welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : معجم طبقات المتكلمين/ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

معجم طبقات المتكلمين/ج 2

1

معجم طبقات المتكلمين
يتضمّن ترجمة رجالات العلم والفكر
عبر أربعة عشر قرناً
الجزء الثاني
تأليف
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تقديم وإشراف
العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني

2


3


4


5

المقدمة بقلم آية الله جعفر السبحاني

الخبر الواحد في الشؤون الدينيّة

بين الرفض والقبول

بعث اللّه سبحانه نبيّه الخاتم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بدين مشرق يحتوي على أُصول يجب الاعتقاد بها وعقد القلب عليها، وأحكام عملية يطلب العمل بها، وتطبيق السلوك عليها في الحياة الفردية والاجتماعية، فكأنّ لفظ الإسلام شارة العقيدة والشريعة.
فالمطلوب من العقيدة هو الإذعان القلبي، كما أنّ المطلوب من الشريعة هو العمل، فكأنَّ الشريعة ثمرةُ العقيدة، وكل إنسان ينطلق في سلوكه من عقيدته وإيمانه.
والّذي يجب إلفات النظر إليه هو أنّ السلوك العملي وتطبيق الحياة على الحكم الشرعي ليس رهن الإذعان بصحة الحكم الشرعي، بل ربّما يعمل به الإنسان أو يتركه مع الشك والترديد في صحة حكم ما، بشهادة أنّ جميع الأحكام الفرعية ليست من القطعيات، بل هي بين مقطوع ومظنون بها، كما أنّ له تلك الحالة مع الظن بصحة الحكم دون اليقين بها، فالعمل والتطبيق في متناول الإنسان في أيّ وقت شاء، سواء أشك في صحة الحكم أو ظنّ بها أو قطع.
وأمّا العقيدة بمعنى عقد القلب على شيء وأنّه الحق تماماً دون غيره فتختلف عن الأحكام الفرعية، فهي رهن أُسس ومبادئ تقود الإنسان إلى الإذعان

6

على نحو لولاها لما حصلت له تلك الحالة وإن شاء وأصرّ على حصول اليقين.
فالعمل بالأحكام من مقولة الفعل وهو واقع تحت إرادة الإنسان، ربّما يعمل بما لا يجزم بصحته كما يعمل مع الجزم بها، ومثال ذلك أنّ أئمة المذاهب الفقهية مختلفون في الآراء والمصيب منهم واحد، ومع ذلك فأتباع كل إمام يعملون بفقهه مع علمهم بخطئه إجمالاً في بعض الآراء لعدم عصمته .
ولكن الإذعان من مقولة انفعال النفس بالمبادئ الّتي تؤثر في طروء هذه الحالة على صحيفتها، ولولا تلك المبادئ لماترى له أثراً في الذهن .
يقول سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ).(1) ماذا يريد اللّه سبحانه من هذه الجملة؟ هل يريد أنّ الدين لا يمكن أن يتعلّق به إكراه؟! لأنّه من شؤون القلب الخارجة عن القدرة، تماماً كالتصورات الذهنية، وانّما يتعلّق الإكراه بالأقوال والأفعال الّتي يمكن صدورها عن إرادة القائل والفاعل.(2)
يقول العلاّمة الطباطبائي: إنّ الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية الّتي تتبعها أُخرى عملية، يجمعها أنّها اعتقادات، والاعتقاد والإيمان من الأُمور القلبية الّتي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار، فإنّ الإكراه إنّما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادية.
وأمّا الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أُخرى قلبية من سنخ الاعتقاد والإدراك، ومن المحال أن ينتج الجهل علماً، أو تولّد المقدّمات غير العلمية تصديقاً علمياً .(3)
فما ادّعاه أعداء الإسلام من : «أن ّالإسلام قام بالسيف والقوة» ما هو إلا

1 . البقرة:256.
2 . تفسير الكاشف:1/396.
3 . الميزان:2/342.

7

ادّعاء فارغ يجانب العقل،لأنّ السيف لا يؤثر في العقيدة والإذعان وإن كان يؤثر في تطبيق العمل وفق الشريعة.
وعلى ضوء ذلك قال المحقّقون بحجية خبر الواحد العادل في الأحكام العمليّة دون الأُصول والعقائد، لأنّه لا يفيد العلم واليقين الّذي هو أساس العقيدة إلا إذا احتفّ بقرائن خارجية تورث العلم والجزم،وما هذا إلا لأنّ المطلوب في الأحكام هو العمل، وهو أمر اختياري يقوم به الإنسان حتّى في حالتي الشك والتردد في صحة الحكم.
وأمّا الأُصول والمعارف فالمطلوب فيها عقد القلب والإذعان على نحو يطرد الطرف النقيض بإحكام، والخبر الواحد بما هو هو ـ وإن كان الراوي ثقة خصوصاً إذا كان بعيداً عن مصدر الوحي ـ لا يورث إلا الظن، وهو لا يغني في مجال العقيدة عن الحق شيئاً.
فعلى ما ذكرنا فالخبر الواحد إذا كان راويه ثقة وسنده صحيحاً، فإنّه يوصف بالصحة، ولكن لا ملازمة بين صحة السند، وصحة المضمون، لأنّ أقل ما يمكن أن يقال في آحاد الثقات انّهم ليسوا بمعصومين، ويحتمل في حقّهم الخطأ والاشتباه في السمع والبصر والذاكرة، فكيف يفيد قولهم العلم بالصحة؟ ومع ذلك فالخبر الواحد حجة في الفرعيات الّتي لا تعدّ ولا تحصى، لأنّ فرض تحصيل العلم فيها يستلزم الحرج، وربّما لا يناله الفقيه، ولذلك اعتبره الفقهاء حجة من عهد الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلى يومنا هذا كما اعتبره العقلاء حجة في حياتهم الاجتماعية وسلوكهم الفردي.
وأمّا الأُصول والمعارف فهي رهن دليل قطعي حاسم يجلب اليقين ويخاصم الطرف المقابل.

8

نعم شذّ عن هذه القاعدة الّتي تؤيدها الفطرة والكتاب والسنّة جماعةٌ اغترّوا بروايات الآحاد فجعلوها أُسساً للعقائد والأُصول، يقول ابن عبد البرّ: ليس في الاعتقاد كلّه في صفات اللّه وأسمائه إلا ما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كلّه أو نحوه يسلم له، ولا يناظر فيه .
وقال أيضاً: وكلّهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، وعلى ذلك جماعة أهل السنّة .(1)
وجاء في شرح الكوكب المنير: ويعمل بآحاد الأحاديث في أُصول الديانات، وحكى ذلك ابن عبد البر إجماعاً.(2)
يقول ابن القيم: إنّ هذه الأخبار لو لم تفد اليقين، فإنّ الظن الغالب حاصل منها، ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها، كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها... ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنّة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنّه جوّز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن اللّه وأسمائه وصفاته....(3)
وقد نقل هذه النصوص مؤلف كتاب «موقف المتكلمين من الكتاب والسنّة» عن المصادر الّتي أشرنا اليها في الهامش واستنتج من هذه الكلمات ما يلي:
يرى أهل السنّة والجماعة الأخذ بكل حديث صحّ عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في العقائد،

1 . التمهيد:1/8.
2 . شرح الكوكب المنير:2/352 وانظر: لوامع الأنوار الإلهية:1/19.
3 . مختصر الصواعق2/412.

9

واعتقاد موجبه، سواء أكان متواتراً أم آحاداً، إذ إنّ كلّ ما صحّ عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وجب القطع به واعتقاده والعمل به، سواء أوصل إلى درجة التواتر أم لم يصل، وسواء أكان ذلك في الاعتقادات أم فيما يسمّى بالعمليات، أي: المسائل والأحكام الفقهية.
ـ إلى أن قال: ـ فمن أفاده الدليل العلم القاطع وجب عليه الأخذ به وتيقن دلالته، ومن أفاده الظن الغالب لم يجز له أن يترك هذا الظن الغالب لعجزه عن تمام اليقين.(1)
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يشبه بعضها بعضاً، ويدعو الكل إلى لزوم بناء العقيدة على العلم واليقين إنْ تيسّر ، وإلا فعلى الظن ولا يجوز ترك الظن الغالب، لعجزه عن اليقين.
أقول: إن هؤلاء ـ نوّر اللّه بصيرتهم ـ لم يفرّقوا بين الأحكام العملية والأُصول العقائدية، وقاسوا الثانية بالأُولى مع أنّ القياس مع الفارق، فالمطلوب في الأحكام هو العمل وهو يجتمع مع العلم والظن، ولكن المطلوب في الثانية هو عقد القلب والجزم ورفض الطرف المخالف، وهو لا يتولّد من الظن، فإنّ الظن لا يُذهب الشك، بخلاف اليقين فأنّه يطردهما معاً.
وتكليف الظان بموضوع، بالإذعان به وعقد القلب عليه تكليف بما لا يطاق، كتكليف الظان بطلوع الفجر، بالإذعان به.
ولو كان العمل بالظن في العقائد أمراً مطلوباً لما ندّد به القرآن الكريم في غيرواحد من الآيات. قال سبحانه: (إنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ)(2) ، وقال: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ

1 . موقف المتكلّمين:1/198.
2 . الأنعام:116.

10

شَيْئاً)(1) ، إلى غيرذلك من الآيات .

معطيات الخبر الواحد في العقائد

لو قمنا بتنظيم العقيدة الإسلامية على ضوء الخبر الواحد لجاءت العقيدة الإسلامية أشبه بعقائد المجسّمة والمشبّهة بل الزنادقة.
نفترض أن الخبر الواحد في العقيدة حجة إذا كان السند صحيحاً، فهل يصحّ لنا عقد القلب على ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال :

لاتُملأ النار حتّى يضع الرب رِجْلَه فيها

تحاجّت النار والجنّة فقالت النار: أُثرتُ بالمتكبّرين والمتجبّرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء النّاس وسقطهم وعجزهم، فقال اللّه للجنّة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أُعذب بك من أشاء من عبادي، ولكلّ واحدة ملؤها، فأمّا النّار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض .
ولنا على الحديث ملاحظات تجعله في مدحرة البطلان:
الأُولى: أي فضل للمتكبّرين والمتجبّرين حتى تفتخر بهم النار، ثُمّ ومن أين علمتْ الجنةُ بأنّ الفائزين بها من عجزة الناس مع أنّه سبحانه أعدّها للنبيّين والمرسلين والصدّيقين والشهداء والصالحين؟!
الثانية: ثمّ هل للجنة والنار عقل ومعرفة بمن حلّ فيهما من متجبّر ومتكبّر

1 . يونس:36.

11

أو ضعيف وساقط من الناس؟
الثالثة: انّه سبحانه قد أخبر بأنّه يملأ جهنم بالجِنّة والناس لا برجله تعالى، كما قال سبحانه: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعينَ)(1) ، وقال: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعينَ). (2)
وعلى ذلك فالموعود هو امتلاء جهنم بهما، وما هو المتحقّق إنّما هو امتلاء النار بوضع الرب رجله فيها، فما وُعد لم يتحقّق، وما تَحقّق لم يُعد.
الرابعة: هل للّه سبحانه رجل أكبر وأوسع حتى تمتلئ بها نار جهنم إلى حدّ يضيق الظرف عن المظروف فينادي بقوله: قط قط؟!
فالحديث أشبه بالأُسطورة، وقد صاغها الراوي في ثوب الحديث عن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فجنى به على الرسول وحديثه وسوّد صحائف كتب الحديث وصحيفة عمره ـ أعاذنا اللّه من الجهل المطبق، والهوى المغري ـ.
ولا يتصوّر القارئ أنّ ما ذكرناه حديث شاذ بين أخبار الآحاد، لا بل هناك أخبار كثيرة لو اعتمدنا عليها لجاءت العقيدة الإسلامية مهزلة للمستهزئين، فإن كنت في شك فلاحظ الحديث التالي:

نزول الرب كلّ ليلة إلى السماء الدنيا

أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي عبد اللّه الأغر وأبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة:
إنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا

1 . ص :85.
2 . هود:119.

12

حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأعطيه، ومَن يستغفرني فأغفر له. (1)
وفي الحديث تساؤلات:
أوّلاً: أنّ ربّنا هو الغفور الرحيم، وهو القائل عزّ من قائل:(فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم).(2)
والقائل تبارك وتعالى:(أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحيم).(3)
والقائل سبحانه:(قُلْ ياعِباديَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُالذُّنُوبَ جَميعاً).(4) إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن سعة رحمته لعموم مغفرته.
كما أنّه سبحانه وعد عباده بأنّه يستجيب دعاء من دعاه ويقول:(ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُم)(5)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قُرب المغفرة من المستغفرين، والإجابة من اللّه سبحانه للسائلين آناء الليل والنهار فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه الكريم في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا وندائه بقوله: « مَن يدعوني فاستجيب له».
ثانياً: تعالى ربّنا عن النزول والصعود والمجيء والذهاب والحركة والانتقال

1 . صحيح البخاري:8/71، باب الدعاء نصف الليل من كتاب الدعوات; وأخرجه مسلم في صحيحه:2/175، باب الترغيب في الدعاء من كتاب الصلاة عن أبي عبد اللّه الأغر وعن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن أبي هريرة.
2 . المائدة:39.
3 . المائدة:74.
4 . الزمر:53.
5 . غافر:60.

13

وسائر العوارض والحوادث، وقد صار هذا الحديث سبباً لذهاب الحشوية إلى التجسيم والسلفية إلى التشبيه، وإن كنت في شكّ فاستمع لكلام من أحيا تلك الطريقة بعد اندثارها وانطماسها، يقول الرّحالة ابن بطوطة في رحلته:
وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشام يتكلّم في فنون، إلا أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء. ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي، وقال: «إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا» وعدّد ما أُنكر على ابن تيمية، وأحضر الشهود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.
قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلا اللَّه، فأعاد عليه فأجاب عليه بمثل قوله: فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، وصنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سمّاه بـ «البحر المحيط».
ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنتُ إذ ذاك بدمشق، فحضرتُه يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ اللّه ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا،ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزاهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً. (1)

1 . ابن بطوطة: الرحلة:112، طبع دار الكتب العلمية .

14

نحن ومؤلّف «موقف المتكلّمين»

ألّف الشيخ سليمان بن صالح بن عبد العزيز الغصن كتاباً باسم «موقف المتكلّمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنّة، عرضاً ونقداً» في جزأين، وقدّمه إلى كلية أُصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في عام 1413 هـ ، لنيل درجة الدكتوراه في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، وقد حصل على مرتبة الشرف الأُولى.
وقد أدان ـ المؤلّف في خاتمة ذلك الكتاب ـ المتكلّمين بأُمور عديدة منها:
1. يرى المتكلمون أنّه لا يجوز الاستمساك بأخبار الآحاد في مسائل العقيدة بحجّة أنّها ظنيّة، ومسائل العقيدة مبناها على القطع، وقد تبيّن بطلان هذا الزعم وتناقضه ومخالفته لمنهج السلف. (1)
أقول: أراد الكاتب إدانة المتكلّمين المجاهدين في معرفة اللّه وصفاته، والذين وعد اللّه سبحانه أمثالهم بقوله:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)(2) ، ولكنّه في الوقت نفسه مدحهم من حيث لا يشعر، لاتّباعهم الذكر الحكيم في ترك الظن في الأُصول والعقائد ، وبالتالي ترك المنهج الذي نسبه إلى السلف، وإن كان قسم من السلف بريئاً من هذه الوصمة.
2. إنّ المتكلّمين غلوا في تعظيم العقل حتى جعلوه حاكماً على الشرع، ومقدّماً عليه عند التعارض، وحتى أوجب بعضهم على اللّه ـ بالعقل ـ أُموراً، ومنعوا عليه أُموراً أُخرى. (3)

1 . موقف المتكلّمين:2/918.
2 . العنكبوت:69.
3 . موقف المتكلّمين:2/919.

15

نلفت نظر الكاتب إلى أمرين :
1. انّ الوحي دليل قطعيّ، لا يتطرق إليه الخطأ والاشتباه، كما أنّ حكم العقل إذا استمدَّ حكمه من البرهان، مثله، أمر قطعي، فكيف يمكن أن يقع التعارض بين القطعيين؟! فما يُتراءى من صورة التعارض بين الوحي القرآني وما استنبطه العقل أو دلّت عليه التجربة فلا يخلو الحال من أحد أمرين:
1. إمّا أن يكون ما فهمناه من الشرع أمراً خاطئاً، دون أن يتطرّق الخطأ إلى نفس الشرع، أو يكون ما استفدناه من البرهان مغالطة، حدثت لقصور أو تقصير في المبادئ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في نقد الفروض العلمية الّتي ربّما يتصوّر كونها معارضة للقرآن.
نعم إذا كان المنسوب إلى الشرع أمراً ظنياً، غير قطعي، كأخبار الآحاد، فلو كان هناك تعارض بينه وبين العقل القاطع، فالمجال للثاني، لانعدام الظن بالقطع بخلافه .
2. إنّ الكاتب لم يفرّق بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي، فخلط أحدهما بالآخر، فأمّا الأوّل فهو كفر وزندقة، فأنّى للعبد تلك المولوية حتى يكلّف ربَّه بما حكم به عقله; وأمّا الثاني فهو نفس التوحيد، أعني: استكشاف الآثار من المؤثرات، فإذا وقف الباحث على أنّ من صفاته سبحانه كونه عدلاً حكيماً، فيستكشف من خلال هذه الصفات أنّه بريء من الظلم والقبح، وأنّه لا يأخذ البريء بذنب غيره، وبعبارة أُخرى: يستكشف وجود الملازمة بين كونه حكيماً عادلاً وبين أن يفعل كذا وأن لا يفعل كذا.
والحقّ أن ّ الكاتب أُميّ بالنسبة إلى منطق المتكلّمين ; فلو رجع إلى كتب المحققّين من المتكلّمين لعرف مقاصدهم، ولَما شنّ عليهم هذه الحملة العشواء.

16

وما ذكره من الإدانة ليس أمراً جديداً ابتكره الكاتب، وإنّما هو أمرٌ سبق إليه غير واحد من خصماء العقل وأعداء البرهان وإن كانوا يتظاهرون بالعقل والتفكير منهم الرازي ; قال: «لا يجب على اللّه تعالى شيء عندنا ،خلافاً للمعتزلة فإنّهم يوجبون اللطف والعوض والثواب، والبغداديون خاصة يوجبون العقاب ويوجبون الأصلح في الدنيا.
لنا:إنّ الحكم لا يثبت إلا بالشرع ، ولا حاكم على الشرع فلا يجب عليه شيء.
والإشكال بمعزل عن التحقيق ـ وأظن أنّ الرازي كان واقفاً على وضعه ـ وقد أجاب عنه المحقّق نصير الدين الطوسي وقال: ليس هذا الوجوب بمعنى الحكم الشرعيّ كما هو المصطلح عند الفقهاء، بل هذا الوجوب بمعنى كون الفعل بحيث يستحقّ تاركه الذمّ، كما أنّ القبيح بمعنى كون الفعل بحيث يستحق فاعله الذّم. والكلام فيه هو الكلام في الحسن والقبح بعينه، ويقولون: إنّ القادر العالم الغنيّ لا يترك الواجب ضرورةً. (1)
3. أبطل المتكلّمون دلالات كثير من النصوص الشرعية من خلال عدة طرق، كاتّباع المتشابه والقول بالمجاز والتأويل والتفويض . (2)
أقول: قد نسب الكاتب إلى المتكلّمين في هذه العبارة القصيرة أُموراً أهمها أمران:
1. تفويض المراد من الصفات الخبرية إلى اللّه سبحانه.
2. التأويل.

1 . النقد المحصّل:342.
2 . موقف المتكلّمين :2/919.

17

الأمر الأوّل: تفويض المراد من الصفات الخبرية إلى اللّه سبحانه

إنّ التفويض شعار مَن يرى أنّه يكفيه في النجاة قول رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» ،وعند ذاك يرى أن ّ التفويض أسلم من الإثبات الّذي ربّما ينتهي ـ عند الإفراط ـ إلى التشبيه والتجسيم المبغوض، أو إلى التعقيد واللغز الّذي لا يجتمع مع سمة سهولة العقيدة.
إنّ القائلين بالتفويض رأوا أنفسهم بين محذوريْن، فمن جانب أنّه سبحانه أثبت لنفسه هذه الصفات الخبرية ولابد من إثباتها عليه سبحانه بلا كلام، ومن جانب آخر أنّ إثباتها بما لها من المعاني الإفرادية والتصورية يُشرف الإنسان على التجسيم والتشبيه، فاختاروا طريقاً للتخلّص من المحذوريْن بتفويض معانيها إلى اللّه سبحانه مع الإيمان بمعانيها حسب ما أنزله سبحانه.
ولا يُعاب على الرجل إذا اختار طريق الاحتياط وجمع بين الواجب (الإيمان بصفات اللّه الخبرية) والتحرز عن مغبّة التشبيه والتجسيم.
وقد نقل نظير ذلك عن إمام السلفيّين أحمد بن حنبل يقول حنبل بن إسحاق: سألت أحمد بن حنبل: ألم ترو عن النبي  صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّ اللّه ينزل إلى السماء الدنيا؟ قال أحمد: نؤمن بها ونصدق ولا نرد شيئاً منها إذا كانت الأسانيد صحاحاً ـ إلى أن قال ـ : قلت: أنُزُوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا، ما لك وهذا، معنى الحديث على ما روي بلا كيف ولا حدّ.
(1)إنّ الاعتقاد بنزوله سبحانه بلا كيف وحدّ تعبير آخر عن الاعتقاد بالنزول

1 . شرح أُصول السنّة للألكائي كما في علاقة الإثبات والتفويض:98.

18

وتفويض واقعه إلى اللّه سبحانه .
ولو قلنا بتغايرهما فالقول بالتفويض أهون بمراتب من الإيمان بالنزول بلا كيف ،فإنّ واقع النزول هو كيفية وتحرك النازل من مكان إلى مكان، ونفي الكيف يساوق نفي النزول أساساً، فالقول به بلا كيف أشبه بقولنا بوجود أسد لا رأس له ولا ذنب ولا مخلب .
ثم إنّ التفويض ليس إلا عقيدة قليل من المتكلّمين الذين دعاهم الاحتياط إلى ترك التدبّر في مفاهيم الصفات باللجوء إلى التفويض . وأمّا المحقّقون منهم فهم لا يعطّلون العقول عن معرفته سبحانه ومعرفة محامد أوصافه وجلائل نعوته، قائلين بأنّه سبحانه أنزل القرآن (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيء)(1) ، فإذا كان تبياناً لكل شيء، فكيف لا يكون تبياناً لنفسه ؟!
هذا ما يتعلّق بالأمر الأوّل وهو التفويض الّذي نسبه الكاتب إلى المتكلّمين، وقد عرفت ما هو سبب لجوء هؤلاء إلى التفويض وإن كانوا بالنسبة إلى المحقّقين من القلّة.
وإليك تحليل الأمر الثاني:

الأمر الثاني: التأويل

قد نسب الكاتب إلى المتكلّمين التأويل وأردفه باتّباع المتشابه، وكأنّ تأويلهم نوع من اتّباع المتشابه المنهي عنه في الذكر الحكيم(2) ، لكن لابد من تبيين حقيقة التأويل وله صورتان:

1 . النحل:89.
2 . لاحظ آل عمران:7.

19

1. حمل الآيات على خلاف ظاهرها

ربّما يُفسّر التأويل بحمل الآية على خلاف ظاهرها، جمعاً بينها وبين حكم العقل أو العلم ، وبالتالي درء التعارض بين الوحي والعقل والعلم.
والتأويل بهذا المعنى مرفوض جدّاً، فإنّ ظاهر القرآن حجّة بلا كلام ، وليس لأحد أن يصرف الآية إلى خلافها إلا بدليل قاطع مقبول عند العقلاء ، كما هو الحال في حمل العموم على الخصوص، والمطلق على المقيّد، حيث إنّ عموم الآية أو إطلاقها يُخصّص أو يُقيّد بآية أُخرى أو بالسنّة النبوية الّتي قام الدليل على حجيتها فهذا النوع من التصرف أمر شائع بين العقلاء، خصوصاً في مجالس التقنين والتشريع، وبما أن القرآن نزل نجوماً والأحكام شُرّعت تدريجاً فربما ورد العام والمطلق في برهة وورد مخصصه ومقيده في برهة أُخرى، وهذا يوجب الجمع بينهما بالتخصيص والتقييد، وبالتالي صرف الآية عن ظاهرها، على نحو مقبول عند عامّة الناس .
وأمّا التأويل بمعنى صرف الآية عن خلاف ظاهرها في غير مجال التقنين ، فهو أمر باطل لا يسير عليه إلا الفرق الباطلة كالباطنية، وأمّا غيرهم فالجميع على حجية الظواهر في عامة المجالات.

2. الأخذ بالظهور الجُمْلي لا الإفرادي

نعم لابد من تشخيص الظاهر الّذي يجب الأخذ به وعليه عامّة العقلاء في محاوراتهم ، فالمراد من الظاهر ليس هو الظهور التصوري والإفرادي بل الظهور الجُمْلي والتصديقي، فلو قلت: رأيت أسداً في الحمّام، فالظهور الإفرادي للفظة أسد يقتضي تفسيره بالحيوان المفترس، ولكن بالنسبة إلى الظهور الجمْلي «مجموع

20

الجملة» والتصديقي يقتضي حمله على الرجل الشجاع، يقول القائل :
أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة *** رَبْداءُ تجفُلُ من صفير الصافرِ (1)
فالجمود على الظهور الإفرادي والتصوري يقودنا إلى حمل الأسد على المعنى اللغوي، ولكنّه بالنظر إلى القرائن الحافّة بالشعر والغرض الّذي صيغ لأجله الكلام يقودنا إلى حمله على الإنسان الجبان الّذي يتظاهر بالشجاعة لدى الضعفاء ولكنّه في ساحة الحرب جبان ينزوي هارباً.
وبعبارة أُخرى: لا يشكّ أيّ متشرّع غير الباطنية من أنّه يجب الأخذ بظواهر الكتاب دون العدول عنه قيد شعرة ، غير أنّ المهم هو تعيين الصغرى وأنّه ما هوالظاهر، فلنأت بمثال يوضح المقصود، يقول سبحانه:(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُوراً ).(2)
فالناظر في الآية لا يشكّ في أنّه ليس المراد هو بسط الجارحة أو قبضها، بل المراد هو المعنى المكنّى عنه وهو البخل والتقتير أو الجود والبذل الخارج عن الحدود المعتادة.
فتفسير الآية حسب ما ذكرنا تأويل صحيح بمعنى أوْل الآية وإرجاعها إلى المعنى المقصود.
وهذا رهن رفض الظهور الإفرادي والتصوري والأخذ بالظهور الجملي والتصديقي، وهو طريقة العقلاء في تفسير الكلمات فها نحن نذكر نوعاً من هذا التأويل ليُعرف ما هي طريقة المحققين في تفسير الصفات الخبرية.

1 . لعمران بن حطان السدوسي يهجو به الحجاج.
2 . الإسراء:29.

21

أفيصح لمفسّر أن يأخذ بظاهر قوله سبحانه:(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ).(1)
فإنّ في الأخذ بالظهور الإفرادي والتصوّري وضعاً للإنسان الضعيف الّذي ابتلى بالعمى وفقد البصر لعوامل وراثية أو بيئية أو ما شابه ذلك، فلا محيص من رفض الظهور الإفرادي والأخذ بالظهور التصديقي وتطبيقها على الكفّار الفاقدين للبصيرة الذين(لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ).(2)

طريقة المحقّقين في تفسير الصفات الخبرية

طالما تمسّك السلف والسلفيون، بالآية التالية لإثبات الرؤية الحسّية للّه، قال سبحانه:
(كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ *وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ) (3) ،وقال سبحانه:(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ *تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).(4)
إنّ هذه الآية شغلت بال المثبتين والمنكرين للرؤية، فالفرقة الأُولى تُصرّ على أنّ النظر بمعنى الرؤية، والثانية على أنّها بمعنى الانتظار.
غير أنّ الإصرار على تفسير لفظ الناظرة وأنّها هل هي بمعنى الرؤية أو الانتظار ليس أمراً مهماً، بل المهم هو التفسير الجملي لا الإفرادي.
نحن نسلم أن النظر هنا بمعناه اللغوي قطعاً، ولكن القرائن تدلّ على أنّ

1 . الإسراء:72.
2 . الأعراف:179.
3 . القيامة:20ـ 21.
4 . القيامة:22ـ 25.

22

المراد الجدّي هو الانتظار، فاستعمل اللفظ في المعنى اللغوي ولكن صار ذريعة إلى المعنى الثاني المكنّى عنه بمعنى الانتظار، كما في قولك: (زيد كثير الرماد) في مقام المدح مشيراً به إلى سخائه، وإلا فالمعنى الإفرادي يكون ذمّاً لا مدحاً .
وبما أنّ حمل الجملة على الكناية ليس بصحيح إلا بقرائن قاطعة تقود الإنسان إليها، نعطف نظر القارئ الكريم إلى تلك القرائن:
نجد إنّ هنا آيات ست وتقابلات ثلاثة والتنظيم لها بالشكل التالي:
1.(كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ)يقابلها (وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ) .
2.(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةَ)يقابلها (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ ).
3. (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) يقابلها (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ).
فلا شك أنّ الآيات الأربع الأُول واضحة لا غموض فيها، إنّما الإبهام وموضع النقاش هو الشق الأوّل من التقابل الثالث، فهل المراد منه جداً هو الرؤية، أو أنّها كناية عن انتظار الرحمة؟ والذي يعيّن أحد المعنيين هو أنّ ما يقابله ـ أعني: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌَ ) صريح في أنّ أصحاب الوجوه الباسرة ينتظرون العذاب الكاسر لظهرهم ويظنون نزوله، ومثل هذا الظن لا ينفكّ عن الانتظار، فكل ظان لنزول العذاب منتظر، فيكون قرينة على أنّ أصحاب الوجوه المشرقة ينظرون إلى ربّهم، أيّ يرجون رحمته، وهذا ليس تصرفاً في الآيات ولا تأويلاً لها، وإنّما هو رفع الإبهام عن الآية بأُختها المتقابلة وإرجاع الآية إلى معناها الواقعي، وتعيين أحد المحتملين بالأدلّة القاطعة.
وترى ذلك التقابل والانسجام في آيات أُخرى، وكأنّ الجميع سبيكة واحدة، كما في الآيات التالية:
1. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ)يقابلها (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ)

23

2. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ)يقابلها (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ).(1)
فإنّ قوله:(ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَة)، قائم مقام قوله:(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)فيرفع إبهام الثاني بالأوّل.
3. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ خَاشِعَة)يقابلها (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً).(2)
4.(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاعِمَة)يقابلها (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّة عَالِيَة).(3)
انظر إلى الانسجام البديع، والتقابل الواضح بينهما، والهدف الواحد. والجميع بصدد تصنيف الوجوه يوم القيامة، إلى: ناضرة، ومسفرة، وناعمة، و: باسرة، وغبرة، وخاشعة.
أمّا جزاء الصنف الأوّل فهو الرحمة والغفران، وتحكيه الآيات التالية:
(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرة)،(ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَة) ، (فِي جَنَّة عَالِيَة) .
وأمّا جزاء الصنف الثاني فهو العذاب، والابتعاد عن الرحمة، وتحكيه الآيات التالية:
(تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَة)، (تَرْهَقُهَا قَتَرَة) ، (تَصْلَى نَارًا حَامِيَة).
أفبعد هذا البيان يبقى الشكّ في أنّ المراد من قوله (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)هو انتظار الرحمة!! والقائل بالرؤية يتمسك بهذه الآية، ويغضّ النظر عمّا حولها من الآيات، ومن المعلوم أنّ هذا من قبيل محاولة إثبات المدّعى بالآية، لا محاولة الوقوف على مفادها.

1 . عبس:38ـ 40.
2 . الغاشية:2ـ4.
3 . الغاشية:8ـ10.

24

ويدلّ على ذلك أنّ كثيراً ما يستخدم العرب النظر بالوجوه في انتظار الرحمة أو العذاب:
وإليك بعض ما ورد:
1. وجوه بها ليل الحجاز على الهوى *** إلى ملك كهف الخلائق ناظرة
2. وجوه ناظرات يوم بدر *** إلى الرحمن يأتي بالفلاح
فلا نشك أنّ قوله: «وجوه ناظرات» بمعنى رائيات، ولكن النظر إلى الرحمن كناية عن انتظار النصر والفتح.
3. إنّي إليك لما وعدت لناظر *** نظر الفقير إلى الغني الموسر
فلا ريب أنّ اللفظين في الشعر وإن كانا بمعنى الرؤية، ولكن نظر الفقير إلى الغني ليس بمعنى النظر بالعين، بل الصبر والانتظار حتى يعينه.
وأوضح دليل على أنّ المراد الجدّي من النظر، ليس هو الرؤية، هو نسبة النظر إلى الوجوه لا إلى العيون، فلو أراد الرؤية الحسّية، لكان اللازم أن يقول: عيون يومئذ ناظرة، لا وجوه يومئذ ناظرة.
هذه هي طريقة المحقّقين من المتكلّمين، ولا أظن أن الإنسان البعيد عن الأهواء غير المتأثر بالبيئة والرأي المُسبق، إذا تأمّل ما ذكرنا يبقى له شك في المراد بالآية، وهذا النوع من التأويل ليس من باب فرض العقيدة على الآية ، وانّما هو استنطاق للآية بنفسها وبما يشابهها من الآيات الأُخرى.
وليس التأويل بهذا المعنى، يهدف إلى صرف الآية عن ظاهرها، بل هو عين الأخذ بالظهور الجملي، مكان الظهور الإفرادي، وإرجاع الآية إلى المراد الجدّي

25

منها، وإخراجها عن الظهور المتزلزل إلى الظهور المستقرّ بالتدبر والتفكير فيها وما ورد حولها من الآيات الأُخرى.

تقدير لا تصويب

لسنا في هذا المقام بصدد تصويب جميع المناهج الكلامية والمسالك الفكرية، إذ كيف يمكن تصويب الجميع، مع أنّ المصيب واحدٌ؟! بل الهدف تقدير جهودهم الّتي بذلوها في سبيل فهم العقيدة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنّة والعقل الحصيف.
وما أبعد ما بينهم وبين المتقاعسين عن فهم العقائد المقتصرين على الظهور الإفرادي في فهم النصوص المقدّسة، المؤثرين راحة النفس على التدبّر والتفكّر في مضامين الآيات ومداليلها.
ثَمّةَ رجلان انطلقا إلى جبل ليتباريان في تسلُّقه، فلمّا رأى الأوّل شموخَ الجبل وعلوّ قمّته، ضَعُفت إرادتُه وانهارت مُنَّـتُهُ، وقَعدتْ به عن إنجاز ما كان يسعى إليه همّتهُ، ف آثر البقاء حيث هو في أسفل الجبل ومنحدره، دون أن يخطوَ خطوة واحدة في طريق تسلُّقه; أمّا الثاني فلم يتهيّب بُعد القمّة ولا شدائد الطريق، فمضى بعزم ومضاء، وظل يكافح ويناضل ويبذل جهده في الصعود والارتقاء، إلى أن استبدّ به التعب وخارت قُواه، فوقف في أثناء الطريق دون أن يبلغ القمّة ويُدرك مُناه.
إن مثَل المتكلم المجاهد الّذي حاول أن يتعرف على أسمائه وصفاته سبحانه عن طريق التدبّر والتفكّر بجدّ وإخلاص إذا أخطأ في بضع مسائل كمثل متسلّق الجبال الّذي لم يتهيّب بُعْد القمّة ولا مصاعب الطريق فمضى بعزم ومضاء، وإن خارت قواه، ولم يصل إلى المقصد الأسنى، فهو ممدوح في جهده

26

وسعيه; وأمّا السلف والسلفيون الذين يأخذون بظواهر الآيات دون تدبّر وتعقّل ويحتجون بالظهور الإفرادي دون الجملي ويعتقدون بالظهور التصوّري لا التصديقي لإراحة أنفسهم عن تعب البحث والتفكير، فحالهم حال من رأى ارتفاع الجبل ف آثر البقاء في أسفل الجبل ومنحدره.
فأيّهما أحق بالمدح والثناء. وأيّهما أحقُ أن يشمله قولُه سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا...).(1)

السلف وتفسير الصفات الخبرية

يقول مؤلّف «موقف المتكلّمين»: يعتقد أهل السنّة (2) إنّ اللّه خاطبنا بما نفهم وأراد منّا اعتقاد ظاهر النصوص «على الوجه اللائق». فنصوص الصفات مثلاً تجري على ظاهرها «بلا كيف»، كما تضافرت عبارات السلف في ذلك، فتثبت له الصفات الواردة بلا تمثيل، فلو كان ظاهر النصوص غير مراد لما خاطبنا بها ربنا تعالى ولما أمرنا بتدبّر كتابه، كما قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ).(3)
فعلى هذا نعلم أنّ الواجب الأخذ بظواهر النصوص وأنّه ليس هناك باطن يخالف الظاهر، فالباطن الحق عند السلف موافق للظاهر الحق، وكلّ معنى باطن يخالف ظاهر الكتاب والسنّة فهو خيال وجهل وضلال .(4)

1 . العنكبوت:69.
2 . احتكر الكاتب لفظ «أهل السنّة» وخصّه بأهل الحديث فقط، كأحمد بن حنبل وأسلافه أو أخلافه، ورأى أنّ سائر الفرق حتّى الأشاعرة ليسوا منهم .
3 . ص :29.
4 . موقف المتكلّمين:1/72ـ73، نقله عن كتاب الدرء والتعارض:5/86 وكتاب إبطال التأويلات:6ـ13 مخطوط.

27

يؤخذ على الكاتب أُمور، منها :
1. انّ الكاتب خلط الحق بالباطل، وذلك لأنّ الأُمّة الإسلامية (غير الفرقة الباطنية) كلّهم يعتقدون بالأخذ بظاهر النصوص، وليس الأخذ بالظواهر من خصائص السلف، بل كلّ من اتّخذ القرآن دليلاً وهادياً، يأخذ بها، غير أنّ الّذي يهّمُنا هو تشخيص الظاهر، فهل المراد الظهور الإفرادي أم الظهور الجُمْلي؟ وهل المراد الظهور التصوّري أو الظهور التصديقي؟ فالسلف والسلفيّون على الأوّل، والمحقّقون على الثاني، فهم أولى بالآية التالية:(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه) دون المتسمّين بالسلفية، إذ ليس لهم أي شأن حول الآيات سوى الأخذ بظواهر مفردات الآية.
2. إنّه تبعاً لأسلافه لمّا رأى أنّ الأخذ بظواهر النصوص على النحو الإفرادي والتصوّري يوجب التجسيم والتشبيه والجهة الّتي هي مذهب الزنادقة، حاول أن يفرّ من مغبّة ذلك المسلك بعبارتين:
1. تفسير النصوص في حقّه سبحانه على الوجه اللائق به .
2. بلا تمثيل ولا كيف.
إذا كانت الوظيفة حمل النصوص على ظواهرها فما هذا التقييد ـ أعني: «اللائق به» أو «بلا تمثيل ولا كيف» ـ فإنّها قيود مبتدعة دون أن يكون لها سند في الكتاب والسنّة، وما هذا إلا لأنّ السلف والسلفيّين أبناء التشبيه والتجسيم والجهة، ولكنّهم اتّخذوا هذين التعبيرين جُنَّة للدفاع وغطاء لستر معايب منهجهم كالتشبيه والتجسيم والجهة.

السلفية ونفي المجاز

قد عرفت أنّ بعض السلف وأتباعهم يحاولون حمل الصفات الخبرية الواردة

28

في القرآن الكريم على اللّه سبحانه بنفس معانيها الحرفية، ولأجل ذلك حاولوا إنكار المجاز في القرآن الكريم لئلا يكون القول به ذريعة لنفي الصفات بالمعنى اللغويّ.
يقول مؤلف «موقف المتكلمين»: إنّ البحث في المجاز لو كان أمراً لغوياً لم يكن به بأس، ولكنّه ربّما يقع سُلّماً ومطيةً لأهل البدع بتحريف بعض نصوص الشرع عن حقائقها. ولو كان مجرد اصطلاح لا يترتب عليه خوض في مسائل الشريعة لما حصل فيه خلاف كبير ولما احتدم فيه النقاش، ولكن لمّا أدرك العلماء خطورتَه وكثرةَ المتدّرعين به سارعوا إلى تحقيق القول فيه بين ضعف قواعده وقصور مباحثه.
وذكر في ذلك الفصل حجج المنكرين للمجاز قائلاً إنّ أبرزها ما يلي:
1. أنّ المجاز كذب; لأنّه يتناول الشيء على خلاف حقيقته، ومن المعلوم بالضرورة أنّ كلام اللّه تعالى كلّه حق، وكلّ حق فله حقيقة، وكل ما كان حقيقة، فإنّه لا يكون مجازاً.
2. أنّ العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي نسبة الحاجة أو الضرورة، أو العجز إلى اللّه تعالى، وهذا محال على اللّه تعالى.
3. أنّ اللّه تعالى لو خاطب بالمجاز لصحّ وصفه بأنّه متجوّز، ومستعير، وهو خلاف الإجماع.
4. أن المجاز لا يُفهم معناه بلفظه دون قرينة، وربّما تخفى، فيقع الالتباس على المخاطب فلا يفهم مراد اللّه، وهذا يخالف حكمة الخطاب.
(1)هذه أدلّته على نفي المجاز لا لغاية التحقيق في اللغة، بل للتحرز عن حمل

1 . موقف المتكلمين:1/459ـ 460.

29

الصفات الخبرية على المعاني المجازية، وهذا يعني أنّه اتخذ موقفاً خاصاً من الصفات الخبرية وصار ذلك سبباً لإنكار المجاز، وإلا فلو دخل في البحث مجرداً عن عقيدة مسبقة لما أنكر المجاز ولما اعتمد على هذه الأدلّة الواهية الّتي تُضحك الثكلى.
وإليك دراستها مع الاعتذار إلى القرّاء الكرام :
أمّا دليله الأوّل ـ أعني: وصف المجاز بالكذب ـ فسبحان اللّه كيف يصفه بالكذب وبالتالي ينكر وجوده في القرآن الكريم وهذا كتابه العزيز يشهد عليه؟!
يقول سبحانه حاكياً عن نساء مصر: (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ).(1)
هل هناك إنسان يتّهم نساء مصر بالكذب، لأنهنّ نفينَ كون يوسف بشراً، بل قلن بجدّ، إنّه ملك كريم؟!
كلاّ ولا، لأنّ القرائن الحافّة بالكلام أوضح دليل على أنّ الوصف ادّعائي لا حقيقي.
ولذلك عادت امرأة العزيز بإدانتهن وقالت: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ).(2)
تريد بكلامها هذا، أنّ يوسف بما أنّه بلغ من الحسن والجمال حدّاً يليق أن يقال فيه أنّه ليس بشراً بل هو ملك، صار ذلك سبباً لغرامي وتعلّق قلبي به.

1 . يوسف:31.
2 . يوسف:32.

30

أترى أنّه سبحانه كذب في قوله: (وَ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً).(1)
فهو لا يريد من الأعمى في كلا الموردين المعنى الحقيقي وهو الضرير ومكفوف العينين، وانّما يريد من عَمي قَلبُه، ومن المعلوم أنّ «الأعمى» وضع للضرير، فاستعماله في غيره على نحو من المجاز.
وقال سبحانه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).(2)
فإنّ اللباس حسب اللغة هو ما يلبسه الإنسان ويستر به بدنه، واللّه سبحانه استعمله في الجوع المحيط بالإنسان، وكأنّه شمله الجوع كما يشمل اللباسُ البدنَ.
وبعبارة أُخرى: إنّه سبحانه يُخبر عن إحاطة لباس الجوع عليهم، فهل هو سبحانه ـ والعياذ باللّه ـ يكذب في ذلك؟! إذ لا شكّ أنّ الجوع ليس لباساً ولم يوضعَ اللفظ له ومع ذلك يخبر عن وجود هذا اللباس، وما هذا إلا لأنّ القرائن الحافة بالكلام تُخرج الكلام عن كونه كذباً، ولا يخطر ببال أيّ مخاطب أنّه كذب، بل لو فُسّر الكلام بالمعنى الحقيقي لعاد كذباً.
وأمّا دليله الثاني، أيّ كون العدول عن الحقيقة سبباً لنسبة الحاجة إلى اللّه سبحانه...
يلاحظ عليه: بأنّ اللّه سبحانه كتب على نفسه أن يخاطب الناس عن طريق

1 . الإسراء:72.
2 . النحل:112.

31

الوحي بلغتهم ويحاورهم بكلامهم، يقول سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(1)
فليس العدول عن الحقيقة آية الحاجة أو الضرورة أو العجز، بل كلّ ذلك لغاية إفهام الناس وهدايتهم.
وأمّا الدليل الثالث، فلا ملازمة بين كونه مستعملاً للمجاز وجواز وصفه بأنّه متجوّز أو مستعير، لأنّ أسماء اللّه توقيفية ويشهد على ذلك :
إنّ أفعال العباد عند أهل السنّة مخلوقة للّه سبحانه، فمع ذلك لا تصحّ تسميته سبحانه بكونه آكلاً، شارباً، ضارباً، قاتلاً.
إنّه سبحانه يصف نفسه بقوله:(أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ).(2) فهل تصحّ تسميته بكونه زارعاً، ودعوته في مقام الدعاء «يا زارع؟!».
وأمّا الدليل الرابع، فيلاحظ عليه: أنّ من شرط استعمال المجاز احتفافه بالقرينة الواضحة، فاستعمال اللفظ مجازاً مع اختفاء القرينة يضادّ البلاغة، وهو لا يناسب ساحة البلغاء.

إكمال

المعروف أنّ اللفظ إن استعمل فيما وضع له فهو حقيقة، وإن استعمل في غيره بعلاقة معتبرة مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، فهو مجاز .
لكن المختار عندنا تبعاً لمشايخنا الكبار، كالعلاّمة مجد الدين الاصبهاني

1 . إبراهيم:4.
2 . الواقعة:64.

32

(1286 ـ 1362هـ)، والسيد الإمام الخميني (1320 ـ 1409 هـ) رضوان اللّه عليهما: انّ الألفاظ مطلقاً حتّى في الموارد الّتي توصف بالمجاز، مستعملة في معانيها الأصليّة وليس المعنى المجازي، معنى مقابلاً للمعنى الحقيقي، كما يوهمه قولهم: الأسد مستعمل في الرجل الشجاع. وجه ذلك: أنّه إذا استعمل اللفظ في معناه الأصلي ولم يكن هناك أيّ ادّعاء، يوصف الاستعمال بالحقيقة، وإن استعمل في نفس معناه الأصلي، وكان مقروناً بادّعاء أنّ المورد من مصاديق ذلك المعنى الأصلي يوصف بالمجاز.
مثلاً استعمل لفظ «ملك» في قوله: (مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ)(1) في نفس معناه الأصلي مدّعياً بأنّ يوسف من مصاديقه. والّذي يُضفي على الكلام حسناً وجمالاً، هو نفس ذلك الادّعاء، وإلا فلو استعمل لفظ «ملك» في يوسف بلا توسيط معناه الأصلي وبلا ادّعاء أنّه من مصاديقه، لسقط الكلام عن قمّة البلاغة، ولم يبق للتعجب وجه.
فلو قال القائل: إني قاتلت في جبهات القتال أسداً هصوراً، أو قابلت أمس قمراً منيراً. وهو لم يقابل إلا رجلاً شجاعاً باسلاً، أو وجهاً صبيحاً، فلا يريد بكلامه هذا اللقاء، بهذين الشخصين بلا توسيط المعنى الأصلي بل يستعملهما في معناهما الأصليين لكن بادّعاء أنّ الموردين من مصاديق الأسد، والقمر .
وهذا الشاعر، يمدح محبوبته متعجباً ويقول :
قامت تُظلِّلُني ومن عجب *** شمس تُظلِّلُني من الشمس
وإنّما يصحّ أن يتعجّب إذا استعمل لفظ الشمس في نفس معناها الحقيقي، أعني: النيّر الكبير، فعند ذلك صحّ أن يتعجب، ان شمساً

1 . يوسف:31.

33

(محبوبته) قامت تظلّله من الشمس.
وهنا يظهر حال الكناية وإن جعلها الأُدباء قسيماً ثالثاً للحقيقة والمجاز، وذلك لأنّ الألفاظ في الكنايات أيضاً مستعملة بالإرادة الاستعمالية في معانيها الأصلية لكن صار ذلك سبباً لتعلّق الإرادة الجدية بشيء آخر، وهو لازم المعنى الأصلي، كلّ ذلك بالقرائن الحالية أو المقالية .
مثلاً من ألفاظ المدح عند العرب. قولهم: فلان طويل النجاد، أو كثير الرماد; والأوّل كناية عن طويل القامة، والثاني عن كثرة الضيافة، كلّ ذلك بعلاقة الملازمة بين المعنى الاستعمالي والمعنى الجدي. والمسوِّغ للاستعمال هو كون المتكلّم في مقام المدح، ولأجل ذلك ربّما يستعمل «طويل النجاد» في من لم يشتمل سيفاً طول عمره ولم يصاحب عاتقه نجاداً.

السلفية وتفسير الصفات الخبرية

إنّ السلفيّين يصفونه سبحانه بالصفات التالية، معتمدين في ذلك حسب زعمهم على الذكر الحكيم وهي:
1. العلو .
2. الاستواء.
3. النزول.
4. الإتيان والمجيء.
5. الغضب والضحك.
6. الوجه.
7. العين.

34

8 . اليدان.
9. القدم.
10. الرؤية.
وعلى هذا فاللّه سبحانه مستو على عرشه وجالس عليه، وأنّه خلق آدم بيديه، وهو ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ويأتي ويجيء، ويغضب ويضحك، ويراه الإنسان بأُم عينيه، إلى غير ذلك من الصفات، فهو ـ جلّ اسمه ـ يوصف بها بنفس المعاني الحرفية واللغويّة، وأقصى ما عندهم في تنزيه الرب أنّه موصوف بها «بلا كيف»، و «حسب ما يليق بساحته».
وبما أنّ دراسة جميع هذه الأوصاف الواردة في الكتاب والسنّة على نحو يقلع الشبهة عن أذهان المغرورين بكتبهم ورسائلهم، تتطلّب تأليف كتاب مفرد، فنقتصر هنا على إيضاح صفتين وردتا في الذكر الحكيم، لأنّهم يعتمدون عليهما أكثر من سائر الصفات.

الأُولى: الاستواء على العرش

نقول: ورد استواؤه على العرش في غير واحد من السور (1)، ونحن نذكر آيتين ونحيل الباقي إلى القارئ الكريم :
قال سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ). (2)

1 . الرعد:2، الفرقان:59، السجدة:5، غافر:15، طه:5، باختلاف يسير.
2 . يونس:3.

35

وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
إنّ هؤلاء ـ الذ(1)ين يتبرّأون من المشبِّهة والمجسِّمة (ولكنهم منهم) ويتستّرون بـ «البلكفة» أو «ما يليق بساحته سبحانه» ـ أخذوا بحرفية قوله سبحانه:(ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)والظهور التصوري المتزلزل وتركوا الظهور التصديقي المستقرّ.
قال مؤلّف «موقف المتكلّمين»: روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: والعرش فوق الماء واللّه فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
وعن الأوز(2)اعي قال: كنّا والتابعون نقول إنّ اللّه على عرشه، ونؤمن بما وردت به السُّنّة .(3)
وذكر ابن القيّم: أنّه روى غير واحد باسناد صحيح عن عبد الرحمن بن مهدي أنّه قال: إنَّ الجهمية أرادوا أن ينفوا أن اللّه كلّم موسى وأن يكون على العرش، أرى أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلا ضُربت أعناقهم.(4)
إلى غير ذلك من الكلمات الظاهرة في التجسيم، وأنّه سبحانه في السماء لا في الأرض، يجلس على سريره ينظر إلى ما دون العرش ولا تخفى عليه أعمال عباده.
هؤلاء بدلَ أن يتدبّروا في نفس الآيات الوارد فيها الاستواء على العرش ويرجعوا إلى عقولهم، لاذوا بكلمات السلف غير المعصومين ثم أوعدوا المخالف

1 . الأعراف:54.
2 . التمهيد، لابن عبد البر:7/139.
3 . الأسماء والصفات للبيهقي:515.
4 . الفتوى الحموية:5/40.

36

بالسيف، كما في كلام ابن القيّم.
وأمّا المحقّقون الَّذين يتدبّرون القرآن حسب ما أمر به الذكرُ الحكيم، فقد رجعوا إلى نفس الآيات وتدبّروا الجملَ الحافّة بهذه الجملة، ثم قاموا بتفسيرها وخرجوا بالتنزيه لا بالتجسيم، وإليك البيان :
إنّ الآية الأُولى تتحدث عن الأُمور التالية:
1. إن ربّكم هو الّذي خلق السماوات والأرض.
2. خلقهما في ستة أيام.
3. ثم استوى على العرش.
4. يدبّر أمر الخلقة وليس هنا مُدّبر سواه.
5. لو كان هناك شفيع (علّة مؤثرة في الكون) لا يشفع ولا يؤثِّر إلا بإذنه.
6. هذا هو رَبُّنا الّذي فرضت علينا عبادتهُ.
هذا هو حال الآية الأُولى.
وأمّا الآية الثانية، فتتحدث عن الأُمور التالية:
1. إنّ ربّكم هو الّذي خلق السماوات والأرض.
2. خلقهما في ستة أيام.
3. ثم استوى على العرش.
4. يُغشي الليل النهار، يغطِّي كلاً منهما بالآخر ويأتي بأحدهما بعد الآخر.
5. يطلبه حثيثاً فيدركه سريعاً.
6. والقمر والنجوم مسخرات بأمره. مذلّلات جاريات في مجاريهنّ بأمره وتدبيره .
7. ألا له الخلق والإيجاد والإبداع.

37

8. والأمر: أمر التدبير أو أمره في خلقه بما أحبّ .
9. تبارك اللّه رب العالمين: تعاظم اللّه رب العالمين تعالى فيما لم يزل ولايزال .
نعود مرّة أُخرى ونتدبّر هذه المقاطع، فنجد أنّ قائل هذه الجُمَل ـ عزّ اسمه ـ يتحدّث عن عظمته وأنّه الخالق، خالق العالم ومدبّره، وأنّه خلقه في ستة أيّام، ويغشي الليل النهار، وهو يطلبه، وأنّ الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، وليس هناك من خالق ومدبّر إلا هو، ولا مؤثّر في الكون إلا بإذنه، ثم رتّب على ذلك تارة وجوب عبادته، لكونه القائم بالخلق والتدبير والأمر، فتجب عبادته دون غيره كما في الآية الأُولى; وأُخرى تعظيمه وتنزيهه كما في الآية الثانية.
ما ذكرناه خلاصة مضمون الآيتين، فعندئذ يجب أن تكون هناك مناسبة ذاتية بين استوائه على العرش والإخبار عن هذه الأُمور الكونية، فلو فُسّر الاستواء بمعنى الجلوس على العرش، تفقد الجملة المناسبة وتصبح جملة فاقدة الصلة بما قبلها وما بعدها.
فما هي المناسبة بين التحدّث عن عظمة الخلقة وسعتها وما فيها من السنن الكونية والتحدّث عن جلوسه على السرير، وهذا هو الّذي دفع المحقّقين إلى التدبّر في الآية حتى يفسّروها بالظهور التصديقي لا بالظهور التصوّري، وبالظهور الجُملي لا بالظهور الإفرادي. وهذا يتحقّق بأمرين:
أ. تفسير الاستواء بالاستيلاء، لا بالجلوس والاستقرار .
ب. جعل العرش كناية عن السلطة والقدرة، لا بمعنى السرير .
أمّا الأوّل: فقد استعمل في اللغة العربية لفظ الاستيلاء بمعنى الاستواء، قال الأخطل يمدح بشراً أخا عبد الملك بن مروان حين تولّى إمرة العراقيين:

38

قد استوى بِشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
فالحمد للمهيمن الخلاق
فليس المراد من الاستواء الجلوس أو الاستقرار، بل التمكّن والاستيلاء التام والسيطرة على العراقيين وكسح كل مزاحم ومخالف. وإلا فالجلوس المجرّد على السرير، لا يكون مدحاً.
وقال الطرمّاح بن حكيم:
طال على رسم مهدد أبده *** وعفا واستوى له بلده
والمراد استقام له الأمر واستتب.
وقال شاعر آخر :
فلمّا علونا واستوينا عليهم *** تركناهُمُ صرعى لنسر وكاسر
حتّى أنّ لفظة «استويت» في قوله سبحانه مخاطباً نوحاً عليه السَّلام: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للّهِ الّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).(1) ليس بمعنى الركوب على الفلك أو الجلوس عليه، بل المراد إذا تمكّنت من الفلك على نحو صار زمامها بيدك. ولذلك فسره السيوطي بـ «اعتدلت» .
ومثله قوله تعالى: (وَ الذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَ الأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ *لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ).(2)

1 . المؤمنون:28.
2 . الزخرف:12ـ 13.

39

فليس المراد من الاستواء هو الجلوس في الفلك أو الركوب على ظهر الأنعام، بل المراد هو التسلّط على الفلك والأنعام والاستيلاء عليها، بشهادة أنّه سبحانه يأتي بالاستواء بعد الركوب ويقول: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ *لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ)، فهو يُعرب على أنّ الاستواء غير الركوب.
فليس الاستواء مجرد الجلوس والركوب، بل هو السيطرة والسلطة على الشيء ولكن كُلٌّ بحسبه، فاستواء الإنسان على الفلك والأنعام سيطرته عليهما بحيث يوجهها إلى أي صوب شاء، كما أنّ استواءه سبحانه على العرش (سيوافيك معنى العرش) هو استيلاؤه وسيطرته على عالم الإمكان بحيث لا يشذ عن إرادته شيء .
ولأجل هذه السيطرة والاستيلاء فهو يُدبّر العالم بعد الإيجاد فهو خالق ومسيطر على الأُمور والكل«مُدبَّر».

وأمّا الثاني: أي تفسير العرش

نقول: إنّ العرش حسب اللغة هو السرير، ولكن بما أنّ الملوك يجلسون عليه ويدبّرون من فوقه ملكهم ويُصدرون منه أحكامهم، صار العرش مظهر القدرة والسلطة وسبباً لأن يُكنّى به عنهما بقول الشاعر:
إذا ما بنو مروان ثلّت عروشُهم *** وأوْدَتْ كما أودتْ إياد وحمير
فليس المراد تهدّم العروش الّتي كانوا يجلسون عليها، بل كناية عن زوال الملك والسيطرة وانقطاع سلطتهم.
ويقول الآخر:
ان يقتلوك فقد ثللت عروشهم *** بعتيبة بن الحارث بن شهاب

40

واللّه سبحانه أخرج كلامه على المتعارف من كلام العرب حيث يقولون:
استوى الملِك على عرشه: إذا انتظمت أُمور مملكته، وإذا اختلّ أمر ملكه قالوا: ثُلَّ عرشه، وربّما لا يكون له سرير، ولا يجلس على سرير أبداً.
وحصيلة الكلام: إنّ الملاحظة الدقيقة للآيات الّتي ورد فيها استيلاؤه سبحانه على العرش تكشف عن أنّه لا يُراد منه الجلوس والاستقرار عليه، بل المراد هو السيطرة والتمكّن من صحيفة الكون والخلقة، وأنّها بعد الخلقة في قبضة قدرته و حوزة سلطنته لم تفوّض لغيره.
ولأجل ذلك يذكر في سورة يونس بعد هذه الجملة أمر التدبير ويقول: يدبِّر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه معرباً عن أنّه المدبِّر لأمر الخلقة، وذلك لاستيلائه على عرش ملكه. فمن استولى على عرش ملكه يقوم بتدبيره، ومن ثلّ عرشه أو زال ملكه أو انقطع عنه لا يقدر على التدبير. ولكنّه سبحانه في سورة الأعراف يذكر بعد هذه الجملة كيفيّة التدبير و يقول: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرات بِأَمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ وَالأمْرُ)فهذه الجمل (بما أنّها تعبّر عن تدبيره صحيفة الكون، وكونه مصدراً لهذه التدبيرات الشامخة) دليل على أنّه مستول على ملكه، مهيمن عليه، مسيطر على ما خلق ولم يخرج الكون عن حوزة قدرته، ومثله سائر الآيات الواردة فيها تلك الجملة، فإنّك ترى أنّها جاءت في ضمن بيان فعل من أفعاله سبحانه. ففيها دلالات على «التوحيد في التدبير» الّذي هو أحد مراتبه.
وأمّا إذا فسّرنا الاستواء بالجلوس ، والعرش بالكرسي الّذي يتربّع عليه الملوك، يكون المعنى غير مرتبط بما ورد في الآية من المفاهيم، كما تقدّم، إذ أيّ مناسبة بين التربّع على الكرسي المادي والقيام بهذه التدابير الرفيعة؟ فإنّ المصحِّح
Website Security Test