welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 22*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 22

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 22
 
(22)

صفحه 2

صفحه 3
22
 
 
الجزء الثاني والعشرون ويشتمل على تفسير السور التالية:
الأحزاب، سبأ، فاطر
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحاني تبريزي ، جعفر، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1394 .
      30 ج.    ISBN :978 - 964 - 357 - 556 - 4(VOL.22)
ISBN :978 - 964 - 357 - 510 - 6 (30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زير نويس .
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 492
1394
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 22
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1394 هـ ش / 1436 هـ . ق / 2015 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 488 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 885   تسلسل الطبعة الأُولى: 435
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء عليه بما قدّم.
والصلاة والسلام على نبيّه وخاتم رسله الّذي أتمّ به النِّعم، وكشف به الظُّلَم، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد;
فهذا هو الجزء الثاني والعشرون من أجزاء كتابنا «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» وهو تفسير متواضع للمعجزة الكبرى.. خاتمة الرسالات، الّتي وصفها (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: «هدى من الضلالة، وتبيانٌ من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم، وما عدَل أحد عن القرآن إلاّ إلى النار».1
وهذا الجزء يشتمل على تفسير سورة الأحزاب، وسبأ، وفاطر.
ومن الآيات الباهرة في سورة الأحزاب قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(2) ولمّا كانت الآية من أوضح الأدلّة على عصمة أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذين تمثّلت فيهم كلّ قيم الكتاب المجيد ومبادئه، سلوكاً وتطبيقاً، أشبعنا الكلام في هذا الموضوع إلى حدّ أفردنا له رسالة أوردناها في ختام تفسيرنا لهذه السورة.

1 . الكافي: 2 / 600 برقم 8 ، كتاب فضل القرآن.   2 . الأحزاب: 33.

صفحه 8
وفي هذا الوقت الّذي نقدّم فيه هذا الجزء للطبع تتسارع الأحداث في بلادنا الإسلامية، وتشهد العديد من ساحاتها جرائم وحشية ترتكبها زُمر تكفيرية إرهابية سخّرتها أجهزة المخابرات الغربية ودوائر الصهيونية العالمية، وساندها أُمراء السوء في المنطقة، بغية تخريب البلاد، وتدمير الحضارة، واستنزاف الطاقات، وإشغال المسلمين بعضهم ببعض في صراعات داخلية، لتأمن دويلة إسرائيل الغاصبة ويدوم استقرارها وأمنها.
وآخر هذه الجرائم، هو قتل المسلمين، قبل يومين، في شهر الله!! وفي بيت الله (مسجد الإمام الصادق في الكويت)!! وفي يوم الجمعة!! لا لشيء سوى حبّهم وولائهم لعترة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبالرغم من أنّ الألم يعتصر قلوبنا لهذه المصائب والويلات، فإنّها لاتزال عامرة بالإيمان بأنّه سبحانه سيقيّض لهذه الأُمّة من علمائها الأحرار وشبابها المؤمن الواعي، مَن يقف في وجه هذه الزُّمر الّتي صدفت عن كتاب الله وعن سنّة رسول الله في دعوتهما إلى المحبّة والتآخي والسلام، ويردّ كيدها في نحرها، ويفضح دورها المشؤوم في تلك الخطة الغادرة لأعداء الدين والأُمّة.
اللّهم مُنّ على عبادك الصالحين بالأمن والأمان، واحفظ بلادهم وأرضهم وخيراتهم من تطاول الأعداء، وحصّن ثغور المسلمين بعزّتك، وأيّد حُماتها بقوتك، وأسبغ عطاياهم من جِدَتك، إنّك مجيب الدعاء.
جعفر السبحاني
قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
11 رمضان المبارك 1436 هـ

صفحه 9

سورة الأحزاب

(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً * مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا * وَإِذْ

صفحه 10
أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا *لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا *إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولاً * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَ تُمَتَعُّونَ إِلاَّ قَلِيلاً * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً *

صفحه 11
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة حِدَاد أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً * لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

صفحه 12
وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ
اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا* وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا *إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ

صفحه 13
ضَلاَلاً مُبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ
عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً * مَا كَانَ عَلَى النَّبيِّ مِنْ حَرَج فِي مَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا * وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّة تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ

صفحه 14
وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ
الَّلاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا * لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء رَقِيبًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ

صفحه 15
عَظِيمًا * إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا * لاَ
جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدًا * إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً * يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا * إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا* خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا

صفحه 16
أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ
الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا * إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا).
سورة الأحزاب: خصائص السورة   

صفحه 17
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمِّيت السورة بسورة «الأحزاب» لِما جاء فيها من ذكر أحزاب المشركين من قريش ومَن تحزّب معهم، وجاء لفظ «الأحزاب» فيها ثلاث مرات: اثنتان في الآية 20 والثالثة في الآية 22.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة ثلاث وسبعون آية بالإجماع.
وهي مدنية إجماعاً، ويدلّ على ذلك صياغتها ومضامينها.
قلنا: إنّ آيات السورة ثلاث وسبعون آية بالإجماع، لكن من غريب القول ما في عدد من التفاسير والذي يرفضه العقل السليم.
روى الزمخشري عن زِرّ قال: قال لي أُبيّ بن كعب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثاً وسبعين آية، قال: فوالذي يحلف به أُبيّ بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ولقد قرأنا منها آية الرجم1: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم». وأراد

1 . أخرج البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب أنّه قال: إنّ الله بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بالحقِّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل الله آيةُ الرَّجْم... صحيح البخاري: 4 / 288 برقم 6830، كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزّنى.

صفحه 18
أُبيّ أنّ ذلك من جملة ما نسخ من القرآن .
ثم قال: وأمّا ما يحكي أنّ تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن، فمن تأليفات الملاحدة والروافض.1
وقال القرطبي: وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة وكانت فيها آية الرجم:«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم»، وذكره أبو بكر الأنباري عن أُبيّ بن كعب، وهذا يحمله أهل العلم على أنّ الله تعالى رفع من الأحزاب إليه ما يزيد على ما في أيدينا، وأنّ آية الرجم رفع لفظها.
ثم نقل عن عروة عن عائشة: كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مئتي آية فلمّا كتب المصحف لم يقدر منها إلاّ على ما هي عليه الآن.
ثمّ قال: وأمّا ما يحكى من أنّ تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليف الملاحدة والروافض.2
إنّ كلام الزمخشري والقرطبي يتضمّن أمرين:
الأوّل: أنّهما يسلِّمان بأنّ سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة (الّتي يبلغ عدد آياتها 286 آية) ، ولكن الزيادة نسخت ورفعت من الله لفظاً لا معنى.
الثاني: أنّ ما يقال: إنّ هذه الزيادة كانت مكتوبة في صحيفة في بيت

1 . تفسير الكشّاف: 528 .
2 . تفسير القرطبي:14/113.

صفحه 19
عائشة فأكلتها الداجن، فهي من موضوعات الملاحدة والروافض.
ونحن نعلّق على كلا الأمرين بما يلي:
أمّا الأمر الأوّل: وهو أنّ السورة كانت تشتمل على زيادة شيء، فلا يختصّ نقله بهما، بل نقله كثير من المحدّثين فقد رواه الحاكم والنسائي وغيرهما عن زرّ بن حبيش، كما رواه أبو عبيد القاسم بن سلاّم بسنده وابن الأنباري بسنده عن عائشة.1
ومع ذلك فهو أمر باطل، و السؤال يكمن في سبب الرفع، هل كان الإشكال في ألفاظ الآيات وصيغتها، فلأجل ذلك رفعت، و المفروض أنّها بلغت أعلى درجات الفصاحة والبلاغة على نحو أعجز البلغاء عن المعارضة؟! أو كان الإشكال في المضمون والمعنى، والمفروض بقاؤه ; لأنّ معنى نسخ التلاوة دون الحكم هو أن تسقط آية من القرآن كانت تُقرأ وكانت ذات حكم تشريعي ثم أُنسيت ومحيت عن صفحة الوجود، لكن بقي حكمها مستمراً غير منسوخ.
أقول بصراحة تامّة: إنّ القول بنسخ التلاوة دون الحكم تعبير آخر عن التحريف ولكن بحيلة معسّلة، وهو في المقام محال عاديّ، إذ كيف يمكن أن يبلغ عدد آيات سورة الأحزاب ما يقرب من عدد آيات سورة البقرة وقد نزلت في السنة الخامسة من الهجرة، فرفع أكثر آيات السورة (إمّا في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعد رحيله) حتى لم يبق في ذاكرة أحد من المسلمين والصحابة الكرام، ليلحق بالقرآن عند تأليفه وجمع آياته، وهو

1 . التحرير والتنوير:21/175.

صفحه 20
أمر لا يقبله العقل الحصيف ولا ينسجم مع ما عرف عن جمع من الصحابة من اهتمام شديد بحفظ القرآن الكريم.
يقول السيد الخوئي: أجمع المسلمون على أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد، كما أنّ القرآن لا يثبت به ; وذلك لأنّ الأُمور المهمة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس وانتشار الخبر عنها لا يثبت بخبر الواحد، فإنّ اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطئه، وعلى هذا فكيف يثبت بالخبر الواحد أنّ آية الرجم من القرآن وأنّها نسخت؟ نعم جاء عمر بآية الرجم وادّعى أنّها من القرآن، لكن المسلمين لم يقبلوا منه ; لأنّ نقلها كان منحصراً به فلم يثبتوها في المصاحف.1
وممّن حقّق بطلان نسخ التلاوة دون الحكم من كبار علماء السنّة، محمد بن أحمد السرخسي (المتوفّى حدود 490 هـ ) ، حيث قال: والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)2ومعلوم أنّه ليس المراد الحفظ لديه، فإنّ الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة فعرفنا أنّ المراد الحفظ لدينا... وقد ثبت أنّه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو جوّزنا هذا في بعض ما أُوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه، فيؤدّي ذلك إلى القول بأن لا يبقى شيء ممّا ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف، وأيّ قول أقبح من هذا؟! ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما في أيدينا اليوم أو كلّه مخالف لشريعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن نسخ الله ذلك بعده،

1 . البيان في تفسير القرآن:304.
2 . الحجر:9.

صفحه 21
وألّف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته، فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنّه هو الحافظ لما أنزله على رسوله، وبه يتبيّن أنّه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته، وما ينقل من أخبار الآحاد شاذّ لا يكاد يصحّ شيء منها، ويُحمل قول مَن قال في آية الرجم إنّه في كتاب الله: أي في حكم الله تعالى، كما قال تعالى: (كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ)1: أي حكم الله عليكم.2
***
وأمّا الأمر الثاني: هو أنّ ما نسب إلى عائشة من أنّ الزيادة كانت في صحيفة أكلته داجن البيت، إنّما هو من تأليفات الملاحدة والروافض.
أقول: هذه مهزلة بعد مهزلة، وما أصدق قول القائل عليها:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكمُ *** فكأنّني سبّابة المتندّمِ
لو كان هذا من تأليفات الرافضة لوجد أثر منه في كتبهم مع أنّ هذا قد ورد في كتب الآخرين بلا استثناء.
وهذا هو ابن حزم الأندلسي يروي قصة أكل الداجن الصحيفة بسند يحكم عليه بالصحّة، ويقول: عن عائشة ـ أُمّ المؤمنين ـ قالت: لقد نزلت آية الرجم والرضاعة فكانتا في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها، ثم قال: هذا حديث صحيح

1 . النساء: 24 .
2 . الأُصول للسرخسي: 2 / 79 ـ 80، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني.

صفحه 22
وليس هو على ما ظنّوا، لأنّ آية الرجم إذا نزلت حفظت وعرفت وعمل بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ أنّه لم يكتبها نسّاخ القرآن في المصاحف ولا أثبتوا لفظها في القرآن، وقد سأله عمر بن الخطاب ذلك ـ كما أوردنا ـ فلم يجبه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك فصحّ نسخ لفظها وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها كما قالت عائشة فأكلها الداجن ولا حاجة بأحد إليها، وهكذا القول في آية الرضاعة ولا فرق.1
أقول: هل روى ابن حزم هذه الرواية عن الملاحدة، أو عن الرافضة؟! وهل يجيز أحد أن يُنسَب القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعمرة بنت عبدالرحمان، وقد نقل كلّ منهما تلك الرواية عن عائشة (كما في المحلّى)، أن يُنسبا إلى الملاحدة أو الروافض؟!!
إنّ مثَل القوم في المقام مثَل مَن ارتكب جريمة ثم يبحث عمّن يلقي جريمته على عاتقه، فلمّا كان هذا القول من عائشة أمراً يردّه العقل والنقل، بدأوا يبحثون عمّن يتّهمونه إفكاً بنسبة هذه الرواية إليها ليستريحوا من هذه الخزاية!!
وأخيراً أتعجّب من ابن عاشور ـ في هذا المقام ـ حيث حاول أن يبطل الرواية وينقدها، وعمله هذا مشكور، ولكنّه كرّر ما ذكره صاحب الكشّاف والقرطبي وغيرهما، قال: وكون القرآن قد تلاشى منه كثير، هو أصل من أُصول الروافض ليطعنوا به في الخلفاء الثلاثة، والرافضة يزعمون أنّ القرآن مستودع عند الإمام المنتظر، فهو الذي يأتي بالقرآن وَقْرَ بعير.2

1 . المحلّى لابن حزم: 11/235 ـ 236.
2 . التحرير والتنوير:21/177.

صفحه 23
أقول: كيف يسمح لنفسه أن يعبّر عن شيعة آل البيت(عليهم السلام) بالرافضة ويخالف قول الله سبحانه: (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ)1 ثمّ كيف يدّعي أنّ تلاشي آيات القرآن أصل من أُصول الروافض، وبين يديه كتاب «مجمع البيان» للشيخ الطبرسي وهو يصدر منه حيناً بعد حين، وفي مقدّمته نظر الشيعة في التحريف وبطلانه.
وفي الختام أعتذر من القارئ الكريم حيث خرجنا عن سياق الكتاب، لكن لمّا كان المقام مزلّة الأقدام أردنا ـ هنا ـ إيضاح الحال.

أغراض السورة

تتضمّن السورة شيئاً من الأحكام والقصص والعبر والمواعظ، وفيها قصة غزوة الخندق وإشارة إلى مؤامرة بني قريظة من اليهود، والمهمّ فيها هو الردّ على المنافقين الّذين اتّخذوا من تزوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بمطلّقة زيد ذريعة للتحامل عليه وإثارة الشُّبه حوله.
وعلى كلّ تقدير، فمجموع السورة يدور على محاور ستة:
1. دعوة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الثبات وعدم الثقة بالمنافقين والكافرين.
2. دعوة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى مواجهة الخرافات والتقاليد الجاهلية الّتي تجعل الدعيّ ابناً للمتبنّي، وتُجري عليه أحكام البنوّة الحقيقية من الإرث والنكاح وغير ذلك.
3. بيان ما جرى على المسلمين في غزوة الخندق، ودور المنافقين

1 . الحجرات:11.

صفحه 24
ومَن بقي في المدينة من اليهود في تثبيط المؤمنين وتخذيلهم وبثّ الرُّعب في قلوبهم.
4. بيان ما جرى بين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأزواجه.
5. الأمر بالحجاب والعفاف.
وفي نهاية السورة يذكر عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وإباءهنّ عن الحمل، وحمل الإنسان لها.
سورة الأحزاب: الآيات 1 ـ 3   

الآيات: الثلاث الأُولى

(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً).

المفردات

اتّقِ الله: واظبْ على ما أنت عليه من التقوى واثبت عليه، والتقوى أمر وجوديّ يصون الإنسان من ترك الواجبات واقتحام المحرّمات.
توكَّلْ: أي كن متوكِّلاً. والتوكّل على الله هو تفويض الأمر إليه للثقة بحُسن تدبيره، والوكيل هو المتَّكل عليه بتفويض الأمر إليه .

صفحه 25

التفسير

1. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًما حَكِيمًا):
ترك نداءه بالاسم وقال ـ مكان «يا محمد» ـ (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ) كرامة أو تشريفاً وتنويهاً بفضله، وقد ناداه سبحانه وخاطبه بصفة النبيّ والرسول في هذه السورة، مرّة بعد مرّة، قال تعالى:
1. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّقِ اللهَ).
2. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).1
3. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).(2)
4. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ).2
5. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ).3
فالنداء بالوصف لغاية الإشارة إلى فضله ومقامه السامي، نعم ربّما يقتضي المقام التصريح باسمه، كأن يكون المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه، أو تعليم للناس بأن يصفوه (صلى الله عليه وآله وسلم)بما في هذه الآيات، نظير قوله الآتي: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ).4

1 . الأحزاب: 28.   2 . الأحزاب: 45.
2 . الأحزاب: 50 .
3 . الأحزاب: 59 .
4 . الأحزاب: 40 .

صفحه 26
وقوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)1.
وقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ).2
قوله تعالى:(اتَّقِ اللهَ) هذا هو الخطاب الأوّل حيث أمر الله نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالثبات والمواظبة على التقوى، نظير قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، حيث يرتّله النبيّ والأولياء في صلواتهم وهم على صراط الله المستقيم، قال سبحانه مخاطباً النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)3.
قوله تعالى: (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) هذا هو الخطاب الثاني; وقد يشير إلى أنّ هاتين الطائفتين اقترحتا عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)شيئاً ممّا لا يرضى به الله تعالى ومن ثمّ لا يرضى به الرسول، وأمّا ما هو الاقتراح؟ فالآيات لم تتعرّض له، ولكن نقل عدد من المفسّرين خبراً، مفاده: أنّ وفداً من مشركي قريش منهم أبو سفيان، قدم المدينة بأمان من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم ذهبوا ومعهم عبد الله بن أُبيّ وغيره من المنافقين، فطلبوا منه الموادعة، وأن يدع ذكر آلهتهم بسوء، فشقّ ذلك على المسلمين وهمّ عمر بقتل النفر القرشيين، فمنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّه كان أعطاهم الأمان.4
وهذا الخبر ـ مع كونه غير مسند ـ لا يُركن إليه، لأنّ قريشاً كانت قد خبرت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من قبل وهو في مكة، وعرفت صرامته في الحقّ، وثباته على دعوته، ورفضه المساومة عليها، وهو بين ظهرانيهم وفي أشدّ

1 . آل عمران:144.
2 . محمد:29.
3 . يس: 3 ـ 4.
4 . انظر: التحرير والتنوير: 21 / 180; ومجمع البيان: 8 / 525.

صفحه 27
الظروف قساوة، ولم يكن له ناصر ومحام سوى عمّه أبو طالب (رحمه الله)، فكيف تأتي إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)وتقترح عليه المداهنة، والقبول بأنصاف الحلول المذكورة في الرواية، وهو في ظلّ كيان قويّ راسخ القواعد، محميٍّ بالأنصار والأعوان الأشدّاء؟!
ويمكن أن يقال: إنّ مناسبة هذا الخطاب الموجّه إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، والّذي يؤمر فيه بتقوى الله وعدم إطاعة الكافرين والمنافقين، هي أن تكون مقدّمة للآيات التالية الّتي تواجه بشدّة بعض التقاليد الجاهلية، وتأمر باتّباع وحي الله، وعدم الاستماع لاعتراضات المعترضين.
ثمّ علّل نهيه عن الاستماع لاعتراضات الكافرين والمنافقين، بقوله: (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فالله سبحانه عليم بالأُمور وعواقبها، حكيم فيما يدبّره من أُمور، ويشرّعه من أحكام .
2. (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا):
هذا هو الخطاب الثالث، حيث يأمره باتّباع ما يوحى إليه من ربّه، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بعد أن يمضي في طريق التبليغ ولا يكترث لأصوات المعترضين من الكافرين والمنافقين، فإنّ التحلية ـ أي اتّباع الوحي ـ فرع التخلية وهي رفض كلّ صوت يرفض تطبيق أحكام الله (إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا): أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فيجازيكم بحسبها، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر.
3. (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً):

صفحه 28
هذا هو الخطاب الرابع فبعد ما أمره بملازمة التقوى، وعدم الاستماع للكافرين والمنافقين، واتّباع الوحي، أمره رابعاً بالتوكّل; لأنّ الالتزام بهذه الأوامر والنواهي والعمل بها بحاجة إلى استمداد من الله سبحانه والاستعانة به.
سورة الأحزاب: الآيات 4 ـ 6   
نعم ليس التوكُّل بمعنى أخذه سبحانه وكيلاً، أي الانسحاب من الساحة والتخلّي عن المسؤولية، فإنّ تفسير التوكّل بهذا المعنى تفسير غير صحيح، إذ ثمّة فرق واضح بين الموكل والمتوكّل. ففي الأوّل يلقي الموكل عامّة المسؤولية على عاتق الوكيل، ويكون هو الفعّال في ميدان العمل، ومن المعلوم أنّ هذا لو صحّ في بعض الأُمور الاجتماعية لا يصحّ في الأُمور الدينية، فليس للمسلم التخلّي عن المسؤولية بحجة أنّ الله سبحانه يقوم بكلّ شيء، والتوكّل بهذا المعنى يناسب منطق بني إسرائيل حيث قالوا لنبيّهم موسى(عليه السلام): (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ)1.
وفي الثاني فالمتوكّل هو مَن يقبل المسؤولية ويقوم بما له من حول وقوّة في طريق فرائضه وواجباته، غير أنّه يستمد العون من الله سبحانه في رفع المعضلات والمشاكل، ولذلك يقول سبحانه: (وَتَوَكَّل عَلى اللهِ): أي كن متوكّلاً، قائماً بفرائضك، مستعيناً بالله، ويعلِّله بقوله: (وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً): أي معيناً لك ورافعاً لِما يواجهك من مصاعب. وسيوافيك تفصيل ذلك في سورة الطلاق عند تفسير قوله سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).2

1 . المائدة:24.
2 . الطلاق: 3.

صفحه 29

الآيات: الرابعة إلى السادسة

(مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا):

المفردات

جعل: خلق.
تُظاهرون: من ظاهَرَ الرجل من زوجته، إذا قال لها: أنت عليّ كظهر أُمّي، يريد أنت محرّمة عليّ كما أنّ الأُمّ محرّمة، فكان القول المذكور بمنزلة الطلاق.
الأدعياء: جمع دعيّ، وهو الذي يتبنّاه الإنسان. أي يجعله له ابناً.

صفحه 30
ويطلق الدعيّ على المتّهم في نسبه، قال الإمام الحسين (عليه السلام)من كلام له يذكر فيه الطاغية عبيد الله بن زياد بن أبيه: «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد رَكَز بين اثنتين: بين السِّلّة والذلّة، وهيهاتَ منّا الذلّة».
السبيل: الطريق الحقّ.
أقسط: أعدل.
مواليكم: يطلق المولى على القريب مودّة، وعلى الناصر، وعلى الحليف، وعلى غير ذلك ممّا هو مذكور في كتب اللغة.
جُناح: إثم.

التفسير

هذه الآيات بصدد إبطال سنّة جاهلية، وهي سنّة التبنّي، وقد مهّدت له بالتأكيد على بطلان الظِّهار الّذي قضى سبحانه في سورة المجادلة ببطلانه وشرّع فيها الأحكام الخاصّة به لمن أراد الرجوع عنه، وسيوافيك الكلام عنه مفصّلاً عند تفسير السورة المذكورة آنفاً.
وكان الرجل في العصر الجاهلي إذا غضب على امرأته وقصد أن يحرّمها على نفسه تحريماً أبديّاً، شبّه ظهرها بظهر أُمّه ويقول: أنت عليّ كظهر أُمّي.
4. (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ

صفحه 31
ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ):
قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) حقيقة واضحة، إذ لكلّ إنسان في جوفه قلب واحد، وعلى هذا فلابدّ أن تكون لهذه الحقيقة صلة بما تقدّم من الآيات أو بما تأخّر، فهل هي تعليل لما سبق ـ أعني: التكاليف الأربعة من الثبات على التقوى، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، واتّباع الوحي، والتوكّل على الله ـ ؟ أو هي مقدّمة لتسفيه الظِّهار وتقرير نفيه، ومن ثم لإبطال التبنّي وبيان حكمه؟
فالسيد الطباطبائي على الوجه الأوّل، وصاحب الكشّاف ومن تبعه على الثاني، يقول السيد الطباطبائي: لا يبعد أن تكون الجملة في مقام التعليل لقوله السابق: (وَلاَ تُطعِ الكافرينَ وَالْمُنافِقين)، وقوله: (واتّبِعْ ما يُوحى إِليكَ مِنْ رَبّكَ)، فإنّ طاعة الله وولايته وطاعة الكفّار والمنافقين وولايتهم، متنافيتان متباينتان كالتوحيد والشرك لا يجتمعان في القلب الواحد، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.1
وحاصل رأيه رحمه الله تعالى: أنّه ليس للنفس الواحدة أن تتبنّى عقيدتين متنافيتين، فمن جانب يكون رسولاً من الله داعياً إلى التوحيد في المجتمع ومانعاً الناس من الخضوع للأصنام والأوثان، ومن جانب آخر يستجيب لما يلتمسه منه (صلى الله عليه وآله وسلم)الكافرون والمنافقون من أمر لا يرتضيه سبحانه، وقد نزل الوحي الإلهي بخلافه.
هذا، وأمّا صاحب الكشّاف فقد جعله مقدّمة لإبطال السنّتين

1 . الميزان في تفسير القرآن:16/274.

صفحه 32
الجاهليتين المذكورتين، بمعنى أنّه يمتنع أن تكون المرأة الواحدة زوجة وفي الوقت نفسه أُمّاً، كما أنّه يمتنع أن يكون ولد واحد ولداً نسبياً وفي الوقت نفسه هو ولد متبنّى، يقول في هذا الصدد: كيف تجتمع الزوجية والأُمومة في امرأة واحدة، وكيف تجتمع البنوّة والتبنّي في رجل واحد، فالأُمّ مخدومة مخفوض لها جناح الذلّ، والزوجة مستخدمة متصرّف فيها بالاستفراش، وهما حالتان متنافيتان، فكيف يصحّ لرجل أن يجمع هذين الوصفين في قلب واحد؟ كما أنّ البنوّة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية، كيف يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً وغير أصيل، وبهذا صارت هذه الفقرة مقدّمة لإبطال السنَّتين.1
ثمّ إنّ بعض المفسّرين ذكروا لهذه الفقرة شأنَ نزول آخر، قالوا: روي أنّ (معمر، أو جميل الفهري) كان يقول: إنّ لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر ممّا يفهم محمد، وروي أنّه انهزم يوم بدر فمرّ بأبي سفيان وهو معلّق إحدى نعليه بيده والأُخرى في رجله، فقال له: ما فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب، فقال له: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأُخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلاّ أنّهما في رجلي، فأكذب الله قوله وقولهم.2
والدليل على كونه مكذوباً أنّ أبا سفيان كان غائباً عن غزوة بدر وإنّما قاد جيشه في غزوة أُحد، وكان دوره في غزوة بدر أنّه كان يقود قافلة تجارية لقريش بعيداً عن معركة بدر. وعلى كلّ تقدير فمن البعيد أن يهتمّ الوحي لإبطال مهزلة تتعلّق بإنسان تافه، ويقول ردّاً عليه: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل

1 . تفسير الكشّاف: 3/228.
2 . تفسير الكشّاف: 3/226.

صفحه 33
مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) بل الغاية منها أحد الأمرين الماضيين.

إبطال سنّة الظهار (بمعنى الطلاق)

قوله تعالى:(وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ)، قد سبق منّا أنّ الرجل في الجاهلية كان إذا غضب على زوجته قال لها: أنت عليّ كظهر أُمّي، ويجعله طلاقاً لزوجته، فالإسلام أبطل تلك السنّة بأنّ تشبيه ظهر الزوجة بظهر الأُمّ لا يجعلها أُمّاً على الحقيقة، بل أُمّهاتكم هنّ اللاّتي ولدنكم وأرضعنكم، وأين هؤلاء من النساء اللاّتي تزوّجتم بهنّ؟! قال سبحانه: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الْلاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ).1 وسيأتي بيان وجه تشبيه ظهر الزوجة بظهر الأُمّ عند إرادة الزوج تحريمها عليه تحريماً أبدياً، عند تفسير سورة المجادلة.
ثمّ إنّ هدف الإسلام من إبطال هذه السنّة وأنّه لا يتحقّق بها الطلاق هو المحافظة على كيان الأُسرة، وحماية حقوق الزوجة ورفع الظلم عنها، وقد بيّن سبحانه العلاج الناجع لمَن تورّط في مشكلة الظّهار وأراد العود عمّا قاله، في سورة المجادلة، وسيوافيك توضيح ذلك إن شاء الله تعالى.

إبطال سنّة التبنّي وجعله كالولد النسَبي

كان الولد المتبنّى في الجاهلية كالولد النسَبي، فيما يرتّبون له من الحقوق والمعاملات كالإرث، وتحريم القرابة، وتحريم الصهر. بمعنى

1 . المجادلة: 2.

صفحه 34
أنّهم كانوا يجعلون للمتبنّى أحكام البنوّة كلّها، وقد أبطل سبحانه هذه السنّة الجاهلية، بقوله: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ): أي أبناء حقيقيّين لكم إذ هم ليسوا كذلك، وقد ذكر المفسّرون أنّ الآية نزلت في زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبيّ ، تبنّاه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل البعثة، وكان قد وقع عليه السبي، فاشتراه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بسوق عكاظ، فلمّا نُبّئ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه إلى الإسلام فأسلم، فقدم أبوه «حارثة» مكة، وأتى أبا طالب، وقال: سل ابن أخيك، فإمّا أن يبيعه، وإمّا أن يعتقه; فلمّا قال ذلك أبو طالب لرسول الله، قال: «هو حرّ فليذهب حيث شاء»، فأبى «زيد» أن يفارق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال حارثة: يا معشر قريش، اشهدوا أنّه ليس ابني، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اشهدوا أنّه ابني»، يعني زيداً، فكان يُدعى زيد بن محمد، فلمّا تزوّج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)زينب بنت جحش، وقد كانت تحت زيد بن حارثة، قالت اليهود والمنافقون: تزوّج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عنها، فقال الله سبحانه: وما جعل الله من تدعونه ولداً.1
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اشهدوا أنَّه ابني» تأكيد وإعلان لما تبنّاه قبل الوحي وليس أمراً جديداً.
قوله تعالى: (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ): أي جعل الدعيّ ابناً لا حقيقة له عند الله(وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ)فلا الزوجة تصير بالظِّهار أُمّاً، ولا الدعيّ يصير بالتبنّي ابناً (وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ): أي يرشدكم إلى الطريق الوضّاح.
5. (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ

1 . مجمع البيان:8/131.

صفحه 35
فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا):
لمّا أبطل الإسلام التبنّي الرائج في الجاهلية صار بصدد توضيح النهج الصحيح في هذا الطريق وهو أنّ من تبنّى إنساناً فمقتضى الحقّ دعوته باسم أبيه فيقال: زيد بن حارثة; لأنّه هو الذي ولده وخُلِقَ من مائه، فاستحقّ أن ينسب إليه لا إلى مَن تبنّاه، وإليه يشير قوله سبحانه: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ ): أي أعدل عند الله. وقد عرفت وجه القسط، ولو فرض عدم معرفة أبي المتبنّى، فالصحيح أن يُدعى بمقتضى الأُخوّة الدينية ويقال: يا أخي ويا مولاي، كما يقول: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا) أسماء (آبَاءَهُمْ فَـ) هؤلاء (إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) قال تعالى:(إنّما المؤمنُونَ إِخْوَة)1 ثمّ إنّ هؤلاء بعد ذلك هم (مَوَالِيكُمْ) ويُراد من الولاية ـ على الأرجح ـ ، الولاية الدينية لقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض).(2)
ولكن ربّما يجري على ألسن الناس نسبته إلى المتبنّي نسياناً، والله سبحانه يخبر عن عفوه عن ذلك ويقول: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ) من دعائه باسم المتبنّي، لأنّ الخطأ والنسيان مرفوعان في الإسلام.
روى الصدوق بإسناده عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): رُفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه...إلخ».2

1 . الحجر: 10 .   2 . التوبة:71.
2 . الوسائل:11، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.

صفحه 36
هذا في حال الخطأ، وأمّا لو تعمّد الداعي فقد خالف حكم الله تعالى وصار آثماً كما قال: (وَلَكِنْ) الإثم والجناح في (مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) فإنّكم عندئذ مؤاخذون. والظاهر أنّ كلا الفقرتين من الخطأ والعمد ناظر إلى المستقبل، فإنّ الإنسان حسب العادة ربّما ينسى الحكم الشرعي فيخطأ فيدعو الدعيّ باسم متبنّيه، وأُخرى يتعمّد في ذلك كما إذا كان منافقاً أو متساهلاً فلا جناح في الأوّل وإنّما الإثم على الصورة الثانية.
وبما أنّ الخطأ كان مرفوعاً قال سبحانه: (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) فيما أخطأتم، والآية تدلّ على تحريم نسبة الدعيّ إلى غير أبيه، فلذلك استثنى صورة الخطأ، وروي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مَن انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله».1
نعم، ربّما يصف الإنسان بعض مَن يحبّهم ويخاطبه: يا بنيّ، من باب الحنان والعاطفة، وهذا ليس أمراً محرّماً لوجود القرينة على أنّه لا يريد انتسابه إليه.
وعلى كلّ تقدير، فالذي يستفاد من الآيات أنّ الذمّ ليس على التبنّي وإنّما الذمّ على إضافته إلى المتبنّي، وكم من إنسان عقيم يتبنّى يتيماً طريح الطريق ويربّيه، فيسدي له خدمة إنسانية جليلة لكن يلزم أن لا ينسبه إلى نفسه ولا يدعوه مضيفاً له إلى نفسه.
6. (النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ

1 . مجمع البيان:8/132.

صفحه 37
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا):
اشتملت الآية على أحكام ثلاثة:
أ. (النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ).
ب. (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ).
ج. (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض).
وكلّ من الأوّلين تشريع ابتدائي، والثالث إبطال لسنّة جرى عليها الأنصار والمهاجرون قبل نزول هذه الآية في التوارث فيما بينهم.
وإليك دراسة هذه الأحكام.
أمّا الأوّل: يقول سبحانه:(النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ): أي من أنفس المؤمنين، والآية على إطلاقها تدلّ على أنّ كلّ مؤمن في كلّ مورد يرى نفسه أولى به، فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أولى به منه، فلا يختصّ بمورد دون مورد.
مثلاً في مجال الحفظ والكلاءة إذا دار الأمر بين نفس النبيّ وغيره فعليه أن يقيه بنفسه وينجيه بهلاكه، وفي مجال الإرادة فلو أراد المؤمن شيئاً وأراد النبيّ خلافه فيجب تقديم إرادة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
والحاصل: أنّ كلّ ما يتعلّق بالأُمور الدينية أو الدنيوية فإرادة النبيّ مقدّمة على إرادة غيره.
وبذلك يظهر أنّ الوجوه الثلاثة التي ذكرها الطبرسي كلّها من قبيل مانعة الخلوّ لا مانعة الجمع، فالجميع داخل تحت الآية، وهذه الوجوه عبارة عن:

صفحه 38
أ. أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أحقّ بتدبيرهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمهم على أنفسهم، لوجوب طاعته المقرونة بطاعة الله تعالى.
ب. أنّه أَولى بهم في الدعوة، فإذا دعاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء آخر، كانت دعوته أَولى من دعوة أنفسهم.
ج. أنّ حكمه أنفذ عليهم من حكم بعضهم على بعض.1
كلّ ما ذكره فهو من قبيل المصاديق للأَولويّة المطلقة.
وبالجملة فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في كافّة المجالات، فردية كانت أو اجتماعية، سياسية كانت أو دينية، أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وما ذلك إلاّ لأنّه إنسان معصوم لا يحكّم إلاّ المبادئ والمعايير الإلهية في حياة الناس، ولا يسعى إلاّ لمصالحهم الحقيقية. وبذلك يظهر الفرق بين تسلّط فرد على مصير الأُمّة واستبداده بها، وبين تقديم إرادة فرد معصوم لا يفكّر إلاّ في صلاح الأُمّة بعيداً عن الهوى والميول الذاتية، ففي الأوّل هلاك الناس وشقاؤهم، وفي الثاني صلاحهم وسعادتهم.
وتترتّب على هذه الأولوية المطلقة أُمور، وهي:
1. وجوب إطاعته، قال تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(2)،
وقال سبحانه:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ)2.
2. نفوذ قضائه، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ

1 . مجمع البيان:8/134.   2 . النساء:59.
2 . النساء:64.

صفحه 39
وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).1
وقال سبحانه: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).2
وهذه الآيات تشير إلى جانب من جوانب ولايته، وأوضح آية تدلّ على ولايته العامّة على كلّ الناس في كلّ الأُمور هو قوله سبحانه: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).3
وأمّا الثاني: ـ أعني قوله سبحانه: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) ـ : فوجه التنزيل هو تحريم النكاح فقط، إذ هنّ لسن أُمهات المؤمنين على الحقيقة، إذ لو كنّ كذلك لكانت بناته أخوات المؤمنين على الحقيقة، ومن ثمّ لا يحلّ للمؤمنين الزواج بهنّ، مضافاً إلى أنّه لم يثبت شيء من أحكام الأُمومة بينهنّ وبين المؤمنين، إذ لا يحلّ للمؤمنين رؤيتهن ولايرثْنَ المؤمنين ولا يرثونهنّ.4

1 . الأحزاب:36.
2 . النساء:65.
3 . التوبة:24.
4 . مجمع البيان:8/135.

صفحه 40

سؤال وإجابة

ربّما يمكن أن يقال: إنّه سبحانه نهى عن الظّهار وقال: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ) وقال في سورة المجادلة: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الْلاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا)1 لكن نرى أنّه سبحانه نزّل أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منزلة الأُمّهات وقال: (وَأزْواجُهُ أمّهاتُهُم)، فكيف الجمع بينهما؟
أقول: يمكن الإجابة بوجهين:
الأوّل: أنّ محور النفي هو تنزيل الزوجة منزلة الأُمّ تنزيلاً جسمانياً، ومن المعلوم أنّه ليس للزوجة هذا الشأن، ولذلك نرى أنّ الوحي الإلهي صحّح كون المرضعة أُمّاً للإنسان بقوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ)2، لأنّها بلبنها تشدّ عظم المرتضع وتنبت لحمه.
ولكن تنزيل زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)منزلة الأُمّهات من باب آخر، وهو أنّه ربّما ينزل الرجل والمرأة منزلة الأب والأُمّ الروحيين فيطلق على النبيّ أباً روحياً وعلى زوجاته أُمّهات كذلك، وما هذا إلاّ لتكريمهم واحترامهم، وأين هذا ممّا نهى عنه سبحانه في تنزيل الزوجة منزلة الأُمّ عند الظِّهار؟!
الثاني: أنّه فرق بين التنزيلين إذ تنزيل الزوجة منزلة الأُمّ يراد به التنفّر والتباعد والافتراق وهذا النوع من التنزيل مذموم وحرام، وأمّا تنزيل الرجل أو المرأة لغاية التكريم والتجليل فهو أمر رائج، وقد ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه

1 . المجادلة:2.
2 . النساء: 23.
Website Security Test