welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : معجم طبقات المتكلمين/ج 1*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

معجم طبقات المتكلمين/ج 1

81

روى المؤرخون أنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) لمّا مُنعت من إرثها، لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لُمّة من حفدتها، ونساء قومها حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار، فقالت مخاطبة إيّاهم بخطبة بليغة نقتصر منها على موضع الحاجة:
يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب اللّه أن ترثَ أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئتَ شيئاً فريّاً على اللّه ورسوله، أفعلى عمد تركتم كتاب اللّه ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وَوَرِثَ سُليمانُ داودَ)(1) ، وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكرياعليمها السَّلام إذ قال :(فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً *يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوب)(2)، وقال أيضاً: (وأُولوا الأَرحام بَعْضُهم أَولى ببعض في كتابِ اللّه)(3)، وقال: (يُوصيكم اللّه في أولادِكم للذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثيين)(4) وقال: (وَإِنْ تَرَكَ خيراً الوصيّةُ للوالديْنِ والأقربينَ بالمَعْروفِ ...)(5) ،وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصّكم بآية من القرآن أخرج أبي محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)منها؟ أم هل تقولون: إنّ أهل الملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟(6)

نموذج من مناظرات الإمام الصادق عليه السَّلام مع أحد القدرية

لقد راجت فكرة استغناء الممكن في فعله «لا في ذاته» عن اللّه سبحانه في عصر عبد الملك بن مروان (65ـ86هـ) وكان لهذه الفكرة دويّ في عصره، وقد

(1) النمل:16.
(2) مريم:5ـ6.
(3) الأنفال:75.
(4) النساء:11.
(5) البقرة:18.
(6) الاحتجاج:1/267ـ268.

82

طلب عبد الملك بن مروان من عامله في المدينة أن يوجه إليه الإمام الباقرعليه السَّلام حتّى يناظر رجلاً يتبنّى تلك الفكرة وقد أعيا الجميع.
فبعث الإمام الباقر ولده مكانه، فقدم الشام، وتسامع الناس بقدومه لمخاصمة الرجل، فقال عبد الملك لأبي عبد اللّه: إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري، فقال الإمام: «إنّ اللّه يكفيناه»، فلمّا اجتمعوا، قال القدري لأبي عبد اللّه(عليه السلام): سل عمّا شئت؟ فقال له: «اقرأ سورة الحمد»، قال: فقرأها، فلمّا بلغ إلى قول اللّه تبارك وتعالى:(إِيّاك نعبد وإِيّاك نستعين)فقال جعفر: «قف مَن تستعين؟ وما حاجتك إلى المؤونة، إن الأمر إليك»، فبهت الرجل.(1)

احتجاج الإمام الرضاعليه السَّلام مع اليهود والنصارى والمجسّمة

إنّ للإمام علي بن موسى الرضاعليه السَّلام احتجاجات ومناظرات مع أصحاب الديانات المختلفة وعلى رأسهم اليهود والنصارى والمجسمة وغيرهم، نقلها الشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي(المتوفّى حوالي 550هـ) في كتاب «الاحتجاج» بصورة مفصلة، ونحن لا يسعنا نقل القليل منها فضلاً عن الكثير، وكان الخليفة المأمون يشارك في مجالس المناظرة مع الأحبار والقساوسة وأصحاب الحديث والتي كان يتجلّى فيها قوة منطق الإمام بالاستدلال عليهم بنصوص التوراة والإنجيل باللغة العبريانية والسريانية، وها نحن نذكر احتجاجه مع أبي قُرّة الذي كان يدّعي رؤية النبيّ للّه سبحانه في هذه الدنيا.
ـ قال أبو قرة: إنّا رُوِينا انّ اللّه عزّ وجلّ قسّم الرؤيةَ والكلام بين اثنين، فقسّم لموسى(عليه السلام) الكلام، ولمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)الرؤية.

(1) راجع البحار:5/55ـ56، الحديث98.

83

ـ قال الإمام: فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين: الجن والإنس(لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار)(1) ، و (ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(2) ، و (ليس كمِثْلِهِ شَيء)(3)، أليس محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!
ـ قال أبو قرة: بلى.
ـ قال الإمام(عليه السلام): «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيُخبرهم انّه جاء من عند اللّه، وانّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار) و (ولا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً) و (ليسَ كَمِثْلِهِ شَيء)ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً، و هو على صورة البشر؟! أما تستحيون، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر.(4)
هذه هي العوامل الداخلية لنشوء علم الكلام بين المسلمين، وهناك عوامل خارجية لنشوئه، نذكر المهمّ منها:

العوامل الخارجية لنشوء علم الكلام

1. معطّلة العرب

إنّ الطابَع العام للعرب في العصر الجاهلي هو التوحيد في الذات والتوحيد في الخالقية، ولكنّهم كانوا مشركين في أمر الربوبية والعبادة، فكانوا معتقدين بربوبية غيره سبحانه كما كانوا يعبدون غيره كالأصنام والأوثان .
نعم كان عندهم صنف ينكر الخالق، ويشارك مع الطائفة الأُولى في إنكار البعث والإعادة.

(1) الأنعام:103.
(2) طه:110.
(3) الشورى:11.
(4) التوحيد للصدوق:110ـ 111.

84

يقول الشهرستاني: فصنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد (وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنا الدُّنيا نَمُوتُ وَنَحْيا)(1) إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وقصراً للحياة والموت على تركّبها وتحلّلها، فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر (وَما يُهْلِكُنا إِلاّ الدَّهر).(2)
وصنف منهم أقرّوا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع وأنكروا البعث والإعادة، وهم الذين أخبر عنهم القرآن: (وَضَرَبَ لَنا مَثلاً وَنََسِيَ خَلْقهُ قال مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيم).(3)
وصنف منهم أقرّوا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام وزعموا انّهم شفعاؤهم عند اللّه في الدار الآخرة، وحجّوا إليها، ونحروا لها الهدايا وقرّبوا القرابين، وتقرّبوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلّوا وحرّموا; وهم الدهماء من العرب إلاّ شرذمة منهم.
ومن العرب من يعتقد بالتناسخ فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمـع دم الدماغ وأجزاء بنيته، فانتصب طيراً «هامة» فيرجع إلى رأس القبر كلّ مائة سنة، وعن هذا: أنكر عليهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:«لا هامة ولا عدوى ولا صفر».(4)
إنّ العرب وإن اعتنقوا الإسلام ولكن جذور هذه الأفكار كانت موجودة في أذهانهم خلفاً بعد سلف، إذ لا تقلع الأفكار الراسخة بمضي يوم أو سنة أو سنين،

(1) الجاثية:24.
(2) الجاثية:24.
(3) يس:78.
(4) الملل والنحل للشهرستاني:2/216ـ 217، المكتبة العصرية، بيروت. والحديث رواه أبو داود في سننه برقم (3921)، وأحمد في مسنده:1/174.

85

وكان خصماء الإسلام يطرحون تلك الأفكار حيناً بعد حين في مناسبات خاصة، فصار هذا سبباً مناسباً لنشوء علم الكلام والدفاع عن العقائد الإسلامية بدليل و برهان، كما أنّ القرآن الكريم طرح شبهاتهم في التوحيد والمعاد وردّها بقوّة، مثلاً: إنّهم كانوا يستبعدون إحياء العظام وهي رميم، فاستدلّ لهم بالنشأة الأُولى، إذ اعترفوا بالخلق الأوّل، فقال عزّ وجلّ: (قُلْ يُحْيِيها الَّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرَّة)(1) ، وقال سبحانه: (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الأَوّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْس مِنْ خَلْق جَدِيد).(2)

2. اليهود وعقائدهم في التجسيم والقدر

يقول الشهرستاني: اليهود تدّعي أنّ الشريعة لا تكون إلاّ واحدة، وهي ابتدأت بموسى(عليه السلام) وتمّت به، فلم تكن قبله شريعة، إلاّ حدود عقلية وأحكام مصلحية.
ولم يجيزوا النسخ أصلاً، قالوا: فلا يكون بعده «شريعة» أصلاً، لأنّ النسخ في الأوامر «بداء»، و لا يجوز البداء على اللّه تعالى، ومسائلهم تدور على جواز النسخ ومنعه، وعلى التشبيه ونفيه، والقول بالقدر والجبر وتجويز الرجعة واستحالتها.
أمّا النسخ فكما ذكرنا، وأمّا التشبيه فلأنّهم وجدوا التوراة ملئت من المتشابهات، مثل: الصورة والمشافهة والتكلّم جهراً والنزول على طور سيناء انتقالاً والاستواء على العرش استقراراً ، وجواز الرؤية فوقاً وغير ذلك.

(1) يس:79.
(2) ق:15.

86

وأمّا القول «بالقدر» فهم مختلفون فيه حسب اختلاف الفريقين في الإسلام، فالربّانيون منهم كالمعتزله فينا، والقرّاؤون كالمجبرة والمشبهة.(1)

3. النصارى و التثليث

لمّا رفع المسيح عيسى بن مريم عليه السَّلام إلى السماء، اختلف الحواريون وغيرهم فيه اختلافاً شديداً مع أنّه كان رسول التوحيد، فأثبت أتباعه للّه أقانيم ثلاثة وسمّوها: الأب، والابن، وروح القدس.(2)
وقد افترقت النصارى إلى: «ملكانية»، و «نسطورية»، و «يعقوبية»; و قد كان قسم منهم منتشراً في الجزيرة العربية.
إنّ وجود هذه التيارات الدينية مضافاً إلى غيرها ممّا لم نذكره كالصابئين والمجوس وكلّ من له شبهة كتاب في الجزيرة العربية، أوجد أرضية صالحة لنشوء علم الكلام في مختلف المسائل حيث كان المسلمون على مقربة منهم.
وقد أدى الاحتكاك بينهم إلى تغلغل أفكارهم في أوساط المسلمين، ممّا حدا بالعلماء المسلمين إلى إجراء الحوارات والمناظرات معهم، الأمر الذي ساهم في نشوء مباحث جديدة لعلم الكلام في الشرق الإسلامي.

4. الفتوحات الإسلامية والاحتكاك الثقافي

قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد ونشروا الثقافة الإسلامية بين الأُمم المتحضّرة، التي كانت تتمتع ـ وراء الآداب والفنون والعلوم والصناعات ـ

(1) الملل والنحل للشهرستاني:1/178. والقرّاؤون: الذين يعودون في فهم دينهم إلى التوراة مباشرة.
(2) الملل والنحل للشهرستاني:1/186.

87

بمناهج فلسفية و آراء كلامية لا يذعن بها الإسلام.
وقد كان لذلك الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري تأثير بالغ، عاد على الإسلام والمسلمين بالخير الكثير، إلاّ أنّ هذا الاحتكاك لم يكن يخلو من مضاعفات، منها انتقال تلك الآراء والأفكار إلى الأوساط الإسلامية في وقت لم تكن فيه متدرّعة تجاه تلك الشبهات والمشاكل.
وأعان على ذلك أمر ثان وهو انتقال عدّة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية بآرائهم وأفكارهم وعقائدهم المضادّة للإسلام وأُسِسِه، وكان بين المسلمين من لم يتورّع عن أخذ هاتيك العقائد الفاسدة، نظراء: عبد الكريم بن أبي العوجاء، وحمّاد بن عجرد، ويحيى بن زياد، ومطيع بن أياس، وعبد اللّه بن المقفّع، إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع، فأوجد ذلك بلبلة في الأفكار والعقائد بين المسلمين.
وثَمَّة أمر ثالث كان له التأثير الحاسم في بسط الإلحاد والزندقة، وهو نقل الكتب الرومانية واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة ورقابة وجعلها في متناول أيدي الناس، وقد ذكر النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال:
«كان خالد بن يزيد بن معاوية محِبّاً للعلوم، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل مدينة مصر، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهذا أوّل نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة، ثم نقل الديوان وكان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج، وكان أمر الترجمة يتقدم ببطء، إلى أن ظهر المأمون في ساحة الخلافة، فراسل ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة، المدّخرة في بلد الروم، فـأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فبعث المأمون جماعة، منهم: الحجاج بن مطر، وابن بطريق،

88

ومحمد وأحمد و الحسن بنو شاكر المنجّم، فجاءوا بطرائف الكتب، وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة وغيرهما»، ثم ذكر النديم أسماء النقلة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية، وجاء بأسماء كميّة هائلة(1) فأخذوا يصبون مـا وجدوه مـن غـث وسمين في كتب الوثنيين والمسيحيين على رؤوس المسلمين، وهم غير متدرّعين وغير واقفين على جذور هذه الشبه، مع أنّها كـانت تـزعـزع أركان الإسلام.
ونقل المسعودي في وصف المنصور أنّه أوّل خليفة قرّب المنجّمين فعمل بأحكام النجوم، وكان معه نوبخت المجوسي المنجّم وأسلم على يديه وهو أبو هؤلاء النوبختية، وإبراهيم الفزاري المنجم صاحب القصيدة في النجوم، وغير ذلك من علوم النجوم وهيئة الفلك، وعلي بن عيسى الاسطرلابي المنجم. وهو أوّل خليفة ترجمت له الكتب من اللغات العجميّة إلى العربيّة، منها: كتاب «كليلة ودمنة» ، و كتاب «السند هند » ، و ترجمت له كتب ارسطاطاليس ، من المنطقيات وغيرها، وترجم له كتاب «المجسطي» لبطليموس وكتاب «الارتماطيقي» و كتاب «إقليدس» و سائر الكتب القديمة من اليونانية والرومية والفهلوية والفارسية والسريانية وأخرجت إلى الناس، فنظروا فيها، وتعلّقوا إلى علمها.(2)
وذكر في وصف المهدي العبّاسي: وأمعن في قتل الملحدين والذاهبين عن الدين لظهوره في أيامه واعلانهم باعتقاداتهم في خلافته، ذلك لما انتشر من كتب «ماني» و«ابن ديصان» و «مرجئون» مما نقله «عبد اللّه بن المقفع» وغيره وترجمت من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنفه في ذلك ابن أبي العوجاء وحماد بن عجرد

(1) النديم: الفهرست: 352، 356.
(2) مروج الذهب:4/223، ط دار الأندلس.

89

ويحيى بن زياد و مطيع بن أياس من تأييد المذاهب المانية والديصانية والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة وظهرت آراؤهم في الناس، وكان المهدي أوّل من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلّمين بتصنيف الكتب على الملحدين ممّن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم، وأقاموا البراهين على المعاندين وأزالوا شبه الملحدين، فأوضحوا الحقّ للشاكّين....(1)
وفي ظل انتشار الكتب المترجمة بين أهل العلم من المسلمين، استفحلت المناظرة في عصر المأمون، وكان أهل الفرق والمذاهب والنحل وأصحاب المقالات يتناظرون فيما بينهم على مرأى ومسمع من الخليفة، وهذا هو المسعودي ينقل عن يحيى بن أكثم أنّه قال: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء، فإذا حضر الفقهاء ومن يناظره من سائر أهل المقالات أُدخلوا حجرة مفروشة، وقيل لهم: أنزعوا أخفافكم، ثم أحضرت الموائد، وقيل لهم: أصيبوا من الطعام والشراب وجدّدوا الوضوء، ومن خفّه ضيق فلينزعه، ومن ثقلت عليه قلنسوتُه فليضعها، فإذا فرغوا أتوا بالمجامر فبُخروا وطُيّبوا، ثمّ خرجوا فاستدناهم حتّى يدنوا منه ويناظرهم أحسن مناظرة، وأنصفها وأبعدها من مناظرة المتجبرين، فلا يزالون كذلك إلى أن تزول الشمس، ثمّ تنصب الموائد ثانية فيطعمون وينصرفون.(2)
ويذكر في حياة الواثق باللّه أنّه كان له مجلس في الفلسفة والطب وكان الواثق باللّه محبّاً للنظر، مكرماً لأهله، مبغضاً للتقليد وأهله محبّاً للإشراف على علوم الناس وآرائهم، ممّن تقدّم وتأخّر من الفلاسفة وغيرهم من الشرعيّين، فحضرهم ذات يوم جماعة من الفلاسفة والمتطببين، فجرى بحضرته أنواع من علومهم في

(1) مروج الذهب:4/223ـ224.
(2) مروج الذهب:3/432.

90

الطبيعيات وما بعد ذلك من الإلهيات.(1)
لقد أثار انتقال هذه الشبه والعقائد والآراء إلى أوساط المسلمين ضجّة كبرى بينهم، وافترقوا إلى فرقتين:
فرقة اقتصرت على الذب عن حياض الإسلام بتضليلهم وتكفيرهم وتوصيفهم بالزندقة وتحذير المسلمين من الالتقاء بهم وقراءة كتبهم والاستماع إلى كلامهم، إلى غير ذلك مما كان يعدّ مكافحة سلبية، لا تصمد أمام ذلك السيل الجارف.
وفرقة قد أحسّوا بخطورة الموقف وأنّ المكافحة السلبية لها أثرها المؤقت، وإنّ ذلك الداء لو لم يعالج بالدواء الناجع سوف يعمّ المجتمع كلّه أو أكثره، فقاموا بمكافحة إيجابية، أي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الذي يستحسنه الإسلام، فأزالوا شبهاتهم، ونقدوا أفكارهم في ضوء العقل والبرهان، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً، وهؤلاء هم الشيعة خرّيجو مدرسة أهل البيت أوّلاً، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء ثانياً الذين أخذوا أُصول مذهبهم عن علي عليه السَّلام بواسطتين:
1. أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية.
2. محمّد ابن الحنفية ابن علي بن أبي طالب.
ففي تلك الأجواء المشحونة بالبحث والجدل استفحل أمر الكلام، أي العلم الباحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله لغاية الذب عن الإسلام، فكان علم الكلام وليد الحاجة، ونتاج الصراع الفكري مع التيارات الإلحادية المتحديّة

(1) مروج الذهب:3/489.

91

للإسلام والمسلمين، وفي هذه الظروف العصيبة قام أهل البيت عليهم السَّلام بتربية جموع غفيرة من أصحاب المواهب للذب عن الإسلام وأُصوله أوّلاً، وحريم الولاية ثانياً، في ضوء العقل والبرهان، فصاروا يناظرون كل فرقة ونحلة بأتقن البراهين وأسلمها، وقد حفظ التاريخ أسماء لفيف من الرافلين في حلل الفضائل والمعارف، وسوف توافيك أسماؤهم في هذه الموسوعة.
يقول الدكتور فيصل بدر عون أُستاذ جامعة عين شمس: على ضوء هذه الثقافات المتباينة انّه كانت توجد في الجزيرة العربية، وفي البلاد التي امتدت إليها الفتوحات الإسلامية فلسفات وعلوم وديانات متباينة، وكان لكلّ دين أو فلسفة أنصاره ومؤيدوه، وهؤلاء الأنصار أيضاً انقسموا فيما بينهم إلى شيع وأحزاب، ومع أنّ هذه الطوائف قد احتفظت بكثير من عناصرها وخصائصها الأصلية، فانّ امتزاجها قد أدّى فيما بعد إلى صعوبة التمييز بينها و بين معالم الدين الجديد، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من القول بأنّ معظم هذه الثقافات قد احتفظ بسماته العامة التي تميزه عن غيره، وهكذا أيضاً تجد انّ المسلمين قد ورثوا تراثاً إنسانياً ضخماً، كان عليهم أن يدرسوه ويمحّصوه ويضيفوا إليه ويقتبسوا منه ما يتفق ودينهم ويردّوا على الآراء التي لا تتفق والروح الإسلامية الجديدة.(1)
أقول: إنّ ما اقترحه الأُستاذ الفاضل من أنّه كان من واجب المسلمين دراسة التراث وتمحيصه، لم يعر له المشايخ أهمّيّة فقد حرّموا علم الكلام ودراسته وأدانوا الممارسين له، واستمرت فكرة التحريم إلى عصر أبي الحسن علي بن إسماعيل إمام الأشاعرة(260ـ324هـ) الذي كتب رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام، وحاول بذلك القضاء على فكرة أهل الحديث المحرّمين لعلم الكلام والبحوث

(1) علم الكلام ومدارسه:31 ـ 32.

92

العقلية .
فمع أنّ الإمام تاب عن الاعتزال والتحق بركب الحنابلة، فمع ذلك استحسن الخوض في علم الكلام.
ولما كانت الرسالة تحتوي على نكات بديعة تعرب عن رسوخ الرجعيّة بين أهل الحديث وتعالج ذلك الداء العضال، فقد ارتأينا الإتيان بنصّها .قال بعد التسمية والحمد والتسليم :

رسالة الإمام الأشعري في استحسان الخوض في علم الكلام(1)

أمّا بعد فإنّ طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتّش عن أُصول الدين ونسبوه إلى الضلال، وزعموا أنّ الكلام في الحركة والسكون والجسم والعرض والألوان والأكوان والجزء والطفرة وصفات الباري عز ّوجلّ بدعة وضلالة، وقالوا: لو كان هدى ورشاداً لتكلّم فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلفاؤه وأصحابه! قالوا: ولأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يمت حتّى تكلم في كلّ ما يحتاج إليه من أُمور الدين، وبيّنه بياناً شافياً، ولم يترك بعده لأحد مقالاً فيما للمسلمين إليه حاجة من أُمور دينهم، وما يقربهم إلى اللّه عزّ وجلّ ويباعدهم عن سخطه; فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء ممّا ذكرناه، علمنا أنّ الكلام فيه بدعة، والبحث عنه ضلالة، لأنّه لو كان خيراً لما فات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولتكلّموا فيه، قالوا: ولأنّه ليس يخلو ذلك من وجهين: إمّا أن يكونوا علموه فسكتوا عنه، أو لم يعلموه بل جهلوه، فإن كانوا

(1) الرسالة طبعت للمرّة الثالثة في حيدر آباد الدكن (الهند) عام 1400هـ/1979 م، كما طبعت في ذيل كتاب اللمع للأشعري أيضاً.

93

علموه ولم يتكلموا فيه وسعنا أيضاً نحن السكوت عنه، كما وسعهم السكوت عنه، ووسعنا ترك الخوض كما وسعهم ترك الخوض فيه، ولأنّه لو كان من الدِّين ما وسعهم السكوت عنه، وإن كانوا لم يعلموه وسعنا جهله كما وسع أُولئك جهله، لأنّه لو كان من الدين لم يجهلوه، فعلى كلا الوجهين الكلام فيه بدعة، والخوض فيه ضلالة، فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأُصول.
قال الشيخ أبو الحسن (رضي الله عنه): الجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: قلب السؤال عليهم بأن يقال: النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقل أيضاً إنّه من بحث عن ذلك وتكلّم فيه فاجعلوه مبتدعاً ضالاً، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضُلاّلاً، إذ قد تكلّمتم في شيء لم يتكلّم فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وضلّلتم من لم يضلله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
الجواب الثاني: أن يقال لهم: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يجهل شيئاً ممّا ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض، والحركة والسكون، والجزء والطفرة، وإن لم يتكلّم في كلّ واحد من ذلك معيناً، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة، غير أنّ هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة، أُصولها موجودة في القرآن والسنّة جملة غير منفصلة.
فأمّا الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن، وهما يدلاّن على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال اللّه تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم صلوات اللّه عليه وسلامه في قصة أُفول الكوكب والشمس والقمر(1) وتحريكها من مكان إلى مكان، ما دلّ على أنّ ربّه عزّ وجلّ لا يجوز عليه شيء من ذلك، وأنّ من جاز عليه الأُفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله.
وأمّا الكلام في أُصول التوحيد فمأخوذ أيضاً من الكتاب، قال اللّه

(1) الأنعام:75ـ79.

94

تعالى:(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا)(1) ، وهذا الكلام موجز منبه على الحجة بأنّه واحد لا شريك له، وكلام المتكلّمين في الحجاج في التوحيد بالتمانع والتغالب فإنّما مرجعه إلى هذه الآية، وقوله عزّ وجلّ: (مَا اتّخذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض)(2) ، إلى قوله عزّ وجلّ: (أَمْ جَعَلُوا للّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ).(3)
وكلام المتكلّمين في الحجاج في توحيد اللّه إنّما مرجعه إلى هذه الآيات التي ذكرناها، وكذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل إنّما هو مأخوذ من القرآن، فكذلك الكلام في جواز البعث واستحالته الذي قد اختلف عقلاء العرب ومن قبلهم من غيرهم فيه حتّى تعجبوا من جواز ذلك فقالوا: (أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ)، وقولهم(4): (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ)(5)، وقولهم: (مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَميمٌ)(6) ، وقوله تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ)(7) ،وفي نحو هذا الكلام منهم إنّما ورد بالحجاج في جواز البعث بعد الموت في القرآن تأكيداً لجواز ذلك في العقول، وعلّم نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولقّنه الحجاج عليهم في إنكارهم البعث من وجهين على طائفتين: منه طائفة أقرّت بالخلق الأوّل وأنكرت الثاني، وطائفة جحدت ذلك بقدم العالم فاحتج على المقر منها بالخلق الأوّل بقوله: (قُلْ يُحْييها الّذي أنشَأها أَوّلَ مَرّة)(8)، و بقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه)(9) وبقوله: (كَما بَدأكُمْ

(1) الأنبياء:22.
(2) المؤمنون:91.
(3) الرعد:16.
(4) ق:3.
(5) المؤمنون:36.
(6) يس:78.
(7) المؤمنون:35.
(8) يس:79.
(9) الروم:27.

95

تَعُودُونَ)(1)، فنّبههم بهذه الآيات على أنّ من قدر أن يفعل فعلاً على غير مثال سابق فهو أقدر أن يفعل فعلاً محدثاً، فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفكم، وأمّا الباري جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه فليس خَلْقُ شيء بأهون عليه من الآخر، وقد قيل: إنّ الهاء في «عليه» إنّما هي كناية للخلق بقدرته، إنّ البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخفّ عليه من ابتداء خلقه، لأنّ ابتداء خلقه إنّما يكون بالولادة والتربية وقطع السرة والقماط وخروج الأسنان، وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة، وإعادته إنّما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شيء، فهي أهون عليه من ابتدائه، فهذا ما احتجّ به على الطائفة المقرة بالخلق.
وأمّا الطائفة التي أنكرت الخلق الأوّل والثاني، وقالت بقدم العالم فإنّما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا: وجدنا الحياة رطبة حارة، والموت بارداً يابساً، وهو من طبع التراب، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخرة فيصير خلقاً سوياً، والضدّان لا يجتمعان، فأنكروا البعث من هذه الجهة.
ولعمري إنّ الضدّين لا يجتمعان في محلّ واحد، ولا في جهة واحدة، ولا في الموجود في المحل، ولكنّه يصحّ وجودهما في محلّين على سبيل المجاورة، فاحتجّ اللّه تعالى عليهم بأن قال: (الّذي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُون)(2)، فردّهم اللّه عزّ وجلّ في ذلك إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على برده ورطوبته، فجعل جواز النشأة الأُولى دليلاً على جواز النشأة الآخرة، لأنّها دليل على جواز مجاورة الحياة التراب والعظام النخرة، فجعلها خلقاً سوياً وقال: (كَما بَدَأْنا أَوّلَ خَلْق

(1) الأعراف:29.
(2) يس:80.

96

نُعِيدُهُ).(1)
وأمّا ما يتكلّم به المتكلّمون من أنّ الحوادث أوّلاً (2) وردهم على الدهرية أنّه لا حركة إلاّ وقبلها حركة، ولا يوم إلاّ وقبله يوم، والكلام على من قال: ما من جزء إلاّ وله نصف لا إلى غاية، فقد وجدنا أصل ذلك في سنّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حين قال: «لا عدوى ولا طيرة» فقال أعرابي: فما بال الإبل كأنّها الظباء تدخل في الإبل الجَربى فتجرب؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): فمن أعدى الأوّل؟ فسكت الأعرابي لما أفحمه بالحجة المعقولة.
وكذلك نقول لمن زعم أنّه لا حركة إلاّ وقبلها حركة: لو كان الأمر هكذا لم تحدث منها واحدة، لأنّ ما لا نهاية له لا حدث له، وكذلك لما قال الرجل: يا نبيّ اللّه! إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود وعرض بنفيه، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : هل لك من إبل؟ فقال: نعم! قال: فما ألوانها، قال: حمر، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : هل فيها من أورق؟ قال: نعم! إنّ فيها أورق، قال: فأنى ذلك؟ قال: لعل عرقاً نزعه، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : ولعلّ ولدك نزعه عرق. فهذا ما علّم اللّه نبيّه من ردّ الشيء إلى شكله ونظيره، وهو أصل لنا في سائر ما نحكم به من الشبيه والنظير.
وبذلك نحتج على من قال: إنّ اللّه تعالى و تقدّس يشبه المخلوقات، وهو جسم، بأن نقول له: لو كان يشبه شيئاً من الأشياء لكان لا يخلو من أن يكون يشبهه من كلّ جهاته، أو يشبهه من بعض جهاته، فإن كان يشبهه من كلّ جهاته وجب أن يكون محدثاً من كلّ جهاته، وإن كان يشبهه من بعض جهات وجب أن يكون محدثاً مثله من حيث أشبهه، لأنّ كلّ مشتبهين حكمهما واحد فيما اشتبها له،

(1) الأنبياء:104.
(2) بياض في الأصل.

97

ويستحيل أن يكون المحدث قديماً والقديم محدثاً، وقد قال تعالى وتقدّس: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(1) ، و قال تعالى وتقدّس: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحدٌ).(2)
وأمّا الأصل بأنّ للجسم نهاية وأنّ الجزء لا ينقسم فقوله عزّ وجلّ اسمه: (وَكُلُّ شَيْء أَحْصَيْناهُ في إِمام مُبين)(3) ومحال إحصاء ما لا نهاية له، ومحال أن يكون الشيء الواحد ينقسم(4) لأنّ هذا يوجب أن يكونا شيئين، وقد أخبر أنّ العدد وقع عليهما. وأمّا الأصل في أنّ المحدث للعالم يجب أن يتأتى له الفعل نحو قصده واختياره وتنتفي عنه كراهيته، فقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ* ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ)(5)، فلم يستطيعوا أن يقولوا بحجّة أنّهم يخلقون مع تمنّيهم الولد، فلا يكون مع كراهيته له، فنبّههم أنّ الخالق هو من يتأتى منه المخلوقات على قصده.
وأمّا أصلنا في المناقضة على الخصم في النظر فمأخوذ من سنّة سيّدنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك تعليم اللّه عزّ وجلّ إيّاه حين لقي الحبر السمين، فقال له: نشدتك باللّه هل تجد فيما أنزل اللّه تعالى من التوراة أنّ اللّه تعالى يبغض الحبر السمين؟ فغضب الحبر حين عيّره بذلك، فقال: «ما أنزل اللّه على بشر من شيء»، فقال اللّه تعالى: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتابَ الّذي جاءَ بهِ مُوسى نُوراً)(6) فناقضه عن قرب، لأنّ التوراة شيء، وموسى بشر، وقد كان الحبر مقراً بأنّ اللّه تعالى أنزل التوراة على موسى.

(1) الشورى:11.
(2) الإخلاص:4.
(3) يس:12.
(4) بياض في الأصل.
(5) الواقعة:58ـ 59.
(6) الأنعام:91.

98

وكذلك ناقض الذين زعموا أنّ اللّه تعالى عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسول حتّى يأتيهم بقربان تأكله النار، فقال تعالى: (قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ)(1)فناقضهم بذلك وحاجهم.
وأمّا أصلنا في استدراكنا مغالطة الخصوم فمأخوذ من قوله تعالى : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه حَصَبُ جَهَنَّم أَنْتُمْ لَها وارِدُون)ـ إلى قوله : ـ (لا يَسْمَعُون)(2) ، فإنّها لما نزلت هذه الآية بلغ ذلك عبد اللّه بن الزبعرى ـ و كان جدلاً خصماً ـ فقال: خصمت محمداً وربّ الكعبة، فجاء إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: يا محمد! ألست تزعم أنّ عيسى و عزيراً والملائكة عبدوا؟ فسكت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا سكوت عي ولا منقطع، تعجباً من جهله، لأنّه ليس في الآية ما يوجب دخول عيسى و عزير والملائكة فيها، لأنّه قال: (وما تعبدون) ولم يقل و كلّ ما تعبدون من دون اللّه، وإنّما أراد ابن الزبعرى مغالطة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليوهم قومه أنّه قد حاجّه، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: (إِنَّ الَّذينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنى)يعني من المعبودين (أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) فقرأ النبيّ(3)(صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك، فضجّوا عند ذلك لئلا يتبين انقطاعهم وغلطهم، فقالوا:(ءآلهتنا خيرٌ أَمْ هو )يعنون عيسى، فأنزل اللّه تعالى:(ولَما ضرب ابن مَرْيَم مَثلاً إِذا قَومك مِنْهُ يَصدّون)إلى قوله: (خَصِمُون)(4)، وكلّ ما ذكرناه من الآي أو لم نذكره أصل، وحجة لنا في الكلام فيما نذكره من تفصيل، وإن لم تكن مسألة معيّنة في الكتاب والسنّة، لأنّ ما حدث تعيينها من المسائل العقليات في أيّام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والصحابة قد تكلّموا فيه على نحو

(1) آل عمران:183.
(2) الأنبياء:98ـ 100.
(3) الأنبياء:101.
(4) الزخرف:57ـ 58.

99

ما ذكرناه.
والجواب الثالث: إن ّ هذه المسائل التي سألوا عنها قد علمها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يجهل منها شيئاً مفصلاً، غير أنّها لم تحدث في أيّام معيّنة فيتكلّم فيها، أو لا يتكلّم فيها، وإن كانت أُصولها موجودة في القرآن والسنّة، وما حدث من شيء فيما له تعلّق بالدين من جهة الشريعة فقد تكلّموا فيه وبحثوا عنه وناظروا فيه وجادلوا وحاجّوا، كمسائل العول والجدات من مسائل الفرائض، وغير ذلك من الأحكام، وكالحرام والبائن وألبتة وحبلك على غاربك. وكالمسائل في الحدود والطلاق ممّا يكثر ذكرها، ممّا قد حدثت في أيّامهم، ولم يجئ في كلّ واحدة منها نصّ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّه لو نصّ على جميع ذلك ما اختلفوا فيها، وما بقي الخلاف إلى الآن.
وهذه المسائل ـ و إن لم يكن في كلّ واحدة منها نصّ عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فإنّهم ردّوها وقاسوها على ما فيه نصّ من كتاب اللّه تعالى والسنّة واجتهادهم، فهذه أحكام حوادث الفروع، ردّوها إلى أحكام الشريعة التي هي فروع لا تستدرك أحكامها إلاّ من جهة السمع والرسل، فأمّا حوادث تحدث في الأُصول في تعيين مسائل فينبغي لكلّ عاقل مسلم أن يرد حكمها إلى جملة الأُصول المتّفق عليها بالعقل والحس والبديهة وغير ذلك، لأنّ حكم مسائل الشرع التي طريقها السمع أن تكون مردودة إلى أُصول الشرع الذي طريقه السمع، وحكم مسائل العقليات والمحسوسات أن يرد كلّ شيء من ذلك إلى بابه، ولا يخلط العقليات بالسمعيات ولا السمعيات بالعقليات، فلو حدث في أيّام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلام في خلق القرآن وفي الجزء والطفرة بهذه الألفاظ لتكلّم فيه وبيّنه، كما بيّن سائر ما حدث في أيّامه من تعيين المسائل، وتكلّم فيها.
ثمّ يقال: النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يصحّ عنه حديث في أنّ القرآن غير مخلوق أو هو مخلوق، فلم قلتم: إنّه غير مخلوق؟

100

فإن قالوا: قد قاله بعض الصحابة وبعض التابعين، قيل لهم: يلزم الصحابي والتابعي مثل ما يلزمكم من أن يكون مبتدعاً ضالاً إذ قال ما لم يقله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فإن قال قائل: فأنا أتوقّف في ذلك فلا أقول: مخلوق ولا غير مخلوق، قيل له: فأنت في توقّفك في ذلك مبتدع ضالّ، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل: إن حدثت هذه الحادثة بعدي توقّفوا فيها ولا تقولوا فيها شيئاً، ولا قال: ضلّلوا وكفّروا من قال بخلقه أو من قال بنفي خلقه.
وخبرونا، لو قال قائل: إنّ علم اللّه مخلوق، أكنتم تتوقّفون فيه أم لا؟
فإن قالوا: لا، قيل لهم: لم يقل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أصحابه في ذلك شيئاً، وكذلك لو قال قائل: هذا ربّكم شبعان أو ريان، أو مكتس أو عريان، أو مقرور أو صفراوي أو مرطوب، أو جسم أو عرض، أو يشم الريح أو لا يشمها، أو هل له أنف وقلب وكبد وطحال، وهل يحج في كلّ سنة، وهل يركب الخيل أو لا يركبها، وهل يغتمّ أم لا؟ ونحو ذلك من المسائل، لكان ينبغي أن تسكت عنه، لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتكلّم في شيء من ذلك ولا أصحابه، أو كنت لا تسكت، فكنت تبيّن بكلامك أنّ شيئاً من ذلك لا يجوز على اللّه عز وجلّ، وتقدس كذا وكذا بحجّة كذا وكذا.
فإن قال قائل: أسكت عنه ولا أُجيبه بشيء، أو أهجره، أو أقوم عنه، أو لا أسلم عليه، أو لا أعوده إذا مرض، أو لا أشهد جنازته إذا مات.
قيل له: فيلزمك أن تكون في جميع هذه الصيغ التي ذكرتها مبتدعاً ضالاً، لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل: مَن سأل عن شيء من ذلك فاسكتوا عنه، ولا قال: لا تسلموا عليه، ولا: قوموا عنه، ولا قال شيئاً من ذلك، فأنتم مبتدعة إذا فعلتم

101

ذلك، ولم لم تسكتوا عمّن قال بخلق القرآن، ولم كفّرتموه، ولم يرد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث صحيح في نفي خلقه، وتكفير من قال بخلقه.
فإن قالوا: إنّ أحمد بن حنبل ، قال بنفي خلقه، وتكفير من قال بخلقه، قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أحمد عن ذلك بل تكلّم فيه؟
فإن قالوا: لأنّ العباس العنبري ووكيعاً و عبد الرحمن بن مهدي وفلاناً و فلاناً قالوا إنّه غير مخلوق، ومن قال بأنّه مخلوق فهو كافر.
قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أولئك عمّا سكت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فإن قالوا: لأنّ عمرو بن دينار و سفيان بن عيينة وجعفر بن محمد رضي اللّه عنهم وفلاناً وفلاناً قالوا: ليس بخالق ولا مخلوق.
قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أُولئك عن هذه المقالة، ولم يقلها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
فإن أحالوا ذلك على الصحابة أو جماعة منهم كان ذلك مكابرة. فإنّه يقال لهم: فلم لم يسكتوا عن ذلك، ولم يتكلّم فيه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) . ولا قال: كفروا قائله، وإن قالوا: لابدّ للعلماء من الكلام في الحادثة ليعلم الجاهل حكمها، قيل لهم: هذا الذي أردناه منكم، فلم منعتم الكلام، فأنتم إن شئتم تكلّمتم، حتّى إذا انقطعتم قلتم: نهينا عن الكلام; وإن شئتم قلّدتم من كان قبلكم بلا حجّة ولا بيان، وهذه شهوة وتحكّم.
ثمّ يقال لهم: فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتكلّم في النذور والوصايا، ولا في العتق، ولا في حساب المناسخات، ولا صنف فيها كتاباً كما صنعه مالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة، فيلزمكم أن يكونوا مبتدعة ضلالاً إذ فعلوا ما لم يفعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقالوا ما لم يقله نصاً بعينه، وصنّفوا ما لم يصنّفه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقالوا بتكفير القائلين بخلق القرآن ولم يقله النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) . وفيما ذكرنا كفاية لكلّ عاقل غير معاند.
نجز والحمد للّه، وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

102

8

بدايات الخلاف

في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد رحيله

ذكر أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479ـ 548هـ) بدايات الخلاف بين المسلمين في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، ولكنّها بدايات خلاف وليست بدايات خلاف في مسائل كلاميّة، وكان عليه عقد فصل لبدايات الخلاف وفصل آخر لبدايات الخلاف في المسائل الكلاميّة. وها نحن نذكر كلتا البدايات في مقامين:

المقام الأوّل: في بدايات الخلاف في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بما أنّه لا ينطق عن الهوى وأنّ ما يقوله ويفعله إنّما هو وحي يُوحى إليه ـ كان سدّاً منيعاً لنشوء الخلاف، ولو حصل هناك خلاف بين الصحابة فإنّما هو خلاف سطحي، يرتفع غالباً بإرشاداته وتوجيهاته، ونحن نذكر نموذجين من ذلك:
1. قسّم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أموال بيت المال بين المسلمين في غزوة الطائف، ووزّع الخمس (الذي هو حقّه الخاص به) بين أشراف قريش الحديثي عهد بالإسلام بُغية تأليف قلوبهم، فأعطى من هذا المال لأبي سفيان بن حرب، وابنه

103

معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث بن الحارث، والحارث بن هشام، و سهيل بن عمرو، و حويطب بن عبد العزّى، والعلاء بن جارية، وصفوان بن أُمية، وغيرهم ممّن كانوا يعادونه إلى الأمس القريب، فأعطى لكلّ واحد منهم مائة بعير.(1)
لقد شق هذا الأُسلوب في تقسيم الغنائم على الأنصار لجهلهم بالمصالح الّتي كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يراعيها ويتبنّاها في هذا التقسيم وكانوا يتصوّرون انّ التعصب القَبَلي هو الذي دفع بالرسول إلى تقسيم خمس الغنيمة بين أبناء قبيلته، فجاء ذو الخويصرة التميمي فقال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بكل وقاحة: يا محمّد قد رأيتُ ما صنعتَ في هذا اليوم لم أرك عدلتَ، فغضب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من كلامه، فقال: ويحك إذا لم يكُن العدلُ عندي فعند من يكون؟ فطلب عمر بن الخطاب من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأذن له بقتله، فلم يأذن له، ثمّ أخبر(صلى الله عليه وآله وسلم)عن مصيره السيِّئ، وقال:
دعه فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتّى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية.(2)
2. رفع سعد بن عبادة شكوى الأنصار حول كيفية تقسيم الخمس، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : إجْمع مَنْ كان هاهنا من الأنصار، فتكلّم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد حمد اللّه وثنائه وقال:
«يا معشر الأنصار ما مَقالةٌ بلغتني عنكم وجدَةٌ وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضُلاّلاً فهداكم اللّه، وعالة فأغناكم اللّه، وأعداءً فألّف اللّه بين قُلوبكم»؟!
قالوا: بلى، اللّه ورسوله أمَنُّ وأفضلُ!
قال:

(1) السيرة النبوية:3/443; إمتاع الأسماع:423.
(2) السيرة النبوية:2/496; السيرة الحلبية:3/123.

104

«ألا تجيبوني يا معشر الأنصار»؟
قالوا: وماذا نجيبك يا رسول اللّه؟ لرسول اللّه المَنُّ والفضل.
قال:
«أما واللّه لو شِئْتُمْ قُلْتُمْ فَصدَقْتُم، أتيتَنا مكذَّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناكَ، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك!وَجدتُم في أنفسِكُم يا معشرَ الأنصار في شيء من الدُّنيا، تألّفتُ به قوماً ليسلمُوا ووكَلتُكُمْ إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم؟
والذي نفسُ محمّد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْباً وسلكتِ الأنصار شِعْباً لسلكتُ شِعْب الأنصار».
ثمّ ترحّم على الأنصار وعلى أبنائهم وعلى أبناء أبنائهم فقال:
«اللّهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار».
وقد كانت كلمات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هذه من القوة والعاطفة بحيث أثارت مشاعر الأنصار، فبكوا بعد سماعها بكاء شديداً حتّى اخضلّت لحاهُمْ بالدُّموع وقالوا: رَضينا يا رسول اللّه حظّاً وقسماً!!!
ثمّ انصرف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) و تفرّقوا.(1)
نعم قد وقع في عصر الرسول خلاف بينه و بين بعض أصحابه لم يحسم في حياته بل بقى الخلاف إلى أن قبض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك شيئاً من هذا القسم.

(1) السيرة النبوية:2/ 498 و 499; المغازي:3/957 و 958.

105

1. تجهيز جيش أُسامة

كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مهتماً بالرّوم ويرى أنّهم يشكّلون خطراً كبيراً على الدولة الفتيّة الإسلامية، ولأجل ذلك سار في العام التاسع من هجرته إلى تبوك مع ثلاثين ألفاً من أصحابه، وجاء فلم ير هناك أثراً للعدوّ وعقد مواثيق مع رؤساء القبائل في المنطقة ورجع إلى المدينة وجهّز في أُخريات عمره، وقبل أن يطرأ عليه المرض جيشاً أمّر عليه أُسامة بن زيد الذي كان أبوه أيضاً أميراً على الجيش، وغزا في أرض مؤتة وكان الناس على استعداد للنفر وقد اجتمع كثير منهم في معسكر «جُرَف» .
عقد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اللواء لأُسامة، ثمّ مرض بشدة وأصابه صداع شديد ألزمه الفراش واستمرّ المرض عدّة أيّام حتّى قضى عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعندما شاهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو طريح الفراش استثقال صحابته في النفر و الحركة إلى تبوك، خرج من البيت وقال: جهّزوا جيش أُسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة .
وقال قوم: قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، نَصْبر حتى نُبْصِر أيّ شيء يكون من أمره.
وعلى كلّ تقدير لم يتحقّق أحد آمال النبي في أيّام حياته، بسبب فقدان الانضباط بين الصحابة والذي أبداه فريق من شيوخ القوم وأعيان الجيش.

2. الأمر بإحضار القلم والدواة

لمّا اشتدّ مرض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وحضر عنده أعيان صحابته، أمر بإحضار القلم والدواة والقرطاس ليكتب لهم شيئاً حتّى لا يضلّوا بعده، وقد ذكر ذلك مسلم في صحيحه كما ذكره البخاري في صحيحه في عدّة مواطن، ونحن نذكر ما

106

أخرجه مسلم في صحيحه عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن ابن عباس، قال:
لمّا حُضِـرَ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : هلمّ ، أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده، فقال عمر: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت فاختصموا... فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع .
وكان ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أن يُكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(1)

الخلافات بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

كان وجود الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين، يمثّل ـ غالباً ـ سدّاً منيعاً أمام نشوب الخلاف والشقاق بينهم، وبعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم) بدأ النزاع بينهم في المسائل الفقهية والعقائدية... وأخذ يتّسع شيئاً فشيئاً إلى أن بلغ درجة، تفرّقوا معها إلى فرق ومذاهب مختلفة.
والخلافات بعد رحيله تنقسم إلى قسمين:
1. الخلافات الفرعية كالخلاف في موضع دفنه ، فقد اتّفقوا بعد الخلاف على دفنه في بيته لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «الأنبياء يُدفنون حيث يَموتون». ونظيره الخلاف في أمر فدك وأنّ النبي يورث أو لا، فادّعى أبو بكر أنّه سمع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، وخالفه علي عليه السَّلام وبنت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وجميع أهل البيت (عليهم السلام) في أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يُورِّث كما يُورث الآخرون، وأنّ ما رواه أبو

(1) صحيح مسلم:5/76، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه من كتاب الوصية.

107

بكر خبر واحد مخالف للقرآن الكريم حيث ورث أبناء الأنبياء آباءَهم.
ولو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كسائر الأنبياء لا يُورِّث، كان عليه أن يبيّن ذلك لأولاده حتّى لا يدّعوا بعده ما ليس لهم، كما عمل بذلك في باب الزكاة و قال: إنّ الصدقة حرام على آل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
2. الخلافات الأُصولية أهمّها مسألة الإمامة بعد رحيل الرسول، وقد عدّ الشهرستاني ذلك الخلاف أعظم خلاف بين الأُمّة وقال: «ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان».
إنّ الخلافة في العقيدة الشيعية منصب إلهي كالنبوة يعطى لأفضل أفراد الأُمّة وأصلحهم وأعلمهم، والفرق الواضح بين الإمام والنبي، هو أنّ النبي مؤسس الشريعة، و يوحى إليه، ويتلقّى الكتاب من لدن اللّه تعالى، والإمام وإن كان لا يتمتع بواحد من هذه الشؤون، إلاّ أنّه يقوم بوظائف النبيّ كلّها ـ عدا ما استثنى ـ كنشر الإسلام، وتفسير الكتاب، وتبيين الأحكام، وقيادة المسلمين، و....
نعم الإمامة عند أهل السنّة مسألة فرعية من مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى كلّ تقدير فإنّ هذا الخلاف هو الأساس لعامة الخلافات، ولو كانت الصحابة عملت بوصية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في أهل بيته حيث قال في غير موضع: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا...» لذابت سائر الخلافات بين المسلمين، وذلك لأنّ أهل البيت(كما في حديث الثقلين)، هم المرجع العلمي للأُمّة، والخلافات تُردّ إليهم، فيكون رأيهم وقضاؤهم هو الرأي الحاسم والقاطع ولكن القوم ـ عفا اللّه عنّا وعنهم ـ أقصوا أئمّة أهل البيت وطمعوا في الخلافة ورغبوا عن الإمامة، فلو كانوا مقدّمين مَن قدّم اللّه ومؤخّرين

108

مَن أخّر اللّه، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وكان المسلمون يداً واحدة دون أية فرقة وشقاق.
هذا وقد تفاقم الأمر بعد رحيل الرسول في مسائل كثيرة، لعدول الأكثر عن الخط الذي رسمه لهم الرسول، وهو التمسّك بأئمّة أهل البيت بعد رحيله فيما يرجع إلى دينهم ودنياهم، ونودّ أن نشير إلى هذه الأُمور بإيجاز:
1. تولّى أبو بكر الخلافة قرابة ثلاث سنين وأوصى بها بعد وفاته إلى عمر بن الخطاب خلافاً للأصل الذي كانوا يتبنّونه في السقيفة من اختيار الخليفة عبر البيعة، فلمّا ولاّه الخلافة واجه رفض بعض الأصحاب واعتراضهم، وقالوا له: قد ولّيتَ علينا فظّاً غليظاً.
2. تسنّمَ عثمان عرش الخلافة بشورى سداسية، عيّن أعضاءَها عمرُ بن الخطاب، الذي تناسى الأصل في تعيين الخليفة من حديث البيعة ولما استتبّ لعثمان الأمر ارتكب أُموراً كثيرة نقموا بها عليه:
منها: ردّه الحكم بن أُميّة إلى المدينة بعد أن طرده رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)(وكان يسمّى طريد رسول اللّه) وبعد أن تشفّع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخاً.
ومنها :نفيه أبا ذر إلى الربذة.
ومنها: تزويجه مروان بن الحكم بنته وإعطاؤه خمس غنائم أفريقية وقد بلغ مائتي ألف دينار.
ومنها: إيواؤه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح (وكان رضيعه )بعد أن هدر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دمه وتوليته إياه مصر بأعمالها.
ولما عاد الحقّ إلى نصابه وأخذ الإمام علي عليه السَّلام زمام الخلافة نكثت طائفة كالزبير وطلحة، وقسطت طائفة أُخرى كمعاوية وأتباعه، ومرقت طائفة ثالثة وهم الخوارج، والحديث ذو شجون، والتاريخ متكفّل لبيانها.

109

المقام الثاني

بدايات المسائل الكلامية

إنّ ما ذكر كان إلماماً عابراً بالخلافات التي سبّبت شقاق المسلمين واختلافهم، وحان الكلام في المقام الثاني وهو المسائل الكلامية الّتي أوجدت الفرق الكلامية، وإليك جذور هذه المسائل.

1. الإمامة تنصيصية أو انتخابية؟

إنّ الاختلاف في الإمامة الذي نشب في السقيفة وحتى بعد زمن، كان اختلافاً سياسياً لا كلامياً، ولم يكن مبنيّاً على قاعدة دينية وجدال كلامي، يظهر ذلك من المحادثات التي جرت في السقيفة وبعدها، وكان الأنصار يرون أنفسهم أولى بإدارة الأُمور لأنّهم آووا النبي ونصروه، وكان المهاجرون يرون أنفسهم أولى بها لأنّهم أصل النبي وعشيرته، إلى أن غلب منطقُ المهاجرين منطقَ الأنصار، فخرج أبو بكر من السقيفة ظافراً بعدما بايعته قبيلة الأوس وخمسة أشخاص من المهاجرين.
وأمّا في أواسط القرن الأوّل ، فقد أصبحت مسألة الإمامة مسألة كلامية، وأنّ الإمامة منصب تنصيصي أو منصب انتخابي.

110

2. مسألة التحكيم

لما قَبِل عليّ عليه السَّلام التحكيم تحت ضغط طائفة من أصحابه (الذين أصبحوا فيما بعدُ من الخوارج)ندم الذين فرضوا التحكيم على عليّ، وقالوا: إنّ تحكيم الرجال على خلاف القرآن الكريم لقوله سبحانه: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّه...).(1)
والفارق بين خلاف الناكثين والقاسطين وبين خلاف المارقين هو أنّ خلاف الطائفتين الأُوليين لم يكن قائماً على أساس ديني أو قاعدة دينية، بخلاف الخوارج فإنّ اختلافهم كان مبدئياً حيث كانوا يردّدون كلمة «لا حكم إلاّ للّه» و كان علي عليه السَّلام وابن عباس يحتجّان عليهم بالقرآن والسنّة.

3. حكم مرتكب الكبيرة

لمّا ظهر التطرف في خلافة عثمان ودبّ الفساد في أجهزة الحكم وأنصارهم نجمت مسألة كلامية ، تدور حول حكم مرتكب الكبيرة، وقد استفحل أمرها فيما بعد أيّام محاربة الخوارج للأمويين الذين كانوا معروفين بالفسق والفجور، وسفك الدماء وغصب الأموال، فكان الخوارج يحاربونهم بحجّة أنّهم كفرة لا حرمة لدمائهم ولا لأعراضهم لاقترافهم الكبائر.
فاختلفوا إلى أقوال:
أ. مرتكب الكبيرة كافر.
ب. مرتكب الكبيرة فاسق منافق.
ج. مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق.

(1) يوسف:40.

111

د. مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل منزلة بين المنزلتين.
فالأوّل خيرة الخوارج، والثاني مختار الحسن البصري، والثالث مختار الإمامية وأهل الحديث وتبعهم الأشاعرة، والرابع نظرية المعتزلة.

4. تحديد مفهوم الإيمان

وقد انبثق من النزاع السابق نزاع آخر يتعلّق بتحديد مفهوم الإيمان، وهل أنّ العمل داخل في حقيقة الإيمان أو لا؟
فالخوارج والمعتزلة على الأوّل، فمن لا عمل له فلا إيمان له.
والشيعة ومن وافقهم على الثاني، وأنّ العمل وإن كان من أركان الإيمان إلاّ أنّ الإيمان يزيد وينقص، فالعمل شرط النجاة لا شرط تحقّق الإيمان .

5. الإرجاء والمرجئة

كان الخوارج يشنُّون الغارة على كلّ من ارتكب معصية كبيرة ـ ولو مرّة واحدة ـ ويرونه كافراً فاقداً للإيمان، فكان لتلك الفكرة ردُّ فعل سيّء وهو إيلاء الاهتمام بالإيمان القلبي وإقصاء العمل، فظهرت طائفة اشتهرت بالمرجئة وكانوا يهدفون إلى تقديم الإيمان وتأخير العمل، ويقولون «لا يضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة».
وهذه الفكرة مع سذاجتها يوم نشوئها تحوّلت إلى الإباحية، وفتحت أبواب المعاصي أمام المسلمين بلا اكتراث.

6. القضاء والقدر

قد ثبت في محلّه أنّ اليهود كانوا يولون اهتماماً واسعاً بالتقدير، وقد رسخت

112

الفكرة في الأوساط العربية في عصر الجاهليّة حتّى أن عمر بن الخطاب نسب انهزام المسلمين في يوم حنين إلى تقدير اللّه سبحانه.(1)مع أنّ القرآن يشهد على خذلان الصحابة للنبي، وتولّيهم في ميدان الحرب.(2)
قد كانت فكرة القدر راسخة في أذهان الصحابة، القدر الذي كان يُفسّر بسلب الاختيار عن الإنسان وتفويض مصير الإنسان إلى عالم التقدير فكأنّ الإنسان ريشة في مهبِّ الريح العاصف، روى عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم. قال: اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟! قال: نعم، يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(3)
لا شكّ أنّ القضاء والقدر من المعارف القرآنية التي لا يمكن لأحد إنكارها ولا تأويلها غير أنّ الكلام في موضعين:
1. هل القضاء والقدر يسلبان الاختيار عن الإنسان في الأعمال التي يُجازى بها الإنسان ويثاب عليها؟
2. هل يحقّ للحكّام تبرير أعمالهم الجنائية بالقضاء والقدر،مثلما كان الأمويون يفعلون ذلك؟
يقول أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّه يريد أفعال العباد كلّها.(4)

(1) الواقدي، المغازي:3/904.
(2) التوبة:25.
(3) السيوطي، تاريخ الخلفاء:95.
(4) الأوائل:2/135.

113

7. مسألة التشبيه والتنزيه

قد تقدّم أنّ التوراة ملئت بالمتشابهات مثل الصورة والمشابهة والتكليم جهراً، والنزول على طور سيناء انتقالاً، والاستواء على العرش استقراراً، وجواز الرؤية، وغير ذلك.
فصار التشبيه والتجسيم شعاراً لليهود أو لصنوف منهم، ويكفيك أنّ التوراة تصف اللّه بصورة إنسان وله صورة، وتقول: خلق اللّه آدم على صورته وتقول: فرغ اللّه في اليوم السادس من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع، وأنّه يمشي بين رياض الجنّة وله نداء، إلى غير ذلك ممّا ورد في العهد القديم من التشبيه والتجسيم والتمثيل. (1)
وقد دسّ الأحبار كثيراً من البدع بين الأحاديث لاعتماد الرواة على أُناس; نظراء: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وتميم الداري، وغيرهم; وأصبحت مسألة التشبيه والصفات الخبرية ذات أهمية بين المسلمين، وقد أخذت طريقها إلى الصحاح والمسانيد وكتب التفسير.

8. النسخ في الشريعة

قد سبق(2) أنّ اليهود تبنّت امتناع النسخ في الشريعة، فقالوا: لا يكون بعد شريعة موسى أيّة شريعة، لأنّ النسخ بداء، والبداء لا يجوز على اللّه، وبذلك صارت مسألة النسخ مسألة كلامية.

(1) التوراة، سفر التكوين: نشأة العالم والبشرية، ص 70، ط دار المشرق، بيروت.
(2) راجع ص 85.

114

9. عصمة الأنبياء

إنّ أبرز ما يفترق فيه القرآن عن العهدين هو مسألة صيانة رجال الوحي والهداية عن الذنب والعصيان، خلافاً للتوراة وبعض ما ورد في الإنجيل، فقد جاء فيهما أساطير خيالية تمس كرامة اللّه أوّلاً، ثمّ كرامة الأنبياء ثانياً، فالأنبياء يشربون الخمر ويمكرون ويقترفون الزنا!!

10. حدوث القرآن وقدمه

إنّ مسألة حدوث القرآن وقدمه أو خلق القرآن وعدم خلقه طرحت في أيام المأمون وشقّت عصا المسلمين ووحدتهم النسبية إلى طرفين، وكانت يد يوحنا الدمشقي تلعب بهذا الأمر من وراء الستار، وكان يحاول أن يثبت قدم عيسى ـ بما أنّه كلمة اللّه ـ بالقول بقدم القرآن.

11. التحسين والتقبيح العقليان

شغلت قاعدة التحسين والتقبيح العقليين بال الكثيرين من أقدم العصور إلى يومنا هذا، إذ قلّما يتّفق لباحث أن يخوض في الكلام والأخلاق دون أن يشير إليها.
وقد صارت القاعدة أساساً لعدّة مسائل كلامية، نأتي برؤوسها:
1. وجوب معرفة اللّه عقلاً.
2. وصفه بالعدل والحكمة.
3. لزوم اللطف على اللّه.
4. بعثة الأنبياء.

115

5. حسن التكليف.
6. لزوم تزويد الأنبياء بالبيّنات والمعاجز.
7. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة.
8. العلم بصدق دعوى الأنبياء.
9. الخاتمية واستمرار أحكام الإسلام.
10. اللّه عادل لا يجور.
11. ثبات الأخلاق والقيم.
هذه بدايات علم الكلام في القرنين الأوّلين، وتوالى البحث حول مسائل أُخرى إلى أن أصبح علماً متكامل الجوانب يواكب علم الفلسفة في بحوثه الثلاثة:
1. الأُمور العامة.
2. الطبيعيات والفلكيات.
3. الإلهيات بالمعنى الأخصّ.
لا شكّ أنّ أكثر ما احتفلت به الكتب الكلامية في حقل الطبيعيات والكلّيات وما يرجع إلى الجوهر والعرض كان اقتباساً ممّا نقله المترجمون عن الإغريقيين وغيرهم من الهنود والفرس، وأمّا ما يرجع إلى الإلهيات فللإسلاميين فيها دور فعال لا ينكر، خصوصاً الفلاسفة منهم، فقد أسسّوا قواعد، وكشفوا أُصولاً فلسفية لم يسبقهم إليها أحد.
هذا وقد نقل سيّد مشايخنا العلاّمة الطباطبائي في مقال له أُلقي في الذكرى المئوية لميلاد صدر المتألهين:« إنّ المسائل الفلسفية الموروثة عن اليونانيين وغيرهم لم تكن تتجاوز مائتي مسألة، وقد تكاملت بأيدي فلاسفة الإسلام ومتكلّميهم إلى

116

أن بلغت سبعمائة مسألة»، لكنّه (قدس سره) لم يشر إلى عناوين المسائل المنقولة، والمسائل المؤسَّسة، ويا ليته كان يشير إلى عناوين هذه المسائل ليريح الآخرين من القيام بالعبء الثقيل في طريق تمييز هذين النوعين من المسائل.
قال الدكتور شبلي شميل: إنّ الفلسفة الإلهية بلغت بين المسلمين شأواً ولكن البيئات النصرانية لم تستطع أن تحتفظ بها، وصارت الفلسفة بعد الانتشار بينهم محكومة بالفناء والاندثار، حتّى قام رجال الكنائس يكافحونها بكلّ قوة غير ما يرجع إلى لاهوتية المسيح. (1)
لو كانت تلك الفلسفة الإسلامية (المشيّدة القواعد والمحرّرة المسائل) منتشرة بين أبناء الغرب لما ظهر بينهم ما ظهر من المسالك المتناقضة والمذاهب المتبدّدة التي يقضي الوجدان السليم ببطلانها.
ولو كانت الفلسفة الإسلامية دارجة يرجع إليها المادي في شبهاته وشكوكه والإلهي في تقويم عقائده وتحكيم مبانيه، لما ظهر سلطان المادي في البيئات العلمية.
ولو كانت الفلسفة الإسلامية سائدة على المفكّرين من الغربيين لما تسنّى للسوفسطائي أن يبث تلك الدعاوي الفارغة والأساطير المكذوبة حينما قضى الدهر على أسلافهم بالفناء والهلاك، فجاء أخلافهم بعد لأي من الدهر يقتفون آثار آبائهم وأجدادهم البالية.

(1) النشوء والارتقاء، الجزء الثامن حول القرآن والعمران .

117

9

العوامل المؤثرة في نشوء

المدارس الكلاميّة

من أبرز العوامل التي أدّت إلى نشوء المدارس الكلامية، هو الاختلاف في الأُصول، الذي انتهى إلى تأسيس مسالك مختلفة مع اتفاق الكلّ على أنّ الغاية من تأسيس علم الكلام هي الذبّ عن الإسلام، أُصوله وفروعه.
وتتلخص الأُصول التي أوجد الاختلافُ فيها فجوة كبيرة بين الآراء والأفكار، في أُمور أهمّها:

1. الصفات الذاتية

لا شكّ أنّه سبحانه موصوف بالعلم والقدرة والحياة وغيرها من الصفات الجمالية، والسؤال: هل هذه الصفات هي غير الذات مفهوماً و عينها ذاتاً ومصداقاً، أو هي غير الذات مطلقاً، مفهوماً ومصداقاً؟ فالعدلية على الأوّل، والأشاعرة على الثاني.
ثمّ إنّ القائلين بالوحدة على طائفتين:

118

الأُولى: انّ الصفات الجمالية متحقّقة في الذات، لكن لا تغاير بين الموصوف والوصف وجوداً، وإن كان بينهما تغاير مفهوماً، فالذات كلّها علم، وكلّها قدرة، وكلّها حياة وهكذا، ولا مانع من أن يكون قسم من الصفات ـ كالعلم ـ أمراً قائماً بالغير كما في الممكنات، وقسم منه أمراً قائماً بالذات كما في الواجب عزّ اسمه، وهذا مذهب الإمامية.
الثانية: انّ الذات نائب مناب الصفات، فالذات ببساطتها، تقوم بكلّ ما تقوم به الأوصاف، فكما أنّ الذات الموصوفة بالعلم والقدرة، والحياة يصدر منها الفعل بالعلم والإتقان ، وهكذا ذاته سبحانه، النائبة مناب الصفات، يكون فاعلاً عالماً و متقناً لفعله، وهذا هو القول بالنيابة، وبه قال بعض المعتزلة.
يقول الحكيم السبزواري:
والأشعري بازدياد قائله *** وقـال بـالنيابـة المعتزلـه(1)

2. الصفات الخبرية

والمراد، ما وصف به سبحانه نفسه في القرآن والحديث فأثبتا له اليد و الاستواء والعين وغيرها، فقد أوجد تفسير هذه الصفات اختلافاً عظيماً بين المتكلّمين; فالأشاعرة على حملها بمعانيها اللغوية على اللّه سبحانه غاية الأمر «يقولون الكيف مجهول» وقد عُرِفُوا بالمثبِتة، أي مثبتة الصفات; والمعتزلة على تأويل اليد بالقدرة، والاستواء على الاستيلاء وقد عرفوا بنفاة الصفات أوبالمؤوّلة.
وأمّا الإمامية فقد ذهبوا إلى أنّ المتبع هو الظهور التصديقي، لا التصوّري،

(1) شرح المنظومة للسبزواري:156.

119

وإن شئت قلت: المتبع هو الظهور الجُمْلي لا الإفراديّ، واليد والاستواء والعين وإن دلّت بظهورها التصوريّ أو الإفرادي على التشبيه والتجسيم لكنّه ليس بمتَّبع، بل المتَّبع هو الظهور التصديقي، وهو المعاني التي كنّي عنها بهذه الألفاظ، وكلام العرب مشحون بالكنايات، والتفصيل في محله.

3. الصفات الفعلية

ما يصدر عنه سبحانه من الخلق والرزق، والرحمة والعذاب صفات فعلية، فوقع الكلام فيما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز، فالمعتزلة والإمامية على تحديد فعله سبحانه من خلال الإمعان في بعض صفاته ككونه حكيماً عادلاً، بالعدل والحكمة، فقالوا: يمتنع عليه سبحانه، التكليف بما لا يطاق، أو تعذيب المطيع، بخلاف الأشاعرة حيث إنّه سبحانه عندهم فوق أن يقع في إطار التحديد، حتّى يوصفَ بعضُ أفعاله بالوجوب والآخرُ بالامتناع، فيجوّزون التكليف بالمحال، وتعذيب المطيع.

4. العدل

اتّفق المتكلّمون على وصفه سبحانه بالعدل، إنّما اختلفوا في تفسيره، فالأشاعرة على أنّ الدليل على وصفه سبحانه به، هو السمع، وعلى ذلك فكلّ ما صدر منه سبحانه فهو عدل، سواء أكان عدلاً، عند العقل أم لا، خلافاً للإمامية والمعتزلة فانّ الدليل على وصفه بالعدل هو العقل، ولو دلّ السمع على أنّه عادل فهو مؤيّد له، و العقل بنفسه يميّز مصداق العدل عن خلافه; وعلى ضوء ذلك، يستحيل صدور ما يعد ظلماً في منطق الفعل، فتكليف العاجز وتعذيب الطفل الصغير، خلاف العدل، ونفس الظلم عند العدلية.

120

إنّ الاختلاف في تفسير العدل ينشأ من الاختلاف في المسألة التالية، وكأنّها هي المصدر الوحيد، لنشوء أكثر المدارس الكلامية.

5. التحسين والتقبيح العقليان

إنّ القائلين بذاتيّة التحسين والتقبيح، يفسرونها بالقول: إنّ الفعل الصادر من الفاعل المختار، سواء أكان واجباً أم ممكناً، إذا نظر إليه العقل وتجرّد عن كلّ شيء يستقل إمّا بحسنه وانّه يجب أن يفعل، أو بقبحه وانّه يجب أن يترك، بغضّ النظر عمّا يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، أو بغضّ النظر عن موافقته لغرض الفاعل أو مخالفته، فانّ كلّ هذه الضمائم ممّا لا حاجة إليها في قضاء العقل بالحسن والقبح، فكأنّ نفس الفعل علّة تامة ـ عند اللحاظ ـ لحكم العقل بالحسن أو القبح.
فإذا كان الشيء بذاته حسناً فهو حسن عند الكلّ يجب أن يفعل، وإذا كان الشيء قبيحاً فهو قبيح عند الكلّ يجب أن يترك، وبهذا يتميز ما يجب للّه تعالى، عمّا لا يجوز عليه ويترتّب على ذلك:
1. قبح التكليف بغير المقدور، وبالتالي امتناعه.
2. قبح تعذيب البريء وبالتالي امتناعه.
3. قبح تزويد المتنبّئ الكاذب بالمعجزة وبالتالي امتناعه.
4. قبح تضليل العباد وبالتالي امتناعه.
5. حسن العمل بالوعد، وبالتالي لزومه ووجوبه.
6. حسن العصمة في الأنبياء، وبالتالي لزومه ووجوبه.
7. حسن انتخاب الأصلح، وبالتالي لزومه ووجوبه.
Website Security Test