welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 30*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 30

صفحه 1
(الجزء 30)

صفحه 2

صفحه 3
30
يشتمل على تفسير الجزء الثلاثين
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني التبريزي. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1391 .
      30 ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 509 - 0(VOL.30)
ISBN 978 - 964 - 357 - 510 - 6(30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
مندرجات: ج . 30 . تفسير سوره نبأ تا آخر سوره ناس.
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1391
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 30
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1391 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2012 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، ومكتبة التوحيد ـ قم
عدد الصفحات:   … 760 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:756   تسلسل الطبعة الأُولى:394
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6
مقدّمة المؤلّف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 30

صفحه 7
الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله الذي أرسله بالهدى ودين الحق، ثم الصلاة والسلام على آله وأوصيائه الذين أكمل بهم الدين وأتمّ النعمة، صلاة دائمة ما دامت السماوات ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.
أما بعد، فهذا هو تفسير الجزء الثلاثين من أجزاء القرآن الكريم نقدّمه للقرّاء الكرام، عسى أن يعينهم على تفهّم معانيه وأسراره، ومعرفة مفاهيمه وأحكامه، وإدراك مقاصده وغاياته .
ولا يخفى أنّ المكتبة الإسلامية وإن كانت مكتظة بالتفاسير، إلاّ أن الذي دعانا للقيام بهذا العمل هو محاولة تقديم تفسير جامع ميسّر يكون مصدراً لما يحتاج إليه المدرّسون والمبلغون في دروسهم ومحاضراتهم في توضيح الآيات الكريمة، وتقريبها إلى أذهان الناشئة المؤمنة، وقد بذلنا جهدنا في تحقيق هذا الهدف راجين من الله سبحانه أن يصوننا من الخطأ والزلل، وأن يجعل عملنا هذا ذخراً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدّسة/ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 8
   

صفحه 9

سورة النبأ

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَ خَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَ جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَ جَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَ بَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَ جَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَ أَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَبَاتاً * وَجَنَّات أَلْفَافاً * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَ فُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَ سُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً * إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَ لاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَ غَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَنْ

صفحه 10
نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً * إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَ كَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَ كَأْساً دِهَاقاً * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لاَ كِذَّاباً * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَ قَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَ يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَني كُنْتُ تُرَاباً).

صفحه 11
خصائص السورة

تسمية السورة

سمّيت هذه السورة في أكثر المصاحف بسورة «النبأ»، وربّما تُسمّى سورة «المعصرات»، وأُخرى بسورة «التساؤل» والسبب ورود لفظ يناسب هذه الأسماء في صدرها، أعني: النبأ في قوله: (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)، والمعصرات في قوله: (وَ أَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً)، والتساؤل في قوله: (يَتَسَاءَلُونَ)، وفي «مجمع البيان» سمّاها سورة «عمّ»، ولا مشاحة في التسمية; لأنّها غير توقيفية، فلكلّ إنسان أن يشير إلى السورة المعيّنة بلفظ خاصّ يناسبها، ويكون بين الاسم والمسمّى نوع تداع.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها في عدّ المكّيّ إحدى وأربعون آية، وفي عدّ غيرهم أربعون، والاختلاف في الآية الأخيرة وهي قوله تعالى: (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً)فهي آية في عدّ المكّيّ، ومتّصلة بما بعدها في عدّ غيرهم.
وهي مكّيّة بالاتّفاق، ويشهد على ذلك صياغتها ومضمونها، فإنّ السور المكّيّة امتازت بقرب الفواصل بين آياتها، وبالتركيز على الأُمور العقائدية كالتوحيد والمعاد والرسالة ونحو ذلك .

صفحه 12

أغراض السورة

تبدأ السورة بذكر تساؤل وقع بين المشركين حول ما يدّعيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ويسأل بعضهم بعضاً، وليس في هذه الآيات ما يدلّ صريحاً على موضوع المحادثة، ويحتمل الأُمور التالية:
1. محادثتهم في توحيد العبادة حيث إنّهم يعبدون آلهة كثيرة أرضية وسماوية، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يدعوهم إلى عبادة الإله الواحد الّذي هو خالق تلك الآلهة.
2. محادثتهم في أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهل هو مرسل من ربّه أو كاهن أو ساحر ؟
3. محادثتهم في القرآن الكريم، وهل هو كلام الله تعالى أو أنّه (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).1
4. محادثتهم في إمكان البعث وحشر الناس بعد ما بليت عظامهم وتبدّلت إلى التراب وأثارتها الريح.
كلّ ذلك محتمل، ولكنّ الظاهر من آيات السورة أنّ الموضوع كان هو الاحتمال الأخير، وذلك لما سيأتي بأنّ الله سبحانه استدلّ على مواضع عظمته بأُمور تسعة، والقادر على هذه الأُمور يتمكّن بوضوح من إحياء الموتى ، وأمّا الأُمور الّتي ذكرها سبحانه فسيوافيك بيانها خلال التفسير.
سورة النبأ: الآيات 1 ـ 5   

1 . الفرقان: 5.

صفحه 13

الآيات: الخمسة الأُولى

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ) .

المفردات

عمّ: لفظ مركّب من كلمتين هما حرف الجرّ «عن» واسم الاستفهام: «ما» وفي الأصل: «عن ما»، فأُدغمت النون في الميم، لقرب مخرجهما، فصارت «عمّا»، وقد جرى استعمال العرب بحذف الألف في آخر «ما» إذا دخل عليها حرف الجر، فصار اللفظ «عمّ» بمعنى: أي شيء.
وهناك حروف ثمانية إذا دخلت على «ما»الاستفهامية يحذف ألف «ما» وهي:
1. عن، تقول: عمّ.
2. من، تقول: ممّ.
3. الباء، تقول: بمَ.
4. اللام، تقول: لِمَ .
5. في، تقول: فيمَ.
6. إلى، تقول: إلامَ.
7. على، تقول: علامَ.
8 . حتّى تقول: حتّامَ.1

1 . مجمع البيان: 10 / 269 .

صفحه 14
النبأ: الخبر العظيم الشأن، وربّما يفسّر بالخبر مطلقاً.
العظيم: تقول: خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتّى يتضمن هذه الأوصاف الثلاثة.

التفسير

بُعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)برسالة اشتملت على أُصول وعقائد أحدثت هزّة في أذهان قريش ومشاعر أهلها، فجعلوا يتناقشون في أنديتهم بذكر ما جاء به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى رأس هذه الأُمور مسألة البعث والنشور، حيث إنّ سماعهم هذا الأمر يجعلهم يرتجفون خوفاً من عرض أعمالهم وقبائحهم، وتمتلأ أنفسهم فَرَقاً من انكشاف حقيقة أعمالهم .
1. (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) :
والله سبحانه يحكي في هذه الآيات تساؤلهم عن النبأ العظيم، أي: عن أي شيء عظيم الشأن يتساءلون، ويسأل بعضهم بعضاً، ويتناقشون فيه؟
والاستفهام في (عَمَّ) ليس حقيقياً، بل جيء به لأجل إيجاد الرغبة في تلقّي الخبر، مثل قوله تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ)1.
و «يتساءلون» من باب المفعالة، حاك عن سؤال بعضهم بعضاً، وأنّه كان هناك نقاش وحوار.

1 . الشعراء: 221 .

صفحه 15
2. (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ):
لم يُفصح هنا عن المراد من النبأ العظيم المسؤول عنه، وكيفية الاختلاف فيه، ولكن بملاحظة الآيات التالية نجد أنّ الاختلاف كان في إمكان البعث وعودتهم إلى الحياة من جديد .
3. (الذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ):
الآية تحكي عن اختلافهم في وصف النبأ العظيم، وليس في الآية شيء يدلّ على كيفية اختلافهم.
4. (كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ):
ردع وإبطال لما سبق، أي ليس الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون.
5. (ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ) :
تأكيد في الإبطال، وزجر مع الوعيد، فصار مضمون الآيات أنّ المشركين كانوا يتساءلون عن نبأ عظيم، وكان الحوار بينهم قائماً على قدم وساق .
ثم إنّه سبحانه أبطل مقالتهم بأنّهم سوف يعلمون واقع الموضوع الّذي يختلفون فيه، وأمّا ما هو الموضوع فيظهر ـ كما مرّ الإيعاز به ـ من الآيات التالية أنّه هو إمكان البعث والحياة الأُخروية، بدليل أنّه سبحانه عرَض من مظاهر قدرته وبدائع آياته أُموراً تسعة لكي يلفت نظر المشركين ويثير انتباههم إلى أنّ مَن يقدر على هذه الأُمور العظيمة، لا تعجز قدرته عن إحياء

صفحه 16
الموتى وحشر الخلائق.
نعم ففي خطبة لأمير المؤمنين وهي خطبته المعروفة بـ «الوسيلة»، قال (عليه السلام): «إنّي النبأ العظيم» .1
وفي «عيون أخبار عن الرضا (عليه السلام)» عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي(عليهم السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام علي (عليه السلام): «أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله، وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الأعلى»(2).
أقول: إنّ ولاية علي (عليه السلام)الّتي هي استمرار لولاية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من الأنباء العظيمة الّتي لها الدور العظيم في حياة المسلمين وفي جمع كلمتهم ولمّ شعثهم، فالروايتان وما في نظائرهما من باب تطبيق الكلّي على مصداق خاص، كما يدلّ عليه تطبيق الصراط المستقيم على صراط عليّ(عليه السلام) وطريقه، إذ لا شكّ أنّ المراد من قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)2 هو الطريق إلى الله، وطريق علي من مظاهر طريقه سبحانه .
وعلى كلّ تقدير فإليك صورة إجمالية عن هذه الأُمور التسعة الّتي سيأتي تفصيلها عند تفسير الآيات:
1. بسط الأرض وجعلها صالحة لمعيشة وسير الناس والحيوانات عليها.
سورة النبأ: الآيات 6 ـ 16    
2. جعل الجبال أوتاداً تثبّت الأرض .
3. تنوع الآدميين إلى ذكور وإناث.

1 . الكافي: 8 / 30، خطبة الوسيلة.   2 . عيون أخبار الرضا: 1 / 9، الحديث 13.
2 . الفاتحة: 6 .

صفحه 17
4. جعل النوم راحة للإنسان من عناء الأعمال الّتي يزاولها في النهار.
5. جعل الليل ساتراً .
6. جعل النهار وقتاً لإدارة شؤون الحياة والمعاش.
7. بناء سبع سماوات شديدة فوق رؤوس البشر مع إحكام الوضع ودقة الصنع.
8. وجود الشمس المنيرة المتوهّجة.
9. نزول المطر وما ينبت بسببه من النبات.

الآيات: السادسة إلى السادسة عشرة

(أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً * وَ الْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَ خَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَ جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَ بَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَ جَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَبَاتاً * وَجَنَّات أَلْفَافاً).

المفردات

مهاداً: المهد: ما يهيَّأ للصبي، قال تعالى: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)1، والمهد والمهاد: المكان الممهّد الموطَّأ.
أوتاداً: الوتد: ما يُدق في الأرض، ويكون أسفله أدقّ من أعلاه، لتشدّ

1 . مريم: 29 .

صفحه 18
به أطناب الخيمة، وكون الخيمة ذات أوتاد كثيرة دليل على اتّساع دائرتها.
سباتاً: السبت في اللغة القطع، ومنه سبتَ السير أي قطعه، وبما أنّ النوم يقطع العمل المستمرّ في النهار، وصف سبحانه النوم بـ «سباتاً»، أي قاطعاً، وبالتالي يكون راحةً، وقد نقل عن ابن قتيبة أنّه قال: السبات: الراحة، وقال الرازي: وليس غرضه منه أنّ السبات اسم للراحة، بل المقصود أنّ النوم يقطع التعب ويزيله وحينئذ تحصل الراحة.1
شداداً: الشدّ هو العَقد القوي، وربّما يكون كناية عن البناء الرصين.
وهّاجاً: يقال: وهجت النار إذا اضطرمت اضطراماً شديداً، والمراد متلألئاً وقّاداً.
المُعصرات: السُّحب الممطرة، من أعصرت السحابة إذا أمطرت .
ثجّاجاً: أي صبّاباً دفّاعاً في انصبابه .
الحَبّ: الزرع الّذي يُحصد.
ألفافاً: بساتين ملتفة بالشجر.

1 . تفسير الرازي: 31 / 7 .

صفحه 19

التفسير

ذكر سبحانه في هذه الآيات أُموراً تسعة تدلّ على مظاهر قدرته التامّة، وهي:
6 ـ أ . (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً):
والاستفهام تقريري والمقصود اعتراف المخاطب بالمثبت لا بالمنفي، والمعنى: جعلنا الأرض مهاداً، ولذلك عطف سائر الآيات التالية بقضية مثبتة، كما ستلاحظ.
وقد مرّ أن المهاد هو الأرض الموطَّأة، ويكون المعنى: جعلنا الأرض فراشاً وقراراً لكي تستقرّون عليها وتتصرّفون فيها، ويدلّ على هذا المعنى سائر الآيات الّتي تصف الأرض، تارة بالفراش، قال سبحانه: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَ السَّمَاءَ بِنَاءً)1 .
وأُخرى بجعل السُّبل فيها: (الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً)(2).
فإنّ جعل السبل فيها قرينة على أنّ المراد من المهد أنّها موطَّأة وذات سبل .
وثالثة بالقرار وجعل الأنهار : (جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَ جَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً)2 .

1 . البقرة: 22.         2 . طه: 53 .
2 . النمل: 61 .

صفحه 20
وهذه الصفات الثلاث تدلّ على أنّ المراد من كون الأرض مهاداً أي موطّأة مُذلَّلة، قابلة للحياة والتصرّف فيها.
وأمّا ما قيل من أن وصف الأرض بالمهد كناية عن حركتها الهادئة، فالظاهر أنّه غير مراد.
7 ـ ب . (وَ الْجِبَالَ أَوْتَاداً):
أي أوتاداً للأرض كي لا تميد بأهلها، فيكمل كون الأرض مهاداً، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهَاراً وَ سُبُلاً)1.
قال الإمام علي (عليه السلام): «وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ»2.
وكأنّ الأرض كالخيمة، فكما أنّ الأوتاد تثبّت الخيمة، وتزيد في قوة تحمّلها للرياح الشديدة، فهكذا الجبال، فلولاها لاضطربت الأرض، إنّما الكلام في تبيين ذلك في المشبّه. ولعلّ المراد أنّ في جوف الأرض من المواد الدائمة الذوبان والجيشان وهي تحاول أن تخرج بضغط كبير ـ أي ضغط الخروج ـ إلى خارج سطح الأرض، ولولا الجبال لهدَّمت قِشْراً عظيماً من الأرض.
والجبال، أيضاً تحمي اليابسة من الانقلاب الذي يمكن أن ينتج عن هياج الأمواج في المياه التي تتجاوز مساحتها70% من مساحة الأرض، أو أي تقلّبات كونية أُخرى.(3)

1 . النحل: 15، ولاحظ : الأنبياء: 31 و لقمان: 10 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة: 1 .   3 . الموسوعة العربية العالمية:8/202.

صفحه 21
8 ـ ج . (وَ خَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً):
أي جعلناكم أصنافاً ذكوراً وإناثاً ليتمّ حفظ النسل والاستئناس، قال سبحانه: (وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً)1.
9 ـ د. (وَ جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً):
أي وجعلنا نومكم في الليل قاطعاً للمتاعب الّتي تمارسونها في النهار، فبالنوم فيه يحصل قطع المتاعب وبالتالي تحصل الراحة.
والنوم ـ كما هو معروف ـ يعيد الطاقة للجسم، وخصوصاً للدماغ والجهاز العصبي. والشخص الذي يُحرم من نعمة النوم، يفقد طاقته ويصبح سريع الانفعال. وبعد مضيّ يومين بدون نوم، يجد المرء أنّ التركيز فترة طويلة يصبح أمراً صعباً. وأمّا الشخص الذي يستمر بلا نوم فترة تزيد على ثلاثة أيام، فإنّه يجد صعوبة كبيرة في التفكير، والرؤية، والسماع بوضوح. وقد يعاني من فترات(هَلْوسة) يشاهد أثناءها أشياء لا وجود لها في الواقع، ويخلط أيضاً بين أحلام اليقظة والحياة الحقيقية.(2)
10 ـ هـ . (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً):
فهو بظلامه يستر كلّ الأجسام ويغطّيها، ويخفي ما لم يظهره النهار ويستر ما يكشفه.

1 . الروم: 21 .   2 . انظر: الموسوعة العربية العالمية:25/590.

صفحه 22
وبما أنّ الآية في مقام بيان النعمة فوجه النعمة أنّ ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد الهرب من عدوه، أو إخفاءً لما لا يحب أن يطّلع عليه غيره.
وقد نُقل عن المانوية أنّهم كانوا يعتقدون أنّ الخير من النهار والشرّ من الليل، فجاء المتنبي يكذّب تلك الفكرة ويقول:
وكم لظلام الليل عندك من يد *** تخبِّرك أنّ المانوية تكذبُ
إلى غير ذلك من منافع من كون الليل لباساً ساتراً.
11 ـ و . (وَ جَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً):
أي: جعلنا النهار ضماناً لحياتكم تبتغون فيه من فضل ربكم، إذ لولا النهار لما أمكن التقلّب في الحوائج والمكاسب.
12 ـ ز. (وَ بَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً):
والشدّ هو العقد القوي، وهنا كناية عن رصانة البناء، والمراد: سبع سماوات شديدة في بنائها محكمة النسج والوضع، لا يتطرّق إليها تصدّع ولا فطور.
ونظير هذه الآية، قوله تعالى:(الّذي خَلَقَ سَبعَ سَموات طِباقاً)1، وقوله:(وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوقَكُمْ سَبْعَ طَرائق)(2)، وقوله:(اللهُ الذي خَلَقَ سَبْعَ سَموات وَمِنَ الأرْضِ مِثلَهُنَّ)(3)، وقد اختلفت الأقوال حول المراد من ذلك،

1 . الملك:3.                  2 . المؤمنون:17.   3 . الطلاق:12.

صفحه 23
وأفضل تلك الأقوال ـ في رأينا ـ هو أنّنا يجب أن نؤمن ـ على سبيل الإجمال ـ بوجود سبع سماوات، وندع التفصيل لعلم الله تعالى 1، إذ لا يزال العلم في مجال الكشف عن أسرار الكون ـ مع تقدّمه ـ كطفل يحبو على شاطئ بحر زخّار.
13 ـ ح . (وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً) :
أي: شديد النور وهي الشمس، وكان اللازم أن يقول: فخلقنا سراجاً وهاجاً، وإنّما قال: (جَعَلْنَا)، لأنّ كونه وهاجاً حالة من حالاته وراء ذاته.
14 ـ ط . (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً):
أي: أنزلنا من السحب ماء صبّاباً شديداً، وكأنّ السُّحب كالفواكه الّتي تُعصر ويُصَبّ ماؤها. ثم إنّه سبحانه بيّن منافع نزول الماء من المعصرات بالآيات التالية:
15 و 16 ـ ي و ك. (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَبَاتاً * وَ جَنَّات أَلْفَافاً):
أي: لنخرج به حبوباً يقتات بها الناس كالحنطة والشعير وحدائق ذات أغصان ملتفّة، وقد جمع سبحانه في هذه الآية جميع ما تُنبته الأرض، لأنّ جميع ما يخرج منها إمّا أن يكون ذا ساق أو لا، والأول هو الشجر والآخر هو الحبوب، يقول سبحانه: (فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّات وَ حَبَّ الْحَصِيدِ)2.

1 . التفسير الكاشف:7/358. ومع ذلك يأتي منا بيان حول السماوات السبع في تفسير الآية 12 من سورة الطلاق فلاحظ.
2 . ق:9.

صفحه 24
ثم إنّ هذه الأُمور الّتي هي من مظاهر قدرته تنقسم إلى ما يرجع إلى السماء; كجعل الليل ساتراً، والنهار معاشاً، والسبع بناء شداداً، والسراجَ وهاجاً، والمعصرات ثجاجاً.
وإلى ما يرجع إلى الأرض; كجعل الأرض مهاداً، والجبال أوتاداً، وخلق الإنسان ذا زوج.
إلى هنا عرفنا شيئاً من مظاهر قدرته سبحانه، بقي الكلام في ما هي الغاية من عرض هذه الأُمور، فهذا هو الّذي يُعلَم من الآيات التالية.
سورة النبأ: الآيات 17 ـ 20    

الآيات: السابعة عشرة إلى العشرين

(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً).

المفردات

الفصل: هو إبانة أحد الشيئين عن الآخر حتّى تكون بينهما فرجة، كإبانة التبن عن الحبّة.
ميقاتاً: قال الراغب: الميقات: الوقت المضروب للشيء والوعد الذي جُعل له وقت، وربما يطلق الميقات للمكان الذي يجعل وقتاً للشيء كميقات الحج. والميعاد ناظر إلى المكان.
الصُّور: يشبه بقرن ينفخ فيه، فيجعل الله سبحانه ذلك سبباً لعود

صفحه 25
الأرواح إلى أجسامها. وأمّا ما حقيقة هذا الصور في يوم القيامة فهو من الأُمور الغيبية.
سراباً: السراب: اللامع في المفازة كالماء، فيستعمل فيما لا حقيقة له، قال تعالى: (كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً)1.

التفسير

17. (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً):
يقع الكلام في وجه الصلة بين ما مرّ من ذكر عظائم النعمة في الحياة الدنيوية من النور والظلمة والحرارة والماء والتراب والنباتات وبين قوله: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً).
فيمكن بيان وجه الصلة بأمرين:
الأوّل: أنّ ما ذكره من عظائم الخلق، كالبرهنة على إمكان المعاد، فالله القادر على خلق هذا النظام السائد، قادر على هدمه وإيجاد نظام آخر .
الثاني: أنّ الغرض من هذا النظام ليس مجرد الأكل والشرب واليقظة والنوم، بل هو مقدّمة لنشأة أُخرى فلا وجه لاختلافهم في إمكانها.
إذا تبيّن ذلك يكون معنى قوله سبحانه: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً)أي اليوم الذي يفصل فيه بين الحق والباطل، أو يفصل فيه الناس حسب سرائرهم، وأعمالهم، هو ميقات لاجتماع الناس، قال تعالى: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ

1 . النور: 39 .

صفحه 26
مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ)1، وقال سبحانه: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَ الأَوَّلِينَ)(2)، وهذا اليوم العصيب هو اليوم المحدّد لاجتماع الناس فيه، وهم وإن عاشوا في أزمنة مختلفة ولكن الجميع سيجتمع فيه، وهذا نظير جماعة يتّفقون على الحضور في مكّة المكرّمة في مِنى، فيصلونها بوسائط مختلفة ولكنّهم يتواجدون في زمان واحد.
ولفظ الميقات يؤكّد على معنى الوقت بقرينة قوله: (يَوْمَ الْفَصْلِ) وما يأتي بعده، أعني قوله: (يَوْمَ يُنْفَخُ) .
18. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً):
(يَوْمَ يُنْفَخُ)عطف بيان على (يَوْمَ الْفَصْلِ)والآيات صريحة في وجود نفختين قبل القيامة، النفخة الأُولى يُصعَق بها من في السماوات والأرض، والنفخة الثانية إحياؤهم، والنفخة المذكورة في هذه السورة هي الثانية، بشهادة قوله تعالى: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ )2.
فإذا نفخ في الصور جاء الناس إلى المحشر أفواجاً، وأمّا ما هو الملاك لضمّ كلّ فرد في فوج، فالظاهر من الروايات هو سرائرهم وأعمالهم، وقيل: تأتي كلّ أُمّة مع نبيّها، فلذلك يأتون أفواجاً، أي زُمَراً، إثر زُمَر.
نعم يقع هنا كلام وهو أنّه سبحانه يخبر عن حشر الناس أفواجاً، وفي آية أُخرى يخبر عن حشر الناس فُرادى، قال تعالى:(وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

1 . الدخان: 40 .         2 . المرسلات: 38 .
2 . الزمر: 68 .

صفحه 27
فَرْداً) 1، ولكن لا منافاة بينهما إذ للإنسان يوم القيامة مواقف مختلفة، فيُحشَر في موقف فرداً، ويحشر في موقف جمعاً، ويستفاد من بعض الآيات أنّ لكلّ فوج إماماً يَقدُمهم ويعيِّن مصيرهم، قال سبحانه:(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ)(2).
وقال تعالى في حقّ فرعون: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَ بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)(3).
19. (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً):
الظاهر أنّ معنى فتح السماء: شقُّها وانفطارها، وهو مظهر من مظاهر الانقلاب الكوني وانهيار النظام السائد، عند قيام الساعة، ويؤيّد هذا المعنى ما ورد في مواضع عديدة من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:(وَ انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذ وَاهِيَةٌ)2، وقوله تعالى:(إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)(5)، وسيأتي مزيد توضيح عند تفسير سورة الانشقاق.
20. (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً) :
والتسيير وهو جعل الشيء سائراً أي ماشياً .
وقد مرّ أنّ السراب هو الموهوم من الماء، وبالرجوع إلى سائر الآيات التي وصفت مشهد الجبال عند وقوع أهوال يوم القيامة، مثل قوله تعالى:(يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَ الْجِبَالُ وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً)(6)، وقوله تعالى:(وَ بُسَّتِ

1 . مريم: 95 .                  2. الإسراء: 71 .   3 . هود: 98 .
2 . الحاقة:16.                  5 . الانشقاق:1.   6. المزمل:14.

صفحه 28
الْجِبَالُ بَسًّا* فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا)1، يتّضح أنّ هذه الجبال الشاهقة تصير بدكّها وتفرّق أجزائها وزوال شكلها كأن لم تكن جبلاً أو جبالاً. وسيأتي مزيد بيان عند تفسير سورة التكوير.
سورة النبأ: الآيات 21 ـ 30    

الآيات: الحادية والعشرون إلى الثلاثين

(إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَ لاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيًما وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً * وَ كُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً).

المفردات

مرصاداً: المكان الّذي يُرصد ويُراقب فيه العدو.
مآباً: المآب: المرجع، يقال: آب إلى مكانه أي رجع.
أحقاباً: الأحقاب جمع واحدها حقب أي زماناً طويلاً.
قال الراغب: هو جمع الحُقُب أي الدهر وقيل الحُقبة: ثمانون عاماً وجمعها حِقَب، والصحيح أنّ الحقبة مدة من الزمان مبهمة، وتدلّ عليه الآية التالية: قال سبحانه حاكياً عن موسى (عليه السلام)، قال: (لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ

1 . الواقعة:5 ـ 6.

صفحه 29
الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً )1.
وجه الدلالة: أنّ موسى لم يكن عالماً بزمان درك المطلوب، فلذلك استخدم كلمة الحقب أي الزمان المبهم، فإذاً لا وجه لتفسيره بالثمانين عاماً.
حميماً: الحميم، وهو الماء الحارّ الشديد الحرارة.
غسّاقاً: صديد أهل النار، وهو القيح، قال تعالى: (وَ يُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد)(2).
وفاقاً: الوَفْق: المطابقة بين الشيئين .
كِذّاباً: مصدر كذّب، وإنّما جاء على (فعّال) للمبالغة .
أحصيناه: الإحصاء هو التحصيل بالعدد، قال تعالى: (وَ أَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَداً)(3)، وربما يراد به هنا الحفظ، قال تعالى: (وَ كُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين)(4).

التفسير

ما بقي من آيات السورة إلى آخرها على مقاطع ثلاثة :
الأوّل: ما يصف مصير الطاغين وتعذيبهم ولبثهم في جهنم أحقاباً. ويتمّ هذا المقطع في الآية الثلاثين.
الثاني: ما يصف مصير المتّقين وجزاءهم وعطاء الله لهم، ويتم هذا المقطع في الآية السادسة والثلاثين.

1 . الكهف: 60 .      2 . إبراهيم: 16 .         3 . الجن: 28 .   4 . يس: 12.

صفحه 30
الثالث: ما يرجع إلى بيان أهوال القيامة، وقيام الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلاّ باذن الله تعالى.
وإليك تفسير آيات المقطع الأوّل.
يصف سبحانه مصير الطاغين بالآيات التالية ويقول:
1. (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً).
2. (لِلطَّاغِينَ مَآباً).
3. (لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً).
4. (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَ لاَ شَرَاباً).
وبذلك يتّضح مصير الطغاة الذين كانوا ينكرون البعث والمعاد، فلنرجع إلى تفسير الآيات.
21. (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً) :
المرصاد هو المكان الّذي يُختفى فيه للمراقبة، وحسب تعبير الراغب: المكان الّذي اختصّ بالرصد، وكأنّ جهنم بمجموعها مرصاد ـ من باب المبالغة ـ والذين يراقبون هم ملائكة الله تعالى، فعندما يعبر أحد الطاغين من جانب جهنم أو من فوقها ـ الّذي يعبَّر عنه بالصراط ـ والّذي يدل عليه قوله سبحانه: (وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتًْما مَقْضِيًّا)1، يخرج

1 . مريم: 71 .

صفحه 31
من بالمرصاد ويأخذ الطاغي ويزجّ به في جهنم.
وإن شئت قلت: إنّ ظاهر الآية أنّ جهنم هي المرصاد فهي تميّز الطغاة عن الطائعين، فتأخذهم إليها.
22. (لِلطَّاغِينَ مَآباً) :
المآب: هو محلّ الرجوع، والمعنى المنزل والمقرّ، وقد وصف سبحانه جهنم بالمآب، لنكتة خاصّة، وهي أن القبائح والجرائم الّتي اقترفها الطغاة لها صورة دنيوية وصورة أُخروية فهم كانوا في جهنم وإن لم يشعروا بها، فإذا ماتوا وحُشروا وأُخذوا بالمرصاد، وزجّوا في جهنم، فقد آبوا إلى مآبهم ومقرّهم الأوّل.
23. (لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً) :
قد مرّ أن الأحقاب هو الزمان الطويل، فلو قلنا بظهورها بزمن طويل محدّد، فالآية تختص ببعض المذنبين من أهل جهنم ممّن لهم نجاة يوم القيامة، فيعاقبون فيها فإذا تطهروا يخرجون منها.
وفي بعض الروايات ما يؤيد ذلك:
روى العيّاشي باسناده عن حُمران قال: سألت أبا جعفر]الباقر[ (عليه السلام)عن هذه الآية، فقال: هذه في الذين يخرجون من النار 1 .
وأمّا لو قلنا بأن الحقبة هي مدّة من الزمان مبهمة، فعندئذ يصلح أن

1 . تفسير العياشي: 2 / 160 برقم 68 ; تفسير نور الثقلين: 5 / 495، برقم 26 .

صفحه 32
ينطبق على الخلود، ويكون كناية عن الدوام فيها والتأبيد، ويشهد على ذلك التعبير بالجمع، فكأنّه يقول: لابثين في جهنم حقباً بعد حقب بلا تحديد ولا نهاية، ويؤيد ذلك رواية حمران بن أعين قال: سألت أبا عبدالله]الصادق[ (عليه السلام)عن قول الله: (لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً...) قال: «هذه في الذين لا يخرجون من النار»1.
أمّا الجمع بين الروايتين، فإنْ قلنا بسقوط لفظة «لا» عن الرواية الأُولى، فالآية ناظرة إلى الكفّار الخالدين في النار، لقوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ)(2) وإن قلنا بزيادة «لا» في الرواية الثانية، فالآية محمولة على فسّاق المسلمين.
24. (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً) :
والبرد ضد الحرّ وهو تنفيس لمن أصابه الحرّ، ويكون المراد منه النسيم البارد، والهواء المعتدل، بقرينة قوله: (وَلاَ شَرَاباً) أي ما يُشرب لإزالة العطش .
25. (إِلاَّ حَمِيًما وَ غَسَّاقاً):
ثم إنّه سبحانه استثنى من الشراب، أمرين:
1. الحميم: وهو الماء الشديد الحرارة.
2. الغسّاق: وهو صديد أهل جهنم .

1 . نور الثقلين: 5 / 494 برقم 23 .   2 . البيّنة:6.

صفحه 33
26. (جَزَاءً وِفَاقاً):
وكأنّ هناك مَن يسأل: لماذا يعذّب الطغاة هذه الأحقاب الطويلة؟ فوافاهم الجواب: أنّ ذلك (جَزَاءاً وِفَاقاً). أي جزاهم جزاءً موافقاً لعملهم في السوء والشناعة، مجانساً له.
وربما يُعلّل أنّهم ارتكبوا الذنب الأعظم وهو الشرك، فيُجزَون بعذاب أعظم وهو النار.
ويمكن أن يقال: إنّ ما يُجزَون به ليس إلاّ نفس أعمالهم الإجرامية الّتي ظهرت بوجود أُخروي، فخلودهم في النار أحقاباً ليس إلاّ صورة أُخروية لإنكارهم وأعمالهم وظلمهم وركوبهم رقاب الناس.
وبعبارة أُخرى: لو كانت العقوبة أمراً جعلياً كالعقوبات الدنيوية، كان للسائل أن يسأل عن وجه الوفاق، ويظن أنّ العقوبة أعظم ممّا يستحقّه على الذنب. وأمّا لو قلنا بأنّ عامّة العقوبات أو أكثرها أُمور أوجدها الطغاة بأنفسهم في الحياة الدنيوية وقد عادت بنفسها إلى القيامة وظهرت بثوبها الأُخروي، فلا موضوع للسؤال، وربما يدلّ على ذلك (كون الجزاء يوم القيامة نفس العمل الدنيوي المجسَّم بوجود أُخروي) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)1.
وبعدما أعلن القرآن عن طبيعة جزائهم، يكشف عن سبب نيلهم ذلك الجزاء، واستحقاقهم ذلك العذاب المهول، فيذكر أمرين:

1 . التحريم: 7 .

صفحه 34
27 ـ أ. (إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً):
أي: أنّهم كانوا يقترفون المعاصي ويرتكبون جرائم الأعمال دون أن يفكّروا أنّ يوماً باسم يوم الحساب ينتظرهم، ولم يكونوا يتوقعونه.
ومن المعلوم أنّ الاعتقاد بيوم الجزاء له تأثير في ردع النفس عن الوقوع في المعاصي، كما أنّ إنكاره له تأثير في إغراء النفس لأن تقع في هواها ومشتهياتها.
28 ـ ب . (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً):
ويحتمل أن يراد بالآيات ما دلّ من الدلائل الفطرية والعقلية على التوحيد، والمعاد، ونبوة الأنبياء، كما أنّه يحتمل أن يكون المراد بها الآيات القرآنية.
وحصيلة الكلام: أنّهم اقترفوا المنكرات من دون أن يفكّروا في الحساب، وأنكروا بقلوبهم دلائل الحق، ولذلك جوزوا بأعمالهم .
29. (وَ كُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً):
هو تتميم لما مرّ من الآيتين من أنّهم ما كانوا يرجون يوم الحساب وكذبوا بالآيات مع أنّا أحصينا كلّ ما صدر منهم من الجرائم والمعاصي في كتاب خاص، والظاهر أنّ المراد من الإحصاء هو الاحتفاظ.
وإنّما قال: (كِتَاباً) ولم يقل إحصاءً; لأنّ الإحصاء بالكتابة أقوى الإحصاء، وقد ورد عنهم(عليهم السلام)قولهم: «القلب يتكّل بالكتابة». وأمّا ما هو

صفحه 35
المراد من هذا الكتاب؟ وهل هو صحيفة أعمالهم أو غيرها؟ فالظاهر هو الأوّل .
30. (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً):
وفي هذه الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، حيث كانت الآيات المتقدّمة ناظرة إلى الطغاة بصيغة الغيبة، ولكنّه هنا خصّهم بالخطاب وقال: (فَذُوقُوا) و (فَلَنْ نَزِيدَكُمْ)، ولعلّ المراد من زيادة العذاب استمراره; قال الطبرسي: لأنّ كلّ عذاب يأتي بعد الوقت الأوّل فهو زائد عليه.1
والآية لا تخلو من ظهور في الخلود، وتكون قرينة على أنّ المراد من قوله: (لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً)هو الخلود، وقد روي عن عبدالله بن عمرو أنّه قال: لم ينزل على أهل النار آية أشدّ من هذه الآية .2
ولعلّ وجهه أنّ فيه تأييساً لهم من الخروج من النار.
إلى هنا تمت آيات المقطع الأوّل الّتي تضمنت بيان حال الطغاة يوم القيامة، وحان الآن بيان حال المتّقين يومذاك، وقد ذكره سبحانه في ضمن ست آيات.

1 . مجمع البيان: 10 / 276 .
2 . تفسير ابن كثير: 4 / 495

صفحه 36
سورة النبأ: الآيات 31 ـ 36    

الآيات: الحادية والثلاثون إلى السادسة والثلاثين

(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَ أَعْنَاباً * وَ كَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَ كَأْساً دِهَاقاً * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لاَ كِذَّاباً * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً) .

المفردات

مفازاً: محلّ الفوز والظفر، والمفاز مصدر ميمي بمعنى الفوز، أو اسم مكان من الفوز.
حدائق: الحديقة الجنّة المحوّطة، والجمع حدائق، ومنه: أحدق القوم بفلان إذا أحاطوا به.
كواعب: جمع كاعب وهي الجارية الّتي نهد ثدياها.
أتراباً: الأتراب جمع تِربْ، وهي المماثلة لغيرها.
دهاقاً: ملأى مُفعَمة، يقال: أدهقتُ الكأس فدهق.
لغواً: لغو الكلام.

التفسير

هذا هو المقطع الثاني المتضمّن لما يفوز به المتّقون من الجنات والنعيم، فيذكر أنّ ما يفوزون به عطاء من الله.
31. (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً):
المراد من المتّقين من يقي نفسه من المحارم، فالتقوى أمر وجودي

صفحه 37
وليس أمراً عدمياً، فكلّ إنسان يقي نفسه من ارتكاب المعاصي والمحرّمات فقد اتّقى، فكأنّ التقوى جُنّة في مقابل المحرّمات، فلهؤلاء فوز يوم القيامة ـ أعني: الثواب العظيم في جنات النعيم ـ ثم بيّن واقع الفوز أو مكانه (بناءً على أنّ المفاز مصدر ميمي)، وقال:
32. (حَدَائِقَ وَ أَعْنَاباً):
أي بساتين من مختلف الأشجار والأعناب، وخصّ الأعناب بالذكر لأنّها ممّا تشتهيه النفوس.
ثم وصف ما في هذه الحدائق من الجواري وقال:
33. (وَ كَوَاعِبَ أَتْرَاباً):
أي حوراً تكعّبت ثُديهنّ واستدارت مع ارتفاع يسير .
وقوله: (أَتْرَاباً) أي متساويات في السنّ والحُسن، فلا تكون النفس إلى إحداهن أميل منها إلى الأُخرى.
34. (وَكَأْساً دِهَاقاً):
فكما يتمتّعون بأنواع النعم، يشربون كأساً مترعة بخمر الجنّة.
نعم ثمّة فرق بين خمر الدنيا وخمر الجنة ، فالأُولى تفسد العقل وتوجد البغضاء، وأمّا خمر الآخرة ففيها لذة الخمر، ولكنّها خالية من أذاها وسوءاتها، لذا يصفها سبحانه بقوله: (بَيْضَاءَ لَذَّة لِلشَّارِبِينَ * لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَ لاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ)1.

1 . الصافات: 46 ـ 47 .

صفحه 38
«لا» فيها (غَوْلٌ ): أي أنّها لا تغتال عقولهم فتذهب بها، ولا يصيبهم منها صداع ولا أذى في الرأس (وَ لاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ): أي يسكرون.
وأمّا ما هي حقيقة هذه الخمر فهي مجهولة لنا، ولا نقف عليها إلاّ بعد كشف حجب الغيب يوم القيامة، والوفود على الجنة إن شاء الله تعالى.
35. (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لاَ كِذَّاباً):
أي كناية عن أنّهم حين يشربون لا يصدر منهم كلام لغو ولا يكذّب بعضهم بعضاً، خلافاً لخمر الدنيا فشاربها يتكلّم باللغو والهذيان وبما يكذّب بعضهم بعضاً.
وما ذلك إلاّ لأنّ الجنة منزل الأصفياء والأتقياء من الناس، وهؤلاء يستحيل عليهم الاشتغال بالكلام الفارغ، أو بالجدل الذي يصاحبه التكذيب، والذي يكدّر عليهم صفو هنائهم وسعادتهم، لأنّ من في الجنة يرى الحقائق على ما هي عليها، ومن ثمّ لا وجه لتكذيب أحدهم الآخر.
36. ( جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً) :
سورة النبأ: الآيات 37 ـ 40    
هذا هو في مقابل ما ورد في حق الطغاة، حيث قال في حقّهم: (جَزَاءً وِفَاقاً)، وقال في المقام: إنّه سبحانه يجازيهم بفضله وإحسانه: (عَطَاءً حِسَاباً)أي بحسب أعمالهم، فكلّ إنسان يُجزى على قدر عمله، من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، ثم سائر أخيار المؤمنين.1

1 . التبيان في تفسير القرآن:10/248.

صفحه 39
وقوله (عَطَاءً)يدلّ على أنّ الثواب من باب التفضّل لا الاستحقاق .
هذا هو المقطع الثاني وبقي المقطع الثالث، وهو ما تتناوله الآيات التالية.

الآيات: الأربعة الأخيرة من السورة

(رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَ قَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَ يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَني كُنْتُ تُرَاباً).

المفردات

خطاباً: الخطاب: الكلام الموجّه لحاضر.
صفّاً: الصفّ أن تجعل الشيء على خط مستو، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الصافّين.

صفحه 40
 
التفسير
37. (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً) :
بعد أن مرَّ في الآية السابقة قوله تعالى: (رَبِّكَ) وفيه تخصيص الربّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، عاد في هذه الآية إلى بيان أنّ (رَبِّكَ) هو رب عالم الوجود الإمكاني وهو خالقهم وصاحبهم وليس في عالم الوجود إلاّ ربٌّ واحد، ثم وصفه بوصفين:
1. (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا)، فهو ربّ كلّ ما في الكون .
2. (الرَّحْمَنِ): عمّت رحمته كلّ شيء; المؤمن والكافر.
هذا على قراءة (رب) و(الرَّحْمَنِ) بالكسر، وأمّا على قراءة الرفع، فقوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ)خبر لمبتدأ محذوف أي: هو (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ)ويكون (الرَّحْمَنِ) خبراً بعد خبر.
وفي وصف الربّ بالرحمن إشارة إلى سعة رحمته، وأنّ الطاغين إنّما حُرموا من رحمته لأنّهم خرجوا عن ثوب العبودية، فهم ( لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً)، أي لا يملكون خطاباً يخاطبوه به فيما فعل أو يفعل في حقّ المتّقين والطاغين، ولا خطاباً يطلبون به شيئاً من شفاعة وغفران أو مزيداً أو نقصاناً.
وقد دلّت غير واحدة من الآيات على أنّ الشفاعة لا تتحقّق إلاّ بإذنه،

صفحه 41
قال سبحانه: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)1، وقال سبحانه: (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(2).
38. (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَ قَالَ صَوَاباً ):
أي إنهّ يوم يقوم الناس من أجداثهم، ويقوم الأشهاد لشهادتهم، ويقوم الروح والملائكة صفّاً، ففي هذا الموقف الرهيب لا يتكلّم أفضل الخلائق أو أكثرهم طاعة وهم الروح والملائكة، فما ظنك بمن عداهم من أهل السماوات والأرض؟!
ولعلّ المراد من قوله: (وَ قَالَ صَوَاباً) أي يتكلّم بما يُرضي الله، وإسناد الإذن إلى الرحمن لأجل أنّ المقام إشارة إلى رحمته لأهل المحشر من شفاعة أو استغفار .
ويؤيد ذلك قوله سبحانه: (وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى)2 أي لمن علموا ارتضاء قبول الشفاعة فيه.
روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه سئل عن هذه الآية، فقال: «نحن والله المأذون لهم يوم القيامة، والقائلون».
قال: جُعلت فداك: ما تقولون؟ قال: «نمجّد ربنا ونصلّي على نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)ونشفع لشيعتنا فلا يردّنا ربُّنا»(4).

1 . البقرة: 255 .            2 . هود: 105 .
2 . الأنبياء: 28 .            4 . مجمع البيان: 10 / 280 .

صفحه 42
واختلفت الأقوال في الروح، والأقوى أحد القولين:
1. أنّ الروح ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقاً أعظم منه، وهو زعيمهم وآمرهم وناهيهم، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفّاً وقامت الملائكة كلهم صفّاً واحداً.
2. أنّ المراد به هو جبرئيل الأمين، قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)1، وقال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ)(2)، وقال تعالى: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا)(3).
والّذي يؤيد الاحتمال الأوّل هو أنّ الروح إذا أُطلق وأُريد به جبرئيل قُيّد بقيود كالأمين والقُدس، أو بالإضافة إلى ضمير المتكلّم، ولكن الروح جاء في هذه الآية مجرّداً عن كلّ قيد، فهو غير جبرئيل، والله العالم.
39. (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً):
قوله: (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ)إشارة إلى يوم القيامة، وكونه حقّاً بمعنى أنّه أمر لا طريق للرَّيب فيه، ويحتمل أن يكون المراد هو اليوم الذي يتجسّد فيه الحق ويتميّز عن الباطل، ويُعطى كلّ ذي حقّ حقّه. فإذا كان كذلك وعلم مصير الجنة والنار فليستعدّ من يستعدّ إلى ربه، كما قال: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً)أي: فليختر من شاء مَقرّاً مناسباً للقاء ربّه، فالطريق واضح والمقصد معلوم، فانتخاب أحد المقصدين بيد العبد نفسه .

1 . الشعراء: 193 ـ 194 .         2 . النحل: 102 .   3. مريم: 17.

صفحه 43
40. (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَني كُنْتُ تُرَاباً):
أي ما يرجع إلينا هو توضيح الطريق وقطع العذر، وأنّه سوف يحيق بكم العذاب القريب، ووصفه بالقرب; لأنّه بعيد في أنظارنا وقريب عند الله، قال سبحانه: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَ نَرَاهُ قَرِيباً)1، وقد شاع: أنّ كلّ آت قريب.
قوله تعالى: (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ): أي يرى ما قدّمته يداه، من الجرائم والمعاصي، صورتها أو حقائقها، وكأنّه إشارة إلى قوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَ مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء)2، والمراد بالمرء هنا مطلق الإنسان .
فعندئذ، فالإنسان المتّقي الّذي سلك مسلك الطاعة يُسرّ بما قدّمت يداه من خير، أمّا حال الكافر فهو ما يتضح من قوله تعالى: (وَ يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَني كُنْتُ تُرَاباً) أي أكون موجوداً فاقداً للشعور والإرادة، أو أكون تراباً ولم أرجع إلى الله تعالى وأُحشر في هذا اليوم، يوم القيامة.
***
تمّ تفسير سورة النبأ

1 . المعارج: 6 ـ 7 .
2 . آل عمران: 30 .

صفحه 44

صفحه 45

سورة النازعات

(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَ الأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى * أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَ أَغْطَشَ لَيْلَهَا وَ أَخْرَجَ ضُحَاهَا *

صفحه 46
وَ الأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا* وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَ آثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى * يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا)

صفحه 47
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «النازعات» بحذف الواو ، وبما أنّ لفظ (النازعات) لم يذكر في القرآن إلاّ في هذه السورة، فكأنّه صار عَلَماً لها.
وربّما سمّيت سورة «والنازعات» حكاية عمّا ورد في أوّل السورة.
وربّما سمّيت بـ «الساهرة» أو «الطامة» لوقوع هذين اللفظين في آياتها.
وبما أنّ التسمية ليست توقيفية، فلا مانع من تسميتها بما يناسب مضمونها.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آيات السورة خمس وأربعون عند الجمهور، وست وأربعون في عدّ الكوفي، وهي مكيّة يشهد على ذلك مضمونها وصياغتها، وقرب الفواصل بين آياتها.

أغراض السورة

تُعنى السورة بموضوع المبدأ والمعاد والدعوة إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام، وتشكّل هذه السورة وما يأتي بعدها من سُوَر: التكوير

صفحه 48
والانفطار والانشقاق، سبيكةً واحدة، حيث تركّز على البعث، ودحْض ما يثار حوله من شبهات الفكر الباطل، ثم تنتقل السورة إلى بيان طرف من قصة النبي موسى (عليه السلام)مع الطاغية فرعون، والتي انتهت بهزيمته وهلاكه بسبب تعاليه .
ثم تنتقل السورة إلى بيان النعم الّتي أنعم الله بها على الإنسان، وهو بين عارف بالله ومطيع لأمره، فمآواه الجنة، وبين عاص فمآواه الجحيم، فالمجموع من حيث المجموع يدعو الإنسان إلى الإيمان بالآخرة وأنّ الحياة الدنيوية كالمقدّمة للحياة الأُخروية.
سورة النازعات: الآيات 1 ـ 5    

الآيات: الخمس الأُولى

(وَ النَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَ النَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَ السَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً).

المفردات

النازعات: نزع الشيء: جذب الشيء من مقرّه بشدّة.
غرقاً: الغرق اسم أُقيم مقام المصدر أي (الإغراق)، وهو المبالغة، يقال في المثل: «أغرق في النَّزْع» إذا استوفى في مدّ القوس وبالغ فيه.
الناشطات: تارة تفسّر بالنزع، ويقال: ومنه حديث أُمّ سلمة، فجاء عمّار وكان أخاها من الرضاعة، ونشط زينب من حجرها أي نزعها. وربما تطلق ويراد بها النشاط وهو الخفّة والحركة في العمل .

صفحه 49
والسابحات: السبْح: المَرّ السريع في الماء، يقال: سبح سبحاً وسباحة، وربّما يستعار لمَرّ النجوم، نحو قوله: (وَ كُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ)1. والجامع بينهما هو الحركة السريعة.
السابقات: السَّبْق: التقدّم في السير، والاستباق: التسابق، قال سبحانه: (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ)2.
المدبّرات: من التدبير، أي المدبّرات للأُمور.

التفسير

أقسم سبحانه وتعالى في هذه الآيات بأُمور خمسة، عطف الثاني والثالث على الأوّل بواو العطف، وعطف الرابع على الخامس، بفائه.
ويقع الكلام هنا في موضعين:
الأوّل: تبيين الموصوف بهذه الصفات، وقد اختلفت كلمات المفسّرين في تعيين موصوفات هذه الأوصاف.
الثاني: ما هو السبب لعطف الثاني والثالث بالواو، والرابع والخامس بالفاء؟
أمّا الأوّل: فربما ترك تبيين الموصوف ليذهب ذهن السامع إلى أي مذهب، ومع ذلك يلزم أن يكون تعيين الموصوف بدلالة قرآنية أو رواية

1 . يس: 40 .
2 . يوسف: 17 .

صفحه 50
معتبرة، ولا يصحّ تبيينه باحتمال محض، فنقول:
ذكر المفسّرون وجوهاً أفضلها القول بأنّ الموصوفين هم الملائكة، وإليك البيان:
1. (وَ النَّازِعَاتِ غَرْقاً):
وهم الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفّار من أبدانهم بشدة وقوّة، بقرينة قوله: (غَرْقاً)، وقد قلنا بأنّه بمعنى المبالغة في الشدّة.
2. (وَ النَّاشِطَاتِ نَشْطاً):
وهم الملائكة الموكَّلون بنزع أرواح المؤمنين برفق وسهولة وخفّة في الحركة.
3. (وَ السَّابِحَاتِ سَبْحاً):
وهم الملائكة النازلين من السماء بسرعة، وقد مرّ أنّ السبح: الإسراع في الحركة، كما يقال للفرس: سابح إذا أسرع في جريه .
4. (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً):
وهم الملائكة تتسابق في تنفيذ الأوامر الإلهية، ويمكن أن يكون متعلّق السبق أمراً آخر أيضاً.

صفحه 51
5. (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً):
أي الملائكة المدبّرة للأُمور، فكأنّ أمر التدبير منقسم بين الملائكة لكلّ منهم وظيفة خاصّة، فجبريل يدبِّر أمر الرياح والجنود والوحي، وميكائيل يدبّر أمر القطر والنبات، وعزرائيل موكَّل بقبض الأرواح، وإسرافيل يتنزّل بالأمر وهو صاحب الصور.
وربما يثار سؤال في تفسير هذه العناوين بالملائكة بأنّهم ليسوا مؤنّثين، (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى)1.
ثم قال: إنّ الملائكة ليسوا إناثاً ولا ذكوراً ولا يؤتى بضمير التأنيث إلاّ للأُنثى، ويؤتى بضمير التذكير لغيرها ذكراً، أم لا ذكراً ولا أُنثى ، ولم يأت القرآن للملائكة بضمير التأنيث بتاتاً.(2)
يلاحظ عليه: أنّ المشركين يصفون الملائكة بالأُنوثة الواقعية وأنّهم بنات الله، قال سبحانه: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثاً)2، وأمّا إطلاق التأنيث على الملائكة فهو تأنيث لفظي لا واقعي، ويشهد على ذلك وجود التاء في آخر الملائكة .
إلى هنا تبيَّن مَن هو الموصوف بهذه الصفات، وأنّه هم الملائكة، ومن ذلك يعلم أنّ ما قيل: إنّ المتعاطفات بالواو صفات مستقلة لموصوفات مختلفة نوعاً أو صنفاً، صحيح، إذ من المحتمل أن يكون الملك النازع غير

1 . النجم: 27 .         2 . تفسير الفرقان: 30 / 66 .
2 . الإسراء: 40 .

صفحه 52
الملك الناشط وكلاهما غير السابح.
ثم إنّه يقع الكلام في الأمر الثاني، أعني: ما هو السبب لعطف الثاني والثالث بواو العطف، والرابع والخامس بفائه؟
ويمكن أن يقال: إنّه لا ترتّب بين العمليات الثلاث، أعني: قبض روح الكافر بشدّة، وقبض روح المؤمن برفق، والنزول من السماء بسرعة، بخلاف الأمرين السابقين، فإنّ السبق ـ المفهومة من قوله: (فَالسَّابِقَاتِ ) ـ يترتّب على الحركة السريعة المفهومة من (السَّابِحَاتِ)، كما أنّ التدبير المفهوم من قوله (فَالْمُدَبِّرَاتِ)فرع الحركة السريعة.
وحاصل الكلام: أنّهم إذا نزلوا إلى أمر التدبير فيسرعون (السابحات) ثم يسبقون ( السابقات) ثم يقومون بأمر التدبير (فالمدبّرات) .
وأمّا ما هو المراد من الإسراع ثم السبق ثم التدبير فهي من الأُمور الغيبية.
ثم إنّ الدليل الواضح على هذا التفسير وبُعد الوجوه الأُخرى أنّ الإقسام بهذه الأُمور الخمسة الّتي فُسّرت بالملائكة نظير ما في سورة الصافات والمرسلات، أمّا الصافات ففيها: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً)1.
وأمّا سورة المرسلات فجاء فيها: (وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * وَ النَّاشِرَاتِ نَشْراً * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً)(2).

1 . الصافات: 1 ـ 3 .   2 . المرسلات: 1 ـ 5 .

صفحه 53
فقد أُريد من الجميع الملائكة بصفاتهم المختلفة.
وبذلك يعلم أنّ سائر الوجوه في التفسير غير ناهضة، ومن أراد استقصاءها فليرجع إلى ماذكره الرازي في تفسيره .1 وتجنّباً للإطالة أعرضنا عن ذكر هذه الوجوه. وسيوافيك أحد الأقوال عند ذكر نظرية الشيخ محمد عبده، فانتظر .
ولذلك لمّا ذكر الرازي هذه الوجوه عقب ذلك بقوله:
واعلم أنّ الوجوه المنقولة عن المفسّرين غير منقولة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّاً، حتّى لا يمكن الزيادة عليها، بل إنّما ذكروها لكون اللفظ محتملاً لها.(2)
ويظهر ممّا نقله صاحب تفسير نور الثقلين أنّ المعنى الأوّل برمّته نقل عن علي (عليه السلام)لأنّه يذكر في كلّ آية قوله: وروي ذلك عن علي (عليه السلام).(3)
نقل السيوطي: أنّه أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن علي (عليه السلام)في قوله: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً)قال: هي الملائكة تنزع أرواح الكفّار. (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً)هي الملائكة تنشط أرواح الكفّار ما بين الأظفار والجلد حتّى تخرجها. (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً)هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض. (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً) قال: هي الملائكة تدبّر أمر العباد من السنة إلى السنة .2

1 . تفسير الرازي:31/29 ـ 31.      2 . تفسير الرازي:31/32.   3 . تفسير نور الثقلين:5/497.
2 . الدر المنثور: 8 / 403، ومجمع البيان: 10 / 284 (وفيه: النشط: الجذب، يقال: نشطت الدلو نشطاً: نزعته).

صفحه 54
ومنه يظهر النظر فيما ذكره الشيخ محمد جواد مغنية (رحمه الله) فإنّه بعد ما نقل عن الشيخ محمد عبده، بأنّ المراد: الكواكب، قال : ونحن لا نجزم بقوله ولا بقول من قال: إنّ النازعات هي الملائكة أو غيرها وغير الكواكب، ونحن لا نجزم بشيء من هذه الأقوال لأنّها لا تستند إلى دليل، والراسخون في العلم يعترفون بالجهل والعجز عن معرفة الغيب، ولا يقولون ما لا يعلمون .1
يلاحظ عليه: أنّك قد عرفت أنّ ما جاء في سورة الصافات والمرسلات يفسّر هذه الأقسام الخمسة، والقرآن يفسِّر بعضه بعضاً.
وقد مرّ نقله أيضاً عن علي (عليه السلام)، مضافاً إلى أنّه أي فائدة للإقسام بأُمور خمسة لا تُعلم مصاديقها وموصوفاتها؟ وما ورد من أنّ الراسخين في العلم يعترفون بالجهل ناظر إلى التعمّق في واقع الموصوفات وهوياتها، لا التعرّف عليها بالأسماء والصفات كالملائكة.
بقي الكلام في أُمور:
الأوّل: ما هو جواب الإقسام بهذه الأُمور الخمسة؟ والظاهر أنّ الجواب محذوف، تقديره: «لتبعثنّ»، وقد قام مقامه قوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) .

الثاني: ما هي الصلة بين المقسم به والمقسم عليه؟

إنّ الملائكة القائمين بهذه الأُمور العظيمة لابدّ أن تكون لأعمالهم غاية، إذ لا يمكن أن تكون أعمالهم عبثاً وبلا هدف، وقد أُشير في الآيات إلى

1 . التفسير الكاشف: 7 / 506 ـ 507 .

صفحه 55
عملية النزع والنشط والسبح والسبق وتدبير الأُمور، فالغاية من القيام بهذه الأُمور العظيمة من نزع الأرواح وغيره، كأنّه مقدّمة لبعث الإنسان يوم القيامة، وإلاّ كانت أعمالهم بلا غاية.

الثالث: الإيمان بالغيب أساس الدين

إنّ الإيمان بالغيب مقابل الشهادة أساس الدين، وإلاّ فالإيمان بالشهود أمر مشترك بين المؤمن والكافر، فالسماء والأرض والشمس والأقمار، بل المجرّات كلّها شهود لا يشكّ فيها ذو مسكة، والإيمان بها أمر لا يختلف فيه اثنان إلاّ إذا كان أحدهما مريضاً كالسوفسطائيين.
والّذي يميّز المؤمن عن الكافر ويُعدّ أساس الدين هو الإيمان بالغيب، أعني: الإيمان بالله وصفاته وملائكته والحياة الدنيوية والأُخروية وما فيها من مقامات، ولذلك صار الإيمان بما ذكرنا هو المصداق الواضح للإيمان بالغيب الّذي يصفه سبحانه بأنّه سمة المتقين: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)1.
وعلى هذا فتفسير هذه الأقسام الخمسة بالملائكة على الوجه الّذي عرفت، أمر سهل على المؤمن، لكنّ شيخ الأزهر محمد عبده (رحمه الله) لمّا رأى أن المسلمين واجهوا هجوماً عنيفاً من الغرب على الإيمان بالغيبيات كالملائكة والجن وغيرها، قام لأجل تهدئة الوضع وإقناع الشباب، بتفسير أكثر ما يعود إلى الغيب في القرآن الكريم بالأُمور الطبيعية المادّية، وما هذا إلاّ لإسكات

1 . البقرة: 3 .

صفحه 56
المخالفين وإفحامهم، وإلاّ فشيخ الأزهر أعلى وأنبل من أن يكون ممّن لا يؤمن بالغيب، ولذلك نرى أنّه يفسّر الآيات الخمس بالنحو التالي:
يقول: والمراد بالنازعات الكواكب لأنّها ترمي بالشهب، يقال: نزع عن القوس أي رمى عنها، وأيضاً يقال: أغرق في الرمي إذا بالغ فيه (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً)تقول العرب: نشط فلان نشطاً من المكان إذا خرج من بلد إلى بلد، وعليه يكون المعنى أنّ الكواكب تتقلّب من برج إلى برج (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً): أي أنّ الكواكب تتحرّك في الفضاء (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً)تتمّم دورتها بسرعة حول ما تدور عليه، ومعلوم أنّ سرعة كلّ شيء بحسبه من حيث الضخامة وعدمها (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً): أي أنّ الكواكب يظهر أثرها إلى الخارج بما ينفع الناس كمعرفة الأوقات والأقطار، واختلاف الفصول، وما إلى ذلك من أسباب الحياة .1

الرابع: جواز الحلف بغير الله

تضافر الحلف بغير الله سبحانه في الكتاب العزيز والسنّة النبوية، أمّا الكتاب، فقد مرّ في هذه السورة الإقسام بأُمور خمسة، وسيوافيك في السور التالية الإقسام بغيرها أيضاً .
وأمّا السنّة فقد حلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في غير مورد بغير اسم الله .
1. فقد أخرج مسلم في صحيحه: أنّه جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول اللّه أي الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: «أما ـ و أبيك ـ لتُنبَّأنّه، أن تصدّق

1 . لاحظ : التفسير الكاشف: 7 / 506، نقلاً عن تفسير الشيخ محمد عبده، جزء عمّ.

صفحه 57
وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء».1
2. أخرج مسلم أيضاً: جاء رجل إلى رسول اللّه ـ من أهل نجد ـ يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «خمس صلوات في اليوم والليل».
فقال: هل عليَّ غيرهنّ؟
قال: «لا...إلاّ أن تطوّع، وصيام شهر رمضان».
فقال: هلّ عليَّ غيره؟
قال: «لا... إلاّ أن تطوّع»، وذكر له رسول اللّه الزكاة.
فقال الرجل: هل عليّ غيرها؟
قال: «لا... إلاّ أن تطوّع».
فأدبر الرجل وهو يقول: واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص منه.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أفلح ، وأبيه ، إن صدق».
أو قال: «دخل الجنة ، وأبيه ، إن صدق». 2
وقد حلف غير واحد من الصحابة بغيره سبحانه، فهذا أبو بكر بن أبي قحافة على ما يرويه مالك في موطّئه: أنّ رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل، قدم فنزل على أبي بكر فشكا إليه أنّ عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلّي من الليل، فيقول أبو بكر: «وأبيك ما ليلك بليل سارق». 3

1 . صحيح مسلم: 468، كتاب الزكاة، باب بيان أنّ أفضل الصدقة...، رقم 2272 / 1032، تحقيق صدقي جميل العطار.
2 . صحيح مسلم: 34 ، كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، رقم 10 / 11 .
3 . شرح الزرقاني على موطأ مالك: 4/159 برقم 580.

صفحه 58
وهذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد حلف بغيره سبحانه في غير واحدة من خطبه:
1. «وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ، وَخَابَطَ الْغَيَّ، مِنْ إدْهَان وَلاَإيِهَان». 1
2. «ولَعَمْري ما تقادمتْ بكُم ولا بهم العهُود». 2
إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في كلامه (عليه السلام) وسائر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .
نعم ثمّة أحاديث استدلّ بها على المنع عن الحلف بغير اللّه، غير أنّها ترمي إلى معنى آخر كما سيوافيك.

الحديث الأوّل

إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)سمع عمر، وهو يقول:وأبي، فقال: «إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت». 3
والجواب: أنّ النهي عن الحلف بالآباء قد ورد لأنّهم كانوا ـ في الغالب ـ مشركين وعبدة للأوثان، فلم تكن لهم حرمة ولا كرامة حتى يحلف أحد بهم، ولأجل ذلك نرى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جعل آباءَهم قرناء مع الطواغيت مرّة، وبالأنداد ـ أي الأصنام ـ ثانية، وقال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت». 4

1 . نهج البلاغة: الخطبة 23.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 85.
3 . سنن ابن ماجة: 1/277; سنن الترمذي: 4/109.
4 . سنن النسائي: 7/7; سنن ابن ماجة: 1/278.

صفحه 59
وقال أيضاً: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمّهاتكم ولا بالأنداد». 1
وهذان الحديثان يؤكّدان على أنّ المنهيّ عنه هو الحلف بالآباء الكافرين الذين كانوا يعبدون الأنداد والطواغيت، فأين هو من حلف المسلم بالكعبة والقرآن والأنبياء والأولياء في غير القضاء والخصومات؟

الحديث الثاني

جاء ابنَ عمر رجلٌ فقال: أحلف بالكعبة؟ قال له: لا، ولكن احلف بربِّ الكعبة، فإنّ عمر كان يحلف بأبيه، فقال رسول اللّه له: «لا تحلف بأبيك، فإنّ من حلف بغير اللّه فقد أشرك». 2
إنّ الحديث يتألّف من أمرين:
أ: قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «من حلف بغير اللّه فقد أشرك».
ب: اجتهاد عبد اللّه بن عمر، حيث عدّ الحلف بالكعبة من مصاديق حديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
أمّا الحديث فنحن نذعن بصحّته، والقدر المتيقّن من كلامه ما إذا كان المحلوف به شيئاً يعدّ الحلف به شركاً كالحلف بالأنداد والطواغيت والآباء الكافرين. فهذا هو الذي قصده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا يعمّ الحلف بالمقدّسات كالقرآن وغيره.
وأمّا اجتهاد ابن عمر حيث عدّ الحلف بالكعبة من مصاديق الحديث،

1 . سنن النسائي:7/9.
2 . سنن النسائي: 7/8 .

صفحه 60
فهو اجتهاد منه وحجّة عليه دون غيره.
وأمّا أنّ الرسول عدّ حلف عمر بأبيه من أقسام الشرك فلأجل أنّ أباه كان مشركاً، وقد قلنا:إنّ الرواية ناظرة إلى هذا النوع من الحلف.
ومجمل القول: إنّ الكتاب العزيز هو الأُسوة للمسلمين عبر القرون، فإذا ورد فيه الحلف من اللّه سبحانه بغير ذاته سبحانه من الجماد والنبات والإنسان، فهذا يكشف عن أنّ الحلف بغير الله أمر سائغ لا يمتّ إلى الشرك بصلة، وتصوّر جوازه للّه سبحانه دون غيره أمر غير معقول، فإنّه لو كانت حقيقة الحلف بغير اللّه شركاً فالخالق والمخلوق أمامه سواء.
نعم الحلف بغير اللّه لا يصحّ في القضاء وفضّ الخصومات، بل لابدّ من الحلف باللّه جلّ جلاله أو بإحدى صفاته التي هي رمز ذاته، وقد ثبت هذا بالدليل ولا علاقة له بالبحث.
وأمّا المذاهب الفقهية فغير مجمعين على أمر واحد.
أمّا الحنفية، فقالوا: بأنّ الحلف بالأب والحياة، كقول الرجل: وأبيك، أو: وحياتك وما شابه، مكروه.
وأمّا الشافعية، فقالوا: بأنّ الحلف بغير اللّه ـ لو لم يكن باعتقاد الشرك ـ فهو مكروه.
وأمّا المالكية، فقالوا: إنّ في القسم بالعظماء والمقدّسات ـ كالنبي و الكعبة ـ فيه قولان: الحرمة والكراهة، والمشهور بينهم: الحرمة.
وأمّا الحنابلة، فقالوا: بأنّ الحلف بغير اللّه وبصفاته سبحانه حرام، حتى

صفحه 61
لو كان حلفاً بالنبي أو بأحد أولياء اللّه تعالى.
هذه فتاوى أئمّة المذاهب الأربعة 1. ولسنا الآن بصدد مناقشتهم.
وكان الحريّ بفقهاء المذاهب الأربعة ولا سيّما في العصر الراهن فتح باب الاجتهاد والرجوع إلى المسألة والنظر إليها بمنظار جديد إذ كم ترك السلف للخلف.
على أنّ نسبة الحرمة إلى الحنابلة غير ثابتة أيضاً، لأنّ ابن قدامة يصرّح في كتاب «المغني» ـ الذي كتبه على غرار فقه الحنابلة ـ : أنّ أحمد بن حنبل أفتى بجواز الحلف بالنبي، وأنّه ينعقد لأنّه أحد ركني الشهادة.
وقال أحمد: لو حلف بالنبي انعقد يمينه، فإن حنث لزمته الكفّارة. 2
ثم لمّا وقف بعض الوهابيين على هذه الأقسام الكثيرة في القرآن الكريم، عادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه فيقولون المراد: الإقسام بربّ هذه الموجودات. مثلاً فإذا قال سبحانه: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ): أي يقسم بربّ التين وربّ الزيتون!!
يلاحظ عليه: أن معنى ذلك إرجاع الأقسام المختلفة الّتي تناهز الأربعين قسماً إلى قسم واحد وهو الربّ، مع أنّه سبحانه تارة يقسم بنفسه ويقول: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّيَاطِينَ)3، وأُخرى يقسم بالموجودات العلوية والسفلية، فلو كان الهدف القسم بالربّ فما فائدة هذا النوع من

1 . انظر: الفقه على المذاهب الأربعة:2/75، كتاب اليمين، مبحث الحلف بغير اللّه تعالى.
2 . المغني: 11/209.
3 . مريم: 68 .

صفحه 62
الأقسام، حيث يضيف نفسه إلى واحد من مخلوقاته، فإنّ العظمة لله لا للمضاف إليه، ولو كانت له عظمة فإنّما هي مقتبسة من الربّ، بخلاف ما لو أقسم بهذه الأشياء فإنّ لها في حدّ نفسها عظمة أودعها الله فيها وقداسة اكتسبتها منه عزّ وجلّ.

الخامس: التدبير من الله أو من الملائكة؟

إنّ الذكر الحكيم يصف الله سبحانه بأنّه المدبِّر للكون فله الخلق والتدبير، كما قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ)1.
وقال سبحانه: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الأَبْصَارَ وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ مَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)(2).
وقال سبحانه: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)2.
وقال سبحانه: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ)3.
ومع ذلك فإنّه عرّف الملائكة بصفة التدبير وقال: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً)وقد مرّ أنّ المراد بالنازعات والناشطات هي الملائكة، فالجمع بين الطائفتين واضح جداً لمن له إلمام بموقف القرآن في أمر التدبير، فكونه سبحانه مدبّراً لأنّه مبدأ الوجود ومنشأ الخلق، فالملائكة وقدراتهم كلّها مخلوقة لله تبارك

1 . يونس: 3 .         2 . يونس: 31 .
2 . الرعد: 2 .
3 . السجدة: 5 .

صفحه 63
وتعالى قائمة بوجوده، وأمّا كون الملائكة مدبِّرات للأمر فبأمره سبحانه فهي وسائط في التدبير، فهؤلاء يدبّرون الأُمور بإرادته ومشيئته، ويظهر ذلك بدراسة الآيات الّتي تنسب الفعل الواحد إلى الله سبحانه، وفي الوقت نفسه تنسبه إلى غيره سبحانه.
قال سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَ التي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الأُخْرى إِلَى أَجَل مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)1.
وفي الوقت نفسه يقول سبحانه: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)2.
ويقول أيضاً: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ )3.
وكم لهذا النحو من النسبتين المختلفتين، نظائر في القرآن الكريم، فالملائكة كما هم وسائط في عالم التكوين، كذلك هم وسائط في عالم التشريع، فالوحي ينزل بواسطتهم على الأنبياء، يقول سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)4.
وحصيلة الكلام: إنّ الله سبحانه يجري سننه ومشيئته بأيديهم فيقبض الأرواح بواسطتهم، وينزل الوحي بتوسيطهم، وليس لواحد منهم في عمله

1 . الزمر: 42.
2 . النحل: 28 .
3 . النحل: 32.
4 . الشعراء: 193 ـ 194 .

صفحه 64
أي استقلال واستبداد، وفي الحقيقة، كلّهم جنوده سبحانه، قال تعالى: (لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ).1
سورة النازعات: الآيات 6 ـ 14    

الآيات: السادسة إلى الرابعة عشرة

(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ).

المفردات

الراجفة: الرجفة: الزلزلة العظيمة، والراجفة الأرض الّتي ترجف، يقال: بحر رجّاف.
الرادفة: كلّ شيء تبع شيئاً فقد ردفه.
الواجفة: الوجيف: شدّة الاضطراب، يقال: قلب واجف، أي: مضطرب.
الخاشعة: الخشوع: الخضوع والتذلّل، وإذا وصفت به الأبصار فيراد به الخفض في النظر.
الحافرة: يقال: رجع فلان في حافرته: أي في طريقه الّتي جاء فيها فحفرها، أي أثّر فيها بمشيه فيها.

1 . الأنبياء:27 .

صفحه 65
نخرة: أي عظاماً بالية.
كرّة: أي الرجعة بعد الذهاب.
الخسران: يقابل الربح.
الساهرة: قال الراغب: قيل: وجه الأرض، وقيل: هي أرض القيامة.1

التفسير

إنّ جواب الأقسام الخمسة شيء مقدّر نظير «لتبعثن» فصار ذلك سبباً لبيان أوصاف يوم البعث، فعرّفه بما يلي:
6. (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) :
المراد من الراجفة الأرض المضطربة، أي تحدث الزلزلة العظيمة المهولة في الأرض، وأمّا ما هو السبب فغير مذكور في الآية، وإنّما ذكر في آية أُخرى وهو النفخة الأُولى، كما سيوافيك.
7. (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) :
أي تتبعها رجفة أُخرى، والسبب فيها هو السبب في الأُولى، وقد أُشير إلى أنّ سبب الرجفتين هما النفخة والصيحة، قال سبحانه: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)(2).

1 . المفردات للراغب: 245، مادة «سهر».   2 . الزمر: 68 .

صفحه 66
ففي الرجفة الأُولى يموت كلّ مَن في الكون، ثم يحيا في النفخة الثانية كلّ من مات.
فللأرض ومن عليها نفختان وصيحتان ورجعتان، وكلّ رجفة أثر نفخة وصيحة، ونتاجها الحضور في أرض الجزاء والحساب .
8 و 9. (قُلُوبٌ يَوْمَئِذ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ):
يصف سبحانه قلوباً بأنّها واجفة وأبصاراً بأنّها خاشعة، فتنكير (قُلُوبٌ)للتنويع، أي نوع من الناس يملأ الاضطراب قلوبهم، والذلّ أبصارهم، وليس هؤلاء إلاّ الكافرون المنكرون للبعث والنشور.
ثم إنّ نسبة الرجفة إلى القلوب والخشوع إلى الأبصار لمكان أنّ هذه الصفات تظهر بادئ الأمر فيهما، فإذا استقبل الإنسان حادثة أليمة شديدة، يأخذ قلبه بالخفقان، ويظهر التذلّل في الأبصار، لأنّ القلب إذا ضرع خشعت الجوارح.
ثم إنّ إضافة الأبصار إلى القلوب لأدنى مناسبة، لأنّ الأبصار لأصحاب القلوب، إلاّ أنّ القلب لمّا كان عضواً رئيسياً للإنسان فكأنّ الأبصار له، قال سبحانه: (وَ اللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الأَبْصَارَ وَ الأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)1 .
فذكر من الأعضاء السمع والبصر وختمهما بالأفئدة، وكأنّه إشارة إلى أنّ السمع والبصر ينتهي أمرهما إلى الأفئدة .

1 . النحل: 78 .

صفحه 67
إلى هنا تمّ بيان هذا المشهد، وهو مشهد الحشر وعلم الإنسان بأنّ الحياة الأُخروية تتحقّق عقب أمرين: إماتة الكلّ بالنفخة الأُولى، وإحياء الكلّ بالنفخة الثانية، ثم إنّ قسماً من الناس تضطرب قلوبهم وتتذلّل أبصارهم لما يرون من مصير أليم.
10. (يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ):
بيان استئنافي لمنطق منكري المعاد، وقد اعتمدوا في إنكار المعاد على أمرين: كأنّ أحدهما استبعادي، والآخر استحساني.
أمّا الأوّل: فإذا قيل لهم إنّ وراء الدنيا حياة أُخرى، وأنّكم تُحيَون بعدما تموتون (يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ)، أي أئنّا لراجعون إلى الحالة الأُولى ومبعوثون من قبورنا؟! وكأنّ الكلام كناية عن الحياة الجديدة، يقول الزمخشري: يقال: رجع فلان إلى حافرته أي في طريقه الّتي جاء فيها فحفرها أي أثّر فيها بمشيه فيها، جعل أثر قدميه حفراً .1 فقوله: (أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ): أي أئنا راجعون إلى الحالة الأُولى .
وهنا سؤال وهو: ما هي الصلة بين وصف يوم القيامة وأهوالها، والانتقال إلى منطق المنكرين للبعث في الحياة الدنيا، حيث بدأ بنقل قولهم: (يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) .
والجواب هو كأنّه تبارك وتعالى يحكي قولهم في الدنيا استبعاداً منهم لوقوع البعث والجزاء، ويشير إلى أنّ هؤلاء الذين قلوبهم واجفة وأبصارهم

1 . تفسير الكشّاف : 3 / 309 .

صفحه 68
خاشعة هم الذين كانوا ينكرون البعث وهم في الدنيا كانوا يقولون كذا وكذا .
11. (أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً):
أي عظاماً بالية، فهذا النوع من الاستبعاد كان هو المنطق الرائج بين المشركين، وقد ذُكر في القرآن الكريم غير مرّة، قال سبحانه حكاية عنهم: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ)1 .
12. (قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ) :
وأمّا الثاني ـ أعني: ما هو أشبه بالاستحسان ـ : وهو قوله تعالى: (تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ): أي رجعة ذات خسران; وذلك لأنّه لو كانت الحياة الّتي نعيشها طيّبة فلماذا لا نخلّد؟ وإن كانت سيئة فلماذا نعود؟
ومع ذلك يمكن أن يكون قولهم صدر استهزاءً وسخرية، دون الإشارة إلى هذا المنطق.
ثم إنّه سبحانه يجيب عن كلا الأمرين بأنّ مرجع ذلك عدم معرفتهم بقدرة الخالق، ولذلك يستبعدون الحياة الجديدة أو يستحيلونها، ولكن يكفي في قدرته قوله تعالى:
13. (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ):
سورة النازعات: الآيات 15 ـ 26    
أي أنّ إحياء الموتى على الله سهل يسير، فإنّ زجرة واحدة ـ أعني:

1 . يس: 78 .

صفحه 69
النفخة الثانية ـ تكفي في إحيائهم، كما يقول: (إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ)1 .
14. (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) :
الفاء للمفاجأة، أي فما تنطلق الصيحة حتّى يحشر الله الخلق على أرض بيضاء، وأطلق على أرض القيامة بالساهرة لذهاب النوم عن العيون لما سيقابلونه من أهوال مرعبة.
وربما قيل: الساهرة الأرض المستوية البيضاء الّتي لا نبات فيها.

الآيات: الخامسة عشرة إلى السادسة والعشرين

(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَ أَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرى * فَكَذَّبَ وَ عَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَ الأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى).

1 . يس: 53 .

صفحه 70

المفردات

الوادِ: المكان المنخفض بين الجبال.
طوى: اسم واد.
طغى: أفرط في التكبّر.
فرعون: لقب لملك مصر، الذي ادّعى، في عصر موسى(عليه السلام)، الإلوهية والربوبية.
حشر: جمع الناس.
نكال: إيقاع أذى شديد على شخص ليكون عبرة للغير.

التفسير

عاد البيان القرآني في المقام إلى ذكر حديث موسى (عليه السلام)مع فرعون، وما جرى بينهما فهو حديث معترض بين الفقرتين اللتين تركِّزان على الدعوة إلى الإيمان بالبعث ـ أعني قوله سبحانه: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) وبين قوله فيما يأتي: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا)ـ فالموضوع الرئيسي في السورة هو الدعوة إلى الإيمان بالبعث والحشر، فإدماج حديث موسى مع طاغية عصره، أمر معترض ورد لغايات:
1. ترغيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في كفاح الطاغين، واستقامته فيه .
2. تسلية لقلوب المؤمنين وتثبيتاً لأفئدتهم.
3. تذكيراً لمشركي قريش وطغاتهم حتّى يعلموا أنّ مصير الطاغين هو

صفحه 71
مصير فرعون، حيث أخذه الله بعذابين: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
وبعد هذا التمهيد، نشرع في تفسير الآيات.
15. (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى):
الاستفهام ليس استفهاماً حقيقياً، بل هو استفهام لغاية إيجاد الشوق للسامع لاستماع القصة ذات العبر.
16. (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى):
والظاهر أنّ «إذ» ظرف لقوله: (حَدِيثُ مُوسَى)ويمكن على وجه بعيد أن يكون متعلّقاً بفعل محذوف، أي اذكر (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ)مثل قوله تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ )1، فناداه ربّه وهو (بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ) الذي سمّي (طُوًى). ولأجل قداسة ذلك الوادي أمر سبحانه موسى بخلع نعليه عندما كان في هذا الوادي، فقال تعالى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً)(2) وكون الوادي مقدّساً ومطهراً لأجل أنّه سبحانه كلّمه فيه بلا واسطة ملك، ويمكن أن يكون الوجه كونه مبعث عدد غفير من الأنبياء.
17. (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) :
أمره سبحانه بالذهاب إلى طاغية مصر ودعوته. وفي آية أُخرى قال تعالى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) 2، وفي آية ثالثة قال تعالى: (وَ إِذْ نَادَى

1 . آل عمران: 103.         2 . طه: 12.
2 . طه: 24 .

صفحه 72
رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ)1، ويستفاد من هذه الآيات على أنّ دعوة موسى لفرعون إلى الإيمان بالله وحده ربّاً للعالمين كانت دعوة حقيقية لا دعوة صورية لإتمام الحجّة، اعتماداً على وجود فطرة التوحيد في عامّة الناس ولا يشذّ منهم فرعون ولا قومه .
ويظهر ممّا روي عن أبي ذر أنّه وافاه الخطاب بالذهاب إلى فرعون في ليلة مظلمة شديدة البرد، وأخذ أمرأته الطلق، وقد ضلّ الطريق وتفرّقت ماشيته فأصابه المطر، فبقي لا يدري أين يتوجّه، فبينما هو كذلك (آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر أَوْ جَذْوَة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطئ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)2.3
فعلى المصلحين الاستمرار في مقارعة الطغيان وقلع جذور الظلم والدفاع عن حريّة الإنسان وكرامته، بلا كسل ولا سأم ولا هوادة، وليعلموا أنّ العراك بين الحق والباطل سيظلّ قائماً إلى يوم القيامة.
ومنه يُعلم مكانة موسى (عليه السلام)من التسليم، فقد أُمر بالذهاب إلى فرعون في وقت عصيب حيث أخذ امرأته الطلق وضلّ الطريق وتفرّقت ماشيته وأصابه المطر، ولو كان المخاطب غير موسى أو من هو مثله ربما توقّف عن الذهاب واعتذر بأنّه في ظروف صعبة، لكن الأنبياء والأولياء لا تعجزهم

1 . الشعراء: 10 ـ 11 .
2 . القصص: 29 ـ 30 .
3 . مجمع البيان:7/458.

صفحه 73
المصاعب، مهما اشتدّت وادلهمّت، عن الاستجابة لأمر الله تعالى، يقول سبحانه: (فَلاَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيًما)1. نعم ربّما يترك بعض مَن يدّعي الإيمان والإسلام بعض الفرائض معتذراً بوجود مشاكل، وهي لا تعدّ مشاكل في منطق الدين .
18. (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى):
أي هل لك رغبة إلى تزكية النفس وتطهيرها من الشرك؟ وأي كلمة ألين من هذه الكلمة أمام طاغية عصره، حيث لا يحتِّم عليه التزكية وإنّما يطرح عليه التزكّي بصيغة السؤال، وذلك بأن يقول له: هل لك رغبة أو لا؟ وهذا هو أُسلوب الأنبياء مع طواغيت عصورهم في لقائهم الأوّل معهم ودعوتهم لاتّباع دينهم .
والآية ـ كما مرّ ـ دليل على أنّ الدعوة بالنسبة إلى فرعون كانت دعوة حقيقية لا لمجرد إتمام الحجة; وذلك لأنّ لفظة التزكية تدلّ على وجود الطهارة في الإنسان بما هو هو، غير أنّه ربّما تعلوه شوائب الشرك والطغيان، فبرفع هذه الحجب تظهر طهارة النفس.
19. (وَ أَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى):
قدّم التزكية على الهداية، ثمّ رتّب على الثانية الخشية، ووجه تقديمها

1 . النساء: 65 .

صفحه 74
على الهداية، هو أنّ المراد من التزكية: طهارة النفس من العقيدة الباطلة الضالّة، فلو لم يكن القلب منزّهاً عن تلك العقيدة، يمتنع نفوذ نور الهداية الإلهية إليه.
وأمّا وجه ترتّب الخشية على الهداية، فلأنّ الخشية فرع معرفة الله التي لا تحصل إلاّ بهداية منه، ولذلك يقول سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )1.
ومن هنا ينبغي على المصلحين في العالم، الذين يهدفون إلى نشر الفضائل والقيم بين الناس أن يلجوا هذا الباب، وإلاّ فالأخلاق السامية إذا لم تنطلق ممّا جاء في الآيتين، فليس لها قرار، وسيطرأ عليها الزوال مع تغيّر الأحوال.
ثم إنّ في قوله: (إِلَى رَبِّكَ)مكان قوله: «إلى ربي» نوع استعطاف واسترحام له حتّى يتّعظ بموعظة موسى (عليه السلام).
إلى هنا تمّ بيان الدعوة الإرشادية في ثوب العطف والحنان، فإن أثّرت في المخاطب فهو، وإلاّ فيجب إردافها ببيان منطقي آخر، وظاهر الآيات أنّ المخاطب لم يتأثر بهذه الدعوة الإرشادية، فلجأ موسى إلى دعوته ببرهان عقلي ومنطقي، وهو ما أشارت إليه الآية التالية:
20. (فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرى):
والمراد بها: عصاه الّتي إذا ألقاها تصبح حيّة تسعى، ويحتمل أن يكون

1 . فاطر: 28 .

صفحه 75
المراد بها يده البيضاء، فقد قام موسى بما عليه من الدعوة بكلا الأُسلوبين، لكن لمّا كان فرعون متمادياً في جبروته وطغيانه ولم تبق في قلبه نقطة بيضاء، فإنّ كلا الأُسلوبين، لم يؤثّرا فيه، بل اتّخذ، في مواجهته لدعوة موسى (عليه السلام)المقرونة بالحجّة والبرهان، مواقف متعنّتة، وإليك بيان هذه المواقف:
21 - أ . (فَكَذَّبَ وَ عَصَى):
أي كذّب رسالة موسى وخالف ما دعاه إليه(عليه السلام) من التوحيد والإيمان بالله.
22 ـ ب . (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى):
أي ترك ذلك المجلس الّذي كان فيه موسى، وقد أراه آيته الكبرى، تركه إعلاناً لغضبه على موسى وأخذ (يَسْعَى)أي يشتدّ بالمشي، أي يمشي مشية الغاضب، ليطلب ما يدحض به معجزة موسى(عليه السلام).
23 ـ ج . (فَحَشَرَ فَنَادَى) :
أي جمَع الناس، أو جمع السحرة، فنادى فيهم بقوله:
24 ـ د (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى):
أي أنّه رب الأرباب، وهذا يدلّ على وجود أرباب للمصريين يعبدونها وجعل نفسه أعلى الأرباب وأسماها.

صفحه 76
وفي آية أُخرى يصف نفسه بالأُلوهية، قال تعالى حاكياً عنه: (قَالَ ـ مخاطباً لموسى ـ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْري لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ )1، فالظاهر أنّه تدرّج في دعوته فوصف نفسه بالرب الأعلى والأصنام أرباباً، ثم تهوّر أكثر وبالغ في ادّعائه فوصف نفسه بالإله ولذلك خاطب وزيره هامان بقوله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى )2، فأراد بذلك أن ينكر وجود إله غيره.
فإن دلّ الجمع بين الادّعائين فإنّما يدلّ على أنّه ادّعى الربوبية أوّلاً، والإلوهية ثانياً، ولذلك ورد في بعض الروايات عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)أنّه قال: «كان بين الكلمتين أربعون سنة»3.
وهذا يدلّ على أنّ الإله ليس بمعنى المعبود; لأنّ المعبودية لا تنفك عن الربوبية، فادّعاء الإلوهية يدلّ على أنّه مقام آخر.
ثم إنّه سبحانه اقتصر في المقام على ذكر ما جرى بين موسى وفرعون، مستغنياً عن ذلك بما ورد في سورة طه والقصص وغيرهما، وذكر ما أصاب فرعون لأجل تكذيبه وعصيانه، في الآية التالية.
25. (فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَ الأُولَى):
سورة النازعات: الآيات 27 ـ 33    
أي أخذه سبحانه بقوة بعذابين: عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة.

1 . الشعراء: 29 .
2 . غافر: 36 ـ 37 .
3 . مجمع البيان: 10 / 209 .

صفحه 77
أمّا الدنيا فهو الغرق، وأمّا الآخرة فهو عذاب جهنم.
26. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى):
والعبرة، هي عن انتقال الذهن من معرفة شيء إلى معرفة أمثاله، فمصير فرعون وطغيانه وهلاكه عبرة لكلّ من يكذّب الأنبياء ويعصيهم، ولذلك يقول سبحانه: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)1.
وفي قصص الأنبياء ومصير أقوامهم عبرة لمعاصريهم ومن يأتي بعدهم، وفي الوقت نفسه عظة وتثبيت لقلوب المؤمنين.

الآيات: السابعة والعشرون إلى الثالثة والثلاثين

(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَ أَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَ مَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ).

المفردات

السَّمَكَ: هو السقف، يقول الفرزدق:
إن الّذي سَمَكَ السماء بنى لنا *** بيتا دعائمه أعزُّ وأطولُ

1 . البقرة: 66 .

صفحه 78
فسوّاها: التسوية: ترتيب أجزاء الشيء كُلٌّ في موضعه الّذي تقتضيه الحكمة، كما في قوله تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)1 .
ثم إنّ التسوية تستعمل على وجهين: تارة تكون وصفاً للشيء بما هو هو ـ كما في الآية ـ  ، وأُخرى تكون وصفاً للشيء بالقياس إلى غيره، كما في قولك: سوّيت هذا بهذا أي جعلتهما متساويين، كما في قوله تعالى: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)2 .
وبذلك يُعلم أنّ تفسير التسوية ـ كما في المجمع ـ بقوله: جعل أحد الشيئين على مقدار الآخر في نفسه أو في حكمه، 3 ناظر إلى المعنى الثاني، ولكن المناسب لقوله: (فَسَوَّاهَا)هو المعنى الأوّل، والتسوية بالمعنى الأوّل تتعدّى إلى مفعول واحد بنفسه، وبالمعنى الثاني تتعدّى إلى مفعولين، ثانيهما بحرف الجر.
أغطش: الغطش: الظلمة، وأغطشه الله أي أظلمه، وفلاة غطشاء: لا يُهتدى فيها.
الدحو: البسط والمدّ.
أرساها: أي أثبتها في الأرض، يقال: رست السفينة إذا شُدّت إلى الشاطئ. وإثبات الجبال هو رسوخ صخورها وعروقها في باطن الأرض .

1 . الحجر: 29 .
2 . الشعراء: 98 .
3 . مجمع البيان: 10 / 292 .

صفحه 79
 
التفسير
انتقل البيان القرآني بعد ذكر قصّة موسى (عليه السلام)مع فرعون إلى ما ابتدأ به وهو الدعوة إلى الإيمان بالبعث والحشر والاستدلال على إمكانه، فيشرح قدرة الله تعالى في العالم الإمكاني حتّى يستدلّ به على إمكان عودة الإنسان إلى الحياة، فأين خلق الإنسان من جديد، من رفع السماء ودحو الأرض؟ فالقادر على هذه الأُمور الكونية العظمى قادر على إعادة الإنسان بعد مماته، ولذلك ابتدأ بطرح استفهام توبيخي، وقال :
27. (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا):
وليس البناء إلاّ ضمّ الأجزاء المتفرّقة بعضها إلى بعض حتّى يتكوّن بناء واحد، وهذا هو المراد من قوله: (أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) .
28. (رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا):
أي وضع كلّ كوكب في مكان على نسبة من الكوكب الآخر، وبذلك تحقّقت التسوية، إذ لو تغيّرت النسبة لاختلّ النظام وتصادمت الكواكب، فوضعُ الكواكب فوق الأرض (كما تبدو للناظر)، هو رفع سَمْك السماء، ووضعُ كلّ كوكب في مداره ومحلّه، هو تسوية السماء.

صفحه 80
29. (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَ أَخْرَجَ ضُحَاهَا):
روى عطية العَوفي عن ابن عباس: (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا)، قال: أظلم ليلَها.1
إن الفعل (أَغْطَشَ) قد يجيء لازماً، يقال: أغطش الليل، أي صار مظلماً، وقد يجيء متعدّياً ـ كما في المقام ـ أي أغطش الله الليل فصار مظلماً، وبما أنّ الليل مظلم فأُريد من الليل نفس الزمان الّذي يوصف بالظلمة، والضمير يرجع إلى السماء، وبطبع الحال أُريد السماء الدنيا الّتي تكون مظلمة بغروب الشمس ومضيئة بطلوعها، قال سبحانه: (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا).
والمراد من الضحى هو النهار بشهادة قوله: (لَيْلَهَا). ثم إنّه وصف النهار بالإخراج وكأنّ النهار مغطى بالليل فمضيّ الليل جزءاً فجزءاً عبارة عن إخراج النهار منه، ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَ يُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)2.
ثم إنّه سبحانه في الآية التالية يعود إلى بيان مشهد آخر وهو: خلق الأرض ودحوها.
30. (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا):
خلق الأرض وبسطها بعد خلق السماوات .
وهناك سؤال يثار في هذا المقام وفي سورة فصّلت، وهو أنّ ظاهر الآية التالية هو أن الله سبحانه خلق الأرض قبل السماء، حيث قال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ

1 . تفسير القرآن الكريم(تفسير عطية العوفي):3/134، رقم 1023.
2 . الحج: 61 .
صفحه 81
لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلكِ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَ بَارَكَ فِيهَا وَ قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَ هِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَللأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).1
فقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)بمعنى أنّه استوى إلى السماء بعد خلق الأرض في يومين، فيكون خلق الأرض مقدَّماً على استوائه إلى السماء. هذا ما في سورة فصلت.
وأمّا المقام فربما يستظهر خلافه، حيث قال: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ... إلى أن قال: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا).
فمقتضى لفظة «بعد» كون الدحو بعد بناء السماء.
وأُجيب بوجوه:
الأوّل: أنّ قوله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ): أي توجّه إليها وقصدها بالخلق لإفادة التراخي بحسب الخبر، لا بحسب الوجود والتحقّق، ثم استشهد على ذلك بما في هذه السورة حيث يقول: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)فإنّه يفيد تأخّر الأرض عن السماء خلقاً .2
يلاحظ عليه: أنّه جعل وجه الإشكال جواباً له، فبينما يقول المستشكل بوجود تعارض بين ما جاء في الآيتين أحدهما يحكي عن تقدّم خلق

1 . فصلت: 9 ـ 12.
2 . الميزان في تفسير القرآن: 17 / 365 .

صفحه 82
الأرض عن السماء والآخر على العكس، فأجاب بأنّ ما ورد في سورة فصلت، وما ورد في هذه السورة (الآية الثانية) قرينة على أنّ «ثم» لإرادة التراخي في الخبر لا بحسب الوجود والتحقّق، إذ لقائل أن يقول: إنّ هذا أوّل الكلام .
الثاني: ما ذكره بعض المفسّرين من أنّ الآية ناظرة إلى دحو الأرض لا إلى خلقها، قال ابن عباس: وكانت ربوة مجتمعة تحت الكعبة فبسطها، فخلقها قبل خلق السماوات كما في سورة فصلت، ودحوها بعد خلق السماوات.
ثم إنّ السيد الطباطبائي (رحمه الله) اعترض على هذا الجواب قائلاً: بأنّ الأرض كروية فليس دحوها وبسطها غير تسويتها كرة وهو خلقها، على أنّه تعالى أشار بعد ذكر دحو الأرض إلى إخراج مائها ومرعاها وإرساء جبالها، وهذه بعينها جعل الرواسي من فوقها والمباركة فيها وتقدير أقواتها الّتي ذكرها في الآيات الّتي نحن فيها مع خلق الأرض، وعطف عليها خلق السماء 1.
يلاحظ عليه: بأنّ التفكيك بين خلق الأرض ودحوها واضح، وذلك لأنّه يكفي في خلق الأرض بصورة كرة غير قابلة للعيش والزراعة وما تتوقّف عليه الحياة، وأمّا الدحو فعبارة عن تهيئة الأرض لتحقّق الحياة فيها، بتسطيحها وإخراج مائها ومرعاها.
الثالث: أن يفرَّق بين بناء السماء وبين السماوات السبع، فخلق السماء

1 . الميزان في تفسير القرآن: 17 / 365 .

صفحه 83
بما هي هي حيث كانت دخاناً وغازات مقدَّم على خلق الأرض كما هو المستفاد من سورة فصلت، وأمّا خلق السماوات السبع فهو متأخّر عن خلق الأرض وتعميرها بمرحلة وخلق أنجماً بما فيها الشمس.
والظاهر من هذه الأجوبة هو الجواب الثاني.
ويدلّ على صحّة الجواب الثاني ما روي عن علي (عليه السلام)حين سأله الشامي عن مكة المكرمة لِمَ سمّيت مكّة؟ قال: لأنّ الله مكّ الأرض من تحتها أي دحاها.1 ولعلّ المراد: إنّ الآية ناظرة إلى دحو الأرض لا إلى خلقها، قال ابن عباس: وكانت ربوة مجتمعة تحت الكعبة فبسطها.
ويفترض العلماء أنّ الأرض بدأت كتلة صخرية عديمة الماء محاطة بسحابة من الغاز وتدريجياً أنتجت المواد المشعّة في الصخر والضغط المتزايد في باطن الأرض حرارة كافية يصهر باطن الأرض، وغصبت المواد الثقيلة كالحديد، أمّا المواد الخفيفة كالسليكا(صخور مركّبة من السليكون والأوكسجين) فقد ارتفعت إلى سطح الأرض مكونة القشرة المبكرة للأرض. وقد نتج عن تسخين باطن الأرض أيضاً ارتفاع بعض المواد الكيميائية داخل الأرض إلى السطح، وبعض هذه المواد الكيميائية كوّنت الماء، وبعضها الآخر كوّن غازات الغلاف الجوّي. ثمّ تجمّع الماء ببطء على مدى ملايين السنين في الأماكن المنخفضة من القشرة مكوّناً المحيطات.2
وهنا جواب رابع وهو أن يقال: إنّ المراد من قوله: (بَعْدَ ذَلِكَ )هو

1 . بحار الأنوار:54/64، ح37.
2 . الموسوعة العربية العالمية:1/521ـ 522.

صفحه 84
البَعدية مجازاً، بمعنى أن بعد هي بمعنى «مع»، كما في قوله تعالى: (عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم )1.
31. (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَ مَرْعَاهَا):
والله أخرج من الأرض الماء الذي به قوام الحياة، الذي يتفجّر من العيون والينابيع، وما يجري من الأنهار، فكأنّ قوله: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا) بيان لقوله: (دَحَاهَا)، ثم أخرج أيضاً من الأرض، المرعى وهو كناية عن كلّ الحبوب والثمار الّتي تخرج من الأرض .
32. (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا):
أي أرسخها إلى باطن الأرض، لكي لا تميد الأرض ولاتضطرب بمن فيها، ويفسر الآية قوله سبحانه: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)2، والراسيات هي الّتي تمنع السفينة عن الحركة والاضطراب.
33. (مَتَاعاً لَكُمْ وَ لأَنْعَامِكُمْ):
سورة النازعات: الآيات 34 ـ 36    
ثم إنّ البيان القرآني انتقل إلى بيان الغاية من خلق الأرض ودحوها وتثبيتها، وتفجير المياه فيها وإخراج النبات منها، كلّ ذلك لأجل أن ينتفع بها الإنسان والأنعام(البقر، والإبل، والغنم) التي سخّرها سبحانه للإنسان.
وعند ذلك يستنتج هذين الأمرين:

1 . القلم: 13.
2 . النحل: 15 .

صفحه 85
1. هل الخالق الّذي أوجد وأنشأ هذه المشاهد عاجز عن بعث الإنسان وإعادته؟
2. هل الخالق الحكيم أوجد هذا النظام بلا غاية؟ فعلى هذا فلم يبق لمنكر المعاد أي دليل على إنكاره وأي استبعاد على رفضه، فخالق هذه المشاهد قادر على إعادة الإنسان، ولأجل صيانة فعل الحكيم عن اللغو لابد أن يكون للإنسان معاد وحياة أُخرى لكي تتحقّق الغاية، ويُصان عن العبث واللغوية.

الآيات: الرابعة والثلاثون إلى السادسة والثلاثين

(فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى).

المفردات

الطامّة: الطمّ في اللغة هو الملء والدفن، ويكنّى به عن الحوادث المرّة والصعاب الكبار.

صفحه 86

التفسير

34. (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى):
والظاهر أنّه إعادة لقوله: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ)إذ ليست الزجرة الواحدة إلاّ الطامّة الكبرى، وإنّما كرّر ذلك ليرتِّب عليه قوله:
35. (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى):
فهو قائم مقام جواب الشرط أي يُجزى كلُّ إنسان بما عمل حيث يقف على أعماله، وظاهر الآية أنّ الإنسان بنفسه يتذكر ما عمل حال حياته، لا عن طريق النظر في صحيفة عمله، ولا مانع من أن يكون للإنسان سببان للتذكّر، وما استظهرناه ليس ببعيد فإنّ الإنسان ربّما ينسى شيئاً وكلّما يسعى لأن يذكره فلا يصل إليه، لكن ربما يدور في خَلَده ما نسيَه وذلك دليل على أنّ ما علمه الإنسان فهو مخزون في ذهنه وروحه، ونسيانه ليس دليلاً على محوه من الذاكرة، بل هي محفظة للمعلومات، غاية الأمر ربّما تختفي مؤقتاً.
36. (وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى):
سورة النازعات: الآيات 37 ـ 41    
ثم إنّ تذكّر الإنسان بما سعى ربّما يكون تذكيراً بأعمال إجرامية ليس لها جزاء إلاّ الصَّلْي بالجحيم، ولذلك يقول سبحانه: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ): أي ظهرت أتمّ الظهور، وأمّا مَن هو المُبرز؟ فهو الله سبحانه، ولكنّه لم يُذكر لوضوح الأمر.

صفحه 87

الآيات: السابعة والثلاثون إلى الحادية والأربعين

(فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَ آثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَ أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).

المفردات

الهوى: ما تهواه النفس، وفي الحقيقة مهوى النفس، وما ترغب إليه قوى النفس الشهوية والغضبية.
المأوى: اسم مكان من أوى إذا رجع، لأن الإنسان يرجع إلى بيته ومسكنه بعد الفراغ من أعماله اليومية.

التفسير

وصل البيان القرآني إلى بيان ما هو الملاك لنجاح الإنسان يوم القيامة وخسرانه فيه، فقدّم الثاني; لأنّه محور الدراسة في الآيات المتقدّمة وقال:
37 ـ 39. (فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَ آثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى):
فذكر لكون مصير الإنسان هو الجحيم الأمرين التاليين:
1. الطغيان أي الخروج عن زي الرِّقيّة وعبودية الربّ: (طَغَى) .

صفحه 88
2. إيثار الحياة الدنيا أي ينتخب الحياة السفلى في مقابل الحياة العليا، وليست الآية بصدد ذمّ حياتنا في الدنيا، وإلاّ لقال: «آثر حياة الدنيا» بل قال: (آثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا): أي آثر حياة حيوانية وهي الّتي تتمتع بأمرين: الشهوة والغضب، فمَن كان كذلك فالجحيم مأواه.
وأمّا ملاك النجاح فهو رهن أمرين:
الأوّل: الخوف من مقام الربّ، كما أشار إليه بقوله:
40 و 41. (وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ):
لم يقل: مَنْ خَافَ رَبِّهِ، وإنّما قال: (مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ)، ولعلّ المراد من «مقام الربّ» هو الخوف من عدله سبحانه; ولذلك ورد في الأدعية، القول: «إلهنا عاملنا بفضلك ولا تعاملنا بعدلك» وورد في الدعاء المأثور بعد زيارة الإمام الثامن (عليه السلام)قوله: «فكم من سيئة أخفاها حلمك حتّى دخلت، وحسنة ضاعفها فضلك حتّى عظمت عليها مجازاتك. جللت أن يخاف منك إلاّ العدل، وإن يُرجى منك إلاّ الإحسان»1 .
وفي دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام): «فيامن لا يُرجى إلاّ فضله، ولا يُخشى إلاّ عدله» 2.
ويمكن أن يراد من المقام هو علمه سبحانه بأعمال العباد جليلها ودقيقها، ظاهرها وباطنها، يقول الإمام علي (عليه السلام): «يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي

1 . بحار الأنوار:99/56.
2 . الصحيفة السجادية(تحقيق الأبطحي):306، الدعاء 143(في وداع شهر رمضان).

صفحه 89
الْفَلَوَاتِ، وَمَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ، وَاخْتِلاَفَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ»1.
الثاني: الامتناع عن اتّباع الهوى، كما أشار إليه بقوله: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) فالسعيد هو من يخرج عن عبودية النفس إلى عبودية الله تعالى، والشقيّ هو من يتّخذ هوى النفس إلهاً، كما قال سبحانه: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)(2) . قال الإمام علي (عليه السلام): «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الاَْمَلِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الاَْمَلِ فَيُنْسِي الاْخِرَةَ» 2.
فاتّباع الشهوة والغضب يصيران حجاباً أمام عقل الإنسان، يمنع من رؤية الحقائق على ما هي عليه.
بقي الكلام في بيان كيفية مقابلة هاتين الفقرتين مع الفقرتين المتقدّمتين .
أمّا قوله: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ)فهو في مقابل قوله: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى)، فإنّ الخائف من مقام ربّه لا يخرج من زيّ العبودية فتكون أعماله محدودة بحدود عقلية وشرعية، بخلاف الطاغي فإنّه يكون عبداً للهوى فلا يرى لنفسه حدّاً ولا مانعاً، وبالتالي فالمؤمن آخذ بزمام نفسه، وأمّا الطاغي فمُرخيها لتذهب أينما تريد.
ثم إن قوله: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) في مقابل قوله: (وَآثَرَ الْحَيَاةَ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 198 .   2 . الفرقان: 43 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 42 .

صفحه 90
الدُّنْيَا); وذلك لأنّ الهوى يقود إلى إيثار الحياة السفلى، ونهي النفس عنها عبارة عن رفضها وعدم إيثارها على الحياة العليا.
ثم إنّ الخوف من مقام الربّ لا ينافي أن تكون طاعته وعبادته نابعة من العلم بعظمة الربّ وجلاله وكماله، كما هو الحال في حق الأولياء، ففي رواية عن علي (عليه السلام)أنّه قال: «إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الاَْحْرَارِ»1. وأمّا قوله تعالى: (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) فهو في مقابل قوله: (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى)لأنّ كلّ شيء يعرّف بضدّه.
سورة النازعات: الآيات 42 ـ 46    

الآيات: الخمس الأخيرة

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا).

المفردات

الساعة: مشتق من سوَع بمعنى ضاع وزال، ويطلق على الزمان لأنّه لا يدوم ويزول، وقد جاء علَماً للقيامة في القرآن الكريم.
أيّان: اسم يستفهم به عن الزمان.

1 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 237 .

صفحه 91
مرساها: من الرسو: أي الثبات والرسوخ، والمَرسى: هو المكان الذي ترسو فيه السفينة وهو مستقرّها حيث تنتهي إليه .

التفسير

42. (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) :
يظهر من غير واحدة من الآيات أنّ المشركين لمّا سمعوا أسماء القيامة من أنّها قارعة، صاخّة، طامّة، سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن وقتها إمّا استهزاءً كما هو الظاهر، أو على سبيل التعلّم، ويشهد على ذلك قسم من الآيات، قال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)1، وقال سبحانه: (عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)2.
ولا يخفى أنّ السؤال عن وقت القيامة، سؤال تافه، إذ أنّه لا تنفعهم الإجابة عن تحديد موعدها، حتّى لو قيل: إن الساعة بعد مئة ألف عام أو كذا عام; لأنّ المفيد هو الطاعة والاستعداد لذلك اليوم ولذلك يقول سبحانه مخاطباً النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

1 . الأعراف: 187 .
2 . لقمان: 34.

صفحه 92
43. (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) :
أي في أي شيء أنت من علمها وذكراها، أي لا تعلمها.
44. (إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا):
أي إلى ربّك منتهى أمرها وإقامتها، فلا يقدر عليه إلاّ هو كما لا يعلمها إلاّ هو.
45. (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) :
أي أنّ الّذي يفيد الناس هو الخوف من يوم القيامة، لا العلم بوقتها. وليس عليك إلاّ الإنذار بيوم القيامة وأهوالها.
ومع أنّه سبحانه أخفى وقت القيامة وآثر علمها لنفسه حدّدها بقوله تمثيلاً أو تشبيهاً:
46. (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) :
أي عندما تقوم القيامة يزعم الإنسان أنّه ما لبث في الدنيا إلاّ قدر آخر نهار (عَشِيَّةً)أو أوّله (ضُحَاهَا)، فقد حدّد يوم القيامة بنوع من التمثيل والتشبيه، وقد أشار إليه في آيات أُخرى وقال: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار)1 .
وقال ـ أيضاً ـ : (يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الُْمجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة)2

1 . الأحقاف: 35.
2 . الروم: 55.

صفحه 93
ولعلّ التشبيه لبيان قرب الساعة من حياتهم الدنيا، بحيث ليس بينهم وبين الساعة إلاّ هذا القدر الضئيل من الزمان.
ويحتمل أن تكون الآية لأجل أنّ المجرمين في البرزخ نوّام ورقّاد، فلا يحسّون طول البرزخ، والله العالم.
***
تمّ تفسير سورة النازعات

صفحه 94

صفحه 95
   
سورة عبس
(عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُف مُكَرَّمَة * مَرْفُوعَة مُطَهَّرَة * بَأَيْدِي سَفَرَة * كِرَام بَرَرَة * قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْء خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَ صَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِى مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ).

صفحه 96
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة في المصاحف بسورة «عبس» وفي «مجمع البيان» تُسمّى بسورة «السَّفَرة»، وربّما سُمّيت بأسماء أُخرى نظير: سورة ابن أُمّ مكتوم، أو سورة الأعمى، إلى غير ذلك من الأسماء الّتي تشير إلى موضوع واحد.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها اثنتان وأربعون آية عند عدّ أهل المدينة ومكّة والكوفة، وإحدى وأربعون آية عند عدّ أهل البصرة، وأربعون آية عند عدّ أهل الشام.
والسورة مكيّة حسب شأن النزول، وحسب صياغتها ومضامينها، فإنّ فواصل الآيات قليلة.

أغراض السورة

سورة عبس: الآيات 1 ـ 10   
في صدر السورة يعاتب الله تعالى مَنْ تعامل مع ابن أُمّ مكتوم الأعمى، ويحتجّ بأنّ القرآن ذكراً وموعظة لمن عقل وتدبّر من غير فرق بين فرد دون فرد، ثم يذكر دلائل وحدانيته سبحانه، بخلق الإنسان والنظر في طعامه وشرابه، ثم يعود إلى بيان أحوال القيامة وانقسام الناس إلى سعداء وأشقياء .

صفحه 97

الآيات: العشرة الأُولى

(عَبَسَ وَ تَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَ مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَ مَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَ أَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَ هُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى).

المفردات

عَبَس: من العُبوس ـ بضم العين ـ تقطيب الوجه وإظهار الغضب، وبفتحها: صفة مشبّهة، يقال: رجل عَبوس: أي مقطّب وعابس، قال تعالى: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً)1 .
ووصف اليوم بالعَبوس مجاز على طريقة أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء، نظير قولك: نهارك صائم. والقمطرير: الشديد العبوس الّذي يجمع ما بين عينيه .
تصدّى: التصدّي التعرّض للشيء ويقابله في السورة التلهّي عن الشيء.

1 . الإنسان: 10 .

صفحه 98

التفسير

افتتح سبحانه هذه السورة بفعلين هما (عَبَسَ) وَ (تَوَلَّى) دون أن يذكر مرجع الضمير فيهما، فلم يُعلم من العابس ومن المولّي، ولذلك صار هذا سبباً للاختلاف في بيان مرجع الضميرين، فالمشهور بين مفسّري السنّة أنّ الضمير يرجع إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بشهادة قوله بعد هذه الآيات: (وَ مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى* وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَ هُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى).
وأيّدوه بما ورد في شأن النزول، فقد رووا أنّ عبد اللّه ابن أُمّ مكتوم الأعمى أتى رسول اللّه وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأُبيّاً وأُميّة ابني خلف، يدعوهم إلى اللّه ويرجو إسلامهم; فقال عبد اللّه: اقرئني وعلّمني ممّا علّمك اللّه، فجعل ينادي ويكرّر النداء ولا يدري أنّه مشتغل مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول اللّه لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد إنّما أتباعه العميان والسَّفَلة والعبيد، فعبس (صلى الله عليه وآله وسلم)وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلّمهم، فنزلت الآيات، وكان رسول اللّه بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه يقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي.1 ويقول: هل لك من حاجة، واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين.2

1 . أسباب النزول للواحدي: 252.
2 . مجمع البيان: 10/ 299 ـ 300 وغيره من التفاسير.

صفحه 99
لكن هذه الرواية معارضة بما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فقد روي عنهم :
1. إن الآية نزلت في رجل من بني أُميّة كان عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وجاء ابن أُمّ مكتوم، فلمّا رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه .1
2. روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)قوله: «وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا رأى عبدالله ابن أُمّ مكتوم قال: « مرحباً ومرحباً، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبداً، وكان يصنع به من اللطف حتّى كان يكّف عن النبي ممّا يفعل».2
3. نقل عنهم(عليهم السلام)أنّها نزلت في عثمان وابن أُم مكتوم، وكان ابن أُم مكتوم مؤذّناً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وكان أعمى فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعنده أصحابه وعثمان عنده، فقدّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على عثمان، فعبس عثمان في وجهه وتولّى عنه.3
وعلى هذا فالروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)تردّ شأن النزول المعروف .

1 . مجمع البيان: 10 / 299 ـ 300 ; البرهان: 4 / 428 .
2 . مجمع البيان: 10 / 301 ; البرهان: 4 / 428. والرواية ذات وجهين، فلاحظ .
3 . البرهان: 4 / 427 .

صفحه 100

دراسة الموضوع على ضوء سائر الآيات

إنّ مَن يدرس أخلاق النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يقف على أنّ ما اشتهر من شأن النزول غير صحيح جدّاً، وذلك للوجوه التالية:
الأوّل: أنّه سبحانه وصف العابس بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء، وهذا الوصف لا ينطبق على أخلاق النبي السمحة وقلبه الواسع وتحنّنه على قومه وتعطّفه عليهم، كيف؟ وقد قال سبحانه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)1.
الثاني: أنّه سبحانه وصف نبيّه في سورة القلم، وهي ثانية السور التي نزلت في مكة (وأُولاها سورة العلق) بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)(2)، ومع هذا كيف يصفه بعد زمن قليل بخلافه؟ فأين هذا الخلق العظيم ممّا ورد في هذه السورة من العبوس والتولّـي؟ وهذه السورة حسب ترتيب النزول ـ وإن كانت متأخّرة في المصاحف عن سورة القلم ـ لكنّها متقاربة معها حسب النزول، ولم تكن هناك فاصلة زمنية طويلة الأمد.2
الثالث: أنّه سبحانه يأمر نبيّه بقوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)3، كما يأمره أيضاً بقوله:

1 . التوبة: 128.         2 . القلم: 4.
2 . تاريخ القرآن للعلاّمة الزنجاني: 36 ـ 37، وقد نقل ترتيب نزول القرآن في مكة والمدينة معتمداً على رواية محمد بن نعمان بن بشير التي نقلها ابن النديم في فهرسته ص 7، طبع مصر .
3 . الشعراء: 214 ـ 215.

صفحه 101
(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ)1، وقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)2.
إنّ سورتي «الشعراء» و «الحجر»، وإن نزلتا بعد سورة «عبس» ، لكن تضافرت الروايات على أنّ الآيات المذكورة في السورتين نزلت في بدء الدعوة، أي العام الثالث من البعثة عندما أمره سبحانه بالجهر بالدعوة والإصحار بالحقيقة، وعلى ذلك فهي متقدّمة حسب النزول على سورة «عبس» أوَيصحّ بعد هذه الخطابات، أن يخالف النبي هذه الخطابات بالتولّـي عن المؤمن؟! كلاّ ثم كلاّ .
الرابع: إنّ الرواية تشتمل على ما خطر في نفس النبي عند ورود ابن أُمّ مكتوم، من أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال في نفسه: «يقول هؤلاء الصناديد: إنّما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فأعرض عنه وأقبل على القوم» وعندئذ يُسأل عن كيفية وقوف الراوي على ما خطر في نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل أخبر به النبي؟ أو أنّه وقف عليه من طريق آخر ؟!
والأوّل بعيد جداً، والثاني مجهول.
الخامس: أنّ الرواية تدلّ على أنّ النبي كان يناجي جماعة من المشركين، وعند ذلك أتى عبد اللّه ابن أُمّ مكتوم وقال: يا رسول اللّه أقرئني، فهل كان إسكات ابن أُم مكتوم متوقّفاً على العبوس والتولّـي عنه، أو كان يكفي الاستمهال منه حتى يتمّ كلامه مع القوم، وهو ليس أمراً شاقّاً على النبي،

1 . الحجر: 88 .
2 . الحجر: 94.

صفحه 102
فلماذا ترك هذا الطريق السهل؟!
السادس: أنّ مناط العتاب هو إعراض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن ابن أُمّ مكتوم والعبوس بوجهه والتولّي عنه والتصدّي لدعوة المشرك والإقبال عليه، ومن المعلوم أنّ هذا العمل لم يكن عملاً مستحقّاً للعتاب لأنّه إذا دار الأمر بين إرشاد مؤمن إلى تعاليم الإسلام ليزداد تزكية، وبين إرشاد كافرين رجاء أن يسلموا، فيُسلم بإسلامهم جمع كبير من المجتمع المكّي، فمن الواضح أنّ الثاني أهم من الأوّل، إذ فيه فتح كبير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ودخول الإسلام إلى أكثر بيوت مكّة.
وهذه الوجوه الستة وإن أمكن الاعتذار عن بعضها بأنّ العبوس والتولّـي مرّة واحدة لا ينافي ما وصف به النبي في القرآن من الخلق العظيم وغيره، لكن محصل هذه الوجوه يورث الشك في صحّة الرواية ويسلب الاعتماد عليها.1
ولمّا كان هذا النقل عن سبب التولّي غير خال عن الإشكال، عاد ابن عاشور إلى تفسير وجه العتاب الّذي يعطيه لحن الآية ومن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لابن أُمّ مكتوم: «مرحباً بمن عاتبني ربي لأجله» إنّما هو عتاب على العبوس والتولّي لا على المبادرة على دعوة قوم وتأخير إرشاد، لأنّ ما سلكه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه الحادثة على سبيل الإرشاد لا يستدعي عتاباً .2
يلاحظ عليه: بأنّه ـ أيضاً ـ غير صحيح ; لأنّ المخاطب كان أعمى، ولا

1 . راجع: التبيان: 10 / 268 ; مجمع البيان: 10 / 266 ; الميزان في تفسير القرآن: 20 / 203 .
2 . التحرير والتنوير: 30 / 99 .

صفحه 103
يرى عبوس العابس وتولّيه عنه، فكيف يكون العمل الصادر عن الشخص في حق أحد ـ دون أن يراه ـ سبباً للعتاب؟!
هذا كلّه حول الرواية الّتي تنسب قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى)إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأمّا الرواية الأُخرى، فهي لا تنطبق على ظاهر الآيات، لأنّ محصلها أنّ رجلاً من بني أُميّة كان عند النبي فجاء ابن أُمّ مكتوم، فلمّـا رآه ذلك الرجل تقذّر منه وجمع نفسه، وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى اللّه سبحانه ذلك وأنكره عليه.
ولكن هذا المقدار المنقول في سبب النزول لا يكفي في توضيح الآيات، ولا يرفع إبهامها، لأنّ الظاهر أنّ العابس والمتولّـي، هو المخاطب بقوله سبحانه: (وَ مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)إلى قوله: (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) ، فلو كان المتعبّس والمتولّي، هو الرجل الأموي، فيجب أن يكون هو المخاطب بالخطابات الستة لا غيره، مع أنّ الرواية لا تدلّ على ذلك، بل غاية ما تدلّ عليه أنّ فرداً من الأمويين عبس وتولّـى عندما جاءه الأعمى فقط، ولا تلقي الضوء على الخطابات الآتية بعد الآيتين الأُوليين وإنّـها إلى مَن تهدف، فهل تقصد ذاك الرجل الأموي وهو بعيد، أو النبي الأكرم ؟
هذا هو القضاء بين السببين المرويين للنزول، وقد عرفت الأسئلة الموجهة إليهما.
وعلى فرض صحّة الرواية الأُولى لابدّ أن يقال:
إنّ الرواية إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان موضع

صفحه 104
عنايته سبحانه ورعايته، فلم يكن مسؤولاً عن أفعاله وحركاته وسكناته فقط، بل كان مسؤولاً حتى عن نظراته وانقباض ملامح وجهه، وانبساطها، فكانت المسؤولية الملقاة على عاتقه من أشد المسؤوليات، وأثقلها، وصدق اللّه العلي العظيم حيث يقول: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)1.
كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يناجي صناديد قومه ورؤساءهم لينجيهم من الوثنية ويهديهم إلى عبادة التوحيد ـ وكان لإسلامهم يوم ذاك تأثير عميق في إيمان غيرهم، إذ الناس على دين ملوكهم وقادتهم ـ إذ جاءه ابن أُم مكتوم غافلاً عمّـا عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأمر المهم، فلم يلتفت إليه النبي، واستمرّ على ما كان عليه من الحوار مع أكابر قومه.
وما سلكه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن أمراً مذموماً عند العقلاء، ولا خروجاً على طاعة اللّه، ولكن الإسلام دعاه وأرشده إلى خلق مثالي أعلى ممّـا سلكه، وهو أنّ التصدّي لهداية قوم يتصوّرون أنفسهم أغنياء عن الهداية، يجب أن لا يكون سبباً للتولّـي عمّـن يسعى ويخشى، فهداية الرجل الساعي في طريق الحق، الخائف من عذاب اللّه، أَولى من التصدّي لقوم يتظاهرون بالاستغناء عن الهداية وعمّـا أنزل إليك من الوحي، وما عليك شيء إذا لم يزكّوا أنفسهم، لأنّ القرآن تذكرة قال تعالى: (كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ)2وقال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر)3.

1 . المزمل: 5.
2 . المدثر: 54 ـ 55 .
3 . الغاشية: 21 ـ 22.

صفحه 105
فعظم المسؤولية اقتضى أن يعاتب اللّه سبحانه نبيّه لترك ما هو الأَولى بحاله حتى يرشده إلى ما يعد من أفاضل ومحاسن الأخلاق، وينبهه على عظم حال المؤمن المسترشد، وأنّ مداراة المؤمن ليقيم على إيمانه، أولى من مداراة المشرك طمعاً في إيمانه، ومن هذا حاله لا يعدّ عاصياً لأمر اللّه ومخالفاً لطاعته.
وللشيخ محمد جواد مغنية (رحمه الله) كلام حول تفسير الآيات حاول فيه الجمع بين كون العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ بشهادة توجّه الخطاب إليه بعين قوله تعالى: (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) ـ ونفي وجود العتاب وتوجهه إليه، فقال ما هذا نصّه:
لا لوم ولا عتاب على النبي ولا على الأعمى في هذه الآيات، وإنّما هي في واقعها تحقير وتوبيخ للمشركين الذين أقبل عليهم النبي بقصد أن يستميلهم ويرغّبهم في الإسلام، لأنّ الله يقول لنبيّه في هذه الآيات: لماذا تتعجّل النصر لدين الله، وتسلك إليه كلّ سبيل حتّى بلغ الأمر أن ترجو الخير وتأمل هداية أشقى الخلق وأكثرهم فساداً وضلالاً.. دعهم في طغيانهم، وأغلظ لهم، فإنّهم أحقر من أن ينتصر الله بهم لدينه، وأضعف من أن يقفوا في طريق الإسلام وتقدّمه، فإنّ الله سيذلّ أعداءه مهما بلغوا من الجاه والمال، ويُظهر دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون..
فهذه الآيات قريبة في معناها من قوله تعالى: (فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات )1. ثم انتقل سبحانه إلى تقرير الحقيقة المطلقة، وهي: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ

1 . فاطر: 8 .

صفحه 106
عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ )1 قرّرها بأُسلوب آخر، وهو أنّ الذي يخشى ويزّكّى وتنفعه الذكرى هو الّذي يستحق التكريم والتعظيم، أمّا من يعرض عن الحق ولا ينتفع بمواعظ الله فيجب نبذه واحتقاره، وإن كان أغنى الأغنياء وسيد الوجهاء».2
وعلى كلّ تقدير، نحن نفسّر الآيات دون تعيين مرجع الضمير على وجه ينطبق على كلا النقلين، وإن كان الأوّل ضعيفاً عندنا، والله العالم.
1. (عَبَسَ وَ تَوَلَّى):
أي قبض وجهه وأعرض.
2. (أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى):
سبب لقبض الوجه والتولّي.
3 و 4. (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى):
الضمير في (لَعَلَّهُ) يرجع إلى الأعمى، والجملة خالية من ذكر اسمه .
ويعلّل العتاب بأن الإقبال على الأعمى وعدم التولّي عنه والتصدّي لإرشاده، لا يخلو من إحدى فائدتين :
1. التزكّي والتطهير بالأعمال الصالحة والاجتناب عن الآثام والمعاصي، بإرشاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعليمه.

1 . الحجرات: 13 .
2 . التفسير الكاشف: 7 / 516 .

صفحه 107
2. التذكّر والاتّعاظ بما يسمعه من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من آيات القرآن، وعندئذ فسوف تنفعه الذكرى، فإرشاده يتضمن أحد أمرين: تزكّ أو تذكّر.
5 و 6. (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى):
يعني أنّك تتولّى عن الأعمى وتتصدّى لهداية مَن استغنى، والمراد من الاستغناء هو الاستغناء عن هداية الله ودعوته، ومن المعلوم أنّ هذا الإنسان يكون طاغياً، قال تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَاَهُ اسْتَغْنى)1 .
7. (وَ مَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى):
جملة معترضة بين ما سبق وما يأتي، أعني قوله: (وَ أَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى)، والمراد أنّ عدم اهتداء المستغني ليس محمولاً عليك ولا تؤاخذ أنت بكفره.
8 و 9. (وَ أَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَ هُوَ يَخْشَى):
وصف الله سبحانه الأعمى الّذي جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للاهتداء بوصفين:
1. أنّه يسعى .
2. أنّه يخشى الله سبحانه، وهذا من آثار تلاوة القرآن ، لقوله سبحانه: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى).2

1 . العلق: 6 ـ 7 .
2 . الأعلى: 10 .

صفحه 108
سورة عبس: الآيات 11 ـ 16   
ثم إنّ هذين الوصفين يقابلان وصف الكافر بالاستغناء الّذي يتضمّن ضدّ هذين الوصفين، فالمستغني لا يسعى للهداية ولا يخشى من الله سبحانه.
10. (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى):
أي تتغافل وتشتغل عنه بغيره .

الآيات: الحادية عشرة إلى السادسة عشرة

(كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُف مُكَرَّمَة * مَرْفُوعَة مُطَهَّرَة * بَأَيْدِي سَفَرَة * كِرَام بَرَرَة) .

المفردات

صُحُف: جمع صحيفة، والعرب تُسمّي كلّ مكتوب فيه صحيفة، وكانت العرب تكتب على قطعة من أديم أو ورق أو خرقة أو غير ذلك. وربما تجمع «صحيفة» على «صحائف»، وهو موافق للقياس غير أنّ القرآن استعمل كلمة «صحف» للجمع.
مكرَّمة: أي معظّمة مُبجَّلة.
مرفوعة: أي عالية القَدْر عند الله.
مطهّرة: منزَّهة، ويراد: الطهارة من الباطل ولغو القول.
سَفَرة: شبه جمع سفير ـ قلنا: شبه جمع، لأنّ جمعه حسب القياس هو

صفحه 109
السفراء ـ وهو مطلق الرسول، ويحتمل أن يكون جمع سافر وهو كاتب الأسفار.
كرام: أي عزيزون عند ربهم.
بررة: جمع بارّ، وهو فاعل الخير.

التفسير

11. (كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ):
الضمير في (إِنَّهَا)إمّا يرجع إلى القرآن، والتأنيث لأجل الخبر، أو يرجع إلى الآيات المعلومة من القرائن، وكلمة (كَلاَّ)ردع لما سبق وإبطال لما ذُكر، وهو الإعراض عن الأعمى والتوجّه إلى غيره.
فالقرآن تذكرة لما توحي إليه فطرة الإنسان والعقل الحصيف .
12. (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ):
الضمير في (ذَكَرَهُ) يرجع إلى التذكرة باعتبار كون المراد منها القرآن، أو يرجع إلى نفس القرآن المفهوم من القرائن، ويحتمل أن يرجع إلى الله سبحانه، والأخير بعيد بقرينة ما يأتي من الآيات.
وفي الآية إشارة إلى أنّ كلّ إنسان إذا تجرّد من العناد ينتفع به، ومن لا ينتفع به، فلأجل وجود حجاب، بينه وبين القرآن ، وقد تكرّر كون القرآن

صفحه 110
تذكرة في مواضع عديدة، نظير قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)1.
13 و 14. (فِي صُحُف مُكَرَّمَة * مَرْفُوعَة مُطَهَّرَة):
أراد سبحانه بذلك بيان جلالة قدر القرآن فوصفه بأوصاف ثلاثة وقال:
1. (فِي صُحُف مُكَرَّمَة)، أي معظّمة عند الله.
2. (مَرْفُوعَة)، أي رُفع قدرها عند الله.
3. (مُطَهَّرَة)، من الباطل واللغو.
أي هذه التذكرة موضوعة في صحف ذات شرف ورفعة، مطهّرة من كلّ باطل ولغو.
ثم إنّه يقع الكلام فيما هو المراد من هذه الصحف، والظاهر أنّ المراد من الصحف الموصوفة بالصفات الثلاث: مكرّمة، مرفوعة، مطهّرة، هي الصحف الموجودة بأيدي الملائكة التي منها يتلقّى جبرئيل (عليه السلام)الوحي الّذي أُمر بتبليغه، ولا مانع من أن يكون جبرئيل هو حامل الوحي لقوله سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)2.
هذا من غير فرق بين تفسير السفَرة بالرسل أو بالكتّاب، فكلا المعنيين يجتمع إذا أُريد به الصحف القدسية في العالم العلوي.
وهناك احتمالات ضعيفة نشير إليها :
1. المراد هو اللوح المحفوظ، فقد دلّت بعض الآيات على وجود

1 . الحاقة: 48 .
2 . الشعراء: 193 ـ 194 .

صفحه 111
القرآن في لوح محفوظ، قال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ)1.
يلاحظ عليه: أنّه لم يرد في كلامه تعالى إطلاق الصحف أو الكتب أو الألواح بصيغة الجمع على اللوح المحفوظ.
2. المراد كتب الأنبياء الماضين.
يلاحظ عليه: بأنّه لا يتناسب مع قوله في وصف الصحف : (بَأَيْدِي سَفَرَة * كِرَام بَرَرَة)، خصوصاً إذا قلنا بأنّ المراد من (سَفَرَة) هم كتّاب
السِّفْر .
3. المراد من الصحف الأشياء الّتي كتب فيها القرآن من قراطيس وأوراق وأكتاف وجريد.
يلاحظ عليه: بأنّ السورة مكيّة، عُدّت الرابعة والعشرين في ترتيب نزول القرآن، ولم يثبت وجود الكتبة (بصيغة الجمع) آن نَزول السورة.
15. (بَأَيْدِي سَفَرَة ) :
قد تقدّم أنّ سفَرة اسم جمع للسفير، والمراد سفراء الله بينه وبين رسله، وكأنّ حال الملائكة حال السفراء الذين يحملون بأيديهم الأوامر والعهود.
16. (كِرَام بَرَرَة) :
وقد وصف سبحانه السفَرة الذين أُريد بهم الملائكة بوصفين، وهما:
1. أنّهم كرام عند الله، كما يقول في آية أُخرى: (كِرَاماً كَاتِبِينَ)(2).

1 . البروج: 21 ـ 22 .   2 . الانفطار: 11.

صفحه 112
2. أنّهم بررة (جمع بار وهو فاعل الخير)، أي صالحين متّقين.
سورة عبس: الآيات 17 ـ 23   

الآيات: السابعة عشرة إلى الثالثة والعشرين

(قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْء خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ).

التفسير

17. (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ):
قوله : (قُتِلَ الإِنْسَانُ)هذه الصيغة في لغة العرب، دعاء على الإنسان بأشنع الدعوات، على نحو يُريد الداعي بيان أنّ الإنسان بلغ من قبح الأعمال حدّاً لا يستحق معه أن يبقى حيّاً.
وأمّا قوله: ( مَا أَكْفَرَهُ)«ما» نكرة بمعنى الشيء العظيم وهو مبتدأ خبره «أكفره»، والضمير المستتر يرجع إلى «ما»، «والهاء» مفعول به، بمعنى شيء عظيم جعله كافراً، ومنشأ الكفران هو نسيانه ما أُوتي من النِّعم، فمع وجود النِّعم العظام يكفر بالله سبحانه ويطغى. ثم أشار تعالى إلى دلائل قدرته ونعمه على الإنسان الّذي كفر بالله مكان أن يؤمن به، وذكر النِّعم الّتي غمرته في مراتب ثلاث من وجوده :
1. مبدأ خلقه.
2. وسط خلقه.

صفحه 113
3. منتهى خلقه.
أمّا المبدأ: فقال:
18 و 19. (مِنْ أَيِّ شَيْء خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ):
حيث خلقه من ماء مهين، وتنكير النطفة للتحقير.
وقد أُشير إلى التقدير في آية أُخرى، قال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)1.
ولعلّ المراد من التقدير: أنّه سبحانه قدّر كلّ عضو في الكمية والكيفية بالقدر اللائق لمصلحته.
وأمّا الوسط: فقال تعالى:
20. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ):
وهذه هي أوّل النعم الّتي تفضّل بها الله تعالى على الإنسان في وسط حياته، والمراد به يسر السبيل إلى طاعة الله وامتثال أوامره، وإن شئت قلت: السبيل إلى الخير والسعادة .2
ويمكن أن يقال: إنّ المراد هو تعرّف الإنسان على الخير والشر،
وكيفية الاستفادة من القوى الطبيعية في هذا العالم، وستقرأ في تفسير
سورة البلد معنى قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَ شَفَتَيْنِ *

1 . الفرقان: 2 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 313 .

صفحه 114
وَ هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)1.
إنّ الآيتين الأُوليين ناظرتان إلى التقدير في قوله (فَقَدَّرَهُ)، كما أنّ قوله: (هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)ناظر إلى تيسير سبيله في قوله (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ).
أمّا المنتهى: فقد أشار إليه بقوله سبحانه:
21 و 22. (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) :
أي قَبَضَ روحه ولم يتركه مطروحاً على الأرض طعمة للسباع، بل جعل في غريزة نوعه أن يواروا ميّتهم تحت الأرض تكرمة له، ثم إذا شاء بعثه بعد موته وأحياه. وفي قوله: (إِذَا شَاءَ)إشارة إلى أنّه سبحانه وحده يعلم وقت البعث والنشر.
ثم إنّه سبحانه رتّب على ذكر هذه النعم الّتي شملت الإنسان بكلّ مراحل حياته، قوله سبحانه:
23. (كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ):
أي أنّ حال الإنسان تدعو إلى العجب، فمع وجود هذه الآيات في خلقه، والقدرات التي أودعت فيه، والنِّعم التي أُسبغت عليه، فإنّه لم يؤد حقّ الله تعالى عليه .
سورة عبس: الآيات 24 ـ 32   
وخلاصة الكلام: أنّه سبحانه تبارك وتعالى خلق الإنسان وغمره بالنعم والقدرات والطاقات في مبدأ حياته ووسطها، ثم أنعم عليه بعد قبض روحه

1 . البلد: 8 ـ 10 .

صفحه 115
بجعل مواراة الميّت أمراً غريزياً للإنسان، ولكنّه يغدو في عناده وطغيانه، ولا يرفع نظره إلى ما أسبغ عليه من عظائم النعم ولا ما ناله حالياً، حتى يعرفه ويعبده ويقتفي أثر رسله.

الآيات: الرابعة والعشرون إلى الثانية والثلاثين

(فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَ عِنَباً وَ قَضْباً * وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلاً * وَ حَدَائِقَ غُلْباً * وَ فَاكِهَةً وَ أَبًّا * مَتَاعاً لَكُمْ وَ لأَنْعَامِكُمْ) .

المفردات

قضباً: القضْب: هو الخضروات التي تحصد بين فترة وأُخرى والتي تؤكل من غير طبخ، وفي المفردات: القضب يستعمل في البقل.1
الحدائق: جمع الحديقة بمعنى البستان المحوّط، ومنه قولهم: أحدق به القوم، إذا أحاطوا به .
غُلباً: الغُلْب جمع غَلْباء، يقال: حديقة غلباء: عظُمت أشجارها وتكاثفت والتفّت.
أبّاً: المرعى والكلأ الذي لم يزرعه الناس.

1 . المفردات للراغب: 406، مادة «قضب».

صفحه 116

التفسير

عاد البيان القرآني في هذا المقطع كسابقه إلى بيان نعمه سبحانه غير أنّ الفرق بين المقطعين هو أنّه ركّز في المقطع الأوّل على خلق الإنسان في مراحل ثلاث كلّها نِعم، وفي هذا المقطع ركّز على ما به قوام حياته من النعم التي يأكلها وينتفع بها ويعيش بفضلها، كلّ ذلك تنبيهاً على أنّ الإنسان الكافر مع انغماره في هذه النعم: لم يقض ما أمره، ولم يقم بمعرفة الله سبحانه وطاعته واقتفاء أثر رسله، فكأنّه يوبّخه بأنّه مع هذه النِّعم وجوداً ونشوءاً، وحياة وبقاءً، إنسان كافر بنعم الله، وإليك النعم التي ذكرت في هذا المقطع:
24. (فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) :
أي إن كان الإنسان في شك من ربّه فلينظر إلى ما يطعمه .
وظاهر السياق أنّ المراد هو الطعام الذي هو قوام جسمه وبدنه، وقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام)أنّه فسّره بعلمه الذي يأخذه، عمّن يأخذه 1، وهو تفسير بالباطن الذي لايقف عليه إلاّ المعصوم.
وما ذكره عليه الصلاة والسلام باطن الآية، والمراد من باطنها هو المعنى الّذي يقع في طول المعنى الأوّل على نحو يوجد بينهما كمال التناسب لا التباين والتضاد، وكأنّ الباطن نوع توسيع لمعنى الظاهر، فالآية تأمر الإنسان بأن ينظر فيما يأكله ويقضمه، هل هو طعام نافع أو مضرّ؟ وباطن

1 . تفسير البرهان: 4 / 429 .

صفحه 117
الآية يشير إلى أنّ غذاء الروح ـ أعني: العلم الّذي يأخذه ـ أَولى وأهمّ، بأن ينظر الإنسان ممّن يأخذه، فهل هو صالح للأخذ فيكون علماً نافعاً، أو أنّه كان غير صالح فيكون علماً ضارّاً؟
وبهذا يُعلم أنّ تحريم بيع كتب الضلال، لأجل نكتة واضحة وهو أنّ الناس على قسمين:
1. مَن يميّز الحق من الباطل وله قدرة التفكيك بينهما، فلا شكّ أنّ جعل هذه الكتب في متناول أيدي هؤلاء أمر جائز، لأنّهم سيقومون بدراستها ونقدها وردّ سهامها إلى نحور مؤلّفيها.
2. مَن ليس له قدرة التفكير في تمييز الحق عن الباطل بل يتأثّر بكلّ كلام وخطابة، ومن المعلوم أنّ بيع كتب الضلال إلى هؤلاء أو جعلها في متناولهم يسبّب انهدام إيمانهم ويؤثر في انجرارهم إلى أهل الضلال.
وعلى ضوء ما ذكرنا فلا يعدّ تحريم بيع كتب الضلال منافياً لحرية التفكير الّتي دعا إليها الإسلام وقال: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَ أُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ )1.
ثمّ لمّا كانت الغاية من النظر إلى الطعام هي التفكّر والاعتبار بهذه النعمة، ليطيع الإنسان ربّه ويشكره، بيّن سبحانه مصدر تكوّن هذا الطعام بقوله:

1 . الزمر: 18 .

صفحه 118
25. (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا):
وأُريد به نزول المطر ووصفه بـ (صبّاً) للإشارة إلى غزارة الماء، وبدأ بذكر المواد التي يتكون منها الطعام بالماء ; لأنّ له الرئاسة على الحياة، قال سبحانه: (وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ)1 .
وخصّ مبدأ الماء في الأرض بنزوله من السماء مع أنّ الإنسان يستمدّه من العيون والآبار والأنهار، لأنّ مصادر هذه المياه هو المطر فهو ينزل من السماء، ثم يستقرّ في أعماق الأرض، ثم يخرج منها، أو يستخرج بالوسائل والأدوات الخاصّة.
26. (ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا):
بما يخرج منها من نبات، فعندما تمتصّ البذرة الماء، تنتفخ وتتمزّق قشرتها، وهذا يؤدّي إلى ظهور بادرة صغيرة جداً، يُعرف الجزء السفلي منها بالسويقة الجنينية السفلى، وهذه تعطي الجذر الرئيسي، الذي ينمو إلى أسفل فيشقّ التربة ويكوّن المجموع الجذري الذي يمتصّ الماء والأملاح المعدنية التي يحتاج إليها النبات، ويُعرف الجزء العلوي من البادرة بالسويقة الجنينية العليا، وهي تنمو إلى أعلى، فتشقّ التربة، ويخرج النبات فوقها ممتدَّاً في الهواء، وفعل النبات هو فعل الله سبحانه ; لأنّه مصدر الوجود ومسبب الأسباب ومكوّن النظام، وهو الذي منح النبات تلك القدرة على النمو وشقّ الأرض .

1 . الأنبياء: 30 .

صفحه 119
ثم إنّه سبحانه يذكر هذه النِّعم بصورتين مختلفتين:
الأُولى: ما يشير فيها إلى نفس النِّعم التي يتغذّى عليها الإنسان.
الثانية: يذكر المبادئ التي تسبب وجود النِّعم.
أمّا الأُولى فقد أشار إليها بقوله:
27 و 28. (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَ عِنَباً وَ قَضْباً):
فقوله: (حَبًّا) يشمل جنس الحبوب التي يتغذّى بها الإنسان، وتُدَّخر، من الحنطة والشعير والحمّص وغيرها. وقد قدّم الحبّ لأنّه المادة الرئيسية لتغذية الإنسان والحيوان، ثم أضاف وقال: (وَ عِنَباً)وقد ذكر العنب دون غيره لأنّه يشتمل على مواد غذائية مقوّية، وربّما يُعد العنب غذاءً كاملاً، ثم ذكر (قَضْباً) ويُراد به الخضر التي يأكلها الإنسان رطبة غضّة، بلا طبخ.
29. (وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً):
يراد بالأوّل ما يعصر منه الزيت المعروف، ويراد بالثاني ـ أعني: «نخلاً» ـ جمع نخلة، وكلاهما معروفان.
وخصّ النخل بالذكر دون ثمرته ـ خلافاً للزيتون حيث ذكر الثمرة ـ وذلك لأنّ منافع النخيل كثيرة لا تقتصر على ثمرته، فهم يقتاتون ثمرته من تمر ورطب وبسر وجماره، ويشربون ماء عود النخل إذا شُقّ عنه، ويتّخذون من نوى التمر علفاً لإبلهم، فضلاً عن اتّخاذهم البيوت والأواني من خشبه، والحصر من سعفه والحبال من ليفه .1

1 . التحرير والتنوير: 30 / 116 .

صفحه 120
وأمّا الصورة الثانية وهي الإشارة إلى مبادئ هذه النِّعم ومراكزها، فقال:
30. (وَ حَدَائِقَ غُلْباً):
أي: بساتين محوطة تشتمل على أشجار عظام غلاظ متكاثفة.
31. (وَ فَاكِهَةً وَ أَبًّا):
يشير إلى مطلق الفاكهة، وذكر الحدائق لأنّها هي المركز الذي تؤخذ منه الثمار، ولذلك ذكر بعدها قوله: (وَ فَاكِهَةً).
قوله تعالى: ( وَ أَبًّا)أي: الكلأ الذي ترعاه الأنعام.
32. (مَتَاعاً لَكُمْ وَ لأَنْعَامِكُمْ) :
المتاع ما يتمتع به الإنسان والحيوان.
روى السيوطي عن إبراهيم التيمي قال: سُئل أبو بكر عن قوله تعالى: (أَبًّا) فقال: أيّ سماء تُظلُّني وأي أرض تُقلُّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.
سورة عبس: الآيات 33 ـ 42   
ثم نقل عن البيهقي في «شعب الإيمان» والخطيب والحاكم وصحّحه عن أنس : أنّ عمر قرأ على المنبر: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَ عِنَباً وَ قَضْباً)إلى قوله: (وأبّاً) قال: كلّ هذا قد عرفناه فما الأبّ، ثم رفع عصاً كانت في يده فقال: هذا لعمر الله هو التكلّف، فما عليك أن لاتدري ما الأبّ، اتّبعوا ما بُيّن لكم هداه من الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه .1

1 . الدر المنثور: 8 / 421 ـ 422 .

صفحه 121
لاشكّ أنّ ما في ذيل كلامه من النهي عن التقوّل بغير علم لا إشكال فيه، إنّما الإشكال يتوجّه من جانب آخر، وهو كيف يخفى عليه معنى هذا اللفظ وهو العربي الصميم، وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه لمّا سمع بمقالة ]الخليفة [ قال: «سبحان الله أما علم أنّ الأبّ هو الكلأ والمرعى، وأنّ قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَ أَبًّا)اعتداد من الله بإنعامه على خلقه فيما غذّاهم به، وخلقه لهم ولأنعامهم ممّا تحيا به أنفسهم وتقوّم به أجسادهم».1

الآيات: الثالثة والثلاثون إلى الثانية والأربعين

(فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ * وَ صَاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِىً مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ).

المفردات

الصاخّة: وهي الصاكّة بشدّة صوتها، الآذان فتصمّها.
المسفرة: يقال: أسفر الصبح أي ظهر ضوء الشمس في أُفق الفجر، ويراد وجوه متهلِّلة فرحاً وعليها أثر النعيم.
ضاحكة: كناية عن السرور.

1 . الإرشاد للشيخ المفيد: 1 / 200، كما في الميزان: 20 / 319 .

صفحه 122
مستبشرة: فرحة.
الغبرة: الغبار.
ترهقها: تعلوها.
القترة: ظلمة الدخان، وفي الحقيقة شبه دخان يغشي الوجه من الكرب والغمّ.

التفسير

بعد أن ذمّ سبحانه المشركين بقوله: (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ)ثم استدلّ بصورتين على كفرهم بنعم الله سبحانه، فرّع على ذلك إنذارهم بيوم الجزاء مقابل كفرهم بالله سبحانه وعدم معرفة نعمه ومقامه بشكل يصف ذلك اليوم المروّع بأمرين:
33 ـ أ. (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ):
الّتي تصكّ الآذان، ولعلّه يريد صيحة القيامة.
34 ـ 36 ـ ب . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَ صَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ):
وصف لهول ذلك اليوم حيث يهرب فيه المرء من أعزّ أفراد عائلته .
وقد ذكر سبحانه هنا أصنافاً ثلاثة من أفراد عائلته، فبدأ بالمحبوب ثم الأحبّ ـ من ناحية تعلّق قلب الإنسان به ـ ، فذكر أوّلاً الفرار من الأخ، ثم ذكر الفرار من الأُمّ والأب، وغير خفيّ أن تعلّق الإنسان بالأبوين أشدّ من تعلّقه بالأخ، وأن الوشيجة الموجودة بين الإنسان وعموديه أقوى من الوشيجة

صفحه 123
الموجودة بينه وبين إخوانه.
ثم انتقل ثالثاً إلى الفرار من الزوجة والأبناء فقال: (وَصَاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ)وهما أشدّ الناس حبّاً للإنسان وحنوّاً عليه.
(ومن الإعجاز النفسي للقرآن الكريم في هذه الآيات، أنّه غاص في أعماق النفس الإنسانية، وأقام مشاعرها على ميزان دقيق محكم، فجاء هذا الترتيب لموقف الإنسان ممّن يفرّ منهم في زحمة هذا البلاء، حسب درجة شعوره بهم، ووزنه لكلّ منهم)1.
37. (لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ):
والآية في صدد بيان شدّة الهول وزيادته، حيث إنّ كلّ إنسان لا يفكّر يومذاك إلاّ في أمر نفسه، وأمره هذا يغنيه عن الاشتغال بغيره.
وإذا أردنا أن نمثّل هول ذلك اليوم فلنمثل بمثال أضعف من أن يشبه ذلك المقام، والمثال هو فيما لو أُلقي القبض على جماعة في جريمة كبرى، فإذا تمّت جلسات التحقيق والمحكمة، وجُمعوا لسماع ما سيصدر بحقّهم من أحكام، فكلّ منهم لا يسمع ولا ينتظر إلاّ حكمه بالذات، ولا ينشغل بسماع الأحكام الصادرة بحقّ الآخرين، ولا يفكّر في أمر آخر.
روى الطبرسي عن عطاء بن يسار عن سودة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يبعث الناس حفاة عراة غرلاً 2 يلجمهم العرق ويبلغ

1 . التفسير القرآني للقرآن: 16 / 462 .
2 . الغرل جمع الأغرل، وهو الّذي لم يختن .

صفحه 124
شحمة الآذان»، قالت: قلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض ؟؟
قال: شغل الناس عن ذلك، وتلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لِكُلِّ امْرِىً مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) .1
ثم انتقل البيان القرآني إلى بيان حال صنفين من الناس: سعداء وأشقياء، فقسّم من في المحشر إلى قسمين متفاوتين من حيث ظهور علامات الفرح أو الغمّ في وجوههم.
فأمّا القسم الأوّل ـ أعني: السعداء ـ فقد أشار إليهم بقوله :
38. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ):
أي مشرقة مضيئة.
39. (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ):
فلو حمل الضحك على معناه اللغوي يكون معنى الآية: ضاحكة من سرورها وفرحها بما أُعدّ لها من الثواب، ولو قلنا بأنّها كناية عن الفرح يصير معنى الآية فرحة مسرورة، لما نالت من الجزاء الأوفر.
نعم نُسبت هذه الآثار إلى الوجوه ولكن المنسوب إليه في الواقع هم أصحابها، وإنّما نُسب إليها لأنّ آثار الفرح والغمّ تظهر في الوجوه قبل كلّ شيء، فترى أنّ الإنسان المطمئن يعلو على وجهه الانبساط، وأمّا الإنسان القلق فترى وجهه منقبضاً متغيّر اللون إلى الغُبرة.

1 . مجمع البيان: 10 / 206 .

صفحه 125
هؤلاء هم السعداء وأمّا الأشقياء فهم في مقابل المؤمنين جزاءً ووصفاً، فأشار إليهم بقوله:
40 و 41. (وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) :
فقوله: (غَبَرَةٌ) جاء في مقابل (مُسْفِرَةٌ) فالسعيد يعلو وجهه الانبساط والنور والضياء، وأمّا الشقيّ تعلو وجهه غبرة الحزن والكمد، ويغشاه سواد الخزي والذلّ .
ثم عرّف سبحانه أصحاب تلك الوجوه الموصوفة بالغبرة والسواد، بقوله:
42. (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) :
أمّا أصحاب تلك الوجوه المشرقة المسرورة، فلم يُشر إليها، وكأنّهم يُعرفون من سياق الآيات.
ثم إنّه قدّم الكفر على الفجور، مع أنّ الأوّل أشدّ، ولعلّ وجهه أنّ الفجور أمر عملي يكشف عن خساسة الذات وخبثها.
***
تمّ تفسير سورة عبس

صفحه 126

صفحه 127
   

سورة التكوير

(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَ إِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَ إِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَ إِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَ إِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ * وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَ إِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ * فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَ اللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين * مُطَاع ثَمَّ أَمِين * وَ مَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون * وَ لَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِين * وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَان رَجِيم * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَ مَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).

صفحه 128
خصائص السورة

تسمية السورة

سُميّت السورة في كتب التفسير بسورة «التكوير»، وفي بعض التفاسير بسورة «كوّرت». والأوّل مأخوذ من قوله تعالى: (كُوِّرَتْ)، والثاني حكاية لنفس اللفظ.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها تسع وعشرون آية بالاتّفاق، وهي مكّيّة، نزلت في أوائل البعثة عندما وصف المشركون النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بالجنون.

أغراض السورة

تتألّف هذه السورة من مقطعين، ففي المقطع الأوّل تتحدّث عن أشراط الساعة وأمارات يوم القيامة، وما يحدث عندها من أهوال وشدائد، ينهار بها نظام الوجود، وتتبدّل السماء، وتُدمَّر الأرض وما عليها. وهو من أوّل السورة إلى الآية الرابعة عشرة.
سورة التكوير: الآيات 1 ـ 14   
والمقطع الثاني يتعلّق بالوحي وأنّ ما يتلوه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أو (صَاحِبُكُمْ) ـ حسب التعبير القرآني ـ وحيٌ تلقّاه من رسول أمين له شأن وخصوصية، وأنّ أمين الوحي ليس على الغيب بضنين، بل هو يبلّغ ما أُمر به.
وعلى هذين المقطعين تدور آيات السورة.

صفحه 129
وإليك الكلام في المقطع الأوّل.

الآيات: الأربعة عشرة الأُولى

(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَ إِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَ إِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَ إِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَ إِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ * وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَ إِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ).

المفردات

كوّرت: التكوير: التلفيف على جهة الاستدارة، يقال: كُرتُ العمامةَ على رأسي، أكورها كوراً، وإذا نُسب إلى الشمس يكون المراد انقباض ضوئها المنتشر في العالم وخفاءه.
انكدرت: يفسّر بوجهين:
1. انقلاب الشيء من أصله حتّى يصير أعلاه أسفله وتكون النتيجة التساقط والتناثر.
2. الكُدرة ضدّ الصفاء كتغيّر لون الماء ويكون المراد تكديرها حين زال عنها لونها.
العشار: جمع عشراء وهي الناقة الّتي قد أتى عليها عشرة أشهر من

صفحه 130
حملها فقاربت أن تضعه، وهي أنفس شيء عند العرب لكونها مستعدّة للّبن والولد.
الوحوش: جمع وحش وهو الحيوان البرّي غير المستأنس بالإنسان .
حُشرت: أي جُمعت في مكان واحد.
سُجّرت: السجْر: الملء، ويقال : بئر سجْر أي ممتلئة، وتنّور مسجور أي مملوء بالنار.
زوّجّت: التزويج: هو الجمع، أي جمع النفوس.
الموءُودة: البنت التي تُدفَن حيّة، من وأد يئد وأداً; فهي موءُودة.
كشطت: الكشط هو سلخ الجلد عن العضو، وإزالة الإهاب عن الحيوان الميّت.
سُعّرت: أوقدت وأضرمت، والتسعير: تهييج النار حتّى تتأجّج.
أُزلفت: الإزلاف: التقريب. أي قُرِّبت من أهلها.

التفسير

هذا المقطع من السورة الّذي يتضمن أربع عشرة آية يصف أشراط الساعة ومقدّماتها، وما يقع فيها من الأهوال المروّعة الّتي ينسى الإنسان المبعوث كلّ شيء سوى إنقاذ نفسه منها.
والآيات ترسم لنا انقلاباً كونياً لكلّ مشهود على نحو تكون الشمس كاسفة والنجوم متناثرة والجبال مُندكّة صائرة تلالاً من الرمل، والبحار هائجة

صفحه 131
قد فاضت مياهها بسبب الزلازل، وانطلقت إلى كلّ مكان حتى تغطّي الأرض.
وهذه المشاهد المروّعة تدعو الإنسان إلى التأمّل فيما يؤول إليه أمر حياته.
روي عن علي (عليه السلام)قوله: «رحم الله عبداً علم أنّه مَن أين وفي أين وإلى أين» والإنسان الماديّ يهتم بالمرحلة الثانية ويرى حياته مقطوعة عن الأُولى والثالثة، لكن الإنسان الإلهي يهتم بالمراحل الثلاث كلّها، بالأخصّ المرحلة الثالثة.
إنّ الوحي السماوي في مجموع آياته يركّز على شيئين أكثر من التركيز على غيرهما:
1. التأكيد على توحيد العبادة ورفض الأصنام.
2. التذكير بيوم القيامة وأحوالها، وما سيقابله الإنسان في تلك الحياة.
ولذلك ترى أنّ القرآن يؤكّد في هذه السورة وفيما بعدها من سورتي «الانفطار» و «الانشقاق» ـ على صياغة واحدة ـ يؤكّد على أحوال القيامة، كما سيوافيك.
وقد ذكر سبحانه من عظائم الآيات الّتي يُعد بعضها من أشراط الساعة وبعضها من وقائعها، اثني عشر مشهداً، فإليك تفسيرها:

صفحه 132
1 ـ أ. (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ):
أي انقبض ضوْءُها المنتشر في العالم، فيتصوّر أنّ أضواءها كوّرت على رأس الشمس كتكوير العمامة على الرأس، والآية كناية عن برودة الشمس، وانطفاء شعلتها، وانكماش ألسنتها الملتهبة الّتي تمتد من جوانبها كلّها إلى أطراف المجموعة الشمسية; أو انضمام بعضها إلى بعض ككور العمامة ولفّها بنحو الإدارة، وهو أيضاً يلازم جمع ضوئها.
وقد أثبت العلم أنّ كلّ ثانية تمرّ من عمر الشمس ينتقص من وزنها ما يقارب أربعة ملايين طن .
وقدّر العلماء وزن الشمس بأنّه يعادل وزن (000,330) ضعفاً من وزن الكرة الأرضية، ووزن الكرة الأرضية هو 6600 مليون بليون طن، ومن هذا يعلم كم هو وزن الشمس .
2 ـ ب. (وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) :
هذا هو المشهد الثاني من المشاهد التي تحدث عند قيام الساعة، وهو يحكي عن انكدار النجوم وهي غير الكواكب، فالنجوم ما في ذاتها نور وشعلة، وأمّا الكواكب فهي تفتقد إلى النور، وإنّما تكتسب النور من الشمس الّتي تدور حولها.
وعلى هذا فالأولى تفسير (انْكَدَرَتْ) لانتسابه إلى النجوم، بالانكدار أي الإظلام، نظير قوله سبحانه: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ)1 أي ذهب نورها.

1 . المرسلات: 8 .

صفحه 133
نعم عبّر القرآن عن ذلك المشهد في مورد الكواكب بالتناثر وقال: (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ)1 أي تساقطت. فالنجوم تتكدر، والكواكب تتساقط.
وعلى كلّ تقدير فالنظام الذي يسود النجوم والكواكب يبطل من أساسه، فتفقد ضوءها ونظامها.
3 ـ ج . (وَ إِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ):
هذا هوالمشهد الثالث وهو يحكي عن تسيير الجبال، ويفسِّر ذلك، قوله تعالى: (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ)2، وقوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَ الْجِبَالُ وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً)3، فإذا نُسفت الجبال، تفتّت صخورها، وتحولّت إلى تلال من رمل، وعندئذ تحرّكها الرياح وتسيّرها أنى اتّجهت، ثم تغدو غباراً معلَّقاً في الفضاء، كما قال تعالى: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا)4.
4 ـ د. (وَ إِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ):
وهذا هو المشهد الرابع، وقد عرفت أنّ النوق الحوامل إذا أتت عليها عشرة أشهر، هي أنفس مال عند العرب لا يبدلها بشيء آخر، لكن أهوال القيامة المروّعة تبلغ إلى حدٍّ ينسى الإنسان أنفس مال عنده، أي يتركه دون أن

1 . الانفطار: 2 .
2 . المرسلات: 10 .
3 . المزمل: 14 .
4 . الواقعة: 5 ـ 6 .

صفحه 134
يفكّر له براع أو حافظ.
والآية تكشف عن فزع الإنسان، حيث يترك كلّ شيء ولا يفكّر في شيء إلاّ في إنقاذ نفسه. ومن المعلوم أنّه لا توجد يوم القيامة ناقة عشراء بحيث لو كان لرجل مثلها لعطلها (أهملها) واشتغل بنفسه.
5 ـ هـ . (وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ):
وهذا هو المشهد الخامس، فهل المراد حشر الوحوش، كما يستظهر من قوله سبحانه: (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ وَ لاَ طَائِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيء ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)1 .
إنّ حشر الوحوش من أشراط الساعة لا ممّا يقع يوم القيامة، ويفسّر بوجوه:
1. خروجها من غاباتها وأكنانها لأجل الزلزال الشديد الّذي تبدّل فيه الأرض غير الأرض.
2. تخرج من أكنانها لكن مع اضمحلال الخصائص الوحشية ولم يبق غير الألفة نتيجة لأهوال يوم القيامة فتجتمع في صعيد واحد.
3. ومع ذلك كلّه فللمراغي تفسير خاص لحشر الوحوش، يقول:(وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ)أي ماتت وهلكت، تقول العرب إذا أضرّت السنة بالناس وأصابتهم بالقحط والجرب: حشرتهم السنة: أي أهلكتهم، وهلاكها يكون

1 . الأنعام: 38 .

صفحه 135
من هول ذلك الحادث العظيم .1
وربما يفسّر جمعها كسائر الأحياء من بين الجنّ والإنس على نحو تزول طباعها المتنافرة الوحشية، فيسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي، وترعى البقرة والدبّ معاً.. الخ .2
6 ـ و . (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ):
هذا هو المشهد السادس، وقد مرّ عليك ـ كما في «المفردات» ـ بأنّ التسجير يستعمل ويراد به الامتلاء تارة، والاشتعال بالنار أُخرى.
فلو أُريد الأوّل فالمراد منه أنّ البحار تمتلأ وتفيض، بسبب الزلازل العنيفة التي ترجّ الأرض، حيث تنشأ أمواج عظيمة، فتندفع المياه إلى مسافات بعيدة جداً، وتغرق الأرض. وتسمّى مثل هذه الأمواج (الأمواج السَّنامية)، وقد بلغ ارتفاع هذه الأمواج، عندما وقعت بعض الزلازل، إلى أكثر من (30) متراً.
وإن أُريد الثاني فيراد به أنّها تصير ناراً تضطرم.
وليس هذا ببعيد ; لأنّ الماء يتركّب من عنصرين هما: الأوكسجين والهيدروجين، وهما غازان، الثاني قابل للاشتعال بسرعة، والأوّل هو العامل الأساسي في احتراق الأشياء ، فلو تحقّقت، لسبب ما، تجزئة للمياه وانفصل الأوكسجين عن الهيدروجين، فإنّ البحار ستتحوّل إلى كتلة ملتهبة من النار.

1 . تفسير المراغي: 10 / 54 .
2 . كتاب أشعيا: الآية 6 ـ 10 ولعلّ الوجه الأوّل أفضل.

صفحه 136
7 ـ ز. (وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ):
هذا هو المشهد السابع من مشاهد يوم القيامة، فما هو المراد من تزويج النفوس، فيمكن أن يقال: بأنّ قوله سبحانه: (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ)1، وقوله: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور عِين)(2) يدلّ على أنّ لنفوس السعداء نساء في الجنة ويمكن أن يفهم ـ بقرينة المقابلة ـ أنّ لنفوس الأشقياء قرائن
من أنفسهم، يقول سبحانه: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوَاجَهُمْ وَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ)2. والله العالم.
وعن الإمام الباقر (عليه السلام)في تفسير الآية: «أمّا أهل الجنّة فزوّجوا الخيرات الحسان، وأمّا أهل النار فمع كلّ إنسان منهم شيطان، يعني قُرنت نفوس الكافرين والمنافقين بالشياطين فهم قرناؤهم».3
8 ـ ح . (وَ إِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ) :
يقال: وأد الموءُودة يئدها: دفنها حيّة، والموءُودة اسم كان يطلق على من كانت العرب تدفنها حيّة من بناتها، وهو وائد، والبنت موءُودة .
وكانت مذاهب العرب مختلفة في الوأد وقتل الأولاد، وكانوا يئدون لأسباب مختلفة:
1. فمنهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة ومخافة لحوق عار بهم من

1 . النساء: 57 .         2 . الحديد: 54 .
2 . الصافات: 22.
3 . تفسير نور الثقلين: 5 / 514 .

صفحه 137
أجلهنّ فيما إذا وقعن أسيرات بيد أعدائهم.
2. ومنهم من يئد من البنات من كانت زرقاء أو شيماء أو برشاء أو كسحاء تشاؤماً منهم بهذه الصفات. وأُريد من الثانية السوداء، ومن الثالثة مَن فيها بياض يظهر في الجسم مثل البرص، ومن الرابعة العرجاء.
3. ومنهم من يقتل أولاده خشية الإملاق أو خوف الفقر، وقد نزل فيهم قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً كَبِيراً)1.
وهذه الجريمة كانت متفشّية بين قسم من القبائل; روي أنّ رجلاً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وكان لا يزال مغتمّاً بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما لك تكون محزوناً»؟ فقال: يا رسول الله، إنّي أذنبت ذنباً في الجاهلية فأخاف ألاّ يغفره الله لي وإن أسلمت. فقال له: «أخبرني عن ذنبك»، فقال: يا رسول الله، إنّي كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فتشفعت إليّ امرأتي أن أتركها فتركتها حتّى كبرت وأدركت، وصارت من أجمل النساء فخطبوها، فدخلتني الحميّة ولم يحتمل قلبي أن أزوّجها أو أتركها في البيت بغير زواج، فقلت للمرأة: إنّي أُريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسُرّت بذلك وزيّنتها بالثياب والحلي، وأخذت عليّ المواثيق بألاّ أخونها، فذهبت إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أنّي أُريد أن أُلقيها في البئر فالتزمتني، وجعلت تبكي، وتقول: يا أبت أيش تريد أن تفعل بي؟ فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت عليّ

1 . الإسراء: 31، ولاحظ: سورة الأنعام: 151 .

صفحه 138
الحميّة، ثَم التزمتني وجعلت تقول: يا أبتِ لا تضيّع أمانة أُّمي! فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها حتّى غَلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر: يا أبتِ، قتلتني، فمكثت هناك حتّى انقطع صوتها فرجعت. فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه، وقال: «لو أمرت أن أُعاقب أحداً بما فعل في الجاهلية لعاقبتك»1.
ونقل الآلوسي في «بلوغ الأرب» ما يدلّ على تفشّي هذه الجريمة النكراء، قال: إنّ صعصعة بن ناجية بن عقال كان يفدي الموءُودة من القتل، ولمّا أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يا رسول الله إنّي كنت أعمل عملاً في الجاهلية أفينفعني ذلك اليوم؟ قال: وما عملك؟ فأخبره بخبر طويل فيه أنّه حضر ولادة امرأة من العرب بنتاً فأراد أبوها أن يئدها. قال: فقلت له: أتبيعها؟ قال: وهل تبيع العرب أولادها. قال: قلت: إنّما أشتري حياتها ولا أشتري رقّها، فاشتريتها منه بناقتين عشراوين وجمل وقد صارت لي سنَّة في العرب على أن أشتري ما يئدونه بذلك، فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موءُودة وقد أنقذتها! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ينفعك ذلك لأنّك لم تبتغ به وجه الله وإن تعمل في إسلامك عملاً صالحاً تثب عليه».
وأخرج الطبراني عن صعصعة بن ناجية المجاشعي قال: قلت: يا رسول الله إنّي عملت أعمالاً في الجاهلية فهل فيها من أجر؟ أحييت ثلاثمائة وستين من الموءُودة أشتري كلّ واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل فهل

1 . المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور جواد علي: 5 / 74، نقلاً عن الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 7 / 97 .

صفحه 139
لي من ذلك من أجر؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لك أجره إذ منَّ الله تعالى عليك بالإسلام».1
وهذه الرواية أصحّ من الرواية الأُولى، وقد ذكر الفرزدق إحياء جده الموءُودة في كثير من شعره: كما قال:
ومنا الّذي منع الوائدات *** وأحيا الوئيد فلم يُوأَدِ2
ثم إنّ اللازم ـ حسب الظاهر ـ أن يُسال القائل (الوائد) عن سبب قتلها، لا أن تُسأل الموءُودة نفسها، وهذا يعني أنّ المراد من السؤال هو تعيين الذنب الموجب لقتلها، كان الوائد من كان؟، ولذلك قال:
9. (بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ):
إشارة إلى مظلوميتها وبراءتها من أي ذنب، وفي هذا مزيد تقريع للقاتل، وتبشيع لجريمته النكراء .
والآية تدلّ على أنّ حُسن الأفعال وقُبحها يُعلم من جانب العقل، وإن لم ينصّ عليه الشرع، ولذلك ذُمّ عمل هؤلاء حيث كانوا يقتلون بناتهم بلا ذنب وبلا سبب.
ثم إنّ ما مرّ من المشاهد التسعة كان راجعاً إلى أشراط الساعة ومقدّماتها، ولكن من هنا يبدأ القرآن بالحديث عن نفس القيامة وبعث الإنسان للمحاسبة ويقول:

1 . المعجم الكبير: 8 / 76 .
2 . بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب للآلوسي: 3 / 46 .

صفحه 140
10 ـ ط. (وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ):
والمراد صحف الأعمال الّتي كتبت الملائكة فيها أعمال أهلها من خير وشر، فتنشر ليقرأها أصحابها فيجازوا بحسبها، قال سبحانه: (اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً )1 .
وأمّا ما هو واقع الصحف ونشرها وكيفية قراءة أصحابها، فهو من الأُمور الغيبية التي لا تُعلم إلاّ بعد الخروج من هذه الدنيا والوفود على الآخرة.
11 ـ ي. (وَ إِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ):
قلنا: الكشط هو سلخ جلد الحيوان عن بدنه، وكأنّ السماء جلد حيوان يمنع عن مشاهدة ما وراءه، فتُزال السماء عن موضعها. وأمّا ما هي الغاية من هذا الكشط فغير ظاهر، ولعلّ المراد منه رفع الحجب الفاصلة بين العالمين السفلي والعلوي، ولعلّ السماء هي المانعة من رؤية الملائكة أو الجنة والنار، فيكون عالم الوجود من ملكها وملكوتها شاخصاً أمام الإنسان، والله العالم.
12 ـ ك. (وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ):
أي أُوقدت وأُضرمت، ويطرح هنا سؤال وهو أنّ الجنّة والجحيم مخلوقتان فعلاً، كما يومئ إليه قوله تعالى: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)2ومع ذلك فكيف يقال: (وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ)؟

1 . الإسراء: 14 .
2 . التوبة: 49 .

صفحه 141
ويمكن أن يجاب بأنّ التأجيج وتهييج النار يختصّ بيوم القيامة، وإن كانت موجودة قبل يوم القيامة. والله العالم.
13 ـ ل . (وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ):
أي قُرّبت من أهلها وقُرِّبوا منها; لأنها أُعدّت لهم وأُعدّوا لها، قال سبحانه: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد )1.
ثم إنّه سبحانه بعد بيان هذه الجمل الّتي تحكي عن أشراط الساعة ومشاهد القيامة يذكر جواب هذه الجمل الشرطية الّتي بلغت اثنتي عشرة جملة، فيقول:
14. (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ):
فلو كانت الجمل السابقة بصورة القسم كان هذا جواباً له. وتنكير (نَفْسٌ)للدلالة على العموم، وأنّ هذا الحكم لا يختصّ بنفس دون نفس كما يصرّح بذلك قوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَ مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء)(2).
ثم ما هو المراد من الأعمال الّتي أحضرتها؟
هناك احتمالات لذلك:
1. حضور نفس الأعمال بوجودها الأُخروي، فإنّ لكلّ من أعمال الإنسان ظهورين: ظهور دنيوي وظهور أُخروي. فحقيقة الصلاة في الحياة

1 . ق: 31 .            2 . آل عمران: 30 .

صفحه 142
الأُخروية يتجلّى نوراً، وهكذا.
2. حضور جزاء الأعمال بشهادة قوله: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) .
سورة التكوير: الآيات 15 ـ 29   
3. ظهور صحيفة الأعمال الّتي ينعكس فيها ما صدر عن الإنسان من خير وشر، والله العالم بحقائق ما أراد.
إلى هنا تمّ تفسير المقطع الأوّل وهو الراجع إلى بيان أشراط الساعة ومشاهد القيامة. وبعده نبدأ بتفسير المقطع الثاني، الّذي يتكفّل ببيان أنّ القرآن ليس كلام بشر وإنّما هو كلامه سبحانه، أنزله على قلب نبيه بواسطة رسول كريم، وإليك الآيات.

الآيات: الخامسة عشرة إلى التاسعة والعشرين

(فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَ اللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين * مُطَاع ثَمَّ أَمِين * وَ مَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون * وَ لَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَ مَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِين * وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَان رَجِيم * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).

صفحه 143

المفردات

الخُنّس: قال ابن فارس: الخَنَس أصل واحد يدلّ على استخفاء وتستّر، والخنّاس في صفة الشيطان، لأنّه يخنس إذا ذُكر الله تعالى.1
وفي «لسان العرب»: الخُنُوس: الانقباض والاستخفاء. ثم قال: وانخَنَس: انقبض وتأخّر، وقيل: رجع، وفي الحديث: الشيطان يوسوس إلى العبد فإذا ذَكر اللهَ خنس أي انقبض منه وتأخّر.2
وقد أُضيف في اللسان معنى الانقباض .
الجوارِ: جمع جارية، وهو الشيء الّذي يتحرك بسرعة.
الكُنَّس: قال ابن فارس: له أصلان أحدهما يدلّ على سَفْر شيء عن وجه شيء وهو كشْفُه، والأصل الآخر يدلّ على استخفاء، ثم يقول: الكُنّس: الكواكب تكنِس في بروجها كما تدخل الظِّباء في كِناسها ، والكِناس: بيت الظبي.(3)
ولا يخفى أنّه على ما ذكره يكون معنى الكُنّس هو نفس الخُنّس، لأنّه فسّره بالاستخفاء، كما فسّر الخُنّس أيضاً بالاستخفاء.
وفي «لسان العرب» ـ نقلاً عن الزجّاج ـ : الكُنّس: النجوم تطلع جارية، وكنوسها أن تغيب في مغاربها الّتي تغيب فيها .3
وفي التفاسير جاء المعنى قريباً من هذه الكلمات .

1 . معجم مقاييس اللغة: 2 / 223، مادة «خنس».
2 . لسان العرب: 4 / 231، مادة «خنس» .   3 . معجم مقاييس اللغة: 5 / 141، مادة «كنس».
3 . لسان العرب: 12 / 167، مادة «كنس».

صفحه 144
ففي «مجمع البيان»: الخُنّس جمع خانس، والكُنّس جمع كانس، وأصلهما الستر .
والشيطان خنّاس لأنّه يخنس إذا ذُكر الله تعالى، أي يذهب ويستتر .1
وهو قريب ممّا ذُكر في المقاييس.
عسعس: العسّ في اللغة طلب الشيء بالليل، ويقال: عسعس الليل إذا أدبر، قال الراغب: قوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ): أي أقبل وأدبر، وذلك في مبدأ الليل ومنتهاه.(2)
الأُفق: جمعه الآفاق بمعنى النواحي، قال سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ )(3).
ضنين: البخيل، والضنّ هو البخل بالشي النفيس .

التفسير

هذا هو المقطع الثاني من هذه السورة الّذي هو بصدد بيان أنّ القرآن كلام إلهي أرسله سبحانه عن طريق رسول كريم (وهو جبريل (عليه السلام)) إلى عبده المطّهر، ليقرأه على الناس ويتلوه عليهم.
وفي هذا الصدد يقسم بأُمور ثلاثة :
1. الجواري الموصوفة بالخُنس والكُنّس.
2. (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ).

1 . مجمع البيان: 10 / 314.      2 . المفردات للراغب: 334، مادة «عسعس».   3 . فصّلت: 53 .

صفحه 145
3. (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ).
أقسم بهـذه الأُمور للتأكيد على قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم) فهاهنا أقسام ثلاثة.
15 و 16. (فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ) :
اختلف المفسّرون في كلمة «لا» النافية هل هي زائدة أو لا ؟
والحق أنّها غير زائدة، ومع ذلك فقوله: (فَلاَ أُقْسِمُ) كناية عن الإقسام، ولعلّ الإتيان «بلا» للإشعار بأنّ المقسم عليه أظهر من الإقسام والإحلاف عليه. ويُعلم ذلك بملاحظة جواب القسم، فإنّه في عامّة الآيات الّتي اشتملت على «لا أُقسم» من الأُمور الواضحة الغنية عن القسم، نظير قوله: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ)1، ولاحظ سائر الموارد .
ثم إنّ الفاء في قوله: (فَلاَ أُقْسِمُ) فاء تفريع، وقد فرّع المقطع الثاني الّذي يركّز على أنّ القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه أرسله عن طريق رسول كريم إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ فرّعه ـ على المقطع الأوّل الّذي يركّز على أشراط الساعة وعلاماتها، ووقوع البعث والجزاء .
ووجه التفريع هو أنّ القرآن الكريم هو الّذي أنذر بيوم البعث إنذاراً عنيفاً، فلمّا ركّز على ثبوت البعث والمعاد ناسب أن ينتقل إلى القرآن الّذي أنذرهم بالبعث ويوم القيامة، فكأنّ التفريعَ تفريعٌ ذُكِرَ لتفريع كلام على كلام، بأدنى مناسبة.

1 . القيامة: 3 .

صفحه 146
إنّ المقسم به عبارة عن: (الْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ) فهنا وجوه في بيان ما أُريد منه:
الوجه الأوّل: أن كُلاًّ من الوصفين يشيران إلى غيبة المقسم به واستتاره، فعلى هذا فالظاهر تفسيره بعامّة النجوم ; لأنّها تخنس وتتوارى في النهار ثم تبدو في الليل ثم تكنس وتتوارى في ضوء الشمس .
الوجه الثاني: ما يظهر من الزمخشري في كشّافه حيث فسّر الخَنَس بالغيبة والكَنَس بالظهور، يقول: هي جميع الكواكب تخنس في النهار وتغيب عن العيون، وتكنس في الليل أي تطلع في أماكنها كالوحش في كُنسها .1
الوجه الثالث: عكس ما اختاره صاحب الكشّاف، وهو ما نقل عن الشيخ محمد عبده، حيث قال ما معناه: إنّ الخنس عبارة عن الظهور للعيان بعد غياب الشمس، والكنس عبارة عن الاختفاء عن الرائي في ضوء الشمس كما تختفي الظبية في كِناسها.(2)
ولم نجد مصدراً ـ في اللغة ـ لهذين التفسيرين.
الوجه الرابع: وهو تفسير الخنس بالانقباض والتراجع، وعلى هذا ينطبق على الكواكب الخمسة المعروفة ـ أعني: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد ـ وهي بالإضافة إلى الأرض ستة كواكب تدور حول الشمس، وهناك كواكب أُخرى تدور حولها أيضاً لا تُرى بالعين المجردة، أعني: أورانوس، وبلوتو، ونبتون.
إنّ نجوم السماء ـ ما وراء هذه الخمسة ـ تظهر وتغيب بشكل جماعي

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 317 .   2 . التفسير الكاشف: 7 / 226 ـ 227 .

صفحه 147
من دون أن تتغيّر الفواصل والمسافات فيما بينها، وكأنّها لآلئ صُبّت على لوحة كبيرة فتتحرك اللوحة وبتبعها تتحرّك النجوم من دون أن يحصل بينها اختلاف في المسافات.
إلاّ أنّ هذه الكواكب الخمسة لا تتحرّك على خط مستقيم ثابت فتراها تسير باتجاه معيّن لفترة من الزمن ثم تعود قليلاً ثم تقف وتدخل في كناسها.
ومن هنا تميّزت هذه الكواكب عن سائر النجوم، وعلى ذلك فيحتمل تفسير الآيتين بالنحو التالي:
إن هذه الجواري في سيرها باتجاه معيّن تنقبض عن السير وتعود قليلاً ثم تجري في مداراتها حتّى تختفي في أكنستها.
وأمّا هذه الحالات الثلاث المذكورة في الآيتين، من الجري والانقباض (الخنس) والاستتار (الكنس)، فقد بيّنها السيد الطباطبائي بقوله: إن لهذه السيّارات حالات ثلاث:
1. حركة متشابهة زماناً وهي الاستقامة أي الحركة باتجاه معيّن، الّتي تشير إليها لفظة «الجواري».
2. ثم تنقبض وتتأخّر وترجع وهي الخنس.
3. ثم تقف عن الحركة استقامة ورجعة وزماناً، كأنّها الوحش تكنس في كناسها، وهي الكنس والإقامة.1
وكأنّ الآيتين بالشكل التالي: فلا أُقسم بالجواري الخُنّس الكُنّس، أي المتحركة نحو اتّجاه خاص ثم المتراجعة ثم الواقفة في مداراتها.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 217 .

صفحه 148
وهذا الوجه هو الظاهر من الرازي ـ أيضاً ـ يقول: إنّ ذلك إشارة إلى رجوع الكواكب الخمسة واستقامتها، فرجوعها هو الخنوس وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس.
وهناك وجوه أُخرى ذكرها الرازي، فمن أراد المزيد فليرجع إليه .1
ووصف الكواكب بالجوار لا يخلو من بلاغة حيث شبّه حركتها بحركة السفن على سطح البحر، والغرض من الإقسام بهذه الكواكب مع مالها من الصفات إثارة الفكر الإنساني إلى التطلّع في هذه السيارات ليتأمّل فيها ويطلع فيها على الأسرار الكامنة فيها، وبالتالي على قدرة البارئ عزّوجّل.
17. (وَ اللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ):
أي: إذا أدبر بظلامه. وقد روي هذا المعنى عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.(2)
وأمّا تفسيرها بأقبل بظلامه فغير واضح لما يتلوه من الآية، أعني قوله:
18. (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ):
أي: إذا أسفر وأضاء وامتدّ ضوءه حتّى يصير نهاراً.
ولسيد قطب هنا كلام يقول فيه: الصبح حيٌّ يتنفس، أنفاسه النور والحياة والحركة الّتي تدبّ في كلّ حيّ، وأكاد أجزم أنّ اللغة العربية بكلّ مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيراً لهذا التعبير عن الصبح، ورؤية الفجر تكادُ

1 . لاحظ : تفسير الرازي: 31 / 71 .   2 . التبيان في تفسير القرآن: 10 / 285 .

صفحه 149
تشعر القلب المتفتّح بأنّه بالفعل يتنفّس، ثم يجيء هذا التعبير فيصوّر هذه الحقيقة الّتي يشعر بها القلب المتفتّح .
وكلّ متذوّق لجمال التعبير والتصوير يدرك أنّ قوله تعالى: (فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَ اللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَ الصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ).. ثروة شعورية وتعبيرية فوق ما يشير إليه من حقائق كونية، ثروة جميلة بديعة رشيقة، تضاف إلى رصيد البشرية من المشاعر، وهي تستقبل هذه الظواهر الكونية بالحسّ الشاعر.1
19. (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم) :
هذا هو جواب القسم وأنّ هذا القرآن وهذه الصيغ البديعة والمعاني السامية كلام إلهي حمله رسول كريم، أي كريم عند ربّه، والشاهد على كرامته ومقامه، عند ربّه، صفات هذا الرسول (الملَك) الأربع، الّتي ذكرتها الآياتان التاليتان:
20 و 21. (ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين * مُطَاع ثَمَّ أَمِين):
فالصفات هي:
1. (ذِي قُوَّة)، وكأنّه يشير إلى أنّ حمل الوحي رهن وجود القوة في هذا الملك.
2. ( عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين)، أي: له مكانة ومقام عند صاحب العرش وهو الله سبحانه.

1 . في ظلال القرآن: 10 / 482 .

صفحه 150
3. (مُطَاع)، في الملأ الأعلى ولعلّ المراد إطاعة الملائكة له.
4. (ثَمَّ أَمِين)، على ما يحمل ويبلّغ، فالله سبحانه اختار هذا الرسول بهذه الصفات السامية لأن يحمل وحيه ويبلّغه إلى نبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
إلى هنا تمّ بيان صفات الرسول المتوسط بين الله وبين نبيّه، ثم تصدّى البيان القرآني لذكر صفات النبي ـ أعني : المرسل إليه ـ وقد وصفه بأوصاف ثلاثة:
22 ـ أ . (وَ مَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون):
حيث اتّهموه بالجنون، وهل يتمكّن المجنون أن يأتي بسورة أو آية من آيات القرآن الكريم؟!
والتعبير بصاحبكم إشارة إلى أنّ المرسل إليه إنسان صاحبَكم عبر سنين وعاشرتموه، فما رأيتم في حياته وفي سلوكه وتصرّفاته ما يخالف رجاحة العقل، فكيف تتّهمونه بالجنون؟! وهو أيضاً جزء من المقسم عليه، وفي الوقت نفسه تأكيد لقوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم) .
23 ـ ب . (وَ لَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ) :
والضمير في قوله: (رَآهُ) يرجع إلى الرسول الكريم وهو يشير إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رأى ذلك الرسول بالأُفق المبين الواضح الّذي تتم فيه الرؤية عن يقين.
وأمّا أنّه كيف رآه، وفي أي وقت رأى ذلك الرسول الكريم؟ فليس في الآيات ما يدلّ عليه .

صفحه 151
وقد ذكر الطبرسي وغيره أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رأى جبرئيل (عليه السلام)على صورته الّتي خلقه الله تعالى عليها حيث تطلع الشمس.1
ويظهر من سورة النجم أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)رأى جبرئيل على صورته الواقعيّة مرتين:
الأُولى: في الأُفق المبين، حيث قال سبحانه: (ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَ هُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى)2.
الثانية: عند سدرة المنتهى، قال سبحانه: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى)3 .
24. (وَ مَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِين):
الضمير يرجع إلى (صَاحِبُكُمْ) الّذي أُريد به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد اختلف في قراءة (بضَنِين) فمن من قرأها بالظاء ـ أُخت الطاء ـ فيكون المعنى أنّه ليس بمتَّهم، من الظِّنّة أي التُّهمة.
ومن قرأها بالضاد ـ أُخت الصاد ـ فيكون المعنى أنّه ليس بخيلاً، أي لا يبخل بالوحي فيروي بعضه دون بعض.
وكلا الوجهين محتملان، أمّا الأوّل فلأنّه بصدد ردّ الاتّهام عنه بأنّ أحواله وحياته أفضل دليل على أنّه لا يكذب، فاتّهامه بالكذب أمر لا تصدقه سيرته وحياته.

1 . مجمع البيان: 10 / 281 .
2 . النجم: 6 ـ 7 .
3 . النجم: 13 ـ 14 .

صفحه 152
وأمّا الثاني فيراد أنّه ليس ببخيل فيما يؤدّي عن الله أن يعلِّمه كما علَّمه.
25. (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَان رَجِيم):
وفي هذا إبطال لقول المشركين بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كاهن يتلقّى عن شيطانه ويسمّون شيطانه رئيّاً، يقول سبحانه: (وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَ لاَ بِقَوْلِ كَاهِن قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ)1.
لقد رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جبريل (عليه السلام)بالأُفق المبين على صورته الحقيقية، وحصل عنده اليقين بذلك، وهو مؤتمن على أخبار الغيب لا يكتم منها شيئاً، وكلّ هذا يدحض قولهم بأنّ ما يقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما ينفثه الشيطان على لسانه.
26. (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) :
وهي جملة معترضة بين قوله: (وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَان رَجِيم)وقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) .
والفاء لتفريع التوبيخ، فإذا ثبت أنّه ليس بقول شيطان رجيم، فأين تذهبون؟ أي فماذا تدّعون، وقد سُدّ عليكم طرق بهتانكم بالحجج الواضحة. ولعلّ هذه الجملة تستعمل في مثل هذا المقام كمن إذا ترك الجادة اعتسافاً يقال له: أين تذهب وقد تبيّن لك الحق؟
27. (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) :
أي: بيان وهداية للناس جميعاً، فهل يمكن أن يكون مثل ذلك قول

1 . الحاقة: 41 ـ 42 .

صفحه 153
شيطان رجيم ؟
28. (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ):
لمّا بيّن أنّه كتاب هداية للعالمين تصدّى في هذه الآية إلى أنّه لا ينتفع به إلاّ من شاء الاستقامة على الحق، وهي التلبس بالثبات على العبودية والطاعة.
29. (وَ مَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ):
إذ كلّ ما في الكون لا يتحقّق إلاّ بمشيئة الله سبحانه، فإرادة الإنسان موقوفة على إرادة الله تعالى، لكن لا بمعنى أنّه سبحانه يريد المشيئة في حقّ إنسان وعدمها في حقّ إنسان آخر، اعتباطاً وبلا ملاك، بل يتبع وجود الاستعداد في نفس الإنسان المريد وقبول الإسلام والحق، فعندئذ يشاء في حقّه الهداية، وأمّا من لم يتوفّر فيه هذا الاستعداد لم تتحقّق فيه المشيئة.
وقد أثبتت البراهين الكلامية على أن تحقّق كلّ وجود إمكاني في ظل مشيئة الله وإرادته من غير فرق بين الجواهر والأعراض، ومن غير فرق بين الإنسان وأفعاله، وإلاّ لزم انقلاب الممكن إلى الواجب.
نعم هناك مَن خصّ تعلّق مشيئة الله بالجواهر دون الأعراض أو بالإنسان دون أفعاله، حذراً من لزوم الجبر، زاعماً بأنّه إذا كان فعل الإنسان متعلّقاً بالمشيئة فيكون محقّق الوجود، فيخرج عن اختيار الإنسان .
ولكنّك عرفت أنّ مشيئة الله تعالى ليست اعتباطاً، وإنّما تتبع علمه

صفحه 154
بوجود استعداد في الإنسان لقبول الحق، فيشاء، فيشاء العبد.
بقي الكلام في: ما هي الصلة بين الأقسام الثلاثة والمقسم عليه ـ أعني: جواب القسم ـ وهو قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم)؟
ويمكن أن يقال: إنّ حال الناس مع القرآن الكريم أشبه بحال هذه الكواكب، فكما أنّ لها انقباضاً وجرياً وتراجعاً، فهكذا حال الناس مع هذا القرآن، فهم بين منقبض من سماع القرآن، وسار مع هداه، ومُدبِر عن هديه تماماً، ثم إنّ القرآن يكون للمستعدين للهداية كالصبح في إسفاره فهو لهم نور وهداية، كما أنّه للمدبرين عنه كالليل المظلم وهو عليهم عمى، والله العالم.
وأخيراً نود الإشارة إلى كلمة قيّمة لأحد علماء الفلك نكتشف من خلالها عظمة تلك الكواكب والنجوم، حيث يقول: لا يستطيع المرء أن يرفع بصره نحو السماوات العلى إلاّ ويغضي إجلالاً ووقاراً، إذ يرى ملايين من النجوم الزاهرة الساطعة، ويراقب سيرها في أفلاكها وتنقّلها في أبراجها، وكلّ نجم وأي كوكب، وكلّ سديم وأي سيّار، إنّما هو دنيا قائمة بذاتها، أكبر من الأرض وما فيها وما عليها وما حولها .1
***
تمّ تفسير سورة التكوير

1 . الله والعلم الحديث: 25 .

صفحه 155

سورة الانفطار

(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَ إِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَة مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْس شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذ للهِ).

صفحه 156
سورة الانفطار: الآيات 1 ـ 5   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُميّت السورة في كتب التفاسير بسورة (الإنفطار) أخذاً من قوله تعالى:(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ). وتُسمّى أيضاً بسورة: (انفطرت) كما في «مجمع البيان».

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها تسع عشرة آية بالاتّفاق، وهي مكيّة، تشهد على ذلك صياغتها ومضمونها.
وهي على غرار سورة التكوير الماضية غير أنّ المذكور من أمارات الساعة في سورة التكوير اثنا عشر، وأمّا في المقام فالمذكور أربع: اثنان منها يتعلّق بالعُلويات واثنان آخران يتعلق بالسُّفليات، كما سيوافيك.
وأمّا وجه التفصيل في السورة المتقدّمة والاقتصار على أربع في هذه السورة، فهو أنّ سورة التكوير نزلت متقدّمة، وبينها وبين سورة الانفطار نزلت سور كثيرة تكرّر فيها ذكر الدعوة إلى الإيمان بالمعاد والبعث، ولذلك اقتضى في الأُولى الإسهاب وفي الثانية الاختصار.
وعلى كلّ تقدير فالجواب في كلتا السورتين واحد مضموناً ففي سورة

صفحه 157
التكوير:(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ)، وفي هذه السورة: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ).

أغراض السورة

مقاصد هذه السورة تُماثل مقاصد سورة التكوير وما سيوافيك من سورة الانشقاق بعدُ، وهي بيان أشراط الساعة، ومن ثمّ الدعوة إلى الاعتقاد بالبعث، وذكر أشراطه وأحواله وأنّ النظام السائد سينقضي ويبطل، وأنّ الإنسان سيُجزى بأعماله جميعاً.
ثمّ تتعرّض السورة إلى أن لكلّ إنسان حافظاً يعلم ما يفعل، وأنّ مصير الأبرار هو النعيم، وأنّ مصير الفجّار هو الجحيم، وأنّ الأمر يوم القيامة بيد الله تعالى، لا تملك نفس معه لنفس شيئاً.

الآيات: الخمس الأُولى

(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ).

المفردات

انفطرت: الانفطار: هو الانشقاق، بقرينة قوله: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)1،

1 . الانشقاق: 1 .

صفحه 158
وقوله سبحانه: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ).1
وكأنّ المراد حدوث انفراج يقع فيما يُسمّى بالسماء في نظر الرائي.
انتثرت: النثر نثرك الشيء بيدك ترمي به متفرّقاً. والانتثار: خلاف الانتظام فحبّات السبحة إذا ترتّبت بخيط يقال: انتظمت الحبّات، وأمّا اذا انقطع الخيط، فيقال: انتثرت الحبّات، أي تفرّقت وانتشرت، فالانتثار إذاً، تساقط الشيء وتفرّقه بصورة غير منظمة.2
فُجّرت: والفجر هو شقّ الشيء شقّاً واسعاً.
بُعثرت: أي قُلب بطنها ظهراً، والبعثرة: الانقلاب، يقال: بعثر المتاع إذا انقلب بعضه على بعض.

التفسير

1. (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) :
ذكر سبحانه في هذه الآيات أشراط الساعة وعلامات قيامها، مبتدئاً بلفظ (إِذَا)التي تستعمل في المستقبل، لإيجاد الاستعداد لسماع ما يأتي، ومع ذلك عبّر عن الأُمور الأربعة بصيغة الماضي ليشير إلى كونها محقّقة الوقوع.

1 . الفرقان:25.
2 . لاحظ : المفردات للراغب: 482، مادة «نثر» ; ولسان العرب: 5 / 191، مادة «نثر».

صفحه 159
2. (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ):
أي انتشرت وتفرّقت في الفضاء وفقدت هذا النظام المُحكم السائد فيها، والذي لم تزل عليه عبر آلاف القرون، وهذان الأمران يرجعان إلى علامتين عُلويّتين هما:
1. انشقاق السماء.
2. تناثر الكواكب.
ثمّ ذكر سبحانه علامتين سُفليتين، وقال:
3. (وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ) :
قيل: إنّ المراد رفع الحوائل والحواجز بين البحار واتصال عذبها بمالحها، ومالحها بعذبها، فتصير البحار بحراً واحداً تغطي الأرض جميعاً، وهذا هو نتيجة التفجير.
والظاهر أنّ المراد غير هذا ; لأنّ البحار كلّها متّصلات إلاّ البحيرات، بل المراد فيضان ماء البحار على ما حولها من الأرضين فيعمّ الماء كلّ الأرض، فشبّه فيضان الماء من البحار إلى ما حولها من الأرضين بالتفجير حيث إنّ ماء العين ينطلق إلى أطرافها بالتفجير.
4. (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) :
أي قلب بطنها ظهراً، فيخرج الموتى من تحتها إشارة إلى بعث الناس.

صفحه 160
5. (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) :
جواب للشرط، فإذا تحقّقت أشراط الساعة وبُعث الناس من قبورهم، وتمّ حسابهم، تقف كلّ نفس على كلّ عمل قدّمته وكلّ عمل أخّرته.
أمّا ما قدّمته قبل الموت فهي الأعمال الصالحة والطالحة، وأمّا الأعمال المتأخّرة فهي عبارة عن سنّة أنشأها فتبعها غيره بعد موته، فلو كانت سنّة حسنة يشارك في ثوابها مع فاعلها، وإن كانت سيئة فكذلك. روى الكليني عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث، قال:«وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) مَن سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أُجورهم شيء».1
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلاّ ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، وسنّة هُدىً سنّها فهي يعمل بها بعد موته، وولد صالح يستغفر له».2
وفي رواية أُخرى، قال: «ست خصال ينتفع بها المؤمن بعد موته: ولد صالح يستغفر له، ومصحف يقرأ منه، وقَليب يحفره، وغرس يغرسه، وصدقة ماء يجريه، وسنّة حسنة يؤخذ بها بعده».
روى الطبرسي أنّ سائلاً قام على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فسأل، فسكت القوم، ثم إنّ رجلاً أعطاه، فأعطاه القوم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «من استنّ خيراً فاستنّ به،

1 . الوسائل:11، الباب5 من أبواب جهاد العدو، الحديث1.
2 . بحار الأنوار: 71 / 257 .

صفحه 161
فله أجره ومثل أُجور من اتّبعه غير منتقص من أُجورهم، ومن استنّ شرّاً فاستنّ به فعليه وزره، ومثل أوزار من اتّبعه غير منتقص من أوزارهم»، قال: فتلا حذيفة بن اليمان: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ) .1
بقي الكلام في بيان الصلة بين الحوادث الأربع ووقوف كلّ إنسان على ما قدّم وأخّر، والصلة من وجهين:
الأوّل: ما هو الظاهر من التدبّر في الآيات وهو أنّ تخلخل النظام وخروج النجوم عن مساراتها وانفجار البحار وتبعثر القبور من أشراط الساعة وعلائمها، فعندئذ يحاسب الإنسان بما قدّم وأخّر من الأعمال.
الثاني: هو أنّه سبحانه يذكِّر الإنسان الغافل الّذي يفكّر في دوام حياته وبقاء سلطته بأنّه سيزول بشهادة أنّ النظام السائد عبر آلاف القرون سيزول وينتهي عمر العالم، فكيف بعمر الإنسان الغافل وسلطته؟! والله العالم.
وعلى كلّ تقدير فالوحي الإلهي يخبر جازماً عن تخلخل النظام الكوني، وأمّا متى يقع ذلك ؟ فقد سكت عنه القرآن الكريم، وليس لأحد أن يتكهّن بذلك ويعيّن وقته.
نعم، إنّ الأُصول العلمية أثبتت نفاد الطاقات الموجودة في الكون باستمرار، وتوجّهها إلى درجة تنطفئ معها شعلة الحياة وتنتهي بسببه فعالياتها ونشاطاتها، ومع ذلك فلن يستطيع أحد أن يتكهّن ويحدد وقت زوال النظام ونفاد الطاقات.

1 . مجمع البيان: 10 / 322 .

صفحه 162
سورة الانفطار: الآيات 6 ـ 12   

الآيات: السادسة إلى الثانية عشرة

(يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَة مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ).

المفردات

«ما» في قوله تعالى: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)استفهام، والغاية منه الإنكار والتعجّب من غرور الإنسان وإنكار البعث.
غرّك: من الغرور، قال الراغب: وهو كلّ ما يغرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، وقد فُسِّر بالشيطان إذ هو أخبث الغارّين، وبالدنيا لما قيل: الدنيا تغرّ وتضرّ وتمرّ، وقال أيضاً : الغِرّة، غفلة في اليقظة .1
فالإنسان ـ إلاّ من عصم الله ـ إذا امتلك أسباب القوة والثراء، يصيبه الغرور، فيطغى ويتكبّر على الحقّ وعلى الخلق، ويرتكب أُموراً تنتهي به إلى الهلاك والخسران، غافلاً عن عثرات فعله. ومن هنا فالطمع بما يتوهّمه المغرور نفعاً وهو ضرّ، هو حقيقة الغرور.
الكريم: صاحب الكرم، والمنعم الّذي تكون جميع أفعاله إحساناً لا ينتظر أي نفع أو دفع ضرر.

1 . المفردات للراغب: 359، مادة «غرّ».

صفحه 163
سوّاك: أي جعلك سويّاً سالم الأعضاء. روي أنّه إذا ولد لعلي بن الحسين (عليه السلام)ولد يسأل أوّل ما يسأل عن خلقته، ويقول: أسَويّ هو؟ بمعنى: هل هو سالم الأعضاء أو لا.
فعدَلك: أي معتدلاً متناسق الأعضاء ليحاسب على أعماله.

التفسير

انتقل البيان القرآني إلى التنديد بمن لم يكن يؤمن بيوم البعث ويغرّه ما يملك من القوى المادّية الّتي سيزعم أنّها ستخلده، فيقول في مقام التنديد:
6. (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ):
أي ما هو الموجب لغرورك بربّك الّذي غمرك بإنعامه وإحسانه وهو لا ينتظر منك أي نفع ولا دفع ضرر؟ فالآية بصدد رفض الغرور وليست لبيان سبب الغرور (كما ربّما يُتوهّم من أنّ وصف الرب بالكريم لبيان سبب الغرور) حتّى تكون الآية عذراً للمغترّين، فإنّ هذا النوع من التفسير للآية باطل لا ينسجم مع ما يأتي من الآيات ولا مع ما ورد في القرآن الكريم من تقبيح عمل المغترّين.
وبذلك يظهر عدم صحّة ما ينقل عن بعض العارفين، فقد نقل عن الفضيل بن عياض أنّه قيل له: لو أقامك الله يوم القيامة بين يديه وقال: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ماذا كنت تقول له؟ قال: أقول له: غرّني ستورك المرخاة.

صفحه 164
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه فقال: ما غرّك بي؟ قلت: غرّني بك بِرُّك بي سالفاً وآنفاً.
وعن بعضهم قال: غرّني حلمك. وعن أبي بكر الورّاق: غرّني كرم الكريم .1
وقريب من ذلك ما نسمع عن بعض العصاة معتذرين بأن الله كريم، غافلين عن محلّ كرمه ولطفه.
وكأنّ هؤلاء تلقّوا أنّ الآية بصدد بيان عذرالمغرورين حتّى يتحصّنوا بذلك العذر يوم القيامة، وغفلوا عن أنّ الآية بصددد التنديد بهؤلاء، فإنّ مقتضى كون ربك كريماً بمعنى أنّه غمرك بإحسانه وإنعامه أن تطيعه ولا تعصيه وأن لا تغترّ بقدراتك العاجلة الّتي تزول بسرعة .
وعن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): «غرّه جهله».(2)
وللإمام علي (عليه السلام)كلام قاله عند تلاوته هذه الآية وهو صريح بأنّها بصدد رفع الأمان عن هؤلاء المغترّين، لا تأمين العذر لهم، قال (عليه السلام): «أَدْحَضُ مَسْؤُول حُجَّةً،وَأَقْطَعُ مُغْتَرٍّ مَعْذِرَةً، لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً بِنَفْسِهِ.2 يَا أَيُّهَا الاِْنْسَانُ، مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ، وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ، وَمَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ؟ أَمَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ،3 أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةٌ، أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ ؟

1 . مجمع البيان: 10 / 322 .   2 . الدر المنثور: 6 / 323 .
2 . أبرح جهالة بنفسه: يقال: لقد أبرحَ فلان جهالةً، وأبرحَ لوماً، وأبرحَ شجاعةً: أتى بالبرْح من ذلك أي بالشديد العظيم. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11 / 240 .
3 . البُلول: مصدر بلّ الرجل من مرضه، إذا برئ.

صفحه 165
فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ1 مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بَأَلَم يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ! فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ، وَ جَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ (مصائبك)، وَعَزَّاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَهِيَ أَعَزُّ الاَْنْفُسِ عَلَيْكَ! وَكَيْفَ لاَ يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَة، وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ!
ثم قال: وَحَقّاً أَقُولُ! مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ، وَلكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ، وَآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاء».2
7. (الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ):
لمّا وصف الرب في الآية السابقة بالكريم وقد مرّ أن معناه المنعم الّذي تكون جميع أحواله إحساناً، بدأ بذكر بعض النعم والكرامات على الإنسان، فذكر مراحل خلقته ولخّصها في أربع:
1. أصل الخلقة.
2. التسوية.
3. التعديل.
4. التركيب.
وقال: (الذِي خَلَقَكَ)والخلق هو إيجاد الشيء على مقدار مقصود، فلو نُسب إلى الإنسان فيراد به خلق الصورة بالمواد الموجودة، ولو نُسب إلى الله

1 . الضاحي من حرّ الشمس: البارز.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 223 .

صفحه 166
فهو إيجاد بعد العدم.
فخلق الإنسان من نطفة جعلها في رحم الأُم.
وقال: (فَسَوَّاكَ): أي جعلك سويّاً سالم الأعضاء، والسويّ يطلق في مقابل المعيب، وذكر التسوية وإن كان يغني عن ذكر الخلق لأنّها فرع وجوده، لكن لمّا كان المقام الإشارة إلى نعمه سبحانه اقتضى الإطناب .
ويمكن أن يقال: إنّ الخلق تكملة الجسد، وتسويته هي تهيئته لكي يقبل الخلق الآخر ـ أعني: الروح ـ والله العالم.
وقال: (فَعَدَلَكَ)، أي صيّرك متعادلاً متناسب الخلق والقوى من غير تفاوت فيه، فالتناسق يتجلّى في كلّ مكوّنات الجسم، من أعضاء وأجهزة كالجهاز التنفسي، والجهاز الهضمي، والجهاز الدوري، والجهاز العصبي وغيرها من الأجهزة، التي هي غاية في الدقة والتعقيد والتنظيم.
فالجهاز العصبي، مثلاً، يتكوّن من بلايين الخلايا المختصّة التي تُسمّى (العَصْبونات) أو (الخلايا العصبية)، والتي تتجمّع في شكل حبال تُسمّى (الأعصاب)، تسلك سبلاً متعدّدة تساعد على نقل المعلومات سريعاً إلى كلّ مكان في الجسم.
ويتكوّن الجهاز العصبي من ثلاثة أقسام رئيسية هي: الجهاز العصبي المركزي; والجهاز العصبي المحيطي، ويضمّ: العينين والأُذنين والأنف وأعضاء حسّيّة أُخرى; والجهاز العصبي التلقائي.
ويتكوّن الجهاز العصبي المركزي من الدماغ والنخاع الشوكي، ويقوم

صفحه 167
بتنظيم جميع أنشطة الجهاز العصبي والتحكّم فيها.
والدماغ عضو شديد التعقيد، ويتكون من: المخ، والمخيخ، وجذع الدماغ. ويشكّل المخّ نحو 85 % من الدماغ، ويُعدّ الأكثر تعقيداً، حيث يقوم بتوجيه السمع والنظر واللمس والتفكير والإحساس والكلام والتعليم.
أمّا المخيخ ـ الذي يقارب حجمه حجم البرتقالة ـ فيساعد الجسم في الاحتفاظ بتوازنه وينسّق بين المعلومات الحسّيّة وحركة العضلات.
وأمّا جذع الدماغ فيشبه الساق، ويتّصل بالنخاع الشوكي في قاعدة الجمجمة، ويحتوي على العديد من العصبونات التي تتبادل المعلومات الواردة من الحواسّ. والكثير من العصبونات التي تنظّم الوظائف التلقائية، مثل التنفس والنبض القلبي وتوازن الجسم وضغط الدم، يوجد في جذع الدماغ!!1
فسبحان من خلق الإنسان وسواه وعدله، وأودع كلّ هذا الإبداع والتناسق في تكوينه.
هذا، وقد فسّر بعضهم قوله (فَعَدَلَكَ) بأنّه سبحانه جعله معتدل الخلق يمشي قائماً لا كالبهائم .
8 . (فِي أَيِّ صُورَة مَا شَاءَ رَكَّبَكَ):
لعلّ «ما» زائدة، وعملية التركيب عبارة عن إعطاء الصورة النهائية للإنسان بالنسبة إلى بقية الموجودات. والمراد: ركّبك ما شاء من التراكيب

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية: 8 / 546 ـ 550 .

صفحه 168
تركيباً حسناً، ومن المعلوم أنّ مشيئته لا تتعلّق إلاّ بتشبيه موزون فيه مسحة من الجمال، فالله سبحانه تكرّم على الإنسان بخلقه من مادة مائية، ثم جعله سويّ الخلقة معدّل القوى والأعضاء وأعطاه صورة إنسانية جميلة بديعة، فمثل هذا التكرّم من الله يقتضي إطاعته وامتثال أمره لا الإعراض عن آياته ورسله.
9. (كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) :
انتقل البيان القرآني من التوبيخ والزجر على الغرور إلى ذكر جُرم أكبر، يُعدّ هو السبب الأساسي لغرور الإنسان وهو التكذيب بالبعث، فقال ـ إبطالاً لغرورهم الّذي أشار إليه بقوله: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ـ :(كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ)... فتكذيبهم بيوم البعث والجزاء هو الّذي أركبهم مركب الغرور، فإنّ مَن لا يضع لعمله محاسباً ويتصوّر نفسه مطلق العنان في الحياة، لا يكون له أي رادع من أي عمل قبيح، فإنكار البعث هو رأس ارتكاب الفضائح والقبائح.
ثم انتقل تأكيداً لثبوت يوم الجزاء إلى وجود ملائكة حفَظة يراقبون الإنسان ويكتبون أعماله، موصوفين بالصفات التالية:
1. كونهم حافظين.
2. كونهم كراماً.
3. كونهم كاتبين.
4. كونهم يعلمون ما يفعلون.

صفحه 169
وإليك تفصيل هذه الصفات:
10. (وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ):
تأكيد للاعتقاد بيوم البعث وأنّ لكلّ إنسان حافظاً أو حفظة تحصي أعماله ولا يشتبهون .
ويكفي في معرفة أنّ عملية الحفظ مبنية على الدقّة، التدبّر في الآيات التالية:
1. قوله سبحانه: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْل إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)1 .
2. قوله سبحانه: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ)2.
3. قوله سبحانه: (وَ مَا تَكُونُ فِي شَأْن وَ مَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآن وَ لاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَل إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ)3 .
والغاية من مراقبة الحفظة هو الاحتجاج على العباد يوم القيامة، نعم هناك شهود على أعمال الإنسان غير هؤلاء الحفظة ويكفي في ذلك شهادة الأعضاء، أي سمع الإنسان وبصره وجلده، قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصَارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)4.
ثم إنّه سبحانه يصف هؤلاء الحفظة بأنّهم كرام، قال تعالى:

1 . ق: 18 .
2 . ق: 17 .
3 . يونس: 61 .
4 . فصلت: 20 .

صفحه 170
11. (كِرَاماً كَاتِبِينَ):
وفي تعظيمهم بالثناء عليهم وأنّهم كرام لأجل تعظيم أمر الكتابة، فإنّ الموكَّل أو الموكَّلين بها إذا كانوا كراماً فذلك يدلّ على عظمة المسؤولية.
والمراد بالكرام ذو كرامة وعزة عند الله وليسوا لئاماً جاهلين حتّى لا يُعتدّ بحفظهم، والشاهد على ذلك أنّه سبحانه يصفهم بها في قوله: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل ِوَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)1.
وقد عبّر سبحانه عن الكتابة في آية أُخرى بالاستنساخ وقال: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)2.
وأمّا ما هي حقيقة هذه الكتابة والاستنساخ فهو من الأُمور الغيبية
الّتي لا يُطّلع عليها إلاّ بعد الخروج عن عالم الطبيعة والوفود على العالم الآخر.
12. (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) :
لمّا كان هنا مظنّة احتمال خطأ هؤلاء الحفظة، رُدّ على هذه الفكرة، بقوله: (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) وهل علمهم بظاهر العمل أو بحقيقته الّتي لا تعلم إلاّ بالعلم بالنيّة؟ الظاهر هو الثاني وذلك لأنّ العلم بظاهر الفعل لا يكفي في تعيين الجزاء، فإنّ ضرب اليتيم للتأديب ضرباً غير عنيف أمر مستحسن، وضربه لأجل الإيذاء عمل قبيح ، ولا يُعلم إلاّ بالنيّة .

1 . الأنبياء: 26 ـ 27 .
2 . الجاثية: 29 .

صفحه 171
وعلى هذا فهؤلاء الكتبة يعلمون ظاهر الأعمال وباطنها، أي واقفين على نيّات العباد.
روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم»1.
وروي أنّ علياً (عليه السلام)مرّ برجل وهو يتكلّم بفضول الكلام ويخوض فيما لا نفع فيه، فقال: «يا هذا إنّك تُملي على كاتبيك كتاباً إلى ربك، فتكلّم بما يعنيك، ودع ما لا يعنيك».2
هذا، وقد سأل سائل الإمام الصادق (عليه السلام)عن علّة الملكين الموكَّلين بعباده يكتبون ما عليهم ولهم،والله عالم السرّ وما هو أخفى؟ فقال الإمام مجيباً: «استعبدهم على خلقه ليكون العباد لملازمتهم إيّاهم أشدّ على طاعة الله مواظبة، وعن معصيته أشدّ انقباضاً، وكم من عبد يهمّ بمعصيته فذكر مكانها فارعوى وكفّ، فيقول: ربي يراني وحفظتي عليَّ بذلك تشهد، وإن الله برأفته ولطفه وكّلهم بعباده يذبّون عنه مردة الشياطين وهوامّ الأرض وآفات كثيرة من حيث لا يرون، بإذن الله إلى أن يجيء أمر الله» 3.

1 . الدر المنثور: 6 / 322 .
2 . بحار الأنوار: 5 / 327 .
3 . تفسير نور الثقلين: 5 / 522 .

صفحه 172
سورة الانفطار: الآيات 13 ـ 19   

الآيات: السبع الأخيرة

(إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَ مَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْس شَيْئاً وَ الأَمْرُ يَوْمَئِذ للهِ).

المفردات

الأبرار: جمع بَرّ، وهو فاعل الخير، وربّما يفسّر بالتقيّ، ولعلّه أنسب لكونه في مقابل الفُجّار.
الفجّار: جمع فاجر: الموصوف بالفجور أي المقارف للمعاصي والآثام، وهو ضد البُرور.
جحيم: والجحمة: شدّة تأجّج النار.
يصلَونها: أي يمسّون حرّها، وربما يفسّر بالاصطلاء أي الاحتراق .
الدين: يطلق ويراد منه معان مختلفة، والمراد هنا الجزاء، بشهادة إضافة اليوم.
 
التفسير
13 و 14. (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم):
لمّا مرّ ذكر كتبة الأعمال وأنّهم يكتبون كلّ صغير وجليل أشار إلى نتيجة حفظ الأعمال وكتابتها، وهي أنّ الأبرار لفي نعيم وبهجة وسرور حسب

صفحه 173
ما كتبه الكرام الكاتبين في سجلّ أعمالهم. وأنّ الفجار لفي جحيم كذلك ، كلّ يُجزى حسب ما عمل وفعل، وقد تقدّم قوله: (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) فيجزى كلّ فرد حسب نيته وفعله.
والظاهر أنّ المراد من الفاجر هو الكافر المتهتّك.
15. (يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ):
وصف للجحيم، أي يمسّون حرّها أو يصطلون بنارها يوم الجزاء، وأن إضافة لفظ يوم إلى الدين إشعارٌ بأنّ صليهم الجحيم ليس أمراً اعتباطياً، بل هو جزاء لأعمالهم الإجرامية.
16. (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) :
والضمير في «عنها» يرجع إلى الجحيم الّتي هي مؤنث سماعي، أي هؤلاء الفجّار يصلون حرّها ولا يفارقونها، وهو كناية عن خلودهم في النار.
ثم إنّ قوله سبحانه: (وَ مَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) يدلّ على خلود الفجّار في الجحيم، والمراد بالفجّار هنا هم الكفّار المكذّبون بيوم الدين بشهادة ما مرّ من قوله سبحانه: (كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ)، فهم مخلّدون في النار، فلا ينافي ما عليه جمهور المسلمين بأنّ صاحب الكبيرة لا يُخلَّد في النار.
نعم لو قلنا بأنّ صاحب الكبيرة فاجر، يكون دليلاً على خلود أصحاب الكبائر من المؤمنين، ولكنّه لو ثبت لا يكون دليلاً على المقام، لأنّ المراد من الفجّار فيه هو خصوص مَن لا يؤمن بيوم الدين.

صفحه 174
ولمّا تقدّم في الآية السابقة أنّهم يصلون الجحيم في يوم الدين أراد في هاتين الآيتين وما بعدهما وصف ذلك اليوم، فقال:
17 و 18. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ):
كلّ واحدة من هاتين الفقرتين كناية عن تعظيم يوم القيامة وتهويله بحيث يصحّ للمخاطب أن يسأل المتكلّم: ما هو هذا اليوم وما شأنه؟ فأُجيب بقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ) أي ما أعلمك وأدراك بواقع هذا اليوم، ثم كرر الجملة تهويلاً وقال: (ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ)كلّ ذلك لتعظيم ذلك اليوم وتهويله، حتّى يرتدع الإنسان ويجتنب ما يؤدّي به إلى استحقاق عقوبة الله سبحانه في ذلك اليوم. ثم إنّ (أدرى) بمعنى أعلم يتعدّى إلى مفعول واحد، وأمّا إذا انضمت إليه ما الاستفهامية فيتعدّى ـ حينئذ ـ إلى مفعولين، كما في المقام. فإنّ الضمير المتّصل في (أَدْرَاكَ) هو المفعول الأوّل و «ما» الموصولة في (مَا يَوْمُ الدِّينِ) هو المفعول الثاني.
ثم لمّا وصف سبحانه واقع يوم الدين بالتهويل العظيم الّذي يخوّف كلّ إنسان، شرح واقع هذا اليوم بتهويل آخر وقال:
19. (يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْس شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذ للهِ):
أي لا يقدر إنسان على إنجاء إنسان، لأنّ الأسباب بينهم قد تقطّعت، ولم يبق إلاّ سبب واحد وهو الّذي أشار إليه بقوله: (وَ الأَمْرُ يَوْمَئِذ للهِ).
فإن قلت: إنّ الأمر بيد الله سبحانه في الدنيا والآخرة، فما معنى

صفحه 175
تخصيص الأمر لله بهذا اليوم؟
قلت: إنّ تخصيص ذلك اليوم بكون الأمر لله، لأجل أنّ الأسباب الداخلية ومسبباتها زائلة يوم ذاك، لأنّ زوال النظام أفضل دليل على تقطّع الأسباب، يقول سبحانه: (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)1، وفي آية أُخرى قال: (وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعاً)2.
وأمّا غير ذلك اليوم ـ كما في الحياة الدنيا ـ فالأسباب والشفعاء لها تأثير في نزول الفيض الإلهي بإذن الله تعالى، وإن كان الأمر في الحقيقة لله، لأنّه هو الّذي أعطى للشفيع حقّ الشفاعة، وللسبب قوّة التأثير.
***
تمّ تفسير سورة الانفطار

1 . البقرة: 166 .
2 . البقرة: 165 .

صفحه 176

صفحه 177
سورة المطففين
(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْم عَظِيم * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّين * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَد أَثِيم * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لََمحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذاَ الذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ

صفحه 178
رَحِيق مَخْتُوم * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيم * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).

صفحه 179
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في كتب التفسير والمصاحف بسورة «المطففين» وجاء اسمها في صحيح البخاري بسورة «ويلٌ للمطففين»1، ولا مشاحّة في الاسم.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها ست وثلاثون آية بالإجماع، إلاّ أنّه اختلف في محلّ نزولها فبعض وصفها بالمكيّة، وآخرون قالوا: إنّها مدنية.
والآيات الواردة في صدر السورة يعلو عليها وصف المدنية، بخلاف الآيات في آخرها فإنّها أشبه بالمكيّة من حيث المضمون.

أغراض السورة

سورة المطففين: الآيات 1 ـ 6   
احتلّ التطفيف والتحذير منه، الموضوع الأساسي في هذه السورة، ثمّ تلاه ذكر الفجّار والأبرار وتبيين مصيرهم، ثم انتقلت السورة إلى بيان حال المشركين الذين كانوا يضحكون من المؤمنين، فقوبلوا هناك، في يوم الجزاء، بضحك المؤمنين منهم.

1 . صحيح البخاري:1265، برقم 4938.

صفحه 180

الآيات: الست الأُولى

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْم عَظِيم * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).

المفردات

ويل: أي هلاك عظيم.
المطفِّفين: التطفيف: نقص المكيال والميزان. وأمّا الطفيف فهو بمعنى النزر اليسير.
اكتالوا: من الاكتيال وهو الأخذ بالكيل.
يستوفون: يأخذون حقوقهم وافية كاملة.
وزنوهم: وهو الأخذ بالوزن.
يُخسرون: يقال: أخسرتَ الميزانَ وخَسَرته إذا نقصته في الوزن.

التفسير

1. (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ):
ابتدأت هذه السورة بلفظ «ويل» نظير سورة الهمزة، قال سبحانه:(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَة لُمَزَة). وكأنّه ليس دعاءً عليهم، بل خبر عن مصيرهم المرّ. وجاء

صفحه 181
التحذير من التطفيف في الكيل والوزن، لأنّه نوع من أنواع الظلم الذي يلحق الفرد والمجتمع، وتجاوز لموازين العدل والإنصاف التي ينبغي أن تحكم حياة الناس. ولاشكّ أنّ في شيوع الغشّ والتلاعب في أمر المكيال والميزان، الذي عليه مدار معاملات الناس بشكل عام، سوف يترك آثاراً سلبية على نظام حياتهم، ويزعزع أواصر الثقة التي تربط بينهم. رُوي عن ابن عباس أنّه قال: لمّا قدم رسول الله(صلى الله عليه وآله) المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله عزّ وجلّ:(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)فأحسنوا الكيل بعد ذلك.1
وروى الرازي في تفسيره قال: وقيل: كان أهل المدينة تُجّاراً يطفّفون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقرأها عليهم وقال: «خمس بخمس»، قيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلاّ سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلاّ فشا فيهم الفقر، وما ظهر فيهم الفاحشة إلاّ فشا فيهم الموت، ولا طفّفوا الكيل إلاّ مُنعوا النبات وأُخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلاّ حُبس عنهم المطر».(2)
وكأنّ الآية إعلان حرب من الله عزّ وجلّ على المطفّفين الذين يأكلون أموال الناس بهذه الطريقة غير المشروعة .
وقد اهتمّت بهذا الأمر الشرائع السماوية المتقدّمة، وما ذلك إلاّ لأنّ إقامة العدل في كافّة جوانب الحياة هي الغاية التي يستهدفها المنهج الإلهي، وهي قوام الحياة النظيفة الطاهرة المستقرّة الآمنة ، يقول سبحانه:(وَالسَّمَاءَ

1 . مجمع البيان:10/327; روح المعاني للآلوسي: 30/67.   2 . تفسير الرازي: 31/88 ـ 89 .

صفحه 182
رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ).1
وقال سبحانه حاكياً عن نبيّه شعيب(عليه السلام):(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ وَلاَ تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْر وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم مُحِيط * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).(2)
ثمّ إنّه سبحانه يفسّر عملية التطفيف بالآيتين التاليتين :
2. (الَّذِينَ إِذَا اْكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ):
3. ( وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ):
أمّا الآية الأُولى فمعناها أنّهم إذا اكتالوا على الناس وأرادوا أخذ شيء لأنفسهم يستوفون عليهم الكيل، ويحصلون على حقّهم كاملاً دون نقص فيه. وقيل: إنّ وضْع (على) مكان (مِن) للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه ضرر، ومعنى ذلك أنّهم يحصلون ; بحكم نفوذهم الاقتصادي أو الاجتماعي، على أكثر من حقّهم عندما يريدون شراء شيء لأنفسهم .
وقد يُسأل: لماذا لم يذكر الوزن مع أنّ الشراء تارة يكون بالكيل وأُخرى بالوزن؟ ولعلّ وجهه أنّ المطففين هم التجّار الباعة، الذين يشترون الكميات الكبيرة التي تقدّر بالكيل لأجل السهولة دون الوزن لوجود العسر

1 . الرحمن:7 ـ 9.   2 . هود: 84 ـ 85 .

صفحه 183
في ذلك الزمان.
وأمّا الآية الثانية فمعناها أنّهم إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم يُخسرون ويُنقصون حقّهم. وبعبارة أُخرى: إذا باعوا لهم يخسرون في الكيل والوزن،
فحقيقة التطفيف كانت قائمة بأمرين: إذا اشترى أحدهم لنفسه يستوفي حقّه تماماً، وإذا باع للغير يخسر كيلاً ووزناً. وذكر الوزن هنا دون الأوّل ; لأنّ البيع تارة يكون بالجملة وأُخرى بالمفرد والكمّيات الصغيرة، ولذا ذكر كلا الأمرين. وعلى هذا فسرقتهم أموال الناس ـ وفق التفسير الأوّل ـ كانت مختصّة بالبيع دون الشراء، فيأخذون حقوقهم كاملة عند الشراء وينقصون من حقوق الآخرين عند البيع.
وهل التطفيف يختصّ بالكيل والوزن عند الشراء والبيع فقط؟ أو أنّ له معنىً وسيعاً وإن كان المورد في السورة هو الاستيفاء في مقام الشراء والنقص في مقام البيع؟
ما نذهب إليه، هو عدم الاختصاص، بل يشمل سائر الموارد التي يقع فيها الظلم والغُبن، والبُعد عن الإنصاف، سواء في الحقوق أم في الواجبات، فمدير الشركة مثلاً، مسؤول عن إعطاء حقّ العامل، وأن يتجنّب استغلاله وغبنه، والعامل مسؤول عن أداء واجبه، بأن يتقن عمله، ولا يتهرّب منه بإضاعة الوقت في ما لا يخصّ عمله، ومثل ذلك يقال في الموظف والمعلّم والمهندس والوزير وغيرهم، فكلّ من اشتغل بما لا علاقة له بما تعاقد عليه، فهو مطفِّف أيضاً.
روى الطبرسي عن ابن عباس أنّه قال:«الصلاة مكيال فمن وفى وفى

صفحه 184
الله له، ومن طفَّف قد سمعتم ما قال الله في المطفِّفين».1
4 ـ 6. (أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْم عَظِيم * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ):
إذا علمت المقصود بالتطفيف فاعلم أنّه سبحانه ذكر في هذه الآيات ما هو الحافز لهذا العمل القبيح، وهو أنّ المطفِّف لا يعتقد، بل لا يظن أنّه سيبعث يوم القيامة، كما يقول: (أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ)فالظاهر أنّ الظن هنا هو بمعناه المصطلح، وكأنّه سبحانه يقول: إنّ المطفف لا يظن بأنّ هناك يوماً يُبعث فيه فضلاً عن الاعتقاد به، وهو اليوم الذي فيه (يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) لأجل الحساب، فلو كان هؤلاء ظانين بيوم الحساب لتركوا هذا العمل وتجنّبوا هذا الظلم خوفاً من العقاب الذي يجوّزونه ويظنّونه. وكأنّ الآية بصدد القول أنّ الظن بيوم القيامة ـ وإن لم يكن معه يقين ـ يصدّ الإنسان عن التطفيف وأخذ حقّ الناس، فضلاً عن العلم واليقين.
سورة المطففين: الآيات 7 ـ 9   
ولما كان التطفيف مخلاًّ بالتوازن الاجتماعي وهادماً للعدالة الاقتصادية، كان الإمام علي(عليه السلام)يطوف الأسواق سوقاً سوقاً ومعه الدّرة على عاتقه وينادي: «يا معشر التجّار: اتقوا الله عزّ وجلّ»، فإذا سمعوا صوته ألقوا ما بأيديهم، وأرعوا إليه بقلوبهم، وسمعوا بآذانهم، فيقول(عليه السلام): «قدّموا الاستخارة،2 وتبرّكوا بالسهولة،3 واقتربوا من المبتاعين، وتزّينوا بالحلم،

1 . مجمع البيان:10/327.
2 . أي اطلبوا الخير من الله في أوّله .
3 . أي ابتغوا البركة منه تعالى بالسهولة في البيع والشراء.

صفحه 185
وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا، وأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ،ولا تعثوا في الأرض مفسدين» فيطوف في جميع أسواق الكوفة ثم يرجع فيقعد للناس.1

الآيات: السابعة والثامنة والتاسعة

(كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّين * وَ مَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ):

المفردات

الفُجّار: الفجر شقّ الشيء، وأُريد بالفجّار مَن شقّ ستر الديانة.
سِجِّين: قال الراغب: اسم لجهنم (بإزاء عِلِّيّين)، وزيد لفظه تنبيهاً على زيادة معناه.2
وفي «المجمع»: السجين فِعّيل من السجن(وهو الحبس). وقيل هو السجن على التخليد فيه لأنّ هذا الوزن للمبالغة، قالوا: شرّيب وسكّير وشرّير.3 ولعلّ المعنى الأخير هو الأنسب ; لأنّ تفسيره بجهنم توضيح للواضح، إذ ليس في الآخرة إلاّ موضعان إمّا الجنّة وإمّا الجحيم، فلا شكّ أنّ

1 . أُصول الكافي:5/151، الحديث3.
2 . المفردات للراغب: 225، مادة «سجن».
3 . مجمع البيان:10/326.

صفحه 186
موضع المطفّف غير الجنّة. فسجّين إمّا بمعنى التخليد أو سجن شديد في جهنم، وهو أنّ لجهنم دركات وهو في الدرك الأسفل كما عليه المنافقون، قال سبحانه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).1
مرقوم: قال الراغب: الرقم: الخطّ الغليظ. 2 وقيل: طبع الخطّ بما فيه علامة الأمر.

التفسير

7. (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّين):
لفظة «كلاّ» ردّ لما سبق وهو عدم ظنهم بيوم البعث، فأبطل ذلك الظنّ بما في الآيات الثلاث من مصير الفجّار.
ثمّ إنّه سبحانه جعل الفجّار في مقابل الأبرار ووصف كلاًّ بما يقابل الآخر، فقال في حقّ الفجّار:(كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّين * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ)، وقال في حق الأبرار: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ).
فكلّ يقابل الآخر ذاتاً وصفة.
إنّ الآيات الثلاث في جانبي الفجّار والأبرار يعلوها شيءٌ من الإبهام;

1 . النساء:145.
2 . المفردات للراغب: 201، مادة «رقم».

صفحه 187
فالمراد من الكتاب في قوله: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّين) هو صحيفة الأعمال. وهنا يطرح سؤال وهو: كيف تكون صحيفة الأعمال في سجِّين، فإنّه موضع نفس الفجّار، لا صحيفة أعمالهم؟
وهذا النوع من الإبهام يتكرّر في قوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ)إذ العلِّيّون محلُّ الأبرار لا محلّ صحيفتهم.
8. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ):
أي ما الّذي أعلمك حقيقة سجّين. ثم إنّه سبحانه وصف السجِّين بشيء يرفع الإبهام، وقال:
9 . (كِتَابٌ مَرْقُومٌ):
أي مكتوب بخط غليظ. وعن ابن عباس: كلّ ما في القرآن من قوله تعالى: (مَا أَدْرَاكَ) فقد أدراه، وكلّ ما فيه من قوله: (وَ مَا يُدْرِيكَ)فقد طوي عنه.
وهنا سؤال ثان وهو: أنّ ظاهر قوله: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) تفسير لسجّين، فكيف يكون الكتاب بمعنى الصحفية، نفسَ السجِّين؟
وحصيلة الكلام: أنّ الإشكال مركّز على موردين:
1. كيف يكون كتاب الفجّار لفي سجّين، مع أنّه محلّ الفجّار ؟
2. كيف يكون «الكتاب المرقوم» تفسيراً لسجّين؟
وما ذكرنا من الموردين يأتي أيضاً في جانب الأبرار حرفاً بحرف.

صفحه 188
وسيوافيك تفسير آياته ضمن الآيات 18 ـ 20 .
وهناك وجوه لرفع الإبهام نأتي بها تباعاً:
الأوّل: عدم التصرّف لا في لفظ الكتاب ولا في لفظ سجّين، بل حمل الأوّل على الصحيفة وحمل الثاني على الموضع الخاص في جهنم، لكن الإخبار بأنّ كتاب الفجّار لفي سجّين كناية عن كون الفجّار في سجّين. وعندئذ يرتفع التنافي ويكفي في الظرفية أدنى مناسبة، فإذا كان صاحب الصحيفة في سجّين يناسب أن يقال: إنّ مكانها أيضاً في سجّين. وأمّا قوله:(كِتَابٌ مَرْقُومٌ) فهو خبر عن ضمير محذوف يعود إلى (كِتَابَ الْفُجَّارِ)وليس تفسيراً لسجّين، بل تركه سبحانه على حالة الإبهام تهويلاً لحال الواقعين فيه ولم يفسّره بشيء، فيكون المعنى:(إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ) كتاب مبيَّن واضح الخطوط يشبه في الرسوم والأشكال الثوب المنسوج. وهكذا في جانب كتاب الأبرار حرفاً بحرف.
فإن قلت: إنّه سبحانه كلّما قال: (مَا أَدْرَاكَ) جعلت الآية التالية تفسيراً وجواباً للسؤال، كما هو الحال في قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ)ففسّرها بقوله: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر)، وهكذا سائر الموارد، فما هو الوجه لانقطاع قوله (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) عن كونه جواباً وتفسيراً لسجّين؟
قلت: الأمر كذلك لكن هنا قرينة على الانقطاع وهو تقدّم لفظ (كِتَابٌ)على سجّين، حيث قال:(إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّين) فاحتاج الكتاب إلى التفسير ففسّره بقوله:(كِتَابٌ مَرْقُومٌ)ولولا هذا لوقع تفسيراً لما قبله.
وبذلك يعلم صحّة ما قاله الراغب في مفرداته حيث قال: وقد قيل: إنّ

صفحه 189
كلّ شيء ذكره الله تعالى بقوله:(وَمَا أَدْرَاكَ) فسّره وكلّ ما ذكر بقوله: (وَمَا يُدْرِيكَ)تركه مبهماً.
وفي هذا الموضع ذكر (وَمَا أَدْرَاكَ) وكذا في قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ) ثمّ فسّر الكتاب لا السجِّين والعلِّيين، وفي هذه لطيفة موضعها الكتب التي تتبع هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.1
ولم نقف على الكتب التي أشار إليها ولكن الوجه ما ذكرنا.
الثاني: ما أفاده الزمخشري صاحب «الكشّاف» وذلك بحمل الكتاب في كلا الموضعين على صحيفة الأعمال، لكن المراد من الكتاب الأوّل صحيفة كلّ فاجر بخصوصه، ومن الثاني الديوان الكبير الذي يشتمل على صحائف كلّ الفجّار وغيرهم من الإنس والجنّ.
هذا مع تفسير «سجّين» بديوان الشرّ، لا بمعنى الجحيم أو الموضع الخاص في جهنّم، وإليك كلامه:
قال: فإن قلت: قد أخبر الله عن كتاب الفجّار بأنّه في سجّين وفسّر سجّيناً بكتاب مرقوم فكأنّه قيل: إنّ كتابهم في كتاب مرقوم، فما معناه؟
قلت: «سجّين» كتاب جامع هو ديوان الشرّ، دوّن الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجنّ والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بيّن الكتابة، فالمعنى أنّ ما كتب من أعمال الفجّار مثبّت في ذلك الديوان (الذي وصفه سبحانه بأنّه(كِتَابٌ مَرْقُومٌ)) وسمّي ذلك السجلّ سجّيناً بمعنى الحبس والتضييق، لأنّه سبب الحبس والتضييق في جهنم.(2)

1 . المفردات للراغب: 225، مادة «سجن».   2 . تفسير الكشاف:3/322.

صفحه 190
نعم شارك الشيخ الطريحي صاحبَ «الكشاف» في تفسير سجّين بمعنى السجلّ.1
ثمّ إنّ ما ذكره صاحب الكشاف اختاره المراغي في تفسيره وبيّنه بأوضح الوجوه، وقال: إنّ للشرّ سجّلاً دوِّنت فيه أعمال الفجّار، وهو كتاب مسطور بيّن الكتابة، وهذا السجلّ يشتمل عليه السجلّ الكبير المسمّى بسجّين كما تقول: إنّ كتاب حساب قرية كذا في السجلّ الفلاني المشتمل على حسابها وحساب غيرها من القرى، فلكلّ فاجر من الفجّار صحيفة، وهذه الصحائف في السجلّ العظيم المسمّى بسجّين.2
الثالث: ما أفاده العلاّمة الطباطبائي(رحمه الله) وحاصله الأخذ بظهور سجّين بمعنى الجحيم أو موضع منها و التصرّف في ظاهر الكتاب وحمله على المقضيّ القطعي والمكتوب الحتمي، فيكون معنى الآيات الثلاث كالتالي:
إنّ المقضيّ في حقّ الفجّار (لَفِي سِجِّين) الذي هو سجن يخلد فيه من ورده، وإن شئت قلت: إنّ مصيرهم وما كتب لهم فهو في سجّين.
وأمّا قوله: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) فهو بظاهره تفسير لسجّين، والمعنى: أنّ ما قُدّر في حقّهم وقُضي عليهم بسجّين، أمر متبيّن لا إبهام فيه، وقضاء حتم لا يتخلّف، وبه يُعلم حال الآيات الثلاث في حقّ الأبرار.3
سورة المطففين: الآيات 10 ـ 17   
ويؤيّد هذا الوجه إطلاق الكتاب وإرادة الحكم المقضيّ في غير

1 . لاحظ: مجمع البحرين: مادة «سجن».
2 . تفسير المراغي:10/75.
3 . الميزان في تفسير القرآن:20/346.

صفحه 191
واحدة من الآيات، قال سبحانه في بيان النساء التي يحرم الزواج منهن:(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ).1 أي صارت حرمة الزواج بالمتزوّجات (الْمُحْصَنَاتُ) حكماً قطعياً.
وقوله تعالى: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ)(2): أي فيما قرّر الله سبحانه وجعله حكماً مقضيّاً.
ويؤيّده أيضاً ما ورد في تفسير علي بن إبراهيم حيث فسّر كتاب الفجّار بقوله: ما كتب الله من العذاب لفي سجّين.2
ومع ذلك فالظاهر هو المعنى الأوّل من بين الوجوه الثلاثة .

الآيات: العاشرة إلى السابعة عشرة

(وَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَد أَثِيم * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لََمحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذاَ الذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ).

1 . النساء:24.   2 . الأنفال: 75.
2 . تفسير القمي: 2 / 404 ; تفسير نورالثقلين:5/530،برقم 15.

صفحه 192

المفردات

معتد: المعتدي: المتجاوز عن الحقّ إلى الباطل، وهو وصف لكلّ كافر يعتدي على دلائل الحق، ولا ينظر فيها، بل كلّ عاص يعتدي على حقوق الله وهي الطاعة.
الأثيم: مبالغة في الإثم، أي: كثير الإثم.
ران: الرَّين: الصدأ الذي يعلو الشيء الجليل، كالسيف والمرآة يعلوهما الصدأ. قال صاحب «الكشاف»: ران عليه الذنب وغان عليه، رَيْناً وغيناً، 1وكأنّهما بمعنى واحد.
وقال غيره: الغَيْن: الحجاب الرقيق الذي يزول عن كثب، والرَّين: هو الغليظ الذي لا يُرجى زواله.(2)
وعلى كلّ تقدير فالمراد هنا هو الغلبة، كما سيأتي.
صالوا: الصلي: الاصطلاء والاحتراق، أو الدخول.

التفسير

10 و 11. (وَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) :
لعلّه إشارة إلى ما تقدّم من قوله: (أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) حيث

1 . الكشاف: 3 / 322 .   2 . غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 11 / 332 .

صفحه 193
معناه أنّهم كانوا يكذّبون بيوم الدين.
ثمّ إنّه سبحانه وصف المكذبين بأوصاف ثلاثة:
12 ـ أ وب. (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَد أَثِيم) :
أي إنّه لا يكذّب بهذا اليوم إلاّ كلّ متجاوز عن الحق إلى الباطل، غارق في الإثم، منهمك في المعاصي، فتجاوز دلائل البعث والإعراض عنها مع العكوف على الآثام يُفضيان بصاحبهما إلى إنكار اليوم الآخر، واستبعاد قدرة الله تعالى على الإعادة.
ويمكن أن يراد بالمعتدي هنا، الذي يعتدي على حقوق الناس وينتهك حرمات الله، فإنّ من يفعل ذلك، ينكر اليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب، ليسوّغ لنفسه الإمعان في تجاوز حقوق الآخرين .
13 ـ ج . (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) :
وقد بلغ اعتداؤه على الحق أنّه يصف أفضل الكتب وأحقّها بأنّه أُسطورة كأساطير الأوّلين وحكاياتهم التي لا أصل لها.
وكأنّ المشركين كانوا ينظرون إلى القرآن وكأنّه قصص خيالية تشبه مثلاً قصة مجنون ليلى أو من مقولة الملاحم التي سردها الفردوسي في ملحمته المعروفة، فإنّ أكثرها تخيّلات ساقته إليها قوة خياله الأدبي.
وما أشبه الحاضر بالماضي أمّا الماضي فيظهر من غير واحدة من الآيات أنّ المشركين بدل أن يتدبّروا في آيات القرآن الكريم، كانوا يصفونها

صفحه 194
بالأُسطورة أو أساطير الأوّلين، يقول سبحانه: (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ).1
فزعموا أنّ البعث والمعاد أُسطورة من أساطير الأوّلين، روي أنّه جاء أحد المشركين إلى النبي(صلى الله عليه وآله)وبيده عظم رميم، قال:«مَن يحييه وهو رميم»، وقد حكاه سبحانه بقوله: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)، فأجابه بقوله تعالى:(قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ).(2)
فالمشرك مكان أن يتدبّر في البرهان القاطع الذي أقامه القرآن الكريم، ذهب إلى بيته ووصف منطق القرآن بالأُسطورة وخاطب زوجته بالبيتين التاليين:
ءأترك لذة الصهباء يوماً *** لما وعدوه من لبن وخمر2
حياة ثم موت ثم نشر *** حديث خرافة يا أُمّ عمرو3
وأمّا الحاضر فما زلنا طيلة عمرنا نسمع عن جماعة يصفون أنفسهم بالتقدّمية والتحرّر والتجدّد والعلم، بينما هم يُلصقون صفة الرجعية بالإسلاميين، ويَصِمون الدين بالتخلّف والجمود، ويدّعون أنّ التعاليم الإسلامية تمنع تطوّر المجتمع وتعود به إلى القرون السالفة.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على جهلهم بالدين وتعاليمه وأنّه

1 . الأنعام:25.   2 . يس: 78 ـ 79.
2 . وروي: من طمّ وضمر.
3 . الملل والنحل:2/236.

صفحه 195
يقود البشرية إلى التقدّم والعلم وتوثيق الأواصر الاجتماعية، إلى غير ذلك من مبادئ وتعاليم لا يوجد لها مثيل في فلسفات الغرب ومسالكهم.

ما هو سبب تكذيبهم ؟

ثمّ إنّه سبحانه ذكر سبب تكذيبهم، فقال :
14. (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ):
قوله تعالى: (كَلاَّ) ردع وإبطال لقولهم: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) وأنّ السبب في عدم إيمانهم هو أنّ ما اقترفوه من أعمال إجرامية قد (رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ): أي غلب على قلوبهم، وعلاها كما يعلو الصدأ بعض الفلزّات، فحجَبها عن إبصار ضياء الهدى، ومنعَها عن فهم القرآن، ودخول نور الإيمان فيها.
وقوله:(مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) إشارة إلى استمرارهم في اكتساب القبائح والآثام، والآية تدلّ على أنّ الإصرار على الذنوب مرّة بعد أُخرى يؤثر في تفكير الإنسان وقضائه في الموضوعات المختلفة، على وجه لو استمر الإنسان عليها وتوغل في الاعتداء على حدود الله ربما سيكون هذا سبباً لتكذيبه بما وراء الطبيعة، ويشهد على ذلك وراء هذه الآية قوله سبحانه:(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَ كَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ).1
نعم إنّ من المعروف أنّ عمل الإنسان دليل عقيدته، وأنّ أثر الإيمان يظهر في أعماله وأفعاله وفي سلوكه مع أفراد أُسرته وعشيرته «فَبِالاِْيمَانِ

1 . الروم:10.

صفحه 196
يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الاِْيمَانِ»1، وهذا صحيح لا إشكال فيه، ولكن ربما ينعكس الأمر، فيكون العمل بنّاءً للعقيدة، وصانعاً لها، وهذا هو الذي يشير إليه قوله سبحانه في هذه الآية وما تقدّمها: (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)فكأنّ ما اكتسبوه وما زالوا يكتسبونه صار صدأً على مرآة القلب، فلا ينعكس فيها نور الإيمان.
وفي بعض الروايات إشارة إلى ما ذكرنا، روى العياشي بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)قال: «ما من عبد مؤمن إلاّ وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في تلك النكتة نكتة سوداء، فإذا تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول الله تعالى:(كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ)».(2)
وروى أحمد بن حنبل والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في القرآن:(كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ)».2
وروى عطية بن سعد العَوفي عن ابن عباس، قوله: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، قال: طبع على قلوبهم بما كسبوا.3

1 . نهج البلاغة: الخطبة 156 .   2 . مجمع البيان:10/330.
2 . الدر المنثور: 8 / 445 .
3 . تفسير القرآن الكريم: 3 / 144، برقم 2042، استخراج وتحقيق عبدالرزاق حرز الدين، منشورات دليل ما، 1431 هـ .

صفحه 197
ثمّ إنّه سبحانه بعد أن بيّن سبب تكذيبهم ذكر جزاءهم يوم القيامة وقال: إنّهم سيجزون بأمور ثلاثة:
15 ـ أ . (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لََمحْجُوبُونَ) :
أي أنّ هؤلاء الكفرة الفجرة، ممنوعون من رحمة الله مدفوعون عن ثوابه غير مقبولين ولا مرضيين، وفي النهاية فهم محرومون من كرامة القرب والمنزلة، والدليل على أنّ المراد من الحجب ـ حرمانهم من رحمة الله أو كرامة القرب ـ ما سيأتي في وصف الأبرار حيث يصفهم بقوله: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم) وهذا يدل على أنّ الفجّار محرومون من نعم الله تعالى.
وفي الكشاف: كونهم محجوبون عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم لأنّه لا يؤذن على الملوك إلاّ للوجهاء المكرّمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلاّ الأدنياء المهانون عندهم.1
ومن العجب أنّ الأشاعرة استدلوا بهذه الآية على أنّ المؤمنين يرونه سبحانه، قال الرازي: ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة. ثم قال: وفيه تقرير آخر وهو أنّه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد والتهديد للكفّار، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفّار لا يجوز حصوله في حقّ المؤمن فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حقّ المؤمنين.(2)
يلاحظ عليه: بأنّه إذا قيل: حُجب فلان عن الأمير، فهو يستعمل في موردين:

1 . تفسير الكشاف: 3 / 333 .   2 . تفسير الرازي:31/95.

صفحه 198
سورة المطففين: الآيات 18 ـ 28   
1. حجب عن لقائه.
2. حجب عن نيل عطاياه.
ومع ذلك يفسر بالوجه الأوّل!!
مضافاً إلى ما عرفته من أنّه سبحانه يقول في حقّ الكافرين بأنّهم عن ربّهم لمحجوبون، وفي مقابله يقول في حق الأبرار: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم )ويُعلَم معنى الأوّل بالمقابلة، فهل الأبرار يرون ربّهم حتى يحرم الفّجار من الرؤية؟ أو أنّ الأبرار يكونون منعمّين ويقابلهم الفجار فيكونون محرومين من النعم .
16 ـ ب . (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ):
عطفت هذه الفقرة على الفقرة السابقة بحرف (ثُمَّ)الدالّ على التراخي الرتبي لا الزماني، ; وذلك لأنّه ارتقاء في الوعيد حيث يدخلون الجحيم، وهو نظير قوله تعالى: (يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ)1.
وربّما يقال: إنّ (صَالُوا) جمع صال وهو الذي مسّه حر النار.
17 ـ ج . (ثُمَّ يُقَالُ هَذاَ الذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ):
والقائل هم خزنة النار، وهو توبيخ وتقريع، ولم يذكر اسم القائل لعدم العناية به .

1 . الانفطار: 15.

صفحه 199

الآيات: الثامنة عشرة إلى الثامنة والعشرين

(كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ* إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيق مَخْتُوم * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيم * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ).

المفردات

الأبرار: جمع بَرّ (بفتح الباء وتشديد الراء)، وهو الذي يعمل البِرّ، ويفعل الطاعات.
يقول ابن مالك:
والله برّ والأيادي شاهدة *** ..................................
علِّيّين «علِّيّون»: جمع علِّيّ (فِعِّيل) من العلوّ، وهو اسم لأعلى الأمكنة، ويقابل (سِجِّين).
الأرائك: جمع أريكة وهي السرير في الحَجَلة.1 والحجلة كالقبّة على الأسرّة.

1 . لسان العرب: 10 / 390، مادة «أرك».

صفحه 200
نضرة: البهجة التي تطفح على وجه المسرور الراضي، إذ تبدو على وجهه ملامح السرور.
الرحيق: الخمر الصافية الطيّبة.
مختوم: المسدود إناؤه حتى لا يشوبه غيره.
المسك: مادّة على هيئة سائل في غُدّة من غدد غزال المسك الذكر، وعندما تنتزع الغدة وتُجفّف يأخذ المسك شكل حُبيبات، وهي ذات عَرْف طيّب مشهور طيبُه.
التنافس: الرغبة.
تسنيم: قال الراغب: عين في الجنة رفيعة القدر، وفسّر بقوله: (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ).

التفسير

لمّا بيّن سبحانه في الآيات المتقدّمة مصير الفجّار ذكر في هذه الآيات منزلة الأبرار ومصيرهم، وقال:
18. (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) :
أي ليس الأمر كما ذكره الفجّار من إنكار البعث ومن أنّ كتاب الله هو أساطير الأوّلين، بل هو حقّ كما ينطقون وأنّ (كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ): أي أنّ كتاب المطيعين لله في علِّيّين، أي مراتب عالية محفوفة بالجلالة، وهو

صفحه 201
كناية عن كونهم في «علِّيّين»، والمراد: إنّ الأبرار لفي علّيّين ثم قال:
19 و 20. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ ):
ذكره بلفظ «ما» إيذاناً بتكريمه وتعظيمه، ثم ترك تفسيره وإنّما فسّر كتاب الأبرار المتقدّم، وهو أنّ كتاب الأبرار: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) مبيَّن واضح.1
21. (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) :
والآية تدلّ على أنّ نخبة من المؤمنين لهم مقام مرموق يشاهدون صحيفة أعمال الأبرار والصالحين، وهذه مزيّة لم تكن موجودة في صحيفة أعمال الفجّار.
وربما يفسّر المقرّبون بالملائكة وهو غير واضح; لأنّه سبحانه يصف السابقين بالمقرّبين ويقول:(وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)2.
22. (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم):
لمّا تقدّم منه سبحانه مصير الفجّار وقال: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ)، أراد بهذه الآيات بيان مصير الأبرار، وقال: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم) ثمّ وصف النعيم بأوصاف ثلاثة:

1 . ما ذكرنا هنا في تفسير الآيات موافق لما اخترناه من الوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة الّتي مرّت في قوله تعالى: (إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ...).
2 . الواقعة: 9 ـ 10 .

صفحه 202
23 ـ أ . (عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ):
ينظرون إلى ما حفّ بهم من أنواع النعيم الرغيد في الجنة لترتوي عيونهم من مناظرها البهية، وألوانها الخلاّبة، وحدائقها البهيجة، وعيونها الجارية، وفاكهتها الدانية، وحورها اللؤلؤية..
24 ـ ب . (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) :
أي تُرى آثار النعمة في وجوههم بشاشة وإشراقاً.
25 ـ ج . (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيق مَخْتُوم) :
أي من خمر مختوم لا غش فيه ولا شيء يفسده.
وليس الخمر في الجنّة كالخمر في الدنيا، فالثانية تفسد العقل
وتوجد البغضاء بخلاف خمر الجنة، ولذلك يصفها بقوله:(لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَ لاَ تَأْثِيمٌ).1
ثمّ عاد سبحانه إلى وصف الرحيق بصفتين:
أ. (مَخْتُوم): أي ختم عليه تكريماً لصيانته عن دخول ما يفسده.
26 ـ ب . (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) :
أي يجد الشارب في آخر شربه ريح المسك، وفي مثل هذا الرحيق ـ لا في رحيق الدنيا ـ فليتنافس المتنافسون، وليرغب فيه الراغبون.

1 . الطور: 23 .

صفحه 203
ومن المعلوم أنّ التنافس في رحيق الآخرة، لا يتحقّق إلاّ بالمبادرة إلى طاعة الله، فليتنافس من يريد رحيق الآخرة بالمبادرة إلى امتثال أوامره سبحانه واجتناب نواهيه.
27 ـ د . (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيم ) :
والضمير في (مِزَاجُهُ) يعود إلى الرحيق،والمراد أنّ هذا الرحيق ممزوج بماء عين اسمها تسنيم.
وبما أنّ خمر الدنيا فيه حرقة يمزجها شاربها بالماء، فالله سبحانه يقول: إنّ الرحيق يمزج بماء عين اسمها تسنيم ; وإنّما سمّيت بذلك لأنّ ماءها يأتي من علوّ، فهي تصبّ على جنّاتهم من علوّ وكأنّها سنام.
28. (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ):
و «عيناً» حال لتسنيم أو تمييز له، فيدلّ على أنّ الأبرار يشربون رحيقاً ممزوجاً بماء التسنيم، وأمّا المقرَّبون فيشربون من نفس العين كما قال: (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ).
فعلى هذا ففي الجنة مقامات ودرجات حسب درجات المؤمنين ومقاماتهم.
1. فمنهم من يشرب ما يجري على صورة أنهار، لقوله سبحانه: (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ)1.

1 . محمد: 15.

صفحه 204
2. ومنهم من يشرب بكؤوس مختومة.
3. ومنهم من يشرب من تسنيم الذي هو أفضل أشربة الجنة.
والغرض من هذه الآيات هو الحثّ والترغيب في الإيمان وصالح الأعمال.
سورة المطففين: الآيات 29 ـ 36   

الآيات: الثمان الأخيرة

(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).

المفردات

يتغامزون: الغمز، وأصله الإشارة بالجفن أو اليد، طلباً إلى ما فيه (معاب)، ومنه قيل: ما في فلان غميزة أي نقيصة يشار بها إليه، وجمعها غمائز.1
فكهين: الفكه من الفكاهة وهو حديث ذوي الأُنس. والمراد: يلتذّون بغيبة المؤمنين.

1 . المفردات للراغب، مادة «غمز».

صفحه 205
ثوّب: من التثويب ولا يستعمل إلاّ في المكروه، فقوله: ثوّب أي: هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون؟

التفسير

ذكر الرازي في تفسيره: جاء علي(عليه السلام) في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل عليٌّ إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله).1 والآية تدلّ على أنّ المنافقين يتّخذون من المؤمنين مادّة للضحك والسخرية كما هو دأب الأرذال والأنذال. وكان يتلخّص تعاملهم مع المؤمنين في الأُمور التالية:
29 ـ أ. (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ): سخرية.
30 ـ ب.(وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) :
الضمير في مرّوا يصلح لأن يرجع إلى المجرمين أو يعود على المؤمنين، ولو صحّ شأن النزول فقد مرّ المؤمنون بالمجرمين فأرادوا اغتيابهم بالهمز واللمز.

1 . تفسير الرازي:31/101.

صفحه 206
31 ـ ج . (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) :
أي إذا رجعوا إلى أهلهم كانوا يتفكّهون في أحوال المؤمنين.
32 ـ د. ( وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ):
أي يصفون المؤمنين بالضلال، ثمّ إنّه سبحانه ردّ على تقوّلهم بالضلال بقوله:
33. (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ) :
الضمير المتصل في (أُرْسِلُوا)يعود إلى الكفّار والضمير في (عَلَيْهِمْ)إلى المؤمنين، والمعنى: أنّه سبحانه لم يرسل الكفّار ليكونوا حفظة لأعمال المسلمين حتى يصفوهم بالضلال.
وبما أنّ المشركين كانوا يضحكون من المؤمنين فجوزوا مثلاً بمثل، فقال:
34. (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ) :
فالمراد من اليوم يوم القيامة لا يوم نزول الآية، وإلاّ لقال: فيومئذ الذين آمنوا من الكفّار يضحكون.
ولا يخفى ما في هذا الإخبار والحكاية من تسلية المؤمنين، وتثبيتهم على الإسلام، والتصبّر على متاعب التكاليف، ومشقّات الطريق، وأذى الأعداء، للظفر بتلك النهاية السعيدة، والنعيم الذي لا يحيط به وصف.1

1 . انظر : غرائب القرآن: 11 / 336.

صفحه 207
35. (عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ) :
قوله: (عَلَى الأَرَائِكِ)خبر لقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا)والمعنى: إنّ الذين آمنوا يضحكون من الكفّار في حالة كونهم جالسين على السرر ينظرون إلى جزاء الكفّار وأفعالهم الّتي كانوا يفعلونها في الدنيا من أنواع الجرائم.
ثمّ إنّ كلامه سبحانه وصل إلى نهاية المقصد وقال: فمن الفائز في يوم القيامة ومن هو الخاسر؟
36. (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ):
وهذا الكلام سواء كان من الله سبحانه أو من الملائكة أو من المؤمنين يخبر بأنّه يُجازى الكفّار بما كانوا يعملون، هذا على القول بأنّ معنى «ثوّب»: جُوزي.
وأمّا إذا قلنا: إنّ معناه الثواب على عمل الخير، فتُحمل الآية على سبيل التهكّم، كما في قوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)1 فيكون المراد: هل سُعدوا بأعمالهم الإجرامية واستخفافهم بالمؤمنين والغمز واللمز بهم؟ والله أعلم.
***
تمّ تفسير سورة المطففين

1 . الدخان:49.

صفحه 208

صفحه 209

سورة الانشقاق

(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ* وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ* وَإِذَا الاَْرْضُ مُدَّتْ* وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ* وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ* يا أيُّهَا الإنْسانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ* فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ* فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً* وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ* فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً* وَيَصْلَى سَعِيراً* إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً* إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ* بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً* فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ* وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ* وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ* لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق* فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ* وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرءَانُ لاَ يَسْجُدُونَ* بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ* وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ* فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَليم* إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون).

صفحه 210
خصائص السورة

تسمية السورة

تُسمّى السورة في المصاحف بسورة «الانشقاق»، أخذاً من قوله سبحانه:(انْشَقَّتْ) كما سمّيت السورة المتقدّمة لها «المطففين» أخذاً من قوله تعالى:(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ).

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها خمس وعشرون في العدّ المكّي والمدني والكوفي، وفي العدّ البصري والشامي ثلاث وعشرون.
ففي العدّ الأوّل، قوله: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ ) آية مستقلة، وفي العدّ الثاني هي جزء من قوله:(فَسَوفَ يُحَاسَبُ); وأيضاً ففي العدّ الأوّل قوله: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) آية مستقلّة، وفي العدّ الثاني هي جزء من الآية التالية لها أعني:(فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً). والسورة مكيّة بالاتّفاق.

أغراض السورة

سورة الانشقاق: الآيات 1 ـ 6   
إنّ سورة الانشقاق وما تقدّمها من سورتي الانفطار والتكوير على غرار واحد، والجميع لبيان أشراط الساعة وحضور يوم القيامة واختلاف الناس في مصيرهم، ويظهر قولنا: على غرار واحد، بملاحظة الآيات الواردة في

صفحه 211
صدر السورة، فلاحظ ما يلي:
1. (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ )1.
2. (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَ إِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ).(2)
3. (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ* وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ).(3)
والعجيب أنّ جواب الشرط في السورتين المتقدّمين هو على غرار واحد، أمّا في سورة التكوير فالجواب فيها: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ)، وفي سورة الانفطار فالجواب هو: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ)، وأمّا في سورة الانشقاق فالجواب محذوف وهو «رأى الإنسان ما قدّم من خير وشرّ» ويدلّ عليه قوله:(يا أيُّهَا الإنْسانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) فهي تشير إلى سير الإنسان من نقطة إلى نقطة إلى أن يموت ويلاقي ربّه، فعندئذ تقف كلّ نفس على ما أحضرت أو ما قدّمت من خير وشرّ. وعندئذ يكون الجواب فيها نفس ما في السورتين حقيقة ومعنى.
فهذه السور الثلاث متشابكة صيغة وأغراضاً وأجوبة.

الآيات: الست الأُولى

(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ* وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ* وَإِذَا الاَْرْضُ مُدَّتْ* وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ* وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ* يا أيُّهَا الإنْسانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ).

1 . التكوير: 1 ـ 2 .   2 . الانفطار: 1 ـ 2 .   3 . الانشقاق: 1 ـ 2 .

صفحه 212

المفردات

انشقّت: الشقّ: الخرمُ الواقع في الشيء، قال الشيخ الطوسي: الانشقاق: افتراق امتداد عن التئام، فكلّ انشقاق افتراق، وليس كلّ افتراق انشقاقاً.
أذِنتْ: يقال: أذن له أي أجاز له، وهذا المعنى غير مناسب للمقام، إذ لا يناسب أن يأذن المخلوق لخالقه، بل الصحيح أن يقال: أذن له: أي استمع وهذا هو المراد. فالإذن الاستماع، تقول العرب: أذن لك هذا الأمر إذناً، أي استمع لك. قال الشاعر:
صُمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكرتُ به *** وإنْ ذُكرتُ بسوء عندهم أَذنوا
حُقّت: بمعنى حقيق ولائق، نظير قوله تعالى: (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ).1
كادح: الكدح: السعي الشديد في الأمر والدأب في العمل، يقال: كدح الإنسان في عمله، يكدح.

التفسير

1 . (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ):
وهو بمنزلة قوله سبحانه:(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ).(2)
والشق طروء الفصل في الجسم المتصل، وبما أنّ السماء قائمة على

1 . الأعراف:105.   2 . الانفطار:1.

صفحه 213
عمد غير مرئيّة، فإذا انفلت رباط هذه العُمد صدق أنّها انشقّت، وعلى كلّ حال فالمراد منه طروء الاختلال في النظام الكوني، وهو من أشراط الساعة، كلّ ذلك بأمره سبحانه ولذلك يقول تعالى:
2. (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) :
أي استمعت إلى أمر ربها وانقادت وأطاعت تكويناً، وحُقّ لها ذلك، لأنّها مخلوقة له، والعالَم بأسره لا يخرج عن سلطان قدرته، قال سبحانه:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).1
وقال سبحانه:(فَقَالَ لَهَا وَ لِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).(2) فإرادته نافذة في جميع الأشياء.
3. (وَإِذَا الاَْرْضُ مُدَّتْ) :
والمراد بسطها بإزالة الجبال، كبسط الأديم، وقد أشار إليه سبحانه في موضع آخر فقال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَ تَرى فِيهَا عِوَجاً وَ لاَ أَمْتاً)(3)، ومجموع الآيات من أشراط الساعة.
فهذا النوع من المدّ مميت للأرض ومن عليها وما عليها، وكان قبل ذلك مَدٌّ محييٌ لها ولمن عليها، قال سبحانه: (وَ هُوَ الذِي مَدَّ الأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَ أَنْهَاراً)2.

1 . يس:82 .   2 . فصلت:11.   3 . طه: 105ـ 107.
2 . الرعد: 3 .

صفحه 214
4. (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) :
أي رمت ما في بطنها من أشياء كثيرة، كالمعادن والكنوز وغيرها، يقول سبحانه:(وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا)،1 وعندئذ تتخلّى الأرض عمّا فيها، ولم يبق في بطنها شيء.
5. (وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ) :
مرّ تفسيره مع أنّه تكرر بظاهر اللفظ ولكنّه ليس تكراراً حقيقة، لأنّ الأوّل راجع إلى السماء والثاني إلى الأرض، وهذه الأُمور الجلائل من علائم القيامة.
6. (يا أيُّهَا الإنْسانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ):
سورة الانشقاق: الآيات 7 ـ 15   
والآية تتضمن أمرين:
1. أنّ الإنسان ساع وسائر إلى ربّه بالجهد والتعب.
2. أنّ هذا السير يتم بلقاء الله(الرب) يوم القيامة.
أمّا الأمر الأوّل: فيبدأ منذ انعقاد نطفة الإنسان إلى أن يخرج من بطن أُمّه ويعيش في هذه الدنيا رضيعاً ثم طفلاً، وصبياً، وشاباً، وكهلاً، وشيخاً إلى أن يتم مراحل سيره. والشاهد على أنّ سيره وكدحه راجع إلى الدنيا هو قوله: (إِنَّكَ كَادِحٌ): أي في زمان الخطاب، فالإنسان ـ على الإطلاق ـ سواء أكان مؤمناً أم كافراً يسير ويكدح إلى الله سبحانه، سواء علم بذلك أم لم يعلم،

1 . الزلزلة: 2 .

صفحه 215
فمثل الجاهل بهذا السير مثل راكب السفينة التي تسير، ولكنّه يزعم أنّه ساكن، فهو في النهاية يصل إلى المقصد وإن لم يكن يعرف.
فكأنّ النظام خلق لسير الإنسان في هذا العالم من بدء حياته إلى نهايتها في الدنيا إلى التهيّؤ للقاء الله.
وأمّا الأمر الثاني: أنّ الغاية من هذا السير هي لقاء الله سبحانه .
وفي هذه الآية دليل على الحياة الأُخروية، فإنّ سعي الإنسان وسيره إلى لقاء الله يلازم وجود الغاية وهي المحاسبة على أعماله إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر، فعبودية الإنسان وربوبية الرب تقتضيان وجود يوم الجزاء.
ويمكن أن يقال: إنّ الكائنات كلّها كادحة إلى ربها فتلاقيه، وإنّما خصّ الكدح في الآية بالإنسان فلأجل أنّ للكائنات ـ سوى الإنسان ـ كَدحاً واحداً، وأمّا الإنسان فله كدحان: كدح نتاجه الراحة والرضوان من الله تعالى، قال: سبحانه: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)1، وكدح نتاجه الشقاء والاستبعاد عن الله سبحانه.

الآيات: السابعة إلى الخامسة عشرة

(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ* فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً* وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ* فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً* وَيَصْلَى سَعِيراً* إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ

1 . الأعراف: 32.

صفحه 216
مَسْرُوراً* إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ* بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً).

المفردات

الثُّبور: الهلاك والفساد، قال تعالى:(لاَ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَ ادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً).1
يصلى: صلى فعل لازم، يقال للشيء إذا مسّته النار، وربما يفسّر بالدخول، قال الراغب: قيل: صلى النار: دخل فيها، قال تعالى: (فَسَوفَ نُصليه ناراً).(2)
فلو قلنا بالمعنى الثاني فالمعنى أنّه يدخل ناراً، ولو قلنا بالمعنى الأوّل يجب أن نقول: إنّ «سعيراً» منصوب على نزع الخافض أي يصلى بسعير.
السعير: السعر هو التهاب النار.
يحور: يقال: حار يحور إذا رجع، ويقال: كلمته فما حار جواباً، أي ما ردّ جواباً.

التفسير

نشاهد في هذه الآيات تقسيماً ثنائياً لمصير الكادحين من الأخيار والأشرار، فالأخيار يؤتون كتبهم بأيمانهم، والأشرار يؤتون كتبهم من وراء ظهورهم.

1 . الفرقان:14.   2 . النساء:30.

صفحه 217
7. (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ) :
أي فمن أُوتي كتابه بيده اليمنى فهو دليل على كونه فائزاً، فإنّ البركة عند عامّة الناس في اليد اليمنى وضدّها في اليد اليسرى، حتى سمّيت البركة يُمناً والشمال شؤماً.
8 . (فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً) :
لعلّ المراد من يُسر الحساب التساهل فيه وعدم المناقشة، والإغماض عن السيئات إمّا بالتوبة أو بالعفو. وفي الحديث: «من حاسب نفسه في الدنيا هانَ الحساب عليه في الآخرة».1
9. (وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً) :
أي يرجع إلى ما أعدّه الله له في الجنة من الحور والغلمان والنعم الدائمة والقصور العالية.
وأمّا تفسيرها بالأزواج والأولاد والعشيرة فبعيد; لأنّ لازم ذلك أن يكون هؤلاء من أهل الجنّة قبله، ولا قرينة على ذلك.
10. (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ):
والظاهر أنّ المراد أُوتي كتابه بشماله من وراء ظهره، تحقيراً له، ويدلّ عليه قوله سبحانه:(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ).(2)

1 . التفسير الكاشف: 7 / 540 .   2 . الحاقة: 25.

صفحه 218
11. (فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً) :
أي يدعو بالويل والهلاك ويقول: واثبوراه.
12. (وَيَصْلَى سَعِيراً) :
أي يدخل ناراً مؤجّجة لا يوصف عذابها، أو يُصطلى ويُشوى بالسعير.
ثمّ إنّه سبحانه ذكر سبب هذا التعذيب فقال:
13. (إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً) :
أي كان يسرّه متاع الدنيا وزخرفها وتُلهيه زينتها وينسى الآخرة ولا يأخذ أُهبتَها، بل يكذّب بها، فهذا النوع من الفرح مذموم جدّاً، والله سبحانه يصف قارون بهذا الوصف ويقول:(لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ).1وقال سبحانه:(ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ بِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ).(2)
14. (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) :
أي يعتقد بأنّه لا يرجع إلى الله وأنّه لا حياة بعد هذه الحياة، ولذلك كان متوغّلاً في الآثام والسيئات، ففرحه في هذه الدنيا يتجلّى في الآخرة بصورة ندائه: واثبوراه.

1 . القصص:76.   2 . المؤمن:75.

صفحه 219
15. (بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً):
إنّ لفظة «بلى» تستعمل في إبطال الكلام المنفي المتقدّم، نظير قوله سبحانه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)1، وقال سبحانه: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ).(2) وأمّا المقام فهو إبطال لزعم من يعتقد أنّه لن يحور (أي يرجع) فقال سبحانه:«بلى» أي يحور ويرجع; وذلك لأنّ ربّه «كان» بصيراً وعليماً بمآله.
ولعلّ في قوله: (بَصِيراً) إشارة إلى لزوم المعاد، فإنّ الله سبحانه يعلم أنّ الناس بين طائع وعاص ومصلح ومفسد، فرمي الجميع بسهم واحد على خلاف العدل والإنصاف، فلا محيص من محاسبة الناس ومجازاتهم حسب أعمالهم.
وفي حديث عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «ثلاث مَن كنّ فيه حاسبه الله حساباً يسيراً وأدخله الجنة برحمته» قالوا: وما هي يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: تؤتي مَن حرمك، وتصل مَن قطعك، وتعفو عمّن ظلمك»(3).
بقي هنا أمر هام وهو أنّ الآيات السابقة قسّمت الناس إلى قسمين:
1. مَن أُوتي كتابه بيمينه وهم أصحاب اليمين.
2. مَن أُوتي كتابه بيده اليسرى من وراء ظهره، وهم أصحاب الشمال.
ولم تذكر الآيات مصير المقرّبين الذين هم فوق أصحاب اليمين والشمال، قال سبحانه: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ

1 . الأعراف:172.      2 . التغابن:7.   3 . تفسير نور الثقلين: 5 / 537 .

صفحه 220
الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ).1
ولعلّ عدم ذكرهم أنّهم لسموّ مقامهم وطهارة أنفسهم وزكاة قلوبهم فوق أن يحاسبوا، إذ لا توجد في صحيفة حياتهم نقطة سوداء حتى يحاسبوا عليها، وهناك احتمال آخر وهو إدخالهم واندماجهم في أصحاب اليمين، والله العالم.
وللسيد الطباطبائي هنا كلام نأتي بنصّه فإنّه بعدما طرح السؤال،
قال: فمن الجائز أن لا يكون تقسيم أهل الجمع (يعني: القيامة) إلى
أصحاب اليمين وأصحاب الشمال تقسيماً حاصراً لجميعهم، بل تخصيصاً لأهل الجنة من المتقين وأهل الخلود في النار بالذكر بتوصيفهم بإيتاء الكتاب باليمين وبالشمال لمكان الدعوة إلى الإيمان والتقوى، نظير ذلك
ما في سورة المرسلات من ذكر يوم الفصل ثم بيان حال المتقين والمكذّبين فحسب وليس ينحصر الناس في القبيلين، ونظيره ما في سورة
النبأ والنازعات وعبس والانفطار، والمطففين وغيرها، فالغرض فيها ذكر أُنموذج من أهل الإيمان والطاعة وأهل الكفر و التكذيب، والسكوت عمّن سواهم ليتذكّر أنّ السعادة في جانب التقوى والشقاء في جانب التمرّد والطغوى.2
سورة الانشقاق: الآيات 16 ـ 19   

1 . الواقعة:8 ـ 11.
2 . الميزان في تفسير القرآن:20 / 263. ط . طهران.

صفحه 221

الآيات: السادسة عشرة إلى التاسعة عشرة

(فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ* وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ* وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ* لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق):

المفردات

الشَّفَق: هو الحمرة الظاهرة في وقت المغرب عند الأُفق.1
الوَسَق: هو الجمع والضمّ، فإنّ الليل إذ أقبل أوى كلّ شيء إلى مأواه.
اتّسق: الاتّساق: هو الاجتماع والتكامل، واتّساق القمر: اجتماع نوره وتكامله فى الليالي الثلاث: الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة .
طبق: الطباق في الشيء الذي يكون فوق الآخر، يقول سبحانه: (الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقاً )2 أي بعضها فوق بعض.

التفسير

أقسم سبحانه في هذه الآيات بأُمور أربعة:
1. الشفق.
2. الليل.

1 . قال الشاعر المبدع دعبل الخزاعي(رحمه الله) وهو يذكر مصائب آل البيت(عليهم السلام):
رزايا أرتنا خضرة الأُفق حُمرةً *** وردّت أُجاجاً طعم كلّ فراتِ
2 . الملك: 3 .

صفحه 222
3. ما وسق.
4. القمر في حالة الاتّساق.
وجواب القسم (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق)، وإليك البيان.
16. (فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ):
فهو ـ أي: (فَلاَ أُقْسِمُ)ـ وإن كان بظاهره نفي القسم، ولكنّ المتفاهم منه في العرف هو الكناية عن القسم، فأقسم سبحانه بالحمرة التي تظهر في الأُفق الغربي عند ما ترسل الشمس آخر خيوطها وهي تجنح للمغيب، إذ يرتسم على الأُفق منظر رائق، بهيج الألوان، يروي ظمأ العيون للجمال، ويُلهم الشعراء المعاني العرفانية الغرّاء.
17. (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ):
أقسم بالليل لأنّه ـ كالنهار ـ عماد الحياة، ولولا الليل لارتفعت حرارة الأرض بشروق الشمس الدائم على الكائنات الحيّة ولانعدمت الحياة فيها.
وأقسم سبحانه أيضاً بـ(وَمَا وَسَقَ) أي بما جمع، فكأنّ ظلمة الليل هي السبب لعودة الإنسان والحيوان والطيور إلى منازلهم وأوكارهم، ونسبة الجمع إلى الليل نسبة مجازية باعتبار كونه ظرفاً للجمع.
18. (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ) :
حلف سبحانه بالقمر عند اكتماله في الليالي الثلاث لما فيه من روعة وجمال، ولذلك يشبّه الوجه الوضيء الجميل بالقمر، مضافاً إلى نوره الرقيق

صفحه 223
الهادئ الذي يغطي سطح الأرض وهو في الرقّة واللطافة بمكان لا يكسر ظلمة الليل وفي الوقت نفسه ينير الطرق والصحاري للسائرين ليلاً.
فهذه أقسام أربعة بينهما ترتيب طبيعي تقريباً، فقدّم الشفق على الليل مع أنّه يظهر بعد مضيّ شيء قليل من الليل ; لأنّ الشفق من نور الشمس عند استتارها تحت الأُفق، ولذلك قدّمه على الليل.
ثمّ يتلوهما القمر في حالة الاكتمال.
وأمّا المقسم عليه فهو ما أشار إليه بقوله تعالى:
19. (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق):
وهنا أمران:
1. ما هو المراد من الركوب؟
2. ما هو المراد من الطبق بعد الطبق؟
أمّا الأوّل فالظاهر أنّ المراد منه هو السلوك والاقتحام، فكأنّ الإنسان يركب الحالات التي يمر بها عبر حياته أو بعدها.
وأمّا الثاني فقد أتى سبحانه بكلام جامع قابل للتفسير بصور مختلفة ولم يرفع الغطاء عنه ليذهب ذهن السامع إلى أي مذهب، وفي ذلك شحذ للأذهان للتأمّل والتفكّر.
ويمكن أن يقال: إنّ الآية خطاب للإنسان المتواجد في الدنيا التي اجتاز مراحلها، فلابدّ أن يقال: إنّ المراد من هذه الطبقات هي ما يرجع إلى الآخرة، حيث إنّه يجتاز الحياة البرزخية عبر قرون يعلم الله عددها، ثم ينتقل

صفحه 224
إلى الآخرة وله فيها مواقف كثيرة حتى يحاسب ويتسلّم صحيفة أعماله بيمينه أو بشماله.
وعلى هذا فقوله سبحانه:(لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق) يشير إلى المراحل التي يجتازها الإنسان بعد الموت، كما أنّ قوله:(يا أيُّهَا الإنْسانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) يشير إلى المراحل الزمنية التي يجتازها الإنسان في هذه الدنيا، فبالجمع بين الآيتين يظهر أنّ حياة الإنسان تبدأ بالتعب والألم منذ طفولته إلى موته، ومن حياته البرزخية إلى يوم تقرير مصيره، وأمّا الحياة الطيبة المجردة عن التعب فإنّما هي الحياة الأُخروية للصالحين، ولذلك يقول سبحانه: (وَ إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)1.
سورة الانشقاق: الآيات 20 ـ 21   
ويظهر من بعض الروايات أنّ الآية ناظرة إلى أنّ الأُمّة الإسلامية ستركب سنّة من سبقها من الأُمم، فقد جاء في تفسير علي بن إبراهيم ما يلي:(لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق) يقول: حالاً بعد حال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لتركبنّ سنّة مَن كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، (2) ولا تخطئون طريقتهم، شبر بشبر، وذراع بذراع، وباع بباع، حتى أن لو كان مَن قبلكم دخل جحر ضبّ لدخلتموه» قالوا: اليهود والنصارى تعني يا رسول الله؟ قال(صلى الله عليه وآله): «فمن أعني لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فيكون أوّل ما تنقضون من دينكم الإمامة (الأمانة) وآخره الصلاة».2

1 . العنكبوت:64.   2 . ريش السهم.
2 . تفسير القمي: 2 / 407 ـ 408. ولو صح الحديث سنداً، فهو من مقولة تطبيق الكلي على مصداق خاص .

صفحه 225
وأمّا وجه الصلّة بين المقسم به والمقسم عليه، فيمكن أن يقال: إنّ القرآن يقسم بأُمور متتابعة الوقوع ذات تسلسل زمانيّ خاص كما مرّ، فإذا كان المقسم به بهذا النحو فالطبقات التي يركبها الإنسان هي كالمقسم عليه ابتداءً من موته إلى برزخه إلى يوم تقرير مصيره، فالنظام سائد في كلّ من المقسم به والمقسم عليه يوم القيامة.

الآيتان: العشرون والحادية والعشرون

(فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ* وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرءَانُ لاَ يَسْجُدُونَ).

التفسير

20. (فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) :
هل الآية تفريع على قوله تعالى:(يا أيُّهَا الإنْسانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ)، أو هي تفريع على قوله: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق)؟
ولعلّ الثاني أظهر ; لأنّ وجود الأهوال يوم القيامة يبعث كلّ عاقل على الإيمان بالله، فعدم إيمان هؤلاء موضع تعجّب، ولذلك سُئل متعجّباً، وقيل: (فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ).
ويمكن أن يفسّر عدم إيمانهم بوجه آخر وهو: أنّ وجود النظام في حياة الإنسان منذ بدء نشأته إلى موته، كما أنّ في اجتيازه الطبقات المختلفة يوم القيامة، يدلّ على وجود نظام بديع قائم بالله سبحانه، أفيمكن أن يكون

صفحه 226
خلق الإنسان بهذا النظام والدقة، عبثاً لا غاية له، أم يكون دليلاً على البعث والمعاد؟ وقد ذكر الطبرسيّ في «مجمع البيان» مراحل حياة الإنسان في هذه الدنيا وعدّها إلى سبع وثلاثين مرحلة.1
21. (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرءَانُ لاَ يَسْجُدُونَ):
أي ما الذي يصرفهم عن السجود لله تعالى إذا تُلي عليهم القرآن، وقد تجلّى سبحانه فيه «بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاَتِ. وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ!»(2)، ثمّ القرآن، أيضاً، المعجزة الكبرى التي تدلّ بوضوح على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) صادق في دعوته عن الله تعالى ومبعوث منه.
وهل المراد سجود التلاوة عند سماع القرآن أو المراد التسليم والخضوع والاستكانة؟
الظاهر هو الثاني، إذ ليست تلاوة القرآن ـ على وجه الإطلاق ـ تفرض السجود، كما ليس المراد من القرآن هنا آيات السجدة، وليست هذه الآية ممّا تطلب السجود، فتعَيّن أن يكون المراد سجوداً قلبياً، وخضوعاً واستكانة روحية حتى يؤثر القرآن في أفكار الإنسان وأعماله.
سورة الانشقاق: الآيات 22 ـ 25   
وأمّا وجه الاستفهام مع أنّه سبحانه يعلم وجه عدم إيمانهم وعدم سجودهم لكنّه طرحه بصورة السؤال تشبيهاً بتجاهل العارف، إلاّ أنّه ذكر في الآيات التالية السبب الواقعي لعدم إيمانهم وسجودهم، وهذا ما سنتلوه عليك.

1 . لاحظ : مجمع البيان:10/346.   2 . نهج البلاغة: الخطبة 147 .

صفحه 227

الآيات: الأربع الأخيرة

(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ* وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ* فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَليم* إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون).

المفردات

يوعون: الإيعاء جعل الشيء وعاءً، والوعاء ـ بكسر الواو ـ : الظرف لأنّه يجمع فيه. وسُميّت القلوب أوعية لما يحصل فيها من معرفة أو جهل. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا».1

التفسير

لمّا كان ظاهر الآيتين السابقتين هو التعجّب حيث قال: (فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) انتقل منه الى الإخبار عنهم بأنّهم مستمرون على الكفر والطعن بالقرآن الكريم، وقال :
22. (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) :
استمرارهم في الطعن في القرآن، وتكذيب رسالة النبي(صلى الله عليه وآله)ومعه يستحيل أن ينفذ نور الإيمان إلى قلوبهم. فما دام هؤلاء على هذه الحالة لا

1 . نهج البلاغة: قسم الحكم: 147 .

صفحه 228
يخضعون لأي دليل وبرهان.
23. (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ) :
إنّ الله أعلم بما يجمعون في صدورهم ويضمرون في قلوبهم من الرذائل والأغراض الخبيثة، فقد رفع تعجّبه تارة باستمرارهم في التكذيب، وأُخرى بجذور التكذيب التي هي الصفات الخبيثة الرذيلة التي تحدّد شخصيتهم، ومع ذلك كلّه يمتنع دخول نور الإيمان إلى قلوبهم.
24. (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَليم) :
التبشير استعارة للإنذار وقد أطلق عليه من باب التهكّم.
25. (إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون):
وقد استثنى سبحانه من جملة المخاطبين الطائفة المؤمنة والعاملة للصالحات وبشَّرهم بأجر غير مقطوع ولا منقوص.
ويمكن أن يقال: إنّ الاستثناء منقطع ; لأنّ الآيات المتقدّمة اختصّت بالذين كفروا....
فبما أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) مبشّر ومنذر، فقد أردف إنذاره بالتبشير، وبذلك أتمّ رسالته.   ***
تمّ تفسير سورة الانشقاق

صفحه 229
سورة البروج
(وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَ شَاهِد وَمَشْهُود * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَ مَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيء شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ * وَ هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَ ثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيب * وَ اللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ).

صفحه 230
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «البروج».

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها اثنتان وعشرون آية، وهي مكيّة تشهد على ذلك صياغتها، فإنّ السور المكيّة وآياتها غالباً قصيرة، والغالب عليها الدعوة إلى التوحيد وصفاته سبحانه والتنديد بالشرك، وإنكار الحياة الأُخروية.

أغراض السورة

التنبيه إلى مَنْ يعذِّبون المسلمين في مكّة المكرّمة وأنّ مثلهم مثل أصحاب الأُخدود، وتسلية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بما حلّ بالأُمم الطاغية الّتي كذّبت رسلها، فاستأصلها الله تعالى بعذابه، ثم يستشهد على ذلك بقوم فرعون وثمود، لتكون عاقبة أمرهما عبرة للمشركين الذين كان شأنهم تكذيب الرسول(صلى الله عليه وآله) وتعذيب المؤمنين.
سورة البروج: الآيات 1 ـ 7   

صفحه 231

الآيات: السبع الأُولى

(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَ شَاهِد وَمَشْهُود * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ).

المفردات

البروج: جمع البرج، وهو من التبرُّج أي الظهور، يقول سبحانه مخطاباً أزواج النبي(صلى الله عليه وآله):(وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى):1 أي لا تظهرن ظهور المرأة في الجاهلية، ويشهد على ذلك قوله تعالى:(غَيْرَ مُتَبَرِّجَات بِزِينَة)2: أي: غير مظهرات لزينتهن، ولو أُطلق البروج على القصور فلأجل ظهورها.
ويطلق البروج في مصطلح الفلكيّين على منازل القمر حيث إنّه يسير في كلّ برج منها يومين وثلث يوم، فذلك ثمانية وعشرون يوماً، ثم يستتر ليلتين.
وأمّا بروج الشمس، فهي اثنا عشر برجاً: ستة منها في شمال خط الاستواء وستة في جنوبه، فالتي في شماله هي: الحَمَل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة.
والتي في جنوبه هي: الميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت.

1 . الأحزاب: 33.
2 . النور: 60 .

صفحه 232
وأمّا المراد من صيرورة الشمس في أحد هذه البروج، فهو أنّ الشمس إذا قابلت مجموعة من النجوم الثابتة التي هي بصورة الحمل يقال إنّها دخلت في برج الحمل، وهكذا إذا قابلت مجموعة من النجوم الثابتة التي هي بشكل الثور، يقال: دخلت برج الثور،وقس عليهما البواقي، فالمراد مقابلة الشمس في مسيرها لواحد من مجموعات النجوم التي يتخيّل أنّها بصورة أحد هذه الأُمور التي قسم منها صورة الحيوان، فالحمل هو: ابن الغنم والذي عمره أقل من سنة، والثور: ذكر البقر، والجوزاء: الغنم الأسود في وسطه بياض، والسرطان: حيوان من القشريات يعيش على شواطئ البحر وبعضها في المياه العذبة وتسميه العامة (السلطعون)، والأسد، والسنبلة، والميزان، والقوس، والعقرب، والحوت، واضحة المعنى.
وأمّا الجدي فهو ولد المعز الصغير.
والدلو: ما يُخرج به الماء من البئر.
الأُخدود: الشق العظيم في الأرض، أو الحفرة المستطيلة.
الوَقود: (بالفتح) ما تشتعل به النار من الحطب وغيره. وهو بالضم: بمعنى الإيقاد.

صفحه 233
 
التفسير
قد أقسم سبحانه في أوائل هذه السورة بأقسام أربعة ضمن الآيات الثلاث الأُولى، وذلك لبيان قصة أصحاب الأُخدود والتنبيه على ما فيها من الدروس والعبر. وسيوافيك ذكر تلك القصة، بعد بيان الأقسام وتفسير آياتها:
1 ـ أ . (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ):
والبروج كما مرّ، هو الأمر الظاهر، ويقرب استعماله في القصر العالي، ويسمّى سور البلد للدفاع برجاً، وعلى هذا فالمراد بالبروج مواضع الكواكب من السماء لقوله سبحانه:(فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ)1 ولكن الأظهر أنّ المراد نفس الكواكب لظهورها.
وأمّا تفسيرها بالبروج الاثني عشر للشمس فبعيد، إذ هو رهن معرفة عرب عصر الرسالة بهذه البروج، ولو صحّ فيحمل على أنّه تفسير بمصداق خاص، وكأنّه يقول: والسماء ذات الكواكب.
وأمّا السماء فقد ثبت أنّ كلّ ما علاك فهو سماء .
فلأجل ما لهذه الكواكب (من نورها وحركاتها وطلوعها ومغيبها) من رموز وأسرار، صحّ الإقسام بها لعظمتها.
وربّما تفسّر البروج بالقصور العالية، كما عليه صاحب تفسير الفرقان،

1 . الواقعة:75.

صفحه 234
وقد استشهد بقوله سبحانه: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كنُّتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَة)1.
ثم فرّع على ذلك قوله: هذه البروج المعنيّة في السماء هي القصور والكواكب ذوات القصور المزيّنة المتبرجة بألوان الزينة المدرّعة والمزوّدة بالمدفعيات والقاذفات.(2)
ولا يخفى أنّ ذلك التفسير على وجه الجزم والقطع أمر غير صحيح، فإنّ للفظة برج أصلين: أحدهما البروز والظهور، والآخر الحصون والقصور 2، ولا وجه لتطبيق البروج على المعنى الثاني، مع احتمال كون المراد هو الأوّل .
نعم ورد في بعض الروايات ما يستفاد منه وجود القصور والمدائن في السماء، والله العالم.
2 ـ ب. (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) :
وهو يوم القيامة الذي وعده سبحانه لعباده للقضاء بينهم.
3 ـ ج . (وَشَاهِد وَمَشْهُود):
تعدّدت الأقوال وتضاربت في معنى الشاهد والمشهود، وقد أنهاها بعضهم إلى ثمان وأربعين قولاً، يرجع ستة عشر منها إلى معنى الشاهد

1 . النساء: 78 .   2 . تفسير الفرقان: 30 / 256 .
2 . مقاييس اللغة: 1 / 238، مادة «برج».

صفحه 235
والباقي إلى معنى المشهود. ولو رجعنا إلى القرآن الكريم نرى أنّه يفسّر لنا معنى الكلمتين.
فأمّا الشاهد فقد وصف الله به النبي(صلى الله عليه وآله) وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً).1
وأمّا المشهود فالمراد به يوم القيامة ; لأنّه من صفاتها، قال سبحانه:(ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)(2): أي يشهده الخلائق كلّهم ويحضرون فيه، من الملائكة والجنّ والإنس والأوّلين والآخرين، ولا يوصف بهذه الصفة يوم سواه.
إلى هنا تمّ بيان الأقسام الثلاثة، وما ذكرناه هو المروي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) حيث فسّروا القرآن بالقرآن.
روي أنّ رجلاً دخل مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) فإذا رجل يحدّث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: فسألته عن الشاهد والمشهود، فقال:نعم، الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، فجزته إلى آخر يحدّث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)فسألته عن ذلك؟ فقال: أمّا الشاهد فيوم الجمعة، وأمّا المشهود فيوم النحر، فجزتهما إلى غلام كأنّ وجهه الدينار، وهو يحدّث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقلت: أخبرني عن شاهد ومشهود، فقال: نعم; أمّا الشاهد فمحمد وأمّا المشهود فيوم القيامة، أما سمعت الله سبحانه يقول:(يَا أَيُّهَا النَّبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً ) وقال: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) فسألت

1 . الأحزاب:54.   2 . هود:103.

صفحه 236
عن الأوّل، فقالوا: ابن عباس، وسألت عن الثاني فقالوا: ابن عمر، وسألت عن الثالث، فقالوا: الحسن بن علي(عليهما السلام).1
وفي رواية أُخرى عن ابن عباس: إنّ الشاهد هو الله، والمشهود يوم القيامة .2
وبذلك ظهر وجه الإقسام بهما لشرافتهما وكرامتهما لدى الله سبحانه.
***

قصة أصحاب الأُخدود

جاء في تفسير علي بن ابراهيم: كان سببهم ـ يعني سبب قتل أصحاب الأخدود ـ أنّ الذي هيّج الحبشة على غزوة اليمن ذو نواس ـ وهو آخر مَن مَلَك من حمير ـ تهوّد واجتمعت معه حمير على اليهودية وسمّى نفسه يوسف، وأقام على ذلك حيناً من الدهر، ثمّ أُخبر أنّ بنجران بقايا قوم على دين النصرانية، وكانوا على دين عيسى وعلى حكم الإنجيل، ورأس ذلك الدين عبد الله بن بريا، فحمله أهل دينه على أن يسير إليهم ويحملهم على اليهودية ويدخلهم فيها، فسار حتى قدم نجران فجمع مَن كان بها على دين النصرانية، ثم عرض عليهم دين اليهودية والدخول فيها، فأبوا عليه، فجادلهم وعرض عليهم وحرص الحرص كلّه، فأبوا عليه وامتنعوا من اليهودية والدخول فيها واختاروا القتل. فاتّخذ لهم أُخدوداً وجمع فيه الحطب وأشعل

1 . تفسير نور الثقلين:5/543، ولاحظ: مجمع البيان:10/355.
2 . التبيان في تفسير القرآن: 10 / 316 .

صفحه 237
فيه النار، فمنهم من أُحرق بالنار، ومنهم من قُتل بالسيف، ومُثِّل بهم كلّ مثلة، فبلغ عدد من قتل وأحرق بالنار عشرين الفاً، وأفلت رجل منهم يُدعى دوس ذو ثعلبان على فرس له ركضة، وأتبعوه حتى أعجزهم في الرمل، ورجع ذو نواس إلى ضيعة من جنوده، فقال الله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ) إلى قوله: (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).1
إذا عرفت ذلك فلنعد إلى تفسير بقيّة الآيات:
4 . (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ):
والآية تحتمل معنيين:
1. أنّه دعاء على أصحاب الأُخدود وإبراز غضب الله عليهم، فيكون قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ) بمنزلة: قاتلهم الله، وعلى هذا يكون المراد: إنّ الذين عذّبوا المستضعفين من المؤمنين، لُعنوا بتحريقهم المؤمنين في الدنيا بلا جُرم .
2. إخبار عمّا جرى على المستضعفين من المؤمنين من التعذيب بالنار وإلقائهم في الحفرة، وعندئذ يكون وصف المؤمنين المعذَّبين بأصحاب الأُخدود لأجل كفاية مجرد المقارنة والملازمة في الوصف.
والظاهر هو المعنى الأوّل، لأنّ هذه الصيغة استعملت في القرآن في إبراز الغضب، نظير:

1 . تفسير القمي: 2 / 409 ; تفسير نور الثقلين:5/544.

صفحه 238
1. قوله سبحانه:(قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ).1
2. قوله سبحانه: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ).2
3. قوله سبحانه: (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ).3
5. (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ) :
تفسير للأُخدود، أي كان الأخدود مشتملاً على الحطب وغيره ممّا تُشعل به النار، فيكون «بدل اشتمال».
6. (إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ) :
على الكراسي أو في مكان عال.
7. (وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ):
أي ينظرون ويشاهدون كيف يفعل بالمؤمنين من التعذيب إشرافاً حاكياً عن قسوة نفوسهم.
والمراد من الشهود هو الحضور في الواقعة ومشاهدتها، ورؤية كيفية تعذيب المؤمنين بالنار، ولا يراد منها تحمّل الشهادة لعمل المعذبين وأداؤها إلى رئيسهم.

1 . الذاريات:10ـ 11.
2 . المدثر: 18 ـ 19.
3 . عبس: 17.

صفحه 239
وعلى هذا فالحاضرون في الواقعة على طائفتين:
1. أُمراء ورؤساء حضروا مشهد تعذيب المؤمنين التذاذاً به.
2. عمّال منفّذون لأوامر الرؤساء.
وعلى هذا، فالظاهر أنّ مرجع الضميرين في قوله:(هُمْ) و (يَفْعَلُونَ)مختلف، فالأوّل يرجع إلى الطغاة الذين شهدوا تلك الجريمة البشعة; عملية تحريق المؤمنين.
والثاني يرجع إلى القائمين بعملية التعذيب من حفر الأرض وإشعال الحطب وإلقاء المؤمنين في النار.
ويكون تقدير الآية هكذا: وهم (أَصْحَابُ الأُخْدُودِ) شهود، على ما يفعلون (عمالهم) بالمؤمنين.
ثمّ إنّ الرازي لمّا جعل مرجع الضميرين واحداً أورد سؤالاً وقال: إذا كان المراد من الشهود هو الحضور فكان يجب أن يقال:«وهم لما يفعلون شهود» و لا يقال:(وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ).
ثمّ أجاب بقوله: إنّما ذكرت لفظة «على» بمعنى أنّهم على قبح فعلهم بهؤلاء المؤمنين ـ وهو إحراقهم بالنار ـ كانوا حاضرين مشاهدين لتلك الأعمال القبيحة.1
ولا يخفى أنّ الظاهر هو الوجه الأوّل.
وأمّا جواب القسم فسيوافيك بيانه بعد تفسير الآيات التالية.

1 . تفسير الرازي:31/119.

صفحه 240
سورة البروج: الآيات 8 ـ 11   

الآيات: الثامنة إلى الحادية عشرة

(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيء شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ).

المفردات

نقموا: النقم: العيب، وفي المفردات: نقمت الشيء ونقمته إذا أنكرته، إمّا باللسان وإمّا بالعقوبة.1
فتنوا: أي عاقبوا، قال الراغب: أصل الفتْن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار، قال تعالى:(يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ)2.3

1 . المفردات للراغب: 504، مادة «نقم».
2 . الذاريات:13.
3 . المفردات للراغب: 371، مادة «فتن».

صفحه 241
 
التفسير
8 . (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَميدِ) :
أشار سبحانه في هذه الآية إلى السبب الذي استحق به المؤمنون التعذيب بالنار ـ حسب نظر طواغيت عصرهم ـ وهو أنّهم بقوا على الإيمان بالله ورسوله وكتابه، واستقاموا على دينهم وشريعتهم ولم يهابوا أحداً دونها.
وكفى في بيان منزلة هؤلاء الذين أُحرقوا في سبيل حفظ دينهم والثبات عليه هو ما رواه جميل بن درّاج عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون و ينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردّهم عمّا هم عليه شيء ممّا هم فيه من غير تِرة وتُروا من فعل ذلك بهم ولا أذى، بل ما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، فاسألوا ربكم درجاتهم واصبروا على نوائب دهركم، تدركوا سعيهم».1
وقوله:(وَمَا نَقَمُوا ) أشبه بالمدح الوارد في صورة الذم، فإنّ الاستقامة على الدين الصحيح من الفضائل الرابية التي يمتدح بها الإنسان، ولكنّها بنظر الكافرين جريمة تستحق العقاب.
ونظير ذلك قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم *** بهنّ فُلول من قراع الكتائب

1 . تفسير نور الثقلين: 5 / 547، عن الكافي: 8 / 248. قوله: «ترة»: المكروه والنقص.

صفحه 242
9. (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ):
وهذه الآية هي بمنزلة التعليل، أي أنّ إيمانهم كان أمراً مثالياً، حيث آمنوا بالله الذي له الصفات التالية:
1. (الْعَزِيزِ).. القادر القاهر الّذي لا يُغالَب.
2. (الْحَمِيدِ).. المستحق للحمد كلّه.
3. (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ).
4. (عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ).
فالإيمان بالله الذي له هذه الصفات العليا والأسماء الحسنى فضيلة مقدّسة، وفي الوقت نفسه وصفه بكونه عزيزاً، إيعاز بأنّه سيعاقب هؤلاء المجرمين على جرائمهم، فالله سبحانه يُمهل ولا يُهمل، وأنّه سيوصل الثواب للمؤمنين والعقاب للكافرين يوم القيامة ولا يعجل في ذلك لمصلحة واضحة، وهو يعرف المطيع والمجرم لقوله: (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ).
10. (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَريقِ):
لما ذكر سبحانه قصة أصحاب الأخدود أتبعها بذكر طائفتين:
الأُولى: الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وأمروهم بالرجوع عن دينهم واستمرّوا على عملهم، ولم يتوبوا بعد.

صفحه 243
الثانية: المؤمنون الذين استقاموا على دينهم ولم يكترثوا لتهديد الكافرين.
أمّا الطائفة الأُولى فقد أشار إليها بقوله:(إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنينَ)إلخ ، لكن ذُكِرَ فيها أمران:
1. أوعدهم بالعذاب فيما لو لم يتوبوا، فقال:(ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) وهذا يدلّ على أنّهم لو تابوا لتخلّصوا ونجوا من هذا الوعيد، فيكون مضمون الآية على خلاف ما اشتهر من أنّ توبة القاتل عمداً غير مقبولة، والظاهر إمكان الجمع بأنّ توبته غير مقبولة بالنسبة إلى الحدّ الذي حكم عليه به، ومقبولة يوم القيامة، فكأنّ قتله وإقامة الحدّ عليه هو توبة له.
وقد تكون الآية بصدد التعريض بطغاة قريش، الذين أذاقوا المؤمنين والمؤمنات أقسى ألوان العذاب من أجل أن يصرفوهم عن إيمانهم بالدين الجديد وبرسوله الأمين، ولذا توعّدهم الله تعالى إذا لم يكفّوا عمّا هم فيه .1
2. أنّه سبحانه أوعدهم بأمرين:
أ. عذاب جهنم.
ب. عذاب الحريق
فما هو المراد من التعدّد؟ وقد أجاب عنه الطبرسي(رحمه الله) بقوله: المراد: لهم أنواع العذاب في جهنم سوى الإحراق، مثل الزقوم والغسلين والمقامع، ولهم مع ذلك الإحراق بالنار.2

1 . انظر: التفسير الكاشف: 7 / 546 .
2 . مجمع البيان:10/358.

صفحه 244
وأمّا الطائفة الثانية فقد أشار إليها بالآية التالية.
11. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ):
في الآية وعد جميل للمؤمنين يطيّب به نفوسهم كما أنّ ما في قبلها وعيد شديد للكفّار الفاتنين المعذِّبين. ولعلّ المراد بالفوز الكبير هو رضوان الله ; لقوله سبحانه:(وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَ رِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).1
بقي هنا كلام: وهو: ما هو جواب القسم؟ وبعبارة أُخرى: ما هو المقسم عليه؟

وهنا احتمالات:

1. قوله تعالى:(قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ) بتقدير «لقد» قتل أصحاب الأُخدود، فيكون هو جواب القسم، نظير قوله سبحانه:(وَالشَّمْسِ وَ ضُحَاهَا )فيكون جوابه:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)بتقدير: لقد أفلح.
2. قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ)فقد أقسم سبحانه ليؤكّد على أنّه يعذب هؤلاء المجرمين أشدّ العذاب.
3. ما اختاره الزمخشري في «الكشّاف» وهو أنّ جواب القسم محذوف

1 . التوبة:72.

صفحه 245
يدلّ عليه قوله:(قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ) كأنّه سبحانه أقسم بهذه الأشياء لتأكيد أنّ كفّار قريش ملعونون كما لُعن أصحاب الأُخدود، وفي ذلك تثبيت للمؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على مَن تقدَّمهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم، ويعلموا أنّ كفّار مكّة عند الله بمنزلة أُولئك الذين كانوا في الأُمم السالفة يحرّقون أهل الإيمان بالنار، وأحقّاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش كما قُتل أصحاب الأُخدود.1
وإنّما يصحّ الاحتمالان الأخيران إذا لم تفقد الصلة بينهما وبين الإقسام بالأُمور الأربعة:
أ. السماء ذات البروج.
ب. اليوم الموعود.
ج. الشاهد.
د. المشهود.
والذي يمكن أن يقال: إنّ وجه الصلة فيما ذكره الزمخشري هو أنّه سبحانه يقصد بهذه الآيات تثبيت قلوب المؤمنين وتصبيرهم على الأذى، كما مرّ في هذا القول ، وعندئذ يمكن أن يقال:إنّ وجه الصلة عبارة عن أنّه سبحانه حلف بالسماء ذات البروج لبيان أنّه كما يدفع عن السماء كيد الشياطين ـ كما قال سبحانه: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ * وَ حِفْظاً مِنْ

1 . تفسير الكشّاف:3/326.

صفحه 246
كُلِّ شَيْطَان مَارِد * لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأِ الأَعْلَى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِب)1: أي يرمون بالشهب من كلّ جانب من جوانب السماء إذا أرادوا الصعود إلى السماء للاستماع 2 فكذلك يدفع عن المؤمنين كيد الكافرين.
ثم أقسم باليوم الموعود لبيان أنّ عمل هؤلاء المجرمين لا يُترك سُدى، بل يُجزَون به يوم القيامة.
كما أقسم ثالثاً بالشاهد وهو النبي(صلى الله عليه وآله) الذي هو من شهداء الأعمال ويشهد يوم القيامة على أعمال المجرمين.
ثم أقسم بيوم مشهود وهو يوم القيامة الذي يتحقّق فيه وعيده سبحانه، فيكون الإقسام لغاية تأكيد تثبيت قلوب المؤمنين، فحينما قال سبحانه:(قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ) فكأنّه قال: «قتل كفّار قريش».
سورة البروج: الآيات 12 ـ 16   

الآيات: الثانية عشرة إلى السادسة عشرة

(إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ * وَ هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الَْمجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ).

المفردات

البطش: تناول الشيء بصَوْلة.

1 . الصافات: 6 ـ 8 .
2 . مجمع البيان: 8 / 328 .

صفحه 247

التفسير

الظاهر أنّ هذه الآيات تأكيد وتحقيق لما تقدّم من الوعيد للكفّار والوعد للمؤمنين، وذلك بتوصيفه سبحانه بصفات ثمان:
12 ـ أ. (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَديدٌ) :
وقد دلّ البطش على الأخذ بالعنف، فإذا وُصف بالشدّة فقد تضاعف إيلامه، نظير قوله سبحانه:(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)1.
13. ب و ج. (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعيدُ) :
أي يخلقهم أوّلاً في الدنيا ويعيدهم في الآخرة، فهم أحياء بعد الموت للحساب والجزاء، فليس إمهاله لمن يعصيه إهمالاً لعقابه.
14 ـ د و هـ .(وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) :
وهذان الوصفان لتأكيد الوعد، كما أنّ الصفات السابقة كانت لتأكيد الوعيد.
والظاهر أنّ (الْوَدُودُ) صفة لله سبحانه أي يَودُّ أولياءه ويحبّهم.
15. و ، ز.(ذُو الْعَرْشِ الْمَجيدُ) :
والعرش كناية عن مُلكه سبحانه، فالعالم كلّه عرش الرحمن، فله أن

1 . هود:102.

صفحه 248
يتصرّف في ملكه كيفما شاء.
وقد ورد لفظ (الْعَرْشِ) في القرآن الكريم ما يقارب عشرين مرّة، وأُريد به ملكه تعالى واستيلاء سلطانه، وتفسيره بسرير يجلس عليه سبحانه تردّه القرائن القاطعة على بطلانه، ولا يقول به إلاّ المجسّمة خذلهم الله.
وأمّا (الْمَجيدُ) فلو قرئ بالضم ـ كما عليه الأكثر ـ فهو وصف آخر لله سبحانه فهو موصوف بالمجد ; لأنّ المجيد لم يسمع في غير صفة الله.
وأمّا لو قرئ بالكسر (المجيدِ) فقد جُعل وصفاً للعرش، فيكون بمنزلة قوله: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)1 فمعنى كونه مجيداً أي بالغاً حدّ الكمال والعلو والرفعة.
سورة البروج: الآيات 17 ـ 22   
16 ـ ح . (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) :
أي لا يصرفه عمّا وعد أو أوعد شيء لا من داخل ولا من خارج، فلو أوعد الله الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات بالنار، ووعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالجنة، لم يخلف وعده ; لأنّ كلّ ما يُريده سبحانه يتمّ بعظيم قدرته، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَة، مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِكْرَة... يُرِيدُ وَلاَ يُضْمِرُ...يَقولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ: (كُنْ فَيَكُونُ)، لاَ بِصَوْت يَقْرَعُ، وَلاَ بِنِدَاء يُسْمَعُ; وِإِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ »2.

1 . التوبة: 129 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 186 .

صفحه 249

الآيات: الستة الأخيرة

(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَ ثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيب * وَ اللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ).

المفردات

لوح: اللوح واحد جمعه ألواح، ويراد به ما يكتب فيه من الخشب وغيره، وأمّا ما هي كيفية اللوح المحفوظ فهي تخفى علينا، إذ هو من الأُمور الغيبية التي يجب الإيمان بها.

التفسير

17 و 18. (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَ ثَمُودَ):
لمّا تقدّم حال أصحاب الأُخدود من تعذيبهم المؤمنين ليردّوهم عن دينهم، بيّن أنّه لم يكن أمراً شاذاً، بل كانت له نظائر وهم فرعون وقومه، وأراد به ملأه، وثمود أي قبيلة ثمود فقد كانوا يعذبون المؤمنين، وقصّتهما معروفتان في القرآن الكريم.
أمّا قصة فرعون فقد أغرق الله فرعون وجنوده في اليمّ بعد ما نجّى بني إسرائيل، قال سبحانه في حقّه: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي

صفحه 250
فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لاَ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)1.
وأمّا قصة ثمود فقد أخذهم الله بعذاب بئيس بعد ما عقروا ناقة صالح (عليه السلام)، قال سبحانه: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)2.
وفي الآية تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله)، فكما أنّه سبحانه قضى على فرعون وملئه وقوم ثمود، فهو سبحانه سيقضي على أعدائك يعني قريشاً.
19. (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيب) :
أي إعراض وإبطال لما ربّما يُتوهَّم من احتمال إيمان هؤلاء الكافرين في المستقبل، فيبطل ذلك الاحتمال بأنّهم مغمورون في التكذيب كأسلافهم المذكورين في الآيات المتقدّمة، فلا يرجى إيمانهم .
20. (وَ اللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) :
أي مسلّط عليهم لا يفلتون منه. وفي الآية تطييب لقلب النبي(صلى الله عليه وآله)وأنّهم غير قادرين على إيقاف حركة التبليغ والدعوة.

1 . طه: 77 ـ 78 .
2 . هود: 66 ـ 67 .

صفحه 251
21. (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) :
وهو إضراب بعد إضراب، وإبطال لتكذيبهم القرآن ووصفه بأنّه أساطير الأوّلين، أو قول كاهن، أو قول شاعر، فأبطل مزعمتهم هذه بقوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) أي مجيد في معارفه.
22. (فِي لَوْح مَحْفُوظ) :
أي مودع في لوح محفوظ عن طروء الباطل ومسّ الشياطين.
فقد وصف القرآن هنا بأمرين:
1. قرآن مجيد، لأنّه أعظم الكتب السماوية.
2. مكتوب في لوح محفوظ.
***
تمّ تفسير سورة البروج

صفحه 252

صفحه 253
   

سورة الطارق

(وَالسَّمَاءِ وَ الطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْس لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاء دَافِق * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّة وَ لاَ نَاصِر * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً).

صفحه 254
سورة الطارق: الآيات 1 ـ 4   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت في كتب التفسير بسورة (الطارق)، وربما تُسمّى بسورة (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ)ولكلّ مناسبة خاصّة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها سبع عشرة آية، وهي مكيّة بالاتّفاق، ويشهد على ذلك مضمون آياتها.

أغراض السورة

تهدف السورة إلى التنبيه على حفظ النفوس وأعمالها، والإنذار بالمعاد والاستدلال عليه، وتثبيت قلب النبي(صلى الله عليه وآله) بأنّه سبحانه يبطل كيد الكائدين.

الآيات: الأربع الأُولى

(وَالسَّمَاءِ وَ الطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْس لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ).

صفحه 255

المفردات

الطارق: من الطَّرْق، وهو في الأصل كالضرب إلاّ أنّه أخصّ لأنّه ضربُ توقّع كطرق الحديد بالمطرقة، ثمّ شاع استعماله بمن يأتي في الليل فيجد الأبواب مغلقة فيطرقها ويدقّها حتى يخرج له صاحب المنزل ويفتح الباب، ومع ذلك يستعمل في كلّ ما يظهر بالليل، ولذا يطلق على الحوادث التي تحدث ليلاً بالطوارق.
النجم: الكوكب الطالع في السماء، يقال لكلّ طالع ناجم تشبيهاً به.
الثاقب: من الثقب وهو يعادل الخرق، ولكن استعمل في الآية للنجم الذي يثقب بنوره ظلمات السماء، قال سبحانه:(فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ).1

التفسير

1 . (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ):
أقسم سبحانه في بدء السورة بأمرين عظيمين هما:
1. السماء.
2. الطارق الظاهر بالليل.
فقوله:(وَالسَّمَاءِ): أي أحلف بالسماء:(وَالطَّارِقِ) أي وما يظهر فيها.

1 . الصافات: 10 .

صفحه 256
2 . (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ):
هذا النوع من الخطاب يستعمل في بيان تعظيم الشيء، كما في قوله تعالى:(وَ مَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ).1 وكما سيمرّ عليك في قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ)، ولمّا أفادت الجملة عظمة المقسم به وفي الوقت نفسه إبهامه، رفع سبحانه الإبهام في الآية التالية .
3. (النَّجْمُ الثَّاقِبُ) :
أي الذي يخرق ظلمات الليل ويضيء السماء.
والمراد به جنس النجم، أي مطلق النجم من غير تحديد، وخصّهُ بعضهم بزُحَل2 لقوّة شعاعه، ويحتمل أن يراد به القمر لأنّه يطلع بالليل.
4. (إِنْ كُلُّ نَفْس لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ):
لفظ «إنْ» نافية، ولفظ «لمّا» بمعنى إلاّ، أي ما من نفس إلاّ عليها حافظ.
وربما يستفاد من الآية أنّه سبحانه يحفظ النفوس بمفارقتها الأبدان وأنّ الموت ليس فناءً للإنسان، بل هو خروج من دار إلى دار أُخرى، حتى إذا

1 . الحاقة: 3.
2 . زُحَل: ثاني أكبر كواكب مجموعتنا الشمسية، ولا يوجد أكبر منه سوى المُشتري. وتحيط بزحل سبع حلقات تتلألأ بألوان زاهية. ويعادل قُطره عشرة أمثال الكرة الأرضية تقريباً. وتستغرق دورته حول الشمس (10759) يوماً أرضياً، أي حوالي (5,29) سنة أرضية، وذلك مقابل (365) يوماً، أي سنة أرضية واحدة بالنسبة لدورة الأرض حول الشمس، وتستغرق دورته حول محوره مرة كلّ (10) ساعات و (39) دقيقة، مقابل (24) ساعة بالنسبة للأرض. الموسوعة العربية العالمية: 11 / 526 .

صفحه 257
قامت القيامة أُرجعت النفوس المحفوظة إلى أبدانها، ويؤيّده قوله سبحانه في جواب المعترضين القائلين بأنّ موت الإنسان فناء وضلال له، فردّ عليهم سبحانه بقوله:(قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).1
فإنّ التوفّي هنا بمعنى الأخذ، أي يأخذكم ملك الموت الذي وكّل بكم فليس الموت ضلالاً وفناءً.
ثمّ إنّ حفظ النفوس يستلزم حفظ أعمالها خيرها وشرّها والمحاسبة عليها والجزاء على وفقها.
نعم يظهر من الطبرسي تخصيصه الآية بحفظ عمل النفوس وقولها وفعلها وإحصاء ما تكتسبه من خير وشرّ.2 لكنّه مخالف لإطلاق الآية، والظاهر حفظ النفوس والغاية من حفظها حفظ أعمالهم من خير وشرّ ثمّ المحاسبة.
ثمّ إنّ هنا سؤالين:
الأوّل: ما هو السبب للإقسام بالسماء والطارق؟
الثاني: ما هي الصلة بين الإقسام بهما وترتُّب قوله:(إِنْ كُلُّ نَفْس لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) عليهما، إذ لابدّ من الصلة بين المقسم به والمقسم عليه؟
أمّا الأوّل: فوجه الإقسام واضح فإنّ عظمة السماء وظهور النجم الثاقب أمر عظيم يليق أن يقسم به حتى يتدبّر الإنسان ما فيها من الأسرار، إنّما الكلام

1 . السجدة:11.
2 . مجمع البيان:1/364.

صفحه 258
في الأمر الثاني وهو الصلة بين المقسم به ـ السماء والنجم الثاقب ـ والمقسم عليه.
ويمكن أن يقال:إنّ وجه الصلة عبارة عن أنّ الإنسان العاصي يتصوّر أنّه إذا مات فقد فُني وجودُه وعُدمت شخصيتُه، فليس لغروبه طلوع آخر، وكأنّ كلّ ما غاب عُدم لا يأتي منه خبر.
والله سبحانه ينبه على خطأ هذه الفكرة ويقول: إنّ موت الإنسان ليس بمعنى فنائه وزواله بالمرّة، بل له غيبوبة يتبعها ظهور، نظير النجم الثاقب الذي إذا غرب يطلع بعد يوم آخر، فيكون الإقسام لغاية إثبات المقسم عليه، وهو أنّ لكلّ نفس حافظاً يحفظها من الفناء في الحياة الدنيا وبعد ذهابها إلى الدار الآخرة، فموتها نوع غيبوبة وإحياؤها في الآخرة نوع ظهور، كالنجم الثاقب.
هذا إذا كان المراد هو وجود الحافظ لكلّ نفس، وأمّا إذا كان المراد وجود الحافظ لصحيفة أعماله من خير وشر فهو أيضاً ظاهر فإنّ كلّ مَن يقوم بفعل من خير وشرّ فله ظهور وطلوع ثم لا يمضي زمان إلاّ ويتلوه غروب، ولكن سوف يتلوه ظهور آخر يوم القيامة فتوزن الأعمال ويحاسب الإنسان بها.
سورة الطارق: الآيات 5 ـ 10   
فظهور الطارق بعد غروبه أشبه بظهور الإنسان وصحف أعماله بعد موته، يوم القيامة.
وهناك وجه آخر ذكرناه عند دراستنا الأقسام في القرآن الكريم، فقلنا: إنّ الصلة بين الإقسامين والمقسم عليه هي أنّ السماء والنجوم تتحرك في

صفحه 259
مدارات منظمة على حساب دقيق، فليعلم الإنسان بأنّ أعماله أيضاً تخضع للحساب الدقيق، فإنّ في دار الوجود من يحفظ أعماله ويسجّلها، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر; فعلى هذا فما من أحد إلاّ وله مراقب يكتب كلّ أعماله فلا يضيع شيء في هذه الدنيا أصلاً.
هذا إذا قلنا بأنّ المراد من الحافظ هو حافظ الأعمال، ومثله ما إذا قلنا: إنّ المراد حافظ النفوس.
وبعبارة واضحة: إنّ للنفوس رقيباً يحفظها ويدبّر شؤونها في جميع أطوار وجودها ويحفظ صور أعمالها، كما أنّ للسماء مدبّراً لشؤونها بما تحتويه من أنظمة رائعة ومعقدة، فلكلٍّ حافظ.

الآيات: الخامسة إلى العاشرة

(فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاء دَافِق * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّة وَ لاَ نَاصِر).

المفردات

الدافق: من الدَّفْق وهو صبٌّ فيه دَفْعٌ، والماء الّذي يتولّد منه الإنسان يكون دافقاً.
وقد فسّره في «المفردات» بقوله: سائل بسرعة.1

1 . المفردات للراغب: 170، مادة «دفق».

صفحه 260
الصُّلب: الشديد، وسمّي الظهر صلباً لأجل صلابته وشدّته.
الترائب: عظام الصدر، الواحدة تريبة.
تُبلى: من البلاء وهو الاختبار والامتحان ومعرفة حقيقته أو ظهور جودته ورداءته.
السرائر: الإسرار خلاف الإعلان، وهي جمع سريرة، قال سبحانه: (سِرّاً وعَلانيةً)1، وقال سبحانه:(يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَ مَا يُعْلِنُونَ)(2).

التفسير

تستدلّ الآيات بصورة واضحة على إمكان المعاد فيأمر الإنسان بالنظر إلى المادة التي خُلق منها بقوله:
(فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ) ثم يشرح المادة التي خلق منها بقوله: (خُلِقَ مِنْ مَاء دَافِق)حيث خُلق من هذا الماء الذي يخرج بقوّة وشدّة.
ثمّ وصف ذلك الماء الدافق ـ كما هو المشهور بين المفسّرين2 ـ بأنّه يخرج من (بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) أي يخرج من العمود الفقري الكامن في وسط الظهر، والترائب أي عظام الصدر.
ثم يوجه نظر الإنسان إلى أنّ الله القادر على خلق الإنسان من الماء

1 . البقرة: 274 .   2. هود: 5 .
2 . وسيوافيك ما هو المختار عندنا وأنّ الضمير في (يُخْرِجُ) يرجع الى الإنسان، لا الى الماء الدافق، فانتظر.

صفحه 261
الدافق، أقدر على إرجاعه إلى الحياة ويقول:(إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) فحكم الإعادة كحكم البدء، فالقادر أوّلاً قادرٌ ثانياً، فالقادر على خلق الإنسان من الماء الخاص قادر على إعادته; وقد تكرر هذا الاستدلال على المعاد في بعض الآيات، يقول سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)1، وقال سبحانه:(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد وَ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ).(2) وقال سبحانه:(وَ هُوَ الذِي
يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
).(3)
نعم بقي هنا بحث في تعيين الضمير في قوله: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) فإنّ أكثر المفسّرين ذهبوا إلى أنّ الضمير في الفعل يرجع إلى الماء الدافق في الآية المتقدّمة، وقد جرينا في تفسير الآية على هذا الوجه ونسبناه الى مشهور المفسّرين، فيكون معنى الآية: أنّ خلق الإنسان من ماء دافق، يخرج من بين الصلب و الترائب .
وهنا سؤال وهو: أنّ ظاهر الآية الذي يدلّ على خروج نطفة الرجل من بين صلبه وترائبه لا ينسجم مع ما اتّفق عليه العلم، فإنّ مصدر ماء الرجل الانثيان وهما الخصيتان فيندفع الماء منهما إلى رحم المرأة.
وأمّا ماء المرأة، فعبارة عن بويضات كروية دقيقة تنتجها غدتان تسمّيان المبيضين، فلم يبق للصلب والترائب أي محل لا لماء الرجل ولا لبويضة المرأة؟!

1 . يس:79.   2 . الأعراف:29.   3 . الروم:27.

صفحه 262
هذا هو الإشكال وقد شغل بال المفسّرين فذكروا وجوهاً لتفسير الآية، ولو أنّهم نظروا إلى الآية بنظرة فاحصة لعلموا أنّ الذي أوقعهم في الإشكال هو التفسير الخاطئ للآية حيث تصوّروا أنّ الضمير في الفعل (يَخْرُجُ)يرجع إلى «الماء الدافق» في الآية المتقدّمة، مع أنّه غير ظاهر، بل الظاهر خلافه، بل الضمير يرجع إلى الإنسان في قوله:(فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ)والشاهد عليه ما بعد الآية وهو قوله تعالى: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) فإنّ الضمير في «رَجْعِهِ» يرجع إلى الإنسان، وعلى هذا فالآية تتكفّل بيان ولادة الإنسان من بين الصلب والترائب لا خروج ماء دافق من بينهما.
وبعبارة أُخرى: الذي أوقعهم في تفسير الآية بصور مختلفة هو تصوّر أنّ مرجع الضمير في «يَخْرُجُ» هو الماء لكونه قريباً منه، ولكن المرجع هو الإنسان وإن كان بعيداً، والشاهد عليه قوله تعالى:(إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ)فالضمير يرجع إلى الإنسان .
وممّن تنبّه به على وجه الإجمال هو الشيخ الطوسي في «التبيان» ولكن غفل عنه أكثر المفسّرين، قال الشيخ: ومعنى الآية إنّ الذي ابتدأ الخلق من ماء دافق أخرجه من بين الصلب والترائب حيّاً قادر على إعادته.1
ثمّ إنّ هذه الآية تهدف إلى إلفات نظر المشركين الذين ينكرون المعاد أشدّ الإنكار، بالبيان التالي وهو: أنّ نشأة الإنسان تبدأ من ماء دافق يقع في رحم الأُمّ ثم يتطوّر وينمو إلى أن يصير إنساناً قابلاً للخروج من هذا المكان الضيّق إلى العالم الفسيح.
فالقادر على إنشاء الإنسان بالنحو المذكور قادر على إرجاعه إلى الحياة

1 . التبيان:10/325.

صفحه 263
بعد موته، وإليك تفسير الآيات على هذا النسق.1
5 و 6. (فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاء دَافِق):
أي (فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ ) المنكر للحياة الأُخروية إلى ما خلق منه فقد (خُلِقَ مِنْ مَاء دَافِق)يقع في رحم الأُم ثم ينمو و يتكامل ويخرج من بين صلب الأُمّ وترائبها، حيث إنّ لصلبها وترائبها دوراً في حفظ الجنين، فالقادر على إنشائه بالنحو الماضي قادر على رجعه.
ثمّ إنّ مَن قال بأنّ الضمير في(يَخْرُجُ)يرجع إلى (مَاء دَافِق) مال يميناً ويساراً لتصحيح الآية وانطباق مفادها على ما هو المحقّق في العلم الحديث وذكروا وجوهاً أفضلها ما يلي:
إنّ الصلب وإن كان عبارة عن العمود الفقري والترائب عبارة عن عظام الصدر التي بين الترقوتين والثديين وهو موضع القلادة من المرأة، والصلب وإن كان غير مختصّ بالرجل لكن يستعمل فيه غالباً على عكس الترائب فإنّها تضاف إلى الرجل والمرأة، لكنّها تستعمل في النساء أكثر.
7. (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) :
وهو إشارة إلى مبدأ تكوّن الجنين، فإنّ الجنين يتكوّن من حيمن الرجل وبويضة المرأة، فإنّ لكلّ من الزوجين دوراً في تكوّنه على خلاف ما كان عليه تصور العرب في عصر الرسالة، فالله سبحانه يريد بيان تكوّن الجنين من كلّ من الرجل والمرأة فيكنّي عن الأوّل بالصلب و عن المرأة

1 . المراد فرض رجوع الضمير في «يخرج» إلى الإنسان.

صفحه 264
بالترائب، فيكون معنى قوله تعالى:(يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرَائِبِ): أي يخرج من الرجل والمرأة جزء يكوّن واقع الجنين.
وعلى هذا فالآية بصدد نقد الفكرة الجاهلية التي تقول بأنّ للوالد دوراً في تكوّن الجنين، وأمّا المرأة فهي وعاء لنشوئه.
وعلى تلك الفكرة الباطلة قال شاعر الجاهلية:
بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا *** بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد
وعلى هذه الفكرة الباطلة أيضاً قام وعّاظ السلاطين في العصر الأموي بترويج خرافة سياسية، وهي أنّ الحسنين(عليهما السلام) ليسا من أولاد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، بل هما من أولاد علي(عليه السلام) بحجّة أنّهما ينتميان إلى النبي(صلى الله عليه وآله)عن طريق بنته(عليها السلام)وأبناء البنت ليسوا أبناءً للرجل.
نعم أشاعوا تلك الفكرة مع أنّ القرآن يردّها بوضوح ; لأنّه صرّح بأنّ المسيح بن مريم هو من ذرية إبراهيم، ومن المعلوم أنّ عيسى بن مريم لا أب له وإنّما انتمى إلى إبراهيم عن طريق أُمّه، قال سبحانه: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسَى وَ هَارُونَ وَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيَى وَ عِيسَى وَ إِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ).1 فقد عدّ الجميع ومنهم «عيسى» من ذريّة إبراهيم(عليه السلام).
نعم يرد على هذا التفسير أنّه على خلاف الظاهر، وذلك أنّ المفروض ـ على هذا الوجه ـ أنّ مرجع الضمير يرجع إلى (مَاء دَافِق)، ومعه لا يصحّ

1 . الأنعام: 84 ـ 85 .

صفحه 265
تفسير الآية بتكوّن الجنين من نطفة الرجل وبويضة المرأة.
وفرض كون «الصلب» كناية عن الرجل و«الترائب» عن المرأة، ينافي رجوع الضمير إلى ماء الرجل، فما ذكر في هذا التفسير صحيح ولكنّه لا ينطبق على ظهور الآية.

تفسير الشيخ المراغي للآية

إنّ الشيخ المراغي افترض أنّ الضمير في (يَخْرُجُ) يرجع إلى (مَاء دَافِق)، ثم إنّه حين التفت إلى أنّ الماء الدافق لا يخرج من بين صلب الرجل وترائبه، حاول تفسير الآية بالبيان التالي وقد استعان في تفسيره هذا، بالنطاسي(الطبيب) البارع عبد الحميد العرابي بك وكيل مستشفى الملك سابقاً، وحاصل ما ذكره أنّ المراد من (مَاء دَافِق) هو ماء الرجل والمرأة وكلا الماءين يخرجان من بين الصلب والترائب وإليك نصّ كلامه: إنّ الإنسان خلق ونشأ من الماء الدافق (ماء الرجل وأهمّ ما فيه الحيوان المنوي، وماء المرأة وأهم ما فيه البويضة) الذي ينصب مندفعاً من عضوين هما الخصية والمبيض، ومنشؤهما وغذاؤهما وأعصابهما كلّها بين الصلب والترائب.
وقد ثبت في علم الأجنة أنّ البويضة ذات الخلية الواحدة تصير علقة ذات خلايا عدّة، ثم تصير العلقة مضغة ذات خلايا أكثر عدداً، ثم تصير المضغة جنيناً صغيراً وزعت خلايا إلى طبقات ثلاث يخرج من كلّ طبقة منها مجموعة من الأنسجة المتشابهة في أوّل الأمر، فإذا تمّ نموّها كوّنت جسم الإنسان.1

1 . تفسير المراغي:10/115.

صفحه 266
ونحن مع تثميننا لجهود المراغي وغيره من المفسّرين في تفسير الآية ورفع إبهامها، ولكن لنا عليه ملاحظة وهي: أنّ تعميم (مَاء دَافِق) إلى ماء الرجل وماء المرأة، خلاف الظاهر، فالدفق من صفات ماء الرجل، دون المرأة. ولكن نقول:إنّ منشأ هذا الاحتمال هو عدم التدبّر في تعيين مرجع الضمير، فلو قلنا بأنّه يرجع إلى الإنسان بشهادة الآية المتأخّرة، فلا نجد أنفسنا بحاجة إلى هذين الوجهين وغيرهما، والله العالم.
وقد تبعه بعض المفسّرين وقال: إنّ في عظام الظهر الفقارية يتكون ماء الرجل، وفي عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة حيث يلتقيان في قرار مكين ويصبحان ماء الجنين، فمن الماء الدافق إلى الإنسان العاقل الناطق .1
ويرد عليه: أنّ ظاهر كلامه أنّ الماء الدافق وصف لكلا المائين المتّحدين، مع أنّ الدفق وصف لماء الرجل ولا دفق لماء المرأة.
8 . (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) :
لوضوح اتّحاد حكم البدء مع العود.
9. (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) :
سورة الطارق: الآيات 11 ـ 14   
أي عندما يُبتلى الإنسان ويُمتحَن ترتفع الحجب وتظهر سريرته، وما يطويه في نفسه ويتميّز الصالح عن الطالح، ويتم الحساب، وعندئذ يجد الإنسان واقع الآية التالية.

1 . تفسير الفرقان: 30 / 275 .

صفحه 267
10. (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّة وَ لاَ نَاصِر) :
أي ليس له قوّة من نفسه تدفع عنه العذاب، ولا ناصر من خارج يفيده في دفع الأذى عنه.

الآيات: الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة

(وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَ الأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ).

المفردات

الرجع: قال الراغب: الرجع: المطر، وسمّي رجعاً لردّ الهواء ما تناوله من الماء (أي البخار).
الصدع: وهو الشّقّ، ومنه قوله تعالى:(يَوْمَئِذ يَصَّدَّعُونَ)1 أي يتفرّقون.
فصل: أي يفصل به الحق عن الباطل، ومنه: فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم.
الهزل: وهو مقابل الجدّ.

1 . الروم: 43 .

صفحه 268
 
التفسير
11 و 12. (وَالسَّماءِ ذَاتِ الرَّجْعِ* وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ):
أقسم سبحانه وتعالى مرّة أُخرى بأمرين:
1. السماء الموصوفة بذات الرجع.
2. الأرض الموصوفة بذات الصدع.
والغاية من الإقسام هنا، هي نفسها من الإقسام في صدر السورة وهي إمكان المعاد، كما سيوافيك بيانه.
وهل الإقسام بالسماء ذات الرجع هو نفس ما أُقسم به في صدر السورة، أعني (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) أو غيره؟
الظاهر المغايرة والتعدّد.
نعم ربما يقال بأنّ المراد من السماء ذات الرجع هو النجم الثاقب حيث إنّه يظهر ويغيب ثم يرجع. فيكون المعنى: أُقسم بالنجم الثاقب الذي يظهر ويغيب ويرجع.
يلاحظ عليه: أنّ هذا الوجه يفتقد وجود المناسبة بين الفقرتين ـ أعني: (وَالسَّماءِ ذَاتِ الرَّجْعِ)و (الأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) ـ بل المتعيّن ـ حفظاً للمناسبة بين الفقرتين ـ هو تفسيره بالسماء ذات المطر. وقد مرّ أنّ المطر سُمّي رجعاً لأنّ الهواء يعيد إلى الأرض ما تناوله من الماء، والمتبادر من الفقرتين أنّه

صفحه 269
سبحانه بصدد إقامة الدليل على إمكان المعاد، فقد جعل كيفية خلقة الإنسان في صدر السورة دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، وفي هذين القسمين ذكر كيفية خلقة النبات حيث إنّ السماء تمطر والأرض تحتضن الماء والحبّ ثم تنشقّ ويخرج النبات، فالسماء (ذَاتِ الرَّجْعِ)وهي تصبّ الماء كأنّها الرجل، والأرض (ذَاتِ الصَّدْعِ) وهي تحتضن الماء ثم يخرج منها النبات كأنّها المرأة، فالنبات وليد أمرين:
ماء السماء.
واحتضان الأرض للماء وإخراجها النبات.
وفي هذين المشهدين: عَودة الماء إلى الأرض الّتي خرج منها، وتصدّع الأرض بالنبات وعودته إلى ظهرها بعد أن نفذ إليها من ظهرها، في هذين المشهدين دليل على تلك الدورة الّتي يدور فيها الإنسان، فينتقل من ظهر الأرض إلى بطنها، ثم يعود من بطنها إلى ظهرها.1 فليتدبّر الإنسان في هذا الدليل، لتتجلّى له قدرة الله تعالى على إعادته بعد الموت.
13 و 14. (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَ مَا هُوَ بِالْهَزْلِ):
وهو ثناء على القرآن الّذي يفصل الحقّ من الباطل، والآيتان تعربان عن أنّ المشركين يزعمون بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) يهزل بالدعوة إلى التوحيد والحياة الأُخروية، وكانت قلوبهم تتقطع بسماع دعوته إلى توحيد العبادة والحياة الأُخروية فلذلك حاولوا أن يُقنعوا أنفسهم بأنّ القرآن هزل ليس بالجدّ، فنزل

1 . انظر: التفسير القرآني للقرآن: 16 / 152 .

صفحه 270
قوله سبحانه: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَ مَا هُوَ بِالْهَزْلِ)، وقد أُنزل لهداية الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدارين، فكيف يكون هزلاً؟
سورة الطارق: الآيات 15 ـ 17   

الآيات: الثلاثة الأخيرة

(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً).

المفردات

الكيد: إذا أُسند إلى الناس فهو بمعنى إخفاء قصد الضُّرّ وإظهار خلافه، وأمّا إذا أُسند إلى الله سبحانه فهو إبطال آثار كيدهم، فالتعبير عن فعل الله سبحانه بالكيد لحفظ المشاكلة بجامع أنّه سبحانه يخفي إنزال ضُرّه ثم يظهره.
والفرق أنّ كيد الإنسان آية عجزه، وهو في الله سبحانه آية قدرته.
رويداً: يستعمل وصفاً محذوف الموصوف، يقال: سيروا رويداً أي سيروا سيراً رويداً، بحذف الموصوف، وتقول للرجل يعالج الشيء: رويداً، أي علاجاً رويداً.
وأمّا المقام فالظاهر أنّ الموصوف لفظة «إمهالاً» أي أمهِلهم إمهالاً رويداً غير مستعجل.

صفحه 271
 
التفسير
15 و 16. (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً* وَأَكِيدُ كَيْداً) :
وفي الآيتين تنديد بإعراض المشركين عن القرآن، حيث وصفوه بالهزل والهذيان، فعاد ووصف عملهم بأنّهم يكيدون ليقنعوا بذلك أنفسهم ثم ليصرفوا الناس عن الإيمان به، ولذلك كانوا يصفون النبي(صلى الله عليه وآله) بأوصاف; كالكاهن والشاعر والساحر والمجنون، ولكنّهم جهلوا بأنّ كيدهم يرجع إلى أنفسهم فسوف يرون آثار كيدهم بعد قليل، والله سبحانه يبطل كيدهم بنجاح النبي(صلى الله عليه وآله)في معترك الدعوة إلى الله، فهو سبحانه لمّا وفقه(صلى الله عليه وآله) لفتح مكّة، أبطل هذه التهم وأثبت أنّ ما وصفوا به النبي(صلى الله عليه وآله)أوهام وأقوال كاذبة، فإنّ الكاهن أو الساحر أو المجنون لا يتمكّن من إدارة بيته فكيف وُفّق ـ معاذ الله ـ ذلك]الكاهن والساحر[ على فتح قلعة كبيرة من قلاع الوثنية، ولعلّ هذا هو المراد من قوله سبحانه:(وَأَكِيدُ كَيْداً)، أي أُبطل كيدهم بنصرك عليهم في المستقبل.
17. (فَمَهِّلِ الْكافِرينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) :
فالفقرتان تسلّيان النبي(صلى الله عليه وآله) بأن يُمهل الكافرين ويصبر عليهم وينتظر قليلاً، وسوف يرى عاقبة أمرهم، حين يُصرعون في ساحة القتال، أو يقاسون ألوان العذاب والهوان في يوم القيامة، كما قال تعالى: (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَاب غَلِيظ)1.   ***
تمّ تفسير سورة الطارق

1 . لقمان: 24 .

صفحه 272

صفحه 273

سورة الأعلى

(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى * سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى * فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَ الآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى ).

صفحه 274
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت في أكثر التفاسير بسورة «الأعلى» لوقوع تلك اللفظة في الآية الأُولى منها.
وفي صحيح البخاري سمّيت بسورة (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)1.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

سورة الأعلى: الآيات 1 ـ 5   
عدد آياتها تسع عشرة آية بلا خلاف، وهي مكيّة في قول الأكثر، ونقل عن ابن عباس أنّ قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)نزل في صلاة العيد وصدقة الفطر، أي هما مدنيتان، فتكون السورة بعضها مكيّاً وبعضها مدنياً.
والظاهر من السيد الطباطبائي اختيار هذا القول، قال: وسياق الآيات في صدر السورة سياق مكّي، وأمّا ذيلها أعني قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)الخ، فقد ورد من طرق أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وكذا من طريق أهل السنّة، أنّ المراد به زكاة الفطرة وصلاة العيد، ومن المعلوم أنّ الصوم وما يتبعه من زكاة الفطرة وصلاة العيد إنّما شرِّعت بالمدينة بعد الهجرة، فتكون آيات الذيل نازلة بالمدينة.2

1 . لاحظ : صحيح البخاري: 3 / 324، كتاب التفسير، برقم 4941 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 386 ـ 387 .

صفحه 275
ولعلّه يريد ما رواه الشيخ الصدوق في «الفقيه»: قال: وسئل الصادق (عليه السلام)عن قول الله عزوجل: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)؟ قال: «مَن أخرج الفطرة»، قيل له: (وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)؟ قال: «خرج إلى الجبّانة،1 فصلّى».2 وقريب منه ما في تفسير علي بن إبراهيم القمّي.3
ولكن الظاهر أنّ السورة مكّية، لأنّ سياق الآيات وقرب الفواصل والمضمون تدلّ على أنّها مكيّة، وأمّا الآيتان فلعلّ المراد بهما الدعوة إلى مطلق التزكية والصلاة، وقد وردت آيات فيهما قبل الهجرة، وأمّا رواية الصدوق فالظاهر أنّ الإمام (عليه السلام)بصدد تطبيق المعنى الكلّي على أوضح مصاديقه. والله العالم.

أغراض السورة

تدعو السورة إلى تنزيهه سبحانه عن طريق النظر في عالم الكون، ثم تذكر تأييد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتثبيته لتلقّي الوحي وأنّه لا ينساه، ثم تذكر من ينتفع بالتذكير ومن يتولّى عنه.

الآيات: الخمس الأُولى

(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالذِي قَدَّرَ

1 . أي الصحراء. والجبانة: المقابر، لأنّها تكون في الصحراء تسمية للشيء بموضعه. لسان العرب: 13 / 85، مادة «جبن».
2 . تفسير نور الثقلين: 5 / 556.
3 . تفسير القمي: 2 / 413 .

صفحه 276
فَهَدَى * وَالذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى).

المفردات

سوّى: يقال: رجل سويّ: استوت أخلاقه وخلقته عن الإفراط والتفريط.
وربما يراد به تكميل الخلقة، كما في قوله: (الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ)1: أي جعل خلقتك على ما اقتضت الحكمة.
المرعى: اسم مكان للرعي وقد يطلق لنفس الرعي.
غثاء: ما يتفرق من النبات اليابس.
أحوى: الأحوى: اللون المائل إلى السواد، وقيل: الأسود لشدّة خضرته.

التفسير

1. (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى):
ابتدأت السورة بتسبيح اسم الرب الأعلى، فهناك أُمور أربعة:
1. التسبيح 2. الاسم 3. الربّ 4. الأعلى.
فلندرس كلّ واحد منها:
أمّا الأوّل: أعني التسبيح، فهو التنزيه لله عن النقائص وعمّا لا يليق به

1 . الإنفطار: 7 .

صفحه 277
سبحانه، في مقابل التحميد، وهو وصفه بما يليق به. وبما أنّه سبحانه جامع لصفات الجمال والجلال، فوصْفه بالعلم والقدرة تحميد، كما أن وصْفه بعدم الجسمية والجهة والتركّب وعدم الحاجة، تسبيح وتنزيه له سبحانه.
وأمّا الثاني: أعني الاسم، فيطلق الاسم تارة ويراد به العَلَم، فدور العَلَم ليس إلاّ الهداية إلى شخص معيّن سُمّي به ، كالأعلام الّتي يسمّي بها الآباء أولادهم، وهذا النوع من الاسم لا يدلّ على معنى خاص إلاّ الإشارة إلى الشخص، يقول ابن مالك:
اسم يعيّن المسمّى مطلقاً *** علمه كجعفر وخرنقا
وأُخرى يطلق الاسم على الوصف أي اللفظ الحاكي عن معنى خاصّ لموصوف خاصّ، وهذا كأسماء الله سبحانه كالعالم والقادر والحيّ وغير ذلك.
إذا تبيّن ذلك فاعلم أنّ التسبيح تارة يتعلّق بالذات، وأُخرى بالاسم (الوصف)، فلو قلنا: إنّه سبحانه ليس جسماً ولا في جهة، فهو تسبيح للذات أي تنزيه ذاته عن النقائص، وأُخرى يتعلّق بتسبيح الاسم دون تسبيح الذات، كما في المقام .
والمراد التجنّب عن تسميته سبحانه بما يُشعر بالنقص. مثلاً: وصفُه سبحانه بالأب يعدّ على ضدّ تسبيح الاسم. وعلى هذا فكل اسم يحكي عن تنزهه عن النقائص فهو تسبيح له، وأمّا تسميته سبحانه بأسماء تحكي عن النقص دون التنزيه فهو على ضد التسبيح.

صفحه 278
يقول السيد الطباطبائي: وبالجملة تنزيه اسمه تعالى أن يجرّد القول عن ذكر ما لا يناسب ذكره ذكر اسمه تعالى وهو تنزيهه تعالى في مرحلة القول الموافق لتنزيهه في مرحلة الفعل .1
وكأنّ تسميته سبحانه بما لا يليق بساحته يُعدّ إلحاداً في أسمائه وقد نهي عنه، قال سبحانه: (وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(2): أي يصفونه بما لا يليق به ويسمّونه بما لا يجوز تسميته به .2
تقدّم أن التنزيه تارة يتعلّق بذاته سبحانه، وأُخرى باسمه ووصفه، وهناك قسم آخر نسمّيه بالأسماء العينيّة، فإن الأنبياء والأولياء والأئمة المعصومين أسماء عينية لله تبارك وتعالى، فيجب تنزيهها عن العصيان والصفات الذميمة، ولو قيل أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)أسماء الله تعالى، فهو بهذا المعنى، أنّهم مظاهر أسمائه الاسمية، فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلمه مظهر اسم العالم لله سبحانه وهكذا، وعلى هذا فالتنزيه تارة يتعلّق بالذات وأُخرى بالوصف، وثالثة بأسمائه العينية.
وأمّا الثالث: أعني الربّ، فأنت ترى أنّ الاسم أُضيف في الآية إلى الربّ دون الخالق، أي لم تقل سبِّح باسم خالقك بل قالت: (سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ)والفرق بينهما واضح، فإنّ الخلْق عبارة عن إيجاد الشيء بعد أن لم يكن، ويناسبه قوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ)3.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 387 .   2 . الأعراف: 180 .
2 . محمع البيان: 4 / 433.
3 . البقرة: 117 .

صفحه 279
وأمّا الربّ فهو مشتق من ربب وفُسّر في اللغة بمعنى الصاحب، يقال: ربّ الضيعة وربّ الحيوان وربّ البيت، ومعلوم أنّ ما يرجع إلى الربّ في هذه الموارد هو رعاية المربوب وتهيئة ما يديم حياته ووقايته ممّا ينافي حياته، ولكن الربّ بهذا الحدّ لا يفي بواقع ربوبيته تعالى فإنّها أعلى وأفضل من ذلك بل ربوبيته لا تخلو عن استمرار الخلقة، فبقاء الإنسان والحيوان والعالم الإمكاني كلّه رهن إفاضة الوجود على المربوب في كلّ يوم وكلّ عام.
وإنّما خصّ تنزيه اسم الرب، لأجل أنّ المشركين كانوا يطلبون من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يذكر أسماء آلهتهم مع اسم ربّه، فأمره سبحانه بتنزيه اسم ربّه دون أن يقرنه بأسماء أرباب المشركين، ولذلك قال سبحانه: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ)، وفي آية أُخرى قال تعالى: (وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ)1.
وأمّا الرابع: الأعلى، فنقول: إنّه سبحانه تارة يوصف بكونه «الأعلى» كما في الآية، وأُخرى بأنّه «أكبر»، ومن المعلوم أنّ صيغة التفضيل تحتاج إلى تقدير المفضّل عليه، فيصح أن يقال: الله أعلى من كلّ شيء، ولكن قيل بأنّه لا يصح أن يقال: الله أكبر من كلّ شيء.
ووجهه: أنّ المراد من العلو هو الرفعة المعنوية، فالله أرفع وأسمى من كلّ شيء، ولا يترتّب على هذا القول أي محذور.
وأمّا لو قلنا: الله أكبر من كلّ شيء، فإنّ الكبر يستعمل في الكميّات المحسوسة، فيلزم تحديده سبحانه بما إذا كبر على كلّ الأشياء بمقياس

1 . القصص: 88 .

صفحه 280
محدود، فيلزم أن يكون محدداً بكميّة كلّ شيء مع إضافة شيء آخر، ولذلك ورد في الروايات أنّه إذا قيل: «الله أكبر» يراد به أكبر من أن يوصف.
روى الكليني عن جميع بن عمير قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): أيّ شيء الله أكبر؟ فقلت: الله أكبر من كلّ شيء، فقال: وكان ثمّ شيء فيكون أكبر منه؟
فقلت: فما هو؟ قال: «الله أكبر من أن يوصف» 1.
وروى ابن محبوب، عمّن ذكره، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال رجل عنده: الله أكبر، فقال: الله أكبر من أيّ شيء؟ فقال: من كلّ شيء، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): حددته، فقال الرجل: كيف أقول؟ قال: «قل: الله أكبر من أن يوصف».2
وعلى كلّ تقدير فالخطاب في قوله: (سَبِّحْ اسْمِ رَبِّكَ) وإن كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ظاهراً ولكن أُريد به عامّة المكلّفين، كما في غير هذا المورد .
2 و 3. (الذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى):
وُصف «الربّ» في هاتين الآيتين بأوصاف أربعة:
1. خلق.
2. سوّى.
3. قدّر.

1 . الوسائل: 4، الباب 33 من أبواب الذكر في كتاب الصلاة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 4، الباب 33 من أبواب الذكر في كتاب الصلاة، الحديث 2. ولاحظ جامع أحاديث الشيعة: 15 / 432 .

صفحه 281
4. هدى.
وإطلاق الآيات يدلّ على أنّ ما وقعت عليه هذه الأفعال ليس خصوص الإنسان فقط، بل يعمّ كافّة المخلوقات من ذي روح وجماد، وإليك دراسة الأُمور الأربعة.
أمّا الأوّل ـ أعني: الخلق ـ : فهو من الله إيجاد الشيء بلا مادة سابقة، ولذلك يقول سبحانه: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ)1، والإبداع هو الخلق من دون مثال سابق، فالله سبحانه هو الخالق، على خلاف ما عليه النصارى فهو عندهم الوالد، وهذه هي المرحلة الأُولى للتنزيه.
والخلق بهذا المعنى يختصّ بالله سبحانه، نعم ربّما ينسب الخلق إلى غير الله تعالى ويراد به إيجاد الصورة، يقول سبحانه حاكياً عن المسيح (عليه السلام): (أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ)(2) .
فدور المسيح هو تركيب أجزاء الطين بعضها ببعض لتتحقّق به الصورة، وأمّا صيرورته طيراً وإضفاء الروح الحيوانية عليه فهما من الله سبحانه.
وأمّا الثاني ـ أعني: التسوية ـ : فقد مرّ أنّ معناها إكمال الخلقة أي جعل المخلوق على ما تقتضيه الحكمة بعيداً عن الإفراط والتفريط.
وهذا ما يشهد له قوله سبحانه في خلقة آدم: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)2.

1 . البقرة: 117 .   2 . آل عمران: 49 .
2 . الحجر: 29 .

صفحه 282
وقريب منه قوله تعالى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ)1.
وقد أثبت العلم الحديث بفضل التجارب أنّ حكمة الله تتجلّى بأوضح صورها في مخلوقاته لما فيها من نظام دقيق بديع.
وأمّا الثالث ـ أعني قوله: «قدّر» ـ : فقد اختلفت كلمات المفسّرين في تفسيره إلى أقوال:
1. قدّر الخلق على ما خلقهم فيه من الصور والهيئات.
2. قدّر أقواتهم وهداهم لطلبها.
3. قدّرهم ذكوراً وإناثاً.
4. قدّر المنافع في الأشياء.
ثم إنّ أصحاب هذه الأقوال كلّ فسّر الهداية حسب ما اختاره في معنى التقدير، والظاهر أنّ المراد أحد هذين المعنيين أو كليهما :
1. هو أنّه سبحانه خلق الأشياء وسوّاها وأكملها ولكن ليس على حدّ أن تدوم إلى آخر الدنيا، بل جعل لكلٍّ أجلاً خاصّاً لا يتجاوزه، فإذا بلغ ذلك الحدّ حكم عليه بالموت والفناء، ويشهد لهذا المعنى، قوله سبحانه: (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءْ قَدْراً)2 .
2. تزويد كلّ شيء بالقدرات والإمكانات الخاصّة، فأعطى كلّ شيء ما يستحقّه ليتاح له أداء وظيفته الّتي خُلق لأجلها، وتحقيق الغاية من وجوده.

1 . القيامة: 4 .
2 . الطلاق: 3.

صفحه 283
وإليه يشير قول موسى (عليه السلام):(الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)1 .
وأمّا الرابع ـ أعني «هدى» ـ : فالمراد به الهداية التكوينية حيث إنّه سبحانه خلق الأشياء وسواها وأكملها وحدّد لها عمرها 2 وإمكاناتها،3لكن ذلك لا يكفي إلاّ أن يودع في نفس هذا المخلوق قوة تهديه إلى ما فيه بقاؤه وصلاحه إلى أجل محدّد، وكيفية الاستفادة من هذه الإمكانات والقدرات، فالله سبحانه يشير إلى تلك الهداية التكوينية المودعة في داخل المخلوقات.
وإليك شيئاً يسيراً من أسرار الهداية المودعة في مخلوق واحد من مخلوقاته، هو النحلة:
تتألف مستعمرة نحل العسل، كما هو معلوم، من ملكة واحدة، مهمّتها وضع البيض، وآلاف الشغّالات، وبضع مئات من الذكور. تنفقس البيوض الّتي تضعها الملكة بعد ثلاثة أيام من وضعها، وتخرج من كلّ بيضة (يَرَقة) على شكل دودة صغيرة. تضع الشغّالات (الغذاء المَلَكي) في أسفل كلّ خلية من عشّ الحضانة، والغذاء الملكي يتم تشكيله عن طريق الغدد الموجودة في رأس الشغّالات الفتية. وعندما يصبح عمر اليرقة ثلاثة أيام تغذّيها الشغّالات بخليط من العسل وحبوب اللقاح، ويُدعى (خبز النحل)، ثم تتحوّل اليرقة إلى (خادرة)، وبعدها تنمو لتصبح حشرة كاملة.

1 . طه: 50 .
2 . اشارة إلى المعنى الأوّل .
3 . اشارة إلى المعنى الثاني.

صفحه 284
تختار الشغّالات بطريقة نجهلها بعض اليرقات لتصبح (ملكات)!! فيغذّين هذه اليرقات على الغذاء الملكي فقط!!، وفي الوقت نفسه تبني شغّالات أُخرى خلايا خاصة لتنمو بها الملكات!!
عندما تزدحم المستعمرة وتقلّ قدرة الملكة على وضع البيض تبني الشغّالات خلايا لملكات جديدات!! وتضع الملكة القديمة بيضها في هذه الخلايا. وبعد أن يتطور هذا البيض إلى خادرات تغطي الشغّالات الخلايا بالشمع!! وبعد أيام تغادر الشغّالات مع الملكة القديمة الخلية على شكل طرد (سِرْب)!! وتبقى بعض الشغّالات في الخلية للعناية باليرقات والملكة الجديدة!!
ويتجمّع الطرد على شكل عنقود حول غصن أو دعامة، وبعدها تبحث الشغّالات الّتي تسمّى (الكشّافات) عن موقع جديد للمستعمرة. وكل نحلة تعود إلى الطرد وتقوم برقصات خاصة لشرح المسافة واتجاه الموقع الّذي وجدته، لباقي النحل!! وبإشارة خاصة يسافر الطرد كله إلى الموقع الأفضل. والّذي يقود الطريق إلى الموقع الجديد هو النحل (المخطّط)!! ثم تتبعه الملكة.
في فصل الشتاء، يتجمّع النحل بشكل عنقود كثيف في الخلية، ويبقى النحل المتجمّع في حالة دفء عن طريق الارتعاش والازدحام، لمنع فقد الحرارة!!
وعند ارتفاع درجة الحرارة، يقلّ ازدحام النحل في الخلية الحارة، ليسمح بمرور تيارات هوائية فيما بينها، كما أنّها تجمع الماء وتنشره في

صفحه 285
الخلية، وعندما يتبخّر الماء يعمل على تبريد الخلية!! 1
فسبحان الّذي هداها لهذه الطرق، للوصول إلى غايتها.
يُذكر إن الاستدلال بالخلق والهداية كان أحد الأساليب الّتي أبدعها الكليم (عليه السلام)عند حواره مع فرعون، حيث سأله فرعون عن ربه: (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى)2 .
فأجاب موسى بقوله: (رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءْ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)3 ومرّ أن هذه الآيات اتّخذت مطلق الخلق للبحث والدراسة، فالخلق والتسوية والتقدير والهداية لا يختصّ بنوع دون نوع، فكلّ مشتمل على هذه الأُمور الأربعة، ولأجل إيضاح الكلام نذكر نماذج ممّا يدلّ على أنّ الآية عامّة .
قدّر الأشياء كلّها فهداها إلى أداء وظائفها كما قدّرها لها، فالله لمّا قدّر للإنسان أن يكون قابلاً للنطق والعلم والصناعة بما وهبه من العقل وآلات الجسد هداهُ لاستعمال فكره لما يُحصِّل له ما خُلق له، ولمّا قدّر البقرة للدرّ ألهمها الرعي، ورثمان 4 ولدها لتدر بذلك للحالب، ولمّا قدّر النحل لإنتاج العسل ألهمها أن ترعى النَّور والثمار وألهمها بناء الجِبح وخلاياه المسدسة الّتي تضع فيها العسل .5
وقسّ على ذلك سائر المخلوقات من الجمادات إلى المجرّات.

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية: 25 / 268 ـ 278 .
2 . طه: 49 .
3 . طه: 50 .
4 . الرثم: هو الضرب بطرق الأنف .
5 . التحرير والتنوير: 30 / 245 .

صفحه 286
4 و 5. (وَالذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى):
الآيتان تذكران نموذجاً من أنواع الخلق الّذي له طراوة في أوّل الخلقة ثم يجفّ، ويسودّ، ويتفرّق، ولعلّه بذلك يشير إلى ما ذكرنا من تقدير القدرات في عامة المخلوقات، وأن لكلّ شيء حدّاً محدوداً لا يتجاوزه.
فإذا بلغه يقع في منحدر شديد ينتهي به إلى الموت والاضمحلال. فلو حكم على الملخوقات بالبقاء والخلود لامتلأ العالم بها وانقطعت الخلقة لذلك، فمجموع العالم كشلاّل ماء فما يكون في أوّله ينحدر بسرعة إلى آخره، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْف قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّة ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ)1.
سورة الأعلى: الآيتان 6 ـ 7   
ولعلّ التمثيل بالمرعى وصيرورته غثاء هو لأجل تنبيه الإنسان على أنّ الحياة الدنيا ليست إلاّ مثل هذين الأمرين (خروج المرعى بطراوة ثم صيرورته نباتاً يابساً متفرق الأجزاء أشبه بالتِّبن) وقد صرّح به سبحانه في آية أُخرى، قال: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)2.

1 . الروم: 54.
2 . يونس: 24.

صفحه 287

الآيتان: السادسة والسابعة

(سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ مَا يَخْفَى) .

التفسير

6. (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى):
ذكر المفسّرون أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان إذا نزل عليه جبرئيل بالوحي يقرأه مخافة أن ينساه، فكان لا يفرغ جبرئيل من آخر الوحي حتّى يتكلم هو بأوله، ونزلت هذه الآية تعده بعدم نسيانه، قال سبحانه: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى)، فهناك قارئ، ومقرئ، فالقارئ هو الشخص الّذي يقرأ القرآن تحت إشراف معلم قراءة ربّما لا تكون صحيحة والمعلم هو المقرئ الّذي يقرأه على واقع الآية مجرداً عن الغلط والتصحيف، ويعلِّمه مواضع أغلاطه، والله سبحانه يعده بأنّه سيجعله قارئاً، بإلهام القراءة فلا ينسى ما يقرأ، فالله سبحانه هو المقرئ والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو القارئ، فالله سبحانه هو الّذي يجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قارئاً أي حافظاً للقرآن وصائناً له. وكم فرق بين المقرئين والقارئين.
وهناك سؤال وهو أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان قارئاً للقرآن منذ نزوله وحتى نزول آية الإقراء، فما معنى قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى) ؟
ولكن الجواب ـ حسب الامعان في الآية ـ واضح، وهو أنّ الإقراء في

صفحه 288
الآية مقيّد بعدم الإنساء، أي جعله قارئاً على نحو لاينسى، ولذلك لا حاجة إذا نزل عليه جبرئيل أن يقرأه مخافة أن ينساه .
ثم إنّه يقع الكلام في ما هي الصلة بين هاتين الآيتين وما تقدّمها من تسبيح اسم الربّ؟
ويمكن أن يقال: إن الصلة هي أنّ الآيات الأُولى أمرت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بتسبيح اسم الربّ، ومن المعلوم أنّ التسبيح بالمعنى الكامل لا يتحقّق إلاّ بالعثور على ما يليق به سبحانه ويرتضيه لنفسه، ولا يُعلم ذلك إلاّ عن طريق الوحي .
7. (إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ مَا يَخْفَى) :
يقع الكلام في تفسير هذه الآية في مقامين:
1. ما هو معنى الاستثناء، وهل هو بمعنى الإخبار عن تحقّق النسيان منه (صلى الله عليه وآله وسلم)في المستقبل بمشيئة الله تعالى، أو له معنى آخر؟
2. ما هو المقصود من قوله: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ مَا يَخْفَى) ؟
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ الاستثناء ليس بمعنى الإخبار عن تحقّق النسيان مستقبلاً ، فإنّ ذلك مردود من جهتين:
الأُولى: أنّه لو كان هذا هو المراد فهو أمر عام يشمل جميع أفراد الإنسان، وكلّ إنسان يتذكّر ما يتذكّر ويحفظ ما يحفظ إلاّ ما شاء الله عدم تذكّره ونسيانه، ولا يختصّ بالنبي مع أنّ الآية في مقام الامتنان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومعناه اختصاص مفاد الآية به لا شمولها لجميع الأفراد.

صفحه 289
الثانية: أنّه لو كانت بصدد الإخبار عن تحقّق النسيان فيما يستقبل من الزمان يلزم عدم الاعتماد على ما يخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن طريق الوحي لاحتمال أنّه سبحانه أنساه بعض ما له دخل في مفاهيم الآيات وحدود الشريعة. وبذلك يُعلم أنّ ما مال إليه قسم من المفسّرين يردّه البرهان وقد ذكر هؤلاء في المقام وجهين للاستثناء:
1. الآية ناظرة إلى نسخ تلاوة بعض ما أُنزل على النبي حيث أمره بأن يترك قراءته فأمر النبي المسلمين بأن لا يقرأوه حتّى ينساه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمون. وهذا مثل ما روي عن عمر أنّه قال: «كان فيما أنزل: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما» 1قال عمر: لقد قرأناها، وأنّه كان فيما أنزل: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم».2
2. ما يعرض نسيانه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نسياناً مؤقّتاً كشأن عوارض الحافظة البشرية ثم يقيّض الله له ما يذكّره به. ففي صحيح البخاري عن عائشة قالت: سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رجلاً يقرأ من الليل بالمسجد، فقال: يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آيةً أسقطتهن أو كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أسقط آية في قراءته في الصلاة فسأله أُبيّ بن كعب: أنُسِخَت؟ فقال: «نُسِّيتُها»3.

1 . مسند أحمد: 5 / 132، باب في حد المحصنين في الزنا .
2 . صحيح البخاري: 8 / 209، باب رجم الحبلى.
3 . قال الزيلعي: رواه النسائي في سننه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه وفي مسنده، والطبراني في معجمه، وكذلك البخاري في كتابه المفرد في الأدب، في القراءة خلف الإمام... تخريج الأحاديث والآثار: 4 / 192، برقم 1483 .

صفحه 290
وكلا الوجهين من الضعف بمكان فإنّ عنوان نسخ التلاوة واجهة للتحريف حيث يريد القائل به تصحيح الروايات الدالّة على التحريف بأنّها من قبيل منسوخ التلاوة.
إذ لقائل أن يسأل: لماذا نسخت، هل كان لنقص في فصاحتها أو ألفاظها وبلاغتها، أو كان لنقص في محتواها؟
أمّا الأوّل: فممّا لا يمكن أن يتفوّه به أحد، لأنّ نسبة النقص إلى الآية ممّا لا يمكن تصوّره إذا كان المنزل هو الله تعالى.
وأمّا الثاني: أي النقص في المضمون فالمفروض أنّ المعنى لم ينسخ حيث إنّ الشيخ والشيخة يرجمان، والغاية هي نسيان النبي بعد لم تتحقّق.
وأمّا الوجه الثاني فهو يوجب سلب الاعتماد على ما يتلوه النبي ـ سواء أكان وحياً باللفظ والمعنى أو وحياً بالمعنى فقط كالحديث ـ إذ يتسّرب الشكّ إلى الأذهان بكلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث إنّه ينسى بعض الوحي دون بعض.
ومن عجائب القول ما حُكي عن الحدّاد في كتابه: «الكتاب والقرآن» حيث قال: فالاستثناء: (إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ) يفيد بأن الله قد يشاء أن ينسي النبي بعض ما يوحى إليه... إلى آخر ما ذكره .1
ولا يخفى أن ما ذكره على طرف النقيض من القول بالعصمة في أخذ الوحي وحفظه وتبليغه الذي يؤكد القرآن عليه، قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ

1 . لاحظ : تفسير الفرقان: 30 / 288 .

صفحه 291
يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءْ عَدَداً)1.
والصحيح أن يقال: إنّ الاستثناء في الآية نظير الاستثناء في قوله سبحانه: (وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)2.
ومن المعلوم أنّ الجنة دار الخلود فمعنى الاستثناء أنّ الخلود هو بمشيئة الله وإرادته، لكنّ حكمه بالخلود ليس بمعنى عدم تمكّنه من الإخراج، بل إذا أراد إخراجهم لا يمنعه من ذلك شيءٌ، ولكنّه لا يخرج كما هو الحال في الخالدين في جهنم، فهكذا الآية في المقام فإنّ الغرض من الاستثناء هو أنّ الحفظ وعدم النسيان تفضّل وتكرّم من الله على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو أراد سبحانه أن ينسيه لفعل، فوعده بعدم النسيان ليس بمعنى عدم تمكّنه منه.
وأمّا المقام الثاني: ـ أعني معنى قوله: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ مَا يَخْفَى)ـ فلعلّه إشارة إلى ما في ضمير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث كان يخاف أن يفوته شيء من القرآن وأحب صيانته ولكن لم يكن يتكلّم بذلك تأدّباً والله سبحانه يخبره بأنّه يعلم الجهر وما يخفى، ولأجل ذلك قضينا حاجتَك فجعلناك قارئاً لا تنسى.

1 . الجن: 26 ـ 28 .
2 . هود: 108 .

صفحه 292
سورة الأعلى: الآيات 8 ـ 13   

الآيات: الثامنة إلى الثالثة عشرة

(وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى * فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَ لاَ يَحْيَى).

المفردات

اليُسرى: على وزن الفُعْلى من اليُسر وهو سهولة العمل .
الخشية: الخوف، ولكنّها ذات مراتب وفي درجاتها يتفاضل المؤمنون.
التجنب: التباعد.
الأشقى: هو الشديد في الشقاء، واللام للجنس أُريد به عامّة الأشقياء.

التفسير

8 . (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى):
إنّ اللفظين أعني: (نُيَسِّرُكَ) و (الْيُسْرى)واضحان من حيث المعنى، إنّما المهم هو ماذا أُريد من هذا التركيب؟
الظاهر المراد من (نُيَسِّرُكَ) هو التمكين والتوفيق، والمراد من (الْيُسْرى) هو الشريعة السهلة السمحاء، مضافاً إلى أخذ الوحي وتبليغه، فيكون معنى الآية: نوفّقك لليسرى، ونمكّنك من تلقّي الوحي وبيان الشريعة السهلة.

صفحه 293
والّذي يؤيد هذا المعنى أنّه كان في ذهن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وجود العسر في تحمّل الوحي وحفظه وبيانه وبالتالي بيان الشريعة على وفق الوحي، فجاءت الآية تبشّره بتيسر الأمر وتوفيقه له وتمكينه منه.
فإن قلت: إنّه سبحانه يصف ما أُمر به النبي بالثقل ويقول: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)1.
قلت: إنّ المراد من «الثقل» هنا هو عظمة الكلام ورصانته ووزنه بمعنى: سنوحي لك قولاً عظيم الشأن .2
9. (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى):
حذف مفعول قوله (فَذَكِّرْ) ليدلّ على العموم، وقوله: (إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى)جملة معترضة، فالله سبحانه يأمره بالتذكير ثم يرتّب عليه ـ كما سيأتي ـ ردّ فعل الناس بإنّهم بين مَن يتذكّر وبين مَن يتجنّب، إنّما الكلام في قوله: ( إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى).
فهل هو شرط لوجوب التذكير، بمعنى أنّه يجب تذكير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا كان نافعاً وإلاّ فلا، مثل قولك: أكرم زيداً إن أعطاك.
وهذا هو الّذي اختاره السيد الطباطبائي فجعل «إن» شرطية وقال: وقد اشتُرط في الأمر بالتذكرة أن تكون نافعة، وهو شرط على حقيقته فإنّها إذا لم تنفع كانت لغواً، وهو تعالى أجلّ من أن يأمر باللغو .

1 . المزمّل: 5 .
2 . مجمع البيان: 10 / 179 .

صفحه 294
ولمّا كان هذا التفسير يرِدُ عليه الإشكال التالي، وهو أنّه سبحانه يأمر بتذكير كلتا الطائفتين: المتزكّي والأشقى، كما يستفاد من الآيات اللاحقة، مع أنّ تذكير الطائفة الثانية غير نافع، فكيف يأمر به سبحانه؟
أجاب (قدس سره)عن ذلك بقوله: التذكرة لمن يخشى لأوّل مرّة تفيد ميلاً من نفسه إلى الحق وهو نفعها، والتذكرة للأشقى الّذي لا خشية في قلبه لأوّل مرة تفيد إتمام الحجة عليه وهو نفعها، ويلازمها تجنُّبه وتولِّيه عن الحق .1
ويؤيّد هذا المعنى قوله سبحانه: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)2حيث خصّ التذكير بالقرآن لمن في قلبه خوف .
ولكن يمكن أن يقال: إنّ «إن» مخفّفة من المثقّلة بمعنى التحقيق، وهو يُريد أنّ النفع يلازم التبليغ طبيعة، ولا ينافي خروج بعض الموارد عن هذا الحكم العام، فهو من قبيل الشرط الغالب.3
10 و 11. (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى):
هاتان الآيتان متفرّعتان على قوله (فَذَكِّرْ) ثم إنّ نتيجة التذكير تختلف حسب اختلاف قابلية المذكَّر (بالفتح)، فمن كان في قلبه شيء من خشية الله ينتفع من هذا التذكير، ومن لم يكن في قلبه شيء من خشية الله فإنّه يُعرض عن التذكير.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 391 ـ 392 .
2 . ق: 45 .
3 . نعم يبقى الإشكال في صحة الأمر بتذكير غير المنتفع في غير المرة الأُولى، وأمّا فيها فالنفع إنّما هو إتمام الحجة عليه، إنّما الكلام في المرة الثانية والثالثة.

صفحه 295
إن المائز بين الإنسان والحيوان هو أن الأوّل حسب طبعه يفكّر في مستقبله ومصيره ولا يكتفي بحياته الفعلية، ولذلك يستعدّ بعض الاستعداد بما يأتي من الأيام، وهذا بخلاف الحيوان فإنّه ينسى ما قبله ولا يفكّر بما يأتي، فالمؤمن الّذي امتلأ قلبه من خشية الله وكملت فيه الإنسانية، يُصغي إلى كلام المصلحين وعلماء الدين في الحياة الأُخروية، يفكّر فيه ويُفيد منه ، بخلاف الإنسان الأشقى فهو كالحيوان المنقطع عن الماضي والمستقبل ولا يرى الحياة إلاّ من خلال ما هو فيه، ولذلك قال سبحانه: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى)، وأمّا الآخر فقال عنه (وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى) ووصف هذا الأشقى بما في الآيتين التاليتين .
12 و 13. (الذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَ لاَ يَحْيَى):
إنّ من كان يتمتع بالخشية من الله سيقطف ثمرة الاهتداء بهداية الأنبياء، وأمّا من خلا قلبهُ من خشية الله فربما يتصوّر أنّه يترك سُدى لكنّه تصوّر باطل، بل سوف يصلى النار الكبرى، أي يلزم أكبر النيران وهي نار جهنم، والنار الصغرى نار الدنيا.
وبما أنّ الإنسان إذا دخل النار سيُقضى عليه ويموت وربما يتصوّر أنّ الحال في العذاب الأُخروي كذلك، قال سبحانه رداً على هذه الفكرة : (ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى): أي إنّه يعاقب بأشدّ العقوبات، لا يموت حتّى يستريح من العذاب، ولا يحيا حياة خالية من الآلام، بل هي حياة هكذا شأنها ووصفها «لاَ فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ، وَلاَ دَعَةٌ مُزِيحَةٌ، وَلاَ قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ، وَلاَ مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ، وَلاَ سِنَةٌ

صفحه 296
مُسَلِّيَةٌ، بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ، وَعَذَابِ السَّاعَاتِ!»1.
سورة الأعلى: الآيات 14 ـ 19   

الآيات: الست الأخيرة

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَ الآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى ).

المفردات

الصحف: جمع صحيفة ـ على غير قياس ـ والجمع المطابق للقاعدة هو الصحائف، نظير ; سفينة حيث تجمع على: سُفُن وسفائن، والأول على خلاف القياس.
الأُولى: هي السابقة في الزمان .

1 . نهج البلاغة: الخطبة 83 وتسمّى «الغرّاء». ومعنى (الفَتْرة): السكون، أي لا يفتُرُ العذاب حتّى يستريح المعذَّب من الألم. و (دَعَة): راحة. و (مُزيحة): تزيح ما أصابه من التعب. و (ناجزة): حاضرة. و (سِنَة): أوائل النوم. و (أطوار الموتات): ألوانها وأنواعها. كأنّ كلّ نوع من أنواع العذاب موت لشدّته.

صفحه 297
 
التفسير
لمّا ذكر سبحانه مصير الأشقى المتجنّب عن التذكير بأنّه سيلزم النار الكبرى ويبقى فيها خالداً معذَّباً، ذكر مصير من يخشى باستئناف بيان.
14. (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى):
والظاهر أنّ المراد من التزكية هو تطهير النفس من العلائق الدنيوية الصارفة عن الآخرة. بمعنى أنّه لم يجعل الدنيا آخر مناه بل اتّخذها وسيلة لكسب الآخرة، والدليل على أنّ المراد من التزكية هو هذا، قوله سبحانه فيما يأتي: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، وعلى هذا فالمراد أنّه قد أفلح من لم يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة. ومن المعلوم أنّ هذه الحالة نتيجة أمرين سابقين، أعني: التذكّر والخشية، فيكون المراد من المجموع أنّ من ذكر وهو يخشى يفلح بالتزكية.
15. (وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى):
قدّم سبحانه التزكّي على ذكر الله والصلاة، لأجل أنّ الأوّل أساس الثاني، فلولا التحوّل في النفس والروح لصار ذكر الله والصلاة أشبه بلقلقة لسان، وهذان (ذكر الله والصلاة) إنّما ينفعان إذا كان هناك تزكية للنفس، فالكمال الذاتي يضفي على الفعل القبول والسموّ.

صفحه 298
16. (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا):
وفي الآية عدول عن الغَيبة إلى الخطاب، والخطاب للأشقياء، والآية تتضمّن بيان سبب إعراض الأشقياء عن الذكرى، وهو أنّهم يختارون الحياة الدنيا على الآخرة، ويقبلون عليها، ويهتمون بها ولا يهتمون بالحياة الأُخروية.
17. (وَ الآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقَى):
.. أجلْ، فالدنيا «خَيْرُهَا زَهِيدٌ، وَشَرُّهَا عَتِيدٌ. وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ، وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ، وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ»1، وهي زائلة، فانية.
18 و 19. (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى):
الآيتان تشيران إلى أنّ ما تقدّم في الآيات السابقة أمر مشترك بين الشرائع السماوية، فمن قوله سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)إلى قوله: (وَ الآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقَى) هو ممّا أُوحي إلى إبراهيم وموسى وأنّ صحفهما تشتمل على هذا البيان.
وإنّما وصف صحفهما بالأُولى لسبق زمانهما، روي عن أبي ذر أنّه قال: قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ فقال: «مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفاً»، قلت: يا رسول الله كم المرسلون منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، وبقيتهم أنبياء». قلت: كان آدم (عليه السلام)نبيّاً؟ قال: «نعم، كلّمه الله وخلقه بيده. يا أباذر، أربعة

1 . نهج البلاغة: الخطبة 113، ومعنى (عتيد): حاضر.

صفحه 299
من الأنبياء عرب: هود وصالح وشعيب ونبيّك». قلت: يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال: «مائة وأربعة كتب، أنزل الله منها على آدم (عليه السلام)عشر صحف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثين صحيفة، وهو أوّل من خط بالقلم، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان».1
***
تمّ تفسير سورة الأعلى

1 . مجمع البيان: 10 / 374 .

صفحه 300

صفحه 301
 
سورة الغاشية
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْن آنِيَة * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيع * لاَ يُسْمِنُ وَ لاَ يُغْني مِنْ جُوع * وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّة عَالِيَة * لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَ أَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَ نَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابيُّ مَبْثُوثَةٌ * أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَ إِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَ إِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَ إِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر * إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).

صفحه 302
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف والتفاسير بسورة «الغاشية»، وربما تُسمّى بسورة (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)، ولا مشاحّة في التسمية.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها ست وعشرون بالإجماع، وهي مكيّة، وتشهد على ذلك صياغتها، حيث إنّ غالب السور المكيّة تشتمل على آيات قصيرة، والفواصل متقاربة.

أغراض السورة

سورة الغاشية: الآيات 1 ـ 7   
تركّز السورة على انقسام الناس يوم القيامة إلى أشقياء وسعداء، وأنّ مصير الطائفة الأُولى نار حامية، ومصير الطائفة الثانية جنّة عالية.
ثم إنّها تعرّف كلا الطائفتين بصفات متضادة، كما تصف جزاءهم كذلك، ثم تعطف نظر الكافرين إلى آيات توحيده وقدرته حتّى يتأملوا فيها ويرجعوا عن عنادهم وكفرهم، وبالتالي يصدّقوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي نهاية الأمر تسلّي السورةُ النبيَّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)من تولّي الكافرين وإعراضهم عن الحقّ، وأنّ واجبه هو التذكير لا السيطرة والإجبار.

صفحه 303

الآيات: السبع الأُولى

(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْن آنِيَة * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيع * لاَ يُسْمِنُ وَ لاَ يُغْني مِنْ جُوع).

المفردات

الغاشية: غشي، غشية وغشاوة: أي ستره، والغشاوة ما يغطّى به الشيء، قال: (وَ جَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً)1. والغاشية من أسماء يوم القيامة.
خاشعة: الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما يستعمل فيما يوجد في القلب. وأُريد بها هنا المَذلّة بالغمّ والعذاب. وإنّما نسب إلى الوجوه لأنّ الخشوع والمَذلّة يظهر عليها .
ناصبة: التعبة من العمل.
آنية: البالغةُ النهايةَ في شدة الحرارة.
الضريع: نبت تأكله الإبل يضرّ ولا ينفع، وإنّما سمّي ضريعاً لأنّه يشتبه عليهم أمره فيتوهّموا أنّه كغيره من النبت الّذي ينفع.

1 . الجاثية: 23.

صفحه 304
 
التفسير
1. (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) :
الخطاب هنا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن المقصود به عموم الناس، أي: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ يوم القيامة الّتي تغشى الناس بأهوالها بغتة، فقد سمّيت غاشية بمعنى أنّ أهوالها تغطي جميع الناس ولا يشذّ فرد عنها.
ويمكن أن يقال: إنّ نفس يوم القيامة يغشّي عامّة بني آدم من عصر أبيهم إلى يوم القيامة، إذ لا يوجد يوم يجتمع فيه الناس جميعاً ; لأنّ كلّ زمان يشتمل على طائفة من الناس لكن يوم القيامة يجمع الناس كلّهم ويغطّيهم، ولعلّه إلى هذا يشير قوله سبحانه: (قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَ الآخِرِينَ * لََمجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم)1 .
فإلى هنا تبيّن تفسير الغشيان بوجهين:
1. غشيان أهوال يوم القيامة عامّة البشر.
2. غشيان نفس يوم القيامة لعامّة أفراد الإنسان .
وهنا احتمال ثالث وهو إحاطة السيئات بالخاطئين وغشيانها لهم، خصوصاً عند تجسّم الأعمال، فالإنسان يكون محاطاً بما كسب من سيئة، كما يقول سبحانه: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)(2).

1 . الواقعة: 49 ـ 50 .   2 . البقرة: 81 .

صفحه 305
ثم إنّ خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالسؤال ليس لأجل تحصيل الجواب، كما هو الحال في الأسئلة الواقعية; وإنّما غاية ذلك هي تشويق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لاستماع الخبر، أو جلب انتباهه، إلى غير ذلك من الغايات الّتي يمكن أن تكون مقصودة في هذا النوع من الأسئلة .
ثم إنّه سبحانه يصنّف الناس يوم القيامة إلى صنفين:
الصنف الأوّل: يصفهم بأوصاف ثلاثة.
ثم يصف سبحانه عاقبتهم ومنتهى أمرهم بأوصاف أُخرى، ولكلّ من صفات الصنف الأوّل وصفات عاقبتهم، ما يقابلها من صفات للصنف الثاني وصفات عاقبتهم، وهذا ما سيتّضح للقارئ الكريم، وإليك البيان:
2 ـ أ. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ خَاشِعَةٌ):
أي ذليلة نتيجة للشدائد الّتي تلْقاها، والمراد بذلك أصحاب هذه الوجوه، وإنّما ذكرت الوجوه لأنّ الذلّ والخضوع يظهر فيها قبل سائر الأعضاء، والشاهد على ذلك أي على إرادة الذوات من الوجوه، قوله تعالى: (وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ )1، فإنّ قوله: (ذُو الْجَلاَلِ)وصف لله سبحانه. بشهادة رفعه (ذو) ولو كان وصفاً للرب كان اللازم أن يكون مجروراً (ذي).
3 ـ ب . (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) :
قد مرّ أن النَّصَب هو التعب فهؤلاء موصوفون بالعمل المُعِقب للتعب،

1 . الرحمن: 27 .

صفحه 306
ومن المعلوم أنّ ظرف العمل هو الدنيا وظرف التعب هو الآخرة، فيكون المعنى يعملون في الدنيا لتحقيق مطالبهم، ولكنّهم لا يظفرون بمطلوبهم في الآخرة لحبط أعمالهم، قال سبحانه: (وَ قَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً)1، فلا يعود إليهم من عملهم إلاّ النصب والتعب.
4 ـ ج . (تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً) :
أي تدخل أو تلزم ناراً في نهاية الحرارة. ثم إنّ صريح الآيات أنّ هذه الطائفة يدخلون ناراً حامية ويكونون أحياءً فيها، ومن المعلوم أنّ وجود الحيّ رهن سقي وطعام، فالله سبحانه يذكر ما يشربون ويأكلون .
5 ـ د. (تُسْقَى مِنْ عَيْن آنِيَة):
أي بالغة النهاية في حرارتها.
6 ـ هـ . (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيع) :
سورة الغاشية: الآيات 8 ـ 16   
قد عرفت معنى الضريع ولعلّه كناية عن عدم انتفاعهم بما يأكلون، كما أنّ الإبل لا تنتفع به ، ويشهد عليه ـ بعد ذلك ـ قوله سبحانه :
7. (لاَ يُسْمِنُ وَ لاَ يُغْني مِنْ جُوع):
أي لا ينفعهم بل يضرّهم.

1 . الفرقان: 23.

صفحه 307

الآيات: الثامنة إلى السادسة عشرة

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّة عَالِيَة * لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَ نَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابيُّ مَبْثُوثَةٌ) .

المفردات

ناعمة: أي منعّمة بأنواع اللذات.
لاغية: أي كلمات لاغية.
سُرر: جمع سرير وهو ما يجلس عليه ويضطجع عليه فيسع الإنسان المضطجع وله قوائم ليكون مرتفعاً عن الأرض.
الأكواب: جمع كوب وهو قدح لا عروة له. قال سبحانه: (بِأَكْوَاب وَ أَبَارِيقَ وَ كَأْس مِنْ مَعِين)1 .
والأكواب ما قد عرفت، والكأس ما كانت له عروة، والإبريق ما يصبّ منه الماء من خرطومه.
نمارق: جمع نُمرُقة، وهي الوسائد.
مصفوفة: يتصل بعضها ببعض على هيئة المجالس الفاخرة في الدنيا.
زرابيّ: جمع زربيّة (بفتح الزاي وسكون الراء وكسر الموحدة وتشديد الياء) وهي البساط المنسوج من الصوف الناعم، تفرش في الأرض للزينة أو الجلوس عليها.

1 . الواقعة: 18 .

صفحه 308
قال ابن عاشور التونسيّ: والزربيّة نسبة إلى آذربيجان، فأصل زربيّة: أذربية حذفت همزتها للتخفيف لثقل الاسم لعجمته، واتصال ياء النسب به، و «ذالها» مبدّلة عن الزاي في كلام العرب وليس في الكلام الفارسي حرف الذال، وبلد آذربيجان مشهور بنعومة صوف أغنامه، واشتهر بدقة صنع البسط ورقة خملها.1
المبثوثة: المنتشرة على الأرض بكثرة.

التفسير

بعد أن ذكرت السورة أوصاف الصنّف الأوّل، انتقلت إلى بيان صفات الصنّف الثاني، فذكرت الأوصاف التالية:
8 ـ أ. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاعِمَةٌ):
وهو يقابل الوصف الأوّل أعني: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ خَاشِعَةٌ).
والمراد من ناعمة أي منعمة بمعنى يظهر عليها أثر النعمة والسرور.
9 ـ ب . (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ):
وهو يقابل قوله سبحانه: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ)فالصنف الأوّل يعملون في الدنيا ولا ينتفعون بعملهم في الآخرة، وأمّا الصنف الثاني فهم يعملون في الدنيا وينتفعون به في الآخرة، ولذلك فهم راضون به، ويصفهم بقوله:

1 . التحرير والتنوير: 30 / 268 .

صفحه 309
(لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ).
10 ـ ج. (فِي جَنَّة عَالِيَة) :
يصف مكانهم بأنّه جنة عالية، وهو يقابل قوله: (تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً)فهؤلاء يعيشون في جنة مرتفعة وأمّا غيرهم فهم في حفرة حامية، لأنّ أحسن الجنات ما كان في المرتفعات، قال تعالى: (كَمَثَلِ جَنَّة بِرَبْوَة)1.
11. (لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً):
اللغو هو الكلام الّذي لا فائدة فيه وهذا دليل على أنّ الجنة دار جدّ وحقيقة، و (لاَغِيَةً) وصف حُذف موصوفه أي «كلمات لاغية» أو «كلمة لاغية» والغرض من الآية تنزيه الجنة عن النقائص، وبيان أنّ أصحابها مُهذَّبون، يغمر حياتهم الأمن والسكينة والمودّة والرحمة.
12. (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ):
ويقابله ـ في أوصاف جهنم ـ قوله تعالى: (تُسْقَى مِنْ عَيْن آنِيَة).
يذكر سبحانه بعد ذلك أوصافاً للجنة لم يذكر ما يقابلها في أوصاف جهنم، لأنّ الأخيرة دار عذاب وشقاء.
13. (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ):
وهذا وصف لمحاسن الجنّة، وهي أن فيها سرراً مرفوعة والسرر جمع

1 . البقرة: 265 .

صفحه 310
سرير، وفي ارتفاعها جلالة القاعد عليها، أو ليرى المؤمنون ما حولهم من المناظر.
14. (وَ أَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ) :
على جانب العين مهيّأة للشراب.
15. (وَ نَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ) :
أي يتصل بعضها ببعض على هيئة المجالس الفاخرة في الدنيا.
16. (وَزَرَابيُّ مَبْثُوثَةٌ) :
وقد قلنا: إنّ الزربيّة هي البساط المنسوج من الصوف الملوّن، الناعم يفرش في الأرض للزينة تارة، وللجلوس عليه أُخرى.
بقي هنا شيء وهو تنظيم صفات الأشقياء وصفات السعداء على وجه التقابل والّذي أشرنا إليه، غير أنّ الغرض هنا تنظيمه بشكل واضح .
الأشقياء وصفاتهم   السعداء وصفاتهم
1. وُجُوهٌ يَوْمَئِذ خَاشِعَةٌ   وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاعِمَةٌ
سورة الغاشية: الآيات 17 ـ 26   
2. عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ   لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ
3. تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً   فِي جَنَّة عَالِيَة * لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً
4. تُسْقَى مِنْ عَيْن آنِيَة    فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ
لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيع لاَ يُسْمِنُ   وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَ نَمَارِقُ
وَلاَ يُغْني مِنْ جُوع   مَصْفُوفَةٌ * وَ زَرَابيُّ مَبْثُوثَةٌ

صفحه 311
فإنّ هذا البيان الرائع، والنظام البديع أدلّ دليل على أنّ القرآن الكريم وحي إلهي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حينما نزلت عليه هذه الآيات كان يعاني من قريش وأزلامها أشدّ الصعاب والمشاكل، الّتي لا تسمح له بأن يضع من عنده مثل هذه الآيات وبهذه الدقة والمتانة، لو افترضنا أنّه لم يكن وحياً من السماء.

الآيات: العشر الأخيرة

(أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَ إِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر * إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَ كَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).

التفسير

لمّا كان المستفاد من الآيات السابقة أنّ المشركين ما زالوا ينكرون توحيده سبحانه في الربوبية والعبادة، فقد عرّجت هنا على بيان النظام البديع السائد في العالم الدالّ على توحيده في الربوبية وبالتالي في العبادة، فبدأت هنا بإلفات نظر المشركين إلى الإبل كيف خلقت ثم إلى السماء ثم الجبال وبعدها الأرض، فذكر سبحانه هذه الأُمور الأربعة وطلب من المشركين

صفحه 312
التدبّر فيها، وإليك التفصيل:
17. (أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ):
أي أفلا يتفكّرون بنظرهم إلى الإبل ويعتبرون بما خلقه الله عليها من عجيب الخلق؟ فإنّ لها مزايا لا توجد في غيرها :
1. إنّها مع قوتها وعظمتها يذلّلها الصغير وتنقاد له بتسخير الله إيّاها لعبده، فيُبركها ويحمل عليها ثم تقوم، وليس ذلك في غيرها من ذوات الأربع فلا يحمل على شيء منها إلاّ وهو قائم .1
2. إنّها تتحمّل العطش والجوع، وتستطيع العيش لأيام وربّما لأسابيع بقليل من الطعام والماء أو بلا شيء على الإطلاق، وليس لغيرها من الدوابّ ذلك التحمّل. يُذكر أنّ معظم الحيوانات تختزن الشحم في أجسامها، ولكنّ الإبل وحدها الّتي تختزن معظم شحمها في سَنامها. وإذا عزّ الحصول على الطعام فإن الشحم الّذي في السنام يزوّد الإبل بالطاقة الّتي قد تحتاج إليها.
3. إنّها تطوي مسافات طويلة في اليوم الواحد في الصحاري الحارّة الجافة المحرقة، وتسير فوق الرمال الناعمة بيسر وخفّة، حيث تساعدها أخفافها على تثبيت أقدامها في الرمال، كما تفعل أحذية الجليد الّتي تساعد في تثبيت أقدام صاحبها.
4. إنّها تتغذى على أي شوك ونبات إلاّ الضريع وتشبع بالقليل، وإذا أصبح الطعام نادراً، فبإمكانها حينئذ أن تأكل أيّ شيء مثل العظام والسمك

1 . مجمع البيان: 10 / 381 .

صفحه 313
واللحم والجلد، حتّى خيام أصحابها.
5. إن لعينها وأُذنها قوة خاصّة أمام العواصف الرملية لا تعيقها عن السير، فللجمل عينان واسعتان، ولكلّ عين رموش مقوّسة تقي العينين من الرمال، وعندما تعلو الشمس، فإن الجفون الكثيرة الشعر تقي العيون من شمس الصحراء، ولا تسمح بدخول ضوء زائد عن الحدّ .
إلى غير ذلك من الأوصاف الّتي تختصّ بها.1
18. (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) :
ثم إنّه سبحانه يلفت نظر المشركين إلى السماء كيف رفعت فوق الأرض وحصل بينهما هذا الفضاء الّذي به قوام الحياة، مضافاً إلى ما اشتملت عليه من الكواكب والشموس والمجرّات الّتي لم تزل رغم كثرة الاكتشافات في غموض، فكلّما تقدّم العلم لرفع القناع عن واقع السماء، يرى العلماء أنفسهم أمام مجاهيل كثيرة لم يكتشفوها بعد.
19. (وَ إِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ):
أي أفلا يتفكرون في خلق الجبال الّتي جعلها أوتاداً للأرض، وأنّه لولاها لمادت الأرض بأهلها. أضف إلى ذلك: أنّ للجبال دوراً في حفظ الحياة على ظهر هذا الكوكب فإنّها تحفظ الماء داخلها بعد نزول المطر أو الثلج، ثم يخرج منها بصورة عيون فيّاضة عليها مدار الحياة، وتوجد للجبال

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية: 8 / 468 ـ 475 مادة «الجمل»، الطبعة الثانية، 1419 هـ .

صفحه 314
فوائد كثيرة أُخرى ذكرها المختصّون.
20. (وَ إِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) :
أي بسَطها الله ووسّعها على وجه لو كانت باقية على ما كانت عليها من الارتفاع والانخفاض الشديدين لما استقرت عليها الحياة، والمراد من التسطيح هو هذا ولا ينافيه كونها كروية، لأنّ كلّ شيء كروي لا يخلو من سطح، فهؤلاء المشركون عليهم أن يتدبّروا في هذا النظام البديع الّذي تدور عليه رحى الحياة ليعبدوا خالقها ويسبّحوه ويحمدوه، لا الأوثان الّتي لا تقدر على حفظ أنفسها فضلاً عن إيصال النفع إلى من يعبدها .
ثم إنّ هنا سؤالاً وهو أنّه لماذا خصّ الله تعالى هذه الأُمور الأربعة بالذكر وأمر بالتدبّر فيها وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بتذكيرهم بها؟ مع أنّه توجد في الحياة أُموراً أُخرى لا تقل عن هذه الأُمور المذكورة أهمية وغرابة .
وقد أجاب الرازي عن ذلك ، فقال: إنّ القرآن نزل على لغة العرب وكانوا يسافرون كثيراً، لأنّ بلدتهم بلدة خالية من الزرع، وكانت أسفارهم في أكثر الأمر على الإبل، فكانوا كثيراً ما يسيرون عليها في المهامه والقفار مستوحشين منفردين عن الناس، ومن شأن الإنسان إذا انفرد أن يقبل على التفكّر في الأشياء، لأنّه ليس معه مَن يحادثه، وليس هناك شيء يشغل به سمعه وبصره، وإذا كان كذلك لم يكن له بدّ من أن يشغل باله بالفكرة، فإذا فكر في ذلك الحال وقع بصره أوّل الأمر على الجمل الّذي ركبه، فيرى منظراً عجيباً، وإذا نظر إلى فوق لم ير غير السماء، وإذا نظر يميناً وشمالاً لم ير غير

صفحه 315
الجبال، وإذا نظر إلى ما تحت لم ير غير الأرض، فكأنّه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والإنفراد عن الغير حتّى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النظر، ثم إنّه في وقت الخلوة في المفازة البعيدة لا يرى شيئاً سوى هذه الأشياء، فلا جرم جمع الله بينها في هذه الآية .1
أقول: إنّ هذا البيان من الرازي يحطّ من عظمة القرآن الكريم، فيجعله كتاباً خاصاً للعرب الذين بُعث فيهم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّ الحقّ أن يقال: إنّ هذه الأُمور الأربعة من عظائم الخلقة وعليها مدار الحياة، وإنّما وقع الرازي فيما وقع لذكر الإبل في الآيات ولكنّها ذكرت بعنوان نموذج من الحيوان الأهلي الّذي يخدم المجتمع البشري بأنواع الخدمات، ولذلك ترى أنّه سبحانه يذكر في موضع آخر غيره معه ويقول: (وَ الأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَ مَنَافِعُ وَ مِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ * وَ تَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَ الْبِغَالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَ زِينَةً وَ يَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)2.
ومن غريب القول ما ذكره السيوطي حيث قال: إنّ ما ذكره أهل علم الهيئة هذيان لا دليل عليه... حيث قالوا إنّ الأرض كرة لا سطح، فنزل القرآن بأنّها سطح، قال تعالى: (وَ إِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)(3).
وقد نشرت الصحف رأي مفتي السعودية السابق (ابن باز) حيث قال:

1 . تفسير الرازي: 31 / 158 .
2 . النحل: 5 ـ 8 .   3 . عقود الجمّان: 31.

صفحه 316
بأنّ الأرض مسطّحة لا كروية، وبذلك عارض أحد مسلّمات علم الجغرافية الّتي ثبتت بالتجارب الحسيّة، فجعل القرآن في موقف المعارض للعلم الحديث، غافلاً ـ هذا وأمثاله ـ عن كون الأرض مسطّحة لا ينافي كونها كروية، لأنّ الأجسام بعامّة أشكالها لها سطح.
21. (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ):
التذكّر عبارة عن تعريف الموضوع بالبيان المفهوم بوجه يقنع الإنسان المنصف، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مذكّر بالآيات القرآنية وكلماته المتقنة وهذا لا يختصّ بالنبي الأكرم، فإنّ عامة الأنبياء بعثوا بقوة المنطق فيهدون أُممهم إلى الحق اليقين بالبراهين الدامغة والمواعظ الشافية والجدال بالأحسن، قال سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)1.
والآية وما دلّ على لزوم التذكير آية متقنة غير منسوخة، وما ربّما يتصوّر أنّ آيات الجهاد نسخت تلك الآية، فضعيف جداً، لأنّ الغاية من الجهاد هو رفع الحواجز عن البيان والتبليغ ورفع الموانع الّتي تقف في طريق تذكير الناس بآيات الله، فكيف يمكن أن تكون منسوخة؟ والدليل على أنّ الجهاد شرِّع لرفع الحواجز أنّ الإسلام فسح لأهل الكتاب البقاء على دينهم تحت شروط خاصّة.

1 . النحل: 125 .

صفحه 317
22. (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر):
أي لست مسلَّطاً عليهم حتّى تجبرهم على دخول حظيرة الإيمان ، فإنّ الإيمان من الحالات المعنوية الّتي لا تخضع للإجبار، وإنّما تخضع له الحالات المادية القائمة بالجوارح.
23. (إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ):
الاستثناء منقطع، والمستثنى منه قوله: (فَذَكِّرْ) أي فذكرهم إلاّ مَن تولّى وكفر، بمعنى أعرض عنهم ولا تقابلهم فإنّهم ليسوا بأهل للتذكير.
وتوهُّم كونه استثناءً لقوله: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر)غير صحيح ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ليس مسيطراً على أي إنسان، سواء أقبِل أم تولّى. وتوهُّم سيطرة النبي عليهم في الغزوات لا صلة لها بمفهوم الآية.
24. (فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ):
يريد سبحانه أنّ إعراضك عنهم ليس بمعنى ترك الله سبحانه إيّاهم، بل يعذّبهم العذاب الأكبر في الآخرة، فإنّ عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا .
25 ـ 26. (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ):
والآيتان أشبه بالدليل على أنّ الله سبحانه يعذّبهم العذاب الأكبر; وذلك لأنّ مرجعهم إلى الله وحسابهم عليه فعند ذلك يحكم عليهم بالعذاب الأكبر وفق الحساب.
ويقع هنا سؤال وهو: إذا كان الإياب إلى الله سبحانه، فما معنى قول

صفحه 318
الإمام (عليه السلام)في الزيارة الجامعة: «وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم»؟
والجواب واضح، فالحساب مستقلاًّ على الله، والإياب ـ كذلك ـ إلى الله. وأمّا عن طريق الشفاعة، فهما لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «إذا كان يوم القيامة وكلنا الله بحساب شيعتنا فما كان لله سألناه أن يهبه فهو لهم، وما كان لنا فهو لهم، ثم قرأ الآية: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).1
***
تم تفسير سورة الغاشية

1 . تفسير نور الثقلين: 5 / 568 .

صفحه 319
سورة الفجر
(وَالْفَجْرِ * وَلَيَال عَشْر * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لذِي حِجْر * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ * فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ بَلْ لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا * كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى * يَقُولُ يَا لَيْتَني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي).

صفحه 320
خصائص السورة

تسمية السورة

سمّيت بسورة «الفجر» بحذف الواو .

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها ثلاثون في عدّ الكوفي والشامي، وعند أهل البصرة تسع وعشرون .
والسورة مكيّة، بشهادة مضمونها.

أغراض السورة

تهدف السورة إلى ذمّ الإنسان المكبّ على الدنيا الموجب للكفر والطغيان، ثم بيّنت ذلك بذكر قصة ثمود الّذين كان لهم من الحضارة ما لم يكن في سائر البلاد في أعصارهم، ومع ذلك كلّه أهلكهم الله سبحانه لأجل انكبابهم على الدنيا وبالتالي فسادهم.
سورة الفجر: الآيات 1 ـ 5   
ثم تندّد السورة بالفكر القاصر لبعض المشركين بل أكثر المترفين، حيث يتصوّرون أنّ بسط النعمة والغنى آية أنّهم عبادٌ مكرمون عند الله، وعندئذ يفسدون في حياتهم اعتماداً على تلك الفكرة، كما يتصوّرون أنّ فقر الفقراء آية أنّ ربهم يهينهم وليس لهم عند الله مقام واحترام، وقد غفلوا عن أنّ لكلّ من الغنى والفقر أسباباً يختبر بها أصحابها، كما سيوافيك بيانه.

صفحه 321

الآيات: الخمسة الأُولى

(وَالْفَجْرِ * وَلَيَال عَشْر * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لذِي حِجْر).

المفردات

الفجر: هو شقّ الشيء شقّاً واسعاً، قال سبحانه: (وَ فَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً)1 ومنه قيل للصبح فجرٌ لكونه شقّ الليل. والفجر فجران: الكاذب، وهو كذنَب السِّرحان(أي الذئب)، والصادق، وهو المنبسط على الأُفق وبه يتعلّق حكم الصوم والصلاة. 2
حِجْر: الحِجْر: المنع، ويطلق للعقل لكون الإنسان في منْع منه ممّا تدعو إليه نفسه .3

التفسير

ابتدأ سبحانه هذه السورة بأقسام خمسة: الفجر، وليال عشر، والشفع، والوتر، والليل إذا يسر.
أمّا الأوّل فقال:

1 . القمر: 12.
2 . المفردات للراغب: 373، مادة «فجر».
3 . المفردات للراغب: 109، مادة «حجر».

صفحه 322
1. (وَالْفَجْرِ) :
أي فجر الصبح، فقد عبّر سبحانه عن الصبح هنا بالفجر، وما ذلك إلاّ لأنّ الصبح يشقّ الأُفق، ويبدّد ظلام الليل شيئاً فشيئاً حتّى تطلع الشمس.
وفي سورة أُخرى يعبّر عنه بقوله: (وَ الصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)1 وفي التعبير تصوير رائع، فكأنّ الصبح كان ينوء بثقل اللّيل، ثم ارتفع الثقل، فتنفّس الصبح.
وفي سورة ثالثة يعبّر عنه بقوله: (وَ الصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ)2، وفي هذا التعبير تصوير رائع آخر، وهو أنّ الصبح شيء جميل كان محجوباً بظلام الليل، وكأنّه بطلوعه ألقى الحجاب وكشف عن وجهه .
ثم إنّه يقع السؤال لماذا أقسم الله سبحانه بالفجر وما هو شأنه؟ والله سبحانه هو العالم، ولكن يمكن أن يقال: إنّ لهذا الوقت ميزة خاصّة هي أنّ الإنسان يقوم من نومه وقد استراح من عناء اليوم السابق، كما أنّ ما يُثقل بدنَه من الأكل والشرب قد زال، وتهيّأت روحه للصلاة والمناجاة وعبادة الله. فلأجل أنّ له هذا الشأن أقسم به سبحانه.
وأمّا الثاني، فقال:
2. (وَلَيَال عَشْر):
والتنكير للتفخيم، وجاء في معناه احتمالات نذكر أقواها:

1 . التكوير: 18 .
2 . المدثر: 34 .

صفحه 323
1. المراد هو الليالي العشر من أوّل ذي الحجة إلى عاشره، وربّما يؤيد هذا قوله سبحانه في ميعاد موسى، قال سبحانه: (وَ وَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)1.
فدلّت الروايات على أنّ العشر المتمّمة كانت هي العشر الأُولى من ذي الحجة; روى العياشي عن محمد الحلبي، عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)في قوله: (وَ وَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر) قال: «بعشر ذي الحجة ناقصة ».2
ولا يخفى ما للعشر الأُولى من ذي الحجة من الفضيلة، ففيها ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر، إذ كلّ منها يضفي على هذه الليالي ميزة وفضيلة .
ولعلّ لهذه الليالي آثاراً خاصّة أقسم بها سبحانه، ويشهد لذلك ورود صلاة خاصّة في هذه الليالي، تُقرأ فيها الآية المذكورة أعلاه.
2. المراد بها الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان، ويدلّ على ذلك احتمال نزول القرآن في أحدها، كما أنّ من المحتمل جدّاً كون ليلة القدر فيها، وقد روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يعتكف فيها، كما ورد في إحياء هذه الليالي أدعية وأعمال كلّها تشير إلى وجود فضيلة رابية لها، فصح أن يقسم بها سبحانه.

1 . الأعراف: 142 .
2 . تفسير البرهان: 4 / 180 .

صفحه 324
وأمّا الثالث والرابع، أعني قوله تعالى:
3. (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ):
فقد ذكر المفسّرون هنا احتمالات تناهز العشرين، 1 منها:
1. الشفع هما الركعتان من صلاة الليل، والوتر هو الركعة الأخيرة منها، وهذا الاحتمال مبني على كون الشفع والوتر بهذا المعنى كان رائجاً بين المسلمين في مكّة حتّى أقسم الله به.
2. الشفع هو الأيام الزوجية الخمسة من الليالي العشر من ذي الحجة، والوتر هو الأيام الفردية من هذه الليالي، وعلى هذا فاليوم الثامن الّذي هو يوم التروية شفع، واليوم التاسع الّذي هو يوم عرفة وتر، وهكذا.
والّذي يضعّفه أنّه سبق الحلف بهذه الأيام ضمن قوله: (وَلَيَال عَشْر)اللّهم إلاّ أن يقال: المقسم به في قوله: (عَشْر) هو الليالي والمقسم به هنا هو الأيام.
3. الشفع هو كلّ ما خلقه الله، قال سبحانه: (وَ خَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً)2والوتر هو الله تعالى، وكان اللازم على هذا القول أن يستدلّ صاحبه بآية أُخرى وهي: (وَ مِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)3. فما سوى الله تبارك وتعالى شفع، والوتر الحقيقي هو الله.

1 . تفسير الرازي: 31 / 163 ـ 164 .
2 . النبأ: 8 .
3 . الذاريات: 49 .

صفحه 325
4. المراد بهما عدد الزوج وعدد الفرد ; لأنّ الرياضيات مبنية عليهما وعلى معرفتهما فصحّ أن يحلف بها، قال السيد الطباطبائي: وفي الإقسام بها تذكير بالعدد لما في ضبط المقادير به من عظيم النعمة من الله سبحانه.1
هذه احتمالات انتخبناها والباقية منها ليست بهذه المنزلة.2
وأمّا الخامس:
4. (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ):
فيُراد به جنس الليالي كما قال: (وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ)3 .
فقد أقسم سبحانه بالليل اذا يسري في الظلمة ابتعاداً عن النور ثم يسري إلى النور بُعداً عن الظلمة، ونهاية المطاف هو النور، ولعلّ وجه الحلف به أنّ سير الليل على المقادير المرتبة ومجيء الضياء عند تقضيه، أدلّ دلالة على أنّ فاعله يختصّ بالعزّ والجلال، ويتعالى عن الأشباه والأمثال.4
هذا على القول بأنّ المراد مطلق الليالي، وربما يقال: المراد ليلة خاصّة وهي ليلة المزدلفة لاختصاصها باجتماع الناس فيها بطاعة الله وفيها يسري الحاج من عرفة إلى مزدلفة ثم يصلي الغداة بها، ويغدو منها إلى منى.
فعلى الاحتمال الأوّل اللام للجنس، وعلى الاحتمال الثاني اللام للعهد.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 460 .
2 . مجمع البيان: 10 / 738 .
3 . المدثر: 33 .
4 . مجمع البيان: 10 / 736 .

صفحه 326
5. (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لذِي حِجْر) :
هذه جملة معترضة بين الأقسام الخمسة وما جاء بعدها من الجواب أو قُدّر كما سيوافيك، وتنكير (قَسَمٌ)للتفخيم والاستفهام هنا لتقرير الواقع، كمن ذكر حجّة باهرة، ثم قال: هل فيما ذكرته حجّة؟ ومعنى الآية أنّ فيما قدّمنا قسماً كافياً لمن له عقل.
وأمّا جواب القسم، فهنا وجهان:
الأوّل: أنّ الجواب هو قوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)وعلى هذا فما بينه وبين الآيات السابقة جمل معترضة جاءت كمقدّمة لجواب القسم، والمعنى: إنّ ربك لبالمرصاد للمكذبين لا يخفى عليه أمرهم، فيكون تثبيتاً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، نظير قوله تعالى: (وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)1 لكن الّذي يبعده الفصل الطويل بين المقسم به والمقسم عليه، وهو مخلّ بالبلاغة.
سورة الفجر: الآيات 6 ـ 14   
الثاني: أنّ جواب القسم محذوف، وعليه صاحب الكشاف، يقول: تقديره: «ليعذبنّ» ويدلّ عليه قوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ...) إلى قوله: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب).2 وقال الطبرسي: قيل جوابه محذوف ليقبضنّ على كلّ ظالم أو لينتصفنّ كلّ مظلوم من ظالمه، أما رأيت كيف فعلنا بعاد وفرعون وثمود لما ظلموا.3

1 . إبراهيم: 42 .
2 . تفسير الكشاف: 3 / 335 .
3 . مجمع البيان: 10 / 346، سورة الفجر.

صفحه 327
وهو خيرة العلاّمة السيد الطباطبائي حيث يقول: جواب الأقسام المذكورة محذوف يدلّ عليه ما سيذكر من عذاب أهل الطغيان والكفران في الدنيا والآخرة وثواب النفوس المطمئنة، وإنّ إنعامه تعالى على من أنعم عليه وإمساكه عنه فيمن أمسك، إنّما هو ابتلاء وامتحان .1
يبقى الكلام في وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، فقد ذكرنا فيما سلف أنّ مَن كان ذا لبٍّ، علم أنّ ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه دلائل على قدرته وحكمته، فهو قادر على أن يكون بالمرصاد لأعمال عباده فلا يعزب عنه أحد ولا يفوته شيء من أعمالهم ; لأنّه يسمع ويرى جميع أقوالهم وأفعالهم، خصوصاً بالنظر إلى ما عاقب به قوم عاد وثمود مع ما كان لهم من القوة والمنعة.

الآيات: السادسة إلى الرابعة عشرة

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).

1 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 407 .

صفحه 328

المفردات

عاد: قوم نبيّ الله هود (عليه السلام).
إرم: ممنوع من الصرف، للتعريف والتأنيث، أمّا التعريف فواضح، وأمّا التأنيث فيشهد عليه وصفها بذات العماد.
واختلفوا في معناها على أقوال:
1. اسم القبيلة، قال أبو عبيدة هما عادان; فالأُولى هي قبيلة إرم، وهي الّتي قال الله تعالى عنها: (وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى)1.
2. لقب عاد، كان عاد يعرف به .
3. اسم المدينة الّتي بناها شدّاد بن عاد.
والظاهر هو الثالث كما سيوافيك، فتقدير الآية: بعاد (صاحب إرم) .
ذات العماد: العماد مفرد جمعه عُمد، وهو ما تُبنى به الأبنية، ويستعمل في القوة والشرف، يقال: فلان رفيع العماد.
ثمود: قوم نبي الله صالح (عليه السلام)وكانوا يعيشون في وادي القُرى بين المدينة والشام، وقد اكتشفت بلادهم أخيراً بفضل الحفريات الّتي قام بها علماء الآثار، فكانت كما وصفها القرآن.
جابوا: أي قطعوا، ونحتوا الصخر.
الوادي: وهو الّذي يسيل فيه الماء، ولعلّ المراد به سفح الجبل حيث كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً(2).

1 . هود: 50 .   2 . الحجر: 82 .

صفحه 329
وروي أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لما مرّ في مسيره إلى تبوك بوادي القُرى، أمر بالإسراع في السير قائلاً بأنّ الأرض ملعونة .1
فرعون: طاغية عصر موسى، بقرينة وصفه بالإفراد حيث قال: (ذِي الأَوْتَادِ).
الأوتاد: جمع الوتد وهو ما يثبت به، إنّما وصف به لما في بعض الروايات: أنّه كان إذا عذب رجلاً بسطه على الأرض على وجهه ومدّ يده ورجليه فأوتدها بأربعة أوتاد في الأرض، وربما بسطه على خشب منبسط فوتدّ رجليه ويديه بأربعة أوتاد ثم تركه على حاله حتّى يموت، فسمّاه الله تعالى فرعون ذا الأوتاد .2
وأضاف في «الكشّاف»: كما فعل بماشطة بنته وبآسية .3
الصبّ: إفراغ ما في الإناء.
السوط: آلة ضرب تتخذ من الجلود.
المرصاد: المكان الّذي يرقب فيه للرصد.

1 . روح البيان: 10 / 425 .
2 . تفسير نور الثقلين: 5 / 571 .
3 . تفسير الكشاف: 3 / 335 .

صفحه 330
 
التفسير
قد سبق أن جواب الأقسام أحد أمرين:
1. الجواب مقدّر بمعنى أن الله سبحانه سيعذّبهم.
2. قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).
وعلى كلّ تقدير فالله سبحانه يذكر نماذج ممّن شملهم عذابه، أو أخذهم بأشد العذاب وهو بالمرصاد، فذكر نماذج ثلاثة:
1. قوم عاد.
2. قوم ثمود.
3. فرعون.
فأشار إلى أنّه شملهم العذاب على وجه الإجمال، وإليك بيان ذلك .
6. (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد):
المراد من الرؤية، الرؤية العلمية لا البصرية.
ذكر القصّاصون 1 عن قوم عاد ومدينتهم الموسومة بـ «إرم» أخباراً أشبه بالأساطير ورُوي أكثرها عن كعب الأحبار ووهب بن منبّه الأبناوي الصنعاني (34 ـ 114 هـ) المعروفَين برواية الإسرائيليات 2، ولا محيص

1 . انظر: مجمع البيان: 5 / 486 .
2 . نقل محمود أبورية عن الأُستاذ محمد رشيد رضا أنّه قال: إن شرّ رواة هذه الإسرائيليات   2
أو أشدّهم تلبيساً وخداعاً للمسلمين هذا الرجلان (يعني وهباً وكعب الأحبار) . لاحظ : أضواء على السنّة المحمدية: 174 .

صفحه 331
للمحقّق إلاّ الاعتماد على ما جاء في القرآن الكريم ممّا يرجع إلى حياتهم.
يقول العلاّمة الطباطبائي: وقد انقطعت أخبار قوم هود وانمحت آثارهم فلا سبيل إلى الحصول على تفصيل حالهم على نحو تطمئن إليه النفس إلاّ ما قصّه القرآن الكريم من إجمال قصتهم، إنّهم كانوا بعد قوم نوح، قاطنين بالأحقاف، وكانوا ذوي بسطة في الخلق، أُولي قوة وبطش شديد، وكان لهم تقدّم ورقيّ في المدنية والحضارة، لهم بلاد عامرة وأراض خصبة ذات جنات ونخيل وزروع ومقام كريم .1
وقد ذكر في «الكشّاف» شيئاً من حياة قوم عاد، ممّا يشبه أخبار ألف ليلة وليلة.2
7. (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) :
قد تقدّمت الأقوال في المراد من قوله: (إِرَمَ) والّتي منها أنّها اسم مدينة لا القبيلة، ويدلّ على ذلك أنّه سبحانه وصفها بالوصفين التاليين، هما; قوله: (ذَاتِ الْعِمَادِ)، وقوله: (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ)، وكلاهما لا ينطبقان إلاّ على المدينة.
أمّا الأوّل: فالمتبادر من ذات العماد أي ذات الأعمدة الّتي تبنى بها الأبنية الفخمة، ولذا كان نبيهم هود يذمّهم بقوله: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع آيَةً

1 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 280 .
2 . تفسير الكشاف: 3 / 335 .

صفحه 332
تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ)1، والمعنى: أتبنون بكلّ مكان مرتفع بناءً لا تحتاجون إليه وإنّما تُريدون العبث بذلك، وتتّخذون حصوناً وقصوراً مشيّدة كأنّكم تخلدون فيها، فإنّ هذه الأبنية بناء من يطمع في الخلود.
وأمّا الثاني: أعني قوله:
8 . (التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ):
فإنّ ضمير التأنيث في (مِثْلُهَا) يعود على ذات العماد، وهو دليل على أنّ لفظة (إرم) اسم للمدينة لا القوم والقبيلة، إذ يبعُد أن يقال: إنّ قبيلة إرم (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ) ولو أُريد ذلك كان اللازم أن يقول: «لم يخلق مثلهم في البلاد».
وعلى هذا، يكون معنى الآية:
ألم تر كيف فعل ربك (بقوم) عاد أصحاب مدينة إرم ذات الأعمدة الّتي لم يخلق مثلها في البلاد.
وكلمة (لم) تدلّ على أنّها كانت عديمة النظير في العصور السابقة، لا عصر نزول السورة ولا بعده.
وعلى كلّ تقدير، يظهر بُعد قول من قال بأنّ الوصفين يتعلّقان بالقوم أو بالقبيلة حيث قال: لم يخلق مثل تلك الأُمّة في الأرض وأُريد بالخلق خلق أجسادهم.(2)

1 . الشعراء: 128 ـ 129 .   2 . التحرير والتنوير: 30 / 282 .

صفحه 333
وأمّا كيفية إهلاكهم فيذكرها سبحانه في سورة أُخرى، ويقول: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَر عَاتِيَة * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَال وَثَمَانِيَةَ أَيَّام حُسُوماً فَتَرى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل خَاوِيَة * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة).1
9. (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) :
ثمود ـ كما قلنا ـ من أقدم الأقوام ونبيهم صالح، وكانوا يعيشون في وادي القرى، بين المدينة والشام، وحياتهم كانت حياة مرفهة، ومن عملهم قطع صخور الجبال ليصنعوا بها البيوت، وإليه يشير قوله تعالى: (جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ)وفي آية أُخرى قال تعالى: (وَ كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ).(2)
وفي ثالثة: (وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ)(3).
وفي آية رابعة: (وَ تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً )2 .
فكلتا القبيلتين ـ عاد وثمود ـ كانت لهم من القوة والقدرة في بناء الأبنية واتّخاذ البيوت في الجبال والنحت في صخورها، مكانة عالية، غير أنّ قوم عاد كانوا يبنون البيوت على سفوح الجبال، وقوم ثمود يبنونها داخل الجبال.
وبالرغم من قوة «ثمود» وقدرتهم، فإنّ الله أهلكهم بالصيحة ولم يُبقِ لهم من باقية، قال سبحانه: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الُْمحْتَظِرِ)(5).

1 . الحاقة: 6 ـ 8 .         2 . الحجر: 82 .   3 . الشعراء: 149 .
2 . الأعراف: 74 .         5 . القمر: 31.

صفحه 334
10. (وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ):
مرّ وجه وصف فرعون بذي الأوتاد، وقد جاء في بعض التفاسير الحديثة، أنّ المراد بالأوتاد، تلك الأهرامات التي أقامها فراعنة مصر، فكانت أشبه بالجبال، التي هي أوتاد الأرض.1
11. (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ) :
والظاهر أنّه صفة لجميع الطوائف الثلاث.
أمّا طغيانهم فلأجل إعراضهم عن عبادة الله سبحانه إلى عبادة الأصنام والأوثان.
12. (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) :
ولعلّ فسادهم لأجل إهلاك الحرث والنسل، يقول سبحانه: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ )2 .
13. (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب):
سورة الفجر: الآيتان 15 ـ 16   
عرفت أنّه أهلك عاداً بريح صرصر في أيام نحسات، كما أهلك قوم ثمود بالصيحة، وأمّا فرعون فقد أهلكه بالغرق، وأمّا ما هي المصلحة من التنويع في العذاب فالله سبحانه أعرف وأعلم، قال تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا

1 . انظر: التفسير القرآني للقرآن:16/1553.
2 . البقرة: 205 .

صفحه 335
عَلَيْهِ حَاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَ مَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)1.
14. (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ):
قلنا: إنّ المرصاد هو المكان الّذي يرصد منه ويرقب، وهو كناية عن حفظه تعالى لأعمال عباده، شبّه بمن يقعد في المرصاد ليرقب أعمال عماله أو من تحت أمره.
قال الإمام علي (عليه السلام): «وَلَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ، وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ، وَبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ»2.
فالله سبحانه يُمهل العصاة والطاغين ولكن حاشاه أن يهملهم فيأخذهم يوم البعث في مواقف متعدّدة.

الآيتان: الخامسة عشرة والسادسة عشرة

(فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ).

1 . العنكبوت: 40 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 97 .

صفحه 336

التفسير

الآيتان تندِّدان بالتصوّر السقيم الذي يسود الكثير من المجتمعات ـ والأفراد كذلك ـ وهو أنّ الغنى والثراء ووفرة الإمكانات المادية دليل على أنّ صاحبها مقرّب عند الله ومكرّم عنده، فلأجل هذا المقام الّذي يتمتع به الإنسان الثري فالله سبحانه أنعم عليه!!
وفي مقابل ذلك فإنّ الفقر وكون الإنسان مفتقراً إلى الحاجات الأساسية لحياته الدنيوية، دليل على كونه مبغوضاً عند الله، ومهاناً من قبله، وليس له مقامٌ وشأن خاصّ عنده، وإلاّ لأنعم عليه!!
وهاتان الآيتان تشيران إلى هذا التصوّر وتردّان عليه باستنكار، بأن يكون الغنى آية الإكرام، والفقر آية الامتهان، بل هما معاً من وسائل الابتلاء والامتحان والتمحيص، وذلك أنّ الله تعالى عندما ينعم على إنسان لا لأجل أنّه يكرمه، بل لأجل أن يضعه في بودقة 1 الامتحان والفحص، فصاحب النعمة عندما يقوم بواجباته من إكرام اليتيم وإطعام المسكين ورفع خلّة المعوزين، فقد نجح في الامتحان وخرج ناصع الجبين.
سورة الفجر: الآيتان 15 ـ 16   
ولكن على العكس ربما يتّخذ الإنسان الثروة والنعمة وسيلة للتكبّر وتحقير الآخرين والإفساد في الأرض، فيصبح فاشلاً في الامتحان ويُحشَر أسود الوجه .

1 . ويقال لها أيضاً: البوتقة وهي الوعاء الذي يذيب الصائغ فيه المعدن، وهي فارسية، كما قال صاحب المنجد: 52 .

صفحه 337
وهكذا الفقر، فربما تجد فقيراً متعفّفاً قانعاً بما قسم الله له، من دون أن يمدّ يده إلى مال الآخرين، فالفقر هنا يكون سبباً للتكامل والسمو.
وفي مقابل ذلك تجد فقيراً ساخطاً متذمّراً، قد يتّخذ من فقره ذريعة للتجاوز على أموال الآخرين، فيكون بذلك من الهاوين، فلا الغنى دليل الإكرام، ولا الفقر دليل الإهانة، قال سبحانه:
15. (فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ):
قوله: (إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ): أي إذا اختبره وامتحنه بالنعمة ( فَأَكْرَمَهُ)بالمال (وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ): أي يفرح بذلك ويُسرّ ويعدّه كرامة عند الله. ونشير هنا الى أنّه سبحانه ذكر في هذا الابتلاء أنّه تمّ بالإنعام والإكرام، وأمّا في الابتلاء التالي فقد ذكر أنّه تمّ بأمر واحد وهو قوله: (قدّر) أي عدم السعة بالمال، والظاهر أن الأمرين في الاتبلاء الأوّل هما شيء واحد وهو السعة في المال، مقابل الضيق فيه.
16. (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ):
فقوله: (إِذَا مَا ابْتَلاَهُ)بالفقر والفاقة (فَقَدَرَ): أي فضيّق وقتّر (عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ): أي يظن أنّ ذلك هوان منه .
وربّما يتبادر سؤال في بعض الأذهان وهو: أنّ الله سبحانه عالم بضمير الإنسان فماذا يعني بامتحان الإنسان والابتلاء، فإنّ ذلك شأن مَن لا يقف على الواقع فيريد أن يكتشفه ويعرفه ؟

صفحه 338
سورة الفجر: الآيات 17 ـ 20   
والجواب: أنّ الابتلاء على أقسام:
1. تارة يكون الممتحِن ـ بالكسر ـ جاهلاً بواقع الممتحَن ـ بالفتح ـ فيمتحنه بصور مختلفة، كما هو الحال في الامتحانات التي تُجرى للطلاب في المواد التي تتضمّنها الكتب المخصّصة لهم، لمعرفة المستوى الدراسي للطلاب، وتمييز المتفوّقين عن غيرهم.
2. وربما يكون الغرض من الامتحان إتمام الحجّة عليهم، فإنّ المعلم يعلم أنّ التلميذ الفلاني ناجح أو فاشل، ولكنّه يمتحنه لإقامة الحجّة عليه، حتّى لا يعترض عليه في حرمانه من النجاح والانتقال إلى الصف الآخر.
3. وربّما يكون الهدف من الامتحان هو البلوغ بالإنسان الممتحَن إلى قمة الكمال المعنوي، فقد تكمن في صميم ذاته قابلية الوصول إلى الكمال، ولكنّها قابلية محضة وقوة خالصة، لا تنتقل إلى الفعلية إلاّ إذا تعرّضت للبلاء والامتحان، وهو سرّ قوله تعالى: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)1، وذلك كما بيّنه الإمام علي (عليه السلام)في قوله: «وَمَعْنَى ذلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَ الرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ سُبْحانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلكِنْ لِتَظْهَرَ الاَْفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ»2 .
فقوله: «لِتَظْهَرَ الاَْفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ»، يشير إلى ما ذكرنا من أنّ الإنسان قد يكمن في ذاته ما يستحق به أحد الأمرين خصوصاً الثواب، فما لم يتعرض للامتحان يبقى ما يستحق به الثواب بصورة القوة

1 . الأنفال: 28 .
2 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 93.

صفحه 339
الصرفة ولا يُجزى به، وأمّا إذا تعرّض للابتلاء فإنّ القوة تخرج إلى عالم الفعلية، الّذي يظهر فيه جمال المرء وكماله، أو يبين فيه خبثه ودناءته، ومن هذا القبيل كان ابتلاء إبراهيم (عليه السلام)حيث أمره سبحانه بذبح فلذة كبده وثمرة فؤاده، والإنسان يحب ثمرة وجوده حبّاً شديداً ولا يعدل به إلى غيره .
ولعلّ في الآيتين إشارة إلى أنّ قوم عاد وثمود وفرعون كانوا محكومين بهذا التصوّر الفاسد فصاروا يتبجّحون بثروتهم وقدراتهم ويعدّون أنفسهم أنّهم أقرب إلى الله من بقية الأقوام، وبذلك كانوا يهينون المعوزين والفقراء، ولكنّهم جهلوا أنّهم قد أُعطوا النعم للابتلاء والتمحيص، فلمّا سقطوا في الامتحان أبادهم الله وأهلكهم، كما مرّ عليك.

الآيات: السابعة عشرة إلى العشرين

(كَلاَّ بَلْ لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا).

المفردات

تَحاضُّون: الحضّ: التحريض كالحثّ، هذا إذا كان ثلاثياً مجرداً، وأمّا تَحاضُّون فمن باب المفاعلة وأصله تتحاضّون، فحذفت إحدى التائين اختصاراً للتخفيف، أي حضّ بعضُكم بعضاً على ذلك .
التراث: بمعنى الميراث.

صفحه 340
لمّاً: اللّم هو الجمع، ووصف الأكل به من باب المبالغة، أي أكلاً جامعاً مال الوارثين إلى مال الآكل، كقوله تعالى: (وَ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)1.
جمّاً: أي كثيراً.

التفسير

17. (كَلاَّ بَلْ لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ):
لفظة (كَلاَّ): للردع وإبطال ما تقدّم، والمقصود إبطال التصوّر السقيم حول الغنى والفقر.
ثم إنّه سبحانه بعدما نبّه على أنّ الغنى من أدوات الابتلاء يريد في هذه الآيات التنبيه على أنّ هذه الأقوام الثلاثة قد اختبروا بالغنى والثروة ولم ينجحوا في الامتحان، وذلك للأُمور الأربعة التالية:
أ. قوله تعالى: ( لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) وقد ذكر إكرام اليتيم دون إطعامه إشعاراً بأنّ أحوج ما يحتاج إليه اليتيم هو رفع حاجته الروحية حيث إنّه فقد عماد حياته، ومن كان يحنو عليه في الراحة والشدة.
فأفضل عمل يؤدّى إلى اليتيم هو الإكرام بدل إهانته، وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة» وأشار بالسبابة والوسطى.
سورة الفجر: الآيات 21 ـ 26   

1 . النساء: 2.

صفحه 341
18 ـ ب . (وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ):
إنّ الذكر الحكيم تارة يأمر بإطعام المسكين ويندّد بمن لم يطعمه ويقول: (وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)1، وأُخرى يأمر بالحضّ على الإطعام ويقول: (وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) 2 ولكنّه في المقام يأمر بالتحاض أي حثّ البعض بعضاً، فالحضّ في الآية الثانية عمل فردي، وفي المقام أمر جماعي.
19 ـ ج . (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا):
أي يأكلون نصيب أنفسهم ونصيب غيرهم.
20 ـ د. (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) :
أي حبّاً كثيراً، ومن المعلوم أنّ حبّ المال أمر فطري، ولكن المنهي عنه هو ذلك الحبّ الطاغي الّذي يفضي إلى الطمع والجشع، والتهالك على جمع المال، وعدم التورّع عن المحارم في كسبه، وإلى العزوف عن أداء واجب حقّه، نحو حقّ السائل والمحروم فيه .

الآيات: الحادية والعشرون إلى السادسة والعشرين

(كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا

1 . المدثر: 44.
2 . الماعون: 3.

صفحه 342
صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى * يَقُولُ يَا لَيْتَني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) .

المفردات

دُكت: الدكّ: حطّ المرتفع بالبسط، كما في «التبيان في تفسير القرآن»، أو بمعنى الضرب الشديد، حتى يتحطّم كلّ شيء على ظهر الأرض من جبل أو بناء أو شجر .
صفّاً: الصف هو أن تجعل الشيء على خط مستو، يقول سبحانه: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)1، ولعلّ المراد هنا المصطّفين أي صفاً بعد صف.
يوثق، والوثاق (بفتح الواو وكسرها): اسم لما يوثَق (أي يُشدّ) به الشيء، وهو القيد، والحبل، ونحوهما.

التفسير

21. (كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) :
(كَلاَّ) ردع ثان لما يستفاد من الآيات السابقة، وهو الإعراض عمّا كان

1 . الصف: 4.

صفحه 343
عليه القوم من عدم إكرام اليتيم ولا التحاضّ على طعام المسكين وأكل التراث وحبّ المال، أي لا ينبغي للإنسان أن يوصف بها; وذلك لأنّه مسؤول عن هذه الأُمور يوم القيامة. ويشير إلى أهوالها في الآيات التالية.
قوله تعالى: (إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) وتكرار الدكّ يشير إلى التتابع أي دكّاً بعد دكّ، مثل قولك: قرأت باباً باباً. وحاصل الآية: أنّه يتوالى الدكّ حتّى تصير الأرض مستوية لا ارتفاع فيها ولا هبوط، كما قال سبحانه: (لاَ تَرى فِيهَا عِوَجاً وَ لاَ أَمْتاً )1 .
22. (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا):
ونسبة المجيء إلى الله غير نسبته إلى الملائكة، إذ يمتنع على الأوّل الحركة والانتقال، فإنّ المجيء بالمعنى الحقيقي إنّما يكون من آثار من يكون في جهة والله محيط لا محاط، فلابدّ أن يكون تمثيلاً لظهور آيات اقتداره وتبيّن آثار قهره وسلطانه. مُثّلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلّها ووزرائه وخواصّه .2
وبعبارة أُخرى: نسبة المجيء إلى الله سبحانه ظهور قضائه ومحاسباته وظهور الحقائق الغيبية يوم القيامة الّتي كان ينكرها الكافر فكنّي عن هذا التجلّي بمجيء الرب، ولذلك نرى أنّه سبحانه ينسب المجيء أو ما بمعناه

1 . طه: 107 .
2 . تفسير الكشاف: 3 / 337 .

صفحه 344
إلى أمر ربك ويقول: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ )1.
قوله: (وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا): أي يصطفّون صفّاً بعد صفّ مُحدقين بالجنّ والإنس.
23. (وَجِيءَ يَوْمَئِذ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى):
ولعلّ المراد به هو بروز جهنّم للمحشورين، كما قال سبحانه: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى)2.
روى الطبرسي مرفوعاً عن أبي سعيد الخدري قال: لمّا نزلت هذه الآية تغيّر وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعُرف في وجهه حتّى اشتدّ على أصحابه ما رأوا من حاله، وانطلق بعضهم إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)فقالوا: يا علي، لقد حدث أمر قد رأيناه في نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجاء علي (عليه السلام)فاحتضنه من خلفه. وقبّل بين عاتقيه، ثم قال: يا نبي الله، بأبي أنت وأُمّي، ما الّذي حدث اليوم؟ قال: جاء جبرائيل (عليه السلام)فأقرأني (وَجِيء يَوْمَئِذ بِجَهَنَّمَ) قال: فقلت: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع، ثم أتعرض لجهنم فتقول: مالي ولك يا محمد، فقد حرّم الله لحمك عليَّ؟ فلا يبقى أحد إلاّ قال: نفسي نفسي، وإن محمداً يقول: رب أُمّتي أُمّتي».(3)

1 . النحل: 33 .
2 . النازعات: 36 .   3 . مجمع البيان: 10 / 400 .

صفحه 345
ولو صحّ الحديث لكان المجيء بعد بروزها.
قوله سبحانه: (يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى): أي يوم المجيء بجهنّم وبروزها يندم الإنسان على ما فرّط فيه من أعمال في حياته، ولا تنفعه الذكرى. وبذلك يُعلم أنّه لا تنافي بين قوله: (يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ)وقوله: (وَأَنى لَهُ الذِّكْرى) فإنّ المراد من الأوّل: يتذكر ما فرّط فيه، ومن الثاني: الذكرى النافعة، فالمثبتة من الذكرى غير المنفية.
24. (يَقُولُ يَا لَيْتَني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي):
أي في ذلك اليوم، يوم الجزاء، يتمنّى الإنسان لو كان عمل الصالحات لهذه الحياة الحقيقية الدائمة، ولكنّه (أطال الأمل، فأساء العمل)1، فأحسّ بالندم، ولاتَ ساعة مَندَم.
ثم إنّه سبحانه يبيّن مصير هذا الإنسان الذي فرّط في حياته الدنيوية ولم يقدّم شيئاً إلى حياته الأُخروية ويقول:
25 و 26. (فَيَوْمَئِذ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ):
أي لا يعذّب أحد في الدنيا مثل عذاب الله الكافر يوم القيامة، ولا يوثق أحد في الدنيا مثل وثاق الله الكافر يوم القيامة.2 وهذا المعنى ظاهر لأنّ كلاًّ

1 . قال أمير المؤمنين (عليه السلام): مَنْ أَطَالَ الاَْمَلَ أَسَاءَ الْعَمَلَ. نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 36 .
2 . مجمع البيان: 10 / 401 .

صفحه 346
من فعل (يُعَذِّبُ) و (يُوثِقُ) مبني على المعلوم وقوله: (أَحَدٌ) في الموضعين فاعل: يعذب ويوثق، والضمير في عذابه عائد إلى الإنسان فيكون المعنى: لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق، ولا يوثق وثاق أحد من الخلق، أي أنّ عذابه تعالى ووثاقه يومئذ فوق عذاب الخلق ووثاقهم، والغرض هو التشديد في الوعيد.
سورة الفجر: الآيات 27 ـ 30   

الآيات: السابعة والعشرون إلى الثلاثين

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي).

التفسير

بعد أن فرغ سبحانه من بيان حال المستكبرين ومصيرهم يوم القيامة، اقتضى أن يذكر حال المؤمنين ومصيرهم. هذا ومن عادة القرآن الكريم أنّه يقرن التبشير بالإنذار، حتّى أنّه حينما يصف النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يصفه بالبشير والنذير، قال تعالى: (وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً)1، ليكون ذلك باعثاً إلى اتّباع طريق المؤمنين وترغيبهم عن طريق الكافرين.
27 و 28. (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ

1 . سبأ: 28 .

صفحه 347
رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً):
يصف الله تعالى نفس المؤمن بثلاث صفات:
1. «المطمئنة». 2. «راضية». 3. «مرضيّة».
وكأنّ الوصف الأوّل يلازم الثاني والثالث، وذلك لأنّ المراد من الاطمئنان هو السكون إلى الله تعالى، كسكون العبد بالنسبة إلى مولاه، لا يرى لنفسه خيراً ولا شرّاً ولا يملك نفعاً ولا ضراً، فإذا بلغت هذه المرتبة تعود راضية بما قدّر وقضى أو حكم في كتابه الكريم، فإذا صارت راضية يكون سبحانه راضياً عنها فتعود النفس مرضية عند الله تبارك وتعالى، ولذلك قلنا: إنّ الاطمئنان يتبعه الوصفان الأخيران.
وقد ذكرنا في تفسير سورة القيامة شيئاً حول هذه الصفات الثلاث نقتبس منه ما يلي: النفس المطمئنة عبارة عن النفس الّتي تسكن إلى ربها، فإذا تواترت عليها النعم لم تسبب لها الطغيان والتعالي والاستكبار، وإذا ما ضيّق عليها الفقر والعوز فلا يخرجها ذلك إلى الكفر وترك الشكر، فنفوسهم مستقرّة في العبودية لا تخرج عن الصراط المستقيم، قال سبحانه: (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)1 .
فالنفس المطمئنة لا تحرّكها العواصف في إدبار الدنيا وإقبالها، فهي مطمئنة عند أهوال الدنيا الرهيبة وعند تواتر النعم الجزيلة .

1 . الرعد: 28 .

صفحه 348
فإذا بلغت النفس مرتبة الاطمئنان فتكون راضية بتقدير الله سبحانه من عسْر أو فقر أو قوة أو ضعف، سواء رفعتها السياسة إلى درجة عالية، أو أنزلتها العوامل المادية وحاصرتها في زاوية الإهمال والنسيان، ففي كلّ الحالات تكون النفس راضية بما قُدّر لها، وإذا رضي العبد عن ربه رضي الربّ عنه، إذ لا يسخطه تعالى إلاّ خروج العبد من زيّ العبودية، فإذا لزم طريق العبودية استوجب ذلك رضى ربّه عنه، فصارت نفسه مرضيّة.
وإذا اجتمعت في النفس هذه الصفات الثلاث، استحقّت أجرها وهو ما يذكره الله تعالى بقوله:
29 و 30. (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي):
وهذا الأجر له صورتان:
1. الدخول في عداد عباد الله، كما يحكي عنه قوله تعالى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي).
2. الدخول في الجنة، كما يحكي عنه قوله تعالى: (وَادْخُلِي جَنَّتِي).
يصف سبحانه في هذه الآيات بعض النفوس بكونها مطمئنّة وراجعة إلى ربها راضية مرضيّة، ونحن نشير إلى نموذج منها والّذي هو في الذروة من هذه الصفات .
روى الحسن بن محبوب، عن صندل، عن ابن فرقد قال: قال أبو عبدالله الصادق (عليه السلام): «اقرأوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم، فإنّها سورة الحسين وارغبوا فيها رحمكم الله». فقال له أبو أُسامة ـ وكان حاضراً في

صفحه 349
المجلس ـ : كيف صارت هذه السورة للحسين (عليه السلام)خاصّة؟ فقال: «ألا تسمع إلى قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) إنّما يعني الحسين بن علي صلوات الله عليهما، فهو ذو النفس المطمئنّة الراضية المرضيّة، وأصحابه من آل محمد صلوات الله عليهم الراضون عن الله يوم القيامة وهو راض عنهم». 1
وهذا هو الإمام أبو عبدالله الحسين (عليه السلام)يصرح في خطبته الّتي ألقاها في مكّة المكرمة يوم التروية وأنّ ما أختاره من المصير إنّما هو تبعاً لرضا الله سبحانه حيث قال: «الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلاّ بالله، خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه وكأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأنَ مني أكراشاً جُوفا وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أُجور الصابرين».2
***
تمّ تفسير سورة الفجر

1 . بحار الأنوار: 24 / 93، برقم 6 .
2 . مثير الأحزان لابن نما الحلّي: 29 .

صفحه 350

صفحه 351

سورة البلد

(لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِد وَ مَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَد * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَ شَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَة * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ).

صفحه 352
خصائص السورة

تسمية السورة

تُسمّى هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير بسورة (البلد)، ووجه التسمية ورود كلمة البلد في أوّل السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها عشرون آية، وصياغة الآيات ومضمون أكثرها يدلاّن على كونها مكّية.

أغراض السورة

تؤكّد السورة على أنّ الإنسان خلق في تعب ومشقّة فلا تجد قوماً في راحة إلاّ وهم في معاناة وشدّة من جهة أُخرى، وعلى ذلك فليجدّ الإنسان في نشر الرحمة على المبتلين بنوائب الدهر، كفكّ الرقبة، والإطعام في يوم ذي مسغبة.
سورة البلد: الآيات 1 ـ 4   

الآيات: الأربع الأُولى

(لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِد وَ مَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَد) .

صفحه 353

المفردات

حِلٌّ: قال الراغب: الحل: حلّ العُقدة، وجُرِّد استعماله للنزول فقيل: حَلَّ حلولاً، قال عزوجل: (أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ )1، ثم قال: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) أي حلال 2.
ويظهر من كلام الراغب أنّ الحِلّ لم يستعمل بمعنى الحلول أي الإقامة، وإنّما استعمل في معنى الحلال.
وسيوافيك ما هو المراد من كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حلالاً .
ثم إنّ كثيراً من المفسّرين فسّروا الحِلّ هنا الحالّ أي المقيم ولم يذكره صاحب الكشّاف .3
نعم ذكره الرازي وجعله الوجه الأوّل .4
الكبَد: قال الراغب: الكبد: المشقّة، قال: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَد)تنبيهاً على أنّ الإنسان خلقه الله تعالى على حالة لا ينفك من المشاق 5.
وفي «الكشّاف»: الكبد أصله من قولك: كبِد الرجل كبَداً فهو أكبد إذا وجعت كبِدُه وانتفخت، فاتسع فيه حتّى استعمل في كل تعب ومشقّة .6

1 . الرعد: 31 .
2 . المفردات للراغب: 128، مادة «حل».
3 . تفسير الكشاف: 3 / 338 .
4 . تفسير الرازي: 31 / 179 .
5 . المفردات للراغب: 420، مادة «كبد».
6 . تفسير الكشاف: 3 / 339 .

صفحه 354

التفسير

1. (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ):
إن الله سبحانه بدأ السورة بجملة (لاَ أُقْسِمُ)وقد وردت هذه الصيغة في الآيات التالية:
1. (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) 1.
2.( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ)(2).
3. (فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَ الْمَغَارِبِ)2.
4. (لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) 3.
5. (وَ لاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)4.
6. (فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ)5.
7. (فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ)6.
8 . (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ )7.
فلابد أن يفسّر الجميع على نسق واحد:

1 . الواقعة: 75.         2 . الحاقة: 38.
2 . المعارج: 40 .
3 . القيامة: 1 .
4 . القيامة: 2 .
5 . التكوير: 15 ـ 16 .
6 . الانشقاق: 16 ـ 17 .
7 . البلد: 1 .

صفحه 355
إمّا أن تكون نافية حقيقة فيكون المراد عدم الإقسام حقيقة، أو تكون زائدة مؤكّدة للقسم ـ كما هو المختار ـ فلا يصحّ التمييز بين هذه الآيات بتفسير بعضها بالإقسام، وتفسير البعض الآخر بعدمه.
إذا عرفت ذلك فنقول:
المراد من البلد هو مكّة المكرّمة بشهادة قوله: (بِهَذَا الْبَلَدِ).
2. (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ):
فقد فُسّر بوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ الحِلّ بمعنى الحالّ والمقيم وكأنّه سبحانه يقسم بهذا البلد من جهة أنّ رسول الله حلّ به وأقام فيه، والغرض التنبيه على شرف مكّة بشرف من حلّ بها وهو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن كان لمكّة أيضاً شرفٌ خاص عند الله سبحانه، لكنّها لمّا صارت في زمن القسم ـ مركزاً للأوثان والأصنام ـ أقسم سبحانه بهذا البلد لحلول أشرف المخلوقات به.
وهذا التفسير هو الظاهر من أكثر المفسّرين، وربّما أُشكل عليه بأنّ الحِلّ بمعنى الحالّ، لم يرد في كتب اللغة كالصحاح واللسان والقاموس، ومفردات الراغب .1
والّذي يؤيّد هذا الوجه أنّه يترتّب عليه كون الآية بصدد الإقسام بالبلد، وهو لا يتحقّق إلاّ على هذا الوجه وأمّا على الوجهين التاليين تكون النتيجة على العكس أي يكون المراد عدم إقسامه سبحانه، كما سيوافيك .

1 . التحرير والتنوير: 30 / 307 .

صفحه 356
الوجه الثاني: الحِلّ: بمعنى الحلال أي الكفّار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات، لكنّهم يستحلون إيذاءك ولو تمكّنوا منك لقتلوك، فأنت حلال في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك حيث إنّهم لا يقتلون بها صيداً وغير ذلك.
يلاحظ عليه: أنّ ظاهر قوله: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ)كونه كذلك عند الله، لا في اعتقاد الكفّار، أضف إلى ذلك: أنّه يلزم على هذا التفسير كون «لا» نافية وأنّه لا يقسم بهذا البلد لأجل عدم حصول احترام لك فيه، مع أنّ المفروض تفسير (لاَ أُقْسِمُ) في عامة الآيات بالإقسام المؤكّد لا نفيه .
الوجه الثالث: المراد من (أَنْتَ حِلٌّ): أي لست بآثم وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت عند فتحها، فيكون ناظراً إلى ما بعد الهجرة حيث إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فتح مكة في العام الثامن من هجرته وأحل دماء بعض المشركين، منهم ابن خَطَل الّذي قُتل وهو متعلّق بأستار الكعبة، ومِقْيس بن صُبابة وغيرهما .1
يلاحظ عليه: أنّ السورة ناظرة إلى الزمن الحالي، لا إلى المستقبل، وقياسه بقوله سبحانه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)،2 كما في «الكشاف» 3قياس مع الفارق لوجود القرينة في الآية الثانية، بخلاف المقام فالقرينة على العكس .

1 . مجمع البيان: 10 / 747 .
2 . الزمر: 30 .
3 . تفسير الكشاف: 4 / 255 .

صفحه 357
نعم روى الكليني في «الكافي» عن علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «وكانت الجاهلية يعظمون المحرّم ولا يقسمون به، ولا شهر رجب ولا يعرضون فيهما لمن كان فيهما ذاهباً أو جائياً وإن كان قتل أباه. ولا لشيء يخرج من الحرم من دابة أو شاة أو بعيراً أو غير ذلك .
قال الله عزوجل لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ)قال: فبلغ من جهلهم أنّهم استحلوا قتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعظموا أيام الشهر حيث يقسمون به فينتقصون».1
أقول: إنّ هارون بن مسلم من أصحاب الإمام الهادي(عليه السلام)(المتوفّى 254هـ)، فبعيد أن يروي عن مسعدة بن صدقة، الذي هو من أصحاب الصادق(عليه السلام)، ولكن لمّا كثرت رواياته عنه2، فلابدّ أن يقال إنّه كان من المعمّرين، غير أنّ مسعدة بن صدقة لم يوثّقه أصحابنا وإن لم يصفوه بشيء من الجرح، فالاعتماد على الرواية في تفسير الآية، أمر مشكل.
والظاهر أنّ المعنى الأوّل أظهر.
3. (وَوَالِد وَمَا وَلَدَ):
الظاهر أنّ المراد ـ بقرينة كلمة البلد ـ هو إبراهيم وولده إسماعيل(عليهما السلام)وفائدة التنكير الإبهام، المشعر بالمدح والتعجّب، ومنه يظهر وجه قوله: (وَمَا

1 . الكافي: 7 / 450; تفسير نور الثقلين: 5 / 578 .
2 . بلغت رواياته عنه في الكتب الأربعة(132) مورداً. معجم رجال الحديث:19/231.

صفحه 358
وَلَدَ)حيث لم يقل «ومن ولد».
وقيل: المراد جميع أولاد إبراهيم وهذا بعيد، لأنّه سبحانه يقسم بمن له فضل وفضيلة، وليس في جميع ولد إبراهيم ذلك الملاك.
وقال الطبرسي وغيره: إنّ المراد كلّ والد ومولود إنساناً كان أم حيواناً أم نباتاً. والغرض من هذا القسم ـ كما يقول بعضهم ـ هو التنبيه إلى إنشاء الكائنات الحية وتطوّرها من خلق إلى خلق، من النطفة إلى الإنسان أو الحيوان، ومن الحبّة إلى الشجرة وغيرها من النبات.1
4. (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَد) :
وهو جواب القسم بالبلد وبالوالد وما ولد، وفُسّر الكبد بوجوه:
الأوّل: أنّه مخلوق في نصب وشدّة حيث لا يزال يكابد مصاعب الدنيا وشدائد الآخرة، وكأنّ حياته ممزوجة بالآلام والمصائب، فلاترى إنساناً سعيداً من عامّة الجهات، فلو كان سعيداً من جهة فهو يشكو من جهة أُخرى، ورحم الله تعالى أبا فراس الحمداني، حيث يقول:
الدهرُ رهْنُ مصائب لا تنقضي *** حتى يُوارى في ثرى رَمْسهِ
فمؤجَّلٌ يلقى الرّدى في أهلهِ *** ومُعجَّل يلقى الرّدى في نفسهِ
وفي ذمّ الدنيا قال الإمام علي (عليه السلام): «لم يكنِ امرؤٌ منها في حَبرة إلاّ أعقبَتْهُ بَعدَها عَبْرة، ولم يَلقَ في سرّائها بطناً، إلاّ منحَتْهُ من ضرّائها ظهراً، ولم

1 . التفسير الكاشف:7/566. لاحظ مجمع البيان: 49380 طبعة صيدا.

صفحه 359
تَطُلُّه ديمةُ رخاء، إلاّ هَتَنَتْ عليه مُزْنةُ بلاء، وحَريٌّ إذا أصبحتْ له منتصرةً، أنْ تُمسي له متنكّرةً، وإنْ جانبٌ منها اعذَوْذبَ واحلَوْلى، أمَرَّ منها جانبٌ فأَوبى!».1
الثاني: أن يفسر الكبد بالاستواء، أي خلق قائماً منتصباً بخلاف الحيوانات الأُخرى، فتكون الفقرة بمنزلة الامتنان عليه .
يلاحظ عليه: أنّه لا يناسب سياق الآيات.
الثالث: المراد شدّة الخلقة وقوّتها، قال الكلبي: نزلت هذه الآية في رجل من بني جُمح يكنّى أبا الأشد، وكان يجعل تحت قدميه الأديم العكاظي فيجتذبونه من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه.
يلاحظ عليه: أنّ التحدّث عن شخص شاذ نادر بعيد عن شأن القرآن .
ومن غريب القول تفسير الكبد بالتضاد بين العقيدة والعمل السائد بين المشركين، قال ابن عاشور: إنّ الكبد ]هو[ التعب الّذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدّد الآلهة، واضطراب رأيهم في الجمع بين ادّعاء الشركاء لله تعالى وبين توجّههم إلى الله بطلب الرزق وبطلب النجاة إذا أصابهم ضرر .2
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في الآية هو الإنسان الشامل للمؤمن والكافر، كما أنّه يعمّ الكافر غير المشرك والمشرك، فما معنى تخصيص الكبد بالقسم بالمشرك، على أنّه تفسير لا دليل عليه من الكتاب والسنّة. ولو

1 . نهج البلاغة: الخطبة 111.
2 . التحرير والتنوير: 30 / 310 .

صفحه 360
صحّ لزم أن يقال: «إن الإنسان لفي كبد». وهو يقول: لقد خلقنا الإنسان في كبد.
وأمّا ما هي الصلة بين المقسم به ـ أعني: البلد المقيم فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ووالد وما ولد (إبراهيم وإسماعيل) ـ والمقسم عليه ـ أعني: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَد) ـ ؟ فبيانه أنّه سبحانه حلف بالبلد لأجل احتضانه الرسول الأكرم، فيكون الحلف بالبلد حلفاً به في الواقع، وعندئذ تتّضح الصلة بينهما; لأنّ حياة النبي فيه، وهكذا حياة إبراهيم وولده إسماعيل كانت مقرونة بالتعب; أما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فواضح، وأمّا إبراهيم (عليه السلام)، فقد أخذ يكافح الوثنيين وعبّاد الأجرام السماوية، وهو في رَوْق شبابه، فقوبل بالتكذيب والجفاء والتهديد من أبيه(آزر) ومن قومه، ثم صدرت بحقّه عقوبة الإحراق بالنار، فأُلقي فيها، ولكنّ الله تعالى جعلها برداً وسلاماً عليه، وعند ذاك لم يجد إبراهيم بدّاً من مغادرة الوطن والهجرة إلى فلسطين، ولم يزل بها حتى أُمر بإسكان زوجه وابنه إسماعيل في بيداء قاحلة لا ماء فيها ولا زرع، يحكي سبحانه تلك الحالة عن لسان إبراهيم (عليه السلام) ويقول: (رَبَّنا إِنّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِوادغَيْر ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).1
سورة البلد: الآيات 5 ـ 7   
فحياة المقسم به ـ أعني: الأنبياء الثلاثة ـ من المصاديق الواضحة لخلق الإنسان في كبد.

1 . الأَقسام في القرآن الكريم (للمؤلف): 164 .

صفحه 361

الآيات: الخامسة والسادسة والسابعة

(أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ).

المفردات

لبداً: الكثير مأخوذ من تلبّد الشيء: إذا تراكب بعضه على بعض، قوله تعالى: (يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً)1: أي مجتمعين .

التفسير

المهم في المقام بيان النظم بين هذه الآيات وما قبلها، فالآيات السابقة أثبتت ـ مؤكّدة ـ على أنّ الإنسان خلق في مشقّة، وعندئذ يطرح السؤال التالي:
ما هي الصلّة بين قوله سبحانه: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَد)، وبين الآيات الثلاث:
1. (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ).
2. (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً).
3. (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ).
ويمكن بيانه بالنحو التالي:

1 . الجن: 19 .

صفحه 362
5. (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ):
وهو يحكي عن وجود إنسان يظن أنّه لن يقدر على عقابه أحد إذا عصى الله تعالى وارتكب القبائح، وبئس هذا الظن. كيف اغترّ صاحبه بقدرته مع أنّه سبحانه خلق الإنسان في كبد أي في ألم ومشقّة؟! فلو كانت له قدرة فليذبّ الآلام والمشاقّ عن حياته، فيكون قوله سبحانه: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَد)تمهيداً للردّ على هذا الزعم.
6. (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً) :
فهو يحكي عن وجود إنسان إذا قيل له أنفق في سبيل الله يقول مفتخراً متبجّحاً: أنفقت مالاً كثيراً، وهو يتصوّر أنّ أحداً غير واقف على عمله، وأنّه هل أنفق أو لم ينفق؟ وعلى فرض الإنفاق هل أنفق كثيراً أو قليلاً؟! وعلى فرض الكثرة هل أنفق في سبيل الله أو في سبيل الشيطان، كالرياء والسمعة؟! بل أسوأ من ذلك أنفقه في سبيل قتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
7. (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) :
وهو ردٌّ على قول القائل: (أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً)، وتنبيهاً له على أنّ الله ليس بغافل عمّا يعمل.
وبذلك اتّضحت الصلة بين كون خلق الإنسان في كبد وهذه الآيات الثلاث، وفي الوقت نفسه بعضها مع بعض .
سورة البلد: الآيات 8 ـ 10   
وحصيلة الكلام: أنّ المشركين في عصر الرسالة بين مَن ينكر المعاد

صفحه 363
وبالتالي العقاب، وبين من إذا قيل له: أنفق في سبيل الأيتام والمساكين وفي وجوه الخير، يُعرض عن قول القائل ويقول: صرفت مالاً كثيراً، والله سبحانه يحاكم كلتا الطائفتين، فيردّ على الأُولى: بأنّ الإنسان خُلق في مشقّة وألم، فكيف يدّعي القدرة؟ ويردّ على الطائفة الثانية بأنّ الله مُطَّلع على عمل الإنسان، فكيف يتصوّر أنّ عمله مخفيّ عن غيره ويزعم أنّ أحداً غير واقف على عمله؟
قال أمير المؤمنين(عليه السلام) وهو يُعظّم الله عزّ وجلّ: «مَن تكلَّم سَمِعَ نُطقَهُ، وَمَن سكتَ علِمَ سرَّهُ... كلُّ سرٍّ عندكَ علانيةٌ، وكلُّ غَيب عندكَ شهادةٌ»1.
روى ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «لا تزول قدما العبد حتّى يسأل عن أربعة ; عن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه، وفيما أنفقه، وعن عمله ماذا عمل به، وعن حبّنا أهل البيت(عليهم السلام) ».(2)

الآيات: الثامنة والتاسعة والعاشرة

(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَ شَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).

المفردات

النجْد: أصله العلوّ، ونجد بلدٌ سُمّي نجداً لعلّوه عن انخفاض تهامة، وكلّ عال من الأرض نجْد، والجمع نجود. وأكثر المفسّرين على أنّ المراد من النجدين:نجد الخير والشر.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 109 .   2 . مجمع البيان: 10 / 748 .

صفحه 364

التفسير

يذكر سبحانه في هذه الآيات نعماً أربع، وهي:
1. العينان. 2. اللسان. 3. الشفتان. 4. الهداية إلى النجدين .
فيقع الكلام أوّلاً: في أنّه لماذا خصّ هذه النعم من بين النعم الكثيرة الّتي أنعم بها على الإنسان؟ وثانياً: ما هي الصلة بين هذه النعم وما تقدّم من التنديد بقول المشركين ؟
أقول: لمّا كان المستفاد من قوله: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) أنّ بعض المشركين يظنون أنّ الله سبحانه في غفلة عمّا أنفق، فاقتضى الحال ردّ هذه الفكرة، وأنّه كيف يمكن أن يكون سبحانه غير عالم وواقف على ضمائرهم وحقيقة أعمالهم؟ كيف وهو قد جهّز الإنسان بما يبصر به فيحصل له العلم بالمرئيات، كما جهّزه باللسان والشفتين ليستعين بهما على التكلّم والدلالة على ما في ضميره من العلم ويهدي بذلك غيره إلى العلم بالأُمور الغائبة عن البصر، وعرّفه طريق الخير وطريق الشر بإلهام منه، أفيمكن أن يكون المعطي فاقداً للعلم والإدراك؟!
وبعبارة أُخرى: ليست الآيات في مقام بيان كلّ النعم أو معظمها على الإنسان، بل هي بصدد بيان النعم الّتي يدرك بها الإنسان خارج وجوده أو يستطيع أن يوقف الآخرين على ما في ضميره ووجدانه، فإذا كان الإنسان مجهزاً بهذه المزية، أفيصحّ أن يحسب الجاهل أنّ الله لا يحيط علماً بأعمال الإنسان وغاياته؟
وللسيد الطباطبائي هنا كلام جدير بالذكر، يقول: إنّ الله سبحانه هو

صفحه 365
الّذي يعرّف المرئيات للإنسان بوسيلة عينيه، وكيف يتصوّر أن يعرّفه أمراً وهو لا يعرفه؟! وهو الّذي يدلّ الإنسان على ما في الضمير بواسطة الكلام، وهل يعقل أن يكشف له عمّا هو في حجاب عنه؟! وهو الّذي يعلّم الإنسان ويميّز له الخير والشر بالإلهام وهل يمكن معه أن يكون هو نفسه لا يعلم به ولا يميّزه؟! فهو تعالى يرى ما عمله الإنسان ويعلم ما ينويه بعمله ويميّز كونه خيراً أو شرّاً وحسنة أو سيئة.1
وللرازي هنا كلمة، قال: يقول المشرك من ذا الّذي يحاسبني عليه؟ فقيل له: الّذي قدر أن يخلق لك هذه الأعضاء، قادر على محاسبتك.(2)
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى توضيح الآيات:
8 . (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ):
ليبصر بهما آيات حكمته.
9. (وَلِسَاناً وَ شَفَتَيْنِ ):
لينطق بها، فيبيّن باللسان، ويستعين بالشفتين على البيان.
10. (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ):
أي سبيل الخير وسبيل الشر، وإنّما سمّي طريقا الخير والشر «نجداً» لوضوحهما للعقول كوضوح الطريق العالي للأبصار، يقول سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)(3).

1 . الميزان في تفسير القرآن: 20/422.         2 . تفسير الرازي:31/183.   3. الإنسان: 3 .

صفحه 366
والآية دليل على كون الحسن والقبح أمرين عقليين، يقف عليهما الإنسان بإلهام من الله سبحانه.
سورة البلد: الآيات 11 ـ 20   

الآيات: العشر الأخيرة

(فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة * يَتِيًما ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَة * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ).

المفردات

اقتحم: الاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وهي المهالك والأُمور العظام، وفي المجمع: الاقتحام: دخول على صعوبة.1
العقبة: الطريق الّتي تُرتقى على صعوبة. قال الراغب: العقبة: طريق وعر في الجبل.(2)
مسغبة: المجاعة، يقال: سغب يسغب سغباً فهو ساغب: إذا جاع.
مقربة: القرابة.
متربة: قال الراغب: ذا لصوق بالتراب لفقره.2 وربّما يفسّر بالحاجة

1 . مجمع البيان:1/226.   2. المفردات للراغب:341، مادة «عقب».
2 . المفردات للراغب: 73، مادة «تراب».

صفحه 367
الشديدة من قولهم: ترب الرجل إذا افتقر.
مؤصدة: مطبقة، بمعنى لا يفتح بابُها.

التفسير

11. (فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ):
العقبة الّتي هي في اللغة الطريق الوعر، فاقتحامها كناية عن مجاهدة النفس في طريق إطاعة الله والاجتناب عن الهوى، ومعلوم أن طيّ هذا الطريق لا يخلو عن صعوبة كما لا يخلو طيّ العقبة عنها.
أي أنّ هؤلاء الكفّار أو المشركين ما اقتحموا العقبة في طريق الطاعة.
12. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ):
أي ما أدراك ما هي العقبة، ومن المعلوم أنّ هذه الصيغة (مَا أَدْرَاكَ)تستعمل للتعظيم، وقد ذكر سبحانه موارد خاصّة، عن طيّ هذه العقبة وهي الإنفاق في موارد فيها رضا الله:
13 ـ أ. (فَكُّ رَقَبَة):
أي تخليصها من الرقّ، وتحريرها من أسر العبودية.
14 ـ ب. (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة) :
أي مجاعة. وأمّا المُطعَم، فذكره فيما يلي.

صفحه 368
15 ـ ج. (يَتِيًما ذَا مَقْرَبَة) :
أي ذا قربى من قرابة الرحم أو النسب .
16 ـ د. (أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَة) :
أي فقيراً قد لصق بالتراب من شدّة ضره وفقره.
وما ذُكر يدلّ على عناية الإسلام بفك الرقبة، وإطعام الجائعين خصوصاً إذا كانوا ذوي قربى من اليتامى أو من المساكين في أيام القحط والمجاعة.
وحاصل الآيات أن من قال: (أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً) لا يقدّر إنفاقه بشيء إذا لم يكن عمله لله، وإنّما يقدّر الإنفاق إذا كان لله، ولأجل ذلك ردّ إنفاقه بقوله: أنّه ما فك رقبة، وما أطعم جائعاً يتيماً أو مسكيناً. فقوله سبحانه: (فَلاَ اقْتَحَمَ)جملة خبرية تحكي عن حال المشرك، ومن المعلوم أنّ طيّ هذا الطريق لمن لا يؤمن بالله سبحانه كطيّ العقبة فيه صعوبة.
(وسُمّيت هذه الأُمور عقبة، لأنّ الذي يتخطّاها، إنّما يغالب نوازع نفسه من الأثرَة، وحبّ المال، وإنّه ليس من السهل على الإنسان أن ينزع من نفسه الأنانية والأثَرَة، وحبّ المال، وإنّ ذلك ليحتاج إلى معاناة وجهد ومغالبة، حتى يقهر المرء هذه القوى التي تحول بينه وبين البذل والسخاء).1
17. (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ):
يقع الكلام في لفظة (ثُمَّ) فإنّها عاطفة عطفت الجملة الفعلية ـ أعني:

1 . التفسير القرآني للقرآن:16/1579.

صفحه 369
(كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا...)ـ على جملة فعلية أُخرى ـ أعني: (اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)ـ فمقتضى العطف عود النفي على المعطوف أيضاً فيكون المعنى: فلا اقتحم العقبة..، ولا كان من الذين آمنوا... الخ .
والآية بصدد بيان أنّ نشر الرحمة عن طريق فكّ الرقبة والإطعام في المجاعة، ليس كافياً في نجاة الإنسان، بل يجب أن يقترن اقتحام العقبة بالإيمان بالله حتّى تكون الأعمال لله ويقترن بالتواصي بالصبر، أي يوصي بعضهم بعضاً بالصبر على المعاصي والطاعات والمحن الّتي يُبتلى بها المؤمن، وأن يقترن أيضاً بالتواصي بالمرحمة أي يوصي بعضهم بعضاً بأن يعطفوا ويشفقوا على المحروم وصاحب الحاجة.
فإذا اجتمعت فيه هذه الأُمور يكون في عداد الموصوفين في الآية التالية.
18. (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) :
أي من الذين يأخذون كتبهم يوم القيامة بأيمانهم، أو أنّهم من أصحاب اليمن والبركة على أنفسهم .
19. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ):
أي أنّ الذين كذّبوا أنبياءنا (هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ) وفيه أيضاً الوجهان الماضيان، أي يأخذون كتبهم بشمائلهم، أو أنّهم من أصحاب الشؤم على أنفسهم.

صفحه 370
20. (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ) :
بيان عاقبة الكافرين، وأنّ النار مطبقة عليهم. فهؤلاء يساقون إلى جهنم زمراً حتّى إذا جاءُوها فتحت لهم أبوابها، فإذا دخلوها أطبقت عليهم، ويبقون فيها إلى ما لا نهاية له .
ثم إنّ الله سبحانه خصّ الإطعام في أيّام المجاعة، بالذكر ; لأنّ الإنفاق فيه أثقل على النفس وأفضل عند الله، وقد ورد في حق آل البيت(عليهم السلام)أنّهم أطعموا المسكين واليتيم والأسير في حال حبِّهم للطعام وكونهم جائعين، كما يحكي عنهم قوله تعالى: (وَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيًما وَ أَسِيراً)1.
وهنا نكتة وهي أنّه سبحانه خصّ من مظاهر الرحمة، فك الرقبة، ولاشكّ أنّ المراد هو العتق، لكن إذا نهض إنسان وتحمّل مصاعب وعقبات حتّى وفِّق لتحرير البلاد والعباد من الاستعمار، فلاشكّ أنّ عمله هذا أكثر ثواباً من فك الرقبة، فالمصلحون في المجتمع الإنساني هم كالشموع المنيرة أذابوا أنفسهم في طرد الاستعمار عن الأوطان، وقد كابدوا المحن والصعاب في طريق هدفهم، وعلى رأسهم الأنبياء والأولياء والعلماء المجاهدون.
***
تمّ تفسير سورة البلد

1 . الإنسان: 8 .

صفحه 371

سورة الشمس

(وَالشَّمْسِ وَ ضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَ مَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَ مَا طَحَاهَا * وَنَفْس وَ مَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا) .

صفحه 372
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت في المصاحف وكتب التفسير بسورة (الشمس)، وفي صحيح البخاري سمّيت بسورة (وَالشَّمْسِ وَ ضُحَاهَا)1، ولإظهار الفرق بين هذه السورة وسورة (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) سُمّيت الثانية بسورة التكوير.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها ست عشرة آية في العدّ المكّي، وخمس عشرة في عدّ الباقين، والاختلاف في لفظة «فعقروها» فمن وصلها صار العدّ عنده خمس عشرة، ومن فصلها صار العدّ عنده ست عشرة.
والسورة مكّية كما يحكي عن ذلك مضمونها وصياغتها.

أغراض السورة

إنّ السورة تركّز على تزكية النفس بما ألهمها ربُّها من التقوى والفجور، في مقابل مَن دسّى نفسه، ثم إنّه سبحانه أتى بمثال ممّن دسّى نفسه بالطغيان.
سورة الشمس: الآيات 1 ـ 8   

1 . صحيح البخاري: 1268 ، كتاب التفسير.

صفحه 373

الآيات: الثمان من أوّل السورة

(وَالشَّمْسِ وَ ضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَ مَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا).

المفردات

ضحاها: يعني ضحى الشمس، وهو صدر وقت طلوعها، وضحى النهار صدر وقت كونه.1 وقال الراغب: الضحى: انبساط الشمس وامتداد النهار .2
والأَولى أن يقال: هو انبساط نورها وضوئها، فإنّ لضوئها دوراً أساسياً في نشوء الحياة، وبقائها، والفتك بالأمراض وزوالها.
وعلى كلّ تقدير، فالصبح هو عبارة عمّا بين الطلوعين، وأمّا الضحى فهو عبارة عن شباب النهار، وهو النصف الأوّل من نصف النهار، فلو كان النهار اثنتي عشرة ساعة، فالنصف الأوّل منه ست ساعات، وهو الضحى.
جلاّها: أظهرها وأبرزها للعيان.
يغشاها: الغشاوة ما يغطى به الشيء، قال سبحانه: (وَ إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )3 .

1 . التبيان في تفسير القرآن: 10 / 357 .
2 . المفردات للراغب: 292، مادة «ضحى».
3 . لقمان: 32.

صفحه 374
طحاها: الطحو كالدحو وهو بسط الشيء، قال سبحانه: (وَ الأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)1 .
والأَولى أن يقال: بسط الشيء للسير والجلوس والاضطجاع.
سوّاها: من المساواة وهي المعادلة المعتبرة في الزرع والوزن والكيل، يقال: هذا ثوب مساو لذلك الثوب.
ثم إنّه يستعمل الاستواء في اعتدال الشيء في ذاته، ومنه قوله سبحانه: (الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ)2: أي جعل خلقتك على ما اقتضت الحكمة، وتسوية النفس إشارة إلى التقوى الّتي جعلها مقوّمة للنفس، فنسب الفعل إليها.
ألهمها: الإلهام: إلقاء الشيء في الرُّوع، وربّما يعبر عنه بالنفث في الرُّوع.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ روح القدس نفث في رُوعي»3.

التفسير

هذه السورة سورة بديعة بين نظائرها حيث افتتح الكلام فيها بأحد عشر قَسَماً لأمر واحد، وهو قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) وأمّا عناوين الأقسام فهي كالتالي:

1 . النازعات: 30 .
2 . الانفطار: 7 .
3 . المفردات للراغب: 455، مادة «لهم».

صفحه 375
1. الإقسام بالشمس .
2. الإقسام بضحى الشمس .
3. الإقسام بالقمر .
4. الإقسام بالنهار .
5. الإقسام بالليل.
6. الإقسام بالسماء.
7. الإقسام بما بناها.
8. الإقسام بالأرض.
9. الإقسام بما طحاها.
10. الإقسام بالنفس .
11. الإقسام بما سوّاها.
بناءً على أنّ «ما» في الجميع موصولة، وكناية عن الخالق سبحانه.
وقد أقسم بهذه الأُمور العظام لتتأكد عنايته بجوابه، وهو أنّ الفلاح نصيب من زكّى نفسه، وأنّ الخيبة والحرمان نصيب من دسّاها.
إذا علمت ذلك فيقع الكلام في مفاد المقسم به وسرّ الإقسام بها أوّلاً، وما هي الصلة بين الإقسام بهذه الأُمور وجواب القسم أعني: الفلاح أو الخيبة؟ وقد اهتمّ المفسّرون بالأمر الأوّل، ولم يولوا عناية للأمر الثاني، وإليك التفصيل.

صفحه 376
1. (وَالشَّمْسِ وَ ضُحَاهَا) :
أقسم سبحانه بالشمس من حيث هي، ظهرت أم احتجبت لأنّها خلق عظيم ثم أقسم بضيائها، لأنّ الحياة الموجودة في الأرض تعتمد ـ بجميع صورها ـ على ما ترسله الشمس من حرارة وضوء ، وبذلك علم لماذا أقسم بشيئين: نفس الشمس ـ لعظمتها ـ وضوء الشمس لتأثيره في بقاء الحياة، فإن الشمس إذا ارتفعت تبسط ضوءها على البسيطة فينشط بضوئها الحيوان والإنسان والنبات وكلّ ذي حياة. ويكفي في عظمة الشمس: أنّه النيّر الكبير الّذي له دور هام في استقرار الحياة على الأرض وهو مصدر للنور والحرارة إلى غير ذلك من المعطيات ، وهو سلطان منظومتنا، وله حركة انتقالية وحركة وضعية، ويعجز البيان واللسان عن بيان ما له من الأهمية، ويكفيك انّه ينتج في كلّ دقيقة 240 ميليون وحدة طاقة، ولم تزل الشمس ترفد بهذا العطاء على الرغم من أنّ عمرها يتجاوز الخمسة آلاف ميليون سنة.
هذه الشمس التي ما زالت أسرارها في الخفاء، هي محور نظامنا السيّاري ومصدر حياتنا أيضاً، هذه الشمس التي كلّ ما يكتشف عنها يزيدها غموضاً، ولم تُزِح يدُ العلم بعدْ النقاب عن كلّ ما يجب أن نعلمه عن الشمس، هذه الشمس التي تفقد أربعة ملايين طن من وزنها في الثانية من احتراقها، ولم تزل تجدّد وزنها وحجمها، والتي تبعث إلى العالم الخارجي طاقة تعادل خمسة آلاف بليون قنبلة ذرية في كلّ ثانية، هي آية من آيات الخالق، وما هي إلاّ آية صغيرة، حيث تزخر السماء بملايين من النجوم أضخم منها حجماً وأكبر سرعة وأكثر تألّقاً، ولكنّها ذات أهمية بالغة للإنسان،

صفحه 377
تفوق أهمية النجوم الأُخرى، فبدون حرارة الشمس وضوئها، لا يمكن أن توجد حياة في الأرض . 1
2. (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا) :
هو قسم آخر، قسم بالقمر إذا تلا الشمس، إنّما الكلام فيما هو المراد من تلو القمر للشمس؟ هاهنا احتمالان:
هلال كلّ شهر يظهر بعد غروب الشمس، ثم يغيب بعد دقائق.
وهناك احتمال آخر وهو أن يكون المراد ليلة البدر، حيث يطلع القمر بعد مغرب الشمس، والله سبحانه يقسم بهذا المنظر الرائق للقمر حين يتلو الشمس بالطلوع. لقد أقسم بالقمر، لأنّه المصباح الوحيد في ظلام الليل في البحار والصحاري، والميقات الطبيعي لعامّة الناس حضريّها وبدويّها .
قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً )2 .
وقال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)(3).
3. (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا) :
ولاشكّ أنّ النهار مبتدأ خبره ( إِذَا جَلاَّهَا) والفعل في الخبر يشتمل على فاعل مستتر ومفعول ظاهر، فالضمير المستتر يرجع إلى النهار والضمير المتصل يرجع إلى الشمس، ويكون المعنى: أُقسم بالنهار إذا جلّى النهارُ الشمسَ.

1 . أنظر: الأقسام في القرآن الكريم: 166 .
2 . يونس: 5 .   3 . البقرة: 189.

صفحه 378
وعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد من تجلية النهار الشمس، مع أنّ النهار ليس مجلّياً للشمس، بل الشمس هي الّتي تجلّي النهار؟
ومع ذلك يمكن تصحيح هذا الاحتمال بالبيان التالي; وهو أنّ الشمس