welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 26*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 26

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 26
منية الطالبين
في
تفسير القرآن المبين
(26)

صفحه 2

صفحه 3
26   
منية الطالبين
في
تفسير القرآن المبين
يشتمل على تفسير الجزء السادس والعشرين
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى ، جعفر، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 532 - 8(VOL.26)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6(30 VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زير نويس .
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP   179 / 297
1392
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 26
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1392 هـ ش / 1435 هـ . ق / 2014 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:812   تسلسل الطبعة الأُولى:413
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير بريَّته محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أمّا بعد
فهذا هو الجزء السادس والعشرون من أجزاء تفسيرنا للقرآن الكريم، نقدّمه للقرّاء الكرام، وكلّنا أمل أن نكون قد استوفينا ما توخّينا فيه من خصائص قد تميّزه عن غيره، حيث اشتهر قولهم: إنّ التفاسير في الدنيا بلا عدد.
وهذا التفسير، وإن كان خطوة متواضعة على طريق تيسير فهم القرآن ودرك معاني آياته الكريمة، إلاّ أنّه يركّز على أُمور، أهمّها:
أوّلاً: تبيين معاني مفردات الآيات بشكل موجز، وهو يصدر في ذلك عن مفردات الراغب الأصفهاني وسائر المعاجم والتفاسير.
ثانياً: إيضاح مفاد الآية بأفضل ما يمكن على وجه لا يبقى أيّ إبهام عند القارئ في فهم الآية ومقاصدها، وهذا هو الهدف الأهمّ، ولذلك نأخذ كلّ آية على حدّة ونفسّرها.
ثالثاً: بذل الجهد في توضيح صلة آيات السورة بعضها ببعض على وجه يكون مجموع السورة مجموعة مترابطة دون أن يكون بينها، اقتضاب.

صفحه 8
رابعاً: لو أنّ الآية أو الآيات أشارت إلى مقصد كلامي، فهذا التفسير يركّز على توضيحه مقروناً بالبرهان والدليل .
خامساً: أنّ قسماً من الآيات يشير إلى حوادث وقعت في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو يشير إلى قصص حدثت في القرون الغابرة، وهذا التفسير يُعنى بتبيين الحادثة مجرّدة عمّا لحقها من الأُمور الخرافية أو القصص الإسرائيلية.
ونودّ أن ننبّه القارئ إلى أنّ التفسير، لم يتعرض للقراءات المختلفة للآية، لأنّه يشترط في كون القراءة قرآنية وصولها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على وجه التواتر، ولم يقم دليل على تواتر تلك القراءات، كيف وأن لكلّ من أصحاب القراءات راويين ومع ذلك كيف يمكن إثبات التواتر؟ والحق هو كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة» 1 .
كما أغفل التفسير ذكر ما جاء من الروايات في فضائل السور الّتي اهتمت بها الكثير من كتب التفاسير وشغلت الكثيرين، وذلك لعدم ثبوت أكثر هذه الروايات.
هذا ما يقدّمه التفسير الماثل بين يدي عشّاق القرآن ومريديه، فإن أصاب صاحبه الحقّ فمن الله، وإن زلّ فمن نفسه، والله سبحانه هو الهادي إلى سبل الصواب.
المؤلّف

1 . الكافي: 2 / 630، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، برقم 12 .

صفحه 9
سورة الأحقاف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 26

سورة الأحقاف

(حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُوني بِكِتَاب مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ* وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا

صفحه 10
بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْري مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ * وَالذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفّ لَكُمَا أَتَعِدَانِني أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ

صفحه 11
وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ * وَاذْكُرْ أَخَا عَاد إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِي مَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْء إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى

صفحه 12
وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم * وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِز فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ).

صفحه 13
سورة الأحقاف: خصائص السورة   

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة في المصاحف بسورة «الأحقاف» لورود هذا اللفظ فيها والذي لم يرد في غيرها، وقد مرّ مراراً أنّ التسمية ليست أمراً توقيفياً، فتصحّ تسمية السورة بلفظ آخر إذا كان مناسباً لمضامينها.
وهي آخر سورة من السور السبع، التي استفتحت بـ «حم»، والسُّوَر التي تقدّمتها هي: غافر، وفصّلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية. وتجمع في لسان المفسّرين على «الحواميم». كما تجمع السور المفتتحة بـ «طس» أو «طسم» على «طواسين»، وهل هذا النوع من الجمع صحيح أو لا؟ فيه كلام، ليس هذا محلّه.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

وهي خمس وثلاثون آية في عدّ الكوفي، وأربع وثلاثون في عدّ الباقين، والاختلاف في عدّ «حم» آية مستقلّة. وقد عدّت كذلك في المصاحف المرقمة.
والسورة مكيّة ويشهد على ذلك مضامينها كما سيأتي في أغراضها. نعم استثنيت الآية العاشرة منها، أعني قوله سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)فعدّت مدنية، حيث نزلت ـ على ما جاء في بعض

صفحه 14
روايات أهل السنّة ـ في عبدالله بن سلام .

أغراض السورة

سورة الأحقاف: الآيات 1 ـ 6   
يدور الكلام في السورة حول الأُصول الثلاثة:
1. الدعوة إلى التوحيد وإنذار المشركين.
2. الدعوة إلى الإيمان بالمعاد.
3. التأكيد على أنّ القرآن وحي سماويّ وليس أمراً مفترى. ومن ثمّ التأكيد على رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم إنّه سبحانه في ثنايا هذه المحاور، يؤكّد على الإحسان إلى الوالدين، إلى غير ذلك من الأُمور الهامّة التي سنتعرض لذكرها خلال التفسير.

الآيات: الست الأُولى

(حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُوني بِكِتَاب مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا

صفحه 15
حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ).

المفردات

شِرْكٌ: نصيب.
أثارة: بقية.
حُشر: جُمع.
كافرين: مكذِّبين.

التفسير

1. (حَم):
قد تكلّم غير واحد من المفسّرين حول الحروف المقطَّعة في أوّل سورة البقرة، وها نحن نذكر ما هو الميسور في المقام، فنقول:
إنّ الحروف المقطَّعة عبارة عن الحروف التي صُدّر بها قسم من السور، وهي: أ، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، هـ ، ي.
والعجب أنّ هذه الحروف هي نصف الحروف الهجائية.
والسور التي بدأت بحروف مقطّعة يبلغ عددها (29) سورة، وهي:
1. البقرة، 2. آل عمران، 3. الأعراف، 4. يونس، 5. هود، 6. يوسف، 7. الرعد، 8. إبراهيم، 9. الحجر، 10. مريم، 11. طه، 12. الشعراء، 13. النمل، 14. القصص، 15. العنكبوت، 16. الروم، 17.لقمان، 18. السجدة، 19. يس، 20. ص، 21. غافر، 22. فصّلت، 23. الشورى، 24. الزخرف، 25. الدخان، 26.

صفحه 16
الجاثية، 27. الأحقاف، 28. ق، 29. القلم.
وقد تطرّق المفسّرون إلى بيان ما هو المقصود من هذه الحروف. وذكروا وجوهاً كثيرة نقلها فخرالدين الرازي في تفسيره الكبير تربو على عشرين وجهاً.1 وها نحن نقدّم المختار ثمّ نلمح إلى بعض الوجوه.

إلماع إلى مادة القرآن

إنّ القرآن الكريم تحدّى المشركين بفصاحته وبلاغته وعذوبة كلماته ورصانة تعبيره، وأعلن أنّ هذا الكتاب ليس من صنع البشر وإنّما هو من صنع قدرة إلهية فائقة لا تبلغ إليها قدرة أيِّ إنسان ولو بلغ في مضمار البلاغة والفصاحة ما بلغ.
ثمّ إنّه أخذ يورد في أوائل السور قسماً من الحروف الهجائية للإلماع إلى أنّ هذا الكتاب مؤلّف من هذه الحروف، وهذه الحروف هي التي تلهجون بها صباحاً ومساءً فلو كنتم تزعمون أنّه من صُنْع محمّد فاصنعوا مثله، لأنّ المواد التي تركّب منها القرآن كلّها تحت أيديكم واستعينوا بفصحائكم وبلغائكم، فإن عجزتم، فاعلموا أنّه كتاب منزل من قبل اللّه سبحانه على عبد من عباده بشيراً ونذيراً.
وهذا الوجه هو المروي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وهو خيرة جمع من المحقّقين، وإليك ما ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المقام:
أ: روى الصدوق بسنده عن الإمام العسكري(عليه السلام)، انّه قال: «كذّبت قريش واليهود بالقرآن، وقالوا: هذا سحر مبين، تقوّله، فقال اللّه: (الم * ذلِكَ

1 . تفسير الرازي:2/5ـ 8 .

صفحه 17
الكِتابُ)1 أي يا محمّد هذا الكتاب الذي أنزلته إليك هو الحروف المقطّعة التي منها (الم) وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا بذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن أنّهم لا يقدرون عليه بقوله: (لَئِن اجْتَمَعتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا القُرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه وَلَو كانَ بَعضهُمْ لِبَعْض ظَهيراً) 2».3
وبه قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني(254ـ 322هـ) وهو من كبار المفسّرين، حيث قال: إنّ الذي عندنا أنّه لمّا كانت حروف المعجم أصل كلام العرب وتحدَّاهم بالقرآن وبسورة من مثله، أراد أنّ هذا القرآن من جنس هذه الحروف المقطّعة تعرفونها وتقتدرون على أمثالها، فكان عجزكم عن الإتيان بمثل القرآن وسورة من مثله دليلاً على أنّ المنع والتعجيز لكم من اللّه على أمثالها، وأنّه حجّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: وممّا يدلّ على تأويله أنّ كلّ سورة افتتحت بالحروف التي أنتم تعرفونها، بعدها إشارة إلى القرآن، يعني أنّه مؤلّف من هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتقدرون عليها، ثمّ سأل نفسه، وقال: إن قيل لو كان المراد هذا لكان قد اقتصر اللّه تعالى على ذكر الحروف في سورة واحدة؟ فقال: عادة العرب التكرار عند إيثار إفهام الذي يخاطبونه. 4
واختاره الزمخشري(467ـ 538هـ) في تفسيره، وقال: واعلم أنّك إذا

1 . البقرة:1 و2.
2 . الإسراء:88 .
3 . تفسير الإمام العسكري(عليه السلام):62; تفسير البرهان:1/54، تفسير الآية الثالثة من سورة البقرة برقم 9.
4 . تاريخ القرآن للزنجاني: 106.

صفحه 18
تأمّلت ما أورده اللّه عزّ سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم: 14 سواء، وهي: الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون، في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم.
ثمّ إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف. بيان ذلك: أنّ فيها من المهموسة نصفها: الصاد والكاف والهاء والسين والحاء.
ومن المهجورة نصفها: الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون.
ومن الشديدة نصفها: الألف والكاف والطاء والقاف.
ومن الرخوة نصفها: اللام والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون.
ومن المطبقة نصفها: الصاد والطاء.
ومن المنفتحة نصفها: الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون.
ومن المستعلية نصفها: القاف والصاد والطاء.
ومن المنخفضة نصفها: الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء و الياء والعين والسين والحاء والنون.
ومن حروف القلقلة نصفها: القاف والطاء.
ثمّ إذا استقريت الكلم وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى اللّه ذكرها

صفحه 19
من هذه الأجناس المعدودة مكثورة1 بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقّت في كلّ شيء حكمته، وقد علمت أنّ معظم الشيء وجلّه ينزل منزلة كلّه وهو المطابق للطائف التنزيل.
فكأنّ اللّه عزّ اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إيّاهم.2
ومن المتأخّرين من بيّن هذا الوجه ببيان رائع ألا وهو المحقّق السيد هبة الدين الشهرستاني (1301ـ 1386هـ) قال ما هذا نصّه:
إنّ القرآن مجموعة جمل ليست سوى صُبابة أحرف عربية من جنس كلمات العرب ومن يسير أعمال البشر وقد فاقت مع ذلك عبقرية، وكلّما كان العمل البشري أيسر صدوراً وأكثر وجوداً، قلّ النبوغ فيه وصعب افتراض الإعجاز والإعجاب منه، فإذا الجمل القرآنية ليست سوى الحروف المتداولة بين البشر، فهي عبارة عن «الم»و «حم عسق» فلماذا صار تأليف جملة أو جمل منه مستحيل الصدور؟ هذا ونجد القرآن يكرر تحدّي العرب وغير العرب بإتيان شيء من مقولة هذا السهل الممتنع كالطاهي يفاخر المتطاهي بأنّه يصنع الحلوى اللذيذة من أشياء مبذولة لدى الجميع كالسمن واللوز ودقيق الرز، بينما المتطاهي لا يتمكّن من ذلك مع استحضاره الأدوات، وكذلك الكيمياوي الماهر يستحضر المطلوب المستجمع لصفات الكمال، وغيره يعجز عنه مع حضور جميع الأدوات والأجزاء، وكذلك القرآن يقرع ويسمع قومه بأنّ أجزاء هذا المستحضر القرآني

1 . أي إنّ الحروف المذكورة غالبة من حيث الكثرة على غير المذكورة منها.
2 . تفسير الكشّاف:1/17، ط دار المعرفة.

صفحه 20
موفورة لديكم من ح، وم، ول، و ر، و ط، و ه، وأنتم مع ذلك عاجزون. 1
ويؤيّد هذا الرأي أنّ أكثر السور التي صدّرت بالحروف المقطّعة جاء بعدها ذكر القرآن الكريم بتعابير مختلفة، ولم يشذَّ عنها إلاّ سور أربع، هي: مريم والعنكبوت والروم والقلم، ففي غير هذه السور أردف الحروف المقطّعة بذكر الكتاب والقرآن، وإليك نماذج من الآيات:
(الم * ذلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقين).2
(الم...نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالْحَقّ مُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوراةَ وَالإِنْجِيل) . 3
(المص * كِتابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) . 4
(الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكيم) . 5
إلى غير ذلك من السور ما عدا الأربع التي أشرنا إليها.
ثمّ إنّ هذا الوجه هو الوجه العاشر في كلام الرازي ونسبه إلى المبرّد، وإلى جمع عظيم من المحقّقين وقال: إنّ اللّه إنّما ذكرها احتجاجاً على الكفّار، وذلك أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا تحدّاهم أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة، فعجزوا عنه، أنزلت هذه الحروف تنبيهاً على أنّ القرآن ليس إلاّ مؤلّفاً من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها، وعارفون

1 . المعجزة الخالدة:115ـ 116.
2 . البقرة: 1ـ2.
3 . آل عمران:1ـ3.
4 . الأعراف: 1ـ2.
5 . يونس:1.

صفحه 21
بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلمّا عجزتم عنه دلّ ذلك على أنّه من عند اللّه لا من عند البشر.1
هذا هو الرأي المختار وقد عرفت برهانه.
وثمة رأي آخر أقل اعتباراً من الأوّل، وحاصله: أنّ كلّ واحد منها دالّ على اسم من أسماء اللّه تعالى وصفة من صفاته.
فعن ابن عباس أنّه قال في (الم): الألف إشارة إلى أنّه تعالى أحد، أوّل، آخر، أزليّ، أبديّ، واللام إشارة إلى أنّه لطيف، والميم إشارة إلى أنّه ملك ، مجيد، منّان.
وقال في (كهيعص): إنّه ثناء من اللّه تعالى على نفسه، والكاف يدلّ على كونه كافياً، والهاء يدلّ على كونه هادياً، والعين يدلّ على العالم، والصاد يدلّ على الصادق.
وذكر ابن جرير عن ابن عباس أنّه حمل الكاف على الكبير والكريم، والياء على أنّه يجير، والعين على العزيز و العدل. 2
ونقل الزنجاني في تأييد ذلك الوجه ما يلي:
وفي الحديث: «شعاركم حم لا يُنصرون»، قال الأزهري: سئل أبو العباس، عن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): حم لا ينصرون. فقال: معناه واللّه لا ينصرون.
وفي «لسان العرب» في حديث الجهاد: «إذا بُيّتّم فقولوا حاميم لا يُنصرون»، قال ابن الأثير: معناه اللهم لا ينصرون. 3

1 . تفسير الرازي:2/6.
2 . تفسير الرازي:2/6.
3 . تاريخ القرآن:105.

صفحه 22
2. (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) :
وردت هذه الآية في أوائل ثلاث سور من الحواميم وهي: غافر، 1والجاثية، 2 وهذه السورة.
والظاهر أنّ المصدر أي (التنزيل) بمعنى المفعول أي المنزّل، وعلى هذا فهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الكتاب المنزّل، فيكون خبراً لمبتدأ محذوف، والمعنى هذا كتاب منزّل من الله العزيز الحكيم.
وقد اعتمد في آخر الآية على اسمين من أسمائه الحسنى ـ أعني: العزيز والحكيم ـ وتكرر لفظا «العزيز والحكيم» بعد ذكر الكتاب ـ بالإضافة لما ذكرناه آنفاً ـ في سورة الزمر، حيث قال تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)3 .
أمّا التعبير بـ «التنزيل» مكان الإنزال، فكأنّه إشارة إلى النزول الدفعي ـ مقابل التدريجي ـ .
وأمّا وصفه سبحانه بـ : العزيز، والحكيم، فلا شكّ في عزّته وحكمته، إنّما الكلام في وجه الإتيان ـ في المقام ـ بهذين الاسمين دون غيرهما، ولعلّه: أنّه إذا كان المنزِّل عزيزاً وحكيماً فطبع الحال يقتضي أن يكون المنزَّل أيضاً كذلك كما صرّح به في الآيتين التاليتين : (وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)4، وقال أيضاً: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ

1 . غافر: 2 .
2 . الجاثية: 2 .
3 . الزمر: 1 .
4 . فصّلت: 41 ـ 42 .

صفحه 23
عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ)1.
أمّا كون الكتاب عزيزاً فلأنّه أجلّ من أن يُغلَب في مقام التحدّي، وأمّا كونه حكيماً فلإتقان مضامينه ومفاهيمه، وإحكام براهينه ودلائله.
3. (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) :
يصف سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما بأنّه خلق متلبّس بالحق، ويقول: (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ)، وذلك لأن كل فعل مغيّى بغاية صحيحة يوصف بالحق، ويشير إلى هذا في آية أُخرى ويقول: (وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)2. وأمّا الغاية من خلق الكون فربما هي جعل الخليفة في الأرض لكي يعرف الله تبارك وتعالى بأسمائه وصفاته وبالتالي يعبده ويشكره.
وقد ورد في الحديث القدسي: «كنتُ كنزاً مخفياً فأردت أن أُعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف».3
قوله تعالى: (وَأَجَل مُسَمًّى) أي ينتهي إليه أمد وجود الشيء وهو يوم القيامة، فلو لم تكن للسماوات والأرض نهاية لكان خلقهما عبثاً وباطلاً، لأنّ لازم ذلك مساواة المتّقين والفجّار من حيث الجزاء، قال سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ

1 . آل عمران: 58 .
2 . ص: 27 .
3 . بحار الأنوار:84/199 ح6 و ص 344 ح19.

صفحه 24
الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)1.
وبعبارة أُخرى: إنّ الإنسان بين مطيع وعاص، والتسوية بينهما على خلاف العدل، فلابدّ من التفريق بينهما في حياة أُخرى، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بزوال النظام السائد وإنشاء نظام آخر، ولذلك يكون الكون مغيّاً بأجل مسمّى .
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا) من هول ذلك اليوم الذي لابدّ لكلّ إنسان من الوصول إليه ( مُعْرِضُونَ) أي منصرفون عنه غير مكترثين له. ولعلّ في كلمة (معرضون) إشارة إلى فرارهم عن الاستماع إلى كلام الله، وإلاّ فلو استمعوا وتفكّروا في دعوة الرسول لربما آمنوا بها.
4 . (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُوني بِكِتَاب مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ المشركين معرضون عمّا أنذروا به، غير آبهين لسماع القرآن والتدبّر فيه وكأنّهم يفرّون من النبي وكلامه ويصرّون على ما كانوا عليه من الشرك وعبادة الأصنام، عند ذلك عاد البيان القرآني إلى إبطال عقيدتهم في الأصنام بأنّها آلهة أو أرباب يناط بها مصيرهم في الحياة حيث إنّهم كانوا يعتقدون أنّ جلب النفع ودفع الضرر بأيديهم فعندئذ أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقول لهم: (أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني)وهو تقديم

1 . ص: 28.

صفحه 25
وتمهيد للمناظرة التي ستأتي بعد ذلك، أي أخبروني عن حال ما تعبدون من دون الله، فكأنّ قوله: (أَرُوني)بمعنى أخبروني، والمراد من الدعاء هو العبادة لا مطلق الدعاء، إذ ليس هو مرادفاً لها; وذلك لأنّ العبادة عبارة عن دعاء شخص بما هو خالق و مدبّر وبيده مصير الداعي، فلو جُرّد الدعاء عن هذه الأُمور لا يوصف بالعبادة .
وما ذكرناه أمر واضح إذ لو كان الدعاء مرادفاً للعبادة لما وُجد على أديم الأرض أيّ موحِّد من غير فرق بين دعاء الحيّ أو دعاء الميّت، فلا يوصف الدعاء عند التجريد بالعبادة، غاية الأمر إذا كان المدعو قادراً على الإجابة يوصف الدعاء بكونه عقلائياً وإلاّ فيوصف باللغو.
إذا عرفت ذلك فلنذكر الأسئلة والطلبات الأربعة التي في كلّ منها برهان على نفي وصف الألوهية عن الأصنام، وهي:
الأوّل: (مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ)، فقوله: (ماذا) مركّب من «ما» الاستفهامية و «ذا» اسم إشارة أُقيم مكان الموصول أي: ما الذي، وحاصل البرهان هو سؤالهم عن دور الأصنام لا في خلق الأرض كاملة بل في خلق شيء منها. والجواب منفي مائة بالمائة، فإذا لم يكن لها ذلك الدور فكيف توصف بالألوهية وتُعبد؟ وقد ورد هذا البرهان في آية أُخرى حيث قال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَ هُمْ يُخْلَقُونَ)1.
الثاني: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ)أي سلهم أيّها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هل كان لهم مشاركة مع الله في خلق السماوات؟ والجواب كالسابق .

1 . الأعراف: 191.

صفحه 26
ثم إنّ الوجه في طرح هذا السؤال مع أنّ المشركين لم يكونوا قائلين بشرك الأصنام مع الله في خلق السماوات، هو أنّهم كانوا يعبدون الأصنام لغاية جلب المنافع ودفع الأضرار التي تأتي من جانب السماوات، فكان ذلك الاعتقاد ملازماً للقول بمشاركتها في خلق السماوات.
الثالث: (ائْتُوني بِكِتَاب مِنْ قَبْلِ هَذَا)الإشارة بـ (هَذَا) إلى القرآن الكريم، والمعنى: هاتوا بكتاب سماويّ منزَّل قبل القرآن يشهد بصحّة دعواكم بأُلوهية الأصنام أو مشاركتها لله في خلق السماء؟ والجواب مثل السابق، إذ لم يرد في الكتب السابقة غير الدعوة إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى وربوبيّته.
الرابع: (أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)والأثارة مصدر بمعنى المأثور أي بقية ممّا أُثر عن السابقين غير مسطورة في الكتب، لتكون مقابلة للأمر الثالث، حيث اعتمد في الوجه الثالث على وجود وصف الأُلوهية للأصنام في الكتب السابقة، وها هنا اعتمد على ما وصل إليهم من أهل العلم وإن لم يكن مسطوراً في الكتب. فإذا كان الجواب عن الأسئلة الأربعة منفياً، فقد بطل كونها آلهة.
5. (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) :
وقبل الدخول في تفسير الآية نوضّح بعض مفرداتها:
1. أُريد بالموصول في قوله: (مَنْ أَضَلُّ)المشركون، كما هو المراد أيضاً في قوله: (مِمَّنْ).
2. أُريد من الموصول في قوله: ( مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ)الأصنام، وقد

صفحه 27
استعمل فيهما ما يختص بالعقلاء; لأنّ المشركين يتعاملون معها معاملة العقلاء.
3. قوله: (وَهُمْ)الضمير يرجع إلى ( مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ) الذي أُريد به الأصنام.
4. (عَنْ دُعَائِهِمْ)الضمير يرجع إلى الموصول ـ أعني: (ممَّنْ)ـ الذي أُريد به المشركون.
5. قوله: ( غَافِلُونَ) وصف يرجع إلى الأصنام التي أُريدت بقوله : (مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ).
أقول: إنّ الاستفهام في قوله: (وَمَنْ أَضَلُّ) استفهام إنكاري أي هل يوجد إنسان أضلّ عن طريق الصواب، ممّن يعبد موجوداً غافلاً عن دعاء العابد، فإنّ هدف العبادة هو جلب نظر المعبود إلى العابد، فإذا كان المعبود غافلاً عن هذه العبادة، وهو لا يستجيب لداعيهِ أبداً، فأي فائدة في هذا العمل؟
ثم إنّه سبحانه قيّد عدم استجابة الأصنام لهم بـ (يوم القيامة) لأجل إفادة التأبيد، كأنّه يقول: لا يستجيبون لهم أبداً.
كما أنّ قوله: ( لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ)لبيان صفة من أوصاف معبودهم الذي يستلزم أن تكون عبادته أمراً لغواً، وأمّا سبب عدم استجابتهم لدعائهم فلأجل أنّهم لا يملكون شيئاً، وقد ورد هذا المضمون في قوله سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ
لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَة مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ

صفحه 28
بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا)1 .
6. (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ):
المراد من (الناس) هم المشركون، والضمير المتصل في قوله: (كَانُوا)في كلا الموضعين يرجع إلى الموصول في ( مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ) الذي أُريد به الأصنام، والضمير في ( لَهُمْ) وفي (بِعِبَادَتِهِمْ) يرجع إلى الموصول أعني: (مِمَّنْ) الذي أُريد به المشركون .
قوله: ( كَافِرِينَ) أي مكذبين .
فالآية تدلّ على أنّ الآلهة (من غير فرق بين كونهم من العقلاء كالمسيح والملائكة أو المعبودات التي لا عقل لها ولا حياة) يتبرّأون يوم القيامة من عبادة المشركين. أمّا تبرُّؤ العقلاء منهم فواضح، وأمّا تبرُّؤ غيرهم فإمّا لأجل أنّه سبحانه يمنحهم العقل والحياة فينطقون بالبراءة ويبدون غضبهم، أو نتيجة لسريان الحياة والشعور في عامّة الموجودات حتى الجمادات، غير أنّ تلك الحياة لا تظهر لنا إلاّ في يوم القيامة.
وهنا نكتة، وهي أنّ كثيراً من الوهابيين يصوغون جملة من عقائدهم وفق منهجهم الخاص في التفكير والتصوّر، وفي الأخذ بالروايات التي تنسجم مع ذلك التصوّر، ثمّ يعودون إلى الكتاب المجيد، ليلتمسوا منه الأدلّة على صحّة تلك العقائد!! وفي هذا الإطار يأتي استدلالهم بالآية التي نحن بصدد تفسيرها، حيث يذهبون إلى أنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء من

1 . فاطر: 40 .

صفحه 29
مصاديقها، وأنّ من يقول: يا رسول الله اشفع لنا يوم القيامة، فهو من مصاديق مَن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون.
وقد حفل كتاب محمد بن عبدالوهاب المسمّى بـ «كشف الشبهات» بالاستدلال بمثل هذه الآيات، فجعل الموحِّدين الذين يوحِّدون الله تعالى ذاتاً وفعلاً وعبادة في عداد المشركين، وبذلك أحلّوا دماءهم وأموالهم، وأجّجوا ناراً لم يزل يشتعل أُوارها إلى يومنا هذا.
والأسف كلّ الأسف أنّ هؤلاء قد تقدّموا على الله ورسوله، فمكان أن يحكّموا القرآن على عقائدهم صاروا يحكّمونها على القرآن ويحرِّفون الكلم عن وجوهه، فإنّ هذه الآية نزلت في المشركين الذين كانوا يعبدون الملائكة والجنّ أو الأوثان والأصنام، وكانوا يعتقدون بأُلوهيتها وربوبيّتها، فعندما دعاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عبادة الله تعالى أخذوا يردّون عليه بقولهم: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْء عُجَابٌ)1 .
وهؤلاء هم مشركو قريش الذين كانوا يستمطرون بآلهتهم وعلى رأسها هبل2، فأين المسلمون الموحّدون من هؤلاء الذين يعتقدون أنّ الخلق والرزق والتدبير وكلّ شيء بيد الله سبحانه؟ وأنّه لم يفوِّض شيئاً من أُمور الكون لأحد من مخلوقاته؟ وأنّ المدبِّرات في الكون كلّها جنود الله يأتمرون بأمره ولا يعصون له أمراً؟ ومع ذلك جعل الله سبحانه دعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ودعاء أوليائه(عليهم السلام) سبباً لاستجابة الدعاء ومغفرة الذنوب، وقال:

1 . سورة ص: 5 .
2 . السيرة النبوية: 1 / 79 .

صفحه 30
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)1.
فلو كان التوسّل بدعاء النبي بعد حياته شركاً، فالتوسّل بدعائه أيام حياته لا يفارقه قيد شعرة، وهؤلاء لمّا أُلزموا بهذا البرهان حاولوا التخلّص، فقالوا بأنّ الآية تختصّ بحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمفروض أنّه مات ولكنّهم غفلوا عن نكتة واضحة وهي أنّ الحياة والموت لو كانا يختلفان(فرضاً في مورد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)) فإنّما يختلفان في كون الدعاء مفيداً أو غير مفيد لا في كونه موافقاً للتوحيد والآخر ملابساً للشرك (فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَديثاً)2.
وحقيقة الأمر أنّ القوم لم يحقّقوا معنى العبادة، فجعلوا مجرّد الدعاء مساوياً للعبادة.
وثمّة بيان آخر حول هذا الموضوع، يأتيك عند تفسير الآيتين: الثامنة عشرة، والثانية والعشرين من سورة الجنّ، فانتظر.
سورة الأحقاف: الآيات 7 ـ 10   

الآيات: السابعة إلى العاشرة

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ

1 . النساء: 64.
2 . النساء: 78 .

صفحه 31
شَهِيدًا بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْري مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

المفردات

تُفيضون: الإفاضة في الحديث: الخوض فيه: أي تخوضون في القرآن من التكذيب به والقول بأنّه سحر.
بِدْعاً: البدعة: إيجاد شيء بلا مثال قبله، وبهذا المعنى يوصف سبحانه بـ«بديع السماوات».

التفسير

7. (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) :
في الآيات السابقة وبّخ الله المشركين على عكوفهم على عبادة من لا يستجيب لهم أبداً، وهنا كشف عن غاية عنادهم للحقّ المتمثّل في القرآن الكريم، بدليل أنّهم يصفون الآيات البيّنات، التي تدلّ على صدق نبوته، بأنّها سحر مبين كما قال: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات)فوصف الآيات بالبيّنات

صفحه 32
لأجل أنّ دلالتها على صحّة دعوة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر واضح لا ريب فيه وعندئذ (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ)أي قال الكافرون عن القرآن (لَمَّا جَاءَهُمْ)من عند الله سبحانه (هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) فلم يكتفوا بوصفه بالسحر، بل أضافوا أنّ كونه سحراً أمر بيّن، فقولهم هذا ضلال في ضلال قابلوا به قول الله سبحانه آيات بيّنات. ثم إنّ قوله: (لِلْحَقِّ)قائم مكان (آيَاتُنَا بَيِّنَات)فكان اللازم أن يقول: «قال الذين كفروا لآياتنا لمّا جاءتهم» لكن عدل عنه إلى لفظ (لِلْحَقِّ)تنبيهاً على أنّ الآيات حقّ، وأنّ وصفها بالسحر أمر باطل لا شكّ في بطلانه.
ثم إنّه سبحانه وجّه إليهم ـ بعد أن قرّر عنادهم الذي دلّ عليه وصفهم الآيات البيّنات بالسحر المبين من دون إقامة دليل على ادّعائهم ـ توبيخاً آخر على زعمهم بأنّ محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) اختلق هذا القرآن، كما حكاه عنهم سبحانه، بقوله:
8 . (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ):
الضمير في كلا الفعلين ـ أعني: (افْتَرَاهُ)، (افْتَرَيْتُهُ)ـ يرجع إلى الحق الذي أُريد به القرآن الكريم، فهؤلاء المشركون قد تمادوا في الطغيان فوصفوا الحق تارة بالسحر، وأُخرى بالمفترى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ). ثم إنّ البيان القرآني ردّ هذا الزعم بوجهين:
1. (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ): أي إن افتريته ـ على سبيل الفرض ـ وكذبت على الله

صفحه 33
بنسبته إليه (فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا)لضآلة قدرة العبد أمام إرادته سبحانه (هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ): أي أعلم بما تقولون في حق القرآن وتكذيبه وقد جرت سنّة الله تعالى على إهلاك المفترين عليه كما قال: (وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)1 ولو كنت مفترياً لأهلكني، لكن حياتي وسلامي أفضل دليل على أنّي لستُ مفترياً على الله سبحانه.
2. ما أشار إليه بقوله: (كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْني وَبَيْنَكُمْ): أي كيف أكون مفترياً على الله مع أنّه سبحانه شهد على رسالتي، ولعلّه ناظر إلى قوله سبحانه: (لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)2، إلى غير ذلك من الآيات التي تشهد بصدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
بقي هناك كلام وهو أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خاطبهم بقوله: (فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ)مع أنّهم لم يكونوا مدّعين بأنّهم يدفعون عنه السوء المتوجّه إليه من الله ومع ذلك كيف يقول: (فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ)؟ وليس عندي شيء في جواب هذا السؤال إلاّ ما ذكره ابن عاشور حيث قال: فإسناد فعل الملك في هذه الآية إلى المخاطبين وهم أعداء النبي وليسوا بمظنة أن يدفعوا عنه، لأنّهم نصبوا أنفسهم في منصب الحَكم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فجزموا بأنّه افترى القرآن فحالهم حال من يزعم أنّه يستطيع أن يردّ مراد الله تعالى على طريقة التهكّم.3فتأمّل.

1 . الحاقة: 44 ـ 46 .
2 . النساء: 166 .
3 . التحرير والتنوير: 26/13.

صفحه 34
9. (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْري مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ):
يظهر من صدر الآية أنّ المشركين كانوا يستشكلون على النبي بعض أفعاله أو أحواله ولكن لا تتضمّن الآية بيان ما استشكلوه عليه فيحتمل أن تكون الآية إشارة إلى الحياة العادية التي كان يعيشها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد جاء في بعض الآيات هذا النوع من الإشكال فقال: (مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَ يَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا)1.
فأمره سبحانه أن يجيب بقوله: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) أي ليس في فعالي ما يكون على غير مثال ممّن صدر عن السالفين .
وربّما يفسّر بقوله: أي لست بأوّل رسول بعثت .2
يلاحظ عليه: أنّ المشركين كانوا واقفين على وجود الرسل والأنبياء في الأُمم السالفة فيبعد أن يتّخذوا ذلك ذريعة للإنكار، فاللائق بحالهم أن ينتقدوا أفعال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأحواله فأُجيبوا بأنّه لا فرق بينه وبين الآخرين.
وربّما كانوا يطلبون من النبيّ الإخبار عن المغيّبات خصوصاً فيما يرجع إلى حياتهم الشخصية، ومن المعلوم أنّ الإجابة عن مقترحات كلّ إنسان يورث اشتغال النبيّ عن مهامّ الأُمور على فرض علمه بها، ولذلك أُمر بأن يقول: (وَمَا أَدْري مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ) وأنّ ما يدريه هو اتّباع ما يطلعه الله

1 . الفرقان: 7 .
2 . مجمع البيان: 9 / 149 .

صفحه 35
تعالى عليه كما قال: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)لا بالإخبار عمّا لم يوح إليه من المغيّبات كما يقترحون(وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)أنذركم بآيات الله سبحانه لا بالإخبار عن الغيب.
ثم إنّ بعض مَن ليس له إلمام صحيح بفهم الآيات القرآنية يتخذ من هذه الآية وما شابهها مثل قوله: (لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ مَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)1 ذريعة لنفي علم الغيب، على الإطلاق، عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
والجواب: أنّ المناقش خلط بين العلم الذاتي والعلم العرضي، أو بين العلم الذاتي والعلم الاكتسابي، فإنّ المتبادر من العلم بالغيب في عصر الرسالة وما بعده هو العلم الذاتي، ولأجل ذلك كان الأئمة(عليهم السلام) من أهل البيت ـ مع كثرة ما أخبروا به من المغيّبات ـ يتحاشون عن وصفهم بأنّهم عالمون بالغيب، بل كانوا ينسبون علومهم ومعارفهم وما يخبرون به من ملاحم وأحداث وفتن إلى التعلّم من ذي علم والوراثة من الرسول، وكون العلم ذاتياً أو اكتسابياً ليس من المفاهيم الغامضة الّتي لا تنقدح في الأفهام الوسطى فضلاً عن العليا، فإنّ الإنسان العارف بالله مهما تنازل وابتعد عن المعارف يقف على أنّ ثمّة موجوداً غنياً من جميع الجهات، والغنى نفسه وذاته، فوجوده وعلمه وقدرته وحياته ثابتة له من دون استناد إلى غيرها، كما أنّ ثمّة موجوداً فقيراً ومخلوقاً لغيره يعتمد في كلّ كمال وجمال إلى خالقه وبارئه ولا نعني من الذاتي والاكتسابي غير هذا.
ويشهد لذلك بأنّ عليّاً (عليه السلام)لمّا أخبر عن الملاحم بالبصرة قال له بعض

1 . الأعراف: 188 .

صفحه 36
أصحابه: لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فقال للرجل وكان كلبياً: «يَا أَخَا كَلْب، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْب، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْم».1
وبذلك تقدر على الجمع بين الآيات النافية علم الغيب عن غير الله سبحانه، وبين ما تضافر من إخبارهم عن شؤون تتعلّق بالمستقبل في القرآن الكريم نفسه، فهذا هو يوسف (عليه السلام)قد أخبر عن الغيب في موارد عديدة في نفس سورة يوسف كما في قوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَ أَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)2. وفي نفس السورة شواهد كثيرة على أنّ النبي يعقوب وابنه يوسف(عليهما السلام) كانا يعلمان علم الغيب بإذن من الله سبحانه علماً اكتسابياً محدوداً لا مطلقاً.
كيف يمكن إنكار علم النبي والوصي وأبنائه الطاهرين بالغيب مع ما تضافر عنهم من الإخبار بالغيب على وجه لا يردّه إلاّ المكابر؟ وما هذا لأنّ علمهم ليس نابعاً عن ذاتهم وإنّما يتعلّمون من ذي علم.
وأمّا أنّهم مع علمهم بالغيب يقعون فريسة للظالمين فهم بين مقتول ومسموم، فلماذا لم يكونوا يدفعون الضرّ عن أنفسهم؟ فالإجابة عن هذا السؤال موكولة إلى محل آخر، وقد بسطنا الكلام في ذلك في موسوعتنا مفاهيم القرآن.3
10. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 128 .
2 . يوسف: 41.
3 . لاحظ: مفاهيم القرآن:3/440ـ496، فصل تساؤلات حول علم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالغيب.

صفحه 37
مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ):
وقبل تفسير الآية نذكر مراجع الضمائر الثلاثة في قوله:(إِنْ كَانَ)وقوله: (كَفَرْتُمْ بِهِ)وقوله: (مِثْلِهِ)فالكلّ يرجع إلى القرآن المفهوم من سياق الآيات المتقدّمة التي عبّرت عنه بالآيات البيّنات.
إذا تبيّن ذلك فالآية بصدد ردّ ما اتهموا به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الافتراء، فتارة أجاب عنه بقوله: (إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا) وأُخرى بقوله: (كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْني وَبَيْنَكُمْ) وثالثة بقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ): أي أخبروني إنْ كان هذا القرآن (مِنْ عِنْدِ اللهِ)، (وَ)قد (كَفَرْتُمْ بِهِ): أي بالقرآن (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ):أي على مثل ما في القرآن من المعارف (فَآَمَنَ)هو (وَاسْتَكْبَرْتُمْ)أنتم، أفلا ترون أنفسكم في ضلال؟ (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). والفقرة الأخيرة تعليل للجزاء المحذوف المقدَّر. أعني: أفلا ترون أنفسكم في ضلال.
وقد ورد في بعض روايات أهل السنّة، أنّ الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام، وممّا جاء فيها أنّه لمّا سمع الضجّة، حين قدوم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة، أسرع إليه، فلمّا رآه وسمع كلامه، عرف أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب. وجاء فيها أيضاً: أنّه سأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حينئذ ثلاث مسائل لا يعلمها إلاّ نبيّ، فأجابه(صلى الله عليه وآله وسلم) عنها، فأسلم، ثم طلب من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسأل اليهود عنه، قبل أن يعلموا بإسلامه، فسألهم عنه، فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، فلمّا علموا بإسلامه، قالوا: شرُّنا وابن شرّنا...
وثمّة ملاحظات في شأن نزول الآية في ابن سلاّم، أهمّها:

صفحه 38
أوّلاً: وجود الاختلاف في الروايات التي تتحدّث عن كيفية إسلامه، كما لا يخفى على من راجعها.1
ثانياً: ورود رواية تقول إنّه أسلم قبل وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بعامين.2
ثالثاً: إنكار مسروق بن الأجدع، وعكرمة، والشَّعبي (وهم من التابعين) وغيرهم أن تكون الآية نزلت في ابن سلام.3
رابعاً: أنّ الخطاب في الآية موجّه إلى المشركين من أهل مكّة، ولا يناسب أن تكون خطاباً لليهود (كما تعرضه الروايات)، لأنّهم هم أيضاً من بني إسرائيل، إذ كان الأنسب أن يقول: (منكم).4
هذا، وقد قيل في تفسير الشاهد أنّه ليس شخصاً معيّناً أي أيَّ شاهد. وقيل: قد تكون الآية إشارة إلى واقعة حدثت في مكة، فقد آمن بعض أهل الكتاب، على قلّة، في العهد المكّي، وكان لإيمانهم وهم أهل كتاب، قيمته وحجّيته في وسط المشركين الأُمّيين، ومن ثم نوّه به القرآن في مواضع متعدّدة، وواجه به المشركين الذين كانوا يكذّبون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.5
سورة الأحقاف: الآيات 11 ـ 14   
***

1 . صحيح البخاري(3329، 3911، 3938، 4480)، دارالكتب العلمية، 1419هـ. وانظر: مستدرك الحاكم:3/13; وسير أعلام النبلاء:2/414ـ 416، الترجمة84.
2 . الإصابة:2/320.
3 . انظر: التحرير والتنوير:26/18; والصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم):4/341ـ342.
4 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:18/198ـ199; والصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم):341.
5 . في ظلال القرآن:26/15.

صفحه 39

الآيات: الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .

المفردات

إفك: الإفك: كلُّ مصروف عن وجهه الذي يحقّ أن يكون عليه هو الإفك، ولذلك يطلق على الكذب.
إماماً: قدوة يؤتمّ بها.

التفسير

11. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) :
قد تقدّم أنّ كفّار قريش تمسّكوا لإبطال الدعوة النبوية بوجوه واهية أوهن من بيت العنكبوت، فتارة وصفوا القرآن بكونه سحراً مبيناً، وأُخرى

صفحه 40
بأنّه افتراء على الله، والبيان القرآني ردّ عليهما كما عرفت، وآخر ما في كنانة هؤلاء ـ لإبطال الدعوة النبوية ـ ما جاء ذكرُه في هذه الآية حيث لجأوا إلى القول بأنّه «لو كان حقّاً وخيراً لما سبقونا إليه»، وكأنّهم كانوا سبّاقين إلى كلّ خير وما من خير إلاّ ولهم فيه نصيب، وأنّه يدور مدار سبقهم، فبما أنّهم لم يسبقوا إليه فصار ذلك دليلاً على أنّه لا خير فيه! وهذا هو الذي يحكيه سبحانه عنهم بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا): أي تقوّلوا في تعليل إيمان المؤمنين1 (لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ). انظر إلى استكبارهم واستعلائهم حيث صوّروا أنفسهم وآراءهم ملاكاً للخير والشرّ، فما رأوه خيراً فهو خير، وما رأوه شرّاً فهو شرّ، وبما أنّهم ما سبقوا إليه، كشف ذلك عن كونه فاقداً للخير!!
والله سبحانه يردّ على فكرتهم بقوله: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ): أي إذ لم يهتدوا به وصفوه بأنّه كذب متقدّم، أي ليس أوّل من ادّعى الكذب في ذلك بل تقدّم أشباهه.2 وهذا الموقف هو شيمة كلّ من أخذ موقفاً مسبقاً أمام كتاب الله وإرشاد أنبيائه .
ثم إنّ الجملة الفعلية ـ أعني: قوله: (فَسَيَقُولُونَ) ـ حاكية عن استمرارهم في ذلك الادّعاء المزعوم. وعلى كلّ تقدير فالداعي إلى اعتذارهم أمران:
1. استكبارهم وعدم خضوعهم للحقّ كما مرّ في قوله: (فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) .
2. أنّ المشركين لمّا رأوا بأُمّ أعينهم أنّ الإسلام أخذ بالانتشار في

1 . اللام في قوله: (للذين) للتعليل كما فسرنا.
2 . التبيان في تفسير القرآن:9/273.

صفحه 41
الجزيرة وأنّ رايته ظلّت ترفرف في كلّ مكان منها، عادوا يصفون من لاذ به بأنّهم ممّن لا خير فيهم وأنّهم من المحرومين والمستضعفين، فلا عبرة بسبقهم إلى الإسلام.
ثم إنّ هذا المنطق الواهي ليس أمراً جديداً بل نرى نظيره في الأُمم السابقة، فهؤلاء قوم نوح يردّون دعوة نبيهم بقولهم: (وَ مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ)1. وكأنّ الفقر والفاقة آية البطلان، والغنى والثروة آية الحق. فقد كانت هذه الفكرة راسخة بين قريش ولذلك كانوا يرفضون الدعوة النبوية بأنّها لو كانت حقّة لزم أن يرافق داعيها الغنى والثروة ويكون أثرى الرجال بين قومه وقد حكاه سبحانه عنهم في قوله: (وَ قَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم)2 .
وقد ذكر المفسّرون أنّه لمّا أسلمت «جُهينة» و «مُزينة» و «أسلم» و «غِفار» قالت «بنو عامر» و «غطفان» و «أسد» و «أشجع»: لو كان خيراً ما سبقنا إليه رعاء البَهَم. ونقل الزمخشري والرازي أنّ أمة لعمر أسلمت فكان عمر يضربها حتى يفتر ثم يقول: لولا أنّي فترت لزدتك ضرباً. وكان كفّار قريش يقولون لو كان ما يدعو إليه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)حقّاً ما سبقتنا إليه فلانة.3
12. (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ) :

1 . هود: 27 .
2 . الزخرف: 31.
3 . تفسير الكشّاف: 3 / 120 ; تفسير الرازي: 28 / 11 .

صفحه 42
وقبل تفسير الآية نشير إلى أُمور:
1. قوله تعالى: (وَمِنْ قَبْلِهِ): خبر مقدّم لمبتدأ مؤخَّر، وهو قوله: (كِتَابُ مُوسَى)، كأنّه يقول: وكتاب موسى من قبله.
2. الضمير في: (قَبْلِهِ) يرجع إلى القرآن الكريم، المعلوم من السياق .
3. (إِمَامًا وَرَحْمَةً)، حالان من (كِتَابُ مُوسَى).
4.(لِسَانًا عَرَبِيًّا)، حالان من قوله: (وَهَذَا كِتَابٌ ).
5. قوله: (وَبُشْرى )عطف على قوله: (لِيُنْذِرَ): أي للإنذار والبشرى.
6. وجه الصلة بين هذه الآية وما قبلها هو أنّه قد مضى في الآية السابقة أنّه سبحانه ردّ على كفّار قريش وغيرهم وقال: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ)فعطف على ذلك بأنّهم كما لم يهتدوا بالقرآن فهكذا لم يهتدوا بما نزل قبل القرآن وهو كتاب موسى ـ أعني: التوراة ـ فلا عجب في عدم الاهتداء بالقرآن فهذه هي سيرتهم أمام الدعوة الإلهية فلا يهتدون بأي كتاب سماوي من غير فرق بين القرآن وغيره.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآية، فنقول: قوله تعالى: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى): أي لم يهتدوا أيضاً بما تقدّم على القرآن من كتاب موسى (يعني التوراة) التي يصفها سبحانه بقوله: (إِمَامًا وَرَحْمَةً).
لاشكّ أنّ الإمامة والرحمة من صفات الإنسان، ولكن صارا وصفاً للكتاب باعتبار أنّ الكتاب السماوي يرشد الإنسان إلى ما يجب عليه العمل فيكون كالقدوة للإنسان، كما أنّ الرحمة من صفات النفس، ووصف الكتاب بها لأجل كونه سبباً لإثارة صفة الرحمة في الإنسان.

صفحه 43
ثم إنّ وصف التوراة بالإمامة والرحمة ناظر إلى التوراة غير المحرّفة التي نؤمن بها كما نؤمن بالقرآن، وأن كلّ كتاب سماوي فيه نور ورحمة بشرط أن لا تتطاول عليه يد التحريف .
قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ): أي القرآن مصدق للتوراة، وقد تكرّر تصديق القرآن لما بين يديه من الكتب، في مواضع أُخرى، قال تعالى: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ)1، وقوله تعالى: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ)2، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ)3 .
إنّ الوحي الإلهي فيض سماوي، وهو أشبه بمنهل يأخذ منه جميع الأنبياء غير أنّ لكلّ واحد منهم، بالنسبة إلى هذا المنهل شرعة ومنهاجاً خاصّاً كما قال سبحانه: (لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجًا)4 .
قوله تعالى: (لِسَانًا عَرَبِيًّا): أي حال كونه لساناً واضحاً بيّناً لا غموض فيه ولا تعقيد. وأمّا الغاية من إنزاله فهي أمران:
1. (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) عرباً كانوا أم سواهم.
2. (وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ).
فالتبشير والإنذار من سمات القرآن الكريم بل من سمات عامّة
الكتب السماوية، قال سبحانه: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ

1 . آل عمران: 50 .
2 . المائدة: 48 .
3 . النساء: 47 .
4 . المائدة: 48 .

صفحه 44
النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)1.
وفي الآية احتمال آخر وهو: أن يكون قوله: (وَمِنْ قَبْلِهِ) عطفاً على قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ): أي شهد على صحّة دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل القرآن، كتابُ موسى في حال كونه إماماً ورحمة.
13. (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) :
الفرق بين الخوف والحزن، هو أنّ الخوف انفعال تجاه ما يستقبل الإنسان من أحداث، والحزن انفعال ينتاب الإنسان على ما فاته.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ): أي وحّدوا الله سبحانه في الربوبية وأنّه لا مدير ولا مدبر في الكون إلاّ هو، ولهم إيمان راسخ به، فإذا قالوا ربنا الله إيماناً، (ثُمَّ اسْتَقَامُوا) عملاً، وواصلوا السير في طريق الحقّ ولم يزيغوا عنه سواء أقبلت عليهم الدنيا أم أدبرت، فالله سبحانه يعدهم بقوله: (فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) ممّا يلقاه الظالمون من الأهوال والشدائد. قيل لبعض الصالحين: مَن آمنُ الخلق غداً؟ قال: أشدّهم خوفاً اليومَ، (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)على ما فاتهم. عطف الاستقامة على الإيمان بالرب بـ (ثُمَّ)، حيث قال: (ثُمَّ اسْتَقَامُوا). لأجل أنّ الاستقامة على الإيمان أشدّ منه، ولذلك تحتاج إلى الممارسة وقتاً بعد وقت حتى تحصل ملكة الثبات والاستمرار على ما يقتضيه الإيمان من عمل وسلوك. وقد أشار سبحانه إليها في مواضع أُخرى وقال: (وَ أَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)2، وقال سبحانه:

1 . البقرة: 213.
2 . الجن: 16 .

صفحه 45
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)1.
ثم إنّ الاستقامة التي أكّد عليها الذكر الحكيم في هاتين الآيتين عبارة أُخرى عن الصبر في مواضع يتوقّف فيها الوصول إلى الغاية المتوخّاة على الصبر، ولذلك نرى أنّ للصبر دوراً عظيماً في حياة الأنبياء والأولياء، بل في حياة الصالحين والمصلحين، لأنّه من دعائم الإيمان، وبه تُدرك معالي الأُمور، فهذا لقمان يأمر ابنه بالصبر، ويقول: (يَا بُنيَّ أَقِمِ الصَّلَوةَ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)2 .
كما أنّ الاستقامة على منهاج الحق تعني إيثار طاعة الله تعالى، واجتناب معصيته، وكفّ النفس عند جموحها إلى الشهوات والمآرب، وحبسها عن الجزع عند حلول النوائب، وكلّ ذلك لا يحصل إلاّ بعزيمة الصبر، ومن هنا ورد عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والعترة الطاهرة أنّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد 3.
هذا ما وعد الله سبحانه المؤمنين في الحياة الدنيا، وأمّا بالنسبة إلى الحياة الآخرة فيقول:
14. (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) :

1 . فصّلت: 30 .
2 . لقمان: 17 .
3 . انظر: الكافي: 2 / 87 ـ90، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، الأرقام: 2 و3 و 4 و5 و9.

صفحه 46
فمن قال ربّنا الله عن اعتقاد جازم وإيمان راسخ، فأُولئك أصحاب الجنّة خالدين فيها.
وأمّا مَن قال ذلك مجرّداً عن الإيمان والاعتقاد، فلا يعدّ من أصحاب الجنّة.
سورة الأحقاف: الآيات 15 ـ 20   

الآيات: الخامسة عشرة إلى العشرين

(وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ * وَالذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفّ لَكُمَا أَتَعِدَانِني أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ

صفحه 47
طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ).

المفردات

وصّينا: الوصية: التقدّم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظ .
كُرهاً: الكَره (بالفتح): المشقّة التي تنال الإنسان من خارج فيما يُحمل عليه بإكراه. والكُره (بالضم): ما يناله من ذاته.
فصالُه: الفِصال: التفريق بين الصبيّ وبين الرضاع.
أَشُدّه: الشَّدّ: العَقْد القويّ، فقوله: (بَلَغَ أَشُدَّهُ): أي بلغ القَدْر الذي يتقوّى فيه خُلُقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله.1
أوزعني: الإيزاع أصله المنع، وأوزعْني أي امنعني عن الانصراف عن ذلك باللطف.
أُفّ: أصل الأُفّ: كلّ مستقذر من وسخ وقلامة ظفر وما يجري مجراهما، ويقال ذلك لكلّ مُستخَفّ استقذاراً له، نحو قوله: (أُفّ لَكُمْ وَ لِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ)2، ومنه قيل للضَّجَر من استقذار شيء: أفَّفَ فلان .3
الهُون:الذلّ والخزي.

1 . المفردات للراغب:256،مادة «شد» .
2 . الأنبياء: 67 .
3 . المفردات للراغب: 19، مادة «أف».

صفحه 48

التفسير

لمّا تقدّم في قوله سبحانه: (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ)ذكْرُ الفريقين: الظالم والمحسن، ذكر هنا حواراً بين ولد مؤمن ووالدين مؤمنين، وولد كافر ووالدين مؤمنين، وبذلك جسّد حال كلٍّ منهما بالنسبة إلى الآخر.
وحاصل الحوارين: أنّ الإيمان بالله والإحسان إلى الوالدين يوجبان الثواب والتكفير عن السيئات، حيث ترتّب عليهما قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَ نَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ).
وأمّا إيذاء الوالدين والمعاملة السيئة معهما فيوجب الخسران ويترتّب عليه قوله سبحانه: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) وسيوافيك تفسير الآيات في محلّها.
15. (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ):
الوصية ـ كما مرّ عليك ـ : التقدّم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظ. وهي من المفاهيم ذات الإضافة، فهناك موص وهو الله سبحانه في الآية، والموصى إليه وهو الإنسان، والموصى له وهما الوالدان، والموصى به وهو الإحسان إليهما، قال سبحانه: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا): أي

صفحه 49
بالإحسان; لأنّ الوصية لا تتعدّى إلى المفعول الثاني إلاّ بحرف الجر، وعلى هذا فـ (إِحْسَانًا)منصوب بنزع الخافض. والوصيّة بالإحسان هنا، لو أخذنا بإطلاق الآية، تعمّ كلّ والدين، مؤمنين كانا أم كافرين .
ثم إنّ تخصيص الأُم بالذكر لأجل أنّ الأُم تتحمّل مشقّة لا يتحمّلها الأب ومع أنّ الأب محترم، لازم الإكرام، ولكن الأُم، لأجل تحمّلها الصعوبات الكثيرة، أَولى بالإحسان في مراحل ثلاث:
الأُولى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا): أي حملته في بطنها حملاً ذا كُره أي مشقّة.
الثانية: (وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا): أي وضعته وضعاً ذا كُره، لما تعانيه من آلام المخاض.
الثالثة: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا)أشار بذلك إلى الحدّ الفاصل بين الرضاع والفطام، وهذه المدّة لطولها تستدعي صبر الأُم لحمل الجنين وإرضاعه.
روى الكليني عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله ] الصادق[(عليه السلام) يقول: «إنّ رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أوصني فقال: لا تشرك بالله شيئاً وإن حُرّقت بالنار وعُذّبت، إلاّ وقلبك مطمئن بالإيمان، ووالديك فأطعهما وبرّهما حيّين كانا أو ميتين».1
وروى أيضاً عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله من أبَرّ؟ قال: أُمَّك. قال: ثم مَنْ؟ قال: أُمَّك. قال: ثم من؟ قال: أُمَّك. قال: ثم مَنْ؟ قال: أباك».2

1 . الكافي: 2 / 158، باب البر بالوالدين، برقم 2.
2 . الكافي: 2 / 159، برقم9.

صفحه 50
ورواه الترمذي بإسناده عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه.1
وروى أبو بكر البزّار عن بُريدة: أنّ رجلاً كان في الطواف حاملاً أُمّه فسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هل أدّيتُ حقّها؟ قال: لا، ولا بركّة واحدة.2
ثم إنّه سبحانه ذكر ـ في هذه الآية ـ أنّ مدّة الحمل والفصال ثلاثون شهراً، وذكر في آية أُخرى أنّ مدّة الرضاع حولين كاملين وقال: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)3، فبضمّ الآيتين إلى بعضهما يظهر أنّ أقلّ مدّة الحمل هي ستة أشهر، كما يُعلم أنّ الإرضاع حولين كاملين إنّما هو فيما إذا كان الحمل ستة أشهر، لأنّ نقص مدّة الحمل عن تسعة أشهر يورث ضعفاً في المولود وهزالاً فيه، فيجب أن يجبر بطول مدّة الرضاع.
وإذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعت واحداً وعشرين شهراً.
قال الشيخ المفيد: روي عن يونس عن الحسن: أنّ عمر أُتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك، إنّ الله تعالى يقول: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا)ويقول: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)فإذا تممت المرأة الرضاعة لسنتين وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً كان الحمل منها ستة أشهر»، فخلّى عمر سبيل المرأة.4

1 . سنن الترمذي:565، كتاب البرّ والصلة، الباب1، برقم 1904.
2 . مجمع الزوائد: 8 / 137. قوله:«بركّة»: أي بزفرة أو طلقة.
3 . البقرة: 233 .
4 . الإرشاد للمفيد:110.

صفحه 51
وروى هذه القصة عبد الرزاق الصنعاني وعبد بن حُميد وابن المنذر من طريق قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي.1
وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بعجة2 بن عبد الله الجهني قال: تزوّج رجل منّا امرأة من جهينة، فولدت له تماماً لستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان، فأمر برجمها، فبلغ ذلك عليّاً (إلى أن قال): فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا. عليَّ بالمرأة فوجدوها قد فُرغ منها....3
ثم إنّ الإسلام كتاباً وسنّة أكد على احترام الوالدين وإكرامهما والاهتمام بمقامهما، وكفى في ذلك أنّه سبحانه جعل الإحسان بالوالدين في المرتبة الثانية بعد الأمر بتوحيد العبادة له، قال: (وَ قَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ وَ لاَ تَنْهَرْهُمَا وَ قُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا)4.
وما ذلك إلاّ أنّ البيت مجتمع صغير بالنسبة إلى المجتمع الكبير، ومن المعلوم أنّ الثاني يتألّف من مجتمعات صغيرة، فلو عمّ الوئام والودّ المجتمع الصغير لعمّا ـ أيضاً ـ المجتمع الكبير.
ولا ريب في أنّ التكريم الّذي يحظى به الآباء من أولادهم في مجتمعاتنا، والّذي لا زلنا نجني ثماره الطيّبة في الحياة الأُسرية والاجتماعية.. أنّ هذا التكريم لا نجد له مثيلاً في المجتمعات الغربية، حيث

1 . الدر المنثور:6/40.
2 . وثقه النسائي، وابن حبّان، والذهبي. انظر: تهذيب الكمال:4/190، الترجمة737.
3 . الدر المنثور:6/40.
4 . الإسراء: 23.

صفحه 52
غفلت عنه فعانت نتائجه الكارثية، تفكّكاً في كيان الأُسرة، وضعفاً في العلاقات الاجتماعية، وتردّياً في مهاوي الشقاء والعناء.

علاقة المؤمن بوالديه

عاد البيان القرآني ليبيّن للناس طبيعة العلاقة التي تربط المؤمن بوالديه، ويصوّر أحاسيس ذلك المؤمن البارّ، وأنّه لصفاء باطنه ما زال يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته، وهذا يدلّ على أنّ أثر الإيمان بالله، حبّ الخير لكلّ من له به صلة من غير فرق بين الآباء والأولاد، كما يحكي ذلك سبحانه بقوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً).
ويظهر من الآيات الكريمة أنّه تمرّ على الإنسان أدوار أربعة:
1. الطفولة.
2. بلوغ الأشُدّ.
3. بلوغ الأربعين.
4. الشيخوخة.
قال سبحانه: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا)1.
وهذه الآية تدلّ على المراحل الثلاث، أعني: الطفولة، وبلوغ الأشُدّ، والشيخوخة، بقيت المرحلة الأُخرى التي تذكرها الآية والتي نحن بصدد تفسيرها من هذه السورة، يقول تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)وهي تدلّ على أنّ البلوغ إلى أربعين سنة، منتهى بلوغ الأشُدّ. وهو مرحلة

1 . غافر: 67 .

صفحه 53
متوسطة بين بلوغ الأَشُدّ والشيخوخة، وأنّ لبلوغ الأشُدّ درجات، الدرجة النهائية منه بلوغ أربعين سنة، ثم يدخل الإنسان في مراحل الهبوط والضعف، التي عبّر عنها القرآن بالشيخوخة. ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق في «الخصال» عن أبي بصير عن أبي عبدالله ] الصادق[(عليه السلام)قال: «إذا بلغ العبد ثلاثاً وثلاثين سنة فقد بلغ أشدّه، وإذا بلغ أربعين سنة فقد بلغ منتهاه، فإذا ظعن في إحدى وأربعين فهو في النقصان، وينبغي لصاحب الخمسين أن يكون كمن كان في النزع»1.
يخبر البيان القرآني عن إنسان غير متعيّن في شخص، قد بلغ منتهى الأشُدّ، فطفق يدعو لنفسه ووالديه ولذريته ويقول: (قَالَ رَبِّ أَوْزِعْني): أي ألهمني وامنحني القدرة على (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) وأي نعمة أكبر من معرفة الله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته وأنبيائه وأوليائه والتوفيق لإطاعة أوامره (وَعَلَى وَالِدَيَّ) وهذا يدلّ على أنّ الوالدين كانا مسلمين مؤمنين لا كافرين، فما يظهر من بعض التفاسير أنّ الحوار كان بين ولد مؤمن ووالدين كافرين2، ليس بصحيح، فإنّ ظاهر قوله: (وَعَلَى وَالِدَيَّ) أنّ ما أنعم به سبحانه عليه لا ينحصر بنعمة مادّية بل بنعمة مرفقة بالإيمان، ثم طفق يدعو الله سبحانه أن يوفقه للعمل الصالح الذي يرضاه سبحانه ويقول: (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)ثم انتقل إلى الدعاء إلى ذريته وقال: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)ولم يقل: وأصلح ذريتي، إذ من البعيد أن تكون ذرية كلّ إنسان صالحة إلى يوم القيامة ولذلك أتى بلفظ (فِي) مشيراً إلى التبعيض، ثم قال:

1 . الخصال: 545، برقم 23(أبواب الأربعين فما فوقه).
2 . لاحظ : التحرير والتنوير: 26 / 25 .

صفحه 54
(إنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ): أي تبت إليك من سيئاتي وذنوبي (وَإنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)المنقادين إلى أمرك .1
وربما يقال أنّ متعلّق التوبة هو الشرك، فلفظة (تُبْتُ )إشارة إلى خروجه من الشرك وقوله: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) إشارة إلى كونه تابعاً لشرائع الإسلام2، وهو بعيد، لأنّ صيغة الدعاء كاشفة عن رسوخ الإيمان في نفس الداعي بحيث يدعو دعاءً كاملاً لنفسه ولمن عليه حقّ الحياة كالوالدين ولمن عليه حقّ التربية كالأولاد، ومثل هذا لا ينطبق على مَن كان مشركاً أمس وقد آمن اليوم.
ثم إنّه يقع الكلام في جزاء هذا الولد البارّ المقدّر لجهود الوالدين المدرك لحقوق الأولاد عليه، وهذا هو الذي يذكره سبحانه في الآية
التالية:
16. (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ):
تقدّمت الإشارة إلى أنّ المراد بالإنسان في قوله: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ) هو الإنسان المؤمن، وقد يراد به مطلق الإنسان، ويشهد لعدم اختصاصه بإنسان معيّن قوله سبحانه في المقام: (أُولَئِكَ الَّذِينَ).

1 . تفسير المراغي: 26 / 19 .
2 . التحرير والتنوير: 26 / 29 .

صفحه 55
ومن هنا يظهر أنّ ما حكاه الواحدي عن ابن عباس وعن بعض المفسّرين 1 أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر يناقض ظاهر الآية، فإنّ ظاهر قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا)حاك عن أنّ الآية لم ترد في شخص معيّن، وإنّما هي بصدد بيان ضابطة عامّة تُرشد كلّ ولد إلى أن يُحسن إلى والديه، وأن يدعو الله تعالى بأن يوفّقه للشكر، وللعمل المرضيّ عند الله، وأن يجعل الصلاح في ذريته.
وأمّا جزاء هؤلاء الصالحين فيتلخّص في أُمور ثلاثة:
1. (نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا): أي ما عملوا من الواجبات والمندوبات، خرج عنه المباحات، فالذي يتوقّف على القبول هو الفرائض والمندوبات لا المباحات، وربّما يفسّر قوله: (أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) بالأدعية السابقة، أي دعاءه لنفسه ولأبويه ولأولاده، ولكنّه ليس بجيّد لأنّ الله يقول: (أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا)ولم يقل: أحسن ما دعوا.
2. (وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ)وذلك لأنّ اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر، قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا) 2، ويمكن أن يكون السبب للتجاوز عن السيئات هو قوله: (إنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ)فالتائب من ذنبه كمن لا ذنب له، قال سبحانه: (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ)3 .
3. (فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ): أي كائنون في عداد أصحاب الجنة.

1 . تفسير الرازي: 28 / 19 .
2 . النساء: 31.
3 . الفرقان: 70 .

صفحه 56
ثم إنّه سبحانه يؤكّد على أنّ هذه الوعود بمرتبة أكيدة من الصدق، حيث قال: (وَعْدَ الصِّدْقِ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) .
إلى هنا تمّ ذكر حال المؤمن مع والديه ودعائه لهما ولذريته، وفي مقابل هذا ذكر حواراً بين ولد كافر غير معترف بحقوق الوالدين غير مكرم لهما، بل يواجه نصيحتهما الشفيقة الحانية، بكلام ملؤه القسوة والغلظة .
17. (وَالذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفّ لَكُمَا أَتَعِدَانِني أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) :
الآية تحكي عن حوار بين والدين مؤمنين وولد منكر للمعاد، حيث يقابل دعوة والديه بقوله: (أُفّ لَكُمَا): أي بُعداً لكما، ويحتمل: نتناً وقذراً لكما (أَتَعِدَانِني أَنْ أُخْرَجَ)من القبر وأُحيا وأُبعث مع أنّه وعد باطل بشهادة (وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي): أي مضت الأُمم وماتوا فما أُخرجوا ولا أُعيدوا. والمسكين يستدل بعدم خروج أحد ممّن مضى من الأُمم إلى الحياة الدنيا على عدم الخروج في الحياة الأُخرى، غافلاً أو متغافلاً عن أنّ الخروج الموعود هو الخروج في عالم آخر لا في هذه الدنيا.
ومع أنّ منطق هذا الولد القاسي كان واهياً لكن الوالدين يقابلانه بقولهما: (وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ): أي يستصرخان الله ويطلبان منه الغوث ليلطف به حتى يؤمن بالمعاد، ويقولان له: (وَيْلَكَ آمِنْ) بالقيامة (إِنَّ وَعْدَ اللهَ حَقٌّ)ولكنّه يردُّ عليهما: (فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): أي أُسطورة ينقلها اللاحق عن السابق دون أن يوجد دليل واضح.

صفحه 57
وبهذا نعرف مدى أثر الإيمان في سعادة الأولاد حيث نرى أنّ الوالدين يحاولان إنقاذ ابنهم بشتى الأساليب، من عذاب الله، ولكن الولد يصرّ على عناده ومكابرته، فيواجههما بتلك القسوة .
وقد مرّ منّا أنّ هذا الحوار في كلا الموردين لا يرجع إلى إنسان خاصّ وإنّما هو تمثيل كلّي لبيان حال الطرفين.
وبذلك يُعلم بُعد القول الذي يذهب إلى أنّ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، وتصريح مروان بن الحكم بنزولها فيه في قصة مشهورة، رواها البخاري، وابن أبي حاتم، والنسائي، والحاكم، وابن مردويه. وإليك القصة: عن محمد بن زياد، قال (واللفظ للحاكم): لمّا بايع معاوية لابنه يزيد، قال مروان: سنّة أبي بكر و عمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنّة هِرَقْل وقيصر، فقال: أنزل الله فيك: (وَ الذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفّ لَكُمَا)، قال: فبلغ عائشة، فقالت: كذب والله ما هو به، ولكن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعن أبا مروان ومروان في صُلبه، فمروان فضض1 من لعنة الله عزّوجلّ.2
ورواها البخاري عن يوسف بن ماهك بهذا النحو، قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية، لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبدالرحمن بن أبي بكر شيئاً. فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: (وَالذِي

1 . فَضَض: قِطْعة.
2 . المستدرك على الصحيحين:4/481. ورواها النسائي، كما في تفسير ابن كثير:6/285. وروى القصة أيضاً ابن أبي حاتم عن عبد الله بن المديني، كما في تفسير ابن كثير أيضاً:6/284، وفيها قول عبد الرحمن لمروان:(أهرقلية؟)، وقوله له: (ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله أباك؟).

صفحه 58
قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفّ لَكُمَا أَتَعِدَانِني)فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، إلاّ أنّ الله أنزل عُذري 1.
قال ابن عبد البرّ: روي عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره، أنّها قالت لمروان...: أما أنت يا مروان، فأشهد أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعن أباك وأنت في صلبه.2
وأنت ترى أنّ البخاري لم يذكر في روايته، قول عبد الرحمن لمروان:(سُنّة هرقل وقيصر) أو: (أهرقلية؟)، ووضع مكانه كلمة(شيئاً)!!!، كما لم يذكر اللعن الصادر عمّن لا ينطق عن الهوى، وشهدتْ به عائشة، في حقّ الحَكم أبي مروان!!!
ومهما يكن، فقد مرّ منّا أنّ الحوار في كلتا الفقرتين لا يختصّ بشخص معيّن وأنّ من زعم أنّ نزول الآية السابقة في حق أبي بكر، أو نزول هذه الآية في حق عبدالرحمن بن أبي بكر فقد صدر عن التعصّب الباطل حيث جعلوا القرآن كتاباً طائفياً ناظراً إلى شخص واحد، والله أعلم.

جزاء الولد العاقّ

قد مرّ أنّ الله جازى الولد البار بوالديه بأُمور ثلاثة آخرها أنّه يكون من أصحاب الجنة، وهنا عاد البيان القرآني إلى بيان جزاء ما يقابله وهو الولد العاقّ، وقال:

1 . صحيح البخاري: 3/280، برقم 4827، كتاب التفسير، سورة الأحقاف، طبعة دار الكتب العلمية، 1420هـ .
2 . الاستيعاب:1/360 برقم 529 ولاحظ: شرح نهج البلاغة:6/150.

صفحه 59
18. (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) :
قوله: (أُولَئِكَ)دليل على أنّ الآية بصدد بيان ضابطة كليّة، حيث تُوعد المنكرين بأُمور ثلاثة:
1. (الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ): أي حقّت على هؤلاء كلمة العذاب. وتعريف القول باللام إشارة إلى مثل قوله: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِني لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ) 1، وقال سبحانه: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ* لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)(2)، وقال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ
رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ
)(3).
2. (فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ): أي كائنون فيهم. وقد جاء هذا القول: (فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ) في مقابل قوله سبحانه في حقّ الولد البار: (فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ).
3. (إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) وكأنّ الخسران متمكّن فيهم، حيث حكى عن سبق الخسران لا عن الخسران الموجود فعلاً، ولذلك لم يقل: خسروا.
19. (وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) :
إنّ الإيمان والكفر من المفاهيم المشكّكة (ذات المراتب) فللإيمان

1 . السجدة: 13.      2 . سورة ص: 84 ـ 85 .   3 . هود: 119 .

صفحه 60
درجات، وللكفر دركات، فلا يقاس ـ مثلاً ـ إيمان نبيّ أو وليّ بإيمان غيره ممّن يعتقد بالتوحيد والرسالة والمعاد، كما أنّ المؤمنين أنفسهم (من غير الأنبياء والأولياء) تتفاوت درجاتهم في الإيمان وهكذا بالنسبة للكفر، فأين كفر أبي جهل وأبي سفيان ومن قبلهما كفرعون وقارون، من كفر إنسان لا يصدّ الآخرين عن الحقّ، ولا يؤلّب على أهله؟ أو كفرِ إنسان بعيد عن الدين والرسالات؟ ومن المعلوم أنّ اعتبار الجميع (سواء الفريق المؤمن منهم أم الجاحد) بمنزلة سواء عند الجزاء، لا يوافق عدل الله سبحانه فلذلك يقول: (وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا): أي أنّ لأصحاب كلٍّ من الفريقين مراتب متفاوتة في يوم القيامة، كلٌّ بحسب عمله من خير أو شرّ.
ثم إنّه سبحانه يعدُ بمجازاتهم جزاء تامّاً ويقول: (وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ): أي جزاء أعمالهم(وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) فلا نقصان من الثواب ولا زيادة في العقاب .
قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيماً)1، وقال سبحانه: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)2.
20. (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ):

1 . النساء: 40 .
2 . الأنعام: 160 .

صفحه 61
يظهر من قوله سبحانه: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) أنّ الكفّار يُعرضون على النار كأنّهم أمتعة والنار مشترية لهم، وورد في آية أُخرى أنّ النار هي التي تُعرض على الكفّار، قال تعالى: (وَ عَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً)1، وعلى هذا فالنار متاع يشتريها الكفّار، فكيف يمكن الجمع بين الآيتين؟
ذهب السيد الطباطبائي إلى وجود عرْضين يوم القيامة: عرض جهنم للكافرين حين تبرز لهم، ثم عرضهم على جهنم بعد الحساب والقضاء الفصل بدخولهم فيها حين يُساقون إليها، قال تعالى: (وَ سِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا)2 .3
ويمكن أن يقال: إنّ المراد من العرضين شيء واحد وهو رفع الحجب بين الكفّار والنار حتى يتفرّع عليه الدخول في النار، فإنّ رفع الحواجز بينهما نوع تعذيب لهم حيث يشاهدون مصيرهم الأسود الذي لا زوال له.
قوله تعالى: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ): أي فارقتم طيباتكم التي أولاكم بها الله (فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا): أي استوفيتم ما لكم من الطيبات فلم يبق لكم منها شيء، وما ادّخرتم منها شيئاً ينفعكم في الحياة الأُخرى، فجئتم وليس معكم شيء كي تستثمروه في الحياة الآخرة، (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ): أي عذاب الذل، فعندئذ يطرح هذا السؤال: لماذا يعذَّبون عذاب الذلّ؟ والجواب لأجل أمرين:

1 . الكهف: 100 .
2 . الزمر: 71 .
3 . الميزان في تفسير القرآن: 18 / 206 .

صفحه 62
1. تُجزَون (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)وأي استكبار أكبر من تكذيب الأنبياء وإنكار يوم البعث .
2. تُجزَون (بِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ): أي تخرجون عن طاعة الله سبحانه.
وهنا نكتة جديرة بالذكر وهي أنّ الاستكبار مطلقاً قبيح لأنّ ملاكه الغنى، والإنسان فقير بالذات، فلذلك يكون قوله: (بِغَيْرِ الْحَقِّ) قيداً توضيحياً، كما في قوله تعالى: (وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ)1 .
قال أبو عبدالله الصادق(عليه السلام): «الكبرياء رداء الله، فمن نازعه شيئاً من ذلك أكبّه الله في النار»2.
ثم إنّ المذموم هو إذهاب الطيبات في الحياة الدنيا وإفنائها في الشهوات دون أن يستثمرها في استمرار حياته ومواساة الآخرين لكي ينتفع بها في الآخرة، وعلى ذلك فليس التمتع بالطيبات أمراً مرغوباً عنه، كيف والله سبحانه يقول: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)3.
وعلى كلّ حال فالإسلام دين التوازن والوسطية، فالمذموم هو الإخلاد إلى الأرض والدنيا لا التمتع بالطيبات بشرط أن لا يكون التمتع هدفاً وغرضاً، وموجباً لنسيان الآخرة، ولذلك نرى أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام)لمّا دخل على العلاء بن زياد الحارثي ـ وهو من أصحابه ـ يعوده، ورأى سعة داره قال:
سورة الأحقاف: الآيات 21 ـ 28   
«مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتَ إِلَيْهَا فِي الاْخِرَةِ كُنْتَ

1 . النساء: 24.
2 . مصباح المتهجد: 519.
3 . الأعراف: 32.

صفحه 63
أَحْوَجَ ؟ وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الاْخِرَةَ: تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ، وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وَتُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الاْخِرَةَ».
فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو اليك أخي عاصم بن زياد. قال: وما له؟ قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا.
قال: عليَّ به. فلمّا جاء قال:
«يَاعُدَيَّ نَفْسِهِ! لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ! أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ؟! أَتَرَى اللهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا؟! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ!».
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وَجُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ!
قَالَ: «وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللهَ تَعَالى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ!».1
وللبحث صلة ربّما تأتي في بعض الموارد.

الآيات: الحادية والعشرون إلى الثامنة والعشرين

(وَاذْكُرْ أَخَا عَاد إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 209 .

صفحه 64
وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِي مَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْء إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).

المفردات

الأحقاف: جمعُ الحِقْفِ أي الرمل المائل، وهو اسم لمكان. قال: عبدالوهاب النجار: والأحقاف تقع في شمال حضرموت، وفي شمال الربع الخالي، وفي شرقها عُمان، وموضع بلادهم اليوم رمال ليس بها أنيس بعد ذلك العمران والنعيم المقيم، ولم يتعرّض أحد من الأوربيين الباحثين والمنقبين إلى الكشف عن بلادهم والتنقيب في أرضهم، ولعلّ تحت الرمال من الثروة العلمية ما لو كشف لكان عظيم القيمة في عالم الآثار وأبان عن

صفحه 65
مدينة عظيمة مطمورة تحت تلك الكثبان، وقد أخبرني السيد عبدالله بن أحمد بن عمر بن يحيى العلوي من أهل حضرموت أنّه قام في جماعة إلى إحدى المدن البائدة في شمال حضرموت ونقب فيها وعثر على بعض الآنية من المرمر عليها كتابة بالخط المسماري; ثمّ ترك التنقيب لمضايقة البدو له وإثقال كاهله بالمطالب المالية.1
تأفكنا: الإفك: كلّ مصروف عن وجهه الذي يحقّ أن يكون عليه، وتأفكنا أي تصرفنا عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل، كما كانوا يعتقدون أن ما هم عليه هو الحق.
عارضاً: العارض هو السحاب يعرض في الأُفق.
أوديتهم: جمع واد.
تدمِّر: التدمير:الإهلاك.
قرباناً: ما يُتقرَّب به، مأخوذ من قوله تعالى: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)2.

1 . قصص الأنبياء: 51 .
2 . الزمر: 3.

صفحه 66
 
التفسير
21. (وَاذْكُرْ أَخَا عَاد إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم) :
لما تقدّم في الآية السابقة ذِكرُ من أذهب طيباته في الحياة الدنيا، وأخلد إلى الأرض واستكبر أمام الأنبياء وخرج عن طاعة الله، ذَكر في هذه الآيات قوماً كأُنموذج لما تقدّم وهم قوم عاد الذين كانوا يسكنون الأحقاف، فأرسل إليهم هوداً، وقال: (وَاذْكُرْ أَخَا عَاد)حيث وصفه بأنّه أخوهم، والظاهر أنّ الوصف لأجل كونه من قبيلتهم، فيطلق على القريب كلمة: أخ.
قوله تعالى: (إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ)وقد عرفت أنّ مسكنهم في أرض اليمن المتصلة بالحجاز، والحال (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)والضميران يرجعان إلى (أخا) .
(وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ): أي مضت الرسل بالإنذار (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)هذه الفقرة تحتمل وجهين:
1. يريد رسلاً قريبين من زمانه، ورسلاً بعيدين عنه.
2. يريد الذين كانوا قبله والذين جاءوا بعده.
والأوّل هو الأظهر إذ لم تأتهم رسلهم بعد إهلاكهم، وعلى هذا فالمراد بالرسل: القريب والغابر منهم.

صفحه 67
وأمّا محتوى دعوته فهو (أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ): أي الدعوة إلى التوحيد في العبادة مكان الشرك فيها، ثم هدّدهم بقوله: ( إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم) والمراد بـ ( يَوْم عَظِيم) هو يوم القيامة لأنّه من أسمائها.
22. (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ):
لقد بلغ القوم في الجهل والعناد مبلغاً راحوا معه يصوّرون عبادة الآلهة أمراً حقّاً، وعبادة الله وحده أمراً باطلاً!! ولذلك تراهم يخاطبون نبيّهم بقولهم: (أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا)، أي لتصرفَنا عن عبادة آلهتنا بالإفك والافتراء.
ولمّا حذّرهم هود (عليه السلام)بقوله: (إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم)قابلوا تحذيره هذا بقولهم: (فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) وهو يُعرب عن أنّ قلوبهم كانت مُوصدة إلى حدٍّ لم يحتملوا معه صدق قول نبيّهم، أو غلبهم التعصّب فجحدوا، كما سيوافيك.
وأمّا نسبة إتيان العذاب إلى نبيّهم هود فمن باب المجاز لأنّه أخبر به، ولذلك نسبوه إليه، وعندئذ يجب أن نرى بماذا أجابهم نبيُّهم، حيث قال:
23. (قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ):
وحاصل جوابه يتلخّص في أُمور ثلاثة:

صفحه 68
1. (قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ)وليس لي علم بوقت نزول العذاب.
2. (وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ): أي ليس لي دور إلاّ إبلاغ وعد أو وعيد، أو بلاغ تبشير أو إنذار.
3. (وَلَكِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ).
فجهلكم هو أساس العناد، ولولاه لما استعجلتم ما فيه هلاككم. ولا شكّ في أنّ احتمال نزول العذاب يوجب عليهم التوقّي وسلوك طريق الاحتياط وإعادة النظر في موقفهم من الدعوة، ولكنّهم في غمرة الجهل غارقون.
ثم إنّ هذا المنطق الذي قوبل به نبيهم هود، هو نفس المنطق الذي قوبل به النبي نوح (عليه السلام)من قبل، حيث قال له قومه: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)1 .
وفي قوله: (وَلَكِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) احتمال آخر وهو أنّهم لم يكونوا جاهلين بالمعنى الحقيقي وإنّما هم يتجاهلون، ويؤيد هذا الاحتمال قوله سبحانه: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّار عَنِيد * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِعَاد قَوْمِ هُود)2، فإنّ الجحد يراد به غالباً، الإنكار مع العلم بالحق.
24. (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) :

1 . هود: 32.
2 . هود: 59 ـ 60 .

صفحه 69
بعد أن أتمّ هود (عليه السلام)الحجة على قومه شاءت إرادة الله سبحانه أن تبيدهم نتيجة سخريتهم من نبيهم وإصرارهم على إنكار ما جاءهم به من الحقّ، فأرسل عليهم سحاباً أسود، خُيِّل للقوم في بادئ أمرهم أنّه سوف يُمطرهم ويسقي زروعهم، ففرحوا به، لانحباس المطر عنهم ـ كما يبدو ـ لمدة ليست بالقليلة، ولكنّهم جهلوا حقيقته إذ كان نذير شؤم وعذاب مؤلم، إنّه ريح عصوف تحطّم كلّ شيء تمرّ به وتدمره تدميراً .
والآية تشرح لنا كيفية إهلاكهم، وتقول: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عارضاً)ذكر أصحاب التاريخ أنّه قد أصابهم قحط شديد وأنّ هوداً فارقهم فلمّا رأوا ما في السماء تخيّلوا أنّه سحاب ممطر كما يقول: (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا): أي أنّ الذي انتشر في عرض السماء هو السحاب الممطر، وتصوروا أنّه (مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ): أي متوجّه وسائرٌ نحو أوديتهم، فقالوا ـ فرحاً ـ : (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا): أي أنّ هذا السحاب العظيم الذي عرض في الأُفق ممطرنا وموجب لحياتنا، ولكن القوم لجهلهم بحقيقة ما في السماء غفلوا عن حقيقته، (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ)كأنّ قائلاً قال لهم: هذا هو العذاب الذي كنتم تطلبون نزوله، وفي الحقيقة هو (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ): أي ريح شديدة تحمل عذاباً أليماً، والشاهد لذلك قوله:
25 . (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ):
أي كانت الريح عاتية باردة مهلكة (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء بِأَمْرِ رَبِّهَا)فلم يبق للقوم عماد في الحياة إلاّ وهُدم (فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ) وذلك لأنّه

صفحه 70
استغرق هبوبها (سَبْعَ لَيَال وَ ثَمَانِيَةَ أَيَّام)1 متتالية تناثرت بعدها أشلاء القوم على وجه الأرض. والتعذيب بعد إتمام الحجّة هو سنّة من سنن الله تعالى، كما قال (كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الُْمجْرِمِينَ) .
26. (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِي مَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْء إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) :
القرآن الكريم يتحدّث عن حياة الأُمم بألوانها المختلفة، وقد تحدّث في الآيات الماضية عن حياة قبيلة عاد التي بلغت أوج رقيّها وذروةَ قوتها، ثم أخذت في الانحدار إلى قعر الذُلّ والهوان، كما مرّ إجمالاً. ومن المعلوم أنّ القرآن ليس كتاب تاريخ أو كتاب قصص وإنّما يذكر حياة الأُمم وقصصها لأخذ العبر، وفي المقام أورد قصّة قوم عاد ليذكّر قريشاً ومن كان على نهجهم في تكذيب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ قوم عاد كانوا متمكّنين بالقدرات المادّية أكثر ممّا أنتم عليه يا مشركي قريش، فهؤلاء لم يُعجزوا الله تبارك وتعالى بل هلكوا جميعاً، فكيف بكم يا قريش وأنتم أقلّ منهم من جانب العدد والمال والثروة، وأضعف من الناحية الجسمية؟ قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ)أي قوم عاد (فِي مَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)أي في الذي ما مكنّاكم فيه من قوة الأبدان وبسطة الأجسام وطول العمر وكثرة الأموال، ولفظة (إنْ)بمعنى (ما) وهي نافية، (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً) أي كانوا يتمتعون بأدوات

1 . الحاقة: 7 .

صفحه 71
المعرفة الرئيسية وهي السمع والأبصار وفوقهما الأفئدة والقلوب (فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْء)أي لم ينتفعوا بها، لماذا؟ لأنّهم اتّخذوا موقفاً سلبياً من دعوة الأنبياء بشهادة قوله: (إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ)أي لأنّهم كانوا ينكرون آيات الله تعصّباً وعناداً مع علمهم بأنّها حقّ، فصارت نتيجة ذلك أن (حَاقَ بِهِمْ): أي أحاط بهم (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)من عذاب الله، وقد عدل عن اسمه الصريح إلى (ما)الموصولة للتنبيه على سفَه عقولهم، باستعجالهم العذاب.
ثم إنّ السمع ورد في القرآن الكريم على وجه الإفراد دون الأبصار والأفئدة، وعلّة ذلك أنّ (السمع) إمّا اسم جمع ـ كما عليه بعض أهل اللغة ـ أو مصدر يُراد منه الجمع، ومثله الجُنُب والضيف، كما في قوله تعالى: (وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا)1، وقوله:(ضَيْفُ إبراهيمَ الْمُكرَمينَ).2
والآية فيها تعريض بمشركي قريش، لعدم انتفاعهم بقواهم (من الأسماع والأبصار والأفئدة)، كما هو شأن قوم عاد، في معرفة الحق واتّباعه، وفيها أيضاً تحذير لهم من حلول العذاب بهم، فإنّ عاداً، لمّا جحدوا بآيات الله، حلّ بهم عذاب الله تعالى، ولم تردّه عنهم قدراتهم المادية، فليعتبر الحاضرون، وهم أضعف وأعجز، بقصتهم.
27. (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) :

1 . المائدة: 6.
2 . الذاريات:24.

صفحه 72
هذا إنذار آخر أي إنذار بعد إنذار لمشركي مكة وغيرهم، فلو لم يعتبروا بقصة هود فليعتبروا بهلاك القرى من حولهم، كما يقول: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى)وأوطانهم قريبة من أرضكم، فقد أهلكنا قوم ثمود في أرض (الحِجر) في شمال الجزيرة، وقوم سبأ في أرض (اليمن)، وقوم شعيب في أرض (مَدْين) في طريقكم إلى الشام، وقوم لوط كانوا في هذه المنطقة أيضاً، فقد هلك هؤلاء لعنادهم ووقوفهم بوجه الدعوة الإلهية، فلتكن في مصيرهم عبرة لكم.
قوله تعالى: (وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، وتصريف الآيات تصييرها تارة في الإعجاز، وأُخرى في الإهلاك، وثالثة بالتذكير بالنعم، ورابعة بالتذكير بالنقم، وخامسة بوصف الأبرار ليُقتدى بهم، وسادسة بوصف الفجار للاجتناب عن مثل أعمالهم، ما فعلنا ذلك إلاّ (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) 1 .
وبعبارة أُخرى: أريناهم آياتنا المختلفة التي لكلٍّ منها أثر في الإنذار والتبشير، كلّ ذلك لأجل رجوع المشركين من الجحد إلى الإيمان، ولكنّهم كانوا متوغّلين في عنادهم.
سورة الأحقاف: الآيات 29 ـ 32   
28 (فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ):
إنّ الأقوام البائدة الذين هلكوا بعذاب الله كانوا يقدّسون أصنامهم ويصوّرونها آلهة ويعتقدون بأُلوهيتها، فلو كانوا صادقين في اعتقادهم للزم

1 . مجمع البيان: 9 / 163 .

صفحه 73
أن ينصروهم وينقذوهم من العذاب، ولكن لم يفعلوا ذلك، فكشف عن بطلان عقيدتهم، وإلى ما ذكرنا يشير قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ): أي فلولا نَصَرَت الآلهةُ المزعومة الأقوامَ الهالكة (الَّذِينَ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِ اللهِ): أي الأصنام والأوثان (قُرْبَانًا آلِهَةً): أي اتّخذوها آلهة تقرّبهم إلى الله، فقوله:(الَّذِينَ) فاعل (نَصَرَهُمُ)، وقوله: (آلِهَةً)مفعول (اتَّخَذَوَا)، وأمّا (قُرْبَاناً)فهو حال من (آلِهَةً): أي فلم تَقم هذه الآلهة بتقديم أدنى نصر لهم، وهذا يدلّ على عدم استحقاق الآلهة للعبادة (بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ): أي ضلّت الآلهة وقت الحاجة إليها، أي وغابت عنهم (وَذَلِكَ): أي هلاك هؤلاء واختفاء الآلهة دليل على (إِفْكُهُمْ) وانصرافهم من الحق إلى الباطل وعلى بطلان (مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)، ويتظاهرون بالاعتقاد به، فالإله هو الذي بيده مصير الإنسان في الحياتين الدنيا والآخرة، فلو كانت هذه الأصنام آلهة حقيقية وقد عُبدوا فترة غير قصيرة، كان عليها الإسراع لإنقاذ عبّادهم، ولكن لم يُرَ أثرٌ منهم، وهذا دليل على إفكهم وافترائهم.

الآيات: التاسعة والعشرون إلى الثانية والثلاثين

(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ

صفحه 74
عَذَاب أَلِيم * وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِز فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين).

المفردات

صرفنا: وجّهنا.
أنصتوا: اسكتوا لاستماع القرآن.
قُضي: أي فُرغ من تلاوته.

التفسير

ما في هذه الآيات الأربع إجمال لِما جاء في سورة الجنّ على وجه التفصيل، والناظر فيها وما ورد في سورة الجنّ يقف على اتّحادهما في المضمون. وسيوافيك هناك تفصيل لِما جاء في تلك السورة، ولكنّا هنا نكتفي بتفسير الآيات، وأمّا ما يرجع إلى حقيقة الجنّ وخلقته وما قيل حوله فنرجئه إلى تلك السورة.
وقد ذكر الطبرسي سبب نزول هذه الآيات على وجه التفصيل نقتبس منه ما له صلة بالمقام، قال: لما توفّي أبو طالب اشتدّ البلاء على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فعمد ليقف بالطائف رجاء أن يؤووه، فلمّا وصل إلى الطائف لم يجد إنساناً صالحاً يؤمن بدعوته ويؤديه، وإنّما آمن به نصراني كان يعمل في حائط عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فرجع رسول الله إلى مكّة حتى إذا كان بنخلة، قام في جوف الليل يصلّي، فمرّ به نفر من جنّ أهل «نصيبين». وقيل:

صفحه 75
من اليمن، فوجدوه يصلّي صلاة الغداة ويتلو القرآن، فاستمعوا له1.
29. (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ):
الصرف: ردّ الشيء من حالة إلى أُخرى أو من مكان إلى آخر، والله سبحانه صرف الجنّ من حالتهم السابقة البعيدة عن الرسول إلى قربه ليسمعوا قرآنه، وهذا يدل على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يذهب إلى تبليغهم، وأنّ هؤلاء صاروا إلى استماع قرآن النبي بصرف من الله، يقول سبحانه: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ)والنفر يطلق على الثلاثة إلى التسعة (يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)الذي رتّله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما قام في جوف اللّيل يصلّي (فَلَمَّا حَضَرُوهُ)أي: القرآن (قَالُوا أَنْصِتُوا)أي قال بعضهم لبعض: اسكتوا لنستمع القرآن (فَلَمَّا قُضِيَ): أي فَرغ النبي من تلاوة القرآن (وَلَّوْا): أي انصرفوا (إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)محذّرين إيّاهم من عقاب الله.
30. (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم):
(قَالُوا): أي خاطبوا قومهم بقولهم: (يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)وصفوا القرآن بكونه كتاباً نازلاً من بعد موسى، وخصّوا من الكتب السماوية كتاب موسى دون زبور داود (عليه السلام)وإنجيل عيسى (عليه السلام); وما ذلك إلاّ لأنّ التوراة هي الكتاب الأُمّ في بني إسرائيل وليس في الإنجيل من

1 . مجمع البيان: 9 / 164ـ165 .

صفحه 76
جديد إلاّ شيء يسير، أشار إليه بقوله: (وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)1. ثم إنّهم وصفوا القرآن بأوصاف ثلاثة:
أ. (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ): أي مصدقاً للكتب السماوية التي أُنزلت قبله، وقد جاء أمر التصديق في غير واحدة من الآيات.
ب. (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ)والظاهر أنّ المراد بالحق هو التوحيد، ونبذ الشرك.
ج. (وَ) يهدي: (إِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم) في مجال الاعتقاد والعمل.
لقد أثّر القرآن في قلوبهم تأثيراً بالغاً، حيث خاطبوا قومهم بقولهم:
31. (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم):
إنّ هؤلاء النّفر شعروا، بعد أن أدركوا عظمة القرآن الكريم وما فيه من الحق والهدى، شعروا بمسؤوليتهم في إبلاغه ودعوة قومهم إلى الاستضاءة به كما يقولون: (أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ). والظاهر أنّ المراد بداعي الله هو النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ويُحتمل أن يُراد به القرآن الكريم. ثم بيّنوا لهم أنّ للإيمان بالداعي ثمرتان:
إحداهما: الغفران (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)، ولم يقل: يغفر ذنوبكم، لأنّ الإيمان يوجب مغفرة ما تقدّم من الذنوب لا ما تأخّر، يقول سبحانه: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)2 .

1 . آل عمران: 50 .
2 . الأنفال: 38 .

صفحه 77
والثانية: النجاة من النار (وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم): أي يخلّصكم من عذاب أليم. والظاهر أنّ الثاني من آثار الأوّل. ولعلّ في الآية دليلاً على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان مبعوثاً إلى الجنّ كما كان مبعوثاً إلى الإنس.
32. (وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِز فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين):
أي مَن لم يعرف داعي الله وترك إجابته (فَلَيْسَ بِمُعْجِز فِي الأَرْضِ): أي لا يُعجز اللهَ في أرضه، كيف والعبد لا يملك شيئاً حتى يعجز الله هرباً، ويفوتَه طلباً (وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ)أي دون الله (أَوْلِيَاءُ)فلا يحول بينه وبين الله شيء (أُولَئِكَ) أي هؤلاء الذين تركوا إجابة داعي الله (فِي ضَلاَل مُبِين).
وأمّا صلة إيمان نفر من الجنّ ورجوعهم إلى قومهم وإنذارهم ودعوتهم إلى إجابة داعي الله إلى آخر ما ذُكر، بما قبله من الآيات فواضح، وهو أنّ هؤلاء النَّفَر استضاءوا بنور القرآن وآمنوا به بمجرد لقائهم داعيَ الله واستماع كلامه، على خلاف مشركي قريش فإنّهم كانوا مع النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)ليل نهار ويسمعون قرآنه وكلامه ولكنّهم بقوا على عنادهم وشركهم، فهم أدنى من الجن.
ثم إنّ إيمان نفر من الجنّ بسماع القرآن الكريم يدلّ على أنّ لكتاب الله جاذبية خاصّة من حيث الصياغة والمعاني والوعظ والإرشاد والوعيد والإنذار، على نحو هزّ هؤلاء النفر من الجنّ وهم بعيدون عن الإنس.

صفحه 78
سورة الأحقاف: الآيات 33 ـ 35   
 
الآيات: الثالثة والثلاثون إلى الخامسة والثلاثين
(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ).

المفردات

يَعْيَ: من الإعياء، وهو عَجزٌ يلحق البدن من المشي، والعِيُّ: عجز يَلحقُ من توَلّي الأمْرِ والكلامِ، قال تعالى: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ)1.
العزم: والعزيمة: عَقدُ القلب على إمضاء الأمر، ويراد به أيضاً: الوجوب والحتم.
أُولو العزم: أصحاب العقد والإرادة الصُّلبة.

1 . سورة ق: 15 .

صفحه 79
 
التفسير

عود على بدء

كان الكلام في صدر السورة عن إمكان البعث مستدلاًّ بقوله: (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ)كما ورد الكلام فيه في قول الوالدين ودعوتهما ولديهما إلى الاعتقاد بالبعث وهو يردّ عليهما بقوله: (أَتَعِدَانِني أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي)، وهنا أيضاً عاد البيان القرآني إلى الاستدلال على إمكان البعث، بقوله:
33. (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):
والرؤية في قوله: (يَرَوْا) هي الرؤية العلمية، بمعنى: أو لم يعلموا: (أَنَّ اللهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)بهذه العظمة والدقّة (وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ): أي لم يعجز (بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى). فخلق السماوات والأرض من عدم، أعجب من إحياء الموتى، ولمّا كان الاستفهام في صدر الآية: (أَوَ لَمْ يَرَوْا)استفهاماً إنكارياً، أُجيب بنفي الإنكار، وقال: (بَلَى)هو قادر على أن يحيي الموتى بل (إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ). فاستدلّ في الآية بخلق السماوات والأرض على إمكان إحياء الموتى، كما استدلّ بأنّه على كلّ شيء قدير على أنّ قدرته أوسع من خلق السماوات والأرض.

صفحه 80
وليست هذه الآية هي الوحيدة التي تقيم الدليل على إمكان إحياء الموتى بخلق السماوات والأرض، بل ورد مثل هذا الاستدلال في غير مورد، قال سبحانه: (أَوَ لَيْسَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ)1 والضمير في (مِثْلَهُمْ)يرجع إلى أجساد البشر التي تَبلى بعد الموت.
34. (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) :
لمّا تقدّم في الآية السابقة إنكار البعث تلويحاً والاستدلال على إمكانه بخلق السماوات والأرض، جاء في هذه الآية عرض المنكرين على النار، لأجل أمرين:
1. جزاءً لإنكارهم.
2. أخذ الاعتراف بخطئهم.
أمّا الأوّل فيشير إليه بقوله: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) وقد تقدّم هذا المضمون في الآية العشرين من هذه السورة.
وأمّا الثاني أي أخذ الاعتراف بصحّة يوم الجزاء وخطئهم فيشير إليه بقوله: (أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى)فهم يعترفون بصحّة ما أُوعدوا به، بل يحلفون عليه بقولهم: (وَرَبِّنَا). فالاستفهام كان تقريرياً لأخذ الإقرار، وفرّع على إقرارهم قوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ)والأمر هنا للسخرية .

1 . يس: 81 .

صفحه 81
35. (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ):
وبما أنّ السورة تضمّنت تكذيب المشركين للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ونسبة الافتراء إليه كما مرّ في قوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)جاءت الآية تأمره بأمرين:
الأوّل: تأمره بالصبر والثبات أمام إيذاء المشركين وتكذيبهم ونسبة الافتراء إليه، فتقول: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ): أي استقم في طريق تبليغ دعوتك كما استقام أصحاب العزم والعقد ممّن مضى من الأنبياء.
كيف؟ وهذا النبي نوح قد لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً ولم يؤمن به إلاّ قليل ومع ذلك لم يفتُر عزمه، وهذا إبراهيم الخليل (عليه السلام)قد أُلقي في النار فلم يجزع، بل ثبت كثبات الجبال، وهكذا النبي موسى وعيسى ابن مريم(عليهما السلام)، فكلّهم كانوا أصحاب إرادة صلبة قوية، وأصحاب قلوب عُقدت على إمضاء الأمر. ولعلّ الأمر بالاقتداء بأصحاب العزم ناظر إلى النبي آدم(عليه السلام)حيث لم يكن له ذلك الثبات المعروف من الأنبياء كما في قوله سبحانه: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)1 .
فعلى هذا فأصحاب العزم من الأنبياء هم مَن كان لهم ثبات وإرادة صلبة أمام مشاكل الدعوة، ولا صلة لهذا ـ بالدلالة المطابقية ـ بمن أتى

1 . طه: 115 .

صفحه 82
بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدّمه، وإن كان منطبقاً عليهم، كما سيوافيك.
وقد ذكر المفسّرون في معنى «أُولي العزم» وجوهاً ربما لا يحتمل بعضها لفظ الجملة، وقد ذكرنا هذه الوجوه في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» وقلنا إنّ أقرب الأقوال هو أنّ المراد من أُولي العزم بعض الأنبياء بشهادة «من» التي تشير إلى التبعيض، وهم: نوح الذي صبر على أذى قومه الذين كانوا يضربونه حتى يُغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحاق على الذبح، ويعقوب على فقدان الولد وذهاب البصر، ويوسف على الجبّ والسجن، وأيوب على الضرّ، وموسى إذ قال له قومه: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)1، وداود الذي ظلّ يبكي على زلّته أربعين سنة، وعيسى الذي لم يضع لبنة على لبنة، وقال: إنّها معبرة فاعبروها ولا تعمُروها2.
قلنا: هذا القول أقرب الأقوال لولا أنّ فيه مسحة إسرائيلية حيث عدّ إسحاق ذبيحاً مع أنّ الذبيح هو إسماعيل ولكنّه لا يضرّ بأصل المعنى، ويؤيده كما أُشير إليه نفي العزم عن آدم بعد ما عهد إليه ونسي ما عهد، والنسيان كناية عن الترك أُطلق السبب وأُريد المسبّب; لأنّ الشيء إذا نُسي تُرك، والمراد من العهد هو النهي عن أكل الشجرة بمثل قوله: ( ولاَ تَقْرَبَا هذِهِ الشّجَرَةَ)3.

1 . الشعراء:61ـ62.
2 . انظر: مجمع البيان:5/194 . واحتمله الفخر الرازي في تفسيره:/468، طبعة مصر عام 1308هـ .
3 . الأعراف : 19.

صفحه 83
وعلى ذلك فالعزم أمّا بمعنى القصد الجازم كما هو الحق، أو الصبر والثبات، ويؤيده ما رواه القمّي في تفسير الآية حيث قال: وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، ومعنى أُولي العزم: أنّهم سبقوا الأنبياء إلى الإقرار باللّه وأقرّوا بكلّ نبي كان قبلهم وبعدهم وعزموا على الصبر مع التكذيب لهم والأذى1.
نعم انحصار عددهم في الخمسة المذكورين في الرواية المتقدّمة يحتاج إلى دليل قاطع. ومع ذلك فهذا القول أقرب الأقوال لكن بتصرّف فيه وهو أن نخصّص العزم القويّ لهؤلاء الرسل ـ أعني: أُولي العزم ـ بما كان في طريق تبليغ رسالاتهم ونشرها بين الناس، لا مجرد ابتلائهم بالشدائد والبلايا ولو كان في غير طريق نشر الدين، فابتلاء يعقوب ويوسف وأيوب وغيرهم لا يجعلهم داخلين في أُولي العزم من الرسل بما هم رسل ذوو رسالة من اللّه سبحانه إلى عباده.
ويؤيده أنّ الآية بصدد تحريض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على تحمّل المشاق في طريق دعوته ورسالته، والقرآن يصف نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى بكونهم ذوي عزائم قوية في سبيل الدعوة وتبليغ الدين. (2)
الثاني: تأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعدم الاستعجال، فتقول (وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)لأنّ الاستعجال بالعذاب ينافي العزم، ولعلّ بعضهم ربّما يهتدي بهدي القرآن وبيان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم إنّ للنهي عن الاستعجال وجهاً آخر وهو أنّهم إن لم يعذَّبوا في الدنيا فسوف يحيق بهم ما كانوا يكذبون به من العذاب، كما يقول سبحانه:

1 . تفسير القمّي :2 / 300.   2 . لاحظ: مفاهيم القرآن: 3 / 102 ـ 110 .

صفحه 84
(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار)وعندئذ يطرأ الحزن وتملأ الحسرة قلوب هؤلاء ويندمون، ولات حين مَندَم، لأنّهم فوّتوا الفرصة.
ثم إنّه يقع الكلام في كيف يتجلى عليهم طول المدّة من موتهم إلى بعثهم أنّه ساعة من ساعات النهار، أي قسماً من أقسام النهار؟
وقد أجاب السيد الطباطبائي عن هذا التساؤل بقوله: بأنّ المشركين إذا رأوا ما يوعدون من اليوم وما هيئ لهم فيه من العذاب كان حالهم حال من لم يلبث في الأرض إلاّ ساعة من نهار، وكأنّ عمر الدنيا يتجلّى عندهم قصيراً جدّاً بالنسبة إلى عمر الآخرة.1
قال الإمام علي (عليه السلام): «إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّام قَلاَئِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ»2.
ويحتمل أن تكون الآية ناظرة إلى قسم من المشركين الذين يكونون نائمين في البرزخ غير معذبين فيه، والله العالم.
قوله تعالى: (بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ): أي ما ذكرنا إعلان وتذكير للناس، مؤمنهم وكافرهم ليتخذ كلٌّ ما هو الأصلح، ومن المعلوم أنّ الكافر لأجل عناده لا يتخذ إلاّ ما فيه هلاكه، كما قال: ( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) ووجه الهلاك أنّ هذا البلاغ يتم الحجّة عليه فيكون هالكاً تالياً.
***
تمّ تفسير سورة الأحقاف

1 . الميزان في تفسير القرآن: 16 / 218 .
2 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 62.

صفحه 85
سورة محمّد   

سورة محمّد

(اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّد وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ * فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْض وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

صفحه 86
دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ * إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ * أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ * مَثَلُ الْجَنَّةِ التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاء غَيْرِ آسِن وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَل مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ * وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ * فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ

صفحه 87
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا * إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيَماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ * فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى

صفحه 88
السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ * إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).

صفحه 89
خصائص السورة

تسمية السورة

تُسمّى السورة في المصاحف بسورة «محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)» وربّما تسمّى بسورة «القتال» لورود الأمر به فيها، مضافاً إلى قوله تعالى: (وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ)في الآية العشرين من السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها أربعون آية في عدّ البصري، وثمان وثلاثون في عدّ الكوفي، وتسع وثلاثون في عدّ الباقين .1
والسورة مدنية، وتشهد لذلك صياغتها ومضامينها.
وعن ابن عباس أنّ قوله سبحانه: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ) نزل حين خرج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة، وجعل ينظر إلى البيت وهو يبكي حزناً عليه.2
وأمّا السنة التي نزلت فيها السورة ففيها قولان:
أ. قيل نزلت بعد يوم بدر.
ب. قيل نزلت في غزوة أُحد، وعلى هذا فنزولها يتراوح بين السنة الثالثة والرابعة.

1 . مجمع البيان: 9 / 171 .
2 . التبيان في تفسير القرآن:9/288.

صفحه 90
 
أغراض السورة
الغرض المهم الذي يدور عليه أكثر آيات السورة هي الدعوة إلى الجهاد وقتال المشركين، ومع ذلك ففيها أُمور أُخرى، كشرح أحوال المنافقين حين نزول السورة، والدعوة إلى الاعتبار بمصير الأقوام السالفين، والدعوة إلى الصلح إذا اقتضته الحال.
ويظهر من التدبّر في مضامين الآيات أنّ السورة نزلت حينما كان الصراع بين المؤمنين والمشركين على قدم وساق، وكان المسلمون في ساعات مصيرية لو ساد فيها عليهم التهاون والتخاذل عن القتال لكُسرت شوكتهم، ولذلك نجد في هذه السورة الدعوة إلى الجهاد والقتال والتشديد عليه.
سورة محمّد: الآيات 1 ـ 3   

الآيات: الثلاث الأُولى

(اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّد وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) .

صفحه 91
 
المفردات
صدّوا: الصدّ: المنع، قال سبحانه: (وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)1 .
أضلَّ: الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، وتقابله «الهداية». وأُريد بقوله: (أَضَلَّ)هنا: أبطل وأضاع (أَعْمَالَهُمْ)، بقرينة قوله تعالى: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي لا يضيعها.
بالهم: البال يطلق على القلب ويستعمل أيضاً في الحال والقَدْر، يقال: أصلح الله بالك، أي حالك. وفي الحديث: «كلّ أمر ذي بال لايُبدأ فيه ببسم الله (بحمد الله) فهو أبتر»، والمراد كلّ أمر ذي قدر وشأن.
أمثالهم: المثل: وصف الشيء، نظير قوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ)2 ولا يراد به المثل بالمعنى المعروف، ويؤيد ما ذكرنا قوله سبحانه: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا * اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)3 فقوله: (اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ)بمعنى: انظر كيف وصفوك بأنّك رجل مسحور. وسيأتي في بعض السور توضيح أكثر وأنّ مصطلح القرآن فيه بمعنى الوصف والتبيين لا بمعنى المثل كما في قولهم: المثل السائر.

1 . النمل: 24 .
2 . الرعد: 35.
3 . الفرقان: 8 ـ 9 .

صفحه 92
 
التفسير
1. (اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) :
هذه الآية براعة استهلال لما سيأتي في الآيات القادمة من التشديد على قتال الكافرين ولذلك بدأ بقوله: (اَلَّذِينَ كَفَرُوا)وأُريد بالكفر الشرك، وكأنَّ الكفر في القرآن الكريم إذا جُرّد عن القرينة يراد به الشرك، بخلاف سائر الكفّار، فلا يستعمل فيهم إلاّ مع القرينة، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَ الْمُشْرِكِينَ )1، وهؤلاء كفروا (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ): أي منعوا الناس من الدخول في دين التوحيد، فعندئذ (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ): أي أبطل الله وأضاع ما عملوا، من صلة الأرحام والإنفاق على المحتاجين وقِرى الضيوف وغيرها لأجل صدّ الناس عن متابعة دين النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). ونقل في المجمع أنّ الآية نزلت في المطعمين ببدر، وكانوا عشرة أنفس أطعم كلّ واحد منهم الجند يوماً .2
وقد ورد في غير واحدة من الآيات أنّ الإيمان بالله هو شرط قبول الأعمال، فالكافر وإن قام بالإطعام، ولكن لمّا كان كافراً غير شاكر للمنعم الحقيقي يصير عمله في دار الآخرة هباءً منثوراً، كما قال تعالى: (وَ قَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)3 .

1 . البينة: 6 .
2 . مجمع البيان: 9 / 173 .
3 . الفرقان: 23 .

صفحه 93
وعلى هذا فقد عُرّف المشركون بأوصاف ثلاثة:
أ. الكفر: (اَلَّذِينَ كَفَرُوا).
ب. المنع من اتّباع الحقّ: (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ).
ج. بطلان الأعمال:(أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ).
وإن شئت قلت: عُرّفوا بوصفين (الأول والثاني) وجوزوا بالثالث.
لمّا وصف الكافرين مرفقاً بجزائهم، عاد إلى بيان وصف الفريق الآخر وقال :
2. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّد وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ):
وصف سبحانه الفريق الذي يقابل فريق الكافرين بثلاثة أوصاف، وذكر لهم جزاءين:
أ. الإيمان (وَالَّذِينَ آمَنُوا)أُريد به الإيمان بوحدانية الله وبكلّ ما أنزله سبحانه من الشرائع.
ب. صلاح الأعمال (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)لأنّ العمل لا ينفكّ عن الإيمان الحقيقي.
ج. الإيمان بالكتاب المجيد (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ)بالخصوص (عَلَى مُحَمَّد) (صلى الله عليه وآله وسلم)من القرآن والعبادات، ويمكن أن يكون متعلّق الإيمان هنا وفيما تقدم من قوله (وَالَّذِينَ آمَنُوا) واحداً، وإنّما خصّ الإيمان بما أنزل على محمد بالذكر تشريفاً له وتعظيماً. ثم إنّه سبحانه يصف ما نزل على رسوله

صفحه 94
بأنّه (وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ): أي الحق الآتي من قبل الله وليس أمراً مبدعاً من قبل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
هذه صفاتهم وسماتهم، وأمّا جزاؤهم فيجزون بأمرين:
أ. ( كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ): أي غفرها لأجل الاجتناب عن الكبائر، قال سبحانه: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)1 .
ب. (وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ): أي عقولهم أو أحوالهم. أمّا العقول فلا يعتقدون إلاّ بما تثبته الفطرة أو العقل الحصيف; وأمّا حالهم، فلقد أصبحوا يعيشون في طمأنينة من دون بلبلة خاطر كما في قوله سبحانه: (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)2 .
وبين الآيتين: الأُولى والثانية حسن الطباق والمطابقة، وهو الجمع بين المتقابلين كقوله سبحانه: (وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَ هُمْ رُقُودٌ)3، وقوله: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ)4 .
وأمّا المقام فالطباق والمطابقة ظاهر عند المقايسة، مثلاً:
سورة محمّد: الآيات 4 ـ 6   
قوله: (اَلَّذِينَ كَفَرُوا)             يقابله    قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا )
قوله: (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ)   يقابله    قوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )
قوله: (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)      يقابله    قوله: (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)

1 . النساء: 31.
2 . الرعد: 28 .
3 . الكهف: 18 .
4 . الأنعام: 122.

صفحه 95
وأمّا ما هو السبب لهذا النوع من الجزاءين المتضادين والمصيرَين المختلفين فهذا ما بيّنه سبحانه في الآية التالية:
3. (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ):
(ذَلِكَ): أي السبب في إضلال عمل الكافرين هو أنّهم (اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ)، وأمّا السبب في إصلاح عمل المؤمنين فهو أنّهم(اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ)، فالباطل بما أنّه لا يتمتع بشيء من الأصالة، بل هو ركام من الأوهام، فما يقام عليه يسقط وينهار، ولا يبقى له أثر يُنتفع به وتحصل به الفائدة، وأمّا الحق فبما أنّه أصيل ومتجذّر في الوجود، فما يُبنى عليه يثبت ويرسخ، يقول سبحانه: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) 1.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ): أي يشرح حالهم وأمثالهم، فللحق دولة وللباطل جولة، فالمؤمن بالله العليّ العظيم خالق السماوات والأرض يكون ناجحاً في الحياة الدنيا والآخرة، وأين هو من المتمسّك بالأصنام والأوثان التي لا تستطيع الذبّ عن نفسها، فكيف عن عبّادها؟

الآيات: الرابعة إلى السادسة

(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ

1 . الرعد: 17 .

صفحه 96
فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْض وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) .

المفردات

الرِّقاب: جمع رقبة: وهو اسم للعضو المعروف.
أثخنتموهم: ثخن الشيء فهو ثخين إذا غلظ فلم يستمرّ في ذهابه ويوصف به المائع إذا جمد، أو قارب الجمود، بحيث لا يسيل بسهولة، واستعير في الآية للقتل الكثير أو الجرح بحيث يوجب توقّف العدو وعجزه عن الحركة. وقال بعض المفسّرين: الإثخان هو القتل الذريع الشديد الكثير الذي تتحطم به قوّة العدو بحيث لم يبق له رمق الهجوم ولا الدفاع ولا الفرار.1 وما ذكره لازم المعنى بالنسبة إلى المورد.
الوَثاق: ما يُشدّ به من قيد وحبل ونحوهما.
منّاً: أي إطلاقاً من الأسر بالمجّان.
فداء: أي إطلاقاً في مقابلة مال أو غيره.
أوزارها: الأوزار: الأحمال، ويراد بها هنا آلات الحرب وأثقالها.

1 . الفرقان في تفسير القرآن: 26 / 86 .

صفحه 97
 
التفسير
4. (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْض وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) :
دلّت الآيات السابقة على أنّ فئة المؤمنين على الحق وفئة الكافرين على الباطل، فإذا تلاقوا في ساحة الحرب فعلى المؤمنين أن يُديروا على الكافرين كؤوس المنايا بوضع السيوف في رقابهم، كما قال: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ). ولعلّ الحكم ورد مورد الغلبة وإلاّ فالمراد قتلهم بأي نحو كان بالرمي بالسهام أو الطعن بالرماح، ثمّ إنّ ضرب الرقاب له هدف واضح حدّده بقوله: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ): أي أكثرتم القتل في صفوف العدو وعندئذ يتوقّف ضرب الرقاب، ويُلجأ إلى أسر من يعجز عن القتال منهم أو يستسلم طلباً للنجاة ويشدّ وثاقهم كما يقول: (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ)، بقيد أو حبل أو نحوهما، لكي لا يفرّ أحد منهم ويعيد الكرّة على المؤمنين.
وأمّا أُسلوب التعامل مع الأسرى فذكرت له الآية طريقين:

صفحه 98
أ. (فَإِمَّا مَنًّا): أي يطلق سراحه بلا عوض.
ب. ( وَإِمَّا فِدَاءً): أي يطلق سراحه بعوض.
والتعامل مع الأسرى بأحد الأسلوبين محدّد بانتهاء الحرب وإلقاء العدو السلاح، كما يقول: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا).
وبذلك نرى أنّه سبحانه في هذه الآية يشير إلى برامج الحرب:
أ. ضرب الرقاب عند اللقاء.
ب. استمراره إلى حدّ الإثخان واصطباغ الأرض بدماء العدو، حتى تتحطّم القوة العسكرية للعدو، ويتحطّم غروره واستعلاؤه، ويكفّ عن البغي والعدوان.
ج. أخذ الأسرى بعد الإثخان، والتعامل معهم بأحد الأُسلوبين المذكورين.
د. التعامل مع الأسرى بأحد الوجهين محدّد باستسلام العدو وإلقاء السلاح وترك المعركة.
وحاصل الكلام: أنّ في الآية غايتين:
الأُولى: قوله: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ) .
الثانية: قوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) .
أمّا الأُولى فهي غاية لضرب الرقاب، فعند الإثخان يتوقّف الضرب لطروء الضعف على قوّة العدو العسكرية، وفقدان القدرة على التحرّك والمواجهة، وعند ذاك تأتي الخطوة التالية، وهي أخذ الأسرى.
وأمّا الثانية أعني: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) فهي غاية لشدّ الوثاق

صفحه 99
وحبس العدو واعتقاله، بل عندئذ يطلق سراحهم بأحد الوجهين: إمّا بالمنّ وإمّا بالفداء. وسيوافيك الكلام بعد الفراغ من تفسير السورة مقال مبسوط حول نظام الرقّ في الإسلام، فانتظر.
ثم إنّ الغاية الأُولى ـ أعني: إيقاف ضرب الرقاب إلى حدّ الإثخان ـ جاء ذكرها في قوله سبحانه: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَ اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)1.
فقد مُنع من أخذ الأسرى ما دامت نار الحرب مشتعلة، بل يقتل إلى حدّ الإثخان، فإذا أثخن فعندها يتوقّف القتل ويصل الدور للغاية الثانية على النحو الذي مرّ ذكره. .
يقول الطبرسي: (مَا كَانَ لِنَبِيّ): أي ليس له، ولا في عهد الله إليه (أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى)من المشركين ليفديهم أو يمنّ عليهم (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ): أي حتى يبالغ في قتال المشركين وقهرهم، ليرتدع بهم مَن وراءهم. (تُرِيدُونَ)هذا خطاب لغير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من المؤمنين الذين رغبوا في أخذ الأسرى قبل الإثخان، وما ذلك إلاّ لأجل الانتفاع بوجودهم كما يقول سبحانه: (عَرَضَ الدُّنْيَا)، وهو معرض الزوال (وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ): أي تريدون عاجل الحظ من عرض الدنيا والله يريد لكم ثواب الآخرة (وَاللهُ عَزِيزٌ)لا يغلب (حَكِيمٌ)يجري أفعاله على ما توجبه الحكمة.
وقد كان أخذ الأسرى قبل الإثخان أمراً مبغوضاً إلى حدٍّ يستحق الأخذ العذاب الأليم، ولكنّه سبحانه عفا عنهم كما يقول: (لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ

1 . الأنفال: 67 .

صفحه 100
لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)1: أي لولا ما مضى من حكم الله ألاّ يعذب قوماً حتى يبيّن لهم ما يتّقون وأنّه لم يبيّن لكم ألاّ تأخذوا الأسرى، لعذّبكم بعملكم .2
ثم ربّما يقال: إنّ قوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) ناسخة لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ)3، لأنّ هذه السورة متأخرة نزولاً عن سورة الأنفال فتكون ناسخة لها.
يلاحظ عليه: أنّ القائل خلط بين الغايتين، فالإثخان غاية لضرب الرقاب وقتل العدو، وهو ينتهي بالإثخان، وأمّا وضع الحرب أوزارها، فهو غاية لشدّ الوثاق وحبس الأسرى، وهو ينتهي بانتهاء الحرب، وعند ذلك يطلق سراحهم بأحد الأُسلوبين.
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى صدر الآية، وبقي الكلام في ذيلها، أي قوله تعالى: (وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ): أي من الكفّار بإهلاكهم وتعذيبهم بما شاء (وَلَكِنْ)يأمركم بالحرب وبذل الأرواح في إحياء الدين (لِيَبْلُوَا): أي ليمتحن (بَعْضَكُمْ بِبَعْض)فيظهر المطيع من العاصي.
وبعبارة أُخرى: لو كان الغرض هو هلاك الكفّار فقط فالله سبحانه قادر على إهلاكهم بما شاء من أنواع العذاب، ولكنّه سبحانه أراد من وراء ذلك ابتلاءكم حتى يتبيّن المستحقّ للثواب من غيره، ولذلك أمركم بالقتال والجهاد.

1 . الأنفال: 68 .
2 . مجمع البيان: 4 / 535، بتصرف يسير.
3 . الأنفال: 67 .

صفحه 101
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) متفرّع على اختبار الحاضرين في سوح القتال، أي فمن بذل روحه في إحياء الدين والدفاع عن الحقّ، (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) بل يقبلها ويجازيهم عليها ثواباً.
5 و 6. (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ):
لمّا تقدّم ذِكر من بذل نفسه في سبيل الله، أردفه بذكر ما يُجزَون به من أنواع الجزاء:
أ. ما تقدّم في الآية السابقة، أعني قوله: (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)، وقد مرّ تفسيره .
ب. (سَيَهْدِيهِمْ): أي سيهديهم إلى منازل الكرامة والسعادة والمقامات السامية والفوز العظيم.
ج. (وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ): أي يهبُ لهم الهدوء واطمئنان الخاطر في مقابل بلبلة خواطر الكفّار والفسّاق. ثم إنّ إصلاح البال في المقام غيره ممّا تقدّم في الآية الثانية، لأنّ ذاك راجع إلى الدنيا، والمقام راجع إلى الآخرة .
د. (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ)ولعلّه توضيح لما مضى من قوله: (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) فإنّ إدخالهم الجنة من مصاديق عدم إضلال الأعمال.
قوله تعالى: (عَرَّفَهَا لَهُمْ): أي سيدخلهم الجنة والحال أنّه عرّفها لهم عن طريق الوحي وبيان الأنبياء، ويمكن أن يكون البيان عند القبض عن طريق الملائكة.
ثم إنّ ما ذكر من التفصيل في حقّ الشهداء إيضاح لما في قوله سبحانه:

صفحه 102
(وَ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)1.

سورة محمّد: الآيات 7 ـ 12   

الآيات: السابعة إلى الثانية عشرة
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ * إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ).

المفردات

تعساً: التعس: الانحطاط والإذلال والتحقير.
أحبط: أبطل.
مثوى: الثواء: الإقامة مع الاستقرار.

1 . آل عمران: 168 .

صفحه 103
 
التفسير
7. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ):
لمّا تقدّم في قوله سبحانه: (وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ)أنّه سبحانه قادر على إهلاكهم ولكن يريد إهلاكهم بأيديكم للاختبار، دعا في هذه الآية إلى نصرة دين الله تعالى، فقابل بين الطائفتين في الجزاء والمصير:
أ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا).
ب. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) .
أمّا الطائفة الأُولى فقد دعاهم إلى الجهاد وحثّهم على نصرة دين الله وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ): أي تنصروا دين الله. ثم رتّب على من نصر دين الله أمرين:
أ. (يَنْصُرْكُمْ)على أعدائكم.
ب. (وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) عند ملاقاة العدو. والظاهر أنّه كناية عن تقوية القلوب وشدّ العزائم. وعلى هذا يكون سبحانه قد وعد من جاهد في سبيل الله واستعدّ للقتال، بالنصر أوّلاً، وتثبيت الأقدام ثانياً.
وأمّا الطائفة الأُخرى فقال في حقّهم :
8 . (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) :

صفحه 104
فهذه الفرقة يدعو الله عليهم في أوّل الأمر بالإذلال والتردّي ويقول: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ): أي إذلالاً وانحطاطاً. ثم حكم ببطلان أعمالهم ثانياً بقوله: (وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)والمراد به ما تقدّم في أوّل السورة حيث قال: (اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) .
وقد مرّ أنّهم لا ينتفعون بأعمالهم من الإطعام وغيرها لأنّها عملت على غير الوجه المراد، فلا يُجزَون عليها في الآخرة.
ولمّا كان هنا موضع سؤال، وهو أنّه سبحانه لماذا يتعامل مع الكافرين بالدعاء عليهم أوّلاً، وإضلال أعمالهم ثانياً، جاء البيان القرآني لبيان وجه ذلك، وقال:
9. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) :
(ذَلِكَ): أي التعس وإضلال الأعمال (بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ)على نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من الآيات البيّنات وقاموا بوجهه، فلذلك (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ): أي جعلَها هباءً منثوراً فلم ينتفعوا بها، لعدم قيامها على الشرط الأساسي لقبول الأعمال، وهو الإيمان.
10. (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا):
لمّا تقدّم أنّه سبحانه دعا على الكافرين بالتعس والإذلال والتحقير، وأمر بالسير في الأرض حتى تتبيّن عاقبة هؤلاء وأنّه كيف شملهم الإذلال، وقال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): أي

صفحه 105
قبل هؤلاء الكفّار من الأُمم الغابرة، فالله سبحانه أذلّهم و (دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ): أي أهلك ما يخصّهم من نفس وأهل ودار وعقار. ثم إنّ ذلك العقاب سنّة من سُنن الله تعالى فليحذر كفّار قريش ومن هم على شاكلتهم من أن يدمّر الله تعالى عليهم كما قال: (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا): أي لكفّاركم أمثال عاقبة الذين من قبلهم من الدمار .
ولعلّ هناك مَن يسأل: ما هو السبب لكون النصر حليف المؤمنين والهزيمة والخزي نصيب الكافرين، فأجاب عن ذلك بقوله:
11. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ) :
(ذَلِكَ): أي نصر المؤمنين وإذلال الكافرين لسببين:
أ. ما سبق في قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ)بخلاف المؤمنين.
ب. ما ذكره في المقام، وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا): أي وليّهم، والوليّ ينصر المولّى عليه .
وأمّا الكافرون فقد قال في حقّهم: (وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ) والمراد من الوليّ هنا هو الناصر أو المتصرّف في مورد المولّى عليه، والولاية بهذا المعنى تختصّ بالمؤمن، وأمّا الولاية النابعة من الخالقية والربوبية فهي تعمّ المؤمن والكافر، قال سبحانه: (وَ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ)1، أي ردّ الذين كفروا إلى الله سبحانه الّذي هو ربهم وخالقهم، فلا منافاة بين الآيتين.

1 . يونس: 30 .

صفحه 106
سورة محمّد: الآيات 13 ـ 15   
12. (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ):
انتقل البيان القرآني إلى بيان جزاء كلٍّ من الطائفتين :
1. (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ).
2. (الَّذِينَ كَفَرُوا).
أمّا الطائفة الأُولى فذكر مصيرهم بقوله: (جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ )، فقوله: (مِنْ تَحْتِهَا) له وجهان:
أ. أن تكون «من» زائدة ويكون المعنى: تجري تحتها .
ب. أن لا تكون زائدة فالمراد أنّ ماءها من تحتها لا يجري إليها من موضع آخر، كما يقال: هذا النهر منبعه من عين كذا أو من تحت جبل كذا.
وأمّا الطائفة الثانية فقد بيّن حالهم في الدنيا ومصيرهم في الآخرة.
أمّا الدنيا فقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ): أي ليس لهم هدف إلاّ التمتع ولذلك قال: (وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ)التي همّها علفها، هذا حالهم في الدنيا .
ثم إنّه سبحانه أشار إلى ذلك في موضع آخر وقال: (وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَ الإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَ لَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)1.

1 . الأعراف: 179 .

صفحه 107
فصدر الآية بمنزلة قوله في المقام: (وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)، وأمّا ذيل الآية أعني قوله: (أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ)فبمنزلة قوله تعالى: (وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ).
فإن قلت: إنّ المؤمن يتمتّع ويأكل، فلماذا خصّهما بالكافر ؟
قلت: ثمّة فرق بين التمتّعين والأكلين، فالكافر (وكلّ طالب للدنيا) يجعل همّه في التمتع والأكل، ويسلك كلّ طريق للاستئثار بأكبر قدر من متع الحياة، غافلاً عن الغاية من خلقه ووجوده، غير مفكّر بعاقبته ولا بمصيره فيما بعد الموت، وأمّا المؤمن فيأخذ نصيبه من الدنيا، دون أن ينسى أهدافه الكبرى في الحياة، أو يشغله ذلك عن التفكير في آخرته والتمهيد لنفسه فيها بالعمل الصالح. وخير ما يجلّي هذا المعنى قول أمير المؤمنين(عليه السلام)في كتاب له إلى عثمان بن حُنيف الأنصاري (وكان عامله على البصرة): «فما خُلقتُ ليشغَلني أكلُ الطيِّبات، كالبهيمة المربوطة، همُّها عَلفُها، أو المُرسَلة شُغْلُها تقمُّمُها، تكترش من أعلافها، وتلهو عمّا يُراد بها».1
هذا حالهم في الدنيا، وأمّا الآخرة (وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) وكأنّ النار محيطة بهم وهم لا يعلمون، لأنّ معنى قوله: (مَثْوًى لَهُمْ): أي حالياً، نظير قوله سبحانه: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَُمحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)2 .

الآيات: الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة

(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ * أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 45.
2 . التوبة: 49 .

صفحه 108
زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ * مَثَلُ الْجَنَّةِ التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاء غَيْرِ آسِن وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَل مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ).

المفردات

كأيّن: كلمة تدلّ على كثرة العدد، ككم الخبرية.
آسن: أسنَ (بفتح السين وكسرها) الماء إذا تغيّر ريحه تغيّراً منكراً.
حميماً: شديد الحرارة.
أمعاء: جمع معى، وهو ما ينتقل الطعام إليه بعد نزوله من المعدة.

التفسير

13. (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ) :
تقدّم في قوله سبحانه: (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)ومضى في تفسيره أنّ لكفّار قريش أمثال تلك العاقبة، وفي المقام يستدلّ على شمول سوء العاقبة لهم بقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ)يعني مكّة المكرمة (أَهْلَكْنَاهُمْ) ولم تمنع

صفحه 109
قوتهم من إهلاكهم فليكن ذلك عبرة لأهل مكة الذين أخرجوك منها، فليس ببعيد أن يعمّهم العذاب (فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ). وكأنّ هذه الآية تسلية للنبي وتقوية لقلبه وأنّ الله سبحانه سيهلكهم بأيدي المؤمنين.
قال السيد الطباطبائي وغيره: الدليل على أنّ المراد بالقرية أهل القرية، قوله بعد: (أهلكناهم).1
14. (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ):
لمّا بيّن سبحانه حال المؤمن والكافر بقوله: (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ)عاد في هذه الآية إلى تبيين حالهم ببيان آخر، وهو أنّ المؤمن على حجّة من ربّه يقتفي البرهان بخلاف الكافر فإنّه يقتفي هواه، كما قال: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ): أي على حجّة تدلّه على الحق، ولعلّ قوله: ( مِنْ رَبِّهِ)بمعنى كونه متمسكاً بحجّة الله، بخلاف الكافر فإنّ مثله (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ): أي سوّلت له نفسه الأعمال السيئة، كعبادة الأصنام وارتكاب الفواحش ووأد البنات، فهم قد (اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)، فأين مَن يتّبع البراهين الواضحة والفطرة السليمة في مجالي العقائد والأحكام، ممّن يتّبع أهواء النفس التي تزيّن الفاسد وتجعل الباطل حقّاً؟ فلأجل وجود الفرق الشاسع بين الفريقين اختلف مصيرهم وجزاؤهم كما يقول:

1 . الميزان في تفسير القرآن: 18 / 232 .

صفحه 110
15. (مَثَلُ الْجَنَّةِ التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاء غَيْرِ آسِن وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَل مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ):
اختلف المفسّرون في إعراب الآية على وجوه، والظاهر أن يقال:
(مَثَلُ الْجَنَّةِ) مبتدأ، وقوله: (التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ)من متعلّقات الجنة، وأمّا خبره فمحذوف، أعني قوله: جنة، فيكون المعنى: صفة الجنة التي وعدها الله المتقين عبارة عن الأمر التالي: جنة فيها أنهار.
ثم ذكر في الآية ستة أنواع من نعم أهل الجنة، أربعة منها عبارة عن أنهار جاريات، ولكلّ طعم خاص.
أ. (أَنْهَارٌ مِنْ مَاء غَيْرِ آسِن).
سورة محمّد: الآيات 16 ـ 19   
ب. (وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ).
ج. (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ)من دون سُكْر ولا زوال عقل ولا كلام لغو، بخلاف خمر الدنيا فإنّ شربها يلازم زوال العقل واللغو في الكلام، وقد أشار سبحانه في بعض الآيات إلى أوصاف خمر الآخرة، وقال: (لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَ لاَ يُنْزِفُونَ)1.
د. (وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَل مُصَفًّى).

1 . الواقعة: 19 .

صفحه 111
هذه هي الأنهار الأربعة التي لكلّ منها طعم خاص ومزية خاصّة .
وثمّة نعمتان أُخريان إحداهما جسمانية، والأُخرى روحانية. أمّا الأُولى فقوله: (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ): أي من جميع أصناف الفواكه من دون أن يخصّها بفاكهة معيّنة.
وأمّا الروحانية فهي (وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ)فرحمة الله تعالى تستر هفواتهم، وسيكون المتّقي من مصاديق قوله سبحانه: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) 1 .
قوله: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ)قياس محذوف أحد طرفيه، والمعنى:
أمّن يدخل الجنة التي هذا مثلها كمن هو خالد في النار، أوّلاً، وشرابهم الماء الشديد الحرارة الذي يقطّع الأمعاء ثانياً، كما قال:(وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)؟ لا والله لا يستويان بحال، فقد ذكر سبحانه أنّ لأهل الجنة أنهاراً أربعة وفواكه ومغفرة، وأمّا غيرهم فقد ذكر لهم جزاءين :
1. شرابهم الماء الحميم.
2. تقطّع الأمعاء، من فرط حرارة ذلك الماء. أعاذنا الله من ذلك .

الآيات: السادسة عشرة إلى التاسعة عشرة

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ * وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى

1 . المائدة: 119 .

صفحه 112
وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ * فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ):

المفردات

آنفاً: من الأنف وهو الجارحة، ويسمّى به طرف الشيء، فيقال: أنف الجبل، والأنَفة: الحميّة، ويقال: استأنفت الشيء: أخذت أنفه، أي مبدأه، ومنه قوله تعالى: (مَاذَا قَالَ آنِفًا): أي مبتدأ .1 والمراد به هنا: الساعة قبل قليل .
بغتة: فَجأة.
أشراطها: الأشراط جمع الشرط بمعنى العلامة، وأشراط الساعة: علاماتها.

التفسير

16. (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) :

1 . المفردات للراغب: 28 .

صفحه 113
عكست الآيات السابقة أقوال الكافرين الذين يعلنون بالكفر، وبيّنت مصيرهم، قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)، وهذه الآية وما بعدها تصوّر أحوال المنافقين الذين هم قسم من الكفّار لكن يتظاهرون بالإيمان ويبطنون الكفر، فكانوا يحضرون مجالس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ويستمعون إلى ما يقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وما يبلغه، بيد أنّهم كانوا يخرجون من عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ساخرين مستخفّين بما سمعوه منه(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يقول سبحانه: (وَمِنْهُمْ)الضمير يعود إلى الذين كفروا الذين جاء ذكرهم غير مرّة (مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)يستمعون آيات الله كما في قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً)1، وفي آية أُخرى: (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ)2.
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ): أي خرجوا بعد انفضاض المجلس (قَالُوا)سخرية واستهزاء (لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ): أي المؤمنون الذين فتحوا قلوبهم لاستماع كلمات الله والاهتداء بها (مَاذَا قَالَ آنِفًا): أي ماذا قال ذلك الرجل قبل قليل؟ أي نحن لم نفهم ماذا قال، فهل أنتم فهمتم شيئاً؟ وهذا ديدن مَن لا يعجبه شيء، فيعبّر عنه بهذا التعبير.
فالبيان القرآني يردّ على قولهم بأنّ عدم فهمهم لكلام الله سبحانه وكلمات نبيّه لا لقصور فيها بل لتقصير في السامعين حيث أوصدوا قلوبهم عن الانفتاح لهدي الآيات والكلمات الحقّة، والسرّ في ذلك هو انقيادهم لأهوائهم الفاسدة، كما قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا

1 . الأنعام: 25.
2 . يونس: 42 .

صفحه 114
أَهْوَاءَهُمْ) فعلّل عدم فهمهم وعدم اهتدائهم أو عدم إعجابهم بأمرين:
أ. (طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ).
ب. (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ).
ومن المعلوم أنّه سبحانه لا يطبع على قلب عبد ابتداءً وإنّما يطبع لأجل سبب يورث الطبع وهو اتّباع الهوى، فهذا هو السبب للطبع، فهو معلول، واتّباع الهوى علّته، ويشهد لذلك بعض الآيات، منها: قوله سبحانه: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ)1 فزيغهم عن الحق أوّلاً صار سبباً لإزاغة الله قلوبهم التي يراد بها قطع توفيقه المرادف لطبع القلوب، وقوله سبحانه: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار)2، فكبْرهم هو سبب هذا الطبع والتغطية على قلوبهم، فلا يَعون الحقائق الإلهية ولا يوفّقون.
وكذلك قوله سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ)3، فإيمانهم أوّلاً وكفرهم ثانياً صار سبباً لحرمانهم من هداية الله.
17. (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ):
كان الموضوع في الآية السابقة يتعلّق بفريق الكافرين، وأمّا الموضوع في هذه الآية فيتعلّق بفريق المؤمنين كما قال: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا). فالكافر من لم يهتد بفطرته وعقله، والمؤمن هو الذي اهتدى بفطرته وبرهان عقله. ثم إن الفريق الأوّل وُصِفُوا بأمرين:

1 . الصف: 5 .
2 . غافر: 35.
3 . المنافقون: 3 .

صفحه 115
أ. الطبع على القلوب.
ب. إتّباع الأهواء.
وأمّا المؤمنون، فالله سبحانه جازاهم بأمرين:
أ. (زَادَهُمْ هُدًى)
ب. ( وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) .
أمّا الأوّل ـ أي زيادة الهداية ـ فهو نتيجة اهتداء الإنسان بفطرته السليمة وعقله الحصيف وكلمات نبيّه، فصار ذلك سبباً لشموله بالألطاف الإلهية، وهو هدى على هداية.
وبتعبير آخر: من أقفل قلبه ولم يهتد بفطرته وعقله لا يستحق هدى من الله سبحانه، لأنّه هو الذي صار سبباً لحرمانه منه، بخلاف مَن اهتدى وفتح قلبه وجعل نفسه في مسار نزول البركات فتنزل عليه بركات إضافية، زائدة، وهذا هو الذي يشير إليه قوله: (زَادَهُمْ هُدًى)ومن المعلوم أنّ المراد بالهدى، هو الهداية في مجال العقائد والمعارف الإلهية.
وأمّا الثاني ـ أعني: إتيان التقوى ـ فيوجب الورع عن محارم الله والتجنّب عن المعاصي، وبذلك يُعلم أنّ الفقرتين ناظرتان إلى رفعة هؤلاء في كلا المجالين أي العقائد والأعمال.
إلى هنا تبيّن تفسير الآية، بقي الكلام في وجه تقابل هذين الأمرين مع ما سبق في وصف الكافرين، وهو:
1. الطبع على القلوب الملازم لعدم الاهتداء، فيقابل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا).

صفحه 116
2. اتّباع الهوى على طرف التضادّ مع التقوى، فيقابل قوله: (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ).
18. (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) :
وردت الآية في سياق التهكّم، حيث وصفت حالهم ـ لا مقالهم ـ بأنّهم ينتظرون أن يأتي يوم القيامة حتى يروا مواعيد الله سبحانه بأُمِّ أعينهم فيؤمنوا بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا وإن لم يتكلّم به هؤلاء، غير أنّ عملهم وتعاملهم مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يرشد إلى ذلك كما يقول: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً).
والفقرة تتركّب من أمرين:
أ. أنّ الكفّار المسوِّفين ينتظرون يوم القيامة حتى يؤمنوا.
ب. (أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً)هذا بيان لحال الساعة، ولا يرجع إلى تبنّي الكافرين، لأنّ مجيء القيامة بغتة من الأُمور التي كشف عنها الوحي، فكيف تكون مورد زعمهم؟
(فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)أي جاءت علائم القيامة، وأبرزها: إرسال خاتم النبيّين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنزال آخر الكتب السماوية، القرآن الكريم، وغير ذلك.
فبما أنّ الساعة تأتي بغتة، فكيف يتمكّن هؤلاء من التذكّر والإيمان، كما قال: (فَأَنّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ)بغتة (ذِكْرَاهُمْ)؟
وقوله: (ذِكْرَاهُمْ) مبتدأ مؤخّر، خبره قوله: (فَأَنّى لَهُمْ) وجملة: (إِذَا جَاءَتْهُمْ)معترضة بين المبتدأ والخبر، وتقدير الآية: فأنّى لهم ذكراهم إذا

صفحه 117
جاءتهم الساعة. لأنّ يوم القيامة يوم الجزاء، والدنيا يوم العمل، والآية نظير قوله: (أَنى لَهُمُ الذِّكْرى)1.
19. (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ):
لمّا ذكر حال المؤمنين في الدنيا والآخرة، كما ذكر حال الكافرين والمنافقين كذلك ، فرّع على ما ذكر، أمره للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالثبات على خط التوحيد، فإنّه هو الأصل الذي بعث لأجله الأنبياء، قال سبحانه: (وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)2، ولذلك قال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)فهو الخالق والمدبِّر والمستحق للعبادة دون غيره، فلا خالق ولا مدبِّر ولا معبود بالحق سواه.
ثم أمره سبحانه بالاستغفار فقال: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ). أمّا الاستغفار لنفسه(صلى الله عليه وآله وسلم) من الذنب، فسيوافيك الكلام فيه في سورة الفتح عند تفسير قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مَا تَأَخَّرَ)3 .
وأمّا استغفاره للمؤمنين فيورث تطهيرهم من المعاصي والذنوب، ويورث استمطار البركات والخيرات.

1 . الدخان: 13.
2 . النحل: 36 .
3 . الفتح: 2.

صفحه 118
ثمّ إنّه علّل سبحانه الاستغفار بقوله: (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ): أي المكان الذي يكثر التردّد إليه، (وَمَثْوَاكُمْ): أي محلّ استقراركم. والآية كناية عن كونه سبحانه يعلم ظاهركم وباطنكم وسرّكم ونجواكم، وحركاتكم وسكناتكم.

سورة محمّد: الآيات 20 ـ 24   

الآيات: العشرون إلى الرابعة والعشرين
(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا).

المفردات

مُحْكَمَةٌ: المحكم: في مقابل المتشابه، أي واضح الدلالة لا يقبل التأويل.
المغشيّ: غُشي على فلان إذا نابه ما غشّى فهمه وستَره.
عسيتم: عسى كلمة تدلّ على: الطمع والترجّي.

صفحه 119
 
التفسير
20 . (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ) :
من سمات المنافق الجُبن، وإيثار عرض الحياة الدنيا، ومحاولة الحصول عليه من أيسر طريق، وبلا جهد ومشقّة، ولذا يتلوّن ألواناً، ويفتنّ افتناناً، فكيف لا يفزع من القتال إذا ما دعي إليه؟ وكيف لا يرتجف قلبه، ولا يشخص بصره خوفاً وفرَقاً من تكاليفه الباهظة، وهو غير مستعدّ لتحمّل أي جهد وعناء، وتضحية وفداء، لطبيعته التي وصفناها، ولعدم تصديقه بيوم البعث والجزاء؟ أمّا المؤمن فيتمنّى أن يؤذن له بالقتال والجهاد، حينما يُبغى عليه ويُعتدى على دينه، فإذا ما أُمر به انطلق إليه مبتغياً رضوان الله، متطلّعاً إلى ما عنده سبحانه من الأجر العظيم.
وإلى هذين الموقفين يشير قوله سبحانه: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ)فترى الطائفة المؤمنة، إذا فُرض القتال، مشتاقين إلى الجهاد مرتاحين لسماع السورة، لبذل الأرواح، ولكن ترى أصحاب القلوب المريضة يتسلّط عليهم الخوف والرعب، كما يقول: (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ)أيّها النبي (نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)وهو المحتضر، فيرتجفون من سماع اسم الجهاد في سبيل

صفحه 120
الله، وكأنّ أرواحهم تكاد تفارق أجسادهم وهم ينظرون إلى النبي دون حركة في عيونهم. وهذا هو الفرق بين الطائفتين، فطائفة تعشق الجهاد وبذل النفس والنفيس، وتكاد أن تفارق أرواحُهم أجسادَهم لكثرة الشوق إلى الجنان، وأُخرى تخاف من اسم القتال والجهاد وتكاد أرواحهم تفارق أجسادهم هلعاً من القتال في ساحة الحرب وانقطاع حياتهم تماماً.
فالأَولى اللائق بهم هو الموت والهلاك، كما يقول سبحانه: (فَأَوْلَى لَهُمْ): أي الموت والهلاك أولى لهم .
21. (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) :
اختلف المفسّرون في إعراب قوله: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)والظاهر أنّه مبتدأ خبره محذوف أي أولى لهم. والمراد أنّ طاعة النبيّ وقولهم المعروف بدل القول المنكر أولى لهم وأفضل.
كان المنافقون يثبّطون المؤمنين عن الجهاد بتعابير مختلفة، تارة يقولون: (لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ)1، وأُخرى يتّهمون الله عزّ وجلّ بتغرير المسلمين كما في قوله: (وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَ رَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا)2 .
كلّ ذلك لأجل تثبيط المؤمنين عن التوجه إلى ميادين القتال فنزلت هذه الآية لنصحهم وبيان ما فيه صلاحهم، قال: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)أمثل

1 . التوبة: 81 .
2 . الأحزاب: 12.

صفحه 121
وأولى لهم ، بأن يطيعوا ويرغِّبوا الناس في الجهاد مكان تثبيطهم، فهذا أولى لهم وأصلح. (فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ): أي إذا انعقد الأمر بالإرادة أنه يفعله1 (فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ): أي فيما زعموا من الصدق في الإيمان والحرص على الجهاد (لَكَانَ)الصدق اعتقاداً وعملاً (خَيْرًا لَهُمْ) إذ عند ذلك يشاركون المؤمنين في نيل العزّة في الدنيا والفوز في الآخرة.
والآية تتضمّن نوع تسليط ضوء للمنافقين على أنّ طريق التوبة غير مسدود في وجه هؤلاء المتخاذلين، فإنّهم لو قاموا بالأُمور التالية لكان الفلاح حليفاً لهم:
1. إطاعة الرسول.
2. القول المعروف، بدل تثبيط المسلمين عن الجهاد.
3. المشاركة في الجهاد عند انعقاد الأمر عليه ليكون دليلاً على صدق قولهم.
يترتّب على تلك الأُمور، الفخر في الدنيا والأجر الجزيل في الآخرة.
ولكن هيهات لهم هذا التوفيق كما يظهر من الآية التالية :
22 . (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) :
استخدم سبحانه لفظة «لو» الامتناعية في الآية السابقة وقال: (فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) مشعراً بأنّ توقُّع الصدق من هؤلاء أشبه بأمر

1 . التبيان في تفسير القرآن:9/302.

صفحه 122
ممتنع، ولذلك قال سبحانه: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) المراد من التولّي هو التصدّي للحكم والولاية، أي هل يتوقّع منكم ـ إذا أخذتم بزمام الحكم ـ أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم بسفك الدماء وأخذ الرشى والجور في الحكم تكالباً على الدنيا، كلّ ذلك لأجل الإعراض عن كتاب الله وشريعته .
روى الكليني عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّ عليّاً قال لعمر بن الخطاب: «ألا أُخبرك بآية نزلت في بني أُميّة: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)» 1 .
وحاصل الآية: أنّ الإعراض عن الشريعة يلازم الرجوع إلى الجاهلية التي كان الفساد فيها شائعاً. وقد روي عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام)أنّه قال لابنه أبي جعفر الباقر (عليهما السلام): «يا بني إيّاك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإنّي وجدته ملعوناً في كتاب الله في ثلاث مواضع، قال الله عزوجل: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)».2
روى الخطيب البغدادي عن الفضل بن الربيع، عن أبيه قال: لمّا حَبَس المهدي ] العباسي[ موسى بن جعفر ] الكاظم(عليه السلام)[ رأى في النوم عليّ بن أبي طالب يقول: يا محمد: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) قال الربيع: فأرسل إليّ ليلاً، فراعني ذلك، فجئتُه، فإذا هو يقرأ هذه الآية وكان أحسن الناس صوتاً، وقال: عليَّ بموسى بن جعفر، فجئته به، فعانقه وأجلسه الى جنبه، وقال: يا أبا الحسن: إنّي رأيت أمير المؤمنين علي

1 . روضة الكافي: 8 / 103، الحديث 76 ; تفسير نور الثقلين: 5 / 40 .
2 . تفسير نور الثقلين: 5 / 41 .

صفحه 123
بن أبي طالب يقرأ عليَّ كذا، فتؤمنني أن تخرُج عليَّ أو على أحد من ولدي؟ فقال: لا والله لا فعلت ذلك، ولا هو من شأني. قال: صدقت، يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار، ورُدّه إلى أهله إلى المدينة. فأحكمتُ أمره ليلاً، فما أصبح إلاّ وهو في الطريق خوف العوائق.1
23. (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ):
أ. (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ): أي كتب عليهم البُعد عن رحمة الله .
ب. (فَأَصَمَّهُمْ): أي أصمّ أسماعهم عن سماع الحق لما تصامّوا عن نداء الحق.
ج. (وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) لمّا تعاموا عن رؤية الحق.
وبالجملة لمّا سلكوا طريق التعصّب والعناد أُهلكوا بالبُعد عن الرحمة وعدم الانتفاع بالسمع والبصر.
ومن سبر تاريخ الأمويين لوقف على أنّهم من أوضح مصاديق الآية ; لأنّهم منذ أن تولّوا منصّة الحكم إلى أن قُتل آخرهم، قد أفسدوا في الأرض وقطّعوا الأرحام فصاروا مستحقّين اللّعن.
وللسيد محمود الآلوسي البغدادي (المتوفّى 1270 هـ) كلام عند تفسير الآية قال فيه: وعلى هذا القول لا توقّف في لعن يزيد لكثرة أوصافه الخبيثة وارتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه، ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة ومكة، فقد روى الطبراني بسند حسن: «اللهم من ظلم أهل

1 . تاريخ بغداد:13/30ـ31، الترجمة 6987; وسير أعلام النبلاء:6/272ـ 273، الترجمة118.

صفحه 124
المدينة وأخافهم فأخفْه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبَل منه صرف ولا عدل» والطامة الكبرى ما فعله بأهل البيت ورضاه بقتل الحسين ـ على جدّه وعليه الصلاة والسلام ـ واستبشاره بذلك وإهانته لأهل بيته ممّا تواتر معناه وإن كانت تفاصيله آحاداً، وفي الحديث «ستة لعنتهم ـ وفي رواية ـ لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة: المحرّف لكتاب الله ـ وفي رواية ـ الزائد في كتاب الله، والمكذّب بقدر الله، والمتسلّط بالجبروت ليعزّ من أذلّ الله ويذلّ من أعزّ الله، والمستحلّ من عترتي، والتارك لسنّتي»1 وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة من العلماء منهم: الحافظ ناصر السنّة ابن الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى، وقال العلاّمة التفتازاني: لا نتوقّف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله تعالى عليه وعلى أنصاره وأعوانه، وممّن صرّح بلعنه الجلال السيوطي عليه الرحمة، وفي تاريخ ابن الوردي، وكتاب الوافي بالوفيات: أنّ السبي لمّا ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسين رضي الله تعالى عنهما والرؤوس على أطراف الرماح وقد أشرفوا على ثنية جيرون فلمّا رآهم نعب غراب، فأنشأ يقول:
لما بدت تلك الحمول وأشرفت *** تلك الرؤوس على شفا جيرون
نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح *** فقد اقتضيت من الرسول ديوني
يعني أنّه قتل بمن قتله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم بدر كجده عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما وهذا كفر صريح، فإذا صحّ عنه فقد كفر به، ومثلُه تمثّله بقول عبدالله بن الزبعرى قبل إسلامه :

1 . سقط منها:«والمستحلّ لحرم الله». عن هامش روح المعاني.

صفحه 125
*ليتَ أشياخي* الأبيات.1 وهذه الأبيات هي:
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسلْ
لأهلُّوا واستهلُّوا فرحاً *** ثم قالوا يايزيد لا تُشل
لست من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
24. (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا):
أي ما بال هؤلاء المنافقين لم ينتفعوا بالقرآن الذي هو كتاب الأجيال والقرون فهل فقدوا الأسماع والأبصار؟ كلا، ولا (أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا) بل أقفلوا قلوبهم عن دخول الحقائق إليها، ومن ثمّ صاروا عُميَ القلوب والأبصار والأفئدة.
إنّ المنافقين والذين في قلوبهم مرض كانوا يسمعون القرآن ولكن لا يتدبّرون فيه، فلا يتجاوز القرآن أسماعهم إلى قلوبهم لأنّهم أغلقوا قلوبهم دونه، والقرآن لم ينزل لأجل التلاوة وحسب، بل نزل وراء ذلك للتفكّر في حججه وبيّناته، كما قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)2، وقد أعرب القرآن عن غاية نزوله وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهذا رهن التدبّر فيه، كما قال سبحانه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ

1 . تفسير روح المعاني للآلوسي: 26 / 72. وقد ترك السيد ذكر الأبيات وأظن أنّ ثمّة من تصرّف بالكتاب فحذف الأبيات، وقد ذكر الكوثري أنّ النسخة المخطوطة من روح المعاني المحفوظة في مكتبة استنبول تختلف مع المطبوع حيث حُذف من الكتاب ما يرجع إلى الوهابية.
2 . سورة ص: 29 .

صفحه 126
مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)1 .
نعم وردت الآية في حقّ المنافقين ومرضى القلوب لكن شاع هذا الأمر ـ أعني: مجرد القراءة وتحسين الصوت دون التدبّر ـ وأصبح أمراً ذائعاً في مجالس تحفيظ القرآن الكريم.
وفي المقام كلام للإمام علي (عليه السلام)يصف فيه المتّقين، قال فيه:
«أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لاَِجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلا. يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ. فَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ. وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ». 2
سورة محمّد: الآيات 25 ـ 31   
وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «وإنّ الله إذا أراد أن يهدي عبداً فتح مسامع قلبه، وإذا أراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه فلا يصلح أبداً، وهو قول الله عزّ وجلّ: (أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)».3
وفي الختام ننقل ما ذكره الشريف الرضي (رحمه الله) حول الآية، قال: وقوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا): وهذه استعارة، والمراد أم قلوبهم كالأبواب المقفلة لا تنفتح لوعظ واعظ، ولا يلج فيها عذل عاذل، وفي لغة العرب أن يقول القائل إذا وصف نفسه بضيق الصدر وتشعّب الفكر:

1 . إبراهيم: 1 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 193 .
3 . تفسير نور الثقلين: 5 / 41 .

صفحه 127
قلبي مقفل وصدري ضيّق، وإذا وصف غيره بضدّ هذه الصفات قال: انفتح قلبه وانفسح صدره، وقد يجوز أن يكون المعنى أنّ أسماعهم لا تعي قولاً ولا تسمع عذلاً، وإنّما شبهت الأسماع بالأقفال على القلوب لأنّها أبواب عليها وطرق إلى فهمها، فإذا عرضت على الأسماع كانت كالأقفال الموثقة والأبواب المغلقة.1

الآيات: الخامسة والعشرون إلى الحادية والثلاثين

(إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيَماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ).

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 259 .

صفحه 128
 
المفردات
ارتدوا: الارتداد والردّة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكنّ الردّة تختصّ بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره .1
سوّل: التسويل: تزيين ما ليس بحسن.
أملى: الإملاء: المدّ والتمديد في الزمان، وأُريد به هنا تطويل الآمال.
أضغانهم: الأضغان جمع ضغن، وهو الحقد والعداوة.
بسيماهم: السيمى: العلامة الملازمة.
لحن القول: اللحن: صرف الكلام عن سننه الجارية عليه، وأُريد به هنا التعريض والتورية.

التفسير

25. (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) :
تُصوّر هذه الآية حال المنافقين، الذين لم يقفوا من دعوة الرسول(صلى الله عليه وآله)موقف الرافض المجاهر، بل تظاهروا بالإيمان، وانخرطوا في صفوف المؤمنين، ورأوا الأدلّة الواضحة التي تُرشد إلى طريق الهدى، حتى عرفوه وتبيّنوه، ولكنّهم لم ينتفعوا بذلك، بل رجعوا عنه وارتدّوا على أدبارهم.

1 . المفردات للراغب: 193، مادة «رد».

صفحه 129
ويؤكّد هذا المعنى قوله سبحانه في صدر سورة البقرة، وهو يضرب المثل لهؤلاء المنافقين:(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ)1، فالنار التي استوقدها المنافقون كناية عن نور القرآن، وسنة الرسول(صلى الله عليه وآله)، حيث كانوا يحضرون مجالسه ويسمعون حججه في بيانه، ودلائله في إرشاده، فهم بذلك كمن استوقد ناراً للهداية، فلمّا أضاءت لهم معالم الحقّ، تمرّدوا عليه بنفاقهم.2
وعلى كلّ تقدير بيّنت الآية سبب رجوعهم عن الهدى بالقول: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ): أي زين لهم وحسّن رجوعهم عن طريق الهدى الذي تبيّنوه (وَأَمْلَى لَهُمْ) وطوّل لهم أملهم فاغترّوا به. ولعلّ المراد أنّ الشيطان وعدهم بالغلبة على الإسلام وإعادة عبادة الأوثان وما كان عليه آباؤهم وأجدادهم.
26. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) :
ربما يثار هنا سؤال عن سبب تسويل الشيطان وإملائه وغلبته على عقولهم، فبيّن سبحانه سبب ذلك بقوله: (ذَلِكَ): أي استدبارهم ورجوعهم عن الهدى (بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ): أي اتّفقوا مع الكارهين لما أنزل الله يعني المشركين، والشاهد على أنّ المراد بهم هم المشركون قوله عزّ وجلّ في صدر هذه السورة: (فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا

1 . البقرة: 17 .
2 . انظر: كتابنا: الأمثال في القرآن الكريم: 75.

صفحه 130
أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) لكن اتفقوا في بعض الأُمور كما قالوا: (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ)لا في كلّه، وذلك لأنّ المنافقين لا يتمكّنون من متابعة المشركين في عامّة الأُمور كعبادة الأصنام والأوثان وإلاّ لخرجوا من النفاق إلى الكفر الظاهر، فكأنّهم اتّفقوا على التآمر ضد الرسول والمسلمين وتضعيف قواهم وما أشبه ذلك .
وربّما يقال: كيف يمكن لهم الاتّفاق مع المشركين مع أنّ يثرب كانت بيئة إسلامية والمشركون يعيشون خارج المدينة، ولكنّه ليس بأمر مشكل لإمكان وجود الجواسيس بينهم وبين مشركي مكّة ومن حولها.
وربّما قيل إنّ المراد من الذين (كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ) هم اليهود من بني قريظة وبني النضير، ويشهد لذلك قوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ)1 ولكنّه بعيد إذ عندئذ لا وجه للإطاعة في بعض الأمر بل يطيعونهم في كلّ الأُمور إذ المراد من الأمر عندئذ المكيدة للمسلمين وخذلانهم .
قوله: (وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ): أي يعلم خفاياهم وما يسرّونه من الكيد والتآمر على الإسلام، والنبيّ(صلى الله عليه وآله) يطّلع أيضاً على إسرارهم عن طريق الوحي.
27. (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) :

1 . الحشر: 11.

صفحه 131
أي هذا حالهم في الدنيا فهم يتآمرون مدّة قصيرة فتأخذهم الملائكة بأشدّ العذاب كما قال: (فَكَيْفَ)يكون حالهم (إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ)قبضت أرواحهم (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)عقوبة لأعمالهم الإجرامية، فالمنافقون وإن كانت لهم جولة في أيام قليلة لكنّهم لا يصلون إلى أُمنيتهم التي أملاها الشيطان لهم، بل تأخذهم ملائكة الله وتقبض أرواحهم مع الضرب على وجوههم وأدبارهم .
وفي المقام سؤال: ما هو السبب لضربهم عند قبض الأرواح مع أنّهم ربّما عملوا بعض الأعمال الصالحة؟ فأجاب سبحانه بقوله:
28. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) :
قوله تعالى: (ذَلِكَ): أي السبب لعقوبة هؤلاء عند الموت هو أمران :
1. (بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ)من المعاصي والمنكرات.
2. (وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ): أي ما يرضي الله تعالى من الإيمان وطاعة الرسول.
(فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ): أي أبطل أعمالهم من صدقة وإطعام وغيرهما، فجعلها هباءً منثوراً، فالعمل الصالح إنّما يقبل ممّن يؤمن بالله ورسوله ويطيعهما ولم يقترف المعاصي التي تسخط الله، والمنافقون كانوا على طرف النقيض من هذين الأمرين.

صفحه 132
29. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ) :
إنّ مشاركة المنافقين مع المشركين في المكيدة وخذلان المسلمين، يُعرب عن وجود حقد عميق وضغن شديد في نفوسهم، وكأنّهم كانوا يتصوّرون أنّ النبي والمسلمين لا يعلمون ما يكنّون من الحقد، فالله سبحانه يبطل توهّماتهم تلك ويقول: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)كناية عن المنافقين (أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ) وأحقادهم للدين وأهله أي لا يبدي عداءهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل أنّه سبحانه سيرفع الستر عمّا تختزن قلوبهم من العداء.
ثم إنّه سبحانه يعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه سيعرّفهم من طرق ثلاثة، كما قال:
30. (وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيَماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) :
الطريق الأوّل: التعرّف عليهم بسيماهم، كما قال: (وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيَماهُمْ)، وربما يجعل الله سبحانه في وجوههم علامات يعرف بها النبي أنّهم منافقون.
الطريق الثاني: التعرّف عليهم بلحن القول، أي في كناياتهم وتعريضاتهم، فكانوا يتكلّمون مع النبي بكلام ظاهره التواضع والإيمان، ولكن باطنه الكفر والحقد بطريق التورية والتعريض، ونعمَ ما قاله أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في هذا المجال: «مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاَّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ

صفحه 133
لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ»1.
الطريق الثالث: وهو ما ذكر في الآية التالية.
31. (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ):
إنّه سبحانه يبتلي الإنسان بالأمر والنهي، فيتميّز به المطيع عن العاصي والمؤمن عن الكافر، ومن ثمّ يتميّز المجاهدون والصابرون عن المنافقين والمتخاذلين، فلا يعبأ بتظاهر المنافقين .
ومن الواضح أنّ قوله تعالى: (حَتَّى نَعْلَمَ)بمعنى تحقُّق علمه في الخارج، وظهوره، وإلاّ فالله سبحانه يعلم ما في القلوب ويعرف ما في الضمائر.
وقد حقّق الله ذلك في معركة الأحزاب(الخندق) حيث ابتلي المؤمنون فيها وامتُحنوا امتحاناً عسيراً، حتى ظنّ بعضهم أنّ الله لن ينصر نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، أمّا المنافقون فقد كشفوا بأقوالهم وأعمالهم عن خبث نفوسهم، قال سبحانه: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا)2.
ثم إنّ ثمّة طريقاً رابعاً يفضي إلى التعرّف على المنافقين وهو: بغض

1 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 26 .
2 . الأحزاب: 12 ـ 13 .

صفحه 134
الإمام عليّ(عليه السلام)، كما صرّح بذلك عدد من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ورواه عنهم غير واحد من الصحابة وإليك بعض كلماتهم:
1. قال أبو ذر الغفاري: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ بثلاث: بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلّف عن الصلاة، وبغضهم علي بن أبي طالب.
2. قال أبو سعيد الخدري: كنّا نعرف المنافقين ـ نحن معشر الأنصار ـ ببغضهم عليّاً.
3. قال جابر بن عبدالله الأنصاري: ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغض ـ أو ببغضهم ـ عليّ بن أبي طالب.
سورة محمّد: الآيات 32 ـ 34   
4. قال أبو سعيد محمد بن الهيثم: إن كنّا لنعرف المنافقين ـ نحن معشر الأنصار ـ إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب.
5. قال أبو الدرداء: إن كنّا نعرف المنافقين ـ معشر الأنصار ـ إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب.1
ولم تكن هذه الكلمات دعاوى مجرّدة من القوم، وإنّما هي مدعومة بما وعوه من كلمات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في عليٍّ (عليه السلام)، ومنها ما روي عن أميرالمؤمنين نفسه، حيث قال: «والذي خلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبي الأُميّ إليَّ: أنْ لا يحبني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق».2

1 . للتعرّف على مصادر الرواية والأقوال المذكورة، راجع: الغدير للعلاّمة الأميني: 3 / 258 ـ 261.
2 . رواه مسلم في صحيحه:62، كتاب الإيمان، باب (32/33)، برقم 144. وانظر: سنن الترمذي1036، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب، برقم 3728; ومسند أحمد:1/95، وسنن النسائي:8/115ـ116.

صفحه 135
قال السيد شهاب الدين الآلوسي الشافعي: وذكروا من علامات النفاق بغض علي كرّم الله تعالى وجهه، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ ببغضهم علي بن أبي طالب. وأخرج هو وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري ما يؤيّده، وعندي أنّ بغضه رضي الله تعالى عنه من أقوى علامات النفاق، فإن آمنتَ بذلك فيا ليت شعري ماذا تقول في يزيد الطريد أكان يحب علياً كرم الله تعالى وجهه أم كان يبغضه؟ ولا أظنّك في مرية من أنّه عليه اللعنة كان يبغضه رضي الله تعالى عنه أشدّ البغض وكذا يبغض ولديه الحسن والحسين على جدّهما وأبويهما وعليهما الصلاة والسلام، كما تدلّ على ذلك الآثار المتواترة معنى، وحينئذ لا مجال لك من القول بأنّ اللعين كان منافقاً.1

الآيات: الثانية والثلاثون إلى الرابعة والثلاثين

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَ سَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ).

1 . روح المعاني: 26 / 78 .

صفحه 136
 
المفردات
شاقّوا: المشاقّة: المخالفة.
سيحبط: الإحباط: الإبطال.

التفسير

32. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَ سَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ) :

عود على بدء

كان الكلام في السورة يدور حول طائفتين: الكافرين والمؤمنين إلى الآية الخامسة عشرة، ثم دار الكلام حول فريق المنافقين إلى الآية الحادية والثلاثين، ثم عاد البيان القرآني للتحدّث عن الكافرين والمؤمنين معاً ضمن آيات ثلاث.
أمّا الطائفة الأُولى(الكافرون) فقد مرّ أنّه سبحانه قد أمر بضرب رقابهم ثم أمر بأسرهم، كما أنّه أهانهم وحقّرهم حتى شبّههم بالأنعام، فقال: (يَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ)ولكنّه سبحانه وصفهم في المقام بأُمور ثلاثة:
1. بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا).

صفحه 137
2. (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ): أي منعوا الناس عن الإيمان، بالترهيب والترغيب.
3. (وَشَاقُّوا الرَّسُولَ): أي خالفوه وشنّوا عليه الغارات (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى)ووضح لهم سبيله عن طريق المعجزات وإخبار الكتب السماوية. وهذا النوع من الأوصاف ينطبق على الكافرين المذكورين في صدر الآية. وإنّما عاد إلى ذكرهم ثانياً ليبشّر المؤمنين بأمرين:
1. (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا)، لأنّ كيدهم ومكرهم يرجع عليهم ولا يضرّون إلاّ أنفسهم، قال سبحانه: (وَ مَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل) 1، وقال سبحانه: (وَ لاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ)2 .
2. (وَ سَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ): أي يبطل مساعيهم لهدم الدين وقتل المسلمين .
وربّما يقال بأنّ المراد:إحباط أعمالهم الخيريّة كإطعام الطعام، ولكنّه غير جيّد لأنّه سبحانه أخبر عن عمل الكافرين في هذه السورة مرّتين:
الأُولى: في صدر السورة، حيث قال: (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)وهذا يناسب ما عملوا سابقاً من أعمال الخير، بشهادة التعبير بصيغة الماضي (أَضَلَّ).
الثانية: أخبر في هذا المقام بصيغة المضارع، حيث قال: (وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ): أي أعمالهم التي يقومون بها في المستقبل من الكيد للمسلمين ومحاربتهم في الأحزاب وغيرها من الغزوات. وهذا هو المناسب لصيغة المضارع (سَيُحْبِطُ).

1 . غافر: 25.
2 . فاطر: 43 .

صفحه 138
هذا كلّه في الطائفة الأُولى، وأمّا الطائفة الثانية فيقول في حقّهم:
33. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) :
أمر سبحانه في هذه الآية المؤمنين بأُمور ثلاثة:
1. طاعة الله سبحانه.
2. وطاعة رسوله.
3. والمحافظة على الأعمال.
أمّا الأوّل: فقال فيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ)ولزوم إطاعته سبحانه نابع عن كونه خالقاً مدبّراً منعماً عارفاً بصلاح الإنسان وفساده، وهو سبحانه: (لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)1 .
وأمّا الثاني: فقال فيه: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، أعاد فعل الإطاعة وقال: وأطيعوا الرسول، مكان أن يقول «والرسول»، للإشارة إلى أنّ للرسول، مقامين وشأنين:
1. بما أنّه مبلّغ عن الله تعالى فليس له عندئذ شأن إلاّ التبليغ، فلو قال: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فمثله مثل المبلّغ الذي يعلّم الناس واجباتهم .
2. بما أنهّ سائس ووليّ للأُمّة الإسلامية، فله في هذا المقام أوامر ونواه مولويّة، فلو نصب مؤمناً للولاية أو أمر شخصاً بالذهاب إلى القتال، فيجب امتثال أمره، فالعاصي يعصي النبيّ أوّلاً، ثم يعصي الله سبحانه ثانياً.

1 . الزمر: 7 .

صفحه 139
وأمّا الثالث: فقال فيه: (وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) بعدم الانقياد لما يأمر به الله تعالى ورسوله من قتال أعداء الإسلام. وهو تحذير لهم من عدم الالتزام بالطاعة الكاملة فيما يُصدَر من أوامر، لأنّ المؤمن لا يتخلّف عن العمل بها على طول الخطّ، وإلاّ قد يلحقه ما يلحق المرتدّين على أعقابهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى. وهذا المعنى للآية يُفهم إذا نُظر إليها في سياق الآيات السابقة لها واللاحقة، والتي تتحدّث عن القتال.1 وثمّة شواهد تاريخية تؤكّد أنّ فريقاً من الصحابة كانوا لا يستجيبون بكلّ ما يأمر به الله ورسوله بل كانوا يردّون عليهما، في حين أنّ هناك فريقاً منهم كانوا يلتزمون بالطاعة الكاملة، وفي مقدّمتهم أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي كان يهتف قائلاً: «وَلَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللهِ وَلاَ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ. وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الاَْبْطَالُ، وَتَتَأَخَّرُ فِيهَا الاَْقْدَامُ، نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا».2
وبذلك يعلم أنّ الآية ناظرة إلى دعوة المسلمين إلى الاستقامة على الدين من خلال التقيّد بالطاعة الكاملة لما يأمر به الله ورسوله في شأن القتال، ولا صلة للآية بحرمة قطع الأعمال وإن استدلّ الفقهاء بها على حرمة قطع الصلاة، فإنّ الآية بعيدة عنه، حتّى وإن قلنا بإطلاقها وشمولها لما يُحبط الأعمال من الرياء والارتداد والمعاصي الموبقة. مضافاً إلى أنّ قطع الصلاة شيء وإبطال العمل شيء آخر، ولو أُريد الأوّل لقال: ولا تقطعوا أعمالكم. نعم قطع الصلاة يلازم بطلان العمل لكنّه ليس نفسه .

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:18/247.
2 . نهج البلاغة: الخطبة:197.

صفحه 140
34. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ):
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ)، قد ورد من قبل في صدر الآية 32، ولكنّ المقامين يختلفان في الغاية المترتبة عليهما، فالغاية في الأوّل هي تبشير المسلمين وتقوية قلوبهم بأنّ مكائد هؤلاء الكفّار ضدّ الإسلام ونبيّه، ستذهب سُدىً، وأنّ الله سبحانه سيحبط أعمالهم الإجرامية، وأمّا الغاية في المقام فهي إنذار المشركين بأنّهم لو ماتوا في حال كفرهم فلن يغفر الله لهم، كما قال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)1 وقد قال سبحانه أيضاً: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)2.

سورة محمّد: الآيات 35 ـ 38   

الآيات: الخامسة والثلاثون إلى الثامنة والثلاثين
(فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ * إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ

1 . النساء: 116 .
2 . النساء: 48 .

صفحه 141
عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).

المفردات

تهنوا: الوهْن: ضعف من حيث الخَلق أو الخُلق.
السَّلم: الصلح.
يتركم: وتر، يتر ـ كوعد ـ إذا نقص.
لعب: اللعب: الفعل الذي لا تترتب عليه فائدة، كفعل الصبيان.
لهو: اللهو: الانصراف عن تعب الجدّ إلى غيره فيشتغل عما يهتمّ له ويكدّ عقله.
فيحفكم: الإحفاء: الإلحاح في السؤال، والمبالغة في طلب الشيء.
تبخلوا: البخل: منع النفع الذي هو أولى في العقل.
أضغانكم: الضغن: الحقد الشديد .

التفسير

35. (فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ):
بعد أن أمر سبحانه في الآيات السابقة بطاعته وطاعة رسوله، وحذّر المؤمنين من إبطال أعمالهم بالخروج ـ في أمر القتال ـ عن سبيل الطاعة،

صفحه 142
الذي انتهى بالكافرين الصادّين الناس عن طريق الإيمان، إلى الحرمان من عفو الله تعالى، بعد أن تقدّم ذلك رتّب عليه قوله: (فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ): أي إذا كان الخروج عن سبيل الطاعة يفضي إلى ذلك فلا تتوانوا ولا تضعفوا عن القتال ولا تدعوا الكفّار إلى المسالمة والمصالحة (و)الحال (أَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ): أي القاهرون الغالبون، فإنّ الدعوة إلى الصلح في هذه الحالة أي حالة علوّكم وضعف عدوّكم، يضرّكم وينفع عدوكم (و)اعلموا أنّ (اللهُ مَعَكُمْ)ينصركم في حربكم مع المشركين، والمراد من المعيّة هنا معيّة النصر لا المعيّة القيومية، التي يدلّ عليها قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)1.
قوله تعالى: (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ): أي لن ينقصكم شيئاً من أعمالكم، فمن أُصيب بنفسه أو أهله أو ماله عند جهاد العدو، فإنّ أعماله هذه لن تذهب سُدى، بل تكون له فخراً في الدنيا وأجراً في الآخرة.
ولعلّ التأكيد على رفض التهاون في مواجهة العدو وعدم الركون إلى المسالمة معه لأجل وجود دعايات يومئذ يبثّها المنافقون وضعفاء الإرادة بين المؤمنين حيث كانوا يؤثرون الدعة والراحة في أوحال الذلّ على مشقّات الحرب، ويقدّمون مصالحهم الذاتية على المصلحة الإسلامية العليا، فيدعون إلى السلم بحجة أنّ فيه استبقاء النفوس أوّلاً، وتجديد العدّة لمواجهة العدو، في المستقبل ثانياً، فكانت تلك الدعايات تسبّب الوهن والتهاون في صفوف المجاهدين والانحياز إلى الصلح والسلم، ولكن الله سبحانه يؤكّد على الجهاد لإبطال هذه الإشاعات الخادعة، ويقول: (فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ)وذلك لأنّ الدعوة إلى المهادنة في هذه الحالة والمؤمنون

1 . الحديد: 4 .

صفحه 143
في ذروة القوّة ينفع العدو ويضرّ المسلمين، ويحطّ من شوكتهم.
وهاهنا سؤال وهو أنّه سبحانه دعا إلى الصلح والسلم في آية أُخرى وقال: (وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)1فكيف يرفض الصلح في هذه الآية ويقول: (وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) معطوفاً على قوله: (فَلاَ تَهِنُوا)؟
والجواب واضح: إذ لا شك في أنّ الإسلام دين الصلح والسلم لكن في موضع لا يسبب الصلح فيه فرصة للعدو لتجميع القوى وشنّ الغارة على المسلمين فينتهي الأمر إلى ضرر المسلمين.
وأمّا إذا لم يسبّب الصلح ذلك الأثر السيّئ، ولم ينطلق من موقف التخاذل والتواكل والتعلّل بالأباطيل، فلا شكّ في أنّ الإسلام يدعو إليه ويرغِّب فيه، وقد تجسّد هذا فعلاً في الصلح الذي عقده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع المشركين يوم الحديبية، والذي سبّبت موافقته(صلى الله عليه وآله وسلم) على بعض شروطه، الشكّ عند ضعفاء الإيمان والعقول من المسلمين، ولكن الأيام أثبتت أنّ صلح الحديبية كان مفتاح الخيرات والفتوحات واحدة بعد الأُخرى.
وممّا يؤكد محبوبيّة مثل هذا الصلح، قول الإمام علي(عليه السلام) في عهده الخالد إلى مالك الأشتر:«وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلّهِ فِيهِ رِضًى، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لِبِلاَدِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ».2

1 . الأنفال: 61 .
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 53.

صفحه 144
وحصلية الكلام: أنّ للصلح مقاماً وللحرب والدفاع مقاماً آخر، ولكلٍّ منهما شروطه ومقتضياته.
وللشيخ الصديق العلاّمة محمد جواد مغنية (رحمه الله) جواب آخر عن هذا السؤال، قال: إنّ قوله تعالى: (فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) معناه: إذا بليتم بعدو متوحِّش شرس لا يقيم وزناً للحق والعدالة، ولا يلتزم بقانون ولا بميثاق، ولا يفهم إلاّ لغة العنف والقوّة، إذا بليتم بهذا العدو فاصمدوا له ولا تهابوه وابطشوا به، ولا تأخذكم في الحق رأفة ولا هوادة، فإنّ القضاء عليه قضاء على الشرّ، وخير للإنسانية جمعاء .1
36. (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) :
كأنّ الآية تحليل لما مرّ في الآية السابقة من رفض التهاون والدعوة إلى السلم بأنّ مَن يتجنّب الحرب والقتال في سبيل الله وينحاز إلى السَّلم إنّما يريد الحياة الدنيا وهي سريعة الفناء والانقضاء، فمن ركن إليها وخدع بها فقد خسر خسراناً كبيراً بخلاف من تزوّد منها لآخرته، بالقتال في سبيل الله، كما قال سبحانه: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ).
إنّ الدعوة إلى إلقاء السلاح وترك القتال، وإيثار الصلح مع عدوّ غاشم في حال القوّة والقدرة آية الرضى بالحياة الدنيا من الآخرة، كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ

1 . التفسير الكاشف: 7 / 79 .

صفحه 145
أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ )1.
وللإمام علي (عليه السلام)كلام رائع في هذا الصدد يقول فيه: «أمّا بعدُ; فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ. وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ، وَدُيِّثَ بِالصِّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالاِْسْهَابِ، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ»2.
ثم إنّه سبحانه يخاطب المؤمنين ويقول: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا)إيماناً قلبياً (وَتَتَّقُوا) عملاً بالطاعة يتفضّل الله سبحانه عليكم بأمرين:
1. (يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ)في الدار الآخرة، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) 3 وهذا يقابل مصير المشركين حيث إنّ الله يحبط أعمالهم كما مرّ في الآيات السابقة.
2. (لاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ): أي لا يطلب منكم أن تخرجوا من جميع أموالكم، فلاشكّ أنّ طلب الله من الإنسان أن ينفق جميع ماله، يسبِّب ما ستأتي الإشارة إليه في الآية التالية.
ويحتمل أن يكون المراد من قوله سبحانه: (وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ): أي

1 . التوبة: 38 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 27 .و(الخسف): الذلّ والمشقّة. و(دُيِّث): ذُلِّل. و (الصَّغار): الذلّ والضّيم. و(الإسهاب) هاهنا: ذهاب العقل، ويمكن أن يكون من الإسهاب الذي هو كثرة الكلام، كأنّه عوقب بأن يكثر كلامه فيما لا فائدة تحته. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:2/76ـ77.
3 . الكهف: 30 .

صفحه 146
لا يسألكم أجراً للرسالة، ولكنّه احتمال بعيد، بل المراد ـ كما قلنا ـ أنّ الناس مجبولون على حبّ الحياة الدنيا وزينتها وما فيها من الأموال والأولاد فربّما يتصوّر الجاهل أنّ الجهاد في سبيل الله يسبِّب خروجه عن الأموال التي كدح في جمعها، والله سبحانه يردّ تلك المزعمة، ويقول إنّه (لاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ): أي الخروج من جمعها، والجمع المضاف يفيد العموم، وتشهد لذلك الآية التالية:
37. (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) :
(يَسْأَلْكُمُوهَا)فعل الشرط و «الكاف» مفعوله الأوّل، و «الهاء» مفعوله الثاني و «الميم» علامة جمع الذكور و (فَيُحْفِكُمْ)عطف على فعل الشرط و (تَبْخَلُوا) جواب الشرط.
أي (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا): أي يسألكم الله الخروج عن جميع ما في أيديكم (فَيُحْفِكُمْ)ويلحّ عليكم ويجهدكم بالخروج عنها، فعند ذلك (تَبْخَلُوا)وتمنعوا (وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ): أي تظهر الأحقاد التي في القلوب وربّما يصير سبباً لارتداد قسم كبير منكم.
38. (هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ):
قوله: (هَا)للتنبيه، نظير قوله سبحانه: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)1 .

1 . النساء: 109 .

صفحه 147
قوله: (أَنْتُمْ)مبتدأ، و(هَؤُلاَءِ)بدل منه، و(تُدْعَوْنَ)خبر المبتدأ.
الظاهر أنّ الآية بصدد الاستدلال على ما تقدّم في الآية السابقة من أنّهم إذا دُعوا إلى الخروج عن الأموال يبخلوا وتخرج أضغانهم، وقد مرّ أنّ المراد من الأموال في الآية هو مجموع ما يملكون.
هذا ما تبنّته الآية السابقة، وأقام الدليل عليه، في هذه الآية، من واقعهم، وهو أنّهم تجاه الدعوة إلى بذل شيء قليل من أموالهم كالإنفاق في الجهاد وغيره ـ أنّهم ـ صنفان بين مَن يبذل وبين مَن يبخل، كما قال: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ)المسلمون (تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ)وليس هذا إلاّ إنفاقاً قليلاً فيه صلاحكم، فالمؤمن بالله والدار الآخرة ينفق ماله عن رضى أي طالباً رضى الله سبحانه، وأمّا ضعفاء الإيمان فيبخلون، كما يقول: (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ): أي لا يتعدّى ضرر بخله إلى غيره، بل يمنع نفسه عن المثوبة فهو المتضرر في الواقع لا غيره، ولذلك يقول: (وَاللهُ الْغَنيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ)فمن بذل فقد بذل لنفسه ومن بخل فقد منع نفسه عن المثوبة، والله هو الغني بالذات وغيره فقراء كذلك، وعلى هذا فإِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ1، (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا)وتعرضوا عن طاعة الله واتّباع شريعته وترتدّوا راجعين عنها، فاعلموا أنّه سبحانه يهلككم و (يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا)بكم (غَيْرَكُمْ)والاستبدال رهن عوض ومعوض فقوله: (قَوْمًا) هو العوض وأمّا المعوّض فهو مقدّر: مثل (بِكُمْ) كما مرّ، لأنّ الضابطة في استعمال لفظ الاستبدال دخول حرف الجر في العوض، وهو هنا البخلاء من المؤمنين، قال سبحانه:

1 . ذيل العبارة اقتباس من سورة آل عمران: الآية 179 .

صفحه 148
(أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرُ)1 .
وقال الإمام علي (عليه السلام): «أَبْدَلَنِي اللهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ»2.
(ثُمَّ)إنّ هؤلاء القوم المستبدلين (لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) بل يطيعون الله تعالى ويبذلون ما لديهم في سبيل الله.
قال الآلوسي: أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في «الأوسط»، والبيهقي في «الدلائل»، والترمذي، وهو حديث صحيح على شرط مسلم، عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هذه الآية: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)فقالوا: يا رسول الله مَن هؤلاء الذين إنْ تولّينا استبدلوا بنا ثم لا يكونون أمثالنا؟ فضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على منكب سلمان، ثم قال: «هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس».3
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تلا هذه الآية...، فسُئل من همّ؟ قال: فارس، لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من فارس. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: (يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ)قال: من شاء.4
قال ابن عاشور: وهو يدلّ على أنّ فارس إذا آمنوا لا يرتدّون وهو من دلائل نبوّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّ العرب ارتدّ منهم بعض القبائل بعد وفاة

1 . البقرة: 61 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 70 .
3 . روح المعاني:26/82 .
4 . الدر المنثور: 6 / 67 .

صفحه 149
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وارتدّ البربر بعد فتح بلادهم وإيمانهم ثنتي عشرة مرّة فيما حكاه الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد، ولم يرتدّ أهل فارس بعد إيمانهم .1
***
بقي هنا بحث يعود إلى قوله سبحانه: (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ)وهو أنّ الآية صريحة في أنّ من الصحابة من يبخل عن الإنفاق في سبيل الله، وهذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في ما ذكره ابن تيمية في موضع سبّ الصحابة حيث يقول: وأمّا مَن سبَّهم سبّاً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم ـ مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلّة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك ـ فهذا هو الذي يستحقُّ التأديب والتعزير، ولا يُحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء...2.
أقول: ماذا يقول ابن تيمية في مورد الآية التي تدل بوضوح على أنّ هناك مَن الصحابة من كان يبخل عن الإنفاق في سبيل الله؟ فمَن قرأ هذه الآية وفسّرها وقال: إنّ بعض الصحابة، بحكم هذه الآية، كان بخيلاً ممسكاً عن الإنفاق، فهل يحكم عليه بالتأديب؟ لا أدري ولا المنجِّم يدري!
نحن لا نحوم حول حكم مانع الزكاة وأنّه هل هو مسلم أو كافر، بل ما يهمّنا هو قول ابن تيمية، بأنّ من وصفهم صحابياً بالبخل يؤدَّب ويعزَّر.
وليس له ولا لأبناء مدرسته أن يزعموا أنّ المذكورين في قوله: (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ)هم المنافقون، وذلك لأنّ الخطاب موجّه إلى المؤمنين، كما هو صريح الآية المتقدّمة: (فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ

1 . التحرير والتنوير: 26 / 117.
2 . الصارم المسلول على شاتم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): 586، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد .

صفحه 150
مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)هذا كلّه حول وصف الصحابي بالبخل.
ثم إنّ ابن تيمية عطف على البخل لفظ «الجبن» فمن وصف صحابياً بالجبن فإنّه يؤدّب ويعزّر مع أنّه سبحانه وصفهم بما هو أقبح وأفظع من الجبن وهو التولّي والفرار من ساحة القتال، حيث إنّ كثيراً من الصحابة، تركوا ساحة الجهاد وبقي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فيها وحيداً مع قلّة من المؤمنين، وهذا هو قوله سبحانه: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة وَ يَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)1.
يقول المفسّرون: لمّا صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بأصحابه الغداة، انحدر في وادي حنين، فخرجت عليهم كتائب هوازن من كلّ ناحية، وانهزمت بنو سليم، وكانوا على المقدّمة، وانهزم ما وراءهم، وخلّى الله تعالى بينهم وبين عدوهم لإعجابهم بكثرتهم، وبقي علي (عليه السلام)ومعه الراية يقاتلهم في نفر قليل. ومرّ المنهزمون برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يلوون على شيء، وكان العباس بن عبدالمطلب آخذاً بلجام بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والفضل عن يمينه، وأبو سفيان بن الحرث بن عبدالمطلب عن يساره، ونوفل بن الحرث وربيعة بن الحرث في تسعة من بني هاشم، وعاشرهم أيمن بن أُم أيمن، وقتل يومئذ، وفي ذلك يقول العباس:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعةً *** وقد فرَّ من قد فرَّ عنه فأقشعوا
وقولي ـ إذا ما الفضل كرَّ بسيفه *** على القومِ ـ : أُخرى يابُني ليرجعوا

1 . التوبة: 25 .

صفحه 151
وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه *** لما ناله في الله لا يتوجع
ولمّا رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هزيمة القوم عنه، قال للعباس ـ وكان جهورياً صيّتاً ـ : اصعد هذا الظرب ] الجبل المنبسط أو الصغير [، فناد: يا معشر المهاجرين والأنصار، يا أصحاب سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة، إلى أين تفرون؟! هذا رسول الله، فلمّا سمع المسلمون صوت العباس تراجعوا، وقالوا: لبيك لبيك، وتبادر الأنصار خاصّة وقاتلوا المشركين حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الآن حمي الوطيس:...
أنا النبيُّ لا كَذِبْ *** أنا ابن عبدالمطَّلبْ
ونزل النصر من عند الله تعالى، وانهزمت هوازن هزيمة قبيحة، ففرّوا في كلّ وجه، ولم يزل المسلمون في آثارهم... إلى آخر القصة1.
هذا، وأفتى ابن تيمية بتأديب من وصف بعض الصحابة بالجبن، وقد ثبت أنّ بعضهم فرّ من المعركة وترك قائده وحيداً، ولكنّه سبحانه يعدّ الجبان المتولّي، من أصحاب النار ويقول : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)2، فأين تكريم ابن تيمية لكلّ الصحابة على الإطلاق ـ بحيث لا يشذّ واحد منهم ـ من هذه الآية الكريمة؟
***

1 . مجمع البيان: 5 / 36 ـ 37، لاحظ أيضاً: جامع البيان (تفسير الطبري): 10 / 129 ; الدر المنثور للسيوطي: 4 / 160 ـ 163 .
2 . الأنفال: 15 ـ 16 .

صفحه 152
وقد مرّ منّا القول في تفسير الآية الرابعة أنّه سيأتي الكلام في فلسفة نظام الرِّقّ في الإسلام، وها نحن نفي بما وعدنا به القارئ الكريم فنقول:
موقف الإسلام من نظام الرِّقّ   

موقف الإسلام من نظام الرِّقّ

يختلف نظام الرقّ في الإسلام عمّا كانت عليه سائر الأنظمة البشرية، فإنّ الأنظمة الوضعية ترى جواز استعباد الإنسان واسترقاقه من قبل إنسان آخر، بحجّة أنّه أقلّ ثقافة، أو أنّه يعيش في بلاد متأخّرة، أو أنّه يجري في عروقه دم وضيع، أو لأنّه لا ينتمي إلى حزبه.
إنّ الاسترقاق على هذه الأُسس مرفوض في الإسلام، وقد حرّم الله التفاضل بسبب هذه الخرافات، وأنقذ الناس من سيادة بعضهم على بعض بتلك الذرائع الواهية، ولم يُجز لأحد أن يسلب حرية غيره بهذه المعاذير.

دعوة الإسلام إلى أصالة الحرية

وهناك كلمات درِّية عن ربيب خاتم الأنبياء عليٍّ (عليه السلام)يبيّن لنا فيها موقف الإسلام من موضوع الرقّ:
1. قال (عليه السلام): «بعث الله محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)ليُخرج عبادَهُ من عبادة عباده إلى عبادته، ومن عهود عباده إلى عُهوده، ومن طاعة عباده إلى طاعته، ومن ولاية عباده إلى ولايته »1.
2. وقال (عليه السلام): «وَلاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً»(2).

1 . الوافي: 3 / 142، الحديث 22.   2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، الرسالة 31.

صفحه 153
3. وقال (عليه السلام): «أيّها الناس إنّ آدم لم يلد سيّداً ولا أمة، وإنّ الناس كلّهم أحرار، ولكنَّ الله خوّل بعضكم بعضاً»1.

موقف الأُمم السابقة من الرقيق

وفي مقابل ذلك لنمرّ سريعاً على ما كان عليه حال الرقّ في الأُمم السابقة للإسلام.
فهؤلاء فراعنة مصر في القرون السابقة كانوا يعتبرون الرقيق كآلة للإنتاج ولم يكن للأرقّاء أدنى حق مدني في تلك العصور، فكان السيد له تمام الحرية في إبقاء أو قتل رقيقه.
وأمّا الصينيون فكان مسموحاً لهم أن يتعاملوا مع رقيقهم بأية معاملة شاءُوا.
وأمّا اليونانيون فكانوا يعاقبون المذنبين من الرقيق بكيّهم بالنار على جباههم وإجبارهم على إدارة الطواحين بدل البهائم.
وأمّا الرومان فكانوا يعدّون الأُممّ المغلوبة أرقّاء لهم، وكانوا يسرقون الأطفال ليبيعوهم، والنساء ليتّخذوهنّ سراري.2
إلى غير ذلك من الممارسات الظالمة في حق العبيد والإماء في القرون السابقة.
وأمّا الحال في ما سبق عصر النهضة الصناعية فهو كالتالي:
هذه هي فرنسا (مهد الحرية) لم تكن تسمح لذوي الألوان أن

1 . روضة الكافي: 8 / 69 .
2 . دائرة معارف القرن العشرين، لمحمد فريد وجدي: 4 / 274 ـ 277 .

صفحه 154
يحضروا إلى فرنسا لطلب العلم والاستفادة، وبقي الحال على هذا حتّى ظهرت ثورة سنة 1848 م فأبطلت الاسترقاق بتاتاً، ولكن حلّت محلّه الرقّيّة بشكل آخر، والّذي يعبَّر عنه بالاستعمار.
نعم الإسلام لم يحرّم الاسترقاق بتاتاً ـ لمصلحة ستأتي ـ ولكنّه حصره في دوائر ضيّقة، مؤكّداً على العلاقات الوثيقة بين الموالي والعبيد، كما يتّضح.

التعامل السيّئ مع الرقيق في الجزيرة العربية

وقبل دراسة الموضوع نشير إلى الوضع المأساوي السائد في الجزيرة العربية آنذاك، وهو أنّ الحاكم في الجزيرة كان هو منطق القوّة، فالقويّ يسترقّ الضعيف ويتملّكه ويتعامل معه معاملة مملوكاته الأُخرى كبعيره وفرسه وغير ذلك، فمن كان قويّاً فله الحرية، وأمّا الضعيف فكان محكوماً بالرقّيّة، ففي هذا الجوّ المظلم اتّخذ الإسلام للرقّ نظاماً خاصّاً يتمّ لمصلحة الرقيق، وهو أنّه إذا وضعت الحرب أوزارها وتمكّن المسلمون من أخذ الأسرى الذين كانوا يقاتلون المسلمين ويقتلونهم فيُحكم عليهم بالرقّيّة حفظاً على حياتهم، لكن ذلك بعد مراحل:
1. يدعو حاكم الإسلام من يَلُون المسلمين من الكفّار إلى كلمة الحق بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن، فإن استجابوا فإخوان في الدين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.
2. إذا أبوا إلاّ ردّ الدعوة، فإن كانوا أهل كتاب وقبلوا الجزية فهم على ذمّتهم.
3. إن أخذوا عهداً ـ سواء كانوا أهل كتاب أم لا ـ وُفيَ بعهدهم.

صفحه 155
4. وإن لم يكن شيءٌ من ذلك يُقتل منهم من شهر سيفاً ودخل المعركة، فيقاتلون حتّى لا تكون فتنة ولا يُقتل منهم من ألقى السَّلَم، كما لا يُقتل منهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، ولا يُقطع عنهم الماء ولا يعذبون ولا يُمثَّل بهم .
5. وإذا غلبوهم ووضعت الحرب أوزارها فما سيطر عليه المسلمون من نفوسهم وأموالهم فهو ملك لهم.1

الشريعة الإسلامية ونظام الرقّ

وعندئذ يطرح هذا السؤال: لماذا شرّع الإسلام اعتبار أنفسهم وأموالهم مملوكة للمسلمين؟
والجواب: هو أنّه لم يكن أمام الإسلام في مورد المعتدين بعد السيطرة عليهم إلاّ خمسة خيارات، وليس الصالح منها إلاّ القسم الخامس كما سترى:
1. أن يقتلهم جميعاً ويسفك دماءهم عن آخرهم وهي قسوة تتنافى مع روح الإسلام الرحيمة المحبّة للسلام.
2. أن يسجنهم جميعاً وذلك يكلّف الدولة تكاليف باهضةً وميزانيةً ضخمةً، مضافاً إلى أنّ السجن قد يسبِّب متاعب نفسية للسجين، ويزيده توغّلاً في الشرور والفساد.
3. أن يتركهم ليعودوا إلى بلادهم سالمين، وهذا رجوع إلى المؤامرة والاحتشاد والعدوان مرّة أُخرى.
4. أن يتركهم ليسرحوا في بلاد الإسلام وهذا يعني تعريضهم لسفك

1 . الميزان في تفسير القرآن : 6 / 346 .

صفحه 156
دمائهم على أيدي المسلمين، انتقاماً منهم.
ولمّا لم يكن اختيار شيء من هذه الطرق اختياراً عقلائيّاً، يبقى أمام الإسلام طريق خامس وهو:
5. استرقاقهم، بمعنى جعلهم تحت ولاية المسلمين ليراقبوا بشدة تصرفاتهم، وليتسنّى لهم من خلال العيش في ظل الحياة الإسلاميّة أن يقفوا على تعاليم الدين وينشأوا نشأةً إسلاميّةً، ويكون الإسلام بهذا قد حافظ على حياتهم، ومنع من سفك دمهم، لأنّ مالكهم سوف يحرص عليهم أشدّ الحرص ويحافظ على حياتهم أشد المحافظة بخلاف من لا يملكهم، ولا يرجو منهم نفعاً.
إنّ الإسلام توخّى من تشريع هذا النظام منع المزيد من إراقة دماء المعتدين الغزاة بعد السيطرة عليهم، ولأنّ توزيعهم على المسلمين وجعلهم تحت ولايتهم أقرب إلى تمكّنهم من تلقّي التربية الإسلاميّة وتوفير أجواء التهذيب والتعليم الدينيّ لهم. 1

أساليب الإسلام في محو الرقيّة

شرّع الإسلام الرقيّة وأقرّها في إطار ضيّق ـ كما عرفت ـ وأبطل بقية الأساليب الّتي كانت متّبعة من قبل الأُمم آنذاك، ورغم ذلك فقد اتّخذ أساليب وشرّع قوانين كان يستهدف من ورائها محو الرقّيّة بشكل تدريجي يتلاءم مع عقلية الشعوب في تلك العصور، ومنها:
1. جعل عتق العبيد هو أحد مصارف الزكاة الثمانية، على نحو لو

1 . مفاهيم القرآن: 2 / 260 ـ 261 .

صفحه 157
صرف مَن عليه الزكاة جميعها في عتق رقاب العبيد، لأجزأه ذلك ، قال سبحانه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقَابِ وَ الْغَارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)1، وذلك مبنيٌّ على عدم وجوب التقسيم بين الأصناف الثمانية ـ كما هو المشهور ـ .
2. جعل عتق العبيد كفّارة لكثير من المحرّمات، مثلاً:
أ. لو حلف وحنث بيمينه، فكفّارته أحد أُمور ثلاثة:
إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة 2.
ب. مَن قتل مؤمناً خطأ، فكفّارته تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلّمة إلى أهله.3
ج. وهكذا لو قتل كافراً وله ميثاق مع المسلمين، فكفّارته دية مسلّمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة .4
د. إذا ظاهر الرجل زوجته فكفّارته تحرير رقبة من قبل أن يتماسّا .5
هـ . إنّ الإنسان المؤمن لا يقتحم العقبة إلاّ بأحد الأُمور الثلاثة: فكّ رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة،.. الخ.6

1 . التوبة: 60 .
2 . المائدة: 89 .
3 . النساء: 92 .
4 . النساء: 92 .
5 . المجادلة: 3 .
6 . البلد: 13 ـ 15 .

صفحه 158
هذا ما ورد في القرآن الكريم، وأمّا السنّة فقد عدّت عتق الرقاب من الكفّارات لبعض المحرّمات، ومن هذه الموارد :
و. كفّارة من أفطر في شهر رمضان.
ز . كفّارة حنث النذر.
ح. كفّارة جزّ المرأة شعرها في المصاب.
وكفّارة جميع ذلك عبارة عن عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، مخيَّراً.
وإذا تجاوزنا باب الكفّارات، وبحثنا في بقية الأبواب فسوف نرى أنّه توجد بعض الأسباب الّتي تؤدي للعتق بلا اختيار، نظير:
3. مَن ملك أحد أبويه فيعتق قهراً.
4. لو جامع الرجل أمَته فأنجبت منه، فتعتق الأُم بميراث الولد.
5. مَن نكّل بعبده أو أمته، يتحرّر منه بلا اختيار.
6. لو أسلم العبد ومولاه كافر، فيعتق من بيت المال.
7. المكاتبة: وهو أنّ للعبد الحق أن يكاتب مولاه، ويتّفقا على دفع مبلغ في زمان محدّد عوضاً لحريته، وهذا ما يقال له (العبد المكاتب)، قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَ آتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الذِي آتَاكُمْ)1.
8 . التدبير، وهو أنّ للمولى أن يوصي بحرية عبيده بعد موته، ويقول:

1 . النور: 33.

صفحه 159
أنت حرّ أو أنتم أحرار بعد وفاتي، فينفَّذ ذلك حسب الوصية، ولا يحقّ لورثة هذا المولى استرقاقهم.
إلى غير ذلك من الأسباب المؤدّية إلى عتق العبيد، وقد وردت في الكتب الفقهية .
قال العلاّمة الطباطبائي: وقد وصّى الإسلام أن يعامل المولى مع عبده معاملة الواحد من أهله وهو منهم فيساويهم في لوازم الحياة وحوائجها، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يؤاكل عبيده وخدمه ويجالسهم، ولا يؤثر نفسه عليهم في مأكل ولا ملبس ونحوهما.
وأن لا يشقّ عليهم ولا يعذّبوا ولا يسبّوا ولا يظلموا، وأُجيز أن يتزوّجوا فيما بينهم بإذن أهلهم، وأن يتزوّج بهم الأحرار، وأن يشاركوهم في الشهادات، ويساهموهم في الأعمال حال الرقّ وبعد الانعتاق.
وقد بلغ من رِفق الإسلام بهم أن شاركوا الأحرار في عامّة الأُمور، وقد قُلّد جمع منهم الولاية والإمارة وقيادة الجيش على ما يضبطه تاريخ صدر الإسلام، ويوجد بين الصحابة الكبار عدّة من الموالي كسلمان وبلال وغيرهما.
وهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أعتق جاريته صفيّة بنت حُيَي بن أخطب وتزوّج بها، وتزوّج جويرية بنت الحارث بعد وقعة بني المصطلق وقد كانت بين سباياهم، وكانوا مائتي بيت بالنساء والذراري، وصار ذلك سبباً لانعتاق الجميع.
ومن الضروري من سيرة الإسلام أنّه يقدّم العبد المتّقي على المولى الحرّ الفاسق، وأنّه يبيح للعبد أن يتملّك المال ويتمتع بعامّة مزايا الحياة بإذن

صفحه 160
من أهله. هذا إجمال من صنيع الإسلام فيهم.1
ولعمر الحق لو كان المسلمون عاملين بهذه التشريعات لما بقي فيهم أثر من الرقيّة إلاّ القليل النادر، ولما احتاج المسلمون إلى إلغاء الرقّ خضوعاً للإعلان العالمي الذي أصدرته هيئة الأُمم المتحدّة في عام (1948م)، وتضمن حظر الرقّ وتجارة الرقيق.
***

أهل البيت(عليهم السلام) وتعاملهم مع الرقيق

في سيرة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)دروس ضافية تعلّمنا كيف يجب على الأسياد أن يتعاملوا مع عبيدهم وإمائهم، ونذكر هنا سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام); وهي عينها سيرة أبيه وعمّه الحسن وجدّه وأبنائه(عليهم السلام):
1. أنّ الإمام (عليه السلام)كان يشتري العبيد والإماء ولكن لا يُبقي أحداً منهم عنده أكثر من سنة واحدة فقط، وهذا لا يعني أنّه كان مستغنياً عن خدمتهم، بل كان يعتقهم بحجج متعدّدة وفي مناسبات مختلفة.2
2. أنّ الإمام (عليه السلام)كان يعامل الموالي لا كعبيد أو إماء ، بل يعاملهم معاملة إنسانية مثالية، ممّا يعزّز في نفوسهم الأخلاق الكريمة ويحبّب إليهم الإسلام وأهل البيت(عليهم السلام).
3. أنّ الإمام (عليه السلام)كان يعلّم الرقيق أحكام الدين ويغذّيهم بالمعارف الإسلامية، بحيث يخرج الواحد من عنده محصّناً بالمعلومات الّتي تفيده في

1 . الميزان في تفسير القرآن: 6 / 347 .
2 . لاحظ : بحار الأنوار: 46 / 62 .

صفحه 161
حياته ويدفع بها الشبهات ولا ينحرف عن الإسلام الصحيح.
4. كان الإمام (عليه السلام)يزوّد مَن يعتقه بما يغنيه، فيدخل المجتمع ليزاول الأعمال الحرّة كأيّ فرد من أفراد الأُمّة، ولا يكون عالةً على المجتمع.
فالإمام (عليه السلام)كان يستهدف إسقاط السياسة الّتي كان يزاولها الأمويون في معاملتهم للرقيق، فقد حقّق عمل الإمام (عليه السلام)النتائج التالية:
أ. حرّر مجموعة كبيرة من عباد الله وإمائه الذين وقعوا في الأسر، وتلك حالة استثنائية، ومع أنّ الإسلام كان قد أقرّها لأُمور يُعرف بعضها من خلال قراءة التأريخ الإسلامي، إلاّ أنّ الشريعة وضعت طرقاً عديدة لتخليص الرقيق وإعطائهم الحرية، وقد استفاد الإمام (عليه السلام)من كلّ الظروف والمناسبات لتطبيق تلك الطرق، وتحرير العبيد والإماء، ففي عمل الإمام (عليه السلام)تطبيق للشريعة الإسلامية .
ب. أنّ العبيد المعتَقين يشكّلون جيلاً من الطلاّب الذين تربّوا في بيت الإمام (عليه السلام)وعلى يده بأفضل صورة، وعاشوا معه حياة مفعمة بالحقّ والمعرفة والصدق والإخلاص وبتعاليم الإسلام من عقائد وشرائع وأخلاق كريمة.1
وهلمّ معي لنقرأ شيئاً من سيرة الإمام الثامن علي بن موسى الرضا(عليهما السلام)مع عبيده: يقول المحدّث القمي: وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه ومواليه حتّى البوّاب والسائس .2
وروى الشيخ الكليني عن رجل من أهل بلخ قال: كنت مع الرضا (عليه السلام)

1 . أعلام الهداية / الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام): 154 ـ 155 .
2 . الأنوار البهية: 213.

صفحه 162
في سفره إلى خراسان، فدعا يوماً بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة؟ فقال: «مه، إنّ الربّ تبارك وتعالى واحد والأُم واحدة والأب واحد، والجزاء بالأعمال» .1
هذا وقد بلغ قسم كبير من العبيد بعدما تحرّروا مناصب عالية في السياسة وإدارة المجتمع والعلوم، وهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره، فللقارئ الكريم أن يدرس هذا الموضوع في تاريخ الملوك والمماليك وغيرهم.
تمّ الكلام في نظام الرِّق في الإسلام
وبه تمّ تفسير سورة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . الأنوار البهية: 216.

صفحه 163
سورة الفتح   

سورة الفتح

(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَّدَ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ

صفحه 164
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا * وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا * وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْم أُولِي بَأْس شَدِيد تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا * لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ

صفحه 165
يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرًا * وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً * وَهُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْم لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا * لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ

صفحه 166
رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا * هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا).
سورة الفتح: خصائص السورة   

صفحه 167
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة (الفتح) لوقوع لفظه في صدر السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها تسع وعشرون آية، بالإجماع، كما ذكره الطبرسي. وهي مدنيِّة بالاتّفاق، وتشهد لذلك صياغة الآيات ومضامينها، كما سيتبيّن.

أغراض السورة

تدور السورة حول ما ترتّب على صلح الحديبية من نتائج إيجابية على وجه سمّاه الله سبحانه بالفتح المبين. والوقوف على تفاصيل أغراضها رهن بيان صلح الحديبية الذي أمضاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في السنة السادسة بعد الهجرة، وما ذلك إلاّ لأنّ السورة نزلت بعد الصلح وقبل غزوة خيبر، فإنّ تبيين علل وأسباب ذلك الصلح وما أسفر عنه من نتائج إيجابية يوقفنا على مقاصد السورة فنقول:
أقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في المدينة شهر رمضان وشوالاً وخرج في ذي القعدة معتمراً لا يريد الحرب واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي

صفحه 168
من الأعراب 1 ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب أو يصدّوه عن البيت، فأبطأ عليه كثيرٌ من الأعراب، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهَدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنّه إنّما خرج زائراً لهذا البيت ومعظِّماً له.
فأحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومعه ألف وستمائة، أو ألف وثمانمائة في «ذي الحليفة» وقلّد سبعين بَدَنة2 وبهذا أعلن عن هدفه من تلك الرحلة. فلمّا بلغ عُسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي ـ قال ابن هشام: ويقال: بُسر ـ فقال: يا رسول الله هذه قريش، قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العُوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طُوى، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كُراع الغميم، قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فما تظن قريش، فوالله لا أزال أُجاهد على الذي بعثني الله به حتى يُظهره الله أو تنفرد هذه السالفة3، ثم قال: مَنْ رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟
قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر: أن رجلاً من أسلم قال: أنا

1 . الأعراب هم خمس قبائل: جُهَينة، ومُزَينة، وأشجَع، وغِفار، وأسلم. أحكام القرآن لابن العربي: 4 / 1705 .
2 . البَدَنة: الناقة السمينة، جمعها بُدْن، قال تعالى:(وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ...)(الحجّ:36).
3 . السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، وكنى بانفرادها عن الموت.

صفحه 169
يا رسول الله، قال: فسلك، بهم طريقاً وعراً أجرل (الكثيرة الحجارة) بين شعاب، فلمّا خرجوا منه، وقد شقّ ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)للناس: قولوا نستغفر الله ونتوب إليه. فقالوا ذلك، فقال: والله إنّها لَلحِطّة التي عُرضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها.
فلما وصل النبي إلى ثنيّة المُرار بركت ناقته فقالت الناس: خلأت الناقة، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خُطّة يسألونني فيها صلةَ الرحم إلاّ أعطيتهم إياها» ثم قال للناس: «انزلوا، قيل له: يا رسول الله: ما بالوادي ماءٌ ننزل عليه، فأخرج سهماً من كنانته، فأعطاه رجلاً من أصحابه، فنزل به في قَليب من تلك القُلُب، فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضَرب الناس عنه بعَطن.1
ولمّا بلغ كلام رسول الله هذا مسامع الناس وكان من الطبيعي أن يسمع به العدو أيضاً ولهذا بعثوا برجال من شخصياتهم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ليتعرّفوا على هدفه الأصلي من هذا السفر.
***

بديل بن ورقاء الخزاعي مندوب قريش

التقى بديل بن ورقاء الخزاعي بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فكلّمه نيابة عن قريش وسأل عن مجيء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مع أصحابه، فقال: «إنّا لم نجئ لقتال أحد

1 . العَطَن: مبرك الإبل حول الماء.

صفحه 170
ولكنّا جئنا معتمرين» فرجع إلى قريش وأخبرهم بكلام رسول الله ولكن لم يقبلوا منه.

مِكْرز بن حَفْص المندوب الثاني

بعثت قريش بمِكْرز بن حفص للمذاكرة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فالتقى بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فعاد وصدّق ما أخبر به بديل ولكنّ قريشاً لم تصدّقه.

الحُلَيس بن عَلْقمة المندوب الثالث

التقى الحليس بن علقمة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مندوباً من قريش وكان يومئذ سيد الأحابيش، فلمّا رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ هذا من قوم يتألّهون (أي يعظمون أمر الله) فابعثوا الهدي في جهة حتى يراه». فلمّا رأى الهدي وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محلّه (موضعه الذي ينحر فيه من الحرم) رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إعظاماً لما رأى، فقال لهم: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا الذي عاقدناكم، أيُصدّ عن بيت الله من جاء معظّماً له وقد ساق الهدي معكوفاً إلى محلّه؟ والذي نفسُ الحليس بيده لتُخلّنَّ بين محمَّد وما جاء له، أو لأنفِّرنَّ بالأحابيش نفرة رجل واحد.
ومع ذلك فإنّ قريشاً لم تصدّق ما قاله، وأرسلت مندوباً رابعاً.

عُروة بن مُسعود الثقفي المندوب الرابع

بعثت قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عروة بن مسعود الثقفي وقد كلّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بنحو ممّا كلّم به السابقين وأخبره أنّه لم يأت حرباً، فقام من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ إلاّ ابتدروا

صفحه 171
وضوءه، ولا يبصق بصاقاً إلاّ ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ أخذوه. فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، إنّي قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإنّي والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يُسلمونه لشيء أبداً، فَرَوْا رأيكم.

خراش رسول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى قريش

دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خراش بن أُمية الخزاعي، فبعثه إلى قريش مكة، وَحَمله على بعير له يقال له الثَّعلب، ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، فخلّوا سبيله، حتى أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكّة، فيبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قُريش عداوتي إياها، وغِلْظتي عليها، ولكنّي أدلّك على رجل أعَزّ بها منّي، عثمان بن عفان، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنّه لم يأت لحرب، وأنّه جاء زائراً لهذا البيت، ومعظِّماً لحرمته.

إشاعة مقتل عثمان

فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبانُ بن سعيد بن العاص حين دخل مكّة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول

صفحه 172
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُف ; فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واحتبستْه قريش عندها، فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قُتل.

بيعة الرضوان

لمّا شاع خبر قتل عثمان قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على الموت، وكان جابر بن عبدالله يقول: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفرّ.
وسمّيت هذه البيعة ببيعة الرضوان لمجيء ذكرها في قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)1 .

سُهيل بن عمرو يفاوض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

بعثت قريش في المرّة الخامسة سُهيلَ بن عمرو وقد كلّفته بإنهاء المشكلة ضمن شروط خاصّة، فلمّا رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مقبلاً قال: «قد أراد القومُ الصلح حين بعثوا هذا الرجل»، فلمّا انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تكلم فأطال الكلام، وانتهت مفاوضات الجانبين إلى عقد وثيقة نظمت في نسختين فاستدعى رسول الله عليّاً (عليه السلام)وأمره أن يكتب، فقال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اكتب باسمك اللهم. فكتبها; ثم قال:

1 . الفتح: 18 .

صفحه 173
اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسولُ الله سُهيلَ بن عمرو ; فقال سهيل: لو شهدت أنّك رسول الله لم أُقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سُهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكفُّ بعضهم عن بعض، على أنّه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليِّه ردّه عليه، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردّوه عليه1، وأنّ بيننا عَيبة مكفوفة 2، وأنّه لا إسلال ولا إغلال3، وأنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قُريش وعهدهم دخل فيه .

عمر ينكر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الصلح!!

لمّا التأم الأمر وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه (أي الزم أمره)... ثم أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟ قال: أنا عبدالله ورسوله، لن أُخالف أمره، ولن يُضيَّعني، قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدّق وأصوم وأُصلّي وأعتق، من الذي صنعت يومئذ! مخافة كلامي الذي

1 . سيوافيك بعد الفراغ عن تفسير السورة أنّ قريشاً هم الذين اقترحوا على النبي الغاء هذا البند من الاتفاقية، فانتظر.
2 . أي صدور منطوية على ما فيها، لا تبدي عداوة.
3 . الإسلال: السرقة الخفية، والإغلال: الخيانة.

صفحه 174
تكلّمت به، حتى رجوتُ أن يكون خيراً .1
ولا شكّ في أنّ عمر الذي قدّم رأيه الشخصي ـ كما هو ديدنه في كثير من الأُمور2 ـ على ما قضى به الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّ عمر لم يدرك المصالح الكبرى التي سوف يحقّقها هذا الصلح، والتي أثبتت الأيام أنّه كان في صالح الإسلام مائة بالمائة وأنّه هو الذي جعل انتصار الإسلام قطعيّاً، وإليك أدلّة هذا التقييم:
1. إنّ حملات قريش المتتابعة على المسلمين، والتحريكات الداخلية والخارجية في حوادث «أحد» و «الأحزاب» مثلاً، لم تترك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فرصة لنشر الإسلام بين القبائل، وفي المناطق المختلفة خارج شبه الجزيرة العربية.
من هنا كان (صلى الله عليه وآله وسلم)يصرف أكثر أوقاته الثمينة في الدفاع والعمل على إفشال المؤامرات الخطرة التي كان العدو الداخلي والخارجي يحيكها باستمرار.
ولكنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا فرغ باله بعد عقد صلح الحديبية مع قريش من ناحية الجنوب، فهيّأت له الأرضية لنشر الإسلام في المناطق الأُخرى.

1 . السيرة النبوية لابن هشام:3/321ـ 331. وانظر: تاريخ الطبري:2/270ـ280.
2 . منها: رزيّة يوم الخميس، وقول عمر ـ لمّا أراد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً ـ : إنّ النبي قد غلبه الوجع... حسبنا كتاب الله (صحيح البخاري:4/10ـ11، برقم 5669).
ومنها: نهيُه عن متعة الحجّ، وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر بها وعمل بها أصحابه، حتّى قال عمران بن حصين: أُنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يُنزل قرآن يحرّمه، ولم ينهَ عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. (صحيح البخاري:3/154، كتاب التفسير، برقم 4518).

صفحه 175
2. قد سمح ذلك الصلح بالسفر إلى المدينة فكان المشركون في سفرهم إلى المدينة يحتكّون بالمسلمين ويلتقون بهم فيتعرّفون على تعاليم الإسلام السامية، كما أنّ المسلمين استطاعوا بعد عقد ذلك الميثاق من السفر إلى مكّة والاتّصال بذويهم وأقاربهم والتحدّث معهم في أمر الإسلام وآدابه الرائعة وما جاء به من حلال وحرام.
3. إنّ الاتّصال برؤوس الشرك أثناء عقد اتّفاقية السلام مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديبية، ساعد على إزالة كثير من العقد النفسية التي كانوا يعانون منها تجاه رسول الله، لأنّ أخلاق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الرفيعة، وحلمه وصبره أمام تعنّت قادة المشركين وتصلّبهم وعتوّهم، وسعيه الحثيث وحرصه الصادق على تحقيق السلام، أثبت لهم بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)معدن عظيم من معادن الخلق الإنساني الكريم.
لقد رأت قريش بأُمّ عينيها كيف أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خالف في عقد ميثاق الصلح آراء جماعة من أصحابه المعارضة لبعض بنود الاتفاقية، رغبة منه في تحقيق السلام، وكيف آثر الحفاظ على حرمة المسجد الحرام على هواهم، ورغباتهم الشخصية.
لقد أبدى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تسامحاً كبيراً، وأعلن عن عطفه وحنانه للمجتمع العربيّ، وبذلك أبطل كلّ الدعايات التي تروّج ضدّه، وضدّ دعوته العظيمة المباركة.
ومن هنا نهتدي إلى مغزى ما قاله الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام)عن أهمية هذا الصلح حيث قال: «وما كان قضية أعظم بركة منها».1

1 . الكافي: 8 / 326 .

صفحه 176
قد مرّ ذكر بنود الاتفاقية وقلنا: إنّ منها: أنّ على المسلمين أن يعيدوا كلّ مسلم هارب من مكّة، ولكن لا يجب على قريش أن تعيد كلّ هارب إليها من المسلمين إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولم يمض زمان طويل حتى أجبرت الحوادث المُرّة قريشاً على أن تبعث إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من يطلب منه إلغاء هذه المادة من الاتّفاقية وهي المادة التي أغضبت بعض صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأثارت سخطهم.
وأمّا ما هو السبب لإصرار قريش على إلغاء هذه المادة فواضح لمن يطالع كتاب السيرة النبوية لابن هشام، الذي تقدّم ذكره.
إنّ من نتائج هذا الصلح أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)اغتنم الفرصة لدعوة الملوك والأمراء إلى الإسلام، كما أنّه اغتنم الفرصة لمواجهة اليهود الذين نقضوا المواثيق وإجلائهم عن خيبر، كلّ ذلك لأنّه اطمأنّ من ناحية قريش، إلى غير ذلك من الآثار البنّاءة لهذا الصلح، ولذلك نرى أنّه سبحانه يصفه بالفتح المبين، مع أنّ المسلمين حسب الظاهر لم يفتحوا شيئاً، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا فرغ من معاهدة الصلح قدم إلى هدْيه فنحره ثم جلس فحلق رأسه، فلمّا رأى الناس أنّ رسول الله قد نحر وحلق، تواثبوا إلى الهدي وازدحموا عليه ينحرونه.
سورة الفتح: الآيات 1 ـ 7    
روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قال: «لقد أُنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحبُّ إلي ممّا طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا)»1.

1 . صحيح البخاري: 3/282، برقم 4833 .

صفحه 177
ورُوي عن أنس قال: لمّا رجعنا من غزوة الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة إذ أنزل الله عزوجل: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد أُنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدنيا كلّها».1
ورُوي عن عبدالله بن مسعود قال: أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من الحديبية، فجعلت ناقته تثقل فتقدّمنا، فأنزل الله عليه: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا)فأدركَنا رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وبه من السرور ما شاء الله، فأخبر أنّها أُنزلت عليه.(2)
هذه خلاصة ما ورد في كتب السيرة حول شأن النزول، وبالإمعان فيما ذكرنا يظهر لك تفصيل ما ورد في السورة من الإجمال، ونحن نعتذر للقارئ إذ أنّنا خرجنا عن سياق الكتاب، لكن اضطررنا إلى ذلك لإيضاح مقاصد السورة.

الآيات: السبع الأُولى

(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَ للهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَ كَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا

1 و 2 . مجمع البيان:9/197.

صفحه 178
وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيماً * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَّدَ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا):

المفردات

الفتح: إزالة الأغلاق، وربّما يكنّى به عن إقبال الخيرات.
الذنب: في الأصل: الأخذ بذنَب الشيء، ويستعمل في كلّ فعل يستوخم عقباه اعتباراً بذنَب الشيء، ولهذا يسمّى الذنب تبعة اعتباراً لما يحصل من عاقبته .1
السكينة: زوال الرُّعب.
جنود: كل مجتمع جند.
السَّوء: والسُوء: بمعنى واحد، كالضَّعف والضُّعف، والضَّر والضُّر، والبأس، والبؤس 2، والظاهر أنّ المفتوح مصدر والمضموم اسم مصدر، إلاّ أنّ الغالب أنّ المفتوحَ يقع وصفاً لمضموم كما في المقام: (دَائِرَةُ السَّوْءِ).

1 . المفردات للراغب: 181 .
2 . تفسير الكشّاف: 3 / 136 .

صفحه 179
 
التفسير
1. (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا):
أخبر سبحانه في هذه الآية عن الفتح المبين، وقد اختلفت كلمات المفسّرين فيما هو المراد من الفتح:
1. فتح الحديبية، وقد مرّ ذكر الآثار الإيجابية المترتّبة على صلح الحديبية وتلقّاه الوحي السماوي فتحاً مبيناً، ويؤيّد ذلك ما روي أنّه أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من الحديبية راجعاً فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصُدّ هَدْيُنا، فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «بئس الكلام بل هو أعظم الفتوح».
2. فتح مكّة، وقد نزلت هذه الآية عند رجوع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن مكّة عام الحديبية، وجيء بها على لفظ الماضي على عادة ربّ العزّة سبحانه في إخباره لأنّها في تحقّقها وتيقّنها بمنزلة الكائنة الموجودة.
3. فتح خيبر، قال الطبرسي: روي عن مجمع بن حارثة الأنصاري، كان أحد القرّاء، قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فلمّا انصرفنا عنها إذ الناس يهزون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)واقفاً على راحلته عند كراع الغميم، فلمّا اجتمع الناس إليه قرأ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا)السورة، فقال عمر: أفتح هو يا رسول الله؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده إنّه

صفحه 180
لفتح»، فقُسّمت خيبر على أهل الحديبية، لم يدخل فيها أحد إلاّ من شهدها.1
4. الفتح المعنوي، وهو الظفر على الأعداء بالحجج البيّنة والمعجزات الباهرة الّتي غلبت بها كلمة الحق على الباطل، وظهر الإسلام على الدين كلّه، وهذا الوجه وإن كان في نفسه لا بأس به لكن سياق الآيات لا يلائمه.2
هذه هي الأقوال المذكورة، ولكن بالنظر إلى ما بيّنّا من الآثار الإيجابية الّتي ترتّبت على صلح الحديبية والفرصة التي أتاحها للمسلمين للانطلاق في آفاق الأرض، وللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بتوجيه دعوته إلى الملوك والأمراء لدخول الإسلام، وهدم قلاع خيبر إلى غير ذلك من الآثار، يُرجّح القول الأوّل، وعليه أكثر المفسّرين، والله العالم، مضافاً إلى أنّ حمل الآية على غير صلح الحديبية يتوقّف على حمل الماضي على المستقبل، كما ذكره الزمخشري وهو خلاف الظاهر.
2 و 3. (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيًما * وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا):
رتّب سبحانه في هذه الآية على الفتح المبين خمس نتائج، وجعلها من آثار ذلك الفتح أو أنّه صار سبباً لهذه النتائج، وهي عبارة عمّا يلي:
أ. (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ).

1 . مجمع البيان: 9 / 200 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 18 / 253 .

صفحه 181
ب. (و) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ (مَا تَأَخَّرَ) من ذنبك .
ج. (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ).
د. (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) .
هـ . (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا).
كلّ ذلك من آثار الفتح المبين وما ترتّب عليه، إنّما الكلام في وجه الترتّب، فلندرس الجميع تالياً.
أمّا النتيجتين: الأُولى والثانية فستّتضحان بعد أن نقف قليلاً عند معنى غفران ذنبه (أعمّ ممّا تقدّم وتأخّر)، فنقول فيه: اختلفت كلمات المفسّرين في تفسير الآية خصوصاً العدلية منهم حيث إنّ الآية صارت مستمسكاً بيد المخطِّئة الذين ينفون عصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في غير التبليغ، ولكنّ الاستدلال نابع عن الغفلة عن معنى الذنب، وقد تصوّروا أنّه بمعنى عصيان الأمر المولوي ومخالفته، وأنّ المراد من الغفران هو العفو عنه، غير أنّ الأمرين كليهما غير صحيحين، فقد مضى في تفسير المفردات أنّ الذنب يُستعمل لما يتبع الإنسان من الأمر السيّئ، وهو مأخوذ من ذنَب الحيوان الذي يتبعه وليس بمعنى معصية الحكم المولوي لله سبحانه، وعلى هذا فيجب أن نتعرّف على واقع هذا الأمر السيّئ الذي حمّلوا النبيّ تبعته، فنقول: إنّه كان للنبي ذنب عند المشركين قبل الهجرة وبعدها، نظير ذنب موسى(عليه السلام) عند فرعون وملئه حيث قال: (وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ)1.
أمّا ذنبه(صلى الله عليه وآله وسلم) عند المشركين قبل الهجرة فهو عبارة عن تسفيه

1 . الشعراء: 14.

صفحه 182
أحلامهم، والاستهانة بمعبوداتهم، وتحرير إرادة المستضعَفين من تسلّط زعمائهم المترفين، والتفافهم حوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى غير ذلك ممّا تضرّرت به قريش من دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن هنا تقوّلوا عليه الأقاويل، فوصفوه بالساحر والكاهن والمفتري والمجنون.
وأما ذنبه(صلى الله عليه وآله وسلم) عند المشركين من بعد الهجرة إلى زمان نزول آية الفتح المبين، فهو أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قتل صناديدهم وأراق دماءهم في سوح الوغى وأذلّ كبرياءهم، وحصد شوكتهم، وقطع أطماعهم.
وعلى هذا، فالنبيّ كان مذنباً عظيم الذنب في نظر قريش، سواء قبل هجرته(صلى الله عليه وآله وسلم) أم بعدها.
فإذن ما هو الأمر الذي يمكن أن يبرّئه من هذا الذنب، ويرسم له صورة ملكوتية فيها ملامح الصدق والصفاء، وعلائم العطف والحنان.
ليس ذلك إلاّ ما قام به من الصلح الذي تجلّت فيه عواطفه الكريمة ونواياه الصالحة، حيث تصالح مع قومه الذين قصدوا الفتك به وقتله في داره، وأخرجوه من موطنه ومهاده، بعطف ومرونة خاصّة، حتى أثارت تعجب الحضّار من أصحابه ومخالفيه، حيث تصالح معهم على أنّه «من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع محمد لم يردّوه عليه، وأنّه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه» .1

1 . السيرة النبوية: 3 / 217.

صفحه 183
وهذا العطف الذي أبرزه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه الواقعة مع كونه من القدرة بمكان، صوّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عند قومه وأتباعه بصورة إنسان مصلح يحب قومه ويطلب صلاحهم ولا تروقه مشاهد الحرب والدمار والجدال فوقفوا على حقيقة الحال، وعضّوا الأنامل على ما افتعلوا عليه من النِّسب وندموا على ما فعلوا، فصاروا يُقبلون على الإسلام زرافات ووحداناً .
إنّ هذه الواقعة التي لمس الكفّار منها خلقه العظيم، رفعت الستار الحديدي الذي وضعه بعض أعدائه الألدّاء بينه وبين قومه، فعرفوا أنّ ما يُرمى به نبيّ العظمة ويوصف به بين أعدائه، كان دعايات كاذبة وكان هو منزّهاً عنها، بل عن الأقلّ منها.
هذا لو قلنا بأنّ المراد من الفتح المبين هو صلح الحديبية.
ولا يقصر عن هذه الواقعة، فتح مكة، لو قلنا أنّه المراد به، فقد واجه قومه مرّة أُخرى ـ وهم في هزيمة نكراء، ملتفون حوله في المسجد الحرام ـ فخاطبهم بقوله: «ماذا تقولون وماذا تظنون؟!» فأجابوا: نقول خيراً ونظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، وقدرتَ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين».1
وهذا الفتح العظيم وقبله صلح الحديبية أثبتا بوضوح أنّ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أكرم وأجل وأعظم من أن يكون كاهناً أو ساحراً، إذ الكاهن أو الساحر أدون من أن يقوم بهذه الأُمور الجليلة، كما أنّ لطفه العميم وخلقه العظيم آية واضحة على أنّه رجل مثالي صدوق، لا يفتري ولا يكذب، وأنّ ما جرى بينه وبين قومه من الحروب الدامية، كان نتيجة شقاقهم وجدالهم

1 . المغازي للواقدي: 2/835; وبحار الأنوار: 21/107 ـ 132.

صفحه 184
ومؤامراتهم عليه، مرّة بعد أُخرى في موطنه ومهجره، فجعلوه في قفص الاتّهام أوّلاً، وواجهوا أنصاره وأعوانه بألوان التعذيب ثانياً، فقُتل من قُتل وأُوذي من أُوذي، وضَربوا عليه وعلى المؤمنين به حصاراً اقتصادياً ومنعوهم من ضروريات الحياة ثالثاً، وعمدوا إلى قتله في عقر داره رابعاً، ولولا جرائمهم الفظيعة لما أحمرّت الأرض بدمائهم ولا لقَوا منه شيئاً يكرهونه، فأصبحت هذه الذنوب التي كانت تدّعيها قريش على النبي بعد وقعة الحديبية، أو فتح مكة، أُسطورة خيالية قضت عليها سيرته في كلّ من الواقعتين من غير فرق بين ما ألصقوا به من تُهم قبل الهجرة أو بعدها، وعند ذلك يتّضح مفاد الآيات كما يتّضح ارتباط الجملتين: الجزائية والشرطية، ولولا هذا الفتح لكان النبي محبوساً في قفص الاتّهام، وقد كسره هذا الحادث، وعرّفه نزيهاً عن كل هذه التُّهم.1
وإلى ما ذكرنا من معنى الذنب أشار إليه مولانا الإمام عليّ الرضا(عليه السلام)عندما سأله المأمون العباسي عن مفاد الآية، فقال: «لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة وستين صنماً، فلمّا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبُر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: (أَجَعَلَ الالِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمَلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ)2 ، فلمّا فتح اللّهُ عزّ وجلّ على نبيه

1 . ما ذكرناه من الجواب واضح لمن أمعن النظر في وجود الرابطة بين الفتح وغفران الذنب، وعلى ما ذكرنا فالصلة بينهما واضحة، بخلاف ما ذكره الآخرون فالصلة بينهما غير معلومة على تفاسِيرهم.
2 . ص: 5 ـ 7.

صفحه 185
محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة، قال له: يا محمد: (إِنَّا فَتَحْنَا) مكة (لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مَا تَأَخَّرَ) عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد اللّه عزّ وجلّ فيما تقدّم، وما تأخّر ، لأنّ مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم».
فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن.1
وقد أشرنا في صدر البحث إلى اختلاف الروايات في المراد من الفتح الوارد في الآية ولكن هذا الاختلاف لا يؤثر فيما نرتئيه، فلاحظ.
إلى هنا تمّ الكلام في النتيجتين الأُوليين.
وأمّا النتيجة الثالثة ـ أعني قوله: (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)ـ فلعلّ المراد به إتمام نعمته على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بإظهاره على عدوه وإعلاء أمره وتمكين دينه.
وأمّا النتيجة الرابعة ـ أعني قوله: (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) ـ أي يثبتك على ذلك الصراط كما هو المراد في قوله سبحانه: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)2 .
وأمّا النتيجة الخامسة ـ أعني قوله: (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا) ـ فهو النصر الباهر الذي ظفر به في مستقبل أمره حيث فتح له مكة والطائف وانقلع الشرك حتى خضع له نصارى الجزيرة، كلّ ذلك من آثار صلح الحديبية وما تلاه من فتح خيبر ومكة والطائف.

1 . عيون أخبار الرضا:1/180، الباب 15.
2 . الفاتحة: 6 .

صفحه 186
4. (هُوَ الذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) :
السكينة ـ على ما مرّ ـ ما تسكن إليه النفس وتطمئنّ إليه بما يحصل عند صاحبها من البصيرة بالحق. وهذه النعمة قد منَّ الله تعالى بها على المؤمنين خاصّة، وإنّما عبّر عن المنِّ بها بالإنزال للإشارة إلى علوّ مبدئها.
وفي قوله سبحانه بأنّه أنزل السكينة في قلوب المؤمنين، إشارة إلى أنّ هناك من تضطرب نفوسهم وينقدح فيها الشك لأوّل عارض من شبهة يرد عليهم، لأنّهم لا يجدون برد اليقين في قلوبهم1، وهذا ما حصل فعلاً عند بعض الصحابة، وكما هو مبيّن أدناه:
أ. أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حدّث أصحابه أنّه رأى في النوم أنّه دخل المسجد الحرام وحلق رأسه، ثم ندبهم إلى أداء نسك العمرة، فلمّا اتّفق مع مندوب قريش (سُهيل بن عمرو) على الصلح، داخلَ بعض المسلمين، لا سيّما عمر بن الخطاب، من ذلك أمر عظيم حتّى كادوا يهلكون.
ب. لمّا أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كاتبه أن يكتب في كتاب الصلح: «هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله»، رفض سهيل بن عمرو ذلك، وقال: «لو أعلم أنّك رسول الله ما خالفتك»، وعند ذاك قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا محمد بن عبد الله، فاكتب. فكتب». وهذا الأمر كان سبباً لاعتراض رجال من الصحابة، وإطلاق هذه المقولة: «علامَ نعطي هذه الدنيّة في ديننا».2

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:9/315.
2 . انظر: امتاع الأسماع للمقريزي:1/295.

صفحه 187
ج. جاء في معاهدة الصلح أنّه من أتى محمداً من قريش ردّه محمد إليهم، وأنّه من أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردّوه. وهذا الشرط قد أثار الشكّ في نفوس بعض الصحابة.
د. أنّ من مناسك الحج عدم الخروج من الإحرام إلاّ بأداء المناسك، وهم قد خرجوا عنه بدونه بل عملوا بوظائف الصدّ.
كلّ ذلك وما أشبهه كان سبباً لبلبلة القلوب وزعزعة العقول عند قسم من الصحابة، وقد مرّ في بيان الآثار الإيجابية الّتي ترتّبت على تلك الاتفاقية أنّها لم تكن هزيمة وتراجعاً عن المبادئ والأُصول، بل كانت سُلّماً لكشف آفاق وسيعة للإسلام والمسلمين، وقد شاهدها هؤلاء المتزلزلون بعد عدّة شهور حينما فتحوا قلاع خيبر، أو عندما بلغ صوتهم بلاط كسرى وقيصر.
ثم ذكر سبحانه أنّه منّ على المؤمنين بنعمة السكون والطمأنينة إلى الحقّ: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) فالإيمان له درجات يشتد شيئاً فشيئاً حسب العلل الّتي توجب تكامله واشتداده، وفي الآية ردّ على من قال بأنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص وهو بحث كلامي استوفى العلماء حقّه في مقامه. ثم إنّه سبحانه أشار بقوله: (وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)بأنّ النصر الذي شمل حال المؤمنين كما مرّ في الآية المتقدمة: (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا)ليس أمراً بديعاً، لأنّ لله تعالى: (جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) فمن جنود السماوات: الملائكة الذين نصروا المؤمنين يوم بدر، ومن جنود الأرض: الريح الّتي أُرسلت على العدو يوم الأحزاب، إلى غير ذلك من عوامل النصر، فالجميع بيد الله سبحانه، لأنّه عزيز على الإطلاق، كما أنّه عليم وحكيم كذلك كما قال : (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) فقد كان عالماً بالفتح والنصر

صفحه 188
وحكيماً في إنزال السكينة.
5. (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا):
الظاهر أنّ قوله: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ)تعليل لما سبق من إنزال السكينة في قلوب المؤمنين، وعلى هذا فقد ترتّبت على إنزال السكينة أُمور:
أ. (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ)كما مرّ.
ب. (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) .
ج. (وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ): أي المعاصي الّتي فعلوها في دار الدنيا، فإنّ العصمة لله سبحانه ولمن عصمه .
ثم إنّه سبحانه يصف إدخال المؤمنين والمؤمنات الجنة وتكفير سيئاتهم نجاحاً عظيماً كما يقول: ( وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيماً)وظفراً كبيراً على وجه يعظم الله به قدره.
6. (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَّدَ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا):
هذا أثر رابع لنزول السكينة أو لشمول النصر للمؤمنين، فلو كان

صفحه 189
مصير المؤمنين إلى الجنة، فمصير الكافرين والمنافقين إلى ما يقابلها كما يقول: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ)، وقدّم ذكر المنافقين في التعذيب على المشركين تنبيهاً إلى عظم خطرهم.
ثم إنّه سبحانه يصف هؤلاء بقوله: (الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ)حيث كانوا يظنون بأنّ الرسول والمؤمنين لا يرجعون في هذا السفر إلى أهليهم، وأنّ الله لا ينصر رسوله ولا المؤمنين على الكافرين، ولأجل هذا الظنّ السيّئ دعا سبحانه عليهم بقوله: (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ): أي عليهم تدور الدوائر وسيحيق بهم ما كانوا يتربّصونه بالمؤمنين (وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ)ونالهم غضب من الله (وَلَعَنَهُمْ)أي أقصاهم من رحمته (وَأَعَّدَ لَهُمْ جَهَنَّمَ)يصلونها يوم القيامة، (وَسَاءَتْ مَصِيرًا)أي ساءت منزلاً.
7. (وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا):
هذه الآية وردت بنفس الصياغة في الآية الرابعة بتفاوت يسير، حيث قال سبحانه هناك: (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)وهنا قال (وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) فما هو المسوّغ لذلك؟
الظاهر أنّ الآية جاءت هاهنا تعليلاً لتمكّنه سبحانه من إدخال المؤمنين، والمؤمنات الجنّة والمنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات النار; فالله سبحانه يملك جنود السماوات والأرض من الملائكة والإنس والجن والصيحة والرجفة والحجارة والزلازل والخسف والغرق، وكلّ يأتمرون بأمره، يقول سبحانه في وصف الملائكة: (عَلَيْهَا

صفحه 190
مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)1. فاقتضى وصفه سبحانه في هذه الآية بالعزة، لأنّ المقام هنا مقام الوعيد والتهديد فيناسب وصفه بذلك، بخلاف الآية المتقدّمة.
سورة الفتح: الآيات 8 ـ 10    

الآيات: الثامنة إلى العاشرة

(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).

المفردات

تعزِّروه: التعزير: النصرة مع التعظيم. هذا إذا جاء مجرَّداً، وأمّا إذا جاء مقروناً بالنصر كما في قوله سبحانه: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ)2فلابدّ أن يراد به معنى آخر لئلاّ يلزم التكرار، والأنسب هو التعظيم والتكريم.
توقِّروه: التوقير هو التعظيم، والاحترام .
يبايعون: البيعة: نوع من الميثاق ببذل الطاعة في مقابل شيء. قال في «المفردات»: بايع السلطان: إذا تضمَّن بذل الطاعة له بما رضخ له .3

1 . التحريم: 6 .
2 . الأعراف: 157 .
3 . المفردات للراغب: مادة «بيع».

صفحه 191
نكث: النَّكْث نكث الأكسية والغزْل، قريبٌ من النَّقض، واستعير لنقض العهد، قال تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ)1.2

التفسير

8 . (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا):
بعد أن تحدّثت الآيات السابقة عن نصيب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من ثمرات هذا الفتح وعن حظّ المؤمنين منه، وأعقب ذلك الإشارة إلى ما توعّد به سبحانه المشركين والمنافقين من العذاب، انتقل البيان القرآني إلى أمر آخر وهو إكبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإعظامه ببيان أوصافه وقال: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)أمّا معنى التبشير والنذارة فواضح، وأمّا الشهادة فيراد بها شهادته(صلى الله عليه وآله وسلم) على الأعمال في يوم القيامة، وقد جاء ذكرها في غير واحدة من الآيات، قال سبحانه: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَ جِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا)3، وإنّما عاد إلى بيان أوصافه وتعظيمه وتكريمه لأجل أنّ بعض أصحابه لمّا لم يقفوا على ما في الصلح من المصالح أخذوا يعترضون عليه ويقولون بأنّه وعدنا بدخول بيت الله الحرام وأداء مناسك العمرة ولم يتحقّق شيء من ذلك، فلأجل تبكيت هؤلاء، ودفع اعتراضاتهم يصفه سبحانه بهذه الأوصاف الجليلة الثلاثة، حتّى يعلم الناس أنّ ما قام به من

1 . التوبة: 12 .
2 . المفردات للراغب: مادة «نكث».
3 . النساء: 41 .

صفحه 192
الأعمال هو من وحي الله سبحانه، ولذلك يجب عليهم القيام بالأعمال الّتي ستذكر في الآية التالية:
9. (لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً):
وردت في هذه الآية ضمائر أربعة فهل الجميع يعود إلى الله سبحانه، كما عليه صاحب الكشّاف، يقول: والضمائر لله عزّ وجلّ والمراد بتعزير الله تعزير دينه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن فرّق الضمائر فقد أبعد .1
ولكن الحقّ هو الفصل بين الضمائر، فالضميران في قوله: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) راجعان إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّ الضمير في قوله: (وَتُسَبِّحُوهُ)راجع إلى الله سبحانه، والقرينة على التفريق واضحة لأنّ الآية كما ذكرنا بصدد التنديد ببعض المعترضين بأنّهم لم يعرفوا مكانة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حينما تزلزلت نفوسهم وخامرهم الشك في ما يفعله(صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنّ وظيفتهم هي نصرته وتعظيمه، فعلى هذا فالهدف من إرسال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الإيمان بالله وتسبيحه بكرة وأصيلاً أوّلاً، ونصرة النبي وتوقيره ثانياً.
10. (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا):
قد مرّ في قصة صلح الحديبية أنّ مندوب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا تأخّر وشاع

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 136 .

صفحه 193
قتله بين المسلمين، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا نبرح حتّى نناجز القوم» فدعا رسول الله الناس إلى البيعة فبايعوا تحت الشجرة وسمّيت هذه البيعة ببيعة الرضوان، قال سبحانه ـ تبجيلاً وتكريماً لنبيّه ـ : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ)فقد نزّل بيعته (صلى الله عليه وآله وسلم)منزلة بيعته سبحانه، وليس هذا أمراً بديعاً فقد نزّل طاعته منزلة طاعته، وقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)1 وعدّ تكذيبه تكذيباً له تعالى فقال: (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَ لَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ)2، فإذا كانت طاعة الرسول طاعة الله وتكذيبه تكذيبه سبحانه، كانت بيعته ـ بمعنى بذل الطاعة في طريق أوامره ونواهيه ـ بيعة لله سبحانه، لأنّ الرسول لا يأمر ولا ينهى إلاّ بما يأمر به الله وينهى عنه.
وبذلك يُعلم معنى قوله: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)فمعناه أنّ يد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عند البيعة بمنزلة يد الله لما عرفت من منزلته ومقامه، حتّى أنّه سبحانه جعل رميه (صلى الله عليه وآله وسلم)رمياً لنفسه وقال: (وَ مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لَكِنَّ اللهَ رَمَى)3 .
ومن المعلوم أنّ تنزيل يد الرسول منزلة يده سبحانه بمعنى أنّ عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير فرق بينهما.
وقد روي أنّ بعض الصحابة كان يضع يد رسول الله في أيدي الناس، لكي لا يتعب بتحريكها لكثرة المبايعين فدلّ على أنّ يد رسول الله كانت توضع على يد المبايعين فصح أن يقال: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) لأجل أنّ يد

1 . النساء: 80 .
2 . الأنعام: 33.
3 . الأنفال: 17 .

صفحه 194
الرسول كانت فوق أيديهم.
وأمّا ما هو دور اليد عند البيعة فإنّ العادة كانت جارية في المبايعات والمعاقدات أن تقع الصفقة بالأيدي من البائع والمشتري، ومن هناك قالوا صفقة رابحة وصفقة خاسرة.1 فكأنّهم بعملهم هذا يمثِّلون نقل المُلك إلى يد المشتري، فهكذا في البيعة فالمبايع للرسول يمثِّل بإعطاء اليد تقديمَ نفسه ونفيسه للمبايعَ له وجعلهما تحت اختياره، فتكون يد المبايع تحت يد المبايَع له، وعلى هذا لمّا كانت يد الرسول فوق أيديهم، بيّن مكانة هذه اليد بأنّ يد الله فوق أيديهم للتعظيم والتكريم.
ثم عاد البيان القرآني إلى بيان أهمية البيعة وأنّ الناكث ينكث على نفسه ويقول: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ): أي لا يضرّنَّ بذلك إلاّ نفسه (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ): أي أن مَن وفى ببيعته وعهده مع الله، فهو ينتفع ببيعته (فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً).
وقوله: (مَنْ) اسم شرط و (أَوْفَى)فعل الشرط ، وقوله (فَسَيُؤْتِيهِ)جواب الشرط، وتقدير الآية: ومَن أوفى بما عاهد الله عليه فسيؤتيهِ أجراً عظيماً، فأُخّر المفعول وتقدّم الظرف . وقيل: من عاهد عليه «الله» .
بقي الكلام في (ضمّ) ضمير (عَلَيْهُ اللهَ) مع أنّ مقتضى القاعدة هو الكسر، وقد قيل: إن وجهه مجيء سكون بعده فيجوز الضم والكسر .2
سورة الفتح: الآيات 11 ـ 14    
وأظن أنّ الوجه هو وجود التفخيم في لام «الله» فهذا يناسب الضمّ لا الكسر.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 260 .
2 . إعراب القرآن لمحيي الدين درويش: 7 / 224.

صفحه 195
 
الآيات: الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة
(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا * وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا * وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا).

المفردات

المخلّفون: الذين تركهم الرسول والمسلمون وراء ظهورهم، فلذلك وصفوا بالمخلّفين مع كونهم من المتخلّفين.
أهلونا: الأهلون: جمع أهل.
بوراً: البوار (بالفتح): الهلاك، ويستعمل في الهلاك المعنوي وهو عدم الخير والنفع في الدنيا والآخرة.

صفحه 196
 
التفسير
11 . (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) :
لمّا مدح سبحانه (مَنْ أَوْفَى)ببيعته وذمّ مَن نكثها، عاد إلى بيان حال المخلّفين من الأعراب الذين تخلّفوا عن ركب رسول الله، مع أنّه استنفرهم إلى الاعتمار، وهم خمس قبائل كما مرّ، أعني: غِفار، ومُزَينة، وجُهينة، وأشجع، وأسلم، وأضاف «الكشّاف» قبيلة (الدِّيل) .1
مرّ أنّ القرآن الكريم عبّر عن هؤلاء بالمخلَّفين مع أنّهم كانوا متخلِّفين، وما هذا إلاّ لأجل الإشارة إلى أنّ المسلمين تركوهم وراء ظهورهم ولم يعتنوا أو لم يكترثوا لكلامهم وأسرعوا إلى مكة معتمرين تاركينهم في منازلهم .
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا استنفر هؤلاء تثاقلوا وأبَوا أن يخرجوا معه، وقالوا: كيف نذهب إلى قوم قد غزوه في عُقْر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه ـ مشيرين إلى غزوة أُحد ـ فنقاتلهم؟ وظنوا أنّه يهلك هو وأصحابه ولن

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 137 .

صفحه 197
يرجعوا إلى المدينة. هذا هو السبب في تثاقلهم وتخلّفهم، وعندئذ نزل الوحي السماوي بأنّهم سوف يعتذرون عن تثاقلهم بأمر لا واقع له يعني : (سَيَقُولُ لَكَ الُْمخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا)لكنّهم (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)فالسبب الواقعي هو ظنّهم بأنّ الرسول يهلك في هذا السفر وأصحابه فلا يرجعون، وما تفوّهوا به من الاعتلال بالانشغال بأهليهم وأموالهم لا يطابق ما في قلوبهم، بل هو كذب يلوكونه بألسنتهم، حتّى أنّ طلبهم للاستغفار ليس عن حقيقة، فهؤلاء مسلمون لساناً غير مؤمنين قلباً وحقيقة.
والآية من الأخبار الغيبية حيث أخبرت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بما سيتحقّق في المستقبل، ثم أمرت النبي بالردّ عليهم إذا جاء هؤلاء معتذرين (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا): أي فمن يمنعكم عن مشيئة الله وقضائه (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا)ما يضركم من قتل أو هزيمة (أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا)من ظفر وغنيمة1.
وأمّا صلة هذه الفقرة بما قبلها فالظاهر أنّ وجه الصلة هو أنّهم لمّا تخلّفوا عن ركب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وتذرّعوا بالانشغال بأهلهم وأموالهم (وأنّه لم يكن هناك من يقوم مقامنا)، ردّ عليهم بأنّ الله هو المالك المدبّر لكلّ شيء فلا يضرّ ولا ينفع شيء إلاّ بإرادته ومشيئته، فتخلّفكم عن الركب لأجل حفظ الأهل والعيال والمال، لا يدفع الضرّ إذا أراده الله، كما لا ينفع في جلب النفع إذا منعه الله.
ولقائل أن يقول: إنّه سبحانه تبارك وتعالى يأمر بالتمسّك بالأسباب في غير واحدة من الآيات، والنظام السائد في الحياة الدنيوية هو التمسّك

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 137 .

صفحه 198
بالأسباب، فعلى هذا فالمخلّفون حسب اعتذارهم تمسّكوا بالسنن الدنيوية وهي أنّه لم يكن عندهم مَن يحمي أموالهم وأهليهم، فلذلك قعدوا لحمايتها وحفظها.
ولكن الجواب هو ما أشار إليه السيد الطباطبائي وقال: والتمسّك بالأسباب وعدم إلغائها وإن كان مشروعاً مأموراً به، لكنّه فيما لا يعارض ما هو أهمّ منها كالدفاع عن الحق وإن كان فيه بعض المكاره المحتملة، اللّهم إلاّ إذا تعقّب خطراً قطعياً لا أثر معه للدفاع والسعي.1
وقد فسّر ابن عاشور الآية بما لا يليق بمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فلاحظ .2
12. (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا):
لمّا اعتذر المخلَّفون من الأعراب عن تخلُّفهم بأنّهم شغلتهم أموالهم وأهلوهم، وردّ عليهم سبحانه بأنّه كلام يلوكونه بألسنتهم، أعلن عن السبب الواقعي لذلك وهو أنّهم ظنّوا أنّ الرسول ومن معه سيهلكون في هذا السفر ولا يرجعون إلى المدينة وبذلك كشف عن نيّتهم الفاسدة وقال: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا): أي ظننتم أنّهم لا يرجعون إلى مَن خلّفوا في المدينة من الأهل والأولاد لأنّ العدو يستأصلهم، وقد سوّل الشيطان هذه الفكرة، كما قال: (وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ): أي زيّن

1 . الميزان في تفسير القرآن: 18 / 279 .
2 . لاحظ : التحرير والتنوير: 26 / 137 .

صفحه 199
الشيطان ذلك الظن في قلوبكم، (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ): أي ظننتم هلاك النبي (وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا): أي قوماً هلكى، وذلك لأنّهم سلّموا زمام أُمورهم للشيطان، فقادهم إلى الهلاك بشهادة أنّهم لم يؤمنوا بالله ورسوله كما يقول:
13. (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا):
فمصير غير المؤمنين بالله ورسوله نار يسعّرها الله عليهم فتحرقهم.
14. (وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا):
ولعلّ الآية نزلت لدفع بعض الأوهام حول قدرته سبحانه على تعذيب الكافرين بنار جهنم حيث يقول بأنّ لله السلطان والتصرّف في السماوات والأرض، فليس لأحد أن يدفعه عمّا أراد، كما قال: (وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)فهو المختار في فعله (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ)وقد قدّم الغفران على التعذيب لإفادة أمرين:
أ. التنبيه إلى أنّ الأُسلوب الصحيح في التأديب هو ترجيح الأوّل على الثاني إذا كان المحلّ قابلاً له، إلاّ إذا بلغ الأمر إلى حدٍّ صار معه الكيّ آخر الدواء .
ب. إرشاد المربّي إلى أنّه يجب أن يفتح باب التوبة بوجه العاصي ويشوّقه إلى الإنابة إلى الله تعالى، حتى لا يتصوّر أنّ باب العودة مسدود، وأنّه لا يستطيع أن يتدارك ما هو فيه من الآثام التي لا تفضي به إلاّ إلى العذاب،

صفحه 200
وعندئذ يتوغّل في المعاصي إلى ما لا حدّ له .
نعم كان تخلّفهم ذنباً ، ثم توجيه التخلّف بأمر غير واقعي صار ذنباً آخر، فهم قد ارتكبوا ذنبين: تخلّفوا، وكذبوا في مقام الاعتذار، وهذا هو المشاهد من غير واحد من منافقي عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)نذكر منه نموذجاً:
كانت غزوة الأحزاب غزوة مصيرية حيث اجتمعت جيوش المثلث الجاهلي على ضرب الإسلام، أعني: قريشاً ومشركي الجزيرة العربية ويهود خيبر، فنزلوا مشارف المدينة وهم مجهّزون بالأسلحة الفتّاكة، وكان على المؤمنين في هذه اللحظات الحسّاسة بذل ما في أيديهم من النفس والنفيس حتى الأهل والعيال في طريق حفظ بيضة الإسلام، إلاّ أنّه ـ وللأسف ـ كان قسم منهم يتركون مواقعهم في الحرب لأعذار كاذبة يحكي عنها سبحانه بقوله: (وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَ مَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا)1، وهذا نظير تذرّع المنافقين في المقام بأنّه شغلتهم أموالهم وأهلوهم.

سورة الفتح: الآيات 15 ـ 17    

الآيات: الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة
(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْم أُولِي

1 . الأحزاب: 13.

صفحه 201
بَأْس شَدِيد تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيماً ) .

المفردات

انطلقتم: قال الراغب: انطلق فلان: إذا مرّ متخلِّفاً.1 والمراد إذا ذهبتم إلى ما فيه المغنم وتركتم وراءكم شيئاً.
مغانم: جمع مغنم مصدر ميميّ أي ما يُغنم، وليس اسم زمان ولا مكان في الآية.
ذرونا: اتركونا نجيء معكم.
بأس: البأس: الشدّة في الحرب، وربّما يطلق ويراد به العذاب.

التفسير

15. (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ

1 . المفردات للراغب: 306، مادة «طلق».

صفحه 202
اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) :
أخبر سبحانه في هذه الآيات وما تقدّمها، وما يأتي بعدها عن المخلّفين بأُمور ثلاثة:
أ. (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ)كما مرّ.
ب. ما في هذه الآية أعني قوله: ( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ).
ج. ما سيأتي، أعني قوله:(قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ) .
وأُريد من المخلَّفين في هذه الآيات الذين تخلَّفوا عن ركب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عند ذهابه إلى العمرة.
نعم ورد لفظ (المخلَّفون) في سورة التوبة، أعني قوله تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ)،1 وأُريد بهم الذين تخلّفوا عن ركب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عند ذهابه إلى تبوك. فيجب الانتباه إلى أنّ ملاك التخلّف في الحديبية غيره في غزوة تبوك، فعلى المفسّر التفريق بينهما، وسيوافيك توضيح أكثر، فانتظر.
إذا علمت هذا، فلنرجع إلى تفسير الآية، فنقول:
إنّه سبحانه أخبر في الآيات السابقة عن أُمور غيبية، هي:
أ. أنّهم سوف يأتونك يعتذرون بألسنتهم بما ليس في قلوبهم.
ب. أنّ العذر الواقعي لعدم خروجهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هو ظنّهم بأنّ

1 . التوبة: 81 .

صفحه 203
الرسول ومن معه سيهلكون.
ج. أنّ المخلّفين سوف يطلبون من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يأذن لهم بالمشاركة في المغانم التي سيطر عليها المسلمون في غزوة خيبر، كما في هذه الآية.
وهذه هي شيمة المنافقين، إذ أنّهم لا يجاهدون مع المسلمين في سبيل الله، وإنّما يجاهدون لأجل المغانم والأموال ولذلك لم يشاركوا في الحديبية لظنّهم أنّ فيها هلاك النبيّ ومن معه، ولمّا سمعوا أنّ النبي وعد أهل الحديبية بأنّ الله سيبدلهم عن مغانم مكة بمغانم خيبر، تحرّكت مطامعهم، وأخذوا يطلبون من النبي أن يأذن لهم بالالتحاق بهم والخروج معهم، كما يحكي عنهم قوله سبحانه: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى)خيبر التي جعل فيها (مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا): أي دعونا (نَتَّبِعْكُمْ)حتى نشارككم في المغانم .
ثم إنّه سبحانه أخبر بأُمور غيبية أُخرى، هي:
أ. (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللهِ).
ب. (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ).
ج. (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا).
أمّا الأوّل: فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر المسلمين بأنّ مغانم خيبر خاصّة بمن شهد الحديبية، حيث وعدهم أن يعوِّضهم من مغانم مكّة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئاً.1 فالمنافقون حاولوا عن طريق المشاركة في غزوة خيبر إبطال كلام الله المحكيّ بالنبي حيث أخبر عن

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 138 .

صفحه 204
تخصيص مغانم خيبر بمن شهد الحديبية.
ويحتمل أن يُراد بكلام الله ما سيأتي من قوله سبحانه: (ومَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) والمراد بها مغانم خيبر حتى أنّه سبحانه وصف مغانم خيبر في الآية التالية بقوله: (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ)فنُزّلت منزلة الحاضرة لاقتراب زمان أخذها فحاولوا بالمشاركة تبديل قوله سبحانه: (يَأْخُذُونَهَا).
ولذلك نرى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما نقل أصحاب السِّير ـ قسّم مغانم خيبر على أهل الحديبية من شهد خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلاّ جابر بن عبدالله .1
وأمّا الثاني: فأمر النبي بنهيهم عن الاتّباع أو بإخباره عن عدم اتّباعهم، وقال: (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ).
وأمّا الثالث: فإنّهم سيتّهمونكم بالحسد وأنّ الله لم يمنع عن المشاركة، (بَلْ تَحْسُدُونَنَا)أن نشارككم بالغنيمة.
ثم إنّه سبحانه أبطل دعواهم من اتّهام المسلمين بالحسد بقوله: (بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً): أي إلاّ فقهاً قليلاً.
16. (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْم أُولِي بَأْس شَدِيد تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) :
لمّا كان ظاهر قول المخلّفين: (شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا)أنّهم ندموا على

1 . السيرة النبوية: 2 / 449 .

صفحه 205
قعودهم، فعند ذلك نزل الوحي الإلهي بقوله: (قُلْ)يا أيّها النبي (لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْم أُولِي بَأْس شَدِيد).
وأمّا ما هو المراد بهؤلاء القوم؟ فسيوافيك الكلام في تعيينهم، لكن الأمر الواضح أنّ هؤلاء عبارة عن عبدة الأصنام والمشركين بشهادة أنّه سبحانه يخيّر المسلمين بين أمرين ويقول: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)وهذه ضابطة في مورد المشركين، وأمّا أهل الكتاب فالضابطة فيهم إمّا التسليم أو البقاء على شريعتهم مع إعطاء الجزية كسائر الضرائب التي يدفعها المسلمون.
وبذلك يعلم أنّ تفسير (قَوْم) بالروم والفرس، خطأ واضح، لأنّهم من أهل الكتاب والضابطة فيهم ما ذكرنا، لا القتال والتسليم.
ثم إنّه سبحانه يخاطب هؤلاء الذين يريدون المشاركة في القتال بقوله: (فَإِنْ تُطِيعُوا): أي تستجيبوا وتنفِروا لقتالهم (يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا): أي جزاءً كبيراً (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا)عن القتال وتقعدوا عنه (كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ)عن ركب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديبية (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
***
بقي هنا كلام، وهو تحقيق أمرين:
أ. مَن هو الداعي إلى القتال في قوله: (سَتُدْعَوْنَ)؟
ب. مَن هم هؤلاء المحاربون الأشدّاء الذين سيُدعى المخلَّفون إلى قتالهم؟
أمّا الأمر الأوّل: فالمتبادر أنّ الداعي هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا غيره كأحد الخلفاء الذين أتوا بعده وشغلوا منصّة الحكم، لأنّ المتبادر من سياق الآيات

صفحه 206
أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وإن تركهم وراء ظهره في الذهاب إلى الحديبية لكنّه سيدعوهم للقتال في الغزوات الأُخرى إن كانوا صادقين، ولا يتبادر ـ إلى ذهن من لم يكن له رأي مسبق ـ أنّ الداعي لهم غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن ذلك يتبيّن الأمر الثاني وأنّ المراد به، مَن حاربهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وحصل منهم المسلمون على مغانم كثيرة، وقد غزا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد خيبر أهل مكّة وقبيلة هوازن، أمّا الغزوة الأُولى فلم تكن فيها أية غنيمة، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)منّ عليهم بالعفو وأسماهم الطلقاء، وأمّا الثانية (وهي غزوة حنين) فقد حصل فيها المسلمون على مغانم كثيرة.
يقول ابن هشام: ثم خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين انصرف عن الطائف على دحناء حتى نزل الجعرانة في من معه من الناس ومعه من هوازن سبيٌ كثير، ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة وكان مع رسول الله من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الإبل والشياه ما لا يُدرى ما عدّته .1
ثم حدّث ابن هشام عن توزيع غنائم حنين... إلى أن قال: إنّ قائلاً قال لرسول الله من أصحابه: يا رسول الله، أعطيت عُيينة بن حِصن والأقرع بن حابس مئة مئة، وتركت جُعيل بن سراقة الضّمري، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما والذي نفس محمد بيده لجُعيل بن سُراقة خيرٌ من طلاع الأرض، كُلُّهم مثل عُيينة بن حِصن والأقرع بن حابس، ولكنّي تألَّفتهما ليُسلما، ووكلت جُعيل بن سراقة إلى إسلامه»2.3

1 . السيرة النبوية: 2 / 488 .
2 . السيرة النبوية: 2 / 496 .
3 . لاحظ ما كتبه ابن هشام في كيفية تقسيم الغنائم بين أصحابه .

صفحه 207
 
بحث وتمحيص
استدلّ كثير من علماء أهل السنّة بهذه الآية على صحّة خلافة الخلفاء الثلاثة، منهم الزمخشري، والرازي، وابن حجر الهيتمي وغيرهم:
1. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (إِلَى قَوْم أُولِي بَأْس شَدِيد): يعني بني حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردّة الذين حاربهم (أبو بكر)، لأنّ مشركي العرب، والمرتدّين هم الذين لا يقبل منهم إلاّ الإسلام أو السيف عند أبي حنيفة، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية، وعند الشافعي لا تقبل الجزية إلاّ من أهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب، وهذا دليل على (إمامة) أبي بكر، فإنّهم لم يُدعوا إلى حرب في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن بعد وفاته، وكيف يدعوهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مع قوله تعالى: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ)1.2
أقول: اشتبه الأمر على صاحب الكشّاف في موضعين:
الأوّل: أنّه خلط بين المخلَّفين في الحديبية، وبين المخلَّفين في غزوة تبوك .
الثاني: أنّه زعم أنّ قوله سبحانه: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عدواً)، ناظر إلى المخلَّفين عن ركب الرسول في عمرة الحديبية، مع أنّه

1 . التوبة: 83 .
2 . تفسير الكشّاف: 3 / 138 .

صفحه 208
ناظر إلى المخلَّفين في غزوة تبوك، وإليك توضيح الأمرين :
قد ورد لفظ المخلّفين في سورتين:
الأُولى: سورة الفتح وقد ورد فيها ذلك اللفظ ثلاث مرات وأُريد به الذين تخلَّفوا عن ركب الرسول في عمرة الحديبية، وما نحن بصدد تفسيره ـ أعني قوله سبحانه: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْم أُولِي بَأْس شَدِيد)ـ وارد في سورة الفتح وناظر إلى هؤلاء، أعني: القبائل الخمس القاطنين حول المدينة، وكانت الحادثة في شهر ذي القعدة الحرام من السنة السادسة للهجرة. .
الثانية: وردت اللفظة في سورة التوبة، أعني قوله سبحانه: (فَرِحَ الُْمخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ قَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَ لَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّة فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ)1.
ومورد هذه الآيات غزوة تبوك التي وقعت في شهر رجب في سنة تسع من الهجرة، حيث إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر أصحابه بالتهيّؤ لغزو الروم وذلك في زمان من عُسرة الناس وشدّة من الحرّ، وفي هذا الاستنفار أخذ المنافقون يثبِّطون الناس عن النفر إلى الجهاد ويقولون: (لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ)إلى غير ذلك من الأعذار.
قال ابن هشام: إنّ ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم

1 . التوبة: 81 ـ 83 .

صفحه 209
اليهودي وكان بيته عند جاسوم، يثبِّطون الناس عن رسول الله في غزوة تبوك، فبعث إليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يُحرّق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة. فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه، فأفلتوا .1
وأمّا الثاني، فإنّ قوله سبحانه: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)راجع إلى ذلك الرهط من المنافقين الذين تخلّفوا عن الركب في غزوة تبوك، ولا صلة لهذه الفقرة بالمخلّفين عن الحديبية، وعلى هذا فلا مانع من أن يشارك متخلّفو الحديبية في غزوة «حنين» ولا يشملهم قوله سبحانه: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا). فأساس الاشتباه الخلط بين المتخلّفين أوّلاً، وإرجاع ما ورد في سورة التوبة (حال المخلَّفين في تبوك) إلى المخلَّفين في الحديبية ثانياً.
وبعبارة واضحة: إنّ قوله سبحانه: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) لا يمنع من القول بأنّهم خرجوا مع المسلمين في غزوة «حنين» وقاتلوا معهم، وذلك لأنّ قتالهم معهم كان في شهر شوّال من السنة الثامنة للهجرة، أي قبل نزول الآية بعدّة شهور، وإخبار الآية عن مستقبل أمرهم من أنّهم لا يخرجون ولا يقاتلون، ناظر إلى عدم خروجهم في غزوة تبوك سنة تسع، فالاستدلال على عدم مشاركة متخلّفي الحديبية، بهذه الآية، غفلة عن موردها. فلاحظ.
وبذلك يظهر بطلان هذا التفسير للآية، ومن ثمّ بطلان الاستدلال بها على صحّة خلافة الخلفاء الثلاثة. ومثل ذلك يقال في الكلامَين الآتيين:

1 . السيرة النبوية: 2 / 517 .

صفحه 210
2. قال الرازي ـ في بعض كتبه الكلامية عند الاستدلال على صحّة إمامة أبي بكر ـ : الحجة الثانية: التمسّك بقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْم أُولِي بَأْس شَدِيد)فالآية دالّة على صحّة خلافة أحد هؤلاء الثلاثة، ومتى صحّت خلافة أحدهم صحّت خلافة الكلّ، ضرورة أنّه لا قائل بالفرق.1
3. قال ابن حجر الهيتمي تحت عنوان: النصوص السمعية الدالّة على خلافته (يعني أبا بكر) من القرآن والسنّة، قال: الدليل الثاني من الآيات الدالّة على خلافته أيضاً قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْم أُولِي بَأْس شَدِيد).2
وترى نظير هذه الكلمات في كثير من كتب أهل السنّة في التفسير والكلام.
ومن سبر السيرة النبوية يقف على أنّ المتخلّفين عن الحديبية شاركوا في غزوة حنين (هوازن)، فقد أخرج السيوطي عن ابن عباس قال: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْم أُولِي بَأْس شَدِيد)قال: هوازن وبني حنيفة. وأخرج عن سعيد بن جبير في تفسير الآية قال: هوازن يوم حنين، 3 والظاهر أنّ لفظ (بني حنيفة الذين ارتدّوا بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)) أُلحق لغاية سياسية، وإلاّ فقد عرفت نص سعيد بن جبير .
ولقد أنصف الآلوسي حين قال: والإنصاف أنّ الآية لا تكاد تصحّ دليلاً

1 . الأربعون في أُصول الدين: 2 / 287 .
2 . الصواعق المحرقة: 1 / 149 .
3 . الدر المنثور: 6 / 72 .

صفحه 211
على إمامة (الصدّيق) إلاّ إن صحّ خبر مرفوع في كون المراد بالقوم بني حنيفة ونحوهم، ودون ذلك خرط القتاد .1
***
17. (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا):
لمّا سبق التنديد بالمخلَّفين من الأعراب، عاد البيان القرآني إلى استثناء ذوي الأعذار منهم، إمّا لعذر عضوي كالأعمى والأعرج أو لنقص في أبدانهم كالمريض. وهذا يدلّ على أنّ للقرآن رؤية عامّة وليس كالسياسيّين الذين إذا غضبوا على جماعة فتراهم لا يفرّقون بين ذوي الأعذار وغيرهم، ولذلك قال: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ)والأساس في ذلك أنّ التكليف مشروط بالقدرة (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)2، ولذلك قال سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ)3، فلعلّ قوله: (إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ) كناية عن طاعة المعذورين بألسنتهم، ولذلك قال في المقام: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيماً).

1 . روح المعاني: 26 / 105 .
2 . البقرة: 286 .
3 . التوبة: 91 .

صفحه 212
وعلى هذا فهؤلاء المعذورون لأجل فقدان القدرة، سقط عنهم التكليف الشاقّ، أي الذهاب إلى سوح الجهاد، وأمّا الدعوة إلى الإسلام باللسان فهو باق على وجوبه، فكلّ إنسان مكلّف بالدفاع عن حمى الإسلام مهما أمكن.

سورة الفتح: الآيتان 18 ـ 19    

الآيتان: الثامنة عشرة والتاسعة عشرة
(لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيماً):

المفردات

رضي: الرضى يطلق على هيئة تطرأ على النفس من تلقّي ما يلائمها، وتقبله من غير دفع، ويقابله السخط. ويستعمل تارة متعدّياً بنفسه، يقال: رضيت زيداً، وأُخرى متعدّياً بـ «عن»، يقال: رضي الله عنه، وثالثة بـ «الباء»، كقوله تعالى: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ)1 .
أثابهم: الثواب ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله، فيسمّى الجزاء ثواباً.

1 . التوبة: 38 .

صفحه 213
 
التفسير
18. (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا):
تقدّم في بيان شأن نزول السورة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بعث عثمان بن عفّان ليخبر قريشاً بأنّه جاء زائراً لبيت الله الحرام ومعظِّماً لحرمته، ولم يأت محارباً ومقاتلاً، لكن بعدما أبطأ عثمان وانتشر خبر مقتله، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا نبرح حتى نناجز القوم» فدعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة 1 .
وقد مرّت الإشارة إلى تلك البيعة في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)،وعاد هنا إلى ذكرها، للإشادة بهؤلاء الذين بايعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تحت شجرة سَمُرة، فقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) وقد مرّ أنّ الرضى عبارة عن هيئة تطرأ على النفس من تلقي ما يلائمها، والرضى بهذا المعنى مستحيل على الله سبحانه، فأُريد به أثر تلك الهيئة، أعني: الإثابة والجزاء الحسن، كما هو الحال في إسناد السخط والغضب إلى الله سبحانه، فإنّهما بمعنى انفعال النفس بما لا يلائمها فيراد به أثر ذلك الانفعال وهو الجزاء والمؤاخذة.
ثم إنّه سبحانه يحكي عن صدق نيّة المبايعين ويقول: (فَعَلِمَ مَا فِي

1 . لاحظ : السيرة النبوية: 2 / 315 .

صفحه 214
قُلُوبِهِمْ) من صدق النيّة وإخلاصها، ولذلك جزاهم بأمرين:
أ. (فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)، أي الطمأنينة والوقار، عبّر عنها بالإنزال إشارة لعلوّ مبدئها. وفي ظلّ السكينة شعر المؤمنون بالاطمئنان والثقة بما يقوله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)واستيقنوا بسلامة الطريق الذي ساروا عليه أو سيسيرون عليه من بعد، فالجميع من عند الله تبارك وتعالى، وهو أرحم بهم وأرأف.
ب. (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) أي جزاهم بفتح قريب وهو فتح خيبر1، إذ ليس هناك فتح أقرب بعد الرجوع عن الحديبية من فتح خيبر، وما ربما يقال من أنّ المراد به فتح مكة، بعيد عن السياق.
ثم إنّ تعريف الشجرة باللاّم يدلّ على أنّها شجرة معيّنة في مكان خاص، والظاهر أنّ الشجرة لم تبق مدّة طويلة، فقد روى البخاري عن طارق بن عبدالرحمن قال: انطلقت حاجّاً فمررت بقوم يصلّون، قُلتُ: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيّب فأخبرته فقال سعيد: حدّثني أبي أنّه كان فيمن بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الشجرة، قال: فلمّا خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. فقال سعيد: إنّ أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم.2
وروى البخاري أيضاً، عن سعيد بن المسيّب عن أبيه، قال: لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها. ] قال البخاري[: قال محمود: ثم أُنسيتها بعد .3

1 . ستوافيك قصة فتح خيبر بعد الفراغ من تفسير السورة.
2 . صحيح البخاري: 3 / 63 ، برقم 4163، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية.
3 . صحيح البخاري: 3 / 63، برقم 4162، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية.

صفحه 215
وبذلك يعلم أنّ ما ذكره الشيخ ابن باز (مفتي السعودية سابقاً) في رسالته إلى الشيخ محمد واعظ زادة الخراساني، أمر لا دليل عليه.
حيث قال: وقد قطع عمر الشجرة التي بويع تحتها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديبية لمّا بلغه أنّ بعض الناس يذهبون إليها ويصلّون عندها، خوفاً من الفتنة بها وسدّاً للذريعة .1 وذلك لما مرّ من أنّ صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا مرّوا على موضعها في السنة التالية لم يجدوا شيئاً، فكيف تبقى إلى عهد عمر؟
نعم ما ذكره ابن باز نقله ابن سعد في طبقاته في أحداث غزوة الحديبية عن نافع، قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلّون عندها، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت .2
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ السند منقطع ولم يسنده نافع إلى شيخ من مشايخه، فلا يحتجّ بالسند المقطوع.
وثانياً: أنّ هناك دلائل واضحة على أنّ الشجرة صارت مجهولة لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في العام التالي، فكيف يمكن أن تعرف في عهد عمر فيأتي الناس إليها ويصلّون تحتها حتى يأمر بقطعها؟
وللسيد حسن السقّاف كلام في المقام نقتطف منه ما يلي، قال:
لم يثبت ما أورده الشيخ (ابن باز) من أنّ (سيدنا) عمر قطع الشجرة (شجرة بيعة الرضوان) بل (سيدنا) عمر ذهب يسأل عنها ولم يجدها، ففي تفسير الإمام الحافظ الطبري السلفي عند تفسير الآية الكريمة التي ذكر فيها

1 . التبرّك والتوسّل والصلح مع العدو الصهيوني: 42.
2 . الطبقات الكبرى: 2 / 100، ط . دار صادر.

صفحه 216
الشجرة، قال: «وزعموا أنّ عمر بن الخطاب مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول هنا، وبعضهم يقول هاهنا، فلمّا كثر اختلافهم، قال: سيروا، هذا التكلّف، فذهبت الشجرة وكانت سَمُرة، إمّا ذهب بها سيل، وإمّا شيء سوى ذلك »1 .
فلو كان (سيدنا) عمر قطعها لما قيل ذلك، ولَما خفي الأمر على مثل الحافظ ابن جرير ولكان نبّه عليه!2
وأمّا التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو أمر مسلّم بين المسلمين، ولعلّنا نرجع إليه في موضعه في المستقبل.
بقي هنا كلام حول بيان حدّ الرضى، فنقول: إنّ رضى الله سبحانه يتعلّق بمجموعهم، ولا يشمل كلّ فرد من الأفراد المبايعين تحت الشجرة، بدليل أنّ جماعة من المنافقين بايعوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الموضع، وفي مقدّمتهم عبد الله بن أُبيّ وأذنابه.
ثمّ إنّ رضاه سبحانه كان محدّداً بزمان البيعة، لتعلّق الظرف (إذ) في قوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ) بالفعل(رضي)، فيكون المعنى: رضي الله عنهم في ذلك الحين.
ومن هنا لا يصحّ الاستدلال بالآية على عدالة هؤلاء في كلّ الأزمان وإلى آخر حياتهم، فوقوع الرضى في ذلك الحين لا يمنع من مواقعة المعصية فيما بعد.
وعلى هذا، لو دلّ دليل قاطع على صدور معصية من أحد المبايعين

1 . تفسير الطبري: 26 / 113 .
2 . التبرّك والتوسّل والصلح مع العدو الصهيوني: 66 ـ 67 .

صفحه 217
بعد زمان البيعة، فقد خرج عن ذلك الوصف، وسُلبت منه العدالة، وهذا ما حصل فعلاً لعدد منهم.
وأمّا مَن هؤلاء الذين عصوا الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقد سجّل التاريخ أسماءهم وأفعالهم، وقد ذكرنا عدداً منهم في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل»1.
19. (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيماً):
المراد من المغانم الكثيرة، مغانم أرض خيبر والأنعام والمتاع والحوائط، فلأجل تنوّعها وصفها بالكثرة، وقوله: (يَأْخُذُونَهَا)إشارة إلى تحقّق هذه الفائدة، فبما أنّ السورة نزلت مرّة واحدة عند الرجوع من الحديبية فهذا خبر غيبي جاء به القرآن الكريم.
ثم إنّ الدليل على أنّ قوله: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا)ليس أمراً جديداً بل هو من متمّمات قوله: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) ـ الذي أُريد به فتح خيبر ـ والدليل هو وجود الضمير الغائب في كلتا الفقرتين، أعني: (أَثَابَهُمْ)و  (يَأْخُذُونَهَا)، وهذا بخلاف ما يأتي، نظير هذه الفقرة، فالضمير هنا ضمير خطاب كما يقول: (وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً). وهذا شاهد على اختلاف المغانم مصداقاً في الموردين فقد أُريد به هنا مغانم خيبر، وأُريد به هناك مغانم حنين، كما سيوافيك.
وللإشارة إلى أنّ ما وعدهم الله به أمر قطعيّ لا يتطرّق إليه الشكّ قال: (وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا): أي غالباً فيما أراد، متقناً لفعله غير مجازف .

1 . لاحظ : بحوث في الملل والنحل: 1 / 304 ـ 341.

صفحه 218
سورة الفتح: الآيات 20 ـ 24    

الآيات: العشرون إلى الرابعة والعشرين

(وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرًا * وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً * وَهُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا).

المفردات

أحاط: الحائط: الجدار الذي يحوط بالمكان .
الأدبار: دُبُر الشيء خلاف القُبُل. وأدبارهم أي خلفهم، فالنهي عن الإدبار نهي عن الانهزام.

التفسير

20. (وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ

صفحه 219
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا):
تحدّثت الآية وما تقدّمها عن مغانم ثلاثة:
الأوّل: الفتح القريب. ولكثرة غنائمه وتنوّعها قال سبحانه: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا).
الثاني: ما أشار إليه بقوله: (وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا)والآية تشير إلى مغانم حنين وهوازن.
الثالث: ما سيوافيك بيانه في محلِّه.
ثم إنّه سبحانه بعدما وعد المسلمين بمغانم كثيرة يأخذونها (وقد قلنا إنّ المراد بها مغانم هوازن) وصف مغانم خيبر بالتعجيل ويقول: (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) وإنّما وصفها بالتعجيل لقرب زمانها من الحديبية، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سار إلى خيبر في السنة السابعة، ثم أضاف إليه قوله: (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ)وقد اختلفت كلمات المفسّرين في المراد من (النَّاسِ)، فذكروا ما يلي:
1. أنّ قبائل من أسد وغطفان همّوا، بعد مسير النبيّ إلى خيبر، أن يُغيروا على أموال المسلمين وعيالهم بالمدينة، فكفّ الله أيديهم عن ذلك بإلقاء الرُّعب في قلوبهم.
2. أنّ مالك بن عوف وعُيينة بن حِصن مع بني أسد وغطفان جاءوا لنصرة يهود خيبر، فقذف الله في قلوبهم الرعب وانصرفوا.
إلاّ أنّ هذين الوجهين لا ينطبقان على ظاهر الآية:
أمّا الأوّل: فالظاهر كفّ الله أيدي الناس عمّن كان في ركب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديبية، لا كفّهم عمّن في المدينة من الأهل والعيال.

صفحه 220
وأمّا الثاني: فهو لا يلائم سياق الآية، إذ المتبادر أنّه سبحانه كفّ أيدي الناس عن المسلمين في الحديبية لا في غزوة خيبر.
3. أنّ المراد بالناس أهل مكّة، فالله تعالى كفّ أيدي المشركين عن أهل الحديبية، ولو واجهوهم بالقتال، لرجع المسلمون بعد القتال متعبين، ولَما تهيّأ لهم فتح خيبر.
4. أنّ جمعاً من المشركين نزلوا إلى الحديبية يريدون أن يصيبوا المسلمين على غِرّة، ففطن لهم المسلمون فأخذوهم دون حرب وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بإطلاقهم، وكان ذلك في أيام تناوب السفراء بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل مكّة.
روى الترمذي عن أنس: أنّ ثمانين هبطوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح وهم يريدون أن يقتلوه، فأُخذوا أخذاً، فأعتقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأنزل الله (وَهُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ).1 ولعلّ الوجهين الأخيرين أوضح ممّا تقدّم.
وعلى كلّ تقدير، فالله سبحانه امتنّ على المسلمين بأمرين:
1. بتعجيل غنيمة خيبر.
2. كفّ أيدي الناس عنهم.. كلّ ذلك: (وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)على صدقك (وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيماً): أي يزيد إيمانهم بتصديق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد مرّ قوله: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) 2.

1 . سنن الترمذي: 5 / 63; السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 319; المستدرك: 2 / 461 .
2 . الفتح: 4 .

صفحه 221
إلى هنا تمّ الكلام في المغانم الأُولى والثانية، وأمّا الثالثة فقد أشار إليها بقوله:
21. (وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرًا):
الظاهر أنّ (وَأُخْرى)مبتدأ موصوف بجملة: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا)، والخبر قوله: (قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا).
ويحتمل أن يكون (وَأُخْرى) وصفاً لمبتدأ محذوف أي: وغنائم أُخرى، خبره الأوّل: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا)، وخبره الثاني: (قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا).
وعلى كلّ تقدير فهذا هو المغنم الثالث الذي مرّ ذكره حيث يشير سبحانه إلى مغانم قدَّرها للمسلمين لكن لم تقدروا على نيلها لبعد زمانها، ولعلّها مغانم الروم وبلاد فارس وعامّة المغانم التي سينالها المسلمون في كلّ زمان ومكان، (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرًا) فلا يعجزه أن يهبكم من الغنائم فوق ما تتصوّرون وأكثر ممّا تأملون.
وحصيلة الكلام: أنّه سبحانه قد منّ على المسلمين بأُمور كثيرة مرّ ذكرها، ومنها المغانم الثلاثة:
1. مغنم خيبر، فأشار إليه بقوله: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا).
2. مغنم حنين، وأشار إليه بقوله: (وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا).
3. مغانم أُخرى قدّرها الله سبحانه للمسلمين ولكن لم يتسلّط
عليها أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّما يتسلّط عليها غيرهم من المسلمين

صفحه 222
عبر القرون. كما في هذه الآية.
وبما ذكرنا ظهر مفاد الآيات ومضامينها.
ثم إنّه سبحانه أشار في الآيات التالية إلى بعض النعم التي أولاها للمسلمين في تلك الفترة وقال:
22. (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا) :
الظاهر أنّ قوله: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)عطف على قوله: (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ) أمّا المعطوف عليه فيدلّ على أنّه سبحانه منع الناس من الاعتداء على المسلمين وهذه منّة من الله سبحانه، وعلى هذا فالمراد من قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا)هم الناس في الآية المتقدّمة.
وقد مرّ أنّ المراد من الناس فيها هم أهل مكة، ولكن غيّر التعبير إلى قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا)مكان قوله: (النَّاسِ)لأجل الإشارة إلى سبب ما ورد في الآية وهو أنّ هؤلاء الكافرين لو قاتلوكم (لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ): أي يفرّون من أمامكم، وأنّ الكفر هو السبب لتولِّيهم الأدبار في قتالهم للمسلمين (ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا)صديقاً (وَلاَ نَصِيرًا) يُعينهم.وعدم وجدان الوليّ والنصير أشدّ على المنهزم من انهزامه، لأنّه حين ينهزم قد يكون له أمل بأن يستنصر من ينجده، فيكُرّ به على الذين هزموه، فإذا لم يجد ولياً ولا نصيراً تحقّق أنّه غير منتصر.1
ثم إنّه سبحانه علّل ما ذكر في الآية بقوله:

1 . التحرير والتنوير:26/153.

صفحه 223
23. (سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً):
أي سنّ الله سنّة وهي أن يُظهر أنبياءه والمؤمنين بهم على أعدائهم، وهذه سنّة دائمة لا تتبدّل وقد أُشير إليها في غير واحدة من الآيات، قال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)1، وقال سبحانه: (كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي)2، وإذا ما اختلّت صفوف المسلمين في بعض الغزوات وغُلبوا وهُزموا فيها، فإنّما هو بسبب نزاعهم وعصيانهم لأمر الله ورسوله وضعفهم أمام المغريات. ولقد حدث هذا بالفعل في غزوة أُحد، على ما هو مسطور في كتب السيرة .
نعم ربّما يعجب الإنسان لما جاء في هذه الآية بأنّ قريشاً لو قاتلوا المسلمين لولّوا الأدبار مع أنّهم كانوا مجهّزين بالأسلحة الفتّاكة، وكانوا في عقر دارهم ومركز أدواتهم الحربية، لكنّه في غير موقعه فالمجاهدون إذا صدقوا في إيمانهم، وتوكّلوا على ربّهم، واستندوا إلى قوّته، وتحلّوا بالصبر والتقوى، ولم يطمعوا في أعراض الحياة الدنيا ولم يتخاذلوا أو يتراخوا، فإنّ العاقبة ستكون لهم وسيحرزون النصر بإذن الله، حتى وإن كان أعداؤهم أكثر منهم عُدّة وعدداً، بل حتى لو زاد عددهم عشرة أضعاف على عدد المؤمنين، كما قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا

1 . غافر: 51 .
2 . المجادلة: 21.

صفحه 224
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ).1
24. (وَهُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا):
أخبر سبحانه في هذه الآية عن أمرين:
1. قوله: (وَهُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ).
2. قوله: (مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ).
وهذا يدلّ على أنّ الظفر كان متقدّماً على الكفّ.
سورة الفتح: الآيات 25 ـ 27    
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ هذا الكفّ غير ما تقدّم في قوله في الآية المتقدّمة: (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ) لأنّه كان من جانب واحد على ما مرّ من رواية الترمذي،2 وأمّا المقام فهو يشير إلى أنّ الكفَّ وقع من الجانبين، فيمكن أن يقال: إنّ الطرفين كانوا على أُهبة الاستعداد للقتال، أمّا النبي فقد عزم على أن يناجز القوم حين بلغه أنّ مبعوثه قد قُتل، وأمّا المشركون فلقد كانوا متهيّئين لمنع الرسول من دخول مكّة، وكان العداء بين الطرفين على أشدّه، حتى أنّ قريشاً جمعت الجموع من غيرهم واستنفرت الأحابيش، هذا من جانب، ومن جانب آخر بايع المسلمون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على الدفاع والقتال، ففي هذه المرحلة الحسّاسة، منّ الله سبحانه على المسلمين بأن حال بين الفريقين ومنع وقوع القتال بينهما.

1 . الأنفال:65.
2 . لاحظ ص 220 من هذا الكتاب.

صفحه 225
وأمّا الثاني: فالمراد من إظفار المؤمنين على المشركين هو الدخول في أراضيهم، فإنّ قسماً من أراضي الحديبية يُعدّ حرماً، وهم قد نزلوا على مقربة من مكّة المكرّمة، فصحّ أن يقال: (بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا).
وعلى هذا، فلابّد من أن يُعدّ هذا الأمر فتحاً مبيناً حيث صار جسراً لفتوحات أُخرى دون أن يُقتل أحدٌ من المسلمين أو دون أن تسفك قطرة دم من أحد.
إلى هنا تمّ بيان المِنن والنعم التي أنعمها سبحانه على المسلمين واحدة بعد الأُخرى.
ثم عاد البيان القرآني إلى التنديد بالمشركين وذكر أفعالهم السيئة التي تُعدّ أمراً قبيحاً عند العرب كلّهم، وهذا ما سيرد ذكره في الآيات القادمة.

الآيات: الخامسة والعشرون إلى السابعة والعشرين

(هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْم لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ

صفحه 226
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا * لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا).

المفردات

معكوفاً: محبوساً ممنوعاً، يقال: عَكَفتُه على كذا أي حَبَستُه، والاعتكاف في الشرع هو الاحتباس في المسجد على سبيل القربة.
تطؤوهم: أي تدوسوهم.
معرّةٌ: العُرّ: الجَرَب الذي يعُرّ البدن أي يعترضه، ومنه قيل للمضرّة معرّة، تشبيهاً بالعُرّ الذي هو الجرب، والمراد بها هنا: المكروه.
تزيّلوا: تفرّقوا، قال سبحانه: (فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ)،1 وهو من زال بمعنى فارق.
الحميّة: المراد بها هنا: ثَوَران القوّة الغضبية، يقال: حَمِيتُ على فلان أي غضبتُ عليه .

1 . يونس: 28 .

صفحه 227
 
التفسير
25. (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْم لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) :
كانت الآيات السابقة من قوله سبحانه: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)1 إلى قوله: (وَهُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ)2، تتحدّث عن أوصاف المؤمنين وما أنعم الله عليهم من المنن إذ جعلهم ذوي غلبة على المشركين، الذين لو قاتلوهم لانهزموا وما ثبتوا لهم، وأمّا هذه الآية فتتحدّث عن جرائم قريش وسوء أفعالهم على نحو يعترف به كلّ من وقف عليها، وهي عبارة عن أُمور ثلاثة:
1. (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)بالله سبحانه، ولم يوحّدوه تدبيراً ولا عبادة.
2. (وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).
3. وصدّوا (الْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ).

1 . الفتح: 18 .
2 . الفتح: 24 .

صفحه 228
ومن المعلوم أنّه لا يجوز لأحد أن يمنع كلّ من يروم زيارة المسجد الحرام وإرسال الهدي إلى محلّه. وهم بهذا الفعل قد ارتكبوا جريمة شنعاء في حق كلّ من آمن ببيت الله الحرام وحرمته، ولم يكن السبب للمنع وارتكاب ما لا يعتقدونه ديناً إلاّ الحميّة الجاهلية.
ثم إنّ الهَدْي بمعنى ما يُهدى وأُريد به هنا ما يُهدى إلى الكعبة من الأنعام، وأمّا محلّ الهدْي في العمرة فهو مكّة المكرّمة، وفي الحجّ وادي مِنى، فاتضح معنى قوله: (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ)، نعم لا يجب الهدْيُ في العمرة المفردة، ولكن المعتمر لو ساق الهدْيَ يلزمه أن يذبحه في مكّة المكرّمة.
ولمّا كان هنا سؤال وهو: أنّه سبحانه أخبر أنّ المشركين لو قاتلوا المسلمين لانهزموا، كما قال: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ)وأنّ هؤلاء المشركين منعوا المسلمين من زيارة المسجد الحرام ومن بلوغ الهدْي محلّه (وهو أمر غير معهود من عصر إبراهيم (عليه السلام)إلى يومهم ذاك)، وكل ذلك يستدعي المسلمين إلى مناجزتهم وتدمير كيانهم، ومع ذلك حال سبحانه بينهم وبين قتالهم، لماذا؟
أُجيب بأنّ مكّة المكرمة تحتضن يوم ذاك عدّة من المؤمنين والمؤمنات وكانوا يعيشون بين المشركين بالتقية أو بغيرها، فلو كان هناك قتال بين المسلمين ومشركي قريش لأدّى ذلك إلى إراقة دماء هؤلاء المؤمنين والمؤمنات، فلأجل حفظ دمائهم حال سبحانه بينهم وبين قريش وإلاّ فلو كان المؤمنون متميّزين عن المشركين لما كفّ أيدي المؤمنين عنهم. وإلى هذا المعنى يشير سبحانه بقوله: (وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ

صفحه 229
مُؤْمِنَاتٌ) موجودون بمكّة غير متميزين عنهم وأنتم لا تعلمونهم بأعيانهم لاختلاطهم بغيرهم، لفُرض عليكم القتال ولكن لم يفعل ذلك مخافة (أَنْ تَطَؤُهُمْ)وتدوسوهم بالقتل وغيره، فعندئذ (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ): أي مكروه، ولأجل ذلك كفّ أيديكم عن مشركي قريش، وإلاّ (لَوْ تَزَيَّلُوا): أي لو امتازوا (لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ): أي من أهل مكة الذين فيهم المؤمن والكافر ولفظة «من» للتبعيض، (عَذَابًا أَلِيمًا) .
26. (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا) :
تقدّم في قوله سبحانه: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ...)أنّهم صدّوا المسلمين عن زيارة المسجد الحرام فيقع الكلام: ما هو السبب لارتكاب هذه الجريمة التي يعيبها عليهم كلّ من آمن ببيت إبراهيم (عليه السلام)وحجّه؟ فبيّن سبحانه أنّ وجه الصدّ هو صدورهم عن حميّة جاهلية وتعصّب أعمى، كما قال: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ)، والجعل إمّا بمعنى الإلقاء فتكون الحميّة مفعوله، وإمّا بمعنى التصيير، فيكون مفعوله الثاني محذوفاً، والتقدير: إذ جعل الذين كفروا الحميّة راسخةً في قلوبهم، ولكون الحميّة مكتسبة لهم من وجه، نُسب جعلُها إليهم.1
وفي مقابل تلك القلوب التي تغلي بالغضب الفائر والتعصّب المقيت، كانت هناك القلوب المفعمة، بفضل من الله تعالى، بالرضى والوقار

1 . انظر: روح المعاني:26/116، والميزان في تفسير القرآن:18/289.

صفحه 230
والطمأنينة، كما قال:(فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ).
ثمّ إنّه سبحانه قدّر لهؤلاء المؤمنين الثبات على كلمة التقوى، كما قال:(وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى)أي جعل كلمة التقوى أمراً لا ينفكّ عنهم، لكن يقع الكلام في ما هو المراد بتلك الكلمة، فهناك وجهان:
أ. روح الإيمان التي تأمر بالتقوى، قال تعالى: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ)1 .2
ب. كلمة التوحيد، أي قول:«لا آله إلاّ الله» 3.
والظاهر هو الوجه الأوّل، فإن روح الإيمان هو الذي يفيض على قلب الإنسان السكينة، ويبعثه على الثبات أمام الزعازع والعواصف، ولذلك فسّرها الإمام الصادق (عليه السلام)بالإيمان 4.
ولا غرو في أن يقدّر لهم الله الثبات على كلمة التقوى، فإنّهم كانوا مستعدّين لتلقّيها مؤهّلين لحملها كما قال: (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)أي أَولى بها، وذلك لأنّهم أثبتوا استعدادهم لهذه العطية قولاً وعملاً، إيماناً وجهاداً، فلو خصّهم بها فلعلمه باستحقاقهم لها، كما قال: (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا).
27. (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ

1 . المجادلة: 22.
2 . الميزان في تفسير القرآن: 18 / 290 .
3 . مجمع البيان: 9 / 230 .
4 . لاحظ : تفسير نور الثقلين: 5 / 73.

صفحه 231
الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا):
إن الله تبارك وتعالى أرى نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عند مقامه بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنّهم يدخلون مكّة عامهم هذا، فلمّا انصرفوا ولم يدخلوا مكّة وقع في قلوب رجال منهم شيء وارتابوا في الرؤيا، وقالوا: ما حلقنا ولا قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل الله هذه الآية وأخبر أنّه أرى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)الصدق في منامه لا الباطل، وأنّهم يدخلونه، وأقسم على ذلك، بشهادة أنّ اللام في (لَقَدْ) موطئة للقسم، فقال: (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ)أي أُقسم أن الله تعالى أرى نبيّه رؤيا صادقة، والذي يدلّ على أنّ الرؤيا كانت صادقة قوله: (بِالْحَقِّ): أي رؤيا ملابسة للحق وصادقة بلا ريب، وأمّا الرؤيا فهي قوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ)وأنتم بين (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ)وبين (وَمُقَصِّرِينَ): أي يَحلق من رام الحلْق ويقصِّر من رام التقصير (لاَ تَخَافُونَ)أي تأتون بالمناسك في حال الأمن وعدم الخوف،1 ولكنّه سبحانه لم يعيّن وقت دخول المسجد الحرام ولا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عيّن وقته، وإنّما أخبرهم بالرؤيا الدالّة على ورود المسجد والحلق والتقصير، وأمّا أنّه في أي سنة يتحقق فلم ينبس فيه(صلى الله عليه وآله وسلم) بكلمة، وإنّما توهّم مَن تَوهّم من أصحابه أنّهم سيدخلون في نفس السنة (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا): أي علم في صلح الحديبية من المصالح ما لم تعلموا (فَجَعَلَ مِنْ

1 . ستوافيك قصة عمرة القضاء التي دخل المسلمون فيها المسجد الحرام وهم بين محلِّق أو مقصِّر، بعد الفراغ من تفسير السورة.

صفحه 232
دُونِ ذَلِكَ): أي قبل الدخول (فَتْحًا قَرِيبًا) وهو فتح صلح الحديبية الذي عبّد الطريق لدخول المسجد الحرام آمنين في السنة التالية، ولولا ذلك لما تمكّنوا من زيارة المسجد .
وربّما يقال أنّ المراد من الفتح القريب في هذه هو فتح خيبر، ولكن السياق يناسب الأوّل; وذلك لأنّه سبحانه وصف فتح خيبر بالفتح القريب فيما تقدم بقوله: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)1، وهو الّذي حاز فيه المسلمون مغانم كثيرة، كما قال: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا)2.
سورة الفتح: الآيتان 28 ـ 29   

الآيتان: الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون

(هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا).

1 . الفتح: 18.
2 . الفتح: 19 .

صفحه 233
 
المفردات
ليظهره: ظهر عليه: أي غلبه، قال تعالى: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ)1 .
الدين: يراد به عدّة معان:
أ. كلّ سبيل مسلوك إلى الله سبحانه.
ب. الجزاء، كما في قوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِينِ)2.
ج. الطاعة، كما في قوله تعالى: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)3: أي الطاعة.
وأُريد به هنا المعنى الأوّل.
سيماهم: علامتهم.
شطأه: شطْأ الزرع: فروخ الزرع، وهو ما خرج منه وتفرّع في شاطئيه أي في جانبيه، وجمعه أشطاء، وهو في الحنطة والشعير والنخيل وغيرها.
آزره: أعانه وقوّاه، وأصله من المؤازرة وهي المعاونة.
استوى: استقام.
سوقه: السوق واحدها الساق أي القصبة والأصل.

1 . الكهف: 20 .
2 . الكافرون: 6 .
3 . الأعراف: 29 .

صفحه 234
 
التفسير
28. (هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا):
هذه الآية تبيّن حال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وما أُرسل به والغاية التي أُرسل لأجلها، أمّا الرسول فتصفه بقوله: (هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ)بمعنى أنّه مرسل من ربّه لا من جانب نفسه، فهو ليس كاهناً ولا ساحراً ولا مفترياً.
وأمّا ما أُرسل به فبيّنه بقوله: (بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ)فلعلّ الهدى إشارة إلى أُصول الدين الإسلامي وعقائده، أمّا (وَدِينِ الْحَقِّ) فهو إشارة إلى شريعة الإسلام وأحكامه وفروعه، فالإسلام أُصولاً وفروعاً فيه الهداية، وعليه نور الحق.
وأمّا الغاية فهو ما أشار إليه بقوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)أي على كلّ سبيل مسلوك إلى الله سبحانه، كالشرائع السابقة من شريعة نوح إلى شريعة المسيح(عليهما السلام)فكلّها كانت سبلاً مسلوكة إلى الله، لكن هذه الشريعة ناسخة للشرائع السابقة.
ثم إنّ المراد من الظهور أحد أُمور ثلاثة أو جميعها:
أ. الغلبة بالدليل والبرهان الذي يقلع كلّ شبهة عن ذهن الإنسان .
ب. انتشاره في الجزيرة العربية وغلبته على الوثنية، وقد صار هذا محقّقاً قبل رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 235
ج. انتشاره في أرجاء العالم من غير أن يختصّ بالجزيرة العربية.
وهذه الغاية تتحقّق في المستقبل الزاهر عند ظهور المهدي المنتظر(عليه السلام).
روى ابن حبّان بإسناده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تقوم الساعة حتّى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، ثم يخرج رجل من أهل بيتي ـ أو عترتي ـ فيملؤها قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وعدواناً».1
ثم إنّ المراد من الظهور ـ حتى بالمعنى الثالث ـ ليس زوال الشرائع السابقة وانقراض أتباعها تماماً; لأنّ القرآن الكريم، يذكر دوام الخلاف بين اليهود والنصارى إلى يوم القيامة، قال تعالى: (وَ أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَ الْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)2، وهذا يكشف عن أنّهم موجودون إلى يوم البعث، وعلى هذا فالمراد كسر شوكتهم بحيث لا يكون لهم إلاّ صوت ضئيل يخفى تحت صوت الإسلام وصيته.
قوله: (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا)أي أجزأتكم شهادة الله تعالى بصدق هذه الأُمور، وتحقّقها.
بقي هنا كلام وهو أنّه سبحانه يحصر الدين بالإسلام ويقول: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ)3، لكن قوله هنا: (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)يتضمّن وجود دين غيره، فكيف الجمع ؟

1 . صحيح ابن حبّان:15/236، رقم 6823. وهذا الحديث صحّحه كلّ من: الحاكم، والذهبي، والألباني، وشعيب الأرنؤوط. انظر: واحة اليقين لحيدر البغدادي الطحّان:540، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ 1334 هـ .
2 . المائدة: 64.
3 . آل عمران: 19 .

صفحه 236
والجواب: يمكن الجمع بالوجه التالي:
إنّ المراد من الدين في سورة آل عمران، هو الأُصول وعلى رأسها التوحيد، كما تدلّ عليه كلمة الإسلام، فليس هنا إلاّ دين واحد وهو التسليم أمام الله سبحانه لا أمام غيره.
وأمّا المراد من الدين في المقام ـ كما مرّ ـ فهو الشريعة والأحكام، ولذلك يصحّ القول بوحدة الدين، أعني: التسليم أمام الله سبحانه لا أمام غيره، ومع ذلك يتعدّد التشريع حسب مقتضيات الزمان، والمراد بالدين في المقام هو الغلبة على الشرائع وأصحابها.
29. (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا):
تتضمّن الآية بعد ذكر الرسول، أوصاف من كان معه، فبدأت أوّلاً بذكر الرسول فقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)والظاهر أنّه كلام تام متشكّل من مبتدأ وخبر وكأنّه مقدّمة لذكر أوصاف من معه، وربّما يكون ردّاً لما طرحه مندوب قريش في صلح الحديبية، أعني: سهيل بن عمرو، حيث قال: اكتب

صفحه 237
اسمك واسم أبيك، لو شهدتُ أنّك رسول الله لم أُقاتلك، فرضي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لغاية عقد الصلح، فالله سبحانه في بدء هذه الآية يردّ عليه ويؤكد بأنّه رسول الله، وأنّ عدم ذكره بصفته الرسالية في الاتفاقية ـ لغاية إتمامها ـ لا ينافي كونه رسول الله. ثم انتقلت الآية إلى بيان أوصاف من معه، وقالت: (وَالَّذِينَ مَعَهُ)أي مع الرسول، وذكرت أوصافهم في التوراة بالنحو التالي:
أ. (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)وهي كناية عن صلابة المعاملة معهم، أو المراد الشدّة في قتالهم وإظهار العداوة لهم .
ب. (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)وكيف لا يكونون كذلك والمؤمنون في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسهر؟
ج. (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا): أي تراهم دائبين على الصلاة.
د. (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا): أي يلتمسون بأعمالهم مرضاة الله ونعمه.
هـ . (سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ)، سِيماهُمْ : مبتدأ، وفِي وُجُوهِهِمْ خبر.
و. (مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) حال من الضمير المستتر في الخبر، أي سجودهم لله تذلّلاً وتخشّعاً أثّر في وجوههم أثراً، وهناك احتمالان:
1. التأثير المعنوي في وجوههم، أي لهم سمت حسن وخشوع وخضوع يظهر أثره في الوجوه، فيعرفهم كلّ من رآهم.
2. أثر السجود في جباههم حيث يسجدون على التراب لا على الثياب والفرش، فيظهر أثر السجود في جباههم.

صفحه 238
يُذكر أنّ السجود عند الإمامية لا يجوز إلاّ على الأرض أو ما أنبتته ممّا لا يؤكل ولا يُلبس، فيؤثر السجود عليهما في جباههم .
أمّا فقهاء المذاهب الأربعة فجّوزوا السجود على الفرش والثياب، ولكنّ مالكاً قال: (إنّ السجود يكره على غير جنس الأرض)1! ولا يكون للجسود تأثير في جباههم فتكون الآية دالّة تلويحاً على السجود على الأرض وما أنبتت.
قوله تعالى: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ): أي ما ذكر من الأوصاف الخمسة وردت في التوراة في حقّ مَن كان مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
(وَ) أمّا (مَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ)فهو بالنحو التالي:
(كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ): أي أخرج الزرع فرخه (فَآزَرَهُ)الضمير المستتر يرجع إلى الزرع وضمير الظاهر يرجع إلى الشطء، أي قوّى الزرع شطأه وأعانه، ويحتمل أن يكون الضمير المرفوع للشطء والضمير المنصوب للزرع، أي قوّى الشطأ أصله.
(فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)الضمائر الثلاثة ترجع إلى الزرع كأنّه يقول: فاستغلظ الزرع واستوى الزرع على ساق نفسه وأصله (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ): أي فيُعجب به الزرّاع لقوّته وغلظه وحسن منظره.
قال السيد الرضي (رحمه الله)، وهو يذكر هذا النصّ: وهذه استعارة وذلك أنّه تعالى شبّه أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في تضافرهم وتآزرهم واشتدادهم و(احتشادهم) بالزرع الملتفّ المتكاثف الذى يقوى بعضه ببعض، ويستند

1 . منهاج السنة النبوية لابن تيمية: 4 / 151 .

صفحه 239
بعضه إلى بعض... ومعنى آزره أي صار فراخ الزرع له أزراً وقوّة ودعاماً ومسكة، وقيل: شطؤه: سنبله، فيكون المراد هو أزر حبّ السنبل بعضه لبعض حتى تشتد كلّ حبّة بأُختها، والتأويلان متقاربان، وقوله تعالى: (فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ): أي قوي وغلظ فانصاب في منتصبه، واستقام على نصبه، كما يقوم القائم على ساقه ويعتمد على قدمه، وهذه استعارة أُخرى .1
إلى هنا تمّ بيان أوصاف أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في الإنجيل، وعلى هذا فالمشبَّه به عبارة عن زرع أخرج فراخه التي تتفرّع على جانبيه فيقوى ويتحوّل من الدقة إلى الغلظة ويستقيم على أُصوله فيعجب به الزرّاع لأجل كثرته وحسن منظره.
وأمّا المشبّه، فالزرع هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والشطء هم المؤمنون حوله بما أنّهم يزيدون كلّ يوم فهم بكثرتهم يوماً فيوماً يقوّون الزرع، فهذا هو السبب لقوله: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ): أي إنّ الجماعة المؤمنة التي تنامى عددها واستحصدت قوّتها يوماً بعد يوم توجب غيظ الكفّار.
وحصيلة الكلام: إنّ أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزالوا يزيدون باطّراد في العدّة والقوّة وبذلك يتقوّى النبي، ومن ثم يغيظون الكفّار، فهم كزرع قويَ وغُلظ وقام على سوقه يعجب الزارعين بجودة رشده.
ولم يزالوا في حركة دائبة ونشيطة، فمن جانب يعبدون الله مخلصين له الدين بلا رياء ولا سمعة، ومن جانب آخر يجاهدون في سبيل الله بغية نشر الإسلام ورفع راية التوحيد في أقطار العالم، وكلّ ذلك يسبّب غيظ

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 260 ـ 261 .

صفحه 240
الكفّار واشتداد غضبهم.
ولكنّه سبحانه وعد طائفة خاصّة من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) فيغفر ذنوبهم ويجزل أجرهم، ووعد الله لا يُخلَف. وإنّما قلنا إنّ الوعد الإلهي خاصّ بطائفة من الصحابة، لأنّ منهم مَن صحب النبي وكان معه ظاهراً ولم يكن مؤمناً كالمنافقين الذين كانوا مندسّين في صفوف أصحابه، فلا يصحّ شمول وعد المغفرة لكلّ من صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ورآه وعاش معه وقلبه خال من الإيمان ، ولذلك قال سبحانه: (وَعَدَ اللّهُ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْراً عظيماً)فكلمة «مِنْهُمْ» تعرب عن أنّ المغفرة لا تعمّ جميع الأصحاب بل هي مختصّة بطائفة دون أُخرى.
وما ربما يقال من أنّ «من» بيانية لا تبعيضية، غير تامّ.
لأنّ «من» البيانية لا تدخل على الضمير، ويؤيد ذلك قوله: (وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لاتَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).1
وربّما يتوهّم صحّة دخول «من» البيانية على الضمير كما في قوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)2 حيث توهّم أنّ قوله: «من» بيان لقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا)، ولكنّه مدفوع بأنّ لفظ «من» في هذه الآية أيضاً للتبعيض لا للتبيين، ومعنى الآية: لعذبنا الذين كفروا من أهل مكّة، والمفروض أنّ أهل مكّة كان فيهم الكافر والمؤمن (عَذَابًا أَلِيمًا) .
وثمة كلام آخر وهو أنّ قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ

1 . التوبة:101.
2 . الفتح: 25 .

صفحه 241
رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)يحتمل أن يكون جملة خبرية لكن بنيّة الإنشاء أي إنّهم يجب أن يكونوا كذلك، والدليل على ما ذكرنا هو عدم صدقه على جميع الصحابة إذ طالما وقع التشاجر والتطاحن المنجرّ إلى إراقة الدماء بينهم، فهذه حرب الجمل قد قادتها حبيس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وغرّها طلحة والزبير، فقُتلا وقُتل معهما آلاف المسلمين، وهذا ما يرجّح حمل الآية على الإنشاء أو حملها على زمن نزول الآية، ولعلّ الثاني أفضل .
ثمّ إنّ الصلاح في ظرف من ظروف الحياة لا يلازم دوامه إلى آخر الحياة، ولذلك عقد البخاري باباً باسم (الأعمال بالخواتيم)، فربما يكون الرجلُ صالحاً في فترة من حياته ثم يموت كافراً.
روى سهل بن سعد الساعدي، قال نظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى رجل يقاتل المشركين، وكان من أعظم المسلمين غناءً عنهم، فقال: «من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا» فتبعه رجل فلم يزل على ذلك حتى جُرح فاستعجل الموت، فقال ] أي فطعن [ بذبابة سيفه فوضعه بين ثَدييه، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ العبد ليعمل فيما يرى الناس عمل أهل الجنة وإنّه لمن أهل النار، ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجّنة، وإنّما الأعمال بخواتيمها»1.
ولا يبعد ذلك، فإنّ له نظيراً في الذكر الحكيم، فثمّة رجل من المتقدّمين بلغ في العلم بالله درجة أن آتاه الله آياته ولكنّه انسلخ منها وتجرّد عنها، فاستحوذ عليه الشيطان واستغواه بالأماني الكاذبة، فكان من الخائنين الخاسرين، قال سبحانه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ

1 . صحيح البخاري:4/207ـ 208 ، برقم 6493، كتاب الرقاق، باب(33).

صفحه 242
الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)1.
والحاصل: أنّه لا يمكن القول بشمول أدلّة المغفرة والأجر العظيم لكلّ من صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع كونهم على أصناف شتّى، منها:
أ . المنافقون المعروفون، وقد عرّفهم الذكر الحكيم بقوله: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُون).(2)
ب . المنافقون المختفون، وهم الذين حذقوا النفاق حتى تمكّنوا من إخفائه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِ المَدينَة مَرَدُوا علَى النِّفاق لا تعلَمهم نَحنُ نَعْلَمهم).2
ج. مرضى القلوب، قال سبحانه: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّغُرُوراً).3
د. السمّاعون لنعيق كلّ ناعق، فهم كالريشة في مهبّ الريح يميلون تارة إلى المسلمين وأُخرى إلى الكافرين، وهؤلاء يصفهم سبحانه بقوله: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّخَبالاً وَلأوضَعُوا خِلاِلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمين).4
هـ . الذين يخلطون الطاعة بالمعصية وهؤلاء وصفهم سبحانه بقوله: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً).5

1 . الأعراف: 175 .      2 . المنافقون:1.
2 . التوبة:101.
3 . الأحزاب:12.
4 . التوبة:47.
5 . التوبة:102.

صفحه 243
و . المشرفون على الارتداد، وقد عرّفهم الحق سبحانه بقوله:(وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِليةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأَمْرِمِنْ شَيْء قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ).1
ز . الفاسقون، قال تعالى: (يا أَيّها الّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِين).(2)
والمراد به هنا الوليد بن عقبة وهو صحابي سُمّي فاسقاً، وقال تعالى: (فَإِنَّ اللّهَ لا يَرضَى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِين).2
ح. المسلمون غير المؤمنين، قال سبحانه: (قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلمّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُم).3
ط . الذين يُستمالون بالأموال لعدم ثباتهم عليه. وهؤلاء من المؤلَّفة قلوبهم، الذين ذكرهم تعالى بقوله: (إِنّما الصّدقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِين وَالعامِلِينَ عَلَيْها وَالمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ).4
ي. الفارّون من الزحف فرار الغنم من الذئب، قال سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الّذينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبار* وَمَنْ يُوَلِّهْم يَومَئِذ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتال أَوْ مُتَحيِّزاً إِلى فئِة فَقَدْ باءَ بِغَضَب مِنَ اللّهِ وَمأْواهُ جَهَنَّمُ وَبئسَ المَصير).5

1 . آل عمران:154.      2 . الحجرات:6.
2 . التوبة:96.
3 . الحجرات:14.
4 . التوبة:60.
5 . الأنفال:15ـ 16.

صفحه 244
إلى آخرين تركوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يخطب بصلاة الجمعة لما سمعوا صوت الوافد من الشام، قال سبحانه: (وَ إِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَ تَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجَارَةِ وَ اللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)،1إلى غير ذلك ممّن ورد ذكرهم في الذكر الحكيم .
وكم نطق التاريخ بفرار ثلة من الصحابة من ساحات الوغى، يقول سبحانه عند ذكر غزوة أُحد: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ)2 ، ولم يكن الفرار مختصّاً بغزوة أُحد بل عمّ غزوة حنين أيضاً، يقول سبحانه:(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَة وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِين).3
مواقف تاريخية في السيرة النبوية الشريفة   
هذه إلمامة عابرة بأصناف الصحابة المذكورين في القرآن الكريم، أفيمكن بعد هذا أن يعِدَ الله جميع هذه الأصناف بالمغفرة والأجر العظيم؟!
إنّ الكلام الحاسم في هذا الموضوع، هو أنّ الوعد بالمغفرة والأجر العظيم يخصّ طائفة من أصحابه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم «الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه، وأسرعوا إلى وفادته وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار حكمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته».4

1 . الجمعة: 11.
2 . آل عمران:153.
3 . التوبة:25.
4 . من دعاء للإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

صفحه 245
 
مواقف تاريخية ثلاثة في السيرة النبوية الشريفة
أشرنا في ثنايا التفسير إلى أنّ في السيرة النبوية الشريفة، مواقف ثلاثة تحتاج إلى التبيين والتوضيح، ووعدنا القرّاء الكرام بأنّا سنعود إليها بعد الفراغ من تفسير السورة، وهذه المواقف عبارة عن:
1. إصرار قريش على إلغاء أحد بنود المعاهدة.
2. قصّة فتح خيبر وغنائمها الوافرة.
3. عمرة القضاء التي حققت رؤيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وإليك دراسة المواقف الثلاثة واحداً تلو الآخر.
***

الموقف الأوّل: إصرار قريش على إلغاء أحد بنود المعاهدة

انتهت مفاوضات الصلح بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين سهيل بن عمرو (مندوب قريش) إلى عقد معاهدة بينهما، وكان من بين بنودها: إنّ مَن أتى محمداً من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليه، ومن جاء قريشاً ممّن مع محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يردّوه عليه، وقد أثار ذلك حفيظة بعض الصحابة الذين جهلوا مصالح الصلح التي انكشفت بعد سنتين.
والعجب أنّه لم يمض زمان، حتى رأينا أنّ قريشاً أصرّت على إلغاء هذا البند، وأمّا وجه إصرارهم على الإلغاء فهو كالتالي:
لمّا قدم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة من الحديبية، جاءه أبو بصير، وهو مسلم، وكان ممّن حُبس بمكة، وقد استطاع أن يفرّ من محبسه ويصل إلى

صفحه 246
المدينة فلمّا اطّلعت قريش على فرار أبي بصير كتبت شخصيتان من شخصيات قريش، هما «أزهر بن عبدعوف» و «الأخنس بن شُريق» كتاباً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يطلبان منه إعادة أبي بصير إليهم ويذكّرانه بالمعاهدة، وأرسلا كتابهما مع رجل من بني عامر يرافقه غلامه، فدفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أبا بصير إلى الرجلين عملاً بالمعاهدة قائلاً:
إصرار قريش على إلغاء أحد بنود المعاهدة   
«يا أبا بصير إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت (أي من العهد) ولا يصلح في ديننا الغدر وإنّ الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجاً ومخرجاً».
فقال أبو بصير: يا رسول الله تردّني إلى المشركين ؟
فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثانية:
«انطلق يا أبا بصير فإن الله سيجعل لك مخرجاً».
ثم دفعه إلى العامري وصاحبه فخرج معهما باتجاه مكّة.
فلمّا كانوا بذي الحليفة (وهي قرية تبعد عن المدينة ستة أميال يحجّ منها أهل المدينة) صلى أبو بصير ركعتين صلاة المسافر، ثم مال إلى أصل جدار فاتكأ عليه ووضع زاده الذي كان يحمله وجعل يتغدّى وقال لصاحبيه في لهجة الصَّديق: ادنوا فكلوا. فأكلا معه ثم آنسهم ثم قال للعامري: ناولني سيفك أنظر إليه، إن شئت، أصارم هو أم لا؟ فناوله العامري سيفه وكان أقرب إلى السيف من أبي بصير فجرّد أبو بصير السيف وقتل به العامري فوراً، فهرب الغلام يعدو نحو المدينة خوفاً، وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بما جرى لسيّده العامري، فبينما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جالس وأصحابه والغلام عنده يقصّ ما جرى إذ طلع أبو بصير فدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد وقال:

صفحه 247
وفَتْ ذمّتك وأدّى الله عنك، وقد أسلمتَني بيد العدو، وقد امتنعتُ بديني من أن أُفتن .
ثم خرج أبو بصير من المدينة حتى نزل العيص على ساحل البحر على طريق قوافل قريش إلى الشام.
وعرف المسلمون الذين حُبسوا بمكة بهذه الحادثة، ففرّ منهم سبعون رجلاً وانضموا إلى أبي بصير وكانوا ممّن نالهم على يد قريش أشدّ العذاب والعنت، فلا حياة لهم ولا حريّة، ومن هنا قرّروا أن يتعرّضوا لقوافل قريش التجارية ويغيروا عليها أو يقتلوا كلّ من وقعت يدهم عليه من قريش، وقد قامت هذه الجماعة بدور رائع جدّاً حيث أقلقت بال قريش وسلبت منها الرقاد إلى درجة أنّهم كتبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يطلبون منه إلغاء المادّة الراجعة إلى استرداد اللاجئين بموافقة الطرفين وناشدوه أن يُرسل إلى أبي بصير وجماعته، ويدخلوا المدينة ويكفّوا عن التعرّض لتجارة قريش.
فوافق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على إلغاء تلك المادة، وكتب إلى أبي بصير أن يقدم بجماعته إلى المدينة.1
وبهذا توفرت فرصة طيّبة لجميع المسلمين، كما عرفت قريش أنّها لا تستطيع سجن المؤمن وحبسه في القيد، وأنّ تقييده وحبسه أخطر بكثير من إطلاق سراحه، لأنّه سيفرّ ذات يوم وهو يحمل روح الانتقام من سجّانيه.
***

1 . المغازي:2/625; تاريخ الطبري:2/284ـ285; إمتاع الأسماع: 1/300ـ302.

صفحه 248
فتح خيبر   

الموقف الثاني: فتح خيبر

قلنا عند قوله تعالى: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) أنّ المراد بالفتح القريب غزوة خيبر، ولكي يقف القارئ العزيز على قصة هذه الغزوة، نأتي بهذا البيان:
أقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة حين رجع من الحديبية شهر ذي الحجّة وبعض المحرّم، وولي تلك الحجّة المشركون، ثم رجع في بقية المحرّم إلى خيبر، ولمّا أشرف على خيبر قال لأصحابه: «قفوا» ثم قال: «اللّهم ربّ السموات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللْنَ، وربّ الشياطين وما أضلَلْنَ، وربّ الرياح وما أذرَينَ، فإنّا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها، أقدموا بسم الله». قال: وكان يقولها (صلى الله عليه وآله وسلم)لكلّ قرية دخلها.
إنّ هذا الدعاء وما رافقه من حالة التضرّع، أمام ذلك الجيش الباسل، الذي كان يتوقّد شوقاً للقتال في سبيل الله، يكشف عن أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن يهدف من سيره إلى هذه الأرض الاستعمار أو الانتقام، بل جاء من أجل أن يقضي على بؤرة الخطر التي كان من المحتمل أن تتحوّل في كلّ لحظة إلى قاعدة انطلاق للمشركين الوثنيين، حتى لا تهدّد النهضة الإسلامية من هذه الناحية فيما بعد.
والشاهد على ما نقول أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد فتح القلاع والحصون اليهودية وانتزاع السلاح من سكانها المتآمرين المشاغبين، فوّض إليهم أراضيهم واكتفى منهم بأخذ الجزية في مقابل المحافظة على أموالهم وأنفسهم بعد أن عقد معهم معاهدة محكمة.

صفحه 249
 
احتلال النقاط والطرق الحسّاسة ليلاً
كان لكلّ حصن من حصون خيبر الثمانية اسم خاصّ يعرف به، وهي كالتالي: «ناعم» و «القَموص» و «الكتيبة» و «النَّطاة» و «الشِّق» و «الصَّعب» و«الوطيح» وِ «السلالم».
وكانوا قد بنوا عند كلّ حصن من تلك الحصون برجاً للمراقبة، لرصد كلّ التحرّكات خارج الحصن، ولأجل أن ينقل الحراس والمراقبون المستقرون في هذه الأبراج الأخبار إلى داخل الحصن.
وكان أوّل ما عزم عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في خطّته الحربية، هو احتلال كلّ النقاط والطرق الحساسة ليلاً، وقد تمّ هذا فعلاً بسرّية وسرعة بالغة جدّاً، بحيث لم يطّلع عليه حتى مراقبو الأبراج اليقظون أيضاً .
ولمّا كانت صبيحة تلك الليلة خرج عمال خيبر غادين إلى مزارعهم وبساتينهم ومعهم مساحيهم ومكاتلهم وإذا بهم يفاجأون بجنود الإسلام الأبطال، وقد احتلوا بقوة الإيمان جميع النقاط الحسّاسة وسدّوا جميع الطرق عليهم بحيث لو تقدّموا شبراً لقبض عليهم، فأفزعهم ذلك وخافوا خوفاً شديداً فأدبروا هاربين وهم يقولون: محمد والخميس (يعنون الجيش) فرفع(صلى الله عليه وآله وسلم) يديه، وقال: «الله أكبر، خرّبت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم(فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ)»1، وبادروا فوراً إلى إغلاق أبواب الحصون وإحكامها، وعقدوا اجتماعات تشاورية في داخل حصنهم المركزي، وكانت نتيجة تلك المشاورات أن يجعلوا الأطفال والنساء في أحد الحصون

1 . الصافات:177.

صفحه 250
ويجعلوا المؤَن والأقوات في حصن آخر، ويستقرّ المقاتلون الشجعان على الأبراج، ويدافعوا عن كلّ قلعة وحصن بالنبال والأحجار، ويخرج الأبطال الصناديد من كلّ حصن لمبارزة المسلمين خارجه .
المستفاد من المصادر التاريخية أنّ جنود الإسلام حاصروا القلاع والحصون، حصناً بعد حصن، وحاولوا قطع ارتباط الحصن المحاصر ببقية الحصون، ثم محاصرة حصن آخر.
وأوّل حصن فُتح على أيدي المسلمين هو حصن «ناعم»، وقد استشهد في فتح هذا الحصن محمود بن مسلمة الأنصاري.

فتح الحصون الواحد تلو الآخر

حمل جنود الإسلام على حصن «النَّطاة» و «السلالم» ولكن واجهوا مقاومة عنيفة من اليهود ولذلك لم يستطع جنود الإسلام رغم كلّ التضحيات أن يحرزوا انتصاراً، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوماً أبا بكر على رأس جماعة من المقاتلين المسلمين لفتح بعض حصون خيبر، ولكنّه انهزم بهم حتّى انتهى إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن فتح.
فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في اليوم الثاني، عمر بن الخطاب على رأس جماعة أُخرى فكان كرفيقه، إذ رجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يجبِّنه أصحابه ويُجبِّنهم، 1 فأغضب ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفرسان الإسلام الأبطال وقادة الجيش الإسلامي، فجمع رسول الله صناديد جيشه وقال:

1 . تاريخ الطبري: 2 / 300 ; والمستدرك على الصحيحين: 3 / 37 (قال الحاكم: وهذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي). واُنظر: مسند أحمد: 5 / 353 ; والإرشاد للمفيد: 1 / 126 .

صفحه 251
«لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يفتح على يديه ليس بفرّار أو: كرّار غير فرّار»، حسب نقل الطبري والحلبي.1
فلمّا بلغ عليّاً (عليه السلام)مقالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو في خيمته قال: «اللّهم لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت».2
وعند الصباح تطاول كلّ شخص إلى جانب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حتى يكون هو صاحب الراية، وكان الصمت سائداً على قادة الجيش وفيهم الأميران المنهزمان، فكسر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جدار الصمت وقال: أين عليّ (عليه السلام)؟ فقيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)به رمد وهو راقد بناحية. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إيتوني بعليّ، فلمّا أتوا به وقد كانت شدّة الرمد سلبت عنه القدرة على الإبصار، فأمرّ رسول الله يده الشريفة على عيني علي (عليه السلام)، فدعا له بخير فعوفي من ساعته، واستعادت عيناه (عليه السلام)سلامتهما أفضل ممّا كانتا قبل الرمد .
ثم قال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حُمر النَّعم»3 .
فقام علي (عليه السلام)إلى جانب الحصن وحمل معه سيفه الخاصّ (ذا الفقار) وراح يهرول بشجاعة منقطعة النظير نحو الحصن والجند خلفه، حتى ركز الراية التي أعطاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إياه على الأرض تحت الحصن، ولمّا رأى اليهود أنّه دنا من الحصن خرج إليه كبار صناديدهم.
وكان أوّل من خرج إليه الحارث (أخو مرحب) في عادية (وهم الذين

1 . مجمع البيان: 9 / 120 ; السيرة الحلبية: 2 / 37; السيرة النبوية: 3/334; إمتاع الأسماع:1/314.
2 . السيرة الحلبية: 2 / 35.
3 . السيرة الحلبية: 2 / 37 .

صفحه 252
يَعْدُون للقتال على أرجلهم) فتقدّم إلى عليّ وصوته يدوّي في ساحة القتال بحيث تأخّر مَن كان خلف عليٍّ من شدة الفزع.1
ولكن لم يمض زمان حتى سقط الحارث على الأرض جثة هامدة بضربة قاضية من علي (عليه السلام)وانهزم أصحاب الحارث إلى حصنهم، فغضب مرحب بطل خيبر المعروف لمقتل أخيه الحارث وخرج من الحصن وهو غارق في السلاح، فقد لبس درعاً يمانياً ووضع على رأسه خوذة منحوتة من حجارة خاصّة، وتقدّم إلى علي (عليه السلام)كالفحل الصؤول يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنّي مرحبُ *** شاكي السلاح بطل مجرّبُ
إن غلب الدهر فإني أغلب *** والقرن عندي بالدما مخضّب2
فأجابه علي (عليه السلام)مرتجزاً وقد أظهر للعدو شخصيته العسكرية في رجزه:
أنا الذي سمّتني أُمّي حيدرةْ *** ضرغام آجام وليث قسورةْ
عبل الذراعين غليظ القَصَرة *** كليث غابات كريه المنظرة
وبعده بقليل تبادلا الضربات بالسيوف والرماح فألقت قعقعة السيوف وصوت الرماح رعباً عجيباً في قلوب الحاضرين، وفجأة هبط سيف بطل الإسلام القاطع على مفرق رأس مرحب بطل اليهود بضربة بِكْر قدّت خوذته نصفين ونزلت على رأسه وشقته نصفين إلى أسنانه.
ثلاث نقاط مشرقة في حياة عليّ (عليه السلام)   
ولقد كانت هذه الضربة من القوّة بحيث أفزعت أكثر من خرج مع

1 . المصدر السابق.
2 . السيرة النبوية : 2 / 332، بتفاوت يسير.

صفحه 253
مرحب من أبطال اليهود وصناديدهم، ففرّوا من فورهم ولجأوا إلى الحصن، وبقي جماعة فقاتلوا عليّاً منازلة فقاتلهم حتى قتلهم جميعاً، ثم لاحق الفارّين منهم حتى باب الحصن فضربه عند الحصن رجل من اليهود فطاح ترسه من يده فتناول (عليه السلام)باباً كان على الحصن وانتزعه من مكانه فتترّس به عن نفسه فلم يزل ذلك الباب في يده وهو يقاتل حتى فتح الله على يديه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، وقد حاول ثمانية من أبطال الإسلام ومنهم أبو رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقلبوا ذلك الباب أو يحرّكوه من مكانه فلم يقدروا على ذلك؟1

ثلاث نقاط مشرقة في حياة عليّ (عليه السلام)

ونختم هذا البحث بذكر ثلاث فضائل لفاتح خيبر ذكرها أحد خصومه، لها ارتباط بموقفه (عليه السلام)في خيبر:
أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً]يعني:ابن أبي وقّاص[ فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فلن أسبّه، لأنْ تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حُمْر النَّعم.
ثمّ أخذ سعد في عدّ تلك المناقب فقال:
1. سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه فقال له عليّ: يا رسول الله خلَّفتني مع النساء والصبيان؟
فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي».

1 . تاريخ الطبري: 2 / 94 ; سيرة ابن هشام: 2 / 394 ; تاريخ الخميس: 2 / 47 ـ 50 .

صفحه 254
2. وسمعته يقول يوم خيبر:
«لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبُّه الله ورسوله». قال فتطاولنا لها فقال: «ادعوا إليّ عليّاً». فأُتيَ به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.
3. ولمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ...)1 دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: «اللهم هؤلاء أهلي»2.
هذه خلاصة قصة فتح خيبر الذي وصفه الله سبحانه «بالفتح القريب».
وأمّا المغانم التي نالها أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فحدّث عنها ولا حرج، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى السيرة النبوية، حيث ذُكرت تحت عنوان «مغانم خيبر وأموالها»3.
***
عمرة القضاء التي حقّقت رؤيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)   

الموقف الثالث: عمرة القضاء التي حقّقت رؤيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

قد تقدّم في تفسير قوله سبحانه: (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)4، أنّه قد تلقّى غير

1 . آل عمران: 61 .
2 . صحيح مسلم:1198، برقم 6114، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عليّ.
3 . السيرة النبوية: 2 / 449 ـ 452، وقد أخذنا وحررنا في المقام عن السيرة النبوية وتفسير مجمع البيان والسيرة الحلبية وغيرها.
4 . الفتح: 27 .

صفحه 255
واحد ممّن كان مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّهم سيدخلون المسجد الحرام في نفس العام الذي مضوا فيه إلى الحديبية، فلمّا صُدّوا عنه، أمر النبي المسلمين أن يحلقوا وينحروا هَدْيهم في الحِلّ، فثقل ذلك عليهم، وداخل أكثرهم الرّيب، حيث خرجوا عن الإحرام من دون أداء المناسك. وقد مرّ أن النبي اتّفق مع قريش على أن يرجع في سنته هذه (سنة ست من الهجرة) ويأتي من قابل للاعتمار، فلمّا أهلّ ذوالقعدة من سنة سبع، أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه أن يعتمروا عمرة القضاء، وسار بهم نحو مكّة، فلمّا سمعت به قريش، خرجوا إلى رؤوس الجبال، وقالوا: لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه، فلمّا دخل رسول الله المسجد قدّم استلام الركن ثم هرول ثلاثة أطواف ومشى سائرها وإنّما صنعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ردّاً لما تحدّثت به قريش أن محمّداً وأصحابه في عسرة وجهد ومشقّة، وطاف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمر ابن رواحة أن يردد هذا الدعاء بلحن ونغم خاص وأن يتبعه المسلمون: «لا إله إلاّ الله وحده وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» فكانت مكة بجميع مشاعرها في ذلك اليوم تحت سيطرة المسلمين، المسجد والكعبة والصفا والمروة وغيرها. وقد وجّهت هذه الشعارات التوحيدية الساخنة التي كان يتردد صداها في بلد كان طوال سنين مديدة مركزاً للوثنية والشرك، وجّهت ضربات روحية قوّية إلى نفسية المشركين وأتباعهم، ممّا كان يوحي بغلبة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)على كلّ أرجاء الجزيرة العربية حتماً ويقيناً .1
ولمّا قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نسكه دخل البيت فلم يزل فيه حتى حان الظهر، فصعد بلال، الذي طالما عُذّب في هذا البلد بسبب إسلامه، فوق ظهر

1 . انظر: تاريخ اليعقوبي: 2 / 55 .

صفحه 256
الكعبة بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأذّن لصلاة الظهر.
ولقد كان لهذا المنظر ردود فعل عجيبة في نفوس المشركين فبلال واقف في نقطة طالما عدّت فيها الشهادة بالتوحيد وبرسالة محمد، ذنباً لا يغتفر وجريمة لا ينجو صاحبها من العذاب، ويردّد معه المسلمون ما يردّد من فصول الأذان فصلاً فصلاً في خشوع وخضوع بالغَين.
لقد أزعج أذان بلال المشركين وأعداء التوحيد، حتى قال صفوان بن أمية: الحمد الله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا. وقال خالد بن أسيد:
الحمد الله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم، ولم يسمع هذا العبد الحبشي يقول ما يقول، وأمّا سهيل بن عمرو فإنّه لما سمع تكبير بلال غطّى وجهه بمنديل .
إنّهم لم ينزعجوا من صوت بلال بل أحرجتهم مضامين فصول الأذان التي كانت ضدّ ما يحملونه من المعتقدات الباطلة الموروثة، وجعلتهم يعانون بسبب ذلك من عذاب روحي شديد.
أقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمكّة ثلاثاً فأتى حويطب (مندوب قريش) وقال: قد انقضى أجلك فاخرج عنا، فخرج رسول الله عملاً بما تعهّد به.1
وبذلك تحقّقت رؤيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الصادقة التي رآها قبل سنة واحدة بأنّه دخل البيت، وحلق رأسه ونزلت بعد هذه الوقائع الآية (27) من سورة الفتح تتحدّث عن تحقّق هذا الوعد:
(لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ

1 . السيرة النبوية: 2 / 371 ـ 372 ; سيد المرسلين: 2 / 430 .

صفحه 257
آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا).
ثمّ تحقّق الوعد بالنصر الأكبر، بعد عام واحد، يوم زحف الجيش المحمديّ إلى مكة فاتحاً ظافراً، وذلك في السنة الثامنة من الهجرة.
***
تمّ تفسير سورة الفتح

صفحه 258
سورة الحجرات   

صفحه 259

سورة الحجرات

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللهِ وَ نِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ

صفحه 260
حَكِيمٌ * وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاء عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ * قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ

صفحه 261
يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) .

صفحه 262
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف وكتب التفسير بسورة «الحُجُرات» لورود هذا اللفظ في الآية الرابعة من السورة، وليس لها اسم وراء ذلك.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها ثمان عشرة، وهي مدنية بالاتّفاق، ويشهد لها مضامينها وصياغتها، والحوادث التي تحكيها السورة والتي لا تتحقّق إلاّ في دار الهجرة.

أغراض السورة

تشتمل السورة على محاور أربعة:
1. أدب الإنسان مع الله سبحانه ومع رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)وكيف يتعامل معهما.
2. أدب الإنسان مع سائر الأفراد في المجتمع الإسلامي الذي يعبَّر عنه بالأخلاق الفاضلة والآداب الجميلة.
3. تحديد ملاك الفضل والفضيلة في الإنسان .
4. معرفة حقيقة الإسلام والإيمان، وبيان أنّ الثاني يفارق الأوّل في بعض المقامات.
وإليك الكلام في المحور الأوّل.
سورة الحجرات: الآيات 1 ـ 5   

صفحه 263
 
الآيات: الخمس الأُولى
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

المفردات

تُقدِّموا: قدّم، بمعنى تقدّم، فهو مضاعف غير متعدّ، ومعنى لا تقدّموا أي لا تتقدّموا.
تجهروا: الجهر: ظهور الصوت بقوّة الاعتماد، نقيض الهمس.
تحبط: تبطل، فقوله: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ)في محل النصب لأنّه مفعول له، أي لئلاّ تحبط أعمالكم.
يغضُّون: الغضّ: الحطّ من المنزلة، يقال: غضّ بصره: إذا أضعفه عن حدّة النظر، وهكذا الصوت.

صفحه 264
 
التفسير
1. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ):
أمر سبحانه وتعالى المؤمنين بأنّ لا يتقدّموا على الله ورسوله، وليس المراد التقدّم عليهما عند المشي، إذ مضافاً إلى عدم تصوّره في مورده سبحانه، فإنّه أمر جزئي يدركه كلّ إنسان بفطرته، لأنّه خلاف الأدب المعهود في تكريم القائد وتعظيمه، بل المراد التقدّم على أمر الله ورسوله ونهيهما.
فالالتزام بما خطّه سبحانه في كتابه وبيّنه الرسول في سنّته، سبب الفوز والنجاح، لعصمتهما، كما أنّ التخلّف عنهما، سبب الهلاك والدمار، ولذلك يقول سبحانه: (لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ).
قال السيد الرضي (رحمه الله) حول هذه الآية: وهذه استعارة وقد قرئ «لا تَقدَّموا» بفتح التاء والدال، والمعنيان واحد، والمراد بذلك لا تسبقوا أمر الله تعالى ]ورسوله[ ما لم يأمرا به ويندبا إليه، وقال أبو عبيدة: العرب تقول فلان تقدّم بين (يدي) الإمام، أي تعجَّل بالأمر والنهي دونه، وذلك مضادّ لما وصف الله به ملائكته إذ يقول: (لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)1.
ومن قرأ: (تُقدّموا) بضم التاء، فإنّما يريد به لا تقدّموا كلامكم بالحكم في الأمر قبل كلام الله سبحانه وكلام رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)أي قبل الوحي النازل منه

1 . الأنبياء: 27 .

صفحه 265
وقبل أداء رسوله إليكم ما أوصى به وأمر بتبليغه.1
ثم إنّه سبحانه أكّد الضابطة بقوله: (وَاتَّقُوا اللهَ)عن مخالفة الله ورسوله (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ )لما تقولون (عَلِيمٌ) بسرّكم وعلانيتكم.
وقد ذكر المفسّرون للتقدّم في الآية معاني مختلفة كلّها خارجة عن مضمون الآية ولربما في بعضها إشارة إلى ما ذكرنا، وحاصل الآية: أنّه سبحانه ورسوله إذا حكما بحكم فليس للمؤمن التخلّف عنه أو التقدّم عليه بالتشريع، فإنّ كلّ ذلك يدخل في ولاية الله، فإنّ التشريع خاصّ بالله سبحانه ولا يحلّ لأحد أن يدخل في ذلك الحقل، فالتقدّم بإحدى الصورتين دليل على رفض التشريع الإلهي وتأسيس تشريع إنساني.
وقد أُشير إلى هذا النوع من الالتزام بالتشريع السماوي في موضع آخر وهو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد تبنّى زيد بن حارثة حتى أنّه زوّجه بنت عمته زينب، ولكن لم يمض زمان حتى طلّقها زيد وأخرجها من حبالته، وكانت العرب ينزِّلون الأدعياء منزلة الأبناء في الحكم ولا يتزوّجون زوجاتهم بعد تطليقها، ولكن الله سبحانه أمر نبيه أن يتزوّجها، لتبطل هذه السنّة الجاهلية، كما قال: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)2 وعندئذ ضجّ المنافقون وقالوا إنّ النبي تزوّج زوجة ابنه وأفسدوا أفكار السُّذّج من المؤمنين فنزل قوله تعالى ردّاً عليهم: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ): أي أن كلّ شيء أمر الله ورسوله به أو حكما به فليس لأحد

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 262.
2 . الأحزاب: 37 .

صفحه 266
مخالفتهما وترك ما أمرا به إلى غيره (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ)فيما يختاران له (فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا)1 .

الإسلام هو التسليم

إنّ الدين عند الله الإسلام أي التسليم لله سبحانه فيما يأمر وينهى، ويعمل بمقتضى التشريع الإلهي، فالمسلم الحقيقي هو الذي يدين بالطاعة المطلقة لتشريع الله سبحانه سواء أكان في نفعه أم في ضرره، وأمّا من يأخذ من التشريع ما وافق مصالحه الشخصية ومنافعه الذاتية، ويدَع ما خالفها فهو ليس بمؤمن بالتشريع وإنّما مؤمن بمصالحه ومنافعه.
سئل الإمام عليّ (عليه السلام)عن الإسلام فقال: «لاََنْسُبَنَّ الاِْسْلاَمَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي. الاِْسْلاَمُ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الاِْقْرَارُ، وَالاِْقْرَارُ هُوَ الاَْدَاءُ، وَالاَْدَاءُ هُوَ الْعَمَلُ»2.
وقد احتفلت كتب التاريخ بذكر وقائع تثبت تقدّم فريق من الصحابة على تشريع الله سبحانه وأوامر نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل ثبت وقوفهم في وجه بعض تلك الأوامر، وها نحن نذكر نماذج من كلا القسمين (التقديم، والردّ).

1. قصة وفد بني تميم

روى البخاري بإسناده عن عبد الله بن الزبير: أنّه قدم رَكب من بني تميم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد بن زُرارة. قال عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلاّ خلافي. قال عمر: ما أردت

1 . الأحزاب: 36 .
2 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 125 .

صفحه 267
خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: (يا أيّها الّذين آمنوا لا تُقدِّموا) حتى انقضت.1

2. الصيام في السفر، وقول رسول الله بحق الصائمين فيه

روى مسلم بإسناده عن جابر بن عبدالله: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج عام الفتح إلى مكّة في ـ شهر ـ رمضان، فصام حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام، فقال: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة».2

3. متعة الحج والنهي عنها

كان العرب في عصر الجاهلية يفرّقون بين الحج والعمرة، فكانوا يأتون بالعمرة في غير أشهر الحج، وبالحج في أشهره، وكان يفردون كلاًّ عن الآخر، وكانت سيرتهم على ذلك إلى أن أدخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)العمرة في الحج حتى أمر من لبّى بالحج في أشهر الحج وأحرم له، أن يجعله عمرة ثم يتحلّل ويحرم للحج ثانياً، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «دخلت العمرة في الحج إلى الأبد».
أخرج مسلم عن عطاء، قال: حدّثني جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه حجّ مع رسول الله عام ساق الهدي معه، وقد أهلّوا بالحج مفرداً، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أحلُّوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصّروا وأقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهِلّوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم

1 . صحيح البخاري:3/112، برقم 4367، كتاب المغازي، الباب70.
2 . صحيح مسلم:511، برقم 2499، كتاب الصيام، الباب (15/15). وانظر: سنن النسائي:4/177; والكافي:4/127، برقم5.

صفحه 268
لها متعة»، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمّينا الحج؟ قال: «افعلوا ما آمركم به فإنّي لولا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يحلّ منّي حرام حتى يبلغ الهدي محلّه، فافعلوا»1.

احتدام النزاع بين الصحابة في متعة الحج

إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بالإحلال وأن تدخل العمرة في الحج، لكن ثاني الخلفاء استنكر متعة الحج إلى حدّ كان الأعاظم من الصحابة على خوف من أن يتفوّهوا بجوازها، وكانوا يوصون أن لا ينقل عنهم ما داموا على قيد الحياة، فهذا هو عمران بن حُصين يوصي بعدم إفشاء كلامه ما دام حيّاً.
أخرج مسلم عن قتادة عن مطرِّف قال: بعث إليّ عمران بن حُصين في مرضه الذي توفّي فيه، فقال: إنّي محدّثك بأحاديث لعل الله ينفعك بها بعدي، فإن عشتُ فاكتمْ عنّي، وإن مُتُّ فحدِّث بها إن شئت: إنّه قد سُلِّم عليَّ، وأعلم أنّ نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد جمع بين حج وعمرة، ثمّ لم ينزل فيها كتاب الله ولم ينه عنها نبي الله، قال رجل فيها برأيه ما شاء .2
وروى أبو حنيفة عن حمّاد، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد قال: بينما أنا واقف مع عمر بن الخطاب بعرفة عشية عرفة، فإذا هو برجل مرجّل شعره، يفوح منه ريح الطيب، فقال له عمر: أمحرم أنت؟ قال: نعم، فقال عمر: ما هيأتك بمحرم، إنّما المحرم، الأشعث، الأغبر، الأذفر، قال: إنّي قدمت متمتّعاً وكان معي أهلي وإنّما أحرمت اليوم، فقال: عمر عند ذلك: لا

1 . صحيح مسلم:573، برقم 2834، كتاب الحجّ، الباب (17/17). وانظر: صحيح البخاري:1/387، برقم 1568 ، كتاب الحج، الباب(34).
2 . صحيح مسلم: 581، برقم 2865، باب جواز التمتع.

صفحه 269
تتمتعوا في هذه الأيام، فإنّي لو رخصت في المتعة لعرّسوا بهنّ في الأراك ثم راحوا بهنّ حجاجاً .1
وقد روى مَن تحدّث عن موقف عمر هذا أنّه برّر هذا النهي بمبررات وأعذار لا تصمد أمام تغيّر الشريعة وتبديلها والمنع من المناسك التي شرّعها سبحانه وبلّغها نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصاحب الشريعة أعرف بمصالح المسلمين ومصالح سدنة مكّة وسكنتها.
وقد بلغ منع عمر عن متعة الحجّ حتى قال في بعض خطبه: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء، وفي لفظ الجصّاص: لو تقدّمت فيها لرجمت. وفي رواية أُخرى: أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج2.

4. رزية يوم الخميس

أخرج البخاري عن ابن عباس قال: لما اشتدّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وَجَعُهُ، قال: «ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده» قال عمر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين كتابه .3
وكم لما ذكرنا من نظائر حفلت بها الصحاح والمسانيد وكتب السيرة،

1 . زاد المعاد: 1 / 214، ط مصر.
2 . البيان والتبيين: 2 / 193; أحكام القرآن: 1 / 290 ـ 293 ; الجامع لأحكام القرآن: 2 / 261 ; زاد المعاد: 2 / 184، ط مصر.
3 . صحيح البخاري: 1/38، برقم 114، باب كتابة العلم.

صفحه 270
والجميع يؤكد تلك الحقيقة، وهي: أنّ فريقاً من الصحابة كانوا يسبقون الله ورسوله أمرهما ونهيهما، بل كانوا يجرأون ـ كما مرّ عليك ـ على ردّ ما يأمر به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو ينهى عنه، وكأنّهم لم يسمعوا قوله سبحانه: (لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)ولم يقرأوها ولم يحفظوها، ولم يعلموا تفسيرها، فهل يبقى مجال، بعد هذا، للقول بعدالة مطلق الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم؟!
وقد روي عن ابن عباس أنّه قال: قوله: (لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ): أي لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة .1
ومن عجيب الأمر أنّ قسماً من الناس يتدخّلون في التشريع ويزيدون فيه أو ينقصون ممّا جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم يصفونه بأنّه «بدعة حسنة» إذ كيف يكون بدعة وفي نفس الوقت حسنة؟ وهذا هو عين التناقض، كما أنّ وصفها بالحسنة لا يغيّر ماهيّتها، فهي بدعة وستبقى بدعة إلى يوم القيامة.
أخرج البخاري عن عبدالرحمن بن عبدالقاري أنّه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون يصلّي الرجل لنفسه ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط، فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوّله .2

1 . الدر المنثور: 6 / 84 .
2 . صحيح البخاري:1/494، برقم 2010، كتاب صلاة التراويح.

صفحه 271
ثم إنّ الردّ على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)هو ردّ على الله تعالى، فكلّ من لا يقبل سنّته وتشريعه فهو في الحقيقة وفي صميم قلبه يردّ على الله سبحانه، لكنّه لا يتجرّأ أن يتظاهر بالردّ على الله، فهو يُظهر الردّ على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم); ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يصف مكذِّبيّ النبي بأنّهم مكذِّبو الله سبحانه واقعاً، قال تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَ لَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ)1 .
وفي الختام نقول: يكفي في ذمّ كلّ من يتلاعب بتشريع الله ويتقدّم على الله ورسوله قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَ رُسُلِهِ وَ يُرِيدُونَ
أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْض وَ نَكْفُرُ بِبَعْض وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
)2.
نعم أدّب رسول الله جماعة من أصحابه إلى حدّ أنّه كان حين يسألهم عن اليوم الذي هم فيه والمكان الذي هم فيه فيتحرّجون أن يجيبوا ـ على علمهم ـ إلاّ بقولهم: الله ورسوله أعلم.
روى نفيع بن حارث الثقفي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سأل في حجّة الوداع: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أن سيسمِّيه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى.
قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أن سيسمِّيه بغير اسمه، فقال: أليس البلدة الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله

1 . الأنعام: 33.
2 . النساء: 150 ـ 151 .

صفحه 272
ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنّه سيسمّيه بغير اسمه، فقال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى.1
2. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ):
لاشكّ في أنّ حبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتكريمه أصل من أُصول الإسلام، قال تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)2، فإنّ التعزير هو التكريم والتوقير، والنصر هو الحماية والمؤازرة.
يقول سبحانه في لزوم حب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)3.
ولا شكّ في أنّ المراد من حبّ النبي هو الحبّ الراسخ في القلب الذي يؤثّر على الحواس وظاهر الأعمال، فمن أحبّ شخصاً فهو يخفض له الجناح ويتكلّم معه بلطف وحنان ينبئ عن ودّه في الباطن، وأمَا مَن ترك الأدب في كلماته وخطاباته فهو دليل على تحقيره له، ولذلك أُمر المسلمون

1 . السيرة النبوية: 2 / 605، وغيرها.
2 . الأعراف: 157 .
3 . التوبة: 24 .

صفحه 273
بمراعاة الأدب عند التكلّم مع الرسول والتجنّب عمّا يؤذيه فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيِّ)وهذه الفقرة ناظرة إلى النهي عن رفع الصوت فوق صوت النبي عند تكلّمه (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمّا رفع الصوت بالخطاب عند سكوته (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا ما تشير إليه الفقرة التالية من الآية: (وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض) .
وربما يقال: إنّ الفقرة الأُولى ناظرة إلى النهي عن رفع الأصوات بمجلسه وحضرته إذا كلّم بعضهم بعضاً، وأمّا الفقرة الثانية فناظرة إلى النهي عن الجهر بالصوت عند مخاطبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
أقول: أمّا ما ذكر في تفسير الفقرة الثانية فهو صحيح، وأمّا تفسير الفقرة الأُولى فهو بعيد، لأنّه ينهى عن رفع الصوت على صوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فيفترض وجود صوت للنبيّ، وأمّا رفع الصوت عند مخاطبة بعضهم البعض من دون صوت للنبيّ فهو خارج عن مفهوم الآية، فالأَولى أن يقال ـ كما مرّ ـ أنّ الأُولى ناظرة إلى صورة تكلُّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والثانية إلى صورة سكوته .
ثم إنّه سبحانه ذكر علّة النهي عن رفع الصوت فوق صوت النبيّ أو الجهر له بالقول بقوله: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ)والحبط عبارة عن ضياع الأعمال وبطلانها وعدم جدواها.
ثم إنّ قوله: (أَنْ تَحْبَطَ) إمّا تعليل للنهي، أعني: «لا» في قوله: (لاَ تَرْفَعُوا)وقوله: (لاَ تَجْهَرُوا); أو تعليل للمنهي، أعني: نفس الفعل الوارد بعد «لا»; فعلى الأوّل لا محيص من تقدير شيء وهو: كراهة أن تحبط أعمالكم، وعلى الثاني لا يحتاج إلى التقدير.
ثم إنّ كون الجهر والرفع سبباً لحبط الأعمال وإن صدر من المسلم لأنّه

صفحه 274
يورث إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن آذاه يستحق اللعن ومن لعنه الله سبحانه تحبط أعماله، كما قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا)1 .
قال الطبرسي في تفسير الآية: لأنّ فيه (رفع الصوت) أحد شيئين:
أ. إمّا نوع استخفاف به فهو الكفر.
ب. وإمّا سوء الأدب فهو خلاف التعظيم المأمور به.2
ولا يخفى أنّ الشِّق الأوّل يلازم الإحباط، وأمّا الثاني فإنّما يؤدّي إلى الإحباط إذا صار سبباً لإيذائه.
قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ): أي لا تعلمون أنّكم أحبطتم أعمالكم بإساءتكم الأدب مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ذلك أنّ القيام بهذا التصرّف، قد يجرّئ صاحبه على الاسترسال فيه، فيزلّ شيئاً فشيئاً، وهو لا يشعر، إلى أن يفضي به ذلك إلى قلّة المبالاة، وعندئذ يتردّى في هوّة العصيان، ويُحكَم على أعماله، الّتي يبتغي بها سعادة الدّارين، بالبطلان، لبلوغ ذلك التصرّف درجة الإيذاء للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعدم توقيره.
وليس عدم الشعور كائناً في إتيان الفعل المنهي عنه ; لأنّه لو كان كذلك لكان صاحبه غير مكلَّف لامتناع تكليف الغافل ونحوه.3
وفي ما روي من شأن النزول في قصة وفد بني تميم المارّة الذكر ما يوضح مفاد الآية، وهو أنّ وجه الحبط هو إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . الأحزاب: 57 .
2 . مجمع البيان: 9 / 217.
3 . التحرير والتنوير: 26 / 185 .

صفحه 275
3. (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ):
لمّا أخبر سبحانه في الآية السابقة بأنّ مَن رفع صوته فوق صوت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يُحبَط عمله من حيث لا يعلم، عاد البيان القرآني إلى وصف حال من يوقّرون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بخفض أصواتهم في حضوره وغضِّها عن صوته بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ)، وافتتاح الكلام بحرف التوكيد للاهتمام بمضمونه، وأكّد هذا الاهتمام باسم الإشارة في قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى)وهو من قولهم: امتُحن فلان لأمر كذا وجُرِّب له ودُرّب للنهوض به، فهو مضطلع به غير وان عنه، والمعنى: أنّهم صُبُر على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقّها .1 ويؤيّد هذا المعنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لاَ يَحْمِلُهُ إِلاَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ للاِْيمَانِ، وَلاَ يَعِي حَدِيثَنَا إِلاَّ صُدُورٌ أَمِينَةٌ، وَأَحْلاَمٌ رَزِينَةٌ».2وقد وعد سبحانه أُولئك الأتقياء بأمرين:
1. (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) للذنوب.
2. (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)، في مقابل تكريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإجلاله.
ثم إنّه سبحانه عبّر في الآيتين تارة بالنبي وأُخرى بالرسول ، للإشارة إلى أنّ هذه الآداب والأحكام لأجل كونه موصوفاً بالنبوّة والرسالة.

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 146 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة: 189 (في الإيمان وجوب الهجرة).

صفحه 276
4. (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ):
الآية تحكي عن وجود أُناس كانوا يجتمعون وراء بيوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وينادونه بما لا يليق بحاله، ولذلك يصفهم سبحانه بأنّهم (لاَ يَعْقِلُونَ)، والآية تشير ـ كما يذكر بعض المفسّرين ـ إلى جفاة من بني تميم كانوا يقفون وراء الحجرات فيقولون: يا محمد اخرج إلينا .
5. (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
أي لو أنّهم صبروا دون أن ينادوك (حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)لما فيه من حسن الأدب والتعظيم ورعاية التكريم والتوقير، فربّما يكون النبيّ مشغولاً بالعبادة أو بأمر ضروريّ، فلا يتمكّن من الخروج عند نداء كلّ أحد، فاللازم هو الصبر. وفي نهاية الآية يقول: (وَ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)ولعلّه إشارة إلى أنّ هؤلاء الذين يتعاملون مع النبيّ بهذه الصورة، معذورون لقلّة العقل والفهم، والله سبحانه يغفر ذنوبهم ويرحمهم.
بقيت هنا أُمور وهي:
1. أنّ رفع الصوت فوق صوت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مختصّ بمن يصدق عليه أنّه رفع صوته فوق صوته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا من كان رفيع الصوت بطبيعته بحيث لا يتمكّن من غضّ صوته وخفضه فهو خارج عن مفهوم الآية، فقد روي أنّه لمّا نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبي

صفحه 277
وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ)جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فسأل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)سعد بن معاذ... فأتاه سعد... فقال ثابت: أُنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أنّي من أرفعكم صوتاً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بل هو من أهل الجنّة».1
2. أنّ الأمر بغضّ الصوت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يختصّ بحال حياته بل يعمّ ما بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما ذلك إلاّ لأنّ الله حرّم من المؤمنين أمواتاً ما حرّم منهم أحياءً، فغيبة المؤمن حرام مطلقاً حيّاً كان أو ميّتاً، وغضّ الصوت عند رسول الله واجب كذلك مطلقاً .
قال إسحاق بن إبراهيم التجيبي القرطبي (المتوفّى 352 هـ): واجب على كلّ مؤمن متى ذكره أو ذُكر عنده أن يخضع ويخشع... ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدّب بما أدّبنا الله به .2
وقال ابن كثير: قال العلماء: يُكره رفع الصوت عند قبره (صلى الله عليه وآله وسلم)كما كان يكره في حياته، لأنّه محترم حيّاً وفي قبره (صلى الله عليه وآله وسلم).3
وقال محمد باقر المجلسي: إنّ هذه الآية تومئ إلى لزوم خفض الصوت عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعدم جهر الصوت، لا بالزيارة ولا بغيرها، لما روي أنّ حرمتهم بعد موتهم كحرمتهم في حياتهم. ثم قال (بعد أن نقل خبراً عن الكليني): هذا الخبر يدلّ على أنّه ينبغي أن يُراعى في روضاتهم ما كان

1 . صحيح مسلم: 78، برقم 215، كتاب الإيمان، باب (52 / 51) .
2 . انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض: 2 / 91 .
3 . انظر: تفسير القاسمي: 15 / 113 .

صفحه 278
ينبغي أن يُراعى في حياتهم من الآداب والتعظيم والإكرام.1
ومن هنا يعلم حكم سائر المشاهد المشرّفة كمشاهد أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فإنّ غضّ الصوت أفضل من الجهر بالذكر وغيره، ولكنّ كثيراً من المؤمنين وعشاق الأئمة(عليهم السلام)لا يلتزمون ـ مع الأسف ـ بذلك.
3. ما ورد في هذه الآيات حول معاشرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر ممتاز في حدّ ذاته، غير أنّ آداب العشرة بين المسلمين أمرٌ اهتمّ به الإسلام أيضاً في الكتاب والسنّة، ويأتي قسم منه في الفصل الثاني من فصول هذه السورة، وفيما جمعه الشيخ الحرّ العاملي في كتاب الحج تحت أحكام العشرة في السفر والحضر، غنىً وكفاية، فمن أراد فليرجع إليه .2

إتمام

سورة الحجرات: الآيات 6 ـ 8   
ذكر ابن عاشور في تفسير كلمة «الحجرات» ما نصّه: كانت الحجرات تسعاً وهي من جريد النخل، أي الحواجز التي بين كلّ واحدة والأُخرى، وعلى أبوابها مُسوح من شعر أسود، وعَرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحو سبعة أذرع، ومساحة البيت الداخل، أي الذي في داخل الحجرة عشرة أذرع، أي فتصير مساحة الحجرة مع البيت سبعة عشر ذراعاً. قال الحسن البصري: كنت أدخل بيوت أزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سقفها بيدي، وإنّما ذكر الحجرات دون البيوت لأن البيت كان بيتاً واحداً مقسّماً إلى حجرات تسع .3

1 . بحار الأنوار: 97 / 125 ـ 126 .
2 . لاحظ : وسائل الشيعة: الجزء 8 .
3 . التحرير والتنوير: 26 / 189 .

صفحه 279
وما ذكره أخيراً تعبير غير صحيح، لتصريح القرآن بتعدّد البيوت في غير مورد، قال سبحانه مخاطباً أزواج النبي: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى)1 .
وقال أيضاً: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَ الْحِكْمَةِ)2.
وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)3.

الآيات: السادسة إلى الثامنة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):

المفردات

فاسق: فسَق فلان: خرج عن حَجْر الشرع، وذلك من قولهم: فسق

1 . الأحزاب: 33 .
2 . الأحزاب: 34 .
3 . الأحزاب: 53 .

صفحه 280
الرُّطَب إذا خرج عن قِشره.
النبأ: لا يقال للخبر نبأ إلاّ إذا كان ذا شأن عظيم.
فتصبحوا: فتصيروا.
نادمين: أي مغتمِّين غمّاً لازماً متمنِّين أنّه لم يقع.
لَعِنتُّم: أي لوقعتم في الجهد والمشقّة.
العصيان: تَرْك الطاعة، وعدم الانقياد.
الرشاد: إصابة الحق واتّباع الطريق السويّ.

التفسير

6. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ):
اشتملت السورة على نداءات خمسة، وهذا هو ثالث النداءات وقد تقدّم اثنان:
أحدهما: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ) .
وثانيهما: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ).
وفي الحقيقة، ما يأتي من الآيات فصل ثان لمحتويات السورة، يُذكر فيه كيفية تعامل المسلمين بعضهم مع بعض، فنهى سبحانه في هذه الآية عن قبول نبأ الفاسق الذي لا يُطمأنّ إلى خبره، لأنّه لخروجه عن طاعة الله لا يجد في نفسه ما يصون كلامه عن الكذب والتهمة، ولذلك قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

صفحه 281
آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)ولم يأمر بردّ خبره وإنّما أمر بالتثبّت والتبيّن حتى يظهر صدق كلامه أو كذبه. ولعلّ الآية إمضاء لما عليه بناء العقلاء من عدم الاعتداد بخبر من لا يوثق بخبره، وذلك لأنّ الحياة الاجتماعية تُبنى على تبادل المعلومات بين الأفراد والمجتمعات، والاقتصار على الخبر المتواتر أو الخبر الواحد المحفوف بقرائن قطعية توجب قطعية صدق الخبر، يجعل الحياة الاجتماعية عسيرة، لقلّة وجودهما بين الناس، ولذلك جرت عادة العقلاء على العمل بالخبر الموثوق به، ومن أمارات الوثوق كون المخبر صادقاً في نفسه، ثقة في خبره، أو عادلاً ذا ملكة تصدّه عن الكذب في الإخبار، فهذه هي سيرة العقلاء والآية بصدد إمضائها وتصديقها.
ثم إنّه سبحانه علّل لزوم التبيّن والتثبّت عند خبر الفاسق بقوله: (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة): أي كراهة إصابتكم قوماً بأذىً حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر (فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ): أي متحسّرين على ما وقعتم فيه من الخطأ.
ثم إنّ كلمات المفسّرين وأهل اللغة اختلفت في معنى الجهالة.
فهل هي العمل القبيح الصادر عن عمد، أو الصادر عن جهل؟ أو لا هذا ولا ذاك؟ والذي أظن أنّ المراد بالجهالة هو العمل المضادّ للحكمة والعقل، وقد كان هذا المعنى هو المتبادر من كلام العرب، قال عمرو بن كلثوم التغلبي أحد شعراء العصر الجاهلي، وهو من أصحاب المعلّقات:
ألا لا يجهلَنْ أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا1

1 . المعلّقات السبع، معلّقة عمرو بن كلثوم، ص 1.

صفحه 282
وقال الإمام علي (عليه السلام)كما في الديوان المنسوب إليه :
فإن كنتُ محتاجاً إلى الحلم إنّني *** إلى الجهل في بعض الأحايين أحوجُ
وأنشد عبدالله بن جعفر الطيّار:
أظنّ الحلم دلّ عليّ قومي *** وقد يتجهّل الرجل الحليم1
وعلى هذا المعنى تحمل الآيات التالية:
أ. قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَة ثُمَّ يَتُوبُونَ)2.
ب. قوله تعالى: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءً بِجَهَالَة ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(3).
ج. قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَة ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)(4).

بحث حول نزول الآية في الوليد بن عقبة

اشتهر بين المؤرّخين والمفسّرين: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعث الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط إلى بني المصطلق 3 من خُزاعة يصدّقهم،4 وكانوا قد

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6 / 296 .
2 . النساء: 17 .      3 . الأنعام: 54.   4 . النحل: 119 .
3 . في شهر شعبان من السنة السادسة للهجرة غزا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بني المُصَطَلِق، وفي سنة تسع فُرضت الصدقات، وفرّق رسول الله فيها وفي سنة عشر عمّاله على الصدقات. أُنظر: تاريخ الطبري: 2 / 260 (سنة 6 هـ)، وص 383 (سنة 9 هـ)، وص 400 (سنة 10 هـ) .
4 . يصدّقهم: أي يجمع منهم الصدقات.

صفحه 283
أسلموا وبنوا المساجد، فلمّا سمعوا بدنوّ الوليد خرج منهم عشرون رجلاً يتلقّونه بالجَزور والغنم فرحاً به، فلما رآهم ولّى راجعاً إلى المدينة، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّهم لقوه بالسلاح يحولون بينه وبين الصدقة، فهمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يبعث إليهم من يغزوهم، وبلغ ذلك القوم، فقدم عليه الركب الذين لقوا الوليد، فأخبروا النبيّ الخبر على وجهه، فنزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة (إلى آخر الآية)...).1
وروى أبو جعفر الطبري بأسانيده عن: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، ويزيد بن رومان، أنّ الآية نزلت في الوليد بن عقبة لما بعثه (صلى الله عليه وآله وسلم)في صدقات بني المصطلق.2
ومن هنا قال أبو عمر بن عبدالبرّ: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أنّ قوله عزّ وجلّ: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ)نزلت في الوليد بن عقبة.3
وجاء في كتاب «المعارف» لابن قتيبة:... بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مصدّقاً إلى بني المصطلق، فأتاه فقال: منعوني الصدقة! وكان كاذباً، فأنزل الله هذه الآية.4

1 . الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 161 ـ 162 .
2 . جامع البيان (تفسير الطبري): 13 / 152 ـ 153، الأرقام: 31689 ـ 31695 .
3 . الاستيعاب: 4 / 1553، الترجمة 2721. وانظر: تهذيب الكمال للمزّي: 31 / 56، الترجمة 6723 .
4 . المعارف: 180 .

صفحه 284
وقال ابن كثير: ذكر كثير من المفسّرين أنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط... وقد رُوي ذلك من طرق. ثمّ ذكر من المفسّرين الذين قالوا إنّها نزلت فيه: مجاهد، وقتادة، وابن أبي ليلى، ويزيد بن رومان، والضحّاك، ومقاتل.1
وهذه الأقوال لجمهور المفسّرين والّتي يعزّزها النقل، تشهد ببطلان من ينكر ـ من المتأخّرين ـ نزول الآية في الوليد، أو من يثير الشكوك حول ذلك، وأنّ القول بأن (إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد، لأنّه توهّم وظنّ فأخطأ، والمخطئ لا يُسمّى فاسقاً)(2) اعتماداً على ما ورد في بعض الروايات من أنّه خاف منهم، فليس بشيء يعوَّل عليه، فالقدر المشترك بين الروايات الّتي تتحدّث عن شأن نزول الآية، هو أنّها نزلت في الوليد، وعلى هذا اتّفقت كلمة جمهور المسلمين، ولا يؤثرّ في ذلك اختلاف الروايات في ذكر بعض التفاصيل، أو في بيان السبب الذي حمل الوليد على الإتيان بذلك النبأ.
ثم إنّ استشعاره الخوف منهم (إنْ صحّ) لا يسوِّغ له الكذب عليهم والقول بأنّهم منعوا الزكاة أو ارتدّوا أو غير ذلك (على اختلاف الروايات) بل يفترض به ـ إن كان مؤمناً ـ أن يُعلم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بحقيقة الأمر وبظنّه فيهم.
والحقّ، أنّ الدافع وراء كلّ تلك الذرائع والتمحّلات في شأن نزول الآية في الوليد، هو الحرص على عدم نقض المبنى الذي التزم به أتباع مدرسة الصحابة دون براهين قاطعة، وهو اعتبار الصحابة ـ كلّ الصحابة ـ عدولاً. ولعلّ ممّا يزيد في حماسة بعضهم في الذبّ عن الوليد، هو أنّه من

1 . تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 4 / 208 ـ 210    2 . تفسير الرازي: 28 / 119 .

صفحه 285
فروع تلك الشجرة الملعونة في القرآن، بالإضافة إلى كونه أخا عثمان بن عفّان لأُمّه.
وقد حدا هذا الدافع ببعضهم، لمّا عزّ عليه ردّ أقوال جمهور المفسّرين، إلى أنْ يتنكّر لمدلول الفسق، بل نفى الدكتور محمد محمود حجازي أن يكون الوليد فاسقاً حقيقة، وقال مجازفاً:
ولقد سمّى الوليدَ بن عقبة فاسقاً تنفيراً وزجراً عن المبادرة والاستعجال إلى الأمر من غير تثبّت، كما فعل هذا الصحابيّ الجليل، لكنّه مؤوِّل ومجتهد فليس فاسقاً حقيقة1!!!
وهكذا يقود التقديسُ للرجال إلى نبذ النصّ الإلهي الواضح الصريح، والقضاء فيهم بغير ما قضى الله سبحانه، فبينما ترى الكتاب المجيد يدمغ الوليد بالفسق، تجد الدكتور حجازي يخلع عليه وصف الجلالة!!!
وأيّة جلالة للوليد مع اشتهاره بالفسق الذي يخرجه من ربقة الإيمان، ويجعله في عداد أهل النار؟
وثمّة آية أُخرى سمّته فاسقاً، فقد روى ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قال الوليد بن عقبة لعليّ ](عليه السلام)[: أنا أحدّ منك سناناً، وأبسط لساناً، وأملأ للكتيبة. فقال عليّ ](عليه السلام)[: اسكتْ، فإنّما أنت فاسق. فنزلت: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ)2.
قال الذهبيّ: إسناده قويّ.3

1 . التفسير الواضح: 3 / 58 .
2 . السجدة: 18 .
3 . سير أعلام النبلاء: 3 / 415، الترجمة 67. وانظر: الاستيعاب: 4 / 1554 .

صفحه 286
وقال أبو القاسم البلخيّ (المتوفّى 319 هـ): إنّ هذا من المعلوم الذي لا ريب فيه لاشتهار الخبر به، وإطباق الناس عليه... وسُمّي الوليد بحسب ذلك في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، الفاسق، فكان لا يُعرف إلاّ بالوليد الفاسق.1
ثمّ إنّ فسق الوليد لم يقتصر على حياته في عصر النبوّة، بل امتدّ إلى سائر أيام حياته، وتجلّى بشكل سافر في عهد عثمان بن عفان، الذي ولاّه الكوفة وعزل عنها سعد بن أبي وقّاص، فصلّى ـ في أحد الأيام ـ بالناس الفجر أربعاً وهو سكران، ثم التفت، وقال: أزيدكم؟ فبلغ عثمان، فطلبه، وحدّه.2
ونختم هذا البحث بقول ابن عبدالبرّ في الوليد الفاسق: أخباره في شرب الخمر ومنادمته أبا زبيد الطائي مشهورة كثيرة... وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقبح أفعاله3.
وعلى كلّ تقدير، فالأُصوليّون استدلّوا بالآية على حجّية خبر الواحد العادل تارة بمفهوم الشرط، وأُخرى بمفهوم الوصف، ونحن نحيل القارئ الكريم إلى كتبنا الأُصولية للاطّلاع على التفصيل .4

1 . شرح نهج البلاغة: 4 / 80 .
2 . سير أعلام النبلاء: 3 / 414. وانظر: الاستيعاب: 4 / 1555 (وفيه: وخبر صلاته بهم سكران وقوله لهم: أزيدكم... مشهور من رواية الثقات من نقل أهل الحديث وأهل الأخبار).
3 . الاستيعاب: 4 / 1554 .
4 . المحصول في علم الأُصول: 3 / 230 .

صفحه 287
 
الإشاعة الكاذبة وخطرها على المجتمع الإسلامي
وتهمّنا في المقام الإشارة إلى خطر الإشاعة الكاذبة على المجتمع الإسلامي، فإنّ الإنسان الكاذب ربّما يكذب على نفسه ويقول: فعلت كذا وكذا وهو لم يفعل، وربّما يكذب على فرد أو جماعة بما يوجب تشويه سمعتهم والحطّ من كرامتهم في داخل المجتمع وهو من أخطر المحرّمات، كإشاعة ارتداد قبيلة بني المصطلق. ولأجل خطورة الموقف نرى أنّ الإسلام إنّما يعتمد على شهادة الإنسان إذا شهد بالحسّ، فلو شهد على أساس الحدس والتخمين والظنّ فلا تقبل شهادته، وقد ورد في الروايات أنّ الإمام (عليه السلام)قال: «بمثل هذا فاشهد أو دع» حتى أنّ شاهد الزور والكذب يعزَّر لئلاّ يقدم على ذلك العمل في المستقبل .
قال الشيخ الطوسي: شاهد الزور يعزّر ويشهر بلا خلاف، وكيفية الشهر أن ينادى عليه في قبيلته أو مسجده أو سوقه وما أشبه ذلك: بأنّ هذا شاهد زور فاعرفوه.1
إنّ الوسائل الإعلامية وإن كان لها دور في تقدّم الحضارة ونشر العلم والمعرفة من دولة إلى أُخرى بسرعة خارقة، ولكنّها حينما وقعت بيد الدول الاستكبارية صارت أداة طيّعة لتشويه سمعة المجتمعات الإسلامية وقادتها، وكَيل التهم الكاذبة لهم.
ولذلك نرى أنّ الدول المستضعفة ما دامت تناهض الاستكبار فهي عرضة لتلقّي هذه الإشاعات والأكاذيب .

1 . الخلاف: 6 / 340، المسألة 39، من كتاب الشهادات.

صفحه 288
وأمّا لو تمّ الاتفاق بين الطرفين على أساس ضمان مصالح الطرف المستكبر، فتصبح هذه الدولة مناراً للمثل العليا والتقدّم الزاهر.
7. (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) :
ذكر المفسّرون أنّ للآية صلة بالآية التي تقدّمتها والتي ورد فيها النهي عن العمل بنبأ الفاسق، ويحتمل أن تكون لها صلة بما ورد في صدر السورة من النهي عن التقدّم على الله ورسوله، وعلى الاحتمال الثاني يظهر من الآية أنّه كان بين الصحابة مَن يريد أن يتّبعه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فيما يبدي من آراء في الحوادث الّتي يواجهونها، فوافاه الوحي الإلهي بأنّ ذلك يُفضي إلى وقوع المسلمين في الشدّة والعسر والمشقّة. لأنّ معنى ذلك دفع زمام الأُمور بيد غير المعصوم في عامّة الموارد، ولذلك يقول سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ)وهذا أمر واضح; لأنّ وجود رسول الله بين ظهرانيهم أمر معلوم مشاهَد، وإنّما ذكره للتنبيه على ما يستلزم كونه (صلى الله عليه وآله وسلم)فيهم، وهو الطاعة والتسليم لأمره (صلى الله عليه وآله وسلم)والرجوع إليه فيما يواجهونه من أحداث. وكأنّ سائلاً يسأل: ولماذا نرجع إليه ولا يرجع إلينا ولا يوافقنا؟ فأُجيب بأنّه: (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)1: أي لوقعتم في العنت والجهد والمشقّة، إذ لازمه أن يكون المعصوم مطيعاً للمطاع غير المعصوم، الأمر الّذي يجرّ المجتمع إلى ما لا تُحمد عقباه.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 18 / 313.

صفحه 289
ولو قلنا بالاحتمال الأوّل، وإنّ الآية لها صلة بما قبلها من قصة بني المصطلق فهي تدلّ على أنّ بعض الصحابة كانوا يصرّون على الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وعلى هذا فقوله: (لَوْ يُطِيعُكُمْ)بمعنى لو أطاعكم.
ثم إنّه سبحانه علّل لزوم الاقتداء بالنبي وإطاعته بقوله: (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)فطرةً وخلقةً، فالله سبحانه هو الذي خلق الإنسان على فطرة التوحيد والأخذ بفضائل الأخلاق (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)والتجنّب عن رذائل الأخلاق، وهذا كلّه بلطف من الله سبحانه، ولازم ذلك هو اتّباع شريعته، ومن كان منكم متّصفاً بذلك فـ (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ): أي السالكون الطريق السويّ.
نعم حبّب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، كما أنّه حذّرهم من الكفر والفسوق والعصيان بما جاء في كتابه من مساوئه وتبعاته وعقوباته.
والفرق بين الفسوق والعصيان، أنّ الفسوق هو خصوص الكذب بقرينة الآية السابقة، والعصيان هو سائر المعاصي.
وحصيلة الكلام: أنّه سبحانه حبّب الإيمان تكويناً وتشريعاً وكرّه العصيان والكفر كذلك، فيجب على كلّ مسلم أن يستضيء بنور الإيمان بمتابعة الرسول فيما يأمر به، ويجتنب عن ظلمة الكفر ومخالفة الرسول .

التحسين والتقبيح العدليان

ذهب العدلية إلى أنّ هناك أفعالاً يدرك العقل من صميم ذاته ومن دون استعانة بالشرع، أنّها حسنة يجب القيام بها، أو قبيحة يجب التنزّه عنها، ولو أمر الشارع بالأُولى ونهى عن الثانية، فهو كاشف عمّا يدركه العقل ويُرشد

صفحه 290
إليه، وليس للشرع أن يعكس القضية بأن يُحسِّن ما قبّحه العقل، أو يقبِّح ما حسَّنه .
ويدلّ على ذلك قوله سبحانه: (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)فمعنى الآية: أنّ كلّ إنسان يحب بالفطرة الإيمان، وينزجر عن الكفر والفسوق والعصيان.
إنّ الأشاعرة وإنْ خالفونا في التحسين والتقبيح العقليّين ولكنّهم لو وقفوا على موضع البحث لوافقونا، ومَن أراد التفصيل فليرجع إلى رسالتنا «في التحسين والتقبيح العقليين» .
وممّا لابدّ من الإشارة إليه أنّ بعض المعاصرين استدلّ على عدالة الصحابة بهذه الآية أيضاً زاعماً أنّها خطاب للصحابة جميعاً وقال: نعم الفضل من الله جعل الإيمان في قلوبهم راسخاً فطرياً، ومحبتهم له أشدّ من محبتهم للشهوات.. الخ.
ولا يخفى ما في استدلاله من الوهن، فإنّ الخطاب وإن كان متوجّهاً إليهم، لكن المقصود الإنسان كلّه، والآية إشارة إلى قانون اللطف، أعني: اللطف التكويني الداعي إلى الطاعة والاجتناب عن المعصية، وهذا النوع من اللطف يشمل حال كلّ إنسان، فإنّ الجميع مفطورون على حبّ الإيمان والطهارة والتقوى، والبراءة من الكفر والذنب من غير فرق بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم البعث.
وبعبارة أُخرى: الميل إلى الإيمان والانزجار عن الكفر، من خصائص طبيعة الإنسان مالم تتلوّث بعوامل قاهرة، تغطّي الفطرة الإنسانية، بأهوائها كالبيت الذي نشأ فيه وبيئة التعليم وغيرهما من العوامل المفسدة.

صفحه 291
فمفاد الآية كمفاد قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطرتَ اللّه الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون).1
ففي هذه الآية لم تجعل مسألة«معرفة اللّه والإيمان به» فقط أمراً فطرياً، بل وصف الدين بأُصوله( الأُصول والكلّيات التي تؤلّف أساس الدين الإلهي) بكونه فطرياً جِبِلِّياً.
ويشهد لذلك الواقع، إذ نرى أنّ أُصول التعاليم التي جاء بها الدين من عقيدة وعمل، تنطبق على مجموع الاحتياجات الفطرية سواء بسواء. والإمعان في الآية المذكورة يفيدنا أنّ الدين عُجن بفطرة البشر عجناً، فإذا هو منها وإذا هي منه، وجزء من كيانه. وما يعنى من الدين سوى حبّ الإيمان وكراهة الكفر والفسق والعصيان.
ونظراً للأهمية التي تتمتع بها فطرية الحسّ الديني تتحدّث بعض الأحاديث الصادرة من النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك. روى البخاري عن أبي هريرة في تفسير الآية(فِطرتَ اللّه...)قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة ثمّ أبواه يهوّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه...» ثمّ يقول أبوهريرة : (فِطرتَ اللّه الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها).2
وممّا يرشدنا إلى أنّ المقصود هو عامّة المكلّفين على وجه البسيطة إلى يوم البعث، وأنّه لا يختص ـ تحبيب الإيمان وإكراه الكفر ـ بجيل خاص، هو ما جاء في ذيل الآية من الجملتين:

1 . الروم:30.
2 . صحيح البخاري:2/98، دار الفكر.

صفحه 292
1. إنّ الجمل في الآية كلّها بصيغة الخطاب، غير أنّه سبحانه عدل في الذيل إلى صيغة الغائب وقال: (أُولئكَ هُمُ الرّاشدون) مكان أن يقول: «وأنتم الراشدون»، ليدلّ على أنّ هذا الحكم غير مختص بالمخاطبين في مجلس الخطاب أو بمطلق من عاصر الرسول وصحِبَه، بل هو قانون عام يعمّ الناس كلّهم، فحكمته ولطفه يوجبان أن يخلق في الإنسان عوامل الرشد والسعادة، ثمّ يكملها بدعوة الأنبياء.
ومع هذا اللطف فالناس في جميع الأجيال على طائفتين: منهم مؤمن، ومنهم كافر، منهم مَن تبع الفطرة الإلهية وآمن واتّقى، ومنهم مَن أعرض عنها ونسيها واتّبع هواه فكفر وعصى.
2. قوله سبحانه في ذيل الآية: (فضلاً مِنَ اللّهِ وَنعْمَةً وَاللّهُ عَليمٌ حَكِيم)فهو ظاهر في عموم فيضه، وشمول نعمته دون اختصاص بجيل دون جيل.
وتخصيص مفاد الآية بمن صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، تخصيص بلا دليل، بل اتّباع للهوى والرأي المسبق، وهو من مصاديق قوله سبحانه:(تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى)1.
8 . (فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):
سورة الحجرات: الآيتان 9 ـ 10   
أي إنّ ذلك الصُّنع من تحبيب الإيمان وتكريه الكفر لا لغاية إلاّ لأجل كونه (فَضْلاً مِنَ اللهِ وَ نِعْمَةً) أنعمها على خلقه (وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
ثمّ إنّ الأمر بطاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وامتثال أمره ونهيه لا ينافي الأمر بالمشاورة، في خطابه سبحانه للنبيّ: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي

1 . النجم: 22 .

صفحه 293
الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ)1.
وذلك لأنّ الغاية من أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمشاورة إنّما هي تعليم المسلمين وتأديبهم بأن يتشاوروا في مهامّ الأُمور، فعلى هذا فمشاورته لهم ليست لأجل الاستضاءة بآرائهم وأفكارهم، بل هي نوع تكريم وتعظيم لشخصيتهم، ولذلك يخاطب رسوله في نهاية الآية ويقول: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ)، فالأمر بيده، والقرار النهائي يصدر منه(صلى الله عليه وآله وسلم).

الآيتان: التاسعة والعاشرة

(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) :

المفردات

بغَت: بغى عليه: استطال عليه وظلَمه .
فاءت: رجعت.
أقسطوا: إِعدلوا.

1 . آل عمران: 159 .

صفحه 294
 
التفسير
9. (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) :
تتكفّل الآية ببيان أحكام ثلاثة تستهدف حماية الإنسان في دمه وعرضه، وتجنيب المجتمع ويلات التنازع والقتال. وهي كالتالي:
أمّا الحكم الأوّل: فيشير إلى أنّه لو حدث خصام وقتال بين طائفتين من المؤمنين فعلى سائر المؤمنين السعي للمصالحة بينهما صوناً للدماء من أن تُسفك، وحفظاً لوحدة الكلمة وجمع الشمل، ولذلك ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إصلاح ذات البين» 1. وعليه قال سبحانه: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).
ثم إنّ التعبير بضمير الجمع في (اقْتَتَلُوا)مع كون المرجع هو التثنية ـ أعني: (طَائِفَتَانِ)ـ باعتبار المعنى، فإنّ كلاًّ من الطائفتين تضمّ جمعاً من الناس.

1 . مسند أحمد: 6 / 444 .

صفحه 295
وفي وصية الإمام علي للحسن والحسين (عليهم السلام)بعد أن ضربه ابن ملجم (لعنه الله)، قال: «أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا (صلى الله عليه وآله وسلم) يَقُولُ: «صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ».1
وأمّا الحكم الثاني ـ أعني: لزوم حماية الإنسان في عامّة شؤونه ـ : فهو محدّد بعدم تجاوز العدل والإنصاف، وإلاّ فلو تجاوزهما فقد هتك حرمته وضيّع كرامته، ولذلك يجب ردعه ودفعه إلى حدّ العدل كما يقول سبحانه: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى): أي استطالت وتجاوزت على أُختها (فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي)تتجاوز وتعتدي (حَتَّى تَفِيءَ) ترجع (إِلَى أَمْرِ اللهِ)إلى ما أمر به الله تعالى.
وأمّا الحكم الثالث: فإنّ القتال مع الطائفة المعتدية محدّد برجوعها إلى أمر الله (فَإِنْ فَاءَتْ) إلى أمر الله (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ): أي بإجراء أحكام الله على المعتدي على دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، دون الاكتفاء بوضع السلاح وترك القتال والحيلولة بينهما.
ثم أمر سبحانه بانتهاج سبيل العدل في كلّ ما يأتون به من قول أو فعل وقال: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

قتال البغاة

الحكومة الإسلامية تقاتل فئتين:

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 47.

صفحه 296
1. الفئة الباغية حتى تفيء.
2. الفئة الكافرة حتى تُسلم.
فمن خرج على إمام عادل وحاربه، وجب قتاله لما أوجب الله تعالى من طاعة أولياء أمره في محكم كتابه حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)1، وقد أجمع أهل القبلة على فسق محاربي أئمة العدل وفجورهم بما يرتكبونه .2 وانطلاقاً من هذه القاعدة قاتل الإمام علي (عليه السلام) (ومعه أجلاّء المهاجرين والأنصار) البغاة من الناكثين والقاسطين والمارقين في وقائع: الجمل، وصفِّين، والنَّهروان ، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كان في قتال عليّ أهل القبلة بركة، ولو لم يقاتلهم علي (عليه السلام)لم يدر أحد بعده كيف يسير فيهم »3.
إنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)بعد أن أُقصي عن مقامه الشرعي الّذي يستحقّه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ودُفع عن حقّه الإلهي في تولّي الخلافة لسنين طويلة، لم تبق له رغبة في تولّيها، ولكن بعد أن فسدت الأوضاع واتّسع نطاق الانحراف في عهد عثمان، وقف المسلمون ـ بعد مقتله ـ على أنّ الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يصلح الأوضاع ويرجع الأُمور إلى مساراتها الشرعية، هو الإمام علي (عليه السلام)، فانهالوا على بيعته وأصرّوا عليه بأن يشغل منصّة الخلافة، وأعربوا عن تأييده ومساندته فلم يجد الإمام بدّاً من

1 . النساء: 59 .
2 . النصرة لسيد العترة في حرب البصرة للشيخ المفيد: 92 ـ 93. وانظر: الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي: 54 ـ 57 .
3 . الوسائل: 12، الباب 26 من أبواب جهاد العدو، الحديث 4 .

صفحه 297
قبولها، وقد أفصح هو (عليه السلام)عن ذلك بقوله: «أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلاَ سَغَبِ مَظْلُوم، لاََلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا»1. ترى أنّ الداعي إلى قبول الخلافة في هذه الأزمة هو أخذ حقّ المظلوم من الظالم، وجهاد الباغين.
وأحقّ من يدفع البغي، ويمنع العدوان، وينتزع الحقّ من أيدي الظالمين، هو أمير المؤمنين، القائل: «وَأيْمُ اللهِ لاََبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ!»2، والقائل (راوياً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)) : «لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لاَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِع»3
هذا، ولا ريب في أنّ المؤمن محترم دمه وعرضه وماله وكلّ ما يمتّ له بصلة، نعم هو محترم ما دام هو يحترم دماء الآخرين وأموالهم وإلاّ فلا حماية له ولا لدمه وماله.
فيد المسلم التي تكون ديتها خمسمائة دينار، لو قطعها أحدٌ خطأ.. هذه اليد نفسها، إذا مارست الخيانة وخرجت عن حدود الأمانة، تقطع بسرقة ربع دينار!!
وبذلك تقف على قوّة الجواب على من اعترض بقوله:
يد بخمس مئين عَسجد فُديت *** ما بالها قُطعت في ربع دينارِ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 104 .
3 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، رقم 53 .

صفحه 298
فأجابه الشريف المرتضى:
عِزُّ الأمانة أغلاها، وأرخَصَها *** ذلُّ الخيانةِ، فافهمْ حكمةَ الباري
قد تقدّم أنّ الله يأمر بالتصالح ولكنّه يشترط فيه أن يكون مبنياً على العدل والإنصاف وألاّ يضيع حقّ أيّة من الطائفتين، وذلك على طرف النقيض من اتفاقيات الصلح بين الدول الكبرى والدول الضعيفة، فإنّ الدول الاستكبارية المغترّة بسلاحها وجيوشها تفرض على الدول الضعيفة الصلح مع سلب حقوقها الاجتماعية والسياسية على نحو تصبح هذه الدول آلة طيّعة بأيديهم، وأين هذا من قوله سبحانه: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ)؟ كما مرّ أنّه سبحانه أمر بمعاونة من بُغي عليه ومقاتلة الباغي إلى أن يخضع لحُكم الله، وذلك بإجراء الحدّ على المعتدي فرداً كان أو جماعة وأخذ ما سلب من الحقوق والأموال وردّها إلى المعتدى عليه، وأمّا الصلح الذي تتبجّح به منظمة الأُمم المتحدة ومجلس الأمن، فهو وضع السلاح، ونشر قوّات دولية بين الطرفين حتى لا يتجاوز أحدهما على الآخر، فلو كان هذا دواءً للقتال فإنّما هو دواء مؤقت ولا يمضي زمان طويل إلاّ وتشتعل فتيلة الحرب من جديد، كما نشاهده بين حين وآخر بين الصهاينة والفلسطينيين.
وقد أصبح «السلام العالمي» اليوم أكبر مشكلة على الصعيد الدولي حيث تتبارى القوى العظمى في تسليح نفسها بأخطر الأسلحة وأفتكها. هذا من جانب، ومن جانب آخر تجري محاولات كبيرة وجهود جبارة للحفاظ على السلام العالمي وإقامته، ومن هذا الباب عُقدت مؤتمرات نزع السلاح، والحدّ من صنع (الأسلحة النووية) وانتشارها، ولكن هل يا تُرى استطاعت البشرية أن تحقّق أية خطوات إيجابية في هذا المجال أو أنّها قد أخفقت؟

صفحه 299
ثم إنّ بغي طائفة على أُخرى يكون غالباً أمراً واضحاً، ولو خفي فالمحكمة الصالحة غير المنحازة تحقّق في ما هو الصواب وتعيّن المعتدي والمعتدى عليه .
ولا نجد على أديم الأرض قاضياً أصدق وأعدل وأفقه من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث وصف جماعة يقتلون عمّاراً بالبغي وقال: «ويح عمّار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار»،1 وقد قُتل عمّار في حرب صفيّن على يد جيش معاوية، فهل يبقى هناك شك في أنّ معاوية وجيشه كلّهم من البغاة؟
قال أبو بكر الجصّاص (المتوفّى 370 هـ) في كتاب «أحكام القرآن» وهو يتكلّم حول الآية: قاتل علي بن ابي طالب الفئة الباغية بالسيف، ومعه كبراء الصحابة وأهل بدر من قد عُلم مكانهم، وكان محقّاً في قتاله لهم، لم يخالف فيه أحد إلاّ الفئة الباغية التي قاتلته وأتباعها .
وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية» وهذا خبر مقبول من طريق التواتر، حتى إنّ معاوية لم يقدر على جحده2.
وقال أبو بكر المالكي المعروف بابن العربي المعافري في «أحكام القرآن»: تقرّر عند علماء الإسلام، وثبت بدليل الدين أنّ علي بن أبي طالب كان إماماً، وأن كلّ من خرج عليه باغ، وأنّ قتاله واجب حتى يفيء إلى الحق»3.

1 . صحيح البخاري: 1 / 115 برقم 447، كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد.
2 . أحكام القرآن للجصاص: 3 / 532 .
3 . أحكام القرآن لابن العربي: 4 / 150 .

صفحه 300
وقال ابن عبد البرّ في كتابه «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» عند ترجمته لعمّار بن ياسر وبعد ذكر هذا الحديث «تقتلك الفئة الباغية» ما هذا لفظه:
«تواترت الآثار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «تقتل عمّاراً الفئة الباغية» وهذا من إخباره بالغيب وأعلام نبوّته (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو من أصحّ الأحاديث»1.
وبذلك يعلم قيمة ما حكي عن الحسن البصري ] ولا أراه يصحّ عنه [2 حيث سئل عن القتال بين الصحابة، فقال: شهد أصحاب محمد وغبنا، وعلموا وجهلنا .
أو ما حكي عن المحاسبي أنّه قال: تعلَّم أنّ القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منّا.3
أقول: هؤلاء وإن كانوا غائبين عن المعركة لكن أسماعهم لم تكن غائبة عن سماع نصّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث إنّه وصف هؤلاء بالتجاوز والبغي، فليس كلامهم هذا إلاّ إعراضاً عن قول الحقيقة والاعتراف بالواقع.

1 . الاستيعاب: 3 / 1140، ط دار الجيل، الترجمة رقم 1863 .
2 . إنّما قلت: ولا أراه يصحّ عنه، لأنّ ما ورد من الأخبار عنه يشهد بخلاف ذلك، منها: أن الحسن البصري كان ينكر الحكومة، ويقول: لم يزل أمير المؤمنين علي (رحمه الله) يتعرّف (يتعرّفه) النصر، ويساعده الظفر، حتّى حكّم، ولِمَ تُحكِّم والحق معك؟ ألا تمضي قُدُماً لا أبا لك وأنت على الحق (الكامل للمبرّد: 3 / 1138، تحقيق الدكتور محمد أحمد الهلالي). ومنها: أنّه قال: أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها (تاريخ الطبري: 4 / 208، سنة 51 هـ). وإن صحّ ما نُقل عنه، فليس من البعيد أن يكون ذلك منه على سبيل التقية. انظر: شرح نهج البلاغة: 4 / 95 ـ 96 .
3 . التحرير والتنوير: 26 / 201 .

صفحه 301
وقد أخذ بهذا الرأي (عدم الخوض فيما جرى بين الصحابة من تنازع) مقلّدة العصر وعلى رأسهم الشيخ صالح الفوزان في شرح عقيدة محمد بن عبدالوهاب فيما حدث بين المسلمين بعد مقتل عثمان، قال: ونُخطِّئ عليّاً أو نُخطّئ معاوية، لا لا ندخل بينهم في هذا أبداً، هذا كلّه صادر عن اجتهاد، كلّهم يريدون الحق .1
وإن كنت في شكّ من بغي معاوية وأتباعه فلنذكر كلام نفس الباغين الذين استشعروا أنّهم هم البغاة وأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قد عناهم بذلك الوصف.
روى الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين: البخاري ومسلم، أنّ عمرو بن حزم دخل على عمرو بن العاص فقال: قُتل عمّار، وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «تقتله الفئة الباغية» فقام عمرو فزعاً حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ فقال: قُتل عمّار بن ياسر. فقال: قُتل عمّار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «تقتله الفئة الباغية»، فقال له معاوية: أنحن قتلناه؟! إنّما قتله عليٌّ وأصحابه; جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا، أو قال: سيوفنا.
قال الحاكم: صحيحٌ على شرطهما ] البخاري ومسلم[.2
وقد أبطل كثير من علماء السنّة هذا التأويل ووصفوه بأنّه مغالطة. وقبل هؤلاء أبطله مولانا أميرالمؤمنين (عليه السلام)حيث ردّ عليه ـ لمّا بلغه ذلك ـ بقوله: «بأنّ رسول الله إذاً قتل حمزة حين أخرجه»3.

1 . شرح رسالة الإمام محمد بن عبدالوهاب: 108.
2 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 386 ـ 387.
3 . سير أعلام النبلاء: 1 / 406 و 420; شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي: 1 / 121.

صفحه 302
وعلى غرار قول هؤلاء: للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد أن يكون قاتل عمّار مأجوراً ومثاباً، فلمعاوية ووزيره عمرو بن العاص بل ولقاتل عمّار، أجر عند الله!!! أجر المخطئ في اجتهاده.
مرحباً بهذا الاجتهاد وأجره، ومرحباً بقتلة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وعلى رأسهم يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد حيث صاروا مأجورين بقتل أسباط النبي وعترته الطاهرة، فلو كان هذا هو الإسلام وهذا اجتهاده، فعلى الإسلام السلام .
وإن تعجب، فعجب قول بعض الأساتذة في جامعة آل البيت(عليهم السلام)في الأردن، عندما دار بيني وبينه الحديث حول قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وتقتله الفئة الباغية»، قال: أُريد من «الباغية» من يبغي الحق والعدل، فعلى هذا فمعاوية وجيشه كانوا يبغون الحق.
قلت له ـ مضافاً إلى كونه على طرف النقيض من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» ـ : ما معنى قوله سبحانه: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ). ترى أنّه سبحانه ـ حسب تفسيرك ـ أمر بقتل من تبغي الحق والعدل؟ فسكت وترك المجلس. والحق أنّ جامعة آل البيت في الأردن لا تتّبنى من آل البيت إلاّ الاسم وإلاّ فباطن الحال هو النصب والعداء لهم، وقد لمست ذلك عندما دعيت لإلقاء محاضرات هناك .
10. (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ):

صفحه 303
العلاقة القوية التي ليس فوقها علاقة مثلها بين إنسانين يعيشان في مستوى واحد هي علاقة الأخوّة، وأمّا علاقة الأبوة والبنوة أو الأمومة والبنتية وإن كانت أشدّ من علاقة الأخوّة والأُختية، لكن الأب والابن لا يعيشان في مستوى واحد وهكذا الأُم والبنت، ولذلك اختار سبحانه في الدعوة إلى الوحدة والانسجام علاقة الأخوّة وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).
ثم إنّ هنا سؤالاً وهو: لماذا خصّ المؤمنين بتلك العلاقة القوية، ولم يوسّع موضوعها بحيث يصف المجتمع الإنساني كلّه بهذه الرابطة، كما نراها في المادّة الأُولى من بيان منظمة الأُمم المتحدة؟
والجواب عن ذلك واضح وهو: أنّ هذه العلاقة التي يصوِّرها الإسلام بين المؤمنين ليست عنواناً تشريفياً وإنّما هي عنوان تترتّب عليه تكاليف ووظائف، ولذلك يقول في المقام بعد بيان الأُخوّة (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)مشعراً بأنّ هذه الأُخوّة ليست أمراً لفظياً مبنياً على المجاملة، وإنّما هي عنوان يفرض تكاليف على عاتق الأُمة الإسلامية، ولذلك وردت الأُخوّة الإسلامية موضوعاً لتكاليف كثيرة في الكتاب والسنّة.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على لزوم وجود الوحدة الفكرية عقيدة وهدفاً بين الأَخوين، فهذا هو الذي يبعثهما على التعاون والتكاتف ، وإلاّ فلو اختلفا عقيدة وهدفاً، لَما وجد المؤمن في نفسه حافزاً للتعامل بهذا الأسلوب.
وحصيلة الكلام: أن كلّ مجتمع يدور على محور واحد وهو الرؤية الكونية الواحدة، يجد في نفسه ميلاً إلى التعاون مع الآخرين وبناء علاقات سليمة معهم، وعلى العكس من ذلك فلو تخلى المجتمع عن هذا الأساس

صفحه 304
الفكري الموحّد لرأيته متحداً ظاهراً متفسخاً من الداخل، وإن نادوا بالوحدة فإنّما يقولون ذلك بألسنتهم، وقلوبهم شتى، ولذلك خصّ الله سبحانه تلك الأخوّة بالمؤمنين لا بكلّ الناس، ومع ذلك يرى لكل إنسان وإن كان كافراً حقوقاً خاصّة يتمتع بها داخل المجتمع الإسلامي، ومن هنا قال الإمام علي (عليه السلام)في عهده لمالك الأشتر: «فَإِنَّهُمْ ـ يعني الرعيّة أو الناس ـ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»1.
إنّ تنزيل المؤمنين منزلة الإخوة لا يريد به القرابة الشرعية كما لا يريد به عنواناً حزبياً يجمع الأفراد في خط سياسي، بل هي تشريع مبني على أساس وجود الإيمان فيهم، تترتّب عليه آثار وأحكام كلّها تشير إلى أنّ الأُخوّة ليست شعاراً أجوف أو رمزاً حزبياً بل هي أُلفة بين المؤمنين وتحابٌّ في الله، وتواصل بينهم ، ولذلك قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى»2.
وورد عنه أيضاً (صلى الله عليه وآله وسلم): «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه» 3.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم)أيضاً: «مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأُخرى».4

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 53 .
2 . مسند أحمد: 4 / 270 .
3 . المحجّة البيضاء: 3 / 332 .
4 . الكافي: 2 / 133، باب إخوّة المؤمنين بعضهم لبعض.

صفحه 305
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «للمسلم على أخيه ثلاثون حقّاً لا براءة له منها إلاّ بأدائها أو العفو: يغفر زلّته، ويرحم عبرته، ويستر عورته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويردّ غِيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلّته، ويرعى ذمّته، ويعود مرضته، ويشهد ميّته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويُحسن نصرته، ويحفظ حليلته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويسمّت عطسته، ويرشد ضالّته، ويردّ سلامه، ويطيب كلامه، ويبرّ إنعامه، ويصدّق أقسامه، ويوالي وليّه، ويعادي عدوّه، وينصره ظالماً ومظلوماً (فأمّا نصره ظالماً فيردّه عن ظلمه، وأمّا نصرته مظلوماً فيعينه على أخذ حقّه) ولا يسلمه ولا يخذله، ويحبّ له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشرّ ما يكره لنفسه»1.
وفي روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ما يدلّ على أنّ لهذه الأُخوّة الإيمانية تكاليف يجب على المؤمن القيام بها، ومنها:
روى الكليني بإسناده عن علي بن عقبة عن أبي عبدالله ]الصادق[ (عليه السلام)قال: «المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشّه ولا يعدُه عِدة فيخلفه».
وروى باسناده عن رِبْعي عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله» ] ولا يغتابه
ولا يخونه ولا يحرمه[، قال ربعي: فسألني رجل من أصحابنا بالمدينة
فقال: سمعت فضيل يقول ذلك؟ قال: فقلت: نعم، فقال: فإنّي سمعت
أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يغشّه ولا يخذله

1 . وسائل الشيعة: 8 ، الباب 122، من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1 .

صفحه 306
ولا يغتابه ولا يخونه ولا يحرمه»1.
فعلى المسلمين في ظل تعاليم الإسلام وما في هذه الآية والروايات، والتأكيد على التعاون والتآزر في كافّة مجالات الحياة، والاجتناب عن التنافر والتناحر فضلاً عن الاقتتال .
وعلى الرغم أنّ البغاة ممّن يجب دفع شرّهم وقتالهم إلى أن يفيئوا إلى الحق، لكن بما أنّهم تظلّلوا بخيمة الإيمان نرى أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)قد أمر بالتعامل معهم بروح أخوية وقال: «لاَ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلَى حُجَّة، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللهِ فَلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلاَ تُصِيبُوا مُعْوِراً، وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيـح، وَلاَ تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذًى، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ»2.

التكفيريون والتقريب بين المسلمين

سورة الحجرات: الآيتان 11 ـ 12   
بالرغم من أنّ المسلمين، في هذه الظروف الحرجة التي تحالفت فيها القوى الاستكبارية على ضرب المسلمين بعضهم ببعض، في أمسّ الحاجة إلى رصّ الصفوف، وتوحيد الكلمة وتقريب الخطى من أجل النهوض بواقعنا المزري وإصلاحه وتقويم الانحراف فيه، بالرغم من هذه الحاجة، فإنّ ثمة فئة مستحدثة في الديار المقدّسة تتبنّى تكفير المسلمين قاطبة سوى أنفسهم، وكأنّ الله سبحانه قد أوكل إليهم تعيين حدّ الإيمان والكفر،

1 . راجع في الأحاديث المروية عن أهل البيت(عليهم السلام): أُصول الكافي: 1 / 166 ـ 167، بالأرقام 3، 4، 8 ، 11 .
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 14 ; وسائل الشيعة: 11، الباب 33 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1 .

صفحه 307
فيحكموا بإسلام طائفة وكفر أُخرى.
وهذا هو محمد بن عبدالوهاب، يدّعي أنّ كلّ من لم يوافقه فهو مشرك، حتى أنّه يدّعي أنّ المسلمين اليوم من شيعي وسنّي ومن أشعري وماتُريدي إلى غير ذلك من الفرق أكثر شركاً ممّن قاتلهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول: إذاً تحقّقت أنّ الذين قاتلهم رسول الله أصحّ عقولاً وأخفّ شركاً من هؤلاء.1
ويقول في رسالة أُخرى: فإن قال قائل من المشركين (يريد كلّ المسلمين غير الموافقين لمنهجه): نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر... الخ.2
أفهل يمكن والحال هذه أن يكون المسلمون يداً واحدة في مقابل القوى الكافرة، مع أنّ مَن يحكم الديار المقدّسة هو مَن يروِّج هذه الكتب وينشرها في آلاف النسخ ويجعلها مداراً للدراسة في الجامعات والكليات؟! ومن المعلوم أنّه لا يجتنى من هذه الأفكار إلاّ الدمار والهلاك وضرب المسلمين بعضهم ببعض، وإلاّ التفجيرات الانتحارية باسم الاستشهاد، وإلى الله المشتكى. ولأجل ذلك وضعنا رسالة حول حدّ الإيمان والكفر، تقرأها في آخر الكتاب.

الآيتان: الحادية عشرة والثانية عشرة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم عَسَى أَنْ يَكُونُوا

1 . كشف الشبهات: 24، طبع دار القلم.
2 . تسع رسائل: 58 .

صفحه 308
خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاء عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).

المفردات

يسخر: السخرية: الاستهزاء وهو ذكر شيء يُستحقّر ويُستهان به الإنسان بقول أو إشارة أو فعل تقليد، بحيث يُضْحَكُ منه بالطبع.
قوم: القوم: الجماعة، ويطلق ويراد به الرجال دون النساء.
قال زهير:
وما أدري وسوف إخال أدري *** أقوم آل حِصْن أم نساءُ
وفي الآية دليل على أنّ المراد هو الرجال، بشهادة أنّه خصّ النساء بالذكر بعد ذكره القوم.
تلمزوا: اللمز: التنبيه على المعايب.
تنابزوا: النبز ـ بالتحريك ـ هو اللقب، فالتنابز بالألقاب: ذكر الناس بلقب السوء.
الاسم: الذكر أو العلامة.

صفحه 309
 
التفسير
11. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاء عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ):
بدأ سبحانه بالخطاب الرابع إلى المؤمنين، وذكر فيه حقوقاً ثلاثة يجمعها تكريم المؤمن، وصيانة شخصيته ممّا يشينها، وهي عبارة عن:
1. (لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم).
2. (وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ).
3. (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ).
أمّا الأوّل فقد نهى سبحانه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض، فلا تحلّ الاستهانة بالغير، والتنبيه على بعض صفاته استصغاراً له، وإثارة للضحك عليه، قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم)فالآية بصدد النهي عن أسباب الفرقة، فإنّ السخرية تُنبت العداء، وتقطع عُرى الوحدة .
ثم إنّه سبحانه علّل النهي عن السخرية بقوله: (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ): أي عسى أن يكون المسخور منه خيراً من الساخر عند الله، فإنّ ملاك الفضيلة هو الإيمان والتقوى، ومن المحتمل أن يكون المسخور منه أفضل إيماناً وأكثر عملاً. قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «إنّ الله خبّأ ثلاثة أشياء في ثلاثة

صفحه 310
أشياء... وخبأ أولياءه في خلقه، فلا تحقّرنّ أحداً فلعله ذلك الوليّ»1.
ثم إنّ السخرية لمّا كانت شائعة بين الأقوام من دون فرق بين الرجال والنساء، خصّ كلاًّ منهما بخطاب خاص، فقال في النساء: (وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاء عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ).
ويوضح معنى السخرية ما ورد في شأن النزول، فقد روي عن عكرمة: (أنّها نزلت لمّا عيّرت بعض أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أُمّ سلمة بالقِصَر)2، والمراد ببعض أزواج النبي، عائشة .3 وعن عائشة: (أنّها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة)4. وعن ابن عباس: (أنّ أُمّ سلمة ربطت حِقْويها بسَبِيبة ] وهي ثوب أبيض[، وسدلت طرفها خلفها وكانت تجرّه، فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذا تجرّ خلفها كأنّه لسان كلب؟).5
وعلى هذا فحقيقة السخرية هي تشبيه المؤمن (أو ما يتعلّق به) بشيء يوجب ضحك الناس منه أو تحقيره، هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
وأمّا الثاني ـ أعني قوله سبحانه: (وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) ـ : أي لا يطعن بعضكم على بعض بإظهار العيوب والنقائص، بقول أو إشارة. ومع أنّ الطاعن غير المطعون لكنّه سبحانه جمعهم تحت عنوان واحد وهو (أَنْفُسَكُمْ) وما هذا إلاّ لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، ولذلك نرى أنّه سبحانه

1 . كشف الغمة: 2 / 361 ; الفصول المهمة لابن الصبّاغ المالكي: 2 / 895 ; بحار الأنوار: 78 / 187 ح 27 .
2 . التحرير والتنوير: 26 / 205 .
3 . غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 10 / 256 .
4 . تفسير الكشّاف: 3 / 154 ; ومجمع البيان: 9 / 247 (ونقله عن الحسن البصري).
5 . مجمع البيان: 9 / 246 ـ 247.

صفحه 311
يقول: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)1 فكأنّ مَن قتل شخصاً قد قتل نفسه.
فجدير بالمؤمن أن يدَع اللَّمز وعَيب الناس، وأن يتوجّه إلى عيوب نفسه قبل النظر إلى عيوب الغير، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «على العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين والرأي والأخلاق والأدب فيجمع ذلك في صدره أو في كتاب ويعمل في إزالتها»2 وما جاء في ذيل الحديث إشارة إلى المراقبة، فعلى المؤمن أن يُحصي ما صدر منه في يوم أو أسبوع في ورقة ثم يذكرها في ليلته ويتوب إلى الله منها.
ولا شكّ في أنّ من يتتبّع عيوب الناس سوف ينشغل عن صيانة نفسه عمّا يعيبها، قال الإمام الباقر (عليه السلام): «كفى بالمرءِ عيباً أن يبصر من الناس ما يَعمى عنه من نفسه»3.
وعلى المؤمن أن يتجنّب معاشرة هؤلاء اللمّازين الذين يصرفون أعمارهم في إظهار عيوب الناس، فإنّ المصاحبة مؤثرة، قال الإمام علي (عليه السلام): «إيّاك ومعاشرة متتبّعي عيوب الناس فإنّه لم يسلم مصاحبهم منهم».4
وأمّا الثالث فقد أشار إليه سبحانه بقوله: (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ): أي لا تُسمّي المسلم بما يسوؤه بعد إيمانه، كقولك لمن أسلم بعد أن كان مشركاً أو يهودياً: يا من كان كذا وكذا، أو: يا من كان أبوه أو أُمّه كذا وكذا (بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ) فإنّه إهانة للمؤمن فتجب التوبة منه وإلاّ (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ

1 . النساء: 29 .
2 . غرر الحكم: 559 .
3 . الكافي: 2 / 459 .
4 . غرر الحكم: 148 .

صفحه 312
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) لنفوسهم بالإصرار على ارتكاب ما يستحقّون به العقاب. ويشهد لهذا التفسير ما ذكره الطبرسي، قال: روي أنّ صفية بنت حيي بن أخطب جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تبكي، فقال لها: ما وراءك؟ فقالت: إنّ عائشة تعيّرني وتقول: يهودية بنت يهوديين، فقال لها: هلاّ قلت: أبي هارون، وعمّي موسى، وزوجي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنزلت الآية. عن ابن عباس.1
وعلى هذا فالإسلام نهى عن إطلاق أي اسم أو لقب يشير إلى تحقير المسلم وإهانته، وقد ورد في غير واحدة من الروايات أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يصرّ على تغيير أسماء الأشخاص إذا كانت تشير إلى معان لا تناسب مقام المسلم، وإليك بعض ما وقفنا عليه:
1. روى الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام)قال: «كان رسول الله يغيّر الأسماء القبيحة في الرجال والولدان».2
2. قال ابن الأثير الجزري في ترجمة راشد بن حفص: كان اسمه ظالماً فسمّاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)راشداً، وقيل: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال له: ما اسمك؟ قال: غاوي بن ظالم، فقال: راشد بن عبدالله. ثمّ ذكر قصة إسلامه وكسره الصنم الّذي يُدعى سواعاً.3 وراشد هو صاحب البيت المشهور:
أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه *** لقد ذلّ من بالت عليه الثعالبُ4

1 . مجمع البيان: 9 / 250. وانظر: أنساب الأشراف للبلاذري: 1 / 532 ـ 533، تحقيق محمود الفَردُوسي العظم.
2 . قرب الاسناد: 45.
3 . أُسد الغابة: 2 / 149.
4 . السيرة الحلبية: 3 / 377.

صفحه 313
3. وقال أيضاً: وفَد (بغيض) بن حبيب.. التميمي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فسأله عن اسمه؟ فقال: بغيض، قال: أنت حبيب، فهو يدعى حبيباً1.
4. وقال عند ذكر عاصم بن عمر بن الخطاب: أُمّه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، كان اسمها عاصية فسماها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جميلة .2
5. وقال أيضاً: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: ما اسمك؟ فقال: غراب، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت مسلم .3
6. كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يغيّر من سمّي بأسماء الله المختصّة، روى الجزري أنّ رجلاً وفد على النبي سمّي بالقيّوم، فغيّر النبي اسمه إلى عبدالقيّوم.4
ثم إنّ بيان منظمة الأُمم المتحدة قد أقرّ حق التابعية لكلّ طفل، ولكنّه لم يذكر له حقّ التسمية، ولكن الإسلام هو الذي حثّ الأبوين على أن يسمِّيا ولدهما باسم حسن. روى الكليني قال: قال رجل: يا رسول الله ما حق ابني هذا؟ قال: «تُحسّن اسمَه وأدبَه، وتضعه موضعاً حسناً».5
وروي عنهم(عليهم السلام)قالوا: «سمّوا أولادكم قبل أن يولدوا، فإن لم تدروا أذكر أم أُنثى فسمّوهم بالأسماء التي تكون للذكر والأُنثى».6

1 . أُسد الغابة: 1 / 202 .
2 . أُسد الغابة: 3 / 76 .
3 . أُسد الغابة: 4 / 362.
4 . أُسد الغابة: 3 / 292.
5 . الكافي: 6 / 48.
6 . الكافي: 6 / 18.

صفحه 314
ومن المعلوم أنّ الاسم إذا كان مشعراً بالحقارة أو ما يُسقط الإنسان من أعين الناس فإنّه يثير قلقاً عند صاحبه، وقد يولّد عقدة نفسيّة لديه، ولذلك كثيراً ما يرجع حاملو تلك الأسماء القبيحة أو الغريبة إلى دائرة الجنسية لتغيير أسمائهم.
12. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ):
هذا هو الخطاب الخامس للمجتمع الإسلامي، حيث كرّر سبحانه قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)وتتضمّن الآية أُصولاً أخلاقية لها دور كبير في إقرار الأمن بكافّة صوره، على المستوى الفردي والاجتماعي.
والأُصول التي تضمّنتها الآية عبارة عن الأُمور الثلاثة التالية:
1. الاجتناب عن إساءة الظن بالمؤمن.
2. الاجتناب عن تتبّع عورات المسلمين.
3. الاجتناب عن اغتياب المؤمنين.
ومن عجيب الأمر أنّ المقدّم سبب للتالي فإذا أساء أحد الظن بأخيه، جرّه ذلك إلى التجسّس والبحث عن أُموره وشؤونه الذاتية، ثم إنّه إذا وقف على عيوبه المستورة، نزعت نفسه إلى كشف هذا الستر أمام الآخرين فيغتابه. وإليك دراسة هذه الأُمور الثلاثة.

صفحه 315
 
الأوّل: الاجتناب عن إساءة الظن
النُظُم الأخلاقية التي يطرحها علماء الأخلاق تدور على أركان ثلاثة:
1. صيانة دم الإنسان .
2. صيانة ماله.
3. صيانة عرضه.
ولا تتجاوز هذه الأركان الثلاثة، إلاّ أن النظام الاخلاقي في الإسلام تجاوزها وأضاف إليها أصلاً أخلاقياً رابعاً، وهو الاجتناب عن إساءة الظن بالمؤمن حتى يحصل له الأمن في فكر الآخرين وأذهانهم.
وبعبارة أُخرى: إن مصبّ الأُصول الثلاثة إنّما هو الجوارح، ومصبّ الأصل الرابع هو القلوب والجوانح، وعلى هذا فالإسلام يستهدف إقرار الأمن في جميع شؤون المؤمن حتى في فكر الآخرين وتصوّرهم.
وقد وردت الأُصول الأربعة في كلام مرويّ عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ الله حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء».1ولذلك قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ)وإنّما قال: (كَثِيرًا) ولم يقل الظنّ مطلقاً ; لأنّ الظنّ ينقسم إلى حسن وسيِّئ، فالممنوع هو الثاني لا الأوّل، قال سبحانه: (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)2.
ثمّ بيّن سبب اجتناب كثير من الظن بقوله: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)وليس

1 . المحجة البيضاء للفيض الكاشاني: 5 / 268 ; بحار الأنوار: 75 / 201 .
2 . النور: 12.

صفحه 316
كون بعض الظن إثماً لأجل نفس الظنّ وإنّما هو لترتّب الآثار السيئة عليه من استنقاص المظنون به والاعتداء على كرامته واحتقاره وغير ذلك، ولذلك ذُكر بعد النهي عنه، مسألة التجسّس والاغتياب، وإلاّ فالظنّ بما هو أمر قلبي، يخطر على ذهن الإنسان شاء أم أبى، فلا يمكن أن يكون حراماً، إلاّ إذا كان مقصّراً في مقدّماته وخطوره على قلبه، ولذلك ورد في الحديث: «إذا ظننتم فلا تحقِّقوا» 1.
نعم لو طرأ الظنّ السيِّئ على خاطر الإنسان فعليه أن يسعى في تصحيحه بأن يحمله على أحسن المحامل، ولذلك ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنّنّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً»2.
وكتب الإمام علي (عليه السلام)في عهده لمالك الأشتر وقال: «فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلا»3.

الآثار السيّئة لسوء الظن

إنّ إساءة الظنّ بالغير كما أنّها تُلحق الضرر بالمظنون به، فهكذا تضرّ بنفس الظانّ، إذ تصبح فكرة سوء الظنّ أشبه بمرض يتفشّى في روح الإنسان ويسيطر عليه، وعندئذ لا يثق بأحد، قال الإمام علي (عليه السلام): «مَن غلب عليه سوء

1 . كنز العمال: 3 / 461 .
2 . أُصول الكافي: 2 / 362 برقم 3، باب التهمة وسوء الظن.
3 . نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 53 .

صفحه 317
الظن لم يترك بينه وبين خليل صلحاً»1.
أضف إلى ذلك: أنّ من يسيء الظن بالغير ثم بالمجتمع يصبح انزوائياً ومعتزلاً عن المجتمع، حيث تنقطع صلته بكلّ أصدقائه ; لأنّه سينظر إليهم بعين العداوة، فتنفصم عرى الألفة والمحبة بينه وبينهم، وعندئذ يستشعر الغربة والوحدة، كما قال الإمام علي (عليه السلام): «مَن لم يحسن ظنّه استوحش من كلّ أحد»2.
وعلى ذلك فعلى مدراء المؤسسات والشركات أن يحسنوا الظن بالموظفين والعمال، وكذا الوالد بالنسبة إلى أولاده وزوجته وكلّ مَن له به صلة، اللّهم إلاّ إذا دلّت القرائن على خلاف ذلك، فعندئذ يجب عليه الحذر والاحتياط إلى أن ينكشف الواقع.
وقد عبّر عن هذا النوع من الظن بالنسبة إلى مَن تحت يد الإنسان بالتغاير في غير موضعه، قال الإمام (عليه السلام): «إيّاك والتغاير في غير موضعه، فإنّ ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم والبريئة إلى الريب».3

الأصل الثاني: الاجتناب عن تتبّع عيوب الآخرين

وقد أمر به تعالى بقوله: (وَلاَ تَجَسَّسُوا)، والتجسُّس هو تتبع ما سُتر من أُمور الناس والاطّلاع عليها ومثله التحسّس، إلاّ أنّ الأوّل يستعمل في الشرّ، والآخر في الخير، قال تعالى على لسان يعقوب في وصيته لولده: (يَا بَنِيَّ

1 . غرر الحكم: 697 .
2 . غرر الحكم: 712 .
3 . غرر الحكم: 152 .

صفحه 318
اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ)1.
والتجسُّس يحصل ـ غالباً ـ نتيجة لسوء الظنّ، فمن يسيء الظن بأحد سوف يندفع إلى تحقيق المظنون ، والبحث عن العيوب، مبتغياً الوقوف عليها، ليهتك ـ بعد ذلك ـ ستره، وينتقص كرامته، ويسيء إلى سمعته، وبهذا يكون على جانب النقيض ممّا أوصى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «إنّ الله حرّم على المسلم دمه وماله وعرضه» فإذا كان المجتمع الإسلامي متآخياً فيكون كنفس واحدة، فهل يرضى الإنسان أن يهدم شخصيّته وعرضه؟ والجواب طبعاً: لا.
وما أحلى قول الإمام الصادق (عليه السلام)في مَن يتجسَّس على أُمور الناس، قال: «أبعد ما يكون العبد من الله أن يكون الرجل يُواخي الرجل وهو يحفظ عليه زلاّته ليعيّره بها يوماً ما».2
فالتجسّس تلاعب بكرامة المسلم، ولذلك نرى أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يذمّ المتجسِّس بقوله: «يا معشر مَن أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تذمّوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم...»3.

الاستخبارات والأمن العام

إنّ الإسلام لم يسمح لأحد أن يسيء الظن بالمسلمين، كما لم يسمح له الاطّلاع على دخيلة أحد، ولكنّ التأمل في تلك النصوص يؤتي أنّ النهي يختصّ بالأسرار الفردية التي لا تمتّ للمجتمع بصلة ولا ترتبط بمصالح الأُمّة أي ارتباط، أمّا إذا تعلّق الأمر بالمصالح العامّة فالأمر مختلف، إذ لا

1 . يوسف: 87 .
2 . أُصول الكافي: 2 / 355، برقم 7، باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم.
3 . أُصول الكافي: 2 / 354، برقم 2. وانظر: المعجم الكبير للطبراني: 11 / 149 برقم 11444 .

صفحه 319
يمكن التغاضي عن مراقبة الأفراد الذين تشكّل نشاطاتهم السرّيّة خطراً على المجتمع أو الكيان الإسلامي، فمن البديهي أن تترجّح، هنا، المصالح العامّة على المصالح الخاصّة، وإلاّ تعرّضت الأُمّة لأخطار تهدّد أمنها الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي.
إنّ التشريع الإسلاميّ ـ الذي ينهى بشدّة عن محاولة الاطّلاع على دخائل الناس وأسرارهم الشخصيّة ـ فيما لو كانت تختصّ بهم ويحرّم اغتياب الأفراد ـ لا يمنع من التعرّف على الأُمور التي ترتبط بمصلحة الجماعة، بل يسمح للدولة الإسلاميّة بجمع المعلومات الصحيحة المفيدة لوضعها تحت تصرّف الحاكم الإسلاميّ، حتّى يتحرّك على ضوئها، فيتعرّف على المتآمرين، ويبطل خططهم ومؤامراتهم حفاظاً على مصلحة الأُمّة، وصيانة لوجودها وكيانها من كيد الكائدين ومكر الماكرين، وهذا أمر يؤيّده العقل السليم وتقبله الفطرة، وتدعو إليه الحكمة، ويقتضيه التدبير الصحيح، والسياسة الرشيدة.

الاستخبارات الراهنة مرفوضة

على أنّ من الطبيعيّ أن يتصوّر القارئ الكريم بمجرّد سماعه لكلمة (الاستخبارات والأمن العامّ) تلك الأجهزة الجهنّمية المخيفة التي تعتمد عليها الحكومات الطاغوتيّة المعاصرة في ملاحقة الشعوب، وقهر إرادتها، وقمع حركاتها.
أقول: من الطبيعيّ أن تتداعى في ذهن القارئ هذه الصورة القاتمة، وهذا المعنى الأسود، لأنّ شعوبنا المظلومة قد اعتادت على مثل هذا التصوّر عن جهاز المخابرات وأعمال التجسّس، ولكنّ الحقيقة أنّ ما نقصده من

صفحه 320
جهاز الاستخبارات يختلف تماماً عن هذه الصورة.
فجهاز الاستخبارات ـ في الحكومة الإسلامية ـ ليس لقمع الشعوب المظلومة المضطهدة وخنق صرخاتها، وتحطيم حركاتها العادلة، وليس لتحديد نموّ الأُمم ورشدها العقليّ والعلميّ، وإخضاعها لسياسة معيّنة حتّى لو كانت خاطئة وجائرة، بل هو لأهداف سامية وغايات عادلة .

الأصل الثالث: الاجتناب عن اغتياب المؤمنين

هذا ما نلاحظه في قوله تعالى: (وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا).
والغيبة: ذكر العيب بظهر الغَيب ، وفي الحديث: «إذا ذكرتَ الرجل بما فيه ممّا يكرهه الله فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهتّه».1
ثم إنّ البيان القرآني يجسّم لنا واقع الغيبة بهذه الصورة البشعة، ويقول: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)فجَعَلَ المؤمن أخاً، وعِرضه كلحمه، والتفكّه به أكلاً، وعدم شعوره بذلك بمنزلة موته، وهذا النوع من التشبيه يصوّر لنا عظم الذنب في الغيبة، فإنّ المغتاب يحطّ من كرامة المؤمن ويغتال شخصيته، ولعلّ هذا أشدّ من قتله وسفك دمه.
قال الشريف الرضي (رحمه الله): إنّ في قوله تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) استعارة ومبناها على أصل معروف في كلام العرب وهو تسميتهم المغتاب بآكل لحوم الناس حتى قال شاعرهم:
فإن أكلوا لحمي وفَرتُ لحومهم *** وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا
وقال حسّان بن ثابت في مرثية ابنة له :

1 . وسائل الشيعة: 8 ، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 9 .

صفحه 321
حَصان رزان لا تُزنُّ بريبة *** وتصبح غرثى من لحوم الغوافلِ
أي تمسك عن غيبة النساء الغافلات عن غيبتها، فتكون بإمساكها عن الغيبة التي يسمى فاعلها آكل لحم صاحبه، كأنّها غرثى أي جائعة لم تطعم شيئاً، لأنّ الغيبة لمّا سمّيت أكلاً وقَرْماً، 1 حسُن أن يسمّي تركها جوعاً وغرثاً، ومعنى (فَكَرِهْتُمُوهُ): أي عافته أنفسكم فكرهتموه وهذا محذوف مقدّر في الكلام دلالة، وقال بعضهم: تلخيص هذا المعنى: مَن دعي إلى أكل لحم أخيه ميتاً فعافته نفسه وكرهه من جهة طبعه، فإنّه ينبغي له إذا دعي إلى غيبة أخيه أن تعاف ذلك نفسه من جهة عقله، لأنّه يجب أن يكره هذا عقلاً كما كره الأوّل طبعاً، لأنّ داعي العقل أحق بالاتّباع من داعي الطبع إذ كان داعي الطبع أعمى جاهلاً، وداعي العقل بصيراً عالماً، فكلاهما في صفة الناصح إلاّ أنّ نصح العقل سليم مأمون، ونصح الطبع ظنين مدخول.2
ويكفي في دناءة هذا العمل وشناعته أنّ الناطق والسامع يتكلّمان عن شخص عاجز عن الردّ عليهم والدفاع عن نفسه، لأنّه غائب عن مجلسهما، ولذلك يقول الإمام علي (عليه السلام): «الغيبة جهد العاجز»3 .
هذا، وللاغتياب آثار سيئة هدّامة، نذكر منها ما يلي:
1. أنّ أساس الوحدة في المجتمع الإسلامي هو وجود الأُلفة والعاطفة بينهم، ومن المعلوم أنّ الغيبة تولّد التباغض فيه، فيصبح المجتمع الواحد فِرَقاً وطوائف مبعثرة.

1 . قَرَم (الطعام) قَرْماً: أكله. وقَرِم (إلى اللّحم) قَرَماً: اشتدّت شهوتُه له.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 262 ـ 263 .
3 . غرر الحكم: 36 .

صفحه 322
2. تهدم الغيبة التعاون في مهامّ الأُمور، وذلك لأنّ كشف عيوب الناس يهدم حسّ الاعتماد على الآخرين.
3. تزرع الغيبة العداوةَ في النفوس، وذلك لأنّ المغتاب إذا سمع ما قيل في ظهره يصبح عدواً للقائل والسامع خصوصاً إذا كانوا كثيرين، إلى غير ذلك من الآثار الهدّامة التي قررها علماء الأخلاق.
والعجب أنّه سبحانه يصف الاغتياب بأنّه من مقولة إشاعة الفحشاء، يدلّ على ذلك قول الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن قال في مؤمن ما رأته عيناه أو سمعته أُذناه فهو من الّذين قال الله عزّ وجلّ (عنهم): (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)1 .2
ومع ذلك كلّه، فللمغتاب فرصة للرجوع عن عمله السيِّئ، فإنّ باب التوبة مفتوح أمامه، ولذلك يقول سبحانه: (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) .
سورة الحجرات: الآيات 13 ـ 18   

الآيات: الثالثة عشرة إلى الثامنة عشرة

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ * قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ

1 . النور: 19 .
2 . الكافي: 2 / 357، برقم 2، باب الغيبة والبهت.

صفحه 323
الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَ اللهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ):

المفردات

شُعوباً: جمع شَعب، وهو الحيّ العظيم مثل مُضَر وربيعة. قال الراغب: الشعب: القبيلة المتفرقة من حيّ واحد، وجمعه شعوب.1
قبائل: هي دون الشعوب، كبَكر من ربيعة، وتميم من مُضَر. هذا قول أكثر المفسّرين.2
الأعراب: العرب ولَد إسماعيل، والأعراب جمعه في الأصل، وصار ذلك اسماً لسكان البادية، والأعرابي صار اسماً للمنسوبين إلى سكان البادية.3 وربّما قيل: الأعراب اسم جمع لا مفرد له ويطلق على سكان البادية.

1 . المفردات للراغب: 261، مادة «شعب».
2 . مجمع البيان: 9 / 252 .
3 . المفردات للراغب: 328، مادة «عرب».

صفحه 324
يَلِتكم: يُنقصكم.
يمنّون: المنّة: النعمة الثقيلة، يقال: منّ فلان على فلان: إذا أثقله بالنعمة. ومنَّ عليه (بما صنع): ذكَر له ما اصطنع له من صنيعة أو أسدى إليه من إحسان.

التفسير

13. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ):
كانت الآيات السابقة تتضمّن خطابات موجّهة إلى المجتمع الإسلامي، وقد جاء قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)خمس مرّات واحدة بعد الأُخرى، ولكن الهتاف في هذه الآية موجَّه إلى المجتمع الإنساني، مجرَّداً عن الانتساب إلى القوميات والعنصريات والإقليميات والطائفيات، بل إلى الإنسان بما هو إنسان، ويخاطبه بخطاب البعيد ويقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)وكأنّه يريد أن يوصل هذا الخطاب إلى كلّ إنسان في مختلف أرجاء العالم من غير فرق بين قوم وقوم أو لون دون لون.
ويتضمّن الخطاب تذكير البشر بأنّ أصل الجميع شيء واحد وأنّهم خُلقوا من ذكر وأُنثى، فلا فضيلة لأحد على أحد من حيث الآباء والأُمّهات بعد كون أب الجميع آدم، وأُمّهم حواء، وقال: (مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى)ولازم ذلك كونهم أُمّة واحدة، سواسية في الحقوق.

صفحه 325
نعم جعل فيهم الاختلاف وصيّرهم شعوباً وقبائل كما قال: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ)لكن لا ليتناحروا ويتفاخروا بآبائهم وأجناسهم وإنّما جعلهم كذلك لغاية التعارف كما قال (لِتَعَارَفُوا): أي ليعرف بعضكم بعضاً، فإنّ التماثل في الألوان والأشكال واللغات يهدم أساس الحياة.
ثم إنّ هذا المبدأ.. مبدأ المساواة بين الأجناس البشرية، والدعوة إلى وحدة المجتمع الإنساني ونبذ كلّ أشكال التمايز الطبقي، هو حُلم المصلحين وأمل المفكّرين، وعلى رأسهم كتّاب حقوق الإنسان، وأنت ترى أنّ الإسلام كان قد قرّر هذا المبدأ منذ أكثر من 14 قرناً، ولم يكتف بالهتافات الفارغة عن العمل بل طبّقه على صعيد المجتمع، وكافح أيّ تفاخر يرجع إلى العرق واللون أو الانتساب إلى الآباء والأُمّهات، وإنّما جعل ميزان الفضل والفضيلة هو الإيمان بالله والعمل بأوامره ونواهيه وقال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)، فالكرامة لا تكمن في بياض الجلد وسواده، ولا في اللسان أو غير ذلك من الأُمور الطبيعية التي ستندثر، وأمّا الكرامة الحقيقية ـ أعني: الإيمان والعمل بالمُثل الأخلاقية ـ فهي الّتي تبقى ما دام الإنسان باقياً في الحياة الدنيا وما بعدها من الحياة الأُخروية، فمَن اكتسب في دنياه سعادة الدار الآخرة فقد حاز قصب السبق وأخذ معه خير الزاد، وأمّا مَن تفاخر باللون واللسان والانتماء القبلي فقد خسر، لأنّ هذه الكرامة الموهومة ـ مضافاً إلى أنّها توقع الإنسان في الهلكة ـ تفارقه بمجرّد موته.
والله سبحانه هو خالق البشر وعارف بما يصلحه ويفسده فليتبع ما جاء في هذه الآية، لماذا؟ لـ (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) عالم بملاكات الفضل والفضيلة، خبير بما ينفع الإنسان ويضرّه.

صفحه 326
قلنا: إنّ الإسلام لم يكتف بنفس هذا التشريع بل طبّقه على صعيد الحياة وأكّد على ذلك في سائر خطاباته وهتافاته، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في محتشد عظيم يوم عرفة الذي حضرته قبائل وشعوب كثيرة: «أيّها الناس إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إنّكم من آدم وآدم من طين، ألا إنّ خير عباد الله عبد اتقاه»1.
وفي مقام آخر قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ العربية ليست بأب والد وإنّما هي لسان ناطق، فمن قصُر عمله لم يبلغه حسبه».2
وقد أبطل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله هذا ما كان ذائعاً أيام الرسالة من الافتخار بالعربية وتحقير الآخرين، نعم تمتاز العربية بأنّها لسان فصيح وبيان ناطق ولكنها لا تكفي في نجاة الإنسان وسعادته.
وأفضل بيان للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في الدعوة إلى الوحدة الإنسانية قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المُشط لا فضل للعربي على العجمي ولا الأحمر على الأسود إلاّ بالتقوى»3.
إنّ منظمة الأُمم المتحدة وإن تبنّت مبدأ وحدة الأُمم تحت غطاء الإنسانية ولكن ما كتبوه قد بقي حبراً على ورق، ولم تُبذل محاولات جادة لتطبيقه وتجسيده في الواقع، لاصطدامه بمطامع الدول الاستكبارية وغطرستها ونظرتها الاستعلائية .
وإذا رجعنا إلى حياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد إقامته في مهجره، نرى أنّه

1 . الكافي: 8 / 246 برقم 342 ; السيرة النبوية : 2 / 412 .
2 . الكافي: 8 / 246، برقم 342 .
3 . الاختصاص للشيخ المفيد: 341.

صفحه 327
قام بأُمور رفع بها الحواجز الموهومة بين الغني والفقير والوضيع والشريف، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)زوّج المقداد بن الأسود ضُباعة 1 بنت الزبير بن عبد المطلب، وإنّما زوّجه لتتّضع المناكح، وليتأسَّوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليعلموا أنّ أكرمهم عند الله أتقاهم»2.
روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: «إنّ رسول الله أمر أن يتّخذ للمسلمين سقيفة فعملت لهم وهي الصُّفّة، ثم أمر الغرباء والمساكين أن ينزلوها، وكان المسلمون يصرفون صدقاتهم إليهم، ثم إنّ رسول الله نظر إلى «جويبر» ذات يوم برحمة له ورقّة عليه فقال: يا جويبر لو تزوّجت امرأة فعففت بها فرجك وأعانتك على دنياك وآخرتك؟ فقال له جويبر: يا رسول الله بأبي أنت وأُمّي من يرغب فيَّ فوالله ما من حسب ولا نسب ولا مال ولا جمال، فأيّة امرأة ترغب فيَّ ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا جويبر إنَّ الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهليّة شريفاً، وشرَّف بالإسلام من كان في الجاهليّة وضيعاً، وأعزَّ بالإسلام من كان في الجاهليّة ذليلاً، وأذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهليّة وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها ، فالناس اليوم كلّهم أبيضهم وأسودهم وقرشيّهم وعربيّهم وعجميّهم من آدم، وإنَّ آدم خلقه الله من طين، وإنَّ أحبَّ الناس إلى الله عزَّ وجلّ يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم، وما أعلم ياجويبر لأحد من المسلمين عليك اليوم فضلاً إلاّ لمن كان أتقى لله منك وأطوع.
ثمَّ قال له: انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد فإنّه من أشرف بني بياضة

1 . وهي ابنة عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . الكافي: 5 / 344 ح 1، باب أنّ المؤمن كفو المؤمنة.

صفحه 328
حسباً فيهم فقل له: إنّي رسول رسول الله إليك وهو يقول لك: زوّج جويبراً ابنتك الذَّلفاء قال: فانطلق جويبر برسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى زياد بن لبيد وهو في منزله وجماعة من قومه عنده، فاستأذن فأُعلم فأذن له فدخل وسلّم عليه ثم قال: يا زياد بن لبيد إنّي رسول رسول الله إليك في حاجة لي فأبوح بها أم أسرُّها إليك؟ فقال له زياد: بل بُح بها فإنَّ ذلك شرف لي وفخر، فقال له جويبر: إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول لك : زوّج جويبراً ابنتك الذلفاء، فقال له زياد: أرسول الله أرسلك إليَّ بهذا؟ فقال له: نعم ما كنت لأكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له زياد: إنّا لا نزوّج فتياتنا إلاّ أكفاءنا من الأنصار فانصرف يا جويبر حتى ألقى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأُخبره بعذري، فانصرف جويبر وهو يقول: والله ما بهذا نزل القرآن ولا بهذا ظهرت نبوَّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
فسمعت مقالته الذّلفاء بنت زياد وهي في خدرها فأرسلت إلى أبيها: أُدخل إليّ فدخل إليها فقالت له: ما هذا الكلام الذي سمعته منك تحاور به جويبراً؟ فقال لها: ذكر لي أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أرسله وقال: يقول لك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): زوّج جويبراً ابنتك الذّلفاء، فقالت له: والله ما كان جويبر ليكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بحضرته فابعث الآن رسولاً يردّ عليك جويبراً فبعث زياد رسولاً فلحق جويبراً، فقال له زياد: يا جويبر مرحباً بك اطمئن حتى أعود إليك ثمَّ انطلق زياد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له: بأبي أنت وأُمي إنَّ جويبراً أتاني برسالتك وقال: إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول لك: زوّج جويبراً ابنتك الذّلفاء فلم ألن له بالقول ورأيت لقاءك ونحن لا نتزوَّج إلاّ أكفاءنا من الأنصار، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا زياد، جويبر مؤمن والمؤمن كفوٌ للمؤمنة والمسلم كفو للمسلمة فزوّجه يا زياد ولا ترغب عنه، قال: فرجع زياد إلى منزله ودخل على ابنته فقال لها ما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت

صفحه 329
له: إنّك إن عصيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كفرت فزوِّج جويبراً، فخرج زياد فأخذ بيد جويبر ثمّ أخرجه إلى قومه فزوّجه على سنّة الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)وضمّن صداقه... ثمّ إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج في غزوة له ومعه جويبر، فاستشهد رحمه تعالى، فما كان في الأنصار أيّم أنفق منها بعد جويبر».1
14. (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) :
للإسلام والإيمان استعمالات مختلفة، كما سنشير إلى ذلك بعد الفراغ من تفسير الآية، إلاّ أنّ التدبّر فيها يقودنا إلى أنّ المراد من الإسلام هنا هو إظهار الشهادتين والتسليم الظاهري، دون أن يكون في القلوب شيء من الإذعان، والمراد من الإيمان هو التسليم القلبي والإذعان بالجَنان، ولعلّ الآية أكثر انطباقاً على المنافقين الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام لغايات مادّية دون أن يؤمنوا به قلباً. ويؤيد ما ذكرنا ما جاء في شأن نزول الآية أنّها نزلت في قوم من بني أسد أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في سنة جدبة، وأظهروا الإسلام ولم

1 . الكافي: 5 / 340 ـ 343، برقم 1، كتاب النكاح، باب إنّ المؤمن كفو المؤمنة. وذكر ابن عبدالبرّ، باختصار شديد، نحو هذه القصة، ولكن سمّى الرجل فيها (جُلَيبيب)، وقال: روى حديثه أبو برزة الأسلمي في إنكاح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إياه إلى رجل من الأنصار، وكانت فيه دمامة وقِصَر، فكأن الأنصاري وامرأته كرها ذلك، فسمعت ابنتهما بما أراد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من ذلك، فتلتْ: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)وقالت: رضيت وسلّمت لما يرضى لي به رسول الله، فدعا لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)... ثم قُتل عنها جليبيب، فلم يكن في الأنصار أيِّم أنفق منها. الاستيعاب: 1 / 271 ـ 272، الترجمة 358.

صفحه 330
يكونوا مؤمنين في السرّ، وإنّما كانوا يطلبون الصدقة، وإلى ذلك يشير ما روي عن أحد الصادقين (عليهما السلام)أنّه قال: «الإيمان إقرار وعمل والإسلام إقرار بلا عمل».1
وعلى هذا فقوله سبحانه في (الأَعْرَابُ): أي جاءت جماعة من سكان البادية قائلين: (آمَنَّا)مشعراً قولهم بأنّهم مصدِّقون بما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)جناناً وقلباً لكن كانوا كاذبين في ادّعاء الإيمان، فأمر الله سبحانه نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)فأنتم مسلمون ظاهراً غير مؤمنين واقعاً .
ولمّا كان قوله: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) مشعراً بإمكان دخوله في قلوبهم رغّبهم بقوله: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ)فيما يأمراكم به (لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا)ولا ينقص من أُجور أعمالكم، وما هذا إلاّ لأجل (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

الإسلام هو التسليم لله

قد تقدّم أنّ للفظة «الإسلام» في القرآن الكريم استعمالات مختلفة، ففي الآية المتقدّمة أُطلق الإسلام وأُريد به التسليم لساناً لا جَناناً، ولكن كثيراً ما يُطلق ويُراد به التسليم لله، فمَن أسلم قلبه لله ورفض الانقياد لغيره، فهو مسلم في مقابل المشرك الذي ينقاد جدّاً للأصنام، ويدلّ على ذلك استعمال الإسلام في مقابل الشرك، والمسلم في مقابل المشرك في الآيات التالية:
1. قال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ

1 . الكافي: 2 / 24 ح 2، باب أن الإسلام يحقن به الدم.

صفحه 331
يُطْعِمُ وَ لاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)1.
2. قال تعالى: (</