welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 22*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 22

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 22
 
(22)

صفحه 2

صفحه 3
22
 
 
الجزء الثاني والعشرون ويشتمل على تفسير السور التالية:
الأحزاب، سبأ، فاطر
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحاني تبريزي ، جعفر، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1394 .
      30 ج.    ISBN :978 - 964 - 357 - 556 - 4(VOL.22)
ISBN :978 - 964 - 357 - 510 - 6 (30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زير نويس .
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 492
1394
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 22
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1394 هـ ش / 1436 هـ . ق / 2015 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 488 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 885   تسلسل الطبعة الأُولى: 435
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء عليه بما قدّم.
والصلاة والسلام على نبيّه وخاتم رسله الّذي أتمّ به النِّعم، وكشف به الظُّلَم، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد;
فهذا هو الجزء الثاني والعشرون من أجزاء كتابنا «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» وهو تفسير متواضع للمعجزة الكبرى.. خاتمة الرسالات، الّتي وصفها (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: «هدى من الضلالة، وتبيانٌ من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم، وما عدَل أحد عن القرآن إلاّ إلى النار».1
وهذا الجزء يشتمل على تفسير سورة الأحزاب، وسبأ، وفاطر.
ومن الآيات الباهرة في سورة الأحزاب قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(2) ولمّا كانت الآية من أوضح الأدلّة على عصمة أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذين تمثّلت فيهم كلّ قيم الكتاب المجيد ومبادئه، سلوكاً وتطبيقاً، أشبعنا الكلام في هذا الموضوع إلى حدّ أفردنا له رسالة أوردناها في ختام تفسيرنا لهذه السورة.

1 . الكافي: 2 / 600 برقم 8 ، كتاب فضل القرآن.   2 . الأحزاب: 33.

صفحه 8
وفي هذا الوقت الّذي نقدّم فيه هذا الجزء للطبع تتسارع الأحداث في بلادنا الإسلامية، وتشهد العديد من ساحاتها جرائم وحشية ترتكبها زُمر تكفيرية إرهابية سخّرتها أجهزة المخابرات الغربية ودوائر الصهيونية العالمية، وساندها أُمراء السوء في المنطقة، بغية تخريب البلاد، وتدمير الحضارة، واستنزاف الطاقات، وإشغال المسلمين بعضهم ببعض في صراعات داخلية، لتأمن دويلة إسرائيل الغاصبة ويدوم استقرارها وأمنها.
وآخر هذه الجرائم، هو قتل المسلمين، قبل يومين، في شهر الله!! وفي بيت الله (مسجد الإمام الصادق في الكويت)!! وفي يوم الجمعة!! لا لشيء سوى حبّهم وولائهم لعترة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبالرغم من أنّ الألم يعتصر قلوبنا لهذه المصائب والويلات، فإنّها لاتزال عامرة بالإيمان بأنّه سبحانه سيقيّض لهذه الأُمّة من علمائها الأحرار وشبابها المؤمن الواعي، مَن يقف في وجه هذه الزُّمر الّتي صدفت عن كتاب الله وعن سنّة رسول الله في دعوتهما إلى المحبّة والتآخي والسلام، ويردّ كيدها في نحرها، ويفضح دورها المشؤوم في تلك الخطة الغادرة لأعداء الدين والأُمّة.
اللّهم مُنّ على عبادك الصالحين بالأمن والأمان، واحفظ بلادهم وأرضهم وخيراتهم من تطاول الأعداء، وحصّن ثغور المسلمين بعزّتك، وأيّد حُماتها بقوتك، وأسبغ عطاياهم من جِدَتك، إنّك مجيب الدعاء.
جعفر السبحاني
قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
11 رمضان المبارك 1436 هـ

صفحه 9

سورة الأحزاب

(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً * مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا * وَإِذْ

صفحه 10
أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا *لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا *إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولاً * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَ تُمَتَعُّونَ إِلاَّ قَلِيلاً * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً *

صفحه 11
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة حِدَاد أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً * لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

صفحه 12
وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ
اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا* وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا *إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ

صفحه 13
ضَلاَلاً مُبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ
عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً * مَا كَانَ عَلَى النَّبيِّ مِنْ حَرَج فِي مَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا * وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّة تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ

صفحه 14
وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ
الَّلاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا * لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء رَقِيبًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ

صفحه 15
عَظِيمًا * إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا * لاَ
جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدًا * إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً * يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا * إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا* خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا

صفحه 16
أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ
الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا * إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا).
سورة الأحزاب: خصائص السورة   

صفحه 17
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمِّيت السورة بسورة «الأحزاب» لِما جاء فيها من ذكر أحزاب المشركين من قريش ومَن تحزّب معهم، وجاء لفظ «الأحزاب» فيها ثلاث مرات: اثنتان في الآية 20 والثالثة في الآية 22.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة ثلاث وسبعون آية بالإجماع.
وهي مدنية إجماعاً، ويدلّ على ذلك صياغتها ومضامينها.
قلنا: إنّ آيات السورة ثلاث وسبعون آية بالإجماع، لكن من غريب القول ما في عدد من التفاسير والذي يرفضه العقل السليم.
روى الزمخشري عن زِرّ قال: قال لي أُبيّ بن كعب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثاً وسبعين آية، قال: فوالذي يحلف به أُبيّ بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ولقد قرأنا منها آية الرجم1: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم». وأراد

1 . أخرج البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب أنّه قال: إنّ الله بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بالحقِّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل الله آيةُ الرَّجْم... صحيح البخاري: 4 / 288 برقم 6830، كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزّنى.

صفحه 18
أُبيّ أنّ ذلك من جملة ما نسخ من القرآن .
ثم قال: وأمّا ما يحكي أنّ تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن، فمن تأليفات الملاحدة والروافض.1
وقال القرطبي: وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة وكانت فيها آية الرجم:«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم»، وذكره أبو بكر الأنباري عن أُبيّ بن كعب، وهذا يحمله أهل العلم على أنّ الله تعالى رفع من الأحزاب إليه ما يزيد على ما في أيدينا، وأنّ آية الرجم رفع لفظها.
ثم نقل عن عروة عن عائشة: كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مئتي آية فلمّا كتب المصحف لم يقدر منها إلاّ على ما هي عليه الآن.
ثمّ قال: وأمّا ما يحكى من أنّ تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليف الملاحدة والروافض.2
إنّ كلام الزمخشري والقرطبي يتضمّن أمرين:
الأوّل: أنّهما يسلِّمان بأنّ سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة (الّتي يبلغ عدد آياتها 286 آية) ، ولكن الزيادة نسخت ورفعت من الله لفظاً لا معنى.
الثاني: أنّ ما يقال: إنّ هذه الزيادة كانت مكتوبة في صحيفة في بيت

1 . تفسير الكشّاف: 528 .
2 . تفسير القرطبي:14/113.

صفحه 19
عائشة فأكلتها الداجن، فهي من موضوعات الملاحدة والروافض.
ونحن نعلّق على كلا الأمرين بما يلي:
أمّا الأمر الأوّل: وهو أنّ السورة كانت تشتمل على زيادة شيء، فلا يختصّ نقله بهما، بل نقله كثير من المحدّثين فقد رواه الحاكم والنسائي وغيرهما عن زرّ بن حبيش، كما رواه أبو عبيد القاسم بن سلاّم بسنده وابن الأنباري بسنده عن عائشة.1
ومع ذلك فهو أمر باطل، و السؤال يكمن في سبب الرفع، هل كان الإشكال في ألفاظ الآيات وصيغتها، فلأجل ذلك رفعت، و المفروض أنّها بلغت أعلى درجات الفصاحة والبلاغة على نحو أعجز البلغاء عن المعارضة؟! أو كان الإشكال في المضمون والمعنى، والمفروض بقاؤه ; لأنّ معنى نسخ التلاوة دون الحكم هو أن تسقط آية من القرآن كانت تُقرأ وكانت ذات حكم تشريعي ثم أُنسيت ومحيت عن صفحة الوجود، لكن بقي حكمها مستمراً غير منسوخ.
أقول بصراحة تامّة: إنّ القول بنسخ التلاوة دون الحكم تعبير آخر عن التحريف ولكن بحيلة معسّلة، وهو في المقام محال عاديّ، إذ كيف يمكن أن يبلغ عدد آيات سورة الأحزاب ما يقرب من عدد آيات سورة البقرة وقد نزلت في السنة الخامسة من الهجرة، فرفع أكثر آيات السورة (إمّا في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعد رحيله) حتى لم يبق في ذاكرة أحد من المسلمين والصحابة الكرام، ليلحق بالقرآن عند تأليفه وجمع آياته، وهو

1 . التحرير والتنوير:21/175.

صفحه 20
أمر لا يقبله العقل الحصيف ولا ينسجم مع ما عرف عن جمع من الصحابة من اهتمام شديد بحفظ القرآن الكريم.
يقول السيد الخوئي: أجمع المسلمون على أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد، كما أنّ القرآن لا يثبت به ; وذلك لأنّ الأُمور المهمة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس وانتشار الخبر عنها لا يثبت بخبر الواحد، فإنّ اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطئه، وعلى هذا فكيف يثبت بالخبر الواحد أنّ آية الرجم من القرآن وأنّها نسخت؟ نعم جاء عمر بآية الرجم وادّعى أنّها من القرآن، لكن المسلمين لم يقبلوا منه ; لأنّ نقلها كان منحصراً به فلم يثبتوها في المصاحف.1
وممّن حقّق بطلان نسخ التلاوة دون الحكم من كبار علماء السنّة، محمد بن أحمد السرخسي (المتوفّى حدود 490 هـ ) ، حيث قال: والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)2ومعلوم أنّه ليس المراد الحفظ لديه، فإنّ الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة فعرفنا أنّ المراد الحفظ لدينا... وقد ثبت أنّه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو جوّزنا هذا في بعض ما أُوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه، فيؤدّي ذلك إلى القول بأن لا يبقى شيء ممّا ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف، وأيّ قول أقبح من هذا؟! ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما في أيدينا اليوم أو كلّه مخالف لشريعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن نسخ الله ذلك بعده،

1 . البيان في تفسير القرآن:304.
2 . الحجر:9.

صفحه 21
وألّف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته، فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنّه هو الحافظ لما أنزله على رسوله، وبه يتبيّن أنّه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته، وما ينقل من أخبار الآحاد شاذّ لا يكاد يصحّ شيء منها، ويُحمل قول مَن قال في آية الرجم إنّه في كتاب الله: أي في حكم الله تعالى، كما قال تعالى: (كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ)1: أي حكم الله عليكم.2
***
وأمّا الأمر الثاني: هو أنّ ما نسب إلى عائشة من أنّ الزيادة كانت في صحيفة أكلته داجن البيت، إنّما هو من تأليفات الملاحدة والروافض.
أقول: هذه مهزلة بعد مهزلة، وما أصدق قول القائل عليها:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكمُ *** فكأنّني سبّابة المتندّمِ
لو كان هذا من تأليفات الرافضة لوجد أثر منه في كتبهم مع أنّ هذا قد ورد في كتب الآخرين بلا استثناء.
وهذا هو ابن حزم الأندلسي يروي قصة أكل الداجن الصحيفة بسند يحكم عليه بالصحّة، ويقول: عن عائشة ـ أُمّ المؤمنين ـ قالت: لقد نزلت آية الرجم والرضاعة فكانتا في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها، ثم قال: هذا حديث صحيح

1 . النساء: 24 .
2 . الأُصول للسرخسي: 2 / 79 ـ 80، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني.

صفحه 22
وليس هو على ما ظنّوا، لأنّ آية الرجم إذا نزلت حفظت وعرفت وعمل بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ أنّه لم يكتبها نسّاخ القرآن في المصاحف ولا أثبتوا لفظها في القرآن، وقد سأله عمر بن الخطاب ذلك ـ كما أوردنا ـ فلم يجبه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك فصحّ نسخ لفظها وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها كما قالت عائشة فأكلها الداجن ولا حاجة بأحد إليها، وهكذا القول في آية الرضاعة ولا فرق.1
أقول: هل روى ابن حزم هذه الرواية عن الملاحدة، أو عن الرافضة؟! وهل يجيز أحد أن يُنسَب القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعمرة بنت عبدالرحمان، وقد نقل كلّ منهما تلك الرواية عن عائشة (كما في المحلّى)، أن يُنسبا إلى الملاحدة أو الروافض؟!!
إنّ مثَل القوم في المقام مثَل مَن ارتكب جريمة ثم يبحث عمّن يلقي جريمته على عاتقه، فلمّا كان هذا القول من عائشة أمراً يردّه العقل والنقل، بدأوا يبحثون عمّن يتّهمونه إفكاً بنسبة هذه الرواية إليها ليستريحوا من هذه الخزاية!!
وأخيراً أتعجّب من ابن عاشور ـ في هذا المقام ـ حيث حاول أن يبطل الرواية وينقدها، وعمله هذا مشكور، ولكنّه كرّر ما ذكره صاحب الكشّاف والقرطبي وغيرهما، قال: وكون القرآن قد تلاشى منه كثير، هو أصل من أُصول الروافض ليطعنوا به في الخلفاء الثلاثة، والرافضة يزعمون أنّ القرآن مستودع عند الإمام المنتظر، فهو الذي يأتي بالقرآن وَقْرَ بعير.2

1 . المحلّى لابن حزم: 11/235 ـ 236.
2 . التحرير والتنوير:21/177.

صفحه 23
أقول: كيف يسمح لنفسه أن يعبّر عن شيعة آل البيت(عليهم السلام) بالرافضة ويخالف قول الله سبحانه: (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ)1 ثمّ كيف يدّعي أنّ تلاشي آيات القرآن أصل من أُصول الروافض، وبين يديه كتاب «مجمع البيان» للشيخ الطبرسي وهو يصدر منه حيناً بعد حين، وفي مقدّمته نظر الشيعة في التحريف وبطلانه.
وفي الختام أعتذر من القارئ الكريم حيث خرجنا عن سياق الكتاب، لكن لمّا كان المقام مزلّة الأقدام أردنا ـ هنا ـ إيضاح الحال.

أغراض السورة

تتضمّن السورة شيئاً من الأحكام والقصص والعبر والمواعظ، وفيها قصة غزوة الخندق وإشارة إلى مؤامرة بني قريظة من اليهود، والمهمّ فيها هو الردّ على المنافقين الّذين اتّخذوا من تزوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بمطلّقة زيد ذريعة للتحامل عليه وإثارة الشُّبه حوله.
وعلى كلّ تقدير، فمجموع السورة يدور على محاور ستة:
1. دعوة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الثبات وعدم الثقة بالمنافقين والكافرين.
2. دعوة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى مواجهة الخرافات والتقاليد الجاهلية الّتي تجعل الدعيّ ابناً للمتبنّي، وتُجري عليه أحكام البنوّة الحقيقية من الإرث والنكاح وغير ذلك.
3. بيان ما جرى على المسلمين في غزوة الخندق، ودور المنافقين

1 . الحجرات:11.

صفحه 24
ومَن بقي في المدينة من اليهود في تثبيط المؤمنين وتخذيلهم وبثّ الرُّعب في قلوبهم.
4. بيان ما جرى بين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأزواجه.
5. الأمر بالحجاب والعفاف.
وفي نهاية السورة يذكر عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وإباءهنّ عن الحمل، وحمل الإنسان لها.
سورة الأحزاب: الآيات 1 ـ 3   

الآيات: الثلاث الأُولى

(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً).

المفردات

اتّقِ الله: واظبْ على ما أنت عليه من التقوى واثبت عليه، والتقوى أمر وجوديّ يصون الإنسان من ترك الواجبات واقتحام المحرّمات.
توكَّلْ: أي كن متوكِّلاً. والتوكّل على الله هو تفويض الأمر إليه للثقة بحُسن تدبيره، والوكيل هو المتَّكل عليه بتفويض الأمر إليه .

صفحه 25

التفسير

1. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًما حَكِيمًا):
ترك نداءه بالاسم وقال ـ مكان «يا محمد» ـ (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ) كرامة أو تشريفاً وتنويهاً بفضله، وقد ناداه سبحانه وخاطبه بصفة النبيّ والرسول في هذه السورة، مرّة بعد مرّة، قال تعالى:
1. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّقِ اللهَ).
2. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).1
3. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).(2)
4. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ).2
5. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ).3
فالنداء بالوصف لغاية الإشارة إلى فضله ومقامه السامي، نعم ربّما يقتضي المقام التصريح باسمه، كأن يكون المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه، أو تعليم للناس بأن يصفوه (صلى الله عليه وآله وسلم)بما في هذه الآيات، نظير قوله الآتي: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ).4

1 . الأحزاب: 28.   2 . الأحزاب: 45.
2 . الأحزاب: 50 .
3 . الأحزاب: 59 .
4 . الأحزاب: 40 .

صفحه 26
وقوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)1.
وقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ).2
قوله تعالى:(اتَّقِ اللهَ) هذا هو الخطاب الأوّل حيث أمر الله نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالثبات والمواظبة على التقوى، نظير قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، حيث يرتّله النبيّ والأولياء في صلواتهم وهم على صراط الله المستقيم، قال سبحانه مخاطباً النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)3.
قوله تعالى: (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) هذا هو الخطاب الثاني; وقد يشير إلى أنّ هاتين الطائفتين اقترحتا عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)شيئاً ممّا لا يرضى به الله تعالى ومن ثمّ لا يرضى به الرسول، وأمّا ما هو الاقتراح؟ فالآيات لم تتعرّض له، ولكن نقل عدد من المفسّرين خبراً، مفاده: أنّ وفداً من مشركي قريش منهم أبو سفيان، قدم المدينة بأمان من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم ذهبوا ومعهم عبد الله بن أُبيّ وغيره من المنافقين، فطلبوا منه الموادعة، وأن يدع ذكر آلهتهم بسوء، فشقّ ذلك على المسلمين وهمّ عمر بقتل النفر القرشيين، فمنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّه كان أعطاهم الأمان.4
وهذا الخبر ـ مع كونه غير مسند ـ لا يُركن إليه، لأنّ قريشاً كانت قد خبرت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من قبل وهو في مكة، وعرفت صرامته في الحقّ، وثباته على دعوته، ورفضه المساومة عليها، وهو بين ظهرانيهم وفي أشدّ

1 . آل عمران:144.
2 . محمد:29.
3 . يس: 3 ـ 4.
4 . انظر: التحرير والتنوير: 21 / 180; ومجمع البيان: 8 / 525.

صفحه 27
الظروف قساوة، ولم يكن له ناصر ومحام سوى عمّه أبو طالب (رحمه الله)، فكيف تأتي إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)وتقترح عليه المداهنة، والقبول بأنصاف الحلول المذكورة في الرواية، وهو في ظلّ كيان قويّ راسخ القواعد، محميٍّ بالأنصار والأعوان الأشدّاء؟!
ويمكن أن يقال: إنّ مناسبة هذا الخطاب الموجّه إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، والّذي يؤمر فيه بتقوى الله وعدم إطاعة الكافرين والمنافقين، هي أن تكون مقدّمة للآيات التالية الّتي تواجه بشدّة بعض التقاليد الجاهلية، وتأمر باتّباع وحي الله، وعدم الاستماع لاعتراضات المعترضين.
ثمّ علّل نهيه عن الاستماع لاعتراضات الكافرين والمنافقين، بقوله: (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فالله سبحانه عليم بالأُمور وعواقبها، حكيم فيما يدبّره من أُمور، ويشرّعه من أحكام .
2. (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا):
هذا هو الخطاب الثالث، حيث يأمره باتّباع ما يوحى إليه من ربّه، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بعد أن يمضي في طريق التبليغ ولا يكترث لأصوات المعترضين من الكافرين والمنافقين، فإنّ التحلية ـ أي اتّباع الوحي ـ فرع التخلية وهي رفض كلّ صوت يرفض تطبيق أحكام الله (إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا): أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فيجازيكم بحسبها، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر.
3. (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً):

صفحه 28
هذا هو الخطاب الرابع فبعد ما أمره بملازمة التقوى، وعدم الاستماع للكافرين والمنافقين، واتّباع الوحي، أمره رابعاً بالتوكّل; لأنّ الالتزام بهذه الأوامر والنواهي والعمل بها بحاجة إلى استمداد من الله سبحانه والاستعانة به.
سورة الأحزاب: الآيات 4 ـ 6   
نعم ليس التوكُّل بمعنى أخذه سبحانه وكيلاً، أي الانسحاب من الساحة والتخلّي عن المسؤولية، فإنّ تفسير التوكّل بهذا المعنى تفسير غير صحيح، إذ ثمّة فرق واضح بين الموكل والمتوكّل. ففي الأوّل يلقي الموكل عامّة المسؤولية على عاتق الوكيل، ويكون هو الفعّال في ميدان العمل، ومن المعلوم أنّ هذا لو صحّ في بعض الأُمور الاجتماعية لا يصحّ في الأُمور الدينية، فليس للمسلم التخلّي عن المسؤولية بحجة أنّ الله سبحانه يقوم بكلّ شيء، والتوكّل بهذا المعنى يناسب منطق بني إسرائيل حيث قالوا لنبيّهم موسى(عليه السلام): (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ)1.
وفي الثاني فالمتوكّل هو مَن يقبل المسؤولية ويقوم بما له من حول وقوّة في طريق فرائضه وواجباته، غير أنّه يستمد العون من الله سبحانه في رفع المعضلات والمشاكل، ولذلك يقول سبحانه: (وَتَوَكَّل عَلى اللهِ): أي كن متوكّلاً، قائماً بفرائضك، مستعيناً بالله، ويعلِّله بقوله: (وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً): أي معيناً لك ورافعاً لِما يواجهك من مصاعب. وسيوافيك تفصيل ذلك في سورة الطلاق عند تفسير قوله سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).2

1 . المائدة:24.
2 . الطلاق: 3.

صفحه 29

الآيات: الرابعة إلى السادسة

(مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا):

المفردات

جعل: خلق.
تُظاهرون: من ظاهَرَ الرجل من زوجته، إذا قال لها: أنت عليّ كظهر أُمّي، يريد أنت محرّمة عليّ كما أنّ الأُمّ محرّمة، فكان القول المذكور بمنزلة الطلاق.
الأدعياء: جمع دعيّ، وهو الذي يتبنّاه الإنسان. أي يجعله له ابناً.

صفحه 30
ويطلق الدعيّ على المتّهم في نسبه، قال الإمام الحسين (عليه السلام)من كلام له يذكر فيه الطاغية عبيد الله بن زياد بن أبيه: «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد رَكَز بين اثنتين: بين السِّلّة والذلّة، وهيهاتَ منّا الذلّة».
السبيل: الطريق الحقّ.
أقسط: أعدل.
مواليكم: يطلق المولى على القريب مودّة، وعلى الناصر، وعلى الحليف، وعلى غير ذلك ممّا هو مذكور في كتب اللغة.
جُناح: إثم.

التفسير

هذه الآيات بصدد إبطال سنّة جاهلية، وهي سنّة التبنّي، وقد مهّدت له بالتأكيد على بطلان الظِّهار الّذي قضى سبحانه في سورة المجادلة ببطلانه وشرّع فيها الأحكام الخاصّة به لمن أراد الرجوع عنه، وسيوافيك الكلام عنه مفصّلاً عند تفسير السورة المذكورة آنفاً.
وكان الرجل في العصر الجاهلي إذا غضب على امرأته وقصد أن يحرّمها على نفسه تحريماً أبديّاً، شبّه ظهرها بظهر أُمّه ويقول: أنت عليّ كظهر أُمّي.
4. (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ

صفحه 31
ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ):
قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) حقيقة واضحة، إذ لكلّ إنسان في جوفه قلب واحد، وعلى هذا فلابدّ أن تكون لهذه الحقيقة صلة بما تقدّم من الآيات أو بما تأخّر، فهل هي تعليل لما سبق ـ أعني: التكاليف الأربعة من الثبات على التقوى، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، واتّباع الوحي، والتوكّل على الله ـ ؟ أو هي مقدّمة لتسفيه الظِّهار وتقرير نفيه، ومن ثم لإبطال التبنّي وبيان حكمه؟
فالسيد الطباطبائي على الوجه الأوّل، وصاحب الكشّاف ومن تبعه على الثاني، يقول السيد الطباطبائي: لا يبعد أن تكون الجملة في مقام التعليل لقوله السابق: (وَلاَ تُطعِ الكافرينَ وَالْمُنافِقين)، وقوله: (واتّبِعْ ما يُوحى إِليكَ مِنْ رَبّكَ)، فإنّ طاعة الله وولايته وطاعة الكفّار والمنافقين وولايتهم، متنافيتان متباينتان كالتوحيد والشرك لا يجتمعان في القلب الواحد، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.1
وحاصل رأيه رحمه الله تعالى: أنّه ليس للنفس الواحدة أن تتبنّى عقيدتين متنافيتين، فمن جانب يكون رسولاً من الله داعياً إلى التوحيد في المجتمع ومانعاً الناس من الخضوع للأصنام والأوثان، ومن جانب آخر يستجيب لما يلتمسه منه (صلى الله عليه وآله وسلم)الكافرون والمنافقون من أمر لا يرتضيه سبحانه، وقد نزل الوحي الإلهي بخلافه.
هذا، وأمّا صاحب الكشّاف فقد جعله مقدّمة لإبطال السنّتين

1 . الميزان في تفسير القرآن:16/274.

صفحه 32
الجاهليتين المذكورتين، بمعنى أنّه يمتنع أن تكون المرأة الواحدة زوجة وفي الوقت نفسه أُمّاً، كما أنّه يمتنع أن يكون ولد واحد ولداً نسبياً وفي الوقت نفسه هو ولد متبنّى، يقول في هذا الصدد: كيف تجتمع الزوجية والأُمومة في امرأة واحدة، وكيف تجتمع البنوّة والتبنّي في رجل واحد، فالأُمّ مخدومة مخفوض لها جناح الذلّ، والزوجة مستخدمة متصرّف فيها بالاستفراش، وهما حالتان متنافيتان، فكيف يصحّ لرجل أن يجمع هذين الوصفين في قلب واحد؟ كما أنّ البنوّة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية، كيف يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً وغير أصيل، وبهذا صارت هذه الفقرة مقدّمة لإبطال السنَّتين.1
ثمّ إنّ بعض المفسّرين ذكروا لهذه الفقرة شأنَ نزول آخر، قالوا: روي أنّ (معمر، أو جميل الفهري) كان يقول: إنّ لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر ممّا يفهم محمد، وروي أنّه انهزم يوم بدر فمرّ بأبي سفيان وهو معلّق إحدى نعليه بيده والأُخرى في رجله، فقال له: ما فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب، فقال له: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأُخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلاّ أنّهما في رجلي، فأكذب الله قوله وقولهم.2
والدليل على كونه مكذوباً أنّ أبا سفيان كان غائباً عن غزوة بدر وإنّما قاد جيشه في غزوة أُحد، وكان دوره في غزوة بدر أنّه كان يقود قافلة تجارية لقريش بعيداً عن معركة بدر. وعلى كلّ تقدير فمن البعيد أن يهتمّ الوحي لإبطال مهزلة تتعلّق بإنسان تافه، ويقول ردّاً عليه: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل

1 . تفسير الكشّاف: 3/228.
2 . تفسير الكشّاف: 3/226.

صفحه 33
مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) بل الغاية منها أحد الأمرين الماضيين.

إبطال سنّة الظهار (بمعنى الطلاق)

قوله تعالى:(وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ)، قد سبق منّا أنّ الرجل في الجاهلية كان إذا غضب على زوجته قال لها: أنت عليّ كظهر أُمّي، ويجعله طلاقاً لزوجته، فالإسلام أبطل تلك السنّة بأنّ تشبيه ظهر الزوجة بظهر الأُمّ لا يجعلها أُمّاً على الحقيقة، بل أُمّهاتكم هنّ اللاّتي ولدنكم وأرضعنكم، وأين هؤلاء من النساء اللاّتي تزوّجتم بهنّ؟! قال سبحانه: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الْلاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ).1 وسيأتي بيان وجه تشبيه ظهر الزوجة بظهر الأُمّ عند إرادة الزوج تحريمها عليه تحريماً أبدياً، عند تفسير سورة المجادلة.
ثمّ إنّ هدف الإسلام من إبطال هذه السنّة وأنّه لا يتحقّق بها الطلاق هو المحافظة على كيان الأُسرة، وحماية حقوق الزوجة ورفع الظلم عنها، وقد بيّن سبحانه العلاج الناجع لمَن تورّط في مشكلة الظّهار وأراد العود عمّا قاله، في سورة المجادلة، وسيوافيك توضيح ذلك إن شاء الله تعالى.

إبطال سنّة التبنّي وجعله كالولد النسَبي

كان الولد المتبنّى في الجاهلية كالولد النسَبي، فيما يرتّبون له من الحقوق والمعاملات كالإرث، وتحريم القرابة، وتحريم الصهر. بمعنى

1 . المجادلة: 2.

صفحه 34
أنّهم كانوا يجعلون للمتبنّى أحكام البنوّة كلّها، وقد أبطل سبحانه هذه السنّة الجاهلية، بقوله: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ): أي أبناء حقيقيّين لكم إذ هم ليسوا كذلك، وقد ذكر المفسّرون أنّ الآية نزلت في زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبيّ ، تبنّاه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل البعثة، وكان قد وقع عليه السبي، فاشتراه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بسوق عكاظ، فلمّا نُبّئ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه إلى الإسلام فأسلم، فقدم أبوه «حارثة» مكة، وأتى أبا طالب، وقال: سل ابن أخيك، فإمّا أن يبيعه، وإمّا أن يعتقه; فلمّا قال ذلك أبو طالب لرسول الله، قال: «هو حرّ فليذهب حيث شاء»، فأبى «زيد» أن يفارق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال حارثة: يا معشر قريش، اشهدوا أنّه ليس ابني، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اشهدوا أنّه ابني»، يعني زيداً، فكان يُدعى زيد بن محمد، فلمّا تزوّج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)زينب بنت جحش، وقد كانت تحت زيد بن حارثة، قالت اليهود والمنافقون: تزوّج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عنها، فقال الله سبحانه: وما جعل الله من تدعونه ولداً.1
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اشهدوا أنَّه ابني» تأكيد وإعلان لما تبنّاه قبل الوحي وليس أمراً جديداً.
قوله تعالى: (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ): أي جعل الدعيّ ابناً لا حقيقة له عند الله(وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ)فلا الزوجة تصير بالظِّهار أُمّاً، ولا الدعيّ يصير بالتبنّي ابناً (وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ): أي يرشدكم إلى الطريق الوضّاح.
5. (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ

1 . مجمع البيان:8/131.

صفحه 35
فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا):
لمّا أبطل الإسلام التبنّي الرائج في الجاهلية صار بصدد توضيح النهج الصحيح في هذا الطريق وهو أنّ من تبنّى إنساناً فمقتضى الحقّ دعوته باسم أبيه فيقال: زيد بن حارثة; لأنّه هو الذي ولده وخُلِقَ من مائه، فاستحقّ أن ينسب إليه لا إلى مَن تبنّاه، وإليه يشير قوله سبحانه: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ ): أي أعدل عند الله. وقد عرفت وجه القسط، ولو فرض عدم معرفة أبي المتبنّى، فالصحيح أن يُدعى بمقتضى الأُخوّة الدينية ويقال: يا أخي ويا مولاي، كما يقول: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا) أسماء (آبَاءَهُمْ فَـ) هؤلاء (إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) قال تعالى:(إنّما المؤمنُونَ إِخْوَة)1 ثمّ إنّ هؤلاء بعد ذلك هم (مَوَالِيكُمْ) ويُراد من الولاية ـ على الأرجح ـ ، الولاية الدينية لقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض).(2)
ولكن ربّما يجري على ألسن الناس نسبته إلى المتبنّي نسياناً، والله سبحانه يخبر عن عفوه عن ذلك ويقول: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ) من دعائه باسم المتبنّي، لأنّ الخطأ والنسيان مرفوعان في الإسلام.
روى الصدوق بإسناده عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): رُفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه...إلخ».2

1 . الحجر: 10 .   2 . التوبة:71.
2 . الوسائل:11، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.

صفحه 36
هذا في حال الخطأ، وأمّا لو تعمّد الداعي فقد خالف حكم الله تعالى وصار آثماً كما قال: (وَلَكِنْ) الإثم والجناح في (مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) فإنّكم عندئذ مؤاخذون. والظاهر أنّ كلا الفقرتين من الخطأ والعمد ناظر إلى المستقبل، فإنّ الإنسان حسب العادة ربّما ينسى الحكم الشرعي فيخطأ فيدعو الدعيّ باسم متبنّيه، وأُخرى يتعمّد في ذلك كما إذا كان منافقاً أو متساهلاً فلا جناح في الأوّل وإنّما الإثم على الصورة الثانية.
وبما أنّ الخطأ كان مرفوعاً قال سبحانه: (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) فيما أخطأتم، والآية تدلّ على تحريم نسبة الدعيّ إلى غير أبيه، فلذلك استثنى صورة الخطأ، وروي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مَن انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله».1
نعم، ربّما يصف الإنسان بعض مَن يحبّهم ويخاطبه: يا بنيّ، من باب الحنان والعاطفة، وهذا ليس أمراً محرّماً لوجود القرينة على أنّه لا يريد انتسابه إليه.
وعلى كلّ تقدير، فالذي يستفاد من الآيات أنّ الذمّ ليس على التبنّي وإنّما الذمّ على إضافته إلى المتبنّي، وكم من إنسان عقيم يتبنّى يتيماً طريح الطريق ويربّيه، فيسدي له خدمة إنسانية جليلة لكن يلزم أن لا ينسبه إلى نفسه ولا يدعوه مضيفاً له إلى نفسه.
6. (النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ

1 . مجمع البيان:8/132.

صفحه 37
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا):
اشتملت الآية على أحكام ثلاثة:
أ. (النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ).
ب. (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ).
ج. (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض).
وكلّ من الأوّلين تشريع ابتدائي، والثالث إبطال لسنّة جرى عليها الأنصار والمهاجرون قبل نزول هذه الآية في التوارث فيما بينهم.
وإليك دراسة هذه الأحكام.
أمّا الأوّل: يقول سبحانه:(النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ): أي من أنفس المؤمنين، والآية على إطلاقها تدلّ على أنّ كلّ مؤمن في كلّ مورد يرى نفسه أولى به، فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أولى به منه، فلا يختصّ بمورد دون مورد.
مثلاً في مجال الحفظ والكلاءة إذا دار الأمر بين نفس النبيّ وغيره فعليه أن يقيه بنفسه وينجيه بهلاكه، وفي مجال الإرادة فلو أراد المؤمن شيئاً وأراد النبيّ خلافه فيجب تقديم إرادة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
والحاصل: أنّ كلّ ما يتعلّق بالأُمور الدينية أو الدنيوية فإرادة النبيّ مقدّمة على إرادة غيره.
وبذلك يظهر أنّ الوجوه الثلاثة التي ذكرها الطبرسي كلّها من قبيل مانعة الخلوّ لا مانعة الجمع، فالجميع داخل تحت الآية، وهذه الوجوه عبارة عن:

صفحه 38
أ. أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أحقّ بتدبيرهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمهم على أنفسهم، لوجوب طاعته المقرونة بطاعة الله تعالى.
ب. أنّه أَولى بهم في الدعوة، فإذا دعاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء آخر، كانت دعوته أَولى من دعوة أنفسهم.
ج. أنّ حكمه أنفذ عليهم من حكم بعضهم على بعض.1
كلّ ما ذكره فهو من قبيل المصاديق للأَولويّة المطلقة.
وبالجملة فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في كافّة المجالات، فردية كانت أو اجتماعية، سياسية كانت أو دينية، أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وما ذلك إلاّ لأنّه إنسان معصوم لا يحكّم إلاّ المبادئ والمعايير الإلهية في حياة الناس، ولا يسعى إلاّ لمصالحهم الحقيقية. وبذلك يظهر الفرق بين تسلّط فرد على مصير الأُمّة واستبداده بها، وبين تقديم إرادة فرد معصوم لا يفكّر إلاّ في صلاح الأُمّة بعيداً عن الهوى والميول الذاتية، ففي الأوّل هلاك الناس وشقاؤهم، وفي الثاني صلاحهم وسعادتهم.
وتترتّب على هذه الأولوية المطلقة أُمور، وهي:
1. وجوب إطاعته، قال تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(2)،
وقال سبحانه:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ)2.
2. نفوذ قضائه، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ

1 . مجمع البيان:8/134.   2 . النساء:59.
2 . النساء:64.

صفحه 39
وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).1
وقال سبحانه: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).2
وهذه الآيات تشير إلى جانب من جوانب ولايته، وأوضح آية تدلّ على ولايته العامّة على كلّ الناس في كلّ الأُمور هو قوله سبحانه: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).3
وأمّا الثاني: ـ أعني قوله سبحانه: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) ـ : فوجه التنزيل هو تحريم النكاح فقط، إذ هنّ لسن أُمهات المؤمنين على الحقيقة، إذ لو كنّ كذلك لكانت بناته أخوات المؤمنين على الحقيقة، ومن ثمّ لا يحلّ للمؤمنين الزواج بهنّ، مضافاً إلى أنّه لم يثبت شيء من أحكام الأُمومة بينهنّ وبين المؤمنين، إذ لا يحلّ للمؤمنين رؤيتهن ولايرثْنَ المؤمنين ولا يرثونهنّ.4

1 . الأحزاب:36.
2 . النساء:65.
3 . التوبة:24.
4 . مجمع البيان:8/135.

صفحه 40

سؤال وإجابة

ربّما يمكن أن يقال: إنّه سبحانه نهى عن الظّهار وقال: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ) وقال في سورة المجادلة: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الْلاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا)1 لكن نرى أنّه سبحانه نزّل أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منزلة الأُمّهات وقال: (وَأزْواجُهُ أمّهاتُهُم)، فكيف الجمع بينهما؟
أقول: يمكن الإجابة بوجهين:
الأوّل: أنّ محور النفي هو تنزيل الزوجة منزلة الأُمّ تنزيلاً جسمانياً، ومن المعلوم أنّه ليس للزوجة هذا الشأن، ولذلك نرى أنّ الوحي الإلهي صحّح كون المرضعة أُمّاً للإنسان بقوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ)2، لأنّها بلبنها تشدّ عظم المرتضع وتنبت لحمه.
ولكن تنزيل زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)منزلة الأُمّهات من باب آخر، وهو أنّه ربّما ينزل الرجل والمرأة منزلة الأب والأُمّ الروحيين فيطلق على النبيّ أباً روحياً وعلى زوجاته أُمّهات كذلك، وما هذا إلاّ لتكريمهم واحترامهم، وأين هذا ممّا نهى عنه سبحانه في تنزيل الزوجة منزلة الأُمّ عند الظِّهار؟!
الثاني: أنّه فرق بين التنزيلين إذ تنزيل الزوجة منزلة الأُمّ يراد به التنفّر والتباعد والافتراق وهذا النوع من التنزيل مذموم وحرام، وأمّا تنزيل الرجل أو المرأة لغاية التكريم والتجليل فهو أمر رائج، وقد ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه

1 . المجادلة:2.
2 . النساء: 23.

صفحه 41
قال: «أنا وعليّ أبوا هذه الأُمّة، ولحقُّنا عليهم أعظم من حقّ أبوي ولادتهم».1
ثمّ إنّ تكريم زوجات النبيّ نوع تكريم للنبي، وإهانتهنّ نوع إهانة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فمع أنّ ما جاءت به عائشة (من الحُوب الكبير في معصيتها لربّها ونبيّها، واغترار من اغترّ بها، وما صنعته من التفرقة بين المؤمنين وسفك دماء المسلمين ـ يعني في وقعة الجمل ـ بلا بيّنة ولا معذرة ولا حجّة لها)2، فقد خاطب الإمام علي(عليه السلام) أهل البصرة ـ وهو يذكر عائشة ـ وقال : «أَمَّا فُلاَنَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ النِّسَاءِ، وَضِغْنٌ غَلاَ فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ، لَمْ تَفْعَلْ. وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الاُْولَى، وَالْحِسَابُ عَلَى اللهِ تَعَالى».3
ومع ذلك كلّه فالإهانة شيء وبيان الحوادث المرّة التي ارتكبتها أُمّ المؤمنين عائشة وطلحة والزبير شيء آخر، فتحليل تلك الحوادث وبيان آثارها المخرّبة حقٌّ لكلّ باحث يريد بيان الحقائق على ضوء الكتاب والسنّة والتاريخ الصحيح، واستلهام الدروس والعبر منها.
والعزوف عن البحث في هذه الموارد طمس للحقائق وجريمة علمية.
وأمّا الثالث: أعني قوله تعالى: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي

1 . بحار الأنوار: 66 / 343.
2 . من كتاب لأمير المؤمنين (عليه السلام)إلى قَرظة بن كعب وأهل الكوفة بعد فتح البصرة. الجمل والنصرة لسيد العترة، للشيخ المفيد: 403 (والحُوب: الإثم).
3 . نهج البلاغة: الخطبة:156.

صفحه 42
كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ).
فقوله: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ) مبتدأ(بَعْضُهُمْ) مبتدأ ثان(أَوْلَى بِبَعْض) خبر، ولابدّ من تقدير مضاف محذوف بإرث بعض.
قوله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) متعلّقان بـ(أَولى).
ومعنى الآية: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ): أي الأقارب (بَعْضُهُم): أي بعض الأقارب(أَولى بِبَعض): أي أَولى بإرث بعض (في كِتابِ الله) أَولى (من)إرث (الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ)الأجانب منهم.
وحاصل الآية: أنّ الأرحام مقدّمون في الإرث على الأجانب ولو كانوا مؤمنين.
ثمّ إنّ سبب نزول الآية يوضّح مفادها، أخرج ابن جرير عن قتادة في تفسير قوله: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) قال: لبث المسلمون زماناً يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئاً فأنزل الله هذه الآية فخلط المؤمنين1بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملل2، وفي تفسير المراغي ما يوضح ذلك أكثر، قال: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ)أي أولو الأرحام بحقّ القرابة أَولى بالميراث من المؤمنين بحقّ الدين، وحقّ المهاجرين بحقّ الهجرة فيما كتبه الله وفرضه على عباده. ثم قال: والخلاصة: إنّ هذه الآية أرجعت الأُمور إلى نصابها،

1 . كذا في المصدر ولعلّ الصحيح: فخُلِط المؤمنون.
2 . تفسير الدر المنثور:4/567.

صفحه 43
وأبطلت حكماً شُرّع لضرورة عارضة في بدء الإسلام، وهو الإرث بالتآخي في الدين، والتآخي حين الهجرة بين المهاجرين والأنصار حتى كان المهاجريّ يرث الأنصاريّ دون قرابته وذوي رحمه إذا كان بينهما عقد الأخوّة.1
وعلى كلّ تقدير، فالآية ناسخة للسنّة التي كان التوارث حسبها بالهجرة والدين، فحصرت التوارث بالقرابة، فالقريب أَولى من الأجانب من المؤمنين والمهاجرين.
ويحتمل أن تكون الآية ناسخة لقوله سبحانه:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء حَتَّى يُهَاجِرُوا)(2) فكان الأنصاري يرث المهاجر لعقد الأُخوّة دون قريبه الذي لم يهاجر.
وهل الآية تدلّ على تقدّم ذي الرحم على الأجنبي أو تدلّ ـ وراء ذلك ـ على أنّ بعض الأرحام مقدّم على البعض الآخر، فالآباء والأولاد مقدّمون على الأُخوة والأخوات، وهكذا؟
الظاهر هو الأوّل ; لأنّ المفضَّل هو ذوي الأرحام، والمفضَّل عليه ـ كما قلنا ـ المؤمنون والمهاجرون فلا صلة للآية بتفضيل بعض الأرحام على بعض آخر.
نعم، دلّ الوحي الإلهي على تقدّم بعض الأرحام على الآخر في سورة النساء.2

1 . تفسير المراغي:21/131.   2 . الأنفال:72.
2 . لاحظ : النساء: 11 ـ 12.

صفحه 44
ثمّ إنّه سبحانه استثنى مورداً من عدم توريث الأجنبي ، وأشار إليه بقوله: (إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا)والمراد بالأولياء المؤمنون ـ للولاية في الدين ـ فالأجانب لا يرثون الإنسان إلاّ إذا أوصى الرجل بشيء ممّا ترك له، ومن المعلوم أنّ الوصية لغير الوارث نافذة في مقدار ثلث التركة، وعندنا كذلك حتى في حقّ الوارث. وقد أُثبت في محلّه معنى المأثور عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا وصية لوارث».1
ثمّ إنّ قوله: (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) هل هو راجع إلى الأمر الأخير ـ أعني: الوصية للأولياء ـ أو راجع إلى مجموع ما تضمّنته الآية؟ ولعلّ الثاني أفضل.
ثمّ إنّه يقع الكلام في وجه تكرّر الكتاب في الآية مرّتين، فتارة يقول:(أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ)، وأُخرى يقول:(فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا)ويمكن أن يقال: إنّ المراد بالكتاب في قوله (كِتَابِ اللهِ)المعنى المصدري وهو ما كتب الله وفرض عليهم، بينما المراد بالثاني هو اللوح المحفوظ بقرينة قوله: (فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) فلا يلزم التكرار في المدلول.
بقي الكلام في وجه الصلة بين هذه الآية وما تقدّمها، وهو أنّه سبحانه أبطل وجود الولاية بين المتبنّي والمتبنّى، ثم صار إلى بيان وجود الولاية بين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر المؤمنين، كما بيّن أولوية الأرحام بعضهم ببعض.
سورة الأحزاب: الآيتان 7 ـ 8   

1 . لاحظ : الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف: 2/157 ـ 158.

صفحه 45

الآيتان: السابعة والثامنة

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا *لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا).

المفردات

ميثاقهم: الميثاق: العهد، على وزن مفعال من الوثاق، وهو في الأصل: قيد أو حبل يُشدّ به الأسير والدابة، صارت الواو ياءً لكسر ما قبلها، والجمع المواثيق، وأُريد هنا: العهد المؤكّد، وكأنّ العهد إذا أُكّد يمنع الطرف من النقض، كما يمنع الأسير والدابة من الفرار.
غليظاً : الغليظ: القويّ المتين الخلْق، قال تعالى: (فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)1، واستعير هنا للعظيم الجليل الشأن.
ليسأل: الظاهر أنّ الفاعل هو الله سبحانه.

التفسير

7. (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا):

1 . الفتح:28.

صفحه 46
صلة الآية بما قبلها هو أنّه سبحانه أعطى للنبي صلاحية خاصّة، وهي أولويّته على المؤمنين في كافّة المجالات، وأعقب ذلك ببيان المسؤولية الملقاة على عاتقه إذ الصلاحية لا تنفكّ عن المسؤولية، وأمّا ما هي المسؤولية فهي أمر مشترك بينه وبين سائر الأنبياء، فقال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ)جرت سيرة القرآن على بيان القصص مبتدأ بـ(إِذْ) مجرّداً عن الزمان وكأنّه يقول: «واذكر وقتاً أخذنا من النبيّين ميثاقهم» أي أخذنا منهم عهداً مؤكّداً، وأمّا ما هو هذا الميثاق؟ فقد تضمّنت بيانه سائر الآيات كما سيوافيك(وَمِنْكَ) تخصيص بعد العامّ، قدّم ذكره على سائر الأنبياء للتكريم، ثم بدأ ببيان أسماء سائر الأنبياء العظام أصحاب الشرائع السماوية وقال: (وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) ذكرهم حسب تسلسلهم الزمني، ثم وصف ذلك الميثاق بقوله: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا): أي من الخمسة خاصّة ميثاقاً غليظاً، ولا شكّ أنّ لكلّ ميثاق عظمة ولهذا الميثاق عظمة خاصّة.
قد قلنا: إنّ الآية خلت عن بيان ماهيّة هذا الميثاق المأخوذ من النبيّين، لكن يمكن استكشافه من سائر الآيات، وأنّه سبحانه أخذ منهم الميثاق على نشر التوحيد بين أممهم وعدم الاختلاف فيه، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)1، وقال سبحانه مخاطباً الأنبياء : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)2، وقال سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا

1 . النحل:36.
2 . الأنبياء:92.

صفحه 47
وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)1، فقوله: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) بيان للموصول في قوله: (مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا)فتكون إقامة الدين وعدم التفرقة ممّا وصّى به جميع الأنبياء (عليهم السلام).
وقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ)2 فدراسة هذه الآيات يثبت أنّه سبحانه بعث أنبياءه لأجل نشر التوحيد وعدم التفرقة فيه وتبيين ما أوحى الله إليهم. وبكلمة جامعة: قيامهم بالرسالة التي بُعثوا لأجلها من نشر المعارف وبيان العقائد والأحكام بين الناس، وجعل الناس على خط واحد. ومن المعلوم أنّ هذه المسؤولية مسؤولية كبرى لا يقوم بها إلاّ الأمثل فالأمثل من عباد الله المخلَصين، وهم الأنبياء العظام الذين ورد ذكرهم في الآيات.
8 . (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا):
بما أنّ الآية في مقام التعليل لأخذ الميثاق من الأنبياء العظام، يكون الفاعل في (لِيَسْأَلَ)هو الله سبحانه، والمراد من (الصَّادِقِينَ) أُممهم، وسيوافيك أنّ هذا التعليل ليس علّة قريبة لبعث الأنبياء وأخذ الميثاق، وإنّما هو أثر يترتّب على بعثهم وأخذ الميثاق منهم. والظاهر أنّ المراد من السؤال هو جزاء كلّ حسب عمله، ويكون معنى الآية: إنّا بعثنا الأنبياء وأخذنا منهم ميثاقهم لتبليغ الدين ونشر الأحكام لكي نثيب الصادقين من

1 . الشورى:13.
2 . آل عمران:187.

صفحه 48
الأُمم كما يقول: (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) وهو التفات من التكلّم إلى الغيبة، أي بسبب صدقهم وعملهم، ويجزي الكافرين بكفرهم كما يقول: (وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا).
قلنا: إنّ سؤال الصادقين والكافرين ليس علّة قريبة، فإنّ لأخذ هذا الميثاق عللاً أُخرى قبل السؤال، وهو أنّه سبحانه خلق الإنسان لغاية معيّنة ولا تتحقّق هذه الغاية إلاّ ببعث الرسل إليهم بلسانهم، إلى غير ذلك من الأُمور التي أوجبت بعث الأنبياء، ويترتّب على ذلك إثابة الصادقين بصدقهم وإعداد العذاب الأليم للكافرين.
سورة الأحزاب: الآيات 9 ـ 11   

الآيات: التاسعة إلى الحادية عشرة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا *إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا):

المفردات

جنود: أُريد بهم الأحزاب، وهم: قريش وأحابيشهم ومَن تبعهم من العرب، مع غَطَفان، وكانوا عشرة آلاف مقاتل، توزّعوا على ثلاثة عساكر، وقائد الكلّ أبو سفيان .

صفحه 49
جنوداً لم تروها: هم الملائكة الذين سلّطهم الله على الأحزاب.
من فوقكم: أي من أعلى الوادي من جهة المشرق ومنه نزل بنو غطفان.
من أسفل منكم: أي أسفل الوادي من جهة المغرب، ومنه جاءت قريش ومَن شايعهم.
زاغت الأبصار: انحرفت عن مستوى نظرها حَيرة ودهشة.
الحناجر: جمع حَنجرة، وهي منتهى الحلقوم.
ابتُلي: اختُبروا وامتُحنوا.
زُلزلوا: اضطربوا من الرُّعب .

التفسير

يذكر الله سبحانه في هذه السورة غزوة الأحزاب، وتُسمّى أيضاً غزوة الخندق، وكانت من شدائد الغزوات، وذلك للبَون الشاسع بين الإمكانيات البشرية والمادية لطرفي الصراع، فبينما كانت جيوش الأعداء تضمّ عشرة آلاف مقاتل، كان جيش المسلمين يضمّ ثلاثة آلاف مقاتل .
وقد ذكر سبحانه غزوة الأحزاب في هذه السورة مبتدئاً من الآية التاسعة إلى الآية السابعة والعشرين، وتفسير هذه الآيات التي لخّصت ما جرى بين المشركين والمسلمين من الحوادث رهن بيان أخبار المعركة كما وردت في كتب السيرة، وها نحن نذكر خلاصتها.
لمّا أجلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يهود بني النضير بسبب نقضهم العهد، وسكن

صفحه 50
بعضهم خيبر، صار ذلك باعثاً لأن يخطّطوا ضد النبيّ والمسلمين، فقدم جماعة من ساداتهم إلى مكّة، منهم سلاّم بن أبي الحُقيق وحُيَي بن أخطب، فألّبوا قريشاً ودعوهم إلى حرب رسول الله، وقالوا: سنكون معكم حتى نستأصله فلقد جئنا لنحالفكم على عداء محمد وقتاله.
وقد ترك كلام هؤلاء أثراً عجيباً في نفوس المشركين فأظهروا موافقتهم على خطة اليهود بتأليف جيش من قبائل متعدّدة لمقاتلة المسلمين في المدينة، ثم ذهب سادات بني النضير إلى قبيلة غطفان وبني فزارة وبني مرّة وبني أشجع فدعوهم إلى محاربة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الموعد الذي اتّفقوا فيه مع قريش، فاستجابت تلك القبائل وتحركّت جميع هذه الفئات والأحزاب في جيش كبير هائل قدمت عناصره من مختلف نقاط الجزيرة، نحو المدينة في يوم معيّن وهي تبغي اجتياح مركز الإسلام، واستئصال شأفته.1
ولمّا اطّلع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما اتّفق عليه هؤلاء، دعا أصحابه فوراً وأخبرهم بالخطر المحدق بهم وشاورهم في الأمر، فقام سلمان فقال: يا رسول الله إنّا إذ كنّا بأرض فارس وتخوّفنا الخيل خندقْنا حولنا، فنحفر خندقاً يكون بيننا وبينهم حجاباً، فلا يمكنهم أن يأتوا من كلّ وجه، فأعجب رأي سلمان المسلمين، وكان لهذا التكتيك أثر بارز في حفظ المسلمين.

حصار المدينة بالجيوش المتراكمة

وتتابعت أرتال الجيوش على منطقة أُحد وعلى مقربة من الخندق

1 . انظر: المغازي للواقدي:2/443.

صفحه 51
الذي كان قد تمّ إنجازه في ستة أيام وقيل أكثر، وقد كان الأعداء يتوقّعون أن يلتقوا جنود الإسلام عند جبل «أُحد»، ولكنّهم لم يجدوا أحداً منهم هناك، فتقدّموا نحو المدينة حتى وصلوا إلى الخندق، فلمّا نظروا إليه والذي كان أشبه بحصن منيع يحفظ المدينة من الخطر، فوجئوا به وقالوا: هذه مكيدة ما كان العرب تعرفها قبل ذلك، إنّ هذا من تدبير الفارسي الذي معه.
وكان اليهود ثلاثة بطون معاهدين له (صلى الله عليه وآله وسلم)فنقض بطنان منهم العهد: بنو قينقاع وبنو النضير، وبقيت قُريظة، فدسّ أبو سفيان حُيَي بن أخطب إلى بني قريظة لينقضوا العهد، فتكلّم مع زعيمهم كعب بن أسد، ولم يزل حُيي بكعب يفتله في الذُّروة والغارب حتّى وافق على نقض عهده.
وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)قد وكل جماعة من أصحابه بحفظ الممرّات ونقاط العبور على الخندق ومراقبة تحركات العدوّ، ورصد عناصره، وبذلك كان المسلمون يملكون متراساً قوياً طبيعياً، وغير طبيعي، إذ أنّ سائر محيط المدينة كان مشبَّكاً بالبنيان، والنخيل. لقد حاصر المشركون «المدينة» ما يقرب من شهر واحد، ومكثوا خلف الخندق متحيّرين ولم يستطع أحد منهم عبور الخندق سوى أفراد معدودين، سيأتي ذكرهم لاحقاً.
وللمسلمين في هذه الفترة قصص جميلة ومواقف رائعة مع عناصر جيش المشركين واليهود ذكرتها صحائف التاريخ الإسلامي في مواضعها.1

1 . لاحظ: السيرة النبوية:3 / 246 ـ 249، دار إحياء التراث العربي، 1421 هـ .

صفحه 52

انتصارات المسلمين

كان الانتصار في هذه الغزوة حليف المسلمين وذلك في ظلّ عوامل مختلفة، نذكر منها أمرين:
الأوّل: أنّ فوارس من قريش تمكّنوا من عبور الخندق، وجالت بهم خيولهم في أرض المسلمين وهم: 1. عمرو بن عبد ودّ العامري، 2. عكرمة بن أبي جهل، 3. هُبَيرة بن أبي وهب المخزومي، 4. نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، 5. ضرار بن الخطاب الفِهريّ.
وتقدّم عمرو أصحابه، ودعا المسلمين إلى المبارزة في كبر وغرور، وأخذ يرتجز ويقول:
ولقد بُححتُ من النداءِ *** بجمعكم هل من مبارز
فأوجد نداؤه رعباً شديداً في معسكر المسلمين.
فبرز إليه عليّ بن أبي طالب فتنازلا وتجاولا، فقتله عليّ (عليه السلام)وبذلك غمرَ السرور معسكر المسلمين، كما أوجد ذلك رعباً شديداً في نفوس الباقين فهربوا راجعين إلى معسكرهم.1
الثاني: قُدِّر أن تقع غزوة الخندق في فصل الشتاء، ولم تكن المِيرة تكفي المشركين لمدّة طويلة، فلو استمروا في حصار المسلمين، فإنّهم سيواجهون مشكلة قلّة العلف وتناقص الطعام، مضافاً إلى أنّ الله سبحانه سلّط عليهم ريحاً عاتية، فلم يجدوا محيصاً من ترك أرض المعركة والعودة

1 . وذكر ابن الأثير أنّه قُتل مع عمرو رجلان، قتل عليّ أحدهما، وأصاب آخر سهم فمات منه بمكّة. الكامل في التاريخ: 2 / 181 ـ 182 .

صفحه 53
إلى مواطنهم. وسيوافيك بعض ما حدث في هذا الشأن من الحوادث المرّة وتآمر المنافقين لتضعيف عزائم المقاتلين المسلمين.
إذا علمت ذلك فلندخل في تفسير الآيات.
9. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا):
ترسم الآية كيفية زحف جيش الأحزاب إلى المدينة المنورة وتقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ): أي ما أنعم الله به عليكم عند مجيء جنود الشرك، وأمّا ما هذه النعمة؟ فقد أشار تعالى إلى جانب منها بقوله: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) فهناك إذاً عاملان غيبيّان مؤثّران في هزيمة جنود الشرك وهما:
الأوّل: الرِّيح، حيث تفرّق جيش الأحزاب بسبب إرسال العواصف عليهم فجأة واشتداد البرد، وكانت الريح من الشدّة بحيث أكفأت قدورهم وقلعت خيامهم ومضاربهم، وأطفأت نيرانهم ، وقد أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حذيفة بأن يدخل في وسط القوم ليخبره بما حلّ بهم، قال حذيفة: فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل ما تفعل بهم، لا تقرّ لهم قدراً ولا ناراً ولابناءً، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش إنّكم والله ما أصبحتم بدار المقام لقد هلك الكراع والخُفّ، ولقينا من شدّة الريح ما ترَون، ما تطمئنّ لنا قدر، ولا تقوم لنا نارٌ، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا إنّي مرتحل.
الثاني: الجنود غير المرئية، والظاهر أنّهم الملائكة، ولعلّ دورهم

صفحه 54
يتمثّل في إلقاء روح التخاذل بين الأحزاب، (وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا)أي مَنْ عمل في طريق انتصار المسلمين ومن قام بتضعيف عزائمهم، كما سيوافيك في تفسير الآيات اللاحقة.
10. (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا):
هذه الآية تبيّن كيفية محاصرة جيش المسلمين من أعلى الوادي ومن أسفله ، وقد قلنا إنّه جاءت قبيلة غطفان ومن بقي من بني النضير من جهة المشرق وهي الجهة العليا، وجاءت قريش ومن انضمّ إليهم من الأحابيش 1 وكنانة من جهة المغرب السفلى، يقول سبحانه: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ)أي الجانب الشرقي (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) الجانب الغربي، ثم تصف بقية الآية الانفعالات النفسية التي امتلكت المسلمين بسبب تفوّق الأحزاب عليهم عُدّة وعدداً، وهي عبارة عن:
1. (وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ): أي مالت أبصارهم عن كلّ شيء فلم ينظروا إلاّ إلى أعدائهم مقبلين من كلّ جانب.
2. (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ): أي كادت قلوبهم أن تخرج من مكانها.
3. (وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا): أي يتصوّرون أنّ الكفّار سيغلبونهم ويسيطرون على المدينة، وأنّ الله سبحانه لن ينصر دينه ونبيّه.

1 . الأحابيش: قوم من العرب خارج مكة، كانوا حلفاء قريش، وسمّوا الأحابيش لأنّهم اجتمعوا عند جبل بأسفل مكة اسمه (حُبْشي) وتحالفوا على أنّهم مع قريش يد واحدة على غيرهم. انظر: معجم البلدان: 2 / 214 .

صفحه 55
قال الشريف الرضي (رحمه الله) ـ حول هذه الآية ـ : وهاتان استعارتان فأمّا قوله تعالى: (وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ)فالمراد به تشتّت ألحاظها وعدولها عن جهة استقامتها نظراً إلى مطالع الخوف وجزعاً من مواقع السيف، ومن عادة الخائف المتوقع أن يكثر إلتفاته وتتقسّم ألحاظه . وأمّا قوله: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) فالمراد به ـ والله أعلم ـ انتفاخ الرئات من الرُّعب، من قولهم للخائف الجبان انتفخ سَحْره، والسَّحْر: الرئة، وكني عنها بالقلب لتجاورهما في الجوف، ويجوز أن يكون المراد بذلك نبوّ القلوب عن أماكنها وانزعاجها من معاطنها لشدّة الرُّعب وعلوّ الكرب، فإذا انزعجت القلوب عن مستقرّاتها فإنّما تطلب صُعُداً، فلذلك حسن أن يقال: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) ويجوز أن تكون القلوب هاهنا كناية عن النفوس، ويكون معنى بلوغها الحناجر مقاربتها الخروج من عظيم الجزع وشدّة الهلَع.1
11. (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا):
كانت هذه الغزوة كأُختها غزوة أُحد تمحيصاً وغربلة وتمييزاً للمؤمن الصادق الّذي لا تُزعزع إيمانَه المصاعب ولا الشبهات والوساوس، عن صاحب الإيمان الضعيف والمنافق المتظاهر بالإيمان، كما يقول: (هُنَالِكَ)هذه الكلمة يشار بها إلى البعيد مع أنّ المعركة لم تكن بعيدة زماناً، لكن بما أنّ الآية نزلت بعد جلاء المعركة أُشير بها إلى زمان مجيء الجنود المتقدّم على نزول الآية (ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ): أي امتُحنوا واختُبروا لتظهر كلّ نفس

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 218 .

صفحه 56
على حقيقتها (وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا): أي اضطربوا اضطراباً شديداً.
وهكذا صارت هذه المعركة ابتلاء يميّز المؤمن المخلص القويّ الإيمان، عن المؤمن الضعيف الإيمان والمنافق الّذي لم يؤمن قلبه، كما ستحكيه الآيات التالية.
سورة الأحزاب: الآيات 12 ـ 17   

الآيات: الثانية عشرة إلى السابعة عشرة

(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولاً * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَ تُمَتَعُّونَ إِلاَّ قَلِيلاً * قُلْ مَنْ ذَا الذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا):

المفردات

غروراً: وعداً لا حقيقة له. والغرور ظهور الشيء المكروه بصورة المحبوب.

صفحه 57
يثرب: من أسماء المدينة.
مُقام: الإقامة.
عَورة: ذات عورة، أي خلل لا يأمن صاحبُها دخولَ السارق. والعورة: الثغرة بين الجبلين الّتي يتمكّن العدو من التسلّل منها إلى الحي. وأرادوا هنا أنّ بيوتهم ذات عورة لأنّها خالية من الرجال فيخاف عليها من سرق السرّاق، فجعلوا خلوّ البيوت من الرجال ثغرة فيها.
الأقطار: واحدها قُطر، وهو الناحية والجانب.
الفتنة: المراد بها هنا الإرتداد عن الإسلام والرجوع إلى الشرك.
لآتوها: بالمدّ: أعطوها، وبلا مدّ: فعلوها.
تلبّثوا بها: ما أقاموا بالمدينة.

التفسير

دسائس المنافقين لفتح الثغرات

12.(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا):
كان قوله: (وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا) يحكي عن ضعف معنويات فريق من المسلمين وحالاتهم، وأمّا هذه الآية وما بعدها فتحكي عن دسائس المنافقين، والتي منها نسبة الخدعة والكذب إلى الله سبحانه كما يقول: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ)الذين

صفحه 58
تظاهروا بالإيمان وما هم بمؤمنين حقّاً (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): أي ضعفاء الإيمان (مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا): أي أنّه سبحانه ورسوله وعدا المسلمين بالنصر، لكنّه وعد خال من أيّة حقيقة. وهذه هي الدسيسة الأُولى التي تكون مقدّمة لفتح الثغرات على نفسيّات المسلمين. وإليك الدسيسة الثانية:
13. (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا):
قام المنافقون بشنّ حرب نفسيّة تستهدف تفريق المسلمين وشقّ صفوفهم من خلال إثارة مشاعر الخوف واليأس في نفوس المؤمنين، وتثبيط عزائمهم عن الدفاع والقتال، وكانوا يقولون للمسلمين: لا وجه لإقامتكم هاهنا قبال جنود المشركين، فالغلبة لهم لا محالة، كما يحكي سبحانه عنهم بقوله: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ): أي اتركوا مواقعكم وارجعوا إلى بيوتكم، فإنّكم لا طاقة لكم بهذه الجحافل من المشركين . ثمّ إنّهم تجسيداً لمؤامرتهم كانوا يستأذنون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لترك ساحة المعركة كما يقول: (وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ)معتذرين و (يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ): أي ذات ثُغرة فنخاف عليها من السرّاق، والله سبحانه يكذبهم قائلاً (وَمَا هِيَ بِعَوْرَة) بل بيوتهم كانت في مأمن من السرقة وإنّما اتّخذوا هذه الحجّة الكاذبة ذريعة للفرار من ساحة الجهاد والكفاح، كما يقول: (إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا).

صفحه 59
قال السيد الشريف الرضي (رحمه الله) ـ حول هذه الآية ـ : وهذه استعارة لأن المراد بالعورة هاهنا الموضع الّذي يتوقّى منه الرجل في الحرب والغيلة، يقال: أعور فلان لعدوّه أي أمكنه من ظهره، ومنه قولهم: رجل مُعْوِر أي مكشوف العيوب لمن أراد عيبه، وأصله مأخوذ من عورة الإنسان وهي ما يُستفحَش ظهوره للناس، فكان المعنى: أنّ بيوتنا مكشوفة، وللغارة معرَّضة، لأن يدخل منها العدو إلى المدينة فصارت بمنزلة العورة للمدينة كما يخاف الرجل في الحرب أن يؤتى من عورة، ويُرى من موضع غفلة.1
14. (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا):
لمّا أكذب سبحانه المنافقين ومرضى القلوب في الآية السابقة، وكشف عمّا تُكنّ صدورهم بقوله: (إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا)، بيّن مصداق ذلك، فقال (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا): أي من نواحيها يعني المدينة أو البيوت، يقال: دخل عليه المكان، أي دخله وهو فيه، والمعنى: ولو دَخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزّبة مدينتهم أو بيوتهم من نواحيها (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ): أي سأل الأحزاب هؤلاء الردّة عن الدين، لأتوها (بغير مدّ) قراءة أهل الحجاز، أي لفعلوها وخرجوا عن رياض الإسلام ودخلوا في مستنقع الكفر، وأمّا على قراءة المدّ فهي بمعنى لأعطوا ما سُئلوا إعطاءه من ذلك. وعلى هذا فالآية بمنزلة الاستدلال على ما تقدّم في الآية السابقة حيث قال:

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 219 .

صفحه 60
(وَمَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا) والشاهد لذلك أنّه لو اقتحم هؤلاء المشركون المدينة وطلبوا من هؤلاء الارتداد عن الإسلام لفعلوه ـ على قراءة ـ أو لأعطوه ـ على قراءة أُخرى ـ وهذا دليل على عدم ثبات الإيمان في قلوبهم .
ثمّ إنّه سبحانه ذيّل الآية بقوله: (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا) الضمير يرجع إلى الفتنة، وفيه وجهان:
1. قوله (وَمَا تَلَبَّثُوا) عطف على قوله: (لآتَوْهَا) والمعنى: ما ابطأوا في قبول الفتنة إلاّ يسيراً، أي لا يتأمّلون إلاّ يسيراً ثم يدخلون في الفتنة.
2. أنّهم لا يلبثون بعد الإجابة إلى الكفر إلاّ قليلاً حتى يعاجلهم الله تعالى بالعذاب.
والوجه الأوّل هو الأفضل إذ هو إكمال للآية، كما أنّه ينسجم مع طبيعة أكثر الناس، الّذين قال فيهم الإمام الحسين (عليه السلام): «الدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت به معايشهم، فإذا محِّصوا بالبلاء قلَّ الديّانون».1
15. (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولاً):
الآية تحكي أنّ هؤلاء المتذرّعين بحجّة واهية من أجل ترك مواقعهم والرجوع إلى بيوتهم، كانوا قد عاهدوا الله في الغزوات السابقة أنّهم لا يتركون ساحة الحرب ولا يولّون الأدبار وهؤلاء ـ كما يقول عدد من

1 . كشف الغمة: 2 / 241 ; مقتل الخوارزمي: 234 .

صفحه 61
المفسّرين ـ هم بنو حارثة وبنو سَلِمة حيث كادت هاتان الطائفتان أن تَجبُنا وتضعُفا، وهمّتا بالرجوع حين خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمعركة أُحد، ثم تابوا وعاهدوا النبيّ ألاّ يتركوا ساحة الجهاد في أي غزوة بعدها، يظهر ذلك من تفسير قوله سبحانه: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).1
قال الطبرسي: والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة، حيّان من الأنصار ثم نقل عن الجبّائي: نزلت في طائفة من المهاجرين وطائفة من الأنصار، وكان سبب همهم بالفشل أنّ عبد الله بن أُبيّ ابن سَلول دعاهما إلى الرجوع إلى المدينة عن لقاء المشركين يوم أُحد فهمّتا به ولم تفعلاه. وعلى كلّ تقدير فهؤلاء ـ إذا صحّ أنّ الآية تعنيهم ـ نقضوا عهدهم أيضاً، كما يقول: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ): أي من قبل الخندق (لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ)ينصرون النبيّ ولا ينهزمون (وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولاً): أي يُسألون عنه في الآخرة.
إلى هنا تمّ البيان القرآني لتعريف هؤلاء بالأُمور التالية:
1. اتّهام الله ورسوله بالغرور: (مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا).
2. الفرار من ساحة الجهاد بعذر واه: (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ...).
3. لو افتُرض انتصار الكافرين ودخولهم المدينة، لأعلن هؤلاء ارتدادهم عن الإسلام إلى الشرك، لو سئلوا ذلك .
4. مع أنّهم عاهدوا الله ألاّ يفرّوا من الميدان، ولكنّهم نقضوا أَيْمانهم وليعلموا أنّهم مسؤولون عن العهد يوم القيامة.

1 . آل عمران:122.

صفحه 62
ثمّ إنّه سبحانه أمر نبيّه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعظهم ويذكّرهم بأمرين:
16. (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً):
الأوّل: لو قدّر عليكم الموت فالموت يأخذكم ولو كنتم في بروج مشيّدة، وإن لم يقدّر عليكم الموت فستبقون في هذه الدنيا أياماً قليلة مقرونة بالذلّ والهوان، كما يقول: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ) إذا قُدّر موتكم تقديراً قطعياً، ونظيره قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْر فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).1
ولو افترضنا عدم تقدير الموت (وَإِذًا لاَ تُمَتَّعُونَ): أي لا تحيون(إِلاَّ قَلِيلاً) و ما قيمة حياة تحت الذل والهوان.
17. (قُلْ مَنْ ذَا الذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا):
سورة الأحزاب: الآيات 18 ـ 20   
الثاني: هذا هو التذكير الثاني، وهو أنّ مصائر العباد بيد الله سبحانه، فإنْ أراد أن يُنزل بكم عذاباً فإنّ أحداً لا يقدر على منعه ممّا يريد فعله بكم ، كما يقول: (قُلْ مَنْ ذَا الذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً) وإن أراد سبحانه بكم رحمة فلا رادّ لفضله، وعلى هذا (وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا)يتولّى نفعهم (وَلاَ نَصِيرًا) يدفع عنهم .

1 . يونس: 107 .

صفحه 63
فإذا كان موقف الإنسان من الله سبحانه هو هذا فعليه أن يُطيع أمر الله سبحانه ولا يخالفه قيد شعرة.
وما أروع قول أبي فارس الحمداني:
إذا لم يُعِنْكَ اللهُ فيما ترومُهُ *** فليس لمخلوق إليه سبيلُ
وإنْ هو لم ينصرْكَ لم تَلقَ ناصراً *** وإنْ عزَّ أنصارٌ وجلَّ قبيلُ

الآيات: الثامنة عشرة إلى العشرين

(قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة حِدَاد أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً):

المفردات

المعوّقين: المثبِّطين عن القتال مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 64
هلمّ إلينا: أي أقبلوا إلينا.
البأس: الشدّة، وأُريد هنا الحرب والقتال.
أشحّة: جمع شحيح أي البخيل، وأُريد هنا البخل بالنصرة.
تدور أعينهم: أي تدير أعينهم أحداقهم من شدة الخوف أو إلى جانب رأسهم كالموتى.
سَلَقوكم: آذوكم بالكلام، والسَّلق: قوّة الصوت والصياح.
حِداد: جمع حديد، وهو كلّ شيء نافذ، قال تعالى: (وَبَصَرُكَ اليَومَ حَديد)1 يقال: لسان ذَرب، ولسان حادّ.
بادون: أي متفرِّقون في البادية مع الأعراب.

التفسير

تضمّنت هذه الآيات أحوال المنافقين ومَن في قلوبهم مرض، وقد تقدّم ذكر بعض صفاتهم الناهضة إلى أربع، وإليك بقية أوصافهم وأحوالهم، والإمعان فيها يكشف لنا ما للقوم من الأوصاف والأحوال، وذلك يُعلم من خلال تفسير الآيات التالية:
18. (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً):
أوّلاً: يقوم هؤلاء بتثبيط عزائم المقاتلين وتخذيلهم ، ويدعون

1 . ق: 22.

صفحه 65
إخوانهم إلى الانسحاب من الميدان بذريعة الإبقاء على حياتهم، والله سبحانه يخبر عن علمه بموقفهم الخبيث من هذا الأمر، ويقول: (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ): أي المثبطين (وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا): أي ارجعوا إلينا. وبهذا يسعَون إلى تقليل عدد المقاتلين أمام جحافل المشركين الضخمة.
ثانياً: (وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً): أي لا يحضرون القتال إلاّ كارهين فتكون قلوبهم مع المشركين، فهؤلاء بين مثبِّط يمنع الناس من الاشتراك في الجهاد، وبين مشارك مع الناس لكن عن كُره.
19.(أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة حِدَاد أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا) :
تتضمّن الآية وصفين مختلفين من أوصاف هؤلاء:
ثالثاً: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ): أي بخلاء عليكم ببذل النفس والنفيس، إذ لا إيمان لهم بالآخرة حتى يبذلوا أنفسهم في سبيل الله، وإنّما يشارك في الجهاد ويستعدّ للتضحية بنفسه وبما في يده، مَن كان يعتقد بأنّ الله سبحانه سوف يبدّل الحياة الدنيا إلى حياة طيبة أُخروية، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ

صفحه 66
اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).1
رابعاً: (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)هؤلاء هم الذين إذا ظهرت أمارات الخوف ينظرون إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد دارت أعينهم في رؤوسهم كدوران عين مَن يعالج سكرات الموت. وهذه هي شيمة كلّ جبان رِعديد يستبدّ به الخوف على نفسه ونفيسه، فهو لا يبصر، ولو أبصر خرجت عيناه عن الحالة الطبيعية واضطربتا في جَفنيهما.
خامساً: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة حِدَاد): أي بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، أعطونا أعطونا، فلستم بأحقّ بها منّا. فهؤلاء عند الخوف تدور أعينهم في رؤوسهم خوفاً وفزَعاً، وأمّا عند الأمن فيطلقون ألسنتهم في المؤمنين والمجاهدين طعناً وتجريحاً واتّهاماً. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْد حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ. وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ».(2) وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَاللهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ. وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ».(3) وقال (عليه السلام)أيضاً: «اللِّسَانُ سَبُعٌ، إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ».2
سادساً: (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) فلو حاز المسلمون الغنائم، فهؤلاء حريصون على أخذ  كلّ سهامهم منها بكَيل دقيق. ولو أردنا أن نعبّر عن حالاتهم فيمكن أن يقال: جبناء حين البأس، أشحّاء حين الغنيمة، نظير قول الشاعر:

1 . التوبة:111.      2 . نهج البلاغة: الخطبة 176 .   3 . نهج البلاغة: الخطبة 176 .
2 . نهج البلاغة: قصار الكلم، برقم 60 (وعَقَر: عضَّ، ومنه الكلب العَقور).

صفحه 67
أســد علــيّ وفــي الحـروب نعامة *** فتخاء تنفر من صفير الصافرِ
سابعاً:(أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا) ذلك لأنّهم بين منافق لم يؤمن أبداً، وبين مَن في قلبه مرض، مردّد بين الإيمان والكفر، (فـ)صارت نتيجة ذلك أن (أَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ) اليسيرة فيما لو شاركوا في حفر الخندق أو غير ذلك، إذ لا يجتمع الثواب مع النفاق والحرص على الحياة والتثبيط عن الجهاد. وللمتكلّمين من الإمامية والمعتزلة والأشاعرة بحث حول الحبط الذي هو عبارة عن عدم الاعتداد بالأعمال الصالحة، بسبب الرجوع إلى الكفر، فعمل هؤلاء نظير من جمع حطباً لرفع الحوائج ثم أضرم فيه النار.
قال الشريف الرضي (رحمه الله) ـ حول هذه الآية ـ : وهذه استعارة والمراد بسلقوكم هاهنا: طعنوكم بألسنتهم وغمروكم بذمّهم وعيبهم، وأصل السلق شدّة وقع الصوت، ومنه خطيب سلاّق ومسلاق، قال الأعشى:
فيهمُ الخصبُ والسماحة والنجدة *** فيهمُ والخاطب السلاّق
ويُروى المسلاق. وعندي أنّ ذلك مأخوذ من قولهم سلق الراكب ظهر البعير إذا أدبره يسلقه سلقاً، فيكون قوله تعالى: (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة حِدَاد): أي أثّروا فيكم بأقوالهم وحزّوا في قلوبكم بكلامهم، كما أثّر هذا الراكب في ظهر البعير بإدمان السير وأنماط الرَّحل، ووصف الألسنة بالحدّة محض الاستعارة تشبيهاً لها بمضارب الصِّفاح ولهاذم الرماح، لشدّة وخزها في القلوب وحزّها في الجَنوب .1

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 219.

صفحه 68
20. (يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً):
ثامناً: مع أنّ الأحزاب هُزموا وتركوا المدينة وتفرّقوا إلى مواطنهم، لكنّ المنافقين لجبنهم يتصوّرون أنّ الأحزاب بعدُ باقون، وأنّ لهم عَودة، وما هذا إلاّ لإحاطة الذُّعر والفزع بهم. قال الإمام علي (عليه السلام): «فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ»1، وهؤلاء جمعوا هذه الغرائز، وقد مضى أنّهم كانوا يظنون بالله الظنون.
تاسعاً: (وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ) فقد بلغ بهم الجبن إلى درجة أنّهم يتمنّون لو عادت الأحزاب، أن يكونوا بعيدين عن المدينة قاطنين في البادية مع الأعراب كما يقول: (وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ): أي جاء الأحزاب كرّة أُخرى، لاحتاط المنافقون حيث (يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ) .
عاشراً: (يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ): أي يكون موقفهم، إذ هم هناك في البادية، أنّهم يسألون كلّ قادم عن أخباركم وعمّا جرى عليكم ولا يكونون معكم .
سورة الأحزاب: الآيات 21 ـ 25   
حادي عشر: (وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً) لو كان هؤلاء المنافقون مع المؤمنين لم يقاتلوا إلاّ قدراً يسيراً يوهمون أنّهم مع المؤمنين، كلّ ذلك رياء وسمعة.

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 53 .

صفحه 69
ومن هنا يعلم وجه تركيز القرآن الكريم على المنافقين والتنديد بهم وحثّ المؤمنين على الحذر منهم، فهذه صفاتهم وحالاتهم عند طروء الشدائد على المسلمين، فهم مكان أن يدافعوا عن البلاد التي يعيشون على أرضها، يثبّطون عزائم المقاتلين الذائدين عن الحِمى ، إلى غير ذلك من المواقف المخزية.

الآيات: الحادية والعشرون إلى الخامسة والعشرين

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً * لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا).

المفردات

أُسوة: قُدوة.
نَحبَه: النَّحْب: النذر، يقال: قضى فلان نحبه، أي مات كأنّ

صفحه 70
الموت نَذْر في عُنقه.
بغيظهم: الغيظ: الغضب إذا كان عظيماً، خصوصاً إذا كان مقروناً بالخيبة.

التفسير

لمّا تضمّنت الآيات السابقة حال المنافقين ومن في قلوبهم مرض، وكيفية لقائهم العدو، إلى غير ذلك ممّا عرفت، ناسب أن يذكر حال المؤمنين الصادقين المخلصين لله في القول والعمل، إذ هم على طرف النقيض مع الفئات السابقة، ويُعلم ذلك بالمقابلة، فالطائفة السابقة لمّا رأوا الأحزاب زاغت أبصارهم وبلغت قلوبهم الحناجر وظنّوا بالله الظنون السيئة واتّهموا الله سبحانه ورسوله بالغرور، وحاولوا التسلّل عن مواقعهم، ولم يقتصروا على ذلك بل بذلوا هممهم في بثّ روح الانهزام في صفوف ضعفاء الإيمان، كما مرّ عليك تفسيره.
وأمّا المؤمنون، فلمّا وقعت أعينهم على تلك الحشود الهائلة للعدوّ استقبلوا الأمر بصدور رحبة، وقلوب مطمئنة، قائلين: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا).
21. (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا):
النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو القدوة، لأنّ الله سبحانه عصمه عن الذنب والخطأ، فعلى المؤمنين أن يتّخذوه أُسوة وأن يقتدوا به في كافّة المجالات

صفحه 71
خصوصاً في مواطن القتال، وكان الإمام علي(عليه السلام)، وهو هو في شجاعته وإقدامه، يقول : «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ».1
ولم يُر منه (صلى الله عليه وآله وسلم)في ساحات الجهاد إلاّ الثبات، ولذلك انكسرت رباعيته في غزوة أُحد، وشُجّ حاجبه، وقُتل عمّه حمزة، ومع ذلك بقي في ساحة الحرب ثابتاً كالجبل الراسخ، ولذلك يقول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)فاتّخذوه قدوة، لكن لا يتّخذه قدوة إلاّ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر كما يقول: (لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا)حتى لا يغفل عن ذكر الله سبحانه. ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى فئة اتّخذت رسول الله أُسوة في مقابل المنافقين، فيقول:
22. (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا):
تتطرّق الآية إلى بيان حال المؤمنين الحقيقيّين الذين يستقبلون الموت والجهاد في سبيل الله برحابة صدر ولا يخافون العدوّ، بل يرونه سلّماً للانتصار كما يقول: (وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ) فمكان أن يولّوا الأدبار أو تنتابهم الشكوك في صدق ما أخبر به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا).
اين قول هؤلاء واستقبالهم العدوّ من تقوّل المنافقين والّذين في قلوبهم مرض: (مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا).(2)
وليس هذا ـ أعني: تزايد الإيمان والتسليم ـ إلاّ ثمرة يانعة للإيمان

1 . نهج البلاغة: غرائب كلامه(عليه السلام)برقم 9.   2 . الأحزاب: 12.

صفحه 72
الراسخ. ويظهر من الآية أنّ الله سبحانه ورسوله وعد المؤمنين بمواجهة الأحزاب في مستقبل أمرهم، وقد ذكر المفسّرون هنا وجهين:
أحدهما: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد أخبرهم أنّه تتظاهر عليهم الأحزاب ويقاتلونهم، ووعدهم الظفر بهم، فلمّا رأوهم تبيّن لهم مصداق قوله، وكان ذلك معجزاً له (وَمَا زَادَهُمْ)مشاهدة عدوهم (إِلاَّ إِيمَانًا): أي تصديقاً بالله ورسوله (وَتَسْلِيمًا) لأمره.
الآخر: أنّ الله تعالى وعدهم في سورة البقرة بقوله:(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ)1 ما سيكون من الشدّة التي تلحقهم من عدوهم، فلمّا رأوا الأحزاب يوم الخندق قالوا هذه المقالة، علماً منهم أنّه لا يصيبهم إلاّ ما أصاب الأنبياء، والمؤمنين قبلهم، وزادهم كثرة المشركين تصديقاً ويقيناً وثباتاً في الحرب(عن قتادة وغيره).(2)
23. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً):
لمّا أخبر الله سبحانه عن المنافقين والذين في قلوبهم مرض بنقض العهد وقال: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولاً) وكان تولّي الأدبار من صفات المنافقين، صار الثبات والاستعداد للقاء العدو والعزم على بذل النفس والنفيس من صفات المؤمنين، ولذلك

1 . البقرة: 214.   2 . مجمع البيان: 8/159.

صفحه 73
يقول: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ): أي عملوا بعهدهم وحقّقوه، وهم على طائفتين:
1. (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ): أي وفى بعهده واستشهد، ولعلّه إشارة إلى مَن استشهد يوم بدر وأُحد.
2. (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) الشهادة وتحقيق ما عاهد الله عليه، (وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً): أي لم يغيِّروا العهد الذي عاهدوا الله عليه، كما غيّره المنافقون، فتكون هذه الآية في مقابل الآية الخامسة عشرة.
24. (لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا):
«اللام» في قوله: (لِيَجْزِيَ) للعلّة، والمراد بالصادقين المؤمنون بقرينة قوله: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ). والباء في قوله: (بِصِدْقِهِمْ) للسببية، ولكنّ مثوبة المؤمنين علّة لما سبق، أي الأمر بالجهاد مع العدو وأمّا تعذيب المنافقين فليس علّة لما سبق، بل هو أمر يترتّب عليه قهراً، وتوصف اللام المقدَّرة في قوله (وَيُعَذِّبَ) بلام (العاقِبَة) مثل قوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا).1
وعلى هذا فالله سبحانه أمر الصادقين بالجهاد والثبات أمام العدو وصيانة كيانهم ودينهم، لماذا؟ ليثيبهم على العمل بعهدهم والوفاء به كما يقول: (لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ).
إلاّ أنّه قد ترتّب على ذلك التكليف (الجهاد في سبيل الله) تعذيب

1 . القصص:8.

صفحه 74
المنافقين لخُلفهم العهد دون أن يكون التعذيب غاية للتكليف، كما يقول: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ).
ثمّ إنّه سبحانه علّق التعذيب بالمشيئة تنبيهاً على أنّ باب الرحمة مفتوح بوجههم، كما يقول: (إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)إذا تابوا (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) يشير إلى وجه قبول توبتهم.
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي قال: إنّ في الآية من حيث كونها بيان غاية نكتة لطيفة هي: أنّ المعاصي ربّما كانت مقدّمة للسعادة والمغفرة لا بما أنّها معاصي، بل لكونها سائقة للنفس من الظلمة والشقوة إلى حيث تتوحّش النفس وتتنبّه فتتوب إلى ربّها، وتنتزع عن معاصيها وذنوبها فيتوب الله عليها في الغاية.1
وما ذكره إنّما يتمّ إذا كانت «اللام» المقدّرة في قوله: (ويُعَذِّبَ) لام الغاية، ولكنّك عرفت أنّ اللام هنا للعاقبة، أي ما يترتّب على الشيء بلا قصد ولا نيّة.
25. (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا):
الغيظ هو الغضب الشديد خصوصاً إذا كان مقروناً بالحرمان والخيبة، والباء في (بِغَيْظِهِمْ)للملابسة، والمصدر بمعنى الفاعل أي غائظين. والظاهر أنّ الآية عطف على قوله: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا)فصارت النتيجة ما يحكيه بقوله: (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) غائظين (لَمْ يَنَالُوا

1 . الميزان في تفسير القرآن:16/291.

صفحه 75
خَيْرًا): أي انتصاراً، ويحتمل أن يكون المراد بالخير هو الغنيمة بشهادة قوله سبحانه:(إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ)1 ولعلّ الإغارة على أموال المدنيين وثرواتهم وأراضيهم كانت أحد الدوافع التي دعت المشركين للتحزّب لقتال المسلمين، ولكن الظاهر هو الوجه الأوّل ; لأنّ يهود خيبر كانوا من الأثرياء، كما أنّ قريشاً لم يكونوا فقراء وإنّما الباعث على تجمّعهم هو القضاء على الإسلام والمسلمين، لِما يمثّلانه من خطر على سيادتهم وأعرافهم وعقائدهم ومصالحهم.
قوله: (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) عطف على قوله: (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) والفقرة تحتمل أحد معنيين:
1. كفى الله المؤمنين كلفة القتال فلم يقاتلوا، وما ذلك إلاّ لأنّ القتال يومئذ يورث المسلمين أضراراً جمّة لكثرة عدد المشركين وقلّة عدد الصادقين في صفوف المسلمين، ولذلك اقتضت مشيئة الله انتصار المسلمين على الكافرين من دون قتال.
2. أنّ المراد أنّه سبحانه هيّأ عوامل انتصار المسلمين
وهزيمة الكافرين بالأُمور التي لم يكن المشركون يتوقّعونها، ويحسبون لها حساباً، حيث قُتل بطلهم في الخندق بيد الإمام علي(عليه السلام)فسبّب ذلك تزعزعاً في معنوياتهم. ولعظمة هذا الحدث قال يحيى بن آدم 2: ما شبّهتُ قتلَ عليٍّ عمراً إلاّ بقول الله عزّ وجلّ: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ

1 . البقرة:180
2 . الأُموي بالولاء، كان فقيهاً، كثير الحديث. روى له أصحاب الكتب الستّة. توفّي سنة (203 هـ). انظر: تهذيب الكمال: 31 / 188 برقم 6778 .

صفحه 76
جَالُوتَ) 1،2 كما سلّط الله الريح عليهم فأكفأت قدورهم وقلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم ، كلّ ذلك وغيره،صار سبباً لعدم نشوب القتال بين الطائفتين، وتحقّق مفاد قوله: (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) ثم يقول:(وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا)وهذان الاسمان يناسبان المقام حيث قهر سبحانه عدوّه.
ثم أشار سبحانه في الآيتين التاليتين إلى موقف جهادي ضد فريق من أهل الكتاب، وهم يهود بني قريظة الّذين نقضوا عهدهم مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في ذلك الظرف العصيب الّذي زحف فيه جيش الأحزاب نحو المدينة، كما راموا الإغارة على المدينة أثناء الحصار، فسار إليهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد هزيمة الأحزاب .
سورة الأحزاب: الآيتان 26 ـ 27   

الآيتان: السادسة والعشرون والسابعة والعشرون

(وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرًا):

1 . البقرة: 251 .
2 . انظر: المستدرك على الصحيحين: 3 / 34 .

صفحه 77

المفردات

ظاهروهم: المظاهرة: المعاونة، وأُريد معاونة بني قريظة للمشركين.
صياصيهم: واحد صيصية، وهي الحصن.

التفسير

تفسير هاتين الآيتين رهن سرد قصة بني قريظة وما دار بينهم وبين يهود بني النضير ونقض الطائفة الأُولى العهد الذي أبرموه مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل سنتين، وإليك بيانها:
كانت المدينة تحتضن ثلاث قبائل من اليهود:
الأُولى: قبيلة بني قَينُقاع وهؤلاء أجلاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن المدينة لنقضهم العهد معه، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)قد وادعهم حين قدم المدينة مهاجراً.
الثانية: قبيلة بني النضير وهؤلاء هم الذين أجلاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً لنفس السبب.
الثالثة: قبيلة بني قريظة الطائفة اليهودية الوحيدة التي كانت تعيش في المدينة في سلام وأمن، وكانوا يلتزمون بالميثاق الذي عقدوه مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لعلمهم بما يلحقهم من ضرر لو نقضوه.
وقد تقدّم منّا أنّ جماعة من اليهود فيهم حُيَيّ بن أخطب، وسلاّم بن أبي الحُقيق، قد ساروا إلى مكّة وحرّضوا أهلها على قتال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتحزّبت الأحزاب، واتّجهوا نحو المدينة، ثمّ رأوا أنّ طريق الانتصار إنّما يُمهّد عبر الاستعانة بمن في داخل المدينة لمصلحة جيش الأحزاب،

صفحه 78
وذلك بأن يدعو يهود بني قريظة إلى نقض العهد الذي أُبرم بينهم وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ليشعل ذلك حرباً بينهم وبين المسلمين، ويشغل المسلمين بفتنة داخلية، وبذلك يمهّد لانتصار المشركين الذين حاصروا المسلمين من وراء الخندق.
وانطلاقاً من هذه الفكرة أتى «حُيَيّ» إلى حصن بني قريظة ودقّ عليهم الباب وعرّف نفسه، فأمر رئيس بني قريظة كعب بن أسد بأن لا يفتحوا له الباب ولكنّه أصرّ، ففتحوا له، فدخل وقال لكعب: يا كعب لقد جئتك بعزّ الدهر، هذه قريش في قادتها وسادتها مع حلفائهم من كنانة، وهذه فزارة مع قادتها وسادتها، وهذه سليم وغيرهم، ولا يفلت محمد وأصحابه من هذا الجمع أبداً، وقد تعاقدوا وتعاهدوا ألاّ يرجعوا حتى يستأصلوا محمداً ومن معه، فانقض العهد بينك وبين محمد، ولا تردّ رأيي، فأجابه كعب قائلاً: لقد جئتني والله بذلّ الدهر!! إنّي لم أر من محمد إلاّ صدقاً ووفاءً، فارجع عنّي فإنّه لا حاجة لي فيما جئتني به.
ولكن حُيَيّ بن أخطب لم يزل يراود كعباً حتى أقنعه بنقض عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن قال كعب: أخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد فأخذه فمزّقه، قال: قد وقع الأمر فتجهّزوا وتهيّأوا للقتال، وبذلك جعلهم أمام الأمر الواقع الذي ظنوا أنّه لا مفرّ منه.1

اطّلاع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على نقض بني قريظة العهد

بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ بني قريظة نقضوا العهد الذي كان بينه وبينهم،

1 . انظر: المغازي:2/456; بحار الأنوار:20/222ـ223.

صفحه 79
فبعث من فوره وفداً، يرأسه زعيما الأوس والخزرج: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة لاستطلاع الأمر، فوجدوهم مكاشفين بالغدر، والنيل من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فشاتمهم سعد بن معاذ1، ثم ناداهم قائلاً: إنّكم قد علمتم الّذي بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير، أو أمرّ منه .
ثم رجعوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا له: عَضَل والقارة.2 فكبّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً برفيع صوته: «الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بالفتح».3
وهذه العبارات تكشف عن مبلغ شجاعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعمق سياسته، فقد حوّل(صلى الله عليه وآله وسلم)الهزيمة إلى انتصار وقد قال كلمته تلك لكي لا تضعف معنويات المسلمين، ولا ينهكهم الخوف إذا سمعوا بنقض بني قريظة العهد، وهم في تلك الظروف الحرجة الشديدة أحوج ما يكونون إلى المعنويات العالية، والإحساس بروح النصر.
لم يقتصر بنو قريظة على نقض العهد وتمزيق صحيفته، بل أنّهم خرجوا من حصونهم فبدأوا عملهم الخياني بالإغارة على المدينة وإرعاب النساء والأطفال الموجودين في البيوت والمنازل، كما بلغ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن طريق عيونه على اليهود أنّهم طلبوا من قريش ألف رجل ومن غطفان

1 . وقال غير واحد: إنّ الّذي شاتمهم، هو سعد بن عُبادة.
2 . أي كغدرهم بأصحاب الرجيع خُبيب وأصحابه، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أمرهم إن وجدوا الغدر أن يخبروه تعريضاً . لاحظ : السيرة النبوية لابن هشام:3 / 232 ـ 233 ; السيرة الحلبية: 2 / 316 ـ 317 .
3 . المغازي:2/459.

صفحه 80
ألف رجل ليغيروا على المدينة عبر حصن بني قريظة، وذلك في وقت كان المسلمون فيه مشغولين بحراسة الخندق، فعظم لهذا الخبر البلاء وصار الخوف على الذراري أشدّ من الخوف على أهل الخندق، وعندئذ بعث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)سلَمة بن أسلم الأنصاري وزيد بن حارثة في جمع من الرجال يحرسون المدينة .1

محاصرة حصن بني قريظة

ما مرّ عليك من تآمر بني قريظة وتمزيقهم العهد واستعدادهم للخروج على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وتسهيل الأمر للمشركين لأن يدخلوا المدينة عن طريق حصنهم أثبت أنّه لا ثقة بعهد اليهود سابقاً ولاحقاً، وأنّ الغِرّ من يقبل قولهم ويثق بهم، ولذلك حاول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يسيطر على آخر أوكار المؤامرة، فأذّن مؤذّن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الناس: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلِّينّ العصر إلاّ في بني قريظة، فحاصر المسلمون حصن بني قريظة خمساً وعشرين ليلة حتى ضاقت بهم الأرض وقذف الله في قلوبهم الرُّعب.
ثمّ كان بينهم وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مذاكرات عن طريق بعض أصحاب النبيّ نظير أبي لبابة وغيره، فطلب بنو قريظة النزول على حكم زعيم الأوس سعد بن معاذ، وقالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان بنو قريظة حلفاء لهم . فصار حكمه فيهم أن تُقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري.(2)

1 . انظر: السيرة الحلبية:2/315; تاريخ الخميس:1/484.   2. السيرة النبوية لابن هشام:2/220.

صفحه 81
ثمّ إنّ هاهنا أسئلة حول قضاء سعد بن معاذ وشبهات أثارها القساوسة والمستشرقون، ونحن قمنا بتحليل ذلك الحكم وأنّه حكمَ حسب ما في توراتهم، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى محاضراتنا التي حرّرها ولدنا الفاضل الشيخ جعفر الهادي في كتاب أسماه «سيد المرسلين».1
إذا وقفت على هذه الحادثة على وجه الإيجاز، فلنرجع إلى تفسير الآيات:
26.(وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا):
قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ): أي بني قريظة (الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ) ناصروهم وأعانوهم (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)اليهود، (مِنْ صَيَاصِيهِمْ): أي من حصونهم وقلاعهم، وهو متعلّق بقوله:(وَأَنْزَلَ)، قوله: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ): أي ألقى الله سبحانه في قلوبهم الخوف الشديد، بحيث لم يجدوا محيصاً إلاّ الاستسلام، وأمّا النتيجة (فَرِيقًا تَقْتُلُونَ)أي: المقاتِلة (وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)وهم النساء والذراري.
قال الشريف الرضي (رحمه الله) ـ حول هذه الآية ـ : وهذه استعارة والمراد بها أنّه تعالى ألقى الرعب في قلوبهم من أثقل جهاته وعلى أفظع بغتاته تشبيهاً بقذفة الحجر إذا صكّت الإنسان على غفلة منه، فإنّ ذلك يكون أملأ لقلبه وأشدّ لروعه.(2)

1 . لاحظ: سيد المرسلين:2/280ـ 295.   2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 219 ـ 220.

صفحه 82
27. (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرًا):
قوله: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ) والظاهر أنّ أراضيهم قسّمت بين المهاجرين لحاجتهم وفاقتهم، دون الأنصار.1 (وَأَمْوَالَهُمْ) قسّمت بين المسلمين (وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤوهَا): أي وأرضاً أُخرى لم تطؤوها بعد بأقدامكم، والظاهر أنّها خيبر، وقد أخبر عمّا سيتحقّق بصيغة الماضي لكونه محقّق الوقوع. ثمّ أكّد الوعد بالنصر وتوريث الأرض، فقال: (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرًا).

النتائج الحاصلة من غزوة بني قريظة

الانتصار على بني قريظة كانت له نتائج إيجابية نذكر منها ما يلي:
1. أنّ الحصون الثلاثة لليهود كان كلّ منها وكراً للمؤامرة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان حصن بني قريظة آخر وكر أسقطه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ودمّره، فخلت الساحة للمسلمين عامّة، وطهرت المنطقة من تلك العناصر الفاسدة.
سورة الأحزاب: الآيات 28 ـ 34   
2. أنّ تقسيم أراضي بني قريظة بين المهاجرين (الغرباء) أتاح لهم الاعتماد على أنفسهم وضمان حياة كريمة لهم ولأهليهم دون أن يعتمدوا على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والأنصار.
3. أوجد ذلك الانتصار رهبة في قلوب يهود خيبر وبذلك ضعفت

1 . مجمع البيان:8/164.

صفحه 83
عزائمهم عندما سيطر عليها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما سيوافيك.
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى غزوة الأحزاب، وقد لخّصنا قصتها بما يناسب الكتاب.

آيات نزلت في نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

الآيات: الثامنة والعشرون إلى الرابعة والثلاثين

(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ

صفحه 84
آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا).

المفردات

زينتها: الزينة: نعيم الدنيا.
تعالَين: أقبلْنَ بإرادتكنّ، واخترن أحد الأمرين.
أُمتِّعكن: أُعطكنّ المتعة من لوازم الحياة، أو بتوفير المهر.
أُسرّحكنّ: أُطلِّقكنّ.
سَراحاً جميلاً: طلاقاً جميلاً من غير خصومة ولا مشاجرة بين الزوجين.
بفاحشة مبيّنة: بمعصية ظاهرة.
يضاعف: من الضِعْف: مثل الشيء يُضمّ إليه، يقال: ضاعفته أي زدت عليه مثله.
يقنت: القنوت هو الطاعة.
أعتدنا: هيّأنا وأعددْنا.
كريماً: أي سالماً من الآفات والعيوب.
كأحد: «أحد» أصله «وَحَدَ» بمعنى الواحد. ويقال للذكر والأُنثى.
تخضعْنَ: لا تلنّ الكلام ولا ترقرقنه، أو لا تُجبْنَ بقول خاضع ليّن.
مرض: أي ريبة وفجور.
قولاً معروفاً: حَسَناً بعيداً من الريبة غير مُطمِع لأحد.
قَرْنَ: من قرّ، يقرّ (من باب علم، يعلم)، بمعنى الاستقرار في البيوت،

صفحه 85
أصله (اقررن) فحذفت الراء الأُولى ونقلت فتحتها إلى ما قبلها وحذفت الهمزة للاستغناء عنها بتحرك القاف فصارت «قرن».
التبرّج: إظهار المرأة محاسنها.
الرجس: الشيء القذر، واستعير هنا للذنوب والنقائص الدينية لأنّها تجعل عرض الإنسان في الدنيا والآخرة مكروهاً كالجسم الملوّث بالقذر.

التفسير

قبل الدخول في تفسير هذه المجموعة من الآيات نتطرق إلى بيان أُمور:

الأوّل: من هنّ أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

المعروف أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) توفّي عن أزواج تسع، وهنّ:
1. أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان.
2. عائشة بنت أبي بكر.
3. حفصة بنت عمر بن الخطاب.
4. أُمّ سَلَمة واسمها: هند بنت أبي أُميّة المخزومية.(وهؤلاء من قريش).
5. جُوَيرية بنت الحارث الخزاعية.
6. ميمونة بنت الحارث الهلالية.
7. زينب بنت جحش الأسدية.

صفحه 86
8 . صفية بنت حُيَيّ النضيرية الخيبرية.
9. سَوْدة بنت زَمعة العامرية القرشية.

الثاني: شأن نزول الآيات

ذكر القمّي في تفسيره: كان سبب نزولها، أنّه لمّا رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من غزاة خيبر وأصاب كنز آل أبي الحُقيق، قلن أزواجه: أعطنا ما أصبت، فقال لهن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قسمته بين المسلمين على ما أمر الله عزّ وجلّ، فغضبن من ذلك وقلن: لعلّك ترى أنّك إن طلقتنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوّجونا؟ فأنف الله عزّ وجلّ لرسوله، فأمره الله أن يعتزلهنّ، فاعتزلهنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مشربة أُمّ إبراهيم تسعة وعشرين يوماً 1حتى حضن وطهرن، ثم أنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية وهي آية التخيير، فقال:
(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)، فقامت أُمّ سلمة أوّل من قامت فقال: قد اخترت الله ورسوله،2 فقمن كلّهن فعانقنه وقلن مثل ذلك.3
وفي «روح المعاني» نقلاً عن تفسير البحر: أنّه لمّا نصر الله تعالى نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وردّ عنه الأحزاب وفتح عليه النضير وقريظة ظنّ أزواجه أنّه

1 . اعتزالهنّ هذه المدة مرويّ عن عمر بن الخطاب، كما في «صحيح البخاري: 4 / 53 برقم 5843»، وعن عائشة، وأبي جعفر الباقر (عليه السلام)، كما في «روح المعاني: 21 / 182».
2 . وروي من طريق أهل السنّة أنّ عائشة هي أوّل مَن اختارت.
3 . تفسير القمي:2/ 167.

صفحه 87
اختصّ بنفائس اليهود وذخائرهم فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بنات كسرى وقيصر في الحليّ والحلل والإماء والخوَل، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق، وآلمْنَ قلبه الشريف بمطالبتهن له بتوسعة الحال وأن يعاملهن بما تعامل به الملوك وأبناء الدنيا أزواجهم، فأمره الله تعالى بأن يتلو عليهنّ ما نزل في أمرهنّ.1

الثالث: طبيعة خطاب القرآن لزوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

قد وردت آيات عديدة حول زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه السورة وفي سورة التحريم، ومن أمعن النظر فيها يقف على أنّ الطابعَ الغالب عليها هو الإنذار والتحذير، وربّما اقترن بعضها بالتكريم، ويكفي في إثبات ذلك ملاحظة الآيات التالية:
1.(إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...).
2. (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة).
3. (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ).
4. (وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى).
يضاف إلى ذلك ما ورد في سورة التحريم حول زوجتيه (عائشة، وحفصة) من التهديد المخيف ، أعني قوله: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ).2

1 . روح المعاني: 21/182.
2 . التحريم:4.

صفحه 88
كلّ ذلك يبيّن لنا مكانة أزواجه(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو أكثرهنّ وأنّهنّ لم يصلن إلى مرتبة جليلة تميّزهن عن سائر النساء، بل إنّ قوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ )1، يدلّ على أنّ ثمّة في المجتمع آنذاك من النساء مَن هنّ أسمى منهن في درجات الإيمان، والطاعة لله ولرسوله. وبما أنهنّ كنّ ذوات صلة بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فالله سبحانه يهدّدهنّ بضعف العذاب عند المعصية، وضعف الأجر عند الطاعة.
إذا وقفت على ذلك فلنرجع إلى تفسير الآيات.
28. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً):
لمّا طالبت زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعضهنّ بأن يوسّع عليهنّ في النفقة وأن ينعمنَ في ظلّه بعيش رغيد، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)يأبى عليهنّ ذلك، لصغَر الدنيا في عينه، وإيثاره عيشة الزهد والتقشّف ، هجرهنّ مدّة شهر إلى أن نزل قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ) أنتنّ مخيّرات بين حالتين:
الأُولى:(إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا): أي السعة والتنعُّم (وَزِينَتَهَا): أي زخرفها (ولعلّه تخصيص بعد تعميم)، أي إن كنتنّ على تلك الحالة (فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ) بإعطائكنّ المهر (وَأُسَرِّحْكُنَّ): أي أُطلقكنّ (سَرَاحًا جَمِيلاً): أي طلاقاً خالياً عن الخصومة والمشاجرة.
قيل: كان الظاهر تأخير التمتيع عن التسريح لِما أنّه مسبّب عنه، إلاّ أنّه

1 . التحريم: 5 .

صفحه 89
قُدِّم عليه إيناساً لهنّ، وقطعاً لمعاذيرهنّ من أوّل الأمر.
29. (وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا):
الحالة الثانية: وهي: (وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ) غير ملتفتات إلى الدنيا ولذّاتها التفاتاً عميقاً فجزاؤكنّ ما ذكره سبحانه في قوله: (فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)ولفظة «من» في (مِنكُنّ) للتبعيض لا للتبيين ويدلّ على ذلك أمران:
الأوّل: أنّ (مِن) البيانية لا تدخل على الضمير وإنّما تدخل على الاسم الظاهر، وهنا دخلت على الضمير.
الثاني: لو كان الجميع على غرار واحد أي مختارات لله ورسوله لاقتصر الوحي على الشّقّ الثاني دون الشقّين.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ بينهنّ مَن كان يريد الدنيا كما أنّ بينهنّ مَن يريد الآخرة، ولكن لمّا رأين الحكم القاطع من الله سبحانه اخترن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال محمد عزّة دروزة: أمّا زوجات النبيّ في وقت التخيير ـ إذا صحّ أنّه عقب وقعة بني قريظة ـ فهنّ عائشة وحفصة وأُم سلمة وسَودة وجُويرية، ولعلّ اللّتين طالبتا بالنفقة هما الأُوليان، وقد يُستلهم هذا ممّا روي من شدّة أبي بكر وعمر لابنتيهما هاتين.1

1 . التفسير الحديث: 7 / 375، الطبعة الثانية، دار الغرب الإسلامي، 1421 هـ .

صفحه 90
ومهما يكن، فالتدبّر في الآية يدلّ على أنّ التخيير بين البقاء والفراق لم يكن طلاقاً، سواء اختارت البقاء أو الفراق، وإنّما كان مقدّمة للطلاق، كما هو ظاهر قوله: (أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ) فإنّ التسريح كناية عن الطلاق، كما في قوله سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان).1
وبذلك يعلم ضُعف ما قيل: إنّ الرجل إذا خيّر امرأته فاختارت زوجها فلا شيء عليه، وإن اختارت نفسها تقع تطليقة واحدة.
ونظير هذا القول في الضُعف ما يقال: إذا اختارت نفسها تقع تطليقات ثلاث، وإذا اختارت زوجها، تقع واحدة.
وفصَل الشافعي بينهما لو نوى الطلاق كان طلاقاً وإلاّ فلا.
وهذه الأقوال الثلاثة لا توافق ظاهر الآية، وظاهر الآية أنّ الطلاق لا يقع بالتخيير. وإنّما يتحقّق إذا اختارت الفراق وتعقبه الطلاق.
ومنه يظهر ضعف الكلام في أنّ التخيير يختصّ بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو يعمّ الآخرين، لأنّه إنّما يتمّ إذا كان نفس التخيير طلاقاً، وقد عرفت أنّ ظاهر الآية كون التخيير مقدّمة لأحد أمرين: إمّا البقاء أو الفراق بالطلاق، وليس للتخيير دور أصلاً حتّى يبحث في كونه من خصائص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وعدمه.
ثمّ إنّ الآية تبيّن أنّ المقام الرفيع عند الله تعالى لا تورثه الزوجية وإنّما تورثه إذا اقترنت بالإحسان والتقوى، وبعبارة أُخرى: إنّ الآية تجسّد مفاد قوله سبحانه: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ).(2)

1 . البقرة:229.   2 . الحجرات:13.

صفحه 91
وبذلك يظهر أنّه سبحانه وإن أشاد في أوّل الآية التالية بأوصاف مَن صحب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)، غير أنّ ذيل الآية يجسّد أنّ الملاك هو التقوى والعمل الصالح، حيث قال:(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).1
فالمدح على سَعته في صدر الآية مقيّد بالعمل بالأحكام، وسيوافيك بيانه في محلّه.
30. (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا):
قال الشريف الرضي (رحمه الله) ـ حول هذه الآية ـ : وهذه استعارة على قراءة مَن قرأ (مُبَيِّنَة)بكسر الياء، فكأنّه تعالى جعل الفاحشة تُبيِّن حال صاحبها وتشير إلى ما يستحقّه من العقاب عليها، وهذا من أحسن الأغراض وأنفس جواهر الكلام .2
وبما أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان معصوماً منزّهاً عن الزلل والخطأ في القول والفعل، فقـد أصبح أُسوة للمسلمين، كما قال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ

1 . الفتح: 28 ـ 29.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 220 .

صفحه 92
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا)1غير أنّ كثيراً من الناس ينظر لمَن له صلة بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفس النظرة إليه(صلى الله عليه وآله وسلم)ويتصوّر أنّ أفراد أُسرته يجب أن يكونوا أسوة مثله، فلو صدرت من أحدهم معصية فسرعان ما تنتقل إلى الآخرين، لتأثّرهم به. ومن هنا هدّد سبحانه أزواج النبيّ بقوله: (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة): أي بمعصية تجاوزت الحدّ في القبح (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ)لماذا؟ لأنّ المعصية منهنّ تسبّب جرأة في نفوس بقية نساء المسلمين، فيكون ذنبهنّ أعظم من ذنوب الأُخريات، كما أنّهنّ لو صرنَ أُسوة للتقوى والعمل الصالح فسوف يجازيهنّ الله بأكثر من استحقاقهنّ، فإنّ تحلّيهنّ بالزهد والعمل الصالح يكون سبباً لرغبة بقية النساء بالاقتداء بهنّ، ولذلك يكون سبباً لمضاعفة الأجر كما قال سبحانه:
31. (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا):
أي ومَن تخضع لله ورسوله وتواظب على طاعتهما، وتعمل عملاً صالحاً، يُعطها سبحانه مثلَي ثواب غيرها، ويهيّئ لها رزقاً كريماً وهو الجنة.
ثمّ إنّ مفاد الآية لا يختصّ بنساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بل يعمّ كلّ مَن له صلة بالأولياء والعلماء والقادة الدينيين ومَن حولهم، فإنّ الناس ينظرون إليهم نفس النظرة إلى أُولئك، ولعلّه إلى ذلك تشير بعض الأحاديث، كقوله (عليه السلام): «إنّما يُداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول

1 . الأحزاب:21.

صفحه 93
في الدنيا».1 وفي بعض الروايات: «يُغفَر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يُغفَر للعالم ذنب واحد».2
إن من له صلة بالنبي والإمام والوليّ والعالم، يشاهد نور الوحي ونور العلم، فلو عصى فإنّما يعصي عن علم، كما أنّه لو أطاع فهو يطيع عن علم.
ولنختم تفسير الآية بما روي عن الإمام السجّاد عليّ بن الحسين(عليه السلام)من أنّ رجلاً قال له: إنّكم أهل بيت مغفور لكم، فغضب الإمام(عليه السلام)وقال:«نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله في أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من أن نكون كما تقول، إنّا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر، ولمسيئنا ضعفين من العذاب، ثم قرأ الآيتين».3
32. (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا):
من أُصول التربية الناجحة هو خطاب من يُراد تربيته بالتجليل والتكريم، بحيث يحسّ المُربّى أنّه إنسان محترم ذو كرامة، وبعد ذلك تأتي مرحلة إرشاده إلى تكاليفه التي فيها صلاحه، وهذا هو الأصل الذي اتّبعه الإمام الحسن(عليه السلام) سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الأكبر عندما أرشد أولاده وأولاد أخيه إلى تعلّم العلم وكتابته، فقد روي أنّه(عليه السلام) دعا بنيه وبني أخيه فقال:

1 . الكافي: 1 / 11 برقم 7 .
2 . الكافي: 1/ 47 برقم 1 ، باب لزوم الحجة على العالم.
3 . مجمع البيان:8/354.

صفحه 94
«إنّكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار آخرين، فتعلّموا العلم، فمَن لم يستطع منكم أن يرويَه أو يحفظه، فليكتبه ويجعله في بيته».1
ترى أنّ الإمام(عليه السلام) يخاطبهم بجملة تضفي على الأولاد عنوان أنّهم صغار اليوم، ولكنّهم لا يبقون على هذه الحالة، بل لا تمضي الأيام إلاّ ويكونوا كبار القوم، كأن يكون أحدهم قائداً سياسياً، أو كاتباً قديراً، أو عالماً في فرع من فروع العلم، إلى غير ذلك.
وهذا الأُسلوب هو الذي اتّبعه القرآن الكريم حيث إنّه عندما أراد أن يكلّفهنّ بثمانية تكاليف فيها صلاحهنّ وفلاحهنّ، ابتدأ بوصفهنّ بأن لهنّ مكانة مرموقة تقتضي أن يلتزمن أكثر من غيرهن بهذه الواجبات، ولذلك قال: (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ)، وذلك لقربهنّ من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وعيشهنّ في بيته الذي هو مهبط الوحي ومنزل الكرامة، إلاّ أنّ المحافظة على هذه المكانة مشروطة بالتزام التقوى، فقال: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ).
وعلى ما ذكرنا فالقيد احترازي، وذلك لأنّ مجرد مصاحبة الأنبياء والأولياء لا تجدي نفعاً ما لم ينطبق سلوك المصاحب مع سلوك النبيّ والوليّ.
ويشهد لذلك أنّه سبحانه قد جعل امرأتي نوح ولوط أُنموذجاً للذين كفروا، وقال: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحِينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ).(2)

1 . تهذيب تاريخ دمشق: 4 / 222 ; بحار الأنوار:2/152.   2 . التحريم:10.

صفحه 95
وبذلك يظهر ضعف قول ابن عاشور : والتقييد بقوله:( إِنِ اتَّقَيْتُنَّ)ليس لقصد الاحتراز عن ضد ذلك، وإنّما هو إلهابٌ وتحريض على الازدياد من التقوى.1 وهو كماترى. وقد أثّرت عقيدة الشيخ في نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)على فهمه لهذه الآية الواضحة، فإنّ الأصل في القيود هو الاحتراز وقد دلّت الآيات السابقة على أنّ نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكنّ مُثُلاً عُليا في التقوى، بل كنّ يخالفنَ النبيّ إلى حدٍّ كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يهجرهنّ شهراً كاملاً!!
كيف يكون قيداً توضيحياً مع أنّه سبحانه ذكر في الآية السابقة أنّ مَن ارتكب منهنّ فاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب؟ وهذا يدلّ على وجود أرضية مستعدّة للانحراف عن التقوى. وقد أثّرت عقيدة الشيخ في تفسير هذه الآية وغيرها من آيات هذه السورة حيث مرّ عليها مروراً سريعاً على خلاف منهجه في غير هذا المقام من تفسيره!!
ثمّ إنّ البيان القرآني بعد أن وصفهنّ بما ذكرنا، أمرهنّ بتكاليف فيها صلاحهنّ في الدنيا والآخرة وهي عبارة عن أُمور ثمانية:
1. (فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ): أي لا تُخضعْنَ القول، لأنّ الباء للتعدية، ولا تجعلنه رقيقاً متفكّكاً مثيراً للشهوة (فَيَطْمَعَ الذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) ولفظ المرض لغة اختلال النظام البدني من قوّة إلى ضعف لكن أُريد هنا مَن ليس له وازع عن المعصية. ثمّ إنّ النهي عن التخضّع ليس بمعنى تكلّمهنّ بأُسلوب خارج عن الأدب ولذلك أمرهنّ بشيء آخر.

1 . التحرير والتنوير:21/240.

صفحه 96
2.(وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا) الذي يألفه الناس بحسب العرف. فعلى هذا ليس لهن التخضّع في الكلام، ولا التكلّم بفضاضة وقسوة، بل أُسلوباً وسطاً بين ذلك.
نعم، الخطاب وإن كان لنساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّ الحكم يشمل نساء المسلمين كافّة، فعليهن أن يتلزمن هذا النهج.
والآية دليل على جواز تكلّم النساء مع الأجانب لكن بالشرط المذكور.
33. (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا):
3. قوله تعالى:(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) هذا هو التكليف الثالث، حيث يأمرهن الله تعالى بالاستقرار في البيوت، وعدم الخروج منها إلاّ لضرورة أو بإذن الزوج، حفظاً لعفافهنّ.
روى غير واحد من المحدّثين عن أنس، قال: جئن (النساء) إلى رسول الله فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«من قعدت منكن في بيتها فإنّها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى»1، وقال الإمام علي(عليه السلام):«ولكلّ شيء زكاة، وزكاة البدن

1 . مسند أبي يعلى:6/142.

صفحه 97
الصيام، وجهاد المرأة حسن التبعّل».1
نعم يجوز لهن الخروج للحج وزيارة الوالدين وعيادة المريض وتعزية الأموات من الأقارب، وصلة الأرحام، وزيارة القبور بشروط خاصّة منها عدم إظهار الزينة وترك التعطّر، وغيرها من الشروط المذكورة في محلّها.

خروج عائشة من بيتها

لا شكّ أنّ الله سبحانه أمر نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستقرار في بيوتهن إلاّ لموارد ضرورية عُرفية، وعندئذ يقع الكلام في خروج عائشة من بيتها.
أشار كثير من مفسّري السنّة عند تفسير قوله: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) إلى خروج عائشة في وقعة الجمل، وحاولوا ـ تأثّراً بعقيدتهم المسبقة فيها ـ تأويل خروجها بأنّه كان عن اجتهاد منها، فإنّها رأت، أنّ في خروجها إلى البصرة مصلحة للمسلمين لتسعى بين فريقي الفتنة بالصلح، فإنّ الناس تعلّقوا بها وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة ورجوا بركتها أن تخرج فتصلح بين الفريقين، وظنّوا أنّ الناس يستحيون منها فتأوّلت لخروجها مصلحة تفيد إطلاق القرار المأمور به في قوله تعالى:(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ).2
ما ذكره ابن عاشور ـ عفا الله عنه ـ قد ذكره غير واحد من المؤرّخين والمفسّرين، فكأنّ كلامهم عبارة عن تقديم المصلحة على النصّ حيث إنّ

1 . نهج البلاغة، الكلمات القصار برقم 136.
2 . لاحظ: التحرير والتنوير:21/243ـ244.

صفحه 98
النصّ يأمر بالاستقرار وعدم الخروج، والمصلحة تأمر بالخروج، فقدّمت عائشة المصلحة على النص، وهو عبارة أُخرى عن الاجتهاد في مقابل النصّ.
ثم إنّ ما ذكره ابن عاشور وغيره مبنيّ على التعامي عن التاريخ المتواتر الذي يصف لنا واقعة الجمل ودواعي نشوب الحرب. ونظراً لأهميّة هذا الموضوع، نودّ أن نبيّن ذلك على وجه الإيجاز، وضمن الفقرات التالية:
1. نقم الناس على عثمان بعد ولايته بستّ سنين، وتكلّم فيه مَن تكلّم. وكان أكثر من يؤلّب عليه طلحة والزبير وعائشة،1 ويدلّ على ذلك أُمور كثيرة، منها:
ـ قول عثمان: (اللّهم اكفني طلحة بن عبيد الله، فإنّه حمل عليَّ هؤلاء وألَّبهم، والله إنّي لأرجو أن يكون منها صفراً، وأن يُسفك دمه)2.
ـ إشارة سعيد بن العاص الأُموي على مروان بن الحكم وأصحابه ـ وهم في طريقهم إلى البصرة ـ بإدراك ثأرهم من عائشة وطلحة والزبير، قائلاً: أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ اقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم.3
ـ قول مروان بن الحكم، وقد رمى طلحة بسهم وهو يقاتل معه في

1 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 175 .
2 . تاريخ الطبري: 5 / 392، دار الفكر، 1407 هـ .
3 . الإمامة والسياسة: 1 / 63; الكامل لابن الأثير: 3 / 209 ; تاريخ ابن خلدون: 2 / 608 .

صفحه 99
معركة الجمل: لا أطلب بثأري بعد اليوم!!1
2. إنّ خلافة الإمام عليّ (عليه السلام)انعقدت بجميع مَن كان بالمدينة من المهاجرين والأنصار وغيرهم، بطوع منهم واختيار، وأوّل مَن بايعه طلحة ثم الزبير.2
وكتب (عليه السلام)ببيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلّهم إلاّ معاوية في أهل الشام.3
3. كانت عائشة خرجت من المدينة حاجّة، وعثمان محصور، ثم صدرت عن الحجّ، فلمّا كانت بسَرِف لقيَها الخبر بقتل عثمان وبيعة عليّ، فانصرفت راجعة إلى مكة، ولحق بها طلحة والزبير ومروان بن الحكم، فلمّا تتامّوا بمكة تشاوروا فيما يريدون من الطلب بدم عثمان، وهمّوا بالشام لمكان معاوية، فصرفهم عبدالله بن عامر عن ذلك إلى البصرة، فتوجّهوا إليها، فأخذوا عثمان بن حنيف عامل عليّ بها، فهمّوا بقتله، فناشدهم الله، وذكّرهم صحبته لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأُشير بضربه أسواطاً، فضربوه ونتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه، ثمّ حبسوه، وقتلوا خمسين رجلاً كانوا معه على بيت المال.4
4. لمّا سارت عائشة إلى البصرة، وبلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحتها الكلاب، فقالت: ما اسم هذا الماء؟ فأخبروها بأنّه ماء الحَوأب، فصرخت

1 . تاريخ خليفة: 181; تهذيب الكمال: 13 / 422 برقم 2975 .
2 . تاريخ ابن خلدون: 2 / 602 ; الطبقات الكبرى: 3 / 31; التذكرة للقرطبي: 623 .
3 . فتح الباري: 7 / 72 .
4 . وفيات الأعيان: 3 / 18 برقم 318 ; الكامل لابن الأثير: 3 / 216 .

صفحه 100
بأعلى صوتها، وقالت: إنا لله وإنّا إليه راجعون، إنّي لَهيَه!! إنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول وعنده نساؤه: «ليت شعري أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوأب»، ثم قالت: ردّوني، فأبى عليها ابن الزبير.
وحديث الحوأب هذا، ذكره الهيثمي عن قيس بن أبي حازم، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزّار، ورجال أحمد رجال الصحيح.1
وفي ضوء ما تقدّم من هذه الحقائق التاريخية الثابتة، نطرح هذه الأسئلة، ونضعها بين أيدي القرّاء الكرام:
الأوّل: أيّة فتنة حدثت، حتّى يقول ابن عاشور وغيره،2 إنّ الناس شكوا إلى عائشة ما صاروا إليه من عظيم الفتنة؟
وأيّ أمر اختلّ وفساد حصل، حتّى يزعم العلاّمة الآلوسي أنّها استشعرت ذلك ؟3
إنّها انصرفت راجعة إلى مكّة، وأبت أن تواصل سيرها إلى المدينة، بمجرد أن سمعت بمقتل عثمان وبيعة عليّ، فمتى شكا إليها الناس، وهي قد قرّرت العودة إلى مكة قبل أن تلتقيهم، وقبل أن تتعرّف على سياسة عليّ (عليه السلام)في قيادة الأُمة وإدارة شؤونها؟!

1 . مجمع الزوائد: 7 / 234; مسند أحمد بن حنبل: 6 / 52، 97 ; مسند أبي يعلى: 8 / 282 برقم 512. ورواه عبدالرزاق الصنعاني في «المصنّف: 11 / 365 برقم 20753» بسند صحيح عن طاووس. كما أودعه المؤرّخون في كتبهم، مثل: تاريخ اليعقوبي: 2 / 181 ; وتاريخ الطبري: 5 / 483 ; والفتوح لابن أعثم: 1 / 460 ; وتاريخ ابن خلدون: 2 / 608، وغيرهم.
2 . التفسير الواضح: 3 / 7 .
3 . روح المعاني: 22 / 9 .

صفحه 101
الثاني: ما الّذي كره طلحة والزبير من أمر عليّ (عليه السلام)، حتّى ينكثا البيعة، وقد بايعا طائعين غير مكرهين؟ وكيف تستجيب أُم المؤمنين عائشة لتحريض ناكثين متمرِّدين على الخلافة الشرعية، وتسير معهم إلى البصرة؟ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَاللهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصِفاً. وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقَّاً هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ».1
ألا يدلّ انثيال الناس على ابن أبي طالب من كلّ جانب، وسرورهم ببيعتهم إيّاه، على أنّ الأُمور ستستقيم له، وأنّهم بخروجهم عليه قد شقّوا عصا الطاعة، وفرّقوا كلمة المسلمين؟ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَمَا رَاعَنِي إلاَّ وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إلَيَّ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِب».(2)
وقال (عليه السلام): «وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ».2
الثالث: هل يُرجى الإصلاح بتأليب الناس، وتحشيد الجيوش، وقطع البلاد؟!
أليس من الأجدر بهم أن يرسلوا وفداً إلى الخليفة الشرعي، للتفاوض معه (أو مع وفد يشكّله الخليفة) في حلّ المشكلات القائمة إن وجدت؟
أليس هذا هو الأُسلوب الأمثل لتحقيق الإصلاح، لو كانوا ينشدونه حقّاً؟!
الرابع: أي إصلاح يُطلب مع تلك الأعمال الّتي ارتكبوها عند

1 . نهج البلاغة: الخطبة 137 .   2 . نهج البلاغة: الخطبة 2 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 229 .

صفحه 102
دخولهم البصرة، وقبل أن تنشب المعركة، ومنها التمثيل بالصحابي الجليل عثمان بن حنيف، وقتل خمسين رجلاً كانوا معه على بيت المال، كما مرّ آنفاً، وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وَخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً، وَطَائِفَةً غَدْراً» .1
الخامس: ما الّذي دعا عائشة، حين مرّت بماء الحوأب وتذكّرت قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى الصراخ والاسترجاع والامتناع عن المسير، إذا كانت قد عقدت نيّتها ـ في هذا المسير ـ على الإصلاح وانتظام الأُمور وحفظ النفوس؟!
ألا يدلّ ذلك على أنّها فهمت من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه بصدد الإنذار والتخويف من عاقبة هذا الموقف تجاه وصيّه (عليه السلام)؟ وأنّه يستدعي غضب الجبّار وسخطه؟
إنّه ـ بلا ريب ـ لقول صادق أمين، متّصل بالغيب، يُحذّرها من مغبّة سلوك هذا الطريق الموحش.
وكم له (صلى الله عليه وآله وسلم)من أقوال في الأُمور المستقبلة، تُرشد الأُمّة إلى معالم السبيل القويم، وتحذّر من اتّباع السُّبل الّتي تفرَّق بهم عن ذلك السبيل. ومن جملة ذلك ما أخبر به (صلى الله عليه وآله وسلم)عن مسير عائشة هذا ومن معها،
كحديث الحوأب المتقدّم، وحديث الناكثين والقاسطين والمارقين،2

1 . نهج البلاغة: الخطبة 172 .
2 . الناكثون: أهل الجمل، لأنّهم نكثوا البيعة، و القاسطون: أهل الشام، لأنّهم جاروا على الحق في عدم مبايعته، والمارقون: أهل النهروان، لثبوت الخبر الصحيح فيهم: إنّهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة. تلخيص الحبير لابن حجر: 4 / 51 .

صفحه 103
وحديث الجَمَل الأدبب.1
وممّا يؤكّد شيوع خبر الجمل بين الناس قبل حدوث المعركة، ما رواه الطبراني بإسناده عن عمير بن سعيد، قال: كنّا جلوساً مع ابن مسعود رضي الله عنه، وأبو موسى عنده، وأخذ الوالي رجلاً فضربه وحمله على جمل، فجعل الناس يقولون: الجَمَل الجَمَل، فقال رجل: يا أبا عبدالرحمن: هل هذا الجمل الذي كنّا نسمع؟ قال: فأين البارقة2 ؟3
ومن العجيب أن يتّهم السيد الآلوسي ما سمّاه بـ (الرافضة) بأنّهم يقولون بمخالفة أُمّ المؤمنين عائشة لأمر الله تعالى ونهيه بالسكون في البيت!!4 مع أنّ القول بمخالفتها تلك قد صدر عن الصحابة والتابعين وغيرهم، وفي مقدّمتهم الإمام عليّ (عليه السلام)، وإليك بعض كلماتهم:
أ. قال عليّ (عليه السلام): «فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَمَا تُجَرُّ الاَْمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا، مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا».5
ب. وقال الصحابي جارية بن قدامة السَّعديّ: يا أُم المؤمنين، والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل

1 . قال الهيثمي: رواه البزّار ورجاله ثقات. مجمع الزوائد: 7 / 234 .
2 . البارقة: السيوف.
3 . المعجم الكبير: 10 / 213 برقم 10504. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد: 7 / 235»: رجاله رجال الصحيح.
4 . روح المعاني: 22 / 9 .
5 . نهج البلاغة: الخطبة 172 .

صفحه 104
الملعون عرضة للسلاح! إنّه قد كان لك من الله ستر وحرمة، فهتكتِ سترَكِ وأبحتِ حُرمتك، إنّه من رأى قتالك فإنّه يرى قتلك...1
جـ . وقال الصحابي عمّار بن ياسر: يا أُمّ المؤمنين، ما أبعدَ هذا المسير من العهد الّذي عُهد إليك؟!(2)
د. وقالت أُمّ سلمة زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لعائشة:... ما أنت قائلة لو أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عارضك بأطراف الفلوات، قد هتكت حجاباً قد ضربه عليك؟2
هـ . وقال التابعيّ زيد بن صوحان (الشهيد في معركة الجمل): أُمِرَتْ ]يعني عائشة[ بأمر وأُمِرْنا بأمر، أُمِرتْ أنّ تقرَّ في بيتها، وأُمرنا أن نقاتل حتّى لا تكون فتنة، فأمرتْنا بما أُمِرتْ به، وركبتْ ما أُمِرنا به .3
إلى غير ذلك من الكلمات.
ونحن نعتذر للقارئ الكريم عن إطالة الكلام في هذا الموضوع، ونودّ أن نختمه بكلمة لأمير المؤمنين (عليه السلام)جمع لنا فيها أمرها، ورسم فيها أُسلوب اتّخاذ الموقف الإسلامي الصحيح في شأنها، قال (عليه السلام): «وَأَمَّا فُلاَنَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ النِّسَاءِ، وَضِغْنٌ غَلاَ فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ، لَمْ تَفْعَلْ. وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الاُْولَى، وَالْحِسَابُ عَلَى اللهِ تَعَالى».4

1 . تاريخ الطبري: 5 / 493 .   2 . تاريخ الطبري: 5 / 582 ; أنساب الأشراف: 1 / 167 .
2 . تاريخ اليعقوبي: 181 ; غريب الحديث لابن قتيبة: 2 / 182 .
3 . تاريخ الطبري: 5 / 514 ; الكامل لابن الأثير: 3 / 216 .
4 . نهج البلاغة: الخطبة 156 .

صفحه 105
4. (وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى)
هذا هو التكليف الرابع، أي لا تظهرنَ محاسن الثياب والحليّ على مرأى الرجال، وقد جاء نظيره في سورة النور قال تعالى: (غَير مُتبرّجات بِزينَة)1; وأُريد من (الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) ما كانت عليه العرب قبل الإسلام، وسمّيت بالجاهلية لأنّهم كانوا جاهلين بالله ورسالات أنبيائه، ووصفت بالأُولى وأُريد بها القديمة، لا أنّ هناك جاهليتين ـ : الأُولى والأُخرى، فالأولى قبل الإسلام، والأُخرى بعده ـ كما ربّما يتوهّم.
5 و6. (وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ)
أمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ; لأنّ الصلاة عمود الدين، والزكاة طاعة مالية مضافاً إلى أنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتخصيصهما بالذكر لكونهما ركنين في العبادات والمعاملات.
7. (وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ) :
وهذه الفقرة جمعت كلّ التكاليف التي أمر الله سبحانه في كتابه أو جاءت على لسان نبيّه.
قوله تعالى:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)
هذه الفقرة بألفاظها ومضامينها تدلّ على أنّه لا صلة لها بنساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وسوف يوافيك ما هو الدليل على عدم صلتها بالمقام، عند

1 . النور:60.

صفحه 106
تفسيرها في الموضع الّذي آثرنا أن يكون بعد الآية التالية الّتي أشارت إلى التكاليف الموجّهة لنساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .
34 . (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا):
8 . (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ): هذا هو التكليف الثامن.
والذُّكر (بضم الذال) هو التذكّر، والذِّكر (بكسر الذال) هو التلفّظ بالكلام، فقوله: (وَاذْكُرْنَ)فلو كان مأخوذاً من الذُّكر (بضم الذال) فهو بمعنى الالتفات إلى ما تعلّمنَ من آيات الله والحكمة وأن لا يغفلن عمّا فيها من عظات وحكم، ولو كان مأخوذاً من الذِّكر (بكسر الذال) فيكون المعنى الأمر بتلاوة آيات الله وما فيها من الحكمة; غير أنّ السيد الطباطبائي رجّح الاحتمال الأوّل وقال: ظاهر السياق أنّ المراد بالذكر ما يقابل النسيان إذ هو المناسب لسياق التأكيد، والتشديد الموجود في الآيات، فيكون بمنزلة الوصية بعد الوصية بامتثال ما وُجّه إليهن من التكاليف، وفي قوله: (فِي بُيُوتِكُنَّ) تأكيد آخر. والمعنى: واحفظنَ ما يتلى في بيوتكنَ من آيات الله والحكمة وليكن منكنّ في بال حتى لا تغفلنَ ولا تتخطَّينَ ممّا خطَّ لكم من المسير.1
قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)بمنزلة التعليل للتكاليف السابقة، فلو أمرهنّ بهذه التكاليف فإنّما هو من باب اللطف وإسداء النعمة فهو

1 . الميزان في تفسير القرآن:16/313.

صفحه 107
لطيف، فتكاليفه صادرة عن وجه اللطف بعباده، خبير بما يصلحهم ويفسدهم.
إلى هنا تمّ تفسير الآيات إلى نهاية الآية 34، بقي تفسير قوله تعالى:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) الذي هو جزء من الآية الثالثة والثلاثين، وإليك البيان:
قد تقدّم أنّ هذه الفقرة جزء من الآية الثالثة والثلاثين في المصاحف وبما أنّ سياق هذه الفقرة يختلف عمّا قبلها وبعدها من الفقرات، فقد خصّصناها بالبحث منفردة.
ثمّ إنّ الغاية من تفسير هذه الفقرة هو بيان ما هو المراد بتعبير «أهل البيت» في الآية المباركة فهل أُريد به أصحاب الكساء الخمسة، أو أُريد به نساء النبيّ، أو يشملهما معاً؟ وسيظهر للقارئ أنّ الحق هو القول الأوّل دون الأخيرين، وبيان ذلك يتمّ بتوضيح أُمور:

الأوّل: هذه الفقرة آية مستقلّة

الظاهر أنّ هذه الفقرة آية مستقلّة، لأجل أُمور ثلاثة:
أ. اختلاف سياقها، فالضمائر فيما تقدّم عليها وما تأخّر عنها كلّها ضمائر مؤنثة، ولكنّها في هذه الآية ضمائر مذكّرة.
فقد جاء الخطاب في الآية السابقة عليها:
1. (كُنْتُنَّ)            2.(تُرِدْنَ)
3. (تَعَالَيْنَ)            4.(أُمَتِّعْكُنَّ)
5. (أُسَرِّحْكُنَّ)         6.(كُنْتُنَّ)

صفحه 108
7. (تُرِدْنَ)            8.(مِنْكُنَّ)
9. (مِنْكُنَّ)            10.(مِنْكُنَّ)
11. (لَسْتُنَّ)         12.(اتَّقَيْتُنَّ)
13. (تَخْضَعْنَ)      14.(قُلْنَ)
15. (قَرْنَ)            16.(بُيُوتِكُنَّ)
17. (تَبَرَّجْنَ)         18.(أَقِمْنَ)
19. (آتِينَ)            20.(أَطِعْنَ)
وأمّا الآيات اللاحقة فجاء فيها قوله:
21. (وَاذْكُرْنَ)         22.(بُيُوتِكُنَّ).
وأمّا الضمائر في هذه الآية فهي مذكرة، قال:
1. (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ)
2. (وَيُطَهِّرَكُمْ)
ومع هذا الاختلاف لا يمكن القول بأنّ المراد بأهل البيت نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لازم ذلك أن يقول: «عنكنّ»، «ويطهركنَّ».
وربّما يعتذر ويقال: وإنّما جيء بالضميرين بصيغة جمع المذكّر على طريقة التغليب لاعتبار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا الخطاب ; لأنّه ربُّ كلّ بيت من بيوتهنّ وهو حاضر هذا الخطاب إذ هو مبلّغه، وفي هذا التغليب إيماء إلى أنّ هذا التطهير لهنّ لأجل مقام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لتكون قريناته مشابهات له في الزكاء والكمال.1

1 . التحرير والتنوير:21/246.

صفحه 109
يلاحظ عليه: أنّ التغليب إنّما يصحّ إذا لم يورث شبهة كما في قصة إبراهيم (عليه السلام)قال سبحانه:(رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)1والمخاطب زوجة إبراهيم وهو معها.
ونظيره قوله سبحانه في حقّ مريم:(وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ)،2 حيث لم يقل من القانتات.
ومثله أيضاً، قوله تعالى: (إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَاب قَبَس لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)3، فالمخاطب هنا ليس امرأته فقط كما قال غير واحد من المفسرين، 4 وإنّما هي مع ابنيه .5ويؤيّد ذلك ما ورد في «سِفْر الخروج: 4 / 24 و 25» من أنّ موسى (عليه السلام)ذهب إلى مصر مع امرأته وابنيه، واسم ولده الأكبر جِرْشوم6، واسم الأصغر: أليِعازر.7
وأمّا المقام فالتغليب هنا يورث الاشتباه ويجعل القول الآخر ـ مكان «نساء النبيّ» هو الظاهر وهو أنّ الخطاب للنبي وعليّ والحسنين وفاطمة .
ب. إنّ الروايات الواردة في هذا الشأن ظاهرة في أنّها آية مستقلّة ولا توجد رواية تتحدّث عن نزولها ضمن آيات النساء، ولذا اتُّخذت عنواناً

1 . هود:73.
2 . التحريم:12.
3 . النمل: 7 .
4 . انظر: أضواء البيان: 6 / 279 ; التفسير الحديث: 7 / 381 .
5 . روح المعاني: 16 / 165 .
6 . قاموس الكتاب المقدّس: 259، الطبعة (10)، دار الثقافة بالقاهرة، 1995 م .
7 . قاموس الكتاب المقدّس: 113 .

صفحه 110
للبحث والدراسة. وإليك بعض ما يشهد على أنّها آية برأسها:
1. روى الطبراني بإسناده عن حكيم بن سعد ] الحنفي[ عن أُمّ سَلَمة، قالت: هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعليّ وفاطمة والحسن والحسين .1
2. روى الطبري بإسناده عن عطية ] العوفي[ عن أبي سعيد الخدري، عن أُمّ سلمة، قالت: لمّا نزلت هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّل عليهم كساءً خيبرياً، فقال: اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، اللّهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت أُمّ سلمة: ألست منهم؟ قال: أنت على خير.2
3. روى الترمذي بإسناده عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: نزلت هذه الآية على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)في بيت أُم سلمة، فدعا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فاطمة وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساء ثم قال: اللّهم هؤلاء أهلُ بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: أنت على مكانك، وأنت إلى خير.3
ورواه أيضاً أبو جعفر الطبري في تفسيره.4

1 . المعجم الكبير: 23 / 327 برقم 750 .
2 . جامع البيان: 12 / 12 برقم 28498 .
3 . سنن الترمذي: 1078 برقم 3812، باب مناقب أهل البيت، تحقيق صدقي العطّار .
4 . جامع البيان: 12 / 13 برقم 28502 .

صفحه 111
4. روى الطبري بإسناده عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ، وفي عليّ وحسن وحسين وفاطمة، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).1
5. روى الحاكم بإسناده عن عطاء بن يسار، عن أُمّ سلَمة، قالت: في بيتي نزلت هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، قالت: فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي....2
6. أخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ)قال:نزلت في نساء النبيّ خاصّة.
وقال عكرمة: من شاء باهلته أنّها نزلت في أزواج النبيّ.3
وأنت ترى أنّ هذه الروايات وغيرها، حتّى تلك الّتي تزعم أنّ المراد بأهل البيت أزواجه (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّة، تتحدّث عن نزول الآية، ولم يقُل في واحدة منها نزل قوله: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)الذي هذه الآية جزء منها في المصاحف. ومع كونها آية مستقلة فقد جاءت الآية في ثنايا آية أُخرى بأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن تتصرّف في وضعها فيها يد غيره، فالقرآن الكريم مصون عن التحريف والتغيير فنظم الآيات كلّها بأمر النبيّ ووحيه سبحانه.

1 . جامع البيان: 12 / 11 برقم 28490 .
2 . المستدرك على الصحيحين: 2 / 416 (وصحّحه على شرط البخاري).
3 . تفسير ابن أبي حاتم: 9 / 3132 برقم 17675 ; تاريخ مدينة دمشق: 69 / 150 .

صفحه 112
نعم نظم السور وتقديم بعضها على بعض ليس توقيفياً ولا دليل على أنّه كان بأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا ما هو السرّ في جعل آية في ثنايا آية أُخرى فسيتّضح لك فيما بعد.
ج. إنّك لو نزعت هذه الفقرة أو الآية من الآية الثالثة والثلاثين ثم ضممت الآية التالية ـ أعني: الرابعة والثلاثين ـ إليها لوجدت الجميع آية واحدة منسجمة دون أن يتطرّق إليهما أي خلل، وإليك تصوير هذا الفرض.
(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ... وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا).

الأمر الثاني: ما هو المراد بأهل البيت(عليهم السلام)؟

أهل بيت الرجل في الأصل: مَن يجمعه وإيّاهم مسكن واحد، ثم تجوّز به، فقيل لمن يجمعه وإيّاهم نسب.1 وقال غير واحد من اللغويّين: أهل الرجل: أخصّ الناس به .2 ولاشكّ في أنّه يشمل الزوجة، ويشهد لذلك قوله سبحانه: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)3 فقد عُدّت امرأة إبراهيم(عليه السلام) من أهل البيت والخطاب في الآية، أعني قوله: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) ناظر إليها.

1 . المفردات للراغب: 29، مادة «أهل».
2 . انظر: مادة «أهل» في كلّ من: لسان العرب: 1 / 253 ; معجم مقاييس اللغة: 1 / 150 ; معجم تهذيب اللغة: 1 / 227 .
3 . هود:73.

صفحه 113
ونظير هذه الآية قوله سبحانه: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر أَوْ جَذْوَة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)1 فالمراد بأهله ـ هنا ـ زوجته (عليه السلام)وابناه، كما تقدّم آنفاً.
ومع هذا، فإنّ القرائن القطعية الداخلية والخارجية تدلّ على أنّ المراد بأهل البيت، هم أهل بيت واحد يتعلّق بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بوجه من الوجوه. و القرائن التي تجعل هذا القول قولاً قطعيّاً عبارة عن الأُمور التالية:

القرينة الأُولى: اختلاف الضمائر

قد وقفت أنّ الضمائر قبل هذه الآية وبعدها كلّها ضمائر تأنيث ترجع إلى نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)على خلاف الضمائر الواردة في هذه الآية، فلو كان المراد نساء النبيّ لم يكن وجه للاختلاف مع كونه مورثاً للاشتباه.

القرينة الثانية: إفراد البيت في الآية

الآية تركّز على أهل بيت واحد، لأنّ اللام في البيت للعهد، لا
للجنس ولا للاستغراق ; لأنّ الأوّل يناسب فيما إذا تعلّق الحكم بالطبيعة مثل قوله: (إنّ الإنْسانَ لَفي خُسر)2، وأمّا الثاني أي كون اللام للعموم فهو أيضاً غير صحيح إذ يكون الموضوع عندئذ جميع بيوت المدينة أو بيوت العالَم كلّه.

1 . القصص:29.
2 . العصر:2.

صفحه 114
فإن قلت: المراد هو الاستغراق العرفي أي بيوت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
قلت: لو أُريد ذلك لما أُفرد، مع أنّه جاء بصيغة الجمع فيما أُريد به عامّة بيوت النبيّ وذلك في موردين: أحدهما قوله: (وَقرنَ في بُيوتكنّ)والثاني: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ).
وعندئذ يجب التعرّف على هذا البيت الواحد المعهود فهل هو من بيوت نسائه أو بيت آخر؟ ولا سبيل إلى الأوّل إذ يلزم عندئذ اختصاص الآية ببيت واحد من بيوت نسائه(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو كماترى، وليس هنا بيت آخر له صلة بالنبيّ غير بيت فاطمة وزوجها وابنيها. فتعيّن أن يكون هو المراد.

القرينة الثالثة: المراد بالبيت بيت النبوّة المعنويّ

هناك احتمال آخر وهو أنّ المراد بالبيت ليس هو البيت المادي المبني من الطين والأحجار والخشب وغير ذلك، بل المراد به بيت الوحي والنبوّة تشبيهاً له بالمحسوس.
وعلى هذا فلا محيص من القول أنّه يراد به المنتمون إلى النبوّة والوحي بوشائج معنوية على وجه يصحّ، مع ملاحظتها، عدّهم أهلاً لذلك البيت، وتلك الوشائج عبارة عن النزاهة في الروح والفكر ولا يشمل كلّ مَن يرتبط ببيت النبوّة عن طريق النسب أو السبب، إذ كثير منهم يفتقد هذه الأواصر المعنوية.
ومن المعلوم أنّ تلك الوشائج يختصّ بها بيت فاطمة ومَن يحتضنهم، فأمّا فاطمة (عليها السلام)فلها منزلة عظمى لا تصل إليها منزلة أية امرأة، بدليل قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لها ـ كما روته عائشة ـ : «يا فاطمة ألا ترضَين أن

صفحه 115
تكوني سيدة نساء العالمين...» 1، وقوله: «إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك».2
وأمّا زوجها فيكفي في حقّه قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) له: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي».3
ويكفي في ولديهما قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة».4
وما احتملناه من أنّ المراد بالبيت هو البيت المعنويّ هو ما أشار
إليه الإمام الباقر(عليه السلام) في حوار جرى بينه وبين قتادة الذي قال ـ عندما
جلس أمام الإمام الباقر(عليه السلام): ـ لقد جلستُ بين يدي الفقهاء، وقدّام ابن
عباس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك؟ قال له
أبو جعفر(عليه السلام):«ويحك، أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي: (فِي بُيُوت أَذِنَ
اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ
لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ
)5
فأنت ثم ونحن أُولئك» فقال له قتادة: صدقت والله جعلني الله فداك،

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 56. (وصحّحه الحاكم، ووافقه الذهبي). وفي «صحيح البخاري: 2 / 469 برقم 3714» بإسناده عن المِسْوَر بن مَخْرمة: (فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني) .
2 . المستدرك على الصحيحين:3/154، (وصحّحه الحاكم).
3 . صحيح مسلم: 1198 برقم 6114 / 2404، باب فضائل عليّ; سنن الترمذي: 1064 برقم 3745 ; الأمالي للشيخ الطوسي: 253، المجلس (9)، برقم 452 / 44 .
4 . مسند أحمد: 3 / 4 و 62 و 82 وج 5 / 391 ; سنن ابن ماجة: 1 / 44 .
5 . النور:36ـ37.

صفحه 116
والله ما هي بيوت حجارة ولا طين.1
وهذه القرينة تحضّ المفسّر على التحقيق عن الأفراد الذين يرتبطون بالبيت بأواصر معيّنة، وبذلك يسقط القول بأنّ المراد بهم أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه لم تكن تلك الوشائج الخاصّة باتّفاق المسلمين بينهم، وأقصى ما عندهم أنّهن كنّ مسلمات مؤمنات.

الأمر الثالث: ما هو المراد بالرِّجس؟

الرجس: الشيء القذر سواء كان قذراً في طبع الإنسان أو قذراً بحكم العقل والشرع، وعلى هذا فما ربّما يفسّر الرجس بالذنب أو الشرك أو البخل أو الحسد، كلّ ذلك من مصاديق المعنى الكلّي.
يقول السيد الطباطبائي: الرجس (بالكسر فالسكون) صفة من الرجاسة وهي القذارة، والقذارة هيئة في الشيء توجب التجنّب والتنفّر منها ; سواء أكان بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير، قال تعالى: (أَوْ لَحْمَ خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ)(2)، أو بحسب باطنه كالشرك والكفر وأثر العمل السيِّئ; وأيّاً ما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري من تعلّق القلب بالاعتقاد الباطن ]العقائد والأُصول[ أو العمل السيِّئ2] ترك الواجبات أو اقتحام المحرمات [. وعلى كلّ تقدير فلا يمكن حمله على القذارة الحسّية والمادّية والجسمية.
ثمّ إنّ المراد من إذهاب الرجس إزالة أثره بإيراد ما يقابله، ومن

1 . الكافي:6/256ـ257.   2 . الأنعام:145.
2 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:16/312.

صفحه 117
المعلوم أنّ ما يقابل الاعتقاد الباطل هو الاعتقاد الحقّ، فتطهيرهم هو منحهم البصيرة الكاملة لإدراك الحقّ في الاعتقاد والعمل.
ثمّ إنّ الإذهاب تارة يطلق ويراد به إذهاب الشيء بعد وجوده، كما في قوله تعالى:(وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ)1، وأُخرى يطلق ويراد به حسم أسباب الرجس وإذهاب المقتضي، لا رفعه بعد وجوده، ونعمَ ما ذكره الزمخشري حيث قال في تفسير الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ)، لئلاّ يقارب أهل بيت رسول الله المآثم وليتصوّنوا عنها بالتقوى.2

الأمر الرابع: حلّ مشكلة مخالفة السياق

ممّا يتمسّك به الّذين ينكرون اختصاص أهل البيت في هذه الفقرة القرآنية بأصحاب الكساء، هو مخالفة السياق، حيث إنّ الآيات المتقدّمة على هذه الفقرة والمتأخّرة عنها نزلت في نساء النبيّ، فكيف يصحّ قصر ما في هذه الفقرة على أصحاب الكساء، ومخالفة السياق أمر لا يمكن تجويزه؟
والجواب أوّلاً: قد بيّنا فيما سبق، أنّ الأحاديث الشريفة المروية في هذا المجال قد نصّت على أنّ قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ...)آية برأسها، وهذا يعني أنّها غير متّصلة بتلك الآيات النازلة في نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). وعلى هذا لا محلّ للقول بمخالفة السياق.

1 . الأنفال:11.
2 . تفسير الكشّاف: 3 / 260، مكتبة البابي الحلبي بمصر.

صفحه 118
ثانياً: أنّ مراعاة السياق في الكتاب المجيد ـ لو سلّمنا أنّ قوله تعالى ليس آية مستقلة ـ غير لازمة، وذلك أنّ السياق من الأُمور التي يستدلّ بها على كشف المراد ويجعل صدر الكلام ووسطه وذيله قرينة على المراد، ووسيلة لتعيين ما أُريد منه، ولكنّه حجّة إذا لم يقم دليل أقوى على خلافه، فلو قام ترفع اليد عن وحدة السياق وقرينيّته، وقد دلّت القرائن السابقة على نزولها في غير نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثالثاً: أنّه لا غرو في أن يكون الصدر والذيل راجعين إلى موضوع واحد وما ورد في الأثناء راجعاً إلى غيره، فإنّ ذلك من فنون البلاغة وأساليبها، نرى نظيره في الذكر الحكيم وكلام البلغاء، وعليه ديدن العرب في محاوراتهم، فربّما يدخل في موضوع قبل أن يفرغ من الموضوع الذي كان يبحث فيه ثم يرجع إليه ثانياً.
روي عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «إنّ الآية من القرآن يكون أوّلها في شيء وآخرها في شيء».1
يقول الطبرسي: من عادة الفصحاء في كلامهم أنّهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه، والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب وأشعارهم.2
وقال الشيخ محمد عبده: إنّ من عادة القرآن أن ينتقل بالإنسان من شأن إلى شأن ثم يعود إلى مباحث المقصد الواحد المرّة بعد المرة.(3)

1 . المحاسن للبرقي: 2 / 200 ; وسائل الشيعة: 18، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 41.
2 . مجمع البيان:4/357.   3 . تفسير المنار:2/451.

صفحه 119
ولأجل أن يقف القارئ على صحّة ما قاله هؤلاء الأكابر نأتي بشاهد، فنقول: قال سبحانه ناقلاً عن «العزيز» مخاطباً زوجته:(إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ).1 نرى أنّ العزيز يخاطب أوّلاً امرأته بقوله:(إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ)وقبل أن يفرغ من كلامه معها، يخاطب يوسف بقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)... ثم يرجع إلى الموضوع الأوّل ويخاطب زوجته بقوله:(وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ)... فقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)جملة معترضة وقعت بين الخطابين، والمسوّغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين، وكانت له صلة تامّة بالواقعة التي رفعت إلى العزيز.
والضابطة الكلّيّة لهذا النوع من الكلام هو وجود التناسب المقتضي للعدول من الأوّل إلى الثاني، ثم منه إلى الأوّل، وهي أيضاً موجودة في المقام، فإنّه سبحانه يخاطب نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بالخطابات التالية:
1. (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ).
2. (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ).
3. (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى).
فعند ذلك صحّ أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً وذلك لوجهين:
1. تعريف نسائه بصفوة بلغوا في الورع والتقوى، الذروة العليا، وفي

1 . يوسف:28ـ29.

صفحه 120
الطهارة عن الرذائل والمساوئ، القمة. وبذلك استحقوا أن يكونوا أُسوة في الحياة وقدوة في مجال العمل، فيلزم عليهنّ أن يقتدينّ بهم ويستضيئنّ بضوئهم.
2. التنبيه على أنّ حياتهنّ مقرونة بحياة صفوة طاهرة من الرجس ومطهّرة من الدنس، ولهن معهم لحمة القرابة ووصلة الحسب، واللازم عليهن الحفاظ على شؤون هذه القرابة بالابتعاد عن المعاصي والمساوئ، والتحلّي بما يرضيه سبحانه، ولأجل ذلك يقول سبحانه: (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ)، وما هذا إلاّ لقرابتهنّ منه(صلى الله عليه وآله وسلم) وصلتهنّ بأهل بيته. وهي لا تنفكّ عن المسؤولية الخاصّة، فالانتساب للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ولبيته الرفيع، سبب المسؤولية ومنشؤها،وفي ضوء هذين الوجهين صحّ أن يطرح طهارة أهل البيت في أثناء المحاورة مع نساء النبيّ والكلام حول شؤونهنّ.
ونعزّز هذا المعنى بما كتبه العلاّمة محمد حسن المظفر، قال: وإنّما جعل سبحانه هذه الآية في أثناء ذكر الأزواج وخطابهنّ، للتنبيه على أنّه سبحانه أمرهنّ ونهاهنّ وأدّبهنّ إكراماً لأهل البيت وتنزيهاً لهم عن أن تنالهم بسببهنّ وصمة، وصوناً لهم عن أن يلحقهم من أجلهنّ عيب، ورفعاً لهم عن أن يتّصل بهم أهل المعاصي، ولذا استهلّ سبحانه الآيات بقوله: (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ) ضرورة أنّ هذا التميّز إنّما هو للاتصال بالنبيّ وآله، لا لذواتهنّ فهن في محلّ، وأهل البيت في محلّ آخر، فليست الآية الكريمة إلاّ كقول القائل: يا زوجة فلان لست كأزواج سائر الناس فتعفّفي، وتستّري، وأطيعي الله تعالى، إنّما زوجك من بيت أطهار يريد الله

صفحه 121
حفظهم من الأدناس وصونهم عن النقائص.1

الأمر الخامس: هل الإرادة تكوينية أو تشريعيّة؟

إنّ انقسام إرادته سبحانه إلى تكوينية وتشريعية أمر واضح. أمّا الأُولى فهي ما تتعلّق إرادته سبحانه بإيجاد الشيء ومنها قوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).2
وأمّا الثانية فهي ما إذا تعلّقت إرادته بتشريع حكم من الأحكام وبعث الناس إلى العمل به.
فالإرادة التكوينية لا تنفكّ عن المراد، بخلاف التشريعية فإنّها لغاية بعث الناس إلى الفعل أو الترك مخيّرين بين الطاعة والعصيان.
فنقول: لاشكّ أنّ الإرادة المتعلّقة بإذهاب الرجس عن أهل البيت بالخصوص تكوينية، إذ لو كانت تشريعية لما اختصّت بطائفة دون طائفة ; لأنّ الهدف الأسمى من بعث الأنبياء هو تطهير عامّة الناس عن الذنوب بقوله سبحانه: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)3.
وإن شئت قلت: تخصيص تعلّق الإرادة بمجموعة خاصّة يمنع من تفسير الإرادة بالإرادة التشريعية الّتي عمّت الأُمّة جميعاً.
وبعبارة ثالثة: لو كانت الإرادة تشريعية لما احتاج إلى إبراز العناية في

1 . دلائل الصدق:2/72.
2 . يس:82 .
3 . المائدة: 6 .

صفحه 122
الآية بصور مختلفة، كالتالي :
أ. ابتدأ سبحانه كلامه بلفظ الحصر، (إنَّمَا) ولا معنى له إذا كانت الإرادة تشريعية، لأنّها غير محصورة بأُناس مخصوصين.
ب. عيّن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص، فقال: (أَهْلَ الْبَيْتِ): أي أخصّكم أهل البيت.
ج. قد بيّن متعلّق إرادته بلفظة (عَنْكُمُ)، فقال : (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).
د. قد أكّده أيضاً بالإتيان بمصدره بعد الفعل، فقال: (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)ليكون أوفى في التأكيد.
هـ . أنّه سبحانه أتى بالمصدر نكرة، ليدلّ على الإكبار والإعجاب، أي تطهيراً عظيماً معجباً.
و. أنّ الآية في مقام المدح والثناء، فلو كانت الإرادة إرادة تشريعية لما ناسب الثناء والمدح.
وعلى الجملة: العناية البارزة في الآية تدلّ بوضوح على أنّ الإرادة هناك غير الإرادة العامّة المتعلّقة بكلّ إنسان حاضر أو باد.
وبذلك نقول: تعلّقت إرادته سبحانه بتنزيههم عن القبيح والعصيان كما تعلّقت إرادته بعصمة الأنبياء عن الذنب والعصيان، وقد ثبت في محلّه أنّ العصمة لا تخالف الاختيار، وذلك لأنّ القدرة والتمكّن من فعل المعصية ثابتان للمعصوم، إلاّ أنّ العصمة تصدّه عن ذلك، فهذا يوسف (عليه السلام)كان قادراً على ارتكاب الفاحشة إلاّ أنّ عصمته منعته من ذلك، وبهذا

صفحه 123
استحقّ الثناء والمدح. وسوف نعقد بحثاً حول عصمة أهل البيت(عليهم السلام)في آخر السورة، فانتظر.

أهل البيت في كلام النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)

قد وقفت على المراد بأهل البيت في الآية المباركة من خلال دراسة مفردات الآية وجملها وهدفها.
وهناك طريق آخر للتعرّف عليهم، وهو دراسة الأحاديث الواردة في كلام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّها تكشف عن وجه الحقيقة، فنقول: إنّ للنبي الأكرم عناية وافرة بتعريف أهل البيت لم ير مثلها إلاّ في أقلِّ الموارد، حيث قام بتعريفهم بطرق مختلفة سيوافيك بيانها، كما أنّ للمحدّثين والمفسّرين وأهل السير والتاريخ عناية كاملة بتعريف أهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم) في مواضع مختلفة حسب المناسبات التي تقتضي طرح هذه المسألة، كما أنّ للشعراء الإسلاميّين المخلصين في طوال قرون، عناية بارزة ببيان فضائل أهل البيت والتعريف بهم، والتصريح بأسمائهم على وجه يظهر من الجميع اتفاقهم على نزول الآية في حق العترة الطاهرة.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الرأي العام بين المسلمين في تفسير
أهل البيت هو القول الأوّل، وأنّ القول بأنّ المراد بهم زوجاته كان قولاً
شاذّاً متروكاً يُنقل ولا يُعتنى به، ولم ينحرف عن ذلك الطريق المهيع إلاّ بعض مَن اتّخذ لنفسه تجاه أهل البيت موقفاً يشبه موقف أهل العداء والنصب.
قام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بتعريف أهل البيت بطرق ثلاثة نشير إليها:

صفحه 124
1. صرّح بأسماء مَن نزلت الآية في حقّهم حتى يتعيّن المنزول فيه باسمه ورسمه.
2. قد أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء، ومنع من دخول غيرهم، وأشار بيده إلى السماء وقال: «اللّهم إنّ لكلّ نبي أهل بيت وهؤلاء أهل بيتي».
3. كان يمرّ ببيت فاطمة عدّة شهور، كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).
وبهذه الطرق الثلاثة حدّد أفراد أهل البيت وعيّن مصاديقهم على وجه يكون جامعاً لهم ومانعاً من غيرهم. وهاك عدداً من الأحاديث (ممّا لم نذكره سابقاً) الّتي تثبت ذلك ونترك الباقي إلى القارئ الكريم، فإنّ البحث قرآني لا حديثي والاستيعاب في الموضوع يحوجنا إلى تأليف مفرد.
1. روى أبو جعفر الطحاوي بإسناده عن سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا نزلت هذه الآية دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً(عليهم السلام)وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي». وعقّب عليه الطحاوي بقوله: فكان في هذا الحديث أنّ المراد بما في هذه الآية هم: رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعليّ وفاطمة وحسن وحسين .1
وهذا التعقيب يردّ زعم ابن عاشور بأنّ لفظ حديث الكساء ليس فيه

1 . مشكل الآثار: 1 / 227 برقم 770، دار الكتب العلمية، 1415 هـ ; جامع البيان (تفسير الطبري): 12 / 14 برقم 28504 .

صفحه 125
ما يقتضي قصر هذا الوصف (يعني هؤلاء أهل بيتي) على أهل الكساء.1وممّا يؤيد قول الطحاوي حديث أبي سعيد الخدري المتقدّم من أنّ الآية نزلت في خمسة، فإنّ مفهوم العدد الوارد في مقام البيان يمنع من إرادة الأزيد ولو لم نقل به في غيره، على أن قول أُمّ سلمة: ألستُ منهم؟ أو: وأنا معهم يا رسول الله؟ وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لها: أنت على خير، أو: أنت على مكانك وأنت على خير (كما في الحديثين المتقدّمين) نصّ صريح في خروج النساء من أهل البيت.(2)
2. أخرج مسلم بإسناده عن عائشة قالت: خرج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غداة وعليه مِرط مرحَّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله، ثم قال:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).2
3. أخرج الطبري: عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا عليّ بن بي طالب (رضي الله عنه) عند أُمّ سلمة، قالت: فيه نزلت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).
ثم ذكرتْ خبر تجليله مع فاطمة والحسن والحسين بكساء كان عليه، وأضافت ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط. قالت: فقلت: يا رسول الله: وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم، وقال: «إنّك إلى خير».3

1 . التحرير والتنوير: 21 / 248 .   2 . اُنظر : أعيان الشيعة: 1 / 309 .
2 . صحيح مسلم: 1207 برقم 6155، باب فضائل أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، تحقيق صدقي العطّار.
3 . انظر: جامع البيان (تفسير الطبري): 12 / 14 برقم 28505 .

صفحه 126
قال ابن عاشور التونسي: استوعب ابن كثير روايات كثيرة مقتضية أنّ أهل البيت يشمل فاطمة وعليّاً وحسناً وحسيناً، وليس فيها أنّ هذه الآية نزلت فيهم إلاّ حديثاً واحداً نسبه ابن كثير إلى الطبري، ولم يوجد في تفسيره عن أُمّ سلمة ذُكر عندها عليُّ بن أبي طالب، فقالت: فيه نزلت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).1
أقول: الحديث ـ كما رأيت ـ موجود في تفسير الطبري (برقم 28505)، ولعلّ إصراره على نفي اختصاص أهل البيت بأصحاب الكساء، هو الّذي حال دون إبصاره هذا الحديث. ثم إنّ ابن عاشور اكتفى بمراجعة تفسير ابن كثير، والبحث الموضوعي يقتضي مراجعة سائر المصادر، وها نحن قد وجدنا فيها جملة من الروايات الّتي تتحدّث عن نزولها في أصحاب الكساء، وقد مرّ عليك بعضها.
4. قال السيوطي: وأخرج الترمذي وصحّحه، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصحّحه، وابن مردويه والبيهقي في سننه، من طرق، عن أُمّ سلمة (رضي الله عنها ) قالت: في بيتي نزلت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) وفي البيت فاطمة وعلي، والحسن والحسين، فجلّلهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بكساء كان عليه ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».2
5. أخرج الطبري بإسناده عن أنس، أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة، فيقول: الصلاة أهل البيت:(إِنَّمَا

1 . التحرير والتنوير: 21 / 247 .
2 . الدرّ المنثور: 5 / 198 .

صفحه 127
يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).1
وأخرجه عن أنس كلٌّ من: ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسّنه، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصحّحه، وابن مردويه .2
6. أخرج الطبري بإسناده عن أبي الحمراء، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: رأيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: الصلاة الصلاة:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).3
7. أخرج الطبري بإسناده عن عبدالله بن وهب بن زَمْعة، قال: أخبرتني أُمّ سلمة: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع علياً والحسنين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، فقالت أُمّ سلمة: يا رسول الله أدخلني معهم، قال: إنّك من أهلي.4
ورواه الطحاوي 5 بمثل إسناد الطبري، ثم قال، بعد أن روى جملة من الآثار ممّا كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أُمّ سلمة، قال: إنّه لم يُرد به أنّها كانت ممّا أُريد به ممّا في الآية المتلوّة في هذا الباب، وإنّ المراد بما فيها هم: رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وفاطمة والحسن والحسين دون من سواهم. وأضاف: وحديث سعد وما ذكرناه معه من الأحاديث في أوّل الباب معقول بها من

1 . جامع البيان: 12 / 11 برقم 28492 .
2 . الدرّ المنثور: 5 / 199.
3 . جامع البيان: 12 / 11 برقم 28494 .
4 . جامع البيان: 12 / 13 برقم 28501.
5 . مشكل الآثار: 1 / 227 برقم 772 .

صفحه 128
أهل الآية المتلوّة فيها، لأنّا قد أحطنا علماً أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا دعا من أهله عند نزولها ] يعني نزول الآية[ لم يبق من أهلها المرادين فيها أحد سواهم، وإذا كان ذلك كذلك استحال أن يدخل معهم فيما أُريد به سواهم.1
وما سردناه من الروايات المتضافرة، وهو غيض من فيض، صريح في نزول الآية في أصحاب الكساء، وتخصيص أهل البيت بهؤلاء الأشخاص المميّزين المطّهرين. وبهذا تقف على ما في كلام ابن عاشور في المقام من التعصّب، والانحياز إلى العقيدة المسبقة في تفسير الآية، قال:
وأمّا ما وقع من قول عُمر بن أبي سلمة:أنّ أُمّ سلمة قالت: وأنا معهم يا رسول الله؟... فقال:«أنت على مكانك، وأنتِ على خير». فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنّه منعها من أن تكون من أهل بيته، وهذه جهالة لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما أراد أنّ ما سألته من الحاصل، لأنّ الآية نزلت فيها وفي ضرائرها، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم.2
وهذا فهم غريب، قاده إليه التعصب الّذي يصدُّ الإنسان عن درك الواقع ورؤيته على ما هو عليه، ويصنع حاجزاً بين الحقيقة والبصيرة، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما جذب الكساء من يد أُمّ سلمة لا لعدم حاجتها إلى إلحاقها بهم لأنّ الآية نزلت في ضرائرها وهي منهنّ، كما يزعم ابن عاشور، وإنّما لكونها ليست ممّن أُريد به من أهل البيت في آية التطهير، وإن كانت بحسب العُرف العام من أهله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّها من أزواجه، وقد مرّ عليك تصريح

1 . مشكل الآثار: 1 / 230 ـ 231 .
2 . التحرير والتنوير:21/248.

صفحه 129
أبي جعفر الطحاوي (المتوفّى 321 هـ) بهذا المعنى، قبل قليل. ويدلّ عليه بشكل واضح لا لَبْس فيه، استعمال الصحابة والتابعين ومَن بعدهم لهذا التعبير «أهل البيت» فيهم، وانصراف الأذهان إليهم عند استعماله دون تردّد أو تريّث، ومن يراجع كتب التاريخ والتراجم والأدب وغيرها، سيجد الأمر هكذا. ولا بأس أن ننقل هنا بعض الكلمات الدالّة على ذلك :
ـ قال الإمام علي (عليه السلام)بعد فتح البصرة: «وَ جَزَاكُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ مِصْر عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَحْسَنَ مَا يَجْزِي الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِهِ...».1
ـ وقال (عليه السلام): «وَعِنْدَنَا ـ أَهْلَ الْبَيْتِ ـ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَضِيَاءُ الاَْمْرِ».2
ـ وقال عمّار بن ياسر في أيام الشورى: أنّى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم؟!3
ـ وقال المقداد بن الأسود في أيام الشورى: ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم....4
ـ وقال العبدي (المتوفّى 120 هـ):
ولمّا رأيت الناس قد ذهبت بهم *** مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهلِ
ركبت على اسم الله في سفن النجا *** وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرُّسْلِ

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، رقم 2 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 120.
3 . تاريخ الطبري: 3 / 297 ; العقد الفريد: 5 / 31 .
4 . تاريخ الطبري: 3 / 297; العقد الفريد: 5 / 32 .

صفحه 130
وقال الإمام الشافعي (المتوفّى 204 هـ):
يا أهل بيت رسول الله حبُّكمُ *** فرضٌ من الله في القرآن أنزلَهُ
كفاكمُ من عظيم القدر أنّكمُ *** من لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ
وبناءً على ما تقدّم يصير تعبير «أهل البيت» اسماً خاصّاً ـ في عُرف القرآن ـ بهؤلاء الخمسة، وهم: النبيّ وعليّ وفاطمة والحسنان عليهم الصلاة والسلام، لا يطلق على غيرهم، ولو كان من أقربائه الأقربين، وإن صحّ بحسب العرف العام إطلاقه عليهم.1
سورة الأحزاب: الآية 35   

الآية: الخامسة والثلاثون

(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) .

المفردات

المسلمين: الّذين استسلموا لأمر الله وانقادوا له.
المؤمنين: المصدِّقين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فيما أتاهم به من عند الله تعالى.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 16 / 312.

صفحه 131
القانتين : هم الدائمون على الطاعة والعبادة.
الصادقين: هم المخبرون بالشيء على ما هو به .
الصابرين: الصبر، هو قسر النفس على مقتضيات الشرع أمراً ونهياً.
الخاشعين: الخشوع، هو التذلّل باطناً.
المتصدّقين: الباذلين الأموال للفقراء.
الذاكرين الله: الذين يذكرون الله سبحانه بألسنتهم وقلوبهم.

التفسير

ذكر سبحانه في هذه الآية عشر خصال تسبّب المغفرة والعفو عن الزلاّت للموصوفين بها، ولذلك قال في آخر الآية: (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) .
وأمّا وجه صلة الآية بما قبلها، فهو أنّه سبحانه لمّا وعد نساء النبيّ بقوله: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا)1 صار ذلك مظنّة سؤال وهو: هل يختص مفاد الآية بأُمّهات المؤمنين أو أنّه يشمل غيرهنَّ؟ فجاءت الآية جواباً عنه وأنّه حُكم يعمّ المؤمنين والمؤمنات جميعاً.
روى السيوطي عن غير واحد من المحدّثين عن أُم سلمة (رضي الله عنها): قالت: قلت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما لنا لا نُذكَر في القرآن كما يذكر الرجال؟

1 . الأحزاب : 31 .

صفحه 132
فلم يرعني منه ذات يوم إلاّ نداء على المنبر يا أيّها الناس إنّ الله يقول: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ)إلى آخر الآية، وربّما ينسب ذلك إلى أُم عمّار الأنصارية، وإلى سائر النساء.1
وتوهُّم أنّه لو صحّ ما في هذه الأحاديث لزم الاقتصار بذكر المسلمات والمؤمنات... الخ، مجرّدة عن ذكر المقابلات، مدفوع، فإنّه عندئذ تفوت غاية أُخرى وهي عدم الفرق بين الجنسين أمام الله سبحانه قائلاً: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ )2.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآية ـ مع ترقيم الخصال العشر ـ قال سبحانه:
1 و 2: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ):
ربّما يقال بأنّ المراد من الإسلام هو التسليم لساناً لا جَناناً، كما أنّ المراد من الإيمان هو التصديق قلباً، يقول العلاّمة الطباطبائي: إنّ الإسلام هو تسليم الدين حسب العمل وظاهر الجوارح، والإيمان أمر قلبي، ثم إنّ الإيمان الذي هو أمر قلبي، اعتقاد وإذعان باطن، بحيث يترتّب عليه العمل بالجوارح.3
ويُريد رحمه الله تعالى بهذا الكلام وجود التسليمين معاً، أي التسليم

1 . الدر المنثور: 6 / 607 ـ 608 .
2 . الحجرات: 13.
3 . الميزان في تفسير القرآن: 16 / 314.

صفحه 133
لساناً، والتسليم اعتقاداً.
3. (وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ) :
أي العابدين والعابدات والمطيعين والمطيعات. ومن المعلوم أنّ العبادة والطاعة من آثار الإيمان والتصديق، وبما أنّ الآية بصدد التكريم فالمراد الملازمة مع العبادة والطاعة، لا مجرّد التلبّس بهما ولو مرّة واحدة.
4. (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ):
في النيّة والقول والعمل والوعد. والصدق ركن الاستقامة والصلاح، وسبب الفوز والفلاح، قال تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).1
5. (وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ):
يتلبّسون بالصبر على الطاعة والصبر عن المعصية والصبر عند النائبة. قال الإمام علي (عليه السلام): «والصَّبْرَ مِنَ الاِْيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلاَ خَيْرَ فِي جَسَد لاَ رَأْسَ مَعَهُ، وَلاَ فِي إِيمَان لاَ صَبْرَ مَعَهُ».2
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «اصبروا على طاعة الله، وتصبّروا عن معصيته، فإنّما الدنيا ساعة، فما مضى فلست تجد له سروراً ولا حزناً، وما لم يأتِ فلست تعرفه، فاصبر على تلك الساعة، فكأنّك قد اغتبطْتَ».3

1 . المائدة: 119 .
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 82 .
3 . الوافي: 3 / 63 .

صفحه 134
6. (وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ):
بالتذلّل باطناً، والخضوع هو التواضع ظاهراً بالجوارح.
7. (وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ) :
مَن يبذلون المال للفقراء ويُخرجون الصدقات تقرّباً إلى الله سبحانه.
(والصدقة في اصطلاح الأحاديث والأخبار تطلق على معنيين: الصدقة الواجبة كالزكاة، والصدقة المستحبّة كالتي تُعطى إلى السائل مثلاً. وإذا ما كان الإنسان مخلصاً زكياً صادق التعامل مع الله وبعيداً عن رئاء الناس، فإنّ صدقاته مقبولة مرضية سواء دفعها سرّاً أم علناً، فلكلّ حال منهما مبرّراته ومسوّغاته المشروعة، فصدقة السرّ تطفئ غضب الربّ تبارك وتعالى، وصدقة العلانية تدفع ميتة السوء ومصارع الهوان، وقد تضافرت الروايات حول ذلك ، كما صحّح القرآن أصل الإنفاق سرّاً وعلناً، بيد أنّه ـ بصورة عامّة ـ صدقة السرّ أفضل الصدقتين).1
8 . (وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ) :
والصوم رياضة بدنية وروحية تقوّي في الإنسان ملكة ترك المعاصي والمحارم.
9. (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ) :
يحفظون الفروج عمّا حرّم الله، وليس المراد ترك التزوّج والرهبانية،

1 . فلسفة الجود والإيثار لدى الإمام علي (عليه السلام)للدكتور السيد محمود الموسوي: 3 / 293 .

صفحه 135
لأنّه مذموم، كما سيوافيك في سورة الحديد1.
10. (وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ):
والظاهر أنّه من الذُّكر ـ بضم الفاء ـ والمراد من يذكر الله قياماً وقعوداً وعلى عامّة الأحوال ففيه حياة القلوب.
وهذه الخصال العشر، هي الّتي تسبب شمول رحمة الله ومغفرته كما يقول: (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيًما)، وقد توسّعنا في البحث بسبب كثرة السؤال عنه.
وفي هذه الخصال العشر الّتي هي أُمهات الفضائل وأُصولها نرى أنّ المرأة تشارك الرجل فيها، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الإسلام نظر إلى المرأة نظرته نفسها إلى الرجل دون أن يُحرْم أحداً ممّا أعطاه للآخر، ولو كان هناك اختلاف في بعض الموارد في الحقوق فإنّه ينبع من فوارق ذاتية بين الجنسين، ومسؤولية كلّ منهما في هذه الحياة. وبما أنّ حقوق المرأة صارت سبباً للتهجّم على الإسلام سنتطرق إلى هذا الموضوع، ونسلّط الضوء على الأبحاث التالية:
1. النظر إلى طبيعة المرأة وتكوينها ونفسيتها.
2. النظر إلى حقوقها.
3. الوظائف الّتي تقع على عاتقها.
وندرس هذه الأبحاث على ضوء القرآن الكريم .

1 . الحديد: 27 .

صفحه 136

الأوّل : النظر في طبيعة المرأة وتكوينها ونفسيتها

بزغ نور الإسلام في عصر لم يكن للمرأة يومذاك أي قيمة تذكر في الجزيرة العربية، ولا في سائر الحضارات السائدة آنذاك، وكانت البحوث الفلسفية عند الرومان واليونان تدور على أنّ الأُنثى من جنس الحيوان أو من جنس برزخي يتوسّط بين الحيوان والإنسان، وكان الرجل يتشاءم إذا أنجبت امرأته أُنثى ويظلّ وجهه مسودّاً متوارياً عن أنظار قومه وكأنّها وصمة عار على جبينه، قال سبحانه:(وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلاَ ساءَ مَا يَحْكُمُون).1
وكان الرجل يقوم بوأد بناته وقتلهن نتيجة جهله بكرامة المرأة وفضيلتها ظنّاً منه أنّه يحسن صنعاً، وهذا هو القرآن الكريم يندد بذلك العمل ويشجبه، ويقول:(وَإِذَا الْمَوءُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ).(2)
وفي خضمّ تلك الأفكار الطائشة نجد القرآن الكريم يصف المرأة بأنّها أحد شطري البنية الإنسانية، ويقول: (يَا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ).2 فالأُنثى والذكر يشكّلان أساس المجتمع دون فرق بينهما.
ومن جانب آخر يرى للأُنثى خلقة مستقلة مماثلة لخلقة الذكر دون أن تشتق الأُنثى من الذكر، على خلاف ما عليه سِفْر التكوين من التوراة،

1 . النحل : 58 ـ 59.   2 . التكوير : 8 ـ 9 .
2 . الحجرات : 13 .

صفحه 137
حيث جاء فيه أنّ الأُنثى خلقت من ضلع آدم ، يقول سبحانه شاطباً على تلك الفكرة التي تسرّبت إلى الكتاب الإلهي (التوراة): (يَا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالاً كَثيراً وَنِساءً).1
فالنفس الواحدة هي آدم وزوجها حواء وإليهما ينتهي نسل المجتمع الإنساني، ومعنى قوله : (خَلَقَ مِنْها): أي خلق من جنسها، مثل قولك: الخاتم من فضة، أي من جنس الفضة، فالزوجان متماثلان ولولا التماثل لما استقامت الحياة الإنسانية.
ويستنتج من هذه الآيات أنّ كلاًّ من الذكر والأُنثى إنسان كامل وليس هناك أي نقص في إنسانية الأُنثى، وعلى ضوء ذلك فالتفريق بينهما من تلك الناحية لا يبتني على أساس صحيح.
لقد شملت العناية الإلهية الإنسان حيث جعلته أفضل الخلائق، وسخّرت له الشمس والقمر، ولا تختصّ هذه الكرامة بالذكر فحسب بل شملت أولاد آدم قاطبة، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطِّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ على كَثير مِمّنْ خَلَقْنا تَفضِيلاً).2
ولأجل هذه الكرامة العامّة جعل الذكر والأُنثى في كفّة واحدة، فمَن آمن منهما وعمل صالحاً فهما سيّان أمام اللّه تبارك وتعالى يجزيهما على حدّ سواء، قال سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَر أَو َأُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ

1 . النساء : 1 .
2 . الإسراء : 70 .

صفحه 138
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُون).1
وممّا يعرب عن موقف القرآن الكريم في خلقة المرأة، هو أنّه جعل حرمة نفس الأُنثى كحرمة نفس الذكر، وأنّ قتل واحد منهما يعادل قتل جميع الناس، قال سبحانه: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَساد فِي الأَرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحياها فَكَأَنَّما أَحْيا النّاسَ جَمِيعاً) .2
فقتل المرأة كقتل الرجل عند اللّه سواء فمن قتل واحداً منهما فكأنّما قتل الناس جميعاً، أفيتصوّر تكريم فوق ذلك؟!
وممّا يعرب عن أنّ نظر الإسلام إلى الشطرين نظرة واحدة، هو أنّه يتخذ النفس موضوعاً لبعض أحكامه في مجال القصاص دون أن يوجّه عنايته إلى الذكر، قال سبحانه: (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوح قِصاص).3 حتى أنّه سبحانه يصف من لم يحكم على وفق الآية بأنّه ظالم، ويقول في آخرها: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُون) .
وهذا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يجعل دماء المسلمين في ميزان واحد ويصف ذمّة الجميع بأنّها ذمّة واحدة، ويقول : «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يد على مَن سواهم»4 فالمرأة والرجل يتشاركان في لزوم احترام إجارة كلّ واحد منهما فرداً من المشركين.

1 . النحل : 97 .
2 . المائدة : 32.
3 . المائدة : 45.
4 . مسند أحمد : 2 / 192 و 211 .

صفحه 139
نعم مشاركة المرأة والرجل في القصاص لا يلازم مشاركتهما في الدية، لأنّ المعيار في القصاص غير المعيار في الدية، فكلّ مَن جنى على إنسان يقتصّ منه باعتبار أنّ الجاني قتل إنساناً فيعادل بإعدامه.
وأمّا الدية فالمعيار في تعيينها هو تحديد الخسارة والضرر المادي الّذي منيت به الأُسرة، ولا شكّ أنّ خسارة الأُسرة بفقد معيلها (الرجل) هي أكبر من خسارتها بفقد الأُنثى ، فلذلك صارت دية المرأة نصف دية الرجل على الرغم من أنّ المصيبة على حدّ سواء ، وهذا لا يعني اختلافهما في الإنسانية.
إلى هنا تبين واقع خلقة كلّ من الرجل والمرأة، وأنّهما متماثلان لا يتميّز أحدهما عن الآخر في ذلك المجال.
وأمّا ما يرجع إلى الأُمور النفسية والروحية عند المرأة والرجل، فنقول: لا شكّ ثمّة فارق واضح وجليّ بين الرجل والمرأة من هذه الزاوية، وهي أنّ المرأة جيّاشة العاطفة ملؤها الحنان والعطف وذات روح ظريفة حسّاسة، وقد أودعت يد الخلقة ذلك فيها لتنسجم مع المسؤولية الملقاة على عاتقها كتربية الأطفال الّتي ترافقها مشاقّ ومصاعب جمّة لا يتحمّلها الرجل عادة، لأنّه خلق لوظائف أُخرى تستدعي القوّة والشدّة واتّزان العواطف، لتنسجم مع المسؤوليات الملقاة على عاتقه.
وإذا اجتمعت العواطف الجيّاشة مع القوّة والشدّة وفق الضوابط والأُصول الإسلامية، صارت الحياة متكافئة ومتوازنة، ويسودها العدل والمساواة والودّ والاحترام.
إلى هنا تمّ ما نروم الإشارة إليه من البحث الأوّل.

صفحه 140

الثاني : النظر إلى حقوق المرأة

حظيت المرأة في الإسلام بحقوق واسعة، قد تناولها الفقهاء في كتبهم في أبواب خاصّة لا يمكن لنا ذكر القليل منها فضلاً عن كثيرها، وإنّما نقتبس من بعضها.
نزل القرآن الكريم وكانت المرأة محرومة من أبسط حقوقها حتى ميراثها، بل كانت كالمال تورّث للآخرين ، وفي هذا الجو المشحون بإهدار حقوقها، قال: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِنَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَنَصِيباً مَفْرُوضاً).1
وبذلك كسر الطوق الذي أحاط بالمرأة وحال بينها وبين ميراثها في سورة خاصّة باسمها ـ أعني: سورة النساء ـ وهي في ميراثها تارة تعادل الذكر، وأُخرى تنقص عنه، وثالثة تزيد عليه، حسب المصالح المذكورة في محلّها.
وما اشتهر بأنّ ميراث المرأة ينقص عن ميراث الرجل دائماً، فليس له مسحة من الحقّ; بل تتراوح فريضتها بين التساوي والنقصان والزيادة كما هو واضح لمن لاحظ الفرائض الإسلامية، ففيما إذا كان المورّث هو الأب والأُم فللذكر مثل حظ الانثيين، وفيما إذا كان المورّث هو الولد فالأُم والأب متساويان، يقول سبحانه: (لِكُلِّ واحِد مِنْهُما السُّدُسُ) .2
وإذا تركت المرأة المتوفّاة زوجها وابنتها، فالابنة ترث النصف

1 . النساء : 7 .
2 . النساء : 11.

صفحه 141
والزوج الربع، فهنا ترث الأُنثى ضعف ما يرثه الذكر، قال سبحانه: (فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيّة يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْن).1
إلى غير ذلك من صور الفرائض التي شرحها الفقهاء.
نعم الاختلاف في الميراث تابع لملاكات خاصّة يجمعها عنوان الأقربية، ومسؤولية الإنفاق ، فالأقرب يمنع الأبعد، كما أنّ مَن يقع على عاتقه الإنفاق يرث أكثر من غيره.
ومن حقوق المرأة حريتها المالية التي ما بلغ إليها الغرب إلى الأمس الغابر، قال سبحانه: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا وَلِلنّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً).(2) فأي كلمة أظهر وأرفع من هذه الكلمة، حيث أعلن عن استقلالية كلّ من الرجل والمرأة في حقوقهما وأموالهما.
أمّا الصَّداق (المَهر) فهو عطية خالصة من الزوج إلى الزوجة، وله تأثير في إنعاش حياة المرأة مادّياً، والإبقاء على علقة الزوجية.
فإذا تزوّج الرجل على مهر معيّن، فليس له التنصّل عن تعهّده، بل يجب عليه إعطاء ما نحل، قال سبحانه: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) .2
نعم لو وهبته عن طيب نفس جاز للرجل أخذه، شأن كلّ هبة كان للواهب فيها رضى، قال سبحانه: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْء مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) .3

1 . النساء : 12.   2 . النساء : 32.
2 . النساء : 4 .
3 . النساء :4.

صفحه 142
والقرآن يندّد بالزوج الذي يضيِّق الخناق على زوجته ويسيء معاملتها كي تتنازل عن مهرها، يقول سبحانه : (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتينَ بِفاحِشَة مُبَيِّنَة وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .1
ثم يؤكّد مرّة أُخرى بأنّه لو دفع الزوج لها مالاً كثيراً فليس له أخذه منها، يقول سبحانه: (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبدالَ زَوْج مكانَ زَوْج وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنطاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) .2

الثالث : الواجبات التي تقع على عاتق المرأة

إنّ التعاون بين أفراد المجتمع الإنساني شرط بقائه، فلو حذفنا التعاون من قاموس المجتمع لانهار، والأُسرة مجتمع صغير واللَّبِنة الأُولى للمجتمع الكبير، فلا تقوم حياة الأُسرة إلاّ بالتعاون ، وحقيقة التعاون عبارة عن أن يكون كلّ واحد له حقّ وعليه حقّ، وهذا ما يعبّر عنه الذكر الحكيم بكلمة بليغة جامعة لا يمكن أن يباريه فيها أحد، قال سبحانه:(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .3
ويظهر معنى الآية من خلال النظر إلى الأُسرة الإسلامية فمسؤولية المرأة القيام بتدبير المنزل ورعاية الأُسرة وتربية الأطفال وليس هذا أمراً سهلاً، ولا تقوم به إلاّ الأُمّ التي ينبض قلبها بالرأفة والحنان.
ومن زعم أنّ دُور الحضانة تحلّ محلّ الأُمّ في القيام بتلك الوظائف،

1 . النساء : 19 .
2 . النساء : 20 .
3 . البقرة : 228 .

صفحه 143
فقد أخطأ ولم يقف على المضاعفات السلبية التي تتركها تلك الدور على حالات الأطفال النفسية.
وقد أشار سبحانه إلى مسؤولية المرأة، بقوله : (وَالوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَة)1، فالأُمّ أحقّ من غيرها في رضاعة ولدها، وليس للأب أن يرغمها على إرضاع ولده، فإذا تطوّعت بذلك استحقّت أُجرة الرضاعة، لقوله تعالى: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى)2.
كما أشار تعالى إلى المسؤولية التي تقع على عاتق الرجل، بقوله : (وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعها)،3 فعلى الزوج القيام بما تحتاج إليه زوجته في حياتها من الملبس والمطعم والمسكن، ونحو ذلك من مستلزمات الحياة.
وهكذا يسعى كلّ من الزوجين إلى إقامة بناء الأُسرة على أساس من التعاون والتآزر، فتكون الزوجة عوناً للزوج، والزوج عوناً لها، ليطيب العيش بينهما، وينعمان بالسعادة والهناء.
هذه نظرة إجمالية إلى ملامح حقوق المرأة في القرآن، وثمّة بحوث ضافية لا سيّما حول حريتها الثقافية والاجتماعية والسياسية التي طرحت في العصور المتأخّرة وموقف القرآن منها نتركها إلى مجال آخر.

1 . الطلاق: 6 .
2 . الطلاق: 6 .
3 . البقرة : 233.

صفحه 144

المساواة والعدالة

إنّ الغرب يتبنّى موقف المساواة بين الرجل والمرأة ويريد منهما أن ينزلا إلى معترك الحياة ويقوما بعامّة الوظائف كتفاً إلى كتف، سواء أكانت منسجمة مع طبيعة كلّ منهما أم لا.
هذا هو الذي يتبنّاه الغرب، فالمرأة لا بدّ لها أن تشارك الرجل في ميادين الحرب والقتال والسياسة والزعامة وميادين العمل والاستثمار ولا يترك ميداناً خاصّاً للمرأة أو الرجل إلاّ يسوقهما إليه بدعوى المساواة.
ولكن القرآن يتبنّى العدالة بين الرجل والمرأة ويخالف المساواة، إذ ربّما تكون المساواة ضد العدالة وربّما لا تنسجم مع طبيعتهما، ومَن يدّعي المساواة، فكأنّه ينكر الفوارق الموجودة في نفسياتهما وغرائزهما ويتعامل معهما معاملة إنسان سلبت منه الغرائز الفطرية ولم يبق فيه رمق إلاّ القيام بالأعمال المخوّلة له.
وهذا موضوع مهمّ يحتاج إلى التفصيل حتى يتّضح من خلاله موقف القرآن.
إنّ التساوي في الإنسانية لا يعني التساوي في جميع الجهات وفي القدرات والغرائز والنفسيات حتى يتجلّى الجنسان، جنساً واحداً لا يختلفان إلاّ شكلياً، ومَن يقول ذلك فإنّما يقوله بلسانه وينكره عقله ووجدانه.
سورة الأحزاب: الآيات 36 ـ 40   
لا شكّ أنّ بين الجنسين فوارق ذاتية وعرضية، فالأُولى نابعة من خلقتها، والثانية تلازم وجودها حسب ظروفها وبيئتها، ومن ثمّ صارت

صفحه 145
تلك الفوارق مبدأً للاختلاف في المسؤوليات والأحكام.
جعل الإسلام فطرة المرأة وخلقتها، المقياس الوحيد في تشريعه وتقنينه، وهذا هو سرّ خلود تشريعه، وأمّا التشريع الذي لا يأخذ الفطرة بنظر الاعتبار ، ويقنّن لكلّ من الأُنثى والذكر على حد سواء، فربّما لا ينسجم مع الفطرة والخلقة ويخلق تعارضاً بين القانون ومورده ويورث سلبيات كثيرة كما نشاهده اليوم في الحضارة الغربية.

الآيات: السادسة والثلاثون إلى الأربعين

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً * مَا كَانَ عَلَى النَّبيِّ مِنْ حَرَج فِي مَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ

صفحه 146
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا) .

المفردات

ما كان لمؤمن: أي ليس من شأن المؤمن والمؤمنة، نظير قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)1 أو لا ينبغي لله أن يعذبهم.
أنعم الله عليه: بالإسلام.
أنعمت عليه: بالعتق والحرية.
واتق الله: في حقّ زوجتك ولا تطلّقها.
وتخشى الناس: تخاف من أن يعترض عليك الناس بزواجك من مطلّقة ابنك بالتبنّي.
الوطَر: الحاجة.
زوجناكها: جعلناها لك زوجة.
الحرَج: المشقّة.
فرض الله: أوجب الله أو قدّره.
سنّة الله: أي ما سنّ من الأحكام.
خلَوا: مضَوا.

1 . الأنفال: 33 .

صفحه 147
 
التفسير
الظاهر أنّ الآيات بمجموعها نزلت في واقعة واحدة وقعت في المدينة المنوّرة، خلافاً للبعض حيث قال بأنّ الآية الأُولى نزلت بمكة وهي ناظرة إلى تزويج زيد بزينب بنت جحش، وسائر الآيات ناظرة إلى قيام زيد بطلاق زوجته ثم تزويج النبيّ منها في المدينة المنورة.1
ومع ذلك يحتمل أن تكون الآية الأُولى ناظرة إلى خطبة زينب بنت جحش على زيد بن حارثة فتكون الآية كلّية، وسائر الآيات ناظرة إلى تزويج النبيّ منها بعد طلاق زوجها السابق زيد فتكون مدنية.
وعلى أي تقدير، فتوضيح الآيات، وردّ ما أُثير حولها من الشبهات، رهن معرفة شأن نزولها حسب التاريخ الصحيح.
كان زيد بن حارثة الكلبي قد اختُطف في الجاهلية وهو غلام يافع، وعُرض للبيع في سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمّته خديجة بنت خويلد، فأهدته خديجة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد زواجها منه. وقد دفعت سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الحسنة وأخلاقه الفاضلة زيداً هذا إلى أن يحب رسول الله حبّاً شديداً، حتّى أنّه عندما جاء أبوه إلى مكّة وأراد أن يفاديه لكي يعود إلى أهله ووطنه، أبى زيد أن يفارق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بالرغم من أنّه خيّره بين المكث عنده أو الرحيل مع أبيه.
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يحب زيداً لنباهته وأدبه حتّى أعتقه وتبنّاه، وقد

1 . انظر: التحرير والتنوير: 21 / 256 .

صفحه 148
وقف رسول الله ذات يوم وقال لقريش: يا من حضر اشهدوا أنّ زيداً هذا ابني 1.

النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يزوّج زيداً بنت عمّته

من أهداف رسالة الإسلام إزالة الفواصل بين طبقات المجتمع ليعيش جميع أبنائه تحت لواء الإنسانيّة والتقوى، إخوة متحابين، ولذلك قام (صلى الله عليه وآله وسلم)بتزويج عتيقه زيد بن حارثة من امرأة شريفة النسب وهي بنت عمّته زينب بنت جحش الأسدية (من بني أسد بن خزيمة)، وأُمّها أُميمة بنت عبدالمطلب، ليعلّم الناس أنّه يجب عليهم الإقلاع عن تلك التقاليد الجاهلية، لكن زينب وأخاها (كما ورد في بعض الروايات) لم يبديا رغبة في هذا الأمر للوهلة الأُولى وكان الردّ على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أمراً صعباً وقد اعتذرا بعبودية زيد السابقة، حتّى نزل قوله سبحانه يندّد برفض زينب وأخيها طلب النبيّ، وهو ما في قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا).
فلمّا تلاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليهما نزلا عند رغبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وطاعة لأمره، ورضيا بهذا الزواج، فتزوّجت ذات الحسب والنسب الرفيع بعتيق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . انظر: الطبقات الكبرى: 3 / 40 ـ 42 ; الاستيعاب (بهامش الإصابة): 1 / 545 ـ 547 ; أُسد الغابة: 2 / 225.

صفحه 149

تطليق زيد زوجته

ثم إنّ هذا الزواج لم يدم طويلاً وأمّا ما هو السبب لتطليقه زينب، فليس معلوماً لدينا، وليس هذا الطلاق وحيداً في حياته فقد اتّخذ أزواجاً متعدّدة وطلّقهنّ، ولمّا وقف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على نيّة زيد خاطبه بقوله: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ): أي لا تطلّقها (وَاتَّقِ اللهَ)في أمرها.
وهذا يشير إلى إصرار زيد على مفارقتها. وعلى كلّ تقدير فقد طلّق زيد زينبَ وافترقا.

زواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بمطلقة متبنّاه لإبطال سنّة جاهلية

يوجد في المجتمع العربي الجاهلي أبناء لا يعرف لهم آباء، أو لهم آباء معروفون، لكن الرجل الأجنبي يعجبه أحد هؤلاء فيتبنّاه ويلحقه بنسبه، وتصير له حقوق البنوّة وملحقاتها، ولمّا كان هذا شذوذاً في الأساس أبطله الإسلام; لأنّ الولد الحقيقي ينتمي إلى أبيه بجذور تكوينية فيكون وجود الولد امتداداً طبيعياً لوالده، وأين هذا من الولد المتبنّى الذي ينتمي إلى أبيه لا إلى مَن تبنّاه؟ ولأجل إبطال هذه العادة الجاهلية قال سبحانه: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيماً).1
لقد كان هذا التقليد أمراً سائداً في المجتمع العربي بحيث لم يكن

1 . الأحزاب: 4 و 5 .

صفحه 150
أحد يجرؤ على نقضه، إلى أن أمر الله سبحانه رسوله أن يتزوّج مطلّقة دعيّه حتّى يثبت بهذا العمل أنّ متبنّاه ليس ولداً حقيقياً كما سيوافيك تفصيله عند تفسير الآيات. وقد أثار عمل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هذا بين المنافقين ومَن في قلوبهم مرض، ضوضاء وصخباً فاتّهموا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه تزوّج مطلّقة ابنه المتبنّى جهلاً وغفلةً، ولم يعلموا أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)استهدف تهديم سنّة جاهلية مقيتة، وإعادة العلاقات العائلية إلى مسارها الصحيح.
إذا وقفت على ذلك فلنرجع إلى تفسير الآيات:
36. (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا):
إنّ صيغة قوله تعالى: (وَمَا كَانَ) تارة تستعمل في نفي الإمكان، كما في قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ )1.
وأُخرى تستعمل في نفي الصلاحية، كما في قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)2.
فقوله هنا: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن)بالمعنى الثاني أي ليس من شأن مؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم،

1 . المؤمنون: 92 .
2 . التوبة: 122 .

صفحه 151
فحكمه وقضاؤه سبحانه نافذ على الجميع. وما ذلك إلاّ لأنّ الإسلام هو التسليم، فردّ قضاء الله سبحانه ينافيه، كما قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ )1 فإنّ التقدّم عليهما معصية كبيرة (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا)واشترى سخط الله باتّباع الهوى، وقد مرّ أنّ الآية نزلت في ردّ زينب وأخيها طلب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)على ما مرّ.
وفي نهاية تفسيرنا لهذه الآية بودّي الإشارة إلى ما وقع في مؤتمر أُقيم في المدينة المنوّرة حول خطب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع، وقد أُلقيت فيه خطب ومحاضرات وقرئت مقالات، ولكن لم ينبس أحد حول خطبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في غدير خمّ ببنت شفة، وقد بعثنا برسالتنا حول خطب النبيّ إلى المؤتمر وقام بعض الصلحاء باستنساخها وتوزيعها بين الحضور، إلاّ أنّ رئاسة المؤتمر حالت بينهم وبين إلقائها.
ولمّا اتّصل بعض المشاركين من الشيعة برئيس المؤتمر وسأله عن سبب امتناعه عن ذكر خطبة الغدير قال: إنّ الخطبة صدرت عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ أنّ الأُمّة لم تقبلها.
وعند ذلك قلت لصديقي: لماذا لم تقرأ عليه هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)؟
ولاشك أنّ العمل بالمصالح المزعومة كانت حاكمة على النصوص، والحديث بعد ذو شجون.
37. (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ

1 . الحجرات: 1 .

صفحه 152
عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً):
الآية تشير إلى ما مرّ من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا وقف على أنّ زيداً بصدد تطليق زوجته وعظه ونصحه كما يقول: (وَإِذْ): أي اذكر (تَقُولُ لِلَّذِي): أي زيد (أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ)بالإيمان والخلاص من أيدي المشركين (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ)بالعتق والتبنّي والمحبّة (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ): أي لازم عشرتها.
قوله تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ): أي تخفي الوحي الإلهي الذي أنزله الله عليك في «زيد»، حيث إنّ الله قد فرض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يتزوّج مطلّقة زيد الذي تبنّاه ليرتفع بذلك الحرج عن المؤمنين في التزوّج بمطلّقات أبنائهم بالتبنّي، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)يخفي ذلك الأمر في نفسه إلى حين، مخافة سوء أثره في الناس، فأمّنه الله من ذلك وقال: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ).
كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يعلم أنّ ثمّة في المجتمع مَن يتصيّد في الماء العكر، ويسارع ـ في مثل هذه الأحوال ـ إلى بثّ الإشاعات المغرضة والأقاويل الباطلة، الأمر الّذي يؤثّر على منزلته (صلى الله عليه وآله وسلم)السامية في النفوس، ومن ثمّ على دوره كنبيّ داع إلى الحقّ، وإلى الاستقامة عليه في القول والفعل والسلوك. ومن هنا كان (صلى الله عليه وآله وسلم)يتريّث في إظهار ما ألهمه الله من الحكم في أمر زيد وامرأته، حذراً من أن تخوض فيه بالباطل تلك الألسنة الآثمة، فجاءت هذه

صفحه 153
الفقرة من الآية (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)حاثّة له على عدم الالتفات إلى ما سيقولونه، وأنْ يمضي قُدُماً في تنفيذ ما فُرض عليه.
ثم إنّه يدلّ على ما ذكرنا من أنّ المراد من قوله: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ)الوحي الذي نزل عليك في تزوّج امرأة زيد بعد فراقه إيّاها، قوله سبحانه: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)فهذا يدلّ على أنّه سبحانه قضى بأن يتزوّج النبيّ بزوجة زيد بعد طلاقها، ليكون القدوة على مستوى الممارسة العملية في كسر التقاليد الجاهلية، ولم يكن تزوّجه إيّاها من تلقاء نفسه أو من جهة أُخرى وإنّما كان امتثالاً لأمر الله، كما يقول: (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً): أي نافذاً وواقعاً .
ثم إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا كان في حرج نفسي من هذا الأمر، أوحى إليه سبحانه بالآية التالية:
38. (مَا كَانَ عَلَى النَّبيِّ مِنْ حَرَج فِي مَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) :
قوله تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبيِّ مِنْ حَرَج فِي مَا فَرَضَ اللهُ لَهُ): أي ليس على النبيّ حرج ومنع فيما أحلّ الله له من نكاح امرأة مَن تبنّاه بعد فراقه إيّاها، وليس هذا أمراً خاصّاً بالنبي بل هو (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ): أي سنّة الأنبياء الذين مضَوا من قبل، وهل المراد حلّيّة زوجة المتبنّى بعد التطليق، أو المراد كثرة الزوجات والسراري؟ والأوّل أرجح.
قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) هذه الفقرة كالتي سبقتها ـ

صفحه 154
أعني قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) ـ والمراد أنّ تشريع الله هو الذي قُدّر، ولا محال هو كائن.
ولمّا تقدّم قوله: (الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ)فلابد من توضيح صفات وبيان مَن هم هؤلاء، ولذلك جاءت الآية التالية:
39. (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا) :
قوله: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ)إيضاح لقوله: (الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ)فيكون المعنى: الذين خلوا من قبل هم الذين يبلِّغون رسالات الله. وقد وصفهم بما يلي:
أ. (يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ)لا رسالات الشيطان ولا رسالات الآخرين، أي لا يتكلّمون إلاّ بقوله ويقولون: قال الله .
ب. (وَيَخْشَوْنَهُ) بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.
ج. (وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا)خشية توجب ترك الواجب أو فعل المنهيّ عنه.
د. (إِلاَّ اللهَ)ولازم الخشية من الله هو طاعة الله في كافّة المجالات.
قوله تعالى: (وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا) ولعلّ هذه الجملة سيقت لبيان أنّ الله سبحانه يحاسبهم في تحمّل رسالاتهم بدقّة.
40. (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا) :

صفحه 155
الظاهر أنّ ما تقدّم من الآيات كان ناظراً إلى ما قبل التزويج، وأمّا هذه الآية فهي ناظرة إلى ما يتقوّله الجاهلون ومرضى القلوب على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وإشاعة أنّه تزوّج حليلة ابنه، فجاءت هذه الآية تردّ عليهم ببيان ما تقدّم في صدر هذه السورة، أعني قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ )1، وعلى هذا فليس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أباً حقيقياً لزيد حتّى تجري حليلته مجرى تحريم حليلة الابن إذا طُلِّقت، بل أنّ شأن النبيّ هو قوله: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ): أي يقتصر شأنه ومقامه بالنسبة إليكم على أمرين:
أ. (رَسُولَ اللهِ): أي رسول الله للناس أجمع كسائر الرسل.
ب. (خَاتَمَ النَّبِيِّينَ): أي موصِداً باب النبوّة فلا يأتي بعده نبيٌّ.
قوله تعالى: (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا): أي عليم بما هو الأجدر والأليق بالناس أوّلاً، وبالأنبياء ثانياً، حيث حكم بانفتاح باب الرسالة إلى عصر النبيّ، كما حكم بختم النبوّة ببعث النبيّ فلا نبيّ بعده، ومن ادّعى ذلك فقد ادّعى شيئاً خلاف ضرورة القرآن الكريم.
إذا وقفت على تفسير الآيات على وجه الإيجاز، فنقول: يبقى الكلام في جهات:
الأُولى: قد ظهر من تفسير الآيات أنّ تزوّج النبيّ بامرأة دعيّه بعد طلاقها لم يكن نابعاً عن رغبة نفسية، بل كان استجابة وتجسيداً لما فرض الله عليه .
وليس معنى ذلك أنّ الزواج النابع عن رغبة نفسية أمر مرفوض، بل

1 . الأحزاب: 4 .

صفحه 156
هو أمر مطلوب بشروطه، لكن المقام لم يكن من هذا القبيل، والشاهد عليه الأمران التاليان:
أ. (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ)والآية صريحة في أنّ المزوِّج هو الله سبحانه لغاية خاصّة، لأنّه نسب الفعل إليه بقوله: (زَوَّجْنَاكَهَا)، لا أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان راغباً فيها، فأعقبه التزويج.
ب. (مَا كَانَ عَلَى النَّبيِّ مِنْ حَرَج فِي مَا فَرَضَ اللهُ لَهُ): أي ليس على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من غضاضة في هذا الزواج، لأنّه ممّا فرض الله له، أي عيّنه له أو أباح له .
الثانية: قوله: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ)كما مرّ، بمعنى أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يخفي في نفسه ما فرض الله له من التزوّج بامرأة ابنه بالتبنّي بعد طلاقها، وما هذا إلاّ كراهية أن يرتفع صخب المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وليس الإخفاء ناظراً إلى كتمان تشريع إلهي راجع إلى الناس، بل كان أمراً شخصياً راجعاً إليه، ولم يكن في إخفائه ضيق وحرج.
الثالثة: أنّ المستشرقين الذين هم طليعة الاستعمار وجيشه المتقنّع بقناع العلم والمعرفة، أثاروا هنا شبهات ربّما تجوز على السذّج من الناس، وقد استقوا هذه الشبهات من روايات نقلها الطبري وغيره من المفسّرين وبعض المؤرّخين، وقد رووا أنّه قد خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوماً يريد زيداً وعلى الباب ستر من شعر، فرفعته الريح فرأى زينب وهي حاسرة فاعجبته...، إلى آخر هذه الخرافة.1

1 . تفسير الطبري: 22 / 10; الكامل في التاريخ: 2 / 121 ; غرائب القرآن: 9 / 198 ـ 199.

صفحه 157
وقد تعلّق المستشرقون بهذه المرويّات المكذوبة دون أن يحقّقوا في أسانيدها، حتّى تحوّلت القصة إلى ما يشبه قصص ألف ليلة وليلة، ولو كان هناك عتاب فإنّما هو على الطبري ومَن تبعه، حيث جمعوا في حزمتهم كلّ غث وسمين ورطب ويابس.
نعم جاء المتأخّرون من المفسّرين فنقدوا تلك المرويّات وفنّدوها بأحسن وجه.
ولكن ورد في شرح المواقف ما لا يليق بمؤلّفه حيث قال: وما يقال إنّه أحبها فممّا يجب صيانة النبيّ عن مثله، وإن صحّ فميل القلب غير مقدور.1
فما في ذيل كلامه لا يليق بمثله ولا يليق رمي النبيّ به، إذ لو كان قلب النبيّ عالقاً ببنت عمّته لتزوّج بها حين شبابها وأيام نضارتها وقبل أن يزوّجها من متبنّيه زيد بن حارثة، وقد علمتَ أنّ خضوعه للتزويج لم يكن إلاّ طاعة لأمر الله سبحانه وتجسيداً له، وهدماً للتقاليد الجاهلية.
يقول الفخر الرازي: وفيه إشارة إلى أنّ التزويج من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن لقضاء شهوة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل لبيان الشريعة بفعله.(2) وكان عليه أن يقول مكان «إشارة» تصريح.
الرابعة: أنّه سبحانه قال: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ)فالمراد أنّه ليس أبا أحد من هؤلاء الرجال حتّى يكون تزوّجه بامرأة أحدهم إن طُلِّقت أو مات عنها، تزوّجاً منه بامرأة ابنه، وزيد أحد هؤلاء الرجال، فتزوّجه (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . المواقف: 3 / 423 .   2 . تفسير الرازي: 25 / 212.

صفحه 158
بزينب بعد أن طلّقها زوجها زيد، ليس تزوّجاً بحليلة الابن الحقيقي، وعلى هذا فالنفي نسبيٌّ لا يدلّ على أنّه ليس أباً لأولاده الذكور الأربعة: القاسم، والطيّب، والطاهر، وإبراهيم، كما أنّها لا تدلّ على أنّه ليس أباً للحسن والحسين، إذ الثابت أنّهما من أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
الخامسة: الفرق بين الرسول والنبيّ .
إنّ دراسة قوله سبحانه: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)رهن بيان أمرين:
الأوّل: ما هو الفرق بين النبيّ والرسول؟ وقد ذكر غير واحد من المفسّرين واللغويّين وأصحاب الحديث فروقاً ستة تمّت دراستها في كتابنا «مفاهيم القرآن» 1 وذكرنا أنّ أكثرها أو جميعها غير تامّ، والذي استنبطناه من الذكر الحكيم هو ما يلي:
المفهوم، من التدبّر في الآيات، أنّ النبيّ هو الإنسان الموحى إليه من الله سبحانه بإحدى الطرق المعروفة الواردة في آخر سورة الشورى، أعني قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)2 .
وأمّا الرسول فهو القائم بالسفارة من جانب شخص ; سواء أكان من جانب الله سبحانه أو من جانب غيره، وسواء أكان الرسول بشراً أم ملكاً، والغاية من إرساله إبلاغ قول أو تنفيذ عمل.

1 . لاحظ : مفاهيم القرآن: 4 / 343 ـ 366 .
2 . الشورى: 51 .

صفحه 159
وإن شئت قلت: إنّ النبوّة منصب معنوي وارتقاء للنفس الإنسانية تستدعي إمكان الاطّلاع على الغيب بإحدى الطرق المألوفة، والنبيّ هو المرتقي لهذا المقام.
وأمّا الرسالة فهي سفارة للمرسَل من جانب المرسِل لتنفيذ ما تحمَّله منه، إمّا بالإبلاغ إلى المرسَل إليهم أو تحقيقه في الخارج .
أمّا الأوّل ففي أي مورد أُطلقت كلمة النبيّ في كلامه سبحانه أو جاءت في السنّة الشريفة فلا يراد بها إلاّ من خُصّ بهذه المكانة، أي مكانة تحمُّل النبأ وشرف الاتّصال بالله والعلم بما عنده والإيحاء إليه بإحدى الطرق. ويؤيّد ذلك أنّ النبيّ مشتق من النبأ وهو ليس مطلق الخبر بل هو الخبر المهمّ.
وأي خبر أهمّ من الإخبار عن الله سبحانه، ولذلك نرى أنّه سبحانه يقرن لفظ الوحي بلفظ النبيّين، يقول سبحانه: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا)1.
وأمّا قوله سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إِلاَّ نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)،(2) فإنّما ذُكر فيه الرسول دون النبيّ (الذي هو المناسب للوحي)، لأجل قوله: (أَرْسَلْنَا) الذي استدعى نسبته إلى الرسول، والآية في صدد تقرير أنّ الرسالات كلّها كانت قائمة على أساس التوحيد ونفي عبادة غيره تعالى.

1 . النساء: 163 .   2 . الأنبياء: 25 .

صفحه 160
هذا كلّه حول النبيّ، وأمّا الرسول فقد قلنا إنّه ليس له دور إلاّ السفارة من شخص إلى شخص أو إلى جماعة بإبلاغ كلام أو تحقيق أمر، سواء أكان مَلَكاً كما في قوله: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا)،1أو كان بشراً مرسلاً من جانب الله، كما هو الحال في الأنبياء فإنّهم رسل الله، كما في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول)، أو مرسلاً من جانب غيره سبحانه كما في قوله: (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)(2) والمراد بالرسول هنا هو المبعوث من جانب ملك مصر إلى يوسف (عليه السلام)للإتيان به من السجن إليه.
وبذلك ظهر أنّ الرسول تارة يتحمّل السفارة من الله سبحانه، وتارة أُخرى من غيره، كما أن المتحمّل للسفارة من الله تارة يكون بشراً، وأُخرى ملَكاً كما في قضية مريم.
إلى هنا تبيّن سعة مفاد لفظ الرسول من جانب المرسِل والمرسَل، بقي هنا أمر وهو بيان ما ذكرنا من أنّ العنصر المقوّم لصدق الرسول هو تحمُّله إمّا إبلاغ كلام أو إنفاذ عمل، وهذا هو المستفاد من الذكر الحكيم، ويكفي في ذلك الآيات التالية:
1. (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ )2.
2. (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)3.

1 . مريم: 19 .   2 . يوسف: 50 .
2 . المائدة: 67 .
3 . النحل: 35 .

صفحه 161
3. (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ )1.
إلى غير ذلك من الآيات.
ونخلص، ممّا تقدّم إلى ما يلي: أنّ لفظ النبيّ لم يستعمل في القرآن والحديث إلاّ في الإنسان الموحى إليه من الله، وبما أنّ الجهة المقوّمة للنبوّة عبارة عن كونه مطّلعاً على الغيب أو منبئاً عنه، فإنّ النبيّ يصير عندئذ عبارة عن الإنسان الموحى إليه من جانب الله، المطّلع على الغيب، إذا قلنا بأنّه بمعنى ذي خبر، أو المنبئ عنه إذا قلنا بأنّه بمعنى المخبر، فاعتبر فيه قيدان:
1. كونه إنساناً .
2. كونه موحى إليه من جانب الله سبحانه ومتحمّلاً النبأ منه عزّ وجلّ.
وأمّا الرسول فلمّا كانت الجهة المقوّمة لرسالته، تحمل إنفاذ عمل أو بيان قول من جانب المرسِل في إطار التبشير والإنذار أو ما يشبهه، فلا يلزم أن يكون ملَكاً أو جنّاً كما لا يلزم أن يكون مبعوثاً من جانب الله سبحانه بل أعمّ منه.
وبهذا ظهرت دلالة الآية على ختم باب النبوّة ونزول الوحي والاتّصال بعالم الغيب لما عرفت من أنّ صدق النبوّة متوقّف على ذلك، فإيقافه وإيصاد بابه يلازم عدم مجيء مَن يدّعي التنبّؤ من الله سبحانه.
وبذلك يعلم ما ربّما يستشكل من جانب الملاحدة من أنّ محمداً خاتم الأنبياء وليس خاتم المرسلين، فالذي أُوصد بابه هو باب النبوّة دون

1 . الأحزاب: 39 .

صفحه 162
الرسالة فبابها مفتوح بعده، ولذلك ادّعى غير واحد من الملاحدة الرسالة من الله تعالى.
والجواب: أنّه إذا كان محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)خاتماً للنبيين، أي مختوماً به الوحي والاتّصال فهو خاتم الرسل والمرسلين من جانب الله طبعاً، لأنّ رسالة الإنسان من جانب الله سبحانه، عبارة عن بيان وإبلاغ ما أخذه منه عن طريق الوحي، فلا تستقيم رسالة أي إنسان من جانبه سبحانه، إذا انقطع الوحي والاتّصال به تعالى، ولا يقدر أي ابن أُنثى أن يتقوّل بالرسالة من ناحيته عزّ وجلّ، إذا كانت النبوّة موصدة باعترافه.
وبذلك يعلم أنّ منصب النبوّة أسمى من مقام الرسالة، إذ النبيّ بما هو نبيّ، أشرف من الرسول بما هو رسول، لما عرفت من أنّ الحيثية المقوّمة للنبوّة، هي الاتّصال بالله واستعداد النفس لاستقبال ما ينزل به الوحي من المبدأ الأعلى، والحيثية المقوّمة للرسالة هي تحمّل تنفيذ عمل أو إبلاغ قول من المرسِل، وأين شرف الاتّصال بالله والمبدأ الأعلى من شرف تحقُّق عمل في الخارج أو إبلاغ كلام عن شخص إلى الغير؟

الأمر الثاني: الخاتم وما يراد به

هناك قراءتان للفظة «خاتم» في قوله سبحانه: (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ):
الأُولى: خاتم (بفتح التاء)، وهي قراءة عاصم المأخوذة من قراءة أبي عبدالرحمن السُّلَمي الذي أخذ قراءته من عليّ (عليه السلام)، وهذه القراءة تحتمل أمرين:
1. أن يكون فعلاً ماضياً مثل خَاتَمَ كضاربَ.

صفحه 163
2. أن يكون اسماً بمعنى آخرهم أو ما يختم به.
الثانية: خاتِم (بكسر التاء)، كما عليه قراءة الباقين، وهو بمعنى الفاعل أي من يختم. يقول أبو محمد الدميري في منظومته:
والخاتم الفاعل قل بالكسرِ *** وما به يختم فتحاً يجري1
وجميع هذه الوجوه الثلاثة تحكي عن معنى واحد وهو أنّه قد ختم به باب النبوّة وأوصد بوجوده ودينه وكتابه باب الاتّصال بالله سبحانه فلا نبيّ بعده.
والدليل على ما ذكرنا أنّ لفظ «خاتم» سواء أقرئ بالفتح وكان فعلاً ماضياً بمعنى ختم النبيّين، أو مصدراً بمعنى آخرهم وما يختم، أم قرئ بالكسر بمعنى من يَختم، لا يفهم منه في المقام على عامّة التقادير إلاّ معنى واحد، وهو أنّه قد خُتم به باب النبوّة، وأُوصد به باب الوحي إلى البشر; والذي يدلّ على ذلك أنّ مادة تلك اللفظة بعامة الصيغ تكشف عن السدّ والغلق، وإليك بعض الموارد التي استعملت مادة تلك اللفظة فيها:
1. قوله تعالى: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيق مَخْتُوم)(2): أي من شراب خالص لا غشّ فيه، تُختَم أوانيه من الأكواب والأباريق بمِسك، أو مختوم عليه بشيء مثل الشمع وغيره، إشارة إلى خلوصه.
2. قال تعالى: (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)2: أي توجد رائحة المسك في آخر شربه (شرب الرحيق).

1 . التفسير في علم التفسير: 90 .   2 . المطففين: 25.
2 . المطففين: 26 .

صفحه 164
3. قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ)1.
4. قوله تعالى: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ).2
5. قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ)3.
فإذا انتهى الكافر من كفره إلى حالة يعلم الله أنّه لا يؤمن، يطبع الله على قلبه كما يُطبع على الشيء بالشمع والطين فيصير قلبه كالمختوم عليه، لايدخله شيء، ولا يخرج منه شيء، فلا يدخله الإيمان ولا يخرج منه الكفر.
فالختم على الشيء بمعنى الطبع عليه كناية عن ختم أمره، والختم على القلب يلازم انتهاء أمره وامتلائه بالكفر والإلحاد فلم يبق فيه موضع لنور الحقّ وكلماته، كما أنّ ختم الورقة وطبعها بالطابَع علامة على أنّ الكاتب بلغ ما أراد من كتابته فيها، وانتهى غرضه ومقصده.
والختم على النبوّة عبارة عن إيصاد باب النبوّة والطبع على بابها، فهو مقفل إلى يوم القيامة، لا يفتح في وجه أحد.
وعلى أي تقدير، فالناظر في هذه الآيات لا يتلقّى من تلك المادة إلاّ

1 . الشورى: 24 .
2 . البقرة: 7 .
3 . الأنعام: 46 .

صفحه 165
معنى واحداً وهو الانتهاء، أو ما يلازمه من الطبع على الشيء.
وبذلك يعلم أنّ إطلاق الخاتم على ما يتحلّى به إصبع الإنسان، من باب أنّ الدارج في عهد الرسالة طبع الكتاب بالخاتم، فكانت خواتيمهم طوابعهم لا أنّه وضع لها ابتداءً; ويدلّ على ذلك ما رواه المؤرّخون:
1. روى ابن سعد في طبقاته: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتاباً، فقيل يا رسول الله: إنّ الملوك لا يقرأون كتاباً إلاّ مختوماً، فاتّخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يومئذ خاتماً من فضة ـ فصّه منه ـ نقشه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله، وختم به الكتب. 1
2. جاء في «مسند أحمد»: جعل ثلاث كلمات في ثلاثة أسطر وختم به، وقال: لا ينقش أحد مثله.2
3. قال ابن خلدون في مقدّمته عند البحث عن شارات الملوك: أمّا الخاتم فهو من الخطط السلطانية والوظائف الملوكية، والختم على الرسائل والصكوك معروف للملوك قبل الإسلام وبعده، وقد ثبت في الصحيحين، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أراد أن يكتب إلى قيصر، فقيل له: إنّ العجم لا يقبلون الكتاب، إلاّ أن يكون مختوماً، فاتّخذ خاتماً من فضة ونقش فيه: محمد رسول الله .3
وبما ذكرنا ظهر ضآلة بعض التشكيكات التي أثارها حسين علي

1 . الطبقات الكبرى: 1 / 258 .
2 . مسند أحمد: 3 / 161 .
3 . مقدّمة ابن خلدون: 1 / 220 .

صفحه 166
النوري ـ زعيم الفئة السياسية البهائية (المتوفّى 1309 هـ) ـ وغلام أحمد القادياني الذي ادّعى سنة (1892 م) أنّه المجدّد للقرن الرابع عشر الهجري وفق الحديث النبوّي، ثم ادّعى أنّه المهدي والمسيح الموعود، ثم ادّعى لنفسه النبوّة.
وبما أنّ ذكر تشكيكاتهم يطيل بنا المقام، نحيل القارئ إلى كتابنا «مفاهيم القرآن»،1 فقد بسطنا الكلام في شبهاتهم وأجبنا عن بعض الأسئلة فليرجع إليه .
نعم ما دلّ على أنّ نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)نبيّ خاتم خُتم به باب النبوّة، ليس منحصراً بهذه الآية بل هناك آيات أُخرى تدعم ذلك، ذكرنا تفصيلها في «مفاهيم القرآن»، كما أنّ الروايات تواترت عن الفريقين على كونه خاتماً.
سورة الأحزاب: الآيات 41 ـ 48   
قال الشريف الرضي (رحمه الله) ـ حول هذه الآية ـ : على قراءة مَن قرأ خاتم (ففتح التاء وكسرها) والمعنيان متّفقان وهذه استعارة، والمراد بها أنّ الله تعالى جعله (صلى الله عليه وآله وسلم)حافظاً لشرائع الرسل(عليهم السلام)وكتبهم وجامعاً لمعالم دينهم وآياتهم كالخاتم الّذي يطبع به على الصحائف وغيرها ليحفظ ما فيها، ويكون علامة عليها; وفيه أيضاً معنى آخر وهو أنّ الخاتم الّذي يختم به ما يكتب بعد الفراغ من كتابة على الأغلب، فكأنّه من هذا الوجه يدلّ على أنّ الله سبحانه بعثه بعد تقضي مباعث الرسل وانقطاع إرسالهم إلى الأُمم ولم يبق منهم من يرجى مورده ولا ينتظر مولده.2

1 . لاحظ : مفاهيم القرآن: 3 / 123 ـ 129 .
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 220.

صفحه 167

الآيات: الحادية والأربعون إلى الثامنة والأربعين

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا * وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً) .

المفردات

بُكرة: الغداة، وهي أوّل النّهار.
أصيلاً: الأصيل: آخر النّهار.
يصلّي عليكم: الصلاة من الله تعالى الرحمة والمغفرة، ومن غيره بمعنى الدعاء بالرحمة والمغفرة.

صفحه 168
 
التفسير
هذه الآيات الثمان تتضمّن محورين:
الأوّل: تأمر المؤمنين بالذكر والتسبيح، وأنّ الله سبحانه يتولاّهم دائماً برحمته، كما أنّ الملائكة دائمو الدعاء لهم بالرحمة.
الثاني: تخاطب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه أُرسل شاهداً ومبشِّراً ونذيراً، وأنّ عليه ألاّ يطيع الكافرين والمنافقين.
إذا عرفت ذلك فلندخل في تفسير الآيات.
41 و 42. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً):
تتجلّى فضيلة ذكره سبحانه في هذه الآية، وفي غيرها من الآيات كقوله سبحانه: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)1، كما تتجلّى في أقوال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة فليكثر من ذكر الله»، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ وَتَعَالى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاَءً لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ، وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ»،2 فقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ)بألسنتكم وقلوبكم (ذِكْرًا كَثِيرًا) في عامّة الحالات، لأنّه (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ

1 . البقرة: 152 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 222. (والوَقرة: الثِّقَل في السَّمع. والعَشوة: ضعف البصر).

صفحه 169
الْقُلُوبُ)1، والذكر باللسان يكون بالتكبير والتهليل والتحميد ونحوها، والذكر بالقلب يكون بالتعظيم والتبجيل والطاعة .
هذا، وأمر سبحانه المؤمنين أيضاً بالتسبيح، فقال : (وَسَبِّحُوهُ): أي نزّهوه تعالى عن كلّ قبيح وعن كلّ ما لا يليق به ، وأمّا وقته وزمانه فهو (بُكْرَةً وَأَصِيلاً): أي طرفي النهار، وقدّم البكرة على الأصيل لتقدّمها عليه زماناً، وعكس في قوله: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)2 لأنّ الليل أسبق على اليوم في الإسلام، حيث يعرّف الليل باليوم الذي يأتي بعده، فيقال: ليلة القدر، والظاهر أنّ الله سبحانه أمر المؤمنين بذكر الله لأجل إعراضهم عمّا يقوله المنافقون في تزويج زوجة الدعيّ، فالمنافقون يتفكّهون بذكر ما يسيء للنبي ظاهراً، والمؤمنون يصبحون ويمسون بذكر الله سبحانه.
ثم إنّه سبحانه بيّن سبب الأمر بذكر الله وتسبيحه في الآية التالية وقال:
43. (هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا):
قلنا: إنّ الصلاة من الله سبحانه الرحمة والمغفرة ومن غيره هي الدعاء بالرحمة والمغفرة، ويترتّب عليها الخروج من الظلمات إلى النور كما يقول: (هُوَ)الله (الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ): أي يرسل رحمته عليكم (وَ)تستغفر (مَلاَئِكَتُهُ) لكم (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ)وهي نسيان الله ونسيان

1 . الرعد: 28 .
2 . الروم: 17 .

صفحه 170
لقائه (إِلَى النُّورِ) نور اليقَظَة في الأسماع، وذلك بإقبالها على ما ينبغي أن يسمع من أوامر الله ونواهيه وسائر كلامه، واليقظة في الأبصار، وذلك بإدراكها للحقائق وما ينبغي لها، واليقظة في الأفئدة، وهي فطانتها واستعدادها لما ينبغي لها من الكمالات العقلية والنفسانية1، وأمّا ما هو السبب لإرسال الرحمة واستغفار الملائكة فهو أنّه (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا).
وممّا يدلّ على أنّ ملائكة الله يطلبون الترحّم على المؤمنين قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).2
44. (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا):
قوله: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ)فالتحية عبارة عن الكلام الذي يُخاطَب به الإنسان عند اللقاء إعراباً عن السرور باللقاء من دعاء ونحوه، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي يُحيَّون يوم اللقاء بـ (سَلاَمٌ) كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)(3)، وقال سبحانه: (وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ)3 .

1 . انظر: شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني: 4 / 69 (في شرح قوله (عليه السلام): فاستصبحوا بنور يقظَة في الأبصار والأسماع والأفئدة).
2 . غافر: 7 .   3 . الزمر: 73.
3 . الرعد: 23 ـ 24 .

صفحه 171
قوله تعالى: (وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا): أي يتمتعون بالمآكل والمشارب والحلل والمنازل في فسيح جناته.
ثم إنّ المراد من قوله: (يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ): أي يوم يلقون الله تعالى، لكنّه كناية عن لقاء ثوابه وعقابه، لا لقائه نفسه، فإنّه سبحانه ليس جسماً من الأجسام حتّى يتحقّق اللقاء به، والدليل على أنّ المراد من اللقاء لقاء جزاء الأعمال، قوله: (سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) .
إلى هنا تمّ بيان المحور الأوّل الخاص بالمؤمنين، ثم يأتي دور النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ففي هذه الآيات يصف النبيّ أوّلاً بصفات خمس ثم يأمره بأُمور أربعة.
أمّا توصيفه بصفات خمس فقد تضمّنتها الآيتان التاليتان.
45 و 46. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا):
أمّا قوله: (شَاهِدًا)فقد فسّره السيد الطباطبائي بقوله: شاهداً على أعمال الأُمّة، حيث يتحمّلها في هذه النشأة ويعيدها يوم القيامة.1
وقد دلّ عدد من الآيات على أنّ المراد من الشهادة هو الشهادة على الأعمال، نحو قوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)،(2) فالآية تدلّ على أنّ ثمّة أُمّة وسطاً تكون شهيدة على الناس ويكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)شهيداً عليها، وأمّا ما هي

1 . الميزان في تفسير القرآن: 16 / 330 .   2 . البقرة: 143 .

صفحه 172
الأُمّة الوسط فالخطاب بظاهره يشمل جميع أبناء الأُمّة، وبما أنّ كثيراً منهم فاسقون وضالّون، فلا يجوز، إذاً، حمل الشهادة على الجميع، وإنّما نسب الشهادة إليهم لأجل كون الشهداء منهم، فعرّف الأُمّة المسلمة بالوسطية، مع أنّه وصف لقوم خاصّين منهم، كما عرّف سبحانه بني إسرائيل بالملوكية وقال: (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا)1 مع أنّه كان بعضهم ملوكاً وليس كلّهم.
روى العياشي عن الإمام الصادق (عليه السلام)في قوله تعالى: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا): فإن ظننت أنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ مَن لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب الله شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة جميع الأُممّ الماضية؟ كلاّ، لم يَعنِ الله مثل هذا من خَلْقه، يعني الأُمّة الّتي وجبت لها دعوة إبراهيم: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )2 وهم الأُمّة الوسطى وهم خير أُمّة أُخرجت للناس».3
وأمّا قوله: (وَمُبَشِّرًا): أي يبشِّر المؤمنين بالجنة (وَنَذِيرًا) ينذر الكافرين والعصاة بعذاب الله (وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ): أي للإيمان به وحده (بِإِذْنِهِ)فيكون دليلاً على أنّه مبعوث من الله سبحانه (وَسِرَاجًا مُنِيرًا)ينير طريق السعادة لطالبيها، ويهتدي به الضالّون كما يهتدي السالكون في الظلمة بالسراج.

1 . المائدة: 20 .
2 . آل عمران: 110 .
3 . تفسير العياشي: 1 / 161 برقم 219. ولاحظ : تفسير البرهان: 1 / 160، برقم 10 ; تفسير نور الثقلين: 1 / 113 .

صفحه 173
قال الشريف الرضي (رحمه الله) ـ حول هذه الآية ـ : وهذه استعارة والمراد بالسراج المنير هاهنا أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يهتدى به في ضلال الكفر وظلام الغيّ، كما يُستصبح بالشهاب في الظلماء وتُستوضح الغرَّة في الدهماء.1
ثم إنّه سبحانه أمره بالأُمور التالية:
47. (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا):
الأمر الأوّل: أمره بأن يبشّر المؤمنين بأنّ لهم من العطاء ما كان من غير استحقاق كما قال: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا)حيث إنّ الفضل كناية عن العطاء فوق الاستحقاق، قال سبحانه (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)2.
48. (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً) :
الأمر الثاني: نهاه عن موافقة الكافرين والمنافقين، كما قال: (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)، وأن يستمر على ثباته فيما ينهض به من أمر الدعوة إلى الخير والصلاح ونبذ الأفكار والتقاليد الجاهلية.
الأمر الثالث: أمره بأن يصبر على ما يناله منهم، كما قال: (وَدَعْ أَذَاهُمْ): أي اتركهم بحالهم ولا تحتفل بشأنهم، ولا تأبه لما يبثّون من شكوك، ويحوكون من دسائس .

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 220 .
2 . الأنعام: 160 .

صفحه 174
هل يؤلم الرئبالَ1 عضُّ هُريرة *** ويضرُّ وخزٌ صخرةَ الصَّوّانِ2
الأمر الرابع: أمره بأن يفوِّض أمره إلى الله تعالى، كما قال : (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ): أي اعتمد على فضله ولطفه، فإنّه سبحانه نِعمَ الكافي (وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً)كأنّه علّة لقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ).
وفي الآية تسلية للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لما واجه من شماتة الأعداء وأذاهم، وما هذا إلاّ أن العفو عنهم وعدم الاهتمام بسفههم أَولى، فإنّ شمس الإسلام ستضيء الجزيرة العربية شيئاً فشيئاً، وهذه التهم والأقاويل ستذوب بظهور الإسلام ودخول الناس فيه زرافات ووحداناً.
سورة الأحزاب: الآيات 49 ـ 52   

الآيات: التاسعة والأربعون إلى الثانية والخمسين

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّة تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الْلاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ

1 . الرئبال: الأسد.
2 . البيت من قصيدة لحيدر البغدادي الطحّان.

صفحه 175
الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا * لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء رَقِيبًا).

المفردات

نكحتم المؤمنات: عقدتم عليهنّ.
تمسُّوهنّ: المسّ: أُريد به الدخول، ومن أدب القرآن التعبير عنه بالمسّ.
عدّة: العدّة: الأيام الّتي بانقضائها يحلّ بها التزوّج، ويُعلم خلوّ رحمها من الجنين.
فمتِّعوهنّ: أي أُعطوهنّ ما يتمتعنّ به.
سرِّحوهنّ: خلُّوا سبيلهنّ. والسراح الجميل الّذي ليس فيه إضرار ولا إيذاء.
أجورهنّ: مُهورهنّ.

صفحه 176
ما ملكت يمينك: الإماء، التي ربّما يملكها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ممّا أفاء الله عليك: من الغنائم والأنفال.
خالصة لك: أي خاصّة بك.
حرَج: ضيق ومشقّة.
تُرجي: أي تؤخر، من الإرجاء وهو التأخير.
تؤوي: ضدّ تُرجي، من الإيواء أي بذل المكان.
جُناح: إثم ومنع.

التفسير

49. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّة تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً) :
لمّا ذكر سبحانه طلاق زيد بن حارثة زوجته زينب، ناسب أن يذكر حكم المطلّقة من حيث العدّة، فدّلت الآية على أنّ العدّة فرضت على من بُني عليها دون مَن لم تُمسّ، خلافاً لإطلاق قوله تعالى في سورة البقرة، حيث قال: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)،1 فدلّت بإطلاقها على لزوم العدّة لكلّ مَن عقد عليها، فتكون هذه الآية مخصّصة لها. نعم

1 . البقرة: 228 .

صفحه 177
يمكن أن يقال: إنّ ما ورد في سورة البقرة أيضاً ناظر إلى المدخول بها لما ورد في ذيلها: (وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ).
وحصيلة الآية: أنّ لزوم العدّة فرع الدخول، دونما إذا عقد ولم يدخل، ووجهه واضح لأنّ الاعتداد لأجل تبيّن حال الرَّحم من حيث الحمل وغيره، فلو فُرض أنّه عقد عليها ولم يدخل بها فالعدّة أمر غير لازم لو لم يكن مضرّاً إذ يورث تأخير زواجها من الغير، فلذلك يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)فيخاطب المؤمنين خلافاً لما تقدّم من قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ)فهذا الحكم عام يعمّ الجميع (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ): أي عقدتم عليهنّ (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ): أي قبل أن يُبنى بهنّ (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّة تَعْتَدُّونَهَا)فاللام في قوله: (فَمَا لَكُمْ)يدلّ على أنّ العدّة حق للزوج على الزوجة ليتبيّن وضع الرحم، وهناك سُلب هذا الحقّ لعدم الملاك، وقوله: (تَعْتَدُّونَهَا): أي تعدّون أيامها عليهنّ.
غير أنّه سبحانه يأمر الزوج بتمتيعها بقوله: (فَمَتِّعُوهُنَّ)والمتعة عطية تُمنح للزوجة المطلّقة (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً)بغير جفوة ولا أذى.
وأمّا كيفية التمتيع فقد ذكره سبحانه في سورة البقرة بقوله: (لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ)1.
وبما أنّ تطليق الزوجة قبل المسّ يُفضي إلى كسر خاطرها، فيكون التمتيع نوع جبر له.

1 . البقرة: 236 .

صفحه 178
وظاهر الآية لزوم التمتيع سواء أفرض لها مهر أم لا، ولكن الظاهر من قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)1 أنّ الواجب فيما فُرض لهنّ فريضة هو نصف ما فرض لا شيء آخر. ولعلّ هذا الظاهر يقدّم على إطلاق ما في هذه الآية.
ثم إنّ قوله سبحانه: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ)دليل على أنّ النكاح موضوع لغة للعقد لا للوطء، فما يظهر من بعض اللغويّين وتبعهم صاحب الجواهر من أنّ النكاح حقيقة لغة في الوطء، غير تامّ .2
50. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الْلاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا).
هذا نداء رابع بعد نداءات ثلاثة، تارة يكون المنادى هو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأُخرى المؤمنون، فلاحظ ما مرّ من النداءات:

1 . البقرة: 237 .
2 . جواهر الكلام: 29 / 6 .

صفحه 179
1. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا).
2. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).
3. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ).
4. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ).
فخاطب النبيّ بعد كلّ خطاب للمؤمنين.
لمّا كانت الآية السابقة تتضمّن أحكاماً عامّة للنبي وللمؤمنين، ذكر في هذه الآية بعض الأحكام الّتي تخصّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من جواز التزوّج بهن، ولذا خاطب سبحانه النبيّ، وإلاّ فأكثرها مشترك بينه وبين المؤمنين وهي على سبعة أصناف من النساء:
1. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الْلاَتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ): أي أعطيت مهورهنّ.
والظاهر أنّ المراد ـ بقرينة الفقرات الآتية ـ النساء الأجنبيات اللاّتي لم تكن بينه وبينهنّ رابطة قرابة، ويدلّ على ذلك مضافاً إلى الفقرات اللاحقة التي لهن نوع صلة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّ دفع المهر وإعطاءه عند العقد الذي يحكي عنه قوله: (آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)، كان من خصائص التزوّج بالأجنبيات، وأمّا القرائب فكان مهرهنّ غالباً ديناً على الذمّة.
2. (وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ).
الفيء يطلق على الأموال التي ينالها الإنسان بلا جهد ولا مشقّة، ومنها الغنائم الحربية والأنفال، ففي القسم الأوّل وإن كان يوجد جهد ومشقّة لكنّه بالنسبة للأموال التي يُستولى عليها قليل. وعلى كلّ تقدير فقد أحلّ سبحانه

صفحه 180
لنبيّه المرأة التي كانت من الغنائم أو من الأنفال.
3 و 4. (وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ).
5 و 6. (وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ).
وقد أفرد العمّ والخال وجمع العمّات والخالات، وفي سببه ربّما يقال: إنّ إفراد العمّ لأنّه بمنزلة الأب، بل يطلق عليه الأب ومنه ما في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ)1، والأب لا يكون إلاّ واحداً، فكان الإفراد أنسب بمن ينزّل منزلته، وإفراد الخال على وفق العمّ، وأمّا جمع العمّة والخالة فهو على الأصل .2
يلاحظ عليه: أنّ لازمه إفراد الخالة لأنّها بمنزلة الأُم .
وقد نقل الآلوسي أنّه قد كثر السؤال عن حكمة إفراد العمّ والخال وجمع العمّة والخالة، حتّى أنّ السبكي على ما قيل صنّف جزءاً فيه سماه: «بذل الهمّة في إفراد العمّ وجمع العمّة».3
وقد قيّد سبحانه المذكورات بقوله: (اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ)ولعلّه كناية عن الإيمان، فإنّ الغلبة على من لم يهاجر هو الشرك.
7. (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبي)يتزوّج بها بغير صَداق ومَهر (إِنْ أَرَادَ النَّبيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا)لكن هذا الحكم (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)دون ما تقدّم .

1 . الأنعام: 74 .
2 . روح المعاني: 22 / 57 .
3 . نفس المصدر.

صفحه 181
قيّد سبحانه «المرأة» بالمؤمنة لعدم جواز تزويج المشركة، وهذا من خصائص النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ولذلك اتّفق الفقهاء على عدم صحّة التزويج بلفظ الهبة إلاّ في مورد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو وهبت نفسها للنبيّ بلا مهر وتعقّبه القبول تكون زوجة له، إنّما الكلام: هل تزوّج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)امرأة ممّن وهبت نفسها له ؟
قيل نعم، وهي أُم شريك بنت جابر الدوسيّة، واسمها غزيّة. وروي أنّها خولة بنت حكيم عرضت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسها.
وفي بعض الروايات أنّها ميمونة بنت الحارث الهلالية1.
فقوله سبحانه: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ): أي لا تحلّ امرأة من غير مهر وإن وهبت نفسها إلاّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
روى الكليني بإسناده عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام)، قال: «لا تحلّ الهبة إلاّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا غيره فلا يصلح نكاح إلاّ بمهر».2
وأخرج البخاري عن عائشة، قالت: كنت أغار على اللاّتي وهبنَ أنفسهنّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأقول: أتَهبُ المرأة نفسها؟ فلمّا أنزل الله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ). قلت: ما أرى ربّك إلاّ يُسارع في هواك!!3

1 . انظر: روح المعاني: 22 / 59 ـ60 .
2 . الكافي:5/384، برقم 3، كتاب النكاح، باب المرأة تهب نفسها للرجل.
3 . صحيح البخاري:3/261، كتاب التفسير، برقم 4788. ورواه أيضاً في كتاب النكاح من الجزء المذكور، برقم 5113.

صفحه 182
إنّ هذه الرواية ونظائرها المبثوثة في كتب الحديث والسيرة، تدلّ على أنّ كثيراً من النسوة كن يرغبن في أن يتشرّفن بالزواج من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بلا مهر ولا نفقة، وذلك ليفتخرن بأنّهنّ من زوجات رسول الله، ولتحقيق هذه الرغبة، جاء قوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ).
قوله تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، يشتمل على فقرات أربع كلّ منها يشير إلى معنى خاص:
الفقرة الأُولى والثانية ترجعان إلى الشروط التي فرضها الوحي على تزويج المؤمنين، والفقرة الثالثة تعلّل وجه التسهيل في أمر تزويج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيقول :
1. (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ): أي قد علمنا ما أخذنا على المؤمنين من شروط في أزواجهم كلزوم المهر والحصر في عدد معيّن، كلّ ذلك لمصلحة العائلة والمجتمع لا لإيجاد الضيق عليهم.
2. (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ): أي علمنا ما أخذنا عليهم من الشروط في ملك اليمين بأن يكون التملّك بأسباب شرعية من الشراء والهبة والإرث والسبي، كلّ ذلك لمصلحة الأُسرة والمجتمع.
3. (لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ): تعليل للتسهيل الذي جاء به الوحي في تزويج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في مجالات مختلفة من تجويز التزويج بالهبة وعدم لزوم المهر، وعدم الحصر بأربعة نساء، وجواز تملّك الأمة بغير الأسباب المعلومة نظير الاصطفاء. كلّ ذلك لئلاّ يكون على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حرج،

صفحه 183
حيث كانت النساء يرغبن في أن يتزوّجهنّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فردُّ هؤلاء يورث حرجاً في نفس النبيّ، فأمضاه الله سبحانه لتلك الغاية .
ثم إنّ للنبيّ خصائص أُخرى جمعها العلاّمة الحلي في أوّل كتاب النكاح من «تذكرة الفقهاء»، فناهزت سبعين خصلة كلّ ذلك لتحقيق مصالح تتعلّق بمسؤولية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ومهمّاته الصعبة.
4. (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا): أي غفوراً لذنوب عباده، رحيماً بك في رفع الحرج.
51. (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا):
هذه الآية أيضاً تتضمّن حكماً خاصّاً بالنبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو أنّ الرجل إذا كان له أكثر من زوجة يجب عليه تقسيم المضاجعة بينهن، ففي كلّ ليلة عند واحدة منهن، وأمّا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فقد استثني من هذا الحكم لحكمة سيوافيك بيانها.
توضيحه: أنّه قد تقدّم في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً) 1أنّه سبحانه أمره بأن يخيّرهنّ بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل مَن

1 . الأحزاب: 28 .

صفحه 184
اختارت الدنيا ويمسك مَن اختارت الله ورسوله، وقد تقدّم أنّ كلّهن اخترنَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ تقسيم أمر المضاجعة بين هؤلاء المناهز عددهنّ تسعاً يوجب اختلالاً في حياته الاجتماعية والسياسية، إذ ما من شهر إلاّ وتُفرض عليه حرب، أو ما من شهر إلاّ ويخرج في غزوة أو مواجهة مؤامرة تحاك ضدّه، ففي هذه الأجواء المتشنّجة والقلقة كان حفظ حقّ القسمة بين الأزواج يورث مشاكل في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولأجل ذلك حكم سبحانه بأنّه مختار في أمر المضاجعة، وقال: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ): أي تؤخّر مضاجعة مَن تشاء من نسائك (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ): أي تضاجع مَن تشاء ولا يجب عليك أن تقسّم بينهنّ، بل الأمر في ذلك إليك ـ حتّى أنّه سبحانه خيّره بدعوة وإيواء من عزلها وقال: (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ): أي لا ضيق عليك، فصار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مخيّراً بين تأخير مضاجعة من شاء، وتقديم مضاجعة من شاء ودعوة من عزلها عن المضاجعة.
قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ).
يظهر من صاحب الكشّاف أن اسم الإشارة (ذَلِكَ)يرجع إلى مجموع ما ورد في الآية من أُمور ثلاثة وهي:
أ. إرجاء مَن تشاء.
ب. إيواء مَن تشاء.
ج. طلب وإرجاع مَن عزلها.
حيث يقول: لأنّه إذا سوّى بينهنّ في الإيواء والإرجاء والعزل

صفحه 185
والابتغاء، وارتفع التفاضل ولم يكن لإحداهنّ ممّا تريد وممّا لا تريد إلاّ مثل ما للأُخرى، وعلمن أنّ هذا التفويض من عند الله بوحيه، اطمأنت نفوسهنّ وذهب التنافس والتغاير وحصل الرضا وقرّت العيون وسلَت القلوب .1
ولكن الجمع بين قرّة العين وعدم الحزن في مورد واحد غير تامّ; لأن الأوّل يرشد إلى وجود الأمر المحبوب، والثاني يرشد إلى وجود الأمر المكدّر، فكيف جمع بين الأمرين؟!
ويمكن أن يفرَّق بين موارد الفقرات الثلاث بأن يقال: إنّ قوله: (أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ)ناظر إلى القسم الثالث أي طلب مَن عزل، فلو كان للنبيّ ذلك الحقّ يوجب قرّة عين مَن عزلها الرسول. وأمّا الفعلان الآخران ـ أعني: (وَلاَ يَحْزَنَّ)و (وَيَرْضَيْنَ)ـ فراجعان إلى اختياره بين الإرجاء والإيواء ; لأنهنّ إذا علمن أنّه حكم من الله سبحانه في حقّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الإرجاء والإيواء ربّما لا يحزنَّ ويرضينَ، لما سبق من أنّه «ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة».
وعلى هذا فاللفّ والنشر غير مرتّب، فقوله: (أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ)راجع إلى الأخير أي طلب مَن عَزَلها، وقوله: (وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ)راجع إلى الأمرين المتقدّمين من التخيير بين الإرجاء والإيواء .
ومع أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان مخيّراً بين الإرجاء والإيواء، لكنّه كان يراعي تقسيم أوقاته بينهنّ قدر المستطاع إلاّ في الظروف الخاصّة الّتي تحتّم على

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 243 .

صفحه 186
النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عدم التسوية.
وفي ختام الآية يقول سبحانه: (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ)وربّما يقال: إنّ الخطاب هنا للنبي من الميل إلى بعضهنّ دون بعض ممّا لا يمكن دفعه، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقسم لياليه بين نسائه فيعدل ثم يقول: «اللّهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»1، يعني القلب وزيادة الحب لبعض دون بعض.
ولكن الظاهر أنّه خطاب لنساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فهنّ يختلفن حيث تُسرّ المتقدّمة بالقسم، وترجو المتأخّرة (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا) بذات الصدور (حَلِيمًا)لا يعاجل بالعقاب، وهذا الذيل يدلّ على أنّ الخطاب لنساء النبيّ لا للنبيّ نفسه.
52. (لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء رَقِيبًا):
تقدّم في قوله سبحانه: «إن الله أحلّ» لنبيّه أصنافاً ستة أعني:
1. (آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ).
2. (وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ).
3. (بَنَاتِ عَمِّكَ).
4. (بَنَاتِ عَمَّاتِكَ).

1 . سنن ابن ماجة: 1 / 633 برقم 1971 ; مسند أحمد: 6 / 144 .

صفحه 187
5. (بَنَاتِ خَالِكَ).
6. (بَنَاتِ خَالاَتِكَ).
هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ارتحل عن تسع، وعند ذلك يقع الكلام في معنى قوله: (مِنْ بَعْدُ)فهل هو إشارة إلى تجاوز الأصناف الستة، أو إشارة إلى تجاوز العدد (تسع)؟ الظاهر هو الثاني بقرينة قوله: (وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ)فليس له أن يطلّق واحدة منهن ويتزوّج بأُخرى حتّى ولو كانت أكثر جمالاً.
وعلى هذا فالله سبحانه حدّد أزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعدد خاص ولم يجوِّز له تطليق واحدة وإقامة أُخرى مكانها، وعندئذ يقع الكلام فيما تستهدفه هذه الفقرات.
والذي يمكن أن يقال: هو أنّ الظاهر من غير واحدة من الروايات أنّ كثيراً من المهاجرين والأنصار أو من حول المدينة كانوا يرغبون في تزويج بناتهم من النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن المعلوم أنّ ذلك يورث مشاكل للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم); ولذلك حدّد سبحانه عدد نسائه بعدد خاص ولم يجوّز له تبديل إحداهنّ بمرأة أُخرى وإن كانت أجمل. ويظهر من الأخبار أنّ قسماً من المؤمنين يصفون بناتهم بالجمال وأنّهنّ حسناوات، حتّى يوجدوا رغبة عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن الوحي الإلهي جاء لسدّ هذا الباب والاقتصار على ما اختار.
وربّما يتوهَّم متوهِّم أنّ كثرة زوجات النبيّ لا تناسب شأنه(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما تناسب إنساناً له رغبة في الالتذاذ الجنسي.
وهذا هو الذي خاضت فيه ألسنة وأقلام المتعصّبين من النصارى

صفحه 188
والمستشرقين، واتّخذوه مادة للطعن عليه بغية تحقيق أغراضهم الخسيسة في النيل من قدسيته(صلى الله عليه وآله وسلم); والتأثير على عقائد الشباب من المسلمين، متغافلين عن طبيعة البيئة التي عاش فيها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والتي يعتبر تعدّد الزوجات فيها من تقاليدها الشائعة آنذاك، ومتجاهلين الظروف القاسية التي كان يمرّ بها المسلمون، ودوافع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الدينية والإنسانية في أن يتزوّج هذا العدد من النساء. ويدلّ على أهمية معرفة تلك الظروف والدوافع الّتي ساقت النبيّ إلى الزواج من هؤلاء النسوّة، أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حينما تزوّج لأوّل مرّة في شبابه (قبل البعثة) بخديجة، ظلّ مقتصراً عليها إلى أن توفّاها الله سبحانه، وهو في الخمسين من عمره الشريف، فلو كانت الغاية من زواجه الشهوة الجنسية لما صبر إلى أن يبلغ ذلك العمر، الذي تضعف فيه ـ عادة ـ القوة الجنسية. ويؤكّد ذلك أنّ أكثر زوجاته من المتقدّمات في السنّ، ومن المطلقات والأرامل، كزينب بنت جحش التي طلّقها زيد، وأُمّ سلمة وكانت قبله عند أبي سلمة (وتوفّي عنها)، وزينب بنت خزيمة وكانت قبله عند عبد الله بن جحش (وقُتل عنها يوم أُحد شهيداً)، وأُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قبله عند عبيد الله بن جحش الذي تنصّر ومات نصرانياً في أرض الحبشة، وحفصة بنت عمر وكانت قبله عند خنيس بن حذافة (وتوفّي عنها بعد وقعة بدر)، وصفية بنت حُييّ وكانت قبله عند كنانة بن أبي الحقيق (المقتول في وقعة خيبر)، وسودة بنت زَمْعة وكانت قبله عند السكران بن عمرو(وتوفّي عنها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية).
سورة الأحزاب: الآيات 53 ـ 55   
وكان من ثمار زواجه ببعض النساء توثيق العلاقات بين الإسلام

صفحه 189
وبين بعض القبائل، ويدلّ على ذلك إسلام جميع قبيلة جويرية المصطلقية بعد زواجه(صلى الله عليه وآله وسلم) بها.
والتأمّل في هذه العلل والأسباب مع ما تقدّم من سيرته لا يُبقي موضع شكّ في زواجه بمن تزوّجهنّ من النساء، لم يكن لداعي الشهوة واللّذة الجنسية، بل كان لعلل إمّا ترجع إلى دعم رسالته، أو دفع لما يثار من المنافقين من أنّ جهاد المسلمين يورث أن تكون أزواجهم أرامل ليس لهنّ ملجأ ولا مفزع، أو لترويج سنّة إلهية من عدم الاقتصار على تزويج الأبكار، وفي نهاية الأمر إبطال سنّة جاهلية في أزواج الأدعياء. 1
وهناك الكثير من الكتب والرسائل الّتي تناولت هذا الموضوع بالتفصيل، فمن شاء فليرجع إليها.
قوله تعالى: (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء رَقِيبًا): أي عالماً بمن يعمل وفق ما أمر به الله سبحانه.

الآيات: الثالثة والخمسون إلى الخامسة والخمسين

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 4 / 195 ـ 198 .

صفحه 190
سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا * إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا * لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدًا).

المفردات

ناظرين: منتظرين.
إناهُ: الضمير يرجع إلى الطعام بمعنى نضجه، يقال: أنَى الطعامُ أي أدرك وحان نضْجه.
فانتشروا: فتفرّقوا ولا تلبثوا.
ولا مستأنسين لحديث: ولا تبقوا بقصد الائتناس والتسلّي بالكلام.
متاعاً: شيئاً يُتمتَّع به من أوان وغيرها.
أطهر لقلوبكم: أكثر تطهراً من الخواطر الشيطانية.

صفحه 191

التفسير

53. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا):
تتكفّل الآية ببيان قسم من الأحكام الّتي يرجع بعضها إلى الآداب :
1. عدم دخول بيوت النبيّ إلاّ بعد الاستئذان .
2. عدم الحضور في بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل أن يدرك الطعام وينضج.
3. الدخول عند الدعوة (الإذن).
4. التفرّق بعد إتمام الطعام .
5. عدم إطالة الجلوس أُنساً بالحديث وسروراً به بعد تناول الطعام.
6. عدم تكليم نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ من وراء حجاب.
7. حرمة التزوّج بزوجاته بعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم).
والآن، بعد أن عرفت ما في الآية من آداب وأحكام، نذكر ما ورد في شأن نزولها ليكون عوناً على فهم الآية.

صفحه 192
روى ابن سعد عن أنس قال: كنت أدخل على رسول الله بغير إذن، فجئت يوماً لأدخل فقال: على مكانك يابنيّ إنّه قد حدث بعدك أمر لا تدخل علينا إلاّ بإذن.
وأخرج أحمد والبخاري والبيهقي في سننه من طرق عن أنس قال: لمّا تزوج رسول الله زينب بنت جحش دعا القوم، فطعموا ثم جلسوا يتحدّثون، وإذا هو كأنّه يتهيّأ للقيام فلم يقوموا، فلمّا رأى ذلك قام، فلمّا قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنّهم قاموا، فانطلقت فجئت، فأخبرت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّهم قد انطلقوا، فجاء حتّى دخل فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ).
وأخرج عبد بن حُميد عن الربيع بن أنس قال: كانوا يجيئون فيدخلون بيت النبيّ، فيجلسون فيتحدثون ليدرك الطعام، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ)ليدرك الطعام (وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث)ولا تجلسوا فتحدّثوا.1
إذا وقفت على ما مرّ فلندخل في تفسير الآية، وإيضاح الآداب والأحكام الواردة فيها وقد عرفت أنّها سبعة:
1. (لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ).
يظهر من الآية الشريفة ومن كتب السيرة أنّ المؤمنين كانوا يدخلون بيوت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بلا دعوة ولا استئذان بحجة أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أب رؤوف نظير

1 . أنظر: الدر المنثور: 6 / 640 ـ 641.

صفحه 193
الأب الحقيقي، فنزلت الآية تمنعهم من الدخول بلا دعوة ولا استئذان، غير أنّ تفسير الآية بوجه واضح يتوقّف على تضمّن قوله: (إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ)معنى الدعوة، بشهادة لفظة (إِلَى طَعَام)، وعندئذ كُلّف المؤمنون بالأُمور التالية:
1. (لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام): أي إلاّ أن تُدعَون إلى طعام.
2. (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ): أي مع فرض الدعوة لا تدخلوا بيوت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل نضج الطعام.
3. (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا) ومن المعلوم أنّ الدعوة تتحقّق بعد نضج الطعام.
4. (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا)ولا تطيلوا المكث.
5. (وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث)يستأنس بعضكم ببعض لأجل حديث تتبادلونه. (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبيَّ)لضيق بيته وكثرة مسؤولياته (فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ): أي من إخراج الحاضرين، فيسكت على مَضَض ويمتنع من إخراجهم حياءً وتسامحاً في حقّه الشخصيّ(وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ): أي لا يمتنع من بيانه، ولهذا نهاكم عن ذلك.
6. (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا): أي سألتم أزواج النبيّ ما يُتمتَّع به من حوائج البيت (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب)والمراد بالحجاب هنا هو ستر الباب الذي يحول بين النساء وبين السائل، ولا صلة له بالحجاب المعروف الذي هو لباس المرأة، إذ لا دليل على أن نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكنّ يرتدين ما يجب على المرأة ارتداؤه.

صفحه 194
وبذلك تقف على خطأ مَن سمّى هذه الآية بآية الحجاب، لأنّ الحجاب بمعنى اللباس الذي تستتر به المرأة غير مقصود في الآية، وإنّما هو ـ كما قلنا ـ بمعنى الساتر المانع، قال سبحانه: (جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا)1، وفي آية ثانية: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)2، وفي آية ثالثة: (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب)3، فالمقصود بالحجاب في هذه الآيات الحائل، فالآية تدلّ على أن النبيّ ضرب حجاباً وساتراً بين الناس وبين نسائه، فأُمروا ألاّ يسألوهنّ عن شيء من متاع البيت وغيره إلاّ من وراء حجاب من دون محادثتهنّ وجهاً لوجه .
قوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ): أي إنّ السؤال من وراء حجاب أقوى طهارة لقلوبكم وقلوبهنّ، وأبعد من الريبة وسوء الظنّ، فالخواطر الشيطانية إنّما تتوارد على القلوب عند المحادثة وجهاً لوجه .
ثم لمّا تقدّم في قوله سبحانه: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبيَّ) أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتأذّى بما كانوا يفعلونه من إطالة الجلوس عنده وغير ذلك، أعقب سبحانه ذلك بالنهي عن أذى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نهياً عامّاً، فقال: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ). وقوله: (وَمَا كَانَ)إمّا لنفي الإمكان أو لنفي الشأن، والظاهر الثاني أي ليس من شأن المؤمن ولا يليق به إيذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
7. (وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا): أي وليس لكم أن تتزوّجوا

1 . الإسراء: 45.
2 . ص: 32 .
3 . الشورى: 51 .

صفحه 195
زوجاته من بعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبداً (إِنَّ ذَلِكُمْ) إشارة إلى ما تقدّم من إيذائه(صلى الله عليه وآله وسلم)ونكاح أزواجه من بعده (كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا): أي ذنباً وإثماً عظيماً.
وقد روي أنّ قوله تعالى: (وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) نزل حين قال طلحة بن عبيد الله التيميّ: لئن مات محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) لأتزوّجنّ عائشة.1
وقال شهاب الدين الآلوسي: وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حُميد، وابن المنذر عن قتادة أنّ طلحة بن عبيد الله قال: لو قُبض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)تزوّجت عائشة، فنزلت :(وَمَا كَانَ لَكُمْ) الآية.2
وتسأل: ما هو الوجه في تحريم نكاح أزواجه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
والجواب: لاشكّ أنّ دليله هو أنّه سبحانه نزّلهنّ منزلة الأُم وقال: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ).3
فتنزيل نسائه منزلة الأُمّ لا ينفك عن ترتّب أثر شرعي عليه، ومن أوضح أحكام الأُمّ حرمة نكاحها. فالنازلة منزلتهنّ يُحكم بحكمها. وبذلك يظهر أن تنزيلهنّ منزلة الأُم ليس لغاية تكريمهنّ وتعظيمهنّ، بل الغاية من التنزيل هي تحريمهنّ، وقد مرّ أن لسان الآيات في أزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هو لسان التنديد والتعريض والتنبيه، فكيف يمكن أن يكون التنزيل لغاية التكريم؟

1 . انظر: تفسير الرازي، و روح البيان لإسماعيل حقّي، وتفسير المراغي، وغيرها.
2 . روح المعاني:22/74.
3 . الأحزاب: 6 .

صفحه 196
إنّما الكلام فيما هو السبب لتحريم نكاحهنّ؟
والّذي يمكن أن يقال: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت له مكانة سامية في قلوب المؤمنين وبالتبع كان لمن يمتّ له بصلة مكانةٌ واحترام خاصّ، فأولاد الأنبياء وأزواجهم يتمتّعون بهذا الحبّ والتقدير.
ولمّا ارتحل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ترك ثمانية زوجات كلّ لها مكانة خاصّة، فلو حلّ الزواج من هؤلاء صار للزوج مكانة خاصّة بالمجتمع ; لأنّه تزوّج زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فعند ذلك ربّما يتّخذ الزوج من تلك القرابة وسيلة سياسية واجتماعية على خلاف مصالح المؤمنين، فلأجل ذلك منع الوحي الإلهي من التزوّج بهن حتّى لا يكنّ أداة طيّعة في أيدي السياسيين.
ويشهد لذلك أنّ الزبير بن العوّام وطلحة بن عبيد الله لمّا نكثا بيعة أمير المؤمنين(عليه السلام) وراما الخلافة، خرجا بدعوى الطلب بدم عثمان، وأخرجا معهما عائشة(وهي قريبة طلحة)1 متوجّهين بها من مكّة المكرمة إلى البصرة، وقد تبعهم بسببها كثير من الناس، لكونها زوجة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ويؤكّد ذلك أنّ عسكر البصرة كانوا يُحامون عن الجمل الّذي كانت تركبه عائشة، وكان كلّ من أراد الجدّ في الحرب وقاتل قتال مستميت يتقدّم إلى الجمل فيأخذ بخُطامه، ويرتجز أحدهم فيقول:
يا أُمَّ يا أُمَّ خَلا مني الوطنْ *** لا ابتغي القبرَ ولا أبغي الكَفَنْ2

1 . طلحة وعائشة، كلاهما من تَيم بن مُرّة، ويلتقيان في عمرو بن كعب، فطلحة هو: ابن عبيد الله بن عثمان بن عمرو، وعائشة هي: بنت أبي بكر بن عثمان بن عامر بن عمرو.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:1/256.

صفحه 197
ثمّ لمّا عُقر الجمل وسقط، كانت الهزيمة. وما أصدق قوله سبحانه في ذيل الآية: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا)فقد أثار وجود حبيس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الناس فتنة، قُتل فيها الآلاف من المسلمين .
54. (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا):
لعلّ الآية إشارة إلى مَن كان ينوي إيذاء النبيّ أو يذكر نكاح أزواجه من بعده، وقد كان بعضهم يصرّح بالتزوّج بنساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده، وبعض يكتم ذلك، فجاء البيان القرآني يؤكّد أنّه سبحانه يعلم ما يُبدونه وما يُخفونه، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل وريده.
إنّ الوجود الإمكاني فقر كلّه، وكلّه حاجة وهو قائم بالله سبحانه، والله محيط والوجود الإمكاني محاط، ومثله لا يُستر عنه صغير ولا كبير، ولذلك لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
والآية تتضمّن تهديداً، وهي تقرّر سعة علمه سبحانه بما نُعلن وما نخفي، وفي آية أُخرى يقول إنّه سبحانه يعلم الأخفى: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)1.
والفرق بين السرّ ومقابله أنّ الأوّل ما أظهره لغيره، والآخر ما كتمه عن الغير تماماً.
والكلام في آيتنا وإن كان عامّاً بظاهره، فالمقصود ما يتعلّق بزوجاته(صلى الله عليه وآله وسلم).2

1 . طه: 7 .
2 . تفسير المراغي:22/31.

صفحه 198
55. (لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدًا):
لمّا أمر سبحانه الرجال أن يخاطبوا نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من وراء حجاب حين يسألوهنّ متاعاً، استثنى من ذلك الطوائف التالية:
1. الآباء. 2. الأبناء. 3. الأُخوة. 4. أبناء الأُخوة. 5. أبناء الأخوات.
6. نسائهنّ ] المؤمنات [7. الجواري.
وقد تقدّم مثل ذلك في سورة النور، قال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ)1 إلاّ أن الحكم في الآية الأخيرة أوسع ممّا في آيتنا الّتي نحن بصدد تفسيرها، حيث أدخل الطوائف التالية:
سورة الأحزاب: الآيات 56 ـ 58   
1. بعولتهنّ 2. آباء بعولتهنّ. 3. أبناء بعولتهنّ. 4. التابعين غير أُولي الإربة من الرجال. 5. الأطفال الّذين لم يظهروا على عورات النساء. والظاهر أنّ المراد ممّا ملكت أيمانهن من الإماء لا العبيد، وربّما يفسّر بالأعمّ.

1 . النور: 31 .

صفحه 199
ولم يذكر في الآية العمّ أو الخال، اعتماداً على ما في سورة النور لأنّها متأخّرة في النزول عن سورة الأحزاب. ويحتمل أنّ عدم ذكرهما لأنّهما بمنزلة الوالدين.1

الآيات: السادسة والخمسون إلى الثامنة والخمسين

(إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) .

المفردات:

لعنهم: اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
مُهيناً: مذلاًّ.

التفسير

56. (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) :
لمّا تقدّمت في الآيات السابقة الإشارة إلى تكريم النبيّ وتجليله، جاء البيان القرآني لبيان محبة الله تعالى لنبيّه وأنّه يرجع إليه بالرحمة كما أنّ

1 . لاحظ : بحار الأنوار: 17 / 18 .

صفحه 200
ملائكته يدعون له(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرحمة، فالصلاة إذا نُسبت إلى الله تكون بمعنى إنزال الرحمة، وإذا نُسبت إلى الملائكة وغيرهم فتكون بمعنى الدعاء بالرحمة والمغفرة.
ثم أمر تعالى المؤمنين بأن يضمّوا دعاءهم بالرحمة إلى إنزال رحمة الله وإلى دعاء الملائكة، وما هذا إلاّ تشريفاً للمؤمنين حيث تقرن صلواتهم بصلوات الله سبحانه، فعلى هذا فهناك ثلاثي يصلّي كلّ منهم على النبيّ: الله وملائكته والمؤمنون.
نعم، قد ورد في موضع آخر أنّ الله وملائكته يصلّون على الناس، لكن الفرق بينهما واضح، فالصلاة في آيتنا هذه لتكريم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ورفع درجته، ولكن صلاته سبحانه وملائكته على الناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور كما قال: (هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)1 وبين الصلاتين بون شاسع، فالنبي نور ليس معه ظلمة قال سبحانه: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)2، وقال الإمام علي(عليه السلام) في وصفه(صلى الله عليه وآله وسلم): «سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْءُهُ، وَشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ، وَزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ»3 فلا يراد بالصلاة عليه إخراجه من الظلمة إلى النور، بخلاف غيره ففيه ظلمة يحتاج إلى طردها وإقامة النور مكانها.
ثم إنّ قوله سبحانه: (وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) يحتمل أحد معنيين:

1 . الأحزاب: 43 .
2 . المائدة: 15 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 94.

صفحه 201
1. تسليم الأُمور له كما هو الوارد في قوله سبحانه: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)1، ويؤيّد ذلك ما رواه الطبرسي في تفسيره عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن هذه الآية فقلت: كيف صلاة الله على رسوله؟ فقال: «يا أبا محمد تزكيته له في السماوات العلى». فقلت: قد عرفت صلواتنا عليهم، فكيف التسليم؟ فقال: «هو التسليم له في الأُمور»، فعلى هذا يكون معنى قوله: (وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا): انقادوا لأوامره، وابذلوا الجهد في طاعته وفي جميع ما يأمركم به.2
2. أُريد به الدعاء بالتسليم أي سلّموا عليه بالدعاء وقولوا: السلام عليك يا رسول الله. ويؤيّد الأوّل أنّ الصلوات على النبيّ غير مقرونة غالباً بالتسليم.

كيفية الصلاة على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

ومن حسن الحظ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بيّن كيفية الصلاة عليه، فقد روى البخاري عن كعب بن عُجْرة: قيل: يا رسول الله، أمّا السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال: قولوا:«اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، اللهم باركْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على آل إبراهيمَ، إنّك حميد مجيد».3

1 . النساء: 65 .
2 . مجمع البيان: 8 / 168 .
3 . صحيح البخاري:3/264 برقم 4797 .

صفحه 202
وروى أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، هذا التسليم فكيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللّهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم، وباركْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على آل إبراهيم».1
ثم إنّ الروايات في كيفية الصلاة على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وعطف الآل عليه كثيرة تتّصل أسانيدها إلى كثير من الصحابة، أخرجها السيوطي عند تفسير الآية، فمن أراد فليرجع إليه .
وأمّا الصحابة الذين تتّصل بهم تلك الروايات فهم كما ذكر السيوطي: ابن عباس، وطلحة، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وأبو مسعود الأنصاري، وبريدة، وابن مسعود، وكعب بن عجرة، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام).2

البدعة في كيفية الصلاة

رغم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حدّد كيفية الصلاة في هذه الروايات المتضافرة إلاّ أنّا نسمع ونرى في كثير من الكتب صلاة تختلف عمّا رسمه النبيّ، فهي إمّا صلاة بتراء اقتصرت على النبيّ، وإمّا مزادة بعطف الأصحاب، مع أنّا لم نقف على حديث يدخلهم في الصلاة عليه، قال ابن حجر: صحّ عن كعب بن عجرة قال: لمّا نزلت هذه الآية، قلنا: يا رسول الله قد عرفنا كيف نسلّم عليك فكيف نصلّي عليك؟... إلى أن قال: «لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء»،

1 . صحيح البخاري: 3 / 264 برقم 4798 .
2 . الدر المنثور: 6 / 646 ـ 656 .

صفحه 203
فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون «اللهم صلّ على محمد وتمسكون، بل قولوا: اللّهم صل على محمد وآل محمد».1
ومع الأسف أنّ أكثر مؤلّفي الكتب من أتباع مدرسة الصحابة يصلّون على النبيّ بالصلاة المنهيّ عنها من قبله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومَن حاول أن لا يصلّي عليه الصلاة البتراء يذكر الآل مقرونين بذكر الصحابة .
وفي رواية عن ابن مسعود قال: إذا صلّيتم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأحسنوا الصلاة عليه، فإنّكم لا تدرون لعلّ ذلك يُعرض عليه، قال: فقالوا له: فعلّمنا؟ قال: قولوا: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتّقين وخاتم النبيين محمّد عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأوّلون والآخِرون. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد»2.
ولصديقنا حسن بن علي السقّاف في كتاب أسماه: «صحيح صفة صلاة النبيّ من التكبير إلى التسليم كأنّك تنظر إليه» كلام نذكره بنصّه: قال: وتجب الصلاة على آل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في التشهّد الأخير على الصحيح المختار، لأنّ أقصر صيغة وردت عن سيّدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثبت فيها ذكر الصلاة على الآل، ولم ترد صيغة خالية منه في صيغ تعليم الصلاة، فقد تقدّم حديث سيدنا زيد بن خارجة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «صلّوا عليَّ

1 . الصواعق المحرقة: 146.
2 . المصنّف لعبد الرزاق: 2/213 برقم 3109; سنن ابن ماجة:223، برقم 906.

صفحه 204
واجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللهم صلّ على محمد وآل محمد»1.
وورد في ذلك آثار عن الصحابة (رض)، فعن سيدنا أبي مسعود الأنصاري (رضي الله عنه)قال: «لو صلَّيت صلاة لا أُصلّي فيها على آل محمد، ما رأيت أنَّ صلاتي تتمّ».2
ولله درّ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إذ قال:
يا آل بيت رسول الله حبُّكمُ *** فَرضٌ من الله في القرآن أنزلَهُ
يكفيكمُ من عظيم القدر أنّكمُ *** من لا يصلي عليكم لا صلاة لهُ3
57. (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) :
قرن سبحانه إيذاء الرسول بإيذاء نفسه تكريماً للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن المعلوم أنّ إيذاء الله ليس كإيذاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ إيذاء الإنسان (ومنه الرسول) هو إيصال الضرر إمّا في نفسه أو جسمه أو تبعاته، دنيوية كانت أو أُخروية.
وأمّا إيذاء الله سبحانه فعبارة عن ترك طاعته ومخالفة أوامره ونواهيه،

1 . سنن النسائي: 162، برقم 53 .
2 . سنن الدارقطني: 1 / 356 .
3 . انظر: صحيح صفة صلاة النبيّ : 214.

صفحه 205
فالله سبحانه أخذ بتكريم النبيّ بوجه آخر وهو جعل إيذاء الرسول إيذاء الله، وهو مقام أسمى للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم إنّ جزاء هؤلاء الذين يؤذون الله ورسوله هو الإبعاد عن رحمة الله كما يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)ففيه تحقير للمحروم، فإنّه محروم من لطف الله وعنايته ويترتّب عليه عذاباً مهيناً، كما قال: (وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا).
وقد روي عن ابن عباس أنّ الآية نزلت في الذين طعنوا في اتّخاذ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)صفية بنت حُييّ بن أخطب لنفسه.1
وعلى كلّ تقدير فلا يقوم بإيذاء الرسول إلاّ الكافر والمنافق .
أخرج الحاكم عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أُمّ سلمة، فقالت لي: أيُسبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيكم؟ فقلت: معاذ الله أو سبحان الله أو كلمة نحوها! فقالت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:«من سبَّ عليّاً فقد سبّني».2
وأخرج عن ابن أبي مليكة قال: جاء رجل من أهل الشام فسبّ علياً عند ابن عباس، فحصبه ابن عباس (رضي الله عنه)وقال: يا عدوّ الله آذيت رسول الله: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)لو كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيّاً لآذيته.3

1 . الدر المنثور: 6 / 656 .
2 . المستدرك على الصحيحين:3/121، وصحّحه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
3 . المستدرك على الصحيحين:3/121ـ122، وصحّحه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.

صفحه 206
وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) يُسبّ على صهوات المنابر نحواً من ستين عاماً إلى أن قام عمر بن عبدالعزيز برفع هذه البدعة الشائنة.
وللشيخ الأميني كلام عند دراسته لما جرى على عليّ (عليه السلام)من ظلم وحيف نأتي بنصه:
قال: قل لي بربّك أي مسلم شريف أو وضيع لعن غيره في ثمانية عشر ألف منبر، ولم ينبس ابن أُنثى ببنت شفة في الدفاع عنه؟
قل لي بربّك أي مسلم سائد أو سوقة غير سيد العترة سُنّ سبّه في الجمعة والجماعة في الحواضر الإسلاميّة جمعاء، وتختم بلعنه أندية الوعّاظ والخطابة، ومَن نهى عن ذلك يُنفى عن عقر داره؟! قال الجنيد بن عبدالرحمن بن عمرو: أتيت من حوران إلى دمشق لآخذ عطائي، فصلّيت الجمعة ثم خرجت من باب الدرج، فإذا عليه شيخ يقال له: أبو شيبة القاص، يقصّ على الناس، فرغّب فرغبنا، وخوّف فبكينا، فلمّا انقضى حديثه قال: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب، فلعنوا أبا تراب (عليه السلام)، فالتفتّ إلى مَن على يميني، فقلت له: فمن أبو تراب؟ فقال: عليّ بن أبي طالب ابن عمّ رسول الله وزوج ابنته، وأوّل الناس إسلاماً، وأبو الحسن والحسين إلى آخر ما في تاريخ ابن عساكر.1 وفيه أنّ الجنيد استنكر الأمر ولطم وجه الرجل، فشكا إلى هشام بن عبدالملك فنفى الجنيد إلى السند، فلم يزل بها إلى أن مات.2
ثم إنّ مَن أشعل نار حرب الجمل في البصرة أو حرب صفين ضد

1 . تاريخ مدينة دمشق: 11 / 290 ـ 291 برقم 1085 .
2 . الغدير: 9 / 532 .

صفحه 207
أخي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو ملعون بحكم هذه الآية.
وتبرير عملهم بالاجتهاد أسوأ من عملهم، إذ الاجتهاد عبارة عن بذل الجهد في فهم كتاب الله وسنّة رسوله، لا معارضتهما.
روى الطبري بسند عال قال: حدّثنا السيد أبو الحمد... إلى أن قال: حدّثني زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام)وهو آخذ بشعره قال: حدّثني علي بن الحسين (عليه السلام)وهو آخذ بشعره قال: حدثني الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)وهو آخذ بشعره قال: حدثني علي بن أبي طالب وهو آخذ بشعره قال: حدثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو آخذ بشعره فقال: «من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فعليه لعنة الله» .1
58. (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا):
قد يرتكب المؤمن ذنباً يستحقّ عليه الحدّ أو التعزير، فإجراء الحدّ أو التعزير من حقوق الله سبحانه على هؤلاء ولا يُعدّ إيذاء للمرتكب، إنّما الكلام إذا اتَّهم المؤمنين والمؤمنات بجناية وهم برآء منها، فهذا هو الّذي تستهدفه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا)فهؤلاء (احْتَمَلُوا بُهْتَانًا): أي كذِباً، وكأنّ البهتان أمر ثقيل على صاحبه، (وَإِثْمًا مُبِينًا): أي ذنباً واضحاً جليّاً، وفي آية أُخرى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِيناً)2.

1 . مجمع البيان: 8 / 199 .
2 . النساء: 112 .

صفحه 208
وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده».1
وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزّه كفّ الأذى عن الناس».2
وفي حديث ثالث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أذلّ الناس من أهان الناس».3
وقال الإمام علي (عليه السلام): «أسوأ الناس حالاً مَن لم يثق بأحد لسوء ظنّه، ولم يثق به أحد لسوء فعله».4
سورة الأحزاب: الآيات 59 ـ 62   

الآيات: التاسعة والخمسون إلى الثانية والستين

(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا* لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً).

1 . صحيح البخاري: 1 / 11 برقم10; الكافي:2/234 برقم12(رواه عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)).
2 . من لا يحضره الفقيه: 1 / 472 برقم 1360، باب صلاة الليل.
3 . من لا يحضره الفقيه: 4 / 396 برقم 5840; معاني الأخبار: 196 برقم1 .
4 . كنز الفوائد للكراجكي: 283 ; بحار الأنوار: 78 / 93 برقم 104 .

صفحه 209

المفردات

يُدنين: يُرخين ويَسدلن، يقال للمرأة إذا زلّ الثوب عن وجهها: أَدني ثوبَك على وجهك.
جلابيبهنَّ: الجلابيب: جمع جلباب، الملاءة الّتي تشتمل بها المرأة فوق الدرع (القميص) والخِمار. فهناك قميص، وخمار على الوجه، وملاءة أوسع من الخمار، والّذي يدلّ على أنّ الجلباب غير الخمار قوله سبحانه في سورة النور: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ )1ستراً للصدور والثُّديّ والثغور، فعلى هذا فالخُمُر تستر الصدور والثُّدي، وأمّا الجلابيب فتستر سائر البدن.
وربّما يعبَّر عنه بالمَلحفة أو العباءة أو بالملاءة، نظير الشوادر في البلاد الأعجمية.
أدنى: أقرب.
أن يعرفن: أي يُميَّزن بأنّهنّ حرائر ولسنَ إماءً.
مرض: ضعف الإيمان.
المرجفون: من الإرجاف أي إشاعة الباطل، ومنه يقال للبحر: رجّاف لاضطرابه.
لنغرينّك: من الإغراء: الدعاء إلى تناول الشيء بالتحريض عليه، والمراد هنا التسليط.

1 . النور: 31 .

صفحه 210
ملعونين: بُعداء من الرحمة.
ثُقفوا: وُجدوا.
خلَوا: مضَوا.

التفسير

59. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا):
ذكر علي بن إبراهيم في تفسيره أنّه كان سبب نزولها أنّ النساء كنّ يخرجن إلى المسجد ويصلِّين خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا كان الليل وخرجن إلى صلاة المغرب والعشاء الآخرة يقعد الشباب لهنّ في طريقهنّ ويتعرّضون لهنّ، فأنزل الله عزوجل: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ...) الخ الآية. 1 وما ذكره صحيح ولكنّه لا يفي بتوضيح كل الآية.
وروى السيوطي: أنّ ذُعّاراً من ذُعّار أهل المدينة كانوا يخرجون بالليل فينظرون النساء ويغمزونهنّ وكانوا لا يفعلون ذلك بالحرائر إنّما يفعلون ذلك بالإماء.(2)
ويظهر ممّا نقله السيوطي من الآثار أن الإماء يخرجن بلا جلباب،

1 . انظر: تفسير القمي:2/171.   2 . الدر المنثور: 6 / 660 (ذُعّار: جمع ذاعِر، وهو الخبيث).

صفحه 211
مكشوفات الرؤوس، بخلاف الحرائر، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق فيقضين حاجتهن وكان أُولئك الفسّاق يتبعون ذلك منهن، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا هذه حرّة فكفّوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا: هذه أمة فوثبوا عليها، فلذلك أمر سبحانه بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) أمرهنّ بإرخاء الجلباب على رؤوسهن وشيئاً من وجوههنّ وقال: (يُدْنِينَ) يُرخين (عَلَيْهِنَّ): أي على رؤوسهنّ ووجوههنّ (مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ): أي شيئاً منها (ذَلِكَ): أي الإرخاء (أَدْنى)أقرب (أَنْ يُعْرَفْنَ)بأنهنّ حرائر ولسن بإماء فلا يؤذيهنّ أهل الريبة، فإنّهم كانوا يمازحون الإماء (فَلاَ يُؤْذَيْنَ). ثم أتمّ الآية بقوله: (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا): أي ستّاراً لذنوب عباده، رحيماً بهم .
ربّما يُتوهَّم أنّ ظاهر الآية أنّها تجيز للشباب التعرّض للجواري، بحجّة أنّها أمرت الحرائر بالجلباب ليتميّزنَ عنهنّ حتّى لا يؤذَينَ، وكأنّ إيذاء الجواري أمر مقبول.
ولكن التوهُّم باطل، لأنّه سبحانه أراد أن يبطل حجّتهم لأنّهم كانوا يتعرّضون للحرائر بحجّة أنهنّ جوار وإماء، فأبطل تلك الحجّة بإيجاب إرخاء الجلباب على رؤوسهنّ.
والآية تدلّ على أنّ الحرائر كنّ يلبسن الجلباب لكن من دون إرخاء وإدناء، فأُمرن بإرخائه، وإدنائه إلى جانب الرأس.
فالقدْر المتيقّن هو ستر الرأس بالجلباب، والرؤوس والصدور بالخِمار، فلا يبقى إلاّ الوجه واليدين.
ومع ذلك كان سيدنا الأُستاذ آية الله حسين البروجردي لا يرى

صفحه 212
لكشف الوجه دليلاً في درسه الشريف الذي كنّا نحضره، بل كان يعتقد أنّ الآية تدلّ على وجوب ستر الوجه أيضاً، لأنّ إرخاء الجلباب وإدنائه عليهنّ ظاهر في إرخائه إلى جانب الوجه أيضاً، وكان يصرّح بأنّ كلّ ما يغري الشباب يجب ستره، وأنّ جمال النساء في وجوههنّ، فكشفها تماماً يغري الشباب ويفسد المجتمع.
ثم على فرض جواز كشف الوجه لا ملازمة بين كشفه وجواز رؤيته.
نعم ربّما تتوهّم الطائشة من النساء أن إيجاب الستر لهنّ نوع تقييد عليهنّ، فالأَولى رفض هذا القيد حتّى يصبحن حرائر، غير أنّ هذه الطائشة لا تفرّق بين التقييد والتحصين، فإنّ الحجاب يصون المرأة من أن تقع فريسة لأصحاب الأهواء والشهوات والنوايا السيئة. وفي الحقيقة يعدّ الحجاب مقدّمة لحفظ العفاف، فرأس مال المرأة هو العفّة التي تمنحها قيمة إنسانية، وتحفظ لها كرامتها وعزّتها، ولا يخدش العفاف إلاّ من جانب الحجاب، فالنساء السافرات اللاتي يظهرن مفاتنهنّ التي تثير شهوة الشباب سوف يقعن فريسة لهؤلاء إلاّ من عصمها الله تعالى.
60. (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً):
الآية تهدد ثلاث فئات وهم:
1. المنافقون.
2. مرضى القلوب، وهم الأراذل من الناس.

صفحه 213
3. المرجفون الذين يبثّون الأخبار الكاذبة، ليزعزعوا أمن المجتمع واستقراره.
فهذه الفئات الثلاث أشار إليها تعالى بقوله: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ).
وهدّدهم بأنّه إن لم ينتهوا عن أعمالهم تلك التي تلحق الضرر بالبلاد والعباد، وتشيع في المجتمع الفساد والقلق والاضطراب(لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ): أي لنسلطنّك عليهم تسلّطاً تقلع به جذورهم من المدينة كما يقول: (ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً): أي لا يبقون في المدينة إلاّ يسيراً، لما سيأتي في الآية التالية من قتلهم أينما وجدوا.
وهذا يدلّ على أنّ الدولة الإسلامية مسؤولة عن تحقيق الأمن الداخلي، وصَون سلامة المجتمع، وحمايته من الاعتداءات الداخلية، كما تحميه من الاعتداءات الخارجية.
61. (مَلْعُونِينَ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً):
الآية تصف تلك الفئات من الناس التي سلف ذكرها، بكونهم (مَلْعُونِينَ): أي مطرودين من رحمة الله.
ثمّ بيّنت حكم الله سبحانه فيهم إذا لم يكفّوا عن أعمالهم الشريرة، وهو أن يُظفر بهم ويُقتلوا دون هَوادة، كما قال: (أَيْنَ مَا ثُقِفُوا): أي أينما وُجدوا وظُفر بهم(أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً)فالآية هدرت دماءهم وسحبت الحماية عنهم وأصدرت الحكم بالقبض عليهم، سواء أكانوا في المدينة أو خارجها ثم قتلهم أبلغ القتل.

صفحه 214
ثم إنّه سبحانه قيّد إجراء الحدّ عليهم بعدم انتهائهم عن أعمالهم، وهذا يدلّ على أنّ الواجب على الحاكم الإسلامي إصلاح المفسد، ودعوته إلى الصلاح، عسى أن ينتهي ليكون فرداً صالحاً أو طائفة صالحة ولذلك قال: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ)مع أنّهم كانوا من المجرمين عبر شهور أو سنين، ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من دعوتهم إلى الصلاح، ولمّا أصرّوا على أعمالهم أصدر الحكم باستئصالهم، ومن المعلوم أنّ مصلحة المجتمع متقدّمة على صلاح الفرد وبقائه.
قال الشيخ الطوسي وغيره: وفي الآية دلالة على أنّهم انتهوا، وإلاّ كان يوقع الإغراء بهم ويجعلهم بالصفة التي ذكرها.1
62. (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً):
المراد بـ (الَّذِينَ خَلَوْا)هم الأُمم السالفة الذين غضب الله عليهم واستأصلهم ; لإيذائهم نبي زمانهم والمؤمنين به، والاستئصال سنّة الله تعالى في السابقين واللاحقين الذين يتمادَون في المكر والإفساد وزعزعة أمن المجتمع، كما قال: (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا).
سورة الأحزاب: الآيات 63 ـ 68   
قوله تعالى: (سُنَّةَ اللهِ)منصوب على المصدر أي سنّ الله ذلك سنّة.
(وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً): أي يبقى هذا الحكم إلى الأبد من غير تبديل وتعديل.

1 . التبيان في تفسير القرآن:8/362. وانظر: التحرير والتنوير لابن عاشور:21/332.

صفحه 215

الآيات: الثالثة والستون إلى الثامنة والستين

(يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا * إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا* خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا).

المفردات

الساعة: يوم القيامة.
ما يدريك: أي شيء يعلمك وقت قيامها.
سعيراً: ناراً مشتعلة.
سادتنا: رؤساءنا وملوكنا.
كبراءنا: جمع كبير، وهو الفرد الكبير من ناحية السنّ أو العلم.
ضعفين: مثلي عذابنا لأنّهم ضلّوا وأضلّوا.

صفحه 216
 
التفسير
لمّا ذكر سبحانه حال الفئات الثلاث ـ في الدنيا ـ وأنّهم يُلعَنون ويُطردون ويُقتّلون، ذكر أحوالهم في الآخرة. ولعلّ هذه الفئات الثلاث فيهم السادة والكبراء الذين صاروا سبباً لإضلال الآخرين.
63. (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) :
لمّا تقدّم في الآية (61) تهديد الله للمنافقين بعذاب الدنيا حيث قال: (أَيْنَ مَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً)عاد البيان القرآني إلى تهديدهم بعذاب الآخرة أيضاً ، كما سيوافيك أنّ الله لعن الكافرين وأعدّ لهم سعيراً، فناسب ذكر الساعة وأنّها يحتمل أن تكون غير بعيدة، ليترتّب عليه عذاب المنافقين في الآخرة.
كان المشركون في بدء الدعوة يخافون من ذكر الآخرة وعذابها والّتي يحاسب فيها الإنسان إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، ولذلك كانوا يستبعدون الحياة الأُخروية ويصرّون على العلم بوقتها كما يقول: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ)وهي من الأُمور الّتي استأثر الله بعلمها لنفسه.
ويظهر من غير واحدة من الآيات إصرارهم على ذلك، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي )1، وقال

1 . الأعراف: 187 .

صفحه 217
تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا)،1 ولم يكن السؤال عن جدٍّ بل كان للاستهزاء والتهكّم. ثم إنّه لا ينفعهم العلم بموعد وقوع الساعة إذا كان في أزمنة متأخّرة.
روي أنّ رجلاً سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): متى الساعة؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «ماذا أعددت لها؟» فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صوم سوى أنّي أُحب الله ورسوله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت مع مَن أحببت».2
قوله: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا): «ما» استفهام للإنكار فهو مبتدأ، وجملة (يُدْرِيكَ)خبره، والضمير المستتر في (يُدْرِيكَ)يرجع إلى «ما» الّذي أُريد به شيء.
والمعنى: أي شيء أدراك بوقت الساعة، أو أنّها قريبة أو بعيدة؟
فإذا كان الجواب منفياً فاعلم لعلّ الساعة تكون قريبةً.
و(السَّاعَةَ) اسم (لَعَلَّ)، وجملة (تَكُونُ) مع خبرها ـ أعني: (قَرِيبًا) ـ خبر (لَعَلَّ) وإنّما قال: (قَرِيبًا)مع أنّ مقتضى القاعدة «قريبة»، من باب التوسّع في الكلام نظير قوله سبحانه: (إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)3. ويحتمل أن يكون (قَرِيبًا) وصفاً لموصوف محذوف أي زماناً قريباً.
قال في «الكشّاف»: قوله (قَرِيبًا): أي شيئاً قريباً، أو لأنّ الساعة بمعنى

1 . النازعات: 42 .
2 . المعجم الأوسط للطبراني: 1 / 40; تفسير الإمام العسكري(عليه السلام): 370 .
3 . الأعراف: 56 .

صفحه 218
اليوم، أو في زمان قريب.1
64 و 65. (إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا* خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا) :
كان المشركون يسألون عن وقت الساعة ـ قُربها وبُعدها ـ وكان حظهم من الجواب أنّه سبحانه هدّدهم بقوله: (إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ): أي أبعدهم من رحمته (وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا) النار المستعرة الشديدة الإيقاد (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)الضمير يرجع إلى السعير وهي من المؤنّثات السماعية، يقول ابن الحاجب في قصيدته المعروفة في جمع المؤنّثات السماعية:
وجهنم، ثمّ السعير وعقرب *** والأرض، ثم الإست والعضدان2
والمعنى: ماكثين فيها إلى غير نهاية، فلا زوال لهم عنها: (لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا): أي ليس لهم وليّ ولا ناصر يستنقذهم ممّا هم فيه، والوليّ هو القيّم بالأمر لأنّه يتولّى الأمر كلّه بنفسه، والنصير مَن يُعين غيره على بعض الأمر.
66. (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ) :
الآية تحكي عن كيفية عذابهم، وهو أنّه تصرف وجوههم فيها من جهة إلى أُخرى كاللحم يُشوى في النار، وعندئذ يقولون: ( يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 247 .
2 . روضات الجنات: 5 / 186 .

صفحه 219
وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ): أي ياحسرتاه، ليتنا أطعنا الله في الدنيا وأطعنا الرسول فيما كان يأمر وينهى، إذ لو كنّا كذلك لما كتب علينا العذاب الأليم. والقرآن يشير إلى هذا النوع من التحسّر من الكافرين في آية أُخرى، فيقول: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً)1. وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) في كتاب له إلى معاوية:«فَاحْذَرْ يَوْماً يَغْتَبِطُ فِيهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ، وَيَنْدَمُ مَنْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ قِيَادِهِ فَلَمْ يُجَاذِبْهُ».2
ثم إنّهم يُلقون مسؤولية ضلالهم وانحرافهم على عاتق ساداتهم وكبرائهم، كما قال:
67. (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ):
الظاهر أنّ المراد بالسادة هم الطغاة المفسدون من الرؤساء والقادة، وبالكبراء هم أصحاب الوجاهة الاجتماعية من المتقدّمين في السنّ أو الأغنياء المترفين، ويحتمل أن يكون عطف تفسير، ولذلك قالوا: ( رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا)فصار مآل تلك الطاعة، الإضلال كما يقول: (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ): أي جعلونا ضالّين ناكبين عن طريق الحقّ والهدى بما زيّنوا لنا من الأباطيل.
68. (رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا):
ثم إنّ هؤلاء الأتباع يطلبون من ربّهم، على طريق التشفّي، أن

1 . الفرقان: 27 .
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 48.(يغتبط: يفرح ويسرّ. وأحمد عاقبة عمله: وجدها حميدة).

صفحه 220
يضاعف العذاب على سادتهم وكبرائهم كما يقول: (رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ): أي مثلَيْ العذاب الّذي نُعذَّب به: مِثْلاً على ضلالهم، ومِثْلاً على إضلالهم إيّانا (وَالْعَنْهُمْ): أي إخزهم (لَعْنًا)خزياً (كَبِيرًا)عظيماً واطردهم من رحمتك، ونظير هذه الآية قوله سبحانه ـ حكاية عن الأتباع المضلَّلين ـ : (رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ).1
سورة الأحزاب: الآيات 69 ـ 71   

الآيات: التاسعة والستون إلى الحادية والسبعين

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).

المفردات

وجيهاً: الوجيه: ذو المنزلة والقدْر والرفعة.
سديداً: القول السديد هو قول الحقّ والصدق .

التفسير

69. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ

1 . الأعراف:38.

صفحه 221
اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا):
لمّا تحدّث القرآن الكريم في الآية(57) عن عظم إثم الذين يؤذون الله ورسوله، عاد البيان القرآني ليحذّر المسلمين من إيذاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كما فعل بنو إسرائيل مع موسى(عليه السلام)، حيث آذوه ونسبوا إليه ما ليس فيه، فأظهر الله براءته منه، وكذبَهم فيما نسبوا إليه، كما يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا)غير أنّ القرآن سكت عن ذكر ما آذوا به موسى(عليه السلام).
وفي «مجمع البيان»: اختلفوا فيما أُوذي به موسى (عليه السلام)على أقوال :
أحدها: أنّ موسى وهارون صعدا الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: قتلته، فأمر الله الملائكة فحملته حتّى مرّوا به على بني إسرائيل، وتكلّمت الملائكة بموته حتّى عرفوا أنّه قد مات، وبرّأه الله من ذلك. روي عن علي(عليه السلام).
وأمّا القول الثاني فلعلّه لا يخلو من ضعف، وذكر أقوالاً أُخرى من أراد فليراجع.1
نعم أُشير إلى إيذاء موسى في قسم من الآيات، ولكن لم يرد فيها ذكر للتهمة الّتي أُلصقت به، فبرّأه الله منها، نظير قصة البقرة.2
وقضية تنصّلهم من الجهاد عندما أمرهم موسى (عليه السلام)بدخول الأرض المقدّسة: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ

1 . راجع: مجمع البيان: 8 / 203.
2 . لاحظ : البقرة: 67 ـ 71 .

صفحه 222
فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ).1
أو ما أُشير إليه في سورة الصّف في قوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَني وَقَدْ تَعْلَمُونَ إنِّي رَسُولُ اللهِ).(2) فالإيذاء في هذه الآيات لا صلة له بآيتنا في المقام، إذ لم يقترن الإيذاء بالتهمة.
70. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا):
لمّا نهى الله سبحانه في الآية السابقة عن إيذاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أمرهم بالاتّصاف بالتقوى وسداد القول، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ) الّتي هي دعامة إصلاح الفكر واللسان، وهي السبب إلى القول السديد، كما يقول: (وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا): أي قولاً صادقاً خالصاً من الكذب واللغو، أو قولاً ينفعكم وينفع الناس .
روي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) أنّه قال لعبّاد بن كثير البصريّ الصوفيّ: «ويحك يا عبّاد! غرّك أن عفَّ بطنُك وفرجُك، إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) اعلمْ أنّه لا يتقبّل اللهُ منك شيئاً حتى تقول قولاً عدلاً».2
ثم إنّه سبحانه عطف على تحلّي الإنسان بالتقوى وسداد القول قوله:
71. (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) :

1 . المائدة: 24.   2 . الصف: 5 .
2 . الكافي:8/107 برقم 81; تفسير نور الثقلين:6/87 برقم 256.

صفحه 223
عطف سبحانه على تحلّي الإنسان بالتقوى وسداد القول، قوله: (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)لأنّ التقوى هي المصدر الصحيح لصحّة الأعمال حيث تصدّ الإنسان عن فساد الأعمال، وإذا صلحت الأعمال يأتي غفران الله تعالى للذنوب كما قال: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)لأنّ الحسنات يذهبن السيئات.
قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا): حيث تغفر ذنوبه ويأتي يوم القيامة مبيضّ الوجه، إمّا في المقرَّبين أو في السابقين.

دور اللسان في شقاء الإنسان وسعادته

أمر سبحانه المؤمنين بالتقوى والقول السديد أي القول الصادق، المفيد للناس، ويحقَّق ذلك بالنيّة الصادقة وصدق اللسان، فعلى المؤمن إخلاص نيّته وصيانة لسانه. ولاشكّ أنّ اللسان من النعم العظيمة الّتي حباها سبحانه للإنسان من دون سائر مخلوقاته، فأصبح الإنسان «ناطقاً» وبه تميّز عن سائر العجماوات، وهذا اللسان مع صغر جِرِمه، عظيمٌ جُرمه وطاعته، ولا يستبين الكفر والإيمان إلاّ باللسان، وهي غاية الطاعة والطغيان، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه».1
وقال الإمام علي (عليه السلام): «وَاللهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ. وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ».(2)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 176; كنز العمال: برقم 24925 .   2 . نهج البلاغة: الخطبة 176 .

صفحه 224
وللِّسان حقوق يجب حفظها وقد ذكرها الإمام زين العابدين (عليه السلام)في رسالته في الحقوق، وقال (عليه السلام): «حقّ اللسان إكرامه عن الخنا، وتعويده الخير، وترك الفضول الّتي لا فائدة فيها، والبرّ بالناس، وحسن القول فيهم» 1.
واللسان رحب الميدان ليس له مردّ، ولا لمجاله منتهى ولا حدّ، فله في الخير مجال رحب، وله في الشرّ مجرى سحب، فمن أطلق عذبة اللسان، وأهمله مُرخى العنان، سلك به الشيطان في كلِّ ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى أن يضطر إلى البوار.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يكبّ الناس على مناخرهم إلاّ حصائد ألسنتهم»2، ولا ينجو من شرّ اللسان إلاّ من قيّده بلجام الشرع فلا يطلقه إلاّ فيما ينفعه في الدنيا والآخرة ويكفّ عن كلّ ما يخشى غائلته في عاجله وآجله، وعلم ما يحمد إطلاق اللسان فيه أو يذّم .
واللسان من أعصى الأعضاء على الإنسان، فإنّه لا تعب في تحريكه ولا مؤونة في إطلاقه، وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله والحذر من مصائده وحبائله، وإنّه أعظم آلة للشيطان في استغواء الإنسان، وقد ذكر علماء الأخلاق ـ في كتبهم ـ مجامع آفات اللسان وبيّنوا أسبابها وغوائلها وطرق الاحتراز منها، وما ورد من الأخبار والآثار في ذمّها، وقد ذكر المولى محسن الكاشاني في محجّته عشرين آفة من آفات اللسان.3

1 . بحار الأنوار: 71 / 286 برقم 41 .
2 . الكافي: 2 / 115 ح 14، باب الصمت وحفظ اللسان; سنن الترمذي: 4 / 125 برقم 2749 .
3 . لاحظ : المحجّة البيضاء: 5 / 190 ـ 288.

صفحه 225
ثم إنّ الكلام إظهار لما في القلب من الصفاء والكدر، والعلم والجهل، ولذا فإن الإنسان مخبوء تحت لسانه، فمن الواجب عليه أن يزن كلامه ويعرضه على العقل والمعرفة، فإن كان لله وفي الله ولوجه الله، تكلّم به، وإن كان غير ذلك فالسكوت خيرٌ له، وليس على الجوارح عبادة أخفُّ مؤونة وأفضل منزلة وأعظم قدراً عند الله من الكلام الذي فيه رضا الله ولوجهه ونشر آلائه ونعمائه في عباده، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، ألاترى أنّ الله عزوجل لم يجعل فيما بينه وبين رسله معنى يكشف ما أسرّ إليهم من مكنونات علمه ومخزونات وحيه غير الكلام، وكذلك لا معصية أثقل على العبد وأسرع عقوبة عند الله، وأشدّها ملامة، وأعجلها سآمة عند الخلق منه.
إنّ مَن درس وتأمّل في آفات اللسان علم أنّه إذا أطلق لسانه لم يسلم، وعند ذلك يعرف سرّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن صمت نجا»1 لأنّ هذه الآفات والآثار السيئة كلّها مهالك ومعاطب وهي على طريق التكلّم، فإن سكت سلم من الكلّ وإن تكلّم خاطر بنفسه إلاّ أن يوافقه لسان فصيح وعلم غزير وورع حاجز ومراقبة لازمة وتقليل من الكلام، فعساه يسلم عند ذلك، وهو مع ذلك لا ينفك من الخطر، فإن كنت لا تقدر أن تكون ممّن تكلّم فغَنِم، فكن ممّن سكت فسَلِم، فالسلامة إحدى الغنيمتين.2

1 . أمالي الطوسي: 537 ح 1162، المجلس 19; مسند أحمد: 2 / 177 ; سنن الدارمي: 2 / 299، باب في الصمت .
2 . المحجّة البيضاء: 5 / 287، بتصرّف .

صفحه 226
سورة الأحزاب: الآيتان 72 ـ 73   

الآيتان: الثانية والسبعون والثالثة والسبعون

(إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا).

المفردات

عرضنا: العَرض: إحضار شيء لآخر حتّى يشاهده. قال تعالى: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ).1
الأمانة: كلّ ما يؤتمن عليه، قال سبحانه: (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ)،(2) ويشترط فيها أن تكون شيئاً ذا قيمة أو سرّاً لا يريد أن ينتشر، ولا تستعمل في الأُمور المبتذلة. وسيوافيك ما هو المراد بالأمانة.
فأبَين: امتنعنَ من الحمل.
أشفقن: خفنَ مع الخضوع.
ظلوماً: الظلوم: كثير الظلم.
جهولاً: الجهول: كثير الجهل.
ليعذّب: اللام للعاقبة، لا للغاية.

1 . ص: 31 .   2 . الأنفال: 27 .

صفحه 227
 
التفسير
72. (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً) :
لأجل فهم الآية لابدّ من البحث في جهات:
1. ما هو المراد من الأمانة الإلهية؟
2. ما هو المراد من عرضها على السماوات والأرض والجبال والإنسان؟
3. ما هو المراد من إبائهنّ وإشفاقهنّ، وتحمُّل الإنسان لها؟
4. كيف صار الإنسان مع التحمَّل ظلوماً جهولاً؟
وإليك دراسة هذه الجهات :

1. ما هو المراد من الأمانة ؟

إنّ حَمْل الإنسان للأمانة الإلهية الّتي امتنعت السماوات والأرض من حملها، يُعدّ أكبر فخر له حيث لم يوجد في صحيفة الوجود مَن يستعدّ لحمل تلك المسؤولية، إنّما الكلام ما هو المراد من الأمانة؟ ومن ثمّ ما هو المراد من عرضها على السماوات والأرض والجبال، وامتناعها ثم قبول الإنسان لها؟

صفحه 228
أقول: اختلفت كلماتهم في معنى الأمانة، وقد ذكر الرازي أقوالاً أربعة:
1. التكليف وسمّي أمانة لأنّ مَن قصّر فيه فعليه الغرامة، ومَن وفّر فله الكرامة، ولعلّ المراد ما سيوافيك بيانه من المعنى المختار.
2. قول لا إله إلاّ الله. ثم استبعده قائلاً بأنّ السماوات والأرض والجبال بألسنتها ناطقة بأنّ الله واحد لا اله إلاّ هو .
3. الأعضاء، فالعين أمانة ينبغي أن يحفظها، والأُذن كذلك، واليد كذلك، والرجل والفرج واللسان.
أقول: وهذا بعيد جدّاً إذ لازم ذلك أن تكون العين وسائر الأعضاء موجودة فيها، حتّى تخاطَب بحفظها وعدم إعمالها إلاّ فيما أحلّه الله.
4. معرفة الله بما فيها.1
وهذا أيضاً بعيد ; لأنّ العالم كلّه يسبّح لله فكيف لا يعرفه.
وممّا ذكرنا يظهر ضعف أقوال أُخرى ذكرها بعض المفسّرين، منها:
5. أمانات الناس والوفاء بالعهود. وهذا وإن كان محتملاً، لكن مفاد الآية أسمى منه.
6. العقل الّذي هو ملاك التكليف ومناط الثواب والعقاب.
وجه الضعف أنّه لو أُريد ذلك لخرجت الأُمور الثلاثة عن صحّة العرض عليها، فإن المفروض أنّها جمادات.

1 . تفسير الرازي: 22 / 235 .

صفحه 229
وقد ذكر صديقنا المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية (رحمه الله) معنى آخر، وقال: والّذي نراه نحن أنّها التضحية بالمصلحة الفردية لصالح الجماعة، لا لشيء إلاّ لوجه الله والإنسانيّة، لأنّ هذه التضحية قد بلغت من الثقل والضخامة مبلغاً لو عرضت على أقوى مخلوق كالسماوات والأرض والجبال لأشفق منها على فرض أنّه يحسّ ويشعر، والغرض من ذكر السماوات والأرض والجبال هو الإشارة إلى عظمة هذه التضحية وتبعتها، وإن الإنسان هو المخلوق الوحيد من بين الكائنات الّذي يستطيع أن يجاهد نفسه الأمارة وشهواتها، ويقاوم أهواءها ونزعاتها .1
يلاحظ عليه: كيف تتمكّن الجبال من تقديم مصلحة المجتمع على مصلحتها الفردية؟!

الأمانة الإلهية هي الاعتقاد الحقّ والعمل الصحيح

لاشكّ أنّ هذه الأمانة لها ارتباط بالاعتقاد والعمل أي الاعتقاد الحقّ في المعارف الإلهية، والعمل بالتكليف وفق ما يقتضيه ذلك الاعتقاد، فهذا الّذي يمكن أن يراد من الأمانة، وهذا هو الّذي يمكن أن يحمله الإنسان دون غيره، وهو الّذي ارتضاه السيد الطباطبائي قائلاً:
«إنّها الكمال الحاصل له ] الإنسان [ من جهة التلبُّس بالاعتقاد والعمل الصالح وسلوك سبيل الكمال بالارتقاء من حضيض المادّة إلى أوج الإخلاص الّذي هو أن يُخْلصه الله لنفسه فلا يشاركه فيه غيره، فيتولّى هو سبحانه تدبير أمره، وهو الولاية الإلهية.

1 . التفسير الكاشف: 6 / 244 .

صفحه 230
فالمراد بالأمانة، الولاية الإلهية وبعرضها على هذه الأشياء اعتبارها مقيسة إليها والمراد بحملها والإباء عنه، وجود استعدادها وصلاحية التلبُّس بها وعدمه، وهذا المعنى هو القابل لأن ينطبق على الآية، فالسماوات والأرض والجبال على ما فيها من العظمة والشدّة والقوّة فاقدة لاستعداد حصولها فيها وهو المراد بإبائهنّ عن حملها وإشفاقهنّ منها».1
ولك أن تعبّر عن تلك النظرية بتعبير آخر، وهو وجود الفرق بين المذكورات الثلاثة والإنسان، فالقسم الأوّل بما أنّه فاقد للإرادة والاختيار فيتحدّد كمالها بحسب وجودها، فليس لها الارتقاء إلى قمّة التكامل لفقد الإرادة والاختيار وسيادة الجبر عليها، وأمّا الإنسان فبما أنّه مزوّد بالإرادة والاختيار، فله أن يسلك مسالك التكامل ويصل إلى قمّته، فلذلك لما عرضت الأمانة الإلهية الّتي هي سلوك مسلك التكامل بالاعتقاد والعمل الصالح على الموجودات الثلاثة، أبَينَ وأشفقنَ لفقد الأدوات الّتي توصلها إلى تلك القمّة، وأمّا الإنسان فبما أنّه إنسان مختار وفيه استعداد لطيّ تلك المنازل، فقَبِلها قبولاً تكوينياً، فصار وجوده مظهراً لقبول تلك الأمانة.
وبذلك ظهر أنّ المراد من الأمانة هو التلبّس نحو الرقيّ إلى قمّة التكامل عن طريق التلبّس بالاعتقاد والعمل الصالح. وبتعبير ثالث: كلّ ما في الكون ممّا يقبل التكامل، محدّد بحدّ معيّن لا يتجاوزه سوى الإنسان فليس لتكامله حدّ معين، فلذلك عرضت الأمانة عليه ليسلك طريق التكامل في الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 16 / 349 .

صفحه 231

2 و 3. ما هو المراد من العرض والإباء والتحمُّل؟

المراد من التحمُّل ـ وفق المعنى الذي أوضحناه للأمانة ـ هو التحمُّل التكويني أي صار (الإنسان) مستعدّاً لسلوك سبيل الكمال ومظهراً لقبول هذه الأمانة .
ثم إنّ المراد من عرضها على السماوات والأرض هو المقارنة بين الاستعدادين، فالموجودات الثلاثة أبَين أن يحملنها لفقد الإرادة والاختيار وقَبِلها الإنسان لوجود شرط القبول فيه، ولذلك يقول سبحانه: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)عرضاً تكوينياً (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا)لفقدان استعداد الحمل فيها (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ)حملاً تكوينياً لوجود شرطه فيه.
وبذلك يُعلم أنّ في الآية نوع تمثيل، فلم يكن هناك عرض حقيقي، وردٌّ وقبول كذلك، بل قلّة الاستعداد في الأُمور الثلاثة صار مظهراً للردّ، ووجوده في الإنسان صار مظهراً للقبول، والمقارنة بينهما نوع عرض بينهما .
وبذلك يُعلم ضعف الوجهين اللّذين نقلهما السيد الرضيّ عن بعض العلماء، وهما:
1. أنّ المراد بذلك أهل السماوات والأرض والجبال، فحذف لفظ الأهل اختصاراً لدلالة الكلام عليه، وذلك كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ )1أي أهلها... فلمّا حذف الأهل أُجري الفعل على لفظ السماوات والأرض

1 . يوسف: 82 .

صفحه 232
والجبال، فقيل:(فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا)... ولا يخفى أن هذا التعبير يجعل الآية فاقدة للبلاغة.
2. المراد بذلك تفخيم شأن الأمانة وأنّ منزلتها منزلة ما لو عرض على هذه الأشياء المذكورة مع عظمها وكانت تعلم ما فيها لأبت أن تحملها وأشفقت كلّ الإشفاق منها، إلاّ أنّ هذا الكلام خرج مخرج الواقع لأنّه أبلغ من المقدّر.1
لاشكّ أنّ الأمانة المالية الّتي ربّما تودع عند إنسان أمر عظيم وأنّ الخيانة جناية كبيرة، إلاّ أنّ مساق الآية فوق تلك الأمانة الدائرة في المجتمع، فإنّ الآية من غرر الآيات في سورة الأحزاب، حيث تتضمّن معرفة من المعارف العليا الّتي قلّما يتّفق للإنسان أن يبلغها.

4. كيف صار ظلوماً جهولاً مع التحمّل ؟

بقي الكلام في قوله سبحانه: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً) كيف فُرّع على قوله: (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ) فإنّ حمل الأمانة الإلهية نوع كمال للإنسان ووسام فخر على صدره، فكيف يترتّب عليه (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً)؟
ويمكن أن يقال: إنّ الإنسان مع ما له من ذلك المقام السامي الّذي ليس لغيره من الموجودات، قد يعرض له النسيان فينحرف عن المسؤولية الّتي تَحمَّلها، فربّما يظهر ذلك بترك الأولى في الأنبياء وفي غيرهم بالمعصية، قال سبحانه حاكياً عن لسان آدم(عليه السلام) وزوجه: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 221.

صفحه 233
وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).1
ويقول حاكياً عن لسان يونس(عليه السلام): (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).(2)
وربّما يتجلّى التنصّل من تحمُّل الأمانة بالنفاق والشرك، فيكون (ظَلُومًا) كما هو الحال في المنافق، و(جَهُولاً) كما هو الحال في المشرك، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يذكر بعد هذه الآية ما يرجع إلى جزاء الصنفين ويقول:
73. (لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا):
اللام في (لِيُعَذِّبَ)لام العاقبة لا «لام» الغاية، لأنّ تعذيب هؤلاء وإثابة المؤمنين أمر يترتّب على قبول المسؤولية والتنصُّل منها، فلذلك يعذّب المنافق والمنافقة لظلمهم وتعدّيهم عمداً، والمشرك والمشركة بجهلهما وعدم السعي في رفع الجهل، ويرجع سبحانه على المؤمن والمؤمنة بالرحمة عندما ينسى المسؤولية، فقوله: (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تعليل لقبول توبة المؤمن والمؤمنة .
***
تمّ تفسير سورة الأحزاب

1 . الأعراف: 23 .   2 . الأنبياء: 87 .

صفحه 234
بحث حول عصمة أهل البيت(عليهم السلام)   

بحث حول عصمة أهل البيت(عليهم السلام)

كنّا قد وعدنا القرّاء الكرام عند تفسير قوله تعالى في الآية 33 من سورة الأحزاب ص 86 ، أن نعقد بحثاً حول عصمة أهل البيت(عليهم السلام) وها نحن نفي بوعدنا، ولكن نودّ قبل الدخول في صلب الموضوع، أن نمهّد له بأمرين:

الأوّل: حقيقة العصمة

إنّ حقيقة العصمة عن اقتراف المعاصي ترجع إلى أحد أُمور ثلاثة على وجه مانعة الخلوّ، وإن كانت غيرمانعة الجمع، وهي:

1. العصمة: الدرجة القصوى من التقوى

العصمة ترجع إلى التقوى; بل إلى درجة أعلى منها، فما توصف به التقوى وتُعرف به، تُعرف وتوصف به العصمة.
لا شكّ أنّ التقوى حالة نفسانية تعصم الإنسان عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فإذا بلغت تلك الحالة نهايتها، تعصم الإنسان عن اقتراف قبائح الأعمال، وذميم الفعال، على وجه الإطلاق; بل تعصم الإنسان حتى عن التفكير في المعصية، فالمعصوم ليس خصوص مَن لا يرتكب المعاصي ويقترفها، بل هو من لا يحوم حولها بفكره.
إنّ العصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس لها آثار خاصّة كسائر

صفحه 235
الملكات النفسانية من الشجاعة والعفّة والسخاء، فإذا كان الإنسان شجاعاً وجسوراً، وسخيّاً وباذلا، وعفيفاً ونزيهاً، طلب في حياته معالي الأُمور، وتجنّب سفسافَها، فيطرد ما يخالفها من الآثار، كالخوف والجبن والبخل والإمساك، والقبح والسوء، ولا يُرى في حياته أثر منها.
ومثله العصمة، فإذا بلغ الإنسان درجة قصوى من التقوى، وصارت تلك الحالة راسخة في نفسه، فإنّه يصل إلى حدٍّ لا يُرى في حياته أثر من العصيان والطغيان، والتمرّد والتجرّي، وتصير ساحته نقية من المعصية.
وأمّا أنّ الإنسان كيف يصل إلى هذا المقام؟ وما هو العامل الذي يمكّنه من هذه الحالة؟ فهو بحث آخر لا يسع المقال لبيانه.
فإذا كانت العصمة من سنخ التقوى والدرجة العليا منها، يسهل لك تقسيمها إلى العصمة المطلقة والعصمة النسبية.
فإنّ العصمة المطلقة وإن كانت تختصّ بطبقة خاصّة من الناس، لكن العصمة النسبية تعمّ كثيراً منهم من غير فرق بين أولياء الله وغيرهم; لأنّ الإنسان الشريف الذي لا يقلّ وجوده في أوساطنا وإن كان يقترف بعض المعاصي، لكنّه يجتنب عن بعضها اجتناباً تامّاً، بل يتجنّب حتى التفكير بها فضلا عن إتيانها.
فالإنسان الشريف ـ مثلاً ـ لا يتجوّل عارياً في الشوارع والطرقات مهما بلغ تحريض الآخرين له على ذلك الفعل، كما أنّ كثيراً من الناس لا يقومون بقتل الأبرياء ولا بقتل أنفسهم وإن عُرضت عليهم مكافآت مادّية كبيرة، وذلك لأنّ الحوافز الداعية إلى هذه الأفعال المنكرة غير موجودة في نفوسهم، أو أنّها محكومة ومردودة بالتقوى التي تحلّوا بها، ولأجل ذلك

صفحه 236
صاروا بمعزل عن تلك الأفعال القبيحة حتى أنّهم لا يفكّرون فيها ولايحدّثون بها أنفسهم أبداً.
والعصمة النسبية التي تعرَّفتَ عليها تُقرِّب حقيقة العصمة المطلقة إلى أذهاننا، فلو بلغت تلك الحالة النفسانية الرادعة في الإنسان مبلغاً كبيراً ومرحلة شديدة بحيث تمنعه من اقتراف جميع القبائح، يصير معصوماً مطلقاً، كما أنّ الإنسان في القسم الأوّل صار معصوماً نسبياً.
وعلى الجملة: إذا كانت حوافز الطغيان والعصيان والبواعث على المخالفة محكومة عند الإنسان، منفورة لديه لأجل الحالة الراسخة، يصير الإنسان معصوماً تامّاً منزّهاً عن كلّ عيب وشين.

2. العصمة: نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي

قد تعرّفت على النظريّة الأُولى في حقيقة العصمة وأنّها عبارة عن: الدرجة العليا من التقوى، غير أنّ هناك نظرية أُخرى في حقيقتها، لا تنافي النظرية الأُولى، بل ربّما تعدّ من علل تحقّق الدرجة العليا من التقوى التي عرّفنا العصمة بها وموجبة لتكوّنها في النفس، وحقيقة هذه النظرية عبارة عن «وجود العلم القطعي اليقيني بعواقب المعاصي والآثام» علماً قطعيّاً لا يشوبه شكّ، ولا يعتريه ريب، وهو أن يبلغ علم الإنسان درجة يلمس في هذه النشأة لوازم الأعمال وآثارها في النشأة الأُخرى، وتبعاتها فيها، ويصير على حدّ يدرك بل يرى درجات أهل الجنة ودركات أهل النار، وهذا العلم القطعي هو الذي يزيل الحجب بين الإنسان وعواقب الأعمال، ويصير الإنسان مصداقاً لقوله سبحانه: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقينِ * لَتَرَوُنَّ

صفحه 237
الْجَحِيم)1، وصاحب هذه الدرجة من العلم هو الذي يصفه الإمام علي(عليه السلام)بقوله: «فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ».2
والعلم إذا بلغ إلى هذه الدرجة من الكشف، يصدّ الإنسان عن ارتكاب المعاصي واقتراف المآثم، بل لا يجول حولها فكره.
ولتوضيح تأثير هذا العلم في صيرورة الإنسان معصوماً من اقتراف الذنب، نأتي بمثال:
إنّ الإنسان إذا وقف على أنّ في الأسلاك الكهربائية طاقة من شأنها قتله إذا مسّها من دون حاجز أو عائق، بحيث يكون المسّ والموت مقترنين، أحجمت نفسه عن مسّ تلك الأسلاك والاقتراب منها.
أو أنَّ الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار الجراثيم، إذا وقف على ماء اغتسل فيه مصاب بالجذام أو البرص أو السلّ، لم يقدم على شربه والاغتسال به ومباشرته مهما اشتدّت حاجته إلى ذلك، لعلمه بما يَجُرُّ عليه الشرب والاغتسال بذلك الماء الملوّث، والإنسان الكامل إذا وقف على ما وراء هذه النشأة من نتائج الأعمال وعواقب الأفعال ورأى بالعين البرزخية تبدّل الكنوز المكتنزة من الذهب والفضة إلى النار المحماة التي تُكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، امتنع عن حبس الأموال والإحجام عن إنفاقها في سبيل الله.

1. التكاثر:5ـ6.
2.نهج البلاغة:2/187، الخطبة 188، طبعة عبده.

صفحه 238
قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نار ِجَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ).1
إنّ ظاهر قوله سبحانه: (هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ) هو أنّ النار التي تُكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، ليست إلاّ نفس الذهب والفضة، لكن بوجودهما الأُخرويّين، وأنّ للذهب والفضة وجودين أو ظهورين في النشأتين، فهذه الأجسام الفلزية تتجلّى في النشأة الدنيوية في صورة الذهب والفضة، وفي النشأة الأُخروية في صورة النيران المحماة.
فالإنسان العادي اللامس لهذه الفلزات المكنوزة وإن كان لا يحسّ فيها الحرارة ولا يرى فيها النار ولا لهيبها، إلاّ أنّ ذلك لأجل أنّه يفقد حين المس الحسَّ المناسب لدرك نيران النشأة الآخرة وحرارتها، فلو فُرض أنّ ثمة إنساناً كاملاً يمتلك هذا الحسّ إلى جانب بقية حواسّه العادية المتعارفة ويدرك بنحو خاص الوجه الآخر لهذه الفلزات، وهو نيرانها وحرارتها، فلا شكّ في أنّه يجتنبها، كاجتنابه النيران الدنيوية، ولا يقدم على كنزها وتكديسها.
وهذا البيان يفيد أنّ للعلم مرحلة قويّة راسخة تصدّ الإنسان عن الوقوع في المعاصي والآثام ولا يكون أسيراً للشهوات والغرائز.
قال جمال الدين مقداد بن عبد الله الأسدي السيوري الحلّي في كتابه القيّم «اللوامع الإلهية»:(ولبعضهم كلام حسن جامع هنا قالوا: العصمة

1.التوبة:34ـ 35.

صفحه 239
ملكة نفسانية يُمنع المتّصف بها من الفجور مع قدرته عليه، وتتوقّف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات; لأنّ العفّة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التام بما في المعصية من الشقاء، والطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجباً لرسوخها في النفس فتصير ملكة).1
ويقول العلاّمة الطباطبائي في هذا الصدد: إنّ القوة المسمّاة بقوة العصمة سبب شعوري علمي غير مغلوب البتة. ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك، لتسرّب إليها التخلّف، ولتخبّط الإنسان على أثرها أحياناً، فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم والإدراكات المتعارفة، التي تقبل الاكتساب والتعلّم، وقد أشار الله في خطابه الذي خصّ به نبيّه بقوله:(وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْك الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَك ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)2، وهو خطاب خاص لانفقهه حقيقة الفقه، إذ لا ذوق لنا في هذا المجال.3
وهو(قدس سره) يشير إلى كيفية خاصّة من العلم والشعور الذي أوضحناه بما ورد حول الكنز وآثاره.

3. الاستشعار بعظمة الربّ وكماله وجماله

إنّ هاهنا نظرية ثالثة في تبيين حقيقة العصمة يرجع لبّها إلى أنّ

1. اللوامع الإلهية:170.
2. النساء:113.
3.الميزان في تفسير القرآن:5/81، بتصرّف.

صفحه 240
استشعار العبد بعظمة الخالق وحبّه وتفانيه في معرفته وعشقه له، يصدّه عن سلوك ما يخالف رضاه سبحانه.
وهذه النظرية مثل النظرية الثانية لا تخالف النظرية الأُولى في تفسير العصمة، والتي قلنا أنّها هي الدرجة العليا من التقوى، بل يكون الاستشعار والتفاني دون الحق، والعشق لجماله وكماله، أحد العوامل لحصول تلك المرتبة من التقوى، وهذا النحو من الاستشعار لا يحصل إلاّ للكاملين في المعرفة الإلهية البالغين أعلى قممها.
إنّ الإنسان إذا عرف خالقه كمال المعرفة الميسورة، وتعرّف على معدن الكمال المطلق وجماله وجلاله، وجد في نفسه انجذاباً نحو الحقّ، وتعلّقاً خاصّاً به بحيث لا يستبدل برضاه شيئاً، فهذا الكمال المطلق هو الذي إذا تعرّف عليه الإنسان العارف، يؤجّج في نفسه نيران الشوق والمحبّة، ويدفعه إلى أن لا يبتغي سواه، ولا يطلب سوى إطاعة أمره وامتثال نهيه، ويصبح كلّ ما يخالف أمره ورضاه منفوراً لديه، مقبوحاً في نظره، أشدّ القبح. وعندئذ يصبح الإنسان مصوناً عن المخالفة، بعيداً عن المعصية بحيث لايؤْثر على رضاه شيئاً، وإلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)بقوله:«ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك إنّما وجدتك أهلا للعبادة».1
هذه النظريات الثلاث أو النظرية الواحدة المختلفة في البيان والتقرير، تعرب عن أنّ العصمة قوة في النفس تعصم الإنسان عن الوقوع

1.عوالي اللآلي:2/11 برقم 18; بحار الأنوار:41/14.

صفحه 241
في مخالفة الربّ سبحانه وتعالى، وليست العصمة أمراً خارجاً عن ذات الإنسان الكامل وهويته الخارجية.
نعم هذه التفاسير الثلاثة لحقيقة العصمة، كلّها راجعة إلى العصمة عن المعصية، والمصونية عن التمرّد، كما هو واضح لمن تأمّل فيها، وأمّا العصمة في مقام تلقّي الوحي وحفظه وإبلاغه إلى الناس، أو العصمة عن الخطأ في الحياة والأُمور الفردية أو الاجتماعية، فلا بدّ أن توجّه بوجوه غير هذه الوجوه الثلاثة.

العصمة عن الخطأ

أمّا العصمة عن الخطأ في تحمّل الوحي وحفظه ونقله إلى الأُمّة في حقّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو عصمة أهل البيت(عليهم السلام)في الإفتاء ونقل ما ورثوه من النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهي رهن أمر آخر.
أمّا النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ الله سبحانه يسدَّده بالملائكة، كما يقول سبحانه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُك مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَدًا).1
فإنّ قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ) بمعنى يجعل له رصداً. فهؤلاء الملائكة هم الذين يُسدِّدون الأنبياء ويعصمونهم عن الخطأ في القول والفعل.
وأمّا أهل البيت(عليهم السلام) فبما أنّ عصمتهم عن المعصية والخطأ ثابتة بالدلائل التي سنذكرها لاحقاً، فلا محيص من القول من أنّ لهم مسدّداً في

1. الجن:26ـ 28.

صفحه 242
الإفتاء ونقل الأحاديث وتفسير القرآن الكريم.
أمّا ما هو المسدِّد لهم، فالبحث عنه موكول إلى مقام آخر.
***

الأمر الثاني: العصمة لا تلازم النبوّة

إنّ بعض مَن يتحاشى عن وصف غير الأنبياء بالعصمة يتصوّر وجود الملازمة بين العصمة والنبوّة، والحال أنّ بينهما من النسب عموماً وخصوصاً من وجه مطلق، فكلّ نبيّ معصوم وليس كلّ معصوم بنبيّ.
فهذه هي مريم العذراء الّتي هي الأُسوة والقدوة للنساء كما عليه قوله سبحانه: (وَ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَ صَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَ كُتُبِهِ وَ كَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ).1
وبما أنّه سبحانه جعلها قدوة ومثالا يحتذى به فلابدّ أن تكون معصومة عن المعاصي والأخطاء، وإلاّ لايصحّ أن تكون أُسوة قولا وفعلا على الإطلاق. وبالجملة: وجود الملازمة بين الأُسوة المطلقة وبين العصمة.
ويؤيّد عصمتها أيضاً قوله سبحانه: (وَ إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاك وَطَهَّرَك وَاصْطَفَاك عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)2، فإنّ إطلاق قوله: (وَطَهَّرَكِ) يدلّ على طهارتها من الرذائل والذنوب والخطأ والزلل.
كما أنّ منزلة الزهراء(عليها السلام) في حديث أبيها تعرب عن عصمتها قولا

1. التحريم:12.
2. آل عمران:42.

صفحه 243
وفعلا، فقد روى البخاري عن المِسْور بن مَخْرَمة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني».1
وروى الحاكم بإسناده عن علي(عليه السلام) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة: «إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك».2
أقول: أيّ مكانة شامخة للزهراء(عليها السلام) حتّى صار غضبها ورضاها ملاكاً لغضبه سبحانه ورضاه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على عصمتها، فهو سبحانه بما أنّه عادل وحكيم لايغضب إلاّ على الكافر والعاصي ولايرضى إلاّ عن المؤمن والمطيع، فلو دلّت الرواية الصحيحة على أنَّ فاطمة غضبت على أحد فهو إمّا كافر أو عاص.
***
إذا تمّ هذا التمهيد ضمن أمرين فلنعرّج إلى بيان أدلّة عصمة أهل البيت(عليهم السلام) كتاباً وسنّةً، ونكتفي من الكتاب العزيز بآيتين، ومن السنّة بحديثي: الثقلين، والسفينة.

الآية الأُولى :

قال سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)3، فيقع الكلام في مقامين :

1. صحيح البخاري:2/469، برقم 3714، فضائل الصحابة; فتح الباري في شرح صحيح البخاري:7/84.
2.المستدرك على الصحيحين:3/154، وقد صحّحه الحاكم.
3. الأحزاب:33.

صفحه 244
1. ما هو المراد بأهل البيت(عليهم السلام)؟
2. دلالة الآية على تنزيههم عن الذنوب.
أمّا المقام الأوّل: فلاشك أنّ عبارة (أهل البيت) تعمّ النساء والأزواج لغة وكتاباً، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ).1 فقد عُدّت امرأة إبراهيم(عليه السلام)من أهل البيت، والخطاب في الآية ـ أعني قوله: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) ـ ناظر إليها .
ومع القول بأنّ الأزواج من جملة (أهل البيت)، لكن المراد بهم في الآية عبارة عمّن عيّنهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مرّة بعد أُخرى وخصّهم بعليّ وفاطمة وابنيهما(عليهم السلام)، فتارة يصرح(صلى الله عليه وآله وسلم) بأسمائهم، كما روى الطبري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وعلي(رضي الله عنه)وحسن(رضي الله عنه) وحسين(رضي الله عنه) وفاطمة رضي الله عنها: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).2
وأُخرى يدخلهم تحت الكساء، كما أخرج مسلم في صحيحه قال: قالت عائشة: خرج النبي غداةً وعليه مِرط مرحَّل، من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).3

1. هود:73.
2. تفسير الطبري:22/9 برقم 21727، دار الفكر، 1415هـ .
3. صحيح مسلم:7/130 برقم 2424، باب فضائل أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 245
وثالثة يتلو الآية على بابهم، كما أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول:
الصلاة أهل البيت (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).1
وقد بلغ عدد الروايات الواردة في تخصيص أهل البيت(عليهم السلام)بالخمسة ما يناهز (35) رواية، أخرجها الطبري في تفسيره، والسيوطي في «الدر المنثور»، وغيرهما2، وتصل أسانيد الروايات إلى عشرة من صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهم:
1. أبوسعيد الخدري. 2. أنس بن مالك 3. ابن عباس. 4. أبوهريرة الدوسي. 5. سعد بن أبي وقّاص. 6. واثلة بن الأسقع. 7. أبو الحمراء، أعني: هلال بن الحارث. 8. معقل بن يسار المُزَني. 9. أُمّ سلمة.10. عائشة.
نعم هناك سؤال وهو أنّه لو كان المراد بأهل البيت هم هؤلاء الخمسة، فلماذا وردت الإشارة إليهم في أثناء حديث القرآن عن نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

الجواب:

أوّلا: أنّ عادة الفصحاء في كلامهم أنّهم ينتقلون من خطاب إلى غيره ثم يعودون إليه، والقرآن مليء بذلك الأُسلوب، وكذلك كلام العرب وأشعارهم.
قال الشيخ محمد عبده: إنّ من عادة القرآن أن ينتقل بالإنسان من

1. تفسير الطبري:22/9 برقم 21729، سنن الترمذي:920 برقم 3217، تحقيق صدقي العطار.
2. تاريخ الطبري:22/9ـ 13; الدر المنثور:5/198ـ199; تفسير الرازي:8/85.

صفحه 246
شأن إلى شأن ثم يعود إلى مباحث المقصد الواحد المرّة بعد المرّة.1
ولأجل إيقاف القارئ على صحّة ماقاله، نأتي بشاهد على ذلك، فنقول: قال سبحانه ناقلا عن «العزيز» مخاطباً زوجته:
(إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِك إِنَّك كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)2; فنرى أنّ العزيز يخاطب أوّلا امرأته بقوله: (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ)وقبل أن يفرغ من كلامه معها، يخاطب يوسف بقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)... ثم يرجع إلى الموضوع الأوّل ويخاطب زوجته بقوله: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ)...
فقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) جملة معترضة وقعت بين الخطابين، والمسوّغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين، وكانت له صلة بحديث المرأة الّتي رفعت الشكوى إلى العزيز.
وثانياً: إنّ الضمائر في الآية كلّها مذكّرة ـ أعني: (عَنْكُم) و (يُطَهِّركُم)ـ مع أنّ الضمائر في الآيات المتقدّمة والمتأخّرة كلّها جاءت على وجه التأنيث، وربّما يقرب عددها من عشرين ضميراً كلّها مؤنثة، وهذا دليل على أنّ الآية ناظرة إلى غير النساء.
وإليك صور الضمائر: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِك إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنّ َوَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَ رَسُولَهُ... يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ... وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ...يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ...

1. تفسير المنار:2/451.
2. يوسف:28ـ 29.

صفحه 247
إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ.. وَقُلْنَ... وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَتَبَرَّجْنَ... وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). 1
هذه هي الضمائر المتقدّمة على الآية، وأمّا الضمائر المتأخّرة عنها فهي: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ).2
والذي يؤكّد خروج النساء عن الآية، هو أنّ الله سبحانه أفرد لفظ البيت في الآية وقال:
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ)،
ولكنّه عبّر عن بيوت أزواجه بصيغة الجمع وقال:
(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى).
وعلى هذا فهناك «بيت» معروف مشخّص أُضيف إليه لفظ «أهل» فأصبحت العبارة «أهل البيت»، وفي الوقت نفسه هناك بيوت لنسائه وأزواجه، فَمَن في البيت الأوّل غير الموجود في البيوت، فإذا كانت البيوت خاصّة لنسائه، فيكون البيت خاصّاً لأهل الكساء، إذ الأمر يدور بين الطائفتين ليس غير، فحول النبي أُسرتان:
أُسرة لها المكانة والفضل لاتّصالها بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا لذواتهنّ، ولذا استهلّ سبحانه الآيات بقوله: (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة...)، (ويَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ) كلّ ذلك يعرب عن أنّ كرامتهنّ

1. الأحزاب:28ـ 33.
2. الأحزاب:34.

صفحه 248
لأجل اتّصالهنّ بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وأُسرة لها الفضل والكرامة لاستحقاقهم لذلك وقدسية أنفسهم، فقد أعطى سبحانه كلّ أُسرة حقّها، فقد أدّب نساء الأُسرة الأُولى ونهاهنّ عن أُمور، تمسّ بكرامة زوجهنّ. ثم أخذ بوصف الأُسرة الثانية وتكريمها مشعراً بطهارتها عن كلّ رجس ودنس.1
فبذلك يعلم وجه إدغام قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ) في ثنايا الآيات النازلة في حقّ نسائه، فكأنّه سبحانه يريد إعطاء كلّ أُسرة حول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حقّها.
وممّن أصحر بالحقيقة الإمام الشوكاني، قال:
وقالت الزيدية والإمامية: إنّ إجماع العترة حجّة واستدلّوا بقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)وأُجيب بأنّ سياق الآية أنّه في نسائه. ثم أضاف قائلاً: ويجاب عن هذا الجواب بأنّه قد ورد الدليل الصحيح أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين، وقد أوضحنا الكلام في هذا في تفسيرنا الذي سمّيناه «فتح القدير» فليرجع إليه.2
نعم ربّما ذهب بعضهم إلى نزول الآية في نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لكنّهم أفراد لا يعتدّ بقولهم، منهم:
1. عكرمة: ومن المعلوم أنّه كان يرى رأي المارقين (الخوارج)، فهو

1. انظر: دلائل الصدق للشيخ محمد حسين المظفر:4/351 وما بعدها، تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)(بتصرف).
2. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأُصول:126.

صفحه 249
رجل منحرف عن جادة الحقّ، ولم يكن يتحرّز عن الكذب، وقد اتّهمه بذلك معاصره سعيد بن المسيب، وتلميذه يحيى بن سعيد الأنصاري. وقال ابن سعد: تكلّم الناس فيه، وليس يُحتجّ بحديثه.1 ومن لم يكن حديثه حجّة، فما بالك برأيه؟
2. عروة بن الزبير: ويكفي في عدم حجية قوله عداؤه لعليّ وانحرافه عنه.2
3. مقاتل بن سليمان: وهو من المشبّهة، وعن أبي حنيفة قال: أتانا من المشرق رأيان خبيثان; جهم معطل، ومقاتل مشبّه. وفي البخاري: لا شيء البتة. قلت: أجمعوا على تركه.3
ولمّا كان هذا الرأي أعني: اختصاص الآية بنساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) رأياً غريباً مخالفاً لرأي جمهور المفسّرين، اتّخذ السيد محمود الآلوسي رأياً وسطاً ليكون جامعاً بين القولين وقال: «والذي يظهر لي: أنّ المراد بأهل البيت من لهم مزيد علاقة به (صلى الله عليه وآله وسلم)ونسبة قوية قريبة إليه (عليه الصلاة والسلام) بحيث لايقبح عرفاً اجتماعهم وسكناهم معه (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت واحد، ويدخل في ذلك أزواجه والأربعة أهل الكساء. وعليّ كرّم الله وجهه مع ما له من القرابة من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قد نشأ في حجره عليه الصلاة والسلام فلم يفارقه وعامله كولده صغيراً وصاهره وآخاه كبيراً.4

1.لاحظ ترجمته في: ميزان الاعتدال:3/93ـ 97; تهذيب الكمال:20/264 برقم 4009.
2. لاحظ: سير اعلام النبلاء:4/421ـ434.
3. سير أعلام النبلاء:7/220.
4. روح المعاني:22/19، في تفسير آية التطهير. ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

صفحه 250
يلاحظ عليه: أوّلا: أنّ ما ذكره هو خلاف ما فهمه زيد بن أرقم ذلك الصحابي من الآية لمّا قيل له «مَن أهل بيته، نساؤه»؟! قال: لا وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها.. إلى آخر ما ذكره.1
وثانياً: أنّ تعميم أهل البيت في الآية إلى النساء خلاف ما نصّ عليه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد أخرج الحاكم(وصحّحه على شرط البخاري) عن عطاء بن يسار، عن أُمّ سلمة قالت: في بيتي نزلت:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) قالت: فأرسل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين فقال: هؤلاء أهل بيتي.2
ورواه الترمذي عن شهر بن حوشب، عن أُمّ سلمة، وفيه:فقالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال:«إنّك على خير». ثمّ قال الترمذي بعد نقل الحديث: هذاحديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.3
وثالثاً: أنّ ما ذكره يخالف تخصيص النبيّ الآية بأصحاب الكساء بصورة مختلفة حيث جعلهم تحت الكساء وجلّلهم به، حتّى يكون عمله جامعاً ومانعاً للغير. ومع هذا كيف يصحّ للسيد الآلوسي تعميم الآية؟! فلاحظ.
وبالجملة: الأحاديث المتضافرة بل المتواترة إجمالا على أنّ

1. صحيح مسلم:7/123، باب فضائل علي(عليه السلام).
2. المستدرك على الصحيحين:3/147.
3. سنن الترمذي:1096 برقم 3897، باب فضل فاطمة رضي الله عنها.

صفحه 251
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر عن اختصاص الآية بأهل الكساء وحقّق ما يريده بعناوين متنوّعة كثيرة لايسعنا نقلها في هذا البحث المطلوب فيه الإيجاز والاختصار.
هذا إجمال ما يمكن أن يقال في نزول الآية في حقّ الخمسة سلام الله عليهم، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب أصحابنا فلهم بحوث تفصيلية حول الآية.
***
وأمّا المقام الثاني: أي دلالة الآية على عصمة أهل البيت(عليهم السلام)، فهي مبتنية على ثبوت أمرين:
1. أنّ الرجس أمر يعمّ المعاصي صغيرها وكبيرها.
2. أنّ الإرادة تكوينية لا تشريعية.
أمّا الأمر الأوّل: فقد استعملت هذه اللفظة في الذكر الحكيم ثمان مرّات ووصف بها الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، والكافر غير المؤمن بالله، والميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والأوثان، وقول الزور.
فالجامع بينها القذارة الّتي تتنفّر منها النفوس; سواء أكانت مادّية كما في مورد اللحوم، أم معنوية كما هوالحال في الكافر وعابد الوثن ووثنه، فالجامع بينهما هي الأعمال القبيحة عرفاً أو شرعاً.
قال العلاّمة الطباطبائي: الرجس ـ بالكسر والسكون ـ صفة من الرجاسة وهي القذارة، والقذارة هيئة في النفس توجب التجنّب والتنفّر

صفحه 252
منها، وهي تكون تارة بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير، قال تعالى: (أَوْ لَحْمَ خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ)1، وبحسب باطنه أُخرى، وهي الرجاسة والقذارة المعنوية كالشرك والكفر وأثر العمل السيّئ، قال تعالى: (وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُونَ)2، وقال: (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذلك يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ).3
وأيّاً ما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري يحدث من تعلّق القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيّئ، وإذهاب الرجس عبارة عن إزالة كلّ هيئة خبيثة في النفس تضادّ حق الاعتقاد والعمل، وعند ذلك يكون إذهاب الرجس معادلا للعصمة الإلهية الّتي هي صورة علمية نفسانية، تحفظ الإنسان من رجس باطني: الاعتقاد وسيّئ العمل4. هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الثاني: أعني كون الإرادة تكوينية لاتشريعية.
فإنّ انقسام إرادته سبحانه إلى تكوينية وتشريعية أمر واضح، أمّا الأُولى فهي ما تتعلّق بإيجاد الشيء، ومنها قوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ

1. الأنعام:145.
2. التوبة:125.
3. الأنعام:125.
4. الميزان في تفسير القرآن:16/330.

صفحه 253
شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).1
وأمّا الثانية فهي ما إذا تعلّقت إرادته بتشريع حكم من الأحكام وبعث الناس إلى العمل به.
فالإرادة التكوينية لا تنفكّ عن المراد، بخلاف التشريعية فإنّها لغاية بعث الناس إلى الفعل أو الترك مخيّرين بين الطاعة والعصيان.
فنقول: لاشك أنّ الإرادة المتعلّقة بإذهاب الرجس عن أهل البيت بالخصوص تكوينية، إذ لو كانت تشريعية لما اختصّت بطائفة دون طائفة; لأنّ الهدف الأسمى من بعث الأنبياء هو تطهير عامّة الناس عن الذنوب بقوله سبحانه: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).2
وإن شئت قلت: تخصيص تعلّق الإرادة بجمع خاص يمنع من تفسير الإرادة بالإرادة التشريعية الّتي عمّت الأُمّة جميعاً.
وبعبارة ثالثة: لو كانت الإرادة تشريعية لما احتاج إلى إبراز العناية بصورها المختلفة الواردة في الآية، فإليك بيان تلك العناية:
أ. ابتدأ سبحانه كلامه بأداة الحصر «إنّما»، ولا معنى له إذا كانت الإرادة تشريعية، لأنّها غير محصورة بأُناس مخصوصين.
ب. عيّن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص، فقال: (أَهْلَ الْبَيْتِ): أي أخصّكم أهل البيت.

1. يس:82.
2. المائدة:6.

صفحه 254
ج. قد بيّن متعلّق إرادته بلفظة «عنكم» وقال : (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).
د. قد أكدّه أيضاً بالإتيان بمصدره بعد الفعل وقال: (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، ليكون أوفى في التأكيد.
ه . أنّه سبحانه أتى بالمصدر نكرة، ليدلّ على الإكبار والإعجاب، أي تطهيراً عظيماً معجباً.
و. أنّ الآية في مقام المدح والثناء، فلو كانت الإرادة إرادة تشريعية لما ناسب الثناء والمدح.
وعلى الجملة: العناية البارزة في الآية تدلّ بوضوح على أنّ الإرادة هناك غير الإرادة العامّة المتعلّقة بكلّ إنسان حاضر أو باد.
وبذلك نقول: تعلّقت إرادته سبحانه بتنزيههم عن القبيح والعصيان كما تعلّقت إرادته بعصمة الأنبياء عن الذنب والعصيان، وقد ثبت في محلّه أنّ العصمة لا تخالف الاختيار، وذلك لأنّ القدرة والتمكّن على فعل المعصية ثابتان للمعصوم، إلاّ أنّ العصمة تصدّه عن ذلك، فهذا يوسف(عليه السلام)كان قادراً على ارتكاب الفاحشة إلاّ أنّ عصمته منعته من ذلك، وبهذا استحق المدح والثناء.

شبهتان واهيتان

إنّ السيد محمود الآلوسي مع أنّه من الشرفاء أخذ يناقش دلالة الآية على عصمة أصحاب الكساء بوجهين ضعيفين لايليقان بساحته:
الأوّل: أنّ الآية لا تدلّ على عصمتهم، بل لها دلالة على عدمها. إذ لا

صفحه 255
يقال في حقّ مَن هو طاهر: إنّي أُريد أن أُطهّرك، ضرورة امتناع تحصيل الحاصل، غاية ما في الباب أنّ كون هؤلاء الأشخاص(رضي الله تعالى عنهم) محفوظين من الرجس والذنوب بعد تعلّق الإرادة بإذهاب رجسهم، يثبت بالآية.1
يلاحظ عليه: أوّلا: أنّ النبي من أصحاب الكساء والداخل تحت قوله تعالى: (أَهْلَ الْبَيْتِ)فلازم ما ذكره من التفسير: أنّ النبي لم يكن متطهّراً من الرجس قبل هذه الآية وإنّما صار كذلك بعد نزولها، وهو خلاف ما اتّفق عليه المسلمون من عصمته بعد البعثة.
وثانياً: أنّ الإذهاب تارة يطلق ويراد به إذهاب الشيء بعد وجوده كما في قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ)2، وأُخرى يطلق ويراد حسم أسباب الرجس وإذهاب المقتضي، لا رفعه بعد وجوده. ونعْم ما ذكره الزمخشري حيث قال في تفسير الآية: إنّما يريد لئلاّ يقارف أهل بيت رسول الله المآثم وليتصونوا عنها بالتقوى.3
الثاني: لو تعلّقت إرادته التكوينية بعصمتهم، فيتحقّق عندها الفعل، فعندئذ فأي حاجة لدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّهم حيث روي أنّه قال: اللّهم إنّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، إذ عندئذ يكون

1. روح المعاني:19/18.
2. الأنفال:11.
3. تفسير الكشّاف:23/538.

صفحه 256
أشبه بحصول واجب الحصول.1
يلاحظ عليه: بأنّ دعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو للاستمرار، نظير قوله سبحانه:(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)2، فإنّ معناه طلب استمرار الهداية من الله سبحانه، وهكذا دعاء النبي طلب استمرار الطهارة لأهل بيته في المستقبل أيضاً، إذ من المحتمل أن تتعلّق إرادته سبحانه بفترة خاصّة دون عامّة الفترات، فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)طلب من الله شمولها لعامّة الفترات.
يقول العلاّمة الطباطبائي في تفسير قوله سبحانه:(وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)3، إنّ تلك القوة القدسية التي استعصم بها يوسف(عليه السلام)كانت كأمر تدريجي يفيض عليه آناً بعد آن من جانب الله سبحانه وليست بالأمر الدفعي المفروغ عنه، وإلاّ لانقطعت الحاجة إليه تعالى، ولذا عبّر عنه بقوله: (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي)، و لم يقل: «ولم تصرف عني».4
وحصيلة الكلام: أنّ الممكن في وجوده وبقائه قائم بالله سبحانه، فهو في حدوثه رهن العلّة، وهكذا في بقائه، لأنّه في حدّ الذات لايملك شيئاً، ولذلك يصبح في كل آن رهن الإفاضة من الله سبحانه إليه، وهذا هو المصحّح لدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لاستمرار تلك الإفاضة.
وأظن أنّ هذه الإشكالات كانت واضحة الجواب عند السيد

1. روح المعاني:19/10.
2. الفاتحة: 6.
3. يوسف:33.
4. الميزان فى تفسير القرآن:13/270.

صفحه 257
الآلوسي، ولكن رأيه المسبق في أئمة أهل البيت(عليهم السلام) هوالذي أوجد تلك الأفكار في ذهنه.

سؤال وإجابة

ربما يقال: إنّ الآية على فرض دلالتها على العصمة إنّما تدلّ على عصمتهم من العصيان، وأمّا عصمتهم من الخطأ فالآية غير ناظرة إليه.
والجواب: أنّ بعض المفسّرين عمّم الرجس على الفكر الخاطئ في ذهن الإنسان، وبذلك جعل الآية دالّة على العصمة في كلا الموقفين.1
ومع ذلك يمكن الإجابة بالقول بالملازمة بين العصمة من الذنوب والعصمة من الخطأ بالبيان التالي:
إنّ الهدف الأسمى من وصف أهل البيت(عليهم السلام) بالعصمة ليس إلاّ اتّخاذ الأُمّة لهم أُسوة على الصعيد الفردي والاجتماعي. ومعنى ذلك كونهم معصومين في جميع الجوانب، وإلاّ فلو كانوا يخطأون في بعض الأحيان لما صحّ جعلهم أُسوة على وجه الإطلاق.
وبعبارة أُخرى: إنّ أهل البيت(عليهم السلام) أُسوة قولا وفعلا، ومعنى ذلك كونهم مصيبين في مجالي القول والفعل.

الآية الثانية: آية طاعة أولي الأمر

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ

1. نقله الشوكاني في إرشاد الفحول:126.

صفحه 258
الآخِرِ ذلك خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلا).1
وجه الدلالة: أنّه سبحانه عطف أُولي الأمر على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأشرك بينهما وقال: أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، ومن المعلوم إنّ إطاعة الرسول غير مقيّدة بشيء، لأنّه معصوم لا يأمر إلاّ بالحق وما فيه رضا الله تعالى، فاقتضى أن يكون أُولو الأمر كذلك أيضاً فتجب إطاعتهم مطلقاً، ومن كان كذلك فهو معصوم قطعاً.
وإن شئت فصغه في قالب الكبرى والصغرى، وقل:
أُولو الأمر مَن وجبت إطاعتهم مطلقاً.
ومن وجبت إطاعتهم مطلقاً فهم معصومون.
ينتج: أُولو الأمر معصومون.
وهذا ممّا لا كلام فيه، وقد اعترف بما ذكرنا الفخر الرازي في تفسيره وقال: إنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ أن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطإ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطاء لكونه خطاءً منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في

1. النساء:59.

صفحه 259
هذه الآية لابد وأن يكون معصوماً.1
ثم إنّ بعض المفسّرين حمل «أُولي الأمر» على الأُمراء والسلاطين، ومن المعلوم أنّ أُولئك غير معصومين، بل أكثرهم من الفسقة والفجرة الذين يتلاعبون بحقوق الشعوب ويهدرون حرياتها وكراماتها. وبعضهم فسّره بالعلماء من أهل الحلّ والعقد، وهذا أيضاً كالتفسير السابق إذ ليس هؤلاء بمعصومين قطعاً.
وأمّا تفسيرهم بالخلفاء الراشدين فغير تامّ جدّاً; لأنّه يستلزم اختصاص الآية بفترة خاصّة لا تتجاوز الثلاثين سنة، كما أنّ أحداً لم يقل بعصمة الخلفاء الثلاثة.
فعلى المفسّر المحقّق أن يتحرّى المراد ب (أُولي الأمر) فلامعنى لأن يأمر الله سبحانه بإطاعة أُولي الأمر ثمّ لا يعرّفهم.
والذي يجب أن يقال: إنّهم عبارة عن الخلفاء الاثني عشر الذين عرّفهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بتعابير مختلفة.
أخرج مسلم في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لايزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش».2
إنّ أحاديث الأئمة(أو الخلفاء) الاثني عشر قد رواها الفريقان، وهي مروية في صحيحي البخاري ومسلم3 بطرق وصور مختلفة، كلّها تحكي

1. تفسير الرازي:10/144.
2. صحيح مسلم:6/3، ط دارالفكر بيروت; ولاحظ: سنن أبي داود:2/309.
3. لاحظ: صحيح البخاري:8/127، طبعة دار الفكر، 1401هـ ; صحيح مسلم:6/3ـ4، باب الناس تبع لقريش.

صفحه 260
عن أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر عن اثني عشر خليفة من بعده، بهم أُنيط عزّ الإسلام وقوامه. وبما أنّ البحث لا يتسع لنقل هذه الروايات، نحيل القارئ إلى كتاب «واحة اليقين»1 الذي أُودعت فيه جملة من تلك الروايات.
وقد مرّ أن تفسير أُولي الأمر بالخلفاء الراشدين يستلزم اختصاص الآية بفترة معينة ولكن تفسيره بالأئمة الاثني عشر يلازم استمرار وجود أُولي الأمر، فإنّ الإمام الثاني عشر (أعني: المهدي ابن الحسن المنتظر(عليه السلام)) هو حيّ يرزق، وسيظهره الله تعالى في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلا، كما ورد في المصادر الحديثية للفريقين.
1. روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جوراً».2
2. أخرج أبو داود عن عبدالله بن مسعود، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».3
3. أخرج أبو داود عن أُمّ سلمة (رضي الله عنها) قالت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة».4
4. أخرج الترمذي عن ابن مسعود: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يلي

1. لاحظ: واحة اليقين لحيدر البغدادي الطحّان:485ـ 488 و 499ـ 500.
2. مسند أحمد:1/99، 3/17 و 70.
3. جامع الأُصول:11/48 برقم 7810.
4. المصدر نفسه برقم 7812.

صفحه 261
رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».1
5. روى عبد الله بن جعفر الحميري عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام):«...وإنّ الدنيا لا تذهب حتى يبعث الله منّا، أهل البيت، رجلاً يعمل بكتاب الله جلّ وعزّ، لا يرى منكراً إلاّ أنكره».2
إلى هنا تمّ الكلام في الدليل القرآني على عصمة أهل البيت(عليهم السلام) بقي الكلام فيما ورد في السنّة الشريفة من دلائل عصمتهم.

المقام الثاني: عصمة أهل البيت: على لسان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)

قد ورد التعريف بأهل البيت تارةً، والعترة ثانياً على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعبارات تدلّ على أنّهم لايفارقون الحق ولايميلون إلى الباطل، وذلك في روايات متعدّدة، نذكر منها اثنتين، هما:

1. حديث الثقلين

إنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قرن عترته بالكتاب الكريم وجعل التمسّك بهما سبباً لعدم ضلال الأُمّة، ومن المعلوم أنّ القرآن لايأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، فما فيه عين الحقّ وحقّ اليقين، فإذن يكون قرينُه الذي لا يفترق عنه، مثله، وهذا ما يعبّر عنه بحديث الثقلين لوروده في بعض المتون. وها نحن نذكر الصور المختلفة المتنوّعة من هذا الحديث الذي نادى به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مواضع مختلفة، ولعلّ الاختلاف في بعض الألفاظ

1. المصدر نفسه برقم 7810.
2. قرب الإسناد:350 برقم 1260.

صفحه 262
نابع من إيراده في ظروف متعدّدة، وإليك صور الحديث:
أ. لمّا رجع من حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقُممن له فقال:
1. «كأنّي دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».1
2. «ياأيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي».2
3. «إنّي تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي; ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».3
4. «إنّي تارك فيكم الخليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».4
وقد اقتصرنا في نقل المصادر على الأقل القليل، وإلاّ فمصادر الحديث كثيرة تناهز العشرات وهو من الأحاديث الثابتة المشهورة القطعية

1. المستدرك على الصحيحين:3/109، أخرجه الحاكم عن زيد بن أرقم.
2. أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر، ونقله عنهما في كنز العمّال:1/172ـ173.
3. أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم، ونقله في كنز العمّال:1/44، برقم 874.
4. أخرجه أحمد في مسنده:5/182، 189. ولاحظ: مسند أحمد:3/14 و 17 و 26، طبعة دار صادر، بيروت; سنن الترمذي:5/328، فضائل الصحابة للنسائي:15; مجمع الزوائد:1/88.

صفحه 263
السند، وقد صحّحه جملة من حفّاظ ومحدّثي ونقّاد السنّة، منهم: ابن خزيمة، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي، الذي قال:«ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابياً، لا حاجة لنا ببسطها».1
هذا وقد ألّف غير واحد من أصحابنا كتباً في أسانيد الحديث وتضافره بل تواتره.
ولكن يجب علينا أن نركّز على ما رامه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) من الوصاية بهما، فنقول:
إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد حكى في حديث الثقلين عن وجود التلازم بين عترته أهل بيته وبين الكتاب العزيز وأوصى المسلمين بالتمسّك بهما معاً مصطحبين، ليتجنّبوا الوقوع في الضلالة، وأشار(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» إلى أنّهما بمنزلة التوأمين الخليفتين عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا يقتضي أن يكون أهل البيت(عليهم السلام) مقارنين للكتاب في الوجود والحجّة.
وبعبارة أُخرى: إنّ ذلك يدلّ على أنّه لابدّ في كلّ عصر، في جملة أهل البيت، من حجّة معصوم مأمون يُقطع بصحّة قوله.
وممّا يؤيد ما ذكرنا أنّه ورد في ذيل بعض الصور أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما ذكر أنّه مخلّف كتاب ربه وعترته أهل بيته، قد أخذ بيد عليّ(عليه السلام) ورفعها

1. الصواعق المحرقة:228. وللاطّلاع على القائلين بصحّة الحديث، راجع كتاب واحة اليقين: 451ـ 458.

صفحه 264
وقال: «هذا عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض»1، أفيشك في عصمة القرآن مسلمٌ؟! فلابدّ أن لا يشكّ في عصمة مَن لا يفارقه.

2. حديث السفينة

تضافرت الروايات عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه شبّه أهل بيته بسفينة نوح، وقال:«ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق».2
وفي لفظ آخر: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق، وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غُفر له».3
يقول السيد شرف الدين العاملي: وأنت تعلم أنّ المراد بتشبيههم(عليهم السلام)بسفينة نوح، أنّ مَن لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمتهم الميامين، نجا من عذاب النار، ومَن تخلّف عنهم كان كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أنّ ذاك غرق في الماء وهذا في الحميم والعياذ بالله. والوجه في تشبيههم(عليهم السلام) بباب حطّة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والخضوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة. وقد جعل انقياد هذه الأُمّة لأهل بيت نبيّها والاتّباع

1. الصواعق المحرقة:124، المطبعة المحمدية بمصر.
2. المستدرك على الصحيحين للحاكم:2/343، و 3/151.
3. مجمع الزوائد للهيثمي:9/168. ولاحظ: المعجم الكبير للطبراني:3/46; كنز العمّال:2/435 و ج12/98.

صفحه 265
لأئمتهم مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة. هذا وجه الشبه، وقد حاوله ابن حجر1 في كلامه ـ بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها من أمثالها ـ : ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ مَن أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومَن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان... إلى أن قال: وباب حطّة ـ يعني: ووجه تشبيههم بباب حطّة ـ أنّ الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها.2

1. الصواعق المحرقة:151، المطبعة المحمدية بمصر.
2 . المراجعات:77ـ 78، المراجعة 8.

صفحه 266

صفحه 267

سورة سبأ

(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ * وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد * أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْا

صفحه 268
 
إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْد مُنِيب * وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَات وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيَْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَان كَالْجَوَابِ وَقُدُور رَاسِيَات اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ * لَقَدْ كَانَ لِسَبَأ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِين وَشِمَال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُل خَمْط وَأَثْل وَشَيْء مِنْ سِدْر قَلِيل * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرى الَّتي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا

صفحه 269
 
بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور * وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَان إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء حَفِيظٌ * قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْك وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير * وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين * قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَرُونيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْم لاَ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى

صفحه 270
 
بَعْض الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ * وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْض نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا وَنَقُولُ

صفحه 271
 
لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُب يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِير * وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد * قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ * قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ * وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَان قَرِيب * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَان بَعِيد * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مَنِ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَان بَعِيد * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكّ مُرِيب).

صفحه 272
سورة سبأ: الآيتان 1 و 2    
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة (سبأ)، وذلك لورود قصة أهل سبأ فيها.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها خمس وخمسون في عدّ الشامي، وأربع وخمسون في عدّ الجمهور. والسورة مكيّة بشهادة مضامينها. كما أنّها إحدى السور الخمس الّتي افتتحت بالحمد لله، وأمّا بقية السور فهي: الفاتحة، الأنعام، الكهف، فاطر.

أغراض السورة

تركّز السورة على التوحيد وإبطال الشرك ثم التأكيد على الساعة، إلى أن ينتهي الكلام إلى التعرّف على نِعَم الله سبحانه ومصير الشاكرين ومصير الكافرين لنِعم الله سبحانه.

الآيتان: الأُولى والثانية

(الْحَمْدُ للهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي

صفحه 273
الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ).

المفردات

الحمد: هو الثناء على الجميل الاختياري.
الخبير: هو الذي يعلم بواطن الأُمور وظواهرها.
يلج: يدخل.
يعرج: يصعد .

التفسير

1. (الْحَمْدُ للهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ):
قوله تعالى: (الْحَمْدُ للهِ)ظاهر في حصر الحمد في الله سبحانه وأنّه لا يُحمد غيره.
فإن قلت: إذا كان الحمد على الفعل الجميل الاختياري، فلماذا يكون الحمد محصوراً في الله سبحانه مع أنّ الإنسان ربّما يكون مظهراً ومصدراً لفعل جميل صادر عنه بالاختيار كإغاثة المضطرين، وكلّ فعل جميل يصدر عنه وينتفع به الآخرون، ينبغي أن يحمد عليه.
قلت: بما أنّ الإنسان وفعله قائم بالله، فوجوده وفعله الجميل من شعاع وجوده سبحانه، إذ هو الّذي مكّنه من إيجاد الفعل المستحقّ للحمد.

صفحه 274
وعلى هذا فحقيقة الحمد ترجع إلى المسبِّب وهو الله سبحانه، ولذلك يرجع حمد المخلوق إلى الله سبحانه. وعلى هذا الأساس يكون الحمد محصوراً فيه.
قوله تعالى: (الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)هذه الفقرة تعليل لحصر الثناء فيه سبحانه، لأنّه مالك ما في السماوات وما في الأرض ملكية تكوينية قائمة بالإيجاد والإنشاء، فصار ذلك سبباً لحصر الثناء فيه، لأنّ الفعل الجميل لا يخرج عن كونه إمّا في السماء أو في الأرض أو بينهما.
قوله تعالى: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ)أي أنّ الله سبحانه كما أنّه مالك الكون في الدنيا، فهكذا مالك الكون في الآخرة، فكلّ فعل جميل في الآخرة أيضاً ينتهي إليه سبحانه، فيكون الحمد أيضاً منحصراً فيه .
نعم إنّ الله سبحانه مالك الكون في الدنيا والآخرة وهو المتصرِّف فيه، ولكن تصرّفه في الدارين تصرّف مقرون بالحكمة والعلم، ولذلك ختم الآية بقوله: (الْحَكِيمُ)المقرون بالإتقان والمنزّه فعله عن العبث (الْخَبِيرُ) العارف بظواهر الأشياء وبواطنها.
2. (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ):
تشير الآية إلى سعة علمه سبحانه فهو (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ): أي ما يدخل فيها من مخلوقاته.. من بذور تُغرس أو تختبئ في أرجائها الواسعة، ومن قطرات ماء تنفذ إلى أعماقها ثم تجتمع مكوّنة المياه الجوفية

صفحه 275
والينابيع، ومن ديدان وزواحف وقوارض وأرانب تدخل حُفَرها وجحورها وأنفاقها(وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا)من زرع ونبات ومعادن وماء يتدفق، وحشرات وديدان وغيرها ممّا يعلمه الإنسان وممّا لا يعلمه (وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ)من مطر وثلج وشهب تدخل في طبقات الجو (وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا)من ملائكة وأعمال للعباد وأرواح تصعد إلى بارئها، كلّ ذلك على تقدير تقتضيه الحكمة، وتدبير توجبه المصلحة.
وحاصل الكلام: أنّه سبحانه يحيط علماً بجميع ما خلق في هذا الكون نازلاً وصاعداً، خارجاً من الأرض أو نافذاً فيها (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين)1.
ولمّا كان ما في الأرض مشتملاً على أحوال الإنسان من عقيدة وعمل وربّما يكون على خلاف الواقع وغير المرضيّ لدى البارئ، فالله سبحانه وصف نفسه بالرحيم والغفور وقال: (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) حتّى يورث رجاءً في الإنسان في تحصيل رحمة الله وغفرانه بالرجوع عن الشرك إلى التوحيد وعن الكفر إلى الإيمان وعن الفسق إلى الطاعة.
ثم إنّه قد يتوهّم التكرار في الآية حيث جمع سبحانه بين:
(يَلِجُ) و (يَخْرُجُ)و (يَنْزِلُ)و (يَعْرُجُ)، وأنّ إحدى الجملتين تغني عن الأُخرى.
ولكن هذا التوهّم باطل، لأنّ الأُولى ناظرة إلى الموجودات الأرضية

1 . يونس: 61 .

صفحه 276
حيث تلج في الأرض أو تخرج منها من دون أن ترتفع في السماء، بخلاف الجملة الثانية، فإنّها ناظرة إلى الموجودات السماوية بنزولها وعروجها إلى السماء.
وبتعبير آخر: الموضوع في الجملة الأُولى الأرض وما فيها، والموضوع في الثانية هو السماء من حيث النزول والصعود.
ثم إنّ سعة علمه سبحانه أُشير إليها في موارد كثيرة من القرآن الكريم، وبصور مختلفة، منها (155) مورداً وُصف فيها سبحانه بـ(العليم)، و (10) موارد وُصف فيها سبحانه بـ(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).1
قال الإمام علي (عليه السلام)في سعة علم الله سبحانه: «يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ، وَمَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ، وَاخْتِلاَفَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ، وَتَلاَطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ».2
ونظير الآية قوله سبحانه: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا )3.
سورة سبأ: الآيات 3 ـ 6   
ولعلّ هذه الآية تمهّد للردّ على المشركين الذين ينكرون المعاد لاستبعادهم عودة الحياة إلى الأجساد بعد أن تُبلى وتصير تراباً تذروه العواصف، فصار ذكر علمه الوسيع مقدّمة لنقض إنكار المعاد كما في الآية التالية.

1 . راجع الجزء السادس من موسوعتنا «مفاهيم القرآن»: ص 295ـ 352، تجد فيه بحثاً مفصّلاً حول علمه سبحانه ومراتبه وشموله للجزئيات.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 198 .
3 . الحديد: 4.

صفحه 277

الآيات: الثالثة إلى السادسة

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ * وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ):

المفردات

الساعة: الزمن القصير، والمراد بها هنا يوم القيامة.
لا يعزب عنه: أي لا يفوته علمُه.
مثقال: يطلق ويراد به ما يوزن به من الأشياء، وربّما يطلق ويراد به ثقل الشيء، وهذا هو المراد في المقام.
ذرّة: الذرّ: النمل الأحمر الصغير، واحدتها ذرّة.1
كتاب مبين: المراد به اللوح المحفوظ.
رزق كريم: رزق حسن لا نصَب فيه ولا منّ عليه.

1 . لاحظ : النهاية لابن الأثير: مادة «ذر».

صفحه 278
سعوا: من السعي الجدّ في المشي.
معاجزين: من عاجزَه، أي سابقَه ليظهر عجزه.
رجز: عذاب شديد.

التفسير

3. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين):
كان المشركون يشمئزّون من سماع كلمة الساعة الّتي تشير إلى وجود حياة بعد الدنيا وفيها محاسبة للأعمال ومجازاة لما اكتسبه الإنسان من خير وشرّ، ولمّا كانت حياتهم مشحونة بالفساد، حافلة بالشرّ، فهم يبغضون كلمة الساعة وينكرونها أشدّ الإنكار، كما قال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ)يقولون ذلك ليريحوا أنفسهم ممّا يخبر به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من العذاب الأليم للمشركين والكافرين فيها، فأُجيبوا بقول واضح وحاسم لا يعتريه شكٌّ ولا تردّد: (بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ)والواو في (وَرَبِّي)للقسم، وقد حلف هنا بالربّ من بين سائر الأسماء ; لأنّ الربّ هو المسؤول عن مربوبه، في إيصاله إلى أسمى المقامات والكمالات، والمعاد آية الكمال.
ولمّا كانت حجّتهم في إنكار المعاد هي استبعاد إعادة الخلق من

صفحه 279
جديد، بسبب اختلاط الأشياء بأبدان الأموات بعضها ببعض حيث تتحوّل أجساد الموتى إلى عظام بالية ثم إلى أتربة مبعثرة في الأرض والجوّ، أُجيبوا بأنّ الشبهة نابعة من جهلهم بعلمه الواسع وقدرته النافذة فالله سبحانه (عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ): أي لا يفوت (عَنْهُ): أي عن علمه (مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ).
ثم يضيف: إنّ للأشياء صغيرة كانت أو كبيرة ثبوتاً في الكتاب المحفوظ حيث قال: (وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين)، وهذا الكتاب لا يتغيّر ولا يتبدّل .
ومبدأ إنكارهم المعاد هو أنّ الإنسان إذا مات يتبدّل إلى أجزاء صغيرة متفرّقة في العالم فكيف يمكن جمع هذه الأجزاء المتفرّقة التي اختلطت مع أجزاء بأبدان كثيرة؟ فهل يمكن جمع أجزاء بدن واحد من الشرق والغرب حتّى تشكِّل بدناً واحداً؟ فكيف بأبدان الملايين من المكلَّفين الذين تبدّلت أجزاء أبدانهم إلى عناصر مختلفة ومبعثرة؟
إنّ هؤلاء ما قدروا الله حقّ قدره وما عرفوه، فقاسوا قدرته سبحانه بقدرة أنفسهم فأنكروا الحياة الأُخروية والنشأة الثانية.
ثم إنّ الحكيم المدرس علي الزنوزي أثبت بالبرهان أنّ في كلّ بدن بعد مفارقة النفس عنه، ودائع من آثار النفس حسب ذاتها وملكاتها الأصلية والمكتسبة الحاصلة من أعمالها وأفعالها يخالف سائر الأبدان، ويتميّز ترابه عن سائر الأتربة ـ إلى أن قال ـ : فالبدن الخاصّ المتخصّص بودائع وآثار من نفس مخصوصة، لا يمكن أن يكون مادّة متحرّكة إلى نفس أُخرى، كما أنّ النفس الجزئية المفارقة عن بدنها لا تتعلّق ببدن جزئي آخر، فتراب بدن

صفحه 280
زيد لكونه متصوّر بصور ودائع نفسه لا يمكن أن يكون نطفة متحركة
إلى نفس عمر، بل يكون محفوظاً عند من لا يعزب عن علمه مثقال
ذرة.1
قد يعيننا في فهم عبارة هذا الحكيم هو ما شاع في السنوات الأخيرة في المختبرات العلمية من أُسلوب جديد في تشخيص هوية إنسان ما، بواسطة تحديد «الشفرة الوراثية» الخاصّة به، والّتي أصبحت تحلّ محلّ (بصمة الإبهام) وبهذا الأُسلوب أصبح من السهل تشخيص هوية الإنسان وتحديد علاقته بأحد أبويه أو كليهما، وهذا ما تعتمد عليه المحاكم في تحديد هوية الميّت وذلك بأخذ (عيّنة)2 من بدنه وتحليلها، ودراسة حمض (DNA) الذي يدخل في تكوين الجينات العالقة على كروموسومات خلايا كلّ الكائنات الحيّة، والله العالم.
ومن المستحسن أن نورد هنا ـ في ختام تفسيرنا لقوله سبحانه:(لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ...) ـ كلاماً لأمير المؤمنين (عليه السلام)، يتحدّث فيه عن إحاطة علمه عزّ وجلّ بكلّيّات الأُمور وجزئياتها، يقول (عليه السلام):«وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلاَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلاَ سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ دَبِيبُ الَّنمْلِ عَلَى الصَّفَا، وَلاَ مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الاَْوْرَاقِ، وَخَفِيَّ طَرْفِ الاَْحْدَاقِ».3

1 . سبيل الرشاد في إثبات المعاد، المطبوع ضمن مجموعة مصنّفات المؤلّف: 98 .
2 . جزء من المادة يؤخذ منها نموذجاً لسائرها. المعجم الوسيط:2/641.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 178(السَّوافي: التي تسفي التراب أي تَذْروه. والذَّرّ: صغار النمل. ومَقيلها: محلّ استراحتها ومبيتها).

صفحه 281
4. (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ):
قوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ)تعليل لقيام الساعة الوارد في الآية المتقدّمة: (لَتَأْتِيَنَّكُمْ)أي: لتأتينّكم، لماذا؟ لأجل جزاء الصالحين على صلاح اعتقادهم وأفعالهم وجزاء المفسدين لفساد عقيدتهم وأعمالهم. وقد أُشير إلى الأوّل بقوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا)وأُشير إلى الطائفة الأُخرى بالآية التالية، أعني قوله: (وَالَّذِينَ سَعَوْا...).
وحاصل الكلام: إنّ الناس بين صالح وطالح، وإنّ بين كلّ من الصلاح والطلاح مراتب ودرجات، فالحكمة الإلهية تقتضي عدم تركهم سدى، بل يُجزى كلٌّ حسب عمله، وعلى هذا يكرم سبحانه عباده (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)بالعفو عن سيئاتهم وبالعيش الهنيء في الجنّة، كما قال: (أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ)لذنوبهم (وَ)لهم مع ذلك (رِزْقٌ كَرِيمٌ): أي بلا نقص ولا منّة.
وقدّم سبحانه المغفرة على الرزق الكريم لأجل تقدّم التخلية على التحلية.
5. (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ) :
قوله: (وَالَّذِينَ سَعَوْا)عطف على قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا) فصارت المقابلة موضوعاً ومحمولاً بالنحو التالي:

صفحه 282
الموضوع    المحمول
(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )   (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)
(الَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ )   (لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ)
إذا كان السعي هو الجدّ في المشي، والمعاجزة هي المسابقة أو المبالغة في الإعجاز، يكون المراد من (آيَاتِنَا)القرآن الكريم، فكأنّ الآيات القرآنية مسافة، والكفّار يسيرون فيها سيراً حثيثاً مستهدفين إظهار عجزها بما يثيرونه حولها من شبهات، كما يقول: (الَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ)، وجدّوا في إبطالها وصدّ الناس عن الإيمان بها (لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ)، فلو أُريد أن ذلك لهم في الدنيا فيكون المراد هو الاضطراب النفسي1، ولو أُريد به الآخرة فيراد به أسوأ أنواع العذاب.
6. (وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ):
قوله: (يَرى) فعل و (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)فاعله.
قوله: (الذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ)المفعول الأوّل لـ (يَرى) .
قوله: (هُوَ الْحَقَّ)المفعول الثاني.
سورة سبأ: الآيات 7 ـ 9   
فالله سبحانه ينقل فكرتين ورؤيتين مختلفتين حول الآيات:
الأُولى: رؤية الذين سعوا في آيات الله معاجزين.
الثانية: رؤية العلماء.

1 . المفردات للراغب: 188، مادة «سعى».

صفحه 283
فالطائفة الأُولى يسعون في إبطالها وصدّ الناس عنها، ولكن الطائفة الثانية يشهدون أنّها الحقّ كما قال: (وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)أُريد بهم العلماء في كلّ عصر وقرن، فهؤلاء يرون (الذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)القرآن (هُوَ الْحَقَّ)من الله (وَيَهْدِي)مَن ائتمّ به (أي بالّذي أُنزل) (إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
فيكون حاصل الآية: إنّ الذين أُوتوا العلم يرون القرآن الّذي أُنزل إليك من ربّك كتاباً هادياً مرشداً (إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) .
ولعلّ وصف الله سبحانه بالعزّة للدلالة على أنّه سبحانه عزيز يوصل المؤمنين إلى العزّة، وأنّه سبحانه مجمع الكمالات، ولذلك وصف بالحميد.

الآيات: السابعة إلى التاسعة

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد * أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْد مُنِيب).

صفحه 284

المفردات

مزِّقتم: تمزيق الشيء: جعله قطَعاً قطَعاً.
أفْترى: أصلها أإفترى فلمّا دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل أسقطتها، والافتراء: اختلاق الكذب.
جِنّة: الجنون وزوال العقل.
كِسَفاً: جمع كِسفة، وهي القطعة.
منيب: راجع إلى ربّه.

التفسير

عود على بدء

7 . (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد):
قد سبق أنّ الكافرين أنكروا الساعة وقالوا: (لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ)وأُجيبوا بما سمعت من قوله سبحانه: (بَلَى وَرَبِّي) ثم عاد البيان القرآني لبيان إنكارهم التفصيلي المقرون بالسخرية والتعجيب حيث كانوا يخافون من إقبال الواردين إلى مكّة على الإيمان بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ولذلك يواجهون هؤلاء بأُسلوب السخرية والتعجيب ويقولون: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل)دون أن يقولوا: محمّد، وهذا لأجل التحقير (يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ)وتقطّعت أوصالكم وتفرّقت أبدانكم وبَليتْ عظامكم (كُلَّ مُمَزَّق)تمزيقاً كاملاً (إِنَّكُمْ

صفحه 285
لَفِي خَلْق جَدِيد): أي في حياة أُخرى، يُثاب فيها المحسن ويعاقب المسيء؟
قلنا: إنّ هذا الكلام يصدر منهم لمن يرد مكّة ولا يعرف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وربّما سمع شيئاً من الدعوة، فلأجل صدّ الناس عن استماع كلامه كانوا يشوّهون سمعته بما يطابق فكرتهم وهو أنّ الحياة الأُخروية بعد التمزيق الكامل، أمر محال.
8 . (أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ):
ثم إنّ هؤلاء يضيفون كلاماً آخر ويقولون (أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا): أي هل تعمّد الكذب على الله بادّعاء الوحي لتحقيق أغراضه الشخصية (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ): أي لُبِّس عليه كما يُلبَّس على المعتوه والمجنون، وكأنّهم يقولون: لا نعلم، وعلى كلّ تقدير فادعاؤه باطل، لأنّ الأمر ـ كما يزعمون ـ دائر بين كونه مفترياً أو مجنوناً لا يُعبأ بقوله.
ولمّا كان كلام هؤلاء الكفّار يتضمّن اتّهامين للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهما: (الكذب عن عمد، والجنون)، ردّ سبحانه بوجهين، كما يلي:
الاتّهام الأوّل: (أَفْتَرى عَلَى اللهِ)قوبل بقوله: (الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ).
الاتّهام الثاني:(أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)قوبل بقوله: (وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ).
ووجه المقابلة واضح، فبما أنّ المفتري يؤخذ فيعذّب، قال سبحانه: ليس النبيّ هو المفتري بل أنتم المفترون ولذلك أنتم في العذاب.

صفحه 286
وبما أنّ المجنون(على ما وصفوا به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)) يكون ضالاً، قوبل بقوله أنتم في : (الضَّلاَلِ الْبَعِيدِ) .
وحاصل الكلام: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ليس مفترياً ولا مجنوناً فهو الصادق في قوله المبلّغ عن الله مع العقل والشعور، وأنتم أَولى بهذه المعادلة .

كلام في ملاك الصدق والكذب

ذهب المشهور إلى أنّ ملاك صدق الخبر مطابقته للواقع، وكذبه عدمها، من غير فرق بين كونه مطابقاً لعقيدة المخبر أو مخالفاً لها، بل الخبر يلاحظ مجرّداً عن هذا الأمر، وبما هو مطابق للواقع، وهنا قولان شاذّان :
1. ما ذهب إليه إبراهيم النظّام1 ومَن تابعه من أنّ صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ، وكذب الخبر عدم مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان صادقاً في الواقع.
وضعفه ظاهر، لأنّ الصدق والكذب يعادلان الحقّ والباطل، والمعيار في الجميع هو الواقع، لا اعتقاد المخبر.
2. ما ذهب إليه الجاحظ2 حيث قال: صدق الخبر مطابقته للواقع مع الاعتقاد بأنّه مطابق، وكذب الخبر عدم مطابقته للواقع مع اعتقاد أنّه غير مطابق، فيلزم في الصدق مطابقة الخبر للاعتقاد وفي الثاني عدمها. وأمّا الصور الأُخرى فهي واسطة بين الصدق والكذب وهي عبارة عن الأُمور الأربعة:

1 . من متكلّمي المعتزلة، توفّي سنة (231هـ).
2 . عمرو بن بحر، أبو عثمان (163ـ 255هـ): أديب كبير، من متكلّمي المعتزلة.

صفحه 287
1. المطابقة مع اعتقاد اللامطابقة.
2. المطابقة بدون اعتقاد اللامطابقة، كقول المجنون: العالم حادث .
3. عدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة.
4. عدم المطابقة بدون الاعتقاد.
فهذه الأُمور الأربعة عند الجاحظ لاصادقة ولا كاذبة.
واستدلّ بقوله تعالى: (أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)فإنّ المراد بالثاني أي الإخبار حال الجِنّة غير الكذب لأنّه قسيمه في الآية، وغير الصدق لأنّهم بصدد تكذيبه لا يريدون بكلامه الصدق الّذي هو بمراحل عن اعتقادهم.1
يلاحظ عليه: أنّه زعم أنّ قوله: ( أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)قسيم للكذب ولكنه قسيم للافتراء، لأنّ الافتراء عبارة عن الكذب عن عمد، ولا عمد للمجنون، فتكون الآية بصدد حصر الخبر الكاذب في نوعيه: الكذب عن عمد (أَفْتَرى عَلَى اللهِ)والكذب لا عن عمد ( أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)فالمعنى قصد الافتراء أي الكذب عن عمد أم لم يقصد أي كذب بلا قصد.
9. (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْد مُنِيب):
الآية تتضمّن أمرين:

1 . المطوّل للتفتازاني: 34.

صفحه 288
الأوّل: الاستدلال على إمكان البعث وإحياء الإنسان وإنشائه نشأة ثانية .
الثاني: تهديدهم باحتمال نزول البلاء وإحاطته بهم، إمّا بالخسف أو إسقاط كِسَف من السماء عليهم.
أمّا الأوّل: فإليه يشير بقوله: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)حيث إن خلق السماء والأرض يدلّ على قدرة عظيمة هائلة لا يُدرَك كنهُها، فالقادر على إنشاء السماء والأرض قادر على إحياء ما أماته. ولقد أُشير إلى هذا البرهان في آيات عديدة، منها قوله سبحانه: (أَوَ لَيْسَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ)1، وقوله جلّ وعلا: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى).2
ثم إنّ المراد من قوله: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)هو مجموع العالم المحسوس فإنّ الإنسان إذا واجه المشرق يكون قسم من العالم أمامه والقسم الآخر (خَلْفَهُمْ)، كما إذا واجه المغرب يكون الأمر على العكس، وهكذا نقطتا الجنوب والشمال. وحاصل الكلام: إنّ العالم بأجمعه مظاهر قدرته، فمن تأمّل فيها يقف على أنّ إحياء الموتى أمر سهل.
ثم إنّ كثيراً من أسرار النظام أمر لم يكتشف بعد، والركب بعد سائر، وكلّ يوم يقف الإنسان في مختبراته ومراصده على سرّ جديد من أسرار

1 . يس: 81 .
2 . الأحقاف:33.

صفحه 289
العالم، وكلٌّ يدلّ على عظمة الخالق وقدرته وحكمته.
وهناك احتمال آخر، وهو أنّ الآية تقسّم السماء والأرض إلى قسمين: قسم منها يطلق عليه (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)الّذي للإنسان عليه سلطة ومعرفة واستكشاف، والقسم الآخر (خَلْفَهُمْ) ليس له عليه سلطة ولا استكشاف ولا معرفة .
ولكنّه ضعيف، لأنّه سبحانه يقول: (أَفَلَمْ يَرَوْا)والمراد بالرؤية إمّا الحسّية أو العلمية، وعلى كلا المعنيين يجب أن يكون للإنسان سلطة وإمكان معرفة.
أمّا الأمر الثاني: أعني تهديدهم بأنّ خالق السماوات والأرض قادر على محو وجودهم من الكون بأحد أمرين: إمّا (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ)كما فعل ذلك بقارون، قال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ)1.
وإمّا أن (نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ): أي قطعاً من السماء، فترميهم بقطع من نار وتحرقهم .
(إِنَّ فِي ذَلِكَ): أي في التأمُّل والنظر في خلق السماء والأرض (لآيَةً): أي دلالة (لِكُلِّ عَبْد)فطن(مُنِيب) راجع إلى ربّه، فإنّه يستدلّ بتلك القدرة الباهرة الظاهرة في خلق السماء والأرض على كمال قدرته على بعث الأجساد ووقوع المعاد، دون هؤلاء المكذّبين بآيات الله والمنكرين لقدرته.

1 . القصص: 81 .

صفحه 290
سورة سبأ: الآيتان 10 ـ 11   

الآيتان: العاشرة والحادية عشرة

(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَات وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

المفردات

فضلاً: أي نعمة وإحساناً.
أَوِّبي معه: التأويب: الترجيع بالتسبيح.
ألنّا: جعلنا الحديد في يده ليّناً كالشمع والعجين، يصنع به ما شاء من غير حاجة إلى نار ولا طَرْق.
سابغات: جمع سابغ، وهو اللباس التام، والمراد دروعاً كاملات.
قدِّر: اقتصد.
السَّرد: النَّسج.

التفسير

لمّا تقدّم قوله سبحانه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْد مُنِيب) رجع البيان القرآني إلى ذكر عبد منيب من عباد الله سبحانه قد أسبغ عليه تعالى فضلاً كبيراً. والآيتان تتضمّنان الأُمور التالية:
أ. أنّ الله أحسن إلى داود إحساناً كبيراً.

صفحه 291
ب. أنّ الجبال والطير يسبِّحْن مع تسبيح داود.
ج. أنّ الله سبحانه جعل الحديد في يديه ليِّناً، فيصنع منه كلّ ما يريد بلا حاجة إلى نار أو طرق.
ومع هذا الفضل الذي صارت إرادته(عليه السلام) في ظلّه حاكمة على قوانين الكون فإنّ الحديد لا يلان إلاّ بالنار والطرق، أمره سبحانه بأُمور ثلاثة:
1. صنع دروع كاملة لينتفع بها في الحرب.
2. أمره بالاقتصاد في نسج الدروع، وجعلها على قدر الحاجة.
3. أمره سبحانه بأن يعمل هو وآله صالحاً.
وما ذلك إلاّ لأنّ الله سبحانه بصير بأعمال عباده، وإليك تفسير الآيتين.
10. (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ):
قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً)نعمة وإحساناً وفضّلناه على غيره بما أُوتي من النبوّة والكتاب وفصل الخطاب والمعجزات، ومن هذه العطايا قوله: (يَا جِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ وَالطَّيْرَ): أي أمرنا الجبال والطير أن يسبِّحن معه، فقوله: (أَوِّبي) من التأويب، وإنّما سمّيت التوبة توبة لأنّ حقيقتها الرجوع إلى الله تعالى، والمراد ترجيع الصوت بالتسبيح بدليل قوله سبحانه في موضع آخر: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ)1.

1 . ص: 18 ـ 19 .

صفحه 292
وحاصل الكلام: إنّ العالم بعامّة ذراته يسبّح بحمده مطلقاً سواء سبّح داود أم لا، والّذي عُدّ فضلاً وميزة لداود أنّه كلّما رفع صوته الرخيم بالتسبيح يظهر ما كان خفيّاً وكامناً في الجبال والطيور، ويظهر بصورة نغمة ظاهرة منسجمة، كما هو الحال في تسبيح الحصاة في يد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
روى الصدوق بإسناده إلى هشام بن سالم عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)في حديث يذكر فيه قصة داود قال: «إنّه خرج يقرأ الزبور وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر إلاّ جاوبه»1.
ولا يُتوهَّم من ذلك أنّ مرافقة الجبال والطير داود في التسبيح لا يعدُّ كمالاً إلاّ إذا كان داود هو الّذي يبعث الجبال والطير على التسبيح، وذلك لأن الظاهر من قوله سبحانه: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ)2: أي الله هو الّذي جمع هذه الأشياء في التسبيح، لكن الفضيلة تكمن في أنّه كلّما أراد أن يقرأ الزبور رافقته إرادةُ الله سبحانه الحاكمة على السنن الكونية، فتنطلق معه الجبال والطير بالتسبيح.
وبكلام أوضح: إنّ النبيّ داود(عليه السلام) قد بلغ بجهاده المتواصل في سبيل الله وطاعته وعبادته إلى حدٍّ صارت إرادته مظهراً لإرادة الله سبحانه إن دعاه أجابه وإن سأله أعطاه، وربّما يُعطى قبل السؤال كما في المقام (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)فيصير في يديه كالشمع يعمل به ما يشاء من غير أن يدخله النار أو يضربه بالمطرقة.

1 . كمال الدين وإتمام النعمة: 524، برقم 6، الباب 46.
2 . الأنبياء: 79.

صفحه 293
11. (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَات وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ):
وبما أن كلّ فضل ونعمة من الله سبحانه يستتبع تكليفاً ومسؤولية، فقد أمر سبحانه داود بالتكاليف التالية:
1. (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَات): أي دروعاً كاملة حتّى ينتفع بها المجاهدون في ساحات الوغى; وقد روى الكليني عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «إنّ الله أوحى إلى داود (عليه السلام): نعمَ العبد أنت إلاّ أنّك تأكل من بيت المال، فبكى داود أربعين صباحاً، فألان الله له الحديد، وكان يعمل كلّ يوم درعاً فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة وستين درعاً فباعها بثلاثمائة وستين ألفاً، فاستغنى عن بيت المال»1.
2. (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ)السرد هو النسج، والمراد نسج الدروع، ولذلك يقال لصانعها السّرّاد وأُخرى الزرّاد، والمراد الاقتصاد فيها، والمعنى: لا تجعل المسامير رقاقاً فتفلق، ولا غلاظاً فتكسر الحلق.
3. (وَاعْمَلُوا صَالِحًا): أي أعمل أنت وأهلك الصالحات شكراً لله.
ثم قال تعالى على وجه التعليل: (إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): أي نعلم واقع الأعمال وحقيقتها ونيّاتكم.
ولما كان فضله سبحانه على داود عظيماً حتّى أنّه شمل ولده سليمان، ذكر سبحانه ما لولده من الفضل والكرامة، وهو ما سيأتي في الآيات التالية:

1 . الكافي: 5 / 74 ; تفسير نور الثقلين: 4 / 318 .

صفحه 294
سورة سبأ: الآيات 12 ـ 14   

الآيات: الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة

(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَان كَالْجَوَابِ وَقُدُور رَاسِيَات اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).

المفردات

غدوّها: أي جريانها بالغداة.
رواحها: أي جريانها بالعشيّ.
أسلْنا: أذبنا.
القِطر: النحاس المذاب.
يزغ: يخالف ولا يطيع.
عذاب السعير: العذاب الشديد.
مَحاريب: واحدها محراب، وهو القصر الحصين، قال المبرّد: لا

صفحه 295
يسمّى محراباً إلاّ ما يُرتقى إليه بدرج.
نعم يطلق المحراب على موضع خاص من المسجد في حائط القبلة يقف الإمام تحته، ولكن المراد في الآية هو الأوّل.
تماثيل: صُوَر الأشياء، واحدها تِمثال.
جفان: جمع جَفنة، وهي القَصعة العظيمة .
الجواب: جمع جابية، وهي الحوض الكبير يُجبى فيه الماء، أي يُجمَع.
راسيات: ثابتات في الأرض، جمع راسية.
مِنْسَأته: المِنْسأة: العصا الكبيرة الّتي يعتمد عليها الإنسان .

التفسير

لمّا ختم سبحانه الآية التاسعة بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْد مُنِيب)أشار إلى نبيّين هما من أوضح مصاديق (العبد المنيب)، فأتمّ كلامه في داود وبدأ بالآخر، وقال:
12. (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ):
والآية تتضمّن الإشارة إلى أُمور أربعة:

صفحه 296
1. تسخير الريح لسليمان غدوّاً ورواحاً.
2. إسالة عين القِطْر له.
3. تسخير طائفة الجنّ للعمل بين يديه.
4. مَن يعصي الله من هؤلاء الجنّ فيما أمره به، يُجزى بعذاب السعير.
وإليك شرح هذه الأُمور الأربعة.
الأوّل: قال سبحانه: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ)الواو عاطفة، و (الرِّيحَ)منصوب بفعل مقدّر أي: سخرنا لسليمان الريح، والمجموع معطوف على قوله: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ).
قوله: (غُدُوُّهَا): أي جَرْيها بالغداة مسيرة شهر كامل، والغداة: أوّل النهار أو ما بين الفجر وشروق الشمس، و (رَوَاحُهَا): أي وجَرْيها بالعشيّ كذلك، والعشيّ: آخر النهار بعد الزوال.
إنّما الكلام في ما هو المراد من هذه الفقرة؟ فربّما يقال: إنّ تسخيره الريح عبارة عن وجود ريح تلائم سير سُفُنه للغزو أو التجارة حيث جعل الله لمراسيه في شطوط فلسطين رياحاً موسمية تهبّ شهراً مشرِّقة لتذهب في ذلك الموسم سفنه، وتهبّ شهراً مغرِّبة لترجع سفنه إلى شواطئ فلسطين كما قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ التي بَارَكْنَا فِيهَا)1 .2
يلاحظ عليه: أنّ الآية بصدد بيان فضله الواسع الشامل لداود

1 . الأنبياء: 81 .
2 . التحرير والتنوير: 22 / 27 .

صفحه 297
وسليمان على نحو يُعدّ من كراماتهما، فقد ذكر سبحانه لداود كرامات ثلاث: تسخير الجبال، وتسخير الطير، وإلانة الحديد، فناسب أن تكون عطاياه لولده من تلك المقولة، ولذلك قال: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ)فتسخير الريح لسليمان من جنس تسخير الجبال والطير لداود، فلا يصح تفسيرها بالأُمور الطبيعية والقوانين المادّية، ولذلك ذهب مشهور المفسّرين إلى أنّ المراد هو أنّ الريح كانت تحمل سليمان بأمر الله إلى ما يشاء، وأنّها كانت تقطع بالغداة مسيرة شهر كامل على الجِمال أو الأقدام، وكذلك في المساء، ومعنى ذلك أنّها تسير في يوم مسيرة شهرين .
إنّ الريح تجري وفق مصلحة يدركها سليمان ويحقّقها بأمر الله، أمّا قصة بساط الريح الّذي روي أنّ سليمان كان يجلس عليه هو وحاشيته فيطير بهم إلى الشام في فترة وجيزة فلم يذكر القرآن شيئاً عنه، كما لم يرد ذكره في أي أثر صحيح، وعليه فالأسلم تفسير تسخير الريح بتوجيهها بأمر الله إلى الأرض المباركة في دورة تستغرق شهراً طرداً وعكساً.1
إنّ الإنسان العادي تمكّن في العصور الأخيرة من حمل آلاف المسافرين وأثقالهم من نقطة إلى أُخرى بعيدة، في مدة قليلة بفضل تطوّر العلم والصناعة.
وما ربما يقال من أنّه ما هي العوامل الّتي كانت تصون سليمان من السقوط بفعل جاذبية الأرض؟ مردود بأنّ القوانين الحاكمة على المعجزات والكرامات فوق ما يتصوّر الإنسان من القوانين الطبيعية.

1 . في ظلال القرآن: 17 / 47 و 22 / 68 .

صفحه 298
الثاني: قال سبحانه: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ)الإسالة بمعنى الإذابة، والقِطْر هو النحاس، وهو ينصهر(يذوب) عند درجة حرارة (4,1083ْم) وقد جعل الله سبحانه ذلك (الفلزّ) كينبوع الماء لسليمان.
ولا شكّ في أنّ سعي النبيّ سليمان (عليه السلام)لبناء صرح مملكة قوية مزدهرة وتطوير البلاد وإعمارها، كان يتطلب استخداماً واسع النطاق للنحاس المُذاب، وهذه الإذابة كانت بأمر إلهي خارق للعادة.
الثالث: قوله تعالى: (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ)يدلّ على استخدام الجنّ،وذلك لأنّ سليمان النبيّ (عليه السلام)كان بصدد تطوير مملكته وتعزيز قوتها وتيسير شؤون إدارتها وتنظيمها خدمة لأهدافه الإلهية، وسعياً وراء توفير العيش الكريم لأُمّته وبذل الإحسان للفقراء والمساكين، ومن هنا استخدم الجنّ لما كانوا يمتازون به من قوّة هائلة في الحركة والعمل، ومهارة عالية في أداء الأعمال وتذليل الصعاب، ومَن تمرّد منهم وعدل عن الطاعة تعرّض للعقاب، كما قال: (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا): أي أمر الله سبحانه الّذي يكون أمر سليمان مظهراً من مظاهره (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ): أي نذقه عذاباً كعذاب السعير، أي كعذاب جهنم، في هذه الدنيا; وقيل: هو عذاب النار في الآخرة.
13. (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَان كَالْجَوَابِ وَقُدُور رَاسِيَات اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ):
تذكر هذه الآية الأعمال التي كان يقوم بها الجنّ، وهي أربعة:

صفحه 299
1. المحاريب، كما يقول: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ)فربّما يفسّر المحراب بالذي يختلى فيه للعبادة، وهذا صحيح إذا كان بصورة المفرد كما يقول: (فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الِْمحْرَابِ )1 دون المقام حيث جاء هنا بصيغة الجمع، والظاهر أنّ المراد الأبنية الحصينة الفخمة، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من العمل رهن تذليل الصعاب وتحمّل الجهود وهما من خصائص الجنّ يوم ذاك.
2. التماثيل، كما يقول تعالى: (وَتَمَاثِيلَ)فهل المراد هي صور الأشياء أو المراد نحت المجسّمات؟ كلاهما محتمل. ولو أُريد بها المجسّمات فهل كانت لذوات الأرواح أو لغير ذوات الأرواح؟
ويؤيد الثاني، ما رواه الشيخ الكليني بإسناده عن أبي العباس الفضل بن عبد الملك البقباق، قال: قلت لأبي جعفر]الباقر[(عليه السلام): قوله عزّ وجلّ:(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَان كَالْجَوَابِ)، قال: «ما هي تماثيل الرجال والنساء، ولكنّها تماثيل الشجر وشبهه».2
وقال بعض المفسّرين: إنّ التماثيل لم تكن يومئذ محرّمة. ومهما يكن، فإنّها محرّمة في الشريعة الإسلاميّة، وذلك لإبعاد الناس عن الشرك، لأنّ أكثر الأصنام كانت مجسّمة، وأمّا تصوير صور الأشياء على الجدران والورق فجوازها وعدمه أو التفصيل بين الصورة التامّة أو الناقصة، فالبحث فيه موكول إلى الفقه. وليعلم أنّ ما ورد من الروايات حول التصوير والمصوّر فأُريد به التصوير المنقوش في القرطاس أو الجدار بالحبر شيئاً

1 . آل عمران: 39.
2 . الكافي:6/476، كتاب الزيّ والتجمّل، باب الفرش، برقم 3.

صفحه 300
فشيئاً، حتّى يتشبّه بالخالق، وهذا غير التصوير الضوئي (الفوتوغرافي) الذي تُلتقط فيه الصور بواسطة آلات التصوير المعروفة.
3. الجفان، كما يقول: (وَجِفَان كَالْجَوَابِ)قد عرفت أنّ الجفنة هي القَصعة العظيمة، وكانت عظيمة بحيث إنّها تشبه الجوابي، أعني: الأحواض الكبيرة.
ثم إنّ القاعدة هي كتابة الجوابي بالياء ولكن لمّا كان المكتوب في المصحف العثماني بلا ياء بعد الباء الموحّدة، كتب في المصاحف بلا ياء، وعلى كلّ تقدير كان الجنّ يصنعون القصاع الّتي تشبه الحياض في عِظمها واتّساعها ولذلك يقول: (وَجِفَان كَالْجَوَابِ).
4. (وَقُدُور رَاسِيَات): أي ثابتات في الأرض لضخامتها، بحيث لا تُنزل من فوق أثافيها،1 وهي مصنوعة لطبخ الغذاء صباحاً ومساءً لمن كان في خدمة سليمان.
ثم إنّ هذه النعم العظيمة التي أفاضها الله على داود وسليمان(عليهما السلام) لمّا كانت تقتضي الشكر، خاطب سبحانه آل داود بقوله: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا)والمراد بالشكر العملي هو صرف النِّعم في محالّها منضمّاً إلى طاعة الله سبحانه في أوامره ونواهيه، ولذلك قال: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا)ولم يقل «اشكروا» .
ثم عقّب عليه سبحانه بقوله: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ): أي أنّ الشاكرين لِنِعمي قليل، والأكثر غير شاكرين، لغفلتهم وغلبة الهوى على

1 . الأثافي: ما يوضع عليه القدر.

صفحه 301
عقولهم. قال أمير المؤمنين(عليه السلام):«أَقَلُّ مَا يَلْزَمُكُمْ للهِِ أَلاَّ تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ».1 ومن تمام شكر نعمة الجاه والمنصب أن يزداد صاحبها قرباً من الناس وحنوّاً عليهم، قال أمير المؤمنين(عليه السلام):«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِي أَلاَّ يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ، وَلاَ طَوْلٌ خُصَّ بِهِ، وَأَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ; وَعَطْفاً عَلَى إِخْوَانِهِ».2
14. (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ):
إنّ النبيّ سليمان (عليه السلام)أُوتي من القدرة والمُكنة حتّى سُخِّرت له الجنّ والإنس والطيور، وربّما يتوهّم الجاهل أنّه سيبقى مادام الدهر، غافلاً عن سنّة الله تعالى في عباده، حيث قال: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ)3 ولذلك نزل به الموت وهو في قصره متّكئاً على منسأته، ينظر إلى عماله، قال سبحانه: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ): أي عندما كتب على سليمان الموت وحان وقته، كان متّكئاً على عصاه، والجنّ دائبة في أعمالها الشاقّة، وفي هذه الحالة تسلّطت دابّة الأرض على عصاه فأكلتها إلى حدّ ضعفت عن حمله، فخرّ على الأرض كما يقول: (مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ)وأُريد بها الأرَضة (بفتحات ثلاث) وهي دويبة

1 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 330.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 50.
3 . الرحمن: 26 ـ 27 .

صفحه 302
تنخر الخشب، والأرض الّتي هي عبارة عن النخر فعلها فأُضيفت إليه، يقال: أَرِضت الخشبةُ أرضاً، إذا أكلتها الأرَضة. وعلى هذا فالمراد بالأرض ليس ما يتبادر في مقابل السماء، بل المراد (النخر) فيكون المعنى: دابة النخر، بإضافتها إلى المصدر الّذي هو فعلها، فهي (تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ): أي تأكل عصاه، وسمّيت العصا منسأة لأنّه يُنسأ بها أي يُطرد ويؤخّر (فَلَمَّا خَرَّ): أي سقط (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ): أي ظهر وعُلم لهم (أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)فهذه الفقرة بدل اشتمال لقوله: (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ) .
والمراد بتبيّن الجنّ هو علمهم بعدم الوقوف على الغيب، إذ لو كانوا عالمين بالغيب (مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ): أي في خدمة سليمان وممارسة الأعمال الشاقّة بظنّ أنّه حيّ.
وقد أسفر هذا الحادث عن أمرين:
الأوّل: أنّ سليمان (عليه السلام)صاحب الجاه العظيم أجاب دعوة ربّه ومات ، وأنّ البقاء لم يُكتب لأحد من الناس إلاّ لذاته سبحانه. وللإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كلام جميل في هذا الصدد يقول فيه: «فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلا، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُدَ (عليهما السلام)، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالاِْنْسِ، مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ. فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ. وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً!».1

1 . نهج البلاغة: الخطبة 182 .

صفحه 303
2. أنّ الجنّ الّذين كانوا يعملون له أعمالاً شاقّة، ما كانوا يعلمون الغيب، ولذا حسبوه حيّاً مراقباً لأعمالهم.
(فهؤلاء هم الجنّ الذين يعبدهم بعض الناس. هؤلاء هم سخرة لعبد من عباد الله. وهؤلاء هم محجوبون عن الغيب القريب، وبعض الناس يطلب عندهم أسرار الغيب البعيد!).1
وحاصل الكلام: إنّ سليمان كان متكئاً على عصاه حين فاجأه الموت، وقُبض روحه من بدنه، وبقي جثمان سليمان مدّة على حالته، حتّى أكلت الأرضة عصاه فاختلّ توازنه وهوى على الأرض فعُلم موته.
وهذا هو الظاهر من الآية، حيث إنّ المستفاد من قوله: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ)هو تقدّم موته على تسليط دابة الأرض على منسأته، غير أنّ هنا سؤالاً: هل يمكن أن يموت سليمان في محرابه ويبقى على تلك الحالة متكئاً على عصاه ثم يأتي دور الأرضة فتنخر منسأته حتّى يسقط؟ إذ ليس من الجائز أن يغفل خدم سليمان عن واجباته المعيشية من مأكل ومشرب وملبس ونحوه يوماً كاملاً دون أن يحادثوه في ذلك. وبذلك يعلم أنّ ما ورد في الروايات من قيامه متكئاً على عصاه سنة، أمر لا يُعتمد عليه، إذ كيف يمكن أن يغيب ملك عظيم كسليمان عن أُمّته هذه المدّة؟!2
والّذي يمكن أن يقال: إنّ المدّة كانت قليلة يوماً أو يومين وقد أمر

1 . في ظلال القرآن: 22 / 71 .
2 . لاحظ : تفسير نور الثقلين: 4 / 326; الدر المنثور: 6 / 684 .

صفحه 304
سليمان الخدم أن لا يدخلوا عليه في تلك المدّة لاعتكافه في محرابه، وبما أنّ محرابه كان من قوارير، كانت الجنّ مشاهدين لقيامه واتّكائه على منسأته فيعملون بظنّ أنّه حيّ فلمّا سقط، ظهر لهم أنّهم لا يعلمون الغيب، وإلاّ لم يلبثوا في العذاب المهين.
روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ سليمان بن داود أمر الجنّ فبنوا له بناءً من قوارير، قال: فبينما هو متّكئ على عصاه ينظر إلى الشياطين كيف يعملون وينظرون إليه.. الخ».1
ويؤيّد ذلك ما قاله الرازي في تفسيره: كان سليمان (عليه السلام)يقف في عبادة الله ليلة كاملة ويوماً تامّاً وفي بعض الأوقات يزيد عليه، وكان له عصا يتّكئ عليها واقفاً بين يدي ربّه، ثم في بعض الأوقات كان واقفاً على عادته في عبادته إذ توفّي، فظنّ جنوده أنّه في العبادة.2
وعلى كلّ تقدير ففي قصة سليمان عِبَر كثيرة، أهمها أنّ الإنسان مهما بلغ منزلة كبيرة من القوّة والقدرة بحيث تصير الريح بيده أداة طيّعة ويُسخّر له الجنّ والطير، فإنّه سيأتي عليه يوم تنتزع منه كلّ هذه النعم إلى حدٍّ تتغلب عليه الأرضة وهي دويبة صغيرة!!
سورة سبأ: الآيات 15 ـ 17   
وعند ذلك يُفهم معنى قوله سبحانه: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان).3
هذا، وقد حيكت حول قصة سليمان قصص وأساطير اختلقتها

1 . يلاحظ: تفسير نور الثقلين: 4 / 326.
2 . تفسير الرازي: 25 / 250 .
3 . الرحمن: 26 .

صفحه 305
مستسلمة أهل الكتاب وأدخلوها بين الروايات الإسلامية، وقد حفلت التفاسير الروائية بنقلها من دون اكتراث، لكن يجب على المحقّقين تنزيه كتبهم عن تلك القصص الخرافية.

سليمان (عليه السلام)في القرآن، والتوراة

مَن تدبَّر في الآيات الّتي عرّفت سليمان (عليه السلام)في غير واحدة من السور يقف على أنّه كان عبداً مؤمناً شاكراً موصوفاً بالعلم والحكمة، متمتّعاً بقدرة فائقة على التدبير والإدارة، وأمّا إذا رجع إلى العهد القديم فسيجد فيه ما يندى له الجبين حيث جاء في الإصحاح الحادي عشر من سِفْر الملوك الأوّل ما هذا نصّه: فغضب الربّ على سليمان، لأنّ قلبه مال عن الربّ إله إسرائيل الّذي تراءى له مرّتين وأمره في ذلك أن لا يتبع آلهة أُخرى فلم يحفظ ما أمره الربّ به، فقال الربّ لسليمان: بما أنّ أمرك هذا، وأنت لم تحفظ عهدي وفرائضي الّتي أمرتك بها فسأنتزع الملك عنك وأسلمه إلى عبدك، إلاّ أني لا أفعل ذلك في أيامك نظراً لداود أبيك، بل من يد ابنك انتزعه، ولا انتزع الملك كلّه ولكن أُعطي ابنك سبطاً واحداً، نظراً لداود عبدي، ونظراً لأورشليم الّتي اخترتها.1

الآيات: الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة

(لَقَدْ كَانَ لِسَبَأ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِين وَشِمَال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا

1 . سفر الملوك الأوّل: 11 / 10 ـ 27، ولاحظ الصفحة 652، من الكتاب المقدّس.

صفحه 306
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُل خَمْط وَأَثْل وَشَيْء مِنْ سِدْر قَلِيل * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ).

المفردات

سبأ: يقال إنّه اسم شخص، وهو سبأ بن يشجب بن يعرُب بن قحطان، وإليه ينتسب العرب القحطانيون، ويظهر من قوله تعالى: (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين)1 أنّه اسم بلد، ولا منافاة بينهما، إذ ربّما يسمّى البلد باسم مُحدِثه وبانيه.
مسكنهم: المسكن: موضع السكنى.
جنتان: أي بستانان عظيمان.
أعرضوا: انصرفوا عن شكر هذه النعم.
العَرِم: المطر الشديد، وقيل: المُسنّاة، وهي حاجز يعترض النهر ويحبس الماء وراءه ويقع غالباً بين جبلين.
أُكل: الأُكُل: الثمر.
خمط: الخَمْط كلّ شجرة مرّة ذات شوك.
أثل: الأَثْل: شجر من عائلة الطرفائيات، يكثر قرب المياه في الأراضي الرملية، خشبه صلب جيّد تصنع منه القصاع والجفان.
سِدر: السِّدر: شجر النبق.

1 . النمل: 22.

صفحه 307

التفسير

صلة هذه الآيات بما سبق هي أنّ سليمان(عليه السلام) هو الّذي دعا ملكة سبأ وقومها إلى التوحيد وترك عبادة الشمس فأجابوه، وقد جاء تفصيل هذه القصة في سورة النمل في قوله سبحانه: (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين)، إلى الآية 44.
فصار ذلك سبباً لذكر مصير قوم سبأ الذين كانوا متنعّمين بنعم كبرى في ظل التوحيد أيام رجوعهم عن عبادة الشمس إلى عبادة الله بفضل إرشاد النبيّ سليمان (عليه السلام)، ثم كفروا بعد ذلك بنعم الله سبحانه فسلَبهم غضارة تلك النعم، وهناك روايات تشرح لنا الحضارة الّتي كانوا يتمتّعون بها.
أخرج غير واحد من المحدّثين عن فروة بن مُسَيك المرادي في حديث شرح فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حال قوم سبأ، حيث قال رجل: يا رسول الله، وما سبأ أرض أم امرأة؟ قال: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم1 منهم أربعة، أمّا الذين تشاءموا فلخْم وجذام وغسّان وعاملة، وأمّا الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحِمْير وكندة ومَذحِج وأنمار، فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم وبجيلة» .2
وعن قتادة: كان لسبأ جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تمرّ ومكتلها

1 . تيامنوا وتشاءموا، أي سكنوا اليمن والشام.
2 . الدر المنثور: 6 / 687 .

صفحه 308
على رأسها فتمشي بين الجبلين فيمتلئ فاكهة ومامسّته بيدها.1 يقول الزمخشري: لم يرد سبحانه بستانين اثنين فحسب، وإنّما أراد جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأُخرى عن شمالها، وكلّ واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامّها كأنّها جنة واحدة.2
وهذه الأحاديث وإن كانت غير متيقّنة ولكن يكفي في بيان عظمة هذه البلدة قوله تعالى: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ).
والمهمّ في حضارتهم أنّهم بنوا سدّاً عظيماً بين جبلين تجتمع فيه العيون المختلفة والسيول الجارية في فصول مختلفة ثم ينتفعون بها شيئاً فشيئاً حسب حاجاتهم.
والقرآن الكريم يحكي لنا عن حضارة كبيرة للعرب القحطانيين في أرض اليمن في أقاصي الجزيرة العربية حيث كان السيل يغطيها ويهلك الزرع ويهدم البناء، فأجمعوا على تبديل هذا الضرر إلى النفع الكثير بأن يقيموا سدّاً بين جبلين وجعلوا للسدّ أبواباً تُفتح وتغلق وفق حاجاتهم، وقد عرف هذا السدّ باسم مدينة مأرب القريبة منه.
قال الشيخ المراغي: كان الباحثون في العصر الحديث يشكّون في أمر هذا السدّ حتّى تمكّن المستشرق الفرنسي أرنو من الوصول إلى مأرب سنة 1843 م وشاهد آثاره ورسم له مصوراً، نشر في المجلة الفرنسية سنة 1874 م، ثم زار مأرب بعده المستشرقان: هاليفي وغلازر ووافقاه فيما قال وصدّقاه فيما وصف، ثم عثروا فيما بعد على نقوش كتابية في خرائب السدّ

1 . الدر المنثور: 6 / 687 .
2 . تفسير الكشّاف: 3 / 255 .

صفحه 309
وغيرها، تحقّقوا بها صدق خبره .
وقد تهدّم السدّ قبل الإسلام بنحو أربعمائة سنة، وقال ياقوت: إنّه انهدم في نحو القرن السادس للميلاد، وقال ابن خلدون: تهدم في القرن الخامس للميلاد .1
وعلى القولين الأخيرين يكون تاريخ انهياره قريباً من بزوغ شمس الإسلام .
هذا وقد قيل في حضارتهم أُمور كثيرة تحتمل الصدق والكذب، وإليك تفسير الآيات.
15. (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِين وَشِمَال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ):
أخبر سبحانه في هذه الآيات الثلاثة عن قوم ذوي حضارة زاهرة، وكانت بلادهم واحة مخضرّة وروضة مُمرعة، حيث كانوا يعيشون بين جبلين فيبدو كلّ جانب بظاهره جنة كبيرة، ولكنّها جنات متضامّة يتراءى أنّها جنة واحدة، والله يعلم سعتها وتنوّع ثمارها، قال: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأ فِي مَسْكَنِهِمْ): أي بلدهم (آيَةٌ)يفسّرها قوله: (جَنَّتَانِ)عن يمين وشمال، ثنّيت الجنة باعتبار يمين البلد وشماله، فتدلّ على سعة هذه الجنة، حيث كانوا يتفيّأون ظلالها صباحاً ومساءً ويجتنون ثمارها من نخيل وأعناب.
قوله تعالى: (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ)وكأنّ الأمر بلسان الحال لا بلسان

1 . تفسير المراغي: 8 / 72 .

صفحه 310
المقال، (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ)يقال: إنّ مدينتهم هي مأرب وهي بين صنعاء وحضرموت (وَرَبٌّ غَفُورٌ)عطف على قوله: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ)، وتنكير (رَبٌّ)للتعظيم.
ولعلّ قوله: (وَرَبٌّ غَفُورٌ) إشارة إلى كفر هؤلاء القوم قبل أن يتشرّفوا بالإيمان بإرشاد سليمان(عليه السلام)، حيث كانت تملكهم امرأة1 قد أُوتيت من المُلك والنِّعم الكثير، ثم أسلمت وتركت هي وقومها عبادة الشمس 2، ولكنّهم في عاقبة الأمر تنكّبوا عن جادّة التوحيد، كما في الآية التالية:
16. (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُل خَمْط وَأَثْل وَشَيْء مِنْ سِدْر قَلِيل):
أي أعرضوا عن التوحيد ورجعوا إلى عبادة غير الله سبحانه الّتي أقلعوا عنها عند استيلاء سليمان(عليه السلام) على ملكهم، ومن ثمّ كفروا بأنعم الله سبحانه، فأخذهم بكفرهم بالطريقة التالية: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)وهو مشتق من العرامة وهي الشدّة والكثرة، وقد مضى أنّه فسِّر بالمطر الشديد ، يقال: جيش عرمرم أي جيش مكثّف، فصار ذلك سبباً لانهدام السدّ الّذي كان يحبس المياه وراءه، وكانت به حياة المزارع والجنّات.
سورة سبأ: الآيتان 18 ـ 19   
وكانت نتيجة ذلك صيرورة الجنتين أراضي جرداء قاحلة لا ينبت فيها شيء ممّا يفيدهم في حياتهم، يقول سبحانه: (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ): أي بدّلنا جنتيهم بجنتين أُخريين، فأخذنا منهم الطيّب ودفعنا

1 . وهي الملكة بلقيس، كما في المصادر التاريخية.
2 . لاحظ : سورة النمل: 22 ـ 42 .

صفحه 311
إليهم غيره، وأمّا هاتان الجنّتان فيصفهما سبحانه بقوله: (ذَوَاتَيْ أُكُل خَمْط): أي ثمر مُرّ (وَأَثْل) وهو شجر من فصيلة الطرفائيات (وَشَيْء مِنْ سِدْر قَلِيل)وهذا هو أطيب الثمار مقارنة بالخمط والأثل .
قيل: وتسمية البدل (جَنَّتَيْنِ) فيه ضرب من التهكّم، لأنّ الأثل والسدر وما كان فيه من خمط لا يُسمّى جنّة، وإنّما جاء التعبير على سبيل المشاكلة.
ثم إنّه سبحانه علّل وجه ذلك التبديل في الآية التالية :
17. (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ):
المجازاة من باب المفاعلة يستعمل في أمرين متبادلين، فقوم سبأ كفروا بنعم الله سبحانه، وأعرضوا عن طاعته وعبادته، فبودلوا بالنقم وخراب السدّ وصيرورة الأراضي جرداء لا ينبت فيها إلاّ بعض الأشجار التي لا يكاد ينتفع بها. ولكن من ثمرات الشكر ازدياد النعم وترادف المنن، قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)1 وقال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما فتح الله على عبد باب شكر فخزن عنه باب الزيادة».2

الآيتان: الثامنة عشرة والتاسعة عشرة

(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرى التي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً

1 . إبراهيم: 7 .
2 . الكافي: 2 / 94 ح 2(وخَزَن بمعنى منع).

صفحه 312
وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور) .

المفردات

قرًى ظاهرة: أي متواصلة، بحيث يظهر بعضها لبعض.
قدّرنا فيها السَّير: أي كانت القرى على مقادير للراحل، فمن سار من قرية صباحاً وصل إلى الأُخرى حين الظهيرة، ومن سار من بعد الظهر وصل إلى أُخرى حين الغروب.
أحاديث: واحدها أُحدوثة، وهي ما يُتحدَّث به على سبيل الاستغراب .
مزّقناهم: فرّقناهم.
صبّار: كثير الصبر.
شكور: كثير الشكر.

التفسير

18. (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرى التي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ):
وهنا يتابع سبحانه الكلام حول سبأ، ويكشف عن مشهد آخر ممّا

صفحه 313
حاق بهم وبالنعم التي أزرَوا بها بطراً.
وتوضيح ذلك: أنّه سبحانه جعل بين سبأ إلى الشام قرى متواصلة دون أن يكون بينها أراض جرداء، وكانوا يُصبحون في قرية ويُمسون في أُخرى حتى يرجعوا، من دون أن يحتاجوا إلى زاد يحملونه معهم من سبأ إلى الشام، وكانوا يقطعون الطريق بين تلك القرى المتتابعة، وهم آمنون مطمئنون، فالظاهر من الآية أُمور ثلاثة:
1. الأرض الّتي كان قوم سبأ مقيمين فيها.
2. القرى المتواصلة إلى القرى الّتي باركها الله.
3. تلك القرى الّتي باركها الله.
فهم يسافرون من مساكنهم خلال هذه الطرق المتواصلة ويصلون الأراضي المباركة من دون تعب ولا حمل زاد ولا خوف من خطر، وكأنّ اليَمن والقرى الظاهرة والأرض المباركة بلد واحد، فكلّ الأراضي عامرة بالمياه والأشجار، وإلى ما ذكرنا يشير سبحانه بقوله: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ): أي بين قراهم في اليمن (وَبَيْنَ الْقُرى): أي قرى الشام (التي بَارَكْنَا فِيهَا)بالنعم، والمياه جعلنا (قُرًى ظَاهِرَةً): أي قرى متواصلة يظهر بعضها لبعض لقربها منها.
والله سبحانه يخاطبهم خطاباً تكوينياً بقوله: (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ): أي سيروا في هذه القرى الّتي هي بين قراكم والأراضي المباركة، سيروا آمنين لا تخشون جوعاً ولا عطشاً ولا اعتداءً من أحد على أرواحكم وأموالكم.
وعلى كلّ تقدير، فالقرآن الكريم يحكي لنا عن حضارة كبيرة لهؤلاء

صفحه 314
القوم تملأ العيون وتعجب النفوس، كما يحكي عن بَطَرهم بنعم الله في الآية التالية:
19. (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور) :
من طبيعة الإنسان المترف هو الضجر والملل من الرخاء الذي يعيش في ظلاله، فتراه ـ مثلاً ـ يسأم حياة القصور الفارهة ويذهب إلى الصحراء أو القرى الّتي ليس فيها إلاّ الماء والعشب وربّما يقيم فيها يوماً أو أياماً!! وهذا هو خُلق الإنسان الذي يُعرض عن الله سبحانه، وتنطفئ أو تخمد شعلة الإيمان في قلبه.
سورة سبأ: الآيتان 20 ـ 21   
وهؤلاء المترفون الذين كانوا في نعمة وظل ظليل، قد ملّوا من دوام العافية عليهم، فدعوا الله سبحانه أن يبدّل هذه الأراضي العامرة بفلوات ومفاوز حتّى يركبوا الرواحل ويحملوا الزاد، كما حكى سبحانه عنهم بقوله:(فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) بإيجاد مفاوز وصحارى بيننا وبين الأرض المباركة، فاستبدلوا الّذي هو أدنى بالذي هو خير، كما فعل بنو إسرائيل حينما قالوا لنبيّهم: (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)1.

1 . البقرة: 61 .

صفحه 315
وحيث إنّهم وضعوا ـ بهذا الطلب ـ الكفران موضع الشكر، دمغهم سبحانه بقوله:(وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بغمطهم النعمة وبَطرهم بها.
ثمّ ذكر سبحانه كيفية مجازاتهم وما آل إليه أمرهم، بقوله: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ): أي صارت حياتهم أساطير تتناقلها الأجيال بعنوان التفكّه وكأنّهم لم يكونوا شيئاً مذكوراً (وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق)، أي شتّتناهم وفرّقناهم في البلاد تفريقاً حتّى صاروا أحدوثة من أحاديث التاريخ. ولقد ضُرب بحالهم المثل في كلّ فُرقة ليس بعدها وصال، فيقال: تفرّقوا أيادي سبأ.
وبعد ذكر قصة قوم سبأ قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور): أي أنّ في ذلك دروساً وافية لمن صبر على الضرّاء وشكر عند السرّاء، أو لمن صبر عند المعصية وشكر عند النعمة.

الآيتان: العشرون والحادية والعشرون

(وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَان إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء حَفِيظٌ) .

المفردات

صدّق: (بالتشديد) أي حقّق عليهم ظنّه ووجده صادقاً.
سلطان: تسلّط واستيلاء.
حفيظ: مبالغة في حافظ، أو محافظ، والمعنى المناسب لها هنا: عليم.

صفحه 316

التفسير

ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ الآيتين راجعتان إلى قوم سبأ الذين كفروا بنعمة الله وباستيلاء الشيطان عليهم، إلاّ أنّ بعض المفسّرين قالوا بأنّهما راجعتان إلى مشركي قريش بقرينة قوله تعالى بعدهما: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ...).
ومن الطائفة الثانية ابن عاشور حيث يقول: الأظهر أنّ هذا عطف على قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل)1 وأنّ ما بينهما من الأخبار المسوقة، للاعتبار، فيكون ضمير (عَلَيْهِمْ)راجعاً إلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)من قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ).(2)
والّذي يمكن أن يقال: إنّ لهما صلاحية الرجوع إلى كلا الأمرين أي قوم سبأ وقوم قريش، ولعلّ هذا من كمال القرآن حيث إنّ للآية صلاحية الانطباق على كلا الموردين.
20. (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ):
وحاصل الآية: إنّ إبليس بعدما طُرد من رحمة الله، أقسم بعزة الله سبحانه وقال: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)2.

1 . سبأ: 7 .   2 . التحرير والتنوير: 22 / 48. وفيه أيضاً اشارة لما نذكره.
2 . ص: 82 ـ 83 .

صفحه 317
وفي سورة الحجر جاء قوله: (وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)1 فحلف بعزة الله على إغواء غير المخلصين، وهذا ما ظنّه إبليس واعتقده، فالله سبحانه يقول: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ): أي حقّق عليهم ظنّه ووجده صادقاً، حيث وجدهم مادّة للضلالة (فَاتَّبَعُوهُ): أي اتّبعوا إبليس باستجابتهم له في ما دعاهم إليه من الضلال والعصيان (إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) لم ينقادوا له لإخلاصهم وقوة عزيمتهم.
ولمّا كانت هنا مظنّة توهّم أنّ تحقّق ظنّ إبليس في هؤلاء الضالّين يدلّ على سلب الاختيار عنهم، جاء البيان القرآني لرفع هذا التوهّم، فقال عزّ من قائل:
21. (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَان إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء حَفِيظٌ) :
قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَان)ينفي أي تسلّط لإبليس على العباد يسلب عنهم الاختيار.
ثم إنّه سبحانه استثنى من (سُلْطَان) قوله: (لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكّ)وظاهر الكلام أنّ الاستثناء منقطع لعدم دخول علمه سبحانه في (سُلْطَان)، ولكن الاستثناء المنقطع لا يناسب بلاغة القرآن فلابدّ من تقدير شيء وهو بأن يقال: ما كان له عليهم من سلطان إلاّ اتّباعهم

1 . الحجر: 39 ـ 42 .

صفحه 318
له عن اختيار لأجل ترغيبه وتشويقه، ومن المعلوم أنّ هذا السلطان لا يسلب الاختيار.
ثم إنّ الغاية من إثبات تسلّطه على العباد (بتزيين الضلال لهم لا بإجبارهم على سلوك طريقه) هو تمييز المؤمن بالآخرة عن الشاكّ فيها، فأُقيمت الغاية مكان ذي الغاية .
ثمّ إنّ المراد من علمه سبحانه هو تحقّقه خارجاً وإلاّ فإنّه تعالى عالم بأحوالهم، ما كان منها وما يكون. وأمّا تقييد الإيمان بالشكّ بالآخرة دون الشكّ في سائر الموضوعات، فلأنّ الإيمان بها هو الرادع عن المعصية، كما أنّ الشكّ فيها هو الحافز للمعصية، ويدلّ عليه قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)1.
قوله تعالى: (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء حَفِيظٌ): أي عليم لا يفوته علم شيء بنسيان أو سهو. ووجه ذكر هذا الوصف، لئلاّ يتوهّم أتباع الشيطان أنّه ربّما ينسى بعض ما يصدر عنهم من معاص وجرائم.
سورة سبأ: الآيات 22 ـ 30   

الآيات: الثانية والعشرون إلى الثلاثين

(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْك وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير * وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ

1 . ص: 26 .

صفحه 319
الْكَبِيرُ * قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين * قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَرُونيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْم لاَ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ).

المفردات

ادعوا: نادوا.
زعمتم: زعمتموهم آلهة.
من شِرك: مشاركة.
ظهير: مُعين.
فزِّع: الفزَع عبارة عن حالة تعتري الإنسان من الانقباض من مواجهة الشيء المخيف، والتفزيع كشف الفزع عن القلوب.
الفتّاح: الفتح: إزالة الإغلاق والإشكال، وهو تارة يُدرَك بالبصر كفتح الباب وفتح القفل، وأُخرى بالبصيرة كفتح الهمّ وهو إزالة الغمّ، وأُريد به هنا الحاكم.

صفحه 320

التفسير

تُقدّم هذه الآيات، بين يدي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، مجموعة من الحجج القاطعة الدالّة على الوحدانية، ليواجه بها المشركين في حواره معهم، وترشده إلى نوعية الأُسلوب الذي يجب أن يتّبعه في عملية الحوار، وفيها أيضاً تحذير وإنذار للمشركين لِما يؤول إليه أمرهم عند قيام الساعة. وهذه الحجج والإرشادات تبدأ من قوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ...)وتنتهي بقوله: (قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْم...).
وإليك تفسير الآيات مع توضيح ما فيها من الدلائل على بطلان الشرك.
22. (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْك وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير):
قد تقدّم في صدر السورة أنّ من أغراضها الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالمعاد، ففي هذه الآية أشار إلى المبدأ وأنّه لا مدبّر سوى الله ومن ثمّ لا معبود غيره. والدليل على ذلك أنّهم لو دعوا آلهتهم الأرضية أو السماوية، لا يستجيبون دعاءهم. وهذا أوضح دليل على أنّه لا صلة لآلهتهم بتدبير العالم وقضاء الحوائج، كما يقول: (قُلِ)يا رسول الله (ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ)أنّهم آلهة (مِنْ دُونِ اللهِ)فإنْ دعوتموهم لا يستجيبون لكم، وذلك لأنّهم (لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة)وهو كناية عن أنّهم لا يملكون (فِي

صفحه 321
السَّمَاوَاتِ)شيئاً (وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْك): أي ليس لهم من نصيب في شيء من السماء والأرض يتقاسمونه مع الله، حتى يكونوا شركاء معه سبحانه في إدارة الكون (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير): أي ليس له تعالى من هؤلاء الآلهة من معين يعينه، لأنّه غنيّ عن كلّّ ما سواه.
لقد نفى سبحانه أيّ دور لآلهتهم السماوية كالشمس والقمر والنجوم، وأيّ دور لآلهتهم الأرضية، سواءً أكان بالاستقلال أم بالمشاركة أم بالمعاونة، فالآية تنفي أي أثر لهم لأنّها جمادات لا تعقل ولا تشعر، فكيف يمكن أن يكون لها دور على وجه الاستقلال أو النحوين الآخرين؟
والمثقال في الآية مصدر ميمي يراد به الشيء الّذي فيه ثقل، والذرة أُريد بها النملة، وربّما يقال أنّها عبارة عن بيضة النمل الّتي تبدو صغيرة بيضاء كما عليه معنى قوله سبحانه: (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة).1
23. (وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ):
تفسير الآية يتوقّف على بيان مقاطع ثلاثة فيها:
1. ما هو المراد من الموصول والضمير الراجع إليه في قوله: (لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)؟ فهل أُريد الشافع أو المشفوع له؟
2. هل الضمير في (قُلُوبِهِمْ)في قوله: (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)يرجع إلى الشافع أو المشفوع له؟

1 . سبأ: 3 .

صفحه 322
3. هل ضمير الخطاب في (رَبُّكُمْ)في قوله: (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ)ناظر إلى الشفعاء أو المشفوع لهم؟
فتبيين هذه المقاطع الثلاثة مفتاح تفسير الآية.
يُذكر أنّ كلمة المفسّرين قد اختلفت في تفسير الآية على وجوه كثيرة، ذكرها الطبرسي في مجمعه، ونحن نذكر منها وجهين، كلٌّ منهما محتمل:
التفسير الأوّل: أنّ المراد من قوله: (لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) هو المشفوع له، فهو بمنزلة قوله: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى)1.
نعم إنّ الشفاعة تقوم بإذنين: إذن من الله سبحانه للشفيع كما في قوله: (مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)2، وإذن للمشفوع له كما مرّ. وبما أنّ قوله: (وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)بصدد حرمان المشركين من شفاعة الشفعاء، فالمراد، إذاً، من الموصول ـ أعني: (لِمَنْ)ـ وهكذا الضمير العائد إليه بقوله: (لَهُ) هو المشفوع له.
قوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)وقد مرّ أنّ المراد بالتفزيع هو إزالة الفزع عن قلوبهم، وبما أنّ المراد من الموصول هو المشفوع له، فالضمير في قلوبهم يرجع إليه.
وأمّا كيفية التفزيع عن قلوبهم، فهو: أنّ الناس يوم الحشر في فزع وجزع ما لم يصدر من الله سبحانه الإذن في الشفاعة، فإذا صدر الإذن بها

1 . الأنبياء: 28 .
2 . يونس: 3.

صفحه 323
يرتفع الفزع ويحلّ محلّه الاستقرار، فيكون المراد من قوله : (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)أي لأجل صدور الشفاعة من الله تعالى للشافعين، وعندئذ يلتفت هؤلاء إلى الشفعاء ويسألونهم بقولهم: (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ)أيّها الشفعاء، فالضمير في (قَالُوا)يرجع إلى المشفوع له، والضمير في (رَبُّكُمْ)إلى الشفعاء، فيجيب الشفعاء: (قَالُوا الْحَقَّ): أي الإذن بالشفاعة لمن يرضاه، لا لكلّ الناس، لِما مرّ من أنّ الشفاعة تقوم بإذنين: إذن للشفعاء، وإذن للمشفوع لهم.
ولمّا كانت هناك مظنّة سؤال عن وجه تخصيص الشفاعة للمرضيّين، من الشافعين والمشفوع لهم قال سبحانه: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ): أي العليّ الّذي دونه كلّ شيء والكبير الّذي يصغر عنده كلّ شيء، فليس للملائكة إلاّ امتثال أمره وطاعته .
حصيلة الكلام: إنّ الناس في فزع يوم القيامة ينتظرون شفاعة الشافعين، وعندما يصدر الإذن من الله سبحانه بالشفاعة، يرتفع عنهم الفزع لوجود بصيص من الرجاء لكلّ واحد، فعندئذ يسألون الشفعاء عمّا أُوحي إليهم في مورد الشفاعة فيجيبون: إنّ الله سبحانه أذن لهم بالشفاعة لمن رضي، وما قاله حقّ لأنّه عليّ كبير.
وهذا التفسير ربّما يكون أظهر وأكثر انطباقاً على سياق الآية، لكن لا يخلو من إبهام وهو أنّ مورد الآية هو المشركون، وهؤلاء لم يكونوا معتقدين بالمعاد فضلاً عن الشفعاء في الآخرة، وكان الموت عندهم فناء الشيء على وجه الإطلاق، فلا موجب لطرح الشفاعة في الآخرة عندئذ وتحديدها بالإذن لمن رضي من عباده، وهذا هو الّذي دعا السيد

صفحه 324
الطباطبائي إلى أن يفسّر الآية بوجه آخر سيمرّ عليك بنصّه.
التفسير الثاني: قد ثبت في محلّه أنّ تدبير العالم بالأسباب نوع من الشفاعة التكوينية، وعلى هذا فالملائكة في فزع واضطراب أمام عظمة الله سبحانه ينتظرون صدور الأمر لتدبير ما أُمروا به، فإذا صدر الأمر ارتفع عنهم الفزع، وبما أنّهم طوائف مختلفة ولهم مقامات متعدّدة يسأل الداني العالي عمّا صدر من الله سبحانه فيجيب: صدر الحقّ الّذي لا يتطرّق إليه البطلان.
وهذا التفسير مبنيّ على الأُمور التالية:
1. ليس المراد من الشفاعة، شفاعة يوم القيامة الّتي يثبتها القرآن الكريم، لأنّ المشركين ينكرون المعاد، فلابدّ أن يكون المراد هو الشفاعة في الدنيا وهو تدبير العالم بالمدبّرات المأذونين من الله سبحانه، وسمّي التدبير بالشفاعة لأنّها من الشفع بمعنى ضمّ شيء إلى شيء، كأنّ إرادة المدبّر تنضمّ إلى إرادة الله سبحانه .
2. أنّ المراد بالموصول (لِمَنْ)والضمير الراجع إليه، هو الشافع.
3. المراد بقوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)هو أنّ التذلّل غشي قلوب الملائكة من حيث إنّهم أسباب في تنفيذ الأوامر الإلهية، وكشْف هذا التذلّل هو تلقّيهم الأمر الإلهي بالشفاعة.
ثم لمّا كانت هناك طوائف من الملائكة يسأل بعضهم بعضاً عن الأمر الإلهي بعد صدوره، ونزول الأمر إلى بعضهم أسبق من الآخر، وبما أنّ لهم مراتب مختلفة كما يظهر من قوله سبحانه: (وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ)1

1 . الصافات: 164 .

صفحه 325
فيقول الأسبق للسابق بأنّه سبحانه قال القول الثابت الّذي لا سبيل للبطلان أو التبدّل إليه .
وإليك نصّ كلام السيد الطباطبائي: إنّ الملائكة فزعون في أنفسهم متذلّلون في ذواتهم ذاهلون عن كلّ شيء إلاّ عن ربّهم، محدقون إلى ساحة العظمة والكبرياء في انتظار صدور الأمر حتى يكشف عن قلوبهم الفزع، بصدور الأمر، ونزوله وهم مع ذلك طوائف مختلفة ذوو مقامات متفاوتة علوّاً ودنوّاً يتوسّط كلّ عال في إيصال الأمر النازل إلى مَن دونه، فهم مع كونهم شفعاء وأسباباً متوسطة، لا يشفعون ولا يتوسّطون في حدوث حادث من حوادث الخلق والتدبير إلاّ بإذن خاص من ربهم في حدوثه، فيتحمّلون الأمر النازل إليهم حتى يحقّقوه في الكون، من غير أن يستقلّوا من أنفسهم في شيء أو يستبدّوا برأي، ومَن كان هذا شأنه ـ لا يشعر بشيء إلاّ طاعة ربّه فيما يأمره به ـ كيف يكون ربّاً مستقلاً في أمره مفوَّضاً إليه التدبير يعطي ما يشاء ويمنع ما يشاء؟1
وما ذهب إليه سيّدنا الطباطبائي من عدم صلة الآية بالشفاعة المعلومة، يؤيّده ما رواه أبو الجارود2 عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، وإن كان سيّدنا يعتبر مدلول الرواية مصداق من مصاديق الآية، ولا تصلح لتفسيرها ألبتة، وإليك نصّ الرواية; قال: في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا

1 . الميزان في تفسير القرآن: 16 / 373 .
2 . هو زياد بن المنذر، الأعمى، الذي تنسب إليه الجارودية من فرق الزيدية. لم يذكره النجاشي والطوسي بجرح ولا تعديل.وممن روى عنه التفسير: كثير بن عياش القطّان، وهذا ضعّفه الشيخ الطوسي.

صفحه 326
مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)وذلك أنّ أهل السماوات لم يسمعوا وحياً فيما بين أن بعث عيسى بن مريم إلى أن بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا بعث الله جبرئيل إلى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) سمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا، فصعق أهل السماوات، فلمّا فرغ من الوحي انحدر جبرئيل كلّما مرّ بأهل سماء فزّع عن قلوبهم. يقول: كشف عن قلوبهم، فقال بعضهم لبعض: ماذا قال ربّكم؟ قالوا: الحقّ وهو العليّ الكبير.1
وهذا التفسير الثاني بعيد عن سياق الآيات، لأنّ الكلام يختصّ بالانسان سواء أكان مؤمناً أم مشركاً، وعلى ما ذكره يعود الأمر إلى الملائكة أنفسهم، وأمّا كون المشركين غير معتقدين بالمعاد، فهو لا يمنع عن بيان ضابطة كلّية تتعلّق بالشفاعة حتّى تنتفع به كلّ الطوائف.
24. (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين) :
كان البيان السابق يركّز على أنّه ليس للآلهة المكذوبة أي دور في تدبير الكون لا مستقلاً ولا بالشركة ولا بالإعانة، وهذه الآية تركّز على أنّه ليس لهم دور في الرزق، ومستحقّ العبادة هو الّذي يرزق عباده لتكون العبادة شكراً للمنعم، والمفروض أنّ الرزاق هو الله سبحانه، فلا تستحقّ الآلهة المزعومة العبادة، إذ أنّ الأصنام الحجرية والخشبية أضعف من أن تُنزل المطر من السماوات أو تُنبت النباتات في الأرض أو تُسخِّر النِّعم

1 . تفسير القمّي: 2/177.

صفحه 327
الأرضية للإنسان كما يقول: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)فلو سئلوا لبهتوا وسكتوا، إذ لا يتمكّن أي واحد منهم من نسبة الرزق إلى آلهتهم المزعومة، ولذلك أمر الله سبحانه أن يجيب النبيّ بقوله: (قُلِ اللهُ)فإنّ عامّة البركات في السماوات والأرض ليس في مقدرة هذه الأصنام والأوثان.
ثم إنّه سبحانه يشير إلى قاعدة ظريفة في حال الحوار تُفضي إلى تنقية أجواء الحوار من أكدار التعصّب، وذلك من خلال طرح الأفكار، موضع الحوار، بعيداً عن الأحكام المسبقة، وفتح المجال للطرف الآخر دون اللجوء إلى حصر الحقّ في جانبه، والباطل في الجانب الآخر، إذ عندئذ يُتّهم بالتعصّب ولا يكون كلامه مؤثّراً في المخاطب فيقول: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين).
ومع ذلك كلّه، ففي الآية إشارة إلى جانب الحقّ حيث بدأ بنفسه وقال: (إِنَّا)وعطف قوله: (أَوْ إِيَّاكُمْ)، ثم في النشر حيث بدأ بالهدى ثم ذكر الضلالة، تلميحاً إلى مَن هو المهتدي وهو الفريق الأوّل، ومَن هو الضالّ وهو الفريق الآخر (لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين) .
وقد عبّر سبحانه عن الهداية بلفظ (لَعَلَى هُدًى)وعن الضلالة بلفظ (فِي ضَلاَل)للإشارة إلى أنّ المهتدي كأنّه مُستعل على منار يطلّ منه على السبيل وغايتها الّتي فيها سعادته، والضالّ منغمر في ظلمة لا يدري أين يضع قدمه؟ وإلى أين يسير؟ وماذا يراد به؟1

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 16 /374ـ375.

صفحه 328
25. (قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) :
لمّا أُمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الآية السابقة بأن يردّد أمر الهداية والضلالة بينه وبين المشركين ويقول إنّ إحدى الطائفتين على الهدى والأُخرى على الضلالة دون أن يقول: نحن على الهدى، وأنتم على الضلالة، لئلاّ يثير تعصّبهم عليه، أُمر في هذه الآية بمثل ذلك المقال وأنّ كلّ طائفة تُسأل عمّا فعلت لا عمّا فعلته الطائفة الأُخرى، ومن لطيف القول عبّر عن جانبه بالإجرام وقال (قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا)وعن الجانب الآخر بالعمل وقال: (وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وما هذا إلاّ أخذاً بحسن الأدب في المناظرة ـ وإن كان العمل في الفقرة الثانية أيضاً بمعنى الجرمـ ، كلّ ذلك يعلمنا كيفية المناظرة مع المخالف وأن لا نتّخذ ـ في بدء الأمر ـ موقفاً صارماً منه ولا نخدش عواطفه.
والغرض من الآية هو إيقاظ شعور الطرف الآخر بأنّ بقاءه على الكفر لا يضرّ بالطرف المقابل، والإصرار على إيمانه لغاية انتفاعه به، لا انتفاع الطرف الآخر.
ونظير هذه الآية قوله: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ )1.
26. (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ):

1 . يونس: 41 .

صفحه 329
لمّا دلّت الآية السابقة على أنّ كلّ إنسان مسؤول عن عمله وليس مسؤولاً عن عمل الآخر، أشارت هذه الآية إلى أنّ في مستقبل الأيام يوماً يجمع الله فيه الناس من غير فرق بين المؤمن والكافر كما قال: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ): أي يحكم بيننا بالعدل(وَهُوَ الْفَتَّاحُ): أي الحاكم بالعدل لا بالظلم (الْعَلِيمُ): أي أنّ حكمه في حقّ المؤمن والكافر نابع عن علمه، فيجزي كلاًّ بما عمل ولا يشتبه عليه أمرهما.
إلى هنا تبيّن أنّه سبحانه زوّد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بحجّة بعد حجّة، فتارة احتجّ عليهم بعدم وجود دور للأصنام بوجه من الوجوه في السماوات والأرض، وأُخرى بأنّ المستحقّ للعبادة هو مَن يرزق العباد وهو ليس إلاّ الله سبحانه، كما أرشده إلى أُسلوب عملي رائع عند التحاور معهم.
ثم أمره بأن يخبرهم بأنّ كلاًّ من الطائفتين يتحمّل عمله وأنّ تأكيدنا على دعوتكم إلى الإيمان ليس لأجل الانتفاع به بل الغاية طلب صلاحكم، ولكن لا تستمر الحال على هذه الشاكلة بل سيأتي يوم يجمع فيه الناس على صعيد واحد فيقضي (الفتّاح) بينهم بالحق، ويجزى كلّ حسب عمله.
27. (قُلْ أَرُونيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
لمّا بيّن سبحانه أنّه لا مستحقّ للعبادة إلاّ هو، عاد البيان القرآني ليؤكّد ذلك بأُسلوب آخر، فأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يأمرهم بإراءته مَن يزعمون أنّهم شركاء الله تعالى، وفي هذا القول نوع تعجيز لهم، فهل يمكن لهم الإشارة إلى شركاء الله سبحانه في تدبير الأُمور؟ فلو أشاروا إلى الأصنام والأوثان

صفحه 330
المادية فهي أعجز من أن تكون شريكة لله، وإن أشاروا إلى الأرواح والملائكة التي جعلوا الأصنام حاكية عن صورهم وجمالهم فهي أيضاً ـ حسب اعتقاد المشركين ـ مخلوقة لله سبحانه، فكيف يمكن القول بشركتهم في الخلق والرزق؟ كما قال: (قُلْ أَرُونيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ): أي أروني الآلهة المزعومة، لأنظر بأيّ صفات الإله المستحقّ للعبادة ألحقتموهم به سبحانه جاعليهم شركاء؟
وبما أنّهم عاجزون عن إراءة الصفات التي تجعل منهم أنداداً لله يستحقّون بها العبادة، أعرض عنهم سبحانه وقال: (كَلاَّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)وهنا وصف الله تعالى نفسه بوصفين:
1. (الْعَزِيزُ). 2. (الْحَكِيمُ).
وكلّ منهما يستلزمان نفي الإلحاق.
أمّا كونه عزيزاً (و معناه: غالباً، لا يُغلب ولا يُقهَر)، فيمنع من أن يشاركه شيء في صفات كماله، وأن يتجاوز حدّه فيكون شريكاً له.
وأمّا كونه حكيماً، فلأجل أنّ إلحاق الأوثان بالله لا يصدر إلاّ عن إرادة جزافية، وهو سبحانه منزّه عن ذلك.
28. (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ):
قد ذكرنا أنّ الغرض النهائي لهذه السورة المباركة هو الدعوة إلى التوحيد والمعاد، ولكن هذه الآية بمضمونها الظاهري راجعة إلى النبوّة، ومع ذلك لا تخلو عن البرهان على التوحيد في الربوبية، وذلك لأنّ لازم

صفحه 331
الربوبية توجيه كلّ شيء (وبالأخصّ الإنسان) إلى الكمال الّذي خُلق له، ولا يتمّ ذلك إلاّ بإرسال الرسل، لأنّ عقل الإنسان أقصر من أن يهتدي إلى طريق الحقّ بلا نبيّ مبعوث من الله سبحانه، ولذلك تركّز الآية على أنّه سبحانه بعث نبيَّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) بشيراً ونذيراً، كما قال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ)، فهل لفظ(كَافَّةً) بمعنى جميعاً، كما في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)،1 أو بمعنى كافّاً لهم عن المعاصي ـ والهاء فيه للمبالغة ـ كما في قولهم: راوية، علاّمة، نسّابة.
أمّا الأوّل فهو مبنيّ على أن تكون «كافّة» حالاً من المجرور المتأخّر ـ أعني: (الناس) ـ فلو قلنا بجواز تقدّم الحال على ذي الحال المجرور، يكون المعنى: أي أرسلناك للناس عامّة، فيدلّ على عموم شريعته لعامّة الناس من غير فرق بين الأحمر والأسود2، وربّما يمنع ذلك القول بأنّه لا يجوز تقديم الحال على ذي الحال إذا كان مجروراً كما في المقام، ومع ذلك فقد أجازه، الفارسي وابن كيسان وابن جنّي، واستشهدوا بقول الشاعر:
تسلّيتُ طُراً عنكمُ بعد بَينِكم *** بذكراكمُ حتى كأنّكمُ عندي
والشاهد في تقدّم (طُرّاً) على الضمير المتّصل المجرور في (عنكم)، ولو منعنا من ذلك فيتعيّن المعنى الثاني، ومعناه ما أرسلناك أيّها النبيّ إلاّ كافّاً (أي مانعاً) للناس عن المعاصي.والظاهر هو المعنى الثاني إذ لا يظهر

1 . البقرة: 208 .
2 . وممّا يستدلّ به على عموم رسالته(صلى الله عليه وآله وسلم)، قوله تعالى في الآية(158) من سورة الأعراف:(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا...).

صفحه 332
وجه للحصر على المعنى الأوّل أي ما أرسلناك إلاّ للناس أجمع.
قوله تعالى: (بَشِيرًا وَنَذِيرًا)كما هو وصف الأنبياء فهم يبشّرون بالجنة ونعيمها، ويُنذرون من النار وعذابها، والوصفان حالان من الضمير المتّصل في (أَرْسَلْنَاكَ).
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)يؤكّد بأنّ عدم إيمان الأكثرين لأجل جهلهم، ولو علموا ما في رسالة النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)من الخير والصلاح لآمنوا به.
29. (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):
لمّا تقدّم في قوله سبحانه: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا)أنّه سبحانه يجمع الناس على صعيد واحد في يوم من الأيام، صار ذلك سبباً لطرح سؤالهم عن موعد ذلك اليوم، كما قال: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)ولكنّهم جهلوا بأنّ الله سبحانه استأثر العلم بوقت وقوعها لنفسه ولم يُعلمه لأحد حتى النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وما هذا إلاّ لأنّه لا فائدة في تعيين ذلك اليوم، ولذلك أمر نبيّه أن يجيبهم بأنّ مجيء ذلك اليوم أمر قطعيّ، سواء علموا موعده أم لم يعلموه، كما قال:
30. (قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْم لاَ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ):
سورة سبأ: الآيات 31 ـ 33   
إذ المهم في المقام هو العلم بوجود ذلك اليوم الذي يُحاسَب فيه كلّ إنسان عن صغير أعماله و كبيرها، سواء عُلم وقته أم لا (قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْم)

صفحه 333
متحقّق وقوعه (لاَ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً)زمناً، فلا يفيد تمنّي تأخّره (وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ). ومع ذلك كلّه، فقد ذكر سبحانه أشراط الساعة في القرآن الكريم، وبهذا قرّب إلى الأذهان موعد وقوعها.
ويلاحظ أنّ المشركين تفنّنوا في التعبير عن نفي الساعة في هذه السورة، فتارة نفوا وجودها بتاتاً وقالوا: (لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ )1، وأُخرى استبعدوا وجود الساعة لأنّها تلازم إحياء العظام البالية الممزقة والمبعثرة في بقاع الأرض وقالوا: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد)2، وثالثة يستبطئون موعدها ويسألون، لهواً وعبثاً، عن وقتها كما في المقام : (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في دعواكم، والخطاب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنين. كلّ ذلك يكشف عن تماديهم في العناد وعدم رغبتهم في الوصول إلى الحقيقة في أمر هذه القضية الكبرى، ولذلك يُخاطَبون حينما يُقضى الأمر ويحشر الناس ويُجاء بهم (المنكرون) إلى شفير النار، يخاطبون بالقول: (هَذِهِ جَهَنَّمُ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)3.

الآيات: الحادية والثلاثون إلى الثالثة والثلاثين

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ

1 . سبأ: 3 .
2 . سبأ: 7 .
3 . يس: 63 .

صفحه 334
لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

المفردات

استُضعفوا: الاستضعاف: قال الراغب: الضُّعف ـ بالضم ـ في البدن، والضَّعف ـ بالفتح ـ في العقل والرأي. وقد قوبل الاستضعاف بالاستكبار في آياتنا هذه.
ولعلّ المراد بالاستضعاف الحاجة في أمر الدنيا .
صددناكم: من الصدّ: الصرف والمنع.
أسرُّوا: أخفَوا.
الندامة: التحسّر على عمل فات وقته.
الأغلال: جمع غُلّ، وهو دائرة من حديد أو جلد على سعة الرقبة توضع في رقبة الأسير ويُشدّ إليها بسلسلة أو حبل .

صفحه 335

التفسير

31. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ):
الآية تتضمّن أُموراً ثلاثة:
أ. عدم تصديق المشركين بالقرآن وسائر الكتب السماوية.
ب. تخاصم المشركين فيما بينهم عند الوقوف عند ربهم للحساب والجزاء يوم القيامة.
ج. تحميل المستضعفين مسؤولية ضلالتهم على عاتق القادة من المشركين .
وإليك بيان الجميع:
أمّا الأوّل: فقد كان المشركون غارقين في لهوهم وشهواتهم قبل ظهور الإسلام، يفعلون ما شاءوا بلا رادع ولا زاجر، فلمّا أن جاء النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بدعوته وقرع أسماعهم بأنّ الدنيا مزرعة الآخرة وأنّ الإنسان لم يُخلَق عبثاً، بل سيحاسب على أعماله في دار أُخرى ويُجازى عليها إنْ خيراً فخير وإنْ شرّاً فشرّ، لم يقبلوا دعوته، وأصرّوا على التكذيب بها، بدافع من أهوائهم وشهواتهم، ولذلك تمحّلوا في إنكار الدعوة النبوية بصور مختلفة، فتارة رفضوا نبوّته بحجّة أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يأكل الطعام

صفحه 336
ويمشي في الأسواق،1 ومثله لا يليق أن يكون نبياً من جانب الله سبحانه.
وأُخرى خاطبوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بقولهم: (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ)2.
وثالثة قالوا: (لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى )3، أي من المعجزات والكرامات كالعصا واليد البيضاء.
فهذه الأعذار الثلاثة الواهية أشبه بحجج السوفسطائيّين، ومع ذلك جاء البيان القرآني مجيباً عن هذه الأعذار.
فأجاب عن الأوّل بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ )4.
وعن الثاني بقوله: (هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً)5.
وعن الثالث بقوله: (أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ )6... إلى أن قال: (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَاب مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)7.
ولمّا أُفحموا بهذه الحجج الدامغة ولم يبق لهم أي عذر في رفض

1 . لاحظ : الفرقان: 7 .
2 . الإسراء: 93 .
3 . القصص: 48 .
4 . الفرقان: 20 .
5 . الإسراء: 93.
6 . القصص: 48 .
7 . القصص: 49 .

صفحه 337
الدعوة لجأوا إلى الإنكار المطلق بمكابرة صارخة وهي أنّهم غير مؤمنين لا بالقرآن ولا بالتوراة ولا بالأنجيل، كما قال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)وقد حكى سبحانه مقالتهم هذه ولم يعقبها بردّ لوضوح بطلانها، لأنّها مبنيّة على إنكار النبوّة العامّة مطلقاً واستغناء الإنسان عن تعاليم السماء، ومثل هذا دعوة ساقطة.
قال الشريف الرضيّ (رحمه الله): قوله سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالذِي بَيْنَ يَدَيْهِ): وهذه استعارة، والمراد بها ما تقدّم القرآن من الكتب فكأنّها كانت مشيرة إليه ومُطرقة بين يديه .1
ثم أشار سبحانه إلى حالة المشركين عند الوقوف للحساب والجزاء، فقال حاكياً عن أحوالهم: (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ): أي المشركون حيث (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)2، (مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)للحساب والجزاء (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض الْقَوْلَ)، وجواب «لو» محذوف أي لرأيت أمراً عجيباً. ويحتمل أن يكون الأمر العجيب هو الحوار الّذي جاء في الآيات التالية.
أي يتحاورون فتقول طائفة معترضة على طائفة أُخرى، وتجيب الثانية، ثم تعترض الأُولى وهكذا، دون أن يصلوا إلى نتيجة إلاّ التحسّر على ما فاتهم كما قال: (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا): أي يقول الذين عدّهم الناس ضعفاء وحسبوهم ضَعَفة أو جعلوهم ضعفاء في حياتهم الدنيوية (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا): أي عدّوا أنفسهم كبراء واغترّوا بالأموال والأولاد والقبيلة والعشيرة، فقال الضعفاء لهؤلاء: (لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)، قوله: (أَنْتُمْ)مبتدأ

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 223 .
2 . لقمان: 13.

صفحه 338
محذوف خبره، أي لولا أنتم موجودون لصرنا مؤمنين، وأنتم حملتمونا على الكفر.
هذا هو الاعتراض الّذي وجّهه المستضعفون للمستكبرين، وأمّا ما هو جواب المستكبرين على هذا الاعتراض فهذا ما أشارت إليه الآية التالية:
32. (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) :
لمّا حمّل المستضعفون وِزر كفرهم على عاتق المستكبرين يوم الجزاء بزعم أنّ هذا يُنجيهم من عذاب الله ، فوجئوا بجواب المستكبرين بقولهم: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ): أي أنحن أجبرناكم وحُلْنا بينكم وبين إرادتكم وصددناكم (عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ)الهدى، بل أنتم منعتم أنفسكم عن الإيمان وآثرتم الضلالة على الهدى، وليست لنا علاقة بذلك، (بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) باختياركم طريق الكفر والعصيان.
وحاصل الجواب: إنّ كلّ إنسان بالنسبة إلى الإيمان والكفر مختار في سلوك أحد الطريقين، وأنتم بإرادتكم واختياركم آثرتم الضلال على الهدى، فلماذا تحمّلوننا مسؤولية ضلالكم ؟
ولمّا كان جواب المستكبرين على خلاف الواقع، وأنّهم هم الّذين حالوا بين المستضعفين وبين إيمانهم بالدعوة النبوية بما مارسوه معهم من أنواع الحيل، بدأ المستضعفون ببيانها، فقالوا :

صفحه 339
33. (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):
جاء الفعل «قال» في هذه الآية مسبوقاً (بالواو)، لكنّه في الآية السابقة جاء مجرَّداً عنها، ولعلّ وجهه أنّ الآية السابقة كانت بصدد الجواب عن قولهم: (لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) .
وبما أنّ السؤال والجواب يُعدّان أمراً واحداً، جاء الفعل مجرّداً عن الواو، بخلاف آيتنا هذه، فإنّه أشبه بكلام جديد فاحتاج إلى واو الاستئناف.
وعلى كلّ تقدير، فالمستضعفون يعزون سبب عدم إيمانهم إلى الأساليب الماكرة الّتي اصطنعها هؤلاء المستكبرون في الليل والنهار، ويخدعونهم بها، فهم، إذاً يعترفون بإجرامهم لكنّهم يُرجعون سببه إلى مكر قادة الضلال في الحياة الدنيا، كما قال: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ): أي مكركم في الليل والنهار، مع أنّ الليل والنهار ظرف للمكر، لكن صارت كثرة المكر سبباً لوصفهما بالمكر فقيل بل مكر الليل والنهار.
قوله: (إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ): أي لم يكن لنا بدّ من الإئتمار (وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا): أي أمثالاً في الأُلوهية.
قال الشريف الرضي (رحمه الله) : والمراد بمكر الليل والنهار ما وقع من مكرهم في الليل والنهار، فأضاف تعالى المكر إليهما لوقوعه فيهما، وفيه

صفحه 340
أيضاً زيادة فائدة وهي دلالة الكلام على أنّ مكرهم كان متّصلاً غير منقطع في الليل والنهار كما يقول القائل: ما زال بنا سير الليل والنهار حتّى وردنا أرض بني فلان، وهذا دليل على اتّصال سيرهم في الليل والنهار من غير إغباب ولا إراحة ركاب.1
ولمّا وصل حوارهم إلى هذا المقام ولم تقتنع إحدى الطائفتين بكلام الأُخرى، قطعوا الحوار (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ): أي أخفى كلٌّ من الطائفتين الندم على ما كان منهم في الدنيا حين شاهدوا العذاب المعدّ لهم. نعم يندم المستكبرون لاغترارهم بقوّتهم وممارساتهم الماكرة، ويندم المستضعفون لاستسلامهم لهم، وتمكينهم من قيادهم فيصرفونهم كيف شاءوا.
وبهذا يعيشون العذاب النفسي الداخلي في ما أسرّوه من الندم.2
قد تقدّم في قوله تعالى: (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)أنّ جواب «لو» محذوف وهو: لرأيت شيئاً عجيباً، وأمّا ذلك الشيء العجيب فقد ذكره بقوله: (وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا)وليس جعل الأغلال في أعناقهم بشيء جديد، بل هو جزاء الأعمال الآثمة الّتي ارتكبوها في الدنيا كما قال: (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
سورة سبأ: الآيات 34 ـ 39   
ولعلّ الغُلّ وما يتبعه من العذاب واقع الأعمال الّتي أتوا بها في الدنيا، فلأعمالهم ظهوران: ظهور في الدنيا وهو المعاصي الّتي يرتكبونها، وظهور في الآخرة وهو كونها أغلالاً، فتكون الآية من أدلّة تجسّم الأعمال.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 224 .
2 . من وحي القرآن: 19 / 52 .

صفحه 341

الآيات: الرابعة والثلاثون إلى التاسعة والثلاثين

(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ * وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

المفردات

مترفوها: من الترف وهو كثرة النعمة وسعة العيش، مبني للمفعول كأنّ الله سبحانه أترفهم وأكثر نعمه عليهم، بشهادة قوله: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )1 .
يقدر: أي يُضيِّق في مقابل يبسط.
زلفى: على وزن رُجعى بمعنى التقرّب.

1 . المؤمنون: 33.

صفحه 342
الغرُفات: جمع غرفة، وهي القصر المنيف.
معاجزين: من عاجزَه، أي سابقه ليظهر عجزه.

التفسير

34. (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ):
لمّا تقدّم ذكر موقف المشركين من الكتب السماوية بقوله سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) عاد البيان القرآني لتسلية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ هذا الموقف السلبي ليس أمراً جديداً، بل هو سيرة مستمرة بين المترفين فقد كانوا ينكرون رسالة الرسل ونبوّة الأنبياء كما قال: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة): أي بلد وله توابع (مِنْ نَذِير)ينذرهم من بأس الله وعذابه يوم القيامة (إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا)أصحاب الثروات والإمكانات المنغمسون في الملذّات (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) وتلك هي سجيّة الّذين تُطغيهم النِّعم.. التكذيب بدعوة الأنبياء، ورفض رسالاتهم. ولا غَرو في ذلك فإنّ دعوتهم تحول دون ترَفهم وسوء استغلالهم للأموال والثروات واستعباد الناس. وأمّا ما هي حجّتهم في رفض دعوة الأنبياء؟ فهو ما تتحدّث عنه الآية التالية:
35. (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ):
تحكي الآية عن أنّ ملاك الفضيلة والكرامة عند الله في نظر المترفين هو كثرة الأموال والأولاد، وأنّ تقلّبهم في النِّعم، هو آية كرامتهم على ما

صفحه 343
حكى عنهم سبحانه في قوله: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا)ومن كان كذلك يكون مرضيّاً لديه، ومن ثمّ: (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).
هذا هو منطق المترفين، وهم بأموالهم وإمكاناتهم يديرون العالم بالصلح تارة والحرب أُخرى، ويسيطرون ـ بما يملكون ـ على منابع الحياة.
وقد سبق هؤلاء فرعون مصر، حيث استدلّ بسلطته وملكه على أُلوهيته، وبفقر موسى على بطلان دعوته، كما قال تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْري مِنْ تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَب أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ).1
ويظهر من ذيل هذه الآيات أنّ الفراعنة كانوا على درجة متدنيّة من الثقافة حيث قبلوا منطق فرعون ووضعوا نير طاعته على أعناقهم، يقول تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوُه إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).(2)
فأُميّة الشعب وقلّة الوعي يُساعدان على تسلّط المترفين على الضعفاء، وهذه الآيات تحكي أنّه لم يكن بينهم من يعترض على فرعون وغيره، فأي صلة بين السلطة وسعة الملك وصحّة الأُلوهية؟!
وبما أنّ الثروة عند المترفين من المشركين كانت آية الكرامة عند الله، والفقر آية البعد عنها، فقد اشترطوا في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يكون ثريّاً، كما حكى عنهم سبحانه: (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم).2

1 . الزخرف: 51 ـ 53 .   2 . الزخرف: 54 .
2 . الزخرف: 31 .

صفحه 344
والله سبحانه يردّ منطقهم الواهي بوجهين:

الأوّل: توسيع الرزق وتضييقه بيد الله

36. (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ):
إنّ لبسط الرزق وضِيقه أسباباً خاصّة لا تمتّ لأمر القُرب وضده بصلة، فكم من عاص متنعّم، ومطيع محروم، وبالعكس؟
نعم الأموال والأولاد من نعم الله سبحانه، وهما دعامة الحياة، ولكن تيسير الرزق لإنسان وتضييقه على آخر لا يدلّ على رضى الله عن الأوّل وسخطه على الثاني. يقول سبحانه: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ): أي ويُضيِّق (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)الأسباب ولا وجه الحكمة في توسعة الرزق لبعض وتقديره على آخرين.
وقد سئل الإمام عليّ (عليه السلام)عن الخير ما هو؟ فقال: «لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، وَلكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ، وَأَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ، وَأَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ; فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللهَ، وَإِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللهَ»1.
ثم إنّ كون سعة الرزق وضيقه بيد الله سبحانه لا يعني أنّه ليس للعباد ولا للنظام الحاكم دور في صنع الغنى والفقر، فالنظام المبني على تقسيم الثروات والإمكانات بين العباد على وجه العدل والقسط يورث تمتّع

1 . نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 94.

صفحه 345
الجميع بنعم الحياة وخيراتها، وأمّا إذا استأثر الأقوياء بها، فلا شكّ في أن ينتج عنه ظهور طبقة من الفقراء يبيتون ببطون غرثى، كما قال الإمام علي (عليه السلام): «إنّ الله سبحانه فَرضَ في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلاَّ بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ».1
إنّ هذا المنطق الواهي وهو أنّ كثرة الأموال والأولاد علامة الزلفى، والفقر والحاجة آية البعد عن الله تعالى، كان أمراً رائجاً في القرون السابقة، فهؤلاء هم قوم نوح يستدلّون عليه بقولهم: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ) 2، وقد استمرّ هذا النوع من التفكير، حتّى أنّ صناديد قريش رغبوا في الدعوة النبوية بشرط أن يطرد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الفقراء والمساكين عن مجلسه، فنزل الوحي الإلهي يأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالصبر مع هؤلاء الفقراء المؤمنين بالله ورفض اقتراح المشركين، حيث قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).(3)
الثاني: المقرّب هو الإيمان والعمل الصالح .
37. (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالّتي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ):

1 . نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 328 .
2 . الشعراء: 111 .   3 . الكهف: 28 .

صفحه 346
لمّا استدلّ المشركون على فضلهم وقربهم من الله بكثرة الأموال والأولاد ردّ عليهم سبحانه بأنّ وفرتهما لا تورث التقرُّب، وإنّما يقرِّب إليه تعالى الإيمان والأفعال الحسنة. يقول سبحانه: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالّتي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى)فالأموال والأولاد وهكذا المناصب والأنساب ليست ملاكات الزلفى والتقرّب إلى الله، بل أنّ الملاك الصحيح هو الإيمان المقترن بالعمل الصالح كما قال: (إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا)فمن آمن وعمل صالحاً (فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ): أي أضعافاً مضاعفة، لا مرّتين بشهادة قوله سبحانه: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا).1
هذا، وقد أصبح قوله سبحانه: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)(2) يتمثّل به كلّ خطيب مصقع وكاتب قدير، وهو عبارة أُخرى عن الإيمان والعمل الصالح، وهذا هو شعار الإسلام مذ بُعث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أن لحق بالرفيق الأعلى، فقد هتف به في غير واحد من خطبه وكلماته.
وقد جاء في خطبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة البلاغ والوداع أنّه قال: «يا أيّها الناس: إنّ ربكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتقوى. أبلغت؟». قالوا: بلّغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).2
قوله تعالى: (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ): أي غرفات الجنّة (آمِنُونَ) من كلّ سوء ومكروه، فلا يخافون شيئاً ممّا يُخاف مثله في الدنيا.

1 . الأنعام: 160 .   2 . الحجرات: 13.
2 . مسند أحمد: 9 / 127; نيل الأوطار: 5 / 82 .

صفحه 347
هذا هو وصف المؤمنين العاملين للصالحات، وأمّا وصف مَن يقابلهم فتذكره الآية التالية:
38. (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ):
يريد الفريق الذين عوّلوا على أموالهم وأولادهم واغترّوا بذلك حتّى بلغ غرورهم إلى حدٍّ يريدون معه إبطال آيات الله كما يقول: (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا): أي إبطالها في نظر عبادنا، وهم يتصوّرون أنّهم سيكونون (مُعَاجِزِينَ)، والمعاجزة ـ كما قلنا سابقاً ـ هي المسابقة أو المبالغة في الإعجاز، أي أنّهم يجتهدون في إبطال آياته تعالى، وهيهات لهم ذلك، وسيُجزون بسعيهم هذا ما بيّنه بقوله: (أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ)في مقابل المؤمنين الذين (هُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ). ولعلّ قوله: (مُحْضَرُونَ)كناية عن إحاطة العذاب بهم، وقد جاءت تلك الفقرة في موضع آخر، قال سبحانه: (فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ )1 .
39. (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ):
الآية تتضمّن أُموراً ثلاثة:
أ. أنّ بسط الرزق وتضييقه بيد الله سبحانه.
ب. ما أنفق الإنسان من خير فالله سبحانه يخلفه، أي يعطيه عوضه.

1 . الروم: 16 .

صفحه 348
ج. الله خير الرازقين.
أمّا الفقرة الأُولى فقد تقدّمت تقريباً بلفظها في الآية السادسة والثلاثين، وليس بين هذه الفقرة وما تقدّمها إلاّ آيتان فقط، فيقع السؤال لماذا تكرّرت، مع كون الفاصلة قليلة؟ وقد أجاب عن ذلك الطبرسي بقوله: وإنّما كرّرها سبحانه لاختلاف الفائدة، فالأُولى توبيخ للكافرين وهم المخاطبون بها، والثانية وعظ للمؤمنين، فكأنّه قال: ليس إغناء الكفّار وإعطاؤهم دليلاً على كرامتهم وسعادتهم، بل يزيدهم ذلك عقوبة، وإغناء المؤمنين يجوز أن يكون زيادة في سعادتهم بأن ينفقوها في سبيل الله تعالى، ويدلّ على ذلك قوله سبحانه: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ): أي وما أخرجتم من أموالكم في وجوه البرّ فإنّه سبحانه يؤتيكم خلفه وعوضه أمّا في الدنيا بزيادة النعمة، وإمّا بالآخرة بثواب الجنة، يقال: أخلف الله له وعليه، إذا أبدل له ما ذهب عنه.1
ويمكن أن يقال: إنّ قوله سبحانه: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ)سيق لغرض آخر، فما جاء في الآية المتقدّمة كان لغرض بيان أنّ بسط الرزق وتقديره بيد الله سبحانه ولا صلة له بأمر التقرّب والتزلّف، فالله سبحانه حسب إرادته الحكيمة يبسط لمَن أراد ويقدر على مَن أراد.
وأمّا الغرض ممّا جاء في هذه الآية فهو دعوة المؤمنين إلى الإنفاق، لأنّهم سوف يجدون عوضه في الحياة الآخرة، وليس الإنفاق إعداماً للثروة

1 . مجمع البيان: 8 / 243 .

صفحه 349
بل نقلاً لها من هذه الدنيا إلى حياة أُخرى مطمئنة، ولذلك يقول: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ)ولأجل تعدّد الغرض تكرّرت هذه الفقرة مرّتين.
ثم إنّ للرازي كلاماً مفيداً حول الإنفاق، قال: ثم إنّ من العجب أنّ التاجر إذا علم أنّ مالاً من أمواله في معرض الهلاك يبيعه نسيئة، وإن كان من الفقراء، ويقول بأنّ ذلك أَولى من الإمهال (الإهمال) إلى الهلاك، فإن لم يبع حتّى يهلك يُنسَب إلى الخطأ، ثم إنْ حصل به كفيل مليّ1 ولا يبيع يُنسب إلى قلّة العقل، فإن حصل به رهن وكتب به وثيقة ولا يبيعه يُنسب إلى الجنون، ثم إنّ كلّ أحد يفعل هذا ولا يعلم أنّ ذلك قريب من الجنون، فإنّ أموالنا كلّها في معرض الزوال المحقّق، والإنفاق على الأهل والولد إقراض، وقد حصل الضامن المليّ وهو الله العليّ وقال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ)ثم رهن عند كلّ واحد إما أرضاً أو بستاناً أو طاحونة أو حمّاماً أو منفعة، فإنّ الإنسان لابدّ من أن يكون له صنعة أو جهة يحصل له منها مال، وكلّ ذلك ملك الله، وفي يد الإنسان بحكم العارية، فكأنّه مرهون بما تكفّل الله من رزقه ليحصل له الوثوق التام، ومع هذا لا ينفق ويترك ماله ليتلف لا مأجوراً ولا مشكوراً.2
قوله: (وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) لأنّه يرزق عباده لا لدفع ضرر ولا لجرّ نفع، بخلاف الآخرين فإنّهم إذا أعطوا شيئاً فإنّما يندفعون إليه من منظار دفع الضرر وجلب الخير.
***

1 . المَليّ: الغنيّ المقتدر.
2 . تفسير الرازي: 25 / 263 .

صفحه 350

نظرة القرآن الكريم للأموال والأولاد

إنّ القرآن يصف المال بالخير ويقول: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا )1 وفي آية أُخرى يحكي عن لسان نوح (عليه السلام)أنّه كان يدعو أُمّته إلى الإيمان بالله والاستغفار ويذكر أنّ جزاء ذلك هو قوله سبحانه: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)2.
وهذا لا ينافي قوله سبحانه في المقام: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالتي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى)فإنّها بصدد بيان أنّ كثرة الأموال والأولاد ليست من أسباب القرب إلى الله تعالى، بل سبب التقرّب هو التقوى والإيمان والعمل الصالح، وهذا لا ينافي أن يكون المال وسيلة للخير ; لأنّ الأموال والأولاد تعين الإنسان في حياته. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَإِنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الاْخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللهُ تَعَالى لاَِقْوَام».3
سورة سبأ: الآيات 40 ـ 45   

الآيات: الأربع