welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : معجم طبقات المتكلمين/ج 1*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

معجم طبقات المتكلمين/ج 1

1

معجم طبقات المتكلمين
يتضمّن ترجمة رجالات العلم والفكر
عبر أربعة عشر قرناً
الجزء الأوّل
تأليف
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تقديم وإشراف
العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني

2


3


4


5


6


7

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الملك العلاّم، خالق النفوس والأجسام، الذي حارت عن إدراك كنهه العقول، وضلّت الأوهام، والصلاة والسلام على المبعوث حجّة على الأنام، أقدس السفراء الفخام محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى الأطائب من ذرّيته، الحجج الغُرّ الكرام.
لمّا فرغتْ اللجنةُ العلميّةُ في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) من تأليف كتاب «موسوعة طبقات الفقهاء» وصدرت ـ بفضل اللّه تعالى ـ في أربعة عشر جزءاً بتقديم منّا في جزءين، وقَدّر جهودَها رجالاتُ العلم والدين في داخل البلد وخارجه برسائلهم وكلماتهم، أحببت أن أردف الموسوعة بموسوعة أُخرى ألا و هي «معجم طبقات المتكلّمين»، التي تشتمل على رجال علم الكلام خلال أربعة عشر قرناً حتّى أخدم رجال الفقه الأكبر والأصغر بهاتين الموسوعتين عسى اللّه أن يرزق الجميع شفاعة هؤلاء يوم القيامة، وقد استقبلت اللجنةُ مقترحَنا بوجه طلق وصدر رحب.
ثمّ إنّي وضعت هذه الرسالة لتبيين تاريخ علم الكلام وكيفية نشوئه وتكامله ومدارسه والعراقيل التي كانت في مسيره لتكون كالمقدّمة للموسوعة، عسى اللّه أن ينتفع بها روّاد علم الكلام انّه قريب مجيب.
والكلام يقع في فصول:

8

1

ما هو سبب تسمية علم الكلام بهذا الاسم؟

اختلفت كلمات أعلام المتكلّمين في وجه تسمية علم الكلام ، وها نحن نذكر كلماتهم في المقام:
1. قال العلاّمة الحلّي (المتوفّى 726هـ) في موسوعته «نهاية المرام في علم الكلام»:
خُصِّصَ هذا العلم باسم الكلام لوجوه:
ـ العادة قاضية بتسمية البحث في دلائل وجود الصانع تعالى وصفاته و أفعاله، بالكلام في اللّه تعالى وصفاته، فسُمّي هذا العلم بذلك. ولا استبعاد في تخصيص بعض الأسماء ببعض المسمّيات دون بعض.
ـ أنكر جماعة البحث في العلوم العقلية والبراهين القطعية، فإذا سُئلوا عن مسألة تتعلّق باللّه تعالى وصفاته وأفعاله والنبوة والمعاد، قالوا: نُهينا عن الكلام في هذا العلم، فاشتهر هذا العلم بهذا الاسم.
ـ هذا العلم أسبق من غيره في المرتبة، فالكلام فيه أسبق من الكلام في غيره، فكان أحقّ بهذا الاسم.
ـ هذا العلم أدق من غيره من العلوم، والقوة المميزة للإنسان ـ وهي النطق

9

ـ إنّما تظهر بالوقوف على أسرار هذا العلم، فكان المتكلّم فيه أكمل الأشخاص البشرية، فسمّي هذا بالكلام لظهور قوة التعقّل فيه.
ـ هذا العلم يُوقف منه على مبادئ سائر العلوم، فالباحث عنه كالمتكلم في غيره، فكان اسمه بعلم الكلام أولى.
ـ إنّ العارفين باللّه تعالى يتميزون عن غيرهم من بين نوعهم، لما شاهدوه من ملكوت اللّه تعالى، وأحاطوا بما عرفوه من صفاته، فطالت ألسنتهم على غيرهم فكان علمهم أولى باسم الكلام.(1)
2. وقال التفتازاني(المتوفّى عام 791هـ):
سُمِّي علم الكلام كلاماً، لأنّ مباحثه كانت مصدّرة بقولهم: كلام في كذا وكذا، ولأنّ أشهر الاختلافات فيه كانت مسألة كلام اللّه تعالى انّه قديم أو حادث، ولأنّه يُورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات، ولأنّه كثر فيه من الكلام مع المخالفين والردّ عليهم ما لم يكثر في غيره، ولأنّه لقوة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.(2)
وقد ذكر التفتازاني أيضاً في «شرح العقائد النسفية» أسباب تسمية علم الكلام بهذا الاسم فقال: وسَمُّوا معرفة العقائد عن أدلّتها بالكلام:
ـ لأنّ عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا.
ـ ولأنّ مسألة الكلام(في حدوث القرآن وقدمه) كانت أشهر مباحثه وأكثر نزاعاً وجدالاً.

(1) نهاية المرام في علم الكلام:1/8ـ9.
(2) شرح المقاصد:1/164، تحقيق الدكتور عبدالرحمن عميرة.

10

ـ ولأنّه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق للفلسفة.
ـ ولأنّه أوّل ما يجب من العلوم التي تُعْلم وتُتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك ثمّ خُصّ به ولم يطلق على غيره تميزاً له.
ـ ولأنّه إنّما يتحقّق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين، وغيره قد يتحقّق بالتأمل ومطالعة الكتب.
ـ ولأنّه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم.
ـ ولأنّه لقوة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.
ـ ولأنّه لابتنائه على الأدلّة القطعية المؤيَّد أكثرها بالأدلّة السمعية، أشدّ العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه، فسُمِّي بالكلام، المشتق من الكلم وهو الجرح.(1)
وعلى كلّ تقدير فقد يطلق على هذا العلم، علمُ أُصول الدين، كما يسمّى أيضاً بعلم التوحيد، أو علم التوحيد والصفات، أو الفقه الأكبر، أو علم النظر والاستدلال.(2)
هذا خلاصة ما ذكروه غير أنّ كثيراً منها إبداعيّ لا يَعتمِدُ على دليل، خصوصاً ما اشتهر بين الناس من أنّ وجه التسمية بالكلام لأجل انّ البحث في الكلام الإلهي من حيث الحدوث والقدم كان هو السبب وراء تسمية هذا العلم

(1) شرح العقائد النسفيّة:15،ط آستانة ـ 1326هـ.
(2) كشاف اصطلاحات العلوم:30; وعلم الكلام ومدارسه:53.

11

بعلم الكلام.
وذلك لأنّ البحث في الكلام الإلهي من حيث القدم والحدوث نجم في عصر المأمون عام 212هـ ، مع أنّ هذا المصطلح كان دارجاً بين المسلمين قبل هذا العصر.

نظرنا في وجه التسمية

والظاهر انّ خطب الإمام وكلماته، كانت هي الأساس في التسمية وتدوين علم الكلام، فالمتكلّمون كانوا يستدلّون بكلام علي عليه السَّلام في كذا وكذا حتّى سمّى مجموع المسائل بعلم الكلام.
وسيوافيك أنّ المؤسس الأوّل لهذا العلم هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنّه أوّل من تكلّم بين الصحابة حول أسمائه سبحانه وصفاته وأفعاله بوجه بديع، وخطبه وكلماته أفضل شاهد على ذلك.

12

2

تعريف علم الكلام

وقد عُرِّف علم الكلام بتعاريف مختلفة:
1. علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه.(1)
2. هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلّة اليقينية.(2)
3. هو ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحمودة التي صرّح بها واضعُ الملة وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل.(3)
4. علم يتضمّن الحجاج على العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقاد عن مذاهب السلف وأهل السنّة.(4)
ويلاحظ على التعريف الأخير بأنّ المتكلّم ـ على ضوء هذا التعريف ـ هو من يدافع عن أُصول الدين لا عن فروعه. واختلاف السنّة مع غيرهم اختلاف في الفروع لا في الأُصول بما فيه الاختلاف في الإمامة، لأنّها عند أهل السنّة من

(1) المواقف:1/333; كشاف اصطلاحات العلوم:30.
(2) شرح المقاصد:1/163.
(3) موسوعة مصطلحات العلوم عند العرب:2/1061.
(4) مقدمة ابن خلدون:ص 458، الفصل العاشر في علم الكلام.

13

الفروع وجزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا معنى لتخصيص علم الكلام بالدفاع عن عقيدة السلف والسنّة، بل المتكلّم يدافع عن العقيدة الإسلامية المشتركة بين السنّة والشيعة.
وعلى ضوء هذه التعاريف يكون علم الكلام علماً آلياً يستخدم في إثبات العقائد الدينية، إمّا بإيراد الحجج أو دفع الشبه، ويكون موضوعه العقائد الدينية من حيث إقامة الحجج العقلية عليها أو دفع الشبه عنها.
وهذا النوع من التعاريف ينطبق على الكتب المؤلفة في العصور الإسلامية الأُولى التي اقتصر البحث فيها على المسائل العقائدية.
ولكن هذا الوضع لم يدم، ففي العصور المتأخرة شرع المتكلّمون في البحث عن أوسع الموضوعات وهو البحث عن الموجود بما هو موجود; فقسّموا المباحث الكلامية إلى: الأُمور العامة أوّلاً ، والطبيعيات ثانياً، والإلهيات ثالثاً.
وعلى ضوء ذلك سار نصير الدين الطوسي (المتوفّى672هـ) في كتابه «تجريد الاعتقاد»; وتبعه غير واحد من المتكلّمين، منهم: العلاّمة الحلّـي في غير واحد من كتبه الكلامية لاسيّما كتاب «نهاية المرام في علم الكلام»، والقاضي الإيجي (المتوفّى756هـ) في «المواقف»، والتفتازاني(المتوفّـى791هـ) في «مقاصده» و«شرحه»، والجرجاني (المتوفّى 816هـ) في «شرح المواقف»، والفاضل المقداد(المتوفّى 826هـ) في «اللوامع الإلهية» ، إلى غير ذلك من الكتب.
وهذه المسائل لا تمت إلى العقائد الدينية بصلة. نعم حاول محمد علي الفاروقي التهانوي من علماء القرن الثاني عشر إرجاع هذه المسائل إليها بالبيان التالي:

14

وموضوعه هو المعلوم من حيث إنّه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقاً قريباً أو بعيداً، وذلك لأنّ مسائل هذا العلم إمّا عقائد دينية كإثبات القدم والوحدة للصانع، وإمّا قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة وجواز الخلاء وانتفاء الحال وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعددة موجودة في ذاته، والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود والمعدوم والحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقاً قريباً، وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقاً بعيداً،وللبعد مراتب متفاوتة.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لا صلة بين إثبات الأحوال البهشمية المطروحة في الأُمور العامّة ونفيها والعقائد الدينية، وهكذا كثير من المسائل المطروحة في علم الطبيعيات.
وسيوافيك الرأي الحاسم في الفصل القادم.

(1) كشاف اصطلاحات الفنون:31.

15

3

موضوع علم الكلام

إنّ تحديد موضوع علم الكلام رهن كيفية تعريفه، فلو قلنا في تعريف علم الكلام بأنّه علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه، يكون موضوعه العقائد الدينية التي أذعن المتكلّم بصحّتها بدلائل إجمالية، وتكون عوارضها إقامة الحجج التفصيلية عليها أو بدفع السهام المرشوقة إليها.
وأمّا لو قلنا في تعريف علم الكلام بأنّه الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود كما يدلّ عليه مباحثه، فالموضوع هو الموجود بما هو موجود الذي ثبوته من البديهيات ومسائله من النظريات، فعندئذ يتّحد موضوع علم الكلام مع موضوع الفلسفة، وغاية ما يمكن أن يقال في الفرق هو انّ البحث في علم الكلام على نهج قانون الإسلام بمعنى انّ المتكلّم ملتزم بأن لا يخرج بنتيجة يخالف فيها الإسلام ولكن الفيلسوف غير ملتزم بذلك.
ينقل الإيجي في «المواقف» ويقول: وقيل الموضوع هو الموجود بما هو موجود ويمتاز عن الإلهي باعتبار، وهو انّ البحث هاهنا على قانون الإسلام.(1)
وعلى ضوء ذلك فالفلسفة والكلام اسمان لعلم واحد، مشتركان في عامّة

(1) المواقف:1/7.

16

المسائل، غير أنّ همّ المتكلّم في النهاية إيراد الحجج على العقائد أو دفع الشبه بخلاف الفيلسوف.
وبذلك ظهر انّ الموضوع أحد أمرين:
أ. العقائد الدينية المبرهنة إجمالاً في غير علم الكلام. فيبحث عن العوارض الذاتية لها وهي ـ كما مرّ ـ إمّا إقامة الدليل أو دفع الشبهة.
ب. الموجود بما هو موجود الذي يؤمن به كلّ إنسان موضوعي ويبحث عن عوارضه الذاتية، وهي تقسيم الموجود إلى واجب وممكن، والممكن إلى مجرّد ومادّي وهكذا.
وقد تقدّم انّ التهانوي جعل الموضوع «المعلوم» من حيث إنّه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية وكأنّه حاول الجمع بين الأمرين.
هذا هو المستفاد من كلمات القوم.

إيضاح وتفصيل

والحقّ أن يقال : أنّه لو قلنا بأنّ علم الكلام يتضمّن الاحتجاج على العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية والردّ على المبتدعة فموضوع علم الكلام «هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث الاستدلال عليها بالأدلّة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد».
وقد كان علم الكلام في أوائل الأمر لا يتجاوز هذا الحدّ، و كان الغرض منه هو الذبّ عن العقائد الصحيحة، فالعقائد الإيمانية موضوع والبرهنة عليها بالأدلّة العقلية ورفع البدع وإزالة الشكوك من عوارضها.
ولكن علم الكلام ـ بمرور الزمن ـ تجاوز هذا الحدّ فصار يواكب الفلسفة

17

في حقولها الثلاثة: الأُمور العامّة، الطبيعيات والفلكيات، والإلهيات بالمعنى الأخصّ.
فعند ذلك لا محيص من القول من أنّ موضوع علم الكلام هو نفس موضوع الفلسفة ، لكن الغرض الأقصى للمتكلّم هو البرهنة على ما ثبت في الشرع في الحقول الثلاثة، وبالأخص ما يمت إلى العقائد بصلة; وهذا بخلاف الحكيم، فإنّ الغاية هو فهم حدود الوجود وتعيّناته من الواجب إلى الممكن ومن الجوهر إلى العرض ومن المادّة إلى المجرّد.
وبذلك يتيسّر لنا أن نقول: إنّ علم الكلام تطوّر عبر القرون، ففي القرون الأُولى كان الهدف هو الدفاع عن العقائد الإيمانية فقط، ولم يكن هناك أيّ غرض سوى ذلك، ولكن بمرور الزمن واحتكاك الثقافات وازدهار الفلسفة لم يجد المتكلّمون بدّاً من التوسع في المعارف الكونيّة من الطبيعيات والفلكيات والبحث عن القواعد العامّة في الأُمور العامّة وغير ذلك.
وبذلك اختلفت كلمتهم في بيان موضوع العلم.

استظهار موضوع العلم من خلال غايته

إنّ الوقوف على موضوع العلم يحصل من خلال الوقوف على غايته، فإنّ غاية العلم تُحدِّدُ موضوعَ العلم وبالتالي تعريفَه.
فالغاية القصوى للمتكلّم هي معرفة اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله، ويدخل في أفعاله معرفة المعاد و الأنبياء والأئمّة وما يمت لهم بصلة، فإذا كانت هذه هي الغاية فلا معنى لاتخاذ الموجود بما هو موجود موضوعاً لعلم الكلام، فإنّ البحث عن مطلق الموجود وإن لم يكن له صلة باللّه وأسمائه وصفاته وأفعاله خارج عن

18

الغاية المتوخاة للمتكلّم، وبذلك تخرج كثير من المباحث المطروحة في الفلسفة عن علم الكلام، نظير:
1. الأُمور العامة، كالبحث عن الوجود والماهية، والبحث عن العدم وأحواله إلى غير ذلك من المسائل.
2. الطبيعيات، كالبحث عن تركّب الجسم من الهيولى والصورة، أو الفلكيات إلى غير ذلك.
وقد مرّ أنّ المتكلّمين في العصور الأُولى لم يكن لهم همّ إلاّ طرح المسائل التي لها مساس بالعقائد الدينية، ولكن لمّا اتسعت العلوم ودام التنازع بينهم وبين غيرهم اتسعت دائرة علم الكلام إلى مسائل لا تمت إليها بصلة، وكانت الغاية من إدخال هذه المسائل هي مجاراة الفلاسفة فيها حتّى لا يُتَّهمُوا بقلة الاطّلاع وض آلة الفضل والعرفان، ولولا هذا لما شمل علم الكلام هذه المباحث.
ولذلك نرى أنّ العلاّمة الحلّيّ يذكر في غاية علم الكلام ماهذا نصّه:
إنّ الإنسان هو مدني بالطبع يفتقر في معاشه إلى غذاء ولباس ومسكن، وهذه الأُمور لا يمكن صدورها عن صانع واحد وإنّما تحصل باجتماع خلق يتعاونون عليه ويتشاركون في تحصيله.
ثمّ إنّ الاجتماع على التعاون إنّما يتم إذا كان بين بني النوع معاملة وعدل، إذ كلّ منهم يشتهي ما يحتاج إليه ويغضب على مزاحمته فيه ، وبحسب هاتين يحصل الجور فيقع الهرج والمرج فمسّت الحاجة إلى وضع قوانين إلى كيفية العدل.
وتلك القوانين لو وضعها الناس لحصل الاختلاف، فوجب في عناية اللّه تعالى إرسال الأنبياء بشرائع تقتضي نظام الوجود ومجازاة الممتثل لها بإحسان

19

ومقابلة المخالف بالعذاب الأُخروي، فوجب معرفة المجازي.(1)
ترى أنّه يبيّن غاية علم الكلام بحاجة الإنسان إلى القوانين العادية، ولا يحصل ذلك إلاّ بتشريع اللّه سبحانه، ومعرفة القوانين تتوقّف على معرفة اللّه سبحانه وأسمائه وصفاته وأنبيائه، وما وعد به المطيع، أو أوعد به المجرم.
فإذا كانت الغاية هي هذه، فالبحث عن الماهية والوجود والأحوال البهشمية أو عن أصالة الوجود والماهية أو المسائل الطبيعية بأجمعها يكون أمراً زائداً، ولذلك نرى أنّ العلاّمة الحلّي بعدما يذكر الغاية يعرّف علم الكلام بالشكل التالي:
علم الكلام هو المتكفّل بمعرفة المجازي، وكيفية آثاره وأفعاله وتكاليفه على الإجمال. وذلك هو سبب السعادة الأبدية والخلاص عن الشقاء الأبدي، ولا غاية أهمّ من هذه الغاية.(2)
فإذا كانت هذه غاية علم الكلام حسب ما قرره العلاّمة الحلي اتّضحت الأُمور الثلاثة:
1. تعريف علم الكلام.
2. موضوعه.
3. غايته.

(1) نهاية المرام:1/12 .
(2) نهاية المرام:1/13.

20

4

التفكير فريضة إسلامية

إنّ الذكر الحكيم يعدّ التفكير فريضة دينية، يقول سبحانه: (الّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِياماً وقُعوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتفكَّرون في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرْض ربّنا ما خَلَقْت هذا باطلاً).(1)
وقد تكرر قوله سبحانه في الذكر الحكيم: (انّ في ذلِكَ لآيات لقَوم يَتَفَكَّرون).(2)
فلو كانت الفريضة هي الجمود على ما ذكره السلف فيما يرجع إلى المبدأ والمعاد، فلماذا حثَّ سبحانه على التفكير في آياته وخلقه؟! أليس في ذلك دعوة لمعرفة المبدئ وأسمائه وصفاته وأفعاله حسب الطاقة البشرية من خلال التدبّر في آثاره وآياته الكونية؟.
إنّه سبحانه عندما يندِّد بالملحدين والمشركين يخاطبهم بقوله: (قُلْ هاتُوا بُرهانكُم)، ويقول سبحانه: (أَم اتّخذوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرهانكُمْ هذا ذِكْرُ

(1) آل عمران:191.
(2) الرعد:3; النحل:11; الزمر:42; الجاثية:16.

21

مَنْ مَعيَ وَذِكْرُ مَن قَبلي بَلْ أَكثرهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحقَّ فَهُم مُعْرِضُون).(1)
وعلى ضوء ذلك فالبرهان هو مدار الإيمان والصلاح والنجاح، فمَن طلب البرهان أو أبطل الوهم به، فقد عمل بالقرآن; وأمّا من أقفل على قلبه وعقله وقلّد السلف دون تفكير، فقد عطّل عقلَه وتفكيره.
ثمّ ما الدليل على أنّ السلف أفضل من الخلف، وكأنّ السلف قد أحاطتهم هالة من العصمة لا يخطأون ولا يشتبهون. وسيوافيك أنّ خير السلف هو الإمام أمير المؤمنين علي عليه السَّلام وأهل بيته الطاهرين، قد فتحوا باب المعارف الإلهية بوجه الأُمّة على ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الحصيف الذي به عرفنا ربّنا سبحانه، لا عن طريق المشاغبات والمجادلات.
إنّ القرآن الكريم يحثُّ على التعقّل في آياته سبحانه ويقول: (كَذلِكَ يُبيّنُ اللّه آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون).(2)
ويقول سبحانه: (أُفّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه أَفَلا تَعْقِلُون)(3) ، ويبيّن أنّ الغاية من ضرب الأمثال هو التعقّل ويقول: (وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاّ العالمُون).(4)
ويبيّن انّ شر الدّواب هو الإنسان الذي أغلق عقله وأعدم تفكيره، يقول تعالى: (إِنَّ شَرّ الدّوابِّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُّكْمُ الَّذين لا يَعْقِلُون).(5) إلى غير ذلك من الآيات الحاثَّة على التعقّل.

(1) الأنبياء:24.
(2) البقرة:242.
(3) الأنبياء:67.
(4) العنكبوت:43.
(5) الأنفال:22.

22

أفهل يصحّ تخصيص هذه الآيات بالتعقّل في أُمور الدنيا ومعاش الإنسان وما حوله من العلوم الطبيعية والفلكية فقط؟ أو أنّ مقتضى إطلاقها، هو التفكير في الطبيعة ومابعدها؟
فلو صحّ ما يقوله علماء السلف:«إنّما أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية، فمن شغل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية».(1)
فلو صحت هذه الجملة فمَن المخاطب إذن بهذه الآيات التي تحتوي على براهين مشرقة؟!
( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْر شيْء أَمْ هُمُ الخالِقُون).(2)
(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّه لَفَسَدتا فَسُبحانَ اللّه رَبّ العَرْش عَمّا يَصِفُون).(3)
(مَا اتّخذَ اللّه مِنْ وَلَد وَما كانَ مَعَهُ مِنَ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُون).(4)
إلى غير ذلك من الآيات التي وردت فيها أُصول المعارف الإلهية التي تقع وراء الحس والطبيعة.
ثمّ إنّه سبحانه يأمر بالشكر بعدما يذكِّر ببعض مواهبه من السمع والأبصار والأفئدة ويقول سبحانه: (وَاللّهُ أَخرجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفئِدَة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(5)

(1) الإثبات والتفويض لرضا نعسان معطي، نقلاً عن الحجة في بيان المحجة:33 .
(2) الطور:35.
(3) الأنبياء:22.
(4) المؤمنون:91.
(5) النحل:78.

23

والمراد من الشكر في ذيل الآية صرف النعمة في مواضعها، فشكر السمع والبصر هو إدراك المسموعات والمبصرات بهما، وشكر الفؤاد هو درك المعقولات وغير المشهودات به، فالآية تحرّض على استعمال الفؤاد والقلب والعقل في ما هو خارج عن إطار الحس وغير واقع في متناول أدواته.
ولأجل ذلك يتّخذ القرآن لنفسه في هذه المجالات موقف المعلِّم فيعلِّم المجتمع البشري كيفية إقامة البرهنة العقلية على توحيده سبحانه في أمر الخلقة والتدبّر.
باللّه عليك أيّها القارئ اقرأ الآيات التالية، ثمّ احكم بنفسك، هل يمكن لإنسان أن يقف على مغزاها بلا تفكير وتعقّل مبني على أُصول متعارفة أو موضوعة؟ فلو أعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك (مشاهد) الربوبية فماذا تهدف هذه الآيات التي أمرنا بالتدبّر فيها؟!
(نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلولا تُصدّقُونَ* أَفرَأيتم ماتُمْنُون* ءَأَنْتُمْ تَخْلقونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ*نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقينَ*عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعَلَمُونَ *وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشأةَ الأُولى فَلولا تَذَكَّرُونَ* أَفرأَيْتُمْ مَاتَحْرُثُونَ *ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ* لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ* إِنَّا لَمُغْرَمُونَ* بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ *أَفَرأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ *ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ *لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ* أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الّتي تُورُونَ* ءَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئونَ).(1)
رغم انّ علم الكلام الذي هو من أفضل مظاهر التفكير، كان ضرورة زمنية دعت المخلصين الغيارى من علماء الإسلام إلى تدوينه ونشره حتّى يقوم الجيل

(1) الواقعة:57ـ72.

24

الحاضر بالدفاع عن حياض الشريعة بقوة وحماس، ترى أنّ أكثر التابعين وحتّى أئمّة الفقه يعارضون علم الكلام بل يحرمونه، فهذا هو مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري ذهبوا إلى رفض علم الكلام ومهاجمة المتكلمين.
فقد نقلوا عن الشافعي قوله في أثناء موته: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه فرارهم من الأسد.
وأمّا أحمد بن حنبل فقد استخدم في حقهم لفظ الزنادقة.
وأمّا مالك فقد رفض الكلام والمتكلّمين بحجة انّهم قوم على استعداد أن يغيّروا دينهم وفقاً للبراهين التي تعرض لهم أو تعرض عليهم، فقال: أرأيت إن جاء عالم الكلام من هو أجدل منه أيدع دينه كلّ يوم، لدين جديد.(1) إلى غير ذلك من الكلمات المروية عن التابعين وتابعي التابعين.
وهذا هو الإمام الأشعري لما عدل عن منهج الاعتزال والتحق بمذهب الإمام أحمد لم يحتفل به أصحاب الإمام أحمد .
قال عبد اللّه الحمراني : لمّا دخل الأشعري بغداد جاء إلى البَربهاري فجعل يقول: رددتُ على الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس وقلت وقالوا; وأكثرَ الكلامَ، فلمّا سكت قال البربهاري: وما أدري ما قلت لا قليلاً ولا كثيراً، ولانعرف إلاّ ما قاله أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل. قال: فخرج من عنده وصنف كتاب «الإبانة» فلم يقبله منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منهـا.(2)
وقد اشتهر ذمُّ علم الكلام على لسان الذين عطلوا تفكيرهم وكرّسوا

(1) علم الكلام ومدارسه:51ـ52.
(2) تبيين كذب المفتري:391.

25

جهودهم بنقل الحديث دون وعيه ودرايته،و قد نُقلت في هذا المقام كلمات عن السلف نظير ما نقلناه. ولا بأس بذكر بعضها:
نقل ابن الجوزي بسنده عن الوليد بن أبان الكرابيسي أنّه قال لبنيه لما حضرته الوفاة: تعلمون أحداً أعلم بالكلام منّي ؟ قالوا: لا، قال: أفتتهمونني؟ قالوا: لا، قال: فإنّي أُوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإنّي رأيت الحقّ معهم.
ونقل أيضاً عن إمام الحرمين أنّه كان يقول: لقد جُلْت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبتُ البحرَ الأعظم، وغصت في الذين نهوا عنه كلّ ذلك في طلب الحقّ وهرباً من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف برّه فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني.
وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفتُ أنّ الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.
وقال أبو الوفاء ابن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع أنّ الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيتَ أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيتَ انّ طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت، وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم روائح الإلحاد من فلتات المتكلّمين، وأصل ذلك انّهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك ما عند اللّه من الحكمة التي انفرد بها ولا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأُمور.(1)

(1) انظر للوقوف على مصادر هذه الكلمات تلبيس إبليس:82ـ 83،ط دار القلم، بيروت.

26

هذه كلماتهم في ذم التعقّل والتفكّر وكم لها من نظير، وعلى القارئ الكريم أن يعرض كلماتهم على الذكر الحكيم حتّى يتبين الحقّ من الباطل، وأن يكون رائده إلى الحق كلامه سبحانه لا كلمات القوم.

مضاعفات تعطيل العقول عن التفكير

إنّ تعطيل العقول عن المعارف الإلهية بين أهل الحديث أو صنف منهم جرّهم إلى القول بالتشبيه والتجسيم باطناً وإن أنكروه ظاهراً، يقول ابن تيمية محيي الدعوة السلفية في القرن الثامن: أهل السنّة والجماعة يؤمنون بما أخبر اللّه به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأُمة كما أنّ الأُمّة هي الوسط في الأُمم، فهم وسط كما في باب صفات اللّه سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل (المشبهة).(1)
والقارئ الكريم يتصوّر أنّه مشى على هذا الأصل إلى آخر كتابه، ولكنّه يقف على أنّه سرعان ما انقلب على وجهه وارتد على أدباره وغرق في التشبيه والتجسيم ونادى به وقال:
«وممّا وصف الرسول به ربّه في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول ووجب الإيمان به قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):ينزل ربّنا إلى سماء الدنيا كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فاغفر له؟ وقوله : يضحك اللّه إلى رجلين، أحدهما يقتل الآخر كلاهما يدخل الجنة. وقوله: لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد

(1) مجموعة الرسائل والمسائل:400.

27

حتّى يضع ربّ العزة فيها قدمه ينزوي بعضها إلى بعضه، وتقول: قط قط. وهذه الأحاديث متفق عليها.(1)
نحن نسأل «ابن تيميّة» و من لفّ لفّه: هل هو يأخذ بظواهر هذه الأحاديث التي لو وردت في حقّ غيره سبحانه لقطعنا بكونه جسماً، كالإنسان له أعضاؤه، أو يترك ظواهرها و يحملها على غيرها؟ فعلى الأوّل يقع في مغبّة التشبيه، و على الثاني يقع في عداد المؤوّلين و هو يتبرّأ منهم.
وأمّا الأخذ بظواهرها لكن بقيد «بلاتكييف» و «لاتشبيه» ـ فمضافاً إلى أنّه لم يرد في النصوص ـ يوجب صيرورة الصفات مجملة غير مفهومة، فإنّ واقعيّة النزول والضحك و وضع القدم،إنّما هي بكيفيتها الخارجيّة، فحذفها يعادل عدمها. فما معنى الاعتقاد بشيء يصير في نهاية المطاف أمراً مجملاً و لغزاً غير مفهوم؟ فهل يجتمع هذا مع بساطة العقيدة و سهولة التكليف التي تتبنّاها السلفيّة في كتبهم؟!
فلو صحّ تصحيح هذه الأحاديث و الصفات الجسمانية بإضافة قولهم «بلاتمثيل» فليصحّ حمل كلّ وصف جسماني عليه بإضافة هذا القيد بأن يقال: اللّه سبحانه جسم لاكهذه الأجسام، له صدر و قلب لاكمثل هذه الصدور و القلوب، إلى غير ذلك مما ينتهي الاعتقاد به إلى نفي الإله الواجب الجامع لصفات الجمال والجلال.
إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد و تفسير القرآن و الحديث، لايُنتج إلا إجلاسه سبحانه على عرشه فوق السماوات، يقول «ابن قتيبة» ـ المدافع عن الحشوية و أهل الحديث ـ في تفسير قوله:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَ الأَرْض)

(1) نفس المصدر:398ـ 399. وسيوافيك آراؤه الشاذة في ص 159ـ 170.

28

يستوحشون أن يجعلوا لله كرسيّاً أو سريراً و يجعلون العرش شيئاً آخر، و العرب لاتعرف العرش إلا السرير، و ما عُرِش من السقوف و الابار. يقول اللّه (وَ رَفَعَ أََبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ)أي على السرير.
و أُميّة بن أبي الصلت يقول:
مَجّدوُا اللّه و هو للمجد أهل *** ربّنا في السماء أمسى كبيـراً
بالبناء الأعلى الذي سبق النا *** س وسوّى فوق السماء سريرا
شرجعا(1)ما يناله بصــر الـ *** ـعين ترى دونه الملائك صورا(2)(3)
ترى أنّه يصور اللّه سبحانه ملكاً جبّاراً جالساً على عرشه، و الخدم دونه ينظرون إليه بأعناق مائلة، و هو يتبجّح بذلك تبجّح المتكبّر باستصغار الناس و ذلتهم.
و يقول أيضا:
«كيف يسوغ لأحد أن يقول: إنّه بكلّ مكان على الحلول مع قوله:
( اَلرَّحْمن عَلى الْعَرْشِ اسْتَوى ) أي استقر، كما قال: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أََنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الفُلْكِ) أي استقررت.

(1) أي طويلاً.
(2) جمع «أصور» و هو المائل العنق.
(3) تأويل مختلف الحديث: 67.

29

و مع قوله تعالى:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ).
كيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرفع إليه عمل و هو عنده .(1)
ثم إنّه يستشهد بكونه سبحانه في السماء بما ورد في الحديث:
« إنّ رجلاً أتى رسول اللّه بأمة أعجميّة، للعتق، فقال لها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أين اللّه تعالى؟
فقالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول اللّه، فقال(عليه السلام): هي مؤمنة، و أمر بعتقها.(2) فقد غاب عن «ابن قتيبة» إنّ المراد من كونه سبحانه بكلّ مكان ليس هو حلوله فيه، بل المراد أنّ العالم بكلّ أجزائه وذرّاته قائم به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي و انّ وجوده سبحانه وجود فوق الزمان و الزمانيّات و المكان و المكانيّات، غني عنهما، لايحتاج إليهما، بل هو الخالق لهما.
و أمّا الحديث الذي استدلّ به فليس فيه دلالة على تصديق رسول اللّه بكلّ ما تعتقده الأمة، بل انّه (صلى الله عليه وآله وسلم)اكتفى بما أظهرت من الاعتقاد الساذج بوجوده سبحانه و نبوّة نبيّه و إن أخطأت في الحكم بأنّه في السماء و لم تكن الظروف ـ إذ ذاك ـ تساعد، لتفهيمها إنّه سبحانه منزّه عن المكان و الزمان و الجهة، و إنّه ليس جسماً و لاجسمانياً حتى يحلّ في السماء.
على أنّ الرواية، نقلت بصور مختلفة أوضحنا حالها في رسالة خاصة.

(1) نفس المصدر: 271.
(2) المصدر نفسه: 272.

30

5

شبهات منكري علم الكلام

قد عرفت أنّ التفكير فريضة إسلامية وانّ الإنسان بطبعه يفكِّر وينقض ويبرم ويتطلّع إلى موضوعات قابلة للتفكير فيطلب إجابة حاسمة لها، ومع ذلك نرى أنّ أُناساً يعدُّون من طبقة المحدِّثين ينكرون علم الكلام وينددون به تحت غطاء شبهات نذكرها تباعاً:(1)
1. لو كان المنطق طريقاً موصلاً، لم يقع الاختلاف بين أهل المنطق، لكنّا نجدهم مختلفين في آرائهم.
يلاحظ عليه: أنّ القائل استخدم المنطق في إبطال المنطق، فإنّ ما ذكره قياس استثنائي حيث قال: لكنّا نجدهم مختلفين فاستنتج بأنّ المنطق ليس طريقاً موصلاً.
أضف إلى ذلك انّ معنى كون المنطق آلة للاعتصام، هو انّه لو استعمل استعمالاً صحيحاً يعصم من الخطأ، وأمّا انّ كلّ مستعمل له، يستعمله صحيحاً

(1) نقل قسماً من هذه الشبهات، السيد الطباطبائي في الجزء الخامس من كتاب الميزان، فلاحظ ص 256ـ 271، طبعة بيروت.

31

فلا يدّعيه أحد، وهذا نظير ما يقال: انّ السيف آلة القطع، ولكن ليس كلّ مستعمل يستعمله، يترتّب عليه القطع.
2. انّ هذه الأُصول إنّما روِّجت بين الناس لصرف الناس عن اتّباع الكتاب والسنّة أو لصدّهم عن باب أهل البيت، فيجب علينا الاجتناب.
يلاحظ عليه: أنّ المتكلّم لا يدّعي الاستغناء عن الكتاب والسنّة، بل الكتاب والسنّة الصحيحة أحد الطرق إلى معرفة الحقائق، وإنّما يستعان بالعقل أيضاً إمّا لدعم ما يستفاد منهما، أو لدفع الإشكال عنهما، أو لإثبات ما لا يستفاد منهما حسب فهمنا .كيف وأئمّة أهل البيت هم الذين فتحوا باب التفكّر بوجه الأُمّة؟!
3. لا حاجة إلى آثار الكفّار والملاحدة مع وجود الكتاب والسنّة.
يلاحظ عليه: أنّ ما نُقل عن الحكماء يشتمل على الصحيح والخطأ، والحسن والسيِّئ، والقرآن يدعو إلى أخذ الحسن دون السيِّئ، لا إلى رفض الجميع، يقول سبحانه: (فَبَشِّرْ عِباد *الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه أُولئكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللّهُ وَأُولئك هُمْ أُولُوا الأَلْباب).(1)
وثمّة آيات وروايات كثيرة تؤكّد هذا المعنى، ولا ريب في أنّ القرآن هو الداعي إلى تعلم العلوم والأخذ بأحسنها وردّ سيّئها.
وبعبارة أُخرى: انّ الكتاب والسنّة يحثّان الإنسان على التوسع في استعمال الطرق العقلية الصحيحة، أعني: المقدّمات البديهيّة أو المنتهية إليها لتمييز الفكرة الصحيحة عن السقيمة، سواء كانت الفكرة شرقية أم غربية.
4. انّ طريق السلف الصالح كان مبايناً لطريق الكلام والفلسفة والعرفان،

(1) الزمر:17ـ18.

32

وكانوا يستغنون بالكتاب والسنّة عن استعمال الأُصول المنطقية والعقلية.
يلاحظ عليه: أنّ السلف الصالح لم يكونوا على وتيرة واحدة، فعليّ عليه السَّلام وأهل بيته وشيعتهم ولفيف من أهل السنّة يرون التفكير فريضة إسلامية، وكانوا يخوضون في بحار المعارف ويستدلّون بالأقيسة الصحيحة على النتائج.
وأصحّ دليل على ذلك خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)واحتجاجات تلاميذه وتابعيه.
والحاصل: انّ رائدنا في الخوض في المباحث العقلية، هو قوله سبحانه: (ادعُ إِلى سَبيلِ ربّكَ بِالحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهُمْ بِالّتي هي أَحسَن).(1) فما هو المراد من الحكمة؟ فهل هي كلّ كلام أو فكر مقرون بالبرهان أو الدليل كما أنّ المراد من الجدل هو الاحتجاج على الخصم بأقواله؟
5. وقال أبو الوفاء ابن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع انّ الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت انّ طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت.(2)
يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك إيقاف ركب العلم عن التقدّم، فلا شكّ انّ العلوم الكونية قد تقدّمت وكشفت عن مكامن وقوانين لم تكن معروفة للصحابة، أفيصحّ ـ في منطق العقل ـ رفض هذه العلوم بحجّة انّ الصحابة كانوا يجهلونها؟! لاأدري متى أصبحت طريقة الصحابة محوراً للحقّ ومعياراً لتمييز الصحيح عن الفاسد... والقرآن يدعو إلى التفكير في السماوات والأرض ويقول: (أَوَ لَمْ يَنْظُروا في مَلَكُوتِ السَّمواتِ والأَرض)(3)، ويقول: (أَفَلَمْ يَنْظُروا إِلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ

(1) النحل:125.
(2) تلبيس إبليس:83، مرّ نقل ذلك أيضاً في ص23.
(3) الأعراف:185.

33

بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها)(1) إلى غير ذلك من الآيات الحاثّة على التفكير في عالم المادة.
6. انّ العقول بريئة أصحّ البراءة وأوضحها عمّا ادّعوا عليها من معرفة وجوب ما لم يرد به كتاب من اللّه تعالى، ومن معرفة صحّة ما يناقض الآيات القرآنية، فانّه قد وضح للمحقّقين من نظار العقلاء وأذكيائهم انّه لا تعارض بين صحيح السمع وصحيح العقل، وانّ أصل البدع كلّها يوهم التعارض بينهما .(2)
وحاصل الشبهة يرجع إلى أمرين:
أ. عدم وجوب معرفة ما لم يرد به كتاب من اللّه تعالى.
ب. انّ العقول بريئة من معرفة صحّة ما يناقض الآيات القرآنية.
يلاحظ على الأوّل: بأنّ المتكلّم ـ في مجال العقائد ـ لا يهمُّه إلاّ معرفة ما جاء في الكتاب والسنّة معرفة علمية لا تقليدية، فهو عندما يتلو قوله سبحانه: (وَما كانَ مََعَهُ من إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض)(3) يريد أن يفهم مغزى هذه الآية بتحاليل عقلية، فلا هدف للمتكلّم إلاّ معرفة ما ورد في كتاب اللّه وسنّة نبيّه، لكن معرفة رعاية لا معرفة رواية.
وأمّا في غير مجال العقائد فالقرآن ليس كتاباً في العلوم الطبيعية أو الرياضية أو الفلكية لكي تغنينا دراسته عن دراسة سائر العلوم، ولو قلنا بمقالة القائل لوجب إغلاق كافة المراكز العلمية.
وأنّى لنا نسبة هذه الفكرة إلى الإسلام وهذا كتابه المجيد يتحدّث فيما يرجع إلى العلم قرابة 800 مرة، أفيصحّ أن نرمي الإسلام بأنّه يصدُّ أبناءه عن دراسة ما ليس في كتابه؟!

(1) ق:6.
(2) إيثار الحق على الخلق:112.
(3) المؤمنون:91.

34

ويلاحظ على الثاني: أنّه يمتنع التعارض بين القطعيين، وقد حقّقنا في محلّه انّه لابدّ في تعارض العلم مع القرآن الكريم من ملاحظة أمرين: إمّا القول بأنّ ما أثبته العلم ليس علماً بل تخيّل، أو انّ ما نفهمه من القرآن ليس فهماً صحيحاً، وإلاّ فيمتنع التعارض بين القطعيين.
7. انّ علم الخلائق في (علم اللّه) مثلُ لا شيء في جنب ما لا نهاية له، والقصد، انّ من عُرف منه الخطأ في الجليات فكيف يكون حاله متى خاض في هذه الخفيات، وتَرَك عبارات الحق الذي نصّ على أنّها لا تُبدل كلماته، وأنّه لا معقِّب لحكمه، وانّ كتابه لو كان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، وانّه نور وشفاء وهدى لا ريب فيه، فكيف تترك عبارات هذا المعجز الباهر وتبدل بعبارات من لا عصمة له عن الخطأ بل عن القبائح والكفر».(1)
يلاحظ عليه: أنّ المتكلّم لا يدّعي أنّ علمه يساوي علم اللّه سبحانه، إذ لا يتكلّم بذلك إلاّ المجنون، كيف وهو يقرأ في كتابه العزيز :(وَما أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاّ قَليلاً).(2)
ثمّ إنّ المتكلّم في العقائد الدينية لا يهدف إلى إيثار عبارات الآخرين على عبارات المعجز الباهر (فأين التراب من رب الأرباب؟!) وإنّما يريد أن يستثمر العقل الذي وهبه اللّه سبحانه لهذا الموجود فيسلّط الضوءَ على آفاق وآفاق، ليتعرف على أحكامها من الإمكان والوجوب والامتناع، وأين ذلك من ترك كتاب اللّه؟!
وحصيلة الكلام: انّ ما كتبه ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» و ابن الوزير

(1) إيثار الحق على الخلق:138، ط دار الكتب العلمية، بيروت.
(2) الإسراء:85.

35

في «إيثار الحق على الخلق» وما جمعه مؤلف «علاقة الإثبات والتفويض» (1) من كلمات المنتمين إلى السلف، كلّها مشاغبات ومناظرات في غير محلّها، تكشف عن أنّ هؤلاء لم يَمسّوا كتاباً كلامياً، ولم يناظروا متكلّماً إسلامياً.
إنّ الإسلام دين عالمي تكلّم في الكون والتشريع بأبسط الوجوه، ومن المعلوم أنّ خصومه يتربّصون به الدوائر فيثيرون عجاجة الشبهات على أُصوله وفروعه بين حين وآخر، وطبيعة الحال تقتضي أن يكون هناك علماءٌ أفذاذ محيطون بمنطق الخصم وحقيقة الإسلام، ليردّوا عنه سهام الأعداء ، ويصونوا المسلمين من الوقوع في مصائد هؤلاء، والمتكلّم هو ذلك الإنسان الرسالي المدافع بمنطقه وأُسلوبه عن كيان الإسلام وعقيدة المسلمين بأساليب مختلفة و في كلّ زمان.
فلو ترك الإسلام دون أن يناظر في أُصوله وفروعه لاعتراه الوهن وخَمَد نوره، وانطلاقاً من ذلك صار علم الكلام ضرورة زمنية ملحة.
نعم إنّ العقيدة الإسلامية التي هي عصارة الكتاب العزيز، والسنّة النبوية، بنيان مرصوص لا تتزعزع بالترّهات والشبهات، فهي كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف.
نعم العقيدة الإسلامية ـ كما وصفت ـ لها رصيدها الغيبي ، وهي مستقاة من الوحي الذي لا يتطرق إليه الخطأ.
لكن الذي يُحَفِّز المفكر الإسلامي على مزاولة علم الكلام ومدارسته، والتطلّع إلى سائر المدارس البشرية أو الإلحادية ، هي أُمور نشير إليها إجمالاً:
1. انّ المجتمع البشري صار ـ اليوم ـ كقرية واحدة، والمسلمون يعيشون

(1) طبع بمكة، وقدّم له ابن باز.

36

في أجواء وثنايا التيارات المتضادة وهم ليسوا ببعيدين عن أصحاب العقائد المختلفة، ومن الواضح انّ التعايش على صعيد واحد، يستلزم احتكاكات ثقافية، وتبادل أفكار و معلومات، الأمر الذي يُفضي إلى اختلاط الآراء الحقة بالدعاوي الباطلة التي تناقض العقيدة الإسلامية، ففي مجال تمحيص الحق،واستخلاصه من دنيا الباطل، لا محيص عن علماء واعِين يفرزون الأفكار الإسلامية الصحيحة، عن غيرها من الأفكار السقيمة، والأُصول الصحيحة عن الأُصول الباطلة بطرق علمية.
2. لم يزل أصحاب الديانات الباطلة ـ بعد أن قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ يسعون إلى طرح شبهات و إثارة تشكيكات فيما نزل به القرآن الكريم ودعا إليه النبي الأكرم، بُغية إزالة الإيمان عن قلوب المؤمنين، كما هو واضح لمن قرأ تاريخ الإسلام، ومكافحة علمائه مع الملحدين في الأدوار المختلفة، خصوصاً في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي حيث تمتعت اليهود والنصارى والأسرى بحرّية تامة في بيان العقائد ونشر الآراء و المعتقدات وبثّ الشكوك والشبهات بأمان وحرية كاملة.
وهذا هو مفضل بن عمر الجعفي الكوفي الذي عاصر الأئمّة الأربعة من الباقر إلى الرضاعليهم السَّلام يشرح لنا مدى الحرية التي نالها أصحاب المدارس الإلحادية في ذلك العصر ويقول:
كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر والمنبر وأنا مفكِّر فيما خصّ اللّه تعالى به سيّدنا محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ، من الشرف والفضائل، وما منحه وأعطاه وشرّفه وحباه، ممّا لا يعرفه الجمهور من الأُمّة وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته، وخطير مرتبته، فانّي لكذلك إذ أقبل «ابن أبي العوجاء» فجلس بحيث

37

أسمع كلامه، فلمّا استقرّ به المجلس إذا رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه، فتكلّم «ابن أبي العوجاء» فقال: لقد بلغ صاحب هذا القبر العز بكماله، وحاز الشرف بجميع خصاله، ونال الحظوة في كلّ أحواله; فقال له صاحبه: إنّه كان فيلسوفاً ادّعى المرتبة العظمى، والمنزلة الكبرى، وأتى على ذلك بمعجزات بهرت العقول، وضلّت فيها الأحلام، وغاصت الألباب على طلب علمها في بحار الفكر، فرجعت خاسئات وهي حُسَّر، فلمّا استجاب لدعوته العقلاء والفصحاء والخطباء، دخل الناس في دينه أفواجاً، فقرن اسمه باسم ناموسه فصار يهتف به على رؤوس الصوامع، في جميع البلدان والمواضع التي انتهت إليها دعوته، وعلتها كلمته، وظهرت فيها حجته براً و بحراً، سهلاً و جبلاً، في كلّ يوم وليلة خمس مرّات مردداً في الأذان والإقامة، ليتجدد في كلّ ساعة ذكره، ولئلاّ يخمل أمره.
فقال «ابن أبي العوجاء»: دع ذكر محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فقد تحيّر فيه عقلي، وضلّ في أمره فكري، وحدثنا في ذكر الأصل الذي يمشي به... ثمّ ذكر ابتداء الأشياء، وزعم أنّ ذلك بإهمال لا صنعة فيه ولا تقدير، ولا صانع ولا مدبّر، بل الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبّر، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال!

محاورة المفضل مع ابن أبي العوجاء

(قال المفضل): فلم أملك نفسي غضباً وغيظاً و حنقاً، فقلت: يا عدو اللّه ألحدت في دين اللّه، وأنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، وصوّرك في أتمّ صورة، ونقلك في أحوالك حتّى بلغ إلى حيث انتهيت.
فلو تفكّرتَ في نفسك وصدقك لطيف حسّك، لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة، وشواهده جلّ وتقدّس في خلقك واضحة، وبراهينه لك

38

لائحة.
فقال: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك، فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا، ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت، فما أفحش في خطابنا، ولا تعدى في جوابنا وانّه الحليم الرزين، العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا، ويصغي إلينا، ويتعرف حجّتنا، حتّى إذا استفرغنا ما عندنا، وظننّا إنّا قطعناه، دحض حجّتنا بكلام يسير، وخطاب قصير، يلزمنا به الحجة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه رداً، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.

خروج المفضل من المسجد

قال المفضل: فخرجت من المسجد محزوناً مفكّراً فيما بلي به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها، فدخلت على مولاي عليه السَّلام فرآني منكسراً، فقال: مالك؟ فأخبرته بما سمعت من الدهريّين وبما رددت عليهما. فقال: يا مفضل لألقين عليك من حكمة الباري جلّ وعلا و تقدّس اسمه في خلق العالم، والسباع، والبهائم، والطير، والهوام، وكلّ ذي روح من الأنعام والنبات والشجرة المثمرة، وغير ذات الثمر والحبوب، والبقول، المأكول من ذلك وغير المأكول، ما يعتبر به المعتبرون، ويسكن إلى معرفته المؤمنون، ويتحيّر فيه الملحدون، فبكّر عليّ غداً.(1)
ثمّ إنّ الإمام أملى عليه دروساً في مجالس أربعة، شرح فيها برهان النظم

(1) توحيد المفضل:39ـ 43، ط النجف الأشرف مع تقديم كاظم المظفّر; بحار الأنوار:3/57.

39

التوأم مع وجود الهادفية في عالم الكون المنظّم، وقد طبعت باسم توحيد المفضل غير مرّة، وترجمت إلى عدة لغات.
فلولا هذه الشموس المضيئة والأقمار المنيرة لغطت ظلمة الباطل الأقطار كلّها،وأصبحت كلمة التوحيد كحديث أمس الدابر لا ترى منها أثراً.
وقد أخبر الرسول عن هؤلاء الرجال الغيارى على الإسلام الذابين عن أُصوله وفروعه في حديثه الذي رواه الكشي في رجاله قال:
يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفى الكير خَبَث الحديد.(1)
ففي هذا الجوّ الذي يتدرّع فيه الخصم ـ اليوم ـ بسلاح العلم، ويشن الهجوم على عقائدنا ومقدّساتنا، لا محيص من التدرّع بنفس السلاح حتّى يُردّ الحجر من حيث جاء.
ونعم ما قاله المصلح السيد شرف الدين العاملي:«لا يأتي الهدى إلاّ من حيث أتت الضلالة».
وقد دخل الإمام الصادق من حيث دخل ابن أبي العوجاء وحلّ شبهته، على الأُصول التي اعتمد عليها ضمن مجالس أربعة.
3. ولو شك باحث في لزوم دراسة المذاهب والمدارس العقائدية في الحقب الغابرة، فلا يرتاب في لزومه في العصر الراهن الذي تطورت فيه أجهزة الإعلام والاتصالات اللاسلكية، وتوفر فيه البث المباشر عبر الأقمار الصناعية، فتُحاك الشبهة في الغرب في ساعة وتُبثّ بعد دقيقة في الشرق وتعمّ العالم كلّه.

(1) رجال الكشي:ص10.

40

ومن هنا تفرض المسؤولية على المسلم الغيور أن يلمّ بعلم الكلام وقواعده ليشكل سداً منيعاً أمام التيارات الهدّامة للدين.
ويطيب لي ذكر ما أبرق به شيخ إسلام العثمانيين ـ قبل غَلَبة العلمانيّة ـ إلى المرجع الأعلى في النجف الأشرف الشيخ محمد كاظم الخراساني (1255ـ 1329هـ) وحاصل البرقية أنّ هذا السيل الجارف باسم الحضارة الحديثة انطلق من الغرب إلى الشرق إذا لم يكن أمامه سدّ منيع، سيطيح بالدين الإسلامي والحضارة الإسلامية.
وهذا ما أبرق به عام 1327هـ، فما هو هذا السد الذي سيقف أمام هذا التيار الزاحف؟ إنّه ليس إلاّ دعم العقيدة الإسلامية ومكافحة الأُميّة بالاسلوب العلمي، وهو ما نعبّر عنه بعلم الكلام والتفكير المنطقي.

القول الحاسم في المقام

إنّ هؤلاء ـ أي الذين يحرّمون الخوض في المعارف العقلية، ويقولون: إنّ واجبنا هو الإيمان والإقرار أو التلاوة والسكوت ـ خلطوا مرحلة الإيمان القلبي المطلوب من جميع الناس، بمرحلة الفهم والنظر العقلي الذي لا يقوم به إلاّ الأماثل من الناس، وأصحاب المواهب والمؤهلات الفكرية الخاصة، وما ذكروه راجع إلى المرحلة الأُولى، فإنّ الإيمان المنقذ من الضلال والعذاب، هو الاعتقاد بصحّة ما جاء في الكتاب العزيز حول أسمائه وصفاته وأفعاله، حتى في مجالات الصفات الخبرية من اليد والوجه والعين والاستواء على العرش، وبما أنّ الأكثرية الساحقة لا يستطيعون فهم ما فيها من الدقائق والمعارف وربما يكون الخوض فيها منتهياً إلى ما لا يحمد، فإنّه يكفي لهم الإيمان والإقرار و الإمرار والسكوت، وما

41

نقل عن الإمام مالك (المتوفّى179هـ): إيّاكم والبدع، قيل: يا أبا عبد اللّه ما البدع؟ قال: أصحاب البدع هم الذين يتكلّمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، و لا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة و التابعون لهم بإحسان.(1) لعلّه ناظر إلى هذه الطائفة الذين لو خاضوا فيها، فسدوا وأفسدوا، ولم يأتوا بشيء.
وأمّا إذا انتُقل إلى المرحلة الثانية، أي مرحلة الفهم والدراية والبحث والنظر وصياغة العقائد في ضوء الكتاب والسنّة والعقل، فلا يصحّ له الاكتفاء بالإقرار والإمرار، فإنّ الاستطلاع أمر طبيعيّ للبشر، وهو أحد الأبعاد الأربعة الروحية له، فلا يمكن كبح جماح فهمه ونظره بحجّة أنّ الصحابة و التابعين سكتوا عنه، وكأنّ السلف هم القدوة دون الذكر الحكيم، ودون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته الذين تكلّموا فيها، وأضاءوا الطريق لسالكيه، وكأنّ قوّة التفكير والنظر والمواهب العقلية المودعة في الإنسان خلقت سدىً وبلا غاية.
وهل يمكن أن يفرض على عمالقة الفكر وأصحاب المواهب العقلية أن يقفوا دون هذه المعارف ويُطفئوا أنوار عقولهم ليصبحوا كأجلاف البيداء لا همّ لهم سوى الأكل والشرب والسير طلباً للماء والعشب؟!
وعلى هذا فيجب تصنيف الناس إلى صنفين: قابل وغير قابل، مستعدّ وغير مستعدّ، فلو صحّ الحرمان فإنّما للسوقة من الناس دون من أُوتي تفكيراً قوياً واستعداداً وقّاداً.
ثمّ إنّه كما يجب تصنيف الناس، يجب تصنيف المسائل بين ما يمكن للإنسان الخوض فيه والرجوع عنها بفكرة صحيحة، وما لا يمكن للإنسان دركه

(1) الدكتور أحمد محمود صبحي: في علم الكلام:1/21 نقلاً عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، لمصطفى عبد الرازق:155، طبعة 1944م.

42

وفهمه، فإنّ البحث عن ذاته سبحانه أمر غير ممكن، إذ ليس كمثله شيء حتى يعرف الذات به، ولأجل ذلك ورد النهي الأكيد عن البحث والجدال في ذاته، ومثله البحث عن حقيقة الوحي و النبوة، أو عن حقيقة الجنة والنار، إلى غير ذلك من الأُمور الغيبية التي لا يلمسها ولا يدركها إلاّ نبي يوحى إليه أو إنسان خرج من الدنيا ودخل الآخرة، والواجب فيها الإيمان فقط، قال سبحانه: (الّذينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْب) .(1)فإنّ الإنسان المحبوس في سجن المادة، لا يمكن له درك حقيقتها، وإن كان له حقّ البحث عن آثار الوحي والنبوة وخصائصهما.
أضف إلى ذلك انّه لا مفرّ للمانعين عن الخوض في المعارف القرآنية بل العقلية على الإطلاق، من سلوك أحد طريقين:
1. التلاوة والسكوت والإمرار والإقرار وتفويض معانيها إلى مُنزِّلها.
2. الأخذ بظواهر الآيات الحرفية وتفسيرها بظواهرها الحرفية.
أمّا الأوّل فينتهي إلى تعطيل العقول عن المعارف وبالتالي يتنزّل الإنسان إلى حدّ الحيوان، وتكون وظيفة الحكيم العارف المقتدر على درك دقائق التوحيد ورقائقها، هي نفس وظيفة الجاهل البائل على عقبه، في مجال العقيدة والتفكير، وهو كما ترى.
وأمّا الثاني فهو ينتهي إلى التشبيه والتجسيم، وأقصى ما عند هؤلاء الذين يأخذون بالظواهر الحرفية هو ضمّ كلمة «بلا كيف ولا تمثيل» إلى مفاد هذه الآيات، فيقولون: إنّ للّه يداً ورجلاً و عيناً واستواءً على العرش بنفس المعنى اللغوي، ولكن بلا كيف ولا تمثيل.

(1) البقرة:3.

43

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لم ترد تلك الجملة (بلا كيف) في نصّ قرآني ولا سنّة نبوية، فمن أين لهم هذه الجملة وتفسير الآيات على ضوئها؟!
وثانياً: أنّ اليد وأضرابها موضوعة حسب اللغة للأعضاء المحسوسة، التي لها هيئات ومواصفات وهي مقوّماتها، فإجراؤها على اللّه سبحانه مع حفظ المقوّمات، يستلزم التشبيه والتمثيل، ومع عدمها، يستلزم التأويل، فاليد في (يَدُاللّهِ فَوْقَ أَيديهِمْ) (1) إمّا مستعملة في اليد المحسوسة فهو مثار التشبيه،وإمّا في غيرها فهو مثار التأويل الذي يفرّون منه فرار المزكوم من المسك.
وهذه المضاعفات ناشئة عن الجمود على الظواهر الحرفية والأخذ بالظهور التصوّري، دون الظهور التصديقي الذي لا يخالف العقل قيد شعرة في آية من الآيات.
إنّ الدعوة السلفية التي أحدثت ضجة في القرن الرابع عشر قد طرحت الصفات الخبرية على صعيد البحث في الآونة الأخيرة، وتصرّ على الأخذ بمعانيها الحرفية، وقد عرفت أنّها تنتهي إلى التجسيم أو التأويل.
ومن المؤسف جدّاً إنّ المتقدّمين من السلف كانوا يصرّون على الأخذ بحرفية الصفات، وإليك بعض نصوصهم:
1. قيل لعبد اللّه بن مبارك: كيف يعرف ربّنا؟ قال: بأنّه فوق السماء السابعة وعلى العرش بائن من خلقه.
2. وقال الأوزاعي: إنّ اللّه على عرشه، و نؤمن بما وردت به السنّة من صفاته.

(1) الفتح: 10.

44

3. وقال الدارمي في مقدمة كتابه «الردّ على الجهمية»: استوى على عرشه فبان من خلقه.
4. وقال القرطبي في تفسير قوله سبحانه:(ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْش)(1)، وقد كان السلف لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم، والكافة بإثباتها للّه تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنّه استوى على عرشه حقيقة.(2)(ذلِكَ مَبلَغُهُم مِنَ العِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى).(3)

الدعوة إلى العلوم الحسّيّة

قد عرفت أدلّة المتقدّمين على منع الخوض في المعارف الإلهية، وهناك من يؤيد تلك الفكرة لكن بثوب جديد وهو انّ العلم المفيد هو العلم المعتمد على الحس والتجربة، فالخارج عن ذينك الحكمين لا يفيد شيئاً. وفي ذلك يقول فريد وجدي في بعض كتبه:
بما انّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسّية والعلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم، فنجعلهما عمدتنا في هذه المباحث، بل لا مناص لنا من الاعتماد عليهما، لأنّهما اللّذان أوصلا الإنسان إلى هذه المنصة من العهد الروحاني.(4)

(1) الأعراف: 54.
(2) لاحظ للوقوف على مصادر هذه الأقوال كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: 41، 48، 68، 115.
(3) النجم:30.
(4) على أطلال المذهب المادي:1/16.

45

وقال أبو الحسن الندوي:
وقد كان الأنبياءعليهم السَّلام أخبروا الناس عن ذات اللّه وصفاته وأفعاله وعن بداية هذا العالم ومصيره وما يهجم على الناس بعد موتهم، آتاهم اللّه علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بلا تعب، وكفاهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادؤها ولا مقدّماتها التي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول، لأنّ هذه العلوم وراء الحس والطبيعة لا تعمل فيها حواسّهم، ولا يؤدي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأوّلية.
إنّ الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة وعلى غير هدى جاءوا في هذا العلم بآراء فجّة، ومعلومات ناقصة، وخواطر سانحة، ونظريات مستعجلة فضلّوا وأضلّوا.(1)
و يلاحظ على كلا التقريرين:
أوّلاً: إنّ الاعتماد على الفلسفة الحسّية و التركيز على الحسّ من بين أدوات المعرفة، مقتبس من الفلسفة المادية التي ترفض الاعتماد على العقل و أدواته و لاتعترف إلا بالحسّ و تحسبه أداة منحصرة للمعرفة، و العجب أن يَلْهج بهذا الأصل مَنْ يدّعي الصلة بالإسلام و يعد من المناضلين ضدالفلسفة الماديّة، ففي القول بهذا، إبطال للشرائع السماوية،المبنية على النبوّة و الوحي و نزول الملك و سائر الأُمور الخارجة عن إطار الحسّ، و التي لاتدرك إلا بالعقل و البرهنة، فمن العجيب أن يلعب فريد وجدي و مقلّد الدعوة السلفية «أبوالحسن الندوي» بحبال المادية من غير شعور ولااستشعار.

(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 97.

46

و ثانياً: إنّه لو صحّ قول « الندوي» إنّ:« هذه العلوم وراء الحسّ و الطبيعة لاتعمل فيها حواسّهم، و لايؤدّي إليها نظرهم، و ليست عندهم معلوماتها الأوّلية»، فلماذا يطرح الذكر الحكيم لفيفاً من المعارف، و يحرّض على التدبّر فيها و هي ممّا يقع وراء الحسّ و الطبيعة، و ليست الغاية من طرحها هو التلاوة و السكوت حتى تصبح الآيات لقلقة لسان لاتخرج عن تراقي القارئ بدل أن تتسلّل إلى صميم الذهن و أعماق الروح؟!

47

6

المصير المأساوي للفلسفة

لقد مُنيت الفلسفة بنفس ما مُني به علم الكلام، والمراد من الفلسفة هو التفكير العقلي في صفحة الكون والوجود، وقد انتقلت الفلسفة إلى أوساط المسلمين عن طريق المترجمين في عصر العبّاسيّين، ولمّا كان فيها من الآراء ما لا يوافق الأُصول المسلّمة عند المسلمين، قام المتطرّفون بتحريم الكلّ وتكفير المتعاطي لها خلافاً لقوله سبحانه: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحسنه)، لكن المنصفين من علماء الإسلام حافظوا على الاعتدال، فأخذوا الصحيح منها ونقدوا الباطل وتلقّوها ثروة فكرية بشريّة لا تختص بفئة دون فئة، لكنّها بحكم أنّها حصيلة الفكر البشري لا تخلو عمّا يخالف الحقّ، وها نحن ـ على وجه الإيجاز ـ نذكر كلمات بعض المنكرين لها بتاتاً :

1. الغزالي (450ـ 505هـ)

ألّف الغزالي كتابه المعروف «تهافت الفلاسفة» وهو يضمّ عشرين مسألة عالجها الفلاسفة القدماء ورأى تناقضَهم فيها، فكفّرهم في ثلاث منها، دون غيرها من المسائل التي رأى أنّها قريبة من عقائد المعتزلة وغيرهم، وقد ذكر الغزالي

48

المسائل العشرين في ديباجة الكتاب ونحن نذكرها حسب ما ذكره، قال:
التي أظهرنا تناقض مذهبهم فيها في هذا الكتاب وهي عشرون مسألة:
المسألة الأُولى: إبطال مذهبهم في أزلية العالم.
المسألة الثانية: إبطال مذهبهم في أبدية العالم.
المسألة الثالثة: بيان تلبيسهم في قولهم: إنّ اللّه صانع العالم، وإنّ العالم صنعه.
المسألة الرابعة: في تعجيزهم عن إثبات الصانع.
المسألة الخامسة: في تعجيزهم عن إقامة الدليل على استحالة إلهين.
المسألة السادسة: في إبطال مذاهبهم في نفي الصفات.
المسألة السابعة: في إبطال قولهم: إنّ ذات الأوّل لا تنقسم بالجنس والفصل.
المسألة الثامنة: في إبطال قولهم: إنّ الأوّل موجود بسيط بلا ماهية.
المسألة التاسعة: في تعجيزهم عن بيان أنّ الأوّل ليس بجسم.
المسألة العاشرة: في بيان أنّ القول بالدهر و نفي الصانع لازم لهم.
المسألة الحادية عشرة: في تعجيزهم عن القول بأنّ الأوّل يعلم غيره.
المسألة الثانية عشرة: في تعجيزهم عن القول بأنّه يعلم ذاته.
المسألة الثالثة عشرة: في إبطال قولهم: إنّ الأوّل لا يعلم الجزئيات.
المسألة الرابعة عشرة: في قولهم: إنّ السماء حيوان متحرك بالإرادة.
المسألة الخامسة عشرة: في إبطال ما ذكروه من الغرض المحرِّك للسماء.
المسألة السادسة عشرة: في إبطال قولهم: إنّ نفوس السماوات تعلم جميع الجزئيات.

49

المسألة السابعة عشرة: في إبطال قولهم باستحالة خرق العادات.
المسألة الثامنة عشرة: في قولهم: إنّ نفس الإنسان جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا عرض.
المسألة التاسعة عشرة: في قولهم باستحالة الفناء على النفوس البشرية.
المسألة العشرون: في إبطال إنكارهم لبعث الأجساد، مع التلذذ والتألّم في الجنة والنار باللذات والآلام الجسمانية.
فهذا ما أردنا أن نذكر تناقضهم فيه من جملة علومهم الإلهية والطبيعية، وأمّا الرياضيات فلا معنى لإنكارها ولا للمخالفة فيها، فإنّها ترجع إلى الحساب والهندسة.
وأمّا المنطقيات فهي نظر في آلة الفكر في المعقولات، ولا يتّفق فيه خلاف به مبالاة، وسنورد في كتاب «معيار العلم» من جملته ما يحتاج إليه لفهم مضمون هذا الكتاب إن شاء اللّه.(1)
أقول: وقبل الكلام في المسائل الثلاث التي كفّر بها الفلاسفة نلفت نظر القارئ إلى نكتة وهي انّ قسماً من هذه المسائل مبنيّ على أُصول الهيئة البطليموسية، أعني: المسائل الرابعة عشرة ـ الثامنة عشرة، فليس في الكون سماء حسب التفكير البطليموسي، حتّى نتكلّم في خصوصياتها، نعم لا شكّ أنّ القول بقدم العالم الملازم لاستغنائه عن الخلق والإيجاد كفر لا يتفوّه به الموحد فضلاً عن المسلم، وهكذا إنكار علمه سبحانه بالجزئيات، إذ صريح الآيات المتضافرة على أنّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. كما هو مقتضى البراهين الفلسفية التي غفل عنها الغزالي.

(1) تهافت الفلاسفة:41ـ42، ط دار ومكتبة الهلال.

50

ويقرب من ذلك إنكار حشر الأجساد، فإنّ المعاد الجسماني من ضروريات الدين، يقول سبحانه: (قُلْ يُحْييها الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليم)(1) ، وأمّا ما سوى ذلك فإنّما هي آراء فلسفيّة أو كلامية وليست من أسباب الإيمان والكفر.
لكن الكلام في ثبوت الصغريات، فهل الفلاسفة المسلمون كانوا ينكرون حدوث العالم ويعتقدون بقدمه؟ وهل الفلاسفة الإسلاميّون كلّهم على النحو الذي يصفهم هو بقوله: قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، واستحقروا شعائر الدين: من وظائف الصلوات، والتوقي عن المحظورات، واستهانوا بتعبّدات الشرع وحدوده ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون، يتبعون فيها رهطاً يصدون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة هم كافرون ، ولا مستند لكفرهم غير تقليد سماعي إلفي كتقليد اليهود والنصارى، إذ جرى على غير دين الإسلام نشأهم وأولادهم؟ وعليه درج آباؤهم وأجدادهم، وغير بحث نظري، صادر عن التعثّر بأذيال الشبه، الصارفة عن صوب الصواب، والانخداع بالخيالات المزخرفة كلامع السراب، كما اتّفق لطوائف من النظّار في البحث عن العقائد و الآراء، من أهل البدع و الأهواء.(2)
ونحن لا يمكن لنا إنكار ما ذكره أو تصديقه ولكن نجلّ أكثر الفلاسفة الإسلاميين عن هذه الآراء الساقطة خصوصاً من تقدّم عليه، نظراء: الفارابي، والشيخ الرئيس، ومن تأخر عنه كالمحقّق نصير الدين محمد بن محمد بن حسن

(1) يس:79.
(2) تهافت الفلاسفة:27ـ28.

51

الطوسي (597ـ 672هـ) و من تربّى على يديه، كالكاتب القزويني، والعلاّمة الحلّي، ومن أتى بعدهم كالمحقّق الداماد و مشايخه و تلاميذه.
وعلى كلّ تقدير نرجع إلى ما نسب إلى الفلاسفة المسلمين من المسائل الثلاث التي بها كفّرهم الغزالي، أعني:
1. حدوث العالم زماناً وذاتاً
أوجدت مسألة حدوث العالم حدوثاً زمانياً ضجّة كبرى بين أهل المنقول، فالمتكلّمون ـ تبعاً لما ورد في الروايات ـ على أنّ العالم حادث زماناً، ويقولون: كان زمان لم يكن للعالم فيه أيّ أثر.
غير أنّهم عجزوا عن البرهنة والاستدلال على معتقدهم هذا، إذ انّ الحدوث الزماني عبارة عن «سبق عدم العالم في زمان خاص وانّه كان زمان لم يكن للعالم فيه خبر ولا أثر».
وهذا الرأي أوقعهم في مشكلة، لأنّه ينقل الكلام إلى نفس «الزمان» فهل لهذا الزمان حدوث زماني أو لا؟
فإن اختاروا الأوّل لزم أن يكون للزمان زمان، أي أن يكون ثمة زمان لم يكن فيه من الزمان اللاحق أثر ولا خبر، وهذا باطل جدّاً، لأنّه ينقل الكلام إلى الزمان السابق وهكذا يتسلسل.
وإن اختاروا الثاني استلزم ذلك قدم الزمان وهم يفرّون من كلّ قديم زماني.
هذا و قد طال البحث والجدل حول هذه المسألة التي هي خارجة عن إطار هذا البحث ولو أنّهم فرقوا بين الحدوث الذاتي المتّفق عليه بين الإلهيين والحدوث الزماني الذي يستلزم القول به التسلسلَ، لكان أفضل وأقطع للنزاع.

52

على أنّ نظرية «الحركة الجوهرية» قد حلّت العقدة وأثبتت الحدوث الزماني للمادة بأوضح الوجوه لا بنحو يستلزم التسلسل، لأنّه إذا كان الزمان منبعثاً من تجدّد المادة وتدرّجها، فكلّ قطعة من المادة السيّالة ترسم عدم القطعة اللاحقة، فتصير كلّ قطعة من المادة موصوفة بأنّها لم تكن مع القطعة السابقة، وبالنتيجة لم تكن القطعة اللاحقة في الزمان السابق عليها.
وبتعبير آخر: إذا كان كلّ قطعة من المادة السيّالة وكلّ درجة منها متعانقاً مع الزمان، ولم يكن من القطعة اللاحقة فيها عين ولا أثر، صحّ توصيف القطعة اللاحقة بالحدوث الزماني، وهو انّه لم تكن القطعة اللاحقة في ظرف القطعة السابقة، وهكذا الحال إذا وضعنا البنان على كلّ جزء جزء من تلك المادة السيّالة.
وبهذا يثبت الحدوث الزماني للطبيعة من دون أي إشكال.
وفي هذا الصدد يقول الحكيم صدرالدين الشيرازي:
«لقد تبيّـن انّ الأجسام كلّها متجدّدة الوجود في ذاتها، وانّ صورتها صورة التغيّر، وكلّ منها حادث الوجود مسبوق بالعدم الزماني كائن فاسد لا استمرار لهوياتها الوجودية، ولا لطبائعها المرسلة، والطبيعة المرسلة وجودها عين شخصياتها وهي متكثرة، وكلّ منها حادث ولا جمعية لها في الخارج حتّى يوصف بأنّها حادث أو قديم».(1)
وقال: «إنّ الطبائع المادية كلّها متحركة في ذاتها وجوهرها مسبوقة بالعدم الزماني، فلها بحسب كلّ وجود معيّن مسبوقية بعدم زماني غير منقطع في الأزل».(2)

(1) الأسفار:7/297 و 285 وأيضاً راجع المصدر نفسه، ص 292ـ 293.
(2) الأسفار:7/297 و 285 وأيضاً راجع المصدر نفسه، ص 292ـ 293.

53

2. علم الباري بالجزئيات

إنّ نفي علمه سبحانه بالجزئيات فكرة غير صحيحة لا يليق أن تنسب إلى الفلاسفة الإلهيين الذين اتّفق أكثرهم على علمه بها، وإنّما اختلفوا في الكيفية، وقد ذكر صدر المتألّهين أقوال المتقدّمين والمتأخرين منهم في الفصل الرابع من الموقف الثالث في الأسفار، وها نحن نذكر آراءهم في الموضوع ، والتي تحكي اتّفاقهم أو اتّفاق أكثرهم على العلم بالجزئيات ، والاختلاف بينهم إنّما هو اختلاف في الطريقة.
الأوّل: مذهب توابع «المشّائين» منهم الشيخان «أبـو نصـر» و «أبـو علي» و «بهمنيار» و «أبو العباس اللوكزي»، و كثير من المتأخرين، وهو القول بارتسام صور الممكنات في ذاته تعالى وحصوله فيها حصولاً ذهنياً على الوجه الكلّي.
الثاني: القول بوجود صور الأشياء في الخارج، وهو مذهب المحقّق الطوسي وابن كمونة والعلاّمة الشيرازي ومحمد الشهرزوري.
الثالث: القول باتحاده تعالى مع الصور المعقولة، وهو المنسوب إلى فرفوريوس.
الرابع: ما ذهب إليه أفلاطون الإلهي من إثبات الصور المفارقة والمثل العقلية وانّها علوم إلهية.
الخامس: مذهب القائلين بثبوت المعدومات الممكنة قبل وجودها، وهم المعتزلة.
السادس: مذهب القائلين بأنّ ذاته تعالى علم بجميع الممكنات.
السابع: القول بأنّ ذاته علم تفصيلي بالمعلول الأوّل وإجمالي بما سواه وذات

54

المعلول الأوّل علم تفصيلي بالمعلول الثاني وإجمالي بما سواه، وهكذا إلى أواخر الموجودات، فهذا تفصيل المذاهب المشهورة بين الناس.(1)
وقد أنهى الحكيم السبزواري في شرح المنظومة عدد الأقوال في كيفية العلم بالجزئيات إلى أحد عشر قولاً آخرها لصدر المتألّهين الذي استنبطه من القاعدة الفلسفية، وهي أنّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء وأنّ ذاته سبحانه حاو لكلّ الكمالات، فما يوجد في عالم الإمكان من الجزئيات، فاللّه سبحانه جامع لكمالاته على نحو أبسط وأتمّ، كملكة علم النحو التي تجمع كمالات الأجوبة التفصيلية النحوية، وعندئذ يكون العلم بالذات نفس العلم بما سواه.
نحن لا نريد أن نحوم حول هذه الآراء لنميّز الصحيح عن الزائف، بل المقصود هو بيان اتّفاقهم (إلاّ من شذّ) على علمه سبحانه بالجزئيات وإنّما اختلفوا في طريقته.

3. حشر الأجساد يوم القيامة

المسألة الثالثة التي كفّر بها الفلاسفة هي إنكار حشر الأجساد وهي ليست على ما نقل، نعم ينسب إلى النصارى بأنّ المعاد روحاني وليس بجسماني، وأمّا الفلاسفة الإسلاميون، فأقصى ما عندهم أنّ المعاد الروحاني مبرهن عليه دون المعاد الجسماني فلا برهان عليه، غير أنّ النصوص متضافرة على حشر الأجساد.
يقول الشيخ الرئيس: يجب أن يعلم: انّ المعاد منه ما هو منقول في الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلاّ من طريق الشريعة وتصديق خبر النبي وهو الذي للبدن

(1) الأسفار الأربعة:6/180ـ 181.

55

عند البعث، وخيرات البدن وشروره معلومة لا يحتاج إلى تعلم.
وقد بسطت الشريعة الحقّة التي أتانا بها نبيّنا وسيّدنا ومولانا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن، ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس.(1)
هذا نصّ كلامه، وأمّا من تأخّر عنه كصدر المتألهين، فقد قال في شرح الهداية الأثيرية: اعلم أنّ إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا، مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة، كما نطقت به الشريعة من نصوص التنزيل وروايات كثيرة متضافرة عن أصحاب العصمة والهداية غير قابلة للتأويل، كقوله تعالى: (قالَ مَنْ يُحْيِي العِظام وَهِيَ رَميم* قُلْ يُحْييها الَّذي أَنشأها أَوّل مَرّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليم).(2)
(فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُون).(3)
(أَيَحْسبُ الإِنْسان أَلَّن نَجْمَعَ عِظامه* بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسوّيَ بَنانه).(4)
وهذا أمر ممكن غير مستحيل فوجب التصديق به، لكونه من ضروريات الدّين وإنكاره كفر مبين.(5)
ولعلّ هذا المقدار حول المسائل الثلاث كاف.
وأمّا سائر المسائل من المسائل العشرين فهي على أقسام:
1. ما لا موضوع لها في صفحة الكون حتّى يبحث فيها، فهي أشبه

(1) الشفاء:2/544، فصل في المعاد.
(2) يس:78ـ79.
(3) يس:51.
(4) القيامة:3ـ4.
(5) شرح الهداية الأثيرية:381، ط 1313هـ.

56

بالسالبة بانتفاء الموضوع، كالمسائل المبنية على الهيئة البطلميوسية.
2. ما هو صحيح ومبرهن، أدعمه الذكر الحكيم كتجرد النفس وبقائها بإذن اللّه سبحانه و كون الواجب سبحانه صرف الوجود لا ماهية له.
3. ما يعد مسائل فلسفية أو كلامية لا يناط بها الإيمان والكفر كسائر المسائل.

2. ابن حزم الأندلسي (384ـ 456هـ)

إنّ علي بن أحمد بن علي بن سعيد بن حزم الأموي بالولاء، أبو محمد الأندلسي القرطبي مروّج المذهب الظاهري ومنقحه قام بنقد الفلسفة في رسائله وفي كتابه «الفِصَل في الملل والأهواء والنحل»، أمّا في رسائله فقد ألّف رسالة في الرد على «رسالة الكندي إلى المعتصم باللّه» في الفلسفة الأُولى وقد أسماه كتاب«الفلسفة الأُولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد»، كما ناقش في «الفِصَل» بعض المسائل الفلسفية.(1)

3. الشهرستاني (467ـ 548هـ)

لقد ألّف أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني الشافعي الأشعري كتاب «مُصارعة الفلاسفة» وردّ فيه على سبعة من المسائل الفلسفية المهمّة، يقول:
«هذه المصارعة في سبع مسائل من الإلهيات، من جملة نيّف وسبعين مسألة في المنطق والطبيعيات والإلهيات خنقتُه فيها بوتده، ورشقتُه بمشاقصه، ورددتُه في

(1) اقرأ ترجمته في الأعلام:4/254، و معجم المؤلفين:7/16، وغيرهما.

57

مهوى حُفرته، وأركسته لأُمّ رأسه في زُبيته(1) ، ذلك من فضل اللّه علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
المسألة الأُولى: في حصر أقسام الوجود.
المسألة الثانية: في وجود واجب الوجود.
المسألة الثالثة: في توحيد واجب الوجود.
المسألة الرابعة: في علم واجب الوجود.
المسألة الخامسة: في حدوث العالم.
المسألة السادسة: في حصر المبادئ.
المسألة السابعة....(2)
وقد كان الركب سائراً في نقد الفلاسفة عصراً بعد عصر، فهذا هو أبو البركات البغدادي ينقد آراء الفلاسفة في إرادته سبحانه في كتابه المعتبر(ج3، ص 176). كما أنّ الإمام الرازي قام بنقد الإشارات للشيخ الرئيس، ولم يقتصر على كتابه هذا، بل له في غير و احد من كتبه (كالمباحث المشرقية والبراهين وغير ذلك) ردود وتشكيكات، ومع ذلك كلّه فالقوم بدل أن يستهدفوا في كتاباتهم تمييز الصحيح عن الزائف والاستماع إلى الأحسن، شطبوا على الجميع ورموهم بسهم واحد خلافاً لما دعا إليه الذكر الحكيم.
غير أنّ المحقّقين لم يلزموا جانب الصمت إزاء هذا الهجوم، بل تصدّوا للردّ على تلك الشبهات منهم:علمان جليلان وكوكبان مضيئان في سماء العلم

(1) هذه العبارة تكشف عن روحيات الرجل ونزعاته، وانّ الرد لم يكن بدافع نزيه بل كان لمجرّد إظهار الفضل والأنانية.
(2) مصارعة الفلاسفة:18ـ 19.

58

والفلسفة:
أ. أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي (520ـ 595هـ) ألّف كتاب «تهافت التهافت» سنة (575هـ) ردّاً على كتاب «تهافت الفلاسفة» لأبي حامد الغزالي، و قد أحدث هذا الكتاب منذ ظهوره دويّاً في الأوساط الدينية والفلسفية، يبدأ كتابه بقوله:
وبعد حمد اللّه الواجب والصلاة على جميع رسله وأنبيائه، فإنّ الغرض من هذا القول أن نبيّن مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب التهافت في التصديق والإقناع وقصور أكثرها عن مرتبة اليقين والبرهان.
ب. نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (597ـ 672هـ)، ألّف كتاباً باسم «مصارع المصارع» ردّ فيه على كتاب «مصارعة الفلاسفة» للشهرستاني الّذي ألّفه للرد على الشيخ الرئيس في مسائل سبع. يقول المحقّق الطوسي في مقدّمة الكتاب:
عثرت في أثناء طلبي على كتاب يعرف بالمصارعات للشيخ تاج الدين أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ادّعى فيه مصارعته مع الشيخ الرئيس أبي علي حسين بن عبد اللّه بن سينا في عدّة من المسائل والردّ عليه فيما ذكره في كتبه.
فدعتني دعواه إلى النظر فيه، واشتد حرصي من استماع اسمه على التأمّل في معانيه.
فلمّا طالعته وجدته مشتملاً على قول سخيف، ونظر ضعيف، ومقدّمات واهية، ومباحث غير شافية، وتخليط في الجدال، وتمويه في المثال، قد مازج به سفهاً يحترزُ عنه العلماء، ورثّاً من القول لا يستعمله الأُدباء، إلاّ المنتسبين بالانتقام، والمتسوقين عند العوام، قد انصرع في أكثر مصارعاته، وانهزم في معظم مبارزاته.
فرأيت أن أكشف عن تمويهاته، وأُميز بين تخليطاته، غير ناصر لابن سينا في

59

مذاهبه، لكن مشيراً إلى مزالّ أقدام صاحبه، ومنبّهاً على مغالطات مشاغبه، وإن كلته في بعض المواضع بصاعه، أو سقيته بكأسه، فاللّه يعلم مني أنّ ذلك ليس ممّا يقتضيه دأبي، ولا يتعوده خلقي، بل الحرب يعدي، والكلام يجر الكلام.
ونقلت فيه متن كلامه، ونص مرامه، من صدره إلى ختامه، لئلا يحتاج من يقع إليه هذه النسخة إلى طلب أصل الكتاب، وسمّيته بـ«مُصارِعُ المصارِع»، فإن وقعت لي فيه زلة أو هفوة، فليصلح من اطّلع عليه من إخواني، طلباً بذلك اقتناء الخير، وإحراز الأجر، وها أنا مفتتح الكتاب، واللّه ملهم الصواب.
ولم يزل النقد والردّ قائماً على قدم وساق بين المتخاصمين، وقد عرفت أنّ القول الحاسم هو دراسة الأقوال والآراء والاستماع إلى أحسنها، هذا من جانب و من جانب آخر أنّ دراسة الفلسفة ومذاكرتها رهن قابلية وصلاحية خاصّة، وهي ليست شرعة لكلّ وارد وشارد، وإنّما يردها وارد بعد وارد، فهي رهن ذهن وقّاد وصلاحية ممتازة كما يقول الشيخ الرئيس:
أيّها الأخ إنّي قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحقّ، وألقمتك قفّي الحكم في لطائف الكلم، فضُنْه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنةَ الوقادة والدربة والعادة، وكان صغاه من الغاغة، أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة ومن همجهم، فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقّفه عمّا يتسرع إليه الوسواس وبنظره إلى الحقّ بعين الرضا والصدق فآته ما يسألك منه مدرّجاً مجزءاً مفرقاً، تستفرس ممّا تسلفه لما تستقبله، وعاهِدْه باللّه وبأيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسياً بك، فإن أذعت هذا العلم أو أضعته فاللّه بيني و بينك، وكفى باللّه وكيلاً.(1)

(1) شرح الإشارات:2/419.

60

4. ابن تيمية وآراؤه الفلسفية

ألّف ابن تيمية كتاباً أسماه «درء تعارض العقل والنقل» أو «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» حاول فيه رفع التناقض بين العقل والنقل، ولكنّه في الحقيقة يريد العقل الذي يوافق النقل الموجود في الصحيحين وغيرهما، دون العقل المخالف، وإن دعمته البراهين الناصعة التي بها عرفنا ربّنا سبحانه، فالأصل عنده النقل، لا العقل، والسلفية اليوم يكيلون له بكيل كبير ويضفون عليه ألقاباً فخمة، نظير شيخ الإسلام، علم الأعلام ، مفتى الأنام، الإمام المجاهد، الصادق الصابر، سيف السنّة المسلول على المبتدعين، والقاطع البتّار لألسنة المارقين الملحدين و....
هلمّ معي لنقف على عطاءاته الفكرية في هذا المجال، وهل هو عارض المبتدعين أو هو أحد المبتدعة؟ ونحن نستعرض في ذلك شيئاً من آرائه ليكون كنموذج لما لم نذكره:

1. قدم العالم نوعاً

قد تقدّم أنّ الغزالي كفّر الفلاسفة لقولهم بقدم العالم وعدم حدوثه زماناً، وقد أحيا ابن تيمية تلك الفكرة، وقال بقدم العالم نوعاً، وحدوثه شخصاً، ذكره في غير واحد من كتبه، مثل «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» و«منهاج السنة» وغيرهما.
وهذا نصّ عبارته في الموافقة:
وأمّا أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فانّهم لا يجعلون النوع حادثاً بل قديماً، ويفرّقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء

61

بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه.(1)
والعجب أنّه نسبه إلى أكثر أهل الحديث، وأين هم من هذه البحوث الفلسفية؟! ومتى أدلوا بهذا الرأي؟! فانّ مذهبهم هو السكوت عمّا سكت عنه الكتاب والسنّة، وهل هناك آية أو رواية تدلّ على أنّ كلّ ما في العالم من الأنواع، قديم بنوعه، حادث بشخصه.
ويقول في منهاجه: وحينئذ يمتنع كون شيء من العالم أزلياً، وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائماً لم يزل، فانّ الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدد، بل ما من وقت يقدر إلاّ وقبله وقت آخر، فلا يلزم من دوام النوع، قدم شيء بعينه.(2)
ويقول أيضاً: وأين في القرآن امتناع حوادث لا أوّل لها.(3)
أقول: إنّ صريح ذلك انّ الزمان بجنسه قديم، دون مصاديقه، وهكذا سائر الأنواع من إنسان وفرس، وبقر، فهل هذا ما نطق به الذكر الكريم أو السنّة النبوية؟!
ثمّ إنّ الذي دعاه إلى اختيار هذا الرأي، هو قوله بجلوس الرب على العرش، فعندما يثار بوجهه هذا السؤال إنّ العرش مخلوق للّه سبحانه، فأين كان سبحانه قبل خلق العرش؟ فإنّه يحاول الخروج من هذا المأزق بما نقله عنه المحقّق الدواني في كتاب شرح العضدية، قال: وقد رأيت في بعض تصانيف ابن تيمية القول بالقدم الجنسي في العرش.(4)ومعناه انّه كان يعتقد انّ جنس العرش أزلي أي

(1) الموافقة:2/75، دار الكتب العلمية، بيروت.
(2) منهاج السنة:1/109.
(3) الموافقة:2/64.
(4) شرح العضدية:13.

62

ما من عرش إلاّ و قبله شيء إلى ما لانهاية وانّه يوجد و ينعدم ثمّ يوجد وينعدم، وهكذا فالعرش عنده قديم جنساً و لكن شخصه حادث.
هذا جزاء من أعدم العقل، وأكبَّ على النقل دون تمحيص.
وأعجب منه انّه يستدلّ على الجواز،بأنّه ليس في القرآن امتناع حوادث لا أوّل لها، فيكون سكوت القرآن عن امتناعه، دليلاً على إمكانه بل وقوعه.
فكأنّ القرآن كتاب فلسفي جاء لبيان ما هو الممكن والمستحيل، فإذا سكت عن استحالة شيء يكون دليلاً على إمكانه «ما هكذا تورد يا سعد الإبل»!!

2. قيام الحوادث بذات اللّه سبحانه

ومن مبتدعاته التي خرق بها إجماع المتألهين على أنّه سبحانه منزّه عن قيام الحوادث به، قوله: فمن أين في القرآن ما يدلّ دلالة واضحة على أنّ كلّ متحرك محدث أو ممكن؟ وأنّ الحركة لا تقوم إلاّ بحادث أو ممكن، أو ما قامت به الحوادث لم يخلُ منها، وأنّ مالا يخلو من الحوادث فهو حادث؟
ويقول في مكان آخر: فإنّا نقول: إنّه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض، فما الدليل على بطلان قولنا؟(1)
أقول: لو كان الكاتب درس الفلسفة والكلام عند أساتذتهما دون أن يكون له رأي مسبق في الموضوع لوقف على أنّ الذات القائم به الحوادث كالحركة والسكون حادث، لأنّ الحركة في العرض نابعة من الحركة في الجوهر، والحركة في الجوهر عبارة عن تغيير ذات الشيء وتحوّله من جوهر إلى جوهر، وأيّ

(1) منهاج السنّة:1/64و 210.

63

حادث أظهر من ذلك؟
وهو بهذا القول أحيا نظرية الكرّامية ـ أعني: أتباع محمد بن كرّام ـ حيث زعموا أنّ الحوادث تطرأ، أي تتجدد على ذات اللّه.
يقول الاسفرائيني في التبصير: وممّا ابتدعوه ـ أي الكرامية ـ من الضلالات ممّا لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأُمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محلّ الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسَمُّوا ذلك سمعاً وتبصّراً، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أنّ هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى اللّه عن قولهم».(1)

3. قوله بالتجسيم

إنّ ابن تيمية وإن كان لا يصرّح بكونه سبحانه جسماً لكنّه يصرّح بأنّه لم يرد عن الصحابة والتابعين أنّ اللّه ليس بجسم، يقول: وأمّا الشرع فمعلوم أنّه لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأُمّة أنّ اللّه جسم أو أنّ اللّه ليس بجسم، بل النفي والإثبات بدعة في الشرع.(2)
ويقول أيضاً: وأمّا ذكر التجسيم وذمّ المجسّمة فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف والأئمة، كما لا يعرف في كلامهم أيضاً القول بأنّ اللّه جسم أو ليس بجسم، بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم، كما ذكره أحمد في كتاب الردّ على الجهمية.

(1) التبصير في الدين:66ـ 67.
(2) شرح حديث النزول:80.

64

وقال في موضع ثالث: أمّا ما ذكره من لفظ الجسم ومايتبع ذلك فانّ هذا اللفظ لم ينطق به في صفات اللّه لا كتاب ولا سنّة لا نفياً ولا إثباتاً، ولا تكلم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم ولا أهل البيت ولا غيرهم.(1)
إنّ فكرة التجسيم من مستوردات اليهود، وكتبهم مشحونة به وبالجهة وبالنزول والحركة. وهذا أمر ظاهر لمن راجع كتبهم، وابن تيمية تبعاً لما أدخله مستسلمة اليهود بين أصحاب الحديث، جوّز أن يكون سبحانه جسماً . ومن المعلوم أنّ الجسم ذو أبعاض يحتاج في تحقّقه إلى أبعاد، والمحتاج ممكن، والممكن ليس بواجب.
والعجب أنّه زعم أنّه لم ترد عن أهل البيت كلمة في نفي الجسميّة، وهذه خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وكلمات أبنائه الطاهرين(عليهم السلام) صريحة في ذلك لا يسعنا نقل معشار منها. إلاّ أن يكون «أهل البيت» عنده، غيرهم.
ثمّ إنّ أبناء التجسيم يصحّحون قولهم بالجسمية بأنّه سبحانه جسم لا كسائر الأجسام، وفي ذلك يقول أبو الثناء في كتابه «التمهيد لقواعد التوحيد» ما هذا نصّه:
ثمّ إنّهم ناقضوا في ما قالوا، لأنّ الجسم اسم للمتركّب لما مرّ، فإثبات الجسم إثبات التركيب ونفي التركيب نفي الجسم، فصار قولهم جسم لا كالأجسام كقولهم:متركب وليس بمتركب، و هذا تناقض بيّن بخلاف قولنا: شيء لا كالأشياء، لأنّ الشيء ليس باسم للمتركّب وليس ينبئ عن ذلك وإنّما ينبئ عن مطلق الوجود، فلم يكن قولنا: «كالأشياء نفياً لمطلق الوجود، بل يكون نفياً لما وراء الوجود من التركيب وغيره من أمارات الحدث، فلم يكن ذلك

(1) منهاج السنّة:1/312.

65

متناقضاً وللّه الحمد والمنّة».
وإذا ثبت أنّ اللّه تعالى لا يوصف بالجسم، فلا يوصف بالصورة أيضاً، لأنّ الصورة لا وجود لها بدون التركيب.(1)

4. اللّه سبحانه محدود بالحدّ

ذهب ابن تيمية إلى صحّة نسبة الحدّ إلى ذاته تعالى، وقد نقله في كتابه «الموافقة» عن أبي سعيد الدارمي المجسِّم موافقاً له، فقال ما نصّه:
وقد اتّفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أنّ اللّه في السماء وحدّوه بذلك إلاّ المريسي الضالّ وأصحابه، حتّى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوا ذلك إذا أحسن الصبي يثني. يرفع يده إلى ربّه ويدعوه في السماء دون ما سواها وكلّ أحد باللّه وبمكانه أعلم من الجهميّة.(2)
وقال في كتابه «تلبيس الجهميّة»: لقد دلّ الكتاب والسنّة على معنى ذلك، كما تقدّم احتجاج الإمام أحمد لذلك بما في القرآن ممّا يدلّ على أنّ اللّه تعالى له حدّ يتميّز به عن المخلوقات.(3)
إلى غير ذلك من كلماته الصريحة في إثبات الحدّ وإخلاء العالم بأرضه وسمائه عن وجوده سبحانه.
لقد أثبت المفكّرون الواعون من المسلمين تنزيهه سبحانه عن الحدّ وذكروا

(1) التمهيد لقواعد التوحيد: 60.
(2) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول:2/29.
(3) بيان تلبيس الجهمية:1/445. وخفى عليه انّ رفع اليد في الثناء والسؤال إنّما هو تمثيل لرفعة شأنه وترسيم لعلوّ مقامه، لا كونه في السماء.

66

براهينه بما لسنا في مقام بيانها، ولكن إذا دار الأمر بين أخذ المعارف والعقائد من ابن تيمية أو تلميذه ابن القيّم أو مَن لفّ لفّهما و بين أخذها من ربيب بيت النبوة وعيبة علم النبي الإمام علي عليه السَّلام ، فلا شكّ أنّ الثاني أولى وأفضل، بل هو المتعيّن، ولقد صدع بذلك الرازي في مسألة الجهر بالبسملة وقال: ومن اقتدى في دينه بعليّ فقد اهتدى، قال والدليل عليه قول رسول اللّه: «اللّهم أدر الحقّ مع عليّ حيث دار».(1)
وهذا هو الإمام يصف اللّه سبحانه بقوله: «ومن وصفه سبحانه ـ أي جعل صفاته غير ذاته ـ فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال: فيم فقد ضمّنه، ومن قال على مَ فقد أخلى منه».(2)
وفي كلام له: «الحمد للّه اللابس الكبرياء بلا تجسّد، والمرتدي بالجلال بلا تمثّل، والمستوي على العرش بلا زوال، والمتعالي عن الخلق بلا تباعد منهم، القريب منهم بلا ملامسة منه لهم، ليس له حدّ ينتهي إلى حدّه، ولا له مثل فيعرف بمثله».(3)
إلى غير ذلك من خطبه وخطب أبنائه وكلماتهم(عليهم السلام).

5. نسبة الجهة والمكان للّه تعالى

لقد تكرّر إثبات الجهة والمكان للّه سبحانه في كلمات ابن تيمية في «منهاج السنّة»، ويكفي في ذلك العبارتان التاليتان:

(1) التفسير الكبير:1/204.
(2) نهج البلاغة، الخطبة الأُولى.
(3) الصدوق، التوحيد:33.

67

1. إذا قيل إنّه في جهة كان معنى الكلام أنّه هناك فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، فهو فوق الجميع عال عليه.
2. وج(1)مهور الخلف على أنّ اللّه فوق العالم وإن كان أحدهم لا يلفظ بلفظ الجهة، فهم يعتقدون بقلوبهم ويقولون بألسنتهم ربهم فوق.(2)
أقول: فمن أين لابن تيمية هذا العلم ؟! فهل هو يعلم ما تخفي الصدور؟!. لا أدري!!
وأسوأ من ذلك أنّه استدلّ على ثبوت الجهة للّه بطلب فرعون أن يصنع له مصعداً ليطّلع إلى إله موسى، قال: واللّه قد أخبر عن فرعون أنّه طلب أن يصعد ليطّلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبره أنّ اللّه فوق، لم يقصد ذلك، فإنّه لو لم يكن مقرّاً به فإذا لم يخبره موسى به لم يكن إثبات العلوّ لا منه ولا من موسى عليه الصلاة والسلام، ثمّ قال: فموسى صدّق محمّداً في أنّ ربّه فوق وفرعون كذّب موسى في أنّ ربّه فوق، فالمقرّون بذلك متبعون لموسى ولمحمد والمكذبون بذلك موافقون لفرعون.(3)
ما الدليل على أنّ موسى أخبر فرعون بأنّ ربّه فوق السماوات، وأيّ دليل على أنّه لم يأخذه من مجسّمة عصره؟!
وأين هذا من كلام الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) حيث يقول: «سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلاّ هو، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا يحدّ ولا يحسّ ولا يُجسّ ولا يُمسّ ولا تدركه الحواسّ، ولا يحيط به شيء ولا جسم ولا صورة

(1) منهاج السنةّ:1/217.
(2) نفس المصدر:1/262.
(3) المصدر نفسه:1/526.

68

ولا تخطيط ولا تحديد».(1)
وقد تضافر هذا التعبير عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في غير مكان.
وهذا هو الإمام أبو الحسن الهادي عليه السَّلام يقول:«سبحان من لا يحدّ، ولا يوصف، ولا يشبهه شيء، وليس كمثله شيء، و هو السميع البصير».(2)
وإثبات الجهة للّه سبحانه إثبات مكان وإثبات تحديد، وأين هذا من الواجب الغنيّ عن المكان والجهة والحدّ؟!

6. جلوسه سبحانه على العرش

ومن عجائب أفكاره في باب التوحيد، إثبات جلوسه سبحانه على العرش، يقول: ثمّ إنّ جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نقل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد و غيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته.(3)
وقال في شرح حديث النزول: والقول الثابت هو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأُمّة وأئمّتها أنّه لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوّه ونزوله إلى السماء ولا يكون العرش فوقه .
ويقول أيضاً في فتاواه: وقال أهل السنّة في قوله: (الرَّحمن على العَرْش استَوى)(4) ، الاستواء من اللّه على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز.(5)

(1) الصدوق: التوحيد:98، باب أنّ اللّه عزّ وجلّ ليس بجسم ولا صورة، الحديث4.
(2) المصدر نفسه، نفس الباب، الحديث 13، ص 101.
(3) منهاج السنة:1/262.
(4) طه:5.
(5) مجموع الفتاوى:5/519.

69

وقال أيضاً في كتاب «تلبيس الجهمية»: الوجه الخامس: انّ العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه كالسقف إلى ما تحته، فإذا كان القرآن قد جعل للّه عرشاً و ليس هو بالنسبة إليه كالسقف، علم أنّه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره، وذلك يقتضي أنّه فوق العرش.(1)
وقال في تفسير سورة العلق: إنّ عرشه أو كرسيّه وسع السماوات والأرض وإنّه يجلس عليه فما يفضل منه إلاّ قدر أربعة أصابع، وإنّه ليئطّ أطيط الرحل الجديد براكبه.(2)
هذا هو الإله الذي يعبده ابن تيمية و مقلدو منهجه، فهو إله ينتقل ويتحرك وينزل، محدود بحدود، له جهة ومكان، وأنّه يجلس على العرش، وعرشه يزيد عليه بأربعة أصابع، فإذا كان هذا إله العالم وخالق البرايا، فرفض هذا الإله أفضل من إثباته، والرجل بعدُ قد تأثر بأخبار الآحاد المستوردة من مستسلمة أهل الكتاب، وتصوّر أنّها حقائق راهنة و أنّ بها تناط سعادة الأُمّة وأنّ عرش إله العالم يئطّ أطيط الرحل الجديد!
فإذا كان هذا هو الإله المعبود «فيا موت زر إن الحياة ذميمة»!!
هذا جزاء من أعدم العقل وأكبّ على النقل بلا وعي، وتلقّى روايات الصحيحين كأوثق ما يكون، دون أخضاعها للنقد والتمحيص.
فإذا كان هذا شيخ الإسلام وحجة الدين فعلى الإسلام السّلام!
ولا يتصوّر القارئ بأنّ شذوذه وانحرافه عن الرأي العام بين المسلمين

(1) تلبيس الجهمية:1/576.
(2) مجموعة التفسير: 354ـ 355.

70

يختصّ بما ذكرنا، ولكن خطأ الرجل لا يختصّ بباب دون باب، وإليك قوله بفناء النار وانتهاء العذاب.

7. فناء النار وانتهاء عذاب الكفّار

أكّد القرآن الكريم في آيات كثيرة على خلود المنافقين والكفّار في نار جهنم وعدم خروجهم من النار. قال تعالى: (وعَدَ اللّهُ المنافِقينَ والْمُنافِقاتِ وَ الْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيها هي حَسْبُهُمْ وَلَعَنهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقيم).(1)
وقال في آية أُخرى: (كَذلِكَ يُريهِمُ اللّهُ أَعمالَهُمْ حَسرات عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجينَ مِنَ النّار).(2)
إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في خلود الكفّار في نار جهنم.
ولكن هلمّ معي نقف على رأي ابن تيمية في المقام، يقول: وفي المسند للطبراني: أنّه ينبت فيها ـ النار ـ الجرجير».
فيحتج ابن(3) تيمية بهذا الحديث على فناء النار مضيفاً أنّ القائلين ببقائها ليس معهم كتاب ولا سنّة ولا أقوال الصحابة.
وأضاف أيضاً: أنّ من قال بدوام النار محتجاً بالإجماع، فالإجماع غير معلوم، إلى أن زعم أنّ القول بفنائها فيه قولان معروفان عن الخلف والسلف.(4)
أقول: قد عرفت أنّ الآيات صريحة في بقاء النار وخلود الكفّار فيها، ومع ذلك لا تصل النوبة إلى المرويّات التي لا تتجاوز أخبار الآحاد.

(1) التوبة:68.
(2) البقرة:167.
(3) الرد على من قال بفناء الجنة والنار: 67.
(4) لاحظ للوقوف على نصّ ابن تيمية كتاب «فناء الجنةوالنار» :ص 67ـ 71 وغيره.

71

وكم لابن تيمية من زلاّت في باب التوحيد وفيما يرجع إلى النبوّة والنبي وغيرهما، بيْد أنّنا نقتصر على ذلك، لأنّ الإطناب ربما يكون مملاًّ.
إنّ دراسة العقائد الإسلامية بحاجة إلى الإلمام بالكتاب والسنّة الصحيحة المعتبرة (غير المأخوذة من مستسلمة أهل الكتاب)، والاستناد إلى العقل الصريح الذي يصون الإنسان من الوقوع في هذه المهالك. واللّه هو المسدّد.

72

7

علم الكلام

وعوامل نشوئه

إنّ علم الكلام كسائر العلوم الإنسانية، ظاهرة علمية نشأت بين المسلمين في ظل أسباب سيوافيك بيانها، وانبثقت عنها مدارس مختلفة، كما كانت للأُمم السابقة مذاهب كلامية ومدارس دينية يبحث فيها عن اللاهوت والناسوت، وقد ألّف غير واحد من علماء اليهود(1)والنصارى كتباً كلامية يرجع تاريخها إلى القرنين الخامس والسادس، وأمّا عوامل نشأته بين المسلمين فتتلخص في عوامل داخلية وخارجية، إليك بيان الأُولى منهما:

العوامل الداخلية لنشوء علم الكلام

1. القرآن هو المنطلق الأوّل

إنّ الذكر الحكيم هو المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام بين المسلمين،

(1) كدلالة الحائرين لابن ميمون وغيرها. هذا ما يرجع إلى سالف الأيّام، وأمّا اليوم فما من شهر إلاّ ولهم كتاب أو رسالة حول ديانتهم.

73

وهو المصدر الأوّل عند المتكلّمين في دعم ما وافق وردّ ما خالف.
إنّ الآيات المتضمّنة للحوار بين الرسل ومن أرسل إليهم هي أحد أسباب التفكير الكلامي عند المسلمين، فلنذكر نماذج من تلك الحوارات:

1. حوار إبراهيم(عليه السلام) مع مدّعي الربوبية

هذا هو إبراهيم(عليه السلام) يحتجّ على مَن أنكر ربوبية اللّه سبحانه و تعالى، وينقل سبحانه احتجاجه بقوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِي حاجَّ إِبْراهيمَ في رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللّهُ الْمُلْكَ) وهذا المقطع من الآية يكشف عن أنّ مَلِكَ زمانه كان مشركاً في الربوبية ويزعم أنّ ربوبية العالم وتدبيره مفوضة إليه، فاحتجّ إبراهيم عليه بقوله:(رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت)، فأجاب الملك وقال:(أَنا أُحْيِي وأُمِيت).(1)
قال إبراهيم: (فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِب).
فعند ذلك بهت الملك ولم يدر بماذا يجيب، فيحكي سبحانه تحيّره وخذلانه أمام البرهان القاطع للخليل بقوله: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر).(2)

2. حوار إبراهيم(عليه السلام) مع عبدة الأصنام

إنّ لبطل التوحيد إبراهيم الخليل حواراً آخر مع المشركين بشأن أصنامهم

(1) يذكر المفسرون انّه أمر بإحضار سجينين أمر بإطلاق سراح أحدهما وقتل الآخر، وبذلك صار مظهراً للإحياء والإماتة، ولمّا كان في هذه الإجابة مغالطة واضحة، أعرض إبراهيم عن الرد عليه، فاستمرّ الحجاج بشكل آخر كما ترى.
(2) البقرة:258.

74

التي أقدم على كسرها وجعلها جذاذاً إلاّ كبيراً لهم ليكون عبرة لهم، فلمّا فوجئ المشركون بهذه الكارثة، تساءلوا عمّن قام بهذا الفعل الشنيع؟ فانتهى الأمر بهم إلى اتّهام إبراهيم(عليه السلام)بذلك،فأحضروه للكشف عن جليّة الحال، ودار بينه و بينهم حوار ينقله سبحانه بقوله:
ـ المشركون : (أأنْتَ فَعَلتَ هذا بآلهتِنا يا إِبراهيم).
ـ إبراهيم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُم هذا فاسأَلُوهُمْ إِن كانُوا يَنْطِقُون).
ـ المشركون :(لَقَدْ علِمْتَ ما هؤلاءِ يَنْطِقُون).
ـ إبراهيم:(أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفعُكُمْ شَيئاً وَلا يضُرُّكُمْ أُفّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه أَفلا تَعْقِلُون).
ولمّا أحسّ المشركون بالعجز عن إفحامه، تمسّكوا بمنطق القوة، فقالوا:
(حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلهتَكُمْ إِنْ كُنْتُم فاعِلين).
ثمّ إنّه سبحانه نصر رسوله في هذه اللحظة الرهيبة بجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم كما يقول:
(قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وسلاماً عَلى إِبراهيمَ* وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فجَعَلْناهُمُ الأَخْسَرِين).(1)

3. حوار موسى(عليه السلام) مع فرعون

إنّ الحوار الدائر بين موسى الكليم(عليه السلام) وفرعون مدّعي الربوبية يُرينا بوضوح قوةَ منطق الكليم مع أحد جبابرة عصره الذي ذَبَح لحفظ عرشه مئات من الأطفال الرُّضع للحيلولة دون ولادة موسى(عليه السلام) والذي تنبّأ كهنة مصر بزوال عرشه على يد

(1) الأنبياء:62ـ 70.

75

موسى عليه السَّلام ، وقد نقل القرآن ذلك الحوار مبسطاً في سورة الشعراء من الآية 16 إلى 51، ونحن نقتطف منه ما يلي:
ـ موسى: (إِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائيلَ).
ـ فرعون: (قالَ أَلم نُرَبِّكَ فينا وليداً ولَبِثْتَ فينا من عُمُرِكَ سِنينَ *وفَعلْتَ فَعْلَتَكَ الّتي فَعَلْتَ وأنتَ من الكافرينَ).
ـ موسى: (قال فعلتُها إذاً وأنا من الضالِّينَ *ففررتُ مِنْكُم لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَني مِنَ الْمُرسَلينَ *وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَليَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسرائيلَ).
ـ فرعون: (وما ربُّ العالمينَ).
ـ موسى: (ربّ السمواتِ والأرضِ وما بَيْنَهُما إن كُنْتُم مُوقِنين).
ـ فرعون: (قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ).
ـ موسى: (ربّكُم وربُّ آبائِكُمُ الأوّلينَ).
ـ فرعون: ( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُون).
ـ موسى: (رَبُّ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).
ـ فرعون: (لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلهاً غَيرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِين).
ـ موسى: (أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين).
ـ فرعون: (فأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِين).
ـ موسى: (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعبَانٌ مُبِينٌ* ونَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ للنّاظرينَ* قال لِلمَلأ حَوْلَهُ إِنّ هذا لساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ).
إلى آخر الحوار.

76

ترى أنّ موسى يستدلّ بالدليل والبرهان ويعرّف الربّ سبحانه بقوله: (ربّ السموات والأرض وما بينهما) و بقوله:(ربُّكُمْ وربّ آبائكُمُ).
ولكن فرعون يتّهمه أوّلاً بالجنون ويقول: (إنّ رسولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إليكم لَمَجْنُون).
ومن المعلوم أنّ المصلحين في العالم يُتّهمون دائماً بالجنون، لأنّهم يريدون التغيير الجَذريّ في المجتمع والذي يعدّه البسطاء أمراً محالاً، ويصفون الساعين إليه بالجنون، ولكن موسى لم يُعر أهمية لهذه التهمة وأعاد برهانه بقوله: (ربُّ المشرقِ و المغربِ وما بينهما إِن كُنتُم تَعْقِلُونَ).
فعند ذلك واجهه فرعون بمنطق القوة وقال: (لَئنِ اتّخذتَ إلهاً غيري لأَجعلنَّكَ منَ المسْجونينَ).
ولما أثبت صلته بعالم الغيب بالإتيان بالمعجزة الباهرة وأثبت بوضوح انّه رسول ربّ العالمين، قابله فرعون بادّعاء أنّ ما أتى به سحر ولا نصيب له من الواقع.

4. حوار مؤمن آل فرعون مع قومه

إنّ الحوار الدائر بين مؤمن آل فرعون وبين فرعون ورهطه حوار صدر في ظروف عصيبة، قام به أحد المنتمين إلى فرعون (كان يُظْهر كفره ويكتُم إيمانه)،على مرأى ومسمع من فرعون وملئه، وفي جوّ مشحون بالتآمر على موسى(عليه السلام)واستئصال دعوته، وقد نقل الذكر الحكيم هذا الحوار على طوله في سورة غافر من الآية 26 إلى 45، نقتطف منه ما يلي:
ـ فرعون: (ذَرُوني أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسادَ).

77

ـ موسى: ( إِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لا يُؤْمِنُ بِيَومِ الحِسابِ).
ـ مؤمن آل فرعون : (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بعضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ).
ـ فرعون: (يا هامانُ ابنِ لي صَرْحاً لَعلّي أَبْلُغُ الأَسْبابَ *أَسْبابَ السَّمواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كاذِباً).
ـ مؤمن آل فرعون: (يا قَومِ اتّبعونِ أَهْدِكُم سبيلَ الرّشادِ).
وكم في القرآن الكريم من نظائر لهذا الحوار دار رحاها بين رجال صالحين وأُناس طالحين وكان الظفر فيها حليف أصحاب المنطق والتفكير.
وبذلك يظهر أنّ القرآن الكريم بما فيه من الأدلة الساطعة والبراهين المحكمة على توحيده ذاتاً و فعلاً، وما نقل من الحوارات، كان هو المنطلق الأوّل لعلم الكلام.
***

2. السنّة هي المنطلق الثاني

إذا كان الكتاب هو المنطلق الأوّل، فإنّ خُطَب النبي وكلماته ومناظراته مع المشركين واليهود والنصارى، كانت هي المنطلق الثاني للتفكير الكلامي.
إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ناظر المشركين وأهل الكتاب بمرأى ومسمع من المسلمين، وهذه احتجاجاته مع نصارى نجران في العام العاشر من الهجرة، حتّى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما أفحمهم، دعاهم إلى المباهلة، وقد حفل التاريخ وكتب السير والتفسير بما

78

دار بين الرسول وبطارقة نجران و قساوستهم، وقد استدلّوا على إلوهية المسيح بقولهم: هل رأيت ولداً من غير ذكر؟ فأفحمهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بإيحاء من اللّه: وقال: (إِنّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون).(1) أي انّ مثل عيسى في عالم الخلقة كمثل آدم، وقد خُلق من غير أب ولا أُمّ، فليس هو أبدع ولا أعجب منه.
وإليك نموذجاً من مناظراته(صلى الله عليه وآله وسلم) :

احتجاج النبي مع اليهود في تبديل القبلة

لمّا أمر اللّه جلّ شأنه نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، جاء قوم من اليهود وقالوا: يا محمد هذه القبلة (بيت المقدس) قد صلّيت إليها أربع عشرة سنة ثمّ تركتها الآن. أفحقاً كان ما كنت عليه؟ فقد تركته إلى باطل، فانّ ما يخالف الحقّ فهو باطل; أو باطلاً كان ذلك، وقد كنت عليه طول هذه المدة فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟!
وأساس الشبهة التي أشار إليها اليهود هو انّه لا يمكن أن يكون التوجه صوب القبلتين صحيحاً، فأحدهما باطل، إمّا السابق وإمّا اللاحق، ومن المحتمل أن يكون الباطل هو اللاحق فكيف نؤمن به؟
وقد غفل المجادل عن أنّ الأحكام تتغيّر حسب تغيّر المصالح والمفاسد، فلا مانع من أن يكون كلاّ من التوجّهين حقاً في ظرفه، وعلى ذلك تدور رحى النسخ في الأحكام الشرعية.
فأجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «بل ذلك كان حقّاً، وهذا حقّ، يقول اللّه: (قُلْ للّهِ

(1) آل عمران:59.

79

المشرقُ والمغربُ يهدِي مَنْ يشاءُ إلى صِراط مُستقيم)(1) إذا عرف صلاحكم يا أيّها العبادُ في استقبال المشرق أمركُم به، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير اللّه تعالى في عباده وقصده إلى مصالحكم».
ثمّ قال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لقد تركتم العمل يوم السبت ثمّ عملتم بعده في سائر الأيام ثمّ تركتموه في السبت ثمّ عملتم بعده، أفتركتم الحق إلى باطل أو الباطل إلى حق؟! والباطل إلى باطل أو الحق إلى حق؟! قولوا كيف شئتم فهو قول محمد وجوابه لكم». قالوا: ترك العمل في السبت حق والعمل بعده حق.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق، ثمّ قبلة الكعبة في وقته حق».
(2) 3. خطب الإمام علي عليه السَّلام هي المنطلق الثالث
إنّ خطب الإمام ورسائله وكلمه القصار، التي حفظها التاريخ من الضياع لأوضح دليل على أنّ الإمام كان هو المؤسس للأُصول الكلامية خصوصاً فيما يرجع إلى التوحيدوالعدل، وبين يديك «نهج البلاغة» الذي جمعه الشريف الرضي ممّا وصل إليه من خطبه، تجد فيه من الأُصول الكلامية ما لا تجده في غيره، وإلى ذلك يشير السيد المرتضى في أماليه، فيقول:
اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)وخطبه، فانّها تتضمن من ذلك ما لا زيادة عليه ولا غاية وراءه، ومن تأمّل المأثور في ذلك من كلامه، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعد في

(1) البقرة:142.
(2) الاحتجاج:1/83.

80

تصنيعه وجمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأُصول، وروي عن الأئمّة من أبنائه(عليهم السلام) في ذلك ما لا يكاد يحاط به كثرة، ومن أحب الوقوف عليه وطلبه من مظانه أصاب منه الكثير الغزير الذي في بعضه شفاء للصدور الشقية ولقاح للعقول العقيمة.(1)
وجاء في «الفهرست» للنديم: أنّ أبا الهذيل العلاّف، محمد بن الهذيل، قال: أخذت هذا الذي أنا عليه من العدل والتوحيد، عن عثمان الطويل، وكان معلم أبي الهذيل.
قال أبو الهذيل: وأخبرني عثمان أنّه أخذه عن واصل بن عطاء، وأنّ واصلاً أخذه عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، وأنّ عبد اللّه أخذه من أبيه محمد بن الحنفية، وأنّ محمداً أخبره أنّه أخذه عن أبيه علي عليه السَّلام، وأنّ أباه أخذه عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّ رسول اللّه أخبره أنّ جبرئيل نزل به عن اللّه تعالى.(2)
وبما أنّ خطب الإمام(عليه السلام) ورسائله تعجّ بالتوحيد والعدل، والتنزيه وغيرها من المعارف، فنحن في غنى عن نقل نتف منها.

4. أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ودورهم في نشوء علم الكلام

إنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وإن أُقصُوا عن منصّة الحكم ولكنّهم كلّما أُتيحت لهم الفرصة في عصر الأمويين أو العباسيين قاموا بمهمة بيان المعارف والأُصول التي كان القوم يتنازعون فيها، وها نحن نذكر مقتطفات من مناظراتهم ونبتدئ بمناظرة أُمّ الأئمّة النجباء مع خليفة زمانها.

(1) الشريف المرتضى، الأمالي: 1/148. ولاحظ شرح ابن أبي الحديد في هذا الصدد:1/17.
(2) الفهرست:202.

81

روى المؤرخون أنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) لمّا مُنعت من إرثها، لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لُمّة من حفدتها، ونساء قومها حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار، فقالت مخاطبة إيّاهم بخطبة بليغة نقتصر منها على موضع الحاجة:
يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب اللّه أن ترثَ أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئتَ شيئاً فريّاً على اللّه ورسوله، أفعلى عمد تركتم كتاب اللّه ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وَوَرِثَ سُليمانُ داودَ)(1) ، وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكرياعليمها السَّلام إذ قال :(فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً *يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوب)(2)، وقال أيضاً: (وأُولوا الأَرحام بَعْضُهم أَولى ببعض في كتابِ اللّه)(3)، وقال: (يُوصيكم اللّه في أولادِكم للذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثيين)(4) وقال: (وَإِنْ تَرَكَ خيراً الوصيّةُ للوالديْنِ والأقربينَ بالمَعْروفِ ...)(5) ،وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصّكم بآية من القرآن أخرج أبي محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)منها؟ أم هل تقولون: إنّ أهل الملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟(6)

نموذج من مناظرات الإمام الصادق عليه السَّلام مع أحد القدرية

لقد راجت فكرة استغناء الممكن في فعله «لا في ذاته» عن اللّه سبحانه في عصر عبد الملك بن مروان (65ـ86هـ) وكان لهذه الفكرة دويّ في عصره، وقد

(1) النمل:16.
(2) مريم:5ـ6.
(3) الأنفال:75.
(4) النساء:11.
(5) البقرة:18.
(6) الاحتجاج:1/267ـ268.

82

طلب عبد الملك بن مروان من عامله في المدينة أن يوجه إليه الإمام الباقرعليه السَّلام حتّى يناظر رجلاً يتبنّى تلك الفكرة وقد أعيا الجميع.
فبعث الإمام الباقر ولده مكانه، فقدم الشام، وتسامع الناس بقدومه لمخاصمة الرجل، فقال عبد الملك لأبي عبد اللّه: إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري، فقال الإمام: «إنّ اللّه يكفيناه»، فلمّا اجتمعوا، قال القدري لأبي عبد اللّه(عليه السلام): سل عمّا شئت؟ فقال له: «اقرأ سورة الحمد»، قال: فقرأها، فلمّا بلغ إلى قول اللّه تبارك وتعالى:(إِيّاك نعبد وإِيّاك نستعين)فقال جعفر: «قف مَن تستعين؟ وما حاجتك إلى المؤونة، إن الأمر إليك»، فبهت الرجل.(1)

احتجاج الإمام الرضاعليه السَّلام مع اليهود والنصارى والمجسّمة

إنّ للإمام علي بن موسى الرضاعليه السَّلام احتجاجات ومناظرات مع أصحاب الديانات المختلفة وعلى رأسهم اليهود والنصارى والمجسمة وغيرهم، نقلها الشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي(المتوفّى حوالي 550هـ) في كتاب «الاحتجاج» بصورة مفصلة، ونحن لا يسعنا نقل القليل منها فضلاً عن الكثير، وكان الخليفة المأمون يشارك في مجالس المناظرة مع الأحبار والقساوسة وأصحاب الحديث والتي كان يتجلّى فيها قوة منطق الإمام بالاستدلال عليهم بنصوص التوراة والإنجيل باللغة العبريانية والسريانية، وها نحن نذكر احتجاجه مع أبي قُرّة الذي كان يدّعي رؤية النبيّ للّه سبحانه في هذه الدنيا.
ـ قال أبو قرة: إنّا رُوِينا انّ اللّه عزّ وجلّ قسّم الرؤيةَ والكلام بين اثنين، فقسّم لموسى(عليه السلام) الكلام، ولمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)الرؤية.

(1) راجع البحار:5/55ـ56، الحديث98.

83

ـ قال الإمام: فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين: الجن والإنس(لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار)(1) ، و (ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(2) ، و (ليس كمِثْلِهِ شَيء)(3)، أليس محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!
ـ قال أبو قرة: بلى.
ـ قال الإمام(عليه السلام): «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيُخبرهم انّه جاء من عند اللّه، وانّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار) و (ولا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً) و (ليسَ كَمِثْلِهِ شَيء)ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً، و هو على صورة البشر؟! أما تستحيون، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر.(4)
هذه هي العوامل الداخلية لنشوء علم الكلام بين المسلمين، وهناك عوامل خارجية لنشوئه، نذكر المهمّ منها:

العوامل الخارجية لنشوء علم الكلام

1. معطّلة العرب

إنّ الطابَع العام للعرب في العصر الجاهلي هو التوحيد في الذات والتوحيد في الخالقية، ولكنّهم كانوا مشركين في أمر الربوبية والعبادة، فكانوا معتقدين بربوبية غيره سبحانه كما كانوا يعبدون غيره كالأصنام والأوثان .
نعم كان عندهم صنف ينكر الخالق، ويشارك مع الطائفة الأُولى في إنكار البعث والإعادة.

(1) الأنعام:103.
(2) طه:110.
(3) الشورى:11.
(4) التوحيد للصدوق:110ـ 111.

84

يقول الشهرستاني: فصنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد (وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنا الدُّنيا نَمُوتُ وَنَحْيا)(1) إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وقصراً للحياة والموت على تركّبها وتحلّلها، فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر (وَما يُهْلِكُنا إِلاّ الدَّهر).(2)
وصنف منهم أقرّوا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع وأنكروا البعث والإعادة، وهم الذين أخبر عنهم القرآن: (وَضَرَبَ لَنا مَثلاً وَنََسِيَ خَلْقهُ قال مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيم).(3)
وصنف منهم أقرّوا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام وزعموا انّهم شفعاؤهم عند اللّه في الدار الآخرة، وحجّوا إليها، ونحروا لها الهدايا وقرّبوا القرابين، وتقرّبوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلّوا وحرّموا; وهم الدهماء من العرب إلاّ شرذمة منهم.
ومن العرب من يعتقد بالتناسخ فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمـع دم الدماغ وأجزاء بنيته، فانتصب طيراً «هامة» فيرجع إلى رأس القبر كلّ مائة سنة، وعن هذا: أنكر عليهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:«لا هامة ولا عدوى ولا صفر».(4)
إنّ العرب وإن اعتنقوا الإسلام ولكن جذور هذه الأفكار كانت موجودة في أذهانهم خلفاً بعد سلف، إذ لا تقلع الأفكار الراسخة بمضي يوم أو سنة أو سنين،

(1) الجاثية:24.
(2) الجاثية:24.
(3) يس:78.
(4) الملل والنحل للشهرستاني:2/216ـ 217، المكتبة العصرية، بيروت. والحديث رواه أبو داود في سننه برقم (3921)، وأحمد في مسنده:1/174.

85

وكان خصماء الإسلام يطرحون تلك الأفكار حيناً بعد حين في مناسبات خاصة، فصار هذا سبباً مناسباً لنشوء علم الكلام والدفاع عن العقائد الإسلامية بدليل و برهان، كما أنّ القرآن الكريم طرح شبهاتهم في التوحيد والمعاد وردّها بقوّة، مثلاً: إنّهم كانوا يستبعدون إحياء العظام وهي رميم، فاستدلّ لهم بالنشأة الأُولى، إذ اعترفوا بالخلق الأوّل، فقال عزّ وجلّ: (قُلْ يُحْيِيها الَّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرَّة)(1) ، وقال سبحانه: (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الأَوّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْس مِنْ خَلْق جَدِيد).(2)

2. اليهود وعقائدهم في التجسيم والقدر

يقول الشهرستاني: اليهود تدّعي أنّ الشريعة لا تكون إلاّ واحدة، وهي ابتدأت بموسى(عليه السلام) وتمّت به، فلم تكن قبله شريعة، إلاّ حدود عقلية وأحكام مصلحية.
ولم يجيزوا النسخ أصلاً، قالوا: فلا يكون بعده «شريعة» أصلاً، لأنّ النسخ في الأوامر «بداء»، و لا يجوز البداء على اللّه تعالى، ومسائلهم تدور على جواز النسخ ومنعه، وعلى التشبيه ونفيه، والقول بالقدر والجبر وتجويز الرجعة واستحالتها.
أمّا النسخ فكما ذكرنا، وأمّا التشبيه فلأنّهم وجدوا التوراة ملئت من المتشابهات، مثل: الصورة والمشافهة والتكلّم جهراً والنزول على طور سيناء انتقالاً والاستواء على العرش استقراراً ، وجواز الرؤية فوقاً وغير ذلك.

(1) يس:79.
(2) ق:15.

86

وأمّا القول «بالقدر» فهم مختلفون فيه حسب اختلاف الفريقين في الإسلام، فالربّانيون منهم كالمعتزله فينا، والقرّاؤون كالمجبرة والمشبهة.(1)

3. النصارى و التثليث

لمّا رفع المسيح عيسى بن مريم عليه السَّلام إلى السماء، اختلف الحواريون وغيرهم فيه اختلافاً شديداً مع أنّه كان رسول التوحيد، فأثبت أتباعه للّه أقانيم ثلاثة وسمّوها: الأب، والابن، وروح القدس.(2)
وقد افترقت النصارى إلى: «ملكانية»، و «نسطورية»، و «يعقوبية»; و قد كان قسم منهم منتشراً في الجزيرة العربية.
إنّ وجود هذه التيارات الدينية مضافاً إلى غيرها ممّا لم نذكره كالصابئين والمجوس وكلّ من له شبهة كتاب في الجزيرة العربية، أوجد أرضية صالحة لنشوء علم الكلام في مختلف المسائل حيث كان المسلمون على مقربة منهم.
وقد أدى الاحتكاك بينهم إلى تغلغل أفكارهم في أوساط المسلمين، ممّا حدا بالعلماء المسلمين إلى إجراء الحوارات والمناظرات معهم، الأمر الذي ساهم في نشوء مباحث جديدة لعلم الكلام في الشرق الإسلامي.

4. الفتوحات الإسلامية والاحتكاك الثقافي

قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد ونشروا الثقافة الإسلامية بين الأُمم المتحضّرة، التي كانت تتمتع ـ وراء الآداب والفنون والعلوم والصناعات ـ

(1) الملل والنحل للشهرستاني:1/178. والقرّاؤون: الذين يعودون في فهم دينهم إلى التوراة مباشرة.
(2) الملل والنحل للشهرستاني:1/186.

87

بمناهج فلسفية و آراء كلامية لا يذعن بها الإسلام.
وقد كان لذلك الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري تأثير بالغ، عاد على الإسلام والمسلمين بالخير الكثير، إلاّ أنّ هذا الاحتكاك لم يكن يخلو من مضاعفات، منها انتقال تلك الآراء والأفكار إلى الأوساط الإسلامية في وقت لم تكن فيه متدرّعة تجاه تلك الشبهات والمشاكل.
وأعان على ذلك أمر ثان وهو انتقال عدّة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية بآرائهم وأفكارهم وعقائدهم المضادّة للإسلام وأُسِسِه، وكان بين المسلمين من لم يتورّع عن أخذ هاتيك العقائد الفاسدة، نظراء: عبد الكريم بن أبي العوجاء، وحمّاد بن عجرد، ويحيى بن زياد، ومطيع بن أياس، وعبد اللّه بن المقفّع، إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع، فأوجد ذلك بلبلة في الأفكار والعقائد بين المسلمين.
وثَمَّة أمر ثالث كان له التأثير الحاسم في بسط الإلحاد والزندقة، وهو نقل الكتب الرومانية واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة ورقابة وجعلها في متناول أيدي الناس، وقد ذكر النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال:
«كان خالد بن يزيد بن معاوية محِبّاً للعلوم، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل مدينة مصر، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهذا أوّل نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة، ثم نقل الديوان وكان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج، وكان أمر الترجمة يتقدم ببطء، إلى أن ظهر المأمون في ساحة الخلافة، فراسل ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة، المدّخرة في بلد الروم، فـأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فبعث المأمون جماعة، منهم: الحجاج بن مطر، وابن بطريق،

88

ومحمد وأحمد و الحسن بنو شاكر المنجّم، فجاءوا بطرائف الكتب، وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة وغيرهما»، ثم ذكر النديم أسماء النقلة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية، وجاء بأسماء كميّة هائلة(1) فأخذوا يصبون مـا وجدوه مـن غـث وسمين في كتب الوثنيين والمسيحيين على رؤوس المسلمين، وهم غير متدرّعين وغير واقفين على جذور هذه الشبه، مع أنّها كـانت تـزعـزع أركان الإسلام.
ونقل المسعودي في وصف المنصور أنّه أوّل خليفة قرّب المنجّمين فعمل بأحكام النجوم، وكان معه نوبخت المجوسي المنجّم وأسلم على يديه وهو أبو هؤلاء النوبختية، وإبراهيم الفزاري المنجم صاحب القصيدة في النجوم، وغير ذلك من علوم النجوم وهيئة الفلك، وعلي بن عيسى الاسطرلابي المنجم. وهو أوّل خليفة ترجمت له الكتب من اللغات العجميّة إلى العربيّة، منها: كتاب «كليلة ودمنة» ، و كتاب «السند هند » ، و ترجمت له كتب ارسطاطاليس ، من المنطقيات وغيرها، وترجم له كتاب «المجسطي» لبطليموس وكتاب «الارتماطيقي» و كتاب «إقليدس» و سائر الكتب القديمة من اليونانية والرومية والفهلوية والفارسية والسريانية وأخرجت إلى الناس، فنظروا فيها، وتعلّقوا إلى علمها.(2)
وذكر في وصف المهدي العبّاسي: وأمعن في قتل الملحدين والذاهبين عن الدين لظهوره في أيامه واعلانهم باعتقاداتهم في خلافته، ذلك لما انتشر من كتب «ماني» و«ابن ديصان» و «مرجئون» مما نقله «عبد اللّه بن المقفع» وغيره وترجمت من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنفه في ذلك ابن أبي العوجاء وحماد بن عجرد

(1) النديم: الفهرست: 352، 356.
(2) مروج الذهب:4/223، ط دار الأندلس.

89

ويحيى بن زياد و مطيع بن أياس من تأييد المذاهب المانية والديصانية والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة وظهرت آراؤهم في الناس، وكان المهدي أوّل من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلّمين بتصنيف الكتب على الملحدين ممّن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم، وأقاموا البراهين على المعاندين وأزالوا شبه الملحدين، فأوضحوا الحقّ للشاكّين....(1)
وفي ظل انتشار الكتب المترجمة بين أهل العلم من المسلمين، استفحلت المناظرة في عصر المأمون، وكان أهل الفرق والمذاهب والنحل وأصحاب المقالات يتناظرون فيما بينهم على مرأى ومسمع من الخليفة، وهذا هو المسعودي ينقل عن يحيى بن أكثم أنّه قال: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء، فإذا حضر الفقهاء ومن يناظره من سائر أهل المقالات أُدخلوا حجرة مفروشة، وقيل لهم: أنزعوا أخفافكم، ثم أحضرت الموائد، وقيل لهم: أصيبوا من الطعام والشراب وجدّدوا الوضوء، ومن خفّه ضيق فلينزعه، ومن ثقلت عليه قلنسوتُه فليضعها، فإذا فرغوا أتوا بالمجامر فبُخروا وطُيّبوا، ثمّ خرجوا فاستدناهم حتّى يدنوا منه ويناظرهم أحسن مناظرة، وأنصفها وأبعدها من مناظرة المتجبرين، فلا يزالون كذلك إلى أن تزول الشمس، ثمّ تنصب الموائد ثانية فيطعمون وينصرفون.(2)
ويذكر في حياة الواثق باللّه أنّه كان له مجلس في الفلسفة والطب وكان الواثق باللّه محبّاً للنظر، مكرماً لأهله، مبغضاً للتقليد وأهله محبّاً للإشراف على علوم الناس وآرائهم، ممّن تقدّم وتأخّر من الفلاسفة وغيرهم من الشرعيّين، فحضرهم ذات يوم جماعة من الفلاسفة والمتطببين، فجرى بحضرته أنواع من علومهم في

(1) مروج الذهب:4/223ـ224.
(2) مروج الذهب:3/432.

90

الطبيعيات وما بعد ذلك من الإلهيات.(1)
لقد أثار انتقال هذه الشبه والعقائد والآراء إلى أوساط المسلمين ضجّة كبرى بينهم، وافترقوا إلى فرقتين:
فرقة اقتصرت على الذب عن حياض الإسلام بتضليلهم وتكفيرهم وتوصيفهم بالزندقة وتحذير المسلمين من الالتقاء بهم وقراءة كتبهم والاستماع إلى كلامهم، إلى غير ذلك مما كان يعدّ مكافحة سلبية، لا تصمد أمام ذلك السيل الجارف.
وفرقة قد أحسّوا بخطورة الموقف وأنّ المكافحة السلبية لها أثرها المؤقت، وإنّ ذلك الداء لو لم يعالج بالدواء الناجع سوف يعمّ المجتمع كلّه أو أكثره، فقاموا بمكافحة إيجابية، أي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الذي يستحسنه الإسلام، فأزالوا شبهاتهم، ونقدوا أفكارهم في ضوء العقل والبرهان، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً، وهؤلاء هم الشيعة خرّيجو مدرسة أهل البيت أوّلاً، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء ثانياً الذين أخذوا أُصول مذهبهم عن علي عليه السَّلام بواسطتين:
1. أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية.
2. محمّد ابن الحنفية ابن علي بن أبي طالب.
ففي تلك الأجواء المشحونة بالبحث والجدل استفحل أمر الكلام، أي العلم الباحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله لغاية الذب عن الإسلام، فكان علم الكلام وليد الحاجة، ونتاج الصراع الفكري مع التيارات الإلحادية المتحديّة

(1) مروج الذهب:3/489.

91

للإسلام والمسلمين، وفي هذه الظروف العصيبة قام أهل البيت عليهم السَّلام بتربية جموع غفيرة من أصحاب المواهب للذب عن الإسلام وأُصوله أوّلاً، وحريم الولاية ثانياً، في ضوء العقل والبرهان، فصاروا يناظرون كل فرقة ونحلة بأتقن البراهين وأسلمها، وقد حفظ التاريخ أسماء لفيف من الرافلين في حلل الفضائل والمعارف، وسوف توافيك أسماؤهم في هذه الموسوعة.
يقول الدكتور فيصل بدر عون أُستاذ جامعة عين شمس: على ضوء هذه الثقافات المتباينة انّه كانت توجد في الجزيرة العربية، وفي البلاد التي امتدت إليها الفتوحات الإسلامية فلسفات وعلوم وديانات متباينة، وكان لكلّ دين أو فلسفة أنصاره ومؤيدوه، وهؤلاء الأنصار أيضاً انقسموا فيما بينهم إلى شيع وأحزاب، ومع أنّ هذه الطوائف قد احتفظت بكثير من عناصرها وخصائصها الأصلية، فانّ امتزاجها قد أدّى فيما بعد إلى صعوبة التمييز بينها و بين معالم الدين الجديد، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من القول بأنّ معظم هذه الثقافات قد احتفظ بسماته العامة التي تميزه عن غيره، وهكذا أيضاً تجد انّ المسلمين قد ورثوا تراثاً إنسانياً ضخماً، كان عليهم أن يدرسوه ويمحّصوه ويضيفوا إليه ويقتبسوا منه ما يتفق ودينهم ويردّوا على الآراء التي لا تتفق والروح الإسلامية الجديدة.(1)
أقول: إنّ ما اقترحه الأُستاذ الفاضل من أنّه كان من واجب المسلمين دراسة التراث وتمحيصه، لم يعر له المشايخ أهمّيّة فقد حرّموا علم الكلام ودراسته وأدانوا الممارسين له، واستمرت فكرة التحريم إلى عصر أبي الحسن علي بن إسماعيل إمام الأشاعرة(260ـ324هـ) الذي كتب رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام، وحاول بذلك القضاء على فكرة أهل الحديث المحرّمين لعلم الكلام والبحوث

(1) علم الكلام ومدارسه:31 ـ 32.

92

العقلية .
فمع أنّ الإمام تاب عن الاعتزال والتحق بركب الحنابلة، فمع ذلك استحسن الخوض في علم الكلام.
ولما كانت الرسالة تحتوي على نكات بديعة تعرب عن رسوخ الرجعيّة بين أهل الحديث وتعالج ذلك الداء العضال، فقد ارتأينا الإتيان بنصّها .قال بعد التسمية والحمد والتسليم :

رسالة الإمام الأشعري في استحسان الخوض في علم الكلام(1)

أمّا بعد فإنّ طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتّش عن أُصول الدين ونسبوه إلى الضلال، وزعموا أنّ الكلام في الحركة والسكون والجسم والعرض والألوان والأكوان والجزء والطفرة وصفات الباري عز ّوجلّ بدعة وضلالة، وقالوا: لو كان هدى ورشاداً لتكلّم فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلفاؤه وأصحابه! قالوا: ولأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يمت حتّى تكلم في كلّ ما يحتاج إليه من أُمور الدين، وبيّنه بياناً شافياً، ولم يترك بعده لأحد مقالاً فيما للمسلمين إليه حاجة من أُمور دينهم، وما يقربهم إلى اللّه عزّ وجلّ ويباعدهم عن سخطه; فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء ممّا ذكرناه، علمنا أنّ الكلام فيه بدعة، والبحث عنه ضلالة، لأنّه لو كان خيراً لما فات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولتكلّموا فيه، قالوا: ولأنّه ليس يخلو ذلك من وجهين: إمّا أن يكونوا علموه فسكتوا عنه، أو لم يعلموه بل جهلوه، فإن كانوا

(1) الرسالة طبعت للمرّة الثالثة في حيدر آباد الدكن (الهند) عام 1400هـ/1979 م، كما طبعت في ذيل كتاب اللمع للأشعري أيضاً.

93

علموه ولم يتكلموا فيه وسعنا أيضاً نحن السكوت عنه، كما وسعهم السكوت عنه، ووسعنا ترك الخوض كما وسعهم ترك الخوض فيه، ولأنّه لو كان من الدِّين ما وسعهم السكوت عنه، وإن كانوا لم يعلموه وسعنا جهله كما وسع أُولئك جهله، لأنّه لو كان من الدين لم يجهلوه، فعلى كلا الوجهين الكلام فيه بدعة، والخوض فيه ضلالة، فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأُصول.
قال الشيخ أبو الحسن (رضي الله عنه): الجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: قلب السؤال عليهم بأن يقال: النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقل أيضاً إنّه من بحث عن ذلك وتكلّم فيه فاجعلوه مبتدعاً ضالاً، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضُلاّلاً، إذ قد تكلّمتم في شيء لم يتكلّم فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وضلّلتم من لم يضلله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
الجواب الثاني: أن يقال لهم: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يجهل شيئاً ممّا ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض، والحركة والسكون، والجزء والطفرة، وإن لم يتكلّم في كلّ واحد من ذلك معيناً، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة، غير أنّ هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة، أُصولها موجودة في القرآن والسنّة جملة غير منفصلة.
فأمّا الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن، وهما يدلاّن على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال اللّه تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم صلوات اللّه عليه وسلامه في قصة أُفول الكوكب والشمس والقمر(1) وتحريكها من مكان إلى مكان، ما دلّ على أنّ ربّه عزّ وجلّ لا يجوز عليه شيء من ذلك، وأنّ من جاز عليه الأُفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله.
وأمّا الكلام في أُصول التوحيد فمأخوذ أيضاً من الكتاب، قال اللّه

(1) الأنعام:75ـ79.

94

تعالى:(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا)(1) ، وهذا الكلام موجز منبه على الحجة بأنّه واحد لا شريك له، وكلام المتكلّمين في الحجاج في التوحيد بالتمانع والتغالب فإنّما مرجعه إلى هذه الآية، وقوله عزّ وجلّ: (مَا اتّخذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض)(2) ، إلى قوله عزّ وجلّ: (أَمْ جَعَلُوا للّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ).(3)
وكلام المتكلّمين في الحجاج في توحيد اللّه إنّما مرجعه إلى هذه الآيات التي ذكرناها، وكذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل إنّما هو مأخوذ من القرآن، فكذلك الكلام في جواز البعث واستحالته الذي قد اختلف عقلاء العرب ومن قبلهم من غيرهم فيه حتّى تعجبوا من جواز ذلك فقالوا: (أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ)، وقولهم(4): (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ)(5)، وقولهم: (مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَميمٌ)(6) ، وقوله تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ)(7) ،وفي نحو هذا الكلام منهم إنّما ورد بالحجاج في جواز البعث بعد الموت في القرآن تأكيداً لجواز ذلك في العقول، وعلّم نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولقّنه الحجاج عليهم في إنكارهم البعث من وجهين على طائفتين: منه طائفة أقرّت بالخلق الأوّل وأنكرت الثاني، وطائفة جحدت ذلك بقدم العالم فاحتج على المقر منها بالخلق الأوّل بقوله: (قُلْ يُحْييها الّذي أنشَأها أَوّلَ مَرّة)(8)، و بقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه)(9) وبقوله: (كَما بَدأكُمْ

(1) الأنبياء:22.
(2) المؤمنون:91.
(3) الرعد:16.
(4) ق:3.
(5) المؤمنون:36.
(6) يس:78.
(7) المؤمنون:35.
(8) يس:79.
(9) الروم:27.

95

تَعُودُونَ)(1)، فنّبههم بهذه الآيات على أنّ من قدر أن يفعل فعلاً على غير مثال سابق فهو أقدر أن يفعل فعلاً محدثاً، فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفكم، وأمّا الباري جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه فليس خَلْقُ شيء بأهون عليه من الآخر، وقد قيل: إنّ الهاء في «عليه» إنّما هي كناية للخلق بقدرته، إنّ البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخفّ عليه من ابتداء خلقه، لأنّ ابتداء خلقه إنّما يكون بالولادة والتربية وقطع السرة والقماط وخروج الأسنان، وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة، وإعادته إنّما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شيء، فهي أهون عليه من ابتدائه، فهذا ما احتجّ به على الطائفة المقرة بالخلق.
وأمّا الطائفة التي أنكرت الخلق الأوّل والثاني، وقالت بقدم العالم فإنّما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا: وجدنا الحياة رطبة حارة، والموت بارداً يابساً، وهو من طبع التراب، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخرة فيصير خلقاً سوياً، والضدّان لا يجتمعان، فأنكروا البعث من هذه الجهة.
ولعمري إنّ الضدّين لا يجتمعان في محلّ واحد، ولا في جهة واحدة، ولا في الموجود في المحل، ولكنّه يصحّ وجودهما في محلّين على سبيل المجاورة، فاحتجّ اللّه تعالى عليهم بأن قال: (الّذي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُون)(2)، فردّهم اللّه عزّ وجلّ في ذلك إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على برده ورطوبته، فجعل جواز النشأة الأُولى دليلاً على جواز النشأة الآخرة، لأنّها دليل على جواز مجاورة الحياة التراب والعظام النخرة، فجعلها خلقاً سوياً وقال: (كَما بَدَأْنا أَوّلَ خَلْق

(1) الأعراف:29.
(2) يس:80.

96

نُعِيدُهُ).(1)
وأمّا ما يتكلّم به المتكلّمون من أنّ الحوادث أوّلاً (2) وردهم على الدهرية أنّه لا حركة إلاّ وقبلها حركة، ولا يوم إلاّ وقبله يوم، والكلام على من قال: ما من جزء إلاّ وله نصف لا إلى غاية، فقد وجدنا أصل ذلك في سنّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حين قال: «لا عدوى ولا طيرة» فقال أعرابي: فما بال الإبل كأنّها الظباء تدخل في الإبل الجَربى فتجرب؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): فمن أعدى الأوّل؟ فسكت الأعرابي لما أفحمه بالحجة المعقولة.
وكذلك نقول لمن زعم أنّه لا حركة إلاّ وقبلها حركة: لو كان الأمر هكذا لم تحدث منها واحدة، لأنّ ما لا نهاية له لا حدث له، وكذلك لما قال الرجل: يا نبيّ اللّه! إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود وعرض بنفيه، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : هل لك من إبل؟ فقال: نعم! قال: فما ألوانها، قال: حمر، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : هل فيها من أورق؟ قال: نعم! إنّ فيها أورق، قال: فأنى ذلك؟ قال: لعل عرقاً نزعه، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : ولعلّ ولدك نزعه عرق. فهذا ما علّم اللّه نبيّه من ردّ الشيء إلى شكله ونظيره، وهو أصل لنا في سائر ما نحكم به من الشبيه والنظير.
وبذلك نحتج على من قال: إنّ اللّه تعالى و تقدّس يشبه المخلوقات، وهو جسم، بأن نقول له: لو كان يشبه شيئاً من الأشياء لكان لا يخلو من أن يكون يشبهه من كلّ جهاته، أو يشبهه من بعض جهاته، فإن كان يشبهه من كلّ جهاته وجب أن يكون محدثاً من كلّ جهاته، وإن كان يشبهه من بعض جهات وجب أن يكون محدثاً مثله من حيث أشبهه، لأنّ كلّ مشتبهين حكمهما واحد فيما اشتبها له،

(1) الأنبياء:104.
(2) بياض في الأصل.

97

ويستحيل أن يكون المحدث قديماً والقديم محدثاً، وقد قال تعالى وتقدّس: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(1) ، و قال تعالى وتقدّس: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحدٌ).(2)
وأمّا الأصل بأنّ للجسم نهاية وأنّ الجزء لا ينقسم فقوله عزّ وجلّ اسمه: (وَكُلُّ شَيْء أَحْصَيْناهُ في إِمام مُبين)(3) ومحال إحصاء ما لا نهاية له، ومحال أن يكون الشيء الواحد ينقسم(4) لأنّ هذا يوجب أن يكونا شيئين، وقد أخبر أنّ العدد وقع عليهما. وأمّا الأصل في أنّ المحدث للعالم يجب أن يتأتى له الفعل نحو قصده واختياره وتنتفي عنه كراهيته، فقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ* ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ)(5)، فلم يستطيعوا أن يقولوا بحجّة أنّهم يخلقون مع تمنّيهم الولد، فلا يكون مع كراهيته له، فنبّههم أنّ الخالق هو من يتأتى منه المخلوقات على قصده.
وأمّا أصلنا في المناقضة على الخصم في النظر فمأخوذ من سنّة سيّدنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك تعليم اللّه عزّ وجلّ إيّاه حين لقي الحبر السمين، فقال له: نشدتك باللّه هل تجد فيما أنزل اللّه تعالى من التوراة أنّ اللّه تعالى يبغض الحبر السمين؟ فغضب الحبر حين عيّره بذلك، فقال: «ما أنزل اللّه على بشر من شيء»، فقال اللّه تعالى: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتابَ الّذي جاءَ بهِ مُوسى نُوراً)(6) فناقضه عن قرب، لأنّ التوراة شيء، وموسى بشر، وقد كان الحبر مقراً بأنّ اللّه تعالى أنزل التوراة على موسى.

(1) الشورى:11.
(2) الإخلاص:4.
(3) يس:12.
(4) بياض في الأصل.
(5) الواقعة:58ـ 59.
(6) الأنعام:91.

98

وكذلك ناقض الذين زعموا أنّ اللّه تعالى عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسول حتّى يأتيهم بقربان تأكله النار، فقال تعالى: (قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ)(1)فناقضهم بذلك وحاجهم.
وأمّا أصلنا في استدراكنا مغالطة الخصوم فمأخوذ من قوله تعالى : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه حَصَبُ جَهَنَّم أَنْتُمْ لَها وارِدُون)ـ إلى قوله : ـ (لا يَسْمَعُون)(2) ، فإنّها لما نزلت هذه الآية بلغ ذلك عبد اللّه بن الزبعرى ـ و كان جدلاً خصماً ـ فقال: خصمت محمداً وربّ الكعبة، فجاء إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: يا محمد! ألست تزعم أنّ عيسى و عزيراً والملائكة عبدوا؟ فسكت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا سكوت عي ولا منقطع، تعجباً من جهله، لأنّه ليس في الآية ما يوجب دخول عيسى و عزير والملائكة فيها، لأنّه قال: (وما تعبدون) ولم يقل و كلّ ما تعبدون من دون اللّه، وإنّما أراد ابن الزبعرى مغالطة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليوهم قومه أنّه قد حاجّه، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: (إِنَّ الَّذينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنى)يعني من المعبودين (أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) فقرأ النبيّ(3)(صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك، فضجّوا عند ذلك لئلا يتبين انقطاعهم وغلطهم، فقالوا:(ءآلهتنا خيرٌ أَمْ هو )يعنون عيسى، فأنزل اللّه تعالى:(ولَما ضرب ابن مَرْيَم مَثلاً إِذا قَومك مِنْهُ يَصدّون)إلى قوله: (خَصِمُون)(4)، وكلّ ما ذكرناه من الآي أو لم نذكره أصل، وحجة لنا في الكلام فيما نذكره من تفصيل، وإن لم تكن مسألة معيّنة في الكتاب والسنّة، لأنّ ما حدث تعيينها من المسائل العقليات في أيّام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والصحابة قد تكلّموا فيه على نحو

(1) آل عمران:183.
(2) الأنبياء:98ـ 100.
(3) الأنبياء:101.
(4) الزخرف:57ـ 58.

99

ما ذكرناه.
والجواب الثالث: إن ّ هذه المسائل التي سألوا عنها قد علمها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يجهل منها شيئاً مفصلاً، غير أنّها لم تحدث في أيّام معيّنة فيتكلّم فيها، أو لا يتكلّم فيها، وإن كانت أُصولها موجودة في القرآن والسنّة، وما حدث من شيء فيما له تعلّق بالدين من جهة الشريعة فقد تكلّموا فيه وبحثوا عنه وناظروا فيه وجادلوا وحاجّوا، كمسائل العول والجدات من مسائل الفرائض، وغير ذلك من الأحكام، وكالحرام والبائن وألبتة وحبلك على غاربك. وكالمسائل في الحدود والطلاق ممّا يكثر ذكرها، ممّا قد حدثت في أيّامهم، ولم يجئ في كلّ واحدة منها نصّ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّه لو نصّ على جميع ذلك ما اختلفوا فيها، وما بقي الخلاف إلى الآن.
وهذه المسائل ـ و إن لم يكن في كلّ واحدة منها نصّ عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فإنّهم ردّوها وقاسوها على ما فيه نصّ من كتاب اللّه تعالى والسنّة واجتهادهم، فهذه أحكام حوادث الفروع، ردّوها إلى أحكام الشريعة التي هي فروع لا تستدرك أحكامها إلاّ من جهة السمع والرسل، فأمّا حوادث تحدث في الأُصول في تعيين مسائل فينبغي لكلّ عاقل مسلم أن يرد حكمها إلى جملة الأُصول المتّفق عليها بالعقل والحس والبديهة وغير ذلك، لأنّ حكم مسائل الشرع التي طريقها السمع أن تكون مردودة إلى أُصول الشرع الذي طريقه السمع، وحكم مسائل العقليات والمحسوسات أن يرد كلّ شيء من ذلك إلى بابه، ولا يخلط العقليات بالسمعيات ولا السمعيات بالعقليات، فلو حدث في أيّام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلام في خلق القرآن وفي الجزء والطفرة بهذه الألفاظ لتكلّم فيه وبيّنه، كما بيّن سائر ما حدث في أيّامه من تعيين المسائل، وتكلّم فيها.
ثمّ يقال: النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يصحّ عنه حديث في أنّ القرآن غير مخلوق أو هو مخلوق، فلم قلتم: إنّه غير مخلوق؟

100

فإن قالوا: قد قاله بعض الصحابة وبعض التابعين، قيل لهم: يلزم الصحابي والتابعي مثل ما يلزمكم من أن يكون مبتدعاً ضالاً إذ قال ما لم يقله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فإن قال قائل: فأنا أتوقّف في ذلك فلا أقول: مخلوق ولا غير مخلوق، قيل له: فأنت في توقّفك في ذلك مبتدع ضالّ، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل: إن حدثت هذه الحادثة بعدي توقّفوا فيها ولا تقولوا فيها شيئاً، ولا قال: ضلّلوا وكفّروا من قال بخلقه أو من قال بنفي خلقه.
وخبرونا، لو قال قائل: إنّ علم اللّه مخلوق، أكنتم تتوقّفون فيه أم لا؟
فإن قالوا: لا، قيل لهم: لم يقل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أصحابه في ذلك شيئاً، وكذلك لو قال قائل: هذا ربّكم شبعان أو ريان، أو مكتس أو عريان، أو مقرور أو صفراوي أو مرطوب، أو جسم أو عرض، أو يشم الريح أو لا يشمها، أو هل له أنف وقلب وكبد وطحال، وهل يحج في كلّ سنة، وهل يركب الخيل أو لا يركبها، وهل يغتمّ أم لا؟ ونحو ذلك من المسائل، لكان ينبغي أن تسكت عنه، لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتكلّم في شيء من ذلك ولا أصحابه، أو كنت لا تسكت، فكنت تبيّن بكلامك أنّ شيئاً من ذلك لا يجوز على اللّه عز وجلّ، وتقدس كذا وكذا بحجّة كذا وكذا.
فإن قال قائل: أسكت عنه ولا أُجيبه بشيء، أو أهجره، أو أقوم عنه، أو لا أسلم عليه، أو لا أعوده إذا مرض، أو لا أشهد جنازته إذا مات.
قيل له: فيلزمك أن تكون في جميع هذه الصيغ التي ذكرتها مبتدعاً ضالاً، لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل: مَن سأل عن شيء من ذلك فاسكتوا عنه، ولا قال: لا تسلموا عليه، ولا: قوموا عنه، ولا قال شيئاً من ذلك، فأنتم مبتدعة إذا فعلتم

101

ذلك، ولم لم تسكتوا عمّن قال بخلق القرآن، ولم كفّرتموه، ولم يرد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث صحيح في نفي خلقه، وتكفير من قال بخلقه.
فإن قالوا: إنّ أحمد بن حنبل ، قال بنفي خلقه، وتكفير من قال بخلقه، قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أحمد عن ذلك بل تكلّم فيه؟
فإن قالوا: لأنّ العباس العنبري ووكيعاً و عبد الرحمن بن مهدي وفلاناً و فلاناً قالوا إنّه غير مخلوق، ومن قال بأنّه مخلوق فهو كافر.
قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أولئك عمّا سكت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فإن قالوا: لأنّ عمرو بن دينار و سفيان بن عيينة وجعفر بن محمد رضي اللّه عنهم وفلاناً وفلاناً قالوا: ليس بخالق ولا مخلوق.
قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أُولئك عن هذه المقالة، ولم يقلها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
فإن أحالوا ذلك على الصحابة أو جماعة منهم كان ذلك مكابرة. فإنّه يقال لهم: فلم لم يسكتوا عن ذلك، ولم يتكلّم فيه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) . ولا قال: كفروا قائله، وإن قالوا: لابدّ للعلماء من الكلام في الحادثة ليعلم الجاهل حكمها، قيل لهم: هذا الذي أردناه منكم، فلم منعتم الكلام، فأنتم إن شئتم تكلّمتم، حتّى إذا انقطعتم قلتم: نهينا عن الكلام; وإن شئتم قلّدتم من كان قبلكم بلا حجّة ولا بيان، وهذه شهوة وتحكّم.
ثمّ يقال لهم: فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتكلّم في النذور والوصايا، ولا في العتق، ولا في حساب المناسخات، ولا صنف فيها كتاباً كما صنعه مالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة، فيلزمكم أن يكونوا مبتدعة ضلالاً إذ فعلوا ما لم يفعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقالوا ما لم يقله نصاً بعينه، وصنّفوا ما لم يصنّفه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقالوا بتكفير القائلين بخلق القرآن ولم يقله النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) . وفيما ذكرنا كفاية لكلّ عاقل غير معاند.
نجز والحمد للّه، وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

102

8

بدايات الخلاف

في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد رحيله

ذكر أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479ـ 548هـ) بدايات الخلاف بين المسلمين في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، ولكنّها بدايات خلاف وليست بدايات خلاف في مسائل كلاميّة، وكان عليه عقد فصل لبدايات الخلاف وفصل آخر لبدايات الخلاف في المسائل الكلاميّة. وها نحن نذكر كلتا البدايات في مقامين:

المقام الأوّل: في بدايات الخلاف في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بما أنّه لا ينطق عن الهوى وأنّ ما يقوله ويفعله إنّما هو وحي يُوحى إليه ـ كان سدّاً منيعاً لنشوء الخلاف، ولو حصل هناك خلاف بين الصحابة فإنّما هو خلاف سطحي، يرتفع غالباً بإرشاداته وتوجيهاته، ونحن نذكر نموذجين من ذلك:
1. قسّم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أموال بيت المال بين المسلمين في غزوة الطائف، ووزّع الخمس (الذي هو حقّه الخاص به) بين أشراف قريش الحديثي عهد بالإسلام بُغية تأليف قلوبهم، فأعطى من هذا المال لأبي سفيان بن حرب، وابنه

103

معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث بن الحارث، والحارث بن هشام، و سهيل بن عمرو، و حويطب بن عبد العزّى، والعلاء بن جارية، وصفوان بن أُمية، وغيرهم ممّن كانوا يعادونه إلى الأمس القريب، فأعطى لكلّ واحد منهم مائة بعير.(1)
لقد شق هذا الأُسلوب في تقسيم الغنائم على الأنصار لجهلهم بالمصالح الّتي كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يراعيها ويتبنّاها في هذا التقسيم وكانوا يتصوّرون انّ التعصب القَبَلي هو الذي دفع بالرسول إلى تقسيم خمس الغنيمة بين أبناء قبيلته، فجاء ذو الخويصرة التميمي فقال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بكل وقاحة: يا محمّد قد رأيتُ ما صنعتَ في هذا اليوم لم أرك عدلتَ، فغضب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من كلامه، فقال: ويحك إذا لم يكُن العدلُ عندي فعند من يكون؟ فطلب عمر بن الخطاب من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأذن له بقتله، فلم يأذن له، ثمّ أخبر(صلى الله عليه وآله وسلم)عن مصيره السيِّئ، وقال:
دعه فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتّى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية.(2)
2. رفع سعد بن عبادة شكوى الأنصار حول كيفية تقسيم الخمس، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : إجْمع مَنْ كان هاهنا من الأنصار، فتكلّم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد حمد اللّه وثنائه وقال:
«يا معشر الأنصار ما مَقالةٌ بلغتني عنكم وجدَةٌ وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضُلاّلاً فهداكم اللّه، وعالة فأغناكم اللّه، وأعداءً فألّف اللّه بين قُلوبكم»؟!
قالوا: بلى، اللّه ورسوله أمَنُّ وأفضلُ!
قال:

(1) السيرة النبوية:3/443; إمتاع الأسماع:423.
(2) السيرة النبوية:2/496; السيرة الحلبية:3/123.

104

«ألا تجيبوني يا معشر الأنصار»؟
قالوا: وماذا نجيبك يا رسول اللّه؟ لرسول اللّه المَنُّ والفضل.
قال:
«أما واللّه لو شِئْتُمْ قُلْتُمْ فَصدَقْتُم، أتيتَنا مكذَّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناكَ، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك!وَجدتُم في أنفسِكُم يا معشرَ الأنصار في شيء من الدُّنيا، تألّفتُ به قوماً ليسلمُوا ووكَلتُكُمْ إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم؟
والذي نفسُ محمّد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْباً وسلكتِ الأنصار شِعْباً لسلكتُ شِعْب الأنصار».
ثمّ ترحّم على الأنصار وعلى أبنائهم وعلى أبناء أبنائهم فقال:
«اللّهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار».
وقد كانت كلمات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هذه من القوة والعاطفة بحيث أثارت مشاعر الأنصار، فبكوا بعد سماعها بكاء شديداً حتّى اخضلّت لحاهُمْ بالدُّموع وقالوا: رَضينا يا رسول اللّه حظّاً وقسماً!!!
ثمّ انصرف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) و تفرّقوا.(1)
نعم قد وقع في عصر الرسول خلاف بينه و بين بعض أصحابه لم يحسم في حياته بل بقى الخلاف إلى أن قبض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك شيئاً من هذا القسم.

(1) السيرة النبوية:2/ 498 و 499; المغازي:3/957 و 958.

105

1. تجهيز جيش أُسامة

كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مهتماً بالرّوم ويرى أنّهم يشكّلون خطراً كبيراً على الدولة الفتيّة الإسلامية، ولأجل ذلك سار في العام التاسع من هجرته إلى تبوك مع ثلاثين ألفاً من أصحابه، وجاء فلم ير هناك أثراً للعدوّ وعقد مواثيق مع رؤساء القبائل في المنطقة ورجع إلى المدينة وجهّز في أُخريات عمره، وقبل أن يطرأ عليه المرض جيشاً أمّر عليه أُسامة بن زيد الذي كان أبوه أيضاً أميراً على الجيش، وغزا في أرض مؤتة وكان الناس على استعداد للنفر وقد اجتمع كثير منهم في معسكر «جُرَف» .
عقد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اللواء لأُسامة، ثمّ مرض بشدة وأصابه صداع شديد ألزمه الفراش واستمرّ المرض عدّة أيّام حتّى قضى عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعندما شاهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو طريح الفراش استثقال صحابته في النفر و الحركة إلى تبوك، خرج من البيت وقال: جهّزوا جيش أُسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة .
وقال قوم: قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، نَصْبر حتى نُبْصِر أيّ شيء يكون من أمره.
وعلى كلّ تقدير لم يتحقّق أحد آمال النبي في أيّام حياته، بسبب فقدان الانضباط بين الصحابة والذي أبداه فريق من شيوخ القوم وأعيان الجيش.

2. الأمر بإحضار القلم والدواة

لمّا اشتدّ مرض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وحضر عنده أعيان صحابته، أمر بإحضار القلم والدواة والقرطاس ليكتب لهم شيئاً حتّى لا يضلّوا بعده، وقد ذكر ذلك مسلم في صحيحه كما ذكره البخاري في صحيحه في عدّة مواطن، ونحن نذكر ما

106

أخرجه مسلم في صحيحه عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن ابن عباس، قال:
لمّا حُضِـرَ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : هلمّ ، أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده، فقال عمر: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت فاختصموا... فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع .
وكان ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أن يُكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(1)

الخلافات بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

كان وجود الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين، يمثّل ـ غالباً ـ سدّاً منيعاً أمام نشوب الخلاف والشقاق بينهم، وبعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم) بدأ النزاع بينهم في المسائل الفقهية والعقائدية... وأخذ يتّسع شيئاً فشيئاً إلى أن بلغ درجة، تفرّقوا معها إلى فرق ومذاهب مختلفة.
والخلافات بعد رحيله تنقسم إلى قسمين:
1. الخلافات الفرعية كالخلاف في موضع دفنه ، فقد اتّفقوا بعد الخلاف على دفنه في بيته لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «الأنبياء يُدفنون حيث يَموتون». ونظيره الخلاف في أمر فدك وأنّ النبي يورث أو لا، فادّعى أبو بكر أنّه سمع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، وخالفه علي عليه السَّلام وبنت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وجميع أهل البيت (عليهم السلام) في أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يُورِّث كما يُورث الآخرون، وأنّ ما رواه أبو

(1) صحيح مسلم:5/76، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه من كتاب الوصية.

107

بكر خبر واحد مخالف للقرآن الكريم حيث ورث أبناء الأنبياء آباءَهم.
ولو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كسائر الأنبياء لا يُورِّث، كان عليه أن يبيّن ذلك لأولاده حتّى لا يدّعوا بعده ما ليس لهم، كما عمل بذلك في باب الزكاة و قال: إنّ الصدقة حرام على آل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
2. الخلافات الأُصولية أهمّها مسألة الإمامة بعد رحيل الرسول، وقد عدّ الشهرستاني ذلك الخلاف أعظم خلاف بين الأُمّة وقال: «ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان».
إنّ الخلافة في العقيدة الشيعية منصب إلهي كالنبوة يعطى لأفضل أفراد الأُمّة وأصلحهم وأعلمهم، والفرق الواضح بين الإمام والنبي، هو أنّ النبي مؤسس الشريعة، و يوحى إليه، ويتلقّى الكتاب من لدن اللّه تعالى، والإمام وإن كان لا يتمتع بواحد من هذه الشؤون، إلاّ أنّه يقوم بوظائف النبيّ كلّها ـ عدا ما استثنى ـ كنشر الإسلام، وتفسير الكتاب، وتبيين الأحكام، وقيادة المسلمين، و....
نعم الإمامة عند أهل السنّة مسألة فرعية من مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى كلّ تقدير فإنّ هذا الخلاف هو الأساس لعامة الخلافات، ولو كانت الصحابة عملت بوصية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في أهل بيته حيث قال في غير موضع: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا...» لذابت سائر الخلافات بين المسلمين، وذلك لأنّ أهل البيت(كما في حديث الثقلين)، هم المرجع العلمي للأُمّة، والخلافات تُردّ إليهم، فيكون رأيهم وقضاؤهم هو الرأي الحاسم والقاطع ولكن القوم ـ عفا اللّه عنّا وعنهم ـ أقصوا أئمّة أهل البيت وطمعوا في الخلافة ورغبوا عن الإمامة، فلو كانوا مقدّمين مَن قدّم اللّه ومؤخّرين

108

مَن أخّر اللّه، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وكان المسلمون يداً واحدة دون أية فرقة وشقاق.
هذا وقد تفاقم الأمر بعد رحيل الرسول في مسائل كثيرة، لعدول الأكثر عن الخط الذي رسمه لهم الرسول، وهو التمسّك بأئمّة أهل البيت بعد رحيله فيما يرجع إلى دينهم ودنياهم، ونودّ أن نشير إلى هذه الأُمور بإيجاز:
1. تولّى أبو بكر الخلافة قرابة ثلاث سنين وأوصى بها بعد وفاته إلى عمر بن الخطاب خلافاً للأصل الذي كانوا يتبنّونه في السقيفة من اختيار الخليفة عبر البيعة، فلمّا ولاّه الخلافة واجه رفض بعض الأصحاب واعتراضهم، وقالوا له: قد ولّيتَ علينا فظّاً غليظاً.
2. تسنّمَ عثمان عرش الخلافة بشورى سداسية، عيّن أعضاءَها عمرُ بن الخطاب، الذي تناسى الأصل في تعيين الخليفة من حديث البيعة ولما استتبّ لعثمان الأمر ارتكب أُموراً كثيرة نقموا بها عليه:
منها: ردّه الحكم بن أُميّة إلى المدينة بعد أن طرده رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)(وكان يسمّى طريد رسول اللّه) وبعد أن تشفّع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخاً.
ومنها :نفيه أبا ذر إلى الربذة.
ومنها: تزويجه مروان بن الحكم بنته وإعطاؤه خمس غنائم أفريقية وقد بلغ مائتي ألف دينار.
ومنها: إيواؤه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح (وكان رضيعه )بعد أن هدر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دمه وتوليته إياه مصر بأعمالها.
ولما عاد الحقّ إلى نصابه وأخذ الإمام علي عليه السَّلام زمام الخلافة نكثت طائفة كالزبير وطلحة، وقسطت طائفة أُخرى كمعاوية وأتباعه، ومرقت طائفة ثالثة وهم الخوارج، والحديث ذو شجون، والتاريخ متكفّل لبيانها.

109

المقام الثاني

بدايات المسائل الكلامية

إنّ ما ذكر كان إلماماً عابراً بالخلافات التي سبّبت شقاق المسلمين واختلافهم، وحان الكلام في المقام الثاني وهو المسائل الكلامية الّتي أوجدت الفرق الكلامية، وإليك جذور هذه المسائل.

1. الإمامة تنصيصية أو انتخابية؟

إنّ الاختلاف في الإمامة الذي نشب في السقيفة وحتى بعد زمن، كان اختلافاً سياسياً لا كلامياً، ولم يكن مبنيّاً على قاعدة دينية وجدال كلامي، يظهر ذلك من المحادثات التي جرت في السقيفة وبعدها، وكان الأنصار يرون أنفسهم أولى بإدارة الأُمور لأنّهم آووا النبي ونصروه، وكان المهاجرون يرون أنفسهم أولى بها لأنّهم أصل النبي وعشيرته، إلى أن غلب منطقُ المهاجرين منطقَ الأنصار، فخرج أبو بكر من السقيفة ظافراً بعدما بايعته قبيلة الأوس وخمسة أشخاص من المهاجرين.
وأمّا في أواسط القرن الأوّل ، فقد أصبحت مسألة الإمامة مسألة كلامية، وأنّ الإمامة منصب تنصيصي أو منصب انتخابي.

110

2. مسألة التحكيم

لما قَبِل عليّ عليه السَّلام التحكيم تحت ضغط طائفة من أصحابه (الذين أصبحوا فيما بعدُ من الخوارج)ندم الذين فرضوا التحكيم على عليّ، وقالوا: إنّ تحكيم الرجال على خلاف القرآن الكريم لقوله سبحانه: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّه...).(1)
والفارق بين خلاف الناكثين والقاسطين وبين خلاف المارقين هو أنّ خلاف الطائفتين الأُوليين لم يكن قائماً على أساس ديني أو قاعدة دينية، بخلاف الخوارج فإنّ اختلافهم كان مبدئياً حيث كانوا يردّدون كلمة «لا حكم إلاّ للّه» و كان علي عليه السَّلام وابن عباس يحتجّان عليهم بالقرآن والسنّة.

3. حكم مرتكب الكبيرة

لمّا ظهر التطرف في خلافة عثمان ودبّ الفساد في أجهزة الحكم وأنصارهم نجمت مسألة كلامية ، تدور حول حكم مرتكب الكبيرة، وقد استفحل أمرها فيما بعد أيّام محاربة الخوارج للأمويين الذين كانوا معروفين بالفسق والفجور، وسفك الدماء وغصب الأموال، فكان الخوارج يحاربونهم بحجّة أنّهم كفرة لا حرمة لدمائهم ولا لأعراضهم لاقترافهم الكبائر.
فاختلفوا إلى أقوال:
أ. مرتكب الكبيرة كافر.
ب. مرتكب الكبيرة فاسق منافق.
ج. مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق.

(1) يوسف:40.

111

د. مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل منزلة بين المنزلتين.
فالأوّل خيرة الخوارج، والثاني مختار الحسن البصري، والثالث مختار الإمامية وأهل الحديث وتبعهم الأشاعرة، والرابع نظرية المعتزلة.

4. تحديد مفهوم الإيمان

وقد انبثق من النزاع السابق نزاع آخر يتعلّق بتحديد مفهوم الإيمان، وهل أنّ العمل داخل في حقيقة الإيمان أو لا؟
فالخوارج والمعتزلة على الأوّل، فمن لا عمل له فلا إيمان له.
والشيعة ومن وافقهم على الثاني، وأنّ العمل وإن كان من أركان الإيمان إلاّ أنّ الإيمان يزيد وينقص، فالعمل شرط النجاة لا شرط تحقّق الإيمان .

5. الإرجاء والمرجئة

كان الخوارج يشنُّون الغارة على كلّ من ارتكب معصية كبيرة ـ ولو مرّة واحدة ـ ويرونه كافراً فاقداً للإيمان، فكان لتلك الفكرة ردُّ فعل سيّء وهو إيلاء الاهتمام بالإيمان القلبي وإقصاء العمل، فظهرت طائفة اشتهرت بالمرجئة وكانوا يهدفون إلى تقديم الإيمان وتأخير العمل، ويقولون «لا يضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة».
وهذه الفكرة مع سذاجتها يوم نشوئها تحوّلت إلى الإباحية، وفتحت أبواب المعاصي أمام المسلمين بلا اكتراث.

6. القضاء والقدر

قد ثبت في محلّه أنّ اليهود كانوا يولون اهتماماً واسعاً بالتقدير، وقد رسخت

112

الفكرة في الأوساط العربية في عصر الجاهليّة حتّى أن عمر بن الخطاب نسب انهزام المسلمين في يوم حنين إلى تقدير اللّه سبحانه.(1)مع أنّ القرآن يشهد على خذلان الصحابة للنبي، وتولّيهم في ميدان الحرب.(2)
قد كانت فكرة القدر راسخة في أذهان الصحابة، القدر الذي كان يُفسّر بسلب الاختيار عن الإنسان وتفويض مصير الإنسان إلى عالم التقدير فكأنّ الإنسان ريشة في مهبِّ الريح العاصف، روى عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم. قال: اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟! قال: نعم، يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(3)
لا شكّ أنّ القضاء والقدر من المعارف القرآنية التي لا يمكن لأحد إنكارها ولا تأويلها غير أنّ الكلام في موضعين:
1. هل القضاء والقدر يسلبان الاختيار عن الإنسان في الأعمال التي يُجازى بها الإنسان ويثاب عليها؟
2. هل يحقّ للحكّام تبرير أعمالهم الجنائية بالقضاء والقدر،مثلما كان الأمويون يفعلون ذلك؟
يقول أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّه يريد أفعال العباد كلّها.(4)

(1) الواقدي، المغازي:3/904.
(2) التوبة:25.
(3) السيوطي، تاريخ الخلفاء:95.
(4) الأوائل:2/135.

113

7. مسألة التشبيه والتنزيه

قد تقدّم أنّ التوراة ملئت بالمتشابهات مثل الصورة والمشابهة والتكليم جهراً، والنزول على طور سيناء انتقالاً، والاستواء على العرش استقراراً، وجواز الرؤية، وغير ذلك.
فصار التشبيه والتجسيم شعاراً لليهود أو لصنوف منهم، ويكفيك أنّ التوراة تصف اللّه بصورة إنسان وله صورة، وتقول: خلق اللّه آدم على صورته وتقول: فرغ اللّه في اليوم السادس من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع، وأنّه يمشي بين رياض الجنّة وله نداء، إلى غير ذلك ممّا ورد في العهد القديم من التشبيه والتجسيم والتمثيل. (1)
وقد دسّ الأحبار كثيراً من البدع بين الأحاديث لاعتماد الرواة على أُناس; نظراء: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وتميم الداري، وغيرهم; وأصبحت مسألة التشبيه والصفات الخبرية ذات أهمية بين المسلمين، وقد أخذت طريقها إلى الصحاح والمسانيد وكتب التفسير.

8. النسخ في الشريعة

قد سبق(2) أنّ اليهود تبنّت امتناع النسخ في الشريعة، فقالوا: لا يكون بعد شريعة موسى أيّة شريعة، لأنّ النسخ بداء، والبداء لا يجوز على اللّه، وبذلك صارت مسألة النسخ مسألة كلامية.

(1) التوراة، سفر التكوين: نشأة العالم والبشرية، ص 70، ط دار المشرق، بيروت.
(2) راجع ص 85.

114

9. عصمة الأنبياء

إنّ أبرز ما يفترق فيه القرآن عن العهدين هو مسألة صيانة رجال الوحي والهداية عن الذنب والعصيان، خلافاً للتوراة وبعض ما ورد في الإنجيل، فقد جاء فيهما أساطير خيالية تمس كرامة اللّه أوّلاً، ثمّ كرامة الأنبياء ثانياً، فالأنبياء يشربون الخمر ويمكرون ويقترفون الزنا!!

10. حدوث القرآن وقدمه

إنّ مسألة حدوث القرآن وقدمه أو خلق القرآن وعدم خلقه طرحت في أيام المأمون وشقّت عصا المسلمين ووحدتهم النسبية إلى طرفين، وكانت يد يوحنا الدمشقي تلعب بهذا الأمر من وراء الستار، وكان يحاول أن يثبت قدم عيسى ـ بما أنّه كلمة اللّه ـ بالقول بقدم القرآن.

11. التحسين والتقبيح العقليان

شغلت قاعدة التحسين والتقبيح العقليين بال الكثيرين من أقدم العصور إلى يومنا هذا، إذ قلّما يتّفق لباحث أن يخوض في الكلام والأخلاق دون أن يشير إليها.
وقد صارت القاعدة أساساً لعدّة مسائل كلامية، نأتي برؤوسها:
1. وجوب معرفة اللّه عقلاً.
2. وصفه بالعدل والحكمة.
3. لزوم اللطف على اللّه.
4. بعثة الأنبياء.

115

5. حسن التكليف.
6. لزوم تزويد الأنبياء بالبيّنات والمعاجز.
7. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة.
8. العلم بصدق دعوى الأنبياء.
9. الخاتمية واستمرار أحكام الإسلام.
10. اللّه عادل لا يجور.
11. ثبات الأخلاق والقيم.
هذه بدايات علم الكلام في القرنين الأوّلين، وتوالى البحث حول مسائل أُخرى إلى أن أصبح علماً متكامل الجوانب يواكب علم الفلسفة في بحوثه الثلاثة:
1. الأُمور العامة.
2. الطبيعيات والفلكيات.
3. الإلهيات بالمعنى الأخصّ.
لا شكّ أنّ أكثر ما احتفلت به الكتب الكلامية في حقل الطبيعيات والكلّيات وما يرجع إلى الجوهر والعرض كان اقتباساً ممّا نقله المترجمون عن الإغريقيين وغيرهم من الهنود والفرس، وأمّا ما يرجع إلى الإلهيات فللإسلاميين فيها دور فعال لا ينكر، خصوصاً الفلاسفة منهم، فقد أسسّوا قواعد، وكشفوا أُصولاً فلسفية لم يسبقهم إليها أحد.
هذا وقد نقل سيّد مشايخنا العلاّمة الطباطبائي في مقال له أُلقي في الذكرى المئوية لميلاد صدر المتألهين:« إنّ المسائل الفلسفية الموروثة عن اليونانيين وغيرهم لم تكن تتجاوز مائتي مسألة، وقد تكاملت بأيدي فلاسفة الإسلام ومتكلّميهم إلى

116

أن بلغت سبعمائة مسألة»، لكنّه (قدس سره) لم يشر إلى عناوين المسائل المنقولة، والمسائل المؤسَّسة، ويا ليته كان يشير إلى عناوين هذه المسائل ليريح الآخرين من القيام بالعبء الثقيل في طريق تمييز هذين النوعين من المسائل.
قال الدكتور شبلي شميل: إنّ الفلسفة الإلهية بلغت بين المسلمين شأواً ولكن البيئات النصرانية لم تستطع أن تحتفظ بها، وصارت الفلسفة بعد الانتشار بينهم محكومة بالفناء والاندثار، حتّى قام رجال الكنائس يكافحونها بكلّ قوة غير ما يرجع إلى لاهوتية المسيح. (1)
لو كانت تلك الفلسفة الإسلامية (المشيّدة القواعد والمحرّرة المسائل) منتشرة بين أبناء الغرب لما ظهر بينهم ما ظهر من المسالك المتناقضة والمذاهب المتبدّدة التي يقضي الوجدان السليم ببطلانها.
ولو كانت الفلسفة الإسلامية دارجة يرجع إليها المادي في شبهاته وشكوكه والإلهي في تقويم عقائده وتحكيم مبانيه، لما ظهر سلطان المادي في البيئات العلمية.
ولو كانت الفلسفة الإسلامية سائدة على المفكّرين من الغربيين لما تسنّى للسوفسطائي أن يبث تلك الدعاوي الفارغة والأساطير المكذوبة حينما قضى الدهر على أسلافهم بالفناء والهلاك، فجاء أخلافهم بعد لأي من الدهر يقتفون آثار آبائهم وأجدادهم البالية.

(1) النشوء والارتقاء، الجزء الثامن حول القرآن والعمران .

117

9

العوامل المؤثرة في نشوء

المدارس الكلاميّة

من أبرز العوامل التي أدّت إلى نشوء المدارس الكلامية، هو الاختلاف في الأُصول، الذي انتهى إلى تأسيس مسالك مختلفة مع اتفاق الكلّ على أنّ الغاية من تأسيس علم الكلام هي الذبّ عن الإسلام، أُصوله وفروعه.
وتتلخص الأُصول التي أوجد الاختلافُ فيها فجوة كبيرة بين الآراء والأفكار، في أُمور أهمّها:

1. الصفات الذاتية

لا شكّ أنّه سبحانه موصوف بالعلم والقدرة والحياة وغيرها من الصفات الجمالية، والسؤال: هل هذه الصفات هي غير الذات مفهوماً و عينها ذاتاً ومصداقاً، أو هي غير الذات مطلقاً، مفهوماً ومصداقاً؟ فالعدلية على الأوّل، والأشاعرة على الثاني.
ثمّ إنّ القائلين بالوحدة على طائفتين:

118

الأُولى: انّ الصفات الجمالية متحقّقة في الذات، لكن لا تغاير بين الموصوف والوصف وجوداً، وإن كان بينهما تغاير مفهوماً، فالذات كلّها علم، وكلّها قدرة، وكلّها حياة وهكذا، ولا مانع من أن يكون قسم من الصفات ـ كالعلم ـ أمراً قائماً بالغير كما في الممكنات، وقسم منه أمراً قائماً بالذات كما في الواجب عزّ اسمه، وهذا مذهب الإمامية.
الثانية: انّ الذات نائب مناب الصفات، فالذات ببساطتها، تقوم بكلّ ما تقوم به الأوصاف، فكما أنّ الذات الموصوفة بالعلم والقدرة، والحياة يصدر منها الفعل بالعلم والإتقان ، وهكذا ذاته سبحانه، النائبة مناب الصفات، يكون فاعلاً عالماً و متقناً لفعله، وهذا هو القول بالنيابة، وبه قال بعض المعتزلة.
يقول الحكيم السبزواري:
والأشعري بازدياد قائله *** وقـال بـالنيابـة المعتزلـه(1)

2. الصفات الخبرية

والمراد، ما وصف به سبحانه نفسه في القرآن والحديث فأثبتا له اليد و الاستواء والعين وغيرها، فقد أوجد تفسير هذه الصفات اختلافاً عظيماً بين المتكلّمين; فالأشاعرة على حملها بمعانيها اللغوية على اللّه سبحانه غاية الأمر «يقولون الكيف مجهول» وقد عُرِفُوا بالمثبِتة، أي مثبتة الصفات; والمعتزلة على تأويل اليد بالقدرة، والاستواء على الاستيلاء وقد عرفوا بنفاة الصفات أوبالمؤوّلة.
وأمّا الإمامية فقد ذهبوا إلى أنّ المتبع هو الظهور التصديقي، لا التصوّري،

(1) شرح المنظومة للسبزواري:156.

119

وإن شئت قلت: المتبع هو الظهور الجُمْلي لا الإفراديّ، واليد والاستواء والعين وإن دلّت بظهورها التصوريّ أو الإفرادي على التشبيه والتجسيم لكنّه ليس بمتَّبع، بل المتَّبع هو الظهور التصديقي، وهو المعاني التي كنّي عنها بهذه الألفاظ، وكلام العرب مشحون بالكنايات، والتفصيل في محله.

3. الصفات الفعلية

ما يصدر عنه سبحانه من الخلق والرزق، والرحمة والعذاب صفات فعلية، فوقع الكلام فيما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز، فالمعتزلة والإمامية على تحديد فعله سبحانه من خلال الإمعان في بعض صفاته ككونه حكيماً عادلاً، بالعدل والحكمة، فقالوا: يمتنع عليه سبحانه، التكليف بما لا يطاق، أو تعذيب المطيع، بخلاف الأشاعرة حيث إنّه سبحانه عندهم فوق أن يقع في إطار التحديد، حتّى يوصفَ بعضُ أفعاله بالوجوب والآخرُ بالامتناع، فيجوّزون التكليف بالمحال، وتعذيب المطيع.

4. العدل

اتّفق المتكلّمون على وصفه سبحانه بالعدل، إنّما اختلفوا في تفسيره، فالأشاعرة على أنّ الدليل على وصفه سبحانه به، هو السمع، وعلى ذلك فكلّ ما صدر منه سبحانه فهو عدل، سواء أكان عدلاً، عند العقل أم لا، خلافاً للإمامية والمعتزلة فانّ الدليل على وصفه بالعدل هو العقل، ولو دلّ السمع على أنّه عادل فهو مؤيّد له، و العقل بنفسه يميّز مصداق العدل عن خلافه; وعلى ضوء ذلك، يستحيل صدور ما يعد ظلماً في منطق الفعل، فتكليف العاجز وتعذيب الطفل الصغير، خلاف العدل، ونفس الظلم عند العدلية.

120

إنّ الاختلاف في تفسير العدل ينشأ من الاختلاف في المسألة التالية، وكأنّها هي المصدر الوحيد، لنشوء أكثر المدارس الكلامية.

5. التحسين والتقبيح العقليان

إنّ القائلين بذاتيّة التحسين والتقبيح، يفسرونها بالقول: إنّ الفعل الصادر من الفاعل المختار، سواء أكان واجباً أم ممكناً، إذا نظر إليه العقل وتجرّد عن كلّ شيء يستقل إمّا بحسنه وانّه يجب أن يفعل، أو بقبحه وانّه يجب أن يترك، بغضّ النظر عمّا يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، أو بغضّ النظر عن موافقته لغرض الفاعل أو مخالفته، فانّ كلّ هذه الضمائم ممّا لا حاجة إليها في قضاء العقل بالحسن والقبح، فكأنّ نفس الفعل علّة تامة ـ عند اللحاظ ـ لحكم العقل بالحسن أو القبح.
فإذا كان الشيء بذاته حسناً فهو حسن عند الكلّ يجب أن يفعل، وإذا كان الشيء قبيحاً فهو قبيح عند الكلّ يجب أن يترك، وبهذا يتميز ما يجب للّه تعالى، عمّا لا يجوز عليه ويترتّب على ذلك:
1. قبح التكليف بغير المقدور، وبالتالي امتناعه.
2. قبح تعذيب البريء وبالتالي امتناعه.
3. قبح تزويد المتنبّئ الكاذب بالمعجزة وبالتالي امتناعه.
4. قبح تضليل العباد وبالتالي امتناعه.
5. حسن العمل بالوعد، وبالتالي لزومه ووجوبه.
6. حسن العصمة في الأنبياء، وبالتالي لزومه ووجوبه.
7. حسن انتخاب الأصلح، وبالتالي لزومه ووجوبه.

121

إلى غير ذلك من الآثار المترتبة على التحسين والتقبيح العقليّين، على خلاف القول بعجز العقل عن إدراك ما هو الحسن والقبيح، فالقائل به لا يعترف بواحد من هذه الآثار وبذلك تتسع الفجوة بين القائلين، وتحدث مسالك ومدارس كلامية.

6. القضاء والقدر

إنّ القضاء والقدر من المعارف العليا وقد تضافرت الآيات والروايات على وقوع كلّ ما في الكون في إطار التقدير والقضاء واعترف به العدلية من المتكلّمين غير أنّ الكلام في تفسيرهما، فالأشاعرة يعطون للقدر سيادة على نحو يسلب الاختيار عن الإنسان، ويجعله كالريشة في مهب الريح اغتراراً ببعض الروايات المستوردة، فالقدر عندهم إله ثان والذي له السيطرة على الكون والإنسان، وليس للإنسان محيص إلاّ عن سلوك ما قُدّر، وتطبيق العمل على ما قُضي سواء أكان حُلواً أم مُرّاً; غير أنّ العدلية، مع الاعتراف بعمومية القدر والقضاء لأفعال الإنسان، يفسرونهما على نحو لا يسلب المسؤولية عن الإنسان، وذلك ببيان أنّ المقدر ليس صدور الفعل من الإنسان بأي نحو شاء، بل المقدّر، صدوره منه عن إرادة واختيار، عن رؤية وتفكير.
هذه هي الأُصول المكونة للمدارس الكلامية المختلفة عبر العصور، وقد اقتصرنا على الرئيسية منها:
وهناك عوامل أُخرى غير رئيسية، انتهت إلى ظهور آراء في المسائل العقائدية، يرجع لبُّها إمّا إلى إعوجاج في الفكر وتفسير الآيات والروايات على غير وجهها; أو تبنّي المدّعى أوّلاً، ثمّ طلب الدليل ثانياً.

122

فنحن نشير إلى أُمّهات المدارس الكلامية حسب تاريخ تكوينها، ونترك الفروع المشتقة من كلّ مدرسة، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «بحوث في الملل والنحل».

123

10

المدارس الكلاميّة

المهمّة

نخصّ هذا الفصل بدراسة المدارس الكلامية بمناهجها المختلفة وهي كثيرة، ولكلّ منهج، أُصول وكتب، وبُناة ودعاة، ولا يمكننا بسط الكلام فيها، فانّه يحوجنا إلى تأليف كتاب خاص في ذلك، وقد قمنا به في موسوعتنا المنتشرة باسم «بحوث في الملل والنحل».
وإنّما الغاية في المقام، الإلماع إلى مؤسسي المدارس وأُصولها وأعلامها على وجه موجز.

1

المحكِّمة

و يعبّر عنهم بالخوارج، وقد انقرضوا ولم يبق منهم إلاّ فرقة معتدلة وهي الإباضية.

124

إنّ حركة الخوارج ـ يوم ظهرت ـ كانت حركة سياسية ولم يكن لها جذور كلامية خلافاً لسائر الفرق. والأُصول التي كانوا يتبنونها، لا تعدو ثلاثة:
1. تكفير مرتكب الكبيرة.
2. إنكار مبدأ التحكيم.
3. تكفير عثمان وعلي ومعاوية وطلحة والزبير، ومن سار على دربهم ورضي بأعمال عثمان وتحكيم الإمام علي عليه السَّلام .
نعم انّ المحكِّمة عبر الاحتكاك بسائر الفرق تبنّت أُصولاً أُخرى، وبذلك تأسّست مدرسة كلامية في إطار خاص وهو:
1. عدم اشتراط القرشية في الإمام.
2. صفاته سبحانه عين ذاته.
3. امتناع رؤيته سبحانه في الآخرة.
4. القرآن حادث غير قديم.
وفي هذه الأُصول الثلاثة الأخيرة يتفقون مع العدلية بكلتا الفرقتين: الإمامية والمعتزلة.
5. الشفاعة، وتعني: دخول الجنة بسرعة لا مغفرة الذنوب، وفي هذا الأصل يتفقون مع خصوص المعتزلة من العدلية.
6. التولّي والتبرّي.

125

2

المرجئة

وهي مأخوذة من الإرجاء بمعنى التأخير، وهم يولون أهمية للإيمان القلبي ولا يهتمون بالعمل، وقد اشتهروا بتقديم الإيمان وتأخير العمل، فأخذوا من الإيمان جانب مجرد الإقرار بالقول الكاشف عن الإذعان قلباً وإن لم يكن مصاحباً مع العمل، فاشتهروا بالمرجئة، أي المؤخرة، وشعارهم: «لا تضرّ مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة...» وهؤلاء والخوارج في مسألة العمل، على جانبي نقيض، فالمرجئة لا يشترطون العمل في حقيقة الإيمان، والخوارج يضيّقون فيرون مرتكب الكبيرة كافراً مخلّداً في النار.
ويقال: إنّ أوّل من وضع الإرجاء الحسن بن محمد بن الحنفية (المتوفّى 99هـ) ولكن الإرجاء الذي قال به، ليس هو الإرجاء المصطلح.(1)

3

المعتزلة

المعتزلة بين المدارس الكلامية المختلفة مدرسة فكرية عقلية أعطت للعقل القسط الأوفر.

(1) لاحظ تفصيل ذلك في موسوعتنا: بحوث في الملل والنحل:ج3، فصل المرجئة.

126

ومؤسس المذهب هو واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري، نقل الشهرستاني أنّه دخل شخص على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم يُخرج بها عن الملّة، وهم وعيديّة الخوارج، وجماعة يُرجئون أصحاب الكبائر ويقولون لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأُمّة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟
فتفكّر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثمّ قام واعتزل إلى اسطوانة المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه: معتزلة.(1)
والأُصول المهمّة التي تعدّ عماداً للاعتزال لا تتجاوز الخمسة وهي:

الأُصول الخمسة عند المعتزلة

1. التوحيد.
2. العدل.
3. الوعد والوعيد ، أي يجب العمل بالوعيد كوجوبه بالوعد.
4. المنزلة بين المنزلتين، فمرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر بل بين المنزلتين.
5. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،أي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقلاً .

(1) الملل والنحل:1/62.

127

وللمعتزلة أئمّة نضج المذهب بأفكارهم وآرائهم ووصل إلى القمة في الكمال وفي مقابل هؤلاء مشايخهم الكبار الذين لهم دور في تبيين المذهب دون أن يتركوا أثراً بارزاً يستحقّ الذكر، وإليك نزراً من أئمّتهم.

أئمّتهم

1. واصل بن عطاء (80ـ 131هـ).
2.عمرو بن عبيد(80ـ 143هـ)
3. أبو الهذيل العلاّف(135ـ 235هـ).
وهذا الأخير من أعيان المعتزلة، و يصفه ابن خلكان بقوله: «كان حسن الجدال، قويّ الحجة، كثير الاستعمال للأدلّة والإلزامات».
ويظهر من مناظرته مع صالح بن عبد القدّوس أنّ حركة الشكّ كانت استفحلت في عصره حتّى ألف صالح بن عبد القدوس كتاباً حول الشكوك، يقول ابن خلكان:«لقي أبو الهذيل صالحَ بن عبد القدوس وقد مات له ولد وهو شديد الجزع عليه. فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لجزعك عليه وجهاً، إذا كان الإنسان عندك كالزرع، قال صالح: يا أبا الهذيل: إنّما أجزع عليه، لأنّه لم يقرأ كتاب الشكوك فقال له: كتاب الشكوك ما هو يا صالح؟ قال: هو كتاب قد وضعته من قرأه يشك فيما كان، حتّى يتوهم أنّه لم يكن، ويشك فيما لم يكن، حتّى يتوهم أنّه قد كان، فقال له أبو الهذيل: فشكّ أنت في موت ابنك واعمل على أنّه لم يمت وإن كان قد مات، وشكّ أيضاً في قراءة كتا ب الشكوك وإن كان لم يقرأه.(1)

(1) وفيات الأعيان:4/266، منشورات الشريف الرضي، قم.

128

4. النظّام(160ـ 231هـ).
5. أبو علي الجبائي(235ـ 303هـ)
6. أبو هاشم الجبائي (278ـ 321هـ).
7. قاضي القضاة عبد الجبار(324ـ 415هـ)
إلى غير ذلك من الأئمّة .
لقد ابتسم الدهر للمعتزلة في عصر أبي جعفر المنصور وامتد نشاطهم ـ إلاّ في عصر هارون ـ إلى خلافة الواثق(227ـ 232هـ) ، ولمّا قضى الواثق نحبه وأخذ المتوكل زمام أمر الخلافة أفل نجمهم شيئاً فشيئاً إلى أن انقرضوا، وقد قتل كثير منهم بسيف محمود بن سبكتكين في أرض خراسان، ولم نعثر بعد الزمخشري (المتوفّى 538هـ)وابن أبي الحديد( المتوفّى 656هـ) على علم من أعلام المعتزلة سوى بعض الزيدية التابعين للمعتزلة في الأُصول.

4

الجهميّة

الجهمية منسوبة إلى جهم بن صفوان السمرقندي الذي قتل في آخر دولة بني أُميّة عام 128هـ، وقاعدة مذهبه أمران:
الأوّل: الجبر ونفي الاستطاعة، فصار الجهم رأس الجبر وأساسه، ويطلق على أتباعه الجبرية الخالصة في مقابل غير الخالصة منها.
الثاني: تعطيل ذاته عن الوصف بصفات الجمال والكمال، ولأجل ذلك

129

سمّيت المعطلة أيضاً.
وقد نسب إليه أيضاً الأُمور التالية:
1. كون القرآن الكريم مخلوقاً حادثاً.
2. نفي رؤيته في الدنيا والآخرة.
3. جواز الخروج على السلطان الجائر.
ولعلّه لهذا الأصل الثالث قتل بسيف بني أُميّة.
ثمّ إنّ كلّ من قال بنفي الصفات، أو بخلق القرآن، يرمى بالجهميّة وإن لم يكن منهم، والجهمية في كلمات الإمام أحمد هم المعتزلة.(1)

5

المجسِّمة

إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد، ألحق أضراراً جسيمة بالمجتمع الإسلامي فظهرت حركات هدّامة ترمي إلى تقويض الأُسس الدينية والأخلاقية، ومن هنا نجمت المجسِّمة التي رفع لواءها مقاتل بن سليمان المجسِّم (المتوفّى عام 150هـ) فهو وجهم بن صفوان مع تشاطرهما في دفع الأُمّة الإسلامية إلى حافّة الجاهلية، لكنّهما في مسألة التنزيه والتشبيه على طرفي نقيض.
أمّا جهم بن صفوان فقد أفرط في التنزيه حتّى عطَّل وصفه سبحانه بالصفات، وأمّا مقاتل فقد أفرط في التشبيه فصار مجسِّماً.(2)

(1) السنة:490.
(2) ميزان الاعتدال:4/173; تاريخ بغداد:13/166.

130

6

الكرّاميّة

إنّ الكرّامية، مثل المجسِّمة وهي أيضاً وليدة إقصاء العقل والمنطق عن ساحة العقائد والانكباب على الروايات المدسوسة المليئة بالأباطيل والترّهات التي وضعتها الأهواء، والكرّامية صنيعة محمد بن كرّام السجستاني (المتوفّى عام 255هـ)، الذي يعرفه ابن حبان بقوله: «التقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها، وجعل الإيمان قولاً بل معرفة، ومن آرائه أنّه سبحانه جسم لا كالأجسام، ومن آرائه: أنّ النبي أخطأ في تبليغ قوله: (ومناة الثالثة الأُخرى) حتّى قال بعده: «تلك الغرانيق العلى ، وانّ شفاعتها لترتجى».
والحاصل: انّ الحركة الكرّامية من أسوأ الحركات الرجعية التي ظهرت في القرن الثالث.(1)

7

الأشعرية

الأشعرية مدرسة كلامية أسّسها أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق، من أحفاد أبي موسى الأشعري الصحابي المعروف، ولد عام 260هـ، وتوفّي سنة 324هـ وعلى قول 330هـ، وكان معتزلياً وتخرّج على يد أُستاذه أبي علي الجبائي

(1) ميزان الاعتدال:4/21; الفرق بين الفرق:222.

131

(235ـ 303هـ)ثمّ أعلن براءته من هذا المذهب ـ بعد وفاة أُستاذه بسنتين ـ والتحق بمذهب الإمام أحمد، ونادى من على المنبر بأعلى صوته وقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت قلت بخلق القرآن وإنّ اللّه لا يُرى بالأبصار، وإنّ أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة.(1)
وهو وإن التحق بأهل الحديث لكنّه قد امتاز عنهم باستحسان الخوض في المسائل الكلامية والبرهنة على العقيدة بالدليل العقلي، ولذلك رفضه بعض أتباع الإمام أحمد كالبربهاريّ. (2)
إنّ مذهبه وإن لم يتمتع بالانتشار في حياته، لكن تلاميذه وتلاميذ تلاميذه قد نضّجوا الأُصول الموروثة عنه، و نشروه إلى حد، صار المذهب الأشعري، هو المذهب الرسمي لأهل السنّة.
يقول المقريزي بعد ذكر الأُصول الكلامية للمذهب الأشعري:«فهذه جملة من أُصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أُريق دمه.(3)
وإليك أُصول مذهبه المهمة:
1. اللّه سبحانه ليس بجسم. 2. صفاته قديمة لا حادثة. 3. صفاته زائدة على ذاته. 4. الصفات الخبرية تحمل عليه سبحانه بلا كيف، مثلاً: له سبحانه يد، ووجه، بلا كيف. 5. اللّه هو الخالق لأفعال العباد والعبد هو الكاسب. 6.

(1) فهرست النديم:271; وفيات الأعيان:3/285.
(2) تبيين كذب المفتري قسم التعليقة: 391.
(3) الخطط:2/360.

132

الاستطاعة مع الفعل لا قبله. 7. رؤية اللّه سبحانه في الآخرة. 8. كلام اللّه سبحانه، هو الكلام النفسي. 9. كلامه قديم وليس بحادث. 10. الحسن والقبح شرعيان لا عقليان. لاحظ للوقوف على مصادر آرائه كتابي الإبانة واللمع، وهما من تأليفه .
وربما يتصور: انّ الشيخ الأشعري أعلن الالتحاق بمذهب الإمام أحمد، ليُجري الإصلاح في مذهب أهل الحديث، الذين غلب عليهم يومذاك القول بالتجسيم والجهة والجبر، فحاول أن يصلح ما فسد. ولكن هذا التصوّر غير دقيق. وإذا افترضنا انّ الشيخ كان يروم الإصلاح، فإنّ التوفيق لم يحالفه في ذلك للأسباب التالية:
1. إبقاء الأُصول الفاسدة في مسلك أهل الحديث، نظير: أفعال الإنسان مخلوقة للّه سبحانه مباشرة، فلا شكّ انّ القول بهذا الأصل ينتهي إلى الجبر، لأنّ معناه انّ المؤثر في فعل العبد هو قدرته سبحانه مباشرة ولا دور لإرادة العبد وقدرته المفاضة منه سبحانه إليه، وربما يعبر عنه بالجبر غير الخالص.
2. تجويز رؤية اللّه يوم القيامة، وهو يلازم القول بالتجسيم وكونه سبحانه ذا جهة.
3. قوله : إنّ القرآن قديم غير حادث، أو غير مخلوق للّه سبحانه وذلك يؤدي في النهاية إلى فرض قديم ثان، وتصور ندّ له إلى غير ذلك من الأُصول التي تركها الأشعري بحالها ولم يحدث فيها أي تغيير.

نفي السببية عن الأسباب

إنّ من أبرز سمات منهج الأشاعرة هو نفي السببيّة والعليّة حتّى بالمعنى

133

الظلّي عن غيره سبحانه، وأنّه ليس في صحيفة الكون إلاّ علّة واحدة وسبب فارد، هو المؤثر في الكون وبذلك شطبوا على تأثير العلل الطبيعية بعضها في بعض، ونفوا السببية في الكونيات وزعموا أنّ القول بذلك ينافي التوحيد في الخالقية والربوبية وبذلك نازعوا وجدانهم كما نازعوا الوحي المبين حيث إنّه يثبت الأثر الطبيعي لكلّ سبب، وفي الوقت نفسه يربطهما باللّه سبحانه، قال: (الَّذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْض فِراشاً وَالسَّماء بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرات رِزْقاً لَكُم فَلا تَجَْعَلُوا للّه أَنداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون).(1)
تجد أنّ الوحي اعترف بسببية الماء لخروج الثمرات الطيّبة وليست هذه الآية وحيدة في هذا الباب، بل في القرآن الكريم نماذج من هذا النوع، قال سبحانه: (وَفِي الأَرْضِ قطَعٌ مُتَجاوراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْناب وَزَرعٌ وَنَخيلٌ صنْوانٌ وَغَيرُ صِنوان يُسْقى بِماء واحد وَنُفضّلُ بعضَها عَلى بَعْض في الأُكُلِ إِنَّ في ذلِك لآيات لِقَوم يَعْقِلُون).(2)
فتستدلّ الآية على أنّ تدبيره سبحانه فوق تدبير الفواعل الطبيعية، وذلك بشهادة أنّ الجنّات تثمر أثماراً مختلفة مع وحدة الشرائط والظروف المحيطة بها من وحدة الماء والأرض، وهذا يدلّ على أنّ وراء الأُمور الطبيعية والأسباب الماديّة مدبّراً فوقها، وعلى الرغم من هذا الاعتراف إلاّ أنّه لا ينفي تأثير العوامل الطبيعية ولكن يراها غير كافية في خلق هذا التنوّع.
وبذلك يظهر أنّ ما ذكره ابن خلدون حول تأثير الأسباب ولزوم الغضّ عنها دون شأنه جدّاً وكان المترقب منه غير ذلك، لكن سيطرة مذهب الأشعري

(1) البقرة:22.
(2) الرعد:4.

134

على العقول، أثّرت على تفكيره فعاد يفكر كأنّه أشعري مطلق، بل حنبلي محض. يقول: تأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب والوقوف معها فإنّه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو منه بطائل ولا يظفر بحقيقته ـ إلى أن قال: ـ فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبّباتها مجهول، لأنّها إنّما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة، فلذلك أُمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة والتوجّه إلى مسبّب الأسباب كلّها وفاعلها وموجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس.
فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقّت عليه كلمة الكفر، وإن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحداً بعد واحد فأنا الضامن له أن لا يعود إلاّ بالخيبة، فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب وأمرنا بالتوحيد المطلق.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: ما هو الدليل أنّ الشارع نهانا عن النظر في الأسباب، فإن أراد النظر فيها بمعنى التوقّف عند تلك الأسباب ، وإضفاء الأصالة عليها وانقطاعها عن مسبِّب الأسباب، فذلك كما ذكره كفر محض، ولكن المؤمن الموحّد لا ينظر إلى الأسباب بذلك المنظار.
وإن أراد النظر فيها بما فيها من نظام بديع حاك عن كونه مخلوقاً لموجود عالم قادر حكيم فالنظر فيها بهذا المنظار هو نفس التوحيد، فكيف نهانا الشارع عن النظر في الأسباب؟ هذا هو القرآن الكريم يشرح لنا نظام الكون بأدق الوجوه ويجعلها آية لتوحيد خالق العالم ومدبّره.

(1) مقدّمة ابن خلدون، الفصل العاشر في علم الكلام: 424.

135

يقول سبحانه: (إِنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرض وَاختلاف اللَّيل وَالنّهار وَالفُلْكِ الّتي تَجري في البَحْر بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماء فَأَحيا بِهِ الأَرضَ بَعْدَ مَوتها وَبثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابّة وتصريفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ لآيات لِقَوم يَعْقِلُون).(1)
إنّ قول اللّه ـ هذا ـ مضافاً إلى كونه مشيراً إلى برهان النظم يمكن أن يكون تلويحاً إلى عوامل استقرار الحياة على الأرض، ومذكراً للعقول بأنّه لا يمكن أن تجتمع كلّ العوامل ـ مع ما فيها من المحاسبات الدقيقة ـ عن طريق الصدفة العمياء دون أن يتدخل في ذلك تدبير «مدبر عاقل حكيم» ودون أن يكون قد جمعها على هذا النسق المناسب لظاهرة الحياة ـ «إله خالق عارف بالأُمور، محيط بالمحاسبات والسنن».
كما يمكن أن يكون بعض الآيات الأُخر مشيراً إلى هذا البرهان(برهان النظم) مثل قوله تعالى: (اللّهُ الَّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَل مُسمّىً يُدبِّرُ الأمْرَ يُفصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون).(2)
وثانياً: أنّ قوله: «إنّما يوقف عليها العلّية بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر» يرمي إلى نفي العلّية والمعلولية ولو بنحو الظلّية بين الأسباب والمسببات، وأنّ المشهود هو ظهور الحرارة مقترنة بوجود النار والبرودة مقترنة بوجود الماء دون أن يكون بين الأثر و ما هو المؤثر في الظاهر صلة وعلاقة. وهذا هو الذي يدّعيه الإمام الأشعري من نفي العلّية، وإنّ ما نسمّيه علّية هو جريان

(1) البقرة:164.
(2) الرعد:2.

136

عادة اللّه على وجود الآثار بعد الأسباب من دون أن يكون للسبب أيّ تأثير.
أقول: إذا كان الداعي لنفي السببيّة بين الظواهر الكونية هو تقوية روح التوحيد في الخالقية والربوبيّة وانّ المؤثّر الحقيقي هو اللّه سبحانه فهو أمر جميل; وإذا كان الداعي هو نفي السببية والعلّيّة بين الأسباب والمسببات الطبيعية، فهو على خلاف الكتاب أوّلاً، والوجدان ثانياً، وتشويه لسمعة الإسلام ثالثاً.

أعيان الأشاعرة

ثمّ إنّ هناك رجالاً ارتبطت أسماؤهم ببلورة المذهب الأشعري، ولولاهم لما قام لهذا المذهب عمود ولا اخضرّ له عود، وإليك أسماء أعلامهم عبر التاريخ:
1. أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403هـ).
2. أبو منصور عبد القاهر البغدادي(المتوفّى 429هـ).
3. إمام الحرمين أبو المعالي الجويني(419ـ 478هـ).
4. حجة الإسلام الإمام الغزالي(450ـ 505هـ).
5. أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (479ـ 548هـ).
6. أبو عبد اللّه محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، فخر الدين الرازي(544ـ 606هـ).
7. أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي(551ـ 631هـ).
8. عبد الرحمن بن أحمد، عضد الدين الإيجي(708ـ 756هـ).

137

9. مسعود بن عمر بن عبد اللّه المعروف بسعد الدين التفتازاني (712ـ 791هـ).
10. السيد علي بن محمد بن علي الحسيني المعروف بالسيد الشريف (المتوفّى 816هـ).
11. علاء الدين علي بن محمد السمرقندي القوشجي(المتوفّى 879هـ).
هذا بعض الكلام في المذهب الأشعري، والذي صار مذهباً رسمياً لأكثر أهل السنّة.

8

الماتريدية

في الوقت الذي ظهر فيه مذهب الإمام الأشعري بطابع الفرعية لمذهب أهل الحديث، ظهر مذهب آخر، بهذا اللون والشكل لغاية نصرة السنّة وأهلها وبالتالي: إقصاء المعتزلة عن الساحة، وهو مذهب الإمام محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي(المتوفّى سنة 333هـ) أي بعد ثلاثة أو تسعة أعوام من وفاة الإمام الأشعري.
والداعيان كانا في عصر واحد ولم تكن بينهما أيّة صلة، فالأشعري كان يكافح الاعتزال ويُناصر السنّة في البصرة متقلّداً مذهبَ الشافعي في الفقه، والماتريدي يكافح الاعتزال في الشرق الإسلامي متقلِّداً رأي الإمام أبي حنيفة في الفقه; فكانت البصرة محط الأهواء ومعقلها، كما كانت أرض خراسان مأوى أهل الحديث ومهبطهم.

138

ولم يكن الماتريدي نسيجَ وحده في هذا الأمر، بل معاصره أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية(المتوفّى سنة 321هـ) كان أيضاً يناصر السنّة متقلّداً مذهب أبي حنيفة في الفقه، وقد صدّر رسالته المعروفة بالعقيدة الطحاوية بقوله:
بيان عقيدة فقهاء الملة: أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن .(1)
اتّفق المترجمون للماتريدي على أنّه توفّـي عام 333هـ و لم يعيّنوا ميلاده، لكن القرائن تشهد على أنّه من مواليد عام 248هـ. وقد أخذ العلم عن عدّة من المشايخ، وهم:
1. أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني.
2. أبو نصر أحمد بن العياضي.
3. نصير بن يحيى، تلميذ حفص بن سالم (أبي مقاتل).
4. محمّد بن مقاتل الرازي.
وتخرّج عليه عدّة من العلماء، منهم:
1. أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل الشهير بالحكيم السمرقندي (المتوفّى 340هـ).
2. أبو الليث البخاري.
3. أبو محمد عبد الكريم بن موسى البزدوي، جدّ محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي مؤلّف «أُصول الدين».
إنّ منهج الماتريدي يتمتع بسمات ثلاث:

(1) شرح العقيدة الطحاوية:25.

139

أوّلاً: أعطى للعقل سلطاناً أكبر ومجالاً أوسع، وذلك هو الحجر الأساس للسمتين الأخيرتين.
ثانياً: منهجه أبعد عن التجسيم والتشبيه من منهج الأشاعرة.
ثالثاً: منهجه أقرب إلى الاعتزال من منهج الإمام الأشاعرة.
وإليك بعض الفوارق بين المنهجين:
1. معرفته سبحانه واجبة عقلاً عند الماتريدية وسمعاً عند الأشاعرة.
2. التحسين والتقبيح عقليان عند الماتريدية وسمعيّان عند الأشاعرة.
3. لا يجوز التكليف بمالا يطاق عند الماتريدية خلافاً للأشاعرة.
4. أفعال اللّه تعالى معلّلة بالأغراض عند الماتريدية دون الأشاعرة.
5. الصفات الخبرية كالاستواء واليد والعين تثبت على اللّه سبحانه بنفس معانيها اللغوية لكن بلا كيفية عند الأشاعرة، وأما الماتريدية فهي بين مفوّضة معانيها إلى اللّه سبحانه، أو مفسّرة لها بنفس ما تفسّره العدليّة.
6. صفاته عين ذاته سبحانه عند الماتريدية، زائدة عند الأشاعرة.
المذهب الماتريدي مذهب الأحناف خصوصاً في تركيا وآسيا الوسطى و شبه القارّة الهنديّة، ومذهب الأشاعرة مذهب الشوافع غالباً.

أعيان الماتريديّة

1. القاضي الإمام أبو اليسر محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي(421ـ 493هـ) ، له كتاب «أُصول الدين».
2. أبو المعين النسفي (المتوفّى 502هـ)، وهو من أعاظم أنصار هذا المذهب، له كتاب «تبصرة الأدلّة» الذي مازال مخطوطاً حتّى الآن، ويعدّ الينبوع

140

الثاني بعد كتاب «التوحيد» للماتريديّة.
3. الشيخ نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفي (المتوفّى 537هـ) مؤلّف «العقائد النسفية»، ومازال هذا الكتاب محور الدراسة في الأزهر إلى يومنا هذا.
4. الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفّى 791هـ)أحد المتضلّعين في العلوم العربية والمنطق والكلام، وهو شارح «العقائد النسفية».
5. الشيخ كمال الدين محمد بن همام الدين الشهير بابن الهمام(المتوفّى 861هـ) صاحب كتاب «المسايرة» في علم الكلام ،نشره وشرحه محمد محيي الدين عبد الحميد وطبع بالقاهرة.
6. العلاّمة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي مؤلف كتاب «إشارات المرام من عبارات الإمام» أحد علماء القرن الحادي عشر الهجري، ويعدّ كتابه هذا أحد مصادر الماتريدية.
7. الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري المصري (المتوفّى 1372هـ) وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية، أحد المتضلّعين في الحديث والتاريخ والملل والنحل.

9

الزيديّة

الزيديّة مذهب منتسب إلى الإمام زيد الشهيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن مولى الموحدين علي بن أبي طالب، ولد عام 75هـ، واستشهد سنة

141

121هـ، وقد أدرك زيد ثلاثة أئمّة من أهل البيت(عليهم السلام)، وهم:
1. والده الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام)(38ـ 94هـ).
2. أخوه الأكبر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين(عليهم السلام)(57ـ 114هـ).
3. ابن أخيه الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليهما السلام) (83ـ 148هـ).
أخذ عن أبيه، ثم عن أخيه محمد الباقرعليه السَّلام كما كانت أواصر الحبّ والودّ تجمعه بالإمام الصادق، فلمّـا بلغ نعيه إلى المدينة أخذ الناس يفدون إلى الإمام الصادق يعزّونه.(1)
وقد ترك آثاراً علمية ، منها:
1. المجموع الفقهي.
2. المجموع الحديثي.
3. تفسير غريب الحديث.
4. الصفوة، وهي دراسة قرآنية تتبنّى بيان فضائل أهل البيت(عليهم السلام)وتقديمهم على سائر الناس في مختلف المجالات.
إلى غير ذلك من المسائل.
زعمت الزيدية انّه ادّعى الإمامة لنفسه ، ولكن كلمات زيد تخلو من أيّة إشارة إلى ذلك، بل كلّها تعرب عن أنّه دعا للرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
لم يكن زيد الشهيد صاحب منهج كلامي أو فقهي مستقلّ، وإذا كان يقول بالعدل والتوحيد ويكافح الجبر والتشبيـه فلأجـل أنّه ورثهما عن آبـائـه، وإذا كان يفتي في مورد ما، فإنّما كان يصدر في ذلك عن الحديث الذي يرويه

(1) الأغاني:7/251.

142

عن آبائه.
نعم جاء بعد زيد مفكّرون وعاة، وهم بين دعاة للمذهب، أو بُناة للدولة في اليمن وطبرستان، فساهموا في إرساء مذهب باسم المذهب الزيدي، منفتحين في الأُصول والعقائد على المعتزلة، وفي الفقه وكيفية الاستنباط على الحنفية، ولكن الصلة بين ما كان عليه زيد الشهيد في الأُصول والفروع وما أرساه هؤلاء في مجالي العقيدة والشريعة منقطعة إلاّ في القليل منها.
وعلى أية حال، التقت الزيدية مع شيعة أهل البيت في العدل والتوحيد، كما التقوا مع المعتزلة في الأُصول الثلاثة التالية:
1. الوعد والوعيد.
2. المنزلة بين المنزلتين.
3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولأجل إيقاف القارئ على الخطوط العريضة لعقائدهم التي يلتقون في بعضها مع المعتزلة وفي بعضها الآخر مع الإمامية نأتي بها:
1. صفاته تعالى عين ذاته، وفاقاً للإمامية.
2. إنّ اللّه سبحانه لا يُرى ولا يجوز عليه الرؤية خلافاً للأشاعرة.
3. العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها.
4. اللّه سبحانه مريد بإرادة حادثة.
5. انّه سبحانه متكلّم بكلام، وكلامه سبحانه فعله: الحروف والأصوات.
6. أفعال العباد ليست مخلوقة للّه سبحانه.
7. تكليف مالا يطاق قبيح، خلافاً للمجبّرة والأشاعرة.

143

8. المعاصي ليس بقضاء اللّه.
9. الإمامة تجب شرعاً لا عقلاً خلافاً للإمامية.
10. النصّ على إمامة علي والحسنين عند الأكثرية.
11. القضاء في فدك صحيح خلافاً للإمامية.
12. خطأ المتقدّمين على عليّ في الخلافة قطعي.
13. خطأ طلحة والزبير وعائشة قطعي.
14. توبة الناكثين صحيحة.
15. معاوية بن أبي سفيان فاسق لبغيه ولم تثبت توبته.
هذه رؤوس عقائد الزيدية استخرجناها من كتاب «القلائد في تصحيح العقائد»، المطبوع في مقدّمة البحر الزخار.
(1) 10
الإسماعيلية
الإسماعيلية ، إحدى فرق الشيعة القائلة بأنّ الإمامة منصب تنصيصي من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الإمام القائم مقامه، غير أنّ هناك خلافاً بين الزيدية والإمامية والإسماعيلية في عدد الأئمّة ومفهوم التنصيص.
الإمام الأوّل للدعوة الإسماعيلية هو إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام)وكان

(1) البحر الزخار:52ـ96.

144

والده شديد المحبّة له والإشفاق عليه، مات في حياة أبيه بالعُريض وحمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتّى دفن بالبقيع.(1)

الخطوط العريضة للمذهب الإسماعيلي

إنّ للمذهب الإسماعيلي علائم وسمات نشير إليها:
1. انتماؤهم إلى بيت الوحي والرسالة، وقد كان لهذه السمة رصيد شعبي وكان المسلمون يتعاطفون مع من ينتمي إلى أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
2. تأويل الظواهر ، إنّ تأويل الظواهر وإرجاعها إلى خلاف ما يتبادر منها في عرف المتشرعة هي السمة البارزة الثانية للدعوة الإسماعيلية، وهي إحدى الدعائم الأساسية لهذا المذهب، بحيث لو انسلخت الدعوة عن التأويل واكتفت بالظواهر لم تتميز عن سائر الفرق الشيعية إلا بصرف الإمامة عن الإمام الكاظم(عليه السلام) إلى أخيه إسماعيل بن جعفر.
3. تطعيم مذهبهم بالمسائل الفلسفية حيث انجرفوا في تيارات المسائل الفلسفية وجعلوها من صميم الدين وجذوره، وانقلب المذهب إلى منهج فلسفي يتطور مع تطوّر الزمان، ويتبنى أُصولاً لا تجد لها في الشريعة الإسلامية عيناً ولا أثراً.
هذه سمات مذهبهم، وإليك رؤوس عقائدهم:
أمّا التوحيد، فيصفونه سبحانه بأنّه واحد لا مثل له ولا ضدّ.
وأمّا في مجال الصفات، فقد ذهبوا إلى نفي الصفات عنه على الإطلاق، واكتفوا في مقام معرفته بالقول بهوّيته وذاته، دون وصفه بصفات حتّى الصفات

(1) المفيد، الإرشاد، ص 284.

145

الجمالية والكمالية.
وأمّا عقيدتهم في العدل، فالإنسان عندهم مخيّر لا مسَيّر، والقضاء والقدر لا يسلبان الاختيار.
وأمّا عقيدتهم في النبوة فإنّها أعلى مراتب البشر والرسالة عندهم تنقسم إلى عامّة وخاصّة، وأنّ شريعة الأنبياء موافقة للحكمة، لكن لها ظاهر وباطن.
إنّ تقسيم الشريعة إلى ظاهرية وباطنية أعطى مبرّراً لكلّ إمام من أئمّتهم في أن يضع لكلّ ظاهر باطناً، ولكلّ واجب حقيقة يسمّي أحدهما شريعة ظاهرية، والآخر باطنيّة من دون أن يستدلّ على تأويله بدليل عقلي أو نقلي.
أمّا عقيدتهم بالمعاد فهو روحاني لا جسماني، وأنّ التناسخ محال.
وأمّا عقيدتهم في الإمامة، فالحديث عنها ذو شجون، فقد ذكروا لها درجات خمس ربما تضيق المقدمة عن بيانها.
(1) 11
الوهّابيّة
الوهابيّة منسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي (1115ـ 1206هـ). كان الشيخ منذ طفولته ذا رغبة شديدة في مطالعة كتب التفسير والحديث والعقائد، وقد درس الفقه الحنبلي عند أبيه الذي كان من علماء الحنابلة، وكان ابنه محمّد يستقبح كثيراً من الشعائر الدينية التي كان يمارسها

(1) لاحظ في عقائدهم: راحة العقل للكرماني، ص 47; تاج العقائد ومعدن الفرائد، وقد ذكرنا تفصيل عقائدهم في موسوعتنا : بحوث في الملل والنحل، ج8.

146

أهالي نجد، ولم يقتصر تقبيحه على نجد، بل تعدّاه إلى المدينة المنوّرة بعد انصرافه من مناسك الحج، فقد كان ينكر على الزائرين التوسّل برسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عند مرقده المقدّس.
وكان يكتم عقائده هذه خوفاً من أبيه، ولمّا تُوفّـي أبوه، أخذ بالدعوة والالتقاء برؤساء القبائل، والتقى أخيراً بمحمد بن سعود الجدّ الأعلى لآل سعود فاتّفقا على نشر الدعوة، بشرط أن تكون القيادة الدينية لمحمد بن عبد الوهاب، والسياسية لمحمد بن سعود، ومن ذلك اليوم ابتلي المسلمون بزمرة يشنّون الغارات على القبائل النجدية وخارجها كاليمن والحجاز ونواحي سوريا والعراق لأجل أخذ الغنائم تحت غطاء الدعوة إلى التوحيد، وقد ضبط التاريخ حروبهم وغاراتهم على المناطق الإسلامية وكانت النتيجة هي الدمار وإراقة الدماء ونهب الأموال، إلى أن استولى آل سعود على الحرمين فسادَ الأمنُ في البلاد لكن مع الفقر المدقِع ، والجوع الأسود إلى أن اكتشفوا آبار الذهب الأسود، فعند ذلك استتبّ الأمر للوهابية مفتين وأُمراء، وبذلك استغنوا عن شنّ الغارات والحروب الدامية.

ميزاتهم عن سائر المسلمين

يختلف الوهابية مع المسلمين في مسائل فقهية تارة، و مسائل كلامية أُخرى، ويغالون في المسائل الفقهية الخلافية ويعتبرونها خروجاً عن الدين والتوحيد، وإليك نبذاً من خصائصهم:
1. تحريم بناء القبور ولزوم هدم المشاهد عليها.
2. حرمة بناء المساجد على القبور والصلاة فيها.
3. حرمة شدّ الرحال لزيارة القبور والصلاة في المساجد.

147

4. حرمة التوسل بالأنبياء والصالحين.
5. حرمة طلب الشفاعة من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
6. حرمة النذر للأنبياء والأولياء.
7. حرمة التبرّك بآثار الأنبياء والصالحين.
8. حرمة الاحتفال بمواليد أولياء اللّه ووفياتهم.
ولهم نشاطات تبشيريّة، ومنشورات ودوريات مختلفة.

12

الشيعة الإمامية

الشيعة: من أحبّ عليّاً وأولاده(عليهم السلام) باعتبارهم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الذين فرض اللّه سبحانه مودّتهم قال عزّ وجلّ: (قُلْ لا أَسأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجراً إِلاّ الْمَودّة فِي الْقُربى)(1) وينضوي تحت لواء الشيعة (بهذا المعنى) كلّ المسلمين إلاّ النواصب، بشهادة أنّهم يصلّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم ويتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً ومساء، وهذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله:
يا أهـل بيت رســول اللّه حبـّكم *** فرض مـن اللّه في القـرآن أنــزلـهُ
كفاكم من عظـيم الشـأن أنّكـم *** مـن لم يصلّ عليكم لا صلاة له(2)
ولكن المراد من الشيعة في المقام من يشايع عليّاً وأولاده باعتبار أنّهم خلفاء

(1) الشورى:23.
(2) الصواعق:148.

148

الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة الناس بعده، نصبهم النبي لهذا المقام بأمر من اللّه سبحانه.
وليس التشيع كسائر المذاهب الإسلامية من إفرازات الصراعات السياسية كما هو الحال في المحكِّمة وغيرهم، ولا من نتائج الجدال الكلامي والصراع الفكري كما هو الحال في الأشعرية والمعتزلة.
بل الإسلام والتشيّع وجهان لعملة واحدة، وتوأمان ولدا في يوم واحد، ولو انّ كُتّاب العقائد درسوا تاريخ التشيع بدقة وموضوعية لعلموا أنّه ليس للتشيّع تاريخ ولا مبدأ سوى تاريخ الإسلام ومبدئه، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الغارس لبذرة التشيع في صميم الإسلام من أوّل يوم أُمر فيه بالصدع(1) فأصحر بالحقيقة إلى أن لبّى دعوة ربّه.
فالتشيّع عبارة عن استمرار قيادة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد وفاته عن طريق من نصبه إماماً للناس وقائداً للأُمّة حتّى يرشدها إلى النهج الصحيح والهدف المنشود، فإذا كان التشيع متبلوراً في استمرار القيادة بالوصي فلا نجد له تاريخاً سوى تاريخ الإسلام والنصوص الواردة عن رسوله .
فالشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، أعني: الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر القيادة ولم يغيروا ولم يتعدّوا ما رسم لهم الرسول إلى غيره.
والميزة الهامة للشيعة على الإطلاق وللإمامية خصوصاً هي أنّ الإمامة عندهم منصب إلهي يتصدى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبأمر إلهي لتعيين من يتبوّؤه.
وقد أخبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن إمامة اثني عشر رجلاً من أهل بيته وذكر أسماءهم

(1)(فاصدع بما تُؤْمَر وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكين* إِنّا كفيناك المستهزئين).(الحجر:94ـ95).

149

أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم الإمام المهدي عليهم السَّلام. و قد ذكر أهل السنّة روايات حول الأئمّة الاثني عشر دون أن يذكروا أسماءهم.
أخرج مسلم عن جابر بن سمرة، قال : انطلقت إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ومعي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش».(1)
ولسنا في هذا المقام بصدد تحرير تاريخ التشيع ودلائل إمامة الأئمّة الاثني عشر، بل الغاية الإلماع إلى أُصولهم الكلامية.
والشيعة الإمامية تتّفق مع الفرق الإسلامية ـ أعني: المعتزلة والأشاعرة والماتريدية ـ في أكثر المسائل العقائدية، ولكنّهم يفترقون عن الأشاعرة في مسائل، كما أنّهم يفترقون عن المعتزلة في مسائل أُخرى.
ونحن نشير إلى بعض الفوارق بين هاتين الطائفتين (الشيعة والمعتزلة)، وما ذلك إلاّ لأنّ قسماً كبيراً من كُتّاب تاريخ العقائد جعلوا الشيعة من فِرَق المعتزلة مع أنّ بين المنهجين الكلاميين مشتركات ومفترقات.

الفوارق بين الشيعة والمعتزلة:

1. الشفاعة عند الشيعة والأشاعرة هي غفران الذنوب أو إخراج العصاة من النار بخلاف المعتزلة، فإنّ نتيجة الشفاعة هي ترفيع الدرجة.
2. مرتكب الكبيرة عند الإمامية والأشاعرة مؤمن فاسق، وقالت المعتزلة: بل هو في منزلة بين المنزلتين.

(1) صحيح مسلم:6/3ـ4.

150

3. الجنّة والنار عند الإمامية والأشاعرة مخلوقتان الآن بدلالة الشرع خلافاً للمعتزلة فانّهما غير موجودتين عندهم.
4. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان واجبتان عند الإمامية والأشاعرة شرعاً، وعند المعتزلة عقلاً، نعم ذهب بعض الإمامية إلى وجوبهما عقلاً أيضاً.
5. اتّفقت الإمامية والأشاعرة على بطلان الإحباط، خلافاً للمعتزلة، حيث قالوا: إنّ المعصية تُحبط الثواب المتقدم.
6. اتّفقت الإمامية والأشاعرة على أنّ قبول التوبة بفضل من اللّه ولا يجب عقلاً إسقاط التوبة للعقاب بخلاف المعتزلة فانّ التوبة مسقطة للعقاب على وجه الوجوب.
7. اتّفقت الإمامية على أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك.
8. اتّفقت الإمامية على أنّ الإنسان غير مُسَيّر ولا مفوَّض إليه بل هو بين الجبر والتفويض، وأجمعت المعتزلة على التفويض.
9. اتّفقت الإمامية والأشاعرة على أنّه لابدّ في بيان بعض التكاليف من دلالة الرسول، وخالفت المعتزلة وزعموا أنّ العقول تغني بمجرّدها عن السمع.
10. غالت المعتزلة في تمسكهم بالعقل وغالى أهل الظاهر في جمودهم على ظاهر النص، وأعطت الإمامية للعقل سهماً في ما له فيه مجال.
هذه هي الفوارق بين الشيعة الإمامية والمعتزلة وقد تبيّن أنّ الشيعة ليست فرعاً من المعتزلة وإن كانت الفرقتان تستمدّان التوحيد والعدل من كلام الإمام علي بن أبي طالب.

151

فإذا تبيّنت الفوارق بين الطائفتين فلنذكر بعض الفوارق بين الإمامية والأشاعرة.

الفوارق بين الإمامية والأشاعرة:

إنّ الشيعة الإمامية تخالف الأشاعرة في أُصول نذكر المهمّ منها:
1. صفاته سبحانه متّحدة مع ذاته، فليس هناك ذات وعلم، بل الذات علم كلّه، خلافاً للأشاعرة، فإنّ الصفات زائدة على الذّات.
2. أفعال العباد عند الإمامية صادرة عن نفس العباد صدوراً حقيقياً بلا مجاز أو توسّع.
فالإنسان هو الضارب والقاتل والمصلّي والقارئ، ولم يثبت في لغة العرب استعمال كلمة الخلق في الأفعال فلا يقال: خلقت الأكل والضرب والصوم والصلاة، وإنّما يقال فعلتها، فالإنسان هو الفاعل لأفعاله بقدرة مفاضة من اللّه سبحانه، وأنّ قدرته المكتسبة هي المؤثرة بإذن من اللّه خلافاً للأشاعرة، إذ ليس لإرادة العبد ولا قدرته دور في إيجاد الأفعال.
3. رؤية اللّه بالأبصار مستحيلة مطلقاً سواء أكان في الدنيا أم في الآخرة، خلافاً للأشاعرة حيث يجوّزون رؤية اللّه في الآخرة.
4. التحسين والتقبيح عقليان عند الشيعة كما مرّ بيانه دون الأشاعرة، فانّهما عندهم شرعيّان .
هذه هي الأُصول التي تخالف الإمامية فيها الأشاعرة وربما توافقهم المعتزلة في بعض الأُصول.

152

الفوارق الرئيسية بين الشيعة وسائر الفرق:

هناك فوارق رئيسية بين الشيعة وسائر الفرق وأكثرها تعدّ من خصائص الإماميّة.
1. وجوب نصب الإمام على اللّه سبحانه.
2. عصمة الإمام المنصوب من اللّه.
3. الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر المولود عام (255هـ) وهو حيّ يرزق.
4. القول بالبداء، وهو تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة، والبداء بهذا المعنى عند التحقيق من العقائد المشتركة.
5. الرجعة وهي عبارة عن عودة جماعة قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة ثمّ موتهم وحشرهم مجدّداً يوم القيامة . ويشهد على إمكانها إحياء جماعة من بني إسرائيل(1) و إحياء قتيلهم.(2)
هذه هي الخطوط العريضة للعقائد الكلامية عند الشيعة الإمامية، وبذلك تمّ بيان المدارس الكلامية الرائجة بين المسلمين، وبقي هناك مدارس كلامية أُخرى لا حاجة لذكرها إمّا لض آلتها أو لانقراضها.

(1) البقرة:55.
(2) البقرة:72ـ 73.

153

11

علم الكلام الجديد

أو

المسائل الجديدة في علم الكلام

لقد شاع على ألسن بعض الجامعيين الجُدد عنوانُ «علم الكلام الجديد» و هم يلهجون به بفم ملؤه الإعجاب والاعتبار، ويبدو لأوّل وهلة أنّ هناك علمين مختلفين أحدهما «الكلام القديم» والآخر «الكلام الجديد» ولكلّ تعريف وموضوع ومسائل وغاية.
ولكن الحقيقة غير ذلك، إذ ليس ثمّة علمان مختلفان، من حيث الموضوع والغاية، بل هو علم واحد يتكامل عَبْر الزمان حسب تكامل الحضارة وتفتّح العقول، وليس ذلك أمراً شاذاً في علم الكلام، بل هو جار في سائر العلوم أيضاً، فعلم النحو مثلاً لم يكن يوم ظهوره إلاّ عدّة مسائل ألقاها علي عليه السَّلام على تلميذه أبي الأسود الدؤلي وأمره بأن ينحو نحوها، ثمّ أُضيف إليه في كلّ عصر مسائل حتّى تكامل وصار علماً متكامل الأطراف.

154

وكذلك شأن علم الكلام، فلم يكن يوم ظهوره إلاّ عدّة مسائل محدودة كالتوحيد والعدل والقضاء والقدر وما يشبهها، ولكنّه أخذ بالتكامل والتطوّر بسبب الاحتكاكات الثقافية وفي ظلّ سائر العوامل المؤثرة في تكامله.
وعلى ذلك يكون التعبير الصحيح : المسائل الجديدة في علم الكلام لا علم الكلام الجديد.
وأظن ـ و ظنّ الألمعي صواب ـ أنّ الغاية من وصف بعض المسائل بالكلام الجديد، هو تهميش الكلام الإسلامي الذي تكامل عبر الزمان بيد عمالقة الفن وأساتذته بزعم أنّ المدوّنات الكلاميّة لا تلبّي حاجات العصر ولا تشبع رغبة الطالبين.
ولكنّه ـ يشهد اللّه ـ بخس لحق هذا العلم، فانّ الكلام الإسلامي قادر على تلبية حاجات المتكلّمين فيما يتبنّونه في هذه الأيّام باسم فلسفة الدين وما يرجع إلى المعرفة الدينية.
إنّ الفقه الأكبر (علم الكلام) كالفقه الأصغر يستطيع أن يحلّ المشاكل ويجيب عن عامة الأسئلة في حقل الدين، وقد قمنا بطرح هذه الأسئلة وتحريرها ضمن مقالات متنوّعة نشرناها في مجلّتنا الفصلية عبر سنين، وقد طبع ما يرجع إلى هذا الموضوع في جزءين مستقلين وانتشر باللغة الفارسية باسم «مدخل مسائل جديد در علم كلام».
ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من هذه المسائل التي عرقلت خُطى بعض المفكّرين، نذكر عناوينها مقرونة ببيان موجز:

155

1. ما هو السبب لنشأة الدين؟

لقد حاول بعض المفكّرين تفسير نشأة الدين وتعليل ظهور الاعتقاد باللّه سبحانه بين البشر، بوجوه وهميّة صنعتها يد الخيال فهم ـ مكان أن يفسّروه بالفطرة وأنّ الدين نداء يسمعه الإنسان من ضميره وباطن عقله ـ حاولوا أن يفسّروه بعوامل ماديّة ألجأت البشر ـ حسب زعمهم ـ إلى اعتناقه.
فتارة يفسّرونها بالخوف من الحوادث الطبيعية المُرْعبَة، قال ويل دورانت:«الخوف ـ كما قال لوكريشس ـ أوّل أُمّهات الآلهة و خصوصاً الخوف من الموت». فهذا العامل وما يشبهه جعل البشر يلوذ إلى قوة عليا اخترعها ليسكن إلى حمايتها ويرتاح في كنفها.
وأُخرى يفسّرونها بالجهل بالعلل الطبيعية، وحاصلها أنّ الإنسان البدائي عندما واجه الحوادث الطبيعية كالزلازل والسيول والكسوف والخسوف التي تحيط به، ولم يعرف عللها الطبيعية الواقعية، لجأ ـ لجهله ـ إلى اختراع فاعل لها واعتبره العلّة الوحيدة لكلّ شيء مباشرة.
فكان الاعتقاد بوجود اللّه وليد الجهل بأسباب الحوادث الكونية الطبيعية.
وثالثة يفسّرونها بالعامل الاقتصادي ببيان أنّ أصحاب الرق والإقطاعيّين والرأسماليّين في عهود (الرق والإقطاع والرأسمالية) كلّما خشوا ثورة العبيد والفلاّحين والعمال في وجه المستغلّين لهم بسبب ما يلاقونه من الضغوط، عمدوا إلى التوسّل بالمفاهيم الدينية والروحية وترويجها بين المحرومين والكادحين الناقمين بهدف تخديرهم والتخفيف من غضبهم وصرفهم عن الانتفاضة والثورة .

156

ورابعة بأنّ التديّن نزعة طفولية، وقد تبنّاها «فرويد» و قال: إنّ الحالة الطفولية لدى الإنسان والتي تتطلب له أبا رؤوفاً يأوي إليه في الأهوال، هي التي جرّته إلى أن يخترع فكرة الإله ليقيمه مقام الأب الحامي له في فترة الطفولة حتّى تحصل له الطمأنينة ويتوفّر له الاستقرار النفسي.
إلى غير ذلك من النظريات الساقطة التي لم تكن إلاّ دعاوى فارغة من الدليل، ظهرت لغايات سياسية.
و نحن لا نذكر ما في هذه النظريات من إشكالات تجعلها عقيمة(1) ، وإنّما نلفت نظر القارئ إلى نكتة مهمة، وهي أنّ أصحاب هذه النظريات كأنّهم اتّفقوا على تغافل أنّ هناك لنشوء الاعتقاد باللّه في حياة الإنسان عللاً طبيعية روحية كالفطرة، أو منطقية وعقلية كدلالة العقل الإنساني على وجود قوة عليا عندما يواجه هذا النظام البديع.
هذه العلل تكشف أنّ للاعتقاد جذوراً واقعية في العقل والنفس وهي التي دعت الإنسان في عامة القرون إلى الاعتقاد بالعوالم الغيبية غير عامل الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة أو الجهل بالعوامل الظاهرة أو نظرية الاستغلال أو الحالة الطفولية أو غير ذلك من الفروض التي حاكها الخيال وأبطلها المنطق والتاريخ والتجربة.

2. ما هي الحاجة إلى التديّن؟

هذه هي المسألة الثانية المطروحة باسم الكلام الجديد، وأكثر من يثيرها الماركسيون قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، وبما أنّ القوم لم يدرسوا حاجة

(1) راجع في نقد هذه النظريات كتاب «اللّه خالق الكون»:19ـ 88.

157

البشر إلى التديّن عادوا يرونه أمراً زائداً في حياة المجتمع الإنساني اليوم بعد أن كان مفيداً في غابر الزمان .
ولكنّهم جهلوا ما للدين من آثار بنّاءة لا يستغني عنها الإنسان في أيّة فترة من فترات حياته، و نشير إلى بعضها ونحيل التفصيل إلى محلّه:
أ. التديّن إجابة عملية لسؤال مطروح للإنسان من أقدم العصور حتّى اليوم حيث كان يسأل نفسه في أنّه:
من أين أتى؟
لماذا أتى؟
وإلى أين يذهب؟
ولم تزل هذه الأسئلة تطالبه بالجواب بإلحاح شديد... إنّه لا يمكنه أن يمرّ على هذه الأسئلة دون اكتراث، وهو يرى لكلّ ظاهرة حياتية سبباً، فكيف بهذا الكون العظيم وهذا الفضاء الواسع العريض وما يتّسمان به من جلال و إبداع؟ والدين يجيب على هذه الأسئلة بوضوح وإتقان.
ب. انّ الدين يطرد القلق المحيط بالإنسان عندما يحتمل أن يكون هناك قوة عليا ولها عليه سلطة وتكاليف ربما يحاسب لأجلها، ويشتد هذا القلق عندما يراجع التاريخ البشري ويواجه مجموعة كبيرة ممّن يطلق عليهم «الأنبياء» قد أخبروا بوجود إله خالق لهذا الكون ، وأنّهم رسل اللّه إلى البشرية جاءوا ليخبروهم بأنّ ثمّة واجبات وتكاليف ، وأنّ هناك حياة أُخرى وحشراً ونشراً وحساباً وعقاباً، وجنّة وناراً، وأنّ الناس جميعهم مسؤولون محاسبون شاءوا أم أبوا.
إنّ هذا النوع من القلق هو الباعث على دراسة العقيدة والبحث عن اللّه

158

وما يتبع ذلك من العقائد والتكاليف ولا يرتاح إلاّ بالنزول على عتبة الدين.
ج. التديّن مورث للطمأنينة: يواجه الإنسان في حياته أُموراً عديدة تنغّص عليه عيشه وتسبّب له أزمة روحية منها:
1. هاجس الفناء.
2. المصائب والنكبات.
3.المطامح المادية غير المحقّقة.
إنّ العقيدة الدينية قادرة على مواجهة عوامل الاضطراب هذه وعلى تحقيق السكينة للإنسان والتخفيف من أزماته الروحية، وذلك من خلال الإيمان بـ:
أوّلاً: أنّ الموت في العقيدة الدينية ليس فناء، بل هو انتقال من عالم ضيق إلى عالم فسيح ومن حياة زائلة إلى حياة أبدية، وعندئذ يتغيّر طعم الموت عند الإلهي عمّا هو عند المادي.
وثانياً: أنّ المصائب والآلام و إن كانت بظاهرها مرّّة، ولكنّها لا تخلو من مصلحة وحكمة، مادام خالق الكون عالماً حكيماً، فإذا وقف الإنسان على أنّها من فعل الخالق الحكيم لم يحزن لما دهاه منها، بل يزداد صلابة واستقـامـة.
وثالثاً: أنّ العقيدة بما أنّها تُقدّم للإنسان تعاليم أخلاقية، تحد من سوْرة الحرص و فوْرة الطمع الذي يسبب الاضطراب نتيجة العجز عن تحقيق الطموحات المادية العريضة.
د. الاعتقاد باللّه دعامة الأخلاق: الإنسان كتلة هائلة من الغرائز التي لا تعرف الحدود، ومجموعة من الشهوات والمطامع والطموحات التي لا تعرف نهاية، فإذا ترك وشأنه لينال ما تدفعه إليه شهواته وغرائزه جرّ على نفسه وعلى مجتمعه الفساد والفناء، لتضارب المصالح والمطامع والطموحات، ومن هنا

159

طرح المصلحون والاجتماعيون مسألة الأخلاق التي تهتمّ بتعديل هذه الغرائز.
ولكن الالتزام بالأخلاق لمّا كان يلازم التنازل عن بعض الطموحات لم تستطع التوصيات الأخلاقية وحدها من السيطرة على الغرائز، فلابدّ هنا من شيء يعزّز مكانة الأخلاق وهو أن يشعر الإنسان بأنّ هناك قوّة عليا ناظرة لأعماله تثيب من التزم طريق العدالة وحفظ الحدود والحقوق، و تعاقب مَن خالف ذلك، وهذا لا يحصل إلاّ عن اعتقاد ديني.
هـ. الاعتقاد باللّه ضمانة لتنفيذ القوانين: قد أثبت التاريخ والتجربة أنّ وجود القانون وحده ليس كافياً في توفير الأمن للمجتمع وإن كان مُدعماً بقوة جهاز الشرطة في الردع وفرض الغرامة والحكم بالسجن، بل لابدّ مع ذلك من رقيب (مشرف) داخلي يعمل حتّى في حالة غفلة أجهزة الدولة والشرطة، وليس هو إلاّ الإيمان باللّه واليوم الآخر ومخافة الحساب والعقاب وخشية المؤاخذة والمكافاة إلى غير ذلك من آثار بنّاءة للعقيدة الدينية.

3. نطاق شمول الدين

وهذه هي المسألة الثالثة وهي تحديد دور الدين و هل هو رابطة روحية بين الخالق والمخلوق ويتلخص في تصفية الروح باتصاله بمبدأ الكمال، أو أن نطاقه يعمّ ذلك وغيره؟ فهو نظام شامل لحياة الإنسان في حقول مختلفة من غير فرق بين حقل السياسة والأخلاق والاقتصاد والاجتماع، فللدين بيان و بلاغ في كلّ واحد من هذه الحقول.
وهذا لا يعني أنّ الدين يغني عن التفكير في هذه المجالات ويجعل الإنسان مقلّداً فارغاً عن التخطيط، بل بمعنى أنّ الأُصول الكلية الّتي عليها مدار

160

السعادة في الدنيا والآخرة يبيّنها الدين ويترك التخطيط للإنسان على ضوء هذه الأُصول المسلّمة.
نعم من يلخّص الدين في مجرّد الصلة بين الخالق والمخلوق ويدعو الإنسان إلى الدعاء والمناجاة في الكنائس والمعابد ويترك باقي الأُمور لهوى الإنسان، فمثل هذا الدين نطاقه ضيّق غير شموليّ وهذا كالمسيحيّة الموجودة في العصر الراهن، فإنّ الكنائس لخّصت واجب الإنسان الديني في الدعاء والابتهال إلى اللّه في ساعة واحدة من يوم واحد من الأُسبوع.
ولعلّ ما يذكره القائل من تضييق نطاق الدين يجعل هذا النوع من الدين مقياساً لقضائه، أمّا لو عطف نظره إلى ما ورد في تلمود الكليم من الواجبات والمحرّمات وما في الشريعة المحمّدية من آلاف الأحكام في حقول مختلفة لرجع القهقرى من هذا النوع من التفكير.

4. هل النبوة موهبة إلهية أو نبوغ اجتماعي؟

إنّ النبوّة عند الإلهيّين موهبة إلهية يهبها سبحانه إلى صالحي عباده وأفضلهم، ويجهّزهم بالآيات والبيّنات ليقيموا الناس بالقسط والعدل ويهدوهم إلى الصراط السويّ على أصعدة مختلفة.
نعم هناك من لم يؤمن بالنبوّة يفسرها بالنبوغ الاجتماعي، وأنّ الأنبياء دعاة ومفكّرون لهم من النجدة والفكر ما يميّزهم عن غيرهم، ولأجل إقناع الناس وإلفات نظرهم إلى خطابهم نسبوها إلى السماء وما وراء الطبيعة وإلى اللّه ليكون أوقع في النفوس.
وهذا النوع من التفسير للنبوة رمي للأنبياء بالكذب، وأيّ افتراء أكبر من أن

161

نصف عمالقة الإصلاح وأتقياء المجتمع بالفرية والكذب ولو لغاية الإصلاح!!
إنّ الأنبياء قد ضحّوا بأنفسهم ونفائسهم في طريق إصلاح المجتمع، أفهل يصحّ وصف هؤلاء بالكذب والدجل؟ وما هذا إلاّ لأنّ القوم لم يدرسوا حقيقة النبوّة وشروطها وواقع الوحي وحدوده.

5. خلود الشريعة وبقاؤها

هل الشريعة السماوية تصلح لأن تُسْعد المجتمع الإنساني عبر القرون وترتقي به إلى أرفع المستويات؟ أو أنّ تعاليم الأنبياء تعاليم زمنية وإصلاحات وقتية تنتفع بها بعض المجتمعات في فترة حياة النبي أو بعدها بمدّة يسيرة؟
إنّ السائل خلط بين ما هو ثابت في الشريعة و ما هو متغيّر فيها، فانّ الأُصول المبتنية على الفطرة الإنسانية ثابتة لا تتغير ولا تتبدّل لثبات فطرتها.
نعم هناك مقرّرات في الشريعة تتبدّل وتتغيّر حسب تغيّر الظروف والحضارات، فالسائل لم يفرّق بين القوانين والمقرّرات، فالثابت هو الأوّل والمتغيّر هو الثاني، ومثال ذلك أنّ فريضة التعليم والتعلّم والكتابة من الأُصول الإسلامية التي لا تتغيّر،فالمسلم هنا مطالب بتحصيل العلم، وبذل أقصى الجهود في هذا المجال، وأمّا ما يتحقّق به هذا الأصل من الأدوات فهي تابعة للظروف والحضارة كما هو واضح، وقس على ذلك كلّ ما ورد في الشريعة من الأُصول الثابتة والمقررات.
وفي مجال آخر، يُعدّ الدفاع عن كيان الإسلام وحفظ الاستقلال، استناداً إلى قوله سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة)(1) من الأُصول الثابتة، وأمّا

(1) الأنفال:10.

162

كيفية الدفاع ونوع السلاح المستخدم وغير ذلك، فهي من الأُصول المتغيرة التي تخضع لمقتضيات الزمان.

6. الوحدة أو التعدّدية الدينيّة

التعددية الدينية Religious Pluralismمن المسائل الكلامية الحديثة الظهور، وقد جرت مؤخراً على الألسن، وصدرت حولها كتب ومقالات مختلفة في بيانها أو نقدها، يتكون عنوان (البيلوراليزم الديني) من كلمتين هما «بيلوراليزم» و «ديني» و المفهوم الثاني واضح نوعاً ما، إلاّ أنّ المفهوم الأوّل يحتاج إلى بيان.
تستخدم كلمة Pluralاسماً أو صفة، وكذلك تأتي بمعنى «الجمع أو الكثرة» والحقيقة أنّ الكلمة المذكورة تشير إلى «الكثرة» و«التعدد» وتكملتها ismتعني تياراً، من هنا استخدمت في مجالات مختلفة أعمّ من الدين، كالفلسفة، والأخلاق، والحقوق والسياسة، فمثلاً «البيلوراليزم السياسي» نوع من التعددية السياسية، كما تشير إلى تعدّد الأحزاب والتشكيلات، والمقصود من التعدّدية الدينية ما يقابل الوحدانية والتفرّد، أو ما يصطلح عليه الانحصارية في الدين في مقابل الشمولية.
إنّ التعددية الدينية لها تفسيران:
1. إنّ جميع أتباع الأديان (حسب تعبير المنظّرين) أو الشرائع (في ضوء تعبيرنا) قادرون على التعايش على أساس ما لديهم من المشتركات، وأن يتحمّل بعضهم البعض وهو ما يُعرف ـ لدى السياسيّين ـ بالتعايش السلمي، فالتعددية الدينية بهذا المعنى ممّا نادى به الإسلام وقبلها المسلمون شعوباً وحكّاماً حيث

163

يُتاح للجميع التعايش مع بعضهم البعض في ظل السلام و الاحترام المتبادل.
2. يكفي في سعادة الإنسان أن يؤمن باللّه ويلتزم بإحدى الشرائع السابقة، وهذا التفسير من التعددية الدينية مردود بنصوص الشريعة، وإليك بعضها :
1. انّ القول بخلود واستمرار كلّ شريعة يفضي إلى إلغاء فائدة تشريع الشرائع المتعدّدة وإرسال الرسل المحوريّين،وسوف لا نجني من ذلك شيئاً سوى التشويش وبث الفرقة.
2. إذا قلنا بأنّه يكفي في تحقيق السعادة اتّباع أية شريعة، فلماذا تحدد مسؤولية كلّ نبي بمجيء النبي الآخر بل والتبشير به؟
3. إذا كانت كل الشرائع خالدة فلا موجب لنسخ الأحكام، ولو بشكل إجمالي، ولما قال المسيح :(ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم).(1)
4. إذا كانت شريعة عيسى صالحة ومعترفاً بها رسمياً حين نزول الشريعة اللاحقة، فلا وجه لدعوة اليهود والنصارى لاتّباع دين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنّ القرآن يصرّح بضلال أهل الكتاب ما لم يؤمنوا بالدين الجديد: (فَإِنْ آمنوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا) .(2)
5. عندما نراجع نصوص الكتاب المقدّس والقرآن الكريم وأقوال ورسائل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نجد انّ هذه النظرية من الهشاشة إلى درجة لا يصدقها إلاّ من يقضي و يبرم جزافاً، ثمّ يبحث عن الدليل ويتشبّث من أجل نجاته بكلّ غث فيؤمن بهذه النظرية.
6. تتوقّف حياة الإنسان في الآخرة على عقيدة صحيحة وعمل صالح،

(1) آل عمران:50.
(2) البقرة:137.

164

وتحقّقهما موجب للثواب. وهنا نسأل: كيف يمكن للتضاد في العقيدة أو العمل بأمرين متضادين، أن يضمن الحياة المعنوية للإنسان؟ وكيف يُسعد الإنسان في الدارين بتبنّي التوحيد على جميع الأصعدة وفي الوقت نفسه يسعد بالإيمان بالتثليث وبتثليث الرب، أو يُسْعد بتجنّب الخمر والربا وكذلك مع الإدمان وأكل الربا؟
7. لو أعرضنا عن هذا، فإنّ واقعية السعادة التي ستوفّرها هذه الأديان ستكون مشروطة بعدم تحريفها، فهل هذا الشرط صادق في الأديان السابقة؟ فالإنجيل المتداول ليس هو كتاب اللّه المنزل على المسيح، بل هو من تحرير تلامذته بشهادة أنّ حياة المسيح قد سجّلت في آخر الأناجيل الأربعة ضبط حياته(عليه السلام) بشكل خاص،وذكر صلبه ودفنه وعروجه إلى السماء.
فهل يمكن للإنجيل الذي خطّته يد البشر أن يُسعد جميع الناس على وجه الأرض؟ والتوراة أيضاً ـ مثل الإنجيل ـ حامت حولها الشكوك، فالتوراة الحالية قُرئت وكتبت على يد أحد حفّاظ التوراة في زمان نبوخذ نصّر (1) بعد اختفاء النسخة الأصلية، وهذه النسخة تعرضت بعد مرور سبعين سنة للتحريف، واشتملت على أحكام ونصوص تخالف العقل، وقد انتقدها القرآن باعتبارها عاجزة عن توفير السعادة والهداية.
8. ولو أعرضنا عن كلّ ما تقدم نقول: «إنّ الأديان التاريخية الكبيرة هي بمنزلة مجموعة تتشكل من منظومة عقيدية واحدة» إلاّ أنّنا متى شخصنا الأكمل من بينها فعلينا ـ بحكم العقل ـ اتّباعها، وهذه الحقيقة صرّح بها بعض أنصار البيلوراليزم. يقول «وليم نلسون»: أنا لا اعتقد انّ جميع الأديان التي امتدت على

(1) أي «بخت النصر» ملك بابل، وفي الكتاب المقدس«بنوكد نصر».

165

طول التاريخ حتى اليوم، متساوية من منظار علمي.

7. تعارض الدين والعلم

لهذه المسألة (السابعة) جذور في القرون المتقدّمة، فحينما ترجمت الكتب اليونانية والهندية والفارسية إلى اللغة العربية وانتشرت الفلسفة بين المسلمين، رأى غير واحد من المفكرين أنّ هناك تعارضاً بين السمع و بين ما في هذه الكتب، فعادوا يعبرون عن هذه الفكرة بتعارض الدين والفلسفة أو تعارض العقل والنقل.
وعندما ارتجّ العالم بظهور الحضارة الصناعية وأخذ العلم زمام الحياة، وانتشرت نتائج التجارب في الأوساط وربما كان بعضها مخالفاً لما في الكتاب المقدّس أخذت هذه المسألة لنفسها عنواناً آخر، وهو تعارض العلم والدين .
وحصيلة الكلام في نقد التعارض: أنّ المراد من الدين هو حصيلة الوحي الإلهي لا أخبار الآحاد المنتشرة بين الكتب والأفواه، والوحي إدراك قطعي لا يقبل الخطأ، فعند التعارض لابدّ من انتخاب أحد الأمرين:
ما تلقّيناه ديناً وما فهمناه من الكتاب العزيز ليس بدين وإنّما هو انتزاع ذهني وفهم خاطئ منّا.
أو ما أثبتته التجربة ليس من الحقائق المسلّمة، بل فرضية سوف تتبدل إلى فرضية أُخرى.
وعندما ظهرت نظرية «دارون» في أُصول الإنسان، حسب المادّيون أنّهم قد توسّلوا بسلاح حادّ لضرب المتدينين القائلين بخلق الإنسان من الطين، ولكن لم يلبث أن قامت الأدلة القاهرة على بطلان هذه النظرية وقامت مقامها نظرية أُخرى، وهكذا تتابعت النظريات إلى يومنا هذا.

166

8. صلة الدين بالأخلاق

إنّ الأخلاق جزء من الدين وليست شيئاً خارجاً عنه، وقد مرّ أنّ الاعتقاد باللّه دعامة الأخلاق، بحيث لو انهارت هذه الدعامة لم يبق هناك ما يدعم القيم الأخلاقية، ولأجل إيضاح المقام نقول: إنّ الفضائل والسجايا الكريمة جزء من فطرة كلّ إنسان، وإنّ الميل إلى الخير وكراهة الشر أمران مغروسان في جبلّة البشر فهم يحبّون الخير وأهله ويكرهون الشر وأهله، ولكن هذه البذور والخمائر لا تستطيع مقاومة الغرائز ومزاحمة الشهوات إلاّ إذا قويت ونمت، وهي لا تنمو إلاّ في ظلّ الدين الذي ينطوي على الاعتقاد باللّه واليوم الآخر وما وعد فيه من مثوبات عظيمة على الخيرات، أو عقوبات شديدة على ارتكاب الشرور والآثام، وبهذا تكون العقيدة خير وسيلة لتنمية السجايا النبيلة في الكيان الإنساني وخير سبيل إلى تقويتها ودعمها.
وقد سبق منّا: انّ الدين دعامة الأخلاق ولنعم ما قاله الشاعر:
وإنّما الأُمم الأخـلاق مـا بقيت *** فإن هُمُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
فإذا كانت هذه مكانة الأخلاق، فما هي مكانة الدين الذي هو دعامتها؟

9. حريّة الإنسان في سلوكه الفردي والاجتماعي

إنّ الفيلسوف الطائر الصيت«سارتر» و من نحا نحوه أعطوا للحرية مكانة مرموقة، وكأنّ الإنسانَ خلق للحرية وفي خدمتها، وهم ـ لأجل ذلك ـ يرفضون الدين لأنّه يحدد حرية الإنسان ويزاحمها، وينكرون كلّ أمر فطري أطبق عليه العقلاء في كلّ قرن كحسن العدل و قبح الظلم، بحجة انّ الاعتراف بوجود هذا الميل الفطري، يحدد حرية الإنسان ويضع لها إطاراً خاصاً، فصارت الحرية

167

عند هؤلاء، إلهاً يعبد مكان إله العالم.
وقد أخذ الإسلام من الحرّية، الجانب الأوسط، فرأى كرامة الإنسان في الحفاظ على حريته، ولكن لا على نحو تكون ذريعة للانحلال الأخلاقي فتُصبحَ وبالاً عليه، وتجعل الإنسان عبداً خاضعاً، للميول والغرائز تحت غطاء، صيانة الحرية.فالحرية بهذا المعنى، تذليل للإنسان وهدم لكرامته ونوع من العبودية للشهوات والغرائز الجامحة كما حدّد حرّيته بعدم الإضرار بمصالح الآخرين، وإن أردت التفصيل فنقول:
يتميّز الإنسان عن سائر الموجودات بالتفكير العقلاني، والحرّية في السلوك، وكأنّ هذين العنصرين: التفكير والحرية، جوهر الحياة الإنسانية.
أمّا التفكير فقد دعا إليه الإسلام في العديد من آياته إلى درجة عُدَّت تنمية القوة العقلية والتفكر في مظاهر الكون من سمات ذوي الألباب، قال سبحانه: (إِنّ في خَلْقِ السَّمواتِ والأَرضِ واختلافِ اللَّيلِ وَالنّهارِ لآيات لأُولِي الأَلباب *الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وقعوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرونَ فِي خَلْقِ السَّمواتِِ وَالأَرْضِ رَبّنَا ما خَلْقتَ هذا باطِلاً).
وقد نهى ا(1)لإسلام عن كلّ عمل أو سلوك يضاد التفكير العقلائي، فنهى عن الخمر، وكلّ مسكر يزيل العقل، كما نهى عن التقليد الأعمى، والاتّباع غير المدروس للآباء والأجداد.
وأمّا الحرّية فإنّ الإسلام حذّر الإنسان من استعباد أخيه الإنسان وقهره وإذلاله، كما حذّر من الخضوع للقهر والتسلّط، فليس للإنسان إلاّ أن يعيش حرّاً كريماً بعيداً عن أيّ شكل من أشكال الذلّ و الصغار، قال الإمام علي عليه السَّلام: «لا

(1) آل عمران:190ـ 191.

168

تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حرّاً».(1)
وقد روي عنهم(عليهم السلام) :«إنّ اللّه تبارك وتعالى فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلاّ إذلال نفسه».(2)
نعم الحرية موهبة إلهية منحها اللّه للإنسان لحفظ كرامته وعزته وشرفه، فلو استخدمها في هدم كرامته وشرفه، فقد خالف السنّة الإلهية، ولذلك صارت الحريات الفردية الشخصية في المجالات الاقتصادية أو السياسية محدّدة بعدم منافاتها لتكامله المعنوي، كما هي مقيدة بعدم إضرارها بالمنافع العامة.
فالحرية أصل أساسي في حياة الإنسان محددة باستخدامها في طريق رُقيّه وتكامله، وعدم إضرارها بمصالح العامة، لكي تكون في خدمة الإنسان ومصالحه، ومصالح المجتمع.

10. الهرمنوتيك أو تفسير النصوص

الهرمنوتيك كلمة يونانية بمعنى تفسير النصوص، والغاية من طرح هذه المسألة هو أنّ النصوص الدينية لا يمكن تفسيرها تفسيراً قطعياً، وأنّه يتعذّر اتخاذ رأي نهائي وقطعيّ في المفاهيم الدينية المأخوذة من الكتاب والسنّة.
قالوا في ذلك: «لا يوجد أي رأي نهائي وقطعي في الشؤون الدينية، لأنّ الخطاب الديني يجد معناه في نهاية الأمر عبر الارتباط باللّه، فلا توجد لدينا فتوى قطعية ولا نظرية عقائدية نهائية وإنّما نعيش مساراً تفسيرياً دائماً...».
إنّ هذا القائل وإن خصّ النظرية بالنصوص الدينية، ولكنّ مؤسّسي

(1) نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 38.
(2) وسائل الشيعة:11/424، كتاب الأمر بالمعروف، الباب12، الحديث4.

169

النظرية في الغرب، أعني: «شلاير ماخر»(1768ـ 1844م) و«مارتين هايدگر» (1879ـ 1974م) و من تقدّم عليهما أو تأخّر عنهما، تبنّوها على نطاق وسيع، وقاموا بتعميمها على كلام كلّ متكلّم وأثر كلّ مؤلّف، وأنّه لا يمكن أن يصل المخاطب إلى المقصود النهائي منهما أبداً.
وقد أفردنا رسالة في نقد هذه النظرية وانتشرت انتشاراً واسعاً، فلا نعود إليها، إلاّ أنّنا نودّ أن نلفت نظر القارئ إلى أُمور:
أوّلاً: أنّ أصحاب تلك النظرية يتكلّمون عن أصحاب الكتب السماوية، وهم لا يعترفون بتلك النظرية بل يكذبونها، فإنّ القرآن الكريم يقسم آياته إلى قسمين: محكم ومتشابه، فيرى المحكم أُمّ الكتاب، وأنّ عقدة المتشابه تنحلّ بالرجوع إليه، يقول سبحانه: (هُوَ الَّذي أنزَلَ عَلَيْكَ الكتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتاب وأُخَرُ مُتَشابهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلهُ إِلاّ اللّهُ والرّاسِخونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بهِ كُلٌّ مِنْ عِنْد رَبّنا وَما يَذَّكّرُ إِلاّ أُولُوا الأَلْباب).(1)
فالمحكمات من الآيات ما أُحكمت دلالتها، واتّضحت معالمها، وتبيّنت مقاصدها، أفهل يصحّ وصف هذه الآيات بعدم وجود أي رأي نهائي في تفسيرها وتبيينها؟!
إنّ النظرية تعني أنّ النصوص الدينية مجموعة رموز وألغاز يفسره كلّ إنسان، حسب ما أوتي من مواهب وحسب ما لذهنه من طابَع مع أنّه تبارك و تعالى يصف كتابه بأنّه أُنزل بلسان عربي مبين: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمين* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذرينَ* بِلِسان عَربىّ مُبِين).(2)

(1) آل عمران:7.
(2) الشعراء:193ـ195.

170

إلى غير ذلك من الآيات الآمرة باستماع القرآن والإنصات إليه لفهم مقاصده السامية.
وثانياً: أنّ القول بعدم وجود رأي نهائي وقطعي في الشؤون الدينية ناجم عن القول بنسبية الإدراكات التي ورثها الغرب عن «إيمانوئيل كانت» الذي أعاد السفسطة اليونانية ـ التي تهدمت بجهود حكماء كبار كسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس ـ إلى الساحة العلمية في الغرب، قائلاً بأنّ ما يدركه الإنسان لا يحكي عن الواقع مائة بالمائة وإنّما يحكي عنه بنسبة خاصة، وذلك لأنّ القوى المدركة في الإنسان مقرونة بقوالب لها طابَعها الخاص ترد إليها المفاهيم والصور من الخارج لكن لا تبقى على سذاجتها، بل تنصبغ بصبغة الذهن وتنطبع بتلك الطوابع، وهذا نظير من نظر إلى غابة خضراء بمنظار أصفر فيراها بلون المنظار مع أنّها على خلافه.
وقد أثبتنا في محاضراتنا حول نظرية المعرفة، أنّ هذه الفكرة تنتهي إلى السفسطة مائة بالمائة، والفرق بين ما تبنّاه «كانت » وما تبنّاه بعض الإغريقيين هو أنّ الفرقة الثانية كانوا يطرحون أنظارهم ببساطة وسذاجة ويدعون أنّه ليس لنا علم بالخارج، ولكن الغرب وعلى رأسهم «كانت» يعرض تلك النظرية بثوب علمي يغري الجاهل.
وإذا كانت مدركات الإنسان تأخذ لنفسها أشكال القوالب الذهنية، فمن أين نعلم أنّ هناك عالماً وراء ذهننا ومدركاتنا ونحن ندركه ونعرف آثاره؟ لأنّ هذه الفكرة (وجود العالم الخارج عن الذهن) لا يمكن أن تعبّر عن الواقع مائة بالمائة لأنّها انصبغت بصبغة الذهن وأخذت شكل القوالب الذهنية.
3. أنّ المطلوب في الدين هو الإيمان الجازم والتصديق القاطع، وقد بعث

171

الأنبياء لتلك الغاية السامية، يقول سبحانه: (آمَنَ الرَّسُول بِما أُنْزِلَ إِليه مِنْ رَبّه وَالمُؤْمِنُون كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائكَتهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحد مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفرانَكَ رَبّنا وَإِلَيْكَ الْمَصير).(1)
فلو كانت المفاهيم الدينية مفاهيم غير قطعية وإدراكات متزلزلة تتبدّل كل يوم إلى معنى يغاير الأوّل، فلا تحصل الغاية السامية من إنزال الكتب وبعث الرسل، لأنّهم بعثوا لإيجاد الإيمان القاطع باللّه سبحانه وكتبه ورسله.
نعم إن هذه المسائل وأشباهها التي اشتهرت باسم الكلام الجديد، وذكرنا في المقام نماذج منها، كانت تتبلور في الغرب وتهز أركان الكنائس وتُضعف قدرتهم، وقد قوبلت في الغرب بقيام رجال مخلصين، تصدّوا لهذه الشبه ونقدوها أفضل النقد، وقد ألفوا في ذلك مئات الكتب، ولا يزال ينتشر في كلّ شهر أو أسبوع حول المواضيع المذكورة كتاب أو رسالة، وقد وصلت موجة هذه الشبه إلى الشرق عبر مَن تخرج من المعاهد الغربية دون أن تترسخ في أذهانهم المبادئ الدينية والعلمية، فتأثروا بذلك وحسبوها حقائق راهنة ، وأخذوا ينشرونها في الجامعات زاعمين أنّها منهاج فلسفي ثمين، غفل عنه الإسلاميون وانتبه له الغربيون.

مخطط الغربيّين لضرب الثقافة الإسلامية

بدأ الغربيّون يسيطرون على البلاد الإسلامية بفضل تفوّقهم الصناعي، يقودهم جند الاستشراق الذين يعرفون ما يملك المسلمون من طاقات مادية ومعنوية.
ولذلك فقد عملوا على صعيدين:

(1) البقرة:285.

172

1. تصدير الصناعة بشكل ناقص بحيث يكون الشرق محتاجاً إلى الغرب في كلّ حين وزمان، وبالتالي تكون لهم السيادة وللآخرين الفقر والحاجة.
2. إرسال البعثات التبشيرية إلى البلاد الإسلامية النائية، والبعيدة عن العواصم الإسلامية، كدول أفريقيا ودول شرق آسيا الذين أسلموا طوعاً ورغبة دون أن يكون عندهم علماء أقوياء في مواجهة التبشير. وقد نجحوا بعض النجاح في ذلك المجال، حتّى رفع البابا عقيرته قبل سنين بأنّ أفريقيا على رأس القرن الحادي والعشرين قارة مسيحية خالصة وليس للإسلام هناك أي شأن وقدرة، ولكنّها كانت مجرّد أُمنية لم يكتب لها النجاح.
وقد أحسّ الاستعمار أنّ السيطرة على البلاد الإسلامية الّتي ضرب الإسلام فيها بجرانه، ليس أمراً سهلاً، فدخلوا من باب آخر وهو بث الشكوك والشبهات عن طريق المسائل الفلسفية والكلامية في المدارس والجامعات حتّى يخرج الإيمان من قلوبهم فيصبحوا شكّاكين حيارى، غير باذلين أيّ اهتمام في الدفاع عن الدين، فعند ذلك يسهل استعمارهم، وذوب ثقافتهم في ثقافة المستعمرين.
ولتنفيذ هذا المخطط فتحوا فروعاً لجامعاتهم في العواصم الإسلامية، وربّما نفذوا هذا المخطط أيضاً عن طريق بعث رجال العلم إلى الجامعات الإسلامية ـ وهم يحملون شهادات علمية ـ لغاية إيجاد الشك والتزلزل في قلوب الطلاب والطالبات.
وعلى ضوء ذلك نرى أنّ الفلسفة الغربية والكلام المسيحي أخذ ينتشر وينتعش في البلاد الإسلامية وخاصة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والغاية من نشر هذه الأفكار هي إزالة الإيمان عن قلوبهم الذي أصبح سدّاً منيعاً أمام أطماع

173

المستعمرين، وهاهنا نشير إلى بعض المسائل الكلامية الّتي طرحت لغرض إيجاد البلبلة الفكرية وتشويش أذهان الجامعيين وسوقهم إلى الشك والإلحاد.

1. فصل السياسة عن الدين

إنّ فصل السياسة عن الدين من أهمّ خططهم حتّى يحصروا علماء الدين في زوايا المساجد لكي لا يكون لهم شأن سوى الدعاء والأوراد، وعند ذلك يسهل لهم السيطرة على العباد والبلاد.
فلو أُريد من الدين، الدين الرائج في البلاد المسيحية حيث إنّ أصحاب الكنائس ليس لهم شأن إلاّ الدعاء وقراءة الأوراد في يوم واحد من أيام الأسبوع وترك الناس على أحوالهم دون تدخل في شأن من شؤون حياتهم، فالحق عدم وجود الصلة بين السياسة والدين.
ولو أُريد منه، خاتمة الشرائع ـ أعني: شريعة الإسلام ـ فكتابها وسنّتها يصوّران السياسة والدين لحمة وسدى للشريعة، ففصل أحدهما عن الآخر محو لها، فكيف يمكن فصلها عن الدين إذا فسّرت السياسة بتدبير أُمور الأُمّة في معاشهم ومعادهم، وقد طفح الكتاب والسنّة بأُصول تتكفّل تدبير حياة المسلمين. يقول سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمورِ).(1)
فالصلاة صلة العبد باللّه سبحانه، والزكاة صلة الإنسان بالمجتمع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تدبير حياة الأُمّة بدفعها إلى المعروف ونهيها عن المنكر بأساليب مختلفة تقتضيها مصالح العصر.

(1) الحج:41.

174

2.تعدّد القراءات

إنّ مسألة تعدّد القراءات للدين من أخطر المصائد الّتي نصبها المستعمرون في سبيل مسخ الهوية الإسلامية، لأنّ مغزاه انّ كلّ ما ورد في الكتاب والسنّة ليس له معنى واحد وقراءة واحدة، بل يمكن تفسيرها بطرق مختلفة، ولكلّ إنسان قراءته الخاصة في الدين، فربّما تكون نتيجة قراءة فرد فصل السياسة عن الدين والآخر ضمها إليه، وهكذا دواليك.
فإذا قام الخطيب بتفسير آية أو رواية في جانب من الجوانب الدينية والّذي لا يناسب أذواق المستعمرين وأذنابهم قاموا بوجهه قائلين بأنّ ما فهمته من الدين قراءة تختص بك وللآخرين من العلماء قراءة أُخرى، فلا يكون فهمك حجّة على الكل. وعند ذلك يصبح الإسلام بكتابه وسنته وكلمات علمائه مفاهيم غير واضحة، بل أُلعوبة بيد المنحرفين.

3. حصر الشريعة بفترة خاصة

الشريعة الإسلامية بفضل نصوصها شريعة خاتمة للشرائع، وكتابها خاتم الكتب، ونبيّها خاتم النبيّين، وقد جاء بسنن وقوانين تستطيع أن تلبّي حاجات الإنسان فردية واجتماعية مادام هو يعيش في هذا الكوكب، ولمّا كان القول بالخاتمية ودوام الشريعة سدّاً منيعاً أمام أطماع المستعمرين حاولوا أن يحدّدوا شريعته بأجيال ماضية قد قضى عليها التاريخ، فعلى الإنسان أن يمهد طريقه في الحياة بأفكاره وآرائه، أو بما يمليه العلم في مختلف الجوانب دون أية حاجة إلى الوحي والشريعة.
هذه هي الأُصول المخططة لتضعيف الإيمان وسوق المجتمع إلى اللادينية

175

والانحراف عن التمسّك بالشريعة، فعندئذ تسهل السيطرة على منافع البلاد وأرباحها ونفوسها ومصيرها ومستقبلها، فعلى علماء الإسلام ومحقّقيهم رصد هذه المناهج الضالّة والدفاع عن حياض الإسلام بتحليل هذه المناهج بالمشراط العلمي حتّى لا يذوب الإيمان في قلوب الناشئة وتصبح سدّاً منيعاً أمام هذه التيارات الضالّة.
وهذه دراسة إجمالية تدفع المفكّر الإسلامي إلى بذل التوجّه والاهتمام بالفقه الأكبر وأنّه ينال الدرجة الأُولى من الحاجات العلمية.

176

12

الكلام الشيعي الإمامي

في قفص الاتّهام

الكلام الإمامي في مراحله التي مرّ بها، كان يسير على ضوء الكتاب، والسنّة الصحيحة المأخوذة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، والعقل الحصيف، ولم يكن فيما يبرم وينقض، أو يعتقد ويرفض عيالاً على منهج من المناهج الكلامية خصوصاً الاعتزال، من غير فرق بين أهل الحديث والأثر منهم، كالشيخ الصدوق(المتوفّى 381هـ)، ومن تقدّم عليه كأُستاذه ابن الوليد(المتوفّى 343هـ) وأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري (المتوفّى حدود280هـ) وسعد بن عبداللّه القمي(المتوفّى301هـ)، وأهل البرهنة والاستدلال كعيسى بن روضة حاجب المنصور، وعلي بن إسماعيل بن ميثم التمار البغدادي، وأبي جعفر مؤمن الطاق، وهشام بن الحكم، وهشام بن سالم، ومن يليهم إلى عصر المفيد والمرتضى والشيخ الطوسي، والجميع على اختلاف مشاربهم درسوا العقيدة الإسلامية على ضوء ما ذكرنا، خصوصاً خطب الإمام علي عليه السَّلام وكلماته، فلو قالوا بالتوحيد، والعدل، والتنزيه، ونفي الرؤية، والقدرة، والاستطاعة فإنّ جميع هذه المفاهيم مستقاة من

177

عين صافية، وهي أحاديث أئمّة أهل البيت في مقدّمهم، خطب الإمام علي عليه السَّلام.
فلو اتّفقوا مع المعتزلة في قسم من الأُصول المذكورة ، فلا يُعدّ هذا دليلاً على أنّهم أخذوه عن المعتزلة، بل الطائفتان اجتمعتا على مائدة واحدة وانتهلتا من معين واحد.
وقد ذكرنا في موسوعتنا(1) نصوص أئمّة الاعتزال على أنّ مذهبهم يتصل بالإمام علي عليه السَّلام، ونأتي هنا بنموذجين:
قال القاضي عبد الجبار: فأمّا أمير المؤمنين(عليه السلام) فخطبه في بيان نفي التشبيه و إثبات العدل أكثر من أن تحصى.
وقال (2)أيضاً: وأنت إذا نظرت في خطب أمير المؤمنين وجدتها مشحونة بنفي الرؤية عن اللّه تعالى.(3)
وهذا هو ابن المرتضى يقول: وسند المعتزلة لمذهبهم أوضح من الفلق، إذ يتّصل إلى واصل وعمرو اتصالاً ظاهراً، وهما أخذا عن محمد بن علي بن أبي طالب وابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمد، ومحمد هو الذي ربّى واصلاً وعلّمه حتّى تخرّج واستحكم، ومحمد أخذ عن أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام)من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) .
و(4)هانحن نذكر خطبة من خطب الإمام، وهي جواب لسؤال من قال: صِفْ لنا ربّنا مثل ما نراه، فغضب(عليه السلام)، ونادى الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس حتّى غصّ المسجد بأهله فقال كما يرويه الشريف الرضي:
وَأَشْهَدُ أنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبايُنِ أعْضاءِ خَلْقِكَ، وَتلاحُمِ حِقاقِ مَفاصِلِهمْ

(1) بحوث في الملل والنحل:3/188ـ 190.
(2) فصل الاعتزال وذكر المعتزلة:163.
(3) شرح الأُصول الخمسة:268.
(4) المنية والأمل: 5ـ6.

178

المُْحْتَجِبَة لِتَدْبيرِ حِكْمَتِكَ، لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلى مَعْرِفَتِكَ وَلَمْ يُباشِرْ قَلْبُهُ الْيَقينَ بِأنَّهُ لا نِدَّ لَكَ، وَكأنّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤا التّابِعينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ: (تَاللّهِ كُنَّا لَفِي ضَلال مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمينَ).
كَذَبَ العادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنامِهِمْ وَنَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوهامِهِمْ. وَجَزَّأوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّماتِ بِخَواطِرهِمْ، وَقَدَّرُوكَ عَلى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوى بِقَرائِحِ عُقُولِهِمْ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيء مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَالْعادِلُ بِكَ كافِرٌ بِمَاتَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَماتُ آياتِكَ، وَنَطَقَتْ عَنْهُ شَواهِدُ حُجَجِ بيِّناتِكَ،وَإِنَّكَ أَنْتَ اللّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاه فِي الْعُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً وَلاَ في رَوِيَّاتِ خَواطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً.
ومن كان عنده هذا الكنز الثمين وأمثاله فهو في غنى عن التطفّل على موائد الآخرين، وفي منتدح عن أن يتفوّه بالتجسيم والتشبيه أو بالجهة والرؤية، أو يصير عيالاً على غيره.
ومع هذا التاريخ الوضّاح لكلام الشيعة الإماميّة فقد اتّهموه ببعض التهم: نذكر منها أمرين:

1. اتّهام الشيعة بالتجسيم

إنّ مشايخ الإمامية كانوا على عقيدة التشبيه والتجسيم والجهة والرؤية، إلاّ نفراً قليلاً عدلوا إلى التنزيه والعدل، لأجل مصاحبتهم المعتزلة.
وحاصل التهمة: انّ الشيعة الإمامية، كانوا مجسّمة غير أنّ أقلّية منهم اتّصلت بالمعتزلة فتأثّروا بعقائدهم وصاروا من أصحاب التوحيد والعدل.

179

يقول أبو الحسين الخياط(المتوفّى311هـ):«وأمّا جملة قول الرافضة، فهو: إنّ اللّه عزّ وجلّ ذو قَد، وصورة، وحدّ يتحرّك ويسكن، ويدنو ويبعد، ويخفّ ويثقل...» هذا توحيد الرافضة بأسرها، إلاّ نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة واعتقدوا التوحيد،فنفتهم الرافضة عنهم، وتبرّأت منهم، فأمّا جُملَتُهم ومشايخهم، مثل: هشام بن سالم، وشيطان الطاق، وعليّ بن ميثم، وهشام بن الحكم، وعليّ بن منصور، والسكّاك، فقولهم ما حكيت عنهم...».(1)
و يقول ابن تيمية :ومعلوم أنّ المعتزلة هم أصل هذا القول(العدل الإلهي)، وانّ شيوخ الرافضة كالمفيد(336ـ 413هـ) والسيد المرتضى(355ـ 436هـ) والطوسي(385ـ 460هـ) والكراجكي(المتوفّى 449هـ) إنّما أخذوا ذلك من المعتزلة، وإلاّ فالشيعة القدماء لا يوجد في كلامهم شيء من هذا.
ويقول الذهبي، زميل ابن تيمية: ومن حدود سنة 370هـ، إلى زماننا هذا تصادق الرفض والاعتزال وتواخيا.(2)
يقول ابن حجر ـ موسّعاً زمان التآخي ـ: و إنّ الطائفتين لم يزالا متواخيين من زمان المأمون العباسي .(3)
أقول: وأنّى لأبي الحسين الخياط وابن تيمية والذهبي وأشباههم الإلمام بتاريخ الشيعة، وتقييم عقائدهم، وهم يكتبون تاريخ الشيعة بنفسية خاصة وبعقيدة مسبقة في حقّهم.
كيف يكون الشيعة عيالاً على المعتزلة من عصر اتّصال المفيد بهم مع أنّ

(1) الانتصار:14.
(2) ميزان الاعتزال:3/149.
(3) لسان الميزان:4/248.

180

مشايخ الشيعة، قد رفعوا لواء التوحيد في القرون المتقدّمة على المفيد.
وها نحن نذكر لفيفاً من مشايخ الشيعة(في القرنين الثاني والثالث) الذين ألّفوا كتباً حول التوحيد، منهم:
1. علي بن منصور الكوفي، البغدادي.
له كتاب التدبير في التوحيد والإمامة.
وكان من حضار مجلس يحيى بن خالد البرمكي الذي كان يعقده للمناظرة. قال المسعودي: كان إمامي المذهب،ومن نظّار الشيعة في وقته.
فمن كان يناظر في المسائل الكلامية والفلسفية بمحضر جمع من متكلّمي الإسلام، هل يتصور أن يقول بالتجسيم والتشبيه والجهة؟!
2. محمد بن الخليل البغدادي، أبو جعفر السكّاك(المتوفّى بعد 208هـ).
له كتاب باسم التوحيد وآخر باسم المعرفة.
وهو من المتكلّمين المرموقين في عصر هارون الرشيد، وكان يرتاد الندوة التي كان يعقدها خالد بن يحيى البرمكي ببغداد.
3. محمد بن أبي عمير البغدادي(المتوفّى 217هـ).
له كتاب التوحيد.
كان من مشايخ الشيعة، ولذلك اعتُقل في أيام هارون الرشيد وكفى في مقدرته العلمية أنّ هشام بن الحكم وهشام الجواليقي لمّا أرادا المناظرة في بعض المسائل العلمية، اشترط الجواليقي أن تجري المناظرة بينهما بحضور ابن أبي عمير.
4. علي بن الحسن بن محمد الكوفي، المعروف بالطاطري (المتوفّى بعد 230هـ).
ألّف في الكلام كتاب التوحيد.

181

وهو أحد أقطاب الشيعة في عصره.
5. محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (المتوفّى 262هـ).
ألّف كتباً، منها: كتاب التوحيد، وكتاب الرد على أهل القدر.
وهو صاحب الباع الطويل في الفقه والحديث والكلام.
6. سهل بن زياد الآدمي(المتوفّى بعد 260هـ).
عاصر الإمامين محمد الجواد وعلي الهادي عليمها السَّلام.
صنف كتاب التوحيد.
وهو يروي مناظرة موسى بن جعفرعليمها السَّلام مع أبي حنيفة، وهي بصدد نفي الجبر عن العبد، وتصحيح التقدير على نحو لا يخالف حرية الإنسان.(1)
هذه نماذج من مشايخ الشيعة الذين عاشوا في القرنين الثاني والثالث، وقبل أن يولد الشيخ المفيد بسنين متطاولة ، فكيف يصحّ لهؤلاء المتسرّعين ذلك القضاء الباطل الذي يبخس حق الشيعة، ويتنكّر لأصالة آرائهم ونظرياتهم الكلامية؟!
والعجب العجاب أن تصبح شيعة أمير المؤمنين(الذي منه(عليه السلام)انتشر التوحيد والعدل) مجسّمة مجبّرة، ويكون الأغيار أهل التنزيه والعدل!!
وليس هذا من خصائص الكلام الإمامي و حسب، فانّ الزيدية المقتفية أثر خُطَب الإمام وكلماته، رفعت أيضاً لواء التوحيد والعدل منذ زمن قديم، منهم:
أبو محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسّي الحسني(169ـ246هـ) فقد ألّف كتاب التوحيد والعدل الصغير، طبع في بيروت، دار مكتبة الحياة ضمن مجموعة رسائل من العدل والتوحيد.

(1) انظر تراجم هؤلاء الأعلام في هذا الجزء من الكتاب.

182

كما ألّف كتاب التوحيد والعدل الكبير وهو ردود على المشبهة والمجبرة والقدرية والمرجئة طبع أيضاً في بيروت في نفس الدار.
يحيى بن الحسين الزيدي(220ـ 298هـ) له العدل والتوحيد كما في الجامع الكبير.(1)
إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة حول التوحيد والعدل بيد مشايخ الشيعة إماميهم وزيديهم وقد اشتهر بين المتكلّمين: العدل والتوحيد علويان، والجبر والتشبيه أمويان.
إنّ كتاب الكافي لمؤلفه الشيخ الكليني(260ـ 329هـ) يزخر بالأحاديث الدالة على نفي التشبيه والتجسيم والجبر، ويليه كتاب التوحيد للشيخ الصدوق (306ـ 381هـ) فقد أخرج فيه ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)في مجال التوحيد و العدل، وقد جمع العلاّمة المجلسي(1037ـ 1110هـ) في موسوعته الحديثية«بحار الأنوار»، كلّ ما ورد حولهما من الأثر عن النبي وأهل بيته فاستغرق ستة أجزاء من كتابه.
أفبعد هذه الأحاديث المتوافرة تُتّهم، شيعة آل البيت بالتجسيم والتشبيه،ظلماً و عدواناً؟! ولأجل الملازمة بين التشيع و حبّ آل البيت و بين العدل والتوحيد يقول الصاحب بن عباد:
لو شُقَّ عن قلبي يُرى وسْطه *** سطران قـد خُطّـا بلا كـاتب
العدل والتوحيد فـي جـانب *** وحبّ أهل البيت في جـانب
والعجب من ابن تيمية يرى القذى في عين غيره، ولا يرى الجذع في عينه، فهو وزميله الذهبي ينسبان للشيعة ما عرفت، مع أنّ كتب الحنابلة مكتظة بأخبار

(1) الجامع الكبير:2/675.

183

التجسيم والجبر وهذا هو محمد بن إسحاق بن خزيمة(المتوفّـى311هـ) ألف كتاباً باسم «التوحيد وإثبات صفات ربّ العالمين»، جمع فيه من هنا وهناك روايات التجسيم، وقد أصبح هذا الكتاب وكتاب «السنّة»، لعبد اللّه بن أحمد بن حنبل(213ـ 290هـ)، مرجع المجسّمة، فقد جاء فيهما ضحك ربنا، واصبعه، ويده، ورجله، وذراعيه وصدره إلى غير ذلك من الإسرائيليات والمسيحيات التي خدع بها المغفلون من الحشوية، فملأوا بها كتبهم، وهم يحسبون انّهم يحسنون صنعاً.
وقد نال توحيد ابن خزيمة مكانة عظمى لدى الحنابلة، وصار مصدر العقيدة الإسلامية عندهم.
قال ابن كثير في حوادث 460هـ: وفي يوم النصف من جمادى الأُولى قُرئ«الاعتقاد القادري» الذي فيه مذهب أهل السنّة والإنكار على أهل البدع وقرأ أبو مسلم الكجي البخاري، المحدث، كتاب «التوحيد» لابن خزيمة على الحاضرين وذكر بمحضر من الوزير ابن جهير وجماعة الفقهاء وأهل الكلام، واعترفوا بالموافقة.(1)
وقد وقف الرازي على ما في الكتاب من الشرك والبدع، فشطب عليه، وقال في تفسير قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلهِ شَيء): واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بـ«التوحيد»ـ وهو في الحقيقة كتاب الشرك ـ واعترض عليها وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنّه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(2)
ولمّا وقف شيخنا الصدوق على اتّهام قدماء أصحابنا بالتجسيم والتشبيه،

(1) البداية والنهاية:12/92.
(2) مفاتيح الغيب:27/150.

184

ألف كتاب «التوحيد»، في ردّ هذه الوصمة فقال في مقدّمة الكتاب: إنّ الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا، إنّي وجدت قوماً من المخالفين لنا ينسبون عصابتنا إلى القول بالتشبيه والجبر، لما وجدوا في كتبهم من الأخبار التي جهلوا تفسيرها ولم يعرفوا معانيها، ووضعوها في غير مواضعها، ولم يقابلوا بألفاظها، ألفاظ القرآن فقبّحوا بذلك عند الجهال مذهبَنا، ولبّسوا عليهم طريقتنا، وصدّوا الناس عن دين اللّه، وحملوهم على جحود حجج اللّه، فتقربت إلى اللّه تعالى ذكره بتصنيف هذا الكتاب في التوحيد ونفي التشبيه والجبر.

اتهام هشام بن الحكم بالتجسيم

اتّهم أبو الحسين الخياط«الهشامين: هشام بن الحكم، و هشام بن سالم» و مؤمن الطاق و غيرهم بالتجسيم والتشبيه وتبعه غيره، لكنّها شنشنة أخزمية، نسمعها من كلّ من يكنّ العداء لشيعة آل البيت. ومن وقف على جانب من جوانب شخصية «هشام بن الحكم»و انّه كان رائد الدليل والبرهان في الأندية الكلامية لأذعن بأنّ نسبة التجسيم إليه وإلى نظرائه، فرية بلا مرية.
وهذا هو المسعودي يعرفنا مكانته بين أعلام عصره، ونبوغه في الجدل والبرهان، فيقول: وقد كان يحيى بن خالد ذا علم ومعرفة وبحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل الآراء والنحل، فقال لهم يحيى وقد اجتمعوا عنده: قد أكثرتم الكلام في الكمون والظهور، والقدم والحدوث، والإثبات والنفي، والحركة والسكون، والمماسّة والمباينة، والوجود والعدم، والجرّ والطفرة، والأجسام والأعراض، والتعديل والتجريح، ونفي الصفات وإثباتها، والاستطاعة والأفعال، والكمية والكيفية، والمضاف، والإمامة أنصّ هي أم اختيار، وسائر ما توردونه من الكلام في الأُصول والفروع، فقولوا الآن

185

في العشق على غير منازعة، وليورد كلّ واحد منكم ما سنح له فيه، وخطر إيراده بباله.
فقال علي بن ميثم وكان إمامي المذهب من المشهورين من متكلّمي الشيعة: أيّها الوزير العشق ثمرة المشاكلة ....
وقال الثالث: وهو محمد بن الهذيل العلاّف، وكان معتزليّ المذهب وشيخ البصريين: أيّها الوزير، العشق يختم على النواظر، ويطبع على الأفئدة، مرتقى في الأجساد....
وقال الرابع: وهو هشام بن الحكم الكوفي شيخ الإمامية في وقته وكبير الصنعة في عصره ـ : أيّها الوزير، العشق حِبالةٌ نصبها الدهر فلا يصيد بها إلاّ أهل التخالص في النوائب....
وقال النظّام إبراهيم بن سيّار المعتزلي وكان من نظار البصريين في عصره: أيّها الوزير العشق أرق من السراب وأدبُّ من الشراب....
ثمّ قال السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر ومن يليهم، حتّى طال الكلام في العشق بألفاظ مختلفة ومعان تتقارب وتتناسب، وفيما مر دليل عليه.(1)
أفيصحّ بعد هذا أن نتّهمه بأنّه كان يقول بأنّ معبوده سبعة أشبار بشبر نفسه وانّه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة، وانّه يتحرك وحركته ... وليست من مكان إلى مكان و قال: هو متناه بالذات غير متناه بالقدرة.
وحكى عبد اللّه عيسى الوراق أنّه قال: إنّ اللّه تعالى مماس لعرشه، لا يفضل منه شيء عن العرش ولا يفضل من العرش شيء منه.(2)

(1) مروج الذهب:3/372 طبعة دار الأندلس، بيروت.
(2) الشهرستاني، الملل والنحل:1/149، طبعة المكتبة النصرية، بيروت.

186

إنّ هذه الأفكار ألصق بالحشوية منها بشيعة آل البيت الذين تربّوا في أحضان التوحيد و العدل.
إنّ أفضل السُّبُل للوقوف على شخصية إنسان وأفكاره ونزعاته هو تسليط الضوء على الآثار التي تركها بعد رحيله، فالمترجمون له، يذكرون له كتباً، منها:
1. كتاب التوحيد.
2. كتاب المجالس في التوحيد.
3. كتاب الشيخ والغلام في التوحيد.
4. كتاب الردّ على ارسطاطاليس في التوحيد.
5. كتاب الدلالات على حدث (حدوث) الأجسام.
6. كتاب الردّ على الزنادقة.
7. كتاب الردّ على أصحاب الاثنين.
8. كتاب الردّ على أصحاب الطبائع.
9. كتاب في الجبر والقدر.
10. كتاب القدر.
11. كتاب الاستطاعة.
12. كتاب المعرفة.
13. كتاب الألطاف.
14. كتاب الألفاظ، ولعلّه كان يعني شرح المصطلحات التي كان يستعملها هو أو كانت تستعمل في الكلام.
إنّ من يرد على أرسطاطاليس في التوحيد، ويناضل ذلك المعلم الأوّل،

187

يستحيل عليه أن يقدِّر ربه بأشبار نفسه، أو يجلسه على عرشه الذي لا يزيد عليه ولا ينقص منه.
وقد كفانا في دفع هذه السهام المرشوقة على شخصية مثل هشام بن حكم، أو هشام بن سالم أو مؤمن الطاق، ما قام به القدامى من علمائنا، منهم الشريف المرتضى، حيث يقول:
«...فأمّاما رُمي به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم، فالظاهر من الحكاية عنه القول بـ«جسم لا كالأجسام»، ولا خلاف في أنّ هذا القول ليس بتشبيه، ولا ناقض لأصل، ولا معترض على فرع، وأنّه غلط في عبارة، يرجع في إثباتها ونفيها إلى اللّغة، وأكثر أصحابنا يقولون: إنّه أورد ذلك على سبيل المعارضة للمعتزلة ، فقال لهم: إذا قلتم: إنّ القديم تعالى شيء لا كالأشياء، فقولوا :إنّه جسمٌ لا كالأجسام، وليس كلّ من عارض بشيء وسأل عنه أن يكون معتقداً له ومتديّناً به، وقد يجوز أن يكون قصد به إلى استخراج جوابهم عن هذه المسألة ومعرفة ما عندهم فيها، أو إلى أن يُبيِّن قصورهم عن إيراد المرتضى في جوابها، إلى غير ذلك ممّا لا يتّسع ذكره.
فأمّا الحكاية أنّه ذهب في اللّه تعالى أنّه جسم له حقيقة الأجسام الحاضرة، وحديث (الأشبار) المدّعى عليه فليس نعرفه إلاّ من حكاية الجاحظ عن النظّام، وما فيها إلاّ متّهم عليه غير موثوق بقوله، وجملة الأمر: أنّ المذاهب يجب أن تؤخذ من أفواه قائليها وأصحابهم المختصّين بهم ومن هو مأمون في الحكاية عنهم، ولا يرجع إلى دعاوي الخصوم....
و ممّا يدلّ على براءة هشام من هذه التهم، ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله: «لا تزال يا هشام مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك».

188

وأمّا الجبـر وتكليفه ]تكليف اللّه[ بمالا يطاق ممّا لا نـعرفـه مذهبـاً له...».(1)
وفي معالم ابن شهر آشوب، قال الصادق(عليه السلام): «هشام رائد حقّنا، وسائق قولنا، المؤيّد لصدقنا، والدامغ لباطل أعدائنا، من تبعه وتبع أثره تبعنا، ومن خالفه وألحد فقد عادانا وألحد فينا».(2)
ولا ريب في أنّ العارف بفنّ المناظرة والأساليب المتّبعة في هذا الفنّ، يُدرك ما يرمي إليه المناظر القدير من مقاصد في كلامه، ويبدو أنّ أبا الفتح الشهرستاني (المتوفّى 548هـ)، قد فهم هذا المعنى، وأدرك مغازي تلك المناظرات، فقال: وهذا هشام بن الحكم صاحب غوْر في الأُصول، لا يجوز أن يُغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، ودون ما يظهره من التشبيه، وذلك أنّه ألزم العلاف، فقال: إنّك تقول الباري عالم بعلم وعلمه ذاته، فيشارك المحدثات في أنّه عالم بعلم، ويباينها في أنّ علمه ذاته، فيكون عالماً لا كالعالمين، فلم لا تقول هو جسم لا كالأجسام، وصورة لا كالصور، وله قدر لا كالأقدار، إلى غير ذلك.
ويقول أحمد أمين: إنّ هشام بن الحكم أكبر شخصية شيعية في الكلام، وكان جداً قوي الحجّة، ناظر المعتزلة وناظروه، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرقة تدل على حضور بديهيته وقوة حججه.

(1) الشافي:1/83.
(2) معالم العلماء:128.وقد قام المحقّق المعاصر الشيخ محمد رضا الجعفري(حفظه اللّه) بالدفاع العلمي عن شيخ الشيعة ومتكلّمهم هشام بن الحكم في مقال خاص نشره في مجلة تراثنا العدد30، ط قم فلاحظ.

189

وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الرجل كان في بداية أمره من تلاميذ أبي الشاكر الديصاني، صاحب النزعة الإلحادية في الإسلام، ثمّ تبع الجهم بن صفوان، الجبري المتطرّف المقتول بترمذ عام 128هـ، ثمّ لحق بالإمام الصادق(عليه السلام) ودان بمذهب الإمامية، وما تنقل منه من الآراء التي لا توافق أُصول الإمامية، فإنّما هي راجعة إلى العصرين اللّذين كان فيهما على النزعة الإلحادية أو الجهمية، وأمّا بعد ما لحق بالإمام الصادق (عليه السلام)فقد انطبعت عقليّته بمعارف أهل البيت إلى حدّ كبير، حتّى صار أحد المناضلين عن عقائد الشيعة الإمامية.(1)
وإنّني أعتقد أنّ هذا الكلام الواضح كالشمس في رابعة النهار، يبدّد كلّ السحب السوداء التي أحاطت بآراء ومقالات هشام، ولم يُبق لطلاّب الحقيقة من عذر في جهل شخصية هشام، وسمو منزلته في العلم والإيمان والعقائد الصحيحة.

2. الشيعة ورثة المعتزلة

هذه هي التهمة الأُخرى التي ألصقها خصوم الشيعة بهم، وقد مرّ في كلام الخياط وغيره الإشارة إليها واجترّها الباحث الغربي «آدم متز» في كتابه «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع»، وقد خصّص الفصل الخامس من كتابه للشيعة، ولم يكن عنده ـ حسب اعترافه ـ إلاّ مخطوط علل الشرائع للصدوق (306ـ 381هـ) وقد عثر عليه في مكتبة برلين، ولم يذكر في هذا الفصل شيئاً مهماً عن الشيعة سوى الصراعات والفتن التي دارت في هذا القرن وما قبله بين السنّة والشيعة في بغداد وغيرها، وقد جمع تلك الصفحات بجدّ وحماس، وكأنّه يريد أن يلخّص الشيعة في

(1) راجع بحوث في الملل والنحل:6/578.

190

إثارة الفتنة والفساد، متناسياً دورهم الكبير في الدين و الأدب، ومشاركتهم سائر المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية، وإن أشار في ثنايا كتابه إلى بعض الشخصيات اللامعة منهم كنصير الدين الطوسي، وليته اكتفى في رسم صورة تلك الطائفة بما ذكره، ولم يتّهمهم بكونهم تبعاً للمعتزلة في الأُصول والآراء، و إنّه لم يكن لهم في القرن الرابع مذهب كلامي مدوّن، وإليك نصَّ كلامه:
إنّ الشيعة هم ورثة المعتزلة، ولابدّ أن تكون قلّة اعتداد المعتزلة بالأخبار المأثورة ممّا لاءَم أغراض الشيعة، ولم يكن للشيعة في القرن الرابع (300ـ 400هـ) مذهب كلامي خاصّ بهم، فتجد مثلاً أن عضدالدولة (المتوفّى 372هـ) وهو من الأُمراء المتشيّعين يعمل على حسب مذهب المعتزلة، ولم يكن هناك مذهب شيعي للفاطميين، ويصرح المقدسيّ بأنّهم يوافقون المعتزلة في أكثر الأُصول، وعلى العكس من هذا نجد الشيعة الزيدية يرتقون بسند مذهب المعتزلة حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ويقولون: إنّ واصلاً أخذ عن محمد بن علي بن أبي طالب، وأنّ محمّداً أخذ عن أبيه، والزيدية يوافقون المعتزلة في أُصولهم إلاّ في مسألة الإمامة، ويدلّ على العلاقة الوثيقة بين المعتزلة والشيعة أنّ الخليفة القادر جمع بينهما حينما نهى في عام (408هـ) عن الكلام والمناظرة في الاعتزال والرفض (مذهب الشيعة) والمقالات المخالفة للإسلام.
ثمّ إنّ الطريقة التي سار عليها ابن بابويه القمّي أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري في كتابه المسمّى بكتاب «العلل» تذكّرنا بطريقة علماء المعتزلة الذين يبحثون عن علل كلّ شيء.(1)
إنّ في كلام هذا الباحث مناقشات كثيرة قد أشرنا إليها في مقال تحت عنوان

(1) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري:1/106ـ 107.

191

«الشيعة وعلم الكلام عبر القرون الأربعة»، نشر بمناسبة الذكرى الألفية لوفاة الشيخ المفيد برقم 32 لكن نشير في المقام إلى الغرض الأسنى من هذا البحث.
من قرأ تاريخ التشيع والاعتزال يقف على أنّ الطائفتين تتصارعان صراع الأقران في المسائل التي اختلفتا فيها، فكيف يمكن أن تكون الشيعة عالة على المعتزلة في عقائدها؟ فأين مبادئ الشيعة من مبادئ الاعتزال والطائفتان وإن كانتا تشتركان في التوحيد والعدل وبالتالي في نفي التجسيم والرؤية والجبر والقول بالتحسين والتقبيح العقليين، لكنّهما تفترقان في كثير من الأُصول، وكفاك في هذا المضمار ما ألّفه الشيخ المفيدباسم «أوائل المقالات في المذاهب والمختارات».
يقول في ديباجة كتابه: «فإنّي بتوفيق اللّه ومشيته مثبت في هذا الكتاب ما آثر إثباتَه من فرْق ما بين الشيعة والمعتزلة، وفصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل من المعتزلة، والفرق ما بينهم من بعد، و ما بين الإمامية فيما اتّفقوا عليه من خلافهم فيه من الأُصول، وذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرعة عن أُصول التوحيد و العدل و القول من اللطيف في الكلام وما كان وفاقاً منه لبني نوبخت رحمهم اللّه، وما هو خلاف لآرائهم في المقال وما يوافق ذلك مذهبه (1) من أهل الاعتزال وغيرهم من أصحاب الكلام ليكون أصلاً معتمداً فيما يمتحن للاعتقاد، وباللّه استعين على تبيين ذلك وهو بلطفه الموفق للصواب».(2)
وقد سبق منّا في الفصل التاسع الفوارق بين المنهجين في الكلام.(3)

(1) الضمير يرجع إلى الشريف الرضي حيث أشار إليه فيما سبق من كلامه هذا.
(2) أوائل المقالات: 1ـ 2، طبعة تبريز.
(3) لاحظ ص 149ـ150 من هذه المقدّمة.

192

إنّ المناظرات التي دارت بين الشيعة والمعتزلة من عصر الإمام الباقرعليه السَّلام إلى العصر الذي ارتمت فيه المعتزلة في أحضان آل بويه، أدلّ دليل على أنّ النظام الفكري للشيعة لا يتفق مع المعتزلة.(1)
وأمّا ردود الشيعة على المعتزلة فحدّث عنها ولا حرج، وإليك أسماء بعضها:
1. محمد بن علي بن النعمان، مؤمن الطاق(المتوفّى نحو 160هـ): أحد المتكلّمين البارزين، وله مجالس مع الآخرين، له كتب، منها: الرد على المعتزلة في إمامة المفضول، وكتاب الجمل في أمر طلحة والزبير وعائشة.(2)
2. هشام بن الحكم(المتوفّى 199هـ): متكلّم الشيعة في عصره. له ردود على مختلف الفرق، منها: كتاب الردّ على المعتزلة، وكتاب الردّ على المعتزلة وطلحة والزبير. (3)
3. الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري(المتوفّى 260هـ): فقيه متكلّم بارع. له ردود، منها: النقض على الاسكافي، الرد على الأصمّ، كتاب في الوعد والوعيد.(4)
4. الحسن بن موسى بن الحسن بن محمد بن العباس النوبختي(المتوفّى حدود 310هـ) له ردود على المعتزلة نذكر منها ما يلي:
النقض على أبي الهذيل العلاّف في المعرفة (أبو الهذيل متكلم معتزلي توفّـي

(1) لاحظ هذه المناظرات في الكتابين التاليين:1. الفصول المختارة من العيون والمحاسن،2. كنز الفوائد، للكراجكي(المتوفّى 449هـ) .
(2) فهرست الطوسي، رقم 595.
(3) رجا ل النجاشي: 2/397 برقم 1165.
(4) رجال النجاشي:2/168برقم 838.

193

سنة 235هـ)، النقض على جعفر بن حرب في الإمامة (وهذا متكلّم معتزلي توفّي سنة 236هـ)، نقض العثمانية للجاحظ، الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين في الوعيد، إلى غير ذلك من آثاره.
5. محمد بن عبد الرحمن بن قبة المتكلّم المعروف، المتوفّى قبل سنة (319هـ)، له كتاب الردّ على الجبائي، و نقل النجاشي عن أبي الحسين السوسنجردي، أنّه قال: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضاعليه السَّلام بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً بي ومعي كتاب أبي جعفر ابن قبة في الإمامة المعروف بالإنصاف، فوقف عليه ونقضه بـ«المسترشد في الإمامة»، فعدت إلى الري فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بـ«المستثبت في الإمامة»، فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بـ «نقض المستثبت»، فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قد مات .(1)
وأخيراً قام الشيخ المفيد بنقض كثير من كتب المعتزلة، فله الكتب التالية وكلّها ردود عليهم:
1. الرد على الجاحظ العثمانية.
2. نقض المروانية.
3. نقض فضيلة المعتزلة.
4. النقض على ابن عبّاد في الإمامة.
5. النقض على عليّ بن عيسى الرماني.
6. النقض على أبي عبد اللّه البصري في المتعة.

(1) رجال النجاشي:2/288 برقم 1024.

194

7. نقض الخمس عشرة مسألة للبلخي.
8. نقض الإمامة على جعفر بن حرب.
9. الكلام على الجبائي في المعدوم.
10. نقض كتاب الأصمّ في الإمامة.
11. كتاب الردّ على الجبائي في التفسير.
12. عمد مختصرة على المعتزلة في الوعيد.
إنّ تلميذه الفارس البطل في حقل الكلام السيد المرتضى (355ـ 436هـ) نقض بعض كتب المعتزلة فألف الشافي ردّاً على الجزء العشرين من كتاب «المغني» للقاضي عبد الجبار(المتوفّى 415هـ).
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الطائفتين تتفقان في أُصول وتختلفان في أُصول أُخرى وليست إحداهما فرعاً للأُخرى، بل الجميع يصدرون في قسم من الأُصول عن عين صافية، أعني: خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)ويختلفون في أُصول كلامية.
إلى هنا تمّ تبيين بعض التهم المرميّ بها الكلام الإمامي وتركنا بعض التهم الجزئية لض آلتها ، وللّه الحمد.

195

13

المراحل الأربع

التي مرّ بها الكلام الإماميّ

قد أصبح اليوم تاريخ كلّ علم موضوعاً مستقلاً وراء العلم حتّى غلا بعضهم في القول بأنّه ليس للعلم حقيقة سوى تاريخه ومراحله التي مرّ بها العلم عبر قرون، والفرق بين ذات العلم ودراسة تاريخه ومراحله يتجلّى في المثال التالي:
هناك من يبحث في علم الطب من منظار داخلي وتُثمر جهودُه في نفس ذلك العلم، وتتبعه اكتشافات في الداء والدواء، وهناك من يبحث في ذلك العلم من منظار خارجي و تنصب جهوده في تاريخه والمراحل الّتي مرّ بها العلم، وما أعقبه من نضوج وتكامل، وهذا ما نهدف إليه في هذا الفصل الذي هو خاتمة المطاف في هذا التقديم.

المرحلتان المتواكبتان

إنّ الشيعة الإماميّة منذ عصر الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) إلى عصر الشيخ المفيد كانوا على منهجين متقاربين لا متضادّين:

196

1. منهج جمع الحديث وتدوينه مجرّداً عن التعمّق والتمحيص إلاّ قليلاً.
2. منهج تدوين الحديث مع تمحيص السنّة الصحيحة عن الموضوعة.
وكانت الطائفتان على ذينك المنهجين وكلّ يدافع عن منهجه بجدّ وحماس إلى أن وصل دور الرئاسة إلى الفارس الباسل في ميدان العلوم والمعارف: الشيخ المفيد فأطفأ ثورة الطائفة الأُولى وقلع فكرة الجمود على النقل من دون تمحيص ونظر.
نعم كان المنهجان يتواكبان في عصر واحد دون أن يكون لواحد تقدّم زمنيّ على الآخر، وقد اتخذت الطائفة الأُولى بلدة قم والريّ مركزاً لتعاليمها وثقافتها، كما كانت الكوفة وبغداد مركزاً للطائفة الثانية، وستقف على أعلام كلّ طائفة على وجه الإجمال.
جدير بالذكر أنّ اختلاف المنهجين في المسائل الكلامية التي لا يجب الاعتقاد فيها بواحد من القولين، رغم أنّهم كانوا متّفقين في الأُصول التي تناط بها السعادة كالتوحيد والعدل ونفي الرؤية، وعينية الصفات للذات وحدوث القرآن ونفي الجبر عن أفعال العباد، وهانحن نشير إلى أعلام كلّ منهج بإيجاز:

أعلام المنهج الأوّل

1. سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعريّ. يقول النجاشي: شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها، كان سمع من حديث العامة شيئاً كثيراً و سافر في طلب الحديث، لقى من وجوههم: الحسن بن عرفة ومحمد بن عبد الملك الدقيقي وأبا حاتم الرازي وعباس الترقفي، ولقى مولانا أبا محمدعليه السَّلام(توفّي سنة 301هـ، وقيل 299هـ) .(1)

(1) رجال النجاشي، رقم 465.

197

2. سهل بن زياد أبو سعيد الآدمي الرازي، كان ضعيفاً في الحديث غير معتمد فيه ، له كتاب التوحيد، تُوفّي بعد 255.
3. م(1)حمد بن الحسن الصفّار، يقول النجاشي:كان وجهاً في أصحابنا القميّين، ثقة، عظيم القدر، راجحاً، قليل السقط في الرواية. توفّي عام 290هـ. له كتاب الردّ على الغلاة، وغير ذلك.(2)
4. أحمد بن محمد بن خالد البرقي، أبو جعفر، نقل العلاّمة الحلّـي عن ابن الغضائري: طعن عليه القميّون وليس الطعن فيه، وإنّما الطعن فيمن يروي عنه، فإنّه كان لا يبالي عمّن أخذ على طريقة أهل الأخبار، توفّي عام 274هـ.(3)
5. عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي البصري أبو أحمد ، شيخ البصرة وأخباريّها، وكان عيسى الجلودي من أصحاب أبي جعفر الجوادعليه السَّلام.(4)
6. محمد بن زكريا بن دينار مولى بني غلاّب، قال النجاشي: كان هذا الرجل وجهاً من وجوه أصحابنا في البصرة، وكان أخباريّاً واسع العلم وصنّف كتباً كثيرة، توفّي عام 298هـ.(5)
7. أحمد بن إبراهيم بن معلّـى بن أسد العمّي، قال النجاشي: كان ثقة في حديثه، حسن التصنيف، وأكثر الرواية عن عامّة الأخباريّين.(6)

(1) رجال النجاشي، رقم 488.
(2) رجال النجاشي، رقم 950.
(3) رجال النجاشي رقم 180 وخلاصة الرجال، للعلاّمة، قسم المعتمدين، باب أحمد، برقم 7.
(4) رجال النجاشي رقم 638.
(5) رجال النجاشي رقم 937.
(6) رجال النجاشي رقم 237.

198

وأخيرهم لا آخرهم:
8. أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه المعروف بالصدوق القمي أبو جعفر نزيل الريّ. قال النجاشي: شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة 355هـ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السنّ.(1)
هؤلاء هم مشاهير المقتفين للمنهاج الأوّل، وقد مرّ أنّ النجاشي يصف أكثرهم بالأخبارية، وقد مرّ أنّهم كانوا يسكنون مدينة قم أو الري، ويُستنتج ممّا جاء في تراجمهم انّهم كانوا يتميزون بأُمور:
1. كانوا يمارسون الأخبار ويروونها لكن بلا تمحيص، ومع ذلك لم يكن الجميع على منزلة واحدة من هذه الجهة للفرق الواضح بين ما ألّفه الصدوق وغيره.
2. كانوا يعتمدون على العقل بأقلّ ما يمكن.
3. يرون أنّ خبر الآحاد حجة في العقائد والمعارف كما هو حجّة في الفقه والأحكام.

أعلام المنهج الثاني

وأمّا أعلام المنهج الثاني الذين كانوا أكثر اعتماداً على العقل والبرهان من الطائفة الأُولى، فقد ورثوا هذا الخط من عصر الإمام الصادق(عليه السلام)، ونبغ في أحضانه متكلّمون واعون نشير إلى بعضهم:
1. زرارة بن أعين. يقول النجاشي: شيخ أصحابنا في زمنه ومتقدّمهم كان

(1) رجال النجاشي برقم 1050.

199

قارئاً، فقيهاً، متكلماً، شاعراً، أديباً، قد اجتمع فيه خصال الفضل والدين، له كتاب في الاستطاعة والجبر.(1)
2. محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى. يقول النجاشي: بغدادي الأصل والمقام; جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين. له من الكتب: كتاب الكفر والإيمان، كتاب البداء، كتاب الاحتجاج في الإمامة، توفّي عام 217هـ.(2)
3. يونس بن عبد الرحمن مولى علي بن يقطين . يقول النجاشي: كان وجهاً في أصحابنا، متقدّماً، عظيم المنزلة، روى عن الكاظم والرضاعليمها السَّلام. له كتاب المثالب، كتاب البداء، كتاب الردّ على الغلاة، كتاب الإمامة.(3)
4. الفضل بن شاذان، أبو محمد الأزدي. كان أبوه من أصحاب يونس، وكان ثقة، أحد أصحابنا الفقهاء والمتكلّمين، وله جلالة في هذه الطائفة، ومن كتبه: كتاب النقض على الاسكافي في تقوية الجسم، كتاب الوعيد، كتاب الردّ على أهل التعطيل، كتاب الاستطاعة، كتاب الأعراض والجواهر، إلى غير ذلك من كتبه.(4)
5. أبو محمد حسن بن موسى النوبختي. يقول النجاشي: الحسن بن موسى أبو محمد النوبختي شيخنا المتكلّم المبرّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها. له على الأوائل كتب كثيرة، منها: كتاب الآراء والديانات، كتاب كبير حسن يحتوى على علوم كثيرة، قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد اللّه. ثمّ ذكر

(1) رجال النجاشي، برقم 461.
(2) رجال النجاشي، برقم888.
(3) رجال النجاشي، برقم1029.
(4) رجال النجاشي، برقم 838.

200

فهرس كتبه الكثيرة عامّتها في الكلام وقسم منها نقوض وردود. توفي حوالي 310هـ.(1)
6. أبو سهل إسماعيل بن علي بن إسحاق النوبختي. يقول النجاشي: كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا وغيرهم، له جلالة في الدنيا والدين، يجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب.صنّف كتباً كثيرة، منها: الاستيفاء في الإمامة، وكتاب التنبيه في الإمامة، إلى غير ذلك من النقوض والردود.(2)
7. أبو الجيش مظفر بن محمد البلخي. يعرّفه النجاشي بقوله: متكلّم مشهور الأمر سمع الحديث فأكثر، له كتب كثيرة، منها :نقض العثمانية على الجاحظ، كتاب مجالسة مع المخالفين، إلى غير ذلك من الكتب، توفّي عام 367هـ، وقد قرأ على أبي سهل النوبختي.(3)
أخيرهم لا آخرهم:
8. محمد بن محمد بن النعمان المفيد، الغني عن التعريف، كان فارسَ ميدان العلوم والمعارف، ومن أبرز تخصّصاته أنّه كان متكلماً بارعاً ذا منهج خاص ومناظراً منقطع النظير، انتهت إليه رئاسة كلام الشيعة في أواخر القرن الرابع، توفّي عام 413هـ.
هذه إشارة عابرة إلى رجال المنهجين، والطابع الغالب على الأوّل التحديث والعمل بخبر الآحاد في العقائد والمعارف، كما أنّ الطابع العام لمقتفي المنهج الثاني هو العمل بالكتاب والسنّة المتضافرة والعقل الحصيف.

(1) رجال النجاشي، برقم146.
(2) رجال النجاشي، برقم 67.
(3) رجال النجاشي، برقم1131.

201

وهناك سبب آخر لتمايز المنهجين، وهو أنّ روّاد المنهج الأوّل كانوا في منطقة طابَعها العام هو التشيع وكانت السنّة بينهم في قلّة، فلم يكن هناك ما يحفِّز كثيراً على إعمال العقل والنظر والاحتجاج، لكن روّاد المنهج الثاني كانوا يتواجدون في بغداد والكوفة وفيها السنّة بطوائفها، و كان الاحتكاك الثقافي يلزمهم بالجدل والمناظرة وإعمال الفكر لتحصين العقائد.
ومع سيادة طابعين مختلفين على أصحاب هذين المنهجين إلاّ أنّهم لم يختلفوا في الأُصول وإنّما اختلفوا في مسائل كلامية، تظهر بمراجعة كتاب «تصحيح الاعتقاد» للشيخ المفيد، وهو تعليقات على كتاب «عقائد الإمامية» للشيخ الصدوق، ناقشه في عدّة من المسائل الكلامية.
وبالرجوع إلى «تصحيح الاعتقاد» تظهر مواقع الاختلاف بين المنهجين، وبما أنّ «تصحيح الاعتقاد» طبع وانتشر على نطاق واسع، فإنّنا لا نجد هنا ما يُلزم لبيان الفوارق بينهما.
ولأجل إعلام القارئ بوجود النقاش بين أصحاب المنهجين نذكر عبارة المفيد التي سطّرها في بعض فصول هذا الكتاب يقول:
«لكن أصحابنا المتعلّقين بالأخبار، أصحاب سلامة وبعد ذهن وقلّة فطنة، يمرّون على وجوههم فيما سمعوه من الأحاديث ولا ينظرون في سندها، ولا يفرقون بين حقّها وباطلها، ولا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها، ولا يحصلون معاني ما يطلقونه منها...».(1)
نقل الشيخ المفيد آراء بعض المحدّثين بمالا يوافق مذهب الإمامية، ولأجل

(1) تصحيح الاعتقاد، ص 38، طبع تبريز.

202

ذلك خطّأهم ونسبهم إلى التقصير قال: وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد(1) لم نجد دافعاً في التقصير، وهي ما حكي عنه أنّه قال: أوّل درجة في الغلوّ نفي السهو عن النبي والإمام، فإن صحت هذه الحكاية فهو مقصّر مع أنّه من علماء القمّيين ومشيختهم .
قد وجدنا جماعة وردوا إلينا من قم يقصّرون تقصيراً ظاهراً في الدين، وينزلون الأئمة عن مراتبهم، يزعمون أنّهم كانوا لا يعرفون كثيراً من الأحكام الدينية حتّى ينكت في قلوبهم.
ورأينا في أُولئك من يقول: إنّهم ملتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون، ويدّعون مع ذلك أنّهم من العلماء، وهذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه.(2)
وها نحن نأتي ببعض المسائل الّتي اختلف فيها العلَمان، وهي إمّا موضوعات قرآنية أو مسائل كلاميّة.

1. معنى كشف الساق

قال سبحانه: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق ويُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ).(3)
قال الصدوق: الساق وجه الأمر وشدّته.
وفسّره الشيخ المفيد بأنّه سبحانه يريد به يوم القيامة ينكشف فيه عن أمر شديد صعب عظيم، وهو الحساب والمداقّة على الأعمال والجزاء على الأفعال، وظهور السرائر وانكشاف البواطن...

(1) شيخ القميّين وفقيههم ومتقدّمهم ووجههم، نزيل قم، مات سنة 343.
(2) تصحيح الاعتقاد:66.
(3) القلم:42.

203

ترى أنّ الاختلاف بين العلمين بسيط، وبيان الشيخ توضيح لما ذكره الصدوق في تفسير الآية.

2. تأويل اليد

قال سبحانه: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ).(1)
قال الصدوق: معنى الآية: ذو القوّة، وقال الشيخ المفيد: فيه وجه آخر وهو أنّ اليد عبارة عن النعمة. قال الشاعر:
لـه عليّ أيـاد لسـت أكفـرهـا *** وإنّما الكفر أن لا تُشْكر النعم

3. نفخ الأرواح

قال سبحانه: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي).(2)
قال الصدوق: هي روح مخلوقة أضافها إلى نفسه كما أضاف البيت إلى نفسه، حيث قال: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفينَ).
قال الشيخ المفى(3)د: ليس وجه إضافة الروح]والبيت[ إلى نفسه والنسبة إليه، من حيث الخلق فحسب، بل الوجه في ذلك التمييز لهما بالإعظام والإجلال، والاختصاص بالإكرام....

4. الخدعة والمكر والنسيان

قال سبحانه: (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ).(4)

(1) ص:17.
(2) الحجر:29.
(3) الحجر:26.
(4) النساء:142.

204

وقال سبحانه:(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ).(1)
قال سبحانه:(نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ).(2)
قال الصدوق: إنّ المراد بذلك كلّه جزاء الأعمال.
وقال المفيد: هو كما قال، إلاّ أنّه لم يذكر الوجه في ذلك. ثمّ ذكر الوجه.

5. خلق أفعال العباد

قال الصدوق: أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى ذلك أنّه تعالى لم يزل عالماً بمقاديرها.
وخالفه المفيد، وقال: إنّ العلم بالشيء لا يعدّ خلقاً له. ثمّ هو نفى كون أفعال العباد مخلوقة للّه بأيّ نحو كان، واستدلّ بما روي عن أبي الحسن الثالث أنّه سئل عن أفعال العباد؟ فقيل له: هل هي مخلوقة للّه تعالى، فقال(عليه السلام): لو كان خالقاً لها لما تبرأ منها ، قال سبحانه: (أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ).(3)

6. الجبر والتفويض

ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام): «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين»، ففسّره الصدوق بنحو والشيخ بنحو آخر.

7. المشيئة والإرادة

قال الصدوق: «شاء اللّه وأراد، ولم يحب ولم يرض، وشاء عزّ اسمه ألاّ يكون شيء إلاّ بعلمه، وأراد مثل ذلك». و حاصله: أنّ أفعال العباد تعلّقت بها إرادة اللّه

(1) آل عمران:54.
(2) التوبة:67.
(3) التوبة:3.

205

ومشيئته ولكنّها غير محبوبة ولا مرضيّة.
وخالفه الشيخ المفيد وقال: إنّ اللّه تعالى لا يريد إلاّ ما حسن من الأفعال، ولا يشاء إلاّ الجميل من الأعمال ولا يريد القبائح ولا يشاء الفواحش. يقول سبحانه: (وَمَا اللّه يُريدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ).(1)

8. الكلام في القضاء والقدر

قال الصدوق: الكلام في القدر منهيّ عنه.
وخالفه الشيخ المفيد وحمل الأخبار الناهية على وجهين:
1. أن يكون النهي خاصّاً بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلّهم عن الدين ولا يصلحهم في عبادتهم إلاّ الإمساك عنه وترك الخوض فيه ولم يكن النهي عنه عامّاً لكافة المكلّفين.
2. النهي عن الكلام في ما خلق اللّه تعالى وعن علله وأسبابه وعمّا أمر به وتعبّد وعن القول في علل ذلك، إذ كان طلب علل الخلق والأمر محظوراً، لأنّ اللّه تعالى سترها عن أكثر خلقه.

9. معنى فطرة اللّه

قال الصدوق: إنّ اللّه تعالى فطر جميع الخلق على التوحيد.
ووافقه الشيخ، ولكن فسّر معنى ذلك.

10. الجدال في اللّه

ذهب الصدوق إلى أنّ الجدال في اللّه منهيّ عنه، لأنّه يؤدّي إلى ما لا يليق به.

(1) غافر:31.

206

قال الشيخ المفيد: الجدال على ضربين: أحدهما بالحق والآخر بالباطل، فالحقّ منه مأمور به ومرغّب فيه، والباطل منه منهي عنه ومزجور عن استعماله، ثمّ استشهد ببعض الآيات.
هذه نماذج ممّا اختلف فيه العلمان، وربما ذكر الشيخ المفيد عقيدة الصدوق ولم يخالفه بشيء، وربما اتّفقا في المعنى لكن أجمل الصدوق وأفصح المفيد، وثالثة اختلفا جوهراً و لبّاً، والاختلاف في هذه المسائل إمّا اختلاف في تفسير الآية، أو في مسألة كلامية لا تمتّ إلى صميم العقيدة بصلة.
وإليك قائمة بما لم نذكر كلامهما فيه:
11. معنى الاستطاعة، 12. معنى البداء ،13. اللوح والقلم والعرش، 14. النفوس والأرواح، 15. الموت، 16. سؤال القبر، 17. العدل، 18. الأعراف، 19. الصراط، 20. العقبات، 21. الحساب والميزان، 22. الجنة والنار، 23. حدّ التكفير، 24. نزول الوحي والقرآن، 25. العصمة، 26. الغلو و التفويض، 27. التقيّة، 28. آباء النبيّ، 29. تفسير قوله سبحانه: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُربى)(1)، 30. الحظر والإباحة، 31. الطب، 32. حكم الأحاديث المختلفة.
وهذه المقدار من الاختلاف في جنب ما اتّفقا عليه من الأُصول والأُمّهات، أمر طفيف.

المرحلة الثالثة: تجديد المنهج الحديثي

قد سبق أنّه كان بين محدّثي مدرسة قم ومحدّثي مدرسة بغداد اختلاف في

(1) الشورى:23.

207

بعض المسـائـل الكلاميـة خصوصـاً في مـا يرجـع إلى مقامـات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة عليهم السَّلام.
وكان النزاع بين أصحاب المنهجين قائماً على قدم وساق إلى أن حسمه الشيخ المفيد عندما انتهت إليه رئاسة الإمامية في الكلام والفقه، فقد جمع أصحاب المنهجين على مائدة واحدة بتأليف كتابين:
1. أوائل المقالات في المذاهب والمختارات.
2. تصحيح الاعتقاد.
وقد علّق على عقائد الإمامية للصدوق وأثبت أنّ بعض ما ذكره الصدوق ليس من عقائد الإمامية وإنّما هو نتيجة استخراجه من أخبار الآحاد.
وبما أنّ الشيخ ربّى جيلاً عظيماً كالشريفين: المرتضى والرضيّ والشيخ الطوسي والكراجكي والديلميّ وغيرهم، فقد أخذ تلامذة الشيخ زمام البحوث بعد رحيله، وجمعوا الإمامية على أُصول موحّدة ، ولم ينجم بينهم خلاف مُعتبر إلى أن ظهرت الحركة الأخبارية.
كان مطلع القرن الحادي عشر مسرحاً للتيارات الفكرية المختلفة، فمن مكبّ على العلـوم الطبيعيـة كالنجـوم والرياضيـات، والطـب والتشريـع، إلى آخر متوغّل في الحكمة والعرفان، إلى ثالث مقبل على علم الشريعة كالفقـه والأُصول.
في تلك الأجواء ظهرت المدرسة الأخبارية التي شطبت على العلوم العقلية بقلم عريض، ولم تر للعقل أيّ وزن وقيمة لا في العلوم العقلية، ولا في العلوم النقلية، وقد رفع راية تلك الفكرة الشيخ محمد أمين بن محمد شريف الاسترابادي(المتوفّى 1036هـ).

208

وأمّا ما هو السبب لظهور ذلك التيّار في ربوع الشيعة، فقد ذكروا هنا فروضاً مختلفة وذكرنا ما هو الحقّ بين تلك الفروض.(1)
وعلى كلّ تقدير فقد تأثرت الأوساط العلمية بالتيار الأخباري وذاع صيته وكثر أتباعه، وهم بين متطرّف ـ كمؤسّسه ـ يطعن على العلماء، ومعتدل يحترم المخالف.
ومن أُصول ذلك المنهج: نفي حجّية حكم العقل في المسائل الأُصولية، وعدم الملازمة بين حكم العقل والنقل، وادّعاء قطعية صدور أحاديث الكتب الأربعة، وأنّه عند تعارض العقل والنقل يؤخذ بالنقل.
وهذا الأصل الأخير صار سبباً لتقديم أخبار الآحاد على أحكام العقل في باب المعارف والمسائل الكلامية.
ولذلك نرى أنّ المجلسي الأوّل (1003ـ 1070هـ) وكذا ولده المجلسي الثاني(1037ـ 1110هـ) والفيض الكاشاني(1007ـ 1091هـ) والمحدّث الحرّ العاملي (1033ـ 1104هـ) و غيرهم ممّن تأثروا بالمنهج الأخباري إلى ظهور المحقّق البهبهاني (1118ـ 1206هـ) نبذوا كلّ ألوان التفكير العقلي في أُصول الفقه على الإطلاق وفي مجال العقائد على نحو خاص حتّى أنكروا تجرّد النفس الإنسانيّة.
ولمّا كان المظهر الأتمّ لهذا التفكير في العقائد هو كتاب «بحار الأنوار» الذي جمع درر أخبار الأئمّة الأطهار بلا تمحيص ولا تنقيح، فقد قام أُستاذنا العلاّمة الطباطبائي بالتعليق على مواضع من بيانات العلاّمة المجلسي حول

(1) لاحظ تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره:386ـ 390.

209

الروايات، ولكنه(قدس سره) توقّف عن العمل بسبب الضغوط التي مورست عليه، وبذلك خسر العلم والدين ثروة زاخرة في مجال تمحيص روايات ذلك الكتاب على ضوء الكتاب العزيز والسنّة القطعية والعقل الحصيف.

المرحلة الرابعة: إحياء المنهج العقلي

كان للمحقّق البهبهاني الدور الرئيسي في إرجاع العقل إلى الساحة في مجالي أُصول الفقه والعقائد، وقد ألّف في التحسين والتقبيح العقليين وأثبت فيه حجّية العقل في المستقلات العقليّة.
وأصبح المحقّق البهبهاني رائد الحركة الفكرية في النصف الثاني من القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر ، ثمّ قاد هذه الحركة لفيف من تلامذته وتلامذة تلامذته، الأمر الذي مكّن من إعادة العقل إلى الساحة في مجال الاستنباط والمعارف العقلية، ولذلك ترى أنّ ما أُلّف حول المسائل الكلامية يختلف عمقاً واعتباراً عمّا أُلّف في عهد المجلسيّين أو قبلهما أو بعدهما.
هذه إشارة عابرة إلى المراحل الأربع الّتي مرّ بها الكلام الإماميّ، وليعذرني إخواني في هذا الإيجاز في بيان المرحلتين الثالثة والرابعة.

210

خاتمة المطاف

دور أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)

في تبيين العقيدة الإسلامية

إنّ للأئمّة الاثني عشرعليهم السَّلام دوراً كبيراً في بيان العقيدة الإسلامية، وإرساء قواعدها، وترسيخ جذورها من خلال بثّ الآراء والأفكار المعبّرة عن روح الإسلام ونهجه السامي.
كما قاموا ـ هم وتلامذتهم ـ بدور بالغ الأهمية في صيانة العقيدة والدفاع عنها، ومواجهة التيارات المنحرفة والأفكار الضالة، والتصدّي للثقافات الأجنبية والمذاهب الفاسدة المتأثرة بالفلسفة الإلحادية وإسرائيليات اليهود وآراء النصارى وغيرها، ومناقشتها وبيان هشاشتها على ضوء البراهين والحجج العقلية الرصينة، والنصوص الدينية الصحيحة.
وقد أخبر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن نشاط هؤلاء الرساليين حين قال: «يحمل هذا الدين من كلّ قرن عدول، ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكَيْر خبث الحديد».(1)

(1) رجا ل الكشي:10.

211

و قبل أن نذكر ـ بإيجاز ـ ما قاموا به في مجال صيانة العقيدة الإسلامية في أدوار مختلفة ، نودّ أن نذكر مقدّمة لها صلة بالموضوع وهي:
إنّ الدين السائد في الجزيرة العربية ـ وخاصّة منطقة أُمّ القرى ـ قبل بزوغ شمس الإسلام كان هو الشرك باللّه في التدبير والعبادة، وهذا أمر واضح لا يرتاب فيه ذو مسكة، وكان العرب في تلك المناطق يعيشون في خِضَمِّ الخرافات، ويستسلمون في مجال العقيدة إلى الأساطير والقصص الخرافية إلى حدّ لا يمكن أن نذكر معشار ما دوّنه المؤرّخون في ذلك المجال، لكنّا نشير إلى بعض أفكارهم التي بقيت رواسبها في أذهان بعض المسلمين حتّى بعد بزوغ الإسلام:
1. كانوا يدينون اللّه تبارك وتعالى بالجبر وسلب الاختيار عن الإنسان، وكانوا يبرّرون شركهم وعبادتهم للأصنام بمشيئة اللّه تبارك وتعالى قائلين: (لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْء)(1) ونظيره قوله: (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء)(2) إلى غير ذلك من الآيات المعربة عن عقيدتهم الراسخة في الجبر وأنّ كلّ المعاصي والمحرّمات بمشيئة من اللّه سبحانه على نحو تسلب الاختيار عن الإنسان، وبالتالي فاللّه هو المسؤول عن أعمالنا لا نحن أنفسنا، وقد بقيت رواسب هذه العقيدة في أذهان بعض الصحابة ويشهد له ما رواه الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدّث عن فرار المسلمين يوم حنين. قالت: مرّ بي عمر بن الخطاب منهزماً فقلت: ما هذا؟! فقال عمر: أمر اللّه.(3)
وهذا هو السيوطي ينقل عن عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟ قال: نعم

(1) الأنعام:148.
(2) النحل:35.
(3) مغازي الواقدي:3/904.

212

يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(1)
لقد كان السائل في حيرة من أمر القدر فسأل الخليفة عن كون الزنا مقدَّراً من اللّه أم لا؟ فلما أجاب الخليفة بنعم، استغرب من ذلك، لأنّ العقل لا يسوّغ تقديره سبحانه شيئاً بمعنى سلب الاختيار عن الإنسان في فعله أو تركه ثمّ تعذيبه عليه، ولذلك قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذبني؟! فعند ذاك أقرّه الخليفة على ما استغربه وقال: «نعم يابن اللخناء...».
2. كانت العرب تدين بالتجسيم والتشبيه، وتعتقد انّ إله العالم بصورة الصنم والوثن الذي يُعبد حتّى اتخذت كلّ قبيلة لنفسها ربّاً، وصارت الجزيرة العربية مسرحاً للأصنام ومستودعاً للأوثان، ويتجلّى هذا الأمر من قول شاعرهم الذي أسلم وراح يستنكر التجسيم وعبادة الأصنام المتعدّدة الخارجة عن العدد والإحصاء :
أربّاً واحداً أم ألف ربّ *** أدين إذا تقسّمت الأُمور؟
عزلت اللاّت والعزّى جميعاً *** كذلك يفعل الجلِدُ الصبُور
ولكن اعبد الرحمن ربّي *** ليغفر ذنبي الربّ الغفور(2)
إلى غير ذلك من العقائد الفاسدة التي كانت العرب تدين بها، وهذا

(1) تاريخ الخلفاء: 95.
(2) بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب:2/249. والأبيات لزيد بن نفيل الذي فارق الوثنية قبل البعثة.

213

الإمام علي أمير المؤمنين يصف عقائدهم في بعض خطبه ويقول:
«وأهل الأرض يومئذ مللٌ متفرقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتّتة، بين مشبّه للّه بخلقه أو ملحد في اسمه أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة».(1)
وفي خطبة أُخرى له:
«إنّ اللّه بعث محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شرّ دين، وفي شرّ دار منيخون بين حجارة خشن، وحيات صُمّ تشربون الكدر وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة والآثام بكم معصوبة».(2)
وللأسف أنّ هذه العقائد الباطلة بعدما شطب الإسلام عليها جميعاً عادت ـ بعد رحيل الرسول ـ إلى الساحة الإسلامية بثوب آخر وبغطاء جديد. وقدبذل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)جهوداً مضنية في طريق تثبيت العقيدة الإسلامية، وصيانتها عن الانحراف، بما وصل إليهم من آبائهم، وإليك نماذج منها:

1. مكافحة الجبر والتفويض

قد عرفت أنّ العرب في العصر الجاهلي كانوا يدينون بالجبر وأنّ القرآن ندّد به وعرّف الإنسان بأنّه مختار في مصيره، يقول سبحانه: (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر).(3)
وللّه در الشهيد السعيد زين الدين العاملي في قوله:

(1) نهج البلاغة، الخطبة رقم1، ط صبحي الصالح.
(2) نهج البلاغة، الخطبة25.
(3) الكهف:29.

214

لقد جاء في القرآن آية حكمة *** تدمّر آيات الضلال ومن يُجبر
وتخبر أنّ الاختيار بأيدينا *** فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفُر
وقد اعتنق الجبرَ طائفة كبيرة من المسلمين وألّفوا في ذلك رسائل ذهبوا فيها إلى القول بأنّ من قال بالقدر والاختيار يُجلد ويوثق، وقد بلغ حماس الأمويين في ترسيخ الجبر بين المسلمين إلى حدّ كُبحت معه ألسن الخطباء عن الإصحار بالحقيقة، فهذا الحسن البصري الذي يُعدّ من مشاهير الخطباء ووجوه التابعين كان يسكت عن أعمالهم الإجرامية، غير أنّه كان يخالفهم في القول بالقدر بالمعنى الذي كانت السلطة تروّجه آنذاك، فلمّا خوفه بعض أصدقائه من السلطان، وعد أن لا يعود. روى ابن سعد في طبقاته عن أيّوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرّة حتى خوّفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد اليوم.(1)
ولم يسلم محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية المعروفة من الجلد لمخالفته القدر، قال ابن حجر: إنّ محمد بن إسحاق اتُّهم بالقدر و قال الزبير عن الدراوردي«وجلد ابن إسحاق يعني في القدر».(2)
وقد ألّف عمر بن عبد العزيز رسالة في الردّ على القدرية القائلين بالاختيار نقلها أبو نعيم الاصفهاني في ترجمة عمر بن عبد العزيز.(3)
كما انتشر التفويض في عصر الإمام الصادق(عليه السلام) بمعنى إيكال الأُمور إلى

(1) الطبقات الكبرى:7/167، ط بيروت.
(2) تهذيب التهذيب:9/38و46.
(3) حلية الأولياء:5/353.

215

البشر واستغنائهم في أفعالهم عن اللّه سبحانه، ويظهر من بعض الروايات أنّ فكرة التفويض استولت على بعض المفكّرين في عصر عبد الملك بن مروان على نحو أعجز العلماء في الشام، فكتب عبد الملك رسالة إلى الإمام الباقرعليه السَّلام يدعوه لنزول أرض الشام، ومناظرة ذلك الرجل القدري (التفويضي)، فلمّا جاءت الرسالة كتب إليه الإمام بقوله:إنّي شيخ كبير لا أقوى على الخروج، وهذا جعفر ابني يقوم مقامي فوجّهه إليه، فلمّـا قدم على الأمويّ أزراه لصغره، وكره أن يجمع بينه و بين القدريّ مخافة أن يغلبه، وتسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدريّة، فلمّا كان من الغد اجتمع الناس بخصومتهما، فقال الأمويّ لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّه قد أعيانا أمر هذا القدريّ، وإنّما كتبت إليه(1) لأجمع بينه و بينه، فإنّه لم يدع عندنا أحداً إلاّ خصمه، فقال: إنّ اللّه يكفيناه.
قال: فلمّا اجتمعوا قال القدريّ لأبي عبد اللّه(عليه السلام): سل عمّا شئت! فقال له: «اقرأ سورة الحمد»، قال: فقرأها، وقال الأمويّ وإنّا معه: ما في سورة الحمد؟!، غُلْبنا، إنّا للّه وإنّا إليه راجعون!! قال: فجعل القدريّ يقرأ سورة الحمد حتّى بلغ قول اللّه تبارك وتعالى: (إِيّاك نعبد وإيّاك نستعين)فقال له جعفر: «قف; مَن تستعين؟ وما حاجتك إلى المؤونة إن الأمر إليك؟» فبهت الّذي كفر، واللّه لا يهدي القوم الظالمين.(2)
كان الطابَع العام على السلفية وأهل الحديث، هو الجبر ونفي القدر بمعنى الاختيار إلى أن جاء الإمام الأشعري فأحسّ بخطورة الموقف وأنّ القول بالجبر يساوي بطلان التكليف ولغوية بعثة الأنبياء، فحاول أن يصحّح عقيدة أهل

(1) الضمير يعود إلى أبي جعفر الباقرعليه السَّلام.
(2) بحار الأنوار:5/55، رقم الحديث98 نقلاً عن تفسير العياشي.

216

الحديث بإضافة الكسب على عقيدتهم، فقال: إنّه سبحانه خالق لأفعالنا والعبد كاسب، فهو حاول أن يخرج أهل الحديث عن الجبر الخالص إلى فسيح الاختيار، لكنّه أضاف عقدة إلى عقدة، فلم يُعْلَم ما هو مراده من الكسب؟! إلى حدّ صار أحد الألغاز في جنب سائرها، يقول الشاعر:
مما يقال ولا حقيقة عنده *** معقودة تدنو إلى الافهام
الكسب عند الأشعري والحال *** عند البهشمي وطفرة النظّام(1)
ففي خضم هذه التيارات الضالّة شمّر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)عن ساعد الجدّ، فنشروا فكرة الأمر بين الأمرين وأنّه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين، وبذلك فسروا الآيات الواردة في الجبر والتفويض وقضوا على الفكرتين، فكرة الجبر التي تساوق بطلان التكليف، وفكرة التفويض التي تساوق الشرك واستغناء الممكن في فعله عن اللّه سبحانه، ولهم في ذلك بيانات شافية لا يمكننا نقل معشار ما ذكروه.
إنّ فكرة الأمر بين الأمرين مستنتجة من القرآن الكريم. يقول سبحانه: (فلم تَقْتُلوهُم ولكنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللّهَ رَمَى).(2)
إنّه سبحانه ينسب الفعل(الرمي) إلى العبد وفي الوقت نفسِه يسلبه عنه وينسبه إلى اللّه سبحانه، وهو نفس الأمر بين الأمرين، فالفعل مستند إلى العبد، وفي الوقت نفسه إلى اللّه سبحانه، وقد كتب الإمام الهادي عليه السَّلام رسالة في نفي

(1) القضاء و القدر لعبد الكريم الخطيب المصري: 185.
(2) الأنفال:17.

217

الجبر والتفويض نقلها المجلسي في موسوعته.(1)
وقال الإمام الصادق عليه السَّلام في ردّ كلا المنهجين:
«إنّ اللّه أكرم من أن يكلّف الناس مالا يطيقون، واللّه أعز من أن يكون في سلطانه مالا يريد».(2)

2. مكافحة التجسيم والتشبيه

اتّفق الإلهيون على كونه تعالى موصوفاً بصفات الكمال والجمال من العلم والقدرة والحياة ولكنّهم اختلفوا في كيفية إجرائها عليه سبحانه.
ذهبت أكثر المعتزلة إلى نيابة الذات عن الصفات من دون أن يكون هناك صفة، وإنّما ذهبوا إلى ذلك لأجل أنّهم رأوا أنّ الاعتراف بأنّ هناك ذاتاً وصفة هو التركيب، لأنّ الصفة غير الموصوف، والتركيب آية الإمكان، فلذلك ذهبوا إلى نفي الصفات، ولما رأوا أنّ ذلك يجرّهم إلى القول بخلوّ الذات عن الكمال قالوا: إنّ الذات تنوب مناب الصفات وإن لم تكن هناك واقعية للصفات وراء الذّات.
وأمّا الأشاعرة فقد ذهبوا إلى زيادة الصفات على الذات، وبذلك صاروا معترفين بالقدماء الثمانية، نظير التثليث الذي اعتنقه النصارى، بل أسوأ منه.
ومن المعلوم أنّ لازم ذلك هو تركيب الذات من أُمور مختلفة والتركيب آية الإمكان والافتقار. وأمّا أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)فاعترفوا بأنّ للّه سبحانه صفات كمالية، ولكنّها ليست زائدة على الذات، بل هي عينها.
صحيح أنّ الصفة غير الموصوف، ولكن هذا في الموجودات الإمكانية، وأمّا

(1) بحار الأنوار:5/71ـ75، كتاب العدل والمعاد، الباب 2، الحديث 1.
(2) بحار الأنوار:5/41.

218

الواجب بالذات فكما هو واجب في ذاته واجب في صفاته، فلا مانع من أن تكون صفاته عين ذاته دون أن يكون هناك تركيب أو تشبيه . يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله».(1)
وفي هذا الكلام تصريح بعينية الصفات للذات، وفيه إشارة إلى برهان الوحدة، وهو أنّ القول باتحاد صفاته مع ذاته يوجب تنزيهه عن التركيب والتجزئة ونفي الحاجة عن ساحته، ولكن إذا قلنا بالتعدّد والغيريّة فذلك يستلزم التركيب ويتولد منه التثنية، والتركيب آية الحاجة، واللّه الغني المطلق لا يحتاج إلى من سواه.
وقال الإمام الصادق(عليه السلام):«لم يزل اللّه جلّ وعزّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور».(2)
والإمام(عليه السلام) يشير إلى قسم خاص من علمه سبحانه ـ وراء عينية صفاته وذاته ـ و هو وجود علمه بلا معلوم وسمعه بلا مسموع. وما هذا إلاّ لأجل أنّ ذاته من الكمال والجمال بلغت إلى حدّ لا يشذ عن حيطة وجوده أيّ شيء، وتفصيل هذا القسم من العلم يُطلب من محالّه.

3. مكافحة فكرة رؤية اللّه

اتّفقت العدلية على أنّه سبحانه لا يُرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأمّا غيرهم فالكرّامية والمجسّمة فقد جوّزوا رؤيته في الدارين بلا إشكال، وأمّا أهل الحديث وبعدهم الأشاعرة فمع أنّهم يصفون أنفسهم بالتنزيه ويتبرّأون من التجسيم والجهة، لكن قالوا برؤيته سبحانه يوم القيامة خضوعاً للرواية التي رواها

(1) نهج البلاغة، الخطبة رقم1.
(2) التوحيد للصدوق: 139.

219

الإمام البخاري في صحيحه.
وهؤلاء تركوا صحيح النص في القرآن الكريم، أعني: (لا تُدرِكُهُ الأبصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبيرُ)(1) ، كما تركوا قضاء العقل الصريح وأخذوا بالرواية، ولولا وجود هذا الحديث في الصحيح لما أخذوا بهذا القول، ولكنّهم غفلوا عن أبسط الدلائل على امتناع الرؤية، لأنّ الرؤية لا تخلو عن حالتين: إمّا تقع على الذات كلّها، أو على البعض; فعلى الأوّل يلزم أن يكون المرئي محدوداً متناهياً محصوراً شاغلاً لناحية من النواحي وتخلو النواحي الأُخرى منه، وعلى الثاني يلزم أن يكون مركّباً متحيّزاً ذا جهة.
إنّ فكرة الرؤية فكرة مستوردة جاءت من جانب الأحبار والرهبان بتدليس خاصّ. فإنّ أهل الكتاب يدينون برؤيته سبحانه، و قد تصدّى أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) لتلك الفكرة بخطبهم وأحاديثهم التي لا يسعنا إيرادها في هذا البحث. قال الإمام علي عليه السَّلام في خطبة الأشباح:
«الأوّل الذي لم يكن له قبلُ فيكون شيء قبله، والآخر الذي ليس له بعدُ فيكون شيء بعده، والرادع أناسيّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه».(2)
وقد سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): «أفأعبد مالا أرى؟» فقال: كيف تراه؟ فقال: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان، قريب من الأشياء غير ملابس، بعيد منها غير مبائن».(3)

(1) الأنعام:103.
(2) نهج البلاغة، الخطبة87، ط عبده.
(3) نهج البلاغة، الخطبة174.

220

4. مكافحة قدم غيره سبحانه

ذهبت النصارى إلى قدم الأقانيم الثلاثة، فقالوا بالتثليث وقدم الأب والابن وروح القدس، وبذلك خرجوا عن عداد الموحّدين، والأسف أنّ أهل الحديث تأثروا بدون وعي بالمسيحيّين فقالوا بقدم القرآن و نفي حدوثه وبذلك اعترفوا بقدم غيره سبحانه، وقد بذلوا جهودهم على طريق ترسيخ هذه العقيدة التي لا يعلم مرامها وما هو المقصود منها، فإنّ محلّ البحث والنزاع لم يحرر بشكل واضح بحيث يمكن تحليله. فهاهنا احتمالات يمكن أن تكون محطّ النظر لأهل الحديث والأشاعرة عند توصيف كلامه سبحانه بالقدم، نطرحها على بساط البحث ونطلب حكمها من العقل و القرآن.
أ. الألفاظ والجمل الفصيحة البليغة التي عجز الإنسان في جميع القرون عن الإتيان بمثلها، وقد جاء بها أمين الوحي إلى النبي الأكرم، وقرأها الرسول فتلقتها الأسماع وحررتها الأقلام على الصحف المطهّرة، ومن الواضح أنّها مخلوقة على الإطلاق للّه سبحانه.
ب. المعاني السامية والمفاهيم الرفيعة في مجالات التكوين والتشريع والحوادث، وأشار إليها بألفاظه وجمله وهي حادثة بلا ترديد.
ج. ذاته سبحانه وصفاته من العلم والقدرة والحياة التي بحث عنها القرآن، ومن المعلوم أنّ ذاته وصفاته قديمة ولكن الألفاظ التي أشار بها إليها حادثة.
د. علمه سبحانه بكلّ ما ورد في القرآن الكريم. ولو كان المراد هذا، فلا شكّ انّه قديم و البحث فيه بلا طائل.
هـ. الكلام النفسي القائم بذاته الذي هو أحد الألغاز.
و. القرآن ليس مخلوقاً، أي مصنوعاً للبشر وإن كان مخلوقاً للّه.

221

وقد جرّت هذه العقيدة ويلات على المسلمين وسفكت فيها الدماء وحبس فيها الأبرياء، وقد أدرك أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)أنّ المسألة اتّخذت لنفسها طابعاً سياسيّاً فامتنعوا عن الخوض فيها ومنعوا أصحابهم أيضاً، فقد سأل الريان بن الصلت الإمام الرضاعليه السَّلام وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال (عليه السلام): «كلام اللّه لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوا».(1)
نعم في بعض المواقف الخاصة التي يأمن فيها الأئمّة من الفتنة أدلوا برأيهم في الموضوع وصرّحوا بأنّ الخالق هو اللّه وغيره مخلوق، والقرآن ليس نفسه سبحانه، وإلاّ يلزم اتحاد المنزِل والمنزَل فهو غيره، فيكون لا محالة مخلوقاً.
روى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني أنّه كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضاعليه السَّلام إلى بعض شيعته ببغداد: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، عصمنا اللّه وإيّاك من الفتنة، فإن يفعل فقد أعظم بها نعمة، وإن لا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة، اشترك فيها السائل والمجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، ويتكلّف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلاّ اللّه عزّ وجلّ، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام اللّه، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين، جعلنا اللّه وإيّاك من الذين يخشون ربّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون».(2)

5. مكافحة الغلوّ والنصب

الغلاة هم الذين غلوا في حقّ النبي وآله حتّى أخرجوهم من حدود الخليقة، والخطابية والمغيرية من هذه الصنوف، كما أنّ القول بالتفويض وهو تفويض تدبير

(1) التوحيد للصدوق: 223، باب القرآن ما هو، الحديث2.
(2) التوحيد للصدوق:224، باب القرآن ما هو ، الحديث4.

222

العالم إلى النبي والأئمة وأنّهم هم الخالقون والرازقون والمدبّرون للعالم، شعبة من الغلوّ.
ويقابله النصب و هو تنقيص أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)ونصب العداء لهم، وقد كافح أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هاتين الفكرتين الهدّامتين، فبيّنوا أنّ الغلوّ كفر وخروج عن الإسلام كما كشفوا عن فضيحة أهل النصب، وها نحن نذكر حديثين في هذا المجال:
قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في حديث الأربعمائة: «إيّاكم والغلوّ فينا، قولوا: عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم، من أحبنا فليعمل بعملنا ويستعن بالورع».(1)
وقال الإمام الصادق(عليه السلام):«لعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، لعن اللّه من أزالنا عن العبودية للّه الذي خلقنا، وإليه مآبنا ومعادنا، وبيده نواصينا».(2)
وقد أوضح الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) موقف أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في خطبته: «لا يقاس بآل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه الأُمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الآن إذ رجع الحق إلى أهله، ونقل إلى منتقله».(3)
وفي كلام له(عليه السلام): «نحن آل محمد النمط الأوسط، الذي لا يدركنا الغالي ولا يسبقنا التالي».(4)
وقال أيضاً: «سيهلك فيّ صنفان: محب مفرط يذهب به الحبّ إلى غير

(1) الخصال للصدوق:2/614.
(2) الكشي، الرجال: 159 في ترجمة المغيرة بن سعيد.
(3) نهج البلاغة، الخطبة رقم2.
(4) الكافي:1/101، رقم الحديث3.

223

الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، وخير الناس فيّ حالاً النمط الأوسط فألزموه».(1)
إلى غير ذلك من الكلمات التي ترشد الأُمّة الإسلامية إلى ما لهم من المكانة الرفيعة دون الغلوّ وفوق ما يزعمه النصاب ـ أعداء أهل العصمةـ.

6. عصمة الأنبياء

النبوّة سفارة بين اللّه و بين ذوي العقول من عباده لإزاحة علّتهم في أمر معادهم ومعاشهم، والنبي هو الإنسان المخبر عن اللّه تعالى بإحدى الطرق المعروفة، والأنبياء هم الصفوة من الناس الذين تحلّوا بزينة التقوى والعصمة، حتّى صاروا أهلاً لحمل الرسالة الإلهية إلى عباده واللّه سبحانه يصفهم بقوله: (إِنّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخالِصَة ذِكْرَى الدَّار *وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لِمَنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيارِ).(2)
وبقوله: (واجْتَبَيْناهُمْ وهَديناهُمْ إِلى صِراط مُستقيم).(3)
فمن يصفه سبحانه بأنّه من المصطفين الأخيار يستحيل عادة أن يعصي اللّه سبحانه ويخالفه، ولذلك اتّفق أهل العدل على عصمة الأنبياء في المرحلتين قبل البعثة وبعدها، واستدلّوا على ذلك بأدّلة عقلية وآيات قرآنية، غير أنّ لفيفاً من أهل الحديث اغتروا بروايات رواها مستسلمة أهل الكتاب في حق بعض الأنبياء كداود وسليمان وغيرهما، وقد ملأت هذه الروايات المدسوسة كتب التفسير التي يندى الجبين من نقلها ونشرها في حياة هذين النبيين الكريمين.
والعجب أنّ أهل السنّة قالوا بعدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم، بل

(1) نهج البلاغة، الخطبة127.
(2) ص:46ـ 47.
(3) الأنعام:87.

224

بعصمتهم وإن لم يتفوّهوا بها، فلو سمعوا من باحث موضوعي شيئاً يمسّ كرامة صحابي كفسق الوليد بن عقبة الذي جاء وصفه بالفسق في الذكر الحكيم(1)، لطاشت عقولهم ورموْا القائل بالحقد والعداء للصحابة، بل إلى قلّة الدين وعدم الإيمان.
وبما أنّ أهل الحديث اغتروا ببعض ظواهر الآيات من دون أن يقفوا على مغزاها، فقد قام أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)بتفسيرها وتبيين مقاصدها، فمن حاول الوقوف على كلماتهم في هذا الموضوع فليرجع إلى كتاب «الاحتجاج» للشيخ الطبرسي.
ولعلّ ما ذكرنا كاف في تبلور دور أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)في صيانة العقيدة السامية، والدفاع عن حياض الدين بالبرهنة والخطابة.
لكن إكمالاً للبحث نأتي ببعض المناظرات التي دارت بينهم و بين أهل الضلال عملاً بقوله سبحانه: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَن).(2)
إنّ الدعوة الصحيحة تتحقق بأُمور ثلاثة:
1. الدعوة بالحكمة والحجّة العقلية التي تفيد العلم والإذعان بالمدّعى، وقد استخدمها القرآن الكريم في مجال التنديد بالوثنية ودحض الشرك، يقول سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُون).(3)
2. الدعوة بالموعظة الحسنة، وهي البيان الذي تلين به النفس ويرقّ له القلب لما فيه صلاح حال السامع،ويستخدمه الآباء عند إرشاد الأبناء، والخطباء

(1) الحجرات:6 .
(2) النحل:125.
(3) المؤمنون:91.

225

عند الجلوس على منصّة الخطابة.
3. الجدل وهو الحجّة التي تستعمل لإفحام الخصم باستخدام مسلّماته، غير أنّ القرآن يدعو إلى العظة بالتي هي أحسن، وبالطبع إلى الجدل مثلها، وقد استخدمها العترة الطاهرة في أكثر المجالات، ولأجل إيقاف القارئ على قسم من مناظراتهم التي صانوا بها العقيدة الإسلامية عن الانحراف، نأتي ببعضها:

الأُولى: تفسير القضاء والقدر

كانت العرب في العصر الجاهلي قائلة بالقضاء والقدر بمعنى كون الإنسان مسيّـراً لا مختاراً، وأنّه أمام الحوادث مكتوف اليديْن، ولا محيص له عن التسليم لما قُضي. وقد كانت هذه العقيدة راسخة في أذهان كثير من المسلمين في عصر النبي وبعده، حتّى روي أنّ رجلاً سأل عليّاً عليه السَّلام بعد انصرافه من الشام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام أبقضاء وقدر؟
فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): «نعم يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من اللّه وقدر».
فقال الرجل: عند اللّه أحتسب عنائي، واللّه ما أرى لي من الأجر شيئاً!!
فقال علي عليه السَّلام: «بلى، فقد عظّم اللّه لكم الأجر في مسيركم وأنتم ذاهبون، وعلى منصرفكم وأنتم منقلبون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليه مضطرّين».
فقال الرجل: فكيف لا نكون مضطرّين والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان مسيرنا؟!
فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «لعلّك أردت قضاءً لازماً، وقدراً حتماً، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من اللّه والنهي،

226

وما كانت تأتي من اللّه لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المذنب، ولا المذنب أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان، وجنود الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور والبهتان، وأهل العمى والطغيان، هم قدريّة هذه الأُمّة ومجوسها، إنّ اللّه تعالى أمر تخييراً ، ونهى تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الرسل هزلاً، ولم ينزل القرآن عبثاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظنّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار».
قال: ثمّ تلى عليهم : (وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ)(1). قال: فنهض الرجل مسروراً وهو يقول:
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته *** يوم النشور من الرّحمن رضواناً(2)

الثانية: عدم احتجابه سبحانه بالسماوات السبع

لقد كان التجسيم والاعتقاد بوجود الجهة للّه من عقائد اليهود، وقد تسربت تلك العقيدة عن طريق مستسلمة أهل الكتاب إلى أوساط المسلمين، فحسبه أهل الحديث أنّه سبحانه فوق السماوات السبع، وأنّه جالس على عرشه، والعرش يئط أطيط الرحل، ولم تزل هذه العقيدة محفوظة عند ابن تيمية وأتباعه.(3) وهي عقيدة سخيفة ساقطة تضاد القرآن الكريم والعقل الحصيف.
وقد كافح أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هذه الفكرة المستوردة، وهذا هو الإمام علي ابن أبي طالب(عليه السلام) سمع رجلاً يقول: «والذي احتجب بسبع طباق» فعلاه بالدرّة، ثمّ قال له: «يا ويلك! إنّ اللّه أجلّ من أن يحتجب عن شيء، أو يحتجب عنه شيء،

(1) الإسراء:23.
(2) الاحتجاج:1/490.
(3) العقيدة الواسطية، الرسالة التاسعة من مجموع الرسائل الكبرى: 398.

227

سبحان الذي لا يحويه مكان، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء».
فقال الرجل: أفأكفّر عن يميني يا أمير المؤمنين؟
قال: «لا، لم تحلف باللّه فيلزمك كفّارة، وإنّما حلفت بغيره».(1)

الثالثة: اتحاد الصفات مع الذات

المتسالم عند الناس هو أنّ الصفة غير الموصوف وانّ الأُولى عارضة للثاني، وقد اختمرت تلك الفكرة في أذهان العامّة حسب احتكاكهم بالماديات، فهناك إناء وله لون، وإنسان وله علمه، وعلى ضوء ذلك زعموا أنّ علمه سبحانه زائد على ذاته وانّ مقتضى الصفة هو الاثنينية.
ولما كان هذا القول مؤدياً إلى الشرك وتعدّد القدماء قام أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بوجه تلك الفكرة الخاطئة في بعض مناظراتهم.
روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السَّلام قال: في صفة القديم: إنّه واحد صمد، أحديّ المعنى، ليس بمعان كثيرة مختلفة.
قال: قلت: جعلت فداك إنّه يزعم قوم من أهل العراق أنّه يسمع بغير الذي يبصر، ويبصر بغير الذي يسمع؟
قال: فقال: «كذبوا وألحدوا، وشبّهوا اللّه تعالى، إنّه سميع بصير، يسمع بما به يبصر، ويبصر بما به يسمع».
قال: فقلت: يزعمون أنّه بصير على ما يعقله؟
قال: فقال:تعالى اللّه إنّما يعقل من كان بصفة المخلوق، وليس اللّه كذلك».(2)

(1) الاحتجاج:1/496; التوحيد للصدوق، ص 174 الباب 28 ، الحديث3.
(2) الاحتجاج:2/167ـ 168.

228

الرابعة: البرهنة على أنّ الحسنين من أبناء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)
لقد أراد أهل النصب وأصحاب العداء أن ينكروا كون الحسنين من أبناء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أشاعوا تلك الفكرة، لأنّ الولد عندهم عبارة عمّن ينتسب إلى الرجل بنفسه أو عن طريق ابنه لا بنته، أخذاً بالرأي الجاهلي في تفسير الولد، قالوا:
بنونـا بنـو أبنائنـا وبناتنـا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وبما انّ الحسنين كانا يتصلان بالنبي عن طريق بنته فاطمة(عليها السلام)فلا يصحّ وصفهما بأنّهما من أبناء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقد رد على تلك الفكرة، تلاميذ أبي جعفر الباقر عليه السَّلام ببعض الآيات القرآنية، حيث عدّ القرآن عيسى بن مريم من آل إبراهيم وقال: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ ]إبراهيم[ داودَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسَى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحين).(1) حيث عدّ «عيسى» من ذريّة إبراهيم وهو يتصل به من جانب الأُمّ.
كما احتجوا عليهم بقوله سبحانه: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلى الْكاذِبين)(2)، وقد اتّفق المفسرون على أنّ المراد من قوله:(أبناءنا )هو الحسنان.
هذا هو الذي احتجّ به تلاميذ الإمام و مَن تربّى في حجره، لكن الإمام الباقرعليه السَّلام احتجّ بشكل آخر فقال مخاطباً أبا الجارود: «واللّه يا أبا الجارود ! لأعطينّكها من كتاب اللّه آية تسمّيهما أنّهما لصلب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يردها إلاّ كافر».

(1) الأنعام:84ـ 85.
(2) آل عمران:61.

229

قال: قلت: جعلت فداك وأين؟
قال: «حيث قال اللّه تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ـ إلى قوله: ـ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) ، فسلهم يا أبا (1)الجارود هل يحلّ لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا: نعم، فكذبوا واللّه، وإن قالوا: لا، فهما واللّه ابنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لصلبه، وما حرّمن عليه إلاّ للصلب».(2)

الخامسة: النظام الهادف آية وجود الخالق

لم يزل برهان النظام دليلاً واضحاً ومقنعاً لعامة الناس، بالأخص إذا كان هادفاً لغاية خاصة، إذ لا تخضع الهادفية للصدفة، بل هي تكشف عن خضوع النظام لخالق مدبّر عالم، أوجد مصنوعه، لغاية عقلانية.
وهذا النوع من البرهان كثير الدوران في الذكر الحكيم والروايات الشريفة نذكر منها ما يلي:
دخل أبو شاكر الديصاني على أبي عبد اللّه(عليه السلام) وقال يا جعفر بن محمد : دلّني على معبودي!.
فقال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): «اجلس!» فإذا غلام صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «ناولني يا غلام البيضة!» فناوله إيّاها ، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «يا ديصاني! هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرّقيق ذهبة مايعة، وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة، ولا الفضّة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن

(1) النساء:23.
(2) الاحتجاج:2/176.

230

إصلاحها، ولم يدخل فيها داخل مفسد فيخبر عن إفسادها، لا يدرى للذكر خلقت أم للأُنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى له مدبّراً؟».
قال: فأطرق مليّاً ثمّ قال: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّك إمام وحجّة من اللّه على خلقه، وأنا تائب ]إلى اللّه تعالى[ ممّا كنت فيه.(1)

السادسة: قياس الخالق بالمخلوق

قد تعرفت على أنّ التجسيم والجهة كان مختمراً في أذهان المسلمين وقلّما يتّفق لأحد منهم أن يتصوّر تصوّراً صحيحاً من إحاطته سبحانه بالعالم إحاطةً قيّوميّة.
وهذا ابن أبي العوجاء زنديق عصره بعدما سمع كلمة «اللّه» سبحانه عن الصادق(عليه السلام) قال له:
ذكرت اللّه فأحلت على غائب، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «ويلك! كيف يكون غائباً مَنْ هو مع خلقه شاهد، وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم ويعلم أسرارهم؟» فقال ابن أبي العوجاء: فهو في كلّ مكان، أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض، وإذا كان في الأرض كيف يكون في السّماء؟!
فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأمّا اللّه العظيم الشأن، الملك الديّان، فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان».(2)

(1) الاحتجاج:2/202.
(2) الاحتجاج:2/208رقم المناظرة 218.

231

فقد استدلّ الإمام بأنّ إنكار إله محيط بالعالم نابع عن قياس الممكن بالواجب والمخلوق بالخالق. فالممكن لأجل كونه محدوداً إذا وقع في مكان يخلو عنه مكان آخر، و أمّا الواجب لأجل سعة وجوده وعدم تحديده يكون حاضراً في كلّ مكان، لا حضوراً حلوليّاً، بل قيّوميّاً، لقيام كلّ ممكن بوجوده قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي.

السابعة: إبطال القياس

لقد شاع العمل بالقياس بعد رحيل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)،لقلّة النصوص في المسائل المستجدّة، فلم يجدوا بدّاً من العمل بالقياس والاستحسان وسائر القواعد التي لم يدلّ على حجيتها الكتاب والسنّة، وإنّما التجأوا إليها لإعواز النصوص والإعراض عن أئمّة أهل البيت عيبة علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
كان أبو حنيفة من أعلام العاملين بالقياس، ولذلك عُرف فقهاء العراق بأهل القياس، وفيما دار بينه و بين أبي عبد اللّه(عليه السلام) من المناظرة يظهر قوة منطق المناظر ورجوع الخصم إلى الحق.
قال أبو عبد اللّه(عليه السلام) :«فانظر إلى قياسك إن كنت مقيساً أيّما أعظم عند اللّه: القتل أم الزنا؟»
قال: بل القتل.
قال: «فكيف رضى اللّه تعالى في القتل بشاهدين، ولم يرض في الزنا إلاّ بأربعة؟» ثمّ قال له: «الصلاة أفضل أم الصيام؟» قال: بل الصلاة أفضل.
قال(عليه السلام):«فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصّلاة في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب اللّه تعالى عليها قضاء الصوم دون

232

الصلاة».
قال له: «البول أقذر أم المني؟».
قال: البول أقذر.
قال(عليه السلام): «يجب على قياسك أن يجب الغُسْل من البول دون المني، وقد أوجب اللّه تعالى الغُسل من المني دون البول».(1)

الثامنة: إبطال الرؤية يوم القيامة

إنّ أبا قرّة كان أحد المحدّثين الكبار في عصر الإمام أبي الحسن الرضاعليه السَّلام فدخل عليه ودار بينهما كلام طويل، نورد منه ما يلي:
قال أبو قرّة: فإنا رُوِينا انّ اللّه قسّم الرؤية والكلام بين نبيّين، فقسّم لموسى(عليه السلام) الكلام ولمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)الرؤية.
فقال أبو لحسن(عليه السلام): «فمن المبلّغ عن اللّه إلى الثقلين الجن والإنس أنّه لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء، أليس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!» قال: بلى.
قال أبو الحسن(عليه السلام): «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه، وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول: إنّه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني وأحطتُ به علماً وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يكون أتى عن اللّه بأمر ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».(2)

(1) الاحتجاج:2/269، المناظرة 237.
(2) الاحتجاج:2/375، المناظرة 285.

233

التاسعة: تصحيح فهم الحديث النبوي

لم يزل أصحاب الحديث يستدلّون على التجسيم بالحديث المروي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّ اللّه خلق آدم على صورته».
فالضمير حسب زعمهم يرجع إلى اللّه، فتكون النتيجة أنّ للّه سبحانه صورة كصورة الإنسان وقد خلق آدم على غرار صورته.
فلمّا سُئل الإمام الرضا عليه السَّلام عن هذا الحديث قال:
«قاتلهم اللّه لقد حذفوا أوّل الحديث، إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مرّ برجلين يتسابّان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: «قبّح اللّه وجهك ووجه من يُشبهك». فقال له(صلى الله عليه وآله وسلم) : «يا عبد اللّه لا تقل هذا لأخيك! فإنّ اللّه عز ّو جلّ خلق آدم على صورته».(1)

العاشرة: مكافحة الغلو

كانت ظاهرة الغلو فاشية في عصر الإمام الصادق(عليه السلام)وبعده إلى أن بلغت أوجها في عصر الإمام العسكري عليه السَّلام.
وإليك مناظرة دارت بين الإمام الرضاعليه السَّلام وأحد السائلين، قال السائل: بأبي أنت وأُمّي يابن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ! فإنّ معي من ينتحل موالاتكم ويزعم أنّ هذه كلّها من صفات علي عليه السَّلام، وأنّه هو اللّه ربّ العالمين.
قال: فلمّا سمعها الرّضاعليه السَّلام، ارتعدت فرائصه وتصبب عرقاً وقال: «سبحان اللّه عمّا يقول الظالمون والكافرون علوّاً كبيراً! أو ليس عليّ كان آكلاً في الآكلين، وشارباً في الشّاربين، وناكحاً في الناكحين، ومحدثاً في المحدثين؟ وكان مع ذلك مصلّياً خاضعاً، بين يدي اللّه ذليلاً، وإليه أوّاهاً منيباً، أفمن هذه صفته يكون

(1) الاحتجاج:2/385، المناظرة 292.

234

إلهاً؟! فإن كان هذا إلهاً فليس منكم أحد إلاّ هو إله لمشاركته له في هذه الصفات الدالات على حدوث كلّ موصوف بها».(1)

الحادية عشرة: استنطاق القرآن في مورد إسلام الذمّيّ

قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم.
فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانُه شركه وفعله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، و قال بعضهم: يُفعل به كذا وكذا.
فأمر المتوكّل بالكتاب إلى أبي الحسن العسكري عليه السَّلام وسؤاله عن ذلك.
فلمّا قرأ الكتاب كتب(عليه السلام): «يضرب حتّى يموت»، فأنكر يحيى وأنكر فقهاء العسكر ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين! سله عن ذلك فانّه شيء لم ينطق به كتاب، ولم يجئ به سنّة.
فكتب إليه: إنّ الفقهاء قد أنكروا هذا، وقالوا: لم يجئ به سنّة ولم ينطق به كتاب، فبيّن لنا لِمَ أوجبت عليه الضرب حتّى يموت؟
فكتب: (بِسم اللّه الرّحمن الرّحيم فلمّا رَأَوْا بَأْسَنا قَالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بهِ مُشْرِكينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا)الآية.(2) قال: فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات.(3)

(1) الاحتجاج:2/454، المناظرة 314.
(2) غافر:84ـ85.
(3) الاحتجاج:2/498ـ499.

235

الثانية عشرة: اعتراف الزنادقة بعجزهم عن نقض القرآن

اجتمع ابن أبي العوجاء وأبو شاكر الديصاني الزنديق وعبد الملك البصري وابن المقفع عند بيت اللّه الحرام، يستهزئون بالحاج و يطعنون على القرآن.
فقال ابن أبي العوجاء: تعالوا ننقض كلّ واحد منّا ربع القرآن وميعادنا من قابل في هذا الموضع، نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كلّه، فإنّ في نقض القرآن إبطال نبوّة محمّد، وفي إبطال نبوته إبطال الإسلام وإثبات ما نحن فيه، فاتّفقوا على ذلك وافترقوا، فلمّا كان من قابل اجتمعوا عند بيت اللّه الحرام، فقال ابن أبي العوجاء:
أمّا أنا فمفكّر منذ افترقنا في هذه الآية:(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً)(1)، فما أقدر أن أضمّ إليها في فصاحتها وجمع معانيها شيئاً، فشغلتني هذه الآية عن التفكّر فيما سواها.
فقال عبد الملك: وأنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية:(يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)(2) ، ولم أقدر على الإتيان بمثلها.
فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا)(3) ، لم أقدر على الإتيان بمثلها.
فقال ابن المقفع: يا قوم! إنّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا منذ

(1) يوسف:80.
(2) الحجّ: 73.
(3) الأنبياء:22.

236

فارقتكم مفكّر في هذه الآية: (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعي وَغِيضَ الماءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلى الجُوديّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَومِ الظّالِمين)(1) ، لم أبلغ المعرفة بها، ولم أقدر على الإتيان بمثلها.
قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك. إذ مرّ بهم جعفر بن محمّد الصادق(عليهما السلام) فقال:(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهيراً)(2)، فنظر القوم بعضهم إلى بعض وقالوا: لئن كان للإسلام حقيقة لما انتهت أمر وصية محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ إلى جعفر بن محمّد، واللّه ما رأيناه قطّ إلاّ هبناه واقشعرّت جلودنا لهيبته، ثمّ تفرّقوا مقرّين بالعجز.(3)
هذه نماذج من مناظرات أئمّة أهل البيت في مجالات مختلفة، و من أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «الاحتجاج» للعلاّمة الطبرسي و«بحار الأنوار» للعلاّمة المجلسي.
وقد تربى في أحضانهم رجال صاروا أبطال المناظرة، فخرجوا في حلبة الجدال العلمي بوجوه مشرقة، منهم: هشام بن الحكم، مؤمن الطاق، فضال بن حسن بن فضّال، إلى غير ذلك من متكلّمي عصر الأئمّة الذين تقرأ تفاصيل حياتهم في هذه الموسوعة.

(1) هود:44.
(2) الإسراء:88.
(3) الاحتجاج:2/306 و 307، المناظرة257.

237

ختامه مسك

هذه مقدّمة متواضعة لعلم الكلام وعلل نشوئه ومناهجه ومسائله إلى غير ذلك، قدّمناها إليك أيّها القارئ الكريم لتكون على بصيرة من سير هذا العلم، وتكون تمهيداً لما سيوافيك من حياة روّاد هذا العلم من المتقدّمين والمتأخّرين، الذين بذلوا جهوداً جبارة في إرساء قواعد هذا العلم وردّ الشبهات والتمويهات عن وجه الدين القويم.
وأنا أختم مقدّمتي هذه بما ختم به الشيخ أحمد التلمساني مؤلف «نفح الطيب»، مقدّمة كتابه حتّى يكون ختامه مسك.
ومن يتوسّل بالنبيّ محمّد *** شفيع البرايا السيد السند الأسنى
فذاك جدير أن يكفر ذنبه *** ويمنح نيل القصد والختم بالحسنى
تمّ تحرير هذه المقدّمة، يوم ميلاد النبيّ الأعظم، محمد المصطفى وسبطه الإمام الصادق(عليهما السلام) السابع عشر من شهر ربيع الأوّل من شهور عام 1424 من الهجرة النبوية.
والحمد للّه ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

238


239

متكلمو الشيعة
في القرن الأوّل

240


241

1

أبوذرّ الغفاري (1)

(...ـ 32هـ)
جندب بن جُنادة الغفاري، أحد الصحابة الأجلاّء السابقين إلى الإسلام، كان يتألّه في الجاهلية ويوحّد، ولا يعبد الأصنام.
قدم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بمكة فأسلم، ثمّ انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها

(1) طبقات ابن سعد2/354، التاريخ الكبير2/221، المعارف142، تاريخ اليعقوبي2/171ـ 173(ط. دار صادر)، رجال الكشي27برقم2(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، الثقات لابن حبان3/55، مشاهيرعلماء الأمصار30برقم 28، مستدرك الحاكم3/337، حلية الأولياء1/252 برقم 26، رجال الطوسي13، 36، فهرست الطوسي45، الاستيعاب1/252برقم 339، معالم العلماء32، صفة الصفوة1/584، أُسد الغابة5/187، شرح النهج لابن أبي الحديد8/252، رجال ابن داود67، رجال العلاّمة الحلي36، تهذيب الكمال33/294برقم 7351، سيـر أعلام النبلاء2/46برقم 10، العبر1/24، تذكرة الحفاظ1/17، الوافي بالوفيـات11/193، مرآة الجنان1/88، البداية والنهاية7/171، الجواهر المضية2/415، تهذيب التهـذيب12/90 برقم 401، الإصابة4/63، النجوم الزاهرة1/89، شذرات الذهـب1/39، الدرجـات الرفيعة225، تنقيح المقال1/234برقم 1967، تأسيس الشيعـة281، أعيـان الشيعة4/225، الغدير8/292، الأعلام2/140، معجم رجال الحديث4/164برقم 2385، موسوعة طبقات الفقهاء1/64برقم12.

242

حتّى قدم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة، فلازمه، وجاهد معه، وحمل راية غفار يوم حُنين.
قال أبو نعيم الأصبهاني:... رابع الإسلام، ورافض الأزلام قبل نزول الشرع والأحكام.... أوّل من تكلّم في علم البقاء، وثبت على المشقّة والعناء، وحفظ العهود والوصايا، وصبر على المحن والرزايا. ثمّ قال: كان للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ملازماً وجليساً، وعلى ملازمته والاقتباس منه حريصاً... سأله عن الأُصول والفروع... وسأله عن كلّ شيء حتّى عن مسّ الحصا في الصلاة.(1)
وقال ابن عبد البرّ: كان من أوعية العلم المبرّزين في الزهد والورع والقول بالحقّ، سُئل علي (رضي الله عنه) عن أبي ذر؟ فقال: ذلك رجل وعى علماً عجز عنه الناس ثمّ أوكأ عليه، ولم يُخرج شيئاً منه.(2)
وقد عُرف أبو ذر بالصدق والجرأة والصراحة، والدعوة إلى الوقوف عند حدود الشريعة، وإلى إصلاح المجتمع وتطهيره من الزيغ والانحراف والتلاعب بالأحكام والأموال.
وكان يخطب الناس في عهد عثمان بن عفان، فينبّههم على ما شاع من المنكرات، وينعى عليهم الابتعاد عن العترة الطاهرة، وإقصاء أمير المؤمنين(عليه السلام) عن ولاية الأمر، وكان يعتقد أنّه(عليه السلام) أولى الناس بالإمامة بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)(3) ويقول: أيّتها الأُمّة المتحيّرة بعد نبيّها! أما لو قدّمتم من قدّم اللّه، وأخّرتم من أخّر اللّه، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيّكم لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن

(1) حلية الأولياء.
(2) الاستيعاب.
(3) وكان أبو ذر قد تخلّف ـ فيمن تخلّف من المهاجرين والأنصار ـ عن بيعة أبي بكر، و مال مع علي ابن أبي طالب(عليه السلام). انظر تاريخ اليعقوبي:2/124.

243

تحت أقدامكم، ولما عال وليّ اللّه، ولا طاش سهم من فرائض اللّه، ولا اختلف اثنان في حكم اللّه، إلاّ وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب اللّه وسنّة نبيّه....(1)
وضاق به عثمان، فسيّره إلى الشام إلى معاوية، وهناك واصل جهاده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريض الفقراء، والتنديد بالمترفين وطواغيت بني أُمية الذين (اتّخذوا بلاد اللّه دولاً، وعباد اللّه خولاً).
وكان ينكر على معاوية مزاعمه بأنّ ما يجري على يديه إنّما هو من قضاء اللّه، فقد ذُكر أنّ معاوية قال في بعض خطبه: أنا خازن من خزّان اللّه، أُعطي من أعطاه اللّه، وأمنع من منعه اللّه، فقام أبو ذر الغفاري، وقال: كذبت يا معاوية! إنّك لتعطي مَن منعه اللّه، وتمنع من أعطاه اللّه.
ولمّا شعر معاوية بالخطر، وأنّه بدأ يستهوي قلوب الرجال، شكاه إلى عثمان، فاستقدمه إلى المدينة، ثمّ نفاه إلى الرَّبَذة، فتوفّي فيها سنة اثنتين وثلاثين، وشهد دفنه عبد اللّه بن مسعود، صادفه وهو مقبل من الكوفة في رهط من أهل العراق عُمّاراً، واستهلّ ابن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك.(2)
روي عن أبي رافع أنّه قال: أتيت أبا ذر بالربذة أودّعه، فلما أردت الانصراف، قال لي ولأُناس معي: ستكون فتنة، فاتقوا اللّه، وعليكم بالشيخ علي بن أبي طالب، فاتّبعوه.(3)

(1) تاريخ اليعقوبي2/171.
(2) طبقات ابن سعد4/235.
(3) وفي رجال الكشي ص 29 بسنده عن أبي سخيلة: إن كانت بعدي فتنة ـ وهي كائنة ـ فعليكم بكتاب اللّه والشيخ علي بن أبي طالب.

244

2

حُجْر بن عدي(1)

(...ـ51هـ)
ابن جبلة بن عدي بن ربيعة الكندي، الكوفي، المعروف بحجر الخير وبحجر بن الأدبر.
كان من خيار الصحابة، قائداً، شجاعاً، مجاهداً، ثائراً، خالص الولاء لأمير المؤمنين(عليه السلام).
وفد على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو وأخوه هانئ، وشهد القادسية.
وصحب الإمام عليّاًعليه السَّلام، وأخلص له غاية الإخلاص، وشهد معه الجمل

(1) طبقات ابن سعد6/217، طبقات خليفة246 برقم 1042، التاريخ الكبير3/72، تاريخ اليعقوبي2/230، رجال الكشي94 برقم40(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، مروج الذهب3/188برقم 1773، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني48برقم9، رجال الطوسي38برقم 6 و 67 برقم 4، الاستيعاب1/329برقم 487(ط. نهضة مصر)، تاريخ مدينة دمشق12/207برقم 1221، الكامل لابن الأثير3/377، 472، 478، 483، أسد الغابة1/385، سير أعلام النبلاء3/462برقم 95، العبر1/40، مرآة الجنان1/125، البداية والنهاية 8/51(سنة51)، الإصابة1/313برقم 1629، نقد الرجال83، شذرات الذهب1/57، الدرجات الرفيعة423، منتهى المقال2/337 برقم 675، تهذيب تاريخ دمشق4/87، أعيان الشيعة4/569 ـ 586، الأعلام2/169، معجم رجال الحديث 4/237 برقم 2607، قاموس الرجال3/81، رسائل ومقالات للسبحاني304.

245

وصِفّين والنهروان، وكان أحد القادة في هذه الوقائع، وذا كلمة نافذة في قومه.
تولّى عليّاًعليه السَّلام وآزره بسيفه ولسانه، وله شعر ينمّ عن عمق اعتقاده بولايته(عليه السلام) ووصايته بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال، وهو يرتجز في المعركة:
يا ربّنا سلِّم لنا عليّا *** سلّم لنا المبارك المرضيّا
المؤمن الموحّد التقيّا *** لا خَطَلَ الرأي ولا غويّا
بل هادياً موفقاً مهديا *** واحفظْه ربّي واحفظ النبيّا
فيه فقد كان له وليّا *** ثمّ ارتضاه بعده وصيّا
وقال ، وهو يبذل الطاعة والنصر لإمام زمانه في معركة صفين:
يا أمير المؤمنين، نحن بنو الحرب وأهلها الذين نلقحها وننتجها قد ضارستنا، ولنا أعوان ذوو صلاح وعشيرة ذات عدد ورأي مجرّب وبأس محمود، وأزمّتنا منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرّقت شرّقنا، وإن غرّبت غرّبنا، وما أمرتنا به من أمر فعلناه.
واستمرّ حُجر ـ بعد تسلّط الأمويين على الحكم ـ في الذبّ عن حياض العقيدة ونهج عليّ عليه السَّلام ومدرسته، ووقف عمره في مناصرة الحقّ ومعارضة الظلم.
وكان المغيـرة بن شعبة ـ والـي الكوفـة ـ لا يدع مـا وصـاه به معاوية من شتم علي والوقوع فيه، فيقوم حجر فيقول: بل إيّاكم قد ذم اللّه ولعن، إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ للّهِ وَلَوْ عَلى

246

أَنْفُسكُمْ)(1) وإنّي أشهد أنّ مَن تذمّون أحقّ بالفضل ممّن تطرون، ومن تزكّون أحقّ بالذمّ ممّن تعيبون.
وواصل حجر ـ في عهد زياد بن أبيه ـ مسيرته وجهاده في سبيل المبادئ، فبعث به زياد إلى الشام، فلمّـا أشرف على مرج عذراء (من قرى دمشق)، قال: إنّي لأوّل مسلم كبّر في نواحيها.(2)
ثمّ أمر معاوية بقتله، فقُتل في مرج عذراء مع أصحاب له، وذلك في سنة إحدى وخمسين. وكان رسول معاوية قد عرض عليهم البراءة من علي عليه السَّلام، فإن فعلوا خلّى سبيلهم، ولكنّهم أبوْا، وقالوا: بل نتولاّه ونتبرّأ ممّن تبرّأ منه.
قال الإمام الحسين(عليه السلام) فيما كتبه إلى معاوية جواباً:... ألست القاتل حجر ابن عدي أخا كندة وأصحابه الصالحين المصلّين العابدين الذين كانوا يُنكرون الظلم ويستعظمون المنكر والبدع ولا يخافون في اللّه لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلَّظة والمواثيق المؤكّدة لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ولا بإحنة تجدها في نفسك عليهم.

(1) النساء:135.
(2) كذا في أُسد الغابة، وفي الطبقات: أما واللّه إنّي لأوّل مسلم نبَّح كلابها في سبيل اللّه، ثمّ أتي بي اليوم إليها مصفوداً!!
ثمّ قال(كما في الاستيعاب) لمن حضر من أهله: لا تطلقوا عني حديداً ولا تغسلوا عنّي دماً، فإنّي ملاق معاوية بالجادة، وإني مخاصم.

247

3

خالد بن سعيد(1)

(...ـ14هـ)
ابن العاص بن أُمية بن عبد شمس، الصحابي الجليل، أبو سعيد القرشي الأموي، المكي.
أسلم في الأيام الأُولى لبزوغ نور الإسلام.(2)
وتعرّض للأذى والاضطهاد من قِبَل أبيه المعروف بأبي أحيحة(وكان من خصوم الإسلام الإشدّاء)، فما وهنَ لما أصابه في سبيل اللّه وما استكان.
ثمّ هاجر إلى الحبشة، فأقام بضع عشرة سنة.

(1) طبقات ابن سعد4/94، طبقات خليفة40 برقم 55 و 548 برقم 2813، تاريخ خليفة61، 80، تاريخ اليعقوبي2/124، 126، 133(ط. دار صادر)، الاستيعاب2/420برقم 599(ط. نهضة مصر)، الاحتجاج للطبرسي1/190(انتشارات أُسوة)، تاريخ مدينة دمشق16/67برقم 1880، الكامل لابن الأثير2/60، 313، 402، 405، 406، أُسد الغابة2/82، مختصر تاريخ دمشق7/344برقم 323، سير أعلام النبلاء1/259 برقم48، البداية والنهاية7/33، الإصابة1/406برقم 2167، شذرات الذهب1/30، منتهى المقال3/166برقم 1051، الدرجات الرفيعة392، تهذيب تاريخ دمشق5/48، تأسيس الشيعة353، أعيان الشيعة6/288، الأعلام2/296، معجم رجال الحديث7/26برقم 4188، قاموس الرجال3/476.
(2) أسلم بعد أبي بكر، و قيل معه، وفي رواية للحاكم في المستدرك: أنّه أسلم قبل أبي بكر.

248

وقدم مع جعفر (الطيار) بن أبي طالب على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بخيبر(سنة 7هـ)، وشهد مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)الفتح وحنيناً والطائف وتبوك.
ثمّ بعثه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عاملاً على اليمن، فلم يزل عليها إلى أن توفّي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فتخلّى عن عمله، وأتى المدينة.
وكان عالي الهمّة، رابط الجأش، من مشاهير المتكلّمين من الشيعة.
احتجّ على أبي بكر، وأنكر عليه قيامه بالأمر(1)، وأبى أن يبايعه، وقال: لا أبايع إلاّ علياً. وكان من المتمسكين بولاء علي عليه السَّلام ، الذابّين عن حقّه في ولاية الأمر.
قال ابن الأثير في «أُسد الغابة»: تأخّر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبي بكر، فقال لبني هاشم: إنّكم لطوال الشجر، طيّبو الثمر، ونحن تَـبَع لكم، فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايع خالد و أبان.(2)
وقال اليعقوبي: كان خالد بن سعيد غائباً، فقدم فأتى علياً، فقال: هلمّ أُبايعك، فواللّه ما في الناس أحد أولى بمقام محمّد منك.(3)
ولما بعث أبو بكر الجنود لقتال الروم، دفع لخالد أحد الألوية، فعارضه عمر، وقال: أتؤمّره وقد صنع ما صنع وقال ما قال، فعزله قبل أن يسير وأمّر يزيد بن أبي

(1) ذكر البرقي في آخر رجاله أنّه من الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر، وكان أوّل من تكلّم يوم الجمعة. معجم رجال الحديث.
(2) وفي كتاب «السقيفة» لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري أنّه قال: أنتم الظهر والبطن والشعار دون الدثار، والعصا دون اللِّحا، فإذا رضيتم رضينا، وإذا سخطتم سخطنا... إنّكم لطوال الشجر. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
(3) تاريخ اليعقوبي2/126.

249

سفيان، فسار خالد في ذلك الجيش تحت راية شرحبيل بن حسنة، فشهد فتح أجنادين(قرب الرملة بفلسطين)سنة (13هـ)، ثمّ شهد وقعة مرج الصُّفّر(قرب دمشق) سنة (14هـ)، فقُتل فيها. و قيل: قُتل يوم أجنادين.

4

زيد بن صُوحان(1)

(...ـ 36هـ)
ابن حُجر بن الحارث العبدي، نزيل الكوفة، أخو صعصعة بن صوحان.
كان خطيباً، مجاهداً، صوّاماً، قوّاماً، من سادة التابعين(2) القائلين بتفضيل علي عليه السَّلام على الناس، المتفانين في ولائه.

(1) طبقات ابن سعد6/123، التاريخ الكبير3/397، رجال البرقي5، المعارف176، تاريخ الطبري3/361، 367، 493، 525، رجال الكشي63برقم 18(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، الاختصاص للمفيد79، مروج الذهب2/80، رجال الطوسي41برقم2، تاريخ بغداد8/439برقم 4549، الاستيعاب2/555برقم 852(ط. نهضة مصر)، تاريخ مدينة دمشق19/429برقم2339، أُسد الغابة2/233، الكامل لابن الأثير3/144، 216، 228، 229، 232، 245، سير اعلام النبلاء3/525برقم 133، الوافي بالوفيات15/32برقم35، مرآة الجنان1/99، شذرات الذهب1/44، جامع الرواة1/342، منتهى المقال3/289برقم 1223، أعيان الشيعة7/101، الغدير9/41ـ 43، الأعلام3/59، معجم رجال الحديث7/342برقم4860، قاموس الرجال4/255، رسائل ومقالات للسبحاني306، موسوعة الإمام علي12/133برقم40.
(2) وقيل:له وفادة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) . انظر الوافي بالوفيات.

250

أسلم في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وشهد وقائع الفتح، فقطعت شماله يوم جلولاء.
وسكن الكوفة، وقدم المدائن، فكان يؤمّ الناس ويخطبهم بأمر سلمان ـ أمير المدائن ـ .
ونفاه عثمان (فيمن نفى من أهل الكوفة) إلى الشام سنة (33هـ)، لمناهضته ومعارضته الصريحة للاستبداد والظلم والتلاعب بالأحكام.
ثمّ حمل راية الجهاد أميراً على عبد القيس في معركة الجمل، فاستشهد فيها سنة ست وثلاثين.
وكانت عائشة قد كتبت إليه: من عائشة أُمّ المؤمنين حبيبة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان، أمّا بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا، فإن لم تفعل فخذّل الناس عن عليّ.
فكتب إليها: أمّا بعد، فأنا ابنك الخالص لئن اعتزلتِ ورجعت إلى بيتك، وإلاّ فأنا أوّل من نابذك.
ثمّ قال: رحم اللّه أُمّ المؤمنين، أُمرت أن تلزم بيتها وأُمرنا أن نقاتل، فتركت ما أُمرت به وأمرتنا به، وصنعت ما أُمرنا به ونهتنا عنه.(1)
وكان أبو موسى الأشعري ـ والي الكوفة ـ يخذّل الناس عن علي عليه السَّلام، فقام زيد فشال يده المقطوعة، فقال: يا عبد اللّه بن قيس، رُدَّ الفرات على أدراجه، اردده من حيث يجيء حتّى يعود كما بدأ، فإن قدرتَ على ذلك، فستقدر على ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه! سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين، انفروا إليه

(1) الكامل في التاريخ 3/216.

251

أجمعين تصيبوا الحقّ.(1)
ولما صُرع زيد يوم الجمل، جاء أمير المؤمنين(عليه السلام)حتّى جلس عند رأسه، فقال: رحمك اللّه يا زيد قد كنت خفيف المؤونة عظيم المعونة، فرفع زيد رأسه إليه، ثمّ قال: وأنت فجزاك اللّه خيراً يا أمير المؤمنين، فواللّه ما علمتك إلاّ باللّه عليماً و في أُمّ الكتاب علياً حكيماً، وإنّ اللّه في صدرك لعظيم، واللّه ما قاتلت معك على جهالة، ولكنّي سمعت أُمّ سلمة زوج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:
«من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله». فكرهت واللّه أن أخذلك، فيخذلني اللّه.(2)
وذكر المسعودي أنّ معاوية قال لعقيل بن أبي طالب: ميّز لي أصحاب علي وابدأ بآل صوحان، فإنّهم مخاريق الكلام، فوصف له صعصعة، ثمّ قال: وأمّا زيد وعبد اللّه، فإنّهما نهران جاريان يصبّ فيهما الخلجان، ويغاث بهما اللهفان، رجلا جدّ لا لعِب معه.(3)

(1) الكامل في التاريخ3/229.
(2) الاختصاص، رجال الكشي.
(3) مروج الذهب:2/75.

252

5

سلمان الفارسي(1)

(...ـ 34هـ)
سلمان الفارسي، أبو عبد اللّه، و يُعرف بسلمان الخير، وكان يقول: أنا سلمان ابن الإسلام.
هجر بلدته (رامهرمز، و قيل أصفهان)، وجاب البلاد في سبيل الوقوف على أُصول الدين الذي يمكن الركون إليه، وقرأ كتب الفرس والروم واليهود.

(1) طبقات ابن سعد7/319، تاريخ خليفة143، طبقات خليفة33 برقم 22، المحبّر75، التاريخ الكبير4/135، المعارف154، تاريخ اليعقوبي2/50، 124، الكنى والأسماء للدولابي78، 861، الجرح والتعديل4/296، رجال الكشي12برقم1(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، ثقات ابن حبان3/157، مشاهير علماء الأمصار76برقم 274، المعجم الكبير للطبراني6/212، مستدرك الحاكم3/598، ذكر أخبار أصبهان1/48، فهرست الطوسي80، رجال الطوسي20، 43، تاريخ بغداد1/163برقم12، الاستيعاب2/634 برقم 1014(ط.نهضة مصر)، معالم العلماء57، الاحتجاج للطبرسي1/192(انتشارات أُسوة)، أُسد الغابة2/328، الكامل لابن الأثير3/138، 481، تهذيب الأسماء واللغات1/226، رجال ابن داود105، رجال العلامة الحلي84، تهذيب الكمال11/245، سير أعلام النبلاء1/505برقم91، تاريخ الإسلام(عهد الخلفاء)510، الوافي بالوفيات15/309، مرآة الجنان1/100، الإصابة2/60، تهذيب التهذيب4/137، شذرات الذهب1/44، الدرجات الرفيعة198، أعيان الشيعة7/279، الأعلام3/111، الغدير1/44، 11/126، معجم رجال الحديث8/186برقم 5338، موسوعة طبقات الفقهاء1/117برقم 34.

253

ثمّ سمع بأنّ نبيّاً سيبعث، فقصد بلاد العرب، فلقيه ركب من بني كلب، فاستخدموه ثمّ استعبدوه وباعوه حتّى وقع إلى المدينة، فسمع بخبر الإسلام، فقصد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأظهر إسلامه، وأصبح من أجلاّء الصحابة الملازمين له(صلى الله عليه وآله وسلم)العاكفين على الانتهال من علومه.
وكان عالماً بالشرائع وغيرها، صحيح الرأي، من الزهّاد المتقشّفين.
شهد الخندق، وهو الذي أشار بحفره، فاختلف عليه المهاجرون والأنصار، كلاهما يقول: سلمان منّا، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : سلمان منّا أهل البيت.(1)
وسُئل عنه علي عليه السَّلام، فقال: امرؤ منّا وإلينا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم، علم العلم الأوّل والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأوّل والكتاب الآخر، وكان بحراً لا ينزف.
وكان من شيعة علي عليه السَّلام وخاصّته، شديد التحقّق بولائه، وقد انحاز إليه في أحداث السقيفة وبعدها، وامتنع عن بيعة أبي بكر(2)، ثمّ حضر بين يديه محتجّاً، وداعياً إيّاه إلى تسليم الأمر إلى من هو أحقّ به منه، قائلاً:... ما عذرك في التقدّم على من هو أعلم منك وأقرب إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وأعلم بتأويل كتاب اللّه عزّ وجلّ وسنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومَن قدّمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته وأوصاكم به عند وفاته....
وقال من خطبة له: ...ألا إنّ لكم منايا تتبعها بلايا، فإنّ عند علي علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب، على منهاج هارون بن عمران، قال له رسول

(1) وإلى ذلك أشار الشاعر الكبير أبو فراس الحمداني:
هيهات لاقرّبت قـربى ولا رحـمٌ *** يوماً إذا أَقْصَتِ الأخلاقُ والشِّيَمُ
كـانت مودّة سلمـان لهـم رَحِمـاً *** ولم يكـن بيـن نـوح وابنـه رَحِـمُ
(2) تاريخ اليعقوبي2/124.

254

اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى... ثمّ قال: أما واللّه لو وليتموها عليّاً لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم... أنزلوا آل محمد منكم منزلة الرأس من الجسد بل منزلة العينين من الرأس.
ولما هاجمت الجيوش الإسلامية المدائن (سنة 16هـ)، كان سلمان الفارسي ـ كما يقول ابن الأثير ـ رائد المسلمين وداعيتهم(1)، دعا أهل بهرسير(المدائن الغربية) ثلاثاً، وأهل القصر الأبيض ثلاثاً، وكان يقول لهم: إنّما كنت رجلاً منكم، فهداني اللّه للإسلام، فإن أسلمتم فلكم مالنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم أبيتم، فأدّوا الجزية وأنتم صاغرون، فإن أبيتم، نابذناكم على سواء، إنّ اللّه لا يحبّ الخائنين.
ثمّ عيّن والياً على المدائن، فأقام بها إلى أن توفّي سنة أربع وثلاثين.(2)

(1) الكامل2/514.
(2) وقيل: سنة (35هـ)، و قيل: سنة (36هـ)، في أوّلها.

255

6

صَعْصَعَة بن صُوحان(1)

(...ـ 56هـ)
ابن حُجر بن الحارث العبدي، نزيل الكوفة.
كان خطيباً مفوّهاً، بليغاً، قويّ النفس، من كبار أصحاب الإمام علي عليه السَّلام.
ولد في دارين (قرب القطيف).
وأسلم في عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يره.
وروى عن: علي عليه السَّلام ، وابن عباس.
عدّه السيد حسن الصدر من مشاهير المتكلّمين من الشيعة.
وعُرف بحضور الجواب، وقوة البيان، والجرأة في الرأي، وامتلاك ناصية

(1) طبقات ابن سعد6/221، تاريخ اليعقوبي2/179، تاريخ الطبري3/361، 362، 365، 366، 525، رجال الكشي64برقم 19(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، رجال النجاشي1/448 برقم 540، رجال الطوسي45برقم1، الاستيعاب2/717برقم 1211، أُسد الغابة3/20، الكامل لابن الأثير3/138، 139، 140، 142، 144، 284، 427، 429، 430، سير أعلام النبلاء3/528 برقم 134، تاريخ الإسلام(سنة41ـ60هـ) 240، الوافي بالوفيات16/309برقم 337، منتهى المقال4/27برقم 1479، تهذيب تاريخ دمشق6/425، تأسيس الشيعة355، أعيان الشيعة7/387، الأعلام3/205، معجم رجال الحديث9/104 برقم 5913، قاموس الرجال5/119.

256

الحِجاج.
سكن الكوفة.
وأنكر على عثمان سياسته المجانبة لروح الإسلام، ونقم عليه اختصاصه أقاربه بالمناصب واستئثارهم بالقرار والأموال، فأمر واليَه على الكوفة (سعيد بن العاص) بإبعاده(مع عدد من رجالات الكوفة) إلى الشام، وذلك في سنة (33هـ)، وهناك واجه معاوية (أمير الشام) بقوارع كلمه وصراحته المعهودة، فأمر عثمان بردّهم إلى الكوفة.
ثمّ لزم الإمام عليّاً عليه السَّلام، وشهد معه وقعة الجمل، وأبلى فيها بلاءً حسناً، حيث أخذ الراية بعد استشهاد أخويه سيحان و زيد، وخاض غمرات الجهاد حتى ارتُثّ.
وشهد أيضاً حرب صفّين أميراً على كردوس، ووقعة النهروان.
ونفاه المغيرة بن شعبة (والي الكوفة من قبل معاوية) إلى جزيرة أوال (بالبحرين)، فمات فيها سنة ست وخمسين. و قيل: مات بالكوفة.(1)
وكان شديد الولاء لأهل البيت(عليهم السلام)، متمسّكاً بنهجهم، وله في الذبّ عن مقامهم وحقّهم في الإمامة وقيادة الأُمة احتجاجات معروفة ومواقف مشهودة، وإليك بعضها:
قال ابن عساكر: وقال الشعبي: خطب الناس معاوية، فقال: لو أنّ أبا

(1) ذكر ابن الأثير أنّ المغيرة دعا صعصعة، وقال له: إيّاك أن يبلغني عنك أنّك تعيب عثمان، وإيّاك أن يبلغني أنّك تظهر شيئاً من فضل عليّ، فأنا أعلم بذلك منك... فإن كنت ذاكراً فضله فاذكره بينك و بين أصحابك في منازلكم سرّاً، وأمّا علانية في المسجد فإنّ هذا لا يحتمله الخليفة لنا. فكان يقول له: نعم، ثمّ يبلغه عنه أنّه فعل ذلك، فحقد عليه المغيرة.الكامل في التاريخ3/430.

257

سفيان ولد الناس كلّهم كانوا أكياساً، فقام إليه صعصعة، فقال له: قد ولد الناس كلّهم من هو خير من أبي سفيان آدم(عليه السلام)، فمنهم الأحمق والكيّس... فقال معاوية: إنّ أرضنا مقدّسة، فقال له صعصعة: إنّ الأرض لا يقدّسها شيء ولا ينجّسها، إنّما تقدّسها الأعمال، فقال معاوية: عباد اللّه اتّخذوا اللّه وليّاً واتخذوا خلفاءه جُنّة تحترزوا بها، فقال صعصعة: كيف و كيف؟ وقد عُطّلت السنّة، وأخفرت الذمة، فصارت عشواء مطلخمة، في دهياء مدلهمة، قد استوعبتها الأحداث، وتمكّنت منها الأنكاث، فقال له معاوية: يا صعصعة لأن تقعي على ظلعك خير لك من استبراء رأيك، وإبداء ضعفك، تعرض بالحسن بن علىّ عليَّ، ولقد هممتُ أن أبعث إليه، فقال له صعصعة: إي واللّه وجدتهم أكرمكم جدوداً، وأحياكم حدوداً، وأوفاكم عهوداً، ولو بعثت إليه فلوجدته في الرأي أريباً، وفي الأمر صليباً، وفي الكرم نجيباً، يلذعك بحرارة لسانه، ويقرعك بما لا تستطيع إنكاره....
وذكر ابن الأثير (في حوادث سنة 43هـ) أنّ صعصعة علم بمنزل بعض الخوارج في دار سُليم بن محدوج العبدي (وهو من أبناء عشيرته عبد القيس) فقام فيهم خطيباً، فقال:
أيّها الناس، إنّ اللّه وله الحمد، لما قسّم الفضل خصّكم بأحسن القسم، فأجبتم إلى دين اللّه... ولم يزل اللّه يزيدكم بذلك خيراً حتّى اختلفت الأُمّة بينها، فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير وعائشة، وقالت طائفة: نريد أهل المغرب، وقالت طائفة: نريد عبد اللّه بن وهب الراسبي، وقلتم أنتم: لا نريد إلاّ أهل نبيّنا الذين ابتدأنا اللّه عزّ وجلّ من قبلهم بالكرامة، تسديداً من اللّه عز ّوجلّ لكم وتوفيقاً، فلم تزالوا على الحقّ لازمين له آخذين به....

258

7

ابن عباس(1)

(3ق هـ ـ 68هـ)
عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، الصحابي الجليل، أبو العباس القرشي الهاشمي، ابن عمّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، المعروف بحَبْر الأُمّة.
كان فقيهاً محدّثاً مفسّراً، مناظراً قديراً، لسناً، من تلامذة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأمراء جيشه، المخلصين في ولائه.

(1) طبقات ابن سعد2/365، التاريخ الكبير5/2، رجال البرقي2، المعارف73، المعرفة والتاريخ1/217، تاريخ اليعقوبي2/158، 161، 190، 191، 192، الجرح والتعديل 5/116، الثقات لابن حبان3/248، مشاهير علماء الأمصار28برقم17، المعجم الكبير للطبراني10/232، مستدرك الحاكم3/533، حلية الأولياء1/314، رجال الطوسي22برقم6، تاريخ بغداد1/173، الاستيعاب3/933برقم 1588، صفة الصفوة1/314، أُسد الغابة3/192، تهذيب الأسماء واللغات1/274، رجال ابن داود121برقم 880، رجال العلاّمة الحلي103، تهذيب الكمال15/154برقم 3358، سير أعلام النبلاء3/331برقم 51، العبر1/56، تذكرة الحفاظ1/40، الوافي بالوفيات17/231، نكت الهميان180، مرآة الجنان1/143، البداية والنهاية 8/298، الجواهر المضية2/415، تهذيب التهذيب5/276، الاصابة2/322ـ 326، مجمع الرجال4/24، شذرات الذهب1/25، جامع الرواة1/494، الدرجات الرفيعة103، تنقيح المقال2/191برقم 6921، أعيان الشيعة8/55، الأعلام4/95، معجم رجال الحديث10/229برقم 6943، قاموس الرجال6/3، رسائل ومقالات للسبحاني304، موسوعة طبقات الفقهاء1/164برقم51.

259

ولد بمكّة قبل الهجرة بثلاث سنين.
ونشأ في بدء عصر النبوة، فلازم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقرّبه عمر في أيام خلافته، وشاوره مع كبار الصحابة، وجرى بينهما أكثر من حوار في مسألة حقّ علي عليه السَّلام في الخلافة.
ولما آلت الخلافة إلى علي عليه السَّلام آزره ابن عباس، وذبّ عن قضية الإمامة والولاية، بلسانه وسنانه، حيث شهد وقائع الجمل وصفين والنهروان، وولي البصرة، ومثّل الإمام عليّاً عليه السَّلام في العديد من المواقف، فأظهر مقدرة فائقة في المناظرة والحوار والاحتجاج، وأصبح في طليعة الرجال الذين يعتمدهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وينتدبهم لمهام الأُمور.
ثمّ سكن ابن عباس مكّة المكرّمة، فلمّـا دعا ابن الزبير إلى نفسه، أبى أن يبايعه، فنفاه إلى الطائف، فتوفّـي بها سنة ثمان وستين.
ولابن عباس خطب ومناظرات واحتجاجات وأشعار، أبان فيها عن وعي عميق، وفطنة شديدة، وولاء ثابت لعلي عليه السَّلام، واعتقاد راسخ بحقّه وحقّ أبنائه(عليهم السلام) في ولاية الأمر، وكان يقول: الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.
روى الزبير بن بكار في «الموفقيات» عن عبد اللّه بن عباس، قال: إنّي لأُماشي عمر بن الخطاب في سكّة من سكك المدينة، إذ قال لي: يا ابن عباس، ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً، فقلت في نفسي: واللّه لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين، فاردُد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدي، ومضى يُهَمهِمُ ساعة، ثمّ وقف فلحقته، فقال: يا ابن عباس، ما أظنّهم منعهم عنه إلاّ أنّه استصغره قومه! فقلت في نفسي: هذه شرٌّ من الأُولى، فقلت: واللّه ما استصغره اللّه ورسوله حين أمراه أن

260

يأخذ براءة من صاحبك. فأعرض عنّي وأسرع، فرجعت عنه.(1)
وقال ابن عباس: كنت عند عمر، فتنفّس نفساً ظننتُ أنّ أضلاعه قد انفرجت، فقلت: ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين إلاّ همٌّ شديد! قال: إي واللّه يا ابن عباس! إنّي فكّرت فلم أدرِ فيمن أجعل هذا الأمر بعدي! ثمّ قال: لعلّك ترى صاحبك لها أهلاً! قلت: وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه! قال: صدقت....(2)
وروى عبد اللّه بن عمر قال: كنت عند أبي يوماً... فقال: يا ابن عباس، أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: لكني أدري، قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، فيَجْخِفوا جَخْفاً(3)، فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت.
فقال ابن عباس: أيميط أمير المؤمنين عني غضبه فيسمع! قال: قل ما تشاء، قال: أما قول أمير المؤمنين: إنّ قريشاً كرهت، فإنّ اللّه تعالى قال لقوم: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ فَاحبطَ أَعْمالَهُم).
وأمّا قولك...
وأمّا قولك: (فإن قريشاً اختارت)، فإنّ اللّه تعالى يقول: (وَرَبُّكَ يخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَة)، وقد علمت يا أمير المؤمنين أنّ اللّه اختار من خَلْقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفّقت وأصابت قريش....(4)
وقال ابن عباس من خطبة له: أيّها الناس استعدوا للشخوص إلى إمامكم

(1) شرح نهج البلاغة12/46.
(2) شرح نهج البلاغة12/51.
(3) جخف: تكبّر.
(4) شرح نهج البلاغة12/52ـ 55.

261

وانفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فإنّكم تقاتلون المُحلّين القاسطين الذين لا يقرأون الكتاب ولا يعرفون حكم الكتاب ولا يدينون دين الحقّ، مع أمير المؤمنين وابن عمّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والصادع بالحق والمقيم بالهدى والحاكم بحكم الكتاب الذي لا يرتشي في الحكم ولا يداهن الفجار ولا تأخذه في اللّه لومة لائم....
ولما خرج الحسين(عليه السلام) إلى الكوفة اجتمع ابن عباس و عبد اللّه بن الزبير بمكة، فضرب ابن عباس جنب ابن الزبير، وتمثّل:
يـا لـكِ مــن قُبـَّرة بمَعْمَـرِ *** خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شئتِ أن تنقّري
خلا لك واللّه يا ابن الزبير الحجاز، فقال ابن الزبير: واللّه ما ترون إلاّ أنّكم أحقّ بهذا الأمر من سائر الناس، فقال له ابن عباس:
إنّما يرى من كان في شكّ، فأمّا نحن من ذلك فعلى يقين.(1)
ومن شعر ابن عباس في أمير المؤمنين(عليه السلام):
وصيّ رسول اللّه من دون أهله *** وفارسه إن قيل هل من مُنازل
فدونكه إن كنت تبغي مهاجراً *** أشمَّ كنصل السيف عير حلاحل(2)
ولما حضرت ابن عباس الوفاة، قال:
اللّهم إنّي أتقرّب إليك بولاية عليّ بن أبي طالب.(3)

(1) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور12/325(ترجمة عبد اللّه بن عباس).
(2) عَيْر القوم: سيدهم، والحَلاحل جمع حُلاحل: الشجاع.
(3) فضائل الصحابة لابن حنبل2/662/1129، المناقب لابن شهر آشوب3/200.

262

8

عدِيّ بن حاتم(1)

(...ـ 67هـ)
ابن عبد اللّه بن سعد بن الحشرج الطائي، المكنّى أبا طريف، أحد أجلاّء الصحابة.
وفد على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فأكرمه، ونزع وسادة كانت تحته فألقاها له حتّى جلس عليها، فسأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أشياء، فأجابه عنها، فأسلم وحسن إسلامه.
وبعثه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سنة عشر على صدقات طي وأسد.
وشهد فتوح العراق والشام وبلاد فارس آمراً على بعض الكتائب.

(1) المصنف لعبد الرزاق8458، 8502، 8530، 8531، 8621، وقعة صفين100، 117، 137، 143، 197، 205، 359، وغير ذلك، طبقات ابن سعد6/22، تاريخ خليفة57، 62، 146، 203، طبقات خليفة 127 برقم 463 و225 برقم 904، التاريخ الكبير7/43برقم 189، المعارف177، المعرفة والتاريخ2/429، الجرح والتعديل7/2 برقم1، الثقات لابن حبان3/316، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني46برقم8، حلية الأولياء4/124، تاريخ بغداد1/189برقم 29، الاستيعاب3/1057برقم 1781(ط. نهضة مصر)، الكامل لابن الأثير1/631، 2/285، 286، 301، 345، 347، و غير ذلك، تهذيب الأسماء واللغات 1/327، تهذيب الكمال19/524برقم 3884، سير أعلام النبلاء3/162برقم 26، العبر1/55، تهذيب التهذيب7/166برقم 330، الاصابة2/460برقم 5477، أعيان الشيعة:8/142، شذرات الذهب1/74، الأعلام4/220، معجم رجال الحديث11/134، موسوعة الإمام علي12/213برقم 67، موسوعة طبقات الفقهاء1/200برقم 61.

263

ثمّ سكن الكوفة.
وكان سيّداً شريفاً في قومه، خطيباً، حاضر الجواب، فاضلاً كريماً.
شهد مع علي عليه السَّلام حروبه كلها، وكان من قادته الشجعان الأوفياء، المخلصين له ولأبنائه(عليهم السلام)، الذائدين عن حريم الحق والولاية.
وقد امتاز بقوة المناظرة، وقوة الفكرة، وبعد النظرة، وكان من الحكماء.
قال له علي عليه السَّلام ـ قبل أن ينشب القتال في معركة الجمل ـ : يا عدي، أنت شاهد لنا، وحاضر معنا وما نحن فيه؟
فقال عدي: شهدتك أو غبتُ عنك، فأنا عند ما أحببت، هذه خيولنا معدّة، ورماحنا محدّدة، وسيوفنا مجرّدة، فإن رأيت أن نتقدّم تقدّمنا، وإن رأيت أن نحجم أحجمنا، نحن طوع لأمرك، فأمر بما شئت، نسارع إلى امتثال أمرك.
وقال عدي في أيام حرب صفين: أيها الناس، إنّه واللّه لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه، ولا وقع بأمر قطّ إلاّ ومعه من اللّه برهان، و في يديه من اللّه سبب، وإنّه وقف عن عثمان بشبهة، وقاتل أهل الجمل على النكث، وأهل الشام على البغي.(1)
وقال لمعاوية ـ حينما بعثه علي عليه السَّلام إليه في أيام الهدنة ـ: أمّا بعد، فإنّا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع اللّه به كلمتنا وأُمّتنا، ونحقن به الدماء، ونصلح ذات البين، إنّ ابن عمّك سيّد المسلمين أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام أثراً، وقد استجمع له الناس....(2)

(1) الإمامة والسياسة1/141.
(2) الكامل في التاريخ3/289(سنة 37هـ).

264

وقال ـ لما رأى تثاقل الناس عن الاستجابة للإمام الحسن(عليه السلام)في قتال معاوية ـ : أنا ابن حاتم، سبحان اللّه ما أقبح هذا المقام، ألا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيّكم، أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ، فإذا جدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب، أما تخافون مقت اللّه، ولا عيبها ولا عارها؟... ثمّ مضى لوجهه فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها، ومضى إلى النُّخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان أوّل الناس عسكراً.
توفّي عدي بن حاتم بالكوفة سنة سبع وستين.
ومن شعره:
تفدي عليّاً مهجتي ومالي *** وأُسـرتـي يتبعهـا عيالـي
وقال له معاوية يوماً: ما فعلت الطَّرفات ـ يعني أولاده ـ ؟
قال: قُتلوا مع عليّ.
قال: ما أنصفك عليّ، قتل أولادك، وبقّى أولاده.
فقال عدي: ما أنصفتُ عليّاً، إذ قُتل وبقيتُ بعده.

265

9

قيس بن سعد(1)

(...ـ 59، 60هـ)
ابن عُبادة بن دُليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي، اليمني.
خدم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكان منه بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وحمل راية الأنصار في بعض الغزوات، واستعمله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على الصدقة.
وكان فارساً شجاعاً، سياسياً ماهراً، مناظراً قديراً، خطيباً مفوهاً، متهالكاً في ولاء أهل البيت، متفانياً في نصرتهم. وهو من السباقين إلى الدفاع عن خلافة الحق وحقّ الخلافة، وإمامة أمير المؤمنين عليه السَّلام بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) (2)، وقد بلغ به الأمر أن

(1) طبقات ابن سعد6/52، طبقات خليفة235برقم973و 494 برقم2556، تاريخ خليفة149، 152، 172، 275، التاريخ الكبير7/141برقم 636، رجال البرقي65، المعرفة والتاريخ1/299، تاريخ اليعقوبي2/179، 186، 187، 202، 214، الجرح والتعديل 7/99 برقم 560، رجال الكشي102برقم 49، الثقات لابن حبان3/339، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني43برقم 6، رجال الطوسي26برقم 1و 54برقم1، تاريخ بغداد1/177برقم 17، أُسد الغابة4/215، الكامل لابن الأثير3/201، 268، 269، 270، 271، 272، 404، 408، 525، تهذيب الأسماء واللغات61برقم 75، مختصر تاريخ دمشق21/102، رجال ابن داود279برقم 1210، تهذيب الكمال24/40برقم 7179، سير أعلام النبلاء3/102برقم 21، تهذيب التهذيب8/395برقم 700، الإصابة3/239برقم 7179، شذرات الذهب1/52، جامع الرواة2/25، بهجة الآمال6/89، أعيان الشيعة8/452، الغدير2/67، الأعلام5/206، معجم رجال الحديث14/93برقم 9652، قاموس الرجال7/396.
(2) موسوعة الإمام علي بن أبي طالب12/254.

266

خاصم أباه حين ذكر أمامه مرّة كلاماً كان سمعه من النبي في حقّ عليّ، فقال قيس لأبيه:
أنت سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول هذا الكلام في علي بن أبي طالب ثمّ تطلب الخلافة ويقول أصحابك منّا أمير ومنكم أمير....
ولاّه الإمام علي عليه السَّلام مصر في صفر سنة (36هـ)، فلما وصلها، قام فيهم خطيباً، وقال: الحمد للّه الذي جاء بالحق وأمات الباطل وكبت الظالمين، إنّا قد بايعنا خير من نعلم بعد نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقوموا أيها الناس فبايعوه على كتاب اللّه وسنة رسوله، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم. فقام الناس فبايعوا واستقامت مصر.
وسعى معاوية إلى استمالته، بالإغراء أوّلاً ثمّ بالتهديد ثانياً، فكتب إليه قيس: أمّا بعد فالعجب من استسقاطك رأيي والطمع في أن تسومني لا أبا لغيرك الخروج عن طاعة أولى الناس بالأمر وأقولهم بالحق وأهداهم سبيلاً وأقربهم من رسول اللّه وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر وأقوم بالزور وأضلّهم سبيلاً...
وعُزل قيس عن ولاية مصر بمحمد بن أبي بكر، وشهد مع علي عليه السَّلام وقعتي صفين والنهروان، وكان على ميمنة الجيش.
ولما ملك معاوية، وأحضر الناس لبيعته، قال قيس: إن كنت لأكره مثل هذا اليوم يا معاوية. ثمّ خاطب الناس، بقوله: لقد اعتضتم الشر من الخير، واستبدلتم الذل من العزّ، والكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وابن عمّ رسول ربّ العالمين، وقد وليكم الطليق ابن الطليق

267

يسومكم الخسف، ويسير فيكم بالعسف....(1)
توفّي بالمدينة سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ستين.
قال إبراهيم الثقفي: كان شيخاً شجاعاً مجرّباً، مناصحاً لعليّ ولولده، ولم يزل على ذلك إلى أن مات.

10

كميل بن زياد(2)

(...ـ 82هـ)
ابن نُهَيْك بن هيثم النخعي الصُّهباني، الكوفي.

(1) تاريخ اليعقوبي2/216.
(2) طبقات ابن سعد6/179، تاريخ خليفة222، طبقات خليفة249برقم 1058، التاريخ الكبير7/243برقم 1036، رجال البرقي6، المعرفة والتاريخ2/481، تاريخ اليعقوبي2/205، الفتوح لابن أعثم7/141، الجرح والتعديل7/174برقم 995، المحن لأبي العرب212، الثقات لابن حبان5/341، المجروحين لابن حبان2/221، حلية الأولياء1/79، رجال الطوسي56برقم 6و 69برقم1، الكامل لابن الأثير3/138، 144، 183، 205، 376، 379، 4/472، 481، شرح النهج لابن أبي الحديد17/149، تهذيب الكمال24/218برقم 4996، تاريخ الإسلام(سنة 81ـ 100هـ) 176 برقم 133، ميزان الاعتدال3/415برقم 6978، البداية والنهاية9/50، تهذيب التهذيب8/448، الإصابة3/300برقم 7503، مجمع الرجال5/75، نقد الرجال277، جامع الرواة2/31، بهجة الآمال6/128، تأسيس الشيعة356، الأعلام5/234، معجم رجال الحديث14/128برقم 9753، موسوعة طبقات الفقهاء1/498برقم 241.

268

كان من أصحاب عليّ عليه السَّلام وشيعته وخاصّته، مجاهداً، عابداً، مطاعاً في قومه.
أبْعَدَه سعيد بن العاص (والي الكوفة) مع عدد من أعلام الكوفة إلى الشام بأمر عثمان بن عفان سنة (33هـ)، لتنديدهم بالسياسة التي كان ينتهجها الخليفة وبطانته(ومنهم الوالي المذكور)، وإعلانهم عن تبرّمهم وسخطهم على التصرّفات والممارسات المخالفة للسنة المطهّرة ولموازين القسط والعدل.
ولزم الإمام عليّاً عليه السَّلام، وانقطع إليه، وجاهد بين يديه في معارك صفّين.
ثمّ بعثه(عليه السلام) عاملاً له على هيت (بلدة على الفرات، غرب العراق).
عدّه السيد حسن الصدر من مشاهير المتكلّمين من الشيعة، وقال: كان عَيْبة علم نافعة، وشجرة مثمرة.
ولمّا غلب مطر بن ناجية الرياحي على الكوفة أيام ابن الأشعث، نهض كميل، وارتقى المنبر، وكان ـ كما يقول أبو العرب ـ خطيباً شريفاً، ففضح مساوئ الحكام الأمويين وأعوانهم، وحرّض الجماهير عليهم، حتّى أثّرت خطبته في نفوسهم.(1)
ولما ظفر الحجّاج الثقفي، منع النخع أُعطياتهم حتّى يأتوه بكميل، فلمّا رأى ذلك أقبل على قومه فقال: أبلغوني الحجّاج فأبلغوه، وجرى بينهما كلام (دلّ على ولائه لعليّ عليه السَّلام وقوّة جنانه وثباته)(2)، عجز فيه الطاغية عن محاججته وإرعابه، فأمر بضرب عنقه، فالتحق بركب الشهداء الذين أُريقت دماؤهم دفاعاً عن ولاية

(1) انظر كتاب المحن لأبي العرب محمد بن أحمد التميمي(المتوفّى333هـ).
(2) انظر تاريخ الإسلام، والكامل في التاريخ.

269

أمير المؤمنين(عليه السلام) ونهجه القويم، وذلك في سنة اثنتين وثمانين.(1)
قال كميل: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فأخرجني إلى الجبّان، فلما أصحر تنفّس الصعداء، ثمّ قال:
يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عنّي ما أقول لك:
الناس ثلاثة: فعالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهَمَج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق....
يا كميل هلك خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر....
بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة: إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلاّ تبطل حجج اللّه و بيّناته....
وقد روى صاحب الترجمة دعاءً طويلاً عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، عُرف باسم (دعاء كميل)، وقد اشتهر هذا الدعاء ولهجت بقراءته الألسن، لسموّ بيانه، وعمق مضامينه.

(1) وقيل: سنة (83هـ). قال ابن أبي الحديد: قتله الحجّاج على المذهب فيمن قتل من الشيعة.

270

11

الأشتر(1)

(...ـ38هـ)
مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة النخعي، التابعيّ الكبير، أبو إبراهيم الكوفي، المعروف بالأشتر، وبكبش العراق.
ولد قبل الإسلام، وعاصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكنّه لم يره.
وكان شجاعاً مقداماً، قائداً مظفّراً، خطيباً بليغاً، متكلّماً مفوّهاً، عميقَ

(1) طبقات ابن سعد6/213، طبقات خليفة249برقم 1057، تاريخ خليفة129، التاريخ الكبير7/311برقم 1325، رجال البرقي6، تاريخ اليعقوبي2/179، 187، 194، الجرح والتعديل8/207برقم 910، رجال الكشي61 برقم 17(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، الثقات لابن حبان5/389، الإرشاد للمفيد365، رجال الطوسي58برقم5، الاستيعاب1/301، الكامل لابن الأثير3/133، 138، 144، 148، 158، 227، 231، 250، 294، 300، 371، وغير ذلك، شرح النهج لابن أبي الحديد15/98، رجال ابن داود283برقم 1232، رجال العلاّمة الحلي169برقم1، تهذيب الكمال27/126برقم5731، سير أعلام النبلاء4/34برقم6، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين)593، تهذيب التهذيب10/11، الإصابة3/459، مجمع الرجال5/89، جامع الرواة2/37، بهجة الآمال1327، تنقيح المقال2/48برقم 10025، أعيان الشيعة9/38، الغدير9/31برقم 43، قائد القوات العلوية لعبد الواحد المظفر، الأعلام5/259، معجم رجال الحديث14/161برقم 9796، قاموس الرجال7/463، موسوعة الإمام علي12/275، موسوعة طبقات الفقهاء1/505برقم 244.

271

الوعي، شديد التحقّق بولاء أمير المؤمنين(عليه السلام)، من أكابر الشيعة وعظمائها.
شهد وقعة اليرموك، وفيها شُترت عينه.
وسكن الكوفة.
ونفاه عثمان ـ مع عدد من أعلام الكوفة ـ إلى الشام عام (33هـ) لاتّهامهم بتأليب الناس، والقدح في سيرته وسيرة سعيد بن العاص والي الكوفة .
ولمّا استفحلت الثورة على عثمان وعمّاله، تزعّم الأشتر وغيره جموع الثائرين من أهل الكوفة، وساروا إلى المدينة، هاتفين بإحياء أحكام القرآن والسنّة المطهّرة، ومعبّرين ـ ولسانهم الأشتر ـ عن ولائهم لأهل البيت ولعلي منار الهدى وإمام الأُمّة.
ولما قُتل عثمان، قاد الأشتر الجماهير إلى بيعة علي عليه السَّلام، وشهد معه وقعة الجمل، ثمّ صار والياً في منطقة الجزيرة الفراتية(الواقعة على حدود الشام).
ثمّ شهد حرب صفين، فأبلى فيها بلاءً حسناً، وأذاق الأعداء الويل في كرّاته الشديدة عليهم.
وأُعيد ـ بعد انتهاء الحرب ـ إلى عمله في الجزيرة إلى أن اضطربت الأوضاع في مصر، فبعثه(عليه السلام) والياً عليها بدلاً من محمد بن أبي بكر، فلقي حتفه في الطريق، وقيل: مات مسموماً وهو المشهور(1)، وذلك في سنة ثمان وثلاثين.
وللأشتر(2) خطب ومناقشات وأشعار، عبّر فيها عن اتجاهه العقائدي بكل

(1) قيل: إنّ معاوية دسّ إليه سمّاً على يد مولى له، ويقال مولى عثمان، وقال آخرون: إنّ معاوية كتب إلى عامل الخراج بالقلزم أن يسمّه.
(2) وقيل: سنة (39هـ).

272

جلاء، حيث دعا إلى الائتمام بعلي والانقياد لإمامته، باعتباره المرجع الفكري والسياسي للأُمّة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، والحامل الحقيقي للرسالة، الذي يقام به الحقّ وتُصان الشريعة، كما حذّر من مغبّة مخالفته وعصيانه.
قال، وهو يحثّ الناس على البيعة: أيّها الناس، هذا وصيّ الأوصياء، ووارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن الغناء، الذي شهد له كتاب اللّه بالإيمان، ورسوله بجنة الرضوان، من كملت فيه الفضائل، ولم يشكّ في سابقته وعلمه وفضله الأواخر، ولا الأوائل.(1)
وقال، وقد استعدّ للقتال في صفين:... معنا ابن عمّ نبيّنا، وسيف من سيوف اللّه علي بن أبي طالب، صلّـى مع رسول اللّه، ولم يسبقه إلى الصلاة ذكَر، حتّى كان شيخاً لم تكن له صبوة، ولا نبوة، ولا هفوة، ولا سقطة، فقيه في دين اللّه، عالم بحدود اللّه، ذو رأي أصيل، وصبر جميل، وعفاف قديم... واعلموا أنّكم على الحقّ، وأنّ القوم على الباطل... فما يشكّ في قتال هؤلاء إلاّ ميّت القلب.
وقال من خطبة له في صفين: الحمد للّه الذي جعل فينا ابن عمّ نبيّه، أقدمهم هجرة، وأوّلهم إسلاماً، سيف من سيوف اللّه صبّه على أعدائه، فانظروا إذا حمي الوطيس، وثار القتام، وتكسّرت المُرّان، وجالت الخيل بالأبطال....
وقال، مجيباً الشاب الذي تلا(حم) عندما همّ الأشتر بقتله:
يذكّرني حاميم والسيف مصلت *** فهلا تلا حاميم قبل التقدّم
هتكتُ له بالرمح جيب قميصه *** فخرّ صريعاً لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعاً *** علياً، ومن لا يتبع الحقّ يندم

(1) تاريخ اليعقوبي2/179.

273

12

المقداد بن الأسود(1)

(نحو 37ق. هـ ـ 33 هـ)
المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك البهراني القضاعي، المعروف بالمقداد بن الأسود، ويقال له المقداد الكندي.
كان من كبار الصحابة النجباء الأبطال، السابقين إلى الإسلام .
شهد بدراً و أُحداً والخندق وسائر المشاهد، وكان يوم فتح مكة على ميمنة

(1) طبقات ابن سعد3/161، تاريخ خليفة124، التاريخ الكبير8/54برقم 2126، رجال البرقي1، 3، 63، 64، المعارف150، المعرفة والتاريخ2/161، تاريخ اليعقوبي2/163، الجرح والتعديل8/426برقم 1942، العقد الفريد3/224، 5/32، الثقات لابن حبان327، حلية الأولياء1/172، رجال الطوسي27برقم 8و 57برقم 1، الاستيعاب4/1480برقم 2561(ط. نهضة مصر)، الاحتجاج للطبرسي1/194(انتشارات أُسوة)، صفة الصفوة1/423برقم 20، الكامل لابن الأثير2/73، 111، 118، 120، 152، 190، 290، 492، 3/67، 68، 70، 71، 111، 146، أُسد الغابة4/409، شرح النهج لابن أبي الحديد9/21، 55، 56، تهذيب الأسماء واللغات2/111برقم 163، رجال العلاّمة 169برقم 1، تهذيب الكمال 28/452برقم 6162، سير أعلام النبلاء1/385برقم 81، مرآة الجنان1/89، تهذيب التهذيب10/285، الإصابة3/433برقم 8185، التحرير الطاووسي272برقم 406، مجمع الرجال6/137، نقد الرجال353، جامع الرواة2/262، تنقيح المقال2/244برقم 12096، أعيان الشيعة10/134، الأعلام7/282، معجم رجال الحديث18/314برقم 12607، قاموس الرجال9/111، موسوعة عظماء الشيعة ج3، موسوعة طبقات الفقهاء1/242برقم 78.

274

النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وفي يوم بدر، عندما استشار رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابه بشأن الحرب، قال المقداد: يا رسول اللّه امض لِما أُمرت به فنحن معك، واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:(اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُون)، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق نبيّاً لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
ويُعدّ المقداد من شيعة أمير المؤمنين المخلصين ومن الأصفياء من أصحابه، وقف إلى جانبه(عليه السلام) بحزم وصلابة، وأبى أن يبايع (مع عدد من المهاجرين والأنصار)(1) أبا بكر، إيماناً منه بأنّ عليّاً عليه السَّلام أولى الناس بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه المستحقّ للخلافة وولاية الأمر.
وكان أحد المتكلّمين الاثني عشر ـ كما يذكر البرقي في آخر رجاله ـ الذين احتجّوا على الخليفة الأوّل، طالبين منه تسليم الأمر إلى من هو أحقّ به منه.
ولما صفق عبد الرحمان بن عوف (في قضية الشورى) على يد عثمان بالبيعة، قال المقداد: يا عبد الرحمان، أما واللّه لقد تركتَه (أي تركتَ علي بن أبي طالب) وإنّه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.
ثمّ قال: ما رأيت مثل ما أُتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم، إنّي لأعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول ولا أعلم أنّ رجلاً أقضى بالعدل ولا أعلم منه.
فقال عبد الرحمان: إنّي أخاف أن تكون صاحب فتنة وفرقة.
قال المقداد: إنّ من دعا إلى الحقّ وأهله وولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة،

(1) ولم يبايع هؤلاء، إلاّ بعد أن بايع الإمام علي عليه السَّلام حرصاً على مصلحة الإسلام العليا.

275

ولكن من أقحم الناس في الباطل وآثر الهوى على الحقّ فذلك صاحب الفتنة والفرقة.(1)
وكان المقداد يتّخذ من مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في المدينة مقرّاً لبث دعوته لعليّ عليه السَّلام، مبتدئاً بعرض ظلامته(عليه السلام)، ثمّ يطرح أمام الجمهور فضائله وكراماته وسابقته منتهياً ببيان أحقّيته في الخلافة بأسلوب فريد وكأنّه محام بارع أسند إليه القيام بهذا الدور.(2)
قال اليعقوبي: إنّ المقداد كان جاثياً على ركبتيه في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يتلهّف تلهّف من كأنّ الدنيا كانت له فسُلبَها، وهو يقول:
واعجباً لقريش، ودفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيّهم، وفيهم أوّل المؤمنين، وابن عمّ رسول اللّه، أعلم الناس وأفقههم في دين اللّه، وأعظمهم غناءً في الإسلام، وأبصرهم بالطريق، وأهداهم للصراط المستقيم، واللّه لقد زووها عن الهادي المهتدي الطاهر النقيّ، وما أرادوا إصلاحاً للأُمّة ولا صواباً في المذهب، ولكنّهم آثروا الدنيا على الآخرة، فبُعداً وسحقاً للقوم الظالمين.(3)
توفّي بالجُرف(4) سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن سبعين سنة أو نحوها، ودفن بالمدينة المنوّرة.

(1) انظر الكامل في التاريخ3/71، العقد الفريد5/32، أعيان الشيعة10/134.
(2) موسوعة عظماء الشيعة3/173.
(3) تاريخ اليعقوبي2/163. وانظر شرح النهج9/21.
(4) موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام. معجم البلدان2/128.

276

13

ميثم التمّار(1)

(...ـ60هـ)
ميثم بن يحيى الأسدي بالولاء، الكوفي، التمّار، صاحب أمير المؤمنين، وأمين أسراره، وأحد أعاظم الشهداء في التشيّع.
كان عبداً لامرأة من بني أسد، فاشتراه علي عليه السَّلام وأعتقه، وقرّبه وأدناه، وأفاض عليه من علومه ومعارفه واختصّه بكثير من الأسرار، وكان يصحبه أحياناً عند المناجاة في الخلوات وعند خروجه في الليل إلى الصحراء، ويذكر له ما سوف يلاقيه في سبيل الولاء، فيقول ميثم: هذا في اللّه قليل.
عدّه السيد حسن الصدر من مشاهير المتكلّمين من الشيعة، وقال غيره: كان خطيب الشيعة بالكوفة ومتكلّمها، وروى آخر أنّه قال لابن عباس: سلني ما

(1) رجال البرقي4، تاريخ اليعقوبي2/213ـ 214، رجال الكشي74برقم 24(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، الاختصاص للمفيد3، 7، 8، 61، 75، 76، الإرشاد للمفيد323، 324، 325، رجال الطوسي58برقم 6و 70برقم 3و 79برقم 1، روضة الواعظين للفتّال288، المناقب لابن شهر اشوب4/38، شرح النهج لابن أبي الحديد2/291، الإصابة3/479برقم 8474، نقد الرجال359، جامع الرواة2/284، تأسيس الشيعة283، 355، أعيان الشيعة10/198، الذريعة4/317برقم 1339، ميثم التمار لمحمد حسين المظفر، الأعلام7/336، معجم رجال الحديث19/93برقم 12914و 94برقم 12916، قاموس الرجال9/164، موسوعة الإمام علي12/317برقم 94، موسوعة طبقات الفقهاء1/536برقم 264.

277

شئت من تفسير القرآن، فإنّي قرأت تنزيله على أمير المؤمنين (عليه السلام)وعلّمني تأويله، فأقبل ابن عباس يكتب، وذكره اليعقوبي في من حملوا العلم عن علي عليه السَّلام.
وكان ميثم متفانياً في حبّ أهل البيت، مشهوراً بولائه ونصحه وإخلاصه لهم.
اعتُقل، وأُدخل على عبيد اللّه بن زياد والي الكوفة وقيل له: هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب، قال: ويحكم هذا الأعجمي، قالوا: نعم، فقال له عبيد اللّه: أين ربّك؟ قال: بالمرصاد للظلمة وأنت منهم....
ثمّ أمر به، فصُلب على جذع نخلة، فجعل يهتف بالإمامة ويحدث الناس بفضائل علي وعدله، وبمساوئ بني أُميّة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد، فقال: ألجموه، فكان أوّل من أُلجم في الإسلام، ثم طُعن في اليوم الثالث بحربة فمات.
وكان استشهاده قبل قدوم الحسين(عليه السلام) العراق بعشرة أيّام، أي في نحو الثاني والعشرين من شهر ذي الحجّة سنة ستين للهجرة.

278


279

متكلمو الشيعة
في القرن الثاني

280


281

14

ابن داحة(1)

(...ـ حيّاً نحو 180هـ)
إبراهيم بن سليمان بن داحة (و قيل: ابن أبي داحة) المُزني، أبو إسحاق البصري، أحد الشخصيات البارزة في عصره.
لم نقف على أسماء المشايخ الذين أخذ عنهم العلم، سوى ما ذُكر من أنّه روى عن أبي عبد اللّه الصادق(عليه السلام)، وعن محمد بن أبي عمير(2)، ولكنّه ـ كما يبدو من أخباره ـ قد بلغ مرتبة علمية واجتماعية رفيعة.
قال أبو العباس النجاشي: كان وجه أصحابنا البصريين في الفقه والكلام والأدب والشعر.
سمع منه أبو عثمان الجاحظ (163ـ 255هـ)، وحكى عنه في كتابيه

(1) البيان والتبيين2/61، الحيوان للجاحظ1/61، 62، 2/82، 153، 3/402، 6/61، رجال النجاشي1/87برقم 13، فهرست الطوسي27برقم3، معالم العلماء5برقم8، رجال ابن داود15برقم21، رجال العلاّمة الحلي4 برقم 8، مجمع الرجال1/44، نقد الرجال9برقم 48، جامع الرواة 1/22، بهجة الآمال1/528، تنقيح المقال1/18برقم 108، تأسيس الشيعة376، أعيان الشيعة2/141، معجم رجال الحديث1/228برقم 165، قاموس الرجال1/136.
(2) كذا نقل النجاشي عن «البيان والتبيين»، وفي المطبوع منه: محمد بن عمير.

282

«الحيوان» و «البيان و التبيين» في موارد متعددة، ووصفه بأنّه من مشايخ الشيعة.
ولابن داحة مؤلفات لم نظفر بها و لا بأسمائها.
وكان شغوفاً بالعلم، كثير الاعتناء بالكتب.
حضر مجلس أبي عبيدة مَعْمَر بن المثنى (110ـ 209هـ)، وأنشد فيه شعراً للسيد الحميري.
قيل لابن داحة ـ و أخرج كتاب أبي الشمقمق، وإذا هو في جلود كوفيّة ودفّتين طائفيّتين، بخط عجيب ـ : لقد أُضيع من تجوّد بشعر أبي الشمقمق! فقال: لا جرم واللّه!! إنّ العلم ليُعطيكم على حساب ما تعطونه، ولو استطعت أن أودعه سويداء قلبي، أو أجعله محفوظاً على ناظري، لفعلت.
ولقد دخلتُ على إسحاق بن سليمان(1) في إمرته، فرأيت السِّماطين والرجال مُثولاً كأنّ على رؤوسهم الطير، ورأيت فِرشَته وبزّته، ثمّ دخلت عليه وهو معزول، وإذا هو في بيت كتبه، وحواليه الأسفاط والرُّقوق والقماطر والدفاتر والمساطر والمحابر، فما رأيتُه قطّ أفخم ولا أنبل، ولا أهيَب ولا أجزل منه في ذلك اليوم، لأنّه جمع مع المهابة المحبة، ومع الفخامة الحلاوة، ومع السؤدد الحكمة.(2)
لم نظفر بتاريخ وفاته، ولكنّه كان حياً في العقد التاسع من القرن الثاني، لسماع الجاحظ منه، وللخبر الذي ذكرناه آنفاً(خبره مع إسحاق بن سليمان)، ولا ندري إلى أية سنة امتدّ به العمر، وهل بقي إلى القرن الثالث أم لا.

(1) هو إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس، الهاشمي العباسي. ولي إمرة المدينة(170هـ)، وإمرة مصر(177هـ)، فاستمر سنة وأياماً، وصُرف عنها. الاعلام1/295.
(2) الجاحظ، الحيوان1/61ـ 62، ط 3(1388هـ ـ 1969م).

283

15

السيّد الحميري(1)

(105ـ 173هـ)
إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة، الشاعر المفلق، أبو هاشم الحميري، الشهير بالسيّد.
ولد بعمّان(2) سنة خمس ومائة.
ونشأ بالبصرة بين أبوين إباضيين، بيد أنّه رُزق حُبّ علي عليه السَّلام منذ صباه، وأقام بالكوفة، يأخذ الحديث عن الأعمش، وعاش متردّداً بينهما.
وقد قرض الشعر في وقت مبكّر، وبرع فيه، وكرّس أكثره لمدح العترة الطاهرة والذبّ عنهم، ونقد أعدائهم ومناوئيهم، ولم يدعْ منقبة لأمير المؤمنين(عليه السلام) إلاّ نظم

(1) الأغاني7/229ـ 278، أخبار السيد الحميري للمرزباني151ـ 179(مطبوع مع أخبار شعراء الشيعة)، رجال الكشي242برقم 133(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، رجال الطوسي148برقم 108، فهرست الطوسي108برقم 352، معالم العلماء146ـ 147، وفيات الأعيان 6/343 (ضمن ترجمة يزيد ابن مفرغ المرقمة 821)، رجال ابن داود59برقم 193، رجال العلاّمة الحلي10 برقم22، فوات الوفيات1/188برقم 72، الوافي بالوفيات9/196برقم 4103، لسان الميزان1/436برقم 1354، جامع الرواة1/102، منتهى المقال2/86برقم 386، أعيان الشيعة1/134، 3/405، الغدير2/213ـ 278، الأعلام1/322، معجم رجال الحديث 3/177برقم 1423.
(2) وفي الأعلام: نَعْمان: واد قريب من الفرات على أرض الشام، قريب من الرجعة.

284

فيها شعراً.
وكان على مذهب الكيسانية(القائلين بإمامة محمد بن الحنيفة)، ثمّ عدل عنه إلى الإمامية، بتأثير من الإمام جعفر الصادق(المتوفّى148هـ).
عدّه السيد محسن العاملي من متكلّمي الشيعة، وقال: شعره مملوء بالاحتجاج، وله مناظرات جمّة.(1)
وقال العلامة الأميني: إنّه كان عارفاً بالحجج الدينية، بصيراً بمناهج الحِجاج في المذهب وإقامة الحجّة على من يُضادُّه في المبدأ.(2)
وكان السيد الحميري ـ كما يقول أبو الفرج الأصبهاني ـ شاعراً متقدّماً مطبوعاً . يقال: إنّ أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام ثلاثة: بشّار وأبو العتاهية والسيد، فإنّه لا يُعلم أنّ أحداً قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع.
توفّي ببغداد سنة ثلاث وسبعين ومائة.(3)
وأخباره كثيرة جدّاً.
ومن شعره القصيدة العينية(4) في مدح أمير المؤمنين(عليه السلام)، ومطلعها:
لأمّ عمرو باللّوى مربعُ *** طامسةٌ أعلامُهُ بلقَعُ
ومنها:

(1) أعيان الشيعة1/134.
(2) الغدير2/26.
(3) وقيل: (178هـ)، و (179هـ).
(4) شرحها لفيف من العلماء والأُدباء، منهم العلاّمة الفاضل الهندي(المتوفّى1137هـ) وسمّى شرحه: اللآلئ العبقرية في شرح العينية الحميرية(ط). تمّ تحقيقه في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، وقدّم له العلاّمة جعفر السبحاني.

285

عجبتُ من قوم أتوا أحمداً *** بخطة ليس لها موضعُ
قالوا له لو شئت أعلمتنا *** إلى من الغايةُ والمفزعُ
إذا تُوفّيتَ وفارقتنا *** وفيهمُ في المُلْك مَنْ يطمع
فقال لو أعلمتُكم مفزَعاً *** ماذا عسيتم فيه أن تصنعوا
صَنيعَ أهلِ العِجل إذ فارقوا *** هارون، فالتَّرْك له أوسع
وفي الذي قال بيانٌ لمن *** كان له أُذنٌ بها يسمع
ثمّ أتَتْهُ بعد ذا عزمةٌ *** من ربِّه ليس لها مَدْفَع
أبلِغْ وإلاّ لم تكن مُبْلِغاً *** واللّه منهم عاصمٌ يَمْنع
فعندها قام النبيّ الذي *** كان بما يأمره يصدعُ
يخطبُ مأموراً وفي كفّه *** كفُّ عليّ نورُها يَلْمع
رافِعُها أكرمْ بكفّ الذي *** يرفع والكف التي تُرفَع
يقول والأملاكُ من حوله *** واللّه فيهم شاهدٌ يسمع
من كنتُ مولاه فهذا له *** مولىً فلم يرضوا ولم يقنَعوا
فاتّهموه وانحنتْ منهمُ *** على خلاف الصادق الأضلع
وضلّ قوم غاظَهم قولُه *** كأنّما آنافُهم تُجدع

286

16

الأصبغ بن نُباتة(1)

(... ـ بعد 100هـ)
ابن الحارث بن عمرو المجاشعي التميمي، أبو القاسم الكوفي، أحد كبار التابعين.
صحب أمير المؤمنين(عليه السلام)، واختصّ به، وشهد معه الجمل وصفين، وأخذ عنه كثيراً، وروى عنه عهده إلى مالك الأشتر، ووصّيته (عليه السلام) إلى ابنه محمد المعروف بابن الحنفية.
وروى أيضاً عن : الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)، وأبي أيوب الأنصاري، وغيرهما.

(1) طبقات ابن سعد6/225، التاريخ الكبير2/35برقم 1495، رجال البرقي5، المعارف341، الجرح والتعديل2/319برقم 1213، رجال الكشي96برقم 42، رجال النجاشي1/69برقم 4، رجال الطوسي34برقم 2، فهرست الطوسي62برقم 119، معالم العلماء27برقم 138، رجال ابن داود52برقم204، رجال العلاّمة الحلي24برقم9، تهذيب الكمال3/308برقم 537، تاريخ الإسلام(سنة101ـ 120هـ) 28 برقم 11، تهذيب التهذيب1/262برقم 658، تقريب التهذيب1/81برقم 613، مجمع الرجال1/231ـ 233، جامع الرواة 1/106، رجال السيد بحر العلوم1/266، تنقيح المقال1/150برقم1008، تأسيس الشيعة 358، أعيان الشيعة3/464ـ 466، معجم رجال الحديث3/219برقم 1509، قاموس الرجال2/103، موسوعة طبقات الفقهاء1/291برقم 100.

287

وكان متكلّماً في الأُصول(1)، عالماً بالحديث، شاعراً، ناسكاً، من فرسان أهل العراق.
له كتاب عجائب أحكام أمير المؤمنين، وكتاب مقتل الحسين.
روي عن الأصبغ أنّ رجلاً يقال له ذِعلب، سأل أمير المؤمنين قائلاً:
يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ قال: ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربّاً لم أره، قال: فكيف رأيته؟ صفه لنا؟ قال: ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، ويلك يا ذعلب إنّ ربّي لا يوصف بالبُعد، ولا بالحركة، ولا بالسكون، ولا بالقيام قيام انتصاب، ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعِظَم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكِبَر، جليل الجلالة لا يوصف بالغِلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقّة، مؤمن لا بعبادة، مُدرِك لا بِمجسَّة، قائل لا باللفظ، هو في الأشياء على غير مُمازَجة، خارجٌ منها على غير مُبايَنة....(2)
توفّي الأصبغ بعد سنة مائة، وقد عُمِّر طويلاً.

(1) تأسيس الشيعة.
(2) الصدوق، التوحيد305، كتاب التوحيد، الباب43.

288

17

جابر بن حيّان(1)

(حدود120ـ 200هـ)
ابن عبد اللّه، أبو موسى الكوفي، أحد فلاسفة الشيعة، وأكابر المفكّرين.
كان عالماً بالكيمياء، فيلسوفاً، غزير الانتاج في مختلف حقول المعرفة.
ولد حدود سنة عشرين ومائة.
وورد ـ حسب قول هولميارد ـ بلاد الجزيرة العربية، للاتصال بقبيلته (الأزد)، وبقي هناك إلى أن بلغ أشدّه، فأتقن العربية، وتعلّم القرآن والحساب وعلوماً أُخرى.(2)
وتلمّذ للإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، واختصّ به، ووصفه بسيّد أهل زمانه.

(1) الفهرست للنديم512ـ 517(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، كشف الظنون1/83، 914، 2/1160، 1161، 1415، 1416، 1419، وغيرها، إيضاح المكنون2/288، أعيان الشيعة4/30، الأعلام2/103، معجم المؤلفين3/105، معجم رجال الحديث4/9برقم 2009، قاموس الرجال2/306، مستدركات أعيان الشيعة3/46، فلاسفة الشيعة184، معجم التراث الكلامي4/441برقم 9618.
(2) قيل إنّ والده كان عطّاراً بالكوفة، وإنّه في خلال رحلة له إلى خراسان، وُلد له فيها ولده جابر، وإن والي خراسان قتل والده لاتهامه بالتشيّع، ثمّ إنّ جابراً اليتيم قدّر له من أرسله إلى أهله الأزديين في الكوفة، وقيل إنّ والده نزح (مع زوجته وولده جابر) من الكوفة إلى طوس(بخراسان)، ثمّ أُرسل جابر إلى الجزيرة العربية.

289

وكان قد وجد في إمامه الفذّ(الصادق عليه السَّلام) سنداً ومعيناً، و رائداً أميناً، وموجّهاً لا يستغني عنه.(1)
ثمّ اتصل بالبرامكة، وانقطع إلى جعفر بن يحيى البرمكي.
وتقدّم في الفلسفة والحكمة والمنطق وغير ذلك، واشتهر بالكيمياء، ووضع فيها تآليف كثيرة مشهورة، وأصبح إمام هذا الفنّ من غير منازع.
وحاز شهرة واسعة عند الافرنج بما نقلوه من كتبه في بدء نهضتهم العلمية.
قال برتلو: لجابر في الكيمياء ما لأرسطوطاليس قبله في المنطق.
وللمترجم تآليف جمّة، منها كتب في مذاهب الشيعة(2)، و(300) مؤلّف في الفلسفة، و (500) مؤلف في النقض على الفلاسفة.
وإليك جملة من مؤلفاته في الحكمة والمنطق والفلسفة والكلام: كتاب الإمامة(3)، تقدمة المعرفة(4)، القديم، الحكمة المصونة، العدل، اللاهوت، صندوق الحكمة، كتاب إلهي، صفة الكون، كتاب الجاروف الذي نقضه المتكلّمون (وقيل هو لأبي سعيد المصري)، ومصححات أرسطاليس، وغير ذلك.
توفّي سنة مائتين، وقيل غير ذلك.

(1) من كلام هولميارد في كتابه «صانعو الكيمياء». انظر فلاسفة الشيعة.
(2) انظر الفهرست للنديم.
(3) ذكره المترجم في كتابه «نخب كتاب القديم».الذريعة11/111برقم 687.
(4) ويقصد بحسب الظاهر منه المسألة الكلامية المعروفة، هل حيّ بالاضطرار أم لا، ومايتبعها من مباحث. فلاسفة الشيعة.

290

18

الجُعفي(1)

(...ـ128هـ)
جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، الكوفي، التابعي، أحد كبار علماء الشيعة.
قال السيد حسن الصدر في حقّه: المتبحّر في أُصول الدين والفقه والتفسير والآثار على مذهب أهل البيت.

(1) طبقات ابن سعد6/345، طبقات خليفة276برقم 1221، تاريخ خليفة302(سنة 127هـ)، التاريخ الكبير2/210برقم 2223، رجال البرقي9، 16، الجرح التعديل2/497برقم 2043، رجال الكشي169برقم 78(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، الكامل لابن عدي 2/113برقم 1/326، رجال النجاشي1/313برقم 330، رجال الطوسي111برقم 6 و 163برقم 30، فهرست الطوسي70برقم 158، معالم العلماء32، المنتظم لابن الجوزي7/267برقم 691، رجال ابن داود80برقم 286، رجال العلاّمة الحلي35برقم 2، تهذيب الكمال4/465برقم 879، ميزان الاعتدال1/379، تاريخ الإسلام(سنة 121ـ 140هـ)59، تهذيب التهذيب2/46، التحرير الطاووسي68برقم 78، مجمع الرجال2/7، نقد الرجال65، جامع الرواة1/144، بهجة الآمال2/487، إيضاح المكنون1/304، 2/309 و 319و 348، تنقيح المقال1/201برقم 1621، تأسيس الشيعة358، أعيان الشيعة4/51، الذريعة4/268برقم 1245، الأعلام2/105، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة2/447، معجم المؤلفين3/106، معجم رجال الحديث4/17برقم 2025، قاموس الرجال2/333، موسوعة طبقات الفقهاء 1/307برقم 110.

291

اختصّ بالإمام أبي جعفر محمد الباقرعليه السَّلام(1)، وأخذ عنه علماً جمّاً، كما أخذ عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر الصادق(عليه السلام).
وروى عن: الشهيد زيد بن علي، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، وأبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني، وعمّار الدّهني، وسُوَيد بن غَفَلة، وآخرين.
وكان واسع الرواية، غزير العلم.
ألّف كتباً، منها: التفسير، والفضائل، ومقتل أمير المؤمنين(عليه السلام)، ومقتل الحسين(عليه السلام)، وصِفّين، والنوادر، وغيرها.
توفّـي بالكوفة سنة ثمان وعشرين ومائة.(2)
روى المترجم عن الباقرعليه السَّلام أنّه قال: يا جابر إنّ اللّه تبارك وتعالى لا نظير له ولا شبيه، تعالى عن صفة الواصفين، وجلّ عن أوهام المتوهِّمين، واحتجب عن أعين الناظرين، لا يزول مع الزائلين، ولا يأفِلُ مع الآفلين، ليس كمثله شيء و هو السميع العليم.(3)
وللإمام الباقرعليه السَّلام وصية لجابر، نقتطف منها ما يلي:
واعلم بأنّك لا تكون لنا وليّاً حتّى لو اجتمع عليك أهل مصرك، وقالوا: إنّك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنّك رجل صالح لم يسرّك ذلك، ولكن اعرض نفسك على كتاب اللّه، فإن كنت سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فاثبت وأبشر، فإنّه لا يضرّك ما قيل فيك، وإن كنت مبايناً للقرآن، فماذا الذي يغرّك من نفسك؟

(1) وكان إذا حدّث عن الباقرعليه السَّلام، يقول: حدّثني وصيّ الأوصياء. ميزان الاعتدال.
(2) وقيل: سنة (127هـ).
(3) الصدوق، التوحيد179، باب نفي الزمان والمكان والحركة عنه تعالى، الحديث13.

292

19

حديد بن حكيم(1)

(...ـ حيّاً قبل 183 هـ)
الأزدي، أبو علي المدائني، أحد شيوخ الشيعة.(2)
أخذ العلم عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر الصادق، وولده الإمام أبي الحسن موسى الكاظم(عليهما السلام).
وحدّث، فروى عنه: حريز بن عبد اللّه الأزدي، وأبان بن عثمان الأحمر، والحسن بن محبوب، ومحمد بن سنان الزاهري، وآخرون.
وألّف كتاباً، رواه عنه محمد بن خالد البرقي.
وصفه أبو العباس النجاشي بقوله: ثقة، وجه، متكلّم.

(1) رجال البرقي45، رجال النجاشي1/347برقم 383، رجال الطوسي181برقم 276، فهرست الطوسي89برقم 254، تاريخ بغداد8/280برقم 4377، معالم العلماء44برقم 287، رجال ابن داود101 برقم 383، رجال العلاّمة الحلّي 64برقم 9، لسان الميزان2/181، مجمع الرجال2/86، نقد الرجال83، جامع الرواة1/181، بهجة الآمال3/42، تنقيح المقال1/258برقم 2355، أعيان الشيعة4/588، الذريعة6/320برقم 1785، معجم رجال الحديث4/238برقم 2610و 2611، قاموس الرجال3/89، رسائل ومقالات للسبحاني316، موسوعة طبقات الفقهاء2/114برقم 354.
(2) وصفه بذلك الدارقطني في «المؤتلف والمختلف».لسان الميزان2/181.

293

وقال علي بن الحكم: كان عظيم القدر، وافر العقل، مشهوراً بالفضل.
روى المترجم بسنده عن ابن عباس، قال: رأى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بني أُمية على منبره، فساءه ذلك، فأوحى اللّه إليه: إنّما هو ملك يصيبونه، ونزلت (إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر).(1)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.

20

الحسن بن صالح(2)

(100ـ 169هـ)
ابن صالح بن مسلم بن حيّ الهمْداني الثوري، أبو عبد اللّه الكوفي.

(1) تاريخ بغداد.
(2) طبقات ابن سعد6/375، التاريخ الكبير2/295، المعارف284، المعرفة والتاريخ2/805، مقالات الإسلاميين للأشعري68ـ 69، الثقات لابن حبان6/164، مشاهير علماء الأمصار268، الفهرست للنديم267(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، الفرق بين الفِرق33برقم 51، حلية الأولياء7/327، طبقات الفقهاء للشيرازي85، الملل والنحل للشهرستاني1/161، المنتظم لابن الجوزي8/313، الكامل لابن الأثير6/76، تهذيب الكمال6/177برقم 1238، سير أعلام النبلاء7/361برقم 134، العبر1/190، تذكرة الحفاظ1/216، تهذيب التهذيب2/285برقم 516، طبقات الحفاظ98برقم 193، شذرات الذهب1/262، جامع الرواة1/204، أعيان الشيعة5/119، الأعلام 2/193، معجم المؤلفين3/231، معجم رجال الحديث4/361برقم 2873، قاموس الرجال3/180، موسوعة طبقات الفقهاء2/129برقم 365، أعلام المؤلفين الزيدية 321برقم 303.

294

كان فقيهاً، متكلّماً، من كبار علماء الشيعة الزيدية.
ولد سنة مائة.
وروى عن الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام)، وعن: جابر بن يزيد الجعفي، وسلمة بن كهيل، وشهاب بن عبد ربه، ومنصور بن المعتمر، وأبي إسحاق السبيعي، وآخرين.
واشتهر بالزهد والعبادة، ولـه مقالات انتحلتها فـرقة عُرفت بالصالحية.(1)
وكان لا يصلي خلف فاسق (ولهذا ترك الجمعة) ولا يصحّح ولاية الإمام الفاسق، ويرى وجوب القتال مع وُلد علي عليه السَّلام ضدّ الحكّام الجائرين، ويُثبت الإمامة لكلّ من نهض منهم.
وقد ألّف كتباً، منها: التوحيد، إمامة ولد علي من فاطمة، والجامع في الفقه.
توفّـي بالكوفة سنة تسع وستين ومائة(2)، بعد أن عاش متوارياً عن المهدي العباسي سبع سنوات.

(1) لم يذكر أبو منصور البغدادي هذه الفرقة، وإنّما ذكر البُترية، وقال: هؤلاء أتباع رجلين: أحدهما الحسن بن صالح بن حي، والأخير كثير النواء، الملقب بالأبتر، وقال الشهرستاني إنّ الصالحية والبترية كانتا على مذهب واحد. انظر الفرق بين الفرق33 و الملل والنحل1/156.
(2) وقيل: سنة (168هـ).

295

21

الصَّحّاف(1)

(...ـ حيّاً قبل 183هـ)
الحسين بن نُعيم الأسدي بالولاء، الكوفي، الصحّاف.
كان من تلامذة الإمامين أبي عبد اللّه الصادق و أبي الحسن الكاظم(عليهما السلام).
روى عنهما وعن عدد من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: ذريح بن محمد المحاربي، وعلي بن يقطين، وسدير بن حُكيم الصيرفي، وأبو سيار مِسْمَع بن عبد الملك القيسي.
ومهر في الكلام
وألّف كتاباً، رواه عنه محمد بن أبي عمير الأزدي(المتوفّى217هـ)، وغيره.
ذكره محمد بن عبده الناسب(2)، وقال: كان متكلّماً مجيداً.

(1) رجال النجاشي1/164برقم 119، رجال الطوسي169برقم 65، فهرست الطوسي81برقم 218، معالم العلماء39برقم 243، رجال ابن داود127برقم 492، رجال العلاّمة الحلي51برقم 17، مجمع الرجال2/204، نقد الرجال111، جامع الرواة1/258، بهجة الآمال3/320، تنقيح المقال1/348برقم 3093، أعيان الشيعة6/189، معجم رجال الحديث6/108برقم 3724و 119برقم 3693، قاموس الرجال3/341.
(2) كان معاصراً لابن السِّكّيت(المستشهد244هـ)، وقد تتلمذ كلاهما على العلاّمة محمد بن سلمة ابن أرتبيل اليشكري. انظر رجال النجاشي 2/217برقم 896، وموسوعة طبقات الفقهاء3/509 برقم 1118.

296

قال الصحاف: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): لِمَ يكون الرجل عند اللّه مؤمناً قد ثبت له الإيمان عنده ثمّ ينقله اللّه بعدُ من الإيمان إلى الكفر؟ قال، فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ هو العدل، إنّما دعا العباد إلى الإيمان به لا إلى الكفر، ولا يدعو أحداً إلى الكفر به، فمن آمن باللّه ثمّ ثبت له الإيمان عند اللّه لم ينقله اللّه عز ّوجلّ]بعد ذلك[ من الإيمان إلى الكفر، قلت له: فيكون الرجل كافراً قد ثبت له الكفر عند اللّه ثمّ ينقله بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان؟ قال، فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق النّاس كلّهم على الفطرة التي فطرهم عليها، لا يعرفون إيماناً بشريعة ولا كفراً بجحود، ثمّ بعث اللّه الرسل تدعوا العباد إلى الإيمان به، فمنهم من هدى اللّه، ومنهم من لم يهده اللّه.(1)
لم نقف على تاريخ وفاة المترجم.

(1) الكليني، الكافي2/416، كتاب الإيمان والكفر، الباب181، الحديث1.

297

22

حُمران بن أعْيَن (1)

(...ـ حدود 130هـ)
ابن سنسن الشيباني بالولاء، أبو الحسن أو أبو حمزة الكوفي، أحد أجلاّء التابعين، وأكابر علماء الشيعة.
لقي الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام).
واختصّ بالإمامين محمّد الباقر وجعفر الصادق(عليهما السلام)، وأخذ عنهما علماً جمّاً، وروى عنهما وعن: أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي، وعبيد بن نضيلة، وغيرهما.

(1) التاريخ الكبير3/80برقم 289، رجال البرقي 14و 16، الجرح والتعديل3/265برقم 1185، رجال الكشي157برقم 71(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، الثقات لابن حبان4/179، الكامل لابن عدي 2/436برقم 179/548، رسالة أبي غالب الزراري129، الفهرست للنديم 322(ضمن آل زرارة بن أعين)، رجال الطوسي117برقم 41و 181 برقم 274، رجال ابن داود134برقم 518، رجال العلاّمة الحلي63برقم 5و 59(مع حجر بن زائدة)، تهذيب الكمال7/306برقم 1497، تاريخ الإسلام(سنة 121ـ 140هـ) 402، ميزان الاعتدال 1/604برقم 2292، غاية النهاية في طبقات القراء1/261برقم 1189، تهذيب التهذيب3/25برقم 32، نقد الرجال118، جامع الرواة1/278، بهجة الآمال3/382، تنقيح المقال1/370برقم 3351، أعيان الشيعة6/234، معجم رجال الحديث6/255برقم 4017، قاموس الرجال3/412، موسوعة طبقات الفقهاء1/330برقم 123.

298

وأصبح فقيهاً، مقرئاً، عالماً بالنحو واللغة، عارفاً بالكلام والمناظرة، ذا منزلة رفيعة عند الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام).
وكان يجلس مع أصحابه للمناظرة والمذاكرة بأمر آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى إذا خلطوا به حديثاً آخر، ردّهم إليه فإن أصرّوا على تركه قام عنهم وتركهم.
وهو أحد المتكلّمين الذين تصدّوا لمناظرة الرجل الشامي بمحضر الإمام الصادق(عليه السلام)، وقد خاطبه(عليه السلام) ـ بعد خروجه من المناظرة ظافراً ـ بقوله: يا حمران تجري الكلام على الأثر فتصيب.(1)
توفّي حدود سنة ثلاثين ومائة أو قبلها.

(1) انظر الخبر في الكافي1/171، باب الاضطرار إلى الحجّة، الحديث4، ومنه تظهر عناية الإمام الصادق بالعالم المتخصّص في فنّ من الفنون، واهتمامه به من خلال نقده وتوجيهه وتقييمه وتشجيعه.

299

23

الفراهيدي(1)

(96ـ 170هـ)
الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي اليحمدي الأزدي، أبو عبد الرحمان البصري، اللغوي، العروضي، أحد أجلاّء علماء الشيعة.
ولد بالبصرة سنة ست وتسعين.(2)
وأخذ عن: أبي عمرو بن العلاء، وأيوب السختياني، وعاصم الأحول، والعوام بن حوشب، وغالب القطان، وعيسى بن عمر الثقفي، وآخرين.

(1) مروج الذهب4/233(ط. دار الأندلس)، الثقات لابن حبان8/229، الفهرست للنديم 69(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، معجم الأُدباء11/72برقم 17، الكامل لابن الأثير6/50(حوادث سنة 160هـ)، تهذيب الأسماء واللغات1/177برقم 149، وفيات الأعيان2/244برقم 220، رجال ابن داود141برقم564، رجال العلاّمة الحلي67برقم10، تهذيب الكمال8/326برقم 1725، مرآة الجنان1/362، البداية والنهاية10/166، تهذيب التهذيب3/163برقم 312، بغية الوعاة1/557برقم 1172، كشف الظنون2/1136، 1438، 1441، 1467، شذرات الذهب1/275، روضات الجنات3/289برقم 294، إيضاح المكنون2/277، 307، 344، تأسيس الشيعة150، 178، أعيان الشيعة6/337، الأعلام2/314، معجم المؤلفين4/112، معجم رجال الحديث7/76برقم 4337، قاموس الرجال4/29، مستدركات أعيان الشيعة3/75، 5/147.
(2) وقيل: سنة (100هـ).

300

وبرع في النحو واللغة، وابتكر علم العروض، وضبط لغة العرب كلّها في كتاب.
وكان عالماً وقوراً، زاهداً، حسن الكلام، بعيد الأُفق، واسع العلم والثقافة.
أخذ عنه: الأصمعي، وسيبويه، والنضر بن شميل، وعلي بن نصر الجهضمي، و مؤرج السدوسي، وحماد بن زيد، وآخرون.
وتعاطى الكلام، وقد ألّف فيه كتاباً، اشتمل على موضوعات منها التوحيد والعدل.(1)
وذكر له صاحب «أعيان الشيعة» كتاباً في الإمامة، وقال: أورده بتمامه محمد ابن جعفر المراغي(2) في كتابه وسمّاه كتاب الخليلي.(3)
وله أيضاً: كتاب العين(ط) في اللغة، كتاب العروض، معاني الحروف، النقط والشكل، تفسير حروف اللغة، والنغم.
توفّي بالبصرة سنة سبعين ومائة.(4)
وقد أُثرت عنه كلمات وحكم، منها قوله في علي عليه السَّلام:
استغناؤه عن الكلّ، واحتياج الكلّ إليه، دليل على أنّه إمام الكلّ .

(1) ذكر هذا الكتاب أبو عمرو الجاحظ، وبالغ في ذمّه(ربّما لدوافع مذهبية)، وقال: ولولا أن... حكيت صدر كتابه في التوحيد، وبعض ما وصفه في العدل. انظر مروج الذهب4/233(أيام الراضي باللّه)، ط. دار الأندلس.
(2) للمراغي هذا ترجمة في رجال النجاشي 2/318برقم 1054.
(3) إذا ثبت أنّ للخليل كتاباً في الإمامة ، فمن المحتمل أن يكون جزءاً من كتابه في الكلام الذي ذكره الجاحظ.
(4) وقيل: سنة(175هـ)، وقيل غير ذلك.

301

وقال له يونس النحوي: ما بال أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كأنّهم كلّهم بنو أُمّ واحدة، وعليّ كأنّه ابن عَلّة؟ فقال الخليلي: إنّ عليّاً عليه السَّلام تقدّمهم إسلاماً، وفاقهم علماً، وبذّهم شرفاً، ورجحهم زهداً، وطالهم جهاداً، والناس إلى أشكالهم وأشباههم أميل إلى من بان منهم.
وقال: ما أُجيب بجواب حتّى أعرف ما فيه عليّ من الاعتراضات والمؤاخذات.
ومن شعره:
لو كنتَ تعلم ما أقول عذرتَني *** أو كنتَ تجهل ما أقول عَذَلتُكا
لكنْ جهلتَ مقالتي فعَذلتَني *** وعلمتُ أنّك جاهل فَعَذرتُكا

302

24

زرارة بن أعيَن (1)

(...ـ 150هـ)
ابن سنسن الشيباني بالولاء، أبو الحسن و أبو علي الكوفي، أحد رجال الشيعة البارزين.
كان قارئاً، فقيهاً، متكلّماً، شاعراً، أديباً.(2)
تلّمذ للإمامين محمد الباقر وولده جعفر الصادق(عليهما السلام)، وانقطع إليهما، وارتفع شأنه عندهما.
وأخذ أيضاً عن لفيف من رجال مدرسة أهل البيت كأخيه حمران، والفضيل

(1) رجال البرقي16، 47، مقالات الإسلاميين للأشعري36و 43، الجرح والتعديل3/604برقم 2731، رجال الكشي121برقم 62، الفهرست للنديم 322، الفرق بين الفِرق70برقم 65، رجال النجاشي1/397برقم 461، رجال الطوسي123برقم 16و 201برقم 90، فهرست الطوسي100برقم 314، رجال ابن داود155برقم 619، رجال العلاّمة الحلي76برقم 2، ميزان الاعتدال2/69برقم 2853، لسان الميزان 2/473برقم 1908، مجمع الرجال3/49، نقد الرجال136برقم1، جامع الرواة1/324، منتهى المقال3/250برقم 1173، بهجة الآمال4/161، تنقيح المقال1/438برقم 4213، أعيان الشيعة7/46، الأعلام3/43، معجم رجال الحديث7/218برقم 4662، قاموس الرجال4/154، موسوعة طبقات الفقهاء2/207برقم 422، معجم التراث الكلامي1/249برقم 884.
(2) رجال النجاشي.

303

ابن يسار النهدي، ومحمد بن مسلم الطائفي، وعبد اللّه بن عجلان.
وصار من مشاهير العلماء فقهاً وحديثاً ومعرفة بالكلام.
قال أبو علي الزراري: كان خصِماً جدِلاً لا يقوم أحد لحجّته، صاحب إلزام وحجّة قاطعة، إلاّ أنّ العبادة أشغلته عن الكلام، والمتكلّمون من الشيعة تلامذته.
صنّف كتاباً في الاستطاعة والجبر.
ونُسبت إليه أقوال وآراء كلامية باطلة، وفرقةٌ تسمّى الزّرارية، وقد أنكر علماء الشيعة ذلك، وقالوا: إنّه ثقة، وصحيح العقيدة، ومتكلّم حاذق.(1)
توفّي سنة خمسين ومائة.(2)

(1) شريف يحيى الأمين، معجم الفرق الإسلامية125.
(2) وقيل: سنة(148هـ)، بعد وفاة الصادق(عليه السلام) بشهرين أو أقل.

304

25

أبو الجَارود(1)

(...ـ بعد 150هـ)
زياد بن المنذر الهمْداني(2) الخارفي(3)، أبو الجارود الكوفي، الأعمى، أحد علماء الزيدية.
روى عن الإمامين محمّد الباقر وجعفر الصادق(عليهما السلام)، وعن: الشهيد زيد بن علي، والأصبغ بن نباتة، والحسن البصري، و عبد اللّه بن الحسن بن الإمام الحسن(عليه السلام)، وعطية بن سعد العوفي، وغيرهم.

(1) التاريخ الكبير3/371برقم 1255، رجال البرقي13، المعرفة والتاريخ3/38، مقالات الإسلاميين للأشعري1/67، رجال الكشي199برقم 104، الفهرست للنديم 267(ط الاستقامة ـ القاهرة)، الفرق بين الفِرق30برقم 49، رجال النجاشي1/387برقم 446، رجال الطوسي122برقم 4و 197برقم 31، فهرست الطوسي98برقم 305، الملل والنحل للشهرستاني1/157، رجال ابن داود454برقم186، تهذيب الكمال9/517برقم 2070، تهذيب التهذيب3/386برقم 704، مجمع الرجال3/73، نقد الرجال142برقم 35، جامع الرواة1/339، هداية المحدثين68، بهجة الآمال4/217، أعيان الشيعة7/83، الأعلام 3/55، معجم المؤلفين4/188، معجم رجال الحديث7/321برقم 4805، 21/76برقم 14001، قاموس الرجال4/228، بحوث في الملل والنحل للسبحاني7/453، موسوعة طبقات الفقهاء2/219برقم 430، أعلام المؤلفين الزيدية 436برقم 426.
(2) وقيل: العبدي، وقيل: الثقفي.
(3) نسبة إلى خارف: بطن من همدْان، نزلوا الكوفة. الأنساب للسمعاني5/9.

305

وروى عنه: إسماعيل بن أبان الوراق، و عبد اللّه بن الزبير الأسدي الشاعر، وعلي بن هاشم بن البريد، و عمرو بن أبي المقدام، و محمد بن سنان الزاهري، و نصر بن مزاحم المنقري، و آخرون.
وألّف كتاباً في التفسير، رواه عن الباقرعليه السَّلام، ورواه عنه كثير بن عياش القطّان.
وانتسبت إليه إحدى فرق الزيدية، المسمّاة بالجارودية، والتي تذهب إلى: أنّ علي بن أبي طالب عليه السَّلام أفضل الخلق بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولاهم بالأمر من جميع الناس، وتبرّأت من أبي بكر وعمر، وقالت: إنّ الإمامة مقصورة في ولد فاطمة(عليها السلام)، وأنّها لِمَن خرج منهم يدعو إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه، وعلينا نصرته ومعونته لقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): من سمع داعينا أهل البيت، فلم يُجبه، أكبّه اللّه على وجهه في النار.
وقالت أيضاً: الحلال حلال آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والحرام حرامهم، والأحكام أحكامهم، وعندهم جميع ما جاء به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كله كامل عند صغيرهم وكبيرهم....
وذكر عبد القاهر البغدادي أنّ أتباع أبي الجارود قد زعموا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على إمامة عليّ بالوصف دون الاسم، وزعموا أيضاً أنّ الصحابة كفروا بتركهم بيعة عليّ.(1)
توفّي أبو الجارود بعد سنة خمسين ومائة.

(1) قد مرّ عليك أنّهم تبرّأوا من أبي بكر وعمر، فلا نعلم مدى صحة قول عبد القاهر بأنّهم كفّروا الصحابة.

306

26

زيد بن علي(1)

(67ـ 122هـ)
ابن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين المدني، الشهيد، إمام الزيدية.

(1) طبقات ابن سعد5/325، 6/316، التاريخ الكبير3/403برقم 1341، المعرفة والتاريخ2/807، 3/75و 76، أنساب الأشراف3/229ـ 259، تاريخ اليعقوبي2/325(ط. دار صادر)، الكنى والأسماء للدولابي1/149، تاريخ الطبري5/482، الجرح والتعديل 3/568برقم 2578، العقد الفريد5/225، الثقات لابن حبان 4/249، 6/313، مقتل الطالبيين127، الملل والنحل للشهرستاني1/153، المنتظم لابن الجوزي7/207ـ 212 و 218 برقم 655، الكامل لابن الأثير5/242، وفيات الأعيان5/122(ضمن الترجمة 699)،6/110 (ضمن الترجمة 786)، مختصر تاريخ دمشق9/149برقم 65، تهذيب الكمال10/95برقم 2120، سير أعلام النبلاء5/389برقم 178، العبر1/118، الوافي بالوفيات15/33برقم 36، فوات الوفيات2/35برقم 160، مرآة الجنان1/257، البداية والنهاية9/324، تهذيب التهذيب3/419برقم 769، النجوم الزاهرة1/286و 288، شذرات الذهب1/158، أعيان الشيعة7/107ـ 125، زيد الشهيد للسيد عبد الرزاق المقرّم، الأعلام3/59، معجم رجال الحديث7/345برقم 4870، قاموس الرجال4/259، موسوعة طبقات الفقهاء 2/222 برقم432،أعلام المؤلفين الزيدية 439برقم 430.

307

ولد في المدينة المنوّرة سنة سبع وستين.(1)
ونشأ في كنف والده الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وتلقّى عنه وعن أخيه الإمام محمد بن علي الباقرعليه السَّلام العلوم والمعارف.
وسما مقامه في دنيا العلم والعمل والجهاد.
وكان فقيهاً، قارئاً، مناظراً، خطيباً، من أُباة الضيم البارزين.
حدّث، وناظر، وأقام بالكوفة يحرّض الناس على الثورة ضدّ الحكم الأموي الجائر، فبايعه كثيرون على الدعوة إلى الكتاب والسنّة، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، والعدل في قسمة الفيء، وردّ المظالم، ونصرة أهل البيت.
كتب هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر الثقفي والي العراق : أشخص زيداً إلى بلده، فإنّه لا يقيم ببلد يدعو أهله إلاّ أجابوه، فإنّه جَدِل لسن حلو اللسان، فإن أعاره القوم أسماعهم فحشاها من لين لفظه مع ما يدلي به من قرابة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مالوا إليه.
وكان زيد قد دخل على هشام، فقال له هشام: أنت الطامع في الخلافة وأُمّك أمة، فقال: لو كان في أُمّ الولد تقصير لما بعث اللّه إسماعيل نبيّاً وأُمّه هاجر، فالخلافة أعظم أم النبوّة؟ فأُفحم هشام.(2)

(1) اختلفت الأقوال في مولده: 80، 79، 78، 75هـ. بيد أنّنا اخترنا قول السيد عبد الرزاق المقرّم، حيث ذهب إلى أنّ المختار الثقفي بعث (في أيام ظهوره) بأُمّ زيد إلى زين العابدين عليه السَّلام، فعلقت بزيد في تلك السنة(66أو 67هـ). يُذكر أنّه ورد في «مقاتل الطالبيين» ص 86أنّ أُمّ زيد أهداها المختار لعليّ بن الحسين.
(2) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق.

308

استشهد في الكوفة سنة اثنتين وعشرين ومائة(1)، ثمّ نُبش من قبره وصُلب، ثمّ أُحرق بعد ذلك.
وقد ترك آثاراً عديدة، منها: مسند الإمام زيد بن علي(ط) ويشمل (المجموع الفقهي والمجموع الحديثي)، ورسالة تثبيت الإمامة(ط)، ورسالة تثبيت الوصية (ط)، وجواب على واصل بن عطاء(ط) في الإمامة، والردّ على المرجئة(ط)، ومناظرة أهل الشام(ط)، والردّ على المجبّرة(ط)، ومقالاته عن المتعة والإمامة وبعض أخباره، وكلام له في وصف الإمام وكيف يكون، وكتاب الصفوة(ط)، وغير ذلك.(2)

27

سليمان بن جرير(3)

(...ـ حيّاً قبل 187هـ)
الرقّي، أحد متكلّمي الزيدية.
لم نقف على أسماء مشايخه الذين أخذ عنهم العلم، ولكنّه ـ على أية حال ـ كان متقدّماً في علم الكلام، وقد برز كأحد المتكلّمين المعروفين لدى بلاط هارون الرشيد.

(1) وقيل: سنة (121هـ).
(2) انظر أعلام المؤلفين الزيدية.
(3) فرق الشيعة للنوبختي9، مقالات الإسلاميين للأشعري68، الفرق بين الفِرق32 ـ 33، الملل والنحل للشهرستاني1/159، لسان الميزان3/79برقم 288، قاموس الرجال4/458، بحوث في الملل والنحل للسبحاني7/454، معجم الفرق الإسلامية لشريف الأمين81، 135.

309

وهو أحد الذين دعاهم يحيى البرمكي(1) للمناظرة في مجلسه الذي كان يعقده ببغداد، وجرت بينه و بين هشام بن الحكم الإمامي ـ في ذلك المجلس ـ مناظرة في مسألة الإمامة، ذكرها أبو عمرو الكشي.(2)
وكان سليمان يقول ـ و تَبعتْه في ذلك فرقة عُرفت بالسليمانية أو الجريرية ـ : إنّ الصحابة تركوا الأصلح بتركهم مبايعة عليّ لأنّه كان أولاهم بها، إلاّ أنّ الخطأ في بيعة أبي بكر وعمر لا يبلغ درجة الفسق، وإنّما كان خطأ اجتهادياً، غير أنّه طَعَن في عثمان للأحداث التي أحدثها، وأكفره بذلك.
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.

28

أبو مالك الحضرمي(3)

(...ـ حيّاً قبل 183هـ)
الضحاك الحضرمي، الكوفي، أبو مالك.

(1) نُكب(كسائر البرامكة) على يد الرشيد عام (187هـ)، و توفّي (190هـ). انظر الأعلام8/144.
(2) رجال الكشي223ـ 225(ضمن ترجمة هشام بن الحكم).
(3) مقالات الإسلاميين للأشعري42، 43، 51، 516، الفهرست للنديم 266(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، رجال النجاشي1/451برقم 544، رجال ابن داود189برقم 773، رجال العلاّمة الحلي90برقم 2، نقد الرجال174برقم 2، جامع الرواة1/418، منتهى المقال4/35برقم 1486، تأسيس الشيعة362، الذريعة4/480برقم 2134، معجم رجال الحديث9/143برقم 5944، قاموس الرجال5/141، رسائل ومقالات للسبحاني314برقم 6، معجم التراث الكلامي2/351برقم 4108.

310

أدرك الإمام أبا عبد اللّه الصادق(عليه السلام)، واختلفوا في روايته عنه.
وروى عن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)(المتوفّـى183هـ).
وصحب المتكلّم الشهير هشام بن الحكم، حتّى عُدّ من رجاله.
وكان محدّثاً، متكلّماً، له آراء كلامية.
ألّف كتاباً في التوحيد، رواه عنه علي بن الحسن الجَرمي الطاطري.
واختلف هو ومحمد بن أبي عمير في إحدى مسائل الإمامة، قال ابن أبي عمير: الدنيا كلّها للإمام(عليه السلام) على جهة الملك وأنّه أولى بها من الذين هي في أيديهم، وقال أبو مالك: ليس كذلك، أملاك الناس لهم إلاّ ما حكم اللّه به للإمام من الفيء والخمس والمغنم، فذلك له، وذلك أيضاً قد بيّن اللّه للإمام أين يضعه وكيف يصنع به، فتراضيا بهشام بن الحكم، وصارا إليه، فحكم هشام لأبي مالك....(1)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.

(1) الكليني، الكافي1/409ـ 410، باب أنّ الأرض كلّها للإمام.

311

29

عبد الأعلى بن أعيَن (1)

(...ـ حيّاً نحو 150هـ)
الكوفي، مولى آل سام.
تلمّذ للإمام أبي عبد اللّه الصادق(عليه السلام)، وروى عنه روايات عديدة في مختلف حقول الشريعة.
وحدّث، وأفتى، وناظر وجادل.
روى عنه: ثعلبة بن ميمون، وعلي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمّار المتكلّم، وحماد بن عثمان الفزاري (المتوفّـى 190هـ)، وعلي بن رئاب، ومرازم بن حُكيم المدائني، وآخرون.
قال عبد الأعلى: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّ الناس يعيبون عليّ(الكلام)، وأنا أُكلّم الناس. فقال: أمّا مثلك، مثل من يقع ثمّ يطير فيقم، وأمّا من يقع ثمّ لا

(1) رجال البرقي24، رجال الكشي271برقم 151، رجال الطوسي238برقم 237و 239، رجال ابن داود220 برقم 914، رجال العلاّمة الحلي127برقم 2، مجمع الرجال3/253و 254، نقد الرجال181برقم 1و6، جامع الرواة1/435و 436، هداية المحدثين90، بهجة الآمال5/122، تنقيح المقال2/132برقم 6255و 6261، معجم رجال الحديث9/254برقم 6221و ص 256برقم 6230، قاموس الرجال5/255و 256، موسوعة طبقات الفقهاء2/290برقم 479.

312

يطير، فلا.(1)
وقال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن قول العامة: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، فقال: الحقّ واللّه، قلت: فإن إماماً هلك ورجل بخراسان لا يعلم من وصيّه لم يسعه ذلك؟ قال: لا يسعه، إنّه إذا هلك وقعت حجّة وصيّه على من هو معه في البلد، وحقّ النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم، إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلْيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(2) قلت: فَنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم؟ قال: إنّ اللّه جلّ وعزّ يقول: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ)(3)، قلت: فبلغ البلد بعضهم فوجدك مُغلقاً عليك بابك، ومرخىً عليك سترك، لا تدعوهم إلى نفسك، ولا يكون من يدلّ عليك، فبم يعرفون ذلك؟ قال: بكتاب اللّه المنزل، قلت: فيقول اللّه جلّ و عزّ كيف؟ قال: أراك قد تكلّمت في هذا قبل اليوم؟ ، قلت: أجل، قال: فذكّر ما أنزل اللّه في عليّ عليه السَّلام، وما ....(4)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجَم.

(1) رجال الكشي.
(2) التوبة:122.
(3) النساء:100.
(4) الكافي1/378، كتاب الحجة، باب ما يجب على الناس عند مضيّ الإمام(89)، الحديث2.

313

30

ابن بُكَير(1)

(...ـ حيّاً حدود 175هـ)
عبد اللّه بن بُكير بن أعين بن سُنْسُن الشيباني بالولاء، أبو علي الكوفي، أحد كبار علماء الشيعة.
تلمّذ للإمام الصادق(عليه السلام)، وروى عنه و عن جمع من أعلام مدرسة أهل البيت، منهم: عمّـاه زرارة وحُمران ابنا أعين، وبُريد العجلي، والفضيل بن يسار النهدي، ومحمد بن مسلم الثقفي، وابن عمّه عُبيد بن زرارة، وغيرهم.
وكان فقيهاً، كثير الحديث.
روى عنه: محمد بن أبي عمير(المتوفّى217هـ)، وفضالة بن أيوب الأزدي،

(1) رجال البرقي22، فرق الشيعة للنوبختي79، 112، مقالات الإسلاميين للأشعري1/43، رجال الكشي294برقم 189(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، رسالة أبي غالب الزراري114و 131، الفهرست للنديم 286، 322(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، رجال النجاشي2/23برقم 579، رجال الطوسي224برقم 27و 226برقم 58، فهرست الطوسي 188برقم 405، معالم العلماء77برقم 517، رجال ابن داود199برقم 828، رجال العلاّمة الحلي 106و 107، التحرير الطاووسي 168برقم 223، مجمع الرجال3/268، نقد الرجال195، جامع الرواة1/473، هداية المحدثين202، رجال بحر العلوم1/228، بهجة الآمال5/203، تنقيح المقال 2/171برقم 6768، أعيان الشيعة8/48، معجم رجال الحديث10/122برقم 6724، 22/160برقم 15039، قاموس الرجال5/399، موسوعة طبقات الفقهاء2/329برقم 512.

314

وعبد اللّه بن جبلة الكناني (المتوفّـى219هـ)، وأحمد بن محمد بن أبي نصر (المتوفّـى221هـ)، وجعفر بن بشير البجلي، وعدّة.
وألّف كتاباً في الأُصول.(1)
وذكره الأشعري في عداد زعماء إحدى الفرق التي تضمّ عدداً من المتكلّمين كهشام بن سالم الجواليقي، و زرارة، و محمد بن حكيم الخثعمي، ونسبَ إليهم رأياً في الاستطاعة.
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجَم.

31

ابن مُسكان(2)

(...ـ قبل 183هـ)
عبد اللّه بن مسكان العنزي بالولاء، أبو محمد الكوفي، أحد علماء الشيعة البارزين.

(1) الفهرست للنديم 79ط الاستقامة بالقاهرة.
(2) رجال البرقي22، رجال الكشي327برقم 242(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، رجال النجاشي 2/9برقم 557، رجال الطوسي264برقم 675، معالم العلماء74برقم 494، رجال ابن داود 213برقم 888، رجال العلاّمة الحلي106برقم 22، التحرير الطاووسي168برقم 224، مجمع الرجال4/52، نقد الرجال257برقم 246، جامع الرواة1/507، منتهى المقال4/236برقم 1800، بهجة الآمال5/285، تنقيح المقال2/216برقم 7073، معجم رجال الحديث 10/324برقم 7161، 23/31برقم 15151، قاموس الرجال6/142، موسوعة طبقات الفقهاء2/348برقم 525.

315

أخذ عن الإمامين أبي عبد اللّه الصادق وأبي الحسن الكاظم(عليهما السلام) ، وعن فريق من رجال مدرسة أهل البيت، أبرزهم: محمد بن علي بن أبي شعبة الحلبي، وأبو بصير ليث بن البختري المرادي، و منصور بن حازم البجلي، وزرارة بن أعين، و محمد بن مسلم الطائفي، و الفضل بن عبد الملك البقباق.
وكان فقيهاً، كثير الرواية في شتى حقول الشريعة.
ألّف كتاباً في الإمامة، وكتاباً في الحلال والحرام.
قال ابن مسكان: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن اللّه تبارك وتعالى أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان، أم عَلِمَه عندما خلقه وبعدما خلقه؟ فقال: تعالى اللّه، بل لم يزل عالماً بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كوّنه، وكذلك عِلْمُه بجميع الأشياء كعِلْمِه بالمكان.(1)
توفّـي في أيّام الإمام موسى الكاظم عليه السَّلام(المتوفّى183هـ).

(1) الصدوق، التوحيد137، باب العلم(10)، الحديث9.

316

32

ابن رئاب(1)

(...ـ حياً بعد 148هـ)
علي بن رئاب التميمي الأُسيّدي(2)، أبو الحسن الكوفي، أحد مشايخ الشيعة.
تلقّى العلم عن الإمامين أبي عبد اللّه الصادق وأبي الحسن الكاظم(عليهما السلام)، وروى عنهما، وعن فريق من أعلام مدرسة أهل البيت كأبي حمزة الثمالي، وبُريد بن معاوية العجلي، وفضيل بن يسار النهدي، وأبان بن تغلب البكري، ومحمد بن مسلم الثقفي.
وكان عالماً كبيراً، واسع الرواية، جليل القدر، مقدَّماً في أصحابه.

(1) رجال البرقي25، مروج الذهب4/28برقم 2192، الفهرست للنديم 322(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، رجال النجاشي2/70برقم 655، رجال الطوسي 243برقم 316، فهرست الطوسي 113برقم 377، معالم العلماء62، رجال العلامة الحلي 93، سير أعلام النبلاء5/264(ضمن ترجمة أخيه هارون المرقمة 123)، مجمع الرجال4/194، نقد الرجال235، جامع الرواة1/579، بهجة الآمال5/442، تنقيح المقال2/288برقم 8282، معجم رجال الحديث12/17برقم 8125، قاموس الرجال6/489، مستدركات أعيان الشيعة3/148.
(2) كذا في «الأنساب» للسمعاني و «سير أعلام النبلاء» عند ذكر أخيه هارون بن رئاب، وفي رجال النجاشي: مولى جِرم، بطن من قضاعة، وقيل مولى بني سعد بن بكر. و (الأُسيِّدي): نسبة إلى أُسيّد، وهو بطن من تميم. الأنساب1/159.

317

ألّف كتباً، منها: كتاب الوصية والإمامة، وكتاب الديات.
وكان يجتمع مع أخيه اليمان (من كبار الخوارج) في كلّ سنة ثلاثة أيّام يتناظران فيها ثمّ يفترقان.(1)
لم نقف على تاريخ وفاته.

33

علي بن صالح(2)

(100ـ 154هـ)
ابن صالح بن مسلم بن حيّ الهمْداني الثوري، أبو الحسن (أو أبو محمّد) الكوفي، أخو الحسن(3) بن صالح، وهما توأمان.
ولد سنة مائة.

(1) انظر مروج الذهب. وفي سير أعلام النبلاء: يمان و هارون و علي بنو رئاب، فهارون من أئمّة السنّة، ويمان من أئمّة الخوارج، وعلي من أئمّة الروافض.
(2) طبقات ابن سعد6/374ـ 375، طبقات خليفة 286برقم 1283، التاريخ الكبير6/280برقم 2404، الجرح والتعديل6/190برقم 1048، مقاتل الطالبيين276ـ 277(ط. دار الكتب)، حلية الأولياء7/327برقم 400، رجال الطوسي241برقم 291، تهذيب الكمال20/464برقم 4084، سير أعلام النبلاء7/371برقم 135، تهذيب التهذيب7/332برقم 560، شذرات الذهب1/263، مستدركات علم رجال الحديث5/388برقم 1009، معجم رجال الحديث 12/63برقم 8206، قاموس الرجال7/9.
(3) المتوفّى(169هـ)، وقد مضت ترجمته.

318

وروى عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، وعن: سلمة بن كهيل، وسليمان الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وأبي إسحاق السبيعي، وإبراهيم بن مهاجر البجلي، وغيرهم.
وكان متكلّماً(1)، من كبار الشيعة الزيدية.
تصدّى للإقراء، فتلا عليه عبيد اللّه بن موسى.
وحدّث، فروى عنه: أخوه الحسن،وسفيان بن عُيينة، ووكيع بن الجراح، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين، وعدّة.
توفّي سنة أربع وخمسين ومائة.(2)
قال الحسن: لما حُضر أخي رفع بصره، ثمّ قال: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءِ والصَّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً)(3)، ثمّ خرجت نفسه.

(1) الفهرست للنديم 267(ضمن ترجمة أخيه الحسن بن صالح).
(2) وقيل: سنة (151هـ).
(3) سورة النساء:69.

319

34

علي بن منصور(1)

(...ـ حيّاً قبل 187هـ)
الكوفي، البغدادي، من أصحاب المتكلّم الشهير هشام بن الحكم، يكنّى أبا الحسن.
قال المسعودي: كان إماميّ المذهب، من نظّار الشيعة في وقته.
اختصّ بهشام، وأفاد منه في علم الكلام، وسجّل آراءه ومقالاته في هذا المجال، وروى عنه، وعن: إبراهيم بن عبد الحميد الأسدي الأنماطي، وإسماعيل الجوزي، وكلثوم بن عبد المؤمن الحرّاني.
روى عنه: الحسين بن سعيد الأهوازي، وعلي بن أسباط بن سالم الكندي، ويونس بن يعقوب بن قيس البجلي(المتوفّـى بعد 183هـ) ، وغيرهم.
وألّف كتاب التدبير في التوحيد والإمامة، جمعه من كلام أُستاذه هشام.
واشتهر ببغداد كمتكلّم ومناظر بارز.

(1) مقالات الإسلاميين للأشعري1/63، رجال الكشي220برقم 131(ضمن ترجمة هشام بن الحكم)، مروج الذهب4/238برقم 2572، رجال النجاشي2/71برقم 656و ص 398برقم 1165(ضمن ترجمة هشام بن الحكم)، نقد الرجال244برقم 240، جامع الرواة1/603، منتهى المقال5/73برقم 2118، الذريعة4/18برقم 50، مستدركات علم رجال الحديث5/483برقم 10752، معجم رجال الحديث12/187برقم 1528، قاموس الرجال7/65.

320

وكان من حضّار مجلس يحيى بن خالد البرمكي(1) الذي كان يعقده ببغداد للمناظرة في المسائل الكلامية والفلسفية، ويرتاده جمع من أهل البحث والنظر من متكلّمي الإسلام وغيرهم.
لم نقف على تاريخ وفاة المترجم.

35

أبو خالد الواسطي(2)

(...ـ بعد 150هـ)
عمرو بن خالد القرشي بالولاء، أبو خالد الكوفي ثمّ الواسطي، أحد علماء الشيعة الزيدية.
روى عن الإمام محمد الباقرعليه السَّلام، وعن: الشهيد زيد بن علي وأكثر عنه، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي حمزة الثمالي، وآخرين.

(1) نُكب مع سائر البرامكة سنة (187هـ) وتوفّـي سنة (190هـ).
(2) فرق الشيعة للنوبختي54، رجال الكشي333برقم 250، الفهرست للنديم 322(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، رجال النجاشي2/134برقم 769، رجال الطوسي131برقم 690، فهرست الطوسي220برقم 869، رجال ابن داود488برقم 354، رجال العلاّمة الحلي241، ميزان الاعتدال3/257برقم 6359، تقريب التهذيب2/69برقم 572، التحرير الطاووسي190برقم 271، مجمع الرجال4/284، نقد الرجال250برقم 34، جامع الرواة1/620، هداية المحدثين220، 281، بهجة الآمال5/592، تنقيح المقال2/330برقم 8691، معجم رجال الحديث13/93برقم 8893، 21/143برقم 14216، قاموس الرجال7/145، بحوث في الملل والنحل للسبحاني7/134، موسوعة طبقات الفقهاء2/426برقم 584.

321

حدّث بالكوفة، وانتقل إلى واسط، فحدّث بها.
روى عنه: الحسين بن علوان الكلبي، وأبان بن عثمان، ويونس بن بكير، وأبو حفص الأبّار، وإسرائيل بن يونس، وغيرهم.
وألّف كتاباً كبيراً، رواه عنه نصر بن مزاحم المنقري(المتوفّى 212هـ).
وكان من رؤساء الزيدية(1)، ومن متكلّميهم(2)، وله أتباع أخذوا بمقالاته.
قال ابن حجر: توفّي بعد سنة (120هـ).
أقول: يبدو أنّه بقي إلى منتصف القرن الثاني، أو بعده، لرواية المنقري عنه.

36

عيسى بن روضة(3)

(...ـ حيّاً بعد 136هـ)
الهاشمي بالولاء، التابعي.(4)

(1) رجال الكشي201 برقم 106(ضمن ترجمة محمد بن سالم بيّاع القصب).
(2) الفهرست للنديم .
(3) رجال النجاشي2/145برقم 794، رجال ابن داود267برقم 1149، مجمع الرجال4/301، نقد الرجال261برقم 21، جامع الرواة1/650، منتهى المقال5/165برقم 2245، تنقيح المقال2/360برقم 9301، تأسيس الشيعة350(ضمن ترجمة واصل بن عطاء)، أعيان الشيعة8/383، معجم رجال الحديث3/186برقم 9175، قاموس الرجال7/270، رسائل و مقالات للسبحاني314برقم 5، معجم التراث الكلامي1/468برقم 2016.
(4) وصفه بذلك صاحب «أعيان الشيعة».

322

كان متكلّماً، جيّد الكلام.
ألّف كتاباً في الإمامة، رآه أحمد بن طيفور (أبي طاهر) الخراساني البغدادي(المتوفّى280هـ)، ذكر ذلك في كتابه «تاريخ بغداد».(1)
وهو أوّل من صنّف في علم الكلام.(2)
قيل: إنّ المنصور العباسي لمّا كان بالحيرة، تسمّع على عيسى بن روضة، وكان مولاه، وهو يتكلّم في الإمامة، فأعجب به، واستجاد كلامه.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
وكان المنصور قد ولي الخلافة سنة (136هـ).

37

فضّال بن الحسن(3)

(...ـ حيّاً قبل 150هـ)
ابن فضّال الكوفي، المتكلّم الشيعي.
وصفه السيد حسن الصدر بالمتكلّم المشهور، وقال: ما ناظر أحداً من

(1) طُبع منه الجزء السادس، ويحتوي على أخبار المأمون من دخوله بغداد(204هـ) إلى وفاته(218هـ).
(2) تأسيس الشيعة.
(3) كنز الفوائد للكراجكي1/294، الاحتجاج للطبرسي2/315برقم 259(انتشارات أسوة)، بحار الأنوار47/400، تأسيس الشيعة359ـ 360، معجم رجال الحديث13/261برقم 9322، قاموس الرجال7/313، رسائل و مقالات للسبحاني316 برقم 10.

323

الخصوم إلاّ قطعه.
ناظر أبا حنيفة (المتوفّى150هـ) في مسألة الأفضلية، وجرى بينهما حوار، نذكر طرَفاً منه.
قال أبو حنيفة: كفى بمكانهما (يعني أبا بكر وعمر) من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كرماً و فخراً، أما علمت أنّهما ضجيعاه في قبره؟
قال فضال: أنت تعلم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مات عن تسع نساء، ونظرنا فإذا لكلّ واحدة منهنّ تسع الثمن، ثمّ نظرنا في تسع الثمن، فإذا هو شبر في شبر، فكيف يستحقّ الرجلان أكثر من ذلك؟ وبعد، فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفاطمة ابنته مُنعت الميراث؟!
فقال أبو حنيفة: يا قوم نحّوه عني...
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
وآل فضّال أُسرة معروفة بالكوفة، منهم الحسن(1) بن علي بن فضّال، وابنه علي، ولا ندري إن كان المترجم له ينتمي إلى هذه الأُسرة أم لا.

(1) المتوفّى(224هـ)، وستأتي ترجمته.

324

38

النوبختي(1)

(... ـ حيّاً قبل 193هـ)
الفضل بن أبي سهل بن نوبخت، أبو سهل البغدادي، الفارسي الأصل، أحد كبار العلماء بالفلسفة والكلام والنجوم.
عُني بالترجمة، فنقل كثيراً من كتب (البهلويين) الأوائل في الحكمة الإشراقية من الفارسية إلى العربية.
وولي خزانة كتب الحكمة لهارون الرشيد (المتوفّى193هـ).
ذكره أبو الحسن علي بن يوسف القفطي(المتوفّى 646هـ) في كتابه «أخبار الحكماء»، وقال في وصفه: مشهور، من أئمّة المتكلّمين.
وقال السيد حسن الصدر عنه:
الفيلسوف المتكلّم والحكيم المتألّه، وحيد في علوم الأوائل.
ولأبي سهل مؤلفات في مواضيع مختلفة، أكثرها في النجوم، منها: كتاب في الإمامة، كتاب النهمطان في المواليد، كتاب الفأل النجومي، كتاب المنتحل من

(1) الفهرست للنديم 396، تأسيس الشيعة364، أعيان الشيعة2/360، 8/410ـ 412، ريحانة الأدب6/245 و 250، 7/147، الذريعة2/332برقم 1321، معجم المؤلفين8/72، فلاسفة الشيعة178.

325

أقاويل المنجمين في الأخبار والمسائل والمواليد، وكتاب التشبيه والتمثيل، وغير ذلك.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
ولعلّه عاش حتى أدرك أوائل القرن الثالث.

39

الرَّسان(1)

(...ـ حيّاً قبل 148هـ)
فضيل بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي، الكوفي، أخو عبد اللّه(2) بن الزبير الأسدي المحدث الشاعر.
أدرك فضيل الإمام محمد الباقرعليه السَّلام وروى عنه، واتّصل بأخيه الشهيد زيد

(1) فرق الشيعة للنوبختي55، 58، الفهرست للنديم267، رجال الكشي287برقم 169و 242(ضمن ترجمة السيد الحميري المرقمة 133)، مقاتل الطالبيين99ـ 100(تسمية من عُرف ممن خرج مع زيد بن علي)، رجال الطوسي 132برقم 2و 271برقم 22، جامع الرواة2/9، منتهى المقال5/208برقم 2293، مستدركات علم رجال الحديث6/221برقم 11632، معجم رجال الحديث13/326برقم 9411، قاموس الرجال7/328.
(2) وهو القائل في رثاء مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وهانئ بن عروة المرادي اللّذين استشهدا قبل مجيء الحسين(عليه السلام) إلى كربلاء:
إذا كنتِ لا تدرين ما الموت فانظري *** إلى هانئ فـي السـوق وابـن عقيـل
إلى بطـل قـد هشّـم السيـف وجهـه *** و آخـــر، يهـوي مــن طَمـارِ قتيـلِ
في أبيات عديدة.

326

ابن علي، وروى عنه، واختصّ به، وصار من دعاته وأنصاره في ثورته ضدّ الحاكم الجائر.
وصحب الإمام جعفر الصادق(المتوفّـى 148هـ)، وروى عنه، وعن جمع من الرواة، منهم: صالح بن ميثم، وأبو داود السبيعي، وأبو سعيد عقيصا، و يحيى بن أُمّ الطويل.
عدّه محمّد بن إسحاق النديم من متكلّمي الزيدية، وقال: هو من أصحاب محمد بن علي (يعني الباقرعليه السَّلام).
وذكر الحسن بن موسى النوبختي الأقوياء من الزيدية، وعدّ أصحاب الرسّان منهم.
وللمترجم كتاب تسمية من قُتل مع الحسين(عليه السلام).
لم نظفر بتاريخ وفاته.

40

قيس الماصر(1)

(...ـ حيّاً قبل 130هـ)
أحد أعلام متكلّمي الشيعة.
أدرك الإمام علي(زين العابدين) بن الحسين(عليهما السلام)، وانتهل من علومه، وأخذ

(1) الكافي1/171، باب الاضطرار إلى الحجّة، الحديث4، تأسيس الشيعة358، أعيان الشيعة8/458، معجم رجال الحديث14/99برقم 9672، رسائل ومقالات للسبحاني314.

327

عنه الكلام، وصحب الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)(المتوفّـى148هـ).
وأصبح في عداد كبار المتكلّمين كحُمران بن أعين، ومحمّد بن علي بن النعمان البجلي(مؤمن الطاق)، وهشام بن سالم الجواليقي، بل كان ـ كما يرى يونس ابن يعقوب (1) ـ أحسنَهم كلاماً. وله تلامذة عكفوا عليه واختصّوا به.(2)
ذكر يونس بن يعقوب أنّ رجلاً شامياً ورد على الصادق(عليه السلام)، وطلب منه مناظرة أصحابه، فقال لي عليه السَّلام: انظر من ترى من المتكلّمين، فأدخِله، فأدخلتُ حُمران(3)... وقيس الماصر، وكان عندي أحسنهم كلاماً. فلمّا ناظره قيس الماصر، قال له(عليه السلام): أنت والأحول(أي مؤمن الطاق) قفّازان حاذقان.(4)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
وهو والد عمرو بن قيس الماصر، أحد الرواة عن الإمام محمد الباقرعليه السَّلام، وإليه تُعزى الفرقة الماصِريّة (إحدى فرق المرجئة)، ويقال: إنّه زيدي بَتْري.(5)

(1) هو يونس بن يعقوب بن قيس البجلي الدُّهني، الكوفي: أحد أعلام الفقهاء، ذو منزلة سامية عند الإمامين الصادق والكاظم(عليهما السلام)، له روايات كثيرة في كتب الإمامية الأربعة. توفّي بالمدينة بعد سنة (183هـ). انظر موسوعة طبقات الفقهاء2/652برقم 740.
(2) يُفهم ذلك من قول الفضيل بن يسار: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)]الصادق [يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إنّ اللّه عز ّوجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه.... الكافي1/266، باب التفويض إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى الأئمّة في أمر الدين. الحديث4.
(3) المتوفّـى (حدود 130هـ)، وقد مضت ترجمته.
(4) انظر كتاب الكافي.
(5) الخوئي، معجم رجال الحديث13/122برقم 8971; وشريف يحيى الأمين، معجم الفرق الإسلامية208.

328

41

النَّوّاء(1)

(...ـ حيّاً نحو 135هـ)
كثير بن إسماعيل(2) النوّاء، أبو إسماعيل التيمي بالولاء، الكوفي، البتري الزيدي.
روى عن الإمامين أبي جعفر الباقر وأبي عبد اللّه الصادق(عليهما السلام)، وعن: عبد اللّه ابن مُليل البجلي، وعطية بن سعد العوفي، ومحمد بن نشر الهمْداني، وفاطمة بنت الإمام علي عليه السَّلام، وآخرين.
روى عنه: منصور بن أبي الأسود، وأبو عقيل يحيى بن المتوكّل، وسفيان بن عُيينة(107ـ 198هـ)، وشريك بن عبد اللّه، ومحمد بن فضيل بن غزوان (المتوفّـى 195هـ)، وعبد الرحمان بن عبد اللّه المسعودي، وأبان بن عثمان الأحمر، وعدّة.

(1) التاريخ الكبير7/215برقم 934، فرق الشيعة للنوبختي13، 57، رجال الكشي208برقم 117، الجرح والتعديل7/159برقم 895، ثقات ابن حبان7/353، الفرق بين الفِرَق33برقم 51، رجال الطوسي134برقم 4و 277برقم 6، الملل والنحل للشهرستاني1/161، تهذيب الكمال 24/103برقم 4935، ميزان الاعتدال3/402برقم 4935، تهذيب التهذيب8/411برقم 735، تقريب التهذيب2/131برقم 3، معجم رجال الحديث14/108برقم 9713، قاموس الرجال 7/412، بحوث في الملل والنحل للسبحاني7/454، معجم الفرق الإسلامية لشريف الأمين51ـ 53.
(2) وقيل: نافع، وقيل: قاروند.

329

وانتمت إليه فرقة من الزيدية عُرفت بالبترية(1)، وكانت تذهب إلى: أنّ عليّاًعليه السَّلام أفضل الناس بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأولاهم بالإمامة، لكنّه سلّم الأمر لهم راضياً، وترك حقّه راغباً، فنحن راضون بما رضي به، مسلّمون لما سلّم، ولو لم يرضَ عليّ بذلك، لكان أبو بكر هالكاً، وتوقّفوا في أمر عثمان، ولم يُقدموا على ذمّه ولا على مدحه(2)، وجوّزوا إمامة المفضول وتأخير الفاضل والأفضل، إذا كان الأفضل راضياً بذلك.
وقالوا أيضاً: من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين(عليهما السلام)، وكان عالماً زاهداً شجاعاً، فهو الإمام.
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.

(1) جعلهم عبد القاهر البغدادي أتباع رجلين: الحسن بن صالح، وكثير النوّاء الملقّب بالأبتر، في حين جعلهم الشهرستاني أتباع النوّاء فقط، وسمّى الفرقة التي تنتسب للحسن بن صالح بالصالحية، وقال: إنّهما متفقان في المذهب.
(2) وهي بهذا القول، تفترق عن السليمانية(أصحاب سليمان بن جرير الرقّي) التي تذهب إلى الطعن في عثمان.

330

42

الكميت بن زيد(1)

(60ـ 126هـ)
ابن خُنيس بن مجالد الأسدي، الشاعر الفحل، أبو المستهل الكوفي.
ولد سنة ستين.
واختلف إلى العلماء، حتّى ألمّ بمعارف عصره.
ومارس التعليم في مسجد الكوفة.
ونبغ في الشعر، واشتهر به.
واجتمعت فيه ـ كما يقول العتّابي ـ عشر خصال لم تجتمع في شاعر: كان خطيب قومه بني أسد، وفقيه الشيعة، وحافظ القرآن... وكان جدلاً.

(1) البيان والتبيين1/36و 37، رجال الكشي179برقم 84، مروج الذهب4/66برقم 2267ـ 2272، تاريخ مدينة دمشق50/229برقم 5828، مختصر تاريخ دمشق21/210برقم 131، رجال العلاّمة الحلي135برقم 3، تاريخ الإسلام(سنة 121ـ 140هـ) 210، سير أعلام النبلاء5/388برقم 177، مجمع الرجال5/72، نقد الرجال277، كشف الظنون1/808، جامع الرواة2/31، نسمة السحر بذكر من تشيّع وشعر2/545برقم 138، روضات الجنات6/55برقم 561، إيضاح المكنون2/716، تنقيح المقال2/41برقم 9937، تأسيس الشيعة351، أعيان الشيعة9/33، ريحانة الأدب1/117، الغدير2/180ـ 212، الأعلام5/233، معجم المؤلفين8/147، معجم رجال الحديث14/125، قاموس الرجال7/430، مستدركات أعيان الشيعة1/130، أعلام المؤلفين الزيدية789.

331

وقد وظّف قصائده الهاشميات ـ التي تغلب عليها النزعة العقلية والطافحة بالحجج والبراهين ـ لخدمة عقيدته ومذهبه، حيث تجلّى فيها بوضوح حبّه لأهل البيت وإخلاصه لهم، ودفاعه عن حقّهم المشروع في الخلافة بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، الأمر الذي عرّضه لظلم واضطهاد حكّام بني أُمية، وتجنّي ذوي التعصب المقيت.
وهو أوّل شاعر رصد أكثر شعره لخدمة فكرة عقائدية معينة في العهد الأموي.(1)
قال الجاحظ: ما فتح لشيعة الحجاج إلاّ الكميت بقوله:
فإنْ هي لم تصلح لحىّ سواهُمُ *** فإنّ ذوي القربى أحقُّ وأوجبُ
يقولون لم يورث ولولا تراثه *** لقد شركتْ فيها بكيل وأرحب(2)
ويقول الدكتور نعمان القاضي: إنّ الكميت لم يكن شاعراً على الطريقة المألوفة، وإنّما كان شعره لوناً جديداً على الذوق العربي التقليدي، ومحاولة رائدة في إدخال الشعر العربي من باب جديد، واستمداداً لمنابع عقلية جديدة، وصياغته صياغة فكرية لم يُسبق إليها، تتحول بالشعر العربي من مجال العاطفة إلى مجال الفكر والعقل المحض، ومحاولة التصدي للتعبير عن نظرية مذهبية مدعمة بالنظر العقلي وطرائق المتكلّمين ووسائلهم في

(1) انظر أعيان الشيعة9/36.
(2) تاريخ مدينة دمشق. وفي مستدركات أعيان الشيعة: ما فتح للشيعة باب الاحتجاج بالشعر إلاّ الكميت.

332

الاحتجاج والاستدلال.(1)
وللكميت منزلة رفيعة عند أئمّة أهل البيت: زين العابدين، والباقر، والصادق(عليهم السلام)، وقد أنشد بين أيديهم بعض قصائده، فدعوا له بالمغفرة والجزاء الأوفى.
توفّي سنة ست وعشرين ومائة.
وخلّف ثروة شعرية ضخمة، منها قصائد عديدة في مدح بني هاشم ورثاء الحسين(عليه السلام) وزيد بن علي عليمها السَّلام، فمن شعره:
ويوم الدَّوْح دَوْحِ غديرِ خمّ *** أبانَ له الولاية لو أُطيعا
ولكنّ الرجالَ تبايعوها *** فلم أرَ مثلها خطراً مبيعا
فقل لبني أمية حيث حلّوا *** وإن خفتَ المهنّد والقطيعا
أجاع اللّه من أشبعتموه *** وأشبعَ مَن بجوْركمُ أُجيعا
وقال، مصرّحاً بالوصية لعلي وأبنائه(عليهم السلام).

(1) انظر مستدركات أعيان الشيعة.

333

والوصيُّ الذي أمال التجوبي *** به عرش أمّة لانهدام(1)
كان أهل العفاف والمجد والخيـ *** ـر ونقض الأُمور والإبرام
والوصيُّ الوليُّ والفارس المُعلـ *** ـلم تحت العجاج غير الكهام(2)
كم له ثم كم له من قتيل *** وصريع تحت السنابك دامي
وخميس يلفّه بخميس *** وفئام حواه بعد فئام(3)
ووصي الوصي ذي الخطّة الفصـ *** ـلِ ومردي الخصوم يوم الخصام(4)
وقتيل بالطفّ غودر منه *** بين غوغاء أمة وطغام
وقال:

(1) الوصيّ: هو الإمام علي عليه السَّلام، والتجوبيّ: هو عبد الرحمان بن ملجم المرادي قاتل الإمام(عليه السلام)، وتجوب: قبيلة في مراد.
(2) المُعلم:الذي وضع له علامة يعرف بها. والكهام: الكليل من الرجال والسيوف.
(3) الخميس: الجيش الكثير. والفئام: الجماعة من الناس.
(4) وصي الوصي: هو الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام).

334

وجدنا لكم في آل حاميم آية *** تأوّلَها منّا تقيٌّ ومُعربُ
وفي غيرها آياً وآياً تتابعتْ *** لكم نصب فيها لذي الشك منصب
بحقّكم أمست قريش تقودنا *** وبالفذّ منها والرديفين نركب

43

الخثعمي(1)

(... ـ حيّاً قبل 183هـ)
محمد بن حكيم الخثعمي، أبو جعفر الكوفي، أحد متكلّمي الإمامية.
تلمّذ للإمامين أبي عبد اللّه الصادق وأبي الحسن الكاظم(عليهما السلام)، وروى عنهما

(1) رجال البرقي19و 48، مقالات الإسلاميين للأشعري43، رجال الكشي380برقم 315(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، رجال النجاشي2/257برقم 958، رجال الطوسي285برقم 79و 358برقم 2، فهرست الطوسي176برقم 647و 180برقم680، معالم العلماء 106برقم 710، رجال ابن داود308برقم 1336، رجال العلاّمة الحلي151برقم 65، التحرير الطاووسي 243برقم 362، مجمع الرجال5/200، نقد الرجال304برقم 272، جامع الرواة2/102، هداية المحدثين235، بهجة الآمال6/417، تنقيح المقال3/109برقم 10623و 10624، الذريعة6/361برقم 2214، معجم رجال الحديث16/30برقم 10616و 10620، قاموس الرجال8/151.

335

وعن لفيف من أتباع مدرسة أهل البيت، منهم: محمد بن مسلم الطائفي، وشهاب ابن عبد ربّه الأسدي، وأبو مسروق عبد اللّه النهدي.
وحدّث، وناظر، وألّف كتاباً، رواه عنه ابنه جعفر وغيره.
أخذ عنه جماعة، منهم الفقيهان المتكلّمان: محمد بن أبي عمير الأزدي، و يونس بن عبد الرحمان.
وكان الإمام الكاظم(عليه السلام) يأنس لقابلياته في المناظرة والحوار، ويحضّه على التصدّي لذلك، في وقت كان(عليه السلام) ينهى بعض أصحابه عن القيام بذلك.
وكان(عليه السلام) يسأله عمّا يجري في مناظراته، ويُعرب عن رضاه بها.(1)
قال محمد بن حكيم: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): المعرفة صُنع مَن هي؟ قال: من صنع اللّه عزّ وجلّ، ليس للعباد فيها صنع.(2)
لم نظفر بتاريخ وفاته.

(1) انظر رجال الكشي.
(2) الصدوق، التوحيد410، باب 64، الحديث1.

336

44

الطّيّار(1)

(...ـ قبل 148هـ)
محمد بن عبد اللّه الفزاري، الشهير بالطيّار، ويقال: يُعرف بابن الطيّار أيضاً.(2)
كان مقرئاً، فرضيّاً، متكلّماً، مناظراً.
تلمذ للإمامين أبي جعفر الباقر، وولده أبي عبد اللّه جعفر الصادق(عليهما السلام)وروى عنهما، وفاز لديهما بمكانة سامية.
وعُني بالكلام، واطّلع على آراء الفرق الإسلامية(3)، وتصدّى للمناظرة والحِجاج، وقد ناظر ـ بإشارة من الصادق(عليه السلام)ـ رجلاً من أهل الشام في الاستطاعة.(4)

(1) رجال الكشي297برقم 197و 198، رجال العلاّمة الحلي 150برقم 64، جامع الرواة2/133، منتهى المقال6/84برقم 2686، أعيان الشيعة6/242(بعنوان حمزة)، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة3/64(بعنوان حمزة)، معجم رجال الحديث16/194برقم 11000و 256برقم 11148، قاموس الرجال3/423(بعنوان حمزة)، 8/248.
(2) يرى العلاّمة التستري أنّ المترجم كان معروفاً بالطيار فقط، وأنّ إضافة لفظة (ابن) إليه من التحريفات. قاموس الرجال3/425.
(3) كالمرجئة والقدرية والخوارج والزيدية. انظر رجال الكشي.
(4) انظر رجال الكشي 235(ضمن ترجمة هشام بن الحكم).

337

ولمّا بلغه كراهة الصادق للمناظرة والخصومة، سأله عن ذلك، فأجابه (عليه السلام) بقوله:
أمّا كلام مثلك للناس فلا يكره. مَن إذا طار أحسن أن يقع، وإن وقع يحسن أن يطير، فمن كان هكذا فلا نكره كلامه.
توفّي قبل (سنة ثمان وأربعين ومائة)(1)، وترحّم عليه الإمام الصادق، قائلاً: رحمه اللّه، ولقّاه نضرةً و سروراً، فقد كان شديد الخصومة عنّا أهل البيت.
وقد روى عن المترجم جماعة، منهم ابنه حمزة(2) الشهير بابن الطيّار(ويقال: يُعرف بالطيّار أيضاً) وهو أحد تلامذة الصادق(عليه السلام).

(1) وهي سنة وفاة الصادق(عليه السلام).
(2) ذهب بعضهم إلى رجوع كلام الإمام الصادق(الذي نقلناه في الترجمة) إلى حمزة (ولذا عُدّ من المتكلّمين)، لا إلى والده محمّد، وهذا ـ كما يرى السيد الخوئي ـ وهمٌ، لأنّ ابن الطيار(المذكور في كلامه عليه السَّلام) قد توفّي في حياة الصادق، في حين روى ابنه حمزة عن موسى الكاظم عليه السَّلام(ابن الصادق (عليه السلام))، و روى عنه محمد بن سنان الذي لم يدرك الصادق(عليه السلام).انظر معجم رجال الحديث6/280، الترجمة4062.

338

45

مؤمن الطاق(1)

(... ـ نحو 160هـ)
محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي، أبو جعفر الكوفي، الصيرفي، الأحول، الملقّب بمؤمن الطاق، وصاحب الطاق.(2)

(1) رجال البرقي17، رجال الكشي102 برقم 49(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني87برقم 20، الفهرست للنديم 258(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، رجال النجاشي 2/203برقم 887، رجال الطوسي302برقم 355و 359برقم 18، فهرست الطوسي157، معالم العلماء95برقم 658، رجال ابن داود326، رجال العلاّمة الحلي138برقم 11، سير أعلام النبلاء10/553برقم 187، الوافي بالوفيات4/104برقم 1585، لسان الميزان5/300برقم 1017، مجمع الرجال6/1، نقد الرجال324، جامع الرواة2/158، بهجة الآمال6/526، تنقيح المقال3/160برقم 11147، تأسيس الشيعة 358، الذريعة 2/336 برقم 1341، 21/245برقم 4853، الأعلام6/271، معجم المؤلفين 11/67، معجم رجال الحديث 17/32برقم 11359، 11907، قاموس الرجال8/417، فلاسفة الشيعة450، موسوعة طبقات الفقهاء2/515برقم 642، معجم التراث الكلامي1/164برقم 475و 186 برقم 574 و 478 برقم 2077، 3/399برقم 6685.
(2) ويُعرف أيضاً بشيطان الطاق. قالوا: كان صيرفياً بالكوفة بطاق المحامل، فاختلف يوماً هو و صيرفي في نقد درهم فغلبه المترجم، فقال: أنا شيطان الطاق، فغلب عليه هذا الاسم. انظر الوافي بالوفيات.

339

كان من مشاهير متكلّمي الشيعة، مناظراً قديراً، غزير العلم، كبير الشأن.
اختصّ بالإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، وتلقّى عنه العلوم والمعارف، وحظي بثقته ومودّته واحترامه.
وناظر واحتجّ في مسائل متعدّدة، خصوصاً في مسألة الإمامة التي احتدم حولها الخلاف آنذاك بين الشيعة والمعتزلة والخوارج والمرجئة.
وجلّى في هذا الميدان لفطنته وذكائه وحضور بديهته وقوة عارضته.
وقد عدّه المرزباني في شعراء الشيعة، وقال: كان من الفصحاء البلغاء، ومَن لا يُطاوَل في النظر والجدال في الإمامة.
ووصفه النديم بقوله: كان حسن الاعتقاد والهدي، حاذقاً في صناعة الكلام، سريع الخاطر والجواب.
قال أبو خالد الكابلي: رأيت أباجعفر صاحب الطاق، وهو قاعد في الروضة، قد قطع أهل المدينة أزراره، وهو دائب يجيبهم ويسألونه، فدنوت منه، فقلت: انّ أبا عبد اللّه ينهانا عن الكلام، فقال: أمرك أن تقول لي؟ فقلت: لا واللّه، ولكن أمرني أن لا أكلّم أحداً، قال: فاذهب إليه وأطعه فيما أمرك. فدخلت على أبي عبد اللّه(عليه السلام) فأخبرته بقصة صاحب الطاق، وما قلت له، وقوله لي: اذهب فأطعه فيما أمرك. فتبسّم أبو عبد اللّه(عليه السلام)، وقال: يا أبا خالد إنّ صاحب الطاق يكلّم الناس فيطير وينقضّ، وأنت إن قصوك لن تطير.
وللمترجم كتب جمّة، منها: كتاب الإمامة، كتاب المعرفة، كتاب الردّ على المعتزلة في إمامة المفضول، كتاب في إثبات الوصية، كتاب افعل لا تفعل، كتاب في أمر طلحة والزبير وعائشة، كتاب في مناظراته مع أبي حنيفة والمرجئة، وكتاب في كلامه مع الخوارج، وغير ذلك.

340

وقد نُقلت له في كتب التاريخ والأدب قصص وحكايات طريفة مع أبي حنيفة، منها:
إنّ أبا حنيفة كان يتهم (شيطان الطاق) بالقول بالرجعة، وكان (شيطان الطاق) يتّهم أباحنيفة بالقول بالتناسخ.
قال أبو حنيفة يوماً له: أقرضني من كيسك خمسمائة دينار، فإذا عدتُ أنا وأنت رددتها إليك، فقال له: أُريد ضميناً أنّك تعود إنساناً وأخاف أن تعود قرداً.(1)
توفّي نحو سنة ستين ومائة.(2)
ومن شعره:
ولا تكُ في حبّ الأخلاّء مفرطاً *** وإن أنتَ أبغضتَ البغيضَ فأجملِ
فإنّك لا تدري متى أنت مبغضٌ *** صديقك أو تعذِر عدوّكَ فاعقلِ
قال بشار بن بُرد: شيطان الطاق أشعر مني.(3)

(1) انظر تاريخ بغداد13/409.
(2) وقيل: حدود(180هـ).
(3) الوافي بالوفيات4/104.

341

46

المُفَضَّل بن عمر(1)

(نحو 100ـ قبل 183هـ)
الجُعفي، أبو عبد اللّه( أو أبو محمد) الكوفي.
ولد بالكوفة نحو سنة مائة.
وتلمذ للإمام أبي عبد اللّه جعفر الصادق(عليه السلام)، وروى عنه وعن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم(عليه السلام) وعن عدد من أعلام مدرسة أهل البيت كجابر بن يزيد الجعفي، وأبي حمزة ثابت بن أبي صفية الثمالي، وغيرهما.
وكان فقيهاً، محدثاً.
عُني بالمسائل الكلامية، وناظر فيها.
وألّف كتاب فكر، ويُعرف بتوحيد المفضّل، وهو مجموعة من الدروس، أملاها عليه الصادق(عليه السلام)، وتحدّث فيها عن أسرار الكون وعجائب السماوات

(1) رجال الكشي272برقم 154، رجال النجاشي2/359برقم 1113، رجال الطوسي314برقم 554و 360برقم 23، فهرست الطوسي197، معالم العلماء124، رجال ابن داود518، رجال العلاّمة الحلي258، جامع الرواة2/258، أعيان الشيعة10/132، معجم رجال الحديث 18/292برقم 12586، قاموس الرجال9/93، حياة الإمام موسى بن جعفر لباقر القرشي 2/323، موسوعة طبقات الفقهاء2/566برقم 676، معجم التراث الكلامي 1/562 برقم 2495، 2/24 برقم 2590و353برقم 4116.

342

والأرض وإثبات الصانع تعالى وتوحيده.(1)
وله أيضاً: كتاب ما افترض اللّه على الجوارح من الإيمان (ويسمّى الإيمان والإسلام)، وكتاب في بدء الخلق والحثّ على الاعتبار، وعلل الشرائع، ووصيّة المفضّل ، وكتاب يوم وليلة.
توفّـي في حياة الإمام الكاظم(عليه السلام).
روى المفضّل عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: من زعم أنّ اللّه في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك، لو كان اللّه عز ّوجلّ على شيء لكان محمولاً، ولو كان في شيء لكان محصوراً، ولو كان من شيء لكان مُحدَثاً.(2)

(1) قال محمد الحسين المظفر: إنّ المفضل سمع ابن أبي العوجاء وإلى جانبه رجل من أصحابه في مسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهما يتناجيان في ذكر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ انتقلا إلى ذكر الأصل فأنكر وجوده ابن أبي العوجاء، وزعم أنّ الأشياء ابتدأت بإهمال، فردّ عليه المفضل في مناظرة جرت بينهما، ثمّ قام المفضل ودخل على الإمام الصادق(عليه السلام) فأخبره بما سمعه من الدهريين وبما ردّ عليهما، فألقى الإمام عليه هذا الكلام. الإمام الصادق149.
(2) الصدوق، التوحيد178، الباب28، الحديث9.

343

47

مقاتل بن سليمان(1)

(...ـ150هـ)
ابن بشير الأزدي بالولاء، المفسّر الكبير، أبو الحسن البلخي ثمّ البصري، أحد علماء الزيدية.
سكن البصرة، وورد بغداد، فحدّث بها.(2)
روى عن الإمام الصادق(عليه السلام)، وعن: محمد بن مسلم الزهري، وأبي إسحاق السبيعي، وعطاء بن أبي رباح، وآخرين.
واشتهر بتفسير القرآن الكريم.
عدّه النديم من متكلّمي الزيدية.

(1) طبقات ابن سعد7/313، حياة الحيوان1/354(ط. مصر)، الفهرست للنديم 267(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، رجال الطوسي138برقم 49و 313 برقم 536، تاريخ بغداد13/160برقم 7143، وفيات الأعيان5/255برقم 733، تهذيب الكمال28/434برقم 6161، سير أعلام النبلاء7/701برقم 79، ميزان الاعتدال 4/173برقم 8741، تهذيب التهذيب10/279برقم 501، طبقات المفسرين للداوودي2/330برقم 642، كشف الظنون1/459، 2/1469، 2001، شذرات الذهب1/227، الأعلام7/281، معجم المؤلفين12/317، معجم رجال الحديث18/311برقم 12603، قاموس الرجال9/109، أعلام المؤلفين الزيدية 1046برقم 1125.
(2) قال عبد السلام الوجيه: وقد تركوا أحاديثه لتشيّعه. أعلام المؤلفين الزيدية.

344

ورُمي بالتجسيم، ونُسبت إليه فرقة تُعرف بالمقاتلية.(1)
ألّف كتباً، منها: الردّ على القَدَرية، التفسير الكبير، الناسخ والمنسوخ، الأقسام واللغات، التقديم والتأخير، ومتشابه القرآن، وغير ذلك.
توفّي بالبصرة سنة خمسين ومائة.

48

منصور بن أبي الأسود(2)

(...ـ بعد 170 هـ تقديراً)
اللّيثي، الكوفي، أحد كبار الشيعة.
روى عن أبي عبد اللّه جعفر الصادق(عليه السلام)، وعن: مغيرة بن مقسم الضبّي، وحصين بن عبد الرحمان، و سليمان الأعمش، وغيرهم.
وكان كثير الحديث.
روى عنه: عبد الرحمان بن مهدي(135ـ 198هـ)، وأبو الربيع سليمان بن

(1) شريف يحيى الأمين، معجم الفرق الإسلامية 235.
(2) طبقات ابن سعد6/382، التاريخ الكبير7/348برقم 1500، فرق الشيعة للنوبختي58، الجرح والتعديل 8/170برقم 756، الفهرست للنديم 267(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، رجال النجاشي 2/353 برقم 1104، رجال الطوسي313 برقم 531، ميزان الاعتدال4/183برقم 8770، تهذيب الكمال 28/518برقم 6189، تهذيب التهذيب10/305برقم 533، تقريب التهذيب2/275 برقم 1378، معجم رجال الحديث18/340برقم 12666، قاموس الرجال9/125ـ 126.

345

داود الزهراني (المتوفّى234هـ)، وابن أخيه الحسن بن صالح بن أبي الأسود، وأبو نُعيم الفضل بن دكين(المتوفّى 219هـ)، وآخرون.
وألّف كتاباً، رواه عنه الحسين بن محمد بن علي الأزدي.(1)
ذكر النوبختي في «فِرق الشيعة» الأقوياء من الزيدية، وعدّ منهم أصحاب المترجم له، كما عدّه النديم من متكلّميهم.
وقال ابن معين: كان من الشيعة الكبار.(2)
توفّي بعد سنة سبعين ومائة ـ حسب تقديرنا ـ .

49

منصور بن حازم(3)

(... ـ حيّاً بعد 148هـ)
البَجَلي، أبو أيوب الكوفي، أحد أجلاّء علماء الشيعة.
تلمّذ للإمام أبي عبد اللّه الصادق(عليه السلام)، وأخذ عنه العلوم والمعارف، وروى عنه وعن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم(عليه السلام)، وعن لفيف من أعلام مدرسة أهل

(1) رجال النجاشي.
(2) ميزان الاعتدال.
(3) رجال البرقي39، رجال الكشي358برقم 295(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، رجال النجاشي 2/352برقم 1102، رجال الطوسي312برقم 523، فهرست الطوسي192، رجال ابن داود 353برقم 1573، رجال العلاّمة الحلي 167برقم 2، مجمع الرجال6/142، جامع الرواة2/264، هداية المحدثين152، منتهى المقال6/334برقم 3047، تنقيح المقال 3/249 برقم 12166، معجم رجال الحديث18/342برقم 12671، 345برقم 12672، قاموس الرجال9/126، موسوعة طبقات الفقهاء2/570برقم 678.

346

البيت كأبان بن تغلب، وأبي بصير الأسدي، وعبد اللّه بن أبي يعفور العبدي، وهشام بن سالم الجواليقي، ومحمد بن علي الحلبي، وآخرين.
وأصبح من عيون الفقهاء.
ألّف كتباً، منها: أُصول الشرائع، وكتاب الحجّ.
أقول: وكان له اهتمام بالمسائل الكلامية، يبدو ذلك جليّاً من رواياته وحواراته في هذا المجال.
قال المترجم: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) إنّي ناظرت قوماً فقلت لهم: إنّ اللّه جلّ جلاله أجلّ وأكرم من أن يُعرف بخلقه، بل العباد يُعرفون باللّه، فقال: رحمك اللّه.(1)
قلت له: من عرف أن له ربّاً فقد ينبغي أن يعرف أنّ لذلك الربّ رضاً وسخطاً، وأنّه لا يعرف رضاه وسخطه إلاّ بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي، فينبغي أن يطلب الرسل، فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة وأنّ لهم الطاعة المفروضة. فقلت للناس: أليس تعلمون أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان هو الحجّة من اللّه على خلقه؟ قالوا: بلى، قلت: حين مضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)من كان الحجّة؟ فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتّى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجّة إلاّ بقيّم، ما قال فيه من شيء كان حقاً، فقلت لهم: من قيّم القرآن، فقالوا... قلت: وأشهد أنّ عليّاً كان قيّم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان حجّة على الناس بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه ما قال في القرآن فهو حقّ....

(1) الكافي1/86، كتاب التوحيد، باب أنّه لا يعرف إلاّ به، الحديث3. وتكملة الحديث نقلناها من رجال الكشي358برقم 295.

347

وقال المترجم: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)، هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم اللّه بالأمس؟ قال: لا، من قال هذا فأخزاه اللّه، قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم اللّه؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق.
لم نظف(1)ر بتاريخ وفاته.

50

هشام بن الحكم(2)

(...ـ نحو 188، 199هـ)
الكندي بالولاء، أبو محمد الكوفي، البغدادي، أحد أعلام الفكر والمعرفة،

(1) الكليني، الكافي1/148، كتاب التوحيد، باب البداء، الحديث11; والصدوق، التوحيد334، كتاب التوحيد، باب البداء، الحديث8.
(2) رجال البرقي35، مقالات الإسلاميين للأشعري31ـ 33، 37ـ 38، 40ـ 41، 42ـ 43، 52، 55ـ 56، 60ـ 61، 63، وغير ذلك، مروج الذهب4/236برقم 2565، 5/22برقم 2919، الفهرست للنديم 257، 263، الفَرق بين الفِرق65ـ68، رجال الكشي220برقم 131، الرسالة العددية للمفيد45، رجال النجاشي2/397برقم 1165، رجال الطوسي329برقم 18 و 362برقم 1، فهرست الطوسي202، الملل والنحل للشهرستاني1/187ـ 190(دار الكتب العلمية . ط1)، معالم العلماء128برقم 862، رجال ابن داود347برقم 1643، رجال العلاّمة الحلي178برقم1، نقد الرجال368، جامع الرواة2/313، هدية العارفين2/507، تأسيس الشيعة360ـ 361، أعيان الشيعة10/264، الأعلام8/85، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة3/79ـ 110، معجم المؤلفين13/148، معجم رجال الحديث19/271 برقم 13329، قاموس الرجال 9/316ـ 356، هشام بن الحكم لعبد اللّه نعمة، رسائل ومقالات للسبحاني312، موسوعة طبقات الفقهاء2/599برقم 701.

348

وأبرز المتكلّمين في عصره.
ولد بالكوفة(وقيل بواسط)، وقضى بها جُلَّ أيّامه، وتردّد إلى بغداد للتجارة، ثمّ استقرّ بها.
تلمّذ للإمام جعفر الصادق(عليه السلام) في شتى صنوف العلوم والمعارف الإسلامية، ثمّ اختصّ بالإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، فأخذ عنه العلم، وروى عنهما وعن: سدير بن حُكيم الصيرفي، وشهاب بن عبد ربه الأسدي، وزرارة بن أعين، وأبي عبيدة الحذّاء، وآخرين.
وبرّز في الفقه والحديث، وألمّ بالتفسير والأدب، وبرع في الكلام.
واستحوذت عليه نزعة الجدل، وذاع صيته في ذلك، لما امتاز به من حدّة الذهن، وحضور الجواب، وعمق التفكير، وسعة الثقافة، وقوة الحجّة، حتّى صار ـ في ذلك العصر الحافل بضروب التيارات والاتجاهات والمذاهب ـ أكبر شخصية شيعية في علم الكلام (على حدّ تعبير أحمد أمين المصري)، ومن فرسان المناظرة المُعْلَمين.
اقتحم المترجم ميادين المناظرة والحجاج، مدافعاً عن الإسلام وعن مذهب أهل البيت، ومفنّداً الشبه المثارة من الزنادقة والفلاسفة وأصحاب الطبائع الثنوية، وناقداً لآراء مختلف المذاهب والفِرق كالمعتزلة والزيدية والخوارج وغيرهم، وكان يخرج من جميع مناظراته منتصراً، الأمر الذي خلق له خصوماً وحسّاداً، نسبوا إليه آراءً منكرة ومقالات فاسدة افتراءً عليه، أو تلبيساً على الناس، أو جهلاً بأساليب المناظرة.(1)

(1) مثل أن يُنقل كلامه الذي يورده لمعارضة خصمه، وكأنّه من آرائه الثابتة، ومن الواضح أنّه ليس كلّ من عارض بشيء يكون معتقداً به، وإلى هذا المعنى أشار الشهرستاني في قوله المذكور في أصل الترجمة. انظر المراجعات292.

349

قال الشهرستاني : وهشام بن الحكم صاحب غور في الأُصول، ولا يجوز أن يُغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، ودون ما يظهره من التشبيه، وذلك أنّه ألزم العلاّف....
ولسمّو مكانة المترجم العلمية، آثره يحيى بن خالد البرمكي، وقرّبه إليه، وولاّه مجالس الكلام والنظر ببغداد، والتي كان يحضرها أرباب البحث والنظر من متكلّمي الإسلام وغيرهم كالعلاّف والنظّام والسكّاك وعلي بن ميثم والموبذ.(1)
ومن أبرز الجوانب التي ظهرت فيها مواهبه في المحاورة والجدل، هو مناظراته التي كانت تدور حول الإمامة والمسائل المتعلّقة بها، حيث تجلّت فيها قدراته الخلاّقة في إفحام الخصوم، وفي تركيز تلك المفاهيم، وترسيخ بنائها على أُسس عقلية ونقلية متينة، ولأثره البالغ في هذا المجال، وصفه النديم بقوله:
هو من متكلّمي الشيعة، ممّن فتق الكلام في الإمامة، وهذّب المذهب والنظر، وكان حاذقاً بصناعة الكلام، حاضر الجواب.
تتلمذ على المترجم فريق من العلماء، أبرزهم: الفقيه المتكلّم يونس بن عبد الرحمان (المتوفّـى208هـ)، والمتكلّم علي بن منصور الكوفي البغدادي، والفقيه المتكلّم محمـد بـن زيـاد(أبـي عميـر) الأزدي(المتوفّـى217هـ)، والمتكلّم الشهير إبراهيم بن سيّار النظّام المعتزلي.
وألّف كتباً كثيرة، منها: كتاب التوحيد، كتاب الشيخ والغلام، كتاب القدر، كتاب الاستطاعة، كتاب المعرفة، كتاب الإمامة، كتاب الردّ على من قال بإمامة المفضول، كتاب الوصية والردّ على من أنكرها، كتاب الردّ على المعتزلة، كتاب الردّ على الزنادقة، كتاب الردّ على هشام الجواليقي، كتاب الردّ على أرسطاطاليس، كتاب الألطاف، وكتاب الردّ على أصحاب الاثنين، وغير ذلك.

(1) انظر مروج الذهب4/236برقم 2565.

350

وله مناظرات ومحاورات كثيرة(1)، منها أنّه سأل عمرو بن عبيد، وهو يحاوره عن منفعة الجوارح وغاياتها من الأنف واللسان واليد والأذن وسواها، والرجل يجيبه، وأخيراً سأله عن فائدة القلب فأجابه: لأميّز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح، قال: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال: لا، قال: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟ قال عمرو: يا بنيّ إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمّته أو رأته أو ذاقته، فتؤديه إلى القلب، فيتيقّن ويبطل الشك، قال هشام : فإنّما قدّم اللّه القلب لشكّ الجوارح، قال: نعم، قال: فلابدّ من القلب وإلاّ لم تستيقن الجوارح، قال: نعم، قال هشام: يا أبا مروان، إنّ اللّه لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح، وينفي ما شكّت فيه، هذا الخلق كلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً بجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك.
فسكت عمرو ولم يقل شيئاً.(2)
توفّي هشام بعد نكبة البرامكة(3) بمدة يسيرة (متستراً)، و قيل بل في خلافة المأمون(4)، قاله النديم.
وقال الفضل بن شاذان: توفّي سنة تسع وسبعين ومائة.
وقال النجاشي: مات سنة تسع وتسعين ومائة.

(1) منها: مناظرته مع أحد البراهمة، ومناظرته مع الإباضية، ومناظرته مع إبراهيم بن سيّار المعتزلي، ومناظرته مع ابن أبي العوجاء، ومناظرته مع أبي الهذيل العلاف، ومناظراته مع أبي حنيفة، وغير ذلك. انظر الإمام الصادق والمذاهب الأربعة3/85.
(2) انظر مروج الذهب5/22برقم 2919.
(3) كانت نكبتهم على يد الرشيد سنة (187هـ).
(4) ولي الخلافة سنة (198هـ).

351

51

الجواليقي(1)

(...ـ حيّاً قبل 183هـ)
هشام بن سالم الجواليقي، أبو محمّد الكوفي.
اختصّ بالإمامين جعفر الصادق وولده موسى الكاظم(عليهما السلام)، وتلقّى عنهما علماً جمّاً.
وأخذ عن لفيف من الأعلام، منهم: أبان بن تغلب، و زرارة بن أعين، وأبو مريم عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، وعبد اللّه بن أبي يعفور العبدي، وأبو حمزة الثمالي.

(1) رجال البرقي34، 48، مقالات الإسلاميين للأشعري34، 41، 42، 44 ـ 45، 209، 346، الفرق بين الفِرَق65، 68ـ 69، رجال الكشي238برقم 132(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، الرسالة العددية للمفيد45، رجال النجاشي2/399برقم 1166، رجال الطوسي329برقم 17و 363برقم 3، فهرست الطوسي203برقم 781، الملل والنحل للشهرستاني1/187، 191(دار الكتب العلميةـ ط1)، معالم العلماء129، رجال ابن داود368برقم 1645و 384، رجال العلاّمة الحلي179برقم 2، التحرير الطاووسي302برقم 447، مجمع الرجال6/234، نقد الرجال369، جامع الرواة2/314، بهجة الآمال7/200، تأسيس الشيعة360، أعيان الشيعة10/266، الذريعة4/270برقم 1255، 6/254برقم 1393، 21/226برقم 4742، معجم رجال الحديث19/297برقم 13332، قاموس الرجال9/357، موسوعة طبقات الفقهاء2/602برقم 702، معجم التراث الكلامي5/188برقم 11145.

352

وأصبح من رجال الشيعة البارزين في الفقه والكلام.
ألّف كتباً، منها: كتاب المعراج، وكتاب التفسير، وكتاب الحجّ.
وتصدّى لنشر فقه وحديث أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وللمناظرة والاحتجاج.
وقد شكّل هو والمتكلّم الشهير هشام بن الحكم ـ نتيجة توافقهما في كثير من الآراء(1) ـ مدرسة خاصة عُرفت بالمدرسة الهشامية(2)، نهضت بمهمّة الدفاع عن منهج أهل البيت وخطّهم الفكري والعقائدي، والردّ على آراء ودعاوى خصومهم والمنحرفين عنهم، الأمر الذي حملهم على التشنيع عليهما، وعلى نسبة أقوال وآراء كلامية منكرة إليهما، عداوة وتعصّباً، أو جهلاً بقواعد فنّ المناظرة.
والمترجم هو أحد المتكلّمين الذين ناظروا الرجل الشامي بمحضر الإمام الصادق(عليه السلام).(3)
قال محمد بن هارون الورّاق البغدادي المعتزلي(المتوفّى247هـ): إنّ هشام ابن سالم ومحمد بن النعمان أمسكا عن الكلام في اللّه تعالى ورويا عمّن يوجبان تصديقه أنّه سئل عن قول اللّه تعالى: (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى)، قال: إذا بلغ الكلام إلى اللّه تعالى فأمسكوا، فأمسكا عن القول في اللّه والتفكّر فيه حتّى ماتا.(4)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.

(1) كما ظهرت بينهما نقاط افتراق، مما دعا سميّه هشام بن الحكم إلى تأليف كتاب في الردّ عليه.
(2) عبد اللّه نعمة، فلاسفة الشيعة43.
(3) انظر الخبر في الكافي 1/171، باب الاضطرار إلى الحجة، الحديث4.
(4) الشهرستاني، الملل والنحل1/191; والصفدي، الوافي بالوفيات4/104.

353

متكلمو الشيعة
في
القرن الثالث

354


355

52

الثَّقَفيّ(1)

(...ـ283هـ)
إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد(2)الثقفي، أبو إسحاق الكوفي ثمّ الأصفهاني، صاحب كتاب «الغارات».

(1) الفهرست للنديم 327(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، ذكر أخبار أصفهان1/187، رجال النجاشي1/90برقم 18، رجال الطوسي451برقم 73، فهرست الطوسي 27برقم 7، الأنساب للسمعاني1/511، معالم العلماء3برقم1، معجم الأُدباء1/232، رجال ابن داود17برقم 31، رجال العلاّمة الحلي5برقم 10، تاريخ الإسلام(سنة 281ـ 290هـ) 112برقم 125، لسان الميزان1/102برقم 200، مجمع الرجال1/65، نقد الرجال12برقم 95، جامع الرواة1/31، هداية المحدثين168، روضات الجنات1/4، بهجة الآمال1/569، تنقيح المقال1/31برقم 186، تأسيس الشيعة241و 300و 330، أعيان الشيعة2/209، الذريعة2/320برقم 1261و 1262، 8/236برقم 993، 19/47برقم 247، 25/102برقم 563، وغير ذلك، الأعلام1/60، قاموس الرجال1/188، موسوعة طبقات الفقهاء3/49برقم 757، موسوعة مؤلفي الإمامية1/384، معجم التراث الكلامي1/456برقم 1946، 3/283برقم 6069، 5/22برقم 10307و 199برقم 11207.
(2) هو سعد بن مسعود الثقفي، عمّ المختار بن أبي عبيد الثقفي، ولاّه أمير المؤمنين عليه السَّلام المدائن.

356

كان فقيهاً، متكلّماً، مؤرخاً، كثير التصانيف، من مشاهير العلماء.
أخذ عن لفيف من علماء عصره، وروى عنهم،ومنهم: عبداللّه بن محمد بن أبي شيبة(المتوفّى235هـ)، وإسماعيل بن أبان، وعلي بن المعلّى، وأبو نُعيم الفضل ابن دكين، وعبّاد بن يعقوب الرواجني، والعباس بن بكّار.
وكان زيدياً أوّلاً، ثمّ دان بمذهب الإمامية.
انتقل من الكوفة إلى أصفهان بدافع التعريف بمقام أهل البيت، وبثّ فضائلهم ومناقبهم، وما قدّموه من عطاء ثرّ في مختلف حقول العلم والمعرفة.
وذاع صيته هناك، وسمت مكانته بين العلماء.
روى عنه: أحمد بن علوية الأصفهاني الكاتب، وعبد الرحمان بن إبراهيم المستملي، وأحمد بن محمد بن خالد البرقي، وسلمة بن الخطاب، وسعد بن عبد اللّه الأشعري، وآخرون.
وألّف كتباً جمّة، منها: كتاب المبتدأ(في العقائد)، كتاب المعرفة، كتاب في الإمامة كبير، كتاب في الإمامة صغير، كتاب الدلائل(في العقائد)، كتاب الوصية، كتاب الحوض والشفاعة، كتاب الحجّة في فضل المكرمين، كتاب معرفة فضل الأفضل، كتاب الجامع الكبير في الفقه، كتاب الجامع الصغير، كتاب الغارات(1)(ط)، كتاب السقيفة، كتاب صفين، كتاب المغازي، كتاب مقتل الحسين سلام اللّه عليه، كتاب قيام الحسن(عليه السلام)، وكتاب التفسير، وغير ذلك.
توفّـي سنة ثلاث وثمانين ومائتين.

(1) نقل عنه ابن أبي الحديد كثيراً في «شرح نهج البلاغة».

357

53

الأهوازي(1)

(...ـ بعد 260هـ تقديراً)
أحمد بن الحسين بن سعيد بن حمّاد، أبو جعفر الأهوازي، الملقّب بـ (دندان).
تلمذ لأبيه العالم الجليل الحسين بن سعيد، وروى عنه وعن أكثر شيوخ أبيه(وقالوا عن سائرهم، إلاّ حمّاد بن عيسى)، وهم: عبداللّه بن مسكان العنزي، والحسن بن علي بن فضال، وعلي بن أسباط بن سالم، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وعلي بن حديد المدائني، وغيرهم كثير.
روى عنه: محمد بن الحسن الصفار(المتوفّـى290هـ)، وسعد بن عبد اللّه الأشعري القمّي(المتوفّـى300هـ أو 299هـ).

(1) الفهرست للنديم 325، وفيه: زيدان بن الحسن بن سعيد، رجال النجاشي1/207برقم 181، رجال الطوسي453برقم 87، فهرست الطوسي46برقم 67، معالم العلماء12برقم 57، رجال ابن داود418برقم 21ـ 22، رجال العلاّمة الحلي202برقم 8، لسان الميزان1/157برقم 504، نقد الرجال20برقم 41، جامع الرواة1/47، منتهى المقال1/248برقم 134، تنقيح المقال1/56برقم 336، أعيان الشيعة2/564، مستدركات علم رجال الحديث1/294برقم 876، الذريعة1/281برقم 1471، 2/355برقم 1430، معجم رجال الحديث2/93برقم 518، قاموس الرجال1/287، موسوعة مؤلفي الإمامية3/330ـ 331، معجم التراث الكلامي1/185برقم567و 497برقم 2182.

358

وصنّف كتاب الاحتجاج(الاحتجاجات)، وكتاب الأنبياء، وكتاب المثالب، وغير ذلك.
توفّي بقمّ، ولم نقف على تاريخ وفاته، ولعلّه بعد الستين ومائتين.

54

الصَّيقل(1)

(...ـ حيّاً نحو 250تقديراً)
أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الصيقل، أبو جعفر الكوفي.
روى جدّه عمر بن يزيد عن الإمامين الصادق والكاظم(عليهما السلام).
وروى هو عن عدد من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: عمّه محمد بن عمر، ومحمد بن جمهور العَمّي.
روى عنه: أحمد بن أبي زاهر الأشعري القمي، وعلي بن الحسن بن علي بن فضال الكوفي، وسهل بن زياد الآدمي الرازي، ومحمد(2) بن أحمد بن يحيى الأشعري صاحب «نوادر الحكمة».
وألّف كتباً، منها: كتاب في الإمامة، وكتاب النوادر.
لم نظفر بتاريخ وفاته.

(1) رجال النجاشي1/219برقم 198، رجال العلاّمة الحلي19برقم41، مجمع الرجال1/108ـ 109، نقد الرجال21برقم 45، جامع الرواة1/48، منتهى المقال1/257برقم 138، أعيان الشيعة2/569، الذريعة2/320برقم 1265، معجم رجال الحديث2/99برقم 527ـ 529، قاموس الرجال1/297، معجم التراث الكلامي1/457برقم 1950.
(2) هو من مشايخ ثقة الإسلام الكليني(المتوفّى329هـ).

359

55

أبو يحيى الجرجاني(1)

(...ـ حياً قبل 254هـ)
أحمد بن داود بن سعيد الفزاري، أبو يحيى الجرجاني.
كان من علماء أهل السنّة المتقدّمين في علم الحديث، ثمّ دان بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وتصدّى للدفاع عنه، وللرد والاحتجاج في فنون شتى على الحشوية وعلى غيرها من الفرق والمذاهب.
وقد ألّف في ذلك كتباً متعددة، منها:الغوغاء من أصناف الأُمّة من المرجئة والقدرية والخوارج، كتاب التفويض، الرد على الحنبلي، الرد على السجزي(2)، محنة

(1) رجال الكشي447برقم 409، رجال النجاشي2/436برقم 1232، رجال الطوسي426برقم 11و 456برقم 107، فهرست الطوسي58برقم 100، معالم العلماء22برقم 109، رجال ابن داود27برقم 73، رجال العلاّمة الحلي17برقم 26، مجمع الرجال1/114، نقد الرجال92، جامع الرواة1/50، بهجة الآمال7/489، تنقيح المقال1/60برقم 356، أعيان الشيعة2/586، الذريعة16/72برقم 358، معجم رجال الحديث2/111برقم 557، قاموس الرجال1/309، موسوعة مؤلفي الإمامية3/399، معجم التراث الكلامي1/252برقم 893، 2/316 برقم 3953، 3/377برقم 6550.
(2) وفي عدة مصادر: السجري أو الشجري، وقد وقع اختيارنا على ما ورد في «معالم العلماء»، ويُقصد به فيما أرى: محمد بن كرّام بن عراق السجزي(نسبة إلى سجستان)، إمام فرقة الكرّامية، وهي فرقة مستقلة من الصفاتية المجسمة، توفّي ابن كرّام سنة (255هـ) انظر الأعلام7/14، ومعجم الفرق الإسلامية لشريف الأمين 195ـ 197.

360

المباينة ـ يصف فيه مذهب أهل الحشو وفضائحهم ـ، مناظرة الشيعي والمرجئ في المسح على الخفّين وأكل الجرّي وغير ذلك، المتعة والرجعة والمسح على الخفين وطلاق المتعة، طلاق المجنون، ونكاح السكران، وغيرها.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
وقد عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام علي الهادي عليه السَّلام(المتوفّى 254هـ).

56

الأشعري(1)

(...ـ بعد 274هـ)
أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد اللّه بن سعد الأشعري، أبو جعفر القمّي، زعيم الإمامية بها.

(1) رجال الكشي431برقم 373، رجال النجاشي1/216برقم 196، رجال الطوسي366برقم 3و 397برقم 6و 409برقم 3، فهرست الطوسي48برقم 75، معالم العلماء 14برقم 65، رجال ابن داود43برقم 127، رجال العلاّمة الحلي13برقم2، مجمع الرجال1/161، نقد الرجال33برقم 157، جامع الرواة1/69، هداية المحدثين15، بهجة الآمال2/147، إيضاح المكنون1/430و 439، 2/264، 268، 269، 270و 279، وغير ذلك، تنقيح المقال1/90برقم 508، أعيان الشيعة3/144، الذريعة4/477برقم 2118، وغير ذلك، معجم المؤلفين2/143، معجم رجال الحديث2/296برقم 898، قاموس الرجال1/415، موسوعة طبقات الفقهاء3/100برقم 793، معجم التراث الكلامي1/352برقم 4111.

361

لقي الإمام علي الرضاعليه السَّلام(المتوفّى203هـ)، وروى عن الإمامين محمد الجواد وعلي الهادي عليمها السَّلام.
وحمل العلم وروى عن كبار العلماء في الفقه والحديث والكلام، ومنهم: محمد بن أبي عمير الأزدي(المتوفّى217هـ)، وأبو محمد عبد اللّه الحجّال المتكلّم، وعلي بن أسباط بن سالم، وعلي بن الحكم، والحسين بن سعيد الأهوازي، والحسن ابن علي بن يقطين، والحسن بن علي بن فضال، وعلي بن مهزيار الأهوازي، وغيرهم كثير.
وتقدّم في الفقه وسائر علوم الشريعة، وأكبّ عليها إفادةً وتصنيفاً.
وعلا قدره في أوساط العلماء وأرباب الدولة، وانتهت إليه رئاسة الإمامية بقمّ.
روى عنه: سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري، وأبو علي أحمد بن إدريس الأشعري، وسهل بن زياد الآدمي، ومحمد بن الحسن الصفار، ومحمد بن علي بن محبوب، ومحمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، وآخرون.
وصنّف كتباً، منها: كتاب التوحيد، كتاب المتعة، كتاب فضل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، كتاب فضائل العرب، كتاب النوادر، كتاب الحجّ، كتاب المكاسب، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وغير ذلك.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
وقد حُكي أنّه مشى في جنازة أحمد بن محمد بن خالد البرقي(المتوفّى 274هـ).(1)

(1) وقيل(280هـ). وإذا صحت هذه الحكاية، فهذا يعني أنّه قد جاوز الثمانين، وربّما بلغ التسعين أو أكثر.

362

57

أحمد بن أبي زاهر(1)

(...ـ بعد 270هـ تقديراً)
أحمد بن موسى (أبي زاهر) الأشعري، أبو جعفر القمّي.
روى عن: محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الهمْداني(المتوفّى262هـ)، وجعفر بن محمد الكوفي، والحسن بن موسى الخشاب، وغيرهم.
وحدّث، وألّف، وأصبح من الشخصيات البارزة بقمّ.
روى عنه أبو جعفر محمد بن يحيى العطار القمّي (من مشايخ الكليني)، وكان أخصّ أصحابه.
وألّف كتباً في أكثر من فنّ، منها: كتاب البَداء، كتاب الجبر والتفويض، كتاب ما يفعل الناس حين يفقدون الإمام، كتاب صفة الرسل والأنبياء والصالحين، كتاب النوادر، كتاب الزكاة، وكتاب الجمعة والعيدين، وغير ذلك.

(1) رجال النجاشي1/230برقم 212، رجال الطوسي453برقم 92، فهرست الطوسي49برقم 76، معالم العلماء14برقم 67، رجال ابن داود21برقم 52، رجال العلاّمة الحلي203برقم 11و 417برقم 16، مجمع الرجال1/92، نقد الرجال17، جامع الرواة1/40، هداية المحدثين13، بهجة الآمال2/13، ايضاح المكنون2/69، تنقيح المقال1/49برقم 284، أعيان الشيعة 3/189، الذريعة12/40برقم 233، معجم رجال الحديث2/28برقم 410، قاموس الرجال1/257، موسوعة طبقات الفقهاء3/107برقم 800، معجم التراث الكلامي 2/25 برقم 2597و 426برقم 4456، 4/167برقم 8330.

363

لم نظفر بسنة وفاته، ونقدّر أنّها كانت في العقد الثامن من القرن الثالث، أو بعده بقليل، لأنّه في طبقة مشايخ مشايخ ثقة الإسلام الكليني(المتوفّى329هـ).

58

ابن الراوندي(1)

(حدود205ـ 245هـ)
أحمد بن يحيى بن محمد بن إسحاق، أبو الحسين الراوندي، أو ابن الراوندي، من سكّان بغداد.
كان من متكلّمي المعتزلة، ثمّ اعتنق مذهب الشيعة الإمامية، ورُمي بالزندقة.
قال أبو الحسن الأشعري، وهو يذكر مؤلفي كتب الشيعة: وقد انتحلهم أبو

(1) مقالات الإسلاميين للأشعري32و 64و 140و 149 و 159و 332 وغير ذلك ، مروج الذهب5/23برقم 2920، الفهرست للنديم 254ـ 255، الملل والنحل للشهرستاني1/199(دار الكتب العلمية.ط1)، معالم العلماء144برقم 1007، المنتظم 13/108برقم 2052، وفيات الأعيان1/94برقم 35، سير أعلام النبلاء14/59برقم 31، الوافي بالوفيات8/232برقم 3673، البداية والنهاية10/316و 11/120، لسان الميزان 1/323برقم 915، رياض العلماء6/18، روضات الجنات1/193برقم 50، هدية العارفين1/55، الكنى والألقاب للقمي1/287ـ 290، أعيان الشيعة3/204ـ 206، ريحانة الأدب2/297، 7/528، الأعلام1/267، معجم المؤلفين2/100، قاموس الرجال1/449، موسوعة مؤلفي الإمامية5/410، معجم التراث الكلامي1/127برقم 312 و 498برقم 1955، 2/352برقم 4112، 3/223برقم 5764.

364

عيسى الوراق، وابن الراوندي، وألّفا لهم كتباً في الإمامة.
وعدّه أبو الفتح الشهرستاني من مؤلّفي الشيعة أيضاً.
ونُسبت للمترجم كتب، اتّهم بسببها بالإلحاد والزندقة، وردّ عليها جماعة، ونقض هو بعضها.(1)
وقد دافع عنه الشريف المرتضى، قائلاً: إنّه ألّفها معارضة للمعتزلة وتحدّياً لهم، وإنّه كان يتبرّأ منها تبرّؤاً ظاهراً، وينتفي من عملها، ويضيفها إلى غيره.(2)
وكان الراوندي متكلّماً حاذقاً، فيلسوفاً، مصنفاً.
ناظر جماعة من علماء الحكماء، وانفرد ـ حسب قول ابن خلكان ـ بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه في كتبهم.
وألّف كتباً جمّة ـ بلغت على قول المسعودي(114) كتاباً ـ منها: كتاب التوحيد، كتاب المعرفة، كتاب إثبات الرسل، كتاب الإمامة، كتاب خلق القرآن،

(1) قال السيد محسن العاملي: ونقضُه لها إمّا لأنّه من أوّل الأمر لم يكن معتقداً بها، أو ظهر له فسادها أو تاب منها، وربما يؤيده حكاية خصمه أبي القاسم البلخي عن جماعة أنّه تاب عند موته ممّا كان منه. ثمّ قال العاملي: وزبدة القول في ابن الراوندي أنّه مخطئ في تأليفه لهذه الكتب التي هي من كتب الضلال سواء كان ألّفها معتقداً بها أو لأجل معارضة المعتزلة كما ذكره المرتضى، إلاّ أنّه مع نقضه لأكثرها وحكاية القول بتوبته منها، لا يمكن الجزم بإلحاده، ويبقى حاله في مرحلة الشك، وإن جزمنا بخطئه، واللّه العالم.
(2) وأضاف الشريف المرتضى: وما صنع ابن الراوندي من ذلك إلاّ ما قد صنع الجاحظ مثله أو قريباً منه... وليس لأحد أن يقول: إنّ الجاحظ لم يكن معتقداً لما في هذه الكتب المختلفة، وإنّما حكى مقالات الناس وحجاجهم، وليس على الحاكي جريرة، ولا يلزمه تبعة، لأنّ هذا القول إن قنع به الخصوم، فليقنعوا بمثله في الاعتذار، فإنّ ابن الراوندي لم يقل في كتبه هذه التي شُنِّع بها عليه: إنّني اعتقد المذاهب التي حكيتها، وأذهب إلى صحتها، بل كان يقول: قالت الدهرية، وقال الموحّدون، وقالت البراهمة، وقال مثبتو الرسول. الشافي في الإمامة1/87ـ 88.

365

كتاب الابتداء والإعادة، كتاب المرجان في اختلاف أهل الإسلام و نقضه ابن الراوندي على نفسه، كتاب البقاء والفناء، كتاب العروس، كتاب فضيحة المعتزلة(1)، كتاب الاحتجاج لهشام بن الحكم، كتاب الردّ على الزنادقة، وكتاب في اجتهاد الرأي.(2)
توفّـي سنة خمس وأربعين ومائتين.
وقال ابن الجوزي وغيره: سنة (298هـ).(3)

(1) ردّ عليه أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط المعتزلي بكتاب سمّاه «الانتصار ـ ط».
(2) ردّ عليه إسماعيل بن علي النوبختي.
(3) هذا التاريخ لا ينسجم مع قول ابن الجوزي نفسه(في المنتظم) بأنّ ابن الراوندي و أبا عيسى الورّاق كانا يتراميان بكتاب «الزمرّد» و يدّعي كلّ واحد منهما على الآخر أنّه تصنيفه. فهذا الكلام يدلّ على معاصرته للورّاق (المتوفّى247هـ)، ومن البعيد أن يبقى بعد صاحبه كلّ هذه المدة، ويؤيّد ذلك ما ذكره أبو علي الجبّائي (كما في الوافي بالوفيات) من أنّ السلطان طلب ابن الراوندي والورّاق، فأمّا الورّاق فحبس حتّى مات، وأمّا ابن الراوندي فهرب إلى ابن لاوي ووضع له كتاب «الدامغ» ثمّ لم يلبث إلاّ أيّاماً يسيرة حتّى مرض ومات. ثمّ إنّ المؤرخ المسعودي(المتوفّى 346هـ) و هو أقرب من غيره إلى عصر المترجم، قد أرّخ وفاته في سنة (245هـ).

366

59

المخزومي(1)

(... ـ حيّاً قبل 300هـ)
إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن هلال المخزومي، أبو محمد المكي.
قدم العراق، وأخذ عن: أيوب بن نوح بن درّاج النخعي، وعلي وأحمد ابني الحسن بن علي بن فضّال التيملي، والحسن بن معاوية(2)، ومحمد(3) بن الحسين.
وعاد إلى مكة، وأقام بها.
ألّف كتباً، منها: كتاب التوحيد، كتاب المعرفة، كتاب الإمامة، كتاب التجمّل والمروّة، وكتاب الصلاة.

(1) الفهرست للنديم 287(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، رجال النجاشي1/120برقم 66، رجال الطوسي452برقم 83، فهرست الطوسي35برقم 35، معالم العلماء8برقم 35، رجال ابن داود 59برقم 192، رجال العلاّمة الحلي9برقم 9، مجمع الرجال1/222، نقد الرجال46برقم 69، جامع الرواة1/102، هداية المحدثين181، بهجة الآمال2/308، تنقيح المقال 1/142برقم 876، أعيان الشيعة3/401، 405، الذريعة2/321برقم 888، 4/477برقم 2120، 21/244برقم 4840، معجم رجال الحديث3/172برقم 1414، قاموس الرجال2/63، موسوعة طبقات الفقهاء3/133برقم 823، معجم التراث الكلامي 1/459 برقم 1960، 5/199برقم 11210.
(2) لعله ابن معاوية بن وهب البجلي، وكان معاوية من تلامذة الإمامين الصادق والكاظم(عليهما السلام).
(3) المظنون أنّه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الهمْداني الكوفي(المتوفّـى262هـ).

367

وقد روى عنه هذه الكتب: ابنه محمد بن إسماعيل، والشريف أبو الحسن علي بن أحمد العلوي العقيقي.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
وقد استظهر السيد الخوئي اتّحاده مع إسماعيل بن محمد القمي، الملقب بقنبرة، وقال: من القريب أن يكون الرجل مكيّاً، سكن قمّ مدة طويلة، ثمّ هاجر إلى العراق، ثمّ رجع إلى مكة.

60

العسكري(1)

(...ـ حيّاً قبل 247هـ)
ثُبيت بن محمد، أبو محمد العسكري، صاحب المتكلّم المعروف أبي عيسى محمد(2) بن هارون الورّاق.
كان متكلّماً حاذقاً، مضطلعاً بالحديث والرواية والفقه.

(1) رجال النجاشي1/293برقم298، رجال ابن داود78برقم 280، رجال العلاّمة الحلي30برقم3، مجمع الرجال1/299، نقد الرجال64برقم1، جامع الرواة1/139، هداية المحدثين28، بهجة الآمال 2/470، تنقيح المقال1/194برقم 1503، أعيان الشيعة2/21، الذريعة2/59برقم 236، 4/502برقم 2253، معجم رجال الحديث3/402 برقم 1980، قاموس الرجال 2/291، موسوعة طبقات الفقهاء3/156برقم 843، معجم التراث الكلامي 3/285 برقم 6081، 5/411برقم 12254.
(2) المتوفّـى(247هـ)، وستأتي ترجمته.

368

ألّف كتباً، منها: دلائل الأئمّة عليهم السَّلام، كتاب في نقض العثمانية(1)، كتاب الأسفار، وكتاب توليدات بني أُمية في الحديث وذكر الأحاديث الموضوعة.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
وهو غير ثبيت بن نشيط الذي عُدّ من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)(المتوفّى 148هـ)، ويروي عنه أبو أيوب الخزّاز.(2)

61

ابن التاجر(3)

(...ـ حدود280هـ تقديراً)
جعفر بن أحمد بن أيوب، أبو سعيد السمرقندي، المعروف بابن التاجر.(4)
كان متكلّماً، صحيح الحديث.

(1) ويُعزى هذا الكتاب إلى أبي عيسى الوراق، خطأ. رجال النجاشي.
(2) راجع قاموس الرجال2/291ـ 293.
(3) رجال النجاشي1/301برقم308، رجال الطوسي458برقم7، معالم العلماء31برقم 171، رجال ابن داود82برقم 296، رجال العلاّمة الحلي32برقم 14، لسان الميزان2/107برقم 438، مجمع الرجال2/23، نقد الرجال68برقم 9، جامع الرواة1/157، هداية المحدثين30، بهجة الآمال508، تنقيح المقال1/212برقم 1753، أعيان الشيعة4/81، الذريعة10/227برقم 846، معجم رجال الحديث4/50برقم 2122، قاموس الرجال2/372، معجم التراث الكلامي3/402برقم 6701.
(4) وفي رجال النجاشي: ابن العاجز، والظاهر أنّه تصحيف.

369

روى عن: أبي الخير صالح(1) بن أبي حماد الرازي، و أبي جعفر محمد بن يحيى بن الحسن،وعبد اللّه بن الفضل، وآخرين.
وروى عنه: أبو النضر محمد بن مسعود العيّاشي السمرقندي(المتوفّى حدود 320هـ)، وطاهر بن عيسى الوراق الكشي، ومحمد بن إسماعيل بن أحمد البرمكي،وغيرهم.
وألّف كتاب الردّ على من زعم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان على دين قومه قبل النبوّة.
لم نظفر بسنة وفاته، ونقدّر أنّها كانت في حدود سنة (280هـ).

62

جعفر بن عيسى(2)

(...ـ حيّاً بعد 208هـ)
ابن عُبيد بن يقطين بن موسى الأسدي بالولاء، أخو العالم الجليل محمد بن عيسى بن عُبيد.
روى عن الإمام علي الرضاعليه السَّلام، وعن: عمّ والده عليّ بن يقطين

(1) كان من أصحاب الأئمّة: الجواد، والهادي، والعسكري(المتوفّى 260هـ). انظر موسوعة طبقات الفقهاء3/288برقم 945.
(2) رجال الكشي419برقم 353، رجال الطوسي370برقم2، رجال ابن داود87برقم 316، رجال العلاّمة الحلي32برقم 10، لسان الميزان2/121برقم 502، التحرير الطاووسي65برقم 71، مجمع الرجال2/33، نقد الرجال71برقم 54، جامع الرواة1/155، منتهى المقال2/257برقم 568، بهجة الآمال2/549، تنقيح المقال1/220برقم 1824، أعيان الشيعة4/133، معجم رجال الحديث4/87برقم 2215ـ 2217، قاموس الرجال2/399.

370

(المتوفّى182هـ)، وخالد بن سدير بن حُكيم الصيرفي، وآخرين.
وأخذ الكلام عن: يونس بن عبد الرحمان (المتوفّى208هـ)، و هشام بن إبراهيم الختلي المعروف بالمشرقي.
وكان محدثاً، متكلّماً، حريصاً على الانتهال من علوم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
تشرّف هو وجماعة بلقاء الإمام الرضاعليه السَّلام عام(199هـ)، وسأله عن صحة ما تلقّاه عن أُستاذيه من الكلام، فقال(عليه السلام): ما أعلمكم إلاّ على هدىً، جزاكم اللّه على النصيحة القديمة والحديثة خيراً.
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
وقد روى عنه أخوه محمد بن عيسى(المتوفّى بعد 260هـ تقديراً).

371

63

الداعي إلى الحق(1)

(...ـ 270هـ)
الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني العلوي، المدني، الملقّب بالداعي إلى الحق، أحد أئمّة الزيدية.
ولد بالمدينة المنورة، ونشأ بها.
وأقام بالعراق، فضاقت عليه الأُمور هناك، فقصد بلاد إيران، وأسلم على يده جماعة، وسكن الرَّيّ.
ودعاه أهل طَبَـرِسْتان(المعروفة اليوم بمازندران) لإنقاذهم من ظلم محمد

(1) تاريخ الطبري8/147، مروج الذهب5/66برقم 3036، الفهرست للنديم 288(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، الكامل لابن الأثير7/407، وفيات الأعيان6/411و 412و 421 و 424(ضمن الترجمة 828)، تاريخ الإسلام(سنة 261ـ 280هـ) 77برقم53، سير أعلام النبلاء 13/136برقم67، الوافي بالوفيات12/20برقم 14، البداية والنهاية11/50، رياض العلماء1/188، تنقيح المقال1/280برقم 2551، أعيان الشيعة5/80، الذريعة5/30برقم 137، 6/255برقم 1400، الأعلام2/191، معجم المؤلفين3/227، معجم رجال الحديث4/335برقم 2831، موسوعة طبقات الفقهاء3/185برقم 867، أعلام المؤلفين الزيدية319برقم 301، معجم التراث الكلامي3/72برقم 5074.

372

ابن أوس البلخي(1)، والحكم فيهم بالعدل والإنصاف من خلال الاقتداء بسيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلي عليه السَّلام، فلبّى الحسن دعوتهم، وخاض بهم معارك كثيرة مع جيوش العباسيين، أسفرت عن بسط نفوذه على طبرستان وجرجان ونواحيها والريّ، واستقرّ ملكه بها نحو عشرين عاماً، إلى أن وافاه أجله بمدينة آمل عام سبعين ومائتين.
وكان عالماً، أديباً، شاعراً، ناقداً، حازماً، مهيباً، ثاقب الرأي.
ألّف من الكتب: الحجّة في الإمامة، والبيان، والجامع في الفقه .
ومن شعره:
لم نُمنَع الدّنيا لفضل بها *** ولا لأنّا لم نكن أهلَها
لكن لنُعطى الفوز من جنّة *** ما إن رأى ذو بصر مثلَها
هاجرها خير الورى جدُّنا *** فكيف نرجو بعده وصلَها

(1) كان البلخي هو الغالب على عامل طبرستان (سليمان بن عبد اللّه بن طاهر)، وقد فرّق أولاده في مدن طبرستان، وهم أحداث سفهاء، فتأذّى بهم الرعية، وشكوا منهم ومن أبيهم ومن سليمان سوء السيرة. الكامل لابن الأثير7/130، حوادث سنة(250هـ).

373

64

البطائني(1)

(... ـ بعد 224هـ تقديراً)
الحسن بن علي بن أبي حمزة سالم البطائني، الأنصاري بالولاء، أبو محمد الكوفي، الواقفي.
روى عن: أبيه(المتوفّـى بعد 183هـ)، و إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني، و سيف بن عميرة النخعي، وعبد اللّه بن وضّاح الكوفي، وكُليب بن معاوية الأسدي الصيداوي، ومنصور بن حازم البجلي، وآخرين.
وكان من رجال الفقه والحديث والتفسير، مؤلفاً في فنون عديدة.
روى عنه: إسماعيل بن مهران بن محمد بن أبي نصر السكوني، وعلي بن الحسين بن عمرو الخزاز، وإبراهيم بن هاشم الكوفي القمي، وأحمد بن ميثم بن أبي

(1) رجال الكشي462برقم 425، رجال النجاشي1/132برقم 72، فهرست الطوسي75برقم 178و 76برقم 185، معالم العلماء35برقم 200، رجال ابن داود440برقم 121، رجال العلاّمة الحلي 212برقم 7، لسان الميزان2/234برقم 994، التحرير الطاووسي74برقم 93، مجمع الرجال 2/121، نقد الرجال92برقم 89، جامع الرواة1/208، بهجة الآمال3/146، إيضاح المكنون 2/295و 297و 301، تنقيح المقال1/290برقم 2619، أعيان الشيعة5/196، الذريعة 16/76برقم 382و 262برقم 1072، معجم رجال الحديث5/14برقم2928، معجم المؤلفين3/253، قاموس الرجال3/193، موسوعة طبقات الفقهاء3/193برقم 872، معجم التراث الكلامي3/342برقم 6356.

374

نُعيم الفضل بن دُكين، ومحمد بن أبي الصهبان عبد الجبار، وغيرهم.
وألّف كتباً، منها: كتاب الدلائل، كتاب القائم الصغير، كتاب الرجعة، كتاب الغيبة، كتاب فضائل القرآن، كتاب فضائل أمير المؤمنين، كتاب المتعة، كتاب الفرائض، كتاب الصلاة، و كتاب الفتن(ويسمى الملاحم).
لم نظفر بسنة وفاته.
أقول: أدركه علي بن الحسن بن علي بن فضال(المولود نحو سنة 206هـ)، وسمع منه أحاديث كثيرة، وكتب عنه تفسير القرآن كلّه، إلاّ أنّه لم يحدّث عنه لسوء رأيه فيه(1)، وهذا يدلّ على بقاء البطائني إلى ما بعد سنة (224هـ)، لأنّ ابن (2)فضال المذكور لم يرو عن أبيه الحسن (المتوفّى224هـ)، ويعلّل ذلك بقوله: كنتُ أُقابله وسنّي ثمان عشرة سنة بكتبه، ولم أفهم إذ ذاك الروايات، ولا استحلّ أن أرويها عنه.

(1) انظر رجال الكشي462برقم 425، وقد نقل الكشي كلام ابن فضال ثانية في ترجمة علي بن أبي حمزة(والد المترجم)، تحت الرقم 264، وهذا وهم، لأنّ والد المترجم توفّي في حياة الإمام الرضاعليه السَّلام الذي استشهد سنة (203هـ)، فكيف يروي عنه علي بن فضال، ويكتب عنه التفسير؟! ولم أجد بين مؤلفي الكتب الرجالية من أشار إلى البُعد بين الطبقتين.
(2) الآتية ترجمته.

375

65

ابن فضّال(1)

(...ـ 224هـ)
الحسن بن علي بن فضال بن عمرو التيملي بالولاء، أبو محمد الكوفي، أحد كبار علماء الشيعة.
اختصّ بالإمام أبي الحسن علي الرضاعليه السَّلام، وروى عنه، وعن جمع من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: عبد اللّه بن بكير بن أعين، وعبد اللّه بن سنان بن طريف، ومحمد بن أبي عمير الأزدي، وشعيب بن يعقوب العقرقوفي، وأحمد بن عمر الحلبي، وحنان بن سدير الصيرفي، ومعاوية بن عمّار البجلي.
وكان فقيهاً كبيراً، مصنّفاً في عدة فنون، ناسكاً زاهداً، جليل القدر.

(1) رجال البرقي54، رجال الكشي433برقم 378و 473برقم 452، الفهرست للنديم 326(ط. الاستقامة ـ القاهرة)، رجال النجاشي1/127برقم 71، رجال الطوسي371برقم 2، فهرست الطوسي72برقم 164، معالم العلماء33برقم 184، رجال ابن داود114برقم 437 و 441برقم 125، رجال العلاّمة الحلي37، لسان الميزان2/225برقم 976، التحرير الطاووسي74برقم 94و 95، مجمع الرجال2/131، نقد الرجال94برقم 111، جامع الرواة1/214، بهجة الآمال3/172، إيضاح المكنون2/278و 615، هدية العارفين1/267، تنقيح المقال 1/297برقم 2670، أعيان الشيعة5/206، الذريعة3/110برقم 370، 10/212 برقم 586، معجم رجال الحديث5/44برقم 2983، قاموس الرجال3/211، موسوعة طبقات الفقهاء3/197برقم 875، معجم التراث الكلامي3/389برقم 6620.

376

قال تلميذه الفضل بن شاذان: كان يجتمع هو و أبو محمد عبد اللّه الحجّال، وعلي بن أسباط، وكان الحجّال يدّعي الكلام، وكان من أجدل الناس، فكان ابن فضال يغري بيني و بينه في الكلام في المعرفة.
ولابن فضال كتب كثيرة، منها: الابتداء والمبتدأ، الردّ على الغالية، البشارات، المتعة، الشواهد من كتاب اللّه، النوادر، الصلاة، الديات، الزهد، والرجال،وغير ذلك.
توفّـي سنة أربع وعشرين ومائتين.
وكان فَطحياً(1)، ثمّ رجع عن ذلك، وقال قبل موته: قد نظرنا في الكتب، فما وجدنا لعبد اللّه شيئاً.

(1) نسبة إلى الفطحية(وتسمّى أيضاً الأفطحية): فرقة من الإمامية قالت بانتقال الإمامة من جعفر الصادق(عليه السلام) إلى ولده الأكبر عبد اللّه الأفطح، وهي من الفرق البائدة.

377

66

ابن يقطين(1)

(...ـ حيّاً بعد 203هـ)
الحسن بن علي بن يقطين بن موسى البغدادي، المتكلّم الإمامي.
كان والده علي(المتوفّـى182هـ) من خاصة أصحاب أبي الحسن موسى الكاظم(عليه السلام)، وصاحب منزلة كبيرة لديه.
روى الحسن عن الإمام أبي جعفر محمد الجوادعليه السَّلام، وعن فريق من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: أخوه الحسين، وعمّه يعقوب بن يقطين، وعاصم بن حُميد الحنّاط، ويونس بن يعقوب بن قيس البجلي، وغيرهم.
قال أبو العباس النجاشي: كان فقيهاً، متكلّماً، روى عن أبي الحسن والرضاعليمها السَّلام.
روى عنه: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وأحمد بن محمد بن عيسى

(1) رجال البرقي51، رجال النجاشي1/148برقم 90، رجال الطوسي372برقم7، فهرست الطوسي 73برقم 166، معالم العلماء34برقم 186، رجال ابن داود115برقم 440، رجال العلاّمة الحلي 39برقم 4، مجمع الرجال2/139، نقد الرجال96برقم 119، جامع الرواة1/218، هداية المحدثين 191، بهجة الآمال3/182، تنقيح المقال1/300برقم 2684، أعيان الشيعة 5/217، الذريعة20/334برقم 3267، معجم رجال الحديث5/58برقم 2998، قاموس الرجال 3/220، رسائل ومقالات للسبحاني315برقم8، موسوعة طبقات الفقهاء3/202 برقم 878.

378

الأشعري، وسلمة بن الخطاب، وسهل بن زياد الآدمي، ومحمد بن عيسى بن عبيد ابن يقطين، وأحمد بن هلال العبرتائي(180ـ 267هـ)، وآخرون.
وألّف كتاب مسائل أبي الحسن موسى(عليه السلام)، رواه عنه البرقي، وصالح مولى علي بن يقطين.
لم نظفر بتاريخ وفاته.

67

الحسين بن إشْكِيب(1)

(...ـ بعد 270هـ تقديراً)
المَرْوَزي، أبو عبد اللّه القمّي، خادم القبر(2)، المقيم بسمرقند وكَشّ.
كان فقيهاً، متكلّماً، مناظراً، جيّد النظر، من أجلاّء علماء الشيعة.
عاصر الإمامين أبا الحسن علي الهادي، وأبا محمد الحسن العسكري عليمها السَّلام، ولم

(1) رجال النجاشي1/146برقم 7، رجال الطوسي413برقم 18و 429برقم 1و 462برقم7، معالم العلماء41برقم 262، رجال ابن داود121برقم 465و 467، رجال العلاّمة الحلي 49برقم8، بحار الأنوار52/27برقم 22، مجمع الرجال2/167، نقد الرجال102برقم 22، جامع الرواة1/233، بهجة الآمال3/251، تنقيح المقال1/320برقم 2849، أعيان الشيعة5/458، الذريعة10/227برقم 688، 24/328برقم 1723، معجم رجال الحديث5/199برقم 3313، قاموس الرجال3/269، موسوعة طبقات الفقهاء3/215برقم 886، معجم التراث الكلامي 3/381برقم 6569و 402برقم 6700.
(2) الظاهر أنّه قبر السيدة فاطمة (التي تُعرف بمعصومة) بنت الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) ببلدة قمّ المشرّفة.

379

يروِ عنهما ـ كما يبدو ـ.(1)
تلمّذ له العالم الشهير أبو النضر محمد بن مسعود العيّاشي السمرقندي(المتوفّى حدود320هـ)، وروى عنه كثيراً، واعتمد حديثه.
وألّف كتباً، منها: كتاب الردّ على من زعم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان على دين قومه، وكتاب الردّ على الزيدية، وكتاب النوادر.
وقد روى عنه هذه الكتب: محمد بن الوارث، من مشايخ جعفر بن محمد ابن قولويه القمّي(المتوفّى 368هـ).
لم نظفر بسنة وفاته، ونظنّ أنّها بعد السبعين ومائتين.
وقد أورد الشيخ الكليني في كتابه «الكافي» قصة أبي سعيد غانم الهندي الذي أسلم ودان بمذهب أهل البيت على يد المترجم له، وفيها ما يدلّ على سموّ منزلته واشتهاره بحيث يبعث أمير بلخ في طلبه لمناظرة هذا الرجل الهندي.(2)

(1) عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الهادي، ومن أصحاب العسكري عليمها السَّلام، وفي من لم يرو عنهم، أي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
(2) انظر الكافي1/515، كتاب الحجّة، باب مولد الصاحب(عليه السلام)، الحديث3; وبحار الأنوار52/27برقم 22.

380

68

السَّعدي(1)

(...ـ حدود 270تقديراً)
الحسين بن عبيد اللّه بن سهل السَّعدي، أبو عبد اللّه القمي.
روى عن: إبراهيم بن هاشم الكوفي القمي، والحسن بن علي بن أبي عثمان، وموسى بن عمر، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد بن إدريس الأشعري القمي (المتوفّى 306هـ) ، و سعد ابن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري القمي (المتوفّى 300هـ)، ومحمد بن يحيى العطار القمي، وأحمد بن علي الفائدي.
وصنّف كتباً، منها: التوحيد، الإمامة، المؤمن والمسلم، المتعة، المقت والتوبيخ، المزار، والنوادر.
وقد تضمّن كتابه «المؤمن والمسلم» أبواباً كثيرة، منها: الإيمان وصفة المؤمن، الإيمان لا يثبت إلاّ بالعمل، الإيمان يزيد وينقص، لا إيمان لمن لا تقية له، دعائم

(1) رجال النجاشي1/143برقم 85، رجال الطوسي471برقم 54، فهرست الطوسي82برقم 220، مجمع الرجال2/183، نقد الرجال106، جامع الرواة1/246، بهجة الآمال3/281، تنقيح المقال1/234برقم 2967، أعيان الشيعة6/86، 88، معجم رجال الحديث6/21برقم 3483، قاموس الرجال3/295، موسوعة طبقات الفقهاء3/225برقم 895، معجم التراث الكلامي1/461برقم 1973، 2/354برقم 4123، 5/339برقم 11925.

381

الإيمان، دعائم الإسلام، في أطفال المسلمين، وغير ذلك.
لم نظفر بسنة وفاته، ونقدّر أنّها كانت في حدود السبعين ومائتين.

69

المصري(1)

(...ـ بعد 230هـ تقديراً)
الحسين بن علي، أبو عبد اللّه المصري.
كان متكلّماً، ثقة، من علماء الشيعة.
سمع في العراق من: أبي داود سليمان(2) بن داود الطيالسي البصري صاحب «المسند»، وعلي بن قادم الخزاعي الكوفي (المتوفّى213هـ)، وأبي سلمة(3)، ونظرائهم.
وسكن مصر.

(1) رجال النجاشي1/185برقم 153، رجال العلاّمة الحلي52برقم 23، نقد الرجال107برقم 86، جامع الرواة1/248، منتهى المقال3/55برقم 896، أعيان الشيعة6/130، الذريعة 2/325برقم 1287، 10/194برقم 485، مستدركات علم رجال الحديث 3/156برقم 4481، معجم رجال الحديث6/37برقم 3503، قاموس الرجال3/302، معجم التراث الكلامي3/377برقم 6549.
(2) المتوفّـى(204هـ).
(3) لعلّه موسى بن إسماعيل المنقري بالولاء، التبوذكي، البصري(المتوفّى223هـ). وفي منهج المقال: كأنّه منصور بن عبد العزيز الخزاعي البغدادي الذي مات سنة (210هـ) على الصحيح.

382

وألّف كتباً، منها: كتاب الإمامة، والردّ على الحسين(1) بن علي الكرابيسي.
لم نظفر بتاريخ وفاته، ونقدّر أنّه كان في العقد الرابع أو الخامس من القرن الثالث.

70

الحكم بن هشام(2)

(...ـ...)
ابن الحكم الكندي بالولاء، أبو محمد الكوفي، نزيل البصرة.
قال أبو العباس النجاشي: كان مشهوراً بالكلام، كلّم الناس، وحُكي عنه مجالس كثيرة.
أقول: لم نقف على أسماء مشايخه الذين تلقّى عنهم الكلام، بيْد أن والده (هشام بن الحكم) كان أبرز المتكلّمين والمناظرين في عصره (القرن الثاني)، وطبيعة الأُمور تقتضي تتلمذ ابنه المذكور عليه.

(1) المتوفّـى(248هـ). وكان فقيهاً متكلّماً، من أصحاب الشافعي. انظر الأعلام2/244.
(2) رجال النجاشي1/328برقم 349، مجمع الرجال2/222، نقد الرجال115برقم 27، جامع الرواة1/268، منتهى المقال3/108برقم 980، تنقيح المقال1/361برقم 3252، أعيان الشيعة6/212، الذريعة2/325برقم 1288، معجم رجال الحديث6/181برقم 3880، قاموس الرجال3/384، معجم التراث الكلامي1/461برقم 1976.

383

هذا، وقد ألّف الحكم كتاباً في الإمامة، رآه بعض أصحاب النجاشي، والظاهر أنّه أحمد بن الحسين بن عبيد اللّه الغضائري.(1)
لم نظفر بتاريخ وفاته.

71

أبو الأحوص(2)

(...ـ قبل 300هـ تقديراً)
داود بن أسد بن أعفر، أبو الأحوص المصري(البصري).
كان فقيهاً، محدثاً، من أجلّة متكلّمي الإمامية.
ألّف كتابين في الإمامة، خصّص أحدهما للردّ على سائر من خالفه من الأُمم، وجرّد الآخر للدلائل والبراهين.
وقد نال أبو الأحوص بتأليفاته مكانة مرموقة في أوساط العلماء، وأصبح ممّن

(1) انظر قاموس الرجال.
(2) مقالات الإسلاميين للأشعري63، رجال النجاشي1/364برقم 412، فهرست الطوسي221برقم 875، معالم العلماء139برقم 968، رجال ابن داود43برقم 571و 391برقم 1، رجال العلاّمة الحلي69برقم 7و 188برقم 15، مجمع الرجال2/280، 7/4، نقد الرجال127برقم 8و ص 383، جامع الرواة1/302، 2/364، بهجة الآمال4/62، 7/377، تنقيح المقال1/407برقم 3822، 3/1، تأسيس الشيعة375، أعيان الشيعة6/366، الذريعة2/326برقم 1293و 1294، مستدركات علم رجال الحديث3/351برقم 5467، معجم رجال الحديث7/96برقم 4375، 21/11برقم 13875، قاموس الرجال4/46، 10/6، فلاسفة الشيعة46، معجم التراث الكلامي 1/462ـ 463برقم 1983و 1984.

384

يُشار إليه بالأكفّ، فقد ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه، وجعله في مصافّ كبار متكلّمي الإمامية ومؤلّفي كتبهم كهشام بن الحكم، و يونس بن عبد الرحمان، والسكّاك، والفضل بن شاذان، وغيرهم.(1)
كما ذكره القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه، وقال عنه وعن متكلّمي بني نوبخت إنّهم يسلكون في الإمامة طريقة متوسطة بين العقل والشرع، وإنّهم يتّبعون في الأكثر طريقة السمع، وإن كانوا ربّما التجؤوا إلى طريقة العقل.(2)
وقد ردّ الشريف المرتضى على القاضي المذكور، وقال: إنّ كلامه ينقض بعضه بعضاً، وإنّه قد تضمّن غلطاً عليهم في مذاهبهم، وإنكار اللطف من مقالتهم، ثمّ بيّن وجه المناقضة في كلامه، وغلطه عليهم، وقال: ربّما استدلوا بالسمع استظهاراً وتصرّفاً في الأدلة، وليس كلّ من استدلّ على شيء بالسمع، فقد نفى دلالة العقل عليه.(3)
لم نظفر بتاريخ وفاته.
وكان المتكلّم الحسن بن موسى النوبختي(المتوفّـى حدود310هـ) قد لقيه، وأخذ عنه، واجتمع معه في الحائر(كربلاء)، و كان ورد للزيارة.
أقول: أحسب أنّ وفاة أبي الأحوص كانت قبل الثلاثمائة، وذلك بالاستناد إلى ما تقدّم، وإلى ملاحظة طبقته، حيث روى بواسطة واحدة عن أحمد بن هارون ابن موفق(4)، الذي روى عنه سهل بن زياد(المتوفّـى بعد 255هـ).(5)

(1) مقالات الإسلاميين63، وفيه: أبو الأحوص داود بن راشد البصري.
(2) المغني20/38.
(3) الشافي في الإمامة1/96ـ 98.
(4) الاختصاص للمفيد298.
(5) وردت رواية سهل عن أحمد بن هارون في الكافي، الجزء السادس، كتاب الأطعمة(6)، باب الحلوى(71)، الحديث1.

385

72

الأشعري(1)

(...ـ300هـ)
سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري، أبو القاسم القمّي، شيخ الطائفة الإمامية في عصره.
ارتحل في طلب العلم، وسمع من كبار محدّثي أهل السنّة كأبي حاتم محمد ابن إدريس الرازي(المتوفّـى 277هـ)، والحسن بن عرفة العبدي البغدادي (المتوفّـى257هـ)، ومحمد بن عبد الملك الواسطي الدقيقي (المتوفّـى 266هـ)، وعباس بن عبد اللّه بن أبي عيسى التَّرقُفي(المتوفّـى 267هـ).

(1) رجال النجاشي1/401برقم 465، رجال الطوسي431برقم3و 475برقم6، فهرست الطوسي101برقم 318، معالم العلماء54برقم 358، رجال ابن داود168برقم 671و457برقم 201، رجال العلاّمة الحلي78برقم3، مجمع الرجال3/105، نقد الرجال149برقم 27، جامع الرواة1/355، هداية المحدثين71، بهجة الآمال4/324، إيضاح المكنون2/188و 198و 199و 266و 272و 211، وغير ذلك، هدية العارفين1/384، تنقيح المقال2/16برقم 4702، أعيان الشيعة7/225، الذريعة2/326برقم 1296، 10/214برقم 592 و 222برقم 651، 15/121برقم 817، وغير ذلك، طبقات أعلام الشيعة1/134، الأعلام3/86، معجم المؤلفين4/211، معجم رجال الحديث8/74برقم 5048، قاموس الرجال4/334، موسوعة طبقات الفقهاء3/263برقم 924، معجم التراث الكلامي1/463برقم 1986، 3/390 برقم 6627 و397 برقم 6670، 4/183برقم 8398.

386

وأخذ عن جمع من رجال الشيعة، منهم: أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال، وأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي، وأيوب بن نوح بن درّاج النخعي، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب الهمْداني، وعلي بن مهزيار الأهوازي.
ومهر في الفقه والحديث، وأحاط بآراء ومقالات مختلف الفرق الإسلامية، وخصّص جانباً مهماً من مؤلفاته لإثبات وإيضاح المسائل التي تتصل بعقائد الإمامية، وردّ وتقويض آراء ومقالات بعض الفرق والطوائف.
وكان غزير العلم، واسع الرواية، جليل القدر.
ألّف كتباً كثيرة، منها: كتاب الإمامة، كتاب الضياء في الردّ على المحمدية والجعفرية، كتاب الردّ على الغلاة، كتاب الردّ على المجبرة، كتاب فرق الشيعة، كتاب الاستطاعة، كتاب الردّ على علي بن إبراهيم بن هاشم في معنى هشام ويونس، كتاب بصائر الدرجات، كتاب المنتخبات، كتاب مناقب الشيعة، كتاب الرحمة، كتاب جوامع الحجّ، وكتاب ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، وغير ذلك.
توفّي يوم الأربعاء لسبع وعشرين من شوال سنة ثلاثمائة.(1)

(1) وقيل: سنة (301هـ)، وقيل: (299هـ).

387

73

سهل بن زياد(1)

(...ـ بعد 260هـ تقديراً)
الآدمي، أبو سعيد الرازي.
عاصر الإمامين محمد الجواد وعلي الهادي عليمها السَّلام(وقيل: روى عنهما)، وكاتب الإمام أبا محمد الحسن العسكري عليه السَّلام سنة (255هـ).
وأخذ العلم وروى عن جمع من المشايخ، منهم: أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي(المتوفّـى221هـ)، وأيّوب بن نوح بن درّاج النخعي، وعلي بن أسباط بن سالم، والحسن بن علي بن يقطين، ومحمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، والسيد عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، والحسن بن محبوب السرّاد، وأبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، والريّان بن الصلت، وعبد الرحمان بن أبي نجران.

(1) رجال البرقي58و 60، رجال الكشي474برقم 454، رجال النجاشي1/417برقم 448، رجال الطوسي401برقم 1و 416برقم 4و 431برقم2، فهرست الطوسي106برقم 341، معالم العلماء57برقم383، رجال ابن داود460برقم 222، رجال العلاّمة الحلي228برقم2، التحرير الطاووسي143برقم 184، مجمع الرجال3/179، نقد الرجال165، جامع الرواة1/393، هداية المحدثين78، بهجة الآمال4/514، تنقيح المقال2/75برقم 5396، أعيان الشيعة7/322، الذريعة4/479برقم 2133، 24/332برقم 1743، معجم رجال الحديث8/337برقم 5629، قاموس الرجال5/37، موسوعة طبقات الفقهاء3/281 برقم 938، معجم التراث الكلامي2/355برقم 4130.

388

وكان كثير الرواية في شتى مجالات الشريعة.
روى عنه: محمد بن الحسن الصفار (المتوفّـى 290هـ)، ومحمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي(المتوفّـى 312هـ)، ومحمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، وآخرون.
وصنّف كتاب التوحيد، وكتاب النوادر.
توفّي في عشر السبعين ومائتين تخميناً.
روى المترجم بسنده إلى الإمام علي الرضاعليه السَّلام، قال: خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الصادق(عليه السلام)، فاستقبله موسى بن جعفرعليه السَّلام، فقال له: يا غلام ممّن المعصية؟ قال: لا تخلو من ثلاث: إمّا أن تكون من اللّه عزّ وجلّ، وليست منه، فلا ينبغي للكريم أن يُعذِّبَ عبده بمالا يكتسبُه، وإمّا أن تكون من اللّه عز ّوجلّ ومن العبد، وليس كذلك، فلا ينبغي للشريك القويّ أن يظلم الشريك الضعيف، وإمّا أن تكون من العبد، وهي منه، فإن عاقَبَه اللّه فبذنبه، وإن عفا عنه فبكرمه وجوده.(1)

(1) الصدوق، التوحيد96، باب معنى التوحيد والعدل(5)، الحديث2.

389

74
ابن جبرويه(1)
(...ـ بعد 260هـ تقديراً)
عبد الرحمان بن أحمد بن جبرويه، أبو محمد العسكري.
كان متكلّماً إمامياً، حسن التصنيف، جيّد الكلام.
ناظر متكلّمي المعتزلة كعبّاد بن سليمان الضّمْري(2)، ومحمد بن عبد اللّه بن مملّك الأصفهاني، وعلى يده رجع الأخير عن مذهبه، ودان بمذهب الإمامية، وستأتيك ترجمته.
وقد صنّف المترجم كتاب الكامل في الإمامة، وصفه أبو العباس النجاشي بأنّه كتاب حسن.
لم نظفر بسنة وفاته، ونقدّر أنّها كانت بعد الستين ومائتين، لأنّه ـ كما يظهر

(1) رجال النجاشي2/47برقم 623، رجال ابن داود222برقم 928، رجال العلاّمة الحلي 114برقم9، نقد الرجال184برقم13، جامع الرواة1/446، منتهى المقال4/98برقم 1583، تنقيح المقال 2/139برقم6341، تأسيس الشيعة375، أعيان الشيعة1/133، مستدركات علم رجال الحديث4/384برقم 7603، طبقات أعلام الشيعة1/147، الذريعة 17/252 برقم 131، معجم رجال الحديث9/308برقم 6338، قاموس الرجال 5/280، معجم التراث الكلامي4/485برقم 9826.
(2) قال ابن المرتضى: له كتب معروفة، وبلغ مبلغاً عظيماً، وكان من أصحاب هشام الفوطي، وله كتاب يسمى الأبواب، نقضه أبو هاشم. طبقات المعتزلة77. وانظر الفرق بين الفرق161.

390

من النجاشي ـ في طبقة عبّاد الذي عُدّ في «طبقات المعتزلة» لابن المرتضى من الطبقة السابعة.(1)

75

أبو الصَّلت الهَرَوي(2)

(...ـ 236هـ)
عبد السلام بن صالح بن سليمان بن أيوب بن ميسرة القرشي بالولاء، أبو الصلت الهروي ثمّ النيسابوري، العالم الشيعي، الزاهد.
ارتحل في طلب العلم إلى الكوفة والبصرة والحجاز واليمن، وسمع: حمّاد بن زيد، ومالك بن أنس، وشريك بن عبد اللّه، وأبا معاوية الضرير، وسفيان بن عُيينة، وعبد الرزاق بن همّام الصنعاني، وآخرين.
وروى عن الإمام علي بن موسى الرضاعليه السَّلام.
سُئل يحيى بن معين عنه، فقال: ثقة صدوق، إلاّ أنّه يتشيّع.

(1) وتضمّ الجاحظ (المتوفّى255)وغيره.
(2) رجال الكشي512برقم 518(مؤسسة الأعلمي ـ كربلاء)، رجال النجاشي2/60برقم 641، رجال الطوسي380برقم14و 396برقم5، تاريخ بغداد11/46برقم 5728، رجال ابن داود224برقم 938و 474برقم 295، رجال العلاّمة الحلي117برقم2، ميزان الاعتدال2/616برقم 5051، نقد الرجال187برقم5، جامع الرواة1/456، منتهى المقال4/123 برقم 1618، معجم رجال الحديث10/16برقم 6504، مستدركات أعيان الشيعة3/131.

391

ووصفه الذهبي بقوله: الرجل الصالح إلاّ أنّه شيعي جلد.
أقول: الصواب أن يُقال: رجل صالح، أو ثقة صدوق لأنّه شيعي جَلْد، فالتشيّع الحقيقي لأهل البيت(عليهم السلام) ، يرتقي بالإنسان إلى ذرى الإيمان والصدق والورع، وينأى به عن الوقوع في حمأة الكذب والفسوق والعصيان.(1)
قدم أبو الصلت مرو غازياً، فلما رآه المأمون وسمع كلامه جعله من خاصّته، وكان يردّ على المرجئة والجهمية والقدرية والزنادقة، وناظر بشر بن غياث المريسي(2) غير مرة بحضرة المأمون مع غيره من أهل الكلام، وفي كلّ ذلك كان الظفر له.
وحدّث ببغداد وغيرها، فروى عنه: عباس بن محمد الدوري، وإسحاق بن الحسين الحربي، والحسن بن علوية القطان، وإبراهيم بن هاشم الكوفي القمي، وأحمد بن علي الأنصاري، وغيرهم.
وألّف كتاب وفاة الرضاعليه السَّلام.
توفّـي في شهر شوال سنة ست وثلاثين ومائتين.

(1) قال أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام): كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع. وقال عمرو بن أبي المقدام: قال لي أبو جعفر]يعني محمداً الباقرعليه السَّلام[ في أوّل دخلة دخلت عليه: تعلّموا الصدق قبل الحديث. الكافي2/104، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدق وأداء الأمانة، الحديث4و 10.
(2) فقيه معتزلي عارف بالفلسفة، يُرمى بالزندقة، وإليه تنسب الطائفة المريسية القائلة بالإرجاء، توفّي سنة (218هـ). الأعلام2/55.

392

76

الحَسني(1)

(...ـ 252هـ)
عبد العظيم بن عبد اللّه بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، العالم الربّاني، السيد أبو القاسم العلوي الحسني.
صحب الإمامين أبا جعفر محمد الجواد(المتوفّى 220هـ) وأبا الحسن علي الهادي عليمها السَّلام، واقتبس منهما العلوم والمعارف، وروى عنهما وعن لفيف من كبار المشايخ، أمثال: محمد بن أبي عمير الأزدي البغدادي(المتوفّى217هـ)، والحسن ابن محبوب السراد(المتوفّـى224هـ)، وإبراهيم بن أبي محمود الخراساني، وعلي بن أسباط بن سالم الكندي، وآخرين.
وحدّث وأفاد، وحظي بمنزلة رفيعة لدى الجوادعليه السَّلام، ولدى الهادي عليه السَّلام الذي أمر شيعته في (الريّ) بالرجوع إليه فيما أشكل عليهم من أُمور الدين.
واهتم السيد الحسني ـ كما يتّضح من مروياته ـ بالأُصول الاعتقادية، وانبرى

(1) رجال النجاشي2/65برقم 651، رجال الطوسي417برقم 1و 433برقم20، فهرست الطوسي147برقم 549، رجال ابن داود226، رجال العلاّمة الحلي130برقم 12، مجمع الرجال4/97، نقد الرجال190، جامع الرواة1/460، روضات الجنات4/207برقم 380، بهجة الآمال5/176، تنقيح المقال2/157برقم 6651، الذريعة7/190برقم 969، 25/304برقم 258، معجم رجال الحديث10/46برقم 6580، قاموس الرجال5/345، موسوعة طبقات الفقهاء3/319برقم 969.

393

للكشف عن رؤية أهل البيت في هذا المجال خصوصاً في مسألتي التوحيد والعدل، اللتين اختلفت فيهما الآراء والأقوال، وتعرّضتا للتشويه لا سيما في عصر المتوكل العباسي ـ المعاصر للسيد المترجم ـ الذي قرّب الحشوية، وساندهم ـ لأغراض سياسية ـ في نشر الروايات وتوجيهها بما يدعم القول بالجبر والتجسيم والتشبيه.
وكان السيد الحسني قد ورد الريّ، هارباً من السلطان، وسكن سرباً في دار رجل من الشيعة في سكّة الموالي، وانصرف إلى العبادة والتهجد، ولم يزل يُنمى خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى عرفه أكثرهم.
روى عنه جماعة من العلماء، منهم: أحمد بن مهران، وأحمد بن محمد بن خالد البرقي(المتوفّى 274هـ)، وأبو تراب عبيد اللّه بن موسى الروياني، وأبو صالح محمد ابن فيض العجلي، وسهل بن زياد الآدمي، وغيرهم.
وألّف كتاب خطب أمير المؤمنين(عليه السلام)، وكتاب يوم وليلة.
توفّي ـ في قول بعضهم(1) ـ سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وقبره بالريّ مشهور يُزار.
وللشيخ الصدوق (المتوفّى 381هـ) كتاب جامع أخبار عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، وللوزير الصاحب بن عباد(المتوفّى 385هـ) رسالة في أقوال عبد العظيم الحسني(ط).
روي عن السيد الحسني أنّه دخل على الإمام الهادي عليه السَّلام، فقال: يابن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّي أُريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضياً أثبت عليه حتّى ألقى اللّه عزّ وجلّ.

(1) انظر الذريعة7/190.

394

فقال: هاتها يا أبا القاسم.
فقلت: إنّـي أقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء، خارج من الحدّين: حدّ الإبطال، وحدّ التشبيه، وإنّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسّم الأجسام، ومصوّر الصور، وخالق الأعراض والجواهر، وربّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدثه، وإنّ محمداً عبده ورسوله خاتم النبيّين، فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة، وأقول: إنّ الإمام والخليفة ووليّ الأمر بعده أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثم... وأقول: إنّ وليّهم وليّ اللّه، وعدوّهم عدوّ اللّه، وطاعتهم طاعة اللّه، ومعصيتهم معصية اللّه، وأقول: إنّ المعراج حقّ، والمساءلة في القبر حقّ، وإنّ الجنّة حقّ، والنار حقّ، والميزان حقّ، وإنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وإنّ اللّه يبعث من في القبور، وأقول: إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية: الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر....(1)

(1) الصدوق، كتاب التوحيد، باب التوحيد والتشبيه(81)، الحديث37. ولمعرفة المزيد من مرويات السيد عبد العظيم الحسني في حقل التوحيد والعدل، راجع الأمالي للصدوق 419، ومستدرك الوسائل3/614ـ 615.

395

77

الحَجّال(1)

(...ـ حيّاً قبل 224هـ)
عبد اللّه بن محمد الأسدي بالولاء، أبو محمد الحجّال(2)، المزخرف، الكوفي، وقيل إنّه من موالي بني نهم(تيم).
عدّ من أصحاب الإمام علي الرضاعليه السَّلام.
وروى عن فريق من علماء مدرسة أهل البيت، مثل: أبي إسحاق ثعلبة بن ميمون، وجميل بن درّاج النخعي، وعاصم بن حُميد الحنّاط، وعلي بن أسباط بن سالم، وصفوان بن مهران الجمّال، ويونس بن يعقوب البجلي، وغيرهم.
وحدّث، وناظر.
روى عنه: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وأحمد بن محمد بن عيسى

(1) رجال البرقي55، رجال الكشي434ـ 435(ضمن الترجمة 378)، رجال النجاشي2/30برقم 593، رجال الطوسي381برقم18، فهرست الطوسي128برقم 440و 218برقم 853، معالم العلماء73برقم 492، رجال ابن داود210برقم 878، رجال العلاّمة الحلي105برقم18، مجمع الرجال3/276، 4/46، نقد الرجال206برقم 219، هداية المحدثين206، بهجة الآمال5/274، تنقيح المقال2/206برقم 7031، تأسيس الشيعة376، معجم رجال الحديث10/301برقم 7095، 23/77برقم 15280، قاموس الرجال6/120، 122، موسوعة طبقات الفقهاء3/347برقم 991.
(2) نسبة إلى بيع الحجل.

396

الأشعري، والعباس بن معروف القمي،ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب(المتوفّى262هـ)، وآخرون.
وألّف كتاباً، رواه عنه الحسن بن علي بن عبد اللّه بن المغيرة البجلي.
وكان يجتمع مع الحسن بن علي بن فضّال (المتوفّى224هـ)، وعلي بن أسباط، و يتبادل معهما الحديث في المسائل العلمية.
قال المتكلّم الشهير الفضل بن شاذان: كان الحجّال من أجدل الناس، فكان ابن فضّال يُغري بيني و بينه في الكلام والمعرفة.(1)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.

78

علي بن أسباط(2)

(...ـ بعد 230هـ)
ابن سالم الكندي، بيّاع الزُّطّي، أبو الحسن الكوفي.

(1) انظر رجال الكشي434ـ 435(ضمن ترجمة الحسن بن علي بن فضّال المرقّمة378).
(2) رجال البرقي 55و 56، رجال الكشي470برقم 440، رجال النجاشي2/73برقم 661، رجال الطوسي382برقم 23و 403برقم10، فهرست الطوسي116برقم 386، معالم العلماء 63برقم430، رجال ابن داود481برقم 321، رجال العلاّمة الحلي99برقم38، التحرير الطاووسي187برقم 262، مجمع الرجال4/166، نقد الرجال227، جامع الرواة1/554، هداية المحدثين114، بهجة الآمال5/375، تنقيح المقال2/268برقم 8172، الذريعة4/240برقم 1175، 8/237 برقم 1002، 24/334برقم 1765، معجم رجال الحديث11/260برقم 7923، قاموس الرجال6/421، مستدركات أعيان الشيعة2/201، موسوعة طبقات الفقهاء3/380برقم 1017.

397

أخذ العلم عن الإمامين علي الرضا ومحمد الجوادعليمها السَّلام، وروى عنهما، وعن جمع من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: أبوه أسباط، وعمّه يعقوب بن سالم الأحمر، وعلي بن أبي حمزة البطائني، وسيف بن عميرة النخعي، وغيرهم.
وكان فقيهاً، مقرئاً، صادق اللهجة.
ويبدو من رواياته وبعض أخباره(كملازمته للمتكلّم أبي محمد عبد اللّه الحجّال، والحسن بن علي بن فضال)(1) أنّ له اهتمامات وتوجّهات نحو علم الكلام، ويكشف عن ذلك أيضاً تأليفه لكتاب الدلائل.
وله مؤلفات أُخرى، منها: كتاب التفسير، وكتاب المزار، وكتاب نوادر مشهور.
وكان فطحياً، جرى بينه و بين علي بن مهزيار رسائل في ذلك، رجعوا فيها إلى أبي جعفر الجوادعليه السَّلام، فعدل علي بن أسباط عن ذلك القول وتركه.(2)
أخذ عنه لفيف من العلماء، ورووْا عنه في مختلف مجالات الشريعة، منهم: السيد عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، والحسين بن سعيد الأهوازي، وعلي بن الحسن بن فضال، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب(المتوفّى 262هـ)، وموسى ابن القاسم بن معاوية بن وهب البجلي، وآخرون.
لم نظفر بتاريخ وفاته،وقد سمع منه علي بن الحسن بن علي بن فضال في شهر شعبان سنة (230هـ).(3)

(1) قال الفضل بن شاذان: وكان الحسن بن علي بن فضال يجتمع هو وأبو محمد عبد اللّه الحجال وعلي بن أسباط، و كان الحجال يدّعي الكلام، وكان من أجدل الناس، فكان ابن فضال يغري بيني و بينه في الكلام في المعرفة. رجال الكشي435(ضمن الترجمة المرقمة378).
(2) وقيل إنّه لم يرجع عن مذهبه، ومات عليه. انظر رجال الكشي470برقم440.
(3) انظر رجال النجاشي2/260(ضمن ترجمة محمد بن حمران النهدي، المرقمة966).

398

روى المترجم عن الحسن بن الجهم عن بكير بن أعين، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): عِلْمُ اللّه ومشيّته مختلفان أم متفقان؟ فقال: العلم ليس هو المشيّة، ألا ترى أنّك تقول: سأفعل كذا إن شاء اللّه، ولا تقول سأفعل كذا إن عَلِمَ اللّه، فقولك إن شاء اللّه دليل على أنّه لم يشأ، فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء، وعلمُ اللّه سابقٌ للمشيّة.(1)

79

علي بن ميثم(2)

(...ـ بعد 202هـ تقديراً)
علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم(التمّـار) بن يحيى الأسدي بالولاء، أبو الحسن الكوفي ثمّ البصري، المعروف بعلي بن ميثم اختصاراً وبالميثمي.
قال المسعودي: كان إمامي المذهب، من المشهورين من متكلّمي الشيعة.

(1) الصدوق، التوحيد146، باب صفات الذات وصفات الأفعال، الحديث16.
(2) فرق الشيعة للنوبختي81، مقالات الإسلاميين للأشعري42 و 54 و 516، مروج الذهب4/237برقم 2566، الفهرست للنديم 263، رجال النجاشي2/72برقم 659، رجال الطوسي383برقم 52، فهرست الطوسي113برقم 376، رجال ابن داود238برقم 1002، رجال العلاّمة الحلي93برقم 9، مجمع الرجال4/167، نقد الرجال226، جامع الرواة1/558، بهجة الآمال5/380، هدية العارفين1/669، تنقيح المقال2/270برقم 8178، أعيان الشيعة8/167، الذريعة2/18برقم 51و 330(ذيل الرقم 1311)، معجم المؤلفين7/37، معجم رجال الحديث11/275برقم 7929، قاموس الرجال6/425، معجم التراث الكلامي1/247برقم 874و 466برقم 2006.

399

عدّ من أصحاب الإمام علي الرضاعليه السَّلام.
وأخذ العلم عن عدد من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: عبد الأعلى مولى آل سام، وفضيل بن الزبير الرسّان، وحبيب بن المعلل(المعلى) الخثعمي، وربعي ابن عبد اللّه بن الجارود الهذلي البصري، وفضالة بن أيوب الأزدي، وغيرهم.
وبرع في الكلام.
وحدّث،وناظر كبار المتكلّمين كأبي الهذيل العلاّف(1)، وإبراهيم بن سيّار النظّام(2) المعتزليين.
وألّف كتباً، منها: كتاب الإمامة، كتاب مجالس هشام بن الحكم، كتاب الاستحقاق، كتاب الطلاق، كتاب النكاح، وكتاب المتعة.
وأصبح من وجوه المتكلّمين.
حضر مجلس يحيى بن خالد البرمكي الذي كان يعقده ببغداد(قبل نكبة البرامكة عام 187هـ) للبحث والمناظرة في المواضيع الكلامية والفلسفية، ويجتمع فيه مشاهير متكلّمي الإسلام وغيرهم من أصحاب الآراء والنحل، كالعلاّف وهشام بن الحكم والنظّام والسكّاك وبشر بن المعتمر والموبذ.
واعتُقل في عهد هارون الرشيد فـي الحمـلة القمعيـة التي شنّتها أجهـزته، واعتُقـل فيها الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)