welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 25*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 25

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 25
(25)

صفحه 2

صفحه 3
25
يشتمل على تفسير الجزء الخامس والعشرين
الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1393 .
      30ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 535 - 9(VOL.25)
ISBN 978 - 964 - 357 - 510 - 6 (30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زير نويس .
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP   179 / 297
1393
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 25
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1393 هـ ش / 1435 هـ . ق / 2014 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 448 صفحة
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:831   تسلسل الطبعة الأُولى:415
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
سورة الشورى: خصائص السورة   …
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 25
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد وعلى آله وعترته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد; فمن فضل الله على هذا العبد الضعيف أن وفّقه لتفسير الجزء الخامس والعشرين من كتابه العزيز الذي (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد).1
وهذا الجزء يشتمل على تفسير السور التالية:
1. الشورى. 2. الزخرف. 3. الدخان. 4. الجاثية. وبتفسير هذه السور يتم تفسير آيات هذا الجزء إلاّ ثمان آيات من سورة فصّلت حيث إنّها معدودة من الجزء الخامس والعشرين لكن آثرنا إلحاقها بالجزء الرابع والعشرين لأنّ أكثر آياتها تقع في الجزء المذكور آنفاً.
وقد بذلت جهدي في تفسير الآيات مفرداتها وجملها ومقاصدها على نحو يتبيّن به مفاد الآية بأوضح وجه، فإن أصبت في ذلك فمن الله

1. فصلت:42.

صفحه 8
سبحانه، وإن أخطأت فمن نفسي، والله هو المسدّد والمعين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
جعفر السبحاني
قم المقدّسة

صفحه 9

سورة الشورى

(حَم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا وَ تُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ * وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير *أَمِ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ

صفحه 10
 
رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَل مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب * فَلِذَلكِ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَاب وَأُمِرْتُ لاَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *اللهُ الذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ

صفحه 11
 
لَفِي ضَلاَل بَعِيد * اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيب * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَرى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذَلِكَ الذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَهُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ * وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَر مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

صفحه 12
 
وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّة وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير * وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ *إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور *أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِير * وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص * فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدّ مِنْ سَبِيل * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا

صفحه 13
 
خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْف خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَاب مُقِيم * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيل * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأ يَوْمَئِذ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِير * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ * للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْيُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * صِرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ).

صفحه 14

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة  «الشورى» وربّما قالوا سورة «شورى» أخذاً بنفس اللفظ من السورة حيث جاء فيها: (وَأَمْرُهُمْ شُورى)، وربّما تُسمّى بسورة «حم عسق» وربّما يختصر ويقال: سورة «عسق»، ولا مشاحّة في التسمية إذا كانت تناسب مقام السورة وحاكية عنها، لأنّ أسماء السور ليست توقيفية.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها في عدّ الكوفي 53 آية، وفي عدّ الباقين خمسون، ومحلّ الاختلاف ثلاث آيات، ففي عدّ الكوفي (حم) آية، و(عسق) آية
أُخرى، وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ) آية أيضاً، ولم يعدّه الباقون.
والسورة مكّية بشهادة مضامينها، إلاّ أربع آيات نزلت في المدينة منها قوله سبحانه:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)1 فإنّ مضمون هذه الآية أدلّ دليل على نزولها في البيئة التي آمنت بها جماهير من الناس

1. الشورى:23.

صفحه 15
وليست هي إلاّ المدينة المنوّرة، والآيات الثلاث الأُخرى التي نزلت في المدينة هي ما يلي الآية السابقة، أعني قوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَ يَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَ هُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ الْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ)1، وسيوافيك بعض الكلام خلال تفسير هذه الآيات.

أغراض السورة

لعلّ من أهم أغراض هذه السورة تبيين الوحي الذي هو الكلمة الإلهية التي تُلقى إلى أنبيائه ورسله، ويشهد لذلك الآيات الست التالية:
1. قوله تعالى:(كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ).2
2. قوله تعالى:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا).3
3. قوله تعالى:(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَ الذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ).4
4. قوله تعالى:(اللهُ الذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَ الْمِيزَانَ).5

1. الشورى:24ـ 26.
2. الشورى:3.
3. الشورى:7.
4. الشورى:13.
5. الشورى:17.

صفحه 16
5. قوله تعالى:(وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب).1
6. قوله تعالى:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا).2
وعلى ذلك فالكلام عن توحيده سبحانه، وعن أوصاف المؤمنين والكافرين وبيان مصائرهم كلام مقصود ثانوي انجر إليه الكلام، وكان السيد الطباطبائي(رحمه الله) يؤكّد في دروسه على أنّ هذه السورة تهدف إلى بيان الوحي وحقيقته، وقد عرفت دلائل ما يتبنّاه.

الآيتان: الأُولى والثانية

1و2. (حَم * عسق):

التفسير

سورة الشورى: الآيتان 1 ـ 2    …
ابتدأ سبحانه هذه السورة بالحروف المقطّعة، وهذا ممّا اختصّ به القرآن الكريم دون غيره من سائر الكتب السماوية. والسور المفتتحة بـ«حم» تُجمع، في لسان المفسّرين، على الحواميم وهي عبارة عن السور التالية:«غافر، وفصّلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف»، كما تُجمع السور المفتتحة بـ«طس» و«طسم» على طواسين،

1. الشورى:51.
2. الشورى:52.

صفحه 17
وامتازت هذه السورة بورود لفظ: «عسق» بعد «حم»، فما هو الوجه لهذه الزيادة؟
وربّما يضاف لفظ (آل) إلى «حم»، قال الكميت الأسديّ(وهو يحتجّ لحقّ آل البيت بتولّي الخلافة):
قرأنا لكم في آل حاميم آية *** تأوّلها منّا تقيٌّ ومُعرِبُ1
وفي غيرها آياً وآياً تتابعتْ *** لكم نَصَبٌ فيها لذي الشكّ مُنصبُ
يريد الشاعر قوله تعالى في هذه السورة:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)، ولفظة آل تضاف إلى ذوي الشرف، حيث يقال: آل فلان، أو آل البيت.
وسوف يوافيك تفصيل الكلام حول الحروف المقطّعة، والوجوه التي قيلت فيها، عند تفسير سورة الأحقاف.
ولكن لا بأس أن نذكر هنا رأياً خاصّاً جادت به قريحة السيد الطباطبائي حاصله: أنّ بين هذه الحروف وما جاء في هذه السور من المضامين والمعاني صلة خاصّة، يقول: ثمّ إنّك إن تدبّرت بعض التدبّر في هذه السور التي تشترك في الحروف المفتتح بها مثل الميمات والراآت والطواسين والحواميم، وجدت في السور المشتركة في الحروف من تشابه المضامين وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من السور.
ويؤكّد ذلك ما في مفتتح أغلبها من تقارب الألفاظ كما في مفتتح

1. التقيّ: الذي سكت تقيّةً، والمُعرب: المفصح عمّا في نفسه.

صفحه 18
الحواميم من قوله:(تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ) أو ما هو في معناه، وما في مفتتح الراآت من قوله:(تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ) أو ما هو في معناه، ونظير ذلك واقع في مفتتح الطواسين، و ما في مفتتح الميمات من نفي الريب عن الكتب و ما هو في معناه. ويمكن أن يحدس من ذلك أنّ بين هذه الحروف المقطّعة وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطاً خاصّاً، ويؤيّد ذلك ما نجد أنّ سورة الأعراف المصدّرة بـ«المص» في مضمونها كأنّها جامعة بين مضامين الميمات و ص، و كذا سورة الرعد المصدّرة بـ«المر» في مضمونها كأنّها جامعة بين مضامين الميمات والراآت.1

الآيات: الثالثة إلى الخامسة

(كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

المفردات

سورة الشورى: الآيات 3 ـ 5   …
يتفطّرن: يتشقّقن، والفرق بين التفطير والانفطار واضح، ففي الأوّل توجد في المفطور مقاومة أمام العامل الذي يريد شقّه، ولذلك جاء في

1. الميزان في تفسير القرآن:18/8 ـ9.

صفحه 19
الآية قوله:(يتفطّرن)، وأمّا الانفطار فإنّما يستعمل فيما إذا انتهت قابلية البقاء في الشيء فيحين وقت انفطاره وانشقاقه، ولذلك يُعدّ من أشراط القيامة انفطار السماء، قال سبحانه:(وَإذا السَّماءُ انْفطَرَتْ)1.
3و 4. (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ):
يريد سبحانه أن يذكر بأنّ الوحي المنزل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل الوحي المنزل على السابقين له، وأنّ إعراض قومه عن الوحي مثل إعراض الآخرين عن أنبيائهم، فالابتداء والغاية في الجميع واحد، وجاء هذا المضمون في آية أُخرى أيضاً، وهي قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ).2 إذا تبيّن ذلك فنقول:
قوله سبحانه:(كَذَلِكَ) اسم إشارة يحتاج إلى المشار إليه، ويستفاد هنا من قوله:(يُوحي إليك): أي بمثل هذا الوحي(يوحي إلَيكَ و إلى)الأنبياء(الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ).
إنّ الوحي من المفاهيم الإضافية، فله إضافة إلى الموحي، أعني قوله: (اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وله إضافة إلى الموحى إليهم وقد مرّت الإشارة إليه بقوله:(إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ)، وأمّا واقع الوحي وحقيقته فستأتي

1. الانفطار:1.
2. النساء:163.

صفحه 20
الإشارة إليه في الآية الخامسة، ويأتي التفصيل فيه في آخر السورة.
ثمّ إنّ الظاهر من هذه الآية وما بعدها أنّ الوحي يصدر من الله سبحانه باعتبار الأسماء الخمسة، وهي:
1. (العَزيزُ)، 2. (الحَكيمُ)، 3. (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)الذي هو كناية عن كونه مالك العالم، 4. (العَليُّ)، 5. (العَظيمُ). وإليك بيان هذه الأسماء، التي لكلّ منها ـ كما يظهر ـ مدخلية في نزول الوحي:
1. (العزيز): أي القادر الذي لا يُغلب فيما يُريد، ولا يصدّه صادّ، وهو غالب على أمره، قال سبحانه:(وَاللهُ غالبٌ عَلى أَمْرِهِ).1
2.(الحَكيم): أي الذي يفعل الأفعال على وجه الصواب والسداد، فلا يوحي إلاّ لمن له قلب واع، يتحمّل ما يوحيه إليه سبحانه.
3. (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ): أي مالكهما، والمالك يدبّر مملوكه ولا يتركه سدى، ولذلك يبعث الأنبياء لتدبير أُمور العباد بالوحي التشريعي.
4.(العَليُّ): أي المستعلي بسلطانه على كلّ سلطان، فلا يتلقّى الأنبياء شيئاً من الوحي إلاّ من لدنه جلّ عُلاه.
5. (العَظيمُ): أي المتفرّد بالعظمة، فله أن يُخضع عباده لأمره ونهيه اللّذين يتنزّل بهما الوحي. فالله سبحانه بواقع هذه الأسماء مصدر للوحي.
وبما ذكرنا ظهر أنّ التشبيه في قوله: (كَذَلِكَ) في أصل الوحي، وأنّ ما يوحى إلى النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) من سنخ ما يوحى إلى الآخرين.

1. يوسف:21.

صفحه 21
وربّما يُتصوّر أنّ قوله: (كَذَلِكَ) ليس تشبيهاً في أصل الوحي فقط، بل لبيان المحتوى أيضاً، وأنّ محتوى هذه السورة قد أُوحي إلى النبيّين قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولكنّه أمر بعيد، ويؤيّد ما ذكرناه قوله سبحانه: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)1 فإنّ المتبادر أنّ التشبيه هو في نفس الوحي.
5. (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ).
تتضمّن الآية أُموراً أربعة:
أ. تفطّر السماوات من فوقهن.
ب. تسبيح الملائكة ربهم مقروناً بالحمد.
ج. استغفارهم لمن في الأرض.
د. وصف الخالق بالغفور الرحيم.
والمهم صلة هذه الفقرات بعضها ببعض، والمجموع بما قبله.
أمّا الأوّل ـ أعني قوله تعالى:(تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ) ـ فهو بصدد بيان أنّ مبدأ الوحي هو الله سبحانه، والسماوات طرق لوصول

1. النساء:163.

صفحه 22
الوحي إلى الأرض، وأنّ نزول الوحي من فوق السماوات على وجه تكاد أن تتفطر السماوات من عظمة الوحي، ونزوله إلى الأرض، فالوحي كلام نازل من عال مطلق عن طريق السماوات التي تكاد تتفطّر من فوقهن استشعاراً لمكانة الوحي، فتكون الآية ناظرة إلى إعظام أمره نظير قوله سبحانه:(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ تِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).1
وعلى هذا فللآية صلة بما قبلها والسؤال هنا: هل أنّ التفطّر أو التصدّع، هو نتيجة استشعار حقيقي، لسريان العلم والشعور إلى كافة الموجودات؟ أو هو على سبيل المجاز والتمثيل؟ أي لو كانت السماوات تنفطر لانفطرت لنزول الوحي، أو لو كان للجبل شعور وإدراك لتصدّع من عظم القرآن.
والجواب: إنّ كلا التفسيرين واردان، وإن كان الأوّل أوجه. وسيأتي مزيد بيان لذلك عند تفسير سورتي الحديد والحشر.
وربّما تفسّر الآية بوجه آخر وهو قرب تفطّر السماء من شرك المشركين وسخافة كلامهم كما يحكي سبحانه عنهم: (وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا).2
ولكن هذا التفسير بعيد عن سياق الآيات لأنّها بصدد بيان حقيقة

1. الحشر:21.
2. مريم:88 ـ91.

صفحه 23
الوحي ومصدره وآثاره، وهذا يناسب ما ذكرنا من التفسير، وأمّا تفطّر السماوات من الرأي السخيف للمشركين أمر حقّ، ولكن لا صلة له بما تشير إليه آيات السورة.
وممّا يسترعي النظر أنّ التعبير في المقام هو إقران التفطّر بلفظة «فوق» قائلاً:(يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوقِهِنَّ): أي فوق السماوات بخلافه في سورة مريم(يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) حيث جرّد عن كلمة فوق، ووجه الاختلاف واضح; لأنّ الوحي ينزل من الله سبحانه من عال مطلق ثم يتطرّق من السماوات إلى الأرض، فعندئذ تتأثر به السماوات من فوقهن، أي من عظمة الوحي النازل من فوقهن; بخلاف التفطّر في سورة مريم فإنّ مبدأه الرأي السخيف للمشركين واتّخاذ ولد لله سبحانه، إذ ليس هو من فوق السماوات إن لم يكن من دونها، و لذلك قال:(يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) :أي من المجيء بشيء إدّاً.
وأمّا الثاني ـ أعني قوله تعالى: (وَ الْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) ـ فصلته بما قبله واضحة، فإنّ الملائكة هم حملة الوحي الذي يشتمل على تسبيحه سبحانه وتحميده، ولذلك دأبوا على تسبيح الله وتنزيهه عن النقائص بما له من المحامد. وبعبارة أُخرى: إنّ استشعار الملائكة عظمة ما يحملونه إلى الرسل يدفعهم إلى التسبيح والتحميد.
وأمّا الثالث ـ أعني قوله:(وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ) ـ فهو لأجل استشعارهم بأنّ من المؤمنين من لا يؤدّي حق العبودية ولا يقتفي ما أمر به الوحي فيدعون لهم بالمغفرة، و بما أنّ المشرك لا يستحق الاستغفار ولا ينفعه، أُريد بالموصول ـ أعني قوله:(لِمَنْ فِي الأَرْضِ)ـ قسم منهم، أعني:

صفحه 24
الذين آمنوا بشهادة قوله سبحانه في موضع آخر:(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ).1
وفي نهاية المطاف يضمّ سبحانه إلى أسمائه الخمسة اسمين آخرين ـ أعني قوله: (أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)ـ ولعلّه إشارة إلى استجابة استغفار الملائكة لمن في الأرض حيث إنّه غفور رحيم، فيغفر لمن استُغفر له.
بقي هنا كلام وهو أنّ بعض القشريين من الوهابية ربّما يتصوّر أنّ الإنسان إذا مات لا ينتفع بشيء من أعمال الغير بحقّه، مستدلاًّ بقوله سبحانه: (وَلَيْس للإنسان إلاّ ما سعى)2 و ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث»، و سيوافيك مفاد الآية و ما يرمي إليه الحديث الشريف عند تفسير الآية في سورة النجم، ولكن استغفار الملائكة لمن في الأرض أو للمؤمنين أدلّ دليل على انتفاع الإنسان ـ حتى بعد رحيله ـ بعمل الغير، حتى أنّه سبحانه يغفر ويرحم مَن استغفرتْ له الملائكة.
سورة الشورى: الآيات 6 ـ 8   …

الآيات: السادسة إلى الثامنة

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ

1. غافر:7.
2. النجم:39.

صفحه 25
عَلَيْهِمْ بِوَكِيل * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ * وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِي وَلاَ نَصِير).

المفردات

أولياء: جمع وليّ، أي الأولى بالإنسان، وربما يراد به الناصر والمعين.
أُمّ القرى: مركز القرى، الذي يرجع إليه من سائر النواحي، والمراد به مكّة المكرّمة.
يوم الجمع: يوم القيامة الذي يُجمع فيه الناس.
السعير: النار المستعرة الموقدة.

التفسير

إنّ من مراحل التوحيد; التوحيد في الربوبية بعد التوحيد في الخالقية، والظاهر من غير واحدة من الآيات أنّ أكثر المشركين في الجزيرة العربية كانوا يوحّدون الله تعالى في الخالقية دون الربوبية; ويدلّ على الأوّل قوله سبحانه:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ

صفحه 26
الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)1، وأمّا الثاني ـ أعني: الشرك في أمر الربوبية ـ فيدلّ عليه قسم من الآيات، حيث كانوا يطلبون العزّ والنصر في الحروب من معبوداتهم، قال سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)2، وقال سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)3
ولذلك صار المحور الأساسي للوحي هو مواجهة الشرك في الولايتين: التكوينية والتشريعية، ولمّا كان المشركون مفوّضين أمرهما إلى غير الله سبحانه من الأصنام والأوثان، نزل الوحي الإلهي مندِّداً بعملهم ومنكراً لسيرتهم فقال:
6. (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل):
الآية إنذار للمشركين وأُريد من قوله:(وَالَّذِينَ) المشركون الذين(اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ): أي من دون الله (أَوْلِيَاءَ)، وأعطوا الولاية التكوينية والتشريعية لمعبوداتهم، مع أنّهما من خصائصه سبحانه، فليعلموا أنّ: (اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ): أي حافظ عليهم أعمالهم لا يعزب عنه شيء منها، فيجازيهم عليها(وَمَا أَنْتَ)يا رسول الله(عَلَيْهِمْ بِوَكِيل): أي ما أُوكل أمرهم إليك،
وإنّما أنت منذر ومبيِّن لهم طريق النجاة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

1. الزخرف:9.
2. يس:74.
3. مريم:81.

صفحه 27
7. (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ):
قوله سبحانه:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) عطف على قوله:(كَذَلِكَ يوحي إِلَيْكَ) في الآية الثالثة من السورة، والفرق بينهما واضح، ففي المعطوف عليه يقرّر أنّ ما يوحى إليك من جنس ما كان يوحى إلى غيرك من الأنبياء، وأمّا في المعطوف فيؤكّد على أنّ الموحى به للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قرآن عربي نزل لغاية إنذار سكّان أُمّ القرى ومن حولها، وقال:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)بلسان قومك، وأمّا كونه نازلاً بلسان القوم فقد جرت سُنّة الله على إرسال كلّ رسول بلُغة قومه، قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).1
وجه ذلك: أنّ دعوة كلّ نبي تختصّ في أوّل الأمر بقومه حتى يتّخذ منهم أعواناً وأنصاراً من أجل نشر دعوته.ولا يعني ذلك اختصاص دعوته بالعرب; وذلك لأنّ الرسالة النبوية المحمّدية وإن كانت رسالة عالميّة خاتمة لرسالات السماء لكنّها مرّت بمراحل حتى تكاملت وبلغت القمّة، وإليك بيان هذه المراحل على وجه الإيجاز:

1. إبراهيم:4.

صفحه 28

1. دعوة عشيرته الأقربين

بُعث أوّلاً لتبليغ عشيرته الأقربين، وقد أمره الله سبحانه بذلك بقوله:(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)1 فدعا(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام) وأمره أن يصنع طعاماً ثم يجمع له بني عبد المطّلب، فدعاهم(عليه السلام)وهم يومئذ نحو أربعين رجلاً، ثم عرض(صلى الله عليه وآله وسلم) دعوته عليهم على الوجه المذكور في كتب الحديث والتاريخ، وفي هذا الاجتماع قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ(عليه السلام): «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم».2

2.دعوة قومه

أمره سبحانه بعرض دعوته على قومه بقوله:(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)3، فقد وقف ذات يوم على صخرة عند جبل الصفا منادياً بصوت عال: «أرأيتم إن أخبرتكم أنّ العدو مصبحكم أو مُمسيكم أكنتم تصدّقوني»؟ قالوا: بلى، قال: (إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد)4.5
ولعلّه إلى هذه المرحلة يشير سبحانه بقوله في المقام:(لِتُنذِرَ أُمّ

1. الشعراء:214.
2. انظر: تاريخ الطبري:2/62ـ 63; تهذيب الآثار للطبري:1/57 برقم 132; مسند أحمد:111، و 159; الكامل في التاريخ:2/62ـ63، وغيرها.
3. الحجر:94.
4. سبأ:46.
5. تاريخ الطبري:2/62.

صفحه 29
القُرى) أي مكّة (وَمَنْ حَوْلَها)، وتخصيص إنذاره بـ«أُمّ القرى» دون قرية وقرية، لأجل أنّه جرت سُنّة الله على بعث الأنبياء في مركز البلاد فقط كما قال:(وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً)1، حتى تتمّ بذلك الحجّة على سكانها ومن حولهم، وقد كانت مكّة يوم ذاك المركز الرئيسي في شبه الجزيرة العربية، لأنّ العرب تقصدها من شتى النقاط راجلين وراكبين لحجّ بيت الله الحرام، فبعث النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في مركز البلاد، وبذلك تمّت الحجّة على من في أطراف مكّة.

3. الدعوة العالمية

في أواسط السنة السابعة من الهجرة قام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بنشر دعوته في أرجاء المعمورة يوم ذاك، قائلاً بأنّ دعوته لا تختصّ بإقليم دون إقليم، لأنّه بعث لإصلاح المجتمع البشري على وجه الإطلاق، ويدلّ على سعة دعوته عدد من الآيات وقسم كبير من الروايات، وإليك بعض الآيات:
1. قال سبحانه:(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).2
2. قال سبحانه:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا).3
3. قال تعالى: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا).4
4. قال سبحانه:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).5

1. القصص:59.
2. الأعراف:158.
3. سبأ:28.
4. النساء:79.
5. الأنبياء:107.

صفحه 30
5. قال سبحانه:(تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).1
وعلى هذا، فالله سبحانه لا يعني من قوله:(لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا)اختصاص دعوته بـ«مكّة المكرمة» والبلاد التي تتبعها إدارياً وسياسياً واقتصادياً، والشاهد لذلك، تصريحه بعالمية الرسالة واستمرارها إلى يوم القيامة في قوله جلّ شأنه:(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)2أي كلّ من بلغه القرآن ووصلت إليه هدايته في أقطار الأرض.
نعم نزل كتابه بلغة عربية لوجهين:
الأوّل: لأنّه بعث لهداية قومه في بدء الأمر، وهو رهن أن يكون كتابه بلغة قومه.
الثاني: أنّ اللغة العربية أفضل اللغات وأوضحها ولذلك سمّيت «عربيّة» أي واضحة، ولو وُصف حُكمه أيضاً بالعربية كما في قوله: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا)3، فلأجل كونه حكماً واضحاً لا تعقيد فيه.
ثمّ إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمر في الآية بالإنذار مرتين:
الأولى: ما مرّ من قوله:(لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا) أي أهلها.
الثانية: قوله تعالى: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ).

1. الفرقان:1.
2. الأنعام:19.
3. الرعد:37.

صفحه 31
والفرق بين الإنذارين واضح، فالأوّل يتعلّق بسكان أُمّ القرى، والثاني يتعلّق بإنذار الناس بيوم الجمع وما فيه من أهوال الحساب والقيامة. وعلى هذا فيوم الجمع مفعول ثان حُذف مفعوله الأوّل، ويوم الجمع من أسماء يوم القيامة، قال سبحانه:(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَومِ الْجَمْعِ)1، وقال:(ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ).2
ثمّ إنّ هذا اليوم موصوف بـ (لاَ رَيْبَ فِيهِ) إذ لولاه لصار أمر الخلقة عبثاً لا غاية له.
ثمّ إنّ الناس يومذاك فريقان (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، وكأنّ الآية تسلّي النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)على أنّ تمنّي هداية كافّة الناس أمر غير واقعيّ، بل الناس على قسمين بين مهتد وضالٍّ، وكلٌّ مأخوذ بعمله.
8 . (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِي وَلاَ نَصِير):
لمّا أخبر سبحانه بأنّ الناس يوم القيامة بين فريق في الجنة وفريق في السعير، صار هذا مظنّة سؤال، وهو: لماذا لم يجعلهم أُمّة واحدة مؤمنة حتّى يكون مصير الجميع هو الجنة؟ فجاءت الآية إجابة لهذا التساؤل وهو أنّ سنّته تعالى اقتضت أن لا يجعلهم أُمّة واحدة، ولو شاء لصار الجميع فريقاً واحداً. وتوضيح الجواب: أنّ الإيمان على قسمين:

1. التغابن:9.
2. هود:103.

صفحه 32
1. إيمان يختاره الإنسان عن وعي وتفكّر من خلال ما مُنح من استعداد لسلوك طريق الهدى الذي نُصبت عليه الدلائل الموصلة إليه، أو طريق الضلال، وهذا النوع من الإيمان يُعدّ من القيم كسائر الأفعال الجميلة والحسنة إذا صدرت من الإنسان عن وعي واختيار.
سورة الشورى: الآيات 9 ـ 12   …
2. إيمان لم يكتسبه الإنسان بمحض رضاه وإرادته، وإنّما يُلقى في روعه من جانب الله سبحانه جبراً وقهراً، فيصير مؤمناً دون أن يكون هناك ترجيح واختيار منه. وهذا النوع من الإيمان، لا يُعدّ من محامد أفعال الإنسان، وإلى ما ذكرنا يشير سبحانه بقوله:(وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً): أي أُمّة مسلمة ولكن لم يشأ ذلك، بل فوّض ذلك إلى اختيار العباد، فمن آمن منهم عن وعي واختيار دخل في رحمة الله، كما يقول: (وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ)، وأمّا من ظلم نفسه وجحد حق الله فيكون خارجاً عن ولاية الله ونصرته كما يقول:(وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاَ نَصِير)واستثناء الظالمين أدلّ دليل على أنّ خروجه عن ولاية الله ونصرته لجهة عمل صادر منه يزاحم شمول رحمة الله، بخلاف الفقرة السابقة فإنّه بإيمانه اكتسب رحمة الله.

الآيات: التاسعة إلى الثانية عشرة

(أَمِ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِي وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ* فَاطِرُ

صفحه 33
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).

المفردات

فاطر: خالق الشيء ابتداءً. والفَطْر أيضاً: الشَّقّ.
من أنفسكم: من جنسكم.
يذرؤكم: يكثّركم، من ذرأ بمعنى خلق.
مقاليد: واحدها مقلاد وهو المفتاح.
يقْدِر: يقتِّر ويضيِّق.

التفسير

9. (أَمِ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):
قوله: (أَمِ اتَّخَذَوُا) يحتمل أن يكون لفظ «أم» بمعنى «بل» ويحتمل أن يكون استفهاماً إنكارياً. وعلى كلّ تقدير فهو بيان لسبب خروج الظالمين عن رحمته وهو أنّ اتّخاذهم غير الله ولجوءهم إليه هو سبب

صفحه 34
الحرمان، كما يقول:(أَمِ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)، فما اتّخذوه من أولياء ليس جديراً بالولاية، وقد ضلّوا بتولّيهم هذه الأوثان، وعليه فإنّهم إن أرادوا وليّاً بحقّ (فَاللهُ هُوَ الوَلِيُّ)واستشهد على ذلك بأُمور:
الدليل الأوّل: (وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى) فإنّه حجّة على ولايته، فبإحيائهم يثاب المؤمنون ويعاقب الظالمون.
الدليل الثاني: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) لأنّ من شرائط الولاية قدرة الوليّ على رعاية شؤون من يتولاّه وتدبير أُموره، وبما أنّه قادر على كلّ شيء، فهو قادر على تدبير شؤون من يتولاّه من حياته وموته ورزقه إلى غير ذلك.
الدليل الثالث: قوله تعالى:
10. (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ):
فالله سبحانه هو مرجع حلّ الاختلاف في كلّ شيء من الأُصول والفروع، فإذا كان الله هو الوليّ لا غيره فالحكم النافذ هو حكمه لا حكم غيره، ولذلك نرى أنّه سبحانه يأمر في غير آية بردّ ما اختُلف فيه إلى الله والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، والخطاب في هذه الآية وإن كان للمؤمنين لكن إطلاق سائر الآيات يعمّ الجميع، فالله سبحانه بما أنّه هو

صفحه 35
القادر على كلّ شيء، فهو الجدير بالولاية، وهو الذي يجب أن يُتّخذ وليّاً، وأن يرجع إليه العباد فيما اختلفوا وتنازعوا فيه، كما قال:(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ) لا إلى غيره، ولذلك يجب أن يكون القضاء في مواضع الاختلاف سواء أكان عقدياً أو تشريعياً مبنياً على الكتاب والسنّة وعلى العقل الحصيف الذي هو نبيّ الباطن، وأمّا الانظمة الوضعية التي صنعها الفكر البشري فلا تقام لها قيمة.
الدليل الرابع: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي): فإنّ ربوبيّته سبحانه نابعة عن خالقيّته، والربّ هو الذي يدبّر المربوب ويرعاه، ولازم كونه ربّاً هو ولايته، ولذلك قلنا هذا دليل رابع على ولايته عزّ وجلّ.
وعلى ضوء ذلك فيجب إرجاع الأُمور إليه تكويناً وتشريعاً، كما يقول:(عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ).
الدليل الخامس: قوله تعالى:
11. (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ):
فالله سبحانه خالق السماوات والأرض، وإذا كان هذا وصفه استحقّ أن يكون وليّاً لكلّ ممكن في السماء والأرض، وكيف لا يكون وليّاً وهو الذي أخرج العالم الإمكاني من العدم إلى عالم الوجود؟! ولذلك يقول:(فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): أي خالقهما ابتداءً. وقد يكون معنى

صفحه 36
(فاطر)من فَطَر بمعنى شقّ، فكأنّه شقّ كتم العدم وأخرج العالم الإمكاني منه.
الدليل السادس: إنّه سبحانه خلق من جنس الإنسان أزواجاً كما خلق من جنس الأنعام أزواجاً لغاية بقاء النسل وتكاثر الإنسان والحيوان، كما يقول:(جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)لغاية تكاثركم كما يقول:(يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ)والضمير يرجع إلى الجعل المفهوم من قوله:(جَعَلَ لَكُمْ)، كما في قوله:(اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)1. والمعنى: إنّ الله سبحانه جعل الناس ذكوراً وإناثاً وكذلك الأنعام ليحصل التناسل والتكاثر. وقد تضمّن حرف «في» معنى السببية، فإذا كان موصوفاً بما ورد من كونه محيياً للموتى وقادراً على كلّ شيء ومرجعاً للاختلاف ورباً للعالمين وخالقاً للسماوات والأرض وجاعلاً للإنسان والحيوان أزواجاً من جنسهم، فيترتّب على كلّ ذلك أنّه بحقّ(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)والمعروف أنّ «الكاف» زائدة أي ليس مثله شيء، فالكاف تأكيد للنفي، فإذا لم يكن له مثل فكيف يجعل المشركون له أنداداً كما قال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ)2؟
ويمكن القول بعدم زيادة الكاف; وذلك لأنّه إذا نفي المثل عن مثله فقد انتفى المثل عنه، إذ لو كان مثل لما استقام قولك: ليس شيء مثل مثله، وبالتالي ينفي أي مثل لله، نظير قولك: ليس لأخي زيد أخ، تريد نفي أن

1. المائدة:8. فالضمير (هو) يعود على (العدل) المفهوم من (اعدلوا).
2. البقرة:165.

صفحه 37
يكون لزيد أخ لأنّه لو كان لزيد أخ لكان زيد أخاً لأخيه، فلمّا نفيت أن يكون لأخيه أخ، فقد نفيت أن يكون لزيد أخ.1، ولا يخفى أنّ التعبير عن نفي المثل بنفي مثل المثل، لا يخلو من التكلّف والتعقيد، والقول بزيادة الكاف أوضح.
ثمّ عقّب سبحانه كلامه بالوصفين (وَهُوَ السَّميعُ البَصير) لأنّ مجال الولاية رهن الإحاطة بالمخلوق والمربوب المولّى عليه، ويتحقّق ذلك بكون الوليّ بصيراً بما يعملون وسميعاً لما يسألون، قال سبحانه: (وَ آتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلُْتمُوهُ)2، وقال: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).3
الدليل السابع: قوله تعالى:
12. (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ):
هذا هو الدليل السابع على ولايته سبحانه، فهو الذي يتكفّل لخلقه بالرزق توسعة وتضييقاً، وكأنّ السماوات والأرض خزائن لما يحتاج إليه المربوب المولّى عليه، ومفاتيحه بيد الله سبحانه كما قال: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي عنده مفاتيح ما يحتاج إليه الإنسان والحيوان، ولأجل ذلك (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ): أي ويضيّق، وبما أنّ هنا مظنّة توهُّم أنّ ضيق الرزق على قوم، صادر عن غير ضابطة، ردّ عليه سبحانه

1. لاحظ: المطوّل:1/231; مختصر المعاني:255. وكلاهما لسعدالدين التفتازاني.
2. إبراهيم:34.
3. الحديد:4.

صفحه 38
بقوله: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ): أي إذا بسط الرزق وقدره، نابع عن علمه سبحانه المحيط بكلّ الأشياء فلو بسط فبعلمه ولو قبض فبعلمه.
إلى هنا تمّ تفسير الآيات وتبيينها، وبقي هنا أمران:

الكلام في الولاية

إنّ لولايته سبحانه شُعباً وفروعاً والذي يسترعي التنبيه عليه هو أنّه سبحانه أشار في قوله:(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ) إلى قسم من أقسام الولاية، فمرجعيته في الحكم تتجلّى في مراحل ثلاثة وهي:
1. التوحيد في الحاكمية، فهو الحاكم دون غيره.
2. التوحيد في التقنين، فهو المشرّع دون غيره.
3. التوحيد في الطاعة، فهو المطاع بالذات دون غيره.
وربما يُسأل لماذا يتفرّد سبحانه بالتوحيد في الصور الثلاث؟
والجواب: أنّ الله سبحانه خالق لهذا الكون وخالق للإنسان فاللازم تسليم الإنسان له في الموارد الثلاثة.
وفي الذكر الحكيم إشارة إلى هذه الأقسام من التوحيد.
أمّا الحاكمية، فلقوله:(وَ اللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).1 وقوله سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ).2

1. الرعد:41.
2. يوسف:40.

صفحه 39
وأمّا التشريع، فلقوله سبحانه:(لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجًا).1
وهذا المنهاج والشرعة هو نظام الحياة لكلّ الأُمم، وليس لأحد حقّ التشريع غيره.
وأمّا الطاعة، فلقوله سبحانه:(قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)2، فليس ثمّة من تجب طاعته بالذات إلاّ الله تعالى، ولزوم إطاعة الرسول لا ينافي انحصار حق الطاعة بالله سبحانه، لأنّ طاعته من فروع طاعة الله سبحانه ولذلك يقول:(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)3.

الكلام في نفي المثل

قوله سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ) ضابطة كليّة في معرفة الله سبحانه، وأنّ كلّ حدّ أو وصف يسبِّب توهُّم وجود المثل له فهو باطل بالضرورة، وقد سئل الإمام علي(عليه السلام) عن التوحيد والعدل، فقال(عليه السلام):«التوحيد أن لا تتوهَّمَه، والعدل أن لا تتَّهِمَهُ».4
ويظهر من غير واحدة من الروايات أنّ واقع التوحيد عبارة عن الخروج عن حدّ التشبيه وحدّ التعطيل، روى الصدوق(رحمه الله) بإسناده إلى الحسين بن سعيد، قال: سئل أبو جعفر]الباقر[(عليه السلام): يجوز أن يقال لله أنّه

1. المائدة:48.
2. آل عمران:32.
3. النساء:80.
4. نهج البلاغة، الكلمات القصار: 470.

صفحه 40
شيء؟ فقال:«نعم، تخرجه عن الحدّين: حدّ التشبيه، وحدّ التعطيل».1
لقد تضافرت الروايات في تنزيهه عن أي مثل له، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات، قال الإمام علي(عليه السلام) في دعاء الصباح ـ المنسوب إليه ـ : «وجلّ عن مشابهة مخلوقاته»، وقال(عليه السلام):«الحمد لله العليّ عن شبه المخلوقين»2.
وقد سئل الإمام علي(عليه السلام): بم عرفت ربّك؟ فقال:«بما عرّفني نفسه»، قيل: وكيف عرّفك نفسه؟ فقال(عليه السلام): «لا تشبهه صورة».3
ثمّ إنّ القول بالرؤية ممّا اتّفق عليه متكلّمو أهل السنّة حتى المنزّهة منهم كالأشاعرة والماتريدية، ولكن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) يرونه على جانب النقيض من قوله سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ).
روى الصدوق(رحمه الله) عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) أنّه دخل عليه أبوقرّة فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله التوحيد، فقال أبو قرّة: إنّا روينا أنّ الله عزّ وجلّ قسّم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسّم لموسى(عليه السلام) الكلام ولمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)الرؤية. فقال أبو الحسن(عليه السلام): «فمن المبلّغ عن الله عزّ وجلّ إلى الثقلين الجنّ والإنس(لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)»4، (وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)(5)، (وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)؟ أليس

1. تفسير نور الثقلين:4/561.
2. نهج البلاغة، الخطبة:213.
3. بحار الأنوار:3/271، عن التوحيد:285.
4. الأنعام:103.                        5 . طه:110.
Website Security Test