفلاح.
موقف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من الشعر والشعراء
إنّ تاريخ الأدب العربي في الإسلام يشهد بأنّ الصادع بالحق وآله الكرام(عليهم السلام) قد صقَّلوا قرائح الشعراء ووجّهوها إلى ما فيه صلاح المجتمع لأجل إقرار القيم الأخلاقية، ولذلك نرى أنّه عندما أنشد شاعر من «كنانة» شعره أمام الرسول وقال:
لك الحمد والحمد ممن شكر *** سُقِينـا بـوجـه النبـي المطـر
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه: «بوّأك اللّه بكلّ بيت قلتَه بيتاً في الجنة».1
ولما استسقى المسلمون بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فسُقوا قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «للّه در أبي طالب لقرّت عيناه، مَن ينشدنا قوله».
فقام عمر بن الخطاب فقال: عسى أردت يا رسول اللّه:
وما حملتْ من ناقة فوق ظهرها *** أبـرَّ وأوفـى ذمــةً مـن محمّـد

1 . أمالي الشيخ الطوسي:75، الحديث 110.

صفحه 15
فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ليس هذا من قول أبي طالب، هذا من قول حسّان بن ثابت».
فقام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وقال: كأنّك أردت يا رسول اللّه:
وابيض يُستسقى الغمامُ بوجهه *** ثمالُ اليتامى عِصمةٌ للأرامـل
تلوذُ به الهلاّك من آلِ هاشــم *** فهم عنده في نعمة وفـواضـلِ
فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أجل».1
وهذا هو كعب بن زهير الّذي قدم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تائباً وأنشد قصيدته المعروفة الّتي مستهلها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول2 *** متيّم 3 اثرها لـم يفـد 4 مكبـول
قال ابن هشام وذكر لي عن علي بن زيد بن جدعان قال: أنشد كعب بن زهير رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** ....................
قال ابن هشام: ويقال انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له ـ حين أنشد :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** ...........................
ـ: «لولا ذكرت الأنصار بخير، فإنّهم لذلك أهل». فنظم كعب قريضاً خصّ الأنصار بالمدح وقال:
من سرّه كرم الحيـاة فـلا يـزل *** في مقنب من صالحي الأنصار
ورثوا المكارم كابراً عن كـابر *** انّ الخيار همُ بـنـو الأخيـار5

1 . نفس المصدر:75. وفيه «ربيع اليتامى» مكان «ثمال اليتامى» والمشهور ما أثبتناه.
2 . المتبول: من أسقمه الحب .
3 . متيم: أي ضرير مستعبد.
4 . لم يفد: لم يخلص من الأسر.
5 . السيرة النبوية لابن هشام:1/503ـ 515.

صفحه 16
فلولا أنّ الشعر الهادف الذي يتبنّى القيم والأخلاق ويرشد المجتمع إلى الصلاح والفلاح كان أمراً محبوباً وشيئاً مطلوباً، لما صرف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقته الشريف في استماع قصيدة كعب بن زهير البالغ عدد أبياتها 58 بيتاً. فإذا أُضيف إليها ما أنشده كعب في مدح الأنصار لناهز عدد القصيدتين اللّتين أنشدهما في محضر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سبعين بيتاً.
ولما قدّره النبي وكساه بردة اشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم، وهي التي يلبسها الخلفاء في العيدين.1
وذكر الحاكم في مستدركه أنّه لما أنشد كعب قصيدته عند رسول اللّه وبلغ قوله:
انّ الرسول لسيف يستضاء به *** وصارم من سيوف اللّه مسلول
أشار النبي بكُمه إلى الخلق ليسمعوا منه، ويروى أنّ كعباً أنشد: من سيوف الهند، فقال النبي:«من سيوف اللّه».2
هذه سيرته(صلى الله عليه وآله وسلم) مع الشعراء الهادفين الملتزمين بالدين والقِيَم، يُكرمهم ويُهدي لهم الجوائز ليتساموا في أشعارهم نحو الكمال.
يقول العلاّمة الأميني رحمه اللّه: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يحثُّ الشعراء إلى هذه الناحية، ويأمرهم بالاحتفاظ بها، ويرشدهم إلى أخذ حديث المخالفين له وأحسابهم، وتاريخ نشآتهم ممّن يعرفها، وهجائهم، كما كان يأمرهم بتعلّم القرآن العزيز، وكان يراه نصرةً للإسلام وجهاداً دون الدين الحنيف، وكان يصوِّر للشاعر جهاده وينصّ به،

1 . المستدرك على الصحيحين:3/673، الحديث 6479;وفي السيرة النبوية لابن كثير:3/704 و 706: إنّ الرسول لنور يستضاء به.
2 . الشعر والشعراء لابن قتيبة:80; الاحتجاج للمقريزي: 494; الإصابة:3/296برقم 7411.

صفحه 17
ويقول:
«اهجوا بالشعر; إنّ المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والّذي نفس محمد بيده كأنّما تنضحونهم بالنبل».
وفي لفظ آخر: «فكأنّ ما ترمونهم به نضح النبل».
وفي ثالث: «والّذي نفس محمد بيده كأنّما تنضحونهم بالنبل فيما تقولون لهم من الشعر».1
وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) يثوِّر شعراءه إلى الجدال بنبال النظم وحسام القريض، ويحرِّضهم إلى الحماسة في مجابهة الكفّار في قولهم المضادِّ لمبدئه القدسيِّ، ويبثُّ فيهم روحاً دينيّاً قويّاً، ويؤكّد فيهم حميّة تجاه الحميّة الجاهليّة، وكان يوجِد فيهم هياجاً ونشاطاً في النشر والدعاية، وشوقاً مؤكّداً إلى الدفاع عن حامية الإسلام المقدّس، ورغبةً في المجاهدة بالنظم بمثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)للشاعر: «اهج المشركين; فإنّ روح القدس معك ما هاجيتهم»2، وقوله: «اهجُهم; فإنّ جبريل معك»3.4

موقف أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من الشعر والشعراء

هذه هي سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وإليك نبذاً من سيرة الأئمّة وموقفهم من الشعر والشعراء.
إنّ موقف الأئمّة(عليهم السلام) من الشعر والشعراء هو نفس موقف جدّهم(صلى الله عليه وآله وسلم) من

1 . مسند أحمد:3/460، 456، 6/387، 4/498 ح 15369، ص 492 ح 15359، 7/533 ح 26633.
2 . مسند أحمد:4/298، 5/383، ح 18168; مستدرك الحاكم:3/487، 3/555، ح6062.
3 . مسند أحمد:4/299، 302، 303، 5/384، ص 389 ح 18214، ص 391 ح 18222.
4 . الغدير:2/8.

صفحه 18
ذلك، فقد كان الشعراء الموالون يقصدون بيوتهم وينشدون قريضهم لهم، تقرباً إلى اللّه تبارك وتعالى، وربما عقد بعض الأئمّة(عليهم السلام)مجلساً لإنشاد الشعر.
فهذا هو شاعر أهل البيت أبو المستهل الكميت بن زيد الأسدي (60ـ 126هـ) صاحب العينية المعروفة الّتي مطلعها:
نفى عن عينك الأرقُ الهجوعا *** وهمّ يمتري منهـا الـدمـوعـا
إلى أن قال:
ويـوم الدوح دوح غـدير خم *** أبـان لـه الـولايـة لـو أطيعـا
ولكنّ الـرجــال تبـايعــوهـا *** فلم أر مثلها خطـراً مبيعـا1
كما أنّ له ميمية معروفة أنشدها عند الإمام الباقر(عليه السلام) في المدينة، وهذا مطلعها:
من لقلب متيّم مستهام *** غير ما صبوة ولا أحلام
روى المسعودي في «مروج الذهب»: قدم الكميتُ المدينةَ فأتى أباجعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي(عليهم السلام)فأذن له ليلاً وأنشده، فلمّا بلغت الميمية قوله:
وقتيل بالطف غودر منهم بين غـوغـا أميـة وطغـام
بكى أبو جعفر(عليه السلام) ثمّ قال:«يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك، ولكن لك ما قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لحسان: لا زلت مؤيّداً بروح القدس ما ذببت عنّا أهل البيت(عليهم السلام)».2
وكان الإمام الصادق يستنشد شعر السيد إسماعيل الحميري رحمه اللّه ويحتفل به.
روى المرزباني، قال: حدّثني فضيل بن عمر الحبال، قال: دخلت على أبي عبد اللّه(عليه السلام) بعد قتل زيد(عليه السلام) فجعل يبكي، ويقول: «رحم اللّه زيداً أنّه العالم

1 . الدرجات الرفيعة:573; خلاصة عبقات الأنوار:9/199.
2 . مروج الذهب:3/254.

صفحه 19
الصدوق، ولو ملك أمراً لعرف أين يضعه».
فقلت: أنشدك شعر السيد؟ فقال:«أمهل قليلاً»، و أمر بستور، فسدلت، وفتحت أبواب غير الأُولى، ثمّ قال: «هات ما عندك» فأنشدته:
لأُمّ عمرو باللّوى مربع *** طامسة أعلامه بلقـع1
وروى أبو الفرج، عن علي بن إسماعيل، عن أبيه، قال: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) إذ استأذنه آذنه للسيد، فأمر بإيصاله، وأقعد حرمه خلف ستر، ودخل فسلم وجلس، فاستنشده، فأنشده قوله:
أمْرُر على جدث الحسيـ *** ـن فقل لأعظُمه الزكيّة
آ أعظُماً لا زلت من *** وطفَاء2 ساكبة رَويّة
وإذا مررت بقبره *** فأطل به وقف المطيّة
وابكِ المطهَّر للمطـ *** ـهّر والمطهَّرة النقيّة
كبُكاء مُعولة أتت *** يوماً لواحدها المنيّة
قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تنحدر على خديه، وارتفع الصراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالإمساك فأمسك.3
وهذا هو دعبل الخزاعي (الشهيد عام 246هـ) صاحب التائية المعروفة الّتي مطلعها:
تجـاوبن بالإرنـان والـزفـرات *** نوائح عُجْم اللفظ والنطقات

1 . أخبار شعراء الشيعة:159.
2 . وطفاء: بيّنة الوطف، والوطف في السحاب: أن يكون في وجهه كالمحل الثقيل، أو هو استرخاء في جوانبه لكثرة مائه.
3 . الأغاني:7/240ـ 241.

صفحه 20
وجاء فيها:
مدارس آيات خلت من تلاوة *** ومنزل وحي مُقْفرُ العرصـات
وقد أنشدها عند الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) في خراسان. يقول: دخلت على الإمام الرضا(عليه السلام) فقال: أنشدني ممّا حدّثت؟
فأنشدته:
مدارس آيات خلت من تلاوة *** ومنزل وحي مُقْفرُ العرصـات
حتّى انتهيت إلى قولي:
إذا وُتِروا مدّوا إلـى واتريهم *** أكُفّاً عن الأوتار منقبضاتِ
فبكى حتّى أُغمي عليه، وأومأ إليَّ خادم كان على رأسه: أن اسكت فسكتُّ، فمكث ساعة ثمّ قال لي: «أعِدْ» فأعدتُ حتّى انتهيتُ إلى هذا البيت أيضاً، فأصابه مثل الّذي أصابه في المرّة الأُولى، وأومأ الخادم إليّ: أن اسكت فسكتُّ، فمكث ساعة أُخرى ثمّ قال لي: «أعِدْ» فأعدتُ حتّى انتهيت إلى آخرها، فقال لي:«أحسنتَ» ـ ثلاث مرّات ـ ثمّ أمر لي بعشرة آلاف درهم ممّا ضُربَ باسمه، ولم تكن دُفِعَت إلى أحد بعدُ، وأمر لي من في منزله بحلي كثير أخرجه إليَّ الخادم، فقدمتُ العراق، فبعتُ كلَّ درهم منها بعشرة دراهم، اشتراها منّي الشيعة، فحصل لي مائة ألف درهم، فكان أوّل مال اعتقدته.1
إلى غير ذلك من الشعراء المفلقين، الحاملين للولاء، المتفانين في حبِّهم ، والذين تشرّفوا بزيارة أئمتهم، فنالوا منهم التكريم والتبجيل والإحسان، كلّ ذلك يدلّ على أنّ للشعر الهادف والشعراء الصالحين عندهم منزلة، وكان لشعرهم يومذاك تأثير بالغ في قلوب الناس وإيقاظ ضمائرهم، حيث إنّ الشعر في ذلك

1 . عيون أخبار الرضا:2/294 ح 34.

صفحه 21
الزمان كان يمثّل وسيلة إعلامية فعّالة في شتى المجالات، فكلّ طائفة كانت تستعين بالشعر لبيان موقفها وآرائها من الأحداث، كما كانت تستعين به لدفع الظلم، ومواجهة الأعداء.
إنّ الشعر الموزون هو أحد البيانين اللّذين ميّز بهما سبحانه وتعالى النوع الإنساني، إذ قال تعالى: (خَلَقَ الإِنْسانَ *عَلَّمَهُ الْبَيان).1
فالبيان منظوماً أو منثوراً موهبة عظيمة لأبناء البشر، ولكن المنظوم كالمنثور سلاح ذو حدين، فتارة يبنى به المجتمع ويستهدى به إلى الصلاح والفلاح، وأُخرى يهدم به بناء المجتمع والحضارة الإنسانية ويساق به الإنسان إلى الضلال والمجون.
ونعم ما قاله علامة عصرنا الشيخ محمد رضا الشبيبي ـ شاعر العراق الفحل ـ :
كفى الشعر ذمّاً إنّ للشعر قائلاً *** وما هو إلاّ قائل غير فاعل2
ولا خير في شعر إذا لم يقم به *** خمولُ نبيه أو نباهة خامل
إذا قلت إنّ الشعر بحر غبنتَه *** متى يستقيم البحر من غير ساحل
قرائحنا منها بحور خضارم *** ومنها إذا جرّبت رشحُ الجداول
وأجمعُ أقوال الرجال أسدُّها *** معان كبار في حروف قلائل3
فالحقّ كما قال الشبيبي إنّ قيمة الشعر بمعناه وبتأثيره الخطير في إيقاظ

1 . الرحمن:3ـ4.
2 . إشارة إلى قوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ انّهُمْ في كُلِّ واد يهيمُون* وانّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُون) (الشعراء:225ـ 226).
3 . محمد جمال الهاشمي: الأدب الجديد:1ـ2، طبعة النجف الأشرف.

صفحه 22
المجتمع، فربّ قصيدة كثيرة الأبيات لا تجد فيها كلمة حكيمة تُسعد الإنسان في حياته أو تصدّه عن مزالقه.
ورب بيت واحد يفضَّل على قصيدة، لأنّه ينشد إلى حكمة بالغة يأخذ بيد الإنسان في مزالق الحياة، وقد أشار إلى ذلك الشاعر المذكور:
وقد يبلغ البيت البليغ قصيدة *** مطوّلة لكن على غير طائل
وقد يبلغ اللفظ القصير رسالة *** إذا عدَّت الألفاظ روحَ الرسائل
وهذا هو الشيخ الدكتور أحمد الوائلي رحمه اللّه يجسد لنا الشعر بصورة جميلة مبيناً آثاره الواضحة في النفوس، فيقول:
فالشعر أجّجَ ألفَ نار وانبرى *** يلوي أُنوفَ الظالمين ويجدع
لو شاءَ صاغَ النجمَ عِقداً ناصعاً *** يزهو به عُنُقٌ أرَقُّ وأنْصَعُ
أو شاء ردَّ الليلَ في أسماره *** واحاتِ نور تستشفُّ وتَلْمَعُ
أو قادَ من هذي الشعوب كتائباً *** يعنو لها من كلّ أُفق مطلعُ1

النبيّ وإنشاء الشعر وإنشاده

اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم على أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينظم شعراً ولم ينضد قريضاً طيلة عمره، قال سبحانه: (وَمَا عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرآنٌ مُبِينٌ).2
أي أنّ اللّه سبحانه لم يعلّمه صناعة الشعر وإنشاءَه، وما ينبغي له أن يقول الشعر، لئلاّ يقع ذلك ذريعة لئن يوصف القرآن بالشعر أو يُرمى شخصه (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . ديوان الشيخ الوائلي:5.
2 . يس:69.

صفحه 23
بكونه شاعراً.
ولم ينقل أنّه أنشد شعراً على النمط الصادر من الشاعر، ولذا كان إذا تمثّل ببيت شعر، جرى لسانه منكسراً كما روي أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يتمثّل بهذا البيت «كفى الإسلام والشيب للمرء ناهياً» فقال أبو بكر: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما قال الشاعر: «كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً»، أشهد أنّك رسول اللّه، وماعلّمك الشعر وماينبغي لك.
وعن عائشة أنّها قالت كان رسول اللّه يتمثّل بيت أخي بني قيس:
ستُبدي لك الأيّامُ ما كنتَ جاهلاً *** ويـأتيـكَ بالأخبـارِ مَـنْ لَمْ تُـزودِ
فجعل يقول:«يأتيك من لم تزود بالأخبار» فيقول أبوبكر: ليس هكذا يا رسول اللّه! فيقول: إنّي لست بشاعر، وما ينبغي لي.
وأمّا قوله:
أنا النبـي لاكـذب *** أنا ابن عبد المطلب
فقد قال قوم: إنّ هذا ليس بشعر. وقال آخرون: إنّما هو اتّفاق منه وليس بقصد إلى قول الشعر.1
وربّما يتبادر إلى الذهن أنّ قوله سبحانه: (وما يَنْبَغي لَهُ) هو ذمّ للشعر، وكأنّه شيء سيّئ يجب على النبي اجتنابه، ولكنّه زعم غير صحيح، لأنّ هذا السلب نسبي لا حقيقي، وأنّ النبيّ في جنب ما أُوتي من القرآن الكريم والّذي بلغ من الفصاحة والبلاغة إلى درجة عجز فرسان البلاغة عن الوصول إليها، لغنيّ عن نظم الشعر أو قول القريض، فلا ينبغي لمن يملك الكمال الأكبر، أن يتظاهر بما دونه بكثير.

1 . مجمع البيان: 4/432، تفسير سورة «يس».

صفحه 24
ومثل ذلك أُمّيّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم استطاعته القراءة والكتابة في مرحلة من عمره، فهذا لا يعد نقصاً للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّ القراءة والكتابة وسيلة لفهم الأسرار والمعاني، فلو بلغ الإنسان مرتبة من الكمال يعلم بها ما في الكون من الأسرار دون أن يستعين بقراءة كتاب، فهو يكون أفضل ممّن يقف عليها عن طريق القراءة، يقول سبحانه: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتابَ الُمُبْطِلُونَ).1
الأئمّة المعصومون(عليهم السلام) ونظم الشعر وإنشاده
ممّا لا شكّ فيه ولا ريب أنّ الأئمّة المعصومين أنشدوا الشعر واستشهدوا بقريض الآخرين في مجال الاحتجاج على الخصم أو الشكوى من صروف الدهر وأخوان المكاشرة وغير ذلك.
فقد أنشد الإمام علي(عليه السلام) واستشهد بشعر كثير من الشعراء في خطبه ورسائله، فقد تمثّل بقول الأعشى:
شتّان ما يومي على كورها *** ويوم حيـان أخـي جابر2
كما استشهد بقول القائل:
هنالك لو دعوت أتاك منهم *** فوارس مثل أرميـة الحميم3
دخل غالب بن صعصعة أبو الفرزدق على علي(عليه السلام) أيّام خلافته ـ وغالب شيخ كبير ـ و معه ابنه همّام (الفرزدق) وهو غلام يومئذ.

1 . العنكبوت:48.
2 . نهج البلاغة، الخطبة:3.
3 . نهج البلاغة، الخطبة :24.

صفحه 25
فقال علي رضي اللّه عنه: «من هذا الغلام معك؟»
قال: هذا ابني.
قال: «ما اسمه؟»
قال: همّام، وقد رَوَّيته الشعر يا أمير المؤمنين، وكلام العرب، ويوشك أن يكون شاعراً مجيداً.
فقال : «أقرئه القرآن فهو خير له». فكان الفرزدق بعد ذلك يروي هذا الحديث ويقول: مازالت كلمته في نفسي، حتّى قيّد نفسه بقيد، وآلى أن لا يفكه حتّى يحفظ القرآن، فما فكّه حتّى حفظه.1
وقد كان علي(عليه السلام) يعطي على الشعر والكلام الحسن، حيث إنّ أعرابياً وقف على علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال: إنّ لي إليك حاجة رفعتها إلى اللّه قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت اللّه تعالى وشكرتك، وإن لم تقضها حمدت اللّه تعالى وعذّرتك.
فقال له علي(عليه السلام): «خطّ حاجتك في الأرض، فإنّي أرى الضرّ عليك».
فكتب الأعرابي على الأرض: إنّي فقير.
فقال علي: «يا قنبر، ادفع إليه حلّتي الفلانية».
فلمّـا أخذها مثل بين يديه فقال:
كسوتني حُلةً تُبلى محاسنُها *** فسوفَ أكسوكَ من حُسنِ الثَنا حُللا
إنّ الثناءَ ليُحيي ذكرَ صاحبه *** كالغيثِ يُحيي نداه السهلَ والجبلا
لا تزهدِ الدهرَ في عرف بدأتَ به *** فَكُلّ عبد سيُجزى بالذي فعلا

1 . الإسلام والشعر:115ـ 116.

صفحه 26
فقال علي: «يا قنبر اعطه خمسين ديناراً، أمّا الحلّة فلمسألتك، وأمّا الدنانير فلأدبك، سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنزلوا الناس منازلهم».1
وقد تضافرت النقول على إنشاد الإمام الهادي(عليه السلام) في مجلس المتوكل أبياتاً من الشعر، وكان قد اعتذر قبل الإنشاد بأنّه قليل الرواية للشعر، لكنّ المتوكّل أصرّ عليه، فأنشد الإمام(عليه السلام):
باتوا على قلل الأجبـال تحرسهم *** غُلب الرجال فما أغنتهم القلل2
إنّما الكلام في نظمهم الشعر وإبداعه، فهل كان لهم مشاركة في هذا المعترك أو لا؟
إنّ الإمعان في حياتهم والظروف الّتي كانوا يعيشون فيها يُثبت أنّ قرائحهم الشعرية قد تفجرت في المواضع التي يكون للقريض فيها دور، ويمكن البرهنة عليه بالوجوه التالية:
1. إنّ الشعر أحد طريقي الكلام وأشدهما تأثيراً في النفوس، وله فضل معروف بين العرب، وقد نطقت به السنّة، فجاء فيها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ من الشعر لحكمة»، فالشعر كان أحد الأسلحة في عهد الرسالة وبعده في عصر الأئمّة(عليهم السلام).
فإذا كان هذا الحال فمن البعيد أن لا تجود قرائحهم بالشعر الّذي هو الحكمة بعينها، وهو السلاح الماضي في قلع حجج المخالف، والوسيلة النافذة في استنجاد أصحابهم للجهاد ودعوتهم إلى التضحية.
2. وقد كان للإمام علي(عليه السلام) وللسبط الأصغر(عليه السلام) مواقف في ميادين الجهاد ومكافحة الأعداء، وقد جرت سنّة العرب على استخدام الشعر في

1 . العمدة:1/29، لاحظ أنوار العقول من أشعار وصي الرسول:7.
2 . مروج الذهب:4/11; نور الأبصار:166; تذكرة الخواص: 323 وغيرها.

صفحه 27
الحروب، ولم يزل أبطال الحرب يرتجزون في حروبهم ومكافحتهم، فلا يصحّ للإمام علي(عليه السلام) أن يقابل العدو المرتجز دون أن يرتجز.
وقد نقل أهل السير والمغازي أراجيز الإمام علي(عليه السلام) في قتال الأبطال، نذكر من باب المثال ما ارتجزه في غزوة الخندق، فلمّا ارتجز عمرو وقال:
ولقـد بُححـتُ مـن النـدا *** ء بجمعكم هل من مبارز؟
فبرز إليه علي(عليه السلام) وهو يرتجز ويقول:
لا تعجلــــنَّ فقـــــد أتــا *** ك مجيبُ صوتِك غيرَ عاجز
ولما ارتجز بطل خيبر مرحب قائلاً:
قد علمت خيبر أنّي مرحب *** شاكي السلاح بطل مجـرب
برز إليه الإمام علي(عليه السلام) وهو يرتجز ويقول:
أنا الّذي سمّتني أمي حيدره *** كليث غابات كريه المنظره
أُوفيهم بالصاع كيل السندره1
هذا وذاك يـدلاّن على أنّ الارتجاز في الحروب كان أمراً دارجاً لا تخلو منه ساحة من ساحات الحرب.
3. تواتر نظم الشعر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) خصوصاً عن عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام) وعلي زين العابدين (عليه السلام) ، وقد قام غير واحد من العلماء والأُدباء بجمع أشعار الإمام علي(عليه السلام) في ديوان سُمّي بـ«ديوان الإمام علي(عليه السلام)»، وهم وإن خلطوا الغثَّ بالسمين وما صحّت نسبتُه إليه بما لم تصحّ، لكن نقل هذه الطائفة من الأشعار في مختلف المجالات عنه وعن حفيده زين العابدين(عليهما السلام) يدلّ بالتواتر الإجمالي على أنّهم كانوا ينظمون الشعر في مجالات خاصة.

1 . العمدة لابن البطريق:157; البداية والنهاية:4/214; الطبقات الكبرى:2/112; تاريخ مدينة دمشق:42/91. والسندرة: مكيال كبير ضخم.

صفحه 28
وبعبارة أُخرى: إنّ كلّ واحد ممّا نسب إلى الإمامين(عليهما السلام) وإن كان مورد شك وترديد، لكن عند ملاحظة المجموع الّذي رواه الأُدباء والعلماء في كتبهم ومأثوراتهم يذعن بصدور بعضه عنهم، إذ من المستبعد أو المحال العادي أن يكون الجميع مختلقاً أو مكذوباً عليهم.
هذا وقد ذكر شيخنا المجيز الطهراني أسماء الذين قاموا بجمع أشعار الإمامعلي(عليه السلام)، فمنهم من جمع الديوان و منهم من شرحه، وإليك أسماءهم:
1. ديوان أمير المؤمنين الموسوم بـ«أنوار العقول»، وهو من جمع قطب الدين الكيدري، شارح نهج البلاغة، وقد فرغ منه عام 576هـ. وهو مطبوع.
2. «ديوان أمير المؤمنين» لأبي أحمد عبد العزيز الجلودي (المتوفّى سنة 333هـ)، وهو أقدم من جمع ديوانه.
3. ديوان أمير المؤمنين الموسوم بـ «تاج الأشعار أو سلوة الشيعة» للشيخ أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الفنجگردي (المتوفّى بعد عام 500هـ).
4. «ديوان أمير المؤمنين(عليه السلام)» استخرجه بعض الأصحاب من كتاب محمد بن إسحاق صاحب السيرة، (المتوفّى سنة151هـ).
5.«ديوان أمير المؤمنين(عليه السلام)»لابن الشجري (المتوفّى 543هـ).
6. «ديوان أمير المؤمنين (عليه السلام)» من جمع المولى قاسم علي بن محمد تقي الخوانساري.
7. «ديوان أمير المؤمنين(عليه السلام)» من جمع بعض الأصحاب على الترتيب المألوف المتوفر بين الناس، وهذا هو الّذي طبع مرات كثيرة.
8. «ديوان أمير المؤمنين(عليه السلام) على الرواية الصحيحة» للسيد محسن الأمين مؤلف كتاب «أعيان الشيعة».

صفحه 29
9. «ديوان أمير المؤمنين(عليه السلام)» من جمع علي فهمي بن شاكر الموستاري مفتي هرسك، فرغ منه عام 1326هـ، طبع الجزء الأوّل منه في الآستانة، وقد رتبه على حروف المعجم.1
هؤلاء هم الذين جمعوا ديوان الإمام علي في كتاب مستقل، وهناك من خصّص باباً في كتابه لأشعار الإمام، منهم:
1. القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعي المغربي (المتوفّى عام 454هـ)، وقد جمع أشعار الإمام في الباب التاسع من كتابه المسمّى بالشهاب، وقد طبع عام 1332هـ في مصر.
2. يوسف فرغ علي الحنفي المعروف بسبط ابن الجوزي(المتوفّى عام 456هـ) حيث نقل في أحوال الإمام ما صحّت عنده نسبته إليه.
3. شمس الدين أبو البركات محمد الباغندي الشافعي فقد ذكر في الباب الخامس والستين من كتاب «جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)» شيئاً من شعره.2
وعلى ضوء هذا فلا نجد وجهاً لمن شكّك في صدور شيء من الشعر عنه(عليه السلام).
هذا وأنّ مؤلّفنا المحقّق مؤلف هذا الكتاب الذي نحن بصدد التقديم له، أعني: آية اللّه محمدعلي المدرسي الخياباني قدَّس سرَّه قد أدّى حقّ المقال في مقدمة الكتاب.
فلنقتصر على هذا المقدار، ولنعطف عنان الكلام إلى بيان شيء من

1 . الذريعة: المجلد9، الجزء الأوّل/101ـ 103.
2 . مقدمة ديوان الإمام علي للسيد الأمين:23.

صفحه 30
معالم شخصية المؤلّف.

كلمات العلماء في حقّ المؤلّف

كنّا قد ألّفنا من قبل رسالة في ترجمة المؤلّف، وقد طبعت في مقدّمة كتابه «كفاية المحصلين في تبصرة أحكام الدين»، وهنا نقتصر بذكر ما قاله بعض الأعاظم في حقّه:
1. يعرّفه معاصره المحدّث ميرزا علي الواعظ الخياباني بقوله:
عالم، محقق، نحرير، وفاضل مضطلع خبير، حبر أديب أعلم، وبحر زاخر عيلم، جامع فنون الفضائل والكمالات، حائز قصب السبق في مضامير السعادات، عالم، بارع، جامع، ما من علم من العلوم إلاّ قد حلّ في أعماقه، وما من فن من الفنون إلاّ وقد شرب من عذبه وزعافه، كانت له في اقتناء العلم والأدب همة تزاحم الأفلاك وتزاعم بعلوّ قدرها الأملاك.1
2. ويعرّفه أيضاً سيدنا الجليل السيد محمد الحجة في إجازته له بقوله: لقد استجاز منّي في الرواية ونقل أحاديث أهل بيت العصمة العالم العامل، والفاضل الكامل، أبو الفواضل والفضائل، قرة عين الفضل والكمال، وغرة جبين العلم والإفضال، صاحب المقامات العلمية والعملية وحاوي المكارم الصورية والمعنوية.2
3. كما يعرّفه العلاّمة الحجة السيد هبة الدين الشهرستاني بقوله: شيخنا الأجل الأفضل انموذج عصابتنا البحّاثة في العصر الأوّل، حضرة العالم الفاضل، والمحدث المحقّق الكامل، صفوة المؤلفين الأماثل، وليّنا الصفي

1 . العلماء المعاصرون:405.
2 . ريحانة الأدب:8/19، المقدمة.

صفحه 31
الروحاني، المولى محمد علي التبريزي الخياباني (حيّاه اللّه وحباه بنيل الرغائب والأماني).1

ملامح من سيرته

كان لشيخنا المؤلّف ملامح خاصة في حياته، تعد من أبرز سمات خُلقه وسلوكه، ونحن نشير إلى ما لمسناه منه طيلة مصاحبتنا وتتلمذنا عليه.
1. كانقدَّس سرَّه مولعاً بالعلم، مشغوفاً بالمطالعة والكتابة، وكان يضّن بوقته ولا يضيعه ولا يصرفه إلاّ فيما هو ضروري، وقد لازمته عدة سنين فما رأيته إلاّ بين مطالع وكاتب وحافظ للمتون والأسفار، أو محاضر يلقي محاضراته على تلامذته، ويكفي في شغفه بالعلم أنّه إذا وقف على نكتة علمية أو كشف مجهولاً يلتذُّ بها أكثر ممّا يلتذّ به الملوك عند فتوحاتهم للبلدان والاستحواذ على كنوزها، وكأنّ لسان حاله في تلك اللحظات السعيدة، قول القائل: أين الملوك وأبناء الملوك.
2. شاركقدَّس سرَّه في أكثر العلوم الرائجة المتداولة في ذلك الزمان، فكان متضلِّعاً في بعضها ومشاركاً في البعض الآخر، فهو في الأدب العربيّ أديب ماهر، وفي الفقه فقيه بارع، وفي الرياضيات والنجوم أُستاذ محنَّك، وفي التاريخ أُستاذ بلا منازع، وفي الأدب الفارسي ذو باع طويل قلّما يدانيه أحد.
إلى غير ذلك من العلوم والفنون التي حازها وحفظ نكاتها واستجلى غوامضها، فكنت أتعجب من إحاطته بشوارد العلوم وغوامضها.
ومن الجميل أن نتمثّل في حقّه بقول شاعر المعرّة حينما زار بغداد وعاد

1 . ريحانة الأدب: 8/23، المقدمة.

صفحه 32
إلى موطنه وسُئل عن الشريف المرتضى بعد عودته، فقال:
يا سائلي عنـه فيمـا جئـت تسألـه *** ألا هو الرجل العـاري مـن العـار
لو جئتـه لرأيـت الناس فـي رجـل *** والدهر في ساعة والأرض في دار1
وهنا نختم المقال ونرفع آيات الاعتذار إلى أُستاذنا الكبير الّذي له الحق الكبير على العلم وأهله.
ونحيل القارئ الكريم إلى ما كتبه هو بقلمه مترجماً نفسه وقد استلّ من مقدمة الكتاب ووضعناه هنا لتقع الترجمتان في مكان واحد.

1 . احتجاج الطبرسي:2/336; بحار الأنوار:10/408 ح1.

صفحه 33

ترجمة المؤلف

بقلمه الشريف

بسم اللّه الرحمن الرحيم
بعد الحمد والصلاة والتحيّة يقول المختفي في زاوية الخمول، المكتفي بالكفاف عن الفضول، العبد القاصر الجاني (محمد علي) بن محمّد طاهر التبريزي الخياباني:
إنّي ولدت في بلدة تبريز ـ صانها اللّه عن الهزيز ـ في أوائل النّصف الثّاني من العشر الآخر من المائة الثالثة من الألف الثاني من الهجرة النبويّة على صاحبها آلاف الثّناء والتحيّة.
وبعدما راهقت1 اشتغلت بتحصيل المقدّمات العربية وأدبيّاتها في المدرسة الطالبيّة من تلك البلدة، واختلستُ في تلك الأوقات فرصاً لادّخار برهة من الرياضيّات، ثمّ صرفت جُملة وافرة من أوقاتي في تحصيل المعقول، ثمّ رمت الغوص في بحار2 الفقه وأُصوله، وتهذيب3 قوانينه4 وفصوله5، وتنقيح 6

1 . راهق الغلام قارب الحلم.
2 . للمولى محمد باقر المجلسي.
3 . للشيخ الطّوسي في الأخبار وللعلاّمة الحلّي في الأُصول .
4 . للميزرا أبي القاسم القمّي.
5 . للشّيخ محمّد حسين بن محمّد رَحيم .
6 . للفاضل المقداد.

صفحه 34
قواعده1 وإشاراته2، وتحرير3 ضوابطه4 ومقالاته5; وكنت أُجيل النظر في مداركه6 وأتفرّج في طرائفه7ومسالكه8، وأتنفس في رياضه9 وابني حياضه10، واجتني ثمار حدائقه11، واقتني غرر12 درره وجواهره13 من كنوزه وخزائنه14، واستفتح باب مقفّلاته ومشكلاته15 بمفاتيح16 السّؤال، واستكشف كلماته المكنونة17 من أفواه الرّجالِ إلى أن وقع سنوا حياتي في الواوات فوفّقني اللّه تعالى للدّرس الاستدلاليّ من الفقه وأُصوله في حضرة جمع من الأجلّة كانوا مراجع الشيعة في تقليد الأحكام الدّينية.

1 . للعلاّمة الحلّي وللشّهيد الأوّل كلاهما في الفقه.
2 . للشّيخ الرّئيس في الحكمة وللكلباسي في الأُصول.
3 . للعلاّمة الحلّي في الفقه.
4 . للسيّد إبراهيم ]القزويني المعروف بصاحب الضوابط[.
5 . للميرزا صادق التّبريزي.
6 . للسيّد السند السيّد محمّد]سبط الشهيد الثاني[.
7 . للمعصوم علي شاه في التصوّف.
8 . للشّهيد الثاني.
9 . للسيّد علي]الطباطبائي المعروف بصاحب الرياض[.
10 . للمؤلف الحقير.
11 . للشيخ يوسف البحراني.
12 . للسيد المرتضى علم الهدى.
13 . جواهر الكلام في الفقه للشيخ محمّد حسن وجواهر القرآن للغزالي وجواهر الأدب لأحمد الهاشميّ.
14 . للمولي أحمد النراقي.
15 . للمولى محمد مهدي النراقي.
16 . مفاتيح الشرائع للمولى محسن الفيض ومفاتيح الأُصول للسيّد محمّد بن السيّد علي .
17 . للمولى محسن الفيض.

صفحه 35
وعلّقت في تلك الأيّام تعليقة على كتاب الطّهارة من رياض المسائل وسمّيتها بـ«حياض الزّلائل في رياض المسائل» ولقد وفّقني اللّه لإتمامه في اللّيلة الثّانية والعشرين من شهر رجب الأصبّ من سنة أربعة وعشرين بعد ثلاثمائة وألف من الهجرة النبويّة(صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولقد كنت ناوياً إتمامه إذ لم يكن له شرح يزيل إبهامه لكن قلّ من يظفر بمرامه إلاّ في نعسته ومنامه (تجرى الرّياح بما لا تشتهي السّفُن) فعاقني عن ذلك شدّة الفتن وتظاهر الزّمن، فبقيت على تلك الحال بضعاً من الأحوال لا أتمكّن من مطالعة كتاب، ولا يتيسّر لي مراجعة فصل أو باب.
ثمّ أشعرت نفسي انّ تلك الشّدائد من ذاتيات الدّهر الخوّان، لا ينفكّ عنها في آن، وانّ توقع غيرها منه ليس بأولى من ترقّب المشي على الماء أو الطّيران في الهواء. فإبت إلى ما كنت عليه من الوظائف العلميّة، وأغمضت النّظر عن صُروف الدّهر بالكليّة، وشرعت بعد الاستمداد من العناية الإلهيّة في تأليف كتاب «قاموس المعارف» الّذي يحكي لفظه عن معناه، واسمه عن مسمّاه.
حتّى انتهى أيّام حياتي إلى سنة ست وثلاثين]بعد ألف وثلاثمائة[ من هجرة سيّد البشر الّتي وقائعها أُنموذج من وقائع المحشر، فابتليت بحوادث جمّة وفجائع عمّة، واختلّت الأحوال بحيث صار الفؤاد في غشاء من نبال، وذلك لتلاطم أمواج الفتن، وتراكم سحائب المحن في كافّة بلاد إيران، ولا سيّما آذربايجان، وخصوصاً في العشائر منّي والأخوان، فلقد جرّد الدّهر عليهم سيف العُدوان، فطرحت الأوراق في زوايا الهجران، متلهّفاً على فراق الأحبّة، ومتأسّفاً على مفارقة الأعزّة; مضافاً إلى القحط الشديد والغلاء الأكيد بحيث صار منّ جديد (ألف مثقال صيرفيّ) من الخبز (لو جيء منه بخبر أو وجد له أثر) بثلاثين قراناً بل أكثر، وغيره من الأطعمة بتلك النسبة مع شيوع مرض الحصبة، فهلك جمع

صفحه 36
كثير و جمّ غفير بين المبتلى بالحصبة ومن الجوع عفير.
فبقيت على تلك الحال غريقاً في لجج الملال بحيث لا أعرف اليمين من اليسار، بل واللّيل عن النّهار،ثمّ أخبرت نفسي المملوّة من الكدر مضافاً إلى ما مرّ أنّ ذلك كلّه هو الصّلاح، وأنّ الصّبر للفرج مفتاح، مع أنّ تلك الرّزايا وما فوقها ليست غاية المُصيبة ونهاية الشّدة، بل ليس لها منتهى، ولها مراتب شتّى لا نطيق واحداً منها، فصبرت على ما مضى، وشكرت على ما غبر، حيث لم يوجد له خبر، وأخطرتها أيضاً انّ إيراث العلميّ من الأثر من السّعادات الأوّليّة للبشر، فرجعت إلى ما جمعت، وعدت إلى ما عنه منعت، وصرفت جملة من أوقاتي لإتمام ذلك الكتاب مستمدّاً من اللّه تعالى إلى أن وفّقت له بكرمه وفضله في السّابع والعشرين من ثاني الربيعين من شهور سنة خمس وأربعين بعد ثلاثمائة وألف قمريّ من هجرة سيّد المرسلين المطابق للثّاني عشر من شهر آبان الباستانيّ ومن العقرب من البُروج الاثني عشرية المعروفة المنتظمين في شهور السّنة الخامسة بعد ثلاثمائة وألف شمسيّ من الهجرة نسأل اللّه التوفيق لطبعه، وقد أشرنا إلى موضوعه في ديباجة كتابنا «فرهنگ نوبهار» المطبوعة في تبريز على سبيل الإجمال.
ثمّ ألجأني الضرورة إلى صرف برهة من ساعاتي إلى مراجعة بعض الكتب الأدبيّة الفارسيّة، فدعاني ذلك إلى ضبط معاني جُملة من لغاتها من مداركها، لئلاّ تكون تلك السّاعات أيضاً هدراً، بل أورّث فيها أثراً، فجاء بمنّ اللّه تعالى كتاباً محتوياً على أكثر من تسعة عشر ألفاً من اللّغات الفارسيّة، ولقد وفّقت لاختتامه في اليوم الأوّل من ثاني الربيعين من سنة ستّ وأربعين بعد ثلاثمائة وألف هجريّ، المطابق لشهري ميزان البُروجيّ والمهر الباستاني من سنة ألف وثلاثمائة وستّة هجريّة شمسيّة، وسميتها رعاية لمطابقة اللّفظ والمعنى والاسم والمسمّى بـ«فرهنگ نوبهار».

صفحه 37
ثمّ شرعت في تأليف الأشعار والكلمات المنظومة المرويّة عن المعصومين(عليهم السلام) للتبرّك بإحياء آثارهم المنورّة في طيّ الأدبيات أيضاً، ولقد وفّقت لإتمامه وتسويده في أواخر السّنة المذكورة في خمسة أشهر هلاليّة وسمّيته «الدّر الثّمين أو ديوان المعصومين (عليهم السلام) » وأسأل اللّه أن يجعله وسيلة لمرضاته والتّقرب عنده وعند حججه الرّاشدين(عليهم السلام) .
ثمّ لمّا رأيت كثرة اهتمام المحصّلين في التّبصّـر بتبصرة المتعلّمين لآية اللّه العلاّمة الحلّي قدَّس سرَّه مع عدم شرح له كاف في إزالة إبهامه، وواف لإفادة مرامه، دعاني ذلك إلى كتابة شرح مختصر مزجيّ له قريب من إفهام المبتدين وسمّيته «كفاية المحصَّلين في تبصرة أحكام الدّين» فارغاً من إتمامه في الثّامن من ثاني الرّبيعين من سنة تسعة وأربعين من المائة الرابعة بعد الألف من الهجرة، المطابقة للعاشر من بُرج سنبلة والحادي عشر من شهريور الباستاني المنتظمين في شهور السنة التّاسعة بعد ثلاثمائة وألف شمسيّ من الهجرة.
ولقد كنت مشتغلاً في تلك الأيّام بتبييض درّنا الثّمين وتأليف اللّغات المترادفة الفارسية على أُسلوب كتاب «سرّ الأدب» للثّعالبيّ بالنّسبة إلى العربية وجمع الكنى المستعملة في تلك اللغة وسمّيت ذلك بـ«فرهنگ بهارستان» وهذا بـ «غاية المنى في تحقيق الكنى» و هو مختصر جدّاً .
ثمّ شرعت في تأليف كتاب «ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية أو اللّقب»، وفرغت من إتمامه في السّادس والعشرين من شهر صفر من سنة أربع وخمسين من المائة الرّابعة من الألف الثّاني من الهجرة، المطابق لثامن برج الجوزاء وسابع خرداد الباستاني من سنة أربع عشر من تلك المائة.
وقد انطبعت من هذه الجملة «فرهنگ نوبهار» و «فرهنگ بهارستان» ومن

صفحه 38
اللّه أسأل التوفيق لطبع غيرهما ممّا ذكرناه، وإحياء آثار دينه في ما بقي من حياتي، فإنّه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى .
والحمد للّه أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً حيث أمهلني في حياتي إلى أن وفّقت لإتمام هذه الوريقات وطبعها، ومنه استمدّ في صرف ما بقي من كنوز دقائقي في ما يحبّه ويرضيه انّه هو البرُّ الرَّحيمُ.
لَوْ عِشْتُ ألفَ عام في سَجْدَة لِرَبّـي *** شُكْراً لِفَضْلِ يَوْم لَمْ يُقْضَ بِالتَّمـامِ
وَالعامُ ألْفُ شَهْر وَالشَّهرُ ألف يوم *** والْيَومُ ألفُ حين وَالحينُ ألفُ عـام

نبذة حول الديوان

هذا وقد فرغ المؤلّف من جمع هذا الديوان وشرحه في شهر رجب الأصب من شهور عام 1349هـ، وبقي الكتاب على حاله إلى أن وفّقه اللّه سبحانه بطبع القسم الثاني منه، أعني: ما يتعلّق بأشعار الإمام السجاد (عليه السلام) إلى الإمام الحجّة المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف مستقلاً عام 1354هـ وسمّاه بـ«التحفة المهدوية» لكنّه لم يتمكن من طبع كلّ الكتاب، إلى أن توفّاه اللّه سبحانه.
ولمّا كان للمؤلّف على العلم وأهله حقاً كبيراً، فقد خدم الإسلام والتشيّع بقلمه وبيانه قرابة الستين سنة، قمت ـ وأنا ممّن استفاد من نمير علومه ـ، فعرضت الموضوع على قسم التحقيق في اللجنة العلمية لمؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) فاستقبلوه بترحاب وقبول، فقاموا بتحقيق الكتاب وتخريج ومراجعة مصادره وبيان ما أشكل ، فخرج الكتاب بحمد اللّه بهذا الشكل الذي ترضاه النفوس وتستحسنه الأذواق.
ولعلّ ما قمت به بعض ما وجب عليّ من حقوق أُستاذي رحمه اللّه .

صفحه 39

شكر وتقدير

وها أنا أُقدم شكري وتقديري إلى الأعزّاء الأفاضل(لجنة التحقيق) الذين قاموا بتحقيق الكتاب، وبذلوا جهودهم في تصحيحه وتنقيحه، وتقويم نصّه وضبطه، وتخريج مصادره وحلّ معضلاته، أعني بهم:
1. السيد عبد الكريم محمد الموسوي.
2. خضر آتش فراز(ذوالفقاري).
3. محمد عبد الكريم بيت الشيخ.
كما أتقدم بالشكر الجزيل والثناء الجميل إلى الشيخ محمود باقرپور الذي قام بطبع الكتاب وإخراجه فنياً وبذل وسعه وغاية الجهد ليخرج بهذه الحلة القشيبة.

منهج التحقيق بقلم المحقّقين

لقد كان منهجنا في تحقيق هذا الديوان كالتالي.
1. اعتمدنا في تحقيق هذا الديوان على النسخة الخطية المكتوبة بخط المؤلّفقدَّس سرَّه، والمحفوظة في المكتبة الشخصية لولده علي أصغر المدرّس،وهي نسخة نفيسة فيها تعاليق قيّمة، تحتوي على 390صفحة من القطع الوزيري، 12*20.
كما اعتمدنا على كتاب «التحفة المهدوية» ، الطبعة الحجرية، وفيه أشعار الأئمّة المعصومين من السجاد (عليه السلام)إلى الإمام الثاني عشر الحجة بن الحسن ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ وهو مطبوع على نسخة المؤلف.
2. بعد تهيئة النسخ قمنا بتقويم نصّ الديوان وضبطه وتنقيحه، وتعيين

صفحه 40
المصحّف من الصحيح مع تثبيت الصحيح للحصول على نصّ قريب ممّا تركه المؤلف.
3. إعراب الآيات القرآنية وتخريجها.
4. تخريج الأشعار والروايات الواردة في الديوان وإرجاعها إلى مصادرها الأوّلية.
5. مقابلة الأشعار مع مصادرها الأصلية التي نقل عنها صاحب الديوان وتثبيت الشعر الصحيح في المتن.
6. كلّ ما بين معقوفتين ] [ بدون إشارة له في الهامش، فهو إضافة من عندنا، لضرورة يقتضيها سياق العبارة.
7. بالنسبة للإخراج الفني للديوان علاوة على متن الكتاب جعلنا هامشين في كلّ صفحة : الهامش الأوّل يحتوي على شرح المؤلّف لأبيات الشعر وتخريج الآيات القرآنية ومصادر الكتاب التي أخذ عنها المؤلف; والهامش الثاني يحتوي على اختلاف الألفاظ في النسخ والمصادر والتي ذكرها المؤلف مع رمز (خ ل) ولتمييزه عن الهامش الأوّل جعلنا حجمه أصغر ضمن تسلسل واحد.
هذا نصّ المحقّقين الأفاضل حول منهج التحقيق، فللجميع منّا الشكر الجزيل وعلى اللّه أجرهم.
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
العاشر من شوال المكرّم 1425 هـ