welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 25*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 25

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 25
(25)

صفحه 2

صفحه 3
25
يشتمل على تفسير الجزء الخامس والعشرين
الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1393 .
      30ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 535 - 9(VOL.25)
ISBN 978 - 964 - 357 - 510 - 6 (30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زير نويس .
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP   179 / 297
1393
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 25
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1393 هـ ش / 1435 هـ . ق / 2014 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 448 صفحة
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:831   تسلسل الطبعة الأُولى:415
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
سورة الشورى: خصائص السورة   …
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 25
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد وعلى آله وعترته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد; فمن فضل الله على هذا العبد الضعيف أن وفّقه لتفسير الجزء الخامس والعشرين من كتابه العزيز الذي (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد).1
وهذا الجزء يشتمل على تفسير السور التالية:
1. الشورى. 2. الزخرف. 3. الدخان. 4. الجاثية. وبتفسير هذه السور يتم تفسير آيات هذا الجزء إلاّ ثمان آيات من سورة فصّلت حيث إنّها معدودة من الجزء الخامس والعشرين لكن آثرنا إلحاقها بالجزء الرابع والعشرين لأنّ أكثر آياتها تقع في الجزء المذكور آنفاً.
وقد بذلت جهدي في تفسير الآيات مفرداتها وجملها ومقاصدها على نحو يتبيّن به مفاد الآية بأوضح وجه، فإن أصبت في ذلك فمن الله

1. فصلت:42.

صفحه 8
سبحانه، وإن أخطأت فمن نفسي، والله هو المسدّد والمعين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
جعفر السبحاني
قم المقدّسة

صفحه 9

سورة الشورى

(حَم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا وَ تُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ * وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير *أَمِ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ

صفحه 10
 
رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَل مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب * فَلِذَلكِ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَاب وَأُمِرْتُ لاَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *اللهُ الذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ

صفحه 11
 
لَفِي ضَلاَل بَعِيد * اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيب * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَرى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذَلِكَ الذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَهُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ * وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَر مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

صفحه 12
 
وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّة وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير * وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ *إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور *أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِير * وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص * فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدّ مِنْ سَبِيل * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا

صفحه 13
 
خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْف خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَاب مُقِيم * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيل * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأ يَوْمَئِذ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِير * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ * للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْيُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * صِرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ).

صفحه 14

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة  «الشورى» وربّما قالوا سورة «شورى» أخذاً بنفس اللفظ من السورة حيث جاء فيها: (وَأَمْرُهُمْ شُورى)، وربّما تُسمّى بسورة «حم عسق» وربّما يختصر ويقال: سورة «عسق»، ولا مشاحّة في التسمية إذا كانت تناسب مقام السورة وحاكية عنها، لأنّ أسماء السور ليست توقيفية.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها في عدّ الكوفي 53 آية، وفي عدّ الباقين خمسون، ومحلّ الاختلاف ثلاث آيات، ففي عدّ الكوفي (حم) آية، و(عسق) آية
أُخرى، وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ) آية أيضاً، ولم يعدّه الباقون.
والسورة مكّية بشهادة مضامينها، إلاّ أربع آيات نزلت في المدينة منها قوله سبحانه:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)1 فإنّ مضمون هذه الآية أدلّ دليل على نزولها في البيئة التي آمنت بها جماهير من الناس

1. الشورى:23.

صفحه 15
وليست هي إلاّ المدينة المنوّرة، والآيات الثلاث الأُخرى التي نزلت في المدينة هي ما يلي الآية السابقة، أعني قوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَ يَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَ هُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ الْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ)1، وسيوافيك بعض الكلام خلال تفسير هذه الآيات.

أغراض السورة

لعلّ من أهم أغراض هذه السورة تبيين الوحي الذي هو الكلمة الإلهية التي تُلقى إلى أنبيائه ورسله، ويشهد لذلك الآيات الست التالية:
1. قوله تعالى:(كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ).2
2. قوله تعالى:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا).3
3. قوله تعالى:(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَ الذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ).4
4. قوله تعالى:(اللهُ الذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَ الْمِيزَانَ).5

1. الشورى:24ـ 26.
2. الشورى:3.
3. الشورى:7.
4. الشورى:13.
5. الشورى:17.

صفحه 16
5. قوله تعالى:(وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب).1
6. قوله تعالى:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا).2
وعلى ذلك فالكلام عن توحيده سبحانه، وعن أوصاف المؤمنين والكافرين وبيان مصائرهم كلام مقصود ثانوي انجر إليه الكلام، وكان السيد الطباطبائي(رحمه الله) يؤكّد في دروسه على أنّ هذه السورة تهدف إلى بيان الوحي وحقيقته، وقد عرفت دلائل ما يتبنّاه.

الآيتان: الأُولى والثانية

1و2. (حَم * عسق):

التفسير

سورة الشورى: الآيتان 1 ـ 2    …
ابتدأ سبحانه هذه السورة بالحروف المقطّعة، وهذا ممّا اختصّ به القرآن الكريم دون غيره من سائر الكتب السماوية. والسور المفتتحة بـ«حم» تُجمع، في لسان المفسّرين، على الحواميم وهي عبارة عن السور التالية:«غافر، وفصّلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف»، كما تُجمع السور المفتتحة بـ«طس» و«طسم» على طواسين،

1. الشورى:51.
2. الشورى:52.

صفحه 17
وامتازت هذه السورة بورود لفظ: «عسق» بعد «حم»، فما هو الوجه لهذه الزيادة؟
وربّما يضاف لفظ (آل) إلى «حم»، قال الكميت الأسديّ(وهو يحتجّ لحقّ آل البيت بتولّي الخلافة):
قرأنا لكم في آل حاميم آية *** تأوّلها منّا تقيٌّ ومُعرِبُ1
وفي غيرها آياً وآياً تتابعتْ *** لكم نَصَبٌ فيها لذي الشكّ مُنصبُ
يريد الشاعر قوله تعالى في هذه السورة:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)، ولفظة آل تضاف إلى ذوي الشرف، حيث يقال: آل فلان، أو آل البيت.
وسوف يوافيك تفصيل الكلام حول الحروف المقطّعة، والوجوه التي قيلت فيها، عند تفسير سورة الأحقاف.
ولكن لا بأس أن نذكر هنا رأياً خاصّاً جادت به قريحة السيد الطباطبائي حاصله: أنّ بين هذه الحروف وما جاء في هذه السور من المضامين والمعاني صلة خاصّة، يقول: ثمّ إنّك إن تدبّرت بعض التدبّر في هذه السور التي تشترك في الحروف المفتتح بها مثل الميمات والراآت والطواسين والحواميم، وجدت في السور المشتركة في الحروف من تشابه المضامين وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من السور.
ويؤكّد ذلك ما في مفتتح أغلبها من تقارب الألفاظ كما في مفتتح

1. التقيّ: الذي سكت تقيّةً، والمُعرب: المفصح عمّا في نفسه.

صفحه 18
الحواميم من قوله:(تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ) أو ما هو في معناه، وما في مفتتح الراآت من قوله:(تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ) أو ما هو في معناه، ونظير ذلك واقع في مفتتح الطواسين، و ما في مفتتح الميمات من نفي الريب عن الكتب و ما هو في معناه. ويمكن أن يحدس من ذلك أنّ بين هذه الحروف المقطّعة وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطاً خاصّاً، ويؤيّد ذلك ما نجد أنّ سورة الأعراف المصدّرة بـ«المص» في مضمونها كأنّها جامعة بين مضامين الميمات و ص، و كذا سورة الرعد المصدّرة بـ«المر» في مضمونها كأنّها جامعة بين مضامين الميمات والراآت.1

الآيات: الثالثة إلى الخامسة

(كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

المفردات

سورة الشورى: الآيات 3 ـ 5   …
يتفطّرن: يتشقّقن، والفرق بين التفطير والانفطار واضح، ففي الأوّل توجد في المفطور مقاومة أمام العامل الذي يريد شقّه، ولذلك جاء في

1. الميزان في تفسير القرآن:18/8 ـ9.

صفحه 19
الآية قوله:(يتفطّرن)، وأمّا الانفطار فإنّما يستعمل فيما إذا انتهت قابلية البقاء في الشيء فيحين وقت انفطاره وانشقاقه، ولذلك يُعدّ من أشراط القيامة انفطار السماء، قال سبحانه:(وَإذا السَّماءُ انْفطَرَتْ)1.
3و 4. (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ):
يريد سبحانه أن يذكر بأنّ الوحي المنزل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل الوحي المنزل على السابقين له، وأنّ إعراض قومه عن الوحي مثل إعراض الآخرين عن أنبيائهم، فالابتداء والغاية في الجميع واحد، وجاء هذا المضمون في آية أُخرى أيضاً، وهي قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ).2 إذا تبيّن ذلك فنقول:
قوله سبحانه:(كَذَلِكَ) اسم إشارة يحتاج إلى المشار إليه، ويستفاد هنا من قوله:(يُوحي إليك): أي بمثل هذا الوحي(يوحي إلَيكَ و إلى)الأنبياء(الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ).
إنّ الوحي من المفاهيم الإضافية، فله إضافة إلى الموحي، أعني قوله: (اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وله إضافة إلى الموحى إليهم وقد مرّت الإشارة إليه بقوله:(إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ)، وأمّا واقع الوحي وحقيقته فستأتي

1. الانفطار:1.
2. النساء:163.

صفحه 20
الإشارة إليه في الآية الخامسة، ويأتي التفصيل فيه في آخر السورة.
ثمّ إنّ الظاهر من هذه الآية وما بعدها أنّ الوحي يصدر من الله سبحانه باعتبار الأسماء الخمسة، وهي:
1. (العَزيزُ)، 2. (الحَكيمُ)، 3. (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)الذي هو كناية عن كونه مالك العالم، 4. (العَليُّ)، 5. (العَظيمُ). وإليك بيان هذه الأسماء، التي لكلّ منها ـ كما يظهر ـ مدخلية في نزول الوحي:
1. (العزيز): أي القادر الذي لا يُغلب فيما يُريد، ولا يصدّه صادّ، وهو غالب على أمره، قال سبحانه:(وَاللهُ غالبٌ عَلى أَمْرِهِ).1
2.(الحَكيم): أي الذي يفعل الأفعال على وجه الصواب والسداد، فلا يوحي إلاّ لمن له قلب واع، يتحمّل ما يوحيه إليه سبحانه.
3. (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ): أي مالكهما، والمالك يدبّر مملوكه ولا يتركه سدى، ولذلك يبعث الأنبياء لتدبير أُمور العباد بالوحي التشريعي.
4.(العَليُّ): أي المستعلي بسلطانه على كلّ سلطان، فلا يتلقّى الأنبياء شيئاً من الوحي إلاّ من لدنه جلّ عُلاه.
5. (العَظيمُ): أي المتفرّد بالعظمة، فله أن يُخضع عباده لأمره ونهيه اللّذين يتنزّل بهما الوحي. فالله سبحانه بواقع هذه الأسماء مصدر للوحي.
وبما ذكرنا ظهر أنّ التشبيه في قوله: (كَذَلِكَ) في أصل الوحي، وأنّ ما يوحى إلى النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) من سنخ ما يوحى إلى الآخرين.

1. يوسف:21.

صفحه 21
وربّما يُتصوّر أنّ قوله: (كَذَلِكَ) ليس تشبيهاً في أصل الوحي فقط، بل لبيان المحتوى أيضاً، وأنّ محتوى هذه السورة قد أُوحي إلى النبيّين قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولكنّه أمر بعيد، ويؤيّد ما ذكرناه قوله سبحانه: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)1 فإنّ المتبادر أنّ التشبيه هو في نفس الوحي.
5. (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ).
تتضمّن الآية أُموراً أربعة:
أ. تفطّر السماوات من فوقهن.
ب. تسبيح الملائكة ربهم مقروناً بالحمد.
ج. استغفارهم لمن في الأرض.
د. وصف الخالق بالغفور الرحيم.
والمهم صلة هذه الفقرات بعضها ببعض، والمجموع بما قبله.
أمّا الأوّل ـ أعني قوله تعالى:(تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ) ـ فهو بصدد بيان أنّ مبدأ الوحي هو الله سبحانه، والسماوات طرق لوصول

1. النساء:163.

صفحه 22
الوحي إلى الأرض، وأنّ نزول الوحي من فوق السماوات على وجه تكاد أن تتفطر السماوات من عظمة الوحي، ونزوله إلى الأرض، فالوحي كلام نازل من عال مطلق عن طريق السماوات التي تكاد تتفطّر من فوقهن استشعاراً لمكانة الوحي، فتكون الآية ناظرة إلى إعظام أمره نظير قوله سبحانه:(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ تِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).1
وعلى هذا فللآية صلة بما قبلها والسؤال هنا: هل أنّ التفطّر أو التصدّع، هو نتيجة استشعار حقيقي، لسريان العلم والشعور إلى كافة الموجودات؟ أو هو على سبيل المجاز والتمثيل؟ أي لو كانت السماوات تنفطر لانفطرت لنزول الوحي، أو لو كان للجبل شعور وإدراك لتصدّع من عظم القرآن.
والجواب: إنّ كلا التفسيرين واردان، وإن كان الأوّل أوجه. وسيأتي مزيد بيان لذلك عند تفسير سورتي الحديد والحشر.
وربّما تفسّر الآية بوجه آخر وهو قرب تفطّر السماء من شرك المشركين وسخافة كلامهم كما يحكي سبحانه عنهم: (وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا).2
ولكن هذا التفسير بعيد عن سياق الآيات لأنّها بصدد بيان حقيقة

1. الحشر:21.
2. مريم:88 ـ91.

صفحه 23
الوحي ومصدره وآثاره، وهذا يناسب ما ذكرنا من التفسير، وأمّا تفطّر السماوات من الرأي السخيف للمشركين أمر حقّ، ولكن لا صلة له بما تشير إليه آيات السورة.
وممّا يسترعي النظر أنّ التعبير في المقام هو إقران التفطّر بلفظة «فوق» قائلاً:(يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوقِهِنَّ): أي فوق السماوات بخلافه في سورة مريم(يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) حيث جرّد عن كلمة فوق، ووجه الاختلاف واضح; لأنّ الوحي ينزل من الله سبحانه من عال مطلق ثم يتطرّق من السماوات إلى الأرض، فعندئذ تتأثر به السماوات من فوقهن، أي من عظمة الوحي النازل من فوقهن; بخلاف التفطّر في سورة مريم فإنّ مبدأه الرأي السخيف للمشركين واتّخاذ ولد لله سبحانه، إذ ليس هو من فوق السماوات إن لم يكن من دونها، و لذلك قال:(يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) :أي من المجيء بشيء إدّاً.
وأمّا الثاني ـ أعني قوله تعالى: (وَ الْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) ـ فصلته بما قبله واضحة، فإنّ الملائكة هم حملة الوحي الذي يشتمل على تسبيحه سبحانه وتحميده، ولذلك دأبوا على تسبيح الله وتنزيهه عن النقائص بما له من المحامد. وبعبارة أُخرى: إنّ استشعار الملائكة عظمة ما يحملونه إلى الرسل يدفعهم إلى التسبيح والتحميد.
وأمّا الثالث ـ أعني قوله:(وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ) ـ فهو لأجل استشعارهم بأنّ من المؤمنين من لا يؤدّي حق العبودية ولا يقتفي ما أمر به الوحي فيدعون لهم بالمغفرة، و بما أنّ المشرك لا يستحق الاستغفار ولا ينفعه، أُريد بالموصول ـ أعني قوله:(لِمَنْ فِي الأَرْضِ)ـ قسم منهم، أعني:

صفحه 24
الذين آمنوا بشهادة قوله سبحانه في موضع آخر:(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ).1
وفي نهاية المطاف يضمّ سبحانه إلى أسمائه الخمسة اسمين آخرين ـ أعني قوله: (أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)ـ ولعلّه إشارة إلى استجابة استغفار الملائكة لمن في الأرض حيث إنّه غفور رحيم، فيغفر لمن استُغفر له.
بقي هنا كلام وهو أنّ بعض القشريين من الوهابية ربّما يتصوّر أنّ الإنسان إذا مات لا ينتفع بشيء من أعمال الغير بحقّه، مستدلاًّ بقوله سبحانه: (وَلَيْس للإنسان إلاّ ما سعى)2 و ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث»، و سيوافيك مفاد الآية و ما يرمي إليه الحديث الشريف عند تفسير الآية في سورة النجم، ولكن استغفار الملائكة لمن في الأرض أو للمؤمنين أدلّ دليل على انتفاع الإنسان ـ حتى بعد رحيله ـ بعمل الغير، حتى أنّه سبحانه يغفر ويرحم مَن استغفرتْ له الملائكة.
سورة الشورى: الآيات 6 ـ 8   …

الآيات: السادسة إلى الثامنة

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ

1. غافر:7.
2. النجم:39.

صفحه 25
عَلَيْهِمْ بِوَكِيل * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ * وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِي وَلاَ نَصِير).

المفردات

أولياء: جمع وليّ، أي الأولى بالإنسان، وربما يراد به الناصر والمعين.
أُمّ القرى: مركز القرى، الذي يرجع إليه من سائر النواحي، والمراد به مكّة المكرّمة.
يوم الجمع: يوم القيامة الذي يُجمع فيه الناس.
السعير: النار المستعرة الموقدة.

التفسير

إنّ من مراحل التوحيد; التوحيد في الربوبية بعد التوحيد في الخالقية، والظاهر من غير واحدة من الآيات أنّ أكثر المشركين في الجزيرة العربية كانوا يوحّدون الله تعالى في الخالقية دون الربوبية; ويدلّ على الأوّل قوله سبحانه:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ

صفحه 26
الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)1، وأمّا الثاني ـ أعني: الشرك في أمر الربوبية ـ فيدلّ عليه قسم من الآيات، حيث كانوا يطلبون العزّ والنصر في الحروب من معبوداتهم، قال سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)2، وقال سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)3
ولذلك صار المحور الأساسي للوحي هو مواجهة الشرك في الولايتين: التكوينية والتشريعية، ولمّا كان المشركون مفوّضين أمرهما إلى غير الله سبحانه من الأصنام والأوثان، نزل الوحي الإلهي مندِّداً بعملهم ومنكراً لسيرتهم فقال:
6. (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل):
الآية إنذار للمشركين وأُريد من قوله:(وَالَّذِينَ) المشركون الذين(اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ): أي من دون الله (أَوْلِيَاءَ)، وأعطوا الولاية التكوينية والتشريعية لمعبوداتهم، مع أنّهما من خصائصه سبحانه، فليعلموا أنّ: (اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ): أي حافظ عليهم أعمالهم لا يعزب عنه شيء منها، فيجازيهم عليها(وَمَا أَنْتَ)يا رسول الله(عَلَيْهِمْ بِوَكِيل): أي ما أُوكل أمرهم إليك،
وإنّما أنت منذر ومبيِّن لهم طريق النجاة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

1. الزخرف:9.
2. يس:74.
3. مريم:81.

صفحه 27
7. (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ):
قوله سبحانه:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) عطف على قوله:(كَذَلِكَ يوحي إِلَيْكَ) في الآية الثالثة من السورة، والفرق بينهما واضح، ففي المعطوف عليه يقرّر أنّ ما يوحى إليك من جنس ما كان يوحى إلى غيرك من الأنبياء، وأمّا في المعطوف فيؤكّد على أنّ الموحى به للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قرآن عربي نزل لغاية إنذار سكّان أُمّ القرى ومن حولها، وقال:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)بلسان قومك، وأمّا كونه نازلاً بلسان القوم فقد جرت سُنّة الله على إرسال كلّ رسول بلُغة قومه، قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).1
وجه ذلك: أنّ دعوة كلّ نبي تختصّ في أوّل الأمر بقومه حتى يتّخذ منهم أعواناً وأنصاراً من أجل نشر دعوته.ولا يعني ذلك اختصاص دعوته بالعرب; وذلك لأنّ الرسالة النبوية المحمّدية وإن كانت رسالة عالميّة خاتمة لرسالات السماء لكنّها مرّت بمراحل حتى تكاملت وبلغت القمّة، وإليك بيان هذه المراحل على وجه الإيجاز:

1. إبراهيم:4.

صفحه 28

1. دعوة عشيرته الأقربين

بُعث أوّلاً لتبليغ عشيرته الأقربين، وقد أمره الله سبحانه بذلك بقوله:(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)1 فدعا(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام) وأمره أن يصنع طعاماً ثم يجمع له بني عبد المطّلب، فدعاهم(عليه السلام)وهم يومئذ نحو أربعين رجلاً، ثم عرض(صلى الله عليه وآله وسلم) دعوته عليهم على الوجه المذكور في كتب الحديث والتاريخ، وفي هذا الاجتماع قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ(عليه السلام): «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم».2

2.دعوة قومه

أمره سبحانه بعرض دعوته على قومه بقوله:(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)3، فقد وقف ذات يوم على صخرة عند جبل الصفا منادياً بصوت عال: «أرأيتم إن أخبرتكم أنّ العدو مصبحكم أو مُمسيكم أكنتم تصدّقوني»؟ قالوا: بلى، قال: (إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد)4.5
ولعلّه إلى هذه المرحلة يشير سبحانه بقوله في المقام:(لِتُنذِرَ أُمّ

1. الشعراء:214.
2. انظر: تاريخ الطبري:2/62ـ 63; تهذيب الآثار للطبري:1/57 برقم 132; مسند أحمد:111، و 159; الكامل في التاريخ:2/62ـ63، وغيرها.
3. الحجر:94.
4. سبأ:46.
5. تاريخ الطبري:2/62.

صفحه 29
القُرى) أي مكّة (وَمَنْ حَوْلَها)، وتخصيص إنذاره بـ«أُمّ القرى» دون قرية وقرية، لأجل أنّه جرت سُنّة الله على بعث الأنبياء في مركز البلاد فقط كما قال:(وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً)1، حتى تتمّ بذلك الحجّة على سكانها ومن حولهم، وقد كانت مكّة يوم ذاك المركز الرئيسي في شبه الجزيرة العربية، لأنّ العرب تقصدها من شتى النقاط راجلين وراكبين لحجّ بيت الله الحرام، فبعث النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في مركز البلاد، وبذلك تمّت الحجّة على من في أطراف مكّة.

3. الدعوة العالمية

في أواسط السنة السابعة من الهجرة قام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بنشر دعوته في أرجاء المعمورة يوم ذاك، قائلاً بأنّ دعوته لا تختصّ بإقليم دون إقليم، لأنّه بعث لإصلاح المجتمع البشري على وجه الإطلاق، ويدلّ على سعة دعوته عدد من الآيات وقسم كبير من الروايات، وإليك بعض الآيات:
1. قال سبحانه:(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).2
2. قال سبحانه:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا).3
3. قال تعالى: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا).4
4. قال سبحانه:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).5

1. القصص:59.
2. الأعراف:158.
3. سبأ:28.
4. النساء:79.
5. الأنبياء:107.

صفحه 30
5. قال سبحانه:(تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).1
وعلى هذا، فالله سبحانه لا يعني من قوله:(لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا)اختصاص دعوته بـ«مكّة المكرمة» والبلاد التي تتبعها إدارياً وسياسياً واقتصادياً، والشاهد لذلك، تصريحه بعالمية الرسالة واستمرارها إلى يوم القيامة في قوله جلّ شأنه:(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)2أي كلّ من بلغه القرآن ووصلت إليه هدايته في أقطار الأرض.
نعم نزل كتابه بلغة عربية لوجهين:
الأوّل: لأنّه بعث لهداية قومه في بدء الأمر، وهو رهن أن يكون كتابه بلغة قومه.
الثاني: أنّ اللغة العربية أفضل اللغات وأوضحها ولذلك سمّيت «عربيّة» أي واضحة، ولو وُصف حُكمه أيضاً بالعربية كما في قوله: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا)3، فلأجل كونه حكماً واضحاً لا تعقيد فيه.
ثمّ إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمر في الآية بالإنذار مرتين:
الأولى: ما مرّ من قوله:(لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا) أي أهلها.
الثانية: قوله تعالى: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ).

1. الفرقان:1.
2. الأنعام:19.
3. الرعد:37.

صفحه 31
والفرق بين الإنذارين واضح، فالأوّل يتعلّق بسكان أُمّ القرى، والثاني يتعلّق بإنذار الناس بيوم الجمع وما فيه من أهوال الحساب والقيامة. وعلى هذا فيوم الجمع مفعول ثان حُذف مفعوله الأوّل، ويوم الجمع من أسماء يوم القيامة، قال سبحانه:(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَومِ الْجَمْعِ)1، وقال:(ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ).2
ثمّ إنّ هذا اليوم موصوف بـ (لاَ رَيْبَ فِيهِ) إذ لولاه لصار أمر الخلقة عبثاً لا غاية له.
ثمّ إنّ الناس يومذاك فريقان (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، وكأنّ الآية تسلّي النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)على أنّ تمنّي هداية كافّة الناس أمر غير واقعيّ، بل الناس على قسمين بين مهتد وضالٍّ، وكلٌّ مأخوذ بعمله.
8 . (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِي وَلاَ نَصِير):
لمّا أخبر سبحانه بأنّ الناس يوم القيامة بين فريق في الجنة وفريق في السعير، صار هذا مظنّة سؤال، وهو: لماذا لم يجعلهم أُمّة واحدة مؤمنة حتّى يكون مصير الجميع هو الجنة؟ فجاءت الآية إجابة لهذا التساؤل وهو أنّ سنّته تعالى اقتضت أن لا يجعلهم أُمّة واحدة، ولو شاء لصار الجميع فريقاً واحداً. وتوضيح الجواب: أنّ الإيمان على قسمين:

1. التغابن:9.
2. هود:103.

صفحه 32
1. إيمان يختاره الإنسان عن وعي وتفكّر من خلال ما مُنح من استعداد لسلوك طريق الهدى الذي نُصبت عليه الدلائل الموصلة إليه، أو طريق الضلال، وهذا النوع من الإيمان يُعدّ من القيم كسائر الأفعال الجميلة والحسنة إذا صدرت من الإنسان عن وعي واختيار.
سورة الشورى: الآيات 9 ـ 12   …
2. إيمان لم يكتسبه الإنسان بمحض رضاه وإرادته، وإنّما يُلقى في روعه من جانب الله سبحانه جبراً وقهراً، فيصير مؤمناً دون أن يكون هناك ترجيح واختيار منه. وهذا النوع من الإيمان، لا يُعدّ من محامد أفعال الإنسان، وإلى ما ذكرنا يشير سبحانه بقوله:(وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً): أي أُمّة مسلمة ولكن لم يشأ ذلك، بل فوّض ذلك إلى اختيار العباد، فمن آمن منهم عن وعي واختيار دخل في رحمة الله، كما يقول: (وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ)، وأمّا من ظلم نفسه وجحد حق الله فيكون خارجاً عن ولاية الله ونصرته كما يقول:(وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاَ نَصِير)واستثناء الظالمين أدلّ دليل على أنّ خروجه عن ولاية الله ونصرته لجهة عمل صادر منه يزاحم شمول رحمة الله، بخلاف الفقرة السابقة فإنّه بإيمانه اكتسب رحمة الله.

الآيات: التاسعة إلى الثانية عشرة

(أَمِ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِي وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ* فَاطِرُ

صفحه 33
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).

المفردات

فاطر: خالق الشيء ابتداءً. والفَطْر أيضاً: الشَّقّ.
من أنفسكم: من جنسكم.
يذرؤكم: يكثّركم، من ذرأ بمعنى خلق.
مقاليد: واحدها مقلاد وهو المفتاح.
يقْدِر: يقتِّر ويضيِّق.

التفسير

9. (أَمِ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):
قوله: (أَمِ اتَّخَذَوُا) يحتمل أن يكون لفظ «أم» بمعنى «بل» ويحتمل أن يكون استفهاماً إنكارياً. وعلى كلّ تقدير فهو بيان لسبب خروج الظالمين عن رحمته وهو أنّ اتّخاذهم غير الله ولجوءهم إليه هو سبب

صفحه 34
الحرمان، كما يقول:(أَمِ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)، فما اتّخذوه من أولياء ليس جديراً بالولاية، وقد ضلّوا بتولّيهم هذه الأوثان، وعليه فإنّهم إن أرادوا وليّاً بحقّ (فَاللهُ هُوَ الوَلِيُّ)واستشهد على ذلك بأُمور:
الدليل الأوّل: (وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى) فإنّه حجّة على ولايته، فبإحيائهم يثاب المؤمنون ويعاقب الظالمون.
الدليل الثاني: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) لأنّ من شرائط الولاية قدرة الوليّ على رعاية شؤون من يتولاّه وتدبير أُموره، وبما أنّه قادر على كلّ شيء، فهو قادر على تدبير شؤون من يتولاّه من حياته وموته ورزقه إلى غير ذلك.
الدليل الثالث: قوله تعالى:
10. (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ):
فالله سبحانه هو مرجع حلّ الاختلاف في كلّ شيء من الأُصول والفروع، فإذا كان الله هو الوليّ لا غيره فالحكم النافذ هو حكمه لا حكم غيره، ولذلك نرى أنّه سبحانه يأمر في غير آية بردّ ما اختُلف فيه إلى الله والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، والخطاب في هذه الآية وإن كان للمؤمنين لكن إطلاق سائر الآيات يعمّ الجميع، فالله سبحانه بما أنّه هو

صفحه 35
القادر على كلّ شيء، فهو الجدير بالولاية، وهو الذي يجب أن يُتّخذ وليّاً، وأن يرجع إليه العباد فيما اختلفوا وتنازعوا فيه، كما قال:(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ) لا إلى غيره، ولذلك يجب أن يكون القضاء في مواضع الاختلاف سواء أكان عقدياً أو تشريعياً مبنياً على الكتاب والسنّة وعلى العقل الحصيف الذي هو نبيّ الباطن، وأمّا الانظمة الوضعية التي صنعها الفكر البشري فلا تقام لها قيمة.
الدليل الرابع: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي): فإنّ ربوبيّته سبحانه نابعة عن خالقيّته، والربّ هو الذي يدبّر المربوب ويرعاه، ولازم كونه ربّاً هو ولايته، ولذلك قلنا هذا دليل رابع على ولايته عزّ وجلّ.
وعلى ضوء ذلك فيجب إرجاع الأُمور إليه تكويناً وتشريعاً، كما يقول:(عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ).
الدليل الخامس: قوله تعالى:
11. (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ):
فالله سبحانه خالق السماوات والأرض، وإذا كان هذا وصفه استحقّ أن يكون وليّاً لكلّ ممكن في السماء والأرض، وكيف لا يكون وليّاً وهو الذي أخرج العالم الإمكاني من العدم إلى عالم الوجود؟! ولذلك يقول:(فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): أي خالقهما ابتداءً. وقد يكون معنى

صفحه 36
(فاطر)من فَطَر بمعنى شقّ، فكأنّه شقّ كتم العدم وأخرج العالم الإمكاني منه.
الدليل السادس: إنّه سبحانه خلق من جنس الإنسان أزواجاً كما خلق من جنس الأنعام أزواجاً لغاية بقاء النسل وتكاثر الإنسان والحيوان، كما يقول:(جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)لغاية تكاثركم كما يقول:(يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ)والضمير يرجع إلى الجعل المفهوم من قوله:(جَعَلَ لَكُمْ)، كما في قوله:(اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)1. والمعنى: إنّ الله سبحانه جعل الناس ذكوراً وإناثاً وكذلك الأنعام ليحصل التناسل والتكاثر. وقد تضمّن حرف «في» معنى السببية، فإذا كان موصوفاً بما ورد من كونه محيياً للموتى وقادراً على كلّ شيء ومرجعاً للاختلاف ورباً للعالمين وخالقاً للسماوات والأرض وجاعلاً للإنسان والحيوان أزواجاً من جنسهم، فيترتّب على كلّ ذلك أنّه بحقّ(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)والمعروف أنّ «الكاف» زائدة أي ليس مثله شيء، فالكاف تأكيد للنفي، فإذا لم يكن له مثل فكيف يجعل المشركون له أنداداً كما قال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ)2؟
ويمكن القول بعدم زيادة الكاف; وذلك لأنّه إذا نفي المثل عن مثله فقد انتفى المثل عنه، إذ لو كان مثل لما استقام قولك: ليس شيء مثل مثله، وبالتالي ينفي أي مثل لله، نظير قولك: ليس لأخي زيد أخ، تريد نفي أن

1. المائدة:8. فالضمير (هو) يعود على (العدل) المفهوم من (اعدلوا).
2. البقرة:165.

صفحه 37
يكون لزيد أخ لأنّه لو كان لزيد أخ لكان زيد أخاً لأخيه، فلمّا نفيت أن يكون لأخيه أخ، فقد نفيت أن يكون لزيد أخ.1، ولا يخفى أنّ التعبير عن نفي المثل بنفي مثل المثل، لا يخلو من التكلّف والتعقيد، والقول بزيادة الكاف أوضح.
ثمّ عقّب سبحانه كلامه بالوصفين (وَهُوَ السَّميعُ البَصير) لأنّ مجال الولاية رهن الإحاطة بالمخلوق والمربوب المولّى عليه، ويتحقّق ذلك بكون الوليّ بصيراً بما يعملون وسميعاً لما يسألون، قال سبحانه: (وَ آتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلُْتمُوهُ)2، وقال: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).3
الدليل السابع: قوله تعالى:
12. (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ):
هذا هو الدليل السابع على ولايته سبحانه، فهو الذي يتكفّل لخلقه بالرزق توسعة وتضييقاً، وكأنّ السماوات والأرض خزائن لما يحتاج إليه المربوب المولّى عليه، ومفاتيحه بيد الله سبحانه كما قال: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي عنده مفاتيح ما يحتاج إليه الإنسان والحيوان، ولأجل ذلك (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ): أي ويضيّق، وبما أنّ هنا مظنّة توهُّم أنّ ضيق الرزق على قوم، صادر عن غير ضابطة، ردّ عليه سبحانه

1. لاحظ: المطوّل:1/231; مختصر المعاني:255. وكلاهما لسعدالدين التفتازاني.
2. إبراهيم:34.
3. الحديد:4.

صفحه 38
بقوله: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ): أي إذا بسط الرزق وقدره، نابع عن علمه سبحانه المحيط بكلّ الأشياء فلو بسط فبعلمه ولو قبض فبعلمه.
إلى هنا تمّ تفسير الآيات وتبيينها، وبقي هنا أمران:

الكلام في الولاية

إنّ لولايته سبحانه شُعباً وفروعاً والذي يسترعي التنبيه عليه هو أنّه سبحانه أشار في قوله:(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ) إلى قسم من أقسام الولاية، فمرجعيته في الحكم تتجلّى في مراحل ثلاثة وهي:
1. التوحيد في الحاكمية، فهو الحاكم دون غيره.
2. التوحيد في التقنين، فهو المشرّع دون غيره.
3. التوحيد في الطاعة، فهو المطاع بالذات دون غيره.
وربما يُسأل لماذا يتفرّد سبحانه بالتوحيد في الصور الثلاث؟
والجواب: أنّ الله سبحانه خالق لهذا الكون وخالق للإنسان فاللازم تسليم الإنسان له في الموارد الثلاثة.
وفي الذكر الحكيم إشارة إلى هذه الأقسام من التوحيد.
أمّا الحاكمية، فلقوله:(وَ اللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).1 وقوله سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ).2

1. الرعد:41.
2. يوسف:40.

صفحه 39
وأمّا التشريع، فلقوله سبحانه:(لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجًا).1
وهذا المنهاج والشرعة هو نظام الحياة لكلّ الأُمم، وليس لأحد حقّ التشريع غيره.
وأمّا الطاعة، فلقوله سبحانه:(قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)2، فليس ثمّة من تجب طاعته بالذات إلاّ الله تعالى، ولزوم إطاعة الرسول لا ينافي انحصار حق الطاعة بالله سبحانه، لأنّ طاعته من فروع طاعة الله سبحانه ولذلك يقول:(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)3.

الكلام في نفي المثل

قوله سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ) ضابطة كليّة في معرفة الله سبحانه، وأنّ كلّ حدّ أو وصف يسبِّب توهُّم وجود المثل له فهو باطل بالضرورة، وقد سئل الإمام علي(عليه السلام) عن التوحيد والعدل، فقال(عليه السلام):«التوحيد أن لا تتوهَّمَه، والعدل أن لا تتَّهِمَهُ».4
ويظهر من غير واحدة من الروايات أنّ واقع التوحيد عبارة عن الخروج عن حدّ التشبيه وحدّ التعطيل، روى الصدوق(رحمه الله) بإسناده إلى الحسين بن سعيد، قال: سئل أبو جعفر]الباقر[(عليه السلام): يجوز أن يقال لله أنّه

1. المائدة:48.
2. آل عمران:32.
3. النساء:80.
4. نهج البلاغة، الكلمات القصار: 470.

صفحه 40
شيء؟ فقال:«نعم، تخرجه عن الحدّين: حدّ التشبيه، وحدّ التعطيل».1
لقد تضافرت الروايات في تنزيهه عن أي مثل له، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات، قال الإمام علي(عليه السلام) في دعاء الصباح ـ المنسوب إليه ـ : «وجلّ عن مشابهة مخلوقاته»، وقال(عليه السلام):«الحمد لله العليّ عن شبه المخلوقين»2.
وقد سئل الإمام علي(عليه السلام): بم عرفت ربّك؟ فقال:«بما عرّفني نفسه»، قيل: وكيف عرّفك نفسه؟ فقال(عليه السلام): «لا تشبهه صورة».3
ثمّ إنّ القول بالرؤية ممّا اتّفق عليه متكلّمو أهل السنّة حتى المنزّهة منهم كالأشاعرة والماتريدية، ولكن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) يرونه على جانب النقيض من قوله سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ).
روى الصدوق(رحمه الله) عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) أنّه دخل عليه أبوقرّة فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله التوحيد، فقال أبو قرّة: إنّا روينا أنّ الله عزّ وجلّ قسّم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسّم لموسى(عليه السلام) الكلام ولمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)الرؤية. فقال أبو الحسن(عليه السلام): «فمن المبلّغ عن الله عزّ وجلّ إلى الثقلين الجنّ والإنس(لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)»4، (وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)(5)، (وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)؟ أليس

1. تفسير نور الثقلين:4/561.
2. نهج البلاغة، الخطبة:213.
3. بحار الأنوار:3/271، عن التوحيد:285.
4. الأنعام:103.                        5 . طه:110.

صفحه 41
محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)؟» قال: بلى، قال(عليه السلام): «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول:(لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)، (وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)، (وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر».1

نظرة عابرة إلى التجسيم في الصحاح والمسانيد

ربّما يتصوّر أنّ روايات التشبيه والتجسيم موجودة فقط في كتب أمثال كتاب السنّة لابن حنبل وكتاب التوحيد لابن خزيمة، وهذا تصوّر خاطئ، فمن سبر الصحاح والسنن والمسانيد يجد أنّ هذه الكتب مكتظّة بما يدلّ على كونه (عزّ وجلّ) جسماً وأنّه في جهة ومكان، وغير ذلك، وبما أنّ المجال لا يسع لنقل قليل من كثير، فنكتفي بالإشارة إلى بعض العناوين:
1. إنّ لله مكاناً.2
2 إنّ الله ينزل إلى السماء الدنيا.3
3. إنّ له أعضاء كأعضاء الإنسان.4

1. كتاب التوحيد:111.
2. صحيح البخارى:1/105، برقم 405، كتاب الصلاة، باب حكّ البزاق باليد في المسجد.
3. صحيح البخاري:4/67، برقم 6321، كتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل.
4. صحيح البخاري:4/142، برقم 6227، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام.

صفحه 42
4. إنّ له سبحانه أصابع.1
5. إنّ لله سبحانه قدماً.2
وهذه الروايات هي التي أخذها السلفيون والوهابيون بلفظها واعتقدوا أنّه سبحانه له هذه الصفات.
وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا فاستمع لما يقوله مبدع القرن الثامن ومحيي هذه الأفكار والبدع اليهودية ـ أعني: ابن تيمية ـ حيث يقول:«تواتر عن رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأجمع عليه سلف الأُمّة من أنّه سبحانه فوق سماواته، على عرشه، عليٌّ على خلقه».3
ومعنى العبارة أنّه سبحانه:
1. فوق السماوات.
2. جالس على عرشه.
3. في مكان مرتفع عن السماوات والأرض.
وليس لهذه الجمل معنى سوى أنّه كملك جالس على السرير في مكان مرتفع ينظر إلى العالم تحته.
ثمّ إنّ بعض هؤلاء لمّا وقفوا على وجود التشبيه والمثل لله سبحانه في هذه الأقوال، لجأوا إلى القول بلاكيف، ولا تشبيه، فيقولون: إنّ لله يداً

1.صحيح البخاري:3/270، برقم 4811، تفسير سورة ا لزمر.
2. صحيح البخاري:2/286، برقم4848 و 4849 و 4850، تفسير سورة ق.
3. مجموعة الرسائل الكبرى، الرسالة التاسعة:1/401.

صفحه 43
ورجلاً ووجهاً وقدماً بلا كيف ولا تشبيه، وقالوا مرّة أُخرى: إنّ لله يداً لا كالأيدي، ووجهاً لا كالوجوه، وقدماً لا كالأقدام، وثالثة: إنّ له يداً تناسب ذاته، وهكذا سائر الأعضاء.
قال أبو سليمان الخطّابي: وليست اليد عندنا الجارحة وإنّما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيّفها، وهذا مذهب أهل السنّة.1
ويقول ابن عبد البرّ: أهل السنّة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنّة، ولم يكيّفوا شيئاً منها .2
إلى غير ذلك من الكلمات التي تذرّع بها الأشاعرة ومن قبلهم بعض الحنابلة وجعلوها درعاً يتّقون به عار التشبيه والتمثيل، وقد أثبتنا في أبحاثنا الكلامية عدم جدوى هذه المحاولات العقيمة، وأنّ هذه الألفاظ لا تفيد شيئاً في رفع التشبيه والتجسيم عن أفكارهم ومعتقداتهم، وكلّها بدع يهوديّة دخلت في الأحاديث من قِبَل مستسلمة أهل الكتاب، فزعم السُّذَّج من المحدّثين صحّتها فرووها اعتماداً على أقوالهم، فمن أراد تفصيل البحث فليراجع موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل».3

1. فتح الباري:13/417.
2. فتح الباري:13/407.
3. لاحظ: بحوث في الملل والنحل:1/201ـ204.

صفحه 44
سورة الشورى: الآيات 13 ـ 16   …

الآيات: الثالثة عشرة إلى السادسة عشرة

(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَ عِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَ لَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَل مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب * فَلِذَلكِ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ لاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَاب وَأُمِرْتُ لاَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ):

المفردات

شرَع: أوضح و بيّن.
وصّينا: وصّى: الأمر بشيء مع تحريض على إيقاعه والعمل به.

صفحه 45
كبُر: عظم وشقّ.
يجتبي: يصطفي.
يُنيب: يرجع.
بَغياً: من البغي: الظلم.
لقُضي: أي قضي عليهم بالإهلاك والاستئصال.

التفسير

يظهر من بعض الآيات أنّه سبحانه جعل لكلّ نبي شرعة ومنهاجاً وكأنّ الوحي الإلهي أشبه بنهر كبير نابع من قبل الله سبحانه، فكلّ نبي له طريق للاستفادة من ذلك الفيض، كما قال:(لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).1
والاختلاف في الشرائع لا يستلزم الاختلاف في جوهرها، فأُصول الشرائع متّحدة، وإنّما هي تختلف بالتمام والأتمّية، فكلّ شريعة تامّة بالنسبة إلى زمانها ولا نقص فيها، ولكنّها بالنسبة إلى الشريعة اللاحقة غير متكاملة، ولا يعدّ ذلك نقصاً إذ الغاية من الشريعة المتقدّمة غيرها من الشريعة المتأخّرة، فكأنّ الشرائع كالمراحل الدراسية كلٌّ مقدّمة لما يأتي بعدها، وفي ذات الوقت تُعتبر مرحلة كاملة في نفسها.
ثمّ إنّ أصحاب الشرائع ـ كما يظهر من بعض الآيات ـ هم كلٌّ من

1. المائدة:48.

صفحه 46
نوح، وإبراهيم، وموسى، و عيسى(عليهم السلام)، ونبينا خاتم الرسل(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا).1
ولو كان أزيد من ذلك لبيّنه سبحانه، وبه يظهر أنّ الأنبياء المبعوثين بعد نوح كانوا يتّبعون شريعته(عليه السلام) حتى بُعث إبراهيم(عليه السلام) فكلّ نبيّ جاء بعده أخذ بشريعة إبراهيم، حتى بُعث موسى(عليه السلام)، وهكذا. وعلى هذا فسادة الأنبياء هم هؤلاء الخمسة.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ جوهر الدين (وهو الأُصول والعقائد) واحد بين عامّة الشرائع لأنّها أُمور تكوينية لا يتصوّر فيها التعدّد، و أمّا ما يرجع إلى الأحكام وتدبير المجتمع من عبادة وتجارة وسياسة وغيرها، فهو قابل للتعدّد خضوعاً للبيئات والأوقات التي بُعث فيها الأنبياء.
وبعد هذا التمهيد، نشرع الآن في تفسير الآيات.
13. (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ):
لمّا تقدّم في صدر السورة أنّه أوحى إلى الأنبياء جميعاً، بقوله

1. الأحزاب:7.

صفحه 47
تعالى:(كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ...)، بيّن في هذه الآية أسماء من أوحي إليهم ثم ذكر الأمر المشترك بينهم، وقال: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ)أي بيّن لكم أيّها المسلمون من الدين الأمر الذي أوحي إلى نوح وغيره من أُولي العزم، كما قال:(مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى).
وفي الالتفات من الغَيبة إلى التكلّم والخطاب في قوله:(أوْحَيْنا إلَيْكَ)تَفخيم وتعظيم لشأن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وأمّا ما هو المراد من الموصولات الثلاثة أعني:(مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) و (وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) و (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ)فهو قوله:(أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)فقوله:(أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ)بدل من الموصولات وقد أمر الكلّ بإقامة الدين ورفض التفرقة، وعلى ما ذكرنا فليس للآية معنى مطابقي سوى الأمر بإقامة الدين والنهي عن التفرّق، ولذلك ورد الذمّ لأهل الكتاب بسبب تفرّقهم في غير واحدة من الآيات، قال تعالى:(وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)1.
وما وراء ذلك فهو من لوازم المعنى المطابقي وهي:
1. أوّل شريعة نزلت هي شريعة نوح.
2. أنّ أصحاب الشرائع وسادة الأنبياء خمسة.
وأمّا دلالة الآية على أنّ جوهر الدين واحد والاختلاف في الشرائع،

1. البيّنة:4.

صفحه 48
فبعيد جداً، وإنّما يدلّ عليه ما سبق من الآيات.
والمراد بإقامة الدين اتّباعه والعمل به والاستقامة عليه، كما أنّ المراد من التفرّق: العمل ببعض وترك البعض الآخر.
قال السيد الرضيّ(رحمه الله): المراد بإقامة الدين إعلان شعاره وإعلاء مناره والدوام على اعتقاده والثبات على العمل بواجباته.1
وكانت دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى دين التوحيد ورفض الوثنية تصطدم مع أهواءالمشركين وتقاليدهم ومع المنافع الذاتية لكبرائهم، ولذلك استعظموا تلك الدعوة وثقُل عليهم قبولها، كما قال سبحانه:(كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) والضمير في (إلَيْهِ) يرجع إلى الدين المستفاد من الآية. ولمّا كانوا لا يقبلون هذا الدين، ويرفضون دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إليه وإلى الإيمان بوحدانية الله تعالى، أخبر سبحانه أنّه غنيٌّ عن إسلام هؤلاء، بقوله: (اللهُ يَجْتَبي): أي يختار (إليه): أي إلى دينه (مَنْ يَشَاءُ)فلا يضرّه تولّي المشركين عن دينه، ويقرب من ذلك قوله سبحانه:(فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ).2
كما أنّه سبحانه يرشد من يُقبل على طاعته، كما قال: (وَ يَهْدِي
إِلَيْهِ
): أي إلى ذلك الدين (مَنْ يُنِيبُ) صار بصدد الإنابة والرجوع إلى الله تعالى.

1. تلخيص البيان في مجازات القرآن:248.
2. فصّلت:38.

صفحه 49
14. (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَل مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب):
الاختلاف بين أصحاب الشرائع على قسمين:
1. ما يرجع إلى الاختلاف في نفس الشريعة، فإنّ السنن الحاكمة على قوم نوح أو قوم إبراهيم تغاير السنن الحاكمة على أقوام آخرين، وهذا أمر لا مناص عنه فالاختلاف فيها ينسب إلى الله سبحانه.
2. اختلافهم الناشئ من البغي والظلم الذي أدّى إلى ترك الشريعة في مواضع والأخذ بها في مواضع أُخرى، وبذلك خالفوا ما أمر به عامّة الأنبياء، أعني قوله: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا)كما يقول سبحانه: (وَمَا تَفَرَّقُوا): أي تحزّبوا (إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) بما هو الحقّ ولكنّهم تركوا العمل به، لماذا؟ (بَغْيًا بَيْنَهُمْ):أي ظلماً وعدولاً عن الحق بدواعي نفسانيّة، ثمّ إنّ هؤلاء البغاة يستحقّون أن يهلكهم سبحانه بذنوبهم الكبيرة، ولكنّه ما فعل ذلك لوعده بعدم معاجلتهم بالعذاب، كما قال: (وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَل مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) والمراد بالكلمة هي ما وعد الله سبحانه من إمهال الناس وتأخير مؤاخذتهم إلى أجل لهم اقتضته حكمته في نظام هذا العالم، ولعلّه سبحانه يريد الخطاب في أوّل الخليقة حيث قال: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين)1.

1. البقرة:36.

صفحه 50
نعم لا ينافي ذلك ما ورد من الإهلاك الذي نزل على قوم نوح وهود و صالح وغيرهم، وذلك لأنّه نزل العذاب في حياة نبيهم فأُهلك الكذّابون الرادّون، وأمّا المقام فالمراد نزول الهلاك بعد ذهاب أنبيائهم.
وعلى أي حال، فالله سبحانه يحذّر من التشتّت و التصدّع، وينبّه إلى أنّ المتفرّقين على قسمين:
1. قسم بدأوا بالتفرقة مع العلم بالحقّ، وهؤلاء هم الذين كانوا يعاصرون أنبياءهم، فمع مشاهدة المعاجز والدلائل المقنعة تولّوا عنه.
2. إنّ أهل الكتاب الذين كانوا في عهده(صلى الله عليه وآله وسلم) وورثوا التوراة والإنجيل عن السابقين، كانوا يفترقون عن سابقيهم، لأنّهم في شكّ من كتابهم وهم مقلّدون أسلافهم بلاحجّة ولا برهان، فهم في حيرة من أمرهم واضطراب وقلق، كما يقول سبحانه:(وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب).
15.(فَلِذَلكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَاب وَأُمِرْتُ لاَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ):
بعد أن ذكر سبحانه أنّ تفرّق أهل الكتاب كان بغياً منهم، حيث تفرّقوا بعد ما جاءهم العلم، وذكر أيضاً أنّ الجيل التالي في شكّ من دينهم (فَلِذَلك): أي لأجل كون تفرّقهم ناتجاً تارة عن بغي وأُخرى عن شكّ، أمر

صفحه 51
نبيّه الكريم بأُمور خمسة:
1. (فادع) المشركين وأهل الكتاب، وإن كان قد (كبُرَ على المُشركين)دعوتك إيّاهم إلى دين التوحيد.
2. (وَاسْتقم): أي ألزم المنهاج المستقيم في طريق الدعوة وإقامة الدين (كما أُمِرْتَ)، كما مرّ في قوله تعالى: (أَنْ أقِيمُوا الدِّينَ).
3. (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) لتكون مانعة عن لزوم المنهاج المستقيم.
4. (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَاب) ولا تفرّقْ بين الكتب السماوية واعترفْ بالجميع من الله سبحانه، لكنْ لكلّ كتاب أمد خاص.
5. (وَ أُمِرْتُ لاَِعْدِلَ): أي أُسوّي(بَيْنَكُمُ). واللام للتأكيد أي أُمرت أن أعدل بينكم وأتجنّب العَسْف والحَيْف، فالأبيض والأسود والغنيّ والفقير عندي سواء.
قال الطبرسي: وفي الحديث:«ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات; فالمنجيات: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وخشية الله في السرّ والعلانية. والمهلكات: شحُّ مطاع، وهوىً متَّبَع، وإعجاب المرء بنفسه».1
والنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد امتاز بهذه الخصال الخمس، فليس هو كاليهود الذين قالوا:(لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْء) ولا كالنصارى الذين يقولون:(لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْء)وهو يؤمن بكلّ الأنبياء ويجلّهم جميعاً،

1. مجمع البيان:9/44.

صفحه 52
لأنّهم سفراء الله تعالى إلى المجتمع البشري.
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى وجود المشتركات بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبينهم:
أ.(اللهُ رَبُّنَا وَ رَبُّكُمْ) فهذه جهة مشتركة بين أتباع الشرائع السماوية.
ب. (لَنَا أَعْمَالُنَا وَ لَكُمْ أَعْمَالُكُمْ)فكلّ إنسان مسؤول عن نفسه ويجزى بعمله، كما قال: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى).1
ج. (لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ): أي لا خصومة بيننا وبينكم بعد كون الربّ واحداً وكلّ مأخوذ بأعماله.
د. (اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا) يوم الجمع، لفصل القضاء، وجزاء الأعمال.
هـ . (وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، فالجميع حضور أمام الله سبحانه يوم القيامة وكلٌّ مجزيّ بأعماله، قال تعالى: (إنّا لله وَإنّا إليهِ راجِعُون).
لقد تجلّت في هذه الآية عظمة الدعوة المحمّدية حيث أوصاه سبحانه بخصال خمس، شأن كلّ قائد يريد إصلاح أُمّته ببيانه ولسانه، وإظهار إنصافه، فأمره بالاستمرار في الدعوة ولزوم المنهاج المستقيم في طريقها، وعدم التأثر بالأهواء، واحترام الكتب السماوية، والتعامل مع أهل الكتاب بالعدل والإنصاف.
ثمّ يرجع إلى بيان المشتركات، وبذلك يستميل قلوب المخالفين، وأنّ الرب واحد والكلّ مجزي بأعماله ولا خصومة بينه وبين أيّ إنسان، واللقاء في يوم الجمع، وهناك يتّضح مصير الجميع.

1. الإسراء:15.

صفحه 53
16. ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ):
وهنا يخبر سبحانه عن وعيد المجادلين في دين الله بُغية إدخال الشكّ في قلوب المؤمنين به، فيقول: ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ): أي في دينه (مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ): أي آمن به كثير من الناس، ومن موارد مخاصمة هؤلاء إنكار نبوّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الحجّة: (مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ)1، أو قولهم في نفي البعث:(ءَإذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً ءَإنّا لَمَبْعُوثُونَ)2، إلى غير ذلك من الشكوك التي تزرع الشكّ في قلوب المؤمنين، لكن يجب أن يقف هؤلاء المخاصمين على أنّ (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ): أي باطلة، كيف و قد دلّ الدليل على صدق الرسول وإمكان البعث وغير ذلك من أُصول الدين (وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله): أي غضب الله عليهم لأجل كفرهم، ومن المعلوم أنّ مصير المغضوب عليهم عند الله هو قوله: (وَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ).
قال السيد الرضيّ(رحمه الله): الدحض: الزلق، فكأنّه تعالى قال: حجّتهم ضعيفة غير ثابتة، وزالّة، غير متماسكة، كالواطئ الذي تضعف قدمه فيزلق عن مستوى الأرض ولا يستمر على الوطء، وداحضة هاهنا بمعنى

1. الفرقان:7.
2. الواقعة:47.

صفحه 54
مدحوضة، وإذا نُسب الفعل إليها في الدحوض، كان أبلغ في ضعف سِنادها، ووهاء عمادها، فكأنّها هي المُبطلة لنفسها من غير مُبطل أبطلها،لظهور أعلام الكذب عليها، وقيام شواهد التهافت عليها.1
وربما يقال: المراد بالاستجابة له، ما هو حق الاستجابة وهو التلقّي بالقبول عن علم لا يداخله شكّ، وهو الذي تقتضيه الفطرة الإنسانية السليمة، فإنّ الدين بما فيه من المعارف فطري تصدّقه وتستجيب له الفطرة الحيّة، قال تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ)2 ومحصّل الآية على هذا: أنّ الذين يحاجّون فيه تعالى أو في دينه بعد استجابة الفطرة السليمة له، حجّتهم باطلة زائلة عند ربّهم، وعليهم غضب منه ولهم عذاب شديد.3
والتفاوت بين المعنيين واضح إذ على الأوّل، المستجيب غير الذين يحاجّون، بخلاف الثاني فهما واحد، فالفطرة تدعوه إلى الدين، ولكنّ الهوى يصدّه عن اتّباع الحقّ.
سورة الشورى: الآيات 17 ـ 20   …

الآيات: السابعة عشرة إلى العشرين

(اللهُ الذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ

1. تلخيص البيان في مجازات القرآن:248.
2. الأنعام:36.
3. انظر: الميزان في تفسير القرآن:18/35.

صفحه 55
آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَل بَعِيد * اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيب).

المفردات

يُدريك: يُعلمك.
الساعة: القيامة.
مُشفقون: خائفون، يحذرون من مجيئها.
يُمارون: يجادلون.
اللطيف: ذكر الراغب وجوهاً ثلاثة قائلاً: قد يعبّر باللطائف عمّا لا تدركه الحاسّة، ويصحّ أن يكون وصف الله تعالى به على هذا الوجه، وأن يكون لمعرفته بدقائق الأُمور، وأن يكون لرفقه بالعباد في هدايتهم.1
حَرْث: الحَرْث: الغلّة الحاصلة من البذور، ويراد به هنا ثمرات الأعمال.

1. المفردات للراغب، مادة «لطف».

صفحه 56

التفسير

17. (اللهُ الذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ):
صلة هذه الآية بما قبلها لأجل أنّه لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ الذين يُحاجّون في الله حجّتهم باطلة، عاد البيان القرآني لبيان وجه بطلان حجّتهم وحجاجهم، فقال: إنّ (الله)هو(الذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ) القرآن والفرقان (بِالْحَقِّ) الباء للملابسة أي مقترناً بالحق وبعيداً عن الباطل (وَالْمِيزَانَ)وهو ما يوزن به، وهو في الأُمور المادّية واضح المفهوم، وإن كان له مصاديق مختلفة حسب تقدّم الحضارة. وأمّا ما هو الميزان في تقديم الحقّ على الباطل فيما يرجع إلى الغيب فيمكن أن يراد به أحد الأُمور الثلاثة:
أ. العقل، فإنّه نبي الباطن فتوزن به أقوال الناس وآراؤهم .
ب. نفس الدين النبوي الذي أنزله الله سبحانه على نبيّه عن طريق كتابه وسنّته، فما وافقه فهو الحق وما خالفه فهو الباطل.
ج. نفس النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّه عاش بين الأُميّين أزيد من أربعين سنة، فلم يروا منه أيّ كذب وخدعة، فصار بذلك ميزاناً للحقّ والباطل.
وعلى هذا فصورة الآية بالبيان الذي قدّمناه، تحليل للوحي الذي أخبر عنه سبحانه في صدر السورة وقال:(يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ)

صفحه 57
وبما أنّ المحاجّين في الله سبحانه كانوا ينكرون البعث أشدّ الإنكار، قال سبحانه:(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ): أي وما يُعلِمك أيّها المخاطب لعلّ قد أزِف وقتها؟ وعندئذ يُحشَر الجميع في محكمة العدل، فيحكم عليهم بالحق وبالميزان الصحيح.
18.(يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَل بَعِيد):
الآية تخبر عن طائفتين مختلفتين في موقفهما من يوم القيامة:
الأُولى: المشركون الذين ينكرون يوم القيامة، فيستعجلون استهزاءً كما قال: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِها) وقد تكرّر مضمون هذه الفقرة في بعض الآيات، كما في قوله تعالى:(ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)1
الثانية: المؤمنون الذين إيمانهم بيوم القيامة محفوف بالخوف والإشفاق، وهم الذين قال الله سبحانه في حقهم: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ)، وهذا هو الفارق بين المؤمن والكافر، فالأوّل بإيمانه بالحق يشفق ويخاف من مصيره، وأمّا الكافر فلجهله يستهزئ ويقابل الحق بالمماراة والجدال، كما قال سبحانه:(أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي

1. الذاريات:14.

صفحه 58
السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَل بَعِيد).
قال الإمام علي(عليه السلام) في وصفه للمتقين:«فَهُمْ وَالجَنّةُ كَمَنْ قَدْ رَآها، فَهُمْ فِيها مُنَعَّمونَ، وَهُمْ وَالنّارُ كَمَنْ قَد رَآها فَهُمْ فِيها مُعذّبُونَ... . ثمّ قال:وإذا مَرُّوا بِآية فيها تَخويفٌ أَصْغَوا إليها مَسامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أنّ زَفيرَ جَهنَّمَ وَشَهيقَها في أُصولِ آذانِهِمْ».1
19. (اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ):
لمّا سبق في الآيات السابقة ذكر العذاب الإلهي الشديد الذي يشفق منه المؤمن، ويستعجل به الكافر عن استهزاء، أردف ذلك ببيان رحمته بعباده، وقال: (اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ)وقد مرّ أنّ اللطيف بمعنى كونه يتعامل مع عباده بالرِّفق، والدليل أنّ المراد به هنا هو الرفق، هو قوله:(بِعِبادِه).
ثم أشار سبحانه إلى مظهر من مظاهر لطفه وهو أنّه (يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ)وقد شاء أن يرزق الكلّ، غير أنّه تارة يبسط الرزق وأُخرى يَقْدر، على حسب ما تقتضيه حكمته وعلمه الواسع، وقد تقدّم بيان ذلك آنفاً وبما أنّ رزق العباد فرْع قدرة وسيعة أشار إلى ذلك بقوله:( وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ): أي قادر على إنجاز وعده، كما تشير إلى ذلك كلمة(الْقَوِيُّ )، ولا ينازعه أحد كما تشير إليه كلمة (الْعَزِيزُ).
ومن لطائف الآية مع قصَرها، أنّها اشتملت على صفات أربع من صفات الله عزّ وجلّ:

1. نهج البلاغة، الخطبة193.

صفحه 59
1. (لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ).
2. (يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ).
3. (الْقَوِيُّ).
4. (الْعَزِيزُ).
20. (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيب):
لمّا تقدّم في قوله سبحانه: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا) أنّ الناس بين مؤمن بالساعة، فيعمل لها، وبين منكر لا يعمل إلاّ لدنياه، رتّب عليه سبحانه قوله بأنّ (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ): أي الحرث للآخرة، والزرع لها، فنحن (نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)وهو كناية عن زيادة الثواب، قال سبحانه:(وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا)1، وقال: (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)2، وفي مقابل ذلك (وَ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا): أي ومن يعمل للدنيا(نُؤْتِهِ مِنْهَا) فنؤتيه من متاع الدنيا ما يحيا به ويعيش، ولكن (وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيب) لأنّه يعمل لها، وكلٌّ يأخذ نتاج حرثه، فمن حرث للآخرة يأخذ نتاج عمله فيها، ومن عمل للدنيا فقط منصرفاً عن الآخرة، فلا يُجزى إلاّ بنتاج عمله.
قال الشريف الرضي(رحمه الله): المراد بحرث الآخرة والدنيا، كدح الكادح

1. الشورى:23.
2. البقرة:276.

صفحه 60
لثواب الآجلة أو حطام العاجلة، فهذا من التشبيه العجيب و التمثيل المصيب، لأنّ الحارث المزدرع إنّما يتوقع عاقبة حرثه فيجني ثمرة غراسه ويفوز بعوائد ازدراعه، وقيل معنى:(نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ): أي نعطيه بالحسنة عشراً إلى ما شئنا من الزيادة على ذلك، ومن عمل للدنيا دون الآخرة أعطيناه نصيباً من الدنيا دون الآخرة.1
وقد جاء مضمون هذه الآية في موضع آخر، قال سبحانه:(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا).2
وحصيلة الآيات: أنّ من يحرص على الدنيا ويتعبّد لها معرضاً
عن الآخرة يعطيه سبحانه نصيبه منها; ومن آثر الآخرة وعمل لها،
فسيجزيه سبحانه أضعافاً مضاعفة، كما قال: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا).3
سورة الشورى: الآيات 21 ـ 24   …
ولو قلنا بأنّ الآية تدلّ على تجسّم الأعمال بالنحو التالي فليس ببعيد، حيث إنّ لكلّ عمل ثوباً وظهوراً خاصّاً، فهو يظهر في الدنيا بثوبه الدنيوي، وفي الآخرة بثوبه الأُخروي، فما يجنيه إمّا من ثمار العمل وإمّا نفس العمل، لكنْ بثوبه الأُخروي.

1. تلخيص البيان في مجازات القرآن:249.
2.الإسراء:18ـ19
3. الأنعام:160.

صفحه 61
وثمّة كلام نوراني للإمام علي(عليه السلام) في فضل القرآن الكريم، نقتطف منه ما يناسب المقام، قال:«فإنّه يُنادي مُناد يَومَ القِيامَةِ: ألا إنّ كلَّ حارث مبتلى في حَرْثِهِ، وعاقِبةِ عَمَلِهِ، غَيرَ حَرَثة القرآن، فَكُونُوا من حَرَثتِهِ وَأتْباعِهِ».1

الآيات: الحادية والعشرون إلى الرابعة والعشرين

(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَرى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذَلِكَ الذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ*أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ):

1. نهج البلاغة، الخطبة: 176.

صفحه 62

المفردات

شَرَعوا لهم: نَهَجوا لهم وسنُّوا لهم شريعة.
كلمة الفصل: هي القضاء والحكم الصارم.
مشفقين: خائفين.
روضات: الروضة: الأرض الخضرة بحسن النبات، قال تعالى: (فَهُمْ فِي رَوْضَة يُحْبَرُونَ)1 وروضات الجنات أطيب بقاعها وأنزهها.
يختم على قلبك: كناية عن إيصاد القلب، بحيث يُسلب القدرة على تلقّي الوحي.
يمحو: يزيل.
يُحقّ: يُثبّت.

التفسير

بعد أن تقدّم في الآية الثامنة عشرة أنّ الناس أمام الاعتقاد بالبعث وعودة الإنسان الميّت إلى الحياة، على طائفتين: طائفة منهم ينكرون ذلك أشدّ الإنكار، ويستعجلون بالساعة أشدّ الاستعجال استهزاء بها، وطائفة مؤمنة خائفون منها ويعلمون أنّها الحق، عاد البيان القرآني إلى بيان حال الطائفتين، أمّا الأُولى فقد قال عنهم:

1. الروم:15.

صفحه 63
21. (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):
بما أنّ هذه الطائفة ـ مع اعتقادهم بالله سبحانه ـ ينكرون المعاد الذي دعا إلى الإيمان به جميع الأنبياء، ردّ عليهم سبحانه بقوله:(أَمْ لَهُمْ)المشركون (شُرَكَاءُ) الأصنام والأوثان الذين جعلوهم شركاء وأنداداً لله سبحانه بأن(شَرَعُوا لَهُمْ): أي سنّوا لهم ونهجوا لهم (مِنَ الدِّينِ)المزعوم(مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ)كإنكار البعث. ولا شكّ في أنّ الاعتقاد بالمعاد من صميم الدين، ولا معنى لتسمية شيء بالدين وهو خال عن الدعوة إلى المعاد، فإنّه يصبح عند ذلك مسلكاً لا ديناً، فالمصلحون في العالم الذين يتدرّعون بالقيم والمثل الأخلاقية لا يكتب لهم النجاح، لخلوّ مشاريعهم الإصلاحية من الدعوة إلى الإيمان بالمعاد.
وبما أنّ جريمة هؤلاء المنكرين تُعدّ جريمة كبرى فهم يستوجبون عذاباً عاجلاً، ولكنّه سبحانه قضى بتأخيره عنهم وإمهالهم في العيش في الأرض إلى أجل محدود،(وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ) وهذا القضاء السابق المتمثّل في قوله:(اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلَى حِين)1، لقضى عليهم وأهلكهم، ولكن الإمهال في الدنيا ليس بمعنى تركهم سُدىً، بل (إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

1. البقرة:36.

صفحه 64
22. (تَرى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ):
أمهل الله سبحانه الظالمين في الآية السابقة وأوعدهم بالعذاب الأليم، وهنا ذكر موعد ذلك العذاب بقوله: (تَرى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا)والخطاب هنا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن يعمّ كلّ من يشاهد حال الظالمين وأنّهم خائفون ممّا كسبوا وعملوا. وظاهر الآية أنّ عملهم الإجرامي يتجسّد أمامهم وهم يخافون منه، ولكنّ الخوف غير ناتج، فالعذاب يصلهم كما قال:(وَ هُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ): أي واقع عليهم، فالباء بمعنى «على».
إلى هنا تمّ بيان حال الطائفة الأُولى أي المنكرين.
وأمّا بيان حال الطائفة الثانية ـ أعني: المؤمنين ـ فقد قال في حقّهم:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فالله سبحانه يصف مصيرهم بأُمور أربعة:
1.( فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ): أي مستقرّين في بقعة خضراء من أطيب بقاع الجنة.
2. (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ) يختارون ويريدون، فلا يريدون شيئاً إلاّ وهو حاضر.
3. ( عِنْدَ رَبِّهِمْ) عندية تشريفية لا مكانيّة، قال سبحانه:(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي

صفحه 65
جَنَّات وَنَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر)1.
4. (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ): أي ذلك هو الشرف أو العطاء الكبير من الله سبحانه.
23. (ذَلِكَ الذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ):
المشار إليه في قوله تعالى(ذلك) هو نفس المشار إليه في الآية المتقدّمة أي ما ذُكر من العطاء، وهو (الذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ) حتى يكون سبباً لإقبالهم، وإضافة العباد إلى الضمير العائد على الله سبحانه نوع ترفيع لشأنهم، لأنّهم هم:(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). بقي من تفسير الآية فقرتان، وهما:
1. (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).
2. ( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا).
وإليك دراسة كلّ من الفقرتين واحدة بعد الأُخرى.

أجر الرسالة المحمّدية

أمّا الفقرة الأُولى: فقد اختلفت فيها كلمات المفسّرين، وتوضيح هذه الفقرة رهن بيان أُمور:

1. القمر:54ـ55.

صفحه 66
1. أنّ القربى إمّا مصدر أو اسم مصدر، وليس صفة مشبّهة بمعنى القريب، ولذلك لا يستعمل في القرآن إلاّ مسبوقاً بذي أو ذوي أو أولو قال تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى )1، وقال: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى)2، وقال سبحانه:(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبى وَالْيَتَامَى)3.
وأمّا المقام، فلابدّ من تقدير لفظة «ذي» قبل حرف الجرّ، بمعنى مودّة ذي القربى.
***
2. أنّ ذي القربى بمعنى صاحب القرابة والوشيجة النسبية، ويتعيّن مورده بتعيّن المنسوب إليه فيستعان في تعيينه بالقرائن الموجودة في الكلام، فتارة يراد به مطلق الأقرباء دون أقرباء شخص خاص مثل قوله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبى)4، ونظيره قوله:(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى)5.
فالمراد هنا أقرباء مطلق الإنسان.
وأمّا إذا تقدّم ذكر شخص معيّن كالنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون قرينة

1. البقرة:82.
2. البقرة:177.
3. النساء:8.
4. التوبة:113.
5. الأنعام:152.

صفحه 67
على أنّ المراد به، أقرباؤه(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال سبحانه:(مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى)1، فإنّ اللفظين أعني: (عَلَى رَسُولِهِ) و (وَلِلرَّسُولِ)قرينتان على أنّ المراد أقرباء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وعلى ضوء هذا فالمراد من (في القُربى) في آيتنا هو أقرباء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لتقدّم قوله:(أَسْأَلُكُمْ)وهذه ضابطة قرآنية لتشخيص ما هو المراد من القربى.
***
3. أنّ المستثنى في الاستثناء المتّصل يجب أن يكون داخلاً في المستثنى منه حقيقة كما هو واضح، وأمّا المنقطع منه فيجب أن يكون من ملابساته وممّا يكون له به صلة وأن لا يكون أجنبياً عنه، فإذا قلت: جاء القوم إلاّ حمارهم، فإنّما يصحّ لأن القوم إذا خرجوا فإنّما يخرجون مع مراكبهم ومواشيهم، ولذلك لا يصحّ أن يقال: جاء قبيلة بني تميم إلاّ العجم.
وعلى ضوء ذلك يجب أن تفسّر المودّة في القربى(حتى على القول بكونه استثناء منقطعاً) بنحو يكون له صلة بالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يصحّ إلاّ إذا كان المراد مودّة عشيرته، أو عترته أو من له به صلة، وإلاّ فمودّة كلّ إنسان لذوي قرباه أمر محبوب، ولكن لا يمتّ للنبي بصلة ولا يصحّ جعله أجر الرسالة ولو بصورة استثناء منقطع.
وبعبارة أُخرى: الذي يمكن أن يتجلّى بصورة الأجر ما يلزم أن

1. الحشر:7.

صفحه 68
يرجع إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلاّ فتولّي كل إنسان قريبه لا يُعدّ أجراً للنبي حتى ولو مجازاً.
***
4. تضافرت الآيات في سورة الشعراء وغيرها على أنّ شعار الأنبياء كلّهم هو:( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)1وهذا هو منطق نوح،2 وهود 3، وصالح4، ولوط5، وشعيب6(عليهم السلام) .
ويظهر من آيات أُخرى أنّ هذا الشعار كان معروفاً بين الناس، وأنّ سمة الأنبياء أو المبعوثين من جانبهم عدم طلب الأجر، ولذلك لمّا كُذّب الرسل الثلاثة وهمّ الناس بقتلهم، أسرع إليهم رجل من أقصى المدينة يدعوهم إلى اتّباعهم، ويقول: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ)7.
وعلى ضوء ذلك فكيف يصحّ للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يطلب الأجر على رسالته؟ هذا ما سنوضحه تالياً.
***

1. الشعراء:109.
2. الشعراء:109.
3. الشعراء:127.
4. الشعراء:145.
5. الشعراء:164.
6. الشعراء:180.
7. يس:20 و 21.

صفحه 69
5. الآيات التي وردت حول أجر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هي على أصناف أربعة:
الأوّل: ما أمر به سبحانه نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يخاطب قومه بأنّه لا يطلب منهم أجراً، قال سبحانه:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعَالَمِينَ)1.
الثاني: ما يشعر بأنّه طلب منهم أجراً، لكنْ يرجع نفعه إليهم دون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول سبحانه:(قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)2.
الثالث: ما يُعرّف أجره بقوله:(قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)3، فكأنّ اتخاذ المؤمن السبيل إلى الله هو أجر الرسالة.
الرابع: ما يجعل مودّة القربى أجراً لتبليغ الرسالة، قال تعالى:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).
فهذه الأصناف الأربعة لابدّ أن ترجع إلى معنى واحد، وهذا هو الذي نحاول أن نسلّط عليه الأضواء.
فنقول: إنّ ما جاء في الآية الأُولى أمر واضح لأنّه شعار عامّة الأنبياء، وتقاربها الآية الثالثة أعني قوله: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)، فإنّ المراد لا أسألكم أجراً على تأدية الرسالة، فمن

1. الأنعام:90.
2. سبأ:47.
3. الفرقان:57.

صفحه 70
شاء منكم أن يتخذ سبيلاً إلى الله فأجره عليه تعالى، وأمّا ما هو السبيل فهذا ما يُوضحه ما بقي من الآيات. وما جاء في الآية الثانية يدلّ بوضوح على أنّ النبي سأل أجراً يرجع نفعه إلى المسؤول كما قال: (مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ)، وعلى ذلك فيجب أن يكون أجر النبي (مع عدّه كذلك) أجراً تنتفع به الأُمّة الإسلامية، وهذا يتجسّد في مودّة ذوي قربى النبي، لأنّ مودّتهم تحدو المحبّ على أن ينهج سبيلهم في الحياة، ويجعلهم أُسوة في دينه ودنياه. ومن الواضح أنّ الحبّ بهذا المعنى قبل أن يعود إلى السائل ينتهي لصالح المحبّ، قال الإمام الصادق(عليه السلام):«ما أحبّ الله عزّ وجلّ من عصاه» ثمّ تمثّل(عليه السلام)، فقال:
تعصي الإله وأنت تُظهر حبَّهُ *** هذا محال في الفعال بديعُ
لو كان حبُّك صادقاً لأطعتَهُ *** إنّ المحبّ لمن أحبّ مطيعُ1
وعلى ذلك فالمراد بذوي القربى ليس كلّ مَن يتقرّب أو ينتمي إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بنسب أو سبب، بل طبقة خاصّة من أهل بيته الذين عرّفهم بأنّهم أحد الثقلين في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».2

1. سفينة البحار، مادة «حبّ».
2. أخرجه الحاكم في مستدركه:3/148، وقال:هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك معترفاً بصحّته على شرط الشيخين، أقول: هذا حديث متواتر، وقد ألّف غير واحد من المحقّقين رسائل حوله. قال ابن حجر الهيثمي: ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابياً لا حاجة لنا ببسطها. الصواعق المحرقة:150.

صفحه 71
فإذا كان المراد من ذوي القربى هؤلاء الذين أُنيط بهم أمر الهداية والسعادة، فمودّتهم ترفع الإنسان من حضيض العصيان والتمرّد إلى عزّ الطاعة.
إنّ طلب النبي المودّة من الأُمّة أشبه بقول طبيب لمريضه بعد ما فحصه وكتب له العلاج: لا أُريد منك أجراً إلاّ استخدام هذا العلاج، فهو في الظاهر أجر يعود نفعه إلى الطبيب، لكن في الواقع يعود نفعه إلى نفس المريض الذي طلب منه الأجر.
وحصيلة الكلام: أنّ مودّة أهل البيت(عليهم السلام) وحبهم وإن كانت فضيلة رابية من أسمى الفضائل ولكنّها في حدّ نفسها طريق إلى الحضور في مجالسهم أيام حضورهم والاستضاءة بعلومهم ومعارفهم أيام غيبتهم، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ طلب الحبّ لغاية انتفاع المحبّ من حبهم وسعادته ورقيّه، فلو أمر الإسلام بمجالسة العلماء والنظر إلى وجوههم فلأجل أنّ هذا العمل يدعو إلى انتفاع المجالس بعلومهم والاقتداء بأعمالهم وأفعالهم، فلو طلب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مودّة أهل بيته، فهو لا يريد الحبّ المخزون في القلب فقط، وإنّما يريد الحبّ الذي يؤثّر في حياة المحبّ، حيث إنّه بمعاشرته لمن طهّرهم الله من الرذائل والأرجاس يجعله إنساناً شبيهاً لهم ولو بدرجة ضعيفة، وهكذا فيما لو رجع إلى معارفهم وعلومهم.
إذا عرفت ذلك يظهر لك أنّ الآيات الثلاث تستهدف أمراً واحداً، أعني:

صفحه 72
1. قوله تعالى: (مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ)1 وقد عرفت أنّ حبّ الأولياء والصالحين ينتهي إلى مصلحة المحبّ.
2. قوله تعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)2 فإنّ حبّ أهل البيت(عليهم السلام) والتفاني في مودّتهم هو بحدّ ذاته اتخاذ سبيل إلى الله، لأنّه يلازم العمل بالشريعة والمنتهي إلى السعادة الأبدية.
3. قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)التي هي سبيل من السُبل المنتهية إلى الله سبحانه.
وقد جاء الجمع بين مفاد الآيات الثلاث في دعاء الندبة الذي يشهد علوّ مضامينه بصحّته، حيث جاء فيه:
«ثمّ جعلت أجر محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) مودّتهم في كتابك، فقلت:(لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)، وقلت:(مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ)، وقلت: (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)، فكانوا هم السبيل إليك، والمسلك إلى رضوانك».
وإلى ذلك أيضاً يشير شاعر أهل البيت(عليهم السلام) بقوله:
موالاتُهم فرضٌ، وحبهم هدى *** وطاعتُهم ودٌّ، وودُّهمُ تقوى

1. سبأ:47.
2. الفرقان:57.

صفحه 73
وفيهم يقول الفرزدق، من قصيدة يمدح بها الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام):
من معشر حبُّهم دينٌ، وبغضهُمُ *** كفرٌ، وقُربُهُمُ مَنْجىً وَمُعتَصَمُ
مُقدَّمٌ بعد ذكر الله ذكرُهُمُ *** في كلّ بَدْء، ومختومٌ به الكَلِمُ
***

أسئلة وأجوبة

قد تعرّفت على تفسير الآية ومغزاها، بقيت هنا أسئلة بعضها يرجع إلى نقد الرأي المختار، وبعضها يرجع إلى تفسير الآية بوجوه أُخرى، ونحن نذكر الجميع تحت عنوان أسئلة وأجوبة.

السؤال الأوّل:

إنّ طلب مودّة ذوي القربى أمر لا يناسب شأن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ طلب حبّ الأولاد أمر غير لائق بشأن الإنسان الحكيم فضلاً عن نبيّ العظمة؟1
الجواب: ما ذُكر صحيح إذا كان الحبّ أمراً موضوعياً دون أن يكون طريقاً للعمل بالصحيح من الشريعة ومنتهياً إلى سعادة المسؤول، فعندئذ يصبح الأمر بذلك أمراً صحيحاً لأنّه يصبّ في مصلحة المحبّ لا في مصلحة الآمر.

1. تفسير روح المعاني:25/32.

صفحه 74

السؤال الثاني:

الإنسان مفطور على حبّ الجميل وكراهة القبيح، فيكون الودّ أمراً خارجاً عن الاختيار، فكيف يقع في إطار السؤال ويطلبه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من المؤمنين مع أنّه كذلك؟
والجواب: أوّلاً: أنّ الحبّ لو كان أمراً خارجاً عن الاختيار فلا يتعلّق به الأمر، كما لا يتعلّق به النهي، ولما نهى سبحانه عن ودّ من حادّ الله ورسوله، بقوله: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ)1، ولما دعا(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى التراحم والتعاطف النابعين عن الودّ والحبّ، بقوله:«مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى».2
وفي هذا الإطار تأتي الدعوة إلى الحبّ في الله والبغض في الله، كما قال الإمام الصادق(عليه السلام):«من أوثق عرى الإيمان أن تحبّ في الله وتبغض في الله».3
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الودّ والبغض ليس على النسق الذي وصفه السائل.
وأمّا ثانياً: أنّ الإيصاء إنّما لا يفيد إذا لم تتوفر في الموصى به دواعي

1. المجادلة:22.
2. مسند أحمد:4/270.
3. سفينة البحار:2/11، مادة «حبّ».

صفحه 75
الحبّ والودّ من كرم الأخلاق وجميل السجايا والخصال، وأمّا إذا كان الموصى به إنساناً مثاليّ السيرة متحليّاً بفضائل الأخلاق ومحاسنها، متّصفاً بجليل المآثر، فإنّ الايصاء به يعطف النظر إليه، ومن ثمّ يجيش حبّه كلّما تعمّقت الصلة به.
إنْ عُدّ أهلُ التُّقى كانوا أئمّتَهم *** أو قيلَ: مَن خيرُ أهلِ الأرض؟ قيلَ هُمُ1

السؤال الثالث:

ذكر غير واحد من المفسّرين ـ اعتماداً على ما رواه ابن عباس ـ أنّ الخطاب لقريش والأجر المسؤول هو مودّتهم للنبي لقرابته منهم، فليدعوا إيذاءه والإساءة إليه مراعاة لتلك القرابة التي بينه وبينهم، وقد أخرج السيوطي في «الدر المنثور» روايات من طرق مختلفة يرجع مضمونها جميعاً إلى ما ذكرنا، نورد منها الرواية التالية:
عن الشعبي قال: أكثرَ الناس علينا في هذه الآية:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)فكتبنا إلى ابن عباس نسأله، فكتب ابن عباس: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان واسط النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلاّ وقد ولّدوه، فقال الله:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) على ما أدعوكم إليه (إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)تَودُّوني لقرابتي منكم وتحفظوني بها.2

1. للفرزدق، من قصيدة له في مدح الإمام زين العابدين(عليه السلام).
2. الدر المنثور:7/346.

صفحه 76
والجواب: أنّ الرواية مهما تعدّدت طرقها رواية ساقطة لا يقبلها العقل الحصيف، إذ كيف يطلب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المودّة من قوم اجتمعوا على قتل المؤمنين بدعوته، كما اجتمعوا على إيذائه بأنواع الأذى؟ فهل يصحّ طلب المودّة من العدو الغاشم؟ إنّ أقصى ما يمكن أن يطلب هو الابتعاد عن أذيّته. على أنّ قريشاً لم يقبلوا رسالته فكيف يطلب منهم الأجر على الرسالة، ويقتصر في ذلك على مودّته؟

السؤال الرابع:

المراد من قوله تعالى:(إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) أنْ يَودّ كلّ إنسان أقرباءه، ومن ثمّ يُعنى بصلتهم وإسداء العون لهم، أي إنّها تعبير آخر عن صلة الرحم.
والجواب: أوّلاً: أنّ مودّة الأقرباء ليست مندوبة على إطلاقها ولذلك قال تعالى: ( لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ).1
وثانياً: أنّ القرآن بلغ من الفصاحة والبلاغة ما أعجز فصحاء العرب وبلغاءهم عن مقابلته، أفهل يصحّ أن تكون المودّة في القربى هنا كناية عن صلة الأرحام والإحسان إليهم مع أنّ الأمر بذلك قد ورد بأفضل العبارات في مواضع أُخرى؟ قال سبحانه:(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ

1. المجادلة:22.

صفحه 77
وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)1، وقال: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ).2
مضافاً إلى ما مرّ من أنّ مودّة كلّ إنسان قريبه أمر ممدوح، لكن لا يعدّ أجراً للنبيّ بأيّ وجه فُسّر الاستثناء.

السؤال الخامس:

المراد هو التودّد إلى الله تعالى بالطاعة والتقرّب، فالمعنى لا أسألكم عليه أجراً إلاّ أن تتودّدوا إليه تعالى بالتقرّب إليه؟
الجواب: أنّ لازم ذلك كون لفظ المودّة أمراً زائداً إذ يكفي أن يقول: لا أسألكم عليه أجراً إلاّ التقرّب إلى الله.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ أعداء أئمة أهل البيت(عليهم السلام) صاروا بصدد إخفاء الحقيقة وطمس فضيلة ثابتة عندهم بنص الكتاب على نحو يقول الإمام الشافعي في بيتيه المشهورين:
يا أهل بيت رسول الله حبّكمُ *** فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ
كفاكمُ من عظيم القدر أنّكمُ *** من لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ3و ممّا يدلّ على أنّ أيدي أعداء العترة كانت تلعب من وراء الستار، هو ما جاء في رواية الشَّعبيّ المتقدّمة من إكثار الناس في السؤال عن تفسير هذه

1. الرعد:21.
2. الإسراء:26.
3. الصواعق المحرقة:87، وفي طبعة أُخرى:148 وغيره.

صفحه 78
الآية، فإنّ وجود الاختلاف في هذه الآية في عصر قريب من زمن نزول الوحي يدلّ على أنّ الأمويّين وأشياعهم كانوا يحرّفون الكلم عن مواضعه فأوجدوا في تفسير الآية احتمالات، فصار ذلك سبباً لسؤال ابن عباس عن تفسيرها.
ومن حسن الحظ أنّ جماعة من المحدّثين والمفسّرين ذكروا أنّ نزول الآية كان في مودّة أهل بيت النبي وعترته(وهو المرويّ عن أبي جعفر الباقر، وأبي عبد الله الصادق(عليهما السلام))1، وقد ناهز عددهم أربعة وأربعين مفسّراً ومحدّثاً، منهم: سعيد بن جُبير، والسُّدّي، وعمرو بن شعيب.
والعجب أنّ الآلوسي مع موقفه الخاص من الشيعة أصحر بالحقيقة وقال: أنّه روي عن جماعة من أهل البيت ما يؤيد ذلك، أخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال: لمّا جيء بعلي بن الحسين (رضي الله عنهما) أسيراً فأُقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم فقال له علي(رضي الله عنه):أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال: نعم، قال: ما قرأت:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) قال: فإنّكم لأنتم هم؟ قال: «نعم». وروى زاذان عن عليّ كرّم الله وجهه قال: فينا في آل حم آية لا يحفظ مودّتنا إلاّ مؤمن، ثم قرأ هذه الآية، وإلى هذا أشار الكميت في قوله:

1. انظر: المحاسن:144، كتاب الصفوة، الباب(13)، الأرقام: 45ـ 48.

صفحه 79
وجدنا لكم في آل حم آية *** تأوّلها منّا تقيٌّ ومُعربُ1
ثم قال الآلوسي: والخطاب في الآية لجميع الأُمّة، فإنّهم كلّهم مكلَّفون بمودّة أهل البيت(عليهم السلام) فقد أخرج مسلم، والترمذي، والنسائي عن زيد بن أرقم: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أُذكِّركم الله تعالى في أهل بيتي». وأخرج الترمذي وحسّنه، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في الشُّعب عن ابن عباس قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أحبّوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمه، وأحبّوني لحبّ الله تعالى، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي» وأخرج ابن حبّان والحاكم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلاّ أدخله الله تعالى النار» إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة من الأخبار.2
إلاّ أنّ الذي نودّ أن نلفت إليه نظر الآلوسي هو أنّ الأمر بحبّ عترة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وإن كان كمالاً، لكنّه في الوقت نفسه طريق إلى أخذ المعارف والأحكام عنهم، وتطبيق العمل على ما يرونه صحيحاً، وإلاّ فالحبّ المكنون في القلب وإن كان له أثر طبيعي كتكريم عترته، لكنّه ليس أمراً يعادل أجر الرسالة، فيجب أن يكون أجر الرسالة (أو ما يشبه أن يكون أجراً بأي نحو من المعاني) شيئاً له دور في حياة المسلمين في سعادتهم ووحدة كلمتهم إلى غير ذلك.
وها نحن نختم هذا البحث بحديث مرويّ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نقله

1. تفسير روح المعاني:25/31.
2. تفسير روح المعاني:25/32.

صفحه 80
صاحب الكشّاف حيث قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّ آل محمد مات تائباً، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا و من مات على حبّ آل محمّد بشرّه ملك الموت بالجنّة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حبّ آل محمد يُزفُّ إلى الجنة كما تُزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا و من مات على حبّ آل محمّد فتح الله له في قبره بابين إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيساً من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنة».1
وروى أيضاً: أنّه لما نزلت هذه الآية، قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«عليّ، و فاطمة، وابناهما».2
***
أمّا الفقرة الثانية من الآية: أعني قوله تعالى:(وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) .

1. تفسير الكشّاف:3/82، تفسير سورة الشورى، طبعة عام 1367هـ .
2. تفسير الكشّاف:3/81.

صفحه 81
فقد ذكر سبحانه بعد التأكيد على المودّة في القربى، قوله: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً): أي من يكتسب فعلاً حسناً، والحسنة كلّ فعل له حُسن في مقابل السيئة، وهي كلّ فعل يوصف بالسوء، فجزاء من يقترف ذلك، أنّه سبحانه يعد بأنّه (نَزِدْ لَهُ)أي للمقترف (فيها) أي في الحسنة (حُسْناً)فهل المراد من زيادة الحسن للحسنة هو رفع نقائصها وإكمالها، أو المراد منها الزيادة في ثوابها وجزائها؟ كلٌّ محتمل. وممّا يؤيد الاحتمال الثاني قوله سبحانه:(وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)1، وقوله تعالى:(لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)2، ثم رتّب على ما سبق قوله:(إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) فلعل الإتيان بالغفور، لغاية ترغيب من اجترح السيئات في الاستغفار والتوبة، كما أنّ الإتيان بالشكور، لبيان قبول الأعمال.
ثمّ إنّه لا يبعد أن يراد بالحسنة في الآية مودّة أهل البيت(عليهم السلام) لوقوع هذه الفقرة بعد التأكيد على مودّة العترة الطاهرة، وكون المودّة موصوفة بالحسنة أمر ظاهر، لأنّ الرجل لمودتهم يقتدي بهم في حياته، ومن ثمّ يتخذ إلى ربه سبيلاً. قال الطبرسي: وصحّ عن الحسن بن علي(عليه السلام)أنّه خطب الناس فقال في خطبته:«أنا من أهل البيت الذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا)فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت».3

1. العنكبوت:7.
2. النور:38.
3. مجمع البيان:9/51. وانظر: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني: 51ـ 52، قال: خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي(عليه السلام) فقال، وذكر الخطبة.

صفحه 82
وروى أحمد البرقي بإسناده عن أبي عبد الله الجَدَليّ، قال: قال لي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: «يا أبا عبد الله، ألا أُحدّثك بالحسنة التي من جاء بها أمن من فزع يوم القيامة، وبالسيئة التي من جاء بها أكبّه الله على وجهه في النار؟» قلت: بلى، قال: «الحسنة حبُّنا، والسيئّة بغضنا».1
وأخرج نحوه ابن أبي حاتم الرازي عن أبي عبد الله الجَدَليّ.2
24. (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ):
في تفسير الآية وجهان:
الأوّل: أن تكون ذيلاً للآية السابقة، ويدلّ عليه أنّ بعض المنافقين وصفوا التأكيد على المودّة في القربى افتراءً من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على الله سبحانه والآية بصدد إبطال هذه الفكرة، وتقول:(أَمْ يَقُولُونَ): أي المنافقون (افْتَرى)النبي (عَلَى اللهِ كَذِبًا)في التأكيد على مودّة عترته.
ويؤيّد ذلك ما رواه أبو الحسن الرضا(عليه السلام) عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) قال: «اجتمع المهاجرون والأنصار إلى

1. المحاسن:150، كتاب الصفوة، الباب(20)، برقم 69. رواه الشيخ الطوسي في الأمالي:493، برقم 1080.
2. تفسير ابن أبي حاتم:9/3024، برقم 17190.

صفحه 83
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: إنّ لك يا رسول الله مؤونة في نفقتك وفيمن يأتيك من الوفود، وهذه أموالنا مع دمائنا فاحكم فيها بارّاً مأجوراً، أعطِ ما شئت وأمسك ما شئت من غير حرج، قال: فأنزل الله عزّ وجلّ عليه الروح الأمين فقال: (قُل) يا محمد (لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) يعني أن تودّوا قرابتي من بعدي، فخرجوا، فقال المنافقون: ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلاّ ليحثّنا على قرابته من بعد، إنْ هو إلاّ شيء افتراه في مجلسه، وكان ذلك من قولهم عظيماً، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية».1
الوجه الثاني: أنّ الآية ناظرة إلى ما ورد في الآية الحادية والعشرين حيث وصف فيها المشركين بقوله:(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ): أي نهجوا لهم بالتسويل والتزيين، التديّن بالشرك وغيره، وهنا عاد البيان القرآني ليذكر سبباً آخر، وهو أنّ سبب بغض النبي تصوّرهم أنّه افترى على الله كذباً، فهذان الأمران صارا سبباً للتديّن بالشرك.
ثمّ إنّه سبحانه يريد أن يردّ اتهام النبي بالافتراء بقوله: ( فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ): أي لو افترض الافتراء فالله سبحانه لا يرتضي الافتراء عليه، فيختم على قلبك، أي يسدّ باب الوحي إليك، لكنّك لمّا كنت صادقاً يوحي إليك(وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ): أي بما أوحى إليك. وكيف يمكن أن تفتري على الله والله سبحانه يجعل صدرك مهبطاً للوحي مع (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

1. عيون أخبار الرضا(عليه السلام):1/213، الباب 23(ذكر مجلس الرضا(عليه السلام) مع المأمون في الفرق بين العترة والأُمّة).

صفحه 84
وما ذكرناه من تفسير تلك الفقرة قريب ممّا قاله الطبرسي:( فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ): أي لو حدَّثتَ نفسك بأن تفتري على الله كذباً لطبع الله على قلبك ولأنساك القرآن، فكيف تقدر أن تفتري على الله؟ وهذا كقوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)1.2
وحصيلة الكلام: أنّ الآية تذكر دليلاً منطقياً على أنّ ما يتلوه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من الوحي، هو أمر حقيقي ليس فيه افتراء، وذلك لأنّه بُعث بالآيات البيّنات والمعاجز الكثيرة التي أثبتت أنّه منسوب إلى الله سبحانه ومخبر عنه، فآمنت به طوائف من الناس، فلو فرضنا فرضاً محالاً أنّ مثل هذا الرجل تقوّل وافترى على الله، فإنّ الحكمة الإلهية تقتضي أن يقطع عنه الوحي ويترك حمايته بل يفضحه، وحيث لم يكن واحد منها، دلّ ذلك على أنّه صادق مصدّق، وقد جاء هذا البرهان في سورة الحاقّة، حيث قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لاََخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)3.
سورة الشورى: الآيات 25 ـ 31   …

الآيات: الخامسة والعشرون إلى الحادية والثلاثين

(وَهُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

1. الزمر:65.
2. مجمع البيان:9/51.
3. الحاقّة:44ـ 46.

صفحه 85
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ * وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَر مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّة وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبَِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير).

المفردات:

يستجيب: أي يجيب دعاء المؤمنين إذا دعوا.
البسْط: السعة.
البغي: الظلم ومجاوزة الحدّ.
بقدَر: أي بتقدير.
الغيث: المطر، والفرق بينهما هو أنّ الغيث ما يكون نافعاً في وقته، والمطر قد يكون نافعاً وقد يكون ضارّاً في وقته وغير وقته.
قنَط: يئس.
رحمته: منافع الغيث التي يستفيد منها الإنسان والحيوان والنبات.

صفحه 86
الوليّ: الذي يتولّى عباده ويرفع حاجاتهم.
الحميد: المستحق للحمد على نعمه.
الدابّة: كلّ ما يدب في الأرض.
مُعجزين: أي جاعلين الله عاجزاً بالهرب منه.

التفسير

25. (وَهُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ):
لما تقدّم في الآية الثانية والعشرين ذكر مآل الظالمين يوم القيامة، وأنّ أفئدتهم تمتلئ إشفاقاً وخوفاً ممّا كسبوا، وتقدّم فيها أيضاً ذكر عاقبة المؤمنين وأنّهم يتنعّمون في روضات الجنّات، عاد البيان القرآني ليفتح للطائفة الأُولى(الظالمين) باب الأمل مادام العمل يُرفع، والأقلام جارية، وذلك بقوله سبحانه: (وَهُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ)ففيه حثّ على التوبة وبشارة لقبول توبتهم ممّا كانوا فيه من الشرك(وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) من الأعمال خيرها وشرّها. وفي هذا البيان ترغيب وفي الوقت نفسه ترهيب للمشركين والعصاة، وبأنّ باب التوبة مفتوح وأنّ اليأس من رحمة الله أمر باطل.
ثمّ عاد إلى ذكر الطائفة الثانية فقال:

صفحه 87
26. ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ):
قوله:(وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): أي ويجيب الله الذين آمنوا إذا دعَوه، فقوله: (الّذين آمنوا)، في موضع المفعول، وأجاب واستجاب بمعنى واحد، أو هو في موضع النصب بنزع الخافض، أي ويستجيب الله للّذين آمنوا. ويُحتمل أن يراد: ويستجيب لهم ما يرجونه منه من ثواب، ولعلّ الثاني أوقع لقوله: (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ): أي يعطيهم من الثواب أكثر، وفي آخر الآية يختمها بقوله:(وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ)فالآية تتضمّن ترغيباً وترهيباً ووعداً ووعيداً.
27. (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَر مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ):
لمّا كانت هناك مظنّة سؤال وهو أنّه سبحانه وعد أنْ يستجيب دعاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولكنّ كثيراً منهم يلتمسون الغنى، فلا يصيبهم ويطلبون البسط في الرزق، فلا يستجاب لهم، فجاءت هذه الآية جواباً عن هذا السؤال بأنّ تقسيم الأرزاق نابع عن محاسبة دقيقة من جانب الخالق في مورد عباده، ويشهد لذلك قوله في ذيل الآية:(إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) فهو يرزق كلّ شخص وفق ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، فإنّ كثرة المال مدعاة للأشر والبطر، والاستكبار والطغيان، يقول سبحانه:(كَلاَّ إِنَّ

صفحه 88
الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى)1، ولأجل ذلك ربما لا يستجاب دعاء العباد، كما يقول:(وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ)لأجل صيانة العباد عن البغي(يُنَزِّلُ بِقَدَر): أي بمقدار وتعيين خاص (مَا يَشَاءُ)الله سبحانه لا ما يشاؤه العباد، (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ)بمصالحهم(بَصِيرٌ)بأحوالهم.
وللوقوف على بعض ما يتعلّق بالرزق من حِكَم وأسرار، نأتي بهذه الرواية، ثمّ بكلام للإمام علي(عليه السلام):
روى الثعلبيّ عن أنس عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل عن الله عزّ وجلّ من حديث طويل:«... وأنّ من عبادي لَمن لا يصلحه إلاّ السقم ولو صححته لأفسده، وأنّ من عبادي لمن لا يصلحه إلاّ الصحّة ولو أسقمته لأفسده، وأنّ من عبادي لمن لا يصلحه إلاّ الغنى ولو أفقرته لأفسده، وأنّ من عبادي لمن لا يصلحه إلاّ الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، إنّي أُدبّر عبادي لعلمي بقلوبهم».2
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أمّا بعد، فإنّ الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطرات المطر إلى كلّ نفس بما قُسم لها من زيادة أو نقصان، فإنْ رأى أحدُكم لأخيه غفيرةً في أهل أو مال أو نفس فلا تكونن له فتنة(إلى أن قال): وكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة ينتظر من الله إحدى الحسنيين: إمّا راعي الله فما عند الله خيرٌ له، وإمّا رزق الله فإذا هو ذو أهل ومال. ومعه دينُهُ وحَسَبُهُ. وإنّ المال حَرْث الدنيا، والعمل الصالح حرثُ

1. العلق:6و7.
2. الكشف والبيان(تفسير الثعلبي): 8/318. وانظر: مجمع البيان:9/53ـ54.

صفحه 89
الآخرة، وقد يجمعُهما الله لأقوام».1
28.( وَهُوَ الذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ):
تحدّثت الآية السابقة عن الرزق وأنّه سبحانه ينزّل بقدَر ما يشاء، فعطف عليه نزول الغيث لأنّه أساس كلّ الأرزاق، وهو من النعم الدنيوية التي بها قوام الحياة في الإنسان والحيوان والنبات، فقال سبحانه تذكيراً بهذه النعمة العظمى وقصر إنزاله إلى نفسه:(وَهُوَ الذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ) لا غيره ردّاً على مشركي زمانه بأنّهم كانوا يستمطرون بالأنواء، وهذا من شؤون ربوبيته سبحانه، ولكن تخصيص إنزال الغيث بنفسه لا ينافي وجود العلل والأسباب الطبيعية التي يستند وجودها وسببيتها إلى الله سبحانه وهي في الوقت نفسه من سنن الله تبارك و تعالى. ومن يزعم أنّ توحيد الربوبية عبارة عن إنكار العلل الطبيعية والاعتقاد بعلّة واحدة وهي الله سبحانه فقد خطأ خطأً عظيماً، ونازع العلوم الطبيعية وصريح الآيات القرآنية، وهذا هو الذكر الحكيم يسند إثارة السحاب إلى الرياح ويقول: (اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ)2، وفي آية أُخرى: (وَ اللهُ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مَيِّت)3، وفي ذات

1. نهج البلاغة: الخطبة23(وغفيرة: زيادة وكثرة).
2. الروم:48.
3. فاطر:9.

صفحه 90
الوقت يسند حركة السحاب إلى نفسه تعالى ويقول:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا)1 وكلتا النسبتين صحيحتان لأنّ الرياح جند من جنود الله ومأمورة من جانبه، ثم يذكر سائر العوامل الطبيعية لنزول المطر التي منها التأليف بين السحب المتفرّقة على وجه يكون بعضه فوق بعض وعندئذ يخرج المطر من خلال السحاب ويقول: (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ)2، فكلّ من هذه العلل التي تتفاعل بأمر الله سبحانه له سببية في نزول الغيث، والجميع، وجودُه وحركتُه وأَثرُه من الله سبحانه.
فالله سبحانه ينزّل الغيث( مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا) ويئسوا (وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ)كناية عن توزيع الأمطار على الأراضي، لماذا؟ لأنّه (وَهُوَ الْوَلِيّ)من يتولّى أمر مواليه، والعباد موالي والله سبحانه وليّهم (الْحَمِيدُ) هو المستحق للحمد على نعمه.
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله): هذه استعارة وليس المراد أنّ هناك رحمة كانت مطويّة فنُشرت، وخفيّة فأُظهرت، وإنّما معنى الرحمة هاهنا الغيث المنزل لإحياء الأرض وإخراج النبت، ونشره عبارة عن إظهار النفع به وتعريف الخلق عواقب المصالح بوقعه.3
29.(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّة وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ):

1. النور:43.
2. النور:43.
3. تلخيص البيان في مجازات القرآن:249.

صفحه 91
كانت الآية السابقة ناظرة إلى التوحيد في ربوبيته وأنّه سبحانه بيده إنزال الغيث الذي به حياة ذوي الأرواح، فانتقل في هذه الآية إلى بيان الحجج الدالّة على التوحيد في الخالقية، فقال:(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا): أي في السماوات والأرض (مِنْ دَابَّة) والدابّة عبارة عن كلّ ما يدبّ ويتحرّك في الأرض، فأمّا بثّ الدابّة في الأرض فواضح، وأمّا بثّ الدابّة في السماوات فلأجل الطير لأنّه إذا نزل الأرض مشى ودبّ فيها، وعلى هذا فأُريد من مرجع الضمير ـ أعني: (فِيهِما) ـ هو الجو الذي يتراءى كقبة زرقاء.
نعم ربما يقال: المراد من بثّ الدابّة في السماوات، هو الملائكة، ولكنّه غير صحيح لعدم صحّة إطلاق الدابّة عليهم.
نعم لو ثبت أنّ في السماوات العليا وفي هذه السيّارات موجودات حيّة تدبّ فيها لكانت الآية متضمّنة لخبر علمي لم يُكشف بعد، وبما أنّه غير معلوم لدينا فلنقتصر في تفسير الآية على ما ذكرنا، ويكون معنى الآية أنّه سبحانه خالق السماوات والأرض وكلّ ما بثّ في الفضاء والأرض من دوابّ.
فالله سبحانه وإن بثّ كلّ دابّة في السماوات والأرض ولكنّ
البثّ والجمع بيده (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) فالقادر على خلق السماوات والأرض وما فيهما من دابّة، قادر على جمعهم في الوقت الذي يشاء.

صفحه 92
30. (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبَِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير):
تحدّثت الآية السابقة عن نزول المطر بعد القنوط والأياس من نزوله. ولا ريب في أنّ انعدام تساقط الأمطار لفترة زمنية طويلة يُعدّ من المصائب والشدائد التي يتعرّض لها الناس، لِما يُحدثه من جفاف وقحط وتأثير سلبيّ على مظاهر الحياة، وهذه الآية تحدّثت عن سبب هذه المصيبة وسائر المصائب التي تحلّ بالناس، وأنّها من نتائج أعمالهم، فعمل الإنسان بل عمل المجتمع له تأثير في الكون، وأنّ هناك صلة بين حسن العمل وبسط العدل، وبين عطف الكون عليه، كما أنّ هناك صلة بين العمل السيِّئ وشيوع الظلم، وعدم ضنّ الكون عليه، وهذا هو الذي أخبر عنه الوحي وإن لم تتوصّل إليه العلوم التجريبية، ولذلك يقول:(وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة)كالقحط والغلاء أو نزول البلاء كالوباء (فَبَِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ): أي لأجل أعمالكم السيّئة. وإنّما نسب الكسب إلى الأيدي لأنّها السبب الغالب في المعاصي والطاعات، ومع ذلك كلّه فالله يغفر (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير)ولكن يمهل ولا يهمل، وعفوه في الدنيا ليس دليلاً على إهماله في الآخرة، وقد أُشير إلى هذه الضابطة في بعض الآيات، قال سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)1، فقوله: (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذِي عَمِلُوا)تعبير آخر عن قوله:

1. الروم:41.

صفحه 93
(وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير)وقال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)1.
والظاهر أنّ الخطاب في قوله:(مَا أصَابَكُم) خطاب للمجتمع، فقد علّق سبحانه نزول المصائب على فعل السيئات في الجمع ويقابله نزول البركات على فعل الحسنات، وهذا ما صرّح به النبي نوح(عليه السلام) مخاطباً قومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)2، نعم هذه سنّة إلهية وهناك سنّتان أُخريان، وهما:
أوّلاً: ابتلاء الصالحين بالمصائب والآلام لغاية الابتلاء، إذ عند ذلك تظهر الكمالات المكنونة في وجودهم، ولولا هذا الابتلاء لبقي الكمال موجوداً بالقوّة.
وثانياً: وفرة الخبرات والنعم في يد المفسدين والمشركين، وما هذا إلاّ لغاية الاستدراج، قال سبحانه: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)3، وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ).4

1. الرعد:11.
2. نوح:10ـ 12.
3. آل عمران:178.
4. الأعراف:182 و 183، ولاحظ: سورة القلم:44 و 45.

صفحه 94
وعلى كلّ تقدير فكلّ من السنن الثلاث من حكم الله سبحانه:
أ. بسط الخيرات وقبضها تبعاً لأعمال العباد من حسنات وسيئات.
ب. ابتلاء بعض المقرّبين ببعض المصائب لغاية التمحيص وإظهار ما في نفوسهم من الكمالات بالقوّة إلى ما بالفعل.
ج. التوسّع في النعم على المسرفين والظالمين لغاية الاستدراج.
فعلى هذا فقوله:(فَبَِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) بيان للسبب فيختصّ بالبالغين، وأمّا ما يصيب الأطفال من المصائب، فليس داخلاً في المراد من الآية، لأنّ المتبادر من الآية أنّ المصائب نوع جزاء لعصيان العاصي وخطئه، والأطفال والمجانين خارجون عن التكليف، فلابد أن توجّه الشرور التي تصيبهم بأسباب أُخرى.
31. ( وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير):
سورة الشورى: الآيات 32 ـ 35   …
صلة الآية بما قبلها واضحة لأنّ السابقة تحدّثت عن أنّ المصائب والنوائب نتيجة أعمال الإنسان وأنّه سبحانه سيجزيه في الحياة الدنيوية وفقاً للأعمال، فيعود البيان القرآني في هذه الآية بأنّ هذه سنّة قطعية ليس لأحد الانفلات عنها، ويقول:(وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ): أي ما أنتم يا معشر المشركين والعصاة بمعجزين في الأرض، منفلتين عن هذه السنّة (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ) يدفع عنكم عقابه(وَلا نَصِير) ينصركم، فالمتولّي لأُموركم في الحياتين: الدنيوية والأُخروية، وموصل الخيرات،

صفحه 95
ودافع الشرور، ليس إلاّ هو سبحانه.
وعلى هذا فالآيات من قوله: (وَهُوَ الذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ) إلى آيتنا هذه، تهتمّ بتوحيدين: التوحيد في الربوبية، والتوحيد في الخالقية.
وممّا يجدر ذكره أنّه قد ورد في سورة العنكبوت قوله سبحانه:(وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير )1، والاختلاف بين الآيتين وجود لفظ (السماء) في هذه الآية دون المقام، وعلى أي تقدير فالله سبحانه هو القادر المطلق وغيره مخلوق خال عن أيّ إمكان وقدرة، فما يملك من حياة وقدرة وبطش فمن الله سبحانه، فهو في كلّ لحظة يكتسب القدرة منه سبحانه، وبقطع الصلة بينه وبين الخالق يكون معدوماً مطلقاً، فكيف يمكن له أن يفلت من قبضة الله أو يعجزه في الأرض والسماء؟

الآيات: الثانية والثلاثون إلى الخامسة والثلاثين

(وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ *إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور *أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِير * وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص).

1. العنكبوت:22.

صفحه 96

المفردات

الجوار: السفن الجارية.
الأعلام: واحدها علَم وهو الجبل، قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
وإن صخراً لتأتمُّ الهُداة بهِ *** كأنّه علَم في رأسه نارُ
يُسكن: أي يجعل الريح ساكنة لا تموج.
رواكد: ثوابت.
صبّار: كثير الصبر.
شكور: كثير الشكر.
يوبقْهنّ: الإيباق: الإهلاك والإتلاف.
المَحيص: المَعْدِل، والملجأ.

التفسير

32.(وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ):
عدّ سبحانه الفُلك الجارية في البحر من دلائل قدرته وقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ) وفي المصاحف: الجوارِ بحذف الياء، مثل قوله تعالى: (يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ)1 وقد تبع القرّاء وكتّاب المصاحف المصحف

1. ق:41.

صفحه 97
العثماني الذي كتب فيه اللفظان بحذف الياء وفي الوقت نفسه أضافوا الياء في لفظ آخر أعني في قوله: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد)1، فلم يكن الحذف ولا الإثبات تابعاً لضابطة إلاّ كون الخط العربي في ذلك العصر على ذلك النمط وهو إن دلّ فإنّما يدلّ على نقصان الخط في ذلك العصر، ولا يضرّ ذلك بإعجاز القرآن وكرامته; لأنّه معجز بمضامينه ومعانيه وألفاظه التي نزلت على قلب سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ إنّه سبحانه يشبّه وجود السُّفن الضخمة على سطح البحر بالجبال الشامخات، وأمّا وجه كونها من آياته فيعلم من الآية التالية.
33. (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور):
فبما أنّ تدبير العالم كلّه ـ ومنه أمر الريح ـ بيده سبحانه فلو شاء لأسكن الريح وأوقفها فتظلّ السفن ثوابت رواكد على سطح الماء لا تجري ولا تتحرّك، كما يقول: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ): أي تلك السفن (رَوَاكِدَ) ساكنات في مكانها (عَلَى ظَهْرِهِ): أي على ظهر البحر.
وعند ذلك يظهر معنى قوله سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ)حيث إنّ تدبير السفن من حيث السير والوقوف تابع لحركة الرياح وثباتها وهي بيد الله سبحانه.

1. الذاريات:47.

صفحه 98
وبما أنّ ركّاب السفن يعيشون بين الخوف والرجاء فالخوف يدعو إلى الصبر، والرجاء يدعو إلى الشكر، قال سبحانه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار) عند ركود الرياح وثبات الفلك على ظهر البحر (شَكُور) عند جريان الرياح نحو المكان المقصود.
إلى هنا تبيّن مفاد الآيتين وأنّ حركة السفن في البحار من آياته، إنّما الكلام في صلة الآيتين ومابعدهما بما قبلهما، ولعلّ وجه الصلة أنّ الآية السابقة تحدّثت عن أنّ المصائب التي تصيب الإنسان رهن عمله وما كسب، وبما أنّ الفلك الجارية في البحار بين غارقة وناجية فلو غرقت وأغرقت أهلها، فهذا لأجل ما كسبوا من الأعمال كما يقول في الآية التالية:
34. (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِير):
أي يهلك السفن الجواري، والضمير في (يُوبِقْهُنَّ) وإن كان يرجع إلى الجواري ولكنّها باعتبار سكّانها وركّابها، فهلاك الجواري كناية عن هلاك ركّابها، فلو أُغرقوا فبما كسبت أيديهم، ومع ذلك كلّه فالله سبحانه لا يأخذ الكلّ بأعمالهم وإلاّ لعمّ الغرق أكثر السفن، ولذلك يقول: (وَيَعْفُ عَنْ كَثِير): أي عن كثير من أعمالهم. وقد ورد هذا المضمون في آية أُخرى، قال تعالى:(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى)1
سورة الشورى: الآيات 36 ـ 43   …
35. ( وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص):

1. فاطر:45.

صفحه 99
القراءة المشهورة هو (يَعْلَمَ) بالنصب، وعلى هذا فيلزم تقدير كلام، مثل قوله: لتظهر به قدرته ويعلم الذين يجادلون في آياتنا وينكرونها ما لهم من محيص، أي ما لهم من مفرّ ولا مخلص، فإنّ عجْز الإنسان الراكب في السفينة أوضح دليل على عجزه أمام إرادة الله سبحانه، حيث إنّ أمر حياته بيد الله سبحانه، ولو قلنا أنّ الآيات الثلاث (33ـ35) بصدد بيان توحيد التدبير وأنّه لا مدبّر في الكون إلاّ الله سبحانه، لم يكن بعيداً.

الآيات: السادسة والثلاثون إلى الثالثة والأربعين

(فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).

صفحه 100

المفردات

أوتيتم: أُعطيتم.
فمتاع: المتاع: ما يُتمتّع به.
كبائر الإثم: أعاظمها التي تستعقب الحدّ.
استجابوا: أجابوا داعي الله.
الشورى: ضرب الرأي في الرأي.
البغي: الظلم.
ينتصرون: ينتقمون.
سبيل: أُريد به هنا اللوم والمؤاخذة.
عزم الأُمور: العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر، والمراد به هنا هي الأُمور والأفعال التي نُدب إليها ولم يُرخَّص بالتهاون فيها، وهي رهن عزم راسخ.

التفسير

لمّا سبق في الآية السابعة والعشرين أنّه يعطي عباده من الرزق بتقدير معلوم وفق ما تقتضيه مشيئته وحكمته، كشف البيان القرآني هنا عن حقيقة ما يعطى للعباد في هذه الحياة الدنيا، وأنّه محدود الأجل، نافد بائد، كما قال:

صفحه 101
36. (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ):
قوله تعالى:(فَمَا أُوتِيتُمْ): أي أُعطيتم (مِنْ شَيْء فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): أي هو شيء يُنتفَع به عاجلاً، وهو زائل ليس بباق، فعلامَ الإعجاب والافتتان به؟ وأمّا متاع الآخرة فهو أمر باق لا يزول، كما يقول:(وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى) فارغبوا فيه وسابقوا إليه. ولمّا كانت هنا مظنّة سؤال وهو أنّ الحياة الأُخروية بمن تتعلّق؟ أجاب سبحانه بأنّها تتعلّق بالمؤمنين، فقال: (لِلَّذِينَ آمَنُوا): أي لا لمن أشرك، لأنّ المشرك لا يؤمن بيوم القيامة وما عند الله من النعم الدائمة.
ثم تطرّق البيان القرآني إلى ذكر صفات هؤلاء المؤمنين وخصائصهم، فذكرت هذه الآية أوّل تلك الصفات وستذكر الآيات التالية بقيّة الصفات، ونحن سنذكرها هنا إجمالاً ثم نشرحها في محلّها، وهي:
أ. التوكّل على الله.
ب. الاجتناب عن كبائر الإثم والفواحش.
ج. العفو عند الغضب.
د. الاستجابة للربّ.
هـ. .إقامة الصلاة.
د. التشاور فيما بينهم في مهامّ الأُمور.
ز. الإنفاق ممّا يُرزقون.

صفحه 102
ح. الانتصار عند التعرّض للبغي.
ط. التعامل بالمثل عند الاعتداء.
ي. الإصلاح والعفو رجاء عفو الله سبحانه.
وربّما يتراءى في بادئ النظر وجود التنافي بين هذه الخصال، فمن جانب تأمر الآيات بالعفو عند الغضب وتؤكّد ذلك بالدعوة إلى العفو والإصلاح رجاء أجر الله سبحانه، ومن جانب تؤكّد على الانتصار والانتقام عند الظلم، وسيتبيّن عدم وجود التنافي بين هذه الصفات التي يتحلّى بها المؤمنون.
إذا عرفت ذلك فلنعد إلى تفسير الآيات:
أ. (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وربّما يفسّر بأخذ الله وكيلاً في كلّ الأُمور، وهذا التفسير تفسير خاطئ، إذ لو كان الإنسان موكلاً والله سبحانه وكيلاً، فمن المعلوم أنّ الوكيل يقوم بعامّة الأُمور دون الموكل مع أنّه سبحانه أمرنا بالتمسّك بالأسباب، وعلى هذا فمعنى قوله: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) هو أنّ المؤمن يكون متوكّلاً بمعنى أنّه يقبل المسؤولية، ويأخذ بالسنن والأسباب، غاية الأمر أنّه يوقن أنّ هذه الأسباب هي من مظاهر قدرة الله سبحانه وأنّها خاضعة لمشيئته، ولا تعمل عملها إلاّ بإذنه، فليس المتوكّل موكلاً بل المتوكّل مَن يتحمّل مسؤولية الوكالة مستعيناً بالله على أدائها، والشاهد على ذلك استعمال التوكّل مع حرف الجر(على) حاكياً عن اعتماده على الله سبحانه، وسيوافيك توضيح ذلك في تفسير سورة

صفحه 103
الطلاق، أعني: قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).1
37. (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ):
اشتملت هذه الآية على ذكر خصلتين من خصال المؤمنين ألا وهما:
ب. الاجتناب عن كبائر الإثم والفواحش، فكأنّ الآثام على قسمين: صغير وكبير، وقد وصف الله سبحانه كلاًّ من الخمر والميسر بالإثم الكبير وقال: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ).2
كما وصف سبحانه كلاًّ من الزنا واللواط بالفاحشة، قال تعالى: (وَ لاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً)3 ووصف عمل قوم لوط بذلك أيضاً، قال تعالى:(أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ).4
والفواحش جمع فاحشة وهي الأفعال الموصوفة بالشناعة، ولذلك لا تقسّم إلى كبائر وصغائر.
ج. الغفران عند الغضب: بما أنّ بعض الآثام والفواحش ـ كالقتل والشتم ـ يصدر عن الإنسان عند استيلاء الغضب عليه، أردف سبحانه ذلك بذكر الصفات التالية للمؤمنين لغاية صيانتهم عن ارتكابها، وقال: (وَإِذَا مَا

1. الطلاق:3.
2. البقرة:219.
3. الإسراء:32.
4. النمل:54.

صفحه 104
غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ): أي يمسكون أنفسهم عن الانجرار إلى ما تقتضيه حالة الغضب من مقابلة الإساءة بمثلها أو أكثر.
وبما أنّ الغرض هو الدعوة إلى المغفرة في حالة الغضب لا حصر المغفرة في صورة واحدة فقط وهي وجود الغضب، لذلك قال: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)ولم يقل: ويغفرون عندما يغضبون، حتى ينحصر الغفران بصورة واحدة وهي وجود الغضب.
38.(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ):
تحدّثت هذه الآية باختصارها عن أربع خصائص للمؤمنين وهي:
د. الاستجابة لربّهم، قال تعالى:(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ) والمراد من الاستجابة للربّ هي الاستجابة للربّ عن طريق امتثال ما يأمر به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال سبحانه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)1، وبما أنّ السورة مكيّة فالآية تكون مشيرة إلى كلّ ما يأمر به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وما ينهى عنه في مستقبل أمره، فتشمل الآية التشريع الفعلي، وما سيأتي في المستقبل.
هـ. . إقامة الصلاة: وهذا من قبيل ذكر الخاص بعد العام، فإنّ إقامة

1. الأنفال:24.

صفحه 105
الصلاة أوّل ما دعا إليه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وهي غير أداء الصلاة، فالثاني أمر فرديّ، والأوّل أمر اجتماعي، ولذلك يصف القرآن الأُمّة المسلمة بأنّها تقيم الصلاة عند التمكّن والقدرة، حيث قال: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)1.
و. (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) والشورى مصدر (كالفتيا) بمعنى المشورة، وهي عبارة عن ضرب الرأي في الرأي، فإنّ الإنسان المستبدّ يعتمد على رأيه ولا يقيم وزناً لرأي الآخرين، ولذلك كثيراً ما يتخبّط في حياته، وأمّا الإنسان الرشيد فلا ينفرد برأيه دون مشاورة ذوي الرأي، ولذلك ورد عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «استرشدوا العاقل ولا تعصوه فتندموا»2.
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا مظاهرة أوثق من المشاورة»3.
وعن الإمام الصادق عن أبيه(عليه السلام) قال: قيل: يا رسول الله ما الحزم؟ قال: «مشاورة ذوي الرأي واتّباعهم».4
وقال الإمام علي(عليه السلام) في وصيته إلى ابنه محمد بن الحنفية:«أُضمم آراء الرجال بعضها إلى بعض ثم اختر أقربَها إلى الصواب وأبعدَها من الارتياب. قد خاطر بنفسه مَن استغنى برأيه، ومَن استقبل وجوه الآراء

1. الحج:41.
2. وسائل الشيعة: 8 / 409، الباب9 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1.
3. وسائل الشيعة: 8 / 424، الباب21 من أبواب أحكام العشرة، الحديث2.
4. وسائل الشيعة:8/424، الباب 21 من أبواب أحكام العشرة، الحديث1.

صفحه 106
عرف مواقع الخطاء».1
وقال(عليه السلام): «الاستشارة عَين الهداية».2
وقال أيضاً: «مَن استبدّ برأيه هَلَكَ، ومَن شاوَرَ الرجالَ شاركَها في عقولها».3
وقد قام الشيخ الحر العاملي بجمع الأحاديث الواردة حول المشورة في كتاب وسائل الشيعة فمن أراد التوسّع فليرجع إليه.4
وما أجمل أبيات بشّار بن بُرد في المشورة:
إذا بلغ الرأيُ المشورة فاستعنْ *** برأي نصيح أو نصيحة حازمِ
ولا تجعلِ الشورى عليك غضاضةً *** فإنّ الخوافي قوّةٌ للقوادمِ
وما خيرُ كفٍّ أمسك الغُلُّ أُختها *** وما خيرُ سيف لم يؤيَّد بقائمِ

الشورى وشكل الحكم في الإسلام

لمّا أنكر أتباع مدرسة الخلفاء أن يكون تعيين الخليفة بالنصّ الإلهي

1. وسائل الشيعة:8/429، الباب 25 من أبواب أحكام العشرة، الحديث2.
2. نهج البلاغة: الحكمة211.
3. نهج البلاغة: الحكمة 161.
4. راجع: وسائل الشيعة: ج8، أبواب أحكام العشرة، الباب9، 10، 21، 22، 23، 24، 25، 26، و...

صفحه 107
المبلَّغ من قبل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، انتزعوا من واقع ما جرى بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نظريتهم السياسية في الحكم وذهبوا إلى أنّها تقوم على الاختيار، ثمّ بحثوا عمّا يدعم تلك النظرية، فجعلوا من مسألة الشورى مبدأً لها.
وقد حاول عدد من متكلّمي السنّة وكتّابهم أن يلتمس من الكتاب المجيد ما يشهد لاعتبار الشورى مبدأً لنظرية الاختيار من أجل إسباغ صفة الشرعية عليه، فأوردوا لذلك هذا المقطع من الآية التي نحن بصددها، أعني قوله:(وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُم)، والمقطع الآخر من الآية(159) من سورة آل عمران، أعني قوله: (وَشاوِرْهُمْ في الأَمْرِ).
والاستدلال بالمقطع الأوّل لا يتمّ للأمرين التاليين:
1. أنّه وصف خبري لطائفة من المؤمنين، كانوا يتشاورون فيما بينهم في أُمورهم الخاصّة، والقول بإطلاقه ليشمل التشاور بينهم في أمر تعيين الخليفة لا دليل عليه، فالنزاع في المقام إنّما هو في مسألة الخلافة نفسها، وهل هي مفوّضة إلى الأُمّة، أو هي أمر مختصّ بالسماء؟ ومادام لم يحرز كون هذه المسألة من مصاديق هذا المقطع لم يجز التمسّك بعمومه في مورده، ولا يصحّ الاحتجاج به على أنّ الشورى هي أساس شكل الحكم في الإسلام.
2. أنّ الله تعالى عنى بهذه الآية الأنصار، وممّن قال ذلك: عبد الرحمان بن زيد، والضحّاك، والنقّاش. وإلى ذلك ذهب جمعٌ من المفسّرين، منهم: البيضاوي، وأبو البركات النسفي، ونظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري، وابن عاشور التونسي، الذي قال، وهو يفسّر قوله

صفحه 108
تعالى:(وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُم): وقَد عُرف الأنصار بذلك، إذ كان التشاور في الأُمور عادتهم، فإذا نزل بهم مهمّ اجتمعوا وتشاوروا، وكان من تشاورهم الذي أثنى عليهم به، هو تشاورهم حين ورد إليهم نقباؤهم وأخبروهم بدعوة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن آمنوا هم به ليلة العقبة، فلمّا أبلغوهم ذلك اجتمعوا في دار أبي أيوب الأنصاري، فأجمع رأيهم على الإيمان به، والنصر له.1
وللاطّلاع أكثر على موضوع الشورى، راجع الجزء العاشر من موسوعتنا «مفاهيم القرآن».2
ز. (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)، والإنفاق من كلّ ما رزق الإنسان من المال والفكر والتجربة وغير ذلك ينفق منه للمحتاجين، وبما أنّ «من» في «ممّا» تبعيضية تشير إلى إنفاق البعض لا إنفاق الكلّ، وما هذا إلاّ لأنّ الأُمّة الإسلامية كالجسد الواحد يدعم بعضهم بعضاً ويشارك كلّ جزء مع الجزء الآخر في رفع الحاجة، وقد أكّدت آيات كثيرة على الإنفاق، وأرشدت إلى الاعتدال في الإنفاق، بلا إفراط أو تفريط، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)3.
39. (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ):

1. التحرير والتنوير:25/170ـ171.
2. مفاهيم القرآن:10/98. وانظر: واحة اليقين:227، طبعة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1334هـ .
3. الفرقان:67.

صفحه 109

ح. الانتصار عند التعرّض للبغي

ترى أنّه سبحانه يكرّر الموصول(الَّذِينَ) في غالب الآيات وقد ذكر كلمة (وَالَّذِينَ) في أغلب الآيات تأكيداً للموضوع، وقال في المقام:(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ): أي إذا أصابهم الاعتداء على الحق فعندئذ لا يسكت المظلوم أمام بغي الظالم، فيطلب النصر من إخوانه لدفع البغي اللاحق بأخيه، فالمراد من (يَنْتَصِرُونَ) هو طلب النصر ممّن ينصره، قال الراغب:الانتصار والاستنصار: طلب النصرة.1
ولذلك وجب على الآخرين نصر المظلوم لرفع البغي، قال سبحانه:(فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ)2، والظاهر أنّ الآية تعمّ بغي المؤمن على المؤمن وبغي المشرك عليه أيضاً، وما يظهر من تفسير ابن عاشور من اختصاص الآية ببغي المشرك على المسلم حيث يقول: إنّ هذه الآية مقدّمة لقوله سبحانه:(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)34، غير تام، والظاهر هو العموم بشهادة آية سورة الحجرات، كما هو الحال في قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«مَن سمع رجلاً ينادي يا لَلمسلمين فلم يجبه، فليس بمسلم». وبما أنّ الانتصار والانتقام من العدو ربما يؤدّي إلى الاعتداء، يؤكّد البيان

1. مفردات الراغب:495، مادة «نصر».
2. الحجرات:9.
3.الحج:39 .
4. التحرير والتنوير:25/172.

صفحه 110
القرآني على التساوي في الانتقام، ويقول:
40. (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ):

ط. التعامل بالمثل عند الاعتداء

إنّ جزاء المعتدي ليس سيئة إذا كان معادلاً للظلم، وإنّما وُصف بالسيئة هنا لأجل المشاكَلة، ولذلك قال:(وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، وفي الوقت الذي يؤكّد فيه سبحانه على الانتصار وعلى الاعتدال في الانتقام، يحثّ أيضاً على التحلّي بخصلة سامية، وهي العفو والصلح لأجله سبحانه، حيث قال: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ)، ونحو ذلك قوله سبحانه:(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)1.

ي. الإصلاح والعفو رجاء أمره سبحانه

أي له الانتصار والأخذ بحقّه ممّن اعتدى عليه، ومع ذلك( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ)، وهذا يختصّ بما إذا كان الباغي مؤمناً، بقرينة قوله:(فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ)، إذ لا أجر لمن عفا عن الباغي المشرك وأصلح وتركه على فعله.
ولمّا كانت هناك مظنّة وهْم، وهي أنّ في هذه الخصلة حماية للظالم

1. النحل:126.

صفحه 111
بشهادة أنّه يؤكّد على العفو والصلح، جاء البيان القرآني لردّ هذا الوهم قائلاً:(إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) وإنّما أمر بالعفو والصلح لأجل ترغيب المظلوم فيما وراء العفو من أجر جزيل، وليس في ذلك إلغاء لحقّ انتصاره، فالمؤمن مخيّر بين أمرين:
1. الانتصار والانتقام.
2. العفو والصلح.
ولكلٍّ مزيّة، ولكلٍّ مقام، فلو كان الانتصار مؤثراً في قلع الظلم وضرره، يقدَّم على العفو والصلح، وإذا كان العفو والصلح مؤثراً في استيلاء الصلح على المجتمع وثباته، فهو يقدّم.
ولأجل إفادة تلك الغاية وأنّ الهدف هو الدعوة إلى الأجر الجزيل لا إلغاء حقّ المظلوم، يقول سبحانه:
41. (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل):
وذلك لأنّه قام بأخذ حقّه ولم يتجاوز، فلا يلام ولا يلمز ولا يُتبع بشيء، وهذا هو المراد من قوله:(فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل).
نعم (سَبِيل) بمعنى اللوم والمؤاخذة وإجراء الحدود، هو على المعتدين، كما سيذكره في الآية التالية.
42. ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):

صفحه 112
فلمّا نفى كون السبيل على مَن انتصر بعد ظلمه، بيّن مَن عليه السبيل، وقال: ( إِنَّمَا السَّبِيلُ): أي اللوم والمؤاخذة(عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ)ويعتدون على أعراضهم وأموالهم (وَيَبْغُونَ): أي يظلمون (فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) لكبر وفساد (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ): أي عذاب مؤلم بسبب بغيهم وظلمهم.
وفي نهاية المطاف عاد البيان القرآني إلى التأكيد على مضمون ما مرّ في الآية الأربعين، فقال:
43. (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ):
أي من صبر وعفا وأصلح وترك الانتصار(إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ): أي من الأُمور التي لا تتحقّق إلاّ بعزم قلبيّ راسخ، وإلى ما ذكرنا يرجع ما يفسّر به: الأُمور التي أمر الله تعالى بها.
قد عرفت إجمالاً أنّه لا تنافي بين الخصلتين، ولأجل إيضاح الأمر نقول: قد يتبادر ـ في بادئ النظر ـ وجود الاختلاف فيما بين الخصلتين اللّتين ذكرتهما الآيات القرآنية في المقام للمؤمنين.
فتارة تأمر بالعفو عن الباغي والإصلاح والصبر والغفران، وذلك كما في الآيات التالية:
1. (وَ إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ).
سورة الشورى: الآيات 44 ـ 50   …
2. (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ).
3. (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).

صفحه 113
وأُخرى تأمر بالانتصار ودعوة الآخرين إلى نصره كما يقول:(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) فكيف الجمع بين الأمرين؟
قد مرّ أنّه لا تنافي بين القسمين، إذ لا مانع من أن تكون هناك خصلتان كلاهما من خصال الخير والفضيلة.
أمّا الانتصار وأخذ الثأر والانتقام فهو عمل بحقّ مشروع، فللمعتدى عليه أن يردّ العدوان بشرط أن يراعي المماثلة، كما قال سبحانه:(وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)وربما يتعيّن التعامل بهذا الأُسلوب فيما إذا كان قطع جذور الفتنة متوقّفاً على الانتصار، لا الصبر والعفو، إذ ربما يؤدّي العفو إلى تجرّؤ الباغي والتمادي في بغيه.
وأمّا الصبر والعفو فهو إرشاد إلى فضيلة أعظم من الخصلة الأُولى وقد وصفه سبحانه بأنّه (مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)، وربما يتعيّن ذلك إذا كان العفو سبباً في إطفاء نيران الفتن وخضد أشواك الفساد.
وعلى ما ذكرنا لا منافاة بين الخصلتين.

الآيات: الرابعة والأربعون إلى الخمسين

(وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدّ مِنْ سَبِيل * وَ تَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْف خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ

صفحه 114
وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَاب مُقِيم * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيل * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأ يَوْمَئِذ وَ مَا لَكُمْ مِنْ نَكِير * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَ إِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ * للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيًما إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ).

المفردات

مردّ: مصدر ميمي للردّ، والمراد بالردّ: الدفع، وهو كناية عن دفع العذاب.
خاشعين: الخشوع يسند إلى أعضاء البدن، قال تعالى: (خُشَّعاً أَبْصارُهُم)1، وأمّا الخضوع فيسند إلى الإنسان كلّه، لقوله تعالى:(فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ)2، والمراد بالخشوع المذلّة والمخافة.

1. القمر:7.
2. الأحزاب:32.

صفحه 115
طرْف: الطّرْف: تحريك جَفن العين.
مقيم: المقيم الذي لا يرتحل، كناية عن الدوام.
استجيبوا: أي أجيبوه إذا دعاكم لما فيه سعادتكم.
نكير: إنكار وجحود لما اقترف.
حفيظاً: أي محاسباً لأعمالهم.
كفور: الكافر بالله وبنعمه.

التفسير

لمّا تحدّثت الآيات السابقة عن المؤمنين وخصالهم وصفاتهم وأوصافهم وما يؤول إليه مصيرهم في الحياة الأُخروية، ناسب أن يذكر شيئاً عمّن يقابلهم من الظالمين المشركين، فقال:
44. (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدّ مِنْ سَبِيل):
لا شكّ في أنّه سبحانه لم يخلق الإنسان لإضلاله، بل خلقه للهداية إلى قمّة الكمال، قال سبحانه:(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)1، وعلى هذا فمعنى (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ): أي مَن تركهم الله سبحانه يستمرّون

1. الإنسان:3.

صفحه 116
في ضلالهم، كما قال سبحانه: (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)1 فمن لم يهتد بهداية الله ولم يعتمد على بيّناته فضلّ، فإنّ الله يخذله ويتركه في ضلاله، وربما يبلغ تماديه في الضلال حدّاً يُختَم معه على قلبه، فلا يجد نور الهداية منفذاً إليه، كما قال سبحانه: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)2، فمثل ذلك الإنسان (فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ): أي مُعين يرزقه الهداية إلى الحقّ (مِنْ بَعْدِهِ): أي بعد الله سبحانه، فإذا لم يهتد بهدى الله فلا هادي له (مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ)3.
ثمّ إنّ الضالّين الذين اغترّوا بالحياة الدنيا وأعرضوا عن الآخرة، لمّا ارتفعت الحجب عن بصرهم وبصيرتهم ورأوا مصيرهم السيِّئ كما يقول: (وَتَرى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ)سُقط في أيديهم، متمنّين أن يجدوا سبيلاً للخلاص من هذا الموقف العسير، كما قال: (يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدّ مِنْ سَبِيل): أي من ملجأ ومخلص ممّا نحن فيه والعودة إلى الحياة الدنيا.ونظير هذه الآية قوله تعالى:(وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَ لاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)4.
45. (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْف خَفِي وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا

1. الأعراف:186.
2. البقرة:7.
3. الأعراف:186.
4. الأنعام:27.

صفحه 117
أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَاب مُقِيم):
الضمير في (عَلَيْهَا) يرجع إلى النار المعلومة من السياق، والآية تتحدّث عن وقوف الظالمين أمام النار قبل الدخول فيها، وهذا موقف من مواقف القيامة، وعند ذلك تتحدّث الآية عن كيفية نظرهم إلى النار فيقول:(وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا): أي على النار (خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ) لا الخشوع مع العزّ، فإنّ المؤمن يخشع أمام الله سبحانه ولكن مع العزّ الذي ألبسه الله إيّاه، وعند ذلك (يَنْظُرُونَ)إلى النار (مِنْ طَرْف خَفِيٍّ) لا بملء عيونهم، فالإنسان إذا نظر إلى ما يحبّه ويسرّه ينظر إليه بملء عينه، وأمّا إذا ما نظر إلى ما يكرهه ويُكربه فلا يجترئ على أن يملأ عينه منه، بل ينظر بجانب عينه. ثمّ إنّ المؤمنين لمّا عاينوا ما حلّ بالظالمين المعتدين، طفقوا يصفون ما آل إليه هؤلاء من الخسران المبين بقولهم:(وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ)هم (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، فالظاهر أنّ المراد أهلوهم الذين اتّبعوهم في الشرك والضلالة، فقد خسروا أنفسهم وخسروهم، وذلك لأنّ الحياة الدنيوية رأس مال بيد الجميع، فالمؤمنون اشتروا به الجنة، وأمّا الظالمون فقد ضيعوه، وفوّتوا على أنفسهم الانتفاع به للفوز بنعيم الجنة. ثمّ يأتي التعقيب الإلهي بتثبيت خلودهم في النار: (أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَاب مُقِيم): أي دائم لا زوال له. قيل: ويجوز أن تكون هذه الفقرة من تمام كلام المؤمنين.
ثمّ إنّ التعبير بصيغة الماضي، أعني:(وَ قَالَ الَّذِينَ آمَنُوا) أو قوله:

صفحه 118
(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)حكاية عن أمر مستقبل عبّر عنها بصيغة الماضي للإشارة إلى كونه محقّق الوقوع، ويمكن أن يكون من باب الحكاية عمّا سيتحقّق.
46. (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيل):
ولمّا كانت هنا مظنّة سؤال وهو: هل لهم مَن ينصرهم ويدفع عنهم العذاب؟ فوافاهم الجواب بالنفي وقال: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ) الذين يتولَّون أُمور العباد (يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ)لاختصاص الولاية بالله وقد انقطعوا عنه، فحُكم عليهم بأنّه (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيل): أي طريق توصله إلى السعادة والنجاة من العذاب، بعد أن تنكّبوا عن طريق الهدى.
وحصيلة الكلام: أنّ السعادة بيد الله سبحانه وأنّها تُنال بمعرفته وعبادته، ومن أعرض عن هذا الطريق فيُحكَم عليه بالشقاء.
وعلى هذا، فالمسلك الذي ينبغي أن يسلكه الإنسان العاقل هو أن يتّبع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ويهتدي بهداه حتى ينجو من ذلك المصير البائس، كما قال:
47.(اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأ يَوْمَئِذ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِير):
أي (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ) فيما دعاكم إليه من الهدى ما دمتم في الحياة

صفحه 119
الدنيا، وانتهزوا فرصة العمر للأوبة إلى طاعته (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ): أي لا مخلص ولا مفرّ فيه من حكم الله سبحانه (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأ يَوْمَئِذ) تلجأون إليه من الله (وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِير)من إنكار منكم لظهور الحقيقة بأجلى مظاهرها، فالإنسان الذي كان يصوّر الحياة الأُخروية وما فيها من العذاب والعقاب أنّها من أساطير الأولين، ينقلب إنكاره إلى علم يقيني وشهود واقعي لا يستطيع إنكاره.
48. (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ):
لمّا كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد عاش وسط هذه الأجواء التي كثر فيها إعراض الظالمين عن رسالته، فإنّ ذلك قد سبب له الانزعاج وعدم الارتياح، فأراد الله سبحانه تسليته، فقال له:(فَإِنْ أَعْرَضُوا) عن دعوتك الإلهية (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا): أي مسؤولاً عن ضلالتهم ومأموراً بحفظهم لئلاّ يخرجوا عن دعوتك كما يحفظ الراعي غنمه لئلاّ تتفرّق، فلا تحزن على إعراضهم (إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ)والذي خُوّل إليك هو الدعوة باللسان والفعل، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد جاء هذا المضمون في الذكر الحكيم في مواضع أُخرى.
ثمّ إنّه سبحانه يؤكّد تسلية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الإعراض عن الله سبحانه والاشتغال بالدنيا هي طبيعة الإنسان الكفور في كلتا الحالتين، ففي حال

صفحه 120
النعمة ينشغل بها ويفرح وينسى الله، كما قال:(وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا)فيظن أنّه مستحق لها، فهو في هذه الحالة كفور، (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) نتيجة (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)شغله الكفران عن ذكر ربّه فهو في الحالتين (النعمة والنقمة) ناس لله وغافل عنه، والآية تحكي عن حالتين للإنسان الكافر، وهما: حالة نزول النعمة، وحالة إحاطة النقمة. نعم إذا بدت آثار النقمة وعلائمها قبل أن تتحقّق فربما يتوجّه إلى الله سبحانه، كما هو الحال في ركّاب السفينة إذا جرت في بحر متلاطم الأمواج وأحدق بها الخطر من كلّ جانب، قال سبحانه: ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)1.
49 و 50. (للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ):
لمّا تقدّم في الآيات السابقة الحديث عن أنّ الرحمة بيد الله، كما أنّ السيئة من صنع أيدي الناس، فأشار سبحانه في هذه الآية إلى دليل ذلك وبرهانه، بقوله: (للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) فليس في دار الوجود شيء يُسمّى رحمة أو سيئة يخرج عن حيطة ملكه سبحانه .
سورة الشورى: الآيات 51 ـ 53   …
وممّا يدلّ على ذلك أنّه سبحانه يصنّف حال الناس فيما يَقسمه لهم من الولد إلى أربعة أصناف:

1. العنكبوت:65.

صفحه 121
1. (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا)، يعني ليس معهنّ ذكور.
2. (وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ)، يعني ليس معهم أُنثى.
3. (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَ إِنَاثًا): أي يجمع لهم بين الذكور والإناث، والتزويج في اللغة:الجمع.
4. (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا)، والعقيم: الذي لا يكون له ولد.
وليس للإنسان أي انتخاب واختيار في هذا المجال، وهذا دليل على كونه مالكاً وحاكماً، وغيره محكوماً ومملوكاً.
ولعلّ في تقديم الإناث على الذكور في الآية، عند تعداد النِّعم الموهوبة للإنسان، إشارة إلى منزلة المرأة وتخطئة لمن يكرهون أن يرزقوا الإناث كما يحكي عنهم سبحانه بقوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).1
كما أنّ استعمال كلمة يهب في مورد الإناث والذكور، فيه إشعار بأنّ البنات موهبة من الله سبحانه تماماً كالبنين. وعلى كلّ تقدير فمشيئة الله سبحانه نافذة لـ ( إِنَّهُ عَلِيمٌ) بمصالح العباد(قَدِيرٌ) أي قادر على ما يشاء.

الآيات: الحادية والخمسون إلى آخر السورة

(وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ

1. النحل:58ـ 59.

صفحه 122
يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * صرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ).

المفردات

الوحي: الإشارة السريعة والعلم بخفاء، قال سبحانه:(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِْمحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)1، ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحيٌ لتضمّنها السرعة، والعلم بخفاء.
روحاً: أي وحياً، وأُطلق عليه الوحي لأنّ الإنسان يهتدي به، ففيه حياة من موت الكفر.

التفسير

سبق أن قلنا: إنّ هذه السورة تتحدّث عن الوحي أكثر من أي سورة أُخرى، وقد بدأت بقوله تعالى: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وها هو البيان القرآني يعود ثانياً في آخر هذه السورة إلى ما بدأ به وهو الحديث عن الوحي، فهو من قبيل ردّ الصدر إلى العجز، فقال:

1. مريم:11.

صفحه 123
51. ( وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ):
تضمّنت هذه الآية تقسيم الوحي الإلهي إلى أقسام ثلاثة وهي:
1. الإلقاء في الرُّوع من دون أن يكون بين النبيّ وربّه أيّ حجاب سوى حجاب الذات الذي يستحيل ارتفاعه لسموّها من أن تدرك بلا حجاب، فإنّه سبحانه لا يُحسّ ولا يُمسّ ولا يُدرك بالحواسّ الخمس، ولا يقع عليه الوهم.1
2. التكليم من وراء حجاب ومن خلف ساتر بحيث يُسمع الصوت ولا يُرى المتكلّم، مثل تكليم موسى(عليه السلام)من جانب الشجرة النابتة في أيمن شاطئ الوادي، قال تعالى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).2
وقد يوحي سبحانه بأمر ما إلى النبي بواسطة المنام، قال تعالى حاكياً عن إبراهيم الخليل(عليه السلام) قوله: (يَا بُني إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أنِّي أَذْبَحُكَ).3
3. إرسال رسول، فيوحي سبحانه بواسطته إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا هو الشائع في وحي القرآن، قال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ

1.التوحيد: 59، الحديث 17 عن الإمام الصادق(عليه السلام).
2. القصص:30.
3. الصافات:102.

صفحه 124
لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)1.
وبعد أن وقفتَ على الأقسام الثلاثة للوحى الإلهي، نعود إلى تفسير الآية.
قوله:(وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ) وصيغة النفي بمعنى نفي الإمكان أي يستحيل التكلّم بالمعنى المعروف بين الله سبحانه وبين عباده، وذلك لأنّ التكلّم بحاجة إلى جوارح وحروف تصدر من المتكلِّم واحداً بعد الآخر، والله سبحانه منزَّه عن هذه الأدوات، كيف؟ وليس كمثله شيء، فلابدّ أن يكون تكلّمه سبحانه مع بعض عباده بصور أُخرى تناسب مقامه، وهي لا تخرج عن صور ثلاث:
1. (إِلاَّ وَحْيًا) إشارة إلى القسم الأوّل وهو الإلقاء في الرُّوع بلا واسطة، وهذا القسم من الوحي من أفضل أقسامه وأشرفه، روى الصدوق بسنده عن زُرارة قال: قلت لأبي عبد الله ]الصادق[ (عليه السلام): جُعلت فداك، الغشية التي كانت تصيب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا نزل عليه الوحي؟ قال: «ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلّى الله له»، قال: ثم قال: «تلك النبوة يا زرارة»، وأقبل يتخشّع.2
وكيف لا يكون من أفضل الأقسام وبه ترتفع الحجب بين الرسول وربّه ولا يبقى حجاب إلاّ نور ذاته المقدّسة حيث يبقى حجاباً لن يزول، ولعلّ وحيه سبحانه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليلة المعراج كان وحياً بلا حجاب،

1. الشعراء:193ـ 194.
2. التوحيد: 115; بحارالأنوار:18/356.

صفحه 125
ولأجل فضيلة هذا القسم أخذ الإمام الصادق(عليه السلام) يتخشّع عملاً ويتخضّع مُعلِماً عظمة هذا القسم.
ثمّ إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم بأنّ المُلقى في رُوعه ليس له مصدر سوى الله سبحانه فهو يقف على مراد الله علماً جازماً لا يشوبه شكّ.
2. (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب) وهذا هو القسم الثاني، وكأنّ تكلّمه سبحانه من جانب الشجرة يُشبه من يتكلم مع شخص مع وجود حجاب بينهما، وكأنّ الشجرة ستار بينهما، كلّ ذلك من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وإلاّ فإنّ الله هو المحيط وغيره هو المحاط. وقد مرّ أن تكليم النبي موسى(عليه السلام) من هذا القسم.
3. (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) ملَكاً (فَيُوحِيَ) ذلك الملَك إلى النبي(بِإِذْنِهِ): أي بإذن الله. وهذا هو القسم الثالث، ولعلّه هو الأكثر في نزول القرآن على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما مرّ.
ولمّا مضى أنّ التكليم الرائج يمتنع بينه سبحانه وبين عباده، يختم الآية بقوله:(إِنَّهُ عَلِيٌّ)عن أن يكلّم البشر كما يكلّم بعضهم بعضاً (حَكِيمٌ)فلا يوحي إلاّ ما فيه سعادة الإنسان وفلاحه.
روى الشيخ الطوسي في «أماليه» باسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام)قال: قال بعض أصحابنا: أصلحك الله كان رسول الله يقول: قال جبرئيل، وهذا جبرئيل يأمرني ثم يكون في حال أُخرى يُغمى عليه، فقال أبو عبدالله(عليه السلام):«إنّه إذا كان الوحي من الله إليه ليس بينهما جبرئيل أصابه ذلك لثقل الوحي من الله، وإذا كان بينهما جبريل لم يصبه ذلك،

صفحه 126
فقال: قال لي جبرئيل، وهذا جبرئيل يأمرني».1
إلى هنا تمّ بيان أقسام الوحي وأنّه لا يتجاوز ثلاثة أقسام.
52. (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):
كانت الآية السابقة بصدد بيان أقسام الوحي لعباد الله الصالحين، ووُصف الجميع بالوحي لأنّ الوحي عبارة عن الإشارة بسرعة بحيث يفهمه المشير والمشار إليه وهكذا المقام، فإنّ الوحي يتلقّاه المُوحى إليه بصورة رمزية دون أن يعلم به الآخرون.
ثمّ إنّه سبحانه يشير في هذه الآية إلى أنّ من خصائص النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو وجود الأقسام الثلاثة في حقّه، فتارة يكلِّمه الله سبحانه بالإلقاء في الرُّوع، وأُخرى من وراء حجاب، وثالثة بإرسال الرُّسل، فقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، فقوله:(وَكَذَلِكَ) إشارة إلى ما ذُكر في الآية السابقة من الوحي بأقسامه الثلاثة (وتؤيّده الروايات الكثيرة)وأنّه سبحانه يوحي إليه من دون توسّط واسطة، كما يوحي إليه من وراء حجاب كما في المقام وهو القسم الثاني، وكثيراً ما يوحي إليه عن طريق إرسال رسول، وقد أكرمه سبحانه بالوحي إليه بطرق ثلاثة إنّما الكلام في ما هو الموحى؟ فأوضحه بقوله: (رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) والظاهر أنّ المراد من (روحاً)هو القرآن الكريم، أو

1. أمالي الشيخ الطوسي:663، برقم 1385.

صفحه 127
الشريعة الحقّة، فقد أوحى الله تعالى ذلك الكتاب وما فيه من الأُصول والأحكام إليه، كلّ ذلك(مِنْ أَمْرِنَا): أي من شأننا لا من شأن غيرنا فهذا ممّا استأثرنا به، فالروح هنا بمعنى القرآن والشريعة المقدّسة وأنّ وحيَ هذا كلّه من شأنه سبحانه، وليس لغيره فيه نصيب.
والذي يدلّ على أنّ المراد من قوله:(وحياً) هو القرآن أو الشريعة المقدّسة، قوله:(مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) فإنّ الضمير في قوله: (جَعَلْناهُ) يرجع إلى (روحاً)، ومن المعلوم أنّ القرآن كتاب الله العزيز ومحتوياته كلّها نور، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)1. ثمّ إنّ المراد من قوله: (مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ) هو العلم بالأُصول والمعارف التي تعلَّمها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق الوحي، وهكذا المراد من الإيمان هو الدرجة العالية منه التي ارتقى إليها بعد النبوة وبعد ما صار طرفاً للوحي، فمن زعم أنّ حالة النبي من حيث العلم بالمعارف والإيمان كحالته قبل النبوة فقد جانب الحق، كيف؟ والله سبحانه يأمره بقوله:(وَقُلْ رَبِّ زِدْني عِلْمًا).2 ويقول له أيضاً: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ).3
ثمّ إنّ عطف الإيمان على الكتاب أوضح قرينة على أنّ المراد به هو

1. النساء:174.
2. طه:114.
3. يوسف:3.

صفحه 128
ما يتحلّى به النبي بعد نزول القرآن ولا يراد به مجرد التوحيد والاعتقاد بالله سبحانه فإنّه كان حاصلاً للنبي بالضرورة قبل النبوّة، فمن حاول أن يستدلّ بالآية على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن موحّداً قبل النبوة فقد أخطأ خطأ كبيراً وزلّ زلّة لاتُستقال، كيف وحياة النبي بين قومه، ومجاورته بحراء في شهر رمضان من كلّ سنة للخلوة بنفسه ومناجاة ربّه أفضل دليل على أنّه كان موحِّداً مؤمناً متعبّداً، وسنرجع إليه بعد الفراغ عن تفسير السورة.

وجه آخر في تفسير (روحاً)

ثمّ إنّ قسماً من المفسرين تبعاً للمأثور1، فسروا (رُوحًا) بمعنى الروح الأمين أو ملَك أكبر وأفضل منه، وقالوا بأنّه كان مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن لقي الله تعالى.
أقول: لو أُريد من لفظة (رُوحًا) ما ذكر من الملك الأمين أو الأكبر منه كان اللازم أن يعبّر بما يلي: ولقد أرسلنا إليك روحاً، والحال فيه تعالى يقول: (أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ روحاً) وبعبارة أُخرى فإنّ جبرئيل الأمين أو غيره هو ما يوحي به لا نفس الموحَى.
قوله: (وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) لا شك في أنّ الرسول كان على صراط مستقيم قولاً وعملاً، قال سبحانه: (يَس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).2

1. تفسير نورالثقلين:4/589، عن الكافي.
2. يس:1ـ4.

صفحه 129
ولعلّ المراد من (صِرَاط مُسْتَقِيم ) هو صراط التوحيد ورفض الشرك بكافّة أنواعه والاعتقاد بأنّ الله سبحانه هو الخالق المدير المدبر إلى غير ذلك من أقسام التوحيد، ثمّ إنّه سبحانه يهدي إلى صراط مستقيم كما في قوله:(يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).1 ويصف النبي بأنّه يهدي أيضاً إلى صراط مستقيم كما في آيتنا هذه، ولا غرو في ذلك لأنّ هداية النبي بإذن من الله تعالى إلى صراط مستقيم، فإشراك النبي مع الله تعالى في ذلك الأمر أمر صحيح لا غرو فيه، كما قال: (وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ)2فقد شارك النبي معه سبحانه في الإغناء، ولكن شتّان بين الإغنائين، فإغناء الله سبحانه إغناء بالذات، وإغناء النبي إغناء بفضل الله سبحانه.
53. ( صرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ).
هذا بيان للصراط الذي يهدي إليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ( صرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، فالآية تضمّنت وصف صاحب الصراط، وأمّا ما هو هذا الصراط فقد بيّنه سبحانه في سورة الحمد وقال: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)3 فدين الله الذي أنزله سبحانه إلى أنبيائه وأوليائه هو الصراط المستقيم، وبعبارة أُخرى: إنّ

1. البقرة:142.
2. التوبة:74.
3. الفاتحة:7.

صفحه 130
النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو إلى صراط مستقيم، أي صراط الله الذي هو مالك الكون والملكوت، والطريق الموصل إليه هو الصراط المستقيم.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية والسورة بقوله: (أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ)ولعلّه إشارة إلى أنّ الأُمور تنتهي إليه فلا يهمّك جدال هؤلاء وشغبهم، الذي أُشير إليه في ثنايا الآيات إذ(إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ).1
***
سورة الشورى: الوحي في القرآن الكريم   …
إلى هنا تمّ تفسير سورة الشورى بتوفيق من الله تعالى، فله الشكر على هذه النعمة الوافرة، إلاّ أنّه بقيت هنا بحوث لها صلة بالوحي الذي قد تقدّم أنّه المحور الأساسي في هذه السورة، وهذه الأُمور عبارة عن:
1. الوحي في القرآن الكريم.
2. تحليل حقيقة الوحي.
3. الفروض الباطلة في تحليل حقيقة الوحي.
4. ما هو المراد من كلام الله؟ وهل هو حادث أو قديم؟
5. دين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة.
وإليك دراسة الجميع على وجه الإيجاز واحداً بعد الآخر.

الأوّل: الوحي في القرآن الكريم

إنّ الوحي في اللغة هو الإعلام بخفاء بطريق من الطرق. وهذا هو

1. هود:123.

صفحه 131
الجامع في كافّة ما ورد من لفظ الوحي في الذكر الحكيم، وإليك موارد استعماله:

1. تقدير الخلقة بالسنن والقوانين

قال تعالى:(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا).1
أي أودع في كلّ سماء السُّنن والأنظمة الكونية وقدّر دوامها، فإيجاد السنن والنظم في بواطن السماوات ومكامنها على وجه لا يقف عليه إلاّ المتدبّر في عالم الخلقة، أشبه بالإعلام بخفاء بنحو لا يقف عليه إلاّ الملقى إليه.

2. الإدراك بالغريزة

قال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ *ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً)2فكلّ الأعمال العجيبة والمدهشة التي يقوم بها النحل في صنع بيوته بتلك الأشكال الهندسية المتقَنة وإدارتها وتدبيرها وحراستها، ثم الحركة الدؤوبة في التنقّل بين البساتين والحقول وامتصاص رحيق الأزهار وتحويله إلى عسل ثم إيداعه في صفائح الشَّهد، فإنّما يقوم به عن غريزة مودعة في

1. فصّلت:11 و 12.
2. النحل:68و 69.

صفحه 132
مكامن خلقته، وحيث إنّ هذا الإيداع للغرائز في مكامن الخلقة خفيّ، لذا شُبّه بالإلقاء الخفيّ، وتلقّي النحل له بلا شعور ولا إدراك.
سورة الشورى: الوحي في القرآن الكريم    

3. الإلهام والإلقاء في القلب

قال سبحانه:(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَ لاَ تَحْزَني إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).1
وحيث إنّ تفهيم أُمّ موسى مصير ولدها كان بإلهام وإعلام خفيّ، عبّر عنه بالوحي.
ومثله قوله تعالى:(وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي)2، وأيضاً قوله تعالى في شأن يوسف(عليه السلام):(وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).3
وأيضاً قوله تعالى:(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا).4

4. الإشارة

قال سبحانه: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَال سَوِيًّا* فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِْمحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)5.

1. القصص:7.
2. المائدة:111.
3. يوسف:15.
4. الأنفال:12.
5. مريم:10 و11.

صفحه 133
والمعنى: أشار إليهم من دون أن يتكلّم، لأمره سبحانه إيّاه أن لا يكلّم الناس ثلاث ليال سوياً، فأشبهَ فعلُه إلقاء الكلام بخفاء، لكون الإشارة أمراً مبهماً.

5. الإلقاءات الشيطانية

قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).1
وقال تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)2.

6. كلام الله المنزل على نبيّ من أنبيائه

قال سبحانه: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)3.
وقد غلب استعمال الوحي في هذا القسم، فكلّما أُطلق الوحي وجُرِّد عن القرينة يراد به ما يُلقى إلى الأنبياء من قِبَل الله تعالى.

الثاني: تحليل حقيقة الوحي

الوحي الذي يختصّ به الأنبياء إدراك خاصّ متميّز عن سائر الإدراكات، وهو ليس نتاج الحسّ ولا العقل ولا الغريزة، وإنّما هو شعور

1. الأنعام:112.
2. الأنعام:121.
3. الشورى:3.

صفحه 134
خاص، لا نعرف حقيقته، يوجده الله سبحانه في الأنبياء. وهو شعور يغاير الشعور الفكري المشترك بين أفراد الإنسان عامّة، لا يغلط معه النبي في إدراكه ولا يشتبه، ولا يختلجه شكّ ولا يعترضه ريب في أنّ الذي يوحي إليه هو الله سبحانه، من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر، أو التماس دليل، أو إقامة حجّة، ولو افتقر إلى شيء من ذلك، لكان اكتساباً عن طريق القوة النظرية، لا تلقّياً من الغيب، من غير توسّط القوّة الفكرية.
قال سبحانه: (نَزَلَ به الرُّوحُ الأمينُ * عَلى قَلْبِكَ).1
فهذه الآية تشير إلى أنّ الذي يتلقّى الوحي من الروح الأمين هو نفس النبي الشريفة (قَلبِك)من غير مشاركة الحواس الظاهرة، التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأُمور الجزئية. فالنبي يرى ويسمع حينما يُوحى إليه، من غير أن يستعمل حاسّتي البصر والسمع.
فالأنبياء كلّهم يُسندون تعاليمهم وتنبّؤاتهم إلى هذا النوع من الإدراك الذي لا مصدر له إلاّ عالم الغيب، وخالق الكون، ومثل هذا لا يمكن أن يُدرَك كنهه، بل يجب الإيمان به كما هو شأن كلّ أمر غيبي لا يحيط الإنسان المادّي بحقيقته، وإنّما يذعن له عن طريق المخبر الصادق، قال سبحانه: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ).2
سورة الشورى: الفروض الباطلة في تحليل حقيقة الوحي   
وعلى هذا، فالوحي حصيلة الاتّصال بعالم الغيب، ولا يصحّ تحليله بأدوات المعرفة ولا بالأُصول التي تجهّز بها العلم الحديث.

1. الشعراء:193 و 194.
2. البقرة:3.

صفحه 135
ولمّا كان العالم المادي غير مذعن بعالم الغيب، ويرى أنّ الوجود مساوق للمادة والطاقة، فيشكل عليه الإذعان لهذا الإدراك الذي لا صلة له بعالم المادة وأُصوله، ولهذا عمدوا إلى تصوير فروض.

الثالث: الفروض الباطلة في تحليل حقيقة الوحي

قد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ الوحي حقيقة علمية غيبية لا يتمكّن الإنسان من درك حقيقتها فلابدّ من الإيمان بها نزولاً عند قوله سبحانه: (الّذين يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ)1، وهناك جماعة أُخرى اتّخذوا لأنفسهم موقفاً مسبقاً من دائرة الوجود وحصروا دار التحقّق بالمادة وآثارها، ولذلك عجزوا عن تفسير حقيقة الوحي ولجأوا إلى فروض باطلة نشير إلى إجمالها ونقدها كذلك.

النظرية الأُولى: الوحي نتيجة النبوغ

قالوا: يوجد بين أفراد الإنسان المتحضّر أشخاص يملكون عقولاً مشرقة تهديهم إلى ما فيه صلاحهم، فيضعون قوانين فيها عمران الدنيا وصلاح الإنسان، والإنسان الموصوف بهذا الوصف هو النبي والفكر المترشّح من مكامن عقله، وومضات نبوغه هو الوحي، والقوانين التي يسنّها للمجتمع هي الدين، والروح الأمين (جبرائيل) هو نفسه الطاهرة التي تفيض هذه الأفكار على مراكز إدراكه، والكتاب السماوي هو كتابه الذي يتضمّن سننه وقوانينه، والملائكة التي تؤيّده هي القوى الطبيعية،

1. البقرة:3.

صفحه 136
والشيطان الذي يقاومه هو النفس الأمّارة بالسوء.

تحليل النظرية

إنّ هذه النظرية ليست سوى فروض ودعاوى بلا دليل ولا برهان، والداعي إليها هو حصر دائرة الوجود بالمادّة وعدم الإيمان بالغيب، وأدلّ دليل على بطلانها هو أنّه لو كان لهذه النظرية مسحة من الحق فلماذا ينسب هؤلاء، الذين وصفهم القائل بالنوابغ، إلى الله سبحانه ولا ينسبون لأنفسهم شيئاً؟ لا شكّ أنّ الأنبياء عباد صالحون لا يكذبون ولا يفترون فلو كانت السنن التي أتوا بها من وحي أفكارهم فلماذا يغرّون المجتمع بنسبتها إلى الله تعالى؟ وما هذا إلاّ لأنّهم يجدون في أنفسهم أنّ ما أدركوه أمر فوق الفكر البشري المشترك بين جميع الأفراد.

النظرية الثانية: الوحي النفسي

قالوا: لا نشكّ في صدق الأنبياء في إخبارهم عمّا رأوا وسمعوا، وإنّما نقول: إنّ منبع ذلك من نفسه وليس فيه شيء جاء من عالم الغيب الذي يقال إنّه وراء عالم المادّة والطبيعة.1
ويقولون في نفس النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّه توصّل إلى الوحي بالانقطاع إلى عبادة الله تعالى والتوجّه إليه في خلوته بغار حراء، وقوي هنالك إيمانه ووجدانه، فاتّسع محيط فكره، وتضاعف نور بصيرته، فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات البيّنات في ملكوت السماوات والأرض، الدالّة على وحدانية

1. لاحظ: الوحي المحمدي، لمحمد رشيد رضا:66، الطبعة6، 1960م.

صفحه 137
مبدع الوجود، وسرّ النظام الساري في كلّ موجود، بما صار به أهلاً لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومازال يفكّر ويتأمّل، وينفعل ويتململ، ويتقلّب بين الآلام والآمال، حتى أيقن أنّه النبي المنتظر الذي يبعثه الله لهداية البشر، فتجلّى له هذا الاعتقاد في الرؤى المنامية، ثم قوي حتى صار يتمثّل له الملك، يلقّنه الوحي في اليقظة.
وأمّا المعلومات التي جاءته في هذا الوحي فهي مستمدة الأصل من تلك الينابيع التي ذكرناها، وممّا هداه إليه عقله وتفكيره في التمييز بين ما يصحّ منها وما لايصحّ، ولكن كانت تتجلّى له أنّها نازلة من السماء، وأنّها خطاب الخالق عزّ وجلّ بواسطة الناموس الأكبر وملك الوحي، جبرئيل روح القدس.1

نبوّة أم أضغاث أحلام

إنّ هذه النظرية ليست جديدة بل هي اجترار لنفس ما كان يقوله الجاهليون من قوله:(بَلْ قَالُوا أَضْغاثُ أحْلام)2، فكانوا يقولون: إنّ النبي ليس مختاراً فيما يدّعيه وإنّما هو وحي الأحلام وطوارق الرؤى تجري على لسانه، ومقالة هؤلاء المتجدّدين ليست بعيدة عن اتّهام الأنبياء بالجنون الذي هو في حقيقته مرتبة عالية من تجلّي النزعات الخيالية. وهذه التهمة هي التي افتراها العرب على النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) وكانوا يهتفون بقولهم:

1.نفس المصدر:90.
2. الأنبياء:5.

صفحه 138
(يَا أَيُّهَا الّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)1، فجاء القساوسة و المستشرقون فصاغوا هذه النظرية بصياغة أدبية وقوالب علمية تحت اسم: تجلّي الأحوال الروحية، والمغزى والجوهر واحد.
إلى هنا تمّ عرض ما قيل حول حقيقة الوحي وتحليله ممّن لا يؤمن بالغيب وهناك فروض أُخرى تركنا ذكرها هنا، فمن أراد الاطّلاع عليها، فليرجع إلى محاضراتنا في الإلهيات.2
إلى هنا تمّ الكلام في معنى الوحي في القرآن الكريم أوّلاً، وتحليل حقيقته ثانياً، وذكر الفروض الباطلة للمتكلّمين الغربيين ثالثاً، فلننتقل إلى كونه سبحانه متكلّماً، وما هي حقيقة كلامه وما حوله من البحوث.
سورة الشورى: تكلّمه سبحانه وكيفيته   

الرابع: تكلّمه سبحانه وكيفيته

الصفات الثبوتية على قسمين: قسم دلّ العقل على ثبوتها في الله سبحانه كعلمه وقدرته، وقسم آخر لم يقم عليه برهان عقلي لكن وردت في الكتاب والسنّة وهذا كتكلّمه، وهو يفارق العلم والقدرة، إذ لولاهما للزم النقص في الواجب تبارك وتعالى، بخلاف التكلّم.
نعم بما أنّه تعلّقت مشيئته على هداية الإنسان عن طريق بعث الأنبياء فمسّت الحاجة إلى التكلّم معهم، ولولا هذا لما كانت هناك ضرورة لوصفه به، ولذلك وصف هذا القسم بالصفات الخبرية. وقد كشف سبحانه عن

1. الحجر:6.
2. الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل:3/140ـ150.

صفحه 139
كيفية تكلّمه مع أنبيائه في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ)1. وكان على المفسّرين أن يقتصروا على ما ورد في هذه الآية الكريمة، غير أنّهم تجاوزوها فظهرت هناك مذاهب في كيفية كلامه:

الأوّل: مذهب أهل الحديث

ذهب أهل الحديث ومنهم ابن تيمية إلى أنّه سبحانه متكلِّم بمعنى قيام الحروف والأصوات بذاته، ولا يفارق التكلُّم والعلم والإرادة والكراهة، وإليك نص كلامه:وإذا قال السلف إنّ الله لم يزل متكلّماً إذا شاء، فقد أثبتوا أنّه لم يتجدّد له كونه متكلّماً، بل نفس تكلّمه بمشيئته قديم، وإن كان يتكلّم شيئاً بعد شيء، فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه، إلاّ إذا وجب تناهي المقدورات والمرادات.2
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه إذا كان التكلّم الذي واقع وجوده الحدوث والتجدُّد قائماً بالذات ونابعاً عنها فلازم ذلك، حدوث الذات، لأنّ حدوث الجزء يلازم حدوث الكلّ والمفروض أنّه من صفات الذات لا من صفات الفعل.
وثانياً: أنّه يعتقد بأنّ نوع التكلّم قديم وأفراده حادثة، فلازم ذلك أن يكون التكلُّم إلهاً ثانياً، إلاّ إذا قال بأنّ التكلّم جزء الذات فهو قديم بقدمها.

1. الشورى:51.
2. موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول:2/278.

صفحه 140
وثالثاً: لو كان تكلّمه سبحانه مع كلّ فرد من المكلّفين بالحروف والأصوات فلا يكون أسرع الحاسبين بل أبطأهم، مع أنّه سبحانه يقول:(ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)1. ثمّ إنّ للرازي في المقام ردّاً على تلك النظرية نأتي به.
يقول الرازي: الحنابلة الذين قالوا بقدم هذه الحروف وهؤلاء أخسّ من أن يذكروا في زمرة العقلاء، واتّفق أنّي قلت يوماً لبعضهم لو تكلّم الله بهذه الحروف إمّا أن يتكلّم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي، والأوّل باطل لأنّ التكلّم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركّب على هذا التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركّب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى، والثاني باطل لأنّه تعالى لو تكلّم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة. ولمّا سمع ذلك الرجل هذا الكلام قال: الواجب علينا أن نقرّ ونمرّ، يعني نقرّ بأنّ القرآن قديم ونمرُّ على هذا الكلام على وفق ما سمعناه، فتعجّبت من سلامة قلب ذلك القائل.2

الثاني: مذهب الأشاعرة

وقد حاولوا فيه التوفيق بين ما ذهبوا إليه من أنّ التكلّم من صفاته تعالى الذاتية (كالعلم والقدرة) وبين اعترافهم باستحالة قيام الأصوات

1. الأنعام:62.
2. تفسير الرازي:27/187ـ 188.

صفحه 141
والحروف بذاته سبحانه، ويتلخّص هذا المذهب في أنّ كلام الله حقيقةً، هو الكلام النفسي القائم بذاته تعالى، وأنّه غير العلم والإرادة. قال الشهرستاني: وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية، وبذات المتكلّم، وليس بحروف ولا أصوات، وإنّما هو القول الذي يجده القائل في نفسه ويجيله في خلَده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلاماً حقيقياً تردّد، أهو على طريق الحقيقة أم على سبيل المجاز؟ وإن كان على طريق الحقيقة، فإطلاق اسم الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك اللفظي.1
يلاحظ عليه: أنّ المفروض أنّ التكلّم صفة وراء العلم والقدرة، وما ذكره من قيام المعاني والمفاهيم بذاته ـ على فرض تسليمه ـ يوجب رجوع وصف التكلّم إلى العلم، فإنّ هذه المعاني لا تخلو إمّا مفهوم مفرد أو مركّب من موضوع ومحمول ونسبة، فالأوّل يوصف بالتصوّر والثاني بالقضايا، ومع الإذعان بالتصديق، والعلم إمّا تصوّر أو تصديق.
على أنّ جعل الذات محلاًّ للمفاهيم لا يناسب مقام الذات، فإنّ الذات هي الوجود البحت وهي أرفع من أن تكون محلاًّ للمفاهيم والمعاني، تعالى الله عن ذلك.

الثالث: مذهب الإمامية

ذهب الإمامية إلى أنّ تكلّمه سبحانه مع أنبيائه على المنهاج الذي

1. نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني:32، طبعة آكسفورد، 1934م.

صفحه 142
تضمّنته الآيات السابقة، وأمّا وصفه سبحانه بالتكلّم على وجه الإطلاق فهو من صفات فعله، وهو أنّ العالم بجواهره وأعراضه فعلُه سبحانه، وفي الوقت نفسه كلامه.
توضيحه: أنّ الكلام وإن وُضع يوم وُضع للأصوات والحروف المتتابعة الكاشفة عمّا يقوم في ضمير المتكلّم من المعاني، إلاّ أنّه لو وجد هناك شيء يفيد ما تفيده الأصوات والحروف المتتابعة بنحو أعلى وأتم; لصحّت تسميته كلاماً أو كلمة. وهذا الشيء الذي يمكن أن يقوم مقام الكلام اللفظي هو فعل الفاعل الذي يليق أن يسمّى بالكلام الفعلي، ففعل كلّ فاعل يكشف عن مدى ما يكتنفه الفاعل من العلم والقدرة والعظمة والكمال. غير أنّ دلالة الألفاظ على السرائر والضمائر اعتبارية، ودلالة الأفعال والآثار على ما عليه الفاعل والمؤثر من العظمة تكوينية. ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يصف عيسى بن مريم بأنّه كلمة الله التي ألقاها إلى مريم العذراء ويقول:
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ).1
وكيف لا يكون سيدنا المسيح كلمة الله مع أنّه يكشف عن قدرة الله سبحانه على خلق الإنسان في الرحم من دون لقاء بين أُنثى وذكر، ولأجل ذلك عدّ وجوده آية ومعجزة.
وفي ضوء هذا الأصل يَعُدّ سبحانه كلّ ما في الكون من كلماته

1. النساء:171.

صفحه 143
ويقول: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا).1
ويقول سبحانه:(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ).2
ويقول الإمام علي(عليه السلام): «يَقُول لِما أرادَ كَونَهُ: (كُنْ فَيَكُونُ)، لا بِصَوت يُقْرَعُ، ولا بِنداء يُسمع، وإنّما كلامُه سبحانَهُ فِعلٌ منه، أنشأه ومثّلهُ، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».3
وقد نقل عنه(عليه السلام) أنّه قال مبيّناً عظمة خلقة الإنسان:
أتزعمُ أنّك جِرمٌ صغيرٌ *** وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ
وأنتَ الكتابُ المبينُ الذي *** بأحْرُفِهِ يَظْهَرُ المُضْمَرُ
فكلّ ما في صحيفة الكون من الموجودات الإمكانية كلماته، تخبر عمّا في المبدأ من كمال وجمال وعلم وقدرة.
ولعلّ هذا المقدار حول تكلّمه سبحانه كاف، وأمّا البحث عن قدمه وحدوثه فقد ظهر بطلان القدم وثبوت الحدوث، لأنّ التكلّم من الصفات الفعلية ولا يعقل أن يكون فعله قديماً ذاتياً وإلاّ يلزم تعدّد الواجب.
وأمّا كونه مخلوقاً أو غير مخلوق ففي السؤال غموض أوجب

1. الكهف:109.
2. لقمان:27.
3. نهج البلاغة: الخطبة 186.

صفحه 144
تضارب الآراء وخفاء الحقيقة، فإن أُريد من كونه مخلوقاً أي مختلقاً اختلقه نفس النبي أو شخص آخر وتعلّم منه النبي، فهذا باطل لا يتفوّه به أحد من المسلمين، كيف؟ والله سبحانه يحكي عن بعض المشركين قولهم: (إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ )1، وقوله تعالى:(قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرى)2، ولعلّه لأجل التجنّب عن تفسير القول بأنّ القرآن مخلوق بالاختلاق كان أئمة أهل البيت(عليهم السلام)يجتنبون عن وصف القرآن بكونه مخلوقاً لئلاّ يُفسَّر بالاختلاق والافتراء.
وإن أُريد أنّ علمه سبحانه بمفاهيم القرآن ومعانيه وحقائقه، غير مخلوق فلا شكّ أنّها قديمة لقدم علمه وإن كان المعلوم حادثاً، ومن المعلوم أنّ علمه سبحانه لا صلة له بكلامه.
وإن أُريد أنّ القرآن العربي مخلوق لله سبحانه، فلا شك أنّه مخلوق لله سبحانه وإلاّ يلزم تعدّد القديم حسب تعدّد الحروف.
والعجب أنّ مسألة حدوث القرآن وقدمه شغلت بال المتكلّمين وصارت مبدأً لحدوث المشاجرات والمنازعات وربما سبّبت إزهاق الأرواح، ولكن المتنازعين لم يحرّروا محلّ النزاع، ولو أنّهم حرّروا موضع النزاع لتجلّت الحقيقة بوضوح.
سورة الشورى: دين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل البعثة   
وهاهنا كلمة قيّمة للإمام علي الهادي(عليه السلام) نأتي بنصّها، فقد روى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني أنّه كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا(عليهم السلام) إلى بعض شيعته ببغداد:«بسم الله الرحمن الرحيم، عصمنا

1. المدثر:25.
2. القصص:36.

صفحه 145
الله وإيّاك من الفتنة، فإن يفعل فقد أعظم بها نعمة، وإن لا يفعل فهي الهلكة. نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة، اشترك فيها السائل والمجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، ويتكلّف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلاّ الله عزّ وجلّ، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين. جعلنا وإيّاك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون».1

الخامس: دين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة

شاع أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان موحّداً لم يعبد الصنم ولم يسجد له، فقد روى صاحب «المنتقى» أنّ محمّداً لمّا تمّ له ثلاث سنين، قال لمرضعته حليمة السعدية: ما لي لا أرى أخويّ بالنهار؟ قالت له: يا بُنيّ إنّهما يرعيان غنيمات.
قال: فما لي لا أخرج معهما؟
قالت له: أتحبّ ذلك؟
قال: نعم.
قالت حليمة السعدية: فلمّا أصبح محمّد دهّنته وكحّلته وعلّقت في عنقه خيطاً فيه جَزْع يمانيّ، فنزعه ثمّ قال لأُمّه:«مهلاً يا أُمّاه فإنّ معي مَن يحفظني».2

1. التوحيد للصدوق:224، باب القرآن، الحديث4.
2. المنتقى للكازروني، الباب الثاني من القسم الثاني، ونقله المجلسي في بحار الأنوار:15/392(والجَزْع: خَرَز فيه سواد وبياض).

صفحه 146
ويستفاد من هذه الرواية أنّه كان يكافح الوثنية منذ نعومة أظفاره ومن إبّان طفولته وشبابه. نكتفي في هذا المقام بهذا المقدار، وقد بسطنا الكلام في المأثورات حول توحيده وإيمانه في محلّه.1

الشريعة التي كان(صلى الله عليه وآله وسلم) يتعبّد بها قبل البعثة

اختلفت الأنظار في الشريعة التي كان يتعبّد بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة إلى أقوال:
1. أنّه لم يكن يتعبّد بشريعة من الشرائع وإنّما يكتفي في أعماله الفردية والاجتماعية بما يوحي إليه عقله.
وهذا لا يُعرَّج عليه، كيف؟ وقد كان يخرج في شهر رمضان إلى حراء فيعتكف فيه، وهل يمكن الاعتكاف بدون الاعتماد على شريعة ما؟ وقد روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام) أنّهما قالا: «حجّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عشرين حِجّة مستتراً».2
ودلّت الضرورة على أنّه لم يكن البيع والرِّبا، ولا الخلّ والخمر، ولا المذكّى والميتة، ولا النكاح والسفاح عنده سواسية، وهذا يقتضي أن يكون عارفاً بأحكام عباداته وأفعاله.
2. كان يعمل بشريعة إبراهيم وسُننه وطقوسه المعروفة.
وكان السيد العلاّمة الطباطبائي يستظهره كأحق الأقوال بشهادة أنّ

1. لاحظ: مفاهيم القرآن:5/351ـ352.
2. الوسائل:8، الباب45 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث33.

صفحه 147
أجداد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأُسرة البيت الهاشمي وجميع الأحناف في الجزيرة العربية كانوا على دين إبراهيم(عليه السلام)، ولم ينقل أحد من أهل السِّير أنّهم كانوا على دين اليهود أو النصارى.
يلاحظ عليه: أنّ لازم هذا القول أن يكون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) جزءاً من أُمّة إبراهيم تابعاً له، واقتداء الفاضل بالمفضول غير صحيح عقلاً، ولم يخصّ أحد تفضيله على سائر الأنبياء بوقت دون وقت، فيجب أن يكون أفضل في جميع الأوقات، فلاحظ وتأمَّل.
3. أنّه كان يعمل حسب ما يُلهَم ويوحى إليه عن طريق ملَك من ملائكة الله تعالى، سواء أكان مطابقاً لشرع من قبله أم مخالفاً، وسواء أكان مطابقاً لما بعث عليه من الشريعة أم لا؟ وهذا هو أظهر الأقوال، ويؤيد ذلك ما نقل عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه قال: «لَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ مِنْ لَدُنْ أنْ كانَ فَطيماً، أعظمَ ملك مِنْ مَلائِكتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَريقَ الْمَكارِمِ وَمَحاسِنِ أخْلاقِ العالمِ لَيله وَنَهاره».1
ولعلّ هذا المقدار من البحث يكفي في المواضع التي انجرّ إليها البحث من خلال تفسيرنا لسورة الشورى.
***
تمّ تفسير سورة الشورى

1. نهج البلاغة: الخطبة 187.

صفحه 148

صفحه 149
تفسير سورة الزخرف   

سورة الزخرف

 
 
(حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ * أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ * وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبيّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبيّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى

صفحه 150
ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ * وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين * وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّني بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَني فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ

صفحه 151
وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّة وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ * وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْني وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلاَل مُبِين * فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ * وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ

صفحه 152
الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ * وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَة إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْري مِنْ تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَب أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوُه إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ * وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ

صفحه 153
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْم أَلِيم * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَاف مِنْ ذَهَب وَأَكْوَاب وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ * وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ

صفحه 154
يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ * وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).

صفحه 155
سورة الزخرف: خصائص السورة   

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة (الزخرف) لورود هذا اللفظ في ثنايا آياتها، وربّما تُسمّى سورة (حم. الزخرف). ويظهر ممّا رواه الطبرسي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)أنّه عبّر عنها بـ (حم. الزخرف) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «مَن أدمن قراءة حم الزخرف آمنه الله في قبره من هوامّ الأرض».1 ولا مشاحّة في التسمية لأنّها ليست توقيفية.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

سورة الزخرف: الآيات 1 ـ 8    
عدد آياتها تسع وثمانون آية في عدّ الجميع، غير الشامي، فهي عندهم ثمان وثمانون آية.
والسورة مكّية تدلّ على ذلك مضامينها، إذ فيها إنذار بعد إنذار لمن أعرض عن الذِّكر.
وممّا امتازت به السور المكّية التي يربو عددها على 86 سورة هو أنّها لم يرد فيها قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)على خلاف السور المدنية فرغم قلّة عددها (حيث يبلغ 28 سورة) فقد ورد فيها قوله: (يَا أَيُّهَا

1.مجمع البيان: 9 / 69 .

صفحه 156
الَّذِينَ آمَنُوا) 89 مرّة.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّه لم يكن للمؤمنين في بيئة مكّة أي اجتماع حيث كانوا متفرِّقين، بخلاف حالهم في المدينة المنوّرة إذ تعاونوا وتعاضدوا وأسّسوا دولة وصارت لهم قوّة وشوكة، فخوطبوا بخطاب الجمع لا بخطاب الفرد، وهذا هو أيضاً أحد مميّزات السور المكية عن المدنية.

أغراض السورة

السورة بأسرها سورة إنذار يشهد لذلك بدؤها وختامها إلاّ آيات قليلة نزلت في حقّ المتقين تبدأ من قوله تعالى: (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)1 وتُختم بقوله: (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ)2.
فلو استثنينا هذه الآيات فالسورة بأسرها إنذار وتخويف للمعرضين عن الذِّكر والمستهزئين والمكذِّبين. وقد جاء في ثنايا السورة ذكر أحوال الأُمم الذين كذّبوا الرسل واستهزأوا بهم، وكذلك ورد ذكر أسماء أنبيائهم .
ومن عجيب الأمر أنّ المشركين كانوا يُبغضون الإناث وَيَرون أنَّهنّ أحطّ قدراً من الذكور، قال تعالى حاكياً عنهم: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ)3، ولكنّهم، مع ذلك، قالوا إنّ الله سبحانه اتّخذ

1.الزخرف: 67 .
2.الزخرف: 73 .
3.النحل: 58 .

صفحه 157
لنفسه بنات وأصفاهم بالبنين، كما في الآية 16 من هذه السورة، فجعلوا الأرفع قدراً ـ بنظرهم ـ لأنفسهم والأحطّ قدراً ـ الإناث ـ لله سبحانه .

الآيات: الثمان الأُولى

(حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ * أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ * وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبيّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبي إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ) .

المفردات

صفحاً: الإعراض بصفح الوجه، وهو جانبه، ويراد به ترك استماع كلام المتكلّم وترك النظر إليه. ومن المعلوم أنّ الصفح في مورد الآية بمعنى العفو عن الذنب والإعراض عن المجازاة.
مسرفين: الإسراف: مجاوزة الحدّ.
بطشاً: البطش: تناول الشيء بصولة.

صفحه 158

التفسير

1 و 2. (حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) :
هذه السورة هي رابعة الحواميم السبع بعد سورة غافر، وفصّلت، والشورى.
وهي تشارك سورة الدخان في الآيتين الأُولى والثانية حيث ورد في كليهما قوله تعالى: (حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) .
وقد تقدّم الحديث في تفسيرنا لسورة الشورى عن الحواميم خاصّة، والحروف المقطّعة عامّة.
ثم إنّ الواو في قوله: (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) هي واو القسم والمراد من (الْكِتَابِ)هو القرآن الكريم، وكونه مبيناً بمعنى أنّه يبيّن آيات الله سبحانه، ويوضّح طرق الهدى، قال سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء)1.
3. (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ):
هذا جواب للقسم، ومعنى جعله ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا):أي جعله مقروءاً باللغة العربية (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): أي أنّ الغاية من هذا الجعل أي صبّ المعاني السامية في ثوب اللغة العربية، لكي تفهمونها، وفي التعبير بلعلّ الذي وضع للرجاء، تعريض بعزوف الكثير منهم عن التدبّر فيه.

1.النحل: 89 .

صفحه 159
ثم إنّ جعله ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا)ليس بمعنى اختصاصه بتلك الأُمّة. وإنّما جعله مقروءاً بتلك اللغة لوجهين:
1. أنّها أشرف اللغات وأوسعها وأدقّها، ويشهد لذلك كثرة مفرداتها ومرادفاتها وإمكان اشتقاق صيغ مختلفة من مادّة واحدة، وكلّ صيغة تؤدّي معنىً مختلفاً عن غيرها.
أنا البحر في أحشائه الدرُّ كامنٌ *** فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي
وسعتُ كتابَ الله لفظاً وغايةً *** وما ضقت عن آي به وعِظات1
2. أنّ الرسول وإن بُعث رحمة للعالمين، ولكنّ الطريق إلى نشر الهداية إلى جميع البشر هو هداية قومه أوّلاً حتى يستعين بهم في نشر دعوته في سائر البلدان. وهذا الأمر يقتضي أن يكون كتابه بلغة قومه حتى يفهموا واقع رسالته ويؤمنوا بها، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ )2 .
4. (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ):
إنّ الأُمّ بمعنى الأصل، والآية تدلّ على أنّ للقرآن وجوداً آخر وراء كونه مقروءاً بالعربية في مكان خاصّ كما قال: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ)، وأُريد به اللوح المحفوظ بشهادة قوله سبحانه: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ)3.

1. لشاعر النِّيل حافظ إبراهيم.
2.إبراهيم : 4 .
3.البروج: 21 ـ 22 .

صفحه 160
وتسميته بأُمّ الكتاب لكونه أصلاً لكافّة الكتب السماوية التي تستنسخ منه، وقوله: (لَدَيْنَا)للتوضيح، أي لدى الحقّ جلّ شأنه.
إلى هنا تبيّن أنّ للقرآن وجودين:
1. وجود مقروء باللغة العربية أنزله سبحانه لأن يتدبَّر فيه .
2. أنّ له وجوداً آخر في أُمّ الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وأمّا كيفية وجوده في اللوح المحفوظ وراء هذا الوجود اللفظي، فهو أمر غيبي لا يمكن لنا أن نناله.
ثم إنّه يظهر من بعض الآيات أنّ للقرآن بين الوجودين وجوداً متوسطاً، قال سبحانه: (الرَ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير)1 أمّا التفصيل فهو جعل القرآن مقروءاً باللغة العربية، إنّما الكلام فيما هو المراد من كتاب أُحكمت آياته، فلعلّ المراد نزوله على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جملة واحدة في ليلة مباركة، قال سبحانه: (حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ)2 وبذلك صار للقرآن مظاهر ثلاثة:
وجوده في أُمّ الكتاب، ثم نزوله بصورة الإحكام، ثم بصورة التفصيل.
ثم إنّه سبحانه يصف الكتاب بوصفين:
1. ( لَعَلِيٌّ)رفيع القدر والمنزلة.

1.هود: 1 .
2.الدخان: 1 ـ 3 .

صفحه 161
2. (حَكِيمٌ) لما يحوي من الحكمة التي فيها صلاح البشر .
وهناك احتمال آخر، وهو أنّ الكتاب رفيع المنزلة من أن تناله العقول، وحكيم غير مفصّل ولا مجزّأ إلى سور وآيات وجمل وكلمات، وعلى ذلك يكونان وصفين لأُمّ الكتاب لا للقرآن العربي .
ويؤيد ذلك أنّ الوصفين جاءا بعد أُمِّ الكتاب، حيث قال: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا): أي هذا الأُمّ (لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)، وإلى هذا يرجع ما يذكره صدر المتألِّهين وغيره من أنّ الوحي من مقولة تنزّل الوجود من عالم علويّ إلى عالم مادّي، وأنّ الحقيقة القرآنية أعلى وأنبل من أن يلمسها إنسان فإنّما هو في أُمّ الكتاب الذي لا يُنال، حتى أنّ الوجود الإحكامي من القرآن قبل التفصيل والتجزئة، فهو خاص بالنور المحمّدي.
5. (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) :
تقدّم منّا أنّ في قوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) تعريضاً بعزوفهم عن التدبّر في القرآن الكريم فعاد البيان القرآني لتفهيم هؤلاء بأنّ إعراضهم عن الذكر الحكيم لا يلازم تركهم سُدى، والإعراض عن مجازاتهم، كما يقول: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا): أي أفنترك تذكيركم بالوحي ولانأمركم ولا ننهاكم (أَنْ كُنْتُمْ)لأن كنتم (قَوْمًا مُسْرِفِينَ) متمادين في الإعراض والتكذيب والعصيان؟
وحاصل المعنى: أنّ إعراض المشركين عن القرآن الكريم لا يلازم

صفحه 162
إهمالهم وتركهم (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)1 فهم مجزيّون بأعمالهم في الدنيا والآخرة.
6. (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبيّ فِي الأَوَّلِينَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ إعراض القوم عن الذكر الحكيم لا يمنعه سبحانه من إمضاء ما كتبه على نفسه من هداية البشر عن طريق الوحي وإرسال الرسل والدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر وإقامة الفرائض، استشهد على ذلك بأحوال الأُمم السابقة الذين أُرسل إليهم الأنبياء بالشرائع والكتب السماوية وأنذروهم، إلاّ أنّهم أعرضوا عن دعوة أنبيائهم فعمّهم العذاب، فليكن ذلك عبرة لمشركي عصر الرسالة، لذا قال: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبيّ فِي الأَوَّلِينَ)ولفظ (كَمْ)يستعمل في العدد الكثير المبهم، وهو مفعول (أَرْسَلْنَا )تقدّم لطلب الصدارة، أي كم من نبيّ ورسول أرسلناهم بين الماضين السابقين، ولكنّهم:
7. (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبيّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) :
سورة الزخرف: الآيات 9 ـ 14    
قوله:(وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبيّ): أي كان سنّة مستمرة (إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) فقد كفروا بالأنبياء وسخروا منهم لفرط جهالتهم وعنادهم واستهزأوا بهم ومع ذلك فلم نضرب عنهم صفحاً. يقول سبحانه: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).2

1.البقرة: 15.
2. يس:30.

صفحه 163
8 . (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ):
أي (فَأَهْلَكْنَا) من الأُمم الماضية من كان (أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا) قوّة وصولة من قومك، فلا يغترّ هؤلاء المشركون بقوتهم ونجدتهم، فالله هو الغالب على أمره (وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ): أي مضى حالهم العجيب، ومضيّ الأحوال كناية عن استئصالهم، ونظير الآية قوله سبحانه: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ)1.
سنّة الله تعالى في التعامل مع كافّة الأُمم واحدة، والغاية من ذكر قصص وأحوال هذه الأُمم الغابرة، هي للاعتبار بها والادّكار، وبيان أنّ الله سبحانه لبالمرصاد، وأنّ إعراض القوم وصدّهم عن دلائل الهدى لا يكون سبباً للصفح والترك والإهمال من قبل الله تعالى لهم.

الآيات: التاسعة إلى الرابعة عشرة

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا

1.محمد: 13 .

صفحه 164
سُبْحَانَ الذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ).

المفردات

مهداً: فراشاً، وأصله موضع فراش الصبيّ.
سبلاً: جمع سبيل، وهي الطريق.
بقَدَر: أي بمقدار تقتضيه الحكمة والمصلحة.
فأنشرنا: أحيينا.
ميتاً: خالية من النبات.
الأزواج: أصناف المخلوقات.
لتستووا على ظهوره: لتستقرّوا عليها.
سخّر: ذلّل.
مُقرنين: أي مُطيقين.
لَمنقلبون: راجعون.

التفسير

بعد أن تقدّم قوله سبحانه في الآية الخامسة أنّ مشركي عصر الرسالة كانوا قوماً مسرفين في الشرك، عاد البيان القرآني إلى الاحتجاج عليهم

صفحه 165
بأنّهم موحِّدون في الخالقية ولكنّهم مشركون في الربوبية والجمع بينهما جمع بين المتناقضين، إذ لا يمكن التفكيك بين الخالقية عن التوحيد في الربوبية; لأنّ ربوبية العالم الإمكاني وتدبيره لا تنفكّ عن الخلقة، وإليك كيفية الاحتجاج قال سبحانه:
9. (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ):
الخطاب في هذه الآية موجّه للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وظاهر الآية أنّ اعتقادهم بأنّ السماوات والأرض مخلوقة لله سبحانه كان أمراً معروفاً كما تحكي عنه الجملة الشرطية: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)وعندئذ (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)والعجب مع أنّهم مشركون يخصّون الخالق بهذين الوصفين، فالله سبحانه «عزيز» وأصنامهم أذلاّء، (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) كما أنّه «عليم» وأصنامهم جهلاء، وقد جاء مضمون الآية في سورة أُخرى قال سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ)1 .
والقرآن اتّخذ هذه العقيدة سنداً في احتجاجه عليهم بأنّ التوحيد في الخالقية لا ينسجم مع الشرك في التدبير; لأنّ التدبير ليس أمراً دفعيّاً بل هو أمر مستمرّ، وهو رهن خلق بعد خلق، فلو استمرّ التدبير فلأجل استمرار الخلق، فالإضاءة بالشمس والاستسقاء بالمطر أمران مستمران وهما من

1.لقمان: 25 .

صفحه 166
مقولة الخلق وفي الوقت نفسه بهما يستمر التدبير فهو لا ينفكّ عن الخلق والإيجاد، فلو كان هو الخالق، فهو المدبّر أيضاً قال تعالى : (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن)1، فالآيات التالية تشير إلى أُمور يتجلّى فيها التدبير الإلهي، خاصّة ما يتعلّق بحياة الإنسان على هذه الأرض، وهي:
1. جعل الأرض مهداً.
2. شقّ السبل في الأرض.
3. إنزال المطر من السماء بمقدار تحيا بسببه الأرض الميتة.
4. خلق الأزواج من الحيوان والنبات.
5. جعل الفلك والأنعام لأجل الركوب والتنقّل.
إلى غير ذلك ممّا تدلّ عليه الآيات، وإليك تفسيرها:
10. (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ):
الموصول أعني: (الَّذِي) خبر لمبتدأ محذوف أي: هو الذي جعل لكم، فخالق السماوات والأرض هو القائم بهذين الأمرين وهما:
(جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا)والمهد ما يهيَّأ للصبيّ من فراش، فالله سبحانه قد جعل الأرض موطَّأة مذلّلة لهم، صالحة للحياة والاستيطان، فليلتفتوا إلى عظيم قدرته تعالى وموضع عنايته بهم.

1.الرحمن: 29 .

صفحه 167
ثم إنّه سبحانه ذكر إحدى المواهب التي منحها للبشر في هذا المهد، فقال: (وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً): أي شِعاباً : (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إلى مقاصدكم ودياركم.
فمع أنّ الأرض تشتمل على الجبال الشامخة وغير الشامخة فإنّ بين الجبال فواصل يستطيع الإنسان أن يشقّ طريقه من خلالها، وليس ثمّة جبل يوجب انفصال الأرض بعضها عن بعض تماماً.
11. (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ):
أشار سبحانه في هذه الآية بعد ذكر الموهبتين المتقدّمتين إلى موهبة ثالثة وهي:إنزال الماء ويقول: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر): أي بميزان خاصّ تحتاج إليه الحياة في الأرض، فلولا الماء لعمّ الموت وجه الأرض. ثم أشار إلى موهبة رابعة وهي إحياء الأراضي الميّتة بقوله: (فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا)، والنشر وإن كان بمعنى الإحياء نتيجة، لكنّه لغة بمعنى النشور والانتشار، حيث إنّ بذور النباتات بعدما بقيت تحت التراب تتحرّك وتحيا وتنتشر على وجه الأرض.
ثم إنّه سبحانه لفت الأنظار، في أثناء ذكر النعم، إلى الدليل على إمكان البعث، ويقول: (كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ): أي تخرجون من الأرض بعد فنائكم، ووجه الشبه هو ظهور الحياة بعد الموت. في المشبَّه والمشبَّه به.
12. (وَالّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ

صفحه 168
وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ):
كانت الآيات السابقة تذكر وسائل الحياة وأدواتها، من خلق الأرض وجعلها مهداً، وشقّ السبل فيها، ونزول الماء من السماء، وفي هذه الآية ينتقل الخطاب القرآني إلى ذكر وسائل الإنتاج ثم إلى وسائل الاكتساب. أمّا وسائل الإنتاج فأشار إليها بقوله: (وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا)والأزواج جمع زوج وهي كلّ ما يصير به الواحد ثانياً، والظاهر أنّ المراد بها الأزواج الثمانية التي جاء ذكرها في قوله سبحانه: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)1 إلى أن قال: (وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ)2، يُتنعّم بلحومها وألبانها وأصوافها وجلودها، ونتاجها، وقد يراد بالأزواج: أصناف الموجودات من الإنسان والحيوان والنبات وغيرها، والتي تخضع جميعاً لقانون الزوجية. أمّا وسائل الاكتساب، فأشار إليها بقوله: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ)والفلك والأنعام كالإبل والخيل من وسائل الركوب التي تمكّن الإنسان من طيّ المسافات البعيدة.
ثم إنّه سبحانه نسب جعل الفلك والأنعام إلى نفسه، أمّا الأنعام فنسبة الجعل إليه واضحة; لأنّ الجميع من جعل الله وخلقه، إنّما الكلام في الفلك فكيف تعلّق بها الجعل؟ مع أنّها من صنع البشر؟ يمكن أن يقال: أن تعلّق الجعل بها بأحد طريقين:

1.الأنعام: 143 .
2.الأنعام: 144 .

صفحه 169
أ. أنّ المراد منه المواد الأوّلية من الخشب والحديد وغيرهما ممّا تُصنع منها الفُلك والجميع من خلق الله وجعله وصنعه.
ب. أنّه سبحانه خلق في الإنسان قوّة عقلانية تنهض بصنع الفلك على نحو تجري في البحر دون أن تغرق، فصحّت نسبة خلق الفلك إلى الله سبحانه.
13. (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) :
الآية تذكر الهدف النهائي من خلق هذه المراكب، وتخاطبهم بأُمور ثلاثة:
أ. (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ): أي لتستقرّوا على ظهورها، أمّا الأنعام فالظهور فيها واضح، وأمّا الفلك فباعتبار طبقاتها المختلفة، فالطبقة العالية تُعدّ ظهراً.
ب. (ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ)والآية تشير إلى أنّ كلّ نعمة يستفيد منها الإنسان تلازم ذكر ربّها بالشكر والتعظيم، فإنّ كلّ نعمة لها وجهان; وجه مادّيّ تعتمد عليه حياة الإنسان ، ووجه إلهيّ يدلّ على أنّه نعمة من نعم الله .
ج . (وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا)والتسخير هو التذليل والتطويع، فهذه النِّعم خلقت على وجه يتمكّن فيه الإنسان الراكب من الانتفاع كيفما يريد. أمّا تسخير الفلك فعن طريق جعل البحر صالحاً

صفحه 170
لحركتها، والرياح سبباً لجريانها وانتقالها من مكان لآخر، وأمّا الأنعام فقد خلقها على وجه تطيع الراكب وتفهم منه ما يريد .قال العباس بن مرداس في وصف الجمل:
وتضربه الوليدةُ بالهَراوى *** فلا غِيَرٌ لديه ولا نكيرُ
وهذا كلّه من نعمه سبحانه ولولاه لما كان الفلك جارياً ولا الأنعام مطيعة، ولعجز الإنسان عن ذلك كما قال: (وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ): أي مطيقين لعجز القوة البشرية عن إيجاد التسخير في الفلك والأنعام، فهل يصح أمام هذه النِّعم التي هي من مظاهر تدبير حياة الإنسان أن يؤلَّه غيره ويُعبَد وراء عبادة الله سبحانه؟
14. (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ):
فعلى المؤمن إذا ركب الفلك والأنعام أن يشكر الله سبحانه بلسانه ويعترف بأنّه المبدأ كما يقرّ بأنّ إليه المعاد، كما يقول: (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ).
سورة الزخرف: الآيات 15 ـ 25    

الآيات: الخامسة عشرة إلى الخامسة والعشرين

(وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوْ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين * وَجَعَلُوا

صفحه 171
الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).

المفردات

جزءاً: الجزء يطلق في مقابل الكلّ، وأُريد به هنا الولد، وعبّر عنه بالجزء لأنّه بضعة ممّن وُلد له. وقيل في الشعر:
أولادنا أكبادنا *** تمشي على الأرضِ
مبين: ظاهر الكفر، من أبان بمعنى ظهر.
أصفاكم: اختار لكم.
ضرب: جعل.
مثلاً: شبهاً، ومشابهاً.

صفحه 172
كظيم: الممتلئ غيظاً.
ينشَّأُ: يُربّى.
الحِلية: الزينة.
الخِصام: الاحتجاج.
يخرصون: يكذبون.
مستمسكون: معوِّلون.
أُمّة: طريقة خاصّة.
مُترَفوها: أهل الترف والنعمة الذين توغّلوا في الشهوات.
مقتدون: سالكون طريقهم.

التفسير

كان مشركو عهد الرسالة يزعمون أنّ الله اتّخذ الملائكة بنات لنفسه فهم فرضوا أن الملائكة إناث أوّلاً، والله سبحانه اتّخذهنّ لنفسه بنات ثانياً، وصارت مستحقّة للعبادة ثالثاً، والآيات التالية بصدد نقد هذه النظرية مبتدأة من قوله (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ...) إلى قوله: (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) .
15. (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ):
الجملة حالية والواو للحال أي: (وَجَعَلُوا لَهُ) لله (مِنْ عِبَادِهِ)الملائكة والجنّ (جُزْءًا)أي ولداً لأنّه بضعة من والده. فمن جانب يعترفون بأنّ

صفحه 173
الملائكة أو الجنّ هم من عباد الله ومخلوقاته ومن جانب آخر جعلوها جزءاً لله أي ولداً مشتقاً منه، فهل هذا إلاّ التناقض؟ حيث صار المخلوق جزءاً من الخالق، قال سبحانه: (وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْرِ عِلْم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)1، فصدق في حقّهم قوله سبحانه: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ): أي شديد الكفر (مُبِينٌ)واضح كفره في أقواله.
16. (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ) :
الآية شبه سؤال و (أَمِ)جاءت للإضراب حاملاً معنى الاستفهام، وهو أنّ البنات عندهم كنّ أحطّ قدراً، والبنين أعزّ شأناً، فكيف اتّخذ سبحانه ـ حسب زعمهم ـ لنفسه الأحطّ قدراً ولغيره الأعزّ مقاماً؟ كما يقول: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات)لنفسه (وَ) الحال (أَصْفَاكُمْ)حباكم (بِالْبَنِينَ)، فهل فضّل غيره على نفسه إيثاراً؟ أو أنّ في هذا التفضيل إهانة لساحته عزّ وعلا؟ مضافاً إلى أنّ الملائكة ممّا يُخلق، فكيف يكون المخلوق ولداً للخالق؟
17. (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ):
الآية بصدد الاستشهاد على أنّ الإناث عندهم أقلّ قدراً، حيث إنّهم (إِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً)شَبْهاً يعني الإناث (ظَلَّ)صار

1.الأنعام: 100 .

صفحه 174
(وَجْهُهُ مُسْوَدًّا)من الغضب، وتوارى من القوم (وَهُوَ كَظِيمٌ) مملوء غيظاً، أفيصحّ أن يختاروا لأنفسهم الأعزّ والأشرف ـ بنظرهم ـ ولله سبحانه الأنزل والأذلّ؟!
18. (أَوَ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين):
تذكر هذه الآيات بعض الفروق بين الرجل والمرأة ومنها خصلتين:
أ. تعلّق النساء بالزينة والحلية، وكأنّهنّ نشأن وتربّين فيها، قال تعالى: (أَوْ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ)وكأنّهن من أوّل يومهن يولدن في الزينة ويتربّين في حجرها، ولذلك تُثقب أُذَني الأُنثى لتُحلّى بالأقراط ولأجل رقّة المرأة، ورهافة حسّها، ونشأتها في ظلال النعومة لا تتمكّن من ممارسة الصعاب من المهمات، بخلاف الرجل فإنّه على طرف النقيض من هذا الأمر، ولذلك يمارس الأُمور الشاقّة، ويواجه الصعاب.
ب. الضعف في الخصومات، وقد فسّر بوجهين:
أوّلاً: الضعف في الحِجاج والحوار، كما قال سبحانه: (وَهُوَ فِي الْخِصَامِ): أي في الاحتجاج (غَيْرُ مُبِين).
ثانياً: المراد بالخصام المقابلة باليد والمدافعة، فإنّ الخصم يطلق على المحارب، قال تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ )1، وقد فُسّر بأنّ نفراً من المسلمين تقاتلوا مع نفر من المشركين يوم بدر .2

1.الحج: 19.
2.التحرير والتنوير: 25 / 229. بتصرّف.

صفحه 175
وعلى كلّ تقدير فالغاية من اتّخاذ الولد هي الدفاع عن الوالد بالقول والبيان أو باليد والسلاح، والبنات غير مفصحات عن مقاصدهن أو غير قادرات على الدفاع باليد، فلا وجه لاتّخاذ البنات أولاداً.
إنّ الغاية من بيان الخصلتين هي إبطال زعم المشركين الفاسد باتّخاذ الله البنات أولاداً وهو أنّ الغاية من اتّخاذ الولد غير متحقّقة في البنات لعجزهنّ عن ممارسة الأُمور الصعاب، وعدم تمكُّنهنّ من الحوار والاحتجاج بشكل واضح، بخلاف الرجل فإنّه يملك القدرة على هذين الأمرين.
ثم إنّ هذا الاختلاف ممّا تقتضيه طبيعة الحياة الأُسرية، إذ لو كان الرجل والمرأة متماثلين من جميع الجهات لمّا نشأت الرغبة في الزواج عند الطرفين، أو أنّه لا يستمر إذا وُجد، فيجب أن يكون إلى جانب الأقوى تحمّلاً، من هو أقوى عاطفة .
19. (وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ):
ما تقدّم في قوله سبحانه: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات)هو نفس ما جاء في صدر هذه الآية حيث قال: (وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا)وإنّما أعاد ذلك المضمون ليرتّب عليه قوله الثاني: (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ): أي كيف يقولون إنّ الله اتّخذ الملائكة بنات، فهذه شهادة منهم، فهل شهدوا ذلك بأُمّ أعينهم حينما خلق الله الملائكة؟ (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ)

صفحه 176
المزوّرة (وَيُسْأَلُونَ) عن هذه النسبة يوم القيامة.
إنّ الشهادة من الشهود والحضور، فقولهم: إنّ الله اتّخذ كذا
وكذا، يلازم حضورهم عند خلق الملائكة، مع أنّ الملائكة من عالم فوق المادّة، والبنات من عالم المادّة، فكيف يشهدون على ما ليس لهم الاطّلاع عليه .
إلى هنا أبطل سبحانه فريتهم الباطلة بأنّ الملائكة بنات الله، ثم انتقل البيان القرآني إلى أمر آخر وهو عبادة المشركين للملائكة، فإنّ العبادة من شؤون الخالق الربّ، والملَك ليس خالقاً ولا ربّاً، فكيف يعبدون الملائكة؟ فالوحي الإلهي يذكر ما حملهم على عبادة الله، وهي فرية أُخرى لا أساس لها من الصحّة.
20. (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ):
ذكر سبحانه في هذه الآية أمرين:
الأوّل: ادّعاؤهم أنّ مشيئة الله تعالى تعلّقت بعبادتهم، ولولا مشيئته (مَا عَبَدْنَاهُمْ)ولصرفَنا عن عبادتهم كما يقول: (قَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ)وهذا هو منطق الجبريّين على مرّ التاريخ فهم يلجأون إلى تبرير أعمالهم الضّالّة بكونها صادرة عن مشيئة الله عزّ وجلّ، متنصّلين، في هذا المقام، عن مسؤوليتهم في الاختيار بلا جبر ولا إكراه، وقد حكى الله سبحانه تلك الفكرة عنهم في غير واحدة من الآيات، قال عز من قائل:

صفحه 177
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء)1 .
وفي آية أُخرى يقول: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء نَحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء)2 .
وقال تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا)3.
الثاني: يردّ هذه الفكرة بأنّه (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)، ويشير أيضاً إلى ذلك المضمون في سورة الأنعام فيقول: (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ)4، وفي الآية توكيد على أن لا يلقي أحد الكلام جُزافاً، ولا يطلق الدعاوى من غير دليل ولا برهان. هذا وقد ردّ سبحانه في آية أُخرى على هذه الفرية بأنّ عبادة غير الله أمر قبيح والله منزّه عن أن يأمر بالقبيح، كما قال: (قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)5.
21. (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ):
لمّا كان هناك احتمال أن يكون سبحانه هو الذي أمر بعبادة الملائكة

1.الأنعام: 148 .
2.النحل: 35 .
3.الأعراف: 28 .
4.الأنعام: 148 .
5.الأعراف: 28 .

صفحه 178
في كتاب من الكتب السماوية المنزّلة قبل القرآن، فهم به متعلّقون ردّ سبحانه عليه بقوله: (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ)القرآن (فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ)، فلو كنّا أعطيناهم ذلك الكتاب فليخرجوه حتى يتبيّن مصدر ادّعائهم، وأنّى لهم ذلك ؟
22. (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ):
لمّا دحض سبحانه زعمهم بأنّ شركهم وعبادتهم للملائكة رهن مشيئة الله، وأنّه ليس سوى زعم كاذب اتّخذوه ستاراً لإخفاء الحقيقة، عاد البيان القرآني لذكر السبب الحقيقي كذلك، هو التقليد الأعمى للآباء والأجداد، وأنّه هو الذي يصدّهم عن الاهتداء بهداية القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو تجرّدوا عن العصبية لانقادوا إلى حكم الفطرة، كما قال: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة)أي طريقة وملّة (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)أي سائرون .
فظهر أنّه لا حجّة لهم في عبادة الاصنام إلاّ تقليد الآباء، وهو دليل العاجز. نعم التقليد يصحّ في الأحكام الفرعية حيث لا يستطيع كلّ إنسان أن يقوم بمهمة الاجتهاد واستنباط الأحكام، وبذلك يرجع إلى المتخصّصين فيها، بخلاف المسائل العقدية التي يتمكّن كلّ إنسان إذا تأمّل وأمعن النظر فيها أن يكتشف الحقيقة ويتبع العقيدة الصحيحة.
23. (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ

صفحه 179
مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) :
لمّا أخبر سبحانه في الآية السابقة أنّ السبب لإعراض مشركي عصر الرسالة عن التوحيد وانكبابهم على الوثنية، هو تقليد الآباء والأجداد، عاد في هذه الآية إلى بيان أنّ تلك سجيّة المترفين والأثرياء المغرورين بثروتهم عبر القرون، فقال سبحانه: (وَكَذَلِكَ): أي مثل قول هؤلاء (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير)فكلّما جاء نبي إلى قرية يدعو إلى توحيد الله سبحانه والإيمان بيوم القيامة، (إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا): أي اندفع الذين أبطرتهم الأموال إلى محاربته وتكذيبه ويقولون (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)فهم مقلِّدون ذوو عقول مغلَقة لا تُفكّر ولا تتدبّر، وكأنّ هذا منطق كلّ المشركين عبر القرون، فلننظر إلى إجابة القرآن الكريم عن منطقهم.
24 . (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ):
يا له من منطق قويم وأُسلوب حكيم يجذب كلّ من يملك شيئاً من العقل وهو أن يجاري الخصم ويفترض أنّ متابعة الآباء متابعة صحيحة، ولكن يدعو الخصم إلى التفكير فيما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا تبيّن أنّه أصحّ وأوضح من طريقة الآباء فماذا تفرض عليكم عقولكم؟
ونظير هذا الأُسلوب نجده في آية أُخرى أيضاً، حيث يقول: (وَإِنَّا أَوْ

صفحه 180
إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين)1 فنبيّ العظمة(صلى الله عليه وآله وسلم) عالم بأنّه على هدى، إلاّ أنّه يطرح الكلام بصورة الترديد ويقول: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ)، وكأنّ اللازم على مشركي مكّة أن يتأمّلوا في دعوة النبي ورسالته، ولكن أعمتهم العصبية، فـ (قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)، فأين هذا الأسلوب الرائع من هذا الجواب المخزي؟
25. (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ):
إنّ هؤلاء المشركين الذين تمادوا في العناد وأعمتهم العصبية للآباء فركنوا إلى تقليدهم بلا وعي ولا دراية، وأغلقوا قلوبهم دون نفوذ نور الحق إليها ـ إنّ هؤلاء ـ أحق شيء بهم أن يفنوا من الوجود، ولذلك قال: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ)والمراد من الانتقام هو إهلاكهم واستئصالهم، إذ الانتقام بالمعنى اللغوي لا تصح نسبته إلى الله سبحانه، لأنّه بهذا المعنى عبارة عن التشفّي بقتل الخصم، وهو محال على الله، وبذلك صرّح المتكلّمون بأنّه في هذه الموارد يُعمل بالقاعدة المعروفة: خذوا الغايات (القتل) واتركوا المبادئ (التشفّي).
ثم إنّه سبحانه أراد تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنذار مشركي عصر الرسالة، فقال: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) فعليهم أن يحذروا الوقوع في مثل هذا المصير المشؤوم.
سورة الزخرف: الآيات 26 ـ 30    

1.سبأ: 24.

صفحه 181

الآيات: السادسة والعشرون إلى الثلاثين

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّني بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الذِي فَطَرَني فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ):

المفردات

لأبيه: أُريد به «آزر».
براء: مصدر لا يثنّى ولا يُجمع، يقال: أنا منك براء، ونحن منك براء. فإن قلت: بريء، ثنّيت وجمعت، والأوّل مصدر نظير: رجل عدل، والثاني صفة مشبهة.
فطرني: خلقني، والفَطر هو الشقّ، فكأنّ الإيجاد شقّ للعدم وإيجاد للوجود من بطنه وداخله.
كلمة: أُريد بها كلمة البراءة أو كلمة التوحيد.
عقبه: ذريته.
متّعت: التمتُّع بالحياة والأولاد والأموال.

صفحه 182
 
التفسير
لمّا ذكر سبحانه في الآيات السابقة أنّ الذي صار سبباً لتبنّي العقائد الباطلة ـ أعني: الشرك بالله ـ هو تقليد الآباء والأجداد، بيّن في هذه الآيات قصة إبراهيم (عليه السلام)وأنّه أبٌ للعرب العدنانيّين، وأُسوة لهم، فعليهم أن يقتدوا به من وجهين:
أوّلاً: إذا كان السبب للشرك هو اعتناق مذهب الآباء فعلى مشركي عصر الرسالة أن يعتنقوا مذهب إبراهيم(عليه السلام)، وهو أبوهم الأكبر أو جدّهم الأعلى، وقد كان موحّداً منذ طفولته إلى آخر عمره، وهو الذي حسر عن ذراعيه لنشر التوحيد، وأبان برهانه عندما حاجّ عبدة الأجرام السماوية والأصنام الأرضية، فاستدلّ بأُفول النجم والقمر والشمس على بطلان ربوبيتها، وعند ذلك خاطبهم بقوله: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)1 .
وإبراهيم الخليل(عليه السلام) هو الرجل الأمثل الذي بنى الكعبة لأبناء التوحيد ودعا الناس إلى زيارة البيت الحرام، مبيّناً سننها وطقوسها، فلو كان التعصب للآباء صحيحاً فليكن تعصبهم لإبراهيم(عليه السلام)، وليتخذوا دينه ديناً لهم.
ثانياً: أنّه ناهض المشركين في زمانه بجرأة وعزيمة وبسالة نادرة، حتّى لقد تبرّأ من أقرب الناس إليه، كما يقول سبحانه .

1.الأنعام: 79 .

صفحه 183
26 . (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّني بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) :
الظرف متعلّق بفعل محذوف وهو (وَ) أي اذكر (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ)آزر (وَقَوْمِهِ)في بابل، ماذا قال؟ قال: (إِنَّني بَرَاءٌ): أي ذو براء (مِمَّا تَعْبُدُونَ)وقوله: (بَرَاءٌ)نظير قوله: زيد عدل، جاء للمبالغة، كأن إبراهيم بلغ في التبرّي مرحلة حتى صار نفس التبرّي، ومراده من «أبيه» هو آزر، وكان عمّاً أو خالاً له، ولم يكن والده، وسيوافيك تفصيل ذلك في تفسيرنا لسورة الممتحنة (الآية الرابعة) وسنبيّن أنّ آزر لم يكن والده، بشهادة أنّ إبراهيم(عليه السلام) تبرّأ منه أيام شبابه ووجوده في بابل، بينما دعا لوالده في أُخريات أيامه وقال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) 1.
وهذا يدلّ على أنّ مَن تبرّأ منه أيام شبابه وأسماه أباً غير من دعا له أيام هرمه وأسماه والداً، فالأب يستعمل في غير الوالد أيضاً كالعمّ والخال، ولكن الوالد لا يستعمل إلاّ فيمن بذر وجوده.
27. (إِلاَّ الذِي فَطَرَني فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ):
لمّا تقدّم ذكر براءته من كلّ ما يعبده قومه، استثنى منه خالقه وفاطره وقال: (إِلاَّ الذِي فَطَرَني): أي خلقني ، والظاهر أنّ الاستثناء متّصل والله سبحانه كان داخلاً في قوله: (مِمَّا تَعْبُدُونَ) لأنّ المشركين كانوا يعبدون الله سبحانه إلاّ أنّ عبادتهم له سبحانه كانت مقرونة بعبادة الأوثان والأصنام

1.إبراهيم: 41.

صفحه 184
والأجرام السماوية، ولذلك لا وجه لجعل الاستثناء منقطعاً.
ثم إنّه وصف من فطره وخلقه بأنّه (سَيَهْدِينِ)، وهذا دليل على أنّ الخالق هو ربٌّ أيضاً، ومن شؤون الربّ هداية المربوب في معاشه ومعاده... في دنياه وآخرته، ولا تقتصر هدايته بالأُمور الدنيوية، بل تعمّ ما فيه سعادته في الآخرة، وقد ورد هذا المضمون في حواره مع الوثنيين حيث قال: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ*الذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ)1 فقوله: (إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ* الذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ)، قائم مقام قوله: (إِلاَّ الذِي فَطَرَني فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ).
28. (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ):
الضمير المرفوع في (جَعَلَهَا) يرجع إلى إبراهيم (عليه السلام)لأنّ الضمائر المتقدّمة كلّها ترجع إليه، والضمير المنصوب يرجع إلى كلمة التوحيد أو البراءة المستفادة من الآيات السابقة.
والآية تركّز على سعي إبراهيم (عليه السلام)في نشر التوحيد حتى أنّه جعل كلمة التوحيد أو كلمة التبرّي من عبادة غير الله، أمراً خالداً إلى الأبد كما قال: (وَجَعَلَهَا): أي كلمة التوحيد (كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ): أي في ذريته، وما هذا إلاّ (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)إلى طريقة أبيهم ويذكرون ما أوصى به من الإيمان بالله وحده وتنزيهه عن الشركاء إذا صاروا مشركين في فترة خاصّة .
والسؤال هنا: ما هو المراد من جعل كلمة التوحيد في عقبه؟ الظاهر

1.الشعراء: 75 ـ 78 .

صفحه 185
أنّ هذا الجعل ليس جعلاً تكوينياً بل وصاية منه لعقبه وذريته، ولعلّه إلى هذا يشير قوله سبحانه: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) 1 .
ويمكن أن يكون إشارة أيضاً إلى قوله تعالى حكاية عنه (عليه السلام): (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ)2، وفي آية أُخرى قال: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)3.
قال الشريف الرضي (رحمه الله) ]حول هذه الآية[: وهذه استعارة لأنّ الكلام الذي هو الأصوات المتقطّعة والحروف المنظومة لا يجوز عليه البقاء، وإنّما المراد ـ والله أعلم ـ أن إبراهيم (عليه السلام)جعل الكلمة الّتي قالها لأبيه وقومه وهي قوله: (إِنَّني بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الذِي فَطَرَني فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ)باقية في عقبه بأن وصّى بها ولده وأمرهم أن يتواصوا بها ما تناقلتهم الأصلاب وتناسختهم الأدوار، وهذه الكلمة هي كلمة الإخلاص والتوحيد، والله أعلم.4
ثم إنّ دعاء إبراهيم (عليه السلام)كان مستجاباً قطعاً وكانت كلمة التوحيد باقية

1.البقرة: 131 و 132 .
2.إبراهيم : 35.
3.البقرة: 128 .
4.تلخيص البيان في مجازات القرآن: 252 .

صفحه 186
في عقبه إلى زمان عمرو بن لحيّ الذي سنّ الشرك ودعا قومه إلى عبادة «هُبَل»1 وأمّا بعده فقد بقي هناك من حافظ على التوحيد ومنهم آباء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعض الأحناف، كزيد بن عمرو بن نُفيل، وأميّة بن أبي الصلت، وغيرهما من المتنصّرين كورقة بن نوفل، ولذلك اتفقت الإمامية على أنّ آباء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كلّهم كانوا موحّدين، ومع غلبة عبادة الأصنام على أكثر ذريته إلاّ أنّها لم تنقطع من رأس.
وعلى هذا، تتّجه مؤاخذة المشركين على الشرك قبل بعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّهم أهملوا النظر فيما أوصاهم أبوهم إبراهيم(عليه السلام) به وتغافلوا عنه ولكن لم يؤاخذهم الله بل أمهلهم كما قال:
29. (بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ):
سورة الزخرف: الآيات 31 ـ 35    
الآية بصدد بيان سبب الإمهال، وهو أنّه جرت سنّة الله على عدم إهلاك قوم إلاّ بعد إرسال رسول، كما قال: (وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)2، ولذلك لم يستأصلهم (بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ): أي مشركي عصر الرسالة (وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ)أي القرآن الكريم (وَرَسُولٌ مُبِينٌ) أي مُظهر للحق، يعني محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) وعند ذلك انتهى الإمهال فيُؤخذون شيئاً فشيئاً في المستقبل إن لم يرجعوا إلى التوحيد، ولذلك شمل العذاب

1.السيرة النبوية: 1 / 76 ـ 77 .
2.الإسراء: 15.

صفحه 187
المتعنّتين في يوم بدر والأحزاب وحنين. والعجيب أنّ هؤلاء مع استماع ما جرت سنّة الله على أمثالهم في الأُممّ السابقة ولكنّهم لم يتنبّهوا، ولم يستنيروا بنور الحق وتغافلوا، كما قال:
30. (وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ):
وأراد بالحق كما قلنا المعجزة الكبرى، القرآن الكريم، الذي لم يزل على إعجازه إلى يومنا هذا، فهؤلاء مكان أن يلبّوا دعوة أبيهم إبراهيم، ويرجعوا من الشرك إلى التوحيد كما قال:(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، وينظروا في معجزة الرسول ويتأمّلوا فيها، بادروا إلى الإنكار ووصفوا أكبر المعجزات بأنّه سحر و (قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ): أي جاحدون، وهذا يدلّ على شدّة عنادهم ومكابرتهم للحقّ.

الآيات: الحادية والثلاثون إلى الخامسة والثلاثين

(وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّة وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ

صفحه 188
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ):

المفردات

القريتين: مكّة والطائف، والقرية في مصطلح القرآن تطلق على المدينة حتى الكبيرة منها، كقوله سبحانه: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَ إِنَّا لَصَادِقُونَ)1، والمراد بالقرية هنا مصر التي كانت عاصمة للفراعنة.
رحمة ربك: أُريد بها هنا النبوّة.
سُخريّاً: من التسخير، أي خدمة بعضهم بعضاً.
سقفاً: واحدها سَقف وهو البناء الممتد على جدران البيت المغطّي لفضائه، قال سبحانه: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ)2.
مَعارج: واحدها مِعرج، كمنبر ومنابر، وهو السُّلَّم والمَصْعَد.
يظهرون: يرتقون.
يتّكئون: اتّكأ(على السرير): جلس متمكّناً، أو جلس وأسند ظهره أو جنبه إلى شيء.
زخرفاً: الزُّخرف: الزينة المُزوَّقة، قال تعالى: (زُخْرُفَ
الْقَوْلِ غُرُورًا
)3، وقد أُطلق على الذهب لأجل كونه زينة، كقوله تعالى:

1.يوسف: 82 .
2.النحل: 26 .
3.الأنعام: 112.

صفحه 189
(أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف)1 .

التفسير

ذكرت الآيات السابقة أنّ الذي دعا الكفّار إلى اعتناق العقائد الزائفة ومواجهة الأنبياء ورفض دعوتهم يتلخّص في أمرين:
أ. تقليد الآباء والأجداد.
ب. تلقّي القرآن بأنّه سحر.
وقد تمّ إبطال هاتين الذريعتين، وفي هذه الآيات عاد البيان القرآني لبيان أمر ثالث، وهو ما حكاه عنهم سبحانه بقوله:
31. (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم):
أي لماذا نزل القرآن على رجل يتيم فاقد للمال والثروة، فلو كان القرآن من الله سبحانه حقّاً لكان الحقّ أن ينزل على رجل من رجال مكّة أو الطائف الذين يتمتعون بالمال والمنعة، كما قال: (وَقَالُوا): أي مشركو عصر الرسالة (لَوْلاَ)وهو حرف تحضيض بمعنى هلاّ، يقول ابن مالك:
لولا ولوما يَلزمانِ الابتِدا *** إذا امتناعاً بوجود عَقَدا
وبهما التحضيضَ مِزْ، وهلاّ *** ألاّ، ألا، وأوليَنْها الفِعْلا

1.الإسراء: 93 .

صفحه 190
وقوله: (نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل)ثريّ ذي جاه دنيويّ (مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ)مكة والطائف (عَظِيم)صفة للرجل.
ثم إنّ بعض المفسّرين ذكروا أنّ المراد بالرجل العظيم هو الوليد بن المغيرة الذي يوصف بريحانة قريش، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، وربما قيل: المراد عتبة بن أبي ربيعة من مكّة، وابن عبد ياليل من الطائف، وقيل: الوليد بن المغيرة من مكّة، وحبيب بن عمرو الثقفي من الطائف.1 ولكنّ الظاهر أنّ الجميع من تطبيقات المفسّرين، بينما الآية ناظرة إلى ضابطة كلّية تعكس نظر المشركين فيمن يليق بأن يكون نبياً.
أقول: إنّ منكري ما وراء الطبيعة لا يقيمون وزناً للقيم الروحية ولا للمواهب والخصائص النفسية والخلقية، بل يعتمدون في التقييم على الأُمور المادّية، ولذلك تعجّب المشركون من نزول القرآن على رجل فقير غير ذي جاه دنيويّ عريض، وزعموا أنّ اللازم نزوله على رجل عظيم له مال وجاه، وهم أخطأوا في أمرين:
أ. أنّهم وصفوا القرآن الكريم في كلامهم السابق بأنّه سحر ولذلك قالوا بأنّهم به كافرون، ومع ذلك فهم طلبوا أن ينزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم.
وكأنّ القرآن حينما ينزل على رجل ليس بثريّ فهو «سحر»، وأمّا إذا نزل على رجل ثريّ ذي جاه (عَظِيم) فهو معجزة وسيؤمنون به، فهل يتفوّه بهذا المنطق عاقل؟

1. التبيان في تفسير القرآن:9/195.

صفحه 191
وهذا يدلّ على أنّ وصفهم القرآن بأنّه «سحر» لم يكن عن جدّ واعتقاد، بل هو لأجل نحت العذر لرفضهم دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
ب. أنّهم أخطأوا في تعيين الملاك اللازم للنبوّة، فإنّ النبوّة منصب إلهي يصطفي له سبحانه من يشاء من عباده، ممّن يتحلّى بسجايا ومزايا خاصّة، ويتمتع بخصائص ومواهب معيّنة، تجعله أهلاً للنهوض بأعباء ذلك المنصب، وحمل أمانة الرسالة وتبليغها، سواء أكان فقيراً أم ثريّاً، ولكنّ المشركين وضعوا ملاكاً آخر ينسجم مع مقاييسهم الاجتماعية، وهو أنّ الرسالة ثوب لا يليق إلاّ بمن يعيش في القصور الفخمة المزّينة بألوان الزينة، ولو صحّ ذلك فمعناه أنّ عامّة الرسل عبر القرون لم يكونوا أهلاً لهذا المنصب.
ثم إنّه سبحانه يرد على قضائهم بأمر ثالث وراء ما ذكره من الأمرين، وهو:
32. (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ):
تُعدّ هذه الآية من روائع الآيات في هذه السورة حيث تتضمن أُموراً جديرة بالتأمّل، وهي:
أ. قوله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ):
إنّ هؤلاء الأغبياء وقعوا في الخطأ حيث تطلّعوا إلى أمر هُم أقصر

صفحه 192
منه، وهو تقسيم رحمة الربّ ـ أعني: مناصب النبوّة والقيادة الدينية فإنّها من مظاهر رحمة الله سبحانه ـ فحاولوا أن يقسّموها بين أصحاب الثروات والجاه مع أنّه سبحانه أعرف بمواضعها، كما قال: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)1، وقد عرفت أنّ الملاك للتحلّي بالنبوّة هو الاتّصاف بالقيم المعنوية ولا صلة لذلك بالثروة والجاه على عكس زعم هؤلاء.
ويظهر من الذكر الحكيم أنّ هذا المنطق كان شائعاً في عصر فرعون ـ أيضاً ـ حيث إنّه ردّ رسالة موسى(عليه السلام) بهذا المنطق الواهي وقال: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْري مِنْ تَحْتِي)2، وهذا ما سوف نقوم بتفسيره. وكأنّ منطق طاغية مصر وجهلة مكّة، كان واحداً.
وللإمام علي (عليه السلام)كلمة رائعة في نقد هذا التفكير قال: «وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ(عليهما السلام) عَلَى فِرْعَوْنَ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ، وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ، فَشَرَطَا  لَهُ  ـ إِنْ أَسْلَمَ ـ  بَقَاءَ مُلْكِهِ، وَدَوَامَ عِزِّهِ;  فَقَالَ: «أَلاَ تَعْجَبُونَ مِنْ هذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ، وَبَقَاءَ الْمُلْكِ; وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلِّ، فَهَلاَّ أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَب؟» إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ، وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَلُبْسِهِ! وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحانَهُ لاَِنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ، وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ، وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ، وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ وَوُحُوشَ الاَْرَضِينَ لَفَعَلَ. وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلاَءُ، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ».3

1.الأنعام: 124 .
2.الزخرف: 51 .
3. نهج البلاغة: الخطبة192.

صفحه 193
ب. قوله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) :
كيف يتحكّم المشركون في رحمة الربّ، أعني: المناصب المعنوية، ويريدون تقسيمها بين من هو لائق بها في نظرهم دون غيره، مع أنّهم لا يملكون تقسيم معيشتهم في الحياة الدنيا الّتي يعيشون فيها، وهي أقل درجة من النبوّة والإمامة والزعامة الإلهية؟ فقوله: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إشارة إلى هذه الحقيقة.
ثم إنّ الدليل على أنّ الأرزاق والمعايش ليست بيد الإنسان هو اختلاف أفراده في الغنى والفقر، والعافية والصحّة، وفي الأولاد وسائر ما يعدّ من الرزق، وكلٌّ يريد أن يقتني منها ما لا مزيد عليه، ولا يكاد يتيسر لأحد منهم جميع ما يتمنّاه ويرتضيه، فلو كان ذلك بيد الإنسان لم يوجد معدم فقير في شيء منها بل لم يختلف اثنان فيها، فاختلافهم فيها أوضح دليل على أنّ الرزق مقسوم بمشيئة من الله دون الإنسان .1
وبعبارة أُخرى: إنّ أبناء المجتمع الإنساني ليسوا على درجة واحدة بل فيهم طبقات مختلفة بين ثريّ وغيره، فلو كانت المناصب الدنيوية بيد الإنسان يجب أن يحصل كلّ إنسان على كلّ ما يتمنّاه، وهذا أوضح دليل أنّ وراء الأسباب المادّية سبباً آخر في تقسيم العيش في الحياة الدنيا. وتجد تفصيل ذلك في مناظرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معهم .
روى الطبرسي في «الاحتجاج» عن أبي محمد العسكري عن أبيه(عليهما السلام)قال: «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان قاعداً ذات يوم بفناء الكعبة إذ قال له

1.الميزان في تفسير القرآن: 18 / 99 .

صفحه 194
عبدالله بن أُميّة المخزومي: لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولاً لبعث أجلّ من فيما بيننا أكثره مالاً وأحسنه حالاً، فهلاّ أنزل هذا القرآن الذي تزعم أنّ الله أنزله عليك وابتعثك به رسولاً، على رجل من القريتين عظيم: إمّا الوليد بن المغيرة بمكّة، وإمّا عروة بن مسعود الثقفي بالطائف .
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أمّا قولك لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم: الوليد بن المغيرة بمكّة أو عروة بالطائف، فإنّ الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظم أنت، ولا خطر له عنده كما له عندك، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة ما سقى كافراً به مخالفاً شربة ماء، وليس قسمة رحمة الله إليك بل الله القاسم للرحمات والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه».1
ج. قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات):
إنّ هذه الفقرة تبيين لقوله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ)وتوضيح لكيفية تقسيم المعيشة بين الناس، على وجه لا يؤدي إلى الإخلال بالتوازن في مستوى المعيشة، وهو رهن بيان أمرين:
1. رفع بعضهم على بعض في الاستعدادات والمواهب، والقوى العقلية والقدرات البدنية، فلو كان الناس سواء في هذه الأُمور للزم انفصام عقد الاجتماع وبطلان التعاون والتعاضد، فالله سبحانه رفع بعضهم فوق بعض، في القوى الفكرية والبدنية، ليتحقّق الانسجام بين أعضاء المجتمع البشري.

1. الاحتجاج: 1/27 و31; تفسير نور الثقلين: 4 / 597 ـ 599، وللحديث صلة.

صفحه 195
2. أنّ التفاوت في مقادير الرزق نتيجة التفاوت في الاستعدادات والإمكانات الخاصة، ولا يُعدّ ظلماً بل يعدّ التخلّف عنه تعدّياً على الحقوق، فالعدالة غير المساواة فترفيع كلٍّ في الرزق حسب استعداده، عين العدل، والمساواة بينه وبين مَن يملك استعداداً أدون منه، عين الظلم .
وعلى ضوء ما ذكرنا فكلّ من المرفوع وما دونه ذو استعداد ولياقة خاصّة، تؤهّله لأن يخضع كلٌّ للآخر ويستفيد ممّا يملك الآخر من مؤهّلات، وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه تالياً:
د. قوله تعالى: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا):
أي لتسخّر كُلُّ فئة، الأُخرى ويستخدم كُلٌّ الآخر، لما أنّ في كلّ من المُسخَّر والمسخِّر كمالاً يفقده الآخر فيكون تعليلاً لقوله: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات)وكأنّه يقال: لماذا رفع بعضهم فوق بعض درجات، فأُجيب: لغاية التسخير، فلو كان الناس متساوين في الامتيازات والخصائص والكمالات، لم يكن لأحد حاجة للآخر، ولم يكن هناك داع وباعث للاجتماع والحياة المدنية.
إنّ الشيوعيّين تصوّروا أنّ العدالة الاجتماعية إنّما تتحقّق فقط في المجتمعات الّتي تنعدم فيها الطبقات، ويتصوّرون أنّ العدل يتحقّق بمحو الطبقية من المجتمع وأنّ الظلم يكمن في وجود التركيب الطبقي في المجتمع، مع أنّهم غفلوا عن أنّ إيجاد المجتمع اللاطبقي على هذه الأرض أمر مستحيل، لأنّ التركيبات الطبقية لا تنشأ من الملكية خاصّة فحسب، حتى يتم محوها بإلغاء الملكية الخاصّة. ثمّ إنّ الدعوة إلى تحقيق المساواة

صفحه 196
بين الناس في الأُجور مع اختلافهم في مواهبهم الفكرية وقواهم البدنية، تعتبر دعوة غير عملية، لأنّها تطفئ الدوافع الذاتية للعمل والإنتاج، وتخنق الإبداع الذي يمتاز به الموهوبون. ونحن نجد في أي مؤسسة هناك رئيس ومساعد وكاتب ومحقّق وموظف وإداري وعامل وغير ذلك، فهل يصحّ عملياً أن يُعطى الجميع مستوى واحداً من الأُجور؟! فالطبقية بهذا المعنى قوام المجتمع، والمساواة فيه هادمة له، إذ لو تساوى الناس في جميع الأحوال لم يخدم أحد أحداً، ولم يقبل أحد منهم أن يكون مسخراً لغيره، وهذا يفضي إلى خراب العالم وفساد حال الدنيا .
وإن أُريد بها تقسيم الثروات على مقتضى العدل والإنصاف، وحسب الاستعدادات والقدرات الشخصية فهذا هو ما تستهدفه الرسالة السماوية. نعم الطبقية بمعنى كون طبقة بيدها الثروات وطبقة أُخرى يعاني أفرادها من الجوع والعري، فهذا أمر يرفضه العقل والفطرة، والشرائع السماوية.
هـ. قوله تعالى: (وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ):
هذه الفقرة ردّ آخر على مشركي قريش، وهي تقول أنّ رحمة الله ـ أي النبوّة ـ الّتي خصّك الله بها خير من المال الذي يجمعونه ويجعلونه سبب التفضيل .
وعلى هذا صار مجموع الردود في هذه الآية على النحو التالي:
1. أنّ النبوّة موهبة إلهية ليس للمشركين التدخّل في تقسيمها.
2. أنّ هؤلاء لا يملكون تقسيم المعيشة بينهم في أحوال الدنيا،

صفحه 197
فكيف يريدون امتلاك أمر تقسيم المواهب الإلهية؟
3. أنّ أساس الاختلاف في المعيشة هو رفع بعضهم على بعض بمعنى خلقهم باستعدادات مختلفة.
4. أنّ الغاية من الاختلاف في الاستعدادات والإمكانات الخاصّة هي جذب كلٍّ للآخر. وفي الوقت نفسه لكلّ نصيب من الرزق حسب ما يقدّم للمجتمع من العطاء.
5. أنّ رحمة الله (النبوّة) الّتي وهبها سبحانه لنبيّه أفضل بكثير من المال الذي يجمعونه ويفتخرون به.
33 ـ 35. (وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّة وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ):
لا شكّ أنّه سبحانه في هذه الآيات بصدد تحقير الدنيا وبيان خسّتها على وجه تليق بالكافر دون المؤمن، لأنّ الدنيا متاع قليل زائل غير باق، فأَولى أن تكون للكافر الذي يحب الدنيا الزائلة ولا يؤمن بالآخرة الباقية، وبذلك تتبيّن صلة هذه الآيات بما قبلها، وهي أنّه تقدّم في قوله سبحانه: (وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، كرامةُ النبوّة والوحي والكتاب، ومن ثمّ كونها خيراً ممّا يجمعون من حطام الدنيا، فدلّت على حقارة ما دون ذلك، فصار ذلك سبباً لبيان خسّة الدنيا بما ذكر في هذه الآيات، وحاصله: أنّ

صفحه 198
الدنيا لمّا كانت حقيرة لا قيمة لها عند الله، فكان اللازم أن يخصّها سبحانه بالكافرين حتّى تغمرهم غضارتُها بالنحو التالي: يجعل لهم بيوتاً ذات طبقات، سقوفها وسلالمها، وأبوابها، وسررها من فضة، 1 وتُزيّن تلك القصور الفخمة بالذهب، ومع ذلك لم يفعل سبحانه ذلك، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى: (لَوْلاَ)أنّ كثيراً من الجهلة إذا رأوا أنّ الدنيا تُصبّ بجمّاتها2 على الكافرين فلربّما يصير ذلك سبباً لرغبتهم عن الإيمان واجتماعهم على الكفر، فهذا هو السبب لامتناعنا عن ذلك.
هذا هو محصّل تلك الآيات وإليك تفسيرها.
قوله: (وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً): أي لولا أن يجتمع الناس على الكفر واختيار الدنيا على الآخرة (لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ)وهنا خصّ (الرحمن) بالذكر دون (الرحيم) لوجهين:
أ. أنّ المشركين كانوا يكفرون (بالرحمن) ولا يعرفونه، كما قال سبحانه: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا)3. فهم كانوا يكفرون بالرحمن دون الرحيم ولذا قال: (لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ).
ب. سنذكر في تفسير الجزء الثامن والعشرين عند تفسير البسملة أنّ

1.وربما يتصوّر أنّ قوله: ( مِنْ فِضَّة)من متعلّقات السقف، ومع ذلك يكفي في توضيح عظمة هذه البيوت، كونها ذات طبقات عالية ولها معارج وفيها أبواب وسرر مزيّنة بالذهب.
2. أي بأجمعها.
3.الفرقان: 60 .

صفحه 199
الرحمن أعمّ من الرحيم، فالأوّل يعمّ المؤمن والكافر والثاني يخصّ المؤمن، وبما أنّ الكلام عن مشركي مكّة جاء بلفظ الرحمن دون الرحيم.
قوله: (وَ) أي جعلنا (لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّة وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ): أي نجعل لبيوت من يكفر بالرحمن سقفاً من فضة (وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ): أي وكذا السلالم أو المصاعد الّتي يصعدون بها إلى الطبقات العلوية من بيوتهم.
والظاهر أنّ مجموع البيت من الفضة; لأنّ السقف إذا كان من فضة فالحيطان أولى بأن تكون منها كذلك، ويحتمل أيضاً أن يكون السقف فقط منها.
(وَلِبُيُوتِهِمْ) الفخمة (أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ): أي يعتمدون، كناية عن الدعة والراحة، وفي الوقت نفسه (وَزُخْرُفًا): أي مزيّنة بالذهب.
فهذه القصور بهذه الأوصاف العجيبة، لا يقام لها عند الله وزن ولا قيمة، لأنّها عَرَض زائل كما يقول: (وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)الفانية الزائلة (وَ)أمّا (الآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) لاعتقادهم بها خصّها سبحانه بهم، ويكفي في معرفة هوان الدنيا على الله، قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة ما سقى كافراً به مخالفاً شربة ماء»1وذلك لأنّ الكافر يكفر بنعمة الله سبحانه، فلا يليق بشيء حتى جناح بعوضة.

1.الدر المنثور: 6 / 17 .

صفحه 200
وحصيلة الكلام: أنّ الرسالة المحمدية بنيت على أساس القيَم المعنوية وأنّها إذا تعارضت مع القيم المادّية الدنيوية، فالشريعة لا تقيم للثانية وزناً ولا قيمة حتى صار المتاع الدنيوي عنده بمنزلة جناح بعوضة، بل أقلّ منه. وبذلك يُعلم جواب سؤال يطرح على تفسير الآيات، وهو أنّه إذا كانت الدنيا والثروات الموجودة فيها أمراً خسيساً، فما معنى قوله سبحانه: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ)1، حتى أنّه سبحانه يصف المال في بعض الآيات بالخير ويقول: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)2.
فكيف يتمّ التوفيق بين هذه الآيات؟
والجواب واضح ممّا سبق، فالآيات التي نحن بصددها تستهدف إبطال كون المدار في المكانة والمنزلة هو الثروة والجاه، بل الميزان في كرامة الإنسان هو تحلّيه بالقيم المعنوية وأنّها إذا كان هناك تعارض بين الملاكين فالملاك الثاني هو المتعيّن. نعم للمؤمن أن ينتفع بالدنيا وما فيها من النِّعم (على أن لا يؤثرها على الآخرة، ولا يحرص عليها، ولا يتهالك على جمع أموالها) فهذا ممّا دعا إليه الإسلام، وليس له صلة بما في الآية.
سورة الزخرف: الآيات 36 ـ 45    
وبعبارة أُخرى: إنّ ما يبغضه الله، هو أن تصبح الدنيا آخر همّ الإنسان، وأمّا إذا كانت الدنيا وسيلة لنيل مآرب المعاش ومقدّمة لتحصيل الكمال

1.الأعراف: 32.
2.البقرة: 180 .

صفحه 201
فهذا هو المرضيّ عنده سبحانه.

الآيات: السادسة والثلاثون إلى الخامسة والأربعين

(وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْني وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلاَل مُبِين * فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ * وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ):

المفردات

يعشُ: من عشى: إذا نظر إلى الشيء نظراً غير ثابت كنظر الأعشى. وعلى هذا فإن عُدّي بـ «إلى» يعطي معنى النظر، وإذا عُدّي بـ «عن» يفيد التجاوز بمعنى الإعراض. والمعنى الثاني هو المراد هنا، ويشهد لذلك قوله

صفحه 202
سبحانه: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)1.
نقيّض: نهيّئ له، ونضمّ إليه .
قرين: رفيق لا يفارقه.
المَشرقَين: المشرق والمغرب، إذ كثيراً ما تسمّي العرب الشيئين المتقابلين باسم أحدهما، يقال: الظهران، ويراد صلاتي الظهر والعصر. ويقولون: القمران، ويراد الشمس والقمر.
قال الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم *** لنا قمراها والنجوم الطوالعُ
منتقمون: أُريد به استئصالهم مجرّداً عن التشفّي.
مقتدرون: الاقتدار: شدّة القدرة، واقتدر أبلغ من قدر.
لَذكر: التذكرة، وقيل: هو الشرف أو العزّة.

التفسير

تحدّثت الآيات السابقة عن جماعة يقضون على أساس المعايير المادّية ويبتعدون عن الله سبحانه، والإيمان بالآخرة، ويتعامون عن ذكر الله، وينهمكون في لذات الدنيا وشهواتها على نحو يُختم معه على قلوبهم فلا تعي الحقّ، وتُصمّ آذانهم عن سماع صوته، ويُغشى على عيونهم فلا

1.طه: 124.

صفحه 203
تُبصر نور الهداية. والإنسان إذا كان بهذه الحالة يجد فيه الشيطان أرضية صالحة للتسلّط عليه واتّخاذه موضع سرّه ومحلّ وسوسته، وإلى هذا يشير قوله سبحانه:
36. (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ):
هذه الآية تحكي عن أحوال مشركي عصر الرسالة الذين أعرضوا عن ذكر الرحمن، وانكبّوا على الشهوات فقال تعالى:(وَمَنْ يَعْشُ): أي يعرض عن ذكر الرحمن أو ينظر إليه نظر الأعشى نظراً عابراً دون تدبّر وانتفاع به، فشبّه سماع القرآن مع عدم الانتفاع بنظر الناظر من دون تأمُّل (نُقَيِّضْ): أي نهيّئ ونتيح له (شَيْطَانًا فَهُوَ)الشيطان (لَهُ)للمعرِض (قَرِينٌ): أي مصاحب لا يفارقه، وبهذا المعنى جاء قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)1.
37 . (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ):
لمّا كان الشيطان قريناً له غير منفكّ عنه فهو يوسوس في نفسه ويرغّبه في الكفر والشرك، وحينذاك (وَإِنَّهُمْ): أي الجمع باعتبار كثرة المعرض (لَيَصُدُّونَهُمْ): أي المعرضين عن ذكر الرحمن (عَنِ السَّبِيلِ)الإيمان بالله وتوحيده (وَيَحْسَبُونَ): أي المعرضون عن السبيل (أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ).

1.مريم: 83 .

صفحه 204
هذا هو توضيح الآية ويقع الكلام في مقام آخر وهو ما معنى قوله: (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا): أي نتيح و نهيّئ له شيطاناً فيكون قريناً له؟ أوليس هذا يوحي بالجبر؟ فإنّ الشيطان إذا كان مسلّطاً على الإنسان فلا محال أن يصدّه عن السبيل.
والجواب واضح، فإنّ مَن يتعامى عن آيات الله تعالى وينظر إليها نظر العابر، دون نظر الباصر المتأمّل، يكون قد أوجد حجاباً بين الهداية الإلهية وبين قلبه، فيغفل عن نفسه، وعند ذاك يأخذ الشيطان منه مأخذه، فيزيّن له أعماله الإجرامية ويصير في النهاية وليّاً له يقوده إلى ما يريد، كما يقول سبحانه: (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ)1.
وبعبارة أُخرى: إنّ مَن يصرف نفسه عن دين الله وشريعته وينكبّ على الشهوات والملذّات، ويغلق نوافذ قلبه عن أن ينفذ إليها نور الهداية، يكله الله سبحانه إلى نفسه الأمّارة، وإلى شياطين الإنس والجن، وعندئذ يتصرّفون في نفسه وعقله حسب ما يريدون، وآخر آمالهم صدّ الإنسان عن سبيل الله. وحاشا الله سبحانه أن يسلّط الشيطان على عباده ليغريهم بالضلال والمعصية، بل هو الإنسان الذي بعمله يهيّئ نفسه لأن يستحوذ عليه الشيطان، وإلاّ فعباد الله سبحانه أعلى منزلة من أن يكون للشيطان عليهم سبيل، قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)2.

1.النحل: 63 .
2.الحجر: 42.

صفحه 205
38. (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْني وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ):
ثم إنّ هذا الإنسان الضالّ يتصوّر أنّه إنسان مهتد وليس له مصير سيِّئ، هذا حاله في الدنيا، وأمّا حاله في الآخرة فالوحي الإلهي يبيّنه ويقول: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا): أي مات ورأى مصيره السيِّئ (قَالَ يَا لَيْتَ بَيْني وَبَيْنَكَ): أي الشيطان (بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ)يخاطب المتبوع ويتمنّى بُعده عنه بعد المشرقين، وهو أبعد بُعد في عالم الحسّ. ثم يخاطبه بقوله: (فَبِئْسَ الْقَرِينُ): أي بئس الصاحب والرفيق أنت، ولكن هل هذا التمنّي يفيده ويخلّصه من عذاب الله؟! كلا، ولا، كما في قوله سبحانه في الآية التالية:
39. (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ):
الخطاب في قوله: (يَنْفَعَكُمُ)موجّه إلى المُعرِض عن ذكر الرحمان، إنّما الكلام في فاعل (لَنْ يَنْفَعَكُمُ)، فهنا احتمالان:
أ. تمنّي المُعرض الابتعاد عن قرينه مسافة بعد المشرقين، فيكون المعنى: لن ينفعكم تمنّي الابتعاد (الْيَوْمَ) (يوم القيامة) بعد (إِذْ ظَلَمْتُمْ)، وبتقدير (بعد) قبل الظرف صحّ كون الظرف بدلاً من اليوم مع وجود الاختلاف في المبدل والبدل، فالمبدل (الْيَوْمَ)للحاضر والبدل للماضي، فإذا قدّرنا لفظة «بعد» يصحّ الإبدال ويتّحد الزمانان. وربما تقدّر كلمة (تبيّن) أي إذ تبيّن أنّكم ظلمتم في الدنيا.

صفحه 206
ويمكن أن يقال في رفع الإشكال: أن (إِذْ) قد تخرج من الماضي إلى الاستقبال كما في قوله تعالى: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ)1 .
ولمّا كانت هناك مظنّة سؤال وهو اختلاف المُعرِض والقرين في حدّ العذاب، جاء قوله: (أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ): أي اشتراكهما في العذاب من دون زيادة ونقيصة.
ب. أن فاعل (لَنْ يَنْفَعَكُمُ)قوله في آخر الآية: (أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) وعندئذ يكون الخطاب في (لَنْ يَنْفَعَكُمُ) إلى المُعرض والقرين، فيكون معنى الآية: أنّكم إذا أساء بعضكم إلى بعض في الدنيا فأوقعه في مصيبة ربّما تسلّيتم بعض التسلّي لو ابتلي هو نفسه بمثل ما ابتلاكم به فينفعكم ذلك تسلّياً وتشفِّياً، لكن لا ينفعكم يوم القيامة اشتراك قرنائكم معكم في العذاب، فإنّ اشتراكهم معكم في العذاب وكونهم معكم في النار هو بعينه عذاب لكم.2
40 . (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلاَل مُبِين):
شبّه الله تعالى من لا يستفيد من سمعه وبصره بمن يفقدهما، وقال: (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ)لعدم الفرق بينهما في عدم الانتفاع.

1.غافر: 70 ـ 71 .
2.الميزان في تفسير القرآن: 18 / 103 .

صفحه 207
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرهِ *** إذا استوتْ عنده الأنوار والظُّلَمُ1
والآية حاكية عن حرص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعنايته بهداية المشركين، حيث كان يبالغ في المجاهدة في دعوة قومه إلى الحق والخير، وهم قد بلغوا من العناد حدّاً لا يبصرون معه أنوار الهداية، ولا يسمعون صوت الداعي المرشد.
ثم عطف عليه قوله: (وَمَنْ كَانَ فِي ضَلاَل مُبِين) وربما يتصوّر أنّ المعطوف نفس المعطوف عليه، فمن فقد بصره وسمعه يوصف في الحياة بالضلال المبين، لكن يمكن أن يقال أنّ المعطوف أعمّ، إذ ربّ إنسان يمتلكهما كليهما لكن يفتقد التعقّل والتفكّر، فإنّ وراء هاتين الحاسّتين تعقّل الإنسان وتفكيره.
41. (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ):
بعد أن أخبر الله سبحانه نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)عن عدم إيمان قومه به، وإنْ بذل من أجل إيمانهم ما كان يملك ويستطيع، سلاّه بأنّه سينتقم منهم ولا يفلتون من عقابه، إمّا حال حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو بعد مماته، وأنّه سبحانه قادر على كلا الأمرين، فقال: (فَإِمَّا)مركّب من «إن» و «ما» الزائدة، أُدغمت النون في الميم فصارت (إمّا)، فكأنّه قال: إن (نَذْهَبَنَّ بِكَ)أيّها الرسول من الدنيا، «فـَ» اعلم (إِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ)وعلى هذا فالانتقام سيقع بعد موت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

1. البيت للمتنبي.

صفحه 208
42. (أَوْ نُرِيَنَّكَ الذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ) :
(أَوْ)عطف على قوله: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ)والمعنى: أو نريك الذي وعدناهم من الاستئصال، فاعلم (فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ): أي قادرون أشدّ القدرة على الانتقام. وعلى ذلك فالوعد في كلتا الصورتين شيء واحد وهو الانتقام، غاية الأمر أنّه مذكور في الآية الأُولى بلفظه، ومقدّر في الثانية أي قادرون على الانتقام.
ثم إنّه سبحانه حقّق ما وعد به في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقد هلك من صناديد قريش قرابة سبعين نفراً في غزوة بدر، نصفهم تقريباً قتلوا بسيفِ وصيّه علي(عليه السلام)، وهلك قسم آخر منهم في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في بقية الغزوات والحوادث.
43 . (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) :
لمّا وعد الله النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)باستئصالهم والظفر بهم، أمره بالثبات والتمسّك بما أُوحي إليه فقال: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ)من القرآن، ولا تكترث لهؤلاء الصُمّ العُمي الأبصار، وامضِ في طريقك، فـ : (إِنَّكَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)، ولعلّ المراد بالصراط المستقيم، هو صراط التوحيد، وفي آية أُخرى: (إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ)1 .

1.النمل: 79 .

صفحه 209
44. (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ):
لمّا أمر الله سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالاستمساك بالذي أُوحي إليه، وصف المستمسك به بقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ): أي تذكرة (لَكَ وَلِقَوْمِكَ)، وذلك لأنّ القرآن يذكّر ما عليه الإنسان فطرة.
والشاهد على أنّ المراد هو التذكير قوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر)1، وقوله تعالى: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)2، وعلى هذا فالمراد بالذكر هو ذكر الله وتنزيهه عن الشرك.
وربّما يفسّر الذكر بالشرف والعزة، أي أنّ القرآن شرف لك ولقومك من قريش، فالقرآن نزل بلسان قريش فاحتاج أهل اللغات كلّها إلى لسانهم، فشرّفوا بذلك على القبائل .
قال الزمخشري: (لَذِكْرٌ): أي لشرف لك ولقومك (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)عنه يوم القيامة، عن قيامكم بحقّه وعن تعظيمكم له وشكركم على أن رزقتموه وخصصتم به من بين العالمين 3.
وهذا التفسير لا ينسجم مع طبيعة رسالة الإسلام وعالميتها، فالقرآن لم ينزل بلغة خصوص قريش، بل نزل بلغة العرب وقريش إحدى قبائلهم، هذا أوّلاً. وثانياً: أنّه لم ينزل بلغة العرب ليكون شرفاً لهم وإنّما نزل بها لسنّة

1.القمر: 22 .
2.ق: 45.
3.تفسير الكشّاف: 3 / 98 .

صفحه 210
إلهية جارية في عامّة الأُمم يكشف عنها قوله سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ )1، وممّا يؤيد ما قلنا ذيل الآية وهو قوله: (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ): أي يُسألون هل أدّوا واجبه وتحملوا المسؤولية، فإنّ السؤال عن الذكر دليل على التكليف لا التشريف.
نعم لاشكّ أنّ القرآن الكريم رفع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقومه على الإطلاق في أقطار العالم، فإنّ كلّ مسلم يؤدّي الفرائض باللغة العربية ويقرأ القرآن بها ويؤدّي السنن والدعوات كذلك، لكن ذلك غير تفسير الذكر في الآية بالشرف، وقد وصف القرآن بالذكر في قسم من الآيات منها قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)2، وقوله سبحانه: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث )3.
45. (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ):
الآية تأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يوجّه سؤالاً إلى مَن سبقه من الرُّسل، فيقول: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا)(وسيوافيك الكلام في كيفية السؤال)، ليسألهم:
هل شرّعنا لهم عبادة غير الرحمن؟ وهل حكمنا بعبادة غيره؟ وهل

1.إبراهيم: 4.
2.الحجر: 9 .
3.الشعراء: 5.

صفحه 211
جاء ذلك في ملّة من الملل؟ كما يقول: (أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)، فإذا سألتهم تقف على أنّ كلّ الأنبياء بُعثوا لأمر واحد وهو الأساس لسائر الأُمور كما يقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)1 .
هذا مضمون الآية ويقع الكلام في كيفية السؤال؟
وقد اختلف المفسّرون في بيان الكيفية، فلنذكر آراءهم:

1. النظر في القرآن من دون حاجة إلى سؤال الأنبياء

قال الزمخشري: ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لإحالته، ولكنّه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملّة من ملل الأنبياء؟ وكفاه نظراً وفحصاً نظره في كتاب الله المعجز المصدّق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنّهم لا يعبدون من دون الله ما لم ينزِّل به سلطاناً. وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها، والسؤال الواقع مجازاً عن النظر حيث لا يصحّ السؤال على الحقيقة كثير، منه: مسألة الشعراء، الديار والرسوم والأطلال، وقول من قال: سَلِ الأرضَ من شقّ أنهارك وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإنّها إن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً.2
وعلى ما ذكره فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يؤمر بالسؤال، بل نفس هذه الآية كفته في الوقوف على الحقيقة، ولكنّه خلاف ظاهر هذه الآية ونظيرتها.

1.النحل: 36 .
2.تفسير الكشّاف: 3 / 98 .

صفحه 212

2. السؤال في ليلة الإسراء

روى السيوطي عن سعيد بن جبير في تفسير الآية، قال: ليلة أُسري به لقي الرسل .1
وفي كتاب الاحتجاج: عن أمير المؤمنين (عليه السلام)في حديث طويل، جاء فيه: وقوله: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) فهذا من براهين نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)التي آتاه الله إيّاه، وأوجب به الحجّة على سائر خلقه لأنّه لمّا ختم به الأنبياء وجعله الله رسولاً إلى جميع الأُمم وسائر الملل خصّه بالإرتقاء إلى السماء عند المعراج وجمع له يومئذ الأنبياء فعلم منهم ما أُرسلوا به .2
وروي أيضاً في «الكافي»: «أنهّ لمّا أُسري بالنبيّ ليلة المعراج فصلّى بالقوم (الأنبياء) فلمّا انصرف قال لهم: علامَ تشهدون وما كنتم تعبدون؟
قالوا: نشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّك رسول الله» 3.

3. سؤال أهل الكتاب

سورة الزخرف: الآيات 46 ـ 56    
المراد هو سؤال أهل الكتاب، علمائهم وقادتهم ويشهد لذلك قوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)4.

1.الدر المنثور: 6 / 19 .
2. تفسير نور الثقلين: 4 / 607 .
3.الكافي: 8 / 121.
4.يونس: 94 .

صفحه 213
والأقرب من هذه المعاني هو الثالث. هذا كلّه حول الكيفية، وأمّا الغاية من سؤالهم والغاية للأمر بالسؤال، فهي دعوة الآخرين لأن
يسألوا أهل الكتاب: هل أُمروا بالتوحيد أو بالوثنية؟ فالنبيّ الخاتم لم يكن في شكّ أو مرية حتى يسأل، والله سبحانه لكي يزيل الشكّ عن قلوب الآخرين يأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالسؤال ليقتدي به غيره حتى يزول الشكّ عن قلوبهم.
وظاهر الآية يدلّ على وجود الصلة بين النبي وسائر الأنبياء في حياتهم الدنيوية وأنّ الصلة بعد غير منقطعة، فلم يكن أي مانع بين
سؤاله وجواب الأنبياء فلا حاجة إلى تخصيص الآية بليلة الإسراء،
بل يمكن للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إيجاد الصلة بينه وبين مَن تقدّمه من الرسل، والله العالم.

الآيات: السادسة والأربعون إلى السادسة والخمسين

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ * وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَة إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ

صفحه 214
مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْري مِنْ تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَب أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوُه إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ) .

المفردات

آياتنا: الآيات: المعجزات.
مَلَئه: أشراف قومه.
أخذناهم: أخْذ قهر بالعذاب.
بما عهد عندك: أي بما أخبرتنا من عهده إليك.
ينكثون:ينقضون العهد.
من تحتي: من تحت قصري.
مَهين: ضعيف حقير.
يُبين: يُفصح عن كلامه.
أسورة: واحدها سوار كأخمرة وخِمار، وكأن التسوّر بالسوار كان من علائم السيادة .
مقترنين: مقرونين.

صفحه 215
استخفّ قومه: أي استخفّ عقولهم.
آسفونا: أغضبونا.
سَلَفاً: قدوة لمن بعدهم.
مثلاً: حديثاً عجيب الشأن.

التفسير

لمّا تقدّم في صدر السورة أنّه سبحانه كم أرسل من نبيٍّ في الأوّلين، إلاّ أنّهم مكان أن يؤمنوا بدعوة أنبيائهم استهزأوا بهم، وتقدّم أيضاً قول قوم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ شأن هذا القرآن أن ينزل على رجل من القريتين عظيم، أي ثريّ وذي جاه دنيوي عريض، فصار ذلك سبباً لذكر ما جرى بين موسى وفرعون وعزوف آل فرعون عن قبول دعوته، معتذرين بنفس الأعذار الّتي تمسّك بها مشركو قريش.
وحصيلة الكلام: أنّ كلا النبيّين قد أُرسلا بالآيات البيِّنات، ولكنّ قومهما تمرّدوا عليهما وطغَوا وقابلوهما بالاستهزاء والسخرية .
46. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ):
ذكر سبحانه إرسال موسى(عليه السلام) بآياته إلى فرعون وملئه وقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ)وخصّ الملأ(أي أشراف قومه)

صفحه 216
بالذكر مع أنّه أُرسل إلى قوم فرعون عامّة بلا فرق بين الملأ وغيره، وذلك لأنّ غير الملأ تابع للملأ في القبول وعدمه.
ثم إنّ موسى(عليه السلام) أفصح عن حقيقة رسالته: (فَقَالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، ولازم ذلك أنّه صادق في دعوته، هاد إلى الحقّ، مؤيَّد من لدن الحقّ تعالى.
47. (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ) :
لمّا كان تصديق قول موسى(عليه السلام) بأنّه رسول من ربّ العالمين رهن إقامة الدليل على ذلك، ذكرت الآية أنّه سبحانه أرسله مؤيَّداً بالآيات والحجج الباهرات الدالّة على كونه مبعوثاً من جانب الله تعالى كما قال: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا)بَيْد أنّهم مكان أن يتأمّلوا فيها ويستبصروا بها(إِذَا هُمْ)مثل مشركي قريش (مِنْهَا):أي من الآيات (يَضْحَكُونَ)فحال الرسولين وقومهما واحد، فالرسولان أُرسلا بالآيات القاطعة وقومهما يضحكون ويستهزئون بما جاءا به من الآيات .
48. (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَة إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) :
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّه سبحانه أرسل موسى (عليه السلام)بالآيات لا بآية واحدة، أشار هنا إلى أنّ تلك الآيات والمعجزات لم تكن على نحو واحد بل كانت كل آية أكبر وأعظم من سابقتها كما قال: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَة إِلاَّ هِيَ

صفحه 217
أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا)وكانت الآيات المرسلة عليهم آيات عذاب وعقاب دنيوي لينتبهوا من غفلتهم ويثوبوا إلى رشدهم، ومن هذه الآيات: الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم، وكانت الغاية من إرسال آيات العذاب عليهم، هي العودة إلى الله تعالى، والكفّ عمّا هم عليه من جحود واستكبار وعصيان كما قال: (وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
49 . (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ):
لاشكّ أنّ الحياة مع الجراد والقمّل والضفادع والدم، حياة مرّة. هذا من جانب، ومن جانب آخر: إنّ البلاء من شأنه ـ إذا حاق بالإنسان ـ أن يرفع عنه غطاء الجهل والعناد، ويحدوه إلى أن يلتجئ إلى الله سبحانه لينجّيه ممّا هو فيه، ولهذا التجأ فرعون وقومه إلى موسى (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ)«ما» مصدرية أي بعهده عندك، والمراد به عهده أن يكشف عنهم العذاب لو آمنوا، وكأنّهم سمعوا من موسى أنّهم إذا آمنوا فالله سبحانه يكشف العذاب عنهم، فاستناداً إلى قوله هذا قالوا: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ)فلو كشف العذاب (إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ): أي سنؤمن في المستقبل، والشاهد عليه الآية التالية:
50. (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ):
أي أنّهم نكثوا عهدهم ونقضوا فلم يؤمنوا، كلّ ذلك يدلّ على شدّة عنادهم وتعصُبهم، وقد تحدّث القرآن الكريم عن طلبهم هذا في موضع

صفحه 218
آخر وقال: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَل هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ)1. وعلى كلّ تقدير ففي كلّ ذلك تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّ أخاه موسى (عليه السلام)ابتلي بقوم مثل قومه ومع ذلك لم تهُن ولم تضعف عزيمته في تبليغ دعوته.
ثم إنّ في قوله: (يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ) احتمالان:
أ. صيغة تكريم، مثل قولهم: يا أيّها العالم، وكان الساحر عندهم عظيماً يعظمونه ولم تكن صفة ذمّ.
ب. أنّه صيغة استهزاء بموسى ومعناه يا أيّها الذي غلبنا بسحره، ويؤيّد ذلك أنّهم خاطبوا موسى بقولهم: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ)وكأنّ ربّ موسى غير ربّهم. وقد كان الأقباط يحسبون أنّ لكلّ أُمّة ربّاً ويعتقدون بتعدّد الآلهة، حتّى أنّ فرعون مع أنّه كان إلهاً كان عبداً لإله آخر بشهادة قوله سبحانه: (وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ...)2.
ويفهم من سياق الآيات أنّ موسى(عليه السلام) دعا ربّه، فكشف سبحانه العذاب عنهم، ولكن استجابة دعوة موسى(عليه السلام) وانجلاء العذاب عنهم بدعوته كان أمراً مؤثّراً في قلوب القبطيّين ليتركوا عبادة فرعون ويستظلّوا بظلال رب العالمين ولأجل هذا، عاد فرعون إلى الشغْب والجدل ليحول

1.الأعراف: 134 ـ 135 .
2.الأعراف: 127 .

صفحه 219
دون ميل الآخرين إلى دعوة موسى(عليه السلام)، ومن هنا قام منادياً في قومه، مبدياً اعتراضات واهية، بأنّه:
1. يملك مصر.
2. أنّ الأنهار تجري من تحت قصره.
3. أنّ هذا الداعي من طبقة فقيرة.
4. في لسانه عُقدة، فلا يكاد يُبين.
5. لم تُطرح عليه أسورة من ذهب.
6. بُعث مجرّداً غير مقترن بالملائكة.
لاشكّ أنّه لو تحلّى شخص بهذه الأُمور وملكها لا يكون دليلاً على كونه إلهاً، كما أنّه لو تجرّد عنها شخص لا يعد دليلاً على كذبه وعدم صدق ادّعائه من أنّه رسول رب العالمين، كلّ ذلك يدلّ على كون الرجل مغالطاً، وقد استدلّ بأُمور لا علاقة لها بنبوّة الأنبياء وإصلاح المصلحين، فكون فرعون مالكاً لمصر أو كون الأنهار جارية من تحت قصره، لا يدلّ على صحّة عقيدته وطريقته بَيْد أنّ لجوءه إلى هذا المنطق في مخاطبة المصريّين يدلّ على أنّهم كانوا ضعفاء العقول، حيث تأثّروا باعتراضاته كما سيمرّ عليك عند تفسير الآيات، وإليك بيانها.
51. (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْري مِنْ تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) :

صفحه 220
ظاهر قوله: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ)أنّه قام بالنداء بنفسه لكن النسبة مجازية وإنّما أمر مَن ينادي على لسانه بهذه الأُمور، شأن النداءات المنسوبة إلى الملوك والأُمراء، ويدلّ على ذلك قوله سبحانه حاكياً عن عمل فرعون: (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ* وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ)1.
وأمّا مضمون النداء فهو كما يقول: (قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ)كأنّ البلد مسجّل باسمه يتصرّف فيه بما يشاء، (وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْري مِنْ تَحْتِي): أي من تحت قصري، ولعلّ صيغة الجمع في (الأَنْهَارُ) إشارة إلى الأنهار الصغيرة المتفرّعة من النيل. وقد ذكر بعضهم أسماء الأنهار، كنهر الملك ونهر دمياط ونهر تنيس ونهر طولون .2
وقوله: (أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) فهو تقرير على النفي تحقيقاً لإقرارهم.
52. (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ) :
تشير الآية إلى أنّ موسى(عليه السلام) من طبقة فقيرة ليست ثرية، وهذا هو الذي يشير إليه بقوله: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الذِي هُوَ مَهِينٌ): أي ضعيف ذليل، وكأنّ المنزلة والمكانة عند الله في المال والذلّة في الفقر والقُلّ. ثم أشار إلى أمر آخر يمتهن به رسول رب العالمين وهو قوله: (وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ)فقد روي أنّه كانت في لسانه ـ قبل نبوّته ـ لثغة، ثم رفعها الله سبحانه عنه بدعائه(عليه السلام)

1.الشعراء: 53 ـ 55.
2.روح المعاني: 25 / 89 .

صفحه 221
ويشهد بذلك قوله: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَاني * يَفْقَهُوا قَوْلِي)1 فاستجاب الله دعاءه حيث قال: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)2.
53. (فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَب أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ):
وآخر ما كان في كنانة طاغية مصر من أباطيل، قوله: لماذا لم تُطرح عليه أسورة من ذهب، قال المفسّرون: إنّه كان من دأبهم أنّهم إذا سوّدوا رجلاً سوّروه بسوار من ذهب وطوّقوه بطوق من ذهب، وبما أنّ موسى ليس عليه تلك الأسورة فهو ـ بزعمه ـ لا يصلح للسيادة والقيادة، كما يقول: (فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَب)ثم أردفه باعتراض آخر وهو أنّ دعوة موسى غير مقترنة بمجيء الملائكة معه كما يقول: (أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) .
مع أنّ كلّ ما اعتمد عليه فرعون في إبطال الحق وإحياء الباطل كان أوهن من بيت العنكبوت، ومع ذلك أثّر في قومه لأجل أنّهم كانوا خاضعين لضغط الدعايات المتسلسلة عبر حكومات الفراعنة، ولذلك يقول:
54. (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوُه إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ):
أشار سبحانه بقوله: (فَاسْتَخَفَّ)إلى أنّه استخفّ أحلام قومه

1.طه: 27 ـ 28 .
2.طه: 36.

صفحه 222
واستجهلهم لخفّة عقولهم ومن ثمّ (فَأَطَاعُوُه)فيما أمرهم به، وأمّا ما هي العلّة في التسرّع إلى إجابة فرعون؟ (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ): أي خارجين عن طاعة الله وداخلين في طاعة فرعون.
ولمّا تمّ احتجاجه سبحانه عليهم، بحيث كانت الحجّة البالغة لله سبحانه، دون أن تكون لفرعون وملئه، شملهم العذاب والعقاب كما يقول:
55. (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ):
قد ثبت في محلّه أنّ الغضب من الله سبحانه بمعنى إرادة العقاب، وأنّ الانتقام بمعنى العذاب والعقاب، وهما مجرّدان عن المقدّمة
والغاية.
أمّا الغضب فهو غليان الدم في القلب المؤثر في الأعصاب، وأمّا الانتقام فهو تعذيب الشخص لغاية التشفّي. وكلا الأمرين محالان على الله سبحانه، فيكون معنى قوله: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ): أي فلمّا أغضبونا عذّبناهم وعاقبناهم. أمّا كيفية العقاب فيقول فيها: (فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ )وقال سبحانه في موضع آخر: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ كَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)1.
56. (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ) :
سورة الزخرف: الآيات 57 ـ 65    
فقد وصف سبحانه المغرقين بأمرين:

1.الأعراف: 136 .

صفحه 223
أ. (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا) .
ب. (وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ).
أمّا الأوّل فالمراد بالسلف تقدّمهم على الآخرين من الكفّار في دخول النار، بحكم كونهم متبوعين والآخرين تابعين.
وأمّا الثاني فجعلهم مثلاً للآخرين أي عبرة للآخرين، وعظة لهم.
إلى هنا تمّت قصة موسى (عليه السلام)مع قومه التي تماثلها قصة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مع قومه، وفي الآيات إشارة إلى تشابه القصّتين من جهات شتّى.
ثم إنّه سبحانه أشار إلى قصة عيسى التي صارت ذريعة لكفّار قريش، وإليك الآيات.

الآيات: السابعة والخمسون إلى الخامسة والستين

(وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ

صفحه 224
رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْم أَلِيم) .

المفردات

مثَلاً: حجّة وبرهاناً.
يَصدّون: أي يَضِجّون. والصَّديد من الأصوات: الشديد.
جدَلاً: أي خصومة بالباطل.
خَصِمون: شديدون في اللّجاج والخصومة.
مثَلاً: أي أمراً عجيباً.
يخلفون: يخلفونكم في الأرض.
لَعِلم: لَعلامة.
تُمترَنّ: الامتراء: الشكّ.

التفسير

إنّ هذه الآيات من الآية السابعة والخمسين إلى الآية الستين من أخفى آي القرآن مراداً، ولذلك اضطربت كلمات المفسّرين في تفسيرها. ولاشكّ في أنّ قوله: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)يدلّ على أنّ ابن مريم وصف بشيء صار سبباً لصدّ قوم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وضجيجهم.

صفحه 225
وأمّا ما هو هذا المثَل (بمعنى وصف ابن مريم)؟ فليس في الآية إشارة إليه ، ولكن الظاهر أنّ الوصف كان من جانب الرسول عن طريق الوحي، لا من جانب المشركين، وبما أنّ هذه السورة مكّية، فينبغي أن يكون المَثَل الذي تشير إليه الآية مذكوراً في السور المكّية لا المدنية، فمن حاول تبيين هذا الوصف بالسور المدنية، فقد أخطأ.1
والذي يمكن أن يقال: إنّ المراد ما وصف به الله سبحانه ابن مريم في سورة مريم، فقد حكى الله سبحانه ولادة ابن مريم ثم نشوءه بين قومه بقوله: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) وختم القصة بقوله: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)2.
ثم إنّه سبحانه يذكر بعد ذلك قصص عدد من الأنبياء كإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس(عليهم السلام) ويقول في حقّهم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ...)3.
وقد ورد في هذه السورة في وصف ابن مريم، قوله: (إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ).
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآيات.

1.كما سيوافيك في القول الرابع.
2.مريم: 16 ـ 35 .
3.مريم: 58 .

صفحه 226
57. (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ):
فعلى ما ورد من قصة عيسى في سورة مريم، يكون قوله في آيتنا: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً): أي لمّا وصف ابن مريم بما في سورة مريم في الآيات الّتي ذكرناها، (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)بكسر الصاد، أي يضجّون وترتفع أصواتهم عالياً، تهكّماً وسخرية، مع أنّ مقتضى التفكّر في تلك السورة أن يؤمنوا بما ورد في شأنه، لكنّهم جعلوه مادة للتهكّم والسخرية والمجادلة، كما قال سبحانه:
58. (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ):
بيان المجادلة هو أنّه سبحانه وصف ابن مريم بقوله: (مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد سُبْحَانَهُ)1 فهؤلاء مكان أن يتدبّروا كلامه سبحانه في حقّ ابن مريم أعرضوا عنه ورجعوا إلى ما عند النصارى من أنّه إله ابن إله. وعلى ذلك بنوا جدالهم: (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ)والقرآن يصف كلامهم هذا بقوله: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً)لا برهاناً حيث إنّهم بنوا جدلهم على ما عند النصارى بأنّه إله أو ابن إله، وأضربوا عمّا وصفه الله به من أنّه عبد مكرّم أنعم الله عليه، وعلى هذا فالقرآن يضرب ابن مريم مثلاً للتوحيد، وهم يحوّلونه، على مزعمة النصارى، إلى مثَل للشرك، فمثَل الحق يحوّل إلى مثَل الباطل، لغاية السخرية حيث قالوا: (أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ)وطبعاً آلهتهم ـ

1.مريم: 35.

صفحه 227
في زعمهم ـ خير من ابن مريم في زعم النصارى.
ويعدّ ذلك الجدال من أسخف أنواعه، ولذلك حُقّ لهؤلاء أن يوصفوا بقوله سبحانه: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ): أي من سجيّتهم الخصومة واللَّدد، لا نُشدان الحق، وذلك ردّاً على جدلهم وأنّه كان جدلاً سخيفاً ذكر مكانة عيسى بقوله(عليه السلام).
وربما يقال: إنّ وجه كون آلهتهم خيراً من ابن مريم أنّ هؤلاء القوم كانوا يعبدون الملائكة، والشاهد لذلك قوله سبحانه في الآية التالية: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ). وقد مرّ عليك ادّعاؤهم في نفس السورة: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)، ولكن في التأييد تأمّلاً إذ لا دليل على أنّ قريشاً أو فيهم مَن كان يعبد الملائكة، بل كانوا يعبدون الأصنام.
وهذا التقرير والتفسير من الآية هو ما ذكره أُستاذنا السيّد محمد حسين الطباطبائي في ميزانه، وقد أوردناه بتقرير واضح.1

تفسير ثان للآيات

ذهب أكثر المفسّرين في تفسيرها وَفقاً لسبب النزول الذي رواه ابن إسحاق، قال: ثم قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأقبل عبدالله بن الزِّبَعْرى السَّهمي حتّى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى: والله ما قام النضرُ بن الحارث لابن عبدالمطلب آنفاً وما قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من

1.الميزان في تفسير القرآن: 12 / 113 ـ 114 .

صفحه 228
آلهتنا هذه حَصَب جهنم، فقال عبدالله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمّداً: أكلّ ما يُعبد من دون الله في جهنم مع مَنْ عبَده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عُزيراً، والنصارى تعبد عيسى بن مريم ; فعجب الوليد، ومن كان معه في المجلس من قول عبدالله بن الزبعرى، ورأوا أنّه احتجّ وخاصم. فذُكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من قول ابن الزبعرى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ كلّ من أحبّ أن يُعبد من دون الله فهو مع مَن عبده، إنّهم إنّما يعبدون الشياطين، ومَن أمرتهم بعبادته، فأنزل الله تعالى عليه في ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِيَما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ)1: أي عيسى بن مريم، وعُزيراً، ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتّخذهم من يعبدُهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله.2
وعلى هذا الشأن جرى كثير من المفسّرين في تفسير الآيات، وعندئذ يكون معنى الآيات بالنحو التالي:
(وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً): أي ضرب عبدُالله بن الزبعرى عيسى بنَ مريم(عليه السلام) مثلاً، وجادل رسول الله بعبادة النصارى إيّاه (إِذَا قَوْمُكَ): أي قريش من هذا المثل (يَصِدُّونَ): أي يرتفع ضجيجهم فرحاً وجذلاً بما رأوا من سكوت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(الذي كان ينتظر الوحي)، لظنّهم أنّه انقطع ولزمته الحجّة، وحينئذ: (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ)يعنون أنّ آلهتنا عندك

1.الأنبياء: 101 ـ 102 .
2.السيرة النبوية: 1 / 359 ـ 360 .

صفحه 229
ليست بخير من عيسى، فإذا كان عيسى(عليه السلام) من حصب النار كان أمر آلهتنا هيّناً (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً)لا لطلب الحق (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)شديدو الخصومة .1
ثم إنّ الزمخشري وسائر المفسّرين ممّن اختاروا هذا التفسير قالوا: إنّ قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ )2 لا يشمل إلاّ الأصنام، وذلك لوجود «ما» في الآية الّتي تطلق على غير العاقل، إلاّ أنّ ابن الزبعرى لمّا رأى أنّ كلام الله يحتمل أن يشمل عيسى بن مريم(عليه السلام) وجد للحيلة مساغاً فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة حتّى أجاب عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)3.
أقول: هذا التفسير هو خيرة أكثر المفسّرين ولكن الاعتماد على هذه الرواية مشكل من جهات شتّى قد أشار إليها السيد الطباطبائي في سورة الأنبياء ونحن نشير إلى بعضها:
1. إنّ الواقعة كانت في أوائل البعثة في مكّة ولم يذكر اسم عزير في شيء من السور المكّية وإنّما ذكر في سورة التوبة وهي من أواخر ما نزل في المدينة، فكيف وقف ابن الزبعرى على عقيدة اليهود؟
2. إنّ اليهود لا يعبدون عزيراً وإنّما وصفوه ابن الله تشريفاً كما وصفوا أنفسهم كذلك وقالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ )4.

1.تفسير الكشّاف: 3 / 101 .
2.الأنبياء: 98 .
3.الأنبياء: 101 .
4.المائدة: 18 .

صفحه 230
3. ظاهر القصة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)اعترف بعموم قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ)ولذا نقض ابن الزبعرى ذلك بعيسى وعُزير والملائكة، فكيف اعترف بذلك الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)حتى جاء البيان ـ أعني قوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) ـ وهذا من مصاديق تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
4. ظاهر الآية أنّ الوحي الإلهي ضرب ابن مريم مثلاً، وعلى ما ذكر في شأن النزول يكون الضارب هو ابن الزبعرى.
5. جاء في تفسير أبي السعود: وقد روي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين تلا الآية، قال له ابن الزبعرى: خصمتك ورب الكعبة، أليست اليهود عبدوا عُزيراً والنصارى المسيح وبنو مليح الملائكة؟ ردّ عليه بقوله : «ما أجهلك بلغة قومك؟ أما فهمت أنّ ما لما لا يعقل؟».1
واعترض عليه السيد الطباطبائي بعد أن ذكر الرواية بالشكل التالي: يا غلام ما أجهلك بلغة قومك لأنّي قلت: وما تعبدون، وما لا يعقل، ولم أقل: ومن تعبدون.
فقال السيد: وفيه من الخلل ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من قوله: إنّي قلت كذا ولم أقل كذا، ومن الواجب أن يجلّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من أن يتلفّظ في آية قرآنية بمثل: «قلت كذا ولم أقل كذا». ونقل عن الحافظ ابن حجر أنّ الحديث لا أصل له ولم يوجد في شيء من كتب الحديث لا مسند ولا غير مسند.2

1.تفسير أبي السعود: 6 / 86 .
2. الميزان في تفسير القرآن: 14 / 335 .

صفحه 231

تفسير ثالث للآيات

قال الطبرسي: ورابعها (أي من الوجوه): ما رواه سادة أهل البيت(عليهم السلام)عن عليّ(عليه السلام)أنّه قال: جئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوماً فوجدته في ملأ من قريش، فنظر إليّ ثم قال: «يا عليّ، إنّما مثلك في هذه الأُمّة كمثل عيسى بن مريم، أحبّه قوم فأفرطوا في حبّه فهلكوا، وأبغضه قوم فأفرطوا في بغضه فهلكوا، وأقتصد فيه قوم فنجوا» فعظم ذلك عليهم فضحكوا، وقالوا: يشبّهه بالأنبياء والرسل، فنزلت الآية: (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ): أي آلهتنا أفضل أم المسيح؟ فإذا كان المسيح في النار رضينا أن تكون آلهتنا معه.1والظاهر أنّه من مقولة التطبيق وليس سبب النزول.

أضعف التفاسير

ذكر صاحب الكشّاف قولاً آخر وهو من الضعف بمكان، قال: وقيل: لمّا نزلت: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ)قالوا: ما يريد محمد بهذا، إلاّ أن نعبده وأنّه يستأهل أن يُعبد وإن كان بشراً، كما عبدت النصارى المسيح وهو بشر، ومعنى (يَصِدُّونَ): يضجّون ويضجرون، والضمير في (أَمْ هُوَ)لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وغرضُهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم السخرية به والاستهزاء2.
يلاحظ عليه: أنّ سورة الزخرف مكّية وما أُشير إليه من الآية مدنيّ

1.مجمع البيان: 9 / 94 ـ 95 .
2.تفسير الكشّاف: 3 / 101 .

صفحه 232
نزل في مناظرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لنصارى نجران، فكيف تكون الآية المكيّة ناظرة إلى ما حدث في المدينة؟!
59 . (إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ):
لمّا كان الموضوع في الآيات السابقة هو ابن مريم فالضمير في قوله (إِنْ هُوَ)يرجع إلى عيسى بن مريم، أي (إِنْ هُوَ) ابن مريم (إِلاَّ عَبْدٌ)متظاهر بالعبودية (أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ)بالنبوة وأيّدناه بروح القدس، فيكون ردّاً لقولهم: (أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ)فكيف تكون آلهتهم الخشبية خير منه؟! (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ): أي آية عجيبة خارقة لبني إسرائيل تضيء لهم طريق الهدى، فكيف يمكن أن تقاس به آلهتهم المزعومة؟!
60 . (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ):
لا يخفى أنّ الآية المتقدّمة ـ أعني قوله: (إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) ـ والآية اللاحقة ـ أعني قوله: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) بناءً على رجوع الضمير إلى ابن مريم ـ ناظرتان إلى قصة عيسى بن مريم(عليهما السلام)، فلازم ذلك أن تكون الآية المتوسطة ـ أعني: آيتنا هذه ـ ناظرة إلى تلك القصة، فأي تفسير يوجب فصل هذه الآية عمّا قبلها وعمّا بعدها، يخالف سياق الآيات، وها نحن نذكر الوجوه الّتي ذكرها المفسّرون هنا:
الأوّل: أنّ (من) في (مِنْكُمْ)بدلية، أي كما في قوله تعالى: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ)1، فيكون معنى الآية: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ):

1.التوبة: 38 .

صفحه 233
أي بدلاً منكم (مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ): أي يخلفونكم. وهذا تهديد ووعيد للمشركين، ومعناه أنّ الله غنيّ عنكم وعن عبادتكم أيّها المشركون، ولو شاء أهلككم وجعل مكانكم ملائكة يخلفونكم في الأرض يقدِّسونه ويسبّحون بحمده ولا يعصون له أمراً.
وأضاف الطبرسي: بأنّ مثل قوله: (مِنْكُمْ) في الآية ما في قول الشاعر:
فليت لنا مِن ماء زمزم شَربةً *** مبرّدةً باتتْ على الطَّهَيانِ1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذُكر خلاف السياق، فالظاهر أنّ للآية صلة بقصة عيسى بن مريم(عليهما السلام)، بشهادة ما قبلها وما بعدها. وما ذكر وإنْ كان صحيحاً في نفسه لكنّه منقطع عمّا قبله وما بعده.
الثاني: لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّه سبحانه أنعم على عيسى بن مريم(عليهما السلام) وجعله مثلاً لبني إسرائيل، وقد وُلد من أُمٍّ دون أن يمسّها بشر، وصار ذلك أمراً عجيباً عند المشركين، جاءت الآية لرفع التعجّب وبيان أنّ قدرة الله سبحانه أعظم من هذا. يقول صاحب الكشّاف: (وَلَوْ نَشَاءُ)لقدرتنا على عجائب الأُمور وبدائع الفطر (لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ) لولّدنا منكم يا رجال (مَلاَئِكَةً)يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم، كما ولّدنا عيسى من أُنثى من غير فحل لتعرفوا تميّزنا بالقدرة الباهرة .2 وحاصله: لجعلنا أولادكم ملائكة يخلفونكم إظهاراً لقدرتنا.

1. الطَّهَيان: خشبة يبرَّد عليها الماء. مجمع البيان: 9 / 96 ; تفسير الكاشف: 6 / 556 .
2. تفسير الكشّاف: 3 / 101.

صفحه 234
يلاحظ عليه: بأنّ هذا الوجه من التفسير وإن كان له صلة بابن مريم، لكن الاستدلال على عظمة قدرته سبحانه بخلق الملائكة من الرجال المشركين ـ مع أنّه كاشف عنها ـ وإن كان بعيداً عن الأذهان، والآيات الدالّة على عظمة قدرته سبحانه كثيرة في القرآن، فلا حاجة إلى الاستدلال عليها بما ذُكر، ولذلك ذهب العلاّمة الطباطبائي إلى تفسير الآية بصورة أُخرى، وهي الوجه الثالث.
الثالث: أنّ الآية بصدد رفع استبعاد بلوغ البشر إلى هذا المستوى من الكمال، الذي يقصّه الكتاب المجيد عن عيسى(عليه السلام)، من خلق الطير، وإحياء الموتى، وتكليم الناس في المهد، وغير ذلك، فعيسى(عليه السلام) في هذا المقام كالملائكة الذين جعلهم الله وسائط في تدبير بعض أُمور هذا العالَم كالإماتة، وتقسيم الأمطار والأرزاق، وسائر أنواع التدبير ويكون مع ذلك عبداً غير معبود ومألوهاً غير إله، ولمّا كان هذا النوع من الكمال، عند الوثنيّين، مختصّ بالملائكة، وهو ملاك أُلوهيتهم ومعبوديتهم، ويحيلون تلبّس البشر به، أُجيب بأنّ لله أن يزكّي الإنسان ويطهّره من أدناس المعاصي بحيث يصير باطنه باطن الملائكة، فظاهره ظاهر البشر وباطنه باطن الملك يعيش في الأرض، يخلف مثله ويخلفه مثله، ويظهر منه ما يظهر من الملائكة.1
الرابع: ما اختاره ابن عاشور وحاصله: أنّ الآية بصدد بيان أنّ الملائكة عباد الله تعالى جعل مكانهم العوالم العليا، وأنّه لو شاء لجعلهم

1. انظر: الميزان في تفسير القرآن: 18 / 117.(مع تصرّف منّا في صياغة بعض العبارات)

صفحه 235
من سكان الأرض بدلاً عن الناس، أي أنّ كونهم من أهل العوالم العليا لم يكن واجباً لهم بالذات، وما هو إلاّ وضع بجعل من الله تعالى كما جعل للأرض سكّاناً ولو شاء الله لعكس فجعل الملائكة في الأرض بدلاً عن الناس، فليس تشريف الله إيّاهم بسكنى العوالم العليا يوجب بُنوّتهم لله ولا مقتض لهم إلهية، كما لم يكن تشريف عيسى بنعمة الرسالة ولا تميّزه بالتكوّن من دون أب مقتضياً له إلهية، وإنّما هو بجعل الله وخلقه .1
ولا يخفى أنّ هذا البيان تارة بصدد وصل الآية بأُلوهية الملائكة ونقدها، وأُخرى بقصة ابن مريم، والآية تأبى احتمال الأمرين، ولعلّ ما ذكره السيد الطباطبائي هو أقرب المحتملات.
61. (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ):
الضمير في قوله: (وَإِنَّهُ)بحكم السياق يرجع إلى ابن مريم، ومن حاول أن يجعل المرجع قوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)2 فقد خالف السياق، حيث إن بين المعطوف والمعطوف عليه 17 آية وهو أمر غريب لا يُحمَل عليه القرآن الكريم إلاّ إذا دلّت عليه قرينة قطعيّة، وبذلك بطل القول بأنّ الضمير راجع إلى الذكر بل هو كما قلنا يرجع إلى ابن مريم، فالمراد أنّ ابن مريم عِلْمٌ أي ما يعلم به، فبما أنّه ولد من غير والد وقام بالمعجزات

1.التحرير والتنوير: 25 / 278 .
2.الزخرف: 44.

صفحه 236
الكبرى التي منها إحياء الموتى بإذن الله سبحانه، صار ذلك سبباً للعلم بإمكان الساعة وإحياء الموتى، فليس لمن وقف على حياة ابن مريم أن يشكّ في الآخرة، وعلى هذا فالآية تفسّر بالنحو التالي:
(وَإِنَّهُ): أي ابنُ مريم (لَعِلْمٌ): أي تولّده وأعماله الخارقة للعادة دليل (لِلسَّاعَةِ): أي القيامة (فَلاَ تَمْتَرُنَّ): أي فلا تشكّوا بعد ذلك (بِهَا): أي بالساعة (وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) لا عِوَج فيه.
وقيل بأنّ المراد بكونه عِلماً للساعة، كونه من أشراطها، عندما ينزل إلى الأرض فيُعلَم به قرب الساعة.
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه يرتّب على وجود عيسى قوله: (فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا): أي بالساعة، فكيف يترتّب نفي الريب على نزول عيسى قبل القيامة؟
وبعبارة أُخرى: لا يكون نزوله دليلاً علمياً على نفي الريب عن الساعة، إلاّ على الوجه الذي ذكرناه.
نعم لا شكّ في نزول عيسى(عليه السلام) قبل الساعة، وأنّه يقتدي بالإمام المهدي المنتظر(عج)، حيث أكّدت ذلك روايات كثيرة وردت عند الفريقين، منها: قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كيف أنتم إذا نزل بكم ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم»1، ولكن هذا الوجه من التفسير لا يلائمه التفريع الوارد في آخر الآية.
62. (وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ):

1. صحيح البخاري:2/402، كتاب أحاديث الأنبياء، الباب(51)، برقم 3449.

صفحه 237
كما أمر تعالى في الآية السابقة باتّباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه على صراط مستقيم، نهى عن اتّباع الشيطان حتى لا يصدّهم عن اتّباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: (وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ)ثم علّله بقوله: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).
وقد أظهر ذلك الخبيث عداءه منذ زمن أبينا آدم(عليه السلام)، وأقسم على صدّ الإنسان عن طريق الهدى وطاعة الله تعالى.
63. (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ):
لمّا مرّت الإشارة إلى خصائص حياة المسيح (عليه السلام)في الآيات السابقة عاد البيان القرآني إلى بيان دعوته (عليه السلام)ورسالته بعد النبي موسى (عليه السلام)، وبدأ سبحانه الآية بقوله: (وَلَمَّا جَاءَ)، إلاّ أنّه لم يذكر جواب (لَمَّا) في هذه الآية ولا في الآيات المتأخّرة عنها، والظاهر أنّ الجواب محذوف، وتقديره: اختلفوا في دعوته ورسالته، ويدلّ على ذلك التقدير قوله سبحانه: (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ)في الآية التالية، وأمّا قوله: (قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ )فهو ليس جواباً بل هو لفظة رابطة أو حينية أي: حين قال .
إنّ شأن المسيح شأن سائر الأنبياء وتشكّل حقيقة دعوته الأُمور التالية:
أ. أن دعوته كانت مقرونة بالبيّنات الواضحات الدالّة على أنّه مرسَل من ربّه ومزوّد من جانبه، كما يقول: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ).
ب. أنّ أساس دعوته هو الحكمة العلمية والحكمة العملية، اللّتان

صفحه 238
تصونان الإنسان من أنواع الانحراف في مجالَي: العلم والعمل، كما يقول: (قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ).
ج. لمّا اختلف بنو إسرائيل بعد رحيل موسى(عليه السلام) في ما يرجع إلى أحكام الدين قال عيسى بن مريم(عليهما السلام) أنّه بعث لتبيين ما اختلفت فيه شرائح المجتمع كما يقول: (وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)ولعلّ البعض إشارة إلى اختلافاتهم فيما يعنيهم من أمر دينهم، لا فيما لم يتعبّدوا بمعرفته والسؤال عنه، كاختلافاتهم في الديانات وما يتعلّق بالتكليف وغير ذلك.1
د. لمّا كانت التقوى ـ أي صيانة النفس عن الخروج عن حدّ الشرع ـ أساس النجاح ولولاها لوقع الإنسان في مهالك الحياة، أمر بني إسرائيل بقوله: (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ)، وهذا قريب ممّا مرّ في كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه السورة، أعني قوله تعالى: (وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
64. (إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ):
هـ . لمّا كان مبدأ الغلوّ هو إخراج الأنبياء والأولياء عن حدّ العبودية وإضفاء وصف الربوبية عليهم ومن ثمّ عبادتهم، صرّح المسيح(عليه السلام) بنحو واضح أنّه سبحانه ربّ الجميع كما قال: (إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ)ومن المعلوم أنّ العبادة من خصائص الربوبية، ولذا رتّب عليه قوله: (فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
سورة الزخرف: الآيات 66 ـ 73    
وكان اللازم أن يجعلوا هذه الأُمور نصب أعينهم ويوحّدوا كلمتهم

1. انظر: تفسير الكشّاف:3/102.

صفحه 239
فيما قضى فيه المسيح(عليه السلام)، ولكن ياللأسف عمّهم الاختلاف والتفرّق فصاروا طوائف وأحزاباً شتّى، كما يشير إليه سبحانه في الآية التالية:
65. (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْم أَلِيم):
الضمير في: (مِنْ بَيْنِهِمْ)يرجع إلى من بُعث عيسى فيهم، وقد مرّ في الآية السابقة قوله: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ)وأمّا لفظة (مِنْ)فيحتمل أن تكون مزيدة لتأكيد المضمون، والآية تستهدف بيان أنّ هؤلاء مكان أن يوحّدوا كلمتهم، عكسوا القضية فصاروا فرقاً وطوائف، كما يقول: (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ)فمنهم مَن صدّق عيسى وهم الحواريون وبعض النساء، كمريم المجدلية; ومنهم مَن كفر به وهم جمهور اليهود وأحبارهم، والذين سَعَوا في قتله وصلبه فأنجاه الله ورفعه إليه. ثم إنّ الذين صدّقوه تفرّقوا إلى فرق ثلاث وهي:
النسطورية، واليعاقبة، والملكانية، كما يقول: (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ)، ومن المعلوم أنّ هذا الاختلاف لم يكن عن دافع ديني بل دنيوي، فلذلك دعا عليهم سبحانه بقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْم أَلِيم)، وكيف لا يكون أليماً؟! وطول حسابه أليم، وعقوباته في الجحيم أليمة؟

الآيات: السادسة والستون إلى الثالثة والسبعين

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ *

صفحه 240
الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَاف مِنْ ذَهَب وَأَكْوَاب وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ):

المفردات

بغتة: فجأة.
الاخلاّء: جمع خليل، وهو الصديق الحميم.
مُسلمين: منقادين.
تُحبَرون: الحُبور: السُّرور الذي يظهر أثره في بَشَرة الوجه.
صِحاف: واحدها (صُحفة) كالقصعة.
أكواب: واحدها كوب، وهو القَدَح الذي لا عروة له.

صفحه 241
 
التفسير
كانت الآيات السابقة تدور حول المشركين وعبدة الأصنام ثم انتقلت ـ بمناسبة خاصّة ـ إلى بيان قصة النبي موسى والنبي عيسى ابن مريم(عليهم السلام)ولمّا تمّ الغرض من ذكر قصتيهما، عاد سبحانه إلى الموضوع الأصلي في السورة وهو الاحتجاج على منكري البعث ووقوعه، فقال:
66. (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ):
النظر في الآية بمعنى الانتظار، وقلنا إنّ البغتة هي الفجأة، والمراد من قوله:(وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ): أي غفلتهم عن القيامة واشتغالهم بأُمور الدنيا، وعندئذ يتبيّن معنى الآية وهو أن المشركين بما أنّهم كانوا منكرين للقيامة فلم يكونوا يحتملون قيام الساعة في المستقبل، فصحّ أن يقال في حقّهم: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً): أي فجأة (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ): أي غافلون عنها، فالآية في الحقيقة بيان لحال هؤلاء الأفراد. ومن المعلوم أنّ المشركين لم يكونوا منتظرين لذلك اليوم لكنّ اشتغالهم بالدنيا وغفلتهم عن الآخرة يُمثل حالهم بما ورد في الآية، كما إذا ابتلي إنسان بمادّة سمّيّة ولا يستمع لنصح ناصح، فيقال في حقّه: إنّ هذا الرجل لا ينتظر إلاّ إنشاب المنية أظفارها فيه.

صفحه 242
67. (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ) :
تتحدّث الآية عن عداء الأخلاّء بعضهم لبعض يوم القيامة وتستثني منهم المتّقين، وتقول: (إِلاَّ الْمُتَّقِينَ) والاستثناء قرينة على أنّ مُوادّة هؤلاء لم تكن في الله، وأنّ مُخالّتهم ليست في طاعة الله، بل كان كلّ واحد منهم يُورّط صاحبه في المعاصي ومساوئ الأعمال، ويُغريه باتّخاذ سبيل الغواية والضلال، وعند ما يحلّ يوم ا لقيامة بأهواله وشدائده، وتنكشف أضرار تلك المخالطة، يصبح(الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ) حيث تنفصم تلك الأواصر بينهم، ويحلّ محلّها البغض والعداء، وكلٌّ يتّهم خليله بأنّه هو الذي قاده إلى هذا المصير القاتم.
نعم يستثنى منهم المتّقون الذين تحابّوا في الله، وتآخَوا على الإيمان، وتعاونوا على البِرِّ والتقوى. فعلى هذا فالعداء في الآية بمعناه الحقيقي، ويدلّ على ذلك قوله سبحانه: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ)1.
غير أنّ صديقنا المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية (رضوان الله عليه) فسّر العداء بانقطاع الصلّة وقال: المراد بالعداء هنا انقطاع الصلة سواء أكان معه تباغض وتلاعن أم لم يكن، والمعنى أنّ صلة الحب والصداقة التي كانت في الدنيا قائمة بين الناس تنقطع يوم القيامة وتزول إلاّ إذا كان مصدرها الأُخوّة في الله والتعاون على طاعته، فإنّها عندئذ تستمر إلى ما لا

1.الأعراف: 38 .

صفحه 243
نهاية بل تنمو وتزداد كلّما طال المدى لأنّ ما كان لله ينمو .1
أقول: كلامه رحمه الله صحيح في نفسه، لكنّه على خلاف ظاهر الآية.
68. (يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) :
لمّا تحدّثت الآية السابقة عن وجود الخلّة بين المتقيّن، عاد البيان القرآني إلى تكريمهم بإعطاء الأمان لهم من الحزن والخوف وقال: (يَا عِبَادِ)وفي إضافة (عِبَادِ)إلى نفسه نوع تشريف للمتّقين (لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)من العذاب (وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) على فوت الثواب. وقد تكرّر ذكر هذا الاطمئنان للمؤمنين في سور أُخرى بهذه الصيغة ونحوها، ما يناهز خمس عشرة مرّة.
ثم عاد البيان القرآني إلى تعريف المتّقين وتبيين سبب تكريمهم، قال:
69. (اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ) :
عرّف سبحانه في هذه الآية عباده وقال: إنّهم هم (اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا)وصدّقوها (وَكَانُوا مُسْلِمِينَ): أي خاضعين ومنقادين .
هذه هي أوصاف عباد الله وأوصاف المتّقين، وأمّا جزاؤهم فتبيّنه الآيتان التاليتان:

1.التفسير الكاشف: 6 / 559 .

صفحه 244
70. (اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ):
لمّا أخذ المؤمنون الأمان من الحزن من الله سبحانه خوطبوا بدخول الجنّة مع أزواجهم الصالحات، وقال: (اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ)اللاّتي كنّ معكم، ومن المعلوم أنّ المراد الصالحات منهنّ، لا كلّ زوجة، وربّما يفسّر بالحور العين في الجنة، وهو غير واضح لأنّ مكانهنّ في الجنة، والخطاب خارجها .
ثم إنّ دخول الجنة يكون مقروناً بالبهجة والسرور كما يقول: (تُحْبَرُونَ)والحبور هو السرور بذكر أسبابه:
71. (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَاف مِنْ ذَهَب وَأَكْوَاب وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) :
قد تقدّم في الآية السابقة أنّ عباد الله يدخلون الجنة وهم مكرّمون، وأمّا كيفية التكريم فبالنحو التالي:
قوله سبحانه: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ)بصيغة المجهول يدلّ على وجود طائف أو طوّافين على أهل الجنة، وأمّا مَن هم هؤلاء؟ فيجيب عنه قوله سبحانه في آية أُخرى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ)1 فعلى هذا فهم يطوفون على المتّقين (بِصِحَاف مِنْ ذَهَب)للطعام (وَأَكْوَاب)للشراب، غير أنّ نعم الجنة غير منحصرة بألوان الطعام والشراب بل فيها نِعَم من غير

1.الواقعة: 17 .

صفحه 245
ذلك، وإليه يشير قوله تعالى: (وَفِيهَا)أي الجنة (مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ)من مذوق ومشموم ومسموع وملموس، ممّا يتشارك فيه الإنسان والحيوان (وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ)من المناظر الجميلة المختصّة بالإنسان.
قال الطبرسي: وقد جمع الله سبحانه في قوله: (مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ)ما لو اجتمع الخلائق كلّهم على أن يصفوا ما في الجنة من أنواع النعيم لم يزيدوا على ما انتظمته هاتان الصفتان 1.
ثم إنّه سبحانه بشّرهم بنعمة عظمى، فقال: (وَأَنْتُمْ فِيهَا)أي في الجنة وأنواع الملاذّ (خَالِدُونَ) دائمون مؤبّدون.
72 و 73 . (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ):
يصف سبحانه حال الجنة بالنسبة للمتقين بأنّها أشبه بالمال الذي يرثه الإنسان من مورّثه ويقول: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التي أُورِثْتُمُوهَا)، ثم يبيّن وجه تشبيهها بالمال الموروث بقوله: (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي لأنّكم في الحياة الدنيا عملتم من أجلها فصار الجزاء أشبه بالإرث .
ولمّا تقدّم في الآيات السابقة التكريم بالطعام والشراب أضاف إليهما هنا التكريم بالفاكهة وقال: (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ)، ولعلّ قوله: (مِنْهَا)إشارة إلى أنّ المأكول جزء قليل من الفاكهة الواقعة بأيديهم.

1.مجمع البيان: 9 / 100 .

صفحه 246
وفي بعض الروايات: «لا ينزع رجل في الجنة ثمرة إلاّ نبت مثلها مكانها»1.
سورة الزخرف: الآيات 74 ـ 80    

الآيات: الرابعة والسبعون إلى الثمانين

(إِنَّ الُْمجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ):

المفردات

المجرمين: المجرم هو الراسخ في الإجرام، وأُريد بهم هنا المشركون.
يُفتّر: يُخفَّف، يقال: فترت عنه الحمّى إذا سكنت قليلاً.
مُبلسون: الإبلاس هو الحزن المعترض من شدّة اليأس.
لِيقضِ علينا: نوع دعاء من أهل النار لإماتتهم.
أبرموا: أبرم الأمر: أحكمه.
سِرّهم: السرّ: ما يحدّث المرء به نفسه، أو ما يتكلم به مع غيره في مكان خال.

1. روح البيان لإسماعيل حقّي البروسوي: 8 / 92.

صفحه 247
نجواهم: النجوى: التناجي بين طرفين عن همس.

التفسير

جرت سنّة الله تعالى على بيان وصف حال المجرمين عند ذكر أحوال المتّقين، وهذا ما يلمسه الإنسان في غير واحدة من آيات القرآن الكريم، فتجد المقارنة بين الطائفتين عقيدة ومصيراً.
      أوصاف المتّقين                     أوصاف المجرمين
1. (اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ... وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
2.(وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
3. (اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ)
1. (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)
2. (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ)
3. (لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)
وإذا قارنت بين الآيات المتقابلة، تقف على مدى ما يتمتّع به أهل الجنة من النعيم والسرور والتكريم، وما يلحق أهل النار من العذاب والنكال وسوء الحال. إذا عرفت ذلك فلنعد إلى تفسير الآيات.
74. (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ):
أي إنّ العصاة الراسخين في الإجرام في عذاب دائم لا انقطاع له، وهو في مقابل خلود المتّقين في الجنة، فكلٌّ يجني ثمرة عمله.
75. (لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ):
والآية بصدد بيان حال جهنم، فعذابها لا يُفتّره أحدٌ، أي لا يسكِّن ولا

صفحه 248
يخفِّف من شدّته أحدٌ، وهم في ذلك العذاب محزونون ويائسون، كما يقول: (وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ).
76. (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ):
الآية بصدد بيان مبدأ عذابهم وأنّ الله سبحانه يجازي كلّ شخص بأعماله، فالمتّقون عملوا للجنّة وهؤلاء عملوا للجحيم وإنْ كانوا غافلين عنه، ولم يؤثّر فيهم نصح الناصحين ونداء المصلحين.
77. (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ):
ولمّا حاق العذاب بالمجرمين ويئسوا من الخروج من النار، وجّهوا خطابهم إلى الملَك الخازن للنار وهو مالك وتوسّلوا به ليدعو الله تعالى بأن يقضي على حياتهم كما يقول: (وَنَادَوْا)ولفظ النداء حاك عن وجود البعد المكاني بين المجرمين والملَك الخازن للنار (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ): أي ليميتهم حتّى ينجوا من أليم العذاب. وظاهر الآية يكشف عن أنّهم يتصوّرون أنّ الموت انعدام كما كانوا يتصوّرونه كذلك في الحياة الدنيا ولم يتغيّر تفكيرهم وموقفهم وهم في الآخرة، وعند ذلك يجيبهم مالك بقوله: (قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ): أي لابثون في هذا العذاب، فلن تتحوّلوا عنه أبداً، وليس لكم منه محيص.
وهنا سؤال وهو: أنّ الله وصفهم في الآية السابقة بأنّهم مبلسون أي آيسون من تخفيف العذاب لحظة، فكيف يسألون مالكاً أن يقضي ربهم على حياتهم ليستريحوا من العذاب؟ وهذا يكشف عن وجود بصيص من الرجاء فيهم.

صفحه 249
ويجيب عنه صديقنا الشيخ محمد جواد مغنيّة بقوله: إنّ لأهل النار حالات يغلب عليها اليأس في بعضها، وتلوح لهم بارقة من أمل في بعضها الآخر... هذا، إلاّ أنّه من الجائز أن يكون نداؤهم مالكاً لمجرد التعبير عن شدّة ما بهم.1
ويمكن أن يقال: إنّ مثل هذا الطلب أمر طبيعي لكلّ مَن يرى أبواب النجاة مغلقة في وجهه، وعندئذ سينطلق مِن لا وعي إلى طلب النجاة وهو يعلم أن لا نجاة له.
إنّما الكلام، لماذا توسّلوا بخازن النار وطلبوا منه أن يسأل الله تعالى القضاء عليهم، ولم يطلبوه من الله مباشرة؟
ويمكن أن يقال في جوابه: أنّهم قد سألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب، فجوبهوا بالزجر والرَّدع، كما يحكيه قوله تعالى: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ)2 وعند ذاك توسّلوا بخازن النار أن يسأل ربّه إهلاكهم، وقالوا: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) ولعلّ طلبهم منه يكون مؤثّراً في ذلك، فجاء ردّ مالك على طلبهم: (قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ).
ثم إنّ مالكاً أتمّ جوابه بهذا التقريع مبيِّناً سبب خلودهم في النار:
78. (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) :

1.التفسير الكاشف: 6 / 560 .
2. المؤمنون: 107 ـ 108 .

صفحه 250
وأُريد بالحق: التوحيد ورسالة السماء، وبضمير الجمع في قوله: (جِئْنَا): الملائكة، وهو ينطق باسمهم، لأنّه واحد منهم، والمعنى: يا معشر البشر (والخطاب لأهل النار باعتبارهم منهم): لقد جاءتكم الملائكة بالحق، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ): أي تنفرون من الحق، ولا تقبلونه.
79. (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ):
ظاهر الآية أنّ المشركين دبّروا مؤامرة لإطفاء نور الإسلام أو قتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كما يحكيه قوله: (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا)والله سبحانه يردّ عليهم بقوله: (فَإِنَّا مُبْرِمُونَ): أي محكمون. ولعلّ المراد ردّ كيدهم عليهم أو مجازاتهم، فيكون المعنى: نحن مُحكمون الكيد بهم. ويقرب من ذلك قوله سبحانه: (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ)1.
80 . (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ):
سورة الزخرف: الآيات 81 ـ 89    
إنّ المتآمرين بينما كانوا يسرّون في أنفسهم الكيد بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وربّما يتناجون مع زملائهم، فالله سبحانه يردّ عليهم بأنّ الله لا يخفى عليه شيء في السماء والأرض، فكيف يخفى عليه سرّكم ونجواكم؟ كما يقول: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ)ثم يردّ عليهم بأنّ حفظة الأعمال يكتبون أعمالهم السرّية وغيرها كما يقول: (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)

1.الطور: 42 .

صفحه 251
فالرُّسل هم الملائكة الذين لا يفلت منهم كلّ جليل ودقيق، قال سبحانه: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)1.
والآية وإن كانت تخصّ المشركين المتآمرين إلاّ أنّ المورد غير مخصّص، بل هو حجّة على كافة المكلّفين، فكلّ ما يصدر عن الإنسان من عمل دقيق وجليل، ومن خير وشرّ، فالجميع مكتوب مُحاسب عليه، ولو أنّ كلّ إنسان يضع نصب عينيه هذه الآية لما تَنكّب عن الصلاح ولا جنح إلى طريق الفساد.

الآيات: الحادية والثمانون إلى آخر السورة

(قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ * وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ * وَقِيلِهِ يَا رَبِّ

1. الإنفطار: 10 ـ 12 .

صفحه 252
إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ):

المفردات

يخوضوا: يسلكوا في باطلهم مسلك الخائضين في الماء.
يلعبوا: أي يفعلوا فعل اللاعب الغافل.
قيله: قال أبو عبيدة: يقال: قلت قولاً، وقالاً، وقيلاً، بمعنى واحد، وقد اشتهر في كلامهم: النهي عن قيل وقال.
فاصفح: أي أعرض عنهم.
سلام: سلام مُتاركة لاسلام السلامة.

التفسير

لمّا مضت الإشارة إلى دعوى المشركين بأنّ لله ولداً، كما في قوله سبحانه: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ)وغير ذلك ممّا تقدّم من الآيات التي تحدثّت عن ذلك، عاد البيان القرآني إلى إبطال هذه الدعوى بشكل علمي فلسفي وقال:
81 . (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ):
أي لو كان له ولد لكنت أوّل من يعبده بأن له ولد، ولكن لا ولد له،

صفحه 253
وهذا نظير قول القائل: لو دلّ الدليل على عبادة غيره سبحانه لعبدته، ولكن الحكمة لا تدلّ على عبادة غيره، ولو دلّ الدليل على أن له ولداً لقلت به ولكنّه لم يدلّ، فهذا تحقيق لنفي الولد لأنّه تعليق محال بمحال.1
والعجب أنّ الطبرسي جعله وجهاً خامساً مشيراً إلى ضعفه وقدّم وجوهاً أربعة لا مساس لها بالآية، وهذا النحو من الكلام أمر رائج في المحاورات وعلى ذلك جرى السيد الطباطبائي في تفسير الآية، فقال: والمعنى: قل لهم إن كان للرحمان ولد كما يقولون، فأنا أوّل من يعبده أداءً لحق بنوّته ومسانخته لوالده، لكنّي أعلم أنّه ليس له ولد، ولذلك لا أقول به ولا أعبده، لا لبغض وعداء بل لبطلانه.2 وبين البيانين فرق طفيف.
82 . (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ):
لعلّ الآية دليل واضح على بطلان بنوّة شيء لله سبحانه، وحاصل الدليل: أنّ ربّ السماوات والأرض وربّ العرش غنيّ عن اتّخاذ الولد، ولذلك يقول: (سُبْحَانَ): أي ننزّه (رَبِّ): أي مدبِّر (السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)وما بينهما (رَبِّ الْعَرْشِ)عن اتّخاذ الولد (عَمَّا يَصِفُونَ)متعلّق به سبحانه.
ثم إنّ ذكر العرش بعد السماوات والأرض يدلّ على كونه غيرهما، وهذا هو الظاهر لأنّهما من مظاهر الأُمور المادّية، والعرش يرجع إلى ما وراء الطبيعة .

1.مجمع البيان: 9 / 103.
2.انظر: الميزان في تفسير القرآن: 18 / 125 .

صفحه 254
وحاصل الاستدلال: أنّ اتّخاذ الولد إن كان لغاية الاستعانة به،
فمدبّر الوجود بأجمعه غنيٌّ عن الاستعانة بشيء، حتّى ولو كان الداعي لاتّخاذ الولد هو استمرار وجوده عن طريق النسل، والله هو الحيّ الذي لا يموت.
83 . (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ):
لمّا عُلم أنّ المشركين غير متأثّرين بآياته سبحانه أمر النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يدَعَهم وشأنهم فقال: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا)في باطلهم (وَيَلْعَبُوا)في دنياهم (حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ): أي يوم القيامة الذي لا محيص منه، ففي هذا اليوم يعلمون عاقبة أمرهم ويذوقون وبال أعمالهم.
84 . (وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ):
لمّا قالت الوثنية بتعدّد الآلهة وأنّ للسماء إلهاً وللأرض إلهاً آخر وهكذا لكلّ ظاهرة، عاد البيان القرآني إلى إبطال هذه النظرية بأنّ في صحيفة الوجود إلهاً واحداً، فإله السماء هو إله الأرض، فقال: (وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ)موصوف بأنّه (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) .
والآية تدلّ على أنّ «الإله» يعادل لفظ «الله» غير أنّ الثاني علَم والأوّل اسم جنس، ولم يوجد في الحقيقة إلاّ مصداق واحد، وإن زعم المشركون

صفحه 255
أنّ له مصاديق كثيرة، وقالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)1 .
85 . (وَتَبَارَكَ الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ):
إنّ الآيات الثلاث تصف الله سبحانه بصفات ثلاث:
1. (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ).
2. ((وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ).
3. (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
والملاك في كلّ صفة يخالف الملاك في الصفة الأُخرى، ففي الأوّل يركّز على كونه ربّاً، مدبِّراً، مديراً، حاصراً وصف الربوبية به سبحانه.
وفي الثاني يركّز على كونه إلهاً في السماوات والأرض، وليس فيها إله غيره .
وفي الثالث على كونه مالك السماوات والأرض وما بينهما كما قال: (وَتَبَارَكَ):أي كثرت خيرات (الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)وترادفت نعماؤه.
كلّ ذلك لغاية إثبات التوحيد في الربوبية.
ثم يضيف صفة رابعة للتدليل على توحيده في الربوبية وذلك من خلال قوله: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ): أي العلم بالمنزل الأقصى الذي يسير إليه

1.ص: 5 .

صفحه 256
عالم الوجود، فمن يجهل الغاية القصوى من السير لا يصلح أن يكون ربّاً للعالمين (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) بيان لغاية الخلقة والمنزل الأقصى للوجود كلّه، فالعالم بالساعة ومن يرجع إليه عالم الوجود هو ربّ العالمين وإلههم ولا يستحقّهما غيره.
86 . (وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ):
كان المشركون يعبدون الملائكة والجنّ والبشر وغيرهم، بحجّة أنّهم شفعاؤهم عند الله، وأنّهم يقربونهم إلى الله زُلفى، والآية تعترف بالشفاعة وأنّ هناك شفعاء عند الله سبحانه يوم القيامة ولكنّ هؤلاء لا يملكون حق الشفاعة إلاّ من أذن له بها. على هذا فعبادتهم الملائكة وغيرها لا تفيدهم، إذ ليست الشفاعة بيد هؤلاء بل هي منوطة بإذن الله سبحانه، وهو لايأذن بها إلاّ لمن اختاره، وليس المختار عنده إلاّ مَن شهد بالحق أي بالتوحيد كما قال: (وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ)يعبدون (مِنْ دُونِهِ)الله كالملائكة والجنّ ومحكيّات الأصنام (الشَّفَاعَةَ إِلاَّ): أي إنّما يشفع (مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ): أي اعترف وشهد بتوحيده سبحانه في عامّة المراحل وأذعن له (وَهُمْ يَعْلَمُونَ)لمن يشفعون من أهل التوحيد.

صفحه 257
 
بحث موجز حول الشفعاء
اتّفق علماء الإسلام على أنّ الشفاعة أصل من أُصول الإسلام نطق بها الكتاب المجيد والسنّة النبوية الشريفة وأحاديث العترة الطاهرة، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين وإن اختلفوا في معناها وبعض خصوصياتها، فذهبت الإمامية والأشاعرة إلى أنّ الشفاعة لمرتكبي الكبائر، وذهبت المعتزلة إلى أنّ الشفاعة للمطيعين دون العاصين، فعلى المسلك الأوّل تكون نتيجة الشفاعة إسقاط العقاب عن الفسّاق من هذه الأُمّة، وعلى الثاني زيادة الثواب والدرجات.
وعلى كلّ تقدير فالشفاعة بإجمالها موضع اتّفاق بين العلماء.
ونحن نركّز في المقام بلحاظ قوله سبحانه: (إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ)على بيان من تُقبل شفاعته من الشفعاء.
لاشكّ في أنّ هناك بضعة آيات تقرّر أنّ الشفاعة مختصّة بالله سبحانه، ومنها قوله تعالى: (قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)1 ولكن في الوقت نفسه ثمّة آيات عديدة تصرّح بوجود شفعاء غير الله، وأنّ شفاعتهم تُقبل عنده سبحانه في إطار خاص وشرائط معيّنة.
ومن هنا، فإنّ كون الشفاعة مختصّة بالله سبحانه لا ينافي ثبوتها لغيره بإذنه تعالى.

1.الزمر: 44.

صفحه 258
وإنّما الكلام في تعيين هؤلاء الشفعاء الذين يشفعون بإذن الله، فالقرآن تارة يذكر هؤلاء لكن بدون التصريح بأسمائهم، بل يذكرهم بصفاتهم كما في آيتنا السابقة، أعني قوله تعالى: (وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)فالآية تدلّ على وصف الشفيع وهو مَن شهد بالحق، أي شهد بالله سبحانه ووحدانيته وسائر صفاته.
وفي آية أُخرى يصفه بمن رضي له قولاً، وقال: (يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً)1 بناءً على أنّ قوله: (إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ)يرجع إلى الشفيع دون المشفوع له، كما هو الظاهر.
وفي بعض الآيات يصرّح بأسماء بعض الشفعاء وهم الملائكة ولا يذكر غيرهم، كما يقول: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)2.
وهذه الآيات تصرّح بأنّ الملائكة الذين اتّخذهم المشركون أولاداً لله سبحانه شفعاء عند الله، لكنّهم معصومون من كلّ ذنب (لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)ويقول أيضاً: (وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى)3 فدراسة مجموع الآيات الواردة في الشفاعة تشير إلى وجود الشفعاء عند الله ولم

1.طه: 105 .
2.الأنبياء: 26 ـ 28 .
3.النجم: 26 .

صفحه 259
يذكر إلاّ صفاتهم واقتصر في التسمية على الملائكة.
وأمّا الشفعاء الآخرون فيعلم بهم من السنّة النبوية وأحاديث الأئمة الطاهرين (سلام الله عليهم أجمعين) وبما أنّا بسطنا الكلام في الشفاعة من عامة الجوانب في موسوعتنا «مفاهيم القرآن»1 فقد أوجزنا الكلام فيها هنا. أمّا الشبهات المثارة حول الشفاعة والإجابة عنها فقد جعلناها ملحقاً في آخر هذا الجزء، فلاحظ.2
87 . (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ):
الآية تندّد بعبادة المشركين وأنّ عملهم يضادّ عقيدتهم، فهم يعترفون بأنّ الله خلقهم، بيد أنّهم يعبدون غيره ممّن لا يقدر على شيء!!( فَأَنّى يُؤْفَكُونَ)؟: أي إلى أي اتّجاه ينصرفون، لماذا يتركون اتّجاه الحق ويأخذون باتّجاه الباطل؟ وقد ذكر القرآن هذا الأمر في غير واحدة من الآيات.
88 . (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ):
قد تقدّم أنّ القيل والقول بمعنى واحد، والضمير يرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو عطف على (السَّاعَةِ)فيكون المعنى وعنده علم (قِيلِهِ) أي النبي، وما هو قوله؟ هو (يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ)، فقد أظهر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يأسه من إيمان هؤلاء فأمره سبحانه بقوله:

1. لاحظ : مفاهيم القرآن: 4 / 177 ـ 340، وفيه بحوث مستفيضة ضمن فصول عشرة.
2. لاحظ، ص 381 هذا الجزء.

صفحه 260
89 . (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ):
الآية تتضمّن أُموراً ثلاثة:
الأوّل: التجأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الله، فأمره سبحانه بترك القوم وقال (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ) لعدم ترتّب الفائدة على تبليغهم.
الثاني: (وَقُلْ سَلاَمٌ ) سلام افتراق ومتاركة، لا سلام تحيّة ومحبّة .
الثالث: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وهذا تهديد ووعيد لهم، وحُذِفَ مفعول (يَعْلَمُونَ) لتذهب نفوسهم كلّ مذهب ممكن. وهذا كما إذا قال الرئيس لمن خالف أمره ممّن هو تحت يده: اذهبْ فسوف تعلم.
***
تمّ تفسير سورة الزخرف

صفحه 261
سورة الدخان: خصائص السورة   

سورة الدخان

 
 
حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ * فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ إنِّي

صفحه 262
 
لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لاَ تَعْلُوا عَلَى اللهِ إنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَان مُبِين * وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمُ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ * كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَمَقَام كَرِيم * وَنَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ * وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُبِينٌ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّع وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لاَ يُغْني مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ

صفحه 263
 
مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَام أَمِين * فِي جَنَّات وَعُيُون * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور عِين * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَة آمِنِينَ * لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ).

صفحه 264

خصائص السورة

تسمية السورة

سورة الدخان هي السورة الخامسة من الحواميم السبعة، وفي جميعها جاء بعد (حَم)ذكر الكتاب المبين تصريحاً أو تلويحاً، وسمّيت هذه السورة بسورة الدخان في المصاحف لورود هذا اللفظ في الآية العاشرة منها، قال سبحانه: (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين)، وقد ورد هذا اللفظ في سورة فصّلت في قوله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ)1 ولم تسمَّ تلك السورة بالدخان، ولعلّ الوجه هو أنّ الدخان جاء في هذه السورة بصورة آية منذرة من آيات الله الّتي حاقت بقريش وسائر المشركين، بخلاف الدخان في سورة فصّلت الّتي جاءت لبيان مراتب خلق السماوات والأرض.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

سورة الدخان: الآيات 1 ـ 9    
عدد آيات السورة تسع وخمسون آية في عدّ الكوفي، وسبع وخمسون في عدّ البصري، وست وخمسون في عدّ الباقين.
وقد اتّفق المفسّرون على أنّ السورة مكّية. نعم، استثنى صاحب

1.فصّلت: 11.

صفحه 265
الكشّاف الآية الخامسة عشرة ولم يذكر لقوله هذا مصدراً.1

أغراض السورة

تدور آيات السورة على محورين:
الأوّل: بيان شأن القرآن الكريم وشرفه، ومواجهة موقف المشركين القائم على التشكيك في القرآن.
كما تضمّن دعاء الرسول بالابتلاء بالجوع. مذيّلاً ببيان مصير الفراعنة وغرقهم في البحر.
الثاني: الدعوة إلى الإيمان بالبعث، وإنكار المشركين لذلك، والاستدلال على لزوم البعث بأنّه غاية الخلق، وأنّه سبحانه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما بلا غرض ولا غاية.
وبهذه المناسبة يذكر مصير أهل الجحيم ومصير المتّقين في يوم البعث.

الآيات: التسعة الأُولى

(حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ

1.تفسير الكشّاف: 3 / 428 .

صفحه 266
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ).

المفردات

ليلة مباركة: هي ليلة القدر، والبركة: نماء الخير.
منذِرين: مخوِّفين.
يُفرَق: يُفصل ويبيَّن.
حكيم: كلّ أمر محكم لا يتغيّر.
موقنين: أصحاب اليقين.

التفسير

1. (حَم):
سيأتي الكلام في الحروف المقطّعة وبالخصوص ما يتعلّق بـ (حَم)عند تفسير سورة الأحقاف.
2 . (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ):
الواو في قوله: (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ)للقسم، والمراد من (الْكِتَابِ)هو

صفحه 267
القرآن الكريم، وكونه مُبيناً بمعنى أنّه يبيّن آيات الله سبحانه، ويوضح طريق الهدى للقلوب المستعدّة للانفتاح عليه، قال سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء)1.
وسورة الدخان تشترك مع سورة الزخرف في أنّهما تبتدئان بهاتين الآيتين، إلاّ أنّهما يختلفان في جواب القسم، فالجواب هناك هو قوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)2 وأمّا الجواب في المقام، فقوله سبحانه:
3. (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ):
والصلة بين المقسم به والمقسم عليه واضحة; فالأوّل إقسام بالكتاب، والثاني على وقت إنزاله وأنّه أُنزل في ليلة مباركة، إنّما الكلام فيما هو المراد بالليلة، وما هو المراد بالمباركة؟
أمّا الأوّل ـ أعني: الليلة ـ فالمراد بها ليلة القدر، قال سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)3.
وأمّا الثاني ـ أعني: مباركة ـ فالمراد بها ذات البركة والوفرة في النعمة.
وقد قدّر الله هذه الليلة بأنّها ليلة مباركة قبل نزول القرآن ليكون نزوله مباركاً بوقت مبارك فتزداد بذلك فضلاً وشرفاً. وأمّا وجه كونها مباركة مع

1.النحل: 89 .
2.الزخرف: 3 .
3.القدر: 1 .

صفحه 268
قطع النظر عن نزول القرآن فيها، فلأنّ فيها تقدير المقدّرات والأعمار والأرزاق.
ولمّا كان المشركون يتصوّرون أنّ القرآن من صنع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا صلة له بالله سبحانه ردّ عليه بقوله: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ): أي نحن نزّلنا القرآن للإنذار، أي الإعلام بمواضع الخوف لتُتّقى، ولا ينافي ذلك أن يكون مبشِّراً أيضاً .
نعم هنا كلام معروف، وهو أنّ القرآن إذاكان قد أُنزل في ليلة مباركة فما معنى نزوله عبر زمان رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّتي بلغت ثلاثة وعشرين عاماً؟ قال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)1.
وبعبارة أُخرى: إنّ قوله سبحانه في آيتنا هذه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة)وقوله في سورة القدر: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) ظاهران في نزول القرآن مرّة واحدة عليه، ولكن ظاهر آية سورة الفرقان نزوله بشكل تدريجيّ، فكيف الجمع بين المقامين؟
والجواب: هو أنّ للقرآن نزولين: نزولاً دفعياً، ونزولاً تدريجياً.
أمّا الأوّل فيُراد به نزول القرآن بأجمعه في ليلة القدر، وإليه يشير قوله سبحانه في هذه السورة، وفي سورة القدر. وأمّا الثاني (التدريجي)فيُراد به نزوله عبر سنوات رسالته، وإليه يشير قوله سبحانه: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ

1.الفرقان: 32.

صفحه 269
عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً)1. وسيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع عند تفسير سورة القدر.
إنّما الكلام هنا في النزول الدفعي، فهل نزل القرآن على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أو نزل على البيت المعمور؟ وجهان، ولكن هذا التنزيل لم يكن تنزيلاً تفصيلياً، بل إجمالياً غايته تهيئة روح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لتحمّل أعباء الرسالة ومشاقّها.
ثم هل النزول الدفعي كان مقتصراً على نزول المعاني والمفاهيم، أو معها ومع ألفاظها؟ الأوّل هو الأظهر، والشاهد على ذلك قوله سبحانه: ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)2 فلو كان النزول الدفعي مقروناً بالألفاظ والمعاني، لَما كانت ثمّة حاجة لعجلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في القراءة.
وللسيد الطباطبائي بيان في المقام يثبت ما ذكرناه بوجه واضح، يقول: لكن الذي لا ينبغي الارتياب فيه أنّ هذا القرآن المؤلّف من السور والآيات بما فيه من السياقات المختلفة المنطبقة على موارد التنزيل المختلفة الشخصية لا يقبل النزول دفعة، فإنّ الآيات النازلة في وقائع شخصية وحوادث جزئية مرتبطة بأزمنة وأمكنة وأشخاص وأحوال خاصّة لا تصدق إلاّ مع تحقّق مواردها المتفرّقة زماناً ومكاناً وغير ذلك بحيث لو اجتمعت زماناً ومكاناً وغير ذلك انقلبت عن تلك الموارد وصارت غيرها،

1.الإسراء: 106 .
2.القيامة: 16 ـ 18 .

صفحه 270
فلا يمكن احتمال نزول القرآن وهو على هيئته وحاله بعينها مرّة جملة، ومرّة نجوماً .1
نعم يبقى هنا سؤال وهو أنّه إذا كان النزول الدفعي في شهر رمضان فيجب أن يكون التبشير بالرسالة قد حدث فيها، مع أنّ التبشير بها قد حدث في الليلة السابعة والعشرين من رجب حسب روايات أهل البيت(عليهم السلام)، والجواب هو ما سيوافيك في سورة القدر، من أنّه لا ملازمة بين البعثة ونزول القرآن.
نعم يظهر ممّا رواه القمّي في تفسيره أنّ النزول الجمعي (الدفعي) كان قد حصل على البيت المعمور، قال روي عن الإمام الباقر والصادق والكاظم(عليهم السلام)في تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة): «هي
ليلة القدر، أنزل الله عزّ وجلّ القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة
واحدة، ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في طول عشرين سنة» 2.
ويمكن الجمع بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بفضل الرسالة كان يستطيع أن يتّصل بالبيت المعمور ويطّلع على القرآن بأجمعه مرّة واحدة.
4. (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم):
ظاهر الآية هو استمرار هذا الأمر في كلّ سنة، لا في ليلة خاصّة،

1.الميزان في تفسير القرآن: 18 / 131 .
2.تفسير نور الثقلين: 4 / 620 .

صفحه 271
أعني: تلك الليلة التي نزل فيها القرآن، وعلى هذا فالآية ليست ناظرة لبيان شأن القرآن بل ناظرة لبيان شأن تلك الليلة، وحاصل الآية: أنّ ثمّة أُموراً محكمة مقضيّة تُفرَق في تلك الليلة ويُفْصل فيها، فتقدير الآية: كلّ أمر حكيم يُفرَق فيها. وعلى هذا فللحوادث مرحلتان:
1. مرحلة الإحكام والقضاء، وإن شئت قلت: الإجمال والإبهام.
2. مرحلة التفصيل والتفريق.
والله سبحانه يعلم ما هي حقيقة الدرجة الأُولى من الإحكام والقضاء، والدرجة الثانية من التفصيل والتفريق.
ولعلّ معنى الآية أنّ الأُمور الّتي أحكمها الله تعالى وتعلّقت إرادته بتحقّقها وقُضيَ تحقّقها قضاءً باتّاً تُفرَق في تلك الليلة، أي تبلّغ إلى الملائكة الموكّلين بأنواع الأُمور فينفذون أوامره سبحانه عبر سنة واحدة حسب ما أُمروا.
وبعبارة أُخرى: إذا كان هناك أمر قطعيّ وحكم بات حسب المصالح الّتي يعلمها سبحانه (مرحلة الإحكام) تبلغ تلك الأُمور إلى المدبِّرات والملائكة الموكَّلين بتدبير شؤون العالم بإذن الله سبحانه حتّى يقوموا بها، فهذه المرحلة هي مرحلة التفريق.
قال السيد الرضي(رحمه الله) في كلامه عن هذه الآية: وهذه استعارة... والمراد ـ والله أعلم ـ نبيّن كلّ أمر حكيم في هذه الليلة حتّى يصير كفرق الصبح في بيانه، أو مفرق الطريق في إيضاحه، ومنه فرقت الشعر إذا

صفحه 272
خلّصت1 بعضه من بعض وبيّنت مخطّ وسطه بالمدرى2 أو بالإصبع.3
ويقرب من ذلك ما ذكره ابن عاشور في تفسير الآية، حيث قال: الأمر الحكيم: المشتمل على حكمة من حكم الله تعالى، أو الأمر الذي أحكمه الله تعالى وأتقنه بما ينطوي عليه من النُّظُم المدبّرة الدالة على سعة العلم وعمومه. وبعض تلك الأُمور الحكيمة يُنفِذ الأمرَ به إلى الملائكة الموكّلين بأنواع الشؤون، وبعضها يُنفِذ الأمر به على لسان الرّسول مدّة حياته الدنيوية، وبعضاً يلهمُ إليه من ألهمه الله أفعالاً حكيمة، والله هو العالم بتفاصيل ذلك.4
5. (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ):
الظاهر أنّ (أَمْرًا)حال من الضمير في (أَنْزَلْنَاهُ)أي: أنزلناه أمراً من عندنا، ويدلّ على ذلك ذيل الآية ـ أعني قوله: (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)ـ فتكون الآية ردّاً لما يتصوّره المشرك من انقطاع صلة القرآن بالله سبحانه، فيردّ عليه أنّ من سُنننا الجارية هو إرسال الرسل وإنزال الكتب.
وقيل في وجه كونه منصوباً أقوالٌ أُخرى نقلها مؤلّف «إعراب القرآن

1. وفي المصدر: «أخلصت» والصواب ما أثبتناه.
2. المِدْرى: المُشط.
3.تلخيص البيان في مجازات القرآن: 254.
4.التحرير والتنوير: 25 / 310 .

صفحه 273
الكريم» عن أبي البقاء .1
6 . (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ):
الكلام في (رَحْمَةً)نفس الكلام في (أَمْرًا)، فهي حال من الضمير في قوله: (أَنْزَلْنَاهُ)، أي أنزلناه في حال كونه رحمة من ربّك على الناس. وعلى ما ذكرنا فقد ركّزت الآيات على كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مبعوثاً من جانب الله سبحانه والكتاب كتابه بأُمور ثلاثة:
أ. (كُنَّا مُنْذِرِينَ).
ب. (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا).
ج. (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ).
ثم إنّه سبحانه يصف الربَّ بأوصاف سبعة:
الأوّل والثاني: (السَّمِيعُ)يسمع أقوال المعاندين (الْعَلِيمُ)يعلم نواياهم .
7 . (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) :
هذا هو الوصف الثالث لله سبحانه، أعني كونه: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا): أي خالقها ومدبّرها. ثم إنّه سبحانه ذكر شرطاً بعد هذه الفقرة وقال: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)وهو ليس شرطاً لربوبيته، إذ هو ربٌّ سواء أكان هنا موقن أم لم يكن، وإنّما هو شرط لعلم الإنسان وإيمانه، أي إن كنتم

1.لاحظ : إعراب القرآن الكريم: 7 / 115 .

صفحه 274
من أهل الإيقان علمتم بأنّ الله سبحانه هو رب السماوات والأرض، لأنّه من أوضح اليقينيات دليلاً ومن ثم يلزمكم القول بما يقتضيه من بعث الرُّسل وإنزال الكتب، أو هو شرط لإقرار الإنسان بأنّه ربّهما، كما عليه صاحب الكشّاف .
يقول: فإن قلت: ما معنى الشرط الذي هو قوله: ( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)؟
قلت: كانوا يقرّون بأنّ للسماوات والأرض رباً وخالقاً، فقيل لهم: إنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الربّ، ثم قيل: إنّ هذا الربّ هو السميع العليم، الذي أنتم مقرّون به ومعترفون بأنّه ربّ السماوات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم وإيقان.1
8 . (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ):
صلة الآية بما قبلها واضحة لأنّه لمّا أثبت أنّه سبحانه ربّ السماوات والأرض، أشار إلى مظهر من مظاهر الربوبية وهو الإحياء والإماتة وقال: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ)ثم أشار إلى أنّه ربّ هؤلاء المعاندين وربّ آبائهم الذين سبقوهم، فقال: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ) فهو الإله المتفرّد بالأُلوهية والربوبية، وعلى هذا فهو الحقيق وحده بأن يُعبد. والآية تتضمّن أوصافاً أربعة له تعالى كما هو واضح.
سورة الدخان: الآيات 10 ـ 16    
9 . (بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ):

1.تفسير الكشّاف: 3 / 430 .

صفحه 275
لمّا دلّت الآيات السابقة على أنّه سبحانه خالق ومدبّر ولا مدبّر سواه وأنّه وحده يجب أن يعبد، أشار سبحانه في هذه الآية إلى أنّ المشركين مكان أن ينظروا إلى هذه الدلائل فيزيلوا الشك عن قلوبهم صاروا يتمادون في الشك دون أن يفكّروا فيما يزيله عنهم، كما قال: (بَلْ هُمْ): أي ما زالوا (فِي شَكّ يَلْعَبُونَ): أي يمارسون ممارسة فعل لا غاية صحيحة له.

الآيات: العاشرة إلى السادسة عشرة

(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) :

المفردات

ارتقب: انتظر.
يوم: يُراد به مطلق الزمان لا اليوم المقابل للّيل.
الدخان: ما يتصاعد عند إيقاد الحطب.
يغشى: يحيط.
الذكرى: التذكّر.
البطش: تناول الشيء بصولة.

صفحه 276

التفسير

سورة الدخان: الآيات 10 ـ 16    
مجموع الآيات يحكي أنّه سيأتي يوم تأتي السماء فيه بدخان مبين، وأنّ الناس سيستغيثون، إنّما الكلام في زمان هذا الحادث، وهنا نظريتان:
الأُولى: أنّ الآيات ناظرة إلى القحط الشديد الذي أصاب أهل مكّة بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة، وذلك بدعاء النبي عليهم بعد هجرته.
روى البخاري عن مسروق قال: قال عبدالله (يعني عبدالله بن مسعود): إنّما كان هذا لأنّ قريشاً لمّا استعصوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا عليهم بسنين كسِني يوسف، فأصابهم قحط وجَهد حتّى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجَهد، فأنزل الله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)، قال: فأُتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقيل: يا رسول الله، استسقِ اللهَ لمضر، فإنّها قد هلكت. قال «لِمُضَرَ؟ إنَّك لجريءٌ» فاستسقى، فسُقوا، فنزلت: (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ)فلمّا أصابتهم الرفاهية، عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله عزّ وجلّ: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ)، قال: يعني يوم بدر»1.
وعلى هذا فالدخان في الآية ليس بمعناه الحقيقي، بل تبدو السماء لأبصار العطاشى الجائعين كأعمدة الدخان المنتشر في الفضاء.
لكن مضمون الرواية لا ينطبق، من بعض الجهات على الواقع .

1. صحيح البخاري:3/277، برقم 4821، كتاب التفسير.

صفحه 277
لأنّ سنين يوسف كانت سبعاً، ولكن مجاعة قريش لم تستمر
سبع سنين، خصوصاً أنّ المجاعة التي أصابتهم كانت بعد الهجرة، ولو دامت، لما استعدّت قريش هذا الاستعداد في حربها مع الرسول في السنة الثانية والثالثة والخامسة، فمن الثابت تاريخياً أنّ اشتباك القوم مع المسلمين في بدر، وأحد، والأحزاب، كان في الخمس الأُولى من أعوام الهجرة العشرة .
النظرية الثانية: ما يقال من أنّ الدخان المبين هو ذلك الدخان الغليظ الذي سيغطي السماء في نهاية العالم وعلى أعتاب القيامة، فهو علامة لحلول اللحظات الأخيرة لنهاية الدنيا وبداية تعذيب المجرمين، وفي هذه الحالة يتنبّه المجرمون ويطلبون رفع العذاب، فيكشف العذاب عنهم قليلاً لكنّهم يعودون إلى طريقتهم الأُولى.
ويدلّ عليها بعض الروايات، نظير ما أورده السيوطي في «الدر المنثور»، قال: أخرج ابن جرير والطبراني بسند جيّد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ ربكم أنذركم ثلاثاً: الدخان يأخذ المؤمن منه كالزكمة، ويأخذ الكافر فينفخ حتّى يخرج من كلّ مسمع منه، والثانية الدّابّة، والثالثة الدجّال»1.
وقال أيضاً: وأخرج ابن جرير عن حذيفة ابن اليمان مرفوعاً: أوّل الآيات الدجّال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان، قال حذيفة: يا رسول الله، وما

1.الدر المنثور: 6 / 29 .

صفحه 278
الدخان؟ فتلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين)يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً أو ليلة. أمّا المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأمّا الكافر بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأُذنيه ودبره .1
وهاتان الروايتان لو صحّتا فهما تؤيدان التفسير الثاني.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآيات.
10. (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين) :
قوله: (فَارْتَقِبْ)خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتسلية له فيخبر عن (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين): أي تبدو السماء كأنّها دخان وليست بدخان، كما في التفسير الأوّل، أو هو دخان واقعاً كما في التفسير الثاني. وقوله: (فَارْتَقِبْ)يؤيّد الرواية الأُولى حيث إنّه يتبادر منه الانتظار القريب، ولو استعمل في البعيد فباعتبار تنزيله منزلة القريب.
11. (يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ):
أي يغمر الدخان (النَّاسَ) ويحيط بهم، وهم أهل مكّة على التفسير الأوّل، والعالم كلّه على التفسير الثاني، فيقولون (هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ): أي موجع مؤلم .
12. (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ):

1.الدر المنثور: 6 / 29 .

صفحه 279
هذا قول من غشيهم العذاب من غير فرق بين أهل مكّة وغيرهم، فيطلبون من الله سبحانه رفع العذاب عنهم قائلين: (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ)فإنّا بعد ذلك (مُؤْمِنُونَ).
ووعدُ هؤلاء بالإيمان بعد كشف العذاب عنهم، أشبه بوعد قوم فرعون حيث وعدوا ونكثوا، قال سبحانه: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَل هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ)1.
13. (أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ) :
يستعمل لفظ (أَنّى)في السؤال عن مكان الشيء كقول زكريا لمريم(عليها السلام) عندما سألها عن الرزق الموجود في محرابها، فقال: (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هَذَا)2 .
ولكن ربّما يستعمل في الاستفهام عن أحوال الشيء، بمعنى: كيف، كما في المقام وعلى هذا فمعنى قوله: (أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى): أي من أين يحصل لهم التذكّر والاتّعاظ بهذا البلاء، والحال أنّه قد أتاهم رسول ظاهر أيّد رسالته بالآيات والبيّنات الباهرة، كما قال: (وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ)ومع ذلك أعرضوا عنه ولم يستجيبوا له، كما يقول:

1.الأعراف: 134 ـ 135 .
2.آل عمران: 37 .

صفحه 280
14. (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) :
فقوله: (مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) إشارة إلى وجه تولّيهم، فتارة اتّهموه بأنّه معلَّم يعلِّمه غيره، وأُخرى بالجنون.
وهذه الآية تؤيّد التفسير الأوّل للدخان، فإنّ مشركي قريش هم الذين تولَّوا عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ووصفوه بالوصفين; أمّا الجنون فقد ذُكر في غير واحدة من الآيات، وأمّا معلّم فهو كما في قولهم : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ )1.
15. (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ):
لمّا وعد هؤلاء المعاندون ربّهم بالإيمان لو كشف عنهم العذاب، اقتضت حكمة الله تعالى أن يرفعه عنهم، فقال: (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً): أي في المستقبل وفي زمان قليل، لكنّ هؤلاء سينكثون عهدهم، ويعودون لما كانوا عليه من الضلال والطغيان، كما قال: (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ): أي في المستقبل، ولذلك روي أنّه كشف عنهم القحط بعد دعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فحيّوا وحَييت أنعامهم ثم عادوا إلى ما كانوا عليه. هذا على التفسير الأوّل.
سورة الدخان: الآيات 17 ـ 33    
وأمّا على التفسير الثاني فلا يظهر لهذه الآية معنى واضح، إذ لا يخفَّف العذاب عند انتهاء الدنيا مدّة قليلة ثم يعود الناس إلى حالة الكفر والمعصية.

1.النحل: 103 .

صفحه 281
16. (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ):
أي اذكر لهم صولة ذلك اليوم، وهو يوم بدر أو يوم القيامة، فإذا أُريد به الأوّل، فقد انتقم الله منهم فيه، بعد أن نكثوا عهدهم بالإيمان، وأخذهم أخذاً شديداً كما يقول: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ)حيث صُبَّت السيوف على هاماتهم يوم بدر. وقد مرّ أنّ المراد من الانتقام هو نتيجته، أي مجازاة الإنسان وفق عمله.
وإذا أُريد به الثاني، فإنّ الله تعالى سينزل بهم أشدّ العقوبات في ذلك اليوم، ويأخذهم، بما عصَوا وطَغوا، أخذ عزيز مقتدر. وظاهر الآية يؤيد التفسير الثاني، لأنّ الأخذ بصَولة وشدّة يناسب الأخذ في يوم القيامة، وهو نظير قوله سبحانه: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ)1 حيث ورد بعد قوله سبحانه: (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)2.

الآيات: السابعة عشرة إلى الثالثة والثلاثين

(وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لاَ تَعْلُوا عَلَى اللهِ إنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَان مُبِين * وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاَءِ

1.البروج: 12.
2.البروج: 10 .

صفحه 282
قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمُ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ * كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَمَقَام كَرِيم * وَنَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ * وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُبِينٌ).

المفردات

فتنّا: بلَونا وامتحنّا.
كريم: جامع لخصال الخير والأفعال المحمودة.
أدّوا: أطلقوا.
أمين: ائتمنه الله على وحيه.
سلطان: أُريد به الحجّة، كقوله تعالى: (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَان بِهَذَا)1.
لا تعلوا: لا تستكبروا.
تَرجُمونِ: ترموني بالحجارة، وربّما يفسّر بالضرب والشتم.

1.يونس: 68 .

صفحه 283
فاعتزلونِ: لا تتعرّضوا لي بسوء.
فأسر: أي سِرْ بهم ليلاً.
متَّبعون: يتبعكم فرعون وقومه.
رَهْواً: ساكناً. وأُريد به هنا: الفجوة الواسعة.
نَعمة: بفتح النون بمعنى التنعّم، وبالكسر: الحالة التي يستلذّها الإنسان، أو الصنيعة والمِنّة، وهي للجنس تقال للقليل والكثير، قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا)1.
فاكهين: من الفكاهة بمعنى اللعب والمزاح، أي كانوا مغمورين في النعمة لاعبين فيها.
مُنظَرين: مؤخَّرين أو ممهَّلين.
مهين: شديد الإهانة.

التفسير

لمّا أشار سبحانه إلى دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في قومه المشركين وإلى موقفهم منه الذي اتّسم بالعناد والتكذيب والاتّهام الباطل، وقرّر أنّهم لا يوفون بما وعدوا به من الإيمان لو كشف عنهم العذاب الذي ينتظرهم2،

1.إبراهيم: 34 .
2. نقول هذا، أخذاً بالتفسير الأوّل، أعني: أنّ المراد بالناس الذين يغشاهم الدخان، هم مشركو قريش الذين أصابهم الجوع بدعائه(صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 284
صار ذلك سبباً لبيان قصة موسى (عليه السلام)مع الفراعنة، فإنّ بين القصّتين مشابهة تامّة في أكثر الجهات ـ كما هو واضح ـ فالنبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)وموسى الكليم (عليه السلام)يشتركان في عدّة وجوه:
1. إنّ كلاًّ منهما رسول من الله سبحانه لهداية قوم ألدّاء.
2. إنّ قومهما بدل أن يؤمنوا بهما دبّروا المكائد لقتلهما، فأنجاهما الله تعالى بقدرته.
3. لمّا أيس كلّ منهما من هداية قومه، دعا عليهم; فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا على قومه بالقحط، كما أنّ موسى(عليه السلام) دعا عليهم بقوله: (أَنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ)الحاكي عن الدعوة إلى مؤاخذتهم ومجازاتهم كمجازاة سائر المجرمين.
4. قد استجاب سبحانه دعوة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقضى على أكثر صناديد قريش بالهلاك في واقعة بدر، كما أنّه سبحانه استجاب دعوة موسى (عليه السلام)فأغرق فرعون وقومه في البحر.
ثم إنّ الغرض من ذكر قصة موسى(عليه السلام) في المقام مع أنّها تكرَّر بيانها في غير واحدة من السور، هو تسلية النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) وتثبيت فؤاده.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآيات.
17. (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ):
الضمير في (قَبْلَهُمْ)عائد إلى مشركي قريش، والله سبحانه يقول: وقد اختبرنا قبل قومك (قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَ) كلا القومين (جَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ):

صفحه 285
أي كريم الأخلاق والأفعال، أو كريم عند الله لطاعته، أو من قوم كرام شرفاء.
18. (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) :
المراد بعباد الله بنو إسرائيل، وفي التعبير عنهم بعباد الله تلويح إلى أنّهم عباد الله لا عباد لكم وقد اتّخذتموهم عبيداً استكباراً وظلماً، وليس هو في مقام المدح لهم، وتقدير الآية هو أنّه لمّا دخل موسى (عليه السلام)مجلس فرعون وملئه خاطبهم بقوله: (أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ): أي أرسلوهم معي إلى حيث أُريد، لإنقاذهم ممّا هم فيه من الاضطهاد والعذاب، ونظيره قول موسى وهارون(عليهما السلام) لفرعون:(إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ)1.
ثم أشار إلى أنّ الأمر بإطلاقهم، هو تكليف إلهيّ من حيث: (إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ)منه تعالى (أَمِينٌ) على ما أؤدّيه وأدعوكم إليه .
19. (وَأَنْ لاَ تَعْلُوا عَلَى اللهِ إنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَان مُبِين):
يظهر من هذه الآية وسابقتها أنّ موسى (عليه السلام)قد بعث لتحقيق أمرين :
أ. إنقاذ بني إسرائيل من الذلّ والاضطهاد وتحريرهم من الأسر ومنحهم كامل الحرية بالذهاب مع موسى وهارون، كما يدلّ عليه قوله: (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ).

1. طه: 47 .

صفحه 286
ب. دعوة فرعون وقومه إلى عقيدة التوحيد والإيمان بالله وحده، رباً للعالمين.
فقوله: (وَأَنْ لاَ تَعْلُوا عَلَى اللهِ)حاك عن استعلاء فرعون الكاذب على الله، حيث كان يقول لهم: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)1.
ثم إنّ موسى عقّب على هذه الفقرة بقوله: (إنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَان مُبِين)والمراد به الحجج الباهرة والبيّنات القاطعة الّتي تثبت أنّه مؤيَّد من قبل الله سبحانه. ومن حسن التعبير في الآية الجمع بين التأدية ووصفه بقوله: (رَسُول أمين) الذي يلازم كون بني إسرائيل أمانة، فإنّ مقتضى الأمانة هو الردّ، وهكذا الجمع بين العلوّ والسلطان فإنّ السلطة تستتبع العلوّ.
20. (وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ):
ولأجل أن يسدّ موسى(عليه السلام) الطريق على فرعون ولا يدعه يفكّر بأن يؤذيه أو تظهر عليه أمارات السوء، قال: (وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ):أي التجأت إلى الله تعالى واستعصمت به، من: (أَنْ تَرْجُمُونِ): أي تتعرّضوا لي بسوء، والرجم: الرمي بالحجارة تباعاً حتى يموت المرمي أو تثخنه الجراح.
وقوله: (بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ) إشعار بأنّ ربّ الجميع واحد، وأنّ ربّي هو ربّ فرعون.
ولعلّ مصدر قول موسى: (إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ)هو ما وعد به

1.النازعات: 24.

صفحه 287
سبحانه موسى وهارون(عليهما السلام) حينما أعربا عن مخاوفهما من فرعون ـ و قد كُلِّفا بدعوته إلى الإيمان ـ وقالا: (رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى)فردّ عليهما سبحانه بما يغمر نفسيهما طمأنينة: (لاَ تَخَافَا إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرى)1.
21. (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ):
بعد أن يئس موسى من استجابة فرعون وملئه لدعوته، وتصديقهم بنبوّته، دعاهم إلى الكفّ عنه وعدم التعرض له بشيء، وأن يتركوه وشأنه، كما قال: (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ).
وبما أنّ المقام كان يقتضي الاختصار، ترك البيان القرآني الحوارات والقصص الّتي كانت بين دعوة موسى وغرق فرعون في البحر، فإنّ بينهما مشاهد من الأُمور ذكرها القرآن الكريم في سائر السور، نظير إظهار موسى بيّنته وإلقائه العصا وانقلابها إلى ثعبان، ثم دعوة فرعون رؤوساء السحرة إلى معارضة معجزة موسى بالسحر، وكان موسى هو الرابح في تلك المشاهد، إلى غير ذلك من القصص الّتي ذكرها القرآن في سائر السور .
فبعد أن يئس موسى من هداية هؤلاء، طلب من الله سبحانه أن يجازيهم بما يستحقّونه.
22. (فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ) :
وظاهر الآية أنّه اكتفى بدعائه بوصف الطاغية فرعون وأعوانه بقوله:

1.طه: 45 ـ 46 .

صفحه 288
(أَنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ)وأمّا كيفية مجازاة هؤلاء فتركها إلى إرادة الله سبحانه.
23. (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمُ مُتَّبَعُونَ) :
ثم إنّه سبحانه استجاب دعوته وأهلك الفراعنة، ولكن أمره بأمرين حتّى تتحقّق بهما نجاة بني إسرائيل وهلاك الآخرين تماماً.
الأوّل:أن يهاجر ببني إسرائيل خفية وتحت جنح الظلام، حتّى لا يطلع عليهم فرعون وقومه، فإنّ الليل أستر للأُمور، والهارب يتّخذه جَمَلاً، كما قال: (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً)ثم ذكر وجهه بقوله: (إِنَّكُمُ مُتَّبَعُونَ): أي سيتبعكم فرعون وجنده، ويخرجون في أثركم ليمنعوكم من الهجرة.
وأمّا الثاني: فهو ما ذكره في الآية التالية:
24. (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ):
وفي الكلام إيجاز بالحذف والاختصار والتقدير، ومعناه: حتّى إذا بلغتم البحر فاضربه بعصاك، فعندئذ ينفلق البحر، ويظهر فيه طريق، ويرتفع الماء على جانبيه، كالطود العظيم كما يقول: (فَكَانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)1 .
وفي آية أُخرى: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى)2 .

1.الشعراء: 63 .
2.طه: 77 .

صفحه 289
ثمّ أمره سبحانه، إذا عبروا البحر أن يتركه على ما هو عليه، ولا يردّه إلى ما كان، كما قال: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا): أي ساكناً، حتّى يتوهّمه فرعون وجنده أنّه طريق يَبَس فيسلكوه، وعند ذاك ينفذ تقدير الله سبحانه فيهم، ذلك التقدير الذي يكشف عنه تعليل أمره سبحانه بترك البحر رهواً (إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ): أي محكومون بالغرق، حيث سلكوا ذات الطريق التي سلكها موسى وقومه(فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)1 .
إلى هنا تمّ بيان قصة موسى(عليه السلام) الّتي تشابه قصة النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) في وجوه كثيرة.
وأمّا بيان تبعات استئصال فرعون وقومه فتذكره الآيات التالية:
25 ـ 27. (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَمَقَام كَرِيم * وَنَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ):
قوله تعالى : (كَمْ)حرف استفهام، واسم لعدد كبير يفسّره ما بعده، وفي المقام حرف استفهام مفعول قوله: (تَرَكُوا)قُدّم لكونه يطلب الصدارة، أي: كم ترك فرعون وقومه بعد هلاكهم من (جَنَّات)بساتين فيحاء وحدائق غناء (وَعُيُون)جارية (وَزُرُوع)ناضرة (وَمَقَام كَرِيم): أي مساكن زاهية بهيجة، (وَنَعْمَة): أي تنعّم وسعة (كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ): أي مغمورين في النعمة لاعبين فيها.

1.طه: 78 .

صفحه 290
ولعلّ في قوله: (وَنَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ) إشارة إلى التلذّذ المفرط بالنساء والشهوات.
28. (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ):
أي هكذا فعلنا بهؤلاء المجرمين وهي سنتنا ( وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ): أي أعطينا ما فيها من النعم قوماً غير الفراعنة.
يقول المراغي: ورثها قوم لا يمتّون للفراعنة بقرابة ولا دين، فقد تغلّب على مصر الآشوريون والبابليون حيناً، والحبش حيناً آخر، ثم الفرس مدّة، واليونان أُخرى، ثم الرومان من بعدهم، ثم العرب، ثم الطولونيون والإخشيديون والفاطميون والمماليك البرية والبحرية والترك والفرنسيون والإنجليز .1
ومن عجيب القول ما ذكره الطبرسي في تفسير الآية قال: وأراد بقوم آخرين بني إسرائيل لأنّهم رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون.2
وهذا لا يصحّ لأنّهم لم يرجعوا إلى مصر بل بقوا في سيناء وأرض فلسطين، كما هو واضح. ولذلك ـ كما سيأتي في الآية ـ قال: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ)ولو أُريد من (قَوْمًا آخَرِينَ) قوم بني إسرائيل لكان اللازم أن يقول: ولقد نجّيناهم .
نعم ربّما يظهر ممّا ورد في سورة الشعراء ما ظاهره أنّه سبحانه

1.تفسير المراغي: 25 / 128 .
2.مجمع البيان: 9 / 114 .

صفحه 291
أورثها بني إسرائيل، قال تعالى: (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون * وَكُنُوز وَمَقَام كَرِيم * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)1.
وقد قيل في مقام الجمع وجوه أفضلها أن يقال: إنّ الله تعالى أورث بني إسرائيل مثل ما كان لفرعون وقومه ـ لا غيره ـ حيث إنّهم لم يعودوا إلى مصر بعد خروجهم منها، ولكنّه سبحانه ملّكهم فيما بعد جنات وعيوناً مماثلة لها في أرض فلسطين، وامتد نفوذهم في عهد داود وسليمان(عليهما السلام)إلى شرق الأردن وسوريا ولبنان إلى شط الفرات .2
قال الشيخ المراغي: وفي هذا بيان، لأنّ حالهم تحوّل من الاستعباد والرقّ إلى الترف والنعيم من الجنات والعيون والمقام الكريم.3
وقال ابن عاشور: والمراد أنّ أنواعاً ممّا أخرجنا منه قوم فرعون أورثناها بني إسرائيل، ولم يُقصد أنواعُ تلك الأشياء في خصوص أرض فرعون. ومناسبة ذلك هنالك أنّ القومين أُخرجا ممّا كانا فيه، فسُلب أحد الفريقين ما كان له دون إعادة لأنّهم هلكوا، وأعطي الفريق الآخر أمثال ذلك في أرض فلسطين، ففي قوله: (وَأَوْرَثْنَاهَا)تشبيه بليغ، وانظر آية سورة الشعراء.4
29. (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ):

1.الشعراء: 57 ـ 59 .
2. قصص الأنبياء للنجّار: 321 .
3.تفسير المراغي: 19 / 67 .
4.التحرير والتنوير: 25 / 329 .

صفحه 292
ربّما كان الدارج بين العرب تعظيم موت ملوكهم وعظمائهم وربّما كانوا يترقّبون أن تبكي عليهم السماء أو أن تجف الأشجار، قالت الفارعة بنت طريف في رثاء أخيها:
أيا شجر الخابور ما لك مُورقاً *** كأنّكَ لم تجزع على ابن طَريفِ
فالآية بصدد بيان أنّ هلاك الفراعنة كان كموت الآخرين ولم يحدث بسببه حدث عظيم في الكون، كما قال: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ)مشعراً بتحقيرهم وعدم الاكتراث بهم، (وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ)ولعلّه كناية عن سرعة تحقّق القضاء الإلهي والقهر الربوبيّ في حقّهم، ولم يمنع مانع عن إجرائه.
نعم إنّ السماء والأرض لا تبكي على موت الكافر والظالم غير أنّ حساب الأنبياء والأولياء غير حساب هؤلاء، فالظاهر من بعض الروايات أنّ موت المؤمين ـ فضلاً عن موت الأولياء ـ له تأثير في الكون.
أورد السيوطي في «الدر المنثور» عن عليّ (عليه السلام)قال: «إنّ المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاّه من الأرض، ومصعد عمله من السماء، ثم تلا: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ).1
وأورد عن ابن عباس، قال: إنّ الأرض لتبكي على المؤمن أربعين صباحاً ثم قرأ: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ)2.

1.الدر المنثور: 6 / 31.
2.نفس المصدر.

صفحه 293
وقال السيوطي ـ أيضاً ـ : وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد المكتّب عن إبراهيم (رحمه الله) قال: ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلاّ على اثنين. قيل لعبيد أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟ قال: ذاك مقامه وحيث يصعد عمله، قال: وتدري ما بكاء السماء؟ قال: لا. قال: تحمرّ وتصير وردة كالدِّهان، إنّ يحيى بن زكريا لما قُتل احمرّت السماء وقطرت دماً، وإن الحسين بن علي يوم قتل احمرّت السماء.1
وأمّا من طرقنا، فقد روى زُرارة بن أعيَن عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام)قال: «إنّه بكت السماء على يحيى بن زكريا وعلى الحسين بن علي (عليهما السلام)أربعين صباحاً»، قلت: فما بكاؤها؟ قال: «تطلع حمراء وتغيب حمراء».
وروى الصدوق عن الصادق (عليه السلام)قال: «إذا مات المؤمن بكت عليه بقاع الأرض التي كان يعبدالله عزّ وجل فيها، والباب الذي كان يصعد منه عمله، وموضع سجوده» إلى غير ذلك من الروايات الّتي جمعها صاحب تفسير نور الثقلين .2
وقد ثبت في محلّه سريان العلم والشعور في الموجودات كلّها، كلّ حسب درجته من الكمال.
قال أبو العلاء المعرّي:

1.نفس المصدر.
2.تفسير نور الثقلين: 4 / 627 ـ 629 .

صفحه 294
وعلى الدهر من دماء الشهيديـ *** ـن عليٍّ ونجله شاهدانِ
فهما في أواخر الليل فجرا *** نِ وفي أولياته شَفَقانِ1
30 و 31. (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ) :
لمّا تقدّم قوله:(إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) وكشف عن القضاء الباتّ من الله تعالى على إهلاكهم، عطف عليه قوله:(وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ) وأي عذاب أكثر إهانة من تحكّم الطاغية فرعون يستضعفهم ويستعبدهم ويقتل أبناءهم؟ قال تعالى حكاية عن فرعون وملئه الذين أَبَوا أن يستجيبوا لدعوة موسى وهارون(عليهما السلام): (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)2 ولكن اقتضت مشيئة الله أن تنجّيهم (مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا)متكبّراً جبّاراً (مِنَ الْمُسْرِفِينَ): أي الإسراف في التعالي، وأي إسراف أعظم من ادّعاء الربوبية أو أنّه الربّ الأعلى كما كان يقول.
ومن العجب أنّ الخوض في البحر صار سبباً لإنجاء قوم، وهلاك قوم آخرين، وما ذلك إلاّ لتعلّق إرادته سبحانه بكلا الأمرين، ولعلّ في ذكر نجاة بني إسرائيل وهلاك فرعون إشارة إلى ما سيؤول إليه مصير قوم

1.مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: 3 / 213.
2.المؤمنون: 47 .

صفحه 295
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)المشركين، وأنّ الله سبحانه سينجي النبي ومن آمن معه ويهلك الآخرين، فمن أراد الاعتبار فليعتبر.
32. (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعَالَمِينَ):
لفظة (عَلَى)الأُولى بمعنى «مع»، أي مع علم. والآية تتضمّن بيان اصطفاء بني إسرائيل على عالمي زمانهم، قال تعالى: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ)من بين أهل عصرهم بإنزال الكتب وإرسال الأنبياء منهم (عَلَى عِلْم)مع علم بأنّهم كانوا أهلاً لهذا الاختيار، ففي بيوت هؤلاء نزلت الكتب السماوية، ومنهم بعث الكثير من الأنبياء.
هذا من الجانب المعنوي، وأمّا من الجانب المادّي فقد ظلّل سبحانه عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسَّلوى إلى غير ذلك، وبالرغم من كلّ هذه النعم التي خصّهم الله تعالى بها، فإنّهم قابلوها بالكفر والعصيان، ولذلك (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ)1 .
يقول صديقنا المرحوم محمد جواد مغنية في تفسيره للآية: وصف سبحانه بني إسرائيل في كتابه بأقبح الأوصاف، وسجل عليهم أعظم الجرائم كالغدر والاحتيال والتمرّد على الحق وأكل المال بالباطل، ووصفهم بالكفر والظلم، ولعنهم في العديد من الآيات، وهدّدهم بأشدّ العقوبات. ومن هنا أجمع المفسّرون على أنّ المراد بالعالمين في هذه الآية وأخواتها أنّ الله فضّل الإسرائيليّين على العالمين في زمانهم، لا في كلّ

1.البقرة: 61 .

صفحه 296
زمان، وقلنا في الجزء الأوّل الصفحة 95: أنّ الله فضّلهم على أهل ذلك الزمان من جهة واحدة فقط، وهي أنّ الله أرسل منهم العديد من الأنبياء .1
33. (وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُبِينٌ):
لمّا تحدّثت الآية السابقة عن اختيار بني إسرائيل على العالمين أشار هنا إلى ما به حصل الاختيار وهو كما يقول: (وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ): أي المعجزات الّتي ظهرت على يد موسى (عليه السلام)، ومع ذلك لم يكن هذا الاختيار بلا غاية بل كانت الغاية منه اختبارهم كما يقول: (مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُبِينٌ): أي اختبار واضح، فالله سبحانه يختبر أصحاب النعمة ويبتليهم بالشرّ والخير كما يقول: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)2 فيختبر عباده بالنعمة فيشكرون، وبالفقر والجدب فيصبرون، (وقد خرج بنو إسرائيل من هذا الامتحان بأخسر صفقة، إذ كشف ذلك منهم عن نفوس خبيثة، وقلوب مريضة، وطبائع شرسة، فكان أن أخذهم الله بالبأساء والضرّاء... فكانوا عبرة وعظة لمن يكفر بنعم الله، ويستنبت من إحسانه وفضله أنياباً ومخالب ينهش بها عباد الله. فلقد لعنهم الله وجعل منهم القردة والخنازير وَعَبَد الطاغوت).3
سورة الدخان: الآيات 34 ـ 50    
ولعلّ الغاية من بيان ما تتضمّنه الآيات الأخيرة هي تطييب نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه سينجيه ربّه من طغاة مكة ويختبرهم بالنعمة خيرها وشرها، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قد كُتبت له النجاة كما كُتب لأعدائه الهلاك.

1.تفسير الكاشف: 7 / 11.
2.الأنبياء: 35.
3. التفسير القرآني للقرآن لعبد الكريم الخطيب:13/202.

صفحه 297

الآيات: الرابعة والثلاثون إلى الخمسين

(إِنَّ هَؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّع وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لاَ يُغْني مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ).

المفردات

مُنشَرين: مبعوثين.
تُبّع: جمعه التتابعة وهم ملوك اليمن.
أهم خير: أي أفضل من حيث القوّة والقدرة.
لاعبين: عابثين.

صفحه 298
بالحق: والحق هو ما يحق وقوعه من عمل أو قول، والباء للملابسة أي مقارناً للحق.
الفصل: وهو يوم القيامة يفصل فيه بين الحق والباطل.
ميقات: اسم زمان، أي: وقت موعدهم.
يُغني: ينفع.
مولى: مَن يَتولّى أمر الغير، ويراد به أيضاً من يُتولّى أمره .
الزقُّوم: شجرة ذات ثمر مرّ ينبت بتهامة، شبهت بها الشجرة التي تنبت في الجحيم.
الأثيم: الكثير الآثام والذنوب، وهو الكافر.
المُهْل: دُرديّ الزيت، كما في المفردات، وربّما يفسر بالمذاب من النحاس والرصاص، والأوّل أقرب.
الحميم: الماء الحار الشديد الحرارة.
اعتِلُوه: العَتلُ: الأخذ بمجامع الشيء وجرّه بقهر، كالأخذ بمنكبَي الرجل أو ناصيته.

التفسير

لمّا أشار سبحانه بقوله: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) إلى يوم البعث، عاد سبحانه إلى بيان حجّة منكري يوم البعث وقال:

صفحه 299
34 ـ 36. (إِنَّ هَؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) :
قوله تعالى: (إِنَّ هَؤُلاَءِ): أي مشركو مكة الذين كانوا ينكرون البعث أشدّ الإنكار، وكانوا يرتجفون حينما يسمعون بيوم يقوم فيه الناس للحساب بين يدي ربّ العالمين، لأنّهم يعلمون أنّ النفوس مرتهنة بما تعمل، وهم لم يعملوا إلاّ الشرور والآثام، فلذلك كانوا ينكرون ذلك اليوم ليريحوا أنفسهم من سماع عذابه (لَيَقُولُونَ) وأمّا مقالتهم فهي ما يذكره سبحانه بقوله: (إِنْ هِيَ)الضمير للشأن يرجع إلى القصة، ويحتمل أن يرجع إلى الموتة التي تذكرها الجملة التالية: (إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى)لا غير (وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ): أي مبعوثين.
إنّما الكلام في وصف الموتة بالأُولى، فإنّ ظاهر الآية أنّهم يصدِّقون بالأُولى منها وينكرون الموتة الثانية أو الموتة الأُخرى مع أنّهم لا يخافون من الموتة الثانية، وإنّما يخافون من الحياة الثانية، ولذلك نرى في غير واحدة من الآيات أنّهم يقيمون إنكارهم على نفي البعث والنشر بعد الموت لا على نفي الموتة الثانية، قال سبحانه: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)1، وفي آية أُخرى: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)(2)، وفي آية ثالثة: (مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا
نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ
)2.

1 . الصافات: 58 ـ 59 .               2 . الأنعام: 29 .
2.الجاثية: 24 .

صفحه 300
وحاصل السؤال: أنّهم كانوا يخافون من الحياة الثانية لا من الإماتة الثانية، وعندئذ فما معنى قوله: (إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ)فكان اللازم ـ وفق سائر الآيات ـ أن يقول: إن هي إلاّ حياتنا الدنيا، وما نحن بمنشرين.
وبصياغة أُخرى: ما هو سبب التركيز على الموتة الأُولى المتضمّن لنفي الموتة الأُخرى مع أنّهم لا يخافون منها، بل يخافون الحياة الأُخرى؟
وقد أجاب صاحب الكشّاف عن هذا الإشكال بجواب معقّد لا يناسب ما توخّيناه في هذا التفسير من تيسير وتوضيح، فمن أراد فليرجع إليه.1
ويمكن أن يجاب بأنّ القيد ليس احترازياً بمعنى أنّ لنا موتة أُولى لا موتة أُخرى، بل المراد أنّ هذه الموتة الواحدة هي نهاية كلّ شيء وليس بعدها أي شيء. وبعبارة أُخرى:إنّ هنا موتة واحدة ينتهي بها وجود الإنسان إلى الأبد، ولذلك أكّدوا كلامهم بالقول: (وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ) .
ثم إنّ منطقهم الواهي الذي دعاهم إلى إنكار البعث هو قولهم: (فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): أي لو كانت هناك حياة بعد الموت (فَأْتُوا بِآبَائِنَا): أي أحيوهم بأي وسيلة كانت (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، ومن المعلوم أنّ منطقهم هذا لا يعدو أن يكون سفسطة، لأنّ الحياة التي يُثبتها الوحي هي الحياة بعد قيام الساعة وانشقاق السماء وانهدام النظام...، والإتيان بآبائهم وإعادتهم

1.تفسير الكشّاف: 3 / 433.

صفحه 301
إلى الدنيا لا يكون دليلاً على وجود البعث بعد يوم القيامة.
نعم، لو كانوا بصدد نفي إمكان إحياء الأموات فطلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يحيي آباءهم حتى يقفوا على إمكان إحياء الموتى، فله وجه، ولكن معنى ذلك أن يستجيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لكلّ ما يقترحون، وهذا ليس من وظيفة النبيّ، المكلّف بتبليغ ما أُنزل عليه وتبيينه وتأييده بالحجّة والبرهان، لا الاستجابة لمطالب أهل العناد واللّجاج. ومن هنا ولأجل إقامة الدليل على إمكان إحياء الأموات، استدلّ القرآن عليه بإحياء الأرض بعد مماتها في غير واحدة من الآيات، وأهمل طلبهم هذا (الإتيان بآبائهم) لأنّه لا يستحقّ الردّ، وعدل عنه إلى التهديد، فقال:
37. (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّع وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) :
فهؤلاء الأقوام قد بلغوا من النعمة والترف درجة عالية، لكن طغيانهم صار سبباً لهلاكهم وإبادة عمرانهم. وكان قد مثّل فيما سبق بقوم فرعون الذين غمرتهم النعمة، ثم عاد يمثّل بقوم تُبّع الذين كانوا يعيشون في جنوب الجزيرة العربية على أرض اليمن الغنيّة، وكانت مهد الحضارة وقد سيطر عليها ملوك التتابعة واحداً بعد الآخر، ومع ذلك لم تكن قوّتهم وقدرتهم تمنعهم من أخذ الله تعالى على وفق عدله.
يقال: تُبّع، بضم التاء وتشديد الموحدّة لقب لمن يملك جميع بلاد اليمن، حِميَراً وسبأ، وحضرموت، فلا يطلق على الملك لقب تُبّع إلاّ إذا

صفحه 302
ملك هذه المواطن الثلاثة.
قيل: إنّما سمّوا تُبَّعاً لأنّهم كانوا يتفاخرون بأنّهم تابعون للشمس، فكلّ أرض طلعت عليها الشمس فهم يملكونها ويسيطرون عليها.
وعلى هذا فالآية بصدد تذكير قريش (أَهُمْ): أي قريش (خَيْرٌ)أفضل من حيث القدرة والمنعة (أَمْ قَوْمُ تُبَّع)والاستفهام إنكاري (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)من الأُمم السابقة كقوم نوح وعاد وثمود (أَهْلَكْنَاهُمْ): أي هؤلاء القوم، وما هذا إلاّ لأنّهم (كَانُوا مُجْرِمِينَ) ولذلك أُهلكوا.
أقول: قد ذهب جماعة من المفسّرين ـ اعتماداً على بعض الروايات ـ إلى أنّ تُبّعاً كان رجلاً صالحاً، ورأوا أنّ قوله تعالى: (قَوْمُ تُبَّع)فيه ذمٌّ لقوم تُبّع دون ملكهم، ومال إلى هذا الرأي أُستاذنا السيد الطباطبائي، حيث ذكر أنّ التعبير في الآية فيه (نوع تلويح إلى سلامة تُبَّع نفسه من الإهلاك).1
وإليك أهمّ الروايات التي تذكر إيمان تُبّع وصلاحه:
1. روى أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي زرعة عمرو بن جابر2، عن سهل بن سعد، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا تسبّوا تُبّعاً، فإنّه قد كان أسلم».3
2. روى الصّدوق بإسناده عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد

1. الميزان في تفسير القرآن:18/146.
2. وهو ضعيف عند أكثر نقّاد السنّة، وقد وثّقه بعضهم كالعجليّ. انظر: تهذيب الكمال:21/559، برقم 4334.
3. المسند:8/443، برقم 22943. وأوردها الطبرسي في «مجمع البيان:9/118»، والسيوطي في «الدر المنثور:6/31».

صفحه 303
الله]الصادق[(عليه السلام)، قال: إنّ تبّعاً قال للأوس والخزرج: كونوا هاهنا حتى يخرج هذا النبي، أمّا أنا فلو أدركته لخدمته ولخرجت معه.1
هذا، ولكن قد روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، في قصة دار (شُريح القاضي) ما يخالف المعنى المتقدّم، حيث روي أنّ شريحاً قاضي أمير المؤمنين(عليه السلام) اشترى على عهده داراً، فبلغه ذلك، فاستدعاه، وقال له:
بلغني أنّك ابتعت داراً بثمانين ديناراً، وكتبت لها كتاباً، وأشهدت فيه شهوداً... ثم قال له: أما إنّك لو كنت أتيتني عند شرائك لكتبت لك كتاباً على هذه النسخة...:«هذا ما اشترى عبد ذليل، من ميّت قد أُزعج للرحيل (إلى أن قال):
فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى منه من دَرَك، فعلى مُبَلْبِلِ أجسام الملوك، وسالب نفوس الجبابرة، ومُزيل مُلك الفراعنة، مثل كسرى وقيصر، وتُبّع وحِمْيَرَ، ومَن جَمع المالَ على المالِ فأكثر...».
وهذا الخبر ذكره الشريف الرضيّ في «نهج البلاغة»2، والقاضي محمد بن سلامة القضاعي الشافعي في «دستور معالم الحكم»3، وسبط

1. كمال الدين:170، الباب(11)، برقم 26، وفي روح المعاني:25/129: ومن حديث عباد بن زياد المرّيّ أنّه لما أخبره اليهود أنّه سيخرج نبيّ بمكة، يكون قراره بهذا البلد ـ يعني المدينة ـ اسمه أحمد، وأخبروه أنّه لا يدركه، قال للأوس والخزرج: أقيموا بهذا البلد، فإن خرج فيكم فوازروه، وإن لم يخرج فأوصوا بذلك أولادكم.
2. نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 3.
3. دستور معالم الحكم:135(شَرْط له كرّم الله وجهه في شراء دار). وفيه: «وقاصم الجبابرة، مثل كسرى وقيصر، وسابور الأكبر، وتُبّع وحِميَر».

صفحه 304
ابن الجوزي في «تذكرة الخواص»1 حكاية عن الشعبي، ورواه الصدوق في «الأمالي»2 بإسناده المتصّل إلى عاصم بن بهدلة.
وعلى ذلك، فإنّنا نرجّح ما ورد في هذا الخبر، وأنّ تُبّعاً كان من جبابرة الملوك، ولا نرى في قوله:(قَوْمُ تُبَّع) دليلاً أو إشارة إلى سلامته من الإهلاك، ويشهد لذلك ما جاء في نفس هذه السورة من التعبير عن قوم فرعون بهذا القول(وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ)ثم قال:(فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ)، ومن الواضح أنّ فرعون كان منهم، بل في مقدّمتهم.
وعلى كلّ تقدير فالآيات حينما تذكر قصة هلاك قوم تُبّع ومن قبلهم، تشير إلى أنّ إهلاك مشركي قريش أيسر من إهلاك قوم فرعون وتُبّع وأشباههما، نعم أيسر من حيث منظار العرف، وأمّا حسب الحقيقة فالجميع أمام الله سواء.
قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «وَما الجَليلُ واللَّطيفُ، وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ، إِلاَّ سَوَاءٌ»3.
38. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ) :
الآية بصدد بيان دليل على لزوم المعاد وهو أنّه سبحانه حكيم لم

1. تذكرة الخواص:565.
2. الأمالي:256، المجلس(51)، برقم 10.
3.نهج البلاغة: الخطبة: 185 .

صفحه 305
يخلق السماوات والأرض سُدىً وبلا غاية، فلولم يكن وراء هذا العالم عالم آخر بل كان الله لم يزل ولا يزال يحيي ويميت ويخلق ويعدم، كان لاعباً في فعله عابثاً به، كما يقول: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ): أي عابثين.
39. (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ):
توضيح للبرهان الوارد في الآية السابقة وأنّه سبحانه يصف فعله بقوله: (مَا خَلَقْنَاهُمَا): أي السماوات والأرض (إِلاَّ بِالْحَقِّ): أي لحكمة، وقد دلّ عليها إتقان نظام الموجودات (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ): أي يتصوّرون أن فعل الحقّ تعالى خال عن الحكمة، ولذلك أنكروا البعث والنشور (وَقالُوا إنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)1. ولو كان الواقع حسب ما يظنون لعاد خلق هذا النظام المشيّد الذي سيفنى بعد لأي من الدهر، أمراً عبثاً، وبلا هدف ولا غاية، وهذا ينافي كون فعله سبحانه حقّاً مطلقاً.
40. (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ):
هذه الآية نوع استنتاج من الآيات السابقة، وهو أنّ اليوم الآخر يوم يفصل فيه بين المحق والمبطل، والطائع والعاصي، كما قال: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ): أي موعد هؤلاء (أَجْمَعِينَ)للحساب والجزاء ففي ذلك اليوم

1.الأنعام: 29 .

صفحه 306
يُفرز المؤمنون من الكافرين، والأبرار من الأشرار، ويُجازى كلٌّ حسب عمله.
ولمّا كانت هنا فكرة الشفاعة على فرض وجود يوم البعث، وأنّهم بفضل شفاعة شفعائهم، سينجون من عذاب ذلك اليوم، نفى سبحانه تلك الشفاعة المزعومة:
41. (يَوْمَ لاَ يُغْني مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ):
تضمّنت الآية لفظ (مَوْلىً) مرتين، ويُراد بالأوّل: الشفيع، وبالثاني: المشفوع له، والمولى هو مَن يتصوّر أنّ له حقّ التصرّف في أُمور الغير، وقد نفاه سبحانه تماماً بقوله: (لاَ يُغْني مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا) ولم يكتفِ بذلك، بل نفى نصرة مولى لمولى يومذاك وقال: (وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ): أي لا ينصر أحدٌ أحداً، والفرق بين الإغناء والنصر واضح، فالمغني مستقلّ في عمله، وأمّا الناصر فإنّما يعينه ببعض الأُمور المؤثّرة في ظفره وبلوغه الغاية، والثاني ينطبق على الشفاعة حيث إنّ شفاعة الشفيع هي بعض أسباب النجاة لا كلّها، لأنّ الشفيع يعتمد على أمرين: إذنه سبحانه، وإيمان المشفوع له فيشفع، ولذلك لا تُقبل شفاعة الأنصاب لعدم الإذن فيها، ولا شفاعة الوليّ في الكافر لعدم إيمانه، ففي ذلك اليوم لا إغناء ولا نصرة، لماذا؟ لقوله: (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)1، فكلّ الوسائل والأسباب المادّية والمعنوية تفقد أثرها.

1.البقرة: 166 .

صفحه 307
ولمّا كان ظاهر الآية نفي الشفاعة على وجه الإطلاق، أراد سبحانه تصديق شفاعة الأولياء بإذنه تعالى، فقال:
42. (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):
تحدّثت الآية السابقة عن نفي أمرين يوم القيامة:
الأوّل: إغناء مولى عن مولى آخر.
الثاني: نصرة مولى لمولى آخر.
فعاد البيان القرآني إلى استثناء طائفة خاصّة، وهم من شملتهم رحمة الله تعالى، كما قال: (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ)، فيقع الكلام في أمرين:
الأوّل: هل الاستثناء من عدم الإغناء، أو الاستثناء من عدم النصرة؟
الثاني: تعيين المراد من الموصول أعني: من رحم الله؟
أمّا الأمر الأوّل، فقد مرّ الفرق بين الإغناء والنصرة، وقلنا بأنّ المغني لا يعتمد في عمله على أي شيء سوى نفسه، أمّا الناصر فيرفع بعض حاجات المشفوع له لكن بالاعتماد على الغير. وعلى هذا فلابد أن يكون الاستثناء ناظراً إلى النصرة، بأن يرفع الناصر بعض حاجات الإنسان يوم القيامة معتمداً على لطفه سبحانه وإيمان المشفوع له، لا إلى الإغناء، لاستحالة القيام بعمل من الأعمال يوم القيامة بلا حول ولا قوة منه سبحانه، فالاستثناء يدلّ على أنّه ربّما ينصر مولىً مولىً آخر يوم القيامة .
وأمّا الأمر الثاني، فالمراد هو المشفوع له أي مَن شملته رحمة الله الواسعة حتّى يستحق شفاعة الشافعين، ولا يستحقّها إلاّ بوجود صلتين :

صفحه 308
أ. صلة إيمانية بالله سبحانه حتّى يخرج من عداد الكافرين.
ب. صلة روحية بالشافع حتّى يحصل بينهما تجانس وتشابه في الملكات والروحيّات.
فإذا وجدت هاتان الصلتان فيكون مشمولاً برحمة الله سبحانه .
وإن شئت قلت: إنّ شفاعة الشفيع رهن إذنه سبحانه للشفيع بأن يشفع، ورضاه عن المشفوع له.
أمّا الأوّل: فيدلّ عليه قوله سبحانه: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)1، وأمّا الثاني فيدلّ عليه قوله تعالى: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى)2.
43 ـ 46. (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) :
تحدّثت الآيات السابقة عن أنّ يوم القيامة هو يوم الفصل بين المُحقّ والمُبطل، ومن الواضح أن يُفضي ذلك إلى اختلاف جزائهما، ولذا عاد البيان القرآني إلى بيان طَرَف من جزائهما.
أمّا الكافر فأشار إلى جزائه من حيث المأكل والإهانة والتعذيب، وأمّا جزاء المؤمن فسيوافيك بيانه.

1. البقرة: 255، ولاحظ: سورة يونس: 3.
2. الأنبياء: 28، ولاحظ: سورة النجم: 26 .

صفحه 309
فعن الأوّل ـ أعني: المأكل ـ قال سبحانه: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ) وقد عُرِّف الزقّوم بالألف واللام لمعرفة المخاطب به، حيث ورد في سورة أُخرى، وهي سورة الواقعة التي جاء فيها قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم)1، ولذلك عدل عن النكرة إلى المعرفة. وهذا يكشف عن تقدّم نزول سورة الواقعة على هذه السورة.
ثم إنّ ظاهر الآية أنّ شجرة الزقوم نفسها هي طعامهم، إلاّ أنّ المراد بها ثمرتها، ويشهد لذلك ما في سورة الواقعة حيث قال: (لآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم) فالظاهر أن (مِنْ)للتبعيض، وقد وصفها سبحانه في سورة أُخرى بقوله: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ)2.
ثم إنّه سبحانه وصف شجرة الزقوم أو ثمرتها بأوصاف ثلاثة:
أ. (طَعَامُ الأَثِيمِ): أي طعامُ كثيرِ الآثام.
ب. (كَالْمُهْلِ)الظاهر أنّ المراد به درديّ3 الزيت، والتشبيه به إما في لونه أو ذوبانه أو طعمه، وربّما يفسّر بالنحاس والرصاص المذابين، وهو بعيد.
ج. (يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) قوله: (يَغْلِي) حال إمّا من

1.الواقعة: 51 ـ 52 .
2.الصافات: 62 ـ 66 .
3. الدُّرْدي(من الزيت): الكَدَر الراسب في أسفله.

صفحه 310
الزقوم أو من طعام الأثيم، والظاهر هو الثاني، والمعنى: أنّ طعام الأثيم يغلي في البطون كغلي الماء الحار الشديد الحرارة.
إلى هنا تمّ الحديث عن طعام المجرمين، وأمّا إهانتهم وتعذيبهم فقد جاء ذكرهما في الآيات الثلاث التالية:
47 ـ 49. (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ):
أمّا ما يتعرّض له الظالم الأثيم من إهانة وإذلال، فيدلّ عليه قول الله تعالى: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) والخطاب موجه لزبانية الجحيم، حيث يؤمرون بأخذ الأثيم بشدّة وجرّه بعنف، كما يقول: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ)ثم دفعه دفعاً ودَعِّه إلى (سَوَاءِ): أي وسط (الْجَحِيمِ).
وأمّا التعذيب، فبالإضافة إلى ما يتلقّاه منه هذا الأثيم الظالم وهو في وسط جهنم، فإنّه يتلقّى تعذيباً آخر، يكشف عنه قوله سبحانه: (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ): أي من الماء الحار الشديد الحرارة. وبما أنّ المجرم كان ينكر الجحيم ويدّعي لنفسه العزّة والكرامة، يُخاطب استخفافاً به ويقال له: (ذُقْ)أيّها المنكر الذي كنت تصف نفسك بـ (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)وأُريد به نقيضه أي: ذق إنّك أنت الذليل المَهين.
سورة الدخان: الآيات 51 ـ 59    
ولعلّ الخطاب الموجّه للأثيم بالعزيز الكريم لأجل ما روي من أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لقي أبا جهل فقال له: إنّ الله أمرني أن أقول لك:(أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)1 ، فنزع يده من يده وقال: بأي شيء

1. القيامة:34ـ35.

صفحه 311
تهدّدني، ما تستطيع أنت ولا صاحبك أن تفعلا بي شيئاً، إنّي لمن أعزّ هذا الوادي وأكرمه، لقد علمت أنّي أمنعُ أهل بطحاء على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذلّه، وعيّره بكلمته، فأنزل: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) .1
وبعد ذكر هذه الأصناف من العذاب المعدّة للمجرمين، يتوجّه إليهم الخطاب التالي:
50. (إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ):
أي (إِنَّ هَذَا)المشهد المخيف هو (مَا): أي الذي (كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ): أي تشكّون به في الدار الدنيا.

الآيات: الحادية والخمسون إلى آخر السورة

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَام أَمِين * فِي جَنَّات وَعُيُون * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور عِين * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَة آمِنِينَ * لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ).

1.تفسير المراغي: 25 / 135 .

صفحه 312

المفردات

مَقام: مكان القيام، والمراد بالقيام الملازمة، ويُكنّى به عن الإقامة لأنّ المقيم ملازم لمكانه.
أمين: بمعنى آمن، كما في قوله تعالى:(وَهذا البَلَدِ الأَمينِ).1
السندس: الحرير الرقيق.
الإستبرق: الحرير السميك.
زوجناهم: فعل من الزوج، وربّما يقال إنّ المراد هنا القرين، لا الزوج الشائع الذي يطلق على امرأة الرجل. وسيوافيك ما هو الظاهر.
حُور: جمع حوراء، وهي البيضاء النقيّة، أو الشديدة بياض العين والشديدة سوادها.
عِين: جمع عَيناء، وهي الحسنة العين الواسعتها.
وَقاهم: حَفظهم.
ارتقبْ: انتظرْ.

التفسير

لمّا وصف سبحانه عذاب الأثيم وطعامه وما يُهان به من دفعه وسط الجحيم، ناسب المقام أن يصف نعيم المتّقين لمناسبة واضحة بينهما، وهي علاقة التضادّ.

1. التين:3.

صفحه 313
والمواهب الّتي تغمر المتّقين، قد تضمّنتها هذه الآيات وهي سبع.
51 ـ أ. (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَام أَمِين) :
والأمين ـ كما مرّ بنا ـ بمعنى الآمن، وإنّما وُصف المَقام (وهو كناية عن مكان الإقامة) بالأمين باعتبار أمن المقيم به من الخوف والفزع ومن كلّ شرّ، فهو ـ إذن ـ إسناد مجازيّ، كما يقال: نهرٌ جار.
52 ـ ب. (فِي جَنَّات وَعُيُون):
الآية تحتمل وجهين: إمّا أنّ كلّ واحد من المتّقين يتمتع بجنات وعيون، أو أنّ الجميع يتمتّعون بهما، والجمع باعتبار كثرة المتّقين.
53 ـ ج . (يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق مُتَقَابِلِينَ):
في الآية إشارة إلى ما يرفلون فيه من حُلل جميلة، من أنواع الحرير، ما رقّ منه وما سَمُك، كما قال: (مِنْ سُنْدُس وَ إِسْتَبْرَق). مضافاً إلى كونهم (مُتَقَابِلِينَ): أي يقابل بعضهم بعضاً، إشارة إلى روح الأنس والأُخوّة الّتي تسود مجالسهم.
54 ـ د. (كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور عِين) :
هذه هي الموهبة الرابعة، حيث يصف مجالستهم مع الحسناوات، ذوات العيون الواسعة، التي في طرفها حَوَر (وهو شدّة سواد العين مع شدة بياضها)، وقد ذكر من محاسنهنّ خصوص العين لِما لها من جاذبية وتأثير.

صفحه 314
ومع ذلك يحتمل أن يكون المراد من الزواج هو الزواج المعروف بشهادة أنّه سبحانه يصفهن بقوله: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ)1: أي لم يفتضضهنّ، والإفتضاض هو النكاح، والمعنى لم يطأهنّ ولم يغشهنّ إنس قبلهم ولا جانّ، وعلى ذلك فهنّ أبكار يهدين إلى المتّقين.
55 ـ هـ . (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَة آمِنِينَ):
إذا كان طعام الأثيم هو شجرة الزقوم، فطعام المتّقين عبارة عمّا يشتهون من أنواع الفاكهة، (يَدْعُونَ): أي يطلبون (فِيهَا): أي في الجنة (بِكُلِّ فَاكِهَة آمِنِينَ): أي آمنون من انقطاعها أو من أذاها ومكروهها بخلاف فواكه الدنيا، فليس الآكل منها آمناً من هذه الجوانب، فإذا كان المتّقون في مقام أمين، لازم ذلك أن يكون القائم فيها آمناً من كلّ مكروه وآفة وبلاء.
56 ـ و، ز . (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ):
أمّا قوله: (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى)فكناية عن خلودهم في تلك الحياة، وهو سادس المواهب، وأمّا سابع هذه المواهب فهو ما في قوله تعالى: (وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)ولعلّ بعض المتقين كانوا يخافون ممّا صدر عنهم من هفوات، والله سبحانه يخبر عن لطفه ويطمئنهم بغفرانه

1.الرحمن: 72 ـ 74 .

صفحه 315
عنها، وبذلك وقاهم عذاب الجحيم مع بعض استحقاقهم له.
وبهذه النعمة صاروا في سرور وحبور واطمئنان بمصير حياتهم.
57 . (فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) :
ربّما يتصور الإنسان أنّه استحقّ هذه المواهب بسبب عمله وعبادته وقيامه بأوامر الله سبحانه، والله سبحانه يقول إنّ هذه النعم والمواهب هي فضل من الله سبحانه وتكريم منه للمتّقين (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) هو بيان لعظمة النعمة.
وبذلك تمّ ذكر ما يرجع إلى المجرمين والمتّقين من العقاب والثواب والمصير السيِّئ والحَسَن، فعلى المشرك أن يأخذ دروساً ممّا ورد في أوصاف المجرمين، وأن يستمر المتّقي في السير على خطّ الطاعة وعبادة الله سبحانه.
58 و 59. (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ):
الوحي الالهي يختم هذه السورة بما ورد في أوّلها حيث جاء فيها: (حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) فعاد البيان القرآني لبيان أمرين:
الأوّل: أنّ القرآن يحتوي على معان عميقة إلاّ أنّ الله يسّره بلسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليبيّن للناس ما فيه من الحِكم والمعارف والمواعظ (لَعَلَّهُمْ

صفحه 316
يَتَذَكَّرُونَ)وما هذا إلاّ لأنّ لسان النبيّ هو لسانهم أيضاً، فإنّ تيسير القرآن بلسان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يلازم تيسيره بلسانهم، ولذلك ذكر الغاية أي قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).
الثاني: لمّا كان هناك من لم يتذكر بالقرآن ولم يستضئ بنوره، جاءت الآية لتطييب نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ): أي فانتظر ما وعدناك به من النصر على الكفّار، ولينتظر هؤلاء الهزيمة والخسران، فأحد الانتظارين نافع والآخر ضارّ، والنبيّ ينتفع بانتظاره وهؤلاء سيتضرّرون (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ )1.
***
تمّ تفسير سورة الدخان

1.الشعراء: 227 .

صفحه 317

سورة الجاثية

 
(حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَات لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّة آيَاتٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ * وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْق فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْم يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاك أَثِيم * يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتخَّذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْني عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ * اَللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْريَ الْفُلْكُ

صفحه 318
فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَات مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ
هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ

صفحه 319
عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرَى كُلَّ أُمَّة جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّة تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْري مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * فَللَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

صفحه 320
سورة الجاثية: الآيات 1 ـ 6    

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة في المصاحف بـ «سورة الجاثية» لورود هذا اللفظ في ثنايا آياتها، وقد ورد فيها بصورة النكرة، قال تعالى: (تَرى كُلَّ أُمَّة جَاثِيَةً). وعُرّفت باللام عند تسمية السورة للإشارة إلى نفس ما ورد في السورة، نظير الدخان الذي عُرّف باللام عند التسمية رغم وروده في السورة نكرة، كما قال: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين )1.
وربّما تُسمّى بـ «سورة الشريعة» لقوله تعالى فيها: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ). وحكيت تسميتها بسورة الدهر لوقوع هذا اللفظ في قوله تعالى: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ)ولم يأت لفظ الدهر في سور الحواميم، نعم ورد في سورة الإنسان .

عدد آياتها ومحلّ نزولها

يبلغ عدد آياتها في عدّ الكوفي سبع وثلاثون آية، وفي عد الباقين ست وثلاثون آية، ومحلّ الخلاف في عدّ لفظ (حَم) آية مستقلة في عدّ الكوفي .

1.الدخان: 10 .

صفحه 321
والسورة مكّية، وتشهد لذلك مضامينها .

أغراض السورة

تشارك هذه السورة سورة الدخان في الغاية والغرض، كما تشاركها، في البدء، بالحديث عن الكتاب المجيد، كما سيوافيك بيانه. وتستهدف السورة إنذار المشركين بعد ذكر أمرين :
أ. التحدّي بإعجاز القرآن.
ب. عرض مشاهد من هذا الكون، سماوية وأرضية تدلّ على كمال القدرة والحكمة، وتثبت أنّ للجميع خالقاً واحداً ومدبّراً فارداً، هو إله العالمين، فتجب عبادته وطاعته ورفض عبادة غيره.
ثم تشير السورة بعد ذلك إلى كتابة الأعمال واستنساخها الّتي ستكون مستنداً يوم القيامة.

الآيات: الستة الأُولى

(حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَات لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّة آيَاتٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ * وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْق فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْم يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ).

صفحه 322

المفردات

آيات: علائم.
يبثّ: ينشر.
اختلاف الليل والنهار: تعاقبهما، فلَيل بعد نهار، ونهار بعد ليل.
من رزق: المطر (مجازاً)، فذكر المسبِّب وأُريد السبب.
تصريف الرياح: أي تغييرها من جهة إلى جهة لتنقية الأجواء، وسَوْق الغيوم من مكان إلى آخر.

التفسير

1. (حَم):
قد مرّ أنّها آية في عدّ الكوفي، وهذه السورة هي السورة السادسة من الحواميم السبعة، وتتم السبع بسورة الأحقاف.
وقد تقدّم الكلام حول الحروف المقطّعة، و (حَم) خصوصاً في الحواميم المتقدّمة، وسيوافيك أيضاً الكلام حولها عند تفسير سورة الأحقاف.
ونحن نعتقد أنّ في الحروف المقطّعة التي افتُتحت بها مجموعة من السور، إشارة إلى إعجاز القرآن، وأنّه مؤلّف من هذه الحروف الهجائية، وهي في متناول الكلّ، فمن يتصوّر أنّ القرآن من صنع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا من

صفحه 323
فعل الله سبحانه، فليقم وليأتِ بعشر سور، بل بسورة واحدة نظير ما في القرآن الكريم.
2. (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ):
ابتدأ سبحانه بهذه الآية ثلاث سور هي: الزمر، والجاثية، والأحقاف، وبنحو هذه الآية في سورة غافر (المؤمن)1 فقوله: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ)من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، والمصدر أعني (تَنْزِيلُ)بمعنى المفعول أي المنزَّل، كأنّه قال: هذا الكتاب المنزّل (مِنَ اللهِ)ردّاً على من زعم من المشركين أنّه ليس من عند الله سبحانه، (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)فهنا احتمالان:
أ. أن يكونا وصفين لله سبحانه، فهو عزيز لا يُقهر، حكيم يضع الأشياء موضعها.
ب. أن يكونا وصفين للكتاب بشهادة أنّه قد وصف في موضعين آخرين بهذين الوصفين، قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)2، وقال أيضاً: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ)3 .
ثم إنّ الوصفين لو رجعا إلى الله سبحانه، فإنّهما يتجلّيان، في واقعهما، في فعله أيضاً، فالعزيز والحكيم بالذات، يكون فعله أيضاً عزيزاً لا تصل إليه أيدي المحرّفين ولا يدانيه أحد، كما أنّه حكيم حيث إنّ ما اشتمل عليه من تشريع وأمر و نهي وتبشير وإنذار، فيه حكمة بالغة تُرشد

1. وفيها: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
2.فصلت: 41 .
3.آل عمران: 58 .

صفحه 324
إلى الحق، وتهدي إلى الرشد، وتورث تكامل الإنسان .
ثم إنّه سبحانه بعد ذلك أشار ضمن آيات إلى أُمور ثلاثة، عدّ كلّ واحدة منها آية لطائفة خاصّة، وعلى النحو التالي:
أ. السماوات والأرض، وفيها آيات للمؤمنين.
ب. خلق الإنسان، وبثّ الدوابّ، وفيها آيات لقوم يوقنون.
ج. اختلاف الليل والنهار ونزول المطر وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح، وفيها آيات لقوم يعقلون.
فلنشرح كلّ آية من الآيات الثلاث ثم نذكر وجه اختصاص كُلٍّ بطائفة خاصّة. فيقع الكلام في محورين:

الأوّل: تفسير الآيات الثلاث

3. (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَات لِلْمُؤْمِنِينَ):
عدّ سبحانه وتعالى السماوات والأرض هنا من الآيات، ولكنّه في مواضع أُخرى عدّ خلقهما من الآيات، كما في قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ)1 .
ولعلّ التعبير الأوّل ناظر إلى أنّ نفس السماوات والأرض من آيات الله تبارك وتعالى، والثاني ناظر إلى أنّ في ثنايا السماوات والأرض أسراراً وآيات.

1.آل عمران: 190 .

صفحه 325
ثم إنّ المشركين لم يكونوا دهريّين، أو منكرين لخالق السماوات والأرض، وإنّما كانوا مشركين في التدبير، فجعلوا لكلّ ظاهرة إلهاً يدبّرها، لكن وحدة النظام السائد في مجموع السماوات والأرض تدلّ على أنّ المدبّر واحد وهو الله سبحانه، ونحن لا يمكننا أن نشير إلى الأسرار المودعة في السماوات والأرض والدالّة بوجودها ونظامها على وحدانية الصانع في الخلق والتدبير، وإنّما نشير إلى شيء جزئي امتثالاً لأمره سبحانه ولنكون من خلال التدبّر فيها، من المؤمنين.
إنّ النظرة الفاحصة في السماوات والأرض تكشف لنا عن مظاهر للنظام المتقن، والتصميم الرائع والحسابات الدقيقة، وهذا ما سنعرفه من خلال ما قدّمته لنا العلوم في مختلف مجالات الفلك وعالم النجوم والكواكب.

مظاهر النظام في عالم الفضاء

عالم الفضاء عالم عجيب، فعلم الفلك الحديث يقول بأنّ الكون يتألّف من عدد هائل من النجوم والكواكب، حيث يوجد فيه ما يزيد على 200 بليون بليون من النجوم.
وإنّ النجوم أنفسها تشبه الشمس شبهاً كبيراً، وإنّ لعدد كبير من هذه النجوم كواكب تدور حولها، وعدد كبير من هذه الكواكب يجب أن يكون على البعد الصحيح من نجمه، بحيث تنشأ عليه أحوال كتلك الّتي نعرفها على الأرض.

صفحه 326
ثمّ إنّ النجوم ليست منتشرة بالتساوي في الكون، بل تتجمّع في مجموعات ضخمة من بلايين النجوم تُدعى المجرّات.
وتنتمي الشمس التي تُعدّ نجماً متوسط الحجم، إلى مجرّة تُدعى درب اللبّانة (التبّانة)، وتضمّ أكثر من (100) بليون نجم. وللشمس تسعة كواكب تدور حولها ويدور حول كلّ واحد منها قمر أو قمران أو أكثر إلى (10) أقمار، وقد لا يدور حول بعضها شيء مطلقاً .
والكواكب التي تدور حول الشمس هي بالترتيب من الأقرب إلى الأبعد: عطارد، والزُّهرة، والأرض، والمريخ، والمُشتري، وزُحل، وأورانوس، ونبتون، وبلوتو.
وما يلفت النظر في هذه المنظومة أُمور، نذكر منها ـ باختصار ـ ما يلي:
أ. عظمة الشمس وحرارتها ونورها.
ب. الفواصل الدقيقة والحركات المنتظمة بين كواكب هذه المنظومة.
وأمّا الأرض فقد قال علماء الفلك: إنّ لها ثلاث حركات، فهي تدور حول محورها بسرعة مذهلة، كما تدور حول الشمس بحركة سريعة، وفي الوقت نفسه تدور مع المنظومة الشمسية ضمن مجرّة درب التبّانة، وهي تسير في طريق لا نهاية له وسفر لا حدّ له. والعجب أنّ الإنسان يستقر عليها مع الموجودات الأُخرى دون أن يطرأ عليه الاضطراب والتزلزل بأدنى حدّ ممّا يمكن.

صفحه 327
وبهذا ظهر معنى قوله سبحانه: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَات لِلْمُؤْمِنِينَ) .
4. (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّة آيَاتٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ):
هذه هي الآية الثانية من الآيات الثلاث الّتي وردت فيها الإشارة إلى الدلائل والآيات التي يستدلّ بها على وحدة المدبِّر، فالآية تركّز على الإنسان أوّلاً وعلى كلّ ما يدبّ في الأرض ثانياً.
أمّا الأوّل: فلو قلنا بأنّ الإنسان من أعجب الكائنات وأكثرها إثارة ودهشة لم نكن في ذلك مبالغين، وذلك لأنّنا نجد في هذا الكائن كلّ ما تفرّق في المخلوقات، مضافاً إلى أجهزة معقّدة أُخرى.
ومن الأجهزة الّتي تثير الدهشة لكثرة ما فيها من عجائب وأسرار، وأنظمة وقوانين:
1. الجهاز الهضمي الذي يهيِّئ الغذاء المناسب لمختلف أعضاء الجسم.
2. الجهاز الدوري الذي يتكفّل بإيصال الدم إلى جميع أجزاء الجسم ليضمن لها البقاء والحياة. وهو يقوم بدور مهم في عمليّة التنفّس، وفي عملية التغذية، وفي إزالة الفضلات والسموم، وغير ذلك.
3. الجهاز التنفسي.
4. الجهاز العصبي الذي يمثّل جهاز القيادة والإدارة لمملكة الجسم. وهو يتكون من بلايين الخلايا المتخصّصة.

صفحه 328
5. السمع والبصر والشمّ وغيرها من الحواسّ الّتي تعمل كأجهزة رصد في الجسم البشري.
وحول خلقة الإنسان وما فيها من نظم وأسرار ، تحدّث الإمام الصادق (عليه السلام)لتلميذه المفضّل وقال: «فكّر يا مفضّل في أعضاء البدن أجمع وتدبير كلّ منها للأرَب، فاليدان للعلاج، والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص، والمنافذ (أي النوافذ) لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها، وكذلك جميع الأعضاء، إذا تأمّلتها وأعملتَ فكرك فيها ونظرك، وجدت كلّ شيء منها قد قدّر لشيء على صواب وحكمة».1
وأمّا الثاني ـ أعني ما بثّ من دابة في الأرض ـ فهو من قبيل ذكر العام بعد الخاص، ونكتفي في توضيحه بما ذكره أمير البيان حول النملة: «وَلَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وَجِسِيمِ النِّعْمَةِ، لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، وَلكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ! أَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ، وَأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ، وَفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ! انْظُرُوا إِلَى الَّنمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا. تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا. مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا; لاَ

1.توحيد المفضّل: 54 ـ 55 .

صفحه 329
يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ، وَلاَ يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ، وَلَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ! وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا، فِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا! لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ، وَلَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ. وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ الَّنمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْء، وَغَامِضِ اخْتِلاِفِ كُلِّ حَيٍّ، وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ، وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ».1
وبذلك يتّضح مفاد قوله سبحانه: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّة آيَاتٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ).
5. (وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْق فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْم يَعْقِلُونَ):
هذه هي الآية الثالثة، من الآيات الثلاث الّتي يستدلّ بها على وحدة المدبّر، وقد أشار فيها سبحانه إلى أربعة أُمور:
أ. اختلاف الليل والنهار.

1.نهج البلاغة: الخطبة 185 .

صفحه 330
ب. إنزال المطر من السماء.
ج. إحياء الأرض بعد موتها.
د. تصريف الرياح.
وفي كلّ من هذه الأُمور دلالة على أنّ هناك مدبّراً واحداً، وكلّ يدعم الآخر.
أمّا اختلاف الليل والنهار حيث يخلف كلّ منهما الآخر، فهو أمر دقيق إذ لو دام النهار لارتفعت الحرارة، فتحرق الكائنات الحيّة، ولو كان الليل سرمداً لتجمّدت الموجودات الحيّة من شدّة البرد.
وأمّا نزول الرزق من السماء فقد أُريد به المطر ولا كلام في أنّ الحياة معقودة بالماء، فلا حياة بلا ماء، وكلّ الكائنات الحيّة، من إنسان وحيوان ونبات لابدّ لها من الماء كي تعيش.
وأمّا الثالث ـ أعني: تصريف الرياح ـ فقد أُريد به تصريفها السحاب المسخّر بين السماء والأرض، ولولا هذا التصريف لما كان هناك تلقيح للنباتات، ولا تحرّك للسفن، ولا تنظيف للهواء، إلى غير ذلك من الآثار الّتي تتعلّق بتحرّك الرياح.
إلى هنا اتّضح أنّه سبحانه ببيان ما في هذه الآيات الثلاث: من المجرّة إلى الذرّة، ومن السماء إلى الأرض، ومن الإنسان إلى النبات، وتصريف الرياح وغير ذلك من العوامل، اتّضح فساد فكرة الشرك وأنّ هناك، في صحيفة الوجود، آلهة مدبّرات.

صفحه 331
فلولا وجود مدبِّر واحد لتناقضت النُّظُم، ووُجد بينها التدافع والتنافر، فاتّصال بعضها ببعض وكلٍّ إلى المجموع، آيةُ وحدة المدبِّر، فعلى هذا فهو المعبود دون غيره.

المحور الثاني

ما هو الوجه لاختلاف التعبير في تلك الآيات، تارة بالإيمان، وأُخرى بالإيقان، وثالثة بالتعقّل؟
قد ذكر المفسّرون وجوهاً أفضلها ما عليه صاحب الميزان، قال: ولعلّ الوجه في ذلك أنّ آية السماوات والأرض تدلّ بدلالة بسيطة ساذجة على أنّها لم توجِد نفسها بنفسها ولا عن اتّفاق وصدفة بل لها موجد أوجدها مع ما لها من الآثار والأفعال الّتي يتحصّل منها النظام المشهود، فخالقها خالق الجميع وربّ الكلّ، والإنسان يدرك ذلك بفهمه البسيط الساذج والمؤمنون بجميع طبقاتهم يفهمون ذلك وينتفعون به.
وأمّا أنّه خلق الإنسان وسائر الدوابّ الّتي لها حياة وشعور فإنّها من حيث أرواحها ونفوسها الحية الشاعرة من عالم وراء عالم المادة وهو المسمّى بالملكوت، وقد خصّ القرآن كمال إدراكه ومشاهدته بأهل اليقين كما قال: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)1.
وأمّا آية اختلاف الليل والنهار والأمطار المحيية للأرض وتصريف

1.الأنعام: 75 .

صفحه 332
الرياح فإنّها لتنوّع أقسامها وتعدّد جهاتها وارتباطها بالأرض والأرضيات وكثرة فوائدها وسعة منافعها، تحتاج إلى تعقّل فكري تفصيلي عميق ولا تُنال بالفهم البسيط الساذج، ولذلك خُصّت بقوم يعقلون، والآيات آيات لجميع الناس لكن لمّا كان المنتفع بها بعضهم خُصّت بهم .
وقد عبّر عن أهل اليقين والعقل بقوم يوقنون وبقوم يعقلون، وعن أهل الإيمان بالمؤمنين، لأنّ بساطة آية أهل الإيمان تفيد أنّ المراد بالإيمان أصله وهو ثابت فيهم فناسب التعبير عنهم بالوصف; بخلاف آيتي أهل اليقين والعقل فإنّهما لدقّتهما وعلوّ منالهما، تدركان شيئاً فشيئاً فناسبتا التعبير بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار التجدّدي.1
وفي نهاية المطاف وبعد ذكر الآيات، ندّد سبحانه بكلّ من يمرّ على هذه الآيات ولا يتدبّرها، فقال:
6. (تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ):
يشير بقوله: (تِلْكَ آيَاتُ اللهِ)إلى الآيات المذكورة الّتي ألقاها لطوائف مختلفة بين مؤمنين وموقنين وعقلاء (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ)وإسناد التلاوة إلى الله مجاز، فالله سبحانه موجد للقرآن، وإنّما التالي هو جبرئيل، وقد نُسب إليه لأنّه السبب.
قوله: (بِالْحَقِّ) إشارة إلى أنّ محتوى هذه الآيات محفوف بالحق،

1.الميزان في تفسير القرآن: 18 / 157 .

صفحه 333
فمن كان على فطرة سليمة فليأخذ منها دروساً، وأمّا من لايؤمن بها (فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ)الظاهر أنّه من قبيل قولك: أعجبني زيد وكرمه، وإنّما أعجبك كرمه، والمعنى بحسب النظر الدقيق: أعجبني كرم زيد وزيد من حيث كرمه، فمعنى الآية فبأي حديث بعد آيات الله، يعني الآيات القرآنية، يؤمنون؟ يعني إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فبأيّ حديث بعده يؤمنون.1
وعلى هذا فالآيات والحديث شيء واحد، وربّما يُحمل الحديث على الآيات القرآنية، والآيات على الآيات الكونية، وهو خيرة الشيخ الطبرسي حيث قال في معنى الآية: إن هؤلاء الكفّار إن لم يصدّقوا بما تلوناه عليك، فبأيّ حديث بعد حديث الله، وهو القرآن، وآياته يصدّقون؟ وبأيّ كلام ينتفعون؟ وهذه إشارة إلى أنّ المعاند لا حيلة له. والفرق بين الحديث، الذي هو القرآن، وبين الآيات، أنّ الحديث قصص تستخرج منه عبر تبيّن الحق من الباطل، والآيات هي الأدلّة ]الكونية[ الفاصلة بين الصحيح والفاسد .2
وحصيلة الكلام:إنّ مَن عمشت عينه عن تلك الآيات، فلا يهتدي بغيرها، فلا كتاب أبلغ منه، فإن أغمض عينيه وصمّ أُذنيه عنه، فلا ينتفع بأيّ كلام سواه أبداً.

1. الميزان في تفسير القرآن:18/159.
2. مجمع البيان: 9 / 129. وانظر: التبيان في تفسير القرآن:7/107.

صفحه 334
سورة الجاثية: الآيات 7 ـ 11    

الآيات: السابعة إلى الحادية عشرة

(وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاك أَثِيم * يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتخَّذَهَاَ هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْني عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ) .

المفردات

أفّاك: كثير الإفك والكذب.
أثيم: مُوغل في الإثم والمعاصي.
يُصرّ: من الإصرار، وهو ملازمة الشيء.
من ورائهم: هنا بمعنى أمامهم، بشهادة قوله تعالى: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا )1، فقد كان الملك أمامهم في البحر. وربّما يفسر وراء بمعنى بعد، فيكون المعنى: من بعد آجالهم. وسيوافيك ما هو الوجه الدقيق في استعمال «وراء» في المقام.
أولياء: أُريد به كلّ آلهة مكذوبة.

1.الكهف: 79 .

صفحه 335

التفسير

تحدّثت الآيات السابقة عن أنّ المؤمنين والموقنين والذين يعقلون، هم الذين سيهتدون ويستضيئون بآيات الله تبارك وتعالى، ويتّبعون الحق، وأمّا غيرهم فقد أشار إليهم سبحانه بقوله:
7. (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاك أَثِيم) :
دعاء بالهلاك على كلّ كذّاب ممعن في اقتراف الآثام، وأمّا ما هو سلوك هؤلاء المكذِّبين الآثمين، فقد ذكر سبحانه أنّهم على صنفين (أو صنف واحد فيه وصفان مذمومان):
الأوّل: الإصرار، المقترن بالاستعلاء، على رفض ما يُلقى عليه من الآيات، حتى كأنّه لم يسمعها.
الثاني: الاستخفاف والاستهزاء بالآيات، إذا قُدِّر له أن يعلم بعضها.
وأشار إلى الصنّف الأوّل بقوله:
8 . (يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم):
أي أنّه يسمع آيات القرآن الّتي فيها الحجّة حين تقرأ عليه كما يقول: (يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا): أي يقيم على كفره وباطله ولا يستجيب لها كبراً واستعلاءً، وكأنّ حاله حال من (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا)وهذا هو الذي أُمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يبشّره بالعذاب وقال: (فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم). وفي

صفحه 336
تسمية هذا الخبر، بشرى، نوع تحقير لهم.
9 . (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخذَهَاَ هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) :
وهذا هو الصنّف الثاني وهم أشدّ عناداً واستكباراً من الصنّف الأوّل، حيث إنّه إذا قُدّر له أن يعلم شيئاً من الآيات فبدل أن يفكّر فيه ويتدبّره، يستهزئ بالوحي الإلهي ويسخر منه، كما قال: (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا): أي إذا علم عن طريق قراءة شيء من آياتنا (اتخَّذَهَاَ هُزُوًا)كما فعل أبو جهل حين سمع قوله تعالى: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ)1.
فقد روي أنّه دعا بتمر وزُبد وقال لأصحابه: تزقّموا من هذا، ما يعِدكم محمد إلاّ شَهْداً، وحين سمع قوله: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)2: أي على النار، قال: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي .3
أو كما فعل النضر بن الحارث الذي كان يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلَّم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسبنديار، فكان إذا جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مجلساً فذكّر فيه بالله، وحذّر قومه ما أصاب من قبلهم من الأُمم من نقمة الله، خَلَفَه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش، أحسنُ حديثاً منه، فهلمّ

1.الدخان: 43 ـ 44 .
2.المدثر: 30 .
3.تفسير المراغي: 9 / 144.

صفحه 337
إليّ، فأنا أُحدّثكم أحسن من حديثه، ثم يحدِّثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار، ثم يقول: بماذا محمدٌ أحسنُ حديثاً مني؟
قال ابن هشام: وهو الذي قال ـ فيما بلغني ـ : سأُنزل مثل ما أنزل الله.1
ثم إنّه سبحانه أشار إلى أنّ جزاء الطائفة الأُولى (الْعَذَابَ الأَلِيمَ)أي المؤلم، ولمّا كانت الطائفة الثانية أشدّ استكباراً، أشار إلى عذابها بقوله: (عَذَابٌ مُهِينٌ): أي مذلٌّ مُخز مع ما فيه من الألم .
10. (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْني عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) :
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ لهؤلاء عذاباً أليماً أو عذاباً مهيناً، صار البيان القرآني إلى تبيين محلّ العذاب، وهو أنّ العذاب (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ)وهنا سؤال وهو: أنّ ما وُعدوا به ليس من ورائهم بل من أمامهم، لأنّ الإنسان يسير سيراً حثيثاً إلى الأمام نحو البرزخ ثم يوم القيامة، فالعذاب الأليم والمهين أمامهم وليس وراءهم.
وقد أُجيب عن هذا السؤال بوجوه:
الأوّل: أنّ الوراء يستعمل تارة بمعنى الأمام، كما ورد في قصة موسى(عليه السلام)مع مصاحبه الذي خرق سفينة المساكين، وعلّل ذلك بقوله:

1.السيرة النبوية: 1 / 300 .

صفحه 338
(وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا )1 فإنّ وراء هنا بمعنى الأمام حيث تسير السفينة إلى الأمام وكان هناك سلطان ظالم يأخذ السفن السالمة، فخرق السفينة لكي لا يرغب بها الملك ويتركها لأهلها.
الثاني : الوراء: اسم للجهة الّتي يواريها الشخص، فتعمّ الخلْف والقدّام .2
الثالث: أنّ التعبير، تعبير عرفي وهو أنّ الشخص إذا كان ملمّاً بشيء، مشتغلاً به أشدّ الاشتغال، معرضاً عن غيره، أو غير ملتفت إليه مع غفلته عن تبعاته، يقال:إنّه ترك ذلك الأمر وراءه.
ثم إنّ هذا العذاب يلازمهم ولا ينفكّ عنهم (وَلاَ يُغْني عَنْهُمْ)فليس ثمّة ما يقيهم منه، لا (مَا كَسَبُوا شَيْئًا): أي ما جمعوا من الأموال (وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ)يتولَّونهم ليحموهم ويدفعوا عنهم أو يشفعوا لهم، ثم أتمّ كلامه بقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ومقتضى العطف تعدّد العذابين، فالعذاب المهين يوم القيامة والعذاب العظيم في هذه الدنيا، وقد ابتلي به مشركو قريش في غزوة بدر وغيرها.
11. (هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ):
سورة الجاثية: الآيات 12 ـ 15    
وصف سبحانه القرآن المجيد بأنّه كلّه هُدًى مع أنّه هاد، تحقيقاً

1.الكهف: 79 .
2.روح المعاني: 25 / 144.

صفحه 339
للمبالغة، فقال: (هَذَا هُدًى)فمن آمن به واتّخذه قائداً وإماماً، يطيع أوامره، وينقاد إلى أحكامه، فقد هُدي، وأمّا (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ)فلا يُترَكون بل (لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ)والرجز هو أشدّ العذاب، قال تعالى: (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)1.
وعلى هذا، فإنّ الله سبحانه وعد الكافرين من الصنفين أو صنف واحد بوصفين، بأنواع من العذاب ـ كما مرّ في الآيات السابقة ـ وهي:
أ. (عَذَاب أَلِيم). ب. (عَذَابٌ مُهِينٌ) .
ج. (عَذَابٌ عَظِيمٌ). د. (رِجْز أَلِيمٌ).
فللعذاب درجات تتناسب مع عظم الذنوب والمعاصي .

الآيات: الثانية عشرة إلى الخامسة عشرة

(اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْريَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).

1.البقرة: 59 .

صفحه 340

المفردات

سخّر: التسخير: سياق الشيء إلى الغرض المختصّ قهراً.
الفُلك: السفينة.
لتبتغوا: الابتغاء: الطلب.
يغفروا: يعفوا ويصفحوا.
لا يرجون: أي لا يتوقّعون حصولها.
أيام الله: يوم القيامة أو مع البرزخ.

التفسير

لمّا تحدّثت الآيات السابقة عن طَرَف من الآيات الكونية الّتي تدلّ على أنّه سبحانه هو المدبّر وانتهت إلى قوله إنّ القرآن هو هدى، استؤنف البيان السابق بذكر بعض آيات الله الّتي هي بمرأى من الإنسان ويشاهدها بوضوح، وابتدأ بذكر تسخير البحر للإنسان لغاية جريان الفُلك فيه بأمره وقال:
12. (اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْري الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ):
فالمسخِّر هو الله سبحانه والمسخَّر هو البحر، وأمّا المنتفع ـ أعني: المسخَّر له ـ فهو الإنسان .

صفحه 341
وأمّا كيفية التسخير فهو أنّه سبحانه أودع كلاًّ من الماء، والمواد التي تصنع منها السفن، هذه الخصائص، التي تعطي للسفن القابلية على الطفو فوق سطح الماء، وفق قوانين ثابتة وضعها الله سبحانه، وهدى إليها الإنسان بما جهّزه من قوة مفكّرة، قادرة على اكتشاف تلك القوانين، والانتفاع بما زخر به هذا الوجود، وقد كان ومازال لوسائط النقل البحرية دور كبير في التجارة والنقل، ولذلك قال سبحانه: (اَللهُ الذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْري الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ)والغاية (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)، وقد تعاظمت أهمية السفن في الوقت الحاضر، حيث تجوب المحيطات والبحار يومياً، الآلاف منها، لحمل التجارة العالمية. وتعتمد الدول التجارية الكبرى بدرجة عالية على السفن في استيراد وتصدير البضائع .
والطريف أنّه تعالى قال في سورة إبراهيم: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ)أمّا هنا فقال: (سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكَ فيهِ)، لأنّ التأكيد كان هناك على تسخير البحار ولذلك أردفه بقوله: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ)1، وعلى أنّه حال، فإنّهما معاً مسخّران للإنسان بأمره سبحانه2، والجميع يشير إلى أمر واحد وهو التذكير بالنعم الّتي أنعمها الله على الإنسان ، حيث خلق الجميع على نحو ينتفع به الإنسان، وذلك فضل من الله يستلزم الشكر له وحده كما يقول: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
وياللأسف أنّ القوم مكان أن يقدروا نعم الله ويشكروه عليها، تمادوا

1.إبراهيم: 32 .
2. انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل:16/185.

صفحه 342
في الكفر والعصيان، وبدل أن يعبدوه عبدوا غيره، ومكان أن يعرفوا مصادر النعم نسبوها إلى من ليس له أي دور فيها.
13. (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) :
انتقل سبحانه من بيان تسخير بعض الأشياء للإنسان إلى بيان تسخير ما في الكون من السماوات والأرض بمعنى أنّه خلقها سبحانه لينتفع بها الإنسان، سواءٌ تعرّف عليه أم لا، إذ الغاية من التسخير هو الانتفاع وهو حاصل مطلقاً في صورتي العلم وعدمه كما قال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)وأمّا مصدر هذه النعم الكبيرة فكما يقول: (جَمِيعاً مِنْهُ)،وذكر الزمخشري أنّ قوله: (جَمِيعاً مِنْهُ) حال من قوله: (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)أي أنّها مسخرة لكم وجميعها منه .1
ثمّ إنّه سبحانه لمّا ختم الآية السابقة برجاء الشكر وطلبه، ختم هذه الآية بطلب التفكّر والتعقّل، فقال:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) ووجه التفريق واضح لأنّ الآية السابقة تحدّثت عن موضوع جزئي له دور كبير في الحياة الاقتصادية للإنسان، فناسبه الدعوة إلى الشكر، وأمّا هذه الآية فقد تطرّقت إلى أمر أوسع بكثير ممّا ورد في الآية السابقة، وجعلت ما في السماوات وما في الأرض موضوعاً لتفكير الإنسان والتأمّل فيه، سواء أينتفع به بيُسر أو ينتفع به بعد إمعان النظر، وهذا يناسبه الدعوة إلى التعقّل

1. انظر: تفسير الكشّاف: 3 / 113.

صفحه 343
والتفكّر، فهما اللّذان يقودان إلى الإيمان بالله وتوحيده.
ومن نتائج هذا التسخير، اكتشاف ما في الكون من أسرار، كما هو حال المكتشفين والمخترعين الذين يمتلكون القدرة على كشف ما في الكون من سنن وقوانين حتّى أنّ الصعود إلى السماء والنزول على سطح القمر من نتائج تسخير الله سبحانه، الذي جعل ما في السماء وما في الأرض خاضعاً لأن يسيطر عليه الإنسان بفكره وعلمه وعمله.
ثمّ أشار الذكر الحكيم إلى أصل أخلاقي يجب أن يتجهّز به المؤمنون أمام المعاندين، المكذّبين بآيات الله المستهزئين بها، وهو أن يحتملوا ما يصدر عن هؤلاء المكذّبين من سَفَه واستهزاء، ويتجاوزوا عنهم، ويتركونهم على حالهم، كما يقول:
14. (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) :
أمر سبحانه الذين آمنوا بالصفح والإعراض عن هؤلاء الذين لا يرجون أيام الله وقال: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا) .
قوله : (يَغْفِرُوا)مجزوم بحذف النون لأنّه جواب الطلب تشبيهاً بالشرط والجزاء، كقولك: قمْ تصبْ خيراً. ويمكن أن يكون الجزم لأجل حذف اللام أي ليغفروا (لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ): أي لا يعتقدون بأيام الله، وأُريد بها الأيام الّتي يظهر فيها كون الحكم والمُلك لله وحده، كالبرزخ والقيامة. نعم الحكم في عامّة الأوقات لله تعالى ولكنّه يتجلّى في تلك الأيام للكافر

صفحه 344
أكثر من غيرها، وهذا نظير قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)1 فالله مالك ليوم الدين وغيره، لكن مالكيته في ذلك اليوم أظهر من سائر الأيام، ولعلّ الآية إشارة إلى قوله: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ)2.
فإن قلت: كيف يأمر الله المؤمنين بالغفران مع أنّ غفران الذنوب من خصائصه سبحانه كما قال: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ )3؟
قلت: المراد به، كما تقدّم، هو الصفح والإعراض واحتمال تكذيبهم وتطاولهم عليهم وإيكال الأمر إلى الله سبحانه بشهادة قوله ـ في نفس الآية ـ : (لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وعلى كلّ تقدير فالصفح عنهم في الدنيا ليس بمعنى الصفح عنهم في الآخرة، بل كلٌّ يُجزى حسب عمله.
ثم إنّ تنكير (قَوْمًا)في قوله: (لِيَجْزِيَ قَوْمًا) إشارة إلى تحقيرهم، والباء في قوله: (بِمَا كَانُوا)للسببية أو المتابعة .
15. (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ):
سورة الجاثية: الآيات 16 ـ 23    
لما تقدّم في قوله سبحانه: (لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) بيّن عزّ وجلّ في هذه الآية بأنّ عمل كلّ إنسان لا يذهب سُدى، وأنّ كلّ عمل

1.الفاتحة: 4 .
2.المعارج: 42.
3.آل عمران: 135.

صفحه 345
صغيراً كان أم كبيراً يجزى به، فإن كان صالحاً فينتفع به، كما قال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)وإن كان طالحاً يتضرّر به كما قال: (وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)، ونظيره قوله تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)1 وأمّا انتفاع الصالح بعمله، أو تضرّر الطالح بسيئته، فإنّما يحصل في يوم اللقاء والرجوع إلى الله، كما يدلّ عليه قوله: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) .

الآيات: السادسة عشرة إلى الثالثة والعشرين

(وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَات مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَاللهُ وَلِيٌّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ

1. الإسراء:7.

صفحه 346
يُظْلَمُونَ * أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ).

المفردات

الكتاب: أُريد به هنا التوراة، أو كلّ كتاب نزل على أنبياء بني إسرائيل .
الحُكم: الفصل بين الناس في الخصومات، بدليل أنّهم كانوا ملوكاً.
بيّنات: دلائل واضحة .
الأمر: بمعنى الشأن أي في شأن الدين.
بغياً: البَغْي: الاستعلاء بالظلم.
شريعة: أصلها مورد الماء، وأحكام الدين كالشريعة يرِدُ منها الناس إلى رحمة الله.
بصائر: جمع بصيرة وهي إدراك العقل الشيء على واقعه.
اجترَحوا: اكتسبوا وهو من الجرح يطلق على اكتساب السباع، سُمّي اكتساب الناس به لأنّ غالب كسبهم في الجاهلية كان من الإغارة على إبل القوم وأحشامهم بالرماح.
هواه: الهوى ميل النفس إلى الشهوة، بل كلّ ما تهواه النفس من دون تعقّل وتفكّر.
غشاوة: الغشاوة: ما يُغطّى به الشيء.

صفحه 347
 
التفسير
لمّا تقدّم في بيان حال المشركين أنّهم بين مَن يسمع آيات الله ولكن يمرّ عليها مستكبراً، ومَن يسمعها فيتخذها هزواً، عاد البيان القرآني إلى ذكر بني إسرائيل وأنّهم سبقوا المشركين، ولكن في نهاية الأمر لا في بدايته، في موقفهم السلبيّ من الهدى والرحمة الإلهية، فبالرغم من وجود البيّنات بينهم، فإنّهم قد اختلفوا في الشريعة بغياً وظلماً، وصاروا، كالمشركين، بين مستكبر ومستهزئ.
وثمّة احتمال آخر وهو أنّ الإشارة إلى ما آتى الله بني إسرائيل من الكتاب والحكم والنبوّة وإلى تفرقّهم في أمر الدين هي مقدّمة لبيان رسالة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه سبحانه جعله على شريعة من الأمر، أي متمكّن منها،وليس ذلك ببدع في الأمر.
وعلى كلّ تقدير فلنذكر تفسير الآيات:
16. (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ):
تفضّل سبحانه على بني إسرائيل بأُمور أربعة تتضمّن هذه الآية ثلاثة منها، وسيوافيك الرابع في الآية التالية، وكلّها تدلّ على كرم الله وتفضّله على بني إسرائيل، وهي:
الأوّل: أُوتوا مثلثاً من الرحمة: الكتاب، الحكم، النبوّة، كما قال: (وَلَقَدْ

صفحه 348
آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ)وقد أُوتي موسى والمسيح(عليهما السلام)هذه النعم الثلاث، فلكلّ كتاب ولكلٍّ حكم وقضاء في المخاصمات، وكلٌّ متوّج بالنبوّة. نعم ربّما أُوتي بعضهم الحُكم دون النبوّة والكتاب كطالوت، حيث صار ملكاً لإسرائيل، قال سبحانه: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا )1.
وربّما أوتي بعضهم النبوّة دون الكتاب والحكم، حيث تميّز بنو إسرائيل بكثرة الأنبياء الذين بُعثوا فيهم.
ثم إنّ ظاهر الآية وإن كان عامّاً لكلّ بني إسرائيل لكنّه ليس بمراد، وإنّما نسب إليهم ذلك باعتبار أنّ النبي والحاكم وصاحب الكتاب كان منهم، وهو نظير قوله سبحانه: (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا)2 حيث لم يجعل الجميع ملوكاً وإنّما صار بعضهم ملوكاً، فنُسب إلى الكلّ.
الأمر الثاني: إتيانهم طيبات الرزق، فكانوا في نعيم في معائشهم كما يقول: (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)منذ خروجهم من مصر إلى الأرض الموعودة (فلسطين) وقيل: المراد إنزال المنّ والسلوى.
قال ابن عاشور: وأمّا رزقهم من الطيبات فبأنْ يسّر لهم امتلاك بلاد الشام الّتي تفيض لبناً وعسلاً كما في التوراة في وعد إبراهيم(عليه السلام)، والّتي تجنى إليها ثمرات الأرضين المجاورة لها، وترد عليها سلع الأُمم المقابلة لها على سواحل البحر، فتزخر مراسيها بمختلف الطعام واللباس والفواكه

1.البقرة: 247 .
2.المائدة: 20 .

صفحه 349
والثمار والزخارف، وذلك بُحسن موقع البلاد من بين المشرق براً والمغرب بحراً. و(الطَّيِّبَاتِ): هي التي تطيب عند الناس وتحسن طعماً ومنظراً ونفعاً وزينة.1
الأمر الثالث: تفضيلهم على العالمين كما قال: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ): أي عالمي زمانهم، فقد كثر فيهم الأنبياء والمعجزات الباهرة، والشاهد على أنّ المراد هو عالمي زمانهم أنّه إخبار عمّا مضى، وليس ناظراً إلى المستقبل.
17. (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَات مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) :
الأمر الرابع: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَات)فالله سبحانه أنعم عليهم بأن أعطاهم حججاً ظاهرة وبيّن لهم أمر دينهم وجعلهم على بصيرة من أمر الدين كما قال: (وَآتَيْنَاهُمْ)بني إسرائيل (بَيِّنَات)حججاً ظاهرة وبراهين واضحة تزيل الشكّ عن النفوس، (مِنَ الأَمْرِ)الظاهر أنّ (مِنَ)بمعنى (في) و (الأَمْرِ)بمعنى الشأن، واللام في (الأَمْرِ) قائمة مقام المضاف إليه أي: آتيناهم حججاً في أمر الدين على وجه صاروا فيه على بصيرة في أمر الدين، وكان لازم ذلك توحّدهم في أمر الدين وعدم اختلافهم وتفرّقهم بعد العلم كما قال: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ): أي اختلفوا في موضع لم يكن فيه للاختلاف سبب ووجه، لوجود الكتاب والنبوّة بينهم وإرشادات

1.التحرير والتنوير: 25 / 364 .

صفحه 350
أنبيائهم بَيْد أنّهم اختلفوا (بَغْيًا بَيْنَهُم): أي ظلماً وعدواناً، والله سبحانه سيحكم بينهم في يوم الجزاء كما يقول: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) لأنّهم كفروا بنعمة الله، واختلفوا مع العلم بالحق بغياً وعدواناً.
وإلى هذا يشير قوله سبحانه في آية أُخرى: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْق وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)1.
18. (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ):
لمّا تقدّم أنّه سبحانه أعطى بني إسرائيل بيّنات من أُمور الدين ولم يُبق عذراً ولا سبباً لاختلافهم وتفرّقهم، خاطب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه سبحانه أكرمه بعد بني إسرائيل بأن جعله على شريعة خاصّة ـ كما يحكي عنه تنكير شريعة ـ وهي شريعة الإسلام، التي مَن وردها يجد فيها ـ كما يجد من يَردُ موضع الماء ـ الرِّيّ الناقع، كما قال: (ثُمَّ): أي بعد فترة من إيتاء بني إسرائيل تلك البيّنات (جَعَلْنَاكَ عَلَى)رأس (شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ): أي من أمر الدين (فَاتَّبِعْهَا): أي فاتّبع ما يوحى إليك. ولمّا أُشير في السابق إلى تخلّف بني إسرائيل عن الشريعة، أمر الله سبحانه نبيّه بقوله: (فَاتَّبِعْهَا)وتمسّك بها وادعُ إليها (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)، كما اتّبع بنو إسرائيل أهواءهم فصاروا أُمماً وطوائف، والخطاب وإن كان للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

1.يونس: 93 .

صفحه 351
لكن المقصود النهائي هو الأُمّة الإسلامية.
وقد بيّن أمير المؤمنين(عليه السلام) مزايا الإسلام بشريعته السمحاء، بقوله: «الحمد لله الذي شرَعَ الإسلام فسهّل شرائعه لِمَن وَرَدَهُ، وأعزّ أركانَهُ على مَن غالَبَهُ، فَجعَلَهُ أمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وبُرهاناً لِمَن تكلّمَ به، وشاهداً لمن خاصَمَ عنه، ونوراً لِمَن استضاءَ به، وفَهْماً لِمَن عَقَلَ، ولُبّاً لِمَن تَدبَّرَ، وآيةً لِمَنْ توسّمَ...».1
ثم علّل سبحانه وجه النهي عن اتّباع أهواء هؤلاء في الآية التالية:
19. (إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ):
فالآية تنهى عن اتّباع أهواء الذين لا يعلمون لسببين:
1. (إِنَّهُمْ): أي إنّ هؤلاء الجاهلين المنقادين لأهوائهم (لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا): أي لا ينفعونك في قضاء حاجة من حوائجك بدلاً من الله سبحانه .
2. (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض)لأنّهم جميعاً يتّبعون الأهواء فيكون بعضهم ناصراً لبعض وناصراً للآخر. وفي مقابل ذلك أكّد البيان القرآني على أنّ الله هو وليّ المتّقين وقال: (وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)لأنّهم يتّبعون دين الله ويلتزمون حدود شريعته، فيحظَون بولاية الله لهم ونصره وعَونه.

1. نهج البلاغة: الخطبة 106.

صفحه 352
وعلى هذا فالظالم هو مَن يتّبع الهوى.
والمتّقي مَن يتّبع أمر الله ونهيه، ويلتزم حدوده.
فالأوّل يستحقّ اللعن، والبعد عن رحمة الله حيث جعل الدين وراءه ولذلك يلعنهم سبحانه في آية أُخرى ويقول: (أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ)1.
وأمّا الثاني فيستحقّ الثواب والرحمة والإكرام والتجليل.
20. (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ):
الظاهر أنّ اسم الإشارة (هَذَا)يرجع إلى الكتاب المجيد المذكور في صدر السورة، وقد وصفه هنا بأوصاف ثلاثة:
1. (بَصَائِرُ لِلنَّاسِ).
2. (وَهُدًى).
3. (وَرَحْمَةٌ).
وبين هذه الثلاثة ارتباط خاص، أمّا البصائر فهي الدلائل الّتي تنير الطريق، كالسراج الذي يزيل ظلمة الليل، وقد وُصف القرآن به أيضاً في موضع آخر، قال تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ)2، وأمّا الهداية فهي نتيجة الإبصار، فإنّ الإبصار يدفع بالإنسان إلى التقدّم نحو الأمام، ومن ثمّ يبلغ المقصود، وهو رحمة الله تبارك وتعالى.

1.الأعراف: 44 ـ 45 .
2.الأنعام: 104 .

صفحه 353
فالقرآن كلّه بصائر وكلّه هدى وكلّه رحمة
نعم، جعل البصائر لكلّ الناس سواء أكان مؤمناً أو كافراً، لأنّ القرآن مصباح ينير طريق الهداية، لعامّة الناس من غير فرق بين المؤمن والكافر والمنتفع وغيره، وأمّا التوفيق للهداية والرحمة فهو (لِقَوْم يُوقِنُونَ): أي لمَن سلك السبيل، ونوّر في قلبه اليقين، وانتفع بهذه البصائر، ولذلك فهما لا يعمّان الجميع ويختصّان بمن يطلب اليقين حتّى يصبح من الموقنين.
21. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) :
لا شكّ في أنّ المطيع والعاصي ليسا سواء في ميزان الحق، وهذا أمر توحيه إليه الفطرة ولا يشك فيه ذو مسكة، وكيف لا يكون كذلك وهو محور العلاقات الاجتماعية؟ وهنا يطرح هذا السؤال:
ما هو الوجه في تعبير الآية عن الإنكار بصيغة الاستفهام؟
الظاهر أنّ الوجه في ذلك يرتبط بسبب النزول، فقد روى الكلبي في تفسيره: أنّ عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة قالوا لعلي وحمزة وبعض المسلمين: والله ما أنتم على شيء، ولئن كان ما تقولون حقّاً ـ أي إن كان البعث حقّاً ـ لحالنا أفضل من حالكم في الآخرة، كما أنّا أفضل حالاً منكم في الدنيا.1

1. التحرير والتنوير: 25 / 369 ـ 370; تفسير المراغي:25/154.

صفحه 354
ويؤيّد ما ذكر من شأن النزول، ذيل الآية ـ أعني قوله: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) ـ فالمشركون كانوا يساوون أنفسهم مع المؤمنين عند الله سبحانه!! وهذا من أتفه أفكارهم، إذ معنى ذلك، التساوي بين المحسن والمسيء، بين من يعمل عن حساب ومن يعمل لا على حساب، فالتسوية بينهما ظلم وعدوان على الحق، ولذلك يقول: (أَمْ)استفهام إنكاري (حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ): أي كان شعارهم اكتساب السيئات (أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)في يوم الجزاء، قال سبحا