welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : معجم طبقات المتكلمين/ج 1*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

معجم طبقات المتكلمين/ج 1

1

معجم طبقات المتكلمين
يتضمّن ترجمة رجالات العلم والفكر
عبر أربعة عشر قرناً
الجزء الأوّل
تأليف
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تقديم وإشراف
العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني

2


3


4


5


6


7

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الملك العلاّم، خالق النفوس والأجسام، الذي حارت عن إدراك كنهه العقول، وضلّت الأوهام، والصلاة والسلام على المبعوث حجّة على الأنام، أقدس السفراء الفخام محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى الأطائب من ذرّيته، الحجج الغُرّ الكرام.
لمّا فرغتْ اللجنةُ العلميّةُ في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) من تأليف كتاب «موسوعة طبقات الفقهاء» وصدرت ـ بفضل اللّه تعالى ـ في أربعة عشر جزءاً بتقديم منّا في جزءين، وقَدّر جهودَها رجالاتُ العلم والدين في داخل البلد وخارجه برسائلهم وكلماتهم، أحببت أن أردف الموسوعة بموسوعة أُخرى ألا و هي «معجم طبقات المتكلّمين»، التي تشتمل على رجال علم الكلام خلال أربعة عشر قرناً حتّى أخدم رجال الفقه الأكبر والأصغر بهاتين الموسوعتين عسى اللّه أن يرزق الجميع شفاعة هؤلاء يوم القيامة، وقد استقبلت اللجنةُ مقترحَنا بوجه طلق وصدر رحب.
ثمّ إنّي وضعت هذه الرسالة لتبيين تاريخ علم الكلام وكيفية نشوئه وتكامله ومدارسه والعراقيل التي كانت في مسيره لتكون كالمقدّمة للموسوعة، عسى اللّه أن ينتفع بها روّاد علم الكلام انّه قريب مجيب.
والكلام يقع في فصول:

8

1

ما هو سبب تسمية علم الكلام بهذا الاسم؟

اختلفت كلمات أعلام المتكلّمين في وجه تسمية علم الكلام ، وها نحن نذكر كلماتهم في المقام:
1. قال العلاّمة الحلّي (المتوفّى 726هـ) في موسوعته «نهاية المرام في علم الكلام»:
خُصِّصَ هذا العلم باسم الكلام لوجوه:
ـ العادة قاضية بتسمية البحث في دلائل وجود الصانع تعالى وصفاته و أفعاله، بالكلام في اللّه تعالى وصفاته، فسُمّي هذا العلم بذلك. ولا استبعاد في تخصيص بعض الأسماء ببعض المسمّيات دون بعض.
ـ أنكر جماعة البحث في العلوم العقلية والبراهين القطعية، فإذا سُئلوا عن مسألة تتعلّق باللّه تعالى وصفاته وأفعاله والنبوة والمعاد، قالوا: نُهينا عن الكلام في هذا العلم، فاشتهر هذا العلم بهذا الاسم.
ـ هذا العلم أسبق من غيره في المرتبة، فالكلام فيه أسبق من الكلام في غيره، فكان أحقّ بهذا الاسم.
ـ هذا العلم أدق من غيره من العلوم، والقوة المميزة للإنسان ـ وهي النطق

9

ـ إنّما تظهر بالوقوف على أسرار هذا العلم، فكان المتكلّم فيه أكمل الأشخاص البشرية، فسمّي هذا بالكلام لظهور قوة التعقّل فيه.
ـ هذا العلم يُوقف منه على مبادئ سائر العلوم، فالباحث عنه كالمتكلم في غيره، فكان اسمه بعلم الكلام أولى.
ـ إنّ العارفين باللّه تعالى يتميزون عن غيرهم من بين نوعهم، لما شاهدوه من ملكوت اللّه تعالى، وأحاطوا بما عرفوه من صفاته، فطالت ألسنتهم على غيرهم فكان علمهم أولى باسم الكلام.(1)
2. وقال التفتازاني(المتوفّى عام 791هـ):
سُمِّي علم الكلام كلاماً، لأنّ مباحثه كانت مصدّرة بقولهم: كلام في كذا وكذا، ولأنّ أشهر الاختلافات فيه كانت مسألة كلام اللّه تعالى انّه قديم أو حادث، ولأنّه يُورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات، ولأنّه كثر فيه من الكلام مع المخالفين والردّ عليهم ما لم يكثر في غيره، ولأنّه لقوة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.(2)
وقد ذكر التفتازاني أيضاً في «شرح العقائد النسفية» أسباب تسمية علم الكلام بهذا الاسم فقال: وسَمُّوا معرفة العقائد عن أدلّتها بالكلام:
ـ لأنّ عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا.
ـ ولأنّ مسألة الكلام(في حدوث القرآن وقدمه) كانت أشهر مباحثه وأكثر نزاعاً وجدالاً.

(1) نهاية المرام في علم الكلام:1/8ـ9.
(2) شرح المقاصد:1/164، تحقيق الدكتور عبدالرحمن عميرة.

10

ـ ولأنّه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق للفلسفة.
ـ ولأنّه أوّل ما يجب من العلوم التي تُعْلم وتُتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك ثمّ خُصّ به ولم يطلق على غيره تميزاً له.
ـ ولأنّه إنّما يتحقّق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين، وغيره قد يتحقّق بالتأمل ومطالعة الكتب.
ـ ولأنّه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم.
ـ ولأنّه لقوة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.
ـ ولأنّه لابتنائه على الأدلّة القطعية المؤيَّد أكثرها بالأدلّة السمعية، أشدّ العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه، فسُمِّي بالكلام، المشتق من الكلم وهو الجرح.(1)
وعلى كلّ تقدير فقد يطلق على هذا العلم، علمُ أُصول الدين، كما يسمّى أيضاً بعلم التوحيد، أو علم التوحيد والصفات، أو الفقه الأكبر، أو علم النظر والاستدلال.(2)
هذا خلاصة ما ذكروه غير أنّ كثيراً منها إبداعيّ لا يَعتمِدُ على دليل، خصوصاً ما اشتهر بين الناس من أنّ وجه التسمية بالكلام لأجل انّ البحث في الكلام الإلهي من حيث الحدوث والقدم كان هو السبب وراء تسمية هذا العلم

(1) شرح العقائد النسفيّة:15،ط آستانة ـ 1326هـ.
(2) كشاف اصطلاحات العلوم:30; وعلم الكلام ومدارسه:53.

11

بعلم الكلام.
وذلك لأنّ البحث في الكلام الإلهي من حيث القدم والحدوث نجم في عصر المأمون عام 212هـ ، مع أنّ هذا المصطلح كان دارجاً بين المسلمين قبل هذا العصر.

نظرنا في وجه التسمية

والظاهر انّ خطب الإمام وكلماته، كانت هي الأساس في التسمية وتدوين علم الكلام، فالمتكلّمون كانوا يستدلّون بكلام علي عليه السَّلام في كذا وكذا حتّى سمّى مجموع المسائل بعلم الكلام.
وسيوافيك أنّ المؤسس الأوّل لهذا العلم هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنّه أوّل من تكلّم بين الصحابة حول أسمائه سبحانه وصفاته وأفعاله بوجه بديع، وخطبه وكلماته أفضل شاهد على ذلك.

12

2

تعريف علم الكلام

وقد عُرِّف علم الكلام بتعاريف مختلفة:
1. علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه.(1)
2. هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلّة اليقينية.(2)
3. هو ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحمودة التي صرّح بها واضعُ الملة وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل.(3)
4. علم يتضمّن الحجاج على العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقاد عن مذاهب السلف وأهل السنّة.(4)
ويلاحظ على التعريف الأخير بأنّ المتكلّم ـ على ضوء هذا التعريف ـ هو من يدافع عن أُصول الدين لا عن فروعه. واختلاف السنّة مع غيرهم اختلاف في الفروع لا في الأُصول بما فيه الاختلاف في الإمامة، لأنّها عند أهل السنّة من

(1) المواقف:1/333; كشاف اصطلاحات العلوم:30.
(2) شرح المقاصد:1/163.
(3) موسوعة مصطلحات العلوم عند العرب:2/1061.
(4) مقدمة ابن خلدون:ص 458، الفصل العاشر في علم الكلام.

13

الفروع وجزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا معنى لتخصيص علم الكلام بالدفاع عن عقيدة السلف والسنّة، بل المتكلّم يدافع عن العقيدة الإسلامية المشتركة بين السنّة والشيعة.
وعلى ضوء هذه التعاريف يكون علم الكلام علماً آلياً يستخدم في إثبات العقائد الدينية، إمّا بإيراد الحجج أو دفع الشبه، ويكون موضوعه العقائد الدينية من حيث إقامة الحجج العقلية عليها أو دفع الشبه عنها.
وهذا النوع من التعاريف ينطبق على الكتب المؤلفة في العصور الإسلامية الأُولى التي اقتصر البحث فيها على المسائل العقائدية.
ولكن هذا الوضع لم يدم، ففي العصور المتأخرة شرع المتكلّمون في البحث عن أوسع الموضوعات وهو البحث عن الموجود بما هو موجود; فقسّموا المباحث الكلامية إلى: الأُمور العامة أوّلاً ، والطبيعيات ثانياً، والإلهيات ثالثاً.
وعلى ضوء ذلك سار نصير الدين الطوسي (المتوفّى672هـ) في كتابه «تجريد الاعتقاد»; وتبعه غير واحد من المتكلّمين، منهم: العلاّمة الحلّـي في غير واحد من كتبه الكلامية لاسيّما كتاب «نهاية المرام في علم الكلام»، والقاضي الإيجي (المتوفّى756هـ) في «المواقف»، والتفتازاني(المتوفّـى791هـ) في «مقاصده» و«شرحه»، والجرجاني (المتوفّى 816هـ) في «شرح المواقف»، والفاضل المقداد(المتوفّى 826هـ) في «اللوامع الإلهية» ، إلى غير ذلك من الكتب.
وهذه المسائل لا تمت إلى العقائد الدينية بصلة. نعم حاول محمد علي الفاروقي التهانوي من علماء القرن الثاني عشر إرجاع هذه المسائل إليها بالبيان التالي:

14

وموضوعه هو المعلوم من حيث إنّه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقاً قريباً أو بعيداً، وذلك لأنّ مسائل هذا العلم إمّا عقائد دينية كإثبات القدم والوحدة للصانع، وإمّا قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة وجواز الخلاء وانتفاء الحال وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعددة موجودة في ذاته، والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود والمعدوم والحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقاً قريباً، وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقاً بعيداً،وللبعد مراتب متفاوتة.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لا صلة بين إثبات الأحوال البهشمية المطروحة في الأُمور العامّة ونفيها والعقائد الدينية، وهكذا كثير من المسائل المطروحة في علم الطبيعيات.
وسيوافيك الرأي الحاسم في الفصل القادم.

(1) كشاف اصطلاحات الفنون:31.

15

3

موضوع علم الكلام

إنّ تحديد موضوع علم الكلام رهن كيفية تعريفه، فلو قلنا في تعريف علم الكلام بأنّه علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه، يكون موضوعه العقائد الدينية التي أذعن المتكلّم بصحّتها بدلائل إجمالية، وتكون عوارضها إقامة الحجج التفصيلية عليها أو بدفع السهام المرشوقة إليها.
وأمّا لو قلنا في تعريف علم الكلام بأنّه الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود كما يدلّ عليه مباحثه، فالموضوع هو الموجود بما هو موجود الذي ثبوته من البديهيات ومسائله من النظريات، فعندئذ يتّحد موضوع علم الكلام مع موضوع الفلسفة، وغاية ما يمكن أن يقال في الفرق هو انّ البحث في علم الكلام على نهج قانون الإسلام بمعنى انّ المتكلّم ملتزم بأن لا يخرج بنتيجة يخالف فيها الإسلام ولكن الفيلسوف غير ملتزم بذلك.
ينقل الإيجي في «المواقف» ويقول: وقيل الموضوع هو الموجود بما هو موجود ويمتاز عن الإلهي باعتبار، وهو انّ البحث هاهنا على قانون الإسلام.(1)
وعلى ضوء ذلك فالفلسفة والكلام اسمان لعلم واحد، مشتركان في عامّة

(1) المواقف:1/7.

16

المسائل، غير أنّ همّ المتكلّم في النهاية إيراد الحجج على العقائد أو دفع الشبه بخلاف الفيلسوف.
وبذلك ظهر انّ الموضوع أحد أمرين:
أ. العقائد الدينية المبرهنة إجمالاً في غير علم الكلام. فيبحث عن العوارض الذاتية لها وهي ـ كما مرّ ـ إمّا إقامة الدليل أو دفع الشبهة.
ب. الموجود بما هو موجود الذي يؤمن به كلّ إنسان موضوعي ويبحث عن عوارضه الذاتية، وهي تقسيم الموجود إلى واجب وممكن، والممكن إلى مجرّد ومادّي وهكذا.
وقد تقدّم انّ التهانوي جعل الموضوع «المعلوم» من حيث إنّه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية وكأنّه حاول الجمع بين الأمرين.
هذا هو المستفاد من كلمات القوم.

إيضاح وتفصيل

والحقّ أن يقال : أنّه لو قلنا بأنّ علم الكلام يتضمّن الاحتجاج على العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية والردّ على المبتدعة فموضوع علم الكلام «هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث الاستدلال عليها بالأدلّة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد».
وقد كان علم الكلام في أوائل الأمر لا يتجاوز هذا الحدّ، و كان الغرض منه هو الذبّ عن العقائد الصحيحة، فالعقائد الإيمانية موضوع والبرهنة عليها بالأدلّة العقلية ورفع البدع وإزالة الشكوك من عوارضها.
ولكن علم الكلام ـ بمرور الزمن ـ تجاوز هذا الحدّ فصار يواكب الفلسفة

17

في حقولها الثلاثة: الأُمور العامّة، الطبيعيات والفلكيات، والإلهيات بالمعنى الأخصّ.
فعند ذلك لا محيص من القول من أنّ موضوع علم الكلام هو نفس موضوع الفلسفة ، لكن الغرض الأقصى للمتكلّم هو البرهنة على ما ثبت في الشرع في الحقول الثلاثة، وبالأخص ما يمت إلى العقائد بصلة; وهذا بخلاف الحكيم، فإنّ الغاية هو فهم حدود الوجود وتعيّناته من الواجب إلى الممكن ومن الجوهر إلى العرض ومن المادّة إلى المجرّد.
وبذلك يتيسّر لنا أن نقول: إنّ علم الكلام تطوّر عبر القرون، ففي القرون الأُولى كان الهدف هو الدفاع عن العقائد الإيمانية فقط، ولم يكن هناك أيّ غرض سوى ذلك، ولكن بمرور الزمن واحتكاك الثقافات وازدهار الفلسفة لم يجد المتكلّمون بدّاً من التوسع في المعارف الكونيّة من الطبيعيات والفلكيات والبحث عن القواعد العامّة في الأُمور العامّة وغير ذلك.
وبذلك اختلفت كلمتهم في بيان موضوع العلم.

استظهار موضوع العلم من خلال غايته

إنّ الوقوف على موضوع العلم يحصل من خلال الوقوف على غايته، فإنّ غاية العلم تُحدِّدُ موضوعَ العلم وبالتالي تعريفَه.
فالغاية القصوى للمتكلّم هي معرفة اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله، ويدخل في أفعاله معرفة المعاد و الأنبياء والأئمّة وما يمت لهم بصلة، فإذا كانت هذه هي الغاية فلا معنى لاتخاذ الموجود بما هو موجود موضوعاً لعلم الكلام، فإنّ البحث عن مطلق الموجود وإن لم يكن له صلة باللّه وأسمائه وصفاته وأفعاله خارج عن

18

الغاية المتوخاة للمتكلّم، وبذلك تخرج كثير من المباحث المطروحة في الفلسفة عن علم الكلام، نظير:
1. الأُمور العامة، كالبحث عن الوجود والماهية، والبحث عن العدم وأحواله إلى غير ذلك من المسائل.
2. الطبيعيات، كالبحث عن تركّب الجسم من الهيولى والصورة، أو الفلكيات إلى غير ذلك.
وقد مرّ أنّ المتكلّمين في العصور الأُولى لم يكن لهم همّ إلاّ طرح المسائل التي لها مساس بالعقائد الدينية، ولكن لمّا اتسعت العلوم ودام التنازع بينهم وبين غيرهم اتسعت دائرة علم الكلام إلى مسائل لا تمت إليها بصلة، وكانت الغاية من إدخال هذه المسائل هي مجاراة الفلاسفة فيها حتّى لا يُتَّهمُوا بقلة الاطّلاع وض آلة الفضل والعرفان، ولولا هذا لما شمل علم الكلام هذه المباحث.
ولذلك نرى أنّ العلاّمة الحلّيّ يذكر في غاية علم الكلام ماهذا نصّه:
إنّ الإنسان هو مدني بالطبع يفتقر في معاشه إلى غذاء ولباس ومسكن، وهذه الأُمور لا يمكن صدورها عن صانع واحد وإنّما تحصل باجتماع خلق يتعاونون عليه ويتشاركون في تحصيله.
ثمّ إنّ الاجتماع على التعاون إنّما يتم إذا كان بين بني النوع معاملة وعدل، إذ كلّ منهم يشتهي ما يحتاج إليه ويغضب على مزاحمته فيه ، وبحسب هاتين يحصل الجور فيقع الهرج والمرج فمسّت الحاجة إلى وضع قوانين إلى كيفية العدل.
وتلك القوانين لو وضعها الناس لحصل الاختلاف، فوجب في عناية اللّه تعالى إرسال الأنبياء بشرائع تقتضي نظام الوجود ومجازاة الممتثل لها بإحسان

19

ومقابلة المخالف بالعذاب الأُخروي، فوجب معرفة المجازي.(1)
ترى أنّه يبيّن غاية علم الكلام بحاجة الإنسان إلى القوانين العادية، ولا يحصل ذلك إلاّ بتشريع اللّه سبحانه، ومعرفة القوانين تتوقّف على معرفة اللّه سبحانه وأسمائه وصفاته وأنبيائه، وما وعد به المطيع، أو أوعد به المجرم.
فإذا كانت الغاية هي هذه، فالبحث عن الماهية والوجود والأحوال البهشمية أو عن أصالة الوجود والماهية أو المسائل الطبيعية بأجمعها يكون أمراً زائداً، ولذلك نرى أنّ العلاّمة الحلّي بعدما يذكر الغاية يعرّف علم الكلام بالشكل التالي:
علم الكلام هو المتكفّل بمعرفة المجازي، وكيفية آثاره وأفعاله وتكاليفه على الإجمال. وذلك هو سبب السعادة الأبدية والخلاص عن الشقاء الأبدي، ولا غاية أهمّ من هذه الغاية.(2)
فإذا كانت هذه غاية علم الكلام حسب ما قرره العلاّمة الحلي اتّضحت الأُمور الثلاثة:
1. تعريف علم الكلام.
2. موضوعه.
3. غايته.

(1) نهاية المرام:1/12 .
(2) نهاية المرام:1/13.

20

4

التفكير فريضة إسلامية

إنّ الذكر الحكيم يعدّ التفكير فريضة دينية، يقول سبحانه: (الّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِياماً وقُعوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتفكَّرون في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرْض ربّنا ما خَلَقْت هذا باطلاً).(1)
وقد تكرر قوله سبحانه في الذكر الحكيم: (انّ في ذلِكَ لآيات لقَوم يَتَفَكَّرون).(2)
فلو كانت الفريضة هي الجمود على ما ذكره السلف فيما يرجع إلى المبدأ والمعاد، فلماذا حثَّ سبحانه على التفكير في آياته وخلقه؟! أليس في ذلك دعوة لمعرفة المبدئ وأسمائه وصفاته وأفعاله حسب الطاقة البشرية من خلال التدبّر في آثاره وآياته الكونية؟.
إنّه سبحانه عندما يندِّد بالملحدين والمشركين يخاطبهم بقوله: (قُلْ هاتُوا بُرهانكُم)، ويقول سبحانه: (أَم اتّخذوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرهانكُمْ هذا ذِكْرُ

(1) آل عمران:191.
(2) الرعد:3; النحل:11; الزمر:42; الجاثية:16.

21

مَنْ مَعيَ وَذِكْرُ مَن قَبلي بَلْ أَكثرهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحقَّ فَهُم مُعْرِضُون).(1)
وعلى ضوء ذلك فالبرهان هو مدار الإيمان والصلاح والنجاح، فمَن طلب البرهان أو أبطل الوهم به، فقد عمل بالقرآن; وأمّا من أقفل على قلبه وعقله وقلّد السلف دون تفكير، فقد عطّل عقلَه وتفكيره.
ثمّ ما الدليل على أنّ السلف أفضل من الخلف، وكأنّ السلف قد أحاطتهم هالة من العصمة لا يخطأون ولا يشتبهون. وسيوافيك أنّ خير السلف هو الإمام أمير المؤمنين علي عليه السَّلام وأهل بيته الطاهرين، قد فتحوا باب المعارف الإلهية بوجه الأُمّة على ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الحصيف الذي به عرفنا ربّنا سبحانه، لا عن طريق المشاغبات والمجادلات.
إنّ القرآن الكريم يحثُّ على التعقّل في آياته سبحانه ويقول: (كَذلِكَ يُبيّنُ اللّه آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون).(2)
ويقول سبحانه: (أُفّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه أَفَلا تَعْقِلُون)(3) ، ويبيّن أنّ الغاية من ضرب الأمثال هو التعقّل ويقول: (وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاّ العالمُون).(4)
ويبيّن انّ شر الدّواب هو الإنسان الذي أغلق عقله وأعدم تفكيره، يقول تعالى: (إِنَّ شَرّ الدّوابِّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُّكْمُ الَّذين لا يَعْقِلُون).(5) إلى غير ذلك من الآيات الحاثَّة على التعقّل.

(1) الأنبياء:24.
(2) البقرة:242.
(3) الأنبياء:67.
(4) العنكبوت:43.
(5) الأنفال:22.

22

أفهل يصحّ تخصيص هذه الآيات بالتعقّل في أُمور الدنيا ومعاش الإنسان وما حوله من العلوم الطبيعية والفلكية فقط؟ أو أنّ مقتضى إطلاقها، هو التفكير في الطبيعة ومابعدها؟
فلو صحّ ما يقوله علماء السلف:«إنّما أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية، فمن شغل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية».(1)
فلو صحت هذه الجملة فمَن المخاطب إذن بهذه الآيات التي تحتوي على براهين مشرقة؟!
( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْر شيْء أَمْ هُمُ الخالِقُون).(2)
(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّه لَفَسَدتا فَسُبحانَ اللّه رَبّ العَرْش عَمّا يَصِفُون).(3)
(مَا اتّخذَ اللّه مِنْ وَلَد وَما كانَ مَعَهُ مِنَ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُون).(4)
إلى غير ذلك من الآيات التي وردت فيها أُصول المعارف الإلهية التي تقع وراء الحس والطبيعة.
ثمّ إنّه سبحانه يأمر بالشكر بعدما يذكِّر ببعض مواهبه من السمع والأبصار والأفئدة ويقول سبحانه: (وَاللّهُ أَخرجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفئِدَة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(5)

(1) الإثبات والتفويض لرضا نعسان معطي، نقلاً عن الحجة في بيان المحجة:33 .
(2) الطور:35.
(3) الأنبياء:22.
(4) المؤمنون:91.
(5) النحل:78.

23

والمراد من الشكر في ذيل الآية صرف النعمة في مواضعها، فشكر السمع والبصر هو إدراك المسموعات والمبصرات بهما، وشكر الفؤاد هو درك المعقولات وغير المشهودات به، فالآية تحرّض على استعمال الفؤاد والقلب والعقل في ما هو خارج عن إطار الحس وغير واقع في متناول أدواته.
ولأجل ذلك يتّخذ القرآن لنفسه في هذه المجالات موقف المعلِّم فيعلِّم المجتمع البشري كيفية إقامة البرهنة العقلية على توحيده سبحانه في أمر الخلقة والتدبّر.
باللّه عليك أيّها القارئ اقرأ الآيات التالية، ثمّ احكم بنفسك، هل يمكن لإنسان أن يقف على مغزاها بلا تفكير وتعقّل مبني على أُصول متعارفة أو موضوعة؟ فلو أعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك (مشاهد) الربوبية فماذا تهدف هذه الآيات التي أمرنا بالتدبّر فيها؟!
(نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلولا تُصدّقُونَ* أَفرَأيتم ماتُمْنُون* ءَأَنْتُمْ تَخْلقونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ*نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقينَ*عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعَلَمُونَ *وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشأةَ الأُولى فَلولا تَذَكَّرُونَ* أَفرأَيْتُمْ مَاتَحْرُثُونَ *ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ* لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ* إِنَّا لَمُغْرَمُونَ* بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ *أَفَرأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ *ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ *لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ* أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الّتي تُورُونَ* ءَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئونَ).(1)
رغم انّ علم الكلام الذي هو من أفضل مظاهر التفكير، كان ضرورة زمنية دعت المخلصين الغيارى من علماء الإسلام إلى تدوينه ونشره حتّى يقوم الجيل

(1) الواقعة:57ـ72.

24

الحاضر بالدفاع عن حياض الشريعة بقوة وحماس، ترى أنّ أكثر التابعين وحتّى أئمّة الفقه يعارضون علم الكلام بل يحرمونه، فهذا هو مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري ذهبوا إلى رفض علم الكلام ومهاجمة المتكلمين.
فقد نقلوا عن الشافعي قوله في أثناء موته: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه فرارهم من الأسد.
وأمّا أحمد بن حنبل فقد استخدم في حقهم لفظ الزنادقة.
وأمّا مالك فقد رفض الكلام والمتكلّمين بحجة انّهم قوم على استعداد أن يغيّروا دينهم وفقاً للبراهين التي تعرض لهم أو تعرض عليهم، فقال: أرأيت إن جاء عالم الكلام من هو أجدل منه أيدع دينه كلّ يوم، لدين جديد.(1) إلى غير ذلك من الكلمات المروية عن التابعين وتابعي التابعين.
وهذا هو الإمام الأشعري لما عدل عن منهج الاعتزال والتحق بمذهب الإمام أحمد لم يحتفل به أصحاب الإمام أحمد .
قال عبد اللّه الحمراني : لمّا دخل الأشعري بغداد جاء إلى البَربهاري فجعل يقول: رددتُ على الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس وقلت وقالوا; وأكثرَ الكلامَ، فلمّا سكت قال البربهاري: وما أدري ما قلت لا قليلاً ولا كثيراً، ولانعرف إلاّ ما قاله أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل. قال: فخرج من عنده وصنف كتاب «الإبانة» فلم يقبله منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منهـا.(2)
وقد اشتهر ذمُّ علم الكلام على لسان الذين عطلوا تفكيرهم وكرّسوا

(1) علم الكلام ومدارسه:51ـ52.
(2) تبيين كذب المفتري:391.

25

جهودهم بنقل الحديث دون وعيه ودرايته،و قد نُقلت في هذا المقام كلمات عن السلف نظير ما نقلناه. ولا بأس بذكر بعضها:
نقل ابن الجوزي بسنده عن الوليد بن أبان الكرابيسي أنّه قال لبنيه لما حضرته الوفاة: تعلمون أحداً أعلم بالكلام منّي ؟ قالوا: لا، قال: أفتتهمونني؟ قالوا: لا، قال: فإنّي أُوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإنّي رأيت الحقّ معهم.
ونقل أيضاً عن إمام الحرمين أنّه كان يقول: لقد جُلْت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبتُ البحرَ الأعظم، وغصت في الذين نهوا عنه كلّ ذلك في طلب الحقّ وهرباً من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف برّه فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني.
وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفتُ أنّ الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.
وقال أبو الوفاء ابن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع أنّ الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيتَ أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيتَ انّ طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت، وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم روائح الإلحاد من فلتات المتكلّمين، وأصل ذلك انّهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك ما عند اللّه من الحكمة التي انفرد بها ولا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأُمور.(1)

(1) انظر للوقوف على مصادر هذه الكلمات تلبيس إبليس:82ـ 83،ط دار القلم، بيروت.

26

هذه كلماتهم في ذم التعقّل والتفكّر وكم لها من نظير، وعلى القارئ الكريم أن يعرض كلماتهم على الذكر الحكيم حتّى يتبين الحقّ من الباطل، وأن يكون رائده إلى الحق كلامه سبحانه لا كلمات القوم.

مضاعفات تعطيل العقول عن التفكير

إنّ تعطيل العقول عن المعارف الإلهية بين أهل الحديث أو صنف منهم جرّهم إلى القول بالتشبيه والتجسيم باطناً وإن أنكروه ظاهراً، يقول ابن تيمية محيي الدعوة السلفية في القرن الثامن: أهل السنّة والجماعة يؤمنون بما أخبر اللّه به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأُمة كما أنّ الأُمّة هي الوسط في الأُمم، فهم وسط كما في باب صفات اللّه سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل (المشبهة).(1)
والقارئ الكريم يتصوّر أنّه مشى على هذا الأصل إلى آخر كتابه، ولكنّه يقف على أنّه سرعان ما انقلب على وجهه وارتد على أدباره وغرق في التشبيه والتجسيم ونادى به وقال:
«وممّا وصف الرسول به ربّه في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول ووجب الإيمان به قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):ينزل ربّنا إلى سماء الدنيا كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فاغفر له؟ وقوله : يضحك اللّه إلى رجلين، أحدهما يقتل الآخر كلاهما يدخل الجنة. وقوله: لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد

(1) مجموعة الرسائل والمسائل:400.

27

حتّى يضع ربّ العزة فيها قدمه ينزوي بعضها إلى بعضه، وتقول: قط قط. وهذه الأحاديث متفق عليها.(1)
نحن نسأل «ابن تيميّة» و من لفّ لفّه: هل هو يأخذ بظواهر هذه الأحاديث التي لو وردت في حقّ غيره سبحانه لقطعنا بكونه جسماً، كالإنسان له أعضاؤه، أو يترك ظواهرها و يحملها على غيرها؟ فعلى الأوّل يقع في مغبّة التشبيه، و على الثاني يقع في عداد المؤوّلين و هو يتبرّأ منهم.
وأمّا الأخذ بظواهرها لكن بقيد «بلاتكييف» و «لاتشبيه» ـ فمضافاً إلى أنّه لم يرد في النصوص ـ يوجب صيرورة الصفات مجملة غير مفهومة، فإنّ واقعيّة النزول والضحك و وضع القدم،إنّما هي بكيفيتها الخارجيّة، فحذفها يعادل عدمها. فما معنى الاعتقاد بشيء يصير في نهاية المطاف أمراً مجملاً و لغزاً غير مفهوم؟ فهل يجتمع هذا مع بساطة العقيدة و سهولة التكليف التي تتبنّاها السلفيّة في كتبهم؟!
فلو صحّ تصحيح هذه الأحاديث و الصفات الجسمانية بإضافة قولهم «بلاتمثيل» فليصحّ حمل كلّ وصف جسماني عليه بإضافة هذا القيد بأن يقال: اللّه سبحانه جسم لاكهذه الأجسام، له صدر و قلب لاكمثل هذه الصدور و القلوب، إلى غير ذلك مما ينتهي الاعتقاد به إلى نفي الإله الواجب الجامع لصفات الجمال والجلال.
إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد و تفسير القرآن و الحديث، لايُنتج إلا إجلاسه سبحانه على عرشه فوق السماوات، يقول «ابن قتيبة» ـ المدافع عن الحشوية و أهل الحديث ـ في تفسير قوله:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَ الأَرْض)

(1) نفس المصدر:398ـ 399. وسيوافيك آراؤه الشاذة في ص 159ـ 170.

28

يستوحشون أن يجعلوا لله كرسيّاً أو سريراً و يجعلون العرش شيئاً آخر، و العرب لاتعرف العرش إلا السرير، و ما عُرِش من السقوف و الابار. يقول اللّه (وَ رَفَعَ أََبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ)أي على السرير.
و أُميّة بن أبي الصلت يقول:
مَجّدوُا اللّه و هو للمجد أهل *** ربّنا في السماء أمسى كبيـراً
بالبناء الأعلى الذي سبق النا *** س وسوّى فوق السماء سريرا
شرجعا(1)ما يناله بصــر الـ *** ـعين ترى دونه الملائك صورا(2)(3)
ترى أنّه يصور اللّه سبحانه ملكاً جبّاراً جالساً على عرشه، و الخدم دونه ينظرون إليه بأعناق مائلة، و هو يتبجّح بذلك تبجّح المتكبّر باستصغار الناس و ذلتهم.
و يقول أيضا:
«كيف يسوغ لأحد أن يقول: إنّه بكلّ مكان على الحلول مع قوله:
( اَلرَّحْمن عَلى الْعَرْشِ اسْتَوى ) أي استقر، كما قال: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أََنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الفُلْكِ) أي استقررت.

(1) أي طويلاً.
(2) جمع «أصور» و هو المائل العنق.
(3) تأويل مختلف الحديث: 67.

29

و مع قوله تعالى:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ).
كيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرفع إليه عمل و هو عنده .(1)
ثم إنّه يستشهد بكونه سبحانه في السماء بما ورد في الحديث:
« إنّ رجلاً أتى رسول اللّه بأمة أعجميّة، للعتق، فقال لها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أين اللّه تعالى؟
فقالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول اللّه، فقال(عليه السلام): هي مؤمنة، و أمر بعتقها.(2) فقد غاب عن «ابن قتيبة» إنّ المراد من كونه سبحانه بكلّ مكان ليس هو حلوله فيه، بل المراد أنّ العالم بكلّ أجزائه وذرّاته قائم به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي و انّ وجوده سبحانه وجود فوق الزمان و الزمانيّات و المكان و المكانيّات، غني عنهما، لايحتاج إليهما، بل هو الخالق لهما.
و أمّا الحديث الذي استدلّ به فليس فيه دلالة على تصديق رسول اللّه بكلّ ما تعتقده الأمة، بل انّه (صلى الله عليه وآله وسلم)اكتفى بما أظهرت من الاعتقاد الساذج بوجوده سبحانه و نبوّة نبيّه و إن أخطأت في الحكم بأنّه في السماء و لم تكن الظروف ـ إذ ذاك ـ تساعد، لتفهيمها إنّه سبحانه منزّه عن المكان و الزمان و الجهة، و إنّه ليس جسماً و لاجسمانياً حتى يحلّ في السماء.
على أنّ الرواية، نقلت بصور مختلفة أوضحنا حالها في رسالة خاصة.

(1) نفس المصدر: 271.
(2) المصدر نفسه: 272.

30

5

شبهات منكري علم الكلام

قد عرفت أنّ التفكير فريضة إسلامية وانّ الإنسان بطبعه يفكِّر وينقض ويبرم ويتطلّع إلى موضوعات قابلة للتفكير فيطلب إجابة حاسمة لها، ومع ذلك نرى أنّ أُناساً يعدُّون من طبقة المحدِّثين ينكرون علم الكلام وينددون به تحت غطاء شبهات نذكرها تباعاً:(1)
1. لو كان المنطق طريقاً موصلاً، لم يقع الاختلاف بين أهل المنطق، لكنّا نجدهم مختلفين في آرائهم.
يلاحظ عليه: أنّ القائل استخدم المنطق في إبطال المنطق، فإنّ ما ذكره قياس استثنائي حيث قال: لكنّا نجدهم مختلفين فاستنتج بأنّ المنطق ليس طريقاً موصلاً.
أضف إلى ذلك انّ معنى كون المنطق آلة للاعتصام، هو انّه لو استعمل استعمالاً صحيحاً يعصم من الخطأ، وأمّا انّ كلّ مستعمل له، يستعمله صحيحاً

(1) نقل قسماً من هذه الشبهات، السيد الطباطبائي في الجزء الخامس من كتاب الميزان، فلاحظ ص 256ـ 271، طبعة بيروت.

31

فلا يدّعيه أحد، وهذا نظير ما يقال: انّ السيف آلة القطع، ولكن ليس كلّ مستعمل يستعمله، يترتّب عليه القطع.
2. انّ هذه الأُصول إنّما روِّجت بين الناس لصرف الناس عن اتّباع الكتاب والسنّة أو لصدّهم عن باب أهل البيت، فيجب علينا الاجتناب.
يلاحظ عليه: أنّ المتكلّم لا يدّعي الاستغناء عن الكتاب والسنّة، بل الكتاب والسنّة الصحيحة أحد الطرق إلى معرفة الحقائق، وإنّما يستعان بالعقل أيضاً إمّا لدعم ما يستفاد منهما، أو لدفع الإشكال عنهما، أو لإثبات ما لا يستفاد منهما حسب فهمنا .كيف وأئمّة أهل البيت هم الذين فتحوا باب التفكّر بوجه الأُمّة؟!
3. لا حاجة إلى آثار الكفّار والملاحدة مع وجود الكتاب والسنّة.
يلاحظ عليه: أنّ ما نُقل عن الحكماء يشتمل على الصحيح والخطأ، والحسن والسيِّئ، والقرآن يدعو إلى أخذ الحسن دون السيِّئ، لا إلى رفض الجميع، يقول سبحانه: (فَبَشِّرْ عِباد *الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه أُولئكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللّهُ وَأُولئك هُمْ أُولُوا الأَلْباب).(1)
وثمّة آيات وروايات كثيرة تؤكّد هذا المعنى، ولا ريب في أنّ القرآن هو الداعي إلى تعلم العلوم والأخذ بأحسنها وردّ سيّئها.
وبعبارة أُخرى: انّ الكتاب والسنّة يحثّان الإنسان على التوسع في استعمال الطرق العقلية الصحيحة، أعني: المقدّمات البديهيّة أو المنتهية إليها لتمييز الفكرة الصحيحة عن السقيمة، سواء كانت الفكرة شرقية أم غربية.
4. انّ طريق السلف الصالح كان مبايناً لطريق الكلام والفلسفة والعرفان،

(1) الزمر:17ـ18.

32

وكانوا يستغنون بالكتاب والسنّة عن استعمال الأُصول المنطقية والعقلية.
يلاحظ عليه: أنّ السلف الصالح لم يكونوا على وتيرة واحدة، فعليّ عليه السَّلام وأهل بيته وشيعتهم ولفيف من أهل السنّة يرون التفكير فريضة إسلامية، وكانوا يخوضون في بحار المعارف ويستدلّون بالأقيسة الصحيحة على النتائج.
وأصحّ دليل على ذلك خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)واحتجاجات تلاميذه وتابعيه.
والحاصل: انّ رائدنا في الخوض في المباحث العقلية، هو قوله سبحانه: (ادعُ إِلى سَبيلِ ربّكَ بِالحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهُمْ بِالّتي هي أَحسَن).(1) فما هو المراد من الحكمة؟ فهل هي كلّ كلام أو فكر مقرون بالبرهان أو الدليل كما أنّ المراد من الجدل هو الاحتجاج على الخصم بأقواله؟
5. وقال أبو الوفاء ابن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع انّ الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت انّ طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت.(2)
يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك إيقاف ركب العلم عن التقدّم، فلا شكّ انّ العلوم الكونية قد تقدّمت وكشفت عن مكامن وقوانين لم تكن معروفة للصحابة، أفيصحّ ـ في منطق العقل ـ رفض هذه العلوم بحجّة انّ الصحابة كانوا يجهلونها؟! لاأدري متى أصبحت طريقة الصحابة محوراً للحقّ ومعياراً لتمييز الصحيح عن الفاسد... والقرآن يدعو إلى التفكير في السماوات والأرض ويقول: (أَوَ لَمْ يَنْظُروا في مَلَكُوتِ السَّمواتِ والأَرض)(3)، ويقول: (أَفَلَمْ يَنْظُروا إِلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ

(1) النحل:125.
(2) تلبيس إبليس:83، مرّ نقل ذلك أيضاً في ص23.
(3) الأعراف:185.

33

بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها)(1) إلى غير ذلك من الآيات الحاثّة على التفكير في عالم المادة.
6. انّ العقول بريئة أصحّ البراءة وأوضحها عمّا ادّعوا عليها من معرفة وجوب ما لم يرد به كتاب من اللّه تعالى، ومن معرفة صحّة ما يناقض الآيات القرآنية، فانّه قد وضح للمحقّقين من نظار العقلاء وأذكيائهم انّه لا تعارض بين صحيح السمع وصحيح العقل، وانّ أصل البدع كلّها يوهم التعارض بينهما .(2)
وحاصل الشبهة يرجع إلى أمرين:
أ. عدم وجوب معرفة ما لم يرد به كتاب من اللّه تعالى.
ب. انّ العقول بريئة من معرفة صحّة ما يناقض الآيات القرآنية.
يلاحظ على الأوّل: بأنّ المتكلّم ـ في مجال العقائد ـ لا يهمُّه إلاّ معرفة ما جاء في الكتاب والسنّة معرفة علمية لا تقليدية، فهو عندما يتلو قوله سبحانه: (وَما كانَ مََعَهُ من إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض)(3) يريد أن يفهم مغزى هذه الآية بتحاليل عقلية، فلا هدف للمتكلّم إلاّ معرفة ما ورد في كتاب اللّه وسنّة نبيّه، لكن معرفة رعاية لا معرفة رواية.
وأمّا في غير مجال العقائد فالقرآن ليس كتاباً في العلوم الطبيعية أو الرياضية أو الفلكية لكي تغنينا دراسته عن دراسة سائر العلوم، ولو قلنا بمقالة القائل لوجب إغلاق كافة المراكز العلمية.
وأنّى لنا نسبة هذه الفكرة إلى الإسلام وهذا كتابه المجيد يتحدّث فيما يرجع إلى العلم قرابة 800 مرة، أفيصحّ أن نرمي الإسلام بأنّه يصدُّ أبناءه عن دراسة ما ليس في كتابه؟!

(1) ق:6.
(2) إيثار الحق على الخلق:112.
(3) المؤمنون:91.

34

ويلاحظ على الثاني: أنّه يمتنع التعارض بين القطعيين، وقد حقّقنا في محلّه انّه لابدّ في تعارض العلم مع القرآن الكريم من ملاحظة أمرين: إمّا القول بأنّ ما أثبته العلم ليس علماً بل تخيّل، أو انّ ما نفهمه من القرآن ليس فهماً صحيحاً، وإلاّ فيمتنع التعارض بين القطعيين.
7. انّ علم الخلائق في (علم اللّه) مثلُ لا شيء في جنب ما لا نهاية له، والقصد، انّ من عُرف منه الخطأ في الجليات فكيف يكون حاله متى خاض في هذه الخفيات، وتَرَك عبارات الحق الذي نصّ على أنّها لا تُبدل كلماته، وأنّه لا معقِّب لحكمه، وانّ كتابه لو كان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، وانّه نور وشفاء وهدى لا ريب فيه، فكيف تترك عبارات هذا المعجز الباهر وتبدل بعبارات من لا عصمة له عن الخطأ بل عن القبائح والكفر».(1)
يلاحظ عليه: أنّ المتكلّم لا يدّعي أنّ علمه يساوي علم اللّه سبحانه، إذ لا يتكلّم بذلك إلاّ المجنون، كيف وهو يقرأ في كتابه العزيز :(وَما أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاّ قَليلاً).(2)
ثمّ إنّ المتكلّم في العقائد الدينية لا يهدف إلى إيثار عبارات الآخرين على عبارات المعجز الباهر (فأين التراب من رب الأرباب؟!) وإنّما يريد أن يستثمر العقل الذي وهبه اللّه سبحانه لهذا الموجود فيسلّط الضوءَ على آفاق وآفاق، ليتعرف على أحكامها من الإمكان والوجوب والامتناع، وأين ذلك من ترك كتاب اللّه؟!
وحصيلة الكلام: انّ ما كتبه ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» و ابن الوزير

(1) إيثار الحق على الخلق:138، ط دار الكتب العلمية، بيروت.
(2) الإسراء:85.

35

في «إيثار الحق على الخلق» وما جمعه مؤلف «علاقة الإثبات والتفويض» (1) من كلمات المنتمين إلى السلف، كلّها مشاغبات ومناظرات في غير محلّها، تكشف عن أنّ هؤلاء لم يَمسّوا كتاباً كلامياً، ولم يناظروا متكلّماً إسلامياً.
إنّ الإسلام دين عالمي تكلّم في الكون والتشريع بأبسط الوجوه، ومن المعلوم أنّ خصومه يتربّصون به الدوائر فيثيرون عجاجة الشبهات على أُصوله وفروعه بين حين وآخر، وطبيعة الحال تقتضي أن يكون هناك علماءٌ أفذاذ محيطون بمنطق الخصم وحقيقة الإسلام، ليردّوا عنه سهام الأعداء ، ويصونوا المسلمين من الوقوع في مصائد هؤلاء، والمتكلّم هو ذلك الإنسان الرسالي المدافع بمنطقه وأُسلوبه عن كيان الإسلام وعقيدة المسلمين بأساليب مختلفة و في كلّ زمان.
فلو ترك الإسلام دون أن يناظر في أُصوله وفروعه لاعتراه الوهن وخَمَد نوره، وانطلاقاً من ذلك صار علم الكلام ضرورة زمنية ملحة.
نعم إنّ العقيدة الإسلامية التي هي عصارة الكتاب العزيز، والسنّة النبوية، بنيان مرصوص لا تتزعزع بالترّهات والشبهات، فهي كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف.
نعم العقيدة الإسلامية ـ كما وصفت ـ لها رصيدها الغيبي ، وهي مستقاة من الوحي الذي لا يتطرق إليه الخطأ.
لكن الذي يُحَفِّز المفكر الإسلامي على مزاولة علم الكلام ومدارسته، والتطلّع إلى سائر المدارس البشرية أو الإلحادية ، هي أُمور نشير إليها إجمالاً:
1. انّ المجتمع البشري صار ـ اليوم ـ كقرية واحدة، والمسلمون يعيشون

(1) طبع بمكة، وقدّم له ابن باز.

36

في أجواء وثنايا التيارات المتضادة وهم ليسوا ببعيدين عن أصحاب العقائد المختلفة، ومن الواضح انّ التعايش على صعيد واحد، يستلزم احتكاكات ثقافية، وتبادل أفكار و معلومات، الأمر الذي يُفضي إلى اختلاط الآراء الحقة بالدعاوي الباطلة التي تناقض العقيدة الإسلامية، ففي مجال تمحيص الحق،واستخلاصه من دنيا الباطل، لا محيص عن علماء واعِين يفرزون الأفكار الإسلامية الصحيحة، عن غيرها من الأفكار السقيمة، والأُصول الصحيحة عن الأُصول الباطلة بطرق علمية.
2. لم يزل أصحاب الديانات الباطلة ـ بعد أن قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ يسعون إلى طرح شبهات و إثارة تشكيكات فيما نزل به القرآن الكريم ودعا إليه النبي الأكرم، بُغية إزالة الإيمان عن قلوب المؤمنين، كما هو واضح لمن قرأ تاريخ الإسلام، ومكافحة علمائه مع الملحدين في الأدوار المختلفة، خصوصاً في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي حيث تمتعت اليهود والنصارى والأسرى بحرّية تامة في بيان العقائد ونشر الآراء و المعتقدات وبثّ الشكوك والشبهات بأمان وحرية كاملة.
وهذا هو مفضل بن عمر الجعفي الكوفي الذي عاصر الأئمّة الأربعة من الباقر إلى الرضاعليهم السَّلام يشرح لنا مدى الحرية التي نالها أصحاب المدارس الإلحادية في ذلك العصر ويقول:
كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر والمنبر وأنا مفكِّر فيما خصّ اللّه تعالى به سيّدنا محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ، من الشرف والفضائل، وما منحه وأعطاه وشرّفه وحباه، ممّا لا يعرفه الجمهور من الأُمّة وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته، وخطير مرتبته، فانّي لكذلك إذ أقبل «ابن أبي العوجاء» فجلس بحيث

37

أسمع كلامه، فلمّا استقرّ به المجلس إذا رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه، فتكلّم «ابن أبي العوجاء» فقال: لقد بلغ صاحب هذا القبر العز بكماله، وحاز الشرف بجميع خصاله، ونال الحظوة في كلّ أحواله; فقال له صاحبه: إنّه كان فيلسوفاً ادّعى المرتبة العظمى، والمنزلة الكبرى، وأتى على ذلك بمعجزات بهرت العقول، وضلّت فيها الأحلام، وغاصت الألباب على طلب علمها في بحار الفكر، فرجعت خاسئات وهي حُسَّر، فلمّا استجاب لدعوته العقلاء والفصحاء والخطباء، دخل الناس في دينه أفواجاً، فقرن اسمه باسم ناموسه فصار يهتف به على رؤوس الصوامع، في جميع البلدان والمواضع التي انتهت إليها دعوته، وعلتها كلمته، وظهرت فيها حجته براً و بحراً، سهلاً و جبلاً، في كلّ يوم وليلة خمس مرّات مردداً في الأذان والإقامة، ليتجدد في كلّ ساعة ذكره، ولئلاّ يخمل أمره.
فقال «ابن أبي العوجاء»: دع ذكر محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فقد تحيّر فيه عقلي، وضلّ في أمره فكري، وحدثنا في ذكر الأصل الذي يمشي به... ثمّ ذكر ابتداء الأشياء، وزعم أنّ ذلك بإهمال لا صنعة فيه ولا تقدير، ولا صانع ولا مدبّر، بل الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبّر، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال!

محاورة المفضل مع ابن أبي العوجاء

(قال المفضل): فلم أملك نفسي غضباً وغيظاً و حنقاً، فقلت: يا عدو اللّه ألحدت في دين اللّه، وأنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، وصوّرك في أتمّ صورة، ونقلك في أحوالك حتّى بلغ إلى حيث انتهيت.
فلو تفكّرتَ في نفسك وصدقك لطيف حسّك، لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة، وشواهده جلّ وتقدّس في خلقك واضحة، وبراهينه لك

38

لائحة.
فقال: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك، فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا، ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت، فما أفحش في خطابنا، ولا تعدى في جوابنا وانّه الحليم الرزين، العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا، ويصغي إلينا، ويتعرف حجّتنا، حتّى إذا استفرغنا ما عندنا، وظننّا إنّا قطعناه، دحض حجّتنا بكلام يسير، وخطاب قصير، يلزمنا به الحجة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه رداً، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.

خروج المفضل من المسجد

قال المفضل: فخرجت من المسجد محزوناً مفكّراً فيما بلي به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها، فدخلت على مولاي عليه السَّلام فرآني منكسراً، فقال: مالك؟ فأخبرته بما سمعت من الدهريّين وبما رددت عليهما. فقال: يا مفضل لألقين عليك من حكمة الباري جلّ وعلا و تقدّس اسمه في خلق العالم، والسباع، والبهائم، والطير، والهوام، وكلّ ذي روح من الأنعام والنبات والشجرة المثمرة، وغير ذات الثمر والحبوب، والبقول، المأكول من ذلك وغير المأكول، ما يعتبر به المعتبرون، ويسكن إلى معرفته المؤمنون، ويتحيّر فيه الملحدون، فبكّر عليّ غداً.(1)
ثمّ إنّ الإمام أملى عليه دروساً في مجالس أربعة، شرح فيها برهان النظم

(1) توحيد المفضل:39ـ 43، ط النجف الأشرف مع تقديم كاظم المظفّر; بحار الأنوار:3/57.

39

التوأم مع وجود الهادفية في عالم الكون المنظّم، وقد طبعت باسم توحيد المفضل غير مرّة، وترجمت إلى عدة لغات.
فلولا هذه الشموس المضيئة والأقمار المنيرة لغطت ظلمة الباطل الأقطار كلّها،وأصبحت كلمة التوحيد كحديث أمس الدابر لا ترى منها أثراً.
وقد أخبر الرسول عن هؤلاء الرجال الغيارى على الإسلام الذابين عن أُصوله وفروعه في حديثه الذي رواه الكشي في رجاله قال:
يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفى الكير خَبَث الحديد.(1)
ففي هذا الجوّ الذي يتدرّع فيه الخصم ـ اليوم ـ بسلاح العلم، ويشن الهجوم على عقائدنا ومقدّساتنا، لا محيص من التدرّع بنفس السلاح حتّى يُردّ الحجر من حيث جاء.
ونعم ما قاله المصلح السيد شرف الدين العاملي:«لا يأتي الهدى إلاّ من حيث أتت الضلالة».
وقد دخل الإمام الصادق من حيث دخل ابن أبي العوجاء وحلّ شبهته، على الأُصول التي اعتمد عليها ضمن مجالس أربعة.
3. ولو شك باحث في لزوم دراسة المذاهب والمدارس العقائدية في الحقب الغابرة، فلا يرتاب في لزومه في العصر الراهن الذي تطورت فيه أجهزة الإعلام والاتصالات اللاسلكية، وتوفر فيه البث المباشر عبر الأقمار الصناعية، فتُحاك الشبهة في الغرب في ساعة وتُبثّ بعد دقيقة في الشرق وتعمّ العالم كلّه.

(1) رجال الكشي:ص10.

40

ومن هنا تفرض المسؤولية على المسلم الغيور أن يلمّ بعلم الكلام وقواعده ليشكل سداً منيعاً أمام التيارات الهدّامة للدين.
ويطيب لي ذكر ما أبرق به شيخ إسلام العثمانيين ـ قبل غَلَبة العلمانيّة ـ إلى المرجع الأعلى في النجف الأشرف الشيخ محمد كاظم الخراساني (1255ـ 1329هـ) وحاصل البرقية أنّ هذا السيل الجارف باسم الحضارة الحديثة انطلق من الغرب إلى الشرق إذا لم يكن أمامه سدّ منيع، سيطيح بالدين الإسلامي والحضارة الإسلامية.
وهذا ما أبرق به عام 1327هـ، فما هو هذا السد الذي سيقف أمام هذا التيار الزاحف؟ إنّه ليس إلاّ دعم العقيدة الإسلامية ومكافحة الأُميّة بالاسلوب العلمي، وهو ما نعبّر عنه بعلم الكلام والتفكير المنطقي.

القول الحاسم في المقام

إنّ هؤلاء ـ أي الذين يحرّمون الخوض في المعارف العقلية، ويقولون: إنّ واجبنا هو الإيمان والإقرار أو التلاوة والسكوت ـ خلطوا مرحلة الإيمان القلبي المطلوب من جميع الناس، بمرحلة الفهم والنظر العقلي الذي لا يقوم به إلاّ الأماثل من الناس، وأصحاب المواهب والمؤهلات الفكرية الخاصة، وما ذكروه راجع إلى المرحلة الأُولى، فإنّ الإيمان المنقذ من الضلال والعذاب، هو الاعتقاد بصحّة ما جاء في الكتاب العزيز حول أسمائه وصفاته وأفعاله، حتى في مجالات الصفات الخبرية من اليد والوجه والعين والاستواء على العرش، وبما أنّ الأكثرية الساحقة لا يستطيعون فهم ما فيها من الدقائق والمعارف وربما يكون الخوض فيها منتهياً إلى ما لا يحمد، فإنّه يكفي لهم الإيمان والإقرار و الإمرار والسكوت، وما
Website Security Test