welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : معجم طبقات المتكلمين/ج 1*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

معجم طبقات المتكلمين/ج 1

41

نقل عن الإمام مالك (المتوفّى179هـ): إيّاكم والبدع، قيل: يا أبا عبد اللّه ما البدع؟ قال: أصحاب البدع هم الذين يتكلّمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، و لا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة و التابعون لهم بإحسان.(1) لعلّه ناظر إلى هذه الطائفة الذين لو خاضوا فيها، فسدوا وأفسدوا، ولم يأتوا بشيء.
وأمّا إذا انتُقل إلى المرحلة الثانية، أي مرحلة الفهم والدراية والبحث والنظر وصياغة العقائد في ضوء الكتاب والسنّة والعقل، فلا يصحّ له الاكتفاء بالإقرار والإمرار، فإنّ الاستطلاع أمر طبيعيّ للبشر، وهو أحد الأبعاد الأربعة الروحية له، فلا يمكن كبح جماح فهمه ونظره بحجّة أنّ الصحابة و التابعين سكتوا عنه، وكأنّ السلف هم القدوة دون الذكر الحكيم، ودون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته الذين تكلّموا فيها، وأضاءوا الطريق لسالكيه، وكأنّ قوّة التفكير والنظر والمواهب العقلية المودعة في الإنسان خلقت سدىً وبلا غاية.
وهل يمكن أن يفرض على عمالقة الفكر وأصحاب المواهب العقلية أن يقفوا دون هذه المعارف ويُطفئوا أنوار عقولهم ليصبحوا كأجلاف البيداء لا همّ لهم سوى الأكل والشرب والسير طلباً للماء والعشب؟!
وعلى هذا فيجب تصنيف الناس إلى صنفين: قابل وغير قابل، مستعدّ وغير مستعدّ، فلو صحّ الحرمان فإنّما للسوقة من الناس دون من أُوتي تفكيراً قوياً واستعداداً وقّاداً.
ثمّ إنّه كما يجب تصنيف الناس، يجب تصنيف المسائل بين ما يمكن للإنسان الخوض فيه والرجوع عنها بفكرة صحيحة، وما لا يمكن للإنسان دركه

(1) الدكتور أحمد محمود صبحي: في علم الكلام:1/21 نقلاً عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، لمصطفى عبد الرازق:155، طبعة 1944م.

42

وفهمه، فإنّ البحث عن ذاته سبحانه أمر غير ممكن، إذ ليس كمثله شيء حتى يعرف الذات به، ولأجل ذلك ورد النهي الأكيد عن البحث والجدال في ذاته، ومثله البحث عن حقيقة الوحي و النبوة، أو عن حقيقة الجنة والنار، إلى غير ذلك من الأُمور الغيبية التي لا يلمسها ولا يدركها إلاّ نبي يوحى إليه أو إنسان خرج من الدنيا ودخل الآخرة، والواجب فيها الإيمان فقط، قال سبحانه: (الّذينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْب) .(1)فإنّ الإنسان المحبوس في سجن المادة، لا يمكن له درك حقيقتها، وإن كان له حقّ البحث عن آثار الوحي والنبوة وخصائصهما.
أضف إلى ذلك انّه لا مفرّ للمانعين عن الخوض في المعارف القرآنية بل العقلية على الإطلاق، من سلوك أحد طريقين:
1. التلاوة والسكوت والإمرار والإقرار وتفويض معانيها إلى مُنزِّلها.
2. الأخذ بظواهر الآيات الحرفية وتفسيرها بظواهرها الحرفية.
أمّا الأوّل فينتهي إلى تعطيل العقول عن المعارف وبالتالي يتنزّل الإنسان إلى حدّ الحيوان، وتكون وظيفة الحكيم العارف المقتدر على درك دقائق التوحيد ورقائقها، هي نفس وظيفة الجاهل البائل على عقبه، في مجال العقيدة والتفكير، وهو كما ترى.
وأمّا الثاني فهو ينتهي إلى التشبيه والتجسيم، وأقصى ما عند هؤلاء الذين يأخذون بالظواهر الحرفية هو ضمّ كلمة «بلا كيف ولا تمثيل» إلى مفاد هذه الآيات، فيقولون: إنّ للّه يداً ورجلاً و عيناً واستواءً على العرش بنفس المعنى اللغوي، ولكن بلا كيف ولا تمثيل.

(1) البقرة:3.

43

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لم ترد تلك الجملة (بلا كيف) في نصّ قرآني ولا سنّة نبوية، فمن أين لهم هذه الجملة وتفسير الآيات على ضوئها؟!
وثانياً: أنّ اليد وأضرابها موضوعة حسب اللغة للأعضاء المحسوسة، التي لها هيئات ومواصفات وهي مقوّماتها، فإجراؤها على اللّه سبحانه مع حفظ المقوّمات، يستلزم التشبيه والتمثيل، ومع عدمها، يستلزم التأويل، فاليد في (يَدُاللّهِ فَوْقَ أَيديهِمْ) (1) إمّا مستعملة في اليد المحسوسة فهو مثار التشبيه،وإمّا في غيرها فهو مثار التأويل الذي يفرّون منه فرار المزكوم من المسك.
وهذه المضاعفات ناشئة عن الجمود على الظواهر الحرفية والأخذ بالظهور التصوّري، دون الظهور التصديقي الذي لا يخالف العقل قيد شعرة في آية من الآيات.
إنّ الدعوة السلفية التي أحدثت ضجة في القرن الرابع عشر قد طرحت الصفات الخبرية على صعيد البحث في الآونة الأخيرة، وتصرّ على الأخذ بمعانيها الحرفية، وقد عرفت أنّها تنتهي إلى التجسيم أو التأويل.
ومن المؤسف جدّاً إنّ المتقدّمين من السلف كانوا يصرّون على الأخذ بحرفية الصفات، وإليك بعض نصوصهم:
1. قيل لعبد اللّه بن مبارك: كيف يعرف ربّنا؟ قال: بأنّه فوق السماء السابعة وعلى العرش بائن من خلقه.
2. وقال الأوزاعي: إنّ اللّه على عرشه، و نؤمن بما وردت به السنّة من صفاته.

(1) الفتح: 10.

44

3. وقال الدارمي في مقدمة كتابه «الردّ على الجهمية»: استوى على عرشه فبان من خلقه.
4. وقال القرطبي في تفسير قوله سبحانه:(ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْش)(1)، وقد كان السلف لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم، والكافة بإثباتها للّه تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنّه استوى على عرشه حقيقة.(2)(ذلِكَ مَبلَغُهُم مِنَ العِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى).(3)

الدعوة إلى العلوم الحسّيّة

قد عرفت أدلّة المتقدّمين على منع الخوض في المعارف الإلهية، وهناك من يؤيد تلك الفكرة لكن بثوب جديد وهو انّ العلم المفيد هو العلم المعتمد على الحس والتجربة، فالخارج عن ذينك الحكمين لا يفيد شيئاً. وفي ذلك يقول فريد وجدي في بعض كتبه:
بما انّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسّية والعلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم، فنجعلهما عمدتنا في هذه المباحث، بل لا مناص لنا من الاعتماد عليهما، لأنّهما اللّذان أوصلا الإنسان إلى هذه المنصة من العهد الروحاني.(4)

(1) الأعراف: 54.
(2) لاحظ للوقوف على مصادر هذه الأقوال كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: 41، 48، 68، 115.
(3) النجم:30.
(4) على أطلال المذهب المادي:1/16.

45

وقال أبو الحسن الندوي:
وقد كان الأنبياءعليهم السَّلام أخبروا الناس عن ذات اللّه وصفاته وأفعاله وعن بداية هذا العالم ومصيره وما يهجم على الناس بعد موتهم، آتاهم اللّه علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بلا تعب، وكفاهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادؤها ولا مقدّماتها التي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول، لأنّ هذه العلوم وراء الحس والطبيعة لا تعمل فيها حواسّهم، ولا يؤدي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأوّلية.
إنّ الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة وعلى غير هدى جاءوا في هذا العلم بآراء فجّة، ومعلومات ناقصة، وخواطر سانحة، ونظريات مستعجلة فضلّوا وأضلّوا.(1)
و يلاحظ على كلا التقريرين:
أوّلاً: إنّ الاعتماد على الفلسفة الحسّية و التركيز على الحسّ من بين أدوات المعرفة، مقتبس من الفلسفة المادية التي ترفض الاعتماد على العقل و أدواته و لاتعترف إلا بالحسّ و تحسبه أداة منحصرة للمعرفة، و العجب أن يَلْهج بهذا الأصل مَنْ يدّعي الصلة بالإسلام و يعد من المناضلين ضدالفلسفة الماديّة، ففي القول بهذا، إبطال للشرائع السماوية،المبنية على النبوّة و الوحي و نزول الملك و سائر الأُمور الخارجة عن إطار الحسّ، و التي لاتدرك إلا بالعقل و البرهنة، فمن العجيب أن يلعب فريد وجدي و مقلّد الدعوة السلفية «أبوالحسن الندوي» بحبال المادية من غير شعور ولااستشعار.

(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 97.

46

و ثانياً: إنّه لو صحّ قول « الندوي» إنّ:« هذه العلوم وراء الحسّ و الطبيعة لاتعمل فيها حواسّهم، و لايؤدّي إليها نظرهم، و ليست عندهم معلوماتها الأوّلية»، فلماذا يطرح الذكر الحكيم لفيفاً من المعارف، و يحرّض على التدبّر فيها و هي ممّا يقع وراء الحسّ و الطبيعة، و ليست الغاية من طرحها هو التلاوة و السكوت حتى تصبح الآيات لقلقة لسان لاتخرج عن تراقي القارئ بدل أن تتسلّل إلى صميم الذهن و أعماق الروح؟!

47

6

المصير المأساوي للفلسفة

لقد مُنيت الفلسفة بنفس ما مُني به علم الكلام، والمراد من الفلسفة هو التفكير العقلي في صفحة الكون والوجود، وقد انتقلت الفلسفة إلى أوساط المسلمين عن طريق المترجمين في عصر العبّاسيّين، ولمّا كان فيها من الآراء ما لا يوافق الأُصول المسلّمة عند المسلمين، قام المتطرّفون بتحريم الكلّ وتكفير المتعاطي لها خلافاً لقوله سبحانه: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحسنه)، لكن المنصفين من علماء الإسلام حافظوا على الاعتدال، فأخذوا الصحيح منها ونقدوا الباطل وتلقّوها ثروة فكرية بشريّة لا تختص بفئة دون فئة، لكنّها بحكم أنّها حصيلة الفكر البشري لا تخلو عمّا يخالف الحقّ، وها نحن ـ على وجه الإيجاز ـ نذكر كلمات بعض المنكرين لها بتاتاً :

1. الغزالي (450ـ 505هـ)

ألّف الغزالي كتابه المعروف «تهافت الفلاسفة» وهو يضمّ عشرين مسألة عالجها الفلاسفة القدماء ورأى تناقضَهم فيها، فكفّرهم في ثلاث منها، دون غيرها من المسائل التي رأى أنّها قريبة من عقائد المعتزلة وغيرهم، وقد ذكر الغزالي

48

المسائل العشرين في ديباجة الكتاب ونحن نذكرها حسب ما ذكره، قال:
التي أظهرنا تناقض مذهبهم فيها في هذا الكتاب وهي عشرون مسألة:
المسألة الأُولى: إبطال مذهبهم في أزلية العالم.
المسألة الثانية: إبطال مذهبهم في أبدية العالم.
المسألة الثالثة: بيان تلبيسهم في قولهم: إنّ اللّه صانع العالم، وإنّ العالم صنعه.
المسألة الرابعة: في تعجيزهم عن إثبات الصانع.
المسألة الخامسة: في تعجيزهم عن إقامة الدليل على استحالة إلهين.
المسألة السادسة: في إبطال مذاهبهم في نفي الصفات.
المسألة السابعة: في إبطال قولهم: إنّ ذات الأوّل لا تنقسم بالجنس والفصل.
المسألة الثامنة: في إبطال قولهم: إنّ الأوّل موجود بسيط بلا ماهية.
المسألة التاسعة: في تعجيزهم عن بيان أنّ الأوّل ليس بجسم.
المسألة العاشرة: في بيان أنّ القول بالدهر و نفي الصانع لازم لهم.
المسألة الحادية عشرة: في تعجيزهم عن القول بأنّ الأوّل يعلم غيره.
المسألة الثانية عشرة: في تعجيزهم عن القول بأنّه يعلم ذاته.
المسألة الثالثة عشرة: في إبطال قولهم: إنّ الأوّل لا يعلم الجزئيات.
المسألة الرابعة عشرة: في قولهم: إنّ السماء حيوان متحرك بالإرادة.
المسألة الخامسة عشرة: في إبطال ما ذكروه من الغرض المحرِّك للسماء.
المسألة السادسة عشرة: في إبطال قولهم: إنّ نفوس السماوات تعلم جميع الجزئيات.

49

المسألة السابعة عشرة: في إبطال قولهم باستحالة خرق العادات.
المسألة الثامنة عشرة: في قولهم: إنّ نفس الإنسان جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا عرض.
المسألة التاسعة عشرة: في قولهم باستحالة الفناء على النفوس البشرية.
المسألة العشرون: في إبطال إنكارهم لبعث الأجساد، مع التلذذ والتألّم في الجنة والنار باللذات والآلام الجسمانية.
فهذا ما أردنا أن نذكر تناقضهم فيه من جملة علومهم الإلهية والطبيعية، وأمّا الرياضيات فلا معنى لإنكارها ولا للمخالفة فيها، فإنّها ترجع إلى الحساب والهندسة.
وأمّا المنطقيات فهي نظر في آلة الفكر في المعقولات، ولا يتّفق فيه خلاف به مبالاة، وسنورد في كتاب «معيار العلم» من جملته ما يحتاج إليه لفهم مضمون هذا الكتاب إن شاء اللّه.(1)
أقول: وقبل الكلام في المسائل الثلاث التي كفّر بها الفلاسفة نلفت نظر القارئ إلى نكتة وهي انّ قسماً من هذه المسائل مبنيّ على أُصول الهيئة البطليموسية، أعني: المسائل الرابعة عشرة ـ الثامنة عشرة، فليس في الكون سماء حسب التفكير البطليموسي، حتّى نتكلّم في خصوصياتها، نعم لا شكّ أنّ القول بقدم العالم الملازم لاستغنائه عن الخلق والإيجاد كفر لا يتفوّه به الموحد فضلاً عن المسلم، وهكذا إنكار علمه سبحانه بالجزئيات، إذ صريح الآيات المتضافرة على أنّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. كما هو مقتضى البراهين الفلسفية التي غفل عنها الغزالي.

(1) تهافت الفلاسفة:41ـ42، ط دار ومكتبة الهلال.

50

ويقرب من ذلك إنكار حشر الأجساد، فإنّ المعاد الجسماني من ضروريات الدين، يقول سبحانه: (قُلْ يُحْييها الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليم)(1) ، وأمّا ما سوى ذلك فإنّما هي آراء فلسفيّة أو كلامية وليست من أسباب الإيمان والكفر.
لكن الكلام في ثبوت الصغريات، فهل الفلاسفة المسلمون كانوا ينكرون حدوث العالم ويعتقدون بقدمه؟ وهل الفلاسفة الإسلاميّون كلّهم على النحو الذي يصفهم هو بقوله: قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، واستحقروا شعائر الدين: من وظائف الصلوات، والتوقي عن المحظورات، واستهانوا بتعبّدات الشرع وحدوده ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون، يتبعون فيها رهطاً يصدون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة هم كافرون ، ولا مستند لكفرهم غير تقليد سماعي إلفي كتقليد اليهود والنصارى، إذ جرى على غير دين الإسلام نشأهم وأولادهم؟ وعليه درج آباؤهم وأجدادهم، وغير بحث نظري، صادر عن التعثّر بأذيال الشبه، الصارفة عن صوب الصواب، والانخداع بالخيالات المزخرفة كلامع السراب، كما اتّفق لطوائف من النظّار في البحث عن العقائد و الآراء، من أهل البدع و الأهواء.(2)
ونحن لا يمكن لنا إنكار ما ذكره أو تصديقه ولكن نجلّ أكثر الفلاسفة الإسلاميين عن هذه الآراء الساقطة خصوصاً من تقدّم عليه، نظراء: الفارابي، والشيخ الرئيس، ومن تأخر عنه كالمحقّق نصير الدين محمد بن محمد بن حسن

(1) يس:79.
(2) تهافت الفلاسفة:27ـ28.

51

الطوسي (597ـ 672هـ) و من تربّى على يديه، كالكاتب القزويني، والعلاّمة الحلّي، ومن أتى بعدهم كالمحقّق الداماد و مشايخه و تلاميذه.
وعلى كلّ تقدير نرجع إلى ما نسب إلى الفلاسفة المسلمين من المسائل الثلاث التي بها كفّرهم الغزالي، أعني:
1. حدوث العالم زماناً وذاتاً
أوجدت مسألة حدوث العالم حدوثاً زمانياً ضجّة كبرى بين أهل المنقول، فالمتكلّمون ـ تبعاً لما ورد في الروايات ـ على أنّ العالم حادث زماناً، ويقولون: كان زمان لم يكن للعالم فيه أيّ أثر.
غير أنّهم عجزوا عن البرهنة والاستدلال على معتقدهم هذا، إذ انّ الحدوث الزماني عبارة عن «سبق عدم العالم في زمان خاص وانّه كان زمان لم يكن للعالم فيه خبر ولا أثر».
وهذا الرأي أوقعهم في مشكلة، لأنّه ينقل الكلام إلى نفس «الزمان» فهل لهذا الزمان حدوث زماني أو لا؟
فإن اختاروا الأوّل لزم أن يكون للزمان زمان، أي أن يكون ثمة زمان لم يكن فيه من الزمان اللاحق أثر ولا خبر، وهذا باطل جدّاً، لأنّه ينقل الكلام إلى الزمان السابق وهكذا يتسلسل.
وإن اختاروا الثاني استلزم ذلك قدم الزمان وهم يفرّون من كلّ قديم زماني.
هذا و قد طال البحث والجدل حول هذه المسألة التي هي خارجة عن إطار هذا البحث ولو أنّهم فرقوا بين الحدوث الذاتي المتّفق عليه بين الإلهيين والحدوث الزماني الذي يستلزم القول به التسلسلَ، لكان أفضل وأقطع للنزاع.

52

على أنّ نظرية «الحركة الجوهرية» قد حلّت العقدة وأثبتت الحدوث الزماني للمادة بأوضح الوجوه لا بنحو يستلزم التسلسل، لأنّه إذا كان الزمان منبعثاً من تجدّد المادة وتدرّجها، فكلّ قطعة من المادة السيّالة ترسم عدم القطعة اللاحقة، فتصير كلّ قطعة من المادة موصوفة بأنّها لم تكن مع القطعة السابقة، وبالنتيجة لم تكن القطعة اللاحقة في الزمان السابق عليها.
وبتعبير آخر: إذا كان كلّ قطعة من المادة السيّالة وكلّ درجة منها متعانقاً مع الزمان، ولم يكن من القطعة اللاحقة فيها عين ولا أثر، صحّ توصيف القطعة اللاحقة بالحدوث الزماني، وهو انّه لم تكن القطعة اللاحقة في ظرف القطعة السابقة، وهكذا الحال إذا وضعنا البنان على كلّ جزء جزء من تلك المادة السيّالة.
وبهذا يثبت الحدوث الزماني للطبيعة من دون أي إشكال.
وفي هذا الصدد يقول الحكيم صدرالدين الشيرازي:
«لقد تبيّـن انّ الأجسام كلّها متجدّدة الوجود في ذاتها، وانّ صورتها صورة التغيّر، وكلّ منها حادث الوجود مسبوق بالعدم الزماني كائن فاسد لا استمرار لهوياتها الوجودية، ولا لطبائعها المرسلة، والطبيعة المرسلة وجودها عين شخصياتها وهي متكثرة، وكلّ منها حادث ولا جمعية لها في الخارج حتّى يوصف بأنّها حادث أو قديم».(1)
وقال: «إنّ الطبائع المادية كلّها متحركة في ذاتها وجوهرها مسبوقة بالعدم الزماني، فلها بحسب كلّ وجود معيّن مسبوقية بعدم زماني غير منقطع في الأزل».(2)

(1) الأسفار:7/297 و 285 وأيضاً راجع المصدر نفسه، ص 292ـ 293.
(2) الأسفار:7/297 و 285 وأيضاً راجع المصدر نفسه، ص 292ـ 293.

53

2. علم الباري بالجزئيات

إنّ نفي علمه سبحانه بالجزئيات فكرة غير صحيحة لا يليق أن تنسب إلى الفلاسفة الإلهيين الذين اتّفق أكثرهم على علمه بها، وإنّما اختلفوا في الكيفية، وقد ذكر صدر المتألّهين أقوال المتقدّمين والمتأخرين منهم في الفصل الرابع من الموقف الثالث في الأسفار، وها نحن نذكر آراءهم في الموضوع ، والتي تحكي اتّفاقهم أو اتّفاق أكثرهم على العلم بالجزئيات ، والاختلاف بينهم إنّما هو اختلاف في الطريقة.
الأوّل: مذهب توابع «المشّائين» منهم الشيخان «أبـو نصـر» و «أبـو علي» و «بهمنيار» و «أبو العباس اللوكزي»، و كثير من المتأخرين، وهو القول بارتسام صور الممكنات في ذاته تعالى وحصوله فيها حصولاً ذهنياً على الوجه الكلّي.
الثاني: القول بوجود صور الأشياء في الخارج، وهو مذهب المحقّق الطوسي وابن كمونة والعلاّمة الشيرازي ومحمد الشهرزوري.
الثالث: القول باتحاده تعالى مع الصور المعقولة، وهو المنسوب إلى فرفوريوس.
الرابع: ما ذهب إليه أفلاطون الإلهي من إثبات الصور المفارقة والمثل العقلية وانّها علوم إلهية.
الخامس: مذهب القائلين بثبوت المعدومات الممكنة قبل وجودها، وهم المعتزلة.
السادس: مذهب القائلين بأنّ ذاته تعالى علم بجميع الممكنات.
السابع: القول بأنّ ذاته علم تفصيلي بالمعلول الأوّل وإجمالي بما سواه وذات

54

المعلول الأوّل علم تفصيلي بالمعلول الثاني وإجمالي بما سواه، وهكذا إلى أواخر الموجودات، فهذا تفصيل المذاهب المشهورة بين الناس.(1)
وقد أنهى الحكيم السبزواري في شرح المنظومة عدد الأقوال في كيفية العلم بالجزئيات إلى أحد عشر قولاً آخرها لصدر المتألّهين الذي استنبطه من القاعدة الفلسفية، وهي أنّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء وأنّ ذاته سبحانه حاو لكلّ الكمالات، فما يوجد في عالم الإمكان من الجزئيات، فاللّه سبحانه جامع لكمالاته على نحو أبسط وأتمّ، كملكة علم النحو التي تجمع كمالات الأجوبة التفصيلية النحوية، وعندئذ يكون العلم بالذات نفس العلم بما سواه.
نحن لا نريد أن نحوم حول هذه الآراء لنميّز الصحيح عن الزائف، بل المقصود هو بيان اتّفاقهم (إلاّ من شذّ) على علمه سبحانه بالجزئيات وإنّما اختلفوا في طريقته.

3. حشر الأجساد يوم القيامة

المسألة الثالثة التي كفّر بها الفلاسفة هي إنكار حشر الأجساد وهي ليست على ما نقل، نعم ينسب إلى النصارى بأنّ المعاد روحاني وليس بجسماني، وأمّا الفلاسفة الإسلاميون، فأقصى ما عندهم أنّ المعاد الروحاني مبرهن عليه دون المعاد الجسماني فلا برهان عليه، غير أنّ النصوص متضافرة على حشر الأجساد.
يقول الشيخ الرئيس: يجب أن يعلم: انّ المعاد منه ما هو منقول في الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلاّ من طريق الشريعة وتصديق خبر النبي وهو الذي للبدن

(1) الأسفار الأربعة:6/180ـ 181.

55

عند البعث، وخيرات البدن وشروره معلومة لا يحتاج إلى تعلم.
وقد بسطت الشريعة الحقّة التي أتانا بها نبيّنا وسيّدنا ومولانا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن، ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس.(1)
هذا نصّ كلامه، وأمّا من تأخّر عنه كصدر المتألهين، فقد قال في شرح الهداية الأثيرية: اعلم أنّ إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا، مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة، كما نطقت به الشريعة من نصوص التنزيل وروايات كثيرة متضافرة عن أصحاب العصمة والهداية غير قابلة للتأويل، كقوله تعالى: (قالَ مَنْ يُحْيِي العِظام وَهِيَ رَميم* قُلْ يُحْييها الَّذي أَنشأها أَوّل مَرّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليم).(2)
(فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُون).(3)
(أَيَحْسبُ الإِنْسان أَلَّن نَجْمَعَ عِظامه* بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسوّيَ بَنانه).(4)
وهذا أمر ممكن غير مستحيل فوجب التصديق به، لكونه من ضروريات الدّين وإنكاره كفر مبين.(5)
ولعلّ هذا المقدار حول المسائل الثلاث كاف.
وأمّا سائر المسائل من المسائل العشرين فهي على أقسام:
1. ما لا موضوع لها في صفحة الكون حتّى يبحث فيها، فهي أشبه

(1) الشفاء:2/544، فصل في المعاد.
(2) يس:78ـ79.
(3) يس:51.
(4) القيامة:3ـ4.
(5) شرح الهداية الأثيرية:381، ط 1313هـ.

56

بالسالبة بانتفاء الموضوع، كالمسائل المبنية على الهيئة البطلميوسية.
2. ما هو صحيح ومبرهن، أدعمه الذكر الحكيم كتجرد النفس وبقائها بإذن اللّه سبحانه و كون الواجب سبحانه صرف الوجود لا ماهية له.
3. ما يعد مسائل فلسفية أو كلامية لا يناط بها الإيمان والكفر كسائر المسائل.

2. ابن حزم الأندلسي (384ـ 456هـ)

إنّ علي بن أحمد بن علي بن سعيد بن حزم الأموي بالولاء، أبو محمد الأندلسي القرطبي مروّج المذهب الظاهري ومنقحه قام بنقد الفلسفة في رسائله وفي كتابه «الفِصَل في الملل والأهواء والنحل»، أمّا في رسائله فقد ألّف رسالة في الرد على «رسالة الكندي إلى المعتصم باللّه» في الفلسفة الأُولى وقد أسماه كتاب«الفلسفة الأُولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد»، كما ناقش في «الفِصَل» بعض المسائل الفلسفية.(1)

3. الشهرستاني (467ـ 548هـ)

لقد ألّف أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني الشافعي الأشعري كتاب «مُصارعة الفلاسفة» وردّ فيه على سبعة من المسائل الفلسفية المهمّة، يقول:
«هذه المصارعة في سبع مسائل من الإلهيات، من جملة نيّف وسبعين مسألة في المنطق والطبيعيات والإلهيات خنقتُه فيها بوتده، ورشقتُه بمشاقصه، ورددتُه في

(1) اقرأ ترجمته في الأعلام:4/254، و معجم المؤلفين:7/16، وغيرهما.

57

مهوى حُفرته، وأركسته لأُمّ رأسه في زُبيته(1) ، ذلك من فضل اللّه علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
المسألة الأُولى: في حصر أقسام الوجود.
المسألة الثانية: في وجود واجب الوجود.
المسألة الثالثة: في توحيد واجب الوجود.
المسألة الرابعة: في علم واجب الوجود.
المسألة الخامسة: في حدوث العالم.
المسألة السادسة: في حصر المبادئ.
المسألة السابعة....(2)
وقد كان الركب سائراً في نقد الفلاسفة عصراً بعد عصر، فهذا هو أبو البركات البغدادي ينقد آراء الفلاسفة في إرادته سبحانه في كتابه المعتبر(ج3، ص 176). كما أنّ الإمام الرازي قام بنقد الإشارات للشيخ الرئيس، ولم يقتصر على كتابه هذا، بل له في غير و احد من كتبه (كالمباحث المشرقية والبراهين وغير ذلك) ردود وتشكيكات، ومع ذلك كلّه فالقوم بدل أن يستهدفوا في كتاباتهم تمييز الصحيح عن الزائف والاستماع إلى الأحسن، شطبوا على الجميع ورموهم بسهم واحد خلافاً لما دعا إليه الذكر الحكيم.
غير أنّ المحقّقين لم يلزموا جانب الصمت إزاء هذا الهجوم، بل تصدّوا للردّ على تلك الشبهات منهم:علمان جليلان وكوكبان مضيئان في سماء العلم

(1) هذه العبارة تكشف عن روحيات الرجل ونزعاته، وانّ الرد لم يكن بدافع نزيه بل كان لمجرّد إظهار الفضل والأنانية.
(2) مصارعة الفلاسفة:18ـ 19.

58

والفلسفة:
أ. أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي (520ـ 595هـ) ألّف كتاب «تهافت التهافت» سنة (575هـ) ردّاً على كتاب «تهافت الفلاسفة» لأبي حامد الغزالي، و قد أحدث هذا الكتاب منذ ظهوره دويّاً في الأوساط الدينية والفلسفية، يبدأ كتابه بقوله:
وبعد حمد اللّه الواجب والصلاة على جميع رسله وأنبيائه، فإنّ الغرض من هذا القول أن نبيّن مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب التهافت في التصديق والإقناع وقصور أكثرها عن مرتبة اليقين والبرهان.
ب. نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (597ـ 672هـ)، ألّف كتاباً باسم «مصارع المصارع» ردّ فيه على كتاب «مصارعة الفلاسفة» للشهرستاني الّذي ألّفه للرد على الشيخ الرئيس في مسائل سبع. يقول المحقّق الطوسي في مقدّمة الكتاب:
عثرت في أثناء طلبي على كتاب يعرف بالمصارعات للشيخ تاج الدين أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ادّعى فيه مصارعته مع الشيخ الرئيس أبي علي حسين بن عبد اللّه بن سينا في عدّة من المسائل والردّ عليه فيما ذكره في كتبه.
فدعتني دعواه إلى النظر فيه، واشتد حرصي من استماع اسمه على التأمّل في معانيه.
فلمّا طالعته وجدته مشتملاً على قول سخيف، ونظر ضعيف، ومقدّمات واهية، ومباحث غير شافية، وتخليط في الجدال، وتمويه في المثال، قد مازج به سفهاً يحترزُ عنه العلماء، ورثّاً من القول لا يستعمله الأُدباء، إلاّ المنتسبين بالانتقام، والمتسوقين عند العوام، قد انصرع في أكثر مصارعاته، وانهزم في معظم مبارزاته.
فرأيت أن أكشف عن تمويهاته، وأُميز بين تخليطاته، غير ناصر لابن سينا في

59

مذاهبه، لكن مشيراً إلى مزالّ أقدام صاحبه، ومنبّهاً على مغالطات مشاغبه، وإن كلته في بعض المواضع بصاعه، أو سقيته بكأسه، فاللّه يعلم مني أنّ ذلك ليس ممّا يقتضيه دأبي، ولا يتعوده خلقي، بل الحرب يعدي، والكلام يجر الكلام.
ونقلت فيه متن كلامه، ونص مرامه، من صدره إلى ختامه، لئلا يحتاج من يقع إليه هذه النسخة إلى طلب أصل الكتاب، وسمّيته بـ«مُصارِعُ المصارِع»، فإن وقعت لي فيه زلة أو هفوة، فليصلح من اطّلع عليه من إخواني، طلباً بذلك اقتناء الخير، وإحراز الأجر، وها أنا مفتتح الكتاب، واللّه ملهم الصواب.
ولم يزل النقد والردّ قائماً على قدم وساق بين المتخاصمين، وقد عرفت أنّ القول الحاسم هو دراسة الأقوال والآراء والاستماع إلى أحسنها، هذا من جانب و من جانب آخر أنّ دراسة الفلسفة ومذاكرتها رهن قابلية وصلاحية خاصّة، وهي ليست شرعة لكلّ وارد وشارد، وإنّما يردها وارد بعد وارد، فهي رهن ذهن وقّاد وصلاحية ممتازة كما يقول الشيخ الرئيس:
أيّها الأخ إنّي قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحقّ، وألقمتك قفّي الحكم في لطائف الكلم، فضُنْه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنةَ الوقادة والدربة والعادة، وكان صغاه من الغاغة، أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة ومن همجهم، فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقّفه عمّا يتسرع إليه الوسواس وبنظره إلى الحقّ بعين الرضا والصدق فآته ما يسألك منه مدرّجاً مجزءاً مفرقاً، تستفرس ممّا تسلفه لما تستقبله، وعاهِدْه باللّه وبأيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسياً بك، فإن أذعت هذا العلم أو أضعته فاللّه بيني و بينك، وكفى باللّه وكيلاً.(1)

(1) شرح الإشارات:2/419.

60

4. ابن تيمية وآراؤه الفلسفية

ألّف ابن تيمية كتاباً أسماه «درء تعارض العقل والنقل» أو «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» حاول فيه رفع التناقض بين العقل والنقل، ولكنّه في الحقيقة يريد العقل الذي يوافق النقل الموجود في الصحيحين وغيرهما، دون العقل المخالف، وإن دعمته البراهين الناصعة التي بها عرفنا ربّنا سبحانه، فالأصل عنده النقل، لا العقل، والسلفية اليوم يكيلون له بكيل كبير ويضفون عليه ألقاباً فخمة، نظير شيخ الإسلام، علم الأعلام ، مفتى الأنام، الإمام المجاهد، الصادق الصابر، سيف السنّة المسلول على المبتدعين، والقاطع البتّار لألسنة المارقين الملحدين و....
هلمّ معي لنقف على عطاءاته الفكرية في هذا المجال، وهل هو عارض المبتدعين أو هو أحد المبتدعة؟ ونحن نستعرض في ذلك شيئاً من آرائه ليكون كنموذج لما لم نذكره:

1. قدم العالم نوعاً

قد تقدّم أنّ الغزالي كفّر الفلاسفة لقولهم بقدم العالم وعدم حدوثه زماناً، وقد أحيا ابن تيمية تلك الفكرة، وقال بقدم العالم نوعاً، وحدوثه شخصاً، ذكره في غير واحد من كتبه، مثل «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» و«منهاج السنة» وغيرهما.
وهذا نصّ عبارته في الموافقة:
وأمّا أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فانّهم لا يجعلون النوع حادثاً بل قديماً، ويفرّقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء

61

بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه.(1)
والعجب أنّه نسبه إلى أكثر أهل الحديث، وأين هم من هذه البحوث الفلسفية؟! ومتى أدلوا بهذا الرأي؟! فانّ مذهبهم هو السكوت عمّا سكت عنه الكتاب والسنّة، وهل هناك آية أو رواية تدلّ على أنّ كلّ ما في العالم من الأنواع، قديم بنوعه، حادث بشخصه.
ويقول في منهاجه: وحينئذ يمتنع كون شيء من العالم أزلياً، وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائماً لم يزل، فانّ الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدد، بل ما من وقت يقدر إلاّ وقبله وقت آخر، فلا يلزم من دوام النوع، قدم شيء بعينه.(2)
ويقول أيضاً: وأين في القرآن امتناع حوادث لا أوّل لها.(3)
أقول: إنّ صريح ذلك انّ الزمان بجنسه قديم، دون مصاديقه، وهكذا سائر الأنواع من إنسان وفرس، وبقر، فهل هذا ما نطق به الذكر الكريم أو السنّة النبوية؟!
ثمّ إنّ الذي دعاه إلى اختيار هذا الرأي، هو قوله بجلوس الرب على العرش، فعندما يثار بوجهه هذا السؤال إنّ العرش مخلوق للّه سبحانه، فأين كان سبحانه قبل خلق العرش؟ فإنّه يحاول الخروج من هذا المأزق بما نقله عنه المحقّق الدواني في كتاب شرح العضدية، قال: وقد رأيت في بعض تصانيف ابن تيمية القول بالقدم الجنسي في العرش.(4)ومعناه انّه كان يعتقد انّ جنس العرش أزلي أي

(1) الموافقة:2/75، دار الكتب العلمية، بيروت.
(2) منهاج السنة:1/109.
(3) الموافقة:2/64.
(4) شرح العضدية:13.

62

ما من عرش إلاّ و قبله شيء إلى ما لانهاية وانّه يوجد و ينعدم ثمّ يوجد وينعدم، وهكذا فالعرش عنده قديم جنساً و لكن شخصه حادث.
هذا جزاء من أعدم العقل، وأكبَّ على النقل دون تمحيص.
وأعجب منه انّه يستدلّ على الجواز،بأنّه ليس في القرآن امتناع حوادث لا أوّل لها، فيكون سكوت القرآن عن امتناعه، دليلاً على إمكانه بل وقوعه.
فكأنّ القرآن كتاب فلسفي جاء لبيان ما هو الممكن والمستحيل، فإذا سكت عن استحالة شيء يكون دليلاً على إمكانه «ما هكذا تورد يا سعد الإبل»!!

2. قيام الحوادث بذات اللّه سبحانه

ومن مبتدعاته التي خرق بها إجماع المتألهين على أنّه سبحانه منزّه عن قيام الحوادث به، قوله: فمن أين في القرآن ما يدلّ دلالة واضحة على أنّ كلّ متحرك محدث أو ممكن؟ وأنّ الحركة لا تقوم إلاّ بحادث أو ممكن، أو ما قامت به الحوادث لم يخلُ منها، وأنّ مالا يخلو من الحوادث فهو حادث؟
ويقول في مكان آخر: فإنّا نقول: إنّه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض، فما الدليل على بطلان قولنا؟(1)
أقول: لو كان الكاتب درس الفلسفة والكلام عند أساتذتهما دون أن يكون له رأي مسبق في الموضوع لوقف على أنّ الذات القائم به الحوادث كالحركة والسكون حادث، لأنّ الحركة في العرض نابعة من الحركة في الجوهر، والحركة في الجوهر عبارة عن تغيير ذات الشيء وتحوّله من جوهر إلى جوهر، وأيّ

(1) منهاج السنّة:1/64و 210.

63

حادث أظهر من ذلك؟
وهو بهذا القول أحيا نظرية الكرّامية ـ أعني: أتباع محمد بن كرّام ـ حيث زعموا أنّ الحوادث تطرأ، أي تتجدد على ذات اللّه.
يقول الاسفرائيني في التبصير: وممّا ابتدعوه ـ أي الكرامية ـ من الضلالات ممّا لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأُمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محلّ الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسَمُّوا ذلك سمعاً وتبصّراً، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أنّ هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى اللّه عن قولهم».(1)

3. قوله بالتجسيم

إنّ ابن تيمية وإن كان لا يصرّح بكونه سبحانه جسماً لكنّه يصرّح بأنّه لم يرد عن الصحابة والتابعين أنّ اللّه ليس بجسم، يقول: وأمّا الشرع فمعلوم أنّه لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأُمّة أنّ اللّه جسم أو أنّ اللّه ليس بجسم، بل النفي والإثبات بدعة في الشرع.(2)
ويقول أيضاً: وأمّا ذكر التجسيم وذمّ المجسّمة فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف والأئمة، كما لا يعرف في كلامهم أيضاً القول بأنّ اللّه جسم أو ليس بجسم، بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم، كما ذكره أحمد في كتاب الردّ على الجهمية.

(1) التبصير في الدين:66ـ 67.
(2) شرح حديث النزول:80.

64

وقال في موضع ثالث: أمّا ما ذكره من لفظ الجسم ومايتبع ذلك فانّ هذا اللفظ لم ينطق به في صفات اللّه لا كتاب ولا سنّة لا نفياً ولا إثباتاً، ولا تكلم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم ولا أهل البيت ولا غيرهم.(1)
إنّ فكرة التجسيم من مستوردات اليهود، وكتبهم مشحونة به وبالجهة وبالنزول والحركة. وهذا أمر ظاهر لمن راجع كتبهم، وابن تيمية تبعاً لما أدخله مستسلمة اليهود بين أصحاب الحديث، جوّز أن يكون سبحانه جسماً . ومن المعلوم أنّ الجسم ذو أبعاض يحتاج في تحقّقه إلى أبعاد، والمحتاج ممكن، والممكن ليس بواجب.
والعجب أنّه زعم أنّه لم ترد عن أهل البيت كلمة في نفي الجسميّة، وهذه خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وكلمات أبنائه الطاهرين(عليهم السلام) صريحة في ذلك لا يسعنا نقل معشار منها. إلاّ أن يكون «أهل البيت» عنده، غيرهم.
ثمّ إنّ أبناء التجسيم يصحّحون قولهم بالجسمية بأنّه سبحانه جسم لا كسائر الأجسام، وفي ذلك يقول أبو الثناء في كتابه «التمهيد لقواعد التوحيد» ما هذا نصّه:
ثمّ إنّهم ناقضوا في ما قالوا، لأنّ الجسم اسم للمتركّب لما مرّ، فإثبات الجسم إثبات التركيب ونفي التركيب نفي الجسم، فصار قولهم جسم لا كالأجسام كقولهم:متركب وليس بمتركب، و هذا تناقض بيّن بخلاف قولنا: شيء لا كالأشياء، لأنّ الشيء ليس باسم للمتركّب وليس ينبئ عن ذلك وإنّما ينبئ عن مطلق الوجود، فلم يكن قولنا: «كالأشياء نفياً لمطلق الوجود، بل يكون نفياً لما وراء الوجود من التركيب وغيره من أمارات الحدث، فلم يكن ذلك

(1) منهاج السنّة:1/312.

65

متناقضاً وللّه الحمد والمنّة».
وإذا ثبت أنّ اللّه تعالى لا يوصف بالجسم، فلا يوصف بالصورة أيضاً، لأنّ الصورة لا وجود لها بدون التركيب.(1)

4. اللّه سبحانه محدود بالحدّ

ذهب ابن تيمية إلى صحّة نسبة الحدّ إلى ذاته تعالى، وقد نقله في كتابه «الموافقة» عن أبي سعيد الدارمي المجسِّم موافقاً له، فقال ما نصّه:
وقد اتّفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أنّ اللّه في السماء وحدّوه بذلك إلاّ المريسي الضالّ وأصحابه، حتّى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوا ذلك إذا أحسن الصبي يثني. يرفع يده إلى ربّه ويدعوه في السماء دون ما سواها وكلّ أحد باللّه وبمكانه أعلم من الجهميّة.(2)
وقال في كتابه «تلبيس الجهميّة»: لقد دلّ الكتاب والسنّة على معنى ذلك، كما تقدّم احتجاج الإمام أحمد لذلك بما في القرآن ممّا يدلّ على أنّ اللّه تعالى له حدّ يتميّز به عن المخلوقات.(3)
إلى غير ذلك من كلماته الصريحة في إثبات الحدّ وإخلاء العالم بأرضه وسمائه عن وجوده سبحانه.
لقد أثبت المفكّرون الواعون من المسلمين تنزيهه سبحانه عن الحدّ وذكروا

(1) التمهيد لقواعد التوحيد: 60.
(2) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول:2/29.
(3) بيان تلبيس الجهمية:1/445. وخفى عليه انّ رفع اليد في الثناء والسؤال إنّما هو تمثيل لرفعة شأنه وترسيم لعلوّ مقامه، لا كونه في السماء.

66

براهينه بما لسنا في مقام بيانها، ولكن إذا دار الأمر بين أخذ المعارف والعقائد من ابن تيمية أو تلميذه ابن القيّم أو مَن لفّ لفّهما و بين أخذها من ربيب بيت النبوة وعيبة علم النبي الإمام علي عليه السَّلام ، فلا شكّ أنّ الثاني أولى وأفضل، بل هو المتعيّن، ولقد صدع بذلك الرازي في مسألة الجهر بالبسملة وقال: ومن اقتدى في دينه بعليّ فقد اهتدى، قال والدليل عليه قول رسول اللّه: «اللّهم أدر الحقّ مع عليّ حيث دار».(1)
وهذا هو الإمام يصف اللّه سبحانه بقوله: «ومن وصفه سبحانه ـ أي جعل صفاته غير ذاته ـ فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال: فيم فقد ضمّنه، ومن قال على مَ فقد أخلى منه».(2)
وفي كلام له: «الحمد للّه اللابس الكبرياء بلا تجسّد، والمرتدي بالجلال بلا تمثّل، والمستوي على العرش بلا زوال، والمتعالي عن الخلق بلا تباعد منهم، القريب منهم بلا ملامسة منه لهم، ليس له حدّ ينتهي إلى حدّه، ولا له مثل فيعرف بمثله».(3)
إلى غير ذلك من خطبه وخطب أبنائه وكلماتهم(عليهم السلام).

5. نسبة الجهة والمكان للّه تعالى

لقد تكرّر إثبات الجهة والمكان للّه سبحانه في كلمات ابن تيمية في «منهاج السنّة»، ويكفي في ذلك العبارتان التاليتان:

(1) التفسير الكبير:1/204.
(2) نهج البلاغة، الخطبة الأُولى.
(3) الصدوق، التوحيد:33.

67

1. إذا قيل إنّه في جهة كان معنى الكلام أنّه هناك فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، فهو فوق الجميع عال عليه.
2. وج(1)مهور الخلف على أنّ اللّه فوق العالم وإن كان أحدهم لا يلفظ بلفظ الجهة، فهم يعتقدون بقلوبهم ويقولون بألسنتهم ربهم فوق.(2)
أقول: فمن أين لابن تيمية هذا العلم ؟! فهل هو يعلم ما تخفي الصدور؟!. لا أدري!!
وأسوأ من ذلك أنّه استدلّ على ثبوت الجهة للّه بطلب فرعون أن يصنع له مصعداً ليطّلع إلى إله موسى، قال: واللّه قد أخبر عن فرعون أنّه طلب أن يصعد ليطّلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبره أنّ اللّه فوق، لم يقصد ذلك، فإنّه لو لم يكن مقرّاً به فإذا لم يخبره موسى به لم يكن إثبات العلوّ لا منه ولا من موسى عليه الصلاة والسلام، ثمّ قال: فموسى صدّق محمّداً في أنّ ربّه فوق وفرعون كذّب موسى في أنّ ربّه فوق، فالمقرّون بذلك متبعون لموسى ولمحمد والمكذبون بذلك موافقون لفرعون.(3)
ما الدليل على أنّ موسى أخبر فرعون بأنّ ربّه فوق السماوات، وأيّ دليل على أنّه لم يأخذه من مجسّمة عصره؟!
وأين هذا من كلام الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) حيث يقول: «سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلاّ هو، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا يحدّ ولا يحسّ ولا يُجسّ ولا يُمسّ ولا تدركه الحواسّ، ولا يحيط به شيء ولا جسم ولا صورة

(1) منهاج السنةّ:1/217.
(2) نفس المصدر:1/262.
(3) المصدر نفسه:1/526.

68

ولا تخطيط ولا تحديد».(1)
وقد تضافر هذا التعبير عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في غير مكان.
وهذا هو الإمام أبو الحسن الهادي عليه السَّلام يقول:«سبحان من لا يحدّ، ولا يوصف، ولا يشبهه شيء، وليس كمثله شيء، و هو السميع البصير».(2)
وإثبات الجهة للّه سبحانه إثبات مكان وإثبات تحديد، وأين هذا من الواجب الغنيّ عن المكان والجهة والحدّ؟!

6. جلوسه سبحانه على العرش

ومن عجائب أفكاره في باب التوحيد، إثبات جلوسه سبحانه على العرش، يقول: ثمّ إنّ جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نقل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد و غيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته.(3)
وقال في شرح حديث النزول: والقول الثابت هو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأُمّة وأئمّتها أنّه لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوّه ونزوله إلى السماء ولا يكون العرش فوقه .
ويقول أيضاً في فتاواه: وقال أهل السنّة في قوله: (الرَّحمن على العَرْش استَوى)(4) ، الاستواء من اللّه على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز.(5)

(1) الصدوق: التوحيد:98، باب أنّ اللّه عزّ وجلّ ليس بجسم ولا صورة، الحديث4.
(2) المصدر نفسه، نفس الباب، الحديث 13، ص 101.
(3) منهاج السنة:1/262.
(4) طه:5.
(5) مجموع الفتاوى:5/519.

69

وقال أيضاً في كتاب «تلبيس الجهمية»: الوجه الخامس: انّ العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه كالسقف إلى ما تحته، فإذا كان القرآن قد جعل للّه عرشاً و ليس هو بالنسبة إليه كالسقف، علم أنّه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره، وذلك يقتضي أنّه فوق العرش.(1)
وقال في تفسير سورة العلق: إنّ عرشه أو كرسيّه وسع السماوات والأرض وإنّه يجلس عليه فما يفضل منه إلاّ قدر أربعة أصابع، وإنّه ليئطّ أطيط الرحل الجديد براكبه.(2)
هذا هو الإله الذي يعبده ابن تيمية و مقلدو منهجه، فهو إله ينتقل ويتحرك وينزل، محدود بحدود، له جهة ومكان، وأنّه يجلس على العرش، وعرشه يزيد عليه بأربعة أصابع، فإذا كان هذا إله العالم وخالق البرايا، فرفض هذا الإله أفضل من إثباته، والرجل بعدُ قد تأثر بأخبار الآحاد المستوردة من مستسلمة أهل الكتاب، وتصوّر أنّها حقائق راهنة و أنّ بها تناط سعادة الأُمّة وأنّ عرش إله العالم يئطّ أطيط الرحل الجديد!
فإذا كان هذا هو الإله المعبود «فيا موت زر إن الحياة ذميمة»!!
هذا جزاء من أعدم العقل وأكبّ على النقل بلا وعي، وتلقّى روايات الصحيحين كأوثق ما يكون، دون أخضاعها للنقد والتمحيص.
فإذا كان هذا شيخ الإسلام وحجة الدين فعلى الإسلام السّلام!
ولا يتصوّر القارئ بأنّ شذوذه وانحرافه عن الرأي العام بين المسلمين

(1) تلبيس الجهمية:1/576.
(2) مجموعة التفسير: 354ـ 355.

70

يختصّ بما ذكرنا، ولكن خطأ الرجل لا يختصّ بباب دون باب، وإليك قوله بفناء النار وانتهاء العذاب.

7. فناء النار وانتهاء عذاب الكفّار

أكّد القرآن الكريم في آيات كثيرة على خلود المنافقين والكفّار في نار جهنم وعدم خروجهم من النار. قال تعالى: (وعَدَ اللّهُ المنافِقينَ والْمُنافِقاتِ وَ الْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيها هي حَسْبُهُمْ وَلَعَنهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقيم).(1)
وقال في آية أُخرى: (كَذلِكَ يُريهِمُ اللّهُ أَعمالَهُمْ حَسرات عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجينَ مِنَ النّار).(2)
إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في خلود الكفّار في نار جهنم.
ولكن هلمّ معي نقف على رأي ابن تيمية في المقام، يقول: وفي المسند للطبراني: أنّه ينبت فيها ـ النار ـ الجرجير».
فيحتج ابن(3) تيمية بهذا الحديث على فناء النار مضيفاً أنّ القائلين ببقائها ليس معهم كتاب ولا سنّة ولا أقوال الصحابة.
وأضاف أيضاً: أنّ من قال بدوام النار محتجاً بالإجماع، فالإجماع غير معلوم، إلى أن زعم أنّ القول بفنائها فيه قولان معروفان عن الخلف والسلف.(4)
أقول: قد عرفت أنّ الآيات صريحة في بقاء النار وخلود الكفّار فيها، ومع ذلك لا تصل النوبة إلى المرويّات التي لا تتجاوز أخبار الآحاد.

(1) التوبة:68.
(2) البقرة:167.
(3) الرد على من قال بفناء الجنة والنار: 67.
(4) لاحظ للوقوف على نصّ ابن تيمية كتاب «فناء الجنةوالنار» :ص 67ـ 71 وغيره.

71

وكم لابن تيمية من زلاّت في باب التوحيد وفيما يرجع إلى النبوّة والنبي وغيرهما، بيْد أنّنا نقتصر على ذلك، لأنّ الإطناب ربما يكون مملاًّ.
إنّ دراسة العقائد الإسلامية بحاجة إلى الإلمام بالكتاب والسنّة الصحيحة المعتبرة (غير المأخوذة من مستسلمة أهل الكتاب)، والاستناد إلى العقل الصريح الذي يصون الإنسان من الوقوع في هذه المهالك. واللّه هو المسدّد.

72

7

علم الكلام

وعوامل نشوئه

إنّ علم الكلام كسائر العلوم الإنسانية، ظاهرة علمية نشأت بين المسلمين في ظل أسباب سيوافيك بيانها، وانبثقت عنها مدارس مختلفة، كما كانت للأُمم السابقة مذاهب كلامية ومدارس دينية يبحث فيها عن اللاهوت والناسوت، وقد ألّف غير واحد من علماء اليهود(1)والنصارى كتباً كلامية يرجع تاريخها إلى القرنين الخامس والسادس، وأمّا عوامل نشأته بين المسلمين فتتلخص في عوامل داخلية وخارجية، إليك بيان الأُولى منهما:

العوامل الداخلية لنشوء علم الكلام

1. القرآن هو المنطلق الأوّل

إنّ الذكر الحكيم هو المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام بين المسلمين،

(1) كدلالة الحائرين لابن ميمون وغيرها. هذا ما يرجع إلى سالف الأيّام، وأمّا اليوم فما من شهر إلاّ ولهم كتاب أو رسالة حول ديانتهم.

73

وهو المصدر الأوّل عند المتكلّمين في دعم ما وافق وردّ ما خالف.
إنّ الآيات المتضمّنة للحوار بين الرسل ومن أرسل إليهم هي أحد أسباب التفكير الكلامي عند المسلمين، فلنذكر نماذج من تلك الحوارات:

1. حوار إبراهيم(عليه السلام) مع مدّعي الربوبية

هذا هو إبراهيم(عليه السلام) يحتجّ على مَن أنكر ربوبية اللّه سبحانه و تعالى، وينقل سبحانه احتجاجه بقوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِي حاجَّ إِبْراهيمَ في رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللّهُ الْمُلْكَ) وهذا المقطع من الآية يكشف عن أنّ مَلِكَ زمانه كان مشركاً في الربوبية ويزعم أنّ ربوبية العالم وتدبيره مفوضة إليه، فاحتجّ إبراهيم عليه بقوله:(رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت)، فأجاب الملك وقال:(أَنا أُحْيِي وأُمِيت).(1)
قال إبراهيم: (فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِب).
فعند ذلك بهت الملك ولم يدر بماذا يجيب، فيحكي سبحانه تحيّره وخذلانه أمام البرهان القاطع للخليل بقوله: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر).(2)

2. حوار إبراهيم(عليه السلام) مع عبدة الأصنام

إنّ لبطل التوحيد إبراهيم الخليل حواراً آخر مع المشركين بشأن أصنامهم

(1) يذكر المفسرون انّه أمر بإحضار سجينين أمر بإطلاق سراح أحدهما وقتل الآخر، وبذلك صار مظهراً للإحياء والإماتة، ولمّا كان في هذه الإجابة مغالطة واضحة، أعرض إبراهيم عن الرد عليه، فاستمرّ الحجاج بشكل آخر كما ترى.
(2) البقرة:258.

74

التي أقدم على كسرها وجعلها جذاذاً إلاّ كبيراً لهم ليكون عبرة لهم، فلمّا فوجئ المشركون بهذه الكارثة، تساءلوا عمّن قام بهذا الفعل الشنيع؟ فانتهى الأمر بهم إلى اتّهام إبراهيم(عليه السلام)بذلك،فأحضروه للكشف عن جليّة الحال، ودار بينه و بينهم حوار ينقله سبحانه بقوله:
ـ المشركون : (أأنْتَ فَعَلتَ هذا بآلهتِنا يا إِبراهيم).
ـ إبراهيم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُم هذا فاسأَلُوهُمْ إِن كانُوا يَنْطِقُون).
ـ المشركون :(لَقَدْ علِمْتَ ما هؤلاءِ يَنْطِقُون).
ـ إبراهيم:(أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفعُكُمْ شَيئاً وَلا يضُرُّكُمْ أُفّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه أَفلا تَعْقِلُون).
ولمّا أحسّ المشركون بالعجز عن إفحامه، تمسّكوا بمنطق القوة، فقالوا:
(حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلهتَكُمْ إِنْ كُنْتُم فاعِلين).
ثمّ إنّه سبحانه نصر رسوله في هذه اللحظة الرهيبة بجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم كما يقول:
(قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وسلاماً عَلى إِبراهيمَ* وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فجَعَلْناهُمُ الأَخْسَرِين).(1)

3. حوار موسى(عليه السلام) مع فرعون

إنّ الحوار الدائر بين موسى الكليم(عليه السلام) وفرعون مدّعي الربوبية يُرينا بوضوح قوةَ منطق الكليم مع أحد جبابرة عصره الذي ذَبَح لحفظ عرشه مئات من الأطفال الرُّضع للحيلولة دون ولادة موسى(عليه السلام) والذي تنبّأ كهنة مصر بزوال عرشه على يد

(1) الأنبياء:62ـ 70.

75

موسى عليه السَّلام ، وقد نقل القرآن ذلك الحوار مبسطاً في سورة الشعراء من الآية 16 إلى 51، ونحن نقتطف منه ما يلي:
ـ موسى: (إِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائيلَ).
ـ فرعون: (قالَ أَلم نُرَبِّكَ فينا وليداً ولَبِثْتَ فينا من عُمُرِكَ سِنينَ *وفَعلْتَ فَعْلَتَكَ الّتي فَعَلْتَ وأنتَ من الكافرينَ).
ـ موسى: (قال فعلتُها إذاً وأنا من الضالِّينَ *ففررتُ مِنْكُم لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَني مِنَ الْمُرسَلينَ *وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَليَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسرائيلَ).
ـ فرعون: (وما ربُّ العالمينَ).
ـ موسى: (ربّ السمواتِ والأرضِ وما بَيْنَهُما إن كُنْتُم مُوقِنين).
ـ فرعون: (قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ).
ـ موسى: (ربّكُم وربُّ آبائِكُمُ الأوّلينَ).
ـ فرعون: ( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُون).
ـ موسى: (رَبُّ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).
ـ فرعون: (لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلهاً غَيرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِين).
ـ موسى: (أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين).
ـ فرعون: (فأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِين).
ـ موسى: (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعبَانٌ مُبِينٌ* ونَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ للنّاظرينَ* قال لِلمَلأ حَوْلَهُ إِنّ هذا لساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ).
إلى آخر الحوار.

76

ترى أنّ موسى يستدلّ بالدليل والبرهان ويعرّف الربّ سبحانه بقوله: (ربّ السموات والأرض وما بينهما) و بقوله:(ربُّكُمْ وربّ آبائكُمُ).
ولكن فرعون يتّهمه أوّلاً بالجنون ويقول: (إنّ رسولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إليكم لَمَجْنُون).
ومن المعلوم أنّ المصلحين في العالم يُتّهمون دائماً بالجنون، لأنّهم يريدون التغيير الجَذريّ في المجتمع والذي يعدّه البسطاء أمراً محالاً، ويصفون الساعين إليه بالجنون، ولكن موسى لم يُعر أهمية لهذه التهمة وأعاد برهانه بقوله: (ربُّ المشرقِ و المغربِ وما بينهما إِن كُنتُم تَعْقِلُونَ).
فعند ذلك واجهه فرعون بمنطق القوة وقال: (لَئنِ اتّخذتَ إلهاً غيري لأَجعلنَّكَ منَ المسْجونينَ).
ولما أثبت صلته بعالم الغيب بالإتيان بالمعجزة الباهرة وأثبت بوضوح انّه رسول ربّ العالمين، قابله فرعون بادّعاء أنّ ما أتى به سحر ولا نصيب له من الواقع.

4. حوار مؤمن آل فرعون مع قومه

إنّ الحوار الدائر بين مؤمن آل فرعون وبين فرعون ورهطه حوار صدر في ظروف عصيبة، قام به أحد المنتمين إلى فرعون (كان يُظْهر كفره ويكتُم إيمانه)،على مرأى ومسمع من فرعون وملئه، وفي جوّ مشحون بالتآمر على موسى(عليه السلام)واستئصال دعوته، وقد نقل الذكر الحكيم هذا الحوار على طوله في سورة غافر من الآية 26 إلى 45، نقتطف منه ما يلي:
ـ فرعون: (ذَرُوني أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسادَ).

77

ـ موسى: ( إِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لا يُؤْمِنُ بِيَومِ الحِسابِ).
ـ مؤمن آل فرعون : (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بعضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ).
ـ فرعون: (يا هامانُ ابنِ لي صَرْحاً لَعلّي أَبْلُغُ الأَسْبابَ *أَسْبابَ السَّمواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كاذِباً).
ـ مؤمن آل فرعون: (يا قَومِ اتّبعونِ أَهْدِكُم سبيلَ الرّشادِ).
وكم في القرآن الكريم من نظائر لهذا الحوار دار رحاها بين رجال صالحين وأُناس طالحين وكان الظفر فيها حليف أصحاب المنطق والتفكير.
وبذلك يظهر أنّ القرآن الكريم بما فيه من الأدلة الساطعة والبراهين المحكمة على توحيده ذاتاً و فعلاً، وما نقل من الحوارات، كان هو المنطلق الأوّل لعلم الكلام.
***

2. السنّة هي المنطلق الثاني

إذا كان الكتاب هو المنطلق الأوّل، فإنّ خُطَب النبي وكلماته ومناظراته مع المشركين واليهود والنصارى، كانت هي المنطلق الثاني للتفكير الكلامي.
إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ناظر المشركين وأهل الكتاب بمرأى ومسمع من المسلمين، وهذه احتجاجاته مع نصارى نجران في العام العاشر من الهجرة، حتّى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما أفحمهم، دعاهم إلى المباهلة، وقد حفل التاريخ وكتب السير والتفسير بما

78

دار بين الرسول وبطارقة نجران و قساوستهم، وقد استدلّوا على إلوهية المسيح بقولهم: هل رأيت ولداً من غير ذكر؟ فأفحمهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بإيحاء من اللّه: وقال: (إِنّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون).(1) أي انّ مثل عيسى في عالم الخلقة كمثل آدم، وقد خُلق من غير أب ولا أُمّ، فليس هو أبدع ولا أعجب منه.
وإليك نموذجاً من مناظراته(صلى الله عليه وآله وسلم) :

احتجاج النبي مع اليهود في تبديل القبلة

لمّا أمر اللّه جلّ شأنه نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، جاء قوم من اليهود وقالوا: يا محمد هذه القبلة (بيت المقدس) قد صلّيت إليها أربع عشرة سنة ثمّ تركتها الآن. أفحقاً كان ما كنت عليه؟ فقد تركته إلى باطل، فانّ ما يخالف الحقّ فهو باطل; أو باطلاً كان ذلك، وقد كنت عليه طول هذه المدة فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟!
وأساس الشبهة التي أشار إليها اليهود هو انّه لا يمكن أن يكون التوجه صوب القبلتين صحيحاً، فأحدهما باطل، إمّا السابق وإمّا اللاحق، ومن المحتمل أن يكون الباطل هو اللاحق فكيف نؤمن به؟
وقد غفل المجادل عن أنّ الأحكام تتغيّر حسب تغيّر المصالح والمفاسد، فلا مانع من أن يكون كلاّ من التوجّهين حقاً في ظرفه، وعلى ذلك تدور رحى النسخ في الأحكام الشرعية.
فأجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «بل ذلك كان حقّاً، وهذا حقّ، يقول اللّه: (قُلْ للّهِ

(1) آل عمران:59.

79

المشرقُ والمغربُ يهدِي مَنْ يشاءُ إلى صِراط مُستقيم)(1) إذا عرف صلاحكم يا أيّها العبادُ في استقبال المشرق أمركُم به، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير اللّه تعالى في عباده وقصده إلى مصالحكم».
ثمّ قال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لقد تركتم العمل يوم السبت ثمّ عملتم بعده في سائر الأيام ثمّ تركتموه في السبت ثمّ عملتم بعده، أفتركتم الحق إلى باطل أو الباطل إلى حق؟! والباطل إلى باطل أو الحق إلى حق؟! قولوا كيف شئتم فهو قول محمد وجوابه لكم». قالوا: ترك العمل في السبت حق والعمل بعده حق.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق، ثمّ قبلة الكعبة في وقته حق».
(2) 3. خطب الإمام علي عليه السَّلام هي المنطلق الثالث
إنّ خطب الإمام ورسائله وكلمه القصار، التي حفظها التاريخ من الضياع لأوضح دليل على أنّ الإمام كان هو المؤسس للأُصول الكلامية خصوصاً فيما يرجع إلى التوحيدوالعدل، وبين يديك «نهج البلاغة» الذي جمعه الشريف الرضي ممّا وصل إليه من خطبه، تجد فيه من الأُصول الكلامية ما لا تجده في غيره، وإلى ذلك يشير السيد المرتضى في أماليه، فيقول:
اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)وخطبه، فانّها تتضمن من ذلك ما لا زيادة عليه ولا غاية وراءه، ومن تأمّل المأثور في ذلك من كلامه، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعد في

(1) البقرة:142.
(2) الاحتجاج:1/83.

80

تصنيعه وجمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأُصول، وروي عن الأئمّة من أبنائه(عليهم السلام) في ذلك ما لا يكاد يحاط به كثرة، ومن أحب الوقوف عليه وطلبه من مظانه أصاب منه الكثير الغزير الذي في بعضه شفاء للصدور الشقية ولقاح للعقول العقيمة.(1)
وجاء في «الفهرست» للنديم: أنّ أبا الهذيل العلاّف، محمد بن الهذيل، قال: أخذت هذا الذي أنا عليه من العدل والتوحيد، عن عثمان الطويل، وكان معلم أبي الهذيل.
قال أبو الهذيل: وأخبرني عثمان أنّه أخذه عن واصل بن عطاء، وأنّ واصلاً أخذه عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، وأنّ عبد اللّه أخذه من أبيه محمد بن الحنفية، وأنّ محمداً أخبره أنّه أخذه عن أبيه علي عليه السَّلام، وأنّ أباه أخذه عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّ رسول اللّه أخبره أنّ جبرئيل نزل به عن اللّه تعالى.(2)
وبما أنّ خطب الإمام(عليه السلام) ورسائله تعجّ بالتوحيد والعدل، والتنزيه وغيرها من المعارف، فنحن في غنى عن نقل نتف منها.

4. أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ودورهم في نشوء علم الكلام

إنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وإن أُقصُوا عن منصّة الحكم ولكنّهم كلّما أُتيحت لهم الفرصة في عصر الأمويين أو العباسيين قاموا بمهمة بيان المعارف والأُصول التي كان القوم يتنازعون فيها، وها نحن نذكر مقتطفات من مناظراتهم ونبتدئ بمناظرة أُمّ الأئمّة النجباء مع خليفة زمانها.

(1) الشريف المرتضى، الأمالي: 1/148. ولاحظ شرح ابن أبي الحديد في هذا الصدد:1/17.
(2) الفهرست:202.
Website Security Test