welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : معجم طبقات المتكلمين/ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

معجم طبقات المتكلمين/ج 3

1

بسم الله الرحمن الرحيم

2


3

معجم طبقات المتكلمين
يتضمّن ترجمة رجالات العلم والفكر
عبر أربعة عشر قرناً
الجزء الثالث
تأليف
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تقديم وإشراف
العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني

4


5

بسم الله الرحمن الرحيم
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).
النحل: 125

6


7

تقديم المشرف

بسم الله الرحمن الرحيم

الإيمان والكفر

بين

التساهل والتطرّف(1)

من سمات العقيدة الإسلامية هي بساطتها ووضوحها، ويُسرُ تكاليفها ووظائفها، وقد كان هذان الأمران من أسباب انتشار الإسلام في ربوع الأرض بصورة سريعة عند بزوغ شمس الهداية.
مثلاً، التوحيد الّذي هو الركن الركين للدعوة، قد بيّنه الذكر الحكيم في سورة التوحيد، بلغة واضحة يُدركها الناس ويستفيد منها كلّ بحسب فهمه ومقدرته الفكرية، قال سبحانه: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ* اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ

1 . الذّي دعاني إلى اختيار هذا الموضوع هو الأوضاع الراهنة الّتي نمرّ بها والّتي شاع فيها التطرّف بين الطوائف الإسلامية، بحيث عاد يكفّر بعضها بعضاً لمجرّد وجود فوارق بسيطة لا تمتّ إلى ملاك الإيمان والكفر بصلة.

8

يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحدٌ).(1)
فأين هذه العقيدة الواضحة في توحيده سبحانه من عقيدة التثليث والأقانيم الثلاثة للنصرانية الّتي تدّعي أنّها من دُعاة التوحيد ومكافحي الشرك والثنويّة، وفي الوقت نفسه تدعو إلى التثليث وتدّعي أنّه يجب الإيمان به دون أن يدرك واقعه؟
ومثل التوحيد، الاعتقاد بنبوّة النبي الخاتم وخلود شريعته.
ويتلوه في الوضوح الاعتقاد بالحشر والنشر والعود إلى الحياة الجديدة.
فالأُصول التي أُنيط بها الإيمان هي الأُصول الثلاثة المشار إليها من التوحيد والنبوّة والمعاد، فلها من الوضوح والبساطة ما يجعلها في متناول الجميع بعيداً عن التعقيد.
هذا كلّه حول العقيدة الإسلامية، وأمّا يسر التكاليف والفرائض الإسلامية، فالكلّ محدّد بإطار عدم الحرج والضرر وما لا يطاق. قال سبحانه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).(2)
وقال سبحانه: (لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها).(3)
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر ولا ضرار».(4)
فأين هذه التكاليف الحنيفية الميسورة والسهلة من الدعوة إلى العزوبة والرهبانية المبتدعة الّتي تضادّ فطرة الإنسان وتنتهي إلى انقطاع النسل؟ ومن التكاليف الشاقة التي تحفل بها الشرائع السابقة.

1 . الإخلاص:1ـ4.
2 . الحج:78.
3 . البقرة:286.
4 . مسند أحمد:5/326; الوسائل:17، الباب2 من إحياء الموات، الحديث5.

9

فالدخول في حظيرة الإسلام رهن الإيمان بأُصول بسيطة وواضحة، كما أنّ الفوز والنجاح رهن العمل بأحكامه الميسورة.

نجاح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته

لقد حالف التوفيق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته الرسالية حيث ضرب الإسلام ـ غبّ دعوته ـ بجرانه في أكثر الربوع العامرة في مدّة قليلة حتّى دخل الناس في دين اللّه زرافات ووحداناً، وإنّ من أبرز أسباب نجاحه هو دعوته إلى عقيدة واضحة المعالم، وتكليف مرفق باليُسر.
نعم لم يكن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) متساهلاً في قبول الإيمان، ولا متشدّداً فيه.
أمّا أنّه لم يكن متساهلاً في قبول الإيمان فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قَبِلَ إسلام قوم ـ عندما أسلموا بلسانهم ـ لكن رفض إدّعاء إيمانهم، إذ كان لعقاً على ألسنتهم، وقد اطّلع على واقع اعتناقهم عن طريق الوحي، فلمّا وفدوا إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا آمنا، أمره اللّه سبحانه أن يجيبهم بقوله: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيَعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(1)
وقد كان حزب النفاق من أبرز المنتمين إلى هذه الطائفة حيث كانوا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فلذلك اشتهروا بالنفاق ولم يكن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يعتمد عليهم، ولذا رفض التساهل في قبول الإيمان، وإدخال من لم يكن مؤمناً في حظيرة الإيمان. وقد أماط سبحانه الستر عن كثير من نيّاتهم وفِتَنهم وتخطيطاتهم في ضرب الإسلام.

1 . الحجرات:14.

10

وكما أنّه لم يكن متساهلاً، لم يكن أيضاً متطرفاً متشدّداً في قبول الإيمان، فإذا دلّت الأمارات على أنّ الرجل آمن بلسانه وقلبه، ونبذ عبادة الأصنام وآمن بنبوته وشريعته وحشره يوم القيامة، قَبِلَ إيمانَه وأدخله مدخل المؤمنين، وأثبت له من الحقوق ما للآخرين دون أن يسأله وراء الأُصول الثلاثة: «التوحيد والنبوّة والمعاد» عن أعرافه وعاداته وتقاليده القومية التي تختلف حسب البيئات والظروف المختلفة.
فقد ندّد سبحانه بالسَّريّة الّتي بعثها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لغاية من الغايات فالتقت برجل صاحب أموال وثروة فحسبوه كافراً، فأرادوا قتله، فتكلّم هو بما يدلّ على إسلامه كإلقاء تحية الإسلام إليهم أو النطق بالشهادة ونحوها، فاعتبرها بعضهم مجرّد كلمات يدفع بها عن نفسه القتل، فعمدوا إلى قتله، ولمّا وصل الخبر إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) شقّ ذلك عليه، وأنّب القاتل فقالوا له: إنّما تعوّذ بها من القتل، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للقاتل:«هلاّ شققت قلبه؟» و قد نزل في ذلك قوله سبحانه: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَة كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً).(1)
قال ابن كثير: روى الإمام أحمد عن ابن عباس، قال: مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يرعى غنماً له فسلّم عليهم، فقالوا: لا يسلّم علينا إلاّ ليتعوّذ منّا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فنزلت هذه الآية: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا...) إلى آخرها.(2)

1 . النساء:94.
2 . تفسير ابن كثير:2/363.

11

وحصيلة الآية: أنّ من أظهر الإسلام ولم يدلّ على أنّه آمن بلسانه دون قلبه، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، خصوصاً فيما يرجع إلى حقن الدماء وحفظ الأموال.
ثمّ إنّه سبحانه نقض منطق القاتل ـ إنّما تعوّذ بهذه الكلمة لينجو من القتل ـ بمنطق العقل والوجدان، فقال: (كذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ) أي قد كنتم من قبل في هذه الحالة كهذا الّذي يُسرّ إيمانه ويُخفيه من قومه، أو انّكم كنتم مشركين من قبل، ثمّ دخلتم الإسلام بنفس الكلمة الّتي نطق بها، وبها حُقنت دماؤكم وأموالكم، فكان عليكم أن تقبلوا من القتيل ما قبله النبيّ منكم.
والآية تدلّ على حكمين شرعيّين:
1. وجوب التثبّت في كلّ شيء خاصّة فيما يرجع إلى الدماء والأموال.
2. إنّ كلّ من أظهر الإسلام ونطق بالشهادتين فحكمه حكم المسلمين ما لم يدلّ دليل على نفاقه.
وهذا هو موضوع مقالنا وتحقيق القول في الموضوع يأتي ضمن أُمور:

12

1

ثقافة التساهل

لقد شاعت ثقافة التساهل بين الساسة الغربيّين والمثقّفين في الشرق، حيث استخدموا هذه الكلمة في مجالات مختلفة أعمّ من الدين والفلسفة والأخلاق والحقوق والسياسة، ونحن نركّز في المقام على خصوص التساهل الديني أو «البيلوراليزم الديني» حسب مصطلح الغربيين، ونفسّره بوجهين:

1. التساهل السلوكي

قد يطلق التساهل ويراد به الخضوع للتعدّدية الدينية وقبولها في صعيد الحياة مع الناس والأخذ بالمشترك الأصيل بين الشرائع السماوية الّذي لا يختلف فيه اثنان من أتباعها، والغمض عن الاختلاف في غيره، أخذاً بقوله سبحانه: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(1) وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ).(2)

1 . الكافرون:6.
2 . آل عمران:64.

13

والتساهل بهذا المعنى ركيزة التعايش الاجتماعي وأساسه، في مجتمع استولت عليه الثقافات المختلفة، والأفكار المتنوّعة.
وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقرُ لهم بذاكا
فليس للإنسان الراغب في الحياة إلاّ الغمض عن نقاط الافتراق، والتركيز على المشتركات لتدور رحى الحياة لصالح الجميع، مثلاً أصحاب الديانات المختلفة في شبه القارة الهنديّة الّتي هي أشبه بـ «متحف المذاهب» لا محيص لهم من الأخذ بالتعدّدية الدينية حسب التفسير السلوكي، حتّى يعيش أتباع الديانات المختلفة جنباً إلى جنب حياة سِلْميّة، ويتحمّل بعضهم البعض الآخر، فتكون النتيجة هو تقليل التعصّب الديني بالمعنى السلبي بين أتباع الديانات الأُخرى وإيجاد التعاون والتفاهم على طريق تحقيق العدالة الاجتماعية، وإقامة الصلح ونشر الصفاء بين المواطنين.
فالتساهل السلوكي لا يضاد مبادئ الإسلام وأُسسه.
واعترافه بأتباع الشرائع السماوية كاليهودية والنصرانية والمجوسية آية قبول التسالم السلوكي، مالم يت آمروا على مصالح المسلمين وأهدافهم العالية.
وقد اعترف الفقه الإسلامي بحقوقهم، ففيه فصول تعكس تعاطف الإسلام مع أتباع هذه الشرائع، نذكر على سبيل المثال:
عندما كان الإمام علي(عليه السلام) يتجوّل في شوارع المدينة رأى رجلاً أعمى يستعطي الناس، فسأل:«ما هذا؟» فقيل: رجل نصراني، فأجاب الإمام: «عجباً، استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه! اصرفوا عليه من بيت اللّه لتصونوا وجهه».(1)

1 . الوسائل:11/49، الباب19 من أبواب الجهاد، الحديث1.

14

إنّ الحياة السليمة لا تختص بأهل الكتاب، بل جوّز القرآن ذلك التعامل مع المشركين أيضاً، شريطة عدم اشتراكهم في حرب ضدّ المسلمين، وعندئذ يجب معاملتهم بالحسنى والعدل والقسط، لأنّ اللّه يحبّ المقسطين.
وهذا السلوك لا ينطوي على شيء من النفاق، وإنّما هو من صميم الدين الإسلامي، بل كان هذا أحد الأسباب المشجِّعة على اعتناق الإسلام. وليس في هذا الشأن أجمل من كلام الإمام علي(عليه السلام) وهو يخاطب واليه على مصر، إذ يقول: «وأشعِر قلبكَ الرحمةَ للرعية والمحبةَ لهم، واللطف بهم، ولا تكون عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فانّهم صنفان:
]أ.[ إمّا أخ لك في الدين.
]ب.[ أو نظير لك في الخلق».(1)
نعم التساهل بهذا المعنى، لا يعني توفر السعادة الأُخروية للناس في جميع الأعصار ومن أتباع أيِّ دين، فالتساهل الديني بهذا المعنى ـ و إن صدر عن بعض الكُتّاب ـ تفسير خاطئ يناقض القرآن الكريم الذي يرى الفوز والسعادة والإيمان بما نزل على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، والعمل به، يقول سبحانه: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدُوا)(2)، وقد أوضحنا التساهل الديني بهذا المعنى في كتابنا «مفاهيم القرآن» وفنّدنا أدلّة اتباع تلك الفكرة في الأوساط الإسلامية.(3)

1 . نهج البلاغة، قسم الكتب، الكتاب 53.
2 . البقرة:137.
3 . مفاهيم القرآن:3/200ـ 214.

15

2. التساهل العملي

التساهل العملي عبارة عن فكرة الإرجاء، بمعنى الاكتفاء في فوز الإنسان بالسعادة الأُخروية ودخوله في حظيرة الإيمان، بالإقرار باللسان والإيمان بالقلب، وإن اقترف المعاصي، وترك الفرائض، فهؤلاء هم القائلون بالإرجاء، والمعروفون بالمرجئة.
وفي هذا النوع من التساهل ـ لو صحّت نسبته إلى المرجئة ـ خطر على أخلاق المجتمع، ولو ساد لم يبق من الإسلام إلاّ رسمه ومن الدين إلاّ اسمه، ويكون المتظاهر بهذه الفكرة كافراً حقيقة، اتّخذ هذه الفكرة واجهة لما يكنّ في ضميره.
ولقد شعر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بخطورة الموقف،وعلموا بأنّ إشاعة هذه الفكرة عند المسلمين عامّة، والشيعة خاصّة، سترجعهم إلى الجاهليّة، فقاموا بتحذير الشيعة وأولادهم من خطر المرجئة فقالوا:
«بادِرُوا أولادَكُم بالحديثِ قبلَ أن يَسبقكُم إليهم المرجِئَةُ».(1)
وحصيلة الكلام : انّ فكرة الإرجاء وإن كانت تضرّ بالمجتمع عامّة. ولكن الإمام خصّ منه الشباب لكونهم سريعي التقبّل لهذه الفكرة، لما فيها من إعطاء الضوء الأخضر لهم لاقتراف الذنوب والانحلال الأخلاقي والانكباب على الشهوات مع كونهم مؤمنين.
ولو صحّ ما تدّعيه المرجئة من الإيمان والمعرفة القلبيّة، والمحبّة لإله العالم، لوجب أن تكون لتلك المحبّة القلبيّة مظاهر في الحياة، فإنّها رائدة

1 . الكافي:6/47، الحديث5.

16

الإنسان وراسمة حياته، والإنسان أسير الحبّ وسجين العشق، فلو كان عارفاً باللّه، محبّاً له، لاتّبع أوامره ونواهيه، وتجنّب ما يُسخطه وعمل بما يرضيه، فما معنى هذه المحبّة للخالق الّتي ليس لها أثر في حياة المحبّ؟!
ولقد وردت الإشارة إلى التأثير الذي يتركه الحبّ والودّ في نفس المحبّ في كلام الإمام الصادق(عليه السلام) حيث قال:«ما أحبّ اللّه عزّ وجلّ من عصاه» ثمّ تمثّل وقال:
تعصي الإله وأنت تظهر حبـّه *** هـذا محالٌ في الفعـال بديـع
لو كان حبّك صـادقاً لأطعتـه *** إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع(1)

1 . سفينة البحار:1/199، مادة «حبّ».

17

2

ثقافة التكفير

إذا كان التساهل يطلق ويراد به تارة التساهل السلوكي، وأُخرى الانحلال الأخلاقي. والأوّل منهما أساس الحياة الاجتماعية، والثاني دعامة المادية المحضة، فهكذا التكفير، يطلق ويراد به أحد الأمرين:

1. إنكار دعائم الإيمان

للإيمان في الكتاب والسنّة دعائم ثلاث، قامت عليها خيمة الإيمان وعرشه، ألا وهي:
1. الإيمان بتوحيده سبحانه، وانّه واحد لا ثاني له، ولا مدبِّر غيره، ولا معبود سواه.
2. إنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) رسول اللّه وخاتم النبيّين، لا نبي بعده، وإنّ كتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع.
3. إنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وانّ اللّه يبعث من في القبور.
هذه هي الأُصول الثلاثة التي تدور عليه رحى الإيمان، فمن اعتنقها فهو مؤمن، ومن أنكرها فهو كافر.

18

فمن أنكر هذه الأُصول، أو واحداً منها، أو ثبت بالدليل إنكاره، فهو محكوم بالكفر، خارج عن ساحة الإيمان، فلو ولد من والدين مسلمين أو أحدهما مسلم، ومع ذلك رفضها أو رفض واحداً منها، فيحكم عليه بالكفر والارتداد، وللكافر والمرتد أحكام محرّرة في الكتاب والسنّة.
أمّا من شكّ فيها، تأثّراً بتيارات كلامية مناهضة للدين، ولكن بغير إنكار، بل مع محاولة جادّة لإزالة الشّك عن ضميره، فلا يحكم عليه بالكفر ولا بالارتداد.
فهذا النوع من التكفير ـ القائم على ثبوت إنكار الرجل دعائم الإيمان وأُسسه، باعترافه أو بدليل قاطع ـ ممّا ثبت بالكتاب والسنّة، قال سبحانه: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خالِدُونَ).(1)
وهذا هو القرآن الكريم، يحكي لنا اتّخاذ اليهود، الإيمان بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ الارتداد عنه في عصر الرسالة، ذريعة لإيجاد الريب والشكّ في قلوب البسطاء من الناس، قال سبحانه:(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).(2)
إنّ شيوع الارتداد بين المؤمنين، هو إحدى الأُمنيات الكبرى لأهل الكتاب، لأجل انّ الارتداد كما يضرّ بدين المرتد، يضر بالمجتمع الديني أيضاً، ويورث الفوضى في اعتناق الدين، ويزعزع الإيمان بالأُصول، وينبت العداء بين المسلمين، يقول سبحانه حاكياً عن أُمنية كثير من أهل الكتاب، في

1 . البقرة:217.
2 . آل عمران:72.

19

أن يروا ارتداد المسلمين على أعقابهم: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(1)
فتكفير من أنكر الأُصول ودعائم الإيمان، لا صلة له بالتشدّد والتطرّف، بل هو عمل بالكتاب والسنّة، وقد أطبق عليه فقهاء الإسلام وعلماؤه.
قال سبحانه:(إِنّما المؤمنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبيلِ اللّهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ).(2)
فالإيمان باللّه ورسوله، من دعائم الإيمان ولا ينفك الإيمان بالرسول، عن الإيمان بالحياة الأُخروية. فمن آمن بهذه الاصول فهو مؤمن بشرط أن لا يطرأ عليه الريب والشكّ دون أن يسعى في قلعه وإزالته.
وأمّا الجهاد الوارد في الآية فهو من علائم الإيمان وأماراته، فالتضحية بالنفس والنفيس آية الإذعان بالذي ضحّى من أجله، وأراق دمه في طريقه.
هذه هي نصوص الكتاب، أمّا كلمات المحقّقين فنذكر منها ما يلي:
1. قال أبو الحسن الأشعري(المتوفّـى324هـ): إنّ الإيمان هو التصديق للّه ولرسله في أخبارهم، ولا يكون هذا التصديق صحيحاً إلاّ بمعرفته والكفر هو التكذيب.(3)
2. قال القاضي الايجيّ(المتوفّـى 756هـ) : الكفر وهو خلاف الإيمان، فهو عندنا عدم تصديق الرسول في بعض ما علم بمجيئه به ضرورة.(4)

1 . البقرة:109.
2 . الحجرات:15.
3 . أُصول الدين لأبي منصور البغدادي:248.
4 . المواقف:388.

20

3. وقال سديد الدين الحمصي الرازي (المتوفّى حوالي 585هـ): وقد أجمعت الأُمّة على أنّ الإخلال بمعرفة اللّه تعالى وتوحيده وعدله، والإخلال بمعرفة رسوله، وبكلّ ما تجب معرفته ممّا يعدّ من أُصول الدين، كفر.(1)
4. وقال ابن ميثم البحراني (المتوفّى 699هـ): الكفر هو إنكار صدق الرسول، وإنكار شيء ممّا علم بمجيئه به بالضرورة.(2)
5. وقال الفاضل المقداد(المتوفّى 826هـ): الكفر اصطلاحاً إنكار ما علم ضرورة مجيء الرسول به.(3)
إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن أنّ منكر أحد الأُصول الثلاثة محكوم بالكفر أو الارتداد.
فاللازم على حكّام الإسلام وفقهاء المسلمين تصفية المجتمع الإسلامي من المرتدّين بعد السعي إلى هدايتهم وإزالة شبهاتهم وحلّ عُقَدِهم، مهما استغرق ذلك من الوقت، وكلّف من الثمن، وإلاّ فيحكم عليهم بما حكم به الكتاب والسنّة.

2. مسلسل التكفير بلا ملاك

فإذا كان ملاك الإيمان هو التصديق القلبي بالأُصول الثلاثة، وهي جامعة لكلّ ما يجب الاعتقاد به على وجه الإيجاز، فأبناء الطوائف الإسلامية الذين يؤمنون بها بجد وحماس،ويُقرّون بها باللسان، كلّهم مؤمنون وفي حظيرة الإيمان متبوّئون، فمن التطرّف تكفير طائفة لم يظهر منها إنكار أحد الأُصول وإن غلب عليها

1 . المنقذ من التقليد:2/161.
2 . قواعد المرام:171.
3 . ارشاد الطالبين:433.

21

الهوى فاقترفت معاصي أو تركت فرائض، دون أن تُنكر جزءاً من هيكل الشريعة الإسلامية.
نعم إنّ القول بإيمان هؤلاء المحكومين بهوى النفس، لا يعني عدم الاهتمام بالعمل، وأنّ مجرّد التصديق هو المنقذ من عذاب النار، بل يعني أنّ الّذي ينقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان ـ والّذي من آثاره حرمة دمه وعرضه وماله ـ هو التصديق القلبي المقترن بالإقرار باللسان إن أمكن أو بالإشارة إذا امتنع، وأمّا المنقذ من عذاب اللّه سبحانه، أو المُدخل إلى الجنة، فهو أمر آخر، مرهون بالعمل بالشريعة وترك المعاصي وأداء الفرائض.
ولذلك ترى أنّ الآيات تركّز على العمل بعد الإيمان نحو قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)(1)، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً).
وقال عزّ م(2)ن قائل:(وَالْعَصْرِ* إِنّ الإِنسانَ لَفِي خُسْر*إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).(3)
فللتصديق القلبي المظهر بالإقرار، أثر، وهو احترام دمه وعرضه وماله، وله ـ مقروناً بالعمل بالصالحات ـ أثر آخر، وهو الفوز بالسعادة الأُخروية.

مبدأ التطرّف في التكفير

ظهر التطرّف في أمر التكفير من الخوارج الذين كفّروا مرتكب الكبيرة وأخرجوه من ساحة الإيمان، وتشدّدوا إلى حد جعلوه مخلّداً في النار لخروجه عن

1 . البينة:7.
2 . طه:112.
3 . العصر:1ـ3.

22

ربقة الإيمان، إلاّ أن يتوب.
وتلتهم المعتزلة، الذين جعلوا لمرتكب الكبيرة منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، ولكنّهم اقتفوا أثر الخوارج فجعلوه مخلداً في النار إذا مات بلا توبة، وحُرم من شفاعة الشفعاء.
إنّ المسلمين اليوم بأمسّ الحاجة إلى توحيد الكلمة ورصّ الصفوف، والابتعاد عن كلّ ما يُفرّق جمعهم. ويشتّتُ كلمتهم. ولو جعلنا هذه الفوارق وما شابهها ممّا يوجب خروج هذه الجماعة من الإسلام لتمزّقت وحدة الأُمّة، وسهل حينئذ ابتلاعها جميعاً من قبل أعداء الإسلام المتربّصين الطامعين.
ونحن نأسف لما مضى من إقدام أتباع بعض المذاهب الإسلامية على تكفير بعضها بعضاً من دون تورّع وتحرّج، فأهل الحديث والحنابلة يكفّرون المعتزلة، والمعتزلة يكفّرون أهل الحديث والحنابلة.
ثمّ لمّا ظهر الأشعري، وحاول إصلاح عقائد أهل الحديث والحنابلة، ثارت ثائرة تلك الطائفة ضدّه، فأخذ الحنابلة يكفّرون الأشاعرة، ويلعنونهم ويسبّونهم على صهوات المنابر.
فهذا هو تاج الدين السُّبكي يقول حول تكفير الحنابلة للأشاعـرة: هذه هي الفتنة التي طار شررها فملأ الآفاق وطال ضررها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق وعظم خطبُها وبلاؤها، وقام في سبّ أهل السُّنة(يريد بهم الأشاعرة) خطيبها وسفهاؤها، إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجمع، وتوظيف سبِّهم على المنابر، وصار لأبي الحسن الأشعري ـ كرّم اللّه وجهه ـ بها أُسوة بعليّ بن أبي طالب ـ كرّم اللّه وجهه ـ في زمن بعض بني أُميّة حيث استولت النواصب على المناصب، واستعلى أُولئك السفهاء في المجامع

23

والمراتب.(1)
كما نأسف لسريان هذه الحالة إلى مجال الفروع فإذا بأصحاب المذاهب الفقهية الأربعة تختلف وتتشاحن وتتنازع، ونجمت عن ذلك فتنٌ كثيرة دامية بينها.
فقد وقعت فتنة بين الحنفية والشافعية في نيسابور ذهب تحت هياجها خلقٌ كثير، وأُحرقت الأسواق والمدارس وكثُر القتل في الشافعية فانتصروا بعد ذلك على الحنفية وأسرفوا في أخذ الثأر منهم في سنة 554هـ، ووقعت حوادث وفتنٌ مشابهةٌ بين الشافعية والحنابلة واضطرت السلطات إلى التدخّل بالقوّة لحسم النزاع في سنة 716هـ وكثر القتلُ وحرق المساكن والأسواق في أصبهان، ووقعت حوادثُ مشابهة بين أصحاب هذه المذاهب وأتباعها في بغداد ودمشق وذهب كلُّ واحد منها إلى تكفير الآخر. فهذا يقول: من لم يكن حنبليّاً فليس بمسلم، وذاك يغري الجهلة بالطرف الآخر فتقع منهم الإساءة على العلماء والفضلاء منهم وتقع الجرائم الفظيعة.(2)
يا للّه ولهذه الدماء المراقة، والأعراض المهتوكة والأموال المنهوبة وقد صارت ضحيّة التعصّب الممقوت والجهل المطبق بالشريعة السمحة السهلة، والحنيفية البيضاء.
لم يكن الشافعي ولا أحمد مختلفين في الأُصول وأركان الدين ودعائمه بل كانا متعاطفين، وقد تبرّك أحمد بشرب الماء الّذي غُسِلَ فيه قميص الشافعي، وفي

1 . طبقات الشافعية:3/391.
2 . راجع: البداية والنهاية لابن كثير:14/76; مرآة الجنان:3/343; الكامل لابن الأثير:8/229; تذكرة الحفّاظ:3/375; طبقات الشافعية:3/109، وغيرها. ولاحظ الإمام الصادق(عليه السلام) لأسد حيدر، فقد أشبع المقال في هذا المجال.

24

قاموس الدهر أن يرث المأموم ما ورّثه إمامه، فلو كان بينهما اختلاف فإنّما كان في الفروع ولم تزل الأُمّة مختلفة فيها بعد غروب شمس الدين ومصباحه وكلّ مأجور في فتياه إذا كانت جامعة للشرائط.
يقول محمد صالح العثيمين:
«لقد جرى في سنة من السنين مسألة في «منى » على يدي ويد بعض الإخوان، وقد تكون غريبة عليكم، حيث جيء بطائفتين، وكلّ طائفة من ثلاثة أو أربعة رجال ، وكلّ و احدة تتّهم الأُخرى بالكفر واللعن ـ وهم حُجّاج ـ و خبر ذلك أنّ إحدى الطائفتين، قالت: إنّ الأُخرى إذا قامت تصلّي وضعت اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر، وهذا كفر بالسنّة، حيث إنّ السنّة عند هذه الطائفة، إرسال اليدين على الفخذين; والطائفة الأُخرى تقول: إنّ إرسال اليدين على الفخذين دون أن يجعل اليمنى على اليسرى، كفر مبيح للّعن، وكان النزاع بينهم شديداً.
ثمّ يقول: فانظر كيف لعب الشيطان بهم في هذه المسألة التي اختلفوا فيها، حتّى بلغ أن كفّر بعضهم بعضاً بسببها التي هي سنّة من السُّنن، فليست من أركان الإسلام، ولا من فرائضه، ولا من واجباته، غاية ما هنالك إنّ بعض العلماء يرى أنّ وضع اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر هو السنّة وآخرين من أهل العلم يقولون: إنّ السنة هو الإرسال، مع أنّ الصواب الذي دلّت عليه السنّة هو وضع اليد اليمنى على الذراع اليسرى».(1)
أقول: لا أظنّ أنّ الشباب أو غيرهم ـ الذين يتنازعون في مسألة القبض

1 . محمد بن صالح العثيمين: دروس وفتاوى في الحرم المكّي:26.

25

ونظائرها حتّى كادوا أن يقتتلوا ـ مقصّرون، وإنّما يرجع التقصير إلى خطباء القوم وعلمائهم، فانّ خطيب كلّ مذهب يثني على إمام مذهبه إلى درجة يُصوّر فيها انّ الحقّ يدور على قوله وفعله، وبالتالي عندما يبرز الخلاف في الفتوى، فأتباع كلّ إمام يتّهم الآخر بالانحراف عن الحقّ، وربّما ينتهي الأمر إلى ما لا تحمد عقباه.
فالشافعي وابن حنبل وعامّة أئمّة المذاهب، كلّهم خرّيجو مدرسة الكتاب والسنّة الّتي تدعو إلى الاعتصام بحبل اللّه والتحرّز عن الجدال والتفرقة.
يقول تعالى شأنه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً).(1)
ويقول سبحانه: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ).(2)
موقف النبي من تكفير المسلم
لقد حذر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المؤمنين من تكفير بعضهم بعضاً، ونحن نعكس في هذه الصفحات بعض ما أُثر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم):
1. بني الإسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وانّ محمّداً رسول اللّه، والإقرار بما جاء من عند اللّه، والجهاد ماض منذ بعث رسله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين... فلا تكفّروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك».(3)
2. أخرج أبو داود عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً، فإن كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر».(4)

1 . آل عمران:103.
2 . آل عمران:105.
3 . كنز العمال:1/29، برقم 30.
4 . سنن أبي داود:4/221، برقم 4687، كتاب السنّة.

26

3. أخرج مسلم، عن نافع، عن ابن عمر، انّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما».(1)
4. أخرج مسلم، عن عبد اللّه بن دينار، أنّه سمع ابن عمر، يقول: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلاّ رجعت عليه».(2)
5. عقد البخاري باباً باسم «المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلاّ بالشرك»، يقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّك امرؤ فيك جاهلية، وقول اللّه تعالى: (إِنَّ اللّهَ لا يَغفرُ أَنْ يُشركَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)(3).(4)
6. أخرج الترمذي في سننه عن ثابت بن الضحاك، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ليس على العبد نذر فيما لا يملك، ولاعن المؤمن كقاتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله».(5)
7. أخرج أبو داود عن أُسامة بن زيد قال: بعثنا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سرية إلى الحرقات، فنذروا بنا فهربوا، فأدركنا رجلاً فلمّا غشيناه قال: لا إله إلاّ اللّه، فضربناه حتى قتلناه، فذكرته للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «من لك بلا إله إلاّ اللّه يوم القيامة؟» قال: قلت: يا رسول اللّه، إنّما قالها مخافة السلاح والقتل، فقال: «أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إله إلاّ اللّه يوم القيامة؟» قال:

1 . صحيح مسلم:1/56، باب «من قال لأخيه المسلم يا كافر» من كتاب الإيمان.
2 . صحيح مسلم:1/57، باب «من قال لأخيه المسلم يا كافر» من كتاب الإيمان، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده:2/22و 60 و142; وأخرجه الترمذي في سننه:5/22 برقم 2637، كتاب الإيمان.
3 . النساء:48.
4 . صحيح البخاري:1/11، باب «المعاصي من أمر الجاهلية» من كتاب الإيمان.
5 . سنن الترمذي:5/22، برقم 2636، كتاب الإيمان.

27

فمازال يقولها حتى وددت انّي لم أسلم إلاّ يومئذ.(1)
8. لما خاطب ذو الخويصرة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: اعدل، ثارت ثورة من كان في المجلس، منهم خالد بن الوليد قال: يا رسول اللّه ألا أضرب عنقه؟ فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا، فلعلّه يكون يصلّي» فقال: إنّه رب مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي لم أُؤمر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم».(2)
وعلى ضوء هذه الأحاديث المتضافرة والكلمات المضيئة المرويّة عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يعلم أنّ تكفير المسلم ليس بالأمر الهيّن، بل هو من الموبقات.
إجابة عن شبهة
إنّ هؤلاء المكفّرين ـ المتطرّفين عندنا ـ ربّما يشتبه عليهم الأمر ويقولون: إنّ الكتاب وإن أمر بالاعتصام بحبل اللّه ونهى التفرقة، والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وإن حذّر من التكفير، لكن مصب الآيات أو موضوع الروايات، هم المسلمون والمؤمنون، وهؤلاء الذين نكفِّرهم أو نغتالهم، ونقتلهم وننهب أموالهم، ليسوا منهم، فتُستحل دماؤهم وأعراضهم وأموالهم؟
هذه الشبهة الّتي تدرّعوا بها في سفك الدماء، محجوجة بكلام الرسول ولا شيء في المقام أحسم وأقطع منه، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعتبر في وصف الرجل بالإسلام والإيمان سوى الإيمان بالأُصول الثلاثة، وهذه هي كلماته:
1. أخرج البخاري ومسلم في باب فضائل علي(عليه السلام) أنّه قال رسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يوم

1 . سنن أبي داود:3/45برقم 2643; صحيح البخاري:5/144، باب بعث النبي أُسامة بن زيد إلى الحرقات من كتاب المغازي.
2 . صحيح البخاري:5/164، باب بعث علي وخالد بن الوليد من كتاب المغازي.

28

خيبر: «لأُعطينّ هذه الراية رجلاً يحبّ اللّه ورسوله يفتح اللّه على يديه».
قال عمر بن الخطاب: ما أحببتُ الأمارة إلاّ يومئذ، قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى لها، قال فدعا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها، وقال: «إمشِ ولا تلتفت حتّى يفتح اللّه عليك» فسار «عليٌّ» شيئاً ثمّ وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول اللّه على ماذا أُقاتل الناس؟
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «قاتِلهُمْ حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك فقد مُنِعُوا منك دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه».(1)
2. روى الشافعيّ في كتاب «الأُمّ» عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«لا أزال أُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ اللّه، فإذا قالوا لا إله إلاّ اللّه فقد عصموا منّي دماءَهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه».
قال الشافعي: فأعلمَ رسول اللّه أن فرض اللّه أن يقاتلهم حتّى يُظهروا أن لا إله إلاّ اللّه فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، يعني إلاّ بما يحكمُ اللّه عليهم فيها وحسابهم على اللّه بصدقهم وكذبهم وسرائرهم، اللّهُ العالم بسرائرهم، المتولّي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكّام خلقه، وبذلك مضت أحكام رسول اللّه فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، وأعلمهم أنّ جميع أحكامه على ما يظهرون وأنّ اللّه يدين بالسرائر.(2)
3. روى الجزريّ في «جامع الأُصول» عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من شهد أن لا إله إلاّ اللّه، واستقبل قبلتنا، وصلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلمُ، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم».(3)

1 . صحيح البخاري:2، مناقب عليّ(عليه السلام); صحيح مسلم:ج6 باب فضائل علي(عليه السلام).
2 . الأُمّ: 7/296ـ 297.
3 . جامع الأُصول:1/158ـ 159.

29

وقال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) روى أنس قال: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، فإذا شهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلُّوا صلاتنا، حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها».
كلّ هذه الأحاديث تصرّح بأنّ ما تُحقَن به الدماء وتُصان به الأعراض ويدخل به الإنسان في عداد المسلمين هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول، فإذا كان هذا هو ملاك الدخول في الإسلام، فقد حفظ اللّه للمقرّين بها، أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وحرم انتهاكها، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة حجة الوداع:
«إنّ اللّهحرم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة شهركم هذا».(1)

موقف علماء الإسلام من تكفير المسلم

وقد تشدّد علماء الإسلام في تكفير المسلم ونهوا عنه بقوّة، وبالغوا في النهي عنه.
قال ابن حزم حيث تكلّم فيمن يكفّر ولا يكفر(2): وذهبت طائفة إلى أنّه لا يكفَّر ولا يفسَّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فُتيا، وأنّ كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحقّ فإنّه مأجورٌ على كلّ حال، إن أصابَ فأجران، وإن أخطأ فأجرٌ واحدٌ.
(قال): وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي، وهو قول كلّ من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة (رض) لا

1 . السيرة النبوية:2/605. والمذكور في السيرة، يختلف مع ما في سائر الجوامع الحديثية بشيء يسير.
2 . الفصل بين الأهواء والملل والنحل:3/247.

30

نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين السُّبكي: إنّ الإقدام على تكفير المؤمنين عَسِر جداً، وكلُّ من كان في قلبه إيمان يستعظم القولَ بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، فإنّ التكفير أمرٌ هائل عظيم الخطر(إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتفظيع خطره).(1)
وكان أحمد بن زاهر السرخسي(وهو أجل أصحاب الإمام أبي الحسن الأشعري) يقول: لمّا حَضَرتِ الشيخ أبا الحسن الأشعري الوفاةُ بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتُهُم له فقال: إشهَدوا عليّ أنّني لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب، لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد، والإسلام يشملهم ويعمّهم.(2)
وقال القاضي عبد الرحمان الإيجيّ: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة ـ واستدلّ قائلاً ـ : إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة ـ من كون اللّه تعالى عالماً بعلم، أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها ـ لم يبحث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام.(3)
وقال السيد محمّد رشيد رضا: إنّ من أعظم ما بُليَت به الفرق الإسلامية رميَ بعضهم بعضاً بالفسق والكفر مع أنّ قصد الكلّ الوصول إلى الحقّ بما بذلوا جهدهم لتأييده، واعتقاده والدعوة إليه، فالمجتهد وإن أخطأ معذور....(4)

1 . اليواقيت والجواهر:58.
2 . اليواقيت والجواهر:58.
3 . المواقف:393، طبعة القاهرة، مكتبة المتنبي، لاحظ ذيل كلامه ترى أنّه يستدلّ على أنّه لا يجوز تكفير أية فرقة من الفرق الإسلامية إذا اتّفقوا على أصل التوحيد والرسالة.
4 . تفسير المنار:17/44.

31

3

التكفير والمسائل الكلامية الخلافية

المسائل العقائدية على قسمين:
الف. ما اتّفق فيها المسلمون على رأي واحد، فإنكارها يوجب الكفر، ويناقض الاعتقاد برسالة الرسول، كرسالة النبي وخاتميته.
ب. ما اختلف فيها المسلمون. ونحن نركّز الكلام على القسم الثاني ونأتي ببعض الأمثلة.

1. رؤية اللّه في الآخرة

إنّ رؤية اللّه يوم القيامة، من المسائل الخلافية بين علماء الإسلام ومفسّري القرآن، فهم بين مثبت وناف، ونحن لا نخوض في الموضوع، إنّما نركّز على أنّ إنكار رؤية اللّه يوم القيامة لا يلازم إنكار ما جاء به النبي، إذ لم يثبت انّها ممّا جاء به النبي بضرورة من الدين وإن كان المثبت يستدلّ عليها بآية قرآنية نظير: (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ)(1)، لأنّ الثاني أيضاً يستدلّ بآية أُخرى نحو: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ

1 . القيامة:23.

32

يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ).(1)
نحن نأسف على الجواب الّذي صدر من مفتي السعودية السابق: عبد العزيز بن باز المؤرخ بـ 8/3/1407هـ رقم 717/2 على السؤال الّذي وجّه إليه حول الائتمام بمن ينكر الرؤية يوم القيامة، أي رؤية اللّه جلّ وعلا من قبل أهل الجنة.
فنَقَل عن عدّة منهم بأنّه كافر، منهم: ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم، فقال الأوّل: والذي عليه جمهور السلف أنّ من جَحَدَ رؤية اللّه في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممّن لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّف ذلك كما يُعرَّف مَن لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصرّ على الجحود بعد بلوغ العلم فهو كافر.
إنّ هذه الفتوى تضادّ ما تضافر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّ أركان الإسلام عبارة عن التوحيد والإقرار بالرسالة وغيرهما ممّا مضى ذكره، فهل كان النبيّ يفرض على من يعترف بالشهادتين، الاعتقاد برؤية اللّه؟!
إنّ الرؤية مسألةٌ اجتهاديةٌ تضاربت فيها أقوال المفسّرين، ومن نفى الرؤية فإنّما اجتهد في النصوص التي زعم القائل دلالتها عليها.
إنّ التكفير أمر خطير له من المضاعفات ما لا تحمد عقباه، ولا يصحح بأي مقياس، وهو بطبيعته يقتضي الحزم والتثبت، ولا أقلّ من دعوة المكفَّر كالنافي لرؤية اللّه يوم القيامة لإراءة دليله من الكتاب والسنّة، فلو كان ذلك مقنعاً للغير، أو على الأقلّ مقنعاً لنفس المستدل، فيجتنب عن تكفيره، إذ لا ملازمة عند النافي بين نفي الرؤية، وإنكار رسالته(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولعمر الحقّ انّ ما يعاني منه مجتمعنا اليوم من التطرّف والإرهاب والخوف،

1 . الأنعام:103.

33

بل تفجير المراكز والمؤسّسات المدنية، وقتل النفوس وحرق الأموال، ناجم عن هذا النوع من الفتيا، وقد ابتليت البلاد الإسلامية بهذا الشر بلا استثناء حتّى صارت الأراضي المقدسة هدفاً له، وأُعيد الحجر إلى ما جاء منه.

2. الاعتقاد بعلم الغيب للأنبياء والأولياء

كثيراً ما نرى المتطرّفين في التكفير، يكفّرون من أثبت علم الغيب لغيره سبحانه، بزعم أنّ هذه العقيدة تضاد قوله سبحانه: (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللّه).(1)
ولا أظنّ أنّ مسلماً واعياً يصف الأولياء بعلم الغيب بنفس المعنى الّذي يصف به اللّه سبحانه، فعلمه سبحانه بالغيب، نابع من ذاته، غير مكتسب و لا محدود; والآخر تعلّم من ذي علم مأخوذ من اللّه سبحانه، مكتسب محدد، وأين المعنى الأوّل من الآخر؟ وليس علم الأنبياء والأولياء بالغيب ـ بإذن اللّه سبحانه ـ في موارد خاصّة، إلاّ كعلم صاحب موسى بالأُمور الخفية الّتي تعلّمها من لدنه سبحانه، قال تعالى في وصفه: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبَادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً).(2)
ولأجل تحلّيه بهذا العلم اللّدني، طلب منه موسى(عليه السلام) أنْ يعلِّمه من ذاك العلم وقال له:(هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً).(3)
فالاعتقاد بهذا النوع من العلم بالمغيّبات، لا ينافي تخصيص علم الغيب باللّه سبحانه.

1 . النمل:65.
2 . الكهف:65.
3 . الكهف:66.

34

3. الاعتقاد بالقدرة الخارقة للعادة

الاعتقاد بكون الأولياء مصادر لأُمور خارقة للعادة، كنفس الاعتقاد، بعلمهم بالغيب،لا يستلزم كفراً وانكاراً لأصل من الأُصول الثلاثة، وذلك لأنّ غير اللّه سبحانه لا يملك لنفسه شيئاً، وأنّ ما يصدر منه من الأفعال، سواء أكانت عادية أو غيرها انّما هو بإقداره سبحانه عليها، ولولا إفاضة القدرة على العبد الّذي لا يملك شيئاً، لعجز عن أبسط الأعمال فضلاً عن الأُمور الخارقة للعادة.
فالاعتقاد بهذا النوع من المقدرة المفاضة من اللّه سبحانه لا ينافي التوحيد أبداً، لأنّ هنا قادراً بالذات وهو اللّه سبحانه، وقادراً بالغير (الإنسان)، فهو قادر بفضله وبإفاضة منه سبحانه.
هذا هو الذكر الحكيم يخبر عن مقدرة خارقة للعادة لبعض أصحاب سليمان. ويقول: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمينَ* قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ).(1)
هذه هي المقدرة الخارقة للعادة الّتي أثبتها سبحانه لعفريت من الجن، أثبتها بشكل أوسع إلى من كان عنده علم من الكتاب حيث استطاع أن يأتي بالعرش قبل أن يرتد إلى سليمان طرفُه، كما أشار سبحانه إلى هذه الحقيقة بقوله:
(قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي).(2)

1 . النمل:38ـ 39.
2 . النمل:40.

35

وقد شعر سليمان أنّ ذلك كلّه من فضل ربّه وكرمه، وحينئذ ندرك بما لاريب فيه أنّ تفضّل اللّه على بعض عباده بالكرامة لا ينافي كبرياءه سبحانه ولا ينازع توحّده بالملك.

4. الصفات الخبرية

لقد شغلت الصفات الخبرية الكثير من المحدّثين وبعض المتكلّمين، ككونه سبحانه مستوياً على العرش، وانّ له وجهاً، وعيناً، ويدين، فالتشاجر قائم على قدم وساق من القرن الثاني إلى يومنا هذا، حتّى أنّ الإمام الأشعري جعل الاعتقاد بها من عقائد أهل السنّة، فقال في رسالته الّتي كتبها في عقيدة أهل السنّة: من جملة قولنا....
وإنّ اللّه استوى على عرشه كما قال: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى).(1)
وإنّ له وجهاً بلا كيف، كما قال: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرامِ).(2)
وإنّ له يدين بلا كيف، كما قال سبحانه:(خَلَقْتُ بِيَدَيَّ).(3)
وإنّ له عيناً بلا كيف كما قال سبحانه:(تَجْري بِأَعْيُنِنَا)(4).(5)
ولسائل أن يسأل الشيخ الأشعري لماذا جعلتَ هذه البنود من عقائد أهل السنّة؟ فإن كان الملاك ورودها في القرآن الكريم، فقد ورد في القرآن أُمور كثيرة

1 . طه:5.
2 . الرحمن:27.
3 . ص:75.
4 . القمر:14.
5 . مقالات الإسلامين: 330 ـ 335.

36

حول موضوعات مختلفة، تصلح لأنْ تكون نواة للعقيدة فلماذا تركتها؟!
ثمّ هل كان النبي عند وفود الناس إليه، يسألهم عن عقيدتهم في الصفات الخبرية؟!
فالعقيدة الإسلامية عند الشيخ الأشعري بعدما تاب من الاعتزال والتحق بالحنابلة، عبارة عن عدّة أُصول، دام فيها الخلاف بين المحدّثين وأهل الفكر والوعي من الإسلاميين، ولولا الخلاف بينهم لما رأيت منها أثراً في كتابيه: الإبانة، ومقالات الإسلاميين، فكأنّ العقيدة الإسلامية عبارة عن عدة مسائل، تضاربت فيها الآراء والأفكار، فصار الخلاف نواة للعقيدة.«ما هكذا تورد يا سعد الإبل»!!

5. خلق القرآن وحدوثه

ومن أعظم الفتن الّتي ابتليت بها الأُمّة الإسلامية في أوائل القرن الثالث هو مسألة خلق القرآن وحدوثه، أو قدمه، وكان الأولى بمنهج أهل الحديث، عدم الخوض في هذا الموضوع، لأنّ مسلك أهل الحديث في اتّخاذ العقيدة في مسائل الدّين هو اقتفاء كتاب اللّه وسنّة رسوله، فما جاء فيها يؤخذ به، وما لم يجئ فيها يسكت عنه ولا يبحث فيه، ولأجل ذلك ، حرّم أهل الحديث علم الكلام ، ومنعوا البحث عن ما لم يرد في الكتاب والسنّة.
وعلى ضوء هذا كان اللازم على أهل الحديث السّكوت وعدم النّبس ببنت شفة في هذه المسألة، لأنّ البحث فيها حرام على أُصولهم، سواء أكان الموقف هو قدم القرآن أم حدوثه، لأنّه لم يرد فيه نصّ عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا عن أصحابه، ومع الأسف كان موقفهم ـ وفي طليعتهم أحمد بن حنبل ـ سلبياً وقاموا بتكفير المخالف.
يقول الإمام أحمد بن حنبل في كتاب «السنّة»: «والقرآن كلام اللّه ليس

37

بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهميّ كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام اللّه عزّ وجلّ ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام اللّه، فهو جهميّ، ومن لم يكفّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم».(1)
إنّ السّلفيين وحتّى أتباعهم في هذه الأيّام يتحرّجون من القول بأنّ اللّه ليس بجسم، قائلين بأنّه لم يرد فيه نصّ في الشّريعة، ولكن يتشدّقون بقدم القرآن وعدم حدوثه بلا اكتراث، سالفهم ولاحقهم حتّى جعلوه أصلاً يدور عليه إسلام المرء وكفره.
وأنا أُجلّ الإمام أحمد، من هذا التطرّف والتشدد الّذي أفضى به إلى تكفير من لم يكفّر هؤلاء القوم، ولعل الرسالة موضوعة على لسانه، كما عليه بعض أهل التحقيق.
ماذا يراد من قدم القرآن؟ فإن أُريد قدم علمه سبحانه فلا شكّ انّ علمه بما في القرآن قديم، وإن أُريد به قدم ما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين فلا شكّ أنّه حادث، وكيف يمكن أن يكون قديماً وهو فعله سبحانه، وكلّ ما سواه فهو حادث وإن أُريد من نفي كونه مخلوقاً انّه غير مختلق فهو حقّ لا غبار عليه، كيف والاختلاق تهمة ألصقها المشركون بالقرآن فقالوا: (مَا سَمِعْنَا بِهَذا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذا إِلاّ اخْتِلاقٌ).(2)
وكيف يعدّ القول بعدم حدوث القرآن أو حدوثه ملاكاً للإيمان والكفر مع أنّ محل النزاع غير واضح جدّاً؟!

1 . مقالات الإسلاميين:330ـ 335.
2 . كتاب السنّة:49.

38

هذه نماذج من المسائل الكلامية التي صارت ذريعة للمتطرّفين لئن يكفّروا مخالفيهم مع أنّها مسائل كلامية، لا صلة لها بالعقيدة التي يُسأل العبد عنها يوم الورود.
وهناك مسائل فقهية، تذرّعت بها المتطرّفة لتكفير من يخالفهم، وإليك عناوينها:

39

4

التكفير والمسائل الفقهية

ما عشت أراك الدهر عجباً، والعجب العجاب أن تصبح المسائل الفرعية محوراً للإيمان والكفر أو التوحيد والشرك،خصوصاً ما اختلفت فيها كلمة الفقهاء، فنرى أنّ المتخصّصين في توزيع الكفر والشرك والألقاب البذيئة، ينثرونها على مخالفيهم في المسائل الفقهية مرفقة بشيء من السب والشتم، كالدجل والخرف. أعاذنا اللّه وإيّاكم من التنابز بالألقاب وسباب المؤمن وشتمه.
لقد خفي على هؤلاء أو تجاهلوا حقيقة الأمر، فإنّ الإيمان والكفر لا يدور على المسائل الفرعية، بل على المسائل العقائدية، فالاختلاف في الفروع لا يورث كفراً ولا شركاً، فغاية ما يُقال في هذا الشأن، أن يوصف المخالف بالخطأ، والجهل بحكم اللّه الشرعي، ومع ذلك يكون القائل به معذوراً إلاّ إذا كان الحكم الشرعي من ضروريات الدين على نحو يكون إنكاره ملازماً لإنكار الرسالة، وهذا خارج عن محلّ البحث.
وها نحن نذكر رؤوس بعض المسائل الفقهية الّتي صارت ذريعة للرمي بالشرك:
1. زيارة القبور.

40

2. شدّ الرحال إلى زيارة القبور.
3. البناء على القبور.
4. بناء المسجد على القبور، والصلاة فيه.
5. الاحتفال بميلاد النبي.
6. البكاء على الميت.
7. التوسّل بالأنبياء بأقسامه.
8. التبرّك بآثار الأنبياء.
9. صيانة الآثار الإسلامية .
10. الاستغاثة بالنبيّ.
هذه المسائل كلّها مسائل فرعية عملية، ولكلّ من القائل بالجواز وعدمه دليله الذي يطرحه على صعيد النقاش العلمي كسائر المسائل الفقهية، وليس لواحد من الطرفين رمي الآخر بالشرك، وإنّما له نقد دليل المخالف وإرشاده إلى الحقّ المهيع، شأن عامة المسائل الفقهية الّتي لم تزل محلاً للخلاف بعد رحيل الرسول إلى يومنا هذا.
ونحن إذا طالعنا كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» للشيخ الجزيري، لرأينا فجوة الخلاف فيه متّسعة بين فقهاء المذاهب، ومع ذلك نجد آراء الجميع فيه محترمة.
ولا نريد هنا الخوض في هذه المسائل الفرعية لأنّنا أشبعنا الكلام فيها في محاضراتنا، وإنّما نودّ أن نسلّط بصيص ضوء عليها ليتاح للقارئ معرفة دليل القائل بالجواز.
Website Security Test