welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : إرشاد العقول / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

إرشاد العقول / ج 1
إرشاد العقول
إلى
مباحث الأصول

يبحث عن الحجج الشرعيّة والأصول العملية
تقريراً لمحاضرات

العلاّمة المحقّق

آية الله جعفر السبحاني

تأليف

محمد حسين الحاج العاملي

المجلد الأول


(2)
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1420 هـ ـ 2000 م
دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع

(3)

(4)

(5)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرّف العلماء، وعظّم الفضلاء، وفضّل مدادهم على دماء الشهداء، فمن علم وعمل فقد ارتقى إلى منازل السعداء، ومن جهل أو علم ولم يعمل فقد هبط إلى درك الأشقياء.
ثمّ الصلاة والسلام على سيّد الأنبياء وخير الأصفياء محمّد وآله مصابيح الهدى وأعلام الورى .
أمّا بعد ;
يعدّ علم الفقه من أهمّ المعارف وأسناها حيث يتكفل بيان الحلال والحرام، والمنجيات والمهلكات، ثم يليه في الأهمية أُصول الفقه، كالنظرية إلى التطبيق.
وممن ساهم في هذا المضمار العلاّمة الحجّة الثبت الشيخ محمد حسين الحاج العاملي (حفظه الله)، حيث حضر بحوثنا الفقهية والأُصولية وانبرى لكتابتها ومذاكرتها، وقد أودع جلَّ ماألقيناه من دروس ومحاضرات حول الحجج الشرعية في هذا الكتاب الّذي يزف الطبع الجزء الأوّل منه لطلاب الفقه وبغاة الاجتهاد وهو بحمد الله بما أُوتي من مواهب وقابليات سبق أقرانه بسبق غير منكور وسعي مشكور وعقدت عليه آمال الخير والسعادة في مستقبله المشرق.
نسأل الله أن يوفقه لصالح العلم وينير أمامه درب الخير والصلاح.
جعفر السبحاني
قم. مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ
22 من شهر صفر المظفر 1420

(6)

(7)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على خاتم أنبيائه محمّد وآله الطاهرين.
أمّا بعد: فهذه درر وفوائد، وغرر وفرائد، التقطتها من دروس شيخنا العلاّمة الحجّة، الباحثِ الكبيرِ، والمحقِّق الخبير، أُسوة المشتغلين، وأُستاذ المتأخرين، آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني ـ دامت أيّام إفاداته ـ، في الحجج العقلية والأمارات الشرعية.
قمتُ بنشر ما أفاده في هذه الدورة ـ الدورة الرابعة الأُصولية ـ لما رأيت أنّ بينها وبين ما تقدّمها من الدورات، اختلافاً في التقرير، وتفاوتاً في العرض والاستنتاج، وأرجو أن يكون الكتاب مرجعاً لطلاّب الفضيلة وبغاة الاجتهاد بإذنه سبحانه.
ويأتي جميع ما حرّرته من بحوث شيخنا الأُستاذ ـ مُدّ ظلّه ـ في المباحث العقلية في جزءين:
الأوّل: في مباحث القطع والظن والبراءة والاشتغال.
الثاني: في مباحث الاستصحاب والتعادل والترجيح والاجتهاد والتقليد.
فها أنا أقدم الجزء الأوّل للقرّاء بفضل من اللّه سبحانه، وأرجو أن يوفقني لنشر الجزء الثاني انّه قريب مجيب.
محمد حسين الحـاج العاملي
قم المشرقة ـ الجامعة العلمية
10 شوال المكرّم /1419هـ

(8)

(9)
قال شيخنا الأُستاذ:

المقصد السادس: في الحجج الشرعية

خصّص المحقّق الخراساني هذا المقصد ببيان الحجج الشرعية، وطرح فيها: حجّية ظواهر الكتاب، وقول اللغوي، والإجماع المنقول، والشهرة الفتوائية، وخبر الواحد، فانتهى إلى حجية أكثرها.
ولكنّه قدّم على البحث في هذه الأُمور، أُموراً ترتبط بالقطع وجعلها مقدمة للبحث عن الحجج الشرعية.
وبما انّ الحجّة في الفقه عند الشيعة تنحصر بالكتاب والسنّة والعقل والإجماع كان الأولى عقد فصول أربعة لهذه الحجج كي يقف المتعلّم على كلّ واحد من هذه الحجج وأدلّة حجّيتها. وما صنعه المحقّق الخراساني ومن بعده من الأعلام تبعاً للشيخ الأنصاري صار سبباً لعدم وضوح معالم الأدلّة الأربعة.
ومع ذلك كلّه، ما فاتهم الإلماعُ إلى هذه الحجج الأربع، فأدخلوا البحث عن حجّية الكتاب في باب حجّية الظواهر على الإطلاق، كما أدخلوا البحث عن السنّة في البحث عن حجّية خبر الواحد، والبحث عن الإجماع في البحث عن حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد، والبحث عن العقل في ثنايا البحث عن حجّية القطع.
ولولا انّ المخالفة لنهج الأعلام يوجب صعوبة في دراسة المسائل الأُصولية للأذهان المألوفة بكتابي الفرائد والكفاية وما أُلِّف بعدهما من التقريرات، لتركت

(10)
السير على نهجهم، وعقدت فصولاً أربعة لكلّ واحد من هذه الحجج، وبعد الفراغ منها ، استعرضت البحث فيما لا نصّ فيه وطرحت فيه الأُصول العملية لعلّ اللّه سبحانه يوفقنا على استعراض جديد لهذه المسائل.

في تقسيم حالات المكلّف أو المجتهد

التقسيم الثلاثي في كلام الأنصاري

قال الشيخ الأعظم:اعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع أو الظنّ أو الشكّ، فإن حصل له الشكّ فالمرجع هي القواعد الشرعية، الثابتة للشاكّ في مقام العمل، وتسمّى بالأُصول العملية.
وقد نوقش كلامه بوجوه نذكر منها ما يلي:
1. قد أُخذ المكلف موضوعاً لطروء الحالات الثلاث مع أنّها من خصائص المجتهد دون مطلق المكلّف.
2. أُطلق لفظ الحكم وهو يشمل الإنشائي والفعلي، مع أنّ الأحكام المترتّبة على القطع والظن والشكّ إنّما تترتّب على ما إذا تعلّق القطع وغيره، بالحكم الفعلي دون الإنشائي، والمراد من الحكم الإنشائي ما تمّ تشريعه ولم يبيّن أو لم يصل إلى يد الأُمّة بتاتاً لوجود موانع في طريق إبلاغه وبيانه للناس.
فإن قلت: المراد من الحكم الإنشائي هو الحكم الفاقد للموضوع، كوجوب الحجّ بالنسبة إلى فاقد الاستطاعة، فيقال وجوب الحج في حقّه إنشائي، ومعلوم انّ أحكام القطع وغيره مترتبة أيضاً على هذا النوع من الحكم الإنشائي.
قلت: إنّ في الحكم الإنشائي اصطلاحين: أحدهما ما ذكرت، والثاني ما ذكره المورد كما مرّ، والإشكال مبنيّ على الاصطلاح الأوّل.

(11)
3. وجود التداخل في تقسيمه الثلاثي، لأنّ الظنّ إذا قام الدليل على حجّيته، يدخل تحت القطع بالحكم وإن كان ظاهريّاً، وكان الطريق ظنّياً، وإلاّيدخل تحت الشكّ.
فالإشكال الأوّل متوجه إلى أخذ المكلّف موضوعاً، والثاني إلى إطلاق لفظ الحكم، والثالث إلى التقسيم الثلاثي، مع أنّه ثنائي.
نعم من حاول أن يتحفظ بالتقسيم الثلاثي ـ بأن لا يدخل القسم الثاني تحت القسم الأوّل ـ فعليه تبديل الظن بالدليل المعتبر وتقريره بالنحو التالي: إمّا أن يحصل له القطع أو لا، وعلى الثاني إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا.(1)
ولا يذهب عليك انّ مجرّد جعل الدليل المعتبر مكان الظن لا يكفي في رفع التداخل إلاّ إذا فسر الحكم في قوله: «إذا التفت إلى حكم» بالحكم الواقعي ويقال: انّ الدليل المعتبر بما انّه لا يفيد القطع بالحكم الواقعي لا يدخل تحت القطع، وبما أنّه معتبر لا يدخل تحت الشك، فالصيانة على التثليث فرع تخصيص الحكم، بالواقعي، وإلاّيدخل الدليل المعتبر تحت القطع، وينتفي التثليث أيضاً.

التقسيم الثنائي في كلام المحقّق الخراساني

ثمّ إنّه لما لم تكن أحكام القطع وقسيميه مختصة بالحكم الواقعي بل يعمّه والظاهري، عدل المحقّق الخراساني من التقسيم الثلاثي إلى الثنائي ودفع الإشكالات الثلاثة فقال: إنّ البالغ الذي وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلّق به أو بمقلّديه، فإمّا أن يحصل له القطع به أو لا.
وعلى الثاني لابدّمن انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتباع الظن لو حصل له وقد تمت مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة وإلاّ فالرجوع إلى

1 . تقرير لما في الكفاية بتوضيح منّا.

(12)
الأُصول العقلية من البراءة والاشتغال والتخيير.
إنّ كلامه قدَّس سرَّه مركّب من شقين قد تخلص في أوّلهما عن الإشكال الأوّل، باتخاذ المجتهد هو الموضوع بقرينة قوله: «أو بمقلّديه»، وفي الوقت نفسه لم يخص حجّية ما استنبطه لنفسه، بل عمّمه لنفسه ولغيره من مقلديه، بل ربما يكون المورد ممّا لا يبتلي به المجتهد كأحكام الحائض وغيرها. كما تخلص عن الثاني بتخصيص الحكم بالفعلي. وعن الثالث بالتقسيم الثنائي.
وعلى ضوء تعريفه يدخل في القسم الأوّل القطع بالحكم، بقيام الأمارات وجريان الأُصول العملية الشرعية كالبراءة الشرعية والتخيير الشرعي والاستصحاب، لكون الجميع من قبيل القطع بالحكم الظاهري والمفروض فيهاجعل المؤدّى وانّ للشارع فيها حكماً مماثلاً لما تؤدّيه الأمارة والأُصول الشرعية ، هذا هو الشقّ الأوّل.
وأمّا الشقّ الثاني، فأشار به إلى دور المعذّرات العقلية التي ليس في موردها جعل حكم شرعي على الترتيب التالي:
1. الظن عند انسداد باب العلم، إذا قلنا بأنّ العقل يستقل عند انسداده بلزوم الإطاعة الظنية، وتقديمها على الإطاعة الشكية والوهمية من دون أن يكون للشارع أيُّ تدخّل في المقام، فعندئذ لا يكون المظنون حكماً شرعياً مجعولاً، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ العقل يستكشف في حال الانسداد أنّ الشارع جعله حجّة في هذه الحالة، فيكون للشرع في مورده حكم شرعي مجعول.
2. الأُصول العقلية من البراءة والاشتغال والتخيير، فانّ مبنى الأوّل قبح العقاب بلا بيان ، والثاني لزوم الخروج عن عهدة التكليف على وجه القطع، والثالث لزوم الخروج بالمقدار الممكن. وكلّها أحكام عقلية للتخلص من المأزق.

(13)

القضاء بين العلمين

لا يخفى انّ التقسيم الثلاثي لا يخلو من محسِّنات:
1. انّه تقسيم طبيعي في كلّ موضوع يقع في أُفق الفكر من غير اختصاص بالحكم الشرعي.
2. انّه كديباجة للمباحث الثلاثة التي ألّف الشيخ حولها الرسائل الثلاث: القطع، الظن، والأُصول العملية. والمحقّق الخراساني مع أنّه اختار التقسيم الثنائي، لكنّه تبع الشيخ في مقام العمل فعقد بحثاً للقطع، وبحثاً آخر للأمارات والطرق، وأدرج الأُصول العملية في المقصد السابع فلاحظ.
3. التثليث هو المناسب لحال المبتدئ، لأنّ إدخال الظن تحت القطع، بحجّة انّ المضمون حكم قطعي ظاهري من شأن المنتهى.
وأمّا التقسيم الثنائي فإنّما يصحّ إذا قلنا بأنّ المجعول في مورد الأمارات هو الحكم الشرعي وهو غير واضح، وإنّما المجعول فيها إمضاء لما في يد العقلاء وليس للأمارة عندهم في الأُمور المولوية دور إلاّ أنّه إذا أصاب الواقع نجّز وإن أخطأ عذّر، فليس لنا حكم باسم الحكم الشرعي الظاهري ومثلها الأُصول العملية العامة إذ ليس فيها أيّ جعل للشارع كالبراءة الشرعية والتخيير الشرعي والاستصحاب.
نعم لا يبعد في الأُصول العملية الخاصة كقوله : «كلّ شيء طاهر» أو «كلّ شيء حلال» كون المجعول هو الحكم الظاهري وسيوافيك بيانها.
هذا كلّه حول الإشكال الثالث المتوجّه إلى الشيخ.
وأمّا الإشكال الأوّل فيمكن الذبّ عنه بأنّ المراد من المكلّف هو المكلّف الفعلي الذي لا ينفك عن الالتفات الإجمالي، وقوله: «إذا التفت» إشارة إلى

(14)
الالتفات التفصيلي الذي لا ينطبق إلاّ على المجتهد.
وأمّا الإشكال الثاني، فلعلّ انصراف الحكم إلى الفعلي، أغناه عن تقييده به.

انحصار الأُصول العملية في الأربعة، استقرائيّ

المعروف انّ انحصار الأُصول العملية العامة في الأربعة استقرائي لإمكان أن يكون هنا أصل عملي خامس، وأمّا أصالة الطهارة والحلية فانّ كلاً منهما وإن كان أصلاً عملياً لكنّهما تختصان بأبواب معينة، والمقصود من الأُصول العملية في المقام، ما يجري في جميع الأبواب. نعم لو قطع النظر عن الاستصحاب يمكن أن يقال انّ الحصر عقلي، لأنّ الأصل إمّا لا يراعى فيه التكليف المحتمل فهو البراءة، أو يراعى بوجه وهو التخيير، أو يراعى بكلّ وجه وهو الاحتياط.

حصر مجاري الأُصول في أربعة حصر عقلي

قد تعرفت على أنّ حصر الأُصول العملية في الأربعة استقرائي لكن حصر مجاريها في الأربعة حصر عقلي دائر بين النفي والإثبات، فقد ذكر مجاري الأُصول في رسالة القطع للشيخ الأعظم ببيانين، وقد اختلفت طبعات الفرائد، فجاء في بعضها كلا التعبيرين في المتن كما عليه طبعة رحمة اللّه، كما جاء ـ في بعضها الآخر ـ أحدهما في المتن والآخر في الهامش، وأردفه في رسالة البراءة ببيان ثالث، وإليك دراسة الجميع.

البيان الأوّل

انّ الشكّ إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، وعلى الثاني إمّا أن يمكن الاحتياط ـ إمكان الموافقة القطعية ـ أو لا، وعلى الأوّل إمّا أن يكون الشكّ في

(15)
التكليف أو في المكلّف به، فالأوّل مجرى الاستصحاب، والثاني مجرى التخيير، والثالث مجرى البراءة ،والرابع مجرى قاعدة الاحتياط.(1)
فقد جعل مجرى التخيير قسيماً لمجرى الاحتياط والبراءة .

البيان الثاني

الشكّ إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، فالأوّل مجرى الاستصحاب، والثاني إمّا أن يكون الشكّ فيه في التكليف أو لا، والأوّل مجرى البراءة، والثاني إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أو لا، والأوّل مجرى قاعدة الاحتياط والثاني مجرى قاعدة التخيير.(2)
فقد جعل مجرى التخيير قسماً من مجرى الشكّ في المكلّف به، فالشكّ في المكلّف به على قسمين: فإمّا لا يمكن الاحتياط وإمّا يمكن. فالأوّل مجرى التخيير والثاني الاحتياط.
يلاحظ عليه: أنّ المراد من العلم بالتكليف أو الشكّ فيه ـ كما صرّح به الشيخ هو العلم بنوع التكليف كخصوص الوجوب أو خصوص الحرمة، أو الشكّ فيه، فلو علم النوع فهو من قبيل الشكّ في المكلّف به، ولو جهل النوع أو شكّ فيه فهو من قبيل الشكّ في التكليف، وهذا ما يستفاد من كلام الشيخ قال في أوّل رسالة البراءة :«لأنّ الشكّ إمّا في نفس التكليف وهو النوع الخاص من الإلزام وإن علم جنسه كالتكليف المردّد بين الوجوب والحرمة...».(3)

1 . الفرائد: رسالة القطع: 1، طبعة رحمة اللّه.
2 . نفس المصدر .
3 . الفرائد: رسالة البراءة:192، طبعة رحمة اللّه.

(16)
وعلى هذا يرد على التقريرين أمران:
الأمر الأوّل: انّ الشكّ في التكليف ليس ملاكاً للبراءة، ولا الشكّ في المكلف به ملاكاً للاحتياط بل ربّ شك في التكليف يجب فيه الاحتياط، كما أنّ ربّ شك في المكلّف به لا يجب فيه الاحتياط.
أمّا الأوّل، فكالشكّ قبل الفحص، أو كون الشكّ متعلقاً بالدماء والأعراض والأموال أو إذا دار الأمر بين وجوب شيء، وحرمة شيء آخر، حيث إنّ المعلوم جنس التكليف لا نوعه، فالجميع من قبيل الشكّ في التكليف مع أنّه يجب فيه الاحتياط مثلاً يجب في الأخير فعل الأوّل وترك الثاني.
ويمكن دفع الأوّلين، بأنّ الفحص من شرائط جريان البراءة لا من شرائط العمل، فلا موضوع لها قبله، كما أنّ وجوب الاحتياط لدليل ثانوي من الإجماع وغيره ولولاه لكانت البراءة جارية.
نعم يبقى المورد الثالث باقياً بحاله والاحتيال بجعله من قبيل العلم بالنوع بأنّ مرجعه إلى الشكّ إلى العلم بوجوب فعل هذا، أو وجوب ترك ذاك، تكلّف جدّاً.
وأمّا الثاني فكما إذا كان أطراف الشبهة غير محصورة، فلا يجب الاحتياط مع كون الشكّ من قبيل الشكّ في المكلّف به.
الأمر الثاني: انّ نوع التكليف في مجرى التخيير، أعني: دوران الأمر بين المحذورين، مجهول، وعلى هذا فهو من قبيل الشكّ في التكليف، لكنّه جعله قسيماً لكلا الأمرين في البيان الأوّل، وقسماً من الشكّ في المكلّف به في البيان الثاني، في غير محله.
هذا ما يرجع إلى البيانين الموجودين في أوّل رسالة القطع.

(17)

البيان الثالث

وهناك بيان ثالث للشيخ ربما يكون أمتن منهما ولا يرد عليه واحد من الإشكالين، وقد جعل فيه ملاك البراءة والاشتغال عدم نهوض دليل على ثبوت العقاب أو نهوضه من غير نظر إلى كون الشكّ في التكليف أو كون الشكّ في المكلّف به، نعم الغالب على الأوّل عدم نهوض الدليل على العقاب وعلى الثاني نهوضه عليه، وإليك نصّه:
إنّ حكم الشكّ إمّا أن يكون ملحوظاً فيه اليقين السابق عليه وإمّا أن لا يكون، سواء لم يكن يقين سابق عليه أو كان ولم يلحظ، والأوّل مورد الاستصحاب، والثاني إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً أم لا، والثاني مورد التخيير، والأوّل إمّا أن يدل دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا، والأوّل مورد الاحتياط والثاني مورد البراءة.(1)
وقد تبع المحقّق الخراساني كلام الشيخ في تعليقته وقيد مجرى البراءة بما إذا لم يكن هناك حجّة ناهضة على التكليف في البين عقلاً ونقلاً.(2)
أمّا عدم ورود الإشكالين فواضح:
أمّا الأوّل: فلأنّ عدم جريان البراءة في الموارد الثلاثة لنهوض الدليل على العقاب، وأمّا الثاني: فلنهوض الدليل على عدم العقاب من حيث استلزامه العسر والحرج المنفيين في الشرع.
وعلى هذا فيكون مجرى كلّ واحد مشخصاً من دون أن يتداخل أحدهما في الأمر بالنحو التالي:

1 . الفرائد: رسالة البراءة:192، طبعة رحمة اللّه.
2 . تعليقة المحقق الخراساني على الفرائد:3.

(18)
1. مجرى الاستصحاب: أن تكون الحالة السابقة ملحوظة.
2. مجرى التخيير أن لا تكون ملحوظة إمّا لعدمها أو لعدم حجّيتها ولكن كان الاحتياط غير ممكن، سواء كان الشكّ من سنخ الشك في التكليف، كما إذا تردد حكم شيء معين في وقت محدد بين الوجوب والحرمة; أو كان من قبيل الشكّ في المكلّف به، كما لو علم بوجوب البيتوتة إمّا في هذا البلد أو في بلد آخر، فأصالة التخيير تجري في كلا الموردين بملاك عدم إمكان الاحتياط.
3. مجرى البراءة بعد امتناع الاحتياط عبارة عمّا إذا لم ينهض دليل على العقاب بل على عدمه من العقل: كقبح العقاب بلا بيان أو الشرع كحديث الرفع.
4. مجرى الاشتغال بعد إمكان الاحتياط، إذا نهض دليل على العقاب لو خالف.
وهذا هو المختار، وعليه لا يكون هناك أيّ تداخل.
وأمّا المحقّق النائيني فقد تخلص عن التداخل بوجه آخر حيث جعل مجرى البراءة، هو الشكّ في التكليف وفسّـره بالجهل بنوع التكليف وجنسه وجعل العلم بالجنس مع الجهل بالنوع من أقسام الشكّ في المكلّف به، غاية الأمر إذا لم يمكن الاحتياط، يجري التخيير كدوران الأمر بين وجوب الشيء وحرمته، وإذا أمكن يكون مجرى للاحتياط كما إذا علم وجوب شيء، أو حرمة شيء آخر فالمعلوم هو الجنس لكن يختلفان بعدم امكان الاحتياط في الأوّل دون الثاني .
نعم يتوجه عليه النقض بما إذا جهل بالتكليف نوعاً وجنساً فهو عنده من قبيل الشكّ في التكليف ومع ذلك إذا حاز المحتمَل أهميّة خاصة دعت الشارع إلى جعل الاحتياط كالدماء والأعراض والأموال فأمرها وإن كان دائراً بين الحلية والحرمة وكان جنس التكليف مجهولاً لكن يجب الاحتياط.كما يتوجه إليه النقض

(19)
بعدم لزوم الاحتياط في غير المحصورة مع أنّه من قبيل العلم بالتكليف والشكّ في المكلّف به.
إلاّ أن يقال انّه بصدد بيان حكم الشبهة بما هي هي مع قطع النظر عن قيام الدليل الخارجي على حكمها.

(20)

الأمر الأوّل:

في أحكام القطع

ونذكر من أحكامها ما يلي:

1. في وجوب متابعة القطع

قال الشيخ الأعظم : لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه مادام موجوداً، لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع.
وقال المحقّق الخراساني: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً ولزوم الحركة على طبقه جزماً.
يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد من متابعة القطع، متابعة نفس القطع، فهو فرع كونه ملتفتاً إليه مع أنّه أمر مغفول عنه، لأنّ البحث في القطع الطريقي الذي ليس فيه أيّ التفات إلى القطع، وإن أُريد المقطوع كالوجوب والحرمة وغيرهما من الأحكام الصادرة من المولى، فالموضوع لوجوب الاتباع عند نظر العقل هو نفس الأحكام بما هي هي حيث يستقل العقل بلزوم إطاعة أوامر المولى ونواهيه، نعم ذات الأحكام بما هي هي وإن كانت موضوعة لوجوب الإطاعة لكن لا يمكن امتثالها إلاّإذا وقف عليه المكلّف بالحجّة العقلية أو الشرعية كالأمارات، فالوقوف عليها من شرائط تنجز الطاعة من غير اختصاص بالقطع.

(21)

2. هل طريقية القطع أمر ذاتي له؟

المعروف انّ طريقية القطع من ذاتياته أو لوازمه فهي غنية عن الجعل.
توضيحه: انّ الجعل إمّا بسيط وهو جعل الشيء، أو مركب وهو جعل الشيء شيئاً ومفاد الأوّل مفاد كان التامة، ومفاد الثاني مفاد كان الناقصة، ويسمّى جعلاً تأليفياً أيضاً.
ثمّ الجعل التأليفي ينقسم إلى: جعل تأليفي حقيقي كجعل الجسم أبيض، وجعل تأليفي مجازي كجعل الأربعة زوجاً.
ثمّ إنّ ذاتي الشيء أو لازمه غنيان عن الجعل التركيبي الحقيقي، وذلك لأنّ مناط الجعل الحقيقي هو الحاجة وعدم إغناء جعل الموضوع عن جعل المحمول كما هو الحال في جعل الجسم فانّ إيجاده لا يغني عن إيجاد البياض، إذ ليس الجسم بما هوهو واجداً للبياض فيحتاج البياض إلى جعل أمر، بخلاف الأربعة بالنسبة إلى الزوجية فانّ جعلها تُغني عن تعلّق جعل مستقل بها، فجعلها جعل بالنسبة إلى لازمها، وإذا كان هكذا حال اللازم، فكيف بالذاتي كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان.
يلاحظ عليه: أنّ الطريقية ليست ذاتية للقطع وفي الوقت نفسه لا تنالها يدُ الجعل.
أمّا الأوّل: فإن أُريد من الذاتي، ذاتي باب الايساغوجي، فهو فرع كونها جنساً أو فصلاً أو نوعاً وليست كذلك، لأنّ حقيقة القطع ترجع إلى كونه من الحالات النفسانية كسائر الصفات، نعم فيه اقتضاء هداية الإنسان إلى الخارج في بعض الأوقات دون بعض.

(22)
أمّا الثاني: فلأنّـها لو كانت من لوازم وجوده لزم عدم صحّة الانفكاك بينهما مع أنّا نرى أنّ الإنسان غارق في الجهل المركّب وكم من قاطع ليس قطعه إلاّ ضلالة.
ومع الاعتراف بأنّ الطريقية ليست ذاتية للقطع تُصافِقُ القولَ بأنّ الحجّية لا تنالها يد الجعل، لكن لا بالملاك السابق ـ أي كونها ذاتية أو من لوازمه ـ بل بملاك آخر، وهو انّ المراد من الجعل هو الجعل الاعتباري التشريعي، وهو ما لايتعلق إلاّبالأُمور الاعتبارية، وأمّا الطريقية والكاشفية أو تتميم الكشف في الأمارات كلّها أُمور تكوينية لا تتحقق إلاّبيد التكوين لا بالجعل الاعتباري الذي هو موضوع البحث في المقام ،وبذلك يعلم انّ ما يظهر من المحقّق النائيني في غير واحد من المواضع من أنّ المجعول في الأمارات هو الطريقية ليس بتام.
ومثله ما اختاره السيد الحجّة الكوهكمري قدَّس سرَّه في درسه الشريف، فقد كان يقوِّي انّ عمل الشارع في الأمارات هو تتميم الكشف، ومن المعلوم انّ التتميم كأصله أمر تكويني لا تنالهما يد الجعل.
فتخلص من ذلك ان الطريقية ليست ذاتية للقطع وفي الوقت نفسه لا تنالها يد الجعل، وما ربما يقال من أنّ الطريقية ذاتية له عند القاطع غير تام، لأنّ الأُمور التكوينية غير خاضعة للنسبية، لأنّ أمرها دائر بين الوجود والعدم، فالطريقية للقطع إمّا حاصلة أو لا؟ وكونها حاصلة له عند القاطع دون غيره يرجع معناه إلى جهله بالواقع فيزعم غير الطريق طريقاً.
نعم إذا صادف الواقع يكون طريقاً فيكون وصفاً مفارقاً لا دائماً.

(23)

3. هل القطع حجّة بالذات؟

قد تعرفت على حكم الطريقية وانّها غير قابلة للجعل، وإن كانت غير ذاتية له، فيقع الكلام في حجّية القطع، فاعلم أنّ الحجّة على أقسام:
1. الحجّة اللغوية.
2. الحجّة المنطقية.
3. الحجّة الأُصولية.
ونبحث في الجميع واحداً تلو الآخر.
أمّا الحجّة اللغوية أو العقلائية، فهي عبارة عمّا يحتجّ به المولى على العبد وبالعكس. وبعبارة أُخرى: ما يكون قاطعاً للعذر إذا أصاب، وعذراً إذا أخطأ.
فقد افترض المحقّق الخراساني الحجّية بهذا المعنى من لوازم وجود القطع كالإحراق بالنسبة إلى النار، ومن المعلوم امتناع الجعل التأليفي الحقيقي بين الشيء ولازمه، نعم يصحّ الجعل التأليفي العرضي، بجعل الموضوع وإيجاده بسيطاً، فإن جعل النار، جعل للإحراق تأليفاً مجازياً، ثمّ رتب عليه انّه لا يصحّ المنع من تأثيره أي كونه قاطعاً للعذر أو معذّراً، لعدم تعقل الانفكاك بين الشيء ولازمه بل يستلزم اجتماع الضدين في نظر القاطع مطلقاً وافق الواقع أم خالف، وفي نفس الأمر إذا وافق.
وربّما يستدل على امتناع جعل الحجّية له باستلزامه التسلسل، لأنّ الجاعل إمّا أن يكون القطع أو الظن أو الشكّ، والأخيران أنزل من أن يكون مبدأً لحجّية القطع فينحصر بالقطع، فينقل الكلام إليه، إمّا يتسلسل أو يتوقف في مورد، تكون

(24)
الحجّية له هناك أمراً ذاتياً.
يلاحظ عليه: أنّ القطع وإن كان في غنى عن جعل الحجّية لها، لكن لا لأجل كونها من لوازم وجوده وذاته، كذاتي باب البرهان مثل الإمكان بالنسبة إلى الماهية، والزوجية إلى الأربعة، بل لأجل أنّ صحة الاحتجاج بالقطع من الأحكام القائمة بنفس العقل، وليست الحجية من عوارض القطع أو لوازمه حتى يستدل بعدم صحّة الجعل بما سمعت من امتناع الجعل التأليفي بين الشيء وذاتياته أو لوازمه.
وهذا بخلاف الزوجية بالنسبة إلى الأربعة فإنّ الزوجية من لوازم وجود الأربعة وهي قائمة بها قيام اللازم مع الملزوم .
ونظير الحجية بالنسبة إلى القطع حسن العدل وقبح الظلم فربّما يتصور أنّ نسبتهما إلى العدل والظلم كنسبة الزوجية إلى الأربعة بتصور أنّهما من لوازمهما أو من ذاتياتهما.
ولكن الحق أنّ الحسن والقبح من الادراكات العقلية التي ينتقل إليها العقل من احساسه بالملائمة بين الفطرة والعدل و بالمنافرة بينها وبين الظلم، فيعبر عن الاحساسين بالحسن والقبح دون أن يكونا من الأُمور القائمة بالعدل والظلم وقد أسهبنا البحث في ذلك في محله (1).
وهذا هو الوجه في عدم خضوع القطع لجعل الحجّية له، لا كونها ذاتيةً له، أو استلزامه التسلسل، لأنّ الدليل الأوّل باطل والثاني تبعيد للمسافة.

1 . انظر رسالة التحسين والتقبيح العقليين.

(25)

4. ليس القطع حجّة منطقية

إذا كان الحدّ الوسط في القياس المنطقي علّة لثبوت الأكبر للأصغر أو معلولاً لثبوته له فيوصف بالحجّة المنطقية كالتغيّـر الذي هو علّة لإثبات الحدوث للعالم، وصورة القياس واضحة.
وبما انّ البحث في المقام في القطع الطريقي الذي ليس له دور في ثبوت المقطوع به واقعاً وتحقّقه، غير كونه كاشفاً عن الواقع فلا يوصف بالحجّة المنطقية فلا يصحّ تنظيم قياس من القطع وجعله حدّالوسط بأن يقال: هذا مقطوع الخمرية، وكلّ مقطوع الخمرية حرام، فهذا حرام لكذب الكبرى، إذ ليس الحرام إلاّ نفس الخمر، تعلّق بها القطع أو لا، لا خصوص مقطوع الخمريّة.
ومثله الظن والأمارة، فليس الظن والأمارة علّة لثبوت المقطوع به، وإنّما هو كاشف، من دون أن يكون له دور في تحقّق متعلقه، فلا يصحّ أن يقال هذا مظنون الخمرية وكلّ مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه، لكذب الكبرى، لأنّ المحرم هو ذات الخمر، لا كونه بوصف المقطوعية.
هذا كلّه في القطع الطريقي، وأمّا القطع الموضوعي خصوصاً إذا كان تمام الموضوع للحكم فبما انّ له دوراً في ثبوت الحكم كما إذا رتّب الشارع الحرمة على مقطوع الخمرية، يكون القطع واسطة لثبوت الأكبر على الأصغر، ويصحّ تأليف قياس منطقي منه، فيقال هذا مقطوع الخمرية وكلّ مقطوع الخمرية حرام، فهذا حرام والكبرى صادقة بخلاف ما إذا كان القطع طريقاً لا دخيلاً في الموضوع.
والعجب من الشيخ الأعظم حيث فرّق بين القطع والظن، فقال بأنّه لا يحتج بالقطع على ثبوت الأكبر للأصغر، بخلاف الظنّ أو البيّنة أو فتوى المفتي فصحح قول القائل هذا الفعل ما أفتى بتحريمه المفتي، أو قامت البيّنة على كونه

(26)
محرماً، وكلّما كان كذلك فهو حرام(1) مع أنّ الجميع من باب واحد، ولعلّ منشأ الاشتباه هو الخلط بين الحجّة المنطقية والحجّة الأُصولية، فانّ التفكيك إنّما يصحّ في الثانية دون الأُولى، وإليك بيانها.

5. ليس القطع حجّة أُصولية بخلاف الظن

الحجّة الأُصولية عبارة عمّا لا يحكم العقل بالاحتجاج بها ولا يحكم بعدمه أيضاً غير أنّ العقلاء أو الشارع يرون الاكتفاء بالقطع يوجب العسر والحرج، أو فوتَ المصالح لقلة القطع واليقين، فيعتبرون الأمارة في الأحكام والبيّنة في الموضوعات حجّة لإثبات متعلقاتهما، والحجّة بهذا المعنى من خصائص الحجج العقلائية والشرعية، وذلك لأنّ كاشفية الأمارة ليست تامة فيحتاج في صحّة الاحتجاج بها إلى إضفاء الحجّية عليه، من جانب العقلاء أو المولى.
وهذا بخلاف القطع فبما انّه كاشف تامّ عند القاطع، يستقل العقل بصحة الاحتجاج به يراه غنيّاً عن إفاضة الجعل عليه، مضافاً إلى ما عرفت من استلزامه التسلسل.

6. لا يصحّ المنع عن العمل بالقطع

إذا كان الحكم مترتباً على الواقع كالحرمة على الخمر بما هوهو، فلو قطع إنسان بكون المائع خمراً لا يصحّ النهي عن العمل به لاستلزامه كون الناهي مناقضاً في كلامه في نظر القاطع، سواء أصاب أم أخطأ، إذ معنى النهي هو تعلّق إرادتين تشريعيتين مختلفتين بشيء واحد.
نعم إذا كانت للطريق مدخليّة في موضوع الحكم، فله أن يتصرّف في

1 . الفرائد:1، طبعة رحمة اللّه.

(27)
الموضوع ويرتّب الحرمة على الخمر الثابت بالقطع الحاصل من الحسّ دون الحدس، أو على الخمر الثابت بالبيّنة دون القطع ترجيحاً لها على قطع المكلّف لكثرة الخطأ في قطعه.
هذا كلّه في أحكام القطع.
بقي هنا شيء وهو ماذكره المحقّق الخراساني:

7. أحكام القطع مترتّبة على القطع بالحكم الفعلي

قد مضى وسيوافيك انّ الحكم له مراتب أربع:
1. مرتبة الاقتضاء كالمصالح والمفاسد وتسميتها بالحكم بنوع من التوسّع والمجاز، وإلاّفهما من مبادئه ومقدماته.
2. مرتبة الإنشاء والتصويب قبل الإبلاغ إلى المكلّف.
3. مرتبة الفعليّة، وجعل البعث والزجر في مظان وجود التكليف.
4. مرتبة التنجيز إذا وقف عليه المكلّف، وإبلاغه إلى المكلّفين.
وما ذكر من الأحكام للقطع فإنّما هي في مورد تعلقه بحكم فعلي، يتنجّز بالقطع، وأمّا ما لم يبلغ تلك المرتبة، فلا يترتب عليه حكم شرعي، لأنّه ليس حكماً وإن كان يترتّب عليه الثواب إذا قام بالامتثال من باب الانقياد.
ثمّ أشار إلى مشكلة الجمع بين الحكم الواقعي الفعلي و الظاهري، وسيوافيك بيانه في مبحث الأمارات.

(28)

الأمر الثاني

في التجرّي

وقبل الورود في الموضوع نذكر أُموراً:

1. التجرّي لغةً:

التجرّي في اللغة مطلق إظهار الجرأة، فإذا كان المتجرّى عليه هو المولى فيتحقّق التجرّي بالإقدام على خلاف ما قطع بوجوبه أو بحرمته بترك الأوّل وارتكاب الثاني دون فرق بين كون قطعه مصيباً للواقع أو مخالفاً له، ولكن المقصود من التجرّي هنا ليس المعنى اللغوي بل المعنى المصطلح، وهو الإقدام على خلاف ما قطع به في مجال إطاعة المولى شريطة أن يكون قطعه خلافاً للواقع. كما إذا أذعن بوجوب شيء أو حرمته، فترك الأوّل وارتكب الثاني فبان خلافهما، ويسمّى مخالفة القطع المصيب بالمعصية.
ومنه يظهر حال الانقياد فهو لغة الإقدام على وفق ما قطع، سواء كان في قطعه مصيباً أم لا، لكن المراد هنا هو القسم الخاص، أعني: ما إذا عمل على وفق قطعه، لكن إذا تبيّن خطأ قطعه، فيختصّ الإقدام على وفق القطع المصيب بالطاعة.
ومنه يعلم أنّ التجري والانقياد بالمعنى الاصطلاحي لا يختصان بالقطع بل يعمان الحجج الشرعية أيضاً من الأمارات والأُصول، فلو خالف البيّنة أو الأصل

(29)
العملي ثمّ ظهر عدم إصابتها للواقع يسمى تجريّاً، ومثله الانقياد فهو لا يختص بالقطع بل يعم الحجج الشرعية أيضاً.

2. التجرّي اصطلاحاً:

إنّ التجري بالمعنى الاصطلاحي إنّما يتصور إذا كان القطع طريقياً محضاً بحيث ينصبّ الحكم على ذات الواقع سواء أقطع به أم لا، وسواء أكانت هناك حجّة أم لا.
وأمّا إذا كان الحكم منصبّاً على القطع بالشيء بحيث يكون القطع تمام الموضوع للحرمة سواء صادف الواقع أو لا، فلا يتصور التجري الاصطلاحي هنا بل يعدّ من قبيل المعصية.

3. هل المسألة كلامية أو أُصولية أو فقهية؟

قال شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري: إنّ النزاع يمكن أن يقع في استحقاق العقوبة وعدمه فيكون راجعاً إلى النزاع في المسألة الكلاميّة، كما يمكن أن يقع النزاع في ارتكاب الشيء المقطوع حرمته هل هو قبيح أو لا؟ فتكون المسألة من المسائل الأُصولية التي يستدلّ بها على الحكم الشرعي، ويمكن أن يكون النزاع في كون هذا الفعل، أعني: ارتكاب ما قطع بحرمته مثلاً حراماً شرعاً أو لا، فتكون من المسائل الفقهية.(1)
أقول: الظاهر انّ المسألة قاعدة فقهية، ومصبّ البحث فيها كون نفس التجرّي حراماً أو لا، حتى يكون دليلاً على الحكم الشرعي في أبواب مختلفة من الفقه.

1 . درر الفوائد: 2/11.

(30)
وأمّا البحث عن كونه قبيحاً أو لا؟ فإنّما هو من باب الاستدلال على الحرمة لكشف القبح عن الحرمة لو قلنا بصحّة الكشف في هذه المقامات، كما أنّ البحث عن استحقاقه للعقاب بحث عن نتيجة المسألة.

4. أقسام التجرّي:

إنّ الشيخ قسّم التجرّي إلى أقسام ستة نذكر منها ثلاثة:
أ. إذا نوى ارتكاب المحرم من دون ارتكاب مقدّماته فضلاً عن ارتكاب نفس الحرام ثم ارتدع.
ب. إذا نوى وارتكب بعض المقدمات ثمّ ارتدع.
ج. إذا ارتكب ما يراه محرماً ثمّ بان كونه مباحاً.
ومحلّ البحث هو القسم الثالث للاتفاق على عدم حرمة القسمين الأوّلين.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنّ الكلام يقع تارة في حكم نفس ارتكاب ما قطع بحرمته مثلاً وانّه هل هو حرام أو لا؟ وأُخرى في حكم الفعل المتجرّى به الذي تحقّق التجرّي في ضمنه من حيث الحرمة وعدمها، ولأجل ذلك يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في حكم نفس التجرّي

إذا ارتكب المكلّف ما يراه معصية أو ما قامت الحجّة على كونه كذلك، فهل ارتكب حراماً أو لا؟ ففيه أقوال ثلاثة:
1. الحرمة واستحقاق العقاب. وهو خيرة المحقّق الخراساني.
2. عدم الحرمة وعدم استحقاق العقاب. وهو خيرة الشيخ الأنصاري

(31)
وإنّما يستحق اللوم والذم.
وبعبارة أُخرى: ليس هناك قبح فعلي، ولو كان هناك قبح، فإنّما يرجع إلى الفاعل.
3. القول بهما إلاّ إذا اعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة فلا يبعد عدم استحقاق العقاب ومرجعه إلى القول الأوّل غاية الأمر تتدارك الجهة القبيحة، بالجهة المحسِّنة الواقعية. وهو خيرة صاحب الفصول.
واستدلّ القائل بالقبح أو الحرمة بالإجماع تارة، وبناء العقلاء أُخرى، ودليل العقل ثالثاً.
أقول: إنّ الإجماع على فرض ثبوته لا يحتجّ به في مثل تلك المسألة ممّا للعقل إليه سبيل لاحتمال اعتماد المجمعين على حكم العقل، فيكون الإجماع مدركيّاً لا يحتجّ إلاّ بالمدرك لا بالإجماع.
على أنّ الإجماع مخدوش كما يظهر من التذكرة في من أخّر الصلاة مع ظنّ ضيق الوقت ثمّ بان بقاؤه، فقال العلاّمة في التذكرة بعدم العقاب، وحكي عن المفاتيح أيضاً.
نعم أفتوا بحرمة سلوك طريق محظور، لأجل انّ الخوف هو موضوع الحرمة لا الخطر الواقعي.
وأمّا بناء العقلاء فلا يتجاوز عن ذم المرتكب ولومه لا عقابه، وبقي الدليل الثالث أي العقلي فنقول:

قرّر الدليل العقلي بوجوه:

الأوّل: ما نقله الشيخ في فرائده، وحاصله: إذا فرضنا انّ اثنين قصدا شرب الخمر، فصادف أحدهما الواقع دون الآخر، فإمّا أن نقول بصحّة عقوبتهما معاً، أو

(32)
عدم عقوبتهما كذلك، أو عقوبة المخطئ دون المصيب أو بالعكس; والأوّل هو المطلوب، والثاني والثالث خلاف المتفق عليه، وأمّا الرابع فيلزم أن يكون العقاب والثواب منوطين بأمر خارج عن الاختيار.
أقول: نحن نختار الشقّ الرابع وهو عقاب المصيب دون المخطئ، ولكن القبيح هو إناطة العقاب بأمر خارج عن الاختيار، وأمّا إناطة عدم العقاب بأمر خارج عن الاختيار فليس بقبيح كما أوضحه الشيخ الأنصاري، والحاصل نعاقب المصيب لأنّه شرب الخمر عن اختيار، كما شربها في حالة الانفراد، ولا نعاقب المخطئ لأنّه لم يشرب وإن كان عن لا اختيار. وبعبارة أُخرى: تحقّق سبب الاستحقاق في المصيب وهو مخالفته عن عمد، وعدمه في الثاني ولو بلا اختيار.
الثاني: ما ذكره المحقّق الخراساني من شهادة الوجدان بصحّة مؤاخذته وذمّه على تجرّيه وهتك حرمة مولاه وخروجه عن رسم العبودية وكونه بصدد الطغيان والعزم على العصيان، كما يشهد الوجدان على صحّة مثوبته على قيامه بما هو قضية عبوديته من العزم على موافقة القطع والبناء على طاعته.
أقول: إنّ موضوع البحث هو مخالفة الحجّة العقلية أو الشرعية لأجل غلبة الهوى على العقل، والشقاء على السعادة وربّما مع استيلاء الخوف على المرتكب وعروض الارتعاش حينه، فهل يستحق العقاب أو لا؟
وأمّا ضمّ عناوين أُخر إلى ذلك من الهتك والتمرّد ورفع علم الطغيان فكلّها أجنبيّة عن المقام، ولا شكّ في استحقاق العقاب لو كان عمله مصداقاً للهتك ورمزاً للطغيان وإظهار الجرأة، إلى غير ذلك من العناوين القبيحة.
والحاصل: انّ الإنسان ربما يرتكب ما يقطع بحرمته لا لأجل الطغيان وإظهار الجرأة وهتك الستر، بل لما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي الذي علمه إيّاه الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ حيث قال في مقطع من مناجاته معلّماً للداعي:

(33)
«إلهي لم أعصك حين عصيتُك وأنا بربوبيّتك جاحد، ولا بأمرك مستخف، ولا لعقوبتك متعرض، ولا لوعيدك متهاون، لكن خطيئة عرضت وسوّلت لي نفسي وغلبني هواي، وأعانني عليها شقوتي، وغرّني سترك المرخى عليّ».
أضف إلى ذلك انّه يستلزم تعدّد العقاب عند الإصابة لموجبين: أحدهما: العصيان، والثاني: العنوان المشترك (كالتمرّد والهتك و ...); فقد اتفقوا على أنّ مجرّد مخالفة أمر المولى بلا عذر (العصيان) بأيّ داع كان مستلزم للعقوبة، فإذا ضمّ إليه العنوان المشترك بينه وبين التجرّي يلزم تعدّد العقاب.
ثمّ إنّ صاحب الفصول تفصّى عن الإشكال بتداخل العقابين، ومن المعلوم انّه لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنّه إن أراد من التداخل وحدة العقاب فيكون ترجيحاً بلا مرجح، وإن أراد كثرة العقاب فليس تداخلاً.
الثالث: ما هو الملاك للعقاب في المعصية؟ فهناك احتمالات:
1. ذات المخالفة للأمر والنهي.
2. تفويت غرض المولى.
3. ارتكاب مبغوض المولى.
4. كونه هتكاً لحرمة المولى وجرأة عليه وإن شئت قلت: المخالفة الاعتقادية.
ولا تصلح الثلاثة الأُولى ملاكاً للعقاب، لوجودها في الجاهل المعذور إذا خالف، فتعيّن الرابع، وهو مشترك بين المعصية والتجرّي.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الملاك للعقاب في المعصية أمر خامس غير موجود لا في المخالفة عن جهل، ولا في التجري وهو مخالفة أمر المولى واقعاً عن عمد بلا عذر وهو مختص بالعصيان، وأمّا غيرهما فالجزء الأوّل أي المخالفة في التجرّي غير

1 . لمحقّق الاصفهاني: نهاية الدراية:2/8.

(34)
موجود، والمخالفة للواقع وإن كانت موجودة في المعذور، لكن القيد الثاني (بلا عذر) منتف.
الرابع: ما نقله المحقّق النائيني في كلام مبسوط حاصله: انّ المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب هو جهة البغض الفاعلي وحيثيّة صدور الفعل الذي يعلم بكونه مبغوضاً للمولى من دون دخل للواقع، فانّ الإرادة الواقعية ممّا لا أثر لها عند العقل إلاّ بعد الوجود العلمي، وهذا المعنى مشترك بين العاصي والمتجري.
وإن شئت قلت: إنّ المناط عند العقل في استحقاق العقاب هو البغض الفاعلي الناشئ عن العلم بالمخالفة والمعصية، وهذا بعد ما كان العلم من باب الطاعة والمعصية موضوعاً عند العقل واضح.(1)

يلاحظ عليه بأمرين:

1. بعد تسليم كون مناط العقاب هو البغض الفاعلي، انّ الملاك هو البغض الفاعلي المتولد من القبح الفعلي وهذا يختص بالمعصية، وأمّا التجرّي، فالقبح الفاعلي هناك متولد من سوء السريرة وخبث الباطن أو غلبة الهوى على العقل، والشقاء على خلافه لا من القبح الفعلي.
2. إنّ الهدف من إثبات قبح إرادة المعصية، هو إثبات حرمته ليترتب عليه العقاب، ولكن المحاولة فاشلة، لأنّه ليس كلّ حسن ملازماً للحكم بالوجوب، ولا كلّ قبيح ملازماً للحرمة، إلاّ إذا تعلّق بمبادئ الأحكام وعللها وموضوعاتها كردّ الأمانة أو الخيانة بها، فيكشف كلّ من الحسن والقبح عن وجوب الأوّل وحرمة الثاني، وأمّا إذا تعلّق بمعاليل الأحكام كالطاعة والمعصية، فانّ حسن الأوّل وقبح الثاني لا يكشفان عن حكم شرعي، وإلاّ يلزم عدم انتهاء الأحكام إلى حدّ وتسلسل العقوبات، وذلك لأنّ الطاعة والمعصية لا يتحقّقان إلاّ إذا سبق عليهما

1 . الكاظمي: فوائد الأُصول:3/48.

(35)
حكم شرعي، حتى يقال بحسن طاعته وقبح عصيانه، فلو كشف الحكم بحسن طاعة ذلك الحكم، وقبح عصيانه، عن حكم شرعي ثالث يستقل العقل بحسنه وطاعته لتسلسل الأحكام والعقوبات وهو خلاف الوجدان والضرورة.
ومنه تظهر الحال في إرادة المعصية والطاعة، فلو افترضنا حسن الأُولى وقبح الثانية فلا يكشفان عن حكم شرعي حتى تترتب عليه المخالفة والموافقة وبالتالي: المثوبة والعقوبة فالكلّ خارج عن حريم الملازمة كما لا يخفى.
تمّ الكلام في المقام الأوّل، وإليك الكلام في المقام الثاني.

المقام الثاني: في حكم المتجرّى به

الفرق بين التجرّي، والمتجرّى به واضح، فانّ الأوّل فعل للعبد ينتزع من مخالفة المكلّف الحجّة العقلية والشرعية بخلاف الثاني فانّه عبارة عن نفس العمل الخارجي كشرب الماء الذي تتحقق به مخالفة الحجّة.
ثمّ الكلام فيه تارة من حيث القبح، وأُخرى من وجه الحرمة الشرعية.
فقد استدل المحقّق الخراساني على عدم قبحه بوجوه ثلاثة:
1. انّ القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات التي بها يصير الشيء حسناً وقبيحاً ولا ملاكاً للمحبوبية والمبغوضية، فقتل ابن المولى مبغوض وإن قتله بعنوان انّه عدوه، وقتل عدوّه حسن وإن قتله بعنوان انّه ابنه.
2. انّ الفعل المتجرّى به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختيارياً، فانّ القاطع لا يقصده إلاّ بما قطع انّه عليه من العنوان الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الأوّلي بل يكون غالباً بهذا العنوان ممّا لا يلتفت إليه.(1)

1 . كفاية الأُصول:2/13.

(36)
3. انّ المتجرّي قد لا يصدر عنه فعل إختياري أصلاً، فمن شرب الماء باعتقاد الخمرية لم يصدر منه ما قصده وما صدر منه لم يقصده بل ولم يخطر بباله.(1)
يلاحظ على الأوّل : أنّ العنوان المقبح في كلامهم ليس هو القطع بالقبح بل الجرأة والتمرد والطغيان أو الهتك والظلم ولا شكّ انّـها من العناوين المقبحة، ومنه يظهر حال الوجه الثاني فانّه مبني على كون العنوان القبيح هو القطع ومضافاً إلى ما في إنكار كون القطع مورداً للالتفات إجمالاً، فانّ الالتفات إجمالاً إلى العلم ممّا لا ينكر.
ويلاحظ على الثالث انّه يكفي في صدور الفعل الاختياري، كون الجامع بين الخمر والماء مورداً للالتفات وهو شرب المائع، فكيف يقال انّه لم يصدر منه، ولذلك يبطل صومه بشرب ما قطع كونه خمراً وهو ماء.
ومع ذلك كلّه، فالحقّ مع المحقّق الخراساني انّ الفعل المتجرّى به باق على ما هو عليه، لأنّ العناوين المقبحة لا تتجاوز عن خمسة: ثلاثة منها قائمة بالجنان، كالجرأة، والعزم على المعصية والطغيان، وقبحها لا يسري إلى الفعل لكونها من الأُمور القلبية والفعل كاشف عنها; واثنان منها الظلم والهتك وإن كانا قائمين بالفعل لكنّهما يختصان بالمعصية فالظلم على المولى بنقض قانونه، والمفروض عدمه مثله والهتك بمعنى خرق الستر فانّه من خصائص المعاصي.

في حرمة الفعل المتجرّى به

قد عرفت أنّ الفعل المتجرّى به باق على ما كان عليه من الحسن والقبح إنّما الكلام في حرمته شرعاً لا باستكشاف حرمته من قبحه، لما عرفت من عدم قبحه بل بوجهين تاليين:

1 . تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد:13.

(37)

1. ادعاء شمول الخطابات الأوّلية له(حرمته بالعنوان الأوّلي)

يمكن أن يقال: انّ متعلّق الخطابات الأوّلية ليس هو شرب الخمر الواقعي، بل القدر الجامع بين مصادفة القطع للواقع، ومخالفته له، بأن يقال: انّ الحرام تحريك العضلات نحو شرب ما أحرز انّه خمر، فيكون المتجرّي عاصياً حقيقة.
والدليل عليه: انّ متعلّق التكليف يجب أن يكون مقدوراً وليست المصادفة والمخالفة الواقعيتين تحت الاختيار حتى يتعلق التكليف بالمصادف دون المخالف، فيجب أن يكون متعلّقه إرادة ما أحرز انّه من مصاديق الموضوع إذ هو الفعل الاختياري، فتكون نسبته إلى المطابق والمخالف على حدّ سواء.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الأحكام تتعلّق بما تشمل على المصالح والمفاسد، ولا شكّ انّ المفسدة قائمة بشرب الخمر بما هوهو سواء كان عالماً أو جاهلاً غير انّ الحكم الشرعي لا يتنجز إلاّ بالعلم، فإذا كان كذلك، فالخطابات الأوّلية لا تعمّ إلاّ شرب الخمر الواقعي، لا شرب ما أحرز انّه خمر، وإلاّ يلزم تعلّق الأحكام بالأوسع ممّا قام به الملاك.
وأمّا كون الإصابة وعدمها خارجتين عن الاختيار، فقد عرفت أنّ الأُولى داخلة تحته، نعم الخطاء وعدم الإصابة خارج عنه، فلو قصد شخصان قتل إنسان فأطلقوا الرصاص فأصاب أحدهما دون الآخر، يعاقب الأوّل لأجل قيامه بالفعل الاختياري من قتل إنسان بريء.
هذا كلّه حول حرمته حسب العنوان الأوّلي. بقي الكلام في حرمته بالعنوان الثانوي.

1 . فوائد الأُصول:2/37ـ 38.

(38)

2. حرمته بالعنوان الثانوي

قد عرفت أنّ ادّعاء شمول الإطلاقات للفعل المتجرّى به في غاية الضعف، ومثله القول بحرمته لأجل العناوين الثانوية كالجرأة والطغيان والتمرّد، والظلم والهتك، فانّ الثلاثة من الأُمور النفسانية غير القائمة بنفس الفعل، كما مرّ سابقاً، وأمّا الظلم على المولى فرع نقض القانون وهو يختص بالعاصي، وأمّا الهتك فهو فرع التظاهر بالعمل والمفروض في المقام غيره، بل البحث مركز على مخالفة الحجّة وإن كان في خفاء مع الخوف والوجل.
وبذلك يعلم حال الفعل المنقاد به، فلا يوصف بالحسن، كما إذا جامع امرأة أجنبية بزعم انّها زوجته قضاء للواجب في كلّ أربعة أشهر، فالفعل باق على قبحه، نعم يفارق الانقياد عن التجرّي بورود الدليل على ترتب الثواب على الأوّل، دون العقاب على التجرّي.

أسئلة ثلاثة وأجوبتها

السؤال الأوّل: حكم التجرّي في الآيات والروايات

إذا لم يكن في مورد التجرّي قبح فعلي وبالتالي لم يكن أي عقاب، فما معنى ما دلّ من الآيات والروايات على ثبوت العقاب لنية العصيان بالدلالة المطابقية أو الالتزامية.
الجواب: لا دلالة لما استدل به من الأدلّة على المدّعى، وإليك دراسة الآيات أوّلاً، ثمّ الروايات ثانياً.
الف. قوله سبحانه: (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ

(39)
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاء) .(1)
والجواب بوجهين: أوّلاً: انّ الآية كبرى كلية لما مرّفي الآية المتقدمة، أعني: قوله سبحانه:(وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادة وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) .(2) ممّا يجب إظهارها ويحرم كتمانها وليست نية المعصية من مصاديق هذه المقولة ممّا يجب إظهارها ويحرم كتمانها.
وثانياً: انّ القدر المتيقن من الآية، الأُمور التي لها رسوخ في النفس كالإيمان والكفر، والملكات الفاضلة أو الرذيلة، ولا تعم الأُمور الآنيّة كنية العصيان التي تأتي وتزول.
2. قوله سبحانه: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسئُولاً) .(3)
يلاحظ على الاستدلال: أنّ ظاهرها انّ لكلّ من السمع والبصر والفؤاد وظائف وأحكاماً يكون كلّ منها مسؤولاً عنها، وهذه الضابطة أمر مسلم، انّما الكلام في الصغرى وهي هل الفؤاد مسؤول عن حرمة نيّة المعصية إذا نواها وإن لم يرتكبها؟ فلم يدلّ دليل عليه.
والحاصل: انّ الكبرى لا تدل على الصغرى أي كون الفؤاد مسؤولاً عنه لا يدل على أنّه يسأل حتّى عن نيّة المعصية، نعم هو مسؤول عن الإيمان والكفر والنفاق وغيرها ممّا دلّ الدليل القطعي على أنّها من وظائفه، نعم لو ثبت انّ الفؤاد مسؤول عن كلّ ما يرجع إليه، يكون هذا دليلاً على حرمة نيّة الجرأة.
3. (لا يُؤاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ

1 . البقرة:284.
2 . البقرة:283.
3 . الاسراء:36.

(40)
قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَليمٌ) .(1)
وكيفية الاستدلال واضحة:
والجواب انّ المراد من قوله: (بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) بقرينة مقابلته لقوله : (باللّغو في أيمانِكُم) هو اليمين التي يحلف بها الإنسان عن عقد القلب وقصد منه، وأين هو من المؤاخذة على كلّ عمل قلبي. وحاصل الآية: انّ ما يحلف به الإنسان جرياً على عادته من قوله: «واللّه»، «بلى واللّه» لا يؤخذ به، بل يؤخذ على كلّ يمين كان للقلب والشعور تأثير فيه وهو الأيمان الجدية.
4. (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيا وَالآخِرَة وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون) .(2)
ترى أنّه سبحانه أوعد بالعذاب على من أحبّ شيوع الفاحشة في الّذين آمنوا وهو أمر قلبي.
يلاحظ على الاستدلال: أنّ حبّ شيوع الفاحشة من المعاصي الموبقة كما سيوافيك إن شاء اللّه عند البحث في الروايات، فانّ هناك أعمالاً قلبية محرمة كالرضا بمعصية الغير، وأين هو من النية العارية بالنسبة إلى فعل الناوي؟!
أضف إلى ذلك انّ الحب في الآية قد اقترن بالعمل، لأنّها نزلت في حقّ عبد اللّه بن أُبيّ الّذي قام بقذف الأبرياء بالفحشاء والمنكر، والمورد يصلح للقرينية، فلا يمكن التمسك بالإطلاق حتى لمن أحبّ شيوع الفاحشة عارياً عن العمل.
5. قوله سبحانه:(تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَساداً وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين) .(3)

1 . البقرة:225.
2 . النور:19.
3 . القصص:83.

(41)
إنّ الاستدلال بالآية ضعيف، لأنّها وردت في شأن قارون وقد أراد علواً في الأرض وفساداً من وراء أعماله الموبقة.
وبعبارة أُخرى: انّ المراد من عدم إرادة العلو، هو عدم بغيه عملاً، وعدم طلبه خارجاً فأطلقت الإرادة، وأُريد منها عدم تحقّق المراد.
هذا كلّه حول الآيات، وأمّا الروايات فهي على صنفين: صنف منها يدل بظاهره البدئي على ترتب العقاب على مجرد نيّة العصيان، وصنف آخر يدل على خلافه، وإليك الكلام في كلا الصنفين:

الصنف الأوّل: ما يدل على ترتّب العقاب

1. حشر الناس على نياتهم

عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ اللّه يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة».(1)
والحديث وإن كان بظاهره دليلاً على المطلوب، ولكنّه يفسّره حديث آخر عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «في حديث انّما الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند اللّه فقد وقع أجره على اللّه عزّوجلّ، ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالاً لم يكن له إلاّما نوى».(2)
والحديث المفسِر (بالكسر) والمفسَر (بالفتح) وإن كانا ضعيفي السند، لكن الثاني يرفع الستار عن وجه الأوّل، وانّ المراد من حشر الناس على نياتهم هو حشرهم على نيّاتهم الخالصة أو المشوبة بالرياء، فأين هذا من المطلوب؟!

1 . الوسائل: الجزء 1، الباب5، من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 5.
2 . المصدر السابق: الحديث 10.

(42)

2. جمع الناس بالرضا والسخط

ما روي عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، انّه قال: «أيّها النّاس إنّما يجمع الناس الرضا والسخط، وإنّما عَقَر ناقَة ثمود رجل واحد، فعمّهم اللّه بالعذاب لما عمّوه بالرضى، فقال سبحانه: (فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمين)(1)» .(2)
ما روي عنه ـ عليه السَّلام ـ : «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كلّ داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضا به».(3)
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الرضا بصدور المعصية عن الغير من المعاصي الكبيرة وليست من التجرّي، نظير ذلك حبّ شيوع الفاحشة بين الناس كما جاءت في الآية المباركة: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَليم).(4)
فإنّ نفس الحب معصية قلبية كالكفر والنفاق وغير ذلك، وهذه الروايات الأربع لا دلالة لها على مقصود المستدل.

3. نيّة الكافر شرّ من عمله

روى السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: نيّة المؤمن خير من عمله، ونيّة الكافر شرٌّ من عمله، وكلّ عامل يعمل على نيّته».(5)

1 . الشعراء:157.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 221.
3 . المصدر نفسه، قسم الحكم، الرقم 154.
4 . النور:19.
5 . الوسائل: 1، الباب 6 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 3;ولعلّه متحد مع الحديث 22 في هذا الباب.

(43)

يلاحظ عليه بأمرين:

أ. انّ المضمون غريب، إذ كيف تكون نية المؤمن العارية عن العمل، خير من عمله، ومثله نيّة الكافر مع أنّ العمل أفضل من النيّة العارية للمؤمن وعلى العكس في الكافر، والغرابة في المضمون تعدّ من مضعفات الاحتجاج بالرواية المذكورة.
ب. انّ الحديث وُجِّه في بعض الروايات بوجهين:
فتارة: فسر «الخير» في الحديث بالكثرة، بمعنى انّ نية المؤمن أكثر وأوسع من عمله كما انّ نية الكافر أكثر وأوسع من عمله، فالمؤمن يبغي الخير الكثير ولا ينال إلاّ القليل كما انّ الكافر يبغي الشر الكثير ولا ينال إلاّ القليل لضيق قدرته. وقد روى الحسن بن حسين الأنصاري، عن بعض رجاله، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنّه كان يقول:
«نيّة المؤمن أفضل من عمله ذلك لأنّه ينوي من الخير مالا يدركه، ونيّة الكافر شرٌّ من عمله وذلك لأنّ الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر مالا يدركه».(1)
وأُخرى: بأنّ نيّة المؤمن بعيدة عن الرياء دون عمله، فقد روى زيد الشحام، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّي سمعتك تقول: نيّة المؤمن خير من عمله فكيف تكون النية خيراً من العمل؟ قال: «لأنّ العمل ربما كان رياء للمخلوقين والنية خالصةً لربِّ العالمين، فيعطي عزّ وَجَلّ على النية مالا يعطي على العمل».(2)
والتوجيه يختص بنيّة المؤمن ويبقى الإشكال في نية الكافر على حاله.

1 . الوسائل:1، الباب6 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 17.
2 . المصدر السابق، الحديث15.

(44)
وحاصل الكلام: انّ الحديث مشتمل على مضمون غريب أوّلاً، وانّ الخير والشر فُسِّرا بالكمية تارة، أو بالابتعاد عن الرياء أُخرى، وأين هذا من كون النية المجردة حراماً؟!

4. خلود أهل النار لأجل النية

روى أبو هاشم المدني قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :«انّما خُلِّد أهل النار في النار، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا اللّه أبداً; وإنّما خُلِّد أهل الجنة في الجنة، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا، أن لوبقوا فيها، ان يطيعوا اللّه أبداً; فبالنيات خُلِّد هؤلاء وهؤلاء، ثمّ تلا قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ)(1) قال: على نيّته».(2)
ولا يخفى وجود الغرابة في مضمون الحديث، إذ ليس كلّ مؤمن ولا كافر على النحو الذي وصف في الرواية، على أنّ الحديث ضعيف بالحسين بن أحمد المنقري، وأحمد بن يونس، فكيف يحتجّ بحديث غريب في المضمون محكي بالضعاف؟!
وأمّا وجه خلودهم في الجنّة، فقد أوضحنا ذلك في كتاب الإلهيات.(3)

5. يكتب في حال المرض ما عمل في حال الصحّة

روى جابر، عن أبي جعفر قال: قال لي: «يا جابر: يكتب للمؤمن في سقمه من العمل الصحيح ما كان يكتب في صحّته، ويكتب للكافر في سقمه من

1 . الإسراء:84.
2 . الوسائل: الجزء 1، الباب 6 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث4.
3 . تلخيص الإلهيات:671.

(45)
العمل السيّئ ما كان يكتب في صحّته».
ثمّ قال: «يا جابر ما أشدّهذا من حديث».(1)
والحديث ضعيف جّداً لما اشتمل على مجاهيل في السند. أضف إلى ذلك انّه يحتمل أن يكون الحديث ناظراً إلى الأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمن كبناء المسجد فمادام المسجد باقياً ومأوى للمصلين يصل ثوابه إلى المؤمن وإن كان طريح الفراش، ومثله في الكافر إذا أسس سنة سيئة، والقرينة على هذا التفسير هي كلمة «العمل الصالح والعمل السيّئ» فقد ورد عن رسول اللهـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّمن ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة تجرى له، أو ولد صالح يدعو له».(2)
وهذا الخبر وما تقدمه لا يحتج بهما لغرابة متنهما أو ضعف سندهما مضافاً إلى ما عرفت من المناقشة في الدلالة.

الصنف الثاني: ما يدل على عدم الحرمة

تضافرت الروايات على أنّ من ألطافه سبحانه على عباده هو انّه يُجزي علينية العمل الصالح وإن لم يفعله المؤمن، ولا يُجزي على نية العمل السيّئ مالميرتكبه، وإليك شيئاًمن تلك الروايات، ونشير في الهامش إلى محال مالم نذكره.
روى الكليني عن زرارة، عن أحدهماعليمها السَّلام ، قال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى جعل لآدم في ذريته انّ من همَّ بحسنة فلم يعملها كتب له حسنة ،ومن همّ بحسنة وعملها كتبت له عشراً ;و من همّ بسيئة لم تكتب عليه، ومن همّ بها وعملها كتبت

1 . الوسائل: الجزء1، الباب 7 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث5.
2 . بحار الأنوار:2/23.

(46)
عليه سيئة».(1)
وبما انّ هذا الصنف من الروايات أكثر عدداً وأوضح دلالة يتعين الأخذ بها، إنّما الكلام في الصنف الأوّل، فهل هناك جمع دلالي أو لا؟
يظهر الأوّل من الشيخ فقد جمع بينهما بوجهين:
الوجه الأوّل: حمل الطائفة الأُولى على من بقي على قصده حتى عجز لا باختياره،والطائفة الثانية على من ارتدع بنفسه واختياره.
واستشهد على هذا الجمع بالنبوي، قال: «إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة، فالقاتل والمقتول في النار»، قيل: يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لأنّه أراد قتله».(2)
أقول: إنّ في السند الحسين بن علوان وهو عامي لم يوثّق، كما أنّ فيه عمرو ابن خالد وهو زيدي بتري فالحديث لايحتج به.
أضف إلى ذلك انّ إرادة قتل المؤمن بالنحو الذي ورد في الرواية من سل السيف على وجهه إلى أن عجز، من المحرمات وليس من التجرّي، لأنّ فيه إخافة للمؤمن وهو حرام.
وإن شئت قلت: ليس التعليل انّه أراد المعصية، بل أراد القتل على النحو الوارد في الرواية وإرادة القتل بالنحو الوارد فيها من المعاصي.
وقد عقد صاحب الوسائل باباً في الحدود تحت عنوان «من شهر السلاح لإخافة الناس».(3)

1 . الوسائل: 1، الباب 6من أبواب مقدمة العبادات، الحديث السادس; ولاحظ الحديث 7، 8، 20، 21، 24 من هذا الباب، والباب 7 ، الحديث 3.
2 . الوسائل: 11، الباب 67 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 2 من أبواب حدّ المحارب.

(47)
الوجه الثاني: ما دلّ على العفو يحمل على ما إذا لم يرتكب شيئاً من المقدمات وحمل ما دلّ على ترتّب العقوبة إذا اشتغل ببعض المقدمات.
أقول: إنّه جمع تبرعي وعلى خلاف إطلاق روايات الصنف الثاني.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقّق الخوئي من حمل الروايات الدالة على ترتّب العقاب على ما إذا قصد ارتكاب الحرام الواقعي وإن لم يرتكبه فلا صلة لها بقصد الحرام الخيالي وما يعتقده المكلّف حراماً، مع عدم كونه حراماً في الواقع كما في التجرّي.(1)
يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك هو حمل الصنف الثاني على خصوص التجري وحمل هذه الروايات الكثيرة عليه بعيد جداً.
أضف إلى ذلك انّ كلاً من العاصي والمتجري قاصد للحرام الواقعي وإنّما الخطأ في التطبيق.
وبعبارة أُخرى تعلقت الإرادة بالحرام، فالمراد بالذات هو الحرام الواقعي، وإنّما يختلفان في الحرام بالعرض.

السؤال الثاني: في تفصيل صاحب الفصول

قد عرفت أنّ التجرّي بما هو مخالفة للحجّة ليس بقبيح غير انّ صاحب الفصول ذهب إلى قبحه، ولكن إذا تحقّق التجرّي في ضمن الواجب غير المشروط بالقربة تقع المزاحمة بين قبح التجرّي وحسن المتجرّى به، كما إذا عثر على إنسان قطع انّه عدو المولى فلم يقتله فبان انّه ابنه.
أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه لا وجه لهذه المزاحمة، لأنّ المفروض عدم علمه به ولا يكاد أن يؤثر شيئاً بدونه حيث لا يكون حينئذ بهذا الوجه اختيارياً

1 . مصباح الأُصول:2/92.

(48)
والحسن والقبح من صفات الأفعال الاختيارية.(1)
وحاصله: انّ الشيء إنّما يوصف بالحسن الفعلي إذا التفت إليه الفاعل ومن المعلوم انّه ترك قتل الرجل، بعنوان انّه عدو المولى لا بعنوان انّه ابنه، فكيف يكون هذا الفعل غير الملتفت إليه ملاكاً للحسن وموجباً للمزاحمة بين حسنه وقبح التجرّي.

السؤال الثالث: هل ممارسة التجرّي تنافي العدالة؟

هل مزاولة التجرّي ومداومته تمنع عن تحقّق العدالة بمعنى الملكة قبل تحقّقها، وتَرفَعُها بعد تحقّقها كالمعصية بعينها من غير تفاوت بينهما أصلاً؟
والظاهر انّ التجرّي بمعنى مخالفة الحجّة وإن لم يكن قبيحاً مورثاً للعقاب ولكنّه كاشف عن انهيار ملكة العدالة إذا تكرّر ذلك العمل منه كما يكون مانعاً عن تحقّقها.
وللمحقّق الخراساني تفصيل ذكره في تعليقته على الفرائد فلاحظ.(2)

1 . تعليقة المحقّق الخراساني:16.
2 . تعليقة المحقّق الخراساني:17.

(49)

الأمر الثالث

في تقسيم القطع إلى طريقي وموضوعي

اشتهر تقسيم القطع من زمان الشيخ الأعظم قدَّس سرَّه إلى أقسام خمسة من كونه طريقياً محضاً، أو مأخوذاً في الموضوع ثمّ الثاني على قسمين، لأنّه إمّا يؤخذ فيه بما انّه طريق، أو يؤخذ بما انّه وصف نفساني; وعلى كلا التقديرين إمّا أن يكون المأخوذ في الموضوع تمامه أو جزءه، وإليك توضيح الأقسام:

1. الفرق بين الطريقي والموضوعي

إذا كان الحكم مترتباً على نفس الواقع بلا مدخلية للعلم والقطع فيه كحرمة الخمر والقمار وغير ذلك فالقطع عندئذ يكون طريقيّاً ولا يكون للقطع هناك دور سوى التنجيز، وإلاّ فالخمر والقمار، حرام، سواء أكان هناك علم أو لا، غاية الأمر يكون الجهل عذراً للمرتكب، وهذا بخلاف القطع الموضوعي فإنّ للقطع فيه مدخلية في الحكم بحيث لولاه، لما كان هناك حكم شرعي وأمثلته كثيرة، نظير:
1. الحكم بالصحة فانّه مترتب على الإحراز القطعي في الثنائية والثلاثية من الصلوات والأُوليين من الرباعية، بحيث لولاه لما كانت محكومة بها.
2. الحكم بوجوب التمام لمن يسلك طريقاً مخطوراً محرزاً بالقطع أو الظن.

(50)
3. الحكم بوجوب التيمم لمن أحرز كون استعمال الماء مضراً بالقطع أو الظن.
4. الحكم بوجوب التعجيل بالصلاة لمن أحرز ضيق الوقت بكلا الطريقين.
فلو انكشف الخلاف وانّ الطريق لم يكن مخطوراً، ولا الماء مضراً، ولا الوقت ضيّقاً لما ضرّ بالعمل، لأنّ كشف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى متعلّق القطع لا بالنسبة إلى الموضوع المترتب عليه الحكم.
وبذلك يعلم أنّ القطع الموضوعي، هو ما يكون له مدخلية في ترتب الحكم، لا خصوص ما إذا أخذ في لسان الموضوع بل هو أعمّ من القطع المأخوذ في الموضوع كما هو الحال في قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبيَضُ مِنَ الْخَيْطِالأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ)(1) فانّ التبيّن وإن كان مأخوذاً في لسان الدليل، لكن ليس له مدخلية في وجوب الإمساك إلاّ كونه طريقاً إلى طلوع الفجر، ولأجل ذلك يجب الإمساك إذا علم بطلوع الفجر وإن لم يكن هناك تبين، كما إذا كان الهواء غيماً أو كان الإنسان محبوساً. فليس كلّ قطع أخذ في لسان الدليل، قطعاً موضوعياً كما في الآية فهو مع الأخذ، فيها طريقي محض.

2. تقسيم الموضوعي إلى طريقي ووصفي

إنّ القطع من الأُمور الإضافية، فله إضافة إلى العالم وله إضافة إلى المعلوم، فلو أخذ في الموضوع بما له إضافة إلى العالم، وانّه أمر قائم به كقيام سائر الصفات به، فقد أخذ في الموضوع بما هو وصف نفساني; ولو أخذ فيه بما له إضافة إلى المعلوم وكاشف عنه، فقد أخذ فيه بما انّه طريق، فما في الكفاية من قوله: «لمّا كان

1 . البقرة:187.

(51)
من الصفات الحقيقية» إشارة إلى أخذه فيه بما هو وصف، وقوله: «ذات الاضافة» إشارة إلى أخذه فيه بما هو طريق.
وبالجملة : القطع من الأُمور النفسانية فتارة يلاحظ بما انّه كاشف عن الواقع، وأُخرى بما انّه أمر قائم بالنفس كالبخل والحسد، فلو أخذ في الموضوع بما هو طريق وكاشف، يُوصَف بالقطع الموضوعي الطريقي وإن أخذ بما انّه قائم بالنفس وعوارضها يوصف بالقطع الموضوعي الوصفي، وإن شئت التمثيل فقل: إنّ النظر إلى القطع كالنظر إلى المرآة، فتارة يلاحظها الإنسان بوصف كونها مرآة وأنّها كيف تُري، وأُخرى بما انّه جسم صيقلي شفاف وانّها على شكل كذا وقطر كذا، فالموضوعي الطريقي أشبه بالأوّل، والموضوعي الوصفي أشبه بالثاني.

3. تقسيم الموضوعي إلى تمام الموضوع وجزئه

ثمّ إنّ القطع الموضوعي على قسمين: تارة يكون القطع تمام الموضوع للحكم من غير مدخلية للواقع ويكون الحكم دائراً مداره، وأُخرى يكون القطع جزء الموضوع والواقع هو الجزء الآخر.
أمّا الأوّل فقد مرت أمثلته، وأمّا الثاني، كبطلان الصلاة في الثوب الذي قطع بنجاسته، فلا تبطل الصلاة إلاّ إذا كان نجساً في الواقع وتعلق به القطع، وإلاّ فلو كان نجساً في الواقع وكان جاهلاً أو كان طاهراً في الواقع وكان القطع جهلاً مركباً، تصح صلاته مع تمشي قصد القربة في الصورة الثانية.
وبذلك يظهر انّ الموضوعي على أقسام أربعة، لأنّ كلاً من المأخوذ في الموضوع طريقياً أو وصفياً، إمّا يكون تمام الموضوع أوجزءه، فتكون الأقسام أربعة، مضافاً إلى الطريقي المحض غير المأخوذ في الموضوع.
نعم استشكل المحقّق النائيني في أخذ القطع الطريقي تمام الموضوع، وتبعه

(52)
تلميذه في مصباحه. وحاصل كلامهما: أنّ أخذه تمام الموضوع آية انّه لا مدخلية للواقع في ترتّب الحكم، وأخذه بنحو الطريقية آية أنّ للواقع دخلاً فيه والجمع بينهما جمع بين المتناقضين.(1)
يلاحظ عليه: أنّ معنى القطع الموضوعي الطريقي هو أخذه في الموضوع بما انّ له وصف الطريقية والمرآتية، لا انّ للواقع مدخلية في الحكم حتى لا يصحّ أخذه طريقاً في الموضوع على وجه التمامية، والخلط حصل في تفسير القطع الموضوعي، وقد أحسن شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري قدَّس سرَّه فقد فسره في درره على نحو ما ذكرناه وقال: المقصود كونه ملحوظاً على أنّه طريق كسائر الطرق المعتبرة. وبعبارة أُخرى: ملاحظة الجامع بين القطع وسائر الطرق المعتبرة.(2)

4. تقسيم آخر للقطع الموضوعي

ثمّ إنّ المأخوذ في الموضوع تارة يكون القطع بالحكم مأخوذاً في موضوع حكم آخر لا يضاده ولا يماثله بل يخالفه، كما إذا قال: إن قطعت بنجاسة الثوب فلا تصل فيه. فمتعلق القطع حكم وضعي كالنجاسة أخذ في موضوع حكم تكليفي بينهما من النسب هو التخالف إذ قد يكون الشيء نجساً ولكن يجوز فيه الصلاة، كالمعفو عنها، وقد لا تجوز الصلاة ولا يكون نجساً، كالمغصوب وقد يجتمعان.
وقد مثل له المحقّق الخراساني بأنّه إذا قطعت بوجوب شيء فتصدق، والنسبة بين الحكمين هو التخالف لا التماثل ولا التضاد، وأُخرى يكون القطع بالموضوع أي الخمر موضوعاً للحكم الراجع إلى نفس الموضوع كما إذا قال: إن قطعت بخمرية مائع فلا تشربه، والشائع هو القسم الثاني في ألسن الأُصوليين.

1 . لاحظ فوائد الأُصول:2/11; مصباح الأُصول:2/32.
2 . درر الأُصول: 2/331.

(53)
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني بحث عن أقسام القطع الموضوعي هنا إجمالاً وفي الأمر الرابع تفصيلاً وكان الأنسب البحث عنه في مورد واحد.

5. قيام الأمارات مكان القطع

إذا كان الحكم مترتباً على الموضوع بما هوهو وكان القطع طريقاً إلى ثبوته أوّلاً، وترتّب أحكامه ثانياً، تقوم مكانه الطرق والأمارات بنفس دليل اعتبارهما، فإذا قال: «البيّنة حجّة» يكون معناه ثبوت ما أخبرت عنها من كون المائع خمراً، والمال ملكاً لزيد ويترتّب عليه آثارهما وإلاّيلزم لغو جعل الحجّية لها، وبذلك يعلم وجه قيام الطرق مكان القطع الطريقي بنفس دليلِ اعتبارها، والمراد من القيام مكانه كونها حجّة مثله لا انّ القطع أصل والأمارة فرع بل كلاهما طريقان إلى الواقع، غير انّ الأوّل طريق بنفسه والثاني طريق بإذن الشارع واقتناعه بها في مقام امتثال أوامره ونواهيه.
إنّما الكلام في قيامها مكانه في القسم الموضوعي بنفس دليل اعتبارها، فذهب الشيخ الأنصاري إلى قيامها مكانه بنفس دليل اعتبارها مقام القطع الموضوعي الطريقي دون الوصفي، فلو أخذ في الموضوع بما هو طريق تقوم البيّنة بنفس دليل اعتبارها مكانه، دون ما أخذ فيه بما هو وصف.
وذهب المحقّق الخراساني إلى عدم القيام مطلقاً، فهنا قولان:
أمّا الأوّل: فقد ذكره الشيخ في أوّل رسالة القطع، ووجه التفصيل وجود الجامع بين الأمارات والطرق، والقطع المأخوذ في الموضوع بما هو طريق دون القسم الآخر، وذلك لأنّ القطع وإن أُخِذَ في الموضوع بشخصه لكن أخذه بما انّه كاشف ومرآة ومن المعلوم انّ هذه الجهة مشتركة بين القطع والأمارات والطرق، بخلاف المأخوذ في الموضوع بما هو وصف نفساني، فلا جهة مشتركة بينه وبين الأمارات

(54)
حتى تقوم مكانه، هذا هو المستفاد من كلام الشيخ في رسالة القطع.
وأمّا الثاني، فهو خيرة المحقّق الخراساني، وذهب إلى عدم القيام إلاّفي القطع الطريقي المحض، وقد عرفت انّه لا معنى للقيام فيه .
أقول: الكلام يقع تارة في مقام الثبوت أي إمكان القيام ، وتارة في مقام الإثبات ودلالة الدليل.
وإليك الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في إمكان تنزيل الطريق منزلة القسمين

ذهب المحقّق الخراساني إلى الامتناع، واستدل بما هذا حاصله:
انّ للقطع في جميع الأقسام أثرين بارزين:
1. حجّيته وطريقيته إلى الواقع، وهذا في القطع الطريقي المحض.
2. مدخليته في الموضوع وتأثيره في ثبوت الحكم كدخل القدرة والبلوغ، وهذا في القطع الموضوعي بكلا قسميه.
فدليل الحجّية إنّما يتكفل التنزيل الأوّل، أي تنزيل الطريق مكان القطع في ترتيب ما للقطع بما هو حجّة من الآثار لا بما هو دخيل في الموضوع إلاّ إذا كان هناك تنزيل ثان وهو غير موجود.
فإن قلت: إذا كان لدليل التنزيل إطلاق من كلتا الجهتين فلا مانع من القيام مكانه، كما إذا نزّل الأمارة منزلة القطع في الطريقية والمدخلية في الموضوع.
قلت: إنّ دليل التنزيل مثل قوله: «العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا عني فعنّي يؤدّيان»(1)، لا يكاد يفي إلاّ بأحد التنزيلين، وذلك لأنّه لو كان تنزيل الطريق مكان القطع لأجل الحجّية يكون النظر إلى القطع والأمارة نظراً آليّاً وإلى الواقع

1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

(55)
والمؤدّى استقلالياً، ولو كان تنزيل الطريق مكان القطع لأجل المدخلية في الموضوع يكون النظر إلى الواقع والمؤدّى نظراً آلياً، وإليهما نظراً استقلالياً، ولا يصحّ الجمع بين اللحاظين المتضادين من الواحد.
نعم لو كانت بين التنزيلين جهة جامعة، وكان التنزيل لأجلها، لتحقّق التنزيلان بتنزيل واحد ولكن المفروض عدمه، فلا محيص إلاّ عن تنزيل واحد، إمّا لأجل كونه حجّة، أو لأجل كونه دخيلاً في الموضوع.
ثمّ أورد على نفسه بأنّ لازم ذلك أن يكون دليل التنزيل مجملاً غير دال على واحد من التنزيلين، فأجاب بأنّ ظهوره في أنّه بحسب اللحاظ الآلي ممّا لا ريب فيه، هذا لبّ مراده في الكفاية.
يلاحظ عليه: أنّ النظر إلى القطع والأمارة في كلا التنزيلين استقلالي بشهادة انّ المولى ينزِّل الأمارة منزلة قطع المكلّف، ويلاحظهما على وجه الاستقلال سواء أكانت جهة التنزيل هي الحجية، أو المدخلية في الموضوع، غاية الأمر يلاحظ القطع في التنزيل الأوّل بما هو طريق ومرآة، وفي التنزيل الثاني بما هو دخيل في الموضوع وانّه مؤثر في ترتّب الحكم وتحقّقه، وليس هذان اللحاظان غير قابلين للجمع كما إذا نظر عند شراء المرآة إلى كيفية حكايتها وإراءتها وفي الوقت نفسه إلى شكلها وضخامة زجاجها وما حولها من الرخام.
وبعبارة أُخرى: انّ نظر القاطع إلى قطع نفسه طريقي محض ولكنّه ليس هو المنزِّل، بل المنزل هو الشارع فهو ينظر إلى قطع المكلّف بنظر استقلالي من غير فرق بين ملاحظته من حيث إنّه مرآة وطريق، أو من حيث إنّه دخيل في الموضوع، فلو كان لدليل التنزيل إطلاق لما منع اللحاظان عن الشمول والاستيعاب، وتنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي، والقطع الموضوعي الطريقي. وبالجملة منشأ الخلط، هو تصور انّ القاطع هو المنزل، مع أنّه غيره.

(56)

المقام الثاني: في مفاد دليل التنزيل

قد عرفت أنّ الكلام يقع في مقامين: أحدهما: في إمكان تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي، والقطع الموضوعي الطريقي بتنزيل واحد; ثانيهما: في استظهار مقدار دلالة الدليل، وقد عرفت أنّ المحقّق الخراساني ذهب إلى الامتناع العقلي في المقام الأوّل فلم يعقد بحثاً للمقام الثاني، ولكنّك عرفت إمكانه. إنّما الكلام في مقدار دلالة الدليل.
والاستظهار من الدليل فرع أن يكون للشارع دور في باب الأمارات وتنزيلها مكان القطع حتى يبحث في جهة التنزيل وانّه هل هو لأجل الحجّية أو المدخلية في الموضوع، لكن الحقّ انّه ليس للشارع في باب الأمارات، جعل ولا تنزيل سوى إمضاء ما بيد العقلاء، وسيوافيك في محلّه انّ عامة ما استدل به على حجّية الخبر الواحد راجع إلى بيان الصغرى وانّ فلاناً ثقة أو لا، دون الكبرى وكأنّها كانت عندهم محرزة وثابتة.
وعلى ضوء ذلك يظهر أمران:
1. انّ العمل في مورد القطع الطريقي المحض بالأمارة ليس من باب تنزيله مكان القطع، بل لكونه طريقاً كالقطع وحجّة مثله، لا انّه منزل منزلته ولا يظهر من أدلّة الإمضاء سوى كونها حجّة، لا نازلة منزلته.
2. قيامه مكان القطع الموضوعي يتوقف على وجود جهة جامعة قريبة بينهما، فإن أخذ في الموضوع بما هو كاشف تام يرفض كلّ احتمال مخالف، فلا يكفي دليل الإمضاء في قيام الأمارة مكان القطع لانتفاء الحيثية التي لأجلها أخذ في الموضوع في الأمارة وإن أخذ بما انّه أحد الكواشف، فيقوم مكانه، لأنّ نسبة القطع والأمارة إلى الحيثية المسوغة لأخذه في الموضوع، سواسية.

(57)
وللمحقّق الخوئي قدَّس سرَّه بيان آخر يقول: إنّ ترتيب آثار المقطوع على مؤدى الأمارة إنّما هو لتنزيلها منزلة القطع فيكون ترتيب أثر نفس القطع لأجل هذا التنزيل بطريق أولى.(1)
يلاحظ عليه:أنّ ترتيب أثر المقطوع على المؤدّى إنّما هو لأجل وجود الحجّة الشرعية لا لأجل تنزيلها منزلة القطع، فلا يكون ترتيب ذلك الأثر دليلاً على تنزيل الأمارة منزلة القطع أيضاً.
وبعبارة أُخرى: العمل بالأمارة في مورد القطع الطريقي المحض ليس لأجل تنزيل الأمارة مكان القطع، بل لأجل وجود الحجّة الشرعية، فالتساوي بين المقطوع والمؤدّى لا يكشف عن تنزيل المؤدّى منزلة المقطوع حتى يستكشف منه تنزيل الأمارة منزلة القطع كما لا يخفى.

في قيام الأُصول العملية مقام القطع

قسّم الأصل العملي إلى محرز وغير محرز. والمقصود من الأوّل ما يكون المجعول فيه لزوم الأخذ بأحد طرفي الشكّ بناء على أنّه الواقع وإلغاء الطرف الآخر، كالاستصحاب وقاعدة التجاوز والفراغ في فعل النفس، وأصالة الصحّة في فعل الغير، وقاعدة عدم العبرة بشكِّ الإمام مع حفظ المأموم وبالعكس. والمراد من الثاني هو الوظيفة المقررة للجاهل شرعاً وعقلاً، كأصل البراءة والاحتياط وقاعدتي الطهارة والحلية.
أمّا القسم الثاني فلا يقوم مكان القطع مطلقاً، وذلك لوجهين:
1. عدم وجود الجهة الجامعة بين القطع الطريقي إلى الواقع والأُصول

1 . مصباح الأُصول:2/37.

(58)
المقررة للجاهل بعنوان الوظيفة في مقام العمل، فالقطع طريق إلى الواقع، والأصل غير المحرز، وظيفة للجاهل إذا انقطعت حيلته، وإلى هذا الوجه أشار المحقّق الخراساني بقوله: «لوضوح انّ المراد من القيام ترتيب ما للقطع من الآثار والأحكام (تنجّز التكليف وغيره) على الأصل، مع أنّ شأنه ليس إلاّوظيفة للجاهل في مقام العمل لا تنجيز الواقع».
2. ولما كان هذا البيان غير جار في أصل الاحتياط حيث إنّ شأنه تنجيز التكليف أشار في وجه عدم قيامه مقام القطع إلى دليل آخر.
وحاصله: انّه يعتبر في التنزيل أُمور ثلاثة:
1. المنزَّل، 2. المنزَّل عليه، 3. جهة التنزيل. ولكن المنزل في المقام هو نفس جهة التنزيل، وذلك لأنّ المنزل عبارة عن حكم العقل تنجيز الواقع (الاحتياط) والمنزل عليه هو القطع، وجهة التنزيل نفس المنزّل وهو حكم العقل بتنجز الواقع والتكليف لو كان.
فإن قلت: إنّوحدة المنزَّل، وجهة التنزيل إنّما هو في الاحتياط العقلي، فالمنزل هو حكمه بالتنجّز والمنزل عليه هو القطع، وجهة التنزيل هو حكمه بالتنجز.
وأمّا الاحتياط الشرعي فالأضلاع الثلاثة مختلفة جداً، فالمنزَّل هو حكم الشارع بتنجز الواقع، والمنزل عليه هو القطع، وجهة التنزيل هوحكم العقل تنجز الواقع.
قلت: إنّ الاحتياط الشرعي في الشبهات البدوية غير واجب، بل هي مجرى البراءة، وفي أطراف العلم الإجمالي وإن كان واجباً لكنّه بحكم العقل وبوجه سابق على حكم الشرع بالاحتياط كما قال: في الإناءين المشتبهين: يهريقهما جميعاً

(59)
ويتيمّم.(1)
هذا كلّه حول الأصل غير المحرز; وأمّا الأصل المحرز، فيقوم مكان القطع الطريقي المحض، دون القطع الموضوعي، سواء كان موضوعياً طريقياً أو وصفياً، وذلك بالبيان السابق في قيام الأمارات مكان القطع الموضوعي. وذلك لأنّ التنزيل إمّا أن يكون بلحاظ اليقين، أو بلحاظ المتيقن; فإن كان بلحاظ تنزيل اليقين التعبدي مكان اليقين الحقيقي، كان النظر إلى اليقين في كلا الجانبين، استقلالياً، وإلى المؤدّى والمتيقّن آلياً; وإن كان التنزيل بلحاظ تنزيل المؤدّى مكان المتيقن، كان النظر إليهما استقلالياً، وإلى اليقين في كلا الجانبين آلياً، ولا يمكن الجمع بين اللحاظين في آن واحد.
هذا توضيح مراده في الكفاية.

صحّة الجمع بين التنزيلين بنحو الملازمة العرفية

قد عرفت أنّ المحقّق الخراساني منع إمكان تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي الطريقي بدليل واحد، كما منع بنفس هذا الدليل تنزيل الاستصحاب منزلة القطع الموضوعي الطريقي بدليل الاستصحاب لاستلزام التنزيل المزبور الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي في آن واحد.
ثمّ إنّه في تعليقته على الرسائل صحّح دلالة الدليل الواحد على كلا التنزيلين بالبيان التالي:
وهو انّ الأثر إمّا يترتّب على المقطوع بما هوهو، كما إذا قال : الخمر حرام شربه، ففي مثل ذلك يقوم الاستصحاب مكان القطع، فكما أنّه يحرم شربه إذا أحرز بالقطع كذلك يحرم شربه إذا أحرز بالاستصحاب.

1 . الوسائل: الجزء 2، الباب 4 من أبواب التيمم، الحديث4.

(60)
ولكن ربما يتعلّق الأثر لا بالمتعلّق بما هوهو بل بما تعلّق به القطع، كما إذا قال: إذا قطعت بخمرية شيء فتصدق، ففي مثل ذلك لو كان التنزيلان في عرض واحد يلزم ما تصور من المحال، وأمّا إذا كان التنزيلان لا في عرض واحد بل كلّ في طول الآخر فلا مانع من دلالة الدليل الواحد على كلا التنزيلين، أي تنزيل القطع التعبدي (الاستصحاب) منزلة القطع الواقعي، وتنزيل الخمر التعبدي منزلة الخمر الواقعي، ولكن لا في زمان واحد بل في زمانين، لأنّه إذا دلّ الدليل على أنّ الشارع نزّل الخمر التعبدي منزلة الخمر الحقيقي فهو كاشف عن أنّه نزل القطع التعبدي مكان القطع الحقيقي من ذي قبل، وإلاّيلزم أن يكون التنزيل الأوّل لغواً، إذ لا يترتب الأثر على إحراز أحد الجزءين والحكيم منزّه عن اللغوية، وحيث إنّ أحد التنزيلين في طول الآخر لا يلزم الجمع بين اللحاظين في آن واحد.
هذا عصارة ما ذكره في الحاشية.(1)
ثمّ إنّه أورد عليه في ا لكفاية بأنّه لا يخلو عن التكليف أوّلاً والتعسف ثانياً.
أمّا التكلّف، فلعدم الملازمة العرفيّة بين تنزيل أحد الجزءين وتنزيل الجزء الآخر، ولا ينتقل الإنسان من تنزيل أحدهما إلى أنّه قام بالتنزيل بالنسبة إلى الجزء الآخر قبل ذلك.
وأمّا التعسف فلاستلزامه الدور لأنّ التنزيل فعل شرعي اعتباري والعمل الاعتباري إنّما يصحّ إذا كان له أثر شرعي والمفروض انّ الأثر غير مترتب على واحد من التنزيلين بل على كليهما معاً، فعند ذلك مهما أقدم الشارع على تنزيل

1 . التعليقة: ص 9، وقد ألّفها قبل الكفاية بسنين، كما يظهر من تاريخ فراغه عن بعض أجزائه، فقد فرغ من التعليق على مبحث التعادل والترجيح عام 1291هـ، لاحظ ص 289 من الطبعة الحجرية.

(61)
واحد من الجزءين دون تنزيل الجزء الآخر يكون فعله عبثاً وفاقداً للأثر إلاّ أن يكون لهذا الجزء الآخر تنزيل قبل ذلك ولكنه خلف لافتراض وحدة التنزيل من غير فرق بين أن يكون المتقدم هو تنزيل مؤدّى الاستصحاب مكان المتيقّن أو تنزيل القطع التعبدي مكان القطع الحقيقي.
وإن شئت قلت: انّ تنزيل المستصحب منزلة الواقع يتوقف على تنزيل القطع التعبدي منزلة العلم بالواقع لترتب الأثر على الواقع والعلم به، والمفروض أنّ تنزيل القطع التعبدي منزلة العلم بالواقع يتوقف على تنزيل المستصحب منزلة الواقع فيكون أحد التنزيلين متوقفاً على الآخر .
هذا لبّ مراده وتوضيح مرامه.
والإجابة عن كلامه بوجهين:
الأوّل: ما ذكرناه سابقاً من حسم مادة الإشكال بأنّ الجمع بين اللحاظين إنّما يلزم لو كان المنزِّل هو القاطع، وأمّا إذا كان المنزِّل غير القاطع فلا يكون هناك أيّ جمع بين اللحاظين أبداً.
وعلى ضوء ذلك لا حاجة لنا إلى ما تخلص به المحقّق الخراساني في الحاشية حتى ترد عليه مشكلة الدور.
وإن شئت قلت: إنّ هناك أُموراً ثلاثة:
أ. لزوم اجتماع اللحاظين المتضادين.
ب. التخلص عن هذا الاجتماع.
ج. الردّ على هذا التخلص.
فنقول: إنّ الأمر الأوّل وهو اجتماع اللحاظين باطل من أساسه، فلا حاجة إلى التخلّص بما في التعليقة فضلاً عن تحليل ما ذكره نقداً عليها في الكفاية.

(62)
ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ أجاب عن مشكلة الدور بأنّه يكفي في التنزيل الأثر التعليقي ولا تتوقف صحّة التنزيل على الأثر الفعلي، فتنزيل أحد الجزءين دون تنزيل الجزء الآخر صحيح، لأنّه لو انضم إليه التنزيل الآخر صار موضوعاً للأثر وهذا يكفي في رفع الدور.
يلاحظ عليه: بأنّه وإن رفع به مشكلة الدور إلاّ أنّه أبطل البرهان، فإنّ أساسه هو صيانة فعل الحكيم عن اللغوية، فلو كان الأثر التعليقي كافياً يصان به فعل الشارع عن اللغوية فلا يحتاج إلى استكشاف تنزيل الجزء الآخر، لأنّ الحاجة إلى الاستكشاف إنّما كانت لأجل عدم كفاية الأثر التعليقي ولزوم الأثر الفعلي، وإلاّفلو كفى الأثر التعليقي لصح أحد التنزيلين وإن لم ينضم إليه التنزيل الآخر إلى يوم القيامة.

نظرنا في الموضوع

لا يصحّ الجزم بدلالة الدليل على قيام الأصل المحرز مكان القطع الموضوعي الطريقي إلاّبملاحظة لسان الدليل، فإن كان لسانه هو التعبد ببقاء اليقين فلا شكّ انّه يقوم مكان القطع الموضوعي الطريقي، فإذا قال الشارع: إذا قطعت بخمرية شيء فتصدق ، ثمّ قال: إذا كنت على يقين بالخمرية ثمّ شككت فأنت ذو يقين وليس عليك أن تنقض اليقين بالشكّ، فعند ذلك يكون دليل الاستصحاب حاكماً على الدليل الأوّل ومفسّـراً له ودالاً على أنّ المراد من قوله:«إذا قطعت بخمريّة شيء» هو الأعم من القطع الحقيقي والتعبدي.
وأمّا إذا كان لسان الدليل هو التعبد بوجود المتيقن في السابق لا التعبد ببقاء اليقين فلا يقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي وإنّما يقوم مقام القطع الطريقي المحض، ففي رواية حماد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أشك

(63)
وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا فقال: «مضى».(1)
تجد انّه يركِّز على وجود ما مضى لا على وجود اليقين، ففي مثله لا يحكم إلاّبقيامه مقام القطع الطريقي المحض دونما كان الأثر مترتباً على اليقين بالواقع، إذ ليست العناية في هذا الأصل وما أشبهه (كأصالة الصحّة) وعدم العبرة بشكّ المأموم عند حفظ الإمام أو بالعكس، على وجود اليقين.

1 . الوسائل: 4، الباب 16 من أبواب الركوع، الحديث 1.

(64)

الأمر الرابع

في القطع والظن الموضوعيين

قد طرح المحقّق الخراساني في هذا الأمر، القطعَ والظنَ الموضوعيّين وبيّن أقسامهما، ولأجل إيضاح مقاصده نبحث في مقامين:

الأوّل: في أقسام القطع الموضوعي

اعلم أنّ القطع إمّا يتعلّق بالحكم أو يتعلّق بموضوع ذي حكم، أمّا الثاني فلم يذكره المحقّق الخراساني بل اكتفى ببيان أقسام الأوّل، ونحن نقتفيه، فنقول: إنّ له أقساماً:
1. أن يؤخذ القطع بالحكم في موضوع نفس الحكم، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة تجب الصلاة عليك بنفس هذا الوجوب المقطوع به.
2. أن يؤخذ القطع بالحكم في موضوع مثل ذلك الحكم، كما إذا قال: إذا قطعتَ بوجوب الصلاة تجب الصلاة عليك بوجوب آخر مثله.
3. أن يؤخذ القطع بالحكم في موضوع ضدّذلك الحكم، كما إذا قال: إذا قطعتَ بوجوب الصلاة تحرم عليك الصلاة.
4. أن يؤخذ القطع بالحكم في موضوع حكم آخر يخالفه لا يضادّه ولا يماثله، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة يجب عليك التصدّق.

(65)
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني حكم بامتناع الأقسام الثلاثة ولم يذكر من الرابع شيئاً لما سبق ذكره في الأمر الثالث، وإليك بيان أدلّة بطلان الأقسام الثلاثة:
أمّا الأوّل: فلاستلزامه الدور ،لأنّ القطع بالحكم فرع وجوده، والمفروض انّ الحكم الواقعي متفرع على القطع بنفس الحكم فيلزم أن يكون الحكم موقوفاً على نفسه.
وبعبارة أُخرى: تعلّق القطع بالحكم يقتضي تقدّم الحكم على القطع هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ الحكم محمول على القطع بالحكم، فيقتضي تأخّر الحكم عن القطع، تأخرَ المحمول عن موضوعه.
أقول: إنّ القطع بالحكم لا يتوقف على وجود الحكم الواقعي بل يتوقف على الصورة الذهنية منه، فالتوقف من الجانب الأوّل غير صحيح، نعم الحكم الواقعي يتوقف على القطع بالصورة الذهنية من الحكم، وعلى ضوء هذا فالحكم الموقوف عليه هي الصورة الذهنية وهو غير الحكم الموقوف أي الواقعي.
والحقّ التفصيل بين كون القطع بالحكم تمام الموضوع وبين كونه جزء الموضوع والجزء الآخر، وجود الحكم الواقعي، فلو صحّ الدور فإنّما يصحّ في الصورة الثانية.
وذلك لأنّ الحكم الواقعي ـ حسب الفرض ـ يتوقف على تحقّق الموضوع وهو القطع بالحكم الواقعي، وبما انّ القطع جزء الموضوع والجزء الآخر هو الحكم الواقعي، فليس كلّ قطع مأخوذاً ، وإنّما المأخوذ خصوص القطع الذي تعلّق بالحكم الواقعي، فيكون القطع في مقام الموضوعيّة متوقفاً على تحقّق الجزء الآخر، حتى يتعلّق به وهو الحكم الواقعي والمفروض انّه يتوقف على القطع بالحكم الواقعي.
وأمّا الثاني: إذا كان القطع بالحكم موضوعاً لحكم مماثل ، فقد أحاله المحقّق

(66)
الخراساني لأجل اجتماع المثلين في شيء واحد هو الصلاة فتكون واجبة بوجوبين متماثلين.
يلاحظ عليه بوجهين: أوّلاً: أنّ تعدّد موضوع الوجوبين يرفع الاستحالة، ضرورة انّ الوجوب الأوّل انصبّ على نفس الصلاة والوجوب الثاني منصب على القطع بوجوبها. والمثلان لا يجتمعان في مكان واحد.
وثانياً: أنّ الوجوب من الأُمور الاعتبارية واستحالة اجتماع المتماثلين مختص بالأُمور التكوينية النفس الأمرية، فالبياضان المتماثلان المتمايزان لا يجتمعان في نقطة واحدة، وأمّا الوجوبان الاعتباريان فلا مانع من اعتبار شيء واجباً بوجوبين غاية الأمر يكون الثاني أمراً لغواً.
فإن قلت: إنّ لازم اجتمـاع الوجوبين تعلّق إرادتـين متماثلتـين بمراد واحد.
قلت: إنّ الإرادتين متعلقتان بمرادين، فالصلاة بما هي هي متعلق بإحدى الإرادتين والقطع بوجوب الصلاة متعلّق بإرادة أُخرى.
والأولى أن يقال: إنّ اجتماع وجوبين يوجب اللغوية إلاّأن يحمل على التأكيد.
وأمّا الثالث: فقد أحاله المحقّق الخراساني لاستلزامه اجتماع الضدّين، ويظهر ضعفه ممّا ذكرناه في الوجه الثاني، نعم يصحّ أن يقال: إنّ م آل هذا النوع من الأخذ إلى اللغوية وإلى امتناع امتثال الحكمين المتضادين.
وأمّا الرابع فقد عرفت إمكانه.

(67)

الاستثناء من عدم جواز الأخذ

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني استثنى ممّا عدّه مستحيلاً من الأُمور الثلاثة ما يجمعها أخذ القطع بمرتبة من الحكم في موضوع مرتبة أُخرى من نفس ذلك الحكم أو مثله أو ضدّه، كما إذا قال:
1. إذا قطعت بوجوب الصلاة إنشاءً تجب الصلاة بنفس ذلك الوجوب فعلاً.
2. إذا قطعت بوجوب الصلاة إنشاءً تجب بوجوب فعلي آخر.
3. إذا قطعت بوجوب الصلاة إنشاءً، تحرم عليك فعلاً.
وجه الجواز هو عدم لزوم الدور في الأوّل لكون الحكم المتوقف، غير المتوقف عليه ولعدم كون الوجوبين متماثلين أو متضادين، لأنّ أحدهما إنشائي والآخر فعلي.
والحاصل: انّه يجوز أن يكون القطع بالحكم الإنشائي موضوعاً لفعلية ذلك الحكم أو أن يكون القطع بحكم إنشائي موضوعاً لوجوب حكم فعلي آخر مثله أو ضدّه، فبما انّ الحكمين ليسا من نوع واحد لا يكون هناك أيُّ تماثل أو تضاد، فالممكن هو الأربعة، والممتنع هو الثلاثة فتذكّر.
وأمّا بيان مراتب الأحكام، فنذكرها على وجه الإيجاز:
1. مرتبة الاقتضاء، وهي مرتبة ملاكات الأحكام .وإن شئت قلت : المصالح والمفاسد الموجودة في الأحكام.
2. مرتبة الإنشاء، وهي إنشاء الحكم دون أن يكون هناك بعث وزجر وتحريك بالفعل، كتشريع الحكم قبل بيانه للمكلّف.

(68)
3. مرتبة الفعلية، وهي عبارة عن بلوغ الحكم مرتبة البعث والزجر ببيانه وإبلاغه إلى المكلّفين.
4. مرتبة التنجز والحتمية، وهي فرع علم المكلّف به فيكون مستحقاً للمثوبة والعقوبة لأجل الموافقة والمخالفة.
وربما ناقش بعضهم فيها وجعل للحكم مرتبتين باخراج المرتبة الأُولى بحجّة انّها ليست حكماً وإخراج المرتبة الرابعة بحجّة انّها حكم عقلي لا صلة له بالحكم المنشأ الشرعي، وعلى كلّ تقدير، يجوز أن تكون مرتبة منه موضوعاً لمرتبة آخر كما أوضحناه.

في أقسام الظن المأخوذ في الموضوع

الظن المأخوذ في الموضوع، كالقطع المأخوذ فيه له أقسام أربعة أصلية، وأمّا حكمها فهل يتحدان حكماً أو يختلفان؟ ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني. وتوضيح كلامه: انّ الظنّ تارة يؤخذ في موضوع نفس الحكم، وأُخرى في مثله، وثالثة في ضدّه، ورابعة في مخالفه.
وقد مرّ انّ الأقسام الثلاثة الأُول محال في القطع دون الأخير; وأمّا الظنّ فلا شكّ في امتناع الأوّل، وجواز الرابع، إنّما الكلام في القسمين المتوسطين، فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى جوازهما في الظنّ دون القطع، وجه الفرق انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري في الظن، لأنّ المفروض انّ الواقع غير منكشف مائة بالمائة والمكلّف بعدُ في غمار الجهل، فلا مانع من أن تكون الصلاة بما هي هي واجبة، وبما هي هي مظنون الوجوب، واجبة بوجوب مثله أو محرمة.
والحاصل انّ هنا فرقاً بين انكشاف الواقع على وجه القطع، فلا موضوع لجعل حكم ثان مثله أو ضدّه لاستلزامه القطع باجتماع الضدين أو المثلين،

(69)
بخلاف ما إذا كان الواقع مغموراً في ستر الجهل فلا مانع من جعل حكمين متماثلين، أو ضدّين.
فإن قلت: لا فرق بين القطع والظن، فكما أنّ القطع باجتماعهما محال، فهكذا الظن باجتماعها محال، فإذا تعلّق الظن بحكم فعلي، فجعل حكم فعلي مثله أو ضدّه يستلزم الظن باجتماع المثلين أو الضدين وكلاهما محالان، فالثلاثة الأُول محال في القطع والظن، والأخير جائز فيهما.
قلت: إنّ الحكم الفعلي على قسمين:
قسم منه ما يسمّى بالفعلي الحتمي، أي ما ليس له حالة انتظارية حيث تحقق فيه المقتضي ووجدت الشرائط وعدمت الموانع.
وقسم منه فعلي تعليقي بأن بلغ مرتبة الفعلية ولكن لم يبلغ مرتبة الحتمية والتنجز لفقدان شرطه وهو القطع، وإنّما يكون منجزاً إذا تعلّق به القطع.
وعلى ضوء هذا فالفعلي من جميع الجهات أي الحتمي منه، إذا تعلّق به الظن، لا يصلح أن يقع موضوعاً لحكم مثله أو ضده لاستلزامه الظن باجتماعهما، وأمّا إذا تعلّق بحكم فعلي غير حتمي ولا منجز ففي مثله لا مانع من أن يقع الظن به، موضوعاً لحكم حتمي مثله أو ضدّه، لأنّ تضاد الأحكام إنّما هو في مرحلة الفعلية الحتمية لا في مرحلة التعليقية ، وبذلك ظهر الفرق بين القطع والظن، ففي فرض تعلّق القطع يصير الحكم فعلياً حتمياً، ولا يصلح القطع به، موضوعاً لحكم آخر مثله أو ضدّه لاستلزامه القطع باجتماع المثلين أو الضدين، وهذا بخلاف الظن فانّه لا يوجب انقلاب التعليقي إلى الحتمي، فيبقى الحكم المتعلّق به الظن في مرحلة التعليق ويتعلّق الحكم الثاني على وجه الحتمية، ولا تماثل ولا تضادّ بين هذين النوعين من الحكمين.
ثمّ إنّه قدَّس سرَّه توفق بذلك الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، حيث جعل

(70)
الحكم الواقعي من قبيل الفعليات غير المنجزة، وأمّا مؤدّى الأمارة أو الأصل من قبيل الفعليات الحتمية.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه عدل عمّا كان بصدده من إبداء الفرق الجوهري بين القطع والظن في الأقسام الأربعة الأصلية بامتناع الثلاثة الأُوَل في القطع، وامتناع خصوص القسم الأوّل في الظن وجواز الثاني والثالث فيه، وجعل وجه الفرق هو انحفاظ الحكم الواقعي في وجود الحكم المماثل والمضاد في مورد الظن كما مرّ ولكنّه بالبيان الأخير، جعل وجه الجواز اختلاف الرتبة بين الحكم الذي تعلّق به الظن والحكم الذي ترتب على الظن بأنّ الأوّل فعلي غير حتمي والثاني فعلي حتمي، ومن المعلوم أنّه جائز حتى في نفس القطع، وقد صرّح به فيما سبق عند البحث عن أقسام القطع، وقال: نعم يصحّ أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أُخرى منه أو مثله أو ضدّه، وعلى هذا لم يبق فرق بين القطع والظن.
وإن شئت قلت: إنّ الكلام فيما إذا لم يكن تنجّز الواقع مشروطاً بشيء سوى وصول المكلّف إليه بطريق من الطرق، فيقع الكلام في جعل الحكم المماثل أو المضاد، وأمّا إذا كان تنجّز الحكم مشروطاً بخصوص القطع به يكون جعل الحكم المضاد فضلاً عن المماثل جائزاً.
وثانياً: أنّ الظنّ المعتبر كالقطع، فكما أنّ الثاني، يوجب حتمية الحكم وتنجزه فهكذا الظن المعتبر، فلو صحّ كلامه، فيجب عليه أن يخص جواز الأخذ بالظنّ غير المعتبر، حتى لا يكون تعلّقه بالحكم سبباً لخروجه عن التعليق إلاّأن تكون الحتمية معلقة على خصوص القطع، لا الحجّة المعتبرة.

(71)

الأمر الخامس

في وجوب الموافقة الالتزامية

لا شكّ انّ المطلوب في الأُصول الدينية والأُمور الاعتقادية، هو التسليم القلبي والاعتقاد بها جزماً.
إنّما الكلام في الأحكام الشرعية الفرعية التي ثبتت وتنجّزت بالقطع، فهل هنا تكليفان؟
أحدهما: الالتزام بأنّه حكم اللّه قلباً وجناناً.
ثانيهما: الامتثال عملاً وخارجاً.
ولكلّ امتثال وعصيان، فلو التزم قلباً ولكن خالف عملاً فقد عصى ويستحق العقوبة، كما أنّه لو وافق عملاً، وخالف جناناً والتزاماً فقد ترك الفريضة القلبية، فيؤخذ به.
أو أنّ هناك تكليفاً واحداً وهو لزوم امتثال الأحكام الفرعية في مقام العمل وإن لم يلتزم بها قلباً وجناناً.
ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني مستدلاً بشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة والعصيان بذلك واستقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمره إلاّ المثوبة دون العقوبة ولو لم يكن مسلّماً وملتزماً به، نعم عدم الالتزام يوجب سقوط درجته.

(72)
هذا وانّ محلّ النزاع في غير الأحكام التعبدية فانّ امتثالها رهن الإتيان بها للّه سبحانه أو لامتثال أمره وغير ذلك، ومثل ذلك لا ينفك عن الالتزام والتسليم بأنّه حكمه سبحانه وينحصر النزاع بالأحكام التوصلية.
هذا هو محلّ تحرير النزاع وذاك أيضاً مختار المحقّق الخراساني.
نعم أنكر سيّدنا الأُستاذ قدَّس سرَّه أن يكون للنزاع مفهوم صحيح قائلاً بأنّ التسليم القلبي والانقياد الجناني والاعتقاد الجزمي لأمر من الأمور لا يحصل بالإرادة والاختيار من دون حصول مقدّماتها ومباديها، ولو فرضنا حصول عللها وأسبابها يمتنع تخلف الالتزام والانقياد القلبي عند حصول مبادئها ويمتنع الاعتقاد بأضدادها، فتخلّفها عن المبادئ ممتنع كما أنّ حصولها بدونها ممتنع، وعلى ذلك فإذا قام الدليل القطعي على وجوب شيء فيمتنع عدم عقد القلب على وجوبه أو عقد القلب على ضدّه.
وأمّا الجحد الوارد في قوله سبحانه: (فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتنا مُبصرةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبين*وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلماً وَعُلُوّاً فَانْظُر كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدين).(1) فلا يراد منه الجحد القلبي، لامتناعه بعد حصول مبادئه من البراهين القطعية على أنّ موسى مرسل من ربه، بل المراد هو الجحد اللفظي والإنكار اللساني.
ولمّا ذهب قدَّس سرَّه إلى أنّ الالتزام القلبي وليد العلم بالواقع، فهو يحصل في قرارة الإنسان شاء أم لم يشأ، ولا يمكن له عقد القلب على خلافه، أنكر إمكان التشريع فضلاً عن حرمته، إذ كيف يمكن البناء والالتزام القلبي على كون حكم من اللّه مع علمه بأنّه ليس منه أو يشك من كونه منه.

1 . النمل:13ـ 14.

(73)
فخرج بنتيجتين:
1. عدم وجوب الموافقة الالتزامية في الأحكام الفرعية المعلومة، لأنّ الالتزام أمر قهري عند حصول العلم.
2. عدم إمكان التشريع، أي عقد القلب على وجوب ما يعلم أنّه ليس بواجب أو يشك.
نعم البدعة حرام، وهي غير التشريع وهو الإفتاء بغير ما أنزل اللّه ودعوة الناس بالعمل به.(1)
يلاحظ على ما ذكره: أنّ النتيجة الثانية وإن كانت تامة ولكن الأُولى غير تامة، لعدم الملازمة بين القطع والإيمان، والعلم والتسليم، فربّ قاطع وعالم، غير مؤمن ومسلِّم قلباً، وقد أوضحه المحقّق الإصفهاني بقوله: الإنسان كثيراً ما يعلم بأهلية المنصوب من قبل من له النصب، لكنّه لا ينقاد له قلبه ولا يقرّ به باطناً،وإن كان في مقام العمل يتحرك بحركته خوفاً من سوطه وسطوته، وهكذا كان حال كثير من الكفار بالنسبة إلى نبيّنا، حيث إنّهم كانوا عالمين بحقيقته كما نطق به القرآن، ومع ذلك لم يكونوا منقادين له قلباً ولا مقرين باطناً، ولو كان ملاك الإيمان الحقيقي نفس العلم التصديقي لزم أن يكونوا له مؤمنين حقيقة.(2)
والذي يدل على أنّ بين العلم والتسليم مرحلة أو مراحل قوله سبحانه:(فَلا وَربِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرجاً مِمّا قضيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) .(3) قيل: نزلت في الزبير ورجل من

1 . تهذيب الأُصول: 2/45ـ 46.
2 . نهاية الدراية:2/26.
3 . النساء:65.

(74)
الأنصار خاصمه إلى النبي في شراج(1) من الحرة كانا يسقيان بها النخل كلاهما، فقال النبي للزبير:« إسق ثمّ أرسل إلى جارك»، فغضب الأنصاري وقال: يا رسول اللّه لئن كان ابن عمتك....(2)
فانّ خطاب الأنصاري للنبي كشف عن عدم تسليمه لقضائه وإن لم يخالف عملاً، وبذلك يعلم أنّ المراد من الجحد هو الجحد القلبي وعدم التسليم لمقتضى البرهان لا الجحد اللفظي، فالفراعنة أمام البيّنات التي أتى بها موسى كانوا:
1. عالمين بنبوة موسى وهارون.
2. غير مسلِّمين قلباً، مستكبرين جناناً.
وممّا يؤيّد إمكان فصل الإيمان عن العلم، هو انّ الإنسان العادي يخاف من الإنسان الميت، ولكن الغسال يتعامل معه معاملة الإنسان العادي، فالإنسان العادي، عالم بأنّ الميت لا يضر ولكنه ليس بمؤمن بخلاف الغسال، فظهر بذلك انّ للنزاع معنى معقول.
وأمّا حكمها فهناك احتمالات:
الف.التسليم القلبي والانقياد الجناني لكلّ ما جاء به النبي في مجال العقيدة والشريعة، فلا شكّ انّه محقّق الإيمان ومن أركانه.
ب. الانقياد والتسليم القلبي في القربيات والتعبديات عند الإتيان بها فهذا أيضاً لا غبار في وجوبه، لعدم تمشي القربة، مع عدم الانقياد والالتزام بأنّه حكم اللّه سبحانه في الواقعة.

1 . مسيل الماء من الحرّة إلى السهل ، و«الحرّة»: الأرض ذات الحجارة.
2 . الطبرسي: مجمع البيان:2/69.

(75)
ج. عقد القلب على حكم الشيء في التوصليات وانّه حكم الواقعة ، فلا دليل على وجوبه إذ المطلوب إنّما هو تطبيق العمل عليه، وليس وراء ذلك مطلوب، نعم لا يجب الالتزام بأنّه حكم اللّه، ولكن يحرم الالتزام بخلافه والالتزام بعدمه.

ثمرة المسألة

ثمّ إنّ الخراساني أشار إلى ثمرة البحث وانّ له ثمرتين، فتارة تظهر الثمرة في الالتزام بالحكم الواقعي، وأُخرى في الالتزام بالحكم الظاهري. والأُولى ثمرة فقهية، والأُخرى أُصولية.
أمّا الأُولى: فقد أشار إليها بقوله: ثمّ لا يذهب عليك انّه على تقدير لزوم الموافقة الالتزامية، تجب فيما إذا كان المكلّف متمكناً منها....
وحاصل ما أفاده انّ هنا صوراً:
أ. أن يعلم تفصيلاً بالحكم الواقعي، كحرمة العصير قبل التثليث.
ب. أن يعلم إجمالاً بالحكم الواقعي مع إمكان الموافقة العملية، كما إذا علم بوجوب أحد الفعلين.
ج. أن يعلم إجمالاً بالحكم الواقعي مع عدم إمكان الاحتياط، كما إذا علم إجمالاً بوجوب شيء أو حرمته. فالمكلّف متمكن من الموافقة الالتزامية في جميع الصور، غاية الأمر إن علم بالحكم تفصيلاً يلتزم به تفصيلاً كما في الصورة الأُولى، وإن علم إجمالاً يلتزم به كذلك ويعتقد بما هو الواقع والثابت وإن لم يعلم به بشخصه.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني اعترض على نفسه بقوله: «وإن أبيت إلاّعلى لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه» أي بأحدهما مخيّراً.

(76)
وحاصل الاعتراض: انّ المراد من الموافقة الالتزامية هو الالتزام بالحكم بشخصه وعنوانه، ومثل هذا الالتزام غير حاصل في الصورتين الأخيرتين، لأنّه التزم فيهما بما هو الواقع دون تعيين.
ثمّ أجاب قدَّس سرَّه عنه بوجوه ثلاثة:
1. لو كان المراد منها هو هذا المعنى لما كانت الموافقة القطعية الالتزامية حينئذ ممكنة.
2. ولما وجب عليه الالتزام بواحد قطعاً، فانّ محذور الالتزام بضدّ التكليف عقلاً ليس بأقل من محذور عدم الالتزام به بداهة.
وحاصل الجواب الأوّل: انّه لو فسرت الموافقة الالتزامية بهذا المعنى لما كان المكلّف متمكناً من امتثاله ويختص وجوبها حينئذ بالصورة الأُولى.
وحاصل الجواب الثاني: انّ الأخذ بأحد الحكمين بشخصه لغاية حصول الموافقة الالتزامية مستلزم التشريع المحرم.
3. انّ الموافقة الالتزامية لو قلنا بها فإنّما نقول بها لأنّها من آثار نفس التكليف، ولوكان كذلك فهو يقتضي الالتزام به معيّناً، وأين هو من القول بالأخذ بواحد من التكليفين مخيراً، فانّ معناه انّ كلّ تكليف يقتضي الالتزام به أو بضده وهو غير معقول، فلا مناص عن القول بأنّ الواجب هو الالتزام بالواقع على ما هو عليه لو قلنا بوجوبها.

الثمرة الأُصولية

قد ذكرنا انّ للبحث ثمرتين: فقهية وأُصولية.
أمّا الأُولى: فقد عرفت أنّ ثمرة البحث ترجع إلى وجوب آخر وراء الالتزام العملي في الأحكام، وقد عرفت أنّه غير واجب وإلاّلزم عقابان عند الترك التزاماً

(77)
وقلباً وثوابان عند القيام بهما.
وأمّا الثانية: وهي جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي، وانّ القول بوجوب الموافقة الالتزامية هل يمنع عن القول بجريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي أو لا؟
ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ القول بوجوب الموافقة الالتزامية على النحو الذي عرفت لا يمنع من جريان الأُصول في أطرافه، لأنّ الالتزام بالواقع لا ينافي القول بالبراءة أو الحلية في أطراف العلم ظاهراً، لأنّ أحد الحكمين واقعي والآخر ظاهري، وإلى ما ذكرنا أشار بقوله:«ومن هنا قد انقدح انّه لا يكون من قِبَل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الأُصول...».
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم ذهب أيضاً إلى أنّ وجوب الموافقة الالتزامية ليس مانعاً عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي، لكن لا بالبيان الماضي من المحقّق الخراساني من عدم التنافي بين الالتزام بالواقع، وإجراء البراءة ظاهراً، بل ببيان آخر، ذكره في رسالة القطع. وحاصله:
لو افترضنا وجود الدليل بالالتزام بالحكم الواقعي لكن دليل الأصل يخرج المورد عن أدلّة الالتزام بالحكم الواقعي. وهذا نص كلامه:لأنّ الالتزام بالأحكام الفرعية إنّما يجب مقدمة للعمل وليست كالأُصول الاعتقادية يطلب فيها الالتزام والاعتقاد من حيث الذات ولو فرض ثبوت الدليل عقلاً أو نقلاً على وجوب الالتزام بحكم اللّه الواقعي لم ينفع، لأنّ الأُصول تحكم في مجاريها بانتفاء الحكم الواقعي فهي كالأُصول في الشبهة الموضوعية مخرجة لمجاريها عن موضوع ذلك الحكم، أعني: وجوب الأخذ بحكم اللّه.(1)
وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه لا يدفع بها (أي بالأُصول) محذور عدم

1 . الفرائد: رسالة القطع :19، طبعة رحمة اللّه.

(78)
الالتزام أو الالتزام بخلافه، إلاّبوجه دائر، وذلك لأنّ جريان الأُصول موقوف على عدم المحذور، أي محذور عدم الالتزام بالواقع أو الالتزام بخلافه، والثاني موقوف على جريان الأُصول.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني حاول أن يرد الدور الذي أورده على الشيخ بقوله: «اللّهمّ إلاّأن يقال انّ استقلال العقل بالمحذور الخ. وحاصله: العلم بالحكم إنّما يكون علّة لوجوب الالتزام إذا لم يكن هناك ترخيص في الاقدام والاقتحام كما في صورة العلم التفصيلي، وأمّا إذا كان هناك ترخيص كما هو ظاهر عموم أدلّة الأُصول فلا دور، لأنّ جريان الأُصول موقوف على عدم المحذور، والثاني موقوف على عموم الدليل في جانب الأُصول وهو متحقّق.
ثمّ إنّ للمحقّق الخراساني كلاماً في عدم جريان الأُصول في أطراف العلم يتلخص في أُمور ثلاثة:
أ. يشترط في جريان الأُصول العملية وجود الأثر العملي وهو معدوم لاتفاق العلماء على أنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية فيجب الاجتناب عن الإناءين المشتبهين، كما يجب الإتيان بالظـهر والجمعة، فإذا كان الأمر كذلك فأي فائدة في جريان استصحاب الطهارة والبراءة في الأمثلة المذكورة.
والحقّ انّه إشكال تام.
ب. ما نقله عن الشيخ الأنصاري وقد ذكره قدَّس سرَّه في خاتمة الاستصحاب(1) لا في رسالة القطع، وهو انّ القول بجريان الأُصول كالاستصحاب يستلزم تناقض صدر الدليل مع ذيله، فلو شمل قوله:«لا تنقض اليقين بالشك» كلا الاناءين الطاهرين وقد علم بوقوع النجاسة في أحدهما يلزم الحكم بطهارتهما، ولكن بما انّ

1 . الفرائد:429، مبحث الاستصحاب في الأصل السببي والمسببي إذا كان الشكّ مسبباً عن أمر ثالث، طبعة رحمة اللّه.

(79)
المكلّف عالم بوجود النجاسة في أحدهما يلزم الحكم بنجاسة الإناء الواقعي الذي حلّت فيه النجاسة، فيلزم أن يكون الإناء الواقعي طاهراً بحكم الصدر ونجساً بحكم الذيل ـ أعني قوله: ولكن انقضه بيقين آخر ـ.
ج. نعم تأمل المحقّق الخراساني في هذا الإشكال قائلاً بأنّه مبنيّ على أنّ المراد من اليقين في الذيل هو الأعم من الإجمالي والتفصيلي مع أنّه من المحتمل أن يكون المراد هو اليقين التفصيلي، فعندئذيكون الإناءان محكومين بالطهارة لا بالنجاسة، لعدم حصول الغاية.
وفيما ذكره من التأمل، تأمل واضح إذ لا دليل لانصراف الذيل إلى خصوص العلم التفصيلي وعدم شموله الإجمالي.

(80)

الأمر السادس

قطع القطاع

يطلق القطاع ويراد منه تارة: من يحصل له القطع كثيراً من الأسباب التي لو أُتيحت لغيره لحصل لهم أيضاً. وأُخرى: من يحصل له القطع كثيراً من الأسباب التي لا يحصل منها اليقين لغالب الناس.
والقطّاع بالمعنى الأوّل زين وآية للذكاء، وبالمعنى الثاني شين وآية التدهور العقلي، ومحلّ البحث هو القسم الثاني لا الأوّل.
ثمّ إنّ الوسواس في مورد النجاسات من قبيل القطّاع حيث يحصل له القطع بها من أسباب غير عاديّة، وفي مورد الخروج عن عهدة التكاليف وسواس لا يحصل له اليقين بسهولة.
ومنه يظهر حال الظنّان، فله أيضاً إطلاقان مثل القطّاع حذوَ النعلِ بالنعلِ.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه حُكي عن الشيخ الأكبر كاشف الغطاء عدم الاعتناء بقطع القطاع، وتحقيق الحق يتوقف على البحث في مقامين:
الأوّل: ما إذا كان القطع طريقيّاً محضاً.
الثاني: ما إذا كان القطع موضوعيّاً مأخوذاً في الموضوع.
أمّا الأوّل: فالظاهر كون قطعه حجّة عليه، ولا يتصور نهيه عن العمل به

(81)
لاستلزامه وجود حكمين متناقضين في الشريعة، حيث يقول الدم نجس وفي الوقت نفسه ينهاه عن العمل بقطعه بأنّ هذا دم.
نعم لو أراد عدم كفايته في الحكم بصحّة العمل بعد انكشاف الخلاف، كما إذا قطع بدخول الوقت وتبيّن عدم دخوله، فيحكم عليه بالبطلان، كان له وجه، ولكن لا فرق عندئذ بين القطّاع وغيره.
وأمّا الثاني: أي القطع الموضوعي، فبما انّ القطع جزء الموضوع فللمقنن التصرف في موضوع حكمه، فيصح جعل مطلق القطع جزءاً للموضوع كما يصحّ جعل القطع الخاص جزءاً له ـ أي ما يحصل من الأسباب المتعارفة ـ فللنهي عندئذ له مجال، فإذا قطع بأسباب غير عادية فللشارع النهي عن العمل به، لأنّ المأخوذ في الموضوع غيره.
ثمّ لو وقف الإنسان على خطأ القاطع ـ قطاعاً كان أم غيره ـ في الأحكام، والموضوعات، فهل يجب على الغير إرشاده أو لا؟ فالظاهر وجوبه في مورد الجهل بالأحكام بالنظر إلى أدلّة إرشاد الجاهل من غير فرق بين البسيط والمركب، وأمّا الموضوعات فلا شكّ في عدم وجوب إرشاده إلاّ في مهام الأُمور كالدماء والأعراض والأموال الطائلة.
هذا كلّه حول القطاع.
أمّا الظنّان فيمكن للشارع سلب الاعتبار عنه من غير فرق بين كونه طريقاً محضاً إلى متعلقه، أو مأخوذاً في الموضوع والفرق بينه وبين القطع واضح، لأنّ حجّية الظن ليست ذاتية له وإنّما هو باعتبار الشارع، وجعله حجّة في مجال الطاعة والمعصية، وعليه يصحّ النهي عن العمل به مطلقاً من غير فرق بين كونه طريقيّاً محضاً أو موضوعيّاً.
ثمّ إنّ ظنّ الظنّان يكون محكوماً بحكم الشك، وإليك التوضيح بمثالين:

(82)
1. لو ظن بعد الخروج عن المحل انّه ترك التشهد، فلا يعود، لكونه من قبيل الشك بعد المحل، نعم لو كان ظاناً متعارفاً كان عليه الرجوع لحجّية الظن في الركعات الأخيرة وأجزاء الصلاة فعلاً أو تركاً.
2. لو ظن قبل الخروج عن المحل، بالإتيان فيعود، لأنّ الشاك في المحل يعود فيحكم عليه بالرجوع والإتيان به مع أنّه لو كان ظاناً متعارفاً كان عليه عدم الرجوع.
وأمّا الشكّاك ففيه التفصيل: ففي كلّ مورد لا يعتنى بالشك العادي لا يعتنى بشكّ الشكّاك بطريق أولى، كالشكّ بعد المحل; وأمّا المورد الذي يعتنى فيه بالشكّ العادي ويكون موضوعاً للأثر، فلا يعتنى بشكّ الشكّاك ، كما في الشك في عدد الركعتين الأخيرتين فلو شكّ بين الثلاث والأربع، فالشاك المتعارف يجب عليه صلاة الاحتياط بعد البناء على الأكثر، وأمّا الشكّاك، فلا يعتنى بشكّه ولا يترتب عليه الأثر بشهادة قوله :«لا شكّ لكثير الشكّ» فلو اعتدّ به أيضاً لم يبق فرق بين الشكّاك وغيره.

(83)

الأمر السابع

حجّية العقل
في مجالات خاصة

إنّ العقل أحد الحجج الأربع التي اتفق أصحابنا إلاّقليلاً منهم على حجّيته، ولأجل إيضاح الحال نقدّم أُموراً:
الأوّل: الإدراك العقلي ينقسم إلى: إدراك نظري وإدراك عملي.
فالأوّل إدراك ما ينبغي أن يعلم، كإدراك وجود الصانع وصفاته وأفعاله وغير ذلك.
والثاني إدراك ما ينبغي أن يعمل، كإدراكه حسن العدل وقبح الظلم ووجوب ردّ الوديعة وترك الخيانة فيها، والمقسم هو الإدراك، فهو ينقسم إلى نظريّ وعمليّ، وربما يتوسع فيقسم العقل إلى القسمين.
الثاني: انّ الاستدلال لا يتم إلاّ بأحد طرق ثلاث: 1. الاستقراء، 2. التمثيل، 3. القياس المنطقي.
والاستقراءالناقص لا يحتجّ به لأنّه لا يفيد إلاّالظنّ، وأمّا الاستقراء الكامل فلا يعدّ دليلاً، لأنّ المستقرئ يصل إلى النتيجة في ضمن الاستقراء فلا تبقى حاجة للاستدلال بالاستقراء الكامل.
وبعبارة أُخرى: الاستقراء الكامل علوم جزئية تفصيلية تصبُّ بعد الانتهاء

(84)
في قالب قضية كلية من دون أن يكون هناك مجهول يستدل به على العلم به.
وأمّا التمثيل، فهو عبارة عن القياس الأُصولي الذي لا نقول به كما سيوافيك تفصيله عند البحث عن مصادر التشريع عند أهل السنة.
فتعيّن أن تكون الحجّة هي القياس المنطقي، وهو على أقسام ثلاثة:
أ. أن تكون الصغرى والكبرى شرعيتين.
ب. أن تكون كلتاهما عقليتين، كإدراك العقل حسن العدل وحكمه بوجوب تطبيق العمل عليه وقبح الظلم وحكمه بالاجتناب عنه، وهذا ما يعبّر عنه بالمستقلات العقلية، أو التحسين والتقبيح العقليين.(1)
ج. أن تكون الصغرى شرعية والكبرى عقلية.
توضيح القسمين الأخيرين:
إنّ الأحكام الشرعيّة المستنبطة من الأحكام العقلية تنقسم إلى قسمين:
الأوّل: ما يُستنبط من مقدمتين عقليّتين، وهذا كالحكم بحسن العدل وقبح الظلم، وحكمه بأنّه عند الشرع أيضاً كذلك، وهذا ما يسمّى بالمستقلات العقلية، فالدليل بعامة أجزائه عقلي، فقد حكم بحسن العدل كما حكم بالملازمة بين العقل والشرع.
الثاني: ما تكون إحدى المقدمتين عقلية، وهذا كما في باب الملازمات العقلية كوجوب المقدمة فانّ العقل يحكم بثبوت التلازم بين وجوب الشيء ووجوب ما يتوقف عليه، ويحكم بالحكم الإدراكي بأنّ طالب الشيء طالب لمقدماته، أو يحكم بثبوت التلازم بين الأمر بالشيء وحرمة أضداده وانّه عند الشرع في كلا الموردين

1 . في مقابل الأشاعرة الذين لا يعترفون بهما إلاّ من طريق الشرع، فالحسن عندهم ما حسنه الشارع وهكذا القبيح.

(85)
أيضاً كذلك.
و من المعلوم انّه لا يمكن التوصل بهذا الحكم الكلي إلى وجوب الوضوء إلاّ بعد تنصيص الشارع بوجوب الصلاة وتوقفها عليه، فيقال إذا أُريد ترتيب القياس وأخذ النتيجة:
الوضوء مقدمة للصلاة، فهذه المقدمة شرعية، ومقدمة الواجب واجبة عقلاً وشرعاً للملازمة، فينتج القياس: الوضوء واجب شرعاً.
الثالث: الفرق بين هذا المقام الباحث عن حجّية العقل وما مرّفي مبحث الأوامر من الملازمات العقلية بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، أو وجوب الشيء وحرمة ضدّه، هو انّ البحث السابق كان يدور حول وجود الملازمة بين الإرادتين أو الوجوبين عند العقل وعدمها. ولكن البحث في المقام يدور عن كشفه عن كون الحكم عند الشرع أيضاً كذلك.
وبعبارة أُخرى: كان البحث السابق منصباً على وجود الملازمة العقلية بين الوجوبين وعدمه، أو بين الوجوب وحرمة الضدّ وعدمه، وبعد ثبوتها يبحث في المقام عن حجّية حكمه وكشفه عن حكم الشارع. ونتيجة البحث تكون وجود الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وانّ الواجب عقلاً، واجب شرعاً أيضاً.
الرابع: عرف الدليل العقلي بأنّه حكم يتوصل به إلى حكم شرعي، وربما يعرّف: بأنّه ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب نظري.(1) مثلاً إذا حكم العقل بأنّ الإتيان بالمأمور به على ما هو عليه، موجب لحصول الامتثال فيستدلّ به على أنّه في الشرع أيضاً كذلك، فيترتب عليه براءة الذمة عن الإعادة والقضاء، أو إذا حكم العقل عند التزاحم بلزوم تقديم الأهم كالنفس المحترمة على المهم كالتصرف في مال الغير بلا إذنه، فيستدل به على الحكم الشرعي وهو

1 . القوانين : 2/2; مطارح الأنظار:233.

(86)
وجوب إنقاذ الغريق وجواز التصرف في مال الغير، كلّ ذلك توصل بالحكم العقلي للاستدلال على الحكم الشرعي.
الخامس: انّ الاستدلال بالحكم العقلي على الحكم الشرعي يتصور على وجهين:
أ. إذا أدرك العقل حكم الموضوع عند لحاظه بما هوهو مع قطع النظر عن سائر الجهات من كونه ذات مصلحة أو مفسدة، موجب لبقاء النظام أو هادم له، نافع للمزاج أو مضرّله، بل انتقل بحكمه إذا نظر إلى الموضوع بما هوهو، من دون لحاظ أي ضميمة من الضمائم ومن أوضح أمثلة هذا القسم استقلاله، بحسن العدل وحكمه بلزوم فعله، وقبح الظلم وحكمه بلزوم طرده.
نعم المورد لا ينحصر بالتحسين والتقبيح، وسيوافيك انّ كلّ ما يدركه العقل بوصف كونه حكماً عاماً غير مقيد بفاعل خاص، ولا طرف معين فهو من مصاديق هذا القسم ونظيره: إدراكه الملازمة بين الإرادتين والوجوبين، أو إرادة ووجوب شيء وحرمة ضدّه، وهكذا فانّ المدرَك حكم عام غير مقيد بشيء غير انّ التحسين والتقبيح من المستقلات العقلية لكن يجمعهما استقلال العقل في إدراك الحكم العام الذي يشارك فيه الممكن والواجب.
ب. إذا استقل العقل بالحكم لا بملاحظة الموضوع بما هوهو ، بل بما هو ذات مصلحة أو مفسدة فحكم بلزوم حيازة الأُولى واجتناب الثانية، فهل يستكشف منه الوجوب أو الحرمة عند الشارع، أيضاً بحيث يكون العلم بالمصالح والمفاسد من مصادر التشريع الإسلامي؟
إذا عرفت ذلك، فيقع البحث في حجّية العقل في مقامين:
المقام الأوّل: استكشاف حكم الشرع عند استقلاله بالحكم بالنظر إلى ذات الموضوع، فنقول: إذا استقل العقل بالحكم على الموضوع عند دراسته بما هوهو

(87)
من غير التفات إلى ماوراء الموضوع من المصالح والمفاسد، كاستقلاله بقبح تكليف غير المميز ومن لم يبلغه البيان، فهل يكون ذلك دليلاً على كون الحكم عند الشارع كذلك أو لا؟ فذهب الأُصوليون إلى وجود الملازمة بين الحكمين، وما ذلك إلاّ لأنّ العقل يدرك حكماً عاماً غير مقيّد بشيء.
مثلاً إذا أدرك العقل (حسن العدل) أدرك انّه حسن مطلقاً، أي سواء كان الفاعل واجب الوجود أم ممكن الوجود، وسواء صدر الفعل في الدنيا أم في الآخرة، وسواء كان مقروناً بالمصلحة أو لا، فمثل هذا الحكم العقلي المدرك يلازم كون الحكم الشرعي أيضاً كذلك، وإلاّ لما كان المدرك عاماً شاملاً لجميع تلك الخصوصيات.
وبذلك تتضح الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع في المستقلات العقلية.
هذا كلّه في المستقلات العقلية وبه يظهر حكم غير المستقلات العقلية التي عرفت معناها، مثلاً إذا أدرك العقل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، أو وجوب الشيء وحرمة ضدّه، أو الملازمة بين ثبوت الجزاء عند ثبوت العلّة المنحصرة وانتفائه عند انتفائها، يكشف كون الحكم عند الشرع كذلك، لأنّ الحكم المدرك للعقل حكم عام غير مقيّد بشيء من القيود، فكما انّ العقل يدرك الملازمة بين الأربعة والزوجية بلا قيد، فيكون حكماً صادقاً في جميع الأزمان والأحوال، فكذلك يدرك الملازمة بين الوجوبين أو بين الوجوب والحرمة، فالقول بعدم كشفه عن كون الحكم عند الشارع كذلك ينافي إطلاق حكم العقل وعدم تقيّده بشيء.
وبذلك يتضح انّ ادعاء الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع يرجع إلى أنّ الحكم المدرك للعقل حكم مطلق غير مقيد بشيء فيعم حكم الشارع أيضاً.

(88)
فالاحتجاجات في باب الملازمات مستقلة كانت أو غير مستقلة ترجع إلى كون الحكم المدرَك حكماً مطلقاً شاملاً لكلّ فاعل وظرف، فإخراج الواجب وإخراج حكمه عن تحت القاعدة خلاف ما يحكم به العقل على وجه الجزم، فمن حاول نفي الملازمة فعليه أن ينفي الإدراك القطعي للعقل في تلك المجالات وانّه ليس للعقل ذلك الإدراك القطعي العام وأنّى له ذلك.
المقام الثاني: استكشاف الحكم الشرعي من المصالح والمفاسد في الموضوع دون نظر إلى حكم العقل بحسنه أو قبحه.
فنقول: إذا أدرك العقل المصلحة أو المفسدة في شيء وكان إدراكه مستنداً إلى المصلحة أو المفسدة العامتين اللّتين يستوي في إدراكها جميع العقلاء، ففي مثله يصحّ استنباط الحكم الشرعي من العقلي.
نعم لو أدرك المصلحة أو المفسدة ولم يكن إدراكه إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء بل إدراكاً شخصياً حصل له بالسبر والتقسيم، فلا سبيل للعقل إلى الحكم بالملازمة فيه، وذلك لأنّ الأحكام الشرعية المولوية وإن كانت لا تنفك عن المصالح أو المفاسد، ولكن انّى للعقل أن يدركها على ما هي عليها.
وبذلك يعلم أنّه لا يمكن للفقيه أن يجعل ما أدركه من المصالح والمفاسد ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي بل يجب عليه الرجوع إلى سائر الأدلة.
فخرجنا بالنتائج التالية:
أوّلاً: أنّ حكم العقل بشيء في المستقلات العقلية أو في غيرها يكشف عن كون الحكم عند الشرع كذلك شريطة أن يكون العقل قاطعاً ويكون المدرَك حكماً عاماً كما هو الحال في الأمثلة المتقدمة.
ثانياً: إذا أدرك العقل وجود المصلحة أو المفسدة في الأفعال إدراكاً نوعياً

(89)
يستوي فيه جميع العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدِّرات، ففي مثله يكون حكم العقل ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي.
ثالثاً: استكشاف ملاكات الأحكام واستنباطها بالسبر والتقسيم ثمّ استكشاف حكم الشرع على وفقه أمر محظور لعدم إحاطة العقل بمصالح الأحكام ومفاسدها، وسيوافيك عند البحث عن سائر مصادر الفقه عدم العبرة بالاستصلاح الذي عكف عليه مذهب المالكية.

تطبيقات

يترتب على حجّية العقل في المجالات الثلاثة، أعني:
1. باب الملازمات العقلية ، 2. الحسن والقبح العقليين، 3. المصالح والمفاسد العامتين ثمرات فقهية كثيرة نستعرض قسماً منها.
أمّا باب الملازمات العقلية، فيستنتج منها الأحكام التالية:
1. وجوب المقدمة على القول بالملازمة عند العقل بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته.
2. حرمة ضد الواجب على القول بالملازمة عند العقل بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدّه.
3. صحّة العبادة على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي، وبطلانها على القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي مع تقديم النهي، وصحّتها على الامتناع لكن على القول بتقديم الأمر.
4. فساد العبادة إذا تعلق النهي بنفسها.
5. فساد العبادة إذا تعلق النهي بأجزائها أو شرائطها أو أوصافها،وقد مرّ انّ الصحّة رهن أحد أمرين: وجود الأمر، أو وجود الملاك. والأوّل منتف لوجود

(90)
النهي، والثاني مثله لكشف النهي عن المبغوضية،وهي لا تجتمع مع الملاك على تفصيل مرّ ذكره.
6. فساد المعاملة إذا تعلق النهي بالتصرف في الثمن أو المثمن للملازمة بين مثل هذا النهي وفساده.
7. انتفاء الحكم مع انتفاء الشرط في القضايا الشرطية إذا ثبت كون الشرط علّة منحصرة للملازمة بين انتفاء العلّة المنحصرة وانتفاء معلولها.
أمّا باب الحسن والقبح العقليين فيستنتج منه الأحكام التالية:
1. البراءة من التكليف لقبح العقاب بلا بيان.
2. الاشتغال بالتكليف عند العلم الإجمالي وتردّد المكلّف به بين أمرين لحكمه بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية وحسن عقوبة من لم يخرج عن عهدة التكليف قطعاً.
3. الإتيان بالمأمور به مجز عن الإعادة والقضاء لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال على تفصيل مرّفي محلّه.
4. وجوب تقديم الأهم على المهم إذا دار الأمر بينهما لقبح العكس.
استكشاف الأحكام من باب إدراك المصالح والمفاسد النوعيين الذي يستوي فيهما كافة العقلاء كاستعمال المخدرات.
نعم إدراك المصالح والمفاسد ومناطات الأحكام بالسبر والتقسيم فهو أمر مرغوب عنه وإن حصل القطع، فالقطع حجّة للقاطع لا لغيره، وليس حجّة على المقلد لاستناده في استنباط الحكم الشرعي على مصدر غير صالح كاستناده على القياس والاستحسان.

(91)

عنوان المسألة بين الأخباريين

هذا هو موقف الأُصوليين من حكم العقل، وأمّا موقف الأخباريين فهم يرفضون العقل في مجال الاستنباط بأحد الوجهين:
أ. منع الصغرى وانّه لا يحصل للعقل قطع بالحكم بل كلّ ما يدركه لا يخرج عن تحت الظنون.
ب. منع الكبرى بعد تسليم الصغرى، وانّ القطع بالحكم وإن كان حاصلاً، لكنّه ليس بحجّة لعدم الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وإليك دراسة هذين الوجهين:
أمّا الوجه الأوّل: فهو الظاهر من كلام المحدِّث الاسترابادي رائد الحركة الأخبارية حيث صرّح بأنّه لا يحصل اليقين من التمسك بغير الوحي، ويدل على ذلك كلامه في مواضع عديدة قال: كلّ مسلك غير التمسك بكلامهم إنّما يعتبر من حيث إفادته الظنَّ بحكم اللّه وقد أثبتنا سابقاً انّه لا اعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها.
ج. قال في فهرست فصول كتابه: الأوّل: في إبطال التمسك بالاستنباطات الظنية في نفي أحكامه تعالى شأنه ووجوب التوقف عند فقد القطع بحكم اللّه، أو بحكم ورد عنهم عليهم السَّلام .
ولكنّه لم يذكر وجه عدم حصول اليقين ونحن نشير إلى الوجوه التي يمكن أن يعتمد عليها الأخباري في ادّعائه فنقول:

الأوّل: احتمال سعة مناط الحكم عند العقل

إنّ العقل وإن كان مدركاً للمصالح والمفاسد والجهات المحسنة والمقبحة

(92)
إلاّ أنّه من الممكن أن تكون لتلك الجهات، موانع ومزاحمات في الواقع وفي نظر الشارع ولم يصل العقل إليها إذ ليس من شأن العقل، الإحاطة بالواقع.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المفروض، لأنّ الكلام فيما إذا حكم العقل بحكم قطعي على الموضوع بما هوهو كقبح الظلم والخيانة في الأمانة، أو كقبح ترجيح الأهم على المهم ولا يحتمل أن يكون للحكم مانع في الواقع أو شرط عند الشارع، فما ذكره خارج عن محط البحث.
نعم لو احتمل العقل أحد هذه الأُمور لم يحكم بحكم باتّ.

الثاني: جواز خلو الواقعة عن الحكم

يجوز أن لا يكون للشارع فيما حكم فيه العقل بالوجوب أو الحرمة، حكم أصلاً لا موافقاً ولا مخالفاً بأن تخلو الواقعة عن الحكم رأساً وعلى ذلك لا حكم للشرع في الموضوع وفاقاً أو خلافاً.(2)
يلاحظ عليه: أنّ احتمال خلو الواقعة من الحكم يضاد مع ما ورد عنهمعليهم السَّلام: «ما من شيء إلاّوفيه كتاب أو سنة».
وفي حديث آخر : أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه» أو «في الكتاب والسنة».(3)
فكيف يمكن أن لا يكون للشارع حكم في الموضوعات الخطيرة، وقد قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في خطبة حجّة الوداع : «يا أيّها الناس ما من شيء يقربكم من الجنّة ويبعدكم من النار، إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم

1 . فوائد الأُصول: 3/60، نقله المؤلف من الفصول و لم نعثر عليه فيه.
2 . الفصول في علم الأُصول:337.
3 . الكافي:1/59ـ 62، باب الرد إلى الكتاب والسنّة.

(93)
من الجنة إلاّوقد نهيتكم عنه».(1)
ثمّ إنّ الأخباريين استدلوا بطوائف من الروايات التي زعموا دلالتها على مدّعاهم، وإليك استعراضها تحت عناوين خاصة ليسهل للطالب الوقوف على ما لم نذكر من الروايات فانّ جميعها غير خارجة عن تلك العناوين.

الطائفة الأُولى: لزوم توسيط الحجّة في بيان الحكم

قامت الأدلّة على لزوم العمل بحكم يتوسط الحجّة في تبليغه وبيانه ولا عبرة بالحكم الواصل من غير تبليغ الحجّة، ويدلّ على ذلك صحيح زرارة «فلو انّ رجلاً صام نهاره، وقام ليله، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه ثواب ولا كان من أهل الإيمان».(2)
قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من دان بغير سماع ألزمه اللّه ألبتة إلى الفناء».(3)
قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «كلما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل»(4) إلى غير ذلك من الروايات.
يلاحظ عليه أوّلاً: انصراف الرواية إلى المعرضين عن أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام والمستهدين بغيرهم على وجه كان جميع أعمالهم بدلالة سواهم،وأمّا من أناخ مطيّته على عتبةِ أبوابهم في كلّ أمر كبير وصغير ومع ذلك اعتمد على العقل في مجالات خاصة فالرواية منصرفة عنه جداً.
وبعبارة أُخرى: كما للآيات أسباب وشأن نزول، فهكذا الروايات، فهي تعبّر

1 . الوسائل: الجزء 12، الباب 12 من أبواب مقدمات التجارة ، الحديث 2.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.
3 . الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14و 18.
4 . الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14و 18.

(94)
عن سيرة قضاة العامة وفقهائهم كأبي حنيفة وابن شبرمة وأضرابهم الذين أعرضوا عن أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام ولم يُنيخُوا مطيّتهم على أبواب أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام فيخاطبهم الإمام بما في هذه الروايات.
وأمّا فقهاء الشيعة الذين رجعوا في كلّ واقعة إلى الكتاب والسنّة وتمسكوا بالثقلين فلا يعمهم، والمورد وإن لم يكن مخصِّصاً لكن يمكن إلقاء الخصوصية بالنسبة إلى المماثل والمشابه لا المباين، وتمسك أصحابنا بالعقل في مجالات خاصة لا يعدُّ إعراضاً عنهم بخلاف غيرهم.
وثانياً: إذا كان العقل أحد الحجج ـ كما في صحيح هشام ـ فيكون الحكم المستكشف ممّا وصل إلى المكلّف بتبليغ الحجّة أيضاً.
روى هشام ،عن أبي عبد اللّهعليه السَّلام : «يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة; فالظاهرة الرسل والأنبياء والأئمة، وأمّا الباطنة فالعقول».(1)
والقول بلزوم توسط الحجّة الظاهرة، يلزم طرح ما دلّ على كونه من الحجج.

الطائفة الثانية: ما تدل على عدم حجّية القياس

هناك روايات متضافرة دلت على المنع عن العمل بالقياس.
روى عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن موسى ـ عليه السَّلام ـ عن القياس فقال: «ما لكم وللقياس انّ اللّه لا يسأل كيف أحل وكيف حرّم».(2)
يلاحظ عليه: أنّ العمل بالقياس عمل بالدليل الظني المنهيّ عنه، وأين هو

1 . الكافي:1/13ـ 16، باب العقل والجهل.
2 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15; ولاحظ الحديث 18 و28.

(95)
من العمل بالحكم القطعي الذي ربما لا يختلف فيه اثنان، كما هو الحال في باب التحسين والتقبيح العقليين، فالاستدلال بهذه الروايات على عدم حجّية العقل في مجالات خاصة استدلال بالمباين على المباين.

الطائفة الثالثة : ما تدل على عدم حجّية الرأي

وهناك طائفة أُخرى تدل على عدم حجّية الرأي، فقد روي عن الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه ولم يأخذه عن رأيه».(1)
وروى ابن مسكان، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «ما أحد أحبَّ إليّ منكم إنّ الناس سلكوا سبلاً شتى، منهم من أخذ بهواه، ومنهم من أخذ برأيه، وانّكم أخذتم بأمر له أصل».(2)
المهم في الباب هو تفسير الرأي، فالمستدل جعله مرادفاً للاستدلال بحكم العقل مع أنّ المقصود منه هو التفسير بما لا يعلم، قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم» .(3)
وحصيلة الكلام حول تلك الروايات التي استعرضناها وبسطها الشيخ الحرّ العاملي في أبواب متفرقة من أبواب صفات القاضي إنّها وردت في تفنيد عمل فقهاء العامة وقضاتهم الذين لم يستندوا في الأُصول والفروع إلى أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام وأخذوا يُفتون ويقضون بقول كلّ من هبّودبّ معتمدين على معايير وأُصول منهية أو لم يدل عليها دليل، فإسراء مفاد تلك الروايات إلى عمل أصحابنا الأُصوليين بحكم أنّهم يستدلّون بواضح العقل وبداهة الفطرة على حكم شرعي يَقْضي عجباً.
إنّ أبا حنيفة بنى فقهاً كبيراً، والحال انّه لم يثبت عنده من الأحاديث النبوية

1 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.
2 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.
3 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.

(96)
إلاّ سبعة عشر حديثاً(1)، فما حال فقه هذا أساسه؟!ولذلك أخذ الإمام الصادق يذمّ أبا حنيفة وابن شبرمة، يقول الأخير: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد عليمها السَّلام فقال لأبي حنيفة : «اتّق اللّه ولا تقس في الدين برأيك، فانّ أوّل من قاس إبليس».(2)
وقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: «شرّقا وغرّبا فلا تجدان، علماً صحيحاً إلاّ شيئاً صحيحاً خرج من عندنا أهل البيت» .(3)

الطائفة الرابعة : ما تدل على أنّ المرجع هو الكتاب و السنّة

هناك روايات تدلّ على أنّ المرجع في الأحكام هو الكتاب والسنّة، قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنّة زالت الجبال ولم يزل».(4)
وقال ـ عليه السَّلام ـ : «إنّما الناس رجلان: مُتَّبعُ شرعة، ومبتدع بدعة ليس معه من اللّه برهان سنة ولا ضياء حجّة».(5)
يلاحظ عليها: أنّها بصدد ردّ عمل من يعمل بكلّ ما اشتهر على ألسن الناس وإن لم يكن له دليل مقابل من يرجع إلى الكتاب والسنّة، ولا صلة له بالبحث أبداً.

1 . ابن خلدون، المقدمة، طبعة دار ومكتبة الهلال ص 282.
2 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2و 16.
3 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2و 16.
4 . الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22 و 31.
5 . الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22 و 31.

(97)

الأمر الثامن

العلم الإجمالي تنجيزاً وامتثالاً

هل العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في تنجيز الحكم الواقعي وكفاية الامتثال أو لا وقبل الشروع نطرح سؤالين:
الأوّل: العلم من مقولة الكشف، وهو لا يقبل التفصيل والإجمال، بل أمره دائر بين الوجود والعدم، وكما هو لا يقبل ذاك التقسيم، فهكذا لا يقبله، متعلّقه، لأنّ تشخّص العلم بالمعلوم كتشخص الإرادة بالمراد، فلو كان فيه إجمال لسرى إلى العلم أيضاً.
الجواب: انّوصف العلم بالإجمال من باب وصف الشيء بوصف مصداق متعلقه، لأنّه لا إجمال في العلم ولا في متعلقه وإنّما الإجمال في مصداق المتعلّق، فإذا تردّدت النجاسة بين الإناءين، فهنا علم تفصيلي تعلّق بمتعلق لا إجمال فيه، أعني: النجاسة، غير أنّها مردّدة وجوداً ومصداقاً بين الإناءين، فحقيقة العلم الإجمالي يرجع إلى علم تفصيلي، انضم إليه الجهل بمصداق المعلوم بالذات.
الثاني: انّ الأُصوليين يبحثون عن العلم الإجمالي في مبحث القطع أوّلاً ، وفي مبحث الاشتغال ثانياً، فما هو وجه التكرار؟!
الجواب: يمكن أن يُبرّر التكرار بأحد الوجوه الآتية:
1. ما ذكره الشيخ الأنصاري، وهو أنّ لاعتبار العلم الإجمالي مرتبتين:

(98)
أحدهما: كونه كالتفصيلي في حرمة المخالفة القطعية، ثانيهما: كونه كالتفصيلي في وجوب الموافقة القطعية. والمتكفّل للبحث في الأوّل هو مبحث القطع، وللثاني هو مبحث الاشتغال.
2. ما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ تعدّد البحث لأجل تعدّد الغرض: فالغاية للبحث عنه في مبحث القطع هو التعرّف على أنّه علّة تامة للتنجز أو مقتض له، فلو قلنا بالأوّل، يترتب عليه بطلان جعل الترخيص في بعض أطرافه، وحينئذ لا يبقى مجال عنه في باب الاشتغال. وأمّا لو قلنا انّه مقتض للتنجّز أي انّه قابل لجعل الترخيص، يبقى مجال للبحث عن ورود الترخيص لبعض الأطراف في الشرع وعدمه، وهذا ما يبحث عنه في باب الاشتغال ويكون البحث صغروياً.
3. ما ذكره سيدنا الأُستاذ قدَّس سرَّه هو انّ المراد من العلم الإجمالي في مبحث القطع، غيره في مبحث الاشتغال، وذلك انّ المراد منه في المقام هو العلم القطعي الذي لا يرضى المولى بتركه كالعلم بكون أحد الغريقين مسلماً، بخلاف العلم في مبحث الاشتغال، فالمراد منه: قيام الحجّة على التكليف، كما إذا قال: اجتنب عن الدم، وصار مقتضى إطلاق الدليل هو الاجتناب عنه مطلقاً، كان معلوماً تفصيلاً أو إجمالاً، فالمورد الأوّل هو اللائق بمبحث القطع، ولا شكّ انّ العلم الإجمالي فيه علّة تامّة للتنجز ولا يصحّ معه جعل الترخيص، والمورد الثاني هو اللائق بمبحث الاشتغال ولا شكّ انّه بالنسبة إلى الأمرين مقتض وقابل لجعل الترخيص لأحد الطرفين أو كليهما .
إذا عرفت ذلك فاعلم انّ البحث يقع في مقامين:
الأوّل: في كون العلم الإجمالي منجّزاً كالعلم التفصيلي أو لا .
الثاني: كون الامتثال الإجمالي كالامتثال التفصيلي.
أمّا المقام الأوّل ففيه أقوال:

(99)
1. العلم الإجمالي مقتض لحرمة المخالفة ووجوب الموافقة القطعيتين ومعناه انّه يجوز جعل الترخيص وإن انتهى إلى المخالفة القطعية، وهو خيرة المحقّق الخراساني في المقام.
2. كونه علّة تامة لكلا الأمرين وهو خيرته في باب الاشتغال، ومعناه عدم جواز جعل الترخيص مطلقاً.
3. كونه علّة تامة لحرمة المخالفة القطعية،ومقتضياً للموافقة القطعية، ومعناه عدم جواز جعل الترخيص في كلا الطرفين وجوازه في واحد منهما.
استدل المحقّق الخراساني على مدعاه في المقام بالبيان التالي:
وجود الفرق بين العلم التفصيلي والإجمالي، فانّ الأوّل بما انّه لا سترة فيه وانكشف الواقع بتمامه فلا موضوع (الجهل والشك) لجعل الحكم الظاهري بخلاف المقام، فانّ وجود الجهل بمصداق المكلّف به والشكّ في كلّ واحد من الطرفين، يجعل المقام صالحاً لجعل الحكم الظاهري فيجوز للشارع الإذن في المخالفة احتمالاً وقطعاً.
ثمّ أورد على نفسه إشكالاً، حاصله: كيف يجتمع العلم بالتكليف مع الإذن في المخالفة المحتملة أو القطعية؟ ثمّ أجاب بوجهين:
1. انّه ليس إشكالاً جديداً، بل نفس الإشكال في الجمع بين الواقعي والحكم الظاهري في باب الشبهة غير المحصورة والشبهة البدوية، مع العلم بوجود التكليف في الصورة الأُولى واحتمال وجوده في الصورة الثانية، فإذاً لا فرق بينهما وبين المقام، وما هو الجواب عنه فيهما هو الجواب عنه في المقام.
2. يمكن رفع المناقضة بافتراض انّ الحكم الواقعي في الموارد الثلاثة فعلي معلّق، بمعنى انّه يتنجّز التكليف الواقعي إذا تعلّق به العلم التفصيلي، والمفروض عدم حصول المعلق عليه، فبذلك يرتفع التناقض، وسيأتي تفصيله عند البحث

(100)
عن الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري.
وعلى ضوء ذلك فالعلم الإجمالي يوجب تنجّز التكليف لو لم يمنع عنه مانع عقلاً، كما في أطراف كثيرة غير محصورة; أو شرعاً، كما إذا أذن الشارع في الاقتحام في المحصورة ـ بناء على شمول قوله : كلّ شيء فيه حلال وحرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه لأطراف العلم الإجمالي ـ كلّ ذلك دليل على أنّ العلم الإجمالي مقتض للتنجز لو لم يمنع عنه مانع.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ فيما إذا علم التكليف عن طريق إطلاق الحجّة، كما إذا قال: اجتنب عن الدم، وكان مقتضى الإطلاق لزوم الاجتناب عن الدم المعلوم بالتفصيل أو بالإجمال، ففي مثل ذلك يمكن دعوى أنّ العلم الإجمالي ليس بعلّة تامة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية، بل هو مقتض بالنسبة إليهما، وأمّا إذا كان هناك علم وجداني بالحكم بحيث يعلم انّ المولى لا يرضى بتركه أبداً سواء كان معلوماً بالتفصيل أو بالإجمال، فادّعاء كونه مقتضياً بالنسبة إليهما كما ترى.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني استعرض نظرية الشيخ ـ أعني: كون العلم الإجمالي علّة تامة لحرمة المخالفة القطعية ومقتضياً بالنسبة إلى الموافقة القطعية ـ فرد عليه بقوله: «فضعيف جداً» ضرورة انّ احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة، فلا يكون عدم القطع بذلك معها، موجباً لجواز الإذن في الاقتحام بل لو صحّ معها الإذن في المخالفة الاحتمالية صحّ في القطعية أيضاً».(1)
توضيحه: أنّ احتمال جعل المتناقضين محال كالقطع بجعل المتناقضين، ففي مجال جعل الترخيص بالنسبة إلى كلا الطرفين قطع بالتناقض، وبالنسبة إلى

1 . كفاية الأُصول: 36.

(101)
بعض الأطراف، احتمال له، لاحتمال انّ الطرف المرخّص فيه حرامٌ في الواقع، فيكون محكوماً بحكمين متضادين وعلى ضوء ذلك فلا فرق بين الأمرين.
يلاحظ عليه: أنّ كلام الشيخ ليس بناظر إلى عالم الثبوت وإنّما هو ناظر إلى عالم الإثبات واستظهار الشمول من أدلّة الأُصول، وانّها هل تختص بالشبهة البدوية، أو تعمها وأطراف العلم الإجمالي. ولعلّ الشيخ ينظر في كلامه إلى البيان التالي: وهو انّ كلّواحد من أطراف الشبهة بشخصه بما انّه مشكوك وغير معلوم، فهو داخل في صدر قوله ـ عليه السَّلام ـ : «كلّ شيء حلال» حتى تعلم انّه حرام. وأمّا المجموع فلأجل العلم بوجود الحرام فيها فهو داخل في ذيل الحديث، وينتج انّ جعل الترخيص في كلّ واحد بلا مانع أخذاً بصدر الرواية، وجعل الترخيص في كلا الطرفين ممنوع لدخوله في ذيل الحديث.
فتكون النتيجة حرمة المخالفة القطعية وجواز المخالفة الاحتمالية.
إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل، وحان حين البحث في المقام الثاني.

المقام الثاني: هل الامتثال الإجمالي كالامتثال التفصيلي؟

الامتثال الإجمالي تارة يقع في مقابل التمكن من العلم التفصيلي بالامتثال، وأُخرى في مقابل التمكن من الحجّة على الامتثال التفصيلي كالاجتهاد والتقليد.
ويقع الكلام في أمرين:

الأمر الأوّل: الامتثال الإجمالي في مقابل العلم التفصيلي

إذا تمكن من الامتثال بالعلم التفصيلي القطعي، فهل يجزي الامتثال الإجمالي، كما إذا تمكن من تعيين جهة القبلة بالجهاز الصناعي المفيد للعلم ومع ذلك، يصلّي إلى أربع جهات؟ ثمّ إنّ للمسألة صوراً:

(102)
إنّ المورد إمّا أن يكون توصلياً أو تعبدياً، وعلى كلا التقديرين إمّا أن يستلزم التكرار أو لا.
أمّا التوصليات فيكفي الامتثال الإجمالي مطلقاً استلزم التكرار كغسل الثوب النجس بماءين يعلم انّ أحدهما مطلق والآخر مضاف طاهر أو لا، كما إذا ترددت كيفية الغسل بين العصر بين الغسلتين وعدمه، لأنّ الفرض هو إنجاز العمل والمفروض انّه أُنجز بأحسن وجه.
وعلى هذا لو تردّدت صيغة النكاح بين لفظ النكاح أو الزواج، يجوز له إنشاؤه بكلا اللفظين مع إمكان تحصيل العلم بما يقع به النكاح، وأمّا ما أورد عليه الشيخ بأنّه قام الإجماع على بطلان العقد المعلق لأجل منافاته الجزم المعتبر في الإنشاء فغير تام، فانّ كلامه يرجع إلى أمرين:
1. بطلان العقد المعلّق.
2. لزوم الجزم في الإنشاء.
أمّا الأوّل: فمع قطع النظر عن عدم التعلّق في المقام إلاّفي الضمير بمعنى انّه لو صحّ النكاح بهذا اللفظ فقد أنشأتُ به، انّه لا دليل على بطلانه إلاّما دلّ الدليل الخارجي على بطلانه في مورده كالطلاق ونظيره وإلاّفالمعلّق كالمنجز عند العقلاء في صحّة الانشائية.
وأمّا الجزم في الإنشاء، فإن أراد وجود القصد الجدي لإنشاء النكاح فهو أمر متحقّق ولولاه لما جمع بين اللفظين وإن أراد قصد الإنشاء الجدي بكلّ واحد من اللفظين فليس عليه دليل.
وأمّا التعبديات، فيقع الكلام تارة فيما لا يستلزم الاحتياط تكرار العمل، وأُخرى فيما يستلزمه، ثمّ الأوّل على قسمين، لانّ التكليف المحتمل، تارة يكون تكليفاً مستقلاً، وأُخرى تكليفاً ضمنياً، وإليك الأقسام الثلاثة:

(103)
1. ما لا يستلزم الاحتياط التكرار وكان التكليف المحتمل تكليفاً مستقلاً كما في غسل الجمعة المردّد بين كونه واجباً أو مستحباً، فالحقّ جواز الاحتياط وجواز ترك الاجتهاد والتقليد، لأنّ اللازم هو إتيان العمل للّه أو كون المحرك إلى العمل أمره سبحانه.
وعلى كلا التقديرين فالقربة حاصلة، والفعل مأتي به لأجله سبحانه ولأمره.
نعم الذي يفوت المحتاط هو قصد الوجه على وجه الوصفية، كما إذا قال: اغتسل غسل الجمعة الواجب، أو الغاية، كما إذا قال: اغتسل غسل الجمعة لوجوبه، ولكن الفائت وصفاً كان أو غاية ليس بلازم الاستيفاء، لأنّه لم يدل دليل عقلي أو شرعي على وجوب قصد الوجه وراء قصد القربة، بل يمكن أن يقال دلّ الدليل على خلافه.
وذلك لأنّا لو قلنا انّ قصد الوجه ممّا يمكن أخذه في متعلّق الأمر فإطلاق الأوامر في الشريعة دالّ على عدم وجوبه.
وإن قلنا بعدم جواز أخذه، فالإطلاق اللفظي وإن كان مفقوداً لكن الإطلاق المقامي كاف في ردّ احتمال وجوبه، والمراد منه: أنّ الأُمور التي يغفل عنها جمهور الناس ولا يلتفت إليها ـ إلاّالأوحدي منهم ـ لو كانت واجبة لكان على الشارع بيانها ولو ببيان مستقل خارجاً عن متعلق الأوامر والنواهي، والمفروض عدم وجود مثل هذا الدليل.
2. ما لا يستلزم الاحتياط التكرار وكان التكليف المحتمل تكليفاً ضمنياً، كما إذا دار أمر السورة بين كونها مستحبة أو واجبة وفي مثله لا يفوت قصد القربة، بل يفوته قصد الوجه وتمييز المستحب عن الواجب ولا دليل عليه.
نعم لو دار أمر الجزء بين كونه واجباً أو مستحباً أو مباحاً، فيمكن الإتيان

(104)
بالجميع بقصد الأمر المتعلّق بالطبيعة، وإن كان الأمر بالجزء مشكوكاً، وذلك لأنّوجود المستحبات والمباحات في ضمن الواجب ليس بمعنى مثل وجود المستحب أو المباح في ضمن الواجب كأدعية شهر رمضان في نهاره، بل معناه انّ تحقّق الطبيعة لا يتوقف على تلك الأجزاء، ولكنّه لو أتاه في ضمنها لكانت جزءاً للمأمور به ومن مشخصاته، فيتعلق بها الوجوب بنفس تعلّقه بسائر الأجزاء.
3. ما يستلزم الاحتياطُ التكرارَ سواء كانت الشبهة موضوعية كالصلاة إلى الجهات الأربع، أو حكمية كالجمعة بين صلاة الظهر والجمعة، وهذا هو محط البحث بين الأعلام، وانّه هل يجوز مع التمكن من العلم التفصيلي بالامتثال، الامتثال الإجمالي أو لا؟
ذهبت جماعة إلى عدم الجواز مستدلين بالوجوه التالية:
الوجه الأوّل: ادّعاء الإجماع على عدم الجواز.
الوجه الثاني: استلزام الاحتياط عدم قصد الوجه والتمييز.
الوجه الثالث: انّ التكرار استخفاف بأمر المولى.
الوجه الرابع: عدم صدق الإطاعة التي هي عبارة عن الانبعاث عن بعث المولى، بحيث يكون الداعي والمحرّك له نحو العمل هو تعلّق الأمر به وانطباق المأمور به عليه، وهذا غير متحقّق في الامتثال الإجمالي، فانّ الداعي إلى الإتيان لكلّ واحد من فردي الترديد، ليس إلاّ احتمال تعلّق الأمر به لا الأمر نفسه، إذ لا يعلم انطباق المأمور به عليه بالخصوص.(1)
يلاحظ عليه: المهمّ هو الوجه الرابع وسائر الوجوه واضحة الدفع، فنقول: إنّه إن أراد من كون الإطاعة هي الانبعاث عن بعث المولى هو الانبعاث عن

1 . الفوائد :3/73.

(105)
البعث الموجود في البين، فالانبعاث عن الأمر بهذا المعنى متحقّق في الامتثال الإجمالي فانّه لا ينبعث ولا يتحمل العناء إلاّ لامتثال الأمر الموجود، وإن أراد الانبعاث من تعلّق الأمر بالفرد الذي هو بصدد إتيانه، فليس شرطاً في صدق الإطاعة.
وبعبارة أُخرى: المكلّف تارة ينبعث عن الميول النفسية، وأُخرى عن أمر المولى وبعثه. والمفروض في المقام هو الثاني، لأنّه في جميع الحالات منبعث من العلم بأمره الموجود في البين حتى أنّه إنّما يمتثل كلّ واحد لأمره سبحانه أي لأجل احتمال تعلّقه به وهو يكفي في صدق الإطاعة.
فخرجنا بهذه النتيجة: انّ الامتثال الإجمالي في عرض الامتثال التفصيلي في جميع المراحل إلاّإذا كان الفعل في نظر العقلاء أمراً عبثاً.

الأمر الثاني: في كفاية الامتثال الإجمالي في مقابل الظن التفصيلي

وقد طرحه الفقهاء في مبحث التقليد، وانّه هل يجوز للمكلّف أن يحتاط مع إمكان الاجتهاد والتقليد؟ قال السيد الطباطبائي في عروته: يجب على كلّ مكلّف في عباداته ومعاملاته أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً.(1)
واعلم أنّ العمل بالاحتياط تارة في مقابل الظن المعتبر بالخصوص ويسمى الظنّ الخاص كالخبر الواحد، أو مقابل الظنّ الانسدادي الذي ثبتت حجيته بترتيب مقدمات خمس.
أمّا الأوّل، فالامتثال الظني التفصيلي ليس بأفضل من الامتثال العلمي التفصيلي، وقد عرفت عدم تقدّمه على الامتثال الإجمالي فكيف يقدم عليه ما هو أدون منه رتبة؟! والظاهر انّ كلاً من الامتثالين في عرض الآخر. نعم ذكر المحقّق

1 . العروة الوثقى، كتاب التقليد، المسألة الأُولى.

(106)
الخراساني احتمالاً في حجّية الظن الخاص، وهو انّه ليس بحجّة إلاّفيما إذا لم يتمكن من الاحتياط ـ فلو صحّ هذا الاحتمال ـ فالامتثال الإجمالي يكون مقدماً على الظن التفصيلي المعتبر بالخصوص لفقدان شرط حجّيته.
وأمّا الثاني: فلو قلنا انّ من مقدماته عدم وجوب الاحتياط، يكون الامتثال الإجمالي في عرض الامتثال بالظن التفصيلي.
ولو قلنا بأنّ في مقدماته بطلان الاحتياط لاستلزامه اختلال النظام، يكون الامتثال بالظن التفصيلي مقدماً على الامتثال الإجمالي.
وينبغي التنبيه على أُمور:
الأوّل: انّ اختلاف القوم في أنّ نتيجة دليل الانسداد، هو الكشف أو الحكومة مبني على تعيين ما هو المأخوذ في مقدمة دليل الانسداد، فإن كان المأخوذ هو بطلان الاحتياط، فالنتيجة هو الكشف، وذلك لانحصار طريق الامتثال في الظن بعد بطلان الاحتياط وعدم مساواة الوهم والشك بالظن، وإلاّ يلزم نقض الغرض بخلاف ما إذا كان المأخوذ، عدم وجوبه وكفاية الامتثال به، فبما انّ الطريق متعدّد: الظن والاحتياط، فلو لم يجعل الظن حجّة، لما لزم نقض الغرض لاحتمال اكتفائه في مقام الامتثال بالاحتياط.
الثاني: انّ في الفقه مسائل لا يمكن الاحتياط فيها كما في باب المواريث، فهل الحبوة للولد الأكبر أو لجميع الورثة؟ ومثله أبواب الحدود والقصاص، فلا محيص من الرجوع إلى الظن التفصيلي، أي الاجتهاد والتقليد.
الثالث: ربما يتصور انّ الاحتياط لأجل استلزامه العسر والحرج على الإنسان والعيال مرفوع بقوله:(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).(1)

1 . الحج:78.

(107)
ولكنّه محجوج بما ذكره الشيخ في باب الشبهة غير المحصورة عن أنّ المرفوع بالآية ونظائرها ما إذا كان نفس الحكم بما هوهو مستلزماً للحرج، كرفع المرارة عند المسح عن موضع الجرح، لا ما إذا كان نفس الحكم غير حرجي غير انّ تردّده بين أطراف كثيرة صار سبباً لحرجية امتثاله، فمثله غير مرفوع ولا أقلّ انّه مورد للشك. ومع ذلك فهو قابل للتأمّل، لأنّ الحرج مستند إلى إطلاق الحكم وشموله لما علم بين أفراد غير محصورة، وعلى كلا التقديرين فالحرج نابع إمّا من الحكم أو من إطلاقه.

(108)

في الحجج الشرعية

قد عرفت أنّ المقصد السادس انعقد لبيان الحجج الشرعية، وكان البحث عن القطع وأحكامه بحثاً تمهيدياً لدراستها، وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أمرين:
الأوّل: لا شكّ انّ الظنّ ليس كالقطع، لأنّ الثاني حجّة بالذات بخلاف الأوّل فحجّيته رهن أحد أمرين:
1. جعل الحجّية وإفاضتها عليه بالجعل الخاص من جانب الشارع كآية النبأ بالنسبة إلى خبر الثقة، أو بالجعل العام كدليل الانسداد بالنسبة إلى مطلق الظن بشرط تقرير مقدّمات الانسداد على نحو الكشف، أي كشف العقل عن أنّ الشارع جعل الظن حجّة.
2. استقلال العقل بالحجّية بعد ثبوت مقدماته بطروء حالات موجبة لاستقلال العقل وحجّيتها في الظروف الخاصة بناء على تقرير مقدمات دليل الانسداد بنحو الحكومة، ومع استقلال العقل بالحجّية لا ملاك لإفاضة الحجّية عليها من الشرع لكفاية استقلاله بالحجّية عن جعلها له من جانب الشارع.
هذا من غير فرق بين ثبوت التكليف وسقوطه، فالظن لا يثبت به التكليف كما لا يسقط به التكليف الثابت، فما لم يحصل اليقين بالفراغ عن العمل وإتيانه على ما هو عليه لا يكفي الظن بالفراغ، وما ربما ينقل عن المحقّق الخوانساري قدَّس سرَّه من التفصيل بين ثبوت التكليف وسقوطه غير تام، فكما لا يثبت به التكليف لا

(109)
يسقط به التكليف القطعي، وذلك لاستقلال العقل بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة العقلية والضرر المحتمل (العقاب الأُخروي المحتمل) غير مدفوع بالامتثال الظنّي وإنّما يدفع إذا خرج عن العهدة باليقين.
الثاني: قد وقع الخلاف في إمكان التعبد بالظن وعدمه، فعن ابن قِبَة ادّعاء امتناع التعبد، وعن غيره إمكان التعبد، غير انّ القائلين بالإمكان اختلفوا في ورود الأمر بالعمل من الشارع وعدمه، فالمرتضى وابن البراج والطبرسي على عدم الورود ـ بعد تسليم إمكانه ـ وغيرهم على ثبوت الورود، فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: إمكان التعبد بالظن وعدمه.
الثاني: في ورود الأمر بالتعبد بالظن وعدمه.
المقام الأوّل: إمكان التعبد بالظن وعدمه
ما هو المراد من الإمكان في كلام النافي والمثبِتْ؟ فهناك احتمالات:
ألف. الإمكان الذاتي بمعنى مساواة نسبة الحجّية وعدمها إلى الظن نظير نسبة الوجود والعدم إلى ماهية الإنسان.
ب. الإمكان الوقوعي بمعنى كون الشيء ممكناً في ذاته ولا يترتب على وقوعه في الخارج أيّ فساد، مثل إدخال المطيع في النار فانّه وإن كان أمراً ممكناً بالذات، لأنّه سبحانه كما هو قادر على الحسن قادر على القبيح أيضاً لكن لا يصدر عنه لمخالفته عدله وحكمته، فهو ممكن بالذات غير ممكن وقوعاً.
ونظيره قول أصحاب الهيئة البطليموسية بامتناع الخرق والالتئام في الأفلاك التسعة لا بمعنى عدم إمكانهما الذاتي بل بمعنى ترتب مفاسد عليها في عالم النظام، فالخرق والالتئام غير ممكن وقوعاً لا ذاتاً، وعلى ذلك رتبوا كون معراج النبي روحياً لا جسمانياً لاستلزام الثاني الخرق والالتئام.

(110)
وبذلك يعلم انّ التمثيل بالامتناع الوقوعي بتعدد الآلهة استلهاماً من قوله سبحانه: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّاللّهُ لَفَسَدَتا)(1) غير تام، لأنّ المراد منه ما يتمحّض امتناعه في الوقوع، وليس تعدد الآلهة كذلك فإنّ امتناعهما لا يتمحض في الوقوع بل هو ممتنع ذاتاً قبل الحكم عليه بالامتناع وقوعاً. نعم الآية الكريمة كفيلة ببيان امتناعه وقوعاً.
ج. الإمكان الاحتمالي، ويراد منه عدم الجزم بامتناع الشيء بمجرّد سماعه، وهو الذي أشار إليه الشيخ الرئيس في كلامه، وقال:
كلّ ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان مالم يذدك عنه واضح البرهان.
والفرق بين المعاني الثلاثة واضح، فالإمكان الماهوي وصف للماهية بما هي هي، كما أنّ الثاني وصف لها بما انّه لا تترتب على وجودها مفسدة في مقابل ما يترتب على وجودها من مفسدة، والمراد من الثالث احتمال الإمكان والامتناع فالإمكان بالمعنى الثالث يجتمع مع الممكن والممتنع بالذات والممتنع وقوعاً.
والإمكان بالمعنى الثالث لا يحتاج إلى الدليل، إذ ليس فيه قضاء ولا حكم بخلاف الإمكان بالمعنيين الأوّليين فبما انّهما يحملان حكماً لا يصحّ الحكم بهما بلا دليل.

ما هو محل النزاع من معاني الإمكان؟

الظاهر انّ الإمكان بالمعنى الأوّل خارج عن محطّ النزاع، إذ لا يشك أحد في إمكان التعبد بالخبر الواحد ذاتاً وماهية وانّ نسبة التعبد وعدمها بالنسبة إليه

1 . الأنبياء:22.

(111)
سيان، ولو كان هناك نزاع فإنّما هو في الإمكان الوقوعي، وانّه هل يترتب على التعبد الفساد أو لا؟ فابن قبة على الأوّل، والآخرون على الثاني، وسيوافيك كلام ابن قبة وهو ظاهر في أنّ هناك مانعاً خارجيّاً عن التعبد بالظن ويستشهد بأنّه يستلزم تحليل الحرام أو تحريم الحلال بمعنى أنّ هذا التالي الفاسد يصدّنا عن القول بصدور التعبد عن الشارع.
ومن هنا يعلم انّ الاستدلال على الإمكان الوقوعي بالإمكان الاحتمالي غير تام، لأنّ الإمكان الاحتمالي لا يتضمن دعوى ولا حكماً بل هو بمعنى احتمال كلا الطرفين: الإمكان الذاتي والامتناع الذاتي، وهذا بخلاف الإمكان الوقوعي فانّه يتضمن الحكم بإمكانه بالذات وإمكانه وقوعاً، فكيف يستدل بالإمكان الاحتمالي على الوقوعي.
نعم يمكن أن يقال لا حاجة إلى إثبات الإمكان الوقوعي بل يكفي الإمكان الاحتمالي إذا ثبت بالدليل القطعي وقوع التعبد بالظن في الشريعة، فانّ أدلّ دليل على إمكانه، وقوعه.
ثمّ إنّ المحقّق النائيني حمل الإمكان الوارد في كلامهم على معنى رابع وهو الإمكان التشريعي قائلاً بأنّ النزاع في أنّه هل يلزم من التعبد بالأمارات محذور في عالم التشريع من تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة واجتماع الحكمين المتضادين أو لا؟وليس المراد من الإمكان، الإمكان التكويني بحيث يلزم عن التعبد بالظن محذور في عالم التكوين.
يلاحظ عليه: أنّ الإمكان التشريعي بهذا المعنى قسم من الإمكان التكويني وليس قسيماً له، فانّ التوالي المتوهمة تعدّ أُموراً ممتنعة في صفحة الوجود والتكوين، وكون مورد الإمكان تشريع التعبد بالظن، لا يوجب عدّه قسماً مستقلاً.
إذا علمت هذا، فلنرجع إلى دراسة أدلّة القول بالامتناع.

(112)

دليل القائل بامتناع التعبّد بالظن

إنّ القائل بامتناع التعبد بالظن استدل بوجهين:
أحدهما: لوجاز العمل بالخبر الواحد في الفروع لجاز العمل به في الأُصول، فلو أخبر أحد من اللّه سبحانه لزم قبوله.
ولا يخفى وهن هذا الدليل، لأنّ الأمر في الفروع أسهل، فقبول الخبر فيها لا يلازم قبوله في الأُصول.
ثانيهما: انّه يستلزم تحليل الحرام أو تحريم الحلال.
هذا هو الدليل المهم في كلام ابن قبة، وذكره المحقّق الخراساني تحت عناوين ثلاثة:
الأوّل: انّ التعبد بالظن يستلزم اجتماع أُمور مستحيلة:
أ. اجتماع المثلين فيما أصاب.
ب. اجتماع الضدين فيما أخطأ، كأن يكون الواقع واجباً وقامت الأمارة على تحريمه.
ج. اجتماع إرادة وكراهة وهما من مبادئ الأحكام، فالأُولى من مبادئ الإيجاب والثانية من مبادئ الحرمة.
د. اجتماع المصلحة والمفسدة، وهما من ملاكات الأحكام فيما إذا كان الواقع حراماً وقامت الأمارة على الوجوب، أو بالعكس.
كلّ ذلك فيما إذا لم يكن هناك كسر وانكسار في الملاكات، وإلاّفلو غلب ملاك الحكم الظاهري على ملاك الحكم الواقعي يلزم التصويب وخلوّ الواقعة عن الحكم الواقعي واختصاص الحكم بالظاهريّ.

(113)
الثاني: طلب الضدين (1) وهو فيما إذا أخطأت الأمارة وأدّت إلى وجوب ضدّ الواجب، كما إذا أمر المولى بالإزالة واقعاً وهو واجب مضيّق وقامت الأمارة على وجوب الصلاة فيلزم طلب الضدين في ظرف لا يكفي لأحدهما.
الثالث: تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، وذلك فيما إذا أدّى إلى عدم وجوب ما هو واجب، أو عدم حرمة ما هو حرام.
هذه هي التوالي الفاسدة الناشئة من التعبد بالأمارة الظنية.
ثمّ إنّ المحقّقين أجابوا عن تلك المحاذير بأجوبة مختلفة نتناول بعضها بالنقاش حسب ما يقتضيه الحال.
إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن تلك الإشكالات بأجوبة ثلاثة، وبهذا جمع بين الحكم الواقعي والظاهري.

الجواب الأوّل(2)

المجعول في باب الأمارات هو الحجّية بمعنى انّه التنجيز لو أصاب والتعذير إذا أخطأ فقط لا جعل حكم مماثل لمؤدّى الأمارة حتى تستتبع حجّية الأمارة حكماً مجعولاً على نحو ما تتضمنه، بل حجّيتها ليست إلاّ تنجيز الواقع إذا أصابت وتعذيره إذا أخطأت، وليس في مخالفتها أو موافقتها سوى التجري والانقياد، وعلى ضوء ذلك ليس هنا حكم وراء الواقع حتى يلزم اجتماع حكمين مثلين ـ إذا وافقت الواقع ـ أو ضدين ـ إذا خالفت الواقع ـ ولا طلب الضدين ـ لعدم الضد الثاني حتى يطلبه ـ ولا اجتماع المصلحة والمفسدة ولا الكراهة والإرادة، لأنّ الجميع من فروع وجود حكم ثان والمفروض انتفاؤه.
وهو بهذا الجواب ردّ على جميع تلك الإشكالات:

1 . وهذا المحذور غير ما مرّ من اجتماع الضدين فلاحظ.
2 . أشار إلى هذا الجواب بقوله: لأنّ التعبد بطريق غير علمي الخ.

(114)
نعم بقي هنا إشكال، وهو انّ جعل الحجّية للأمارة إذا كانت مخالفة للواقع يوجب تفويت مصلحة الواقع إذا قامت على إباحة الواجب أو الإلقاء في المفسدة إذا قامت على حلية الحرام واقعاً، والفرق بين هذا الإشكال والإشكالات المتقدمة هي انّ الإشكالات المتقدّمة مترتبة على فرض حكم ثان وقد نفى بتاتاً، وهذا الإشكال مترتب على ترخيص العمل بالأمارة بأيّ معنى كان سواء كان هنا حكم ثان أو لا.
ثمّ أجاب عنه قدَّس سرَّه بأنّه لا مانع من تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة إذا كان هناك مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء.

الجواب الثاني(1)

إنّ للشارع حكماً ظاهرياً وراء الحكم الواقعي بمعنى انّ جعل الحجّية للأمارة مستلزم لجعل حكم مماثل لمؤدّاه، أو بأنّه لا معنى لجعلها إلاّجعل تلك الأحكام. فهناك حكمان مجعولان، ومع ذلك كلّه لا يلزم المحاذير المتقدمة وذلك لاختلاف الحكمين جوهراً.
أحدهما: حكم واقعي ناشئ عن مصلحة أو مفسدة في متعلقه وقد تعلّقت به إرادة نفسانية أو كراهة كذلك.
ثانيهما: حكم طريقي لغاية تنجيز الواقع إذا أصاب والتعذير إذا أخطأ من دون أن تكون مصلحة أو مفسدة في المتعلّق، أو تتعلّق الإرادة أو الكراهة به،غاية الأمر وجود المصلحة في نفس إنشاء الحكم موافقاً كان للواقع أو لا، فعندئذ ترتفع المحاذير السابقة لاختلاف الحكمين جوهراً فليس بمثلين عند الإصابة، ولا ضدين عند المخالفة، ولا يلزم اجتماع المصلحة والمفسدة ولا تتعلق الإرادة

1 . أشار إلى هذا الجواب بقوله: نعم لو قيل باستتباع جعل الحجّية للأحكام التكليفية الخ.

(115)
والكراهة بشيء واحد، لأنّ المفروض انّ الحكم الطريقي ليس في متعلقه مصلحة ولا مفسدة ولا هو متعلّق إرادة ولا كراهة.
نعم لا ينفك الحكم الواقعي عن المصلحة والمفسدة وعن تعلّق الإرادة والكراهة.(1)
والحاصل انّه لا تضاد بين الإنشاءين فيما إذا اختلفا، ولا يكون من اجتماع المثلين فيما اتّفقا ولا إرادة ولا كراهة أصلاً إلاّ بالنسبة إلى متعلّق الحكم الواقعي.
نعم يرد على هذا الجواب نفس ما أورده على الجواب الأوّل، وهو انّ مشكلة تفويت المصلحة باق على حاله، والجواب عنه نفس الجواب عنه في السابق طابق النعل بالنعل.

الجواب الثالث

إنّ المحقّق الخراساني لاحظ انّ ما ذكره ـ المجعول هو الحجّية أو الأحكام الطريقية ـ لا ينطبق على بعض الأُصول العملية كأصالة الإباحة الشرعية، فانّ الظاهر منه انّ هناك حكماً شرعياً مجعولاً على المشكوك لا طريقاً إلى الواقع إذ الطريقية من أحكام الأمارات لا الأُصول، ففي مثل هذا المورد تخلص عنه بجواب ثالث، وهو انّه التزم بعدم كون الأحكام الواقعية فعلية مطلقة بل فعلية معلقة (أو فعلية لكن غير منجّزة) إلاّ إذا علم به أو أدت إليه الأمارة ولا تعارض بين الفعلي المعلق الذي لم يحصل فيه الشرط، والحكم الفعلي المطلق فالأحكام الواقعية التي لم يتحقق شرطها أحكام فعلية معلقة بخلاف الأحكام الظاهرية

1 . ثمّ إنّه قدَّس سرَّه أشار في توضيح هذا الجواب إلى تفسير الإرادة والكراهة وانّه في المبدأ الأعلى بمعنى العلم بالمصلحة والمفسدة، وفي المبادئ العالية، أعني: النبي والوصي، واقعية الإرادة والكراهة، وهو غير دخيل في الجواب.

(116)
الظاهرية فهي أحكام فعلية منجزة.
وبذلك جعل للفعلية مرحلتين:
أ. الفعلية المعلّقة التي لا يكون بعدها بعث ولا زجر.
ب. الفعلية المطلقة التي يكون بعدها بعث وزجر. هذا ما ذكره المحقّق الخراساني من الأجوبة الثلاثة أو جواب واحد في مراحل ثلاث:
يلاحظ على الجواب الأوّل: أنّ القول بأنّ المجعول في باب الأمارات هو الحجّية خلاف التحقيق فانّه ليس للشارع أيّ جعل في باب الأمارات، بل أمضى ما عليه العقلاء من العمل بقول الثقة، بالسكوت أو بإخراج الفاسق وإبقاء العادل بالروايات الإرجاعية وغيرها(1)، فما ورد في الروايات إمّا إرشاد إلى الصغرى أو إمضاء لما في يد العقلاء حتى انّ ما ورد في التوقيع عن الناحية المقدسة، أعني قوله:«وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانّهم حجّتي وأنا حجّة اللّه» ليس بصدد إنشاء الحجّية، بل اخبار عن كونهم حجج اللّه كما يخبر عن نفسه بأنّه حجّة من اللّه.
ويلاحظ على الجواب الثاني: أنّ القول بوجود حكمين أحدهما نفسي والآخر طريقي قول بلا دليل، فانّ المجعول هو الحكم الواقعي النفسي ولا دليل على جعل حكم طريقي في مقابل الواقع، بل أقصى ما هناك هو الأمر بالعمل بالطرق ليتوصل بها المكلف إلى الواقع، فإن أوصلته إليه فمؤدى الأمارة هو حكم الواقع وإلاّفتكون اكذوبة نسبت إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والإمام ـ عليه السَّلام ـ .
وبالجملة: حكم نقلة الأحاديث والروايات عن اللّه سبحانه بواسطة أنبيائه وأئمته، حكم الناطق في الأجهزة الإعلامية عن جانب الدولة، فلو أصاب خبره

1 . سيوافيك انّ الروايات على طوائف خمس.

(117)
الواقع يكون المؤدّى نفس الواقع، وإن أخطأ يكون كلاماً مكذوباً على لسان الدولة.
نعم ما أفاده في الجواب الثالث مبني على أنّ المجعول هو الحكم الشرعي حيث إنّ الظاهر من أدلّة الأُصول جعل الطهارة والحليّة للمشكوك وأنّ الواقع ليس بفعلي منجز.
الرابع:ما أفاده الشيخ الأعظم في المقام وأشار إليه المحقّق الخراساني بقوله: «فقد انقدح بما ذكرنا انّه لا يلزم الالتزام بعدم كون الحكم الواقعي في مورد الأُصول والأمارات فعلياً» وبما انّ ما نسب إليه المحقّق الخراساني لا يوافق كلام الشيخ في الفرائد نأتي بخلاصة كلامه في هذا المقام: (1)
انّ القائل بامتناع التعبد إمّا يقول به في حال الانسداد أو في زمان الانفتاح. أمّا الأوّل فالمنع عن التعبد غير صحيح بعد انحصار الطريق بالظن وإلاّ يلزم ترك العمل بالشريعة.
وأمّا الثاني فلأنّ الإشكال إنّما يتوجه إذا لم تتدارك المصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة، بمصلحة في نفس التعبد بالظن بمعنى انّه لا مانع أن يكون في سلوك الأمارة وتطبيق العمل عليها مصلحة يجبر بها الفائتة منها أو الواردة من المفسدة، وذلك لأنّ في بعث الناس إلى تحصيل العلم مفسدة العسر والحرج وبالتالي خروجهم عن الدين بخلاف الأمر بالعمل بالأمارة والأُصول ففيها تسهيل للمكلّفين في سلوكهم الاجتماعي والفردي، والمصلحة السلوكية لا تمسّ كرامة الواقع ولا تغيره غير انّه إذا صادفت الأمارة الواقع يكون نفس الواقع

1 . قد ابتدأ الشيخ بتقرير جوابه من صفحة 26 بقوله: «فنقول في توضيح هذا المقام وإن كان خارجاً عن محلّ الكلام» و انتهى عنه في صفحة 30 بقوله: «وتلخص من جميع ما ذكرنا انّ ما ذكره ابن قبة من استحالة التعبد بخبر الواحد أو بمطلق الأمارة غير العلمية ممنوع» (لاحظ طبعة رحمة اللّه ص 26ـ 30).

(118)
وإلاّ يكون كاذباً ،ولكن نفس العمل بالأمارة لما كان ذات مصلحة سلوكية يتدارك به ما فات من المصالح أو ابتلى به من المفاسد.
ثمّ إنّه يعرف الحكم الواقعي بالبيان التالي ويقول:
إنّ المراد بالحكم الواقعي هو الحكم المتعين المتعلّق بالعباد الذي يحكى عنه الأمارة، ويتعلّق به العلم والظن وأمر السفراء بتبليغه،وإن لم يلزم امتثاله فعلاً في حقّ من قامت عنده أمارة على خلافه إلاّ أنّه يكفي في كونه الحكم الواقعي انّه لا يعذر فيه إذا كان عالماً به أو جاهلاً مقصراً، والرخصة في تركه عقلاً كما في الجاهل القاصر أو شرعاً كمن قامت عنده أمارة معتبرة على خلافه.(1)
وعلى ضوء ذلك فتندفع جميع المحاذير.
أمّا محذور تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، فلما عرفت من تداركه بالمصلحة السلوكية.
وأمّا التدافع بين الملاكين، مثلاً إذا كان الواقع حراماً وقامت الأمارة على وجوبه، فالمفسدة قائمة بمتعلّق الحكم والمصلحة بنفس السلوك.
وأمّا المحذور الخطابي من اجتماع المثلين أو الضدين فهو منتف بانتفاء الموضوع، لأنّ الأمارة في خدمة الواقع، فإن وافق فهو، وإلاّفلا يتضمن حكماً شرعياً وليس للشارع فيه دور سوى الإمضاء، ففي ظرف الموافقة والمخالفة لا حكم ثان حتى يتحقّق فيه مثلان أو ضدّان، والدليل على أنّ قيام الأمارة لا تحدث حكماً شرعياً وافق أم خالف هو تصريحه بأنّ معنى «إيجاب العمل على الأمارة، وجوب تطبيق العمل عليها لا وجوب إيجاد عمل على طبقها».(2)

1 . الفرائد: 30، طبعة رحمة اللّه.
2 . لاحظ الفرائد: 27، طبعة رحمة اللّه.

(119)
وأمّا المحذور الراجع إلى المبادي كالإرادة والكراهة، فمثلاً لو فرضنا انّ الأمارة قامت على وجوب الحرام، فالكراهة متعلّقة بالمتعلّق كالعصير العنبي، والإرادة متعلّقة بتطبيق العمل على الأمارة ونفس السلوك، وبهذا الجواب تندفع جميع المحاذير: الملاكية والخطابية والمبادئية.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على هذا الجواب إيرادين:
الأوّل: لو كانت الأحكام الواقعية أحكاماً انشائية يلزم عدم وجوب امتثالها لو قامت الأمارة عليها، وذلك لأنّ جوهر الحكم الواقعي لما كان إنشائياً، فقيام الأمارة لا يحدث شيئاً سوى انّه قام على حكم واقعي إنشائي غير لازم الامتثال.
الثاني: كيف يمكن التوفيق بذلك مع احتمال وجود أحكام فعلية بعثية أو زجرية في موارد الطرق والأُصول العملية، المتكفلة لأحكام فعلية ضرورة انّه كما لا يمكن القطع بثبوت المتنافين كذلك لا يمكن احتماله، فلا يصحّ التوفيق بين الحكمين بالتزام كون الحكم الواقعي الذي يكون لولا الطرق إنشائياً، غير فعلي.(1)
يلاحظ على الأوّل: أنّ الإشكال مبني على كون الحكم الواقعي عند الشيخ إنشائياً، وهو خلاف صريح كلامه، فانّ صريح كلامه انّه فعلي وله آثار أربعة:
أ. لا يعذر إذا كان عالماً.
ب. لا يعذر إذا كان جاهلاً مقصراً.
ج. يعذر إذا كان قاصراً عقلاً.
د. معذور شرعاً.
إنّ احتمال المتنافيين وإن كان كالقطع بهما في الامتناع، لكن إذا كان

1 . الكفاية:2/52ـ 53.

(120)
الحكمان مختلفين جوهراً كأن يكون أحدهما إنشائياً ـ حسب بعض كلماته ـ أو فعلياً حسب ما استظهرناه، والآخر فعلياً مطلقاً، فالقطع بوجودهما ليس محالاً فضلاً عن احتمالهما.
الخامس: ما نسب إلى المحقّق السيد محمد الفشاركي وقرّره المحقّق الخراساني بالنحو التالي: انّ الحكمين ليس من مرتبة واحدة بل في مرتبتين ضرورة تأخر الحكم الظاهري عن الواقعي بمرتبتين.وقد أشار إلى هذا الجواب الشيخ الأنصاري في أوّل مبحث التعادل والتراجيح وإن كان كلامه في رفع التعارض بين الأُصول وما يحصله المجتهد من الأدلّة الاجتهادية، ولكنّه عام لغير هذا المورد، حيث قال: إنّ موضوع الحكم في الأُصول، الشيء بنفس انّه مجهول الحكم فالحكم عليه بحلية العصـير ـ مثلاً ـ من حيث إنّه مجهول الحكم، وموضوع الحكم الواقعي، الفعل من حيث هوهو، فإذا لم يطلع عليه المجتهد كان موضوع الحكم في الأُصول باقياً على حاله فيعمل على طبقه . الخ.(1)
وقد أورد عليه في الكفاية ما مرّ نظيره في تصوير الترتب، وهو انّ الحكم الظاهري وإن لم يكن في تمام مراتب الواقعي إلاّ انّه يكون في مرتبته أيضاً وعلى تقدير المنافاة لزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة.
إلى هنا تمت الأجوبة الخمسة للمجمع بين الحكم الواقعي والظاهري التي أشار إليها في الكفاية، وهناك جواب سادس يندفع به جميع المحاذير المذكورة بالبيان التالي وربما يكون لبّه موجوداً ضمن الأجوبة السابقة.

تحليل جديد للمحاذير

إنّ المحاذير المتصورة في المقام لا تخلو إمّا أن تكون محاذير ملاكيّة، أو

1 . الرسائل: 431،خاتمة في التعادل و الترجيح، طبعة رحمة اللّه.

(121)
محاذير خطابية، أو محاذير مبادئية، وإليك دراسة الكل.
أمّا المحاذير الملاكية، فإمّا أن تكون بصورة تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة كما إذا كان الشيء واجباً أو حراماً ودلّت الأمارة على حلّيته، أو بصورة تدافع الملاكات كما إذا قامت الأمارة على وجوب ما كان حراماً في نفس الأمر، هذا إذا لم نقل بالكسر والانكسار وإلاّلا يكون سوى مؤديات الأمارات أحكام.
والجواب عن الصورة الأُولى بأنّ في العمل بالأمارة وإن كان فوت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة في بعض الموارد، لكن في إيجاب العمل بتحصيل العلم والاحتياط مفسدة كبرى وهي لزوم العسر والحرج الشديدين اللّذين ربما يُسبّبان رغبة الناس عن الدين وخروجهم عنه، زرافات ووحدانا، ففي هذا المأزق، يحكم العقل، بتقديم الأوّل على الثاني، لا أقول إنّ المصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة تتدارك، بل أقول: إنّ الأمارات حجّة من باب الطريقية المحضة وانّ قيام الأمارة، لا يحدث مصلحة في المتعلّق، وإذا دار الأمر بين الشرّ القليل والشرّ الكثير يحكم العقل بتقديم الأوّل على الثاني.
وأمّا الصورة الثانية، أعني: محذور تدافع الملاكات فدفعه واضح، لأنّه إنّما يلزم لو كانت الأمارة محدثة للمصلحة أو المفسدة في المتعلّق، فيلزم التدافع.
وبعبارة أُخرى: إذا كانت الأمارة تمس كرامة الواقع وتحدث مصلحة أو مفسدة في المتعلق، وأمّا لو قلنا بالطريقية المحضة كما هو الحقّ، أو المصلحة السلوكية، فلا، لأنّ المصلحة السلوكية مصلحة نوعية قائمة بنفس الأمر بالعمل بالأمارة لغاية إيجاد الرغبة في الدين فلا صلة لها بالمتعلق.
ومن هنا تبين انّه لا يكون في الأمر بالعمل بالأمارة أيُّ محذور ملاكي، وإليك دراسة المحذور الخطابيّ.

(122)

المحذور الخطابيّ

والمحذور الخطابيّ يتلخص في اجتماع المثلين أو اجتماع الضدين، فنقول: إنّ الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: التماثل من أقسام الوحدة والتضاد من أقسام التقابل، وكلاهما من الأعراض الخارجية التي تتصف بها الأُمور الحقيقية والأحكام أُمور اعتبارية لا تتصفان بهما إلاّ مجازاً، فانّ الوجوب والحرمة من الأُمور الاعتبارية يقومان في مقام الاعتبار مقام البعث والزجر التكوينيين، فانّ الإنسان إذا أراد بعث ولده إلى أمر، أو زجره عنه ، يبعثه بيده أو يمنعه عنه، ولما كان هذا الأمر غير ممكن في كلّ الأحايين خصوصاً فيما إذا أراد بعث جماعة غائبين أو زجرهم حاول العقلاء لأداء ذينك الغرضين بوضع لفظ افعل أو لا تفعل للحكاية عنهما في عالم الاعتبار ، فكلّ من هذين اللفظين مصداق تكويني للّفظ والصوت، ومصداق اعتباري للبعث والزجر.
ولما كانت دلالة الألفاظ على المعاني بالوضع والاعتبار، كان البعث والزجر المفهومان من اللفظين أولى بأن يكون اعتباريين فلا يتصفان بالتماثل أو التضاد.
الثاني: انّ الإشكال مبني على أن يكون في مورد الأمارات والأُصول المحرزة حكم شرعي طبق المؤدّى، ويكون إمضاء الشارع للعمل بهما، بمعنى جعل حكم مماثل لما تدل عليه الأمارة والأصل، وهو خلاف التحقيق، لأنّ العمل بها لغاية درك الواقع والوصول إليه، فإن حصلت الغاية فنعم المراد، وإلاّ تكون هنا صورة حكم لا حكم شرعي.
نعم لا يبعد أن يكون للشارع في مجاري الأُصول غير المحرزة أحكاماً في ظرف الشكّ كالحلية فإنّ ظاهر قوله : كلّ شيء طاهر حتى تعلم انّه قذر، أو

(123)
كلّ شيء حلال حتى يعلم انّه حرام بعينه فتدعه جعل الطهارة الشرعية أو الحلية للمشكوك، وفي هذه الصورة ينحصر دفع الإشكال الخطابي بالجواب الأوّل.

المحاذير المبادئيّة

تقرير انّ الإرادة القطعية قد تعلّقت بالأحكام الواقعية، فلو تعلّقت أيضاً بالأحكام الظاهرية سواء أوافقت أم خالفت لزم ظهور الإرادتين المتماثلتين أو المتضادتين في آن واحد ومثلهما الحب والبغض حرفاً بحرف.
الجواب: أمّا في موارد الأمارات والأُصول المحرزة، فليس هناك حكم ظاهري مجعول حتى تتعلّق به الإرادة والكراهة، ولو كانت هناك إرادة وكراهة فقد تعلّقا بالحكم الواقعي، وعلى ذلك فاجتماع الإرادتين، أو الإرادة والكراهة أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
نعم لا بأس بالإشكال في الأُصول غير المحرزة فانّ الظاهر في أدلّتها جعل الطهارة والحلية للمشكوك وهو يكشف عن تعلّق الإرادة بالحكم بالطهارة والحلية، فلو كانت في نفس الأمر محرمة يلزم إجتماع الإرادة والكراهة.
والجواب: انّه لا مانع من القول برفع اليد عن الحكم الواقعي وذلك للمصلحة العليا التي وقفت عليها ولا يلزم منه التصويب، إذ هو عبارة عن إنكار الحكم المشترك بين العالم والجاهل وهو غير لازم وإنّما اللازم صيرورة الحكم المشترك إنشائيّاً أو فعليّاً معلّقاً وكون الفعلي المنجز هو الحكم الظاهري.
وبهذا البيان الضافي اندفعت المحاذير الثلاثة: الملاكية والخطابية والمبدئية.

(124)

المقام الثاني: في وقوع التعبّد بالظن

قد تعرّفت على إمكان العمل بالظن، وانّه لا يترتب على التعبّد به شيء من الفساد، وحان حين البحث عن وقوعه في الشريعة، ولنقدم البحث عن الضابطة الكلية في العمل بالظن،وهل الأصل هو جواز العمل به إلاّ ما دلّ الدليل على عدم جواز العمل به كالقياس، أو أنّ الأصل هو عدم الجواز إلاّما دلّ الدليل على جواز العمل به.
وليس المراد من الأصل، هو الأصل العملي بل مقتضى الأدلّة الاجتهادية، واتفقت كلمة المحقّقين على أنّ الأصل هو الثاني، وانّ مجرّد الشك في الحجّية كاف في استنتاج القطع بعدم الحجّية، وهذا أمر عجيب حيث يتولد من الشكّ فيها، القطع بعدمها،وقد قرر بالبيانين التاليين:

1. البيان الأوّل

قال الشيخ الأعظم ما هذا توضيحه:
إنّ حقيقة العمل بالظن هو الاستناد إليه في مقام العمل، والالتزام بكون مؤدّاه حكم اللّه في حقّه وهذان الأثران لا يترتبان في ظرف الشكّ في الحجّية، لأنّ الاستناد إلى مشكوك الحجّية في مقام العمل، وكذلك إسناد مؤدّاه إلى الشارع تشريع عملي وقولي دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة، فإذا حرم الاستناد والاسناد وعلم ارتفاعهما في حالة الشك، يعلم عدم حجّية الظن، إذ لا معنى لوجود الموضوع مع عدم أثره.
وأورد عليه المحقّق الخراساني:
1. النسبة بين الحجّية والأثرين عموم وخصوص مطلق، فصحّة الاستناد

(125)
عملاً والاسناد قولاً يلازم كون الشيء حجّة، ولا عكس إذ ربما يكون الشيء حجّة كالظن على الحكومة ولا يصحّ معه الاسناد إلى الشارع للفرق بين كون الظن حجّة في حال الانسداد من باب الكشف، وكونه حجّة من باب الحكومة فعلى الأوّل، فالعقل بعد ثبوت بطلان الاحتياط وانحصار الطريق بالظن، يكشف عن أنّ الشارع جعل الظن حجّة فيترتب عليه الأثران دون القول بالحكومة فانّه مبني على القول بعدم بطلان الاحتياط وجوازه، فعندئذ لا يستقل بحجّية الظن لعدم انحصار الطريق بالظن، غاية الأمر لما يجد العقل انّ العمل بالاحتياط على السعة يوجب العسر والحرج عاد يضيق دائرة الاحتياط فيوجب العمل بالظن حتى لا يلزم العسر والحرج، فالعمل بالظن في الحقيقة عمل بالاحتياط لكن بعد تضييق دائرته بإخراج المشكوك والموهوم وإبقاء المظنون، فالظن حجّة في هذه الحالة ولا يصحّ اسناد مضمونه إلى الشارع.
وأضاف تلميذه المحقّق العراقي مورداً آخر، وهو انّ الشكّ قبل الفحص حجّة مع أنّه لا يجوز الانتساب إليه تعالى.(1)
2. لو فرض ترتّب الأثرين، ومع ذلك لم يترتّب عليه سائر الآثار من المنجزية والمعذرية والانقياد والتجرّي لما كان يجدي في الحجّية شيئاً ومع ترتبها لما كان يضرّ عدم صحّة الاستناد والاسناد.
ويمكن الذب عن النقض الأوّل بأنّ الكلام في الحجج الشرعية اعتبرها الشارع تأسيساً أو إمضاء، لا الحجج العقلية فانّ الظن على الحكومة حجّة عقلية لا شرعية والحجّة الشرعية لا يفارق صحّة الاستناد والإسناد، ومنه يظهر حال النقض الثاني، مضافاً إلى أنّ الحجّة هو العلم الإجمالي بالأحكام على نحو لو

1 . لا يخفى ضعف النقض فانّ الحجّة هو العلم الإجمالي بالأحكام التي لو تفحص عنها يصل إليها لا الشكّ.

(126)
تفحص عنه، لعثر عليه وهو الباعث إلى الفحص، لا الشكّ.

2. البيان الثاني

قال المحقّق الخراساني ما هذا توضيحه:
إنّ الأثر المترتب على الشيء قد يترتّب على وجوده الواقعي كالحرمة المترتّبة على واقع الخمر، وقد يترتّب على واقعه ومشكوكه كالطهارة، وثالثة يترتّب على العلم بالشيء فقط فيكون بوجوده العلمي موضوعاً للأثر.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ المراد من الحجّة في المقام هو ما يحتجّ به المولى على العبد، والعبد على المولى ولها آثار أربعة: التنجز، والتعذير والتجري والانقياد، وكلّها آثار لما علم كونه حجة بالفعل، وإلاّفلو كان حجّة في الواقع ولم يقف المكلّف على كونه كذلك لا يترتب عليه شيء من هذه الآثار، لحكومة العقل بقبح العقاب بلا بيان، وعند ذلك لو شككنا في حجّية شيء فهو ملازم للقطع بعدم الحجّية الفعلية ومعه لا يترتب عليه شيء من آثارها الأربعة فيكون الأصل في الشكّ في الحجّية عدمها قطعاً، أي عدم صحّة الاحتجاج وترتّب الآثار.
ثمّ إنّهم تمسّكوا في إثبات حرمة العمل بغير ما علمت حجّيته بآيات وروايات، أمّا الآيات فأوضحها دلالة قوله سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُبِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون) .(1) فذمّ سبحانه من يقول ما لا يعلم كونه من اللّه سواء أكان مطابقاً للواقع أو لا.
والذي يمكن أن يقال انّ ما ورد من الآيات في هذا المضمار إرشاد إلى حكم العقل القاضي بقبح القضاء بغير دليل ويؤيّد ذلك انّه سبحانه يستشهد على

1 . الأعراف:28.

(127)
بطلان كلامهم، بما يقتضي به فطرتهم وعقولهم الساذجة، وهو قبح الادّعاء بلا سلطان ولا برهان، قال سبحانه: (وَقالُوا لَنْ يَدْخُل الجَنَّة إِلاّمَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرهانكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين).(1)
وقوله سبحانه: (لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطان بَيِّن)(2) وقوله عزّ اسمه: (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطان بِهذا أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون).(3)

1 . البقرة:111.
2 . الكهف:15.
3 . يونس:68.

(128)

الحجج الشرعية

1
حجّية الظواهر

قد علمت أنّ الضابطة الأُولى في الظنون عدم الحجّية، وهذا هو المحكَّم مالم يدل دليل على خلافه، وقد ادّعى الأُصوليون خروج بعض الظنون عن تحت ذلك الأصل أوّلها :ظواهر كلام المتكلّم.
فنقول: إنّ استنباط مراد المتكلّم يتوقف على ثبوت أُمور:
أ. أصل الصدور، أي ثبوت صدور الكلام عن المتكلّم إمّا علماً كالخبر المتواتر والمحفوف بالقرائن، أو بالحجّة الشرعية، والمتكفل لبيان هذا الأمر هو أدلّة حجّية قول الثقة.
ب. جهة الصدور، أي ثبوت انّ المتكلّم لم يتكلّم لهواً أو تمريناً أو هازلاً أو تقية، والمتكفل لإثبات هذا الأصل هي الأُصول العقلائية، لأنّ الأصل في كلام كلّ متكلّم هو كونه بصدد بيان صميم مراده، وامّا التكلّم لهواً أو هزلاً أو تقية على خلاف ما عليه العقلاء في محاضراتهم، ولا يُعرَّج على واحد منها إلاّبدليل خاص.
أضف إلى ذلك أنّ قسماً منها على خلاف الحكمة.
ج. ثبوت ظهور مفرداته، والمتكفل لبيان هذا الأصل علائم الوضع، أعني: التبادر، وصحّة الحمل، وعدم صحّة السلب، والاطراد، وتنصيص أهل اللغة.
د. حجّية ظهور كلامه بعد انعقاده وكونه منبئاً لكشف مراده، وهذا هو

(129)
الذي انعقد له هذا البحث ولكنّه لا يحتاج إلى بيان زائد لاتفاق العقلاء على اتباع الظواهر في حياتهم وفي كتاباتهم وفي أقاريرهم ووصاياهم واتفاقياتهم التجارية والسياسية وغيرها.
أضف إلى ذلك أنّه لو لم تكن الظواهر حجّة لزم نقض الغرض، لأنّ الغاية من الوضع هي المفاهمة ولو اقتصرنا في ذلك المجال على النصوص لقلت فائدة الوضع .
هذا ممّا لا إشكال فيه إنّما الكلام في الأُمور التالية :
أوّلاً: هل الظواهر معدودة من الظنون خرجت عن تحت الأصل، أو انّها بالنسبة إلى إحضار المراد الاستعمالي دليل قطعي؟
ثانياً: هل الظواهر حجّة مطلقاً أو مقيدة بإفادته الظن الشخصي بالمراد؟
ثالثاً: هل الظواهر حجّة مطلقاً أو تختص حجّيتها بمن قصد إفهامه؟
رابعاً: هل ظواهر الكتاب حجّة أو ليست بحجّة إلاّبعد تفسير الإمام المعصوم.
فهذه الجهات جديرة بالبحث.

الجهة الأُولى: في أنّ الظواهر من القطعيات

الظاهر انّ خروج الظواهر عن الأصل خروج موضوعي لا حكمي يتبين بتقديم مقدّمة وهي:
انّ الفرق بين الظاهر والنص هو انّ كلا الأمرين يحملان معنى واحداً ويتبادر منهما شيء فارد، غير انّ الأوّل قابل للتأويل فلو أوّل كلامه لعدّعمله خلافاً للظاهر ولا يعدّمناقضاً في القول، كما إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ أشار بدليل

(130)
خاص بأنّ المقصود هو العلماء العدول.
وأمّا النصّ فهو لا يحتمل إلاّ معنى واحداً، ولا يصحّ تأويله بل يعد أمراً متناقضاً، وهذا مثل قوله سبحانه:(يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن) .(1)
فانّ كون حظّالذكر مثلي الأُنثى شيء ليس قابلاً للتأويل ولذلك يعدّنصاً، ومن حاول تأويله لا يقبل منه، ومثله قوله سبحانه:(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد) .
إذا علمت ذلك، فنقول: إنّ القضاء في أنّ كشف الظواهر عن مراد المتكلّم هل هو كشف قطعي أو ظني يتوقّف على بيان الوظيفة التي حملت على عاتق الظواهر، وما هي رسالتها في إطار التفهيم والتفهّم، فلو تبيّن ذلك سهل القضاء بأنّ الكشف قطعي أو ظني.
فنقول: إنّ للمتكلّم إرادتين:
1. إرادة استعمالية، وهي استعمال اللفظ في معناه، أو إحضار المعاني في ذهن المخاطب سواء كان المتكلّم جادّاً أو هازلاً أو مورّياً أو غير ذلك، سواء كان المعنى حقيقياً أو مجازياً.
2. إرادة جدية، وهي انّ ما استعمل فيه اللفظ مراد له جداً، وما هذا إلاّلأنّه ربما يفارق المراد الاستعمالي، المراد الجدي، كما في الهازل والمورّي والمقنن الذي يُرتِّب الحكم على العام والمطلق مع أنّ المراد الجدي هو الخاص والمقيد، ففي هذه الموارد تغاير الإرادة الجدية الإرادة الاستعمالية، إمّا تغايراً تاماً كما في الهازل والموري واللاغي، أو تغايراً جزئياً كما في العام الذي أُريد منه الخاص، أو المطلق الذي أُريد منه المقيد بالإرادة الجدية.

1 . النساء:11.

(131)
وعلى ضوء ذلك فيجب علينا أن نحلل أمرين:
الأوّل: ما هي الرسالة الموضوعة على عاتق الظواهر؟
الثاني: ما هو السبب لتسميتها ظنوناً؟
أمّا الأوّل: فالوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر عبارة عن إحضار المعاني في ذهن المخاطب سواء كانت المعاني حقائق أو مجازات، فلو قال: رأيت أسداً، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى الحيوان المفترس، وإذا قال: رأيت أسداً في الحمام، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى رجلاً شجاعاً فيه، فدلالة الجملة في كلا الموردين على المراد الاستعمالي كشف قطعي وليس كشفاً ظنياً وقد أدى اللفظ رسالته بأحسن وجه. وعلى ذلك لا يصحّ تسميته كشفاً ظنياً، اللّهمّ إلاّ إذا كان الكلام مجملاً أو متشابهاً، فالكلام عندئذ قاصر عن إحضار المعنى الاستعمالي متشخصاً، لكنّهما خارجان عن محطّ البحث والكلام في الظواهر لا في المجملات والمتشابهات.
وأمّا الثاني: أي السبب الذي يوجب تسمية ذلك الكشف ظنياً، فانّه يتلخص في الأُمور التالية:
1. لعلّ المتكلّم لم يستعمل اللفظ في أيّ معنى.
2. أو استعمل في المعنى المجازي ولم ينصب قرينة.
3. أو كان هازلاً في كلامه.
4. أو مورّياً في خطابه.
5. أو لاغياً فيما يلقيه.
6. أو أطلق العام وأراد الخاص.
7. أو أطلق المطلق وأراد المقيّد.
إلى غير ذلك من المحتملات التي توجب الاضطراب في كشف المراد

(132)
الاستعمالي عن المراد الجدي على وجه القطع.
ولكن أُلفت نظر القارئ إلى أُمور ثلاثة لها دور في المقام:
1. انّ علاج هذه الاحتمالات ليس من وظائف الظواهر حتى يوصف كشف الظواهر عن المراد الجدي بالظنية، وذلك لما عرفت من أنّ المطلوب من الظواهر ليس إلاّ شيء واحد وهو إحضار المعاني في ذهن المخاطب، وأمّا الاحتمالات المذكورة وكيفية دفعها فليس لها صلة بالظواهر حتى يوصف كشفها لأجلها بأنّه ظني.
2. انّ بعض هذه الاحتمالات موجودة في النصوص فيحتمل فيه كون المتكلم لاغياً، أو هازلاً، أو مورّياً أو متّقياً أو غير ذلك من الاحتمالات، مع ذلك نرى أنّهم يعدونها من القطعيات.
3. ثمّ إنّ القوم عالجوا هذه الاحتمالات بادّعاء وجود أُصول عقلائية دافعة لها، كأصالة كون المتكلّم في مقام الإفادة ، لا الهزل ولا التمرين، بدافع نفسي، لا بدافع خارجي كالخوف وغيره.
ويدل على ما ذكرنا أيضاً انّ الحياة الاجتماعية مبنيّة على المفاهمة بالظواهر، ففي مجال المفاهمة والتفاهم بين الأُستاذ والتلميذ والبائع والمشتري والسائس والمسوس، عليه تدور الجمل حول ما يهمهما ويعتبر المخاطبُ دلالة كلام المتكلّم دلالة قطعية لا ظنية، إلاّ إذا كان هناك إبهام أو إجمال. أو جريان عادة على فصل الخاص والقيد عن الكلام.
وبذلك خرجنا بأن كشف الظواهر عن المراد الاستعمالي، بل المراد الجدي، على ما عرفت أخيراً في مجال المفاهمة ، لا في مقام التقنين كشف قطعي ولا يُعرَّج إلى تلك الشكوك.

(133)

الجهة الثانية: في تقيّد الحجّية بالظن

هل الظواهر متَّبعة مطلقاً سواء أفادت الظن بالمراد، أو هي حجّة بشرط عدم الظن بالخلاف، أو حجّة بشرط الظن بالوفاق، أو يفصل بين الظواهر الدائرة بين الموالي والعبيد، والتي تدور بين غيرهم فيشترط في الثاني الاطمئنان بالمراد؟
والظاهر هو القول الأوّل، لبناء العقلاء على حجّيتها مطلقاً، بلا قيد وشرط، أمّا في ميدان الاحتجاج والتكليف، فيحتج المولى بظاهر كلامه ولا يقبل من العبد عدم حصول الظن بالوفاق، أو حصول الظن بالخلاف، إلاّ إذا استند إلى قرينة منفصلة، أو متصلة صالحة لصرف الظاهر عن ظاهره، فيخرج عن محلّ البحث، كما أنّ للعبد الاحتجاج على المولى بظاهر كلامه، بل لا ينقدح ـ كما عرفت ـ في أذهانهم احتمال إرادة خلاف الظاهر باحتمال انّه غفل عن نصب القرينة، أو غفل السامع عمّا نصبه، فلأجل ذلك لا يرد من سماعها إلى أذهانهم إلاّ معنى واحد.

الجهة الثالثة: حجّية الظواهر لمن قصد إفهامه ومن لم يقصد

لا شكّ في حجّية ظاهر كلامه لمن قصد إفهامه ومن لم يقصد، والشاهد عليه الاحتجاج بالرسائل السرية بين الشخصين، حيث يُستدل بها على حسن نيّة الكاتب أو سوئها، كما يستدلون بالوصايا التي يخاطب فيها الموصي الوصيّ كالابن بالقيام بكذا وكذا، إلى غير ذلك من الظواهر التي أُريد منها تفهيم شخص خاص، ولكنّها تتخذ حجّة مطلقاً.
وقد خالف المحقّق القمّي، حيث فصّل بين من قصد افهامه بالظواهر فهي حجّة له بالخصوص، ومن لم يقصد، فهي حجّة له من باب الظن المطلق، الذي

(134)
ثبتت حجّيته بدليل الانسداد.
وحاصل هذا التفصيل انّ الظواهر حجّة من باب الظن الخاص في موردين:
ألف. إذ أُريد افهام شخص خاص كما في الخطابات الشفاهية فهي حجّة لمن قصد من هذا الباب.
ب.إذ لم يرد إفهام شخص خاص، بل إفهام كلِّ من رجع إليها، وهذا كالكتب المصنّفة والسجّلات والأقارير والوصايا ممّا يكون المقصود نفس مفاد الكلام من دون تعلّق غرض بمخاطب خاص.
وأمّا في غير هذين الموردين فالظواهر حجّة من باب الظن المطلق، وله أيضاً موردان:
ألف. الأسئلة والأجوبة الدائرة بين الرواي والإمام.
ب. الكتاب العزيز بالنسبة إلى المشافهين، بناء على اختصاص خطاباته بالمشافهين وعدم كونه من باب تأليف المؤلفين، فالظهور اللفظي ليس حجّة إلاّ من باب الظن المطلق.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم ذكر وجهاً لهذا التفصيل وحاصله:
إنّ المتكلّم لو كان بصدد إفهام شخص معين، أو إفهام كلِّ من رجع إلى كلامه كالكتب المصنفة، يتحتم عليه إلقاء الكلام على وجه لا يقع المخاطب الخاصُ أو العام في خلاف المراد، بحيث لو فرض وقوعه في خلاف المقصود كان إمّا لغفلة من المتكلّم في إلقاء الكلام على وجه يفي بالمراد، أو لغفلة من المخاطب في الالتفات إلى ما اكتنِف به الكلام الملقى إليه، وكلا الاحتمالين مرجوح في نفسه مع اتفاق العقلاء والعلماء على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة في جميع أُمور

(135)
العقلاء وأفعالهم وأقوالهم.
وأمّا إذا لم يكن الشخص مقصوداً بالإفهام، فلا ينحصر سبب وقوعه في خلاف المقصود بالأمرين، بل هناك سبب ثالث وهو انّه إذا لم نجد في آية أو رواية ما يكون صارفاً عن ظاهره، واحتملنا انّ المخاطب قد فهم المراد بقرينة قد اختفت علينا فلا يكون هذا الاحتمال لغفلة من المتكلّم إذ لا يجب على المتكلّم إلاّنصب القرينة لمن يقصد إفهامه، كما أنّه ليس اختفاء القرينة مسبّباً عن غفلة الآخر، بل دواعي الاختفاء أمر خارج عن اختياره، فعندئذ لا يوجب الظنَّ بالمراد.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ جميع الاحتمالات التي تصدّنا عن الأخذ بالظواهر مرجوحة عند العقلاء، فكما أنّ غفلة المتكلّم عن نصب القرينة، أو غفلة المخاطب عن الالتفات إلى ما اكتُنف به الكلام من القرينة، أمر مرجوح، فهكذا احتمال وجود قرينة سابقة على الكلام أو قرينة حالية غير منقولة في الكلام، أمر مرجوح لا ينقدح في ذهن العقلاء.
نعم لو جرت سيرة المتكلّم على فصل القرائن عن الكلام ،كما هو الحال بين المقنّنين، لزم على المخاطب الفحصُ عن القرائن، والعمل بالظواهر بعد اليأس عن الظفر بها.
وثانياً: انّ الغرض من نقل الأسئلة والأجوبة هو إفادة الغير واستفادته، فإذا كان الناقل عارفاً بأسلوب الكلام فلا يخلّ بذكر القرائن المؤثرة في انعقاد الظهور، فعدم ذكره ناش إمّا من عدم عرفانه بأسلوب النقل، أو كونه غير أمين، والكلّ مندفع.
إن قلت: إنّ الأخبار الصادرة عن الأئمّة لم تصل إلينا إلاّ مقطعة بحيث كانت الأُصول الأوّلية التي اعتمد عليها أرباب الكتب الأربعة، على غير هذا

1 . الفرائد: 41، طبعة رحمة اللّه.

(136)
النحو، فعملية التبويب أوجبت التقطيع فمن المحتمل وجود قرينة مؤثرة في انعقاد الظهور وقد اختفت علينا بسبب التقطيع.
قلت: إنّ التقطيع حصل بأيدي أبطال الحديث كالكليني والشيخ وغيرهما، فلو كانت في الكلام قرينة مؤثرة في انعقاد الظهور، لما تركوا نقلها.
وربّما يجاب عن الشبهة بأنّ الأجوبة الصادرة عن الأئمّة ليست إلاّ كالكتب المؤلفة التي ذهب المحقّق القمي فيها إلى الحجّية بالنسبة إلى المشافه وغير المشافه، وذلك لأنّ الأحكام لمّا كانت مشتركة بين الأُمّة يجري الخطاب الخاص مجرى الخطاب العام في أنّ الغرض نفس الكلام من غير دخل في إفهام مخاطب خاص.(1)
يلاحظ عليه: أنّ كون الحكم مشتركاً غير كون الخطاب مشتركاً وعاماً، وكون الحكم متوجهاً إلى الكلّ غير كون الخطاب متوجهاً إليهم، فإذا كانت الخطابات شخصية يأتي فيها ما احتمله المحقّق القمي من اعتماد المتكلّم على القرائن المنفصلة والمتصلة غير المنقولة أو الحالية غير القابلة للنقل.
وربما يجاب بجواب ثان وهو: انّه إذا كان الراوي الأوّل مقصوداً بالخطاب للإمام يكون الراوي الثاني مقصوداً بالخطاب للراوي الأوّل، وهكذا إلى أن يصل إلى أصحاب الجوامع، فالمقصود بالإفهام هو كلّ من نظر فيها، فلا يترتب على ذلك التفصيل ثمرة عملية.(2)
والحاصل: انّ هذه التفاصيل من الشبهة والأجوبة نتيجة جعل الظواهر من الظنون، فلو كان مختار القوم ما ذكرنا لما كان لهذه البحوث محل.

1 . تهذيب الأُصول: 2/95.
2 . مصباح الأُصول: 2/122.

(137)

الجهة الرابعة: في حجّية ظواهر الكتاب

قد نقل عن بعض أصحابنا الأخباريين عدم حجّية ظواهر الكتاب، وهذه الدعوى ممّا يندى لها الجبين إذ كيف تكون المعجزة الكبرى للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مسلوبة الحجّية؟!
وعلى أيّة حال انّ الاقتصار في الاستنباط على السنّة دون الكتاب كانت بمثابة ردّ فعل لما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب انّه قال ـ عند ما طلب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ القلم والدواة ليكتب كتاباً ـ :حسبنا كتاب اللّه.(1)
وكلا القولين على طرفي الإفراط والتفريط.
وقبل الخوض في تحليل أدلّة الطرفين نحرر محلّ النزاع، فنقول:
المراد من حجّية ظواهر القرآن هو الاستفادة من عموماته ومطلقاته بعد الفحص عن القرائن العقلية أو اللفظية المتصلة أو الحالية المنقولة بخبر الثقة، خصوصاً الفحص عن مقيداته ومخصصاته في أحاديث العترة الطاهرة، فإذا تمّت هذه الأُمور يقع البحث في صحّة الاحتجاج بظواهر القرآن أوّلاً، وإلاّ فالاستدلال بظواهر القرآن مع قطع النظر عن جميع القرائن والروايات أمر مرفوض بنفس الكتاب والسنّة قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون).(2)
واللّه سبحانه عرّف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأنّه مبيّن للقرآن، وأمر الناس بالتفكّر فيه، فللرسول سهم في إفهام القرآن كما أنّ لتفكر الناس سهماً آخر، فبهذين الجناحين يُحْلِّق الإنسان في سماء معارفه ويستفيد من حكمه وقوانينه.

1 . صحيح البخاري: 1/22، كتاب العلم;و ج2/14.
2 . النحل:44.

(138)
هذا هو محلّ النزاع، فالأُصولي ذهب إلى وجوب الاستضاءة بنور القرآن فيما يدل عليه بظاهره، والأخباري إلى المنع، وأنّ الاستدلال بالقرآن يتوقف على تفسير المعصوم، فيصح الاحتجاج بتفسيره لا بنصِّ القرآن.
إذا عرفت ذلك، فيدل على قول الأُصوليين أدلّة كثيرة.

الأوّل: دلالة القرآن على صحّة الاحتجاج به

قد دلّت غير واحدة من الآيات القرآنية على أنّ القرآن نور، والنور بذاته ظاهر ومظهر لغيره، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْجاءَكُمْ بُرهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً)(1). وفي آية أُخرى: (قَدْجاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِين)(2) فلو كان قوله: (وَكِتابٌ مُبين) عطف تفسير لما قبله، فيكون المراد من النور هو القرآن.
انّه سبحانه يصف القرآن بأنّه تبيان لكلّ شيء، وحاشا أن يكون تبياناً له ولا يكون تبياناً لنفسه: قال سبحانه:(وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمين)(3). وقال سبحانه: (إِنَّ هذا القُرآن يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبيراً).(4)
أفيمكن أن يَـهدِي من دون أن يكون المهتدي مستفيداً من هدايته؟!
فإن قلت: إنّ الاستدلال بظواهر القرآن على حجّيتها دور واضح، فانّ الأخباري لا يقول بتلك المقالة.

1 . النساء:174.
2 . المائدة:15.
3 . النحل:89.
4 . الاسراء:9.

(139)
قلت: إنّ الاحتجاج ـ في المقام ـ على حجّية القرآن إنّما هو بنصوصه لا بظواهره، والأخباري إنّما يمنع حجّية ظواهره لا حجّية نصوصه.

الثاني: تحدّي النبي بالقرآن

إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تحدّى الناس بالقرآن، والتحدّي يتوقف على فهم الكتاب ودركه ثمّ مقايسته بالكتب الأُخرى ثمّ القضاء بأنّه فوق كلام البشر، ولا يخطو الإنسان هذه المراحل إلاّ إذا كان القرآن كلاماً مفهوماً وحجّة على المخاطب، فلو كان فهمُ القرآن منوطاً بتفسير الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لزم منه الدور، فانّ ثبوت رسالته متوقف على إعجاز القرآن، وهو متوقف على فهمه، وفهمه متوقف على تفسيره، وتفسيره متوقف على حجّية قوله، وهو متوقف على ثبوت رسالته التي هي متوقفة على إعجاز القرآن.
على ذلك فليس فهم القرآن رهن تفسيره، غاية الأمر بما أنّ مقتضى التشريع فصل المخصِّصات والمقيِّدات عن المطلقات والعمومات فلا يحتج بها إلاّ بعد الرجوع إلى المقيّدات والمخصصات في السنَّة.
وقد فهم الوليد بصفاء ذهنه وصميم عربيته انّ بلاغة القرآن خارجة عن طوق القدرة البشرية وقال ـ لماّ سمع آيات من سورة فصلت من الرسول الأعظمـ :لقد سمعت من محمّد كلاماً لا يُشبه كلام الإنس ولا كلام الجنّ، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّ أعلاه لمثمر، وهو يعلو ولا يعلى عليه.(1)
فإن قلت: إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يتحدّى بنصوص القرآن لا بظواهره.
قلت: هذا إنّما يصحّ لو لم يتحدّ القرآن بكلّ الآيات، قال سبحانه:

1 . مجمع البيان:5/387، ط صيدا.

(140)
(وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين)(1) .وعلى هذا فالنبي تحدّى بكلّ سورة من سور القرآن دون فرق بين نصّه وظاهره.
فإن قلت: يكفي في ثبوت رسالته سائر معاجزه، فإذا ثبتت نبوته بهذا، يكون قوله حجّة في تفسير كتابه وصحيفته.
قلت: إنّ معنى ذلك عدم صحّة التحدّي بالكتاب وهو مردود بنفس الكتاب العزيز.
والحاصل : انّ تحدِّي النبي في صدر عصر الرسالة بنفس القرآن قبل أن تثبت رسالته وحجّية قوله، دليل على أنّ القرآن أمر مفهوم وحجّة على المخاطب في كشف مفاهيمه وحقائقه.
نعم لا يحيط بكلّ حقائق القرآن وشؤونه سوى المعصوم، ولكن الإحاطة به من جميع الجهات شيء، ودرك ما يتوقف عليه التصديق بإعجازه شيء آخر، والأوّل يختص بالمعصوم دون الثاني.
ولك أن تستنتج من هذا البرهان الذي أُقيم على حجّية الظواهر، أمراً آخر ـ له مساس بالجهة الأُولى من الجهات الأربع ـ وهو انّه لو كانت دلالة الظواهر ظنّية، لزم أن يكون القرآن معجزة ظنية، لأنّ الإعجاز أمر قائم باللفظ والمعنى، فلو كان ما يفهمه من ظواهر آياته، مفهوماً ظنياً، يكون إعجازه مبنياً على أساس ظني، والنتيجة تابعة لأخسّ المقدمات، والإعجاز الظني لا يكون عماداً للنبوة التي تطلب لنفسها دليلاً قطعياً.

1 . البقرة:23.

(141)

الثالث: حديث الثقلين

قد تضافرت بل تواترت الروايات عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على لزوم التمسّك بالثقلين وفسرهما بالكتاب والعترة وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا» فجعل كلاً من الثقلين حجّة، وانّ كلاً يؤيد الآخر.

الرابع: الروايات التعليمية

هناك قسم عظيم من الروايات تحكي عن أنّ الأئمّة كانوا يحتجون بظواهر الكتاب على أصحابهم، ويعلمون كيفية استفادة الأحكام منها ويفسرونها لا تفسيراً تعبديّاً، بل تفسيراًتعليمياً، بمعنى انّ الإمام لا يتكلّم بما هو إمام، بل بما هو معلِّم يرشد إلى كيفية دلالة الآية على المقصود، بمعنى انّ الطرفين قد اتّفقا على كون الكتاب حجّة في حدّذاته، ويتحاوران في ما هو المقصود من الآية، فلولا انّ الكتاب حجّة لما كان لهذا النحو من التمسّك وجه، وإليك نماذج:
ألف: سأل زرارة أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ وقال: من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فقام الإمام بتفسير الآية على وجه تعليمي إرشادي إلى ما تدل عليه بلفظها، فقد استدل على كون المسح ببعض الرأس بلفظة «الباء» وعلى لزوم مسح بعض الرجلين دون غسلهما بوصل الرجلين بالرأس وكونه معطوفاً على الرأس.(1)
ب: سأل عبدالأعلى ـ مولى آل سام ـ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عمّن عثر فوقع ظفره فجعل على اصبعه مرارة؟ فقال: «إنّ هذا وأشباهه يعرف من كتاب اللّه:(ما

1 . الوسائل: 1، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(142)
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (1) ـ ثمّ قال: امسَح على المرارة» فأحال الإمام حكم المسح على اصبعه المغطّى بالمرارة، إلى الكتاب. وقد أوضح الشيخ الأعظم كيفيه الاستفادة من الآية فلاحظ.(2)
ج: سأل زرارة ومحمد بن مسلم أبا جعفر، عن وجوب القصر على المسافر مع أنّه سبحانه يقول:(وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة )(3) ولم يقل «افعلوا » فأجاب:« إنّ وزان الآية، وزان قوله سبحانه: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَفَلاجُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما)(4) مع أنّ الطواف بهما واجب».(5) فأرشد الإمام تلميذيه إلى أنّ الآيتين في مقام دفع توهم الحظر، لا في مقام بيان ما هو الحكم الشرعي فانّه يطلب من السنّة الشريفة.
د. روى عبد اللّه بن بكير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه شرب رجل الخمر على عهد أبي بكر، وادّعى انّه حديث العهد بالإسلام ولو علم انّه حرام اجتنبها ـ فانتهى الأمر إلى الإمام أمير المؤمنينعليه السَّلام ـ فقال: «ابعثوا معه من يدور به على مجالس المهاجرين والأنصار، من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه» ففعلوا ذلك به، فلم يشهد عليه أحد انّه قرأ عليه آية التحريم فخُلّـي سبيله.(6)
هـ. سأل زرارة ومحمد بن مسلم أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ ،عن رجل صلّى في السفر أربعاً أيعيد أم لا؟ قال: «إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت أعاد أربعاً، وإن

1 . الحج:78.
2 . الوسائل: 1، الباب 39 من أبواب الوضوء ، الحديث 5; ولاحظ الفرائد:47.
3 . النساء:101.
4 . البقرة:158.
5 . الوسائل: الجزء 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.
6 . الوسائل: الجزء 18، الباب 10 من أبواب حدّالمسكر، الحديث 1.

(143)
لم يكن قُرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه»(1) والمراد من التفسير هو انّ قوله سبحانه:(لا جُناح) لدفع توهم الحظر وانّ الحكم يؤخذ من السنّة، أو المراد انّ تقيّد التقصير بالخوف مورديّ وحكم اللّه مطلق، وتقييد حجّية الآية بهذا النوع من التفسير لا يخل بالمقصود، لما قلنا عند تحرير محلّ النزاع، من أنّ المقصود هو التمسك بالقرآن بعد الرجوع إلى السنّة.
إلى غير ذلك من الروايات التي استدل فيها الإمام برهاناً أو جدلاً، فلاحظ.

الخامس: عرض الروايات المتعارضة على القرآن

قد تضافر عنهم عليهم السَّلام في مورد تعارض الروايات، لزوم عرضها على القرآن، فما وافق كتاب اللّه يؤخذ به، وما خالف يضرب به عرض الجدار، فقال أبو عبد اللّهعليه السَّلام : قال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فدعوه».(2) وسيوافيك في محلّه، انّ موافقة الكتاب، ليست من المرجحات، بل من مميّزات الحجّة عن اللاحجّة.

السادس: عرض الشروط على كتاب اللّه

روى الكليني بسند صحيح، عن عبد اللّه بن سنان الثقة قال:سمعته يقول: «من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللّه فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم ما وافق كتاب اللّه» وفي رواية أُخرى : «المسلمون عند شروطهم إلاّ كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزّوجلّ فلا يجوز».(3)

1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10; ولاحظ الحديث 11، 12، 14 إلى غير ذلك.
3 . الوسائل: الجزء 12، الباب 6 من أبواب الخيار ، الحديث 1و2; ولاحظ أحاديث الباب.

(144)

السابع: القرآن في حديث النبي الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

يعرف الرسول الأعظم بأنّ القرآن هو المرجع لدى التفاف الفتن بالأُمّة، قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إذا التبست عليكم الفتن كقطع اللّيل المظلم، فعليكم بالقرآن، فانّه شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل، وبيان تحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل».(1)
وعنه ـ صلوات اللّه عليه وآله ـ في ذلك المضمار روايات نقلها الكليني في كتاب القرآن.

الثامن: القرآن في كلام الوصي ـ عليه السَّلام ـ

قال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ :« كتاب اللّه تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض».(2)
وفي كلام آخر: «واعلموا انّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم».(3)
إلى غير ذلك من الروايات التي تدل بوضوح على لزوم الرجوع إليه في فهم العقيدة والشريعة وانّه سبحانه ما أنزله للتلاوة فقط، بل للتلاوة التي يستعقبها التدبّر والتفكّر، ثمّ العبرة والاعتبار، ثمّ العمل والتطبيق على الحياة.
إلى هنا تجلّت الحقيقة بأعلى مظاهرها ولم يبق إلاّدراسة أدلّة الأخباريين

1 . الكافي:2/238، والسند معتبر.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 133.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 167.

(145)
الذين نسب إليهم عدم حجّية ظواهر الكتاب إلاّ بعد تفسير الإمام، وهي وجوه أشار إليها في الكفاية:

1. اختصاص فهم القرآن بأهله

يظهر من مذاكرة الإمام أبا حنيفة وقتادة أنّ القرآن فوق فهمهما وانّه لا يفهم القرآن إلاّ من خوطب به.
1. روى شبيب بن أنس، عن بعض أصحاب أبي عبد اللّهعليه السَّلام ـ في حديث ـ أنّ أبا عبد اللّهعليه السَّلام قال لأبي حنيفة :
«أنت فقيه العراق؟» قال: نعم، قال: «فبم تفتيهم؟» قال: بكتاب اللّه وسنّة نبيّه. قال: «يا أبا حنيفة! تعرف كتاب اللّه حقّ معرفته، وتعرف الناسخ والمنسوخ؟» قال: نعم، قال: «يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً ما جعل اللّه ذلك إلاّ عند أهل الكتاب الذين أُنزل عليهم، ويلك، ولا هو إلاّ عند الخاص من ذريّة نبيّنا محمّد، وما ورثك اللّه عن كتابه حرفاً».(1)
والسند ضعيف، لعدم توثيق شبيب بن أنس الوارد فيه، وللإرسال في آخره، لكن ربّما يؤيد المضمون قوله سبحانه:(ثُمَّ أَورَثْنَا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَالْفَضْلُ الْكَبير )(2) بناء على أنّ المراد من الكتاب هو القرآن، ومن المصطفين هو أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام ومن الوراثة هو فهمه، والكلّ قابل للتأمل.
وعلى كلّ تقدير فالرواية تردّعلى المستبدين بالقرآن الذين يفسّرونه ويفتون به من دون مراجعة إلى من نزل القرآن في بيوتهم حتى يعرفوا ناسخه ومنسوخه،

1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.
2 . فاطر:32.

(146)
عامّه ومخصصه، مطلقه ومقيده، وأين هو من عمل أصحابنا؟! فإنّهم يحتجون به بعد الرجوع إليهم ثمّ الأخذ بمجموع ما يدل عليه الثقلان.
2. روى الكليني بسند يتصل إلى محمد بن سنان، عن زيد الشحام: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر فقال: «يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة؟ » فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «بلغني انّك تفسّر القرآن؟» فقال له قتادة: نعم! فقال له أبو جعفر ـ بعد كلام ـ: «إن كنت إنّما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته عن الرجال فقد هلكت وأهلكت، ويحك يا قتادة! إنّما يعرف القرآن من خوطب به».(1)
والسند ضعيف بمحمد بن سنان، والحديث ناظر إلى الاستبداد بالقرآن من دون الرجوع إلى أئمّة أهل البيت، في معرفة ناسخه ومقيّده ومخصصه، والمراد من المعرفة هو المعرفة التامّة التي تكون حجّة على العارف.

2. احتواء القرآن على مضامين شامخة

القرآن مشتمل على مضامين شامخة ومطالب غامضة عالية لا تكاد تصل إليها أفكار أُولي الأنظار غيرالراسخين في العلم .
يلاحظ عليه: أنّ احتواءه على تلك المضامين لا يمنع من الاحتجاج بظواهر الآيات التي هي بصدد بيان تكاليف العباد، وما أُشير إليه من احتوائه على المضامين العالية يرجع إلى الآيات النازلة حول العقائد والقصص، أو يرجع إلى بطون الآيات، روى جابر قال: قال أبو عبد اللّهعليه السَّلام : «يا جابر! إنّ للقرآن بطناً، وللبطن ظهراً، وليس شيء أبعد عن عقول الرجال منه».(2)

1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25.
2 . الوسائل:الجزء 18، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 74.

(147)

3. الظواهر من المتشابهات

يقسم القرآن الكريم الآيات إلى محكم ومتشابه، يقول سبحانه:(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتاب وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْه ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَتَأْويلِهِ...) .(1)
فالآيات المتشابهة ممنوعة الاتباع، والظواهر أمّا من المتشابهات قطعاً أو احتمالاً فلا يصحّ التمسّك بها.
يلاحظ عليه: انّ الظواهر من المحكمات، والمحكمات تنقسم إلى نصّ لا يقبل التأويل ويعدّ التأويل تناقضاً في الكلام، وظاهر يقبله ويعد التأويل عملاً على خلاف الظاهر، وأمّا المتشابه فهو ما لم يستقر له الظهور أصلاً ولم يتبين المراد منه، ولأجل ذلك سمي متشابهاً لمتشابه المراد بغيره.
وقد اختلفت كلماتهم في تفسير المتشابهات، فالمعروف انّ المتشابهات هي الآيات المشعرة بتجسيمه سبحانه، أو كونه ذا جهة أو الجبر وسلب الاختيار عن الإنسان وما يشبه ذلك ممّا ورد في المحكمات خلافها، ففي ظل القسم الثاني تحلّ عقده المتشابهات وترجع إليها، وذلك بالإمعان في الآية المتشابهة وما قبلها وما بعدها، والإمعان في سائر الآيات الواردة في ذلك المجال فيتجلّى المراد بالإمعان والدّقّة، وهذا مثل قوله سبحانه:(الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى)(2) ولا تعلم حقيقته إلاّ بملاحظة الآيات الواردة حول عرشه واستيلائه عليه، وأين هذه الآيات من الظواهر التي استقر ظهورها في المعنى، مثلاً قوله سبحانه: (وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .(3)

1 . آل عمران:7.
2 . طه:4.
3 . الطلاق:4.

(148)
فانّ ظاهر الآية انّ صاحبات الحمل لا يخرجن من العدة إلاّ بعد وضع أولادهن، والآية وإن وردت في سورة الطلاق ولكن إطلاقها يعمّ المعتدة بعدّة الوفاة فلو مضى من موت الزوج أربعة أشهر وعشرة أيام فلا تخرج من العدّة إلاّ إذا وضعت حملها، فليست الآية متشابهة غير واضحة المراد وإنّما الكلام في وجود الإطلاق وعدمه، أي في سعة الآية وضيقها.
على أنّ هناك رأياً آخر في تفسير المتشابه، وهو: انّ المتشابه عبارة عن الآيات الراجعة إلى حقيقة البرزخ والمعاد والجن والملك ممّا لا يمكن الإحاطة بكنهه إلاّ بعد الخروج عن دار التكليف، مثلاً انّ قوله سبحانه: (إنّها شَجَرةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجَحِيم* طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّياطِين)(1) من الآيات المتشابهة التي لا يقف الإنسان على حقيقتها مادام في دار المجاز.
فلو كان المتشابه هو هذا فلا صلة له بالآيات الواضحة الدلالة والمداليل كأكثر ما ورد في العبادات والمعاملات.

4. العلم الإجمالي بالتخصيص والتقييد

انّا نعلم انّ عمومات القرآن ومطلقاته خصّصت وقيدت بمخصصات ومقيّدات، ومع العلم الإجمالي بطروء التصرف في دلالاتها كيف يمكن التمسّك بظواهرها؟
يلاحظ عليه: أنّ العلم الإجمالي يبعث المجتهد إلى الفحص عن المخصصات والمقيدات الواردة في الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المعتبرة، فإذا فحص عنها فحصاً كاملاً وعثر على عدّة منها واحتمل انطباق المعلوم بالإجمال على ما حصّله بالتفصيل، لم يبق له علم إجمالي بوجود المخصصات والمقيدات

1 . الصافات:64ـ65.

(149)
الصادرة من أئمّة أهل البيت، غاية الأمر يحتمل وجودها في الواقع غير واصلة إليه، ومن المعلوم عدم جواز رفع اليد عن الدليل باحتمال التخصيص.
والحاصل: انّ المستنبط بعد الفحص إمّا يقطع بأنّ المعلوم بالإجمال هو المعلوم بالتفصيل من المخصِّصات والمقيّدات لا غير، وإمّا يحتمل انطباقه على ما حصله، وعلى كلتا الصورتين لا يبقى علم إجمالي بوجود المخصص وراء ما وقف عليه، غاية الأمر يحتمله.

5. الأخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأي

إنّ حمل الكلام الظاهر في معنى، على أنّ المتكلّم أراد هذا، تفسير له بالرأي.
أقول: روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».(1)
فالاستدلال بهذا الحديث المتضافر على أنّ حمل الظاهر في معنى، على أنّه المراد، من قبيل التفسير بالرأي، استدلال غير تام، وذلك لأنّ «التفسير بالرأي» مركبة من لفظين:
1. التفسير.
2. الرأي.
أمّا الأوّل: فهو مأخوذ من «فسّر» المشتق بالاشتقاق الكبير من «السفر» وهو الكشف والظهور، يقال: أسفر الصبح: إذا ظهر، وأسفرت المرأة عن وجهها: إذا كشفته.

1 . راجع الوسائل 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 76; ولاحظ 66 و 67 و 78 وبقية أحاديث الباب ... .

(150)
وأمّا الثاني: «الرأي» فهو بمعنى الميل إلى أحد الجانبين وترجيحه اعتماداً على الظن الذي لم يدل عليه دليل، يقول الراغب: الرأي :اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن، ويؤيده إضافته إلى الشخص أي «برأيه».
وقد ورد في بعض الروايات مكان الرأي «بغير علم»: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار». ويوضحه قول أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ :«من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم، ومن دان اللّه بما لا يعلم فقد ضاد اللّه حيث أحلّ وحرم فيما لا يعلم».(1)وفي رواية أُخرى عن علي ـ عليه السَّلام ـ في كلام له: «انّ المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن آتاه عن ربّه فأخذ به».(2)
إذا عرفت معنى التفسير أوّلاً، ثمّ الرأي ثانياً، نقول: إنّ حمل الظاهر في معنى، على أنّه مراد المتكلّم، ليس من مقولة التفسير، إذ ليس هنا أمر مستور كشف عنه، فالاستدلال بإطلاق الظاهر أو عمومه، ليس تفسيراً، ورافعاً لإبهامه بل هو من قبيل تطبيق الظاهر على مصاديقه، والتفسير عبارة عن كشف القناع عن وجه الآية، كالغطاء الموجود في الصلاة الوسطى في قوله سبحانه: (حافِظُوا عَلى الصَّلواتِوالصَّلاة الوُسْطى)(3) فتفسيرها بواحدة منها، تفسير ومثله قوله: (وَإِذا وَقَعَ الْقَولُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دابّةً مِنَ الأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أنّ النّاسَ كانُوا بِ آياتِنا لا يُوقِنُون)(4)فانّ الآية قد أحاطها الإبهام من وجوه، ولعلّها أبهم آية وردت في القرآن الكريم، ولم يتسنّ لأحد من المفسّرين كشف قناعها وإن حاولوا لأن يقفوا على مغزاها، إذ فيها إبهامات:

1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12 و 14; ولاحظ الحديث 21، 28، 30، 33، 34، 35، 50.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12 و 14; ولاحظ الحديث 21، 28، 30، 33، 34، 35، 50.
3 . البقرة:238.
4 . النمل:82.

(151)
1. ما هو المراد من وقوع القول عليهم؟ فيفسر باستحقاقهم العذاب، لما في الآية 85 من هذه السورة من قوله سبحانه: (وَوَقَعَ الْقَولُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ) فهذا تفسير الآية بالآية، وكشف الغطاء عنها بالاستعانة بالقرآن، فلو فسره من عند نفسه لا اعتماداً على آية، ولا سنّة، ولا من حجّة أُخرى كان تفسيراً بالرأي، والذي يؤيد ذاك التفسير وانّ المراد هو استحقاقهم العقاب ذيل الآية، أعني قوله سبحانه: (انّ النّاس كانُوا بِ آياتِنا لا يُوقِنُون)فالمعنى : لأنّ الناس كانوا غير موقنين بآياتنا.
2. ما هو المراد من قوله: (أَخْرَجنا لَهُمْ دابّةً مِنَ الأَرضِ تُكَلِّمُهُم) ؟
ما هو المراد من الدابة؟ وما صفتها؟ وكيف تخرج؟ وماذا تتكلم به؟ فالآية يغمرها الإبهام فوق الإبهام، فكشف القناع عن وجه كلّواحد هو التفسير.
فإذا لم يكن حمل الظاهر في معنى على أنّه المراد تفسيراً للآية، يكون بالنسبة إلى الجزء الآخر (برأيه) أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

6. دعوى العلم الإجمالي بوقوع التحريف من الكتاب

هذا آخر الوجوه التي اعتمد عليها الأخباري، وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجوه ـ بعد تسليم التحريف ـ :
1. التحريف لا يمنع عن حجّية ظواهره، لأنّ الإسقاط لا يلازم حدوث الخلل في آياته.
2. ولو سلم، فلا نعلم حدوثه في آيات الأحكام التي هي مورد الابتلاء للفقيه.
3. ودعوى العلم الإجمالي بوقوع الخلل إمّا في آيات الأحكام، أو في غيرها ، غير ضائر بحجّية آيات الأحكام، لعدم منجزية مثل ذاك العلم لعدم إحداثه

(152)
التكليف على كلّ تقدير، لأنّ الأثر الشرعي (الحجّية) لا يترتّب على سائر الآيات التي لا تحمل حكماً شرعياً، مع أنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، فالآيات الواردة في مجال القصص والعقائد والمعارف ليست بحجّة بمعنى، لا توصف بالتنجّز والتعذير.
أقول: كان المتوخّى من مثل المحقّق الخراساني هو الوقوف في وجه هذه الفرية التي تمسّ بكرامة القرآن والتشيّع، وقفة لائقة بحالها حتى يكشف الغطاء عن وجه الحقيقة، ويترك هذه الأجوبة.
ترى أنّه خصّ حجّية القرآن بآيات الأحكام، مع أنّ جميع آياته من أقوى الحجج وأكبرها، وتوهم انّ الحجّية بمعنى التنجيز والتعذير من خصائص آيات الأحكام، غير تام، فانّها حجّة في باب الأعمال، كما أنّ ما نزل حول العقائد والمعارف حجّة في مجال الاعتقاد، فما جاء في الكتاب العزيز هو الحجّة في باب المعاد، أصله ووصفه، فمن لم يعتقد به أو بوصفه فقد خالف الحجّة المنجزة.
وبما انّ أعداء الإسلام والتشيع، اتخذوا فرية التحريف أداة للهجوم على المسلمين أو الشيعة; وقد كفانا في ذلك، ما حقّقه علماؤنا الأبرار عبر الزمان، وفيما كتبه الشيخ البلاغي في «آلاء الرحمان» والسيد الخوئي في «البيان» والعلاّمة الطباطبائي في «الميزان» في سورة الحجر والمحقّق المعاصر محمد هادي معرفة في كتاب «صيانة القرآن عن التحريف» غنى وكفاية، وقد أفرد شيخنا في تفنيد هذه التهمة رسالة طبعت في مقدمة موسوعة طبقات الفقهاء (1)، ولذلك طوينا الكلام من ذلك.

1 . مصادر الفقه الإسلامي: 36 ـ 78.

(153)

الحجج الشرعية

2
قول اللغوي

كان البحث السابق حول حجّية الظواهر ـ بعد ثبوت الظهور ـ وقد تبين انّه من الأُمور المفيدة للقطع بالمراد الاستعمالي ـ على المختار ـ أو من الظنون المعتبرة عند العقلاء.
وحان حين البحث عن حجّية الأدوات التي تثبت الظهور عند الشكّ في أصله.
اعلم أنّ الشكّ في أصل الظهور يتصوّر على وجوه:
1. احتمال وجود قرينة حالية خفيت علينا أو سقطت من الكلام، فهل المرجع هو أصالة عدم القرينة؟ أو أصالة الظهور؟ يظهر من المحقّق الخراساني انّ المرجع هو الثاني، لأنّ العقلاء يحملون اللفظ على المعنى الذي كان اللفظ ظاهراً فيه لولا القرينة، من دون استعانة بشيء لا أنّهم يبنون عليها بعد الاستعانة بأصالة القرينة.
ولا يخفى خفاء المراد من قولهم:«أصالة الظهور» فلو كان المراد هو لزوم الأخذ بالظاهر مالم يدل دليل على خلافه، فهو صحيح، لكن لا صلة له بالمقام إذ الكلام في وجود الظهور وعدمه.
2. احتمال قرينية الأمر الموجود، كورود الأمر بعد الحظر، فهل هو للوجوب أو لرفع الحظر؟ والجمل المتعقب بالاستثناء فهل يرجع إلى الأخير وحدها؟ أو إلى الجميع؟ أو فيه تفصيل؟ فإن قلنا انّ المرجع هو أصالة الحقيقة أو عدم القرينة

(154)
وانّـهما أصلان تعبديان فيحمل الأمر على الوجوب، والجمل ـ غير الأخيرة ـ على العموم، وأمّا لو قلنا بأنّ المرجع هو أصالة الظهور، أي حمل الكلام على ما هو ظاهر فيه، فيكون الكلام مجملاً لعدم الظهور العرفي.
3. وإن كان الشكّ في ظهور هيئات الجمل، كهيئة الجمل الاسمية والفعلية، أوهيئة الجمل الشرطية، أو الوصفية، وهيئة الأمر والنهي، فالمرجع هو علم المعاني، ولكنّ الأُصوليين أدخلوا قسماً من هذه البحوث في علم الأُصول لمدخليتها في الغرض.
4. وإن كان الشكّ في ظهور المفردات، فإن كان الشكّ في هيئتها كاسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة واسم المبالغة، فالمرجع هو علم الصرف حيث يبحث عن وضع أسماء الفاعلين والمفعولين.
5. ولو تعلّق بمادة المفردات، فقد تقدّم انّ المرجع هو التبادر، وعدم صحّة السلب والاطراد.
وهل هنا مرجع آخر وهو قول اللغوي أو لا؟ فلو أفاد قوله « الظن» وقلنا بحجّيته بالخصوص يكون من قبيل الظن الخاص، ذهب الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني إلى عدم حجّيته، وإن عدل الأوّل عن كلامه في هامش الفرائد عدولاً نسبيّاً كما سيوافيك.
وعلى فرض كونه حجّة، فهل هو حجة من باب الشهادة، أو من باب الخبرويّة؟ فلو قلنا بأنّ تشخيص المعاني الحقيقية من المجازية من الأُمور الحسية، التي لا يحتاج إلى إعمال النظر والفكر، فتكون حجّية قوله من باب الشهادة فيعتبر فيه ما هو المعتبر فيها من العدالة والتعدّد.
وإن قلنا بأنّها من الأُمور التي تتوقف على إعمال النظر والرأي والاجتهاد، فتكون حجّيته من باب حجّية قول أهل الخبرة، فلا يعتبر فيه واحد من الأمرين،

(155)
نعم يعتبر فيه الوثوق والاطمئنان على قول.
ذهب المحقّق الخوئي إلى القول الأوّل، وقال: بأنّ تعيين معاني الألفاظ من قبيل الأُمور الحسية التي لا دخل للنظر والرأي فيها ، لأنّ اللغوي ينقلها على ما وجده من الاستعمالات والمحاورات، وليس له إعمال النظر والرأي، فيكون داخلاً في باب الشهادة فتعتبر فيه العدالة والتعدّد على قول المشهور.(1)
يلاحظ عليه: أنّه قدَّس سرَّه قصر النظر على أصحاب المعاجم المتأخرين المرتزقين من المعاجم الأُمّ، فليس لهم شأن إلاّ ما ذكر فيها، وأمّا أصحاب المعاجم الأوائل، كالعين للخليل، والجمهرة لابن دريد، والمقاييس لابن فارس، والصحاح للجوهري، وأساس اللغة للزمخشري، واللسان لابن منظور، فعملهم مزيج بالحدس وإعمال النظر، ويشهد لذلك، استشهادهم بالآيات والأحاديث النبوية وأشعار الشعراء حيث يُعيّنون موارد الاستعمال بفضل الإمعان فيها.
إنّ تعيين مواضع استعمال الألفاظ فضلاً عن تعيين معانيها وأوضاعها أمر عسير لا يحصل إلاّ بالدقة والإمعان ،ومن طالع المقاييس لابن فارس أو أساس اللغة للزمخشري أو اللسان لابن منظور يقف على الجهود التي بذلوها لتبيين مفاهيم الألفاظ وموارد استعمالها، فالشكّ في أنّ أخبارهم كأخبار أهل الخبرة في غير محله، وأمّا انّـهم أهل خبرة في تعيين مواضع الاستعمال أو الأوضاع فسيوافيك بيانه.
وبالجملة استخراج المعاني بفضل الآيات والروايات وأشعار الشعراء وكلمات العرب يحتاج إلى لطف في القريحة ودقة في الكلام، وقد سئل الأصمعي عن معنى الألمعيّ فأنشد الشعر:
الألمعي الذي يظنُّ بــك * الظـنَّ كأن رأى وقد سمعا

1 . مصباح الأُصول: 1/131.

(156)
فانّ الانتقال إلى معنى الألمعي من هذا البيت، لا ينفك عن الدقة حيث إنّ الموصول وصلته تفسير للمبتدأ وكثير من الناس ربما يسمعون هذا البيت ولا ينتقلون إلى ما انتقل إليه ذلك الأديب.
أضف إلى ذلك انّ قسماً منهم قد قضى عمره في البادية ليعرف مواضع الاستعمال عن كثب، وانّ المتبادر هل هو مقرون بالقرينة أو لا؟ كلّ ذلك لا ينفك عن الاجتهاد واعمال النظر، وليس مثل رؤية الهلال التي لا تتوقف على شيء سوى فتح العين والنظر إلى السماء.
فتعيّن انّه لو قلنا بحجّية قول اللغوي فإنّما نقول به من باب أهل الخبرة.
فنقول: استدل على حجّية قوله ـ بعد كون الأصل عدم حجّية قوله ـ بوجوه:
الوجه الأوّل: إجماع العلماء على الرجوع إليهم في تفسير القرآن والحديث، فلا تجد فقيهاً أو محدثاً إلاّويستند إلى أقوال أهل اللغة.
يلاحظ عليه: بما أورد عليه المحقّق الخراساني من أنّه ليس كاشفاً عن دليل تعبّدي وصل إليهم لم يصل إلينا، لاحتمال انّهم استندوا في عملهم على بناء العقلاء من الرجوع إلى أهل الخبرة، وأهل اللغة منهم، فيكون الإجماع مدركياً.
الوجه الثاني: سيرة العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة، وهذا كما في الأروش والجنايات، وغيرهما، وأهل اللغة ، من خبراء تشخيص المعاني الحقيقية والمجازية،وهذا الدليل هو الدليل المهم.
وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:
1. انّ المتيقن من الرجوع إلى رأي أهل الخبرة هو كونه مفيداً للوثوق، ولا يحصل وثوق بالأوضاع عن قول اللغوي.
2. انّه ليس من أهل الخبرة، لأنّ المطلوب هو تشخيص المعاني الحقيقية عن

(157)
المجازية ليُحْمل اللفظ ـ عند التجرّد عن القرينة ـ عليه، ولكنّ همَّ اللغوي ينحصر في بيان موارد الاستعمال لا تعيين الحقيقة والمجاز، وليس ذكره أوّلاً دليلاً على كونه المعنى الحقيقي.
يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ الرجوع إلى أهل الخبرة لأجل انسداد الطريق إلى الواقع، فلا طريق إلى تعيين الأرش في باب المعيب، ومقدار الغبن في البيع الغبني، وحدّالجناية، إلاّقول أهل الخبرة، فقولهم حجّة سواء أفاد الوثوق أو لا، ونظيره الرجوع إلى قول الرجالي في تمييز الثقات عن غيرهم، أو الرجوع إلى المجتهد في تعيين الوظائف، فالكلّ من هذا الباب، وربما لا يفيد قولهم الظن فضلاً عن الوثوق.
والحاصل: انّ انسداد الطريق جرّ العقلاء إلى إفاضة الحجّية على قول الخبير، لقطع النزاع وتحصيل المقاصد، وتقييد الرجوع بإفادته الظن الشخصيّ فاقد للدليل.

ويلاحظ على الثاني بوجهين:

أوّلاً: أنّ معاجم اللغة على قسمين قسم ألّف لبيان المعاني الأوّلية للألفاظ وإراءة كيفية اشتقاق سائر المعاني من المعنى الأصلي، بحيث تكون أكثر المعاني صوراً مختلفة لمعنى أصلي، وقد ألّف في هذا المضمار المقاييس لابن فارس، وأساس اللغة للزمخشري، فالمراجع إلى الكتابين يقف على المعنى الأصلي والمعاني الفرعية المشتقة من المعاني الأصلية، ثمّ المعاني المجازية.
وثانياً: أنّ الأُنس بمعاجم اللغة، يخلق في الإنسان قوّة أدبية، يميز بها المعنى الحقيقي للّفظ عن المعنى المجازي، والمراد في المقام عن غيره على وجه يثق بما استخرجه، ولكنّه رهن الأُنس بكتب اللغة ومطالعتها، كمطالعة سائر الكتب والرجوع إليها في مشكلات القرآن والحديث والأدب طول سنين.

(158)
فنقول: فقول اللغوي ـ على هذا ـ وإن لم يكن حجّة، لكن الرجوع إلى معاجم معدودة أُلّفت بيد فطاحل اللغة، يورث الوثوق بمعنى اللفظ عند التجرّد عن القرينة، فلا محيص عن الرجوع بتلك الغاية، نعم على هذا لا يكون قول اللغوي حجّة ولكن يكون الرجوع إلى المعاجم ذات أهمية كبيرة.
ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ أورد على السيرة بعدم حجّيتها لعدم وجودها في زمن المعصومينعليهم السَّلام ، لأنّ الرجوع إلى كتب اللغويين أمر حادث بعدهم.(1)

يلاحظ عليه بأمرين:

أوّلاً: أنّه إذا أطبق العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة، وكان الرجوع بمرأى ومسمع من الشارع، كفى ذلك في تصحيح الرجوع إلى أهل اللغة وإن لم يكن المصداق موجوداً في عصرهم، وإلاّ يلزم عدم حجّية رأيهم في المصاديق الجديدة في باب المعاملات والجنايات وهو كما ترى.
ثانياً: أنّ تاريخ الأدب العربي يكشف عن وجود السيرة في صدر الرسالة، وقد كان ابن عباس مرجعاً في تفسير غريب اللغة وقد سأله نافع بن الأزرق عن لغات القرآن مايربو على مائة وسبعين مورداً، فأجاب على الجميع مستشهداً بشعر العرب، وقد نقل الجميع السيوطي في إتقانه، وكان يقول: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فانّ الشعر ديوان العرب.(2)
أضف إليه انّ الأجانب كانوا يتعلمون معاني الألفاظ ومفاهيمها من أهل اللغة، فحجّية رأي أهل اللسان في بيان معاني الألفاظ، يوجب حجّية قول اللغوي خصوصاً إذا كان من أهل اللسان.
الوجه الثالث: ما أشار إليه الشيخ الأنصاري من انسداد باب العلم

1 . تهذيب الأُصول:2/97.
2 . الإتقان:1/382ـ 416.

(159)
بتفاصيل المعاني بحيث يعلم بدخول المشكوك أو خروجه ـ وإن كان المعنى معلوماً في الجملة ـ وإلى ذلك أشار الشيخ الأنصاري بقوله: والإنصاف انّ موارد الحاجة إلى قول اللغويين أكثر من أن يحصى في تفاصيل المعاني بحيث يفهم دخول الأفراد المشكوكة أو خروجها وإن كان المعنى في الجملة معلوماً من دون مراجعة اللغوي كما في مثل ألفاظ الوطن والمفازة، والتمر، والفاكهة والكنز والمعدن والغوص وغير ذلك من متعلقات الأحكام ممّا لا تحصى، وإن لم يكن الكثرة بحيث يوجب التوقف فيها محذوراً.(1)
وقد أورد عليه المحقّق الخراساني ما هذا حاصله: من أنّ الانسداد الصغير لا يثبت حجّية قول اللغوي، وذلك لأنّ باب العلم والعلمي للأحكام الشرعية ـ التي يهمّ المجتهد ـ إمّا مفتوح أو مسدود، فعلى الأوّل، لا وجه لحجّية الظن الحاصل من قول اللغوي، وإن حصل منه الظن بالحكم الشرعي، لفرض انفتاح باب العلم بالأحكام، وعلى الثاني، يكون الظن على الإطلاق حجّة إذا وقع في طريق الاستنباط ومنه الظن الحاصل من قول اللغوي، وإن فرض انفتاح باب العلم باللغات بتفاصيلها فيما عدا المورد.(2)
يلاحظ على الشقّ الأوّل: بأنّ فرض انفتاح باب العلم والعلمي في جميع الأحكام الشرعية، يلازم حجّية قول اللغوي في الموارد التي يتوقف استنباط الأحكام على فهم التفاصيل وإلاّ فيكون فرض الانفتاح في جميع الأحكام فرضاً باطلاً، لأنّ قسماً من الأحكام لا يعلم إلاّ من طريق قول اللغوي، فكيف يكون باب العلم والعلمي مفتوحاً في عامة الأحكام الشرعية، مع عدم حجّية قول اللغوي الذي يتوقف عليه استنباط بعض الأحكام؟!

1 . الفرائد: 47.
2 . في كلام الشيخ الأنصاري أيضاً إشارة إلى هذا الإشكال فلا تغفل.

(160)

الحجج الشرعية

3
الإجماع المنقول
بخبر الواحد

إنّ الأصل الأوّلي فيما يمكن الاحتجاج به عدم الحجّية إلاّ إذا قام الدليل القطعي على حجّيته، وقد عرفت خروج الأمرين عن تحت ذلك الأصل: أ.الظواهر ، ب. قول اللغوي على التفصيل الذي مضى.
وممّا قيل بخروجه عن تحت ذلك الأصل هو إجماع العلماء على حكم شرعي إذا نقل بخبر الواحد، وطبع البحث يقتضي ثبوت أمرين قبل الخوض في هذه المسألة:
الأوّل: حجية الإجماع المحصل لنفس الناقل حتى يُبحث عن حجّيته للغير إذا نقل إليه.
الثاني: حجّية خبر الواحد في نقل الحجج.
لكن العلمين ـ الأنصاري والخراساني ـ بحثوا عن الإجماع المحصل في خلال البحث عن الإجماع المنقول وأخّروا البحث عن حجّية خبر الواحد، ونحن نقتفيهما ولكن بتفاوت يسير، وهو إنّا نعقد لكلّ من الإجماعين بحثاً مستقلاً، فنقول:
الإجماع لغة هو العزم ففي الحديث «من لم يُجْمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له».(1)

1 . جامع الأُصول:7/186.

(161)
وفي الذكر الحكيم عند سرده لقصة يوسف: (فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الْجُبِّ)(1) وأمّا الاتفاق فإنّما يفهم من ذكر المتعلّق، يقال: أجمع القوم على كذا أي اتفقوا، قال سبحانه: (فَأَجْمعُوا أَمْرَكُمْ وَشُركاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّة).(2)
وأمّا اصطلاحاً فقد عرّف بتعاريف، وبما انّ ملاك حجّيته عند السنّة غير ملاكها عند الشيعة، نطرح كلاً بوجه مستقل، فنقول:

الإجماع المحصّل عند أهل السنّة

عرّفه الغزالي بقوله: إنّه اتفاق أُمّة محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي.(3)
وعلى هذا التعريف لا يكفي اتّفاق أهل الحلّ والعقد ولا المجتهدين بل يجب اتّفاق جميع المسلمين، وهذا ما لا ينطبق إلاّ على الضروريات وإن كان أكثر انطباقاً لما أقاموا من الدليل من عصمة الأُمّة، ومع ذلك أعرض عنه أكثر أهل السنّة، فعرّفوه بالنحو التالي:
اتّفاق أهل الحلّ والعقد على حكم من الأحكام، أو اتّفاق المجتهدين من أُمّة محمّد في عصر على أمر، إلى غير ذلك من التعاريف.
والمهم في المقام هو الوقوف على وجه حجّية الإجماع عند أهل السنة، وهذا هو الذي نطرحه فيما يلي:

1 . يوسف:15.
2 . يونس:71.
3 . المستصفى:1/110.

(162)

مكانة الإجماع في الفقه السنّي

قد عرفت أنّ الإجماع بما هو إجماع ليس من أدوات التشريع ومصادره، وانّ حجّيته تكمن في كشفه عن الحكم الواقعي المكتوب على الناس قبل إجماع المجتهدين وبعده.
وأمّا على القول باختصاص الحكم الواقعي المشترك بما ورد فيه النص عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وترك التكليف فيما سواه إلى اجتهاد المجتهد، فيصير الإجماع من مصادر التشريع، فيعادل الكتاب والسنّة في إضفاء المشروعية على الحكم المتفق عليه، ويصير بالاتفاق حكماً واقعياًً إلهياً.
ويوضحه الأُستاذ السوري «وهبة الزحيلي» بقوله: ونوع المستند في رأي الأكثر، إمّا دليل قطعي من قرآن أو سنّة متواترة، فيكون الإجماع مؤيّداً ومعاضداً له; وإمّا دليل ظني وهو خبر الواحد والقياس، فيرتقي الحكم حينئذ من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين.(1)
ومعنى ذلك انّه لابدّ أن يكون للإجماع من دليل ظني، فإذا اتّفق المجتهدون على الحكم ولو لأجل ذلك الدليل الظني يصبح الحكم قطعيّاً، ـ وما ذاك ـ إلاّ لأجل دوران الحكم مدار الاتفاق وعدمه.
يقول الشيخ عبد الوهاب خلاّف: من حقّق النظر في منشأ فكرة الإجماع في التشريع الإسلامي، وفي كيفية الإجماع الذي انعقد في أوّل مرحلة تشريعية بعد عهد الرسول، وفي تقدير المجمعين لمن عقد عليه إجماعهم من الأحكام، يتحقّق أنّ الإجماع أخصب مصدر تشريعي يكفل تجدّد التشريع وتستطيع به الأُمّة أن تواجه كلّ ما يقع فيها من حوادث، وما يحدث لها من وقائع، وأن تساير به الأزمان

1 . الوجيز في أُصول الفقه: 49.

(163)
ومختلف المصالح في مختلف البيئات.
ثمّ قاس فكرة الإجماع بالشورى وقال: ومنشأ فكرة الإجماع انّ الإسلام أساسه في تدبير شؤون المسلمين، الشورى، وأنْ لايستبد أُولي الأمر منهم بتدبير شؤونهم سواء أكانت تشريعية، أم سياسية، أم اقتصادية، أم إدارية أم غيرها من الشؤون، قال اللّه تعالى مخاطباً رسوله: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْلَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)(1)، ولم يخص سبحانه بالمشاورة أمراً دون أمر... ليشعرهم أنّ الشورى من عمد دينهم كإقامة الصلاة.
وعلى هذا الأساس كان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يستشير رؤوس صحابته في الأُمور التي لم ينزل وحي من ربِّه، وممّا كان يستشيرهم فيه التشريع فيما لم ينزل فيه قرآن ـ إلى أن قال: ـ فلمّا توفّي رسول اللّه وواجهت أصحابه وقائع عديدة لم ينزل فيها قرآن ولم تمض فيها من الرسول سنّة سلكوا السبيل الذي أرشدهم إليه القرآن وهو الشورى، والذي سلكه الرسول فيما لم ينزل فيه قرآن وهو الشورى.
إلى أن استنتج في كلامه المسهب ما هذا نصّه: ومن هنا يتبيّن أنّ إجماع الصحابة ما كان إلاّ اتّفاق من أمكن اجتماعهم من رؤوسهم وخيارهم على حكم واقعة لم يرد نص بحكمها، وأنّ الذي دعاهم إلى اتّباع هذا السبيل هو العمل بالشورى التي أوجبها اللّه وسار عليها الرسول، وتنظيم اجتهاد الأفراد فيما لا نصّ فيه، فبدلاً من أن يستقل كلّ فرد من خيارهم بالاجتهاد في هذه الوقائع اجتمعوا وتشاوروا وتبادلوا الآراء، والخليفة ينفذ الحكم الذي اتّفقوا عليه.(2)
ولا يخفى ما في كلمات الأُستاذ من الخلط.
أمّا أوّلاً: فقد تضافرت الآيات القرآنية على أنّ التشريع حقّ مختص باللّه

1 . آل عمران: 159.
2 . مصادر التشريع الإسلامي: 166ـ167.

(164)
تبارك وتعالى، وأنّ كلّ تشريع لم يكن بإذنه فهو افتراء على اللّه وبدعة،وليس على الناس إلاّ الحكم بما أنزل اللّه، ومن حكم بغيره فهو كافر وظالم وفاسق.(1)
قال سبحانه: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلِين).(2)
ومع هذا التصريح فكيف يكون للبشر الخاطئ غير الواقف على المصالح والمفاسد حقّ التشريع على الإنسان على وجه يكون نافذاً، إلى يوم البعث؟!
نفترض أنّ لفيفاً من الصحابة بذلوا جهوداً فوصلوا إلى أنّ المصلحة تكمن في أن يكون حكم الواقعة هو هذا، أفهل يكون إجماعهم على ذلك الحكم ـ دون أن يكون مستمداً من كتاب أو سنّة ـ حجّة على البشر إلى يوم القيامة، لو لم نقل انّ اتّفاقهم على الحكم عندئذ بدعة وافتراء على اللّه؟!
وثانياً: أنّ عطف الإجماع على المشورة من الغرائب، فإنّ النبي كان يستشير أصحابه في الموضوعات العرفيّة التي ليس للشارع فيها حكم شرعي، وإنّما ترك حكمها إلى الظروف والملابسات وإلى الناس أنفسهم، حتى نجد انّ أكثرمشاورات النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانت تتم في كيفية القتال والذبّ عن حياض الإسلام.
فهذا هو رسول اللّه يشاور المسلمين في غزوة بدر قبل اصطدامهم بالمشركين، وقال: أشيروا عليّ أيّها الناس، وكأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يريد أن يقف على رأي أصحابه في السير إلى الأمام وقتال المشركين، أو الرجوع إلى الوراء، ولم يكن في المقام أيّ حكم مجهول حاول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يستكشفه عن طريق المشاورة، وكم فرق بين المشاورة في الموضوعات العرفية والمشاورة لكشف حكم شرعي منوط بالوحي؟

1 . راجع سورة المائدة: الآيات: 44و45و47.
2 . الأنعام: 57.

(165)
وهذه هي مشاورته الثانية في معركة أُحد حيث شاور أصحابه، ليقف على كيفية مجابهة المشركين وأُسلوب الدفاع عن الإسلامفأدلوا بآرائهم، فمن طائفة تصرّ على أن لايخرج المسلمون من المدينة ويدافعوا عنها متحصنين بها، إلى أُخرى ترى ضرورة مجابهة المشركين خارج المدينة.(1)
إلى غير ذلك من مشاوراته المنقولة في كتب التاريخ كمشاورته في معركة الأحزاب وغيرها.
ومن تتبع المشاورات التي أجراها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مع أصحابه في التاريخ يقف على حقيقة، وهي: انّنا لا نكاد نعثر على وثيقة تاريخية تثبت أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شاورهم في أُمور الدين والفتيا، بل كانت تلك المشاورات تتم في أُمور الدنيا ولما فيه صلاح أُمورهم.

أدلّة عدِّ الإجماع من مصادر التشريع

ثمّ إنّك بعد الوقوف على ما ذكرنا ـ من أنّ الإجماع ليس من مصادر التشريع، وإنّما العبرة فيه قابلية كشفه عن الواقع وإصابته، وهذا يختلف باختلاف مراتب الإجماع كما سبق ـ في غنى عن البرهنة على حجّية الإجماع، وإنّما يقوم به من رأى أنّ نفس الإجماع بما هو إجماع من مصادر التشريع، فاستدلوا بآيات:
الآية الأُولى: قوله سبحانه: (وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبيلِ المُؤْمِنينَ نُولِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً).(2)

1 . مغازي الواقدي: 1/211.
2 . النساء: 115.

(166)
وهذه الآية هي التي تمسّك بها الشافعي على حجّية الإجماع في رسالته أُصول الفقه.
ووجه الاستدلال: هو انّ اللّه يعد اتّباع غير سبيل المؤمنين نوعاً من مشاقّة اللّه ورسوله، وجعلَ جزاءهما واحداً وهو الوعيد حيث قال: (نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) فإذا كانت مشاقّة اللّه ورسوله حراماً كان اتباعُ غير سبيل المؤمنين حراماً مثله، ولو لم يكن حراماً لما اتحدا في الجزاء، فإذا حرم اتّباع غير سبيلهم فاتباع سبيلهم واجب، إذ لا واسطة بينهما، ويلزم من وجوبِ اتباع سبيلهم كونُ الإجماع حجّة، لأنّ سبيل الشخص ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد.(1)

يلاحظ على الاستدلال بوجوه:

الأوّل: انّ الامعانَ في الآية يُرشدنا إلى أنّ ثمة طائفتين:
الأُولى: من يشاقق الرسول ويعانِدُه ويتّبع سبيل الكافرين فاللّه سبحانه يولّيه ما تولّى ويصله جهنم.
الثانية: من يحبُ الرسول ويتّبع سبيل المؤمنين فيعامل معه على خلاف الطائفة الأُولى.
ثمّ إنّ سبيل الكافرين عبارة عن عدم الإيمان به ومعاندته ومحاربته، وسبيل المؤمنين على ضدّ سبيلهم، فهم يؤمنون به ويحبّونه، وينصرونه في سبيل أهدافه.
فاللّه سبحانه يذمُّ الطائفةَ الأُولى ويمدح الطائفةَ الثانية، وعندئذ أيُّ صلة للآية بحجّية اتفاق المجتهدين في مسألة من المسائل الفرعية؟
وبعبارة أُخرى: يجب علينا إمعان النظر في قوله سبحانه: (وَيَتَّبِعْ غير سَبيلِ المُؤْمِنين)بُغية تبيين سبيل المؤمن والكافر، فسبيل الأوّل هو الإيمان باللّه

1 . أُصول الفقه الإسلامي: 1/540.

(167)
وإطاعة الرسول ومناصرته، وسبيل الآخر هو الكفر باللّه ومعاداة الرسول ومشاقته.
وهذا هو المستفاد من الآية وأمّا الزائد على ذلك فالآية ساكتة عنه.
الثاني: انّ الموضوع في الآية مركب من أمرين:
أ. معاداة الرسول.
ب. سلوك غير سبيل المؤمنين.
فجعل للأمرين جزاءً واحداً وهو إصلاءه النار، وبما انّ معاداة الرسول وحدها كاف في الجزاء، وهذا يكشف عن أنّ المعطوف عبارة أُخرى عن المعطوف عليه، والمراد من اتباع غير سبيل المؤمنين هو شقاق الرسول ومعاداته وليس أمراً ثانياً; فما ذكره المستدل من أنّ سبيل الشخص، هو ما يختاره من القول والفعل، وإن كان في نفسه صحيحاً، لكنّه أجنبي عن مفاد الآية فانّ المراد منه فيها، مناصرة الرسول ومعاضدته.
الثالث: انّ اضفاء الحجّية على اقتفاء سبيل المؤمنين في عصر الرسول لأجل انّ سبيلهم هو سبيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلا يستفاد منه حجّية مطلق سبيل المؤمنين بعد مفارقته عنهم.

الثانية: آية الوسط

قال سبحانه: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) .(1)
وجه الاستدلال: أنّ الوسطَ من كلّ شيء خياره، فيكون تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأُمّة، فإذا أقدموا على شيء من المحظورات، لما وُصِفُوا بالخيرية،

1 . البقرة: 143.

(168)
فيكون قولهم حجّة.(1)
يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: انّ «الوسط» بمعنى العدل، فالآية تصف الأُمّة الإسلامية بالوسطيّة، إمّا لأنّهم أُمّة متوسطة بين اليهود المفرّطين في حقّ الأنبياء حيث قتلوا أنبياءهم، والنصارى الغلاة في حقّهم حتى اتّخذوا المسيح إلهاً، أو انّهم أُمّة متوسطة بين اليهود المكبَّة على الدنيا، والنصارى المعرضة عنها لأجل الرهبانية المبتدعة، وأيّ صلة لهذا المعنى بحجّية رأي الأُمّة في مسألة فقهية؟
ثانياً: نفترض انّ الأُمّة الإسلامية خيار الأُمم وأفضلها لكنّه لا يدل على أنّـهم عدول لا يعصون، ولايدل على أنّهم معصومون لا يخطأون، والمطلوب في المقام هو إثبات عصمة الأُمّة، كعصمة القرآن والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى يكون ما أجمعوا عليه دليلاً قطعيّاً، مثلَ ما ينطِقُ به الكتابُ والنبيّ الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والآية لا تدل على عصمتهم.
وكون خبر العادل حجّة، غير كون الإجماع حجّة، فإنّ الحجّة في الأوّل بمعنى كونه منجِّزاً إنْ أصاب، ومعذِّراً إنْ أخطأ، لا كونه مصيباً للواقع على كلّ حال، وهذا بخلاف كون الإجماع حجّة فإنّ معنـاه ـ بحكم عصمـة الأُمّــة ـ انّه مصيب للواقع بل نفسه والحكم قطعي.
ثالثاً: انّ وصف الأُمّة جميعاً، بالخيار والعدل، مجاز قطعاً، فإنّ بين الأُمّة من بلغ من الصلاح والرشاد إلى درجة يُستدرّ بهم الغمام، ومن بلغ في الشقاء أعلى درجته فخضّب الأرض بدماء الصالحين والمؤمنين، ومع ذلك كيف تكون الأُمّة بلا استثناء خياراً وعدلاً، وتكون بعامّة أفرادها شهداء على سائر الأُمم، مع أنّ كثيراً منهم لا تقبل شهادتُهم في الدنيا فكيف في الآخرة؟!

1 . أُصول الفقه الإسلامي: 1/540.

(169)
يقول الإمام الصادقعليه السَّلام في تفسير الآية: «فإن ظننت انّ اللّه عنى بهذه الآية جميعَ أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادتُه في الدنيا على صاع من تمر، تُطلب شهادتُه يوم القيامة وتقبل منه بحضرة جميع الأُمم الماضية؟!».(1)
وهذا دليل على أنّ الوسطيّة وصف لعدّة منهم، ولمّا كان الموصوفون بالوسطيّة جزءاً من الأُمّة الإسلامية صحّت نسبة وصفهم، إلى الجميع نظير قوله سبحانه: (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ يا قَومِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلوكاً)(2) فقد وصف عامّة بني إسرائيل بكونهم ملوكاً، مع أنّ البعض منهم كان ملكاً.
وإذا كانت الوسطيّة لعدّة منهم دون الجميع، يكون هم الشهداء يوم القيامة لا جميع الأُمّة وإنّما نسب إلى الجميع مجازاً.
إلى هنا تمّ تحليل أدلّة أهل السنّة على حجّية الإجماع المحصّل.

حجّية الإجماع حسب أُصول الإمامية

أمّا الشيعة فالمعروف عندهم من الطرق هو أمران:
1. استكشاف قول المعصوم بالملازمة العقلية (قاعدة اللطف).
2. استكشاف قولهعليه السَّلام بالملازمة العادية (قاعدة الحدس).
هذان الوجهان هما المعروفان، وأمّا استكشاف قوله عن طريق الدخول فهو يختص بعصر الحضور، وإليك تحليل الوجهين:

1 . البرهان: 1/160.
2 . المائدة: 20.

(170)

1. استكشاف قوله ـ عليه السَّلام ـ بقاعدة اللطف

وحاصل تقريره: أن يستكشف عقلاً رأي الإمامعليه السَّلام من اتّفاق من عداه من العلماء على حكم، وعدم ردّهم عنه، نظراً إلى قاعدة اللطف التي لأجلها وجب على اللّه نصب الحجّة المتصف بالعلم والعصمة، فانّ من أعظم فوائده، حفظ الحقّ وتمييزه من الباطل كي لا يضيع بخفائه ويرتفع عن أهله أو يشتبه بغيره، وتلقينهم طريقاً يتمكن العلماء وغيرهم من الوصول به إليه ومنعهم وتثبيطهم عن الباطل أوّلا، أو ردهم عنه إذا أجمعوا عليه.(1)
وممّن ذهب إلى اعتبار الإجماع من هذه الجهة، الشيخ الكراجكي قال: كثيراً ما يقول المخالفون: إذا كنتم قد وجدتم السبيل إلى علم تحتاجونه من الفتاوى المحفوظة عن الأئمّة المتقدّمين،فقد استغنيتم بذلك عن إمام الزمان، فأجاب إلى فائدة وجوده أيضاً بأنّه يكون من وراء العلماء، وشاهداً لأحوالهم عالماً بأخبارهم، إن غلطوا هداهم، أو نسوا ذكرهم.(2)
وممّن أيّد هذه القاعدة المحقّق الداماد، قال: ومن ضروب الانتفاعات أن يكون حافظاً لأحكامهم الدينية على وجه الأرض عند تشعّب آرائهم، واختلاف أهوائهم، ومستنداً لحجّية إجماع أهل الحلّ والعقد، فانّه عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف لا يتفرّد بقول، بل من الرحمة أن يكون من المجتهدين من يوافق رأيه رأي إمام عصره وصاحب أمره، يطابق قوله قوله.
وقد نقل عن شريف العلماء انّه قال: فانّ وجود الإمام في زمن الغيبة لطف قطعاً، ومن ذلك حفظ الشريعة وردّالمجمعين على الباطل وإرشادهم إلى

1 . كشف القناع: 114.
2 . كشف القناع: 145.

(171)
الحقّ.(1)
هذا وقد نقل المحقّق التستري كلمات كثير من العلماء القدامى والمتأخرين واستظهر من عباراتهم أنّها تنطبق على الاعتماد على قاعدة اللطف، ومع ذلك فهي غير تامّة لوجوه:
الأوّل: انّ هنا أُموراً ثلاثة:
1. انّ وجود الإمام لطف إمّا لأنّه العلّة الغائية للكون، فانّ العالم خلق للإنسان الكامل، والإمام من أظهر مصاديقه،ولولا الغاية لساخت الأرض بأهلها، وإمّا لأنّ اعتقاد المكلّفين بوجود امام وتجويز إنفاذ حكمه عليهم في كلّ وقت سبب لردعهم عن الفساد وقربهم إلى الصلاح، وعاملاً لتوحيدحكمتهم واستعدادهم لنصرته لدى الظهور.
2. تصرّفه لطف آخر لأنّه بتصرفه يحفظ الشرائع ويصونها عن الزيادة والنقصان،ويبعث الرعية إلى الصلاح، ويصدّها عن الفساد،ويخلق اجواء وظروفاً ثقافية، تكون الرعية فيها أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية إلى غير ذلك من فوائد لتصرفه.
فاللطف الأوّل لازم وجوده لا يعدم، بخلاف اللطف الثاني فهو رهن استعداد في الرعية، واستعدادها لنصرته،وقبول أوامره وامتثال قوله.
3. حرمان الأُمّة من اللطف الثاني مستند إليهم، لا إلى اللّه ولا إلى الإمام ، وذلك لأنّهم إذا لم يقوموا بوظيفتهم وأرادت الأكثرية مخالفته أو اغتياله،يختفي منهم ويكون حرمانهم من ألطافه وتصرفاته مستنداً إلى شقائهم لا إلى اللّه ولا إلى الإمام.(2)

1 . كشف القناع: 148.
2 . كشف المراد: قسم الإلهيات:183.

(172)
وبعبارة أُخرى: إذا كانت الرعيّة هي السبب لاختفائه فهي السبب لحرمانها من فيوضه وإرشاداته التي منها، التعرّف بالأحكام ومعرفة صحيحها عن سقيمها، فليس خفاء بعض التكاليف، بأهمّ من سائر ألطافه، فما هو المجوّز لحرمانهم منها، هو المسوّغ له أيضاً، وعلى هذا، المصالح التي اقتضت غيبة الإمام وأوجبت حرمان الناس من الفيوض المعنوية، هي التي اقتضت حرمان الناس عن معرفة الحكم الصحيح عن الباطل، وليس هذا النوع من الحرمان بأعلى من سائر أقسامه.
الثاني: انّ المتمسكين باللطف يرون كفاية إظهار الخلاف ولو بلسان واحد من علماء العصر، ولكن لسائل أن يسأل ويقول: أيّة فائدة تترتب على هداية واحد من أفراد الأُمّة وترك الجميع في التيه والضلالة، ولو وجب اللطف لكان عليه هداية الجميع أو الأكثرين، لا الفرد الشاذ النادر، نعم لا يتلقى الجيل الآتي ذلك الاتّفاق إجماعاً لوجود المخالف وهذا ليس إلاّلطفاً نسبياً، لا مطلقاً؟
الثالث: انّ حال الغيبة لا يفترق حال الحضور، فكما يجوز كتمان بعض الحقائق لخوف أو تقيّة أو غير ذلك من المصالح، فهكذا يجوز حال الغيبة خصوصاً في المسائل التي لا تمسّ الحاجة إليها إلاّ نادراً.
وقد صرّح المرتضى في كتاب الشافي بذلك وقال: إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ كان منذ قبض اللّه نبيّه في حال تقية ومداراة وانّه لما أفضى الأمر إليه لم تفارقه التقية.(1)
ومن هنا ظهر مدى صحّة كشف قول المعصوم بالإجماع، ففي الإجماع التشرفي، المتحقّق هو ذات المكشوف وهو قول المعصوم، دون الكاشف، وادعاء الإجماع غطاء عليه، لئلا يكذب واستكشاف قولهعليه السَّلام عن هذا الطريق يختص بالأوحدي من العلماء.

1 . كشف القناع: 149، نقلاً عن الشافي.

(173)
وفي الإجماع الدخولي، يوجد الكاشف والمكشوف، لكنّه يختص بزمان الحضور، ولا يعمّ حال الغيبة.
واستكشاف قوله ـ عليه السَّلام ـ عن طريق قاعدة اللطف غير تامّ من جهة عدم الملازمة العقلية بين الاتفاق وقول الإمام . وإن شئت قلت: بين الكاشف والمنكشف، إذ لا دليل على لزوم إظهار الحقّ وإيجاد الخلاف بين العلماء إذا كان الناس بأنفسهم هم السبب لخفائه، فقاعدة اللطف قاعدة تامة في الحدّ الذي أوعزنا إليه، لا في المقام.

2.الإجماع الحدسي أو الملازمة العادية

والمراد منه حدس قول المعصوم عن طريق اتفاق المجمعين بادّعاء الملازمة العادية بين اتّفاقهم وقول المعصوم، فخرج بقولنا:«حدس قول المعصوم» الإجماع التشرّفي والدخوليّ، لأنّ المدّعي يصل إليه فيهما عن طريق الحس، كما خرج بقوله: «الملازمة العادية»، كشف قول المعصوم عن طريق قاعدة اللطف، فانّها لو تمّت في المقام لدلّت على وجود الملازمة العقلية بين سكوت الإمام وموافقته لما اتّفقوا عليه.
ثمّ إنّه يقرر كشف قول المعصوم بالحدس بوجوه:

1. تراكم الظنون مورث لليقين

إنّ فتوى كلّ فقيه ـ وإن كان يفيد الظن ولو بأدنى مرتبته ـ إلاّ أنّه يتقوّى بفتوى فقيه ثان، فثالث، إلى أن يحصل للإنسان اليقين من إفتاء جماعة بموافقة القطع بالصحة، إذ من البعيد أن يتطرّق البطلان إلى فتوى جماعة كثيرين.
وهذا الوجه كان موجوداً في كلام القدماء، حتى أنّ السيّد المرتضى أشكل

(174)
عليه بما سنذكره، وذكر هذا الوجه المحقّق التستري في كشف القناع تحت عنوان الوجه السادس، ونقله المحقّق النائيني وقال: قيل إنّ حجّيته لمكان تراكم الظنون من الفتاوى إلى حدّ يوجب القطع بالحكم كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر.(1)
وأورد عليه المرتضى بما هذا حاصله: نحن إذا جوزنا الخطأ على كلّ واحد فقد جوزنا الخطأ على مجموعهم.
يلاحظ عليه: أنّ حكم المجموع غير حكم الآحاد، وهو أمر واضح، فرجل واحد لا يستطيع أن يرفع الجسم الثقيل، بخلاف المجموع من الرجال.
والأولى أن يجاب عن الاستدلال بالنحو التالي: وهو وجود الفرق بين الخبر المتواتر، والمقام بوجهين:
الأوّل: انّ كلّ واحد من المخبرين في الخبر المتواتر، يدعي القطع بالرواية مثلاً، فتحصل من ادعاء كلّ فرد القطع بالرؤية، مرتبة في الظن، ويأتي حديث تراكم الظنون المنتهي إلى القطع، بخلاف المقام، فإنّ كلّ فقيه لا يصدر عن القطع، بل أكثرهم يصدر عن الدليل الظني فكلّ يقول: أظن أنّ الحكم كذلك.ومن المعلوم انّه لا يحصل من ادعاء الظن مهما تراكم، القطع بالحكم إلاّ نادراً.
الثاني: وجود الفرق بين الخبر المتواتر، والإجماع المحصّل، فإنّ كلّ مخبر في الأوّل يخبر عن حس، والاشتباه في الحس قليل، واحتمال تعمّد الكذب مردود بالوثاقة والعدالة، بخلاف المقام فإنّ كلّ واحد من أصحاب الفتوى يخبر عن حدس، والاشتباه في المسائل العقلية ليس بقليل.

1 . فوائد الأُصول: 3/150.

(175)

2. كشفه عن وجود الدليل المعتبر

إنّ اتّفاق العلماء يكشف عن وجود دليل معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا، وهذا هو الذي اعتمد عليه صاحب الفصول وقال: يُستكشف قول المعصوم أو عن دليل معتبر، باتّفاق علمائنا الذين كان ديدنهم الانقطاع إلى الأئمّة في الأحكام وطريقتهم التحرّز عن القول بالرأي والاستحسان.
واعتمد عليه المحقّق النائيني وعدّه من أحسن الوجوه.
وأورد عليه السيد المحقّق الخوئي: انّه يحتمل أن يعتمدوا على قاعدة باطلة أو أصل مردود.(1)
يلاحظ عليه: أنّ دراسة تاريخ الفقه إلى عصر الشيخ يعرب عن أنّ الفقهاء كانوا لا يصدرون إلاّ عن الروايات والنصوص لا على القواعد، وهذا ظاهر لمن راجعَ الفقه الرضوي، وهو إمّا نفس كتاب التكليف للشلمغاني، أو رسالة علي بن بابويه إلى ابنه الصدوق، أو راجعَ كتابي المقنع والهداية للصدوق، والمقنعة للشيخ المفيد، والنهاية للطوسي، وهذه الكتب كلّها فقه منصوص مقابل الفقه المستنبط، نعم لا يمكن الاعتماد على انتصار المرتضى وناصرياته، ولا على كتاب الإيضاح للفضل بن شاذان المتوفّى عام 260هـ لاعتمادهما على الأُصول والقواعد، ولا على كتاب المبسوط للشيخ الطوسي، لأنّ أكثرها فقه مستنبط، استخرجه الشيخ من القواعد.
نعم يرد على هذا الوجه ما ذكره السيد الأُستاذ: من أنّه من البعيد أن يقف الكليني والصدوق والمفيد والشيخ ومن بعدهما على رواية متقنة دالّة على المقصود، وأفتوا بمضمونه، ومع ذلك لا يذكرونه في جوامعهم.(2)

1 . سيوافيك تفصيله عند البحث عن الشهرة الفتوائية فانتظر .
2 . تهذيب الأُصول: :2/100.

(176)
وما أوردنا عليه في الدورة السابقة من أنّ أصحاب الكتب الأربعة لم يحيطوا بجميع الأخبار، بشهادة أنّ الشيخ الحرّ العاملي استدرك عليهم بتأليف كتاب وسائل الشيعة، ليس بتام، إذ ليس الكلام في الإحاطة وعدمها، بل الكلام في أنّه من البعيد أن يقف أصحاب الجوامع على خبر، ويفتوا بمضمونه، ولا ينقلوه، وأين هذا من إحاطتهم بجميع الأخبار وعدمها؟

2.كشفه عن شهرة الحكم عند أصحاب الأئمّة

إنّ اتّفاق المرؤوسين المنقادين على شيء يكشف عن رضا الرئيس، فإذا رأينا اتّفاق موظفي دائرة على تكريم شخص خاص، يستكشف، أنّ هذا بإشارة منه خصوصاً إذا تكرر التكريم.(1)
وهذا أمر جميل إذا كانت الصلة بين الرئيس والمرؤوس موجودة كما في عصر الحضور، ولذلك كان أصحاب أئمّة أهل البيت يتركون ما سمعوه من الإمام شفهياً، ويأخذون بقول ما اتّفق عليه أصحابه، وقد استفتى عبد اللّه بن محرز أبا عبد اللّه عن رجل مات وترك ابنة وقال: إنّ لي عصبة بالشام، فأفتى الإمام بدفع نصفها إليها والنصف الآخر إلى العصبة، فلمّـا قدم الكوفة أخبر أصحاب الإمام فلمّا سمعوا قالوا: اتقاك والمال كلّه للابنة.(2)
وعلى هذا فالشهرة الفتوائية عند قدماء الأصحاب في عصر الغيبة يكشف عن كون الحكم مشهوراً بين الأصحاب في زمان الأئمّة ، ويدل على ذلك أنّ في الفقه الشيعي مسائل كثيرة ليس لها دليل سوى الشهرة، ولعلّ قسماً من أحكام الفرائض من هذا القبيل، كان السيد المحقّق البروجردي يقول : إنّ في الفقه مئات

1 . فوائد الأُصول:3/149; درر الأُصول:2/372.
2 . الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد ، الحديث 3.

(177)
من المسائل ليس لها دليل في الكتاب والسنّة ولكنّ الأصحاب تلقّوها بالقبول، وهذا يكشف عن ثبوت الحكم في الشريعة المطهرة ومعروفيته لدى الأئمّة.
وهذا هو الذي اعتمد عليه السيد الإمام الخميني ولعلّه الأظهر.
تمّ الكلام عن الإجماع المحصّل، وحان حين البحث عن الإجماع المنقول.

المقام الثاني: في حجّية الإجماع المنقول

إذا نُقِل الإجماعُ بخبر الثقة فهل هو حجّة للمنقول إليه أو لا؟ فيقع الكلام تارة في الثبوت، أي مقدار دلالة لفظ الناقل، وأُخرى في الإثبات أي حجّية نقله.وإليك الكلام فيهما:

الأوّل: في بيان مقدار الدلالة

يختلف تعبير الناقل في مقام النقل وبذلك يختلف مدلوله حسب نقل السبب أو المسبب أو كليهما، وإليك صوره:
1. أن ينقل السبب والمسبب كليهما عن حس، كما في الإجماع الدخولي.
2. أن ينقل السبب عن حس، والمسبب عن حدس، مثالهما: إذا قال أجمع جميع الأُمّة من المعصوم وغيره وأمّا كون المسبب منقولاً بالحس أو بالحدس فإنّما يعلم من مسلك ناقل الإجماع، والغالب هو الثاني.
3. أن ينقل السبب عن حس مجرّداً عن المسبب، إمّا تصريحاً كما إذا قال: إجماعاً من غير المعصوم، أو انصرافاً كماإذا قال: أجمع عليه الأصحاب، لكن يكون ملازماً مع المسبب عادة على المسالك الثلاثة (تراكم الظنون، أو الكشف عن الخبر، أو عن اشتهار الحكم بين أصحاب الأئمّة).
4. إذا نقل السبب عن حس، لكن لم يكن ملازماً لقول المعصوم، كما إذا

(178)
وقف على أقوال محدودة فزعم اتّفاق الباقين معهم عن حدس.
5. إذا كان نقل السبب فضلاً عن المسبب عن حدس، كما إذا استكشف رأيهم من اتّفاقهم على قاعدة، يكون المورد من مصاديقه، وسيوافيك مثاله عند دراسة الإجماعات المنقولة في الكتب الفقهية، هذه هي الصور المتصورة في المقام، ولا طريق إلى استكشاف واحدة منها إلاّ لفظ الناقل، فتارة يكون صريحاً فيها وأُخرى ظاهراً وثالثة مجملاً.

الموضع الثاني: في بيان ما هو الحجّة منه

إذا عرفت اختلاف ألفاظ الناقلين للإجماع في مقام الحكاية، فقبل بيان أحكام الصور يجب التنبيه على أمر وهو: انّه لا إشكال في حجّية القسم الأوّل، كما سيأتي إنّما الكلام في حجّية القسم الثاني، حيث ينقل المسبب عن حدس، فهل تشمله الأدلّة؟
إنّ الدليل الوحيد على حجّية الخبر الواحد هو بناء العقلاء، وهو مختص بما إذا كان المخبر به أمراً حسيّاً أو كانت مقدماته القريبة أُموراً حسيّة، كالاخبار عن العدالة النفسانية إذا شاهد منه التورّع عن المعاصي، أو الإخبار عن الشجاعة، إذا شاهد قتاله مع الأبطال في ساحة القتال، وأمّا إذا كان المخبر به أمراً حدسياً محضاً ولم تكن مقدماته قريبة من الحس، فليست هناك سيرة عقلائية بلزوم الأخذ بخبره، إذا عرفت هذا، فلنرجع إلى بيان أحكامه.
أمّا الصورة الأُولى: أي إذا نقل السبب والمسبب عن حس، فهو وإن كان يتضمن قول المعصوم، لكنّه إنّما ينفع في عصر الحضور لا في زمان الغيبة، فانّ أساس هذا النوع من الادّعاء يرجع إلى الإجماع الدخولي المختص بعصر الحضور.
أمّا الصورة الثانية: إذا كان نقل السبب عن حس، لكن المسبب عن

(179)
حدس معتمداً على القاعدة العقلية أعني قاعدة اللطف، فلا شكّ أنّه ليس بحجّة للمنقول إليه، لما عرفت من اختصاص حجّية خبر الواحد بما إذا كان المخبر به أو مقدماته القريبة أمراً حسيّاً، وليس المقام كذلك، لأنّ استكشاف قول المعصوم من الاتّفاق مبني على الحدس والاستدلال.
أمّا الصورة الثالثة: إذا كان نقل السبب عن حس، الملازم لقول المعصوم عند المنقول إليه ملازمة عادية أو إتّفاقية، فلا شكّ في كونه حجّة، إذ لا فرق بين نقل قول المعصوم بالدلالة التضمنية ـ كما في الصورتين الأُولتين ـ أو بالالتزامية، كما في المقام، إلاّأنّ الكلام في وجود الصغرى وانّ الناقل تتبع أقوال العلماء إلى حدّ يلازم قول المعصوم، حتى يكون ملازماً لقوله عادة، وسيوافيك تساهل نقلة الإجماع في نقله.
أمّا الصورة الرابعة: إذا نقل السبب عن حس لا يكون ملازماً لقول المعصوم، كما إذا وقف على أقوال عدّة من العلماء فأذعن باتّفاق الكلّ عن حدس وادّعى الإجماع، فليس بحجّة لعدم الملازمة . اللّهمّ إلاّ أن يضيف المنقول إليه، أقوال الآخرين حتى يحصل عنده السبب التامّ الكاشف عن قول المعصوم.
أمّا الصورة الخامسة: إذا نقل السبب فضلاً عن المسبب عن حدس، كما إذا حاول استكشاف أقوال العلماء من اتّفاقهم على القاعدة، فليس بحجّة عند الناقل فضلاً عن المنقول إليه.
فتلخص من هذا البحث، عدم حجّية الإجماع المنقول إلاّفي الصورة الأُولى، واختصاصه بعصر الحضور، والصورة الثالثة، لكنّه قليل الوجود، لأنّ التساهل في نقل الإجماع قد خيّم على أكثر الإجماعات المنقولة في الكتب الفقهية وقلّما يتّفق للفقيه أنْ يتبع كلمات الأوائل والأواخر حتى تجتمع عنده أقوال الفقهاء إلى حدّ يلازم عادة قول المعصوم.

(180)
ولأجل إثبات وجود التساهل في نوع الإجماعات المنقولة نذكر بعض ما ذكره الشيخ الأنصاري في المقام ـ وإنْ أهمله المحقّق الخراساني ـ وما يرتبط بتعارض الإجماعات المنقولة وثبوت التواتر بالنقل وذلك في ضمن أُمور.

الأوّل: تقييم الإجماعات الواردة في كتب القدماء

قد عرفت أنّ ما هو المفيد من نقل السبب ما يكون ملازماً عادياً لقول الإمام بأحد الوجوه الثلاثة، إنّما الكلام في انطباقه على الإجماعات الواردة في كتب الأقطاب الخمسة الذين ملأت كتبهم دعوى الإجماع على المسائل المعنونة فيها كالمفيد، والمرتضى، والطوسي، والحلبي صاحب الغنية، والحلّي صاحب السرائر ـقدّس اللّه أسرارهم ـ .
إنّ الامعان في كتبهم يثبت أنّ ادّعاءهم الإجماع لم يكن على أساس تتبع الأقوال في كتب الأصحاب، بل كانوا يعتمدون في استنباط فتوى الكلّ من اتّفاقهم على العمل بالأُمور التالية:
1. وجود الأصل العملي في المسألة مع افتراض عدم الدليل.
2. عموم دليل في المسألة مع عدم وجدان المخصص.
3. وجود خبر معتبر في المسألة عند عدم وجدان المعارض.
4. اتّفاقهم على مسألة أُصولية، يستلزم القولُ بها، الحكمَ في المسألة المفروضة.
وغير ذلك من الأُمور التي صارت سبباً لنسبة الحكم إلى الأصحاب وادّعائهم الإجماع.
والشاهد على ذلك أُمور:

(181)
أ: وجود الإجماعات المتعارضة من شخص واحد، أو من معاصرين أو متقاربي العصر، أو الرجوع عن الفتوى الذي ادّعى عليه الإجماع.
ب: دعوى الإجماع في المسائل غير المعنونة في كلام من تقدّم على المدّعي.
ج: دعوى الإجماع في المسائل التي اشتهر خلافها في زمان المدّعي وبعده.
كلّ ذلك يشهد على أنّ الأساس لدعوى الإجماع هو أحد الأُمور الآنفة الذكر.
وقد نبه بما ذكرنا جمع من الأصحاب.
1. الشهيد الأوّل، فانّه أوّل من أوّل الإجماعات الواردة في كلمات الأصحاب بوجوه مذكورة في المعالم، منها إرادة الإجماع على نقل الرواية وتدوينها في كتب الحديث.
2. العلاّمة المجلسي في كتاب الصلاة من البحار، فانّه بعد ما ذكر معنى الإجماع ووجه حجّيته عند الأصحاب ورأى انّه لا ينطبق على المسائل، التي ادّي عليها الإجماع قال: إنّ الأصحاب لما رجعوا إلى الفقه نسوا ما ذكروه في الأُصول، فمصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه في الأُصول.(1)
3. الشيخ الأعظم الأنصاري، فقد أثبت أنّ الإجماعات الواردة في كتب الأقطاب الخمسة، ليس على أساس التتبع في كلمات الأصحاب، بل على أساس الاتّفاق على دليل المسألة، ولما وقف أنّ ذلك منهم يوهم التدليس اعتذر بأنّه يندفع بأدنى تتبع في الفقه.
ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من هذا النوع من ادّعاء الإجماع نأتي بما استشهد به الشيخ الأعظم حسب تسلسل التاريخ.

1 . نقله الشيخ في الفرائد: 57، ط رحمة اللّه.

(182)

1.المفيد ( 336ـ 413هـ)

سئل المفيد عن الدليل على أنّ المطلقة ثلاثاً في مجلس واحد يقع منها واحدة؟ فقال: الدلالة على ذلك كتاب اللّه عزّوجلّ، وسنّة نبيّه، واستدل من الكتاب بقوله: ( الطلاق مرّتان)أي الطلاق الذي يجوز للزوج الرجوع مرّتان، والمرتان لا تكون مرّة واحدة، وفي السنّة بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «وما وافق كتاب اللّه فخذوه، ومالم يوافقه فاطرحوه» وأمّا إجماع الأُمّة فهم منطبقون على أنّ ما خالف الكتاب والسنّة فهو باطل.(1)

2.السيد المرتضى (355ـ 436هـ)

قال المرتضى من مذهبنا جواز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات، ونقل المحقق أنّه نسب ذلك إلى مذهبنا، لأنّ من أصلنا العمل بالأصل ما لم يثبت الناقل، وليس في الشرع ما يمنع الإزالة بغير الماء من المائعات(2)، فقد تمسك بأصل البراءة وادّعى الإجماع، مع أنّ المورد من موارد التمسّك باستصحاب النجاسة بعد الغسل بالخلّ مثلاً.

3. الطوسي(385ـ 460هـ)

ذكر الشيخ الطوسي انّه إذا بان فسق الشاهدين بما يوجب القتل ـ بعد القتل ـ أنّه يسقط القود، وتكون الدية في بيت المال، قال: دليلنا، إجماع الفرقة، فانّهم رووا أنّ ما أخطأت القضاة ففي بيت مال المسلمين، فعلّل انعقاد الإجماع بوجود الرواية عند الأصحاب.(3)

1 . العيون والمناظرات: 176 طبع مؤتمر الشيخ المفيد.
2 . المعتبر: 1/ 82 ـ 83.
3 . الخلاف: ج6، كتاب الشهادات: 289 برقم 36.

(183)

4. ابن زهرة ( 511 ـ 585هـ)

قد أكثر ابن زهرة من الاستدلال بالإجماع في المسائل التي لا يساعد دعوى الإجماع، وقد ذكر في أُصول الغنية ما يكون مبـرِّراً لهذا النوع من دعوى الإجماع (1).

5. ابن إدريس الحلي(543ـ 598هـ)

قال ابن إدريس في السرائر: كلّ صلاة فريضة فاتت إمّا لنسيان أو غيره من الأسباب فيجب قضاؤها في حال الذكر من غير توان في سائر الأوقات ـ ثمّ قال: ـ ولنا في المضايقة كتاب خلاصة الاستدلال على من منع من صحة المضايقة بالاعتلال، بلغنا فيه إلى أبعد الغايات وأقصى النهايات(2). وقد نقل انّه استدل على القول بالمضايقة بالإجماع، بحجّة أنّ الأصحاب ـ إلاّنفراً يسيراً من الخراسانيين ـ ذكروا أخبارها في كتبهم، كابن بابويه والأشعريين،والقميين....
قال الحلي : تجب إخراج الفطرة سواء كنّ نواشز أو لم يكنّ... للإجماع، والعموم، من غير تفصيل من أحد من أصحابنا.(3)
ورده المحقّق بأنّ أحداً من علماء الإسلام لم يذهب إلى ذلك قال: فانّ الظاهر أنّ الحلي إنّما اعتمد في استكشاف أقوال العلماء على تدوينهم للروايات الدالّة على وجوب فطرة الزوجة، متخيّلاً أنّ الحكم معلّق على الزوجية من حيث هي زوجته، ولم يتفطن أنّ الحكم من حيث العيلولة ووجوب الإنفاق.(4)
هذه نماذج تثبت انّ ادّعاءهم الإجماع كان على أساس الاتّفاق على الأصل أو القاعدة أو نقل الخبر، ومع ذلك لا يمكن الاعتماد على الإجماعات الواردة في
كلامهم.

1 . الغنية: 1/371 قسم أُصول الفقه.
2 . السرائر:1/272ـ 273.
3 . السرائر: 1/466.
4 . المعتبر: 601 ـ 602 بتلخيص.

(184)

الثاني: تقييم الإجماعات الواردة في سائر الكتب

هناك من يدعي الإجماع على أساس التتبع في كلمات الفقهاء ومن هذه الطبقة:
1. المحقّق (602ـ 676هـ)، والعلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ)، والشهيد الأوّل (733ـ 786هـ)، وابن فهد الحلي (757ـ842 هـ)، والشهيد الثاني(911ـ 966 هـ )، والأردبيلي (المتوفّى993هـ).
وصاحب الحدائق( المتوفّى1186هـ) وصاحب مفتاح الكرامة (المتوفّـى 1228هـ) وصــاحـب الريـاض ( 1159 ـ 1231 هـ) وصـاحب الجـواهـر (1200ـ 1266 هـ ) فانّ كتبهم تدل بوضوح على استنادهم إلى التتبع والوجدان في الكتب، ومع ذلك ليس الجميع على درجة واحدة في التتبع والدّقة، فلا يمكن الاعتماد على نقولهم إلاّبعد تبيين الأُمور التالية:
أ: ملاحظة المصادر التي رجع إليها في زمان التأليف.
ب: ملاحظة الكتاب المنقول فيه الإجماع.
ج: ملاحظة لفظ الناقل.
د: ملاحظة نفس المسألة.
هـ: ملاحظة حال الناقل في زمان التأليف.
أمّا الأوّل: فانّ نَقَلة الإجماع مختلفة، فربّ ناقل يكتفي بالكتب الموجودة عند التأليف، ومنهم من يتوسع في المصادر.
أمّا الثاني: فربّ كتاب وضع على التتبع، ككتاب مفتاح الكرامة، وربّ كتاب لم يوضع على ذلك.

(185)
وأمّا الثالث: فربّما يدعي الإجماع والاتّفاق، وأُخرى يدّعي عدم وجدان الخلاف.
وأمّا الرابع: فربّما يدّعي الإجماع في المسائل المعنونة بين القدماء، وأُخرى يدّعي الإجماع في الفروع التفريعية بين المتأخرين.
وأمّا الخامس: فانّ حال الناقل في زمان تأليف الكتاب مختلفة، فربّ كتاب ألّفه الفقيه في أوان شبابه أو أواسط اشتغاله بالفقه، وربّ كتاب ألّفه في أُخريات عمره بعد ما غامر في بحار الفقه.
فلو كان المحصّل بعد رعاية هذه الأُمور ملازماً لقول المعصوم ملازمة عادية فهو، وإلاّ فعليه تحصيل أمارات أُخرى ليحصل بالمجموع القطع بقول الإمام.

بقيت أُمور ثلاثة

الثالث: حكم الإجماعات المنقولة المتعارضة
إذا تعارضت الإجماعات المنقولة، فهل التعارض يرجع إلى السبب أي اتّفاق العلماء، أو يرجع إلى المسبب؟!
الصحيح انّه يرجع إلى المسبب، إذ لا مانع من صدق كلا الادّعاءين بعد عدم ابتناء الإجماع على اتّفاق الجلّ فضلاً عن الكلّ، ولذلك لا يثبت المسبب.
وأمّا ثبوت السبب، أي الاتّفاق الملازم لقول المعصوم فلا يثبت بواحد منهما، إلاّ إذا كان في أحد النقلين خصوصية موجبة للقطع بالموافقة كأن ينقل أحدهما من القدماء الخبراء بفتوى الأئمّة، ولا يمكن الوقوف على الخصوصية إذا نقل بوجه الإجمال كما هو المفروض إلاّ إذا نقل أسماء المفتين على وجه التفصيل.

(186)
فخرجنا بهذه النتيجة: أنّ الإجماعات المنقولة المتعارضة غير مفيدة بالنسبة إلى المسبب، للتعارض، وأمّا بالنسبة إلى السبب، فهو وإن كان مفيداً في إثبات السبب، أي فتوى جماعة، لكنّها غير مؤثرة في اقتناص قول الإمام لعدم الملازمة بين فتوى جماعة وقول المعصوم، إلاّإذا كان في أحد النقلين خصوصية فهو لا يعلم إلاّذكر أسماء المفتين تفصيلاً.

الرابع: نقل التواتر بخبر الواحد

الخبر المتواتر: عبارة عن إخبار جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب، ويؤمن من خطئهم .
فإذا نقل الشيخ الطوسي وقال: ثبت بالتواتر «انّ المرأة لا ترث من العقار». فيقع الكلام تارة في ثبوت المسبب، أي قول المعصوم; وأُخرى في ثبوت صفة التواتر إذا ترتب عليه الأثر، كما إذا نذر أن يحفظ كلّ خبر متواتر أو يكتبه، والثاني هو الذي أسماه المحقّق الخراساني بالسبب فإليك البيان:
أمّا المسبب، أي قول المعصوم، فلا، إذ غاية ما ثبت بخبر الواحد أنّ جماعة أخبروا بكذا، وليس قول المعصوم من لوازم إخبار الجماعة الثابتة بخبر الواحد .
وإن شئت قلت: إنّ المخبر به من لوازم التواتر الواقعي لا التواتر الثابت عند الناقل، والثابت بالخبر الواحد هو الثاني لا الأوّل.
نعم لو أخبر بالعدد، على وجه يكون ملازماً للمخبر به لو سمع منهم بلا واسطة كأن يقول: أخبر مائة شخص أنّ الإمام قال: «لا ترث المرأة من العقار» كان اللازم من قبوله، الحكمَ بوجود إخبار الجماعة، فيثبت المسبب وهو قول الإمام، وهذا هو المستفاد من كلام الشيخ، وإليه يشير المحقّق الخراساني بقوله: وانّه من حيث المسبب لابدّ في اعتباره من كون الإخبار به إخباراً على الإجمال

(187)
بمقدار (مائة شخص) يوجب قطع المنقول إليه بما أخبر لو علم به.
هذا كلّه حول المسبب.
وأمّا من حيث السبب، أي ثبوت صفة التواتر، وترتيب أثره عليه كما إذا نذر حفظ كلّ خبر متواتر أو تدوينه، فيختلف حسب اختلاف الموضوع.
فلو كان الموضوع ما ثبت بالتواتر إجمالاً، ولو عند الناقل، فيترتب عليه الأثر، وإلاّ فلو كان الموضوع ما تواتر عند المنقول إليه فلا يترتب عليه الأثر.
نعم أخبرنا بأسماء المخبرين على التفصيل، وكان دون التواتر فلو ضَمَّ ما توصل المنقول إليه بالتتبّع وبلغ حدّ التواتر، كان عليه ترتّب أثر التواتر حتى ولو كان الموضوع هو التواتر عند المنقول إليه.

الخامس: صحّة القراءة في الصلاة بالقراءات السبع

قد استفاض الحديث عن أئمّة أهل البيت بأنّ القرآن واحد نزل من عند واحد (1)، ولم يكن للنبي إلاّقراءة واحدة وهي القراءة الدارجة، التي رواها حفص عن عاصم عن علي ـ عليه السَّلام ـ ، لكن العلاّمة والشهيد ادعيا تواتر القراءات السبع، بل القراءات الثلاث الشاذّة، وعلى هذا فهل يجوز القراءة في الصلاة بغير القراءة المعروفة أو لا؟ يختلف الحكم جوازاً ومنعاً حسب اختلاف الموضوع.
فلو كان الحكم منوطاً بالقرآن المتواتر في الجملة ولو عند الناقل كالعلاّمة والشهيد، يجوز القراءة بكلّ من القراءات، وإن كان الموضوع هو القرآن المتواتر والثابت لدى المصلي أو عند مجتهده فلا يُـجـدي إخبار العلامة والشهيد بتواتر تلك القراءات إلاّإذا ثبت تواتره عند المنقول إليه أو مقلّده.

1 . الكافي: 2/630، كتاب فضل القرآن، برقم 12 ـ 13.

(188)

الحجج الشرعيّة

4
الشهرة الفتوائية

تنقسم الشهرة إلى روائية، وعمليّة، وفتوائية.
الشهرة الروائية عبارة عن: اشتهار نقل الرواية بين الرواة وأرباب الحديث ونقلها في الكتب، سواء عمل بها الفقهاء أم لم يعملوا.
والشهرة العملية عبارة عن: اشتهار العمل بالرواية والاستناد إليها في مقام الفتوى، كاستناد الفقهاء على النبوي: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» أو قوله اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «الناس مسلّطون على أموالهم» وإن لم يكونا منقولين في جوامعنا الحديثية، فكيف برواية نقلها الرواة وأرباب الحديث واستند إليها الفقهاء في مقام الفتوى، وسيوافيك أنّ الشهرة العمليّة جابرة لضعف الرواية، كما أنّ الإعراض عنها كاسر لصحّتها، والنسبة بين الشهرتين عموم وخصوص من وجه كما هو واضح.
والشهرة الفتوائية عبارة عن: مجرّد اشتهار الفتوى في مسألة، سواء لم تكن في المسألة رواية، أو كانت على خلاف الفتوى، أو على وفقها ولكن لم يكن الإفتاء مستنداً إليها، ولا تكون مثلها جابرة لضعف سند الرواية إلاّ إذا علم الاستناد، ولا كاسرة إلاّ إذا علم الإعراض.
فيقع الكلام في حجّية نفس الشهرة الفتوائية من غير فرق بين الشهرة الفتوائية بين القدماء أو بين المتأخرين.
واستدل على الحجّية بوجوه ضعيفة ذكرها الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني.

(189)

الأوّل: الاستدلال بالأَولوية القطعية

إنّ المناط في حجّية خبر الواحد، كونه مفيداً للظن بالحكم، وهو موجود في الشهرة الفتوائية بوجه أقوى. وأجاب عنه المحقّق الخراساني بوجهين:
1. القطع بكون المناط هو إفادته الظن غير حاصل، غاية الأمر الظن بكون المناط هو إفادته الظن فتكون الأَولوية ظنية لا قطعية.
2. القطع بأنّه ليس بمناط، لكونه حجّة سواء أفاد الظن أم لا، والشاهد عليه حجّيته وإن لم يفد الظن الشخصي .
فإن قلت: الخبر الواحد حجّة لإفادته الظن النوعي والملاك هو هذا.
قلت: لو كان هذا هو المناط يهدم الاستدلال، لأنّ الشهرة الفتوائية لو كانت حجّة فإنّما هي حجّة من باب الظن الشخصي فيكون المناطان متغايرين.

الثاني: تعليل آية النبأ

علل سبحانه المنع عن العمل بخبر الفاسق أنّ الاعتماد على قوله :يعد جهالة بمعنى السفاهة، والاعتماد على الشهرة ليست كذلك.
يلاحظ عليه: أنّ منطوق الآية هو عدم جواز العمل بكلّ ما يعد سفاهة، لا جواز العمل بكلّ ما لا يعد كما هو واضح، وإلاّ يكون التعليل حجّة لكلّ ظنّ لم يكن العمل به سفاهة.

الثالث: دلالة المقبولة

سأل عمر بن حنظلة أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن اختلاف القضاة؟ فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما

(190)
يحكم به الآخر».
قال: فقلت: فانّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه، قال: فقال: «ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمعَ عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فانّ المجمع عليه لا ريب فيه. إنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيُتّبع،وأمر بيّن غيّه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى اللّه وإلى رسوله».(1)
هذه هي المقبولة التي تلقّاها الأصحاب بالقبول، ولكن المشايخ العظام لم يعطوا للرواية حقّها، مثلاً انّ المحقّق الخراساني ضعّف الاستدلال بالرواية بأنّ المراد من الموصول في قوله: «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا» هو الرواية فلا صلة لها بالشهرة الفتوائية، والمحقّق النائيني، وإنْ ذكر وجه الاستدلال بوجه مطلوب، لكن أورد عليه بما لا يرد عليه.
وبما انّ المورد من المباحث الهامّة في الفقه، نوضح مفاد الرواية، وسيوافيك انّه يستفاد منها أُمور أربعة:
1. انّ الشهرة العملية ليست من المرجّحات، بل من مميّزات الحجّة عن اللاحجّة.
2. انّ الشهرة العملية جابرة لضعف الرواية إذا علم الاستناد إليها في الفتوى.
3. انّ الشهرة العملية على خلاف الرواية كاسرة لصحّتها إذا أُحرز الإعراض.

1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1; ثمّ قال: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قالعليه السَّلام : «ينظر إلى ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامة فيؤخذ به». وليكن الذيل ببالك يفيد في المستقبل.

(191)
4. انّ الشهرة الفتوائية في الفقه المنصوص بين القدماء حجّة في الفقه، نعم ليس للشهرة الفتوائية قيمة في المسائل التفريعية بين المتأخرين، وإليك بيان الأُمور الأربعة.
إنّ استفادة الأُمور المذكورة تتوقف على بيان أُمور ثلاثة:
1. انّ المراد من «المجمع عليه» ليس ما اتّفق الكلّ على روايته، بل المراد ما اشتهرتْ روايتُه بين الأصحاب، في مقابل الشاذّالذي ليس كذلك، ويدل على ذلك قول الإمام ـ عليه السَّلام ـ : «يُترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك».
2. المراد من اشتهار الرواية بين الأصحاب، هو اشتهارها مع العمل بها والإفتاء بمضمونها، إذ هو الذي يصلح لأن يكون ممّا لا ريب فيه، وإلاّ فلو رووها ولم يعملوا بمضمونها، بل أفتوا على خلافه، ففي مثلها كلّ الريب.
وأمّا إفادة المحقّق الخراساني من أنّ المراد من «ما» الموصولة هو الرواية ولا يعم الإفتاء وإن كان صحيحاً، لكن المراد الرواية التي عملوا بها وأفتوا بمضمونها، وأمّا حجّية مجرّد الإفتاء فسيوافيك.
3. المراد كون المجمع عليه «ممّا لا ريب» هو نفي الريب على وجه الإطلاق كقوله سبحانه :(ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ)(1)، بشهادة أنّ النكرة وقعت في سياق النفي وهو يفيد العموم، وإذا كانت الرواية المشهورة المعمول بها ممّا لا ريب فيه، تكون الرواية الشاذة المعرض عنها، ممّا لا ريب في بطلانها، وذلك بحكم العقل لا بالدلالة اللفظية، فانّه إذا كان أحد طرفي القضية ممّا لا ريب في صحّته وقطعَ الإنسان بصحّته يكون الطرف الآخر مقطوع البطلان، وإلاّ يلزم اجتماع اليقين بالصحّة، مع الشكّ فيها، مثلاً إذا كانت عدالة زيد ممّا لا ريب فيها، يكون مخالفها ـ فسقه ـ ممّا لا ريب في بطلانه.

1 . البقرة:2.

(192)
ومن ذلك يعلم أنّ المشهور داخل في القسم الأوّل من التثليث الوارد في الحديث أيْ بيّن الرشد، والخبر الشاذ داخلاً في القسم الثاني أيْ بيّن الغي، لا في القسم الثالث أيْ مشكل يرد حكمه إلى اللّه ورسوله.
إذا عرفت هذه المقدمات الثلاث فاعلم أنّه يترتّب عليه أُمور أربعة:

1. الشهرة العملية من مميزات الحجّة عن اللاحجّة

إنّ الأُصوليين يذكرون الشهرة العمليّة من المرجّحات،ومعنى ذلك أنّ المشهور المفتى به، والشاذ المعرض عنه، حجّتان لكن تُرجّح إحداهما على الأُخرى بالشهرة، غير أنّ كونها مرجّحة مبنيّة على افتراض حجّية كلا الخبرين في حدّ نفسهما، لولا التعارض، ولكن المقام ليس كذلك، لأنّ الشاذ إذا كان ممّا لا ريب في بطلانه، وكان داخلاً في بيّن الغي، لا يكون حجّة سواء كان هناك معارض أو لا، وفي صورة المعارضة، يكون الحجّة هو المجمع عليه، المفتى به، دون الشاذ، وعلى ذلك تكون الشهرة العملية من مميزات الحجّة عن اللاحجة، لا من مرجّحاتهما.

2. الشهرة العملية جابرة لضعف الرواية

إنّ مورد المقبولة فيما إذا كانت الرواية المشهورة المفتى بها صحيحة سنداً، وقد عرفت أنّها تقدّم على الشاذ المعرض عنه، وإن كان صحيح السند.
ولو افترضنا، كون المشهورة ضعيفة السند ـ سواء أكان له معارض شاذ أم لاـ فهل عمل المشهور، يجبر ضعف السند؟ الظاهر ذلك، لما سيوافيك من أنّ ما هو الحجّة في باب الروايات، ليس قول الثقة، بل الخبر الموثوق بصدوره، وحجّية قول الثقة لأجل كون وثاقته أمارة على صدوره من الإمام، ولا شكّ انّ عمل

(193)
الأكابر بالرواية في عصر الحضور أو بعده في عصر الغيبة يورث الوثوق بصدورها.
وهذا المقدار كاف في شمول دليل حجّية خبر الواحد له، نعم المراد هو عمل القدماء بالرواية، المورِث للوثوق بصدور الرواية، ولا عبرة بعمل المتأخرين، إذ لا يتميزون علينا بشيء.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ممّن لا يرى عمل المشهور جابراً لضعف الرواية، فخالف في المقام واعترض بأمرين: أحدهما يرجع إلى الكبرى وهي كون العمل جابراً، والآخر إلى الصغرى وهي استناد المشهور إلى الخبر.
أمّا الأوّل: فقال ما هذا حاصله: إذا كان الخبر الضعيف غير حجّة في نفسه على الفرض، وكذلك فتوى المشهور غير حجّة على الفرض، يكون المقام من قبيل انضمام غير الحجّة إلى غير الحجّة فلا يوجب الحجّة، فانّ انضمام العدم إلى العدم لا ينتج إلا العدم.(1)
يلاحظ عليه: أنّ أساس منع الكبرى هو تصور انّ الموضوع للحجّية هو قول الثقة فرتّب عليه انّ عمل المشهور لا يثبت وثاقة الراوي، ولكن الأساس ممنوع، لأنّ ما هو الحجّة حسب سيرة العقلاء هو الخبر الموثوق بصدوره، وحجّية قول الثقة لأجل أنّوثاقته أمارة على صدق الخبر وصدوره من الإمام، ومنه يظهر ضعف ما أفاده، من أنّ كلا من الخبر والشهرة الفتوائية ليس بحجّة، فأشبه بضم العدم إلى العدم، وذلك لأنّ كلّ واحد وإن لم يكن مورِثاً للوثوق بالصدور، لكن بعد ضمِّ أحدهما إلى الآخر، يحصل الوثوق المؤكّد كما لا يخفى.
أمّا الثاني: أي إحراز استناد الفقهاء إلى الرواية فقد قال: إنّه أشكل، وذلك لأنّ القدماء لم يتعرضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم إلى الخبر الضعيف. والمتعرّض للاستدلال هو الشيخ الطوسي دون من تقدّمه.(2)

1 . مصباح الأُصول:2/202.
2 . مصباح الأُصول:2/202.

(194)
يلاحظ عليه: أنّ للقدماء لونين من التأليف: أحدهما بصورة الفقه المنصوص، والآخر بصورة الفقه المستنبط، وكان أساس الأوّل هو تجريد المتون عن الأسانيد والإفتاء بنفس الرواية أو بمضمون قريب منه، وإذا تضافرت فتاوى تلك الطبقة في مسألة على عبارة موجودة في الخبر الضعيف يستكشف اعتمادهم في مقام الإفتاء على ذاك الحديث، ومن هذا القسم، كتاب الشرائع لعلي بن بابويه(المتوفّى عام 329هـ) وكتاب المقنع والهداية لولده الصدوق (المتوفّى عام 381هـ)، والمقنعة للمفيد (المتوفّى 413هـ) والنهاية للشيخ الطوسي (المتوفّـى 460هـ) وكتاب التكليف للشلمغاني (المتوفّـى 323هـ) ولعلّ هو نفس كتاب فقه الرضا، فإنّ تضافر هؤلاء على الإفتاء بنص الحديث أو بمضمونه، يورث الاطمئنان بوثوقهم بالحديث من طرق مختلفة.
وأمّا اللون الآخر من التأليف فهو خارج عن محطّ بحثنا، ومنه كتاب الإيضاح للفضل بن شاذان، وكتب ابن جنيد، والناصريات والانتصار للسيد، والمبسوط للشيخ.
هذا كلّه حول الأمر الثاني ـ كون الشهرة الفتوائية جابراً لضعف الرواية ـ وإليك الكلام في الأمر الثالث.

3. إعراض المشهور عن الرواية كاسر لحجّيتها

إنّ إعراض المشهور عن الرواية مسقط لها عن الحجّية ـ وإن كان السند صحيحاً ـ سواء كان في مقابله خبر معارض أو لا، لكونه مصداق الشاذ النادر الذي لا ريب في بطلانه، ومورد المقبولة وإن كان هو صورة التعارض، ولكن المورد ليس بمخصص، والموضوع هو الشذوذ وعدم اعتداد الأصحاب بها، من غير فرق بين وجود معارض له أو لا.

(195)
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي اعترض عليه كما اعترض على الأمر السابق وقال: إذا كان الخبر الصحيح أو الموثق مورداً لقيام السيرة ومشمولاً لإطلاق الأدلّة اللفظية فلا وجه لرفع اليد عنه لإعراض المشهور عنه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الدليل الوحيد على حجّية الخبر الواحد هو السيرة العقلائية، وأمّا غيرها فإمّا إرشاد إليها أو بيان للصغرى أي أنّ الراوي ثقة، ففي مثل المقام الذي تسالم الأكابر على الإفتاء على خلاف الحديث مع كونه بمرأى ومسمع منهم يتوقف العقلاء من العمل به.
أضف إلى ذلك أنّ المستفاد من المقبولة أنّ الخبر الشاذ ممّا لا ريب في بطلانه، ومعه كيف يمكن الاعتماد عليه؟!

4. الشهرة الفتوائية المجرّدة عن الرواية حجّة

هذا هو بيت القصيد والغرض المهم الذي عقدنا الباب لبيانه فنقول:
المسائل المشهورة بين الفقهاء على قسمين:

1. المسائل التفريعية أو الفقه المستنبط

وهي المسائل التي لم يرد فيها نصّ وإنّما استنبط حكمها الفقهاء من القواعد والضوابط، كالشهرة المتحققة في جواز الصلاة في اللباس المشكوك، فانّه من الفقه المستنبط، والشهرة حصلت من عصر السيد المجدد الشيرازي، بعد ما كان عدم الجواز مشهوراً، والشهرة وعدمها في هذه المسائل سيّان، وليس على الفقيه إلاّ ملاحظة نفس الدليل سواء أكانت هناك شهرة أم لا.

1 . مصباح الأُصول:2/203.

(196)

2. المسائل المتلقاة عن الأئمة

التي يعبّر عنها بالفقه المنصوص، وأمّا تمييز أحدهما عن الآخر، فيحصل بالرجوع إلى كثير من الكتب التي أُلّفت في الغيبة الصغرى، وأوائل الغيبة الكبرى حيث صار الدارج هو، تجريد المتون عن الأسانيد والإفتاء بلفظ النص، أو قريب منها.
فإذا وقفنا من القدماء على فتوىً في مسألة، ولم نجد له دليلاً من السنّة، كشف ذلك عن أحد الأمرين على وجه مانعة الخلو :
أ: كون الحكم واصلاً إليهم يداً بيد من عصر الأئمّة إلى زمانهم، وكان الحكم المشهور بين أصحاب الأئمّة ومن بعدهم هو ما ورد في الكتب المعدة للفقه المنصوص وإن لم نجد النصّ، وهذا هو الذي اختاره سيدنا الأُستاذ قدَّس سرَّه .
ب: أو كاشفاً عن وجود نصّ وصل إليهم ولم يصل إلينا، وعلى هذا الوجه تدخل الشهرة الفتوائية في عداد الشهرة العملية لافتراض كشفها عن النص المعمول به عند القدماء.
والذي يؤيّد ما ذكرناه أمران:
1. انّ في الفقه الإمامي مسائل كثيرة اتّفقت كلمة الفقهاء فيها على حكم ليس له دليل من الكتاب والسنّة سوى تسالم الأصحاب، وكان السيد المحقّق البروجردي ينهيها إلى تسعين، ولكنّه قدَّس سرَّه لم يعيّن مواردها غير انّ المظنون أنّ قسماً وافراً منها يرجع إلى باب المواريث والفرائض، ولو حذفنا الشهرة، لأصبحت المسائل فتاوى فارغة عن الدليل.
2. انّ الظاهر من بعض الروايات أنّ أصحاب الأئمّة كانوا يعملون بالشهرة الفتوائية، بل كانوا يقدّمونها على ما سمعوه من الإمام شفهياً، وها نحن نذكر هنا نموذجين ليقف القارئ على مدى اعتمادهم عليها:

(197)
أ: روى سلمة بن محرز قال:قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ رجلاً مات وأوصى إلي بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: «إعطها النصف»، قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي:اتقاك، إنّما المال لها، قال: فدخلت عليه بعد، فقلت: أصلحك اللّه! إنّ أصحابنا زعموا انّك اتقيتني؟فقال: «لا واللّه ما اتّقيتك، ولكنّي اتّقيت عليك أن تضمن، فهل علم بذلك أحد؟» قلت: لا، قال: «فاعطها ما بقي».(1)
ترى انّ الشهرة الفتوائية بلغت من حيث القدر والمنزلة عند الراوي إلى درجة منعته عن العمل بنفس الكلام الذي سمعه من الإمام فتوقف حتى رجع إلى الإمام ثانياً.
وربّما كانوا لا يتوقفون عن العمل ويقدّمون المشهورة على المسموع من نفس الإمام شخصيّاً.
ب: روى عبد اللّه بن محرز بيّاع القلانص قال: أوصى إلي رجل وترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم، وترك ابنة، وقال: لي عصبة بالشام، فسألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن ذلك، فقال: «اعط الابنة النصف، والعصبة النصف الآخر»، فلما قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا فقالوا: اتقاك، فأعطيت الابنة النصف الآخر، ثمّ حججت فلقيت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ فأخبرته بما قال أصحابنا وأخبرته انّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة، فقال: «أحسنت، إنّما أفتيتك مخافة العصبة عليك».(2)
وعلى ضوء هذه الأحاديث تعرف مكانة الشهرة الفتوائية، عند أصحاب الأئمّة، ومعه لا يصحّ لفقيه الإعراض عن الشهرة للأصل أو الرواية الشاذة.
فتبين أنّ الشهرة الفتوائية في المسائل المتلقاة(وإن شئت سمّه الفقه المنصوص) داخلة في مفاد المقبولة لو قلنا بكشفها عن الخبر(المعمول به) أو

1 . الوسائل: ج17، الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 3.
2 . المصدر نفسه، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 4.

(198)
مناطها (لو قلنا بكشفها عن وجود الشهرة عند أصحابهم) وأنّ سيرة أصحاب الأئمّة جرت على الاعتناء بها، فمثل هذه الشهرة إن لم تكن صالحة للإفتاء على طبقها، لكنّها صالحة للاحتياط وعدم الإفتاء بشيء أو الإفتاء بالاحتياط.
وهناك كلمة قيّمة لبطل الفقه الشيخ المفيد (336ـ 413هـ) وهو يعرف لنا مكانة الشهرة، يجب على من يفتى بكلّ خبر، ولا يراعى ضوابط حجّيته، أن يطالعها ويتدبر فيها ونحن نأتي ببعضها:
قال: إنّ المكذوب منها لا ينتشر بكثرة الأسانيد، انتشار الصحيح المصدوق على الأئمّة عليهم السَّلام فيه، وما خرج للتقية لا تكثر روايته عنهم، كما تكثر رواية المعمول به،بل لابدّ من الرجحان في أحد الطرفين على الآخر من جهة الرواة حسب ما ذكرته.
ولم تجمع العصابة على شيء كان الحكم فيه تقيّة، ولا شيء دُلِّس فيه ووُضِع مخروصاً عليهم وكذّب في إضافته إليهم، فإذا وجدنا أحد الحديثين متّفقاً على العمل به دون الآخر، علمنا أنّ الذي اتّفق على العمل به هو الحقّ في ظاهره وباطنه، وأنّ الآخر غير معمول به، امّا للقول فيه على وجه التقية، أو لوقوع الكذب فيه.
وإذا وجدنا حديثاً يرويه عشرة من أصحاب الأئمّة عليهم السَّلام يخالفه حديث آخر في لفظه ومعناه، ولا يصحّ الجمع بينهما على حال، رواه اثنان أو ثلاثة، قضينا بما رواه العشرة ونحوهم على الحديث الذي رواه الاثنان أو الثلاثة، وحملنا ما رواه القليل على وجه التقيّة أو توهّم ناقله.(1)

1 . تصحيح الاعتقاد: 71،ط تبريز.

(199)

الحجج الشرعية

5
في حجّية الخبر الواحد

قبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:
الأوّل: البحث عن حجّية الخبر الواحد من أهمّ المسائل الأُصولية التي يدور عليها استنباط أكثر الأحكام الشرعية، لأنّ الخبر المتواتر والمحفوف بالقرينة، قليل جداً لا تفي بمعظم الفقه، ولو اقتصر عليهما ، فلابد من العمل بالظن المطلق لدليل الانسداد، ولأجل ذلك أخذت المسألة لنفسها أهمية خاصة بين الأُصوليين.
الثاني: انّ الاحتجاج بالخبر الواحد يتوقّف على ثبوت أُمور أربعة:
أ: أصل الصدور.
ب: أصل الظهور.
ج: حجّية الظهور.
د: جهة الصدور.
أمّا الثاني: فيثبت بما تثبت به الأوضاع اللغوية ـ كالتبادر وغيره ـ والقرائن العامّة.
وأمّا الثالث: فقد مرّت حجّية الظواهر، عند العقلاء وإمضاء الشرع له.
وأمّا الرابع : فيثبت بالأصل العقلائي، وأنّ الأصل في إلقاء الكلام هو بيان

(200)
المراد الجدي، وأنّ حمل الكلام على غيره كالتقية وغيرها يحتاج إلى دليل.
بقي الكلام في الأمر الأوّل فهذا ما يتكفله هذا الفصل من إقامة الدليل على حجّية الخبر الواحد.
الثالث: اختلفت كلمتهم في أنّ البحث عن حجّية الخبر الواحد، بحث أُصولي ومن مسائل علم الأُصول أوبحث استطرادي؟
ذهب المحقّق القمي إلى الثاني محتجّاً بأنّ الموضوع لعلم الأُصول هو الأدلّة الأربعة بقيد الدليلية، والمسألة عبارة عمّا يبحث عن العوارض الذاتية لموضوع العلم، وعليه البحث عن حجّية الخبر الواحد وانّه هل هو دليل شرعي أو لا، بحث عن وصف موضوع العلم أو جزئه.
ثمّ إنّ المتأخرين عنه ردّوا عليه وقالوا: إنّ البحث عن حجّية الخبر الواحد، بحث عن عوارض الموضوع، لكن بمحاولات مختلفة مذكورة في الفرائد والكفاية وغيرهما، وإليك بيانها:
أ: ذهب صاحب الفصول إلى أنّ الموضوع ليس الأدلّة الأربعة بقيد الدليلية، بل الموضوع ذات الأدلّة الأربعة بما هي هي، والبحث عن الدليلية، من عوارض الموضوع (السنّة). وقد وصفه الشيخ بالتجشم والتكلّف، ولعلّه للملاحظة التالية.
يلاحظ عليه: أنّ الأدلّة الأربعة عبارة عن الكتاب والسنّة والعقل والإجماع، فلو كان البحث عن حجّية المحكي أي السنة الشاملة لقول المعصوم وفعله وتقريره يكون البحث عندئذ كلامياً لا أُصولياً، وإن كان البحث عن حجّية الحاكي فهو ليس من الأدلّة الأربعة.
ب: ما ذهب إليه الشيخ من أنّ الموضوع هو الأدلّة الأربعة بقيد الدليلية، لكن جهة البحث عبارة عن ثبوت السنّة أعني قول الحجّة أو فعله أو تقريره (المسلم وجودها) بخبر الواحد وعدمه، فيقال: هل السنّة (المحكية) تثبت بخبر

(201)
الواحد أو لا تثبت إلاّ بما يفيد القطع من التواتر والقرينة؟(1)
وقد أورد عليه المحقّق الخراساني في المقدمة الأُولى من مقدّمات علم الأُصول وفي المقام، إشكالين:
1. انّ البحث عن ثبوتها به وعدمه خلاف عنوان المسألة في الكتب الأُصولية فانّ عنوانها هو حجّية الخبر الواحد، لا ثبوت السنة بخبر الواحد.
2. انّ المراد من الثبوت في كلامه هو الثبوت التعبّدي، وهو من عوارض الخبر الحاكي، لا المحكي الذي هو الموضوع، بداهة أنّ معناه هل للخبر الواحد هذا الشأن أو لا؟ فلو كان حجّة، ثبت له هذا الشأن وإلاّ فلا.(2)
ج: ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ مردّ البحث عن حجّية الخبر الواحد إلى أنّ مؤدى الخبر هل هو من السنة أو لا؟
وإن شئت قلت: إنّ البحث إنّما هو عن انطباق السنّة على مؤدّى الخبر وعدم الانطباق، وهذا لا يرجع إلى البحث عن وجود السنة، وعدمها.
يلاحظ عليه: أنّه مجرّد تغيير في العبارة، فانّ مرجع البحث عن الانطباق وعدمه، هو وجود السنّة في المقام أو لا، وهو بحث عن أصل الموضوع لا عن عوارضه، وبتعبير آخر: هو عين البحث عن وجودها في ضمن هذا الفرد وهويته أولا.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني قد تخلّص من الإشكال بأنّ الميزان في المسألة الأُصولية ليس هو البحث عن عوارض الأدلّة الأربعة، بل تكفي صحّة وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط، ولو لم يكن البحث فيها عن الأدلّة الأربعة.

1 . الفرائد:67، طبعة رحمة اللّه.
2 . فوائد الأُصول: قسم التعليقة:157.

(202)
وقد مرّ ما هو الحقّ عندنا في مقدّمات علم الأُصول، فلاحظ.
الرابع: الظاهر من غير واحد من قدماء الأصحاب عدم ورود الدليل على جواز العمل بخبر الواحد وصرح به المرتضى في الذريعة،(1) وابن إدريس في السرائر في مواضع كثيرة، ونقل عن القاضي ابن البراج والطوسي. وأمّا الشيخ الطوسي فقال بحجيته، إجمالاً، ولكن اختلفت كلماته في كتاب العدّة في تحديدها إلى أقوال أربعة:
1. حجّية قول الثقة، والمراد منها هو العادل.
2. حجّية غير المطعون من أصحابنا، فيعم الثقة والممدوح والمهمل.
3. حجّية قول الفاسق أيضاً إذا كان متحرزاً عن الكذب، قائلاً بأنّ الفسق بالجوارح يمنع عن قبول الشهادة وليس بمانع عن قبول خبره.
4. حجّية ما يرويه المتهمون المضعَّفون إذا كان هناك ما يعضد روايتهم ويدل على صحّتها وإلاّ وجب التوقف.(2)
إلاّ أنّ المعروف بين المتأخرين هو الحجّية، ولعلّ النزاع بين المتقدمين والمتأخّرين أشبه باللفظي، فالجميع يعملون بما دوّن في الكتب الأربعة، غير انّ المتقدّمين يرون أكثرها مقرونة بالقرائن المفيدة للعلم فيعملون بها، والمتأخرون يقولون بحجّية أخبار الاخبار فيعملون بها.
إذا عرفت هذه المقدّمات فلنذكر دليل القائل بعدم الحجّية فقد استدلوا بوجوه.
***

1 . الذريعة: 2/529.
2 . لاحظ العدة: 1/336 ـ 367، طبعة مؤسسة آل البيت عليهم السَّلام .

(203)

أدلّة نفاة الحجّية

استدل النافي للحجّية بالأدلّة الثلاثة:
الأوّل: الآيات الناهية عن اتّباع الظنّ أوّلاً، وعن اقتفاء غير العلم ثانياً.
وذلك في ضمن آيات ثلاث:
الآية الأُولى: (إِنَّ الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ليُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى*وَمالَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَانَّ الظِّنَّ لا يُغْني مِنَ الْحَقّ شَيْئاً)(1) .والآية صريحة في عدم حجّية الظن في القول والعمل.
الآية الثانية: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنّ إِنَّ بَعْضَ الظِّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً).(2)
وجه الاستدلال: انّ النهي وإن كان عن كثير من الظنّ لا عن الجميع، وذلك بملاك انّ القليل منه على وفق الواقع، ولكن بما انّ الموافق والمخالف غير متميزين يلزم الاجتناب عن الجميع.
الآية الثالثة: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَوَالْبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسؤُولاً)(3). والآية جزء من الحِكَم الغُرّ التي أوحى اللّه بها إلى نبيّه وابتدأ بها بقوله: (وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّإِيّاهُ ) وختمها بقوله: (ذلِكَ مِمّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَة)(4). والعمل بخبر الثقة اقتفاء لما لا بعلم، والآية تشمل الأُصول والفروع وقد استشهد بها الإمام على حرمة استماع الغناء وغيره.

1 . النجم:27ـ 28.
2 . الحجرات:12.
3 . الإسراء:36.
4 . الإسراء:23ـ 39.

(204)

إجابة القائلين بالحجّية عن الاستدلال بالآيات

أجاب القائلون بالحجّية عن الاستدلال بها مثل الشيخ والمحقّق الخراساني بوجهين:
1. اختصاصها بالأُصول ولا يعمّ الفروع.
2. على فرض تسليم عمومها، تخصص بالأدلة الآتية الدالّة على حجّية قول الثقة.
يلاحظ عليه بوجهين: الأوّل: انّ الآية الأُولى وإن وردت في الأُصول والعقائد، والآية الثانية وردت في غير مورد الأحكام، لكن الآية الثالثة مطلقة تشمل الفروع، بشهادة أنّ الإمام استدل بها على حرمة استماع الغناء عند التخلّي.
الثاني: انّ مساق الآيات الثلاث مساقها الدعوة إلى الفطرة السليمة القاضية بعدم جواز القضاء في شيء إلاّ بعد التبيّن، وعليه لا يتم كلا الوجهين لأنّ مقتضى كونها إرشاداً لحكمها هو عدم الفرق بين الأُصول والفروع أوّلاً، وعدم قبولها للتخصيص ثانياً، فانّ الأحكام الفطرية لا تقبل التخصيص.
وبذلك ظهر عدم تمامية ما أفاده سيدنا الأُستاذ قدَّس سرَّه من التفصيل بين الآيتين الأُوليين والثالثة بعدم عمومية الأُوليين، دون الثالثة، فهي عامّة تعمّ الأُصول والفروع، لما عرفت من أنّ الأحكام الفطرية كالعقلية غير قابلة للتخصيص.
3. وهناك جواب ثالث يظهر من الرازي في تفسيره، وهو: انّه لو دلّت الآيات على عدم جواز التمسّك بالظن لدلت على عدم جواز التمسّك بنفسها فالقول بحجّيتها يقتضي نفيها، وهو غير جائز(1). وإليه يشير سيدنا الأُستاذ قدَّس سرَّه من أنّ دلالة الآية على الردع، من غير العلم ظنية لا قطعية فيلزم الأخذ بمدلولها،

1 . مفاتيح الغيب:20/210.

(205)
عدم جواز اتباعها لكون دلالتها بالفرض ظنية.
يلاحظ عليه: أنّ دلالة الظواهر على المعاني الاستعمالية قطعية، ولا يظهر في ذهن العقلاء أيّ تردد وشك، وقد تقدّم تفصيله
وهناك جواب رابع، وهو للمحقّق النائيني وهو: انّ نسبة الأدلّة الدالّة على جواز العمل بخبر الواحد ليست نسبة التخصيص بل نسبة الحكومة، فانّ تلك الأدلّة تقتضي إلقاء احتمال الخلاف وجعل الخبر محرِزاً للواقع، فيكون حاله حالَ العلم في عالم التشريع فلا يمكن أن تعمه الأدلّة الناهية عن العمل بالظن.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الدليل الواضح لحجّية الخبر الواحد، هو السيرة العقلائية وهي دليل لبي ليس له لسان، والحكومة أمر قائم باللسان.
أضف إلى ذلك أنّه ليس في الأدلّة اللفظية ما يدل على إلقاء احتمال الخلاف وجعل الخبر محرزاً للواقع.
وأمّا قوله ـ عليه السَّلام ـ : «العمري وابنه ثقتان، ما أديّا إليك عنّي، فعنّي يؤديان، فاسمع لهما وأطعهما فانّهما الثقتان المأمونان»(2) فإنّما سيق لبيان وثاقة الأب والابن، بقرينة ذيله: «الثقتان المأمونان» لا لأجل إلقاء احتمال الخلاف وتنزيل الظن منزلة العلم.
والتحقيق أن يقال: إنّ الظن يطلق ويراد منه معان مختلفة:
1. اليقين كقوله سبحانه: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِوالصَّلاةِ وَإِنّها لَكَبيرَةٌ إِلاّعَلى الْخاشِعين*الَّذينَ يَظُنُّونَ أَنّهُمْ مُلاقُوا رَبّهِمْ وَأَنّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُون)(3) والمراد منه بقرينة كونه وصفاً للخاشعين هو اليقين.

1 . فوائد الأُصول:3/161.
2 . الوسائل: الجزء18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.
3 . البقرة:45ـ 46.

(206)
2. الاطمئنان كقوله سبحانه: (وَعَلى الثَلاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَت وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أن لا مَلْجَأَ مِنَ اللّهِإِلاّإِلَيْهِ)(1) أي اطمأنّوا انّه لا حيلة إلاّ الرجوع إلى اللّه، ولأجل ذلك رجع اللّهإليهم بالرحمة كما قال تعالى: (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيم) .
3. ترجيح أحد الطرفين استناداً إلى الخرص والتخمين بلا دليل مثل قوله: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّيخْرُصُون).(2)
والمراد من الآيات الناهية عن اتباع الظن إنّما هو هذا النوع من الترجيح غير المعتمد على أصل صحيح بل مبنيّاً على الخرص والتخمين والخيال، ولأجل ذلك سمّوا الملائكة تسمية الأُنثى.
ويوضح ذلك قوله في سورة الحجرات: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظِّنِ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً)(3) حيث إنّ الرجل يسيء الظن بشخص، ثمّ يتصدى للتحقيق هل هو صحيح أو لا؟ فيتجسس، ثمّ يصل إلى ما ظن به فيغتابه.
وأين هذا النوع من الظن، من العمل بقول الثقة الذي لا يصدر عن الهوى، ولا عن الخرص والتخمين بل يرويه عن حسّ أو ما يقرب منه؟!
ولعمري انّ المشايخ ما أعطوا للآيات حقّها من الإمعان.

1 . التوبة:118.
2 . الأنعام:116.
3 . الحجرات:12.

(207)

الثاني: السنّة

استدل القائلون بعدم جواز العمل بخبر الواحد، بروايات اختلفت مضامينها وانقسمت إلى أصناف، لكنّهم استظهروا من المجموع دلالتها على عدم حجّيته، وأنّها وإن لم تكن متواترة لفظاً لكن القدر الجامع بين الجميع متواتر معنىً، وإليك رؤوس أصنافها:
الأوّل: ما يدل على لزوم الاكتفاء بما يعلم، وتدلُّ عليه رواية واحدة.
الثاني: ما يدل على حجّية ما وافق الكتاب والسنّة، وبهذا المضمون روايات خمس.
الثالث: ما يدل على عدم حجّية مخالف الكتاب، وبهذا المضمون رواية واحدة.
الرابع: ما يجمع بين الأمرين، يأمر بأخذ الموافق وطرح المخالف، وبهذا المضمون روايتان.
وقد بث الشيخ الحرّ العاملي هذه الروايات في الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، وإليك دراسة هذه الأصناف.
أمّا الصنف الأوّل: أعني ما يدل على الاقتصار بما يعلم، فقد رواه نضر الخثعمي قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «من عرف إنّا لا نقول إلاّحقاً فليكتف بما يعلم منّا، فإن سمع منّا خلاف ما يعلم فليعلم انّ ذلك دفاع منّا عنه».(1)
يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد توجيه الروايات الواردة على وفق التقيّة، وأنّ الإفتاء بها، لأجل صيانة دماء الشيعة عن الإراقة، فإذا سمع منه خلاف ذلك فليأخذ بما علم، مثلاً :إنّ مسح الرجلين من ضروريات الفقه الإمامي فإذا سمع

1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.

(208)
علي بن يقطين خلاف ذلك فليعلم أنّ التجويز لأجل صيانة دمه، وتفسره رواية أبي عبيدة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ،قال: قال لي: «يا زياد ما تقول لو افتينا رجلاً ممّن يتولاّنا بشيء من التقية؟» قال: قلت له: أنت أعلم جعلت فداك قال: «إن أخذ به فهو خير له وأعظم أجراً».(1)
وفي الرواية الأُولى احتمال آخر وهو كونها راجعة إلى الذموم الصادرة عن الأئمّة بالنسبة إلى أخلص أصحابه كزرارة، فما صدر إلاّلأجل صيانة دمه.
أمّا الصنف الثاني، أعني: ما يدل على حجّية الموافق للكتاب والسنّة، ويكفي في ذلك وجود شاهد من القرآن له فقط، فقد عرفت انّه ورد بهذا المضمون روايات خمس:
أ: ما رواه أيّوب بن راشد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف».(2)
ب: ما رواه أيّوب بن الحرّ قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول:« كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف».(3)
ج: مرسلة ابن أبي بكير، عن رجل، عن أبي جعفر ـ في حديث ـ قال: «إذا جاءكم عنّي حديث فوجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به وإلاّ فقفوا عنده».(4)
د:خبر جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ـ في حديث ـ «... فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردّوه.(5)
هـ: ما رواه سدير قال: قال أبو جعفر، وأبو عبد اللّه عليمها السَّلام : «لا يصدق علينا إلاّ ما وافق كتاب اللّه وسنّة نبيّه».(6)

1 . الوسائل: الجزء18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث:13، 14، 18، 37، 47.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث:13، 14، 18، 37، 47.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث:13، 14، 18، 37، 47.
5 . الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث:13، 14، 18، 37، 47.
6 . الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث:13، 14، 18، 37، 47.

(209)

يلاحظ على الاستدلال بهذه الروايات بوجهين:

1. إذا كانت هذه الروايات بصدد المنع عن العمل بخبر الواحد، كان التصريح بأصل المطلوب أسهل من دون أن يشرط موافقة الكتاب والسنّة، فاشتراط الموافقة يكشف عن عدم كون العمل مصبَّ البحث، ولو كان مصبُّه العمل بالخبر الواحد، كان اشتراط الموافقة لغواً، إذ مع الدلالة القرآنية لا حاجة إلى اخبار الأخبار، وأمّا ما هو مصب البحث فسيوافيك بيانه.
2. لا شكّ انّه صدر من أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام روايات كثيرة، في مختلف الأبواب في المعارف والعلوم الكونية والأخلاق والأحكام مالا يوصف بالمخالفة، وفي الوقت نفسه لا يوصف بالموافقة بهما أيضاً لعدم ورودها فيهما، فلابدّ أن يرجع شرطية الموافقة إلى شرطية عدم المخالفة، كما في الصنفين التاليين.
وأمّاالصنف الثالث: أعني: ما يدل على عدم حجّية المخالف، وبهذا المضمون رواية واحدة وهي:
مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «من خالف كتاب اللّه وسنّة محمد فقد كفر».(1)
يلاحظ عليه: أنّه لا صلة له بخبر الواحد، وانّه يركز على من أفتى بخلاف الكتاب فقد كفر، والبحث في المقام في الرواية لا في الإفتاء.
وأمّا الصنف الرابع: أعني: ما يجمع بين العنوانين، فيأمر بأخذ الموافق، وطرح المخالف، فقد ورد بهذا المضمون روايتان:
أ: ما رواه السكوني، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف

1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 16.

(210)
كتاب اللّه فدعوه».(1)
ب: ما رواه هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «خطب النبي بمنى فقال: أيّها النّاس ما جاءكم يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله».(2)
وبما انّك عرفت انّه لا يصح جعل الموافقة ملاكاً للقبول، فيكون المراد منه، ما لا يخالف.
هذه أُصول الروايات، وقد عرفت خروج الصنف الأوّل عن مصب البحث، وانّ مرجع اشتراط الموافقة في الصنف الثاني ـ بل مطلقاًـ إلى شرطية عدم المخالفة الواردة في الرابع.
وعلى ضوء هذا فقد تواترت الروايات معنىً على عدم حجّية الرواية المخالفة للكتاب والسنّة، ولكن المهم هو تبيين شأن ورود هذه الروايات، إذ كما أنّ للآيات شأن نزول هكذا للروايات أيضاً أسباب صدور وببيانه يعلم عدم صلتها بعدم حجّية الخبر الواحد.
إنّ الروايات الناهية عن العمل بالرواية المخالفة للقرآن والسنة ناظرة إلى أحد موردين:

أ. في تمييز الحجّة عن اللا حجّة

إنّ موضع هذه الروايات، هو صورة اختلاف الخبرين في المضمون، فيطرد المخالف ولو كان خاصّاً بالنسبة إلى عموم القرآن، ويؤخذ بالموافق، ويشهد لذلك لفيف من الروايات.

1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث10و 15 ويحتمل وحدة الروايتين.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث10و 15 ويحتمل وحدة الروايتين.

(211)
1. ما رواه عمر بن حنظلة: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهماالثقات عنكم؟ قال: «ينظر ممّا وافق حكمه حكم الكتاب والسنة».(1)
2. ما رواه ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به قال:« إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه».(2)
3. ما رواه الميثمي انّه سأل الرضا ـ عليه السَّلام ـ يوماً وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول اللّه في الشيء الواحد. فقال ـ عليه السَّلام ـ :«... ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوها على كتاب اللّه».(3)
4. ما رواه عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه قال: قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فردوه».(4)
5. ما رواه الحسن بن الجهم، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة فقال: «ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه عزّوجلّ وأحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منّا».(5)ورواه أيضاً عن العبد الصالح ـ عليه السَّلام ـ .(6)
فهذه الروايات المتضافرة تفسر مصب الروايات السالفة، وانّ النهي عن العمل بما خالف القرآن ناظر إلى صورة التعارض، لا صورة الانفراد، فالخبران المتعارضان، لو كان أحدهما خاصاً مخالفاً لعموم القرآن والآخر مدعماً به يؤخذ بالموافق، بخلاف ما إذا كان الأوّل وحده بلا معارض سواء لم يكن مخالفاً للكتاب أصلاً، أو كان مخالفاً بنحو الخصوص والعموم، فيخصص القرآن بخبر الواحد على رأي أكثر الأُصوليين.

1 . الوسائل: الجزء18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 11، 21.
2 . الوسائل: الجزء18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 11، 21.
3 . الوسائل: الجزء18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 11، 21.
4 . الوسائل:الجزء18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29، 40، 48.
5 . الوسائل:الجزء18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29، 40، 48.
6 . الوسائل:الجزء18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29، 40، 48.

(212)

ب: في مقامات الأئمّة ودرجات الأنبياء

إنّ ظاهرة الغلو بدت في عصر الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فنمت إلى أن بلغت الذروة في عصر الصادق والكاظم والرضا عليهم السَّلام ، فكان هناك أُناس يضعون الأحاديث في حقّ الأئمة إمّا تشويهاً لسمعة الأئمة حتى ينفضّ الناس من حولهم، بحجّة أنّهم يقولون خلاف القرآن والسنّة النبويّة، أو لغاية الاستئكال بالأحاديث حيث كانوا يملكون قلوب عوام الشيعة والسُّذّج منهم، بالغلو في حقّهم، وقد احتفلت كتب الملل والنحل بهذه الفرق كالخطابية، والنُّصيرية.
روى الكشي، قال يحيى بن عبد الحميد الجمالي ـ في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ـ: قلت لشريك: إنّ أقواماً يزعمون أنّ جعفر بن محمد ضعيف الحديث، فقال: أخبرك القصة، كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعاً، فاكتنفه قوم جهّال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون: حدّثنا جعفر ابن محمد، ويحدثون بأحاديث كلّها منكرات كذب موضوعة على جعفر ليستأكلون الناس بذلك، ويأخذون منهم الدراهم، كانوا يأتون من ذلك بكلّ منكر، فسمعت العوام بذلك منهم، فمنهم من هلك ومنهم من أنكر.(1)
وقد عالج الأئمّة هذه الظاهرة الخبيثة، بأمر الشيعة بعرض الروايات على القرآن فما وافق أُصول التوحيد بمراتبها والعدل، ومكانة الأئمة يؤخذ به، وما خالف فلا يؤخذ به، روى الكشي عن ابن سنان قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «انّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذّب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس».(2)

1 . البحار:25/302، الحديث 67.
2 . البحار:25/263، باب نفي الغلو، الحديث1.

(213)
والذي نلفت إليه نظر القارئ أنّ علماءَنا الأبرار قد بذلوا جهوداً جبارة في تهذيب الشيعة عن الموضوعات، ولذلك لا تجد رواية مخالفة للكتاب والسنّة على وجه التباين إلاّ النادر.

الدليل الثالث: الإجماع

ادّعى السيد المرتضى وغيره ـ من أعلام القدماء ـ عدم جواز العمل بخبر الواحد، وأنّه كالقياس من شعار الشيعة، وأكثر من ركز على ذلك، هو السيد المرتضى وابن إدريس.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ ادّعاء إجماع السيد، يتعارض مع ادّعاء الشيخ الإجماع على العمل به، يقول في العدّة: والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقّة، فانّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ودوّنوها في أُصولهم، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتى أنّواحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه سكتوا.(1)
وثانياً: أنّ عبارة السيد وإن كانت مطلقة، لكنّها ناظرة إلى الأخبار التي رواها المخالفون، وبذلك أوّل الشيخ كلام أُستاذه. حيث قال: فإن قيل كيف تدّعون الإجماع على الفرقة المحقة في العمل بخبر الواحد والمعلوم من حالها انّه لا ترى العمل بخبر الواحد، كما أنّ المعلوم من حالها انّها لا ترى العمل بالقياس؟
فأجاب: المعلوم من حالها الذي لا ينكر ولا يدفع أنّهم لا يرون العمل بخبر الواحد، الذي يرويه مخالفهم في الاعتقاد ويختصون بطريقه.(2)

1 . العدة:1/126.
2 . لاحظ العدة: 1/127ـ 128.

(214)

أدلّة القائلين بالحجّية

استدل القائلون بالحجّية، بالأدلة الأربعة.

فمن الكتاب:

الأُولى: آية النبأ
قال سبحانه:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين) .(1)
ذكر الطبرسي سبب نزولها وقال: نزلت الآية في الوليد بن عقبة، بعثه رسول اللّه في جباية صدقات بني المصطلق، فخرجوا يتلقّونه فرحاً به ـ وكانت بينه وبينهم عداوة في الجاهليـة ـ فظنّ أنّـهم همُّوا بقتله، فرجع إلى رسول اللّه وقال: إنّـهم مَنعُوا صدقاتهم، وكان الأمر بخلافه، فغضب النبي وهمَّ أن يغزوهم، فنزلت الآية.(2)
لكن الجزء الأخير من القصة، غير صحيح فليس النبي من المتسرعين في القضاء، ولو كان كذلك، لتوجه الخطاب إليه، مع أنّه توجّه إلى المؤمنين.
وهناك سؤالان:
وهو أنّ الوليد من أغصان الشجرة الخبيثة قد آمن ظاهراً عام الفتح كسائر الأمويين، وكانت غزوة بني المصطلق في العام السادس من الهجرة، فكيف بعثه النبي لجباية الصدقات؟!
والجواب كون الغزوة في العام السادس وإسلامهم فيه، لا يلازم كون البعث

1 . الحجرات:6.
2 . مجمع البيان:5/132.

(215)
في تلك السنة ولعلّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعثه بعد عام الفتح كما لا يخفى.
وقد نقل ابن عبد البر في الاستيعاب: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت انّ قوله عزّوجلّ: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ) نزلت في الوليد(1). وحكاه عنه ابن الأثير في أُسد الغابة(2). ويؤيده نزول قوله سبحانه: (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوون) .(3)
روى الطبرسي، عن ابن أبي ليلى نزل قوله: (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ)في علي بن أبي طالب ورجل من قريش، وقال غيره نزلت في علي بن أبي طالب وا لوليد بن عقبة، فالمؤمن علي والفاسق الوليد، وذلك انّه قال لعلي ـ عليه السَّلام ـ : أنا أبسط منك لساناً، وأحدُّ منك سناناً، فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : ليس كما تقول يا فاسق. قال قتادة: واللّه ما استووا لا في الدنيا ولا عند الموت ولا في الآخرة.(4)
روى الشارح المعتزلي أنّ حسان بن ثابت شاعر عصر الرسالة قد نظم الواقعة في بيتين:
أنزل اللّه والكتاب عزيز * في عليّ وفي الوليــد قرآنا
فتبوّا الوليد إذ ذاك فسقا * وعليّ مبــوء إيمــانـاً(5)
2. كيف بعثه النبي إلى جبايتها ، مع أنّه فاسق؟
والجواب انّ المانع من البعث هو الفسق الظاهري لا الخفي، ولعلّه لم يظهر

1 . الاستيعاب:2/620.
2 . أُسد الغابة: 5/90.
3 . السجدة:18.
4 . مجمع البيان:4/332 .
5 . شرح النهج:2/103.

(216)
منه إلى زمان البعث أي فسق، وكان فسقه مخفياً إلى أن أظهره القرآن الكريم.
وأمّا الاستدلال فتارة يستدل بمفهوم الوصف، وأُخرى بمفهوم الشرط، وإليك بيانهما.

الأوّل: الاستدلال بمفهوم الوصف بوجهين

1. إنّ قوله: فاسق، وصف لموصوف محذوف، أي مخبر فاسق، فالمخبر الموصوف بالفسق يجب تبيّن خبره، فيكون مفهومه انتفاؤه عند انتفاء الوصف، بمعنى كون المخبر عادلاً. وهذا سار في كلّ وصف لا ثالث له، كما في قوله: «في سائمة الغنم زكاة» فمعناه الغنم بقيد السائمة فيها زكاة، ويكون مفهومه، الغنم عند عدم كونها سائمة ليس فيها زكاة.
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ خلطَ بين كون القيد احترازيّاً، وكونه ذا مفهوم، ومفاد الأوّل هو مدخليته في الحكم مقابل القيد غير الاحترازي مثل(في حُجُوركُمْ)في قوله سبحانه:(وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي في حُجُورِكُمْ)(1) وأمّا كونه دخيلاً منحصراً لا يقوم مقامه شيء آخر، فلا يدل عليه.
فإن قلت: القائم مقامه هو المعلوفة، فلو كان كذلك، كان ذكر السائمة لغواً، إذ يعرف هذا من أنّ الزكاة لجنس الغنم، ولا مدخلية لأحد الوصفين فيه.
قلت: لا تلزم اللغوية، لاحتمال أن تكون القضية جواباً لسؤال السائل عن المعلوفة فجاء الجواب وفقاً للسؤال، وإن كان الحكم عاماً.
2. ما حقّقه الشيخ، وقال: إنّ لخبر الفاسق حيثيتين: إحداهما ذاتية وهي ما يكون وصفاً للخبر وهي كونه خبر الواحد، والأُخرى عرضية، أي ما يكون وصفاً للمخبر، ويوصف به الخبر أيضاً بالعناية، وتعليق التبين على العنوان العرضي دون

1 . النساء:23.

(217)
الذاتي المشترك بين خبر العادل والفاسق، يعرب عن كونه السبب للتبيّن دون مطلق الخبر،وإلاّ كان العدول عنه إلى العرضي غير بليغ.
يلاحظ عليه: أنّ البيان متين لو لم يكن للعدول وجه، وهو التصريح بفسق المخبر ورفع الغشاء عن وجهه القبيح.
ومن هنا يعلم أنّ الآية ليست بصدد جواز العمل بخبر العادل وعدمه، بل هي بصدد المنع عن العمل بخبر الفاسق.
فإن قلت: إنّ سيرة العقلاء على عدم العمل بقول من لا يثقون بقوله، والفاسق ممن يوثق بقوله، فما السرّفي هذا النهي؟
قلت: السرّهو التصريح بفسق الوليد وبيان الصغرى، وإن كانت الكبرى عندهم معلومة. هذا كلّه حول الاستدلال بمفهوم الوصف.
وممّا ذكرنا يعلم أنّ التقرير الثاني تقرير لمفهوم الوصف لا لمفهوم الشرط ،فما أفاده المحقّق النائيني من أنّه ينطبق على مفهوم الشرط غير ظاهر.

الثاني: التمسك بمفهوم الشرط

وقبل تقرير المفهوم، نذكر نكتة وهي أنّ حمل الجزاء على الموضوع على قسمين:
تارة يصحّ حمله عليه سواء أكان هناك شرط أو لا، كما إذا قال: زيد ـ إن سلّم ـ أكرمه. فإنّ حمل الجزاء صحيح سواء أسلم أم لا، غاية الأمر، خصّ الآمر الإكرام بإحدى الصورتين، وهو ما إذا سلّم.
وأُخرى لا يصحّ حمل الجزاء على الموضوع إلاّ مع وجود الشرط، بحيث لولاه لما صحّ حمله، كما إذا قال: الولد ـ إن رُزِقتَ به ـ فاختنه، أو زيد ـ إن ركب ـ فخذ ركابه، أو قال: الدرس ـ إذا قـرأتـه ـ فاحفظه. ففي هذه الموارد، يكون الشرط من

(218)
محققات ماموجودة بل كتاب الموضوع، بحيث ينتفي الموضوع بانتفائه.
والقضية الشرطية ذات المفهوم هو القسم الأوّل، الذي يصحّ حمل المشروط (الجزاء) على الموضوع سواء كان هناك شرط أو لا، لا القسم الثاني، بل يكون سلب الجزاء عندئذ لأجل عدم الموضوع، وهو ليس بمفهوم اصطلاحاً، وإلاّيلزم أن تكون جميع القضايا الحملية ذات مفهوم، إذا علمت هذا فاعلم:
انّ مفهوم الشرط في الآية يقرر على وجهين مبنيين على كون الموضوع ما هو؟ فهل الموضوع :
1. نبأ الفاسق ـ إذاجاء به ـ فيجب تبيّنه؟
أو الموضوع.
2. النبأ المفروض وجوده ـ إن جاء به الفاسق ـ يجب تبيّنه؟
فقرّره المشهور على الوجه الأوّل، وقرّر المحقّق الخراساني على الوجه الثاني.(1)
وإليك كلا التقريرين:

مفهوم الشرط على تقرير المشهور

إنّ تقرير المشهور مبنيّ على جعل الموضوع: نبأ الفاسق، والشرط: هو المجيئ، والجزاء: هو التبيّن والتثبت; فكأنّه قال: نبأ الفاسق، إن جاء به الفاسق، فتبيّنه ويكون مفهومه:
نبأ الفاسق ـ إن لم يجئ به ـ فلا تتبيّنه، لكنّ للشرط ـ عدم مجيئ الفاسق ـ مصداقين:

1 . فوائد الأُصول:3/169.

(219)
1. عدم مجيئ الفاسق والعادل به فيكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
2. مجيئ العادل به فيكون عدم التبيّن من قبيل السالبة بانتفاء المحمول، لأنّ النبأ موجود، والمنفي هو المحمول، أعني: التثبيت.
يلاحظ عليه: أنّ المفهوم عبارة عن سلب الحكم عن الموضوع الوارد في القضية، لا عن موضوع آخر لم يرد فيها، فالموضوع في الآية حسب الفرض، هو : نبأ الفاسق ، فالتثبّت عند المجيئ به وعدم التثبّت عند عدم المجيئ به، يجب أن يتوارد عليه لا على موضوع آخر كنبأ العادل الذي ليس منه ذكر في الآية، وعلى ذلك ينحصر مفهوم الآية بالصورة الأُولى، وهو عدم مجيئ الفاسق، من دون نظر إلى نبأ العادل، ومن المعلوم أنّ عدم التثبّت عند عدم مجيئه به، لأجل عدم الموضوع للتثبت.
وبعبارة أُخرى: انّ الإثبات والنفي لدى وجود الشرط وعدمه، يتواردان على الموضوع المذكور وهو «نبأ الفاسق » لا انّ الإثبـات ـ التبيّـن ـ يتـوارد على نبـأ الفاسق، والنفي ـ عدم التبينّ ـ يتوارد على موضوع آخر، وهو نبأ العادل.

مفهوم الشرط على تقرير الخراساني

لمّا وقف المحقّق الخراساني على الإشكال الوارد على تقرير المشهور، عدل عنه إلى تقرير آخر قال ما هذا نصّه: انّ تعليق الحكم بإيجاب التبيّن عن النبأ الذي جيئ به ـ على كون الجائي به الفاسق ـ يقتضي انتفاءه عند انتفائه.
توضيحه: انّ الموضوع هو النبأ المحقّق وجوده عبر الزمان، والشرط هو مجيئ الفاسق، والجزاء هو وجوب التبين،وعلى ذلك فليس مجيئ الفاسق به من محقّقات الموضوع، بل من حالاته، لافتراض أخذ النبأ على نحو القضية الحقيقية، فله حالتان:

(220)
1. مجيئ الفاسق به 2. عدم مجيئ الفاسق، ولكنّه يلازم مجيئ العادل به لافتراض أنّ الخبر محقّق الوجود، والجائي به إمّا فاسق أو عادل، فإذا لم يجئ به الفاسق، يكون الجائي به عادلاً قطعاً لعدم الشق الثاني.
يلاحظ عليه: أنّ الآية ليست بصدد بيان أحكام النبأ المطلق سواء أكان الجائي به الفاسق أو العادل فيختص التثبت بالأوّل دون الثاني، بل بصدد بيان حكم نبأ الفاسق بشهادة قوله: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ) أي فاسق يحمل نبأ فالنفي والإثبات يجب أن يتواردا على موضوع واحد وهو نبأ الفاسق.

تقرير ثالث لمفهوم الشرط في الآية

إنّ هنا تقريراً ثالثاً يقرب ممّا ذكره المحقّق الخراساني، وحاصله:
أنّ الشرط تارة يكون بسيطاً ويكون الجزاء في نفسه متوقفاً على الشرط، كما في قولك: إنْ رزقت ولداً فاختنه.
وأُخرى يكون مركّباً، ويكون الجزاء متوقفاً عقلاً على كليهما ، كما إذا قال: إن رزقت ولداً وكان ذكراً فاختنه.
وثالثة يكون متوقفاً على أحدهما دون الآخر، كما إذا قال: إن ركب الأمير ـ وكان يوم الجمعة ـ فخذ ركابه، فإنّ أخذ الركاب متوقف على الركوب عقلاً ولا يتوقف على كون ركوبه يوم الجمعة.
ومثله المقام فانّ التبيّن يتوقف على النبأ، ولا يتوقف عقلاً على الجزء الآخر أعني كون الآتي به فاسقاً، ومفاده عدم التبين عن النبأ عند انتفاء كون الآتي به فاسقاً.(1)

1 . مصباح الأُصول:2/159.

(221)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره تحليل عقلي صحيح في عالم الثبوت، ولكنّه على خلاف ظاهر الآية، لأنّها ليست بصدد بيان أحكام النبأ على وجه الإطلاق ليعلم بالمنطوق والمفهوم حكم كلا القسمين، بل هي بصدد بيان حكم موضوع واحد، وهو «نبأ الفاسق»، فالتبين عند المجيئ وعدمه عند عدم المجيئ، يتواردان على موضوع واحد، وهو قول الفاسق.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني سلّم أنّ الموضوع هو «نبأ الفاسق» لا مطلق النبأ، لكن حاول استفادة حكم نبأ العادل من طريق آخر، وهو: أنّ ظاهر الآية انحصار موضوع وجوب التبيّن في النبأ الذي جاء به الفاسق، فيقتضي انتفاء وجوب التبيّن عند انتفائه ووجود موضوع آخر، ثمّ أمر بالتدبّر.
ولعلّ وجه ما ذكره من ظهورها في انحصار وجوب التبيّن في نبأ الفاسق، هو ما أشار إليه تلميذه المحقّق العراقي : انّ وجوب التبيّن يناسب جهة فسق المخبر لعدم تحرّزه عن المعاصي، التي منها تعمّد كذبه، فوجب التبيّن عن حال خبره لئلا يقع المكلّف في خلاف الواقع، فتحصل له الندامة، وهذا بخلاف خبر العادل فانّه من جهة تورّعه عن محارم اللّه لا يقدم على التعمّد بالكذب، فاحتمال تعمّد كذبه منفي بعدالته.(1)
ثمّ إنّ الإشكال المزبور راجع إلى نفي الاقتضاء وانّه لا مفهوم للقضية الشرطية في الآية، وهناك إشكالات ترجع إلى إيجاد موانع بعد تسليم اقتضائه، ولم يذكر منها المحقّق الخراساني إلاّ إشكالاً واحداً، بخلاف الشيخ الأعظم فانّه أشار إلى إشكالات عديدة منها ونحن نقتفيه.

1 . نهاية الأفكار:3/107، للشيخ محمد تقي البروجردي تلميذ المحقّق العراقي.

(222)

الإشكال الأوّل: عموم التعليل مانع عن تمامية دلالة الآية

هذا الإشكال هو الذي نقله الشيخ الأعظم عن الشيخ الطوسي في عدّته بقوله: لا يمتنع ترك الخطاب (مفهوم المخالفة) لدليل والتعليل دليل.(1)
وحاصله: انّه لو سلمنا دلالة مفهوم الآية على قبول خبر العادل غير المفيد للعلم، لكن مقتضى عموم التعليل هو وجوب التبيّن في كلّ خبر لا يُؤمن من الوقوع في الندم من العمل، وإن كان المخبر عادلاً ، فيعارض المفهوم، والترجيح مع ظهور التعليل.(2)
وبتقرير آخر: انّ التعليل بإصابة القوم بالجهالة المشترك بين المفهوم والمنطوق قرينة على أنّ الآية فاقدة للمفهوم(3) ، والفرق بين التقريرين واضح، فالأوّل يركز على احتمال الندامة المشترك بين خبري العادل والفاسق، والثاني على صدق الجهالة بمعنى عدم العلم على الموردين.
وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه:

الوجه الأوّل:

ما أفاده الشيخ: من أنّ المراد من التبيّن ما يعم الظهور العرفي الحاصل من الاطمئنان الذي هو في مقابل الجهالة والاطمئنان منتف في خبر الفاسق دون العادل.

يلاحظ عليه بوجهين:

أوّلاً: أنّ تفسير التبين بالظهور العرفي لا يصدقه القرآن الكريم، فانّه

1 . الطوسي، العدة: 1/113.
2 . الفرائد: 71.
3 . كفاية الأُصول: 2/86.

(223)
استعمل فيه في الظهور الحقيقي:
1. كقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ في سَبيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنِ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمناً يَبتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا)(1) ومورد الآية إراقة الدماء، ولا يكتفى فيه بالوثوق والاطمئنان، بل لابدّ من العلم أو البيّنة.
2. وقال سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنّهُ الحَقّ)(2)أي يتبين أنّ القرآن حقّ بأجلى مظاهره.
3. وقوله سبحانه: (حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِالأَسْوَد مِنَ الْفَجْر).(3)
ثانياً: لو صحّ ما ذكره لدلّ منطوق التعليل على حجّية الخبر العادل، من دون حاجة إلى المفهوم، لأنّ الظهور العرفي بمعنى الاطمئنان موجود في خبر العادل قطعاً.

الوجه الثاني:

ما أجاب به المحقّق الخراساني: من أنّ الإشكال مبنيّ على أنّ الجهالة بمعنى عدم العلم، ولكنّه بمعنى السفاهة وفعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل، وهو غير موجود في خبر العدل.
فإن قلت: لو كان العمل بقول الفاسق عملاً سفهيّاً لما أقدم عليه أصحاب النبي وهم عقلاء.

1 . النساء:94.
2 . فصلت:53.
3 . البقرة:187.

(224)
قلت: إنّهم أقدموا على العمل بقوله غافلين عن فسقه، ولولا الغفلة لما ركنوا إلى قوله.
أقول: لا شكّ أنّ الجهالة تستعمل في معنى السفاهة، لكنّها في الآية ليست بهذا المعنى، بل هي فيها بمعنى عدم العلم بالواقع ضدّ التبيّن.
أمّاالأوّل: فقد استعملت في قوله سبحانه: (أَنّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَة ثُمَّ تابَ مِنْ بعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنّهُ غَفُورٌ رَحِيم)(1) وقال سبحانه: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَة ثُمَّ تابُوا مِنْ بعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيم)(2) وقال سبحانه: (إِنَّمَا التَّوبَةُ عَلى اللّهِ لِلَّذينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَة ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَريب)(3).
قال الراغب في المفردات: إنّ الجهل على ثلاثة أضرب: ثالثها فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يفعل.
وأمّا الثاني: فلأنّ الظاهر انّ الجهالة في الآية في مقابل التبيّن ، الذي هو إمّا بمعنى العلم القطعي كما قلناه، أو الاطمئنان، ويكون المراد من مقابله أعني الجهالة، ضدّهما، لا مقابل الحكمة.
الوجه الثالث: ما أجاب به المحقّق النائيني من أنّ المفهوم حاكم على التعليل، لأنّ أقصى ما يدل عليه التعليل عدم جواز العمل بما وراء العلم، والمفهوم يقتضي إلغاء احتمال الخلاف وجعل الخبر العادل محرِزاً للواقع وعلماً في مقابل التشريع، فلا يعقل أن يقع التعارض بينهما، لأنّ المحكوم لا يعارض الحكم ولو كان ظهوره أقوى.(4)

1 . الأنعام:54.
2 . النحل:119.
3 . النساء:17.
4 . فوائدالأُصول:3/172.

(225)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الحكومة عبارة عن نظارة أحد الدليلين إلى الدليل الآخر، وتكون نتيجتها تارة رفع حكم الدليل المحكوم بلسان رفع موضوعه، كما إذا قال: إذا شككت فابن على الأكثر، ثمّ قال: لا شكّ للإمام مع حفظ المأموم، أو بالعكس، فهو بلسانه ناظر إلى الدليل المحكوم، ويدل على أنّ شكّ الإمام أو المأموم مع حفظ الآخر خارج عن تحت الدليل الأوّل، لكن لا بنحو الإخراج عن الحكم ابتداء حتى يكون تخصيصاً، بل بنحو رفع الموضوع تعبداً لغاية رفع الحكم. وأُخرى بالتعرض لحالات الحكم المحكوم، كما إذا قال صاحب الشريعة: (ماجَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(1) ،فهو بلسانه متعرض لأحوال الأحكام الواردة في الشريعة، ويدل على أنّ الحكم إذا كان حرجياً فإطلاقه غير مجعول. وعلى كلّ تقدير الحكومة قائمة بلسان الدليل، والمفروض في المقام أنّ المفهوم فاقد للّسان، فكيف يكون حاكماً؟!
ثانياً: أنّ مفاد المفهوم على القول به، هو عدم وجوب التبيّن، وأين هو من إلغاء احتمال الخلاف، وكونه محرزاً للواقع وعلماً في مقام التشريع؟!
ثالثاً: أنّ ما ذكره يستلزم الدور، لأنّ انعقاد المفهوم وظهور القضية في المفهوم،فرع حاكميته على التعليل المزاحم لانعقاد المفهوم، وكون القضية ذات مفهوم وكونه حاكماً، فرع وجوده واشتمال القضية على المفهوم.
الوجه الرابع: انّ التعليل يختص بما إذا كان العمل بالخبر في معرض الندامة، وهو يلازم خبر الفاسق دون خبر العادل، والعادل وإن كان يخطأ،كالعلم القطعي لكنّهما ليسا في معرض الندامة، ولعلّ هذا الجواب أظهر.

1 . الحج:78.

(226)

الإشكال الثاني: خروج المورد عن المفهوم

ما أشار إليه الشيخ أيضاً، وهو انّ مفهوم الآية غير معمول به في الموضوعات الخارجية التي منها مورد الآية وهو إخبار الوليد بارتداد طائفة، ومن المعلوم انّه لا يكفي فيه خبر العادل فلا أقلّ من اعتبار العدلين، فلابدّ من طرح المفهوم لعدم جواز إخراج المورد.
وقد أجاب عنه الشيخ بانّه لا يلزم إخراج المورد، غاية الأمر يقيّد إطلاق المفهوم في مورد الموضوعات بضمّ عادل آخر إليه، فقول العادل حجّة مطلقاً،غاية الأمر إذا كان المخبَر به حكماً شرعياً يؤخذ بقوله، وإذا كان موضوعاً خارجياً، فليلتمس ضمُّ عادل إليه.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ليس جواباً عن الإشكال، بل هو تقرير له، وهو خروج المورد عن مفهوم الآية، وما ذكره ليس إلاّ تغييراً في التعبير، فانّ معنى قوله: «يقيد إطلاق المفهوم في مورد الموضوعات» عبارة أُخرى عن عدم حجّية المفهوم في مورد الآية وانّه لو كان المخبر أيضاً عادلاً لا يعمل به بل لابدّ من البيّنة.
وقد أجاب المحقّق النائيني عن الإشكال بوجه آخر، ولم يرتضه السيد الأُستاذ والجواب والإشكال مذكور في التهذيب، فلاحظ.(1)

الإشكال الثالث: اختصاصه بالموضوعات الخطيرة

والذي عندي في تفسير الآية من أوّلها إلى آخرها أمر وراء ما ذكره الأعاظم، وحاصله: أنّ الآية غير ناظرة إلى الخبر بما هو خبر، حتى نبحث عن المنطوق والمفهوم ونناقش ما يزاحم أصل المفهوم أو يعارضه، بل الموضوع في الآية هو النبأ

1 . تهذيب الأُصول:2/114.

(227)
لا الخبر، وهو ليس مطلق الخبر، بل الأمر العظيم الذي يوجب على الإنسان الحزم والاحتياط وتحصيل التبين واليقين، وترك الإقدام مع الجهل، من غير فرق بين خبر الفاسق والعادل، ويخصص الفاسق بالذكر لأجل التصريح بفسق الوليد.
توضيح ذلك :أنّه فرق في لغة العرب بين الخبر والنبأ، ولا يطلق الثاني إلاّ على الخبر الخطير، ولا يطلق النبيّ على مطلق المخبِر، بل الذي يُخبر عن خبر خطير وينقل أخبار السماء إلى الأرض.
وقد استعمل القرآن لفظ النبأ في خمسة عشر مورداً وأُريد من الكل الأمر الخطير، قال سبحانه:
1. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْقَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَر) .(1)
2. (وَلَقْد جاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلين) .(2)
3. (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبأ يَقين) .(3)
4. (عَمَّ يَتَساءَلُونَ* عَنِ النَبَأِ الْعَظِيم)(4)، وتوضيحه بالعظم لغاية المبالغة.
ومحط البحث في الآية هو الموضوعات الخطيرة، فلا يستخدم فيها إلاّ العلم والتبيّن القطعي ولا يكتفى بغيره، من غير فرق بين خبر العادل والفاسق، وقد مرّ أنّ التبيّن في الآية ليس هو الاطمئنان بل التبيّن العلمي في مقابل الجهل.
فالآية تركِّز على أنّه لا يصلح في تلك المواقف الخطيرة سوى التبيّن والعلم،

1 . المائدة:27.
2 . الأنعام:34.
3 . النمل:22.
4 . النبأ:1ـ2.

(228)
وأمّا في غيرها من سائر الأُمور غير المهمة فالآية ساكتة عنها منطوقاً ومفهوماً، ولا يستعمل لفظ النبأ إلاّفي الموضوعات ولا يعمّ الأحكام، ويختص بالموضوعات التي لها خطر وشأن، لا مطلقه.
هذا حول الإشكالات المختصة بالآية، وهناك إشكالات لاتختص بها بل تعم جمع أدلّة حجّية الخبر الواحد.

الإشكالات غير المختصة بآية النبأ

هناك إشكالات لا تختص بالآية بل تعم جميع ما استدل به على حجّية الخبر الواحد، وكان على الشيخ التفكيك بين النوعين:

الأوّل: التعارض بين المفهوم والآيات الناهية

وقد أشار إليه الشيخ وحاصله: معارضة المفهوم بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم والنسبة عموم من وجه، فيفترق المفهوم عنها في خبر العادل المفيد للعلم، كما تفترق الآيات عن المفهوم في خبر الفاسق ويجتمعان في خبر العادل المفيد للظن، فالمرجع هو عموم الآيات لأقوائيتها.
والحقّ أن يقال: إنّ النسبة بين المفهوم والآيات الماضية هي التباين، لأنّ المراد من الظن كما مرّ هو الخرص والتخمين والحدس، غير المبنيّ على دليل، وأين هذا من خبر العادل الحاكي عن حس؟

الثاني: المفهوم يعمّ قول السيد

لو كان خبر العادل حجّة، فقول السيد أيضاً خبر الواحد، داخل تحت الآية فلو كان حجّة لزم عدم حجّية الخبر الواحد بتاتاً.

(229)

وأُجيب بوجوه كثيرة:

1. انّ السيد لا يخبر عن قول المعصوم إلاّعن حدس، والحجّة هو الإخبار عن حس.
2. انّ ادعاءه معارض بادّعاء الشيخ عن إجماع الطائفة على حجّية الخبر الواحد.
3. انّ الأمر دائر بين دخوله وخروج غيره، أو بالعكس، فالثاني هو المتعيّن، لاستلزامه التخصيص المستهجن.
4. لو شمله إطلاق المفهوم، يكون م آلها التعبير عن عدم حجّية الخبر الواحد بنقيضه، وذلك بإدخال قول السيد، وهذا خلاف البلاغة.
5. انّ قول السيّد، ليس من مصاديقه، بل يناقض المفهوم، لأنّه يدل على حجّية خبر الواحد، وهو ينفيه، فلا يعدّمثله من مصاديقه.
6. لو كان قول السيّد من مصاديق الآية لزم من حجّيته عدمه، لأنّ إخباره عن عدم حجّية خبر الواحد، يشمل قول نفسه ـ بتنقيح المناط ـ وما يلزم من وجوده، عدمه، باطل.
وهنا كلام للمحقّق الخراساني وحاصله: من الجائز أن يكون خبر العادل حجّة في زمان نزول الآية إلى زمان صدور هذا الخبر من السيّد، وعند ذاك يدخل قول السيد تحت الآية، ودخوله منتهى أمد الحكم الأوّل أعني الحجّية .(1)
يلاحظ عليه : أنّه لا يمكن إدخال قول السيد في مفهوم الآية لا من عصر الرسالة ولا من عصر صدوره من السيّد، إذ على الأوّل يعود محذور تخصيص الأكثر المستهجن، وصيرورة الكلام أشبه باللغز وغيرها من الإشكالات، وعلى الثاني يلزم حدوث النسخ في الأحكام بعد رحيل النبي، وهو ممنوع إجماعاً.

1 . تعليقة الخراساني على الفرائد:63.

(230)

الثالث: عدم شمولها للاخبار مع الواسطة

هذا الإشكال يتوجه على أخبار الآحاد المنقولة بوسائط، دون المنقول بواسطة واحدة، وفي الحقيقة إشكال واحد ويقرر بوجوه مختلفة، وقد جاء في الكفاية وجهان منها.
أشار إلى الأوّل بقوله: «ربّما أشكل شمول مثلها».
وإلى الثاني بقوله: «ولا يخفى أنّه لا مجال بعد اندفاع الإشكال».
وأمّا الشيخ فقد اختلفت نسخ الفرائد، فبعضها تشتمل على ثلاثة، والبعض الآخر على أربعة، أو خمسة، وممّن بينها بوجه واضح المحقّق النائيني في فوائده.
ونحن نذكر في المقام أكثر الوجوه مع إيضاح ما في الكفاية.

1. انصراف الأدلة عن الاخبار بوسائط

إنّ القدر المتيقن من أدلّة حجّية الخبر الواحد، هو الإخبار بلا واسطة، لا الاخبار بواسطتين أو بوسائط.

2. انصرافه عن الخبر التعبدي

الدليل منصرف عن الخبر التعبّدي ولا يعمّ سوى الخبر الوجداني، فمن وقع في مبدأ السند فكلامه خبر وجداني، دون من يحكيه هو عنهم فانّها أخبار تعبّدية لا دليل على حجّية قولها.
يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين الاخبار بلا واسطة أو معها عند العقلاء، كما لا فرق عندهم بين الوجداني وغيره، واقتصارهم على الوجداني يوجب العسر

(231)
والحرج في الحياة، ولو ثبت ذلك فمعناه إلغاء التاريخ عن قاموس العلم فانّه يقوم على العنعنة، مع اهتمامهم بها. نعم لو كثرت الواسطة على نحو لا تسكن النفس بمثله كان لما ذكر وجه، وأمّا الاخبار المنقولة في الكتب الأربعة وغيرها فليست الوسائط على حدّتسقط كثرة الوسائط لها عن الاعتبار.

3. لزوم كون المخبر به ذا أثر شرعي

إنّ التعبّد بتصديق العادل لابدّ أن يكون لأجل ترتيب أثر شرعي على قوله، وإلاّ فلو كان المخبَر به فاقداً للأثر، فلا يجب تصديقه، فلو أخبر عن مقدار ارتفاع المنارة أو عن عمق البئر، فلا يجب تصديقه لعدم ترتّب أثر شرعي عليه، وعلى هذا فلو أخبر الراوي عن الإمام يجب تصديقه، لترتّب الأثر على تصديقه، فالمخبِر كالصفار إذا أخبر عن الإمام العسكري اشتمل على الحكم الشرعي، وأمّا إذا أخبر عن إخبارالمخبر، كالصدوق أخبر عن إخبار الكليني، وهو عن إخبار الصفار، وهو عن الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ ، فلا يترتب على تصديق الصدوق ولا الكليني أيّ أثر ، لأنّ المخبَر به ليس كلام الإمام، بل إخبار الراوي الفاقد للأثر.
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في صحّة التعبّد أن يكون جزء الموضوع للأثر لا تمام الموضوع، فيصحّ الأمر بتصديق الصدوق والكليني، لغاية إثبات قول الصفار الذي يحمل قول الإمام والحكم الشرعي.
وبعبارة أُخرى: يكفي وقوعه في طريق ثبوت موضوع ذي أثر شرعي.

4. اتحاد الحكم مع جزء الموضوع

إنّ قول القائل «صدّق العادل» في كلّ خبر ذي أثر شرعي مركّب من أُمور ثلاثة:

(232)
أ. الحكم وهو: صدِّق.
ب. الموضوع: كلّ خبر.
ج. قيده: ذو أثر شرعي.
فإذا أخبر زرارة عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن طهارة العصير بعد التثليث أو نجاسته قبله، فالأُمور الثلاثة متحققة بالشكل التالي، فالحكم هو: وجوب التصديق، والموضوع: خبره أعني «طهارة الشيء» أو نجاسته، وأثره هو: وجوب الاجتناب عنه، وعدم وجوبه.
فالأُمور الثلاثة متحققة كما هو واضح.
وأمّا إذا أخبر الصدوق عن الكليني، وهو عن الصفار، وهو عن الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ فوجوب تصديق الصدوق يتوقف على تحقّق أُمور ثلاثة:
الأوّل: الحكم وهو: وجوب التصديق.
الثاني: الموضوع: إخباره عن الكليني.
الثالث: الأثر: وليس الأثر هناك إلاّ نفس الحكم، إذ لا يترتب على إخبار الكليني للصدوق أيّ أثر شرعي سوى وجوب التصديق، فيلزم أن يكون الحكم مأخوذاً في الموضوع، وهو غير صحيح، لأنّ الحكم متأخر رتبة، والموضوع بعامّة أجزائه متقدّم.
وبعبارة أُخرى: لا يمكن التعبّد بالتصديق إلاّ أن يكون للموضوع (إخبار الكليني للصدوق) أثر شرعي قبل التعبّد، والمفروض أنّ الأثر جاء من جانب الحكم، وترتّب عليه في ناحيته وهذا نفس الدور.
نعم لو كان هناك إنشاءان لوجوب التصديق بحيث يكون أحدهما جزء الموضوع، والآخر الحكم المترتب عليه، لارتفع الإشكال.

(233)
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن هذا الإشكال بوجوه ثلاثة:
1. انّ قوله: «صدّق العادل في كلّ خبر ذي أثر» لو كان قضيّة حقيقية ناظرة إلى كلّ فرد فرد من الآثار التي يدل عليها لفظة «ذي أثر» لصحّ الإشكال، إذ عندئذ يكون من الآثار هو وجوب التصديق الجائي من ناحية الحكم، مع أنّه يلزم أن يكون الموضوع ذا أثر قبل الحكم، فكيف تكون بعض الآثار نفس الحكم؟!
وأمّا إذا كانت القضية طبيعيّة والحكم فيها بلحاظ طبيعة الأثر، فعندئذ لا يلزم اتحاد الحكم والموضوع، لأنّه حكم بترتيب طبيعة الأثر من غير نظر إلى أفراده، غير أنّ ذلك الأثر في قول زرارة غير الحكم، وفي اخبار الصدوق نفس الحكم، وهذا أمر غير مخل.
2. انّ قوله: صدّق العادل في كلّ خبر ذي أثر ،وإن لم يدل بالدلالة اللفظية على ترتيب تصديق العادل للمحذور السابق أعني وحدة الحكم مع جزء الموضوع، ولكن بما أنّه لا فرق بين ذلك الأثر (وجوب التصديق) وسائر الآثار كالاجتناب وعدمه يترتب على خبر العادل جميع الآثار حتى وجوب التصديق.
3. عدم القول بالفصل بين هذا الأثر وبين سائر الآثار في وجوب الترتيب لدى الاخبار بموضوع صار أثره الشرعي وجوب التصديق.
هذا توضيح ما في الكفاية إشكالاً وجواباً.
يلاحظ على الجواب الأوّل: بأنّ الإجمال في مقام الثبوت غير صحيح، فإذا قال: صدّق العادل في كلّ خبر ذي أثر، فإمّا يراد منه أثر غير وجوب التصديق أو الأعمّ منه ومن غيره.
فعلى الأوّل لا يصحّ التعبّد بإخبار الصدوق، لعدم الأثر فيما أخبر به، أعني: إخبار الكليني له ، مع أنّ تصديقه فرع وجود الأثر في خبره.

(234)
وعلى الثاني يعود الإشكال ويلزم أن يكون الحكم مأخوذاً في الموضوع. والأولى أن يقال: إنّ تصديق الصدوق لا يتوقف على كونه ذا أثر شرعي وراء كونه جزءاً لثبوت الأثر الشرعي أعني قول العسكري.
وبالجملة : انّوجوب التصديق فرع عدم لغوية التعبد بتصديق العادل، ويكفي في مصونيته عنها ثبوت قول العسكري بهذه التصديقات المتكررة.

5. إثبات الحكم لموضوعه

وهذا هو الإشكال الثاني في الكفاية والإشكال الخامس حسب تقريرنا، وحاصله:
انّه لو عمّت الدليل للاخبار مع الواسطة لزم إثبات الموضوع بالحكم، مع أنّه يتوقف عليه.
توضيحه: لا شكّ أنّ كلاً من إخبار الشيخ،والمفيد،والصدوق ، والكليني، والصفار، موضوعات لقوله: «صدّق العادل» والمحرز لنا بالوجدان هو أوّل السند، وهو خبر الشيخ، وأمّا الباقي فإنّما يثبت ببركة تصديق الشيخ فيما يحكي، فيلزم أن يكون الحكم (صدّق العادل) مثبتاً للموضوع، أي قول المفيد بأنّ الصدوق أخبره وهكذا.
وقد أجاب عنه في الكفاية بوجوه ثلاثة:
1. إذا كان خبر له أثر شرعي حقيقة بحكم الآية، وجب ترتيب أثره عليه عند اخبار العدل به كسائر ذوات الآثار من الموضوعات، لما عرفت من شمول مثل الآية، للخبر الحاكي للخبر بنحو القضية الطبيعية.
2. أو لشمول الحكم فيها له مناطاً إن لم يشمله لفظاً.
3. أو لعدم القول بالفصل.

(235)
وحاصل الجواب الأوّل: انّ الموضوع المحرز قبل الحكم وإن كان هو خبر الشيخ عن المفيد فقط، ولكن لما كانت القضية (صدّق العادل) قضية طبيعية لا حقيقية، يسري الحكم إلى جميع الأفراد المحرزة قبل الحكم (خبر الشيخ) والمحرزة بعده كإخبار المفيد عن الصدوق، وليست حكمها حكم القضية الخارجية، التي يتوقف صدور الحكم على تحقّق الموضوع قبله، وعلى ذلك فالموضوعات المحرزة بعد تصديق الشيخ، تقع تحت الحكم وإن كان الموضوع متأخراً عن الحكم إحرازاً وثباتاً.
نظير ذلك قول القائل: «كلّ خبري صادق» فلو أخبر قبله بعشرة أخبار، فهو كما يعم العشرة هكذا يعم حتى نفسه، لأنّ الموضوع هو طبيعة الخبر حتى وإن صار خبراً بهذا الإخبار.
يلاحظ عليه: أنّ الجواب مبني على أنّ هنا «وجوب تصديق واحد» فتوصل بهذا الجواب، وأمّا لو قلنا: إنّ قول القائل: «صدّق العادل» ينحل حسب تعدد الاخبار إلى قضايا كثيرة، غير أنّ الموضوع الأوّل لما كان محرزاً يشمله الحكم بلا تأخير، ولكن يثبت بفضل تصديق الشيخ موضوع ثان، وهو خبر المفيد عن الصدوق، له وجوب تصديق خاص غير التصديق المتعلق بخبر الشيخ حسب القول بالانحلال، فيصدَّق المفيد فيثبت خبر عدل ثالث وهو خبر الصدوق عن الكليني، فيشمله وجوب تصديق ثالث متولد من انحلال قوله:«صدّق العادل» وهكذا يثبت الموضوع اللاحق ببركة ثبوت الموضوع السابق.
وهذا نظير الإقرار بالإقرار، فيشمله قوله: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» فلأنّ الإقرار الثاني يثبت بفضل الإقرار الأوّل، ومثله إقامة البيّنة على البيّنة كما لا يخفى.
وفي الختام أعطف نظر القارئ إلى أنّ هذه الإشكالات نابعة من الدقة

(236)
العقلية، فلا تلتفت إليها أذهان العامة الذين هم المخاطبون بالخطابات فلا تصير مانعة عن شمول العمومات، ولو افترضنا أنّ الإشكالات بقيت بحالها، ولم نتوفق لحلها، لما كانت مانعة عن شمول العمومات.

الآية الثانية: آية النفر

قال اللّه تبارك وتعالى: (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَولا نَفَرَمِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون) .(1)
والاستدلال بالآية يتوقف على الكلام في أُمور:
1. تفسير الآية، 2. كيفية الاستدلال ، 3. ما أشكل على الاستدلال.

الكلام في تفسير الآية

لا شكّ أنّ الآية وردت في سياق آيات الجهاد، فانّ الآية المتقدمة عليها والمتأخرة عنها راجعتان إلى الجهاد قال سبحانه: (وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُون).(2)
وقال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً واعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقين) .(3)
ومع هذا الارتباط الوثيق بين الآية وسائر الآيات الحافّة بها فالاستدلال بها على حجّية الخبر الواحد يحتاج إلى فصلها عن سائر الآيات، ولنذكر الوجوه

1 . التوبة:122.
2 . التوبة:121.
3 . التوبة:123.

(237)
المحتملة في الآية حيث فسّرت بوجوه:
الأوّل: انّ الخطاب متوجه للمؤمنين في المدينة ومَن حولها، ويخاطبهم بأنّ نفر الجميع إلى الجهاد أمر غير ممكن لاستلزامه تعطيل أمر الحياة واختلاله، فأمر بنفر طائفة من كلّ فرقة لغاية التفقه في ميادين الحرب، ثمّ إنذار قومهم المتخلفين في المدينة وما حولها، عند الرجوع إليهم، والمراد من التفقّه ما ذكره الطبرسي «ليتبصّروا ويتيّقنوا بما يُريهم اللّه من الظهور على المشركين ونصرة الدين، وأمّا الإنذار عند الرجوع إليهم باخبارهم بنصر اللّه النبي والمؤمنين لعلّهم يحذرون أن يقاتلوا النبي فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفّار».
ومزية هذا الوجه أمران:
1. حفظ السياق وصلة الآية بما قبلها من سائر الآيات.
2. عدم التفكيك في ضمائرها، حيث إنّ الضمائر المتصلة الثلاثة: (ليتفَقَّهُوا)و(ليُنذِروا) و(إِذا رَجَعُوا) ترجع إلى النافرين.
ولكن الذي يبعده أمور ثلاثة:
أ: انّ الظاهر من التفقّه هو فهم معارف الدين وتعلّم أحكامه، وأمّا رؤية النصر في الحروب فهو يوجب مزيّة الثقة بأنّ اللّه ينصر رسوله والمؤمنين، كما قال سبحانه: (إِنّا لَنَنْصُرُرُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهاد)(1)، وهذا ليس تفقهاً في الدين، بل مزيد إيمان باللّه وبما وعد.
ب: انّ النصر لم يكن حليف المسلمين دائماً، بل ربما كانوا يرجعون مع النكسة والهزيمة، كما هو الحال في غزوة أُحد وحنين، فلا يمكن أن يكون مثل هذا غاية النفر، التي يجب أن لا تنفك عنه.

1 . غافر:51.

(238)
ج: لازم ذلك أن يكون النافرون أفقه من الذين بقوا في المدينة وتعلموا من النبي كلّ آية نزلت وحديث صدر.
د: القول بأنّ المراد من (ولينذروا) هو إنذار قومهم الكافرين كي لا يقاتلوا النبي، خلاف الفرض، لأنّ المفروض، انّ الخطاب للمؤمنين من أهل المدينة ومن حولها ولم يكن يوم نزول الآية أيّ كافر فيها، لأنّها نزلت في العام التاسع من الهجرة، وقد أسلمت القبائل في الجزيرة العربية إلاّ قليلاً في جانب شمالها قرب الشامات، إلاّ أن يفسر الإنذار بتشجيعهم بالتمسّك بأهداب الإيمان والإسلام.
الثاني: الخطاب للقاطنين في المدينة والمقيمين فيها والمراد انقسامهم إلى طائفتين، طائفة نافرة وطائفة قاعدة، فغاية النفر، هو الجهاد، وغاية القعود، هو التفقه في الدين لغاية إنذار النافرين عند الرجوع عن الجهاد، روى الطبري في تفسيره عن أبي زيد: انّ معنى الآية( فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين) أي ليتفقّه المتخلفون في الدين، ولينذروا النافرين إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون.(1)
وعلى هذا الوجه فالصلة بين الآيات محفوظة مثل السابق، لكن ويفضل عليه، بخلوّه عن الإشكالات الثلاثة المتوجهة إلى الأوّل.
لكن يرد عليه استلزامه التفكيك في مراجع الضمائر المتصلة، وعليه فالضمير في (ليتفقّهوا) و(لينذروا) راجعان إلى القاعدين، والضمير في (إِذا رَجَعُوا) إلى النافرين وهو خلاف الظاهر. وهذان الوجهان يشتركان في أنّ الخطاب للمقيمين في المدينة، وهناك وجه ثالث وهو يفارق الوجهين بتوجيه الخطاب إلى غيرهم ، وإليك البيان:

1 . تفسير الطبري: 11/49.

(239)
الثالث: انّ الخطاب لمؤمني سائر البلاد، والمراد من النفر، النفر إلى المدينة للتعلّم والتفقه، وعليه يجب أن ينفر من كلّ قبيلة، طائفة للتفقّه في حضرة النبي لغاية إنذار قومهم عند الرجوع.
ومزية هذا الوجه، التحفظ على وحدة مراجع الضمائر المتصلة وخلوه عن الإشكالات الثلاثة المتوجهة إلى الوجه الأوّل، غير انّ لازمه الاختزال وقطع الصلة الآيات، وهو ليس بأمر سهل.
نعم تؤيده روايات كثيرة مذكورة في التفاسير الروائية.
1. روى الصدوق في عيون الأخبار عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ ـ عند بيان علل الحج ـ: انّ منها التفقّه ونقل أخبار الأئمة عليهم السَّلام إلى كلّ صقع وناحية، كما قال اللّه عزّوجلّ: (فَلَولا نَفَرَمِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَة...) .(1)
2. وروى عنهم عليهم السَّلام في تفسير قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اختلاف أُمّتي رحمة»: انّ المراد اختلافهم إلى البلدان، وأنّ الرسول أراد من قوله: «اختلاف أُمّتي رحمة»، قول اللّه عزّ وجلّ: (فَلَولا نَفَرَمِنْ كُلِّ فِرْقَة ...).(2)
وهذا الوجه أتقن الوجوه، وهو دليل على لزوم تأسيس الحوزات العلمية في البلدان لينتقل إليها طلاب العلم وبغاة الفضيلة حتى يتفقّهوا فيها ويرجعوا إلى بلدانهم للإنذار.
ولكن يرد عليه: أنّه على خلاف سياق الآية، فالآية واردة في ضمن آيات الجهاد، فكيف يمكن أن تكون مشيرة إلى هذا المعنى؟
نعم يمكن الذبّ عن هذا الإشكال: إمّا بالالتزام بنزول هذه الآية مرتين: مرة في ثنايا آيات الجهاد، ومرّة أُخرى مستقلة ومنفصلة عن آياته، وليس ذلك

1 . نور الثقلين:2/283، الحديث 407 والحديث منقول عن الفضل بن شاذان، انّه عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ .
2 . المصدر نفسه: الحديث 408.

(240)
بعزيز، فقد نزلت بعض الآيات مرّتين، مثل قوله سبحانه: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) .(1)
كما يمكن الذبّ عنه بوجه آخر وهو: انّ للآية بعدين يتعلّق واحد منهما بأمر الجهاد والآخر بتحصيل العلم والتفقّه، والأوّل منهما معلوم من سياق الكلام، والآخر بعد مجهول يعلم من تفسير الأئمّة وتبيينهم، ولا مانع من أن يكون لبعض الآيات بعدان أحدهما معلوم والآخر مجهول يحتاج إلى التنبيه.
ثمّ إنّ العلاّمة الطباطبائي فسّر الآية بوجه يتّحد مع هذا الوجه، ولكن لا ترد عليه مشكلة عدم انطباقه على سياق الآيات، وإليك بيانه وإن شئت فاجعله رابع الوجوه.
الرابع: انّ الآية تنهى مؤمني سائر البلاد غير مدينة الرسول، أن ينفروا إلى الجهاد كافة، بل يحضهم على أن تنفر طائفة منهم إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للتفقّه في الدين، وينفر غيرهم إلى الجهاد، ومعنى الآية انّه لا يجوز لمؤمني البلاد أن يخرجوا إلى الجهاد جميعاً، فهلاّ نفر وخرج إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طائفة من كلّ فرقة من فرق المؤمنين يتعلموا الفقه ويفهموا الدين فيعملوا به، ولينذروا ـ بنشر معارف الدين ـ قومهم إذا رجعت هذه الطائفة إليهم لعلّهم يحذرون.(2)
وعلى ذلك، فتنفر طائفة للتفقّه، في الوقت الذي تنفر طائفة أُخرى للجهاد، فعندما قضيا حاجتهما يتلاقيان في موطنهما للإنذار والحذر. فتكون للآية صلة بالجهاد، وصلة بالتفقّه.
ولا يخفى انّ سياق الآية انّ هنا نفراً واحداً تقوم به طائفة واحدة لغاية واحدة، لا نفرين تقوم بهما طائفتان لغايتين مختلفتين، كما هو صريح كلامه،

1 . الضحى:5.
2 . الميزان:2/428 بتصرف يسير.

(241)
أضف إليه: أنّ ظاهر كلامه أنّ الضمير في (إذا رَجَعُوا) يعود إلى النافرين للجهاد وهو مستلزم للتفكيك في الضمائر، حيث إنّ الضميرين السابقين يرجعان إلى النافرين للتفقّه.

المقام الثاني: الاستدلال بالآية

الاستدلال بها يتم على تفسيرها بالوجه الثاني أو الثالث دون الوجه الأوّل، وقد قرره الشيخ الأعظم في الفرائد بوجوه ثلاثة، وتبعه المحقّق الخراساني، ويشكل الحجر الأساس لجميع الوجوه هو: إثبات وجوب الحذر للمقيمين أو المتخلفين، وإليك تقريرها بوجوه ثلاثة.

التقرير الأوّل: محبوبية الحذر يلازم وجوبه

1. انّ أدوات الاستفهام والتمنّي والترجّي تستعمل في كلام الواجب وغيره في معنى واحد، وهو إنشاء هذه المفاهيم، وإنّما يختلفان في المبادئ فالمبدأ للترجي في كلامه سبحانه إظهار محبوبية الحذر عن العقوبة، وفي غـيره، هو الجهل بالوقوع.
2. انّ حسن حذر المنذَر عند إنذار المنذِر، في مورد الآية يدل على وجود المقتضي فيه، وهو قيام الحجّة على أمر يستلزم فعله أو تركه العقوبة، وإلاّ فلا يحسن الحذر، لقبح العقاب بلا بيان، وليس الحجّة إلاّ قول المنذِر وخبره الذي تعلّمه ورجع وأدّى رسالته.
وبعبارة أُخرى: من قال برجحان الحذر قال بوجوبه لا باستحبابه، لأنّ الأُمّة في مورد حجّية الخبر الواحد على قولين:
1. خبر الواحد حجّة، وهو عبارة أُخرى عن وجوب الحذر.

(242)
2. عدم كونه حجّة، وهو عبارة أُخرى عن عدم وجوبه لا القول باستحبابه، فالقول به إحداث قول ثالث.

التقرير الثاني: لزوم اللغوية لولا وجوب الحذر

إنّ الإنذار واجب بحكم كونه غاية للنفر الواجب بحكم «لولا» التحضيضية، فإذا وجب الإنذار، وجب التحذّر أيضاً، وإلاّ لغى إيجاب الإنذار، والفرق بين التقريرين واضح.
فالتقرير الأوّل، يتطرّق إلى إثبات وجوب الحذر، من حسنه الملازم لوجوبه، والمراد من الحذر هناك هو الحذر النفساني، وهذا التقرير يتطرّق إلى وجوبه من أنّه لولا وجوب الحذر لغى الإنذار الواجب. ونظيره في الفقه، قولهم بأنّه يحرم على النساء كتمان ما في أرحامهنّ، الملازم لحجّية قولهن، وإلاّ لغى التحريم، قال سبحانه:(وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ في أَرْحامِهِنَّ).(1)

التقرير الثالث: غاية الواجب واجب

إنّ الحذر غاية للإنذار والنفر الواجبين، وغاية الواجب واجب، لأنّ وجوبهما لأجل تلك الغاية، فلا يعقل أن تكون المقدمة واجبة دون ذيها، والمراد من الحذر في هذا التقرير هو الحذر العملي أي الأخذ بقول المنذِر، وهو عبارة أُخرى عن كونه حجّة.

المقام الثالث: إشكالات الاستدلال

إذا عرفت وجوه الاستدلال بالآية فاعلم أنّه قد أُشكل على كلّ تقرير

1 . البقرة:228.

(243)
بإشكال، فقد أورد على التقرير الأوّل، ما يلي:

1. حسن الحذر لا يلازم حجّية قول المنذر

إنّ لحسنِ الحذر موردين:
الأوّل: فيما إذا قامت الحجّة على التكليف الواجب، أو الحرام فيحسن الحذر، وبالتالي يجب الخوف من العقاب لقيام الحجّة وهو قول المخبر، وعلى هذا يكون خبر الواحد حجّة.
الثاني: فيما إذا أخبر المخبر بوجوب الشيء أو بحرمته فهو عند ذلك يخبر عن وجود المصلحة أو المفسدة في الترك أو الفعل، فيحسن الحذر ـ وإن لم يكن قوله حجّة ـ وذلك لأنّه وإن لم يكن حجّة لكنّه محتمل الصدق، وهو يلازم خوف فوت المصلحة، والوقوع في المفسدة، وإن لم يلازم احتمال العقاب لافتراض عدم ثبوت حجّية قوله، ومن المعلوم انّ المصالح والمفاسد من الأُمور الوضعية التي تترتب على الترك والفعل سواء كان الفاعل عالماً أو جاهلاً.
وبالجملة احتمال صدق المخبر ـ وإن لم يكن قوله حجّة ـ كاف في حسن الحذر لئلاّ تفوت المصلحة الدنيوية المحتملة أو لا يقع في المفسدة كذلك.
وعلى ذلك فالحذر مستحب لا واجب، وما قيل من أنّه إحداث قول ثالث غير مخل إذ فرق بين عدم وجود القول الثالث وبين الاتّفاق على عدم إحداث قول ثالث، فالمورد من قبيل القسم الأوّل لا الثاني.

2. عدم القبول لا يلازم اللغوية

أورد المحقّق الخراساني على التقرير الثاني إشكالاً بأنّه لا تنحصر فائدة الإنذار بالتحذّر تعبّداً.

(244)
توضيحه: أنّ الغاية ليست منحصرة في القبول، بل هنا فائدة أُخرى وهي انّ إخباره يكون مقدمة لحصول التواتر، كما هو الحال في من رأى الهلال فيخبر وإن لم يكن حجّة لكنّه إذا ضمّ إليه مخبر آخر يكون حجّة.
إلى هنا تمّ الوجهان:
ثمّ إنّ المحّقق الخراساني أورد على التقرير الثالث إشكالاً بما يلي :

3. عدم الإطلاق في وجوب الحذر

وحاصل هذا الإشكال: انّه لو سلّمنا وجوب الإنذار ووجوب الحذر، فالآية إنّما تدل على وجوب الإنذار والحذر على وجه الإجمال لا على التفصيل، فلعلّه يكون هناك شرط آخر للإنذار أو لوجوب الحذر لم تتطرق إليها الآية لعدم كونها في مقام البيان، يقول المحقّق الخراساني: «وبعدم(1) إطلاق يقتضي وجوبه على الإطلاق ضرورة انّ الآية مسوقة لبيان وجوب النفر لا لبيان غائية التحذر ولعلّ وجوبه كان مشروطاً بما أفاده العلم».
أقول: هذا هو الإشكال المهم في المقام وهو وارد على جميع التقارير لا على التقرير الثالث فقط كما هو ظاهر الكفاية، ولو قرر هذا الإشكال بوجه واضح لاتّضح عدم دلالة الآية على حجّية خبر الواحد، وإليك البيان:
تطرح الآية أُموراً ثلاثة وهي:
أ. تقسيم العمل، ب. وجوب الإنذار، ج. وجوب الحذر.
أمّا الأمر الأوّل، فالآية بالنسبة إليه في مقام البيان وتصرّح بأنّ مسألة التعليم والتعلم كسائر المسائل الاجتماعية لابدّ فيها من تقسيم العمل وأن يقوم

1 . من الطبعة المحشاة بتعاليق المشكيني «لعدم إطلاق» ولكنّه تصحيف والصحيح«وبعدم إطلاق» أي ويشكل الوجه الثالث بعدم إطلاق.

(245)
بها طائفة من المؤمنين، كما هو الحال في سائر الأُمور الاجتماعية.
وأمّا الأمر الثاني: أي كيفية الإنذار وهكذا الثالث: أي وجوب الحذر، فهما من الأُمور الجانبية الواردة في الآية، فليست الآية في مقام بيان كيفيتهما وانّه يجب الإنذار على النافر سواء أفاد العلم أم لم يفد، أو يجب الحذر على المقيم أو المتخلّف سواء حصل له العلم أو لا.
والاستدلال مبني على وجود الإطلاق في ذينك الجانبين مع أنّورودهما في الآية ورود استطرادي لا اصالي.
ويدل على ذلك أمران:
1. الإتيان بلفظ كافة في الآية الأُولى، أعني: (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّة) فانّه يعرب عن أنّ الآية تركّز البحث على تقسيم العمل لا على كيفية الإنذار أو الحذر.
2. لو كانت الآية بصدد بيان كيفية الإنذار كان عليه ذكر الشرط اللازم للحذر، وهو كون المنذِر ثقة.
نعم، أتعب السيد المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه نفسه الشريفة، فحاول أن يثبت انّ الآية في مقام البيان وانّها نظيرة : (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَين).(1)
ولكن هذا قياس مع الفارق فانّ صدر الآية الثانية يشهد بأنّها في مقام بيان حدود الوضوء وشروطه وجزئياته، فلو شكّ في جزئية شيء أو شرطيته صحّ التمسك بالإطلاق في نفي المشكوك، وهذا بخلاف المقام فالآية تركّز على الأمر

1 . المائدة:6.

(246)
الخاص وهو تقسيم العمل وقيام عدّة بهذه الوظيفة المهمة، وأمّا سائر الجوانب فقد طرحت جانبياً.

4. وجوب الحذر إذاكان الإنذار بالأمر الواقعي

إنّ التفقّه الواجب ليس إلاّ معرفة الأُمور الواقعية من الدين، فالإنذار الواجب هو الإنذار بهذه الأُمور المتفقه فيها، فالحذر لا يجب إلاّ عقيب الإنذار بها، فإذا لم يعرف المخاطب ان الإنذار هل وقع بالأُمور الدينية الواقعية أو بغيرها خطأ أو تعمداً لم يجب الحذر، فانحصر وجوب الحذر إذا علم المتحذر صدق المنذر في إنذاره بالأحكام الواقعية.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لا وجه لهذا الإشكال بعد تسليم الإطلاق في جانبي الإنذار والحذر، فلو قلنا بأنّ الآية تدل بإطلاقها على أنّه يجب على المنذر الإنذار سواء أفاد العلم أم لم يفد، ويجب على المقيم الحذر مطلقاً كذلك كشف ذلك عن أنّ الشارع أمر بتلقّي إنذاره إنذاراً بالأمر الواقعي، فيجب الحذر على السامع لكونه إنذاراً به.
نعم لو أنكرنا الإطلاق، كان لهذا الإشكال وجه(2)، والظاهر انّ الإشكال بعد تسليم الإطلاق وأمّا مع إنكاره فلا مجال له.

5. الإبلاغ مع التخويف غير نقل القول

وهذا هو الإشكال الخامس الذي طرحه الشيخ، وحاصله: انّ المطلوب في المقام هو إثبات انّ حكاية الراوي قول الإمام حجّة للمجتهد، دون فهمه منه،

1 . الفرائد:80.
2 . لاحظ الفوائد :3/188.

(247)
وربما يكون بينهما اختلاف في فهم المراد مع الاتفاق على اللفظ، وهذا هو المطلوب في المقام.والآية لا تفي بذلك، لأنّها تركّز على الإنذار، وهو الإبلاغ مع التخويف، بحيث يكون نقله وفهمه منها حجّة على المنقول إليه، وهذا لا ينطبق إلاّ على المجتهد بالنسبة إلى مقلِّده، فالآية تركز على أنّ الراوي إذا تفقّه في الدين وفهمه ثمّ بلغه مع الإنذار، يجب على السامع، الحذر والقبول وأين هذا، من حجّية مجرّد حكاية قول الإمام للطرف، بلا قيمة لفهمه من الدين ودركه من الرواية وإنذاره حسب ما فهم؟(1)
والظاهر انّ الإشكال وجيه خصوصاً بالنسبة إلى لفظة (ليتفقّهوا في الدين)فانّه عبارة عن فهم الدين حقيقة، فالآية تنص على أنّه يجب على طائفة التفقه في الدين، ثمّ إبلاغ رسالات اللّه إليهم بالتخويف والإنذار، وهذا لا يقع إلاّمن شخصين:
1. كون المنذر واعظاً ينذر الناس بما يعلمه الناس من الحلال والحرام، فيكون دوره هو التذكير (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنين) .(2)
2. كون المنذر فقيهاً فهيماً للدين مبلِّغاً لأحكام اللّه سبحانه مع التخويف.
وأين هذا من حجّية حكاية الراوي قول الإمام بما هو حاك وناقل، من دون أن يكون له شأن الإنذار وللسامع شأن الحذر؟
وقد أجاب المحقّق النائيني عن الإشكال بأنّ الإنذار وإن كان هو الإخبار الشامل على التخويف، إلاّ أنّه أعمّ من الصراحة والضمنية فانّه يصدق الإنذار على الاخبار المتضمن للتخويف ضمناً وإن لم يصرّح به المنذر.(3)

1 . لتوضيح الإشكال لاحظ الفرائد:81.
2 . الذاريات:55.
3 . الفوائد:3/188.

(248)
يلاحظ عليه: بأنّ الآية ظاهرة في من يتصدّى لأمر الإنذار، بعد التفقّه، ولا يصدق ذلك على من لا شأن له سوى نقل الرواية وحكاية الألفاظ، من دون أن يتصدى لمقام الإنذار.
نعم يمكن أن يقال انّ العرف يساعد على إلغاء الخصوصية، فإذا كان نقله كلام الإمام مع التخويف حجّة، فيكون نقله المجرد أيضاً حجّة وإن لم يكن فهمه وتخويفه حجّة للمنقول إليه.
والحاصل: انّ المنذر يعتمد على أمرين: السنّة، وتحليلها للمنقول إليه، فإذا كان المنقول إليه عامياً يأخذ كلا الأمرين، وأمّا إذا كان مجتهداً مثل المنذِر، أو إذا كان الناقل عامياً فاقداً للتخويف، يأخذ كلام الإمام ويستقل في فهمه.
فقد خرجنا بالنتيجة التالية:
1. انّ الآية فاقدة للإطلاق في كيفية الإنذار والحذر.
2. انّ الآية، تركز على من يتصدّى بعد التفقّه، منصب الإنذار والإبلاغ التخويف، ولا يدل على حجّية نقل العامي كلام المعصوم مجرداً عن التفقّه والإنذار والحذر إلاّ إذا قلنا بإلغاء الخصوصية.

الآية الثالثة: آية الكتمان

قال عزّمن قائل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنهُمُ اللاّعِنُون).(1)
تقرير الاستدلال: انّه سبحانه يذمُّ أهل الكتاب لكتمانهم البشارات الواردة في كتبهم بظهور النبي القرشي الهاشمي العربي مع أنّهم كانوا يعرفونه كما يعرفون

1 . البقرة:159.

(249)
أبناءهم قال سبحانه: (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُم)(1). وقال سبحانه: (وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)(2). فالآية تدل على تحريم كتمان البيّنات وبالتالي تدل على وجوب القبول وإلاّ لغت حرمة الكتمان.
يلاحظ عليه: أنّ إيجاب البيان بلا قبول أصلاً يستلزم كونه لغواً وأمّا إذا كان القبول مشروطاً بالتعدد أو بحصول الاطمئنان أو العلم القطعي فلا تلزم اللغوية نظير تحريم كتمان الشهادة، قال سبحانه: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) .(3)
ومع أنّ إظهار الشهادة واجب ولكن قبولها مشروط بالتعدّد، وأمّا قياس المورد بحرمة الكتمان على النساء كما ورد في قوله سبحانه: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ في أَرْحامِهِنَّ)(4) فقياس مع الفارق، إذ ليس في موردها من تضم شهادته إلى شهادتها، فلا محيص من قبولها، وهذا بخلاف شهادة الشاهد وأخبار الراوي فانّ لها صوراً مختلفة كما أوضحناه.
أضف إلى ذلك انّ الآية بصدد بيان تحريم الكتمان على العلماء، نظير قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إذا ظهرت البدع، فعلى العالم أن يُظهر علمَه» وأمّا ما هو شرط القبول فهو موكول إلى الأدلّة الأُخرى.

الآية الرابعة: آية السؤال

قال سبحانه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّرِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْأَلُوا أَهْلَ

1 . الأنعام:20.
2 . البقرة:89.
3 . البقرة:283.
4 . البقرة:228.

(250)
الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون).(1)
وقال عزّ من قائل:(وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّرِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون* وما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الْطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدين).(2)
ويقع الكلام في أُمور ثلاثة:
1. تفسير الآية.
2. الاستدلال بالآية.
3. تحليل الإشكالات حول الاستدلال.

وإليك الكلام في الأمر الأوّل:

إنّ ذيل الآية الثانية يحكي عن سبب نزولهما وهو أنّ مشركي مكة كانوا يُنكرون أن يرسل إليهم بشر مثلهم فبيّن سبحانه بأنّ حكمته اقتضت أن يبعث الرسل من البشر ليشاهدوه ويخاطبوه، ولم يكن الرسل المبعثون إلى الأُمم الماضية ملائكة (جسداً لا يأكلون الطّعام)بل كانوا بشراً يأكلون كما يأكل سائر الناس وماتوا كما مات الآخرون وما كانوا خالدين، ولأجل رفع جهلهم أمر بالرجوع إلى أهل الذكر والعلم، يعني السيرة المستمرة بين العقلاء من الرجوع إلى أهل العلم فيما لا يعلمون.
هذا هو مفاد الآية التي نزلت في سورتين باختلاف يسير بينهما، حيث اشتملت الآية الأُولى على لفظة حرف الجر«من» قبلك، دون الآية الأُخرى، وما هو الوجه في ذاك الاختلاف فعلى عاتق الأدب.

1 . النحل: 43.
2 . الأنبياء: 7ـ8.

(251)
وأمّا الأمر الثاني: أعني كيفية الاستدلال فقد استدل به صاحب الفصول، وقال: إنّ وجوب السؤال يستلزم وجوب قبول الجواب، وإلاّ لغى وجوب السؤال، فإذا وجب قبول الجواب وجب قبول كلّما يصح أن يسأل عنه ويقع جواباً له واحتمال خصوصية المسبوقية بالسؤال، منتف جداً.
وأمّا الأمر الثالث: فقد أورد على الاستدلال بوجوه:

1. المراد من أهل الذكر أهل الكتاب أو الأئمّة عليهم السَّلام

إنّ المراد من أهل الذكر، حسب سياق الآيات هو علماء أهل الكتاب، حيث إنّ المشركين كانوا ينكرون بعث البشر رسولاً، فأحالهم سبحانه إلى علماء أهل الكتاب العارفين بأحوال الأُمم حتى يسألونهم عمّن بعث اللّه رسولاً، فهل كانوا بشراً أو كانوا ملائكة لا يأكلون ولا يشربون؟
كما أنّ المراد منهم ـ حسب الروايات ـ هم الأئمّة المعصومون عليهم السَّلام ، فقد عقد الكليني في أُصول الكافي باباً لذلك، وأخرج فيه روايات بين صحيحة وحسنة وضعيفة، وعلى كلّ تقدير لا يشمل غير الطائفتين.
يلاحظ عليه: أنّ الآية تذكّر المشركين بقاعدة سائدة بين العقلاء وهو رجوع الجاهل إلى العالم، ويختلف مصداقه حسب اختلاف الموارد، وفي مورد رفع شبهة المشركين فالمرجع الصالح المقبول عندهم، هو علماء أهل الكتاب، وفي مورد فهم معالم الإسلام ودرك حقائق الكتاب والسنّة فالمرجع هم العترة حسب حديث الثقلين، كما أنّ المرجع للعامي في عرفان الوظيفة هو المفتي وهكذا، فلا السياق آب عن الاستدلال ولا الروايات، بعد كون الجملة حاملة لمعنى عقلائي له مصاديق مختلفة حسب اختلاف الموضوعات، عبر الزمان.

(252)

2. السؤال لغاية تحصيل العلم

إنّ الظاهر من وجوب السؤال عند عدم العلم وجوب تحصيل العلم، لا وجوب السؤال للعمل بالجواب تعبداً، كما يقال في العرف:سل إن كنت جاهلاً، ويؤيّده أنّ الآية واردة في أُصول الدين وعلامات النبي التي يؤخذ فيها بالتعبّد إجماعاً.(1)
يلاحظ عليه: تختلف الغاية من السؤال حسبَ اختلاف واقع السؤال، فإن كان ممّا يجب أن يُعْلَم، فالسؤال لغاية العلم به، وإن كان ممّا يجب أن يعمل به كالأحكام فالسؤال لتلك الغاية سواء أفاد العلم أو لا، لا أقول باختصاص الآية لوجوب السؤال للعمل بالجواب ـ كما ذكره الشيخ ثمّ اعترض عليه ـ بل يجب السؤال للغاية الخاصة به، فهي تعمّ السؤال للعلم والاعتقاد أو السؤال للعمل.
على أنّ العامي إذا رجع إلى من قوله حجّة، يحصل له العلم بالوظيفة وإن لم يحصل له العلم بالواقع.

3. المراد من أهل الذكر هو أهل العلم لا ناقل الحديث

إنّ الذكر في الآية بمعنى العلم، والآية تدل على حجّية قولهم بما هم أهل العلم والفكر، لا بما هم نَقَلَة الحديث وحملته عن طريق البصر والسمع، كما إذا رأى فعل الإمام وسمع كلامه ونقل فلا يقال له إنّه من أهل الذكر والعلم.
وبعبارة أُخرى: أهل الذكر هم الذين يَضمُّون فكرهم وفهمهم إلى كلام الإمام، ويستخرجون مراده بفكرهم الثاقب، وذهنهم الصائب، وليس هذا إلاّ المجتهد بالنسبة إلى مقلده.

1 . الفرائد:81.

(253)
وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بما أشار إليه الشيخ أيضاً في ذيل كلامه وحاصله: أنّ أمثال زرارة و محمد بن مسلم وأبان بن تغلب كانوا من أهل الذكر والعلم، أي كانوا يضمُّون فهمهم إلى كلام الإمام وقوله، وإذا وجب قبول روايتهم في مقام الجواب بمقتضى هذه الآية، وجب قبول روايتهم ورواية غيرهم منالعدول مطلقاً لعدم الفصل جزماً في وجوب القبول بين المبتداء والمسبوق، ولابينأضراب زرارة وغيرهم ممن لا يكونون من أهل الذكر وإنّما يروي ما سمعه أو رآه.
يلاحظ عليه: أنّ الرجوع إلى زرارة والسؤال عمّا استحصله من الآراء والنظريات من القرآن والسنة فهو سؤال أهل الذكر، وأمّا سؤاله عن مسموعاته ومبصراته ليس سؤال أهل الذكر بما هم أهل الذكر، فالآية لا تشمل مثل هذا في المقيس عليه (زرارة) فكيف المقيس؟! فلا تشمل الآية سؤال من رأى الفعل وسمع القول بلا إعمال نظر وفكر، فالآية أصلح للاحتجاج على جواز التقليد.
والأولى أن يجاب ـ بما ذكرنا في آية النفرـ: من أنّه إذا كان نقل رواية زرارة كلام الإمام مع إعمال النظر والفكر حجّة، فالعرف يساعد على إلغاء الخصوصية بحجّية مجرّد روايته، إذ الأساس هو كلام المعصوم، وفهمه طريق إلى فهم مقاصد الإمام، فإذا استغنى المنقول إليه عن الحجّة الثانية لكونه مجتهداً، غير مقلد، فلا وجه لعدم حجّية مجرّد نقله فعل الإمام وقوله.

4. وجوب السؤال لا يلازم وجوب القبول

إنّ المستدل تطرّق إلى حجّية جواب المجيب بأنّه لو وجب السؤال ولم يجب القبول يكون السؤال لغواً، مع أنّه ليس كذلك لما عرفت في آية الكتمان من أنّوجوب إظهار الشهادة لا يلازم وجوب القبول، كما لا يلزم من عدم قبولها

(254)
اللغوية، وفي المقام نقول: يجب عليه السؤال إلى أن يحصل له العلم، فكلّ سؤال يشكل شيئاً من الظن حتى ينتهي السائل إلى العلم.

5. الآية ليست بصدد البيان

الآية بصدد بيان قاعدة كلية ربما يكون أمراً فطرياً، وهو أنّه يجب على الجاهل أن يرجع إلى العالم، وأمّا ما هو شرط قبول قوله فهل يكفي الواحد، أو يشترط التعدد، أو إفادته العلم؟ فليس بصدد بيانه، والشاهد على ذلك أنّه لم يذكر شرط الوثاقة في المجيب الذي هو من أوضح شرائط القبول.

الآية الخامسة : آية الإذن

(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيم) .(1)
يقع الكلام في تفسير الآية أوّلاً، وكيفية الاستدلال ثانياً، والإشكالات المتوجهة إليها ثالثاً، وإليك البيان:

1. تفسير الآية:

أ. انّ الضمير في قوله:(وَمِنْهُمْ) يرجع إلى المنافقين، وسبقته ضمائر أُخرى كلّها ترجع إلى المنافقين نظير:
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي) .(2)

1 . التوبة:61.
2 . التوبة:49.

(255)
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا) .(1)
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُن) .(2)
ب. الأُذن جارحة السمع المعروفة، وقد أطلقوا عليه الأُذن وسمّوه بها كناية عن أنّه يصغي لكلّ ما قيل له ويستمع إلى كلّ ما يذكر له فهو اذن.
ج.قوله:(أُذنُ خَير لَكُم) : ربما يفسّر بأنّه سمّاع يسمع ما فيه خيركم، أي الوحي، وعلى هذا فالمسموع خير، لكن يبعده انّه لو كان هذا هو المراد لما كانت حاجة إلى قوله: (لكم) لأنّ الوحي خير لعامّة الناس فلا يكون للتخصيص وجه.
والأولى أن يفسّر ويقال انّه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة أي أُذن خير وانّ نفس استماعه لعامة الاخبار خير لكم، فربّ مخبر، يخبر عن اقتراف الكبائر وآخر يكذبها والنبيُّ يستمع الجميع ولا يكذب أحداً لئلاّ يهتك سترهم وهذا النوع من الأُذن فيه خير المجتمع.
د. قوله: (يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤُمِنين) ، الباء في الأوّل للتعدية كقوله سبحانه: (كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليْومِ الآخِر ) (3)، ويحتمل في الثاني أن يكون كذلك مثل قوله: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ)(4) وقوله: (فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ)(5) لكن الظاهر أنّها ليست للتعدية، وإلاّ لما كان وجه للعدول من الباء إلى اللام; بل للانتفاع، أي يصدقهم لكون التصديق لصالحهم.

1 . التوبة:58.
2 . التوبة:61.
3 . التوبة:19.
4 . العنكبوت:26.
5 . يونس:83.

(256)
والمراد من المؤمنين في قوله: (لِلْمُؤْمِنين) المجتمع المنسوب للإيمان سواء كانوا مؤمنين حقيقيين أو لا، بقرينة قوله بعده:(وَرَحْمَةٌ لِلَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)فانّ المراد منه، هو المؤمنون حقّاً.
هـ. ثمّ إنّ التصديق الذي يكون لصالح جميع المجتمع المنسوب إلى الإيمان هو التصديق المخبرِيّ دون التصديق الخبري، أي فرض المخبر صادقاً لا كاذباً بمعنى انّه معتقد بصدق خبره وإن كان كاذباً لا يطابق الواقع، لا إعطاء الصدق للخبر وانّه يطابق الواقع، إذ عندئذ يكون لصالح طائفة من المجتمع دون الجمع.
والحاصل: انّه يحترم الجميع ويصدقهم بما انّهم مخبرون، لا انّه يصدق أخبارهم ويفرضها عين الواقع، لأنّ ذلك لا يكون إلاّ لصالح جماعة دون أُخرى.
هذا هو تفسير الآية، وعليه وردت روايات كلّها تعرب عن أنّ المنافقين كانوا يتهمون النبي بأنّه إنسان ساذج يصدِّق كلّ خبر يصل إليه. روي أنّ عبد اللّه بن نفيل كان منافقاً، كان يقعد لرسول اللّه فيسمع كلامه وينقله، ولما أطْلَع اللّه النبي على عمله دعاه رسول اللّه فأخبره، فحلف انّه لم يفعل، فقال رسول اللّه: قد قبلت منك فلا تفعل، فرجع إلى أصحابه فقال: إنّ محمداً أُذن أخبره اللّه انّي أنمّ عليه وأنقل أخباره، فقبله، وأخبرته انّي لم أقل ولم أفعل فقبله; فنزلت الآية.(1)
هذا هو تفسير الآية.

2. في كيفيّة الاستدلال

فقد نقله الشيخ بأنّه سبحانه مدح رسوله بتصديقه للمؤمنين، بل قرنه بالتصديق باللّه جلّ ذكره، فإذا كان التصديق حسناً يكون واجباً.(2) ويزيد في

1 . تفسير القمي: 1/300، بتلخيص.
2 . الفرائد:82.

(257)
تقريب الاستدلال وضوحاً ما رواه في الكافي: انّه كان لإسماعيل بن أبي عبد اللّه دنانير وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن، فقال له أبو عبد اللّه: «يا بُنيّ أمابلغك انّه يشرب الخمر؟» قال: سمعت الناس يقولون. فقال: «يا بني انّاللّهعزّ وجلّ يقـول: (يُؤْمـنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنين) يقول يصدق اللّه ويصدقللمؤمنين، فإذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم ولا تأم(1)ن من شارب الخمر».

3. ما أورد على الاستدلال من الإشكال

1. إنّ المراد من الأُذن السريع التصديق، والاعتقاد بكلّ ما يسمع، فمدحه بحسن ظنه بالمؤمنين وعدم اتهامهم، فالعمل بقولهم لاعتقاده بصدقه. وأين هو من العمل دون الاعتقاد؟!
يلاحظ عليه: أنّ تفسير الأُذن بسريع الاعتقاد ليس من المحاسن، لأنّه أشبه بالقطّاع، أضف إلى ذلك أنّه ربّما لا يمكن الاعتقاد بكلّ ما سمع إذا استلزم الخبران الاعتقاد بالمتضادين.
2. انّ المراد من التصديق في الآية في مرحلة الكلام من دون تجاوز عنه إلى القلب، فضلاً عن العمل، وإلى هذا يرجع ما قلنا:
من أنّ المراد من التصديق، التصديق المخبرِي، لا التصديق الخبري، ويشهد له كلام الإمام لولده إسماعيل، حيث أمره بتصديق الناس، وليس المراد تصديق الناس في مورد القرشي جداً على نحو لو تمكن الإمام أجرى عليه الحدّ، بل الحذر منه والعمل على وفق الاحتياط وعدم دفع المال إليه.
والحاصل: انّ التصديق على قسمين: أخلاقي، وعملي. والمقصود هنا هو

1 . تفسير البرهان:2/138ـ 139، الحديث....

(258)
الأوّل فلا يكذب المخبر بخلاف الثاني، ففيه يترتب الأثر الشرعي كما هو الحال في إجراء أصالة الصحّة في فعل الغير، فالاستدلال ناش من الخلط بين التصديقين.
تمّ الكلام عن الآيات التي استدل بها على حجّية الخبر الواحد، وقد عرفت عدم دلالة واحدة منها على الحجيّة.
***

الاحتجاج على حجّية الخبر الواحد بالسنّة

قد يحتج على حجّية السنّة المحكية بالخبر الواحد بالسنّة، وصحّة الاحتجاج رهن كون ما يحتج به خبراً متواتراً ليكون دليلاً قطعياً على حجّية الخبرالواحد المفيد للظن، ولا يكفي الآحاد منها سواء كانت مستفيضة أو غيرها.
وقد جمع الشيخ الحرّ العاملي ما ورد في هذا المجال في كتاب القضاء خصوصاً في الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر من أبواب صفات القاضي، وهي على طوائف خمس حسبما قسّمها الشيخ الأنصاري في الفرائد.(1)
ونحن نذكر مقداراً من كلّ طائفة ولكن نخالفه في كيفية السرد، وعلى كلّ تقدير يقع الكلام في مقامات:
الأوّل: عرض الروايات.
الثاني: كيفية الاستدلال.
الثالث: تحليل الإشكالات.

1 . الفرائد: 84.

(259)

الطائفة الأُولى: الروايات الإرجاعية إلى الرواة بذكر سماتهم وأوصافهم:

1. مقبولة عمر بن حنظلة قال: «ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».(1) فانّها وإن وردت في القضاء لكن حجّية قضائه لأجل كون روايته مقبولة، والمتبادر من الجمل الثلاث كونه ذا نظر، وذلك لأجل نصبه على الحكم والقضاء، كما قال: «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» وإلاّ لم يكن لذكره وجه.
2. التوقيع المعروف: «وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة اللّه».(2) فقد أخذ مطلق راوي أحاديث أهل البيت موضوعاً للحجّية.
3. التوقيع الشريف: الذي ورد على القاسم بن العلا، وفيه: «فانّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا، قد عرفوا بانّا نفاوضهم سرنا ونحملهم إيّاه إليهم».(3) وقد أخذ الوثاقة موضوعاً للحكم وراء كونه راوياً.
4. رواية علي بن سويد السائي قال: كتب إليّ أبو الحسن ـ عليه السَّلام ـ وهو في السجن:«وأمّا ما ذكرت يا علي ممّن تأخذ معالم دينك، لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا».(4) فاكتفى في جواز الأخذ كون الراوي شيعياً.
5. رواية حذيفة بن منصور عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :« اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر رواياتهم عنّا».(5)

1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1. ونقتصر في الإرجاع بذكر الباب ورقم الحديث فيما يأتي.
2 . الباب 11، الحديث 9 ، 40 ، 42 .
3 . الباب 11، الحديث 9 ، 40 ، 42 .
4 . الباب 11، الحديث 9 ، 40 ، 42 .
5 . الباب 11، الحديث 37، 41.

(260)
6. رواية أحمد بن ماهويه قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالثعليه السَّلام أسأله عمّن آخذ معالم ديني، وكتب أخوه أيضاً بذلك، فكتب إليهما:« فهمتُ ما ذكرتما ،فاصمِدا في دينكُما على كلّ مسن في حبنا وكلّ كثير القدم في أمرنا».(1) فالموضوع للقبول من عمّر في حبّ أهل البيت وكثير القدم في أمرهم.
إلى غير ذلك من الروايات الإرجاعية إلى لفيف من شيعتهم بذكر صفاتهم وسماتهم لا بذكر أسمائهم.

الطائفة الثانية: الإرجاع إلى آحاد الرواة بذكر أسمائهم

ونذكر من الطائفة ما يلي :
7. رواية أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته وقلت: مَن أُعامل وعمّن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال: «العمريّ ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع وأطع فانّه الثقة، المأمون».(2)
8. رواية أبان بن عثمان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال له: «إنّ أبان بن تغلب قد روى عنّي روايات كثيرة، فما رواه لك عنّي فاروه عنّي».(3)
9. رواية يونس بن عمار أنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال له في حديث: «أما ما رواه زرارة عن أبي جعفر، فلا يجوز لك أن تردّه».(4)
10. رواية المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال للفيض بن المختار في حديث:«فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس» وأومأ إلى رجل من أصحابه فسألت أصحابنا عنه؟ فقالوا: زرارة بن أعين.(5)
11. روى الحسن بن علي بن يقطين، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت: لا أكاد

1 . الباب 11، الحديث 45 ، 4 ، 8، 17، 19.
2 . الباب 11، الحديث 45 ، 4 ، 8، 17، 19.
3 . الباب 11، الحديث 45 ، 4 ، 8، 17، 19.
4 . الباب 11، الحديث 45 ، 4 ، 8، 17، 19.
5 . الباب 11، الحديث 45 ، 4 ، 8، 17، 19.

(261)
أصل إليك، أسألك عن كلّ ما احتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: «نعم».(1)
12. رواية أبي بصير قال: إنّ أبا عبد اللّهعليه السَّلام قال له في حديث: «لولا زرارة ونظراؤه لظننت أنّ أحاديث أبي ستذهب».(2)
13. رواية شعيب العقرقوفي، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :ربّما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال: «عليك بالأسديّ» يعني أبا بصير.(3)
14. رواية جميل بن دُرّاج قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «بشر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية البجلي، وأبو بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة ، أربعة نجباء أُمناء اللّه على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست».(4)
إلى غير ذلك من الروايات التي تُرجِعُ الشيعة إلى أشخاص معيّنين، ويوصفهم بالوثاقة والأمانة معرِباً عن كون الوثوق بالقول هو مناط الأخذ.

الطائفة الثالثة: الأخبار العلاجية

إنّ الأخبار العلاجية، على قسمين: قسم يأمر بالأخذ بذي المزية من الخبرين، وقسم يأمر بالتخيير. وسيوافيك الجميع في باب التعادل والترجيح.
أمّا القسم الأوّل فمنه ما يلي:
15. ما يأمر بأخذ خبر أعدل الراويين وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما.(5)

1 . الباب 11، الحديث 33 ، 16 ، 15 ، 14.
2 . الباب 11، الحديث 33 ، 16 ، 15 ، 14.
3 . الباب 11، الحديث 33 ، 16 ، 15 ، 14.
4 . الباب 11، الحديث 33 ، 16 ، 15 ، 14.
5 . الكافي:1/68.

(262)
16. ما يأمر بالأخذ بموافق الكتاب: كرواية عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه قال: قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ :« إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فأعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردّوه».(1)
17. ما يأمر بأخذ ما خالف العامّة: كرواية عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه المصري، قال: قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فأعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه».(2)
و أمّاالقسم الثاني الذي يأمر بالتخيير فمنه ما يلي:
18. رواية الحسن بن الجهم، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: ... يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيّهما الحقّ؟ قال: «فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّـهما أخذت».(3)
19. رواية الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد اللّهعليه السَّلام قال: «إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلّهم ثقة فموسّع عليك حتى ترى القائم فترد إليه».(4) إلى غير ذلك من الروايات الآمرة بالتخيير.(5)

الطائفة الرابعة: الواردة في الحث على نقل الحديث وكتابته ونشره

قد جمع صاحب الوسائل الشيء الكثير ممّا يدل على بثِّ الحديث وكتابته في الباب الثامن من أبواب صفات القاضي، ومن أراد فليرجع إليه .لكن نذكر في المقام بعض الكتب التي عرضت على الأئمة فصدقوها.

1 . الباب 9، الحديث 29 ولاحظ الحديث 21.
2 . الباب 9، الحديث 29.
3 . الباب 9، الحديث 40، 41.
4 . الباب 9، الحديث 40، 41.
5 . لاحظ الحديث 44 من الباب 9.

(263)
20. روي عن أبي عمرو المتطبب انّه قال: عرضته على أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، يعني كتاب ظريف في الديات.(1)
21. روى يونس بن عبد الرحمان في حديث قال : أتيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ووجدت أصحاب أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ متوافرين فسمعت واحداً واحداً، وأخذت كتبهم فعرضتها بعدُ على الرضا، فأنكر منها أحاديث.(2)
22. روى أحمد بن أبي حنف قال: كنت مريضاً فدخل عليّ أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ يعودني عند مرضي، فإذا عند رأسي كتاب يوم وليلة، فجعل يتصفّحه ورقة ورقة حتى أتى عليه من أوّله إلى آخره، وجعل يقول:«رحم اللّه يونس، رحم اللّه يونس، رحم اللّه يونس».(3)
23. روى داود بن القاسم الجعفري قال: أدخلت كتاب يوم وليلة الذي ألّفه يونس بن عبد الرحمان على أبي الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ ، فنظر فيه وتصفّحه كلّه، ثمّ قال: «هذا ديني ودين آبائي كلّه، وهو الحقّ كلّه».(4)
24. روى بورق البوشجاني قال: خرجت إلى سرّ من رأى ومعي كتاب يوم وليلة، فدخلت على أبي محمد ـ عليه السَّلام ـ وأريته ذلك الكتاب وقلت له: إن رأيتَ أن تنظر فيه وتصفّحه ورقة ورقة فقال:« هذا صحيح ينبغي أن تعمل به».(5)
25. روى حامد بن محمد انّه دخل على أبي محمد ـ عليه السَّلام ـ ، فلما أراد أن يخرج سقط منه كتاب في حضنه ملفوف في رداء، فتناوله أبو محمد ـ عليه السَّلام ـ ونظر فيه، وكان الكتاب من تصنيف الفضل، فترحّم عليه وذكر أنّه قال: «أغبط أهل خراسان لمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم».(6)

1 . الباب 8، الحديث 32، 73، 74، 75، 76، 77.
2 . الباب 8، الحديث 32، 73، 74، 75، 76، 77.
3 . الباب 8، الحديث 32، 73، 74، 75، 76، 77.
4 . الباب 8، الحديث 32، 73، 74، 75، 76، 77.
5 . الباب 8، الحديث 32، 73، 74، 75، 76، 77.
6 . الباب 8، الحديث 32، 73، 74، 75، 76، 77.

(264)
26. روى عبد اللّه الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح، عن الحسين بن روح، عن أبي محمد الحسن بن علي عليمها السَّلام انّه سئل عن كتب بني فضّال فقال: «خذوا ما رووا، وذروا ما رأوا».(1)
27. ذكر النجاشي أنّ كتاب عبيد اللّه بن علي الحلبي عرض على الصادقعليه السَّلام فصححه واستحسنه.(2)
إلى غير ذلك من الكتب المعروضة.

الطائفة الخامسة: ما ورد في ذمّ الكذّابين ووضّاع الحديث

28. قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أيها الناس قد كثرت عليّ الكذابة فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار».(3)
29. قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : لعن اللّه المغيرة بن سعيد انّه كان يكذب على أبي فأذاقه اللّه حر الحديد.(4)
30. وقال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس».(5)
31. وقالعليه السَّلام : «إنّ الناس أولعوا بالكذب علينا، كأنّ اللّه افترض عليهم ولا يريد منهم غيره».(6)

1 . الباب 8، الحديث 79، 81.
2 . رجال النجاشي: برقم 610.
3 . الكافي: 1/62 وبحار الأنوار: 2/225.
4 . رجال الكشي: 195.
5 . رجال الكشي: 257.
6 . بحار الأنوار: 2/246.

(265)
روى الكشي في ترجمة «المغيرة بن سعيد وأبي الخطاب» شيئاً كثيراً من تقول الكذابين على أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام .(1)

2. كيفية الاستدلال

لا يخفى انّ من لاحظ تلك الروايات الهائلة يستكشف أنّ حجّية الخبر الواحد عندهم كان أمراً مسلماً على وجه لولاها لم يكن لصدور هذه الروايات وجه.
فإذا كانت الحجّة هو الخبر المتواتر، فما معنى الإرجاع إلى رواة الأحاديث، أو الإرجاع إلى آحادهم بأسمائهم؟ كما أنّ السؤال عن علاج المتعارضين من الخبرين، آية تسليم كون كلّ منهما حجّة لولا المعارض.
ومثله الحثّ على كتابة الحديث، ونقله وبثّه، كما أنّ عرضَ الكتب آية كونه حجّة، وقد عرضوها للتأكد من صحتها.
ولو كان بناء المسلمين على الاقتصار على المتواترات لم يكن لوضع الحديث وجه، لأنّ الغاية هي قبول الناس والمفروض انّ بناءهم كان على عدم قبول الآحاد، فالمجموع يكشف عن جريان السيرة على قبول الآحاد بشرائطها الخاصة.
نعم ولكن لا تجد فيها رواية هي بصدد جعل الحجية للخبر الواحد، بل تدور الروايات بين الفحص عن الصغرى وانّ الراوي ثقة أو لا، أو انّ كتابه مصون من الدس أو لا، أو الإرشاد إلى السيرة المألوفة بين العقلاء وانّه لا عذر لموالينا في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا وفي الوقت نفسه النهي عن الأخذ عن غير الموالين.

1 . رجال الكشي:194ـ 198 و246 ـ 260.

(266)

3. الإشكال على الاستدلال

هذا هو المقام الثالث قد أورد على الاستدلال بها إشكالات نذكر أهمها:

أ. الأخبار ليست بمتواترة

إنّ هذه الأخبار ليست بمتواترة لأنّها تنتهي إلى الكتب الأربعة، ولفيف منسائر الكتب، وشرط التواتر بلوغ الخبر من كلّ طبقة من الطبقات حدّ التواتر،وليس الأمر كذلك، فانّها في نهاية المطاف تنتهي إلى ثلاثة، أو أربعة أشخاص.
والجواب: انّ المراد من التواتر في المقام ليس التواتر اللفظي، بل التواتر الإجمالي.
أمّا الأوّل، فالمراد منه إذا إتحدت ألفاظ المخبرين في خبرهم عن موضوع واحد كقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه» أو قوله: «إنّما الأعمال بالنيّات» وفي مثله لا يحصل العلم إلاّ ببلوغ الخبر في كلّ طبقة حدّ التواتر.
وأمّا الثاني، والمراد منه هو العلم الإجمالي بصدور بعض من الأحاديث المختلفة وتسميته بالتواتر، مسامحي والمراد العلم الإجمالي بصدور البعض.

ب. انّ هذه الأخبار مختلفة المضمون

إنّ هذه الأخبار مختلفة المضمون واللسان، وإليك عناوينها:

1. كونه شيعياً

الظاهر من بعضها كفاية كون الراوي شيعياً، مثل قولهعليه السَّلام : «رواة

(267)
حديثنا»(1). وقوله ـ عليه السَّلام ـ :«من غير شيعتنا»(2). أو قولهعليه السَّلام : «كلّ مسنّ في حبنا، كثير القدم في أمرنا».(3)

2. كونه ثقة

إنّ الظاهر من البعض الآخر، كونه ثقة، مثل قولهعليه السَّلام : «التشكيك فيمايرويه ثقاتنا»(4). أو قولهعليه السَّلام : «العمري ثقتي»(5). أو قولهعليه السَّلام : «فيونس بن عبد الرحمان ثقة»(6). وقولهعليه السَّلام : «كلاهما أو كلّهم ثقة»(7).

3. كونه مجتهداً

الظاهر من بعضها لزوم كونه مجتهداً لا ناقلاً مثل قولهعليه السَّلام :«روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» ويقرب منه ما دلّ على حجّية قول مثل زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير ويونس بن عبد الرحمان وغيرهم من فضلاء أصحاب الصادق، والرضا عليمها السَّلام ، وعلى هذا يلزم الأخذ بأخص المضامين، وهو أن يكون الراوي جامعاً لجميع هذه الصفات، وهو غير القول بحجّية قول مطلق الثقة.
الجواب: لو وجدنا بين هذه الروايات ما يكون جامعاً لهذه الصفات، ويكون مفاده حجّية مطلق الثقة يتعدى منه إلى المطلوب وإلى هذا يشير المحقّق الخراساني بقوله: وقضيته وإن كان حجّية خبر دل على حجّية أخصها مضموناً إلاّ انّه يتعدى منه فيما إذا كان بينهما ما كان بهذه الخصوصية وقد دلّ على حجّية ما كان أعم.

1 . لاحظ الحديث 2، 4، 6.
2 . لاحظ الحديث 2، 4، 6.
3 . لاحظ الحديث 2، 4، 6.
4 . لاحظ الحديث 3، 7، 11، 19.
5 . لاحظ الحديث 3، 7، 11، 19.
6 . لاحظ الحديث 3، 7، 11، 19.
7 . لاحظ الحديث 3، 7، 11، 19.

(268)
ولعلّ صحيح أحمد بن إسحاق بين تلك الأخبار جامعة لجميع هذه الخصوصيات من حيث السند، وقد دلّ مضمونه على حجّية قول الثقة.
روى الكليني بسند عال رواته كلّهم مشايخ ثقات عدول قد زكّاهم جمع من العدول، فروى:عن محمد بن عبد اللّه الحميري ومحمد بن يحيى العطار القمي، عن عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن أحمد بن إسحاق، أنّه سأل أبا الحسن (الهادي ـ عليه السَّلام ـ ) وقال له : من أُعامل، وعمّن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال: «العمري ثقتي، فما روى إليك عنّي، فعني يؤدّي، وما قال لك فعنّي يقول، فاسمع له وأطع فانّه الثقة المأمون».
وسئل أبومحمد ـ عليه السَّلام ـ عن مثل ذلك فقال:« العمري وابنه ثقتان ما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤديان، ... فإنّهما الثقتان المأمونان».(1)
وعامة من ورد في السند، من المشايخ، فقال النجاشي في حقّ الأوّل (محمد بن عبد اللّه الحميري): ثقة وجه. وفي حقّ الثاني(محمّد بن يحيى العطار): أبو جعفر القمي ثقة. وفي حقّ الثالث( عبد اللّه بن جعفر الحميري): أبو العباس ثقة. وأمّا الرابع(أحمد بن إسحاق): فهو مردّد بين الرازي والأشعري، وكلاهما ثقة، ويحتمل اتحادهما. ونظيره رواية الحسن بن علي بن يقطين.(2)
وأمّا المضمون، فقد علّل حجّية قول العمري بأنّه الثقة المأمون، وعليه فرواية كلّ ثقة مأمون، حجّة، سواء كان من المشايخ والفقهاء أو لا، والمراد من الثقة هو العدل، ونظيره رواية الحسن بن علي بن يقطين.
ومنه يظهر انّه ليس للشارع في باب حجّية الخبر الواحد أي جعل ولا تصرف، فما اشتهر في ألسن المشايخ من جعل الحجّية أو الطريقية، أو تتميم

1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.
2 . الوسائل: الجزء 18،الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 33.

(269)
الكشف، ليس لها أيّ دليل في الروايات والمتبادر منها، هو إمضاء ما جرى عليه العقلاء في حياتهم العملية من الاعتماد على قول الثقة المأمون فالحجّية إمضائية لا تأسيسية.
***

الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالإجماع

وقد استدلّوا على حجّية الخبر الواحد بالإجماع القولي تارة، والإجماع العملي أُخرى.

1. الاحتجاج بالإجماع القولي

إنّ الاحتجاج بالإجماع القولي على حجّية الخبر الواحد يتحقّق بأحد وجهين: إمّا بتتبّع فتاوى الأصحاب على الحجّية من زماننا إلى زمان الشيخ حتى يكون إجماعاً محصَّلاً ـ فيكشف رضاء الإمام بذلك ـ على القول بقاعدة اللطف ; أو يقطع من باب الحدس، أو بتتبع الإجماعات المنقولة على الحجّية.
وأورد المحقّق الخراساني على التقرير الأوّل باختلاف الفتاوى فيما أخذ في اعتباره من الخصوصيات ومعه لا يكشف عن رضاه من تتبعها، وعلى التقرير الثاني، باختلاف معاقد الإجماعات فيها، إلاّ أن يقال: الاختلاف في الخصوصيات لا يضرّ الإجماع على الحجّية إجمالاً.
يلاحظ على الاستدلال أيضاً بأنّ الإجماع حجّة إذا جهل مصدره ومدركه، وأمّا مع العلم به فيكون المتّبع هو الدليل لا الإجماع.

(270)

2. الاحتجاج بالإجماع العملي

وقد يحتج بدعوى اتّفاق العلماء عملاً بل كافة المسلمين على العمل بالخبر الواحد في أُمورهم الشرعية، فبما يظهر من أخذ فتاوى المجتهدين من الناقلين لها.
وأورد عليه المحقّق الخراساني: انّه لم يحرز اتّفاقهم على العمل بما هم مسلمون، لأنّهم لا يزالون يعملون بها في غير الأُمور العادية به، فيرجع هذا الاستدلال إلى الاستدلال الآتي، أعني: الاستدلال بسيرة العقلاء.

3. الاحتجاج بالسيرة العقلائية

إنّك إذا تصفّحت حال العقلاء في حياتهم الدنيوية، تقف على أنّهم مطبقون على العمل بقول الثقة في جميع الأزمان والأدوار وفي تمام الأقطار والأمصار، ويتضح ذلك بملاحظة أمرين:
الأوّل: أنّ تحصيل العلم القطعي عن طريق الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن أمر صعب، خصوصاً بالنسبة إلى من يسكن البوادي والقرى مع قلة المواصلات والوسائل الإعلامية.
الثاني: انّ القلب يسكن إلى قول الثقة ويطمئن به ويخرج عن التزلزل، ولأجل ذلك يُعدّ عند العرف علماً لا ظناً، خصوصاً إذا كان عدلاً، ذا ملكة رادعة عن الاقتحام في الكذب.
ولو كانت السيرة أمراً غير مرضي للشارع، كان عليه الردع عن ذلك كما ردع عن العمل بقول الفاسق.
مع أنّك إذا سبرت حياة الأُمم في العصور السابقة، تقف على أنّ سيرتهم جرت على العمل بخبر الواحد، خصوصاً بين أهل القرى والبوادي التي لا يتوفر

(271)
فيها الأخبار المتواترة ولا المحفوفة بالقرائن، وأنّ عمل المسلمين بخبر الثقة لم يكن إلاّ استلهاماً من السيرة العقلائية التي ارتكزت في نفوسهم.
والحاصل: أنّه لو كان العمل بأخبار الآحاد الثقات أمراً مرفوضاً عند الشرع، لكان هناك الردع القارع والطرد الصارم حتى ينتبه الغافل ويفهم الجاهل.
ولأجل ذلك نرى أنّه وردت الأخبار المتضافرة حول ردّالقياس، والرجوع إلى قضاة الجور، وتقبل الولاية من الجائر لما جرت عليه سيرة العامة من العمل به والرجوع إلى قضاة الجور، وتقبل الولاية من الجائرين، وهي أقلّ ابتلاء ـ بمراتب ـ عن العمل بخبر الواحد، وعلى ضوء هذا، فهذه السيرة العقلائية حجّة ما لم يردع عنها.

السيرة والآيات الناهية عن الظن

لا شكّ انّ الاحتجاج بالسيرة فرع عدم الردع عنها شأن كلّ سيرة يستدل بها على حكم شرعي وربما يتصور انّ الآيات الماضية والروايات المانعة عن اتّباع غير العلم رادعة عنها وناهيك قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(1)، وقوله تعالى: (وَإِنّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(2) .
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عنه بوجوه ثلاثة:
1. انّها وردت إرشاداً إلى عدم كفاية الظن في أُصول الدين.
2. المتيقن منها، ما لم يقم على اعتباره حجّة.
3. كونها رادعة، مستلزمة للدور وذلك:

1 . الإسراء:36.
2 . النجم:28.

(272)
انّ الرادعية تتوقف على عدم كون السيرة مخصصة أو مقيدة للآيات الناهية، وإلاّفلا تكون رادعة، وعدم كونها مخصصة أو غير مقيدة فرع كونها بعمومها أوإطلاقها رادعة للسيرة فيلزم توقف كونها رادعة، على نفسها.
ثمّ إنّه قدَّس سرَّه أورد على نفسه بورود نفس الدور على اعتبار خبر الثقة بالسيرة أيضاً.
ولكن الظاهر انّ ما ذكره من الأجوبة الثلاثة تبعيد للمسافة ولا حاجة إليها بل النسبة بين الآيات والسيرة تباين، فانّ المراد من الظن في الآيات هو الوهم والخيال والخرص والتخمين، كتسمية الملائكة أُنثى، وأين هذا من العمل بقول الثقة المخبر عن حس، المتحرّز عن الكذب؟! فهو وإن كان ظنياً عقلاً، لكنّه ليس داخلاً في الظن المنهى عنه في الآية، كما أنّه وإن كان غير علمي في نظر المنطقيين، لكنّه في نظر العرف اطمئنان وسكون قلب، فهو لا يقصر عن العلم عندهم.
بقي هنا سؤال وهو انّ المحقّق الخراساني جعل رادعية الآيات للسيرة العملية في مورد خبر الواحد مستلزماً للدور، مع أنّه صحح رادعية الآيات للسيرة المستمرة بين العقلاء بالعمل بالاستصحاب.قال: يكفي في الردع عن مثله بما دلّ من الكتاب والسنّة على النهي عن اتّباع غير العلم عن مثله من الكتاب والسنّة على النهي عن اتباع غير العلم.(1)
فيتوجه السؤال انّه ما الفرق بين المقامين؟
أضف إلى ذلك أمراً ثالثاً وهو انّه إذا فسر الظن في الآيات بما ذكرناه لا تصلح أن تكون رادعة للسيرة، لأنّ الظنّ المنهي عنه غير الظن الحاصل من السيرة، فهو في الأُولى بمعنى الخيال وفي الثانية بعض الاطمئنان.

1 . الكفاية:280، مبحث الاستصحاب، ط المشكيني.

(273)
وأمّا إذا قلنا بوحدة معنى الظن في مورد الآيات والسيرة كما تلقّاه المحقّق الخراساني، فالجواب الذي ذكره من استلزام الرادعية الدور ليس بصحيح، بل الآيات الناهية على هذا الفرض رادعة للسيرة من دون دور، وذلك ببيانين:
الأوّل: انّ العام حجّة قطعية، والسيرة في مورد خبر الثقة هو حجّية مشكوكة، فكيف تعارض الحجّة القطعية؟ أمّا انّ الآيات فلحجية ظهور العام في تمام أفراده ما لم يدل دليل قطعي على التخصيص، وأمّا كون السيرة حجّة مشكوكة لأنّها لا يحتج بها إلاّ إذا ثبت الإمضاء ولو بالسكوت، والمفروض عدم إحرازه لاحتمال كون الآيات الناهية رادعة وحجّة في قبالها، فيكون مرجع الكلام إلى الشكّ في تخصيص الآيات بالسيرة، ومن المعلوم انّ المرجع عندئذ هو العام حتى يثبت الخلاف.
الثاني: انّ رادعية الآيات وإن شئت قلت: الاحتجاج بالآيات موقوف على عدم ثبوت تخصيصها بالسيرة، وهو أمر متحقّق بالفعل، إذ لم يثبت بعد كون السيرة مخصِّصة، فيكفي بالاحتجاج بعدم الثبوت.
نعم لو قلنا بأنّ الاحتجاج بالآيات متوقف على عدم كون السيرة في الواقع مخصِّصاً، وهو بعدُ غير حاصل ولا متحقّق ويتوقف عدم كونها مخصصاً على صحّة الاحتجاج لزم الدور.
فمنشأ الخلط توهم توقف صحّة الاحتجاج بالآيات على ثبوت عدم كونها مخصصةً في الواقع، والحال انّه متوقف على عدم الثبوت وعدم العلم بالتخصيص وهو أمر حاصل.

ما هو الموضوع للحجّية أهو خبر الثقة، أو الموثوق بصدوره؟

هل عمل العقلاء بخبر الثقة، بما هو ثقة وإن لم يفد الوثوق بصدور الرواية،

(274)
أو العمل به لأجل انّه يفيد الوثوق بصدور الرواية عن المعصوم؟ والظاهر هو الثاني، لأنّ معنى الأوّل كون العمل بخبر الثقة من باب التعبد، وهو بعيد جداً، بل العمل به لأجل كونه طريقاً إلى الوثوق بصدور الرواية، ولأجل ذلك لو لم يُفِدْذلك لما عملوا به إلاّ في صورة الاضطرار.
فإذا كان الأمر كذلك يكون الموضوع للحجّية هو الخبر الموثوق بصدوره فيعم الأقسام الأربعة، أعني:
1. الصحيح: ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات.
2. الموثق ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل الثقة (العدل) مع دخول غير الإمامي في سنده كالواقفي والفطحي.
3. الحسن: ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامي ممدوح بلا معارضة ذم مقبول من غير تنصيص على عدالته في جميع مراتبه السند أو بعضه مع كون الباقي بصفة رجال الصحيح بشرط الوثوق بصدوره.
4. الضعيف ما لا تجتمع فيه أحد الثلاثة وهو على أقسام:
أ. أن يكون مهملاً : أي يكون في السند من هو معنون في الرجال، ولكن لم يذكر في حقّه شيء من المدح أو الذم، فأُهمل من جانب التوثيق والتضعيف.
ب. أن يكون مجهولاً ، أي غير معروف بين الرجاليين، وحكموا عليه بالجهالة.
ج. ما حكم عليه بالضعف في العقيدة أو بالخلط والدس والوضع .
فالقسمان الأوّلان من الضعيف إذا اقترنا بما يورث الوثوق بصدوره يحكم عليه بالحجّية.
فإن قلت: فعلى هذا يكون الدليل هو القرائن لا الخبر.

(275)
قلت: إنّ للخبر دوراً في إفادة الاطمئنان، ولذلك اعتبرنا من الضعيف، القسمين الأوّلين.
وهذا هو المختار في باب حجّية الخبر الواحد، وهو خِيرة الشيخ الأعظم في الفرائد ،قال: والإنصاف انّ الدال منها لم يدل إلاّ على وجوب العمل بما يفيد الوثوق والاطمئنان بمؤدّاه، وهو الذي فسر الصحيح في مصطلح القدماء.
والمعيار فيه أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيداً بحيث لا يعتني به (الاحتمال) العقلاء ولا يكون غيرهم موجباً للتحيّـر والتردّد.(1)
***

الخامس(2): الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالعقل

وقد استدل على حجّية الخبر الواحد بتقارير ثلاثة:

الأوّل: إجراء الانسداد الصغير في مورد الأخبار

انّا نعلم إجمالاً بصدور كثير من الأخبار المودعة فيما بأيدينا من الكتب ولا سبيل إلى منع العلم بذلك، ونحن مكلّفون بما تضمنته هذه الأخبار من الأحكام، هذا من جانب.
ومن جانب آخر لا يجب الاحتياط في الأخذ بجميعها الأعم من المظنون والمشكوك والموهوم لعدم إمكانه أو تعسره، ولا يجوز الرجوع إلى الأُصول العملية لمنافاته للعلم الإجمالي بالتكاليف الموجودة فيها، فيجب الأخذ بمظنون الصدور فقط، لأنّ الأخذ بمشكوكه أو موهومه ترجيح للمرجوح على الراجح.

1 . الفرائد:106، طبعة رحمة اللّه.
2 . وقد عرفت انّ السيرة دليل مستقل وراء الإجماع، فيكون العقل دليلاً خامساً.

(276)
وأورد الشيخ على هذا التقرير إشكالات ثلاثة، لم يتعرض المحقّق الخراساني لثانيها، وردّ الإشكال الأوّل في مقام تقرير الدليل، وقَبِلَ الإشكال الثالث، وصار الدليل لأجل الإشكال الثالث، عقيماً.
تقرير الإشكال: انّ العمل بالخبر المظنون الصدور لأجل كونه موصلاً إلى الظن بصدور الحكم الشرعي، فيجب العمل بكلّ أمارة لها هذا الوصف، أي كلّ أمارة تفيد الظن بصدور الحكم، فعندئذ يكون الخبر والشهرة الفتوائية والإجماع المنقول سواسية.
وهذا الإشكال هو الذي أجاب عنه المحقّق الخراساني في ضمن تقرير الدليل من دون أن يشير إلى الإشكال والجواب.
وحاصل ما دفع به الإشكال في ضمن التقرير: انّ العلم الإجمالي بالتكاليف بين مطلق الأمارات ينحلّ بالعلم بها تفصيلاً عن طريق الاخبار، وعندئذ ينحل العلم الإجمالي بثبوت التكاليف بين الروايات وسائر الأمارات إلى العلم التفصيلي بالتكاليف في مضامين الأخبار الصادرة المعلومة تفصيلاً والشكّ البدوي في ثبوت التكاليف في مورد سائـر الأمارات غير المعتبرة ـ كالشهرة الفتوائية والإجماع المنقولـ .
توضيحه: انّ هنا علماً إجمالياً كبيراً، وهو العلم بالتكاليف في ضمن الأمارات على وجه الإطلاق; وعلماً إجمالياً صغيراً، وهو العلم بالتكاليف في ضمن الأخبار التي بأيدينا بأقسامها الثلاثة: المظنونة، المشكوكة، أو الموهومة. والشيخ يدّعي انّه لا ينحل العلم الإجمالي الكبير بعزل الأخبار عنه، بل يبقى العلم الإجمالي بحاله لوجود العلم بالتكليف في ضمن سائر الأمارات فيجب الاحتياط في الجمع، ولكن المحقّق الخراساني يدّعي انحلال الكبير بعزل الأخبار منها بل بعزل قسم عظيم منه كالتسعين بالمائة من الأخبار فلا يجب الاحتياط في الاخبار.

(277)
وحينئذ يقع الكلام في بيان ما هو الميزان للانحلال وعدمه.
أقول: الميزان في الانحلال وعدمه هو انّه لو كان عدد التكاليف الموجودة في دائرة العلم الإجمالي الكبير مساوياً مع العدد المعلوم في دائرة العلم الإجمالي الصغير، ينحلُّ قطعاً، ويكفي في الانحلال احتمال الانطباق ولا يلزم العلم بالانطباق بخلاف ما إذا كان العدد المعلوم في الثانية أقلّ من العدد المعلوم في الأُولى.
مثلاً لو علمنا بأنّ في قطيع الغنم التي فيها البيض والسود،عشر شياه محرمة، ثمّ علمنا انّ في خصوص السود منها عشر شياه محرمة واحتملنا أن يكون المحرّمة في الثانية نفس الشياه المحرمة في الأُولى، فبعزل الشياه السود ينحلّ العلم الإجمالي الأوّل وإن كانت دائرته أوسع، إذ مع العزل لا يبقى علم إجمالي أبداً، بخلاف ما إذا كان العدد المعلوم في الثانية أقلّ، كما إذا علم وراء العلم الإجمالي في القطيع، بوجود خمسة شياه محرمة في السود منها، إذ عندئذ لا ينحل وإن عزل عن القطيع.
هذه هي الضابطة، وأمّا انّ المقام من قبيل أي من القسمين فهو أمر وجداني لا برهاني، فلو قلنا: إنّ عدد التكاليف المعلومة في دائرة العلم الإجمالي الكبير لا يزيد على العدد المعلوم في دائرة الإجمالي الصغير، فبعزل الاخبار بل بعزل قسم عظيم منها، ينحل العلم الإجمالي الكبير، فلا يجب الاحتياط في سائر الأمارات كالشهرات والإجماعات المنقولة; وأمّا لو كان العدد المعلوم في الدائرة الأُولى أكثر يبقى العلم الإجمالي الكبير بحاله ـ وإن عزلت الأخبار ـ فلا يختص الاحتياط بخصوص الأخبار، بل يجب فيها وفي سائر الأمارات.
ولعلّ الحقّ مع الشيخ بالنظر إلى ما نقلناه عن سيد مشايخنا البروجردي من أنّ في الفقه الشيعي مسائل كثيرة ليس لها دليل سوى الشهرة الفتوائية، وهذا

(278)
يؤيد انّ العلم بالتكاليف أوسع بما ورد في الأخبار.
وأمّا الإشكال الثاني(1) فقد تركه المحقّق الخراساني ونحن نقتفيه، وإنّما المهم هو الإشكال الثالث.
حاصله: انّ المطلوب هو إثبات حجّية الخبر الواحد، وهذا الدليل يثبت العمل بالأخبار في باب الاحتياط، وتظهر الثمرة في الأُمور التالية:
1. لو كان الخبر الواحد حجّة تكون أمارة، والأمارة حجّة في لوازمه العقلية والعادية وبالتالي يترتب عليها أحكامها الشرعية، بخلاف ما لو كان الأخذ بها من باب الاحتياط فيكون أصلاً ومثبتات الأُصول ليست بحجّة.
2. لو كان الخبر الواحد حجّة، يصحّ نسبة مضمونه إلى الشارع لقوله: «ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان» ولا يكون تشريعاً ، بخلاف ما لو كان أصلاً فلا تصحّ نسبة مضمونه إليه.
3. لو كان الخبر الواحد حجّة يكون مقدماً على الأُصول اللفظية كالعموم والإطلاق فيخصص العموم ويقيد الإطلاق به، بخلاف ما لو كان الأخذ به من باب الاحتياط فلا يقدّم الأصل العملي على الأصل اللفظي.
4. لو كان الخبر الواحد حجّة، يقدم على الأُصول العملية مطلقاً نافية كانت أو مثبتة، بخلاف ما لو كان أصلاً فيقدم على الأصل النافي للتكليف لكونه على خلاف الاحتياط ولا يقدم على الأصل المثبت للتكليف، فإذا كان مفاد الأصل مثبتاً للتكليف والخبر نافياً له، لأنّ الأخذ بالثاني من باب الاحتياط والمفروض كونه على خلاف الاحتياط.

1 . أشار إليه الشيخ بقوله: إنّ اللازم من كون مضمونه حكم اللّه....

(279)

التقرير الثاني: إجراء دليل الانسداد في خصوص الأجزاء والشرائط

استدل الفاضل التوني على حجّية الخبر الموجود في الكتب الأربعة مع عمل جمع به من غير ردّ ظاهر، وقال: إنّا نقطع ببقاء التكليف في العبادات والمعاملات، مع أنّ جلّ أجزائها وشرائطها وموانعها إنّما تثبت بالخبر الواحد بحيث يقطع بخروج حقائق هذه الأُمور عن كونها هذه الأُمور عند ترك العمل بخبر الواحد.
وأورد عليه الشيخ بوجهين:
الأوّل: ما أورده أيضاً على التقرير الأوّل ـ مع تفاوت يسير ـ وقال: إنّ العلم الإجمالي حاصل بوجود الأجزاء والشرائط بين جميع الأخبار لا خصوص الأخبار المشروطة بما ذكره; فاللازم إمّا الاحتياط إن لم يستلزم الحرج، أو العمل بكلّ ما دلّ على جزئية شيء أو شرطيته.
واستشهد على ذلك بأنّه لو عزلنا أخبار العدول من الكتب الأربعة ثمّ ضممنا الباقي منها إلى سائر الأخبار الواردة في غيرها لبقى العلم الإجمالي بحاله.
وأورد عليه المحقّق الخراساني بما أورده على التقرير الأوّل وقال: إنّ العلم الإجمالي وإن كان حاصلاً بين جميع الأخبار، إلاّ أنّ العلم بوجود الأخبار الصادرة عنهم عليهم السَّلام بقدر الكفاية بين تلك الطائفة(1) أو العلم باعتبار تلك الطائفة كذلك بينها، يوجب انحلال ذاك العلم وصيرورة غيره خارجاً عن طرف العلم.
وحاصله: انّه إذا ضُمّت الروايات المعلومة الصدور إلى معلومة الاعتبار

1 . المرادمن الطائفة ما ورد في كلام صاحب الوافية: الأخبار الموجودة في الكتب المعتمدة من غير فرق بين كونها مفيداً للعلم، أو علمياً دلّ على اعتبار الدليل الخاص.

(280)
يبلغ إلى حدّ قد ينحل معه العلم الإجمالي بالأجزاء والشرائط بين مطلق الأخبار فليس لازم هذا التقريب الاحتياط المطلق بين جميع الأخبار حتى يترتب عليه ما ترتب ، ثمّ إنّه رحمه اللّه احتمل عدم الانحلال ثمّ أمر بالتأمّل.
الثاني: انّ المطلوب في المقام هو صيرورة الخبر الواحد من باب كونه أمارة ودليلاً اجتهادياً حتى تترتب عليه الآثار الأربعة.
أ: حجّية مثبتاته وإثبات لوازمه ليترتب على اللازم ما له من الآثار الشرعية.
ب: صحّة نسبة مضمونه إلى اللّه سبحانه أخذاً بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان».
ج: كونه وارداً على الأُصول العملية ورافعاً لموضوعها مثلاً لو كان مقتضى سائر الأُصول هو الاحتياط في الجزء والشرط كاستصحاب وجوبهما في حال النسيان والجهل، وكان مقتضى الخبر النفي، فلا يقدم الخبر عليه، لأنّه على خلاف الاحتياط فليس في مثل هذا الخبر ملاك الأخذ به في مقابل الأصل فإذا نسي السورة، فمقتضى استصحاب وجوبها في حال النسيان هو إعادة الصلاة ولكن مقتضى قوله: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس» عدمه لأنّه ليس من الأُمور الخمسة.
د: كونه مقدّماً على الأُصول اللفظية من إطلاق وعموم.
والدليل الذي أقامه صاحب الوافية لا يثبت إلاّ كونه حجّة من باب الاحتياط فيكون أصلاً من الأُصول لا يترتب عليه تلك الآثار.

التقرير الثالث:

ما ذكره المحقّق الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب الحاشية على المعالم باسم هداية المسترشدين وقد لخّصه الشيخ الأنصاري على وجه لا يخلو عن اختصار مخل، وكلامه قدَّس سرَّه في هداية المسترشدين أيضاً لا يخلو عن إطناب مخل،

(281)
وتتضح حقيقة مراده إذا رجعنا إلى التنبيه الأوّل من تنبيهات دليل الانسداد، فقد فرعوا على المقدمات الخمس انّ قضيتها على تقدير سلامتها هل هو حجّية الظن بالواقع، أو حجّية الظن بالطريق، أو بهما؟ وقد اختار صاحب الحاشية انّ الحجّة هو الظن بالطريق كالظن بأنّ القرعة حجّة، والخبر الواحد حجّة، ولا يكفي الظن بالواقع إذا لم يكن هناك ظن بالحجّية كالظن بالحكم الواقعي عن طريق القياس والاستحسان.(1)
فهو قدَّس سرَّه قد أقام ثمانية أدلة على اعتبار الظن بالطريق، وقد نقل الشيخ الأنصاري الوجه السادس، ونحن نذكر نصّ كلامه.
قال: السادس: إنّه قد دلّت الأخبار القطعية والإجماع المعلوم من الشيعة على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنّة بل ذلك ممّا اتّفقت عليه الأُمّة.
وحينئذ إن أمكن حصول العلم بالحكم الواقعي من الرجوع إليهما في الغالب، تعيّن الرجوع على الوجه المذكور، وإن لم يحصل ذلك وكان هناك طريق في كيفية الرجوع إليهما(كالخبر الصحيح والموثق مثلاً) تعين الأخذ به وكان بمنزلة الوجه الأوّل وإن انسد سبيل العلم، وكان هناك طريق ظني (كالخبر الحسن والضعيف) في كيفية الرجوع إليهما لزم الانتقال إليه والأخذ بمقتضاه وحيث لا ترجيح لبعض الظنون المتعلقة بذلك على بعض يكون مطلق الظن المتعلق بهما حجّة.(2)
فإن قلت: كيف يكون هذا التقرير دليلاً على حجّية الخبر الواحد، مع أنّ نتيجته هو حجّية مطلق الظن؟

1 . لاحظ الكفاية:2/25 «هل قضية المقدمات على تقدير سلامتها هي حجّية الظن بالواقع أو بالطريق أو بهما؟».
2 . هداية المسترشدين: 391.

(282)
قلت: لأنّ الضرورة قامت على لزوم الرجوع إلى السنّة والأخذ بخبر الواحد أخذ بالسنّة دون سائر الأمارات كالإجماع المنقول والشهرة.
أضف إلى ذلك: انّه ربما يحصل الظن بالحكم ولكن لا يظن بصدوره عن الحجّة، إذ ربّ حكم واقعي لم يصدر عنهم وبقى مخزوناً عندهم لمصلحة من المصالح، فلا يكون مطلق الظنّ مجرداً عن الظن بالطريق حجّة.
هذا توضيح لمرامه.
وأورد عليه الشيخ بالنحو التالي:
إن أراد من السنّة هو قول المعصوم وفعله وتقريره، فيرد عليه انّ الرجوع إلى السنّة ليس إلاّ الوقوف على ما فيها من الأحكام، وليس الوقوف على لفظها أمراً مطلوباً للفقيه، فإذا كان الملاك للرجوع هو الوقوف على التكاليف، فيشاركه ـ سائر الأمارات في الدلالة على المطلوب، كالإجماع المنقول والشهرة ولا تختص الحجّية بالخبر الواحد.
وبعبارة أُخرى: إذا لم يتمكن من تحصيل العلم بمدلول السنّة يتعيّن الرجوع باعتراف المستدل إلى ما ظن كونه مدلولاً لأحدهما، وعندئذ لا فرق بين خبر الواحد ومؤدّى الشهرة أو معقد الإجماع المنقول فإنّ مؤدّى الجميع مدلول للكتاب أو لقول الحجّة أو فعله أو تقريره.
وتوهم احتمال عدم ورود مؤدّى الشهرة والإجماع المنقول في الكتاب والسنّة نادر جدّاً، لأنّ المسائل التي انعقدت الشهرة عليها أو حكي الإجماع بها من المسائل التي تعمّ بها البلوى بحيث نعلم صدور حكمها عنهم ـ صلوات اللّه عليهم ـ .
وإن أراد من السنّة، الحواكي، أي الأخبار والأحاديث، والمراد انّه يجب الرجوع إلى الأخبار المحكية عنهم فإن تمكن من الرجوع إليها على وجه يفيد العلم

(283)
ـ بالحكم ـ فهو، وإلاّ وجب الرجوع إليها على وجه يظن منه الحكم.
فقد أورد عليه الشيخ ـ بعد إشكالات جانبية ـ بأنّه لو ادّعى الضرورة على وجوب الرجوع إلى تلك الحكايات غير العلمية لأجل لزوم خروج عن الدين لو طرحت بالكلية، يرد عليه انّه إن أراد لزوم الخروج عن الدين من جهة العلم بمطابقة كثير منها للتكاليف الواقعية التي يعلم بعدم جواز رفع اليد عنها عند الجهل بها تفصيلاً(وعلى حدّ تعبير الكفاية دعوى العلم الإجمالي بتكاليف واقعية فيها) فهذا يرجع إلى دليل الانسداد.
وإن أراد لزومه من جهة خصوص العلم الإجمالي بصدور أكثر هذه الأخبار حتى لا يثبت بها حجّية غير الخبر الظني من الظنون ليصير دليلاً عقليّاً على حجّية الخبر، فهذا يرجع إلى الوجه الأوّل.(1)
والحاصل: انّ الرجوع إليها، إمّا لأجل العلم بمطابقة أكثرها للواقع، أو للعلم بصدور أكثرها الكاشف عن الواقع. فالأوّل تقرير لدليل الانسداد، والثاني تقرير لدليل الفاضل التوني.
وقد أورد المحقّق الخراساني على الشيخ في الكفاية بأنّ إشكاله على تقدير إرادة السنّة بالمعنى الثاني إنّما يتم لو كان الرجوع إلى الأخبار من باب الطريقية إلى الواقع والإنسان غير معذور من قبل الواقعيات فيجب العمل بها، إمّا لقضية المطابقة، أو صدور الأكثر; وأمّا لو قلنا بأنّ الرجوع إليها من باب النفسية والموضوعية وانّه لا فعلية للواقعيات، بل الفعل هو مؤديات الأخبار، فلا يرجع إلى أحدهما.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني اختار انّ مراده هو الوجه الثاني، وأورد عليه بأنّ لازم ما أفاده هو التدرّج في الأخذ بالأخبار، فإن وفى المتيقن الاعتبار لاستنباط

1 . الفرائد:106.

(284)
الأحكام فهو، وإلاّفيرجع إلى المتيقن اعتباره بالإضافة وإلاّ فالاحتياط لا الرجوع إلى ما ظن اعتباره، لأنّ الرجوع إلى ما علم اعتباره تفصيلاً أو إجمالاً(كالرجوع إلى الجمع احتياطاً) يمنع عن الرجوع إلى ما ظن اعتباره.
تمّ الكلام في الأدلة العقلية القائمة على حجّية الخبر الواحد كما تمّ البحث في الظنون الخاصة، وحان حين البحث في الظن المطلق، ولكن هنا ظناً خاصاً دلّ الدليل على اعتباره ولم يتعرض إليه القوم وهو حجّية العرف والسيرة، وإليك البيان.

(285)

الحجج الشرعية
6

العرف والسيرة

إنّ العرف له دور في مجال الاستنباط أوّلاً، وفصل الخصومات ثانياً، حتى قيل في حقّه العادة شريعة محكمة، أو الثابت بالعرف كالثابت بالنص.(1) ولابدّ للفقيه من تحديد دوره وتبيين مكانته حتى يتبين مدى صدق القولين.
أقول: العرف عبارة عن كلّ ما اعتاده الناس وساروا عليه، من فعل شاع بينهم، أو قول تعارفوا عليه، ولا شكّ انّ العرف هو المرجع في منطقة الفراغ، أي إذا لم يكن هناك نصّ من الشارع على شيء على تفصيل سيوافيك، وإلاّفالعرف سواء أوافقها أم خالفها ساقط عن الاعتبار.

استكشاف الجواز تكليفاً ووضعاً

يستكشف جواز الفعل تكليفاً، ووضعاً بالسيرة بشرط أمرين:

1. أن لا يصادم التنصيص:

قد يطلق العرف ويراد به ما يتعارف بين المسلمين من دون أن يدعمه دليل من الكتاب والسنّة، وهذا ما نلاحظه في الأمثلة التالية:
1. العقود المعاطاتية من البيع والإجارة والرهن وغيرها.
2. وقف الأشجار والأبنية من دون وقف العقار.

1 . رسائل ابن عابدين:2/113، في رسالة نشر العرف التي فرغ منها عام 1243هـ.

(286)
3. دخول الحمام من دون تقدير مدّة المكث فيه ومقدار المياه التي يصرفها.
4. استقلال الحافلة بأُجرة معينة من دون أن يعين حدّ المسافة. إلى غير ذلك من السير المستمرة بين المسلمين ولو اجتمع فيه الشرطان، فالسيرة تضفي عليها الجواز تكليفاً لا وضعاً.
فإن قلت: دلّ الدليل على بطلان الإجارة المجهولة، فالقول بالصحّة في الأخير يصادم النص.
قلت: المراد منه هو الدليل في خصوص المورد على وجه التنصيص.
وأمّا الموجود في المقام فلا يتجاوز الإطلاق القابل للتقييد.
والكلام الخامس في السيرة، هي انّها على قسمين:
تارة تصادم الكتاب والسنّة وتعارضهما، كاختلاط النساء بالرجال في الأفراح والأعراس وشرب المسكرات فيها والمعاملات الربوية، فلا شكّ انّ هذه السيرة باطلة لا يرتضيها الإسلام ولا يحتج بها إلاّ الجاهل.
وكاشتراط المرتهن الانتفاع من العين المرهونة، أو اشتراط ربّ المال في المضاربة قدراً معيناً من الربح لا بالنسبة، فهذا النوع من السيرة لا يحتج بها لمخالفتها للنص الصريح.
وأُخرى لا تصادم الدليل الشرعي وفي الوقت نفسه لا يدعمها الدليل، فهذا النوع من السيرة إن اتصلت بزمان المعصوم وكانت بمرأى ومسمع منه ومع ذلك سكت عنها تكون حجّة على الأجيال الآتية.
وبذلك يعلم أنّ السير الحادثة بين المسلمين ـ بعد رحيل المعصوم ـ لا يصحّ الاحتجاج بها وإن راجت بينهم كالأمثلة التالية:
1. عقد التأمين: وهو عقد رائج بين العقلاء، عليه يدور رحى الحياة

(287)
العصرية، فموافقة العرف لها ليس دليلاً على مشروعيتها، بل يجب التماس دليل آخر عليها.
2. عقد حقّ الامتياز: قد شاع بين الناس شراء الامتيازات كامتياز الكهرباء والهاتف والماء وغير ذلك التي تعد من متطلبات الحياة العصرية، فيدفع حصة من المال بغية شرائها وراء ما يدفع في كلّ حين عند الاستفادة والانتفاع بها، وحيث إنّ هذه السيرة استحدثت ولم تكن من قبل، فلا تكون موافقة العرف لها دليلاً على جوازها، فلابد من طلب دليل آخر.
3. بيع السرقفلية: قد شاع بين الناس انّ المستأجر إذا استأجر مكاناً وسكن فيه مدّة فيصبح له حقّ الأولوية وربما يأخذ في مقابله شيئاً باسم «السرقفلية» حين التخلية.
4. عقود الشركات التجارية الرائجة في عصرنا هذا، ولكلّ منها تعريف يخصها، ولم يكن لها أثر في عصر الوحي، فتصويب كلّ هذه العقود بحاجة ماسة إلى دليل آخر وراء العرف، فإن دلّ عليه دليل شرعي يؤخذ بها وإلاّفلا يحتج بالعرف.

2. الرجوع إلى العرف في تبيين المفاهيم

1. إذا وقع البيع والإجارة وماشابههما موضوعاً للحكم الشرعي ثمّ شكّ في مدخلية شيء أو مانعيته في صدق الموضوع شرعاً، فالصدق العرفي دليل على أنّه هو الموضوع عند الشرع.
إذ لو كان المعتبر غير البيع بمعناه العرفي لما صحّ من الشارع إهماله مع تبادر غيره وكمال اهتمامه ببيان الجزئيات من المندوبات والمكروهات إذ يكون تركه إغراء بالجهل وهو لا يجوز.

(288)
يقول الشيخ الأنصاري في نهاية تعريف البيع: إذا قلنا بأنّ أسماء المعاملات موضوعة للصحيح عند الشارع، فإذا شككنا في صحّة بيع أو إجارة أو رهن يصحّ لنا أن نستكشف ما هو الصحيح عند الشارع ممّا هو الصحيح عند العرف، بأن يكون الصحيح عند العرف طريقاً إلى ما هو الصحيح عند الشارع إلاّما خرج بالدليل.
2. لو افترضنا الإجمال في مفهوم الغبن أو العيب في المبيع فيحال في صدقهما إلى العرف.
قال المحقّق الأردبيلي: قد تقرر في الشرع انّ ما لم يثبت له الوضع الشرعي يحال إلى العرف جرياً على العادة المعهودة من ردّالناس إلى عرفهم.(1)
3. لو افترضنا الإجمال في حدّالغناء، فالمرجع هو العرف، فكلّ ما يسمّى بالغناء عرفاً فهو حرام وإن لم يشتمل على الترجيع ولا على الطرب.
يقول صاحب مفتاح الكرامة: المستفاد من قواعدهم حمل الألفاظ الواردة في الأخبار على عرفهم، فما علم حاله في عرفهم جرى الحكم بذلك عليه، وما لم يعلم يرجع فيه إلى العرف العام كما بين في الأُصول.(2)
يقول الإمام الخميني رحمه اللّه : أمّا الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع والعنوان فصحيح لا محيص عنه إذا كان الموضوع مأخوذاً في دليل لفظي أو معقد الإجماع.(3)

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/304.
2 . مفتاح الكرامة:4/229.
3 . البيع: 1/331.

(289)

3. الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق

قد اتخذ الشرع مفاهيم كثيرة وجعلها موضوعاً لأحكام، ولكن ربما يعرض الإجمال على مصاديقها ويتردد بين كون الشيء مصداقاً له أو لا .
وهذا كالوطن والصعيد والمفازة والمعدن والحرز في السرقة والأرض الموات إلى غير ذلك من الموضوعات التي ربما يشك الفقيه في مصاديقها، فيكون العرف هو المرجع في تطبيقها على موردها.
يقول المحقّق الأردبيلي في حفظ المال المودع: وكذا الحفظ بما جرى الحفظ به عادة، فإنّ الأُمور المطلقة غير المعيّنة في الشرع يرجع فيها إلى العادة والعرف، فمع عدم تعيين كيفية الحفظ يجب أن يحفظها على ما يقتضي العرف حفظه، مثل الوديعة، بأن يحفظ الدراهم في الصندوق وكذا الثياب والدابة في الاصطبل ونحو ذلك، ثمّ إنّ في بعض هذه الأمثلة تأملاً، إذ الدراهم لا تحفظ دائماً في الصندوق، ولا الثياب وهو ظاهر.(1)

4. الأعراف الخاصة

إنّ لكلّ قوم وبلد أعرافاً خاصة بهم يتعاملون في إطارها ويتفقون على ضوئها في كافّة العقود والإيقاعات، فهذه الأعراف تشكل قرينة حالية لحلّ كثير من الإجماعات المتوهمة في أقوالهم وأفعالهم، ولنقدم نماذج منها:
1. إذا باع دابة ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع ليس هو اللغة بل ما هو المتبادر في عرف المتعاقدين وهو الفرس.
2. إذا باع اللحم ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع هو المتبادر في عرف

1 . مجمع الفائدة والبرهان:10/279ـ 280.

(290)
المتبايعين وهو اللحم الأحمر دون اللحم الأبيض كلحم السمك.
3. إذا وصّى بشيء لولده،فالمرجع في تفسير الولد هو العرف، ولا يطلق فيه إلاّعلى الذكر لا الأُنثى خلافاً للفقه والكتاب العزيز قال سبحانه: (لِلذَّكَرِمِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن) .(1)
4. إذا اختلفت البلدان في بيع شيء بالكيل أو الوزن أو بالعد، فالمتبع هو العرف الرائج في بلد البيع.
قال المحقّق الأردبيلي: كلّما لم يثبت فيه الكيل ولا الوزن ولا عدمهما في عهده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فحكمه حكم البلدان، فإن اتّفق البلدان فالحكم واضح، وإن اختلفا ففي بلد الكيل أو الوزن يكون ربوياً تحرم الزيادة وفي غيره لا يكون ربوياً فيجوز التفاضل، والظاهر انّ الحكم للبلد لا لأهله وإن كان في بلد غيره.(2)
5. إذا اختلف الزوجان في أداء المهر، فالمرجع هو العرف الخاص، فلو جرت العادة على تقديم المهر أو جزء منه قبل الزفاف ولكن ادّعت الزوجة بعده انّها لم تأخذه، وادّعى الزوج دفعه إليها، فللحاكم أن يحكم على وفق العرف الدارج في البلد.
وقد روي عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ فيما إذا اختلف أحد الزوجين مع ورثة الزوج الآخر، انّه جعل متاع البيت للمرأة وقال للسائل: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين، فقال: «لو سألت من بين لابتيها ـ يعني الجبلين ونحن يومئذ بمكة ـ لأخبروك انّ الجهاز والمتاع يهدى علانية، من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي التي جاءت به وهذا المدّعي، فإن زعم أنّه أحدث فيه

1 . النساء:11.
2 . مجمع الفائدة والبرهان:8/477، كتاب المتاجر، مبحث الربا.

(291)
شيئاً فليأت عليه البيّنة».(1)
6. إذا اختلف البائع والمشتري في دخول توابع المبيع في البيع فيما إذا لم يصرحا به، كما إذا اختلفا في دخول اللجام والسرج في المبيع، فإذا جرى العرف على دخولهما في المبيع وإن لم يذكر يكون قرينة على أنّ المبيع هو المتبوع والتابع، ولذلك قالوا: إنّ ما يتعارفه الناس في قول أو فعل عليه يسير نظام حياتهم وحاجاتهم، فإذا قالوا أو كتبوا فإنّما يعنون المعنى المتعارف لهم، وإذا عملوا فإنّما يعملون على وفق ما يتعارفونه واعتادوه، وإذا سكتوا عن التصريح بشيء فهو اكتفاء بما يقتضي به عرفهم، ولهذا قال الفقهاء: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.

إمضاء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لبعض الأعراف

إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمضى بعض الأعراف الموجودة بين العرب كما أمضى ما سنّه عبد المطلب من السنن، ولكن كان الجميع بإذن منه سبحانه، فلو وضع الدية على العاقلة، أو جعل دية الإنسان مائة من الإبل وغير ذلك، فقد كان بأمر من اللّه سبحانه، كيف وقد أُوحي إليه قوله سبحانه:
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ*...فأُولئكَ هُمُ الظّالِمُون*... فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون) .(2)

تفسير خاطئ

يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: إنّ الرسول لمّا وجد عرف أهل المدينة جارياً على بيع السلم وعلى بيع العرايا وأصبح هذان النوعان من البيوع التي لا

1 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.
2 . المائدة:44ـ 47.

(292)
يستغني عنهما المتعاملون أباحهما، فرخّص في السلم ورخص في العرايا مع أنّ كلاًّ منهما حسب الأحكام الشرعية عقد غير صحيح، لأنّ السلم بيع مبيع غير موجود وقت البيع بثمن حال فهو عقد على معدوم، وقد نهى ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن بيع المعدوم.
والعرايا: عبارة عن بيع الرطب على النخل بالتمر الجاف، وهذا لا يمكن فيه التحقّق من تساوي البدلين، وقد نهى ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن بيع الشيء بجنسه متفاضلاً، ولكن ضرورات الناس دعتهم إلى هذا النوع من التعامل وجرى عرفهم به فراعى الرسول ضرورتهم وعرفهم ورخّص فيه.(1)
أقول: من أين وقف الأُستاذ على أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى عن بيع المعدوم مع أنّ الوارد هو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ولا بيع ما ليس عندك»؟(2)
وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ناظر إلى بيع العين الشخصية التي ليست في ملك البائع وإنّما يبيعها ليشتريها من غيره ثمّ يدفعها إليه ومثله لا يشمل بيع السلم.
نعم أطبق العقلاء على عدم اعتبار بيع المعدوم إلاّ إذا كان للبائع ذمّة معتبرة تجلب اعتماد الغير وكان بيع السلف أمراً رائجاً بين العقلاء إلى يومنا هذا غير انّ الشارع جعلها في إطار خاص
قال ابن عباس: قدم النبي المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».(3)
وأمّا بيع العرايا فلا مانع من أن يكون تخصيصاً لما نهى عن بيع الرطب بالجاف(4) وقد قيل: ما عام إلاّ وقد خصّ.

1 . مصادر التشريع الإسلامي: 146.
2 . بلوغ المرام: برقم 820، قال وراه الخمسة. وروى أيضاً «ولا تبع ... » .
3 . بلوغ المرام: برقم 874.
4 . روى سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر إذا يبس، فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟»، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك.(بلوغ المرام: برقم 865).

(293)
ولو افترضنا انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رخص هذه البيوع من باب الضرورة يجب الاختصار على وجودها.
نعم لمّا كان النبي واقفاً على مصالح الأحكام ومفاسدها وملاكاتها ومناطاتها، وكانت الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في متعلّقاتها، كان للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن ينص على أحكامه عن طريق الوقوف على عللها وملاكاتها ولا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه عن طريق الوقوف على مناطاتها بأقصر من الطرق الأُخرى التي يقف بها النبي على حلاله وحرامه.

في حجّية مطلق الظن

وقد استدل على حجّية مطلق الظن بوجوه أربعة رابعها دليل الانسداد، وإليك الإشارة إليها واحداً تلو الآخر.

الدليل الأوّل: ما استدل به القدماء من الأُصوليين

ذكره الشيخ في العدّة عند البحث في حجّية الخبر الواحد فقال: «إنّ في العقل وجوب التحرز من المضارّ، وإذا لم نأمن عند خبر الواحد أن يكون الأمر على ما تضمّنه الخبر، يجب علينا التحرّز منه، والعمل بموجبه. كما أنّه يجب علينا إذا أردنا سلوكَ طريق أو تجارة وغير ذلك فخُبِّرنا بخبر انّ في الطريق سبعاً أو لصّاً، أو خُبِّرنا بالخسران الظاهر، وجب علينا أن نتوقف عليه ونمتنع من السلوك فيه.(1)
وقرره المحقّق الخراساني بالشكل التالي:

1 . عدة الأُصول:1/107.

(294)
إنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبي والتحريمي لمظنة الضرر، ودفع الضرر المظنون لازم.
أمّا الصغرى فقد فسر الضرر بأحد الأمرين:
1. بالعقوبة تارة، والمفسدة أُخرى. فقيل: إنّ الظن بوجوب شيء أو حرمته يلازم الظن بالعقوبة على مخالفته أو الظن بالمفسدة فيها بناء على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.
وأمّا الكبرى ـ دفع الضرر المظنون لازم ـ فقد استدلّ عليها بوجهين:
1. إمّا أن نقول بالتحسين والتقبيح العقليين فواضح، فالعقل يُقبِّح ارتكاب ما فيه الضرر المظنون.
2. أو لا نقول بهما ومع ذلك يستقل العقل بلزوم دفع الضرر المظنون بل المحتمل لا بملاك استقلاله بهما، بل يحكم بذلك وإن لم يستقل بالتحسين والتقبيح العقليين، ولذلك أطبق العقلاء على ذلك وإن اختلفوا فيهما.
ثمّ إنّ القدماء ناقشوا الكبرى وقد نقل شيخنا الأنصاري منهم أجوبة ثلاثة كلّها يرجع إلى رفض الكبرى وقال:
أ: منع الحاجبيّ الكبرى، وقال: دفع الضرر المظنون احتياط مستحب.
ب: نقل الشيخ في العدّة انّ الحكم في الكبرى راجع إلى المضار الدنيوية لا الأُخروية وهو منه عجيب.
ج: ونقل عن ثالث جواباً نقضياً، وهو النهي عن الأمارات، كخبر الفاسق والقياس مع كونهما مفيدين للظن بالضرر.
ولكن الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني ركّزا على منع الصغرى، وانّ الظن بالوجوب والحرمة لا يلازمان الظنّ بالضرر بكلا المعنيين: العقوبة والمفسدة،

(295)
وإليك توضيح كلا الأمرين.
أمّا الأُولى: فيعلم ببيان مورد القاعدتين:
الأُولى: قبح العقاب بلا بيان.
الثانية: لزوم دفع الضرر (العقاب) المحتمل.
فلو وقفنا على حدود القاعدتين لظهر منع الصغرى في المقام، وإليك البيان:
أمّا القاعدة الأُولى: فالعقل يستقل بقبح العقاب بلا بيان واصل، ولا يرى الملازمة بين الوجوب والتحريم الواقعيين، والعقوبة، وإنّما يرى الملازمة بين الحكم الواصل إلى المكلّف،والعقوبة وليس المراد إلاّ العلم أو ما دل الدليل القطعي على حجّيته.
وبما انّ المفروض في المقام عدم ثبوت حجّية الظن بالحكم في المقام، فلا يلازم الظنُ بالحكم، الظن بالعقوبة أبداً ويكون المحكّم هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان وإن كان في الواقع واجباً أو حراماً.فالقاعدة تنفي أي موضوع للقاعدة الثانية، فالثانية بالنسبة إلى مورد الأُولى، كبرى بلا صغرى.
وأمّا القاعدة الثانية، أعني: وجوب دفع الضرر (العقاب) فتختص بما إذا أُحرزت العقوبة على وجه القطع في ظل البيان الواصل ومع ذلك ربما تتجلّى بصور ثلاث:
أ: القطع بالعقاب، كما إذا علم انّ المائع مسكر.
ب: الظن بالعقاب، كما إذا علم انّ أحد الإناءين مسكر، ففي شرب الواحد منهما مظنة العقاب كما انّ في شرب كليهما القطع به.
ج: احتمال العقاب، كما إذا كانت الأطراف متعددة على وجه لا تخرج عن

(296)
حدّ المحصورة واحتمال العقاب في واحد لا ينافي القطع بالعقاب في الجميع، ففي هذه الصور الصغرى والكبرى محرزتان، ففي ظل البيان الواصل يكون العقاب، مقطوعه أو مظنونه أو محتمله واجب الدفع.
والعجب من المحقّق الخراساني حيث احتمل فيما إذا لم يكن في المورد بيان واصل ومع ذلك ظن بالحكم، أن لا يحكم العقل بأحد الطرفين لا باستحقاق العقاب ولا بعدم استحقاقه، ولأجل عدم حكمه بحسن واحد منهما، يكون العقاب محتملاً ويستقل العقل بلزوم دفع العقاب مقطوعه ومظنونه ومشكوكه (1).
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره غير تام لوجهين:
أ: انّ العقل لا يتوقف في الحكم إذا كان الموضوع ممّا له به صلة.
ب: انّ في تجويز توقف العقل عن إصدار الحكم في الموضوع الذي هو المرجع فيه، إبطالاً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان وكيف يحتمل العقاب مع عدم كون الظن حجّة والبيان غير واصل.
هذا كلّه إذا أُريد من الضرر في الصغرى العقوبة الأُخروية.
وأمّا إذا أُريد من الضرر، المفاسد، فقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجهين:
الأوّل: انّ الظن بالتكليف يلازم الظن بالمصلحة أو المفسدة، لأنّهما من الأُمور التكوينية ولا تأثير للعلم والجهل فيهما، ولكن ليس كلّ مفسدة واجبَ الدفع. وذلك لأنّه ليس المراد منهما المصالح والمفاسد الشخصية، بل المصالح والمفاسد النوعية، والذي يستقل العقل بدفعه هو الضرر المظنون الشخصي، لا النوعي، ومثله المصلحة النوعية فليس في تفويتها أيّ ضرر شخصي، بل ربما يكون في استيفائها مفسدة كما في الإنفاق بالمال.

1 . كفاية الأُصول: 110 ـ 111.

(297)
الثاني: ليس الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في المأمور والمنهي عنها وإنّما هي تابعة لمصالح في نفس الأحكام.
وعلى ذلك فالصغرى أي الظن بالضرر الشخصي منتف، ومعه كيف يُسْتَدلُّ بالكبرى؟!
فإن قلت: إنّ الضرر الشخصي وإن كان منتفياً عند الظن بالحكم، لكن الظن بالمفسدة النوعية أو احتمالها ـ حسب ما ذكر ـ ليس منتفياً، والعقل مستقل بقبح مظنون المفسدة النوعية أو محتملها أو مظنون المصلحة أو محتملها.
قلت: قد أشار إلى هذا السؤال والجواب عنه بقوله: «ولا استقلال للعقل بقبح ما فيه احتمال المفسدة، أو ترك ما فيه احتمال المصلحة...».
وحاصل الجواب: انّ العقل إنّما يستقل في مجال المصالح والمفاسد النوعية في صورة العلم بهما دون الظن والاحتمال.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من تبعية الأحكام للمصالح النوعية ومفاسدها دون الشخصية، ليس بتام،إذ لا مانع من أن يكون في الحكم كلا الملاكين، كما في شرب المسكر والقمار وأكل الميتة والدم وغير ذلك.
وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ الأحكام تابعة لهما في نفس الإنشاء دون المتعلّق، غير تام أيضاً، ولو صحّ ما ذكره فإنّما يصحّ في الأوامر الامتحانية دون غيرها، ولو صحّ ما ذكره في عامة الأحكام لما وجب امتثالها، بعد حصول الملاكات، بالإنشاء.
وثالثاً: التفريق بين الضرر الشخصي المظنون والمحتمل والضرر النوعي كذلك بإيجاب دفع الأوّل دون الثاني عجيب جدّاً، ولا يحكم بذلك إلاّ العقل المادي الذي يقدم نفسه ونفعه على كلّ شيء، دون العقل الإلهي الذي يرى الناس سواسية، فلو وجب دفع الضرر الشخصي في مجالي الظن والاحتمال، يجب دفع الضرر النوعي أيضاً كذلك، فالأولى الإجابة بأحد الوجهين على نحو المانعة

(298)
الخلو:
1. الالتزام بالاحتياط فيما إذا كان الضرر خطيراً وإن كان من حيث الاحتمال ضعيفاً، كما إذا احتمل انّ المائع ممزوج بالسم المهلك، أو انّ شرب التتن يوجب احتراق المعمل المتعلّق بالشعب، فالعقلاء قاطبة على لزوم الاجتناب دون ما إذا كان الضرر طفيفاً وإن كان من حيث الاحتمال قويّاً، هذا من غير فرق بين الضرر الشخصي أو النوعي في كلتا الصورتين.
2. ما ذكره الشيخ من أنّ حكم الشارع بالبراءة في الشبهات يكشف إمّا عن عدم الأهمية، أو لوجود المصلحة الغالبة على المفسدة الحاصلة، كما يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري قال: إنّ الضرر وإن كان مظنوناً، إلاّ أنّ حكم الشارع قطعاً أو ظناً بالرجوع في مورد الظن إلى البراءة والاستصحاب وترخيصه لترك مراعاة الظن، أوجب القطع أو الظن بتدارك ذلك الضرر المظنون.(1)

الدليل الثاني على حجّية الظن المطلق

إذا ظن بوجوب السورة في الصلاة، فالأمر دائر بين الأخذ به و الأخذ بمقابله، أعني: عدم الوجوب الذي يعدّ بالنسبة إلى مقابله وَهْماً، فلو لم يُؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح.
وقد أجاب عنه الشيخ بوجهين، تارة بالنقض بكثير من الظنون التي حَرُمَ العمل بها إجماعاً كالقياس والاستحسان، وأُخرى بالحلّ واقتصر المحقّق الخراساني بالثاني، وإليك توضيحه:
إنّ المستدل قد أخذ لزوم الأخذ بأحد الطرفين (الظن أو الوهم) أمراً مسلماً، فاستنتج انّه لو لم يؤخذ بالظن،لزم الأخذ بالوهم، وهو ترجيح المرجوح على

1 . الفرائد: 109.

(299)
الراجح.
ولسائل أن يقول: لزوم الأخذ إمّا في مقام الإفتاء، أو في مقام العمل.
أمّا الأوّل فإنّما يدور الأمر بينهما إذا وجب عليه الإفتاء، ولكن لقائل أن يقول يحرم عليه الإفتاء والحال هذه، لأنّه إفتاء بما لا يعلم صحّته سواء كان جانب الظن أو جانب الوهم.
وأمّا الثاني فلأنّ الأمر لا يدور بينهما إلاّ إذا ثبتت قبله مقدمات ثلاث:
1. العلم الإجمالي بالتكاليف.
2. انسداد باب العلم والعلمي بالأحكام بمقدار يكفي في انحلاله.
3. بطلان الاحتياط لاستلزامه العسر والحرج وعدم جواز الرجوع إلى البراءة لاستلزامه الخروج عن الدين وعدم جواز التقليد.
فعندئذ ينحصر الطريق بالعمل بواحد من الطرفين، ولكنّه يرجع إلى دليل الانسداد، ولا يكون دليلاً مستقلاً.

الدليل الثالث على حجّية الظن المطلق

ما حكاه الشيخ الأنصاري، عن أُستاذه شريف العلماء، وهو عن أُستاذه السيد محمد المجاهد صاحب المناهل( المتوفّى سنة 1242هـ)، ابن السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ وحاصله:
انّه لا ريب في وجود واجبات ومحرمات كثيرة بين المشتبهات، ومقتضى ذلك، الاحتياط التام حتى في الموهومات، وبما انّ الاحتياط التام مستلزم للحرج، فمقتضى الجمع بين القاعدتين هو الاحتياط في المظنونات دون المشكوكات، لأنّ عكسه باطل بالإجماع.

(300)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره بعض مقدمات دليل الانسداد وقد أهمل ذكر بعضها الآخر، وهو انسداد باب العلم والعلمي أوّلاً، وعدم إهمال الوقائع المشتبهة ثانياً.

الدليل الرابع على حجّية الظن المطلق: دليل الانسداد

وهو مؤلَّف من مقدّمات يستقل العقل من تحقّقها بكفاية الإطاعة الظنية، حكومة أو كشفاً، وهي خمس وجعلها الشيخ أربع بحذف المقدمة الأُولى، وإليك بيانها:
الأُولى: العلم الإجمالي بوجود تكاليف كثيرة فعلية.
الثانية: انسداد باب العلم والعلمي.
الثالثة: لا يجوز لنا إهمالها وعدم التعرض لها.
الرابعة: لا يجوز أو لا يجب الاحتياط لعدم وجوبه بقوله سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(1) أو للإجماع كما لا يجوز الرجوع إلى الأُصول من استصحاب وبراءة، لعدم جواز الرجوع إلى الأُصول عند العلم الإجمالي ولا تقليد لحرمته على المجتهد.
الخامسة: لا بدّفي مقام الإطاعة إمّا من الاكتفاء بالإطاعة الوهمية أو الشكية أو الظنية، فعلى الأوّلين يلزم ترجيح المرجوح على الراجح فيتعين الثالث، أعني: الاكتفاء بالإطاعة الظنية.
هذا هو لبّ دليل الانسداد،وتسميته بالدليل العقلي مع كون بعض مقدماته شرعية، أعني: عدم وجوب الاحتياط لقيام الإجماع عليه، أو لدلالة قوله تعالى: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ)(2) لأجل انّ الدليل بصورة قياس

1 . الحج:78.
2 . الحج:78.

(301)
استثنائي مركب من قضية منفصلة حقيقة ذات أطراف كثيرة، وهي: إمّا أن يكون علم إجمالي بالتكاليف، أو لا يكون، وعلى الأوّل إمّا أن ينسد باب العلم والعلمي إلى كثير منها أو لا . وعلى الأوّل إمّا أن يجوز الإهمال أو لا، وعلى الثاني فالتعرض إمّا بالاحتياط أو بالأُصول العملية أو بالرجوع إلى القرعة أو بالإطاعة الوهمية والشكية أو الظنية.والكلّ باطل غير الأخير، فتعين الأخير.
وإليك دراسة المقدّمات واحدة تلو الأُخرى.

المقدمة الأُولى

العلم إجمالاً بثبوت تكاليف كثيرة فعلية في الشريعة.
وهذه المقدمة أسقطها الشيخ من مقدمات دليل الانسداد والحقّ معه، لأنّها إمّا أمر بديهي إذ أريد منه العلم بثبوت الشريعة وعدم نسخ أحكامها، أو راجعة إلى المقدمة الثالثة إذا أريد منها العلم الإجمالي بثبوت التكاليف في خصوص الوقائع المشتبهة التي لم يتبين حكمها ولذلك لا يجوز إهمالها وعدم التعرض لامتثالها أصلاً.
ولكن الظاهر من المحقّق الخراساني هو اختيار الوجه الأوّل، وبذلك تكون مقدمة بديهية لكن العلم الإجمالي بتكاليف فعلية في الشريعة ليس باقياً بحال إجماله بل كلّ ينحلّ بالترتيب التالي .
توضيحه: انّ لنا علوماً ثلاثة:
أ: علم إجمالي كبير، وهو العلم بوجود التكاليف في الواقع وانّ الشرع لم يترك الإنسان سدى.
ب: علم إجمالي صغير، وهو العلم بوجود عامة التكاليف بين الأمارات والأخبار الموجودة فيما بأيدينا.

(302)
ج: علم إجمالي أصغر ووجود عامة التكاليف المعلومة إجمالاً في خصوص الأخبار المودوعة في الكتب المعتبرة وغير المعتبرة التي يربو عددها على خمسين ألف حديث.(1)
فلازم ذلك العلم، الاحتياط في خصوص الأخبار الأعم من المعتبرة وغيرها ولا يورث مثل هذا الاحتياط،عسراً ولم يقم إجماع على عدم وجوبه في مورد الأخبار وإن قام الإجماع على عدم وجوبه في أطراف العلمين الأوّلين.
على أنّه سيوافيك إمكان انحلال ثالث العلوم برابعها أيضاً.

المقدمة الثانية

انسداد باب العلم والعلمي في معظم الفقه وعليها تدور رحى دليل الانسداد، وقد اقتصر بها صاحبا المعالم والوافية وإنّما أضاف إليها سائر المقدّمات المتأخرون عنهما، ولكن انسداد باب العلم بالنسبة إلى معظم الفقه صحيح لقلّة الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة لكن ادّعاء انسداد باب العلمي، أي ما دلّ الدليل القطعي على حجّيته بالنسبة إلى معظم الفقه، غير صحيح لما عرفت من الدليل القطعي على حجّية الخبر الموثوق بصدوره سواء حصل الوثوق بالصدور من وثاقة الراوي أو قرائن أُخر وهو بحمد اللّه متوفر وواف بمعظم الفقه على وجه لا يلزم الرجوع في غير مورد الخبر إلى الأُصول العملية محذور الخروج من الدين، أو مخالفة العلم الإجمالي ، لعدم العلم بالتكاليف في غير موارد الاخبار.
نعم لو قلنا بحجّية خصوص الصحيح الأعلائي الذي يكون جميع من ورد في السند إمامياً معدلاً بعدلين من أهل الخبرة، كان لما ادّعاه مجال، ولكن الاقتصار ه على خلاف ما دلّت عليه الأدلّة.

1 . الروايات الواردة في الجامع لأحاديث الشيعة تربو على خمسين ألف حديث.

(303)
أو قلنا بمقالة المحقّق القمي من أنّ الظهورات حجّة لمن قصد إفهامه من الكلام، فيدخل العمل بها لغير المشافهين تحت العمل بالظن المطلق، وقد عرفت عدم صحّة ما ذكر.

المقدمة الثالثة

لا يجوز إهمال الوقائع المشتبهة على كثرتها وترك التعرض لامتثالها بإجراء البراءة في جميعها ، ومع أنّ المقدمة قطعية كما قالها المحقّق الخراساني، لكن الشيخ الأنصاري استدل عليها بوجوه ثلاثة:
أ: الإجماع القطعي على أن ليس المرجع على تقدير انسداد باب العلم وعدم ثبوت الدليل على حجّية أخبار الآحاد بالخصوص، هو البراءة وإجراء أصالة العدم في كلّ حكم، بل لابدّ من إمتثال الأحكام المجهولة بوجه ما، وهذا الحكم وإن لم يصرح أحد به من القدماء بل المتأخرين في هذا المقام، إلاّ أنّه معلوم للمتتبع في طريقة الأصحاب بل علماء الإسلام طراً.
ب: انّ الرجوع في جميع تلك الوقائع المشتبهة حكمها إلى نفي الحكم، مستلزم للمخالفة القطعية المعبر عنها في لسان جمع من مشايخنا بالخروج عن الدين بمعنى انّ المقتصر على التدين بالمعلومات التارك للأحكام المجهولة، جاعلاً لها كالمعدومة يكاد يعد خارجاً عن الدين لقلّة المعلومات وكثرة المجهولات.
ج: لا يجوز الرجوع إلى البراءة من جهة العلم الإجمالي بوجود الواجبات والمحرمات، فانّ أدلّة البراءة مختصة بغير هذه الصورة.
والفرق بين الوجهين الأخيرين واضح، وهو انّ أوّل الوجهين مبني على عدم جواز المخالفة القطعية الكثيرة المعبر عنها بالخروج عن الدين، وهو محذور

(304)
مستقل; بخلاف ثانيهما، فهو مبني على عدم جواز مطلق المخالفة القطعية وإن لم تكن كثيرة.
وبعبارة أُخرى: أساس الثاني هو العلم الإجمالي المنجز ومعه لا تجوز المخالفة مطلقاً قلت أو كثرت، بخلاف الأوّل فانّ أساسه هو لزوم الخروج من الدين ولا يتحقق إلاّ بالمخالفة القطعية الكثيرة.
وقد اعتمد المحقّق الخراساني على الوجه الثاني وقال:
أمّا المقدمة الثالثة فهي قطعية ولو لم نقل بكون العلم الإجمالي منجّزاً مطلقاً أو فيما جاز أو وجب الاقتحام في بعض أطرافه، كما في المقام حسب ما يأتي، وذلك لأنّ إهمال معظم الأحكام وعدم الاجتناب كثيراً عن الحرام ممّا يقطع بأنّه مرغوب عنه شرعاً وممّا يلزم تركه إجماعاً .
ثمّ إنّه قدَّس سرَّه أشار إلى إشكال في المقام وقال ان قلت:
إذا لم يكن العلم بها منجزاً للزوم الاقتحام في بعض الأطراف كما أشير إليه،فهل كان العقاب على المخالفة في سائر الأطراف حينئذ على تقدير المصادفة، إلاّ عقاباً بلا بيان، والمؤاخذة عليها إلاّ مؤاخذة بلا برهان.
لكن يمكن الإجابة عنه بوجوه:
الأوّل: ما أفاده قدَّس سرَّه بتوضيح منّا انّ إيجاب الاحتياط في غير ما يرتفع به العسر، ليس أثر العلم الإجمالي حتى يقال انّه غير منجز، بل أثر علمنا باهتمام الشارع بمراعاة تكاليف بحيث لا ينافيه عدم إيجابه الاحتياط (فيما يرتفع به العسر) ولو بالالتزام ببعض المحتملات، وأمّا مصدر علمنا باهتمامه فهو إمّا الإجماع أو كونه مستلزماً للخروج عن الدين (الوجهان الأوّلان).
الثاني: انّ الاضطرار إلى بعض الأطراف إنّما ينافي تنجيز العلم الإجمالي إذا

(305)
كان الاضطرار إلى طرف معين لا إلى واحد لا بعينه كما سيوافيك،والاضطرار في المقام إنّما هو للبعض غير المعين لا المعين، لأنّ الاضطرار يرتفع بارتكاب بعض الأطراف لا بعينه.
الثالث: الفرق بين الاضطرار المقدّم على العلم الإجمالي، حيث يوجب عدم انعقاد العلم الإجمالي مؤثراً، لأنّ من شرائط تنجيز العلم الإجمالي كونه مؤثراً على كلّ تقدير، وهذا إنّما يتصور إذا لم يتقدّم الاضطرار على العلم إذ عندئذ (فرض التقدم) يكون مؤثراً على فرض وغير مؤثر على فرض. ومثل هذا ينافي العلم بتنجز التكليف على كلّ تقدير،وبين الاضطرار الحادث بعد العلم، فهو وإن كان رافعاً للعلم، لكنّه ليس برافع أثره، لأنّ العقل يحكم بوجوب الاجتناب لأجل العلم السابق المرتفع فعلاً، وانّ الضروريات تتقدر بقدرها، وهو الطرف الرافع للاضطرار، لا غيره. وسوف يوافيك تفصيله.
المقدمة الرابعة: في بطلان وجوب تحصيل الامتثال بالطرق المقررة للجاهل.
إنّ الطرق المقررة للجاهل أحد أُمور ثلاثة:
1. الاحتياط في المشتبهات مطلقاً.
2. الرجوع في كلّ مسألة إلى ما يقتضيه الأصل في تلك المسألة، ففي الشكّ في التكليف يرجع إلى البراءة، وفي الشكّ في المكلّف به إلى الاحتياط إلاّ إذا لم يمكن فيرجع إلى التخيير، وفي الشكّ في حكم سابق يحتمل بقاؤه يرجع إلى الاستصحاب.
3. تقليد الغير، ورجوع المجتهد الذي يعتقد بانسداد باب العلم إلى المجتهد القائل بالانفتاح وكلّ هذه الطرق باطلة، فلم يبق إلاّ العمل بالظن.
فيجب البحث في محاور ثلاثة:

(306)

1. الرجوع إلى الاحتياط

أمّا الرجوع إلى الاحتياط، فوجه بطلانه أحد أمرين على وجه القضية المانعة الخلو:
أ: الإجماع القطعي على عدم وجوبه في المقام، بمعنى العلم بسيرة العلماء في الفقه، وهو انّ المرجع في الشريعة على تقدير انسداد باب العلم، ليس هو الاحتياط في الدين، والالتزام بفعل كلّ ما يحتمل وجوبه ولو موهوماً وترك ما يحتمل حرمته كذلك.
ب: لزوم العسر الشديد، والحرج الأكيد لكثرة ما يحتمل خصوصاً في أبواب الطهارة والصلاة، مع عدم إمكان الاحتياط في بعض الموارد ، كما لو دار المال بين صغيرين يحتاج كلّ إلى صرفه عليه أو كما في المرافعات وعلى ذلك فلا مناص من العمل بالظن.
ثمّ إنّ الشيخ أورد إشكالاً على التمسك بأدلّة الحرج وقال: إنّ الأدلة النافية للعسر إنّما تنفي وجوده في الشريعة بحسب أصل الشرع أوّلاً وبالذات فلا تنافي وقوعه بسبب عارض لا يسند إلى الشارع ـ إلى أن قال: ـ ولا ريب في انّوجوب الاحتياط بإتيان كلّ ما يحتمل الوجوب وترك كلّ ما يحتمل الحرمة إنّما هو من جهة اختفاء أحكام الشريعة وليس مستنداً إلى نفس الحكم.
ثمّ أجاب عنه بأنّ الحرج وصف للحكم والمرفوع هو الحكم الحرجي ولا فرق فيه بين ما يكون بسبب يسند عرفاً إلى الشارع وهو الذي أريد بقولهم: دع ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالنذر، وبين ما يكون مسنداً إلى غيره، فانّ وجوب صوم الدهر على ناذره إذا بان فيه مشقة لا يحتمل عادة ،ممنوع، وكذا أمثالها من المشي إلى بيت اللّه جلّ ذكره وإحياء الليالي وغيرهما.

(307)
توضيحه: أنّ دليل نفي الحرج ينفي كلّ حكم حرجي سواء كان حرجياً حدوثاً، كما في إيجاب المسح على البشرة على من وضع المرارة عليها; أو بقاءً، كما في المقام فانّ امتثال الأحكام في هذه الظروف التي يتوقف امتثال واجب على الإتيان بعشرة أُمور، وترك المحرم على ترك أُمور كثيرة ناش من حفظ الحكم في المقام فيكون مدلولها نفي الحكم الذي ينشأ من قبله الحرج ولو باعتبار بقائه في حال الاشتباه(1).
وأمّا المحقّق الخراساني فقد وافق المستدل إذا استلزم الاحتياط اختلال النظام لا ما إذا استلزم الحرج، إذ لا حكومة لأدلته على إيجاب الاحتياط في المقام.
وتوضيح كلامه مبني على بيان أمرين:
1. انّ المرفوع هو نفس الحرج، لا الحكم، والحرج والضرر من أوصاف أفعال المكلّفين التي هي متعلقات الأحكام ، فلا يستدل بأدلّتهما إلاّ إذا كان نفس الفعل ومتعلّق التكليف حرجياً. ولذلك يصحّ الاستدلال على عدم وجوب مسح البشرة لمن عثر وسقط ظفره، لأنّ نفس الفعل ومتعلّق الحكم حرجي ولا يصحّ الاستدلال بها على عدم لزوم العقد الغبنيّ، لأنّ الفعل، أعني: نفس البيع ليس بحرجي وإنّما الحرج ناش من إيجاب العقد، وهو غير مرفوع.
2. انّ الغرض من رفع الفعل الحرجي إنّما هو رفع حكمه الشرعي، كما هو الحال في: لا شك لكثير الشك،ولا ربا بين الوالد والولد، وهذا الشرط ـ أعني: كون المتعلّق حرجياً وإن كان حاصلاً في المقام، لأنّ متعلّقه عبارة عن الإتيان بالمشتبهات الكثيرة، لكن حكمه، أعني: إيجاب الاحتياط ـ ليس شرعياً، بل هو حكم عقلي من باب حكمه بتحصيل الموافقة القطعية عند الاشتغال اليقيني.

1 . الفرائد: 121 ، طبعة رحمة اللّه; و111، طبعة محمد علي.

(308)
فعدم شمول أدلّة الحرج لأجل انتفاء الشرط الأخير، أي عدم كون حكم المرفوع حكماً شرعياً.

يلاحظ على ما ذكره بوجهين:

أمّا أوّلاً: فلأنّه لو صحّ ما ذكره فإنّما يصحّ في قوله: «لا ضرر» بناء على أنّ الضرر صفة الفعل، وانّ المرفوع خصوص الفعل الضرري ـ لا الحكم الضرري ـ لكن لغاية رفع حكمه، وأمّا القاعدة الأُخرى، فالدليل الواضح فيها قوله سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) فهو ظاهر في نفي الحكم الحرجي بقرينة قوله: (وما جَعَلَ) فانّ الجعل التشريعي يتعلّق بالحكم لا بالموضوع، والمقصود كما هو الظاهر من رواية «عبد الأعلى مولى آل سام » أعني قوله: «إنّ هذا وأشباهه يعرف من كتاب اللّه» هو الاخبار عن عدم جعل وجوب المسح على البشرة برفع ما عليها، فكيف يقاس هذا بهذا؟!
وأمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكره غير تام حتى في نفس «لا ضرر» ،لأنّه إذا كان المراد نفي الفعل الضرري بلحاظ نفي حكمه، يلزم ارتفاع حرمة الفعل الضرري وجواز الإضرار بالغير وهو خلاف المقصود قطعاً، إذ لو كان وزان «لا ضرر» هو وزان «لا ربا بين الولد والوالد» يكون المقصود ارتفاع حرمة الضرر، كارتفاع حرمة الربا بينهما، وهو غير صحيح بالضرورة. فتعين انّ المقصود إمّا ما اختاره الشيخ، أو ما ذهب إليه شيخ الشريعة من كون النفي بمعنى النهي، مثل قوله سبحانه :(فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الحَجّ)(1)، أو ما اختاره سيّدنا الأُستاذ من كون النهي حكماً سلطانياً وحكومياً، لا حكماً شرعياً وفرعياً. وسيوافيك تحقّيق الحال في محلّه فانتظر.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أشار إلى إشكال آخر، وهو انّه لا يصحّ الاحتجاج

1 . البقرة:197.

(309)
بالعلم الإجمالي على لزوم الاحتياط للزوم رفع اليد عن بعض الأطراف لأجل رفع الاضطرار، بل لابدّ من الاستدلال على وجوبه بالدليل الشرعي وهو الوجهان الأوّلان الماضيان في المقدمة الثالثة.
وقد عرفت الإشكال في كلامه عند البحث فيها بوجوه ثلاثة فلا يفيد.

الرجوع إلى الأصل في كلّ مورد

من الطرق المقررة للجاهل بالحكم الواقعي، الرجوع إلى الأصل في كلّ مسألة، فيرجع في الشك في التكليف إلى البراءة، وفي المكلّف به إلى الاحتياط إذا أمكن، وإلى التخيير إذا لم يمكن، وإلى الاستصحاب إذا كان للحكم سابق; ولكن العمل بهذا الطريق غير صحيح لما أفاده الشيخ بقوله:فالعمل بالأُصول النافية للتكليف في مواردها مستلزم للمخالفة القطعية الكثيرة، وبالأُصول المثبتة للتكليف من الاحتياط والاستصحاب مستلزم للحرج، وهذا لكثرة المشتبهات في المقامين.(1)
وأمّا المحقّق الخراساني فلم يوافق هذا الجزء من إجزاء الاستدلال، وحاصل ما أفاد: أنّ المانع عند الشيخ الأنصاري عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي، هو لزوم التناقض في مدلول الدليل الدال عليها، أعني قوله: «لا تنقض اليقين بالشك ولكن تنقضه بيقين آخر» مثلاً إجراء أصالة الطهارة في الإناءين المشتبهين باعتبار كونهما مسبوقي الطهارة يوجب دخولهما في صدر الحديث وكونهما محكومين بالطهارة، لكن مقتضى العلم بوجود النجاسة في البين هو نقضهما والحكم بوجوب الاجتناب ودخولها في قوله:«ولكن تنقضه بيقين آخر» وهذا ممّا يصد الفقيه عن القول بدخول أطراف العلم الإجمالي تحت أدلّة الأُصول.

1 . الفرائد: 126، أواخر المقدمة الثالثة للانسداد.

(310)
لكن المانع عن جريان الأُصول عند المحقّق الخراساني،هو وجود المخالفة القطعية، وذلك لأنّ الحكم بطهارة الاناءين المشتبهين ينتهي إلى شربهما معاً فيلزم المخالفة القطعية.
إذا علمت هذه المقدمة، فاعلم أنّ لكلام المحقّق الخراساني في المقام مقاطع ثلاثة:
1. لا مانع من جريان الأُصول في عامة الموارد المشتبهة ولا يلزم محذور التناقض في المقام، فلأنّ استصحاب عدم التكليف مثلاً بمقتضى قوله : لا تنقض اليقين بالشك في مورد، إنّما يستلزم التناقض إذا كان الشك في جميع الأطراف فعلياً بحيث لا يجري الأصل في مورد جزئي إلاّ ويجري في جميع الموارد المشتبهة، فالحكم بالبراءة في تلك الموارد، ينافي العلم بانتقاض الحالة السابقة في كثير منها، فاستصحاب عدم التكليف في هذه الموارد، تمسكاً بالصدور يناقضه العلم بانتقاض الحالة السابقة في كثير منها فيصدق قوله : ولكن تنقضه بيقين آخر.
وأمّا إذا لم يكن الشكّ فعلياً إلاّفي مورد جزئي ولم يكن سائر الأطراف مورداً للالتفات، فلا يلزم التناقض لعدم العلم بانتقاض الحالة السابقة في هذا المورد الذي جرى فيه استصحاب عدم التكليف والبراءة منه.
2. لا مانع من جريان الأُصول إذا قلنا بأنّ المانع عن جريانها هو لزوم المخالفة القطعية، فإنّ إجراء أصل الطهارة في كلا الإناءين واستعمالها فيما يشترط فيه الطهارة يستلزم المخالفة القطعية، لكن ذلك الملاك غير موجود في المقام، وذلك:
لأنّ العلم الإجمالي الكبير، بالتكاليف في المظنونات والمشكوكات والموهومات منحل ببركة أمرين:

(311)
أ: ما علم تفصيلاً أو نهض عليه دليل علمي.
ب: الأُصول المثبتة للتكاليف.
فبعد هذا لا يبقى علم بالتكليف بل يكون المقدار منطبقاً على المعلوم بالتفصيل.
ولو افترضنا عدم انحلاله وبقاء العلم الإجمالي بالتكليف لكنّه ليس على وجه يستكشف معه الاحتياط بالوجهين السابقين في المقدمة الثالثة، أعني: الإجماع والخروج عن الدين.
وعند ذلك فلا يبقى وجه للاحتياط وتكون الأُصول ـ نافيها ومثبتها ـ جارية بلا إشكال.
3. على فرض عدم الانحلال، يلزم القول بالتبعيض في الاحتياط، أي الاحتياط في مظنونات التكاليف ومشكوكاتها وموهوماتها. لا مطلق محتملات التكليف حتى يجب الاحتياط في موارد دلّ الدليل على التكليف، أعني: الدليل العلمي والأُصول المثبتة، ولو افترضنا لزوم العسر والحرج في الموارد الثلاثة فيقصر بموارد الظن بالتكليف.
وأمّا الجزء الثالث من أجزاء الاستدلال فواضح لا يحتاج إلى البحث ضرورة انّ التقليد لا يجوز إلاّللجاهل لا للفاضل الذي يخطئ رأي القائل بالانفتاح.
هذا تمام الكلام في نقد المقدمة الرابعة، أضف إليه انّ المطلوب غير حاصل منها على فرض صحّتها، لأنّ المقصود إثبات حجّية الظن على وجه يقع في عداد الكتاب والسنة القطعية على وجه يخصص به عموم الكتاب والسنة وإطلاقهما حتى ولو كان مفاده على خلاف الاحتياط ولكن الحاصل منها هو حجّية الظن من باب الاحتياط. فيقتصر في العمل به بالموارد التي يكون العمل بها موافقاً للاحتياط... وهو غير المطلوب في المقام.

(312)

المقدمة الخامسة

إذا وجب التعرض لامتثال الأحكام المشتبهة ولم يجز إهمالها بالمرة كما هو مقتضى المقدّمة الثالثة وثبت عدم وجوب الامتثال على وجه الاحتياط، وعدم جواز الرجوع إلى الأُصول الشرعية إمّا لاستلزام جريانها طروء التناقض، أو المخالفة القطعية كما هو مقتضى المقدمة الرابعة، تعين التعرض لأمثال الأحكام المشتبهة على وجه الظن بالواقع، إذ ليس بعد الامتثال العلمي، والامتثال الظني بالظن الخاص، امتثال مقدّم على الامتثال الظني.
توضيح ذلك: انّ للامتثال مراتب أربع:
1. الامتثال العلمي التفصيلي، وهو أن يأتي بما يعلم تفصيلاً انّه هو المكلّف به وفي معناه إذا ثبت كونه المكلف به بالظن الخاص، فالعمل بالخبر الواحد والأُصول التي تثبت حجّتها بالدليل من مصاديق هذه المرتبة.
2. الامتثال العلمي الإجمالي، وهو العمل بالاحتياط في الشبهات البدوية والمقرونة بالعلم الإجمالي.
3. الامتثال الظني، أي أن يأتي بما يظن المكلف به ولم يقم دليل بالخصوص على حجّيته.
4. الامتثال الاحتمالي، كالتعبد ببعض محتملات المكلّف به.
وهذه المراتب لا يجوز عند العقل العدول عن سابقتها إلى لاحقتها إلاّ مع تعذّرها، فإذا تعذرت الأُولتان بتعين الامتثال بصورة الظن بالمكلّف به لقبح الامتثال الشكي أو الوهمي، مع إمكان الامتثال الظني وعلى هذا يصبح الظن حجّة.
وأمّا انّ نتيجة دليل الانسداد إجمالاً هي حجّية مطلق الظن أوحجّيته في

(313)
الجملة فهو كلام آخر يبحث عنه في تنبيهات الدليل هذا.
ولكن القياس إنّما ينتج إذا كانت المقدمات سليمة عن النقد، وقد عرفت أنّ أكثر المقدّمات غير خالية عن الإشكال.
أمّا الأُولى، فقد عرفت أنّ العلم الإجمالي الكبير ينحل بالصغير وهو بالأصغر، فغاية الأمر يلزم الاحتياط بما في ردّ الأخبار من الأحكام ولا يلزم منه العسر والحرج، وهذا غير كون الظن حجّة.
أمّا الثانية، فلما عرفت من أنّ باب العلم وإن كان مسدوداً، ولكن باب العلمي ليس بمسدود.
أمّا الثالثة، فهي لا غبار عليها إذ لا يجوز الإهمال لوجوه ثلاثة، وإن أشكل المحقّق الخراساني على الوجه الثالث بعدم تنجيز العلم الإجمالي في المقام لجواز ارتكاب بعض الأطراف، وقد تقدّم دفع إشكاله بوجهين من أنّ الاضطرار إلى أحد الأطراف، أوّلاً ، وعروضه بعد العلم ثانياً لا يخلّ بتنجيز العلم الإجمالي.
وأمّا المقدمة الرابعة، فقد أورد عليها المحقّق الخراساني إشكالات:
1. أمّا الرجوع إلى الاحتياط فهو إن كان حرجياً لكن أدلّته لا تشمل المقام لاختصاصها بالفعل الحرجي المحكوم بحكم شرعي والاحتياط وإن كان حرجياً لكنّه محكوم بحكم عقلي لا شرعي.
والرجوع إلى الأُصول مثبتة للتكليف أو نافية خال عن الإشكال، لعدم لزوم المتناقض أوّلاً ، كما هو مسلك الشيخ في عدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي لعدم كون جمع الأطراف محلاً للابتلاء.
ولا المخالفة العملية ثانياً كما هو مبنى المحقّق الخراساني، لأنّ العلم الإجمالي بالتكليف ينحل ببركة أُمور ثلاثة: العلم بالتكليف، قيام الدليل العلمي

(314)
به، والأُصول المثبتة له.
3. ولو قيل بعدم الانحلال، فلا مانع من الاحتياط في الصور الثلاث، أي مظنون التكليف، محتمله وموهومه، لا كلّ المحتملات حتى في موارد الأُصول المثبتة للتكليف، بل يكتفي فيها بنفس الأُصول، ولا يجب الاحتياط.
وبذلك يثبت انّ القياس عقيم ولا ينتج حجّية الظن المطلق أصلاً، فإذا بطل الدليل، فالبحث عن نتائجه على فرض الصحّة أمر غريب فتح بابه الشيخ الأنصاري وتبعه المحقّق الخراساني والمحقّق النائيني ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ.
ولكن أرى ترك التعرض لها في هذه الأعصار أولى.
غير انّ المحقّق الخراساني ذيل التنبيهات بخاتمة ذكر فيها أمرين قابلين للبحث والدراسة.

(315)

خاتمة

وفيها أمران:

الأمر الأوّل: هل الظن حجّة في العقائد أو لا؟

قد ثبت بفضل البحوث السابقة انّ الظن الخاص حجّة في الفروع وانّ الظن المطلق ليس بحجّة أصلاً، بقي الكلام في حجّية الظن خاصها ومطلقها في الأُصول والعقائد، وإشباع البحث يتوقف على الكلام في محاور.

1. ما هي الأقوال في المسألة؟

قد اختلفت كلماتهم في اعتبار الظن في الأُصول على أقوال:
الأوّل: اعتبار العلم الحاصل من النظر والاستدلال، وهو المعروف بين العلماء وادّعى عليه العلاّمة في الباب الحادي عشر إجماع العلماء.(1)
الثانــي: اعتبار العلم واليقين وإن حصل من التقليد أو من قول الفرد أو الجماعة.
الثالــث: كفاية الظن مطلقاً.
الرابـــع: كفاية الظن المستفاد من النظر.
الخامس: كفاية الظن المستفاد من الخبر.
السادس: كفاية الجزم بل الظن من التقليد مع كون النظر واجباً مستقلاً، ولكنّه معفو عنه.
هذه هي الأقوال التي ذكرها الشيخ الأنصاري في المقام.(2)

1 . الباب الحادي عشر : 4.
2 . الفرائد:169.

(316)

2. هل يجوز العمل بالظن الانسدادي في العقائد؟

لا يجوز العمل بالظن الانسدادي ولا بالظن الخاص في القسم الثاني، أعني: ما يجب فيه عقد القلب إن حصل العلم، أمّا الانسدادي فلعدم جريان مقدماته الخمس في هذا القسم، لأنّ الواجب في هذا القسم هو التديّن بالواقع على تقدير حصول العلم وهو غير حاصل. هذا من جانب ومن جانب آخر الاحتياط في المقام ممكن بلا محذور، وهذا بخلاف الفروع العملية، فانّ الاحتياط فيها لا يخلو عن أحد المحاذير.
أضف إلى ذلك من لزوم التشريع من التعبد بالظن الانسدادي، لأنّ المطلوب في الأُمور الجوانحية هو التديّن، والعمل بالظن الانسدادي فيها مخالفة قطعية، بالنسبة إلى حرمة التشريع وموافقة احتمالية بالنسبة إلى وجوب التديّن بالعقيدة الحقّة، والعقل لا يجوّز المخالفة القطعية لأجل الموافقة الاحتمالية، وهذا بخلاف الفروع فانّ المطلوب فيها هو العمل دون التديّن.

3. هل يجوز العمل بالظن الخاص؟

هل يجوز العمل بالخبر الواحد في الأُصول الاعتقادية؟ يظهر من الشيخ جوازه حيث قال: فلا مانع من وجوبه في مورد الخبر الواحد، بناء على أنّ هذا نوع عمل بالخبر الواحد، فانّ ما دلّ على وجوب تصديق العادل لا يأبى عن ذلك.(1)
ويظهر أيضاً من صاحب مصباح الأُصول حيث قال: إنّه لا مانع من الالتزام بمتعلّقه وعقد القلب عليه، لأنّه ثابت بالتعبد الشرعي.(2)

1 . الفرائد: 170، ط رحمة اللّه.
2 . مصباح الأُصول:2/238.

(317)
ولكن الاعتماد على خبر الواحد في أُصول الفقه، فضلاً عن أُصول العقائد، فرع وجود إطلاق في أدلّة حجّية خبر الواحد التي عمدتها أو وحيدها هو السيرة العقلائية، والقدر المتيقن منها هو ما يرجع إلى غير هذا القسم، على أنّه لم يعهد من أعاظم الأصحاب كالمفيد والمحقّق العمل بأخبار الآحاد في الأُصول، فالتوقف في هذا القسم وعقد القلب بما هو الواقع هو الأولى.

4. ما يجب فيه تحصيل العلم

إذا ثبت عدم جواز العمل بالظن في الأُصول الاعتقادية يجب تحديد دائرة ما يلزم تحصيل العلم به، فيظهر من العلاّمة في الباب الحادي عشر لزوم تحصيل العلم بتفاصيل التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد مدعياً انّ الجاهل بها عن نظر واستدلال خارج عن ربقة الإسلام مستحق للعذاب الدائم.
ولكنّه غير تام، فانّ معرفة الصانع ببعض صفاته الثبوتية، مثل كونه عالماً، قادراً، حيّاً، سميعاً، بصيراً، وصفاته السلبية، مثل كونه غير جسم، ولا مرئي، ولا في مكان وزمان خاص، أو معرفة نبيّه، وإمامه، ويوم ميعاده، ممّا يمكن ادّعاء لزوم معرفته عقلاً، وانّه يجب تحصيل العلم فيها، لأنّ الآثار المتوخاة من التدين بها ليست حاصلة إلاّ بعد المعرفة، ولا يكفي فيها عقد القلب بالواقع، وإن لم يعرفه مشخصاً، وأمّا ما وراء ذلك فلزوم تحصيل العلم به وعدم كفاية عقد القلب ممّا يحتاج إلى الدليل السمعي.
وقد ادّعى الشيخ الأنصاري وجود بعض الإطلاقات في الأدلة الشرعية الحاكمة بلزوم تحصيل العلم في الأُمور الاعتقادية.
1. مثل قوله تعالى: (وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُون)(1) أي

1 . الذاريات:56.

(318)
ليعرفون.
2. قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس»(1)، بناء على أنّ الأفضلية من الواجب مثل الصلاة تستلزم الوجوب.
3. عمومات وجوب التفقّه في الدين الشامل للمعارف بقرينة استشهاد(2) الإمام ـ عليه السَّلام ـ بها بوجوب النفر لمعرفة الإمام بعد موت الإمام السابق.
4. عمومات طلب العلم.(3)
فنتيجة هذه الإطلاقات هو لزوم معرفة ما جاء به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على كلّ قادر يتمكن من تحصيل العلم، فيجب الفحص حتى يحصل اليأس، فإن حصل العلم بشيء من هذه التفاصيل اعتقد، وإلاّتوقف ولم يتدين بالظن لو حصل.(4)
ولا يخفى انّ ما ذكره من الإطلاقات غير تام، لعدم ورودها في بيان ما يجب التدين والاعتقاد به حتى يؤخذ بإطلاقها.
أمّا الأوّل: فالظاهر انّ المراد منه هو معرفة اللّه سبحانه لا كلّ ما جاء به النبي في مجال المعارف بدليل انّ اللام للغاية، والنون للوقاية والمعنى: أي بعبادتي وعرفاني لا مطلق مايجب معرفته.
وأمّا الثاني: فالحديث في مقام بيان أهمية الصلوات الخمس، لا في مقام بيان ما يجب معرفته حتى يؤخذ بإطلاق قوله بعد المعرفة.

1 . جامع أحاديث الشيعة:4/3، الأحاديث 1ـ4.
2 . نور الثقلين:2/282، الحديث 406 وجاء فيه: أفيسع الناس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الذي بعده؟ فقال: أمّا أهل هذه البلدة فلا ـ يعني المدينة ـ وأمّا غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم أنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفرُوا كافَّةً فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين...) .
3 . بحار الأنوار:1/162ـ 221.
4 . الفرائد: 171، طبعة رحمة اللّه.

(319)
وأمّا الثالث: فبمثل ما أجبنا عن الثاني، فالآية في مقام الحث على النفر، وكيفيته، لا في مقام بيان ما يجب أن يتفقّه فيه، وقد تمسك الإمام بالآية لإثبات كيفية التعرّف على الإمام بعد تسليم لزوم معرفته.
وأمّا الرابع: فهو في مقام بيان لزوم تحصيل العلم لا في بيان ما يجب تعلمه.
هذا كلّه فيما يجب المعرفة مستقلاً، وقد عرفت أنّه لا دليل على وجوب معرفة ما ادّعى العلاّمة لزوم معرفتها، إلاّمعرفة الصانع وتوحيده، وبعض صفاته ومعرفة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإمامه ويوم ميعاده.
نعم يكفي تحصيل اليقين أو حصوله من دون حاجة إلى الاستدلال لعدم الدليل على اشتراطه .

حدّ ما يجب تحصيل العلم في الروايات

قد عرفت أنّ ما يدّعيه العلاّمة من وجوب تحصيل العلم بتفاصيل الأُصول الخمسة لا يمكن موافقته، إذ لم يدلّ دليل على هذا اللزوم لا من الكتاب ولا من السنّة ولا من العقل ولا من الإجماع.
ويظهر من غير واحد من الروايات انّ ما يجب تحصيل العلم به لا يتجاوز عن أُمور ثلاثة: التوحيد، والرسالة ـ وهما دعامتا الإسلام ـ والولاية وهي دعامة الإيمان ـ ولم يذكر المعاد ;لأنّ معرفة النبوة تلازم الاعتقاد بالمعاد، إذ لا يتحقّق الدّين بمعناه الحقيقي من دون اعتقاد بالمعاد.
روى سماعة، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أخبرني عن الإسلام والإيمان، أهما مختلفان؟ فقال: «إنّ الإيمان يُشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان» فقلت: فصفهما لي، فقال: «الإسلام شهادة أن لا إله إلاّاللّه والتصديق برسول اللّه،

(320)
به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس».(1)
وفي رواية سفيان بن السمط، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصيام شهر رمضان، فهذا الإسلام، وقال: الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا».(2)
وبهذا المضمون ما ورد في صحاح أهل السنّة روى البخاري، عن عمر بن الخطاب أنّ علياً«صرخ» (عندما بعثه النبي لمقاتلة أهل خيبر) :يا رسول اللّه على ماذا أُقاتل؟ قال: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وانّ محمّداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على اللّه».(3)
كلّ هذه الروايات تحدّد الواجب من المعرفة وانّها لا تتجاوز معرفة الأصلين في تحقّق الإسلام والولاية في تحقّق الإيمان.
هذه هي الضابطة ولو دلّ دليل على وجوب معرفة شيء آخر كمعرفة أحكام الصلاة فيكون أمراً رابعاً وخامساً.

في الجاهل القاصر

قد عرفت انّه يجب تحصيل العلم فيما تجب معرفته ولا يكفي الظن لعدم الدليل على كفايته.
فعلى ذلك فالمتمكن من المعرفة جاهل مقصر معاقب، إنّما الكلام في الجاهل القاصر، فيقع الكلام فيه من وجوه:

1 . أُصول الكافي: 2/25 ،باب انّ الإيمان يشارك الإسلام،الحديث 1.
2 . المصدر نفسه: 24، باب انّ الإسلام يحقن به الدم ، الحديث 4.
3 . البخاري: الصحيح:1/10، كتاب الإيمان ;صحيح مسلم:7/17 كتاب فضائل علي ـ عليه السَّلام ـ ; إلى غير ذلك من الروايات.

(321)

5. في وجود الجاهل القاصر وعدمه

لا شكّ في وجود الجاهل القاصر، إمّا لقلة الاستعداد وغموض المطلب أو وجود الغفلة وعدم احتمال خلل في معتقده، كما هو المشاهد في كثير من النساء والرجال، وعلى ذلك فالجاهل القاصر معذور لقصوره أو غفلته.
نعم إنّما يكون معذوراً وغير معاقب على عدم معرفة الحقّ إذا لم يكن يعانده بل كان ينقاد له لو عرفه.
وربما يتصور عدم وجود الجاهل القاصر في العقائد لوجوه قاصرة:
1. الإجماع على أنّ المخطئ في العقائد غير معذور، وصحّة الإطلاق يتوقف على عدم وجود القاصر، وإلاّلبطل مع كون القاصر معذوراً.
يلاحظ عليه: أنّ مصبَّ الإجماع هو الجاهل المتمكن، فلا يدل إطلاقه على عدم وجود القاصر.
2. انّ المعرفة غاية الخلقة، فلو قلنا بوجود الجاهل القاصر يلزم نفي الغاية مع أنّها لا تنفك عن فعل الحقّ سبحانه.
قال تعالى: (وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْس إِلاّليَعْبُدُون) .(1)
يلاحظ عليه: أنّ الغاية غاية للنوع لا لكلّ فرد لبداهة وجود المجانين والأطفال الذين يتوفون في صباهم.
3. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الُْمحْسِنِين)(2) حيث جعل الملازمة بين المجاهدة والهداية التي هي المعرفة، فلو لم يكن الطرفان ممكنين لم تصح الملازمة فعدم هداية الجاهل القاصر لعدم جهاده.

1 . الذاريات :56.
2 . العنكبوت:69.

(322)
يلاحظ عليه: أنّ الآية بصدد بيان الملازمة بين المتمكن من الجهاد والهداية والملازمة بينهما مسلمة، وأمّا غير المتمكن كالقاصر فهو خارج عن الآية كخروج المجانين والأطفال الذين يتوفون في صباهم.
وربما يجاب عن الاستدلال بالآية بأنّ المراد هو مجاهدة النفس، والمراد هو الجهاد النفسي لا الجهاد في سبيل معرفة الرب وشتان ما بينهما، ولكنّه غير خال عن التأمل، لأنّ هذه الآية وما قبلها تقسم الناس إلى أصناف ثلاثة:
الصنف الأوّل: المفتري على اللّه.
الصنف الثاني: المجاهد في سبيله.
الصنف الثالث: المحسن.
أمّا الأوّل: فوصفهم سبحانه بقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرين)(1) وهذه الطائفة خارجة عن طريق الحقّ لا تُرجى هدايتهم ووصولهم إلى الحقّ، بل كلّما ازدادوا سيراً ازدادوا بعداً وجهلاً.
والثاني: يهديهم ربّهم إلى سبله لقوله سبحانه: (لنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنا)فمن أخطأ فلتقصير منه، إمّا لعدم إخلاصه في السعي، أو لتقصيره فيه.
والثالث: وصلوا إلى قمّة الكمال في حقلي الإيمان والعمل وصاروا مع اللّه سبحانه لقوله :(وانّ اللّه لَمَعَ الُْمحْسِنين) .
ومع ذلك فكيف قُصِّر مفاد الآية بالجهاد مع النفس مع ظهور إطلاقها؟!
4. قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّه الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكِنّ أَكْثَرَ النّاس لا يَعْلَمُون)(2) فانّ

1 . العنكبوت:68.
2 . الروم:30.

(323)
قوله (فِطَرت اللّه) عطف بيان أو بدل من الدين، نصب بفعل مقدر، مثل أعني أو أخص، وإلاّ لكان الواجب أن يكون مجروراً بحكم البدلية، ولازم ذلك أن تكون معرفته سبحانه أمراً فطرياً وخلقياً، لا يقبل القصور كسائر الأُمور الوجدانية.
والظاهر انّ الآية أوضح ما في الباب، وهي تدل على عدم وجود القاصر في معرفة الرب، وانّ للعالم خالقاً وصانعاً، وانّه واحد لا شريك له في ذاته، وهو أمر لا يقبل القصور إلاّ إذا عاند الإنسان فطرته وأنكر وجدانه لغاية مادية كالانحلال من القيود الشرعية، ولأجل ذلك لا يبعد ادّعاء عدم وجود القاصر في باب التوحيد.
إنّما الكلام في غيره كباب النبوة والإمامة والمعاد،والآية لا تدل على عدم وجود القصور فيها بشهادة انّ قوله: (حَنيفاً) تدل على أنّ التوحيد هو الموافق للفطرة لا الشرك.
نعم، أكثر الكبريات الواردة في مجال الفروع أُمور فطرية كالدعوة إلى الزواج وإكرام الوالدين ورد الأمانة وحرمة الخيانة لكن الكلام في الأُصول لا الفروع.
5. دلّت العمومات على حصر الناس في المؤمن والكافر.
ودلّت الآيات على خلود الكافرين بأجمعهم في النار.
ودلّ الدليل العقلي بقبح عقاب الجاهل القاصر.
فإذا ضم الدليل العقلي إلى العمومات المتقدمة ينتج عدم وجود القاصر في المجتمع الإنساني، لأنّ ما في المجتمع بين مؤمن وكافر وكلّ كافر محكوم بالعذاب ولا تصدق الكبرى إلاّ مع عدم وجود الكافر الجاهل القاصر فيهم، وإلاّ لخص بغير القاصر وهو خلاف الظاهر.
يلاحظ عليه: أنّ حصر الخلق في المؤمن والكافر غير حاصر لوجود الواسطة

(324)
بينهم، أعني: القُصّر، كالسفيه والصغير والمجنون.
وأمّا الكبرى الثانية فناظرة إلى المتمكن من المعرفة، لأنّ عقاب العاجز القاصر قبيح فضلاً عن خلوده في النار، فالكبرى كلية غير مخصصة لكنّها واردة في حقّ المتمكن، لا كلّ إنسان وإلاّ تمنع كليّتها.

6. هل الجاهل القاصر كافر؟

لا شكّ انّ الجاهل القاصر ليس بمؤمن ولا مسلم، إنّما الكلام في أنّه هو كافر، والمعروف بين المتكلّمين انّه لا واسطة بين الإيمان والكفر إلاّ المعتزلة حيث ذهبوا إلى وجود الواسطة بينهما وجعلوا مرتكب الكبيرة واسطة بين المؤمن والكافر والكتاب العزيز يوافق الحصر قال سبحانه:(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير )(1) ولكن قولهم كالآية ناظر إلى عالم الثبوت، فالناس بالنظر إليه غير خارجين عن الصنفين إنّما الكلام في الإطلاق والتسمية، فهل يصحّ إطلاقه على القاصر لفقدان الاستعداد، أو لوجود الغفلة أو المانع أو لا؟ يظهر من بعض الروايات كونهم متوسطين بين الكفر والإيمان قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ تَوفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً* إِلاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبيلاً*فَأُولئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً) .(2)
فقد استثنى سبحانه المستضعفين الذين ليس لهم قدرة الخروج ولا عرفان

1 . التغابن:2.
2 . النساء:97ـ 99.

(325)
الطريق فما آيسهم سبحانه من عفوه، ويظهر من غير واحد من الروايات انّهم غير محكومين لا بالكفر ولا بالإيمان.
روى العياشي عن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أتزوج المرجئة أو الحرورية أو القدرية؟ قال: لا عليك بالبله من النساء قال زرارة: ما هو إلاّمؤمنة أو كافرة، فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :« أين استثناء اللّه. قول اللّه أصد ق من قولك: (إِلاّ المُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجال وَالنِساء )».(1)
روى حمران بن أعين في تفسير قوله سبحانه: (وَآخَرُونَ مُرجَوْنَ لأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيهِمْ واللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم) .(2) عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:« إنّهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكافرين، وهم المرجون لأمر اللّه».(3) والمرجون،جمع المُرجى من أرجى، يرجي، يقال: أرجى الأمر: أخّره، واسم المفعول منه: مرجى، والجمع: مرجون، وهم المشركون،لكن يؤخّر أُمورهم رجاء شمول رحمته سبحانه لهم.
إلى غير ذلك من الروايات التي جمعها العلاّمة المجلسي في بحاره، فلاحظ.

7. الجاهل القاصر والحكم الوضعي

هل الجاهل القاصر، محكوم بالأحكام الوضعية الثابتة للكافر، كنجاسته،وحرمة ذبيحته وتزويجه أو لا؟ التصديق الفقهي يتوقف على معرفة لسان الأدلة في هذه الروايات، فهل الموضوع، هو الكافر، أو غير المسلم أو غير المؤمن باللّه ورسوله؟ فعلى الأوّل لا يحكم بشيء من هذه الأحكام، بخلاف الثاني، والحكم القطعي يتوقف على دراسة المسألة في الفقه.

1 . البحار:69/ 164، باب المستضعفين ، الحديث 24; وفي الباب روايات بهذا المضمون.
2 . التوبة:106.
3 . البحار:69/165، باب المستضعفين، الحديث29.

(326)

8. هل الجاهل القاصر معاقب؟

قد تبيّن ممّا ذكرنا حكم العقاب وانّه فرع التمكن والقدرة والمفروض عدمهما، وما يظهر من المحقّق الخراساني في هامش كفايته من صحّة العقوبة، فهو مرفوض بالعقل والنقل، واحتمال انّه من لوازم الأعمال، أمر غير ثابت، لاحتمال كون العقاب من لوازم اعمال المتمكن لا القاصر.
هذا كلّه، حول الجاهل القاصر المعبّر عنه بالمستضعف الديني، وأمّا الكلام في المستضعف السياسي أو الاقتصادي فخارج عن هدف الكتاب.

الأمر الثاني: في كون الظن جابراً وموهناً ومرجحاً

هل الظن غير المعتبر، يكون جابراً، أو موهناً، أو مرجّحاً، أو لا من غير فرق بين تعلّق النهي بالعمل به، وعدمه؟ والأقسام المتصورة تناهز اثني عشر قسماً، لأنّ كلاً من الجبر والوهن والترجيح تارة يتعلق بالسند وأُخرى بالدلالة، فيضرب الاثنان في الثلاثة المذكورة، ثمّ تضرب النتيجة في الاثنين، لأنّ الظن تارة يكون منهياً عنه وأُخرى لا يكون كذلك، فيناهز اثني عشر.
أمّا الستة الأُولى من أقسام الظن المنهي عنه فلا تصلح لا للجبر، ولا للوهن، ولا الترجيح، لا في السند ولا في الدلالة، لأنّ فرض كونه جابراً أو موهناً أو مرجحاً نحو إعمال له والمفروض النهي عنه على وجه الإطلاق، فبذلك تخرج الأقسام الستة عن صلاحية الدراسة.
وأمّا الظن غير المعتبر وغير المنهى عنه فافتراض كونه مرجحاً لتقديم سند إحدى الروايتين على الأُخرى أو دلالتها كذلك، مبني على ما يأتي في مبحث التعادل والترجيح من لزوم الاقتصار على المرجحات المنصوصة أو جواز التعدي

(327)
عنها إلى غير المنصوص منها، ذهب الشيخ إلى الأوّل وغيره إلى الثاني، وهو المختار عندنا، لأنّ المحكم في باب تعارض الدليلين، هو روايات التخيير، فالخروج عنه يتوقف على الدليل وهو منفي في غير المنصوص كما سيوافيك.
فيبقى الكلام في الأقسام الأربعة: الجبر والوهن بقسميهما:

1. كون الظن جابراً للسند

هل الظن غير المعتبر يكون جابراً لضعف السند، كالشهرة على القول بكونها غير حجّة بأن يكون عمل الأصحاب جابراً لضعف السند، كما إذا ورد في السند من لم يوثق لكن عمل الأصحاب بها؟ فلو قلنا بأنّ الحجّة هو خبر الثقة ، فلا يكون جابراً، لأنّ عملهم بالخبر ليس دليلاً على كونه ثقة، ولو قلنا بأنّ الحجّة هو الخبر الموثوق بصدوره سواء كان الراوي ثقة أو لا، أو الموثوق بصحّة مضمونه فيصلح لأن يكون جابراً، لأنّ عمل الأصحاب يورث الوثوقَ بصدور الرواية أو الوثوق بصحّة المضمون.

2. كون الظن جابراً لضعف الدلالة

إذا كانت دلالة الرواية على الحكم المطلوب غير واضحة ولا محكمة ولكن حملها المشهور على معنى خاص، كالكراهة المشتركة بين الحرمة والكراهة المصطلحة، فهل يكون الظن جابراً لضعفها؟ الظاهر لا، لأنّ الأمارة الخارجية لاتثبت ظهورَ اللفظ، والمفروض انّ الحجّة هو ظاهر اللفظ وما هو المتبادر منه عرفاً بما هو هو لا بمعونة قرينة خارجيّة لم تثبت حجّيته، اللّهمّ إلاّ إذا حصل الاطمئنان باحتفاف الكلام ببعض القرائن الحالية المورثة في ظهور اللفظ في المطلوب،وإن كان اللفظ خالياً عنها.

(328)

3، 4. كون الظن موهناً للسند أو الدلالة

إذا كانت الرواية تامة من حيث السند والدلالة، لكن تعلّق الظن الخارجي بعدم صدورها أو عدم دلالتها، فالظاهر عدم نهوضه بذلك إلاّ إذا حصل الاطمئنان بأحدهما، لإطلاق حجّية الخبر سنداً ودلالة وشموله لما كان الظن على خلافه.
هذا كلّه حسب تقرير القوم، لكن للشهرة عندنا حساباً آخر، وقد عرفت أنّها حجّة بنفسها عند عدم التعارض،ومميّزة للحجّة عن غيره عنده، ولأجل ذلك تكون الشهرة جابرةً لضعف السند وضعف دلالة الرواية، وموهنة لهما إذا كانت على خلاف الرواية، نعم ما ذكروه صحيح في غيرها.

(329)

المقصد السابع: في الأُصول العملية

الأصل الأوّل:

أصل البراءة

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً.
الأوّل: قد مرّ في تعريف أُصول الفقه: انّها عبارة عن القواعد التي تستنبط بها الأحكام الشرعية، أو ما ينتهي إليه المجتهد عند اليأس عن الدليل. وقد كان البحث في المقاصد الستة الماضية مركّزاً على تبيين الأدلة التي يستنبط منها الحكم الشرعي، كما أنّ البحث في هذا المقصد، مركّز على بيان ما ينتهي إليه المجتهد عند اليأس عن الدليل، ويعبّر عنه بالمباحث العقلية أو الأُصول العملية.
ثمّ إنّه يُسمّى الحكمُ المستنبط بالدليل حكماً واقعيّاً، لأنّ الدليل يكشف عنه إمّا كشفاً تاماً كما في صورة العلم أو كشفاً غير تام ولكن جعله الشارع حجّة على الواقع، كما في الأمارات المعتبرة من خبر الثقة وغيره; كما يسمى الحكم المستفاد، ممّا ينتهي إليه المجتهد عند الشك، حكماً ظاهرياً ، لعدم كشفه عن الواقع، بل عن الوظيفة الفعلية فهو محكوم بمفاده ظاهراً إلى أن يرتفع العذر، وما في بعض كلمات الشيخ وغيره من تسمية الأحكام المستنبطة بالأمارات المعتبرة، حكماً ظاهرياً مبني على التسامح، كما يسمّى الدليل الدال على الحكم الواقعي دليلاً اجتهادياً، والثاني دليلاً فقاهياً، وأمّا وجه التسمية،فقد ذكره المحقّق البهبهاني في تعريف الفقه والاجتهاد، فلاحظ.
الثاني: قد ظهر ممّا ذكرنا انّ الموضوع للأُصول العملية ، هو الشكّ في

(330)
الحكم الواقعي، الكلي والجزئي لا مطلق الشكّ، فخرج الشكّ في عدد الركعات الذي هو موضوع للبناء على الأكثر، فالحكم المبني عليه ليس حكماً ظاهرياً، بل هو حكم واقعي.
ثمّ الشكّ في الحكم تارة يتعلق بالكلي كالشكّ في حرمة التدخين، وأُخرى بالجزئي كالشكّ في كون مائع خاص حراماً لاحتمال انّه خمر، أو حلالاً لاحتمال كونه خلاً، فيسمى الأوّل بالشبهات الحكمية، والثاني بالشبهات الموضوعية، وبما انّ الفرض بيان ما هو الوظيفة عند الشكّ في الحكم الكلي، يكون البحث عن بيان حكم الشكّ في الأمر الجزمي استطرادياً.
الثالث: الأُصول المقررة لوظيفة الجاهل على قسمين:
قسم يختص لبيان وظيفة الجاهل بالموضوعات الخارجية، كما هو الحال في الأُصول التالية:
1. أصالة الصحّة في فعل الغير، 2 . أصالة الصحّة في فعل النفس المعبّر عنها بقاعدة الفراغ والتجاوز، 3. الإقراع عند التخاصم.
وأُخرى ما يعمّ الشبهات الحكمية، وعمدتها الأُصول الأربعة: الاستصحاب، والتخيير، والبراءة، والاشتغال; وأمّا ما عدا تلك الأُصول، كأصالة الطهارة فهي وإن كانت جارية في مورد الشبهتين لكن علل المحقّق الخراساني خروجها عن المسائل الأُصولية باختصاصها بباب الشكّ في الطهارة ولا تعم سائر الأبواب، ولذلك لم تعد من الأُصول العملية العامة السيالة في جميع أبواب الفقه.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان سبب الخروج عن الأُصول العملية هو عدم كونها سيالة يلزم خروجُ قسم من المسائل عن علم الأُصول كالبحث عن دلالة النهي على الفساد في العبادات والمعاملات.

(331)
والظاهر انّ وجه الخروج كونها قاعدة فقهية كقاعدة كلّ شيء حلال، لما ذكرنا في الأمر الأوّل من مقدمة الكتاب من الميزان لكون المسألة فقهية أو أُصولية، فلاحظ.

الرابع: بيان مجاري الأُصول

إنّ للشيخ الأنصاري في بيان مجاري الأُصول تعابير مختلفة ذكرناها في مبحث القطع، وقد سبق هناك انّ ما ذكره في مبحث البراءة أتقن، قال ما هذا توضيحه:
ثمّ إنّ انحصار موارد الاشتباه في الأُصول الأربعة عقلي، لأنّ حكم الشكّ إمّا أن يكون ملحوظاً فيه اليقين السابق عليه، وإمّا أن لا يكون، سواء لم يكن يقين سابق عليه أو كان ولم يلحظ.
والأوّل مورد الاستصحاب، والثاني إمّا أن يكون الاحتياط (خصوص الموافقة القطعية) فيه ممكناً أو لا، والثاني مورد التخيير، والأوّل إمّا أن يدل دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول وإمّا أن لا يدل، والأوّل مورد الاحتياط، والثاني مورد البراءة.(1)
يظهر حال التقسيم بذكر أُمور:
1. بما انّ الشيخ يشترط في الاستصحاب أن يكون من قبيل الشكّ في الرافع دون المقتضي لم يقتصر في بيان مجرى الاستصحاب على وجود الحالة السابقة بل أضاف لحاظها أيضاً حتى لا يتداخل الأُصول في الشكّ في المقتضي، إذا اقتصر على مجرّد الحالة السابقة، إذ عندئذ يكون مجرى للاستصحاب لوجود الحالة

1 . فرائد الأُصول:192، طبعة رحمة اللّه. وما بيّنه في هذا المقام من جلائل أفكاره، تعلم قيمته بقياسه على البيانين اللّذين ذكرهما في أوّل رسالة القطع.

(332)
السابقة ولغيره لعدم اعتبارها.
2. انّ مجرى التخيير عبارة عمّـا إذا لم يمكن الاحتياط، كما إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة في شيء واحد، فهو على هذا التقسيم ليس من أقسام الشكّ في التكليف ولا الشكّ في المكلّف به، بل له مجرى خاص وله أصل خاص.
3. اشترط في مورد الاشتغال وجود دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول ولم يقل أن يكون الشكّ في المكلّف به، وذلك لأنّ مجرى الاحتياط أعمّ من الشكّ في المكلّف به، كما في الشكّ في التكليف قبل الفحص حيث يجب الاحتياط وإن لم يكن من قبيل الشكّ في المكلّف به، فيكفي في الاحتياط وجود دليل عقلي أو نقلي، وهذا يشمل الأقسام الثلاثة:
أ: الشكّ في التكليف قبل الفحص.
ب: العلم بنوع التكليف مع تردّد المكلّف به، كالعلم بوجوب إحدى الصلاتين.
ج: العلم بجنس التكليف مع إمكان الاحتياط، كما إذا علم بوجوب شيء أو حرمة شيء آخر، فالعلم بالإلزام أي الجنس الجامع بين الوجوب والحرمة متحقّق فيلزم التكليف لإمكان الاحتياط.
وبذلك علم أمران:
1. انّ دوران الأمر بين المحذورين الذي هو مجرى التخيير، أمر مستقل ليس بداخل في الشكّ في التكليف ولا في الشكّ في المكلّف به، لاختصاصهما بما إذا أمكن الاحتياط دون مالا يمكن.
2. انّ الشكّ في المكلّف به لا يختص بما إذا علم النوع(1)، كما إذا تردّد

1 . كما يظهر من الشيخ حيث قال: لأنّ الشكّ في نفس التكليف وهو النوع الخاص من الإلزام .لاحظ طبعة رحمة اللّه ص 192.

(333)
الواجب بين الظهر والجمعة، بل يعمّ ما إذا علم الجنس ودار الأمر بين الوجوب والحرمة لكن على وجه يمكن الاحتياط كما مثلنا، أعني: إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمة شيء آخر، فانّ المعلوم في المقام هو الجنس، أي مطلق الإلزام لا النوع، أعني: الوجوب أو الحرمة، ومع ذلك يجب فيه الاحتياط: الإتيان بمحتمل الوجوب، وترك محتمل الحرمة.
نعم ليس كلّ مورد علم فيه جنس التكليف داخلاً في الشكّ في المكلّف به كما إذا أمر الشيء بين الوجوب والحرمة وذلك لعدم إمكان الاحتياط فيه، ولذلك قلنا بكفاية العلم بالجنس إذا أمكن الاحتياط، فلاحظ.
والحاصل: انّه إذا دار أمر شيء واحد بين الوجوب والحرمة، فهو المسمّى بدوران الأمر بين المحذورين، وبما انّه لا يمكن الاحتياط تكون الوظيفة هي التخيير، وأمّا إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمة شيء آخر، فلا يعدّ من دوران الأمر بين المحذورين، ويكون العلم بالإلزام لأجل إمكان الاحتياط ملزماً للاحتياط، فالعلم بالجنس إذا لم يمكن الاحتياط داخل في مجرى التخيير، كما أنّ العلم به إذا أمكن داخل في مجرى الاحتياط .
ثمّ إنّ للمحقّق النائيني في تقرير مجاري الأُصول بياناً آخر، قال: إمّا أن تلاحظ الحالة السابقة للشكّ أو لا;وعلى الثاني إمّا أن يكون التكليف معلوماً بفصله، أو نوعه، أو جنسه، أو لا; وعلى الأوّل إمّا أن يمكن فيه الاحتياط، أو لا; والأوّل مجرى الاستصحاب، والثاني مجرى الاحتياط، والثالث مجرى التخيير، والرابع مجرى البراءة.(1)
والفرق بين التعبيرين هو انّه جعل مجرى التخيير من أقسام الشكّ في المكلّف به، غاية الأمر انّ الشكّ في المكلّف به على قسمين: قسم يمكن فيه

1 . فوائد الأُصول:3/325.

(334)
الاحتياط، كما إذا دار الواجب بين الظهر والجمعة، أو دار المكلّف به بين وجوب شيء وحرمة شيء آخر; وآخر لا يمكن فيه الاحتياط، كما إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته ولكن الشيخ جعله أمراً مستقلاً في مقابل الشكّ في المكلّف به.
يلاحظ عليه :أنّ مجرى الاحتياط أعمّ من الشكّ في المكلّف به كما في الشكّ قبل الفحص، ولأجل ذلك قلنا: إنّ تقسيم الشيخ أوفق بالأقسام.
الخامس: جعل الشيخ الأعظم الشكَّ في التكليف الذي هو مجرى للبراءة اثنتي عشرة مسألة باعتبار أنّ الشبهة تكون إمّا تحريمية أو وجوبية أومشتبهة بينهما، فهذه مطالب ثلاثة، وكلّ مطلب يشتمل على أربع مسائل، وذلك لأنّ منشأ الشك في الجميع، إمّا فقدان النص، أو إجماله، أو تعارض النص، أو خلط الأُمور الخارجية(1)، وعلى ذلك فما أفاده صاحب مصباح الأُصول من أنّ الشيخ قسّم الشكّ في التكليف الذي هو مجرى للبراءة على أقسام ثمانية(2) مخالف لتصريح الشيخ، فلاحظ.
وأمّا على ما سلكناه تبعاً له في تقسيمه أوّل البراءة فمسائله لا تتجاوز عن ثمان، ذلك لما عرفت من أنّ مورد دوران الأمر بين المحذورين خارج عن مجرى البراءة وداخل تحت أصل التخيير، وكان على الشيخ أن يجعلها ثمانية حيث إنّه عند تحرير مجاري الأُصول جعل صورة الدوران خارجة عن مجرى البراءة والاشتغال حيث قال: إمّا أن يكون ملحوظاً فيه اليقين السابق عليه، وإمّا أن لا يكون، والأوّل مورد الاستصحاب، والثاني إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً أو لا، والثاني مورد التخيير; والأوّل إمّا أن يكون دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول، أو لا يدلّ ; والأوّل مورد الاحتياط والثاني مورد

1 . الفرائد: 192، طبعة رحمة اللّه.
2 . مصباح الأُصول: 2/248.

(335)
البراءة.(1)
ثمّ إنّ الوجه لعنوان كلّ مطلب على حدة أمران:
1. اختصاص النزاع بين الأُصولي والأخباري بالشبهة الحكمية التحريمية دون الوجوبية ودون الموضوعية منها، ودون دوران الأمر بين الأمرين.
2. اختصاص بعض أدلّة البراءة بالشبهة التحريمية ولا تعم الوجوبية والموضوعية، مثل قوله: «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي».
نعم أدخل المحقّق الخراساني جميع المسائل تحت عنوان واحد وبحث عن الجميع بصفقة واحدة «وهو من لم يقم عنده حجّة على واحد من الوجوب والحرمة وكان عدم نهوض الحجّة لأجل فقدان النصّ أو إجماله أو تعارضه أو خلط الأُمور الخارجية» ولكلّ من السلوكين وجه.
السادس: أخرج المحقّق الخراساني صورة تعارض النص عن مجرى البراءة، وذلك لقيام الحجّة على لزوم تقديم ذات الترجيح على غيره، والتخيير عند عدمه فلا مجال لأصالة البراءة وغيرها لمكان النصّين فيهما.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتم إذا كان التعارض بين الدليلين الظنيّين، أمّا إذا كان بين القطعيين، أو بين الظنيين ولكن كانت النسبة بينهما عموماً وخصوصاً من وجه، فلا يرجع فيه إلى المرجحات.
أمّا الأوّل كقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيّةً لأَزواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْراج)(2). وقوله:(وَالَّذِينَ يُتَوفَّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْراً)(3)، حيث دلّت الآية

1 . الفرائد:192.
2 . البقرة:240.
3 . البقرة:234.

(336)
الأُولى على مقدار التربّص وهو تربّص الحول، والأُخرى على أربعة أشهر وعشراً، وبما أنّه لا موضوع للترجيح، فيدخل الزائد على المقدار المتيقن فيما لا حجّة فيه، فيرجع إلى أصل البراءة.
أمّا الثاني: ففيما إذا كانت النسبة بين الخبرين عموماً وخصوصاً من وجه، كما في قوله: أكرم العلماء ، ولا تكرم الفسّاق، حيث يتعارضان في مجمع العنوانين، فلا يرجع في مثله إلى الأخبار العلاجية ولا إلى أخبار التخيير، بل يدخل فيما ليس فيه حجّة، فإن كان هناك عام فوقهما يرجع إليه وإلاّ فإلى الأصل.
السابع: الظاهر انّ النزاع بين الأُصولي والأخباري في المقام صغروي، فهما متّفقان على أنّ العقاب فرع البيان، لكن الأخباري يدّعي ورود البيان عن طريق أخبار الاحتياط والأُصولي ينكره، وبذلك يعلم انّ الكبرى غنية عن البحث والإطناب.
الثامن: انّ في الكتب الأُصولية للقدماء مسألة باسم هل الأصل في الأشياء، الحظر أو الإباحة؟(1) وقد حلّ محلها في كتب المتأخرين مسألة البراءة والاشتغال فهل هما مسألتان أو مسألة واحدة؟
والجواب: انّهما مسألتان لاختلاف موضوعهما مثل اختلاف جهة البحث فيهما، فالموضوع في المسألة الأُولى، هو الأشياء بما هي هي، هل الأصل فيه الحرمة والتصرف يحتاج إلى الإذن أو بالعكس بشهادة انّهم يقسمون الأفعال إلى ما يستقل العقل بقبحه، أو بحسنه، وإلى ما يتوقف العقل في تحسينها أو تقبيحها، فيختلفون في القسم الثالث إلى أقوال ثلاثة: الحظر، والإباحة، والوقف.
فعلى الأوّل تنحصر وظيفة الأنبياء في بيان المحلّلات، وعلى الثاني على بيان المحرّمات، فعند عدم النص على واحد من الطرفين يحكم عليه بالحرمة الواقعية

1 . لاحظ التذكرة بأُصول الفقه للشيخ المفيد:43; والذريعة:2/808; والعدة:2/741.

(337)
على الأوّل وبالحلية الواقعية على الثاني، ويتوقف عن الحكم على الثالث.
والشاهد على ما ذكرنا من أنّ مصبّ البحث هو حكم الأشياء بعناوينها الأوّلية استدلال القائل بالحظر بقوله: «إنّ هذه الأشياء لها مالك ولا يجوز لنا التصرف في ملك الغير إلاّ بإذنه».(1)
وأمّا المسألة الثانية، فالبحث فيها عن حكم الأشياء عند الشكّ في الأحكام الواقعية
المترتبة عليها بما هي هي، فللقائل بالحظر في المسألة الأُولى أن يقول بالبراءة في المسألة الثانية، كما أنّ للقائل بالإباحة فيها أن يقول بالاحتياط فيها لاختلاف موضوعهما، إذ لكل دليلهما.
ثمّ إنّ البحث عن نسبة الأمارات إلى الأُصول، وهل هي الورود، أو الحكومة موكول إلى باب التعادل والترجيح، وإن طرحه المحقّق الأنصاري وتبعه النائيني وسيّدنا الأُستاذ قدَّس سرَّه في المقام . لكن نرجئ البحث عنها إلى المقصد الثامن بإذن اللّه.
إذا علمت ذلك، فلنقدّم أدلّة القائلين بالبراءة عند عدم قيام الحجّة على التكليف، فنقول: استدلوا بآيات أربع.

الأُية الأُولى: التعذيب فرع البيان

إنّ هنا آيات تدل على أنّ التعذيب فرع تقدّم البيان نذكر منها آيتين:
قال سبحانه: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلاتَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) .(2)
وقال تعالى: (وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا

1 . العدة:2/744.
2 . الاسراء:15.

(338)
عَلَيْهِمْ آياتنا وَما كُنّا مِهْلِكي القُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُون) .(1) ويدل على المقصود آيات أُخرى بهذا المضمون، لاحظها.(2)
وأمّا الاستدلال بهما على البراءة فمبني على أمرين:
الأوّل: انّ صيغة (وَما كُنّا) أو ( ما كان) تستعمل في إحدى معنيين إمّا نفي الشأن والصلاحية لقوله تعالى: (وَما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَؤوفٌ رَحِيم).(3) أو نفي الإمكان كقوله تعالى: (وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاّبِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤجَّلاً).(4)
الثاني: انّ بعث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كناية عن إتمام الحجّة على الناس، وبما انّ الرسول أفضل واسطة للبيان والإبلاغ أُنيط التعذيب بالرسول، وإلاّ يصحّ العقاب ببعث غيره أيضاً لوحدة المناط وحصول الغاية المنشودة; وعلى ضوء ذلك، فلو لم يبعث الرسول بتاتاً، أو بعث ولم يتوفق لبيان الأحكام أبداً، أو توفق لبيان البعض دون البعض الآخر، أو توفق للجميع لكن حالت الحواجز بينه وبين بعض الناس، لقبح التكليف، وذلك لاشتراك جميع الصور في عدم تمامية الحجّة.
والمكلّف الشاك في الشبهات التحريمية من مصاديق القسم الأخير ، فإذا لم يصل إليه البيان لا بالعنوان الأوّلي ولا بالعنوان الثانوي كإيجاب التوقف ينطبق عليه قوله سبحانه (وَما كُنّا مُعذّبين حتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) أي نبيّن الحكم والوظيفة.
ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يعلّق إهلاك القرية على وجود المنذر ويقول:

1 . القصص:59.
2 . الشعراء:208، طه:134.
3 . البقرة:143.
4 . آل عمران:145.

(339)
(وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرَية إِلاّ لَها مُنذِرُون) .(1)
نعم دلالة الآية على البراءة فرع عدم ورود الحذر بالنسبة إلى مشتبه الحكم لا بالعنوان الأوّلي هومسلم بيننا وبين الخصم، ولا بالعنوان الثانوي الذي لا يسلِّمه الخصم ويقول: بورود الحذر عن المشتبه بعنوان إيجاب الاحتياط والتوقف، فدلالة الآية معلّقة على إبطال دليل الأخبار.
وبما انّ المشايخ كالشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني والميرزا النائيني لم يدرسوا تفسير الآية على وجه يليق بشأنها، أوردوا على الاستدلال بها بأُمور غير تامة، وإليك بيانها:
1. انّ ظاهرها الأخبار بوقوع التعذيب سابقاً بعد البعث، فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع في الأُمم السابقة.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الآية بصدد بيان سنن اللّه سبحانه في تعذيب الأُمم العصاة ومثلها آبية عن الاختصاص بالأُمم السابقة ولذلك تكون الأفعال في مثل ذلك منسلخة عن الزمان.
ثانياً: انّ العذاب الدنيوي إذا كان متوقفاً على البيان والحجة، فالعذاب الأُخروي الذي سجّره الجبار أولى بذلك.(3)
2. انّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب قبل إتمام الحجّة كما هو الحال في الأُمم السابقة، فلا دلالة لها على حكم مشتبه الحكم حيث هو مشتبه الحكم، فهي أجنبية عمّا نحن فيه.(4)

1 . الشعراء:208.
2 . الفرائد:192، ط قديم.
3 . اقتباس عن قول الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ في كلامه مع أخيه عقيل. لاحظ نهج البلاغة: الخطبة 224. قالعليه السَّلام :«سجرها جبّارها لغضبه».
4 . فوائد الأُصول: 3/333.

(340)
يلاحظ عليه: أنّ الآية بصدد بيان تعليق أي عذاب بالبيان، فإذا كان هذا مفادها، فلا يفرق بين حكم الشيء بما هوهو أو حكمه بما هو مشتبه الحكم، فكما أنّ التعذيب على الخمر فرع البيان فهكذا التعذيب على مشتبه الحكم مثله كشرب الدخان.
3. انّ مفاد الآيتين نفي الفعلية وعدم الوقوع في الخارج لا نفي الاستحقاق، والمطلوب للأُصولي هو نفي الاستحقاق ليطابق حكم الفعل.
وأجاب عنه الشيخ الأنصاري قدَّس سرَّه بأنّه يكفي عدم الفعلية في هذا المقام، لأنّ الخصم يعترف بعدم المقتضي للاستحقاق على تقدير عدم الفعلية، فيكفي في عدم الاستحقاق نفي الفعلية في منهج الخصم.
وأرد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:
الأوّل: انّ الاستدلال عندئذ يُصبح جدلاً، وهو عبارة عن الأخذ بمسلمات الخصم والرد بها عليه مع أنّنا في مقام البرهنة على عدم الاستحقاق والمفروض انّ الآية قاصرة الدلالة.
الثاني: منعُ اعتراف الخصم بالملازمة بين نفي الفعلية والاستحقاق، بشهادة انّه ليس في معلوم الحرمة إلاّاستحقاق العقاب لا فعليّته، لاحتمال شمول غفرانه سبحانه لمرتكبي الحرام ـ مع عدم التوبة أيضاً ـ قال سبحانه: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرة لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقاب) .(1) ففي مثله، الاستحقاق دون الفعلية فإذا كان معلوم الحرمة محكوماً باستحقاق العقاب لا بالفعلية، فليكن مشتبه الحرام كذلك فيكون محكوماً باستحقاقه دون فعليته، فلا يكون عدمها، دليلاً على عدم الاستحقاق.

1 . الرعد:6.

(341)
والأولى أن يجاب عن أصل الإشكال بوجهين آخرين:
الأوّل: انّ الهدف من الاستدلال بالآية ليس إثبات عدم الاستحقاق ليكون موافقاً لما يحكم به العقل من قبح العقاب بلا بيان، بل الهدف تحصيل المؤمِّن لمرتكب الشبهة سواء أكان مستحقاً للعقاب لكنّه صار معفوّاً أو لم يكن، وظاهر الآية كفيل بإثبات مثل هذا.
والحاصل: انّ البحث في المقام ليس كلامياً دائراً مدار الاستحقاق وعدمه، بل أُصولي يدور حول المؤمّن للعذاب والمسوّغ للارتكاب وعدمهما، والآية وافية بإثباتهما.
وبذلك يعلم ضعف ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ الاستدلال بالآية المباركة على البراءة لا يجتمع مع القول بأنّ مفادها نفي فعلية التعذيب لا استحقاقه، لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب الشبهة وعدم استحقاقه لا في فعلية العقاب.(1)
أقول: إنّ ما يهمّ الفقيه هو تحصيل المسوّغ لارتكاب مشتبه الحرمة، وتحصيل المؤمّن من العذاب، ويصلح لإثباته، ما دلّ على نفي الفعليّة وإن لم يدل على نفي الاستحقاق.
الثاني: انّ الآية ظاهرة في نفي الاستحقاق خصوصاً إذا فسر قوله: (وما كُنّا) بمعنى نفي الإمكان، وما هذا إلاّ لأجل عدم استحقاقه العذاب مالم يصل إليه البيان .
4. النقض بالمستقلات العقلية كقبح الظلم نظير النفس والخيانة بالأمانة حيث يصحّ العذاب وإن لم يكن هناك بلاغ سماوي.

1 . فوائد الأُصول: 3/334.

(342)
والإجابة عنه واضحة، لأنّ الآية ناظرة فيما يحتاج إلى البيان، على وجه لولاه لما وقف عليه الإنسان ولما كان واضحاً له. وأين هذا من المستقلات العقلية؟! أضف إليه انّه مبيّن بالرسول الباطني وإن لم يكن مبيّناً بالرسول الظاهري.
وربما ذكرنا علم انّ الآية وافية لما يرومه الأُصولي في المقام،نعم إنّما يتم الاعتماد عليها إذا لم يرد بيان على لزوم الاجتناب، ولو بالعنوان الثانوي كإيجاب الاحتياط والتوقف.

الآية الثانية: التكليف فرع الإيتاء

قال سبحانه: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَة مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَعَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللّهُ لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إِلاّما آتاها سَيَجْعَلُ اللّهُ بَعَدَ عُسْر يُسْراً) .(1)
والاستدلال مبني على كون المراد من الموصول: التكليف، ومن الإيتاء هو الإعلام والتعريف، فيكون معنى الآية لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ تكليفاً أعلمها إيّاه.
أقول: إنّ الموصول في قوله: (إلاّ ما آتاها) يحتمل أحد الأُمور الثلاثة:
1. المال.
2. العمل، أي موضوع التكليف.
3. التكليف.
فعلى الأوّل يكون المرادمن الإيتاء هو الإعطاء، وكأنّه قال: «لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ بقدر المال الذي أعطاها».
وعلى الثاني يكون المراد من الإيتاء هو الإقدار والتمكين، فيكون المراد لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ الفعل الذي أقدرها عليه.
وعلى الثالث يكون المراد من الإيتاء هو الإعلام والتعريف.

1 . الطلاق:7.

(343)
ولكن سياق الآية يؤيد الوجهين الأوّلين لأنّها وردت في سورة الطلاق التي تعرضت لحقوق النساء، ففي الآية المتقدمة عليها أمر الأزواج بالقيام بالوظائف التالية:
1. (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ) .
2. (وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) .
3. (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
4. (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
5. (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف) .(1)
فهذه الجمل التي تحكي عن الحقوق المالية للزوجة على الزوج تكون قرينة على أنّ المراد أحد المعنيين الأوّلين وإن كان الثاني أظهر لكونه عاماً شاملاً للأوّل وغيره.
وحاصل الآية: انّ ما سبق من الأحكام والحقوق يقوم به كلّ إنسان حسب وسعه، لأنّ اللّه سبحانه لا يكلّف نفساً إلاّ ما أتاها من المقدرة والإمكان،و لا يكلّف فوقه، وعلى ذلك لا صلة للآية بباب انّ التكليف فرع البيان.
فإن قلت: إنّ الإمام استشهد بالآية في باب المعرفة، ففي رواية عبد الأعلى، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال : قلت له : هل كلّفوا (الناس) المعرفة؟ قال: «لا، على اللّه البيان ، (لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها) (2) و(لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ ما أَتاها)(3)».(4)

1 . الطلاق:6.
2 . البقرة:286.
3 . الطلاق:7.
4 . الكافي:1/163، كتاب الحجّة ، باب البيان و التعريف، الحديث 5.

(344)
قلت: إذا كان المراد من المعرفة الأُمور الغيبية الخارجة عن حدود علم الإنسان العادي، فالتكليف به مع عدم البيان داخل في التكليف بغير المقدور، وعلى ذلك فيكون الإيتاء أيضاً بمعنى الإقدار والتمكين، لا الإعلام، فتكون الآية ردّاً لمن يجوز التكليف بما لا يطاق.
حتى لو قلنا أيضاً بأنّ إيتاء كلّ شيء بحسبه وانّ إيتاء المال إنّما يتحقّق بالإعطاء وإيتاء الشيء فعلاً أو تركاً إنّما يكون بإقدار اللّه تعالى عليه،وإيتاءالتكليف،بالوصول والإعلام، فلا يصلح للاستدلال إلاّ في التكاليف التي يكون التكليف بها ـ بلا إعلام ـ تكليفاً بغير المقدور كأحوال الحشر والنشر ومعرفة الأنبياء والمعارف الغيبيّة التي لولا لحوق البيان بها يلزم التكليف بغير المقدور، إذ لا طريق لمعرفتها، وأين هذا من ترك مشتبه الحرام الذي أمر مقدور بالنسبة إلى المكلّف الملتفِت، المحتمِل للحرمة.

الآية الثالثة: الإضلال فرع البيان

قال سبحانه: (وَما كانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذ هَدَاهُم حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم) .(1)
وجه الاستدلال: أنّ التعذيب من آثار الضلالة، والضلالة معلّقة على البيان في الآية، فيكون التعذيب معلّقاً عليه، فيُنتج أنّه سبحانه لا يُعاقب إلاّ بعد بيان ما يجب العمل أو الاعتقاد به.
فإن قلت: ما هو المراد من إضلاله سبحانه، فإنّ الإضلال أمر قبيح فكيف نسب إلى اللّه سبحانه؟!
قلت: إنّ الإضلال يقابل الهداية وهي على قسمين، فيكون الإضلال أيضاً

1 . التوبة:115.

(345)
مثلها.
توضيحه: انّ للّه سبحانه هدايتين: هداية عامة تعمُّ جميع الناس من غير فرق بين إنسان دون إنسان حتى الجبابرة والفراعنة، وهي تتحقق ببعث الرسل وإنزال الكتب ودعوة العلماء إلى بيان الحقائق مضافاً إلى العقل الذي هو رسول باطني، وإلى الفطرة التي تسوق الإنسان إلى فعل الخير.
وأمّا الهداية الخاصة، فهي تختصُّ بمن استفاد من الهداية الأُولى، فعندئذ تشمله الألطاف الإلهية الخفيّة التي نعبّر عنها بالهداية الثانوية أو الإيصال إلى المطلوب.
قال سبحانه: (وَالّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُم) .(1)
وقال تعالى: (وَالّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) .(2)
وأمّا إذا لم يستفد من الهداية الأُولى، فلا يكون مستحقّاً للاستفادة من الهداية الثانية، فيضل بسبب سوء عمله، فإضلاله سبحانه، كناية عن الضلال الذي اكتسبه بعمله بالإعراض عن الاستضاءة بالهداية الأُولى.
قال سبحانه: (فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الفَاسِقِين).(3)
فإضلاله سبحانه كإزاغته نتيجة زيغه وانحرافه وكبره وتولّيه عن الحق.
وبذلك يظهر مفاد كثير من الآيات التي تنسب الضلالة إلى اللّه سبحانه، فالمراد هو انقباض الفيض لأجل تقصيره، فيصدق انّه أضله سبحانه وإن كان

1 . محمد:17.
2 . العنكبوت:69.
3 . الصف:5.

(346)
عن تقصير، قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّاب) (1) أي يضلّه لأنّه مسرف كذّاب، وفي آية أُخرى: (كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرتَاب)(2) فإضلاله نفس عدم هدايته وقبض فيضه لعدم قابليته للهداية الثانوية لأجل إسرافه وكذبه وارتيابه.

الآية الرابعة: الهلاك والحياة بعد إقامة البيّنة

قال سبحانه: (إِذْ أَنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالعُدْوَة القُصوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَو تَواعَدْتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعادِ وَلكِنْ لِيَقضِيَ اللّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيم).(3)
والاستدلال بالآية فرع توضيح مفرداتها ومقاطعها:
1. ( العدوة) بمعنى الناحية من كلّ شيء، والمراد منها في الآية ناحية الوادي، فكان النبي والمسلمون في الناحية المنخفضة من الوادي، ولذلك وصفها سبحانه بقوله: (بِالعُدْوَة الدُّنيا ) وهي الأدنى ،كما كانت قريش في الناحية العليا منه، لأنّ الوافد من مكة إلى المدينة إذا وصل إلى قريب من وادي بدر تنخفض الأرض لأجل قربها من ساحل البحر.
2. ( الركب) جمع الراكب، والمراد منه العير، و هي قافلة قريش التجارية التي كان يسوقها أبو سفيان فكانت على ساحل البحر الذي هو أسفل من مقام الطائفتين الأُولتين.
3. (وَلَو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد) ، فهو يشير إلى أنّ اجتماع

1 . غافر:28.
2 . غافر :34.
3 . الأنفال:42.

(347)
الطائفتين في تلك المنطقة كان بتقدير من اللّه لا بإرادة من الجماعة ولو تواعدوا على اللقاء لاختلفوا، إذ كان بين صفوف المسلمين من يخوِّفهم من سطوة قريش وكثرة عدّتهم.
4. (ليقضي اللّه أمراً كان مفعولاً) أي جمع سبحانه الطائفتين في ذلك المكان لأمر قضاه وأوجبه، وهو ظهور معاجز الإسلام على المشركين التي منها غلبة الفئة القليلة التي لم يكن لهم عدَّة وعُدّة أمام المشركين، ولكنّهم غلبوا الفئة الكثيرة وقتلوا عدّة منهم وأسروا آخرين.
5. فَعلَ ذلك (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة ) فلو كان المراد من الهلاك والحياة الهلاك والحياة الأُخرويين، فيدل انّ العذاب فرع إتمام الحجّة وإقامة الدليل على صدق دعوة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
نعم لو كان المراد من الهلاك والحياة، هو الموت والبقاء، فيدل على أنّه تعلّقت مشيئته سبحانه بأنّ الكافر سواء قتل أو بقى، أن يكون على بصيرة من الأمر وهو غير المطلوب. وليست الآية ظاهرة في المعنى الأوّل لو لم نقل بظهورها في المعنى الثاني.
إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات، وإليك الاستدلال بالسنّة.

الاستدلال بالسنّة

1. حديث الرفع

روى الصدوق في التوحيد والخصال عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد ابن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: الخطأ،

(348)
والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، ومالا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق مالم ينطقوا بشفة».(1)
ورواه محمد بن أحمد النهدي مرفوعاً عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «وضع عن أُمّتي تسع خصال: الخطأ، والنسيان، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، ومااستكرهوا عليه، والطيرة، والوسوسة في التفكّر في الخلق، والحسد مالم يظهر بلسان أو يد».(2)
ورواة الحديث الأوّل كلّهم ثقات، والرواية صحيحة.
وأمّا أحمد بن محمد بن يحيى، فهو وإن لم يوثّق ظاهراً، ولكن المشايخ أرفع من التوثيق، فهو من مشايخ الصدوق، فهو ثقة قطعاً.
نعم الرواية الثانية مرفوعة، مضافاً إلى أنّ محمد بن أحمد النهدي مضطرب فيه، كما ذكر النجاشي في حاله.
وتوضيح الاستدلال بالحديث يتوقف على بيان أُمور:

الأوّل: الفرق بين الرفع والدفع

الرفع: عبارة عن إزالة الشيء بعد وجوده وتحقّقه، ولكن الدفع هو المنع عن تقرر الشيء وتحقّقه عند وجود مقتضيه، هذا هو المعروف، ويؤيده اللغة وموارد الاستعمال.
قال في القاموس: رفعه ضد وضعه، فإذا كان الوضع هو وجود الشيء في مكان، فيكون الرفع إزالة وجوده، بعد وضعه.
قال سبحانه: (وَرَفَعَ أَبَويْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) .(3)

1 . الوسائل: 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.
2 . الوسائل: 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.
3 . يوسف:100.

(349)
وقال: (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماوات بِغَيْر عَمَد تَرَوْنَها) .(1)
فكانت السماء والأرض ملتصقتين، ففصل السماء عن الأرض، فأزالها عن مكانها.
وأمّا الدفع، فقال في المصباح المنير: دفعته دفعاً أي نحيته فاندفع ، يقول سبحانه: (انَّ اللّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) (2) أي يحفظهم أن يصل إليهم شرّالأعداء، وقال سبحانه: (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دَافِع) (3) أي ماله من شيء يمنع عن وقوعه وتحقّقه بعد تعلّق إرادته على الوقوع.
فإن قلت: إذا كان الرفع ممّا لا يتعلّق إلاّبالأمر الموجود، فما هو الأمر الموجود الذي تعلّق هو به؟
قلت: الأمر الموجود عبارة عن نفس هذه الأُمور التسعة، فلا شكّ أنّها أُمور متحقّقة في صفحة الوجود، فالرفع تعلّق بها باعتبار كونها أُمور وجودية. وبالجملة المصحح لاستعمال الرفع في الحديث هو تعلّقه بالأُمور التسعة الوجودية من دون حاجة إلى تقدير مقدَّر في هذا الباب.
وعلى ضوء ما ذكرنا، فالرفع استعمل في معناه الحقيقي، أي رفع التسعة بعد وجودها، نعم رفعها ليس بالحقيقة بل بالادّعاء كما سيوافيك.
هذا كلّه حسب الإرادة الاستعمالية، وأمّا حسب الإرادة الجدية فلا شكّ من لزوم تقدير مقدّر ليصحّ رفعه حقيقة لا ادّعاء مصححاً لنسبة الرفع إلى الأُمور التسعة، وهذا ما سيأتي في الأمر الثالث.

1 . الرعد:2.
2 . الحج:38.
3 . الطور:7ـ8.

(350)
ثمّ إنّ الرفع إن استعمل مجرّداً عن حرف الجرّ، فالمراد رفعه مع الاعتداد به دون فرق بين كونه حسيّاً أو معنوياً، قال سبحانه: (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّهُ وَرَفََعَ بَعضَهُمْ دَرَجات) .(1)
وأمّا إذا استعمل معها كما في المقام، فيراد منه عدم الاعتداد بالمرفوع كما يقال: رفعت عنه الضريبة.
إذا عرفت ذلك يقع الكلام فيما هو المصحح لنسبة الرفع إلى المكرَه والمضطرّ والخاطئ، والناسي والجاهل مع وجودها في الحياة، وهذا هو الذي نطرحه في الأمر الثاني.

الثاني: في تصحيح نسبة الرفع إلى التسعة مع وجودها

إذا كان الرفع بمعنى إزالة وجود الشيء، فكيف نسب إلى هذه الأُمور مع أنّها متوفرة في صفحة الوجود؟
والجواب: انّ الرفع وإن تعلّق برفع نفس الأُمور، لكن الكذب إنّما يلزم إذا كان اخباراً عن عالم التكوين، وأمّا إذا كان إخباراً عن عالم التشريع بمعنى رفع هذه الأُمور بلحاظ عدم آثارها فلا يلزم الكذب نظير قوله: لا ضرر ولا ضرار، ولا بيع إلاّفي ملك، ولا طلاق إلاّ على طهر، ولا يمين للولد مع والده، ولا يمين للمملوك مع مولاه، وللمرأة مع زوجها، ولا رضاع بعد فطام، ولا نذر في معصية اللّه ، ولا يمين للمكره، ولا رهبانية في الإسلام.
فهذه الأُمور المرفوعة موجودة في الحياة ولكن لما كان إخباراً عن صفحة التشريع، وكانت هذه الأُمور مسلوبة الأثر فيها، يصحّ الإخبار عن عدمها، باعتبار عدم آثارها.

1 . البقرة:253.

(351)
ثمّ إنّ المحقّق النائيني صحح نسبة الرفع إلى الأُمور التسعة بأنّ الرفع تشريعي لا بالملاك الذي ذكرناه ـ من أنّ رفعها بملاك رفع آثارها ـ بل بملاك آخر وهو انّه ليس إخباراً عن أمر واقع، بل إنشاء لحكم يكون وجوده التشريعي بنفس الرفع والنفي، كقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا ضرر ولا ضرار »، وكقوله : «لا شكّ لكثير الشكّ» ونحو ذلك ممّا يكون متلوُّ النفي أمراً ثابتاً في الخارج.(1)
يلاحظ عليه مضافاً إلى ما ذكره السيد الأُستاذ ـ من أنّ النبي ليس بمشرع، فلو استعمل النفي لغاية التشريع يلزم كونه مشرعاً(2) ـ: أنّ ما ذكره خلاف المتبادر من أمثالها، بل ربما يكون الحكم المنشأ غير واضح لدى العرف في مثل «لا رضاع بعد فطام» أو لا يمين للزوجة مع زوجها، فالحقّ انّ الجملة خبرية والمصحح لنسبة الرفع كونها ناظرة إلى عالم التشريع والغاية من رفعها، هو الإخبار عن رفع آثارها.

الثالث: ما هو المرفوع ثبوتاً

قد عرفت أنّ الرفع يتعلّق بالشيء الموجود المتحقّق، وليس هو إلاّ نفس هذه الأُمور الوجودية فهي مرفوعة ادّعاء، لكن الرفع الادّعائي رهنُ وجود رفع أمر حقيقة ليكون مسوِّغاً للرفع الادّعائي المجازي، وهذا ما نعبر عنه بما هو المرفوع ثبوتاً.
وبالجملة تارة يقع الكلام في تعيين ما هو المرفوع إثباتاً، وأُخرى ما هو المرفوع ثبوتاً الذي هو المصحح للرفع الإثباتي؟ فنقول:
أمّا إثباتاً، فلا شكّ انّ مقتضى البلاغة، هو تعلّق الرفع بنفس هذه الأُمور

1 . فوائد الأُصول: 3/343.
2 . تهذيب الأُصول: 2/148.

(352)
الوجودية المتحقّقة، وتقدير أيّة كلمة بعد الرفع ، يوجب سقوط الكلام عن ذروة البلاغة كتقدير لفظ «الأهل» قبل القرية في قوله سبحانه: (واسْأَلِ الْقَريةَ الّتي كُنّا فِيها) (1) ، أو قبل «البطحاء» في شعر الفرزدق، أعني قوله:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيـتُ يعـرفـه والحـلّ والحـرم
فانّ القائل يدّعي أنّ الأمر بلغ من الوضوح إلى درجة حتى أنّ القرية واقفة بما نقول، أو أنّ سيد الساجدين بلغ من المعروفية إلى درجة حتى أنّ البطحاء تعرفه، فتقدير أيّة كلمة في تلك المواضع يوجب سقوط الكلام. وقد عرفت انّ المصحح لاستعمال كلمة الرفع هو كون هذه الأُمور التسعة أُموراً وجودية.
ومع الاعتراف بذلك وانّ متعلّق الرفع هو نفس هذه الأُمور، لكن لما كان نسبة الرفع إلى هذه الأُمور مجازيّاً وادّعائياً تتوقف نسبة الرفع إلى هذه الأُمور، إلى مسوِّغ بمعنى رفع أمر حقيقة لا ادّعاء ليكون مصححاً لنسبته إلى هذه الأُمور التسعة ادّعاءً، وما هو إلاّكون هذه الأُمور مسلوبة الأثر في عالم التشريع، وعندئذ يقع الكلام في تعيين ما هو الأثر الذي صار سلبه، مسوِّغاً لنسبة الرفع إلى هذه الأُمور مجازاً وادّعاء؟ فقد اختلفت كلمتهم في تعيينه.
فمن قائل بأنّ المرفوع ثبوتاً هو المؤاخذة; إلى آخر، بأنّ المرفوع هو الأثر المناسب كالضرر في الطيرة والكفر في الوسوسة،والمؤاخذة في الباقي; إلى ثالث، بأنّ المرفوع جميع الآثار. وإليك دراسة الاحتمالات:

1. المرفوع المؤاخذة

إنّ رفع هذه الأُمور كناية عن رفع المؤاخذة، فمن ترك الواجب أو ارتكب الحرام عن جهل ونسيان لم يؤاخذ، وأورد عليه بوجوه:

1 . يوسف:82.

(353)
1. المؤاخذة أمر تكويني، لا يناسب وضعُها ولا رفعُها، مقام التشريع، فانّ ما يعود إلى الشارع في ذلك المقام رفع الحكم الشرعي ووضعه، لا رفع الأمر التكويني أو وضعه.
يلاحظ عليه: أنّ المؤاخذة لما كانت من توابع الحكم استحقاقاً، أو جعلاً صحّ للشارع حتى في مقام التشريع وضعها ورفعها.
وبعبارة أُخرى: كان للشارع حفظ إطلاق الحكم، وفعليته في حقّ الجاهل الشاك بإيجاب الاحتياط عليه، المستلزم للعقوبة لدى المخالفة، فالدليل على رفع الحكم الواقعي بمعنى عدم فعليته، دليل على عدم إيجاب الاحتياط المستلزم لعدم العقوبة، فالعقوبة وعدمها ممّا يترتبان على الحكم الواقعي بتوسط إيجاب الاحتياط وعدمه، وهذا المقدار من الترتب يصحح رفعها ووضعها من جانب الشارع.
وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخراساني«انّها وإن لم تكن بنفسها أثراً شرعياً إلاّ أنّها ممّا يترتب عليه بتوسيط ما هو أثره ـ إيجاب الاحتياط ـ فالدليل على رفع الحكم، دليل على رفع إيجاب الاحتياط المستتبع عدم استحقاق العقوبة لدى المخالفة.
2. انّ المؤاخذة من آثار الحكم المنجّز، والمفروض عدم تنجّزه فكيف يصح الإخبار عن رفعها؟
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في استحقاق العقاب قابلية المورد لجعل الحكم الفعليّ منجزاً وإن لم يكن منجّزاً، وذلك لصحّة تكليف الجاهل بالحكم، الملتفت إليه، بالاحتياط، والمكره، بتحمل الضرر، والمضطرّ بقبول المشقة، فقابلية الحكم الفعلي للتنجّز، كاشف عن وجود المقتضي للعقاب، وهو كاف في صدق الرفع.
3. انّه على خلاف إطلاق الحديث، ولعلّه أتقن الإشكالات المتوجهة إلى هذا الوجه، وسيوافيك دعمه.

(354)

2. المرفوع هو الأثر المناسب

إنّ المتبادر من الوضع والرفع في محيط التشريع هو ما يعدُّ أثراً مناسباً للشيء فمع وجود الخصيصة الظاهرة للشيء يُحسن الاخبار عن وضعها، ومع عدمها يحسن الاخبار عن عدمها، ولأجل ذلك صحّ للشاعر أن يقول:
«أسد عليّوفي الحروب نعامة».
كما صحّ للإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أن يصف المتقاعدين عن الجهاد بقوله:
«يا أشباه الرجال ولا رجال».(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ إذا كان الأثر المناسب للشيء، أمراً واحداً يدور عليه رحى الوضع والرفع، كما هو الحال في الأسد، وأمّا إذا كانت للشيء آثار متعددة وكلّها بالنسبة إلى الشيء على حدّ سواء فلا معنى لجعل واحد منها ملاكاً للرفع، دون بعض كما في المقام.

3. المرفوع هو عموم الآثار

إنّ وصف الشيء بكونه مرفوعاً في صفحة التشريع، إنّما يصحّ إذا كان الشيء فاقداً للأثر مطلقاً فيصحّ للقائل بأنّه مرفوع، وإلاّفلو كان البعض مرفوعاً دون بعض لا يصحّ ادّعاء كونه مرفوعاً، من غير فرق بين الآثار التكليفية كحرمة شرب الخمر ووجوب جلده، أو الوضعية كالجزئية والشرطية عند الجهل بحكم الجزء والشرط أو نسيانهما وكالصحّة في العقد المكره.
ويؤيّد ذلك، إطلاق الحديث أوّلاً، وكونه حديث المنّة، ومقتضاها رفع تمام الآثار ثانياً، ومقتضى صحيحة البزنطي ثالثاً.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 27.

(355)
روى البرقي، عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي جميعاً، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك أيلزمه ذلك؟ فقال: «لا، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : وضع عن أُمّتي: ما أكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطأوا».(1)
وقد تمسك الإمام بالحديث على بطلان الطلاق وعدم ترتّب الصحّة التي هي حكم وضعي، فيكشف عن أنّ المرفوع أعمّ من المؤاخذة والحكم التكليفي والوضعي.
فإن قلت: إنّ الحلف بالطلاق وقرينيه باطل اختياراً فضلاً عن الاضطرار، لأنّه قد تقرر في محلّه، انّ الطلاق وأضرابه لا يتحقق إلاّبصيغة خاصة ، ولا يقع بقولنا: أنت خلية أو برية أو بالحلف به، وعلى ذلك فلا حاجة في الحكم بالبطلان إلى حديث الرفع، وهذا يكشف عن أنّ التمسك به كان من باب الجدل وإقناع الخصم بما هو معتقد به، ولا يستفاد منه، أنّ أصل التمسك به صحيح على مذهب الحقّ.
قلت: المتبادر من الرواية هو كون حديث الرفع صالحاً لرفع كلّ أثر تكليفي أو وضعي وكان هذا أمراً مسلّماً بين الإمام والمخاطب، نعم كان تطبيق الكبرى على الصغرى من باب الجدل. والدليل على ذلك انّ الاعتقاد بعمومية المرفوع لم يكن أمراً معنوناً في فقه العامة في ذاك الأعصار حتى يكون ذاك من مذهبهم ومعتقدهم، بل كان التمسك به من باب كونه هو المتبادر عند الافهام، لا من باب كونه مقبولاً عندهم.

1 . الوسائل:16، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 12، نقلاًعن المحاسن: 136.

(356)

الرابع: عموم الموصول للحكم والموضوع المجهولين

قد عرفت أنّ المجوّز لنسبة الرفع إلى الأُمور التسعة ادّعاءً، هو رفع جميع الآثار الشرعية حقيقة بلا ادّعاء، من غير فرق بين كون الحكم الشرعي كلياً، كما في الشبهات الحكمية; أو جزئياً، كما في الشبهات الموضوعية، ولكن ربما يتصور اختصاصه بالأمر الثاني وعدم عمومه بالأوّل، وهذا ما ندرسه في هذا الأمر، وعليثبوت هذا الأمر تدور دلالة الصحيحة على البراءة في الشبهة الحكمية وعدمها.
وقد استدل الشيخ الأعظم (1) بها على المقام بالنحو التالي: إنّ حرمة شرب التتن مثلاً ممّا لا يعلمون، فهي مرفوعة عنهم، ومعنى رفعها كرفع الخطأ والنسيان، رفع آثاره أو خصوص المؤاخذة فهو كقوله ـ عليه السَّلام ـ : «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم». وقال المحقّق الخراساني: الإلزام المجهول ممّا لا يعلمون، فهو مرفوع فعلاً وإن كان ثابتاً واقعاً.
ثمّ إنّ هنا محاولات لتخصيص الحديث بالموضوع وإخراج الجهل بالحكم عنها، وإليك بيانها واحدةً تلو الأُخرى.

1. وحدة السياق

إنّ وحدة السياق تقتضي أن يكون المراد من الموصول «فيما لا يعلمون» هو الموضوع المجهول كالمائع المردّد بين الخمر والخل، بشهادة أنّه المراد من الموصول في الفقرات المعطوفة، أعني: «وما لا يطيقون» و«ما اضطروا إليه»، فانّ ما لا يطاق، أو ما يضطرّ إليه الإنسان، عبارة عن الفعل كالصوم للشيخ والشيخة

1 . الفرائد:195 بتوضيح.

(357)
وشرب الخمر للتداوي.
وقد أجاب المحقّق النائيني عن الإشكال بقوله:إنّ المرفوع في جميع الأشياء التسعة إنّما هو الحكم الشرعي، وإضافة الرفع في «غير مالا يعلمون» إلى الأفعال الخارجية، إنّما هو لأجل انّ الإكراه والاضطرار ونحو ذلك إنّما يعرض الأفعال لا الأحكام وإلاّ فالمرفوع فيها هو الحكم الشرعي، كما أنّ المرفوع في «مالا يعلمون» أيضاً هو الحكم الشرعي وهو المراد من «الموصول» والجامع بين الشبهات الحكمية والموضوعية.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ المرفوع هو الأحكام مطلقاً حكمية كانت أو موضوعية صحيح حسب الإرادة الجدية، ولكن مصبَّ الإشكال هو الإرادة الاستعمالية بأنّ الرفع حسب هذه الإرادة اسند إلى الموضوع في سائر الفقرات، فليكن كذلك في الفقرة الأُولى، أعني: «فيما لا يعلمون»، والقول بأنّ المرفوع جداً هو الحكم الشرعي في الجميع، لا يدفع الإشكال.(2)
والأولى أن يجاب بما أجاب به شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري قدَّس سرَّه ، وحاصل ما أفاد بتوضيح منّا :أنّ الإشكال مبنيّ على استعمال الموصول في المصاديق الخارجية ، فبما انّ المستعمل فيه في الفقرتين، منحصرة في الموضوعات، فليكن قرينة على اختصاصها في الأوّل بها، ولكنّه أمر غير تام، بل المبهمات مستعملة في المفاهيم المبهمة وإنّما تعلم سعته أو ضيقه من صلته، وبما انّ العلم والجهل يعرضان الحكم والموضوع، فتكون الفقرة الأُولى شاملة لهما، ولكن الاضطرار والإكراه لا يعرضان إلاّ الموضوعات الخارجية فتختصان بهما فاختصاص مصاديق الصلة بالموضوعات، لا يكون دليلاً على تخصص صلة الأوّل بها.(3)

1 . فوائد الأُصول:3/345.
2 . لاحظ تهذيب الأُصول:2/149.
3 . درر الفوائد: 2.

(358)

2. عدم صحّة نسبة المؤاخذة إلى الحكم

إذا اخترنا في الأمر السابق بأنّ المرفوع جداً هو المؤاخذة، فالظاهر انّ المراد المؤاخذة على نفس هذه المذكورات، وعلى هذا لو أُريد من الموصول في قوله: «ما لا يعلمون» الفعل المجهول الحقيقة تصح نسبة المؤاخذة إليه، وإن أُريد الحكم المجهول، لا تصح نسبتها إليه، إذ لا معنى للمؤاخذة على نفس الحرمة المجهولة.
يلاحظ عليه أوّلاً: عدم صحّة المبنى، وإنّ المقدّر ليس المؤاخذة بل عموم الآثار.
وثانياً: لو سلمنا تقدير المؤاخذة، فإن أُريد من صحّة النسبة، هي الصحّة بالدقة العقلية، فالحقّ انّه لا تصح نسبة المؤاخذة لا على الحكم ولا على الموضوع.
أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فانّه لا معنى للمؤاخذة على الخمر وإنّما تصحّ المؤاخذة على شربها واستعمالها، وإن أُريد منها، الصحّة بالمسامحة العرفية، فتصح النسبة إليهما عرفاً.

3. المرفوع هو الأمر الثقيل

إنّ الرفع يقتضي أن يكون متعلّقه أمراً ثقيلاً ليصح تعلّق الرفع، والأمر الثقيل هو فعل الواجب أو ترك الحرام ،وأمّا الحكم فهو أمر صادر من المولى فلا ثقل فيه.
يلاحظ عليه: الأحكام من مصاديق التكليف، وهو من الكلفة، فلو لم يكن فيها ثقل فكيف يطلق عليها التكليف؟ والشاهد على ذلك وصف الأحكام بالحرج قال سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(1)، أي لم يجعل حكماً حرجياً.

1 . الحج:78.

(359)

4. ما هو الموضوع هو المرفوع

وهناك محاولة رابعة لتخصيص الحديث بالشبهة الموضوعية، وحاصله: انّ المرفوع في الحديث عبارة عمّا هو الموضوع في سائر الأدلّة، وبما انّه فيها عبارة عن نفس الفعل ـ لا الحكم ـ فيكون المرفوع أيضاً هو نفسه. والدليل على أنّ الموضوع هو الفعل قوله سبحانه: (وَعَلَى المَوْلُود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف )(1)، فالموضوع هو فعل الرزق وفعل الكسوة ، وقوله سبحانه: (وَعَلى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِديَةٌ طعامُ مِسْكِين)(2)، فالموضوع هو الفدية، وقوله :(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام)، أو قوله: (وَللّهِ عَلَى النّاس حِجُّ البَيْت)(3)، فالموضوع هو الصيام والحجّ.
يلاحظ عليه أولاً: أنّ الرفع كما يتعلّق بالفعل كذلك يتعلّق بالتكليف أيضاً، كما في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «رفع القلم عن ثلاثة»(4)، فانّ المراد رفع قلم التكليف، والمراد انّه لم يكتب عليه شيء من التكاليف، ولذلك عدّالفقهاء العقل والبلوغ من شرائط التكليف.
وثانياً: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ في غير النسيان، لأنّه يرتكب في غيره عملاً، له حكم خاص فيكون نفس الفعل مرفوعاً، وأمّا فيه فانّه ربما يكون مبدأ لترك الفعل، كنسيان الصلاة في الوقت، أو نسيان أجزاء الواجب فلم يصدر من المكلّف أمر

1 . البقرة: 233.
2 . البقرة: 184.
3 . آل عمران:97
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 2 ومرّ الحديث عن صحيح البخاري.

(360)
ثقيل حتى يكون هو المرفوع بل لم يصدر منه شيء.
وثالثاً: أنّ الظهور المتبع عبارة عن الظهور العرفي الذي يستظهره غالب أهل اللسان، لا الظهور المبني على هذا النوع من الدقائق، وعلى هذا فإنكار إطلاق الحديث بالنسبة إلى الجهل بالحكم أو نسيانه، أمر لا يقبله الذوق السليم.

الخامس: اختصاص الحديث بالرفع الامتناني

قد عرفت في الأمر الثالث انّ المسوغ لنسبة الرفع إلى الأُمور التسعة، إنّما هو رفع آثارها، لكن لما كان الحديثُ حديثَ امتنان بقرينة قوله: «عن أُمّتي» يختص الرفع بما يكون في رفعه منَّة عليهم، لا ضرراً وحرجاً وضيقاً، وإلاّ فلا يعمه. وعلى هذا، يجوز إكراه القاضي المدينَ المتمكن من أداء الدين،ولا يحرم،وبالتالي يتملّك الدائن ما أخذه، كما يجوز إكراه المحتكر في عام المجاعة على البيع فيجوز تكليفاً ويصحّ بيعه الطعام ثانياً، كما لا يرتفع بالإكراه ضمان العين التالفة عن جهل ونسيان، إذ ليس في رفعه امتنان عليهم، ولا يرتفع صحّة بيع المضطر إذ ليس في رفعه أيّ امتنان على الأُمّة، بل الامتنان في صحّة المعاملة.
ولكن القدر المتيقن من الحديث هو إذا كان ترتيب الأثر على خلاف الامتنان، وعدمه على وفاقه. وعلى ضوء هذا ففيما إذا اضطر إلى أكل الميتة لأجل حفظ الحياة، فالوضع أي كونه محرّماً وموجباً للعقاب على خلاف الامتنان ورفعه، وعدم كونه كذلك على وفاقه، وأمّا إذا اضطر لمعالجة ولده إلى بيع داره، فالوضع أي ترتيب الأثر على بيعه يكون على وفاق الامتنان ورفعه على خلافه، إذ على الرفع يكون بيع الدار باطلاً والتصرّف في الثمن حراماً فلا يتمكن من الوصول إلى مقصوده وهو معالجة ولده.
ومثله «ما أكره عليه» لو أكره على بيع داره، فالوضع أي الحكم بصحة البيع

(361)
وتملّك المكرِه المبيع على خلاف الامتنان ورفعه وكونه باطلاً لعدم طيب نفسه على وفاقه.
وأمّا إذا أُكره على الحكم التكليفي، كما إذا أُكره على الزنا أو شرب الخمر وإلاّ فيهان، أو يجبر بدفع مال غير مهم بالنسبة إليه، فلا يكون الوضع، أي حفظ حرمة الفعل على خلاف الامتنان بعد كون ما توعد به أمراً قابلاً للتحمّل، ولذا قالوا ليس كلّ إكراه مسوّغاً لمخالفة الحكم التكليفي، بخلاف الإكراه في مورد المعاملات فإنّ الأقل منه الملازم لعدم طيب النفس ملازم للبطلان.
نعم لو كان ما توعد به أمراً مهماً لا يُتحمل عادة، فهو مرفوع، بدليل الإكراه أوّلاً و دليل «لا حرج» ثانياً كما لا يخفى.

السادس: المرفوع آثار المعنون لا آثار العناوين

اعلم أنّ الآثار الشرعية على قسمين:
قسم يترتب على نفس الفعل بما هوهو من دون تعنونه بعنوان خاص كالأحكام الواردة في الآيات التالية:
1.(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلاً) .(1)
2. (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَليّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) .(2)
3. (وأَوفُوا بالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤولاً) .(3)
4. (وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا) .(4)

1 . الاسراء:32.
2 . الاسراء:33.
3 . الاسراء:34.
4 . المائدة:38.

(362)
5. (الزَّانِيَةُوَالزّاني فَاجْلِدُوا كُلّ واحِد مِنْهُما مائَةَ جَلْدَة) .(1)
فالحكم المجعول في هذه الموارد على فعل المكلف بما هوهو عالماً كان أو جاهلاً، مختاراً كان أو مكرهاً، مضطراً أو غير مضطر.
وقسم يترتب الحكم على الفعل بما هو معنون بعنوان خاص، كترتب الدية على القتل الخطأ، كما في قوله سبحانه:(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ).(2) وكالإتيان بسجدتي السهو إذا تكلم ناسياً، كقوله ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يتكلّم ناسياً في الصلاة؟ فأجاب: «يسجد سجدتين»(3). فالحكمان مترتبان على الفعل الصادر عن خطأ ونسيان.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنّ المرفوع هو القسم الأوّل من الآثار لا الثاني، وذلك لوجهين:
الأوّل: انّ المتبادر من أخذ العناوين التالية: الإكراه والاضطرار والنسيان في حديث الرفع، هو أخذها طريقاً إلى متعلّقاتها، فأطلق رفعها وأُريد رفع متعلّقاتها، أعني: الأفعال المكره والمضطر إليها والمنسية ورفعها كناية عن رفع آثار متعلّقاتها التي رتبت في الأدلّة على مطلق الفعل من غير تقييد بعنوان خاص، مثلاً حكم في الآيات السابقة على الزنا والسرقة بالحرمة، وبالقتل بجواز الاقتصاص، وبالعهد بلزوم الوفاء من غيرتقييد بعنوان مثل العمد والاختيار والذكْر، ومقتضى إطلاق الدليل ثبوتها في جميع الحالات، فإذا ضمّ إليها حديث الرفع، يكون مقتضى الجمع بين الدليلين هو رفع تلك الآثار إذا كان الفاعل مكرهاً أو مضطرّاً، أو ناسياً أو جاهلاً.

1 . النور:2.
2 . النساء:92.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 4 من أبواب الخلل ، الحديث 1.

(363)
وهذا بخلاف الحسد والطيرة والوسوسة، فالظاهر انّها عناوين موضوعية، فالمرفوع آثار نفسها.
وعلى هذا، فلو رتب أثر شرعي على خصوص الفعل الصادر عن خطأ أو نسيان، فلا يكون مرفوعاً بحديث الرفع، لأنّ الخطأ وأمثاله فيه أخذا موضوعاً لا طريقاً إلى المتعلّق.
الثاني: إذا كان حديث الرفع حاكماً على مثل القسم الثاني يلزم التناقض بين الأدلّة الدالة على ثبوت هذه الأحكام في هذه الأحوال، وحديث الرفع النافي لها فيها ولا محيص عن صرفه عن مثل هذه الأحكام.

السابع: عدم اختصاصه بالأُمور الوجودية

إذا كان المرفوع جدّاً هو عموم الآثار، كما مرّ; تكون النتيجة، عدم اختصاص الحديث بالأُمور الوجودية، بل يعمّ الأُمور العدمية. مثلاً لو نذر أن لا يدَّخِنَ، لكن دخّن عن إكراه أو نسيان، فالفعل مرفوع برفع آثاره. ولو نذر، أن يشرب من ماء زمزم فنسي أو أُكره على الترك، فلا يعدّ حنثاً ولا تجب الكفارة.
لكن ذهب المحقّق النائيني قدَّس سرَّه إلى اختصاص الحديث بالأُمور الوجودية، وقال: وإن أكره المكلّف على الترك أو اضطر إليه أو نسي الفعل ففي شمول حديث الرفع لذلك إشكال مثلاً لو نذر أن يشرب ماء دجلة فأُكره على العدم أو اضطر إليه أو نسي أن يشرب، فمقتضى القاعدة وجوب الكفارة لو لم تكن أدلّة وجوب الكفارة مختصة بصورة تعمد الحنث ومخالفة النذر عن إرادة واختيار، لأنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود، لأنّ تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنّما يكون وضعاً لا رفعاً والمفروض انّ المكلّف قد ترك الفعل عن إكراه ونسيان، فلم يصدر منه أمر وجودي قابل للرفع، ولا يمكن أن يكون عدم الشرب في المثال مرفوعاً وجعله كالشرب حتى يقال انّه لم تتحقق

(364)
مخالفة النذر فلا حنث ولا كفارة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ كلامه إمّا في عالم الإثبات والاستعمال أو عالم الثبوت والجد، فإن كان في المقام الأوّل فقد مرّ انّ مصحح الرفع إثباتاً عبارة عن تعلّقه بهذه العناوين الوجودية، من غير فرق بين تعلّقها بأُمور وجودية أو أُمور عدمية، وما ذكره قدَّس سرَّه نظير ما ذكره الشيخ الأعظم في بيان وجه اختصاص أخبار الاستصحاب بالشكّ في الرافع دون الشكّ في المقتضي، وذلك لأنّ النقص لا يناسب إلاّ المعنى الأوّل الذي أحرز فيه اقتضاء البقاء وإنّما شكّ في رافعه دون الثاني الذي لم يحرز فيه اقتضاء البقاء.
وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ المصحح لاستعمال النقض في كلا الموردين هو تعلّقه باليقين الذي هو أمر مبرم مستحكم ـ وليس مثل الظن ـ سواء تعلّق اليقين بما أحرز فيه المقتضي وشكّ في رافعه أو بما شكّ في وجود الاقتضاء فيه.
ونظيره المقام ، فانّ المصحّح في مقام الإثبات، كون متعلّق الرفع عبارة عن الأُمور التسعة التي هي أمر وجودي، فهي في عالم التشريع مرفوعة، من غير نظر إلى تعلّقها بأمر وجودي أو أمر عدمي.
وإن كان كلامه في المقام الثاني، فالمرفوع هو الأحكام الوجودية المترتبة على الموضوعات الشرعية من غير فرق بين ترتبه على أمر وجودي أو أمر عدمي، فالحنث والكفارة في مثاله الذي ذكره مترتب على ترك الشرب، فالحديث يرفع وجوب الكفارة الذي هو أمر وجودي.
وعلى ذلك لو أكره على ترك السورة في الصلاة أو نسيها، فيجري فيه حديث الرفع، وسيوافيك تفصيله في أحد الأُمور الآتية.

1 . فوائد الأُصول:3/352 ـ 353.

(365)

الأمر الثامن: المرفوع هو المترتب على فعل المكلّف

إنّ المرفوع هو الأثر المترتب على فعل المكلّف، لأنّ هذه العناوين ممّا لا تعرض إلاّ على فعله، فلو ترتب أثر على فعله فهو مرفوع، وأمّا إذا كان الأثر مترتباً على وجود الشيء كالنجاسة بواسطة ملاقاة، جسم لجسم، فلا يرتفع به، فلو أُكره على شرب الخمر ترتفع الحرمة دون نجاسة ملاقيه من اليد والفم، أو أكره على الزنا، فالأثر المترتب على فعله من حرمة التزويج إذا كانت محصنة مرتفعة بشرط أن يكون كلّ مكرهاً عليه، وبذلك يعلم انّه لو أكره على ترك الفريضة أو اضطر إلى الترك، لا يسقط القضاء، لأنّه مترتب على الفوت بما هوهو لا بما هو فعل المكلّف، فلو نام عن فريضة فعليه القضاء مضافاً إلى وجود الملاك. ولا ينافيه قوله: «رفع القلم عن ثلاثة... النائم حتى يستيقظ».
هذه هي الأُمور الكلية التي تسلط الضوء على المقصد إذا عرفتها، فنقول يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في عنواني «ما لا يعلمون» و«النسيان»

قد عرفت أنّ المرفوع جدّاً هو عموم الآثار الشرعية، وعلى ذلك كما يكون الحكم التكليفي مرفوعاً بالجهل والنسيان، كذلك يكون الحكم الوضعي، كالجزئية والشرطية مرفوعاً بهما أيضاً.
فلو جهل بحرمة الشيء ـ بعد الفحص عن مظانّه أو نسي الحكم الشرعي ـ فارتكبه فلا يترتب عليه شيء; فلو نذر أن يصلّي الغفيلة فنسيها، ولم يصل لا يترتب عليه الحنث. وأمّا لزوم القضاء، فالبحث عن لزومه وعدمه يطلب لنفسه مجالاً آخر.

(366)
إنّما الكلام في رفع الحكم الوضعي كالجزئية والشرطية، فلنركز الكلام على النسيان ومنه يعلم حال الجهل به.
أقول: إنّ النسيان قد يتعلّق بالجزئية، والشرطية، فهو يكون مساوقاً لنسيان الحكم الكلي، وقد يتعلّق بنسيان الجزء والشرط مع العلم بحكمهما; وعلى كلّ تقدير، فلا مانع من عمومية الحديث لكلا القسمين تحت عنوان واحد، ورفع المنسي باعتبار رفع النسيان سواء كان المنسيّ، الحكم الكلي، أو الجزئي بماله من الأثر الشرعي (الوجوب). وعلى ضوء ذلك،يكون الواجب في حقّ الناسي الأجزاء الباقية، وتكون الصلاة صحيحة، والتفصيل بين نسيان الحكم،ونسيان الجزئية والشرطية تحكم بعد تعلّق الرفع برفع النسيان ورفع ما نسي، وهو أعم من الحكم والجزئية والشرطية.
نعم استشكل على التمسك بالحديث بأُمور ذكر بعضها المحقّق الخراساني في باب الشكّ في المكلّف به عند الجهل بالجزئية والشرطية (1)، وبعضها الآخر المحقّق النائيني في المقام، ونحن نشير إلى الجميع بصورة موجزة.
1. الجزئية أمر انتزاعي وليس حكماً شرعياً ولا موضوعاً لحكم شرعي، فكيف يتعلّق به الرفع التشريعي؟
يجاب: يكفي في جواز الرفع كونها منتزعاً من أمر مجعول، وهو وجوب السورة، وهذا المقدار كاف في صحّة الرفع.
2. انّ رفع الجزئية، يلازم رفع وجوب السورة، وأمّا كون الواجب هو الباقي وتعلّق الأمر به فهو لا يستفاد من حديث الرفع.
يجاب: بأنّ نسبة حديث الرفع إلى أدلّة الأجزاء والشرائط، هو نسبة

1 . كفاية الأُصول: 2/235.

(367)
الاستثناء، فكما أنّ استثناء شيء من العموم، يلازم اختصاص الحكم الباقي، فهكذا استثناء جزئية السورة في حال النسيان، يلازم انحصار الأمر بالباقي، وبذلك يكون حديث الرفع من أدلّة الأجزاء.
بعبارة أُخرى: تحديد دائرة المأمور به، ليس على عاتق حديث الرفع بل على عاتق أدلّة الأجزاء، فإذا اختص وجوب السورة بغير حال النسيان، يكون الواجب في حقّ الناسي هو الصلاة بغير السورة، وينطبق عنوان المأمور به على الباقي انطباقاً قهرياً، ويكون سقوط الأمر والأجزاء مثله.
3. ما ذكره المحقّق النائيني من أنّه لا يمكن تصحيح العبادة الفاقدة لبعض الأجزاء والشرائط، لنسيان أو إكراه ونحو ذلك بحديث الرفع، فانّه لا محلّ لورود الرفع على السورة المنسيّة في الصلاة مثلاً لخلو صفحة الوجود عنها.(1)
يجاب عنه بما عرفت من أنّ الرفع تعلّق في عامة الموارد بأُمور وجودية، وهو العناوين الواردة في الحديث، وقد تقدّم أنّها أخذت فيه بعنوان الطريقية فيكون المرفوع هو المنسي.
4. ما ذكره هو أيضاً قدَّس سرَّه لا يمكن أن يكون رفع السورة بلحاظ رفع أثر الإجزاء والصحّة، فانّ ذلك يقتضي عدم الإجزاء وفساد العبادة وينتج عكس المقصود.(2)
يلاحظ عليه: ليس المرفوع هو الإجزاء والصحّة،بل المرفوع هو الجزئية والوجوب الذي لها، وهذا ينتج نفس المقصود.
5. إنّما تصحّ عبادة الناسي ويكون المركب الفاقد تمام المأمور به في حقّه إذا أمكن تخصيص الناسي بالخطاب، وأمّا مع عدم إمكانه لأجل كون الخطاب بقيد انّه ناس، لوجب انقلاب الموضوع إلى الذاكر فلا يمكن تصحيح عبادته.

1 . فوائد الأُصول:3/353.
2 . فوائد الأُصول:3/353.

(368)
يجاب: انّ تصحيح عبادته لا تتوقف على تخصيصه بالتكليف، بل الأمر المتعلّق بالصلاة في الكتاب والسنّة كاف في التصحيح، فانّ الذاكر والناسي يقصدان امتثال قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيل)(1) والصلاة أمر مقول بالتشكيك، تصدق على الفرد الواجد للسورة،والفاقد لها وكلاهما ـ بما هما فردان للطبيعة، غير انّ الواجب على الذاكر إيجادها في ضمن الفرد الكامل، وعلى الناسي إيجادها في ضمن الفرد الناقص ـ إيجاد لنفس الطبيعة وامتثال للأمر الوارد في الكتاب والسنّة بلا حاجة إلى تخصيص الناسي بالتكليف.
وعلى ذلك فلو ذكر الناسي بعد أداء الصلاة انّه ترك السورة فصلاته صحيحة، مجزئة لانطباق عنوان المأمور به على ما أتى، وقد قام الإجماع على عدم وجوب صلاتين في وقت واحد.
6. انّ هذا التقريب يوجب سقوط الأمر الظاهري، وأمّا الأمر الواقعي المتعلّق بالصلاة بعامة أجزائها وشرائطها فهو باق.
يجاب: انّك قد عرفت في باب الإجزاء انّه ليس لنا إلاّ أمر واحد، وهو بوحدته يبعث الذاكر والناسي والمصحّ والمريض والحاضر والمسافر، ولأجل ذلك يعبر سبحانه عن صلاة المسافر، بالتقصير ويقول: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة) (2) فالواجب في حقّ المسافر، هو نفس الواجب في حقّ الذاكر، غير أنّ له أن يقصّـرها ويقلِّلها من ركعاتها.
نعم يمكن امتثال هذا الأمر الواحد بصور مختلفة حسب اختلاف أحوال المصلي، من الذكر والنسيان والصحّة والمرض.

1 . الإسراء:78.
2 . النساء:101.

(369)

تعلّق النسيان بالسبب

ما ذكرناه في نسيان الجزء والشرط والمانع يأتي بعينه في نسيان السبب لكن بالتفصيل الآتي.
وهو انّه إن تعلّق النسيان بأصل السبب أو بشرط يعد عند العقلاء من مقومات العقد، كما إذا تقاولا على الزوجية، ودخل بالمرأة بلا عقد عن نسيان أو عقد هازلاً، فلا ريب في بطلان مثل هذا الزواج، إذ لم يصدر من المكلّف أيُّ عمل حتى يوصف بالصحّة، وهذا بخلاف ما إذا تعلّق النسيان بشروط السبب وموانعه، كما إذا عقد فارسياً ـ على القول بشرطية العربية ـ، فيحكم بالصحّة لرفع شرطيتها في حال النسيان فيكون العقد الفارسي قائماً مكان السبب التام، وليس المرفوع إلاّ شرطية العربية.
وبما ذكرنا يظهر، عدم تمامية ما أفاده المحقّق النائيني حيث قال ببطلان العقد الفارسي إذا صدر عن نسيان قائلاً : بأنّ رفع العقد الفارسي لا يقتضي وقوع العقد العربي.(1)
لما عرفت من أنّ المرفوع هو شرطية العربية في العقد، وهو كاف في الصحّة، لا العقد الفارسي.

المقام الثاني: في الاضطرار والإكراه

قد استقصينا البحث في الفقرتين الماضيتين: مالا يعلمون، والنسيان; فلنعطف عنان الكلام إلى الفقرتين الأخيرتين: الاضطرار والإكراه.
فيقع الكلام تارة في الحكم التكليفي، وأُخرى في الحكم الوضعي.

1 . فوائدالأُصول: 3/ 357.

(370)

تعلّق الإكراه بالحكم التكليفي

إذا تعلّق الإكراه بارتكاب المحرم، فلا يرتفع بمجرّد عدم طيب النفس إلاّ إذا كان المتوعد به أمراً حرجياً، غير قابل للتحمل عادة، وهذا يختلف حسب اختلاف الأشخاص والأحوال. وقد فصّل الشيخ في الموضوع في المكاسب المحرمة فليرجع إليها.
وأمّا ما رواه المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة فقال: «إن كان استكرهها فعليه كفارتان، وإن كان طاوعته فعليه كفارة...».(1) فضعيف السند جدّاً، لأنّ الكليني يرويه بسند لم نجد أيّ توثيق في حقّ واحد منهم، وعلى فرض الثبوت يحمل على المرحلة التي ربما تسلب الطاقة عرفاً عن الزوجة.
إذا علمت انّه ليس كلّ إكراه مسوِّغاً لارتكاب المحرم بل مرتبة خاصة منه، فاعلم انّه إذا بلغ الإكراه إلى الدرجة المسوِّغة، وأُكره على ارتكاب محرم فعليه الاقتصار به دون تجاوز إلى الفرد الآخر، كما أنّه إذا أكره على ترك فرد من الواجب كالصلاة في المسجد فليس له ترك الصلاة في البيت.

تعلّق الإكراه بالحكم الوضعي

هذا كلّه حسب الحكم التكليفي وأمّا الوضعي، فتارة يتعلّق بالسبب، وأُخرى بالمسبب. أمّا الأوّل فكما لو أُكره على ترك السبب أو ترك ما يعد من مقوماته كالتزويج بلا عقد، أو هازلاً، فلا شكّ في بطلان التزويج غاية الأمر يعدّ معذوراً من جانب المخالفة التكليفية، كالنظر واللمس إذا استمر الإكراه.

1 . الوسائل: 7، الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(371)
أمّا إذا تعلّق الإكراه بترك الجزء والشرط أو إيجاد المانع، فالظاهر صحّة العبادة على غرار ما ذكرناه في نسيان الجزء والشرط وإيجاد المانع إذا كان العذر مستوعباً، وأمّا إذا لم يكن كذلك،فالإجزاء وعدمه رهن جواز البدار مع احتمال ارتفاع العذر أو لا. فعلى الأوّل يجزي لوحدة الأمر وقد امتثله وانطبق عليه عنوان الواجب دون ما إذا قلنا بعدم الاجزاء ومثله إذا أكره على المانع كما إذا أكره على الصلاة في الثوب النجس.
فتلخص من ذلك أنّ مطلق الإكراه لا يسوِّغ مخالفة الحكم التكليفي إلاّإذا بلغ درجة غير قابلة للتحمل عادة، ومعه يجب الاقتصار على مورده.
وأمّا الإكراه على الحكم الوضعي، فلو أُكره على ترك السبب من رأس أو ما يعد مقوماً فلا يجدي في صحّة السبب لعدم السبب.
وأمّا إذا أُكره على ترك الشرط والجزء والمانع في المعاملة والعبادة، فالظاهر رفع الجزئية والشرطية والمانع، وبالتالي التكاليف الوضعية والحكم بصحّة العمل عبادياً كان أو معاملياً.
نعم فصّل سيدنا الأُستاذ قدَّس سرَّه في باب الإكراه بين تعلّقه بالمانع وتعلّقه بترك الجزء والشرط، بجريان حديث الرفع في الأوّل وصحّة العمل، دون الأخير، وذلك لأنّ الإكراه في الأوّل تعلّق بشيء ذي أثر وهو المانع كالصلاة في الثوب النجس،دون الأخيرين إذ الإكراه تعلّق بترك الجزء والشرط، وهما ليسا متعلّقين بالحكم الشرعي.
هذا بخلاف ما إذا نسي الجزء والشرط بأنّ متعلّق النسيان ذو أثر شرعي، وعلى ضوء ما ذكر يجزي حديث الرفع في مورد النسيان في جميع الموارد الثلاثة، دون الإكراه فهو يجري في إيجاد المانع، دون ترك الجزء والشرط.(1)

1 . تهذيب الأُصول: 2/167ـ 168.

(372)
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في جريان الحديث أحد الأمرين إمّا كون متعلّق العنوان ذا أثر شرعي كنسيان الجزء، أو كون متعلّقه ملازماً عرفاً للحكم الشرعي، فانّ ترك الجزء في نظر العرف ملازم لبقاء الأمر بالمركب فإذا تعلّق الإكراه بترك الجزء وصار المكلّف معذوراً في تركه يكون نظر العرف ملازماً لعدم بقاء الأمر بالمركب وسقوط الأمر النفسي، وهذا المقدار من الملازمة العرفية كاف في التمسك به، هذا كلّه حول الإكراه على السبب.

الإكراه على المسبب

وأمّا إذا أكره على المسبب، فإن كان من الأُمور الاعتبارية المترتبة على فعل المكلّف كالزوجية والملكية إذا أمكن الاكراه عليه، فهو مرفوع، وأمّا إذا كان من الأُمور المترتبة على وجود السبب بما هوهو لا بما هو فعل اختياري للمكلّف فلا يرتفع بالإكراه كالغسل لمن أكره بالجنابة،وتطهير الثوب والبدن للصلاة لمن أكره على الجنابة.

حكم الاضطرار

الاضطرار إمّا أن يتعلّق بالأمر المشروع كبيع الدار لمعالجة الولد، فلا شكّ انّه غير مؤثر في رفع الأثر، لأنّه على خلاف الامتنان، وأمّا إذا تعلّق بأمر محرم فهو رافع له بعامة مراتبه خلافاً للإكراه، وقد عرفت أنّه لا يرتفع به الأثر إلاّ إذا كان ما توعد به أمراً غير قابل للعمل.
وأمّا إذا تعلّق بإيجاد المانع أو ترك الجزء والشرط فهو كالإكراه، مختاراً وإشكالاً وجواباً.

(373)

إكمال

لا يخفى انّ مفاد ما مرّ من الآيات السابقة، مفاد البراءة العقلية من قبح العقاب بلا بيان فلو تم دليل الأخباري على لزوم الاحتياط يكون وارداً على أدلّة الأُصولي ، إنّما الكلام في مفاد حديث الرفع، فهل مفاده نفس مفاد البراءة العقلية، أو انّ مفاده رفع الواقع المجهول سواء أكان حكماً أم موضوعاً ومعنى ذلك أنّ المكلّف في سعة من جانبه وليس له أيّ حرج من جانبه، فلو دل دليل على لزوم الاحتياط وانّ المكلّف مأخوذ من جانب الحكم المجهول يقع التعارض بينهما.
وعلى ضوء هذا، يجب إمعان النظر في مفاد كلّ دليل يقام على البراءة، فهل يتحد مفاده مع مفاد البراءة العقلية أو لا؟

2. حديث الحجب

روى الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن داود بن فرقد، عن أبي الحسن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «ما حجب اللّه عن العباد، فهو موضوع عنهم».(1)
ومحمد بن يحيى شيخ الكليني ثقة، يروي عن شيخه أحمد بن محمد بن عيسى، وهو ثقة جليل; يروي عن ابن فضال، وهو الحسن بن علي بن فضال من أصحاب الإمام الهادي والعسكري عليمها السَّلام ، كوفي ثقة، وهو شيخ أبي النضر محمد بن مسعود العياشي قال التلميذ: فما لقيتُ بالعراق وناحية خراسان أفقه ولا أفضل من الحسن بن علي بالكوفة(2); وهو يروي عن داود بن فرقد الثقة; وهو يروي عن زكريا بن يحيى هو الواسطي، قال النجاشي: إنّه ثقة. والحديث لا غبار عليه، لكن

1 . الكافي:1/164، باب حجج اللّه على خلقه، الحديث 3.
2 . رجال النجاشي:1/127، برقم 71.

(374)
لوقوع ابن فضال الفطحي في السند، يوصف بالموثق، وقد مات عام 221 أو 224هـ ويمكن وصفه بالصحّة لأنّ ابن فضال كان خصيصاً بالرضا ـ عليه السَّلام ـ وهو يدل على توفّيه على الحقّ وإلاّ لما كان خصيصاً به واللّه العالم.
وأمّا الدلالة، فتقرر بأنّ حرمة شرب التتن ـ على فرض حرمتها ـ ممّا حجب اللّه علمه عن العباد، فهي مرفوعة عنهم، فليس من ناحيتها أيّ حرج، فيكون على فرض تمامية الدلالة معارضاً لأدلّة الأخباري الدالة على وجود المسؤولية للعباد فيما جهلوا من الأحكام ولو بالاحتياط.
إنّما الكلام في تمامية الدلالة، وذلك لأنّ في الموصول احتمالات:
1. المعارف والأُمور الغيبيّة التي لم يكلف العباد بالتعرف عليها ككيفية البرزخ والميزان والصراط والشجرة الخارجة من أصل الجحيم(1)، فانّ ذلك كلّه من الأُمور الغيبية التي لا تصل إلى دركها أفهام العباد في هذه النشأة، ويؤيد ذلك المعنى عدّة من الروايات.(2)
2. الأحكام التي لم يُبيّنها الشارع أصلاً، لأجل التسهيل، ويؤيده ما عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :«إنّ اللّه افترض عليكم فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهِكُوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلّفوها».(3)
3. المعنى العام الشامل للمعارف والأحكام لكن بجامع انّه ممّا لم يبيّنه أصلاً.

1 . إشارة إلى قوله سبحانه: (إنّهاشَجَرَة تَخْرُج في أَصْلِ الجَحيم *طَلْعُها كأنّهُ رُؤوس الشَّياطين)(الصافات/64 ـ 65).
2 . الكافي: 1/92، الحديث 1،و ص 103، الحديث 12.
3 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 105.

(375)
4. ذلك المعنى لكن الأعم ممّا لم يبيّنها، أو بيّنها لكن أخفاها الظالمون، أو خفي لأجل حوادث مرّة من التقية وغيرها.
والاستدلال مبني على كون المراد من الموصول هو الأعم من المعارف والأحكام، كما أنّه مبنيّ أيضاً على أنّ المراد من الحجب هو الأعم من حجبه سبحانه مباشرة، أو حجب عباده الذي يصحّ اسناده إلى اللّه أيضاً كإسناد سائر أفعال العباد إليه إسناداً بالمباشرة.
فإن قلت: إنّ ظاهر الحجب هو الحجب المباشري فيختص بما لم يُبيّن.
قلت: إنّ ظاهره معارض بظهور لفظ الوضع الذي هو بمعنى الرفع لمكان لفظة «عن» والرفع فرع وجود الحكم وتشريعه ولولاه لما صحّ رفعه، فيكون الحديث محتمل الوجهين، فيسقط عن الدلالة، بل يمكن ترجيح الأوّل بادّعاء كفاية وجود المقتضي للوضع لكنّه سبحانه لم يضعه تسهيلاً للعباد، كما يمكن ترجيح الثاني بادّعاء انّ الحجب الناشئ من ناحية العباد منسوب إلى اللّه سبحانه كنسبة سائر الأفعال إليه. يقول سبحانه: (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمى)(1) ،على أنّه ربّما يكون الحجب معلولاً للحوادث المرّة كجريان السيل، ووقوع الزلزال اللّذين يسببان زوال الكتب فتصحُّ نسبته إلى اللّه سبحانه.

3. حديث السعة

استدل الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «الناس في سعة ما لا يعلمون».
وجه الاستدلال: انّ «ما» في قوله «ما لا يعلمون» يحتمل أحد وجهين:
1. انّها موصولة: و«لا يعلمون» صلة والضمير العائد إلى الموصول محذوف،

1 . الأنفال:17.

(376)
والمعنى: الناس في سعة من جانب شيء لا يعلمونه ،فالحرمة المجهولة في شرب التتن شيء بما انّها غير معلومة للناس فهم من ناحيتها في سعة، أي ليس عليهم حرج وضيق، من إيجاب الاحتياط والتحفّظ، أو ثبوت العقاب والعذاب على فرض كونه حراماً، ويكون مضمونه موافقاً لحديث الرفع، ولو تمّ دليل الأخباري يكون معارضاً معه،لأنّه يدل على عدم السعة وانّه لو كان حراماً ليُؤخذ به الإنسان ولذلك يوجب الاحتياط.
2. مصدرية زمانية(1) مثل قوله تعالى: (وَأَوصاني بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً)(2) أي مدة حياتي،والمعنى الناس في سعة في زمان عدم علمهم.
فإن قلت: إنّما تتم دلالته ويكون معارضاً لدليل الأخباري إذا افترضنا أنّها موصولة، دونما إذا كانت ظرفية، فيكون معناه :الناس في سعة ما دام لم يعلموا، فيكون الحديث هو مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان وتكون أدلّة الاحتياط حاكمة عليه.
قلت: هذا ما ذكره المحقّق النائيني حسب ما نقله المحقّق الخوئي في تقريراته(3)، وقد أشار إليه المحقّق الخراساني بقوله: لا يقال قد علم به وجوب الاحتياط، ثمّ أجاب عنه بما هذا توضيحه:
انّ المراد من العلم فيه، هو العلم بالواقع من غير فرق بين العلم بالحكم الشرعي أو العلم بهوية المشتبه في الشبهة الموضوعية والعلم بالاحتياط ليس علماً به وإنّما علم بحكم وقائي لئلا يخالف الواقع، نعم لو كان وجوب الاحتياط نفسياً، لا يكون بعد العلم به سعة، ولكنّه غير تام، فانّ وجوب الاحتياط لحفظ

1 . في مقابل المصدرية غير الزمانية مثل قوله: (فَضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ)(التوبة:118).
2 . مريم:31.
3 . مصباح الأُصول:2/278.

(377)
الواقع، ولذا لو خالفه ولم يكن في الواقع حراماً، لما استحق العقاب.
فظهر انّه لو تمّ دليل الأخباري لوقع التعارض بينهما، فهذا يدل على السعة ما لم يعلم الواقع بما هو هو، وذاك يدل على لزوم الاحتياط وإن جهل الواقع.
نعم الظاهر كون «ما» موصولة، لأنّ المصدرية تدخل على الماضي الحقيقي ، أو ما بحكمه وهما منتفيان. ولكن ما نقله الشيخ وغيره من النصّ غير وارد في الأُصول الحديثية، وإنّما الوارد أحد التعبيرين:
أ: هم في سعة حتى يعلموا.(1)
ب:الناس في سعة ما لم يعلموا.(2)
أمّا الأول فإليك نصه: انّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ سُئل عن سفرة وجدت في الطريق، كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها، وفيها سكّين؟ فقال أمير المؤمنينعليه السَّلام : «يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل، لأنّه يفسد وليس له بقاء، فإن جاء طالبها، غرموا له الثمن » قيل: يا أمير المؤمنين لا ندري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ قال: «هم في سعة حتى يعلموا».
والحديث مروي عن طريق النوفلي عن السكوني، والأصحاب عملوا برواياتهما ـ كما ذكره الشيخ في العدة ـ ولكن مورده هو الشبهة الموضوعية، لأنّ الشكّ في حلية اللحوم الموجودة فيها لاحتمال كونها للمجوسي الذي لا تحل ذبيحته والإمام حكم بالحلية، والمقصود هو إثبات الجواز في الشبهة الحكمية.
أضف إلى ذلك، انّ تطبيق الكبرى على موردها مشكل، لأنّ الأصل في

1 . الوسائل: الجزء 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 11; والجزء 16، الباب 38 من أبواب الذبائح ، الحديث 2.
2 . المستدرك: الجزء 18، الباب 12 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث... نقلاً عن غوالي اللآلي للاحسائي.

(378)
اللحوم هو عدم التذكية، فكيف حكم عليها بالحلية؟ ولو كان الحكم لأجل كون الأرض للمسلمين والغالب عليها هو الإسلام، تكون مستندة إلى قاعدة أُخرى لا إلى أصالة الحلية.
أمّاالثاني: فهو المروي مرسلاً عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «الناس في سعة ما لم يعلموا» والظاهر انّ «ما» ظرفية، دخلت على ما هو بحكم الماضي، دلالته جيدة يعم الشبهتين الموضوعية والحكمية، لكن السند غير تام.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
الحديث الأوّل : من مراسيل الكتب الأُصولية.
الحديث الثاني: السند قابل للاعتماد لكن الدلالة غير تامّة.
الحديث الثالث: تام دلالة غير تام سنداً.

4. حديث الحل الأوّل

روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خُدِع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة».(1)
والرواية من ثلاثيات الكليني حيث يروي عن المعصوم بثلاث وسائط، ومن ثنائيات القمي حيث يروي عن المعصوم بواسطتين.

1 . الوسائل: الجزء 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به،الحديث 4.

(379)
أمّا السند، فلا غبار عليه إلاّ في آخره، فانّ القمي من المشايخ الإثبات.
وهارون بن مسلم أنباري، سكن سامراً، يكنّى أبا القاسم، ثقة، وجه، وكان له مذهب في الجبر والتشبيه، لقي أبا محمّد وأبا الحسن عليمها السَّلام .(1)
والتعبير بلفظ : «كان» حاك عن عدوله عنه، وإلاّ كيف يكون معه ثقة؟!
وأمّا مسعدة بن صدقة العبدي; فقد وصفه الشيخ في رجاله بأنّه عامي(2)، وعدّه الكشي من البترية(3)، ولولا تصريح النجاشي برواية هارون بن مسلم عن مسعدة لكان لاحتمال سقوط الواسطة بينهما مجال.
والسند وإن كان غير نقي، لكن تلوح على المضمون علائم الصدق.
وعلى كلّ تقدير، فليس في المقام إلاّ رواية واحدة ورد فيها قوله: «كلّ شيء حلال حتى تعرف انّه حرام بعينه فتدعه».
ويظهر من الشيخ الأعظم انّ هنا رواية مستقلة وراء رواية مسعدة غير مشتملة على لفظة «بعينه».(4)ولم نقف على ما ذكره.
ونقلها المحقّق الخراساني مشتملة على لفظة «بعينه»، من دون أن يذكر مصدر الرواية.
وعلى كلّ تقدير فالرواية مختصة بالشبهة الموضوعية، وذلك لوجوه:
1. لفظة «بعينه» فانّه تأكيد للضمير في قوله: «انّه حرام»، والمعنى حتى تعرف انّه بشخصه حرام، ويتميّز عن غيره; ولا يتصور ذلك إلاّ في الشبهة الموضوعية، فإذا اختلط الخمر بالخل وعرف الخمر، فهناك حرام غير مشخص،

1 . رجال النجاشي:2/405، برقم 1181.
2 . رجال الشيخ:146 برقم 40، باب أصحاب محمد بن علي الباقر عليمها السَّلام .
3 . رجال الكشي: 333، باب عد جماعة من العامة والبترية.
4 . الفرائد: 301 و 220 في المسألة الرابعة من الشبهة التحريمية.

(380)
فإذا عرفه يقال: عرف الحرام بعينه; وأمّا الشبهة الحكمية، فليس عند الشك، حرام لا بعينه، حتى إذا زال الشكّ يكون الحرام معلوماً بعينه.
ويؤيد انّه بمعنى بشخصه رواية أبي عبيدة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة، وغنم الصدقة وهو يعلم انّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم؟ قال: فقال:« ما الإبل إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه».(1)
واحتمل سيدنا الأُستاذ قدَّس سرَّه كونه تأكيداً لقوله: حتى تعرف، وهو كناية عن وقوف المكلّف على الأحكام وقوفاً علمياً لا يأتيه ريب.(2)
2. الأمثلة التي وردت فيها بعد ضرب القاعدة كلّها من قبيل الشبهة الموضوعية، فتصلح لأن تكون قرينة للمراد، أو مانعة عن انعقاد الإطلاق.
3. قوله: «والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة» ويعني من البيّنة: شهادة العدلين، والتي يتوقف عليها ثبوت الموضوعات لا الأحكام، لأنّه يكفي في ثبوتها خبر العدل، وحمل البيّنة على مطلق ما يتبين به خلاف المتبادر منها في عصر الرسول فضلاً عن عصر الأئمّة قال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»(3)مضافاً إلى تفسيرها بالشاهدين في رواية عبد اللّه بن سلمان حيث روى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الجبن قال:« كلّ شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان على أنّ فيه ميتة».(4)

1 . الوسائل: الجزء 12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5، ولاحظ الحديث 2 من الباب 53.
2 . تهذيب الأُصول: 2/175.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
4 . الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.

(381)

5. حديث الحل الثاني

هناك حديث حل ثان يفترق عمّا سبق باشتماله على جملة: «فيه حلال وحرام» ،وقد وردت في روايات ثلاث، ولعلّ الرواية الثالثة نفس الثانية كما نستظهره.
1. ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «كلّ شيء فيه حلال وحرام، فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه».(1)
2. ما رواه عبد اللّه بن سنان، عن عبد اللّه بن سليمان قال: سألت أبا جعفر عن الجبن فقال لي: «لقد سألتني عن طعام يعجبني، ثمّ أعطى الغلام درهماً فقال:«يا غلام ابتع لنا جبناً»، ثمّ دعا بالغذاء فتغذّينا معه ـ إلى أن قال:ـ «سأخبرك عن الجبن وغيره، كلّ ما كان فيه حلال وحرام، فهو حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه».(2)
والأُولى مروية عن أبي عبد اللّهعليه السَّلام ، والثانية عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، فتكونان روايتين، غير انّ الأُولى مشتملة على لفظة «منه» دون الثانية.
3. ما رواه معاوية بن عمار عن رجل من أصحابنا قال: كنت عند أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، فسأله رجل عن الجبن فقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «إنّه لطعام يعجبني، وسأُخبرك عن الجبن وغيره، كلّ شيء فيه الحلال والحرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه».(3)
ولعلّ السائل الذي عبر عنه «فسأله رجل» هو «عبد اللّه بن سليمان» الوارد في الحديث الثاني، كما يحتمل انّه المراد في رواية أُخرى لعبد اللّه بن سنان قال :

1 . الوسائل: 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1و 7.
3 . الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1و 7.

(382)
سأل رجل أبا عبد اللّه عن الجبن، فقال: إنّي آكله ليعجبني، ثمّ دعا به فأكل.(1) وعلى ذلك فقد سأل عبد اللّه بن سليمان كلاً من الإمامين أبي جعفر وأبي عبداللّهعليمها السَّلام .
والرواية الأُولى صحيحة رواتها كلّهم ثقات، بخلاف الثانية فانّ عبد اللّه ابن سليمان لم يوثّق، والثالثة مرسلة لوجود «رجل» في السند، وعلى كلّ تقدير فالمضمون يلوح عليه علائم الصدق.
الاستدلال بالرواية على الشبهة الحكمية مبني على أمرين:
أ: المراد من الشيء في قوله: «كلّ شيء» ، هو الأمر الكلي، كشرب التتن أو لحم الأرنب.
ب: المراد من قوله: «فيه حلال وحرام» بمعنى فيه احتمال الحلال والحرام.
وعندئذ يقال: إنّ شرب التتن ولحم الأرنب فيهما احتمال الحلية والحرمة، فهما حلالان حتى تعرف الحرام منه بعينه.

يلاحظ عليه بأُمور:

1. أنّ الظاهر من قوله: «فيه حلال وحرام» هو فعليتهما لا احتمالهما كما في قوله سبحانه: (وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُم الكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرام).(2)
2. لو أُريد هذا المعنى، لكان الأنسب أن يقول: حتى تعلم، بدل «حتى تعرف»، فانّ العرفان يستعمل في الأُمور الجزئية، لا الكلية، يقال: عرفت اللّه لا علمت اللّه، بخلاف العلم.(3)

1 . المصدر نفسه، الحديث 2 وقد نقل الحديث مبتوراً.
2 . النحل:116.
3 . نعم هذا هو الغالب، وإلاّ فربما يستعمل العلم في الجزئيات، كما مرّفي مسعدة بن صدقة حيث قال: حتى تعلم انّه....

(383)
3. لو أُريد ذلك لزمت لغوية قوله: «بعينه» لأنّ الإنسان إذا وقف على حرمة شرب التتن أو لحم الأرنب وقف على حرمة ذلك الشيء لا حرمة شيء آخر، حتى يؤكد بقوله بعينه.
وربما يصحّح الاستدلال به على الشبهة الحكمية، بأنّ المراد من الشيء هو الجنس البعيد كالشرب بالنسبة إلى الماء والخمر، واللحم بالنسبة إلى الغنم والخنزير ففيه حلال وحرام بالفعل، ولكن نشك في الجبن والأرنب فهما حلالان حتى تعرف الحرام منه بعينه.
وقد رد عليه الشيخ بوجهين:(1)
1. انّ اللام في قوله: «حتى تعرف الحرام» للعهد الذكري إشارة إلى الحرام المتقدّم، مع أنّه إذا عرفت حرمة شرب التتن، فقد عرفت حرمة مستقلة لا الحرمة المتقدمة المحمولة على الخمر، ولو قلنا بعموم الحديث للشبهة الحكمية يكون معنى الحديث هكذا: انّ من الشرب حلالاً كالماء، وحراماً كالخمر، فشرب التتن لك حتى تعرف الحرمة المتقدمة.
2. ظاهر الرواية انّ التقسيم سبب للشك في حرمة شرب التتن، مع أنّه ليس كذلك فليس حلية شرب الماء، وحرمة شرب الخمر سبباً للشكّ في حرمة التتن.
والظاهر انّ المراد من الشيء، هو الكلي المنتشر في الخارج المتكثر فيه، بمعنى انّ قسماً منه حلال وقسماً آخر حرام ، وقسماً منه مشتبه كالجبن. فالمشكوك محكوم بالحلية، حتى تعرف انّه في قسم الحرام الذي جعل فيه الميتة، فيكون منطبقاً على الشبهة غير المحصورة.
ويؤيد ذلك، حديث أبي الجارود قال : سألت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ عن الجبن،

1 . الفرائد: 201.

(384)
فقلت له: أخبرني من رأى انّه يجعل فيه الميتة؟ فقال: «أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الأرضين، إذا علمت انّه ميتة فلا تأكل، وإن لم تعلم فاشتر وبع وكل».(1)
وهناك احتمال ثالث:
وهو أن يراد من الشيء، الجزئي الخارجي كالمال المختلط بالربا، وكالصدقات المشتراة من السلطان وجوائزه المختلط بالحرام، فقد تضافرت الروايات على حليّتها مالم يعرف الحرام بعينه، وهذان الموردان ممّا أخذ العلم التفصيلي موضوعاً للحرمة.(2)
ولكن جعل الضابطة لأجل ذينك الموردين لا يخلو من بعد.

6. حديث إطلاق الأشياء

روى الصدوق مرسلاً عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: وقال الصادق: «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي».(3) والاستدلال يتوقف على تماميته سنداً ودلالة.
أمّا الأوّل، فهو مرسل وهو لايصلح للاحتجاج به.
لكن المشايخ يفرّقون بين قولي الصدوق، أعني قوله: «روى عن الصادقعليه السَّلام » وقوله:«وقال الصادقعليه السَّلام »، حيث إنّ النسبة إليه تحكي عن جزم الصدوق بصدور الرواية عن المعصوم. وقال بحر العلوم: إنّ مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل ابن أبي عمير في الحجية والاعتبار. وقد ذكرنا كلمات القوم في

1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 5.
2 . وقد ذكرنا رواياته في المحصول فلاحظ 3/386.
3 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.

(385)
كتابنا «كليات في علم الرجال».(1)
أقول: إنّ ظاهره هو جزمه بصدورها عن الإمام، ولكنّه كما يكون مستنداً إلياعتقاده بعدالة رواته يمكن أن يكون مستنداً إلى القرائن المفيدة للعلم بالصحة.وعلى كلا الوجهين لا يصحّ الاستناد، أمّا على الثاني فواضح، لعدم حجّية علم المجتهد على مجتهد آخر; وأمّا الأوّل، فلأنّ غايته توثيقه لمن ورد في السند، وتوثيقه إنّما يكون حجّة إذا لم يكن له معارض، وهو فرع الوقوف على أسمائهم والمفروض انّه ترك ذكر السن