welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : البدعة وآثارها الموبقة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

البدعة وآثارها الموبقة

البدعة
وآثارها الموبقة

تأليف

الفقيه المحقق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

تمهيد

تعدّ البدعة في الدين من المعاصي الكبيرة والمحرّمات العظيمة ، التي دلّ على حرمتها الكتاب والسنّة ، كما وأُوعِد صاحبُها النار على لسان النبيّ الأكرم ، وذلك لأنّ المبتدع ينازع سلطان الله تبارك وتعالى في التشريع والتقنين ، ويتدخّل في دينه ويُشرِّع ما لم يشرِّعه ، فيزيد عليه شيئاً وينقص منه شيئاً في مجالي العقيدة والشريعة ، كلّ ذلك افتراء على الله .

وقد بُعث النبيّ الأكرم بحبل الله المتين ، وأمر المسلمين بالاعتصام به ، ونهى عن التفرّق ، وقال : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً)(1) .

ولكن المبتدع يستهدف حبلَ الله المتين; ليوهنه ويخرجه من متانته بما يزيد عليه أو ينقص منه ، وبالتالي يجعل من الأُمّة الواحدة أُمماً شتّى ، يبغض بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، فيتحوّلون إلى شيع وطوائف متفرّقين، فرائس للشيطان وأذنابه ، وعلى شفا حفرة من النار ، على خلاف ما كانوا عليه في عصر الرسالة .


(1) آل عمران : 103 .


(4)

إنّ المسلمين بعد رحيل الرسول تفرّقوا إلى أُمم ومذاهبَ مختلفة ، ولم يكن ذلك إلاّ إثْر تلاعب المبتدعين في الدين والشريعة ، بإدخال ما ليس من الدين ، في الدين . وكان عملهم تحويراً لصميم العقيدة الإسلامية وشريعتها ، فلولا البدعة والمبتدعون وانتحالُ المبطلين ، لكانت الأُمّة الإسلامية أُمّة واحدة; لها سيادتها على جميع الأُمم والشعوب في أنحاء المعمورة ، وما أثنى ظهورهم إلاّ دبيبُ المبتدع بينهم ، فشتَّتهم وفرَّقهم بعدما كانوا صامدين كالجبل الأشم .

والحروب الدموية ـ التي خاضها المسلمون في عصر الخلافة وبعدها ، وخضّبت الأرض بالدماء الطاهرة ، وسلّ المسلمون سيوفهم في وجه بعضهم ، فسقط منهم آلاف القتلى والجرحى على الأرض ـ هي من جرّاء البدع النابعة عن الأهواء والميول النفسانية; حيث كانوا يتحاربون باسم الدين ، والحال أنّ الدين كان في جانب واحد ، لا في جوانب متكثّرة .

إنّ صراط النجاة في الإسلام هو صراط واحد مستقيم دعا إليه المؤمنين عامّة وقال : ( وَأَنَّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهُ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(1) .

وأمر المسلمين أن يدعوا الله سبحانه ، أن يثبتهم على هذا الصراط كي لا ينحرفوا يميناً وشمالا كما يقول سبحانه تعليماً لعباده : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)(2) ولكن المبتدع يسوق الناس إلى سبل منحرفة لاتنتهي إلى السعادة التي أراد الله سبحانه لعباده .

فحقّ التشريع والتقنين لله تبارك وتعالى ، وقد استأثر به وقال : ( إِنِ الْحُكْمُ


(1) الأنعام : 153 .
(2) الفاتحة : 6 .


(5)

اِلاَّ  للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ)(1) . والمراد من الحكم هو التشريع بقرينة قوله :( أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ) . فالبدعة هو تشريك الناس في ذلك الحقّ المستأثر ، ودفع زمام الدين إلى أصحاب الأهواء ، كي يتلاعبوا في الشريعة كيفما شاءُوا ، وكيفما اقتضت مصلحتهم ومصلحة أسيادهم وأربابهم ، فذلك الحق المستأثر يقتضي ألاّ يتدخّل أحد في سلطان الله وحظيرته ، قال سبحانه : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة اِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلا مُبِيناً)(2) .

والمبتدع يتصرّف في التشريع الإسلامي فيجعل منه حلالا وحراماً بدون إذن منه سبحانه في ذلك . يقول تعالى :

( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلا قُلْ ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(3) فالآية واردة في عمل المشركين; حيث جعلوا ما أنزل الله لهم من الرزق بعضه حراماً وبعضه حلالا ، فحرّموا السائبة والبحيرة والوصيلة ونحوَها ، لذا يردّ عليهم سبحانه : ( ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) أي أنّه لم يأذن لكم في شيء من ذلك ، بل أنتم تكذبون على الله ، ثمّ يهدّدهم بالعذاب فيقول : ( وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ)(4) . ويؤكد عليه في آية أُخرى ويقول :( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذَا حَلاَلٌ وَهذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)(5) .


(1) يوسف :40 .
(2) الأحزاب : 36 .
(3) يونس : 59 .
(4) يونس : 60 .
(5) النحل : 116 .


(6)

إنّ أصحاب الأهواء في كلّ زمان حتّى في عصر الرسالة ، كانوا يقترحون على النبيّ الأكرم أن يغيّر دينه ، ويأتي بقرآن غير هذا ، لكي يكون مطابقاً لما تستهويه أنفسهم ، فأمر الله سبحانه أن يردّ اقتراحهم بقوله : ( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَآءِ نَفْسِي إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم)(1) .

وكان في عصر الرسالة من يتقدّم على الله ورسوله ، لا مشياً وإنّما يقدّم رأيه على الوحي فنزل الوحي مندِّداً بهم وقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ

يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(2) .

والكذب من المحرّمات الموبقة التي أوعدَ اللهُ عليها النار ، والبدعة من أفحش الكذب; لأنّها افتراء على الله ورسوله ، قال سبحانه : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)(3) . فالمبتدع يَظهر بزيّ المحق عند المسلمين; فيفتري على الله تعالى دون أن يكشفه الناس فيضلّهم عن الصراط المستقيم .

ومن المسلّم به أنّ لله في كلّ واقعة حكماً إلهيّاً لا يتبدّل ولا يتغيّر الى يوم القيامة ، فاذا حكم الحاكم وِفق ذلك الحكم فهو حاكم عادل معتمد على منصَّة الحق ، إلاّ أنّ المبتدع يحكم على خلاف ذلك الحق ، لذلك يصفه سبحانه بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً ، قال تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ)
وقال عزّ من قائل : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وقال تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(4) .


(1) يونس : 15 .
(2) الحجرات : 1 .
(3) الأنعام : 21 .
(4) المائدة : 44 ،45 ،46 .


(7)

فما حال إنسان يحكم عليه القرآن بالكفر تارة ، والظلم ثانياً والفسق ثالثاً؟ فهل ترجى له النجاة بعد أن أضلّ كثيراً من الناس ، وشقّ صفوف المسلمين ، وجعل السبيل الواحد سُبُلا كثيرة تضلّهم إلى مهاوي الهالكين .

ولعلّ هذا القدر من التقديم يكفي في بيان موضع البدعة وموقِف الله تعالى من المبتدع ، ولأجل ذلك نرى أنّ النبيّ الأكرم قد شدّد على البدعة أو ندّد بالمبتدع بأفصح العبارات وأبلغها كما سيتّضح ذلك في الروايات الآتية .

وقد ألّف العلماء قديماً وحديثاً كتباً ورسائل حول البدعة نذكر بعضها :

1 ـ البدع والنهي عنها ، لابن وضّاح القرطبي .

2 ـ الحوادث والبدع ، للطرطوشي .

3 ـ الباعث ، لأبي شامة .

4 ـ الاعتصام ، لأبي إسحاق الشاطبي الغرناطي في جزءين وقد أسهبَ الكلام فيها .

5 ـ البدعة أنواعها وأحكامها ، لصالح بن فوزان بن عبد الله فوزان طبع الرياض .

6 ـ البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها ، تأليف الدكتور عبد الملك السعدي طبع بغداد .

7 ـ البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق ، تأليف الدكتور عبد الملك السعدي طبع بغداد .

8 ـ البدع ، تأليف أبي الحسين محمّد بن بحر الرُّهني الشيباني ، ذكرها النجاشي في رجاله برقم 1044 .

9 ـ البدع المحدثة ، للشريف أبو القاسم الكوفي المتوفّى بفسا سنة 352 هـ وطبع باسم الاستغاثة ، في النجف الأشرف .


(8)

10 ـ البدع ، تأليف الدكتور الشيخ جعفر الباقري ، وهي دراسة موضوعية لمفهوم البدعة وتطبيقاتها على ضوء منهج أهل البيت.

ومع احترامنا وتكريمنا لجهودهم ، إلاّ أنّ أغلب هؤلاء الكُتّاب نظروا إلى المسألة على أساس إمام مذهبهم . فالأوّل والثاني من هذه الكتب اعتمدا على رأي الإمام مالك ـ رضى الله عنه ـ كما أنّ الكتاب الخامس اتّخذ من مذهب ابن تيمية مقياساً في حكمه ، فخرج بنفس النتيجة التي خرج بها إمام مذهبه .

وأمّا الإمام الشاطبي فقد أطنب وأسهب كثيراً في تأليفه ولم يركّز على نفس البدعة تحديداً ومصداقاً .

ودراسة البدعة تتوقّف على دراسة منهجيّة غير منحازة لمذهب خاص ،

وهذا يتوقّف على الاجتهاد الحرّ ، من دون أن يتّخذ رأي إمام مِحوراً ، ورأي
إمام آخر مسنداً ، بل ينظر إلى الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين نظرة عامة شمولية فاحصة .

نعم لا تفوتنا الإشارة إلى المِيزة الموجودة فيما كتبه الدكتور السعدي ، فقد أفاض الكلام في الجزئيات التي ربّما وصفت بالبدعة ، وأثبت بدليل قاطع كونها غير بدعة ، كما لا تفوتنا الإشادة بمنهجيّة البحث في كتاب الدكتور عزّت علي عطية ، والذي نال به درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأُولى ، ولكنّه في بعض المواضيع افتقد الشجاعة الأدبيّة ولم يتجرّأ على تجاوز الخطوط الحمراء التي فرضتها عليه البيئة ، فتراه يتوقّف في التوسّل بالنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مع تضافر الروايات على جوازه .

وللجميع منّا الشكر الجزيل ، ولكن الحقيقة بنت البحث فلا عتب علينا إذا ناقشنا بعض آرائهم نتيجة الاجتهاد الحرّ ، رزقنا الله توحيد الكلمة كما رزقنا كلمة التوحيد .


(9)

المبحث الأوّل
نصوص البدعة في الكتاب والسنّة

اتّفقت الأدلّة الشرعيّة على حرمة البدعة ، وقد ذكرنا في المقدّمة قسماً وافراً من الآيات الكريمة وسنأتي بذكر ما تبقى منها :

البدعة في الكتاب

1 ـ قال سبحانه : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)(1) .

فالآية تعتبر الرهبانية من مبتدعات الرهبان التي لم تكن مفروضة عليهم من قبل ، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم وسيوافيك تفسير الاستثناء في مبحث تحديد البدعة .

2 ـ ( إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء إنَّمَا أَمْرُهُمْ إلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)(2) .


(1) الحديد : 27 .
(2) الأنعام : 159 .


(10)

وقد فُسّرت الآية بأهل الضلالة وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الأُمّة . قال الطبرسي : «ورواه أبو هريرة وعائشة مرفوعاً ، وهو المروي عن الباقر _ عليه السلام _  ، جعلوا دين الله أدياناً لإكفار بعضهم بعضاً وصاروا أحزاباً وفِرَقاً ، ويخاطب سبحانه نبيّه بقوله : ( لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء) وإنّه على المباعدة التامّة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة ، وليس كذلك بعضهم مع بعض; لأنّهم يجتمعون في معنى من معانيهم الباطلة ، وإن افترقوا في شيء فليس منهم في شيء; لأنّه بريءٌ من جميعهم»(1) .

3 ـ ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض)(2) .

والآية بعموم لفظها تبيّن أنواع النُّذُر التي أنذر الله بها عباده ، فتبدأ من بعث العذاب من فوق ، إلى بعثه من تحت الأرجل ، وتنتهي بتمزيق الجماعة إلى شيع ، فتفرّق الأُمّة إلى فرق وشِيَع يعادل إنزال العذاب عليها من كلّ جهاتها . قال الحسن البصري : «التهديد بإنزال العذاب والخسف يتناول الكفّار ، وقوله : ( أَو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً) يتناول أهل الصلاة»(3) .

وقال مجاهد وأبو العالية : إنّ الآية لأُمّة محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _  ، أربع; ظهر اثنتنان بعد وفاة رسول الله فأُلبسُوا شِيعاً وأُذيق بعضكم بأس بعض وبقيت اثنتان(4) .

4 ـ ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلهاً وَاحِداً لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(5) .


(1) مجمع البيان 2  : 389 .
(2) الأنعام : 65 .
(3) المصدر نفسه 2  : 315 .
(4) الاعتصام 2  : 61 .
(5) التوبة : 31 .


(11)

يظهر ممّا رواه الطبري وغيره أنّهم كانوا مشركين في مسألة التقنين ، روي عن الضحاك : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ) أي قرّاءهم وعلماءهم ( أرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ) يعني سادة لهم من دون الله ، يُطيعونهم في معاصي الله ، فيُحلّون ما أحلّوه لهم ممّا قد حرّمه الله عليهم ، ويُحرّمون ما يحرّمونه عليهم ممّا قد أحلّه الله لهم .

وروي أيضاً عن عدي بن حاتم قال : انتهيت إلى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهو يقرأ في سورة براءة : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ) قال : قلت : يا رسول الله إنّا لسنا نعبدهم ، فقال : «أليس يُحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ، ويُحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟» قال : قلت : بلى ، قال : «فتلك عبادتهم»(1) .

البدعة في السنّة

روى الفريقان عن النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ حول البدعة والتشديد عليها روايات كثيرة نقتبس منها ما يلي :

1 ـ روى الإمام أحمد عن جابر قال : خطبنا رسول الله فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل له ثمّ قال : «أمّا بعد فانّ أصدقَ الحديث كتاب الله ، وإنّ أفضل الهدى هدى محمّد ، وشرّ الأُمور محدثاتها ، وكلّ بدعة ضلالة»(2) .

2 ـ روى أيضاً عن جابر قال : كان رسول الله يقوم فيخطب فيحمد الله ويُثني عليه بما هو أهله ويقول : «من يهدِ الله فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، إنّ خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هَديُ محمد_ صلى الله عليه وآله وسلم _ وشرّ الأُمور محدثاتها ، وكلّ محدثة بدعة»(3) .

3 ـ روى أيضاً عن عرباض بن سارية قال : صلّى بنا رسول الله الفجر ثمّ أقبل


(1) الطبري ، التفسير 10  : 80 ـ 81 .
(2) مسند أحمد 3  : 310 بيروت ، دار الفكر .
(3) المصدر نفسه  : ص 371 .


(12)

علينا فوعظنا موعظة بيّنة ، قال : «أُوصيكم بتقوى الله . . . وإيّاكم ومحدثات الأُمور; فإنّ كلّ محدثة بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة»(1) .

4 ـ روى ابن ماجة عن جابر بن عبد الله : كان رسول الله إذا خطب احمرّت عيناه ثمّ يقول : «أمّا بعد فإنّ خير الأُمور كتاب الله، وخير الهدى هَديُ محمّد ، وشرّ الأُمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة»(2) .

5 ـ روى مسلم في صحيحه : كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته ، واشتدّ غضبه ، حتى كأنّه منذر جيش ، يقول : «صبّحكم ومسّاكم ، ويقول : بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين ، ويقرن بين أصبعيه : السبابة والوسطى ، ويقول : أمّا بعد ، فانّ خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هديُ محمد ، وشرّ الأُمور محدثاتها ، وكلّ بدعة ضلالة ، ثمّ يقول : أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه ، من ترك مالا فلأهله ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ»(3) .

6 ـ روى النسائي قال : كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول في خطبته : «نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ،ثمّ يقول : من يهدِ الله فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، إنّ أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هديُ محمد ، وشرّ الأُمور محدثاتها ، وكلّ محدثة بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار ، ثمّ يقول : بعثت أنا والساعة كهاتين ، وكان إذا ذكر الساعة احمرّت وجنتاه ، وعلا صوته ، واشتدّ غضبه ، كأنّه نذير جيش ، يقول : صبّحكم ومسّاكم ، ثمّ قال : من ترك مالا فلأهله ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ ، (أو عليّ) وأنا أولى بالمؤمنين»(4) .


(1) المصدر نفسه 4  : 126 ; ولاحظ أيضاً ص 127 ، ولاحظ البحار 2  : 263 فقد جاءت فيها نفس النصوص وفي ذيلها : وكلّ ضلالة في النار .
(2) سنن ابن ماجة ج1، الباب7، باب اجتناب البدع، الحديث 45 ، ط دار إحياء التراث العربي 1395هـ .
(3) جامع الأُصول 5  : الفصل الخامس ، الخطبة رقم 3974 .
(4) المصدر نفسه .


(13)

7 ـ روى ابن ماجة : قال رسول الله : «لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً ولا صلاة ولا صدقة ولا حجّاً ولا عمرة ولا جهاداً»(1) .

8 ـ قال رسول الله : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»(2) .

قال الشاطبي : وهذا الحديث عدّه العلماء ثُلث الإسلام; لأنّه جمع وجوه المخالفة لأمره _ عليه السلام _ ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية(3) .

9 ـ روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»(4) .

10 ـ روى مسلم عن جرير بن عبد الله : «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فعُمل بها بعده ، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم شيء; ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة فعمل بها بعده، كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء»(5) .

11 ـ روى مسلم عن حذيفة أنّه قال : يا رسول الله هل بعد هذا الخير شرّ؟ قال : «نعم ، قوم يستنّون بغير سنّتي ويهتدون بغير هداي . . .»(6) .

12 ـ روى مالك في الموطأ من حديث أبي هريرة : أنّ رسول الله خرج إلى المقبرة فقال : «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ـ إلى أن قال : ـ فليُذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضالّ ، أُناديهم ألا هلمّ! ألا


(1) ابن ماجة ، السنن 1  : 19 .
(2) مسلم ، الصحيح 5  : 133 كتاب الأقضية الباب 8; مسند أحمد 6  : 270 .
(3) الاعتصام 1  : 68 .
(4) مسلم ، الصحيح 8  : 62 كتاب العلم; ورواه البخاري في الصحيح ج9  : كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة .
(5) مسلم ، الصحيح 8  : 61 كتاب العلم .
(6) مسلم ، الصحيح 5  : 206 كتاب الإمارة .


(14)

هلمّ! ألا هلمّ! فيقال : إنّهم قد بدّلوا بعدك ، فأقول : فسحقاً! فسحقاً! فسحقاً!»(1) . وعموم اللفظ يشمل أهل البدع أيضاً . وإن لم يرتدّوا عن الدين .

نكتفي بهذا القدر من الأحاديث التي رواها الحفاظ من المحدّثين من هذا الطريق ، وأمّا ما رواه أصحابنا عن النبي الأكرم أو عن أئمة أهل البيت فكثير وربما تكون هناك وحدة في المعنى واختلاف جزئي في التعبير :

13 ـ روى الكليني عن محمد بن جمهور رفعه قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «إذا ظهرت البدع في أُمتي فليظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة  الله»(2) .

14 ـ وبهذا الاسناد قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «من أتى ذا بدعة فعظّمه فإنّما يسعى في هدم الإسلام»(3) .

15 ـ وبهذاالاسنادقال : قال رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «أبى الله لصاحب البدعة التوبة» قيل : يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال : «إنّه قد اُشرِبَ قلبه حبّها»(4) .

16 ـ روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر _ عليه السلام _ قال : خطب أمير المؤمنين_ عليه السلام _ الناس فقال : «أيّها الناس إنّما بَدءُ وقوع الفتن ، أهواءٌ تُتَّبَع ، وأحكام تُبتدع ، يُخالَف فيها كتاب الله ، يتولّى فيها رجال رجالا ، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين ، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث ، فيمزجان فهناك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى»(5).

17 ـ روى الحسن بن محبوب رفعه إلى أمير المؤمنين _ عليه السلام _ أنه قال : «إنّ من


(1) الموطأ ، كتاب الطهارة ، الحديث 28 ، باب جامع الوضوء; مسلم ، الصحيح 1  : 150 كتاب الطهارة .
(2 ـ 5) الكافي 1  : 54 ـ 55 ح 2 و 3 و 4 و 1 باب البدع . ولفظ الأخير مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة  50 ، دون الكافي لكونه أتمّ .


(15)

أبغض الخلق إلى الله عزّوجلّ لَرَجلين : رجل وكّله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل ، مشغوف بكلام بدعة ، قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به ، ضالّ عن هدى من كان قبله ، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد موته ، حمّال خطايا غيره ، رهن بخطيئته»(1) .

18 ـ روى عمر بن يزيد عن الإمام الصادق _ عليه السلام _ أنّه قال : «لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم ، قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : المرء على دين خليله وقرينه»(2) .

19 ـ وروى داود بن سرحان عن الإمام الصادق _ عليه السلام _ قال : «قال رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _  : إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم ، وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيع . . .»(3) .

20 ـ قال أمير المؤمنين_ عليه السلام _ : «ما اختلفت دعوتان إلاّ كانت إحداهما ضلالة»(4).

21 ـ وقال _ عليه السلام _  : «ما أُحدثت بدعة إلاّ تُرك بها سنّة ، فاتّقوا البدع وألزموا المهيع ، إنّ عوازم الاُمور أفضلها ، وإنّ محدثاتها شرارها»(5) .

22 ـ قال الإمام الصادق_ عليه السلام _ : «من تبسّم في وجه مبتدع فقد أعان على هدم دينه»(6).

23 ـ قال _ عليه السلام _  : «من مشى إلى صاحب بدعة فوقّره فقد مشى في هدم الإسلام»(7) . وقد روي أيضاً باختلاف يسير «مضى» (تحت رقم 14) .


(1) الكافي 1  : 55 ح 6 باب البدع .
(2) و (3) الكافي 2  : 375 .
(4) و (5) البحار 2  : 264 الحديث 14 و 15 ; ولاحظ أيضاً 36  : 288 ـ 289 .
(6) البحار 8  : 23 الطبعة القديمة و 47  : 217 .
(7) البحار 2  : 304 ح 45.


(16)

24 ـ روي مرفوعاً عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول : «عليكم بسنّة ، فعمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة»(7) .

25 ـ قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكفهرّوا في وجهه; فانّ الله ليبغض كلّ مبتدع ، ولا يجوز أحد منهم على الصراط ، ولكن يتهافتون في النار مثل الجراد والذباب»(1) .

26 ـ وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «من غشّ أُمّتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين» قالوا : يا رسول الله وما الغشّ؟ قال : «أن يبتدع لهم بدعةفيعملوا بها»
(2) .

وللإمام عليّ _ عليه السلام _ في نهج البلاغة وراء ما نقلناه كلمات دُريّة في ذمّ البدعة ، نقتبس ما يلي :

27 ـ «فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هُدِيَ وهَدى فأقام سنّة معلومة ، وأمات بدعة مجهولة . . . وإنّ شرّ الناس عند الله إمام جائر ضلّ وضُلَّ به ، فأمات سنّة مأخوذة وأحيى بدعة متروكة»(3) .

28 ـ وقال : «أوّه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيَوا السنّة وأماتوا البدعة»(4) .

29 ـ وقال أيضاً : «وإنّما الناس رجلان : متّبع شرعة ، ومُبتدع بدعةً»(5) .

30 ـ وقال : «طوبى لمن ذلّ في نفسه وطاب كسبه ـ إلى أن قال : ـ وعزل عن


(1) البحار 2 : 261 ح 3 .
(2) و (3) جامع الأُصول 9  : 566 ; كنز العمال 1  : 221/1118 ويشتمل الأخير على أحاديث لم نذكرها وقد بثّها في الأجزاء التالية من كتابه : 8 ، 15 ، 7 ، 11 ، 2 ، 3 فلاحظ .
(4) نهج البلاغة : الخطبة 164 .
(5) المصدر نفسه : الخطبة 182 .
(6) المصدر نفسه : الخطبة 176 .


(17)

الناس شرّه وَوَسِعَتْهُ السنّة ولم يُنسب إلى البدعة»(1) .

هذا قسم ممّا وقفنا عليه من الروايات ، وهي كثيرة يفوتنا حصرها . وقد نقل الشاطبي قسماً وافراً من كلمات الصحابة والتابعين ومن أراد فليرجع إلى كتابه الاعتصام ونكتفي بهذا المقدار .


(1) المصدر نفسه : الحكمة 123 .


(18)

المبحث الثاني
البدعة لغة واصطلاحاً

لقد مضت نصوص الكتاب والسنّة في حرمة البدعة وآثارها الهدّامة ، ولأجل تحديد مفهومها تحديداً دقيقاً يلزمنا نقل أقوال أهل اللغة وكلمات الفقهاء والمحدّثين في تفسير البدعة ، حتى تلقي ضوءاً على ما نتبنّاه من الوقوف على مفهوم البدعة .

البدعة في لغة العرب :

قال الخليل : البدع; إحداث شيء لم يكن له من قبلُ خلق ولا ذكر ولا معرفة . . . البدع : الشيء الذي يكون أوّلا في كلّ أمر كما قال الله : ( مَا كُنْتُ بِدعاً مِنَ الرُّسُلِ) أي لست بأوّل مرسل ، والبدعة اسم ما ابتدع من الدين وغيره ، والبدعة ما استحدث بعد رسول الله من الأهواء والأعمال(1) .

وقال ابن فارس : البدع له أصلان; ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال ، والآخر الانقطاع والكلال(2) .


(1) ترتيب كتاب العين  : ص 72 .
(2) المقاييس 1  : 209 مادة «بدع» .


(19)

والمقصود في المقام هو المعنى الأوّل .

وقال الراغب : الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء ، والبدعة في المذهب إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدّمة وأُصولها المتقنة(1) .

وقال الفيروز آبادي : البدعة ـ بالكسر ـ الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعد النبي من الأهواء والأعمال(2) .

إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة للّغويين ، ولا نطيل الحديث بنقل غير ما ذكر .

والإمعان في هذه الكلمات يثبت بأنّ البدعة في اللغة وإن كانت شاملة لكلّ جديد لم يكن له مماثل سواء أكان في الدين ، أم العادات ، كالأطعمة والألبسة والأبنية والصناعات وما شاكلها ، ولكن البدعة التي ورد النص على حرمتها هي ما استحدثت بعد رسول الله من الأهواء والأعمال في أُمور الدين ، وينصّ عليه الراغب في قوله : «البدعة في المذهب إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه» ، ونظيره قول القاموس : «الحدث في الدين بعد الإكمال» .

كل ذلك يعرب عن أنّ إطار البدعة المحرّمة ، هو الإحداث في الدين ، ويؤيّده قوله سبحانه في نسبة الابتداع إلى النصارى بإحداثهم الرهبانية وإدخالهم إيّاها في الديانة المسيحية ، قال سبحانه : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)(3) .

فقوله سبحانه : ( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) يعني ما فرضناها عليهم ولكنّهم نسبوها


(1) المفردات  : ص 38 و39 .
(2) القاموس المحيط 3  : 6 .
(3) الحديد : 27 .


(20)

إلينا عن كذب .

وأمّا التطوير في ميادين الحياة وشؤونها فإن كان بدعة لغة فليس بدعة شرعاً بل يتبع التطوير في الحياة جوازاً ومنعاً الحكم الشرعي بعناوينه ، فإن حرّمه الشرع ولو تحت عنوان عام فهو محرّم ، وإلاّ فهو حلال; لحاكمية أصل البراءة ما لم يرد دليل على الحرمة . وسيوافيك تفصيلها في المستقبل .

البدعة في اصطلاح العلماء

لا ريب أنّ البدعة حرام ، ولا يشك في حرمتها مسلم واع ، لكن المهم في الموضوع تحديدها وتعيين مفهومها بشكل دقيق ، حتى تكون قاعدة كليّة يرجع إليها عند الشك في المصاديق ، فإنّ واجب الفقيه تحديد القاعدة ، وواجب غيره تطبيقها على مواردها ، وهذا الموضوع من أهمّ المواضيع فيها .

وقد عُرفت البدعة بتعاريف مختلفة ، بين متشدد لا يتسامح فيها ، وبين متسامح في تعريفها ، وإليك بعضها :

1 ـ البدعة : ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه ، أمّا ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً ، وإن كان بدعة لغة(1) .

2 ـ البدعة : أصلها ما أُحدث على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابل السنّة فتكون مذمومة(2) .

ويقول ابن حجر في موضع آخر : المحدثات جمع محدثة ، والمراد بها أي في


(1) جامع العلوم والحكم  : ص 160 ط الهند .
(2) فتح الباري 5  : 156 .


(21)

حديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»; ما أُحدث وليس له أصل في الشرع يسمّى في عرف الشرع بدعة ، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة(1) .

3 ـ البدعة لغة : ما كان مخترعاً ، وشرعاً : ما أُحدث على خلاف أمر الشرع ودليله الخاص أو العام(2) .

4 ـ البدعة في الشرع موضوعه : الحادث المذموم(3) .

5 ـ إنّ البدعة الشرعية هي : التي تكون ضلالة ، ومذمومة(4) .

6 ـ البدعة : طريقة في الدين مخترعة ، تضاهي الشرعية ، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية .

وعرّفه الشاطبي أيضاً في مكان آخر بنفس ذلك وأضاف في آخره : «يقصد بالسلوك عليها : المبالغة في التعبّد لله تعالى»(5) . وما أضافه ليس أمراً كليّاً كما سيوافيك عند البحث عن أسباب نشوء البدعة ودواعيها .

وهذه التعاريف ، تحدّد البدعة تحديداً ، وتصوّر لها قسماً واحداً . والمحدود في هذه التعاريف هو البدعة في الشرع والدين الإسلامي ، والتدخّل في أمر التقنين والتشريع .

وهناك من حدّدها ثمّ قسّمها إلى : محمودة ومذمومة ، منهم :

1 ـ عن حرملة بن يحيى ، قال : سمعت الشافعي ـ رحمه الله ـ يقول : «البدعة بدعتان :


(1) فتح الباري 17 : 9 .
(2) التبيين بشرح الأربعة  : ص 221 .
(3) الإبداع : 22 .
(4) أحسن الكلام  : ص 6 .
(5) الاعتصام 1  : 37 .


(22)

بدعة محمودة وبدعة مذمومة ، فما وافق السنّة فهو محمود وما خالف السنّة فهو مذموم» .

2 ـ وقال الربيع : قال الشافعي ـ رحمه الله ـ  : «المحدثات من الأُمور ضربان : أحدهما يخالف كتاباً أو سنّة أو إجماعاً أو أثراً ، فهذه البدعة الضلالة .

والثاني : ما أُحدث من الخبر لا خلاف فيه لواحد من هذا ، فهي محدثة غير مذمومة»(1) .

3 ـ قال ابن حزم : «البدعة في الدين; كلّ ما لم يأت في القرآن ، ولا عن رسول الله ، إلاّ أنّ منها ما يؤجر عليه صاحبه ويُعذّر بما قصد إليه من الخير ، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ويكون حسناً وهو ما كان أصله الإباحة ، كما روي عن عمر ـ رضى الله عنه ـ  : «نعمت البدعة هذه ـ إلى أن قال  : ـ ومنها ما يكون مذموماً ، ولا يُعذَّر صاحبه ، وهو ما قامت الحجة على فساده فتمادى القائل به»(2) .

4 ـ وقال الغزالي : «وما يقال : إنّه أُبدع بعد رسول الله ، فليس كل ما أبدع منهياً بل المنهي عنه بدعة تضاد سنّة ثابتة ، وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علّته ، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيّرت الأسباب»(3) .

5 ـ وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح المشكاة : «اعلم أنّ كل ما ظهر بعد رسول الله بدعة ، وكلّ ما وافق أُصول سنّته وقواعدها أو قيس عليها فهو بدعة حسنة ، وكلّ ما خالفها فهو بدعة سيّئة وضلالة»(4) .

6 ـ وقال ابن الأثير : «البدعة بدعتان : بدعة هدى ، وبدعة ضلال ، فما كان في


(1) فتح الباري 7 : 10 .
(2) الفصل في الملل والنحل كما في البدعة للدكتور عزت  : 161 .
(3) الاحياء 2  : 3 ط الحلبي .
(4) الكشّاف لاصطلاحات الفنون كما في البدعة للدكتور عزت  : 162 .


(23)

خلاف ما أمر الله به ورسوله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ فهو في حيز الذم والإنكار ، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه ، وحثّ عليه الله أو رسوله فهو في حيّز المدح . وما لم يكن له مثال موجود ، كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف ، فهو من الأفعال المحمودة ، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به; لأنّ النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد جعل له في ذلك ثواباً فقال : «من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها» وقال في ضدّه : «ومن سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها» وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  .

ومن هذا النوع قول عمر ـ رضى الله عنه ـ  : «نعمت البدعة هذه (التراويح) لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح» سمّاها بدعة ومدحها ، إلاّ أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يسنّها لهم وإنّما صلاّها ليالي ثمّ تركها ولم يحافظ عليها ، ولا جمع الناس لها ، ولا كانت في زمن أبي بكر ، وإنّما عمر ـ رضى الله عنه ـ جمع الناس عليها وندبهم إليها ، فبهذا سمّاها بدعة ، وهي على الحقيقة سنّة ، لقوله_ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي» وقوله : «اقتدوا باللّذين من بعدي : أبي بكر وعمر» وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر : «كل محدثة بدعة» إنّما يريد ما خالف أُصول الشريعة ولم يوافق السنّة . وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم»(1) .

هذه كلمات أعلام السنّة وإليك ما ذكره أصحابنا في الموضوع مقتصراً على نماذج منها :

7 ـ قال السيد المرتضى : «البدعة : الزيادة في الدين أو نقصان منه من إسناد إلى الدين»(2) .


(1) النهاية 1  : 79 وكلامه صريح في أنّ النبيّ لم يصلّها جماعة إلاّ ليال وتركها ، وإن أقامتها جماعة كانت من سنّة عمر ، إذ للخليفتين ـ حسب الرواية ـ حقّ التسنين الذي يعبّر عنه بسنّة الصحابي .
(2) الشريف المرتضى ، الرسائل 2  : 264 .


(24)

8 ـ قال العلاّمة في المختلف : «إنّ الأذان عبادة متلقّاة من الشرع; فالزيادة عليها بدعة كالنقصان ، وكلّ بدعة حرام»(3) .

9 ـ قال الشهيد السعيد محمد بن مكي العاملي (ت786 هـ) : «محدثات الأُمور بعد عهد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تنقسم أقساماً ، لا يطلق اسم البدعة عندنا إلاّ على ما هو محرّم منها»(1) .

ومع ذلك كلّه فقد خالف الشهيد كلامه في كتاب الذكرى ، وقال :

10 ـ «إنّ لفظ البدعة غير صريح في التحريم; فانّ المراد بالبدعة ما لم يكن في عهد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ثمّ تجدّد بعده ، وهو ينقسم إلى : محرّم ومكروه» .

11 ـ قال الطريحي (ت1086 هـ) : «البدعة : الحدث في الدين وما ليس له أصل في كتاب ولا سنّة . وإنّما سمّيت بدعة; لأنّ قائلها ابتدع هو نفسه ، والبِدَع ـ بالكسر والفتح ـ  : جمع بدعة ومنه الحديث «من توضّأ ثلاثاً فقد أبدع» أي فعل خلاف السنّة; لأنّ ما لم يكن في زمنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فهو بدعة»(2) .

12 ـ وقال المجلسي (ت1110 هـ) : «البدعة في الشرع : ما حدث بعد الرسول ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ، ولا يكون داخلا في بعض العمومات ، أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً; فلا تشمل البدعة ما دخل في العمومات مثل بناء المدارس وأمثالها ، الداخلة في عمومات إيواء المؤمنين وإسكانهم وإعانتهم ، وكإنشاء بعض الكتب العلمية ، والتصانيف التي لها مدخل في العلوم الشرعية ، وكالألبسة التي لم تكن في عهد الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والأطعمة المحدثة; فإنّها داخلة في


(1) المختلف 2  : 131 .
(2) القواعد والفوائد 2 : 144 ـ 145 القاعدة 205. وقد ذكر الأقسام الخمسة غير واحد من الفقهاء منهم القرافي في الفروق 4  : 202 ـ 205 . وسيوافيك الكلام في عدم صحة هذا التقسيم .
(3) مجمع البحرين ج1  : مادة «بدع» لاحظ «ترتيب المجمع» .


(25)

عمومات الحليّة ، ولم يرد فيها نهي .

وما يفعل منها على وجه العموم إذا قصد كونها مطلوبة على الخصوص كان بدعة ، كما أنّ الصلاة خير موضوع ويستحبّ فعلها في كلّ وقت . ولو عيّن ركعات مخصوصة على وجه مخصوص في وقت معيّن صارت بدعة ، وكما إذا عيّن أحد سبعين تهليلة في وقت مخصوص على أنّها مطلوبة للشارع في خصوص هذا الوقت بلا نصّ ورد فيها كانت بدعة ، وبالجملة إحداث أمر في الشريعة لم يرد فيه نصّ بدعة ، سواء كانت أصلها مبتدعة أو خصوصيتها مبتدعة» ثمّ ذكر كلام الشهيد عن قواعده(1) .

13 ـ وقال المحدّث البحراني (ت1186 هـ) : «الظاهر المتبادر من البدعة لاسيما بالنسبة إلى العبادات إنّما هو المحرّم ، ولما رواه الشيخ الطوسي عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الصادقين ـ عليهما السلام ـ  : «ألا وإنّ كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار»(2) .

14 ـ وقال المحقق الآشتياني (ت1322 هـ) : البدعة; «إدخال ما علم أنّه ليس من الدين في الدين ولكن يفعله بأنّه أمر به الشارع»(3) .

15 ـ وقال أيضاً : «البدعة : إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين»(4) .

16 ـ وقال السيد محسن الأمين (ت1371 هـ) : «البدعة : إدخال ما ليس من الدين في الدين كإباحة محرّم أو تحريم مباح ، أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبة ، أو نحو ذلك سواء كانت في القرون الثلاثة أو بعدها ، وتخصيصها بما بعد القرون الثلاثة


(1) البحار 74  : 202 ـ 203 .
(2) الحدائق 10  : 180 ; وسائل الشيعة 5  : 192 ذح1 .
(3) و (4) بحر الفوائد  : 80 وترى قريباً من هذه الكلمات في فرائد الشيخ الأنصاري  : 30 وفوائد الأُصول للمحقق النائيني 2  : 130 .


(26)

لا وجه له ، ولو سلّمنا حديث «خير القرون قرني» فإنّ أهل القرون الثلاثة غير معصومين بالاتّفاق . وتقسيم بعضهم لها إلى حسنة وقبيحة ، أو إلى خمسة أقسام ليس بصحيح ، بل لا تكون إلاّ قبيحة . ولا بدعة فيما فهم من إطلاق أدلّة الشرع أو عمومها أو فحواها أو نحو ذلك ، وإن لم يكن موجوداً في عصر النبيّ»(1) .

تلك ستة عشر نصّاً من كلمات مشاهير علماء الإسلام ، فمنهم من خصّ بالتعريف بالبدعة في الدين فجعله قسماً واحداً ، ومنهم عمّمها فقسّمها إلى ممدوحة ومذمومة ، والحافز الوحيد إلى ذاك ، هو اقتفاء قول عمر في صلاة التراويح ، ولولا صدور ذاك لما خطر ببال هؤلاء هذا التقسيم .

ويبدو أنّ أوضح التعاريف ما نقلناه عن العلمين : الآشتياني والسيد الأمين; فإنّهما. أتيا باللبّ ، وحذفا القشر ، فمقوّم البدعة هو التصرّف في الدين عقيدة وتشريعاً; بإدخال ما لم يعلم أنّه من الدين فيه ، فضلا عمّا علم أنّه ليس منه قطعاً . والذي يؤخذ على تعريفهما أنّه لا يشمل البدعة بصورة النقص كحذف شيء من أجزاء الفرائض .


(1) كشف الارتياب  : 143 .


(27)

المبحث الثالث
تحديد مفهوم البدعة ومقوّماتها

إنّ الأمر المهم بعد الوقوف على النصوص ، هو تحديد مفهوم البدعة التي
وقعت موضوعاً للحكم الشرعي كسائر الموضوعات الواردة في المصدرين الرئيسيّين ، فما لم تحدّد ولم نقف على مفهومها الدقيق وعلى ما هو معتبر في
صميمها عند الشرع ، لا يمكن لنا تطبيق الحكم الكلّي على مصاديقها ومواضيعها . وقد اتّضح بعد دراسة الأدلّة أنّ قيود البدعة التي هي الموضوع لدى الشرع ثلاثة ، نذكرها بالتدريج :

الأوّل : التدخّل في الدين عقيدة وحكماً ، بزيادة أو نقيصة .

الثاني : أن تكون هناك إشاعة ودعوة .

الثالث : أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدعم جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم .

وإليك دراسة هذه القيود المكوّنة لمفهوم البدعة التي اتّخذها الكتاب والسنّة موضوعاً للحكم .


(28)

1 ـ التدخّل في الدين بزيادة أو نقيصة

هل إنّ الموضوع في المصدرين هو نفس البدعة أو خصوص البدعة في الدين؟ فلو قلنا بأنّ الموضوع نفسُ البدعة بسيطاً ، سواء كان الإحداث والإبداع راجعاً إلى صميم الدين أو غيره ، فيكون الحكم بحرمة ذلك الموضوع الواسع أمراً غير ممكن ، ولأجل ذلك لجأ أصحاب ذلك القول إلى تقسيمها إلى أقسام خمسة حسب انقسام الأحكام .

وأمّا إذا كان الموضوع هو الأمر المركّب ، أي البدعة في الدين ، فذلك له حكم واحد لا يقبل التخصيص . إلاّ أنّ صحة إحدى النظرتين متوقفة على دراسة الآيات والروايات . وقد اتّضح ممّا سبق ، عند استعراض النصوص ، أنّ الموضوع في الكتاب والسنّة هو البدعة في الدين لا مطلقها ، فلو كان الكتاب والسنّة يتكلّمان فيها فإنّما يتكلّمان فيها باسم الدين والشريعة وعن البدعة فيهما ، لأنّ كلّ متكلّم إنّما يتكلّم في إطار اختصاصه ومقامه وحسبَ شأنه ، فالكتاب العزيز كتاب إلهي جاء لهداية الناس وإلى ما فيه مرضاة الله بتشريعه القوانين والسنن ، والنبيّ الأكرم مبعوث لتبيان ذلك الكتاب بأقواله وأفعاله وتقريراته ، قال تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(1) .

وعلى ضوء ذلك فإنّ الكتاب والسنّة يتكلّمان بتلك الخصوصية التي يمتلكانها ، فإذا تكلّما عن البدعة فإنّما يتكلّمان عن البدعة الواردة في حوزتهما ، وقيد الدين والشريعة وإن لم يذكرا في متون النصوص غالباً; لكنّهما مفهومان من القرائن الموجودة فيها ، فلا عبرة بالإطلاق بعد القرائن الحافّة على الكلام ، هذا ما نستنبطه


(1) النحل : 44 .


(29)

من مجموع الخطابات الواردة في الأدلّة . وإليك بيان ودراسة تلك الأدلّة تفصيلا :

1 ـ تضافرت الآيات على ذمّ عمل المشركين حينما كانوا يقسمون رزق الله إلى ما هو حلال وحرام فجاء الوحي مندِّداً بقوله : ( قُلْ ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(1) وفي آية أُخرى يعدّ عملهم افتراءً على الله كما يقول : ( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذَا حَلاَلٌ وَهذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ)(2) ومن المعلوم أنّ المشركين كانوا ينسبون الحكمين إلى الله سبحانه ، وأنّه سبحانه قد جعل منه حلالا وحراماً ، فكان عملهم بدعة في الدين .

2 ـ وقفت في التمهيد ، أنّه سبحانه يصف من لم يحكم بما أنزل الله ، بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً ومن المعلوم أنّ أحبار اليهود كانوا يحرّفون الكتاب فيصفون ما لم يحكم به الله ، بكونه حكم الله ، قال سبحانه : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)(3) فقوله ( هذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ) صريح في أنّهم كانوا يتدخّلون في الشريعة الإلهية فيعرِّفون ما ليس من عند الله على أنّه من عند الله ، وهذا يؤكد بأنّ الموضوع في هذه الآية وأمثالها هو البدعة في الدين لا مطلقها .

3 ـ ذمّ الله سبحانه الرهبان لابتداعهم ما لم يكتب عليهم ، قال سبحانه : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)(4) ومعنى الآية أنّهم كانوا ينسبون الرهبانية إلى شريعة المسيح مدّعين بأنّه هو الذي شرع لهم ذلك العمل ، والقرآن يردّهم بقوله : ( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) .

4 ـ أنّه سبحانه وصف أهل الكتاب بأنّهم اتّخذوا رهبانهم وأحبارهم أرباباً


(1) يونس : 59 .
(2) النحل : 116 .
(3) البقرة : 79 .
(4) الحديد : 27 .


(30)

من دون الله ، وقد فسّره النبيّ الأكرم بأنّهم كانوا يحرّمون ما أحلّ الله فيتبعونهم أتباعهم ، أو يحلّلون ما حرّم الله عليهم فيقبلونه بلا تردّد ، ومن المعلوم أنّ الأحبار والرهبان كانوا يعرِّفون ما تخيّلوه من الحرام والحلال على أنّه حكم الله سبحانه ، وليس هذا إلاّ بدعة في الشرع ، وتدخلا في أمر الشريعة .

وإذا تدبّرت في هذه الآيات وأمثالها يتّضح لك أنّ الآيات تدور حول محور واحد هو البدعة في الدين لا مطلقها ، ولا يضرّ عدم ذكر القيد في اللفظ; إذ هو مفهوم من القرائن القطعية .

ثمّ إنّ في قوله : ( إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ) وجهين : فمنهم من يجعله استثناءً منقطعاً ، أي ما كتبنا عليهم الرهبانية وإنّما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله ، ومنهم من يجعله استثناءً متّصلا ، بمعنى أنّه سبحانه كتب عليهم أصل الرهبانية ، لأجل كسب رضوان الله ، ولكنّهم لم يراعوا حقّها; فتكون البدعة على الأوّل نفس الرهبانية وعلى الثاني الخروج عن حدودها .

هذا كلّه حول الآيات ، وأمّا السنّة ، ففيها قرائن كثيرة تعطي نفس المفهوم الذي أعطته الآيات ، وإليك تلك القرائن .

1 ـ ففي الرواية الأُولى يبتدئ النبي كلامه بقوله : «أصدق الحديث كتاب الله، وأفضل الهدى هدي محمد» وهذا يدلّ على أنّ ما اتّخذه النبي موضوعاً للبحث هو ما يرجع إلى كتاب الله وهدي نبيّه ، فإذا قال بعده : «وشرّ الأُمور محدثاتها» يكون المراد ما دخل في الشريعة من أُمور ، وإذا قال : «كلّ بدعة ضلالة» ، أي البدعة فيما يتكلّم عنه ، ومن المعلوم أنّه يتكلّم عن دعوته وشريعته ، فتحوير كلامه إلى مطلق البدعة ، وإن لم يمسّ الكتاب والسنّة ، تأويل للظاهر بلا دليل .

2 ـ ثمّ إنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يحكم على كلّ بدعة بالضلال ، ومن المعلوم أنّه لا يصدق إلاّ على البدعة في الشريعة ، وأمّا غيرها فهي على أقسام كما قالوا .


(31)

3 ـ روى مسلم في صحيحه أنّ رسول الله إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته ، واشتدّ غضبه كأنّه منذرُ جيش ثمّ يقول : «أمّا بعد فانّ خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد . ..» ومن المعلوم أنّ الأرضية الصالحة لثوران غضبه ليس إلاّ تدخّل المبتدع في شريعته ، لا مطلق التدخل في شؤون الحياة وإن لم تمسّ دينه ، خصوصاً إذا كان في مصلحة الإنسان .

4 ـ إنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصف البدعة بالضلالة وقال : «إنّ صاحبها في النار» ولا تصدق تلك القاعدة إلاّ على صاحب البدعة في الشريعة .

5 ـ إنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عندما رأى أنّ رجالا يُذادون عن حوضه فأخذ

يناديهم بقوله : «ألا هلمّ ألا هلمّ ألا هلمّ» فإذا ينادي المنادي بقوله : «إنّهم قد بدّلوا بعدك» فيقول النبي : «فسحقاً! فسحقاً! فسحقاً!» ومن المعلوم أنّه قد بدلّوا دين الرسول وشريعته وإلاّ لما كانوا مستحقّين دعاءه بقوله : «فسحقاً . . .» .

6 ـ دلّت الروايات السابقة على أنّه إذا ظهرت البدع في الأُمّة فعلى العالم أن يظهر علمه وإلاّ فعليه لعنة الله .

7 ـ كما دلّت على أنّ صاحب البدعة لا تقبل توبته .

8 ـ وإنّ من زار ذا بدعة فقد سعى في هدم الإسلام .

9 ـ وأوضح من الكل خطاب الإمام علي _ عليه السلام _ حيث قال : «إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله» .

10 ـ وفي رواية أُخرى : «ما أُحدثت بدعة إلاّ تركت فيها سنّة ، فاتركوا البدع والزموا المهيع إنّ عوازم الأُمور أفضلها ، وإنّ محدثاتها شرارها»(1) .

11 ـ هذا ما تعطيه نصوص الكتاب والسنّة ، وتليهما نصوص لفيف من أهل اللغة التي سبق ذكرها ، مثل :


(1) قد سبقت مصادرها في نصوص البدعة في الكتاب والسنّة فلاحظ .


(32)

قول الخليل : والبدعة ما استحدثت بعد الرسول .

وقول الراغب : البدعة في المذهب إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة .

وقول الفيروزآبادي : البدعة : الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعد النبي من الأهواء والأعمال .

وتليه نصوص لفيف من الفقهاء ، نظير قول ابن رجب الحنبلي : البدعة ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه .

وقول ابن حجر العسقلاني : البدعة ما أُحدث وليس له أصل في الشرع .

وقول ابن حجر الهيتمي : البدعة ما أُحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص .

وقول الزركشي : البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة(1) .

ومن يدرس هذه النصوص جليلها ودقيقها يقف على أنّ موضوع البحث في جميع الأدلّة هو الأمر الذي يمتّ إلى الشريعة بصلة ، وأنّ الله سبحانه ونبيّه الصادع بالحق يهيبان بالمجتمع الإسلامي عن البدعة والكذب على الله ، والتدخّل في الكتاب والسنّة ، والتلاعب بما أنزل الله في مجالي العقيدة والشريعة ، وهذا أمر واضح لا غبار عليه ، وبذلك يختلف اتّجاهنا في تفسير النصوص عن غيرنا .

فإذا ثبت ذلك اتّضح أنّ البدعة ليس لها إلاّ قسم واحد ، ولها حكم واحد لا يُخصص ولا يُقيّد بل هو بمثابة لا يقبل التخصيص ، وهذا نظير قوله سبحانه : ( إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(2) فإنّ تلك القاعدة لا تقبل التخصيص أي يمتنع تجويز الظلم والشرك في مكان دون مكان ، نظير قوله سبحانه : ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ


(1) قد مضت النصوص في مواضعها .
(2) لقمان : 13 .


(33)

كَالْـُمجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(1) .

ثمّ إنّ النتيجة التي توصّلنا إليها قد توصّل إليها الشاطبي بطريقة أُخرى هذا موجزها :

«قال : الباب الثالث : في أنّ ذمّ البدع والمحدثات عام لا يخصُّ محدثة دون غيرها ـ إلى أن قال : ـ فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ ما تقدّم من الأدلّة حجّة في عموم الذمّ من أوجه :

أحدها : أنّها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة ، ولم يأت فيها ما يقتضي ، أنّ منها ما هو هدى ، ولا جاء فيها : كلّ بدعة ضلالة إلاّ كذا وكذا . ولا شيء من هذه المعاني فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها

الاستحسان ، أو أنّها لاحقة بالمشروعات ، لذكر ذلك في آية أو حديث ، لكنّه لا يُوجد ، فدلّ على أنّ تلك الأدلّة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكليّة التي لا يتخلّف عن مقتضاها فرد من الأفراد .

الثاني : أنّه قد ثبت في الأُصول أنّ كلّ قاعدة كليّة أو دليل شرعي كلّي إذا تكرّرت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أُصوليّة أو فروعية ، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص ، مع تكرّرها وإعادة تقررها ، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم ، كقوله تعالى : ( أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلاِْنْسَانِ إلاَّ مَا سَعَى)(2) ، فما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الأحاديث المتعدّدة أنّ كلّ بدعة ضلالة ، وأنّ كلّ محدثة بدعة ، وما كان نحو ذلك من العبارات
الدالّة على أنّ البدع مذمومة ، ولم يأت في آية ولا حديث ، تقييد ولا تخصيص ، ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها .

الثالث : إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمّها
كذلك ، وتقبيحها والهروب عنها ـ إلى أن قال : ـ فهو بحسب الاستقراء ، إجماع ثابت ، فدلّ على أنّ كلّ بدعة ليست بحقّ ، بل هي من الباطل .

الرابع : أنّ متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه ، لأنّه من باب مضادة الشارع وإطَّراح الشرع ، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح(3) وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذمّ ، إذ لا يصحّ في معقول ولا منقول استحسان مشاقّة الشارع»(4) .

إلى هنا تمّ الكلام في تحديد البدعة من حيث كون الموضوع بسيطاً ومركّباً ، ويترتّب عليه أنّه لا تعمّ البدعة غير الشريعة ، كالعادات والصناعات والأعلام وغيرها ، بل يستخرج حكمها من الكتاب والسنّة بنفس عناوينها ، لا بما هي بدعة ، فربّما تكون حلالا وأُخرى حراماً ، لكن ليس كلّ حرام بدعة . كما سيأتي .


(1) القلم : 35 .
(2) النجم : 38 ـ 39 .
(3) لا يخفى أنّ الإمام الشاطبي يقول في كلمته هذه بالحسن والقبح العقليين مع أنّه خلاف مذهبه ، لاحظ الصفحة 114 من الاعتصام .
(4) الاعتصام 1  : 141 ـ 142 .


(34)

2 ـ البدعة إشاعة ودعوة

إذا كانت البدعة هي إدخال ما ليس في الدين فيه أو نقصه منه في مجال العقيدة والشريعة; فهل يتحقّق مفهومها بقيام الشخص بذلك العمل; وحده في بيته ومنزله ، كأن يزيد في صلاته ما ليس فيها أو ينقص منها شيئاً ، أو أنّه ليس ببدعة وإن كان عمله باطلا وبفعله عاصياً؟ بل البدعة تتوقّف على إشاعة فكرة خاطئة في العقيدة ، أو عمل غير مشروع في المجتمع ودعوتهم إليه بعنوان أنّه من الشرع ، ولك أن تستظهر ذلك القيد من الآيات والروايات ، فإنّ عمل المشركين في التحليل


(35)

والتحريم لم يكن عملا شخصياً في الخفاء ، بل إنّ المُبتدع الأوّل قد أحدث فكرة وأشاعها ودعا الناس إليها ، كما كان الحال كذلك في الرهبان والأحبار ، ويشهد على ذلك بوضوح ما رواه مسلم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتّبعه ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»(1) .

ويدلّ عليه قول القائل يوم القيامة : «إنّهم قد بدّلوا بعدك»فإنّ تبديل الدين ، ليس عملا شخصياً بل هو عمل جماعي، إلى غير ذلك من القرائن الموجودة في الروايات .

الى هنا خرجنا بنتيجتين :

الأُولى  إنّ مصبّ البدعة في الأدلّة هو الدين والشرع .

الثانية : إنّ البدعة لا تنفك عن الدعوة إلى الباطل .

وإليك بيان القيد الثالث .

3 ـ عدم وجود أصل لها في الدين

العنصر الثالث المقوّم لمفهوم البدعة هو فقدان الدليل على جواز العمل بها ، لا في الكتاب ولا في السنّة ، وذلك ظاهر; إذ لو كان هناك دعم من الشارع للعمل; لما كان أمراً جديداً في الدين أو تدخّلا في الشرع ، ولأجل ذلك قلنا : إنّ أفضل التعاريف هو قولهم : «إدخال ما ليس من الدين في الدين» أو «إدخال ما لم يُعلم من الدين في الدين» .


(1) لاحظ المبحث الأوّل : نصوص البدعة في الكتاب والسنّة، الحديث التاسع .


(36)

وبعبارة واضحة : البدعة في الشرع : ما حدث بعد الرسول ، ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ، ولم يكن داخلا في بعض العمومات .

وإن شئت قلت : إحداث شيء في الشريعة لم يرد فيه نصّ ، سواء كان أصله مبتدعاً ، كصوم عيد الفطر ، أو خصوصيته مبتدعة كالإمساك إلى غسق الليل ناوياً به الصوم المفروض ، معتقداً بأنّه الواجب في الشرع . وفي النصوص السابقة للعلماء تصريح بذلك .

قال ابن حجر العسقلاني : «والمراد بالبدعة ، ما أحدث وليس له أصل في الشرع ، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة» .

قال ابن رجب الحنبلي : «البدعة : ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه ، أمّا ما كان له أصل في الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة»(1) .

وقال العلاّمة المجلسي : «البدعة في الشرع : ما حدث بعد الرسول ـ صلى الله عليه وآله

وسلم ـ ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ولا يكون داخلا في بعض العمومات، أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً»(1) .

وعلى ضوء ذلك تنحل هنا عويصة المصاديق التي ربّما تعدّ من البدعة; لعدم ورود نصّ خاصّ فيها ولكن تشملها العمومات بصورة كليّة ، فهذه لا تكون بدعة ، وذلك لأنّه لو كان هناك نصّ خاص; لأخرجه عن البدعة وهذا واضح جدّاً ، أمّا إذا لم يكن هناك نصّ خاصّ ، ولكن العمومات تشمله بعمومها فهذا ما نوضحه بالمثال التالي :

إنّ الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده عن الأعداء


(1) مضت النصوص في محلّها .
(1) البحار 74  : 202 .


(37)

أصل ثابت في القرآن الكريم ، قال سبحانه : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)(1) فإنّ قوله : ( مِنْ قُوَّة) مفهوم كلّي يشمل كيفية الدفاع ، ونوعيّة السلاح ، وشكل الخدمة العسكرية المتبعة في كلّ عصر ومصر ، فالجميع برمّته هو تطبيق لهذا المبدأ ، وتجسيد لهذا الأصل ، فالتسلّح بالغواصات والأساطيل البحريّة والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من أدوات الدفاع ، ليس بدعة بل تجسيد لهذا الأصل ومن حلاله .

وإنّ من يعد التجنيد العسكري بدعة فهو غافل عن حقيقة الحال ، فإنّ الإسلام يأمر بالأصل ويترك الصور والأشكال لمقتضيات العصور .

إلى هنا خرجنا بلزوم وجود قيود ثلاثة في تحقّق البدعة وصدقها :

1 ـ أن يكون تدخّلا في الشريعة وتصرّفاً فيها عقيدةً وحكماً .

2 ـ أن تكون هناك إشاعة بين الناس .

3 ـ أن لا يكون هناك أصل على المشروعية لا خاصّاً ولا عامّاً .

ويجمع الكلّ «القول في الدين بغير علم على الأغلب ، بل مع العلم بالخلاف ولكن يقدّم رأيه عليه ، بظنّ الإصلاح أو غيره من الحوافز» .

هذا هو تحديد البدعة بمفهومها الدقيق الذي نتّخذه قاعدة كليّة ، ونستكشف به حال الموضوعات التي تضاربت فيها الأقوال والأفكار بين موسِّع ومضيِّق . وسيوافيك شرحها .


(1) الأنفال : 60 .


(38)

المبحث الرابع
الابتداع في تفسير البدعة

لقد ارتحل النبيّ الأكرم إلى الرفيق الأعلى بعد أن أكمل الشريعة وبيّن جليلها ودقيقها وما تحتاج إليه الأُمّة إلى يوم القيامة ، قال سبحانه : ( اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِْسْلاَمَ دِيناً)(1) وحفاظاً على دينه وصيانته من التحريف والتبديل ، أمر التمسّك بالثقلين . ولم يرضَ للأُمّة غيرهما لئلاّ يكون الدين أُلعوبة بأيدي المغرضين والطامعين . والمقياس في تميّز البدعة عن السنّة هو الرجوع إلى الثقلين سواء أفسر بالكتاب والعترة ، كما هو المتضافر ، أم بالكتاب والسنّة ، كما رواه الإمام مالك في الموطأ بسند مرسل(2) ، والحديثان متقاربا المضمون; لأنّ العترة لا تنشد إلاّ السنّة النبويّة ، التي أخذوها كابر عن كابر إلى أن تصل إلى النبيّ الأكرم ، فما وافقهما فهو سنّة وما خالفهما فهو بين معصية وبدعة ، مع الفرق الواضح بينهما; فلو أُذيعت الفكرة أو شاع العمل بين الناس بها فتصير بدعة ، وإن اكتُفي بها من دون دعوة وإشاعة فهي معصية .


(1) المائدة : 3 .
(2) الموطّأ : 648/1619 .


(39)

بدعة «ما لم يكن في القرون الثلاثة»

ومن العجب أنّ أُناساً صاروا إلى تحديد البدعة وتمييزها عن السنّة ، ولكنهم جاءوا حين تحديدها ببدعة وفرية جديدة لا دليل عليها في الكتاب والسنّة ، وهي أنّ المقياس في تمييز البدعة عن السنّة هو القرون الثلاثة الأُولى بعد رحيل الرسول . فما حدث فيها فهو سنّة ، وما حدث بعدها فهو بدعة ، وإن تعجب فإليك نصّ القائل :

«وممّا نحن عليه ، أنّ البدعة ـ وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة ـ مذمومة مطلقة خلافاً لمن قال : حسنة وقبيحة ، ولمن قسّمها خمسة أقسام إلاّ إن أمكن الجمع بأن يقال : الحسنة ما عليها السلف الصالح شاملة للواجبة والمندوبة والمباحة ، وتكون تسميتها بدعة مجازاً ، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة للمحرّمة والمكروهة فلا بأس بهذا الجمع»(1) .

وهذه النظرية الشاذّة عن الكتاب والسنّة نظرية خاصّة استنتجها القائل ممّا رواه الشيخان في باب فضائل أصحاب النبيّ وإليك نصّهما :

روى البخاري قال : سمعت عمران بن الحصين يقول : قال رسول الله : «خير أُمّتي قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم» ، قال عمران : فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ، «ثمّ إنّ بعدكم قوماً ، يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يُؤتمنون ، ويَنذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن» .

وروى أيضاً عن عبد الله ـ رضى الله عنه ـ أنّ النبيّ قال : «خير الناس قَرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته» ، قال : قال


(1) الهدية السنية ، الرسالة الثانية  : ص 51 .


(40)

إبراهيم : وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار(1) .

إنّ الاحتجاج بهذه الرواية على أنّ الميزان في تمييز البدعة عن السنّة ، هو أنّ كلّ ما حدث في القرون الثلاثة الأُولى ليس ببدعة; وأمّا الحادث بعدها فهو بدعة; باطل بوجوه :

الأوّل : إنّ القرن في اللّغة هو النسل(2) وهو الأُمّة بعد الأُمّة وبهذا المعنى استعمل في القرآن الكريم ، قال سبحانه : ( فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)(3) وبما أنّ المتعارف في عمر كلّ نسل هو الستّون أو السبعون ، يكون المراد ، مجموع تلك السنين التي تتراوح بين 180 و 210 وأين هذا من تفسير الحديث بثلاثمائة سنة؟!

الثاني : على الرغم من اختلاف شرّاح الحديث في تفسير الرواية ، إلاّ أنّ جميعها لا يستفاد منها ما يتبنّاه الكاتب ، فبعض قال : إنّ المراد من القرن في قوله : «قرني» هو أصحابه ، ومن «الذين يلونهم» أبناءهم ومن «الثالث» أبناء أبنائهم .

وقال آخر : بأنّ قرنه ما بقيت عين رأته ، ومن الثاني ما بقيت عين رأت من رآه ، ثمّ كذلك .

وثالث قال : إنّ قرنه الصحابة ، والثاني التابعون ، والثالث تابعوهم(4) .

وعلى كلّ تقدير تكون المدّة أقلّ من ثلاثة قرون ، حتى لو أخذنا بالقول الأخير الذي هو أعمّ الأقوال وأوسعها . فإنّ آخر من مات من الصحابة هو أبوالطفيل ، وقد اختلفوا في تاريخ وفاته على أقوال : فقيل : أنّه توفّي سنة  120 أو


(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7  : 6 باب فضائل أصحاب النبي ; صحيح مسلم بشرح النووي 8  : 84 ـ 85 .
(2) لسان العرب 13 : 333 مادة «قران» .
(3) الأنعام : 6 .
(4) صحيح مسلم ، شرح النووي 16  : 85 .


(41)

دونها أو فوقها بقليل، وأمّا قرن التابعين فآخر من توفّي منهم كان عام  170 أو 180 وآخر من عاش من أتباع التابعين ممّن يقبل قوله ، من توفّي حدود 220 ، فيقل عن ثلاثة قرون بثمانين سنة ، وهذا كثير جدّاً ، ولأجل عدم انطباقه على ثلاثة قرون قال ابن حجر العسقلاني : «وفي هذا الوقت 220 هـ ظهرت البدع فاشياً ، وأطلقت المعتزلة ألسنتها ، ورفعت الفلاسفة رؤوسها ، وامتُحِن أهل العلم ليقولوا بخَلْق القرآن ، وتغيّرت الأحوال تغيّراً شديداً ولم يزل الأمر في نقص الى الآن»(1) .

ولو افترضنا أنّ القرن يستعمل في مائة سنة فلا يصحّ تفسير الحديث به ، لأنّ المحور في الحديث في تمييز قرن عن قرن آخر هو الأشخاص حسب أعمارهم ، فعلى ذلك يجب أن يكون الملاك في تبادل القرون وتمايزها ملاحظة من كانوا يعيشون فيه حيث قال : «خير أُمّتي قرني» ولم يقل القرن الأوّل ، ثمّ قال : «ثمّ الذين يلونهم» فلم يقل ثمّ القرن الثاني ، وقال : «ثمّ الذين يلونهم» ولم يقل القرن الثالث ، فلا محيص عند حساب السنين ملاحظة الأشخاص الذين كانوا يعيشون في قرنه والقرنين اللّذين يليانه .

* * *

الثالث : ماذا يراد من عبارة خير القرون وشرّها ، وما هو الملاك في الوصف بالخير والشر؟

هناك ثلاثة ملاكات للاتّصاف بالخير والشر ، كلّها محتمل :

1 ـ إنّ أهل القرن الأوّل كانوا خير القرون، وذلك لأنّهم لم يدبّ فيهم دبيب الخلاف في الأُصول والعقائد ، وكانوا متماسكين في الأُصول ، متّحدين في العقائد .

2 ـ كونهم خير القرون وذلك لسيادة الطمأنينة فيهم ، وكان الجميع متظلّل بظلّ الصلح والسلم إخواناً .


(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7  : 4 .


(42)

3 ـ كونهم خير القرون وذلك لتمسّكهم بأهداف الدين في مقام العمل وتطبيق الشريعة .

وأيّ واحد أُريد من هذه الملاكات; فالقرآن والسنّة والتاريخ القطعي لا يدعمه بل يكذبه ، وإليك البيان :

فإن كان الملاك هو العقائد الصحيحة والباطلة ، وأنّ المسلمين كانوا متمسّكين جملة واحدة بمعتقد واحد صحيح في القرون الثلاثة الأُولى ثمّ ظهرت رؤوس الشياطين ، ودبّت فيهم المناهج الكلاميّة الفاسدة ، ـ فإن كان الملاك هذا ـ فتاريخ الملل والنحل لا يؤيد ذلك بل ويكذّبه ، فانّ الخوارج ظهروا بين الثلاثين والأربعين من القرن الأوّل ، وكانت لهم ادّعاءات وشبهات وعقائد سخيفة خضّبوا في طريقها وجه الأرض ، ولم يتمّ القرن الأوّل إلاّ وظهرت المرجئة ، الذين دعوا المجتمع الإسلامي إلى التحلل الأخلاقي ، رافعين عقيرتهم بأنّه لا تضرّ مع الإيمان معصية ، فقد ضلّوا وأضلّوا كثيراً حتّى دبّ الإرجاء بين المحدثين وغيرهم في القرن الثاني ، وقد ذكر أسماءهم جلال الدين السيوطي في تدريب الراوي(1) . حيث كان الإرجاء يقود المجتمع الإسلامي إلى التحلل الأخلاقي ، والفوضى في جانب العمل . إلى أن ظهرت المعتزلة في أوائل القرن الثاني عام 105 هـ قبل وفاة الحسن البصري بقليل ، فتوسّع الشقاق بين المسلمين ، وانقسموا إلى فرق كثيرة ، حيث كان النزاع قائماً على قدم وساق منذ أن ظهر الاعتزال على يد واصل بن عطاء حتى أواسط القرن الخامس الذي قضي فيه على هذه الفرقة .

وأمّا القرن الثاني فكان عصر ازدهار المذاهب الكلامية ، وكانت الأمصار ميداناً لتضارب الأفكار .

فمنهم متزمت يقتصر في وصفه الله سبحانه على الألفاظ الواردة في الكتاب


(1) تدريب الراوي 1  : 328 .


(43)

والسنّة ، ويفسّرها بمعانيها الحرفية ، من دون إمعان وتدبّر ، ويرفع صوته بأنّ لله يداً ووجهاً ورجلا وأنّه مستقرّ على عرشه .

ومنهم مرجئيّ يكتفي بالإيمان بالقول ، ويقدّمه ويؤخر العمل ويسوق المجتمع إلى التحلل الخلقي وترك الفرائض .

وآخر محكِّم يكفّر كلّ الطوائف الإسلامية غير أهل نحلته ، الذين كانوا يبغضون الخليفتين عثمان وعليّاً ، وكانوا يكفرّون الصدّيق الأعظم عليّ _ عليه السلام _  .

ومعتزلي يؤوّل الكتاب والسنّة بما يوافق معتقده وعقليّته .

وجهميّ ينفي صفات الله كلّها ، وينفي الاستطاعة والقدرة عن الإنسان ، ويحكم بفناء الجنّة والنار ، وقد هلك جهم بن صفوان عام 128 هـ .

وكرّامي يقول : الإيمان قول باللسان ، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن ، وانّه سبحانه جسم لا كالأجسام وقد هلك «كرّام» عام 255 هـ .

إلى غير ذلك من المناهج الرجعية التي أفسدت المسلمين والمجتمع الإسلامي بعقائدها الفاسدة ، فكيف يمكن ـ من هذا الجانب ـ وصف هذه القرون خيراً؟!

وأمّا إذا كان الملاك هو صفاء المجتمع من حيث السلم والصلح وسيادة الطمأنينة على المسلمين ، فهذا ما يكذّبه التاريخ ، فانّ القرن الأوّل كان صحيفة سوداء في التاريخ الإسلامي ، وكان قرناً دموياً لم يرَ التاريخ مثله . فكيف يكون خير القرون؟! وأيّ يوم فيه كان يوم الصفاء والصلح؟!

أم يوم قُتل فيه الخليفة عثمان بن عفان في عقر داره بمرآى ومسمع من المهاجرين والأنصار؟

أم يوم فتنة الجمل الذي قتلت فيه عشرات الآلاف من الطرفين بين صحابي وتابعي ، وقد عقب ذلك ترميل النساء وإيتام الأطفال ، وحدوث الأزمة والشدّة؟

أم يوم صفّين الذي خرج فيه أمير الشام بوجه الإمام عليّ _ عليه السلام _  ، الذي بايعه


(44)

المهاجرون والأنصار بيعة لم ير لها نظير في التاريخ ، فوقع صِدَام بين طائفتين من المسلمين كانت نتيجته إراقة دماء عشرات الأُلوف ، إلى أن انتهى إلى التحكيم؟

أم يوم ظهر الخوارج على الساحة الإسلامية يَغيرون ويقتلون الأبرياء إلى أن انتهت فتنتهم بقتل مشايخهم في النهروان؟

أم يوم أُغير على آل رسول الله بكربلاء ، حيث قتل فيه أبناء المصطفى ، وفيهم سبطه وريحانته سيد شباب أهل الجنّة ، وسُبيت بنات الزهراء ومن معهنّ من نساء أهل البيت حتى لم يبقَ بيت له برسول الله صلة إلاّ وقد ضُجَّت فيه النوائح وعمّته الآلام والأحزان؟

أم يوم أُبيحت فيه مدينة رسول الله في وقعة الحرّة الشهيرة فقُتل الأصحاب والتابعون ، ونهبت الأموال ، وبقرت بطون الحوامل وهتكت الأعراض حتى ولدت الأبكار دون أن يعرفن أولادهن؟(1)

أم يوم حاصر جيش بني اُميّة مكّة المكرّمة والبيت العتيق ورموه بالحجارة ، لأجل القضاء على عبد الله بن الزبير؟

أم يوم تسلّم عبد الملك بن مروان منصّة الخلافة ، وقد عيّن الحجاج بن يوسف عاملا على العراق ، فسفك دماءً طاهرة ، وقتل الأبرياء ، وزجّ بالسجون رجالا ونساءً من دون أن تظلّهم مظلّة تقيهم حرّ الشمس وبرد الليل  القارص؟

فكل تلك الحوادث الدموية قد وقعت ولمّا ينقضي القرن الأوّل ، فكيف يمكن أن يكون خير القرون وأفضلها؟!

وإن كان صاحب القرن هو الرسول الأعظم أفضل الخلق؟ إلاّ أنّ سيرته ،


(1) منهج في الانتماء المذهبي  : ص 277 .


(45)

تختلف عن سيرة أُمّته التي وقفْتَ على صورة مجملة من أفعالها الدموية(1) .

وإن كان الملاك هو تمسّكهم بالدين في مجال الأحكام والفروع فهو أيضاً لم يتحقّق ، وإن شئت فارجع إلى ما حدث بعد رحيل النبي في نفس عام الرحلة ، فإنّ

كثيراً ممّن رأى النبيّ الأكرم وأدركه وسمع حديثه أصبح يمتنع عن أداء الزكاة ، بل وارتدّ بعض عن دين الإسلام ، لولا أن يقمعهم الخليفة الأوّل ويرد عاديتهم .

لكن لا ندري هل نصدق هذا الحديث أم نؤمن بما حدّث القرآن الكريم ، حيث يعتبر قوماً أعرف بمواقع الإسلام ويفضلهم على من كان في حضرة النبيّ من الصحابة الكرام وقد ارتدّ ، يقول سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(2) قل لي من هؤلاء الذين يعتزّ الله بهم سبحانه ويفضّلهم على أصحاب النبيّ؟ فلاحظ التفاسير(3) .

لا ندري هل نؤمن بهذا الحديث الذي رواه الشيخان أم نؤمن بما روياه أنفسهما في باب آخر ، قالا : قال رسول الله : «يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُهلَّون عن الحوض فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقول : إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى»(4) .

هل نؤمن بهذا الحديث أم نؤمن بما رواه المؤرّخون في حياة الوليد بن عقبة وهو الذي وصفه سبحانه بكونه فاسقاً وقال : ( إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ


(1) للوقوف على هذه الحوادث المرّة ، لاحظ تاريخ الطبري ، تاريخ اليعقوبي ، مروج الذهب للمسعودي ، وتاريخ الكامل للجزري ، والإمامة والسياسة لابن قتيبة إلى غير ذلك من المعاجم التاريخية المعتبرة .
(2) المائدة : 54 .
(3) مفاتيح الغيب 3  : 427 ; تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 6  : 165 .
(4) جامع الأصول 11  : 120  : 7973 .


(46)

فَتَبَيَّنُوا)(1) وقد أطبق المفسّرون في نزولها في الوليد بن عقبة .

هذا وقد ولّي الكوفة أيّام خلافة الخليفة الثالث فشرب الخمر ، وقام يصلّي بالناس صلاة الفجر فصلّى أربع ركعات ، وكان يقول في ركوعه وسجوده : اشربي واسقني ، ثمّ قاء في المحراب ثمّ سلّم وقال : هل أزيدكم إلى آخر ما ذكره(2) .

وليس الوليد شخصاً وحيداً بين من عاصر النبيَّ الأكرم ، بل كان فيهم أصناف مختلفة لا يمكن الحكم باستقامتهم فضلا عن الحكم بعدالتهم .

فقد كان فيهم المنافقون المعروفون بالنفاق(3) ، والمختفون به(4) ، ومرضى القلوب(5) ، والسمّاعون كالريشة في مهبّ الرياح(6) ، وخالطو العمل الصالح بالسيّئ(7) ، والمشرفون على الارتداد(8) ، والمسلمون غير المؤمنين(9) ، والمؤلّفة قلوبهم(10) ، والمولّون أمام الكفّار(11) ، والفاسق(12) .

نحن نترك تفسير الحديث إلى آونة أُخرى ، ولعلّ المحقّقين يجدون له تفسيراً ينطبق على التاريخ القطعي المشهود والملموس .


(1) الحجرات : 6.
(2) الكامل 2  : 52 ; اُسد الغابة 5  : 91 إلى غيرهما من المصادر الكثيرة .
(3) المنافقون  : 1 ـ 8 .
(4) التوبة  : 101 .
(5) الأحزاب  : 12 .
(6) التوبة  : 45 ـ 47 .
(7) التوبة  : 102 .
(8) آل عمران  : 154 .
(9) الحجرات  : 14 .
(10) التوبة  : 60 .
(11) الأنفال  : 16 .
(12) الحجرات  : 6 .


(47)

بدعة «جعل السلف معياراً للحق والباطل»

إنّ من البدعة في تفسيرها ، هو جعل السلف معياراً للحقّ والباطل والإصرار عليه ، فترى أنّ كثيراً ممّن ينتمون إلى السلفية يصفون كثيراً من الأُمور بالبدعة بحجّة أنّها لم تكن في عصر الصحابة والتابعين ، وهذا ابن تيمية يصف «الاحتفال في مولد النبي بدعة بحجّة أنّه لم يفعله السلف ، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه ، ولو

كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً ، لكان السلف ـ رضي الله عنهم ـ أحقّ منّا فإنّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول الله وتعظيماً له منّا وهم على الخير أحرص»(1) .

ويقول في حقّ القيام للمصحف وتقبيله : «لا نعلم فيه شيئاً مأثوراً عن السلف»(2) .

وقد ورث هذه الفكرة كثير ممّن يؤمن بمنهجه . وهذا هو عبد الله بن سليمان بن بُليهد الذي قام باستفتاء علماء المدينة بتخريب قباب الصحابة وأئمة أهل البيت في بقيع الغرقد عام 1344 هـ وقد نشر مقالا في جريدة أُمّ القرى في عدد جمادى الآخر سنة 1345 هـ جاء فيه : لم نسمع في خير القرون أنّ هذه البدعة (البناء على القبور) حدثت فيها بل بعد القرون الخمسة(3) .

وبدورنا نشكر الشيخ ابن بليهد حيث وسع الأمر على المسلمين وأدخل عليها قرنين آخرين بعدما قصر مؤلف الهدية السنية العصمة على أهل القرون الثلاثة الأُولى ، ولكن نهيب بصاحب المقال بأنّ المسلمين وفي مقدمتهم عمر بن


(1) اقتضاء الصراط المستقيم  : ص 276 .
(2) الفتاوي الكبرى 1  : 176 .
(3) كشف الارتياب : ص 357 ـ 358 .


(48)

الخطاب ـ رضى الله عنه ـ قد فتحوا القدس ، وفيها مقابر الأنبياء ومقام إبراهيم ويعقوب وأولادهم ، وعليها قباب وأبنية ولم يَدُر بخلد أحد حتى الخليفة بأنّها بدعة كي يهدموها بمعاولهم .

إنّ هناك كلاماً جميلا للأُستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، فقد ألّف كتاباً باسم «السلفية مرحلة زمنيّة مباركة لا مذهب إسلامي» وقد أدّى فيه حقّ المقال ، نقتطف منه ما يأتي :

إنّ من الخطأ بمكان أن نعمد إلى كلمة (السلف) فنصوغ منها مصطلحاً جديداً ، طارئاً على تاريخ الشريعة الإسلامية والفكر الإسلامي ، ألا وهو «السلفية»

فنجعله عنواناً مميزاً تندرج تحته فئة معيّنة من المسلمين ، تتّخذ لنفسها من معنى هذا العنوان وحده مفهوماً معيناً ، وتعتمد فيه على فلسفة متميزة ، بحيث تغدو هذه الفئة بموجب ذلك جماعة إسلامية جديدة في قائمة جماعات المسلمين المتكاثرة والمتعارضة بشكل مؤسف في هذا العصر ، تمتاز عن بقية المسلمين بأفكارها وميولاتها بل تختلف عنهم حتى بمزاجها النفسي ومقاييسها الأخلاقية كما هو الواقع اليوم فعلا .

بل إنّا لا نعدو الحقيقة إن قلنا : إنّ اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها ، بدعة طارئة في الدين ، لم يعرفها السلف الصالح لهذه الأُمّة ولا الخلف الملتزم بنهجه .

فإنّ السلف ـ رضوان الله عليهم ـ ، لم يتّخذوا من معنى هذه الكلمة بحدّ ذاتها مظهراً لأيّ شخصية متميّزة ، أو أي وجود فكري أو اجتماعي خاص بهم ، يميّزهم عمّن سواهم من المسلمين ، ولم يضعوا شيئاً من يقينهم الاعتقادي أو التزاماتهم السلوكية والأخلاقية في إطار جماعة إسلامية ذات فلسفة وشخصية فكرية مستقلّة . بل كان بينهم وبين من نسمّيهم اليوم بالخلف منتهى التفاعل وتبادل الفهم


(49)

والأخذ والعطاء تحت سلطان ذلك المنهج الذي تمّ الاتّفاق عليه ، والاحتكام إليه ، ولم يكن يخطر في بال السابقين منهم ولا اللاحقين بهم أنّ حاجزاً سيختلق ليرتفع ما بينهما بصُنع طائفة من المسلمين فيما بعد ، وليقسم سلسلة الأجيال الإسلامية الى فريقين ، يصبغ كلا منهما بلون مستقلّ من الأفكار والتصوّرات والاتّجاهات ، بل كانت كَلِمتا السلف والخلف في تصوّراتهم لا تعني ـ من وراء الانضباط بالمنهج الذي ألمحنا إليه ـ أكثر من ترتيب زماني كالذي تدلّ عليه كلمتا : (قبل وبعد)(1) .

إنّ ما ذكره هذا المحقق هو الحق القراح الذي لا يرتاب فيه من له إلمام بالكتاب والسنّة وسيرة المسلمين وتاريخهم ، وأين هذا ممّا ذكره الدكتور سيد الجميلي حيث جعل للسلفية والسلف حقيقة شرعية وقال : كلمة السلفية والسلف مصطلحان شرعيان(2) وليس هذا الاشتباه منه ببعيد لضآلة علمه بالتاريخ وإن كنت في شك فانظر كيف فسّر الأشاعرة بقوله : هم أتباع أبي موسى الأشعري المتوفّى سنة 44 هـ مع أنّهم من أتباع أبي الحسن الأشعري المولود عام 260 هـ والمتوفّى عام 324 هـ وهو من أحفاد أبي موسى الأشعري ، فهذا مبلغ علمه ويريد أن يقضي بين الفقهاء والمجتهدين والمحدّثين!!


(1) السلفية مرحلة زمنية لا مذهب إسلامي  : ص 13 ـ 14 .
(2) مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره : 103 .


(50)

المبحث الخامس
أسباب نشوء البدعة

البدعة عمل اختياري للمبدع ولها ـ كسائر الأفعال الاختيارية ـ أسباب وغايات يعدّ الجميع مناشئ لها و لا توجد البدعة إلاّ في ظلّ أسباب وغايات ومن خلال عرض النصوص الدينية وما دخل في التاريخ من بدع ، يمكن التوصّل إلى ما نتبنّاه في هذا الفصل .

1 ـ المبالغة في التعبّد لله تعالى

هذا العنوان ذكره الشاطبي لدى تعريفه للبدعة ، حيث قال : «طريقة مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله تبارك وتعالى»(1) . وهذا وإن لم يكن أمراً كليّاً صادقاً في جميع مواردها لكنّه أحد أسباب نشوء البدع ، كما يشهد له التاريخ ولعلّ من هذا المنطلق استأذن عثمان بن مظعون النبيّ في الإخصاء ، فقال النبي_ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «ليس منّا من خصي أو اختصى ، إنّ اختصاء أُمّتي


(1) الاعتصام 1  : 37 .


(51)

الصيام» إلى أن قال : ائذن لي في الترهب ، قال : «إنّ ترهّب أُمّتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة»(1) .

فانّ المبتدع ربّما يتصوّر أنّ ما اخترعه من طريقة توصله إلى رضا الله سبحانه أكثر ممّا رسمه صاحب الشريعة ، فلأجل ذلك يترك قول الشارع ويعمل طبق فكرته ، ويذيع ذلك بين الناس باسم الشرع ، ولهذا أيضاً شواهد في التاريخ نقتطف منها ما يلي :

1 ـ روى جابر بن عبد الله : أنّ رسول الله كان في سفر فرأى رجلا عليه زحام قد ظُلِّل عليه فقال : «ما هذا؟» قالوا : صائم ، قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «ليس من البرّ الصيام في السفر»(2) .

2 ـ روى الكليني عن الإمام الصادق _ عليه السلام _ قال :إنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة ، فلمّا انتهى إلى كُراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشرب وأفطر ثمّ أفطر الناس معه وثَمّ أُناس على صومهم فسمّاهم رسول الله العصاة وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول الله(3) .

فإنّ الإنسان المتزمّت يتخيّل انّه لو سافر صائماً يكون عمله أكثر قبولا عند الله تبارك وتعالى ، ولكنّه غافل عن مناطات التشريع وملاكاتها العامة ، التي توجب الإفطار في السفر ، ليكون الدين رفقاً بالإنسان ، يجذب الناس إليه ، قال سبحانه : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(4) .

3 ـ روى مالك في الموطّأ : أنّ رسول الله رأى رجلا قائماً في الشمس فقال : «ما


(1) الاعتصام 1  : 325 .
(2) أحمد بن حنبل ، المسند 3  : 319 و 399 ، ولاحظ الفقيه 2  : 92/2 .
(3) الكافي 4  : 127/5 باب كراهية الصوم في السفر .
(4) الحجّ : 78 .


(52)

بال هذا؟» قال : نذر ألا يتكلّم ولا يستظلّ من الشمس ولا يجلس ويصوم ، فقال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «مره فليتكلّم وليستظلّ وليجلس وليتمّ صيامه»(1) .

4 ـ روى البخاري عن قيس بن أبي حازم : دخل أبوبكر على امرأة فرآها لا تتكلّم فقال : «ما لها لا تتكلّم؟» فقيل : حجّت مصمِتة ، قال لها : «تكلّمي فإنّ هذا لا يحلّ ، هذا من عمل الجاهلية» فتكلّمت(2) .

5 ـ إنّ متعة الحج ممّا نصّ عليها الكتاب العزيز فقال : ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَىْ الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)(3) والمقصود من متعة الحج هو حجّ التمتع ، وهو أن ينشئ المتمتع بها إحرامه في أشهر الحج من الميقات ، فيأتي مكّة ويطوف بالبيت ثمّ يسعى بين الصفا والمروة ، ثمّ يقصّر ويحلّ من إحرامه ، فيقيم بعد ذلك محلاًّ حتى ينشئ في تلك السنة نفسها إحراماً آخر للحج من مكة ويخرج إلى عرفات ، ثمّ يفيض إلى المشعر الحرام ثمّ يأتي بأفعال الحج على ما هو مبيّن في محله . هذا هو التمتع بالعمرة إلى الحجّ وهو فرض من بعد عن مكة بثمانية وأربعين ميلا من كلّ جانب ، وإنّما أُضيف الحج بهذه الكيفية إلى التمتّع (حج التمتع) أو قيل عنه : بالتمتع بالحجّ ، لما فيه من المتعة أي اللّذة بإباحة محظورات الإحرام في المدّة المتخلّلة بين الإحرامين .

ولكن كان بين صحابة النبيّ من يستكره ذلك ، فقد روى الدارمي قال : سمعت عام حجّ معاوية يسأل سعد بن مالك : كيف تقول بالتمتع بالعمرة إلى الحجّ؟ قال : حسنة جميلة ، فقال : قد كان عمر ينهى عنها فأنت خير من عمر؟! قال : عمر خير منّي وقد فعل ذلك النبيّ هو خير من عمر(4) .


(1) الموطّأ 2 : 475/6 كتاب الأيمان والنذور .
(2) البخاري ، الصحيح 5  : 41 ـ 42 باب أيام الجاهلية .
(3) البقرة : 196 .
(4) الدارمي ، السنن 2  : 36 كتاب المناسك .


(53)

وروى الترمذي قال : حدّثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، أنّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك ابن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحجّ ، فقال الضحاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر الله تعالى . فقال سعد : بئس ما قلت يا بن أخي! فقال الضحاك : فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك . فقال سعد : قد صنعها رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصنعناها معه . هذا حديث صحيح(1) .

وروى ابن إسحاق عن الزهري عن سالم قال : إنّي لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتّع بالعمرة الى الحجّ ، فقال ابن عمر : حسن جميل . قال : فإنّ أباك كان ينهى عنها . فقال : ويلك! فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأمر به ، أفبقول أبي آخذ ، أم بأمر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟! قم عنّي(2) .

ولأجل ذلك كان هذا الصحابي يحرم بإحرام واحد للعمرة والحج ، مع أنّ النبيّ أمر الإحرام بإحرامين : الإحرام للعمرة ثمّ يتحلّل ويتمتّع بمحظورات الإحرام ثمّ يحرم للحج ، وما هذا إلاّ لزعم أنّ ترك التمتع بين العملين أكثر قربة إليه تعالى ، وقد برّر فتواه بعد الاعتراف بأنّ عمرة التمتّع سنّة رسول الله بقوله : ولكنّني أخشى أن يعرسوا بهنّ تحت الاراك ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجاً(3) .

هذه بعض النماذج التي تعرّض لها التاريخ في شتّى المناسبات ، والجامع لذلك هو المبالغة في التعبّد لله ـ حسب زعمه ـ وهي ناشئة عن قلّة استيعاب المبتدع لما يجب أن يعرفه ، فانّ الله سبحانه أعرف بمصالح العباد ومفاسدهم ، وبأسباب السعادة


(1) الترمذي ، السنن 3  : 185 ، كتاب الحج ، طـ دار الفكر ـ بيروت .
(2) الجامع لأحكام القرآن 2  : 388 .
(3) أحمد بن حنبل ، المسند 1  : 49 .


(54)

والشقاء ، ولا يشذّ عن علمه شيء . وكم في التاريخ الإسلامي من شواهد واضحة على هذا السبب(1) .

2 ـ اتّباع الهوى

إنّ استعراض تاريخ المتنبّئين الذين ادّعوا النبوّة عن كذب ودجل ، يثبت بأنّ الأهواء وحبّ الظهور والصدارة كان له دور كبير في نشوء هذه الفكرة وظهورها على صعيد الحياة ، والمبتدع وإن لم يكن متنبِّئاً ، إلاّ أنّ عمله شعبة من شعب التنبّؤ ، وفي الروايات إشارات وتصريحات إلى ذلك . فقد خطب الإمام أمير المؤمنين_ عليه السلام _ الناس فقال : «أيّها الناس إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تُتَّبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب الله ، يتولّى فيها رجال رجالا . . .(2) .

إنّ لحبّ الظهور دوراً كبيراً في الحياة الإنسانية ، فلو كانت هذه الغريزة جامحة لأدّت بالإنسان إلى ادّعاء مقامات ومناصب تختصّ بالأنبياء ، ولعلّ بعض المذاهب الظاهرة بين المسلمين في القرون الأُولى كانت ناشئة عن تلك الغريزة .

روى ابن أبي الحديد في شرح النهج أنّ عليّاً مرّ بقتلى الخوارج فقال : «بؤساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم» ، فقيل : ومن غرّهم؟ فقال : «الشيطان المضلّ ، والنفس الأمّارة بالسّوء ، غرّهم بالأماني وفسحت لهم في المعاصي ووعدتهم الاظهار فاقتحمت بهم النار»(3) .


(1) لاحظ السيرة النبوية لابن هشام 2  : 316 ـ 317 ، صلح الحديبية .
(2) الكافي 1  : 45/1 باب البدع .
(3) شرح نهج البلاغة 19  : 235 .


(55)

3 ـ حبّ الاستطلاع إلى ما هو دونه

إنّ حبّ الاستطلاع من نعم الله سبحانه; إذ في ظلّه يقف الإنسان على مجاهيله ويكتشف معلومات تهمّه في حياته ، ولولا ذلك الحبّ لكان الإنسان اليوم في أوليات حياته في العلم والمعرفة ، قال سبحانه : ( واللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَْبْصَارَ وَالاَْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(1) ومع اشتراك الكلّ في تلك النعمة المعنوية إلاّ أنّ الطاقات الكامنة لدى الإنسان تختلف من واحد إلى آخر ، فليس لكلّ إنسان قابلية التطلّع إلى كلّ شيء واستعراض جميع المجاهيل ، ولهذا ربّما أدّى ذلك العمل إلى الزلّة في الفكر والمعتقد ، ولذلك ترى عليّاً_ عليه السلام _ ينهى عن الغور في القدر فيقول : «طريق مظلم فلا تسلكوه ، وبحر عميق فلا تلجوه ، وسرّ الله فلا تتكلّفوه»(2) . ولكن الإمام نفسه تكلّم في مواضيع أُخر عن القضاء والقدر حينما كان يجد إنساناً قادراً على درك المفاهيم الغامضة .

إنّ القرون الثلاثة الأُول ، كانت قرون ظهور المذاهب الكلامية والفقهيّة ، وكانت الأمصار وحواضرها الكبرى ميداناً لمطارحات الفرق المختلفة ، وقد ظهرت في تلك القرون أكثر المذاهب والفرق ، مع أنّ الحقّ في طرف واحد ، فلو أنّهم توحّدوا في العقائد; لما أدّى بهم الأمر إلى شقّ العصى وإيجاد الفرقة ، وبالتالي ذهاب الوحدة الإسلامية في مهبّ الريح ضحية البحوث الكلامية والفقهية وغير ذلك .

كان للخوض في الآيات المتشابهات دور كبير في ظهور البدع في الصفات الخبرية ، وفي تفسير اليد والرجل والوجه لله سبحانه الواردة في الكتاب والسنّة ،


(1) النحل : 78 .
(2) نهج البلاغة : الحكمة 287 .


(56)

فقد كان البسطاء يخوضون في تفسيرها من دون إرجاعها إلى المحكمات التي هي أُمّ  الكتاب وما هذا إلاّ لقصور أفهامهم وقلّة بضاعتهم العلمية ، فكان واجبهم السكوت وسؤال الراسخين في العلم ، دون الخوض فيها .

إنّ للشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا نصيحة لطلاب الفلسفة والحكمة ، يحثّهم على عدم إذاعة ذلك العلم بين اُناس ليس لهم قابلية التفكير الواسع ، فيقول في آخر كتاب الإشارات :

«أيّها الأخ إنّي قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحق ، وألقمتك

قفي(1) الحكم في لطائف الكلم . فصُنْه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنة الوقّادة والدربة والعادة وكان صغاه(2) مع الغاغة ، أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة ومن همجهم ، فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقّفه عمّا يتسرّع إليه الوسواس ، وينظر إلى الحقّ بعين الرضا والصدق فآته ما يسألك منه مدرجاً مجزءاً مفرقاً تستفرس ممّا تسلفه لما تستقبله . وعاهدْه بالله وبأيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسّياً بك فإن أذعتَ هذا العلم أو أضعته فالله بيني وبينك وكفى بالله وكيلا»(3) .

4 ـ التعصّب الممقوت

وهناك سبب آخر لا يقل تأثيره عمّا سبق من الأسباب وهو تقليد الآباء والأجداد ، وصيانة كيانهم وسننهم ، فإنّ اتّباع الأهواء القبلية والقومية وما شاكل فإنّها من أعظم سدود المعرفة وموانعها ، وهي التي منعت الأُمم عبر التاريخ من


(1) القفي  : الشيء الذي يؤثر به للصنف .
(2) صغاه  : ميله .
(3) كتاب الإشارات 3  : 419 .


(57)

الخضوع للأنبياء والرسل رغم البراهين الواضحة كما يقول سبحانه : ( وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(1) .

ومن هذا المنطلق ، اقترح تميم بن جراشة على النبيّ ـ عندما جاء على رأس وفد من الطائف يخبره بإسلام قومه ـ أن يكتب لهم كتاباً ، بأن يفي لهم بأُمور ، يقول : قدمتُ على النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط فقال : اكتُبوا ما بدا لكم ثمّ إيتوني به ، فسألناه في كتابه أن يُحلّ لنا الربا والزنا ، فأبى عليّ ـ رضى الله عنه ـ : أن يكتب لنا ، فسألنا خالد بن سعيد بن العاص ، فقال له علي : تدرى ما تكتب؟ قال : أكتب ما قالوا ، ورسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أولى بأمره ، فذهبنا بالكتاب إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال للقارئ : اقرأ ، فلمّا انتهى إلى الربا قال : «ضع يدي عليها في الكتاب» ، فوضع يده فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)(2) الآية ، ثمّ محاها ، وأُلقيت علينا السكينة فما راجعناه ، فلمّا بلغ الزنا وضع يده عليها (وقال :) ( وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً)(3) الآية ، ثمّ محاها وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا(4) .

ورواه ابن هشام بصورة أُخرى قال : وقدكان ممّا سألوا رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يدع لهم الطاغية; وهي اللاّت ، لا يهدمها ثلاث سنين ، فأبى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة ، ويأبى عليهم ، حتى سألوا شهراً واحداً بعد مقدمهم ، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمّى ، وإنّما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يتسلّموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ، ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى


(1) الزخرف  : 23 .
(2) البقرة  : 278 .
(3) الإسراء  : 32 .
(4) أُسد الغابة 1  : 216 مادة تميم و 3  : 406 .


(58)

يدخلهم الإسلام ، فأبى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلاّ أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها ، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة ، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم . فقال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : أمّا كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه ، وأمّا الصلاة ، فانّه لا خير في دين لا صلاة فيه . فقالوا : يا محمد ، فسنؤتيكها ، وإن كانت دناءة(1) .

انظر إلى التعصّب المميت للعقل يسأل رسول الله ـ الذي بعث لكسر الأصنام

وتحطيم كلّ معبود سوى الله ـ أن يدع لهم الطاغية وهي اللاّت لا يهدمها ثلاث سنين . . . .

وكان هذا الاقتراح نابعاً عن العصبية لطرق الآباء وسلوكهم ، وكان المقترح في حضرة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _  .

هذه هي الأسباب العامّة ، وهناك أسباب خاصّة لظهور البدع في المجتمع الإسلامي لا تخفى على القارئ الكريم منها .

5 ـ التسليم لغير المعصوم

إنّ من أسباب نشوء البدع التسليم لغير المعصوم ، فلا شكّ أنّه يخطأ وربّما يكذب ، فالتسليم لقوله سبب للفرية على الله سبحانه والتدخّل في دينه عقيدة وشريعة .

فإذا كان النبيّ الأكرم خاتم النبيين وكتابه خاتم الكتب وشريعته خاتمة الشرائع; فلا حكم إلاّ ما حكم به ، ولا سنّة إلاّ ما سنّه ، والخروج عن هذا الإطار تمهيد لطريق المبتدعين . وفي ضوء ذلك لا معنى معقول لتقسيم السنّة إلى سنّة النبيّ


(1) السيرة النبوية 2  : 537 ـ 543 .


(59)

وسنّة الصحابة ، وتلقّي الأخيرة حجّة شرعية وإن لم تُسند إلى المصدرين الرئيسيين . وهذه كتب الحديث والفقه تطفح بسنّة الصحابة; فهناك سنن تُنسب إلى الخليفة الأوّل والثاني والثالث ، فما معنى هذه السنن إذا لم تستند إلى الكتاب والسنّة؟! ولو أُسندت فلا معنى لإضافتها إليهم . كما أنّ الإفتاء بمضمون تلك السنن بدعة في الشريعة .

وهناك كلام للدكتور عزّت علي عطية ، جعل فيه الاقتداء بأئمة أهل البيت تسليماً لغير المعصوم ثمّ قال : نتساءل عن الصلة بين هذا الإمام وبين الله جلّ جلاله ، هل هي وحي ، أم إلهام أم حلول؟ إن كانت وحياً فقد نفوه ، وإن كانت حلولا فهو الكفر بعينه ، وإن كانت إلهاماً فما الذي يفرق بينه وبين وساوس الشيطان وخطرات النفوس(1) .

إنّ الدكتور عطية لم يدرس عقائد الإمامية حقّها وإنّما اكتفى بكتاب صغير كتب في بيان العقائد لا في البرهنة عليها ، ولو أنّه رجع إلى علمائهم ومؤلّفاتهم لوقف على أدلّة عصمة الأئمة ، فإنّ أحد تلك الأدلّة هو حديث الثقلين الذي أطبق المحدّثون على نقله ، وهو أنّ رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما» . فإن كانت العترة عدلا للكتاب وقريناً له فتوصف بوصفه ، فالكتاب معصوم عن الخطأ( لا يَأْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِه)(2) فتكون العترة مثله .

وأمّا مصدر علومهم; فغالب علومهم مأخوذ من الكتاب والسنّة إذ أخذ عليّ_ عليه السلام _ عن النبي_ صلى الله عليه وآله وسلم _  ، وأخذ الحسن_ عليه السلام _ عن أبيه ، وهكذا كل إمام يأخذ عن أبيه ، علم يتناقل ضمن هذه السلسلة الطاهرة المعروفة ، ولم يأخذ أحد منهم ـ عليهم السلام ـ عن


(1) البدعة  : 245 .
(2) فصلت: 42.


(60)

صحابي ولا تابعي أبداً ، بل أخذ الجميع عنهم ، ومنهم انتقلت العلوم إلى الآخرين كما تلقّاها رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ من لدن حكيم خبير .

قال الإمام الباقر_ عليه السلام _  : «لو كنّا نحدّث الناس برأينا وهوانا لهلكنا ، ولكن نحدّثهم بأحاديث نكنزها عن رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم» .

وهناك مصدر آخر لعلومهم وهو أنّهم محدّثون كما أنّ مريم كانت محدّثة ، وكما كان عمر بن الخطاب محدّثاً حسب ما رواه البخاري ، روى أبو هريرة قال : قال النبي : «لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن كان من أُمّتي أحد فعمر»(1) . لكن الدكتور خلط بين التحديث والوحي .

وأمّا أنّهم بماذا يميّزون الإلهام من وساوس الشيطان ، فليس بأمر عسير; فإنّ الوساوس تدخل القلب بتردّد والإلهام يرد النفس بصورة علم قاطع ولأجل ذلك تلقّت مريم وأُمّ موسى ما أُلهمتا به ، كلاماً إلهياً ، لا وسوسة شيطانية .


(1) البخاري ، الصحيح 2  : 194 باب مناقب عمر بن الخطاب .


(61)

المبحث السادس
تقسيمات البدعة

1 ـ تقسيم البدعة إلى حسنة وسيّئة

إذا كانت البدعة بمعنى التدخّل في أمر الشرع بزيادة أو نقيصة في مجالي العقيدة والشريعة ، من غير فرق بين العبادات والمعاملات والإيقاعات والسياسات ، فليس لها إلاّ قسم واحد لا يُثَنّى ولا يتكثّر ولكن ربّما تقسم البدعة إلى تقسيمات نذكر منها ما يلي :

أصل نشوء هذا التقسيم :

لقد جاء هذا التقسيم في كلمات الإمام الشافعي ، وابن حزم والغزالي والدهلوي وابن الأثير(1) وغيرهم ، والأصل في ذلك قول الخليفة عمر بن الخطاب ، وقد ظهر على لسانه في السنة الرابعة عشرة من الهجرة ، عندما جمع الناس للصلاة بإمامة أُبيّ بن كعب في شهر رمضان ووصف الجماعة بقوله : «نعم البدعة هذه» والأصل في ذلك ما رواه البخاري وغيره .


(1) النهاية 1  : 79 .


(62)

قال عبدالرحمن بن عبدالقارئ : خرجت مع عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ ليلة رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون يصلّي الرجل لنفسه ، ويصلّي الرجال فيصلّي بصلاته الرهط فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثمّ عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب ، ثمّ خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : «نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون» يريد آخر الليل ، وكان الناس يقومون أوّله(1) .

إنّ إقامة صلاة التراويح جماعة لا تخلو من صورتين :

الأُولى : إذا كان لها أصل في الكتاب والسنّة ، فعندئذ يكون عمل الخليفة إحياء لسنّة متروكة سواء أراد إقامتها جماعة أو جمعهم على قارئ واحد ، فلا يصحّ قوله : «نعم البدعة هذه» إذ ليس عمله تدخّلا في الشريعة .

الثانية : إذا لم يكن هناك أصل في المصدرين الرئيسيّين ، لا لإقامتها جماعة أو لجمعهم على قارئ واحد ، وإنّما كره الخليفة تفرّق الناس ، ولأجل ذلك أمرهم بإقامتها جماعة ، أو بقارئ واحد ، وعندئذ تكون هذه بدعة قبيحة محرّمة .

توضيح ذلك أنّ البدعة التي تحدّث عنها الكتاب والسنّة هي التدخّل في أمر الدين بزيادة أو نقيصة ، والتصرّف في التشريع الإسلامي ، وهي بهذا المعنى لا يمكن أن تكون إلاّ أمراً محرّماً ومذموماً ولا يصحّ تقسيمه إلى حسنة وقبيحة ، وهذا شيء واضح لا يحتاج إلى استدلال .

نعم ، البدعة بالمعنى اللغوي التي تعمّ الدين وغيره تنقسم إلى قسمين ، فكلّ شيء محدث مفيد في حياة المجتمعات من العادات والرسوم ، إذا أُدّي به من دون الاسناد إلى الدين ولم يكن محرّماً بالذات شرعاً ، كان بدعة حسنة ، أي أمراً جديداً مفيداً للمجتمع ، كما إذا احتفل الشعب بيوم استقلاله في كلّ عام ، أو اجتمع


(1) البخاري ، الصحيح 3  : 58 كتاب الصوم ، باب فضل من قام رمضان .


(63)

للبراءة من أعدائه أو أقام الأفراح لمولد بطل من أبطاله ، وبالجملة ما هو حلال بالذات لا مانع من أن تتّفق عليه الأُمّة ، وتتّخذه عادة متبعة في المناسبات ، ويكون بدعة لغوية .

وأمّا ما كان محرّماً بالذات فهو محرّم ليس من باب البدعة . فلو اتّخذ أمراً مرسوماً ورائجاً ، مثل دخول النساء سافرات متبرّجات في مجالس الرجال في الاستقبالات والضيافات ، فهذا أمر حرام بالذات أولا ، وليس بمحرم من باب البدعة الشرعية ، بمعنى التدخّل في أمر الدين والتسنين فيه والتشريع على خلاف ما شرّعه الشارع ، وإنّما هو عمل محرّم اتّخذ رائجاً لا باسم الدين ولا باسم الشريعة ، وأقصى ما يعتذر بأنّه مقتضى الحضارة العصرية ، مع الاعتراف بكونه مخالفاً للشرع ، ولو قيل إنّه بدعة قبيحة أو مذمومة ، فإنّما هو بحسب معناها اللغوي .

وبذلك يظهر أنّ أكثر من أطنب الكلام في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيّئة فقط خلط البدعة في مصطلح الشرع بالبدعة اللغوية ، فأسهبوا في الكلام وأتوا بأمثلة كثيرة زاعمين أنّها من البدع الشرعية مع أنّ أمرها يدور بين أمرين :

إمّا أنّها عمل ديني يؤتى بها باسم الدين والشريعة ، ولكن يوجد لها أصل فيهما ، فتخرج بذلك عن عنوان البدعة ، كتدوين الكتاب والسنّة إذا خيف عليهما التلف من الصدور ، وبناء المدارس والرُّبُط(1) وغيرهما . وقد مثلوا بالتدوين للبدعة الواجبة ، وببناء المدارس والرُّبَط بالبدعة المستحبّة ، مع أنّهما ليسا ببدعة لوجود أصل صالح لهما في الشريعة .

أو أنّها عمل عادي لا يؤتى بها باسم الدين بل يؤتى بها لأجل تطوير الحياة وطلب الرفاه ، فتكون خارجاً عن موضوع البدعة في الشرع ، كنخل الدقيق ، فقد


(1) جمع رَباط; وهو ما يبنى للفقراء ، مولَّد (المصباح المنير : ص 215 طـ دار الهجرة)


(64)

ورد أنّ أوّل شيء أحدثه الناس بعد رسول الله ، اتّخاذ المناخل ولين العيش من المباحات .

وإنّما يصح إطلاق البدعة عليها بالمعنى اللغوي ، بمعنى الشيء الجديد ، سواء كان عملا دينياً أو عادياً . وقد وافقَنا على نفي ذاك التقسيم لفيف من المحقّقين :

منهم : أبو إسحاق الشاطبي في كلام مسهب نذكر منه ما يلي :

إنّ متعقّل البدعة يقتضي ذلك بنفسه لأنّه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع ، وكلّ ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح ، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم; إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع . وأيضاً فلو فرض أنّه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذمّ لم يتصوّر; لأنّ البدعة طريقة تضاهي المشروعة من غير أن تكون كذلك . وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها; إذ لو قال الشارع «المحدثة الفلانية حسنة» لصارت مشروعة .

ولمّا ثبت ذمّها ، ثبت ذمّ صاحبها ، لأنّها ليست بمذمومة من حيث تصوّرها فقط ، بل من حيث اتّصف بها المتّصف ، فهو إذن المذموم على الحقيقة ، والذمّ خاصة التأثيم ، فالمبتدع مذموم آثم ، وذلك على الإطلاق والعموم»(1) .

ومنهم : العلاّمة المجلسي قال : «إحداث أمر لم يرد فيه نصّ بدعة ، سواء كان أصله مبتدعاً أو خصوصياته مبتدعة فلربما يقال : إنّ البدعة منقسمة بانقسام الأحكام الخمسة أمر باطل; إذ لا تطلق البدعة إلاّ على ما كان محرّماً ، كما قال رسول الله : «كلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار»(2) .

ومنهم : الشهيد في قواعده قال : محدثات الأُمور بعد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تنقسم أقساماً :


(1) الموافقات 1  : 142 .
(2) البحار 74  : 203 .


(65)

لا يطلق اسم البدعة عندنا إلاّ على ما هو محرّم منها(1) .

سؤال وجواب :

وهناك سؤال يطرح نفسه ، وهو أنّه إذا كانت البدعة قسماً واحداً وأمراً محرّماً مقابل السنّة ، لا تقبل التقسيم إلى غيره فما معنى قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فعمل بها بعده ، كتب له أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم من شيء ، ومن سنّ سنة سيئة فعمل بها بعده كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء»(2) .

والجواب : أنّ الشقّ الأوّل راجع إلى المباحات العامّة المفيدة للمجتمع ، كإنشاء المدارس والمكتبات وسائر الأعمال الخيريّة ، فلو أنّ رجلا قام ـ برفض الأُميّة ـ بإنشاء مدرسة أو مكتبة وصار عمله أُسوة للغير ، فقام الآخرون بإنشاء مدارس في سائر الأمكنة ، فهو سنّة حسنة .

وأمّا الشقّ الثاني : فهو راجع إلى الأُمور المحرّمة بالذات ، فلو قام أحد بضيافة أشرك فيها النساء السافرات المتبرّجات ، ثمّ صار عمله قدوة للآخرين ، فعلى هذا المسنن وزر عمله ووزر من عمل بسنّته .

وعلى ضوء ذلك فالحديث لا يمتّ بصلة الى البدعة المصطلحة ، ولم يكن ببال أحد من الشخصين التدخّل في أمر الشرع بالزيادة والنقيصة ، بل كلّ قام بعمل خاصّ حسب دواعيه وحوافزه النفسية ، فالإنسان العاطفي يندفع إلى القسم الأوّل الذي ربّما يكون مباحاً أو مسنوناً ، ومن حسن الحظّ ، يكون عمله قدوة ، والإنسان الإجرامي يندفع إلى القسم الثاني ، فيعصي الله سبحانه لا باسم البدعة بل


(1) القواعد والفوائد 2  : 144 ـ 145 القاعدة 205 . ونعلّق على كلامه أنّ القسم إنّما يكون بدعة إذا أتى باسم الدين ، وإلاّ يكون محرّماً ومعصية لا بدعة .
(2) مسلم ، الصحيح 8  : 61 كتاب العلم .


(66)

بارتكاب عمل محرّم ، ومن سوء الحظّ يكون عمله قدوة .

فكلا العملين لا صلة لهما بالبدعة الشرعية أصلا ، ولو أُطلقت فإنّما تطلق عليهما بالمعنى اللغوي ، أي إبداع أمر لم يكن ، سواء أكان مباحاً أم حراماً ، ومن المعلوم أنّه ليس كلّ محرّم بدعة وإن كانت كلّ بدعة محرّمة .

2 ـ تقسيم البدعة إلى عادية وشرعية

قد عرفت أنّ للبدعة تقسيمات باعتبارات مختلفة ، وعرفت مدى صحّة تقسيمها إلى حسنة وسيئة ، ومنها أنّها تنقسم إلى عادية وشرعية ، وهذا العنوان أوضح ممّا ذكره الشاطبي حيث قال :

تقسيمها إلى العادية والتعبديّة(1) ، وذلك لأنّ الأُمور التعبديّة قسم من الأحكام الشرعية التي يعتبر في صحة امتثالها قصد القربة ، والإتيان بها لأجل التقرّب وكسب الرضا وامتثال الأمر ، وهي منحصِرَة بالطهارات الثلاث : الوضوء والتيمّم والغسل بأقسامه ، والصلاة والزكاة والصوم والحجّ والنذر وما ضاهاها ، ولكن الأُمور الشرعية هي التي للشارع فيها دور ، أوسع من التعبديّات . ولذلك قسّم الفقهاء الأحكام الشرعية إلى أربعة :

1 ـ العبادات ، ويدخل فيها ما ذكرناه من الأصناف .

2 ـ العقود ، وتدخل فيها عامة المعاملات ممّا تحتاج إلى إيجاب وقبول ، كالبيع والرهن والوديعة والصلح والشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة إلى غير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه .

3 ـ الإيقاعات وهي ما تقوم بجانب واحد ، كالطلاق بأقسامه والإيلاء


(1) الاعتصام 2  : 79 .


(67)

والظهار ، وتدخل فيها المواريث إلحاقاً حكمياً .

4 ـ السياسات ، ويدخل فيها القضاء والحدود والديات وما شابهها .

فلو كان هناك شيء خارج عن الأبواب الأربعة موضوعاً ، فهو بوجه ما ملحق بواحد منها ، فهذه كلّها أُمور شرعية وللشارع فيها دور ، إمّا تأسيساً واختراعاً كالعبادات والحدود والديات ، أو إمضاءً واعترافاً لما في يد العقلاء ، لكن مع تحديدها بشروط مذكورة في الفقه . فالتدخل في هذه الأبواب الأربعة بزيادة أو نقيصة كالنكاح بلا صداق ، أو البيع بلا ثمن ، والإجارة بلا أُجرة ، والطلاق في أيام الحيض أو تجويز الربا وبيع الكلب والخنزير ، أو تحوير الأحكام الشرعية في باب السياسات ، كلّها بدعة في أُمور شرعية .

كلّ هذا يُلْزِمنا أن نعبّر بالشرعية مكان التعبدية إلاّ أن يراد منها ما يرادف مطلق الأحكام والأُمور الشرعية فإذاً لا مشاحة في الاصطلاح .

وأمّا العادية : فهي إمّا تدور مدار تقاليد وأعراف الناس ، سواء أكانت لها جذور تاريخية أم كانت أمراً محدثاً . وإمّا تطوير لمظاهر الحياة العامة ، الصناعية أو الثقافية أو الزراعية أو غير ذلك . وكل ذلك أُمور عادية تركها الشارع إلى الناس ، وجعل الأصل فيها الإباحة ، لكنّه حدّدها بأُطر عامة ، ولم يتدخل في جزئياتها ، وما لم تخالف الضوابط العامة فالناس فيها أحرار يفعلون ما يشاءُون ، ويعملون ما يريدون .

فعلى ذلك هل يقع البحث في صدق البدعة في الأُمور العادية مقابل الأُمور الشرعية التي تعرّفت على معناها الواسع ، أو لا يقع؟ وبما أنّك وقفت على حدود البدعة ، وأنّها عبارة عن الزيادة أو النقيصة في الشريعة والتدخل في الأُمور الدينية ، فلا تصدق في مورد الأُمور العادية بأي نحو كانت ، إذ ليست هي أُموراً تمتّ إلى الشرع ، فأمرها يدور بين الجائز والحرام لا بين البدعة والسنّة . وليس كلّ


(68)

حرام بدعة ، وإليك التوضيح :

إنّ لكلّ قوم آداباً خاصة في لقاءاتهم السنويّة ، وأُمورهم العمرانية ، وفي كيفية استغلال الطبيعة ، فمثلا ربّما تقتضي مصلحتهم تخصيص يوم واحد لتكريم زعيمهم ، أو يوم واحد للبراءة من عدوّهم ، أو توجب المصالح تطوير خدماتهم العمرانية وما ضاهاها ، أو استخدام أجهزة حديثة لاستغلال الطبيعة ، فقد ترك الشارع هذه الأُمور إلى الناس ، ولم يتدخل فيها إلاّ بوضع الأُطر العامة لها ، وهي أن لا يكون

العمل مخالفاً للقواعد والضوابط العامة ، ولولا هذه المرونة لما كان الإسلام ديناً عالمياً سائداً ، ولتوقّفت حركته منذ أقدم العصور ، ونأتي بمثال لمزيد من التوضيح :

قد حدثت في العصور الأخيرة عدّة تقاليد في ميدان الألعاب الرياضية; ككرة القدم ، والسلّة ، والطائرة ، والمصارعة، والملاكمة، وغير ذلك فبما أنّها اُمور عادية محدثة فلا تعدّ بدعة في الدين . ولو صحّ إطلاق البدعة فإنّما هو باعتبار المعنى اللغوي ، أي الشيء الجديد في ميادين الحياة ، لا في الأُمور الشرعية ، غاية الأمر يجب أن تحدد شرعيتها بالضوابط الكلية ، بأن لا يكون هناك اختلاط بين الرجال والنساء من اللاعبين ، وأن لا يكون هناك ضرر وإضرار كما هو المحتمل في الملاكمة .

والحاصل : أنّ الأصل في الأُمور العادية هو البراءة حتى يدلّ دليل على خلافه . وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء منهم ابن تيمية ، يقول : إنّ أعمال الخلق تنقسم إلى قسمين :

1 ـ عبادات(1) : يتّخذونها ديناً ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة ، والأصل أن لا يشرَّع منها إلاّ ما شرّع الله .


(1) يريد من العبادات  : الأُمور الشرعية من دون أن تختص بما يعتبر في امتثالها قصد القربة .


(69)

2 ـ عادات : ينتفعون بها في معايشهم ، والأصل فيها أن لا يُحظر فيها إلاّ ما حظر الله»(1) .

ثمّ إنّه لو أتى في العادات بما حظره الله لا تعدّ بدعة بل يكون محرّماً ، لأنّ المفروض أنّه يأتي به ويُحدثه باسم التقاليد لا باسم الدين ، وربما يعترف بكونه على خلاف الدين ، كإشراك النساء السافرات في الضيافة مع الرجال . حتى وإن صار الأمر العادي المحرم رائجاً بينهم .

نعم شذّ قول الدكتور عزت علي في المقام حيث يقول : «فيما حظره الله منها إذا كان من الأُمور المحدثة كان بدعة»(2) .

لكن يلاحظ عليه ، بما ذكرناه في تحديد البدعة بتضافر الكتاب والسنّة على كونه التدخل في أمر الشريعة بالزيادة أو النقيصة وتنسيبه إلى الشارع ، وهذا لا يصدق على كلّ محدث في الأُمور العادية ، وإن كان محرّماً ، نعم هو بدعة بالمعنى اللغوي ، حتى لو صار عمله الإجرامي سنّة سيئة يكون عليه وزر كل من عمله بها ، لكن لا بما أنّه أبْدَع في الدين ، وتدخل في الشريعة ، وقد مرّ نص في تفسير قوله_ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «من سنّ سنّة حسنة . . .» ما يفيدك في المقام .

قال الشيخ شلتوت : «التكاليف الشرعية تنقسم إلى عقائد وعبادات ومحرّمات(3) ، ثمّ قال : أمّا ما لم يتعبدنا(4) الله بشيء منه ، وإنّما فوّض لنا الأمر فيه باختيار ما نراه موافقاً لمصلحتنا ، ومحققاً لخيرنا بحسب العصور والبيئات ، فانّ التصرّف فيه بالتنظيم أو التغير ، لا يكون من الابتداع الذي يؤثّر على تديّن


(1) اقتضاء الصراط المستقيم  : 129 .
(2) البدعة  : 265 .
(3) لا يخفى ما من المسامحة في هذا الحصر ، لأنّ التكاليف الشرعية أوسع من الثلاثة كالأحوال الشخصية .
(4) يريد من التعبّد ، ما للشارع فيه دور ، فيعم جميع أبواب الفقه والأقسام الأربعة .


(70)

الإنسان وعلاقته بربّه ،بل أنّ الابتداع فيه من مقتضيات التطوّر الزمني الذي لا يسمح بالوقوف عند حدّ الموروث من وسائل الحياة عن الآباء والأجداد(1) .

الإسلام بين التزمّت والتحلل من القيود الشرعية

إنّ بين المسلمين من يريد حصر الأُمور السائغة بما هو موجود في عصر الرسول الأكرم ، لذا يعد نَخْل الدقيق بدعة ، بحجة أنّه لم يكن في عصره_ صلى الله عليه وآله وسلم _ أيّ منخل(2) . وبين من يريد التحلّل من كلّ قيد ديني في مجال العمل ، فلا يلتزم في حياته بشيء مما جاء به الإسلام .

فالإسلام لا هذا ولا ذاك ، فهو يرفض التزمّت إذا كان العمل غير خارج عن الأُطر العامة الواردة في الكتاب والسنّة ، كما يرفض التحلّل من كلّ قيد . فآفة الدين ليست منحصرة بالثاني بل آفة الأوّل ليست بأقل منه .

فانّ حصر الجائز من الأُمور العادية بما كان رائجاً في عصر النبيّ أو عصر الصحابة كبت للعقول ، وتقييد للحركة الحضارية عن التقدّم نحو الكمال . وإظهار الإسلام بأنّه غير قابل للتطبيق في جميع الأعصار المتقدّمة فضلا عن عصر الذرّة . علماً أنّ من الأسباب التي أوجبت خلود الدين الإسلامي ، وأعطته الصلاحية للبقاء مع اختلاف الظروف وتعاقب الأجيال كونه ديناً جامعاً بين الدعوة إلى المادة والدعوة إلى الروح ، وديناً وسطاً بين المادية البحتة والروحية المحضة ، فقد آلف بتعاليمه القيّمة بينهما ، مؤالفة تفي بحقّ كلّ منهما ، بحيث يتيح للإنسان أن يأخذ قسطه من كلّ منهما بقدر ما تقتضيه المصلحة .

وذلك أنّ المسيحية غالت في التوجه إلى الناحية الروحية ، حتى كادت أن


(1) الفتاوى  : 163 .
(2) الاعتصام 2  : 73 .


(71)

تجعل كلّ مظهر من مظاهر الحياة المادية خطيئة كبرى ، فدعت إلى الرهبانية ، وترك ملاذ الحياة ، والانعزال عن المجتمع ، والعيش في الأديرة وقلل الجبال ، وتحمّل الظلم والرفق مع المعتدين; كما غالت اليهوديّة في الانكباب على المادة حتى نسيت كلّ قيمة روحية وجعلت الحصول على المادّة بأيّ وسيلة كانت ، المقصد الأسنى ، ودعت إلى القوميّة الغاشمة والطائفية المقيتة .

وهذه المبادئ سواء أصحّت عن الكليم والمسيح ـ عليهما السلام ـ أم لم تصحّ (ولن تصحّ إلاّ أن يكون لإنقاذ الشعب الإسرائيلي من ملاذ الحياة يوم ذاك وإنجائهم عن التوغّل في الماديات ، وسحبهم إلى المعنويات بشدة وعنف .

وإن شئت قلت : كانت تعاليمه إصلاحاً مؤقتاً لإسراف اليهود وغلوّهم في عبادة المال حتى أفسدوا أخلاقهم ، وآثروا دنياهم على دينهم) هذه المبادئ لا تتماشى مع الحضارات الإنسانية التقدميّة ولا تسعدها في معترك الحياة ، ولا تتلاءم مع حكم العقل ولا الفطرة السليمة .

لكن الإسلام جاء لينظر إلى واقع الإنسان ، بما هو كائن ، لا غنى له عن المادة ، ولا عن الحياة الروحية ، فأولاهما عنايته ، ودعا إلى المادة والالتذاذ بها بشكل لا يضر بالحياة الروحية ، كما دعا إلى حياة روحية لا تصطدم مع الفطرة وطبيعتها .

هذه هي حقيقة الإسلام ومرونته وسبب تماشيه مع الحضارات المختلفة حتى حضارة اليوم الصناعية ، فلو حصرنا الجائز من العاديات بما في عصر النبيّ تكون النتيجة حياد الإسلام عن الساحة ، وبطلانه ، مع أنّه خاتم الشرائع ، وكتابه خاتم الكتب ، ونبيّه خاتم النبيّين .

والآن هلمّ معي ندرس آراء المتزمّتين في الأُمور العادية ثمّ نبكي على الإسلام وأهله:

1 ـ يقول الشاطبي : إنّ من السلف من يرشد كلامه إلى أنّ العاديات كالعبادات ، فكما أنّنا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذلك العاديات ،


(72)

وهو ظاهر كلام محمد بن أسلم ، حيث كره في سُنّة العقيقة مخالفة من قبله في أمر العاديين ، وهو استعمال المناخل ، مع العلم بأنّه معقول المعنى نظراً ـ والله أعلم ـ إلى أنّ الأمر باتباع الأوّلين على العموم غلب عليه جهة التعبّد ، ويظهر أيضاً من كلام من قال : أوّل ما أحدث الناس بعد رسول الله المناخل(1) .

2 ـ يحكى عن الربيع بن أبي راشد; أنّه قال : لولا أنّي أخاف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت; إذ السكنى أمر عادي بلا إشكال ، ثمّ يقول : وعلى هذا الترتيب يكون قسم العاديات داخلا في قسم العباديات ، فدخول الابتداع فيه ظاهر والأكثرون على خلاف هذا(2) .

3 ـ روى الغزالي : أنّ رجلا قال لأبي بكر بن عياش : «كيف أصبحت»؟ فما أجابه ، قال : دعونا عن هذه البدعة(3) .

4 ـ روى الشاطبي عن أبي مصعب صاحب مالك أنه قال : «قدم علينا ابن مهدي ـ يعني المدينة ـ فصلّى ووضع رداءه بين يدي الصف ، فلما سلّم الإمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكاً ـ وكان قد صلّى خلف الإمام ـ فلمّا سلّم قال : من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان ، فقال : خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه .

فحبس ، فقيل له : إنه ابن مهدي ، فوجّه إليه وقال : أما خفت الله واتّقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلّين بالنظر إليه ، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما كنّا نعرفه ، وقد قال النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «من أحدث في مسجدنا حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»؟ فبكى ابن مهدي ، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولا في غيره»(4) .


(1) و(2) الاعتصام 2  : 79 .
(3) إحياء العلوم 2  : 251 كتاب العزلة .
(4) الاعتصام 2  : 68 .


(73)

5 ـ حكى ابن وضاح قال : ثوَّب المؤذّن بالمدينة في زمان مالك . فأرسل إليه مالك فجاءه ، فقال له مالك : ما هذا الذي تفعل؟ فقال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا . فقال له مالك : لا تفعل ، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم يكن فيه ، قد كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا ، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه ، فكفّ المؤذّن عن ذلك وأقام زماناً ، ثمّ إنّه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر ، فأرسل إليه مالك ، فقال له : ما الذي تفعل؟ قال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر ، فقال له : ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن؟

فقال : إنّما نهيتني عن التثويب . فقال له : لا تفعل . فكفّ زماناً . ثمّ جعل يضرب الأبواب ، فأرسل إليه مالك .

فقال : ما هذا الذي تفعل؟ فقال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر ، فقال له مالك : لا تفعل ، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه(1) .

ومراده من التثويب هو ما يقوله المؤذن بين الأذان والإقامة «قد قامت الصلاة» أو «حيّ على الصلاة» أو «حيّ على الفلاح» أو قوله «الصلاة يرحمكم الله» .

والعجب أنّ الشاطبي مع إمامته في الفقه ربّما يتأثّر أحياناً بهذه الكلمات فيقول : فتأمّل كيف منع مالك من إحداث أمر يُخف شأنه عند الناظر فيه ببادي الرأي ، وجعلَه أمراً محدثاً ، وقد قال في التثويب أنّه ضلال وأنّه بيّن; لأنّ كلّ محدثة بدعة ،وكلّ بدعة ضلالة ، ولم يسامح المؤذّن في التنحنح ولا في ضرب الأبواب; لأنّ ذلك جدير بأنّ يتّخذ سنّة ، كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن مهدي خوفاً من أن يكون حدثاً أحدثه .


(1) الاعتصام 2  : 69 .


(74)

6 ـ يقول الشاطبي : وقد أحدث في المغرب المسمّى بالمهدي تثويباً عند طلوع الفجر وهو قولهم «أصبح ولله الحمد» إشعاراً بأنّ الفجر قد طلع ، لإلزام الطاعة ، وحضور الجماعة ، وللغد ولكلّ ما يؤمرون به فيخصّه هؤلاء المتأخّرون تثويباً بالصلاة كالأذان ، ونقل أيضاً إلى أهل المغرب فصار ذلك كلّه سنّة في المساجد إلى الآن . فإنّا لله وإنّا إليه راجعون(1) .

هذه نماذج ممّا ذكره الشاطبي وغيره فتخيّلوها بدعة في الدين ، وأين هذه من البدعة في الدين؟ أفترى هل يقوم أحد بهذه الأعمال الماضية باسم الدين ، أو يقوم باسم الأُمور العادية لتسهيل الأُمور؟ ولو كان الجاهل يتلقّاها أمراً دينياً فوباله على جهله لا على الفاعل . وقد اتّفقنا مع الشاطبي في تحديد البدعة ، وقد جعلها هو خاصة بالأُمور الشرعية ، ومع ذلك نسي هنا ما ذكره في مقام التحديد .

نحن نفترض أنّ هذه الأعمال تتّخذ سنّة حسب مرور الأيّام ، ولكنّها تكون سنّة عادية ، لا دينية ، ولا يمنع عنها إذا كانت مصلحة ولم ينطبق عليها عنوان محرّم . ولو تخيّله الجاهل سنناً دينيّة ، فعلى العالم إرشاده ، لا إعمال الضغط على المجتمع حتى يتنفّر عن الإسلام وأهله ويوادعهما .

والسبب الوحيد لهذه الزلاّت والاشتباهات التي تشوّش سمعة الإسلام ، وتعرّفه ديناً متزمّتاً لا يقبل المرونة إنما هو جعل سيرة السلف وجوداً وعدماً معياراً للحقّ والباطل مكان الكتاب والسنّة في ذلك ، فأين هذه الغلظة من المرونة الملموسة من الكتاب والسنّة ، يقول سبحانه :

( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ)(2) .


(1) الاعتصام 2  : 70 .
(2) الحج : 78 .


(75)

( مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج)(1) .

( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(2) .

( رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا)(3) .

فهذه الآيات تصرّح بأنّ الله تعالى رفع عن أُمّة محمد الإصر ، ولم يفرض عليهم حكماً حرجاً صعباً كما كان في الأُمم الماضية .

وقد ورد في حديث عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال : «ممّا أعطى الله أُمّتي وفضّلهم على سائر الأُمم ، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلاّ لنبيّ ، وذلك أنّ الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبياً قال له : اجتهد في دينك ولا حرج عليك ، وإنّ الله تبارك وتعالى أعطى ذلك لأُمّتي حيث يقول : ( مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(4) .

وظاهر هذا الحديث أنّ رفع الحرج الذي منّ الله به على هذه الأُمّة المرحومة كان في الأُمم الماضية خاصاً بالأنبياء ، وأنّ الله أعطى هذه الأُمّة ما لم يعط إلاّ الأنبياء الماضين صلوات الله عليهم أجمعين .

وسئل عليّ _ عليه السلام _  : أيُتوضّأ من فضل وضوء جماعة المسلمين (أحبّ إليك) أو يُتوضّأ من ركو أبيض مخمر؟ فقال : «لا ، بل من فضل وضوء جماعة المسلمين; فإنّ أحبّ دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة»(5) .

واشتهر عن رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ قوله : «بُعثتُ بالحنيفيّة السمحة السهلة»(6) .

إنّ الإسلام دين عالمي لا إقليميّ ، ودين خاتم ليس بعده دين . وقد انتشر


(1) المائدة : 6 .
(2) البقرة : 185 .
(3) البقرة : 286 .
(4) البرهان 3  : 105 .
(5) الوسائل 1  : باب 8 من أبواب الماء المضاف والمستعمل ، ح 3 .
(6) الكافي 1  : 164 .


(76)

الدين في المجتمعات البشرية بصورة سريعة وكانت لذلك أسباب وعلل; منها :
يسر التكاليف وسهولة الشريعة; فلو كان الإسلام خاضعاً لهذا النوع من التزمّت ولما يتغنّاه ابن الحاج(1) من سمادير الأهازيج في كتابه المدخل، لقرئ السلام على الإسلام من أوّل يومه ، فهذا الرجل أخذ يحدث ألواناً من شتى الأباطيل ويفتريها ويسمّيها بدعة مع أنّها لا تمتّ لها بصلة ،بل تدور بين كونها إمّا أُموراً عادية خارجة عن موضوع البدعة بتاتاً ، وإمّا أُموراً شرعية لها دليلها العام وإن لم يكن لها دليل خاص ، وسيوافيك توضيح القسم الأخير في الفصل القادم .

يقول ابن الحاجّ :

1 ـ المراوح في المساجد من البدع وقد منعها علماؤنا رحمة الله عليهم; إذ أنّ اتّخاذها في المساجد بدعة(2) .

2 ـ إنّ فرش البسط والسجادات قبل مجيء أصحابها من البدع المحدثة وينبغي لإمام المسجد أن ينهى الناس عمّا أحدثوه من إرسال البسط والسجادات وغيرها قبل أن يأتي أصحابها(3) .

3 ـ إلى أن جاء ابن الحاج يحدّد ثمن اللباس الذي يجوز لبسه ويقول : أثمان أثوابهم القمص من الخمس إلى العشر وما بينهما من الأثمان ، وكان جمهور العلماء وخيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين والثلاثين ، وكان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز قيمته أربعين درهماً وبعضهم إلى المائة ويعدّه إسرافاً فيما جاوزها ، وعلى ذلك فهو من البدع الحادثة بعدهم(4) .


(1) المدخل : أبو عبد الله العبدريّ المالكي المتوفى سنة 737 ومع ذلك له كلمة قيّمة في زيارة القبور ، لاحظ  1  : 254 .
(2) و (3) المدخل 2  : 212 ، 224 .
(4) المدخل 2  : 238 .


(77)

4 ـ لابدّ من ترك فرش السجاد على المنبر لأنّها ليست موضعاً للصلاة(1) .

هذه نماذج من أفكار الرجل حول البدعة ، أفترى أنّ الإسلام الذي يعرفه هذا الرجل المتزمّت ممّا يصلح نشره في العالم ، ويصلح لدعوة المثقّفين والمفكّرين إليه ، وهل هذا هو الإسلام الذي يصفه النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالحنيفية السمحة السهلة؟!

الأصل في العادات الإباحة

كان على هؤلاء الذين يتحدّثون باسم الإسلام أن يدرسوا الكتاب والسنّة ويقفوا على أنّ الأصل في العادات الإباحة ما لم يدلّ دليل على خلافها ، فإنّ كلّ ما ذكره من الأُمور عادية حتّى سكب ماء الورد على قبر الميت احتراماً له ، من هذه الأُمور التي يتصوّرها ابن الحاج من البدعة والأصل فيها الإباحة لا الحظر ، فانّ الحكم بالحظر بدعة ، صدر من القائل(2) .

يقول سبحانه : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا)(3) ويقول : ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي اُمِّهَا رَسُولا)(4) ومعنى الآيتين أنّه ليس من شأن الله أن يعذّب الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث رسولا ، وليست لبعث الرسول خصوصية وموضوعية . ولو أُنيط جواز العذاب ببعثهم فإنّما هو لأجل كونهم وسائط للبيان والإبلاغ ، والملاك هو عدم جواز التعذيب بلا بيان وإبلاغ ، فتكون النتيجة أنّه لا يحكم على حرمة شيء قبل بيان حكمه ووصوله إلى يد المكلّف . وهذه الأُمور التي أضفى ابن الحاج عليها اسم البدعة ، كلّها أُمور عادية ما ورد النهي عنها ، مثلا :


(1) المدخل 2  : 264 .
(2) انظر الاعتصام 2  : 79 ـ 82 .
(3) الإسراء : 15 .
(4) القصص : 59 .


(78)

إذا شككنا أنّ لعبة كرة القدم أو الاستماع إلى الإذاعة هل هما جائزان أو لا؟ فالأصل بعد التتبع وعدم العثور على الدليل المحرّم ، هو الحلّية .

فبذلك علم أنّ جميع العادات من قول أو فعل فهو محكوم بالإباحة ما لم نجد نصّاً على تحريمه في الكتاب والسنّة ، سواء أكان حادثاً أم غير حادث ، سواء أصارت سنّة أم لا ، ما لم ينطبق عليه عنوان خاص أو أحد العناوين الكلية المحرّمة كـ «الإسراف» و «الإعانة على الإثم» و «تقوية شوكة الكفّار» و «الإضرار بالمسلمين» و «الإضرار بالنفس والنفيس» ، تعدّ أمراً مباحاً .

وعلى أساس ذلك فانّ جميع المصنوعات الحديثة التي هي من نتائج التقدّم الحضاري التكنولوجي ، مثل الهاتف والتلغراف والتلفزيون والسيّارة والطائرة وما شابهها ، واستخداماتها المتعارفة; محكومة بالحلّية والإباحة لعدم وجود نصّ خاصّ على تحريمها في الكتاب والسنّة ، ولعدم انطباق أحد العناوين العامة المحرّمة عليها .

وقد كان معظم المشايخ المتزمّتين يحرّمون كلّ ذلك في بدء حركتهم ودعوتهم أيام «عبد العزيز» ولكنّهم عندما أُزيحوا عن منصّة الحكم ، وحلّ الآخرون محلّهم أباحوه وصاروا يتحدّثون في الإذاعة والتلفزيون ، ويستخدمون كلّ معطيات الحضارة الحديثة ، ويحلّلون كلّ أشيائها واستخداماتها .

فإذا كان قول الرجل «كيف أصبحت» وإدخال المراوح إلى المساجد ، وفرش البسط في المساجد وعلى المنابر ولبس ما زادت قيمته على ما حدّده ، وسكب ماء الورد على القبر من البدع ، فعلى الإسلام السلام .

ثمّ إنّ بعض ما عدّه ابن الحاج من الأُمور الدينية من البدع يتصوّر أنّه لم يكن بين السلف; مردود بوجود دليل عليه في الشرع وهذا ما سندرسه في المبحث القادم .


(79)

3 ـ تقسيم البدعة إلى حقيقيّة وإضافيّة

هذا التقسيم ذكره الشاطبي في كتابه ، وعرّف البدعة الحقيقية : بأنّها ما لم يدلّ عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنّة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم ، لا في الجملة ولا في التفصيل . وإن ادّعى مبتدعها ومن تابعه أنّها داخلة فيما استنبط من الأدلّة; لأنّ ما استند إليه شُبَه واهية لا قيمة لها .

أمّا البدعة الإضافية فقد عرّفها بأنّها ما لها شائبتان :

إحداهما : لها من الأدلّة متعلّق فلا تكون من تلك الجهة بدعة .

والأُخرى : ليس لها متعلّق إلاّ مثلَ ما للبدعة الحقيقية ، أي أنّها بالنسبة لإحدى الجهتين سنّة لاستنادها إلى دليل ، وبالنسبة للجهة الأُخرى بدعة لأنّها مستندة إلى شبهة ، لا إلى دليل ، أو لأنها غير مستندة إلى شيء .

وسمّيت إضافية لأنّها لم تتخلص لأحد الطرفين : (المخالفة الصريحة) أو (الموافقة الصريحة)(1) .

أقول : قد تقدّم البحث عن البدعة الحقيقية فلا حاجة إلى إيضاحها من جديد; فانّ تحريم الحلال أو تحليل الحرام استناداً إلى شبه واهية أو بلا شبهة بدعة حقيقية ، وقد مرّت الأمثلة فيما سبق ، والمهم إيضاح المقصود من البدعة الإضافية التي لها شائبتان ، التي من جهة تشبه السنّة ومن جهة تشبه البدعة ، وتتضح بالأمثلة التالية التي ذكرها الشاطبي نفسه :

1 ـ تخصيص يوم أو أيام ، غير ما نهى الشارع عن صومه أو ندب إلى صومه ، بالصوم والمداومة عليه .


(1) الاعتصام 1  : 286 ـ 287 .


(80)

2 ـ تخصيص الأيّام الفاضلة بأنواع من العبادات لم تشرع لها خصوصاً ، كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات ، أو بصدقة كذا وكذا ، أو الليلة الفلانية بكذا وكذا من الركعات ، أو قراءة القرآن أو الذكر; فإنّ ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق ، أو بقصد يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط ، كان تشريعاً زائداً .

3 ـ ومن ذلك تحرّي ختم القرآن في بعض ليالي رمضان أو قراءة القرآن أو الدعاء بهيئة الاجتماع في عشية يوم عرفة في المسجد تشبهاً بأهل عرفة ونحو ذلك .

4 ـ ومن ذلك الأذان والإقامة في صلاة العيدين .

والسبب في كون هذه الأُمور بدعاً وجوه ذكرها الشاطبي :

أوّلا : أنّ فيها تخصيصاً بغير مخصص من الشرع ، وقد أصبحت بهذا التخصيص غير ما كانت عليه بدونه ، فكما أنّ الصلاة المفروضة لا تصحّ قبل الوقت مع كونها هي هي; لوقوعها في غير وقتها المخصص لها ، فكذلك ما تقدم من الأمثلة بما انضمّ إليها من الأوصاف غير الواردة تصير غير مشروعة .

ثانياً : أنّ مثل هذه الأُمور عمل اشتبه أمره ، أَهو بدعة فينهى عنه أَم غير بدعة فيعمل به؟ ومثل هذا جاء الأمر بالتوقّي فيه ، والاحتراز منه ، كما يجب التوقف عن تناول اللحم المشتبه فيه .

ثالثاً : مخالفة السنّة ، حيث ترك مثل هذا العمل مع ظهور ما يقتضي فعله في عهد الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأصحابه ، وعلى فرض أنّه وقع في بعض الأحيان فالأمر الأشهر والأكثر عدم فعله ، كما في سجود الشكر ، حيث لم يداوم الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والصحابة عليه وإن ورد .

رابعاً : أنّ العمل بمثل هذه الأُمور قد يؤدّي إلى اعتقاد ما ليس بسنّة سنّة ،


(81)

وكذلك فالمداومة على فعل لم يداوم عليه الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد تؤدّي إلى اعتقاد النافلة سنّة ، وهذا فساد عظيم; لأنّ اعتقاد ما ليس بسنّة سنّة ، والعمل به على حدّ العمل بالسنّة نحو من تبديل الشريعة ، وعلى ذلك كان قطع عمر للشجرة التي يتبرّك بها الصحابة ، ونهيه الصحابي عن الإحرام من بلده ، ونحو ذلك ، ونهيه عن إتيان المساجد التي صلّى فيها رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  . ولذلك كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ ما عدا قباء وحده ، وأيضاً كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتّخذ ذلك سنّة ، وكان يكره مجيء قبور الشهداء ، ويكره مجيء قباء خوفاً من ذلك(1) .

يلاحظ على هذا التقسيم : انّه لا طائل فيه ، ويعلم ذلك ببيان أمرين :

1 ـ شمول الدليل لجميع الحالات والكيفيات

إنّ مورد النقاش في ما إذا كان لدليل العمل العبادي إطلاق يعمّ جميع الصور والكيفيات ، بأن كانت جميع الحالات والصور المتصوّرة له أمراً مسوّغاً يشمله الدليل بإطلاقه أو عمومه وسعة دلالته ، مثلا إذا دلّ الدليل على استحباب قراءة القرآن مطلقاً من غير تقييد بحالة خاصة فيعمّ جميع الحالات سواء أكانت بهيئة الانفراد أم بهيئة الاجتماع .

أو دلّ على استحباب قراءة الدعاء مطلقاً من يقين خاصّ فعمّ جميع الكيفيات .

وبعبارة أُخرى: دلّ الدليل بإطلاقه بتسويغ جميع الأقسام من غير تخصيص بتلاوة القرآن بصورة الانفراد أو بهيئة الاجتماع ومثله دليل الدعاء .

ومثل ذلك إقامة الصلاة في المساجد; فالدليل يشمل جميع المساجد سواء


(1) الاعتصام ج1 ، الباب الخامس .


(82)

أصلّى فيها النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أو لم يصلّ ، وسواء أُقيمت الصلاة فيها يوماً أو أيّاماً أو طول السنة أو لا ، وهكذا سائر الأمثلة ، فلو نفترض عدم وجود إطلاق للدليل فهو خارج عن حريم البحث .

2 ـ التداوم على هيئة أو فرد لا يرجع إلى تخصيص التشريع

إنّ اختيار كيفية خاصّة ، كالدعاء بهيئة الاجتماع أو تخصيص يوم في الأُسبوع للصوم ، لا يعني تخصيص التشريع بالفرد المختار وإنّ السائغ هو لا غير، بل العامل يعتقد أن جميع الصور والكيفيات ، سائغة، وفي الوقت نفسه يختار كيفية أو فرداً خاصاً لأجل أنّه أوفق بنشاطه وبالعوامل المحيطة به .

وبعبارة أُخرى: لا يلتزم بكيفيّة خاصّة إلاّ لأجل أن يتلاءم مع نشاطه ويساعده على تحقيق غرضه ، مع الاعتراف بأنّ جميع الكيفيات من حيث الفضيلة سواء .

إذا تعرّفت على الأمرين تقف على أنّ الأمثلة التي قدّمها الشاطبي مثالا للبدعة الإضافية هي إمّا بدعة حقيقية أو سنّة حقيقية ، فلو افترضنا عدم إطلاق الدليل للكيفية التي اختارها العامل أو كان له إطلاق ، ولكنّه يخصص التشريع بمختاره ، وينفي غيره فيكون عمله هذا مصداقاً للبدعة الحقيقية .

وأمّا إذا لم يكن هناك قصور في سعة الدليل ، أو لم يكن في نيته أي تخصيص وتدخّل في أمر الشريعة ، وإنّما كان الاختيار لملاكات اتفاقية ، فلا يعدّ العمل بدعة; إذ لم يكن تدخلا في أمر الشارع . وبذلك يظهر حكم الأمثلة ، كتخصيص يوم أو أيام ـ غير ما نهي عن صيامه ـ بالصوم ، أو كتخصيص يوم بنوع من العبادة ، كقضاء الصلوات الواجبة التي فاتت منه ، أو ختم القرآن بهيئة الاجتماع مطلقاً ، أو في يوم عرفة; فانّ سعة رقعة الدليل كافية في كونها سنّة إذا لم يكن من قصده نفي


(83)

سائر الكيفيات بل كان التخصيص تابعاً لعوامل داخلة في حياة الإنسان .

وأمّا الأسباب التي اتّخذها ذريعة للحكم بالبدعة فإليك دراستها :

أمّا السبب الأوّل : أعني قوله : «إنّ فيها تخصيصاً بغير مخصص من الشرع» فغير مضر; إذ التخصيص إنّما يكون بدعة إذا نسبه إلى الشرع ، دون ما كان نتيجة ظروف فرضت عليه اختيار هذا الفرد مع الاعتراف بأنّه مثل سائر الأفراد .

وأمّا السبب الثاني : أعني قوله: «إنّ مثل هذه الأُمور عمل اشتبه أمره . . .» فهو مثل الأوّل; فانّه مشتبه لمن لم يدرس البدعة حقّها دون من درسها .

وأمّا السبب الثالث : أعني قوله: «مخالفة السنّة حيث ترك مثل هذا العمل . . .» فذلك لأنّ تركهم لا يكون حجّة على كون العمل بدعة بعد افتراض سعة رقعة الدليل ، وتركهم فرداً خاصاً لا يدلّ على عدم مشروعيته; إذ لم يكونوا يعانون من الإتيان بسائر الأفراد فلأجله تركوا ذاك الفرد ، بخلاف الإنسان الذي فرضت الظروف عليه مداومة هذا الفرد أو كان نشاطه محفوظاً فيه دون سائر الأفراد .

ولو صحّ ما ذكره يجب ترك المسنونات أحياناً ، لئلاّ يتخيّل الجاهل أنّها فريضة ، فعلى من يرى القبض في الصلاة سنّة ، تركه في حين بعد حين ، دفعاً لعادية الجهل .

وعلى من يقيم صلاة التراويح جماعة تركها والإتيان بها فرادى; لئلاّ يعتقد الجاهل أنّ التشريع مختص بالجماعة . إلى غير ذلك من المضاعفات التي لا يلتزم بها الشاطبي وغيره .

فجهل الجاهل ، لا يكون سبباً لترك المسنون; لأنّه لو قصر في التعليم فما ذنب من يريد الإتيان به وإنّما علينا دفع عاديته . وبذلك يظهر حسن إتيان المساجد التي صلّى النبي فيها; وذلك لعموم الدليل الشامل لتمام المساجد التي صلّى فيها أم لم يصلّ ، وإنّما يختار ذلك لأجل التبرّك الذي تضافر النص بجوازه ، وليس تخصيصها


(84)

بالعبادة، بمعنى ورود النصّ بها بالخصوص ، وانّما يختارها لغرض آخر وهو التبرّك .

وأمّا كراهة مالك المجيء إلى بيت المقدس ، فهو على خلاف السنّة; حيث رخّص النبي السفر إليه ، كما سيوافيك عند البحث عن شدّ الرحال إلى زيارة قبر النبي .

ومنه تظهر حال كراهة زيارة قبور الشهداء ، أو المجيء إلى مسجد قباء; فإنّه إعراض عن السنّة التي رسمها النبي ، حيث أمر بزيارة القبور ، وكان يجيء إلى مسجد قباء كلّ أُسبوع مرّة ويصلّي فيه .

وما أجمل قول الإمام الصادق : «إنّ هذا الدين متين; فأوغلوا فيه برفق»(1) .

قال التفتازاني : «ومن الجهلة من يجعل كلّ أمر لم يكن في زمن الصحابة بدعة

مذمومة ، وإن لم يقم دليل على قبحه تمسّكاً بقوله _ عليه السلام _  : «إيّاكم ومحدثات الأُمور» ولا يعلمون أنّ المراد بذلك هو أن يجعل في الدين ما ليس منه . عصمنا الله من اتّباع الهوى ، وثبتنا على اقتفاء الهدى بالنبي وآله»(2) .

وأمّا السبب الرابع : أعني قوله: «انتهاء هذا العمل إلى اعتقاد ما ليس بسنّة سنّة» فهو أيضاً مثله; فإنّه يجب على العالم إرشاد الجاهل لا ترك العمل الذي دلّ الشرع على جوازه بالإطلاق والعموم .


(1) الكافي 2  : 86/1 .
(2) شرح المقاصد 5  : 232 .


(85)

المبحث السابع
لا بدعة فيما فيه الدليل نصّاً أو إطلاقاً

عرفت أنّ حقيقة البدعة هي الافتراء على الله والفرية عليه ، بإدخال شيء في دينه أو نقصه منه ، ونسبته إلى الله ورسوله . فإذا كان هذا هو الملاك فكلّ مورد يدلّ عليه الدليل يكون خارجاً عن البدعة موضوعاً .

والدليل على قسمين :

الأوّل : أن يكون هناك نصّ في القرآن يشخص المورد وحدوده وتفاصيله وجزئياته ، كالاحتفال بعيدي الفطر والأضحى ، والاجتماع في عرفة ومنى ، فعندئذ لا يكون هذا الاحتفال والاجتماع بدعة ، بل سنّة قد أمر بها الشارع بالخصوص ، فيكون إتيان العمل امتثالا ، لا ابتداعاً .

الثاني : أن يكون هناك دليل عام في المصدرين الرئيسيين يشمل بعمومه المصداق الحادث ، وإن كان الحادث يتّحد مع الموجود في عهد الرسالة حقيقة وماهية ، ويختلف معه شكلا ، ولكن الدليل العام يعمّ المصداقين ويشمل الموردين ويكون حجّة فيهما . وإليك بعض الأمثلة :

1 ـ قال سبحانه : ( وَإذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ


(86)

تُرْحَمُونَ)(1) والآية تأمر باستماع القرآن عند قراءته والإنصات له ، والمصداق الموجود لها في ظرف الرسالة هو استماع القرآن مباشرة من فم القارئ الذي يقرأ القرآن في المسجد أو في البيت ، ولكن الحضارة الصناعية أحدثت مصداقاً آخر لم يكن موجوداً في ظرف الرسالة ، كقراءة القرآن من خلال المذياع والإذاعة المرئية ، فالآية حجّة في كلا الموردين ، وليس لنا ترك الاستماع والإنصات في القسم الثاني ، بحجّة أنّه لم يكن في ظرف الرسالة; وذلك لأنّ العربي الصميم عندما يتدبّر في مفهوم الآية لا يرى فرقاً بين القراءتين ، فلو قلنا حينئذ بوجوب الاستماع أو ندبه فليس هذا قولا بغير دليل ، أو بدعة في الدين .

2 ـ قال النبيّ الأكرم : «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم»(2) ومن الواضح أنّ العلوم حتى ما يمت إلى الشرع ، كانت في ظرف صدور الحديث محدودة ، ولكن المحدودية لا تمنع عن شمول الحديث للعلوم التي ابتكرها المسلمون لفهم الكتاب والسنّة ، كعلم اللغة والصرف والنحو والبلاغة ، بل والفقه المدوَّن عبر العصور; وذلك لأنّ الحديث بصدد تأسيس قاعدة كليّة ، فليس لمسلم أن يصف هذه العلوم بالبدعة بحجّة أنّها لم تكن في عصر الرسالة; لأنّ شأن الشارع الصادق إلقاء الأُصول وبيان القواعد والضوابط لا بيان المصاديق ، وبالأخص ما لم يكن في عصره .

3 ـ لا شك أنّ من واجب المسلمين حفظ القرآن والسنّة النبويّة من الضياع ، لأنّ الإسلام ليس ديناً إقليميّاً بل ديناً عالمياً وليس ديناً مؤقتاً بل خاتماً ، فطبيعة ذلك الدين تقتضي لزوم حفظ نصوصه وسنّته حتى ترجع إليها الأجيال اللاحقة .


(1) الأعراف : 204 .
(2) مجمع الزوائد 1  : 19 .


(87)

وعندما التحق النبيّ بالرفيق الأعلى ورأى المسلمون أنّ من واجبهم حفظ القرآن من الضياع خصوصاً بعدما لحقت بالمسلمين في الحروب خسارة كبيرة باستشهاد مجموعة كبيرة من القرّاء ، فصار الحكم الكلّي (لزوم حفظ القرآن) مبدأ لإجراء عمليات مختلفة عبر الزمان ، وكلّها أُمور دينية مستمدّة من الحكم الكلي ، أي لزوم حفظ القرآن والسنّة; فعمدوا إلى كتابة القرآن وتنقيطه وإعراب كلمه وجمله ، وعدّ آياته وتمييزها بالنقاط الحمراء ، وأخيراً طباعته ونشره ، وتشجيع حفّاظه وقرّائه وتكريمهم في احتفالات خاصّة ، إلى غير ذلك من الأُمور التي تعتبر كلّها دعماً لحفظ القرآن وتثبيته ، وإن لم يفعل بعضها رسول الله ولا أصحابه ولا التابعون; إذ يكفينا وجود أصل له في الأدلّة .

4 ـ إنّ من واجب المسلمين الاستعداد الكامل أمام هجمات الكفّار ، وأخذ الحيطة والحذر في كلّ ما يحتمل خطره عليهم ، يقول سبحانه : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)(1) ففي الآية نوعان من الدليل : خاصان في مورد رباط الخيل ، فلو جهزت الحكومة الإسلامية
جندها بالخيل فقد امتثلت الأمر الإلهي ، كما إذا تسلّحت بالغوّاصات والأساطيل البحرية والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من وسائل الدفاع; فقد جسّدت الآية وطبّقتها على مصاديقها التي لم تكن موجودة في عصر النبي ، وإنّما حدثت بعده . فهذه الموارد كلّها أُمور شرعية غير عادية ، بشهادة أنّ الإنسان يقوم بها بنيّة امتثال ما ورد في الشرع ، وليس للمتزمّت أن يرفضها بحجّة أنّه ليس هنا دليل خاص عليها ، وذلك لأنّ اللازم في نفي البدعة لزوم الدليل عاماً أو خاصّاً ، لا وجود دليل خاص; فالدليل العام بعمومه حجة في جميع الأجيال على جميع الناس في كلّ


(1) الأنفال : 60 .


(88)

الموارد التي تجسّد الضابطة الكليّة .

5 ـ قال رسول الله : «إنّ أفضلكم مَن تعلّم القرآن وعلّمه»(1) .

وغير خفيّ على القارئ النابه أنّ كيفية التعليم في عصر الرسالة تختلف كثيراً عن عصرنا ، فكلا العملين يعدّان تعليماً وتجسيداً لكلام الرسول يقصد به رضا الله سبحانه وتقرّبه إليه ، وليس للمتزمّت رفض الأساليب الحادثة لتعلّم الكتاب والسنّة .

والحقّ أنّ هذا الموقف موضع زلّة لأكثر من يصف عمل المسلمين في بعض الموارد بالبدعة ، بحجة عدم وجود دليل خاص عليه ، فقد ضلّوا ولم يميّزوا بين الدليل الخاص والدليل العام . وخصّوا الدليل بالأوّل ، مع أنّ الكتاب والسنّة مليئان بالضوابط والقوانين العامة وإليك بعض الأمثلة :

أ ـ قال سبحانه : ( لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا)(2) فالآية تنفي أي سبيل للكافر على المؤمن ، ومن المعلوم أنّ السبل تختلف حسب تطور الحضارات ، وكثرة المواصلات ، و تشعّب العلاقات بين الناس . ففي عصر الرسالة كان السبيل السائد هو تسلّط الفرد الكافر على المسلم ، ككون العبد المسلم رقّاً للكافر ، أو تمليك المصحف منه وما قاربهما ، وأمّا في عصرنا هذا; فحدّث عن السبيل ولا حرج ، فأين هو من تدخّل الكفّار في مصير المسلمين حكومة وشعباً حتى صار رؤساء الحكومات الإسلامية أسرى بيد الاستكبار العالمي .

ب ـ يقول سبحانه : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الاِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ)(3) فإنّ التعاون الموجود في العصور السابقة كان محدوداً في إطار ضيّق ،


(1) البخاري ، الصحيح 2  : 158; لاحظ سنن الترمذي رقم 3071 وغيرهما .
(2) النساء : 141 .
(3) المائدة : 2 .


(89)

وأكثر ما كان يتحقّق منه هو اشتراك جمع من مدينة واحدة أو من قبيلة معيّنة على أن يتعاونوا فيما بينهم ، وأين هذا من التعاون السائد في عصرنا هذا كتعاون دول المنطقة على إجراء مشروع مفيد للمنطقة ، أو تعاونهم على ضرب حكومة إسلامية فتيّة خوفاً على كراسيّهم ومناصبهم .

ولو أنّ المتزمّتين درسوا هذا البحث دراسة عميقة لربّما خمدت ثورتهم ضدّ المسلمين الذين يعملون الخير امتثالا لحكم الدين .

لقد كان في التاريخ الإسلامي اُناس يفهمون ـ بصفاء أذهانهم وخلوص قرائحهم ـ أنّ ما ورد في الكتاب والسنّة من وصفه سبحانه بصفات الجمال والكمال أُسوة لما لم يرد ، فللمسلم أن يدعو ربّه بأوصاف جميلة وإن لم ترد حرفياً في الكتاب والسنّة .

روى الطبراني : «أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام مرّ على أعرابي وهو يدعو في صلاته ويقول : «يا من لا تراه العيون ، ولا تخالطه الظنون ، ولا يصفه الواصفون ، ولا تغيّره الحوادث ، ولا يخشى الدوائر ، يعلم مثاقيل الجبال ، ومكاييل البحار ، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل، وأشرق عليه النهار ، لا توارى سماء منه سماء ، ولا أرض أرضاً ، ولا بحرٌ ما في قعره ، ولا  جبل ما في وعره ، إجعل خير عمري آخره ، وخير عملي خواتمه ، وخير أيّامي يوم ألقاك» .

فوكّل رسول الله بالأعرابي رجلا ، وقال : إذا صلّى فأتني به ، وكان قد أُهْدِي بعض الذهب إلى رسول الله ، فلمّا جاء الأعرابي ، وهب له الذهب ، وقال له : تدري لم وهبت لك؟

قال الأعرابي : للرحم التي بيني وبينك .


(90)

قال الرسول الكريم : إنّ للرحم حقّاً ، ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على الله»(1) .

وأين هذا الكلام ممّا روي عن الشاذلي أنّه قال : «من دعا بغير ما دعا به رسول الله فهو مبتدع»(2) .


(1) تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل  : ص 102 .
(2) روح البيان 9  : 385 .


(91)

المبحث الثامن
الخطوط العامة لتحصين الدين من الابتداع

كان النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يتنبّأ دبيب البدعة في دينه بعد رحيله ، ويعلم أنّ سماسرة الأهواء سيبثّون بذور البدع في المجتمع الإسلامي . ولما كان الدين أعزّ شيء عند الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _  ، وقد ضحّى بالنفس والنفيس لأجله ، وتحمّل عبئاً عظيماً في طريق دعوته ، لذا اتّخذ عدّة إجراءات لتحصينه من البدعة ، نذكر منها ما يلي :

الأوّل : التحذير من البدع والمبتدعين

إنّ الخط الدفاعي الأوّل الذي وضعه رسول الله لحصانة دينه تمثل في ذمّ البدع والمبتدعين ، وتحذير المجتمع الإسلامي منهما ، من خلال خطبه وأحاديثه البليغة ، وقد تعرّفت على قسم منها في التقديم وبعده ، واليك بعضها :

قال رسول الله : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»(1) .

وقال : «إيّاكم والبدع; فانّ كلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة تسير إلى النار»(2) .


(1) لاحظ كنز العمال ج 1 الحديث 1101 .
(2) لاحظ كنز العمال ج 1 الحديث 1113 .


(92)

وقال : «أصحاب البدع كلاب النار»(1) .

وقال : «أهل البدع شرّ الخلق والخليقة»(2) .

وقال : «يجيء قوم يميتون السنّة ويوغلون في الدين ، فعلى أُولئك لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين»(3) .

وقال : «من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام»(4) .

وقال : «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكفهرّوا في وجهه»(5) .

إلى غير ذلك من الأحاديث البليغة التي تحذّر المجتمع الإسلامي من البدعة والمبتدعين الذين سيظهرون بعد رحيله ، وبذلك أعطى بصيرة لمن خلفه لكي لا يغترّوا بكلام المبتدعين ويفتتنوا به .

الثاني : الإشارة إلى وجود الكذّابة على لسانه

وقف النبيّ الأكرم على أنّ هناك أُناساً في حياته أو بعد رحيله يكذبون أو سيكذبون على لسانه ، فيبدلون دينه ، فقال في حديث يرشد المسلمين إلى وجود الكذّابين ليأخذوا حذرهم :

«من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار»(6) .

أو «من يقل عليّ ما لم أَقُل فليتبوّأ مقعده من النار»(7) .

إنّ التاريخ يشهد بأنّ الأُمّة الإسلامية ـ في عصر الخلفاء ـ يوم اتّسعت رقعة البلاد الإسلامية واستوعبت شعوباً كثيرة ، شهدت دخول جماعات عديدة من


(1 ـ 5) لاحظ كنز العمال ج 1 الحديث 1094 ، 1095 ، 1124 ، 1102 ، 1676 .
(6 ـ 7) البخاري ، الصحيح 1  : 27 ; السنن لابن ماجة 1  : 13 ; صحيح مسلم بشرح النووي  : 661 ; الترمذي رقم 2796 إلى غير ذلك من المصادر .


(93)

أحبار اليهود وعلماء النصارى في الإسلام ، مثل: كعب الأحبار ، وتميم الداري، ووهب بن منبّه، وعبد الله بن سلام ; الذين تسلّلوا إلى صفوف المسلمين ، وراحوا يدسّون الأحاديث الإسرائيلية ، والخرافات والأساطير النصرانية في أحاديث المسلمين وكتبهم وأذهانهم .

وقد ظلّت هذه الأحاديث المختلقة ، تُخيِّم على أفكار المسلمين ردْحاً طويلا من الزمن ، وتؤثّر في حياتهم العمليّة ، وتوجهها الوجهة المخالفة لروح الإسلام الحنيف ، في غفلة من المسلمين وغَفْوتهم ، ولم ينتبه إلى هذا الأمر الخطير إلاّ من عصمه الله ، كعليّ_ عليه السلام _  ، الذي راح يحذّر المسلمين عن الأخذ بمثل هذه الأحاديث المختلقة فقال : «فلو علم الناس أنّه منافق كاذب ، لم يقبلوا منه ولم يصدَّقوا ، ولكنّهم قالوا : صاحب رسول الله رآه وسمع منه ولقف عنه»(1) .

نماذج وأرقام عن الأحاديث الموضوعة :

وحسبك لمعرفة ما أصاب المسلمين وما تعرّضت له الأحاديث ، ولمعرفة الذين لعبوا هذا الدور الخبيث في غفلة من الأُمّة ما كُتب في هذا الصدد مثل كتاب :

ميزان الاعتدال للذهبي .

وتهذيب التهذيب للعسقلاني .

ولسان الميزان للعسقلاني .

ونظائرها من الكتب التي صنّفت في هذا المجال .

ولعلّ فيما قاله البخاري صاحب «الصحيح» المعروف ، إشارة إلى طرف من هذه الحقيقة المرّة ، حيث قال ابن حجر في مقدّمة فتح الباري :

إنّ أبا عليّ الغساني روى عنه قال : خرّجت الصحيح من 600 ألف حديث(2) .


(1) نهج البلاغة  : الخطبة 210 .
(2) الهدي الساري مقدمة فتح الباري  : ص 4 .


(94)

وروى عنه الإسماعيلي أنّه قال :

أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح(1) .

ويعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمة الحديث أخبار تآليفهم (الصحاح والمسانيد) من أحاديث كثيرة هائلة ، والصفح عن غيرها ، وقد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديثاً وقال : انتخبته من خمسمائة ألف حديث(2) .

ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار على ألفي حديث وسبعمائة وواحد وستين حديثاً اختاره من زهاء ستمائة ألف حديث(3) .

وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث أُصول دون المكرّرات ، صنّفه من ثلاثمائة ألف(4) .

وذكر أحمد في مسنده ثلاثين ألف حديث ، وقد انتخبه من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث ، وكان يحفظ ألف ألف حديث(5) .

وقد قام الباحث الكبير المجاهد العلاّمة الأميني في موسوعته (الغدير) ـ الجزء الخامس ـ باستخراج أسماء الكذّابين والوضّاعين للحديث على حسب الحروف الهجائية فبلغ عددهم 700 ، وما قام به رحمه الله ، وإن كان عملا كبيراً يشكر عليه ، غير أنّه لو قامت بهذا الأمر لجنة من الباحثين لعثروا على أضعاف ما ذكره ذلك البحّاثة الكبير .

وكان تحذير النبي الأكرم من الدجّالين الكذّابين وشيوع الكذب على لسانه سبباً لقيام العلماء بوضع علم الرجال وبيان مقاييس يُميّز به الصحيح عن السقيم .


(1) الهدي الساري مقدمة فتح الباري : ص 5 .
(2) طبقات الحفّاظ للذهبي 2  : 154 ; تاريخ بغداد 9  : 57 .
(3) إرشاد الساري 1  : 208 ; صفوة الصفوة 4  : 143 .
(4) طبقات الحفّاظ 2  : 151 ، 157 ; شرح صحيح مسلم للنووي 1  : 32 .
(5) طبقات الحفّاظ 9  : 17 .


(95)

وقال : وقد تنبّأ الرسول بما سيصيب سنّته الشريفة ويصيب المسلمين فيما بعد على أيدي الكذّابين ووضّاعي الحديث وأعداء الإسلام ، وفي الوقت نفسه أخبر عمّن يقف في وجه هذا الخطر العظيم إذ قال : «يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحوير الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد»(1) .

روى السيوطي أنّ عثمان بن عفان لمّا أراد أن يكتب المصاحف ، أراد أن يحذف الواو التي في سورة براءة في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيراً مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنُزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم)(2) .

قال أُبيّ بن كعب : لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي(3) .

فإنّ الخليفة كان يريد أن يقرأ قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَكْنُزُونَ) بدون واو العطف ، لتكون هذه الجملة وصفاً للأحبار واليهود . وهذا مضافاً إلى كونه خلاف التنزيل وتغييراً فيما نزل به الوحي كما تلاه الرسول وقرأه على مسامع القوم ، فإنّ حذف الواو كان يعني أنّ آية حرمة الكنز سوف لا تشمل المسلمين بل ستبقى صفة للأحبار والرهبان . وكان يقصد من هذه إضفاء طابع الشرعية على اكتناز الأموال الطائلة .

وهذا يكشف عن مدى حفظ الأُمّة لنصّ الكتاب بهذه الصورة الدقيقة الأمينة ، بيد أنّ حفظ الأُمّة كان محدوداً لا يتجاوز هذا الحد; إذ كان غير شامل لجوانب أُخرى من الشريعة وأُصولها ومصادرها وينابيعها .


(1) الكشي ، الرجال  : ص 5 .
(2) التوبة : 34 .
(3) الدر المنثور 3  : 232 .


(96)

الثالث : محاولة كتابة الصحيفة

هذا هو الخطّ الدفاعي الثالث الذي حاول الرسول وضعه لمكافحة دبيب البدعة ، وهنا نقتبس ما ذكره الإمام الشاطبي حرفياً ، يقول :

لقد كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على أُلفتِنا وهدايتنا ، حتى ثبت من حديث ابن عباس ـ رضى الله عنه ـ .. أنه قال : لمّا حضر(1) النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال : وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهم ـ فقال : «هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده» فقال عمر : إنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ غلبه الوجع ، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله!! واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لن تضلّوا بعده ، وفيهم من يقول كما قال عمر ، فلمّا كثر اللغط والاختلاف عند النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال : «قوموا عنّي» فكان ابن عباس يقول : إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب اختلافهم ولغطهم(2) .

الرابع : التعريف بالثقلين

إنّ النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نبّه الأُمّة وبيّن لها المرجع والملاذ بعد رحيله بقوله : «يا أيّها الناس، إنّي تركت فيكم ماإن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(3).

وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «إنّي تركت ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ; ولن يفترقا حتى يردا عليّ


(1) أَي حضرته الوفاة.
(2) الاعتصام 2  : 171 ـ 172 ولاحظ صحيح البخاري .
(3) كنز العمال 1  : 44 ، أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر .


(97)

الحوض ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما»(4) .

وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «إنّي تارك فيكم خليفتين : كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي; وانّهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض»(1) .

وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وأهل بيتي ، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(2) .

وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «إنّي أوشك أن اُدعى فاُجيب ، وإنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله عزوجل ، وعترتي; كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروني بمَ تخلفوني فيهما»(3) .

وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في منصرفه من حجة الوداع ونزوله غدير خم : «كأنّي قد دُعيت فأجبت ، إنّي تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(4) .

وللكاتب الإسلامي منشي المنار كلام ذكره في تعليقته على كتاب الاعتصام للشاطبي قال : رواه ابن أبي شيبة والخطيب في المتّفق والمفترق عنه وهو «تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي : ورواه الترمذي والنسائي عنه بلفظ «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي» والحديث مرويّ بلفظ العترة بدل السنّة عن كثير من الصحابة ، منهم : زيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وأبو سعيد الخدري ، وروي عن


(1) كنز العمال 1  : 44 ، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم .
(2) مسند أحمد 5  : 282 ـ 289 .
(3) مستدرك الحاكم 3  : 148 .
(4) مسند أحمد 3  : 17 و 26 ، أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري .
(5) مستدرك الحاكم 3  : 109 ، أخرجه عن حديث زيد بن أرقم .


(98)

أبي هريرة بلفظ «السنّة» بدل العترة ، وفي كلا السياقين بلفظ «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» والجمع بينهما في المعنى أنّ عترته أهل بيته يحافظون على سنّته ، أي لا يخلو الزمان عن قدوة منهم يقيمون سنّته لا يُثنِيهم عنها التقليد ولا الابتداع ولا الفتن(1) .

الخامس : التعريف بسفينة النجاة

إنّ النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ شبّه أهل بيته بسفينة نوح فقال : «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من قومه; من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق»(2) .

وفي حديث آخر يقول _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح; من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق . وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل; من دخله غفر له»(3) .

وفي حديث ثالث : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف ، فاذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس»(4) .

ومن المعلوم أنّ المراد ليس جميع أهل بيته على سبيل الاستغراق; لأنّ هذه المنزلة ليست إلاّ لحجج الله ، وهم ثلّة منتخبة مصطفاة من أهل بيته ، وقد فهمه ابن حجر فقال : يحتمل أنّ المراد بأهل البيت الذين هم أمان ، علماؤهم; لأنّهم الذين يُهتدى بهم كالنجوم ، والذين إذا فُقِدوا جاء أهل الأرض من آيات ما يوعدون .


(1) الاعتصام 2  : 156 ، قسم التعليقة .
(2) رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن أبي ذر 3  : 151 .
(3) الأربعون حديثاً للنبهاني  : ص 216 نقله عن الطبراني في الأوسط .
(4) رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن ابن عباس 3  : 149 .


(99)

وقال في مقام آخر : إنّه قيل لرسول الله : ما بقاء الناس بعدهم؟ قال : «بقاء الحمار إذا كسر صلبه»(1) .

والمراد من تشبيههم ـ عليهم السلام ـ بسفينة نوح أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عنهم نجا من عذاب الله ، ومن تخلّف عنهم كان كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله فما أفاده شيئاً فغرق وهلك .

والوجه في تشبيههم بباب حطة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه ، وبهذا كان سبباً للمغفرة ، وقد جعل انقياد هذه الأُمّة لأهل بيت نبيّها واتّباعهم أيضاً مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه ، وبهذا كان سبباً للمغفرة .

وقد أوضح ابن حجر حقيقة التشبيه في الحديث الشريف فقال : «ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرفهم وأخذاً بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات ، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، وهلك في مفاوز الطغيان ـ إلى أن قال : ـ وبباب حطة ـ يعني ووجه تشبيههم بباب حطة ـ أنّ الله جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحاء أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة ، وجعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها»(2) .

دور أئمة أهل البيت في مكافحة البدع :

إنّ لأئمة أهل البيت دوراً بارزاً في مكافحة البدع ، والردّ على الأفكار الدخيلة على الشريعة عن طريق أهل الكتاب ، الذين تظاهروا بالإسلام ، وتزيّوا بزيّ


(1) الصواعق لابن حجر ، الباب الحادي عشر : 91 ، 142 .
(2) لاحظ المصدر نفسه : 153 .


(100)

المسلمين ، نظراء: كعب الأحبار ، وتميم الداري ، ووهب بن منبه، ومن كان على شاكلتهم .

إنّ كتب الحديث ، من غير فرق بين الصحاح وغيرها ، مشحونة بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر ونفي الاستطاعة المكتسبة ونسبة الكذب والعصيان إلى الأنبياء والرسل ، وقد تأثّر بها المحدّثون السُّذَّج وحسبوا أنّها حقائق راهنة فنقلوها إلى الأجيال اللاّحقة ، وقد حيكت العقائد على منوال هذه الأحاديث ، ولم يتجرّأ أحد من المفكّرين الإسلاميين القدامى والجدد على نقدها إلاّ من شذّ .

وفي مقابل هذه البدع نرى أنّ أئمة أهل البيت يكافحون التجسيم والتشبيه والجبر وغيرهما بخطبهم ورسائلهم ومناظراتهم أمام حشد عظيم . وفي وسع القارئ الكريم مراجعة نهج البلاغة للإمام عليّ _ عليه السلام _ وكتاب التوحيد للشيخ الصدوق (306 ـ 381 هـ) ، وكتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي (ت550 هـ) ، إلى غير ذلك من الكتب المؤلّفة في هذا المضمار ، وما أحلى المناظرات التي أجراها الإمام عليّ بن موسى الرضا _ عليه السلام _ في عاصمة الخلافة الإسلامية (مرو) يوم ذاك مع الماديّين والملحدين وأحبار اليهود وقساوسة النصارى ، بل ومع المتزمّتين المغترّين بتلك الأحاديث .

لقد كان لفكرة الإرجاء التي تدعو إلى التسامح الديني في العمل ، واجهة بديعة عند السذّج من المسلمين ولا سيّما الشباب منهم ، فقام الإمام الصادق بردّها والتنديد بها ، وقد أصدر بياناً فيها حيث قال : «بادروا أولادكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة»(1) .

هذا هو الإمام الثامن عليّ بن موسى الرضا يكافح فكرة رؤية الله تبارك وتعالى بالعين .


(1) الكافي 6  : 47/5 ; ولاحظ البحار 68  : 297 .


(101)

ويرد الفكرة المستوردة من اليهود والتي اغترّ بها بعض المحدّثين ، واليك ما جرى بينه وبين أحدهم باسم أبي قرّة .

قال أبو قرّة : إنّا روينا أنّ الله عزوجل قسم الرؤية والكلام بين اثنين ، فقسم لموسى _ عليه السلام _ الكلام ولمحمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الرؤية .

فقال الإمام عليّ بن موسى الرضا _ عليه السلام _  : «فمن المبلّغ عن الله عزّ وجل الى الثقلين الجنّ والإنس ( لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَار)(1) و( لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(2) و ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(3) أليس محمّداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟

قال : بلى .

قال الإمام : «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول : ( لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَار) و( لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)و( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .ثمّ يقول أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً وهو على صورة البشر . أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر»(4) .

هذا نموذج من نماذج كثيرة أوردناه حتى يكون أُسوة لنماذج أُخرى .

وإن أردت أن تقف على مدى مكافحة الأئمة الاثني عشر للبدع المحدثة فعليك مقارنة كتابين قد أُلّفا في عصر واحد بيد محدّثين في موضوع واحد ، وهما :

1 ـ التوحيد لابن خزيمة (ت 311 هـ) .

2 ـ التوحيد للشيخ الصدوق (306 ـ 381 هـ) .


(1) الأنعام : 103 .
(2) طه : 110 .
(3) الشورى : 11 .
(4) التوحيد : 111 .


(102)

قارن بينهما ، تجد الأوّل مشحوناً بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر ، وما زال المتسمون بالسلفية ينشرونه عاماً بعد عام ، كأنّ ضالّتهم فيه .

وأمّا الثاني ففيه الدعوة إلى التوحيد وتنزيه الحقّ ومعرفته بين التشبيه والتعطيل وتبيين الآيات التي اغترّ بعضهم بظواهرها من دون التدبّر بالقرائن الحافّة بها .

وبذلك تبيّن أنّ النبيّ الأكرم قد جعل من الأئمّة واجهة دفاعية لصدّ البدع وأفكار المبتدعين ولا تتبيّن تلك الحقيقة إلاّ بعد معرفتهم ومراجعة كلماتهم .

السادس : دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر

إذا كانت البدعة من أعظم الكبائر والمنكرات ، فعلى السلطة التنفيذية للحكومات الإسلامية ، دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، للقيام بمواجهة المبتدعين وردعهم عن أعمالهم; فإنّ البدعة أوّل يومها بذرة في الأذهان ، ثمّ يستفحل عودها عبْر الزمن حتى تصير شجرة خبيثة ، ولذلك دعا الذكر الحكيم إلى القيام بهذا الأمر وقال : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1) وفي آية أُخرى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(2) .

والأُمَّة عبارة عن جماعة تجمعهم رابطة العقيدة ووحدة الفكر ، غير أنّ الواجب على الجميع غير الواجب على جماعة خاصة ، فيجب على كلّ مسلم ردع المنكر بقلبه ولسانه ، وأمّا القيام بأكثر من ذلك فهو على القويّ المطاع العالم


(1) آل عمران : 104 .
(2) آل عمران : 110 .


(103)

بالمعروف ، وبذلك يجمع بين الآيتين ، حيث إنّ الثانية ترى الأمر بالمعروف فريضة على الجميع ، والأُولى تراه فريضة على أُمّة خاصة ، فالمراتب النازلة فريضة على الكلّ ، والمراتب العالية وظيفة الأقوياء من أبناء الأُمّة .

ويكفي في أهمية تلك الفريضة قوله سبحانه : ( الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(1) .

وهذا الإمام أمير المؤمنين يعلّل قيامه ونضاله ، بردع البدع ويقول : «اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا ، منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنردَّ المعالم من دينك ، ونُظهر الإصلاح في بلادك»(2) .

وردّ المعالم من دينه كناية عن رفض البدع التي كانت قد ظهرت على الساحة الإسلامية .

وقال الإمام الباقر _ عليه السلام _  : «إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ، ومنهاج الصلحاء ، فريضة عظيمة ، بها تقام الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وتحلّ المكاسب ، وتردّ المظالم ، وتعمر الأرض ، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر»(3) .

وقد كان في العصور الماضية نشاط للآمرين بالمعروف في خصوص متابعة المساجد والمؤذّنين والوعّاظ والقرّاء ، حتى لايخرجوا عن حدود الشريعة . يقول ابن إخوة القرشي : «ومن وظائف المحتسِب مراقبة المساجد والمؤذّنين


(1) الحج : 41 .
(2) نهج البلاغة  : الخطبة 127 .
(3) الوسائل 11  : 395 .


(104)

والوعّاظ والقرّاء ، وعدم السماح لتصدّي هذه المشاغل إلاّ لمن اشتهر بين الناس بالدين والخير والفضيلة ويكون عالماً بالأُمور والعلوم الشرعية» إلى آخر ما ذكره(1) .

فهذه هي الخطوط الدفاعية التي وضعها الإسلام أمام المبتدعين ، وهناك أُمور أُخرى للقضاء على البدعة والحدّ من نشاط المبتدعين ، نؤخّر بيانها إلى مجال آخر .


(1) معالم القربة في أحكام الحسبة  : 179 .


(105)

خاتمة المطاف
كيفية التوصّل إلى مكافحة البدع والقضاء عليها

بقي هنا أمر هام وهو; كيف نتوصّل إلى مكافحة البدع ونقضي عليها؟ وهو سؤال مهمّ يبيّن موقفنا في هذا العصر أمام تيارات البدع قديماً وحديثاً . وفي الحقيقة أنّ ما نذكره في الجواب ، هو واجب العلماء المفكّرين الذين يتحرّقون لمعرفة الحق بين منعرجات الأهواء النفسية والانتماءات العصبية .

إنّ القضاء على البدع ولو نسبياً يتمّ بالقيام بأُمور هي :

الأوّل : دراسة العقائد الإسلامية في ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة ، والفطرة الإنسانية ، والعقل السليم ، ونفي الاكتفاء برسالة «الطحاوية» للإمام الطحاوي ، و«الإبانة» للإمام الشيخ الأشعري; فإنّهما ـ رضوان الله عليهما ـ قد أدّيا رسالتهما في عصرهما بأحسن وجه ، ولم يكن في وسعهما إلاّ ما ألّفا ونشرا ، وإن تأثّرا بالروايات غير الصحيحة; إذ في ثنايا ذينك الكتاب التلميح إلى التشبيه والتعطيل ، وتعريف الإنسان بلا اختيار وإرادة ، كالريشة في مهبّ الريح ، إلى غير ذلك ممّا تردّه الفطرة السليمة ، كجواز تعذيب الطفل يوم القيامة بالنار . ومن المؤسف جداً الاكتفاء بدراسة العقائد من خلال هذين الكتابين وما شاكلهما في مقابل التشكيكات البرّاقة


(106)

التي تثيرها كلّ يوم الوسائل الإعلامية على الإطلاق في معسكر الغرب والشرق ، وهل يمكن صدّ هذا التيار بهذه الكتب؟ كلاّ ، ومن قال نعم; فإنّما يقوله بلسانه وينكره بقلبه .

كلّ ذلك يسوقنا إلى أن نعطي للعقائد والمعارف قسماً أوفر في دراساتنا ، حتى تتميز البدع عن غيرها ، نعم انّ من يتلقى كلّ ما ذكره أحمد بن حنبل في كتاب السنّة

والإمامين السابقين في رسالتهما لا غبار عليه ، وإن كان ضدّ الكتاب والسنّة المتواترة والعقل الفطري الصريح فلا يحسّ وظيفة أصلا ، وكلامنا مع المفكّرين الواعين العالمين بما يجري في البلاد على الإسلام والشباب ، وما يثار من إشكالات حول الأُصول حتى التوحيد نفسه .

الثاني : تمحيص السنّة ودراستها من جديد دراسة عميقة سنداً ومضموناً مقارنةً مع الكتاب والسنن القطعية عن الرسول ، فانّ أكثر البدع لها جذور في السنّة المدوّنة ، وهو _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عنها بريء ، وإنّما اختلقها الوضّاعون الكذّابون على لسانه . غير أنّ مسلمة أهل الكتاب وبما أنّهم لم يروا النبي الأكرم قد نسبوها إلى أنبيائهم وكتبهم ، ونسبها بعض السلف إلى نفس النبيّ الأكرم ، وها نحن نضع أمامك حديثين رواهما الشيخان في مورد الأنبياء حتى نتخذهما مقياساً لما لم نذكره .

إنّه سبحانه يعرّف فضله على النبيّ الأكرم بقوله : ( وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)(1) والمراد من فضله سبحانه في ذيل الآية هو علم النبي الذي أفاضه الله عليه ووصفه بكونه عظيماً ، مضافاً إلى ما في صدر الآية من إنزال الكتاب والحكمة عليه . ومع ذلك نرى أنّ الرسول في الصحيحين يُعرّف بصورة أنّه لا علم له بأبسط الأُمور وأوضح السنن الطبيعية في عالم النباتات ، حيث رأى قوماً يلقّحون النخيل فنهاهم عن ذلك


(1) النساء : 113 .


(107)

قائلا بأنّه لا يظن أنّه يغني شيئاً ، فتركه الناس وواجهوا الخسارة وعدم الإثمار ، فأتوا إلى النبيّ الأكرم ، فقال ما قال ، واليك نصّ الرواية :

1 ـ روى مسلم ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه ، قال : مررت ورسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ بقوم على رؤوس النخل فقال : «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا : يُلقِّحونه ، يجعلون الذكر في الأُنثى فتلقح ، فقال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «ما أظنّ يغني ذلك شيئاً» فأخبروا بذلك ، فتركوه ، فأخبر رسول الله بذلك ، فقال : «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فإنّي إنّما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظنّ ، ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ، فإنّي لن أكذب على الله عزّ وجلّ»(1) .

وروى عن رافع بن خديج ، قال : قدم نبيّ الله المدينة وهم يُأبِّرون(2) النخل ، يقولون : يلقّحون النخل ، فقال : «ما تصنعون؟» قالوا : كنّا نصنعه ، قال : «لعلّكم لولم تفعلوا كان خيراً» فتركوه فنقضت ، قال : فذكروا ذلك له ، فقال : «إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فانّما أنا بشر»(3) .

والعجب أنّ مؤلّف الصحيح مسلم النيسابوري ذكر الحديث في باب أسماه بـ «وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلّق على الحديث بشيء بسيط ونترك التفصيل إلى القارئ .

أوّلا : نفترض أنّ النبي الأكرم ليس نبياً ، ولا أفضل الخليقة ، ولا من أُنزل إليه الكتاب والحكمة ، ولا من وصف الله سبحانه علمه بكونه عظيماً ، ولكن كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز ، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر


(1) مسلم ، الصحيح 15  : 126 الباب 38 ، كتاب الفضائل .
(2) أبر يأبر كبذر يبذر : أدخل شيئاً من طلع الذكر في طلع الأُنثى فتعلق بإذن الله .
(3) المصدر السابق : ص 127 .


(108)

والبادية ، وقد تكرّرت سفراته إلى الشام ، وكلّ إنسان كان هذا شأنه يعرف أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح ، فما معنى سؤاله ما يصنع هؤلاء؟! فيجيبونه بقولهم : إنّهم «يلقحونه» أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خفيّاً على النبيّ؟!

ثانياً : كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح وهو سنّة من سنن الله في عالم الحياة ،

وقال سبحانه : ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلا)(1) ومع ذلك فكيف يقول : «ما أظنّ يغني ذلك شيئاً»؟!

ثالثاً : إنّ الاعتذار الوارد في الرواية يُسيء الظنّ بكلّ ما يقوله النبيّ الأكرم ، فإن كان المخبر بهذه الدرجة من العلم; فكيف يمكن الاعتماد بما يُخبر عن الله سبحانه؟! كلّ ذلك يسيء الظن بكلّ ما يذكره بلسانه ويخرج من شفتيه ، والأسوأ من ذلك ما نُسب إليه من الاعتذار بقوله : «وإذا حدّثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ، فانّي لن أُكذب على الله عزّوجلّ» ، لأنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ والعياذ بالله ـ يكذب في مواضع أُخر .

فلو اعتمدنا على هذه الرواية ونظائرها في بناء العقيدة ، فستكون النتيجة أنّ النبي ربّما يكون جاهلا بأبسط السنن الجارية في الحياة ، فهل يصحّ التفوّه بذلك؟

2 ـ لو كان الحديث الأوّل يحطّ من منزلة النبيّ الأكرم ، فالحديث الثاني يحطّ من مكانة الكليم موسى _ عليه السلام _  . فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما بالاسناد إلى أبي هريرة ، قال : لمّا جاء ملك الموت إلى موسى _ عليه السلام _ فقال له : أجب دعوة ربّك ، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها ، قال : فرجع الملك إلى الله تعالى ، فقال : إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ، ففقأ عيني ، قال : فردّ الله إليه عينه ، وقال : ارجع إلى عبدي فقال : الحياة تريد ، فإن كنت تريد الحياة ، فضع يدك على متن


(1) فاطر : 43 .


(109)

ثور ، فما توارت بيدك من شعرة فانّك تعيش بها سنة(1) .

وأخرجه ابن جرير الطبري في تأريخه ، وقال : «إنّ ملك الموت يأتي الناس عيوناً حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ـ إلى أن قال : ـ فجاء بعد ذلك إلى الناس خفية»(2) .

والحديث غنيّ عن التعليق ولا يوافق الكتاب ولا سنّة الأنبياء ولا العقل السليم من جهات هي :

1 ـ انّه سبحانه يقول : ( إذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(3) فظاهر قوله : «أجب ربك» انّه كان ممّن كتب عليه الموت وجاء أجله ومع ذلك تأخّر .

2 ـ من درس حياة الأنبياء بشكل عام يقف على أنّهم ـ عليهم السلام ـ ما كانوا يكرهون الموت كراهة الجاهلين ، وهل كانت الدنيا عند الكليم أعزّ من الآخرة ، وهل كانت تخفى عليه نعمها ودرجاتها؟!

3 ـ ما ذنب ملك الموت؟ إنْ هو إلاّ رسول من الله مجنّد له ، يعمل بإمرته ، فهل كان يستحق مثل هذا الضرب؟!

4 ـ كيف تُرِك القصاص عن موسى مع أنّه سبحانه يقول : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ والْجُرُوحَ قِصَاصٌ)(4) .


(1) مسلم ، الصحيح ، ج 7 ، كتاب الفضائل في باب فضائل موسى ; البخاري ، الصحيح 4  : 157 ، كتاب بدء الخلق ، باب وفاة موسى .
(2) الطبري ، التاريخ 1  : 305 ، باب وفاة موسى .
(3) يونس : 49 .
(4) المائدة : 45 .


(110)

5 ـ وهل كان ملك الموت أضعف من موسى حتى غلب عليه وفقأ عينه ولم يتمكن من الدفاع ، ولم يزهق روحه مع كونه مأموراً به من ربه؟ أنا لا أدري ، وأظنّ أنّ القارئ في غنىً عن هذه التعليقات ، فانّ مضمون الحديث يصرّح بأعلى صوته أنّه مكذوب .

فتمحيص السنّة فريضة على المفكّرين لكي يقضوا بذلك على البدع التي ما انفكّت تتلاعب بالدين ، ولا يقوم بذلك إلاّ من امتحن الله قلبه بالتقوى ولا تأخذه في الله لومة لائم ، وإن رماه المتطرّفون بأنواع التهم والأباطيل ، ولا غرو فإنّ المصلحين في جميع الأجيال كانوا أغراضاً لنبال الجهّال .


(111)

دراسة لأربع مسائل فقهيّة تدور بين البدعة والسنّة

مقدّمة

الحقيقةُ بنت البحث

إنّ الفقه الإسلامي عطاءٌ كبير ورثه الخلف عن السلف عبر جهود جبّارة; بذلها علماءُ الأُمّة وفقهاؤُها المتقدّمون والمتأخّرون .

وقد رامَ هؤلاءِ العلماء والفقهاء الوصولَ إلى التشريع الحقيقي الّذي جاء به النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ في الكتاب والسنّة ، فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ .

وهذا الجهد العظيم وإن خَلَّفَ تراثاً فقهيّاً وفكرياً عظيماً تعتزّ به الأُمّة ، إلاّ أنّه انتهى إلى الخلاف في جملة من المسائل بعد الاتّفاق في أكثرها .

وحيث لم يكن حتميّاً أن تبقى المسائلُ الخلافية خلافيّةً إلى الأبد; فمن الممكن أن يصل الفقهاءُ ـ لو بذلوا جهودهم في دراسة الخلافيّات بعيداً عن تقليد أيّ مذهب من المذاهب ـ إلى وَحدة النظر ، واتّفاق الرأي فيها .

وقد أثبتت التجربةُ هذه الثمرةَ الحلوةَ ، ولأجل ذلك عمدنا إلى طرح مسائل


(112)

أربع اختلفت فيها مواقف الفقهاء وأنظار العلماء على بساط البحث المجدّد ، ورائدنا في هذه الدراسة : الكتاب والسنّة .

وها أنا ذا أُقدّم حصيلة جهودي هذه إلى فقهاء الأُمّة الّذين يهمّهم مصير الأُمّة ، وتشتاق نفوسهم إلى وحدتها وعزّتها .


(113)

المسألة الأُولى : القبض(1) بين البدعة والسنّة

إنّ قبض اليد اليسرى باليمنى ممّا اشتهر ندبه بين فقهاء أهل السنّة .

فقالت الحنفية : إنّ التكتّف مسنون وليس بواجب ، والأفضل للرجل أن يضع باطن كفّه اليمنى على ظاهر كفّه اليسرى تحت سُرّته ، وللمرأة أن تضع يديها على صدرها .

وقالت الشافعية : يُسنّ للرجل والمرأة ، والأفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرّة ممّا يلي الجانب الأيسر .

وقالت الحنابلة : إنّه سنّة ، والأفضل أن يضع باطن يمناه على ظاهر يسراه ، ويجعلها تحت السرّة .

وشذّت عنهم المالكية فقالوا : يُندَب إسدالُ اليدين في الصلاة الفرض ، وقالت به جماعة أيضاً قبلهم، منهم: عبدالله بن الزبير، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن جريج، والنخعي،والحسن البصري، وابن سيرين، وجماعة من الفقهاء.

والمنقول عن الإمام الأوزاعي التخيير بين القبض والسدل(2) .

وأمّا الشيعة الإماميّة ، فالمشهور أنّه حرام ومبطل ، وشذّ منهم من قال بأنّه مكروه ، كالحلبي في الكافي(3) .

ومع أنّ غير المالكية من المذاهب الأربعة قد تصوّبوا وتصعّدوا في المسألة ،


(1) هو التكتّف ، والقبض اصطلاح أهل السنة وأمّا الشيعة فيطلقون عليه : التكفير بمعنى التستير ، الفقه على المذاهب الخمسة : ص110 .
(2) الفقه على المذاهب الخمسة  : 110 ; ولاحظ رسالة مختصرة في السدل للدكتور عبد الحميد  : ص5 .
(3) جواهر الكلام 11  : 15 ـ 16 .


(114)

لكن ليس لهم دليل مقنع على جوازه في الصلاة ، فضلا عن كونه مندوباً ، بل يمكن أن يقال : إنّ الدليل على خلافهم ، والروايات البيانية عن الفريقين الّتي تبيّن صلاة الرسول خالية عن القبض ، ولا يمكن للنبيّ الأكرم أن يترك المندوب طيلة حياته أو أكثرها ، وإليك نموذجين من هذه الروايات : أحدهما من طريق أهل السنّة ، والآخر من طريق الشيعة الإمامية ، وكلاهما يُبيّنان كيفية صلاة النبيّ ، وليست فيهما أيّة إشارة على القبض فضلا عن كيفيته .

كيفيّة صلاة النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ في روايات الفريقين

أ ـ حديث أبي حميد الساعدي :

روى حديث أبي حميد الساعدي غير واحد من المحدّثين ، ونحن نذكره بنصّ البيهقي ، قال : أخبرناه أبو علي عبد الله الحافظ :

فقال أبو حميد الساعدي : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _  ، قالوا : لِمَ ، ما كنت أكثرنا له تبعاً ، ولا أقدمنا له صحبة؟! قال : بلى ، قالوا : فأعرض علينا ، فقال : كان رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتّى يحاذي بهما مَنْكَبيه ، ثمّ يكبّر حتّى يقرّ كلّ عضو منه في موضعه معتدلا ، ثمّ يقرأ ، ثمّ يكبّر ويرفع يديه حتّى يحاذي بهما منكبيه ، ثمّ يركع ويضع راحتيه على ركبتيه ، ثمّ يعتدل ولا ينصب رأسه ولا يقنع ، ثمّ يرفع رأسه ، فيقول : سمع الله لمن حمده ، ثمّ يرفع يديه حتّى يحاذي بهما منكبيه ، حتّى يعود كلّ عظم منه إلى موضعه معتدلا ، ثمّ يقول : الله أكبر ، ثمّ يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه ، ثمّ يرفع رأسه ، فيثني رجله اليسرى ، فيقعد عليها ، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ، ثمّ يعود ، ثمّ يرفع فيقول : الله أكبر ، ثمّ يثني برجله ، فيقعد عليها معتدلا حتّى يرجع أو يقرّ كلّ عظم موضعه معتدلا ، ثمّ يصنع


(115)

في الركعة الأُخرى مثل ذلك ، ثمّ إذا قام من الركعتين كبّر ورفع يديه حتّى يحاذي بهما منكبيه كما فعل أو كبّر عند افتتاح صلاته ، ثمّ يصنع مثل ذلك في بقيّة صلاته ، حتّى إذا كان في السجدة الّتي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى وقعد متورّكاً على شقّه الأيسر ، فقالوا جميعاً : صدق هكذا كان يصلّي رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ (1) .

والّذي يوضّح صحّة الاحتجاج الأُمور التالية :

1 ـ تصديق أكابر الصحابة(2) وبهذا العدد لأبي حميد يدلّ على قوّة الحديث ، وترجيحه على غيره من الأدلّة .

2 ـ إنّه وصف الفرائض والسنن والمندوبات ولم يذكر القبض ، ولم ينكروا عليه ، أو يذكروا خلافه ، وكانوا حريصين على ذلك ، لأنّهم لم يسلّموا له أوّل الأمر أنـّه أعلمهم بصلاة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  ، بل قالوا جميعاً : صدقت هكذا كان رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي ، ومن البعيد جداً نسيانهم وهم عشرة ، وفي مجال المذاكرة .

3 ـ الأصل في وضع اليدين هو الإرسال; لأنّه الطبيعي فدلّ الحديث عليه .

4 ـ لا يقال انّ هذا الحديث عامّ وقد خصّصته أحاديث القبض; لأنّه وصف وعدّد جميع الفرائض والسنن والمندوبات وكامل هيئة الصلاة ، وهو في معرض التعليم والبيان ، والحذف فيه خيانة ، وهذا بعيد عنه وعنهم .

5 ـ روى بعض من حضر من الصحابة أحاديث القبض ، فلم يعترض ، فدلّ على أنّ القبض منسوخ ، أو على أقل أحواله بأنّه جائز للاعتماد لمن طوّل في صلاته ، وليس من سنن الصلاة ، ولا من مندوباتها ، كما هو مذهب الليث بن سعد ، والأوزاعي ، ومالك(3) .


(1) البيهقي ، السنن 2  : 72 ـ 73 ، 101 ، 102 ; أبو داود ، السنن : 1/194 باب افتتاح الصلاة ، الحديث 730 ـ 736 ; الترمذي ، السنن 2  : 98 باب صفة الصلاة .
(2) منهم أبوهريرة، وسهل الساعدي، وأبوأسيد الساعدي، وأبو قتادة الحارث بن ربعي ، ومحمد بن مسلمة.
(3) الدكتور عبد الحميد ، رسالة مختصرة في السدل  : ص11 .


(116)

هذا هو الحديث الّذي قام ببيان كيفية صلاة النبيّ ، وقد روي عن طريق أهل السنّة ، وقد عرفت وجه الدلالة ، وإليك ما رواه الشيعة الإمامية .

ب ـ حديث حمّاد بن عيسى :

روى حماد بن عيسى عن الإمام الصادق _ عليه السلام _ أنّه قال : «ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامّة!!» ، قال حمّاد : فأصابني في نفسي الذلّ ، فقلت : جعلت فداك فعلّمني الصلاة ، فقام أبو عبد الله مستقبل القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه ، قد ضمّ أصابعه وقرّب بين قدميه حتّى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات ، واستقبل بأصابع رجليه جميعاً لم يُحرفهما عن القبلة بخشوع واستكانة ، فقال : الله أكبر ، ثمّ قرأ الحمد بترتيل ، وقل هو الله أحد ، ثمّ صبر هنيئة بقدر ما تنفّس وهو قائم ، ثمّ قال : الله أكبر ، وهو قائم ، ثمّ ركع وملأ كفّيه من ركبتيه مفرجات ، وردّ ركبتيه إلى خلفه حتّى استوى ظهره ، حتّى لو صُبّ عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره وتردّد ركبتيه إلى خلفه ، ونصب عنقه ، وغمض عينيه ثمّ سبّح ثلاثاً بترتيل وقال : سبحان ربّي العظيم وبحمده ، ثمّ استوى قائماً ، فلمّا استمكن من القيام قال : سمع الله لمن حمده ، ثمّ كبّر وهو قائم ، ورفع يديه حيال وجهه ، وسجد ، ووضع يديه إلى الأرض قبل ركبتيه فقال : سبحان ربّي الأعلى وبحمده ثلاث مرّات ، ولم يضع شيئاً من بدنه على شيء منه ، وسجد على ثمانية أعظم : الجبهة ، والكفّين ، وعيني الركبتين ، وأنامل إبهامي الرجلين ، والأنف ، فهذه السبعة فرض ، ووضع الأنف على الأرض سنّة ، وهو الإرغام ، ثمّ رفع رأسه من السجود ، فلمّا استوى جالساً قال : الله أكبر ، ثمّ قعد على جانبه الأيسر ، ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى ، وقال : استغفر الله ربّي وأتوب إليه ، ثمّ كبّر وهو جالس وسجد الثانية وقال كما قال في


(117)

الأُولى ، ولم يستعن بشيء من بدنه على شيء منه في ركوع ولا سجود ، وكان مجنّحاً ، ولم يضع ذراعيه على الأرض ، فصلّى ركعتين على هذا .

ثمّ قال : «يا حمّاد هكذا صلّ ، ولا تلتفت ، ولا تعبث بيدك وأصابعك ، ولا تبزق عن يمينك ولا عن يسارك ولا بين يديك»(1) .

ترى أنّ الروايتين بصدد بيان كيفية الصلاة المفروضة على الناس ، وليست فيهما أيّة إشارة إلى القبض بأقسامه المختلفة ، فلو كان سنّة لما تركه الإمام في بيانه ، وهو بعمله يجسّد لنا صلاة الرسول_ صلى الله عليه وآله وسلم _ ; لأنّه أخذها عن أبيه الإمام الباقر ، وهو عن أبيه عن آبائه ، عن أمير المؤمنين ، عن الرسول الأعظم ـ صلوات الله عليهم أجمعين  ـ فيكون القبض بدعة; لأنّه إدخال شيء في الشريعة وهو ليس منها .

ثمّ إنّ للقائل بالقبض أدلّة نأتي على دراستها :

أدلّة القبض عند أهل السنّة

إنّ مجموع ما يمكن الاستدلال به على أنّ القبض سنّة في الصلاة لا يعدو عن مرويات ثلاث :

1 ـ حديث سهل بن سعد . رواه البخاري .

2 ـ حديث وائل بن حجر . رواه مسلم ونقله البيهقي بأسانيد ثلاثة .

3 ـ حديث عبد الله بن مسعود . رواه البيهقي في سننه .

وإليك دراسة كلّ حديث :


(1) الوسائل الجزء 4 ، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة ، الحديث 1 ، ولاحظ الباب 17 ، الحديث 1 و 2 .


(118)

أ ـ حديث سهل بن سعد

روى البخاري عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : «كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجلُ اليدَ اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم : لا أعلمه

إلاّ يَنمي ذلك إلى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ (1) .

قال إسماعيل(2) : يُنمى ذلك ولم يقل يَنمي .

والرواية متكفّلة لبيان كيفية القبض إلاّ أنّ الكلام في دلالتها بعد تسليم سندها . لكنها لا تدلّ عليه بوجهين :

أوّلا : لو كان النبيّ الأكرم هو الآمر بالقبض فما معنى قوله : «كان الناس يؤمرون»؟ أوَما كان الصحيح عندئذ أن يقول : كان النبيّ يأمر؟ أوليس هذا دليلا على أنّ الحكم نجم بعد ارتحال النبيّ الأكرم; حيث إنّ الخلفاء وأُمراءهم كانوا يأمرون الناس بالقبض بتخيّل أنّه أقرب للخشوع؟ ولأجله عقد البخاري بعده باباً باسم «باب الخشوع» . قال ابن حجر : الحكمة في هذه الهيئة أنّه صفة السائل الذليل ، وهو أمنع عن العبث ، وأقرب إلى الخشوع ، كان البخاري قد لاحظ ذلك وعقّبه بباب الخشوع .

وثانياً : إنّ في ذيل السند ما يؤيّد أنّه كان من عمل الآمرين ، لا الرسول الأكرم نفسه حيث قال : قال إسماعيل : «لا أعلمه إلاّ يُنمى ذلك إلى النبي» بناءً على قراءة الفعل بصيغة المجهول .

ومعناه أنّه لا يعلم كونه أمراً مسنوناً في الصلاة ، غير أنّه يُعزى وينسب إلى النبيّ ، فيكون ما يرويه سهل بن سعد مرفوعاً .


(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 2  : 224 ، باب وضع اليمنى على اليسرى . ورواه البيهقي في السنن الكبرى 2  : 28 ، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة .
(2) المراد  : إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري كما جزم به الحميدي . لاحظ فتح الباري 5  : 325 .


(119)

قال ابن حجر : ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي يُنميه ، فمراده : يرفع ذلك إلى النبيّ(1) .

هذا كلّه إذا قرأناه بصيغة المجهول ، وأمّا إذا قرأناه بصيغة المعلوم ، فمعناه أنّ سهلا ينسب ذلك إلى النبيّ ، فعلى فرض صحّة القراءة وخروجه بذلك من الإرسال والرفع ، يكون قوله : «لا أعلمه إلاّ . . .» معرباً عن ضعف النسبة ، وأنّه سمعه عن رجل آخر ولم يسمّ .

ب ـ حديث وائل بن حجر :

وقد روي هذا الحديث بصور :

1 ـ روى مسلم ، عن وائل بن حُجر : انّه رأى النبيّ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبّر ، ثمّ التحف بثوبه ، ثمّ وضع يده اليمنى على اليسرى ، فلمّا أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ، ثمّ رفعهما ، ثمّ كبّر فركع . . .(2) .

والاحتجاج بالحديث احتجاج بفعل النبيّ وهو متوقف على تمام دلالته على ذلك; لأنّ ظاهر الحديث أنّ النبيّ جمع أطراف ثوبه فغطّى صدره به ، ووضع يده اليمنى على اليسرى ، أمّا هل فعل ذلك لكونه أمراً مسنوناً في الصلاة ، أو فعله لئلاّ يسترخي الثوب بل يلصق بالبدن ليقي به نفسه من البرد؟ والفعل أمر مجهول العنوان ، لا يكون حجّة إلاّ إذا علم أنّه فعل به لكونه مسنوناً . ثمّ إنّ النبيّ الأكرم صلّى مع المهاجرين والأنصار أزيد من عشر سنوات ، فلو كان ذلك ثابتاً من النبيّ


(1) فتح الباري 5  : 325 . هامش رقم 1 .
(2) مسلم ، الصحيح 1  : 382 ، الباب 5 من كتاب الصلاة ، باب وضع يده اليمنى على اليسرى ، وفي سند الحديث «همام» ولو كان المقصود ، هو همام بن يحيى فقد قال ابن عمار فيه  : كان يحيى القطّان لا يعبأ بـ «همام » وقال عمر بن شيبة  : حدّثنا عفان قال  : كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه . وقال أبو حاتم  : ثقة في حفظه . لاحظ هدي الساري 1  : 449 .


(120)

لكثر النقل وذاع ، ولما انحصر نقله بوائل بن حجر ، مع ما في نقله من الاحتمالين .

نعم روي بصورة أُخرى ليس فيه قوله : «ثمّ التحف بثوبه» وإليك صورته :

2 ـ روى البيهقي بسنده عن موسى بن عمير : حدّثني علقمة بن وائل ، عن أبيه : أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه ، ورأيت علقمة يفعله(1) .

وبما أنّه إذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة فالثانية هي المتعيّنة ، فيلاحظ على الرواية بما لوحظ على الأُولى ، وهو أنّ وجه الفعل غير معلوم فيها . فلو كان النبيّ مقيماً على هذا العمل ، لاشتهر بين الناس ، مع أنّ قوله : «ورأيتُ علقمة يفعله» يعرب عن أنّ الراوي تعرّف على السنّة من طريقه .

3 ـ رواه البيهقي أيضاً بسند آخر عن وائل بن حجر(2) ويظهر الإشكال فيه بنفس ما ذكرناه في السابق .

ج ـ حديث عبد الله بن مسعود :

روى البيهقي مسنداً عن ابن مسعود ـ رضى الله عنه ـ انّه كان يصلّي فوضع يده اليسرى على اليمنى ، فرآه النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ فوضع يده اليمنى على اليسرى(3) .

يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّه من البعيد أن لا يعرف مثل عبد الله بن مسعود ذلك الصحابي الجليل ما هو المسنون في الصلاة مع أنّه من السابقين في الإسلام : أنّ


(1) سنن البيهقي 2  : 28 ، وفي سند الحديث عبد الله بن جعفر ، فلو كان هو ابن نجيح قال ابن معين  : ليس بشيء ، وقال النسائي  : متروك ، وكان وكيع إذا أتى على حديثه جزّ عليه ، متّفق على ضعفه . لاحظ دلائل الصدق للشيخ محمد حسن المظفر 1  : 87 .
(2) المصدر نفسه وفي سنده عبد الله بن رجاء . قال عمرو بن علي الفلاس  : كان كثير الخلط والتصحيف ، ليس بحجّة . لاحظ هدى الساري 1  : 437 .
(3) سنن البيهقي 2  : 28 ، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى .


(121)

في السند هشيم بن بشير; وهو مشهور بالتدليس(1) .

ولأجل ذلك نرى أنّ أئمة أهل البيت كانوا يتحرّزون عنه ، ويرونه أنّه من صنع المجوس أمام الملك .

روى محمد بن مسلم عن الصادق أو الباقر ـ عليهما السلام ـ قال : قلت له : الرجل يضع يده في الصلاة ـ وحكى ـ اليمنى على اليسرى؟ فقال : «ذلك التكفير ، لا يُفعل» .

وروى زرارة عن أبي جعفر _ عليه السلام _ أنّه قال : «وعليك بالإقبال على صلاتك ، ولا تكفّر; فإنّما يصنع ذلك المجوس» .

وروى الصدوق باسناده عن عليّ _ عليه السلام _ أنّه قال : وعليك بالإقبال على صلاتك ، ولا تكفّر فإنّما يصنع ذلك المجوس .

وروى الصدوق باسناده عن عليّ _ عليه السلام _ أنّه قال : «لا يجمع المسلم يديه في صلاته وهو قائم بين يدي الله عزّوجلّ يتشبّه بأهل الكفر ـ يعني المجوس ـ»(2) .

وفي الختام نلفت نظر القارئ إلى كلمة صدرت من الدكتور علي السالوس : فهو بعدما نقل آراء فقهاء الفريقين ، وصف القائلين بالتحريم والإبطال بقوله : «واُولئك الذين ذهبوا إلى التحريم والإبطال ، أو التحريم فقط ، يمثّلون التعصّب المذهبي وحبّ الخلاف ، تفريقاً بين المسلمين»(3) .

ما ذنب الشيعة إذا هداهم الاجتهاد والفحص في الكتاب والسنّة إلى أنّ القبض أمر حدث بعد النبي الأكرم ، وكان النّاس يؤمرون بذلك أيام الخلفاء ، فمن زعم أنّه جزء من الصلاة فرضاً أو استحباباً ، فقد أحدث في الدين ما ليس منه ، أفهل جزاء من اجتهد أن يُرمى بالتعصّب المذهبي وحبّ الخلاف؟!


(1) هدى الساري 1  : 449 .
(2) الوسائل 4  : الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة ، الحديث 1 و 2 و 7 .
(3) فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة  : 183 .


(122)

ولو صحّ ذلك ، فهل يمكن توصيف الإمام مالك به؟ لأنّه كان يكره القبض مطلقاً ، أو في الفرض ، أَفهل يصحّ رمي إمام دار الهجرة بأنّه كان يحبّ الخلاف؟

أجل ، لماذا يا ترى لا يكون عدم الإرسال ممثلا للتعصب المذهبي وحبّ الخلاف بين المسلمين؟!


(123)

المسألة الثانية : صلاة الضحى

صلاة الضحى من النوافل الرواتب المشهورة في كتب الفقه والحديث لأهل السنّة وإن كانت مجهولة ومتروكة عند الكثير من عامّتهم .

ويمكننا في هذه العجالة أن نلقي نظرة خاطفة على ما يتعلّق بصلاة الضحى من قبيل : حكمها وأقوال الفقهاء حولها ، ووقتها ، وعدد ركعاتها ، وأدلّتهم على مشروعيّتها ، ونظر فقهاء الشيعة حولها .

ما هو حكمها؟

صلاة الضحى على المشهور عندهم سنّة، كما عليه الحنابلة والحنفية والشافعية.

وفي مقابل المشهور هناك أقوال أُخر ، وهي :

1 ـ أنّها مندوبة(1) ـ كما عليه المالكية ـ فيستحبّ المداومة عليها .

2 ـ لا تستحبّ أصلا .

3 ـ يستحبّ فعلها تارة وتركها أُخرى ، فلا يستحبّ المداومة عليها .

4 ـ تستحبّ صلاتها والمحافظة عليها في البيوت .

5 ـ لا تشرع إلاّ بسبب مثل الشكر وغيره .

6 ـ أنّها بدعة(2) .


(1) يفرق بين المسنون والمندوب ، بأنّ الأوّل هو ما واظب عليه النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والخلفاء الراشدون، والثاني هو ما أمر به النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولم يواظب عليه . (الفقه على المذاهب الخمسة ، للشيخ محمد جواد مغنية  : 78) .
(2) راجع  : الشرح الكبير على المغني ، لشمس الدين ابن قدامى المقدسي 1  : 775 ; الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري 1  : 332 ; فقه السنة ، للسيّد سابق 1  : 185 ، زاد المعاد لابن قيم الجوزية 1 : 116 - 119 ، نيل الأوطار للشوكاني 3  : 62 .


(124)

متى وقتها؟

ووقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح ، إلى زوالها ، والأفضل أن يبدأها بعد ربع النهار . وعبر عن وقتها بهذه العبارة أيضاً : وأفضل وقتها إذا علت الشمس واشتدّ حرّها ، ويمتدّ وقتها إلى زوال الشمس ، وأوّله حين تبيضّ الشمس(1) .

كم عدد ركعاتها؟

أقلّها ركعتان وأكثرها ثمان ، وقيل اثنتا عشرة ركعة ، وقال الحنفية : أكثرها ستّ عشرة ، وذهب بعض الشافعية والطبري إلى أنّه لا حدّ لأكثرها .

وقالوا بأنّه يكره أن يصلّى في نفل النهار زيادة على أربع ركعات بتسليمة واحدة(2).

أدلّتها؟

لا دليل لهم على مشروعيّتها إلاّ مجموعة أحاديث وردت في مجاميعهم الحديثية . ولكن بعد التمحيص والتنقيب يتجلّى عدم نهوضها للحجّية على ذلك; لأنّها إمّا مجملة تقصر دلالتها عن الإثبات ، وإمّا مروية عن طرق لا يصحّ الاحتجاج بها ، مضافاً إلى معارضتها بأحاديث نافية للمشروعية ، راجحة عليها سنداً ودلالة .


(1) و (2) راجع  : الشرح الكبير على المغني ، لشمس الدين ابن قدامى المقدسي 1  : 775 ، الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري 1  : 332 ، فقه السنة ، للسيّد سابق 1  : 185 ، زاد المعاد لابن قيم الجوزية 1 : 116 - 119 ، نيل الأوطار للشوكاني 3  : 62 .


(125)

وإليك نماذج من تلك الطوائف الثلاث ، وعليها يمكن قياس سائر الأحاديث التي لم نذكرها هنا رعاية للاختصار .

الطائفة الأُولى :

الأحاديث المجملة ، منها :

1 ـ ما روي عن نعيم بن هماز ، قال : سمعت النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول :

«قال الله عزّوجلّ يا ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعات في أول نهارك أكفك آخره»(1) .

رواه أبو داود وأحمد والترمذي .

ولفظه : «ابن آدم اركع من أوّل النهار أربع ركعات أكفك آخره» .

وليس في هذا تصريح بصلاة الضحى ، ولا ظهور لاحتمال أنّ المقصود من الأربع هو فريضة الفجر ونافلتها ، كما اختاره مثل ابن تيمية وابن قيّم(2) ، واحتمله البعض الآخر مثل الشوكاني والعراقي(3) .

2 ـ ما روي عن أبي هريرة قال : أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهنّ حتّى أموت : صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر ، وصلاة الضحى ونوم على وتر(4) .

احتمل في هذا الحديث اختصاص الوصية بأبي هريرة وأمثاله الذين لا يستيقظون لنافلة الليل أو ينشغلون عنها ، بأن يصلّوها في الضحى قضاءً ، ويؤيده قوله : «ونوم على وتر» .

قال ابن قيم : «وأما أحاديث الترغيب فيها والوصية بها فالصحيح منها ،


(1) التاج الجامع للأُصول 1  : 321 .
(2) زاد المعاد 1  : 120 .
(3) نيل الأوطار 3  : 64 .
(4) صحيح البخاري 2  : 73 .


(126)

كحديث أبي هريرة وأبي ذر لا يدلّ على أنّها سنّة راتبة لكلّ أحد ، وإنّما أوصى أباهريرة بذلك; لأنّه قد روي أنّ أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة ، فأمره بالضحى بدلا من قيام الليل ، ولهذا أمره لا ينام حتّى يوتر ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة»(1) .

3 ـ روي عن عبيد الله بن عُتيبة أنّه قال : دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة ، فوجدته يُسبِّحُ ، فقمت وراءه ، فقرّبني حتّى جعلني حِذاءَهُ عن يمينه ، فلمّا جاء «يرفأ»(2) تأخّرتُ فَصَفَفْنا وراءه(3) .

ولكن عمل الخليفة مجهول العنوان ، فمن أين يعلم بأنّه كان يصلّي الضحى؟ خاصّة مع شهادة ولده كما سيأتي بأنّه ما كان يصلّيها . ثمّ إنّ الهاجرة لغة ليست بمعنى الضحى ، بل بمعنى «نصف النهار عند زوال الشمس إلى العصر»(4) على المشهور ، فسبحة الهاجرة تنطبق على نافلة الظهر ، وبناءً على ما حكي عن ابن السكيت بأنّ : الهاجرة إنّما تكون بالقيظ ، وقبل الظهر بقليل وبعدها بقليل(5) فالرواية مجملة; إذ كما يحتمل فيها صلاة الضحى يحتمل نافلة الظهر ، ولا مرجّح للأوّل على الثاني .

4 ـ ما روي عن أبي هريرة قال : ما رأيت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي الضحى قطّ إلاّ مرّة(6) .

فصدر الحديث ينفي صلاة الضحى وذيله مجمل; لاحتمال أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان قد صلّى صلاة بسبب آخر ، كالحاجة أو غيرها ، وخفى على أبي هريرة ، فتصوّر أنّه صلّى الضحى; إذ ليس فيه أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أعرب عن نيّة عمله .


(1) زاد المعاد 1  : 119 .
(2) «يرفأ» اسم خادم عمر .
(3) الموطأ للامام مالك 1  : 143 باب جامع سبحةِ الضّحى ، ط . دار الجيل ودار الآفاق .
(4) و (5) لسان العرب ، مادة «هجر» .
(6) مسند الإمام أحمد بن حنبل 2  : 446 .


(127)

5 ـ ما روي عن أنس أنّه قال : رأيت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في سفر صلّى سبحة الضحى ثماني ركعات ، فلمّا انصرف قال :

«إنّي صلّيت صلاة رغبة ورهبة ، سألت ربّي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألته ألاّ يبتلي أُمّتي بالسنين ففعل ، وسألته ألاّ يُظهر عليهم عدوّهم ففعل ، وسألته ألاّ يلبسهم شيعاً فأبى عليَّ»(1) .

يرد على الاستدلال به ، أوّلا : مثل ما مضى على سابقه ، وثانياً : انّ ذيله يتناقض مع الواقع التاريخي للأُمة الإسلامية . فكم من بلد إسلامي ابتلى بالقحط والسنين ، وما أكثر البلدان الإسلامية التي وقعت تحت سيطرة أعدائها في الزمن الغابر والحاضر .

وهذا ممّا يطمئننا باختلاقه ووضعه .

الطائفة الثانية :

الأحاديث الموضوعة :

قال ابن قيم الجوزية (691 ـ 751 هـ) في تقييم أحاديث صلاة الضحى : «وعامّة أحاديث الباب في أسانيدها مقال ، وبعضها موضوع لا يحلّ الاحتجاج  به»(2) .

ثمّ ذكر عدّة أحاديث قد صرّح أعلام الرجاليين بكون نقلتها وضّاعين كذبة ، منها :

1 ـ ما روي عن أنس مرفوعاً : «من داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها إلاّ عن علّة كنت أنا وهو في زورق من نور في بحر من نور» .


(1) فقه السنة 1 : 185 ; كنز العمال 11  : 174 .
(2) زاد المعاد 1  : 119 .


(128)

وضعه زكريا بن دريد الكندي عن حميد .

2 ـ حديث يعلى بن أشدق ، عن عبد الله بن جراد ، عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال :

«من صلّى منكم صلاة الضحى فليصلّها متعبّداً ، فانّ الرجل ليصلّيها السنّة من الدهر ثمّ ينساها ويدعها ، فتحنّ إليه كما تحنّ الناقة على ولدها إذا فقدته» .

ويا عجباً للحاكم كيف يحتجّ بهذا وأمثاله؟! فانّه يروي هذا الحديث في كتاب أفرده للضحى ، وهذه نسخة موضوعة على رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _  ، يعني نسخة يعلى بن الأشدق .

وقال ابن عدي : روى يعلى بن الأشدق ، عن عمّه عبد الله بن جراد ، عن النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ أحاديث كثيرة منكرة ، وهو وعمّه غير معروفين . وبلغني عن أبي مسهر قال : قلت ليعلى بن الأشدق : ما سمع عمّك من حديث رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال : جامع سفيان وموطّأ مالك وشيئاً من الفوائد ، وقال أبو حاتم بن حبّان : لقي يعلى عبد الله ابن جراد ، فلمّا كبر اجتمع عليه من لا دين له فوضعوا له شبهاً بمائتي حديث ، فجعل يحدّث بها وهو لا يدري . وهو الذي قال له بعض أصحابنا : أيّ شيء سمعته عن عبد الله بن جراد؟ فقال : هذه النسخة ، وجامع أبي سفيان ، لا تحلّ الرواية عنه بحال .

3 ـ حديث عمر بن صبيح ، عن مقاتل بن حبّان ، عن عائشة : «كان رسول الله يصلّي الضحى اثنتي عشرة ركعة» .

وهو حديث طويل ذكره الحاكم في صلاة الضحى ، وهو حديث موضوع ، والمتهم به عمر بن صبيح .

قال البخاري : حدّثني يحيى بن عليّ بن جبير ، قال : سمعت عمر بن صبيح يقول : أنا وضعت خطبة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _  . وقال ابن عديّ : منكر الحديث . وقال ابن حبّان : يضع الحديث على الثقات ، لا يحلّ حديثه إلاّ على جهة التعجّب منه . وقال


(129)

الدارقطني : متروك ، وقال الأزدي : كذّاب .

4 ـ حديث عبد العزيز بن أبان ، عن الثوري ، عن حجّاج بن فرافصة ، عن مكحول ، عن أبي هريرة مرفوعاً :

«من حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه ، وإن كانت بعدد الجراد وأكثر من زبد البحر» .

ذكره الحاكم أيضاً ، وعبد العزيز هذا ، قال ابن نمير : هو كذّاب . وقال يحيى : ليس بشيء كذاب ، خبيث يضع الحديث . وقال البخاري والنسائي والدارقطني : متروك الحديث .

5 ـ حديث النهاس بن فهم ، عن شدّاد ، عن أبي هريرة يرفعه :

«من حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر» .

والنهاس ، قال يحيى : ليس بشيء ضعيف ، كان يروي عن عطاء ، عن ابن عباس أشياء منكرة .

وقال النسائي : ضعيف . وقال ابن عديّ : لا يساوي شيئاً . وقال ابن حبان : كان يروي المناكير عن المشاهير ، ويخالف الثقات ، لا يجوز الاحتجاج به . وقال الدارقطني : مضطرب الحديث تركه يحيى القطان(1) .

الطائفة الثالثة :

الأحاديث النافية لمشروعية صلاة الضحى الّتي هي معارضة للأحاديث المثبتة ، وباعتبار قوّة دلالتها واسنادها رجّحها جماعة من علماء العامّة على غيرها ، كما صرّح بذلك ابن قيم .


(1) راجع حول الأحاديث الموضوعة وعمّا جاء حول رواتها ، زاد المعاد 1  : 119 ـ 120 .


(130)

قال : «وطائفة ثانية ذهبت إلى أحاديث الترك ، ورجحتها من جهة صحّة اسنادها وعمل الصحابة بموجبها»(1) .

منها :

1 ـ ما رواه البخاري بسنده عن مورق قال : «قلت لابن عمر : أتصلّي الضحى؟ قال : لا . قلت : فعمر؟ قال : لا . قلت : فأبو بكر؟ قال : لا . قلت : فالنبي_ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟ قال : لا أخاله»(2) .

2 ـ وما رواه أيضاً بسنده عن عائشة ، قالت : «ما رأيت رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ سبّح سبحة الضحى ، وإنّي لأُسبّحها»(3) .

وقد استدلّ بعضهم بهذه الرواية لنفي الضحى لصحّة اسنادها . «قال أبو الحسن عليّ بن بطّال : فأخذ قوم من السلف بحديث عائشة ولم يروا صلاة الضحى ، وقال قوم : إنّها بدعة»(4) .

وأما قول عائشة «بأنّي أُسبّحها» ، فهو اجتهاد في مقابل النص ، ولا قيمة له في سوق الاعتبار الشرعي .

3 ـ وما رواه أيضاً بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنّه قال : ما حدّثنا أحد انّه رأى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي الضحى غير أُمّ هانئ ، فإنّها قالت : «إنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ دخل بيتها يوم فتح مكّة فاغتسل وصلّى ثماني ركعات ، فلم أر صلاة قطّ أخفّ منها ، غير انّه يتمّ الركوع والسجود»(5) .

أقول: انّ رواية أُمّ هانئ ليست ظاهرة في صلاة الضحى ، ويحتمل قوياً أنّ


(1) زاد المعاد 1 : 117 .
(2) صحيح البخاري 2  : 73 .
(3) المصدر نفسه ; مسند أحمد بن حنبل 6  : 209 .
(4) زاد المعاد 1  : 117 .
(5) صحيح البخاري 2  : 73 .


(131)

النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ صلّى تلك الركعات شكراً لله على ما منّ عليه بفتح مكّة . ولذلك ذهبت جماعة من علماء العامّة «بأنّها لا تشرع إلاّ بسبب الخ»(1) .

4 ـ ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، قال : «رأى أبو بكرة ناساً يصلّون الضحى فقال : إنّهم ليصلّون صلاة ما صلاّها رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _  ، ولا عامّة أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ »(2) .

5 ـ ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن حفص بن عاصم قال : مرضت مرضاً فجاء ابن عمر يعودني قال : وسألته عن السبحة في السفر؟ فقال : «صحبت رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ في السفر فما رأيته يسبّح ، ولو كنت مسبحاً لأتممت ، وقد قال الله : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )»(3) .

6 ـ وما رواه البخاري بسنده عن مجاهد ، قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة وإذا أُناس يصلّون في المسجد صلاة الضحى . قال : فسألناه عن صلاتهم ، فقال : بدعة»(4) .

7 ـ وروي عن الشعبي قال : «سمعت ابن عمر يقول : ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى»(5) .

ففي هاتين الروايتين صرّح ابن عمر بكون صلاة الضحى بدعة ، وإن رآها فضيلة بناء على مسلك والده في جواز الابتداع الحسن .

8 ـ روي عن ابن عباس أنّه قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «أُمرت بالضحى ولم تؤمروا بها»(6) .


(1) نيل الأوطار 3  : 53 .
(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل 5  : 45 .
(3) صحيح مسلم 5  : 199 كتاب المسافرين ، والآية من سورة الأحزاب : 21 .
(4) صحيح البخاري 3  : 3 باب العمرة .
(5) زاد المعاد 1  : 118 .
(6) نيل الأوطار 3  : 61 .


(132)

بناءً على صحة الحديث فالظاهر انّ المراد من الأمر هنا هو أصل التشريع لا الوجوب ، لأنّه لم يثبت وجوب شيء من النوافل على النبي_ صلى الله عليه وآله وسلم _ خاصّة عدا نافلة الليل . وعليه فلم تشرع نافلة له وضحى للمسلمين لأنّه نفى الأمر بها عليهم .

* * *

إلى هنا تبيّن أنّه لم يوجد حديث صحيح فيه دلالة واضحة على مشروعية صلاة الضحى . وأما ما ادّعيت صحّته فهو إمّا معارض بالراجح عليه سنداً ودلالة ، أو فيه إجمال لا يمكن أن يستدلّ به على المقصود .

موقف الإمامية من صلاة الضحى

إنّ صلاة الضحى عند فقهاء الإمامية ، بدعة لا يجوز فعلها . وقد اتّفقوا وأجمعوا على هذا الرأي ، كما صرّح بذلك السيد الشريف المرتضى في رسائله(1) ، وشيخ الطائفة في الخلاف(2) ، والعلاّمة الحلي في المنتهى(3) ، والعلامة المجلسي في البحار(4) ، والمحدِّث البحراني في الحدائق الناضرة(5) .

ويدلّ على هذا الرأي قبل الإجماع ، أوّلا : عدم الدليل الشرعي المعتبر على مشروعيّة صلاة الضحى ، وهذا يكفي للقول بعدمها; إذ لا يطالب النافي بدليل ، بل الدليل على المدّعي .

وثانياً : الأخبار المستفيضة الواردة عن طرق أهل البيت ـ عليهم السلام ـ النافية


(1) رسائل الشريف المرتضى 1  : 221 .
(2) الخلاف ، نقلاً عن موسوعة الينابيع الفقهية 28  : 220 .
(3) البحار 80  : 158 .
(4) المصدر نفسه  : 155 .
(5) الحدائق الناضرة 6  : 77 .


(133)

لمشروعية صلاة الضحى ، والمصرّح في بعضها أنّ العمل بها بدعة ومعصية ، منها :

1 ـ ما رواه الشيخ الطوسي ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة وابن مسلم والفضيل ، قالوا : سألناهما ـ عليهما السلام ـ عن الصلاة في رمضان نافلة بالليل جماعة ، فقالا :

إنّ النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ، ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي . فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّي ، كما كان يصلّي ، فاصطفّ الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم ، ففعلوا ذلك ثلاث ليال ، فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : «أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة ، وصلاة الضحى بدعة فلا تجتمعوا ليلا في شهر رمضان ، ولا تصلّوا صلاة الضحى; فانّ ذلك معصية ، ألا وإنّ كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار» ثمّ نزل وهو يقول : «وقليل في سنّة خير من كثير في بدعة»(1) .

2 ـ ما حكي عن دعائم الإسلام عن أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ أنّه قال لرجل من الأنصار سأله عن صلاة الضحى ، فقال : «إنّ أوّل من ابتدعها قومك الأنصار ، سمعوا قول رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «صلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة» فكانوا يأتون من ضياعهم ضحى فيدخلون المسجد فيصلّون ، فبلغ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فنهاهم عنه»(2) .


(1) التهذيب 3  : 69 ـ 70 ، ومثله في الاستبصار 1  : 467 ـ 468 ، والفقيه 2  : 132 ، والوسائل 5  : 192 .
(2) البحار 80  : 159 ; مستدرك الوسائل 3  : 70 . لاحظ من لا يحضره الفقيه 1  : 566 وفي الأخير زيادة على ما في المتن .


(134)

المسألة الثالثة : إقامة صلاة التراويح جماعة

اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ نوافل شهر رمضان (صلاة التراويح) سُنّة مؤكّدة ، وأوّل من سنّها رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقال :

«من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه»(1) .

إنّ استجلاء الحقّ في جواز إقامتها جماعة ، أو كونها بدعة يتطلّب تقديم أمرين :

1 ـ هل تُسنُّ الجماعة في مطلق النوافل أو لا؟

المشهور عند أهل السنّة جواز إقامة النوافل جماعة ، والأفضل في بعضها إقامتها منفرداً ، وإليك تفصيل مذاهبهم :

قالت المالكية : الجماعة في صلاة التراويح مستحبّة ، أمّا باقي النوافل فإنّ صلاتها جماعة تارةً يكون مكروهاً ، وتارة يكون جائزاً ، فيكون مكروهاً إذا صلّيت بالمسجد أو صلّيت بجماعة كثيرين ، أو كانت بمكان يكثر تردّد الناس عليه ، وتكون جائزة إذا كانت بجماعة قليلة ، ووقعت في المنزل ونحوه من الأمكنة التي لا  يتردّد عليها الناس .

وقالت الحنفية : تكون الجماعة سنّة كفاية في صلاة التراويح والجنازة ، وتكون مكروهة في صلاة النوافل مطلقاً ، والوتر في غير رمضان ، وإنّما تكره الجماعة في ذلك إذا زاد المقتدون عن ثلاثة ، أمّا الجماعة في وتر رمضان ففيها قولان


(1) البخاري ، الصحيح باب فضل من قام رمضان برقم 2008 ; مسلم، الصحيح ج 2 باب الترغيب في قيام رمضان ، وهو التراويح  : ص176 ط دار الجيل ودار الآفاق .


(135)

مُصحّحان ، أحدهما : أنّها مستحبّة فيه ، ثانيهما : أنّها غير مستحبّة ، ولكنها جائزة; وهذا القول أرجح .

وقالت الشافعية : أمّا الجماعة في صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والتراويح ووتر رمضان فهي مندوبة .

وقالت الحنابلة : أمّا النوافل فمنها ما تُسَنّ فيه الجماعة ، وذلك كصلاة الاستسقاء والتراويح والعيدين ، ومنها ما تباح فيه الجماعة ، كصلاة التهجّد ورواتب الصلاة المفروضة(1) .

وقال المقدسي في الشرح الكبير : ويجوز التطوّع في جماعة وفرادى; لأنّ النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ فعل الأمرين كليهما ، وكان أكثر تطوّعه منفرداً ، ومع ذلك اتّفقوا على أنّ التطوّع في البيت أفضل ، لقول رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  :

«عليكم بالصلاة في بيوتكم; فانّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة» .

وقال_ عليه السلام _  : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فلْيجعل لبيته نصيباً من صلاته; فإنّ الله جاعل في بيته من صلاته خيراً» رواهما مسلم .

وعن زيد بن ثابت أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال :

«صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلاّ المكتوبة» رواه أبو داود ، ولأنّ الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء وهو من عمل السرّ ، والسرّ أفضل من العلانية(2) .

قالت الإمامية : تشرع الجماعة في الصلوات الواجبة ، ولا تشرع في المستحبّة ،


(1) الفقه على المذاهب الأربعة ، كتاب الصلاة ، حكم الامامة في صلاة الجمعة والجنائز والنوافل  : ص407 ، وفي ص340 : هي سنة عين مؤكّدة عند ثلاثة من الأئمة ، وخالفت المالكية .
(2) المغني والشرح 1  : 771 ، دار الكتاب العربي ط أفست 1403/1983 .


(136)

إلاّ في الاستسقاء والعيدين مع فقد الشروط(1) ، وقالت المذاهب الأربعة : تشرع مطلقاً في الواجبة والمستحبّة(2) .

2 ـ التراويح لغةً واصطلاحاً :

التراويح : جمع ترويحة; وهي في الأصل اسم للجلسة مطلقاً ، ثمّ سمّيت بها الجلسة بعد أربع ركعات في ليالي رمضان; لاستراحة الناس بها ، ثمّ سُمّي كلّ أربع ركعات ترويحة ، وهي أيضاً اسم لعشرين ركعة في الليالي نفسها .

قال ابن منظور : والترويحة في شهر رمضان : سميت بذلك لاستراحة القوم بعد كلّ أربع ركعات . وفي الحديث : صلاة التراويح; لأنّهم كانوا يستريحون بين كلّ تسليمتين . والتراويح جمع ترويحة; وهي المرّة الواحدة من الراحة ، تفعيلة منها ، مثل تسليمة من السلام(3) .

عدد ركعاتها عند الفريقين

اختلف الفقهاء في عدد صلاة نوافل شهر رمضان ، أمّا الشيعة فقد ذهبت إلى أنّ نوافل ليالي شهر رمضان ألف ركعة في تمام الشهر .

قال الامام الصادق _ عليه السلام _  : «ممّا كان رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصنع في شهر رمضان ، كان يتنفّل في كلّ ليلة ويزيد على صلاته الّتي كان يصلّيها قبل ذلك منذ أوّل ليلة إلى تمام عشرين ليلة; في كلّ ليلة عشرين ركعة; ثماني ركعات منها بعد المغرب ، واثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة ، ويصلّي في العشر الأواخر في كلّ


(1) إذ عند اجتماع الشروط تكون واجبة .
(2) الفقه على المذاهب الخمسة 1  : 133 .
(3) لسان العرب ، ج 2 مادة «روح» .


(137)

ليلة ثلاثين ركعة; اثنتي عشرة منها بعد المغرب ، وثماني عشرة بعد العشاء الآخرة ، ويدعو ويجتهد اجتهاداً شديداً ، وكان يصلّي في ليلة إحدى وعشرين مائة ركعة ، ويصلّي في ليلة ثلاث وعشرين : مائة ركعة ويجتهد فيهما»(1) .

وأما غيرهم فقد قال الخرقي في مختصره : وقيام شهر رمضان عشرون ركعة ، يعني صلاة التراويح(2) .

وقال ابن قدامة في شرحه : والمختار عند أبي عبد الله «الإمام أحمد» عشرون ركعة ، وبهذا قال الثوري ، وأبو حنيفة والشافعي ، وقال مالك : ست وثلاثون ، وزعم أنّه الأمر القديم ، وتعلّق بفعل أهل المدينة(3) .

والظاهر أنّه ليس في عددها عند أهل السنّة دليل معتمد عليه ، يحكي عن قول الرسول أو فعله أو تقريره ، والقول بالعشرين يعتمد على فعل عمر ، كما أنّ القول بالستّ والثلاثين يعتمد على فعل عمر بن عبد العزيز .

وقد فصّل القول في ذلك عبد الرحمن الجزيري في «الفقه على المذاهب الأربعة» وقال :

روى الشيخان أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خرج من جوف الليل ليالي من رمضان ، وهي ثلاث متفرقة : ليلة الثالث ، والخامس ، والسابع والعشرين ، وصلّى في المسجد ، وصلّى الناس بصلاته فيها ، وكان يصلّي بهم ثماني ركعات ، ويُكْملون باقيها في بيوتهم ، فكان يسمع لهم أزيز ، كأزيز النحل . . . وقال : ومن هذا يتبيّن أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سنّ لهم التراويح والجماعة ، ولكن لم يصلّ بهم عشرين ركعة ، كما جرى عليه العمل من عهد الصحابة ومن بعدهم إلى الآن ، ولم يخرج إليهم بعد ذلك ، خشية أن تُفْرض عليهم ، كما صرّح به في بعض الروايات ، ويُتَبيّنُ أنّ عددها ليس قاصراً على الثماني ركعات


(1) التهذيب 3 : 62/213 .
(2) و (3) المغني 2  : 137 ـ 138 .


(138)

الّتي صلاّها بهم; بدليل أنّهم كانوا يكملونها في بيوتهم ، وقد بيّن فعل عمر ـ رضى الله عنه ـ أنّ عددها عشرون ، حيث إنّه جمع الناس أخيراً على هذا العدد في المسجد ، ووافقه الصحابة على ذلك . نعم زيد فيها في عهد عمر بن عبد العزيز ـ رضى الله عنه ـ وجعلت ستاً وثلاثين ركعة . ولكن كان القصد من هذه الزيادة مساواة أهل مكّة في الفضل; لأنّهم كانوا يطوفون بالبيت بعد كلّ أربع ركعات مرّة ، فرأى ـ رضى الله عنه ـ أن يصلّي بدل كلّ طواف ، أربع ركعات(1) .

هذا وقد بسط شرّاح البخاري وغيرهم القول في عدد ركعاتها إلى حدٍّ قلّ نظيره في أبواب العبادات ، فمن قائل أنَّ عدد ركعاتها 13 ركعة ، إلى آخر أنّها 20 ركعة ، إلى ثالث أنَّها 24 ركعة ، إلى رابع أنّها 28 ركعة ، إلى خامس أنّها 36 ركعة ، إلى سادس أنّها 38 ركعة ، إلى سابع أنّها 39 ركعة ، إلى ثامن أنّها 41 ركعة ، إلى تاسع أنّها 47 ركعة ، وهلمّ جراً(2) .

والأغرب من هذا تدخّل عمر بن عبد العزيز في أمر الشريعة! فأدخل فيها ما ليس منها ليتساوى ـ في رأيه ـ أهل المدينة وأهل مكة ، في الفضل والثواب; فإنّ فسح المجال لهذا النوع من التدخّل يجعل الشريعة أُلعوبة بيد الحكّام ، يحكمون فيها بآرائهم .


(1) الفقه على المذاهب الأربعة 1  : 251 ، كتاب الصلاة ، مبحث صلاة التراويح . ولا يخفى أنّه لو كان المقياس في الزيادة ، هو عدد الطواف بعد كلّ أربع ركعات فعندئذ يصل عددها إلى أربعين ركعة في كلّ ليلة، لأنّهم إذا كانوا يطوفون بعد كلّ أربع ركعات مرّة واحدة ، يكون عددها خمس مرّات ، فاذا كان مقابل كلّ مرّة منه أربع ركعات ، يبلغ عددها عشرين ركعة (5×4=20) فتضاف إلى العشرين ركعة الأصلية فيصير المجموع 40 ركعة . نعم ذلك يصحّ على ما نقله ابن قدامة المقدسي من أنّ الطواف كان بين كلّ ترويحة . (لاحظ 1  : 749)
(2) فتح الباري 4  : 204 ; إرشاد الساري 3  : 426 ; عمدة القاري 11  : 126 ، وقد تكلفوا في الجمع بين هذه الأقوال المتشتتة ، فلاحظ .


(139)

حكم إقامتها جماعة

إنّ الشيعة الإمامية ـ تبعاً للإمام عليّ وأهل بيته ـ عليهم السلام ـ ـ يقيمون نوافل شهر رمضان بلا جماعة ، ويرون إقامتها جماعة بدعة حقيقية حدثت بعد رسول الله ، بمقياس(1) ما أنزل الله به من سلطان .

قال الشيخ الطوسي : نوافل شهر رمضان تصلّى انفراداً ، والجماعة فيها بدعة ، وقال الشافعي : صلاة المنفرد أحبّ إليَّ منه ، وشنّع ابن داود على الشافعي في هذه المسألة ، فقال : خالف فيها السنّة والإجماع .

واختلف أصحاب الشافعي في ذلك على قولين; فقال أبو العباس وأبو إسحاق وعامّة أصحابه : صلاة التراويح في الجماعة أفضل بكلّ حال ، وتأوّلوا قول الشافعي فقالوا : إنّما قال : النافلة ضربان ، نافلة سُنَّ لها الجماعة ، وهي العيدان ، والخسوف ، والاستسقاء ونافلة لم تُسنَّ لها الجماعة ، مثل ركعتي الفجر والوتر ، وما سنّ له الجماعة أو كد مما لم تُسَّنَّ له الجماعة ، ثمّ قال : فأمّا قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحبّ إليّ منها يعني ركعات الفجر والوتر ، الّتي تفعل على الانفراد أوكد من قيام شهر رمضان .

والقول الثاني : منهم من قال بظاهر كلامه ، فقال : صلاة التراويح على الانفراد أفضل منها في الجماعة ، بشرطين ، أحدهما : أن لا تختلّ الجماعةُ بتأخّرهِ عن المسجد ، والثاني : أن يطيل القيام والقراءة فيصلّي منفرداً ، أو يقرأ أكثر ممّا يقرأ إمامه .

وقد نصّ في القديم على أنّه إن صلّى في بيته في شهر رمضان فهو أحبّ إليّ ، وإن


(1) فتح الباري 4  : 204 ، ذكره لجمع الناس على إمام واحد .


(140)

صلاّها في جماعة فهو حسن ، واختار أصحابه مذهب أبي العبّاس وأبي إسحاق .

ثمّ استدلّ الشيخ الطوسي على مذهب الإمامية بإجماعهم على أنّ ذلك بدعة . وأيضاً روى زيد بن ثابت(1) أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال :

«صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلاّ المكتوبة»(2) .

وإذا وقفت على آراء الفقهاء فإليك دراسة الأدلّة :

أمّا أئمة أهل البيت فقد اتّفقت كلمتهم على أنّ الجماعة في النوافل مطلقاً بدعة ، من غير فرق بين صلاة التراويح وغيرها ، وهناك صنفان من الروايات :

أحدهما : يدلّ على عدم تشريع الجماعة في مطلق النوافل .

ثانيهما : ما يدلّ على عدم تشريعها في صلاة التراويح .

أمّا الصنف الأوّل فنذكر منه روايتين .

1 ـ قال الإمام الباقر _ عليه السلام _  : «ولا يُصلّى التطوعُ في جماعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة في النار»(3) .

2 ـ قال الإمام عليّ بن موسى الرضا _ عليه السلام _ في كتابه إلى المأمون : «ولا يجوز أن يصلّى تطوّع في جماعة; لأنّ ذلك بدعة»(4) .

وأمّا الصنف الثاني ، فقد تحدّث عنه الإمام الصادق _ عليه السلام _ وقال : «لمّا قدم أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ الكوفة أمر الحسن بن عليّ أن ينادي في الناس : لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة ، فنادى في الناس الحسنُ بن عليّ بما أمره به أمير المؤمنين ، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن ـ عليه السلام ـ صاحوا : وا عُمَراه! وا عُمَراه!


(1) أبو داود ، السنن 2  : 69 .
(2) الخلاف ، كتاب الصلاة ، المسألة 268 .
(3) الخصال 2  : 152 .
(4) عيون أخبار الرضا  : ص266 .


(141)

فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ قال له : ما هذا الصوت؟ قال : يا أمير المؤمنين الناس يصيحون : واعُمَراه واعُمَراه ، فقال أمير المؤمنين : قل لهم : صلّوا»(1) .

وربما يتعجّب القارئ من قول الإمام «قل لهم : صلّوا» حيث تركهم يستمرّون في الإتيان بهذا الأمر المبتدع ، ولكن إذا رجع إلى سائر كلماته يتجلّى له سرّ تركهم على ما كانوا عليه .

قال الشيخ الطوسي : إنّ أمير المؤمنين لمّا أنكر ، أنكر الاجتماع ، ولم يُنكر نفس الصلاة ، فلمّا رأى أنّ الأمر يَفسُد عليه ويفتتن الناس ، أجاز أمرهم بالصلاة على عادتهم(2) .

ويدلّ عليه :

ما رواه سليم بن قيس ، قال : خطب أمير المؤمنين فحمد الله وأثنى عليه ثمّ صلّى على النبيّ ثمّ قال :

«ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم خلّتان : اتّباع الهوى ، وطول الأملـ ثمّ ذكر أحداثاً ظهرت بعد رسول الله ـ وقال : ولو حملتُ الناسَ على تركها . . . لتفرق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي . . . والله لقد أمرتُ الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة ، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي : يا أهل الإسلام غُيِّرتْ سنّة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعاً ، وقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري . . .»(3) .


(1) التهذيب 3  : ح 227 .
(2) المصدر نفسه .
(3) الكافي 8  : 58 .


(142)

تسنّم الامام منصة الخلافة بطوع ورغبة من جماهير المسلمين ، وواجه أحداثاً ظهرت بعد رسول الله ، وأراد إرجاع المجتمع الإسلامي إلى عهد رسول الله في مجالات مختلفة ، ولكن حالت العوائق دون نيّته ، فترك بعض الأُمور بحالها ، حتّى يشتغل بالأهمّ فالأهمّ ، فلأجله أمر ابنه الحسن أن يتركهم بحالهم حتّى لا يختلّ نظام البلاد ، ولا يثور الجيش ضدّه .

روى أبو القاسم بن قولويه (ت 369 هـ) عن الإمامين الباقر والصادق قالا :

«كان أمر أمير المؤمنين بالكوفة إذا أتاه الناس فقالوا له : إجعل لنا إماماً يؤمّنا في رمضان ، فقال لهم : لا ، ونهاهم أن يجتمعوا فيه ، فلمّا أحسّوا ، جعلوا يقولون أبكوا رمضانَ وارمضاناه ، فأتى الحارث الأعور في أُناس فقال : يا أمير المؤمنين ضجّ الناس وكرهوا قولك ، قال : فقال عند ذلك : دعوهم وما يريدون ، يُصلّ بهم من شاءُوا»(1) .

هذه الروايات تدلّنا على موقف أئمة أهل البيت في إقامة نوافل شهر رمضان جماعة .

صلاة التراويح في حديث الرسول_ صلى الله عليه وآله وسلم _

تختلف روايات أئمة أهل البيت عن بعض ما رواه أصحاب السنن ، فرواياتهم ـ عليهم السلام ـ صريحة في أنّ النبيّ الأكرم كان ينهى عن إقامة نوافل رمضان جماعة ، وأنّه_ صلى الله عليه وآله وسلم _ لمّا خرج بعض الليالي إلى المسجد ليقيمها منفرداً ، ائتمّ به الناس فنهاهم عنه ، ولمّا أحسّ إصرارهم على الإئتمام به ترك الصلاة في المسجد واكتفى بإقامتها في البيت ، وإليك بعض ما روي في ذلك :


(1) السرائر 3  : 638 .


(143)

سأل زرارة ومحمد بن مسلم والفضيلُ الباقرَ والصادقَ ـ عليهما السلام ـ عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة فقالا :

«إنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ، ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي ، فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّي ، كما كان يصلّي ، فاصطفّ الناس خلفه ، فهرب منهم إلى بيته وتركهم ، ففعلوا ذلك ثلاث ليال ، فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيّها الناس ، إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة ، وصلاة الضحى بدعة ، ألا فلا تجتمعوا ليلا في شهر رمضان لصلاة الليل ، ولا تصلّوا صلاة الضحى ، فإنّ تلك معصية ، ألا وإنّ كلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار ثمّ نزل وهو يقول : قليل في سنّة خير من كثير في بدعة»(1) .

روى عبيد بن زرارة عن الإمام الصادق _ عليه السلام _ قال :

«كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يزيد في صلاته في رمضان ، إذا صلّى العتمة صلّى بعدها ، فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم ، ثمّ يخرج أيضاً فيجيئون ويقومون خلفه فيدعهم ويدخل مراراً»(2) .

ولعله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قام بهذا العمل مرّتين ، تارة في آخر الليل ـ كما في الرواية الأُولى ، وأُخرى بعد صلاة العتمة ـ كما في الرواية الثانية .

لكن المروي عن طريق أهل السنّة يخالف ذلك ، وإليك نصّ الشيخين البخاري ومسلم :

روى الأوّل وقال : حدّثني يحيى بن بكير : حدّثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن


(1) الفقيه ، كتاب الصوم 2  : 87 .
(2) الكافي 4  : 154 .


(144)

شهاب : أخبرني عروة أنّ عائشة ـ رضي الله عنها ـ أخبرته أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خرج ليلة من جوف الليل فصلّى في المسجد ، وصلّى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدّثوا ، فاجتمع أكثر منهم ، فصلّى فصلّوا معه ، فأصبح الناس فتحدّثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة ، فخرج رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فصلّى بصلاته ، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتّى خرج لصلاة الصبح ، فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثمّ قال :

«أما بعد فانّه لم يخفَ عليّ مكانكم ، ولكنّي خشيتُ أن تُفرض عليكم فتعجزوا عنها» فتوفّي رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والأمر على ذلك(1) .

وروى أيضاً في باب التهجّد : «أنّ رسول الله صلّى ذات ليلة في المسجد فصلّى بصلاته ناس ، ثمّ صلّى من القابلة فكثر النّاس ثمّ اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ، فلمّا أصبح قال :

«قد رأيتُ الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أني خشيت أن تُفرَض عليكم وذلك في رمضان»(2) .

روى مسلم قال : حدّثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أنّ رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ صلّى في المسجد ذات ليلة فصلّى بصلاته ناس ، ثمّ صلّى من القابلة فكثر الناس ، ثمّ اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة(3) فلم يخرج إليهم رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _  ، فلمّا أصبح قال : قد رأيت الذي صنعتم فلم


(1) أي على ترك الجماعة في صلاة التراويح . لاحظ البخاري ، الصحيح ، باب فضل من قام رمضان  : 61/2012 .
(2) البخاري ، الصحيح 2  : 63 باب التهجد بالليل ، وبين الروايتين اختلاف فيما خرج _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيها من الليالي ، فعلى الأُولى خرج ثلاث ليال ، وعلى الثانية خرج ليلتين .
(3) مسلم ، الصحيح 6  : 41 وغيره ، والظاهر وحدة الرواية الثانية للبخاري مع هذه الرواية لاتّحاد الراوي والمروي عنه والمضمون .


(145)

يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أنّي خشيت أن تفرض عليكم . قال : وذلك في رمضان .

وحدّثني حرملة بن يحيى : أخبرنا عبد الله بن وهب : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير أنّ عائشة أخبرته أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ خرج من جوف الليل فصلّى في المسجد ، فصلّى رجال بصلاته ، فأصبح الناس يتحدّثون بذلك فاجتمع أكثر منهم ، فخرج رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في الليلة الثانية فصلّوا بصلاته ، فأصبح الناس يذكرون ذلك ، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة ، فخرج فصلّوا بصلاته ، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فطفق رجال منهم يقولون : الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حتّى خرج لصلاة الفجر ، فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس ثمّ تشهّد فقال :

«أمّا بعد; فإنّه لم يخف عليَّ شأنكم الليلة ، ولكنّي خشيت أن تُفرض عليكم صلاة الليل; فتعجزوا عنها»(1) .

والاختلاف بين ما رواه أصحابنا عن أمير المؤمنين عليّ _ عليه السلام _ وما رواه الشيخان واضح; فعلى الأوّل ، نهى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن إقامتها جماعة ، وأسماها بدعة ، وعلى الثاني; ترك النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الإقامة جماعة خشية أن تُفرض عليهم ، مع كونها موافقةً للدين والشريعة ، إذاً فأي القولين أحقّ أن يتّبع ، يعلم ذلك بالبحث التالي :

إنّ في حديث الشيخين مشاكل جديرة بالوقوف عليها :

الأُولى : ما معنى قوله : «خشيتُ أن تفرض عليكم ، فتعجزوا عنها»؟

فهل مفاده : أنّ ملاك التشريع هو إقبال الناس وإدبارهم; فإن كان هناك اهتمام ظاهر من قبل الناس ، يفرض عليهم وإلاّ فلا يفرض ، مع أنّ الملاك في الفرض هو وجود مصالح واقعية في المتعلّق ، سواء أكان هناك اهتمام ظاهر أم لا . فإنّ تشريعه


(1) مسلم ، الصحيح 6  : 41 .


(146)

سبحانه ليس تابعاً لرغبة الناس أو إعراضهم ، وإنّما يتبع لملاكات هو أعلم بها سواء أكان هناك إقبال أم إدبار .

الثانية : لو افترضنا أنّ الصحابة أظهرت اهتمامها بصلاة التراويح بإقامتها جماعة أفيكون ذلك ملاكاً للفرض; فإنّ مسجد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يومذاك كان مكاناً محدوداً لا يسع إلاّ ستّة آلاف نفر أو أقلّ ، فقد جاء في الفقه على المذاهب الخمسة : «كان مسجد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ 35 متراً في 30 متراً ثمّ زاده الرسول وجعله 57 متراً في 50 متراً»(1) .

أفيمكن جعل اهتمامهم كاشفاً عن اهتمام جميع الناس بها في جميع العصور إلى يوم القيامة؟

الثالثة : وجود الاختلاف في عدد الليالي التي أقام النبيّ فيهما نوافل رمضان جماعة . فعلى ما نقله البخاري في كتاب الصوم أنّ النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ صلّى التراويح مع الناس أربع ليال ، وعلى ما نقله في باب التحريض على قيام الليل ، أنّه صلاّها ليلتين ، ووافقه مسلم على النقل الثاني ، ويظهر ممّا ذكره غيرهما ـ كما مرّ في صدر المقال ـ أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أقامها في ليال متفرّقة (ليلة الثالث ، والخامس ، والسابع والعشرين) . وهذا يعرب عن عدم الاهتمام بنقل فعل الرسول على ما عليه ، فمن أين تطمئن على سائر ما جاء فيه من أنّ النبيّ استحسن عملهم .

الرابعة : أنّ الثابت من فعل النبيّ أنّه صلاها ليلتين ، أو أربعاً في آخر الليل ، وهي لا تزيد على ثماني ركعات . فلو كان النبيّ أُسوة فعلينا الاقتداء به فيما ثبت ، لا فيما لم يثبت ، بل ثبت عدمه بما صرّح القسطلاني ووصف ما زاد عليه بالبدعة وذلك :

1 ـ أنّ النبي لم يسنّ لهم الاجتماع لها .


(1) الفقه على المذاهب الخمسة  : 2850 .


(147)

2 ـ ولا كانت في زمن الصديق .

3 ـ ولا أوّل الليل .

4 ـ ولا كلّ ليلة .

5 ـ ولا هذا العدد(1) .

ثمّ التجأ في إثبات مشروعيّتها إلى اجتهاد الخليفة ، وسيوافيك الكلام فيه .

وقال العيني : إنّ رسول الله لم يسنّها لهم ، ولا كانت في زمن أبي بكر ، ثمّ اعتمد في شرعيّته إلى اجتهاد عمر واستنباطه من إقرار الشارع الناس يصلّون خلفه ليلتين(2) . وسيوافيك الكلام فيه .

الخامسة : أنّه إذا أخذنا برواية أحد الثقلين ، (أهل بيت النبيّ) تُصبح إقامة النوافل جماعة بدعة على الإطلاق ، وإن أخذنا برواية الشيخين ، فالمقدار الثابت ما جاء في كلام القسطلاني ، والزائد عنه يصحّ بدعة إضافية ، حسب مصطلح الإمام الشاطبي ، والمقصود منها ما يكون العمل بذاته مشروعاً ، والكيفية الّتي يقام بها ، غير مشروعة .

ولم يبق ما يحتجّ به على المشروعية إلاّ جمع الخليفة الناس على إمام واحد وهو ما سنشرحه في البحث التالي :

جمع الناس على إمام واحد في عصر عمر

روى البخاري : توفّي رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والناس على ذلك (يعني ترك إقامة التراويح بالجماعة) ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ، وصدراً من


(1) إرشاد الساري 3  : 426 .
(2) عمدة القاري 11  : 126 .


(148)

خلافة  عمر(1) .

وروى أيضاً عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرّقون ، يصلّي الرجلُ لنفسه ، ويصلّي الرجلُ فيصلّي بصلاته الرهط(2) .

فقال عمر : إنّي أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثمّ عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب ، ثمّ خرجت معه ليلة أُخرى والناس يُصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعة هذه . والّتي ينامون عنها أفضل من الّتي يقومون ـ يريد آخر الليل ـ وكان الناس يقومون أوّله .

ولكن الظاهر من شرّاح الصحيح أنّ الإتيان جماعة لم تكن مشروعة ، وإنّما قام التشريع لعمله . وإليك بيانه في ضمن أمرين :

1 ـ قوله : «فتوفّي رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والناس على ذلك ، ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر» فقد فسّره الشرّاح بقولهم : أي على ترك الجماعة في التراويح ، ولم يكن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ جمع الناس على القيام(3) .

وقال بدر الدين العيني : والناس على ذلك (أي على ترك الجماعة) ثمّ قال : فإن قلت : روى ابن وهب عن أبي هريرة : خرج رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وإذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد ، فقال :«ما هذا؟» فقيل : ناس يصلّي بهم أُبي بن كعب ، فقال :«أصابوا ونعم ما صنعوا» ، ذكره ابن عبد البر . ثمّ أجاب بقوله : قلت : فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف ، والمحفوظ أنّ عمر ـ رضى الله عنه ـ هو الذي جمع الناس على أُبي ابن كعب ـ رضى الله عنه ـ (4) .


(1) البخاري ، الصحيح ، باب فضل من قام رمضان  : الحديث 2010 .
(2) الرهط  : بين الثلاثة إلى العشرة .
(3) فتح الباري ، 4  : 203 .
(4) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري 6  : 125 ، وجاء نفس السؤال والجواب في فتح الباري .


(149)

وقال القسطلاني : «والأمر على ذلك (أي على ترك الجماعة في التراويح) ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ، إلى آخر ما ذكره»(1) .

2 ـ قوله: نعم البدعة; إنّ الظاهر من قوله : «نعم البدعة هذه» أنّها من سُنن نفس الخليفة ولا صلة لها بالشرع ، وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء .

قال القسطلاني : سمّـاها (عمر) بدعة لأنّه_ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يسنّ لهم الاجتماع لها ، ولا كانت في زمن الصدّيق ، ولا أوّل الليل ، ولا كلّ ليلة ولا هذا العدد ـ إلى أن قال : ـ وقيام رمضان ليس بدعة; لأنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال : «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر» وإذا أجمع الصحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة .

وقال العيني : «وإنّما دعاها بدعة; لأنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يسنّها لهم ، ولا كانت في زمن أبي بكر ـ رضى الله عنه ـ ولا رغب رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيها»(2) .

وهناك من نقل أنّ عمر أوّل من سنّ الجماعة ، ونذكر منهم ما يلي :

1 ـ قال ابن سعد في ترجمة عمر : «هو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان ـ بالتراويح ـ وجمع الناس على ذلك ، وكتب به إلى البلدان وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة»(3) .

2 ـ وقال ابن عبد البرّ في ترجمة عمر : «وهو الّذي نوّر شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه»(4) .

3 ـ قال الوليد بن الشّحنة عند ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23 هـ : «وهو أوّل من نهى عن بيع أُمّهات الأولاد . . . وأوّل من جمع الناس على إمام يصلّي


(1) إرشاد الساري 3  : 425 .
(2) عمدة القاري 6  : 126. وقد سقط لفظة لا من قوله «رغب» كما أنّ كلمة بقوله ـ بعد هذه الجملة ـ في النسخة مصحف «قوله» ، فلاحظ .
(3) الطبقات الكبرى 3  : 281 .
(4) الاستيعاب 3  : 1145 .


(150)

بهم  التراويح»(1) .

فإذا كان المفروض أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يسنّ الجماعة فيها ، وانّما سنّها عمر ، فهل هذا يكفي في كونها مشروعة؟! مع أنّه ليس لإنسان حتّى الرسول حقّ التسنين والتشريع ، وإنّما هو _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مبلّغ عن الله سبحانه .

إنّ الوحي يحمل التشريع إلى النبيّ الأكرم وهو _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الموحَى إليه ،

وبموته انقطع الوحي ، وسدّ باب التشريع والتسنين ، فليس للأُمّة إلاّ الاجتهاد في ضوء الكتاب والسنّة ، لا التشريع ولا التسنين ، ومن رأى انّ لغير الله سبحانه حقّ التسنين فمعنى ذلك عدم انقطاع الوحي .

قال ابن الأثير في نهايته : ومن هذا النوع قول عمر ـ رضى الله عنه ـ  : «نعم البدعة هذه (التراويح) لمّا كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سمّـاها بدعة ومدحها ، إلاّ أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يسنّها لهم ، وإنّما صلاّها ليالي ثمّ تركها ، ولم يحافظ عليها ، ولا جمع الناس لها ، ولا كانت في زمن أبي بكر ، وإنّما عمر ـ رضى الله عنه ـ جمع الناس عليها ، وندبهم إليها ، فبهذا سمّـاها بدعة ، وهي في الحقيقة سنّة ، لقوله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاءالراشدين من بعدي»، وقوله: «اقتدواباللّذين من بعدي أبي بكر وعمر»(2).

التشريع مختصّ بالله سبحانه

إنّ هؤلاء الأكابر مع اعترافهم بأنّ النبيّ لم يسنّ الاجتماع ، برّروا إقامتها جماعة بعمل الخليفة ، ومعنى ذلك أنّ له حقّ التسنين والتشريع ، وهذا يضادّ إجماع الأُمّة; إذ لا حقَّ لإنسان أن يتدخّل في أمر الشريعة بعد إكمالها لقوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ


(1) روضة المناظر عنه النص والاجتهاد  : 214 ط . مؤسّسة البعثة طهران .
(2) النهاية 1  : 79 .


(151)

لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِْسْلاَمَ دِيناً)(1) وكلامه يخالف الكتاب والسنّة; فإنّ التشريع حقّ الله سبحانه لم يفوّضه لأحد ، والنبيّ الأكرم مبلّغ عنه .

أضف إلى ذلك لو أنّ الخليفة قد تلقّى ضوءاً أخضرَ في مجال التشريع والتسنين ، فلم لا يكون لسائر الصحابة ذلك ، مع كون بعضهم أقرأ منه ، كأُبي بن كعب ، وأفرض; كزيد بن ثابت ، وأعلم وأقضى منه; كعليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _ ؟! فلو كان للجميع ذلك لانتشر الفساد وعمّت الفوضى أمر الدين ، وكان أُلعوبة بأيدي غير المعصومين .

وأمّا التمسّك بالحديثين ، فلو صحّ سندهما; فانّهما لا يهدفان إلى أنّ لهما حقّ التشريع ، بل يفيدان لزوم الاقتداء بهما; لأنّهما يعتمدان على سنّة النبيّ الأكرم ، لا أنّ لهما حقّ التسنين .

نعم يظهر ممّـا رواه السيوطي عن عمر بن عبد العزيز أنّه كان يعتقد أنّ للخلفاء حقّ التسنين ، قال : قال حاجب بن خليفة : شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة ، فقال في خطبته : ألا إنّ ما سنّ رسول الله وصاحباه فهو دين نأخذ به ، وننتهي إليه ، وما سنّ سواهما فإنّا نرجئه(2) .

وعلى كلّ تقدير نحن لسنا بمؤمنين بأنّه سبحانه فوّض أمر دينه في التشريع والتقنين إلى غير الوحي ، وفي ذلك يقول الشوكاني : والحقّ أنّ قول الصحابي ليس بحجّة; فانّ الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّ نبيّنا محمداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وليس لنا إلاّ رسول واحد وكتاب واحد ، وجميع الأُمّة مأمورة باتّباع كتابه وسنّة نبيّه ، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك ، فكلّهم مكلّفون بالتكاليف الشرعية وباتّباع


(1) المائدة : 3 .
(2) أبو زهرة ، تاريخ المذاهب الإسلامية ، كما في بحوث أهل السنّة  : ص235 .


(152)

الكتاب والسنّة; فمن قال إنّها تقوم الحجّة في دين الله عزّوجلّ بغير كتاب الله وسنّة رسوله وما يرجع إليهما فقد قال في دين الله بما لا يثبت»(1) .

نعم نقل القسطلاني عن ابن التين وغيره : انّ عمر استنبط ذلك من تقرير النبي_ صلى الله عليه وآله وسلم _ من صلّى معه في تلك الليالي وإن كان كره لهم خشية أن يفرض عليهم . فلمّا غاب النبيّ حصل الأمن من ذلك ، ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة ، ولأنّ الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلّين(2) .

يلاحظ عليه أولا : أنّ ما ذكره في آخر كلامه ليبرّر جمع الناس على إمام واحد ، مكان الأئمة المتعدّدة ، دونما إذا كان موضع النقاش إقامتها جماعة ، واحداً كان الإمام أو كثيراً .

وثانياً : أنّ معنى كلامه أنّ هناك أحكاماً لم تسنّ مادام النبيّ حيّاً لمانع خاص ، كخشية الفرض ، ولكن في وسع آحاد الأُمّة تشريعها بعد موته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومفاده فتح باب التشريع بملاكات خاصّة في وجه الأُمّة إلى يوم القيامة ، وهذه رزيّة ليست بعدها رزية ، وتلاعب بالدين واستئصاله .

* * *

ثمّ إنّ لسيّدنا شرف الدين العاملي هناك كلاماً نافعاً نورده بنصّه ، قال :

«كان هؤلاء عفا الله عنهم وعنّا ، رأوه ـ رضى الله عنه ـ قد استدرك (بتراويحه) على الله ورسوله حكمة كانا عنها غافلين . بل هم بالغفلة ـ عن حكمة الله في شرائعه ونظمه  ـ أحرى ، وحسبنا في عدم تشريع الجماعة في سنن شهر رمضان وغيرها ، انفراد مؤدّيها ـ جوف الليل في بيته ـ بربّه عزّ وعلا يشكو إليه بثّه وحزنه ويناجيه بمهمّاته مهمّة مهمّة حتّى يأتي على آخرها ملحّاً عليه ، متوسّلا بسعة رحمته إليه ،


(1) إرشاد العقول : ص214 .
(2) فتح الباري 4  : 204 .


(153)

راجياً لاجئاً ، راهباً راغباً ، منيباً تائباً ، معترفاً لائذاً عائذاً ، لا يجد ملجأ من الله تعالى إلاّ إليه ، ولا منجى منه إلاّ به .

لهذا ترك الله السنن حرّة من قيد الجماعة ، ليتزوّدوا فيها من الانفراد بالله ما أقبلت قلوبهم عليه ، ونشطت أعضاؤهم له ، يستقلّ منهم من يستقلّ ، ويستكثر من يستكثر ، فإنّها خير موضوع ، كما جاء في الأثر عن سيّد البشر . أما ربطها بالجماعة فيحدّ من هذا النفع ، ويقلّل من جدواه .

أضف إلى هذا أنّ إعفاء النافلة من الجماعة يمسك على البيوت حظّها من البركة والشرف بالصلاة فيها ، ويمسك عليها حظّها من تربية الناشئة على حبّها والنشاط بها ، ذلك لمكان القدوة في عمل الآباء والأُمّهات والأجداد والجدّات ، وتأثيره في شدّ الأبناء إليها شدّاً يرسّخها في عقولهم وقلوبهم ، وقد سأل عبد الله بن مسعود رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : أيّما أفضل الصلاة في بيتي ، أو الصلاة في المسجد؟ فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _  :

«ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد ، فلئن أُصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أُصلّي في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة» رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه ، كما في باب الترغيب في صلاة النافلة من كتاب الترغيب والترهيب للإمام زكيّ الدين عبد العظيم بن عبد القويّ المنذري .

وعن زيد بن ثابت أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال :

«صلّوا أيّها الناس في بيوتكم; فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة» . رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه .

وعن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  :

«أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم» .

وعنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال : «مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحيّ والميّت». وأخرجه البخاري ومسلم .


(154)

وعن جابر قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _  :

«إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته ، وإنّ الله جاعل في بيته من صلاته خيراً» ، رواه مسلم وغيره ورواه ابن خزيمة في صحيحه بالإسناد إلى أبي سعيد ، والسنن في هذا المعنى لا يسعها هذا الإملاء .

لكن الخليفة ـ رضى الله عنه ـ رجل تنظيم وحزم ، وقد راقه من صلاة الجماعة ما يتجلّى فيها من الشعائر بأجلى المظاهر إلى ما لا يحصى من فوائدها الاجتماعية الّتي أشبع القول علماؤنا الأعلام ممن عالجوا هذه الأُمور بوعي المسلم الحكيم ، وأنت تعلم أنّ الشرع الإسلامي لم يهمل هذه الناحية ، بل اختصّ الواجبات من الصلوات بها ، وترك النوافل للنواحي الأُخر من مصالح البشر : (ووَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(1)»(2) .

خاتمة المطاف

إنّ عمل الخليفة ، لم يكن إلاّ من قبيل تقديم المصلحة على النصّ ، وليس المورد أمراً وحيداً في حياته ، بل له نظائر في عهده منها :

1 ـ تنفيذ الطلاق الثلاث ، بعدما كان في عهد الرسول وبعده طلاقاً واحداً .

2 ـ النهي عن متعة الحجّ .

وقد مرّ البحث في المسألة الثانية في كتابنا «أضواء على تأريخ الشيعة الإماميّة وعقائدهم». ونبحث الآن عن المسألة الأُولى:


(1) الأحزاب : 36 .
(2) النص والاجتهاد  : 151 ـ 152 .


(155)

المسألة الرابعة : الطلاق ثلاثاً دفعة أو دفعات في مجلس واحد

من المسائل التي أدّت إلى تعقيد الحياة الزوجيّة ، ومزّقت وقطّعت صلات الأرحام في كثير من البلاد ، هي مسألة تصحيح الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة ، بأن يقول : أنتِ طالق ثلاثاً ، أو يكرّره ثلاث دفعات ويقول في مجلس واحد : أنتِ طالق ، أنتِ طالق ، أنتِ طالق . فتحسب ثلاث تطليقات حقيقةً ، وتَحرُم المطلّقةُ على زوجها حتّى تنكح زوجاً غيره .

إنّ الطلاق عند أكثر أهل السنّة غير مشروط بشروط تحول دون إيقاعه ، ككون المرأة غير حائض ، أو وقوع الطلاق في غير طهر المواقعة ، أو لزوم حضور العدلين . فلربّما يتغلّب الغيظ على الزوج ويأخذه الغضب فيطلّقها ثلاثاً في مجلس واحد ، ثمّ يندم على عمله ندامة شديدة تضيق عليه الأرض بما رحبت ، فيطلب الَمخلَص من ذلك ولا يجد عند أئمّة المذاهب الأربعة والدعاة إليها مخلصاً ، فيقعد ملوماً محسوراً ، ولا يزيده السؤال والفحص إلاّ نفوراً عن الفقه والفتوى .

نحن نعلم علماً قاطعاً بأنّ الإسلام دين سهل وسمح ، وليس فيه حرج ، وهذا

يدفع الدعاة المخلصين إلى إعادة دراسة المسألة من جديد دراسة حرّة بعيدة عن الأبحاث الجامدة ، التي أفرزها غلق باب الاجتهاد في الأحكام الشرعية ، وأن يبحثوا المسألة في ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة ، بعد التجرّد عن خلفية الفتاوى السابقة .

أمّا أهمّ تلك الأقوال فهي :


(156)

قال ابن رشد : «جمهور فقهاء الأمصار على أنّ الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة ، وقال أهل الظاهر وجماعة : حكمه حكم الواحدة ، ولا تأثير للّفظ في ذلك»(1) .

قال الشيخ الطوسي : «إذا طلّقها ثلاثاً بلفظ واحد ، كان مبدعاً ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا ، وفيهم من قال : لا يقع شيء أصلا ، وبه قال عليّ _ عليه السلام _ وأهل الظاهر ، وحكى الطحاوي عن محمد بن إسحاق أنّه تقع واحدة كما قلناه ، وروي أنّ ابن عباس وطاووساً كانا يذهبان إلى ما يقوله  الإمامية .

وقال الشافعي : فإن طلّقها ثنتين أو ثلاثاً في طهر لم يجامعها فيه ، دفعة أو متفرّقة ، كان ذلك مباحاً غير محذور ووقع . وبه قال في الصحابة عبد الرحمن بن عوف ، ورووه عن الحسن بن عليّ ـ عليهما السلام ـ  ، وفي التابعين ابن سيرين ، وفي الفقهاء أحمد وإسحاق وأبو ثور .

وقال قوم : إذا طلّقها في طهر واحد ثنتين أو ثلاثاً دفعة واحدة ، أو متفرّقة ، فعل محرّماً وعصى وأثم . ذهب إليه في الصحابة عليّ_ عليه السلام _ وعمر ، وابن عمر ، وابن مسعود ، وابن عباس . وفي الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه ومالك ، قالوا : إلاّ أنّ ذلك واقع(2) .

قال أبو القاسم الخرقي في مختصره : وإذا قال لمدخول بها : أنت طالق ، أنت طالق ، لزمه تطليقتان إلاّ أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الأُولى; فتلزمه واحدة . وإن كانت غير مدخول بها بانت بالأُولى ، ولم يلزمها ما بعدها; لأنّه


(1) بداية المجتهد 2  : 62 ط بيروت .
(2) الخلاف : 2 كتاب الطلاق ، المسألة 3 . وعلى ما ذكره ، نُقل عن الإمام عليّ رأيان متناقضان : عدم الوقوع والوقوع مع الإثم .


(157)

ابتداء كلام .

وقال ابن قدامة في شرحه على مختصر الخرقي : «إذا قال لامرأته المدخول بها : أنت طالق مرّتين ونوى بالثانية إيقاع طلقة ثانية ، وقعت لها طلقتان بلا خلاف ، وإن نوى بها إفهامها أنّ الأُولى قد وقعت بها أو التأكّد لم تُطلّق إلاّ مرّة واحدة ، وإن لم تكن له نيّة وقع طلقتان ، وبه قال أبو حنيفة ومالك; وهو الصحيح من قولي الشافعي . وقال في الآخر : تطلّق واحدة» .

وقال الخرقي أيضاً في مختصره : «ويقع بالمدخول بها ثلاثاً إذا أوقعها ، مثل قوله : أنت طالق فطالق فطالق ، أو أنت طالق ثمّ طالق ثمّ طالق ، أو أنت طالق ثمّ طالق وطالق أو فطالق» .

وقال ابن قدامة في شرحه : «إذا أوقع ثلاث طلقات بلفظ يقتضي وقوعهنّ معاً ، فوقعن كلّهنّ ، كما لو قال : أنت طالق ثلاثاً»(2) .

وقال عبد الرحمن الجزيري  : «يملك الرجل الحرّ ثلاث طلقات ، فاذا طلّق الرجل زوجته ثلاثاً دفعة واحدة ، بأن قال لها : أنت طالق ثلاثاً ، لزمه ما نطق به من العدد في المذاهب الأربعة; وهو رأي الجمهور ، وخالفهم في ذلك بعض المجتهدين : كطاووس وعكرمة وابن إسحاق وعلى رأسهم ابن عبّاس ـ رضي الله عنهم ـ »(3) .

إلى غير ذلك من نظائر تلك الكلمات الّتي تعرب عن اتّفاق جمهور الفقهاء بعد عصر التابعين على نفوذ ذلك الطلاق ، ورائدهم في ذلك تنفيذ عمر بن الخطاب ، الطلاق الثلاث بمرأى ومسمع من الصحابة . ولكن لو دلّ الكتاب والسنّة على خلافه فالأخذ بهما متعيّن .


(1) المغني 7  : 416 .
(2) الفقه على المذاهب الأربعة 4  : 341 .


(158)

دراسة الآيات الواردة في المقام

قال سبحانه :

( وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَآ حُدودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْم يَعْلَمُونَ * وَإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ . . .)(1) .

جئنا بمجموع الآيات الأربع ـ مع أنّ موضع الاستدلال هو الآية الثانية ـ للاستشهاد بها في ثنايا البحث . وقبل الخوض في الاستدلال نشير إلى نكات في الآيات :

1 ـ قوله سبحانه : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) كلمة جامعة لا يؤدّى حقّها إلاّ بمقال مسهب; وهي تفيد أنّ الحقوق بينهما متبادلة ، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلاّ وعلى الرجل عمل يقابله ، فهما ـ في حقل المعاشرة ـ متماثلان


(1) البقرة : 228 ـ 231 .


(159)

في الحقوق والأعمال ، فلا تسعد الحياة إلاّ بالاحترام المتبادل بين الزوجين ، وقيام كلّ بوظيفته تجاه الآخر ، فعلى المرأة القيام بتدبير المنزل وإنجاز ما به من أعمال ، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه .

هذا هو الأصل الأصيل في حياة الزوجين الّذي تؤيده الفطرة ، وقد قسّم النبيّ الأُمور بين ابنته فاطمة وزوجها عليّ _ عليه السلام _ فجعل شؤون البيت في عهدة ابنته ، وعمل الخارج على زوجها ـ صلوات الله عليهما ـ .

2 ـ «المرّة» بمعنى الدفعة للدلالة على الواحد في الفعل ، و «الإمساك» خلاف الإطلاق ، و «التسريح» مأخوذ من السرح وهو الإطلاق يقال : سرح الماشية في المرعى : إذا أطلقها لترعى . والمراد من الإمساك هو إرجاعها إلى عصمة الزوجية . كما أنّ المقصود من «التسريح» عدم التعرّض لها ، لتنقضي عدّتها في كلّ طلاق ، أو الطلاق الثالث الذي هو أيضاً نوع من التسريح; على اختلاف في معنى الجملة . وإن كان الأقوى هو الثاني ، وسيوافيك توضيحه ودفع ما أثاره الجصّاص من الإشكالين حول هذا التفسير بإذن الله سبحانه .

3 ـ قيّد الإمساك بالمعروف ، والتسريح بإحسان ، مشعراً بأنّه يكفي في الإمساك قصد عدم الإضرار بالرجوع ، وأمّا الإضرار فكما إذا طلّقها حتّى تبلغ أجلها فيرجع إليها ثمّ يطلّق كذلك ، يريد بها الإضرار والإيذاء ، وعلى ذلك يجب أن يكون الإمساك مقروناً بالمعروف ، وعندئذ لو طلب بعد الرجوع ما آتاها من قبل لا يعدّ أمراً منكراً غير معروف; إذ ليس إضراراً .

وهذا بخلاف التسريح; فلا يكفي ذلك بل يلزم أن يكون مقروناً بالإحسان إليها; فلا يطلب منها ما آتاها من الأموال . ولأجل ذلك يقول تعالى : ( وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) أي لا يحلّ للمطلق استرداد ما آتاها من المهر، إلاّإذا كان الطلاق خلعاً فعندئذ لاجناح عليهافيما افتدت به نفسها من زوجها.


(160)

وقوله سبحانه : ( فِيَما افْتَدَتْ بِهِ) دليل على وجود النفرة من الزوجة  ، فتخاف أن لا تقيم حدود الله ، فتفتدي بالمهر وغيره لتخلّص نفسها .

4 ـ لم يكن في الجاهلية للطلاق ولا للمراجعة في العدّة ، حدّ ولا عدّ ، فكان الأزواج يتلاعبون بزوجاتهم; يضارّوهنّ بالطلاق والرجوع ما شاءوا ، فجاء الإسلام بنظام دقيق وحدّد الطلاق بمرّتين ، فإذا تجاوز عنه وبلغ الثالث تحرم عليه حتّى تنكح زوجاً غيره .

روى الترمذي : كان الناس والرجل يُطلِّق امرأته ما شاء أن يطلّقها ، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة ، وإن طلّقها مائة مرة أو أكثر ، حتّى قال رجل لامرأته : والله لا أُطلّقك فتبيني منّي ، ولا آويك أبداً قالت : وكيف ذلك؟ قال : أُطلّقك فكلّما همَّت عدَّتك أن تنقضي راجعتك ، فذهبت المرأة فأخبرت النبيّ فسكت حتّى نزل القرآن : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ . . .)(1) .

5 ـ اختلفوا في تفسير قوله سبحانه : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) إلى قولين :

أ ـ إنّ الطلاق يكون مرّتين ، وفي كلّ مرّة إمّا إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، والرجل مخيّر بعد إيقاع الطلقة الأُولى بين أن يرجع فيما اختار من الفراق فيمسك زوجته ويعاشرها بإحسان ، وبين أن يدع زوجته في عدّتها من غير رجعة حتّى تبلغ أجلها وتنقضي عدّتها .

وهذا القول هو الّذي نقله الطبري عن السّدي والضحّاك فذهبا إلى أنّ معنى الكلام : الطلاق مرّتان فإمساك في كلّ واحدة منهما لهنّ بمعروف أو تسريح لهنّ بإحسان ، وقال : هذا مذهب ممّا يحتمله ظاهر التنزيل لولا الخبر الذي رواه


(1) الترمذي ، الصحيح ج3 كتاب الطلاق ، الباب 16 ، الحديث 1192 .


(161)

إسماعيل بن سميع عن أبي رزين(1) .

يلاحظ عليه : أنّ هذا التفسير ينافيه تخلّل الفاء بين قوله : ( مَرَّتَانِ) وقوله ( فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف) فهو يفيد أنّ القيام بأحد الأمرين بعد تحقّق المرّتين ، لا في أثنائهما . وعليه لابدّ أن يكون كلّ من الإمساك والتسريح أمراً متحقّقاً بعد المرّتين ، ومشيراً إلى أمر وراء التطليقتين .

نعم يستفاد لزوم القيام بأحد الأمرين بعد كلّ تطليقة ، من آية أُخرى أعني قوله سبحانه : ( وَإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا)(2) .

ولأجل الحذر عن تكرار المعنى الواحد في المقام يفسّر قوله : ( فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان)(3) بوجه آخر سيوافيك .

ب ـ ينبغي على الزوج بعدما طلّق زوجته مرّتين ، أن يفكّر في أمر زوجته أكثر ممّا مضى ، فليس له بعد التطليقتين إلاّ أحد أمرين : إمّا الإمساك بمعروف وإدامة العيش معها ، أو التسريح بإحسان بالتطليق الثالث الّذي لا رجوع بعده أبداً ، إلاّ في ظرف خاص ، فيكون قوله تعالى : ( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) إشارة إلى التطليق الثالث الّذي لا رجوع فيه ويكون التسريح متحقّقاً به .

وقفة مع الجصّاص في تفسير الآية :

وهنا سؤالان أثارهما الجصّاص في تفسيره :

1 ـ كيف يفسّر قوله : ( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) بالتطليق الثالث ، مع أنّ المراد من


(1) الطبري ، التفسير 2  : 278 وسيوافيك خبر أبي رزين .
(2) البقرة  : 231 . وأيضاً في سورة الطلاق  : (فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف) (الطلاق : 2) .
(3) البقرة : 229 .


(162)

قوله في الآية المتأخّرة : ( أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِإحْسَان) هو ترك الرجعة ، وهكذا المراد
من قوله : ( فَإذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف)(1) هو تركها حتّى ينتهي أجلها ، ومعلوم أنّه لم يرد من قوله : ( أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف) أو قوله : ( أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف) : طلّقوهنّ واحدة أُخرى(2) .

يلاحظ عليه : أنّ السؤال والإشكال ناشئ من خلط المفهوم بالمصداق; فاللفظ في كلا الموردين مستعمل في التسريح والطلاق ، غير أنّه يتحقّق في مورد بالطلاق ، وفي آخر بترك الرجعة ، وهذا لا يعدّ تفكيكاً في معنى لفظ واحد في موردين ، ومصداقه في الآية (229) هو الطلاق ، وفي الآية (231) هو ترك الرجعة ، والاختلاف في المصداق لا يوجب اختلافاً في المفهوم .

2 ـ أنّ التطليقة الثالثة مذكورة في نسق الخطاب بعده في قوله تعالى : ( فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) وعندئذ يجب حمل قوله تعالى : ( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) المتقدّم عليه على فائدة مجدّدة وهي وقوع البينونة بالاثنين(3) بعد انقضاء العدّة .

وأيضاً لو كان التسريح بإحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى : ( فَإنْ طَلَّقَهَا) عقيب ذلك هي الرابعة; لأنّ الفاء للتعقيب قد اقتضى طلاقاً مستقلاّ بعدما تقدّم ذكره(4) .

والإجابة عنه واضحة; لأنّه لا مانع من الإجمال أوّلا ثمّ التفصيل ثانياً ، فقوله تعالى : ( فَإنْ طَلَّقَهَا) بيان تفصيلي للتسريح بعد البيان الإجمالي ، والتفصيل مشتمل


(1) الطلاق : 2 .
(2) الجصاص ، التفسير 2  : 389 .
(3) الأولى أن يقول  : بكلّ طلاق .
(4) الجصّاص ، التفسير 1  : 389 .


(163)

على ما لم يشتمل عليه الإجمال من تحريمها عليه حتّى تنكح زوجاً غيره . فلو طلّقها الزوج الثاني عن اختياره فلا جناح عليهما أن يتراجعا بالعقد الجديد إن ظنّا أن يُقيما حدود الله ، فأين هذه التفاصيل من قوله : ( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) .

وبذلك يعلم أنّه لا يلزم أن يكون قوله : ( فَإنْ طَلَّقَهَا) طلاقاً رابعاً .

وقد روى الطبري عن أبي رزين أنّه قال : أتى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رجل فقال : يا رسول الله أرأيت قوله : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) فأين الثالثة؟ قال رسول الله : «( إمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) هي الثالثة»(1) .

نعم الخبر مرسل وليس أبو رزين الأسدي صحابياً بل تابعي .

وقد تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت أنّ المراد من قوله : ( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) هي التطليقة الثالثة(2) .

إلى هنا تمّ تفسير الآية وظهر أنّ المعنى الثاني لتخلّل لفظ «الفاء» أظهر بل هو المتعيّن بالنظر إلى روايات أئمّة أهل البيت .

بقي الكلام في دلالة الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً بمعنى عدم وقوعه بقيد الثلاث ، وأمّا وقوع واحدة منها فهو أمر آخر ، فنقول :

الاستدلال على بطلان الطلاق ثلاثاً

إذا عرفت مفاد الآية ، فاعلم أنّ الكتاب والسنّة يدلاّن على بطلان الطلاق ثلاثاً ، وأنّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الأُخرى ، يتخلّل بينهما رجوع أو نكاح ، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة . أو كرّر الصيغة فلا تقع الثلاث . وأمّا احتسابها


(1) الطبري ، التفسير 2  : 278 .
(2) البرهان 1  : 221 . وقد نقل روايات ستّ في ذيل الآية .


(164)

طلاقاً واحداً ، فهو وإن كان حقاً ، لكنّه خارج عن موضوع بحثنا ، واليك الاستدلال بالكتاب أوّلا ، والسنّة ثانياً .

أوّلا : الاستدلال بالكتاب :

1 ـ قوله سبحانه : ( فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) .

تقدّم أنّ في تفسير هذه الفقرة من الآية قولين مختلفين ، والمفسّرون بين من يجعلها ناظرة إلى الفقرة المتقدّمة أعني قوله : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ . . .) ومن يجعلونها ناظرة إلى التطليق الثالث الّذي جاء في الآية التالية ، وقد عرفت ما هو الحق ، فتلك الفقرة تدلّ على بطلان الطلاق ثلاثاً على كلا التقديرين .

أمّا على التقدير الأوّل ، فواضح; لأنّ معناها أنّ كلّ مرّة من المرّتين يجب أن يتبعها أحد أمرين : إمساك بمعروف ، أو تسريح بإحسان .

قال ابن كثير : أي إذا طلّقتها واحدة أو اثنتين ، فأنت مخيّر فيها ما دامت عدّتها باقية ، بين أن تردّها إليك ناوياً الإصلاح والإحسان وبين أن تتركها حتّى تنقضي عدّتها ، فتبين منك ، وتطلق سراحها محسناً إليها لا تظلمها من حقّها شيئاً ولا تضارّ بها(1) . وأين هذا من الطلاق ثلاثاً بلا تخلّل بواحد من الأمرين ـ الإمساك أو تركها حتّى ينقضي أجلها ـ سواء طلّقها بلفظ : أنتِ طالق ثلاثاً ، أو : أنتِ طالق ، أنتِ طالق ، أنتِ طالق .

وأمّا على التقدير الثاني; فإنّ تلك الفقرة وإن كانت ناظرة لحال الطلاق الثالث ، وساكتة عن حال الطلاقين الأوّلين ، لكن قلنا إنّ بعض الآيات ، تدلّ على أنّ مضمونه من خصيصة مطلق الطلاق ، من غير فرق بين الأوّلين والثالث فالمطلّق يجب أن يُتبعَ طلاقه بأحد أمرين :


(1) ابن كثير ، التفسير 1  : 53 .


(165)

1 ـ الإمساك بمعروف .

2 ـ التسريح بإحسان .

فعدم دلالة الآية الأُولى على خصيصة الطلاقين الأوّلين ، لا ينافي استفادتها من الآيتين الماضيتين(1) . ولعلّهما تصلحان قرينة لإلقاء الخصوصية من ظاهر الفقرة ( فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) وإرجاع مضمونها إلى مطلق الطلاق ، ولأجل ذلك قلنا بدلالة الفقرة على لزوم إتباع الطلاق بأحد الأمرين على كلا التقديرين . وعلى أيّ حال فسواء كان عنصر الدلالة نفس الفقرة أو غيرها ـ كما ذكرنا ـ فالمحصّل من المجموع هو كون إتباع الطلاق بأحد أمرين من لوازم طبيعة الطلاق الّذي يصلح للرجوع .

ويظهر ذلك بوضوح إذا وقفنا على أنّ قوله : ( فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) من القيود الغالبية ، وإلاّ فالواجب منذ أن يطلّق زوجته ، هو القيام بأحد الأمرين ، لكن تخصيصه بزمن خاص ، وهو بلوغ آجالهنّ ، هو لأجل أنّ المطلّق الطاغي عليه غضبه وغيظه ، لا تنطفئ سورة غضبه فوراً حتّى تمضي عليه مدّة من الزمن تصلح لأن يتفكّر في أمر زوجته ويخاطب بأحد الأمرين ، وإلاّ فطبيعة الحكم الشرعي ( فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) تقتضي أن يكون حكماً سائداً على جميع الأزمنة من لدن أن يتفوّه بصيغة الطلاق إلى آخر لحظة تنتهي معها العدّة .

وعلى ضوء ما ذكرنا تدلّ الفقرة على بطلان طلاق الثلاث وأنّه يخالف الكيفية المشروعة في الطلاق ، غير أنّ دلالتها على القول الأوّل بنفسها ، وعلى القول الثاني بمعونة الآيات الأُخر .

2 ـ قوله سبحانه : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ).


(1) الآية 231 من سورة البقرة والآية 2 من سورة الطلاق .


(166)

إنّ قوله سبحانه : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ) ظاهر في لزوم وقوعه مرّة بعد أُخرى لا  دفعة واحدة وإلاّ يصير مرّة ودفعة ، ولأجل ذلك عبّر سبحانه بلفظ «المرّة» ليدلّ على كيفية الفعل وأنّه الواحد منه ، كما أنّ الدفعة والكرّة والنزلة ، مثل المرّة ، وزناً ومعنىً واعتباراً .

وعلى ما ذكرنا فلو قال المطلّق : أنت طالق ثلاثاً ، لم يطلِّق زوجته مرّة بعد أُخرى ، ولم يطلّق مرّتين ، بل هو طلاق واحد ، وأمّا قوله «ثلاثاً» فلا يصير سبباً لتكرّره ، وتشهد بذلك فروع فقهية لم يقل أحد من الفقهاء فيها بالتكرار بضمّ عدد فوق الواحد .

مثلا اعتبر في اللعان شهادات أربع; فلا تجزي عنها شهادة واحدة مشفوعة بقوله «أربعاً» . وفصول الأذان المأخوذة فيها التثنية; لا يتأتّى التكرار فيها بقراءة واحدة وإردافها بقوله : «مرّتين» . ولو حلف في القسامة وقال : «اُقسم بالله خمسين يميناً أنّ هذا قاتله» كان هذا يميناً واحداً . ولو قال المقرّ بالزنا : «أنا أُقرّ أربع مرّات أنّي زنيت» كان إقراراً واحداً ، ويحتاج إلى ثلاثة إقرارات أُخرى ، إلى غير ذلك من الموارد التي لا يكفي فيها العدد عن التكرار .

قال الجصّاص : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ) ، وذلك يقتضي التفريق لا محالة; لأنّه لو طلّق اثنتين معاً لما جاز أن يقال : طلّقها مرّتين ، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال : أعطاه مرّتين ، حتّى يفرّق الدفع ، فحينئذ يُطلق عليه ، وإذا كان هذا هكذا ، فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلّق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لأدّى ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المرّتين; إذ كان هذا الحكم ثابتاً في المرة الواحدة إذا طلّق اثنتين ، فثبت بذلك أنّ ذكر المرّتين إنّما هو أمر بإيقاعه مرّتين ، ونهى عن الجمع بينهما في مرّة واحدة(1) .


(1) أحكام القرآن 1  : 378 .


(167)

هذا كلّه إذا عبّر عن التطليق ثلاثاً بصيغة واحدة ، أمّا إذا كرّر الصيغة ـ كما عرفت ـ فربّما يغترّ به البسطاء ويزعمون أنّ تكرار الصيغة ينطبق على الآية ، لكنّه مردود من جهة أُخرى وهي :

أنّ الصيغة الثانية والثالثة تقعان باطلتين لعدم الموضوع للطلاق; فإنّ الطلاق إنّما هو لقطع علقة الزوجيّة; فلا زوجية بعد الصيغة الأُولى حتّى تقطع ، ولا رابطة قانونية حتّى تصرم .

وبعبارة واضحة : إنّ الطلاق هو أن يقطع الزوج علقة الزوجيّة بينه وبين امرأته ويطلق سراحها من قيدها ، وهو لا يتحقّق بدون وجود تلك العلقة الاعتبارية الاجتماعية ، ومن المعلوم أنّ المطلّقة لا تطلّق ، والمسرَّحة لا  تسرّح .

وربّما يقال : إنّ المطلقة ما زالت في حبالة الرجل وحكمها حكم الزوجة ، فعندئذ يكون للصيغة الثانية والثالثة تأثير بحكم هذه الضابطة ، ولكن الإجابة عنه واضحة; وذلك لأنّ الصيغة الثانية لغوٌ جداً; لأنّ الزوجة بعدها أيضاً بحكم الزوجة ، وإنّما تخرج عنه إذا صار الطلاق بائناً ، وهو يتحقّق بالطلاق ثلاثاً .

والحاصل : أنّه لا يحصل بهذا النحو من التطليقات الثلاث ، العدد الخاص الّذي هو موضوع للآية التالية ، أعني قوله سبحانه : ( فَإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) وكيف لا يكون ذلك ، وقد قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _  : «لا طلاق إلاّ بعد نكاح» ، وقال : «لا طلاق قبل نكاح»(1) .

فتعدّد الطلاق رهن تخلّل عقدة الزواج بين الطلاقين ، ولو بالرجوع ، وإذا لم تتخلّل يكون التكلّم أشبه بالتكلّم بكلام لغو .

قال السماك : إنّما النكاح عقدة تعقد ، والطلاق يحلّها ، وكيف تُحلّ عقدة قبل أن


(1) السنن الكبرى 7  : 318 - 321 ; مستدرك الحاكم 2  : 24 .


(168)

تعقد؟!(1)

3 ـ قوله سبحانه : ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).

إنّ قوله سبحانه : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ) ، وارد في الطلاق الّذي يجوز فيه الرجوع(2) . ومن جانب آخر دلّ قوله سبحانه : ( إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ)(3) . على أنّ الواجب في حقّ هؤلاء هو الاعتداد وإحصاء العدّة ، من غير فرق بين أن نقول : إنّ «اللام» في ( عِدَّتِهِنَّ) للظرفية بمعنى «في عدّتهنّ» أو بمعنى الغاية ، والمراد لغاية أن يعتدِدْنَ; إذ على كلّ تقدير يدلّ على أنّ من خصائص الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع ، هو الاعتداد وإحصاء العدّة ، وهو لا يتحقّق إلاّ بفصل الأوّل عن الثاني ، وإلاّ يكون الطلاق الأوّل بلا عدّة وإحصاء ولو طلّق اثنتين مرّة . ولو طلّق ثلاثاً يكون الأوّل والثاني كذلك .

وقد استدلّ بعض أئمّة أهل البيت بهذه الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً :

روى صفوان الجمّال عن أبي عبد الله _ عليه السلام _  : أنّ رجلا قال له : إنّي طلّقت امرأتي ثلاثاً في مجلس؟ قال : «ليس بشيء» ، ثمّ قال : «أما تقرأ كتاب الله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ـ إلى قوله سبحانه ـ لَعَلَّ اللهُ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) ثمّ قال : كلّ ما خالف كتاب الله والسنّة فهو يردّ إلى كتاب الله والسنّة»(4) .

أضف إلى ذلك : أنّه لو صحّ التطليق ثلاثاً فلا يبقى لقوله سبحانه : ( لَعَلَّ اللهُ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) فائدة ، لأنّه يكون بائناً ويبلغ الأمر إلى ما لا تحمد عقباه ، ولا تحلّ العقدة إلاّ بنكاح رجل آخر وطلاقه مع أنّ الظاهر أنّ المقصود حلّ


(1) السنن الكبرى 7  : 321 .
(2) فخرج الطلاق البائن كطلاق غير المدخولة ، وطلاق اليائسة من المحيض الطاعنة في السن وغيرهما .
(3) الطلاق : 1 .
(4) قرب الاسناد  : ص30 ; ورواه الحرّ العاملي في وسائل الشيعة ج 15 ، الباب 29 ، الحديث 25 ، من أبواب مقدّمات الطلاق .


(169)

المشكلة عن طريق الرجوع ، أو العقد في العدّة .

ثانياً : الاستدلال بالسنّة :

تعرّفت على قضاء الكتاب في المسألة ، وأمّا حكم السنّة ، فهي تعرب عن أنّ الرسول كان يعدّ مثل هذا الطلاق لعباً بالكتاب .

1 ـ أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال : أُخبر رسول الله عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً ، فقام غضبانَ ثمّ قال :«أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم»؟ حتّى قام رجل وقال : يا رسول الله ألا أقتله؟(1) .

إنّ محمود بن لبيد صحابيّ صغير وله سماع ، روى أحمد باسناد صحيح عنه قال : أتانا رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ فصلّى بنا المغرب في مسجدنا فلمّا سلّم منها . . .(2) .

ولو سلمنا عدم سماعه كما يدّعيه ابن حجر في فتح الباري(3) فهو صحابيّ ومراسيل الصحابة حجّة بلا كلام عند الفقهاء ، أخذاً بعدالتهم أجمعين .

2 ـ روى ابن إسحاق عن عكرمة، عن ابن عباس قال : طلّق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول الله : «كيف طلّقتها»؟ قال : طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد . قال : إنّما تلك طلقة واحدة فارتجعها(4) .

والسائل هو ركانة بن عبد يزيد ، روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن


(1) النسائي ، السنن 6  : 142; الدر المنثور 1  : 283 .
(2) أحمد بن حنبل ، المسند 5  : 427 .
(3) فتح الباري 9  : 315 ، ومع ذلك قال  : رجاله ثقات ، وقال في كتابه الآخر بلوغ المرام : ص224 : رواته موثّقون ، ونقل الشوكاني في نيل الأوطار 7  : 11 عن ابن كثير أنّه قال  : إسناده جيد ، اُنظر « نظام الطلاق في الإسلام » للقاضي أحمد محمد شاكر  : ص37 .
(4) بداية المجتهد 2  : 61 . ورواه آخرون كابن قيم في إغاثة اللهفان  : 156 ، والسيوطي في الدرّ المنثور 1 : 279 وغيرهم .


(170)

عبّاس قال : طلّق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً قال : فسأله رسول الله : «كيف طلّقتها؟» قال : طلّقتها ثلاثاً . قال ، فقال : «في مجلس واحد؟» قال : نعم . قال : «فإنّما تلك واحدة فرجعها إن شئت» . قال : فأرجعها . فكان ابن عباس يرى إنّما الطلاق عند كلّ طهر(1) .

الاجتهاد مقابل النص

التحق النبيّ الأكرم بالرفيق الأعلى ، وقد حدث بين المسلمين اتّجاهان مختلفان ، وصراعان فكريّان; فعليّ ومن تبعه من أئمّة أهل البيت ، كانوا يحاولون التعرّف على الحكم الشرعي من خلال النصّ الشرعي آية أو رواية ، ولا يعملون برأيهم أصلا ، وفي مقابلهم لفيف من الصحابة يستخدمون رأيهم للتعرّف على الحكم الشرعي من خلال التعرّف على المصلحة ووضع الحكم وفق متطلّباتها .

إنّ استخدام الرأي فيما لا نصّ فيه ، ووضع الحكم وفق المصلحة أمر قابل للبحث والنقاش ، إنّما الكلام في استخدامه فيما فيه نصّ ، فالطائفة الثانية كانت تستخدم رأيها تجاه النص ، لا في خصوص ما لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة بل حتّى فيما كان فيه نصّ ودلالة .

يقول أحمد أمين المصري : ظهر لي أنّ عمر بن الخطاب كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الّذي ذكرناه ، وذلك أنّ ما ذكرناه هو استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة ، ولكنّا نرى الخليفة سار أبعد من ذلك ، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة الّتي لأجلها نزلت الآية أو ورد الحديث ، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في


(1) أحمد بن حنبل ، المسند 1  : 265 .


(171)

أحكامه ، وهو أقرب شيء إلى ما يعبّر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيّته(1) .

إنّ الاسترشاد بروح القانون الّذي أشار إليه أحمد أمين أمر ، ونبذ النصّ والعمل بالرأي أمر آخر ، ولكن الطائفة الثانية كانوا ينبذون النصّ ويعملون بالرأي ، وما روي عن الخليفة في هذه المسألة ، من هذا القبيل . وإن كنت في ريب من ذلك فنحن نتلو عليك ما وقفنا عليه :

1 ـ روى مسلم عن ابن عباس ، قال : كان الطلاق على عهد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر : طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم(2) .

2 ـ وروي عن ابن طاووس عن أبيه : أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس : أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأبي بكر وثلاثاً من إمارة عمر؟ فقال : نعم(3) .

3 ـ وروى أيضاً : أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس : هات من هناتك ، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر واحدة؟ قال : قد كان ذلك فلمّا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم(4) .

4 ـ روى البيهقي ، قال : كان أبو الصهباء كثير السؤال لابن عباس ، قال : أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها ، جعلوها واحدة على عهد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأبي بكر ـ رضى الله عنه ـ وصدراً من إمارة عمر ـ رضى الله عنه ـ فلمّا رأى الناس قد


(1) فجر الإسلام  : 238 ، نشر دار الكتاب .
(2) و (3) و (4) مسلم ، الصحيح 4 باب طلاق الثلاث ، الحديث 1 و 2 و3. وهناتك يعني أخبارك وأُمورك المستغربة .


(172)

تتابعوا فيها ، قال : أجيزوهنّ عليهم(1) .

5 ـ أخرج الطحاوي من طريق ابن عباس أنّه قال : لمّا كان زمن عمر ـ رضى الله عنه ـ قال : يأيّها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة ، وإنّه من تعجّل أناة الله في الطلاق ألزمناه إيّاه(2) .

6 ـ عن طاووس قال : قال عمر بن الخطاب : قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم ، وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك(3) .

7 ـ عن الحسن : أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري : لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة ، ولكنّ أقواماً جعلوا على أنفسهم ، فألزِم كلّ نفس ما ألزَمَ نفسه . من قال لامرأته : أنتِ عليَّ حرام ، فهي حرام ، ومن قال لامرأته : أنتِ بائنة ، فهي بائنة ، ومن قال : أنتِ طالق ثلاثاً ، فهي ثلاث(4) .

هذه النصوص تدلّ على أنّ عمل الخليفة لم يكن من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ، ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّر عنه بتنقيح المناط وإسراء الحكم الشرعي إلى المواضع التي تشارك المنصوص في المسألة ، كما إذا قال : الخمر حرام ، فيسري حكمه إلى كلّ مسكر أخذاً بروح القانون ، وهو أنّ علّة التحريم هي الإسكار الموجودة في المنصوص وغير المنصوص ، وإنّما كان عمله من نوع ثالث وهو الاجتهاد تجاه النصّ ونبذ الدليل الشرعي ، والسير وراء رأيه وفكره وتشخيصه ، وقد ذكروا هنا تبريرات لحكم الخليفة إذ إنّه : لمّا كان الحكم الصادر عن الخليفة يخالف نصّ القرآن أو ظاهره ، حاول بعض المحقّقين تبرير عمل الخليفة ببعض


(1) البيهقي ، السنن 7  : 339 ; الدر المنثور 1  : 279 . والتتابع : الإكثار من الشر .
(2) عمدة القاري 9  : 537 ، وقال  : إسناده صحيح .
(3) و (4) كنز العمال 9  : 676 / 27943 و 27944 .


(173)

الوجوه حتّى يُبرِّر حكمه ويصحّحه ويخرجه عن مجال الاجتهاد مقابل النصّ ، بل يكون صادراً عن دليل شرعي ، ومن تلك الوجوه :

1 ـ نسخ الكتاب بالإجماع الكاشف عن النص :

إنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ ، فإن قلت : ما وجه هذا النسخ وعمر ـ رضى الله عنه ـ لا ينسخ ، وكيف يكون النسخ بعد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟ قلت : لمّا خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع إنكار ، صار إجماعاً ، والنسخ بالإجماع جوّزه بعض مشايخنا ، بطريق أنّ الإجماع موجب علم اليقين كالنص ، فيجوز أن يثبت النسخ به ، والإجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور .

فإن قلت : هذا إجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم فلا يجوز ذلك في حقهم .

قلت : يحتمل أن يكون ظهر لهم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا(1) .

يلاحظ عليه أوّلا : أنّ المسألة يوم أفتى بها الخليفة ، كانت ذات قولين بين نفس الصحابة ، فكيف انعقد الإجماع على قول واحد ، وقد عرفت الأقوال في صدر المسألة . ولأجل ذلك نرى البعض الآخر ينفي انعقاد الإجماع البتة ويقول : «وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على أنّ الثلاث بلفظ واحد واحدة ، ولم ينقض هذا الإجماع بخلافه ، بل لا يزال في الأُمّة من يفتي به قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا»(2) .

وثانياً : إنّ هذا البيان يخالف ما برّر به الخليفة عمله حيث قال : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم . فأمضاه عليهم ، ولو كان هناك نصّ عند الخليفة; لكان التبرير به هو المتعيّن .


(1) عمدة القاري 9  : 537 .
(2) تيسير الوصول 3  : 162 .


(174)

وفي الختام نقول : أين ما ذكره صاحب العمدة ممّا ذكره الشيخ صالح بن محمد العمري (المتوفّى 1298 هـ) حيث قال : إنّ المعروف عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعند سائر العلماء المسلمين : أنّ حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نصّ كتاب الله تعالى أو سنّة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وجب نقضه ومنع نفوذه ، ولا يعارض نصّ الكتاب والسنّة بالاحتمالات العقليّة والخيالات النفسيّة ، والعصبيّة الشيطانية بأن يقال : لعلّ هذا المجتهد قد اطّلع على هذا النصّ وتركه لعلّة ظهرت له ، أو أنّه اطّلع على دليل آخر ، ونحو هذا ممّا لهج به فرق الفقهاء المتعصّبين ، وأطبق عليه جهلة المقلّدين(1) .

2 ـ تعزيرهم على ما تعدّوا به حدود الله :

لم يكن الهدف من تنفيذ الطلاق ثلاثاً في مجلس ، إلاّ عقابهم من جنس عملهم ، وتعزيرهم على ما تعدّوا حدود الله ، فاستشار أُولي الرأي ، وأُولي الأمر وقال : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟ فلمّا وافقوه على ما اعتزم أمضاه عليهم وقال : أيّها الناس قد كانت لكم في الطلاق أناة ، وأنّه من تعجّل أناة الله ألزمناه إيّاه(2) .

لم أجد نصّاً فيما فحصت في مشاورة عمر أُولي الرأي والأمر ، غير ما كتبه إلى أبي موسى الأشعري بقوله : «لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة . . .»(3) وهو يخبر عن عزمه وهمّه ولا يستشيره ، ولو كانت هنا استشارة كان عليه أن يستشير الصحابة من المهاجرين والأنصار


(1) إيقاظ همم أُولي الأبصار  : ص9 .
(2) أحمد بن حنبل ، المسند 1  : 314/ ح2877 ، وقد مرّ تخريج الحديث أيضاً . لاحظ نظام الطلاق في الإسلام لأحمد محمد شاكر  : 79 .
(3) كنز العمال 9  : 676 / 27943 .


(175)

القاطنين في المدينة وعلى رأسهم عليّ بن أبي طالب ، وقد كان يستشيره في مواقف خطيرة ويقتفي رأيه .

ولا يكون استعجال الناس ، مبرّراً لمخالفة الكتاب والسنّة بل كان عليه ردع الناس عن عملهم السيّئ بقوّة ومنعة ، وكيف تصحّ مؤاخذتهم بما أسماه رسول الله لعباً بكتاب الله(1) .

يقول ابن قيم : إنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسنّة والقياس والإجماع القديم ، ولم يأت بعده إجماع يبطله ، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر ـ رضى الله عنه ـ أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة ، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم ليعلموا أنّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة ، وحرمت عليه ، حتّى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة; يراد للدوام ، لا نكاح تحليل ، فإذا علموا ذلك كفّوا عن الطلاق المحرِّم ، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه ، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النبيّ وعهد الصدّيق ، وصدراً من خلافته كان الأليق بهم; لأنّهم لم يتابعوا فيه وكانوا يتّقون الله في الطلاق ، وقد جعل الله لكلّ من اتّقاه مخرجاً ، فلمّا تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلّقوا على غير ما شرّعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنّ الله شرّع الطلاق مرّة بعد مرّة ، ولم يشرّعه كلّه مرّة واحدة(2) .

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره من التبرير لعمل الخليفة غير صحيح; إذ لو كانت المصالح المؤقتة مبرّرة لتغيّر الحكم ، فما معنى «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» ولو صحّ ما ذكره لتسرّب التغيّر إلى أركان الشريعة ، فيصبح الإسلام أُلعوبة بيد الساسة; فيأتي سائس فيحرِّم الصوم على


(1) الدر المنثور 1  : 283 .
(2) اعلام الموقعين 3  : 36 .


(176)

العمّـال لتقوية القوّة العاملة في المعامل .

وفي الختام فقد تنبّه بعض علماء أهل السنّة في هذه العصور لما في تنفيذ هذا النوع من الطلاق ، ولأجل ذلك تغيّر قانون محاكم مصر الشرعيّة ، وخالفت مذهب الحنفية بعد استقلالها وتحرّرها عن سلطنة الدولة العثمانية .

وللأسف فإنّ كثيراً من مفتي أهل السنّة على تنفيذ هذا النوع من الطلاق ، ولأجل ذلك يقول مؤلّف المنار بعد البحث الضافي حول المسألة : «ليس المراد مجادلة المقلّدين أو إرجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم; فإنّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بها; لأنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب الله وسنّة رسوله»(1) .

اللّهمّ إنّا نسألك التوفيق لإحياء السُّنَن ، وإماتة البِدَع ، والعمل بكتابك وسنّة نبيّك سيد رُسُلك ، وأفضل خليقتك .

ونسألك الابتعاد عن أهل الزِّيَغ والبدع ، ومكافحة الرأي المخترَع ، والتمسّك بحبلك المتين ، ونبذ ما أُلصِق بدينك القويم .

وصلّى الله على رسول الله وعلى عترته الطاهرين وصحبه المنتجبين والسائرين على دربهم إلى يوم الدين .


(1) تفسير المنار 2  : 386 ـ 387 ، ط الثالثة 1376 هـ .

Website Security Test