welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 29*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 29

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 29
 
(الجزء 29)

صفحه 2

صفحه 3
29   
 
يشتمل على تفسير الجزء التاسع والعشرين
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزي، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
      30ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 509 - 0(VOL.29)
ISBN 978 - 964 - 357 - 525 - 0(30VOL.SET)
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه، به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 492
1392
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 786   تسلسل الطبعة الأُولى: 407
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله الذي يحقّ الحقّ ويزهق الباطل، وصلاته وسلامه على خاتم أنبيائه وأشرف رسله محمد وآله الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فهذا هو تفسير الجزء التاسع والعشرين من أجزاء القرآن المجيد، نقدّمه إلى القرّاء الكرام مع تفسير الجزء الثلاثين، والثامن والعشرين .
وأمّا عن خصائص هذا التفسير ـ مع أنّ التفاسير في الدنيا بلا عدد... ـ فأهمّها أنّه تفسير تعليمي يسعى لتعريف قاعدة كبيرة من القرّاء الأعزّاء بمفاد الآياتِ ومقاصدها، كما يسعى لبيان الصلة بين آيات السورة كاملة، ومع ذلك فلم يفُتْه التعرّض إلى مباحث عقَدية وتاريخية، مستفادة من الآيات أو ما نقل حولها، ببيان موجز.
وتضمّن هذا التفسير أيضاً الإشارة إلى بعض ما كشف عنه العلم الحديث من بدائع الخلق، دون أن نُخضع الآيات للكشوفات العلمية، وإنّما بتسليط الضوء عليها، وإبراز انسجامها مع تلك الآيات.

صفحه 8
وقد ذكرنا في مقدّمة الجزء الثامن والعشرين الأسباب التي حملتنا على البدء بتفسير الأجزاء الأخيرة من الذكر الحكيم وقلنا: إنّ ذلك لمزايا وخصائص دعتنا أن نقدّمها على غيرها من سائر الأجزاء ومن تلك الخصائص أن أغلب سور هذه الأجزاء مكيّة نزلت في بدء البعثة أو قريباً منه، وهي تعكس لنا الثقافة السائدة بين المشركين في مكّة وما حولها، وتبيّن لنا كيف واجه الذكر الحكيم هذه العقائد الباطلة والأفكار المنحرفة، التي ستجعل القارئ بالاطلاع عليها يعيش تلك الاجواء التي نزل فيها القرآن الكريم في صدر البعثة النبوية.
إلى غير ذلك من المميزات والخصائص .
أسأل الله سبحانه أن يوفّقنا لتفسير بقية الأجزاء، وأن يجعل ما بذلناه من جهد خالصاً لوجهه الكريم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين
جعفر السبحاني
قمّ المقدّسة
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 9
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 29
سورة الملك
(تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ * وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ * وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْء إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل كَبِير * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ * إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ

صفحه 10
بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَآءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَآءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء بَصِيرٌ * أَمْ مَنْ هَذَا الذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُور * أَمْ مَنْ هَذَا الذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوّ وَنُفُور * أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * قُلْ هُوَ الذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذاَ الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَني اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب أَلِيم * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَل مُبِين * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَعِين).

صفحه 11
سورة المُلك: خصائص السورة   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في التفاسير بسورة «المُلك»، وفي صحيح البخاري سُمّيت بسورة (تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ).1
وربما تُسمّى بالمُنجيَة، لأنّها تنجي صاحبها من عذاب القبر.
وربما تُسمّى الواقية، لما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أنّها الواقية من عذاب القبر».2

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها في عدّ المدني ثلاثون آية، وفي عد المكّي إحدى وثلاثون، ومحل الاختلاف قوله تعالى: (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا)فمن وقف على (نَذِيرٌ) فعدّهما آيتين، ومن وصل فعدّهما آية واحدة.
والسورة مكيّة بشهادة مضامينها.
وقد شذّ من قال أنّ جميع السورة مدنيّ، ولذا وصفه السيوطي بأنّه قول غريب.3

1 . صحيح البخاري: 1254، برقم 67، كتاب التفسير.
2 . مجمع البيان:9/71.
3 . الإتقان في علوم القرآن:1 / 39، دار ابن كثير، 1407 هـ .

صفحه 12

أغراض السورة

تركّز السورة على أمرين:
1. توحيد الربوبية وأنّه ليس للعالم إلاّ ربّ واحد خلافاً للوثنية التي تجعل لكلّ شطر من العالم ربّاً وتجعل الله ربّ الأرباب.
2. بيان المعاد وأنّ العلم بوقته مخزون عند الله.
وهذان هما المحوران الرئيسيان في السورة، وأمّا سائر المضامين فترجع إليهما فلا حاجة إلى سردها، لما سيأتي تفصيله.
سورة المُلك: الآيات 1 ـ 5    

الآيات: الخمس الأُولى

(تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ *الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَ هُوَ حَسِيرٌ * وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَ جَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ).

المفردات

تبارك: من البركة وهي زيادة الخير ووفرته، فيكون معنى «تبارك الشيء» أي كثرت خيراته ووفرت نعماته.
طباقاً: مصدر طوبقت طباقاً فهو مطبق بعضها على بعض كطبقات البناء.

صفحه 13
تفاوت: الاختلاف والتباعد بين الشيئين. والظاهر أنّه مأخوذ من «تفوّت»: حصل فيه عيب ونقص .
فطور: الشقوق والصدوع، من الفَطْر وهو الشقّ.
كرّتين: الكرّ: العطف على الشيء بالذات أو بالفعل، ويقال للحبل المفتول: كرٌّ، وحاصله العود إلى شيء بعد الانفصال عنه، ككرّة المقاتل يحمل على العدوّ بعد أن يفرّ فراراً مصنوعاً.
خاسئاً: ذليلاً صاغراً.
الحسير: الكليل.
رجوماً: الرجم: الرمي بالرجام، والرجام هو الحجارة.
السعير: النار المسعرّة.
أعتدنا: الاعتداد: التهيئة.

التفسير

1. (تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):
التوحيد في الربوبية من أُصول التوحيد، وربما تفسّر الربوبية بالخالقية وهو تفسير خاطئ، فإنّ التوحيد في الخالقية غير التوحيد في التدبير، وكان مشركو الجاهلية يوحّدون الله تعالى في الخالقية، دون الربوبية.
توضيح ذلك: أنّ للتوحيد مراتب متعدّدة نخصّ بالذكر منها المرتبتين التاليتين:

صفحه 14

1. التوحيد في الخالقية

ويُعنى بذلك: أنّ الكون برمّته مخلوق لله سبحانه وذلك لأنّ الممكنات فقيرات بالذات لا تملك شيئاً من الوجود، فلو وجدت فإنّما هو بإيجاد الله سبحانه.
ثمّ إنّ خالقيته سبحانه إنّما هي نابعة عن ذات مستقلة لا تعتمد على شيء، فهو يوجِد الأشياء من العدم بلا اكتساب من مقام أو طلب نصر من شخص، فهذا النوع من الخالقية يختصّ بالله سبحانه، وهذا لا ينافي خالقية بعض الممكنات بإقدار من الله واعتماد عليه، ولذلك وصف سبحانه ذاته بقوله:(فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)1 ومعنى ذلك أنّ هنا خالقاً أو خالقين ولكنّه أحسنهم، لماذا؟ لأنّه مستقل في خالقيته، وأمّا غيره فبإمداد وإقدار منه سبحانه، ولذلك نرى أنّه سبحانه ينسب الخلق إلى المسيح ويقول: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي)(2) وخالقية المسيح بجعل منه سبحانه، حيث أقدره على الخلق لكن بقدرة في طول قدرة الله تبارك وتعالى.
وبذلك يُعلم أنّ أفعال العباد مخلوقة للعباد وفي الوقت نفسه لله سبحانه، أمّا أنّها مخلوقة للعباد، فلأنّ قسماً من الأفعال قائم بالأعضاء، لا يمكن أن يستند مباشرة إلى غيره، فالشرب والأكل والضرب قائمة بأعضائه، فزيد هو الآكل والشارب والضارب، ومع الوصف منسوب إلى الله لأنّه هو الذي أعطى القدرة لزيد وأقدره على إيجاد أفعاله، وهذا ما يعبَّر عنه بالأمر بين الأمرين.

1 . المؤمنون:14.   2 . المائدة:110.

صفحه 15

2. التوحيد في الربوبية

وهو عبارة عن تدبير العالم بعد خلقه وإيجاده، فإنّ الإيجاد شيء وبقاء العالم تحت السنن الإلهية شيء آخر. فالله سبحانه خالق ومدبّر، ولذلك تكرر حصر التدبير بالله في القرآن العزيز، قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ)1.
وحصر التدبير بالله هو من آثار حصر الخالقية به، إذ أنّ التدبير الأصيل المستقل غير المعتمد على شيء، مختصّ بالله سبحانه، فبما أنّه سبحانه خالق فهو مدبّر أيضاً وهذا لا ينافي وجود التدبير بين الأسباب والمسبِّبات، لأنّ تدبير الممكنات بإذن من الله سبحانه وسنّة من سننه ولذلك يقول: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)(2).
وبهذا تبيّن أنّ التوحيد في الربوبية غير التوحيد في الخالقية، نعم وقع الخلط بينهما في كلمات الوهابيين، بدءاً من محمد بن عبد الوهاب وانتهاء بأتباعه المعاصرين، فهم يطلقون التوحيد في الربوبية ويعنون به الخالقية، مع أنّ الربوبية مأخوذة من الربّ، والربّ هو الصاحب، وربّ البيت أو ربّ المزرعة يدبّر أُمورهما وليس له دخل في الخلق.
ثمّ إنّ كثيراً من الوهابيين يخصّون شرك العرب في عصر الرسالة في الأُلوهية (يعنون العبادة) فقط، قائلين بأنّهم كانوا موحّدين في سائر مراتب التوحيد، ولكنّه رأي خاطئ، والقرآن يدلّ على أنّهم كانوا مشركين في أمر الربوبية، بشهادة الآيتين التاليتين:
1. قال سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)(3).

1 . يونس:3، ولاحظ: يونس:31، الرعد:2، السجدة:5.         2 . النازعات:5.   3 . مريم:81.

صفحه 16
2. قال سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)1. فكانوا يطلبون العزّ والنصرة من آلهتهم وهما من شؤون التدبير.
***
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآية، فقوله سبحانه :(تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) جملة خبرية إمّا أُريد بها الإخبار عن شأن الربّ الذي بيده الملك، فيكون المعنى: كثرت ووفرت خيرات من بيده الملك.
أو أُريد بها الإنشاء، لتكثر ولتتوفّر خيرات من بيده الملك، نظير قوله:(اَلْحَمْدُ للهِ رَبّ الْعَالَمين).
ولو قيل بجواز استعمال الهيئة في أكثر من معنى، يراد بها كلا المعنيين.
ثمّ إنّ الملك بإطلاقه يشمل كلّ ملك، وجعل الملك في يده استعارة عن كمال تسلّطه عليه وكونه متصرّفاً فيه كيف يشاء كما يتصرّف ذو اليد بما بيده ويقلّبه كيف يشاء، فهو تعالى يملك بنفسه كلّ شيء، ويملك ما يملكه كلّ شيء.(2)
وهذا لا ينافي أن تكون لغير الله سبحانه سلطة وتصرّف وقدرة، فالذرة، مثلاً، تختزن طاقة هائلة، ولكن قدرتها هذه ليست في قبال قدرة الله إلاّ كنسبة الصفر إلى الأعداد، إذ هي لا تملك القدرة إلاّ بتمليك الله سبحانه.
ومثل الذرة سائر الموجودات الممكنة إذ لكلٍّ حول وقوة وبطش، فالكلّ يحمل القدرة والتصرّف لكن بإقدار من الله سبحانه، فحصر التصرّف بالله والقدرة به لا ينافي وجود القدرة والتصرّف في الممكنات.
وبما ذكرنا يتبيّن أنّ اليد في قوله: (بِيَدِهِ الْمُلك) تعني التسلّط الكامل

1 . يس:74.   2 . الميزان في تفسير القرآن :19/348.

صفحه 17
مجازاً لا العضو العنصري، وليس هذا أمراً بديعاً فقد شاع بين العرب قولهم: ما لي بهذا الأمر من يد، أي ما لي بالقيام بهذا الأمر من قدرة وسلطة، والمجاز أمر شائع في القرآن الكريم، ولا يمكن لأحد أن ينكره، إذ كيف يمكن تفسير قوله سبحانه:(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَ أَضَلُّ سَبِيلاً)1.
فهل يمكن أن يقال: إنّ كلّ مكفوف البصر سيُحشَر يوم القيامة أعمى، فلا مناص من القول: إنّ قوله تعالى هذا هو استعارة، وهو كناية عن الكفر حيث إنّه كان مطموس القلب ومعدوم البصيرة.
كما أنّه سبحانه ينسب معاصيَ العباد إلى أيديهم ويقول:(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَـتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ)(2)، ومن المعلوم أنّ قسماً من المعاصي يُكتسب باليد، وقسماً منها يجترحها اللسان والأُذن والعين وغير ذلك، ومع ذلك نُسبت كلُّها إلى اليد، في الإنسان، وما ذلك إلاّ لأنّ اليد هي مظهر العمل ومنشأ التصرّف، ومعناه أنّ هذه المعاصي هي التي اكتسبتموها بقدرتكم واختياركم وإرادتكم.
ثمّ إنّه سبحانه علّل عموم سلطته بقوله:(وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)، فقدرته على كلّ شيء دليل على عموم سلطته; لأنّ القصور في السلطة كاشف عن القصور في القدرة.
2 . (الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ):
إنّ الله سبحانه وصف نفسه في الآية السابقة بوصفين:

1 . الإسراء:72.   2 . آل عمران:182.

صفحه 18
1.(بِيَدِهِ الْمُلْكُ).
2. (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) .
ووصف نفسه في هذه الآية بوصفين آخرين وهما:
1. (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)للابتلاء.
2. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).
كما أنّه يصف نفسه في الآية الثالثة بأنّه خالق سبع سماوات طباقاً.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ السورة مكيّة، لأنّ بيان هذه المفاهيم أنسب بالمجتمع المكّي دون المدني.
إذا عرفت ذلك فلنعد إلى تفسير الآية.
قوله تعالى:(الّذي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) يدلّ على أنّه سبحانه يخلق الموت كما يخلق الحياة، وربما يُتصوَّر أنّ الموت أمر عدميٌّ لا يتعلّق به شيء.
ولاشكّ في أنّ تفسير الموت بهذا المعنى، هو تفسير عرفي، وأمّا الموت في القرآن الكريم فعبارة عن الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أُخرى، فالموت ليس بمعنى فناء الإنسان بل تجاوزه من حياة أدنى إلى حياة أفضل، قال سبحانه: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)1.
وللإمام الحسين بن علي(عليهما السلام) كلام نوراني حول الموت لا بأس بذكره، قال(عليه السلام) مخاطباً أصحابه المُقدِمين على الشهادة: «صبراً بني الكرام، فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة،

1 . الواقعة:60.

صفحه 19
فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر، وما هو لأعدائكم إلاّ كمن ينتقل من قصر إلى سجن عذاب، إنّ أبي حدّثني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جناتهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كُذّبت ولا كذبت».1
ولمّا ذكر سبحانه في الآية المتقدّمة أنّ بيده التصرّف في الملك، وأنّه على كلّ شيء قدير، ذكر من مظاهر التصرّف في الملك، خلق الموت والحياة لأنّهما من أهم مظاهر القدرة وأبرزها، والتي تهمّ الإنسان المخاطب بهذه الآيات، فالله تعالى لم يخلقه سُدى بل خلقه لغاية، كما في قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) فمنهم من يعمل الصالحات وهؤلاء هم الذين يكونون أحسن عملاً، ومنهم من يعمل الطالحات فيصيرون أقبح عملاً، فصار خلق الموت والحياة مقدّمة للابتلاء والامتحان، وليس الخلق أمراً سُدى كما يقول: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ).2
نعم يقع الكلام في أنّه سبحانه عالم بالغيب والشهادة، وعالم بمصائر الناس، فما هو السبب الذي يدعو إلى الابتلاء؟
والسؤال مبنيّ على تفسير الابتلاء بالمعنى المعهود في الأذهان، حيث يلجأ الناس إلى الاختبار للكشف عن حقيقة الأُمور، فلو أراد أحدهم، مثلاً، أن يشارك معه آخر في أمر التجارة وهو أمر قائم على الأمانة، فإنّه يقوم باختبار الشريك، قبل الشركة، ليقف على مدى أمانته، والابتلاء بهذا المعنى محال في حقّه سبحانه.

1 . تحف العقول:53 ; بحارالأنوار:6/154.
2 . المؤمنون:115.

صفحه 20
بل المراد من الابتلاء في المقام، هو تهيئة الأسباب ليخرج ما بالقوة إلى الفعلية، فالإنسان المتّقي ذو قوة واستعداد لأن يدرج مدارج الكمال ويصل في الإخلاص إلى قمّته وفي العبودية إلى منتهاها، كما أنّ لغير المتّقي استعداداً للشرّ والغواية، والخروج عن زيّ الرِّقيّة ورسم العبودية.
والله سبحانه عارف بمصير الكلّ بَيْد أنّ كلاًّ من الأمرين مخبوء ومستور ، فالله سبحانه يهيّيء الأسباب ليخرج كلّ ما في وجوده من الملكات إلى الفعل، وهذا ما نلمسه في قصة إبراهيم(عليه السلام) فالله سبحانه يعبّر عن وقوعه في مسير الشدائد والمصاعب بالابتلاء ويقول: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات)1، ويقول في موضع آخر: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ)(2) مشيراً إلى أنّ بطل التوحيد خليل الرحمن (عليه السلام)كان يحمل في قلبه الإخلاص لله سبحانه والعبودية له، لكن بصورة قوّة كامنة في وجوده، وإنّما انتقلت من
القوّة إلى الفعلية بابتلائه بذبح ولده إسماعيل، حتى وافاه النسخ بقوله:(قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ)2، فابتلاء الناس يهدف إلى غاية فضلى سامية وهي إظهار ما هو مخزون إلى عالم الواقع . فبما أنّ الإنسان يبني شخصيته بأعماله وأفعاله، يكشف القرآن الكريم عن غاية الابتلاء بقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً).
ثمّ إنّه سبحانه جعل الميزان حُسنَ العمل لا كثرته، إذ رُبّ كثير خال عن الإخلاص ورب قليل محفوف بالاخلاص، فالأوّل لا يداوي جرحاً، وأمّا الثاني فيبني شخصية لها قيمة عند الله تبارك وتعالى.

1 . البقرة:124.   2 . الصافات:106.
2 . الصافات:105.

صفحه 21
روى الطبرسي، قال أبو قتادة: سألت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن قوله تعالى:(أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ما عنى به؟ فقال: يقول: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَقَلاً، ثم قال: أتمّكم عقلاً، وأشدّكم لله خوفاً، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظراً، وإن كان أقلَّكم تطوّعاً.1
وروى عن ابن عمر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه تلا قوله تعالى:(تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) إلى قوله: (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ثم قال: «أيّكم أحسن عقلاً، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله».(2)
وروى الكليني بإسناده عن سفيان بن عُيينة، عن الإمام الصادق(عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ :(لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) قال: «ليس يعني أكثر عملاً، ولكن أصوبكم عملاً، وإنّما الإصابة خشية الله والنيّة الصادقة ـ ثم قال: ـ الإبقاء على العمل حتى يخلص، أشدّ من العمل، والعمل الخالص : الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلاّ الله عزّ وجلّ».2
وإنّما جعل الميزان في تفسير النبي للآية هو حسن العقل وكماله، لأنّهما يدعوان إلى إتقان العمل وحسنه الذي هو الميزان لتقييم العمل.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ العبرة بالكيفية لا بالكمية، ولذلك ورد في الروايات: «تفكّر ساعة أفضل من عبادة سنة».3
ومن المعلوم أنّ المراد بها العبادة الخالية عن التفكّر.
قوله سبحانه:(وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) هذان وصفان لله سبحانه يُراد بهما

1 . مجمع البيان:10/74.          2 . مجمع البيان:10/74.
2 . الكافي:2/16، برقم 4 .
3 . مستدرك الوسائل:11/183، عن تفسير العياشي:2/208.

صفحه 22
أنّه العزيز الذي لا يعجزه مَن عصى، الغفور لمن تاب منهم في معرض الابتلاء.
3 و 4. (الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ):
وردت في هاتين الآيتين صفتان لله سبحانه الذي بيده الملك، وهما من آثار كونه قادراً على كلّ شيء، وهما:
1. الإبداع في الخلق، ويدلّ عليه قوله سبحانه: (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا)، أي كلّ واحدة فوق الأُخرى، أي مرتفعة بعضها فوق بعض.
2. إتقان الصُّنع، ويدلّ عليه قوله سبحانه: (مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت) فكلّ مَن دقّق النظر في السماوات السبع لا يرى فيهنّ عيباً ولا اختلافاً في إتقان الصنع، بل يرى التناسق والانسجام التام.
فالنظام السائد في السماوات نظام انسجام وترابط، دون أن يكون فيه خلل، وكلّ يعاضد الآخر، فالكائنات رغم الاختلاف في طبائعها وآثارها كلّها متلائمة متناسقة، وهذا يدلّ على وجود خالق واحد ومدبّر فارد. فمَن فتح عينيه على السماء فتحاً علمياً يرى أنّ النظام السائد نظام ترابط وتفاعل دون اصطدام واحتكاك، وكلٌّ يدرك ذلك حسب علمه وشعوره، ولذلك يأمر كلّ الناس بقوله:(فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور) أي من شقٍّ وانصداع، بل تراها ملتئمة محبوكة لا يُرى خلالها انشقاق.
نعم إذا قامت القيامة تكون السماوات منفطرة ومنشقّة، كما قال

صفحه 23
سبحانه:(إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)1، ويقول:(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ).(2)
ثمّ إنّه سبحانه أكّد ما حضّ عليه من ترديد النظر في السماء، بمعاودة النظر فيها مرّة بعد أُخرى.. وكرّة بعد كرّة، حتّى يقف الناظر على أنّ ما أدركه من الانسجام والوحدة كان أمراً صحيحاً، ولذلك يقول:(ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ)ولعلّ المراد الكرّة بعد الكرّة إلى أن يتبيّن له الحق، وأنّ النظام السائد في السماوات نظام متقن، ومثله لا يصدر إلاّ عن فاعل عالم قادر حكيم.
فلو أعاد النظر كرّة بعد أُخرى حتى يجد في النظام خللاً أو عيباً فإنّه سوف يرجع خائباً حسيراً; لأنّه لا يجد ما كان يتوقعه، ولذلك يقول:(يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا)أي: خائباً لا يجد ما يطلبه(وَهُوَ حَسِيرٌ) أي عييٌّ وتعب، إذ أنّ دوام التأمّل والفحص مدّة مديدة يصير سبباً للتعب والكلل والخسران ، والإنسان الناظر في السماء ليل نهار، لمّا لم يجد إلاّ دقّة الصنع وإتقانه ولم يجد خللاً ولا نقصاً في صغره إلى كبره، يكلّ فكره ويتعب.
إنّ الذكر الحكيم يؤكّد على عدم التفاوت بمعنى العيب والنقص في خلق الرحمن، وقد ركّز المفسّرون على عدم وجود التفاوت في الموجودات السماوية، ولكن التعبير القرآني أوسع من ذلك حيث يقول: (ما تَرى في خَلْقِ الرَّحمن) من غير فرق بين الموجودات الأرضية والسماوية، ولذلك فإنّ التوازن في الكون يعتبر من أهم أدلّة التوحيد، وهذا ما يتّضح بالبيان التالي:
فالناظر إلى عالم الطبيعة يرى بوضوح توازناً دقيقاً ومحسوباً بين الأشياء والأحياء، كما يرى أنّ كل شيء قد قُدِّر تقديراً دقيقاً، فثمّة مقاييس ثابتة، ومقادير متناسبة للحياة، ونسب مئوية معيّنة لدرجة أنّ أبسط تغيير في

1 . الانشقاق:1.   2 . الانفطار:1.

صفحه 24
هذه النسب يمكن أن يغيّر وجه الطبيعة ويجعلها غير مناسبة لاستمرار الحياة وبقاء الأحياء.
إنّه يرى تبادل الحاجات بين الكائنات في هذه الطبيعة حتّى كأنّ الكون عائلة واحدة يكمّل كلّ عضو فيه العضو الآخر، ويعطيه ما يريد، ويأخذ منه ما يحتاج، ويمنع أحدهما الآخر من تجاوز حدوده، كما تفعل أعضاء العائلة الواحدة.
إنّ هذا التوازن والضبط لمن أوضح الأدلّة على أنّ هناك مبدعاً، قادراً، خبيراً، وأنّ هناك خالقاً مدبّراً عالماً هو الّذي أوجد هذا النظام، وأوجد هذه القوانين المتمثلة في هذا التوازن المحكم والانضباط العظيم في عالم الكائنات.
ونأتي هنا بمثال وهو أنّ عملية التركيب الضوئي التي تقوم بها النباتات ـ نهاراً ـ يدخل فيها غاز ثاني أوكسيد الكاربون كعامل أساسي، ونتيجة لهذه العملية تطلق النباتات غاز الأوكسجين.
كما أنّ الحيوانات والنباتات جميعاً تطرح غازثاني أوكسيد الكاربون نتيجة تنفسها ليل نهار، حيث تأخذ الأوكسجين من الجوّ، فتحرق به الطعام لإطلاق الطاقة للنموّ وغيره من النشاطات، وهكذا تحافظ عمليتي: التركيب الضوئي، والتنفس (الّتي هي عكس التركيب الضوئي) على التوازن الطبيعي في الأرض لثاني أوكسيد الكربون والأوكسجين.
وهنا كلام للإمام الصادق(عليه السلام) نأتي به بنصّه:
قال(عليه السلام): «يا مفضّل أوّل العبر والأدلّة على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فإنّك إذا تأمّلت بفكرك

صفحه 25
وخبَرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المُعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم مضيئة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكلّ شيء فيه لشأنه معدّ، والإنسان كالمملك ذلك البيت والمخوّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيّأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملائمة، وأنّ الخالق له واحد، وهو الذي ألّفه ونظمه بعضاً إلى بعض، جلّ قدسه وتعالى جدُّه».1
فإن قلت: كيف ينفي سبحانه التفاوت في خلق سبع سماواته مع أنّ التفاوت فيها من حيث الصغر والكبر والآثار واضح جداً؟
قلت: التفاوت أمر بيّن لا ينكر حتى بين شخصين من صنف واحد، وإنّما المراد العيب والنقص وقد قلنا: إنّه مأخوذ من تفوّت الأمر: أي حصل فيه عيب.
بقي هنا أمران:
1. أنّ كلّ مَن يصرف عمره في كشف أسرار الكون وبالأخصّ الموجودات السماوية، فهو في باطن ضميره معتقد بوجود النظم ويريد كشفه، وهذا يلازم كونه موحّداً في أعماق ضميره، إذ لولا الاعتقاد بالنظام لما كانت له أيّة رغبة في صرف الأعمار فيما لا يعتقد. والاعتقاد بالنظم رهن الاعتقاد بوجود خالق مدبّر للكون، فالماديّ الذي ينكر وجود الصانع للنظام إذا جلس وراء التلسكوب الفضائي ليستكشف أسرار السماء وأنظمتها المكنونة فيها، فهو مادّيّ لساناً موحِّد قلباً.

1 . توحيد المفضّل: 47; بحار الأنوار:1/62.

صفحه 26
2. قد سبق منّا تفسير السماوات السبع في سورة الطلاق، عند تفسير قوله سبحانه: (اللهُ الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) وقلنا: إنّ تفسيرها وفق نظرية الهيئة البطليموسية أمر غير صحيح، فإنّ القرآن يخالفها من جهات عديدة، ذكرنا تفصيلها هناك.
كما أنّ النظرية الجديدة حول الفضاء والنجوم لا تخالف ما ورد ذكره في القرآن الكريم، وإن كانت رؤيتها لا تطابق رؤية القرآن الكريم، وذلك لأنّه يتكلّم عن الأرض بأنّها كالسماوات السبع، وهذا ما لم تكشفه العلوم الجديدة.
إنّ القرآن يخبرنا عن سماوات سبع وأمّا ما توصّلت إليه العلوم الجديدة هو وجود المجرّات الكثيرة في الفضاء، وكلّ مجرّة مليئة بالنجوم، والرؤيتان متقاربتان، لأنّ القرآن يصف كلّ ما يشاهده الإنسان من النجوم بأنّها واقعة في السماء الدنيا، كما في الآية التالية:
5. (وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَ جَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ):
لمّا ذكر سبحانه فيما تقدّم أنّه خلق سبع سماوات طباقاً عاد يذكر أنّ السماء الدنيا ـ أي السماء الأُولى من السماوات السبع ـ زُيِّنت بمصابيح ونجوم، فعلى هذا فكلّ ما يراه الإنسان بالعين المجرّدة أو المسلّحة، كلّه راجع إلى السماء الأُولى، وأمّا السماء الثانية إلى السابعة فلم يذكر عنها خبر أو أثر، كما قال سبحانه:(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ)، فكون النجوم مصابيح لأجل الإضاءة والتلألؤ.

صفحه 27
ثمّ إنّ لهذه النجوم دوراً آخر وهو رجم الشياطين، كما قال: (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ).
أمّا الذيل فواضح أي إعداد العذاب للشياطين، إنّما الكلام في كون المصابيح رجوماً للشياطين، وقد تكرّر هذا المعنى في مواضع أُخرى من القرآن المجيد:
1. قال تعالى:(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَان رَجِيم * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ).1
2. قال سبحانه: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَان مَارِد * لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِب * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ).(2)
3. قال سبحانه:(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا).(3)
ففي المقام أنّ الرجم يتحقّق بالمصابيح التي قلنا هي النجوم، وفي سورتي الحجر والصافات يتحقّق الرجم بالشهاب، وعندئذ يقع الكلام: فيمَ هو المراد من الشهاب وما معنى رجم الشياطين به أو بالمصابيح؟ وهذا هو الذي أشغل بال المفسّرين وكلّ قد اتّخذ مسلكاً، وها نحن نشير إلى الجميع.
ولنذكر قبل التفسير معانيَ بعض المفردات الواردة في هذه الآيات.

1 . الحجر:16ـ 18.   2 . الصافات:6ـ10.   3 . الجن: 8 ـ 9 .

صفحه 28
الشهاب: شيء مضيءٌ متولّد من النار ويُرى نوره في السماء على شكل خط ممتد، وهي ليست نجوماً وإنّما تشبهها وهي عبارة عن قطع معدنية أو حجرية متناثرة في الفضاء تُسمّى (النيازك) وعندما تدخل في جاذبية الأرض تنجذب نحوها ونتيجة دخولها بسرعة في جو الأرض واحتكاكها الشديد مع الهواء المحيط بالكرة الأرضية فإنّها تشتعل وتحترق. وتسمّى النيازك الّتي تصل الأرض قبل أن تحترق (الرجوم).
ثمّ إنّ القرآن وصفه في سورة الحجر بقوله:(شِهَابٌ مُبِينٌ)وفي سورة الصافات وصفه بقوله:(شِهَابٌ ثَاقِبٌ) أي النافذ والخارق، ولعلّ المراد أنّه يخرق الهواء المحيط بالأرض فيشتعل ويحترق.
الملأ الأعلى: الجماعة التي لها وجهة نظر واحدة، وتعدّ في نظر الآخرين مجموعة متّحدة منسجمة، كما تطلق هذه الكلمة على الأشراف والأعيان.
وبما أنّ الملأ وصف بالأعلى، فلعلّ المراد به الملائكة الكرام ذوي المقام الأرفع والأسمى.
القذف: بمعنى رمي الشيء إلى مكان بعيد، والمقصود طرد الشياطين بواسطة الشهب.
الخطفة: اختلاس الشيء بسرعة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ لرمي الشياطين بشهاب مبين أو بشهاب ثاقب تفاسير مختلفة، فأكثر المفسّرين على إبقاء الآيات على ظاهرها وقالوا ما هذا حاصله:
هناك طوائف من الملائكة تسكن السماء القريبة والبعيدة تعرف أخبار

صفحه 29
الحوادث التي ستقع في العالم الأرضي قبل وقوعها، لذا تحاول مجموعة من الشياطين الصعود إلى السماء لاستراق السمع ومعرفة بعض الأخبار، لكي تنقلها إلى عتاتهم في الأرض، أي الذين يرتبطون بها ويعيشون بين الناس، وفور ما يحاولون الصعود يُرشَقون بالشهب، التي وصفها بأنّها كالنجوم المتحركة، فتجبرهم على التراجع، أو تصيبهم فتهلكهم.
إنّهم يقولون: من الممكن أن لا نفهم بصورة دقيقة ما تعنيه هذه الآيات في الوقت الحاضر، إلاّ أنّنا مكلَّفون بحفظ ظواهرها، وترك تفاصيلها للمستقبل.
ثمّ إنّ صاحب المجمع أيّده بما رواه ابن عباس، قال: كان في الجاهلية كهنة، ومع كلّ واحد شيطان، فكان يقعد في السماء مقاعد للسمع، فيستمع من الملائكة ما هو كائن في الأرض، فينزل ويخبر به الكاهن فيفشيه الكاهن إلى الناس، فلمّا بعث الله عيسى(عليه السلام) منعوا من ثلاث سماوات، ولما بُعث محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) منعوا من السماوات كلّها، وحُرست السماء بالنجوم، فالشهاب من معجزات نبيّنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه لم يُر قبل زمانه. وقيل: إنّ الشهاب يحرق الشياطين ويقتلهم، عن الحسن. وقيل: إنّه يخبِل ويحرق ولا يقتل.1 وروى الشيخ حديثاً قريباً في معناه ممّا ذكرنا في «الاحتجاج».
ويؤيّد ذلك ما جاء في سورة الجنّ، فالظاهر منها أنّ منع صعود الشياطين إلى السماء وردّهم عن استراق السمع إنّما بدأ بعد نزول القرآن الكريم حيث يقول:(وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَدًا).

1 . مجمع البيان:6/123; تفسير نور الثقلين:5/436.

صفحه 30
وكأنّهم حُرموا بعد نزول القرآن من استراق السمع.
وحصيلة الكلام: أنّ أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أنّ لكلّ كاهن من الكهنة شيطاناً يصعد إلى السماء فيسمع من الملائكة ما يتحدّثون به عن أهل الأرض، ثم ينزل الشيطان إلى الأرض فيخبره بما سمع، والكاهن بدوره يفشيه بين الناس، وتلك الآيات تردّ هذه الفكرة وأنّ من حاول استراق السمع يُتْبع بشهاب مبين أو شهاب ثاقب أو يقذف من كلّ جانب.
ثمّ إنّ هذا التفسير المطابق لظاهر الآية صار موضعاً للنقاش من جهات مختلفة:
1. أنّ وجود الشهب منحصر ضمن منطقة الغلاف الجوّي للأرض فقط وذلك حينما تلتهب تلك الصخور المتساقطة صوب الأرض من خلال احتكاكها بالهواء، وأمّا خارج منطقة الغلاف الجوّيّ فخال من الشهب، نعم هناك صخور وكرات تسبح في الفضاء إلاّ أنّها لا تسمّى شُهباً إلاّ بعد دخولها في منطقة الغلاف الجوّي، وتلتهب وتظهر للعيان على هيئة خط ناري واضح يُخيّل للناظر أنّها نجمة في حال الحركة.
وحاصل الإشكال مع طوله: أنّ الشهب بمعنى اشتعال الحجر باحتكاكه بالهواء منحصر بالغلاف الجوّي الذي يمتدّ لمسافة تقدّر بـ «600» كيلومتر فوق السطح ، وليس فوقه أي شهاب، مع أنّ الملائكة من سكنة المناطق العليا من السماء، فكيف يُرمى من جانبهم الشيطان المسترقّ؟
والجواب: أنّ القرآن يريد تقريب دفع الشياطين عن الأمكنة المقدّسة، فقال: كلّ من أراد الاستراق يضرب بالشهاب، ولعلّ الشهاب كناية عن قوّة نارية توجب احتراق الشياطين.

صفحه 31
2. أنّ الشياطين خُلقوا من نار، فكيف يقذفون بالنار؟ وهذا أيضاً مدفوع باحتمال أنّ النار الموجودة هناك أقوى من النار التي خُلق منها الشياطين.
3. أنّ إنسان العصر الحديث قد نفذ مراراً من هذه المنطقة، بل غالى في نفوذه حتى وطئت قدماه سطح القمر، وأنّ القمر يبعد عن الأرض بأكثر من ثلاثمائة ألف كيلومتر، فإن كان المقصود من الشهب غير الشهب المشهودة لنا، فيمكن القول: إنّ علماء البشر قد اكتشفوا هذه المنطقة ولم يجدوا الأسرار الخاصّة المدّعاة.
وقد علم جواب الإشكال لمّا قلنا من أنّ الاستراق في مواضع الملأ الأعلى والمناطق العليا التي لم تصل إليها قدم الإنسان ولا مصنوعاته.
وأظن أنّ الالتزام بظاهر الآية أولى، بشرط أن يفسَّر الشهاب بالموجود الناري الموافق لوضع المنطقة.
وهناك تفاسير نذكرها تالياً:
الأوّل: ما عليه صديقنا الشيخ محمد جواد مغنية(رحمه الله) ، حيث يقول في تفسير سورة الصافات: مفردات هذه الآيات واضحة، وقد بيّنا البعض منها بفضل «اللغة» ماعدا حقيقة الشيطان المارد، وحقيقة الملأ الأعلى، والله ورسوله قد سكتا ولم يبيّنا لنا ما المراد من الشيطان المارد والملأ الأعلى... ونحن لا نفسّر من غير علم، ولذا نقول: إنّ هذه الآيات من المتشابهات عندنا، وقد تكون من الواضحات عند غيرنا.1

1 . التفسير الكاشف:6/331.

صفحه 32
وقد تبع(رحمه الله) في هذا المقام سيد قطب في كتابه «في ظلال القرآن»، الذي يقول: وما الشيطان وكيف يحاول استراق السمع وأي شيء يسترق؟ كلّ هذا غيب من غيب الله لا سبيل لنا إليه إلاّ من خلال النصوص، ولا جدوى في الخوض فيه، لأنّه لا يزيد شيئاً في العقيدة ولا يثمر إلاّ انشغال العقل البشري بما ليس من اختصاصه، وبما يعطّله عن عمله الحقيقي في هذه الحياة، ثم لا يضيف إليه إدراكاً جديداً لحقيقة جديدة.1
يلاحظ عليه: أنّ الآيات المتشابهات تُبيَّن بالمحكمات، والله سبحانه أنزل القرآن الكريم للتدبّر والتفكّر، ولا معنى لنزول آيات مبهمات إلى يوم القيامة، أو تذكر الآيات التي لا يقف الإنسان حتى على ظواهرها دون حقائقها.
الثاني: ما عليه السيد الطباطبائي(رحمه الله) فإنّه أحال البحث حول مفاد الآيات إلى سورة الصافات، وقال هناك ما هذا حاصله:
ويحتمل ـ والله العالم ـ أنّ هذه البيانات في كلامه تعالى من قبيل الأمثال المضروبة تصوَّر بها الحقائق الخارجة عن الحسّ في صورة المحسوس لتقريبها من الحسّ، وهو القائل عزّ وجلّ:(وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ)2، وهو كثير في كلامه تعالى ومنه العرش والكرسي، واللوح والكتاب....
وعلى هذا يكون المراد من السماء التي تسكنها الملائكة، عالماً ملكوتياً ذا أفق أعلى، نسبته إلى هذا العالم المشهود نسبة السماء المحسوسة

1 . في ظلال القرآن:5/296.
2 . العنكبوت:43.

صفحه 33
بأجرامها إلى الأرض، والمراد باقتراب الشياطين من السماء واستراقهم السمع وقذفهم بالشهب، اقترابهم من عالم الملائكة للاطّلاع على أسرار الخلقة والحوادث المستقبلة ورميهم بما لا يطيقونه من نور الملكوت، وإيراده تعالى قصة استراق الشياطين للسمع ورميهم بالشهب عقيب الأقسام بملائكة الوحي وحفظهم إيّاه من مداخلة الشياطين لا يخلو من تأييد لما ذكرناه، والله أعلم.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره لا ينطبق مع ما ورد في سورة الجنّ، فإنّ الظاهر فيها أنّه منعهم من استراق السمع بدءاً من زمان نزول القرآن، أو ولادة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كما في بعض الروايات، مع أنّ لازم ما ذكره استمرار هذا الأمر منذ زمان قديم.
الثالث: أنّ المقصود من السماء هو سماء الحق والحقيقة، وأنّ الشياطين ذوي الوساوس يحاولون أن يجدوا لهم سبيلاً لاختراق السماء واستراق السمع، ليتمكّنوا من إغواء الناس بذلك، ولكنّ النجوم والشهب(وهم القادة الربانيون من الأنبياء والأئمة والعلماء) يبعدونهم ويطردونهم بالعلم والتقوى.2
شكر الله مساعي علمائنا حيث بذلوا جهودهم في تفسير هذه الآيات، وكلٌّ قدّم إلى القارئ ما توصّل إليه، غير أنّ الالتزام بظواهر الآية أفضل من هذه التوجيهات، ولعلّ العلم في المستقبل يكشف حقيقة هذه الظواهر.
***

1 . الميزان في تفسير القرآن:17/126، طبعة بيروت.
2 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل:8/45.

صفحه 34
سورة المُلك: الآيات 6 ـ 11    

الآيات: السادسة إلى الحادية عشرة

(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَ هِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَ قُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْء إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل كَبِير * وَ قَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ).

المفردات

الشهيق: صوت تقطيع النَّفَس كالنَّزْع، وإذا اشتد لهيب النار سُمع منها ذلك الصوت، كأنّها تطلب الوقود. وقيل: إنّ الشهيق في الصدر، والزفير في الحلق.1
تفور: الفور: ارتفاع الشيء بالغليان، يقال: فارت القدر، تفور فَوراً، ومنه (الفوارة): لارتفاعها بالماء ارتفاع الغليان.2
سُحقاً: السُّحق: البُعد، يقال: أسحقهم الله إسحاقاً وسحقاً: أي: ألزمهم الله سحقاً عن الخير.3

1 . مجمع البيان:10/76.
2 . التبيان في تفسير القرآن: 10 / 62 .
3 . نفس المصدر.

صفحه 35

التفسير

6. (وَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ):
لمّا دلّ قوله:(وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) أي أنّه سبحانه أعدّ للشياطين النار المسعّرة، عاد البيان القرآني يذكر أنّ عذاب السعير لا يختصّ بالشياطين، بل يعمّ كلّ من كفر بربّ العالمين، واستخدم كلمة الربّ وقال:(كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ)مشعراً بذمهم حيث إنّ مقتضى الربوبية هو الطاعة والإيمان ولكن هؤلاء تمرّدوا عليه، فكفروا بمن تنزل نعمه عليهم كلّ يوم، ولذلك صار مصيرهم أسوأ مصير، فقال: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
ثمّ إنّه سبحانه يصف نار جهنم بأوصاف ثلاثة:
1. إنّ الملقى فيها يسمع لها صوتاً كصوت الشهيق.
2. يجد أنّها تفور وتغلي بهم كغلي المِرجَل.
3. تكاد النار تتقطّع من شدّة الغضب، وهي كناية عن شدّة التهاب النار غيظاً على الكفّار.
وإلى الوصفين الأوّلين أشار بقوله:
7. (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَ هِيَ تَفُورُ):
أي سمعوا من النار صوتاً مخيفاً أشبه بالصوت المُحتَبس في صدر الإنسان، فلا يمكن أن يخرج أو يصعد ببكاء ولا بغيره.
ورأوا أنّ النار تفور، ولعلّ ذلك الصوت يرجع إلى فورانها وغليانها، فيزيدهم ذلك عذاباً، لِما يردُ على قلوبهم من هَوْله.

صفحه 36
وإلى الوصف الثالث أشار بقوله:
8 . (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ):
أي إنّ حالة لهيبها أشبه بحال مغتاظ شديد الغيظ لا يترك شيئاً ممّا غاظه إلاّ سلّط عليه ما استطاع من الإضرار .

حوار بين الخزنة والكفّار

يظهر من غير واحدة من الآيات أنّ أهل الجحيم يرِدُون النار فوجاً بعد فوج، يقول سبحانه:(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا).1
ولعلّ المراد تقدّم إمامهم على تابعيه، يقول سبحانه: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ)(2)، ويدلّ عليه قوله في المقام:(كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ)والفوج الجماعة المارّة المسرعة.(3)
ثمّ إنّه بعدما يُطرح الكفّار في الجحيم، يقع هناك حوار بين خزنة الجحيم والكفّار، والمراد من الخزنة هم الملائكة الموكَّلون بالنار، المدبّرون لأنواع العذاب، قال سبحانه: (عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).(4)
وأمّا الحوار الجاري بين خزنة جهنم ومَن يدخلها فهو كالتالي:
إنّ خزنة الجحيم يعلمون بأنّ الله سبحانه عادل لا يظلم فلا يعذّب أحداً إلاّ بعد إتمام الحجّة، ببعث الأنبياء وإنزال الكتب، ومع ذلك سألوهم

1 . الزمر:71.      2 . هود:98.      3. مفردات الراغب: 386، مادة «فوج».   4 . التحريم:6.

صفحه 37
عن وجه مصيرهم إلى الجحيم، كما في قوله سبحانه:(سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) يحـذركم مغبّة التولّي عن الحقّ، والتنكّب عن طريقه.
وأمّا الجواب :
9. (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَ قُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْء إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل كَبِير):
فهؤلاء اعترفوا بأُمور ثلاثة:
1. أنّه جاءتهم النُذر، (بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ).
2. أنّهم قاموا بتكذيبهم، (فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْء).
3. أنّهم وصفوا الأنبياء بما هم متّصفون به من الضلال، كما في قولهم: (إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل مُبين).
وأعجب من ذلك أنّهم اعترفوا بعد ذلك بأنّهم افتقدوا في الدنيا السمع والعقل وأنّهم لو كانوا سامعين وعاقلين لمّا كانوا من أصحاب السعير، كما في قولهم:
10. (وَ قَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ):
ولا شكّ في أنّه كانت لهم أسماع وعقول، إذ لو كانوا فاقدين لها ـ وبالأخص الأخيرة ـ لامتنع تكليفهم، فالمراد فتح السمع لسماع كلام المنذر، والتدبّر فيه، وقُدِّمَ السمع على العقل لأنّه من أدوات المعرفة العقلية، فبالسمع يقف العبد على كلام المنذر، ولمّا اعترفوا اعترافاً صريحاً،

صفحه 38
بتقصيرهم استحقّوا الإبعاد عن رحمة الله تبارك وتعالى، جزاء على أعمالهم، كما قال سبحانه:
11. (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ):
وهذه ضابطة عامّة لكلّ من فوّت الفرصة، فيواجه نتيجة تفريطه.
إنّ القرآن الكريم يؤكّد على بعثة الرسل واحداً بعد الآخر، لتتمّ الحجّة على الناس، وتكون الحجّة البالغة لله تبارك وتعالى، قال سبحانه: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيماً)1، ويقول سبحانه: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)2.
وهذه الآيات وأمثالها تدلّ على أنّ العقاب قبل البيان أمر قبيح عقلاً، وأنّ العقاب فرع إتمام الحجّة، وأنّ العقاب قبل البيان يورث وجود الحجّة للكفّار على الله سبحانه، خلاف العكس.
سورة المُلك: الآيات 12 ـ 14    
ثمّ إنّه سبحانه ـ عناية بهداية الناس ـ أنذرهم بطرق مختلفة وهداهم بوسائل متنوّعة، فالفطرة الإنسانية السليمة تهدي الإنسان إلى الرشد، وقد عزّزها بالعقل الذي هو المصباح المنير من الداخل، ثم عزّزها سبحانه ببعث الرسل وإنزال الكتب إلى أن أتمّ أمر النذر بوعظ العلماء وتصدّيهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى ذلك فربما يكون الإنسان معانداً لهذه النذر فيستحق الدعاء عليه بقوله تعالى: (فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ).

1 . المائدة:165.
2 . طه:134.

صفحه 39
وقد استظهرنا في بحوثنا العقائدية أنّ لله سبحانه رسلاً منذرين في عامّة الربوع، غير أنّ الواصل من أسمائهم قليل بالنسبة إلينا، كما أنّ القرآن لم يستقص أسماءهم وحياتهم، يقول سبحانه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ).1
فالربوع المكتشفة أخيراً كأمريكا وغيرها لم تكن مختزلة عن عناية الله تعالى بدليل قوله سبحانه:(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّة إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ).(2)
ولو افترضنا أنّ أُمّةً من الأُمم حُرمت من الهداية عن طريق بعث الأنبياء وإنزال الحجج، فالحجّة عليها هي الفطرة السليمة والعقل القاضي بالحسن والقبح، فيجب عليها أن تسلك في الحياة على أساس هاتين الحجّتين .
وأمّا زمان الفترة بين نبيّ ونبيّ، كما هو الحال في الجزيرة العربية التي يقول فيها سبحانه: (لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)(3)، فلو كان معنى الآية خلوّ المجتمع العربي من الرسول والمنذر بعد النبيّ عيسى (عليه السلام)، فالحجّة عليهم أوصياء الرسل، مضافاً إلى ما تحكم به فطرتهم السليمة.

الآيات: الثانية عشرة إلى الأربعة عشرة

(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).

1 . غافر:78.   2 . فاطر:24.   3 . يس: 6 .

صفحه 40

التفسير

12. (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ):
لمّا تقدّم بيان حال الكافرين، ومصيرهم، عاد البيان القرآني إلى إيضاح حال مَن يخشون ربّهم بالغيب، فوعدهم بأمرين:1. المغفرة، 2. الأجر الكريم، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) فقد قدّم المغفرة، لتقدّم التخلية على التحلية، فبالمغفرة يكون الإنسان مهيّأً لنزول الفيض وإعطاء الأجر الكبير، ثمّ إنّ الخشية بالغيب خشية نابعة عن الإيمان القاطع، وإلاّ فالخشية بالشهادة تتحقّق من كلّ فرد، فربما يصل إيمان الإنسان بالغيب إلى درجة، لو كشف له الغطاء ما ازداد يقيناً.
إلى هنا تبيّن مصير الكافر والمؤمن الخاشع.
13. (وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ):
ثمّ إنّه ربما يختلج بالبال أنّ الأعمال الصادرة من الكفّار والمؤمنين، عبر القرون، كثيرة جداً، فهل يمكن إحصاؤها، وعدم تفشّي الخطأ إلى الإحصاء لاسيّما ما اضطمّت عليه الجوانح منها؟ فعاد سبحانه ببيان سعة علمه، وأنّ السرّ والجهر عنده سواء، فقال:(وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ) أي هما عند الله سواء، بل هو عالم بنيّات عباده وما تكنُّه صدورهم، وقال: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) وأنّ التوهّم ناش من عدم معرفة الله حقّ معرفته، كما قال:(وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)1 فلو علموا إحاطة وجوده سبحانه بكلّ ما

1 . الأنعام: 91 .

صفحه 41
خلق لما وجد ذلك التوهُّم طريقاً إلى فكرهم.
14. (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ):
وفي هذه الآية أخبر سبحانه أنّ علمه قد أحاط بكلّ شيء، ثم علّل هذه الإحاطة وعدم خفاء شيء عليه سبحانه، بأمرين:
1. أنّ الخلق لا ينفك عن العلم بالمخلوق والإنسان مخلوق لله تبارك وتعالى، فكيف يمكن أن تغيب عنه نفسه أو فعله؟
وقد مرّ أنّ كلّ ما في الكون، له نسبة إلى فاعله، ونسبة إلى بارئه، فالله سبحانه هو الذي أقدر عبده على الإيجاد فيفيض عليه القدرة آناً بعد آن، وهذا دليل على سعة علمه.
2. أنّه سبحانه هو اللطيف الخبير.
لطيف في ذاته فلا يُرى، ولطيف في خلقه، حيث يخلق بلا سبب ولا آلة، ولطيف في إيجاد الموجودات اللطيفة وخلقها.
ويؤيّد ذلك ما رواه الكليني في «الكافي» عن أبي الحسن(عليه السلام) في حديث طويل، وفيه: «يا فتح إنّما قلنا اللطيف، للخلق اللطيف، ولعلمه بالشيء اللطيف، أو لاترى وفّقك الله وثبّتك إلى أثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف، ومن الحيوان الصغار ومن البعوض والجرجس1، وما هو أصغر ممّا لا تكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره، الذكر من الأُنثى».2

1 . الجرجس بكسر المعجمتين: البعوض الصغار، فهو من قبيل عطف الخاص على العام.
2 . الكافي:1/119، كتاب التوحيد، رقم 1 .

صفحه 42
ويحتمل قريباً أنّ اللطيف من صفات فعله سبحانه لا ذاته وهو من اللطف: الرأفة والرحمة والرفق، ويكون المراد: الرفيق بعبارة، ويشهد على ما ذكرنا قوله: (اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)1.
وهذا أمير المؤمنين (عليه السلام)يصف علمه سبحانه بالبيان التالي:
«الحمد لله الذي يعلم عَجيج الوحوش في الفَلَوات، ومعاصيَ العباد في الخَلَوات، واختلاف النينان في البحار الغامرات، وتلاطم الماء بالرياح العاصفات».(2) فمن عرف الله تبارك وتعالى بهذا النحو فهو يخشاه بالغيب والشهادة، ولا يحوم فكره حول الخطأ فضلاً عن ارتكابه.
سورة المُلك: الآيات 15 ـ 19    

الآيات: الخامسة عشرة إلى التاسعة عشرة

(هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * وَ لَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء بَصِيرٌ).

المفردات

ذلولاً: الذلول من المراكب ما سَهُل انقياده.
مناكبها: أي جوانبها، ولو يطلق المنكب على مجتمع ما بين العضد

1 . الشورى: 19 .   2 . نهج البلاغة، الخطبة رقم 198.

صفحه 43
والكتف فلأنّهما يشكّلان الجانبين من الإنسان.
الخسف: غيبوبة الشيء في الأرض، يقال: خسف الله به الأرض خسفاً: غيّبه فيها.
تمور: من المَوْر وهو المَوْج، ويقال: تموّر أي جاء وذهب متردّداً.
حاصباً: الريح الّتي تأتي بالحصى والحجارة.

التفسير

15. (هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ):
لمّا استعرض سبحانه في الآيات السابقة أصحاب الجنة والنار والمؤمنين والكافرين، أشار في هذه الآيات إلى قسم من نعمه ونقمه ليرغِّب المؤمن ويشوّقه إلى نِعَمها، وينذر العاصي ويحذّره من نِقَمها، أمّا النعمة فقد تضمّنت بيانها آية واحدة، وأمّا النقمة فقد جاءت في آيات ثلاث.
أمّا ما يرجع إلى النعمة فقد استعرض سبحانه إحدى النعم الكبرى التي يغفل عنها الإنسان وذلك كون الأرض ذلولاً للإنسان في مقابل كونها جامحة، والحال أنّ للأرض حركات مختلفة منها:
1. حركتها حول نفسها.
2. حركتها حول الشمس.
3. حركتها ضمن المجموعة الشمسية وسط المجرة.

صفحه 44
وهذه الحركات الثلاث يفترض أن تكون الأرض بسببها جامحة غير مستقرّة، ومن ثم لا تصلح لإقامة الإنسان وعيشه، ولكنّ الله سبحانه جعلها، بالرغم من ذلك ذلولاً مطيعةً للإنسان، ينتفع بخيراتها، ويحصل منها على حاجاته، ومن هنا نجده سبحانه يخاطب الإنسان خطاباً امتنانياً للاستفادة منها، ويقول: (هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) فوصْف الأرض بالذلول حاك عن تشبيهها بمركب طيّع، غير جامح ينقاد لراكبه، يسير معه سيراً سجُحاً، فالزمام بيده أينما وجّهه يتجه، إن أراد العدْوَ يعدو، وإن أراد السير يسير.
وقريب من هذا، وصفها بالأوصاف التالية: «فراشاً» أو «قراراً» أو «بساطاً» أو «ممدودة» كما في الآيات التالية:(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا)1، (اللهُ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)(2)، (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا)(3)، (وَهُوَ الذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا)(4)، كلّ ذلك يشير إلى أنّه سبحانه خلق الأرض لينتفع منها الإنسان في حياته، ولولا ذلولها وقرارها لامتنع استقرار الحياة عليها.
ثمّ إنّ كون الأرض ذلولاً للحياة رهن أُمور كثيرة لولاها لما وجدت فيها دابة، نشير إلى قسم قليل منها:
1. لو كانت الأرض كلّها صلبة وقاسية أو كانت جميعها ليّنة مغمورة بالوحل والمستنقعات أو الرمل، لما أمكن الزرع ولما نبت فيها نبات، ومع ذلك فقد جعل سبحانه قسماً منها، غير قاس ولا ليّن، قابل للزرع والنبات.
2. جعل الشمس على بعد خاص من الأرض، فليست قريبة منها

1 . البقرة:22.         2 . غافر:64.         3. نوح:19.   4 . الرعد:13.

صفحه 45
فتحرق بلهبها، ولا بعيدة عنها حتى تصبح زمهريراً منجمدة لا ينبت فيها شيء.
3. إنّ التوازن الدقيق المحسوب في مظاهر الطبيعة والذي يؤدي أيُّ خلل فيه إلى أضرار بالغة، أوضح دليل على وجود الخالق الحكيم الخبير الذي أوجد التوازن والضبط في الأرض، وإن كنت في شك فلاحظ«الماء» الذي ينكمش ويقل حجمه إذا بُرِّد إلى أن تصل درجة حرارته (4ْم) فقط، لكنّه يتمدّد ويزداد حجمه اذاما بُرِّد إلى ما دون (4ْم)، ولهذا السبب ولدى تشكُّل الثلج عند درجة صفر مئوي يطفو فوق سطح الماء. ولو كان الماء ينكمش عند تجمّده لكان حجم الثلث أثقل من حجم مساو من الماء السائل. وعلى فرض ذلك يغوص الثلج تحت الماء، وإذا ما تمّ هذا ستصبح الأرض صحراء متجمّدة عديمة الحياة، سوف يتراكم المزيد من الثلج عند كلّ شتاء فوق قيعان البحيرات والأنهار والمحيطات، ولن تستطيع حرارة الشمس صيفاً النفاذ إلى عمق كاف لأذابة هذا الثلج وهكذا تنعدم الحياة في الماء، كما تبطئ دورة الماء في الطبيعة .1
فهل يمكن عزْو كلّ هذا الضبط الدقيق إلى فعل المادة الصمّاء العمياء البكماء، أو أنّه يكشف عن خالق حكيم أوجد هذا التوازن، وصارت الأرض في ظله ذلولاً صالحة للعيش والحياة.
انظر إلى هذا المنطق وقارن بينه وبين منطق الماديّ، الذي يفسّر لنا كيفية صيرورة الأرض قابلة للحياة، فيعزو هذا النظام الدقيق في الأرض وما فوقها إلى الصدفة!! فهذا المنطق لا يصدر عن إنسان واع يميّز الأُمور الصدفية

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية: 22 / 24 .

صفحه 46
عن الأُمور الصادرة عن الوعي والتعقّل .وهذا لا يعني إنّا ننكر دور العوامل الطبيعية التي تنتهي إلى قابلية الأرض للحياة، وإنّما ننكر دور الأسباب والمسبّبات في استقرار الحياة من دون سيادة إرادة قاهرة وعقل سام وعلم خارق عليهما.
فالفرق بين الماديّ والإلهيّ هو أنّ الأوّل يكتفي في تفسير النظام السائد بالعلل الطبيعية الموجودة في صميم المادة، وأمّا الإلهيّ فهو يعترف بنظام الأسباب والمسبّبات لكن يفسّر هذا النظام البديع بوجود إله خالق عالم أوجد الأسباب والمسبّبات وأوجد الروابط والصلات بينهما.
ثمّ إنّ الغاية من جعل الأرض «ذلولاً» ما أشار إليه في آخر الآية بقوله:(وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) ولكن الحياة الدنيوية ليست الغاية النهائية بل هي ما أشار إليه بقوله:(وَإليهِ النُّشور) و(إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)1.
إلى هنا تمّ بيان نعم الله على المؤمنين، وأمّا نقمه التي يمكن أن تهدّد حياة الإنسان، فهي ما أشار إليه في الآيتين التاليتين :
16 و 17. (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ):
لمّا ذكر سبحانه في صدر السورة أنّ المُلك بيده هو سبحانه، أي أنّ أزمّة الأُمور بيده، يذكر في هاتين الآيتين موردين لأجل إدخال الرَّوع والرهبة في نفس الإنسان، بأنّه يجب أن لايغترّ ببقاء هذا النظام، بل أنّ من بيده أزمّة

1 . البقرة: 156 .

صفحه 47
الأُمور يمكن أن يقلب النظام (أو شيئاً منه) فيؤدي إلى هلاك الإنسان الكافر وذلك بصورتين:
1. أنّ هذا المركب الذلول (أعني: الأرض) يمكن أن يصبح جامحاً ويرمي براكبه إلى جانب من الطريق وفي المقام ربما يخسف بمن على ظهره ويبتلعه، كما يقول:(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ) أي يدفنكم في طياتها (فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) أي تضطرب وتتزلزل. نعم من ينكر من بيده الملك (المادّيّ) يتصوّر لزوم بقاء النظام وعدم إمكان وقوع خلافه.
2. أن يرسل على الكافرين ريحاً عاتية ترميهم بالحصباء فتفنيهم عن آخرهم، كما قال: (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) وعندئذ (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ)أي كيف يكون إنذاري وترهيبي للعصاة!!
والآيتان من آثار كون الملك بيد الله تعالى يفعل فيه ما يشاء حسب حكمته.
ثمّ إنّ المراد من قوله:(مَنْ فِي السَّمَاءِ) هو الملائكة المأمورون بتدبير العالم، والشاهد على ذلك ما يلي:
1. أنّه لو أُريد من قوله: (مَنْ فِي السَّمَاءِ) هو الله الخالق، لزم أن يكون حالاًّ في مكان باسم السماء، وهو أمر ممتنع، ذلك لأنّ السماء مخلوقة فأين كان قبل أن يخلقها، حتى يحلّ فيها بعد خلقها؟
2. أنّ كرسيّه وسع السماوات والأرض كما في قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)1 فلو كان سبحانه في السماء يلزم أن يكون مخلوقه

1 . البقرة: 255 .

صفحه 48
محيطاً بخالق السماوات. كلّ ذلك يسوقنا إلى أنّ المراد بـ(مَنْ فِي السَّمَاءِ) هو الملائكة المكلّفون بإجراء إرادته وتقديره.
3. مرّ في تفسير قوله سبحانه:(لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِب)1 أنّ المراد بالملأ الأعلى هم الملائكة القاطنون في السماء.
4. إنّ عقوبات الأُمم كانت بيد الملائكة فها هم قوم لوط أُهلكوا على يد ملائكة الله تعالى بالحصباء والحجارة، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَ ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)(2) إلى أن قال:(قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) فالله سبحانه أهلك الأقوام العاتية بأنواع العقوبات التي ذكرها في قوله: (فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).(3)
وكان سبحانه قد أهلك قوم لوط بإرسال الحجارة والحصباء عليهم، وهذه قرينة على أنّ المراد بـ (مَنْ فِي السَّمَاءِ) هم الملائكة وأنّه سبحانه هدّدهم في الآية الثانية بقوله: (أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) فعند ذلك تعرفون كيفية النذر والعذاب.
نعم هناك من يفسّره بشكل آخر وقال: «المراد: أأمنتم عذاب من في السماء سلطانُه وأمرُه ونهيُه وتدبيره»2 ولا يخفى أنّه بعيد عن ظاهر اللفظ.
والعجب أنّ ابن عاشور مكان أن يسعى في تفسير الآية بالاستعانة

1 . الصافات:8 .   2 . هود:77 .   3 . العنكبوت:40.
2 . مجمع البيان:10/38

صفحه 49
بسائر الآيات، قال: ويجيء فيه ما في أمثاله من طريقتي التفويض للسلف والتأويل للخلف.1
وقد ذكرنا في محلّه أنّ التفويض يخالف كون القرآن كتاباً مبيّناً وواضحاً ميسّراً; كما قال سبحانه:(بِلِسَان عَرَبي مُبِين)(2) وقال:(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر)2 وأمّا التأويل فهو بمعنى صرف الظاهر عن ظاهر فهو أمر باطل ولا يجوز لأحد التصرف في ظواهر القرآن، بل اللازم رفع إبهام الآية بآية أُخرى، وإرجاع الظاهر المتزلزل إلى الظاهر المستقرّ.
18. (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ):
أي سمعتم أخبار الذين أخذهم الله بذنوبهم وعلمتم كيف نزل بهم العذاب، ألا تخشون أن يصيبكم ما أصابهم، وإلى هذا أيضاً يشير في آية أُخرى ويقول:(وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)3.
19. (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات وَ يَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء بَصِيرٌ):
ما جاء في هذه الآية تجسيد لقوله: (بِيَدِهِ المُلك) وأنّ أزمّة الأُمور إليه، وذلك لأنّ الطير على أقسام، فمنها من يفتح جناحيه عند الطيران، وكأنّ هناك قوة خفية تحرّكه، (صافات) ومنها ما يرفرف بأجنحته عند الطيران بصورة

1 . التحرير والتنوير:29/31.   2 . الشعراء: 195 .
2 . القمر: 17 و 22 و 40 .
3 . سبأ:45.

صفحه 50
مستمرة، وقد يقبضن (أي يضممْنَ) أجنحتهنّ أحياناً، وهناك قسم ثالث يطير بتحريك أجنحته تارة وفتحها أُخرى.
فعندئذ يقع الكلام في أنّ الطيور تتغلب على قانون الجاذبية الأرضية وتحلّق في السماء بكلّ راحة وأحياناً تطير على شكل أسراب، وتقطع مسافات طويلة في هجرتها من المناطق الحارة إلى الباردة في الصيف ومن الباردة إلى الحارة في الشتاء، وقد تصل المسافة الّتي يقطعها طائر الخطّاف القطبي (من مناطق تكاثره في القطب الشمالي إلى موطنه الشتوي في القطب الجنوبي) إلى حوالي (18000) كم !
سورة المُلك: الآيات 20 ـ 22    
لا شكّ في أنّ لجسم الطيور، وشكل الأجنحة، ووجود الريش. دور في تسهيل حركتها وطيرانها، والماديّ والإلهيّ أمام هذه الأُمور سواء، إلاّ أنّ الكلام فيمن خلقها بهذه المواصفات وأودع فيها القوى التي ترشدها إلى مقاصدها وربما تهديها من منطقة إلى منطقة أُخرى بينها مئات الفراسخ بل آلافها.
سورة المُلك: الآيات 20 ـ 22    
ولا شكّ في أنّ ما يسود من نظام في وجود الطير وخلقتها وكيفية طيرانها في الهواء تأثير في التغلب على الجاذبية الأرضية لكن النظام الموجود فيها بعد ما لم يكن بماذا يفسّر؟ الله سبحانه ينسبه إلى الرحمن ويقول:(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ)على قسمين(صَافَّات)أي فاتحات باسطات أجنحتهن عند الطيران(وَيَقْبِضْنَ) أجنحتهنّ(مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ)وبإرادة قاهرة على خلق نظام في وجودها يوجب الانطلاق من الأرض وتحليقها في السماء عدة ساعات، بل أياماً، فرحمته سبحانه صارت سبباً لإعطاء الأسباب التي بها تطير... وهو سبحانه كما قال:(إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء بَصِيرٌ).

صفحه 51

الآيات: العشرون إلى الثانية والعشرين

(أَمْ مَنْ هَذَا الذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُور * أَمْ مَنْ هَذَا الذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوّ وَ نُفُور * أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):

المفردات

الجُند: الأرض الغليظة التي فيها حجار، ثم يقال لكلّ مجتمع: جُند، ويقال للعسكر ـ أيضاً ـ جند.
لَجّوا: اللجاج: التمادي والعناد.
عتوّ: النبوّ عن الطاعة وتجاوز الحدّ، يقال: عتا يعتو عتواً وعتيّاً.
نفور: النفر الانزعاج من الشيء، قال تعالى:(مَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا)1، ونقيض النفور القبول.
مكبّاً: الكبّ: إسقاط الشيء على وجهه، قال تعالى:(فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) أي أُدخلوا بوجوههم في النار، والإكباب جعل وجهه مكبوباً على العمل، وعلى هذا فقوله:(مكباً) أي منكِّساً وجهه إلى الأرض، لا ملصقاً وجهه على الأرض إذ هو لا يتناسب مع المشي.
سويّاً: يقابل مكبّاً، والمراد يمشي بجسم معتدل ومستقيم القامة.

1 . الإسراء:41.

صفحه 52
 
التفسير
ما ورد في هذه الآيات، من مظاهر قوله تعالى:(بِيَدِهِ الْمُلك) فالبيان القرآني يهدّد المعرضين عن الوحي بأمرين ضمن آيتين.
20. (أَمْ مَنْ هَذَا الذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُور):
يندّد فيها بالكافرين الظالمين الذين يغترّون بأموالهم وجنودهم، ويتصوّرون أنّ الوسائل المادية الهائلة تصونهم من كلّ شرّ من دون حاجة إلى استعانة بالله تعالى، فهذا فرعون طاغية مصر، لمّا قابله موسى(عليه السلام)وأرشده وأثبت بمعاجزه الباهرة أنّه مبعوث من الله تعالى، ثقل ذلك عليه، وتولّى عن موسى بجنوده وقادته، قال تعالى: (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَان مُبِين * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ).1
ولكنّه عاد خائباً لم يَغنِ عنه ركنه، بشهادة أنّه سبحانه أغرقه وقال: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ)(2).
هكذا تهدّد الآية كلّ من يغترّ بجنوده ويتصوّر أنّهم يحمونه من كلّ سوء من دون الرحمن، كما يقول:(أَمْ مَنْ هَذَا الذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ)بل هو ظنٌّ تافه ووهم باطل (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُور) أي في ظنِّ كاذب أنّهم في سلام وأمان من غضب الله وعذابه.
فالسؤال في قوله: (أَمْ مَنْ هَذَا)استفهام إنكاري، أي لا جند لكم

1 . الذاريات:38 ـ 39.   2 . الذاريات:40.

صفحه 53
ينصركم من عذاب الله.
نعم، إنّ المغترّين بالجنود سيُجرّدون من قوّتهم، ويتحطّم غرورهم في موضع لا ينفعهم فيه شيء يدرأ العذاب عنهم، كما هو الحال في طاغية مصر، الذي قال عندما أدركه الغرق: (آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فوافاه الخطاب بقوله:(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).1
وثمّة صورة أُخرى واضحة للمغترّين بالجنود، يرسمها لنا المسعودي في «مروج الذهب»، حيث يقول، وهو يتحدّث عن المأمون العباسيّ: فلم ينثن عن غزاته حتى فتح خمسة عشر حصناً، فأقام في مكان باسم «عين البديدون» فأعجبه برْدُ مائها وصفاؤه وبياضه، وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة، فأمر بقطع خشب طوال وأمر به فبسط على العين كالجسر، وجلس عليه والماء تحته، فبينا هو كذلك إذ لاحت سمكة نحو ذراع كأنّها سبيكة فضة، فجعل لمن يخرجها سَبقاً، فبدر بعض الفراشين فأخذها وصعد، فلمّا صارت على حرف العين أو على الخشب الذي عليه المأمون اضطربت وأفلتت من يد الفراش فوقعت في الماء كالحجر، فنضح من الماء على صدر المأمون ونحره وترقوته فبلّت ثوبه،... إلى أن قال: ثم أخذته رعدة من ساعته، فلم يقدر يتحرك من مكانه فغُطّي باللحف والدواويج، وهو يرتعد كالسعفة ويصيح البرد البرد!!!،... وفي ختام قصة المأمون هذه يقول المسعودي: فأحضر المأمون الأطباء حوله يؤمِّل خلاصه ممّا هو فيه، فلمّا ثقل قال: أخرجوني أُشرف على عسكري، وانظر إلى رجالي، وأتبيّن ملكي، وذلك في

1 . يونس:91.

صفحه 54
الليل، فأخرج فأشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته وما قد أُوقد من النيران، فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ]ثم قال بعدها[: يا من لا يموت ارحم من يموت، وقضى من ساعته.1
وهذا هو مصير الطاغية الذي تقمّص لباس الخلافة عن غصب والذي دسّ السمّ إلى إمام زمانه(عليه السلام)بعد أن أتى به من المدينة إلى طوس بتكريم وتبجيل، ولمّا رأى أنّ وجود الإمام الرضا(عليه السلام)بين المسلمين يورث توجه الأُمة إليه، عزم على التخلّص منه بقتله عن طريق السمّ، وبذلك صار عدواً لله ورسوله، وتوهّم أنّ الملك باق وغاب عنه أنّ الملك لله سبحانه وحده لا شريك له فيه، وندم على ذلك حين لا ينفع الندم.
هذا كلّه حول الآية الأُولى، وأمّا الآية الثانية .
21. (أَمْ مَنْ هَذَا الذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوّ وَ نُفُور):
تندّد الآية بالمشركين بأنّ أسباب الرزق كالمطر بيد الله، وهو الذي يرسل السماء مدراراً، فلو أمسك رزقه وحلّ الجفاف مكان الغيث، والجدْب محلّ الخِصب، فإلى مَن تلجأون فهل تلجأون إلى أصنامكم التي لا تسمع ولا تعقل كما قال:(أَمْ مَنْ هَذَا الذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ) ولكنّهم بدل أن يتأثروا بهذا المنطق أخذوا يعاندون الحق ويصرّون على الباطل جاوزوا في تماديهم ونفورهم عن الحق، كما قال:(بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوّ وَ نُفُور) فلا ينتفعون بجنودهم، كما في الآية الأُولى ولا يُرزقون عند الشدائد بأوثانهم، كما في

1 . مروج الذهب:3/458، بتلخيص.

صفحه 55
الآية الثانية، فعليهم أن يلتجأوا إلى الله العزيز الحميد .
22. (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):
نفترض أنّ إنساناً يمشي بجسم معتدل مستقيم القامة على طريق مستقيم.
ثمّ نفترض إنساناً يمشي منكِّساً وجهه إلى الأرض على طريق معوجّ أو على أرض متعرّجة غير مستوية مليئة بالعثرات.
فلا ريب أنّ الأوّل منهما سيصل إلى هدفه بلا مشقّة، لأنّه يرى ما أمامه وما حوله، والمفروض أنّ الطريق مستقيم لا معوجّ ولا ملتو.
وأمّا الثاني فبما أنّه منكِّس رأسه إلى الأرض، والطريق معوجّ، فهو لا يبصر الطريق وما فيه من عراقيل وموانع.
فظاهر الآية: أفمن يمشي منكِّساً وجهه إلى الأرض على طريق معوجّ ملتو، أهدى أم من يمشي بقامة مستقيمة على صراط مستقيم، فالثاني يصل إلى المقصود بلا عائق، وأمّا الأوّل فيبقى في الطريق لا يدري ماذا يفعل.
والآية تمثيل لحال الكافر والمؤمن، فالمهمّ تبيين كيفية كون الكافر يمشي منكّساً رأسه في طريق ملتو، والمؤمن يمشي مستوي القامة في طريق مستو خال من التعرّج والاعوجاج.
والذي يمكن أن يقال في الأمر الأوّل ـ أي كون الكافر يمشي مكباً على وجهه ـ هو أنّ النفور عن الحق والعتوّ اللّذين وُصِفَ بهما الكافر في قوله تعالى: (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوّ وَ نُفُور)يصبح كلٌّ حاجباً غليظاً أمام العقل

صفحه 56
والبصيرة، فيشبه من يمشي منكّساً رأسه لا يرى ما أمامه وقُدّامه.
وأمّا الأمر الثاني: أي كون طريق المؤمن مستقيماً خالياً عن الالتواء والاعوجاج، فلأنّه تابع لمنطق الحق وهو مَن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه فلا عائق ولا مانع في طريقه عن اتّباع الحق، فيشبه حاله بمن يمشي مستقيم القامة.
ولعلّ قوله سبحانه: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)1.
سورة المُلك: الآيات 23 ـ 27    
يبيّن حال كلّ من الكافر والمؤمن، فمثل الكافر المتعصّب الذي لا يرى إلاّ فكرته وفكرة عشيرته، أشبه بالأعمى والأصم.
وأمّا المؤمن الذي يتجرّد عن كلّ عقيدة مسبقة ويستمع كلام رجال الوحي فهو أشبه بالبصير والسميع.
وإن شئت قلت: إنّ المشركين بما أنّهم لم يكونوا على عقيدة واحدة فمنهم من يعبد «اللات» كقوم ثقيف، ومنهم من يعبد «مناة» كما عليه الأوس والخزرج، ومنهم من يعبد «هبل» كمشركي مكّة، فلم يكن الطريق أمامهم مذلّلاً فلا يدرون إلى أي من هذه الآلهة يلجئون ويتوسّلون، بخلاف المؤمن فإنّه يعبد الله وحده وليس عنده أي تحيّر فلا يوجد في طريقه أي التواء واعوجاج.
وإلى هذا الجانب تشير الآيتان التاليتان:
1. قول يوسف لصاحبيه في السجن:(أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).(2)

1 . هود: 24.   2 . يوسف:39.

صفحه 57
2. قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)1.
إلى هنا تبيّن وجود استعارتين في الآية الكريمة، ولكلٍّ شاهد في القرآن الكريم.

الآيات: الثالثة والعشرون إلى السابعة والعشرين

(قُلْ هُوَ الذِي أَنْشَأَكُمْ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الأَبْصَارَ وَ الأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَ يَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَ إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هَذاَ الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ).

المفردات

ذرأ: الذَّرْء هو الإكثار من الموجود، بخلاف الإنشاء وهو الإيجاد، فظهر الفرق بين قوله في الآية الأُولى: (هُوَ الذِي أَنْشَأَكُمْ) وفي الآية الثانية:(هُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ).
زُلفة: قريباً. والزُّلفة: المنزلة القريبة، والأصل فيه القُرب.
تدّعون: أي تكذِّبون، فضمّن معنى الكذب أي تكذبون، وإلاّ فيكون المراد تدّعون عدمه.

1 . الأنعام:153.

صفحه 58
 
التفسير
23. (قُلْ هُوَ الذِي أَنْشَأَكُمْ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الأَبْصَارَ وَ الأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ):
انتقل البيان القرآني إلى مخاطبة المشركين عن طريق النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)لغاية التبصير بالحجج والدلائل، قائلاً بأنّه خلقهم وجهّزهم بأدوات المعرفة من السمع والأبصار والأفئدة لغاية الشكر وهو استعمال هذه النعم في محالّها ولكن مع الأسف أنّ هذه الغاية لم تتحقّق منهم فقال: (قُلْ)أيّها النبيّ لهؤلاء المشركين (قُلْ هُوَ الذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ)فقدّم السمع والأبصار لأنّهما من أدوات الأفئدة حيث إنّ الحاسّتين المذكورتين سيبعثان ما أحسّاه إلى الأفئدة التي تقضي بواقع الحال.
لكن الكلام في وجه تقديم السمع على الأبصار؟
يذكر الشيخ محمد جواد مغنيه(رحمه الله) عن أديب معاصر قوله: «لا تتقدّم كلمة على كلمة في القرآن إلاّ لسبب، ولا تتأخّر كلمة عن كلمة إلاّ لسبب، وكمَثل بسيط نجد أنّ القرآن يقدّم السمع على البصر في الذكر في عديد من الآيات، وهي مسألة يعرف سرّها علماء التشريح، فهم يدركون أنّ جهاز السمع أرقى وأعقد وأدقّ وأرهف من جهاز الإبصار... والأُمّ لايتوه سمعها عن صوت بكاء ابنها وتميّزه من بين آلاف الأصوات... وتتوه عين أُمّه عنه في الزحام».1

1 . التفسير الكاشف:7/382.

صفحه 59
ويؤيد ذلك أنّ السمع أفرد بالذكر مع العقل ولم يذكر معهما البصر، كما في قوله: (قَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ).1
إنّما الكلام في أنّ السمع ورد في ثلاثة عشر موضعاً في القرآن وأفرد دون الأبصار، فلماذا لم يقل أسماعنا أو آذاننا، وإنّما ذكر السمع؟ لعلّ وجهه أنّ السمع جمع ـ كما نقل عن سيبويه ـ أو اسم جمع، والعلم عند الله تعالى.
ثمّ إنّ الفؤاد في الآية يعادل القلب والمجموع يعادل النفس الإنسانية. ثمّ إنّ الشكر كما قلنا بمعنى صرف النعمة في محلّها، فقوله: (قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) أي قليلاً من عبادي الشكور المؤمن بالله الموحِّد في جميع المجالات، ولا يراد به الشكر اللفظي وإن كان هو من مراتب الشكر.
وبذلك يعلم معنى قوله سبحانه:(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ).
24. (قُلْ هُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ):
قد عرفت الفرق بين الإنشاء والذرء، فعاد القرآن إلى نفس ما تقدّم في الآية السابقة لكن بتفاوت أنّ الموضوع في السابقة هو خلق الإنسان وفي المقام نشره وبسطه، والغاية هو الحشر والحياة بعد الموت كما قال:(قُلْ هُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
25. (وَ يَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):
من عجائب الأسئلة وأتفهها أنّ المشركين كانوا يصرّون على

1 . الملك:11.

صفحه 60
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يحدّد لهم وقت البعث وأنّه أين ومتى؟
قلنا: إنّه من أتفه الأسئلة، لأجل أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لو عيّن زمان البعث وقال لهم: بعد ألف سنة، فهل كان ينفعهم ذلك؟
الجواب: لا; لعدم بقائهم إلى ذلك الحين، نعم كان النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)يجيبهم بما علّمه الله تعالى حيث يقول:
26. (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَ إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ):
وقد كرّر هذا السؤال والجواب في غير واحدة من الآيات التي تقرّر استئثاره سبحانه بعلم الساعة لنفسه وقال:(إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ).1
سورة المُلك: الآيات 28 ـ 30    
27. (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هَذاَ الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ):
فقوله:(فلما) بالفاء تدلّ على أنّه نوع استنتاج لشيء، وبما أنّه لم يسبق ما يصلح له فالأنسب أن يقدَّر ويقال: فإذا حلّ بهم الوعد، ورأى المشركون مشهد القيامة وجهنم و لهيبها قريباً، فعند ذلك يشعرون بالغمّ والحزن الذي يطفح على وجوههم، لخروجهم من الشك إلى اليقين، كما قال: (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
فعلى هذا فالفعلان الماضيان أعني:(رَأَوْهُ) و (سِيئَتْ) صيغتا ماض استعملتا في المستقبل، وعند ذلك يخاطبون بقوله:(وَقِيلَ هَذاَ الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) أي كنتم تكذبون والآن رأيتموه بعين اليقين، وتقديم الجار ـ أعني: (بهِ) ـ لحفظ الفواصل.

1 . لقمان:34.

صفحه 61

الآيات: الثلاثة الأخيرة

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَني اللهُ وَ مَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب أَلِيم * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَل مُبِين * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَعِين).

المفردات

الإهلاك: الإماتة، وهذا دليل على أنّ المراد من قوله:(رَحِمَنَا) هو استمرار الحياة.
أجارَ: أغاث، وأجاره من العذاب: أنقذه.
غوراً: أي ذاهباً في أعماق الأرض.
مَعين: أي جار ظاهر للعيون.

التفسير

28. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَني اللهُ وَ مَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب أَلِيم):
قام المشركون في وجه دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأعمال مختلفة حتى يصدّوا الناس عن قبول دعوته فمن اتّهامه بالسحر والكهانة والشعر والجنون، إلى

صفحه 62
تعذيب المؤمنين به، إلى كتابة صحيفة المقاطعة الّتي أمضاها رؤساؤهم لمحاصرة النبي اقتصادياً واجتماعياً، إلى أن أجمعوا على اغتياله في بيته في أحد الليالي، فأنجاه الله سبحانه من شرّهم فلم يبق لهم أي رجاء في إخماد دعوته إلاّ انتظار وقت موته، كما يقول:(أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ).1
فالله سبحانه يأمر نبيه أن يجيبهم بأنّ موته مع موت من آمن به أو بقاءه في الحياة بالنسبة إليهم سواء، فإنّ العقوبة الإلهية ستحيط بهم فمن يجيرهم وينقذهم من هذا العذاب سواء أفُرض موته أو حياته فعليهم إذا كانوا عقلاء أن يفكّروا في أنفسهم ودفع العقوبة عنهم، كما يقول:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَني اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب أَلِيم).
إنّ تمنّي المشركين أشبه بتمنّي التلاميذ الأغبياء موت معلّمهم، فيتصوّرون أنّ موته سيخلِّصهم من التكاليف المجهدة، ولكنّهم بدل أن يفكروا في مستقبل حياتهم وأنّهم سيبقون أُميّين لا يُنتفع بهم إلاّ في الأعمال الشاقّة الصعبة،... .
29. (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَل مُبِين):
لعلّ الآية ردّ آخر لتمنّي موته وإخماد دعوته، بأنّ الله سبحانه وعده بالنصر ونشر دينه، فعلى ذلك فسواء أمات أم بقيّ حيّاً فالوثنية زائلة وسيحلّ التوحيد محلّها، ولذلك أمر الله نبيّه أن يقول:(قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ)أي عمّت

1 . الطور:30.

صفحه 63
رحمته العالمين ونحن (آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) فستنتشر دعوتي في أرجاء العالم، وعند ذلك (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَل مُبِين) وأنّ تمنّيكم كان تمنّياً خائباً.
وربما يُسأل أنّ الظرف في قوله: (آمَنَّا بِهِ) جاء مؤخّراً بعد الفعل، بخلاف الظرف في (عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) فقدّم عليه.
وأجاب عنه الزمخشري بقوله:
فإن قيل: لم أُخّر مفعول (آمنّا) وقدّم مفعول (توكّلنا)؟
قلت: لوقوع آمنّا تعريضاً بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم، كأنّه قيل: آمنّا ولم نكفر كما كفرتم ثمّ قال: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) خصوصاً لم نتّكل على ما أنتم متّكلون عليه من رجالكم وأموالكم .1
30. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَعِين):
أتمّ البيان القرآني هذه السورة بمثل التهديدات المتقدّمة في الآيات السابقة نظير قوله: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) وبما أنّ أهل مكة ومن حولها كانوا يستفيدون من الآبار جاء التهديد بقوله: (قُلْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا)في عمق الأرض (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَعِين) ظاهر على وجه الأرض، وليس لهم إلاّ أن يعترفوا أنّه ليس إلهٌ يقوم بدفع هذه البلية إلاّ الله سبحانه، ومع ذلك كلّه بقوا على ضلالهم.

1 . الكشاف:3/255.

صفحه 64
ثمّ إنّ للآية تفسيراً باطنياً يقف عليه الإمام المعصوم دون غيره، أي يقف عليه من أنزل القرآن في بيوتهم.
روى علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى بن جعفر(عليهما السلام) قلت له: ما تأويل قول الله عزوجلّ: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَعِين)؟ فقال: «إذا فقدتم إمامكم فلم تروه، فماذا تصنعون؟».
وروى أبو بصير عن أبي جعفر ]الباقر [(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَعِين) فقال: «هذه نزلت في الإمام القائم يقول: إن أصبح إمامكم غائباً عنكم لا تدرون أين هو؟ فمن يأتيكم بإمام ظاهر يأتيكم بأخبار السماوات والأرض وحلال الله وحرامه؟»ثمّ قال(عليه السلام):«والله ما جاء تأويل هذه الآية ولابدّ أن يجيء تأويلها».1
فإذا كان الماء عنصر الحياة الماديّة، فهداية المعصوم عنصر الحياة الروحيّة فصحّ تطبيق الآية عليه.
بقيت هنا أُمور:
الأوّل: أنّه ربما يتوهَّم متوهِّم أنّ الآيات بصدد سلب السببية عن الأسباب، أو الدعوة إلى ترك الأسباب، وهذا فهم خاطئ، وإنّما الآيات تدلّ على التوحيد في الربوبية ومعناها أنّ سببية الأسباب ووجودها كلّها ترجع إلى الله سبحانه، وليس لها أي استقلال في العمل، فعلى المؤمن أن يتحرّى الأسباب، ويسعى لنيل مطالبه من خلالها لكن بشرط الاعتقاد أنّ الجميع من جنود الله سبحانه وسننه ومجاري إرادته.

1 . كمال الدين وتمام النعمة: 325 ح 3، الباب 32 (ما أخبر به الباقر (عليه السلام) من وقوع الغيبة).

صفحه 65
وبما أنّ القرآن يركّز في غير واحدة من السور على هذا الأمر، فربما يتوهُّم الخاطئ أنّ الظواهر الماديّة كلّها مستندة إلى الله مباشرة بشهادة أنّه يسند كلّ الأشياء إليه، غافلاً عن أنّ الآيات بصدد دفع توهّم الاستقلال في تأثير الأسباب، وإلاّ فالآيات الدالّة على أنّ الكون يؤثر بعضه في بعض، كثيرة لا يمكن لمنكر أن ينكرها إذا تدبّر آيات القرآن الكريم.
الثاني: نقل الزمخشري: أنّ بعض الشطّار تُليت عنده هذه الآية، فقال: تجيء به الفؤوس والمعاول، فذهب ماء عينيه، نعوذ بالله من الجرأة على الله وعلى آياته.1
أقول: ما نسب إلى ذلك الشاطر لا شكّ أنّه كلام إنسان جاهل بسنن الله تبارك وتعالى، وأنّه سبحانه إذا سلب السببية عن الأسباب لما قدر أحد على الانتفاع بالأشياء، فلو تعلّقت إرادة الله على غور الماء في قرار الأرض، لما نفعت الفؤوس والمعاول. ولكن ما جاء في آخر كلامه من أنّه سبحانه «أخذه بجرأته على آياته بذهاب ماء عينيه فوراً» أمر لا يوافق سنّة الله تعالى، فإنّها جرت على إمهال الظالم وتأخير عقوبة العاصي؟ قال تعالى:(لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ).2
وقال علي(عليه السلام):«ولئن أُمهل الظالم فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجا من مساغ ريقه».3
الثالث: نقل ابن عاشور أنّ المراد من بعض الشطّار هو محمد بن زكريا

1 . انظر: تفسير الكشاف:3/356.
2 . الكهف:58.
3 . نهج البلاغة، الخطبة 97.

صفحه 66
الطبيب كما بيّنه المصنّف فيما نقل عنه.
لكنّ الرازي (المتوفّى 311 هـ) ـ والعلم عند الله ـ كان أوحد دهره وفريد عصره، قد جمع المعرفة بعلوم القدماء ولاسيّما الطب وكان يتنقّل في البلدان، وكان كريماً متفضّلاً بارّاً بالناس، حسن الرأفة بالفقراء والأعلاّء، حتى كان يجري عليهم الجرايات الواسعة، ويمرّضهم، وكان في بصره رطوبة لكثرة أكله للباقلي، وعمي في آخر عمره.1
ومَن كانت هذه منزلته في العمل والعلم لا يتجرأ على الله وآياته بفعل الجهلة.
وبما أنّ الرجل تخصّص بالعلوم الطبيعية، فأصبح ذلك الأمر مبرّراً لاتّهامه بالمادية، وكَيْل التهم إليه غافلين عن أنّ العالم الطبيعي يبحث عن سنّة الله تعالى في عالم الطبيعة، وبذلك يمهّد الطريق للاستفادة ممّا منّ به الله تعالى على عباده، ومن ثمّ الاستدلال بالسنن على موجدها وخالقها.
وهذه شنشنة أعرفها من كلّ متحجّر غافل عن سنن الله يمسّ بكرامة كثير من علماء الإسلام الذين كرّسوا أعمارهم للبحث عن قوانين الطبيعة وأحكامها، أرضياً كان أو فلكياً... وإلى الله المشتكى... .
***
تمّ تفسير سورة الملك

1 . فهرست ابن النديم:357.

صفحه 67
سورة القلم   

سورة القلم

(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون * وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُون * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّف مَهِين * هَمَّاز مَشَّاء بِنَمِيم * مَنَّاع لِلْخَيْرِ مُعْتَد أَثِيم * عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم * أَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْد قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى

صفحه 68
 
بَعْض يَتَلاَوَمُونَ* قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ * فَذَرْني وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ* فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ).

صفحه 69
سورة القلم: خصائص السورة   
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في كتب التفاسير بسورة «القلم»، وتُسمّى سورة «نون»أيضاً، وفي صحيح البخاري سورة (ن والقلم).1

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها اثنتان وخمسون آية بالإجماع، وهي مكيّة إلاّ أنّ المنقول عن ابن عباس أنّه قال: مكيّة من أوّلها إلى قوله:(سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ)وما بعده، إلى قوله:(لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) مدنيّ، وما بعده إلى قوله:(يَكْتُبُونَ)مكيّ، وما بعده: مدنيّ.2
ولا شكّ أنّ المعيار في كون الآيات مكيّة أو مدنية هو مضامينها أو صياغتها، فعلى القارئ الكريم أن يمعن النظر في سياق الآيات ومضامينها حتى يتوصّل إلى نتيجة قطعية، ولكن الظاهر حسب المعيارين أنّها مكيّة، والله العالم.

أغراض السورة

السورة تؤكّد على شخصية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وما حباه الله به من مزايا

1 . صحيح البخاري:1255، كتاب تفسير القرآن، برقم 68، قبل 4917.
2 . مجمع البيان:10/89 .

صفحه 70
ومواهب، وتدفع عنه بعض التُّهم الّتي رُمي بها من قبل المشركين، وتأمره بالتمسّك بالثوابت الّتي رُسمت له في تعامله مع المكذّبين برسالته، ولا يخضع لمنطق المساومة الذي يطرحونه للتنازل عن بعض مواقفه، لغاية الوصول إلى حلٍّ يرضيهم (ظاهراً) ويُنهي حالة العداء له .
ثمّ تصف السورة حال بعض المعاندين بصفات تسع تكشف عن خبثه وعناده.
وفي نهاية الأمر تؤكّد السورة بأنّ الكافرين يفخرون بكثرة المال والبنين، وهما من وسائل الابتلاء ثم يستشهد لذلك بقصة أصحاب الجنّة المذكورة في السورة على وجه التفصيل إلى أن تنتهي إلى ردّ مزعمة شائعة بين أصحاب الترف، وهي: أنّ وجود النعمة في الدنيا بأيديهم دليل على أنّهم أولياء الله وأحبّاؤه، غافلين عن أنّ الجميع من مقولة الاستدراج، ثمّ يأمر نبيّه بالصبر أمام أذى الكفّار، ويكرّر في آخر السورة نفس التهمة التي جاءت في صدرها، ثم يردّ عليها بأنّ كتابه جاء ذكراً للعالمين.
سورة القلم: الآيات 1 ـ 7    

الآيات: السبع الأُولى

(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون * وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُون * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

صفحه 71

المفردات

سطر: السَّطْر الكتابة، أي وضع الحرف على خط مستقيم.
الممنون: المقطوع.
الخُلُق: المرور في الفعل على عادة، ويفسَّر بالصبر على الحقّ وتدبير الأُمور على مقتضى العقل.
المفتون: المبتلى بتخييل الرأي كالمجنون.

التفسير

1. (ن وَ الْقَلَمِ وَ مَا يَسْطُرُونَ):
اختلفت كلمات المفسّرين في تفسير لفظة «ن» على أقوال:
1. هو أحد الحروف الهجائية نظير «حم» و «ص»، الواردة في أوائل السور، ويعبر عنها بالحروف المقطَّعة.
2. أنّ المراد هو الدواة.
3. أنّه الحوت.
وهناك أقوال أُخرى.1
والظاهر أنّ المراد به هو المعنى الأوّل، وذلك لأنّ المقام كسائر السور التي ورد فيها أحد الحروف الهجائية حيث جاء بعدها ذكر القرآن والوحي وما يرتبط بهما2، مشعراً بأنّ القرآن الكريم مؤلَّف من تلك الحروف. فلو

1 . لاحظ مجمع البيان:10/92.
2 . مثل قوله في سورة ص: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)، وقوله في سورة النمل: (طَس تِلْكَ   2
آيَاتُ الْقُرْآنِ وَ كِتَاب مُبِين)، وقوله في سورة ق: (ق وَ الْقُرْآنِ الَْمجِيدِ)، وقوله في سورة الشورى: (حَم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .

صفحه 72
كان القرآن من صنع النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فهذه المواد التي أُلِّف منها القرآن في متناولكم فأتوا بسورة من مثله إن استطعتم.
وأمّا المعنيان الآخران فيفقدان الصلة بما بعد ذلك الحرف، سواء أفُسّر بمعنى الدواة أم فسّر بمعنى الحوت.
يقول الزمخشري: أمّا قولهم هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي أم شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة فأين الإعراب والتنوين؟
وأي موقع لهما في تأويل الكلام؟
ويمكن أن يقال: إنّ لفظة «نون» إشارة إلى عامة الحروف الهجائية التي من نعم الله سبحانه، ولولاها لكان الإنسان أشبه بالبهائم، كما هو واضح.
ثمّ إنّه سبحانه بعد قوله«ن» يُقسم بشيئين:
1. القلم.
2. ما يسطرون.
ولفظة «ما» في (ما يَسطُرون)إمّا موصولة فيكون المعنى أقسم بالشيء الذي يكتبون، أو مصدرية فيكون المعنى أقسم بنفس الكتابة.
وعلى كلّ حال فالقسم يكشف عن كون المقسم به إمّا ذا أسرار يريد القرآن إلفات نظر الإنسان نحوها حتى يكتشف الإنسان أسرارها كما هو الحال في القسم بالشمس والقمر، أو أنّه أمرٌ ذا كرامة ومكانة عند الحالف، كما هو الحال في قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).1

1 . الحجر:72.

صفحه 73
والمقام من قبيل الثاني، فالله سبحانه يحلف بالقلم وبالمكتوب أو نفس الكتابة معلناً أهمية القلم والكتابة، فلولاهما لما كان من الحضارة والتقدّم أي أثر، إذ من الأُمور العسيرة أن يحفظ كلّ جيل ما عنده من المعارف والعلوم ثم ينتقل إلى الآخر عن طريق الحفظ على ظهر القلب، وهكذا، ولذلك كان للقلم والكتب دور عظيم في حفظ الحضارة.
وقد روي عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«ثلاثة تخرق الحجب وتصل إلى ما بين يدي الله: صرير أقلام العلماء، ووطء أقدام المجاهدين، وصوت مغازل المحصَنات».1
ثمّ إنّ لنا كلاماً حول دور القلم وأهميته ذكرناه في كتابنا«الأقسام في القرآن الكريم» نأتي بشيء منه، فنقول:
ثمّ إنّ في الحلف بالقلم والكتابة والمكتوب إلماعاً إلى مكانة القلم والكتابة في الإسلام، كما أنّ في قوله سبحانه: (عَلّمَ بِالقَلمِ) إشارة إلى ذلك، والعجب أنّ القرآن الكريم نزل وسط مجتمع ساده التخلّف والأُمّيّة، وكان من يجيد القراءة والكتابة في العصر الجاهلي لا يتجاوز عدد الأصابع، وقد سرد البلاذري في كتابه «فتوح البلدان» أسماء سبعة عشر رجلاً في مكّة وأحد عشر في يثرب».2
وهذا ابن خلدون يحكي في مقدمته: أنّ عهد قريش بالكتابة لم يكن بعيداً، بل كان حديثاً وقريباً بعهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).3

1 . الشهاب في الحكم والآداب:22.
2 . فتوح البلدان:457.
3 . مقدمة ابن خلدون:418.

صفحه 74
ومع ذلك يعود القرآن يحلف بالقلم ليؤكّد على مكانة القلم والكتابة في الحضارة الإسلامية، وأنّه صنع في ظلّ تعاليمه، من تلك الأُمّة، الأُمّيّة، أُمّة متحضّرة احتلّت مكانتها بين الحضارات، وليست هذه الآية وحيدة نسجها في الدعوة إلى القلم والكتابة، بل ثمة آية أُخرى هي أطول آية في الكتاب العزيز، يقول سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ).1
2. (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون):
هذا هو جواب القسم وإن شئت قلت هو المقسم عليه، والخطاب للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) و «الباء» في قوله:(بِنِعْمَةِ) إمّا للسببية، أي: ما أنت بمجنون بسبب النعمة، أو للمصاحبة، أي: ما أنت بمجنون مع النعمة التي أنعم عليك ربّك.
والظاهر أنّ النعمة هي النبوّة وهي دليل على كذب النسبة، إذ لا ينال تلك النعمة إلاّ الأمثل فالأمثل والأعقل فالأعقل من الرجال، فلو كان هؤلاء عقلاء فصاحب النبوّة أعقل منهم بكثير.
والآية تدحض تهمة الجنون التي رُمي بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم جاء التأكيد عليه في آخر السورة حين قال: (وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لََمجْنُونٌ * وَ مَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)، فما ورد في صدر السورة وما جاء في آخرها ردّ على التهمة مع الدليل والبرهان. أمّا صدر السورة فإنّ النعمة الموهوبة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أعني: النبوة ـ أدلّ دليل على كونه أعقل العقلاء.

1 . البقرة:282.

صفحه 75
وأمّا ما جاء في آخر السورة، أي قوله:(إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) فيؤكد أنّ من أُوتي هذا الذكر يجب أن يكون بعيداً عن أمثال هذه التُّهم...
وأمّا سبب رمي المشركين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنون فلأجل أنّه يحمل رسالة ذات تعاليم وقيم تخالف المألوف عندهم، ويُنكر الأوضاع الفاسدة السائدة فيهم، ويكافح من أجل تغييرها تغييراً جذرياً، ويسفِّه اعتقاداتهم الباطلة، ومَن يقوم بكلّ ذلك، في منطق الكبراء وأصحاب الجاه الزائف والمنافع غير المشروعة، ويقف في وجه ذلك التيار العارم، فهو مجنون، وليس عاقلاً.
نعم مَن يحرص على المكاسب الدنيوية الضيّقة، لايقف في وجه تلك الأوضاع المنحرفة السائدة في المجتمع ، إذ عندئذ تنقطع صلته بهم، ومن ثمّ يخسر مكاسبه ويفقد امتيازاته.
وأمّا إذا كان الإنسان مكلّفاً من جانب الله سبحانه بتحرير الناس من أسر الأفكار والتصوّرات الباطلة، والأوضاع الاجتماعية المنحرفة، فإنّه لا يفكّر في المنافع المادية، ولا في راحته واستقرار حياته، بل ينجز عملية التغيير في الأفكار والتصوّرات والأوضاع، وإن لاقى في سبيلها أنواع المشاقّ.
3. (وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُون):
الخطاب بظاهره للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبالتالي لعامّة الناس، حتى يقفوا على أنّ للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أجراً غير مقطوع، فكلّ من ينتفع برسالته فللنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نصيب منه.
كيف؟ وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يستغفر له».1 وفي

1 . روضة الواعظين:8 ; وسائل الشيعة:27/96; عدّة الداعي:68.

صفحه 76
رواية:«ورقة علم».1
وروي عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّ المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم، تكون تلك الورقة يوم القيامة ستراً فيما بينه وبين النار، وأعطاه الله بكلّ حرف مكتوب عليها مدينة في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرّات».2
فإذا كان حال من ترك ورقة علم ينتفع بها أو علماً ينتفع به، فما هو حال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اهتدى بفضل قرآنه وأحاديثه وسننه، و سيرته العملية، الملايين في كلّ عصر و جيل.
4. (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم):
الفرق بين الخَلق والخُلق هو أنّ الإنسان إذا تمّت خلقته فإيجاد التغيّر في أعضائه وأوصافه وشكله أمر غير ميسّر.
وأمّا الخُلق فهو عبارة عن الملكة النفسانية التي تصدر عنها الأفعال بسهولة، وينقسم إلى: الفضيلة وهي الممدوحة كالعفة والشجاعة، والرذيلة وهي المذمومة كالشَّره والجبن.
وإذا كانت الخلقة خارجة عن اختيار الإنسان حيث إنّها تتم و هو في الرِّحِم والمَلك يصوّره فيها، فإنّ الخُلق أي صنع الملكة الممدوحة أو الرذيلة، باختياره.
ولذلك نرى أنّه سبحانه يمدح النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (إِنَّكَ لَعَلَى

1 . التحفة السنية للجزائري:63; سنن النسائي:6/251; بحار الأنوار:2/22.
2 . الوسائل:27 / 26، باب وجوب العمل بأحاديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم); أمالي الصدوق:251، برقم 13.

صفحه 77
خُلُق عَظِيم) فإنّه باختياره كان يعاشر الناس بخلق حسن وهو في الوقت نفسه ردّ عنه تهمة الجنون، فإنّ المجنون لا يملك خُلقه فكيف حُسن خُلقه؟ وقد اتّفقت كلمات أهل السير على حسن خلقه(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكروا في المقام أحاديث وروايات كثيرة، وهذا هو الحسين بن علي(عليهما السلام) يحكي لنا سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في جلسائه فيقول: «كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، فلا يؤيس منه ولا يخيب فيه مؤمّليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذمُّ أحداً ولا يعيّره، ولا يطلب عثراته ولا عورته، ولا يتكلم إلاّ في ما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده».1
وقد بلغ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) القمة في حسن الخلق يوم فتح مكّة وفيها أعداؤه الذين أداروا عليه الدوائر فحاربوه في بدر وأُحد والخندق وآذوه ومن آمن به في موطنه، قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: حدّثني بعض أهل العلم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقف على باب الكعبة وهو يخاطب قريشاً فقال في آخر خطبته: «يا معشر قريش ما ترون أنّي فاعل بكم» قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ثمّ إنّه أقرّ ابن طلحة على السدانة، فقال: أين عثمان بن طلحة، فدعي له فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم برٌّ ووفاء.2

1 . معاني الأخبار:83(بتلخيص).
2 . السيرة النبوية لابن هشام:4/412.

صفحه 78
وسيوافيك شيء من خلق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على لسان عدوّه في بعض الآيات التالية.
وقد جمع السيد الطباطبائي كثيراً من مكارم أخلاقه(صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر الجزء السادس من تفسير الميزان، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه، ونقتصر منه بنقل رواية واحدة: قال: وفي «مكارم الأخلاق» نقلاً من كتاب النبوة عن علي(عليه السلام)أنّه كان إذا وصف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «كان أجود الناس كفّاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه، لم أر قبله ولا بعده مثله(صلى الله عليه وآله وسلم)».1
5 ـ 6. (فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ *بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ):
لمّا ذكر اتّهام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنون وردّ عليه بأنّ من أنعم الله عليه نعمة النبوة والوحي وهو في القمّة من الخُلق، يكون بريئاً من الجنون. ثم ردّ عليه بأنّ المستقبل خير مختبر يثبت أحقية أحد القولين، وعلى هؤلاء الذين يتهمونك بالجنون الصبر والأناة، (فَسَتُبْصِرُ) أنت يا رسول الله (وَ يُبْصِرُونَ)هؤلاء (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)(الباء) زائدة للتأكيد، و(المَفتون) اسم مفعول من الفتنة، بمعنى الابتلاء وأُريد به المبتلى بالجنون وفقدان العقل، أي يبصرون من المجنون هل أنت أو هؤلاء؟ فإنّ حركتك الرسالية ستثبت دهاءك وعقلك الوافر كما يثبت جهل هؤلاء مضافاً إلى أنّ الله سبحانه يعرف الهادي والمضلّ وهو كاف في الشهادة، كما يقول:

1 . الميزان في تفسير القرآن:6/303ـ338.

صفحه 79
7. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ):
انتهى البيان القرآني إلى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سيبصر والمشركين سيبصرون في المستقبل من هو المجنون أو صاحب الفتنة، وقلنا: إنّ الزمان مختبر صادق، ومن حسن الحظ أنّ المستقبل أثبت أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سائس محنّك وعاقل سام، وصادق في قوله ودعوته، فهذا عدوّه اللدود أبو سفيان يبيّن سمات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لهرقل ملك الروم، كما في الرواية التالية:
روى الطبريّ أنّه عندما وصلت رسالة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هرقل تدعوه إلى الإسلام، أمر صاحب شرطته وقال: قلّب لي الشام ظهراً وبطناً حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل حتى أسأله عن حاله، فإذا بصاحب الشرطة يلتقي بأبي سفيان وأصحابه وقد جاءوا إلى الشام للتجارة، فقال لهم: أنتم من قوم هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: انطلقوا بنا إلى الملك، قال أبو سفيان: فانطلقنا معه فلمّا انتهينا إلى الملك، قال: أنتم من رهط هذا الرجل؟ قلنا: نعم، قال: فأيكم أمسّ رحماً؟
فأجاب أبو سفيان:أنا، فاقعدني بين يديه وأقعد أصحابي خلفي، ثم قال: إنّي أسأله، فإن كذب فردّوا عليه.
ثم نقل الطبريّ الحوار الواقع بينهما:
الملك: أخبرني عن هذا الرجل الذي ظهر بين أظهركم يدّعي ما يدّعيه؟
أبو سفيان: أيّها الملك ما يهمّك من أمره، إن شأنه دون ما يبلغك.

صفحه 80
الملك: أنبأني عمّا أسألك عنه من شأنه؟
أبو سفيان: سل عمّا بدا لك.
الملك: كيف نسبه فيكم؟
أبو سفيان: أوسطنا نسباً.
الملك: هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول، فهو تشبّه به؟
سورة القلم: الآيات 8 ـ 16    
أبو سفيان: لا.
الملك: فهل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟
أبو سفيان: لا.
الملك: أخبرني عن أتباعه منكم من هم؟
أبو سفيان: الضعفاء والمساكين والأحداث من الغلمان والنساء.
الملك: فأخبرني عمّن تبعه أيحبّه ويلزمه أم يَقليه ويفارقه؟
أبو سفيان: ما تبعه رجل ففارقه.
الملك: أخبرني كيف الحرب بينكم وبينه؟
أبو سفيان: سجال يدال علينا ويدال عليه.
الملك: هل يغدر؟
أبو سفيان: لا، ونحن منه في هدنة، ولنأمننّ غدره.
ثمّ إنّ الملك فسّر علل الأسئلة وأنّه كشف من الأجوبة أنّه نبي كسائر الأنبياء، ثم أضاف: فلئن كنت صدقتني عنه ليغلبني على ما تحت قدميّ هاتين، ولوددت أنّي عنده فأغسل قدميه.1

1 . تاريخ الطبريّ:2/290ـ291.

صفحه 81
والفضل ما شهدت به الأعداء

الآيات: الثامنة إلى السادسة عشرة

(فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَ لاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّف مَهِين * هَمَّاز مَشَّاء بِنَمِيم * مَنَّاع لِلْخَيْرِ مُعْتَد أَثِيم * عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم * أَنْ كَانَ ذَا مَال وَ بَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ).

المفردات

تُدهِن: من الإدهان، بمعنى الملاينة والمصانعة.
حلاّف: المكثر من الأيمان على وعوده وأخباره.
مَهين: من مَهُن بمعنى حقُر و ذلّ.
همّاز: كثير الهمز والطعن في أعراض الناس.
مشّاء بنميم: الذي ينمّ بين الناس، بمعنى كثير الوشاية والسعاية بالنميمة والإفساد بين الناس.
منّاع للخير: لا يفعل الخير ويمنع الناس عن فعله.
معتد: ظالم، متجاوز للحدّ في المعاملة.
أثيم: كثير الذنوب والآثام.
عُتلّ: فظّ غليظ القلب.
زنيم: دعيّ لا يُعرف أبوه.

صفحه 82
أساطير: جمع أُسطورة، وهي القصص التي لا أصل لها.
الخرطوم: الأنف.
سَنَسِمه: أي نجعل له علامة تدلّ عليه.

التفسير

اشتملت هذه الآيات على نهيين:
أحدهما: النهي عن إطاعة المكذبين، فقال:(فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ).
ثانيهما: النهي عن إطاعة شخص أو أشخاص، له أو لهم صفات عشر. تأتي تباعاً.
إذا عرفت ذلك فلندخل في تفسير الآيات:
8 و 9. (فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ):
دلّ قوله سبحانه:(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) أنّ النبيّ هو المهتدي وأنّ عدوّه أو أعداءه هم الضالون، فرتّب عليه النهي عن إطاعة المكذّبين الذين يكذبون رسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والذين يريدون المصانعة والمداهنة حتى يتنازل النبيّ عن بعض ما يدعو إليه، قال: (وَدُّوا) المكذّبون (لَوْ تُدْهِنُ) أيّها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(فَيُدْهِنُونَ).
كان المشركون يتمنَّون أن يتنازل الرسول عن بعض ما يدعوهم إليه، ويستجيبوا هم بدورهم لبعض ما نهاهم عنه حتّى يتصالح الطرفان، فنهاه سبحانه عن إطاعة هؤلاء، والخطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن المقصود به تأديب المسلمين بالنهي عن التنازل عن الأُصول عند مواجهة العدوّ، وما هذا إلاّ لأنّ

صفحه 83
الرسالة السماوية كمنظومة واحدة، بين أجزائها صلة وثيقة لا يمكن التفكيك بينها، وهي كعِقد واحد لو انقطع لانفرطت شذراته.
ثمّ إنّ التصالح مع العدوّ على قسمين:
الأوّل: التنازل عن بعض الأُصول والمبادئ بمعنى حذفها من البرنامج الرسالي على الإطلاق لكي يرضي أهواء المشركين ويقع بينهما التصالح، وهذا هو الذي نهى سبحانه عنه.
وليست هذه الآية هي الوحيدة في المقام، بل ورد النهي عنه في آيات أُخرى، فقد اقترح المشركون إتيان النبيّ بقرآن غير هذا أو تبديله، فوافاه الوحي على النحو التالي:(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم).1
الثاني: تأخير إجراء بعض الأُصول إلى مدّة، لمصلحة مهمّة دون إسقاطها من برنامجه، كما هو الحال في صلح الحديبية، فقد اتّفق الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)مع مندوب قريش على الصلح بالنحو التالي:
دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم; قال: فقال سُهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللّهمّ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب، هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله سُهيل بن عمرو، قال: فقال سُهيل: لو شهدت أنّك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمَك واسمَ أبيك، قال: فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اكتب، هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله، سُهيل بن عمرو، اصطلحا على

1 . يونس:15.

صفحه 84
وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهنّ الناس ويكفّ بعضهم عن بعض.1
وقد أثبت المستقبل أنّ هذا النوع من الصلح كان مفتاح الظفر للإسلام والمسلمين، إذ لم يمض أكثر من سنتين حتى قوّض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قلاع الوثنية واحدة بعد أُخرى وفتح مكّة التي كانت معقل الشرك والمشركين، وطهّرها من دَنَسهم .
ثمّ إنّه سبحانه نهاه عن إطاعة فرد أو جمع اجتمعت فيه أو فيهم الرذائل وهي أقصى ما يتصوّره العقل، وقلّما يتّفق لإنسان أن يوصف بالصفات التالية، حيث قال:
10. (وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّف مَهِين) :
يكثر من الأيمان بلا سبب موجب، وهو حقير، على القول بأنّ (مَهِين)من مَهُن بمعنى ذلّ، أو ضعيف الرأي، على القول بأنّه من المهانة بمعنى ضآلة الرأي.
11. (هَمَّاز مَشَّاء بِنَمِيم):
أي طعّان في أعراض الناس، يمشي بالنميمة والسعاية بينهم لإفساد علاقاتهم وتأجيج الخلافات بينهم.
12. (مَنَّاع لِلْخَيْرِ مُعْتَد أَثِيم):
أي لا يفعل الخير ويمنع الناس من فعله، وفي الوقت نفسه معتد (من العدوان) على حقوق الآخرين، وغارق في الذنوب والآثام.

1 . السيرة النبوية لابن هشام:2/317.

صفحه 85
13.(عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم):
أي فظّ غليظ، وفي الوقت نفسه دعيّ لا يُعرف نسبه.
14. ( أَنْ كَانَ ذَا مَال وَ بَنِينَ):
وهو مغترٌّ بأمواله وأولاده، وإلاّ فالأولاد والأموال من نعم الله سبحانه على عباده، قال تعالى حاكياً عن شيخ الأنبياء نوح (عليه السلام)قوله:(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)1.
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «تناكحوا تكاثروا، فإنّي أُباهي بكم الأُمم ولو بالسقط».2
ولاشكّ في أنّ كونه ذا مال وبنين من صفاته الذميمة، فلأجل أنّهما صارا علّة لاغتراره وطغيانه، قال سبحانه:(كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى).3
15 و 16. (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ):
أي إذا تليت الآيات الكريمة رماها بأنّها أحاديث الأوائل التي سطّرت وكتبت، لا أصل لها، فهو كالأعمى إذا وصف له منظر جميل ينكره ويقول لا أصل له، لأنّه يفقد الحسّ المدرك له.

1 . نوح:12.
2 . فتح الباري:9/96.
3 . العلق:6ـ7.

صفحه 86
سورة القلم: الآيات 17 ـ 33    
وقد ذكر غير واحد من المفسّرين أنّ الموصوف بهذه الصفات هو الوليد بن المغيرة المخزومي (والد خالد بن الوليد)، حيث عرض على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)المال ليرجع عن دينه، وقيل غير ذلك. ثم إنّه سبحانه أوعده بقوله: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) والمراد من الخرطوم هو الأنف، ونَسِمه أي نجعل علامة وسِمة على أنفه، والأنف في لغة العرب يُكنّى به تارة عن العزّة، فيقال للعزيز: له أنف أشَمّ، وأُخرى عن الذلّة فيقال للذليل: أنفه في التراب.
والظاهر أنّ الوسم على الأنف أُريد به نهاية إذلاله بذلّة ظاهرة، يعرفه بها كلّ من رآه، والظاهر أنّ ذلك ممّا سيقع يوم القيامة .1

الآيات: السابعة عشرة إلى الثالثة والثلاثين

(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْد قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَلاَوَمُونَ* قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا

1 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 372 .

صفحه 87
خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ).

المفردات

بَلَوْنَاهُمْ : من البلوى أي الاختبار.
لَيصرِمُنّها: الصرم: الاقتطاف.
مُصبحين: الداخلين في الصباح.
يستثنون: من الاستثناء أي القول: إن شاء الله.
طائف: الطارق بالليل.
الصريم: الرماد الأسود، أو منقطع الرمل الذي لا نبات فيه.
يتخافتون: يتسارّون.
حَرْد: المنع والحرمان، وعلى هذا فمعنى (وَ غَدَوْا عَلَى حَرْد) أي أصبحوا على قصد منع الفقراء.
أوسطهم: أفضلهم وأعقلهم وأقربهم.

التفسير

لا شكّ أنّ الله سبحانه أنعم على قريش نعمة الأمن والرزق حيث يأتيهم الرزق من كلّ صوب، ويسّر لهم التجارة برحلتي الشتاء والصيف ومع ذلك كفروا بأنعم الله سبحانه، وعادَوا رسوله وطغوا، وكان عليهم الاعتبار بحال الأُمم السابقة الذين أنعم عليهم سبحانه نعماً كثيرة، فكفروا فسلبوا تلك

صفحه 88
النِّعم، ولأجل تنبيه قريش على المستقبل المظلم الذي ربما ينتابهم، ذكرَ سبحانه قصة أصحاب الجنة الذين كانوا غارقين في النعمة ثم سُلبوها بعذاب سماويّ، وإليك القصة:
روي عن ابن عباس أنّ شيخاً كانت له جنّة وكان لا يدخل بيته ثمرة منها ولا إلى منزله حتى يعطي كلّ ذي حقّ حقّه، فلمّا قُبض الشيخ ورثه بنوه و كان له خمس من البنين، فحملت جنته في تلك السنة التي هلك فيها أبوهم حملاً لم يكن حملت قبل ذلك، فراحوا الفتية إلى جنتهم في وقت العصر فأشرفوا على ثمر ورزق فاضل لم يعاينوا مثله في حياة أبيهم، فلمّا نظروا إلى الفضل طغوا وبغوا وقال بعضهم لبعض: إنّ أبانا كان شيخاً كبيراً قد ذهب عقله وخرف فهلمّوا نتعاهد ونتعاقد فيما بيننا أن لا نعطي أحداً من الفقراء في عامنا هذا شيئاً حتى نستغني وتكثر أموالنا ثم نستأنف الصنيعة فيما يستقبل من السنين المقبلة، فرضي بذلك منهم أربعة وسخط الخامس، وهو الذي قال الله تعالى عنه:(قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ)،... فقال لهم أوسطهم: اتقوا الله وكونوا على منهاج أبيكم تسلموا وتغنموا، فبطشوا به فضربوه ضرباً مبرحاً، فلمّا أيقن الأخ أنّهم يريدون قتله دخل معهم في مشورتهم كارهاً لأمرهم غير طائع، فراحوا إلى منازلهم ثم حلفوا بالله أن يصرموه إذا أصبحوا ولم يقولوا إن شاء الله، فابتلاهم الله بذلك الذنب وحال بينهم وبين ذلك الرزق الذي كانوا أشرفوا عليه1.
فلما وثبت في نفوسهم نوازع الطمع، وهبّت على قلوبهم سَموم الأثرة، وجفّت فيها مشاعر الرحمة والرأفة، وأرهفوا عزمهم لتنفيذ ما تعاقدوا عليه

1 . تفسير القميّ: 2 / 367 ـ 368.

صفحه 89
وهو أن يجنوا الثمر في الصباح الباكر على حين غفلة من الفقراء، ليستأثروا به وحدهم، ويضنّوا به على من لهم فيه نصيب، وناموا ليلتهم مسترسلين مع أحلامهم، دهمت بستانهم في تلك الليلة داهية دهياء، أتت على جميع ثماره، وأحرقته، فصيّرته رماداً كالليل الحالك.
وما أن تنفّس الصبح حتى نهض هؤلاء الغافلون،يحضّ بعضهم بعضاً على الإسراع لجني ثمار بستانهم، فمضوا إليه وهم يتهامسون فيما بيّتوه من شحّ وبخل. اندهشوا حين رأوا ما حلّ ببستانهم وغمرتهم سحابة من الحزن المُمِضّ والهمّ الفادح، واعترفوا بمجانبتهم للصواب في سلوكهم الذي قادهم إليه الحرص والطمع، وأيقنوا أنّهم بجنايتهم على أنفسهم سبّبوا حرمانهم من نعم البستان، لعزمهم على حرمان المساكين منها.
إذا عرفت حال أصحاب الجنّة، فلنعد إلى تفسير الآيات.
17. (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ):
(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ) الضمير المتصل يرجع إلى المكذّبين، الذين هم صناديد قريش وأكابرهم.
وأمّا الابتلاء فيحتمل وجهين:
1. أنّه سبحانه اختبر أهل مكّة بنعمة الأمن والرزق وجعل الرزق يأتيهم من كلّ جهة، ويسّر لهم سبل التجارة في الآفاق، بنعمة الإيلاف في رحلة الشتاء ورحلة الصيف.1

1 . التحرير والتنوير:29/74.

صفحه 90
2. أنّه سبحانه اختبر أهل مكة بالجوع والقحط.
أمّا الوجه الأوّل ففيه أنّه سبحانه يشبّه حال أهل مكّة بحال أصحاب الجنة، ووجه الشبه ليس مجرد وجود النعمة بل فقدانها بعد وجدانها، فبسبب بخل أصحاب الجنة بالصدقة سلب الله عنهم النعمة، وعلى هذا فالظاهر هو الوجه الثاني. أمّا وجود النعمة في أهل مكّة فواضح كما مرّ بيانه، وأمّا سلب النعمة، فقد روى المفسّرون في تفسير قوله تعالى:(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين) إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا عليهم فقال: «اللهم سنين كسنين يوسف».1
وروى القمّي في تفسير قوله سبحانه:(حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)2 إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا عليهم وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» فابتلاهم بالقحط.3
وقال الطبرسي في «مجمع البيان» ـ في تفسير قوله تعالى:(إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ)4 ـ : فلمّا كشف الله سبحانه ذلك عنهم بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) واستسقائه لهم عادوا إلى تكذيبه.5
كلّ ذلك يدلّ على أنّ مصير قريش كمصير أصحاب تلك الجنة، والله تعالى اختبرهم بالجوع والقحط وسلب النعمة منهم، بعد أن توفرت النعمة لديهم كما هو حال أصحاب الجنة.

1 . التبيان:9/226.
2 . المؤمنون:64.
3 . تفسير الصافي:3/404، نقلاً عن تفسير القمّي. ولاحظ : بحار الأنوار: 9 / 128; تفسير البيضاوي: 4 / 160 .
4 . الدخان:15.
5 . مجمع البيان: 9/111.

صفحه 91
(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ) أي المكذبين (كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) أي حلفوا فيما بينهم ليصرمنّ الثمار، ويجنونها مبكراً، إذا دخلوا في وقت الصباح.
18. (وَ لاَ يَسْتَثْنُونَ) :
أي(وَ لاَ يَسْتَثْنُونَ) لأيمانهم بأن يقولوا: إن شاء الله، ووجه تسمية الجملة الشرطية استثناءً في الآية هو أنّ الأصل في ذلك قوله تعالى: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ)1.
ويحتمل أن يكون المراد: أي لا يستثنون أحداً من الفقراء من منعهم بل يحرمون الكلّ، ولعلّ الثاني هو الأظهر، حسب حال أهل القصّة.
19. (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نَائِمُونَ):
بينما هم يعيشون في غرور سلّط الله على جنتهم صاعقة مهلكة وهم نائمون، وكأنّ كلمة طائف كناية عن البلاء، أو كناية عن المَلك الذي أحرق الجنة.
20.(فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ):
أي أصبحت الجنة، وقد احترقت، كقطعة من الليل الأسود، في نفس تلك الليلة، الّتي نام فيها أصحاب الجنة على نيّة سوداء، بحرمان الفقراء من ثمراتها.

1 . الكهف:23ـ 24.

صفحه 92
21. (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ):
كان أصحاب الجنة يتصوّرون أنّها على حالها، وأنّ الثمار تزهو بها أشجارها، غافلين عن إحاطة النار بها، ولذلك نادى بعضهم بعضاً وقت الصباح:
22. (أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ):
أي انطلقوا إلى بستانكم لقطف ثماره، يقولون ذلك:
23. (فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ):
أي يتهامسون بينهم.
24. (أَنْ لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ):
أي كانوا يتسارّون بمنع دخول المسكين جنتهم، كأن كلاًّ يوصي غيره بذلك، فمضَوا إلى بستانهم وهم مصمّمون على منع الفقراء من ثمارها كما قال:
25. (وَ غَدَوْا عَلَى حَرْد قَادِرِينَ):
أي أصبحوا على قصد منع الفقراء، بزعم أنّهم قادرون على ذلك، وعلى هذا فالظرف ـ أعني: (عَلَى حَرْد) ـ متعلّق بقوله:(قَادِرِينَ): أي قادرون على منع المساكين من الدخول في الجنة، وربما يقال: إنّ المعنى: أو مقدّرين في أنفسهم أنّهم سيصرمونها ولا يساهمون المساكين بشيء منها، والأوّل أوضح.

صفحه 93
26. (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ):
أي فلمّا جاءوا إلى مشارف البستان ورأوا أنّ أشجاره وأثماره صارت كالليل الأسود، فعند ذلك أفاقوا من غفلتهم وأخذ بعضهم يلوم بعضاً، بأنّهم معترفين بضلالهم وأنّ هذا المصير كان جزاءً لما عزموا عليه في الليل من منع دخول المساكين البستان.
27. (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ):
أي كنا بصدد حرمان الفقراء فصارت النتيجة معكوسة، حيث أصبحنا نحن المحرومون.
28. ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ):
وقد مرّ في تقرير القصة أنّ أخاً لهم، كان أعقلهم وأقربهم إلى الخير، نصح لهم بأنّ مصير تلك العزيمة ربما ينتهي إلى حرمانهم، ولكنّهم لم يقبلوا نصيحته ، وأمّا قوله: (لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ) فقد قاله في نفس الوقت الذي عزموا فيه على حرمان الفقراء والمراد به: لولا تشكرون الله قولاً وفعلاً بالبذل والعطاء، قال لهم هذا بحنان وإشفاق عليهم.
فإن قلت: ما هي الصلة بين الأمر بالتسبيح والشكر لله وبالتصدّق على الفقراء؟
قلت: لأنّ هؤلاء كانوا يتصوّرون، وقد استبدّت بهم مشاعر الأنانية،
أنّ التصدّق بالمال على المساكين يفضي إلى الفقر وضيق العيش، وكأنّ
هذا كان سوء ظن بالله سبحانه، القادر على الإعطاء وإفاضة الرزق

صفحه 94
فلذلك أمرهم بالتسبيح والتنزيه.
ويحتمل أنّه يكون هذا هو كلامه لهم عند مشاهدة الجنة على صيرورتها كالليل الأسود فيأمرهم بالتسبيح وتنزيهه سبحانه عن كلّ فكرة لا تليق بساحته، والشاهد على ذلك الآية التالية:
29. (قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ):
حيث ظلموا أنفسهم وصار عزمهم على المنع سبباً لسلب النعمة عنهم، وعند ذلك أفاقوا من الغفلة.
30. (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَلاَوَمُونَ):
وكأنّ المراد أنّ كلّ واحد منهم يحمِّل الآخرين التبعة والمسؤولية.
ومع ذلك كلّه فقد اجتمعت كلمتهم على ظلمهم أنفسهم.
31. (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ):
أي تجاوزنا الحدّ في الظلم.
32. ( عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ):
فكانت الإفاقة سبباً لإنابتهم إلى الله طالبين منه أن يبدلهم خيراً ممّا فاتهم.
سورة القلم: الآيات 34 ـ 47    
وهل أنّ الله سبحانه قبل توبتهم واستجاب دعوتهم؟ فالآيات ساكتة عن ذلك.
ثم إنّ البيان القرآني لمّا انتهى من تشبيه مصير إحدى الطائفتين بالأذى

صفحه 95
عاد إلى أمر آخر وهو أنّ ما شاهده القوم من الجوع والقحط أو مشاهدة أصحاب الجنة من احتراق الثمار كلّها صور من عذابات الدنيا، وأين ذلك من عذاب الآخرة؟ كما يقول سبحانه:
33. (كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ):
فقوله: (كذلك) خبر مقدّم، والعذاب مبتدأ مؤخّر، أي سيكون هكذا عذاب الدنيا، و أمّا عذاب الآخرة فهو أكبر وأشدّ، لأنّه ناشئ عن غضب إلهي لا يقوم في مقابله شيء.

الآيات: الرابعة والثلاثون إلى السابعة والأربعين

(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالُْمجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ * فَذَرْني وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ * أَمْ

صفحه 96
عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ):

المفردات

تدرسون: الدرس إدامة القراءة.
زعيم: المتكفِّل، من الزعامة أي الكفالة.
ترهقهم: رهقه الأمر أي غشيه.
مَغرم: الغرم ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر لغير جناية منه أو خيانة. والغَرام ما ينوب الإنسان من شدّة أو مصيبة.

التفسير

اشتملت هذه الآيات على إبطالات خمسة لما يفترض للمشركين من الأعذار، وهذا النوع من التعذير والإبطال قليل النظير في الكتاب العزيز، وإن شئت فلاحظ قوله:
1.(أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ).
2.(أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
3.(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ).
4.(أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ).
5. (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ).
فقوله: (أَمْ) في هذه المواضع إبطال لما يفترض لهم من الأعذار إذا اعتذروا بها.

صفحه 97
ولهذه الإبطالات نموذج آخر ورد في سورة الطور، وهو قوله تعالى:
(أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ *قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَان مُبِين * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَ لَكُمُ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ *أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ *أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).1
وقد جاء فيها ستة عشر إبطالاً للأعذار المتصوّرة للمشركين، وهذا الأُسلوب من خصائص الذكر الحكيم.
هذه نظرة عامّة لهذه المجموعة من الآيات، ولنعد إلى تفسيرها.
34. (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ):
لما ذكر مصير المشركين وتعذيبهم في الدنيا والآخرة عاد البيان القرآني إلى ذكر مقام المتقين عند الله وشأنهم فقال:(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) فكلمة النعيم كلمة جامعة لجوامع الكلم، والمتقي هو القائم بامتثال أوامره ونواهيه في كافّة المجالات.
35. (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ):
الظاهر أنّ هذه الآية ردّ للزعم الباطل بأنّ تقدير الرزق في الدنيا

1 . الطور:30ـ 43.

صفحه 98
لشخص ما، دليل على فضله وعلى كونه محبوباً لله وسيُرزق عنده في الآخرة، بل ربما يتجاوزون الحدّ ويتصوّرون أنّ الفقير في الدنيا مغضوب عليه من الله سبحانه ولولا أنّه كذلك لأنعم عليه، وقد حكاه عنهم سبحانه في سورة (يس) قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل مُبِين).1
فالآية ردّ لزعمهم الباطل، فهل يمكن أن يساوي الله بين المحسن والمسيء في كفّة الميزان؟ فالمسلم هو المحسن، والمجرم هو المسيء، فهل يصحّ في منطق العقل التساوي بينهما؟
36. (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ):
وفي الآية التفات من الغيبة إلى الحضور، أي ارجعوا إلى عقولكم فهل تحكم بالتساوي؟ وهذا دليل على أنّ الإنسان بالفطرة يدرك الحسن والقبح، ويدرك ما يجب أن يُفعل وما يجب أن يُترك، فالله سبحانه يرشد الكفّار إلى فطرتهم، هل تقضي بالتساوي أو لا؟ وقد صرّح بمثل ذلك في آيات أُخرى منها قوله تعالى: (لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ).2
وقال أيضاً: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)3.

1 . يس:47.
2 . الحشر:20.
3 . ص:28.

صفحه 99
37 و 38. (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ):
انتقال من توبيخ إلى احتجاج على كذبهم والتساؤل عن مصدر كذبهم هذا، حيث كانوا يتقّولون بأنّهم «يُرزَقون في الآخرة، إذا كان ثمّة بعث وجزاء، كما رُزقوا في الدنيا»، وربما يُتصوَّر أنّهم يستندون في حكمهم هذا إلى كتاب يقرأون فيه، فيرد عليهم سبحانه بقوله:(أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ) أي هل عندكم كتاب من السماء أو الأرض تقرأون فيه:(إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ)؟ أي لكم في الدنيا ما تحبّون وفي الآخرة ما تشتهون، فمن أين هذا الزعم؟
نعم سبق المشركين اليهودُ والنصارى، فإنّهم ادّعوا أنّهم أبناء الله وأحباؤه، قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)1.
39. (أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ):
انتقال إلى احتجاج آخر وردّ لما يتوهّم من أنّ مصدر زعمهم عهد أخذوه على الله لأنفسهم بأن يساوي بين المسيء والمحسن أو يعاملهم كمعاملة المسلمين، فيرد عليهم سبحانه بقوله:(أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا)أي
هل أخذتم عهوداً علينا(بَالِغَةٌ) أي مؤكَّدة لا تُنقَض(إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ
لَمَا تَحْكُمُونَ
)وهذه الفقرة نظيرة الآية السابقة، أعني قوله تعالى:(إِنَّ لَكُمْ
فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ
)، فهو بيان لمتعلّق الأَيمان، فيقول: هل لكم علينا
عهود أقسمنا فيها قَسماً مؤكّداً إلى يوم القيامة أنّا سلَّمنا وقبلنا أنّ لكم

1 . المائدة:18.

صفحه 100
لما تحكمون به وأنّ لكم هذا الخيار؟
40. (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ):
التفت البيان القرآني عن خطاب المشركين إلى خطاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يأمره بسؤالهم عن القائل بأمر التسوية؟ أي من الذي يدّعي المساواة بين الفريقين؟
41. (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ):
الآية ردّ على ما يُتوهَّم من أنّ مبدأ التساوي بين الفريقين هو وجود الآلهة التي يعبدها هؤلاء يشفعون عند الله حتى يجعل المشركين في كفّة المسلمين، فيردّ عليهم بإنكار الشركاء، بقوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ) بصورة الاستفهام الاستنكاري(فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ).
ولمّا دحض سبحانه كلّ مزاعمهم، أخذ في بيان أهوال يوم القيامة، فقال:
42. (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ):
كأنّ هذه الآية ردٌّ لزعم المكذّبين الباطل من أنّ الله سيسعدهم في الآخرة كما أسعدهم في الدنيا لو كان هناك بعث وحساب، فيردّ عليهم أنّ السعادة الأُخروية رهن عبادة الله تعالى وهؤلاء لم يسجدوا لله تعالى طيلة عمرهم فكيف يسعدون؟ وستظهر نتيجة تعنتهم في هذه الدنيا، في الآخرة، فإذا أمرناهم بالسجود لا يستطيعون.

صفحه 101
وأمّا قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق) فمعناه: يوم يشتدّ الأمر ويتفاقم، وهو كناية عن هول يوم القيامة وشدّة الأمر فيه دون أن يكون هناك ساق وكشف، وليس هذا أمراً بديعاً، حيث يقال للإنسان الشحيح: يده مغلولة، مع أنّه لا يد ولا غُلّ.
ومن كان له أدنى إلمام باللغة العربية يقف على أنّ هذه التراكيب تستعمل في الشدّة، ووجه ذلك أنّ المرء إذا عزم على المشي السريع يرفع ثيابه ويكشف عن ساقيه، ولذلك يقال للإنسان المجدّ: شمّر عن ساعد الجدّ. والمعنى يوم تبلغ أحوال الناس منتهى الشدّة والروع وهي أشدّ ساعات يوم القيامة.
سُئل ابن عباس عن قوله تعالى:(يُكْشَفُ عَنْ سَاق)؟ فقال: إذا خفي عليكم شيء في القرآن فابتغوه في الشعر، فإنّه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر:
وقامت الحرب بنا على ساق
وقال القتيبي: أصل هذا أنّ الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجدّ فيه، يشمّر عن ساقه، فاستعير الكشف عن الساق في موضع الشدّة، وتفسير الآية: يوم يشتدّ الأمر كما يشتدّ ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساقه.1

حول رواية كشف الربّ عن ساقه

روى البخاري في صحيحه، عن أبي سعيد(رحمه الله) قال: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . مجمع البيان:10/106.

صفحه 102
يقول: «يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا، رياءً وسمعةً فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً».1
وروى السيوطي في «الدر المنثور» عن عدّة من المحدّثين منهم الحاكم وصحّحه، والبيهقي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة، وينزل الله في الغمام فينادي مناد: يا أيّها الناس ألم ترضوا من ربّكم الذي خلقكم وصوّركم ورزقكم أن يُولِّي كلّ إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويتولّى؟ أليس ذلك من ربكم عدلاً؟ قالوا: بلى، قال: فينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يعبد في الدنيا، ويتمثّل لمن كان يعبد عزيراً شيطان عزير، حتى يمثل لهم الشجرة والعود والحجر، ويبقى أهل الإسلام جثوماً فيتمثّل لهم الربّ عزّ وجلّ، فيقول لهم: ما لكم لم تنطلقوا كما انطلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا ربّاً ما رأيناه بعد، فيقول: فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه، قال: وما هي؟ قال: (يُكْشَفُ عَنْ سَاق)فيكشف عند ذلك عن ساق فيخرّ كل من كان يسجد طائعاً ساجداً، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون».(2)
أقول: إنّ هذه الرواية مهما تعدّدت صورها وأسانيدها، لاتصحّ حتّى وإن نقلها أصحاب الصحاح في كتبهم2، لأنّها تُثبتُ أنّ لله ساقاً فإذا كشف

1 . صحيح البخاري: 1200، برقم 4919، تفسير سورة القلم.   2 . الدر المنثور:8/257.
2 . روى مسلم بإسناده عن أبي سعيد الخدري: أنّ ناساً في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قالوا: يارسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم... (إلى أن قال): حتّى إذا لم يبقَّ إلاّ من كان يعبد الله تعالى من برٍّ وفاجر، أتاهم ربّ العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من الّتي رأوه فيها. قال: فما تنظرون؟ تتبعُ كلُّ أُمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربّنا فارقْنا الناسَ في الدنيا أفقرَ ما كنّا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئاً ـ مرتين أو ثلاثاً ـ حتّى أنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيُكشف عن ساق.... صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، رقم 343.

صفحه 103
عن ساقه خرّ الناس سجّداً، وهذا يستلزم أن يكون سبحانه جسماً، وأن يكون في حيّز خاص حتّى يُرى، وكلا الأمرين يخالفان الكتاب المجيد والعقل الحصيف، وقد قال سبحانه في محكم كتابه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)1، وقال: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)(2).
إنّ هذه الرواية وأمثالها من آفات مستسلمة أهل الكتاب، الذين روّجوا عقائدهم الباطلة بادّعاء أنّها أقوال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخذها عنهم السُّذَّج من المحدّثين، ثم أودعها من تأخّر عنهم من أصحاب المسانيد والصحاح في كتبهم، ثقةً منهم بأُولئك المحدّثين، بزعم أنّها روايات صحيحة.
وقد بسطنا الكلام في ردّ هذا الافتراء في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل» وفي كتابنا «الحديث النبوي بين الرواية والدراية»، فراجع.2
قوله تعالى: (وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ):
وذلك لاستقرار ملكة الاستكبار في سرائرهم وفي ذلك اليوم تبلى السرائر.
43. (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سَالِمُونَ):

1 . الشورى:7.   2 . الأنعام: 103 .
2 . بحوث في الملل والنحل:2/289ـ293; والحديث النبوي بين الرواية والدراية: 370، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، الطبعة الثانية، 1430 هـ .

صفحه 104
(خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ) أي تغشاهم الذلّة، ونسبة الخشوع إلى الأبصار لظهور أثره فيها قبل كلّ شيء، (وَ قَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سَالِمُونَ): من الآفات والعاهات، فلا يسجدون، فلذلك حصلت عندهم ملكة الاستكبار فسببت تكبّرهم على الله في الدنيا والآخرة.
ثمّ إنّ الأشاعرة بدلاً عن الرجوع إلى العقل في امتناع التكليف بمالايطاق استدلّوا بآيات توهّموا أنّها تدلّ على التكليف بما لا يطاق، منها هذه الآية:(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ).
وجه الاستدلال: أنّه إذا جاز تكليفهم في الآخرة بما لا يستطيعون، جاز ذلك في الدنيا.
يلاحظ عليه: أنّ الدعوة إلى السجود في ذلك اليوم ليست عن جدّ وإرادة حقيقية، بل الغاية من إنشاء البعث، إيجاد الحسرة في قلوب المشركين التاركين للسجود حال استطاعتهم منه في الدنيا. والآية بصدد بيان أنّهم في أوقات السلامة رفضوا الإطاعة والامتثال، وبعدما كُشف الغطاء عن أعينهم ورأوا العذاب همّوا بالطاعة والسجود ولكن أنّى لهم ذلك في الآخرة، فعلى هذا فقوله:(يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) لا طلباً ولا تكليفاً عن جدّ، بل لزيادة الحسرة على تركهم السجود في الدنيا مع سلامتهم، كما يقول المعلم لتلميذه الذي يعلم أنّه سيرسب في الامتحان، ادرسْ وطالعْ واسهر الليالي، لا عن جدّ، بل لإيجاد الحسرة في قلبه لأنّه أتلف وقته باللعب في أيام الدراسة.
44. (فَذَرْني وَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ):

صفحه 105
الآية تؤذن بإعلان الحرب عليهم من الله عزّ وجلّ، وأنّه تعالى سيتولّى بنفسه الانتقام من المكذّبين، ويريح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والذي آمنوا معه منهم ومن شرّهم، فقوله:(فَذَرْني وَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) بمنزلة قول القائل لصديقه:لا تتدخّل واتركني مع هؤلاء لأعاملهم بما يستحقّونه.
ثم يضيف سبحانه:(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) أي نمدّهم بالأموال والأولاد حتى إذا ركنوا إلى الدنيا وظنوا أنّهم في حصن حصين أخذهم أخذ عزيز مقتدر، وسمّى سبحانه هذا الإمهال بالاستدراج، وذلك لأنّ الاستدراج عبارة عن استنزال الشيء من درجة إلى أُخرى في مثل السلّم، ثم شاع إطلاقه على المعاملة الحسنة للمسيء إلى وقت عقابه، ولذلك قال: (مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ).
45. (وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ):
وكأنّ الآية تفسير للاستدراج، لأنّ معنى أُملي أُمهل وأُؤخّر، حيث يتصوّرون، واهمين، أنّ الإمهال نعمة لهم لعدم وقوفهم على واقعه، وأنّ ظاهره النعمة وباطنه الحسرة.
وإطلاق الكيد هنا من باب المشاكلة، فإنّ الكيد من صنع العاجز، والله هو القادر المطلق، وذلك لأنّ تعجيل الإحسان وتعقيبه بالإساءة أشبه بفعل الكائد.
46. (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ):
قوله تعالى: (فَهُمْ) في موضع الابتداء خبره (مُثْقَلُون)، وقوله:(مِنْ مَغْرَم) متعلّق به، فكأنّه يقول: فهم مثقلون من مغرم. وقد مرّ أنّ (مَغْرَم) ما

صفحه 106
يفرض على المرء أداؤه من ماله بغير عوض ولا جناية ، فالآية إضراب لغرض إبطال أمر آخر وكأنّهم كانوا يدّعون أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يسألهم أجراً على رسالته فامتنعوا من الإيمان لثقل غرامة المال على نفوسهم، فيقول:(أَمْ تَسْأَلُهُمْ) يا رسول الله (أجراً)حسب زعمهم، فيكون المال الذي طلبته أشبه بغرامة ثقيلة عليهم. وحصيلة الآية إبطال الفرض أي طلب الأجر حتّى يعتذروا بثقل الغرامة، لأنّ شعار الأنبياء من أوّلهم إلى آخرهم :
(وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْري إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ).1 وقد تكرّر مضمون الآية في هذه السورة غير مرّة.
47. (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ):
أي هل عندهم بصحّة ما يدّعونه علم اختصّوا به لا يعلمه غيرهم، فهم يتوارثون ذلك العلم بالكتابة.
سورة القلم: الآيات 48 ـ 52    

الآيات: الثامنة والأربعون إلى آخر السورة

(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَ هُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَ إِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لََمجْنُونٌ * وَ مَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ).

1 . الشعراء:109.

صفحه 107

المفردات

الحوت: السمك.
المكظوم: المملوء غيظاً. وقيل: المحبوس.
التدارك: من الدرْك وهو اللحاق.
العراء: الأرض العارية من النبات.
النبذ: الطرح والترك.
ليزلقونك: زلق بمعنى زهق، يقال: زهقت نفسه، من الأسف على الشيء، قال تعالى:(وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ)1.(2)
وربما قيل: إنّ الزلق بمعنى الزلل، أي زلل الرجل من ملامسة الأرض من طين عليها أو دهن، كما في قوله:(فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا)(3).
ولمّا كان الزلق يفضي إلى السقوط غالباً أطلق الزلق على السقوط، فمعنى ليزلقونك أي يسقطونك ويصرعونك.2

التفسير

48. (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَ هُوَ مَكْظُومٌ):
لمّا فرغ سبحانه من إبطال مزاعم المشركين والأعذار التي تشبّثوا بها

1 . التوبة:55 و 85 .   2 . مجمع البيان:10/109.   3 . الكهف:40.
2 . التحرير والتنوير:19/100، ولاحظ : المفردات للراغب:215.

صفحه 108
في تكذيب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعدم الإيمان برسالته، صار يبشره بالظفر مشروطاً بصبره(صلى الله عليه وآله وسلم) أمام المكذّبين، فإنّ الصبر مفتاح الفرج، بأن يقتدي بسائر الأنبياء أُولي العزم كنوح وإبراهيم دون النبي يونس(عليه السلام)حيث فقد العزم وجوزي بالدخول في بطن الحوت، قال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) أي قضاء ربّك (وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) أي يونس بن متّي الذي فقد العزم أمام تكذيب قومه وضجر منهم واستعجل عقابهم وإهلاكهم، وبذلك فقد العزم اللازم في طريق أداء الرسالة، فجوزي بالتقام الحوت له، وعند ذلك أصبح مكظوماً، منادياً وهو محبوس في بطنه بقوله:(لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)1، ومعنى ذلك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمر بالاستقامة أمام تكذيب قومه والصبر على عنادهم وصدودهم عن الحقّ، وعدم تركهم إلاّ أن يأذن الله.
49. (لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ):
ولعلّ المراد بـ (نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ) أنّه سبحانه وفّقه للتسبيح في بطن الحوت، كما قال: (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).(2)
ولولا هذه النعمة (لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ)، ولكنّه في ظل هذه النعمة صار غير مذموم كما يقول:
50. (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ):
أي من جملة المطيعين لله، بل أكثر من ذلك حيث أُرسل إلى هداية قومه، كما يقول: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ).(3)

1 . الأنبياء: 87 .            2 . الصافات:143ـ 144.   3 . الصافات:147.

صفحه 109
51. (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لََمجْنُونٌ):
عاد البيان القرآني إلى تكرار التهمة التي أُشير إليها في صدر السورة، وأنّهم يتّهمونه بالجنون شأن كلّ مصلح يخالف الفكر السائد في المجتمع، غير أنّ صدر هذه الآية يشير إلى أمر آخر، وهو أنّ الكافرين يكادون يزلقون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بأبصارهم، وفي تفسير هذه الفقرة نظران:
الأوّل: عداء المكذّبين أمر لا ينقطع، ثم ينظرون إليك بعين ملؤها الغيظ والغضب، وكأنّهم يريدون صرعك وهلاكك.
قال الرازي: إنّهم من شدّة تحديقهم ونظرهم إليك شزراً بعيون العداوة والبغضاء، يكادون يزلّون قدمك، من قولهم: نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني، ويكاد يأكلني: أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله، وهذا معنى قوله:(وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ).1
وعلى هذا، يكون (لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ) تعبيراً عن شدّة عدائهم، فيقال: فلان ينظر إليّ كأنّه يريد أن يقتلني ويهلكني أو يأكلني.
الثاني: يصيبونك بأعينهم، والآية إشارة إلى الإصابة بالعين، ويستشهدون على ذلك بما جاء في الخبر، أنّ أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله: إنّ بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: «نعم، فلو كان شيئاً يسبق القدر لسبقته العين».2

1 . تفسير الرازي:3/100.
2 . مسند أحمد: 6 / 438 ; سنن الترمذي: 3 / 267 برقم 2136 ; بحار الأنوار: 92 / 132 ح 10.

صفحه 110

إلفات نظر

أنا لا أحوم حول مسألة الإصابة بالعين، إلاّ أنّي أُلفت نظر القارئ إلى سنّة شائعة في بلدنا، وهي أنّك لا تكاد تدخل بيتاً إلاّ وتجد هذه الآية قد كتبت على لوحة وعلّقت في باب البيت أو في أوّل مدخل له.
وقد شاع، في هذه الأيام، كتابة هذه الآية المباركة على البلاط وتثبيتها فوق الباب.
وكأنّ صاحب البيت يفكّر أنّ من يدخل بيته ربما تؤثّر عينه في إلحاق الشرّ بالبيت أو أهله، فيدفع بهذه الآية شرّ العيون الحارّة.
وهذا حتّى لو كان صحيحاً في الواقع فإنّه ينمّ عن سوء ظنّ من صاحب البيت بجيرانه وأهل بلده، وأنّهم أصحاب عيون حارّة.
وأظن أنّ شيوع هذا الأمر يعرب عن وجود تطيّر من بعض الداخلين إلى البيت، فالأَولى الالتجاء إلى الله سبحانه حتى يدفع شرّ العيون الحارّة عن البيت وأهله.
وعلى كلّ تقدير، فهذه شقشقة هدرت ثم قرّت.
وفي الختام يرد سبحانه على المكذّبين بقوله:
52. (وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ):
فليس القرآن كلام بشر فضلاً عن كونه كلام مجنون.
***
تمّ تفسير سورة القلم

صفحه 111
سورة الحاقة   

سورة الحاقة

(الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَ مَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَر عَاتِيَة * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَال وَثَمَانِيَةَ أَيَّام حُسُومًا فَتَرى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل خَاوِيَة * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة * وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَ حُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ

صفحه 112
 
بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ * أنِّي ظَنَنْتُ إنِّي مُلاَق حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَة رَاضِيَة * فِي جَنَّة عَالِيَة * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنى عَنّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَة ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِين * لاَ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ * فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِن قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ).
سورة الحاقة: الآيات 1 ـ 12    

صفحه 113
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في التفاسير بسورة «الحاقّة»، وربما تُسمّى بسورة «الواعية» أخذاً من قوله:(وَ تَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) وهو قول نادر، والمشهور هو الأوّل لوقوع الحاقّة في أوّل السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها اثنتين وخمسون آية، وهي مكّية بالاتّفاق، تشهد لذلك صياغتها ومضمونها.

أغراض السورة

يدور الكلام فيها حول محاور ثلاثة:
الأوّل: يذكر إجمالاً مصير الأُمم الذين كذّبوا رسل الله وكذّبوا باليوم الآخر فأخذهم الله سبحانه أخذة رابية.
الثاني: يذكر أهوال يوم القيامة وانقسام الناس يومئذ إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال واختلاف مصائرهم.
الثالث: يؤكّد على أنّ القرآن الكريم وحي إلهي وليس بقول شاعر ولا كاهن، وأنّ الرسول الذي ثبتت رسالته بالمعاجز الباهرة لو تقوَّل على الله بعض الأقاويل لما أمهله الله.

صفحه 114
 
التفسير

الآيات: الأُولى إلى الثانية عشرة

(الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَ مَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَ أَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَر عَاتِيَة * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَال وَ ثَمَانِيَةَ أَيَّام حُسُومًا فَتَرى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل خَاوِيَة * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة * وَ جَاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً *إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ).

المفردات

الحاقّة: على زنة «فاعل» من حقّ الشيء إذا ثبت وقوعه، والتاء في آخرها تاء المرّة، ولكن لمّا أُريد به المصدر قطع النظر عنها.
القارعة: من القرع بمعنى ضرب شيء على شيء، والمراد ما يقرع القلوب بأهواله.
الطاغية: طغى أي تجاوز الحدّ، والطاغية هي الواقعة المجاوزة للحدّ في الشدّة.

صفحه 115
صَرصَر: الريح الشديدة البرد.
عاتية: من العتوّ بمعنى الطغيان والابتعاد عن الطاعة.
حسوماً: المتوالية والمتتابعة، وربما يقال هو من الحسم بمعنى القطع أي قطعتْ دابرَهم.
صرعى: جمع صريع وهو الملقى على الأرض ميّتاً.
أعجاز: أُصول النخل إذا قطعت للانتفاع بأعواده.
الخاوية: الخالية التي لا شيء في جوفها.
المؤتفِكات: المَنقلبات، جمع مؤتفكة، مشتقّ من ائتفك، يقال: إئتفك البلد بأهله: انقلب، وهو كناية عن الخسف.
الرابية: من قوله: ربا، يربو: إذا زاد، والمراد هنا: الشدّة، فقوله:(أَخْذَةً رَابِيَةً) كناية عن الأخذ بشدّة، كاستئصالهم وعدم إبقاء أحد منهم.
واعية: الوعي: جعل الشيء في الوعاء، والمراد أخذ الأُذن ما سمعته وتقريره في النفس وحفظه، لتستفيد منه في المستقبل.

التفسير

1 ـ 3. (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ):
الآية الأُولى تخبر عن وقوع شيء وثبوته بالإجمال وعند ذلك يستعدّ السامع لأن يسأل المتكلّم: ماهي؟ ولذلك قيل :(مَا الْحَاقَّةُ)، ولأجل تعظيم الشيء وإيجاد التهويل في ذهن المخاطب، يقول: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ)أي

صفحه 116
مَن الذي أفهمك وأدراك ما هي الحاقة؟
وعلى هذا فكلمة الحاقة الأُولى مبتدأ، و «ما» الاستفهامية في قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) مبتدأ ثان، خبره (الْحَاقَّةُ) الثانية، ومجموع الجملة خبر للحاقة الأُولى.
وظاهر الآية أنّها تخبر عن أمر حقيقي واقع لا يشوبه شكّ، وأمّا ما هو المراد منه، فأغلب المفسّرين على أنّ المراد يوم القيامة، ولكن الظاهر أنّ المراد هو قصة تعذيب الجاحدين، المكذّبين برسالة الأنبياء السابقين بالقارعة.
والدليل على ذلك، ما ذكره الراغب في مفرداته حيث قال: كلّ موضع ذكر في القرآن (وَمَا أَدْرَاكَ) فقد عقب ببيانه نحو:(وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ* نَارٌ حَامِيَةٌ)1.
و قوله:(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر)2 إلى أن يقول:وكلّ موضع يقول فيه:(وَمَا يُدْرِيكَ) لم يعقبه بذلك نحو:(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)3، وقوله:(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)4.5
لمّا جاءت ـ هنا ـ بعد ثلاث آيات، قصة تعذيب الأُمم السابقة كعاد وثمود وفرعون... فعلى هذا يكون المراد بالحاقّة، هو الآية التالية ومابعدها.

1 . القارعة: 10 ـ 11 .
2 . القدر: 2 ـ 3 .
3 . عبس: 3 .
4 . الشورى: 17 .
5 . المفردات للراغب: 168، مادة «درى».

صفحه 117
4. (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عَادٌ بِالْقَارِعَةِ):
أي كذّبوا بيوم القيامة، فإنّ القارعة من أسماء يوم القيامة، يشهد عليه سورة «القارعة».
5. (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ):
والطاغية عنوان جامع يشمل الصيحة والرجفة والصاعقة، إذ عبّر القرآن الكريم عن نوع العذاب الذي أصاب قوم ثمود بهذه التعابير الثلاثة، قال سبحانه:(وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)1، وقال أيضاً:(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ)2، وقال أيضاً:(فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ)3، فالظاهر أنّ العذاب الذي أهلكهم به كان صاعقة سماوية، وسائر التعابير وصف لها ولآثارها، لأن الصاعقة تقترن عادة بصوت مدوّي، وهو الصيحة، رافقه اهتزاز في الأرض وانهيار فيها، وهو الرجفة، أو يقصد بها ارتجاف قلوبهم وارتعاد فرائصهم من هول ذلك الصوت.
6. (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَر عَاتِيَة):
أي بريح شديدة البرد عاصفة، متجاوزة الحدّ في هبوبها وبرودتها.
7. (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَال وَ ثَمَانِيَةَ أَيَّام حُسُومًا فَتَرى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل خَاوِيَة):

1 . هود:67.
2 . الأعراف:78.
3 . فصلت:17.

صفحه 118
أي أنّ الله تعالى سلّط على عاد ريحاً لمدة سبع ليال وثمانية أيام متتالية، أو حاسمة وقاطعة لدابرهم، فترى أيّها المخاطب القوم على أثرها، جُثثاً هامدة، ملقاة على الأرض كأنّها أُصول نخل خالية الأجواف، متآكلة.
وفي لفظ «الخاوية»: تشبيه رائع يصوّر لنا ضخامة قاماتهم التي اقتلعت من الجذور، بالإضافة إلى خواء أبدانهم من الروح والعقول.
8 . (فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة):
أي أهلكهم من أوّلهم إلى آخرهم باستئصال، وقد أشار إلى ذلك المعنى في آية أُخرى وقال:(وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَ ثَمُودَ فَمَا أَبْقَى).1
«والباقية» أما اسم فاعل والتاء في آخرها باعتبار أنّها وصف للنفس، أي من نفس باقية ويحتمل أن تكون مصدر والتاء للوحدة، كالحاقة بمعنى البقاء أي فهل ترى لهم من بقاء والأوّل أنسب.
9.(وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ):
كانت الآية السابقة ناظرة للأقوام قبل بعثة النبي موسى(عليه السلام) وكان لقصة ثمود وعاد انتشار عند المشركين من أهل مكّة لأنّهما من العرب البائدة، وكانت ديارهما مجاورة لمكّة من الشمال والجنوب، وأمّا هذه الآية فناظرة إلى الأُمم الماضية كفرعون ومن قبله وقوم لوط، فما هو المراد ممّن قبله؟
لعلّ المراد قوم نوح وقوم إبراهيم، كما أنّ المراد من المؤتفكات قرى لوط، فالجامع بين هذه الطوائف وما قبلها تكذيب الأنبياء والرسل فيما جاءوا

1 . النجم:50ـ 51.

صفحه 119
به، ولذلك يقول سبحانه:
10. (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً):
أمّا فرعون فقد أُغرق هو وجنوده في البحر، كما قال (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)1.
وأمّا قوم لوط فأهلكهم بمطر السَّوء كما قال:(وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا)(2).
غير أنّ وصفهم بالمؤتفكات يكشف عن أنّهم عُذِّبوا بالخسف أيضاً. ويشهد له قوله تعالى: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل)2. وهذه الآية تكشف، أيضاً، عن ماهيّة مطر السَّوْء .
11. (إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ):
الآية إشارة إلى طغيان الماء في عصر النبي نوح(عليه السلام) الذي ابتلع قومه الجاحدين إلاّ من ركب منهم من المؤمنين في الجارية (السفينة).
12. (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ):
أي أنّ الغاية هي أنّ تكون عظة وعبرة للبشرية، يتذكّرون بها آلاء الله على عباده المؤمنين الذين انقادوا للحقّ، ويتفكّرون فيها ليدركوا عظيم قدرته سبحانه في إهلاك الجاحدين المصرّين على الظلم والعصيان. وهذه التذكرة لا ينتفع بها إلاّ صاحب الأُذن الواعية.

1 . طه: 78 .   2 . الفرقان:40.
2 . الحِجْر: 74 .

صفحه 120
روي في «الدر المنثور» في قوله تعالى:(حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) قال: السفينة، وفي قوله:(لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً)أي تذكرون ما صنع بهم حيث عصوا نوحاً(وَ تَعِيَهَا) يقول: وتحصيها(أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)يقول: أُذن حافظة، يعني حديث السفينة.
وروي أيضاً: لمّا نزلت(وَ تَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «سألت ربي أن يجعلها أُذن عليّ» قال مكحول:فكان عليٌّ(عليه السلام) يقول: «ما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً فنسيته».
وأخرج بإسناده عن بريدة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ:«إنّ الله أمرني أن أُدنيك ولا أُقصيك، وأن أعلّمك وأن تعي، وحقّ لك أن تعي» فنزلت هذه الآية: (وَ تَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ).
وفي حديث آخر قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عليّ إنّ الله أمرني أن أُدنيك وأُعلّمك لتعي» فأُنزلت هذه الآية: (وَ تَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) فأنت أُذُن واعية».1
وروى الرازي هذه الروايات وأمثالها بألفاظ مشابهة.2
سورة الحاقة: الآيات 13 ـ 24    

الآيات: الثالثة عشرة إلى الرابعة والعشرين

(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذ وَاهِيَةٌ * وَ الْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا

1 . الدر المنثور:8/267.
2 . لاحظ : تفسير الرازي:30/107.

صفحه 121
وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ *يَوْمَئِذ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ * إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاَق حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَة رَاضِيَة * فِي جَنَّة عَالِيَة * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ).

المفردات

النفخ: نفخ الريح في الشيء.
الصُّوْر: مثل قرْن ينفخ فيه، فيجعل الله ذلك سبباً لعود الصُّوَرِ والأرواحِ إلى أجسامها.
الدكّة: الدكّ: حطِّ المرتفع بالبسط. ودكَّ الأرضَ: سوّى صعودها وهبوطها.
واهية: الوَهيُ: شق في الأديم والثوب، وكلّ شيء استرخى رباطه فقد وهِيَ. وربما يقال: وهِيَ عظمه إذا تسامح وتساهل... .
الأرجاء: النواحي واحدها رَجا، والتثنية رجَوان.
خافية: نفس خافية، أو فعلة خافية، فلا يخفى على الله شيء منهما.
هاؤم: اسم فعل أمر بمعنى خذوا.
كتابيه: أصله كتابي، والهاء للسكت، ومثله:(حِسَابِيَهْ).

صفحه 122
 
التفسير
هذا هو المحور الثاني من هذه السورة، حيث يتعرّض لذكر يوم القيامة، وأنّ النظام السائد يوم القيامة غير النظام الموجود حالياً، فينحلّ النظام السائد و يرتفع، ويحل محلّه نظام آخر.
ثمّ إنّ لتحقّق النظام الثاني علائم ومحقّقات، واندكاك الأرض وانشقاق السماء من محقّقاته، وقد جاء في هذه السورة المباركة أُمور منها ما هو علامة ومنها ما يكون محقّقاً ليوم القيامة، وهي بالإجمال عبارة عن الأُمور التالية:
1. النفخ في الصور.
2. دكّ الأرض والجبال وصيرورتهما قاعاً صفصفاً.
3. انشقاق السماء بعد صلابتها.
4. تواجد الملائكة على أرجائها وأطرافها، والسماء مكان الملائكة...
5. رفع عرش الرب بثمانية منهم.
فعند ذلك تظهر السرائر، وتُعلم الضمائر فلا يخفى شيء، وإليك تفسير هذه الأُمور حسب ما ذكرت في هذه السورة.
13. (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ):
يظهر من بعض الآيات وقوع نفختين يوم القيامة، قال تعالى:
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)1، فهل هذه النفخة

1 . الزمر:68.

صفحه 123
المذكورة هنا هي الأُولى لإماتة من في السماوات والأرض، أو هي النفخة الثانية لإحيائهم؟ احتمالان. ولعلّ الظاهر هي الأولى منهما.
14. (وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَ الْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً):
وحمْل الأرض والجبال إحاطة القدرة بهما،1 ثم تسويتهما بالدّكّ، حتّى تصيران أرضاً لا ارتفاع فيها ولا هبوط، كما قال تعالى: (لاَ تَرى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ أَمْتًا)2.
15. (فَيَوْمَئِذ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ):
الجملة جواب لـ«إذا» في قوله:(فَإِذَا نُفِخَ)أي تحقّق ما كان متوقّعاً وقوعه، فعبّر بالماضي لكونه محقّق الوقوع.
والواقعة من أسماء يوم القيامة، قال تعالى: (إذا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)3.
16. (وَ انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذ وَاهِيَةٌ):
أي انفصلت بعضها عن بعض، وزالت بأمر الله، تلك القوة التي تحافظ على تماسكها (فَهِيَ يَوْمَئِذ وَاهِيَةٌ) أي شديدة الضعف لانتقاص بنيتها.
17. ( وَ الْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ):

1 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 397 .
2 . طه: 107 .
3 . الواقعة: 1 .

صفحه 124
(وَالْمَلَكُ) اسم جنس أُريد به الملائكة، والمعنى أنّ الملائكة بعد اندكاك الأرض والجبال وانشقاق السماء ينتشرون هنا وهناك في أنحاء الفضاء.
إنّ العرش حسب اللغة هو السرير وبما أنّ الملوك يجلسون ويدبّرون ما فوقه ملكهم، ويُصدرون منه أحكامهم، صار العرش مظهر القدرة و السلطة وسبباً لأن يُكنّى به عنهما، يقول الشاعر:
إذا ما بنو مروان ثُلّت عروشهم *** وأودتْ كما أودتْ أياد وحِمْيرُ
ولا يريد الشاعر تهدّم العروش التي كانوا يجلسون عليها، بل يريد زوال ملكهم وسيطرتهم وانقطاع سلطتهم. ويقول الآخر:
إن يقتلوك فقد ثللتَ عروشهم *** بعتيبة ابن الحارث بن شهاب
والله سبحانه أخرج كلامه على المتعارف من كلام العرب، وعلى هذا ففي العرش هنا احتمالان:
1. وجود مقام مجرّد عن المادّة وآثارها، يدبّر منه ما في الكون: مادّيّه ومجرّده، وأمّا ما هي حقيقة ذلك المقام فهو من الأُمور الغيبية.
2. إنّ العرش عبارة عن صفحة الوجود كلّه، فالعالم كلّه مادِّيه ومجرّده عرش الله سبحانه وموضع حكومته فكان يدبّر قبل يوم القيامة عن طريق الملائكة المستعدّين لتنفيذ أوامره، والسنن التي سنّها الله سبحانه في عالم الطبيعة. وعندما يزول النظام السائد ربما يخطر ببال الإنسان، أنّه إذا زالت السماوات والأرض، فقد زلّ ملك الله سبحانه وعرشه ولا يبقى شيء يسيطر عليه.

صفحه 125
ويجاب عن ذلك: بأنّ النظام القديم وإن زال إلاّ أنّه سيأتي نظام آخر يتمثل بعرشه يوم القيامة، وأنّ القائمين بتدبير أُمور هذا العرش هم ثمانية، وأمّا من هم الثمانية؟ فالوحي ساكت عن ذلك.
ثمّ إنّ الضمير في قوله:(فوقهم) يرجع إلى الملائكة لما تقدّم ذكرهم في قوله:(وَ الْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا) فالملائكة تحيط العالم من جميع جهاته فيكون المقصود كون عرشه فوقهم من حيث العلو المقامي.
وعلى ذلك فالعرش فوق الملائكة وحملة العرش هم أشخاص أعلى وأفضل من الملائكة، أو أنّهم ملائكة ولكنّهم أفضل من السابقين.
كلّ ذلك من الأُمور الغيبية التي يجب الإيمان بها تحقيقاً، لقوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)1.
ثمّ إنّ المجسّمة والمشبهة استدلُّوا بهذه الآية على أنّ الله عزّ وجلّ يجلس على عرش، غافلين عن أنّ الجالس يكون جسماً مفتقراً إلى مكان غيره، والخالق لا يفتقر إلى شيء.
وأيضاً يلزم أن يكون المكان قديماً ولا قديم إلاّ الله سبحانه.
ثمّ إنّ هنا سؤالاً وهو: لماذا عبّر الله سبحانه عن سلطته وتدبيره العالم بكلمة العرش؟ وللرازي إجابة عن هذا السؤال، قال: السبب في هذا الكلام هو أنّه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه، فخلق لنفسه بيتاً يزورونه، وليس أنّه يسكنه تعالى الله عنه، وجعل في ركن البيت حَجَراً هو يمينه في الأرض، إذ كان من شأنهم أن يعظّموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة

1 . البقرة:3.

صفحه 126
له لا لأنّ النسيان يجوز عليه سبحانه، لكن هذا هو المتعارف، فكذلك لمّا كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على سرير ووقف الأعوان حوله، أحضر الله يوم القيامة عرشاً وحضرت الملائكة وحفّت به، لا لأنّه يقعد عليه أو يحتاج إليه بل لمثل ما قلناه في البيت والطواف.1
وقال الراغب: سمّي مجلس السلطان عرشاً اعتباراً بعلوّه وكنّي به عن العزّ والسلطان والمملكة، قيل: فلان ثُلّ عرشه، ثم قال: قوله:(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ)2 هو إشارة إلى مملكته وسلطانه لا إلى مقرٍّ له يتعالى عن ذلك.(3)
18. (يَوْمَئِذ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ):
بما أنّ يوم القيامة يوم ظهور السرائر و بروز الضمائر، فتُعرض الخلائق على الله يومئذ لتوفية الحساب، فلا يخفى هناك شيء من أي إنسان.
19 و 20 . (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ * إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاَق حِسَابِيَهْ):
بما أنّ يوم القيامة هو يوم الحساب والجزاء فالجزاء وفق صحيفة الأعمال.
سورة الحاقة: الآيات 25 ـ 37    
ثمّ إنّ الفائزين في هذا السباق يُعطون كتبهم بأيمانهم تشريفاً و تجليلاً ليكون آية لنجاحهم وفوزهم، فإذا أخذ المؤمن كتابه يصبح مسروراً، ويبادر

1 . تفسير الرازي:30/109. وهو جميل لولا قوله: احضر الله يوم القيامة عرشاً.
2 . غافر: 15.   3 . المفردات للراغب:329ـ330، مادة «عرش».

صفحه 127
إلى إطلاع الآخرين بأنّه من الفائزين، ويقول لهم: صحيفة أعمالي اقرأوها.
كما يقول سبحانه: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) تشريفاً و تكريماً(فَيَقُولُ) للآخرين، والسرور يملأ جوانحه: (هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ).
(إنِّي ظَنَنْتُ) وأيقنت في الدنيا (أنِّي مُلاَق حِسَابِيَهْ) فكنت أعمل بما أصل به إلى هذه المثوبة.
ثمّ هذا الإنسان الذي أخذ صحيفة أعماله بيمينه، كأنّه استلم بطاقة السماح له بالدخول إلى الجنة، ولذلك يقول سبحانه:
21 ـ 23. (فَهُوَ فِي عِيشَة رَاضِيَة * فِي جَنَّة عَالِيَة * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ):
أي في عيشة يرضاها صاحبها، ولماذا لا يرضى، وهو(فِي جَنَّة عَالِيَة)أي رفيعة القدر والمكان، (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) أي أنّ ثمارها قريبة ممّن يتناولها؟
وعند ذاك يوافيهم الترحيب من الله سبحانه أو من ملائكته، فيقال لهم:
24. (كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ):
أي بما قدّمتم من الأعمال الصالحة عبر حياتكم .

الآيات: الخامسة والعشرون إلى السابعة والثلاثين

(وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنى عَنّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ

صفحه 128
صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَة ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَ لاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَ لاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِين * لاَ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ).

المفردات

القاضية: الفاصلة بالإماتة، يقال: قضى فلان إذا مات، و منه قوله سبحانه:(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)1.
غُلُّوه: شُدُّوه بالغُلّ، وهو القَيد الذي يجمع اليدين إلى العنق .
صَلّوه: من التصلية، ومنه الاصطلاء وهو الدخول في النار أو الاحتراق بها.
الجحيم: النار العظيمة.
السلسلة: حَلَق منتظمة تتّصل كلّ واحدة منها بالأُخرى.
ذَرْعها: الذرع في اللغة التقدير بالذراع، يقال: ذرَع الثوب: يذرعه ذرعاً إذا قدّره بذراعه.
غِسلين: ما يسيل من أبدان أهل النار من قَيح وصَديد.
الخاطئون: جمع خاطئ، وهو الذي يتعمّد الذنب.

1 . الأحزاب:23.

صفحه 129
 
التفسير
لمّا سبق بيان حال المؤمنين وأنّهم يأخذون صحائف أعمالهم بأيمانهم وبدخول الجنة بترحيب وتكريم، حان بيان مصير الكافرين والطغاة والعصاة من الناس، الذين كانوا لا يقيمون لأوامره تعالى وزناً و قيمة وينكرون البعث والجزاء، فإذا قام الناس لربّ العالمين سيشاهدون ما كانوا ينكرون ويندمون ولن ينفعهم الندم، كما يقول سبحانه:
25. (وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ):
وما جاء في هذه الفقرة على ضدّ ما مرّ في بيان حال المؤمنين وقولهم، أعني قوله تعالى:(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ).
فالمؤمن يدعو الآخرين إلى قراءة كتابه; سروراً وافتخاراً بما كُتب فيه من أعمال صالحة، والكافر يتمنّى أن لا يكون ممّن أُوتي كتابه; تحسُّراً على ما ا ستُنسخ فيه من أعمال أثيمة.
26. (وَ لَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ):
وهو يقابل قوله في حقّ المؤمن:(إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاَق حِسَابِيَهْ)، فالمؤمن من كان متيقّناً بالحساب والكافر من كان جاحداً له، و على هذا فيكون معنى قوله:(وَ لَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ) أي كنت مكذِّباً بالحساب.
27. (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ):

صفحه 130
الضمير في (لَيْتَهَا) يرجع إلى شيء معلوم من السياق، وهو الحالة التي كانت تسوده يوم القيامة، ومعنى الآية أي: ليت هذه الحالة حالة الموت، كما يقول سبحانه:(وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَني كُنْتُ تُرَابًا).1
28. (مَا أَغْنى عَني مَالِيَهْ):
وهنا يلفّه اليأس، وتأكل قلبَه الحسرة، وهو يرى أنّ ذلك المال، الذي حرص، بكلّ الوسائل، على جمعه وتكديسه، وشحّ به على مستحقّيه، واستغرق كلّ وقته وتفكيره حتى أنساه الموت، والتأهُّب لِما بعده.. أنّ ذلك المال لا يجديه نفعاً في هذا الموقف، ولم يدفع عنه الحساب ولا العذاب.
29. (هَلَكَ عَني سُلْطَانِيَهْ):
أي ذهب ملكي و تسلّطي على الناس وسطوتي بهم، وبقيت صاغراً ذليلاً.
ولمّا سبق ذكر مصير السعداء بقوله:(فَهُوَ فِي عِيشَة رَاضِيَة) ناسب أن يذكر مصير الأشقياء ويقول:
30 ـ 32. (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَة ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ):
وما ذكر في هذه الآيات يقابل تماماً ما سبق في حقّ السعداء.
فعندما يُعطى هذا الشقيّ صحيفة أعماله بشماله، يكون ذلك أمارة على

1 . النبأ:40.

صفحه 131
أنّ صاحبها من أهل النار، ولذلك يجيء الأمر الإلهي لخزنة جهنم (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ).. خذوا هذا الجاحد العاصي، فأوثقوه بالغُلّ، وقد قدّم المفعول (الجحيم) على الفعل لبيان الحصر، أي لا تصلوه إلاّ الجحيم، ولا يُكتفى بذلك، بل يؤمر بأن يجعلوه في قيد طوله سبعون ذراعاً كما يقول:(فِي سِلْسِلَة ذَرْعُهَا) أي مقدارها (سَبْعُونَ ذِرَاعًا)، فهل الغرض التقدير بهذا المقدار، فلا تكون أقصر ولا أطول من ذلك أو أنّ الغرض وصف السلسلة بالطول، نظير قوله سبحانه:(إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)1 فليس للعدد (سَبْعِينَ) مفهوم، بمعنى أنّه لو استغفر واحداً وسبعين يغفر لهم.
ثمّ إنّ المراد من قوله:(فَاسْلُكُوهُ) هو لف السلسلة حول جسده فلا يقدر على الحركة.
هذا هو مصير الكافر، وهناك يُطرح سؤال: لماذا يؤخذ بهذا العذاب الشديد؟ فيقول سبحانه إجابة عن هذا السؤال:
33 و 34. (إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَ لاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ):
فكان على فساد في مجالَيْ: العقيدة والعمل، أمّا في مجال العقيدة فكان لا يصدّق بوحدانية الله، ولا يقرّ بوجود المنعم الذي أغرقه في النعم، وأمّا في مجال العمل فكان ـ لقساوة قلبه، وتكذيبه بيوم الجزاء ـ لا يحثّ على البذل والعطاء ولا يكترث لما يعانيه المسكين من ألم الجوع والحرمان، وكأنّ

1 . التوبة:80.

صفحه 132
حرمان المساكين جرم عظيم بعد الكفر بالله تعالى، فمثل هذا يصبح كالتالي:
35. (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ):
لأنّ الحميم بين كونه مؤمناً وكونه كافراً، أمّا الأوّل فلا صلة له به، وأمّا الكافر فهو مشغول بنفسه، ويفكر في مصيره، ولا يلتفت إلى غيره، ولذلك يقول سبحانه:(مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَ لاَ شَفِيع يُطَاعُ).1
بقي الكلام فيما يأكل الخاطئون، حيث إنّهم أحياء والحيّ لا يستغني عن الأكل الذي يقيم حياته، فلو كان طعام المؤمنين هو ثمار الجنة، فطعام الآخرين هو ما في قوله تعالى:
36 و 37. (وَ لاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِين * لاَ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ):
فلو كان المؤمن يأكل من فواكه الجنة ويشرب شرابها، فالكافر يأكل من القيح والصديد، وقد عرفت معنى غسلين، فكأنّ هذا الشيء المائع أصبح طعاماً لهم(لاَ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ)أي الآثمون، المرتكبون للخطايا عن عمد.
سورة الحاقة: الآيات 38 ـ 52    

الآيات: الثامنة والثلاثون إلى آخر السورة

(فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَ مَا لاَ تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَ لاَ بِقَوْلِ كَاهِن قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَ لَوْ

1 . غافر:18.

صفحه 133
تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَ إِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ).

المفردات

كاهن: كهن: هو الذي يخبر بالأخبار الماضية الخفيّة بضرب من الظنّ، وأمّا العرّاف فهو الذي يخبر بالأخبار المستقبلة على نحو ذلك.1
اليمين: أصله الجارحة، ويكنّى به عن القوّة لأنّ اليمين أقوى عملاً من الشمال.
الوتين: عرق في القلب يجري منه الدم إلى العروق كلّها ويسمّى النياط، وهو الذي يسقي الجسد بالدم.
حاجزين: الحجز الدفع والحيلولة.

التفسير

هذا هو المحور الثالث من هذه السورة حيث يصف القرآن بأنّه تنزيل من رب العالمين وليس للرسول أيّ تصرّف فيه، فيبدأ ذلك بالقسم بما يُبصر وما لا يُبصر، والقرآن الكريم يقسّم الموجودات إلى غيب وشهادة، وقد تكرر قوله سبحانه:(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)(2) في القرآن الكريم فما يبصره الإنسان

1 . المفردات للراغب: 332، مادة «كهن».   2 . الأنعام: 73 ; التوبة: 94 و....

صفحه 134
فهو من المقولة الثانية، وما لا يبصره فمن الأُولى.
فالله سبحانه يُقسِم بعامة الموجودات وراء نفسه، ويقول:
38 و 39. (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَ مَا لاَ تُبْصِرُونَ):
وهو أوسع قسم في القرآن الكريم، فإنّ سائر الأقسام تتعلّق بموجود خاصّ كالشمس، والقمر، والفجر، والضحى، وأمّا الآية فهي إقسام بكلّ المخلوقات ما يُرى وما لا يُرى. ولأجل الوقوف على عظمة الخالق وعظمة قرآنه، لا بأس أن نذكر شيئاً عن بعض ما لا يُرى من الكائنات الحيّة، وهي البكتيريا، حيث يتراوح قُطر معظمها بين (03,000,20) ميكرون (الميكرون الواحد يساوي 001,0 مليمتر) وهي تُرى فقط من خلال المجهر. وتوجد البكتيريا في كلّ مكان تقريباً. وهناك آلاف الأنواع من البكتيريا معظمها غير ضارّ بالإنسان. ويعيش عدد كبير من البكتيريا داخل جسم الإنسان ، كثير منها نافع، حيث يساعد بعضها على الهضم والقضاء على الكائنات الحيّة الضارّة، كما تفرز البكتيريا الموجودة في الأمعاء بعض الفيتامينات الضرورية للجسم.1
هذا وقد حلف سبحانه بالموجودات كلّها لردّ مزعمة الكافرين حيث يتصوّرون أنّ القرآن شعر بديع، ونحن وإن لم نستطع أن نباريه ولكنّه لا يخرج عن كونه شعراً بديعاً يأخذ القلوب، أو أنّه قول كاهن، فالكاهن إمّا نفس النبي، أو شخص آخر يخبر النبي، والله سبحانه ردّاً لهذه المزاعم يقول:

1 . الموسوعة العربية العالمية: 50 / 25 .

صفحه 135
40 ـ 42. (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم* وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَ لاَ بِقَوْلِ كَاهِن قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ):
فالتأكيد على الرسالة لغاية إفهام أنّ القرآن ليس من صياغته وإنّما هو مسؤول عن إبلاغه.
وأمّا الصلة بين المقسم به ـ أعني: ما تبصرون وما لا تبصرون ـ والمقسم عليه ـ أعني قوله:(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم) ـ فهي أنّ المقسم به مركّب من أمرين: مشهود وغير مشهود، ورسالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لها وجهان : وجه إلى عالم الغيب يأخذ الوحي عنه، ووجه إلى عالم الشهادة يبلّغ الوحي إلى الناس.
وفي الآية دليل على وجود الصلة بين عالم الشهود والغيب، وكأنّ العالم كالسلسلة تتصل حلقاتها بعضها ببعض، أو أشبه بموجود هرمي يأتي الفيض من رأس الهرم إلى القاعدة.
فليس الذكر الحكيم قول شاعر ولا قول كاهن وإنّما هو:
43. (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ):
وفي نسبة التنزيل إلى ربّ العالمين إشارة إلى أنّ الدعوة المحمدية رسالة عالمية حيث نزلت من ربّ العالمين إلى نبيّه لينذر العالمين.
وفي التأكيد على الربّ دون سائر الصفات إشارة إلى أنّ الربّ يحقّق كمال المربوب، فربُّ الضيعة أو ربُّ البستان يسعى لتحقيق الكمال في ضيعته، فالرسول من رب العالمين يسعى أيضاً لتحقيق الكمال عند المرسل إليهم.

صفحه 136
ويظهر من بعض الآيات أنّ المشركين كانوا يؤكّدون على أن يتّخذ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) موقفاً سلمياً منهم وذلك بإيجاد تغيير في منهجه ورسالته، كما يحكي عنه قوله سبحانه:(قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ)ولكنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رفض اقتراحهم بأمر من الله سبحانه وقال:(قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)1.
ويشهد لذلك، ما ذكره ابن الأثير في ترجمة تميم بن جراشة أنّه قال: قدمت على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط فقال: اكتبوا ما بدا لكم ثم آتوني به، فسألناه في كتابه أن يحلّ لنا الربا والزنا، فأبى عليٌّ رضي الله عنه أن يكتب لنا فسألناه خالد بن سعيد بن العاص فقال له عليٌّ: تدري ما تكتب؟ قال: أكتب ما قالوا، ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أَولى بأمره، فذهبنا بالكتاب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال للقارئ: اقرأ فلمّا انتهى إلى الربا قال: ضع يدي عليها في الكتاب فوضع يده فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)2 (الآية) ثمّ محاها وألقيت علينا السكينة فما راجعناه، فلمّا بلغ الزنا وضع يده عليها(وقال)(وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً)3(الآية) ثم محاه وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا. أخرجه أبو موسى.4
ولأجل هذه المزعمة يقول سبحانه بصورة قاطعة أنّه يستحيل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يغيِّر شيئاً من مناهجه أو يقول شيئاً لم يؤمر به، ولو افترضنا

1 . يونس:15.
2 . البقرة: 278 .
3 . الإسراء: 32.
4 . أُسد الغابة:1/216.

صفحه 137
محالاً أنّه زاد أو نقص فسيقضى عليه بالموت وليس ثمّة أحد يحول بيننا وبين تنفيذ إرادتنا، كما قال تعالى:
44 و 45. (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ* لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ):
أي لو اختلق ما لم نقله وأتى به من عند نفسه( لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالَْيمِينِ) أي أخذناه بالقوة والقدرة.
46. (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ):
أي لقطعنا منه وتينه، ولا يمنع من عملنا هذا أحد منكم، كما يقول:
47. (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حَاجِزِينَ):
وبما أنّ المشركين كانوا يؤكّدون على ذلك، فاقتضى المقام التأكيد على دفع زعمهم واقتراحهم.
وهناك سؤال: وهو أنّ ظاهر الآية أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) على فرض المحال لو كذب ونسب إلى الله سبحانه ما لم يؤمر به، لوافاه الجزاء بالأخذ بالقدرة ثم قطع نياط القلب المنتهي إلى الموت .
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّ أصحاب الدعاوى الباطلة والنبوات الكاذبة يستدلّون بهذه الآية على صحّة ادّعاءاتهم، قائلين بأنّا لو كنّا كاذبين لوجب على الله سبحانه أن يعاقبنا ويهلكنا، فكوننا سالمين في حياتنا، فهذا يدلّ على صدقنا وصحّة أقوالنا.

صفحه 138
والجواب: أنّ الدليل خاص والادّعاء عام، فإنّ مقتضى الآية هو الأخذ باليمين بالنسبة إلى الرسول ولمن فُرض كونه مثله أعني من ثبتت رسالته بالآيات والمعجزات الباهرة، ففي مثل هذا المورد أو الموارد يجب على الله أن يأخذه باليمين لصيانة عقول الناس عن الضلال، لأنّ إعطاء المعجزة لمن ابتلي بالكذب دون أخذه باليمين على خلاف قاعدة اللطف.
وأمّا من كذب وادّعى النبوة وهو فارغ عن الدليل ومجرد عن أي معجزة باهرة، فليس على الله سبحانه أن يأخذه باليمين، لأنّ مثل هذا لا يُسبّب ضلال الناس إلاّ لمن قصَّر في التحقيق وتبيُّن الحال، فمثله خارج عن ضابطة اللطف الواجب على الله سبحانه.
ثمّ إنّ القرآن الكريم نور يهتدي به من فتح عينيه، ولا يستفيد منه من غض بصره، فمن اتّقى وصان نفسه عن الهوى يصبح القرآن تذكرة له، كما يقول:
48. (وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ):
وأمّا من تجرّد عن مثل هذه الصيانة وصار الهوى والهوس حاكماً عليه يصبح مكذّباً، كما يقول:
49. (وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ) :
وسوف يرى أثر تكذيبه يوم تُبلى السرائر، ويتجلّى تكذيبه في الدنيا حسرة في الآخرة:
50. (وَ إِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ):

صفحه 139
وفي الختام: القرآن هو الحقّ الثابت واليقين الذي لا شبهة فيه، ومثل ذلك يصدق عليه قوله:
51. (وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ):
وكيف لا يكون حقّاً، وقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرناً، ولم يثبت أنّ واحداً من البشر استطاع أن يجد خللاً في كلماته وجمله، ولا تناقضاً بين مفاهيمه ومضامينه، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)1، كما لم يستطع أحدٌ من البشر ـ مع بلوغهم قمة الحضارة ـ أن يباريه ولو بسورة واحدة.
52. (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ):
ونزِّهْه عمّا لا يليق به، والذي منه إعطاء المعجزة للمتنبّئ الكاذب.
ثمّ إنّ هاتين الآيتين قد جاء ما يشبههما في آخر سورة الواقعة، قال تعالى:(إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)2، باختلاف يسير، فالموجود في المقام (وإنّهُ) وفي سورة الواقعة:(إِنَّ هَذَا).
***
تمّ تفسير سورة الحاقّة

1 . النساء: 82 .
2 . الواقعة: 95 و 96.

صفحه 140

صفحه 141
سورة المعارج   

سورة المعارج

(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى * إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالَْمحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ

صفحه 142
 
رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّات مُكْرَمُونَ * فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِى مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيم * كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ * فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُب يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ).

صفحه 143
خصائص سورة المعارج   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت في التفاسير بسورة «المعارج»، وذكر السيوطي في «الإتقان» أنّها تُسمّى بسورة «الواقع»1، وربما تُسمّى بسورة (سَألَ سائل)، ولكلٍّ وجه مأخوذ من الألفاظ الواردة في صدر السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة أربع وأربعون آية، وعدّها أهل الشام ثلاثاً وأربعين.2
وأمّا محلّ نزولها فربما يُدّعى وجود الاتّفاق على أنّها مكّية، ولعلّ صياغتها وبعض مضامينها يشهدان على أنّها مكّية، ولكنّ الظاهر أنّ الآيات الواردة من قوله:(إِلاَّ الْمُصَلِّينَ) إلى قوله:(فِي جَنَّات مُكْرَمُونَ) كلّها مدنية، فإنّ المضامين تشهد على كونها كذلك، حيث تحثُّ على استمرار المؤمن على صلاته وأداء الحق المعلوم في أمواله والمراد به الزكاة، ثمّ تؤكّد على حفظ الفروج ورعاية الأمانة والعهد والمحافظة على الصلوات، فكلّ ذلك يناسب بيئة المدينة المنوّرة.
أضف إلى ذلك: أنّ ما ورد في كتب التفسير والحديث، الشيعية منها

1 . الإتقان للسيوطي: 1 / 176 .
2 . مجمع البيان:1/127.

صفحه 144
والسنّية من أنّ قوله سبحانه:(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع)نزل فيمن أنكر تنصيب عليّ(عليه السلام) يوم الغدير للإمامة والخلافة، ويترتّب عليه كون هذه الآية مدنية أيضاً .
روى المحدّثون والمفسّرون أنّه لمّا بلّغ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خمّ ما بلّغ، وشاع ذلك في البلاد أتى جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، قال:
يا محمّد أمرتنا من الله أنّا نشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسول الله، وبالصلاة، والصوم، والحجّ، والزكاة، فقبلنا منك، ثم لم ترض بذلك حتى رفعتَ بضَبع ابن عمِّك ففضّلته علينا، وقلت:من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، فهذا شيء منك، أم من الله؟ فقال رسول الله:«والذي لا إله إلاّ هو إنّ هذا من الله».
فولّى جابر يريد راحلته، وهو يقول: اللّهم إن كان ما يقول محمدٌ حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم.
فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر، فسقط على هامته، وخرج من دبره، وقتله، وأنزل الله تعالى:(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع)الآية.
رواه بهذا اللفظ، الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلاّم الهرويّ (المتوفّى 224 هـ) في تفسيره «غريب القرآن»1.
ورواه الحافظ أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن سفيان بن عُيينة، عن جعفر بن محمد ] الصادق[، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام)، قال: «لمّا نصّب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً يوم غدير خم فقال: «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه»، طار ذلك في

1 . الغدير: 1 / 460، نقلاً عن «غريب القرآن» للحافظ الهروي:86.

صفحه 145
البلاد، فقدم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)النعمان بن الحارث الفهري، فقال: آمرتنا عن الله... إلخ.1
ورواه الشيخ الطبرسي عن السيد أبي الحمد، عن الحسكاني، بالإسناد المتقدّم.2
هذا، وقد نقله العلاّمة الأميني في غديره عن تسعة وعشرين محدّثاً ومفسّراً، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.3
ثمّ إنّ ممّا يقضى منه العجب أنّ السائل مكان أن يقول:«اللهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك» فوفقنا للأخذ به، وطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّه قال بدل ذلك:(فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ) وهذا يدلّ على عناد السائل وتعصبه، أو مكان أن يسأل الله عذاباً للكاذب ويقول إن كان كاذباً فأمطر عليه حجارة، قال: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ فأمطر علينا حجارة من عندك.
كلّ ذلك يعرب عن وجود العناد في نفوس الكثير ممّن أسلم وآمن، فكان إيمانهم مجرّداً عن التسليم، مع أنّ الإيمان الحقيقي لا ينفك عن التسليم، قال تعالى:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا).4

1 . مجمع البيان:10/130.
2 . شواهد التنزيل: 2 / 381، رقم 1030. ورواه من طريقين عن عبدالرحمن بن الحسن الأسدي، عن إبراهيم بن الحسين الكساني (ابن ديزيل) بإسناده إلى حذيفة بن اليمان (رقم 1033)، ورواه من طريق فرات بن إبراهيم الكوفي بإسناده إلى أبي هريرة (رقم 1034).
3 . الغدير:1/460ـ 471.
4 . الأحزاب:36.

صفحه 146
وقال أيضاً:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).1
بقي هنا سؤال وهو أنّ ظاهر الحديث أنّ العذاب جاء وأهلك هذا السائل مع أنّه سبحانه يذكر في بعض الآيات أنّ الله لا يعذّب الناس مادام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم، ويقول:(وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم * وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).2
والجواب: أنّ مورد هاتين الآيتين هو العذاب الجماعي بشهادة صيغة الجمع في قوله:(وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ)، فجاء الجواب: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) وأمّا المقام فالسائل كان واحداً فتعذيبه لا ينافي كون وجود النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مانعاً من نزول العذاب عليه.
وربما يقال بأنّه لو كان سبب النزول أمراً صحيحاً لانتشرت قصته كقصة أصحاب الفيل.
والجواب عن الاعتراض واضح، إذ ثمّة فرق بين هذه القصة، وبين قصة الفيل التي هلك فيها جيش جرار كان في مقدّمته الفيل، فمثل هذه الواقعة لا يندثر خبرها، بل تتداولها الألسن قرناً بعد قرن، وأين هذا من هلاك شخص واحد في مكان محدود.
سورة المعارج: الآيات 1 ـ 18   
ثم إنّ رواية قصة السائل، تخالف واقع التاريخ الذي صاغته ـ بشكل عام ـ السياسة والقوة بعد حادثة السقيفة التي سُلب فيها حقّ علي (عليه السلام)في

1 . الحجرات:15.
2 . الأنفال:32ـ 33.

صفحه 147
خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثمّ فإنّ دواعي طمسها متوفّرة، وإذا كان حديث الغدير، الذي صدع به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في تلك الجموع الغفيرة، قد تعرّض لمحاولات جمّة بغية طمسه وكتمانه، فما بالك بهذه الحادثة الفردية التي تعطي لحديث الغدير دلالته القاطعة على الإمامة والخلافة الإلهية؟!
إنّ هذين الاعتراضين نابعين عن ذهنيّة مشكّكة غير مؤمنة بفضائل المعصومين عليهم الصلاة والسلام، وهناك اعتراضات أُخر لا تختلف عمّا سبق ذكره في الوهن والضعف، ضربنا عنها صفحاً.

أغراض السورة

يذكر الله سبحانه في صدر السورة سؤال سائل عن عذاب واقع، ثم يذكر أهوال القيامة، ويصف المؤمنين بالمحافظة على الصلوات والتأكيد عليها وحفظ الأمانات والعهود.

الآيات: الأُولى إلى الثامنة عشرة

(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة *فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ *

صفحه 148
وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى *تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى).

المفردات

المعارج: جمع مِعْرَج، بكسر الميم وفتح الراء، كمِصْعَد لفظاً ومعنى، أي ما يصعد به ويعرج، كالسلَّم والدرَج.
تعرج: تصعد.
المُهل: المذاب من المعادن، كالنحاس والذهب، وقيل: دُردِيّ الزيت. وهو الكدّر الراسب في أسفله.
العِهن: الصوف المنفوش، وربما يقال: الصوف المصبوغ.
الحميم: القريب النسب إلى صاحبه.
فصيلته: الأقرباء الأدنون من القبيلة.
لظى: اللهب الخالص، قال تعالى:(نَارًا تَلَظَّى).1 وهي، في الوقت نفسه، من أسماء جهنم.
نزّاعة: مبالغة في النزع، وهو الفصل والقطع.
الشَّوى: الأطراف كاليد والرجل. والشوى جمع شواة، وهي جلدة الرأس .

1 . الليل:14.

صفحه 149
 
التفسير
1. (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع):
يحتمل أن يكون الفعل (سَأَلَ) متضمّناً معنى الاهتمام والاعتناء، ولذا عُدّي بالباء. قال الزمخشري:تعدية فعل «سَأَلَ» بالباء، لتضمينه معنى عُني واهتمّ.1
ويحتمل أنّه متضمّن معنى الاستعجال، أي استعجل بالعذاب.
فلو كانت الآية ناظرة إلى حديث الغدير فإنّها تدلّ على وقوع العذاب، ولو رجعت إلى العذاب الأُخروي يكون الإخبار بالوقوع من باب كونه محقّق الوقوع، كما سيأتي قوله:(إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَ نَرَاهُ قَرِيبًا).
2. (لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ):
الظاهر أنّ (لِلْكَافِرِينَ) متعلّق بقوله: (وَاقِع) أي بعذاب كائن للكافرين، وهو عذاب ليس له مانع لا من الله، لأنّ مشئيته اقتضت على نزوله عليهم; ولا من غيره، لمقهوريته أمام إرادة الله تعالى.
3. (مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ):
قوله:(مِنَ اللهِ) يتعلّق بواقع، أي بعذاب واقع من عنده. ثمّ إنّه وصف الله سبحانه نفسه بوصف آخر وهو(ذِي الْمَعَارِجِ) أي المصاعد المختلفة،

1 . تفسير الكشاف:3/267.

صفحه 150
وعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد من هذه الدرجات التي نسبت إلى الله تعالى.
أقول: لا شكّ أنّ المراد منها هي درجات القرب من الله، ولكن القرب يطلق ويراد به أحد المعاني الثلاثة:
1. القرب المكاني، كما إذا جلس شخصان في مجلس يكون أحدهما قريباً من الآخر، ولا شكّ أنّه ليس بمراد، فالله سبحانه فوق أن يكون له مكان حتى يقرب منه أولياؤه وأصفياؤه مكاناً.
2. عناية إنسان بشخص، كما يقال: فلان قريب من فلان أي يسمع كلامه ويجيب دعوته كالوزير بالنسبة إلى الملك، وهذا أيضاً ليس بمراد في المقام، وإن كانت عناية الله تعالى بشخص كالنبيّ والوصيّ دليلاً على قربه منه.
3. يراد بالمعارج درجات القرب المعنوي، فالإنسان كلّما قمع هوى نفسه ووهب قلبه لله تعالى، كلّما كان وجوده أخلص وأكثر حقاً ممّن ليس كذلك. و من المعلوم أنّ لهذا النوع من الخلوص مراتب ودرجات حسب سعي الإنسان في طريق الابتعاد عن المذامّ والتحلّي بمكارم الأخلاق، فالله سبحانه هو الحق الخالص الذي لا يشوبه شيء وما سواه ليس كذلك، ومع ذلك فللخلوص درجات يرتقيها الإنسان بأعماله وأفعاله حتّى يصل إلى مرتبة يصبح فيها فعْلُه فعْلَ الله وسمْعُه سمعَ الله.
وقد ورد هذا المعنى في حديث رواه الفريقان، أعني: ما روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) ـ في حديث ـ : «إنّ الله جلّ جلاله قال: ما يتقرّب إليّ عبد من عبادي بشيء أحب إليّ ممّا افترضت عليه، وإنّه ليتقرّب إليّ بالنافلة حتى

صفحه 151
أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، وإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته».1
إنّ ما ذكرناه من درجات القرب يرجع إلى الإنسان، إلاّ أنّ الكلام في نسبة هذه المعارج إلى الله سبحانه وإضافتها إليه، كما يقول:(مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ).
والظاهر أنّ هذه المعارج هي مقامات عند الله تبارك و تعالى، فكلّ ملك له مقام خاص يعرج إليه بعد انتهاء العالم، وليس هذا المقام مقاماً وهمياً اعتبارياً، وإنّما هو مقام حقيقي،2 وله نسبة إلى الله، ولذلك يقول:(مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ)، ونسبة إلى الملَك المرتقي إلى ذلك المقام.
4. (تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة):
توضيح الآية يحتاج إلى دراسة أُمور:
1. ما هو المقصود من عروج الملائكة؟
2. ما هو المراد من الروح؟
3. ما هو المراد من اليوم ؟
4. ما هو مقدار هذا اليوم؟
5. لو كان مقدار اليوم خمسين ألف سنة، فلماذا قُدِّر في آية أُخرى

1 . الكافي:2/263، برقم 8 ; صحيح البخاري:7/190، كتاب الرقاق.
2 . الميزان في تفسير القرآن:20/74.

صفحه 152
بألف سنة، قال تعالى:(وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ)1، وقوله تعالى: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ).2
وإليك دراسة الجميع واحداً بعد الآخر.

ما هو المقصود من عروج الملائكة؟

نقول: إنّ النظام السائد قائم بأمرين:
1. وجود العلاقات في داخل النظام، حيث تؤدي فيه الأسباب دورها في حدوث المسبّبات ونشوئها، وقد قرّر الذكر الحكيم هذه الحقيقة وهي تأثير الأسباب في النظام الحاكم على العالم الطبيعي في غير واحدة من الآيات، قال سبحانه:(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ).3
وفي الآيات الواردة حول نزول المطر تصريح بوجود النظام السببي في الكون. وبالجملة: أنّ الله سبحانه جعل نظام الأسباب والمسبّبات والعلل والمعاليل في صميم العالم وداخله، وجعل كلَّ علّة، بإرادته النافذة سبحانه، تتسبّب في إيجاد معلولها، واستمرار بقائه.
2. أنّ هذا النظام له حفَظة من الخارج ومدبِّرات من ورائه، وهذا هو الذي كشف عنه الوحي الإلهي، فالإنسان الماديّ يتصوّر كفاية العلل الداخلية

1 . الحج:47 .
2 . السجدة:5.
3 . البقرة:22.

صفحه 153
في بقاء النظام، والله سبحانه يخبر عن وجود مدبِّرات وحفَظة، يقول سبحانه: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)1، وقال سبحانه: (وهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً)2، وقال تعالى:(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ)3. وقد فُسِّر الجميع بالملائكة التي هي جنود الله سبحانه في العالم.
ثمّ إنّ لكلّ من المدبّرات ، والحفظة شأناً خاصّاً ومكاناً معلوماً، قال سبحانه:(وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ)4 والملائكة مأمورون من جانب الله تعالى، بتدبير العالم وحفظه، واندثاره وتصديعه، إلى أن يبلغ العالم آخر عمره، وعندئذ يتركونه ويعرجون إلى مقاماتهم في يوم القيامة.
فهذا العالَم الكبير كالعالَم الصغير ـ أعني: الإنسان ـ فهو يعيش فترة معيّنة من الزمن، يحدّدها وجود الحياة فيه، فالحياة هي التي تصون الإنسان من طروء الفساد على أعضائه، ومن استمر في الحياة تلك الفترة التي تمتدّ من أيام طفولته يبقى سالماً إلى آخر عمره، وما هذا الثبات إلاّ لوجود الروح فيه.
والعالم أيضاً نظير الإنسان، فالروح الخارجة عن حقيقة العالم هي المدبّرة لهذا الموجود منذ أن خلق، وإنّما تتركه عند قيام القيامة، وعندئذ فالملائكة المدبرون كلٌّ يعرج إلى مقامه.
وبهذا ظهر معنى قوله سبحانه:(تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْم)،

1 . النازعات: 5.
2 . الأنعام:61.
3 . الانفطار:10ـ 11.
4 . الصافات:164.

صفحه 154
كأنّه يقول: تعرج الملائكة إلى الله سبحانه في يوم القيامة لانتهاء مسؤوليتهم ووظيفتهم.

أمّا ما هو المراد بالروح، ففيه قولان:

1. المراد به : جبرئيل، حامل الوحي إلى أنبياء الله ورسله، والذي يعبّر عنه بالروح الأمين، قال سبحانه:(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ).1
2. المراد به الروح التي هي من أمره تعالى، قال سبحانه:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي).(2)
وهو غير الملائكة، كما هو ظاهر قوله تعالى:(يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ).(3)
فسواء أكان الروح هو الروح الأمين أو غيره، فالملائكة والروح كلّهم يعرجون في يوم القيامة إلى مقاماتهم ودرجاتهم التي أُشير إليها في قوله: (مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ) فإذا انتهت وظيفتهم في تدبير العالم، فعندئذ تقوم القيامة فتنفطر السماء وتنشقّ، وتُبدَّل الأرض غير الأرض .

ما هو المراد باليوم؟

المراد باليوم هو يوم القيامة، ويشهد لذلك قوله سبحانه:
(إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَ نَرَاهُ قَرِيبًا)، فالضمير يرجع إلى اليوم، والمراد هو يوم البعث الذي يراه الكافر بعيداً، ويراه الله سبحانه قريباً.

1 . الشعراء:193ـ 194.   2 . الإسراء:85 .   3 . النحل:2.

صفحه 155

ما هو مقدار هذا اليوم؟

يصف القرآن الكريم هذا اليوم بخمسين ألف سنة ويقول:
(فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة).
لا شكّ أنّ السنة عندنا تتحقّق بدوران الأرض حول الشمس في 365 يوماً تقريباً، وعندئذ يطرح سؤال وهو أنّ المفروض انهدام النظام في يوم القيامة ودماره، فلا شمس ولا أرض حتى تدور حولها، وعندئذ كيف يقول في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟
والجواب ـ كما عليه المفسّرون ـ أنّ المراد بيان امتداد ذلك الزمان على نحو لو وقع في الدنيا كان مقداره خمسين ألف سنة من سنين الأرض، دون أن تكون هناك أرض ولا شمس حتى تدور الأُولى حول الثانية خمسين ألف مرّة، بل اليوم عبارة عن زمان وفترة طويلة لو قيست بمقاييس الدنيا لكانت مساوية لخمسين ألف سنة.
والذي يدلّ على ذلك أنّه لو أُريد المفروض يجب أن يقول: تعرج الملائكة والروح إليه في خمسين ألف سنة، وهذا يدلّ على أنّ المراد بيان الامتداد. يقول الطبرسي: المراد أنّ الآدميين لو احتاجوا إلى قطع هذا المقدار الذي قطعته الملائكة في يوم واحد، لقطعوه في هذه المدّة.1
وعلى هذا فيوم القيامة مقداره حسب الامتداد خمسون ألف سنة، ولكن الملائكة يقطعونه في يوم واحد.
على أنّ هنا وجهاً آخر وهو أنّ اليوم يأتي بمعنى الوقت، فالعرب تعبّر

1 . مجمع البيان:10/131.

صفحه 156
عن مدّة العصر باليوم، ومن شواهد التعبير باليوم عن المدّة، قول الشاعر:
يومان: يوم مقامات وأندية *** ويوم سير إلى الأعداء تأويبُ1
وفي الحديث:«الدهر يومان: يوم لك و يوم عليك».
وهنا سؤال وهو أنّ تحمّل هذا اليوم أمر مشكل ولذلك روى أبو سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله، ما أطول هذا اليوم؟ فقال: «والذي نفس محمد بيده، إنّه ليخفّ على المؤمن، حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا».2
وقد تنظّر الرازي في الرواية وقال: واعلم أنّ هذا الطول إنّما يكون في حقّ الكافر، أمّا في حقّ المؤمن فلا، والدليل عليه الآية والخبر. أمّا الآية فقوله تعالى:(أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلاً)3، واتّفقوا على ]أنّ [ذلك ]المقيل والمستقر[ هو الجنّة; وأمّا الخبر المروي عن أبي سعيد، ففيه أنّ الآخرة دار جزاء فلابدّ من أن يعجّل للمثابين ثوابهم، ودار الثواب هي الجنّة لا الموقف، فإذن لابدّ من تخصيص طول الموقف بالكفّار.4
يلاحظ على ما ذكره: أنّ طول المدّة إذا كان مقروناً بالفرح والسرور والراحة لا يورث همّاً ولا حرجاً، وأنّ العيش إذا طاب لا يتأذّى بطوله الإنسان وإن طال، بخلاف ما إذا مرّ العيش، فقليله يعدّ كثيراً، وثوانيه تُعدّ ساعات.
قال الشاعر:

1 . إعراب القرآن الكريم:6/115.
2 . مجمع البيان:10/132.
3 . الفرقان:24.
4 . تفسير الرازي:30/123ـ 124.

صفحه 157
فأيّام الهموم مقصَّصاتٌ *** وأيام السرور تطير طيرا

كيفية الجمع بين آيتي العددين(الخمسين والألف)؟

إذا كان امتداد يوم القيامة خمسين ألف سنة، كما في هذه الآية، فكيف عُدّ امتداده ألف سنة في آيتي سورتي الحجّ والسجدة؟
قال تعالى في سورة الحجّ: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ)1، وقال سبحانه في سورة السجدة:(يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ).2
أمّا آية سورة الحجّ فهي واضحة المعنى، وأمّا ما ورد في سورة السجدة، فبحاجة إلى توضيح ثم نبيّن وجه الجمع بين العددين.
إنّه سبحانه يذكر في سورة السجدة قبل هذه الآية خلق السماوات والأرض ويقول:(اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَ لاَ شَفِيع أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ)،3 حيث إنّه سبحانه يركّز في هذه الآية على التوحيد في الخالقية وإنّه ليس في صحيفة الوجود الإمكاني إلاّ هو، ولذا عبّر بوجه عام وقال:(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا) ثم ذكر تدبيره سبحانه على صحيفة الوجود وقال: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) أي استوى على عرش التدبير.

1 . الحج:47.
2 . السجدة:5
3 . السجدة:4.

صفحه 158
وبعد ذلك ينتقل، في الآية الثانية، إلى كيفية تدبير العالم ويقول:(يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ) والمراد من الأمر هو أمر الخلقة وشأنها، كما يقول: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَ الأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)1، فالفقرة تحتمل أحد وجهين:
الأوّل: أنّ تدبير الخلقة يبتدئ من السماء إلى الأرض، أو ينزل منها إليها، هذا إذا قلنا: إنّ السماء هي بالمعنى المتبادر في الأذهان .
الثاني: أنّ السماء بمعنى العلوّ. فالتدبير ينزل من مقام عال (مجرد عن المادة وآثارها) إلى الأرض، فالملائكة المأمورون بتدبير العالم وفق ما نزل، إلى قيام القيامة.
وأمّا إذا انتهى عمر العالم وحان وقت فنائه وانشقاق سمائه وصدع أرضه، فهؤلاء الملائكة المأمورون بالتدبير يتركون العالم ويعرجون إلى السماء وذلك في يوم القيامة.
إلى هنا تبيّن معنى الآية، وأمّا الاختلاف بين العددين حيث جاء امتداد وقت العروج تارة خمسين ألف سنة وأُخرى ألف سنة، فيرتفع إذن، لاختلاف مواقف القيامة فلكلّ موقف مقدار ألف سنة، ولعلّ الآية إشارة إلى ذلك الموقف.
روى الكليني في روضة الكافي بإسناده إلى حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) في حديث طويل:«إنّ للقيامة خمسين موقفاً كلّ موقف مقداره ألف سنة، ثمّ تلا:(فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ)».2

1 . الأعراف:54.
2 . روضة الكافي:8/143; تفسير نور الثقلين: 5 / 413 .

صفحه 159
5. (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً):
إنّه سبحانه يأمر رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستمرار في مسيرة الدعوة وعدم الاعتناء بعناد المشركين، ولجاج من يقول: (اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)1، فإنّ الصبر مفتاح الظفر، والمراد بالصبر الجميل هو عبارة عن الصبر المقترن بالرضى والتسليم لقضاء الله، الخالي من الشكوى والشعور بالضيق ممّا يقاسيه من شدّة إنكارهم للحق وصدودهم عنه. أمّا قوله تعالى :
6 و 7. (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَ نَرَاهُ قَرِيبًا):
فيراد منه تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ويقع الكلام فيما هو المراد من رؤية المشركين يوم القيامة بعيداً، ورؤية الله له قريباً، مع أنّ المشركين غير معتقدين بيوم القيامة، فكيف يرونه بعيداً؟
والجواب: أنّ الرؤية البعيدة كناية عن عدم الاعتقاد به، كما أنّ الرؤية القريبة كناية عن اليقين به، وهذا أمر متعارف في محاورات الناس حيث يعبّرون عن عدم الاعتقاد بأنّه يراه بعيداً، كما أنّ الآخر يعبّر عن خلافه بأنّه يراه قريباً.
نعم يوم القيامة بعيد حتى في أُفقنا، لأنّا ننظر إلى ذلك اليوم من منظار الزمان، فهو حدّ فاصل بيننا وبين يوم القيامة، فنراه موجوداً في زمن بعيد، وأمّا إذا تجرّد الإنسان عن عالم المادّة ونظر إلى صحيفة الوجود من فوق الزمان، يرى يوم القيامة في ظرفه كما يرى الأشياء التي حوله، وإلى ذلك

1 . الأنفال: 32 .

صفحه 160
يشير الحكماء بقولهم: «المتفرقات في وعاء الزمان مجتمعات في وعاء الدهر». ولنوضح ذلك بمثال: إنّ النملة إذا أخذت بالمشي فوق السجادة فلاترى إلاّ موضع نظرها، وأمّا الإنسان القائم فوقها فيرى كلّ الأجزاء مرّة واحدة، وما هذا إلاّ لأنّه ينظر إلى المرئي من أُفق عال.
وهاك مثالاً آخر: لنفترض أنّ إنساناً جلس على جرف نهر النيل فهو لا يرى إلاّ ما يمرّ من أمام عينيه، دون المتقدّم منه والمتأخّر، على خلاف من صعد الطائرة ونظر إلى النهر فإنّه سيرى الجميع مرّة واحدة، وبذلك يفترق نظر الأوّل عن الثاني.
8 ـ 10 . (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَ تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَ لاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً):
وهنا يستعرض القرآن بعض آثار الانقلاب الكوني العنيف في يوم القيامة حيث تفقد فيه أصلب المخلوقات وأعتاها وهما الجبال والسماء، صلابتها وتماسكها فتكون السماء كالزيت العكر، وقيل كالفضة أو الصُّفر المذاب، (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) وأمّا الجبال فستندكّ، وتتفتّت صخورها، حتى تغدوا (كَالْعِهْنِ)، أي كالصوف أو كالصوف المصبوغ، ولعلّ المراد ما تشعّث وتفرّق منه، كما في قوله تعالى: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش).1
وعند ذلك تبلغ شدّة الهول إلى درجة يغفل فيها الإنسان عن قرينه الذي يهتمّ بأمره، كما قال:( وَ لاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيًما) ويشتغل كلّ إنسان

1 . القارعة: 5 .

صفحه 161
بنفسه غافلاً عن غيره.
11 ـ 14. (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذ بِبَنِيهِ * وَ صَاحِبَتِهِ وَ أَخِيهِ * وَ فَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ * وَ مَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ):
تقدّم في الآية السابقة أنّ شدّة الهول يوم القيامة تبلغ إلى حدٍّ يغفل فيها الإنسان عن حميمه ولا يسأل عنه لاشتغاله بنفسه. لكن البيان القرآني يذكر في هذه الآيات أنّ شدّة الهول تبلغ إلى حدٍّ يريد أن يفتدي عن نفسه بأعزّ أهله وأقاربه الذين كان يحبّهم في الدنيا حبّاً شديداً، ولم يكن يرضى بأن يصيبهم أدنى ضرر وألم، يقول:(يُبَصَّرُونَهُمْ): أي يعرف الكفّار بعضهم بعضاً في أوقات يوم القيامة، فلو كان غافلاً عن حميمه في موقف من مواقف القيامة فربما يلتقيهم في موقف آخر.
(يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذ بِبَنِيهِ * وَ صَاحِبَتِهِ): أي زوجته التي كان يسكن إليها وربما آثرها على أبويه(وَ أَخِيهِ) الذي كان ناصراً له ومعيناً(وَ فَصِيلَتِهِ): أي قومه وعشيرته(التي تُؤْوِيهِ): أي التي كانت تحميه، بل
ربما تمنّى أكثر من ذلك وهو أن يفتدي بـ (مَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ)، أفيمكن تبيين أهوال القيامة وشدّة الأمر ببيان أفضل وأوضح من ذلك؟ فالإنسان في الدنيا ربما يفتدي ولده بنفسه، ويجعل نفسه درعاً أمامه خصوصاً الأُمهات، ولكنّ الأمر يوم القيامة على العكس، إذ يود أن يكون ما في الدنيا له ليدفعه ثمناً للخلاص من عذاب يوم القيامة، وقد رتّب الذكر الحكيم الأقرباء حسب شدّة الميل الطبيعي لديهم في العرف الغالب، ولم

صفحه 162
يذكر الأبوان، لعلّه لدخولهما في الفصيلة.
15 ـ 18. (كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى):
لما كان هناك توهُّم من قبول الافتداء، أبطل سبحانه ذلك التوهُّم بقوله:(كَلاَّ)أي لا يقبل الافتداء، (إنّها) أي نار جهنم المفهومة من سياق الآيات، (لَظَى) أي لهب خالص تحرق ما يقع أمامها (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى)أي تنزع الأطراف فلا تترك لحماً ولا جلداً إلاّ أحرقته، ثمّ إنّ لنار جهنم شأناً آخر وهو أنّها تميّز المجرم عن المحسن، كما يقول:(تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى)أي تجتذب إليها من أدبر عن الإيمان وتولّى عن طاعة الله، فلا يفوتها المجرم (وَ جَمَعَ فَأَوْعَى)و من جمع المال واختزنه في وعاء، حرصاً عليه، واستئثاراً به، ولم ينفقه في الموارد التي يرضاها الله تعالى، وفيها نفعٌ للناس .
سورة المعارج: الآيات 19 ـ 21   
نعم، المال في مصطلح القرآن هو خير، يقول سبحانه:(إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)1، فلا يمكن أن يكون مذموماً إذ بالمال يُطْعَمُ المساكين وتُبنى المساجد والجامعات وبه تتم المشاريع الخيرية، وإنما الآية تذمّ مَن اكتسب المال وجمعه لكنّه بدل أن ينفقه في الخيرات والمبرّات، اختزنه وادّخره، وبخل به على غيره، وكان أصحاب الثروات في الأزمنة السابقة ـ حيث لا توجد مصارف تحفظ الأموال ـ يجعلون نقودهم في وعاء من نحاس ويدفنونه، وهذا هو الذي ذمّه القرآن الكريم وقال:(وَجَمَعَ فَأَوْعَى) دون من جمع المال و صرفه في موارده المشروعة.

1 . البقرة:180.

صفحه 163
وما أصدق المتنبيّ حيث يقول:
ومَن ينفق الساعات في جمع مالِهِ *** مخافةَ فقر، فالذي فعلَ الفقرُ

الآيات: التاسعة عشرة إلى الحادية والعشرين

(إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَ إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا).

المفردات

الهلوع: الشديد الحرص.
الجزوع: الشديد الجزع.
المنوع: منوعاً عن الخير.

التفسير

19. (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا):
ذكر المفسّرون أنّ الآيتين التاليتين تفسّران معنى الهلوع، فالهلوع عبارة عمّن إذا مسّه الشر يرتفع صوته بالهلع والجزع، وإذا مسّه الخير يمنعه عن الغير، كما قال:
20 و 21. (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَ إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا):

صفحه 164
وفي الحقيقة أنّ التفسير المذكور تفسير باللازم، لما عرفت من أنّ الهلع هو شدّة الحرص، والتي يلازمها أنّه إذا واجه ما ينافي حرصه يرتفع جزعه، وإذا واجه الخير يمنع الغير عنه، فالحرص الشديد يلازم الجزع في مورد المصيبة، والمنع عند إصابة الخير.
إنّما المهم في هذه الآية هو أنّه سبحانه حسب الظاهر، يصف خلقة الإنسان على هذا الأساس وأنّه أودع في فطرته وخلقته إذا مسّه الشر والمكروه ينادي بالجزع، وإذا أصابه الخير حرص على الاستئثار به، فإذا كانت خلقة الإنسان على هذين الأمرين، فما معنى ذمّ الإنسان إذا خلق على تلك الكيفية المذمومة؟ وهل يصحّ أن يُذَمّ الإنسان بأمر خارج عن اختياره؟
والجواب بوجهين:
الأوّل: وهو ما يستفاد من «الكشّاف»، يقول:
والمعنى: إنّ الإنسان لإيثاره الجزع والمنع وتمكّنهما منه ورسوخهما فيه كأنّه مجبول عليه مطبوع، وكأنّه أمر خلقي وضروري غير اختياري، كقوله تعالى:(خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل)1 والدليل عليه إنّه كان في البطن والمهد لم يكن به هلع، ولأنّه ذمّ، والله لا يذمّ فعله، والدليل عليه استثناء المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم وحملوها على المكاره وظلفوها عن الشهوات حتى لم يكونوا جازعين ولا مانعين، وعن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«شرّ ما أُعطي ابن آدم شحّ هالع وجبن خالع».2
وحاصل كلامه: أنّ الهلع ليس أمراً فطريّاً ممّا أودعه سبحانه في طبيعة

1 . الأنبياء: 37.
2 . تفسير الكشّاف:3/269.

صفحه 165
الإنسان، بل هو شيء يكتسبه الإنسان في حياته حيث يمكّنه في نفسه و يرسّخه في ذاته، والدليل على ذلك استثناء المصلّين، فلو كان أمراً خَلْقياً لما قبل الاستثناء.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الجواب على خلاف ظاهر الآية فإنّ ظاهر قوله:(إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) أي في هذه الحالة وفي هذه الهيئة.
و (هَلُوعًا) إمّا حال أو تمييز بيان لهيئة الخلقة أو وصفها، فكيف يمكن أن يقال: إنّ الإنسان هو مكّنهما في ذاته ورسّخهما في نفسه؟
الثاني: إنّ الهلع و شدة الحرص أمر جبلّيّ للإنسان يتجلّى في حياة الإنسان بادئ نشأته وهو طفل يلعب مع أقرانه لا يتجاوز سنّه خمس سنوات أو ما يقاربها.
وهذا النوع من الهلع رأس مال للإنسان في بداية حياته، ولذلك نرى أنّ الطفل إذا مسّه ما يؤذيه، يجزع ولو كان في الواقع خيراً له، أو أُعطي شيئاً ثم أُريد أخذه منه، يمتنع عن ردّه ويجزع، وما هذا إلاّ لأنّ الإنسان خلق على هذا النوع من التعلّق، إنّما الكلام إذا كبر وبلغ وصار عاقلاً يميّز المصالح عن المفاسد، ففي هذه المرحلة يقع الإنسان في إطار التجربة، فمنهم مَن ينطلق عن هذه الغريزة بحكم العقل والشرع فيكتسب المال لتأمين ما يسدّ حاجته وخلَّته، وفي الوقت نفسه لدفع حاجة السائل والمحروم، فلولا الحرص على المال لم يقدم على اكتساب الثروة، فهو بذاته ليس عيباً، ومنهم من يستميت في جمع المال ليل نهار فيجمع و يوعي دون أن يخفق قلبه لالآم البائسين والمحرومين، والقرآن الكريم لايندد بوجود هذه الغريزة، وإنّما يندد بسوء التطبيق في الحياة.

صفحه 166
إنّ الإيثار من محاسن الأخلاق وفضائلها، ولكنّه لا يتحقّق إلاّ إذا كانت في الإنسان رغبة أكيدة بالمال، ففي هذه الحالة لو قدّم الغير على نفسه يوصف بالإيثار، ولولا أصل الحرص لما كان له وجود ولا محمدة.
ويشهد لما ذكرنا (من أنّ التنديد لا يتعلّق بوجود الغريزة وكونها أمراً مجبولاً عليه الإنسان، وإنّما يتعلّق بسوء المعاملة وسوء التطبيق) استثناء المصلّين من هذه الضابطة، في الآية التالية، ومن المعلوم أنّ هذه الغريزة تعمّ المؤمن والكافر والمصلّي والتارك، فكيف يصحّ الاستثناء مع كونه استثناءً متّصلاً؟
سورة المعارج: الآيات 22 ـ 35   
والجواب: أنّ وجه الاستثناء هو أنّ المصلّي يعدّل الغريزة لصالحه وصالح أبنائه بخلاف الكافر.

الآيات: الثانية والعشرون إلى الخامسة والثلاثين

(إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لاَِمَانَاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ

صفحه 167
هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّات مُكْرَمُونَ).

المفردات

السائل: الفقير الذي يسأل.
المحروم: الفقير الذي يتعفّف ولا يسأل.
مشفقون: الإشفاق رقّة القلب عن تحمّل ما يُخاف من الأُمور، فإذا قسا القلب بطل الإشفاق.
العادون: العادي الخارج عن الحق.

التفسير

22. (إِلاَّ الْمُصَلِّينَ):
استثنى الذكر الحكيم من الضابطة السابقة المصلّين، ولا يراد بالمصلّي مجرد من يأتي بالصلاة بصورتها المعلومة، وإنّما يريد الموحّد المصلّي الذي ينطلق في عبادته هذه عن الأُمور التالية:
23 ـ أ. ( اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ):
أي مواظبون على أدائها لا يتهاونون بها ولا يتركونها، وظاهر الآية هو الفرائض، ولكنّ المروي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّ هذا في النوافل وما يأتي من قوله: (وَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ)فهو في الفرائض والواجبات،

صفحه 168
ولو صحّ كون هذه الفقرة في النوافل فهو يدلّ على أنّ المستثنى ليس مجرد المصلّي بل المطيع الذي يواظب على أداء النوافل أيضاً.
وهذا دليل على أنّ صاحب الفطرة قد يصل إلى حدٍّ يؤدّي وراء الفرائض شيئاً كثيراً من النوافل على أنّه لو لم يأت بها لما كان عليه لوم.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاَةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، وَتَقَرَّبُوا بِهَا، فَإِنَّهَا(كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)1».(2)
24 و 25 ـ ب .(وَ الَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ):
أي مع حبّهم المال ورغبتهم فيه، لكنّهم يصرفونه في دفع خلّة المحتاج ; سواء أكان سائلاً، أم كان فقيراً عفيفاً غير سائل، وبذلك يخرجون عن قوله سبحانه:(وَ إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) بل: إذا مسّه الخير سيكون بذولاً.
وقد روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّ الحقّ المعلوم ليس من الزكاة وإنّما هو الشيء الذي تخرجه من مالك، إن شئت كلّ جمعة، وإن شئت كلّ يوم، ولكلّ ذي فضل فضله. وقد روي أيضاً أن تصل القرابة، وتعطي من حرَمك، وتصدّق على من عاداك.2
26 ـ ج . (وَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ):
أي يؤمنون بيوم الدين والجزاء إيماناً قلبياً مستمراً، كما يدلّ عليه

1 . النساء: 103 .   2 . نهج البلاغة: الخطبة 199 .
2 . انظر: مجمع البيان:10/137.

صفحه 169
التعبير بصيغة المضارع، وما يؤكّد كون إيمانهم إيماناً قلبياً لا لفظياً سيطرة الإشفاق والخوف عليهم، كما تفيده الآية التالية:
27 ـ د . (وَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ):
وما هذا إلاّ لأنّه لا يأمن أحدٌ من عذاب الله سبحانه كما قال تعالى:
28. (إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون):
نعم لا يأمن عذاب الله إلاّ المشركون، كما قالوا:(وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)1.
أمّا المؤمنون: «فَهُمْ لاَِنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ»2.
29 ـ هـ . (وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ):
إنّ الغريزة الجنسية من أصعب الغرائز وأعصاها، وإنّ ترويض النفس على تحمّل ضغطها لا يتيسّر إلاّ للمؤمن إيماناً عملياً بيوم القيامة، المشفق من عذاب الله. ولكن هذه الغريزة لا يمكن أن تُكبتْ بشكل دائم، وإلاّ لأدى ذلك إلى انقراض النسل، ولذلك استثنى الموردين التاليين:
30. (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ):
فقوله:(أَزْوَاجِهِمْ) يشمل الزوجة الدائمة والمؤقتة، فمن حاول إبطال

1 . الشعراء:138.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 193 .

صفحه 170
المؤقّتة وقال: إنّه سبحانه حصر الجواز في موردين: أ. الأزواج، ب. الإماء، والمؤقّتة خارجة عن الأمرين، فقد أخطأ خطأً عظيماً، فإنّ المؤقّتة من أقسام المورد الأوّل أي من الأزواج غير أنّ الزوجية قد تكون مطلقة دائمة أو مقيّدة مؤقّتة، وقد اتفقت الأُمّة على تشريع الزواج المؤقّت (زواج المتعة) في زمن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وإن اختلفوا في نسخه وعدمه، فأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)وشيعتهم وفريق من الصحابة على القول بالإباحة وعدم النسخ، وأكثر فقهاء السنّة على الحرمة بقاءً.
وتدلّ الأخبار والروايات الصحيحة على أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)شرّع الزواج المؤقّت ولم يحرّمه، وإنّما حرّمه عمر بن الخطاب في أيام خلافته. روى مسلم بإسناده عن أبي نضرة، قال: كنت عند جابر بن عبدالله، فأتاه آت، فقال: انّ ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين ] يعني: متعة الحجّ، ومتعة النساء [. فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما.1 ومن أراد التفصيل حول هذا الموضوع، فليرجع إلى كتابنا «الاعتصام بالكتاب والسنّة» .2
وعلى كلّ تقدير، إنّ الانتفاع بالغريزة الجنسية لا ينبغي أن يكون عرضة للإفراط والتفريط فهناك مَن لا يرى لإعمال الغريزة أي حدّ، فالزوجة وغير الزوجة عنده سواء، وهناك من يحرّم الزواج على نفسه، تشبّهاً بسيدنا المسيح(عليه السلام)، حتى يصبح مؤهلاً لأن يرتقي أعلى مقام في المناصب الروحية في الديانة المسيحية، كالبابا، غافلاً عن أنّ حبس الغريزة عبر سنين متطاولة

1 . صحيح مسلم: كتاب الحجّ، باب التقصير في العمرة، رقم 2914 .
2 . الاعتصام بالكتاب والسنّة: 115 ـ 163 .

صفحه 171
يورث مشاكل نفسية لاتطاق، بل ربما لا يملك نفسه حين لا يطلع عليه الآخرون.
31. (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ):
أي فمن أراد إعمال الغريزة الجنسية عن طريق الفحشاء والفساد الجنسي فهم الذين أفسدوا فاختلطت أنسابهم، وتطرّقت الشكوك إلى حصانة نسائهم، ودخلت الفوضى في نظم عائلاتهم، وهذا هو الحال في بعض البلاد الغربية. فالغربي حسب الظاهر يقترن بزوجة واحدة ويعدّون التعدّد تجاوزاً على حقوق الزوجة، غير أنّ الزوج لا يرى لإرضاء شهوته حدّاً ولكن بصورة غير قانونية، وربما تكون الزوجة أيضاً مثل الزوج، وعند ذلك تختلط الأنساب حتى ربما يقال: إنّ بين كلّ عشرة من المواليد مولوداً واحداً غير شرعي.
32 ـ و. (وَ الَّذِينَ هُمْ لاَِمَانَاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رَاعُونَ):
فلو كانت عند أحدهم أمانة مالية أو كان له مع شخص عهد وموعد، فتراه يسعى في رعاية الأمانة والوفاء بالعهد، وهذا أوضح دليل على أنّ المصلّي ذو حرص على المال حسب الطبع، ولكنّه يقوم بتهذيب هذا الخُلق، لتأمين مصلحة المجتمع، فلو كانت عنده أمانة ماليّة ردّها إلى صاحبها كما أنّه إذا عاهد شخصاً في أمر وفى بعهده وإن كان في ضرره، يقول سبحانه:(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)1.
ثمّ إنّ الأمانة بين كونها أمانة شخصية وبين كونها أمانة اجتماعية;

1 . النساء:58.

صفحه 172
فالحاكم مثلاً، مسؤول عن الأموال العامة والمناصب السياسية، فهي أمانة لديه وليست فريسة ينتهز الاستفراد بها، وقد كتب الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)إلى الأشعث بن قيس عامله في آذربايجان: «وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَة (مطعمة) وَلكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعًى لِمَنْ فَوْقَكَ. لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّة، وَلاَ تُخَاطِرَ إِلاَّ بِوَثِيقَة، وَفِي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ، وَأَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلِّمَهُ إِلَـيَّ، وَلَعَلِّـي أَلاَّ أَكُونَ شَرَّ وُلاَتِكَ لَكَ».1
كما أنّه وردت روايات كثيرة تأمر بأداء الأمانة إلى البَرّ والفاجر، بل إلى قتلة الأوصياء وأولاد الأنبياء، حتى قال عليّ بن الحسين(عليهما السلام): «فوالذي بعث محمّداً بالحق نبيّاً لو أنّ قاتل أبي الحسين بن علي(عليهما السلام) ائتمنني على السيف الذي قتله به لأدّيته إليه».2
وروى الشيخ الصدوق بإسناده عن الإمام محمد الجواد، عن آبائه(عليهم السلام)عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحجّ، والمعروف وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة».3
وقد تقدّم أنّ الوفاء بالعهد من أقسام ردّ الأمانة، فعن أبي مالك قال: قلت لعلي بن الحسين(عليهما السلام): أخبرني بجميع شرائع الدين؟ قال: «قول الحق، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد».4

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، رقم 5.
2 . أمالي الصدوق: 219 ح 6، المجلس 43.
3 . عيون أخبار الرضا: 55 ـ 56، رقم 197 باب 31 .
4 . الخصال: 113 ح 90 .

صفحه 173
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا دين لمن لا عهد له».1
وروي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لمّا خلق الله جنة عدن، قال تعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني، لا يدخلك مدمن خمر ـ إلى أن قال: ـ ولا ختّار، وهو الذي لا يوفي بالعهد».2
33 ـ ز.(وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ):
ولعلّ الشهادة من قسم الأمانات، فإنّ للمشهود له حقّاً في ذمّة الشاهد، فإذا أدّى شهادته فكأنّه أدّى أمانة لصاحب الحق، والمراد من القيام بالشهادة هو الاهتمام بحفظها أن تؤدّى.
34 ـ ح . (وَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ):
وصف ثامن لهؤلاء المصلّين بحفظ صلواتهم مضافاً إلى دوامهم. ولعلّ الفرق بينهما أنّ الدوام بمعنى الاستمرار في أمر الفريضة، وأمّا الحفظ فهو عبارة عن استكمال أركانها وشروطها وأوقاتها، وقد عرفت أنّ الرواية فسّرت الأُولى بالنوافل، والثانية بالفرائض.
35 . (أُولَئِكَ فِي جَنَّات مُكْرَمُونَ):
وكأنّ هذا جزاء لهم استحقّوه بما تجمّع فيهم من تلك الصفات، وقد ورد قسم من هذه الصفات في سورة (المؤمنون)، وقد جاء فيها الجزاء على الموصوفين بها، مشابهاً لنفس الجزاء المذكور هنا، فقال:(أُولَئِكَ هُمُ

1 . بحار الأنوار: 72 / 96 ح 20 .
2 . مستدرك الوسائل:16/96، الباب 18 من أبواب النذر والعهد، الحديث2.

صفحه 174
الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).1
سورة المعارج: الآيات 36 ـ 44   

الآيات: السادسة والثلاثون إلى الرابعة والأربعون

(فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِى مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيم * كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ * فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُب يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ).

المفردات

مُهْطِعِينَ: المُهطع، هو المقبل ببصره على الشيء لا يزايله، ويستعمل في نظر العدو.
عَزين: جمع (عزَة)، وهي الجماعة المتفرّقة، جمع بالواو والنون، مثل: سنة وسنون.
روى الطبري عن أبي هريرة قال: خرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على أصحابه وهم

1 . المؤمنون:10 و11.

صفحه 175
حلَق حلَق، متفرّقون، قال: فقال: «مالي أراكم عزين».
الأجداث: جمع جدَث، وهو القبر.
نُصُب: الصنم الذي كانوا يعبدونه، وكلّ شيء نُصب لعبادة غير الله فهو: نصب .
قال الأعشى:
وذا النُّصب المنصوب لا تنسكنّه *** لعاقبة والله ربّك فاعبدَ1
يوفضون: من الإيفاض، وهو الإسراع، أي يسرعون ويستبقون.
خاشعة: من الخشوع في البصر، وهو الغضّ، ويكنى به عن الذلّ والهوان، وإذا نُسب إلى القلب فيراد به الخشية والتواضع.
تَرهقهم: تستولي عليهم.

التفسير

لمّا تقدّم منه سبحانه بيان حال الموحّدين المصلين الموصوفين بتلك الصفات الثمانية وأنّهم سيُجزون الكرامة في جنات النعيم، انعطف السياق القرآني لبيان حال قسم من الكافرين الذين كانوا يتظاهرون بالإيمان ولكنّهم كانوا في الواقع كفّاراً، حيث كانوا يسرعون إلى مجلس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)جماعات جماعات، ويلتفون حوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، متفرّقين عن يمينه، وعن شماله، ويسمعون من النبي ما يتلوه من آيات البعث والحشر، ثم تفضي بهم تصوّراتهم السقيمة

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 260 .

صفحه 176
إلى هذا التمنّي الأجوف، وهو إن كان الأمر على ما يقول محمد، فإنّ لنا في الآخرة عند الله أفضل ممّا للمؤمنين بشهادة أنّ الله أعطانا في الدنيا أفضل ممّا أعطاهم، وبذلك كانوا يُقنعون أنفسهم بترك مستلزمات الإيمان بالآيات الدالّة على الحشر والنشر.
ثمّ إنّه سبحانه يردّ عليهم رداً عنيفاً بأنّ طمعهم في دخول الجنة باطل من رأسه، كما يقول:
36. (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ):
أي ما شأن هؤلاء الذين كذبوا برسالتك ولم يؤمنوا بالبعث مقبلين عليك بأبصارهم، نظير إقبال العدو ببصره على عدوّه.
37. (عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ):
أي ما لشأن هؤلاء الذين جلسوا في مجلسك يميناً وشمالاً متفرّقين ويسمعون كلامك.
38 . (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيم) :
أي هل هؤلاء يطمعون بأن يكونوا من أهل الجنة، محتجّين بأنّه سبحانه أعطاهم في الدنيا أفضل ممّا أعطى المؤمنين، ولكن لم يقفوا على سرّ هذا الإعطاء، فإنّه كان عليهم وبال وضلال، قال سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ)1.

1 . التوبة:55و 85 .

صفحه 177
ثمّ إنّه سبحانه لمّا أراد أن يحطّم غرورهم وتبجّحهم ذكّرهم بمبدأ خلقتهم وقال:
39. (كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ):
أي خلقناهم من نطفة مَهينة، فهل يطمعون بدخول الجنة وهم عاكفون على الكفر، معرضون عن الرسول، منكرون للبعث والنشور؟ والحال أنّ دخول الجنة رهن طاعة الله تبارك وتعالى، والتصديق برسله ورسالاته، والمؤمنون وإن خُلقوا أيضاً من النطفة، بَيد أنّهم سَموا بالإيمان بالله تعالى، وتصديق أنبيائه ورسله، فأين هؤلاء من هؤلاء؟
قال سبحانه:( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة أَمْشَاج)1، وفي آية أُخرى:(أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ).2
فالاشتراك في المبدأ يعمّ المؤمن والكافر، ولكن يختلفان في المسير، كما قال:(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَ إِمَّا كَفُورًا)3 فهذه هي نقطة الافتراق بين المؤمن والكافر فكيف يطمع الكافر بالجنّة، ولم يسلك الطريق إليها؟
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إنّ السفينة لا تجري على اليَبَسِ
40 و 41. (فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَ الْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ):

1 . الإنسان:2.
2 . يس:77.
3 . الإنسان:3.

صفحه 178
قوله:(فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ) فيه قولان:
1. إنّ «لا» ليست بزائدة والغرض نفي القسم بالمقسم به.
2. إنّ «لا» زائدة لكن بمعنى تأكيد القسم حيث إنّ كلاًّ منّا يقول: لا أقسم بشرفي أو بشرفك، وهو يريد القسم بالشرف. وهذا هو المراد في عامّة الموارد التي وردت فيها صيغة القسم مقرونة بلا النافية.
وأمّا المشرق والمغرب، فقد جاء في القرآن الكريم تارة بصيغة المفرد من قبيل قوله:(وَللهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ)1، وتارة بصيغة المثنى كما في قوله: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)2، وأُخرى بصورة الجمع كما في المقام، ولكلّ وجه.
أمّا الأوّل فالمراد جنس المشرق والمغرب بدون النظر إلى أفراده ومصاديقه، كالقسم بالليل والنهار في سورة الشمس.
وأمّا الثاني فيمكن أن يطلق على مشرق كلّ نصف من الكرة الأرضية، وهكذا المغربان. وبعبارة أُخرى بأنّ لكلّ نصف منها مشرق ومغرب، فيكون هناك مشرقان ومغربان.
وأمّا الثالث فيطلق على مشارق الشمس ومغاربها طول السنة، فإنّ لها في كلّ فصل مشرقاً ومغرباً.
وأمّا المقسم عليه فهو عبارة عن قوله تعالى:(إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) أي بمغلوبين، فإنّ السابق هو الغالب

1 . البقرة:115.
2 . الرحمن:17.

صفحه 179
والمسبوق المتأخر هو المغلوب.
وحصيلة الآية: إنّه سبحانه قادر أن يبدل هؤلاء بخير منهم أي يأتي بأُمّة هي أفضل منهم، ولعلّ في الآية تهديداً باستئصالهم وإتيان قوم آخرين، كما قال: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْق جَدِيد)1 وفي ذلك تذليل وتحقير لهم بأنّهم ليسوا بشيء والله سبحانه قادر على أن يميتهم ويهلكهم ويأت مكانهم بأُمّة فضلى، وهم أعجز من أن يمنعوا الله من هذا التبديل، كما قال سبحانه: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)2.
وأمّا ما هي الصلة بين المقسم به والمقسم عليه؟ فيمكن أن يقال: إنّ المقسم به هو مجموع ربّ المشارق والمغارب، والشمس تطلع بعد غروبها، فالله سبحانه قادر على أن يأتي بأُمّة فاضلة ومؤمنة ومطيعة بعد إهلاكهم وإبادتهم واستئصالهم. وعلى هذا تتّضح الصلة بين الإقسام بربّ المشارق والمغارب، والإتيان بالأفضل، وإهلاك الكافرين، فالإشراق يناسب الإتيان بالأُمّة الفضلى، والغروب يناسب إهلاك الكافرين.
42. (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ):
الآية بصدد تسلية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأن لا ينزعج بأعمالهم وتقوّلاتهم، بل يتركهم حتى يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم الفانية إلى أن يلاقوا يومهم الذي كانوا يوعدون، فعلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تركهم وشأنهم فليسخروا

1 . فاطر:16.
2 . العنكبوت:4.

صفحه 180
ويستهزئوا ما شاءوا فإنّ نهاية حياتهم قريبة، فلا تضرّ أعمالهم برسالتك، ونظير هذه الآية، قوله تعالى:(سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ).1
43. (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُب يُوفِضُونَ):
فهؤلاء يوم القيامة يخرجون من قبورهم مسرعين نظير إسراعهم إلى عبادة أصنامهم، لكن مسرعين إلى الحساب وشتّان بين الإسراعين، أحدهما في الدنيا إلى عبادة الأصنام الباطلة، والآخر إلى الحساب والميزان.
44. (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ):
فعندما يصلون إلى حيث تُقام موازين القسط تخشع أبصارهم، أي تصبح ذليلة خاضعة، وتستولي عليهم الذلّة والمسكنة، ثم يخاطبون بقوله تعالى: (ذَلِكَ الْيَوْمُ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) به في دار الدنيا فيجحدونه ويستعجلونه، وقد رأوه بأُمّ أعينهم، فذوقوا ما كنتم به تكذبون.
***
تمّ تفسير سورة المعارج

1 . الزخرف:82 و 83 .

صفحه 181
   

سورة نوح

(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمىًّ إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * قَالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا * وَإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ

صفحه 182
 
سَمَاوَات طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا * قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْني وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً * مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا * وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا).
 

صفحه 183
سورة نوح: الآيات 1 ـ 12   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «نوح»، وفي صحيح البخاري سورة (إِنَّا أَرْسَلْنَا).1

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها ثمان وعشرون آية في عدّ الكوفي، و تسع وعشرون في عد المكّي والشامي، وثلاثون في الباقين، والمشهور هو الأوّل.
والسورة مكّيّة بالاتّفاق، تشهد على ذلك مضامينها.

أغراض السورة

تتعرّض السورة إلى بيان محتوى دعوة النبي نوح(عليه السلام) والتي تتلخّص في أُمور ثلاثة وهي: التوحيد في العبادة، والاتّقاء، وإطاعة أمر رسوله، ثمّ تذكر أساليب دعوة نوح واستمراره على ذلك بلا ملل ولا فتور، كما تذكر آثار الاستغفار من الذنوب وأنّه يلازم نزول البركات، و في مقابل ذلك تذكر عصيان قومه وإصرارهم على عبادة الأصنام، وأخيراً تذكر دعاءه على قومه حتّى لا يبقى على الأرض منهم ديّار.

1 . صحيح البخاري:1256، كتاب تفسير القرآن، برقم 71.

صفحه 184

الآيات: الأُولى إلى الثانية عشرة

(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * قَالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا * وَ إنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).

المفردات

اسْتَغْشَوْا: من الاستغشاء وهو طلب التغشّي، واستغشاء الثياب جعلها غشاءً وغطاءً على رؤوسهم ووجوهم، والسين والتاء في(اسْتَغْشَوْا)للمبالغة، ولعلّ استغشاء الثياب كان من عادات قوم نوح إذا أرادوا أن يظهروا الكراهة.
أصرّوا: الإصرار: الإقامة على أمر بعزيمة.

صفحه 185
السماء: أُريد بها هنا السحاب، وعن ابن عباس: كلّ ما علاك وأظلك فهو سماء.
مِدراراً: صيغة مبالغة بمعنى الكثير الدرور بالغيث والمطر.
يُمدِدْكم: الإمداد إلحاق الثاني بالأوّل على نظام خاصّ.

التفسير

تختصّ هذه السورة بقصة نوح(عليه السلام) من أوّلها إلى آخرها، وفيها تخويف وترهيب لقوم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّهم سيواجهون ـ إذا ما تمادوا في العصيان والطغيان ـ نفس المصير الذي واجه قوم نوح، كما أنّ فيها تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث تعرض بين يديه تجربة رجل من رجال الوحي، كابد المشاقّ من أجل تبليغ رسالة السماء، وعانى الكثير من عناد قومه ولجاجهم، حتى لجأ، بعد اليأس منهم، إلى حدِّ الدعاء عليهم على نحو لا يبقى في الأرض منهم أحد.
1. (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):
ابتدأت الآية بذكر اسم نوح ورسالته التي كلِّف بها لإنذار قومه، دون أن تذكر شيئاً عن نسب نوح وتاريخه والعصر الذي عاش فيه، وذلك لأنّ القرآن كتاب هداية وليس كتاباً تاريخياً حتى يترجم من يريد البحث عنه، فيكفي ذكر اسمه ووصفه بالرسالة كما قال: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ).
وقد أُمر بإنذار قومه قبل أن يتعرّضوا للعذاب الأليم، كما قال:(أَنْ أَنْذِرْ

صفحه 186
قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وعندئذ يقع الكلام فيمَ هو المراد من العذاب الأليم؟ فإن أُريد العذاب الأُخروي فإنّه لا يُردّ عن الكافرين. وسيأتي في بعض الآيات في نفس السورة أنّه لا يؤخّر.
فتعيّن أن يكون المراد العذاب الدنيوي كالطوفان وغيره، فدعاهم إلى الإيمان بالله وتوحيده حتى يعيشوا ويموتوا بالعمر الطبيعي، ولا يصيبهم العذاب الدنيوي .
2. (قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ):
قد أشار إلى كونه نذيراً مع أنّ الأنبياء جميعاً منذرون ومبشرون، وما هذا إلاّ لأنّ الظرف لا يناسب التبشير، مضافاً إلى أنّه أشار إلى التبشير في الآيات اللاحقة، التي تحدّثت عن آثار الاستغفار ومنها نزول السماء مدراراً... الخ.
3. (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ):
اشتملت دعوته على ثلاثة أُمور أساسية وهي :
1. التوحيد في العبادة، قال:(أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) وهذا يدلّ على كونهم مشركين في العبادة حيث كانوا يعبدون أصناماً (ستأتي أسماؤها بعد قليل)، والظاهر من الآيات أنّ الوثنية قد بلغت، في زمن نوح، الذروة، وصار الناس متمسّكين بها ومدافعين عنها.
2. الاتّقاء، إنّ التقوى وهي الخوف من الله والاجتناب عمّا نهى عنه، ليست أمراً عدمياً، وإنّما هي أمر وجودي، حيث تصان بها النفس من غلبة الهوى، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بوصول الإنسان إلى درجة عالية من الإيمان

صفحه 187
يملك معها نفسه ويمنعها من الاستجابة لوساوس شياطين الجنّ والإنس وإغوائهم، والتقوى وحدها تستجمع الفضائل وتصدّ الرذائل.
3. إطاعة الرسول، وهي في حقيقتها إطاعة لله سبحانه، كما قال: (وَأطيعُون).
4. (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمىًّ إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ):
إنّ عبادة الربّ وحده، والتدرّع بالتقوى، وإطاعة نبيّه، تورث مغفرة الرب وطول العمر إلى أجل مسمّى و (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمىًّ) فاستبقوا إلى ذلكفـ (إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، فهذه الفقرة إشارة إلى ما جاء في الآية الأُولى، حيث قال:(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)فأُريد من (أَجَلَ اللهِ) العذاب الأليم.
وحاصل الآية: أنّ الموحّد الذي يعبد الله سبحانه ويجتنب عبادة الطاغوت، يعيش في أمن من عذاب الله، فلا يأخذه الخسف ولا الطوفان ولا العاصفة المدمِّرة، بل يعيش إلى أجل مسمّى، وأمّا الكافر فلا يأمن من عذاب الله، فإذا حان وقته لا يردّه شيءٌ.

كيفية دعوة نوح(عليه السلام)

دأب الأنبياء على إبلاغ رسالاتهم والنُّصح لأقوامهم، دون كلل أو ملل، وبذلوا في طريق الدعوة إلى الحقّ وهداية الناس كلّ ما يملكون من حول وقوّة، وكان نوح (عليه السلام)ممّن نهض بهذه الأعباء بصبر وعزم وثبات، كشفت عنه الآيات التالية:

صفحه 188
5. (قَالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهَارًا):
أي دعوتهم إلى عبادتك وخلع الأنداد من دونك، دعوتهم إلى التقوى وإطاعة الأوامر، ولكن يا للأسف كما قال:
6. (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا):
فقد بلغوا من العناد مرحلة يفرّون من إنذار المنذر وتبشير المبشّر، فهم مكان أن يستمعوا القول ويتّبعوا أحسنه أخذوا يهربون من سماع دعوته. وإسناد الفرار إلى دعائه لما فيه من شائبة السببية ; لأنّ الخير إذا وقع في محلّ غير صالح، قاومه المحلّ لما فيه من الفساد، فأفسده فانقلب شرّاً، نظير قوله سبحانه:(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا).1
ثمّ إنّهم تارة يبتعدون عن نوح وسماع دعوته، وأُخرى يقيمون عنده ولكنّهم يلتجئون إلى أُسلوب آخر في إظهار العناد، كما يقول سبحانه:
7. (وَإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) :
ويكفي في بيان حال عنادهم قوله: (وَإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ)فمحاولة جعل الأصابع في الآذان مكان جعل الأنامل فيها دليل على أنّهم كانوا على درجة لو أمكن لهم إدخال الأصابع في الأذان لفعلوا حتى يسدّوا مسامع آذانهم، ثمّ إنّهم لم يكتفوا بذلك بل (وَاسْتَغْشَوْا

1 . الإسراء:82 .

صفحه 189
ثِيَابَهُمْ)أي وغطّوا بثيابهم رؤوسَهم ووجوهَهم (وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا): أي أقاموا على ضلالهم عازمين عليه، مصرّين على كفرهم ترفّعاً وتجبّراً.
إنّ الكِبْر يصير حجاباً ضخماً بين الإنسان والحقيقة فيصبح الإنسان كالأعمى في حياته، ولذلك صار الِكبْر السبب الوحيد لكفر إبليس حيث قال:(أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِين)1، فجوزي بقوله سبحانه:(فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)2.
ونعم ما قال الإمام علي(عليه السلام) في حق رأس المتكبرين (إبليس): «فَعَدُوُّ اللهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، وَنَازَعَ اللهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ».3
والعجب أنّ أهل العناد والمكابرة، يتّخذون ـ على طول التاريخ ـ نفس الموقف الذي اتّخذه قوم نوح في إعراضهم عن سماع الحقّ.
وقد تجلّى هذا في موقف مشركي مكّة من القرآن الكريم، فعندما كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقرأ القرآن الكريم بصوته العذب في الأشهر الحُرم، وقد توافدت الوفود في موسم حجّهم على مكّة، توسّلت قريش بما توسّل به قوم نوح، فكانوا يقولون: (لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)،4 وذلك خوفاً من تأثيره العظيم في جذب القلوب والنفوس .

1 . الأعراف:12.
2 . سورة ص: 77و78.
3 . نهج البلاغة: الخطبة192.
4 . فصلت:26.

صفحه 190
وكأنّ هؤلاء يتصوّرون أنّ الفرار عن الحقيقة يكتب للإنسان النجاح.
8 و 9. (ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا):
الآيتان تتضمّنان كيفية دعوته وأنّه يتبع في ذلك مصالحها، فتارة يعلن دعوته ويجهر بها فيأتي في المراكز العامة ينادي بالتوحيد، وأُخرى يتصل بالأفراد سرّاً. وعلى كلّ تقدير، فالنبيّ نوح (عليه السلام)كان يعمل في طريق دعوته وتبليغ رسالته بأي وجه ممكن.
الإعلان والإسرار أمران متقابلان، وهما الإظهار والإخفاء ومعنى الآية: إنّي دعوتهم سرّاً وعلانية، يعني تارة سرّاً و تارة علانية.
ثمّ إنّا قلنا في السابق أنّ الأنبياء أُرسلوا مبشّرين ومُنذِرين، فكلام النبي نوح(عليه السلام)هنا، بصورة الإنذار، أمّا كلامه بصورة التبشير، فستعرضه الآيات التالية:
10. (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا):
وفي إضافة الربّ إلى قومه نوع إظهار عطف وشفَقة عليهم، ومن ثمّ إيجاد الداعي إلى استغفارهم.
11. (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا):
أي يرسل السحاب الممطر الغزير، من باب المجاز المرسل بعلاقة الحالّ والمحلّ، فأطلق الثاني وأُريد الحالّ.

صفحه 191
12. (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا):
أي أنّه بشّرهم بإنزال المطر الغزير عليهم أوّلاً، وبإفاضة النِّعم عليهم من أموال وبنين ثانياً، وقوله:(وَيَجْعَلْ)أُريد به إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه، مثل قوله تعالى:(جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)1.(2)
ثمّ إنّ الجنات والأنهار من أقسام الأموال، وقد خصّهما بالذكر لكونهما من أهم ضروريات الحياة، خصوصاً في المناطق الزراعية.
ثمّ إنّ هذا المضمون قد ذُكر في آيات أُخرى، نظير قوله سبحانه:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)2، وقال سبحانه:(وَأ لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لاََسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)(4).
والمجموع يشير إلى سنّة إلهية وهي أنّ لأعمال الإنسان ـ صالحها وطالحها ـ تأثيراً في نزول البركات ومنعها، وكأنّ للكون عيناً وسمعاً وروحاً يدرك بها ما يصدر عن الإنسان من أعمال الخير والشرّ، وعندئذ يصدر منه ردّ فعل يتناسب مع ما قام به البشر. وهذا النوع من العلاقة وإن لم يقف عليه الإنسان عن طريق التجربة، ولكن الوحي الإلهي يخبرنا عن هذه الرابطة، والذي يرشدك إلى ذلك، الأمر بالاستسقاء عند الجدب والقحط، فالإمام مع المصلّين يستغفرون من ذنوبهم ويرجعون إلى الله، ويطلبون منه الرحمة، فلذلك تستجاب دعوتهم بإرسال المطر الغزير وهذا ما جُرِّب كثيراً.

1 . النحل:72.                      2 . المفردات للراغب: 94، مادة «جعل».
2 . الأعراف:96.   4 . الجن:16.

صفحه 192
وممّا يدلّ على ذلك ما ورد في الروايات من تفجّر الخيرات والبركات بعد ظهور القائم من آل محمد عجل الله فرجه، فقد روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّه قال:«المهدي منّا منصور بالرعب، مؤيَّد بالظفر، تُطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(... إلى أن قال): ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلاّ أخرجته، ويتنعّم الناس في زمانه نعمةً لم يتنعّموا مثلها قط».1
وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حديثاً في المهدي المنتظر، جاء فيه: «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وتخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، وتعيش أُمّتي في زمانه عيشاً لم تعشه قبل ذلك»2.
وهذا يدلّ على أنّ المجتمع إذا كان إلهياً، عاملاً بالشريعة، حافظاً للعدل والقسط، مقتنعاً بما رزقه الله، غير متطاول على أموال الآخرين، يتجاوب معه الكون فالسماء تَمطر، والأرض تُخرِج كنوزها، وتصير الأرض معمورة خالية من الخراب.
غير أنّ هنا سؤالاً قد يطرح في هذا المقام:
وهو أنّا نرى أنّ الدول الغربية وأمريكا وروسيا، دول مليئة بالفساد والتدهور الأخلاقي والتطاول على أموال المستضعفين حتى صارت هذه البلاد محل أمن للمجرمين من رؤوساء الدول الطاغوتية، إذ ما من خائن لأُمّته ووطنه إلاّ وجد في أحضانها مقاماً أميناً، ومع هذا فهذه البلاد أغنى دول

1 . منتخب الأثر:3/168، برقم 1177 و 1178.
2 . المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 512، رقم 3763 ; ومسند أحمد بن حنبل: 3 / 26 ـ 27 .

صفحه 193
العالم على الإطلاق؟
ثمّ إنّ صديقنا المغفور له محمد جواد مغنية (رحمه الله) بعدما طرح الإشكال المتقدّم أجاب عنه بوجوه:1
1. أنّ هذه الآيات نزلت في قوم نوح خاصّة، ولا دلالة لها على العموم والشمول كي يتعدّى بها إلى غيرهم.
2. أنّ ثراء الولايات المتحدة من الشيطان لا من الرحمن لأنّ معظمه من السلب والنهب.
3. أنّ هذه الآيات ربطت بين سعادة الدنيا والآخرة معاً وبين الإيمان لا بينه وبين سعادة الدنيا وحدها، قال تعالى: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لاَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).2
يلاحظ على الجواب الأوّل: أنّ الضابطة وإن وردت في قوم نوح ولكنّها مع ملاحظة سائر الآيات سنّة إلهية عامّة لا تختصّ بقوم دون قوم، وقد مرّ بعض ما يدلّ عليه، يقول سبحانه:(إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْم سُوءً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَال).3
وقال سبحانه:(ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).4
وعلى هذا فالجواب الأوّل ضعيف جدّاً وإنّما المهم ما ذكره في

1 . التفسير الكاشف:7/426 .
2 . آل عمران:178.
3 . الرعد:11.
4 . الأنفال:53.

صفحه 194
الجواب الثاني والثالث، ونضيف إليهما: أنّ المراد من البركات الناتجة عن التقوى والاستغفار هي البركات التي تصبح وسيلة للسعادة الدنيوية والأُخروية، وأمّا البركات الناتجة من النهب والغزو والتطاول فإنّها وإن كانت تورث المُتع المادية ولكنّها تصبح في آخر الأمر وبالاً على الإنسان، فهي إذاً دركات لا بركات، وإنّما يتركهم ممتَّعين بالقوة والثروة، يطغون بها، استدراجاً لهم، قال تعالى:(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لاَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).1
سورة نوح: الآيات 13 ـ 20   

الآيات: الثالثة عشرة إلى العشرين

(مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا).

المفردات

ترجون: الرجاء أُريد به الخوف. هذا ما في «المجمع»2، وقيل: أُريد بالرجاء معناه اللغوي وكنّي به عن اليأس، فكثيراً ما يقول: لا أرجو فيه خيراً أي أنا آيس.

1 . آل عمران:178.
2 . مجمع البيان: 10 / 134.

صفحه 195
وَقاراً: الوقار: العظمة اسم من التوقير وهو التعظيم.
أطواراً: جمع طَور، وهو حال الشيء الذي هو عليها.
طباقاً: أي بعضها فوق بعض.
بساطاً: أي مبسوطاً يسهل لكم التقلّب فيه من جانب إلى جانب، والانتقال من قطر إلى قطر.
فِجاجاً: جمع فَجّ بمعنى الطريق الواسعة، ويطلق على الطريق الواقع بين الجبلين.

التفسير

إنّ شيخ الأنبياء نوحاً يحاول إلفات نظر قومه إلى ربوبية الله تبارك وتعالى حتى يقوموا بتوحيده في العبادة والاجتناب عن عبادة غيره، فإنّ قومه إنّما أشركوا بالله في العبادة بحجّة أنّ الربوبية (أي أمر التدبير) لغيره تعالى فالملائكة والأرواح أو الكواكب والنجوم في نظر الذين يعبدونها، يعتقدون أنّها تقوم بتدبير بعض الأُمور الكونية، وهو (عليه السلام)يؤكّد لقومه أنّ خالق الكون هو المدبّر، وأنّ الله تعالى هو الربّ، فإلى أين تذهبون؟ فيتعرض أوّلاً لدلائل عظمة الله تعالى ومندّداً بيأسهم منه، فيقول:
13. (مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا):
أي ما هو السبب في أنّكم لا تخافون عظمة الله (إذا كان الرجاء بمعنى الخوف)؟ أو ما هو السبب في أنّكم لا تأملون لله عظمة توجب عبادته (إذا كان الرجاء بمعنى الأمل) مع أنّ الأدلّة على عظمته كثيرة؟

صفحه 196
14. (وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا):
والدليل على ربوبيته هو وجود التطوّر في خلقتكم فما زلتم تنتقلون من طور إلى طور، أمّا التطور الفردي ففي رحم الأُمهات فمن النطفة إلى العلقة إلى مضغة وهكذا... قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئًا وَتَرى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج)1.
وأمّا التطوّر الجماعي فيلمسه كلّ إنسان وهو اختلاف الناس في الألوان والهيئات والقوة والضعف، وفي الألسن والعادات، والأشكال والأحوال، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ).2
فهذه الأطوار الهائلة رهن وجود مطوِّر يطور خلقة الإنسان تطويراً متناسقاً متناسباً مع حياته، وليس هو إلاّ خالق السماوات والأرض.
15. (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا):
قد عرفت أنّ مبدأ الشرك في العبادة والخضوع أمام غير الله سبحانه هو الشرك في الربوبية، إذ لو كان الإنسان موحّداً فيها معتقداً بأنّ أزمّة الأُمور بيده،

1 . الحج:5.
2 . الحجرات:13.

صفحه 197
لما خضع لغيره، ولأجل هذا الأمر حاول النبي نوح(عليه السلام) أن يعطف نظر قومه إلى ربوبية الله سبحانه من خلال كونه خالقاً لسبع سماوات طباقاً، والمراد بالرؤية في قوله:(أَلَمْ تَرَوْا) هو الرؤية العلمية لا البصرية، والآية تدلّ على كون كلّ سماء فوق الأُخرى بشهادة قوله:(طِباقاً) وأنّها سبع، والإخبار بهذا العدد دليل على وجود تلك الفكرة بين قوم نوح، وأمّا ما هو المنشأ لها فيحتمل أن تكون مأثورة عن الأنبياء السالفين، والله العالم.
16. (وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا):
انتقل نوح(عليه السلام) من التوحيد في الخالقية إلى التوحيد في الربوبية، وأنّ مصير الإنسان بيده سبحانه وأنّ حياته رهن نعمائه التي لو أمسكها لما كان للحياة مفهوم، وأشار إلى نعمتين من بين هذه النعم، أعني: جعل الشمس سراجاً في السماء والقمر فيهن نوراً، فالشمس بنورها تضيء عالَمنا، ولولا حرارتها لأصبحت البسيطة زمهريراً لا يطاق.1
كما أنّ القمر بنوره يضيء ظلمة الليل حينما تغشى الأرض، ويهتدي به الإنسان في لياليه.
وقد وصف سبحانه الشمس بالسراج والقمر بالنور للإشارة إلى أنّ القمر، بنفسه، فاقد للنور وإنّما يكتسب نوره من الشمس.
وجهه: أنّ السراج يشعّ بذاته، ولذلك وصفت الشمس بالسراج، وأمّا القمر فوصفه بالنور وهو أعمّ من أن يكون نوره ذاتياً أو مكتسباً من غيره.
وأمّا أخذ السماوات ظرفاً للقمر(فِيهِنَّ) فالمراد كونه في حيّزهن

1 . سيأتي مزيد بيان عن عظمة هذا النجم، عند تفسير سورة الشمس.

صفحه 198
وواقعاً في واحدة منهن، ويكفي في الصدق كونه في واحدة منهن.
نعم يوجد في نفس سمائنا شموس وأقمار أُخرى، وبما أنّها غير مؤثّرة في حياة الإنسان حسب الظاهر، ترك القرآن ذكرها واكتفى بالشمس في منظومتنا والقمر الموجود في سمائنا.
17. (وَ اللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا):
أشار (عليه السلام)إلى كونه سبحانه خالقاً للإنسان ومن ثمّ هو ربّه، فيجب أن يُعبد وحده، وتُنبذ عبادة سواه، وأمّا أنّه أنبت الإنسان من الأرض فلأنّ المواد الغذائية التي يتكوّن منها جسم الإنسان تأتي إليه من الأرض عن طريق تناوله النباتات أو الحيوانات التي تتناول العشب وغيره، فقوله: (أَنْبَتَكُمْ)بمعنى أنشأكم، وقوله: (نَبَاتاً) مفعول لقوله: (أَنْبَتَكُمْ)، ولم يقل إنباتاً مع أنّه على وفق القياس لسهولة التلفّظ به، ولذلك وصف سبحانه مريم(عليها السلام)بقوله: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَن وَ أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا)1، أي أنشأها إنشاءً حسناً.
18. (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا):
سورة نوح: الآيات 21 ـ 25   
لما ذكّر قومه بنعمة خلقهم من الأرض، أتبعه بالإنذار بالبعث، وأنّه تعالى لم يخلق الإنسان سُدى بل لغاية وهي كمال الإنسان المتمثّل بالخروج من الدنيا إلى دار الآخرة، فالله سبحانه خلق الإنسان من الأرض، ولكن يعيده فيها تارة أُخرى ثم يخرجه منها، كما قال: (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا).

1 . آل عمران:37.

صفحه 199
وحصيلة الآيات هي التذكير بالخالقية، ثم التوحيد في العبادة من خلال ربوبيته، ثم التذكير بالمعاد وحشر الإنسان الذي لولاه لكان خلق الإنسان عبثاً.
19 و 20. (وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا):
وهذا استدلال آخر، على ربوبيته، فالله سبحانه هو الذي جعل الأرض كالبساط ليسهل استقرار الإنسان عليها والمشي عليها، ولم يكتف بذلك، بل جعل فيها سبلاً سهلة فالأرض بين مسطح وبين طرق واسعة بين الجبال. وهذا هو منطق الأنبياء في هداية الناس، فإنّهم يستخدمون نداء الفطرة ليتوصّلوا به إلى مقاصدهم المتمثّلة في إرشاد الناس إلى عبادة الخالق المدبّر عبادةً خالصة. فالإنسان بفطرته يخضع لوليّ نعمته ويشكره ويمدحه، فإذا عرف مبدأ النعم ومصدر الوجود وخالق السماوات والأرض، خضع له وأناب إليه .

الآيات: الحادية والعشرون إلى الخامسة والعشرين

(قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْني وَ اتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا * وَ مَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاَ سُوَاعًا وَ لاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَ لاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً * مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ

صفحه 200
أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا).

المفردات

خساراً: هلاكاً. وتستعمل الخسارة في مورد من شأنه أن يكون خيراً ولذلك يقال: خسر فلان في تجارته، حيث كانت التجارة مظنّة للربح.
كُبّاراً: صيغة مبالغة، أي كبيراً جدّاً، نظير: جُمّال، أي: جميل جداً، وحُسّان.
وَداً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونَسراً: أسماء أصنامهم.

التفسير

21. (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْني وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا):
الظاهر أنّه تعبير آخر عن قوله: (قَالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا)وإنّما أتى به ثانياً ليكون كالمقدّمة لدعائه على قومه بالهلاك، ويكون كالاستدلال على فعله.
وقوله:(مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ) إشارة إلى أنّ قوم نوح بدل أن يتّبعوا نبيهم، اتّبعوا رؤوساء القبائل أو أصحاب الثروة الذين يفرضون أفكارهم على المستضعفين ويستغلّون ثروتهم في سبيل إضلال الآخرين، والشاهد على ذلك الآيتان التاليتان:

صفحه 201
22 و 23. (وَ مَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَ قَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاَ سُوَاعًا وَ لاَ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْرًا):
ويظهر من الآيتين أنّهم أثاروا أراذل قومهم والأوباش بوجه نوح بأُسلوب ماكر خادع، مستغلّين عاطفتهم الدينية وحبّهم لمعبوداتهم فقالوا: اتركوا هذا الرجل الذي ينادي ضد الآلهة ويأمر بحرقها وحافظوا على آلهتكم ثم ذكروا أسماء الآلهة البارزة.
قال الرازي: هذه الأصنام الخمسة كانت أكبر أصنامهم ثم إنّها انتقلت من قوم نوح إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، و يعوق لمراد، ونسر لحمير، ولذلك سمّت العرب: عبد ودّ، وعبد يغوث.
ثم قال: وفيه إشكال، لأنّ الدنيا قد خربت في زمان الطوفان، فكيف بقيت تلك الأصنام وكيف انتقلت إلى العرب، ولا يمكن أن يقال: إنّ نوحاً(عليه السلام)وضعها في السفينة وأمسكها لأنّه(عليه السلام) إنّما جاء لنفيها وكسرها، فكيف يمكن أن يقال: إنّه وضعها في السفينة سعياً منه في حفظها.1
وما ذكره صحيح ولكن هذه الأسماء كانت رائجة في العرب وكانوا يسمّون أصنامهم الكبرى بها فلابدّ من توجيه ذلك، ولعلّ ما ذكره ابن عاشور تبعاً لبعض المفسّرين أفضل، قال: إنّ أصنام قوم نوح(عليه السلام) قد دثرت وغمرها الطوفان، وأنّ أسماءها بقيت محفوظة عند الذين نجوا مع نوح من المؤمنين فكانوا يذكرونها ويعظون ناشئتهم بما حلّ بأسلافهم من جرّاء عبادة تلك الأصنام، فبقيت تلك الأسماء يتحدّث بها العرب الأقدمون في أثارات علمهم

1 . تفسير الرازي:30/144.

صفحه 202
وأخبارهم، فجاء عمرو بن لحي الخزاعي الذي أعاد للعرب عبادة الأصنام فسمّى لهم الأصنام بتلك الأسماء وغيرها.1
24. (وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَ لاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً):
الضمير في قوله:(أضَلُّوا) يرجع إلى الموصول في قوله:(اتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ) وما وصفوا به من إضلال الناس فهو شيمة الطواغيت حيث إنّهم يُهلكون ويَهلكون، ولذلك قال:(وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا).
ثمّ إنّه(عليه السلام) دعا عليهم بقوله:(وَ لاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً) المراد من الضلال هو الهلاك كما في قوله تعالى:(إِنَّ الُْمجْرِمِينَ فِي ضَلاَل وَسُعُر).2
ولعلّ المراد من طلب عدم الزيادة عدم الإمهال لهم وعدم إعطائهم شيئاً إلاّ الهلاك، وكأنّ الآية تقول: فلا تعطهم ولا تمهلهم إلاّ بالهلاك، نظير قول موسى(عليه السلام):(رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ).3
25. (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا):
سورة نوح: الآيات 26 ـ 28   
لمّا دعا النبي نوح (عليه السلام)على الظالمين بقوله:(وَ لاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً): أي لا تمهلهم ولا تعطهم شيئاً إلاّ الهلاك، جاءت الآية بياناً لاستجابة دعائه قائلاً (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ) فـ «ما» في (مِمَّا) زائدة، أي من أجل معاصيهم

1 . التحرير والتنوير:29/194.
2 . القمر:47.
3 . يونس:88 .

صفحه 203
وذنوبهم (أُغْرِقُوا) أوّلاً (فَأُدْخِلُوا نَارًا) ثانياً(فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ) أي من أصنامهم و أوثانهم (أَنْصَارًا).
ثمّ إنّه سبحانه عطف الدخول في النار على الغرق بعاطف «الفاء» الدالّة على الترتيب بلا فصل، كما يقول ابن مالك:
الفاء للترتيب باتصال *** وثمّ للترتيب بانفصال
فلابدّ أن يراد به نار البرزخ التي يعذَّب بها المجرمون لا النار الأُخروية لوجود الفاصل الزماني بينها و بين الغرق.
ويشهد على ما ذكرنا قوله: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).1

الآيات: السادسة والعشرون إلى آخر السورة

(وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا).

المفردات

ديّاراً: على وزن (فَيْعال) من الدوران، والأصل دُيْوار، فقلبت الواو ياءً وأُدغمت إحداهما في الأُخرى، مثل أيّام. يقال: ما بالدار ديّار، أي ما بها أحد

1 . غافر:46.

صفحه 204
يدور. ولا يستعمل إلاّ في النفي.1
فاجراً: الفجر: شقّ الشيء شقّاً واسعاً، والفاجر هو المتّصف بالفجور أي العمل الشديد الفساد، ولعلّ إطلاق الفاجر على العاصي لأنّه يشقّ الستر بينه وبين الله تعالى.
الكفّار: مبالغة في الموصوف بالكفر، وهو من يجمع بين سوء العقيدة وسوء العمل.
تباراً: التبار الهلاك والخسار.

التفسير

26 . (وَ قَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا):
ربما يخطر بالبال أنّه قد تعيَّن مصير قوم نوح في قوله سبحانه: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا) فعندئذ فما هي الحاجة إلى بيان ما يرجع إلى ما قبل تعذيبهم بالغرق والحرق، لأنّ دعاء نوح كان قبل نزول العذاب؟
ويمكن أن يقال: إنّ قوله هذا تعبير آخر عن قوله: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْني)(2) وإنّما ذكر هذا ليدلّ على أنّ نزول العذاب عليهم بالغرق والحرق، لأجل دعاء النبي نوح(عليه السلام) عليهم حيث طلب من الله تعالى أن يهلكهم تماماً ولا يذر على الأرض منهم شخصاً واحداً، فصار هذا الدعاء

1 . انظر: لسان العرب: 4 / 298 .   2 . نوح:21.

صفحه 205
سبباً لقوله: (أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا).
27. (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا):
كأنّه استدلال وتعليل لدعائه السابق على إهلاك قومه جميعاً وأنّ السبب أنّ هؤلاء قد بلغوا في الفساد ـ فكراً وعقيدة وعملاً ـ درجة لا يُرجى معها أي صلاح فيهم وفي نسلهم، فلو بقوا وتناسلوا لنشأ أولادهم على الكفر والفجور، فاقتضت الحكمة الربّانيّة إهلاكهم وقطع نسلهم، والآية تدلّ على أنّ نوحاً لم يكن بصدد هداية الموجودين من قومه وحسب، بل كان يحرص على أن يكون أولادهم وأحفادهم وأسباطهم من المهتدين، فرأى بنور النبوة أنّه لا يوجد في ذريتهم أي مؤمن ومؤمنة، وهذا ليس ببعيد عن شخصية إلهية مثل نوح، الذي مكث في قومه، مرشداً ومبلّغاً، تسعمائة وخمسين عاماً، ولم يكلّ فيها ولم يملّ، فرزقه الله سبحانه بصيرة ونوراً يرى فيه ذراري قومه.
ومع ذلك يمكن أن يكون انتقاله إلى هذا مستوحى من قوله سبحانه: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).1
28. (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوَالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَ لاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا):

1 . هود:36.

صفحه 206
تشتمل الآية على دعائه لنفسه وأقاربه ولمن دخل بيته مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات جميعاً، كما اشتملت على الدعاء على الظالمين أيضاً حيث سأل الله استئصالهم.
أمّا الدعاء لنفسه فهذا من شيَم الأنبياء والأولياء فهم يطلبون المغفرة في عامّة الحالات، فإنّ حسنات الأبرار سيئات المقرّبين.
وأمّا دعاؤه لوالديه فهو لما عليه من حقوق لهما.
ثمّ إنّه(عليه السلام) دعا لطائفتين:
1. لمن دخل بيته مؤمناً.
2. للمؤمنين والمؤمنات.
فلو فُسّرت الفقرة الأُولى بمن ركب سفينته يكون قوله (مؤمِناً) مكرراً، إذ لم يركب سفينته إلاّ من كان مؤمناً، إلاّ أن يقال: إنّ المراد من الفقرة الأُولى هو بطانته حيث تسمّى بطانة المرء (دخيلته)، وعلى هذا فهم في الدرجة الأُولى من الإيمان بخلاف المؤمنين والمؤمنات فهم في الدرجة الثانية.
ثمّ إنّ هنا سؤالاً وهو أنّ المتبادر من استئصال القوم هو شمول العذاب لصبيانهم بالغرق مع أنّهم لم يكونوا مكلّفين ولا عاصين، ولا مجرمين؟
ويمكن الجواب بوجوه:
1. أنّه سبحانه أيبس أصلاب آبائهم وأعقم أرحام نسائهم قبل الطوفان بسنين فلم يكن فيهم صبيٌ حين أغرقوا، ولعلّ قوله سبحانه:(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ)إلى قوله:(وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَ بَنِينَ) إشارة إلى «قلّة البنين» فصاروا شيئاً فشيئاً يفقدون البنين.

صفحه 207
وهذا هو جواب الرازي.1
2. أنّ إماتتهم بالغرق كإماتتهم بالمرض وغيره، فلم يكن ذلك من باب التعذيب بل كان سبباً كسائر الأسباب التي تفضي إلى الموت، كما يقال ذلك في قتل الغلام في قصة مصاحب موسى.2
***
تمّ تفسير سورة نوح

1 . لاحظ : تفسير الرازي:30/147.
2 . لاحظ : الإسراء:8 .

صفحه 208

صفحه 209
سورة الجنّ   

سورة الجنّ

(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا * وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لاَ نَدْري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا * وَأَنَّا مِنَّا الصاَّلِحُونَ وَ مِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الأَرْضِ وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا * وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا

صفحه 210
 
بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَ لاَ رَهَقًا * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا * وَأَ لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا * وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي وَ لاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لاَ رَشَدًا * قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَني مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلاَّ بَلاَغًا مِنَ اللهِ وَ رِسَالاَتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَ أَقَلُّ عَدَدًا * قُلْ إِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَدًا).

صفحه 211
سورة الجنّ: خصائص السورة   
خصائص السورة

تسمية السورة

تُسمّى السورة في المصاحف بسورة «الجن»، وربما تُسمّى بسورة: «قل أُوحي»، ولا مشاحّة في التسمية إذا كانت ثمّة مناسبة بينها وبين آياتها.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها ثمان وعشرون آية، وهي مكّية بلا خلاف وتدلّ عليه صياغتها ومضامينها.

أغراض السورة

تشتمل السورة على محورين:
الأوّل: بيان استماع نفر من الجنّ شيئاً من القرآن الكريم، وتعجّبهم منه، ثم ذهابهم إلى مجتمعهم، وإخبارهم بما سمعوه وما شاهدوه على التفصيل الذي تذكره الآيات.
ويتم هذا المحور في الآية الخامسة عشرة.
المحور الثاني: يتحدّث عن الاستقامة على الطريقة الّتي توجب نزول البركات، ويبدأ المحور من قوله: (وَأ لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)، ثم ينتقل البيان القرآني إلى التوحيد في العبادة، وأنّ المساجد لله ولا معبود إلاّ الله، وأنّ الإنسان لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً، وأنّ الأُمور بيده تعالى، وأنّه لا يُطلع على غيبه أحداً من خلقه إلاّ الرسول، وإذا أوحى إليه

صفحه 212
فيكون محاطاً بالملائكة من بين يديه ومن خلفه لئلاّ يضيع شيء من الوحي.
وليس المحور الثاني بمنقطع عن الأوّل لما ورد فيه من الدعوة إلى التوحيد في العبادة، وهو من أغراض المحور الأوّل.
وقبل الخوض في تفسير الآيات نقدِّم أُموراً:

1. نظرة القرآن الكريم إلى «الجنّ»

إنّ الناس عامّتهم حتّى المثقّفين في نظرتهم إلى الجنّ على طائفتين: منهم من ينكر وجود الجنّ بتاتاً ويحسب أنّ الاعتقاد بوجودهم اعتقاد خرافيّ لا أصل له، وذلك بحجّة أنّ الموجود يساوي المشهود والملموس بإحدى الحواس، وما كان خارجاً عن صقعها فهو أمر موهوم لا يتَّبع، وهذا تفكير مادّي بحت أثبتت الدراسات العلمية والفلسفية بطلانه، إذ لا يساوق الوجود المشهود، وكم من مخلوقات كانت لا تُرى ولا تقع تحت إدراك الحواسّ، ثم تمكّن البشر، بعد أن تطوّرت وسائله العلمية، من رؤيتها وإثبات وجودها، والعلم بعد لم يصل إلى نهايته لو لم نقل أنّه في بدايته، فمن أين لنا القضاء بأنّ العلم لايصل إلى درجة يقف بها على وجود الجنّ عن كثب؟
ومنهم من يعتقد بوجود الجنّ، ولكنّه يبالغ في وصفهم وفي قدرتهم على التأثير في حياة الناس، ويذهب إلى أنّ لهم سلطاناً على الأرض وعلى الناس، وأنّ لهم قدرة على النفع والضرّ، وأنّهم يحكمون في مناطق من الأرض أو البحر أو الجو خصوصاً في مكان موحش أو فلاة ليس فيها أنيس.
الجن وميزاته في القرآن الكريم   
فالعرب في الجاهلية كانوا يعتقدون بأنّ الجن هم ملهمو الشعراء والكهّان، وحُكي عنهم الكثير في آدابهم الشعبية وبخاصة في كتاب «ألف ليلة وليلة». والأغريق والرومان قسّموا الجنّ إلى ثلاثة أقسام: القسم الأوّل:

صفحه 213
المعبودات مثل زيوس وجوبيتر، والقسم الثاني: الجنّ الخاص بكلّ مدينة، فجنّي روما كان مشهوراً وأقاموا له تمثالاً من الذهب، والقسم الثالث: الجنّ الخاص بكلّ فرد.
ويكثر ذكر الجنّ في الآداب الإسكندنافية، كما كثر الاعتقاد بهم في أوربا في العصور الوسطى، وكانوا يقسّموهم إلى سكّان الهواء ويطلقون عليهم: السيلفا، وسكان النار: السلامندر، وسكان الكهوف: الجنوما، وسكّان المياه: المرميدا. وكان رئيسهم الأعلى: أويزون، وزوجته: تيتانيا.1
وهؤلاء هم الذين استولى الوهم على تفكيرهم، فلو كان للجن سلطان على البشر لظهر سلطانهم على أكثرهم، بل لا يتخيّل وجود سلطانهم إلاّ المصابون الذين ضعفت عقولهم واستولى الضعف على قواهم الفكرية.
والحقّ هو ما جاء به الذكر الحكيم في غير واحدة من السور وهو أنّ هناك إنساً وجنّاً ولكلٍّ ميزاته، فكما أنّه ليس للإنس سلطان على الجنّ، كذلك ليس للجنّ سلطان على الإنس، بل الكل من خلائق الله سبحانه، والإنس أفضلهم، والجنّ أدونهم.

2. ميزات الجنّ في القرآن الكريم

من تدبّر في الآيات الواردة حول الجنّ يقف على ميزاتهم التالية:
أ. إنّه سبحانه خلق الإنسان من تراب، وخلق الجانّ من نار، كما يقول: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأ مَسْنُون * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ)(2).

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية: 8 / 482 .   2 . الحجر: 26 ـ 27 .

صفحه 214
ب. إنّ الجانّ خلق قبل الإنسان، ويدلّ على هذا نفس الآية السابقة، أي قوله تعالى: (مِنْ قَبْلُ).
ج. إن الجنّ يتناسل كتناسل الإنسان، وهذا هو القرآن الكريم يصف الشيطان أنّه من الجنّ وأنّ له ذرية ويقول: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً)1.
د. استقلال الإنس بكون الرسل والأنبياء منهم بخلاف الجنّ، فهم يتبعون أنبياء الإنس، كما هو الظاهر فيما ستقرأ من الآيات .
هـ . إن الجنّ مكلّفون كالبشر وهم يثابون ويعاقبون، قال سبحانه: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الإِنْسِ فِي النَّارِ)(2).
و. إن الجن هم من جنسين ذكر وأُنثى، لقوله سبحانه: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)2.
ز. إن الإنس لا يرى الجنّ وهو يرى الإنسان، كما قال: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)(4).
مبادرة الجنّ لاستماع الوحي دون أن يقصدهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه   

3. مبادرة الجنّ لاستماع الوحي دون أن يقصدهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بنفسه

ربما يظهر من بعض الروايات أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بادر إلى إسماع الجن الوحي ودعوتهم، ولكنّه على خلاف ظاهر الآيات في هذه السورة، حيث إنّه سبحانه يأمر نبيّه بأنّ يخبر المؤمنين من الناس بأنّ نفراً من الجنّ استمعوا

1 . الكهف: 50 .   2 . الأعراف: 38 .
2 . الجن: 6 .   4 . الأعراف: 27 .

صفحه 215
إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يتلو القرآن، وأين هذا من ذهاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى هدايتهم؟
فما رواه مسلم في صحيحه (وغيره أيضاً) أمر لا يوافق القرآن الكريم، حيث روى عن ابن مسعود قال: كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقيل: استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو، جاء من قبل حراء. قال:
فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فقال: «أتاني داعي الجنّ، فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن». قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.1
والحقّ ما رواه ابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق في حديث مفصّل، قال: ثم إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)انصرف من الطائف راجعاً إلى مكّة حين يئس من خير ثقيف، حتّى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلّي، فمرّ به النفر من الجنّ الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم ـ فيما ذكر لي ـ سبعة نفر من جنّ أهل نصيبين، فاستمعوا له ; فلمّا فرغ من صلاته ولّوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا. فقصّ الله خبرهم عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال الله عزّوجلّ: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)...إلى قوله تعالى: (وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم)2. وقال تبارك وتعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ)... إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة.3

1 . صحيح مسلم: 2 / 36. ولاحظ : سنن البيهقي: 1 / 109; سنن الترمذي: 5 / 59 ; تفسير نور الثقلين: 5 / 430 .
2 . الأحقاف: 29 ـ 32.
3 . السيرة النبوية: 1 / 422 .

صفحه 216
وعلى هذا كان استماعهم للوحي بعد موت أبي طالب (رضي الله عنه)بسنة أو سنتين، وقد مات عمّه وكفيله والمدافع عنه أبو طالب في السنة العاشرة من البعثة .
***
ثم إنّ القرآن شقّ طريقاً ثالثاً بين التفريط الذي ينكر وجود الجنّ، وبين الإفراط الغالي الذي يثبت لهم سلطاناً غيبياً فوق ما يتصوّر، وأثبت أنّهم موجودات لها حياة ولها حركة ولها شعور، وأنّهم مكلَّفون بالإيمان بالله الواحد وعبادته والالتزام بالمسلك القويم، ولذا افترقوا إلى طوائف، فمنهم من سلك طريق الهدى والفلاح، ومنهم من تنكّب عنه إلى غير ذلك ممّا سيمرّ عليك في تفسير الآيات، غير أنّ هنا طائفة رابعة، وهم الذين آمنوا بالقرآن الكريم، ولكنّهم يحاولون أن يأوِّلوا الأُمور الغيبية بالأُمور المادّية، يأوّلون نصوصه هذه لتوأمة ما في عقولهم من تصوّرات سابقة، فهم مكان أن يتحاكموا إلى نصوص القرآن، يحاكمون القرآن من خلال مفروضاتهم الذهنية.
شبهة عدم خضوع المسائل الدينية للمنطق والإجابة عنها   
وأنا لا أذكر أسماء هؤلاء الذين تأثّروا بالمفروضات العلمية فصاروا يؤوّلون الحقائق الغيبية، غير أنّ المؤلّف الراحل سيد قطب ممّن اعترف بذلك، فإنّه بعد ما طرح تلك الفكرة قال: إن الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره أن ينفض الإنسان من ذهنه كلّ تصوّر سابق ولا يحاكم القرآن والحديث بغير القرآن ولا ينفي شيئاً يثبته القرآن ولا يأوّله. ثمّ أبدى (في الهامش) أسفه على بعض ما سبق منه في بعض أجزاء «الظلال»، وقال: وما أُبرّئ نفسي أنّني فيما سبق من مؤلّفاتي وفي الأجزاء الأُولى من هذه

صفحه 217
«الظلال» قد انسقت إلى شيء من هذا.. وأرجو أن أتداركه في الطبعة التالية إذا وفّق الله.. وما أقرّره هنا هو ما أعتقده الحق بهداية من الله.1

زلّة لا تستقال

راج منذ زمن ليس ببعيد بين قسم من علماء مصر ومن له صلة بهم أنّ المسائل الدينية لا تخضع للمنطق، ويراد بذلك رفض البراهين العقلية التي تقوم على أساس إرجاع النظريات إلى البديهيات، وهم على طائفتين :
الأُولى: المغترّون بالفلسفة المادّية «الوضعية» كما هو الظاهر من الأُستاذ محمد حسين هيكل في كتابه «حياة محمد» حيث يقول: انصرف هؤلاء الشبان عن التفكير في الأديان وفي الرسالة الإسلامية، وصاحبها، وزادهم انصرافاً ما رأوا ] أن[ العلم الواقعي والفلسفة الواقعية (الوضعية) يقررانه من أنّ المسائل الدينية لا تخضع للمنطق ولا تدخل في حيّز التفكير العلمي، وأن ما يتصل بها من صور التفكير التجريدي، الميتافيزيقي، ليس هو أيضاً من الطريقة العلمية في شيء.(2)
فالأُستاذ يريد الإطاحة بالفلسفة الإسلامية التي أسماها (التفكير التجريدي) في مقابل الفلسفة الوضعية الّتي أسماها بالطريقة العلمية.
ومن هذه الطائفة أيضاً أحمد أمين المصري حيث أطاح أيضاً بالفلسفة الإسلامية الّتي بُنيت على أساس قانون التناقض وأن النقيضان لا يجتمعان، حيث يقول: إن قانون التناقض الذي يقول به المنطق الشكلي القديم والذي يقرّر أن الشيء يستحيل أن يكون وأن لا يكون في آن واحد، يجب عليه الآن

1 . في ظلال القرآن: 29 / 152 .   2 . حياة محمد: 15 .

صفحه 218
أن يزول من أجل حقيقة «هيجل» العليا الّتي تنسجم فيها المتناقضات والّتي تذهب إلى أن كلّ شيء يكون موجوداً وغير موجود.1
شبهة تعطيل العقول عن دراسة المعارف الإلهية والإجابة عنها   
يلاحظ على كلامه بأمرين:
الأوّل: أنّه لو كان ا متناع اجتماع النقيضين واقعاً في إطار الشكّ والترديد بل الردّ والإنكار، فأنّى للأُستاذ أن يثبت قضية يقينية طاردة للشكّ والريب، إذ المفروض أن النقيضين يجتمعان؟ فلو قيل: قرأ أرسطو على أفلاطون، وكان صحيحاً، ففرضنا أن نقيضه (لم يقرأ أرسطو على افلاطون) أيضاً صحيحاً، فكيف يمكن له إثبات قضية قطعية.
الثاني: أنّ الأُستاذ لم يقف على ما يدّعيه (هيجل) من الجمع بين النقيضين، فإنّ كلامه لا يمتّ إلى النقيضين في المنطق بصلة، بل يرجع كلامه إلى أن العناصر المتضادة في الطبيعة يحصل من تفاعلها شيء ثالث، فالنقيضان في مصطلحه غير النقيضين في المنطق .
وعلى كل حال فالأُستاذان المصريّان: هيكل، وأحمد أمين، قد تأثّرا بالفلسفة المادّية الّتي سيطر سلطانها على عقولهما، وبذلك صارا منعزلين عن المنطق والفلسفة الإسلامية، وسوف يوافيك قسم من الآيات الّتي أُقيمت على دلائل عقلية في إثبات المطلوب.
ومن هذه الطائفة، أيضاً، محمد فريد وجدي، وأبو الحسن الندوي الذي زعم أنّ العلوم العقلية لا يمكن التوسّل بها للوصول إلى مجهول، وإنّما المهم العلوم المبتنية على الحسّ، ثم قال: إنّ الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة ولا على غير هدى، جاءوا في هذا العلم بآراء فجّة ومعلومات

1 . موقف العقل والعلم والعالم : 1 / 130 (قصة الفلسفة الحديثة).

صفحه 219
ناقصة وخواطر سانحة ونظريات مستأجرة فضلّوا وأضلّوا .1
يلاحظ عليه بوجهين:
1. أنّ الاعتماد على الفلسفة الحسيّة والتركيز على الحسّ من بين أدوات المعرفة، مقتبس من الفلسفة المادّية التي ترفض الاعتماد على العقل وأدواته ولا تعترف إلاّ بالحسّ وتحسبه أداة منحصرة للمعرفة، والعجب أن يلهج بهذا الأصل مَنْ يدّعي الصلة بالإسلام، ففي القول هذا، إبطال للشرائع السماوية، المبنيّة على النبوّة والوحي ونزول المَلَك وسائر الأُمور الخارجة عن إطار الحسّ، والّتي لا تدرك إلاّ بالعقل والبرهنة، فمن العجيب أن يلعب محمد فريد وجدي ومقلّد الدعوة السلفية (أبو الحسن الندوي) بحبال المادّية من غير شعور واستشعار.
2. أنّه لو صحّ قول الندوي: «إن هذه العلوم وراء الحسّ والطبيعة لا تعمل فيها حواسّهم، ولا يؤدّي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأولية»، فلماذا يطرح الذكر الحكيم جملة من المعارف، ويحرّض على التدبّر فيها وهي ممّا يقع وراء الحسّ والطبيعة، وليست الغاية من طرحها هي التلاوة والسكوت حتّى تصبح الآيات لقلقة لسان لا تخرج عن تراقي القارئ بدل أن تتسلل إلى صميم الذهن وأعماق الروح.
الطائفة الثانية: وهم الذين يتبنّون فكرة تعطيل العقول عن دراسة المعارف الإلهية وعلى رأس هذه الطائفة الكاتب الشهير سيد قطب، فإنّه يصرّ على أنّه لا يجوز أن يفسّر القرآن بتصوّرات مقرّرة سابقة في أذهانهم أخذوها

1 . ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 97 .

صفحه 220
من مصادر أُخرى غير القرآن، ثم يحاولون أن يفسروا القرآن وفق تلك التصوّرات السابقة، ومن ثم يرون الملائكة تمثيلاً لقوة الخير والطاعة، والشياطين تمثيلاً لقوة الشرّ والمعصية، ورجوم الشياطين تمثيلاً للحفظ والصيانة .
لاشكّ أنّ الأُستاذ في بيانه هذا أدّى حق الكلام ولكنّه في ذيل كلامه أطاح بمن يتفكّر في الكون ويؤمن بما أدى إليه تفكّره، فقد أطاح الأُستاذ بهؤلاء وقال: إنّ هؤلاء يتعثّرون كالأطفال الذين يصعدون جبلاً شاهقاً لا غاية لقمّته، أو يحاولون حلّ لغز الوجود وهم لم يتقنوا بعدُ أبجدية الهجاء، وكانت لهم تصوّرات مضحكة ـ وهم كبار فلاسفة ـ مضحكة حقاً حين يقرنها الإنسان إلى التصوّر الواضح المستقيم الجميل الذي ينشئه القرآن. مضحكة بعثراتها، ومضحكة بمفارقاتها. ومضحكة بتخلخلها، ومضحكة بقزامتها بالقياس إلى عظمة الوجود الذي يفسِّرونه بها، لا أستثني من هذا فلاسفة الإغريق الكبار، ولا فلاسفة المسلمين الذين قلّدوهم في منهج التفكير، ولا فلاسفة العصر الحديث وذلك حين يقاس تصوّرهم إلى التصوّر الإسلامي للوجود.1
أقول: إنّ تعطيل العقول عن دراسة المعارف الإلهية والاكتفاء بما ورد في الكتاب والسنّة من دون تحقيق وتحليل ربما يجرّ الإنسان إلى القول بالتشبيه والتجسيم، كما هو المحقّق فيمن رجع إلى عقائد (أهل الحديث والأثر) المتمثّلين بغلاة الحنابلة، وأخيراً (السلفية) التي اقتفت أثرهم، في يومنا هذا.

1 . في ظلال القرآن: 29 / 154 .

صفحه 221
إنّ الكتاب العزيز طرح موضوعات خارجة عن إطار الحسّ كالوحي والملك والبرزخ وغير ذلك، فلولا دراستها على ضوء العقل الحصيف تصير تلاوة هذه الآيات أشبه بلقلقة اللسان، فالله سبحانه هو الذي أمر بالتفكير وقال: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)1 فالحكمة هي عبارة عن التعقّل الصحيح والبرهنة الحصيفة المبتنية على أدلّة سليمة تقبلها الفطرة الإنسانية .
فلو كانت وظيفة المسلم هي قراءة القرآن والسنّة دون أن يفكر في معانيهما ومبانيهما مدّعياً بأنّه أُعطيَ العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية، فما هو الهدف الذي تبتغيه الآيات التالية، والّتي لا يدرك مغزاها إلاّ بالبرهنة العقلية؟ وإليك بعض هذه الآيات:
1. (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)(2).
2. (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)2.
3. (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ)3.
إلى غير ذلك من الآيات الّتي وردت فيها أُصول المعارف الإلهية الّتي تقع وراء الحسّ، فالمؤمن بالقرآن والسنّة هو الذي يعتمد عليهما، كما يعتمد على العقول والأفئدة، يقول سبحانه: (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ

1 . النحل: 125 .   2 . الطور: 35.
2 . الأنبياء: 22.
3 . المؤمنون: 91 .

صفحه 222
تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الأَبْصَارَ وَ الأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)1، والشكر عبارة عن وضع النعمة في محلّها، وشكر الفؤاد هو درك المعقولات، فالآية تبعثنا إلى إعمال الفؤاد والقلب والعقل فيما هو خارج عن إطار الحسّ وغير واقع في متناول أدواته.
هذا وللبحث صلة، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى تقديمنا لكتاب معجم طبقات المتكلمين.(2)
***
سورة الجنّ: الآيات 1 ـ 4    

الآيات: الأربع الأُولى

(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا).

المفردات

نَفَرٌ: النّفر: الجماعة من ثلاثة إلى تسعة على المشهور، وقيل: بل إلى الأربعين.
جَدّ: بمعنى الحظّ، والعظمة، يقول الراغب: بمعنى فيضه، وقيل عظمته.2

1 . النحل: 78 .   2 . معجم طبقات المتكلمين: 1 / 20 ـ 46.
2 . المفردات للراغب: 89 ، مادة «جد».

صفحه 223
سَفيهنا: السَّفَه: خفّة النفس لنقصان العقل .
شططاً: الشِّطط: الإفراط في البعد، وربما يعبّر به عن الجور، ويفسر بالقول البعيد عن الحق.1

التفسير

1. (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا):
ظاهر الآية أنّه سبحانه هو الموحي وقد أوحى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ جماعة من الجنّ استمعوا القرآن عندما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقرأه دون أن يطّلع على استماعهم، فانطلقوا إلى قومهم ينبئونهم بما سمعوا من كلام الله تعالى، ووصفوه بالعجب، لأن صياغته كانت خارقة للعادة، ومعناه يتّسم بالإتقان والمتانة، وقد مرّ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قام في جوف الليل يصلّي فمرّ به نفر من الجنّ، فاستمعوا له فقصّ الله خبرهم عليه، ويشهد على ما ذكرنا ما في سورة الأحقاف، حيث جاءت فيها قصّتهم، قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)2، فإنّ قوله: (صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ)أنّه سبحانه هو الذي وجّه هؤلاء إلى استماع القرآن من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دون أن يكون للنبي دور في استماعهم.

1 . المفردات للراغب: 260، مادة «شطط».
2 . الأحقاف: 29.

صفحه 224
2. (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا):
فهؤلاء النفر وقفوا بفطرتهم على أنّ ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو المطابق للواقع، فقوله: (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)يدلّ على أنّ ما تلاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من القرآن يتضمّن إبطال الشرك، وإثبات التوحيد والربوبية لله تعالى وقد جاء المضمون في سورة الأحقاف بشكل آخر، حيث رجعوا إلى قومهم، و (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم)1، فالمراد من قوله: (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم)هو رفض الأوثان والأصنام والدعوة إلى التوحيد، ولعلهم كانوا على دين موسى حيث جعلوا القرآن كتاباً منزلاً من بعد ما نزلت التوراة، وما سمعوا بالمسيح ولا بإنجيله، أو سمعوا به ولم يتّبعوه.
3. (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا):
وقد دلّت بعض الآيات على أنّ القول بأنّه سبحانه قد اتّخذ صاحبة وولداً كان شائعاً بين المشركين، يقول سبحانه ـ حاكياً عن عقيدتهم ـ : (وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَنَات بِغَيْرِ عِلْم سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ أَنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)(2).
سورة الجنّ: الآيات 5 ـ 10    
فقد استدلّ سبحانه بقوله: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء) على بطلان اتخاذه صاحبة أو ولداً، والكلّ مخلوق لله سبحانه.
كما أنّه استدل بقوله: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)على أنّه ليس له ولد

1 . الأحقاف: 30 .   2 . الأنعام: 100 ـ 101 .

صفحه 225
ولا صاحبة، فمبدع السماوات والأرض هو مَن أنشأها على غير مثال سابق فأنّى له الحاجة إلى الولد والزوجة؟
ولعلّ الآيات الّتي تلاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت تتضمّن تنزيه الربَ عن اتخاذ الولد والصاحبة، ولذلك ذهب هؤلاء النفر قائلين: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) أي تعالت عظمته وجلالته، عن الحاجة، ومن ثمّ (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا) .
4. (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا):
تدلّ الآية على أنّ هؤلاء وقفوا على أنّ نشر فكرة اتّخاذ الصاحبة والولد بين الجنّ كانت نابعة عن تقوّل سفيههم، ولعلّ المراد به هو إبليس الذي كان من جنسهم وأنّه أشاع بينهم القول الشَّطط، البعيد عن الحقّ والخارج عن حدّ الاعتدال.

الآيات: الخامسة إلى العاشرة

(وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا * وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَ شُهُبًا * وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لاَ نَدْري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) .

صفحه 226

المفردات

يعوذون: العَوْذ: الالتجاء إلى الغير والتعلّق به.
رهقاً: الرهق (من رَهَقَ الأمر): غشيه بقهر، يقال: راهق الغلام إذا لحق حال الرجال.
لمسنا: اللمس الإحساس باليد.
حَرَساً: الحرس اسم جمع للحارس، وهو حافظ المكان.
شهباً: جمع شهاب، وهو القطعة الّتي تنفصل عن بعض النجوم فتسقط في الجوّ ثمّ في الأرض.

التفسير

5. (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا):
لمّا نسبوا التقوّل بالشرك إلى سفيههم اعتذروا في هذه الآية عن اعتقادهم السابق بالشرك بأنّهم كانوا يتصوّرون أنّ ما يقوله الإنس والجنّ من الشركاء لله أو اتخاذ الصاحبة والولد، كان قولاً صادقاً ولم يكونوا يظنون أنّهما يقولان على الله كذباً.
وفي هذه الآية إيماء إلى عدم الاعتماد على تقوّلات الإنس والجنّ في المعارف، بل يجب البحث والفحص.
6. (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا):

صفحه 227
التعوّذ بالجنّ كان أمراً ذائعاً بين طوائف من العرب، وكان الرجل إذا نزل الوادي في سفره ليلاً قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، وظاهر الآية أنّ المتعوَّذ به كان من الجنّ حقيقة، فتفسيره «بالمشعوذين الذين يموِّهون على البسطاء بأنّ لهم صلات بالجنّ يستحضرونهم متى شاءوا»1خلاف ظاهر الآية، وقد اعترف صاحب هذا التفسير بأنّ ما ذكره خلاف ما عليه جمهور المفسّرين.
ثم إنّهم أشاروا إلى تبعات ذلك التعوّذ بقولهم: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)، وفي تفسيره وجهان:
أ. أنّ الضمير المستتر يرجع إلى رجال الإنس والضمير المنفصل أعني «هم» يرجع إلى رجال الجنّ، فيكون المعنى: إن رجال الإنس بتعوّذهم برجال الجنّ زادوا إثماً على إثم الجنّ، لأنّ الجنّ عند ذلك يزدادون طغياناً بهذا التعوّذ .
ب. أن الضمير المستتر يرجع إلى رجال الجنّ، والمنفصل إلى رجالِ الإنسّ، أي زاد رجالُ الجنّ رجالَ الإنس إثماً على إثمهم الذي كانوا عليه، وربما ازدادوا خوفاً وذلّة.
وثمّة من يزعم أنّه قادر على الاتصال بالجنّ أو تسخيرهم، وسواء أصحّ ذلك أم لم يصحّ، فإنّ هذه الفقرة من الآية، تدلّ على أنّ الإقدام على مثل هذا العمل، يُعدّ أمراً غير مرغوب فيه، بل ربّما يجعل صاحبه آثماً، لأنّ التعويل على ما يُخبر به الجنُّ المتَّصلَ بهم (إذا افترضنا صحّة الاتصال) من أُمور، قد يُفضي إلى اعتقادات وتصرّفات باطلة، فالجنّ لا يعلمون الغيب،

1 . التفسير الكاشف: 7 / 435 .

صفحه 228
وكثير منهم فاسقون، ولذا لا يصحّ الركون إلى ما يُنقل عنهم، والأَولى في دفع الشدائد وقضاء الحاجات، وحلّ المشكلات، التعوّذ بالله، والتوجّه إليه، وطلب العون والرحمة والمغفرة منه تعالى، فالأَولى في دفع الشدائد وقضاء الحاجات وحلّ المشكلات التعوّذ بالله سبحانه والتوجّه إليه وطلب العون والرحمة والمغفرة منه تعالى.
7. (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا):
مضمون الآية هو مضمون كلام الجنّ، والمراد من الظن هنا هو الاعتقاد وأنّ هؤلاء النفر الذين أسلموا عند سماع قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رجعوا إلى قومهم يستنكرون عليهم إنكار البعث ويقولون إنّ رجال الإنس كانوا ينكرون بعث النبي بالرسالة من الله مثل إنكاركم، ويمكن أن يراد من البعث هو بعث يوم القيامة .
8 و 9. (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا):
يظهر من قوله سبحانه: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَان مَارِد * لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِب * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ)1، أمران:

1 . الصافات: 6 ـ 10 .

صفحه 229
أ. أنّ في السماء، بالمصطلح القرآني، مكاناً خاصّاً للملائكة الذين أُنيطت بهم مسؤولية تدبير العالم بأمر من الله سبحانه وإذنه فصاروا جنود الله الّتي لا يعلمها إلاّ هو سبحانه، وأنّ لهؤلاء الملائكة هناك كلاماً وصوتاً حول الحوادث في العالم.
ب. أنّ الجنّ قبل بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا يصعدون إلى قريب من ذلك المكان ويسمعون صوتاً وكلاماً ثم ينزلون به، وكان هذا مستمراً إلى بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكنّهم بعد ذلك مُنعوا من الاستماع بالحفظة والشُهب، فالحفظة يمنعونهم من ورود ذلك المكان، والشُّهب ترميهم لتهلكهم، وإلى هذا يشير قولهم: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ)، وبما أنّ اللمس باليد أقوى إحساساً فشُبّه إحساسهم بالمنع، باللمس باليد (فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَ شُهُبًا)فالحرس يمنعهم من الورود كما هي وظيفة كلّ حارس، والشهب ترميهم وتطردهم.
وهذه الظاهرة حدثت أخيراً ولم يكن لها سابقة كما هو مفهوم قوله: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ)والمقعد هو المكان الذي يجلس عليه الجالس، والمعنى أنّهم كانوا يتّخذون في السماء مقاعد لهم لاستماع كلام الملائكة، لكن (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا): أي شهاباً يُرمى به ويُرصد، وهنا أُمور يجب التنبيه عليها:
أ. المراد من السماء في مصطلح القرآن هوالسماء الدنيا، والمراد من الدنيا هو السماء القريبة، وما يشاهده الإنسان بالعين المجرّدة أو المسلّحة كله يدخل في السماء الدنيا لقوله سبحانه: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة

صفحه 230
الْكَوَاكِبِ)1 وأمّا السماوات الستّ فالله يعلم مكانها وبُعْدها، فما كشف عنه العلم من أنّ بعض الكواكب يصل نوره إلينا بعد ملايين السنين الضوئية كلّه يدخل في السماء الدنيا .
ب. أنّ الملأ الأعلى محلّ الملائكة، وأمّا أين موقعه من السماء؟ فذلك من الأُمور الغيبية الّتي نؤمن بها.
ج. أنّه لا يراد بالشهب التي تُرجم بها الجنّ، تلك القطعات المنفصلة عن بعض النجوم حيث تسقط في الجو أو الأرض وتشتعل، ولعلّه كنّي عمّا تُرمى به الجنّ التي تريد الاستماع بالشهب لكونها ناراً تشبه نار الشهب السماوية التي نراها تتساقط ليلاً.
سورة الجنّ: الآيات 11 ـ 15    
روى البخاري عن ابن عباس ، قال: انطلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلاّ ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث؟ فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء؟ قال: فانطلق الذين توجّهوا نحو تهامة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بنخلة وهو عامدٌ إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن تسمّعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا، إنّا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرُّشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحداً. وأنزل الله

1 . الصافات: 6 .

صفحه 231
عزوجل على نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم): (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ)وإنّما أُوحي إليه قول الجنّ.1
وأمّا قوله: (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا)أي من يستمع الآن منّا بالقعود مقعداً للسمع، يجد له شهاباً راصداً له لا يتخطّاه، أو شهاباً وراصداً حسب قوله: (حَرَسًا شَدِيدًا وَ شُهُبًا).
10. (وَأَنَّا لاَ نَدْري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا):
هذا النوع من الجهل كان عندهم قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر، وأنّ المنع لأجل تكريم النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك تحيّروا في هذه الظاهرة الجديدة حيث مُنعوا ولم يكونوا كذلك، ومن هنا اعترفوا بجهلهم قائلين: (أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) .
هذا على القول بأنّ هذا قولهم بعد ما صعدوا وشاهدوا ظاهرة المنع، ثم رجعوا وفي مسيرهم استمعوا قرآن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وآمنوا به .
ويحتمل أن يكون كلام الجنّ بعد إيمانهم ويكون من قبيل تجاهل العارف، والمراد بأنّ الله سبحانه أراد رشداً قطعاً ببعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يُرد شرّاً.

الآيات: الحادية عشرة إلى الخامسة عشرة

(وَأَنَّا مِنَّا الصاَّلِحُونَ وَ مِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا * وَ أَنَّا

1 . صحيح البخاري: 1257، برقم 4921، كتاب تفسير القرآن.

صفحه 232
ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الأَرْضِ وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا * وَ أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَ لاَ رَهَقًا * وَ أَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَ أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) .

المفردات

الصالحون: الصالح: عامل الصلاح الذي يصلح به حاله في دينه.
دون ذلك: فيه احتمالان:
أ. يكون بمعنى غير .
ب. أن يكون بمعنى الأقلّ والأدوَن.
الطرائق: جمع طريقة أي الطريق المسلوك كناية عن العقائد المتشتتة.
قدداً: جمع قدّة بمعنى القطع، سمّيت الطرائق بالقدد، لأنّ كلّ واحدة منها مقطوعة عن غيرها، ينتهي كل إلى غير ما ينتهي إليه الآخر.
بخساً: البخْس: الغُبْن في الأجر.
رهَقاً: الرهَق: الظلم.
القاسطون: القاسط: اسم فاعل من قسط بمعنى جارَ وظَلم، بخلاف المُقْسِط فهو بمعنى من يعدل، روى الزمخشري في «الكشاف» قال: إنّ الحجّاج قال لسعيد بن جبير حينما أراد قتله: ما تقول فيّ؟ قال: قاسط عادل، فقال القوم: ما أحسن ما قال، وحسبوا أنّه يصفه بالقسط والعدل، فقال الحجّاج: يا جهلة إنّه سمّاني ظالماً مشركاً، وتلا قوله تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ)

صفحه 233
وقوله: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)1.(2)
تَحَرَّوْا: التحرّي: طلب المقصود. قال الراغب: حَرى الشيءَ يحري أي قصد حراه أي جانبه.

التفسير

11. (وَأَنَّا مِنَّا الصاَّلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) :
الظاهر أنّ (دُونَ) بمعنى غير، وهؤلاء النفر يخبرون أنّ طائفتهم على قسمين: منهم صالح ومنهم طالح، ويحتمل أن يراد من قوله: (وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ): أي ما يقرب من الصالح في درجة نازلة.
وقوله: (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) يكشف عن أنّهم كانوا جماعات أشتاتاً، فإنّ الطرائق جمع طريقة، فيكون المراد فِرقاً شتّى على مذاهب مختلفة وأهواء متفرّقة من تقيّ وشقيّ، وصالح وطالح وغير ذلك.
ومن المعلوم أنّ الحق واحد وسائر الطرق الّتي لا تنتهي إلى الحق باطلة كلّها، وهناك حديث مرويّ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يشير إلى ذلك:
روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خطّ خطّاً ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيًما فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)2.(4)

1 . الأنعام: 1 .   2 . تفسير الكشّاف: 3 / 276 .
2 . الأنعام: 153.   4 . مسند أحمد: 1 / 435 .

صفحه 234
12. (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا):
قد تقدّم أنّ الظنّ بمعنى اليقين، فالمشرك بين فكرتين خاطئتين: تعجيز الله سبحانه في الأرض، وإمكان الهروب من عذابه، وقد علم الجن خطأهما لمّا قال:
1. (لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الأَرْضِ )لن يُغلب الله سبحانه في أرضه.
2. (وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا) ولا يُتمكن من الهروب من عذابه وعقابه.
وهؤلاء قد أيقنوا بالتوحيد في الربوبية وأنّ الله ربّ السماوات والأرض وما بينهما، فإرادته قاهرة على إرادة الممكن، كما أنّه ليس لأحد أن يفرّ من عذاب الله تعالى .
ولعلّ في قوله: (وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا) تعريضاً بما يقوم به بعض المتديّنين، حيث يستخدمون الحيل الشرعية للهروب من عذاب الله، مع أنّ الحيل الشرعية لا تغيّر الواقع ولا تردّ المفاسد، وقد عذّب الله أصحاب السبت (من اليهود) بمسخهم قردة لتحايلهم في معصية الله، قال تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)1.
13. (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَ لاَ رَهَقًا) :

1 . البقرة: 65. وخلاصة قصتهم أنّهم نُهوا عن صيد الأسماك في يوم السبت، فكان السمك يأتي بكثرة ظاهراً على وجه الماء (اختباراً لهم) في يوم السبت دون سائر الأيام، فكانوا يحجزونه في يوم السبت، وينتشلونه يوم الأحد .

صفحه 235
أُريد من الهدى، القرآنُ الكريم وأنّهم اهتدوا به، فآمنوا بربهم العادل الذي لا يجور فلا يخاف المؤمن به، البخسَ ولا الظلمَ، قال تعالى: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)1.
وقال تعالى: (فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(2).
14 و 15 . (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) :
حكى هؤلاء النفر أنّ قومهم على قسمين : (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ)الذين استسلموا لما أمر الله به وانقادوا لذلك، والمراد من المسلم من استسلم قلباً لا لساناً، فقد قال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)2، وقال سبحانه: (فَلاَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيًما)(4).
ومنهم القاسطون العادلون عن طريق الحق، كما قال: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ )فالطائفة الأُولى يحكم عليهم بقوله: (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا).
والطائفة الثانية يحكم عليهم بقوله تعالى: (فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا).
إلى هنا تمّ بعض 3 ما حكاه سبحانه من كلام نفر من الجنّ الذين اهتدوا بسماع تلاوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يدل على رفعة عقلية يتمتع بها هؤلاء

1 . آل عمران: 117.   2 . التوبة: 70 .
2 . الحجرات: 15.   4 . النساء: 65 .
3 . قلنا: «بعض» لما سيأتي أيضاً ممّا حكاه سبحانه عنهم بعد الآيتين، فتربّص حتّى حين.

صفحه 236
حيث بلغ كلامهم درجةً أن ذكره سبحانه في كتابه الكريم، وأن الجنّ ليسوا على درجة واحدة من التعقّل والتفكّر.
سورة الجنّ: الآيات 16 ـ 17    

الآيتان: السادسة عشرة والسابعة عشرة

(وَأَ لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا).

المفردات

استقاموا: الاستقامة على الطريقة كناية عن الاعتقاد الحق والسلوك الصالح، وكأنّ الموصوف بهما يسير في حياته سيراً مستقيماً في طريقه.
غَدَقاً: الغَدَق: الماء الغزير.
لنفتنهم: الفتنة: الامتحان.
صَعَداً: الصعد: الشاقّ الغالب.

التفسير

16. (وَأَ لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) :
هذه الآية تشير إلى أنّ السنّة الإلهية التي جرت على إنزال البركات ونزول الخيرات على مَن سلك طريق الحق عقيدة وعملاً، كما يقول: (وَأَ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ)دون تزعزع وفوضى (لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)غزيراً يمطر عليهم من السماء، وقد مرّ منّا كلام بأنّ العالم كموجود واحد وله روح

صفحه 237
وله عين وسمع بالنسبة إلى ما عليه الإنسان من الأعمال الصالحة أو الطالحة، وأنّ هناك صلة بين الصلاح ونزول الخيرات، وقد أُشير أيضاً إليه في غير واحدة من الآيات، ولا يختص ذلك بالأُمّة الإسلامية بل يعمّ الأُمم السابقة، قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)1.
ولعلّ الماء الغزير كناية عن نزول مطلق البركات المادية والعلمية والمعنوية فيعمّ الأمن في الحياة والغزارة في العلم، روى بُريد العجلي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «معناه: لأفدناهم علماً كثيراً فيتعلّمونه من الأئمة(عليهم السلام)»2.
17. (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا):
إنّ نزول الخيرات والبركات إنّما هو للفتنة والامتحان، فرُبّ إنسان يحسن استعمال آلاء الله، فيستثمرها في الغايات الصحيحة وبما يعود عليه وعلى الآخرين بالنفع والخير، وربّ إنسان يسيء استخدامها باتخاذها وسائل للّهو والفساد والتطاول على الآخرين. وكم من إنسان يدعو الله سبحانه لأن يرزقه مالاً وخيراً كثيراً ليصرفه فيما يرضى الله، حتى إذا نال ما يروم، نسي ما عاهد الله عليه، وفشل في الامتحان والابتلاء وقد أشار سبحانه إلى ذلك في بعض الآيات وقال: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ

1 . المائدة: 66.
2 . تفسير نور الثقلين: 5 / 439.

صفحه 238
لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)1.
ثم إنّ جزاء هؤلاء ـ أي غير الناجحين في الامتحان ـ ما ذكره في قوله: (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ)فإنّ وفرة المال بيد إنسان غير صالح يؤثر في إعراضه عن ذكر الله، كما قال سبحانه: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى)2 فجزاؤه ما يذكره في قوله: (يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا)أي يدخله عذاباً شاقّاً شديداً، متصعّداً في العِظم. 3 وفي الميزان: العذاب الصعد: هو الذي يتصعّد على المعذَّب ويغلبه، وقيل: العذاب الشاقّ.4
الظاهر أنّ قوله: (عَذَابًا صَعَدًا) بمعنى شاقّاً، لأنّ الذي يصعد المرتفعات يجد مشقّة في الصعود كلما صعد أكثر.
وقد قلنا: إنّ هاتين الآيتين من كلام الله سبحانه، ولا صلة لهما بقول الجن، ولذلك تغيّر السياق، فإن سياق الآيات السابقة كلها تبتدئ بلفظ «إنّا» وأمّا المقام فقد بدأ بقوله: (وَأَلَوِ اسْتَقَامُوا).
سورة الجنّ: الآيات 18 ـ 19    

الآيتان: الثامنة عشرة والتاسعة عشرة

(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا * وَ أَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا).

1 . التوبة: 75 ـ 76 .
2 . العلق: 6 ـ 7 .
3 . مجمع البيان: 10 / 168 .
4 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 46.

صفحه 239

المفردات

المساجد: جمع المسجد، بيوت الله المعدّة للصلاة، أو المواضع السبعة التي يُسجَد بها، من الجبهة والكفين والركبتين وإبهامي الرجلين، والّتي لا يُسجد بها إلاّ لله.
لِبداً: اللِّبَد: جمع مفرده لُبْدة بمعنى المجتمعة المتراكمة.

التفسير

18. (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا):
قلنا: إنّ الآيتين السابقتين، هي من كلام الله سبحانه، لأنّ سياقهما يختلف مع ما سبق من الآيات، وذلك لأنّ الآيات السابقة تبدأ بلفظ «وإنّا» بخلافها، لكن يظهر أنّ هذه الآية وما بعدها من كلام الجنّ، وأنّ الله سبحانه أوحاه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويشهد على ذلك أن القرّاء اتّفقوا على قراءتها بفتح الهمزة، فيكون معطوفاً على ما سبق، فلو كان كذلك فهو توكيد لما سبق من قولهم: (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا).
فلو أُريد بالمساجد بيوت العبادة، فالمراد أن لا يعبد فيها غير الله سبحانه خلافاً للنصارى في بِيَعهم حيث يعبدون المسيح، وخلافاً للمشركين حيث يعبدون الأصنام، فالمنهيّ عنه في المساجد، إذاً، هو عبادة غير الله لا غير، وعلى ذلك فإقامة الفواتح للمتوفّين، والاحتفالات لتكريم الشخصيات لا يدخل في مورد النهي، إذ ليس كل ذلك عبادة لغير الله تعالى، وبعبارة أُخرى: المراد من الدعوة هو العبادة أي الدعوة العبادية لا مطلق التكلُّم، وقد

صفحه 240
تطلق الدعوة ويراد بها العبادة كما في قوله سبحانه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)،1فقد ذكر في صدر الآية قوله: (ادْعُوني)ثم ذكر بعد ذلك قوله: (عِبَادَتِي)وهذا دليل على أنّ دعاء الله لا ينفكّ عن عبادته، وأمّا دعاء الغير فلا دليل على كونه ملازماً للعبادة، بل هو على قسمين، فتارة يدعوه بزعم أنّ مصيره في الحياة بيده فيكون دعاؤه عبادة، وأُخرى يدعوه ويطلب منه شيئاً بما أنّه قادر على إنجاز طلبه بإذن الله إذا قال: اسقني، أو بما أنّه مستجاب الدعوة وأنّ له عند الله مقاماً رفيعاً تستجاب دعوته، وهذا ليس عبادة بل ممّا أمر به سبحانه في غير واحدة من الآيات، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً)2، وقال ـ حكاية عن قول إخوة يوسف (عليه السلام) لأبيهم ـ : (يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)(3)، فإنّ إخوة يوسف لمّا شعروا، بفطرتهم، أنّ خطأهم الكبير لا يُغفَر إلاّ بالتوسّل بدعاء أبيهم، جعلوا دعاء أبيهم وسيلة لغفران ذنوبهم.
ثم إنّ بعض الوهابيين لمّا وقفوا على هذا البرهان الدامغ ذهبوا يناقشون بأنّه يختصّ بالأحياء لا بالأموات، ولكنّهم غفلوا عن أنّ الاستدلال مركّز على أنّ دعاء الغير بما أنّه مستجاب الدعوة ليس عبادة للمدعوّ وإلاّ لما كان هناك فرق بين الأحياء والأموات، وليس الكلام في أنّ الداعي ينتفع بدعوته أو لا، حتّى يفرَّق بين دعوة الأحياء والأموات، نعم ينتفع بدعوته أيضاً في مقام آخر.

1 . غافر: 60 .
2 . النساء: 64 .   3 . يوسف: 97 .

صفحه 241
هذا، والمرويّ عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)أنّ المراد بالمساجد: الأعضاء السبعة1; روى العياشي في تفسيره عن أبي جعفر ]الجواد[ (عليه السلام)أنّه سأله المعتصم عن السارق من أي موضع يجب أن يقطع؟ فقال: إنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أُصول الأصابع فيترك الكفّ؟ فقال: وما الحجّة في ذلك؟ قال: قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)السجود على سبعة أجزاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم تبق له يد يسجد عليها، وقال الله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ) يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها (فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) وما كان لله فلا يقطع »2.
وعلى هذا فلا يجوز السجود لأحد من دون الله، لأنّ السجود في غاية الخضوع لمن يملك كمالاً وجمالاً دون نهاية، وليس هو إلاّ الله سبحانه، ولذلك نرى أنّه سبحانه يحكي عن المشركين بأنّهم كانوا يسوّون بين الله وبين غيره، قال: (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)3 .
19. (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا):
لو كانت الآية من مقولات الجنّ ـ كما استظهرناه ـ فالآية تحكي عن اجتماع طوائف حول الرسول عندما كان يصلّي أو يقرأ القرآن دون أن ينتفعوا بكلامه وهدايته، وتكون الآية مشيرة إلى قوله: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا

1 . وقال الفرّاء والزجّاج: المساجد: مواضع السجود من الإنسان : الجبهة، واليدان، والرجلان. وزاد أصحابنا عيني الركبتين. التبيان في تفسير القرآن: 10 / 155 .
2 . تفسير نور الثقلين: 5 / 439 .
3 . الشعراء: 97 ـ 98 .

صفحه 242
قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الَْيمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ)1، وعلى هذا، فهؤلاء النفر من الجنّ كانوا يتعجبون من اجتماعهم حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كما قال: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ)يعني محمّداً (يَدْعُوهُ) أي يدعو الله سبحانه بالتوحيد ويقول: «لا إله إلاّ الله» كاد المشركون يكونون عليه لبداً، أي يزدحمون عليه لإلحاق الأذى به، وصرفه عن دعوته بإخلاص الإلوهية.
سورة الجنّ: الآيات 20 ـ 25    

الآيات: العشرون إلى الخامسة والعشرين

(قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي وَ لاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لاَ رَشَدًا * قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَني مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلاَّ بَلاَغًا مِنَ اللهِ وَ رِسَالاَتِهِ وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَ أَقَلُّ عَدَدًا * قُلْ إِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا).

المفردات

يُجيرني: الإجارة: إعطاء الجوار، وحكمه حماية المجير للمجار، ومنعه ممّن يقصده بسوء.
مُلتحَداً: الملتحَد: الملجأ.

1 . المعارج: 36 ـ 37 .

صفحه 243
أمداً: الأمَد والأبد يتقاربان، لكن الأبد عبارة عن مدّة الزمان الّتي ليس لها حدٌّ محدود ولا يتقيّد، والأمد مدّة لها حدٌّ مجهول إذا أُطلق، وقد ينحصر نحو أن يقال: أمد كذا، كما يقال: زمان كذا، والفرق بين الزمان والأمد أنّ الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عام في المبدأ والغاية، ولذلك قال: بعضهم: المدى والأمد يتقاربان .1

التفسير

20. (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي وَ لاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا):
لمّا انتهت حكاية مقالة الجنّ عن القرآن الكريم الذي هزّ مشاعرهم إلى حدٍّ آمنوا بشريعته وأخذوا ينددون بعمل المشركين المعاندين لنشر رسالة الرسول، أخذ البيان القرآني من هنا بخطاب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)مركّزاً على التوحيد في الربوبية وأنّه لا ربّ في الكون سواه. والربّ بمعناه الواقعي يوحي إلى أنّه لا مؤثر في الوجود ولا مدبّر إلاّ الله سبحانه وأنّه لا ملجأ إلاّ إليه وأنّ ما سواه لا يملك ضَرّاً ولا رشداً، وإنّما يركّز على ذلك لأنّ المشركين كانوا مشركين في العبادة على أساس الشرك في الربوبية، فكانوا يرون الضرّ والنفع بيد آلهتهم، فيلتجئون إليها فأوحى سبحانه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يؤكّد على خلافه وقال: (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي وَ لاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا)فالمراد من الدعاء هو العبادة، ومن الشرك الشرك فيها،وما هذا إلاّ لأن العبادة إنّما يستحقّها من له الربوبية، وليست إلاّ له سبحانه.

1 . المفردات للراغب: 24، مادة «أمد».

صفحه 244
21. (قُلْ إنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لاَ رَشَدًا):
أي إنّي لا أملك القدرة على إيقاع الضرر بكم وإيصال الخير إليكم، وما هذا إلاّ لأنّهما من شؤون الربّ لا العبد .
فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو سيّد الخلق، لا يملك القدرة على التأثير في حياة الناس، ضرّاً أو نفعاً، فإنّ حال غيره يكون واضحاً.
وهذا هو الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)يذكر في دعائه ويقول: أنا الضعيف الذي قوّيته، أنا الذليل الذي أعززته، أنا الفقير الذي أغنيته، أنا الجاهل الذي علّمته.
ويمكن أن تُستوحى من هذه الآية، عظمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وصدق تعامله مع الناس، حيث يصارحهم بتلك الحقيقة (لا يملك لهم ضرّاً ولا نفعاً)، ولا يدع الظنون تذهب إلى غير ذلك، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يملك بذاته شيئاً منهما ولكنه لا ينافي التفضّل منه سبحانه في بعض المواقع.
22. (قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَني مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا):
ولمّا سلب عن نفسه أي تملّك للخير والشر أفاد في هذه الآية بأنّه لا يمنعه أحدٌ ممّا قدّر الله عليه، كما قال: (قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَني مِنَ اللهِ أَحَدٌ)فالمجير يحمي ويمنع الجار من سوء القصد إليه لكن ليس أمام الله سبحانه أن يمنعه عمّا أراد. وكما أنّه لا يجيره غيره فهو أيضاً لا ملجأ إلاّ إليه، كما قال: (وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) أي ملجأ أطلب به السلامة.
فالآيات تركّز على التوحيد في العبادة على أساس التوحيد في الربوبية

صفحه 245
وأنّه يجب على الإنسان أن ينفض يديه من كلّ إدّعاء لنفسه، كما يعلم تلويحاً إلى أنّه لا يرجع إلى أحد، إذ ليس هناك ملتحد وملجأ إلاّ إليه. ولعل الآية إشارة إلى ما مرّ في مقالة الجنّ (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) .
وهذا هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)في دعائه المعروف يقول: «كفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً، وكفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً»1.
ولا مفخرة أعلى من كون الإنسان عبداً للكمال المطلق، ولا يكون له مجير ولا ملتحد إلاّ هو سبحانه .
ثم إنّ هذه الآيات ونظائرها وقعت ذريعة للوهابيين الذين ليس لهم هم إلاّ الحطّ من كرامات أولياء الله، فعلى ذلك يرون أنّ أي توسّل بالنبي ، دعاءً شركياً، غير أنّهم غفلوا عن أبجدية القرآن، فإنّ الآيات تركّز على أنّ الأُمور بيده سبحانه وأنّه الإله الخالق المدبّر، وأنّه ليس لأحد شأن إلاّ بإذنه، وعلى ذلك فمن يتوسّل بالنبي أو بآله (عليهم السلام)فلا يتوسّل بأنّ النبي خالق أو مدبّر أو بيده مصير الداعي وخيره وشرّه، بل يعتقد بأنّ كلّ هذه الأُمور بيد الله وإنّما يتوسّل بدعائهم أو بمكانتهم لأجل أنّ دعاءهم سبب من الأسباب، فهو يتمسّك بالأسباب الّتي سبّبها سبحانه في عالم التشريع والتكوين، وقد أُثر عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكل شيء سبباً» 2 فالتمسّك بالأسباب الّتي أقرّها الله سبحانه تمسّك بالمسبِّب غير خارج عن إطاره فلو جعل دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وسيلة للمغفرة

1 . الخصال: 420 ح 14، باب التسعة.
2 . الكافي: 1 / 183، باب معرفة الإمام، الحديث 7 .

صفحه 246
والتجأ إليه وطلب منه الدعاء فقد تمسّك بالأسباب الّتي قررها الله سبحانه ، وهذا عمر بن الخطاب قد توسّل بمكانة عمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)العباس ومنزلته
وقال: اللهم كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبينا فاسقنا1.
ومن المضحك أنّ الوهابي يؤوّل عبارة عمر ويقول: المراد نستقيك بدعاء عم نبيّك، وهذا تأويل باطل، يشهد على بطلانه قول العباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمّي سقى الله الحجاز وأهله *** عشيّة يستسقي بشيبته عُمر2
23. (إِلاَّ بَلاَغًا مِنَ اللهِ وَ رِسَالاَتِهِ وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا):
لمّا ذكر في الآية السابقة أنّه لا يجير النبي من الله أحدٌ، ولن يجد من دونه ملجأً، أتمّ كلامه هذا بأنّ هذه الحالة باقية حتّى يؤدّي هذه الأمانة كما قال: (إِلاَّ بَلاَغًا مِنَ اللهِ وَ رِسَالاَتِهِ)، فلا يعصمني شيء إلاّ أن أُبلِّغ وأؤدي، فالله سبحانه هو الذي يجيرني ويكون ملجأً لي، فهذه رسالتي أديتها من الله تبارك وتعالى.
قوله تعالى: (وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).
وذلك جزاء تولّيهم عن الله ورسوله، وقد أولاهم كل النِّعم .

1 . صحيح البخاري: 2 / 32، باب صلاة الاستسقاء.
2 . شفاء السقام للسبكي: 309 ; الغدير: 7 / 302 .

صفحه 247
24. (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا):
نعم يظهر من بعض الآيات أنّ المشركين كانوا يردّون رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لقلّة ناصريه وتابعيه وكأنّ ملاك الحقّ والصواب هو الكثرة و الجاه والقوة. وهذا المنطق الفاسد، هو منطق الجاهلين والمعاندين والطغاة المترفين على مرّ العصور، قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)1.
وقديماً أعرض قوم نوح (عليه السلام)عن الهدى واتّباع الحقّ بحجّة التفاف المستضعفين والمحرومين حوله (عليه السلام)، قال تعالى حاكياً عن قوم نوح قولهم: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ)(2).
وقال تعالى في سورة الشعراء حاكياً عنهم أيضاً، قولهم: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ)2.
وهذا المنطق كان سائداً، أيضاً، بين عتاة المشركين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يستضعفون المؤمنين به (صلى الله عليه وآله وسلم)ويستقلّون عددهم، ويقولون بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أضعف ناصراً وأقلّ عدداً، فردّ الله عليهم بأنّه إذا حشروا يوم القيامة ورأوا ما يوعدون من العذاب كما يقول: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ)وعندئذ (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَ أَقَلُّ عَدَدًا)أي يعلمون بأنّ قلّة العدد والناصر

1 . سبأ: 34 ـ 35 .   2 . هود : 27 .
2 . الشعراء: 111.

صفحه 248
لا تكون دليلاً على كذب الداعي، وسيعلمون أيَّ الفريقين هو الضعيف المخذول القليل الهزيل.
25. (قُلْ إِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا):
سورة الجنّ: الآيات 26 ـ 28    
كان المشركون كثيراً ما يسألون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قاصدين الاستهزاء، عن وقت العذاب الذي يخوّفهم به، وعن وقت يوم القيامة الذي يحذّرهم أهواله، قال تعالى مخاطباً، كما يحكي عنه قوله سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ)1.
ولذلك أمر الله سبحانه نبيّه أن يقول لهم: إنّه لا يدري هل هو قريب أو أنّ له أمداً بعيداً؟ كما قال: (قُلْ إِنْ أَدْري)أي لا أدري (أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ)يوم البعث والقيامة (أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا)أي غاية ينتهي إليها بعينها، وهو بمعنى قوله: (أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ)2.

الآيات: الثلاث الأخيرة

(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَدًا).

1 . الأعراف: 187 .
2 . الأنبياء: 109 .

صفحه 249
 
التفسير
26. (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) :
لمّا نفى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)علمه بوقت العذاب الذي يحلّ بهم يوم القيامة وأنّه لا يدري أقريب هو أم بعيد، أخذ النصّ القرآني في بيان علم الغيب وأنّه ممّا استأثر به لنفسه سبحانه، فلا يسلِّط عليه أحداً وقال: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ)أي لا يسلِّط على غيبه (أَحَدًا).
27. (إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا):
لمّا نفى تسليط الغير على الغيب استثنى المرضيّ من رسول وقال: (إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول)فيسلّطه تعالى على غيبه تسليطاً محدوداً. ثم إنّ ذيل الآية اشتمل على ضمائر يجب تعيين مراجعها:
1. الضمير في (فَإِنَّهُ ) يرجع إلى الله تعالى.
2. الضمير المتصل في الفعل (يَسْلُكُ ) يعود إلى الله تعالى.
3. الضميران في قوله: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ)يعودان إلى (رَسُول).
إذا عرفت ذلك نعود إلى تفسير الآية، فنقول: إنّ الله سبحانه بعد ما يسلّط رسوله على ما يشاء من غيبه ومنه الوحي والرسالة لا يترك الرسول، بل يجعل من أمام الرسول ومن خلفه رصداً وملائكة يحفظونه من الاشتباه في تلقّي الوحي، وحفظه، ونقله إلى الغير، كما يحفظونه من دخول الشياطين عليه. فقوله: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ) كناية عن الإحاطة المطلقة وكونه

صفحه 250
محاطاً من قبل الرصد. فالتعبير عن الملائكة بالرصد نظير التعبير المتقدّم في نفس هذه السورة وهو قوله تعالى: (يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا)أي أنّ الملائكة يرمون الشياطين ويمنعوهم من التدخّل فيما يلقيه الوحي إلى الرسول من علم الغيب .
28. (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَدًا):
إنّما جعل الرصد من بين يديه ومن خلفه لحفظ الوحي من كلّ تخليط لغاية تحقّق إبلاغ الرسالة كما يقول: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ)ومن الواضح أنّ المراد من علمه سبحانه هو تحقّق الشيء أي يتحقّق إبلاغ رسالات الرسل من ربّهم، وصيغة الجمع في قوله: (قَدْ أَبْلَغُوا)يشير إلى أنّ المراد منهم مطلق الأنبياء والرسل.
قوله: (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ)والضمير في قوله: (وَأَحَاطَ)يرجع إلى الله سبحانه، والضمير في (لَدَيْهِمْ) يرجع إلى الرسل والجملة متمّمة لمعنى الحراسة المذكورة سابقاً، فقد أحاط الله علماً بما لدى الأنبياء وهم لا يحيطون إلاّ بما يطلعهم الله عليه.
قوله تعالى: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَدًا) أي أحصى كلّ ما خلق .
وعلى هذا فالرسول محاط بالحرّاس والأرصاد والله سبحانه يعلم كلّ ما لديه، بل هو يحيط بكل شيء إحصاءً دقيقاً لا يعزب عن علمه شيء.
وبهذا تمّ تفسير الآيات، ويبقى الكلام في أُمور :
أوّلاً: ما هو المراد من الغيب الوارد في قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ)؟
والجواب: هناك احتمالات ثلاثة:

صفحه 251
1 . المراد من الغيب هو يوم القيامة بقرينة الآية المتقدّمة عليه وهي قوله تعالى: (قُلْ إِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ).
2. المراد منه الوحي القرآني، بشهادة قوله: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ).
3. المراد مطلق الغيب، خلاف المشهود، سواء أكان وحياً قرآنياً أو أُموراً غيبية خارجة عن الحواسّ، كإخبارهم عمّا يأتي من الحوادث.
أمّا الأوّل: فهو غير صحيح جدّاً وذلك لأنّه لو أُريد بالغيب يوم القيامة، فما معنى الاستثناء، أعني قوله: (فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول)إذ من الواضح أنّ الرسول غير واقف على يوم القيامة، وقد مرّ قوله: (قُلْ إِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا)، وأنّه لا يعلم قرب ما يوعدون أو بعده.
وأمّا الثاني: فهو لا يخلو من وجه بشهادة قوله: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ)فإنّه يدلّ على أنّ الغيب الذي يظهر رسوله عليه له صلة برسالات الربّ، أضف إلى ذلك: جعلَ الرصد من بين يدي الرسول ومن خلفه لئلاّ تتدخل الشياطين فيما أُوحي إليه .
وأمّا الثالث: فهو محتمل لا دليل على نفيه، لأنّ القرائن المذكورة على أنّ المراد من الغيب هو الوحي، لا تنفي شموله لغيره أيضاً، فلو قلنا بأنّ الآية دليل على تسلّط النبي على الغيب بإذن الله سبحانه، فلم نقل شيئاً على خلاف ظاهر الآية.
ثم إنّ المفسّرين 1 فسّروا الغيب في الآية بالوجه الثالث، وقد علّل

1 . لاحظ : التبيان: 10 / 158; مجمع البيان: 10 / 374 ; تفسير ابن كثير: 4 / 433 ; تفسير   2
البيضاوي: 5 / 254 وغيرها.

صفحه 252
طائفة من هؤلاء بأنّ اطّلاع الأنبياء على الغيب دليل متمّم على صدق رسالاتهم ومعجزة لهم، حيث إنّ علمهم بالغيب سبب لوثوق الناس بهم ودليل على ارتباطهم بالسماء، وبعد هذا لا يمكن تخطئة هؤلاء الذين فسّروا الغيب بالأُمور الغائبة عن الحسّ.
ثانياً: هل هناك دليل على علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالغيب بعلم من الله سبحانه مع قطع النظر عن هذه الآية، أو لا ؟
يظهر من الآية التالية أنّه سبحانه يطلع نبيه على الغيب، قال تعالى: (مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)1 .
فالآية بظاهرها تفيد أنّ الله سبحانه لا يظهر على غيبه أحداً من الناس ليعلم ما في قلوب الآخرين، ويميّز المؤمن من المنافق، ولكن يختار من يشاء من رسله فيوقفه على الغيب ويطلعه عليه.
ولا يُتوهّم أنّ المقصود من الغيب هو الوحي القرآني فإنّه لا يناسب مفاد الآية إذ المقصود من (الْخَبِيثَ) هم المنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، كما أنّ المقصود من (الطَّيِّبِ) هم المؤمنون الحقيقيون.
إنّ اللّه تعالى يلفت أنظار الأُمّة في مطلع هذه الآية بأنّه تعالى سوف لا يدع الأُمّة بهذا الشكل المختلط من المؤمنين والمنافقين بل إنّه تعالى سيميّز بين الفريقين بأحد الطريقين التاليين:

1 . آل عمران: 179 .

صفحه 253
1ـ فرض الامتحان والابتلاء عليهم جميعاً، وعند الامتحان يُكرَم المرء أو يُهان، فيُعرف المؤمن من المنافق.
2ـ عن طريق علم الغيب وذلك بأن يطلع نبيه على شؤون المؤمنين والمنافقين والفوارق بينهما، ولكن هذا الطريق مختصّ بالنبي والأنبياء فقط، وليس كلّ الأنبياء، بل أُولئك الذين يجتبيهم اللّه من أنبيائه ورسله.
ثالثاً: كيف يمكن الجمع بين هذه الآية وما يشابهها الدالّ على إمكان اطّلاع النبي على الغيب وبين قوله سبحانه: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ)1، وقوله: (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ)(2).
والجواب: أنّ المتبادر من العلم بالغيب في عصر الرسالة وبعده هو العلم الذاتي غير المكتسب وهو منحصر بالله سبحانه، ولذلك كان الأئمة(عليهم السلام)يتحاشون عن وصفهم بأنّهم عالمون بالغيب، بل كانوا ينسبون علومهم ومعارفهم وما يخبرون به من ملاحم وأحداث إلى التعلّم من ذي علم، والوراثة من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأمّا علم الغيب المنسوب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة(عليهم السلام)فالمراد به هو علم الغيب العرَضي المكتسب من الله سبحانه دون أن يكون علمهم بالغيب ذاتياً نابعاً من ذات الشيء، وغير محدّد، ويدلّ على ذلك كلام الإمام علي (عليه السلام)في البصرة عندما أخبر عن أُمور مغيّبة، إذ قال له بعض أصحابه: لقد أُوتيت يا أمير المؤمنين علم الغيب؟ فقال للرجل (وكان كلبياً): «يَا أَخَا كَلْب، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْب، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْم».(3)

1 . الأعراف: 188 .               2 . هود: 31.   3 . نهج البلاغة: الخطبة 128 .

صفحه 254
وهذا هو الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)قد كشف النقاب عن وجه الحقيقة حينما سأله يحيى بن عبدالله بن الحسن عن علمه بالغيب وقال: جُعلتُ فداك إنّهم يزعمون أنّك تعلم الغيب؟ فقال: «سبحان الله، ضع يدك على رأسي، فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا في رأسي إلاّ قامت، ثم قال: لا والله، ما هي إلاّ وراثة عن رسول الله».1
وقد بسطنا الكلام في الموضوع في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» فمن أراد التفصيل فليرجع إليه .2 كما مرّ الكلام في علم الأنبياء والأولياء بالغيب في تفسير قوله سبحانه: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَ مَا أَدْري مَا يُفْعَلُ بي وَ لاَ بِكُمْ...)3.
ورابعاً: أنّ الآية: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)دليل على عصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قولاً أي إذا أخبر عن الله سبحانه; لأنّ المفروض أنّه محاط بالحرس، ومثل ذلك لا ينفكّ عن العصمة.
وأمّا كونه معصوماً فعلاً بمعنى أنّه لا يعصي الله عملاً، فيكفي في ذلك أنّه أُسوة قولاً وفعلاً، ومقتضى كونه أُسوة كون فعله موافقاً للشرع، وإلاّ يمتنع أن يكون أُسوة. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)(4).
***
سورة المزمّل   
تمّ تفسير سورة الجن

1 . رجال الكشي: 352 ـ 353. ط الأعلمي ; أمالي الشيخ المفيد: 14، المجلس الثالث.
2 . مفاهيم القرآن: 3 / 349 ـ 459، الفصل السادس بعنوان: علم الغيب في الكتاب العزيز.
3 . الأحقاف: 9، لاحظ تفسير الجزء السادس والعشرين .   4 . الأحزاب: 21.

صفحه 255

سورة المزمّل

 
(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَ أَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً * وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً * وَذَرْني وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَ جَحِيًما * وَطَعَامًا ذَا غُصَّة وَ عَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَ الْجِبَالُ وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى

صفحه 256
 
مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَ آخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
 

صفحه 257
سورة المزمل: خصائص السورة   
 
 
خصائص السورة

تسمية السورة

هذه السورة من السور الّتي لها اسم واحد وهو سورة «المزمل» وسميّت بذلك حكاية عن قوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ).

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها عشرون في عدّ الكوفي والمدني الأوّل، وتسع عشرة في عدّ البصري، وثماني عشرة في المدني الأخير.
وأمّا محلّ نزولها فإنّ صدر السورة يدلّ دلالة قطعية على أن قسماً منها مكّي حيث يقول: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)وليس هذا القول إلاّ رسالته العامّة إلى كل إنسان، فإنّ تبليغ الرسالة لا ينفكّ عن الجهاد والكفاح ضد السفهاء المعاندين، والطغاة المسرفين، ولكنّ قسماً من السورة مدني قطعاً حيث يقول سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) 1 وهي آية طويلة تناسب من حيث الصيغة والمضمون، بيئة المدينة، وعلى هذا فالسورة مكيّة إلى تسع عشرة آية، والآية الأخيرة مدنية.

1 . المزمل: 20 .

صفحه 258

أغراض السورة

السورة من السور النازلة في أوّل البعثة، قيل: إنّها ثانية السور بعد العلق أو ثالثتها بعد المدّثر، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في ذلك الوقت كان بحاجة إلى تعبئة روحية للقيام بالمهمة الشاقّة الّتي أُلقيت عليه وهي تبليغ الرسالة العالمية في بيئة فاسدة غارقة في التعصّب والعناد والتمسّك بالأعراف والتقاليد الجاهلية، وتقديس الأوثان والأصنام.
ولاشكّ في أنّ مثل هذا التكليف الشاقّ يتطلّب قوّة معنوية، وقد ذكر سبحانه طريقة حصوله عليها، وهي قيام الليل والابتهال إلى الله سبحانه والتبتّل إليه، فإنّ من شأن ذلك أن يودع في نفسه صبراً أشدّ وعزيمة أمضى، يقتحم بهما العقبات، ويواجه بهما الأذى والتُّهم الباطلة التي تُكال له (صلى الله عليه وآله وسلم).
هذا هو الغرض الأهمّ في السورة، نعم يأتي بعد ذلك إلماع إلى مقدّمات القيامة كما فيها إلماع أيضاً إلى عصيان فرعون في مقابل دعوة موسى (عليه السلام).
سورة المزمل: الآيات 1 ـ 10   

الآيات: العشرة الأُولى

(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً * وَاصْبِرْ

صفحه 259
عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً).

المفردات

المُزَّمِل: أصله المتزمِّل، قلبت التاء زاياً لقرب المخرج وأُدغم الزايان فصارت (المزمّل)، مشتق من التزمّل بمعنى التلفّيف بالثوب للنوم. وبما أنّ بيئة مكّة بيئة حارّة فالناس لا يحتاجون عند النوم إلاّ إلى ثوب يلتفّون به دون استخدام الأغطية الثخينة.
ترتيلاً: الرَّتَل اتساق الشيء وانتظامه على استقامة، يقال: رجل رَتَل الأسنان، والترتيل: إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة.1 فقد سُئل الإمام علي (عليه السلام)عن معنى الترتيل، فقال: «بيّنْه تبياناً ولا تهذّه هذّ الشِعْر2 ولا تنثره نثرَ الرمل 3، ولكن أفزعوا به قلوبكم القاسية، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة»4.
ناشئة: وهي ما يحدث وينشأ، وناشئة الليل كناية عن القيام والانتصاب للصلاة. وفي «الكشّاف»: الّتي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، وتنهض وترتفع، من قولهم: نشأت السحابة إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشَز: إذا نهض. فالناشئة مصدر على وزن العافية. ثم روى عن عبيد بن عمير: قلت: لعائشة: رجل قام من أوّل الليل، أتقولين له: قام ناشئة؟ قالت: لا ; إنّما الناشئة

1 . المفردات للراغب: 187، مادة «رتل».
2 . الهذّ: سرعة القراءة، أي لا تُسرع في قراءته، كما يُسرَع في قراءة الشعر .
3 . أي لا تفرّق كلماته بحيث لا تكاد تجتمع كذرّات الرمل.
4 . الكافي: 2 / 614، كتاب فضل القرآن، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، رقم 1 ; تفسير نور الثقلين: 5 / 446 .

صفحه 260
القيام بعد النوم، ففسَّرت الناشئة بالقيام عن المضجع، أو العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث وترتفع.1
وطْئاً: وطء الأرض: وضع القدم عليها، فقوله: «أشد وطأ» كناية عن كونها أثبت قدماً، لصفاء النفس.
سَبْحاً: السَّبْح: المَرّ السهل في الشيء، كالمَرّ في الماء، وهو كناية عن الغور في مهمّات المعاش .
تبتَّلْ: التبتُّل: الانقطاع في العبادة وإخلاص النيّة انقطاعاً يختصّ به. والمراد الابتهال إلى الله والتوجُّه إليه بمجامع القلوب.

التفسير

1. (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ):
خاطب الله سبحانه النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)مكان الخطاب باسمه أو بلقبه، بالمزَّمّل، نظير ما خاطبه في السورة التالية بالمدّثر، وكأنّه نداء تلطّف وتحنّن.
وربما يقال: المراد: يا أيّها المتزمّل بعباءة النبوة2، أي المتحمِّل لأثقالها، ولكنّه تفسير لا شاهد له.
2 ـ 4. (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً):

1 . تفسير الكشّاف: 4 / 176 .
2 . قاله عكرمة. التبيان في تفسير القرآن: 10 / 161 .

صفحه 261
أمر الله سبحانه نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه الآيات بأمرين:
1. قيام الليل.
2. ترتيل القرآن الكريم.
أمّا الأوّل: فيقول سبحانه: (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً)، الليل، منصوب بنزع الخافض، أي قم في الليل، وأمّا الغاية من القيام في الليل فهو للصلاة فيه، ومن المعلوم أنّ الصلوات اليومية وجبت بعد عشر سنين من البعثة فيكون المراد هو مطلق الصلاة في الليل، فظاهر قوله: (قُمِ اللَّيْلَ)كون القيام للصلاة واجباً عليه ولو في فترة خاصّة، وهي قبل وجوب الصلوات اليومية.
والخطاب هنا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إذ لم يكن معه في أوّل البعثة جماعة من المؤمنين، ولكن يظهر من الآية الأخيرة التي قلنا إنّها مدنية أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقوم في الليل مع طائفة من الذين معه.
وقوله تعالى: (إِلاَّ قَلِيلاً)استثناء من الليل وهو أنّه لا يجب القيام إلى الصلاة في كافّة ساعات الليل; ولأنّ طبيعة كلّ إنسان تقتضي النوم في الليل، ولذلك قال تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا)1، والقيام في كافة ساعات الليل يخالف كونه سكناً.
وبما أنّ المستثنى منه (الليل) صار بعد الاستثناء مجملاً، رُفع إجماله بالآية التالية، حيث قال: (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) .
والظاهر أنّ ضمير (نِصْفَهُ) يرجع إلى الليل، وضمير (مِنْهُ) و (عَلَيْهِ)يرجعان إلى النصف، والمعنى: قم نصف الليل أو أقلّ من النصف بقليل، أو أكثر من النصف بقليل. وعلى هذا تكون كلمة : (نِصْفَهُ...) بدل من الليل.

1 . الأنعام: 96.

صفحه 262
ويحتمل أن تكون كلمة (نِصْفَهُ) بدلاً من (قَلِيلاً)، فيصبح المعنى: قم الليل إلاّ نصفه، فاخلد فيه للراحة والنوم، أو انقص من النصف قليلاً، أو زد على النصف .
وأمّا الترديد بين المقادير الثلاثة للوقت الذي يجب أن يحييه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالصلاة والعبادة، فيحتمل وجوها :
1. للتخيير .
2. لاختلاف حالات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقد تقتضي الحال أن يقوم نصف الليل، وتارة أقلّ، وأُخرى أكثر.
3. لاختلاف الليالي في الطول والقصر.
ثم إنّ تخصيص الليل بالصلاة لأنّه أنسب لمناجاة الله وأدعى لهدوء البال لخلوّه عن الأصوات والحوادث الشاغلة، فيكون توجّه النفس إلى الله سبحانه أقوى من توجّهها في النهار.
وأمّا الثاني ـ أعني: ترتيل القرآن ـ : فلقوله: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) فبما أنّه ورد بعد الأمر بالقيام في الليل، يكون قرينة على أنّ المراد تلاوة القرآن في الصلاة ترتيلاً، ومع ذلك فالحكم عام يشمل سائر الحالات أخذاً بالملاك، لما مرّ من معنى الترتيل وهو القراءة بين السرعة والبطء، وهذا مطلوب في عامّة الأوقات حيث تتغلغل المعاني القرآنية في عقلية الإنسان وذهنه ويتأثر بمعانيه.
ثم إنّ الأمر الموجَّه إلى النبي بالقيام في الليل في الساعات المعيّنة خاصّ بما إذا لم يُوجد هناك واجب أهم كجهاد العدو ذهاباً وعودة ومكوثاً، فربما يقوم بالصلاة دون هذا التفصيل.

صفحه 263
5. (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً):
الظاهر أنّ الآية تعليل للأمر بالقيام في الليل، فإنّ تلقّي القول الثقيل رهن أرضية قوية في القائم حتى يستعد لتحمّل وتلقّي الأمر الثقيل.
والتعبير عما يتلقّاه النبي بـ (قَوْلاً ثَقِيلاً)يكشف عن أنّ المُلقى هو من مقولة القول وهو الوحي الإلهي المتمثّل في القرآن الكريم.
وأُريد بالثقل معناه الكنائي لأنّ الثقل كيفية جسمانية، توجب المشقّة في تحمّله ولكنّ القرآن ليس ثقيلاً بهذا المعنى، فلابدّ أن يفسر الثقل بصعوبة تحمّل حقائق القرآن ومعانيه، فإنّه يشتمل من المعارف على ما لا يتحمّله إلاّ الأوحدي من الناس، ولذلك نقل عن الفرّاء أنّه قال: «ثقيلاً ليس بالكلام السفساف».1
قال السيد الطباطبائي: القرآن كلام إلهي مأخوذ من ساحة العظمة والكبرياء لا تتلقّاه إلاّ نفس طاهرة من كلّ دنس، منقطعة عن كل سبب إلاّ الله سبحانه، وكتاب عزيز له ظهر وبطن، وتنزيل وتأويل، وتبيان لكلّ شيء .2
وربما يقال: إنّ الثقل في الآية بمعناه الحقيقي استدلالاً بما قاله ابن عباس: «إذا نزل عليه (الوحي) ثقل عليه وتربّد وجهه»3.
وهناك احتمال ثالث وهو أنّ المراد من ثقل القول صعوبة تنفيذ جميع ما أمر به الله سبحانه في تلك البيئة الاجتماعية الجاهلة، ومن المعلوم أنّ نشر

1 . أي الرديء من كل شيء، والأمر الحقير.
2 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 139.
3 . تفسير الكشّاف: 3 / 281 .

صفحه 264
التوحيد فيها لا ينفكّ عن المصاعب والمحن في سبيل الله، وبذلك يوصف القول بالثقل، ولا مانع من الجمع بين الاحتمالات الثلاثة.
6. (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَ أَقْوَمُ قِيلاً) :
هذا تعليل ثان للأمر بالقيام في الليل، وأنّ الأمر به لأجل أمرين:
1. ((إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ )إنّ ناشئة الليل ـ التي هي تعبير عن الصلاة في الليل ـ (هِيَ أَشَدُّ وَطْأً)، بمعنى مواطاة القلب اللسان، فما يجري على اللسان يرِدُ على القلب لعدم الشاغل عنه، ففيها يواطئ قلب القائم لسانه.
2. (وَ أَقْوَمُ قِيلاً) أي أسدّ مقالاً وأثبت قراءةً لعدم الأصوات.
وحاصل الكلام: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بما أنّ له وظائف كثيرة ومهمات ملقاة على عاتقه في النهار ربما تشقّ على الإنسان الصلاة التي لا يحول شيء بين لسانه ونفسه حتى يواطئ أحدهما الآخر ولذلك أمره بالصلاة في الليل الخالي عن الشاغل وأنّ الصلاة فيه أشدّ مواطاة ومطابقة كما أنّها أثبت قراءة لهدوء الأصوات.
7. (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً):
قد عرفت أن السَّبْح هو المَرّ السهل في الشيء، كالَمرّ في الماء، الذي يطلق عليه السباحة، وهو كناية عن الغور في مهمّات المعاش وأنواع التقلّب في حوائج الحياة، فتكون الآية تعليلاً ثالثاً لإيجاب الصلاة في الليل دون النهار، جمعاً بين حقوق الله وحقوق الناس، ولو اشتغل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في النهار بالصلاة نصفه أو أقل أو أكثر لعاقه ذلك عن هداية الناس والجهاد في سبيل الله.

صفحه 265
8 . (وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً):
لمّا أمر سبحانه نبيّه بصلاة الليل التي لا تنفكّ عن ذكر الربّ، أمره في هذه الآية بأن يُفيض في ذكره تعالى، وأن يداوم على ذلك طول حياته، ليله ونهاره، ولا يقتصر على تسبيحه وتحميده في الليل .
ويحتمل أن يكون تبييناً لصلاة الليل بأنّها تشتمل على ذكر اسم الربّ والانقطاع إليه ، كما يقول: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً)، أي انقطع إليه جلّ وعلا بالإقبال عليه والانصراف عن الدنيا.
9. (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً):
كأنّ الآية تفسير للرب في الآيات المتقدّمة حيث قال: (وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ)فيعرّفه بأنّه (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ).
وليس الإله بمعنى المعبود بل المراد بمعنى الموجود الذي إليه يصار في الشدائد والمهمّات أمّا لكونه خالقاً أو مدبرّاً للعالم أو لكون مصير الإنسان بيده فلو كان الوثني يطلق الإله على الأصنام والاوثان، فباعتبار أنّه كان يعتقد بأنّ العزة والنصر والمطر بأيديهما، غير أنّه عام ولفظ الجلالة علم.
نعم هو عام، لم يوجد له إلاّ مصداق واحد خلافاً للوثنيين حيث جعلوا له آلاف المصاديق.
فإذا كان هو ربّ المشارق والمغارب ولا إله إلاّ هو، فيجب إيكال الأُمور إليه كما قال: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) أي كفيلاً بما سيمرّ عليك من الحوادث الحلوة والمرّة.

صفحه 266
10. (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً) :
أمره سبحانه في هذه الآية بأمرين:
1. الصبر على ما يتعرّض له من سباب وشتائم ومن كلمات السخرية والاستهزاء، وما يُرمى به من تهم كاذبة، مثل كونه ساحراً أو كاهناً أو مجنوناً، فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يمارس دوره الرسالي والإصلاحي والتغييري، لابدّ أن يثير قلق وخوف بل غيظ المترفين، والمتسلّطين، والفاسقين، والجاهلين، الذين لا يروق لهم تغيير الأوضاع الفاسدة، وبناء الحياة من جديد على أساس العدل والقسط والمساواة، فيطلقون مثل تلك الأقوال والاتّهامات في محاولة منهم للتأثير على عزيمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومحاصرة كلماته الهادية ومنعها من النفوذ إلى قلوب الناس .
سورة المزمل: الآيات 11 ـ 14   
إنّ تبليغ الدعوة الإلهية وتطبيقها على صعيد الحياة لا ينفكّ عن وجود عراقيل ربما توجب فتور الإرادة وتراجع صاحب الدعوة عن وظيفته، والله سبحانه يأمر نبيّه بالصبر حتى يكون كالجبل الراسخ أمام المصاعب، فإنّ الصبر مفتاح الظفر.
2. الهجر الجميل، وهو المداراة والإغضاء والإعراض عن مكافأتهم بالمثل .
ولا ينافي هذا الأمر القيام بالسيف والجهاد في دفع العدو لأنّ لكلّ منهما مقاماً، فليست الآية منسوخة، فالتعامل مع العدو بحسن الخلق والنصح لا يكون منسوخاً، إذ المقتضيات مختلفة، وطرق التأثير في المعارضين والخصوم متنوعة، فإذا كان الأُسلوب القائم على الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة يفضي إلى تحقيق الأهداف الرسالية، فقد أغنى ذلك عن الجهاد بالسيف.

صفحه 267

الآيات: الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة

(وَذَرْني وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَ جَحِيًما * وَ طَعَامًا ذَا غُصَّة وَ عَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَ الْجِبَالُ وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً) .

المفردات

النَّعمة: (بفتح النون) وهي اسم للترفُّه، وجمعها أنعُم، وأمّا النِّعمة (بكسر النون) فاسم للحالة الملائمة لرغبة الإنسان من عافية وأمن ورزق، ونحو ذلك من الرغائب، وجمعها (نِعَم) بكسر النون وفتح العين، وتجمع جمع سلامة (نِعَمات) بكسر النون وفتح العين، وأمّا النُّعمة (بضم النون) اسم للمسرّة، فيمكن أن تجمع على (نُعْم) على أنّه اسم جمع، ويجوز أن تجمع على نُعَم، مثل غُرفة وغرف .1
أنكالاً: النِّكْل: قيد الدابة وحديدة اللجام لكونهما مانعين، والجمع أنكال.
جَحِيماً: الجحيم: نار جهنم.
الغُصّة: ما غَصّ به الإنسان من طعام وغيره، أي اعترض في حلقه فمنعه التنفّس .
ترجف: الرجف: الزلزلة والاضطراب.
كثيباً: الكثيب: الرمل المجتمع.

1 . التحرير والتنوير: 29 / 251 ـ 252 .

صفحه 268
مَهيلاً: هال، هيلاً: أي نثر وأُسيل. هلْت الرمل هيلاً: فهو مهيل: إذا حُرّك أسفله فسال أعلاه.

التفسير

11. (وَذَرْني وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً):
بما أنّ أُصول رسالة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت تشتمل على توحيد العبادة ولزوم الاعتقاد بيوم البعث، وكان المشركون في منأى عن هذين الأصلين، فقد كذّبوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان في مقدّمة المكذّبين المترفون أصحاب الثروة في الدنيا، الذين لا يعقلون إلاّ الأكل والشرب واللذة الجنسية، وهذه الأُصول تهزّ عقولهم وتنبئهم بأنّ الله سبحانه سوف يحاسبهم على أعمالهم، فالآية بصدد تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث يقول تعالى: (وَذَرْني وَ الْمُكَذِّبِينَ)أي ذرني يا محمّد والمكذّبين، كما يقول القائل: دعني وإيّاه، وأراد بهذا تهديدهم.
وإنّما ذكر أُولي النعمة لطغيانهم بما في أيديهم من مال وثروة، ولأنّهم كانوا يوم ذاك يعيّرون المؤمنين بالخصاصة، قال سبحانه في حق هؤلاء: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَ إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ)1، وكأنّهم يستدلّون بوجود الثروة في أيديهم على كونهم على الصراط المستقيم وأنّ الفقر والحاجة دليل على البُعد عن الله سبحانه والضلالة، بل ربّما كانوا يفرضون على النبي أن يطرد هؤلاء الفقراء، فكأنّهم كانوا يترفعون بأنفسهم عن الاجتماع معهم في صفّ

1 . المطففين: 29 ـ 31.

صفحه 269
واحد، ولذلك نزل الوحي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قائلاً: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء وَ مَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)1.
ولكن هذه النعم سوف تزول ولا تبقى فلا تهتمّ بهم ولا تعجل عليهم (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً) فما هي إلاّ مدة يسيرة ثم يطويهم الموت، وينالون ما يستحقّونه من الجزاء. والتمهيل هو التأخير في المدّة.
وقيل: إنّ قوله: (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً) وعيد لهم بوقعة بدر التي هلك فيها عتاة المشركين، وليس بظاهر.2
ثم إنّه سبحانه يعلّل وجه إمهاله بأُمور أربعة ويقول:
12. (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَ جَحِيًما) :
أي إنّ لهم عندنا في الآخرة قيوداً، وناراً عظيمة.
13. (وَطَعَامًا ذَا غُصَّة وَ عَذَابًا أَلِيمًا):
أي (وَطَعَامًا)يعترض في حلق آكله (ذَا غُصَّة)، فيغصّ به ولا يسيغه لخشونته وشدّة تكرّهه، (وَ عَذَابًا أَلِيمًا) أي عذاباً مؤلماً .
ثم إنّه سبحانه لمّا هدّدهم بأُمور أربعة ناسب أن يحدّد وقته، وأنّه سوف تُحدق بهم هذه الأُمور في يوم خاصّ وهو يوم البعث الذي وصفه سبحانه بما في الآية التالية.

1 . الأنعام: 52 .
2 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 20 / 67 .

صفحه 270
14. (يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَ الْجِبَالُ وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً) :
وصف يوم القيامة بالأمرين التاليين:
سورة المزمل: الآيات 15 ـ 19   
أ. اضطراب الأرض اضطراباً شديداً مع اضطراب الجبال، ومن ثمّ يضطرب مَن عليها.
ب. وكانت الجبال كثيباً مهيلاً أي رملاً سائلاً متناثراً .
وذكر سبحانه هنا من أحوال القيامة شيئاً قليلاً وقد جاء التفصيل في سور أُخرى.
بقيت هناك نكتة: وهي أنّه قد تقدّم منّا أنّ هذه السورة مكّية باستثناء الآية الأخيرة، ومع ذلك فإن القِسم المكّي منها لم ينزل دفعة واحدة، بل كان بين أجزائه فاصل زماني، ذلك أن مقتضى قوله: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تشرّف بالنبوّة ولكن لم يبدأ بدعوة الناس إلى الإيمان، ولكنّ مقتضى قوله: (وَذَرْني وَالْمُكَذِّبِينَ)يدل على أنّه بدأ بالدعوة وواجههم بها، فآمن به بعض وكذّب به بعض آخر، ولازم ذلك هو وجود الفاصل الزماني بين أجزاء ذلك القسم.

الآيات: الخامسة عشرة إلى التاسعة عشرة

(إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ

صفحه 271
مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً).

المفردات

وبيلاً: الوبيل: الشديد في العقوبة، وفي خطبة الإمام الحسين (عليه السلام): «لم يبق من الدنيا إلاّ صُبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ـ أي المرعى الوخيم ـ » 1.
منفطر: الانفطار: الانشقاق .

التفسير

15. (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً):
كان الخطاب في الآيات السابقة موجّهاً إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكنّه عدل فيما يأتي من الآيات إلى خطاب المكذّبين أُولي النعمة، لتبيين موقف النبي بالنسبة إليهم وأنّه بعث شاهداً على إيمانهم أو كفرهم، وليس ذلك أمراً غريباً، فقد سبقه إلى تلك المهمّة النبيّ موسى (عليه السلام)، فالنبي يشهد يوم القيامة على أعمال أُمّته، كما في الآية الكريمة : (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا)2 ثم لتقريب الأمر يذكر رسالة النبي

1 . بلاغة الحسين (عليه السلام): 35.
2 . النساء: 41.

صفحه 272
موسى (عليه السلام)ويقول: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً) .
وأمّا وجه تنكير الرسول في الموردين ، فلأنّ الغرض هو تبيين إرسال الرسل من دون نظر إلى شخص خاصّ منهم، ولكنّه عرّف الرسول في الآية التالية.
16. (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً):
أي فعصى فرعون الرسول (عليه السلام)فيما دعاه إليه من الحقّ، كما عصيتم أنتم يا معشر قريش الرسول المبعوث إليكم، فإن أصررتم على عنادكم فسيحيق بكم ما حاق به من العذاب، و «اللام» في قوله (الرَّسُولَ) إشارة إلى رسول مذكور قبله ـ أعني قوله سبحانه: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً) ـ وتوصف اللام بالعهد الذكري : (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً) أي أخذاً شديداً، وذلك بإغراقه في البحر ولم تقبل توبته حين الغرق، وإنّه: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)1.
17. (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا):
الآية تنبّه الكافرين على أمر مهم، وهو: هب أنّكم تحمّلتم عذاب الدنيا، فكيف تتخلّصون من عذاب الآخرة، والاستفهام في قوله: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ)للتعجيز والتوبيخ، والتهديد على تكذيب الرسول.
ثم إنّ متعلّق الاتّقاء هو قوله: ( يَوْمًا)ومن المعلوم أنّ نسبة الاتّقاء إلى اليوم من قبيل المجاز أي تتّقون العذاب الموعود في ذلك اليوم الذي تشتدّ

1 . يونس: 90 .

صفحه 273
فيه الأهوال إلى درجة، بحيث يشيب منه الأطفال من شدة الخوف والفزع، ونسبة الشيب إلى اليوم من باب المجاز أيضاً ، فإنّ الفاعل هو أهوال القيامة في ذلك اليوم، والغاية من هذا التشبيه شدّة اليوم لا طوله .
18. (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً):
بيان لشدّة يوم القيامة وهو أنّ السماء بعظَمتها تنشقّ وتنفطر، فكيف بكم؟ ثم أشار إلى أنّ هذا الوعد أمر قطعيّ لا يتغير، وقال: (كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً): أي حتم على الله. ثم إنّ السماء مؤنث سماعي يجوز فيه الوجهان واختير التذكير على التأنيث وقال (مُنْفَطِرٌ بِهِ) بدل أن يقول: (منفطرة) لسهولة التلفّظ، والضمير في (به) يرجع إلى اليوم، والباء لو كانت بمعنى (في) يكون المعنى ينفطر في ذلك اليوم، ولو كانت بمعنى السببية يكون المعنى: ينفطر بسبب ذلك اليوم الموصوف بالشدّة.
19. (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً):
في هذه الآية بلاغ نهائي واحتجاج على المكذّبين بأنّ الدين والإيمان لا يقبلان الإكراه والجبر، وأنّ الطريق إلى الله واضح فمن أطاعه فيثاب يوم القيامة ومن عصاه فيلقى جزاءه، قال: (إِنَّ هَذِهِ)أي الآيات المتقدّمة من قوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً)إلى هنا، تذكرة لمن (اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً) أي سلك سبيلاً موصلاً إلى الله تعالى وهو الإيمان والطاعة أو القيام في الليل والتهجّد فيه.
وليست الآية بصدد تخيير الناس بين الإيمان والكفر، فإنّ ذلك يضادّ الغاية من بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بل الآية بصدد بيان رفع الإكراه على اتّخاذ الدين،

صفحه 274
فإنّه لا يقبل الإكراه، ولكن الإنسان مخيّر تكويناً بين أمرين:
سورة المزمل: الآية 20   
1. مَن يكفر عناداً ومكابرة أمام الدلائل الباهرة، فسوف يرى جزاءه .
2. مَن يؤمن بالله ورسوله ويوم البعث وطاعة الرسول فسوف يهتدي إلى السبيل الموصل إلى الله سبحانه .

الآية: العشرون

20. (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤوُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ أَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَ أَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

المفردات

تَابَ عَلَيْكُمْ : أي رجع إليكم بالرحمة، وفعْل «تاب» إذا أُسند إلى الله، يكون معناه رجوعه سبحانه إلى عبده بالرحمة، يقول في حق الثلاثة الذين تخلّفوا عن الجهاد: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا)1، وإذا أُسند إلى العبد يكون

1 . التوبة: 118 .

صفحه 275
بمعنى طلب المغفرة كما في قوله: (لِيَتُوبُوا).

التفسير

أمر الله سبحانه نبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في صدر السورة بقيام نصف الليل أو أقلّ أو أكثر منه قليلاً، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وطائفة من الذين معه يُحيون الليل على هذا المنوال بالتهجّد والعبادة، كما قال: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ)بَيْد أنّ هذا الأمر كان يواجه مشاكل أشار إليها سبحانه في ثنايا الآية :
الأُولى: أنّ تقدير هذه الأوقات وضبطها كان أمراً متعسّراً لعدم وجود الساعات التي يُعرف بها مقدار الوقت (نصف الليل أو أقل منه أو أكثر)، والله سبحانه هو الذي يقدّر الليل والنهار، فصار ذلك سبباً لتخفيف الأمر، يقول سبحانه مشيراً إلى هذه المشكلة: (وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ)أي يقدّر أوقاتهما، إذ خلقهما بهذا النظام والإتقان، لتعملوا فيهما على ما يأمركم به، ولكن (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ)أي علم أنّكم لا تطيقون إحصاءه على الحقيقة (فَتَابَ عَلَيْكُمْ)أي رجع عليكم بالرحمة بالتخفيف عنكم فصار أمراً تطوّعياً لا فرضاً، وقال: (فَاقْرَؤوُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)والظاهر أنّ المراد من قراءة القرآن هو الصلاة لأنّها تتضمّنه، وقد مرّ أنّ المراد من قوله: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) هو قراءة القرآن في الصلوات، ويشهد على ذلك قوله أيضاً في صدر السورة (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَ أَقْوَمُ قِيلاً) .
وهناك من يقول: إنّ المراد منه قراءة القرآن خارج الصلاة.

صفحه 276
المشكلة الثانية: أنّ المكلَّفين، ليسوا على حال واحدة، فمن معافى ذي صحّة تامة يستطيع أن يقوم نصف الليل أو الأقل أو الأكثر، إلى مريض لا يستطيع أن يقوم بالفرائض فضلاً عن النوافل، وذلك أيضاً سبب يقتضي التخفيف عنكم وصيرورة الحكم تطوّعياً، وأشار إلى ذلك بقوله: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى).
المشكلة الثالثة: أنّ القيام في الليل على حدّ النصف أو الأقل أو الأكثر في حال السفر أمر شاقّ، فإنّ من المؤمنين من كان يسافر للتجارة وطلب الأرباح وسدّ الخُلّة، وهذا يحتاج إلى استراحة كافية في الليل لكي يتفرّغ لعمله نهاراً، وأشار إليه بقوله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ).
المشكلة الرابعة: أنّ نشر الإسلام في أطراف العالم وأرجاء الدنيا رهن الجهاد والقتال في سبيل الله، وهو بحاجة إلى التخفيف في النوافل، وأشار إلى ذلك بقوله: (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ).
فهذه المشاكل الأربعة هي التي سوّغت رفع الحكم السابق والاقتصار على صلاة الليل التي لا تتجاوز الإحدى عشرة ركعة، ووقتها بعد منتصف الليل.
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ نفي التكليف عن العموم ليس رهن عجز عامّة الأفراد بل يكفي عجز الأكثر وإن قدر البعض، فلذلك رفع التكليف عن الجميع لوجود تلك المشاكل التي تعوق عن القيام، في قسم من الناس.
وأيضاً أنّه سبحانه جعل طلب الرزق الحلال في مصافّ الجهاد في سبيله، حيث قرن الأوّل بالثاني وقال: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ

صفحه 277
مِنْ فَضْلِ اللهِ وَ آخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ).
ثم إنّه سبحانه لما منّ على المؤمنين برفع الحكم الإلزامي والاقتصار على صلاة الليل، أكّد عليهم أُموراً ربّما تجبر ما يفوتهم من قيام ذلك المقدار من الليل، وهي أُمور أربعة:
1. (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)، أي من القرآن، وعلى المختار، أي صلّوا ما تيسّر لكم من صلاة الليل. وإنّما أُطلق اسم الجزء على الكلّ، لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، ويسمّى هذا بالمجاز المرسل.
2. (وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ)أي الفرائض اليومية.
3. (وَآتُوا الزَّكَاةَ) الواجبة، كلّ حسب إمكاناته الماليّة.
4. (وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا)، والمراد: الإنفاق المستحّب.
وقد جاء هذا المضمون في سورة البقرة أيضاً، قال سبحانه: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)1، وهذا من ألطف التعبيرات في القرآن الكريم، حيث إنّ الغنيّ المطلق يستقرض من عباده الذين لا يملكون شيئاً إلاّ من جانبه، وما هذا إلاّ لإنهاض الهمم للقيام بالإنفاق في وجوه البرّ والإحسان ابتغاء وجه الله تعالى، ثمّ إنّه سبحانه يعلّله بقوله: (وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ)حيث إنّ كلمة (تُقَدِّمُوا) لا تخلو عن لطف، فكأنّ المقرض بإقراضه يرسل زاداً لحياته الأُخروية قبل أن ينتقل إليها، ولذلك وصفه سبحانه بقوله: (هُوَ خَيْرًا وَ أَعْظَمَ أَجْرًا).
نعم إنّ الخير لا يختصّ ببذل المال، فكلّ مَن يملك خيراً من علم

1 . البقرة: 245.

صفحه 278
وفكر وقلم وبيان فصرفه في صلاح المجتمع فقد قدّم لحياته الأُخروية، وما أحسن تعبير القرآن الكريم: و (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)1.
ثم إنّه سبحانه ختم السورة بالأمر بالاستغفار وقال: (وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ولعلّ المراد من الاستغفار هو الاستغفار العمليّ أي القيام بالطاعات والاجتناب عن المعاصي الذي هو وسيلة إلى مغفرة الله تبارك وتعالى.
***
تمّ تفسير سورة المزمّل

1 . فصّلت: 46 .

صفحه 279
سورة المدّثّر   

سورة المدّثّر

(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ * فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير * ذَرْني وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقْهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ

صفحه 280
 
وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ * كَلاَّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ * كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّات يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً * كَلاَّ بَلْ لاَ يَخَافُونَ الآخِرَةَ * كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ).

صفحه 281
سورة المدثر: خصائص السورة   
خصائص السورة

تسمية السورة

سّمّيت في كتب التفاسير بسورة «المدثر» أخذاً من ورود هذا اللفظ في صدر السورة، كما هو الحال في سورة «المزَّمِّل» .

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها ست وخمسون، في عدّ أهل المدينة الأوّل، وخمس وخمسون في العدّ الأخير لهم، اذ جعلوا قوله تعالى: (فِي جَنَّات يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الُْمجْرِمِينَ)آيتين .
وأمّا محلّ نزولها فالمشهور ـ بل ادُّعي الاتّفاق عليه ـ هو أنّها مكّية، بشهادة صياغتها ومضامينها، إلاّ أنّ القول بأنّ جميع آياتها مكّية لا يناسب مضمون بعض آياتها، نحو:
1. قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَ مَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَ يَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَ لاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ).
سورة المدثر: الآيات 1 ـ 7    
فإنّ مضمون هذه الآية الذي يعلِّل جعل عدتهم تسعة عشر بأنّه لغاية افتتان الكافرين، واستيقان أهل الكتاب، الذين يجدون هذا العدد في كتبهم، إنّ هذا المضمون لايناسب بيئة مكّة.
2. قوله تعالى: (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)فإنّه كناية عن

صفحه 282
المنافقين، وهذا لا يناسب بدء البعثة.
3. قوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)، وهذا لا يناسب كون جميع آيات السورة نزلت في أوّل البعثة.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الاعتماد على ما نقل حول وصف السور بالمكّية أو المدنية أمر لا يعتمد عليه إلاّ إذا عاضدته سائر القرآئن.
والمشهور بين المفسّرين أنّها نزلت قبل المزَّمِّل، وسيوافيك ما يدلّ على العكس في تفسير الآية العاشرة.

أغراض السورة

بما أنّ عدداً كبيراً من آيات السورة مكّية وبالأخصّ أنّها نزلت في أوّل البعثة، فهي تركّز على تعظيمه سبحانه، وتنزيهه عن الشرك، وتأديب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأُمور ثمانية، وتؤكّد أيضاً على المعاد وأهوال القيامة، وأحوال أهل الجحيم الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين.

التفسير

الآيات: السبعة الأُولى

(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ).

صفحه 283

المفردات

المُدَّثِّر: أصله المُتَدثِّر، قلبت التاء دالاً وأُدغمت الدالان فصارت «المدّثّر» كالمزّمّل. والمراد المتغطّي عند النوم، والدثار: الثوب الذي يُستدَفأ به من فوق الشِّعار، وهو ما يتغطّى به النائم، فهناك الشِّعار وهو ما يلصق بالبدن، والدثار فوق الشعار، فيكون مساوقاً لقوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)1 صيغة ومعنى.
قال الإمام علي (عليه السلام): يصف دنيا الجاهلية بقوله: «شِعَارُهَا الْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُ»2.
الرُّجز: بضم الراء غير الرِّجز بكسرها، أمّا في حالة الكسر فقد ورد في القرآن الكريم تسع مرات وأُريد به في ثمانية موارد منها: العذاب، وفي مورد واحد: الشيء المستقذر، وهو أثر الاحتلام الذي ابتُلي به بعض المشاركين في وقعة بدر قال سبحانه: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ)3.
وأمّا الرُّجز (بالضم) فقد جاء مرّة واحدة وهو في هذه السورة واختلف في ما هو المراد به، فقد فسّر بوجوه ثلاثة:
1. العذاب، لكن المراد: الابتعاد عن أسبابه.

1 . المزمل: 1 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 89 . قال ابن أبي الحديد: وهذا من بديع الكلام ومن جيّد الصناعة، لأنّه لمّا كان الخوف يتقدّم السيف، والسيف يتلوه، جعل الخوف شعاراً لأنّه الأقرب إلى الجسد، وجعل الدِّثار تالياً له. شرح نهج البلاغة: 6 / 389 .
3 . الأنفال: 11.

صفحه 284
2. الوثن.
3. الشيء المستقذر حسّاً أو معنى.
تَمنُن: المَنّ ذِكْر النعمة بما يكدِّرها، ويقطع حقّ الشكر بها، يقال: مَنّ بعطائه يَمُنُّ منّاً إذا فعل ذلك، وأمّا المنّ على الأسير فهو إطلاقه، والأوّل مذموم والثاني ممدوح.
تستكثر: الاستكثار، طلب الكثرة، والمراد رؤية الشيء وحسبانه كثيراً.

التفسير

1. (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ):
خاطب سبحانه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدّثر كخطابه بالمزّمل، والجميع خطاب عاطفي حيث يخاطبه بالحالة التي هو عليها وهي ليست دائمة.
2 ـ 7. (قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ):
أمره سبحانه بأُمور ثمانية نأتي بها تباعاً :
1. قم. 2. فأنذر. 3. وربَّك فكبِّر. 4. وثيابك فطهِّر. 5. والرُّجز فاهجر. 6و 7. ولا تمنن تستكثر. 8. ولربِّك فاصبر.
فالتدبُّر في هذه الأوامر الثمانية يكشف عن أنّه سبحانه يرشد نبيّه الى أُمور لا تتناسب إلاّ مع أوائل البعثة وذلك :
أوّلاً: يأمره بالقيام ويقول: (قُمْ) بمعنى أنّ الظرف يناسب القيام لا النوم

صفحه 285
والاستراحة، لأنّك مأمور بالتبليغ الميداني، والتفاعل مع المجتمع، الغارق في المعتقدات الفاسدة والعادات الذميمة ليأخذ بيده إلى شاطئ النجاة، وهذا لا يناسب القعود في البيت والركون إلى الراحة والدِّعة.
ثانياً: يأمره بالإنذار ويقول (فَأَنْذِرْ) ومن المعلوم أنّ الإنذار يلازم التبشير أيضاً، وبما أنّ أكثر آيات السورة تتضمّن الإنذار اكتفى به. والإنذار: الإعلام بموضع المخافة ليُتّقى .
ثالثاً: يأمره بتكبير ذاته سبحانه، وليس المراد الإصحار بـ «الله أكبر» بين الناس، وإن كان لذلك قيمة أيضاً، بل المراد تعظيم الربّ في أعين الناس وإجلاله وتنزيهه عمّا أُلصق به من قبل الوثنيين أو المجسِّمين والمشبِّهين .
فالتعريف بالربّ على ما جاء به القرآن الكريم هو مبدأ التربية الاجتماعية، فيجب على أصحاب الدعوات الإصلاحية الابتداء بتعريف الربّ ودعوة الناس إلى الاعتقاد به، ثم الدعوة إلى الأُصول الأُخرى في الدين.
ولاشكّ في أنّ البرامج الأخلاقية والإصلاحية ـ كما أثبتت التجارب ـ إذا لم تعتمد على الشعور الديني فلا يكتب لها النجاح، ومن هنا نرى أنّ الأنبياء بدأوا في إصلاح المجتمع بتعريف الربّ وأنّ له الهيمنة على وجود الإنسان بل كلّ العالم، ولذلك يقول سبحانه: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ).
وهذا هو يوسف الصدّيق (عليه السلام)بدأ في إصلاحه لرفاق سجنه بالتعريف بالربّ، وقال: (يَا صَاحِبَىِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)1.

1 . يوسف: 39 .

صفحه 286
وقد روى السيوطي في «الدر المنثور» قصة تناسب المقام لتكون عبرة لمن يريد التربية مجرّدة عن الشعور الديني ومعتمدة على الأُسس الخاوية عن المعنوية، وإليك نصّ القصة:
أخرج البيهقي عن نافع قال: خرج ابن عمر في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له ووضعوا سفرة لهم فمرّ بهم راعي غنم، فسلّم، فقال ابن عمر: هلمّ يا راعي، هلمّ فأصبْ من هذه السفرة، فقال له: إنّي صائم، فقال ابن عمر: أتصوم في مثل هذا اليوم الحارّ الشديد سمومه، وأنت في هذه الجبال ترعى هذه الغنم؟ فقال له: إنّي والله أُبادر أيامي الخالية، فقال له ابن عمر، وهو يريد أن يختبر ورعه: فهل لك أن تبيعنا شاة من غنمك هذه فنعطيك ثمنها ونعطيك من لحمها فتفطر عليه؟ فقال: إنّها ليست لي بغنم، إنّها غنم سيدي. فقال له ابن عمر: فما عسى سيدك فاعلاً إذا فقدها فقلت: أكلها الذئب؟ فولّى الراعي عنه، وهو رافع إصبعه إلى السماء، وهو يقول: فأين الله ؟1
رابعاً: يأمره بتطهير ثيابه، ويقول: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، وتطهير الثوب له إطلاقان:
1. إطلاق كنائي وهو تزكية النفس وطهارتها من الرذائل، ولذلك يقال: فلان نقيُّ الثوب أو دنِسُه.
2. المعنى الحقيقي: وهو تنظيف الثوب بإزالة النجاسات. وكلّ من المعنيين محتمل، لكن المعنى الأوّل أفضل وأنسب لمقام النبوّة، وأمّا تطهير الثوب فهو أمر يسير يعرفه كلّ الناس. وما يقال من أنّ قوله (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)، كناية عن الأمر بالصلاة، وقوله (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)أمر بالطهارة لها، لأنّ الطهارة

1 . الدر المنثور: 8 / 272 ـ 273 .

صفحه 287
شرط للصلاة; ليس بجيد وإلاّ لكان اللازم العكس، بأن يقول: «وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وربّك فكبِّر».
وهناك احتمال ثالث وهو أنّ المراد به تقصير الثوب لأنّه أبعد عن الكبْر والاختيال.
خامساً: يأمره بالإعراض عن الرجز وهجرانه، وقد عرفت أنّ الرُّجز (بضم الراء) لم يرد في القرآن إلاّ في هذه السورة، فيقع الكلام فيما هو المراد به، فقد يراد به الوثن وهو أقرب إلى جوّ الدعوة في أوائل البعثة لأنّه من قبيل: «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» فيكون نداءً صارخاً في وجه الصنميّين العاكفين على عبادة أصنامهم وأوثانهم، وإلاّ فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان موحِّداً هاجراً للشرك من قبل أن يُبعث نبيّاً.
وقد يراد به كلّ قبيح مستقذَر من الأفعال والأخلاق.
سادساً: يأمره بالاحتراز عن المنّ وهو إظهار الصنيعة والفضل كما في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى)1 .
سابعاً: يأمره بعدم عدّ ما أعطاه كثيراً، وعلى ما ذكرنا يكون هناك أمران: عدم المنّ أوّلاً، وعدم استكثار العطاء ثانياً.
ويحتمل أن يكونا شيئاً واحداً بأن يكون المراد من المنّ هو عدّ ما أعطاه كثيراً.
وهناك قول آخر في تفسير الآية ذكره السيد الطباطبائي ـ ولعلّه أنسب ـ قال: المراد بالاستكثار: رؤية الشيء وحسبانه كثيراً لا طلب الكثرة .

1 . البقرة: 264 .

صفحه 288
والمعنى لا تمنن امتثالك لهذه الأوامر وقيامك بالإنذار وتكبيرك ربّك وتطهيرك ثيابك وهجرك الرجز حال كونك ترى ذلك كثيراً وتعجبه، فإنّما أنت عبد لا تملك من نفسك شيئاً إلاّ ما ملّكك الله وأقدرك عليه، وهو المالك لما ملّكك والقادر على ما عليه أقدرك، فله الأمر وعليك الامتثال .1
ثامناً: يأمره بالمقاومة في ميدان التبليغ، والصبر على الأذى وتحمّل المشاقّ والآلام، وأن يكون الصبر لوجه الله كما قال: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)، فاللام في قوله: (لِرَبِّكَ)أو (لِحُكْمِ رَبِّكَ)للغاية بأن يكون الصبر طيلة البعثة يعني في ثلاث وعشرين سنة ابتغاء وجهه سبحانه، ولا يتحقّق ذلك إلاّ لمن أدبّه ربّه وعظُمت زُلفته، حتّى بلغ أعلى مقامات العارفين الذين لا يأتون ولا يذَرون شيئاً إلاّ لله سبحانه، قال تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)2.
من المعلوم أنّ نجاح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في طريق التبليغ مع كثرة الأعداء لا يتحقّق إلاّ بالصبر، ولذا أمره سبحانه بالاستعانة به وقال: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ)3 .
سورة المدثر: الآيات 8 ـ 10    

الآيات: الثامنة إلى العاشرة

(فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير).

1 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 161 .
2 . الإنسان: 24.
3 . البقرة: 45 .

صفحه 289

المفردات

الناقور: على وزن فاعول، من النَّقْر وهو القَرْع، والناقور ما ينقر فيه للتصويت، والمجموع كناية عن النفخ في الصور.

التفسير

8 . (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ):
أي صوّت فيها، لإحياء الموتى.
والتعبير بالناقور عن الصور الذي ينفخ فيه تارة للإماتة وأُخرى للإحياء من باب تقريب الذهن، إذ الإنسان المادّي لا يأنس إلاّ بما في متناوله، والله يعلم ما هي حقيقة هذا الناقور. ولم يكن بدّ إلاّ عن التعبير به. ثم إنّ التربية في رؤية القرآن مبنية على دعامتين:
الأُولى: المعرفة بالله سبحانه والعلم بوحدانيته، وقد ورد في كلمات الإمام علي (عليه السلام): «أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ»1.
الثانية: الاعتقاد بالمعاد ويوم الجزاء والحساب، فلو جُرّد الدين من هذه الدعامة لأصبح مسلكاً لا ديناً، فالدعامتان من صميم الدين لا تفارقانه، وبذلك يُعلَم صلة الآية وما يأتي بما قبلها.
ثم إنّ اليوم الذي يُنقر فيه في الناقور يوم شديد على الكافرين بأهواله. وقد وصفه سبحانه بوصفين، فقال:

1 . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.

صفحه 290
9 ـ أ. (فَذَلِكَ يَوْمَئِذ يَوْمٌ عَسِيرٌ).
10 ـ ب . (عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير) .
ولعلّ وجه التأكيد أنّه يفيد كونه عسيراً من كلّ وجه لا من وجه دون وجه.
وممّا تجدر الإشارة إليه هو أنّ أكثر المفسّرين قالوا بتقدّم نزول هذه السورة على سورة المزَّمّل حيث جعلوا (العَلَق) أُولاها و (المدَّثّر) ثانيتها و (المزَّمّل) ثالثتها، ولكن الظاهر أنّ الأمر بالعكس ; لأنّه يأمر في سورة (المزَّمّل) بتعبئة النفس بالقيام في الليل مخبراً بأنّه تعالى سيلقي عليه قولاً ثقيلاً.
والحال أنّه سبحانه في سورة (المدَّثِّر) يأمر بالقيام والإنذار والدعوة، فيدل بالملازمة أنّه أُلقي على النبي القول الثقيل مكان قوله: (إِنَّا سَنُلْقِي).
سورة المدثر: الآيات 11 ـ 25    

الآيات: الحادية عشرة إلى الخامسة والعشرين

(ذَرْني وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقْهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ).

صفحه 291

المفردات

ممدوداً: مبسوطاً كثيراً، أو ممدوداً بالنماء، فعلى الأوّل فالكثرة وصف للمال نفسه، والثاني وصف له بسبب نمائه وتفرّعه.
شهوداً: أي حضوراً، وذلك لعدم مغادرتهم موطنهم لاستغنائهم عن الضرب في الأرض لوفرة مالهم.
تمهيداً: التوطئة والتهيئة، ولعلّ الجملة كناية عن بسط المال وانتظام الأُمور.
عنيداً: يقال عنَد عن الطريق أي عَدَل عنه، وهو كناية عمّن يعاند ويجافي الحق.
سأُرهقه: رهقه الأمر: غشيه بقهر .
صَعوداً: الصَّعود العَقَبة الّتي يصعب صعودها وربّما يطلق عليها الكؤود.
والجملة كناية عن حمله على أمر شديد، ولعلّ المراد هو شدّة العذاب.
عَبَس: إذا قبض وجهه وقطّب ما بين عينيه.
بَسَر: كَلَح وجهُه وظهرت الكراهية عليه.
يؤثر: يُروى ويُتعلَّم من السحرة.

صفحه 292
 
التفسير
كانت بلاغة القرآن وفصاحة ألفاظه وسمّو معانيه وخلابة مضامينه أمراً ملموساً لدى العرب وكانوا يقرّون في صميم أنفسهم أنّه كلام فوق كلام البشر وخارج عن طاقتهم ولم تسمع أُذن الدنيا كلاماً أحلى منه، وقد اعترف بذلك العدو اللدود للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أعني: الوليد بن المغيرة المخزومي 1 ـ عم أبي جهل ـ على مرأى ومسمع من قريش.
وذلك لمّا نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سورة «غافر» فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يتلوها في المسجد الحرام وكان الوليد بن المغيرة قريباً منه يسمع قراءته، فلمّا فطن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لاستماعه لقراءته، أعاد القراءة فتلا قوله سبحانه: (حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)2.
فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال لهم: والله لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو وما يُعلى عليه. ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأن قريش كلّهم، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش.
فقال لهم أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزيناً،

1 . أبو عبد شمس. من عتاة قريش وصناديدهم. أدرك الإسلام وهو شيخ هرم فعاداه وقاوم دعوته. هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر. وهو والد خالد بن الوليد. انظر: الأعلام: 8 / 122.
2 . غافر: 1 ـ 3 .

صفحه 293
فقال: مالي أراك حزيناً يا ابن أخي؟ قال: هذه قريش يعيبونك على كبر
سنّك، ويزعمون أنك زيّنت كلام محمّد، فقام مع أبي جهل حتى أتى
مجلس قومه، فقال: أتزعمون أنّ محمّداً مجنون؟! فهل رأيتموه يخنق قط؟ فقالوا: اللهم لا، قال: أتزعمون أنّه كاهن؟! فهل رأيتم عليه شيئاً من ذلك؟ قالوا: اللهم لا، قال: أتزعمون أنّه شاعر؟ فهل رأيتموه أنه ينطق بشعر قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: أتزعمون أنّه كذاب؟ فهل جرّبتم عليه شيئاً من الكذب؟ فقالوا: اللهم لا، وكان يُسمّى الصادق الأمين قبل النبوة من صدقه، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكّر في نفسه، ثم نظر وعبس، فقال: ما هو إلاّ ساحر، ما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فهو ساحر، وما يقوله سحر يؤثَر.1
وفي رواية أُخرى أنّه اجتمع نفرٌ من قريش إلى الوليد بن المغيرة، فقال لهم: يا معشر قريش، إنّه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستَقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذّب بعضُكم بعضاً، ويردّ قولُكم بعضُه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقِمْ لنا رأياً نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمعْ، قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكُهّان فما هو بزَمرمة الكاهن ولا سجعه... قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر... إلى أن قال الوليد: إن أقرب القول فيه لأنْ تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسُبُل الناس حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحدٌ إلاّ

1 . مجمع البيان: 10 / 197 ـ 198.

صفحه 294
حذّروه إيّاه وذكروا لهم أمره .1
ما ذكرناه من شأن النزول يفسر لنا مضمون الآيات التي ننوي تفسيرها.
11. (ذَرْني وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا):
الآية في مَعرِض التهديد والوعيد، يقال: ذرني وفلاناً، بمعنى دعني وإيّاه، فأنا أكفيكه، وقوله: (وَحِيدًا) حال من فاعل (خَلَقْتُ)أي من خلقته وحيداً ولم يشاركني في خلقه أحد، ثم دبّرت أمره أحسن التدبير، فهو مكان أن يكون شاكراً قابلَ ذلك بالجحود والطغيان، وأمّا كيف دبّر أمره فتبيّنه الآيات التالية.
12. (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا):
أي كثيراً في نفسه أو كثيراً في نمائه.
13. (وَبَنِينَ شُهُودًا):
أي حاضرين عنده لا يفارقونه لعدم حاجتهم إلى السفر والضرب في الأرض للتجارة لوفرة أموالهم، فكان مستأنساً بهم، مبتهجاً بشهودهم.
14. (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا) :
إشارة إلى سعة نعمته.
15. (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ):

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 270 ـ 271. وانظر: مجمع البيان: 10 / 197 .

صفحه 295
والعجب أنّه يطمع بالزيادة، فما أكثر طمعه وأقلّ فهمه وشعوره حيث قابل تلك النِّعم بالكفران والعصيان، وبالإعراض عن رسالة السماء والتنفير منها عناداً واستكباراً، ومع ذلك يطلب الزيادة على ما هو فيه!!
16. (كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا):
وهذه الآية ردع وإبطال لما كان يطمع، ووجهُه أنّه كان شديد العناد لآياتنا وقد تجاوز حدّ الكفر إلى المعاندة، ويعرب عن ذلك قوله: (عَنِيدًا)بمعنى شديد العناد، إذ مع أنّه اعترف أنّه لم يسمع كلاماً مثل ما سمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه لا يشابه كلام الإنس والجن ومع ذلك خالف ما رآه في صميم نفسه، ومثل هذا لا يُترك سُدى بل يُجزى بما ستقرأ في الآية التالية.
17. (سَأُرْهِقْهُ صَعُودًا) :
شبّه ما سيناله من سوء الجزاء يوم القيامة، بغشيانه عقبة وعرة صعبة الصعود، وكأنّه يقول: «سنحمله على طيّ العقبة الكؤود»، كناية عن التعذيب الشديد.
ثم إنّ القرآن يصف طعنه في القرآن وقضاءه فيه قضاءً جائراً نابعاً عن عناده، فيذكر أنّه تردّد في بدء الأمر في قدر القرآن، كما قال:
18. (إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ) :
أي أنّه فكّر في أمر القرآن وأجال فيه رأيه، وقدّر أمره بين أُمور، من كونه شعراً فيقول في نفسه: لقد عرفت الشعر، ولا يشبهه كلام محمّد.
ثم يقول في نفسه: كاهن، فيقول: ما كلامه يشبه بزمزمة كاهن ولا

صفحه 296
بسجعه، ثم انتهى في نفسه إلى ما سيوافيك، وهذا النوع من الترديد في القضاء عُبّر عنه بالتقدير، وبما أنّ قضاءه هذا كان قضاءً جائراً، فإنّه سبحانه يلعنه في تفكيره وتقديره.
19 و 20. (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ):
والمقام يقتضي تكرار اللعن على هذا النحو من القضاء.
21 ـ 23. (ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ):
الآيات الثلاث تحكي أنّه كان يتظاهر ببيان ما يجده في نفسه حقّاً،ولذلك أنّه بعد التفكير والتقدير نظر إلى القوم، كما قال: (ثُمَّ نَظَرَ)أي في وجوه الناس (ثُمَّ عَبَسَ)قطّب ما بين عينيه (وَبَسَرَ)كلح لون وجهه (ثُمَّ أَدْبَرَ)عن الحق (وَاسْتَكْبَرَ) عنه، فقال ما قال. ثم انتهى نظره إلى أنّه سحر يُروى، كما قال :
24. (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ):
أي سحر يروى، ويُتعلَّم من السَّحَرة.
25. (إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ):
سورة المدثر: الآيات 26 ـ 31    
فهو ليس كلاماً إلهياً بل كلام بشريّ اقتبسه من الغير.
وممّا تجدر الإشارة إليه ـ وإن لم يذكره المفسّرون ـ هو أنّ الرجل كان ذا رأي مسبق وقد أظهره قبل هذا، وهو أنّ القرآن سحر، ولكنّه إنّما أتى بهذه المقدّمات من تفكير وتقدير ثم النظر في وجوه القوم ثم تقطيب الوجه وتغير

صفحه 297
اللون، لأجل إفهام القوم أنّه يريد أن يقضي بالحق دون أن يبخس شيئاً من حقّ محمد وما أتى به.

الآيات: السادسة والعشرون إلى الحادية والثلاثين

(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ).

المفردات

لوّاحة: من التلويح وهو تغيّر اللون إلى السواد، وقيل: إلى الحمرة.
البشر: جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد.

صفحه 298
 
التفسير
بعد أن لعن الله سبحانه ذلك العنيد في الدنيا، أخبر عن مصيره في الآخرة وقال:
26. (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ):
وكأنّها عبارة أُخرى عمّا قال سابقاً: (سَأُرْهِقْهُ صَعُودًا)، والصلي في سقر إمّا بمعنى الدخول فيها أو الاحتراق بنارها .
27. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ) :
الآية كناية عن هول سقر وشدّة أمرها، ثم ذكر لسقر أوصافاً أربعة وقال:
28. (لاَ تُبْقِي وَ لاَ تَذَرُ):
هذان هما الوصفان الأوّل والثاني لسقر، أي أنّها لا تبقي على شيء فيها إلاّ أهلكته، ولا تدع أحداً ممّن أُلقي فيها إلاّ نالته، فكلّ ما يُطرح فيها هالك لا محالة. قال الفرزدق :
كأنّني طالبٌ قوماً بجائحة *** كضربة الفتك لا تُبقي ولا تذرُ1
ويُحتمل أن يكون المراد أنّها تهلك الكافر ومع ذلك لا تتركه، فإنّه إذا هلك لم تذره هالكاً حتى يُعاد وهذا من خصائص سقر، ويؤيده قوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا)2 ويحتمل، أيضاً، أن يكون

1 . ديوان الفرزدق: 138 .
2 . النساء: 56 .

صفحه 299
المراد أنّها لا تبقيهم أحياء ولا تتركهم يموتون، فيكون في معنى قوله تعالى: (الذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى)1.
29. (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) :
هذا هو الوصف الثالث لسقر، فهي مُحرقة للجلود، تلفحها بلهبها حتى تسودّ.
30. (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ):
هذا هو الوصف الرابع لسقر، أي عليها من الملائكة تسعة عشر، وهم مالك ومعه ثمانية عشر، كلّهم من الملائكة، وهؤلاء يتولَّون أمر تدبير النار وعذاب المجرمين.
ثم إنّ جعل خزنة جهنم بهذا العدد صار موضع سؤال بل سخرية وتندُّر لقريش، فقد روي عن ابن عباس أنّه لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أُمّهاتكم، أتسمعون ـ ابن أبي كبشة ـ يخبركم أنّ خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم (يعني: العدد الكثير) الشجعان، أفيعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ قال أبو الأسد الجمحي: أنا أكفيكم سبعة عشر، فاكفوني أنتم اثنين، فنزل: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً).2

1 . الأعلى: 12 و 13 .
2 . مجمع البيان: 10 / 201. وانظر : جامع البيان (تفسير الطبري): 14 / 195، رقم 35450 (وفيه: أبو الأشدّ بن الجمحي).

صفحه 300
31. (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ):
تخبر الآية عن أُمور:
1. جعل خزنة جهنم ملائكة.
2. جعل عدة الخزنة تسعة عشر تكويناً.
3. أخبر سبحانه عن هذا الجعل لأهداف ثلاثة سنذكرها.
أمّا الأمر الأوّل: أي جعل خزنة جهنم ملائكة فقد نصّ عليه القرآن الكريم هنا وقال: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً)وقال ـ أيضاً ـ في موضع آخر: (عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)1 ولعلّ وجهه هو قطع رجاء المجرمين في الخلاص من النار، فإنّ الإنسان مهما بلغ من القوّة والقدرة، فإنّه ليس بشيء إزاء المَلك في قوّته ومقدرته.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو يذكر مالكاً (خازن النيران): «أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ

1 . التحريم: 6 .

صفحه 301
أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ!»1.
وأمّا الأمر الثاني: أي جعل عدتهم تكويناً تسعة عشر فالله سبحانه هو العالم بوجهه، وليس في الآية ما يكشف عن العلّة الكامنة وراء التخصيص بهذا العدد.
هذا، ولا يصحّ الاستدلال بالآية على قداسة هذا العدد (19)، كما عليه بعض المنحرفين، لأنّه يمكن أن يقال أنّه يكفي لتولّي أمر تدبير النار وحراستها والقيام بمهمّة تعذيب المجرمين، هذا العدد من الملائكة، فكون عدّتهم تسعة عشر لا أقلّ ولا أكثر لا لخصوصية في نفس العدد، بل الخصوصية في المعدود، وفي المهمّات الموكلة إلى الملائكة، والذي يوضح ذلك: أنّ حاجة الإنسان اقتضت ان يتمتع بحواس يرتبط من خلالها بالعالم الخارجي فكان عدد هذه الحواس تكويناً خمسة، فهذا لا يعطي تقديساً لهذا العدد، بل أنّ الحاجة ترتفع بالخمس، ولو كانت الحاجة إلى أزيد من ذلك لقرنت بحاسّة سادسة.
وأمّا الأمر الثالث: أعني الإخبار عن عدّتهم بأنّهم تسعة عشر، فالقصد منه تحقيق ثلاثة أهداف، وهي:
أ. إنّه تعالى لم يجعلهم على هذه العدّة (إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) حيث أثار الإخبار عن عددهم في النفوس تساؤلاً عن فائدة جعل خزنة جهنم تسعة عشر ملكاً ولماذا لم يكونوا آلافاً، فصار ذلك سبباً للاختبار، فالمؤمن يقبله عن رضى واستسلام، والكافر يثير حوله الشكّ، ويسخر منه، وبهذا يظهر ما

1 . نهج البلاغة: الخطبة 183 .

صفحه 302
تكنّه النفوس من خير وشرّ، وتظهر الأفعال التي يستحقّون بها الثواب والعقاب .
ب. إنّ هذا الإخبار يبعث أهل الكتاب على تصديق القرآن ; لأنّ ذلك ممّا ورد في كتبهم فيقولون في أنفسهم: من أين وقف محمّد الأُميّ على ذلك العدد؟! فطبع الحال يقتضي أن يقولوا: لم يقف عليه إلاّ من طريق الوحي، كما قال: (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ). فاللام، إذاً، في قوله: (لِيَسْتَيْقِنَ)للغاية، أي الغاية من الإخبار بالعدد.
ج. إنّه يزيد في إيمان المؤمنين حيث يجدون في القرآن ما يصدّقه أهل الكتاب (وَ يَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا).
ثم عاد البيان القرآني إلى تأكيد الهدفين: الثاني والثالث مجدّداً، وهما بعث أهل الكتاب على تصديق القرآن، وترسيخ الإيمان في قلوب المؤمنين، كما قال: (وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ).
وفي نهاية الأمر يشير إلى أمرين:
أ. حال المنافقين بالنسبة إلى هذا الإخبار.
ب. حال المشركين، بالنسبة إليه .
قال تعالى: (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)أي المنافقون (وَالْكَافِرُونَ)بالله من مشركي قريش (مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً ) أي وصفاً بأنّ عددهم تسعة عشر، وهذا السؤال الإنكاري بصدد التحقير، وكأنّهم يعترضون في أنفسهم بأنّ هذه العدّة القليلة كيف تقوى على تعذيب أكثر الثقلين من الجن والإنس؟
وعلى هذا فاللام في قوله: (لِيَقُولَ) لام العاقبة، وليست لام الغاية؟

صفحه 303
والفرق بينهما واضح فإنّ «لام» الغاية تدخل في الغرض الداعي إلى الفعل كما سبق بيانه في مورد الاستبيان لأهل الكتاب وزيادة الإيمان في المؤمنين، وأمّا «لام» العاقبة فهي لبيان ما يترتّب على الشيء قهراً، كما يقال:
له ملك يُنادِي كلّ يوم *** لِدوا للموت وابنوا للخرابِ
فإنّ الولادة والبناء ليستا لغاية الموت والخراب، بل هما يترتبان عليهما قهراً، وهكذا المقام، فإنّ الاستفسار قهري يتواجد في أذهان مرضى القلوب والكافرين .
نعم لما صار الإخبار عن العدّة سبباً لضلال الطائفتين ألمح سبحانه إلى ذلك بقوله: (كَذَلِكَ): أي بجعل خزنة أصحاب النار ملائكة ذوي عدد خاصّ. (يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)لكن الجعل الخاص سبب لكلّ من الهداية والضلالة وليس علّة تامة لهما فكل يختار حسب ميوله دون أن يكون إجباراً على أحد الأمرين، فلو زاد إيمان المؤمن فقد زاد عن اختيار، ولو ضلّ المنافق أو الكافر فقد نتج ذلك عن اختيارهما.
ولما كان هناك توهّم من أنّ عدد جنود الربّ ينحصر في العدد المذكور، دفع سبحانه هذا التوهّم بقوله: (وَ مَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ)، وهل المراد من الجنود هم الملائكة أو أنّ الكون بجميع مكوّناته هم جنود الله سبحانه، فالجميع تحت إرادته ومشيته طوعاً أو كرهاً؟
ثم يعود سبحانه ويقول: (وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ)فضمير التأنيث يرجع إلى ما تقدّم من قوله: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) إلى هنا، وتأنيث الضمير لتأنيث الخبر أعني: (ذِكْرى)، والمعنى أنّ ما مرّ ليس إلاّ ذكرى للبشر لغاية الاتّعاظ.

صفحه 304
وربما يقال بأنّ الضمير يرجع إلى (الجنود)، وأُخرى إلى (سقر)، والجميع محتمل.
سورة المدثر: الآيات 32 ـ 48    

الآيات: الثانية والثلاثون إلى الثامنة والأربعين

(كَلاَّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ * كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّات يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ).

المفردات

أدبر: يقال: دبر وأدبر: إذا ولّى.
أسفر: السَّفْر: رفع النقاب، وهو نظير فسّر، وكلاهما بمعنى واحد، وهو رفع الستر عن الشيء، والتفسير في مورد القرآن هو رفع الإبهام عن وجه الآية. ويقال امرأة سافر: للّتي رفعت الحجاب عن رأسها ووجهها.
الكُبَر: جمع كُبرى .
رهينة: الرهن: ما يوضع وثيقة للدَّين، قال الزمخشري: رهينة ليست بتأنيث «رهين» لأنّه لو قصدت الصفة لقيل: رهين لأن فعيلاً بمعنى مفعول

صفحه 305
يستوي فيه المذّكر والمؤنث، وإنّما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنّه قيل: كلّ نفس بما كسبت رهن 1.
سلككم: أدخلكم.
نَخُوضُ: أصل الخَوضْ: الذهاب في الماء، ثم نُقل إلى الذهاب في الكلام، ثم غلَب على الإكثار من الباطل.

التفسير

32 ـ 34. (كَلاَّ وَ الْقَمَرِ * وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ):
(كَلاَّ)ردع وزَجْر لما تقدّم، ولعلّ المراد ما تقدّم من وصف القرآن بالسحر، أو ردع لأن يكون القرآن تذكرة للمنافقين والكافرين، أو ردع لما يتوهّمونه من أنّهم يمكنهم دفع خزنة النار.
ثم إنّه سبحانه أقسم بأُمور ثلاثة لجميعها صلة بالإنسان:
1. (وَ الْقَمَرِ)ولا يطلق القمر على الهلال وإنّما يطلق على ما لو بدأ بالتكامل .
2. (وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ)أي في حال إدباره وقربه من الصبح.
3. (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ) أي رفع النقاب عن وجهه وتجلّى بنوره، والصبح منه كاذب وصادق، أمّا الأول فهو عبارة عن النور المرتفع عمودّياً،

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 290 .

صفحه 306
والثاني هو ظهور نور منبسط في الأُفق.
35. (إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ):
وفي مرجع الضمير وجهان:
الأوّل: أنّ الضمير يرجع إلى سقر الوارد ذكرها في الآيات المتقدّمة، أعني قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَ لاَ تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ).
أي أنّ سقر هي إحدى الدواهي الكبرى، فهي نذيرة للبشر ومخوّفة لمن شاء منكم أن يتقدّم في طاعة الله أو يتأخّر عنها بالمعصية، ولفظة «سقر» من المؤنثات السماعية، وقد جاء ذكرها في قصيدة ابن الحاجب التي جمع فيها المؤنثات السماعية في واحد وعشرين بيتاً، وقال:
وكذاك في كَبِد وفي كَرِش وفي *** سقر ومنها الحرب والنعلان1
الثاني: أنّ الضمير يرجع إلى الآيات القرآنية في قوله سبحانه: (كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا)، وعلى هذا فالآيات القرآنية لإحدى الدواهي وهي المنذرة لمن تقدّم في مجال الطاعة ولمن تأخّر فيه، لكن المتقدِّم ينتفع دون المتأخِّر.
ثم إنّه يقع الكلام في وجود الصلة بين المقسم عليه (إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ)والمقسم به .
أمّا على التفسير الأوّل فالمناسبة خفيّة، إذ أي مناسبة بين كون القمر في وسط السماء وانجلاء الليل وطلوع الفجر، وبين كون سقر من آياته الكبرى، إلاّ أن يكون الجامع كلّه آية.

1 . روضات الجنات: 5 / 186 .

صفحه 307
وأمّا على التفسير الثاني أي رجوع الضمير إلى الآيات فالمناسبة ظاهرة، فإنّ القمر في الليل الدامس يهدي السائرين، كما أنّ انصرام الليل وقرب تبلّج الصبح وبروز النهار يبدّد الظلام ويظهر النور، فناسب أن يحلف سبحانه بأسباب الهداية، ومعادن النور ومظاهره، بغية إثبات أنّ القرآن لإحدى المعاجز الكبرى التي تهدي البشر إلى سبيل الرشاد.
وأمّا كون القرآن آية كبرى فظاهر لمن تدبّر في الآثار التي تركها على المجتمع البشري، ولم يكن الإنسان العادي يفكّر يوم نزوله بأن يصبح له مثل هذا الأثر بعد نزوله، فقد نزلت آيات قليلة في غار حراء وجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مبشّراً برسالته لزوجته وابن عمّه، فصدّقا به ولم يكن يوم ذاك تحت السماء من يدين بهذا الدين إلاّ النبي وزوجته وابن عمه، الذي كان يهتف: «اللَّهُمَّ
إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ، وَسَمِعَ وَأَجَابَ، لَمْ يَسْبِقْنِي إِلاَّ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)بِالصَّلاَةِ».1
ولكن هذه الظاهرة أخذ ينتشر أثرها في أجواء مكّة ثلاثة عشر سنة ثم في طيبة إلى أن أسس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دولة فتيّة غلبت على الأوثان والوثنيين، فطهرت أرض الجزيرة من الشرك، ثم انتشرت آثار القرآن بفضل المجاهدين في أجواء العالم وأطراف الدنيا، حتى صار الإسلام إحدى الديانات الكبرى في العالم، حيث يبلغ عدد المسلمين، اليوم، أزيد من مليار إنسان، أوَ ليس مثل هذا من الآيات الكبرى؟
36. (نَذِيرًا لِلْبَشَرِ) :

1 . نهج البلاغة: الخطبة 131 .

صفحه 308
فرسالته عالمية، شاملة للبشر كلّهم من غير فرق بين لون ولون أو زمان وزمان.
37. (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ):
تعميم للإنذار، والتقدّم كناية عن الاتّباع، والتأخّر كناية عن التولّي، فالقرآن الكريم ينذر الجميع من غير فرق بين من اتّبع الحق، ومن لم يتّبعه .
38. (كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ):
ظاهر الآية أنّ كلّ إنسان رهن ما كسب، فهل الإنسان شيء، وما كسب شيء آخر؟ كما هو الحال في الحياة الدنيا، حيث إنّ عمل الإنسان (من المشي والأكل وغيرهما) عَرَض وهو جوهر، أو أنّ الحال في الحياة الأُخروية بشكل آخر، فما يكسبه الإنسان من الأعمال الصالحة أو الطالحة يؤثر في نفسية الإنسان وجوهره وحقيقته، فتصير ذاته رهناً، حتى يفكّ نفسه، وما هذا إلاّ لأنّ العمل شكّل نفسيته وشخصيته، وهو ما يُعبَّر عنه في الفلسفة الحديثة: بأنّ العمل يصنع الإنسان ويرفع حقيقته ويضعها، ولعلّ في الآية إشارة إلى تلك الضابطة. وأوضح من الآية قوله سبحانه: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَ كَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)1 حيث إنّ سوء الأعمال أثّر في أفكار وتصوّرات الشخص ودفع به إلى التكذيب بآيات الله تعالى.
إنّ المخالفة عن شرع الله وتجاوز حدوده، والإمعان في ممارسة البغي والفساد وغير ذلك من الآثام والقبائح يؤثر في نفسية الإنسان، ويبعثه شيئاً

1 . الروم: 10.

صفحه 309
فشيئاً على إنكار العوالم الغيبية والحساب والكتاب، وفي النهاية يستهزئ بآيات الله.
وإلى هذا المعنى أشار المتنبي بقوله:
إذا ساء فعلُ المرء ساءت ظنونُهُ *** وصدَّق ما يعتادُه تَوهُّم
39. (إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ) :
قسّم سبحانه في سورة الواقعة أهل المحشر إلى أصناف ثلاثة:
1. أصحاب الميمنة.
2. أصحاب المشأمة.
3. السابقون السابقون.
أمّا السابقون السابقون فلا يقاسون بالصنفين الأوّلين فهم يدخلون الجنة بلا حساب ; لإحرازهم قصب السبق في الإخلاص لله والعبودية المطلقة له سبحانه، قال تعالى: (فَإِنَّهُمْ لَُمحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الُْمخْلَصِينَ)1.
إنّما الكلام في الصنفين الأوّلين فللّه تعالى عوالم غيبية: ملكوت أعلى وملكوت أسفل، والإنسان واقع بين العالمين، فمن غلب على الهوى عرج إلى الملكوت الأعلى، وأمّا من اتّبع الهوى فقد هبط في الملكوت الأسفل.
وبهذا يظهر معنى الآية: (إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ) فإنّهم تُغطِّي حسناتُهم سيّئاتِهم، كما يقول: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا

1 . الصافات: 127 ـ 128 .

صفحه 310
يَسِيرًا)1، فلا رهينة فيهم، لأنّهم فكّوا رقابهم بما قدّموا من صالح الأعمال.
40 و 41. (فِي جَنَّات يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ ):
وعند ذلك يقع حوار بينهم وبين أهل جهنم، لكن لا لغاية الاستعلام، بل لغاية توبيخ أُولئك المجرمين وتعنيفهم .
42. (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) :
وهذا يدلّ على وجود الصلة بين أهل الجنة وأهل النار، وعندئذ يجيبون بأنّ سبب دخولهم سقر هو الأُمور التالية:
43 ـ أ . (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ):
44 ـ ب . (وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ):
45 ـ ج . (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ):
46 ـ د . (وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ):
فبنسيان الصلاة الذي هو العامل الأوّل، نسوا الله سبحانه، وبنسيانه ارتكبوا المعاصي والمنكرات.
وبالامتناع عن إطعام المحتاجين، وهو العامل الثاني لدخولهم سقر، استولى الشحّ والبخل على نفوسهم فتركوا الفريضة الواجبة ـ أي الزكاة ـ بعد ترك الصلاة.

1 . الانشقاق: 7 ـ 8 .

صفحه 311
وبالخوض مع الخائضين ـ وهو العامل الثالث ـ في مجالس تروّج فيها الأباطيل، انغلقت قلوبهم دون نفوذ نور الإيمان إليها.
وأمّا العامل الرابع لدخول سقر فهو إنكار يوم البعث والجزاء وهو نتيجة العوامل الثلاثة المتقدّمة، فمن نسي الصلاة ومنع الزكاة وانغمس في مجالس أهل الباطل، يصبح إنساناً مكذّباً بيوم البعث، فإن الإيمان بيوم الدين لا يجتمع مع هذه الأُمور الثلاثة، فكانوا على هذه الحالة مستمرّين حتى انتبهوا عن هذه الغفلة بمجيء الموت، وكما قال:
47. (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ):
المراد من (الْيَقِينُ)هو الموت، بشهادة قوله سبحانه: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، 1 فليس الموت نهاية الحياة بل بداية لحياة أسمى وأشرف، فالحياة البرزخية حياة مليئة باللذّات للمؤمنين، والآلام للكافرين، حتى أنّ الكافر يدرك مصيره المظلم عند قبض روحه، قال تعالى: (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)2.
48 . (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ):
أي لا تنفعهم شفاعة الأنبياء ولا الأئمة ولا الملائكة، وذلك لأنّ الشفاعة إنّما تُقبل فيما لو توفّرت عند المشفوع له أرضية صالحة تؤهّله لنيل الرحمة

1 . الحجر: 99 .
2 . الأنعام: 93 .

صفحه 312
الإلهية، أمّا من كان يكذب بيوم الدين فقد انقطعت صلته بالله سبحانه الذي هو المشفوع إليه، فكيف يمكن أن يشمله غفران الله سبحانه؟
نعم إنّما تُقبل شفاعة الشافعين في المذنب الذي لم تنقطع صلته الإيمانية عن الله تعالى كما لم تنقطع صلته الروحية عن الشفيع، وأمّا من كان كافراً فليس له أي صلة بالله ولا بالشفعاء، فلا تشمله شفاعة الشافعين.
والمتبادر من الآية أنّ شفاعة الشفيع تؤثّر في غفران الله سبحانه ورفع العقاب حيث نفى تأثيرها في حقّ المنافق والكافر وصار لازمه ثبوته في حق المؤمن المذنب، وأمّا تفسيره برفع الدرجة كما يرى صاحب «الكشّاف»، الذي قال: إنّ الشفاعة تنفع يومئذ لأنّها تزيد في درجات المرتضين، 1فليس بصحيح، إذ هو مبني على آراء المعتزلة حيث فسّروا شفاعة الشافعين بترفيع الدرجة لا العفو عن الذنوب! وقد أوضحنا حال الشفاعة في كتبنا الكلامية، وأنّها وسيلة محدودة لمغفرة المذنبين، لا لترفيع درجة المرتضين.
سورة المدثر: الآيات 49 ـ 56    

الآيات: التاسعة والأربعون إلى السادسة والخمسين

(فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً * كَلاَّ بَلْ لاَ يَخَافُونَ الآخِرَةَ * كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ).

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 290 .

صفحه 313

المفردات

الحُمُر: جمع حمار، وهو الحمار الوحشي، وهو شديد النِّفار إذا أحسّ بصوت القانص.
مستنفرة: النفر هو الانزعاج عن الشيء، والسين في مستنفرة للمبالغة أي نافرة نفاراً قوياً فهي تعدو بأقصى سرعة.
قسورة: مفرد وهو الأسد.
منشّرة: المفتوحة المقروءة، مقابل صحيفة مطويّة.
أهل التقوى: الأهل بمعنى المستحق، أي هو المستحق لأن يُتّقى منه .

الإعراب

الفاء في قوله: (فَمَا) استئنافية، و «ما» اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ. ولهم: خبر. وقوله: (عَنِ التَّذْكِرَةِ)متعلّق بمعرضين. و (مُعْرِضِينَ)حال من المجرور باللام.

التفسير

49. (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ):
استعجاب من إعراضهم عن القرآن وتولّيهم عنه.
50 و 51. (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة):
شبّه تولّيهم عن القرآن وفرارهم عن التذكرة بنفار الحُمُر الوحشية الّتي

صفحه 314
تفرّ من الأسد، حيث يعدو بأقصى سرعة، وفي ذلك مذمّة وتهجين لحالهم وشهادة عليهم بالبلَه وقلّة العقل.
52. (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً):
لفظة (بَلْ) إعراض عمّا سبق أي أنّهم لا يكتفون بالتولّي عن القرآن والإعراض عنه، بل يريد كلّ واحد من هؤلاء المُنابذين العصاة أن يُنزَّل عليه كتاب سماوي مفتوح، إمّا أن يكون طرفاً للوحي وموصوفاً بالنبوّة، أو أن يُكَتب فيه أن صدّقوا برسالة النبي الأكرم. وقد ورد هذا المضمون في أكثر من آية، ومنها قوله سبحانه حاكياً عنهم: (لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ)1.
ومن المعلوم أنّ مقترحهم هذا يعبّر عن جهلهم وعن عنادهم واستكبارهم، فالله سبحانه إنّما ينزّل كتاباً على مَن يصطفيه، بحكمته، من عباده، ويرتضيه من أنبيائه، وهو سبحانه لا يصطفي إلاّ الصالحين المرضيّين، الأخيار المخلَصين، فكيف يطمع أُولئك الأشقياء أن ينزّل على كلّ واحد منهم كتاباً وهم لا يمتّون إلى الله بسبب؟ ولو كان الحق رائدهم، لصدّقوا بكتاب نبيّهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ففيه من الدلائل والبيّنات، ما يرشد إليه، ويدلّ عليه، ولكنّهم في الحقيقة إنّما يُعرضون عنه لهذا السبب، وهو اصطلاحهم على حبّ العاجل ورفض الآجل، أو كما قال سبحانه:
53. (كَلاَّ بَلْ لاَ يَخَافُونَ الآخِرَةَ):
ردع لما سبق، وهو أنّ كلّ ما يقولون أعذار باطلة نابعة عن عدم إيمانهم

1 . الأنعام: 124.

صفحه 315
بالآخرة، فلو كانوا مؤمنين بالبعث والحساب لأقبلوا على استماع القرآن والإقبال إليه، وتولّيهم والتمسّك بهذه الأعذار يكشف عن كونهم غير مؤمنين بيوم القيامة.
54. (كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ):
ردع ثان لاقتراحهم نزول كتاب سماوي إليهم، فإنّ القرآن تذكير وموعظة.
55. (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ):
أي من شاء اتّعظ به، نظير قوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ)1.
56. (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ):
علّق مشيئتهم على مشيئة الله تعالى، فإنّ كلّ ظاهرة في دائرة الإمكان لا تتحقّق إلاّ بمشيّة الله تعالى، من غير فرق بين الظاهرة الكونية ومشيئة الإنسان، فمشيئة كلّ عبد مسبوقة بمشيئة الله لكن لا بصورة مقتضية للجبر، فإنّ مشيئة الله تعالى إذا تعلّقت بإيمان العبد إنّما تتعلّق إذا كان في العبد أرضية صالحة للإيمان بمعنى أنّه عرّض نفسه لرحمة الله، وعندئذ تتعلّق مشيئة الله بالإيمان ويوفّقه للخير ويرفع العراقيل بينه وبين ما يريد، وبذلك يعلم تعلّق

1 . الكهف: 29 .

صفحه 316
مشيئته بإضلال العبد، إذ لا تتعلّق به إلاّ إذا كان فيه استعداد للكفر والتولّي، فحينئذ تتعلّق مشيئته بالكفر بمعنى خذلانه وقطع التوفيق عنه. هذا هو الظاهر من الآية.
لكنّ الظاهر من المفسّرين حمل المشيئة الأُولى على المشيئة الاختيارية والثانية على المشيئة الإجبارية. قال الطبرسيّ في تفسير قوله: (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ) هذه المشيّة غير الأُولى، إذ لو كانت واحدة لتناقض فالأُولى مشيئة اختيار والثانية مشيئة إكراه وإجبار، والمعنى أنّ هؤلاء الكفّار لا يذكرون إلاّ أن يجبرهم الله تعالى على ذلك .1
وعلى ذلك جرى صاحب الكشّاف حيث قال: إلاّ أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه ; لأنّه مطبوع على قلوبهم، معلوم أنّهم لا يؤمنون اختياراً.2
وأمّا قوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) فالله سبحانه يصف نفسه هنا بوصفين:
1. أهل التقوى.
2. أهل المغفرة.
أمّا الأوّل فهو حقيق بأن يتّقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا ويطيعوا. هذا على القول بأنّ التقوى أمر سلبي، وعلى ما ذكرنا من أنّها أمر إيجابي يكون المراد أنّه سبحانه أهل لأن يتحصّن العباد بحصن ويتّقون بوقاية حتّى لا يخالفوا الله تعالى.

1 . مجمع البيان: 10 / 209 .
2 . تفسير الكشّاف: 3 / 291 .

صفحه 317
وأمّا الثاني أي أهل المغفرة فهو حقيق بأن يغفر لعباده إذا آمنوا وأطاعوا، وإنّما كرّر لفظة «أهل» مع إمكان أن يقال: هو أهل التقوى والمغفرة، فلأجل اختلاف المضاف إليه فإنّ التقوى من خصائص العباد والمغفرة من خصائص الله سبحانه، فحصل الاختلاف بين (أَهْلُ) الأوّل (وَأَهْلُ)الثاني نظير قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ)1 ومن المعلوم أنّ إطاعة النبي في طول إطاعة الله ومن شُعَبها، ولذلك قال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)2.
***
تمّ تفسير سورة المدثّر

1 . النساء: 59 .
2 . النساء: 80 .

صفحه 318

صفحه 319
   

سورة القيامة

(لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلاَّ لاَ وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّؤُا الإِنْسَانُ يَوْمَئِذ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ * لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ * كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ * كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاق * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ

صفحه 320
 
بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذ الْمَسَاقُ * فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى).

صفحه 321
سورة القيامة: خصائص السورة   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت بسورة «القيامة» لورود القسم بها في بدئها، قال سبحانه: (لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ).
و نقل الآلوسي أنّ من أسمائها: سورة «لا أُقسم»، لوروده في بدئها، ولو صحّ ما ذكره فالاسم متروك.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة أربعون آية عند الكوفيين وعليه الترقيم في المصاحف المتداولة، وتسع وثلاثون عند الباقين. وموضع الاختلاف هو قوله تعالى: (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)1 فهو آية مستقلة عند الكوفيين، وجزء من الآية التالية عند غيرهم.
والسورة مكّية بالاتّفاق بشهادة سياق آياتها.

أغراض السورة

سورة القيامة: الآيات 1 ـ 6   
يدور البحث في السورة حول التنبّؤ بوقوع يوم القيامة والتذكير بأشراطه وأوصافه، ثم ما يجري على الإنسان فيه، وهل هو من أصحاب الوجوه الناضرة، أو من أصحاب الوجوه الباسرة؟ إلى أن ينتهي البحث إلى

1 . القيامة: 16 .

صفحه 322
المعاد، والاحتجاج بأنّ القادر على النشأة الأُولى قادر على النشأة الأُخرى، إلى غير ذلك ممّا له صلة بيوم القيامة .
***

الآيات: الستة الأُولى

(لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ).

المفردات

اللّوَّامة: هي النفس التي اكتسبت بعض الفضيلة فتلوم صاحبها إذا ارتكب مكروهاً، فهي دون النفس المطمئنة.1
و قال الطريحي: النفس اللوامة ما تكون مائلة إلى الخير تارة وإلى الشر أُخرى، وتندم على الشر وتلوم عليه، فهي اللوامة.2
نسوّي: من التسوية: تقديم الشيء وإتقان الخلق، قال تعالى: (وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا)3، وقال سبحانه : (الذِي خَلَقَ فَسَوَّى)4.

1 . المفردات للراغب: 457، مادة «لوم».
2. مجمع البحرين: 4/155، مادة «لوم».
3. الشمس: 7.
4 . الأعلى: 2.

صفحه 323
البنان: جمع بنانة، أطراف الأصابع، وهو اسم .
الفجر: شقّ الشيء شقّاً واسعاً، قال تعالى: (وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا)1، وقال: (وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا)2... ومنه قيل للصبح: الفجر لكونه فجّر الليل ثم قال: والفجور شقّ ستر الديانة، يقال: فجر فجوراً، فهو فاجر، وجمعه فجّار وفجرة. 3
أمام: أصله اسم للمكان، يقابله خلف، ويطلق مجازاً على الزمان المستقبل.
أيّان: اسم زمان للبعيد، يقول تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا)4.

التفسير

1. (لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ):
ورد هذا التعبير ـ أعني: (لاَ أُقْسِمُ ) ـ في القرآن الكريم في صور مختلفة، هي: (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) 5، (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ)6، (فَلاَ

1. القمر: 12.
2. الكهف: 33.
3. المفردات للراغب: 373، مادة «فجر».
4 . الأعراف: 187، والنازعات: 42.
5. الواقعة: 75.
6. الحاقة: 38.

صفحه 324
أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) 1، (فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ)2،(فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ)3، (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) 4 ، فعلى المفسّر أن يبيّن معنى الجملة في عامّة السور على نسق واحد. وإليك ما قيل في المقام:
1. قيل: إنّ «لا» صلة، أي زائدة، ومعناه: أُقسم بيوم القيامة. روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير، ومثلها قوله تعالى: (لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ). 5
أقول: إنّ القول بوجود زيادة في القرآن لاينسجم مع كونه في نهاية الفصاحة والبلاغة، فعلى الباحث أن ينزّه القرآن الكريم عن ذلك ويثبت خلوّه عن لغوية هذه الزيادة التي لا غاية لها إلاّ الإيهام.
وأمّا الاستشهاد بقوله تعالى : ( لِئَلاَّ يَعْلَمَ ) حيث فُسّر بـ «لِيَعْلَمَ» فهو بعيد عن معنى الآية، وإليك بيان ذلك:
قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)6، فإنّ المعنى هو أنّ اللّه وعد الذّين آمنوا واتقوا اللّه وآمنوا برسوله أن يؤتهم كفلين من رحمته ويجعل لهم نوراً يمشون به ويغفر لهم، وكأنّ سائلاً يسأل عن فوائد ذلك وغاياته، فأُجيب بأنّ

1. المعارج: 40.
2. التكوير: 15.
3. الانشقاق:16.
4. البلد: 1.
5. الحديد: 29.
6 . الحديد: 28 ـ 29 .

صفحه 325
الغاية أن لايعلم أهل الكتاب (و أن لايعتقدوا) أن الذين آمنوا لايقدرون على شيء من فضل اللّه، وذلك لأنّ الفضل بيد اللّه.
ثم إنّ صاحب الكشّاف كرّر القول بزيادة «لا» في آيات أُخرى نذكر منها ما يلي:
أ. قوله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين).1
ب. قوله تعالى: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَني مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين).2
فبما أنّ جواب إبليس في كلا السؤالين واحد، صار ذلك سبباً للقول بزيادة «لا» في الآية 12 من سورة الأعراف.3
و لكنّ المفسّر غفل عن أنّ حيثية السؤال في الآية الأُولى تغاير حيثيته في الآية التالية.
فإنّ السؤال في سورة الأعراف عن السبب الذي حمله على المخالفة، و لم يجد في نفسه أي داع إلى العمل فأشار سبحانه في سورة الأعراف بوجود «لا» إلى السؤال عن السبب الكامل على المعصية، فكأنّه قال: ما حملك على أن لاتسجد.
و أمّا السؤال في سورة «ص» فهو عن وجود المانع عن القيام بالعمل،

1. الأعراف: 12.
2. ص: 75ـ 76.
3. تفسير الكشّاف: 2/89 .

صفحه 326
نعم كان الجواب من إبليس في كلا المقامين هو بيان السبب الكامل له على أن لا يسجد، لا التعليل بالمانع، فقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِين)، أي أنّ سبب المخالفة هو كونه أفضل من آدم.
2. إنّ قوله «لا» ردّ على الذين أنكروا البعث والنشور من المشركين، فكأنّه قال: «لا كما تظنون» ثم ابتدأ القسم بـ «أقسم بيوم القيامة إنكم مبعوثون».1
يلاحظ عليه: أنّه يجب تفسير هذه الآيات في الموارد التي ذكرناها على نسق واحد، مع أنّه لايصح في قوله: (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) وغير ذلك من الآيات الماضية. فليس النفي فيها، راجعاً إلى قول أو فعل .
3. الأخذ بظهور الآية وأنّ معناها: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لظهورها بالدلائل العقلائية والسمعية، وعلى هذا يكون المقصود في الموارد الست نفي القسم لا الإقسام بيوم القيامة.
يلاحظ عليه: أنّ بعض الموارد ظاهر في الإقسام لا نفيه، قال سبحانه: (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ).2 فإنّ الضمير في قوله: (وإِنَّهُ) راجع إلى القسم المفهوم من قوله: (فَلاَ أُقْسِمُ) فيكون دليلاً على أنّه سبحانه أقسم بمواقع النجوم .
4. أن يكون المعنى هو: أُقسم بيوم القيامة، ولا أُقسم بالنفس اللوامة، أُقسم بالأوّل ولا أُقسم بالثاني. وهذا ضعيف غاية الضعف ; لأنّه مخالف لسياق الكلام.

1. مجمع البيان: 5/596.
2. الواقعة: 75ـ 76.

صفحه 327
5. أنّهما قسمان مع كون «لا» غير زائدة، وجواب القسم محذوف، وتقديره: ( انّكم لتبعثون ).
بيانه: أنّ الأُسلوب الرائج بين الناس أنّهم ربما يقسمون بشيء عزيز عليهم ولكن بنحو نفي القسم، فيقال: لا أُقسم بنفسي، ولا أُقسم بنفسك، ولا أقسم بولدي، أنّ الأمر كذا وكذا، وهو بصورة نفي القسم بالشيء العزيز ولكن في النهاية قسم، وهذا مما يقال: أن صيغة ( لاأُقسم ) قسم، يقول السيد الطباطبائي: قوله: (لاَ أُقْسِمُ) كلمة قسم، وقوله تعالى: (ولاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ )إقسام ثان على ما يقتضيه السياق ومشاكلة اللفظ.1
و بهذا يتّضح معنى الآية، وأنّ الوحي الإلهي مصون من الإتيان بكلمة زائدة فيه لا دور لها في المعنى.2
قوله: (بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ). سمّي يوم الآخرة بيوم القيامة لأجل قيام الحساب والأشهاد والروح (روح الأمين) والناس، قال سبحانه:
1. (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ).3
2. (يَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ). 4
3. (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ).5
4. (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ).6

1. الميزان في تفسير القرآن: 20 / 103 .
2. لاحظ: آلاء الرحمن: 1/89 ، 92، فقد بسط الكلام في المقام، وما ذكرناه مقتبس منه.
3. إبراهيم: 41.
4 . غافر: 51
5. النبأ: 38.
6. المطفّفين: 6.

صفحه 328
وعلى هذا فوجه التسمية هو قيام الحساب وغيره من الأُمور المذكورة.
و قد عبّر سبحانه عن تلك النشأة تارة بلفظ اليوم مضافاً إلى وصف، وأُخرى بالاستعانة بوصف من أوصاف ذلك اليوم دون أن يذكر لفظ «اليوم». أمّا الأوّل فكالتالي:
1. يوم القيامة، 2. يوم الدين، 3. يوم الآخر، 4. يوم عظيم، 5. يوم كبير، 6. يوم محيط، 7. يوم الحسرة ، 8. يوم عقيم ، 9. يوم أليم، 10. يوم الوقت المعلوم، 11. يوم الحق، 12. يوم مشهود، 13. يوم البعث، 14. يوم الفصل، 15. يوم الحساب، 16. يوم التلاق، 17. يوم الآزفة، 18. يوم التناد، 19. يوم الجمع، 20. يوم الوعيد، 21. يوم الخلود، 22. يوم الخروج، 23. يوم عسير، 24. يوم التغابن، 25. اليوم الموعود، 26. يوماً عبوساً، 27. يوم معلوم، 28. يوم لا ريب فيه، 29. يوم الفتح.1
فقد أُضيف اليوم في هذه الأسماء إلى شيء يومئ إلى حال من أحوال ذلك اليوم.
وأمّا الثاني أي تسميته بشيء من أوصافه، فهي أيضاً كالتالي:
1. «الساعة»: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ).2
2. « الآزفة»: (أَزِفَتِ الاَْزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ).3

1. «يوم الفتح»: (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ) (السجدة:29)، والمراد من الفتح هو الحكم بالثواب والعقاب يوم القيامة، وكان المشركون يسمعون المسلمين يستفتحون باللّه عليهم، فقالوا لهم : متى هذا الفتح، أي متى هذا الحكم فينا؟ فأُجيبوا بما في الآية، ويؤيده قوله سبحانه: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) (سبأ: 26).
2. الأعراف: 187.
3. النجم: 57ـ 58.

صفحه 329
و «الأزف» في اللغة بمعنى القرب، وكأنّه يشير إلى أنّ الساعة قريبة وليست ببعيدة، وإن كان الناس يتخيّلون خلافه.
3. « الحاقّة»: (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ). 1
و الحاقّة: مؤنث الحق، يطلق على شيء حتميّ الوقوع.
4. «القارعة»: ( الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ).2
و القرع بمعنى الضرب المبرح، وكأنّ القيامة تهزّ القلوب هزّاً شديداً، وتقرعها بالفزع، وتقرع الكفّار بالعذاب الأليم.
5. «الطامّة الكبرى»: ( فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى).3
الطامّة في اللغة بمعنى المصيبة، وكأنّ المصيبة التي يواجهها الإنسان في ذلك اليوم، تُنسِي سائر المصائب التي مرّت به، ولذلك وصفت بالكبرى.
6. «الواقعة»: ( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ).4
و الواقعة هي الحادثة، والاسم كناية عن عظمها وهولها.
7. «الصاخّة»: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ). 5
و الصاخّة هي الصوت المرعب، ولعلّها كناية عن نفخ الصور الذي سيوافيك تفصيله بإذن اللّه.
8. «الغاشية»: ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ).6

1. الحاقّة: 1ـ3.
2. القارعة: 1ـ3.
3. النازعات: 34.
4. الواقعة:1.
5. عبس: 33.
6. الغاشية: 1.

صفحه 330
الغاشية: هي المحيطة، وكأنّ الحوادث المرعبة تحيط بجميع الناس.
9. «الآخرة»: (وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ). 1
و سمّيت بالآخرة لأنّها متأخّرة عن الدنيا.
10. «الميعاد»: (إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ).2
وثمة آيات أُخرى تصف يوم القيامة وتذكر شيئاً من أحوالها وأهوالها، قال سبحانه: (يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم).3
و قال سبحانه: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء).4
وقال سبحانه: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ).5
ونظائر هذه الآيات كثيرة في الذكر الحكيم لم نذكرها في عداد أسماء يوم القيامة لأنّها بصدد التوصيف لا التسمية.
2. ( وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ):
قال الراغب: النفس: الروح في قوله تعالى: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ)6، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ).7

1. المؤمنون: 74.
2. آل عمران: 9.
3. الشعراء: 88 ـ 89 .
4 . آل عمران: 30.
5. آل عمران: 106.
6. الأنعام: 93.
7. البقرة: 235.

صفحه 331
و قوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)1 .
و قوله (يُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ)2 .
فنفسه ذاته.3

نظرية الماديّين والإلهيّين حول الروح

زعم الماديون أنّ الإنسان ليس إلاّ مجموعة خلايا وعروق وأعصاب وعظام وجلد، وليس وراء الوجود المادّي له، موجود علوي باسم الروح، وإنّما الإنسان هو الهيكل المشهود الذي يحكم عليه بالقواعد المادّية وليس وراء ذلك شيء باسم النفس أو الروح.
لكنّ الإلهيّين استدلّوا على وجود النفس الإنسانية المجرّدة عن المادّة و آثارها بوجوه فلسفية وعلمية لايمكننا نقل قليل منها فضلاً عن الكثير، وإنّما نشير هنا إلى برهان حسّي وتجربيّ ذكره الشيخ الرئيس في كتابيه «الإشارات» و « الشفاء» وسماه: ببرهان الطلق، لورود عبارة الهواء الطلق في تعبيره، وإليك نصّ البرهان:
إفرض نفسك في حديقة زاهرة غنّاء، وأنت مستلق لاتُبصر أطرافك ولاتنتبه إلى شيء، ولا تتلامس أعضاؤك، لئلاّ تحسّ بها، بل تكون منفرجة، ومرتخية في هواء طلق، لاتحسّ فيه بكيفية غريبة من حرٍّ أو برد أو ما شابه، ممّا هو خارج عن بدنك. فإنّك في مثل هذه الحالة تغفل عن كلّ شيء حتى عن أعضائك الظاهرة، وقواك الداخلية، فضلاً عن الأشياء التي حولك، إلاّ عن

1. المائدة: 116.
2. آل عمران: 28.
3. المفردات للراغب: 501، مادة «نفس».

صفحه 332
ذاتك، فلو كانت الروح نفس بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك، لزم أن تغفل عن نفسك إذا غفلت عنها، والتجربة أثبتت خلافه.
و بكلمة مختصرة: «المغفول عنه، غير اللا مغفول عنه». وبهذا يكون إدراك الإنسان نفسه من أوّل الإدراكات وأوضحها.1
و لنقتصر بهذا البرهان، وهناك براهين أُخرى ذكرناها في كتابنا «الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل»،2 كما سنشير إلى حقيقة الروح في القرآن الكريم عند تفسيرنا الآية السادسة والعشرين من هذه السورة، أعني قوله تعالى: (كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ)، فانتظر.

مراتب النفس

لا شكّ أنّه ليس للإنسان إلاّ نفس واحدة يعبّر عنها بالروح تارة، والنفس أُخرى، والعقل ثالثة، فالكل يشير إلى ذلك الأمر المجرّد الذي يدبر بدن الإنسان في حياته الدنيوية.
و لها مراتب عبّر عنها القرآن الكريم بما يلي:
1. النفس الملهمة.
2. النفس الأمّارة.
3. النفس اللوامة.
4. النفس المطمئنة.
5. النفس الراضية.

1. لاحظ : الإشارات: 2/92; الشفاء: 282 و 464، قسم الطبيعيات.
2. الإلهيات: 4/ 195 ـ 199.

صفحه 333
6. النفس المرضية.
و قد أشار الذكر الحكيم إلى الجميع في الآيات التي سيتم تفسيرها، وإليك بيان هذه المراتب واحدة بعد الأُخرى:

1. النفس الملهمة

إنّ كلّ إنسان يدرك في صميم ذاته حسن بعض الأُمور وقبح الآخر، كحسن الإحسان وقبح الظلم، وهكذا يدرك حسن العمل بالميثاق وقبح نقضه إلى غير ذلك، فهذه المدركات أُمور فطرية يدركها الإنسان بنفسه من دون أن يكتسبها من مصدر خارجي.
كما أنّ الحكمة النظرية تنقسم إلى ضرورية ونظرية، فهكذا الحكمة العملية تنقسم إلى بديهي ونظري، فالبديهي من الإدراكات التي يستوي فيها جميع البشر على تمام الأصعدة، هي الأُمور الفطرية.
وقد وصف الإمام عليّ (عليه السلام) شيئاً من تعاليم الأنبياء(عليهم السلام) بالتنبيه على ما يدركه الإنسان في منهج الفطرة بقوله: «وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ (بني آدم) أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ».1
فلو قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)،2 فإنّما ينطق بلسان الفطرة، ففطرة الإنسان قاضية بحسن الثلاثة الأُولى وقبح الثلاثة

1. نهج البلاغة: الخطبة 1.
2. النحل: 90.

صفحه 334
الأخيرة، وأنّه يجب أن يقوم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ويجتنب الأُمور الأُخرى.
وإلى هذه المرتبة من النفس يشير سبحانه بقوله: (وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا).1
وقال سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)2.
ويقول سبحانه: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).3
والكلام في الفطرة وعلائمها وما هو الفرق بين الأُمور الفطرية والعادية بحاجة إلى بحث مفصّل، ذكرناه في كتابنا «مفاهيم القرآن».4

2. النفس الأمّارة

يراد بالنفس الأمّارة الحالةُ التي تميل بالإنسان إلى الانزلاق نحو الشهوات وإرضاء غرائزه السافلة والميلان إلى الهوى. نعم في الوقت الذي تميل فيه النفس إلى الأُمور السافلة تجد في صميم ذاتها ميولاً إلى الأُمور السامية، وما هذا إلاّ لأنّه سبحانه خلقه من نطفة أمشاج.5 والمراد به الأخلاط، ولعلّه أنّ اللّه أودع في النطفة قوى مختلفة وميولاً متنوّعة متضادّة يشترك فيها عامّة البشر من نبي أو ولي، إلى غير ذلك، ولذلك نجد أنّ يوسف (عليه السلام) بعد أن وصف نفسه بقوله: (لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)(6)، وصار

1. الشمس: 7 ـ 8 .
2 . الإنسان: 3.
3. البلد: 10.
4. لاحظ: مفاهيم القرآن: 1/50ـ 56.
5. الإنسان: 2.   6 . يوسف: 53.

صفحه 335
هذا الكلام في موقع من يزكّي نفسه ويعجب بها، بادر إلى استدراك ذلك قائلاً: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ )1.
وبهذه القوّة امتاز الإنسان عن سائر الموجودات العلوية، فلو لم يكن الإنسان مجهّزاً بالنفس الأمّارة لم يكن لاجتنابه عن الذنوب ومساوئ الأخلاق أي قيمة وفضل، فهو بما أنّه يجد في نفسه ميولاً إلى الهوى ولكن يكبح جماحها بالتقوى وبالرجوع إلى الفطرة وتعاليم الأنبياء، يستحق الثواب والمدح.

3. النفس اللوامّة

اللوامّة صيغة مبالغة من اللوم، وهي من مراتب النفس وليست شيئاً مستقلاً، فالآية تدلّ على أنّه في ضمير الإنسان قوة خاصّة ربما تلومه بالنسبة إلى الأعمال التي يحكم العقل بقبحها.
و إن شئت قلت: هي عبارة عن الضمير الذي يؤنّب الإنسان على ما اقترفه من السيئات والآثام، خصوصاً بعد أن يفيق من سكراتها. فيجد نفسه تنحدر في دوامة الندم على ما ارتكبه وفي صميم ذاته إنابة إلى الحق، وهذا يدلّ على أنّ النفس مجبولة على الميل إلى الشهوات وفي الوقت نفسه فيها ميل إلى الحق والعدل، ولكلٍّ تجلٍّ خاص، فإن غلبت الشهوات حالت دون ظهور نور العقل، فيقترف القبائح، ولكنّه ما إن تخمد شهوته، يتّضح أمامه قبح العمل فتستيقظ النفس اللوامة وتأخذ باللوم والعذل، إلى حدٍّ ربما تدفع

1 . يوسف: 53.

صفحه 336
بصاحبها إلى الانتحار لعدم تحمّله وطأة الجريمة التي ارتكبها.
و لعلّ التعبير بالوجدان الأخلاقي في علم النفس يقابله في التعبير القرآني: النفس اللوامة ، فإنّ ما يوصف به ذلك الوجدان هو نفس ما نعرفه من النفس اللوامة، فإذا كانت الجريمة عظيمة بحيث لاتتحمّلها النفس التي أُلهمت الخير والشر في مرحلة الفطرة، فقد تؤدّي إلى الجنون نتيجة الضغط الوجداني أو النفس اللوامة، فيشعر عظمة الجريمة ولايستطيع التحمّل، وبالتالي يفقد الشعور والعقل.
و في تاريخ المجرمين ما يشهد على ذلك منها:
إنّ بسراً قائد جيش معاوية لمّا دخل الطائف، وقد كلَّمه المغيرة، قال له: لقد صدقتني ونصحتني، فبات بها، وخرج منها، وشيّعه المغيرة ساعة، ثم ودّعه وانصرف عنه، فخرج حتى مَرَّ ببني كنانة، وفيهم ابناعبيداللّه بن العباس وأُمّهما، فلما انتهى بُسْر إليهم، طلبهما، فدخل رجل من بني كنانة ـ وكان أبوهما أوصاه بهما ـ فأخذ السيف من بيته وخرج، فقال له بُسْر: ثكلتك أُمّك! واللّه ما كنّا أردنا قتلك، فلِمَ عرضت نفسك للقتل! قال: أُقتل دون جاري أعذَر لي عند اللّه والناس. ثم شدّ على أصحاب بُسْر بالسيف حاسراً،....، فضارب بسيفه حتى قُتل، ثم قُدِّم الغلامان فقتلا. فخرج نسوة من بني كنانة، فقالت امرأة منهنّ: هذه الرجال يقتلها، فما بال الولدان! واللّه ما كانوا يقتلون في جاهلية ولا إسلام، واللّه إنّ سلطاناً لايشتدّ إلاّ بقتل الرضيع الضعيف، والشيخ الكبير، ورفع الرحمة، وقطع الأرحام لَسُلطان سوء; فقال بُسْر: واللّه لهممت أن أضعَ فيكنّ السيف، قالت: واللّه إنّه لأحَبُّ إليّ إن فعلت! 1

1. شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد: 2/14; الغدير: 11 / 26 .

صفحه 337
ثم يقول: فلم يلبث بُسر بعد ذلك إلاّ يسيراً حتى وسوس وذهب عقله، فكان يهذي بالسيف، ويقول: أعطوني سيفاً أقتل به، لايزال يردد ذلك حتى اتّخِذ له سيف من خشب، وكانوا يدنون منه المرفقة، فلايزال يضربها حتى يُغشى عليه، فلبث كذلك إلى أن مات.1
و قال ابن الأثير في «أُسد الغابة»: توفّي بُسر بالمدينة أيام معاوية، وقيل: توفّي بالشام أيام عبدالملك بن مروان، وكان قد خرف آخر عمره.(2)
ثم إنّ المفسّرين اختلفوا في تطبيق النفس اللوامة على أقوال:
فتارة يطبقونها على نفس آدم التي لم تزل تتلوم على فعلها الذي خرجت به من الجنّة، وأُخرى بالنفس الكافرة الفاجرة، وثالثة مطلق النفس لكن يخصّصون محل اللوم بيوم القيامة، ويقولون: ليس من نفس برّة ولا فاجرة إلاّ وهي تلوم نفسها يوم القيامة إن كانت عملت خيراً قالت: هلا أزددت، وإن كانت عملت سوءاً قالت: ياليتني لم أفعل.
كلّ ذلك من قبيل تطبيق الكلّي على المصداق، لأنّ الآية تحكي عن المنزلة العظيمة التي تتمتّع بها النفس إلى الحدِّ الذي أقسم بها سبحانه، ولولا عظمتها لما حلف بها سبحانه، من غير فرق بين المؤمن والكافر، فهذه موهبة من اللّه سبحانه للإنسان الذي كرّم اللّه مقامه حتى نرى أنَّ قضاة المحكمة التي أُسّست بأمر نمرود وصلوا إلى مرتبة عادوا يلومون أنفسهم لأجل عبادة الأصنام التي لاتقدر على النطق والدفاع عن نفسها، وهذا هو الذي يحكيه عنهم سبحانه: (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ).2

1. شرح نهج البلاغة: 2/18.   2 . أُسد الغابة: 3/180.
2 . الأنبياء: 64.

صفحه 338
بيانه: أنّ إبراهيم (عليه السلام) لمّا حطّم الأصنام وجعلها جذاذاً إلاّ كبيراً لهم لعلّ القوم يرجعون إليه ويرتدعون عن عقيدتهم بإلوهيّتها فلمّا رجعوا ووقفوا على أنّه عمل إبراهيم أحضروه للاقتصاص منه، وخاطبوه بقولهم: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا)1، فأجابهم إبراهيم (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)2، ثم أمرهم بالسؤال عن الجريمة التي ارتكبها؟! فبُهت الجمع من هذا السؤال وظلوا صامتين لعجزهم عن الإجابة، فعندئذ تبيّن لهم أنّ مثل هذا الصنم أحط من أن يعبد، فاستيقظ وجدانهم وأخذت نفوسهم تلومهم على النهج الذي اختطوه، بل الآلهة التي عبدوها حيث وجدوا أنّها غير خليقة بالعبادة والخضوع وهذا ما يحكي عنه القرآن بقوله: (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ)، أي خاطبوا أنفسهم بالظلم، فكأنّه قال بعضهم لبعض: أنتم الظالمون حيث تعبدون ما لايقدر على الدفع عن نفسه، وما نرى الأمر إلاّ كما قال هذا الفَتى.
هذه هي النفس اللوامة التي تظهر بين الحين والآخر وتزجر الإنسان عن ارتكاب الذنوب.

ما هي الصلة بين المقسَم به وجواب القسم؟

إنّ القسم يتشكّل من أمرين:
1. المقسم به.
2. جواب القسم الذي يعبر عنه بـ ( المقسم له).

1. الأنبياء: 62.
2. الأنبياء: 63.

صفحه 339
و من المعلوم أنّه يجب أن توجد بينهما صلة، فهذا أصل سائد في عامّة الأقسام التي وردت في الذكر الحكيم، وقد أهمل المفسّرون البحث حول الصلة بين المقسم به والمقسم له، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في كتابنا: «الأقسام في القرآن الكريم»، ولكن الصلة هنا واضحة، أمّا الشق الأوّل أي القسم بيوم القيامة فالصلة بينه وبين الدعوة إلى البعث والإخبار عنه واضحة، وهكذا بين الإقسام بالنفس اللوامة وجواب القسم (لتبعثنّ) وذلك من وجهين:
1. ما مرّ من أنّ النفس اللوامة كما تلوم الإنسان في هذه الدنيا، فهي ـ أيضاً ـ تلومه في الآخرة لما يظهر لها من الآثار السيّئة لأفعالها.
2. وجود التشابه بين النفس اللوامة ويوم القيامة في أنّ كلاًّ منهما محكمة يُحكم فيها على الإنسان بالجزاء والعقاب، غير أنّ النفس اللوامة محكمة خاصّة لكل إنسان، يُحاكَم الإنسان فيها عن طريق النفس اللّوامة ويندد بأعماله الإجرامية، وأمّا يوم القيامة فهو محكمة عامّة تشمل جميع البشر، فهناك يظهر اللوم من كلّ إنسان قد قصّر في عمله.
إلى هنا تمّ تفسيرنا للآيتين: الأُولى والثانية، ولكن يبقى الكلام في تفسير المراحل الأُخرى للنفس، وهي المطمئنّة والراضية والمرضية، ونشير إلى معانيها على وجه الإيجاز، لكونها خارجة عن محط البحث.

4. النفس المطمئنّة

المطمئنّة: اسم فاعل من اطمأنّ، يطلق على الإنسان إذا كان هادئاً غير مضطرب ولا منزعج، إنّما الكلام في متعلّق الاطمئنان، فهل المراد اليقين بوجود اللّه ووحدانيته، أو اليقين بوعد اللّه، والإخلاص في العمل؟

صفحه 340
الظاهر أنّ المراد غير ذلك ; لأنَّ ما ذُكر من مقوّمات الاطمئنان، بل النفس المطمئنّة هي التي تسكن إلى ربها وترضى بما رضي به، فإذا تواترت عليها النعم لم تُسبّب لها الطغيان والتعالي والاستكبار، وإذا ما ضيّق عليها الفقر والعوز فلايخرجها ذلك إلى الكفر وترك الشكر فنفوسهم مستقرّة في العبودية لاتخرج عن الصراط المستقيم بإفراط أو تفريط، قال سبحانه: (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)1، فالنفس المطمئنّة كالجبل الراسخ لا تحرّكها العواصف في إدبار الدنيا وإقبالها، فهي مطمئنّة عند أهوال الدنيا الرهيبة وعند تواتر النعم وغشيانها.
5. النفس الراضية
6. النفس المرضيّة
فإذا بلغت النفس مرتبة الاطمئنان فستكون راضية بتقدير اللّه سبحانه، من غنى أو فقر أو قوّة أو ضعف، سواء رفعتها السياسة إلى درجة عالية أو أنزلتها العوامل المادية وحاصرتها في زاوية الإهمال والنسيان، ففي كلّ الحالات النفس راضية بما قُدّر لها، وبالتالي إذا رضي العبد من ربه، رضي الرب منه، إذ لايسخطه تعالى إلاّ خروج العبد من زيّ العبودية، فإذا لزم طريق العبودية استوجب ذلك رضا ربه عنه فصارت نفسه مرضيّة.
و في الدعاء المروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) عقيب زيارته جدّه الامام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ما يشير إلى ذلك وهو: اللّهم اجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك، مولعة بذكرك ودعائك، محبّة لصفوة أوليائك، محبوبة في أرضك وسمائك، صابرة على نزول بلائك، شاكرة لفواضل نعمائك، ذاكرة

1. الرعد: 28.

صفحه 341
لسوابغ آلائك، مشتاقة إلى فرحة لقائك، متزودة التقوى ليوم جزائك، مستنّة بسنن أوليائك، مفارقة لأخلاق أعدائك، مشغولة عن الدنيا بحمدك وثنائك.

كلام حول مرضاة اللّه تعالى

الإنسان الكامل هو الذي لايفعل شيئاً ولايتركه إلاّ ابتغاءً لمرضاة اللّه تبارك وتعالى، فتذوب في نفسه كلّ الحوافز، إلاّ داع واحد هو طلب رضا اللّه سبحانه، فإذا بلغ هذه الدرجة فقد بلغ الذروة من الكمال إلى درجة لا يتمنّى وقوع ما لم يقع أو عدم ما وقع، وإلى ذلك المقام يشير الحكيم السبزواري في منظومته، قائلاً:
و بهجة بما قضى اللّه رضا *** وذو الرضا بما قضى ما اعترضا
أعظم باب اللّه، في الرضا وُعى *** و خازن الجنة رضواناً دُعى
فقرا على الغنى صبورٌ ارتضى *** وذان سيّان لصاحب الرضا
عن عارف عُمّر سبعين سنة *** إن لم يقل رأساً لأشياء كائنة
يا ليت لم تقع ولا لما ارتفع *** ممّا هو المرغوب ليته وقع 1
و قد جاء في وصايا الإمام الباقر (عليه السلام) لجابر بن يزيد الجعفي ما له صلة بالمقام، قال(عليه السلام): «واعلم أنّك لاتكون لنا وليّاً حتّى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا: إنّك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنّك رجلٌ صالح لم يسرّك ذلك، ولكن أعرض نفسك على كتاب اللّه، فإن كنت سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فاثبت وأبشر، فإنّه لايضرّك ما قيل فيك. وإن كنت مبائناً للقرآن فماذا يغرّك من نفسك».(2)

1. منظومة الحكيم السبزواري: 352.   2 . بحار الأنوار: 78/163 ـ 164.

صفحه 342
روي أنّ جابر بن عبدالله الأنصاري (رضي الله عنه)ابتلي في آخر عمره بضعف الهرم والعجز، فزاره محمد بن عليّ الباقر (عليه السلام)فسأله عن حاله، فقال: أنا في حالة أُحبّ فيها الشيخوخة على الشباب، والمرض على الصحّة، والموت على الحياة. فقال الباقر (عليه السلام):
«أمّا أنا ياجابر، فإن جعلني الله شيخاً أُحبّ الشيخوخة، وإن جعلني شابّاً أُحبّ الشبوبة، وإن أمرضني أحبّ المرض، وإن شفاني أحبّ الشفاء والصحّة، وإن أماتني أُحبّ الموت، وإن أبقاني أُحبّ البقاء».
فلمّا سمع جابر هذا الكلام منه قبّل وجهه، وقال صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه قال: «ستدرك لي ولداً اسمه اسمي، يبقر العلم بقراً كما يبقر الثور الأبيض»; ولذلك سمّي باقر علم الأوّلين والآخرين، أي شاقه.1
3. (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ):
الآية دليل على جواب القسم المقدّر الذي مرّ وهو: لتبعثّن... وتدلّ على أنّ المخاطب يستبعد أو يستنكر إمكان جمع العظام الرميم، ويقول في نفسه: هل يمكن أن تجمع هذه العظام المبعثرة في أطراف العالم، ومختلف بقاع الأرض؟! وقد ورد هذا النوع من الاستنكار في غير واحدة من الآيات، حيث كان الناس يتصوّرون أنّ جمع العظام أمر محال، نقله سبحانه عنهم في الآية التالية: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ).2

1 . مسكّن الفؤاد: 77 (المطبوع ضمن المصنفات الأربعة للشيخ زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني (رحمه الله)) .
2. يس: 78.

صفحه 343
والمستنكر يقيس قدرته سبحانه بقدرة نفسه، فلمّا كان الإنسان غير قادر على إحياء العظام وجمع شتاتها فعطف عليه قدرة اللّه تعالى، وهؤلاء هم الذين يصفهم سبحانه بقوله: (وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)1; وقد أُجيب عن هذا النوع من الاستنكار في مختلف الآيات بأجوبة قاطعة، مثلاً أُجيب في سورة «يس» بقوله: (وَنَسِيَ خَلْقَهُ) ثم أشار في الآية التالية بقوله: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)2، وفي آية أُخرى: (وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)3، وبما أنّا بسطنا الكلام في الإجابة عن هذه الشبهة في موسوعتنا (مفاهيم القرآن)4، نكتفي بذلك ونعود إلى تفسير الآية التالية.
4. (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ):
إنّ تسوية البنان عبارة عن تصويرها على ما هي عليه من الصور والخطوط، والمعنى: نحن نجمع العظام مضافاً إلى تصوير بنانه على الصورة التي كانت عليها في الخلق الأوّل.
و قد أثبت العلم الحديث أنّ كلّ إنسان تختلف بصمات أنامله عن الإنسان الآخر، ولايوجد فردان يتساويان في بصمات الأنامل حتى التوائم. وبذلك ظهر وجه الترقي في قوله تعالى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ)فاللّه سبحانه قادر على جمع العظام بل على الأعظم منه وهو تسوية البنان بما

1. الأنعام: 91.
2. يس: 79.
3. الروم: 27.
4. لاحظ: مفاهيم القرآن: 8 / 51.

صفحه 344
لها من الصور والخصوصيات.
إنَّ لبنان الإنسان دوراً كبيراً في القبض والبسط والأخذ والردّ، كما أنّ لها دوراً في الأعمال الدقيقة والصنائع الظريفة، فلولا البنان لما استطاع الإنسان الكتابة وتدوين الأفكار والنظريات وبالتالي تُعَرقَل مسيرة العلم وتتأخر عجلة تطور البشرية.
وهنا قصّة ظريفة وهي أنّ شيخنا الرضي الزنوزي ـ قدّس اللّه سرّه ـ كان أحد أعلام الفقه المحنكين في تبريز، قلّما يتفق بين الفقهاء مثله، وكان أخوه طبيباً ماهراً، وله كتاب في تاريخ الأطباء.
قال الشيخ الرضي: كنت في البيت إذ دخل عليّ أحد المؤمنين، وطلب منّي الاستخارة ففتحت المصحف بعد الدعاء الخاص، فخرجت هذه الآية: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ).
بعد ذلك سألت الأخ المؤمن عن الغاية من هذه الاستخارة، فأجاب: بأن أناملي مجروحة وأُريد أن أذهب إلى أخيك لمداواتها. انظر كيف تكون الاستخارة هادية إلى طالب الخير!
5. (بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ):
هذه الآية ترشدنا إلى سبب استنكارهم المعاد واستبعادهم له، وتشدّقهم بكلام خشن لايناسب قدرة اللّه سبحانه بقولهم: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)1 ؟!
إنّ السبب لإنكار المعاد هو أنّ المنكرين يريدون شقّ ستر الديانة

1 . يس: 78 .

صفحه 345
والعصيان، والمخالفة وعدم الالتزام بشيء من المنهيّات، فلذلك عادوا يستنكرون المعاد، لمّا عرفوا أنّ الاعتقاد به لاينسجم مع ميل الإنسان إلى التحرّر عن القيود والضوابط التي يراها تقييداً للحرية.
فالإنسان من جانب يريد التوغّل في الشهوات والأهواء والخروج عن الحدود الشرعية، ومن جانب آخر يرى أنّ الاعتقاد بالمعاد على طرف النقيض من تلك الميول، فيعود يقدم الميول ويستنكر المعاد.
فالغاية من إنكار المعاد التحرّر من كلّ قيد، ومن كلّ التزام عقلي وشرعي، ولذلك يقول تعالى: (لِيَفجُر أمَامَه) ويعصي مستقبل حياته وبقيّة عمره.
و ليس هذا النوع من الاستنكار مختصّاً بالاعتقاد بيوم القيامة، بل كلّ إنسان ـ لم يرض بتشريعه سبحانه ـ إذا رأى أنّ قسماً من تعاليمه على طرف النقيض من منافعه ومصالحه فيقوم بإنكاره، وفي الوقت نفسه لو كانت هذه القوانين تصبّ في مصلحته فهو يعود إلى تأييدها والالتزام بها.
قال الإمام الحسين (عليه السلام): «إنّ الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معائشهم، فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الديّانون»1.
وفي نهاية الكلام نقول: إنّه سبحانه يذكر ارتكاب الحرام والمنكرات بلفظة «يفجر» الذي عرفت أنّه عبارة عن شقّ ستر الديانة، ولعلّ التعبير عن ارتكاب الحرام بالفجور إشارة إلى أنّ كلّ جريمة تصدر من الإنسان مسبوقة في بدء الحياة بميول ضعيفة نحو الجريمة، غير أنّه إذا ازدادت هذه الميول

1 . تحف العقول: 245 .

صفحه 346
واشتدّت إلى حدّ قد بلغ مرحلة لايستطيع كبح جماح الهوى، فعند ذلك تورث التفجّر وتدفع بالإنسان نحو الجريمة.
6. (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ):
أي إنّ هؤلاء الذين أنكروا جمع العظام وتسوية البنان عادوا يسألون النبي(صلى الله عليه وآله) عن وقت القيامة وتعيين زمانها بالضبط، ومن المعلوم أنّ هذا السؤال ليس سؤالاً جدّياً بل هو أشبه بالهزل، وذلك:
أوّلاً: أنّه سبحانه إذا أخبر بوقوع القيامة في المستقبل يجب أن يؤخذ بقوله، فالسؤال عندئذ عن وقتها بصورة الشكّ والتردّيد ساقط عند المؤمن باللّه والّذي صدق كلامه.
وثانياً: أنّه سبحانه خصّ العلم بوقت القيامة لنفسه، قال اللّه تعالى: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)1 وقال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ).2
وثالثاً: لايترتّب على الإجابة عن هذا السؤال أي فائدة، فلنفرض أنّه سبحانه أجابهم وقال بأنّ الساعة بعد عشرة آلاف سنة، أو أكثر، فماذا يترتّب عليها من الفائدة؟ أضف إلى ذلك: أنّه إذا أُجيبوا عن سؤالهم على وجه الضبط والدقّة كيف يمكن إثبات ذلك للخصم؟!
سورة القيامة: الآيات 7 ـ 15   
كلّ ذلك يدلّ على أنّ في هذا النوع من الأسئلة شغباً وتبريراً لانغماسهم بالشهوات والجرائم.

1 . ل