welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 26*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 26

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 26
منية الطالبين
في
تفسير القرآن المبين
(26)

صفحه 2

صفحه 3
26   
منية الطالبين
في
تفسير القرآن المبين
يشتمل على تفسير الجزء السادس والعشرين
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى ، جعفر، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 532 - 8(VOL.26)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6(30 VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زير نويس .
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP   179 / 297
1392
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 26
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1392 هـ ش / 1435 هـ . ق / 2014 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:812   تسلسل الطبعة الأُولى:413
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير بريَّته محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أمّا بعد
فهذا هو الجزء السادس والعشرون من أجزاء تفسيرنا للقرآن الكريم، نقدّمه للقرّاء الكرام، وكلّنا أمل أن نكون قد استوفينا ما توخّينا فيه من خصائص قد تميّزه عن غيره، حيث اشتهر قولهم: إنّ التفاسير في الدنيا بلا عدد.
وهذا التفسير، وإن كان خطوة متواضعة على طريق تيسير فهم القرآن ودرك معاني آياته الكريمة، إلاّ أنّه يركّز على أُمور، أهمّها:
أوّلاً: تبيين معاني مفردات الآيات بشكل موجز، وهو يصدر في ذلك عن مفردات الراغب الأصفهاني وسائر المعاجم والتفاسير.
ثانياً: إيضاح مفاد الآية بأفضل ما يمكن على وجه لا يبقى أيّ إبهام عند القارئ في فهم الآية ومقاصدها، وهذا هو الهدف الأهمّ، ولذلك نأخذ كلّ آية على حدّة ونفسّرها.
ثالثاً: بذل الجهد في توضيح صلة آيات السورة بعضها ببعض على وجه يكون مجموع السورة مجموعة مترابطة دون أن يكون بينها، اقتضاب.

صفحه 8
رابعاً: لو أنّ الآية أو الآيات أشارت إلى مقصد كلامي، فهذا التفسير يركّز على توضيحه مقروناً بالبرهان والدليل .
خامساً: أنّ قسماً من الآيات يشير إلى حوادث وقعت في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو يشير إلى قصص حدثت في القرون الغابرة، وهذا التفسير يُعنى بتبيين الحادثة مجرّدة عمّا لحقها من الأُمور الخرافية أو القصص الإسرائيلية.
ونودّ أن ننبّه القارئ إلى أنّ التفسير، لم يتعرض للقراءات المختلفة للآية، لأنّه يشترط في كون القراءة قرآنية وصولها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على وجه التواتر، ولم يقم دليل على تواتر تلك القراءات، كيف وأن لكلّ من أصحاب القراءات راويين ومع ذلك كيف يمكن إثبات التواتر؟ والحق هو كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة» 1 .
كما أغفل التفسير ذكر ما جاء من الروايات في فضائل السور الّتي اهتمت بها الكثير من كتب التفاسير وشغلت الكثيرين، وذلك لعدم ثبوت أكثر هذه الروايات.
هذا ما يقدّمه التفسير الماثل بين يدي عشّاق القرآن ومريديه، فإن أصاب صاحبه الحقّ فمن الله، وإن زلّ فمن نفسه، والله سبحانه هو الهادي إلى سبل الصواب.
المؤلّف

1 . الكافي: 2 / 630، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، برقم 12 .

صفحه 9
سورة الأحقاف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 26

سورة الأحقاف

(حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُوني بِكِتَاب مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ* وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا

صفحه 10
بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْري مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ * وَالذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفّ لَكُمَا أَتَعِدَانِني أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ

صفحه 11
وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ * وَاذْكُرْ أَخَا عَاد إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِي مَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْء إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى

صفحه 12
وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم * وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِز فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ).

صفحه 13
سورة الأحقاف: خصائص السورة   

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة في المصاحف بسورة «الأحقاف» لورود هذا اللفظ فيها والذي لم يرد في غيرها، وقد مرّ مراراً أنّ التسمية ليست أمراً توقيفياً، فتصحّ تسمية السورة بلفظ آخر إذا كان مناسباً لمضامينها.
وهي آخر سورة من السور السبع، التي استفتحت بـ «حم»، والسُّوَر التي تقدّمتها هي: غافر، وفصّلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية. وتجمع في لسان المفسّرين على «الحواميم». كما تجمع السور المفتتحة بـ «طس» أو «طسم» على «طواسين»، وهل هذا النوع من الجمع صحيح أو لا؟ فيه كلام، ليس هذا محلّه.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

وهي خمس وثلاثون آية في عدّ الكوفي، وأربع وثلاثون في عدّ الباقين، والاختلاف في عدّ «حم» آية مستقلّة. وقد عدّت كذلك في المصاحف المرقمة.
والسورة مكيّة ويشهد على ذلك مضامينها كما سيأتي في أغراضها. نعم استثنيت الآية العاشرة منها، أعني قوله سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)فعدّت مدنية، حيث نزلت ـ على ما جاء في بعض

صفحه 14
روايات أهل السنّة ـ في عبدالله بن سلام .

أغراض السورة

سورة الأحقاف: الآيات 1 ـ 6   
يدور الكلام في السورة حول الأُصول الثلاثة:
1. الدعوة إلى التوحيد وإنذار المشركين.
2. الدعوة إلى الإيمان بالمعاد.
3. التأكيد على أنّ القرآن وحي سماويّ وليس أمراً مفترى. ومن ثمّ التأكيد على رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم إنّه سبحانه في ثنايا هذه المحاور، يؤكّد على الإحسان إلى الوالدين، إلى غير ذلك من الأُمور الهامّة التي سنتعرض لذكرها خلال التفسير.

الآيات: الست الأُولى

(حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُوني بِكِتَاب مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا

صفحه 15
حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ).

المفردات

شِرْكٌ: نصيب.
أثارة: بقية.
حُشر: جُمع.
كافرين: مكذِّبين.

التفسير

1. (حَم):
قد تكلّم غير واحد من المفسّرين حول الحروف المقطَّعة في أوّل سورة البقرة، وها نحن نذكر ما هو الميسور في المقام، فنقول:
إنّ الحروف المقطَّعة عبارة عن الحروف التي صُدّر بها قسم من السور، وهي: أ، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، هـ ، ي.
والعجب أنّ هذه الحروف هي نصف الحروف الهجائية.
والسور التي بدأت بحروف مقطّعة يبلغ عددها (29) سورة، وهي:
1. البقرة، 2. آل عمران، 3. الأعراف، 4. يونس، 5. هود، 6. يوسف، 7. الرعد، 8. إبراهيم، 9. الحجر، 10. مريم، 11. طه، 12. الشعراء، 13. النمل، 14. القصص، 15. العنكبوت، 16. الروم، 17.لقمان، 18. السجدة، 19. يس، 20. ص، 21. غافر، 22. فصّلت، 23. الشورى، 24. الزخرف، 25. الدخان، 26.

صفحه 16
الجاثية، 27. الأحقاف، 28. ق، 29. القلم.
وقد تطرّق المفسّرون إلى بيان ما هو المقصود من هذه الحروف. وذكروا وجوهاً كثيرة نقلها فخرالدين الرازي في تفسيره الكبير تربو على عشرين وجهاً.1 وها نحن نقدّم المختار ثمّ نلمح إلى بعض الوجوه.

إلماع إلى مادة القرآن

إنّ القرآن الكريم تحدّى المشركين بفصاحته وبلاغته وعذوبة كلماته ورصانة تعبيره، وأعلن أنّ هذا الكتاب ليس من صنع البشر وإنّما هو من صنع قدرة إلهية فائقة لا تبلغ إليها قدرة أيِّ إنسان ولو بلغ في مضمار البلاغة والفصاحة ما بلغ.
ثمّ إنّه أخذ يورد في أوائل السور قسماً من الحروف الهجائية للإلماع إلى أنّ هذا الكتاب مؤلّف من هذه الحروف، وهذه الحروف هي التي تلهجون بها صباحاً ومساءً فلو كنتم تزعمون أنّه من صُنْع محمّد فاصنعوا مثله، لأنّ المواد التي تركّب منها القرآن كلّها تحت أيديكم واستعينوا بفصحائكم وبلغائكم، فإن عجزتم، فاعلموا أنّه كتاب منزل من قبل اللّه سبحانه على عبد من عباده بشيراً ونذيراً.
وهذا الوجه هو المروي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وهو خيرة جمع من المحقّقين، وإليك ما ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المقام:
أ: روى الصدوق بسنده عن الإمام العسكري(عليه السلام)، انّه قال: «كذّبت قريش واليهود بالقرآن، وقالوا: هذا سحر مبين، تقوّله، فقال اللّه: (الم * ذلِكَ

1 . تفسير الرازي:2/5ـ 8 .

صفحه 17
الكِتابُ)1 أي يا محمّد هذا الكتاب الذي أنزلته إليك هو الحروف المقطّعة التي منها (الم) وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا بذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن أنّهم لا يقدرون عليه بقوله: (لَئِن اجْتَمَعتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا القُرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه وَلَو كانَ بَعضهُمْ لِبَعْض ظَهيراً) 2».3
وبه قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني(254ـ 322هـ) وهو من كبار المفسّرين، حيث قال: إنّ الذي عندنا أنّه لمّا كانت حروف المعجم أصل كلام العرب وتحدَّاهم بالقرآن وبسورة من مثله، أراد أنّ هذا القرآن من جنس هذه الحروف المقطّعة تعرفونها وتقتدرون على أمثالها، فكان عجزكم عن الإتيان بمثل القرآن وسورة من مثله دليلاً على أنّ المنع والتعجيز لكم من اللّه على أمثالها، وأنّه حجّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: وممّا يدلّ على تأويله أنّ كلّ سورة افتتحت بالحروف التي أنتم تعرفونها، بعدها إشارة إلى القرآن، يعني أنّه مؤلّف من هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتقدرون عليها، ثمّ سأل نفسه، وقال: إن قيل لو كان المراد هذا لكان قد اقتصر اللّه تعالى على ذكر الحروف في سورة واحدة؟ فقال: عادة العرب التكرار عند إيثار إفهام الذي يخاطبونه. 4
واختاره الزمخشري(467ـ 538هـ) في تفسيره، وقال: واعلم أنّك إذا

1 . البقرة:1 و2.
2 . الإسراء:88 .
3 . تفسير الإمام العسكري(عليه السلام):62; تفسير البرهان:1/54، تفسير الآية الثالثة من سورة البقرة برقم 9.
4 . تاريخ القرآن للزنجاني: 106.

صفحه 18
تأمّلت ما أورده اللّه عزّ سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم: 14 سواء، وهي: الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون، في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم.
ثمّ إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف. بيان ذلك: أنّ فيها من المهموسة نصفها: الصاد والكاف والهاء والسين والحاء.
ومن المهجورة نصفها: الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون.
ومن الشديدة نصفها: الألف والكاف والطاء والقاف.
ومن الرخوة نصفها: اللام والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون.
ومن المطبقة نصفها: الصاد والطاء.
ومن المنفتحة نصفها: الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون.
ومن المستعلية نصفها: القاف والصاد والطاء.
ومن المنخفضة نصفها: الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء و الياء والعين والسين والحاء والنون.
ومن حروف القلقلة نصفها: القاف والطاء.
ثمّ إذا استقريت الكلم وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى اللّه ذكرها

صفحه 19
من هذه الأجناس المعدودة مكثورة1 بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقّت في كلّ شيء حكمته، وقد علمت أنّ معظم الشيء وجلّه ينزل منزلة كلّه وهو المطابق للطائف التنزيل.
فكأنّ اللّه عزّ اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إيّاهم.2
ومن المتأخّرين من بيّن هذا الوجه ببيان رائع ألا وهو المحقّق السيد هبة الدين الشهرستاني (1301ـ 1386هـ) قال ما هذا نصّه:
إنّ القرآن مجموعة جمل ليست سوى صُبابة أحرف عربية من جنس كلمات العرب ومن يسير أعمال البشر وقد فاقت مع ذلك عبقرية، وكلّما كان العمل البشري أيسر صدوراً وأكثر وجوداً، قلّ النبوغ فيه وصعب افتراض الإعجاز والإعجاب منه، فإذا الجمل القرآنية ليست سوى الحروف المتداولة بين البشر، فهي عبارة عن «الم»و «حم عسق» فلماذا صار تأليف جملة أو جمل منه مستحيل الصدور؟ هذا ونجد القرآن يكرر تحدّي العرب وغير العرب بإتيان شيء من مقولة هذا السهل الممتنع كالطاهي يفاخر المتطاهي بأنّه يصنع الحلوى اللذيذة من أشياء مبذولة لدى الجميع كالسمن واللوز ودقيق الرز، بينما المتطاهي لا يتمكّن من ذلك مع استحضاره الأدوات، وكذلك الكيمياوي الماهر يستحضر المطلوب المستجمع لصفات الكمال، وغيره يعجز عنه مع حضور جميع الأدوات والأجزاء، وكذلك القرآن يقرع ويسمع قومه بأنّ أجزاء هذا المستحضر القرآني

1 . أي إنّ الحروف المذكورة غالبة من حيث الكثرة على غير المذكورة منها.
2 . تفسير الكشّاف:1/17، ط دار المعرفة.

صفحه 20
موفورة لديكم من ح، وم، ول، و ر، و ط، و ه، وأنتم مع ذلك عاجزون. 1
ويؤيّد هذا الرأي أنّ أكثر السور التي صدّرت بالحروف المقطّعة جاء بعدها ذكر القرآن الكريم بتعابير مختلفة، ولم يشذَّ عنها إلاّ سور أربع، هي: مريم والعنكبوت والروم والقلم، ففي غير هذه السور أردف الحروف المقطّعة بذكر الكتاب والقرآن، وإليك نماذج من الآيات:
(الم * ذلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقين).2
(الم...نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالْحَقّ مُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوراةَ وَالإِنْجِيل) . 3
(المص * كِتابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) . 4
(الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكيم) . 5
إلى غير ذلك من السور ما عدا الأربع التي أشرنا إليها.
ثمّ إنّ هذا الوجه هو الوجه العاشر في كلام الرازي ونسبه إلى المبرّد، وإلى جمع عظيم من المحقّقين وقال: إنّ اللّه إنّما ذكرها احتجاجاً على الكفّار، وذلك أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا تحدّاهم أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة، فعجزوا عنه، أنزلت هذه الحروف تنبيهاً على أنّ القرآن ليس إلاّ مؤلّفاً من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها، وعارفون

1 . المعجزة الخالدة:115ـ 116.
2 . البقرة: 1ـ2.
3 . آل عمران:1ـ3.
4 . الأعراف: 1ـ2.
5 . يونس:1.

صفحه 21
بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلمّا عجزتم عنه دلّ ذلك على أنّه من عند اللّه لا من عند البشر.1
هذا هو الرأي المختار وقد عرفت برهانه.
وثمة رأي آخر أقل اعتباراً من الأوّل، وحاصله: أنّ كلّ واحد منها دالّ على اسم من أسماء اللّه تعالى وصفة من صفاته.
فعن ابن عباس أنّه قال في (الم): الألف إشارة إلى أنّه تعالى أحد، أوّل، آخر، أزليّ، أبديّ، واللام إشارة إلى أنّه لطيف، والميم إشارة إلى أنّه ملك ، مجيد، منّان.
وقال في (كهيعص): إنّه ثناء من اللّه تعالى على نفسه، والكاف يدلّ على كونه كافياً، والهاء يدلّ على كونه هادياً، والعين يدلّ على العالم، والصاد يدلّ على الصادق.
وذكر ابن جرير عن ابن عباس أنّه حمل الكاف على الكبير والكريم، والياء على أنّه يجير، والعين على العزيز و العدل. 2
ونقل الزنجاني في تأييد ذلك الوجه ما يلي:
وفي الحديث: «شعاركم حم لا يُنصرون»، قال الأزهري: سئل أبو العباس، عن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): حم لا ينصرون. فقال: معناه واللّه لا ينصرون.
وفي «لسان العرب» في حديث الجهاد: «إذا بُيّتّم فقولوا حاميم لا يُنصرون»، قال ابن الأثير: معناه اللهم لا ينصرون. 3

1 . تفسير الرازي:2/6.
2 . تفسير الرازي:2/6.
3 . تاريخ القرآن:105.

صفحه 22
2. (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) :
وردت هذه الآية في أوائل ثلاث سور من الحواميم وهي: غافر، 1والجاثية، 2 وهذه السورة.
والظاهر أنّ المصدر أي (التنزيل) بمعنى المفعول أي المنزّل، وعلى هذا فهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الكتاب المنزّل، فيكون خبراً لمبتدأ محذوف، والمعنى هذا كتاب منزّل من الله العزيز الحكيم.
وقد اعتمد في آخر الآية على اسمين من أسمائه الحسنى ـ أعني: العزيز والحكيم ـ وتكرر لفظا «العزيز والحكيم» بعد ذكر الكتاب ـ بالإضافة لما ذكرناه آنفاً ـ في سورة الزمر، حيث قال تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)3 .
أمّا التعبير بـ «التنزيل» مكان الإنزال، فكأنّه إشارة إلى النزول الدفعي ـ مقابل التدريجي ـ .
وأمّا وصفه سبحانه بـ : العزيز، والحكيم، فلا شكّ في عزّته وحكمته، إنّما الكلام في وجه الإتيان ـ في المقام ـ بهذين الاسمين دون غيرهما، ولعلّه: أنّه إذا كان المنزِّل عزيزاً وحكيماً فطبع الحال يقتضي أن يكون المنزَّل أيضاً كذلك كما صرّح به في الآيتين التاليتين : (وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)4، وقال أيضاً: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ

1 . غافر: 2 .
2 . الجاثية: 2 .
3 . الزمر: 1 .
4 . فصّلت: 41 ـ 42 .

صفحه 23
عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ)1.
أمّا كون الكتاب عزيزاً فلأنّه أجلّ من أن يُغلَب في مقام التحدّي، وأمّا كونه حكيماً فلإتقان مضامينه ومفاهيمه، وإحكام براهينه ودلائله.
3. (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) :
يصف سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما بأنّه خلق متلبّس بالحق، ويقول: (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ)، وذلك لأن كل فعل مغيّى بغاية صحيحة يوصف بالحق، ويشير إلى هذا في آية أُخرى ويقول: (وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)2. وأمّا الغاية من خلق الكون فربما هي جعل الخليفة في الأرض لكي يعرف الله تبارك وتعالى بأسمائه وصفاته وبالتالي يعبده ويشكره.
وقد ورد في الحديث القدسي: «كنتُ كنزاً مخفياً فأردت أن أُعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف».3
قوله تعالى: (وَأَجَل مُسَمًّى) أي ينتهي إليه أمد وجود الشيء وهو يوم القيامة، فلو لم تكن للسماوات والأرض نهاية لكان خلقهما عبثاً وباطلاً، لأنّ لازم ذلك مساواة المتّقين والفجّار من حيث الجزاء، قال سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ

1 . آل عمران: 58 .
2 . ص: 27 .
3 . بحار الأنوار:84/199 ح6 و ص 344 ح19.

صفحه 24
الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)1.
وبعبارة أُخرى: إنّ الإنسان بين مطيع وعاص، والتسوية بينهما على خلاف العدل، فلابدّ من التفريق بينهما في حياة أُخرى، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بزوال النظام السائد وإنشاء نظام آخر، ولذلك يكون الكون مغيّاً بأجل مسمّى .
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا) من هول ذلك اليوم الذي لابدّ لكلّ إنسان من الوصول إليه ( مُعْرِضُونَ) أي منصرفون عنه غير مكترثين له. ولعلّ في كلمة (معرضون) إشارة إلى فرارهم عن الاستماع إلى كلام الله، وإلاّ فلو استمعوا وتفكّروا في دعوة الرسول لربما آمنوا بها.
4 . (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُوني بِكِتَاب مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ المشركين معرضون عمّا أنذروا به، غير آبهين لسماع القرآن والتدبّر فيه وكأنّهم يفرّون من النبي وكلامه ويصرّون على ما كانوا عليه من الشرك وعبادة الأصنام، عند ذلك عاد البيان القرآني إلى إبطال عقيدتهم في الأصنام بأنّها آلهة أو أرباب يناط بها مصيرهم في الحياة حيث إنّهم كانوا يعتقدون أنّ جلب النفع ودفع الضرر بأيديهم فعندئذ أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقول لهم: (أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني)وهو تقديم

1 . ص: 28.

صفحه 25
وتمهيد للمناظرة التي ستأتي بعد ذلك، أي أخبروني عن حال ما تعبدون من دون الله، فكأنّ قوله: (أَرُوني)بمعنى أخبروني، والمراد من الدعاء هو العبادة لا مطلق الدعاء، إذ ليس هو مرادفاً لها; وذلك لأنّ العبادة عبارة عن دعاء شخص بما هو خالق و مدبّر وبيده مصير الداعي، فلو جُرّد الدعاء عن هذه الأُمور لا يوصف بالعبادة .
وما ذكرناه أمر واضح إذ لو كان الدعاء مرادفاً للعبادة لما وُجد على أديم الأرض أيّ موحِّد من غير فرق بين دعاء الحيّ أو دعاء الميّت، فلا يوصف الدعاء عند التجريد بالعبادة، غاية الأمر إذا كان المدعو قادراً على الإجابة يوصف الدعاء بكونه عقلائياً وإلاّ فيوصف باللغو.
إذا عرفت ذلك فلنذكر الأسئلة والطلبات الأربعة التي في كلّ منها برهان على نفي وصف الألوهية عن الأصنام، وهي:
الأوّل: (مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ)، فقوله: (ماذا) مركّب من «ما» الاستفهامية و «ذا» اسم إشارة أُقيم مكان الموصول أي: ما الذي، وحاصل البرهان هو سؤالهم عن دور الأصنام لا في خلق الأرض كاملة بل في خلق شيء منها. والجواب منفي مائة بالمائة، فإذا لم يكن لها ذلك الدور فكيف توصف بالألوهية وتُعبد؟ وقد ورد هذا البرهان في آية أُخرى حيث قال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَ هُمْ يُخْلَقُونَ)1.
الثاني: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ)أي سلهم أيّها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هل كان لهم مشاركة مع الله في خلق السماوات؟ والجواب كالسابق .

1 . الأعراف: 191.

صفحه 26
ثم إنّ الوجه في طرح هذا السؤال مع أنّ المشركين لم يكونوا قائلين بشرك الأصنام مع الله في خلق السماوات، هو أنّهم كانوا يعبدون الأصنام لغاية جلب المنافع ودفع الأضرار التي تأتي من جانب السماوات، فكان ذلك الاعتقاد ملازماً للقول بمشاركتها في خلق السماوات.
الثالث: (ائْتُوني بِكِتَاب مِنْ قَبْلِ هَذَا)الإشارة بـ (هَذَا) إلى القرآن الكريم، والمعنى: هاتوا بكتاب سماويّ منزَّل قبل القرآن يشهد بصحّة دعواكم بأُلوهية الأصنام أو مشاركتها لله في خلق السماء؟ والجواب مثل السابق، إذ لم يرد في الكتب السابقة غير الدعوة إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى وربوبيّته.
الرابع: (أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)والأثارة مصدر بمعنى المأثور أي بقية ممّا أُثر عن السابقين غير مسطورة في الكتب، لتكون مقابلة للأمر الثالث، حيث اعتمد في الوجه الثالث على وجود وصف الأُلوهية للأصنام في الكتب السابقة، وها هنا اعتمد على ما وصل إليهم من أهل العلم وإن لم يكن مسطوراً في الكتب. فإذا كان الجواب عن الأسئلة الأربعة منفياً، فقد بطل كونها آلهة.
5. (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) :
وقبل الدخول في تفسير الآية نوضّح بعض مفرداتها:
1. أُريد بالموصول في قوله: (مَنْ أَضَلُّ)المشركون، كما هو المراد أيضاً في قوله: (مِمَّنْ).
2. أُريد من الموصول في قوله: ( مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ)الأصنام، وقد

صفحه 27
استعمل فيهما ما يختص بالعقلاء; لأنّ المشركين يتعاملون معها معاملة العقلاء.
3. قوله: (وَهُمْ)الضمير يرجع إلى ( مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ) الذي أُريد به الأصنام.
4. (عَنْ دُعَائِهِمْ)الضمير يرجع إلى الموصول ـ أعني: (ممَّنْ)ـ الذي أُريد به المشركون.
5. قوله: ( غَافِلُونَ) وصف يرجع إلى الأصنام التي أُريدت بقوله : (مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ).
أقول: إنّ الاستفهام في قوله: (وَمَنْ أَضَلُّ) استفهام إنكاري أي هل يوجد إنسان أضلّ عن طريق الصواب، ممّن يعبد موجوداً غافلاً عن دعاء العابد، فإنّ هدف العبادة هو جلب نظر المعبود إلى العابد، فإذا كان المعبود غافلاً عن هذه العبادة، وهو لا يستجيب لداعيهِ أبداً، فأي فائدة في هذا العمل؟
ثم إنّه سبحانه قيّد عدم استجابة الأصنام لهم بـ (يوم القيامة) لأجل إفادة التأبيد، كأنّه يقول: لا يستجيبون لهم أبداً.
كما أنّ قوله: ( لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ)لبيان صفة من أوصاف معبودهم الذي يستلزم أن تكون عبادته أمراً لغواً، وأمّا سبب عدم استجابتهم لدعائهم فلأجل أنّهم لا يملكون شيئاً، وقد ورد هذا المضمون في قوله سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ
لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَة مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ

صفحه 28
بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا)1 .
6. (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ):
المراد من (الناس) هم المشركون، والضمير المتصل في قوله: (كَانُوا)في كلا الموضعين يرجع إلى الموصول في ( مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ) الذي أُريد به الأصنام، والضمير في ( لَهُمْ) وفي (بِعِبَادَتِهِمْ) يرجع إلى الموصول أعني: (مِمَّنْ) الذي أُريد به المشركون .
قوله: ( كَافِرِينَ) أي مكذبين .
فالآية تدلّ على أنّ الآلهة (من غير فرق بين كونهم من العقلاء كالمسيح والملائكة أو المعبودات التي لا عقل لها ولا حياة) يتبرّأون يوم القيامة من عبادة المشركين. أمّا تبرُّؤ العقلاء منهم فواضح، وأمّا تبرُّؤ غيرهم فإمّا لأجل أنّه سبحانه يمنحهم العقل والحياة فينطقون بالبراءة ويبدون غضبهم، أو نتيجة لسريان الحياة والشعور في عامّة الموجودات حتى الجمادات، غير أنّ تلك الحياة لا تظهر لنا إلاّ في يوم القيامة.
وهنا نكتة، وهي أنّ كثيراً من الوهابيين يصوغون جملة من عقائدهم وفق منهجهم الخاص في التفكير والتصوّر، وفي الأخذ بالروايات التي تنسجم مع ذلك التصوّر، ثمّ يعودون إلى الكتاب المجيد، ليلتمسوا منه الأدلّة على صحّة تلك العقائد!! وفي هذا الإطار يأتي استدلالهم بالآية التي نحن بصدد تفسيرها، حيث يذهبون إلى أنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء من

1 . فاطر: 40 .

صفحه 29
مصاديقها، وأنّ من يقول: يا رسول الله اشفع لنا يوم القيامة، فهو من مصاديق مَن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون.
وقد حفل كتاب محمد بن عبدالوهاب المسمّى بـ «كشف الشبهات» بالاستدلال بمثل هذه الآيات، فجعل الموحِّدين الذين يوحِّدون الله تعالى ذاتاً وفعلاً وعبادة في عداد المشركين، وبذلك أحلّوا دماءهم وأموالهم، وأجّجوا ناراً لم يزل يشتعل أُوارها إلى يومنا هذا.
والأسف كلّ الأسف أنّ هؤلاء قد تقدّموا على الله ورسوله، فمكان أن يحكّموا القرآن على عقائدهم صاروا يحكّمونها على القرآن ويحرِّفون الكلم عن وجوهه، فإنّ هذه الآية نزلت في المشركين الذين كانوا يعبدون الملائكة والجنّ أو الأوثان والأصنام، وكانوا يعتقدون بأُلوهيتها وربوبيّتها، فعندما دعاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عبادة الله تعالى أخذوا يردّون عليه بقولهم: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْء عُجَابٌ)1 .
وهؤلاء هم مشركو قريش الذين كانوا يستمطرون بآلهتهم وعلى رأسها هبل2، فأين المسلمون الموحّدون من هؤلاء الذين يعتقدون أنّ الخلق والرزق والتدبير وكلّ شيء بيد الله سبحانه؟ وأنّه لم يفوِّض شيئاً من أُمور الكون لأحد من مخلوقاته؟ وأنّ المدبِّرات في الكون كلّها جنود الله يأتمرون بأمره ولا يعصون له أمراً؟ ومع ذلك جعل الله سبحانه دعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ودعاء أوليائه(عليهم السلام) سبباً لاستجابة الدعاء ومغفرة الذنوب، وقال:

1 . سورة ص: 5 .
2 . السيرة النبوية: 1 / 79 .

صفحه 30
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)1.
فلو كان التوسّل بدعاء النبي بعد حياته شركاً، فالتوسّل بدعائه أيام حياته لا يفارقه قيد شعرة، وهؤلاء لمّا أُلزموا بهذا البرهان حاولوا التخلّص، فقالوا بأنّ الآية تختصّ بحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمفروض أنّه مات ولكنّهم غفلوا عن نكتة واضحة وهي أنّ الحياة والموت لو كانا يختلفان(فرضاً في مورد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)) فإنّما يختلفان في كون الدعاء مفيداً أو غير مفيد لا في كونه موافقاً للتوحيد والآخر ملابساً للشرك (فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَديثاً)2.
وحقيقة الأمر أنّ القوم لم يحقّقوا معنى العبادة، فجعلوا مجرّد الدعاء مساوياً للعبادة.
وثمّة بيان آخر حول هذا الموضوع، يأتيك عند تفسير الآيتين: الثامنة عشرة، والثانية والعشرين من سورة الجنّ، فانتظر.
سورة الأحقاف: الآيات 7 ـ 10   

الآيات: السابعة إلى العاشرة

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ

1 . النساء: 64.
2 . النساء: 78 .

صفحه 31
شَهِيدًا بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْري مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

المفردات

تُفيضون: الإفاضة في الحديث: الخوض فيه: أي تخوضون في القرآن من التكذيب به والقول بأنّه سحر.
بِدْعاً: البدعة: إيجاد شيء بلا مثال قبله، وبهذا المعنى يوصف سبحانه بـ«بديع السماوات».

التفسير

7. (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) :
في الآيات السابقة وبّخ الله المشركين على عكوفهم على عبادة من لا يستجيب لهم أبداً، وهنا كشف عن غاية عنادهم للحقّ المتمثّل في القرآن الكريم، بدليل أنّهم يصفون الآيات البيّنات، التي تدلّ على صدق نبوته، بأنّها سحر مبين كما قال: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات)فوصف الآيات بالبيّنات

صفحه 32
لأجل أنّ دلالتها على صحّة دعوة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر واضح لا ريب فيه وعندئذ (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ)أي قال الكافرون عن القرآن (لَمَّا جَاءَهُمْ)من عند الله سبحانه (هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) فلم يكتفوا بوصفه بالسحر، بل أضافوا أنّ كونه سحراً أمر بيّن، فقولهم هذا ضلال في ضلال قابلوا به قول الله سبحانه آيات بيّنات. ثم إنّ قوله: (لِلْحَقِّ)قائم مكان (آيَاتُنَا بَيِّنَات)فكان اللازم أن يقول: «قال الذين كفروا لآياتنا لمّا جاءتهم» لكن عدل عنه إلى لفظ (لِلْحَقِّ)تنبيهاً على أنّ الآيات حقّ، وأنّ وصفها بالسحر أمر باطل لا شكّ في بطلانه.
ثم إنّه سبحانه وجّه إليهم ـ بعد أن قرّر عنادهم الذي دلّ عليه وصفهم الآيات البيّنات بالسحر المبين من دون إقامة دليل على ادّعائهم ـ توبيخاً آخر على زعمهم بأنّ محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) اختلق هذا القرآن، كما حكاه عنهم سبحانه، بقوله:
8 . (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ):
الضمير في كلا الفعلين ـ أعني: (افْتَرَاهُ)، (افْتَرَيْتُهُ)ـ يرجع إلى الحق الذي أُريد به القرآن الكريم، فهؤلاء المشركون قد تمادوا في الطغيان فوصفوا الحق تارة بالسحر، وأُخرى بالمفترى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ). ثم إنّ البيان القرآني ردّ هذا الزعم بوجهين:
1. (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ): أي إن افتريته ـ على سبيل الفرض ـ وكذبت على الله

صفحه 33
بنسبته إليه (فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا)لضآلة قدرة العبد أمام إرادته سبحانه (هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ): أي أعلم بما تقولون في حق القرآن وتكذيبه وقد جرت سنّة الله تعالى على إهلاك المفترين عليه كما قال: (وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)1 ولو كنت مفترياً لأهلكني، لكن حياتي وسلامي أفضل دليل على أنّي لستُ مفترياً على الله سبحانه.
2. ما أشار إليه بقوله: (كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْني وَبَيْنَكُمْ): أي كيف أكون مفترياً على الله مع أنّه سبحانه شهد على رسالتي، ولعلّه ناظر إلى قوله سبحانه: (لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)2، إلى غير ذلك من الآيات التي تشهد بصدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
بقي هناك كلام وهو أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خاطبهم بقوله: (فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ)مع أنّهم لم يكونوا مدّعين بأنّهم يدفعون عنه السوء المتوجّه إليه من الله ومع ذلك كيف يقول: (فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ)؟ وليس عندي شيء في جواب هذا السؤال إلاّ ما ذكره ابن عاشور حيث قال: فإسناد فعل الملك في هذه الآية إلى المخاطبين وهم أعداء النبي وليسوا بمظنة أن يدفعوا عنه، لأنّهم نصبوا أنفسهم في منصب الحَكم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فجزموا بأنّه افترى القرآن فحالهم حال من يزعم أنّه يستطيع أن يردّ مراد الله تعالى على طريقة التهكّم.3فتأمّل.

1 . الحاقة: 44 ـ 46 .
2 . النساء: 166 .
3 . التحرير والتنوير: 26/13.

صفحه 34
9. (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْري مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ):
يظهر من صدر الآية أنّ المشركين كانوا يستشكلون على النبي بعض أفعاله أو أحواله ولكن لا تتضمّن الآية بيان ما استشكلوه عليه فيحتمل أن تكون الآية إشارة إلى الحياة العادية التي كان يعيشها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد جاء في بعض الآيات هذا النوع من الإشكال فقال: (مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَ يَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا)1.
فأمره سبحانه أن يجيب بقوله: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) أي ليس في فعالي ما يكون على غير مثال ممّن صدر عن السالفين .
وربّما يفسّر بقوله: أي لست بأوّل رسول بعثت .2
يلاحظ عليه: أنّ المشركين كانوا واقفين على وجود الرسل والأنبياء في الأُمم السالفة فيبعد أن يتّخذوا ذلك ذريعة للإنكار، فاللائق بحالهم أن ينتقدوا أفعال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأحواله فأُجيبوا بأنّه لا فرق بينه وبين الآخرين.
وربّما كانوا يطلبون من النبيّ الإخبار عن المغيّبات خصوصاً فيما يرجع إلى حياتهم الشخصية، ومن المعلوم أنّ الإجابة عن مقترحات كلّ إنسان يورث اشتغال النبيّ عن مهامّ الأُمور على فرض علمه بها، ولذلك أُمر بأن يقول: (وَمَا أَدْري مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ) وأنّ ما يدريه هو اتّباع ما يطلعه الله

1 . الفرقان: 7 .
2 . مجمع البيان: 9 / 149 .

صفحه 35
تعالى عليه كما قال: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)لا بالإخبار عمّا لم يوح إليه من المغيّبات كما يقترحون(وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)أنذركم بآيات الله سبحانه لا بالإخبار عن الغيب.
ثم إنّ بعض مَن ليس له إلمام صحيح بفهم الآيات القرآنية يتخذ من هذه الآية وما شابهها مثل قوله: (لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ مَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)1 ذريعة لنفي علم الغيب، على الإطلاق، عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
والجواب: أنّ المناقش خلط بين العلم الذاتي والعلم العرضي، أو بين العلم الذاتي والعلم الاكتسابي، فإنّ المتبادر من العلم بالغيب في عصر الرسالة وما بعده هو العلم الذاتي، ولأجل ذلك كان الأئمة(عليهم السلام) من أهل البيت ـ مع كثرة ما أخبروا به من المغيّبات ـ يتحاشون عن وصفهم بأنّهم عالمون بالغيب، بل كانوا ينسبون علومهم ومعارفهم وما يخبرون به من ملاحم وأحداث وفتن إلى التعلّم من ذي علم والوراثة من الرسول، وكون العلم ذاتياً أو اكتسابياً ليس من المفاهيم الغامضة الّتي لا تنقدح في الأفهام الوسطى فضلاً عن العليا، فإنّ الإنسان العارف بالله مهما تنازل وابتعد عن المعارف يقف على أنّ ثمّة موجوداً غنياً من جميع الجهات، والغنى نفسه وذاته، فوجوده وعلمه وقدرته وحياته ثابتة له من دون استناد إلى غيرها، كما أنّ ثمّة موجوداً فقيراً ومخلوقاً لغيره يعتمد في كلّ كمال وجمال إلى خالقه وبارئه ولا نعني من الذاتي والاكتسابي غير هذا.
ويشهد لذلك بأنّ عليّاً (عليه السلام)لمّا أخبر عن الملاحم بالبصرة قال له بعض

1 . الأعراف: 188 .

صفحه 36
أصحابه: لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فقال للرجل وكان كلبياً: «يَا أَخَا كَلْب، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْب، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْم».1
وبذلك تقدر على الجمع بين الآيات النافية علم الغيب عن غير الله سبحانه، وبين ما تضافر من إخبارهم عن شؤون تتعلّق بالمستقبل في القرآن الكريم نفسه، فهذا هو يوسف (عليه السلام)قد أخبر عن الغيب في موارد عديدة في نفس سورة يوسف كما في قوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَ أَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)2. وفي نفس السورة شواهد كثيرة على أنّ النبي يعقوب وابنه يوسف(عليهما السلام) كانا يعلمان علم الغيب بإذن من الله سبحانه علماً اكتسابياً محدوداً لا مطلقاً.
كيف يمكن إنكار علم النبي والوصي وأبنائه الطاهرين بالغيب مع ما تضافر عنهم من الإخبار بالغيب على وجه لا يردّه إلاّ المكابر؟ وما هذا لأنّ علمهم ليس نابعاً عن ذاتهم وإنّما يتعلّمون من ذي علم.
وأمّا أنّهم مع علمهم بالغيب يقعون فريسة للظالمين فهم بين مقتول ومسموم، فلماذا لم يكونوا يدفعون الضرّ عن أنفسهم؟ فالإجابة عن هذا السؤال موكولة إلى محل آخر، وقد بسطنا الكلام في ذلك في موسوعتنا مفاهيم القرآن.3
10. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 128 .
2 . يوسف: 41.
3 . لاحظ: مفاهيم القرآن:3/440ـ496، فصل تساؤلات حول علم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالغيب.

صفحه 37
مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ):
وقبل تفسير الآية نذكر مراجع الضمائر الثلاثة في قوله:(إِنْ كَانَ)وقوله: (كَفَرْتُمْ بِهِ)وقوله: (مِثْلِهِ)فالكلّ يرجع إلى القرآن المفهوم من سياق الآيات المتقدّمة التي عبّرت عنه بالآيات البيّنات.
إذا تبيّن ذلك فالآية بصدد ردّ ما اتهموا به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الافتراء، فتارة أجاب عنه بقوله: (إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا) وأُخرى بقوله: (كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْني وَبَيْنَكُمْ) وثالثة بقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ): أي أخبروني إنْ كان هذا القرآن (مِنْ عِنْدِ اللهِ)، (وَ)قد (كَفَرْتُمْ بِهِ): أي بالقرآن (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ):أي على مثل ما في القرآن من المعارف (فَآَمَنَ)هو (وَاسْتَكْبَرْتُمْ)أنتم، أفلا ترون أنفسكم في ضلال؟ (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). والفقرة الأخيرة تعليل للجزاء المحذوف المقدَّر. أعني: أفلا ترون أنفسكم في ضلال.
وقد ورد في بعض روايات أهل السنّة، أنّ الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام، وممّا جاء فيها أنّه لمّا سمع الضجّة، حين قدوم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة، أسرع إليه، فلمّا رآه وسمع كلامه، عرف أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب. وجاء فيها أيضاً: أنّه سأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حينئذ ثلاث مسائل لا يعلمها إلاّ نبيّ، فأجابه(صلى الله عليه وآله وسلم) عنها، فأسلم، ثم طلب من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسأل اليهود عنه، قبل أن يعلموا بإسلامه، فسألهم عنه، فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، فلمّا علموا بإسلامه، قالوا: شرُّنا وابن شرّنا...
وثمّة ملاحظات في شأن نزول الآية في ابن سلاّم، أهمّها:

صفحه 38
أوّلاً: وجود الاختلاف في الروايات التي تتحدّث عن كيفية إسلامه، كما لا يخفى على من راجعها.1
ثانياً: ورود رواية تقول إنّه أسلم قبل وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بعامين.2
ثالثاً: إنكار مسروق بن الأجدع، وعكرمة، والشَّعبي (وهم من التابعين) وغيرهم أن تكون الآية نزلت في ابن سلام.3
رابعاً: أنّ الخطاب في الآية موجّه إلى المشركين من أهل مكّة، ولا يناسب أن تكون خطاباً لليهود (كما تعرضه الروايات)، لأنّهم هم أيضاً من بني إسرائيل، إذ كان الأنسب أن يقول: (منكم).4
هذا، وقد قيل في تفسير الشاهد أنّه ليس شخصاً معيّناً أي أيَّ شاهد. وقيل: قد تكون الآية إشارة إلى واقعة حدثت في مكة، فقد آمن بعض أهل الكتاب، على قلّة، في العهد المكّي، وكان لإيمانهم وهم أهل كتاب، قيمته وحجّيته في وسط المشركين الأُمّيين، ومن ثم نوّه به القرآن في مواضع متعدّدة، وواجه به المشركين الذين كانوا يكذّبون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.5
سورة الأحقاف: الآيات 11 ـ 14   
***

1 . صحيح البخاري(3329، 3911، 3938، 4480)، دارالكتب العلمية، 1419هـ. وانظر: مستدرك الحاكم:3/13; وسير أعلام النبلاء:2/414ـ 416، الترجمة84.
2 . الإصابة:2/320.
3 . انظر: التحرير والتنوير:26/18; والصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم):4/341ـ342.
4 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:18/198ـ199; والصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم):341.
5 . في ظلال القرآن:26/15.

صفحه 39

الآيات: الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .

المفردات

إفك: الإفك: كلُّ مصروف عن وجهه الذي يحقّ أن يكون عليه هو الإفك، ولذلك يطلق على الكذب.
إماماً: قدوة يؤتمّ بها.

التفسير

11. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) :
قد تقدّم أنّ كفّار قريش تمسّكوا لإبطال الدعوة النبوية بوجوه واهية أوهن من بيت العنكبوت، فتارة وصفوا القرآن بكونه سحراً مبيناً، وأُخرى

صفحه 40
بأنّه افتراء على الله، والبيان القرآني ردّ عليهما كما عرفت، وآخر ما في كنانة هؤلاء ـ لإبطال الدعوة النبوية ـ ما جاء ذكرُه في هذه الآية حيث لجأوا إلى القول بأنّه «لو كان حقّاً وخيراً لما سبقونا إليه»، وكأنّهم كانوا سبّاقين إلى كلّ خير وما من خير إلاّ ولهم فيه نصيب، وأنّه يدور مدار سبقهم، فبما أنّهم لم يسبقوا إليه فصار ذلك دليلاً على أنّه لا خير فيه! وهذا هو الذي يحكيه سبحانه عنهم بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا): أي تقوّلوا في تعليل إيمان المؤمنين1 (لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ). انظر إلى استكبارهم واستعلائهم حيث صوّروا أنفسهم وآراءهم ملاكاً للخير والشرّ، فما رأوه خيراً فهو خير، وما رأوه شرّاً فهو شرّ، وبما أنّهم ما سبقوا إليه، كشف ذلك عن كونه فاقداً للخير!!
والله سبحانه يردّ على فكرتهم بقوله: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ): أي إذ لم يهتدوا به وصفوه بأنّه كذب متقدّم، أي ليس أوّل من ادّعى الكذب في ذلك بل تقدّم أشباهه.2 وهذا الموقف هو شيمة كلّ من أخذ موقفاً مسبقاً أمام كتاب الله وإرشاد أنبيائه .
ثم إنّ الجملة الفعلية ـ أعني: قوله: (فَسَيَقُولُونَ) ـ حاكية عن استمرارهم في ذلك الادّعاء المزعوم. وعلى كلّ تقدير فالداعي إلى اعتذارهم أمران:
1. استكبارهم وعدم خضوعهم للحقّ كما مرّ في قوله: (فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) .
2. أنّ المشركين لمّا رأوا بأُمّ أعينهم أنّ الإسلام أخذ بالانتشار في

1 . اللام في قوله: (للذين) للتعليل كما فسرنا.
2 . التبيان في تفسير القرآن:9/273.
Website Security Test