welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : كفاية المحصلين في تبصرة أحكام الدين / ج 2*
نویسنده :ميرزا محمد علي مدرس تبريزي خياباني*

كفاية المحصلين في تبصرة أحكام الدين / ج 2

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم
به مناسبت
ورود به پنجاهيمن سال درگذشت
مرحوم ميرزا محمّد على مدرّس تبريزى خيابانى أعلى الله مقامه
ومراسم يادبود و بزرگداشت او
در
انجمن آثار و مفاخر فرهنگى

صفحه 2
اين كتاب با يارى و مساعدت
سازمان چاپ و انتشارات وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامى
چاپ و منتشر شده است.

صفحه 3
كفاية المحصلين في تبصرة أحكام الدين
جلد دوم
تأليف
ميرزا محمد علي مدرس تبريزي خياباني
(1296 ـ 1373 هجري قمري)
به اهتمام
شيخ جعفر سبحانى
با مقدمهّ
مهدى محقّق
انجمن آثار و مفاخر فرهنگى
1380

صفحه 4
كفاية المحصلين في تبصرة أحكام الدين (ج2)
تأليف: ميرزا محمد علي مدرس تبريزي خياباني
به اهتمام: شيخ جعفر سبحانى
با مقدّمه: مهدى محقّق
چاپ اوّل، 1380 شمارگان 3000 نسخه
ليتوگرافي چاپ وصحافي: سازمان چاپ وانتشارات وزارت فرهنگ وارشاد اسلامى

صفحه 5

كتاب الهبات

الّتي جمعها باعتبار اختلاف أحكام أفرادها المختلفة، كالهبة المقبوضة و المعوّضة والمتصرّف فيها والواقعة للرّحم ونحوها، ومقابلاتها، وإلاّفهي حقيقة واحدة كالبيع، ونحوه، ولذا عبّر الأكثر بها موحّدة.
(و) أمّا (توابعها) الّتي أدرجها المصنف في بابها، فهي عبارة عن الصّدقة، والوقف، والحبس، والعمرى، والسّكنى، والرّقبى، والوصايا، لاشتمالها على البذل بلا عوض كالهبة المصطلحة، وإن امتاز كلّ منها عن الآخر بواسطة قيد مخصوص كما ستعرفه إن شاء اللّه تعالى.
(وفيه) ثلاثة (فصول):

صفحه 6

صفحه 7

الفصل الأوّل

في الهبة

الّتي هي تمليك عين منجّزاً من غير اعتبار قصد القربة والعوض، لا اعتبار عدمهما، وإلاّلانتقض بالهبة المعوّض عنها، والمتقرّب بها إلى اللّه تعالى، فإنّهما أيضاً هبة إجماعاً فتوى ونصّاً(1) كما في الرّياض.(2)
و(إنّما تصحّ في الأعيان المملوكة) شرعاً (وإن كانت مشاعة) فلا تصحّ في الحقوق والدّيون والمنافع والكلب والخنزير ونحوهما ممّا لا يتملّك شرعاً.
ولا يتحقّق إلاّ (بإيجاب) دالّ على التّمليك المذكور، كوهبت وأعطيت ونحلت ونحوها (وقبول) دالّ على الرّضا بذلك، وظاهره كغيره اعتبار العقد القولي، وبه صرّح في محكيّ المسالك(3)، بل في الرّياض(4) إنّ ظاهر الأصحاب الاتّفاق على ذلك; وفيه أنّ السّيرة القطعيّة الّتي دلّت على جواز المعاطاة في غير الهبة متحقّقة فيها أيضاً كتحقّق صدق الهبة عليها بدون العقد، فالأظهر القول بمشروعيّة المعاطاة هنا أيضاً، وحمل نظائر عبارة المتن على أنّها من قسم العقود والإيقاعات وإن تحققّت بما يتضمّن معنى الإيجاب والقبول من الأفعال،

1 . ا لوسائل: 19/231، الباب3 من أبواب أحكام الهبات، الحديث1.
2 . الرياض:9/375.
3 . المسالك:6/10.
4 . الرياض:9/376.

صفحه 8
(وقبض) من المتّهب بإذن الواهب.
ولابدّفي صحّتها من أهليّة التّصرف في الواهب بصدورها (من المكلّف) البالغ العاقل (الحرّ) وقابليّة التّملك في الموهوب له.
(ولو وهبه ما في ذمّته) من الدّين (كان إبراء) ولا يجري عليه أحكام الهبة، ولو وهب ما في الذّمّة لغير من عليه الحقّ لم يصحّ على المشهور، لأصالة عدم الانتقال مع اشتراط صحّة الهبة بالقبض، وما في الذّمة يمتنع قبضه، لأنّه ماهيّة كليّة لا وجود لها في الخارج وافرادها غيرها.
(ويشترط في القبض) المعتبر في صحّة الهبة (إذن الواهب إلاّ أن يهبه ما) كان مقبوضاً (في يده) من قبل فلا يفتقر إلى قبض جديد، ولا إذن فيه، ولا مضيّ زمان يمكنه فيه قبضه.
(وللأب والجدّ) له (ولاية القبول) للهبة (والقبض عن الصّغير والمجنون) اللّذين تحت ولايتهما لو وهب غيرهما لهما ولو وهبا لمولّيهما ما هو ملكهما ومقبوضهما قبل الهبة لزم وكفى ذلك القبض عن القبض الجديد.
واعلم أنّه يجوز للواهب الرّجوع في الهبة قبل الإقباض وبعده ما لم تتلف العين الموهوبة، أو يكن الموهوب له رحماً، أو لم يعوّض عنها أو يقصد به القربة; (و) منه يظهر لك انّه (ليس له الرّجوع) في الهبة (بعد الإقباض إن كانت لذي الرّحم) إجماعاً في الأبوين، وعلى المشهور في سائر الأرحام (أو بعد التّلف أو التّعويض) عنها ولو كان يسيراً جدّاً أو قصد القربة بها، بل هو نوع من العوض بلا خلاف في شيء من الثلاث (وفي) لزومها بـ(التّصرّف) الغير المتلف في العين الموهوبة (خلاف) والمشهور المحكيّ عليه الإجماع في

صفحه 9
الجواهر(1) اللّزوم، مضافاً إلى أصالة اللّزوم وهو مختار المصنّف في التّذكرة.(2)
(وقيل الزّوجان) الأجنبيان أيضاً لو وهب أحدهما الآخر شيئاً (كالرّحم) في لزوم الهبة وعدم جواز الرّجوع فيها.
(وله الرّجوع في غير ذلك) المذكور.
(فإن عاب) الموهوب عند المتّهب بزيادة أو نقيصة (فلا) يلزم (أرش) عليه للواهب، بل يرجع به معيباً، للأصل، ولأنّه حدث في عين مملوكة للمتّهب وقد سلّطه مالكها على إتلافها مجاناً، فلا تكون مضمونة عليه.
(وإن زادت) العين الموهوبة (زيادة متّصلة) كالسّمن (تبعت) الأصل وتكون للواهب، لأنّها من الأصل المفروض جواز الرّجوع به (وإلاّ) تكن الزّيادة متّصلة بل منفصلة متجدّدة بعد العقد كالولد والثّمرة (فـ) هي (للموهوب له)(3) ، لأنّها نماء ملكه وخارجة عن العين; وأمّا المنفصلة الحاصلة وقت العقد فكالمتّصلة، لأنّها من الهبة الّتي فرضنا جواز رجوعه بها. هذا.
وأمّا الصّدقة الّتي أدرجها المصنف في فصل الهبة لتضمّن كلّ منهما التطوّع بتمليك العين من غير عوض وإن افترقا في اعتبار قصد القربة وعدمها ففيها (مسائل: )
(الأُولى : لا يجوز الرّجوع في الصّدقة بعد الإقباض) المعتبر فيها مطلقاً (وإن كانت على الأجنبيّ) لحصول الملك ووصول العوض وهو القربة كما لا يصحّ الرّجوع في الهبة المعوّضة (ولو قبضها من غير إذن المالك لم تنتقل

1 . الجواهر:28/186ـ187.
2 . التذكرة:2/418.
3 . خ ل: للمتّهب.

صفحه 10
إليه ).
(الثّانية: لابدّ في الصّدقة من نيّة القربة) بلا خلاف، فلا صدقة إلاّ ما أُريد به وجه اللّه سبحانه كما في النّصوص المستفيضة.(1)
(الثّالثة: يجوز الصّدقة على الذّميّ) وغيره من الكافر غير الحربيّ (وإن كان أجنبيّاً) لقوله تعالى: (لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُم في الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أنْ تَبرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) .(2)
(الرابعة: صدقة السّرّ أفضل) من جهرها إذا كانت مندوبة ]لقوله تعالى[ (وَ إِنْ تُخْفُُوها وَ تُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (3) مع النّصّ الصّريح في ذلك(4)، مضافاً إلى سلامته عن وصمة الرّياء والسّمعة; (إلاّمع التّهمة) بترك المواساة، فالإظهار أفضل دفعاً للتّهمة كأفضليّته لو قصد به اقتداء النّاس به تحريضاً على نفع الفقراء.
وكذا الأفضل إظهارها في الواجبة، كما هو المصرّح به في كلمات الأجلّة(5) لعدم تطرّق الرّياء عليها كما يتطرّق إلى المندوبة مع التّصريح به في بعض النّصوص الجليّة.(6)

1 . الوسائل: 9/383، الباب 8 من أبواب الصدقة.
2 . الممتحنة:8.
3 . البقرة: 271.
4 . الوسائل: 9/395، الباب 13 من أبواب الصدقة، الحديث3.
5 . الدروس:1/256; جامع المقاصد:9/130; المسالك:5/414.
6 . الوسائل:9/309، الباب 54 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث1.

صفحه 11

الفصل الثّاني

في الوقف

الّذي هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (وصريح ألفاظه) الّذي لا يفتقر في دلالته عليه إلى ضمّ قرينة (وقفت، و) لابدّ في (الباقي) من الألفاظ من حبّست وسبّلت وتصدّقت ونحوها من اقترانه (بقرينة) دالّة عليه، كاللّفظ الدّالّ على التّأبيد ونفي البيع والإرث و الهبة، فيصير بذلك صريحاً.
(وشرطه(1)) صحّة أو لزوماً أُمور:
منها: (القبول) في الوقف الخاصّ من المتولّي و مع عدمه من الموقوف عليه، وأمّا الوقف العامّ كالفقراء والعلماء، والوقف على المصالح كالمساجد والقناطير، فالظّاهر عدم اعتبار القبول فيهما وإن كان الأحوط قبول المتولّي أو الحاكم مع فقده، بل لا يبعد القول به في الوقف الخاصّ أيضاً للأصل والعمومات مع عدم المخرج.
(و) منها: قصد (التّقرّب) به إلى اللّه تعالى مطلقاً في الوقف العامّ أو الخاصّ كما هو المشهور، فاشترطوا القربة في صحّته ولا يبعد عدم اشتراطه، للإطلاقات; وصحّته من الكافر وإطلاق الصّدقة عليه في كثير من الأخبار

1 . خ ل: شروطه.

صفحه 12
وعبارات الأجلّة إنّما هو باعتبار الأفراد الّتي يقصد فيها القربة ولا يلزم أن يكون جميع أفراده كذلك. نعم ترتّب الثّواب موقوف على قصد القربة مع أنّه يمكن ترتّبه على الأفعال الحسنة وإن لم يقصد بها القربة فانّ فاعلها يستحقّ المدح عند العقلاء. (و) كيف كان فلا دليل على اعتباره، نعم لا إشكال في اشتراط (الإقباض) في صحّته للإجماع(1)] و[ المعتبرة المستفيضة(2) وهو قبض الموقوف عليه أو من هو في حكمه بإذن الواقف و لكلّ منهما فسخه قبله.
(ويتولّى الوليّ القبض عن الطّفل) والمجنون الموقوف عليهما (وللنّاظر في المصالح) العامّة الموقوفة عليها (القبض عنها) إن كان وإلاّ فالحاكم.
(و) منها: (التنجيز) فيبطل لو علّقه على صفة متوقّعة الحصول فيما يأتي، أو متيقّنة أو جعل الخيار لنفسه في فسخه.
(و) منها: (الدّوام) فيبطل بالتّوقيت إلى أمد معيّن.
(و) منها: (إخراجه عن نفسه) فلو وقف على نفسه بطل بلا خلاف، مضافاً إلى عدم تعلّقه لاقتضاء الوقف نقل المنفعة خاصّة أو مع العين إلى الموقوف عليه ولا معنى لنقل ملكه إلى نفسه وإن عقّبها بمن يصحّ الوقف عليه، لأنّه حينئذ منقطع الأوّل لبطلانه في حقّ نفسه فيخرج عن الدّوام المشروط في صحّته. نعم لو وقف على قبيل هو منهم ابتداءً أو صار منهم صحّ له المشاركة بالانتفاع معهم.
(3) لو) وقف و (شرط عوده) إليه عند حاجته صحّ الشّرط و العقد

1 . التنقيح:2/302; الغنية:298.
2 . الكافي: 7/37ح36.
3 . خ ل: ف.

صفحه 13
لعموم المؤمنون وأوفوا، وبطل الوقف لمنافاته الدّوام و (صار حبساً) ويعود إليه مع الحاجة الّتي يرجع في مصداقها إلى العرف على حسب غيرها من الألفاظ.
(1) لوجعله) مؤقّتاً (إلى أمد أو لمن ينقرض غالباً) ولم يذكر ما يصنع به بعد الانقراض واقتصر على بطن أو بطون بطل الوقف أيضاً وصحّ حبساً كسابقه و (رجع إلى ورثة الواقف) أو إليه نفسه بعد خروجه عن الحبس بعوده إليه عند حاجته في الأوّل وانقضاء الأمد في الثّاني وانقراض الموقوف عليه في الثّالث.هذا.
(و) يشترط في الموقوف أيضاً (أن يكون عيناً) معيّنة في الخارج، ممكنة التّسليم، (مملوكة ينتفع بها مع بقائها) انتفاعاً محلّلاً، فلا يصحّ وقف الدّين والمنفعة والكلّي الغير الموجود في الخارج، كأن قال: وقفت داراً، ولم يعيّنه، ولا الآبق، ولا ما لا منفعة له أصلاً أو محلّلة شرعاً، كأعيان الملاهي، أو لا ينتفع به إلاّ مع إتلاف عينه، ولا ما لا يملكه المسلم كالخمر والخنزير وكلب الهراش ونحوها، أو لا يملكه الواقف على قول من يعتبر التّقرّب فيه، والتّقرّب بمال الغير غير مشروع، وإذ قد عرفت عدم اعتباره ظهر لك انّ المتّجه الصّحّة مع إجازة المالك، وإلاّفلا ريب في البطلان، وبعد اجتماع الشّرائط في العين يصحّ وقفها (وإن كانت مشاعة) للإجماع والعمومات والإطلاقات.
(و ) من الشّرائط (جواز تصرّف الواقف) فلا يصحّ الوقف من الصّغير والمجنون والسّفيه والمفلّس والمملوك.
(و ) منها: (وجود الموقوف عليه وتعيينه وأهليّة التّملّك) فلا يصحّ

1 . خ ل: ف.

صفحه 14
الوقف على المعدوم ابتداء لا تبعاً للموجود كما سيصرّح به، ولا على غير المعيّن كأحد هذين الرّجلين، أو رجل من البشر ونحو ذلك، ولا على المملوك على القول بعدم تملّكه وإلاّفيصحّ الوقف عليه ويقبل مولاه وإن كان محجوراً، ويستقلّ فيه بعد عتقه، ولا ينصرف إلى مولاه إذ لم يقصده، وأمّا الوقف على المصالح العامّة فهو وقف على المسلمين في الحقيقة.
(و ) منها: (إباحة منفعة الوقف على الموقوف عليه فـ) لا يصحّ الوقف على أهل المعصية من حيث هم كذلك. هذا.
ولا إشكال في أنّه يجوز (له جعل النّظر) في الموقوف (لنفسه) خاصّة ولغيره كذلك ولهما معاً على الاشتراك أو الاستقلال.
(و إن أطلق) العقد ولم يعيّن النّاظر في متنه (كان) النّظر في الموقوف (لأربابه) الموقوف عليهم مطلقاً كما هو ظاهره، ونحوه في الشّرائع(1) والمختصر النّافع(2)، أو هو في الوقف الخاصّ فقط، وأمّا العامّ فالنّظر فيه للحاكم الشّرعيّ، لأنّه النّاظر العامّ حيث لا يوجد الخاصّ وهو الأجود.
(ويصحّ الوقف على المعدوم تبعاً للموجود) ممّن يصحّ الوقف عليه، كالوقف على البطن الأوّل الموجود في حينه و على البطون اللاّحقة المتولّدة في المستقبل.
(ويصرف الوقف على البرّ) مع الإطلاق وعدم تعيين وجه منه (إلى الفقراء ووجوه القرب) كنفع طلبة العلم وعمارة المساجد والمدارس ونحوها.

1 . الشرائع: 2/214.
2 . المختصر النافع:1/157.

صفحه 15
(ولو وقف المسلم على البيع والكنائس) الّتي هي معابد اليهود والنّصارى (بطل) بلا خلاف، لكونه إعانة لهم على الكفر والمحرّمات والعبادات المحرّمة، وبذلك افترق عن الوقف عليهم المصرّح بجوازه في النّصوص والفتاوى لعدم استلزامه المعصية بذاته; وهذا (بخلاف) وقف (الكافر) عليهما، لاعتقاده صحّته وحصول التقرّب به إلى اللّه تعالى، فيحكم بصحّته إقراراً لهم على دينهم.
(ويبطل) الوقف (على) الكافر (الحربيّ وإن كان رحماً) لإطلاق النّهي عن برّه وموادّته ولمنافاة إباحة ماله صحّة الوقف المستلزمة لعدم جواز تناوله منه. هذا.
و (لا) يبطل الوقف على (الذّميّ وإن كان أجنبيّاً) فانّهم عباد اللّه سبحانه و من جملة بني آدم المكرّمين، وقد قال اللّه تعالى: (لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أنْ َتَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِليهِمْ بالمَوَدَّة)(1) مضافاً إلى اندراجهم تحت العمومات وما يترتّب عليه من توسّلهم به إلى المحرمّات ليس مقصوداً للواقف حتّى لو فرض قصده له حكم ببطلانه كالوقف عليهم لكونهم كفّاراً.
(وينصرف وقف المسلم على الفقراء) أو العلماء أو نحوهما ممّا يدلّ على وصف (إلى) ذي الوصف من فقراء (المسلمين) وعلمائهم. (و) ينصرف هذا اللّفظ من الواقف (الكافر إلى فقراء ملّته) وعلمائهم عملاً بالعرف وشهادة الحال والعادة المخصّصة لعموم اللّفظ في اللّغة.

1 . الممتحنة:8.

صفحه 16
(و) ينصرف الوقف (على المسلمين إلى المصلّي إلى القبلة) المعتقد للصّلاة إليها و إن لم يصلّ فعلاً كما فسّر به في المشهور، وإن كان الأحوط اعتبار فعليّة الصّلاة بناء على كون العمل جزءاً من الإسلام كما عن المفيد.(1)
وظاهر المتن كالأكثر لو لم يكن صريحه عدم الفرق بين كون الواقف محقّاً إماميّاً أو غيره لعموم اللّفظ، و الأحوط الاختصاص بالمؤمنين إذا كان الواقف منهم لنحو ما مرّ في الفقراء، بل نقول: لا يبعد الانصراف إلى مصطلح الواقف وأهل نحلته ولو كان هو غير محقّ لذلك. نعم يخرج منهم كلّ من حكم بكفره وإن انتحل الإسلام كالمجسّمة والمشبّهة والنّواصب وغيرهم.
وبالجملة فالمرجع في المسألة ونظائرها فهم العرف ولو بشاهد الحال فإيكاله إلى الوجدان أولى من إقامة البرهان.
(و) أمّا الوقف على (المؤمنين أو الإماميّة) فينصرف (إلى الاثني عشريّة) القائلين بإمامة الأئمّة الاثني عشر سلام اللّه عليهم أجمعين; وقيل: إلى مجتنبي الكبائر منهم خاصّة، ومنها الإصرار على الصّغائر وهو أحوط ، وإن كان الأوّل أشبه لعدم دليل على اعتبار ذلك في الإيمان لو لم يقم على خلافه.
ثمّ إنّ هذا إذا كان الواقف منهم و يشكل فيما لو كان من غيرهم، وإن كان إطلاق العبارة كغيرها يقتضي عدم الفرق لعدم معروفيّة الإيمان بهذا المعنى عنده فلم يتوجّه منه القصد إليه فكيف يحمل عليه.
وبعبارة أُخرى: ليس المراد هنا من الإيمان معناه اللّغوي الّذي هو مطلق التّصديق قطعاً ومعناه الاصطلاحيّ أيضاً يختلف بحسب اختلاف المصطلحين،

1 . المقنعة:654.

صفحه 17
فلو لم نقل باختصاص المؤمنين في اصطلاح غيرهم بأهل نحلتهم بشهادة الحال فلا أقلّ من عمومه لهم ولغيرهم.
وبالجملة فالمرجع في أمثال المسألة هو عرف الواقف وشهادة حاله.
(وكذا) الضابط في (كلّ) موقوف عليه (منسوب) أي موصوف بنسبته كالزّيدية والإسماعيليّة والحنفيّة ونحوها فإنّه ينصرف (إلى من انتسب إليه) وأُطلقت تلك النّسبة عليه في عرف الواقف.
(ولو نسب ) الواقف الموقوف عليه أو (انتسب)(1) الموقوف عليه (إلى أب) كالعلويّة والهاشميّة (كان) الوقف (لمن انتسب إليه)، أي إلى ذلك الأب (بالأبناء; وفي) المنتسبين إليه بـ(البنات قولان) أشهرهما العدم، وهو الظّاهر، لعدم دخولهم في إطلاق هذه الأسماء الّتي هي نحو أسماء القبائل. وإن قلنا بكونهم أبناء وأولاداً حقيقة وبسط المسألة في كتاب الخمس من المطوّلات، بل ينبغي التّقييد في المنتسبين بالأبناء أيضاً بموافقة اصطلاح الواقف، فربّما يعتقد انحصار بني هاشم في العلويّين مثلاً، أو لا يرضى بشمول برّه وإحسانه لغيرهم ولو مع التّوجّه إلى التّعميم وعدم الانحصار .
(ولو شرّك) الواقف بين الذّكور والإناث من الموقوف عليهم بالتّصريح به أو عموم لفظه أو إطلاقه (اشترك (2) الذّكور والإناث) بالسّويّة (ما لم يفضّل) أحدهم على الآخر أو يخصّه به فيتبع شرطه .
(و) إذا وقف على (القوم) انصرف إلى (أهل لغته(3)) أو عشيرته على الخلاف، والأولى الرّجوع إلى عرف الواقف.

1 . خ ل.
2 . خ ل: استوى.
3 . خ ل: اللغة.

صفحه 18
(والعشيرة) الموقوف عليها هم (الأقربون) إلى الواقف (في النّسب) في ظاهر عرفنا، إلاّ أن يقصد الواقف الأقرب الواقعيّ الّذي كشف عنه الشّارع في أحكام الإرث، فينزّل على مراتبه مع تساوي الذّكور والإناث عند الإطلاق في الصّورتين.
(و) لو وقف على (الجار(1)) كان (لمن يلي داره إلى أربعين ذراعاً) أو داراً على الخلاف، والأولى الرّجوع إلى العرف الخاصّ للواقف، ومع عدمه فإلى العرف العامّ.
(و) إذا وقف في (سبيل اللّه) انصرف إلى (كلّ ما يتقرّب به إليه) من الحجّ والجهاد وبناء المدارس ونحوها.
(و) إذا وقف على (الموالي) الّذي هو جمع المولى المشترك بين المعتق والعتيق دخل فيه (الأعلون) المعتقون له (والأدنون) الّذين أعتقهم، إلاّمع قرينة حاليّة أو مقاليّة صارفة له إلى أحد القبيلين.
(ولا) يجب أن (يتّبع(2) كلّ فقير) بلديّ أو غيره (في الوقف على الفقراء بل) يجوز أن (يعطي أهل البلد منهم و من حضره) من غيره، بل الظّاهر عدم وجوب استيعاب الحاضرين أيضاً، فإنّ الجهة المعيّنة في عقد الوقف إنّما هو لبيان المصرف كالزّكاة.
(ولو صار) الواقف (منهم) أي من الفقراء بعد أن لم يكن منهم (جاز له أن يأخذ معهم) من مال الوقف، وهو لا ينافي إخراجه عن نفسه الّذي هو من شرائط الوقف كما لا يخفى.

1 . خ ل: الجيران.
2 . خ ل: يتتبّع.

صفحه 19
وهاهنا (مسائل:)
(الأُولى: إذا بطلت المصلحة) الخاصّة (الموقوف عليها) من المساجد والمدارس ونحوها (صرف) وقفها (إلى) وجوه (البرّ).
(الثّانية: لو) وقف على جماعة و (شرط إدخال من) شاء وأراد أو من سيولد و (يوجد) في المستقبل وتشريكه (مع) الموقوف عليه (الموجود) حين الوقف (صحّ) سواء وقف على أولاده أو على غيرهم اتّفاقاً، كما في المسالك(1)، لعموم الأمر بالوفاء بالعقود مع عدم منافاة الشّّرط لمقتضى الوقف، فإنّ بناءه على جواز إدخال من سيوجد أو سيولد مع الوجود واشتراط إدخال من يريد إدخاله في معناه، فإذا جاز الأوّل إجماعاً جاز الثّاني.
(و) لكن (لو أطلق) الوقف وجرّده عن هذا الشّرط (وأقبض الموقوف) من الموقوف عليه أو من في حكمه (لم يصحّ) إدخال غيره معه، للزوم الوقف مع عدم دليل على جواز الإدخال والتّغيير، هذا في اشتراط تشريك من يريد أو سيوجد مع الوجود.
(ولو شرط نقله) أي الموقوف عن الموقوف عليهم (بالكليّة أو إخراج من يريد) منهم (بطل الوقف) في الصّورتين، للإجماع المحكيّ مع أنّ بناء الوقف على اللّزوم، فإذا شرط نقله عن الموقوف عليه إلى غيره أو إخراج من يريد منهم، فقد شرط خلاف مقتضاه، وهو بمنزلة اشتراط الخيار، وهو باطل.
المسألة (الثالثة): اعلم أنّهم اختلفوا في أنّ العين الموقوفة تنتقل إلى الموقوف عليه، أو إلى اللّه تعالى، أو يفصّل بين الوقف الخاص فالأوّل و بين العامّ

1 . المسالك: 5/328.

صفحه 20
والوقف على الجهات فالثّاني، أو لا تنتقل أصلاً بل تبقى على ملك الواقف، على أقوال. والمشهور هو الأوّل وانّ الوقف بعد تمامه يزول عن ملك الواقف وينتقل إلى ملك الموقوف عليه، لأنّ فائدة الملك موجودة فيه باستحقاق النّماء والضّمان بالتّلف ونحوهما ولا ينافيه المنع من البيع كما في أُمّ الولد وغيره. ويتفرّع عليه انّ (نفقة المملوك) والحيوان الموقوفين (على) مالكه (الموقوف عليه) مطلقاً أو إذا كان معيّناً، ولو كان غير معيّن ففي كسبه مقدّماً على الموقوف عليه، ومع عدم وفائه ففي بيت المال، ومع عدمه تجب على النّاس كفاية كغيره من المحتاجين لوجوب حفظ النّفس المحترمة.
(ولو اقعد) أو عمى أو أجذم المملوك الموقوف (انعتق) قهراً كما لو لم يكن موقوفاً على ما سيأتي في كتاب العتق، وسقط عنه الخدمة (وكان نفقته على نفسه) لصيرورته حرّاً بذلك فيجري عليه حكم الأحرار.
(ولو جنى) المملوك (الموقوف عليه) عمداً لزمه القصاص لعموم أدلّته على وجه لا تصلح أدلّة الوقف لمعارضتها، فإن كانت الجناية دون النّفس (لم يبطل الوقف) وبقى الباقي على وقفيّته للأصل، وإن كانت نفساً اقتصّ منه و بطل الوقف حينئذ بانتفاء موضوعه.
وليس للمجنيّ عليه إبطال الوقف باسترقاقه هنا و إن جاز في غيره مخيّراً بينه و بين القصاص لما فيه من إبطال الوقف الّذي يقتضي بقاء العين على حالها حتّى يرثها اللّه تعالى.
و من ذلك يظهر انّه لا يبطل وقفيّة المملوك الموقوف (إلاّ بقتله قصاصاً) لا باسترقاقه وتملّكه; وإن كانت الجناية خطأً، تعلّقت بمال الموقوف عليه بناءً على الانتقال إليه كما عرفته، لتعذّر استيفائها من رقبته الموقوفة

صفحه 21
بالاسترقاق لاقتضائه بطلان الوقف، فيتعيّن عليه الفرد الآخر من التّخيير وهو الفداء كما تعيّن القصاص من الفردين في الأوّل.
(ولو جنى عليه كانت القيمة) للجناية و أرشها (للموقوف عليه) كما أنّ القصاص عند لزومه إليه بناءً على كونه مالكاً على المشهور كما بيّناه آنفاً وأرش الجناية شبه المنفعة المختصّة بالموقوف عليه، ولذا ربما يحتمل ذلك حتّى على القول بكون المالك هو اللّه تعالى من حيث استحقاق الموقوف عليه المنفعة.
المسألة (الرّابعة:) لو وقف على أولاده، فالمشهور انّه يختصّ بأولاده لصلبه دون أولاد أولاده، للتّبادر وصحّة السّلب، فيقال في ولد الولد انّه ليس ولدي بل ولد ولدي; ونحوه ما (لو وقف على أولاد أولاده) فإنّه يختصّ بالبطن الثّاني فقط دون ما نزل، لما ذكرناه من الانسباق عند الإطلاق وصحّة السّلب إلاّ أن تقوم قرينة بخلافه. هذا.
والإنصاف انّ دعوى التّبادر والانصراف إلى الصّلبيّ محل منع، بل لا يبعد القول بالانصراف إلى الأعمّ وانّه ظاهر في إرادة الدّوام، ولا سيّما في عبارة أولاد الأولاد، وخصوصاً بملاحظة انّ الغالب في الوقف على الأولاد إرادة الدّوام، بل هو كذلك.
ولو قلنا :إنّ ولد الولد ليس بولد حقيقة كيف واستعمال الأولاد فيما يشمل أولادهم استعمال شائع في الشّرع واللّغة (3يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادكُمْ) .(1)
وبالجملة فحيثما دخل البطون اللاّحقة أيضاً بأيّوجه كان بحكم التّبادر أو بدلالة القرينة (اشترك أولاد البنين والبنات الذّكور والإناث) من غير

1 . النساء:11.

صفحه 22
تفضيل، لتناولهم الولد الّذي هو بمعنى التّولّد منه لهما حقيقة، وهو سبب الاستحقاق المساوي بالنّسبة إلى الفريقين.
(ولو قال من انتسب إليّ) منهم (فهو لأولاد البنين خاصّة على قول) مشهور محكيّ عليه الإجماع مؤيّد بشهادة العرف في مفهوم الانتساب.
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا
بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد
والمراد به أنّ أولاد البنت لا ينسبون إلى أُمّهم وإنّما ينسبون إلى أبيهم، هذا وقد عرفت غير مرّة انّ الملاك في نظائر المقام هو العرف الخاصّ أو العامّ.
المسألة (الخامسة: كلّ ما يشترطه الواقف) ويصرّح به في عنوان الوقف (من الأشياء السّائغة) الغير المنافية للكتاب والسّنّة وقضيّة العقد من المصرف والنّظارة والتّولية والزّمان والمكان وتفضيل بعض الموقوف عليهم على آخر ونحوها فهو (لازم) العمل لعموم الأمر بالوفاء بالعقود، وقد مرّ جملة من مقبولها ومردودها في طيّ المسائل المتقدّمة.

]في السُّكنى و توابعها[

المسألة (السّادسة) : في أحكام السّكنى والعمرى والرّقبى والحبس الّتي ثبت مشروعيّتها بالإجماع والسّنّة المستفيضة، وإدراجها في مسائل الوقف لكونها من توابعه، وانحصار صحّتها في ما يصحّ فيه الوقف من أعيان الأموال; ولعلّ عدم التّعرض منه للرقبى المتداول ذكرها هنا بين الفقهاء إنّما هو لاتّحادها مع العمرى في المعنى، تبعاً للشّيخ والحلّي حيث ذهبا إلى اتّحادهما في الحقيقة بالمعنى

صفحه 23
الآتي في العمرى، فأحدهما من العمر والآخر من الرّقوب، كأنّ كلّ واحدمنهما يرتقب موت الآخر.
قال في محكيّ المبسوط(1) : الرّقبى صورة العمرى إلاّ أنّ اللّفظ يختلف، فإنّه يقول: أعمرتك هذه الدّار مدّة حياتك أو حياتي; والرّقبى يحتاج إلى أن يقول: أرقبتك هذه الدّار مدّة حياتك أو حياتي.
وهذا بخلاف الأكثر فحصروا العُمرى في المقترن بالعُمر، والرّقبى في المقرون بمدّة معيّنة.
وكيف كان فلا ريب في أنّه (يفتقر السّكنى والعمرى) والرّقبى (إلى إيجاب وقبول وقبض) بلا خلاف في شيء من الثلاثة; والأحوط اعتبار قصد القربة أيضاً مع ذلك، وإن كان الأظهر وفاقاً للأشهر عدمه، للأصل والعمومات مع عدم ما يخرج عنها. نعم لا ريب في توقّف ترتّب الثّواب عليه.
وفي كلمات بعض الأجلّة عقد الباب للسّكنى فقط وجعل كلّ من العمرى والرّقبى من توابعها لعمومها منهما من وجه كما ستعرفه، ولعلّ المصنف أيضاً بنى كلامه هنا عليه حيث اقتصر بعد هذا بذكر أحكام السّكنى فقط (و) قال: (ليست) السّكنى (ناقلة) للملك بل فائدتها التّسلّط على استيفاء المنفعة مع بقاء الملك على مالكه، وإلاّ فالعُمرى والرّقبى أيضاً كذلك (فإن عيّن مدّة) و قال: أسكنتك هذا الدّار شهراً مثلاً، (لزمت) السّكنى بعد القبض ولا يجوز الرّجوع فيها قبل المدّة مطلقاً (ولو مات المالك قبلها) فيجب لورثته الصّبر إلى انقضائها.

1 . المبسوط:3/316.

صفحه 24
(وكذا) تلزم (لو) علّقها بالعمر و(قال له): أسكنتك هذا الدّار (عمرك) أو مدّة حياتك (فإن مات السّاكن بطلت) بموته خاصّة ورجعت إلى المالك، ولا تبطل بموته ولا يكون لورثته إزعاج السّاكن.
(ولو قال): أسكنتكها عمري أو (مدّة حياتي بطلت بموته) خاصّة (ولو مات السّاكن قبله) لم تبطل بموته، بل (انتقل الحقّ إلى ورثته مدّّة حياته) الّتي علّق عليها السّكنى كغيرها من الحقوق والأموال.
(ولو) أطلق المالك السّكنى و (لم يعيّن) لها مدّة ولا عمراً أصلاً صحّ السّكنى بلا خلاف، ولكن لا يلزم، بل (كان للمالك) الرّجوع فيها و (إخراجه) من السّكنى (متى شاء)، وتبطل بموت كلّ من السّاكن والمالك كسائر العقود الجائزة.
(ولو باع) المالك (المسكن) في مورد لزوم السّكنى (لم تبطل السّكنى) في مورد لزومها نصّاً(1) وإجماعاً كالإجارة.
(و) يجوز (للسّاكن) عند إطلاق السّكنى (أن يسكن) في متعلّقها (بنفسه وبمن (2) جرت العادة(3) بإسكانهم) معه (كالولد والزّوجة والمملوك والخادم) والضّيف والدّابّة إن كان في المسكن موضع معدّ لمثلها، وكذا وضع ما جرت العادة بوضعه فيها من الأمتعة والغلّة بحسب حالها، (وليس له إسكان غيره) ممّن لم يحكم العرف بإسكانه معه (من دون إذنه (4)) من المالك.

1 . الوسائل:19/135، الباب 24 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث3.
2 . خ ل: من.
3 . خ ل: عادته.
4 . خ ل: بدون الإذن.

صفحه 25
(و) كذا (لا) يجوز له (إجارته) من غيره وغيرها من التّصرّفات النّاقلة ولو للمنفعة اقتصاراً في مخالف الأصل على المتيقّن.
توقيف: قد عرفت ممّا تلوناه عليك في مطاوي كلماتنا أنّ كلاًّ من السّكنى والعمرى والرقبى يشترك الآخر في إفادة التّسلّط على استيفاء المنفعة مع بقاء الملك على مالكه.
ونقول هنا وفاقاً للأكثر فيما به يفترق كلّ منها عن الآخر: إنّ السّكنى تتعلّق بالمسكن فقط أعمّ من إطلاقه أو تقييده بمدّة أو عمر لأحدهما أو ثالث، كأسكنتك هذه الدّار أو أسكنتها شهراً مثلاً أو عمرك أو عمري أو عمر زيد; (و) هذا بخلاف العُمرى والرّقبى فلا يختّصان بالمسكن، بل (كلّ ما يصحّ وقفه) من أعيان الأموال (يصحّ إعماره) وارقابه (كالملك والعبد والأثاث) وغيرها وإن لم يكن مسكناً; ويفترقان بلزوم تقييد إباحة المنفعة بالعمر في العُمرى، كأعمرتك هذه الدّار أو هذا العبد عمرك أو عمري أو عمر زيد، وبمدّة معيّنة في الرّقبى كأرقبتك هذه الدّار أو هذا الفرس شهراً مثلاً، فبينهما تباين كلّي.
كما أنّ بين السّكنى وكلّ واحد منهما عموماً من وجه لاجتماعهما معالعمرى فيما لو قيّد إباحة منفعة المسكن بمدّة

صفحه 26
العمر، كأسكنتك أو أعمرتك هذه الدّار مدّة حياتك أو حياتي أو حياة زيد; وافتراقها في ما أطلق إباحة المنفعة ولم يقيّده أصلاً، أو قيّده بمدّة معيّنة، كأسكنتك هذه الدّار مقتصراً عليه أو مضيفاً إليه قوله شهراً أو سنة أو نحوهما ، وافتراق العُمرى فيما قيّد إباحة المنفعة في غير المسكن بالعُمر، كأعمرتك هذا العبد مدّة عمرك، أو عمر زيد.
وكذلك يجتمع السّكنى مع الرّقبى فيما لو قرن إباحة منفعة المسكن بمدّة معيّنة كأسكنتك أو أرقبتك هذه الدّار شهراً، وتفترق عنها فيما لو قيّد إباحة منفعة المسكن بالعُمر أو أطلقه ولم يقيّده بشيء، كافتراق الرّقبى فيما قرن إباحة المنفعة في غير المسكن بالمدّة المعيّنة والأمثلة واضحة، هذا جملة من القول في السّكنى وأُختيها.

]في الحبس [

وأمّا الحبس فالظّاهر انّ مورده كالوقف يصحّ فيما ينتفع به مع بقاء عينه، وحكمه كالسّكنى في اعتبار العقد والقبض والتّقييد بمدّة والإطلاق، ولا دليل على اعتبار قصد القربة وإن كان أحوط كالوقف.
واعلم أنّه لو حبس شيئاً على آدميّ و أطلق ولم يعيّن له وقتاً كان له الرّجوع متى شاء.
ولو مات الحابس كان ميراثاً لورثته، وكذا لو عيّن مُدّة وانقضت ولو عمر أحدهما بلا خلاف في شيء من ذلك.
(و) لا في أنّه (لو حبس فرسه أو غلامه) أو غيرهما ممّا يصلح لذلك (في خدمة بيوت العبادة أو في سبيل اللّه) كنقل الماء إلى المسجد والسّقاية ومعونة الحاجّ وطلبة العلم ونحوها متقرّباً به إلى ]اللّه[ تعالى (لزم مادامت العين) المحبوسة (باقية)، ولا يجوز له فسخه أصلاً من غير فرق بين إطلاق العقد وتقييده بالدّوام، كما يقتضيه إطلاق العبارة. نعم لو قرنه بمدّة معيّنة، ففي بعض حواشي الإرشاد(1) أنّه أيضاً كالحبس على الآدميّ يعود إلى ورثة الحابس

1 . إرشاد الأذهان:1/456.

صفحه 27
بعد المدّة. هذا.
وبعد التّدبّر فيما تلوناه عليك تعرف أنّ الحبس أعمّ مطلقاً من الوقف والسّكنى وأُختيها، لصحّته في المسكن وغيره ممّا يصلح للوقف معالإطلاق والتّقييد بالدّوام أو التّوقيت بالعُمر أو مدّة معيّنة، واختصاص السّكنى بالمسكن ولزوم التّوقيت بالعمر في العمرى والمدّة المعيّنة في الرّقبى والدّوام في الوقف، وهو واضح لا سترة عليه.

صفحه 28

الفصل الثّالث

في الوصايا

الّتي هي جمع الوصيّة الّتي هي في اللّغة الوصل، وفي الشّرع تمليك عين أو منفعة، أو تسليط على التّصرف بعد الوفاة لما فيه من وصلة التّصرّف في حال الحياة به بعد الوفاة. ويسمّى الأوّل بالتّملكيّة، والثّاني بالعهديّة سواء كان العهد والتّسليط متعلّقاً بالغير كوصاية الصّغار أو بنفسه كالوصيّة بما يتعلّق بتجهيزه.
(وهي واجبة) في الأُمور الواجبة البدنيّة أو الماليّة; فمن مات بغير وصيّة مات ميتة جاهليّة، كما ورد في النّصوص المعتبرة(1) المحمولة عليها، أو على تأكّد الفضيلة، وإلاّفهي تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة.
(ولابدّ فيها من إيجاب) دالّ على ذلك القصد (وقبول) له إذا كانت تمليكيّة، ولا يشترط القبول في العهديّة والوصيّة للجهات العامّة كالمدارس والفقراء ونحوها. (و) لا (يكفي) في الإيجاب (الإشارة والكتابة) إلاّ (مع قرينة) قطعيّة كاشفة عن (الإرادة) وقصد الوصيّة بهما (و) معه يكفي مطلقاً مع (التّعذّر لفظاً) وإمكانه.
(ولا يجب العمل بما يوجد بخطّه) بمجرّده مع عدم قرينة كاشفة

1 . الوسائل: 19/259، الباب1 من أبواب الوصايا، الحديث8.

صفحه 29
عن قصده، (وإنّما تصحّ) الوصيّة (في) الأمر (السّائغ) شرعاً، (فلو أوصى المسلم ببناء كنيسة) أو مساعدة ظلمة ونحوهما من المنهيّات الدّينيّة (لم تصحّو) الوصيّة جائزة وغير لازمة من قبل الموصي يجوز (له الرّجوع فيها) متى شاء.
(ويشترط) في صحّة الوصيّة (صحّة تصرّف الموصي) بالبلوغ والعقل والحرّية ورفع الحجر (ووجود الموصي له) عندها، فلا تصحّ للمعدوم، ولا لمن ظنّوجوده وقت الوصيّة فبان ميّتاً.
(والتّكليف والإسلام في الوصيّ) فلا يصحّ وصاية الصّغير، والمجنون، ولا الكافر للمسلم ويصحّوصايته لمثله كما سيأتي في المتن.
(و) يشترط أيضاً قابليّة (الملك) لكلّ من الموصى والموصى له (في الموصى به) الّذي هو متعلّق الوصيّة، فلا تصحّ بالخمر والخنزير وآلات اللّهو ونحوها ممّا لا يدخل في ملك أحد أصلاً، ولا يلزم أن يكون مملوكاً فعلاً كما لا يشترط كونه معلوماً للموصي ولا للموصى له ولا مطلقاً، بل ولا يشترط وجوده حال الوصيّة أصلاً لما ستسمعه من صحّة الوصيّة بالحمل و نفوذ الوصايا المبهمة.
(ولو جرح نفسه بالمهلك) عمداً (ثمّ أوصى لم تصحّ) للنّصّ(1) (ولو تقدّمت الوصيّة) على الجرح (صحّت) بلا إشكال.
(وتصحّ الوصيّة للحمل بشرط وقوعه حيّاً) بعد العلم بوجوده حال الوصيّة المتحقّق بوضعه لدون ستة أشهر منذ حين الوصيّة.

1 . الوسائل: 19/378، الباب52 من أبواب الوصايا، الحديث 1.

صفحه 30
(و) كذا تصحّ الوصيّة (للذّميّ) وإن كان أجنبيّاً (دون الحربي) وإن كان رحماً، كما هو ظاهر إطلاقه لما مرّ في الوقف على الكافر.
(و) كذا تصحّ الوصيّة (لمملوكه) مطلقاً من غير فرق بين قنّه (وأُمّ ولده ومدبّره ومكاتبه) المشروط أو المطلق الغير المبعّض بتأدية بعض مال الكتابة فضلاً عن المبعّض فيصحّ الوصيّة له، ولو كان هو لغير الموصي ففي ما لو كان له بطريق أولى. هذا.
و (لا) تصحّ لـ(مملوك الغير) مطلقاً قنّاً أو مدبّراً أو مكاتباً مشروطاً (و) لا ريب في ذلك للإجماع المحكيّ والنّصّ(1) ، مضافاً إلى ما تقدّم في محلّه من عدم قابليّة المملوك للملك من غير فرق بين أفراده وهو لا يملك بتمليك سيّده فبتمليك غيره أولى.
نعم تصحّ (للمكاتب) المطلق للغير الّذي تبعّض بتأدية بعض مال الكتابة (فيما تحرّر منه) بالنّسبة لارتفاع المانع هذا، وأمّا مملوك الموصي وإن اشترك مع غيره في المانع إلاّ أنّ الوصيّة له تنصرف إلى عتقه وهو المراد من الصّحّة، وحينئذ (فإن كان ما أوصى به لمملوكه بقدر قيمته عتق) من مال الوصيّة (ولا شيء له).
(ولو زاد ) مال الوصيّة عنها بعشرة مثلاً عتق بمعادل قيمته منه و (أُعطي الفاضل) الّذي هو العشرة في الفرض ( وإن نقص) عتق بحسابه و (استسعى) للورثة (فيه) أي في القدر النّاقص.
(و) لا ريب في هذا كلّه في غير (أُمّ الولد) وكذا فيها بالنّسبة إلى صحّة

1 . الوسائل: 19/413، الباب 80 من أبواب الوصايا، الحديث 1.

صفحه 31
الوصيّة وأصل عتقها بعد وفاة المولى وإن اختلفوا في كونه من مال الوصيّة (كذلك) المذكور من سائر مماليك المولى لتأخّر الإرث عن الدّين والوصيّة بنصّ الآية، فلا يحكم لولدها بشيء حتّى يحكم لها بالوصيّة، ومع قصور مال الوصيّة عتق الباقي من النّصيب ولا تستسعى، أو انّها (لا) تعتق من مال الوصيّة، بل (من النّصيب(1)) وتأخذ مال الوصيّة كملاً، للصحيحة(2)، مضافاً إلى أنّ التّركة تنتقل من حين الموت إلى الوارث فيستقرّ ملك ولدها على جزء منها فتعتق عليه وتستحقّ الوصيّة، وهذا هو الأظهر.
(و لو أوصى بالعتق وعليه دين قدّم الدّين) من أصل المال الّذي من جملته المملوك فلو لم يملك سواه بطل منه في ما قابل الدّين وعتق ثلث الفاضل، ويعود ثلثاه إلى الوارث إن لم يجز الوصيّة، وإلاّفيعتق الفاضل بأجمعه، ومنه يظهر أنّه يبطل الوصيّة ولا يعتق منه شيء مع انحصار التّركة فيه واستغراق الدّين لقيمته، وعلى كلّ حال فلا فرق بين كون قيمة العبد ضعف الدّين أو أقلّ، محيطاً بها أم لا، والقول ببطلان الوصيّة في غير الأوّل ضعيف لتقدّم الدّين على الوصيّة مطلقاً، و رواية(3) عبد الرحمن بن الحجّاج ـ على تقدير العمل بها ـ قد وردت في المنجّز (و) الكلام هنا في الوصيّة.
أمّا (لو نجّز العتق) في مرضه (صحّ إذا كانت قيمته ضعف الدّين و يسعى للدّيان في نصف قيمته وللورثة في الثّلث) الّذي هو ثلثا النّصف الباقي عن الدّين، لأنّ النّصف الباقي بعد الدّين هو مجموع التّركة، فيعتق ثلثه

1 . خ ل: نصيب الولد.
2 . الوسائل: 19/415، الباب 82 من أبواب الوصايا، الحديث 1و2.
3 . الوسائل: 19/274، الباب10 من أبواب الوصايا، الحديث9.

صفحه 32
للوصيّة ويكون ثلثاه للورثة وهو ثلث مجموعه، وقد نفى عنه الخلاف في الرّياض(؟؟؟)الرياض:9/539. والرّوضة(1)، مضافاً إلى صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).(2). هذا.
وفيما لو نقصت القيمة عن ضعف الدّين قولان، كونه كذلك فينعتق منه بمقدار ثلث ما يبقى من قيمته فاضلاً عن الدّين و يسعى للدّيّان بمقدار دينهم و للورثة بثلثي الفاضل، للقواعد العامّة من تقدّم الدّين على الوصيّة واعتبار الوصيّة من ثلث ما يبقى من المال بعد الدّين، وانّ المنجّزات المتبرّع بها في مرض الموت بحكم الوصيّة عند المصنّف والأكثر في خروجها من الثّلث، ولا شبهة في كون العتق من المتبرّعات، و قيل بالبطلان، استناداً إلى الصّحيحة المذكورة المخالفة للأُصول، وغيرها من الصّحاح الدّالة على تلك القواعد المقرّرة.
(و) لا إشكال في أنّه (لو أوصى لذكور وإناث) غير أعمامه وأخواله (تساووا إلاّ مع التّفضيل) في الوصيّة فيتّبع كيف كان، بل (وكذا(3) الأعمام والأخوال) أيضاً عند المصنّف تبعاً للمشهور، لاتّحاد سبب الاستحقاق في الجميع، وعن الشّيخ وجماعة أنّ للأعمام ثلثين وللأخوال الثلث كالميراث، لرواية(4) محمولة على ما لو أوصى على كتاب اللّه ففيه للذّكر ضعف الأُنثى، لأنّ ذلك حكم الكتاب في الإرث والمتبادر منه هنا ذلك، هذا مع قطع النّظر عن شذوذها

1 . الروضة: 5/26.
2 . الوسائل: 19/411، الباب 79 من كتاب الوصايا، الحديث1.
3 . خ ل: كذلك.
4 . الوسائل: 19/393، الباب62 من كتاب الوصايا، الحديث1.

صفحه 33
ومخالفتها للشّهرة العظيمة الّتي كادت تكون إجماعاً.
(ولو أوصى لقرابته فهم المعروفون بنسبه) للعرف المحكّم حيث لا نصّ (و) أمّا القول في الوصيّة (للعشيرة والجيران والسّبيل والبرّ والفقراء) فـ(كالوقف) عليهم، فيطلب تحقيقه من هناك.
(ولو مات الموصى له قبله) أي الموصي، فإن كان قد رجع عن الوصيّة بطلت، سواء كان قبل موت الموصى له أو بعده (و) إن كان (لم يرجع كانت) تلكالوصيّة (لورثته) للنّصّ(1)، إلاّ مع القرينة على إرادة الموصي تخصيص الموصى له بالوصيّة فتبطل (فإن لم يكن له وارث) خاصّ (فلورثة الموصي) وفاقاً للأكثر اقتصاراً فيما خالف الأصل على القدر المتيقّن من النّصّ، وليس إلاّ الانتقال إلى الوارث الخاصّ، لأنّه المتبادر، خلافاً للحلّي(2) فألحق به الإمام (عليه السلام)وهو شاذّ.
(وتصحّ الوصيّة بالحمل) الموجود في الأمة، والشّجرة، وبما ستحملا به في المستقبل دائماً أو في وقت مخصوص، إذ لا يشترط العلم بالموصى به للموصي ولا للموصى له، ولا وجوده حال الوصيّة كما أشرنا إليه.
(ويستحبّ الوصيّة للقريب) مطلقاً ( وإن كان وارثاً) فانّ فيها صلة الرّحم، وأقلّ مراتبها الاستحباب ويتأكّد في غير الوارث من الأقربين ففي بعض المعتبرة(3) من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممّن لا يرثه فقد ختم عمله بمعصيته.

1 . الوسائل: 19/333، الباب30 من كتاب الوصايا، الحديث1.
2 . السرائر: 3/216.
3 . الوسائل: 19/418، الباب83 من كتاب الوصايا،الحديث3.

صفحه 34
(وإذا أوصى إلى عدل) وجعله وصيّاً له (ففسق بطلت) وصايته إجماعاً كما في النّافع(1) وغيره وإن لم نعتبر العدالة في الوصيّ وجوّزنا إيصاء الفاسق ابتداء كما هو أحد القولين في المسألة إذ الوثوق ربّما كان باعتبار صلاح حاله فلم يتحقّق عند زواله.
(ويصحّ أن يوصي إلى المرأة) مع اجتماعها الشّرائط المعتبرة في الوصي للإجماعات المحكيّة .
(و) كذا يصحّ الإيصاء إلى (الصّبيّ بشرط انضمامه إلى الكامل) البالغ العاقل الحرّ للنّصّ(2)، وإلاّ فهو مسلوب القول والفعل قاصر عن الوكالة فضلاً عن الوصاية الّتي يتضمّن الولاية بخلافها; (و) كذا يجوز الإيصاء (إلى المملوك بإذن مولاه) لا بدونه بلا خلاف في طرفي النّفي والإثبات كما في الرّياض(3)
ثمّ إنّه لو شرط عدم تصرّف الكامل المنضمّ إلى الصّبيّ قبل بلوغه تبع شرطه، وإلاّ (فيمضى) ذلك (الكامل الوصيّة إلى أن يبلغ الصّبيّ ثمّ) بعد بلوغه كاملاً جائز التّصرّف (يشتركان) في المتخلّف مجتمعين(ولا) يجوز له أن (ينقض بعد بلوغه ما تقدّم) من تصرّفات الكامل قبل بلوغه (ممّا هو سائغ) موافق للمشروع للنّصّ(4) مع أنّه في تلك الحال وصيّ منفرد و إنّما التّشريك معه بعد البلوغ كما لو قال: أنت وصيّي في التّصرّف وإذا حضر فلان فهو شريكك،

1 . المختصر النافع:1/165.
2 . الوسائل:19/375، الباب 50 من أبواب الوصايا، الحديث2.
3 . الرياض:9/481.
4 . الوسائل: 19/375، الباب50 من كتاب الوصايا.

صفحه 35
ومن ثمّ لم يكن للحاكم أن يداخله ولا أن يضمّ إليه آخر ليكون نائباً عن الصّغير، كما أنّه كذلك لو ماتالصغير أو بلغ فاسدالعقل، فإنّه يكون للوصي الكاملالانفراد بالوصيّة من غير مداخلة الحاكم لعدم شريك له في تلك الحال، وشركة الصّبيّ مشروطة ببلوغه كاملاً ولم يحصل لكون الفرض موت الصّبي قبل البلوغ أو الكمال فلم يشاركه أحد في وصايته ولم يوجد ما يزيلها فيبقى الاستقلال الثّابت أوّلاً له بالنّصّ على حاله للاستصحاب ومداخلة الحاكم مشروطة بعدم وجود الوصيّ المستقلّ وهو هنا موجود.
نعم لو شرط الموصي عدم تصرّف الوصيّ الكامل إلى بلوغ الصّبيّ اتّبع شرطه بلا إشكال.
(ولو أوصى الكافر إلى مثله صحّ) بخلاف إيصاء المسلم إلى الكافر، لأنّ الكافر ليس من أهل الأمانة ولا الولاية وقد نهى عن الرّكون إليه، لأنّه ظالم.
(ولو أوصى إلى اثنين) فصاعداً (دفعة)(1) جاز إجماعاً (و) حينئذ فلو (شرط) عليهما (الاجتماع) في التّصرّف (أو أطلق فليس لأحدهما الانفراد) به، بل يجب عليهما الاجتماع بمعنى صدوره عن رأيهما (ويجبرهما الحاكم على الاجتماع لو تشاحّا) وتعاسرا وأراد أحدهما نوعاً من التّصرّف والآخر آخر وليس له استبدالهما معالإمكان، إذ لا ولاية له فيما للميّت فيه وصيّ، (فإن تعذّر ) عليه جمعهما (استبدل) بهما تنزيلاً لهما بالتّعذر منزلة العدم لاشتراكهما في الغاية، (ولو عجز أحدهما) عن القيام بتمام ما يجب عليه من العمل بالوصيّة بمرض ونحوه (ضمّ إليه) أمين من طرف الحاكم. ثمّ إنّ هذا كلّه إنّما هو مع الإطلاق أو شرط الاجتماع.

1 . خ ل.

صفحه 36
(ولو شرط) لهما (الانفراد جاز تصرّف كلّ واحد منهما) وإن انفرد عن الآخر بلا إشكال والظّاهر انّ شرط الانفراد رخصة لا يضيق فيجوز لهما الاجتماع مع شرط الانفراد وإن كان الأحوط الانفراد، بل هو المتعيّن مع النّهي الصّريح عن الاجتماع (ويجوز) لهما (الاقتسام) في هذه الحالة بالتّنصيف والتّفاوت إن لم يكن الموصي قد منع عنه ولم يحصل به ضرر فانّ مرجعه إلى تصرّف كلّ منهما في البعض وهو جائز بدونه.
(و) اعلم أنّ الوصيّة جائزة وللموصي تبديلها وللوصيّ ردّها مادام الموصي حيّاً بشرط أن يبلغه الرّدّ فـ(إذا بلغ الموصي ردّ) الوصيّ (الموصى إليه صحّ الرّدّ) للوصيّة (وإلاّ) يبلغه الرّدّ حتّى مات (فلا) يصحّ ولزمه القيام بها، بل لو لم يعلم بالوصيّة إلاّ بعد وفاة الموصي لزمه القيام بها أيضاً وإن لم يكن قد سبق منه قبول، إلاّ مع العجز فيسقط وجوب القبول للحرج.
(ولو خان) الوصيّ أو فسق بغير الخيانة انعزل و (استبدل به الحاكم) وصيّاً آخر مستقلاً أو منضمّاً على ما كان هو عليه.
(ولا يضمن الوصيّ) ما يتلف في يده من مال الوصيّة (إلاّ مع التّفريط) أو التّعدّي، فإنّه أمين (و) يجوز (له أن يستوفي دينه) ممّا في يده من مال الموصي من غير توقّف على حكم الحاكم، ولا على حلفه، سواء كان له حجّة أم لا، (أو يقترض) مال اليتيم(مع الملاءة أو يقوّمـ)ه (على نفسه) بثمن المثل فصاعداً إذا لم يكن هناك باذل للزيادة (و) كذا يجوز له أن (يأخذ أُجرة المثل) لعملهالغيرالمتبرّع به (مع)الفقر و (الحاجة) لا بدونها على الأحوط، ومن كان غنيّاً فليستعفف، مع قوله تعالى: (وَمَنْ كانَ فَقيراً فَليَأْكُل

صفحه 37
بِالمَعْرُوف)(1) والمعروف ما لا إسراف فيه ولا تقتير، والظّاهر انطباقه على أُجرة مثل العمل المحترم، هذا.
وقيل: بجواز أخذ قدر الكفاية فقط، وقيل بأقلّ الأمرين منه و من أُجرة المثل، وقيل بجواز الأُجرة مطلقاً مع الحاجة وعدمها وهو الأظهر، لأنّها عوض عمل محترم غير متبرع به.
(و) يجوز للوصيّ أيضاً (أن يوصي) إلى الغير (مع الإذن) له في ذلك (لا بدونه) سواء أطلق أو منع عنه، وحيث يأذن له يقتصر على مدلول الإذن من الشّخص أو الوصف أو غيرهما (ولا) يجوز أن (يتعدّى) الحدّ (المأذون) له فيه، (و) حيث لم يصرّح بالإذن في الإيصاء (يتولّى الحاكم) وصاياه بعد وفاة وصيّه، وكذا حكم كلّ من مات بدون الإيصاء إلى أحد، فإنّه وليّ (من لا وصيّ له، و يمضي الوصيّة بالثّلث فمادون، ولو زادت) عنه (وقف الزّائد على إجازة الورثة) وإلاّ صحّ في الثّلث وبطل في الزّائد فقط.
(ولو أجاز بعض) الورثة صحّ و (مضى في قدر حصّته) فقط دون الباقي.
(ولو أجازوا) في حال حياة الموصي(قبل الموت، صحّ) ولا يلزم كونها بعده، للنّصوص الكثيرة(2)، وقيل لا يعتبر إلاّ بعد وفاته لعدم استحقاق الوارث المال حينئذ، و يدفعه النّصّ(3)، مع أنّه وإن لم يكن مالكاً الآن إلاّ أنّ حقّه متعلّق به، وإلاّ لم يمنع الموصى من التّصرّف فيه (و يملك الموصى به بعد الموت

1 . النساء:6.
2 . الوسائل:19/283، الباب13 من كتاب الوصايا.
3 . المصدر نفسه.

صفحه 38
والقبول) معاً.
(و) لو أوصى بواجب وغيره (يقدّم الواجب من الأصل والباقي من الثّلث) إن لم يصرّح بإخراج الجميع منه، وإلاّفيتّبع شرطه، وحينئذ فإن ضاق الثّلث عن الوصايا قدّم الواجب منها على غيره، وإن تأخّرت الوصيّة به، (ويبدأ بالأوّل فالأوّل) منها (في غير الواجب) حتّى يستوفي الثّلث ويبطل في الزائد عليه مع عدم إجازة الورثة، هذا مع التّرتيب بين الوصايا.
(ولو جمع) بينها وذكرها دفعة من دون ترتيب بأن قال: اعطوا فلاناً وفلاناً وفلاناً ألفاً أو رتّب في اللّفظ ثمّ صرّح بعدم التّرتيب (تساووا في الثّلث) ووزّع النّقص على الجميع وبطل من كلّ وصيّة بحسابها، هذا.
و قد قرع سمعك في مطاوى كلماتنا، أنّه لا يشترط العلم بالموصى به للموصى أو الموصي له أو غيرهما، و حينئذفتصحّ الوصيّة بالمبهم كالقسط والنّصيب ونحوهما، ويتخيّر الوارث في تعيين ما شاء، هذا في غير لفظ الجزء والسّهم والشّيء من المبهمات.
وأمّا الثّلاثة ففي بعض النّصوص(1) تعيين مقدار مخصوص فيها أشار إليه المصنّف بقوله :(ولو أوصى بجزء ماله فالسّبع والسّهم الثّمن) أو العشر فيهما على اختلاف النّصوص(2) والفتاوى (والشّيء السّدس) بلا خلاف، هذا إذا علم من الموصي إرادة المعنى الشّرعي منها، وإلاّفالمرجع العرف المقدّم على غيره في تشخيص مقاصد أهله.

1 . الوسائل:19/382، الباب54 من كتاب الوصايا، وانظر 385 الباب 55 منه.
2 . الوسائل:19/382، الباب54 من كتاب الوصايا، وانظر 385 الباب 55 منه.

صفحه 39
(ولو أوصى) لشخص (بمثل نصيب أحد الورثة صحّت) الوصيّة وأُخرجت (من الثّلث فإن لم يزد) عنه (أو أجازوا) مع الزّيادة (كان الموصى له كأحدهم، فلو أوصى بمثل نصيب ابنه وليس له سواه) كان الموصى له بمنزلة ابن آخر و (أعطي النّصف مع الإجازة) من ابن الموصي بالنّسبة إلى زيادة النّصف عن الثّلث وهو السّدس (والثّلث بدونها، ولو كان له ابنان) في الفرض (فالثّلث) له ،ولا يفتقر إلى الإجازة، وهو ظاهر.
(و لو) أوصى بمثل نصيب الورثة و (اختلفوا) في السّهام (أُعطي) المُوصى له مثل سهم(الأقلّ) لصدق السّهم به، مع أصالة البراءة من الزّائد، فلو ترك ابناً و بنتاً فله الرّبع، أو ابنتين فله الخمس، ولو ترك زوجة واحدة مع الولد فله الثّمن، أو زوجتين معه فله نصف الثّمن، وهكذا (إلاّ أن يعيّن الأكثر) فيتّبع.
(ولو) أوصى بوجوه و (نسي الوصيّ وجهاً) منها أو أكثر، (رجع ميراثاً) عند المصنّف تبعاً للشّيخ، والمشهور صرف المنسيّ في وجوه البرّ، للنّصوص الواردة في المسألة المعتضدة بالشّهرة العظيمة(1) (ويعمل بالأخير من المتضادّين) إن أوصى بوصيّة ثمّ عقّبها بمضادّها كإن أوصى بعين مخصوصة لزيد ثمّ بها لعمرو، (فإن لم يتضادّا) كأن أوصى بدار لزيد ثمّ بأُخرى لعمرو (عمل بهما) إن وفى الثّلث، (ولو قصر الثّلث) عن العمل بهما (بدأ بالأوّل فالأوّل) حتّى يستوفى الثّلث، ومع عدم التّرتيب يبطل من كلّ وصيّة بحسابها كما سمعته آنفاً.

1 . الوسائل: 19/393، الباب61 من كتاب الوصايا.

صفحه 40
(وتثبت الوصيّة بالمال بشاهدين عدلين، وبشاهد وامرأتين، وبشاهد ويمين) لكونها من الحقوق الماليّة الثّابتة بكلّ من الثّلاثة بلا شبهة، كما حقّق في باب الشّهادة، (و) أمّا ثبوتها (بـ) شهادة (أربع نساء) منفردات مع اختصاصها بالأُمور الخفيّة الّتي لا يطّلع عليها الرّجال غالباً من الولادة والبكارة وعيوب النّساء الباطنة، فإنّما هو للإجماعات المحكيّة، والمعتبرة المستفيضة(1) المخرجة عن حكم القاعدة، (و) بذلك أيضاً اختصّت الوصيّة بأنّه (تقبل الواحدة) العادلة شهادة (في الرّبع) لما شهدت به (والاثنتان في النّصف، والثّلاث في الثّلاثة الأرباع) منه، وإلاّفلا يثبت بشهادة بعض من النّصاب المقرّر في الشّهادة بعض الحقوق المشهود بها بالنّسبة، ولذا سقط شهادة الرّجل الواحد، أو الخنثى أصلاً، ولا يحكم بها بشيء ممّا شهدا به في الوصيّة أو غيره، لاختصاص النّصوص ومعاقد الإجماعات في التّبعيض بالنّساء فقط.
(و) كيف كان فـ(لاتثبت) الوصيّة بـ(الولاية إلاّ برجلين) مسلمين عدلين، لا بالنّساء منفردات أو منضمّات، ولا بشاهد ويمين، لأنّها ليست من الأُمور الخفيّة الضّابطة للأولى، ولا من الحقوق الماليّة الضّابطة للثانيتين.
(ولو أعتق عبده) كلّه في مرض الموت، أو أوصى بعتقه بعد وفاته(ولا شيء له سواه) ولم يجز الوارث (عتق ثلثه) وسعى في قيمة باقيه للورثة، بناء على نفوذ المنجّز من الثّلث في الأوّل، وبلا خلاف في الثّاني، ولو قلنا بنفوذه من الأصل يعتق كلّه، وهو ظاهر. هذا.
وأمّا لو اعتق ثلثه أو أقلّ مع عدم مال له سواه فلا ريب في صحّة العتق،

1 . الوسائل: 19/317، الباب22 من أبواب الوصايا، الحديث 3.

صفحه 41
ولكنّه يسعى في باقيه، وأمّا مع وجود مال له سواه بما يعادل قيمة المملوك ثلث جميع أمواله أو أنقص، فلا إشكال في عتق جميعه من الثّلث، ولو قلنا بنفوذ المنجّز منه، هذا.
(ولو أعتق بعضه) قليلاً أو كثيراً (و) كان (له) من المال غيره ما يعادل (ضعفه) أو أزيد بحيث تعادل قيمة المملوك ثلث جميع أمواله أو أنقص(عتق كلّه) بالعتق في مورده وبالسّراية الّتي هو سببها في مازاد عنه، ويحسب الجميع من ثلثه فانّ قيمته لا تزيد عن ثلث المجموع، بل هو معادل له أو أقلّ منه كما هو المفروض، ولا ريب في نفوذ التّصرّف بالنّسبة إلى الثّلث فمادونه، وليس هنا ما يمنع من السّراية بالفعل حتّى يحتاج إلى السّعي، بل يحتمل كون ذلك من الأصل بالنّسبة إلى ما زاد عن مقدار العتق وإن قلنا بكون المنجّز من الثّلث باعتبار انّ العتق بالسّراية ليس من التبرّعات بل هو أمر قهريّ فيكون من الأصل، ولكنّ الأظهر الأوّل فانّ سبب السّراية اختياريّ. هذا.
و نقول ـ مزيداً للبيان ـ إنّه لو كان له مملوك قيمته ثلاثة دنانير أو أقلّ، وكان له مال سواه يعادل ستّة دنانير أو أكثر بحيث يبلغ مجموع ماله من المملوك وغيره تسعة دنانير أو أزيد قيمة المملوك يعادل ثلث جميع ماله أو أقلّ، فاعتق جزءاً من ذلك المملوك أقلّ أو أكثر انعتق كلّه من الثّلث بلا إشكال، لعدم زيادته عن الثّلث، ويسري عتق البعض في الجميع فعلاً من غير حاجة إلى سعيه في قيمة باقيه، وإن هو إلاّكعتق كلّه النّافذ من الثّلث في فرض المسألة.
(ولو أعتق مماليكه) في مرض موته، أو أوصى بعتقهم بعد وفاته (ولا شيء له سواهم) ولم يجز الورثة (عتق ثلثهم) فقط، بناء على كون المنجّزات من الثّلث، كما هو مختار المصنّف، ويعيّن الثّلث(بالقرعة) بتعديلهم أثلاثاً

صفحه 42
بالقيمة، و يعتق ما أخرجته القرعة على ما سيأتي في كتاب العتق في نظير المسألة. هذا إذا عتقهم جملة واحدة.
(ولو رتّبهم) في الإعتاق المنجّز أو الوصيّة به (بدأ) في العتق(بالأوّل فالأوّل) حتّى يستوفى الثّلث ويبطل التّنجيز أو الوصيّة في من بقي مع عدم إجازة الورثة (ويجزي في الرّقبة) الّتي أوصى بعتقها بقول مطلق من دون قرينة معيّنة (مسمّاها) صحيحاً أو معيباً، مسلماً أو كافراً، صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أُنثى أم خنثى.
(ولو قال) في وصيّته رقبة (مؤمنة وجب) تحصيل الصّفة، لحرمة تبديل الوصيّة (فإن لم يوجد، عتق من لا يعرف بنصب) على المشهور، لرواية عليّ بن ]أبي[ حمزة(1)، عن أبي الحسن (عليه السلام)(2) المنجبر ضعفها بالشّهرة العظيمة، و بدعوى الشّيخ الإجماع على قبول روايته.(3)
و قيل بعدم إجزائه وتوقّع المكنة من تحصيل الصّفة.
(ولو) ظنّها مؤمنة على وجه يجوز التّعويل عليه فأعتقها ثمّ (بانت بالخلاف بعد العتق، صحّ) للإجزاء.
(وتصرّفات المريض) المعلّقة بالوفاة المعبّر عنها بالوصيّة نافذة (من الثّلث) مع عدم إجازة للزّائد عليه بلا شبهة، بل ذهب الأكثر إلى كونها كذلك

1 . هو علي بن أبي حمزة البطائني الكوفي، روى عن الإمامين الصادق والكاظمعليمها السَّلام ، ثمّوقف وهو أحد عمد الواقفة.
معجم رجال الحديث:11/214 برقم 7832.
2 . الوسائل:19/405، الباب 73 من أبواب الوصايا، الحديث2.
3 . عدة الأُصول:1/150.

صفحه 43
مطلقاً (وإن كانت منجّزةً) حال حياته غير معلّقة على الوفاة، وقيل بخروج منجّزاته من الأصل، لقاعدة السّلطنة، واستصحابها، واستصحاب عدم حقّ للوارث بالنّسبة إلى ما تصرّف فيه المريض، وعموم أوفوا، والمؤمنون، وتجارة عن تراض، وخصوص إطلاقات كلّ عقد وعموماته، مضافاً إلى النّصوص(1)الكثيرة الخاصّة الظّاهرة أو النّاصّة، المؤيّدة بالإجماعات المنقولة وبالسّيرة المستمرّة على عدم منع المريض أيّام مرضه من تبرّعاته الزّائدة عن الثّلث وعدم ضبطها بطومار ونحوه، هذا كلّه مع مخالفتها للعامّة القائلين بنفوذها من الثّلث، بخلاف غيره من الأخبار الكثيرة المشتملة على الموثّق والصّحيح وغيرهما، فانّها مع كثرتها موافقة للعامّة، مضافاً إلى دورانها ما بين قاصر السّند أو الدّلالة والظاهر في الوصيّة أو الكراهة.
وبالجملة فمحلّ الخلاف ما إذا مات المريض في مرضه ذلك، أمّا لو برئ منه حسب من الأصل مطلقاً ولو مات في مرض آخر، بلا خلاف، كما لا خلاف في تصرّفاته الغير المحاباتيّة كالبيع بثمن المثل أو أزيد والشّراء به أو أنقص، والمراد من منجّزاته المختلف في كونها من الأصل أو الثّلث هو ما اشتمل على عطيّة محضة أو وقف أو إبراء أو صدقة أو معارضة محاباتيّة من البيع بأقلّ من ثمن المثل والشّراء بأزيد منه. هذا.
(وأمّا الإقرار) في مرض الموت بدين أو عين (فإن كان متهماً) بإضراره على الورثة بإقراره هذا (فكذلك) يخرج من الثّلث (وإلاّ فمن الأصل، وهذا الحكم) على تقدير تسليمه (يتعلّق بمطلق المرض الّذي يحصل به الموت وإن لم يكن مخوفاً) لا يؤمن معه الموت غالباً لإطلاق الأدلّة، بل عموم بعضها، خلافاً

1 . الوسائل:19/296، الباب17 من كتاب الوصايا، الحديث1، 3، 4و....

صفحه 44
للشّيخ(1) ومن تبعه فاعتبروا المرض المخوف لما زعموه من ظهور بعض الأدلّة في ذلك، للتّعبير فيه بالتّصرّف عند الموت أو حضور الموت ونحوهما، وهو في حيّز المنع، نعم لا ينبغي الرّيب في اعتبار صدق المرض في العرف وإن لم يكن ممّا يتعقّبه الموت غالباً ولكن قارنه اتّفاقاً، فلا عبرة بوجع الضّرس والأُذن والعين ونحوها وإن اتّفق تعقّبها بالموت. هذا.
والمعتبر في مقدار التّركة لاعتبار ثلثها إنّما هوحين الوفاة لا الوصيّة، لأنّه وقت تعلّق الوصيّة بالمال (و) على هذا فلو جني عليه أو قتل وجب أن (يحتسب من التّركة أرش الجناية والدّية) للنّفس ويعتبر ثلث المجموع لثبوت الأمرين بالوفاة، وإن لم يكن عند الوصيّة، وهو ظاهر في أرش الجراحة، وأمّا الدّية فلم تستقرّ إلاّبالوفاة، فهي في الحقيقة متأخّرة عنها وإن اقترنت بها ومع ذلك لا ينافي ما ذكرناه من اعتبار وقت الوفاة، لأنّ الوقت في مثل هذا يعتبر فيه الأمر العرفي وهو ممتدّ يحتمل مثل هذا.
والظّاهر من قوله: والدّية، اختصاص الحكم بقتل الخطأ، لأنّه هو الموجب للدّية على الإطلاق.
وأمّا العمد فإن قيل إنّه يوجب أحد الأمرين: القصاص أو الدّية فيدخل أيضاً في العبارة، وأمّا على القول المشهور من أنّ موجب العمد القصاص وإنّما تثبت الدّية صلحاً، والصّلح لا يتقيّد بالدّية، بل يصحّ بزيادة عنها و نقصان، ففي دخوله في العبارة تكلّف، وقد يندفع عنه بأنّه حينئذ عوض القصاص الّذي هو موروث عن المجنيّ عليه وعوض الموروث موروث صرّح بذلك كلّه في المسالك.(2)

1 . المبسوط:4/43ـ44.
2 . المسالك:13/42.

صفحه 45
(ولو) أوصى بعتق رقبة و (عيّن ثمن الرّقبة ولم يوجد به) لم يجب شراؤها، بالزّائد قطعاً ولو مع بذل الوارث، بل يشكل الجواز أيضاً بعدم كونه الموصى به و(توقّع الوجود (1) به) و وجب تحصيله مع الإمكان (فإن) آيس منه صرفه في وجوه البرّ وإن (وجد بأقل(؟؟؟)خ ل:بالأقلّ. ) ممّا عيّنه اشترى و (اعتق وأعطى الفاضل له(2)) للرّواية(3) والشّهرة العظيمة .
(وتصحّ الوصيّة على كلّ من للموصى عليه ولاية تصرّف) شرعيّة بحيث يصحّ الإيصاء بها (كالأب) والجدّ له وإن علا بشرط الصّغر أو البلوغ مع عدم الكمال وعدم وليّ إجباريّ له فلا يندرج في ذلك الحاكم والوصيّ الغير المأذون والأب مع وجود الجدّ له وعكسه.
(ولو انتفت) الولاية الكذائيّة تطلب الوصيّة بها فلا تمضى الإيصاء بالولاية على أولاده الكبار العقلاء أو على أبويه أو على أقاربه و (صحّت في إخراج الحقوق عنه) كالدّيون والصّدقات الواجبة وليس للوارث حينئذ معارضة الوصيّ; وكذا الأُمّ لا ولاية لها على الصّغار فضلاً عن الكبار، فلا تصحّ وصيّتها عليهم ولو أوصت لهم بمال; ونصبت وصيّاً صحّ تصرّفه في الوصايا وفي إخراج ما عليها من الدّيون والحقوق ولم تمض وصايته على الأولاد.
(ولو أوصى بإخراج بعض ولده من الميراث) بالكليّة (لم تصحّ) الوصيّة بالنّسبة إلى الجملة لمخالفة الكتاب والسّنة. نعم تصحّ بالنّسبة إلى مقدار الثّلث فيحرم منه بمقدار الحصّة. واللّه العالم.

1 . خ ل.
2 . خ ل.
3 . الوسائل:19/410، الباب77 من كتاب الوصايا، الحديث1.

صفحه 46

صفحه 47

كتاب النّكاح

المستعمل لغةً في الوطي كثيراً، وفي العقد بقلّة وشرعاً بالعكس. (وفيه فصول):

صفحه 48

صفحه 49

الفصل الأوّل

في(1) أقسام النّكاح

المراد به هنا السّلطنة على الانتفاع بالبضع شرعاً.
اعلم أنّ (النّكاح) بهذا المعنى (ثلاثة) أقسام: (دائم(2) ومنقطع(3) وملك يمين) وسيأتي أحكام الأخيرين في الرّابع والخامس من فصول الكتاب.
(ويفتقر الأوّل) الّذي هو المقصود الأصلي في هذا الفصل (إلى العقد) اللّفظي(وهو الإيجاب) بلفظ زوّجتك أو أنكحتك(والقبول) بلفظ تزوّجت أو قبلت مقتصراً عليه، أو بإضافة لفظي النّكاح أو التّزويج إليه.
ويشترط في العقد العربيّة، والقصد الباطنيّ التفصيلي الرّافع للاحتمال، وكونه (بلفظ الماضي) وصدوره (من) من هو (أهله) بالبلوغ والعقل، فلا حكم لعبارة الصّغير والمجنون والغافل والهازل والسّكران الغير المميّز ما يخاطب وما يخاطب به، ولا يكفي قوله: أتزوّجك بلفظ المستقبل، ولا يجوز بغير العربيّة مع القدرة عليها، لأنّ ذلك هو المعهود من صاحب الشّرع مع الأصل السّالم عن

1 . خ ل.
2 . خ ل:الدائم.
3 . خ ل:المنقطع.

صفحه 50
معارضة الإطلاق المنصرف إلى اللّفظ العربي ولو بقرينة كون الخطاب والمخاطب والمخاطب والقرآن عربيّاً، وسيأتي لزوم تعيين المعقود عليها وعدم كفاية القصد الإجمالي.
(ولو قيل) لوليّ الصّغيرة (زوّجت بنتك فلانة(1) من فلان) بطريق الاستفهام عن إنشاء التّزويج بذلك (فقال نعم) بقصد إنشاء التّزويج بذلك (كفى في الإيجاب) ويقبل بعده الزّوج، لأنّ نعم تتضمّن إعادة السؤال ولو لم يعد اللّفظ، والظّاهر عدم الكفاية لاحتمال اعتبار ألفاظ مخصوصة لا يقوم مقامها ما يتضمّنها فلا يخرج عن الأصل إلاّ بها.
(ويجزي مع العجز) عن النّطق بالعربيّة أو من أصله كالأخرس (التّرجمة) بالفارسيّة ونحوها في الأوّل (أو (2) الإشارة) المفهمة للمراد في الثّاني و الملحون في الإعراب أو المادّة أولى من التّرجمة، ولا يجب التّوكيل ولو مع المكنة.
(ولو زوّجت المرأة نفسها صحّ) و جاز لها تولّي العقد عنها وعن غيرها إيجاباً وقبولاً بغير خلاف، ولعلّ التّصريح به للتّنبيه على خلاف بعض العامّة المانع منه.
(ولا يشترط) في صحّة العقد حضور (الوليّ مع) تحقّق (البلوغ والرّشد ولا ) حضور (الشّهود) في شيء من الأنكحة وإن كان أفضل بل لا يترك الاحتياط في البالغة الرّشيدة البكر بالتّشريك فيهما في الولاية، ولعلّه طريق الجمع بين الأدلّة وأمّا اشتراط الشّهادة فلا ريب في عدم لزومه، خلافاً لابن أبي

1 . خ ل.
2 . خ ل: و.

صفحه 51
عقيل هنا لرواية ضعيفة(1) موافقة للعامّة محمولة على الاستحباب.(2)
(ولا يلتفت إلى دعوى الزّوجيّة) من الرّجل أو المرأة (بغير بيّنة أو تصديق) الآخر للمدّعي، فيحكم بالعقد ظاهراً، لانحصار الحقّ فيهما، وعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، ولا عبرة بتصديق المرأة المزوّجة.
(ولو ادّعى) رجل (زوجيّة امرأة وادّعت أخت الزّوجة زوجيّته) فقضيّة بعض الموازين الشّرعية ـ المؤيّدة بفتاوى كثير من الأجلة، وبالاحتياط في بعض صور المسألة ـ أنّ الحكم له مع اليمين، مع عدم البيّنة منهما، وعدم الدّخول بالمدّعية، لأنّه منكر بالنسبة إليها، ودعواه زوجيّة أُختها متعلّق بها، وهو أمر آخر، بل وكذلك مع الدّخول المرجّح لدعوى المدّعية بحسب الظّاهر، ترجيحاً للأصل على الظّاهر، ومع الرّدّ تحلف على الدّعوى، وعلى نفي العلم بما يدّعيه الرّجل، فيحكم لها، وكذا الحكم له مع اختصاصه بالبيّنة على أُخت المدّعية، بل ويحلف معها على عدم زوجيّة المدّعية أيضاً لدفع احتمال عقده عليها مع عدم اطّلاع بيّنته، ومع اختصاصها بالبيّنة فالحكم لها مع حلفها على نفي العلم.
ولو أقام كلّ منهما بيّنة لما يدّعيه (حكم لبيّنته (3) إلاّ) أن يكون (مع) بيّنة المدّعية ترجيح على بيّنة الرّجل من (تقديم(4) تاريخها أو دخوله بها) فيحكم لها حينئذ، لأنّه مصدّق لها بظاهر فعله في الثّاني، وأمّا في الأوّل فهو في حكم من لا بيّنة له، لعدم تعارض بيّنته ببيّنتها السّابقة منذ زمان كذا، وأمّا تقديم بيّنته مع عدم الأمرين بأن انتفى الدّخول واتّفقت البيّنتان في التاريخ، أو أطلقتا،

1 . الوسائل: 21/34، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث11.
2 . نقله عنه العلاّمة في المختلف: 7/101.
3 . خ ل:ببيّنته.
4 . خ ل:تقدّم.

صفحه 52
أو سبق تاريخ بيّنته على تاريخ بيّنتها، فللخبر(1)، وضعفه بالشّهره العظيمة قد انجبر.(2)
واعلم أنّه يشترط في صحّة النّكاح بأقسامه امتياز الزّوج والزّوجة عن غيرهما بالاسم أو الإشارة أو الوصف القاطع للشّركة إجماعاً.
ويتفرّع عليه أنّه لو كان لرجل عدّة بنات وزوّج واحدة منهنّولم يميّزها أصلاً فإن أبهم ولم يقصد فيه نفسه شيئاً بطل العقد مطلقاً، كبطلانه بقصده مع عدم قصد الزّوج أو قصده الخلاف، لعدم التّعيين في شيء من ذلك.
(و) إن قصدا معيّنة ثمّ اختلفا في تلك المعيّنة في نفسهما هل هي زينب أو كلثوم فـ(القول قول الأب في تعيين) بنته (المعقود عليها بغير) إشارة ولا وصف ولا (تسمية مع) حلفه، ويحكم بصحّة العقد بشرط (رؤية الزّوج للجميع) من بنات الرّجل العاقد، وعليه في ما بينه وبين اللّه تعالى أن يسلّم إليه الّتي قصدها في العقد (وإلاّ) يكن رآهنّ (بطل العقد) كما في الصّحيح المعمول به عند الأكثر المخرج به عن حكم اختلاف القصد المستلزم للبطلان مطلقاً، ورؤية الزّوجة غير شرط في صحّة النّكاح، فلا مدخل لها في الصحّة والبطلان، هذا جملة من القول في أحكام النّكاح.

]آداب النّكاح [

(و) أمّا الآداب فقسمان:

1 . الوسائل: 20/299، الباب 22 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث1.
2 . الرياض: 10/46ـ 47.

صفحه 53
الأوّل: آداب العقد، وهي أُمور:
منها: انّه (يستحبّ) لمريد التّزوّج (أن يتخيّر) من النّساء (البكر العفيفة الكريمة الأصل) البعيدة هي وأبواها عن الألسن.
ومنها: قصد السنّة وعدم الاقتصار على الجمال والثّروة فربّما حرمهما، تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن.
(و) منها: (صلاة ركعتين) والحمد بعدهما لمريد التّزوّج قبل تعيين المرأة، ويسأل اللّه تعالى أن يرزقه من النّساء أعفهنّ فرجاً، و أحفظهنّ له في نفسها وماله، وأوسعهنّ رزقاً، و أعظمهنّ بركة في نفسها وولدها كما في الخبر الصادقيّ.(1)
(و) منها: (الإشهاد) على العقد، بل (والإعلان) الّذي هو أقوى من الإشهاد.
(و) منها: (الخطبة أمام العقد) وأقلّها الحمد للّه، وأكملها إضافة الشّهادتين والصّلاة على النّبيّ والأئمّة بعده، والوصيّة بتقوى اللّه والدّعاء للزّوجين.
(و) منها: (إيقاعه ليلاً) للتّأسّي والنّصّ(2) في ذلك كلّه.
(و) القسم الثّاني: آداب الخلوة والدّخول بالمرأة، وهي أيضاً أُمور:
منها: (صلاة ركعتين عند الدّخول والدّعاء) بعدهما بعد الحمد والصّلاة بقوله:« اللّهمّ ارزقني إلفها وودّها ورضاها وارضني بها واجمع بيننا بأحسن اجتماع وآنس ائتلاف فانّك تحبّ الحلال وتكره الحرام» (3) أو غيره من

1 . الوسائل:20/113، الباب 53 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث1.
2 . الوسائل: 20/113، الباب53 من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه.
3 . التهذيب:7/409ح1636.

صفحه 54
الدّعاء من المأثور وغيره، (وأمرها بمثله) عند الانتقال إليه (وسأل (1) اللّه تعالى الولد الذّكر) السّويّ الصّالح بعد التّسمية ووضع يده على ناصيتها للنصّ في ذلك كلّه(2) ، هذا.

]مكروهات العقد و الخلوة[

و بعد ذكر جملة من مندوبات العقد وا لخلوة شرع في بيان برهة من مكروهاتهما (و) قال (يكره) فيهما أُمور:
منها: (إيقاع العقد والقمر في برج العقرب).
(و) منها: (تزويج العقيم) الّتي لم تلد، بل يستحبّ الولود الّتي من شأنها ذلك بعدم يأسها ولا صغرها ولا عقمها للأمر.
(و) منها: (الجماع) في (ليلة الخسوف، ويوم الكسوف، وعند الزّوال، وعند الغروب و) بعده (قبل ذهاب الشّفق) الأحمر (وفي المحاق وبعد) طلوع (الفجر حتّى تطلع الشّمس، وفي أوّل ليلة من كلّ شهر إلاّفي شهر رمضان).
( و) يكره أيضاً في (ليلة النّصف) من كلّ شهر وآخره، (وعند الزّلزلة، و) هبوب (الرّيح الصّفراء والسّوداء) والحمراء.
(ويكره) أيضاً الجماع حال كونه (مستقبل القبلة ومستدبرها، وفي السّفينة وعارياً، وعقيب الاحتلام قبل الغسل أوالوضوء) الّذي أثره رفع

1 . خ ل:سؤال.
2 . الوسائل:20/117، الباب 55 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث5.

صفحه 55
كراهة المجامعة فقط.
(و) يكره (النّظر إلى فرج المرأة) مطلقاً، و يتأكّد في حال الجماع (والكلام) من كلّ منهما عند الجماع (بغير الذّكر) للنّصّ في ذلك كلّه.(1)
(و) في (الوطيّ في الدّبر) للجائز وطئها قبله روايتان إحداهما الجواز وهي مشهورة بين الأصحاب نصّاً(2) وفتوىً مع اعتضادها بالأصل والإجماعات المنقولة، لكن على كراهيّة شديدة مغلّظة تستأهل من لفظ الحرمة الواردة في بعض روايات المسألة المحمولة لضعفها على ذلك، مع إشعار بعض نصوص الجواز أيضاً عليها.
ثمّ إنّه لا فرق في المسألة في الأمة والزّوجة الدّائمة أو المنقطعة، وهو قضيّة إطلاق المصنّف كغيره، و مع ذلك كلّه فليس بناكب عن الصّراط من سلك سبيل الاحتياط خصوصاً مع عدم رضاها بذلك.
(و) كذا الخلاف في جواز (العزل) و إفراغ المني خارج الفرج بعد المجامعة (عن الحرّة) الدّائمة اختياراً (بغير) اشتراطه في الصّيغة ولا (إذنها) بعدها، فالأشهر فيه أيضاً الكراهيّة، للصّحيحة(3)، وظاهر النصّ، والفتاوى المصرّح به في عبائر بعض الأجلّة، هو الاتّفاق على جواز العزل عن الأمة وإن كانت منكوحة بالعقد الدّائم، وكذا الحرّة المنقطعة، والدّائمة في الضّرورة أو مع اشتراطه في الصّيغة أو الإذن فيه بعده.
ثمّ إنّ الظاهر عدم وجوب دية النّطفة عليه وإن قلنا بحرمة العزل،

1 . راجع الرياض:10/55ـ60.
2 . الوسائل:20/145، الباب73 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه.
3 . الوسائل: 20/149، الباب 75 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 2و 5و1.

صفحه 56
للأصل، مع عدم دليل يدلّ عليه، وقيل بوجوبها عليه للزّوجة وهي عشرة دنانير، وفرّعه في الرّوضة(1) على القول بحرمة العزل وإلاّ فهي على الاستحباب، ومنهم من قال بوجوبها وإن قيل بكراهة العزل.
وعلى كلّ تقدير فوجوب الدّية إنما هو للخبر الوارد في «من أفزع رجلاً عن عرسه فعزل عنها الماء من وجوب عشرة دنانير عليه»(2) ولكنّه في غير ما نحن فيه، ولا وجه للقياس مع أنّه مع الفارق، للفرق بين جناية الوالد والأجنبيّ. هذا.
ولا فرق في جواز العزل بين الجماع الواجب وغيره، وأمّا عزل المرأة بمعنى منعها من الإنزال في فرجها فالظّاهر حرمته بدون رضا الزّوج لمنافاته للتّمكين الواجب عليها، بل لا يبعد وجوب دية النّطفة عليها.
(و) يكره (أن يطرق المسافر أهله) أي يدخل إليهم من سفره (ليلاً) حتّى يصبح من غير فرق في الأهل بين الزّوجة وغيرها ممّن هو في داره، للإطلاق ، وإن كان الحكم فيها آكد، ولذكره في باب النّكاح أنسب.
(ويحرم الدّخول بالمرأة قبل بلوغ تسع سنين) هلاليّة وإكمالها إجماعاً ونصّاًً(3)، ولو دخل لم تحرم أبداً إلاّ مع الإفضاء.(4)
(ويجوز النّظر إلى من يريد التّزويج بها) من النّساء (أو) أمة يريد (شراءها) وإن لم يستأذنهما إجماعاً ونصّاً (5) والمشهور اختصاص الجواز بالوجه

1 . الروضة:5/103.
2 . الوسائل: 29/312، الباب19 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
3 . الوسائل:20/101، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث1.
4 . الرياض:10/81.
5 . الوسائل: 20/87، الباب 36 من أبواب مقدّمنات النكاح و آدابه، الحديث 1 و 2 و 3. و راجع الرياض: 10/60.

صفحه 57
والكفّين، ويستفاد من بعض الرّوايات جواز النّظر إلى الشّعر والمحاسن أيضاً. ولكنّه مرسل(1).
ثمّ إنّ الجواز إنّما هو مع احتمال إجابتها والعلم بصلاحيّتها للتّزويج بخلوّها من البعل والعدّة والحرمة، (و) كذا يجوز النّظر (إلى) نساء (أهل الذمّة) وغيرهم بطريق أولى إن كان (بغير تلذّذ) وريبة، وأمّا معهما فلا يجوز البتّة حذراً من الوقوع في الحرام والتّهلكة.

1 . الوسائل:20/88، الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث5.

صفحه 58

الفصل الثّاني

]في أولياء العقد[

( في الأولياء) للعقد المتصرّفين فيه بدون إذن الزّوج أو الزّوجة:
(إنّما الولاية) في النّكاح (للأب) والجدّ له (وإن علا، والوصيّ) لأحدهما (والحاكم) و المولى (فـ) ولاية (الأب) والجدّ له ثابتة (على الصغيرين) وكلّ منهما مستقلّ في الولاية لا يلزمهما الاشتراك ولا استيذان أحدهما من الآخر، فأيّهما سبق مع مراعاة ما يجب مراعاته لم يبق محلّ للآخر، ولا يشترط في ولاية الجدّ حياة الأب كما ذهب إليه جمع، ولا موته كما اختاره بعض العامّة، لإطلاق الأدلّة، وكذا لا يشترط في الولاية على الصّغيرة بقاء بكارتها، بل تثبت وإن ذهبت بالوثبة ونحوها، إذ المدار في ولايتهما عليهما الصّغر لا البكارة.
لكن يشترط في ولاية الأب والجدّ له: العقل، والحرّية، و الإسلام مع إسلام المولّى عليه; فلا ولاية لهما مع فساد عقلهما أو جنونهما، وإن جنّ أحدهما دون الآخر فالولاية للآخر.
وكذا لا ولاية للمملوك ولو مبعّضاً على ولده وحفيده حرّاً كان أو عبداً بل الولاية في الأوّل للحاكم، وفي الثّاني لمولاه.
وكذا لا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم، فتكون للجدّإن كان مسلماً،

صفحه 59
وللحاكم إن كان هو أيضاً كافراً، وكذا في العكس.
(و) كذا يثبت ولايتهما على ولديهما (المجنونين) أو السّفيهين البالغين كذلك (ولا خيار لهما) أي الصّغير والمجنون (بعد زوال الوصفين) لو زوّجهما الوليّ قبله، للأصل، والإجماع في المجنون والمجنونة والصّغيرة، مضافاً إلى الصّحاح المستفيضة في الأخيرة.(1)
وأمّا الصّغير ففيه قولان، أظهرهما وأشهرهما أنّه أيضاً كذلك لرواية صحيحة(2)، مع أصالة بقاء الصحّة، خلافاً للشّيخ وجماعة(3) فأثبتوا الخيار له بعد الإدراك لخبر(4) مشتمل ـ مع الغضّ عن ضعف سنده ـ على أحكام مخالفة للأصل و الإجماع، كاشتراطالتجاوز عنالتسع في ولاية الأب عليالجارية وصحّة طلاق الصّبيّ مع الدّخول وعدمه بدونه ولا قائل بهما، فلا يعارض بمثله الصّحاح المستفيضة(5)، هذا.
(و البالغ الرّشيد لا ولاية) لأحد من الأب وغيره (عليه ذكراً كان أو أُنثى) إجماعاً في الأوّل، وفي الثّيّب من الثّاني مطلقاً، والبكر منه مع عدم الأب والجدّ له، أو مع عدم استجماعهما لشرائط الولاية، وعلى المشهور المنصور عند المصنّف مطلقاً، ولو في البكر مع حياة الأب والجدّ له، وقد أشرنا إلى الاحتياط فيها، وأنّ التّشريك بينهما في الولاية لعلّه طريق الجمع بين أدلّة الطّرفين، نعم لو عضلها الوليّ بأن لا يزوّجها بالكفو الشّرعي مع وجوده ورغبتها فلا بحث في

1 . الوسائل: 20/271، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث11.
2 . الكافي: 5/401، الحديث4.
3 . النهاية:2/316; الرياض:10/92.
4 . الوسائل: 20/276، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث3.
5 . الوسائل: 20/275، الباب 6 من أبواب عقدالنكاح.

صفحه 60
سقوط ولايته وجواز استقلالها به، والمنع من غير الكفو ليس عضلاً، بل كذلك لو منعها من التّزويج بغير الكفو العرفي ممّن في تزويجه عار وغضاضة عليهم كما صرّح به بعض الأجلّة.
(و) تثبت ولاية(الحاكم والوصيّ) للأب أو الجدّ له(على المجنون) المتّصل جنونه بالصّغر (ذكراً كان أو أُنثى) وعلى السّفيه كذلك، لكن (مع المصلحة) لهما وخلوّهما من الأب والجدّ له لا مع وجودهما، كما لا ولاية لهما على الصّغير مطلقاً ولا على من بلغ رشيداً، ولا للحاكم مع وجود الوصيّ، ويزيد الحاكم الولاية على من بلغ ورشد ثمّ تجدّد له الجنون وذلك لانقطاع ولاية الأب والجدّ بالبلوغ والرّشد، ولا دليل على عودها، والأصل بقاء انقطاع الولاية. هذا.
وقد يعارض بمثله في ولاية الحاكم، فهما من جهة الأصل متساويان ولا يبعد ترجيح الأب والجدّ عليه بذاتيّة ولايتهما وإناطتهما بإشفاقهما وتضرّرهما بما يتضرّر به الولد كما قيل.
وحينئذ فالظّاهر في البالغ المتجدّد له الجنون بعد البلوغ أيضاً ولاية الأب والجدّ كما اختاره المصنّف في التّذكرة(1)، بل ظاهره الإجماع عليه. هذا.
ولكنّ الإنصاف بعد تعارض الأصلين هو الرّجوع إلى الأدلّة الدّالّة على كون الحاكم وليّ من لاوليّ له المؤيّدة بالشّهرة العظيمة، والمناسبات المذكورة لترجيح ولاية القرابة لا تصلح مناطاً للأحكام الشّرعية، هذا وقد أشرنا إلى أنّ المولى أيضاً من جملة الأولياء وسيصرّح به في المتن.
والولاية منحصرة في هؤلاءة المذكورين (ويقف عقد غيرهم على

1 . التذكرة:2/586، الطبعة الحجرية.

صفحه 61
الإجازة) من الزّوجين أو وليّ العقد لكونه فضوليّاً (ويكفي فيها سكوت البكر) المعقود عليها فضولاً عند عرضه عليها كما يكفي في الإذن ابتداء للنّصّ(1)الدّال عليه وعلى اعتبار النّطق في إجازة الثيّب وإذنها، وهو محمول في الأوّل على ما إذا ظهر رضاها وكان سكوتها لحيائها عن النّطق بذلك.
(وللمولى الولاية على) تزويج (مملوكه ذكراً كان أو أُنثى مطلقاً) صغيراً أو كبيراً، رشيداً أو غيره، بكراً أم ثيّباً، عاقلاً أو مجنوناً، كارهاً أو راغباً مع وجود الأب والجدّ الحرّين ومع عدمهما. هذا .
(و) قد انقدح ممّا مرّ انّه (لا ولاية) في النّكاح لغير المذكورين من الأجانب أو الأقارب حتّى (للأُمّ) والأخ والجدّ للأُمّ، ويقف عقدهما أيضاً كغيرهما على الإجازة; (و) لكن (يستحبّ للبالغة) المالكة أمرها (أن تستأذن أباها) أو جدّها مطلقاً (وأن توكّل) أو تستأذن (أخاها مع فقده) أي الأب، وكذا الجدّ، أو تعسّر الاستيذان منهما، وأن تعوّل مع تعدّد الأخوة على الأكبر منهم وتختار خيرته من الأزواج، وذلك كلّه لجملة من الأخبار العادّة لهم في جملة من بيده عقدة النّكاح المحمولة على الاستحباب، مع أنّ الأخ والجدّ والأب في الأغلب أخبر بمن هو من الرّجال أنسب، وقد مرّ لزوم الاحتياط في البالغة البكر الرّشيدة.
(و) إذا وكّلت البالغة الرّشيدة غيره في تزويجها لرجل واطلق فـ(ليس للوكيل أن يزوّجها (2) من نفسه) فإن فعل كان فضوليّاً لعدم اندراجه تحت إطلاق التّوكيل على ذلك لانصرافه إلى غيره، فلا يجوز (بغير إذنها) الخاصّ أو

1 . الوسائل:20/274، الباب5 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.
2 . خ ل : يتزوّجها.

صفحه 62
العامّ كزوّجني ممّن شئت، أو ولو من نفسك.
(ولو زوّج الصّغيرين الأبوان) أي الأب والجدّ، صحّ التّزويج ولزم لما مرّ، و (توارثا) كلّ منهما عن الآخر لو مات في حال الصّغر .
(ولو كان) العاقد لهما (غيرهما) كان فضوليّاً و (وقف على الإجازة) من وليّهما أو منهما بعد الإدراك، (فإن) ماتا أو (مات أحدهما قبل البلوغ) والإجازة (بطل) العقد مطلقاً أجاز الثّاني أو لا (وإن بلغ أحدهما وأجاز ثمّ مات) لزم العقد من جهته، وعزل من تركته نصيب الثّاني إلى أن يبلغ و(احلف) ذلك (الثّاني(1) بعد بلوغه) وإجازته (على انتفاء الطّمع) في استيراث التّركة بالإجازة (وورث) نصيبه منها بعد الحلف المعتبر لرفع التّهمة في أكثر موارد المسألة، ولذا ارتضى في الرّياض(2) تبعاً للرّوضة(3) عدم الحلف مع انتفاء التّهمة ككون الباقي الزّوج والمهر بقدر التّركة أو أزيد، (وإلاّ) يكن كذلك بأن كان موت الأوّل بعد البلوغ قبل الإجازة أو بعدها مع عدم حلف الثّاني على ما ذكر أو عدم إجازته أصلاً، (فلا) يرث ولا يستحقّ التّركة.

1 . خ ل:حلف الباقي.
2 . الرياض:10/117ـ 118.
3 . الروضة:5/145ـ 146.

صفحه 63

الفصل الثّالث

في المحرّمات ـ وأسبابها ـ

(و هي قسمان: نسب وسبب).
( فالنّسب) يوجب حرمة سبع نسوة على الذّكر:
( الأُمّ وإن علت) لأب أو لأُمّ.
(والبنت وإن سفلت) من ابن أو بنت.
(والأُخت) لأبيه أو لأُمّه أو لهما (وبناتها) المتولّدة منها (وإن نزلن) من ابنها أو بنتها.
(والعمّة والخالة وإن علتا) كعمّة الأب والأُمّ أو الجدّ والجدّة، وخالتهما.
(وبنات الأخ) لأب أو لأُمّ أو لهما (وإن نزلن) من ابنه أو بنته، هذا ويجمع الفرق السّبعة قولهم يحرم على الإنسان كلّ قريب عدا أولاد العمومة والخؤلة.
(وأمّا السّبب، فأُمور):
(الأوّل: ما يحرم بالمصاهرة)
ولا يخفى ما في عبارته من المسامحة، كالمسامحة في عبارة أوّل الفصل، والمراد بها علاقة تحدث بين الزّوجين وأقرباء كلّ منهما بسبب النّكاح توجب الحرمة،

صفحه 64
ويلحق به الوطي على بعض الوجوه كما يأتي في طيّ مسائل الباب.
وكيف كان، (فمن وطئ امرأة) حراماً أو حلالاً (بالعقد الدّائم) أو المنقطع (أو الملك حرمت عليه أُمّها وإن علت وبناتها وإن نزلن تحريماً مؤبّداً) مطلقاً (سواء سبقن) ولادةً (على الوطي أو تأخرن عنه) وولدن بعده.
(وتحرم الموطوءة بالملك أو العقد) كالمعقود عليها ولو مع عدم الدّخول (على أب الواطئ وإن علا وعلى أولاده وإن نزلوا) لإجماع المسلمين كافّة في ذلك كلّه كما عن جماعة.(1)
(ومن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت عليه أُمّها) عيناً ( أبداً) وإن علت ولا يجدي فراقها لاستحلال الأُمّ جدّاً (و) تحرم (بنتها) وإن نزلت (مادامت الأُمّ في عقده) جمعاً لا عيناً (فإن طلّقها) أو فارقها بغير الطّلاق (قبل الدّخول جاز له العقد على بنتها، ولو دخل) بالأُم (حرمت) بنتها (أبداً) كما مرّ، قال اللّه تعالى: (وَرَبائبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) .(2)
(وتحرم أُخت الزّوجة جمعاً لا عيناً) فمتى فارق الأُولى حلّت الأُخرى (و كذا) تحرم (بنت أُختها) أي الزّوجة (وبنت أخيها إلاّ مع إذن العمّة) في الثّانية (أو الخالة) في الأُولى (ولو عقد من دون إذنهما بطل) مطلقاً ولو مع الإجازة اللاّحقة كما هو ظاهره، وهو أحد أقوال المسألة لاقتضاء النّهي ذلك

1 . الرياض:10/265.
2 . النساء:23.

صفحه 65
في المعاملة، بل لعلّه يقتضي هنا خروج الموضوع عن قابليّة النّكاح كالنّهي عن النّسبيّات، هذا كلّه مع الحكم الصّريح بالبطلان في النّصّ(1)، وانّ رضاء العمّة والخالة شرط في صحّة العقد فيجب مصاحبة المشروط، هذا.
وأمّا تزويج العمّة والخالة على بنت الأخ والأُخت فلا إشكال فيه أصلاً ولو كره المدخول عليهما، لإجماع التّذكرة(2)، وعموم الآية، وخصوص خبر ابن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (3)، ولا فرق في المسألتين في العمّة والخالة بين الدّنيا منهما والعليا، هذا جملة من القول في أحكام العقد والوطء الصّحيح.
وأمّا الزّنا، فإن كان طارئاً على الدّخول الصّحيح بعقد أو ملك لا ينشر الحرمة ولا يجري فيه أحكام المصاهرة أصلاً، وإجماعاً، ونصّاً(4) كمن تزوّج بامرأة ثمّ زنى بأُمّها أو بنتها أو لاط بأخيها أو ابنها أو أبيها، فانّ ذلك كلّه لا يحرّم السّابقة.
وفي السّابق على العقد قولان وروايتان(5) أشهرهما وأكثرهما عدداً وعاملاً عدم نشر الحرمة إلاّفي بنت العمّة والخالة، (و) عليه نبّه المصنّف بقوله: إنّ (من زنى بعمّته أو خالته حرمت عليه بناتهما أبداً) ولكنّ الأجود جريان أحكام المصاهرة في الزّنا السّابق مطلقاً، ولو كان بغيرهما، بل وكذلك وطي الشّبهة بهما أو بغيرهما، وبذلك يجمع بين الأخبار المانعة مطلقاً والمجوّزة كذلك بحمل الأُولى على السّابق على العقد والأخيرة على اللاّحق.

1 . الوسائل:20/487، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث1.
2 . التذكرة:2/638، الطبعة الحجرية.
3 . الوسائل: 20/488، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث6.
4 . الوسائل: 20/428، الباب8 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث2.
5 . الوسائل: 20/433، الباب11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث1و3.

صفحه 66
(ولو ملك الأُختين فوطئ إحداهما حرمت) عليه وطء (الأُخرى) بل وغيره من الاستمتاعات على الأحوط (جمعاً) إلى أن يخرج الأُولى عن ملكه، لا عيناً إجماعاً، (فلو وطئها) أي الثّانية قبله (أثم) إجماعاً مع علمه بالتّحريم (ولم تحرم) عليه (الأُولى) لأصالة الإباحة، والحرام لا يحرّم الحلال، والتّحريم إنّما تعلّق بوطء الثّانية.
(ويحرم على الحرّ في الدّائم) ـ لا المتعة وملك اليمين ـ عقد (مازاد على أربع حرائر، وفي الإماء) عقد (مازاد على أمتين، وله أن يجمع بين حرّتين وأمتين أو ثلاث حرائر وأمة ).
(و) يحرم (على العبد مازاد على أربع إماء، وفي الحرائر مازاد على حرّتين، وله أن ينكح حرّة وأمتين).
( ولا يجوز نكاح الأمة على الحرّة إلاّ بإذنها) للإجماع في ذلك كلّه (ولو) بادر و (عقد بدونه كان باطلاً) للشّهرة العظيمة المحكيّة عليه الإجماع عن المبسوط(1) والسّرائر(2)، مضافاً إلى النصّ(3)، وبهما يخصّص عموم «أوفوا» كما استند إليه من قال: إنّه يقف على الإجازة كالفضوليّ ولا يقع باطلاً من أصله، وقد أسلفنا في نكاح بنت الأخ وبنت الأُخت على العمّة والخالة من دون إذنهما ما لعلّه يفيد في المقام فراجع.
(ولو) عكس و (أدخل الحرّة على الأمة) جاز ولزم مع علم الحرّة بأنّ تحته أمته، نصّاً وإجماعاً(4) (وان لم تعلم) بذلك (فلها الخيار) في فسخ عقد

1 . المبسوط:4/215.
2 . السرائر:2/546.
3 . الوسائل:20/509، الباب46 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث1.
4 . راجع الرياض:10/203ـ 204.

صفحه 67
نفسها وإمضائه، ولخبر سماعة(1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .(2)
(ولو جمعهما) أي الحرّة والأمة (في عقد) واحد (صحّ عقد الحرّة) فقط، وبطل عقد الأمة كما هو ظاهر العبارة، وفاقاً لجماعة من الأجلّة، وكأنّه للصّحيح الحاكم بذلك بالصّراحة، وينبغي تقييده بعدم الإذن من الحرّة للقطع بالصّحة معه، ونظائر تبعيض مورد العقد كثيرة.
(ويحرم العقد على ذات البعل والمعتدّة مادامتا كذلك) بالضّرورة.
(ولو تزوّجها في عدّتها جاهلاً) بها أو بالتّحريم أو بهما (بطل العقد) من غير فرق بين عدّة الوفاة وعدّة وطي الشّبهة وعدّة الطّلاق البائنة أو الرّجعيّة حرّة كانت المعتدّة أو أمة، وحيث تزوّج المعتدّة (فإن) لم يدخل بها أصلاً دُبراً وقبلاً في العدّة أو خارجها لم تحرم عليه أبداً، بل له تزويجها بعد العدّة بعقد مستأنف، وإن (دخل) بها كذلك (حرمت) عليه (أبداً) للإجماع فيهما (و) يكون (الولد له) مع الإمكان بلا إشكال، لأنّه وطء شبهة يلحق به النّسب (والمهر للمرأة) مع جهلها لوطء الشّبهة الموجب لمهر المثل، (و) يجب عليها أن (تتمّ عدّة الأوّل وتستأنف) عدّة أُخرى (للثّاني) لتعدّد المسبّب بتعدّد السّبب، مضافاً إلى المعتبرة.(3)
(ولو عقد) على المعتدّة (عالماً) بالأمرين (حرمت) عليه (أبداًبـ)

1 . هو سماعة بن مهران بن عبد الرحمن الحضرمي، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن عليمها السَّلام ، ثقة ثقة.
رجال النجاشي:1/431 برقم 515.
2 . الوسائل:20/511، الباب 47 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث3.
3 . الوسائل:20/450، الباب17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث2.

صفحه 68
مجرّد وقوع (العقد) و لو خلى عن الدّخول بلا إشكال، نصّاً(1) وإجماعاً، هذا تفصيل العقد على المعتدّة.
وأمّا ذات البعل فكذلك أيضاً في صورة الجهل بالأمرين وعدم الدخول، والعلم مع الدّخول، فلا ريب في عدم الحرمة الأبديّة في الأوّل ولا في تحقّقها في الثّاني كما سيصرّح به في المسألة الثّالثة، وأمّا مع الجهل والدّخول، أو العلم مع عدمه فإشكال ، والمحكيّ عن الأكثر عدم التّحريم الأبديّ فيه أيضاً للأصل، واختصاص النصّ بالمعتدّة، فلا يتعدّى إلى ذات البعل. هذا.
ولكن لا يبعد استلزامه الثّبوت هنا بطريق أولى لقوّة علاقة الزّوجيّة بالنّسبة إلى علاقة العدّة.
وهاهنا (مسائل) ثمان:
(الأُولى: من لاط بغلام فأوقبه) ولو بإدخال بعض الحشفة (حرمت عليه أُمّ الغلام) وإن علت (واخته) لأب أو لأُمّ أو لهما دون بناتها (وبنته أبداً) وإن نزلت من ذكر أو أُنثى من النّسب اتّفاقاً، ومن الرّضاع على الأقوى، لعموم أدلّته، هذا مع تقدّم الإيقاب على العقد .
(ولو) انعكس و (سبق عقدهنّ) عليه (لم يحرمن) به، للأصل، ولقولهم (عليهم السلام) «لا يحرّم الحرام الحلال».(2)
(الثّانية: لو دخل بصبيّة لم تبلغ تسعاً) ولم يفضها، فقد فعل حراماً بلا شبهة كما مرّ في الفصل الأوّل، ولكن لا تحرم بذلك مؤبّداً ولا تخرج عن حباله، وله

1 . الوسائل: 20/450، الباب17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث3.
2 . الوسائل:20/425 و 427، الباب6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث6و 12.

صفحه 69
وطؤها بعد البلوغ، ولو دخل بها (فأفضاها) بتصيير مسلك الحيض مع مسلك البول واحداً (حرمت عليه) وطؤها (أبداً و) لكن (لم تخرج عن حباله) بذلك بدون الطّلاق، بل هي زوجته، للأصل، وظاهر بعض النّصوص(1)، فتحرم عليه أُختها، والخامسة، ويجب عليه الاستيذان منها في تزويج بنت أخيها وبنت أُختها، ويجب أيضاً إنفاقها حتّى يموت أحدهما، بل يجب الإنفاق على القول بالخروج من حباله أيضاً كما ذهب إليه جماعة(2)، وكذلك لو طلّقها، لصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)(3)، بل لا يبعد القول بوجوبه بعد التّزويج بالغير أيضاً لإطلاق النصّ بثبوته إلى أن يموت أحدهما، وإن كان ربّما يحتمل السّقوط بتزويج الغير لحصول الغرض بوجوبه على الغير وزوال الزّوجيّة الموجبة لها، هذا.
ولا منافاة بين الأمرين على القولين بعد الثّبوت بالأدلّة الشّرعية التّعبديّة، مع إمكان أن يكون وجوب الإنفاق مع حرمة الوطء، بل مع خروجها عن حباله، بل مع تزويجها بغيره، لا من باب إنفاق الزّوجة بل إنّما هو للزّجر عن ذلك الفعل الشّنيع في الغاية، ولجبران تلك الجناية.
(الثّالثة: لوزنى بامرأة لم يحرم نكاحها) بعده بعقد صحيح، كما لا تحرم الزّانية على غير الزّاني أيضاً، ولكن يكره مطلقاً، هذا في غير المعتدّة وذات البعل.
(ولو زنى بذات بعل أو في عدّة رجعيّة حرمتا أبداً) بلا خلاف، بخلاف عدّة الوفاة والعدّة البائنة فلا يلحق الزّنا فيهما بالزّنا في العدّة الرّجعيّة، كما لا يلحق بذات البعل الموطوءة بالملك والموطوءة بالشّبهة، للأصل في غير موضع

1 . الوسائل:20/494، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث3.
2 . الرياض:10/85.
3 . الوسائل:20/494، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث4.

صفحه 70
الوفاق.
(الرّابعة: لو عقد المحرم) بفرض أو نفل، بحجّ أو عمرة، على أُنثى (عالماً بالتّحريم حرمت أبداً) بالعقد وإن لم يدخل بها ،(ولو كان جاهلاً بطل العقد) قطعاً للإحرام (ولم تحرم) عليه أبداً وإن دخل بها، فله العود إليه بعد الإحلال، للنّصّ(1) الدّالّ على حكم العلم بمنطوقه، وعلى غيره بمفهومه، المعتضد بالأصل.
(الخامسة: لا تنحصر المتعة وملك اليمين في عدد) معيّن كما كان في الدّائم، إجماعاً ونصّاً في الثّاني(2)، وعلى المشهور المحكيّ عليه الإجماع في الأوّل(3)، فإن تمّ فذاك، وإلاّ فالأخبار المجوّزة والمانعة متعارضة، والثّانية مع اشتمالها على الصّحيحة معتضدة بعموم الآية(4)، وفي الرّوضة(5) إن حملها على الأفضل والأحوط إنّما يحسن لو صحّ شيء من أخبار الجواز، وليس كذلك، فهي بين مقطوعة وضعيفة ومجهولة السّند، هذا، والاحتياط طريق النّجاة، وإلاّفضعف الفرقة الأُولى مع كثرتها واستفاضتها منجبر بالشّهرة العظيمة.
(السّادسة: لو طلّقت الحرّة ثلاثاً) لم ينكحها بينها (6) زوج آخر من أي أنواع الطّلاق كان (حرمت) على زوجها المطلّق لها (حتّى تنكح) دواماً (زوجاً غيره) وتذوق عسيلته ويذوق عسيلتها كما سيأتي في الثّاني من فصول كتاب الفراق، وهذا الحكم ثابت للحرّة مطلقاً (وإن كانت تحت عبد)

1 . الوسائل:12/436، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1و3.
2 . راجع الرياض:10/218.
3 . راجع الرياض:10/218.
4 . النور:6.
5 . الروضة:5/206ـ 207.
6 . في الأصل: منها، و هو تصحيف.

صفحه 71
فانّ العبرة عندنا في النّصاب المحرّم من الطلقات بالزّوجة لا الزّوج، لإجماعاتنا المستفيضة، ونصوصنا المتواترة(1)، خلافاً للعامّة فعكسوا القضيّة وجعلوا الاعتبار في عددها بالزّوج لا الزّوجة.(2)
(و) قد انقدح من ذلك أنّه (لو طلّقت الأُمّة طلقتين) لم يتخلّل بينهما نكاح رجل آخر (حرمت) على مطلّقها (حتّى تنكح زوجاً غيره) كذلك مطلقاً (وإن كانت تحت حرّ) وقد نبّهنا على أنّه لا فرق في الطّلقات المحرّمة على هذا الوجه بين كونها للعدّة وغيرها، بخلاف المحرّمة أبداً كما ذكره في المسألة اللاّحقة.
(السّابعة): بقوله: إنّ (المطلّقة تسعاً للعدّة ينكحها بينها رجلان تحرم على المطلّق أبداً) إجماعاً بل إشكال، والمراد بالطّلاق التّسع للعدّة، أن يطلّقها بالشّرائط ثمّ يراجع في العدّة ويطأ، ثمّ يطلّق في طهر آخر ثمّ يراجع في العدّة ويطأ ثمّ يطلّق الثّالثة فينكحها بعد عدّتها زوج آخر، ثمّ يفارقها بعد أن يطأها، فيتزوّجها الأوّل بعد العدّة، ويفعل كما فعل أوّلاً إلى أن يكمل لها تسعاً كذلك، يتخلّل بينها نكاح رجلين بعد الثّالثة والسّادسة، فتحرم في التّاسعة أبداً.
ولا حرمة أبديّة في غير الطّلاق العدّيّ،وهذا كلّه حكم الحرّة.
وأمّا الأمة فيحتمل كونها كذلك، كما يحتمل عدم تحريمها مؤبّداً أصلاً لاختصاص ظواهر النّصوص بالحرّة بقرينة نكاح الرّجلين مع تسع طلقات، ولا يمكن اجتماعهما فيها لما عرفت من حرمتها بعد كلّ طلقتين وهما معتبران في

1 . الوسائل:22/161، الباب25 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث4.
2 . راجع الرياض:10/226.

صفحه 72
التّحريم المؤبّد نصّاً(1) وفتوى، لكنّ الأحوط تحريم الأمة بستّ ينكحها رجلان بعد الثّانية والرّابعة فيقوم السّت فيها مقام التّسع للحرّة.
(الثّامنة: لو طلّق إحدى) زوجاته (الأربع) أو أكثر من الواحدة (رجعيّاً لم يجز) له (أن ينكح بدلها) دائماً (حتّى تخرج) المطلّقة (من العدّة)، لأنّ المطلّقة رجعيّاً بمنزلة الزّوجة، ولذا يحكم بالتّوارث والنّفقة، فالنّكاح الدّائم في زمان العدّة بمنزلة الجمع زائداً على النّصاب المقرّر في الشّريعة، ومن هنا تعرف أنّه لا يجوز تزويج أُخت المطلّقة الرّجعيّة بالدّوام أو ا لمتعة، لأنّه يكون جامعاً بين الأُختين (ويجوز) الأمران تزويج الأُخت والزائد على النّصاب (في) الطّلاق (البائن) قبل انقضاء العدّة لانقطاع العصمة، وعدم كونها في حكم الزّوجة.
(ولو عقد ذو الثّلاث) زوجات دائمات (على اثنتين دفعة بطلا) معاً، لاستصحاب الحرمة، واستحالة التّرجيح. (ولو ترتّب) صحّ العقد الأوّل و (بطل الثّاني) لكونها خامسة، لا يجوز تزويجها، (وكذا الحكم في) العقد على (الأُختين) يبطل كلاهما مع التّقارن، والثّاني فقط مع التّعاقب.

]في الرضاع [

الأمر (الثّاني) من أسباب التّحريم: (في(2) الرّضاع، ويحرم منه ما يحرم بالنّسب) بالإجماع والنّصوص المستفيضة(3)، لكنّه إنّما يؤثّر (إذا كان) اللّبن

1 . الوسائل:20/530، الباب 12 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد.
2 . خ ل.
3 . الوسائل:20/371، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

صفحه 73
(عن نكاح) أي وطء صحيح، إجماعاً، وإن كان شبهة على الأشهر لإلحاقها بالعقد في النّسب، ويعتبر مع ذلك صدوره عن حمل أو ولد بالنّكاح المذكور، فلا عبرة بلبن الخالية منهما و إن كانت منكوحة نكاحاً صحيحاً، كعدم العبرة باللّبن الخالي عن النكاح أصلاً، للأصل، وخصوص الموثّقة(1)، مع عدم ظهور المخالف، بل عليه الإجماع في كلمات بعض الأجلّة.(2)
ومن شرائط تأثير الرّضاع الكميّة بإجماع الطّائفة، ولا يكفي المسمّى، كما عن مالك وأبي حنيفة; ويعتبر الكمّ بأحد أُمور ثلاثة:
إمّا أن يتمّ (يوماً وليلة) بحيث يشرب كلّما أراد حتّى يروى و يصدر، وإليه يرجع إيكال تقدير الرّضعات إلى العرف الّذي هو المرجع في كلّ ما لم يعيّن له الشّارع حدّاً مضبوطاً.
(أوما أنبت اللّحم وشدّ العظم) بتصديق أهل الخبرة.
(أو) كان عدد الرّضعات (خمس عشرة رضعة) فلا ينشر الحرمة في ما دونها، وإن كان الأحوط النّشر بالعشر، ولا حكم لما دون العشر قطعاً، هذا، ويعتبر في الرّضعات العدديّة اجتماع أُمور ثلاثة:
أحدها: كون الرّضعة (كاملة) للأصل، والتّبادر، والتّصريح بها في بعض الأخبار..(3)
وثانيها: امتصاصها (من الثّدي).

1 . الوسائل:20/398، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث1.
2 . راجع الرياض:10/132.
3 . الوسائل: 20/383، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 و 2. و راجع الرياض: 10/140 ـ 141.

صفحه 74
(و) ثالثها: أن يكون الرّضعات متوالية بحيث (لا يفصل(1) بينها برضاع) امرأة (أُخرى).
وأمّا التّقدير الزّماني والأنباتيّ فلا يعتبر فيهما اجتماع الثّلاثة، نعم لا ريب في اعتبار الامتصاص من الثّدي في جميعها، لتوقّف مسمّى الارتضاع المعتبر في الجميع عليه، فلو وجر في حلقه، أو وصل إلى جوفه بحقنة أو نحوها، لم ينشر حرمة أصلاً، وأمّا كماليّة الرّضعة فلا يعتبر في الإنبات بالضّرورة، لإمكان تحقّقه بالنّاقصة إذا بقى على ذلك مدّة، بل لا يبعد عدم اعتبارها في التّقدير الزّماني أيضاً، إذ لا ريب في صدق رضاع يوم وليلة بحكم العرف والعادة في ما ]إذا [ارتضع الصّبيّ بعض الرّضعة فاشتغل بلعب ونحوه حتّى تحقّق الفصل الطّويل ثمّ ارتضع رضعة كاملة، نعم لو فرض عدم صدق رضاع يوم وليلة اتّجه اعتبار الكماليّة في الرّضعات الزّمانيّة أيضاً، هذا.
وأمّا التّوالي فصريح الرّوضة(2) اعتباره في كلّ من الأحوال الثلاثة بمعنى عدم الفصل برضاع امرأة أُخرى، وإن لم يكن رضعة كاملة، ولا عبرة بتخلّل غير الرّضاع من المأكول و المشروب، وصريح بعض الأجلّة اعتباره في التّقدير الزّماني بمعنى عدم الفصل أصلاً لا بالمأكول والمشروب ولا برضاع امرأة أُخرى، وفي العدّديّ بالمعنى الثّاني فقط، وعدم اعتباره أصلاً في التّقدير الأنباتي، وهو صحيح في العددي للأصل والتّبادر، مع التّصريح بعدم الفصل بالرّضاع في العدديّة في الموثقة (3) الظّاهرة بإطلاقها في حصول الفصل بمسمّى الرّضاع، وإن قلّ، وهو الأحوط.

1 . خ ل: ينفصل.
2 . الروضة:5/164.
3 . الوسائل:20/375، الباب2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث5.

صفحه 75
وأمّا الإنباتي والزّماني فليس في النّصوص ما يدلّ على اعتبار التّوالي فيهما، فالمدار على صدق مسمّاهما وعدمه، من غير فرق بين الفصل بالرّضاع أو بالأكل ونحوه، فكلّ ما نافى حصول المسمّى اعتبر عدمه، ولا ريب في اختلاف الأفراد في ذلك بحسب القلّة والكثرة وتغذيّ الصّبيّ وعدمه، هذا، مع تأيّده بالاحتياط الّذي لا ينكب سالكه عن الصّراط، واللّه العالم.
ومن شرائط تأثير الرّضاع النّاشر للحرمة أن يكون اللّبن بحاله خالصاً، فلو خرج بان ألقى في فم الصّبيّ مائع ورضع فامتزج حتّى خرج عن كونه لبناً استهلكه أم لا، لم ينشر، وذلك هو المفهوم من الأرضاع والارتضاع، كما يفهم منه حياة المرضعة، فلو ارتضع تمام العدد أو بعضه من ثدي الميتة لم ينشر أيضاً، لخروجها بالموت عن كونها مرضعة.
(و) من الشّرائط (أن يكون) بتمامه (في الحولين) القمريين،وعدم وقوع شيء من النّصاب المقرّر ـ ولو كان هو رضعة واحدة ـ بعد تمامهما، نصّاً(1)، وإجماعاً، وإنّما يعتبر (بالنّسبة إلى المرتضع) بمعنى وقوعه قبل حوليه إجماعاً (و) في اعتباره (في ولد المرضعة قولان) أشهرهما المحكيّ عليه الإجماع العدم، فينشر الحرمة، ولو وقع بعد حوليه، إذا وقع قبل حولي المرتضع.
(و) من شرائط نشر الحرمة في الرّضاع (أن يكون اللّبن لفحل (2) واحد) ولاعتبار هذا الشّرط وجهان من الكلام:
أحدهما: وهو المناسب للمقام في ثبوت أصل الحرمة بين الرّضيع والفحل

1 . الوسائل:20/385، الباب5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث5.
2 . خ ل: من فحل.

صفحه 76
والمرضعة، ولا خلاف فيه، بل عليه إجماعنا في التّذكرة(1)، فيكون هذا الشّرط أيضاً ـ على نهج سائر الشروط السّابقة ـ معتبراً في أصل الحرمة، فلا حرمة بين المرتضع وأُمّه وأبيه، فضلاً عن غيرهم مع كون القدر المحرّم من اللّبن لفحلين.
فلو ارتضع عن امرأة بعض العدد من لبن فحل ومنها نفسها تمامه من لبن فحل آخر بعد تزويجها منه و مفارقتها الأوّل لم ينشر حرمته أصلاً، فتحلّ له المرضعة وصاحب اللّبن إن كان أُنثى.
ويفرض المثال فيما لو طلّقها وهي مرضع وتزوّجت ودخل بها الزّوج الثّاني وحملت واللّبن بحاله لم ينقطع ولم يحصل فيه زيادة يمكن استنادها إلى الحمل من الثّاني، فما لم تضع حملها يلحق اللّبن بزوجها الأوّل للاستصحاب، بل في التّذكرة(2) عدم العلم فيه بالخلاف، واللّبن إنّما يلحق بصاحب الحمل بعد الوضع أو حيث لا يكون هناك معارض أسبق منه.
وحينئذ فلو أرضعت تلك المرأة قبيل الولادة خمساً من الرّضعات المعتبرة مثلاً، فأكملت العدد بعد الوضع من دون أن يقع فصل بين رضعتين بإرضاع آخر أو غيره من المأكول والمشروب لم ينشر الحرمة أصلاً، فانّ الخمسة منها في الفرض من الزّوج الأوّل والباقي من الثّّاني. هذا.
بل يشترط في حرمة الرّضيع بالنّسبة إلى الفحل والمرضعة اتّحادها أيضاً، فلو تناوب على إرضاعه عدّة نسوة لفحل واحد حتّى أكملن النّصاب بجملتهنّ من دون أن تنفرد واحدة منهنّ بإكماله ولاءً لم تنشر حرمة أصلاً لا بين الرضيع

1 . التذكرة:2/621.
2 . التذكرة:2/621.

صفحه 77
والنّسوة، ولا بينه و بين صاحب اللّبن، ونسبه في التّذكرة(1) إلى علمائنا أجمع.
وثانيهما: وهو المقصود من العبارة والمتداول بين الطّائفة اشتراط اتّحاد الفحل في التّحريم بين رضيعين فصاعداً بعد حصول لأحدهما مع المرضعة وصاحب لبنه بمعنى انّه لابدّفي تحريم أحد الرّضيعين على الآخر مع ما مرّ من الشّروط الأُخر من اتّحاد صاحب اللّبن وإن اختلفت المرضعة.
وعلى هذا الاعتبار فلا يكون هذا الشّرط على نهج غيره من الشّروط قيداً في أصل الحرمة، لثبوتها بدونه أيضاً بين كلّ من الرّضيعين وفحله ومرضعته وإنّما اعتبر لثبوت التّحريم الخاصّ بين المرتضعين فقط.
(فلو أرضعت امرأتان صبيّين) ذكراً و أُنثى (بلبن فحل واحد نشر الحرمة بينهما، ولو أرضعت امرأة صبيّين من لبن (2) فحلين لم ينشر الحرمة) بينهما لعدم اتّحاد الفحل وإن كان تمّ العدد في كلّ واحد منهما بلبن فحله وحصول التّحريم بين المرتضع والفحل والمرضعة فلا يكفي في الأُخوة الرّضاعيّة كونها من جهة الأُمّ فقط، للنّصوص(3) الخاصّة الدّالة على اعتبار اتّحاد الفحل المخصّصة لما دلّ بعمومه على اتّحاد الرّضاع والنّسب في حكم التّحريم. نعم لا ريب في كفايتها من طرف الأب فقط كالمثال الأوّل فضلاً عن كونها من الطّرفين ، كما لو أرضعت امرأة واحدة بلبن فحل واحد مائة مثلاً فيحرم بعضهم على بعض هذا.
(ومع) استكمال (الشّرائط) المذكورة في تحريم الرّضاع (تصير

1 . التذكرة:2/621.
2 . خ ل:بلبن.
3 . الوسائل:20/389، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث3.

صفحه 78
المرضعة أُمّاً) للرّضيع (وذو اللّبن أباً) له وآباؤهما مطلقاً أجداداً (وإخوتهما) وإخوة آبائهما وأُمّهاتهما وإن علت (أخوالاً وأعماماً) فإخوة الآباء وأخواتهم ولو من طرف الأُمّ أعمام وعمّات، وإخوة الأُمّهات وأخواتهنّ ولو من طرف الأب أخوال وخالات.
(و) كذا يصير (أولادهما إخوة، ويحرم أولاد صاحب اللّبن ولادة ورضاعاً على المرتضع) وإن لم يكونوا أولاد المرضعة فانّهم إخوته الرّضاعيّة من الأب خاصّة، (و) قد عرفت كفايتها في نشر الحرمة كما قد عرفت أنّه يحرم على المرتضع (أولاد المرضعة ولادة) ونسباً فقط (لا رضاعاً) لعدم كفاية الإخوة من الأُمّ من جهة الرّضاع خاصّة لما مرّ من أدلّة اعتبار اتّحاد الفحل، وأمّا أولادها النّسبيّة فلا ريب في حرمتهم على المرتضع لعموم ما دلّ على تحريم الرّضاع ما يحرّمه النّسب مع عدم وجود المخرج عنه كما كان في الإخوة من جهة الأُمّ من الرّضاع خاصّة.
وبالجملة إنّما يشترط اتّحاد الفحل بين الرّضيعين الأجنبيّين عنها، والأُخوة الرّضاعيّة بينهما لا تحصل بدون اتّحاد الفحل للنّصوص المخصّصة للعموم المذكور لا بين الرّضيع والولد البطنيّ للمرضعة، فأولادها إخوة للمرتضع من الأُمّ، والإخوة من الأُمّ حرام بالنّسب فكذا بالرّضاع، وأولادها الرّضاعيّة أيضاً وإن كانوا كذلك لكنّهم خرجوا عن عموم أدلّة الرّضاع بأدلّة اعتبار اتّحاد الفحل في الحرمة.
(ولا ينكح أب المرتضع في أولاد صاحب اللّبن ولادة و رضاعاً، ولا في أولاد زوجته المرضعة ولادة لا رضاعاً)، كما في النّصوص الصّحيحة(1) الدّالة

1 . الوسائل:20/391، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث10.

صفحه 79
على ذلك المخرجة لهذه المسألة عن حكم قاعدة الرّضاع، فإنّ أولاد المرضعة وأولاد صاحب اللّبن إنما صاروا إخوة لولده، و إخوة الولد لا يحرمون في النّسب من حيث إنّهم اخوة الولد، فإنّ أُخت ولدك في النّسب حرام عليك لكونها بنتك أو ربيبتك، وإذا أرضعت أجنبيّة ولدك فبنتها أُخت ولدك وليست ببنت ولا ربيبة، وأُخت الولد ليست من العناوين المحرّمة، وتقييده أولاد المرضعة بالولادة تفريع على اعتبار اتّحاد الفحل في تحريم أحد الرّضيعين على الآخر وانّه لا يحرم بعض أولاد المرضعة على بعض مع تعدّده كما تقدّم، فلا تحرم إخوة المرتضع كذلك على أبيه لأنّهم ليسوا بمنزلة ولده، لأنّ حكم الأب متفرّع من حكم الولد.
وبالجملة فيتفرّع على الحكم المذكور تحريم زوجتك زهراء عليك لو أرضعت عذراء أُمّها ولدك موسى المتولّد من زهراء، أو ولدك الآخر عيسى المتولّد من كبرى زوجتك الأُخرى من لبن زيد الّذي هو أب لزهراء، أو من لبن فحل آخر، فانّ زهراء تصير من أولاد صاحب اللّبن في الأوّل، ومن أولاد المرضعة نسباً في الثّاني، فلا يجوز لك وأنت أبو المرتضع نكاح زهراء لاحقاً كما كان لا يجوز سابقاً، بمعنى أنه يمنعه سابقاً ويبطله لاحقاً.
وكذا لو أرضعت صغرى ضرّة عذراء أحد ولديك المزبورين موسى أو عيسى بلبن زيد المذكور الّذي هو أبو زوجتك زهراء، فتصير زهراء من جملة أولاد صاحب اللّبن، فلا يجوز لك وأنت أبو المرتضع نكاحها لاحقاً، أي يبطل كما كان لا يجوز سابقاً، وأمّا لو أرضعت صغرى ولديك المزبورين بلبن فحل آخر غير زيد المزبور فلا إشكال فيه أصلاً، فانّ زهراء لا تصير من أولاد صاحب اللّبن ولا المرضعة أصلاً، كما يظهر بالتّدبّر، هذا.

صفحه 80
وقد عرفت قبل هذا المسألة عدم جواز نكاح المرتضع في أولاد صاحب اللّبن مطلقاً، والنّسبيّ فقط من أولاد المرضعة لكونهم أخوة .
(و) قال هنا في استدراكه وتتميمه إنّه يجوز (لأولاده) أي أب المرتضع (الّذين) هم أخوة له و (لم يرتضعوا من هذا اللّبن النّكاح في أولاد المرضعة والفحل) مطلقاً نسباً ورضاعاً فانّهم ليسوا بإخوة لهم، بل إخوة الإخوة، وليست هي من العناوين المحرّمة ما لم يكن إخوة، كما لو زوّج أخوك لأُمّك اختك لأبيك. واعلم أنّه لا خلاف في أنّه كما يمنع الرّضاع السّابق من العقد اللاّحق كذلك في عكسه يبطل العقد بالرّضاع اللاّحق، كما أنّه لا خلاف في تعلّق المصاهرة بالرّضاع كتعلّقها بالنّسب، بمعنى أنّ كلّ من حرم من جهة النّسب في المصاهرة حرم من جهة الرّضاع أيضاً، فكما تحرم بها أُمّ الزّوجة النّسبيّة وبنتها لو كانت مدخولة وابن الزّوج النّسبي ونظائرها، كذلك يحرم بها نظائرها من جهة الرّضاع.
(و) إذا تمهّد هذا فاعلم أنّه (لو أرضعت كبيرة الزّوجتين) لزيد (صغيرتهما) بلبنه حرمتا عليه مؤبّداً مطلقاً لصيرورة الصّغيرة بنته من الرّضاع والكبيرة أُمّ زوجته منه، ولو أرضعتها بلبن غيره (حرمتا) أيضاً كذلك (إن كان دخل بالمرضعة) لصيرورة الكبيرة أُمّاً للزّوجة، والصّغيرة ربيبة دخل بأُمّها، (وإلاّ) يدخل بها (فالمرضعة) حسب، لكونها أُمّ الزّوجة لا الرّضيعة لأنّها ربيبة لم يدخل بأُمّها، وقد سمعت آنفاً في ذيل اشتراط اتّحاد الفحل تصوير إرضاع زوجتك من لبن غيرك.
(ولو أرضعت الأُمّ من الرّضاعة الزّوجة) بلبن من شرب الزّوج من لبنه (حرمت) لصيرورتها أُختاً مع اتّحاد الفحل كما فرضناه، هذا.

صفحه 81
واستثنى في التّذكرة(1) من قاعدة الرّضاع مسائل:
منها: جدّة الولد فإنّها في النّسب حرام، لأنّها إمّا أُمّك أو أُمّ زوجتك، وفي الرّضاع قد لا يكون كذلك، كما إذا أرضعت أجنبيّة ولدك فانّ أُمّها جدّته وليست بأُمّك ولا أُمّ زوجتك (و) إلى هذا أشار بقوله: (لا تحرم أُمّ أُمّ الولد من الرّضاع) إن لم تكن أُمّ زوجتك (وإن حرمت من النّسب) كما عرفته; وكذلك أُمّ أب الولد، فهي محرّمة في النّسب لا في الرّضاع.
و لا يذهب عليك عدم صحّة الاستثناء الّذي هو إخراج ما لولاه ادخل إلاّ على وجه الانقطاع، لأنّ جدّة الولد ليست أحد المحرّمات السّبع النسبيّة وإن اتّفق كونها أُمّاً أو أُمّ الزّوجة فتحريمها من تلك الحيثيّة لا من حيث كونها جدّة الولد فلا حاجة إلى الاستثناء أصلاً.
و منها: أُخت الولد.
و منها: أُمّ الإخوة.
و منها: أُمّ الأحفاد، فإنّها في النّسب حرام وفي الرّضاع قد لا يكون كذلك، وتصويرها بيّن على قياس ما سمعته في جدّة الولد والأمر في الاستثناء كما ذكر.
(و يستحبّ اختيار) الظّئر (المسلمة الوضيئة العفيفة العاقلة للرّضاع) لتأثيره بالبديهة في الصّورة والطّبيعة.

]في اللّعان [

(الثالث): من أسباب التّحريم (اللّعان، ويثبت به التّحريم المؤبّد)

1 . التذكرة:2/622ـ 623، الطبعة الحجرية.

صفحه 82
بالنّصّ(1)، والإجماع بشروطه الآتية في السّابع من فصول كتاب الفراق إن شاء اللّه تعالى، كأن يرميها بالزّنا ويدّعي المشاهدة، ولا بيّنة، أو ينفي ولدها الجامع لشرائط اللّحوق به، وتنكر ذلك، فتلزمهما في الصّورتين الملاعنة، فإذا تلاعنا سقط عنه حدّ القذف، وعنها حدّ الزّنا، و انتفى الولد عنه، و حرمت عليه مؤبّداً بلا إشكال ولا خلاف، كما لا خلاف في سقوط اللّعان لو أقام بيّنة أو لم يدّع المشاهدة.
ولا يذهب عليك أنّ من شرائط اللّعان في قذف الزّوجة الموجب للتّحريم المؤبّد سلامتها من الصّمم و الخرس كما يأتي هناك، وإلاّ فتحرم مؤبّداً بدون اللّعان، كما ذكره المصنّف بقوله (وكذا) أي كاللّعان في الحكم المذكور (قذف الزّوج امرأته الصّمّاء أو الخرساء) بما يوجب اللّعان لولا الآفة، برميها بالزّنا مع دعوى المشاهدة وعدم البيّنة، وإلاّفلا حرمة، ومع عدم دعوى المشاهدة يتعيّن الحدّ، ومع البيّنة على القذف لا لعان ولا حدّ كما سيأتي ذلك كلّه.

]في الكفر [

(الرّابع): من أسباب التّحريم (الكفر، ولا يجوز للمسلم أن ينكح) الكافرة (غير الكتابيّة) وهي اليهوديّة والنّصرانيّة والمجوسيّة (إجماعاً) منّا بالكتاب والسّنّة ابتداء كان أو استدامة، (وفيها) أي الكتابيّة (قولان)بلأقوال أشهرها التّفصيل بين الدّوام فلا، والمتعة وملك اليمين فنعم، وإنّما يمنع من نكاح الكتابيّة على القول به ابتداء لا استدامة لما سيأتي من أنّه لو أسلم زوج الكتابيّة فالنّكاح بحاله.

1 . الوسائل:22/407، الباب 1من أبواب اللعان.

صفحه 83
(و) كذا (لا) يجوز (للمسلمة أن تنكح غير المسلم) مطلقاً ولو كان كتابيّاً إجماعاً، هذا في الكفر الأصليّ.
(ولو ارتدّ أحد الزّوجين) أو كلاهما دفعةً عن الإسلام (قبل الدّخول انفسخ) النّكاح (في الحال) ولا عدّة لها، سواء كان الارتداد فطريّاً أو مليّاً (ويقف) الانفساخ لو كان الارتداد (بعده على انقضاء العدّة) فإن رجع المرتدّ قبل انقضائها ثبت النّكاح، وإلاّ فينفسخ، سواء كان الارتداد من الزّوج أو الزّوجة، ولا مهر لها في الثّاني، لأنّ الارتداد جاء من قبلها، ويجب في الأوّل جميع المهر المسمّى أو مهر المثل لانصفه كما قيل، لعدم ثبوت التّشطير إلاّ بالطّلاق.
وبالجملة: يتوقّف انفساخ النّكاح في ما لو وقع الارتداد بعد الدّخول في جميع الصّور سواء كان من الزّوج أو الزّوجة عن فطرة أو ملّة (إلاّ) في صورة واحدة وهي (أن يرتدّ الزّوج عن فطرة فينفسخ في الحال) ولا يقف على انقضاء العدّة، ولا يقبل عوده بالنّسبة إلى ذلك بلا خلاف، إذ لا تقبل توبته، بل يقتل ويخرج عنه أمواله بنفس الارتداد، و تبين منه(1) زوجته، ولا يسقط شيء من المهر لاستقراره بالدّخول.
(وعدّة) المرأة المسلمة (المرتدّ) زوجها (عن فطرة عدّة الوفاة و) عدّتها لو ارتدّ زوجها (عن غيرها) كعدّة المرأة المرتدّة مطلقاً عن فطرة أو ملّة (عدّة الطّلاق) كما استظهر عليه الاتّفاق، هذا جملة من القول في كفر أحد الزّوجين أو كليهما بعد الإسلام.

1 . في الأصل: بينة، و هو تصحيف.

صفحه 84
(ولو) انعكس و (اسلم زوج الكتابيّة) دونها أو أسلما معاً (ثبت عقده عليها(1)) وبقي النّكاح على حاله مطلقاً قبل الدّخول وبعده، دائماً ومنقطعاً، كتابيّاً كان الزّوج أم وثنيّاً، جوّزنا نكاحها للمسلم ابتداء أم لا، إجماعاً، ونصّاً(2)، مع عدم المقتضي للفسخ.
(ولو أسلمت) الزّوجية الكتابيّة (دونه قبل الدّخول انفسخ العقد) في الحال لعدم العدّة، وامتناع كون الكافر زوجاً للمسلمة، ولا مهرها لها، لأنّ الفرقة جاء من قبلها، مضافاً إلى الخبر الصّحيح(3) الصّريح في ذلك.
(و) لو كان إسلامها (بعده) أي الدّخول (يقف) الانفساح (على) انقضاء(العدّة) عدّة الطّلاق من حين إسلامها، (فإن) انقضت ولم يسلم تبين بينونتها منه حين إسلامها، وإن (أسلم فيها) قبل انقضائها تبيّن بقاء النّكاح و (كان أملك بها).
( ولو كان الزّوجان حربيّين) غير الفرق الثّلاثة من الكفّار و أسلما معاً فالنّكاح بحاله مطلقاً قبل الدّخول وبعده، في الدّائم والمنقطع، لعدم المقتضي للفسخ.
(و) لو (أسلم أحدهما قبل الدّخول انفسخ النّكاح في الحال) مطلقاً، لأنّ المسلم إن كان هو الزّوج استحال بقاؤه على نكاح الكافرة غير الكتابيّة لتحريمه ابتداء واستدامةً، إجماعاً، وإن كان الزّوجة فأظهر، إذ لاسبيل

1 . خ ل.
2 . الوسائل: 20/540، الباب5 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث1.
3 . الوسائل: 20/547، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث6.

صفحه 85
للكافر عليها، والمهر يسقط بإسلام الزّوجة لحصول الفرقة من قبلها، ويثبت جميعه بإسلام الزّوج لما أشرنا إليه من انحصار التّشطير في الطّلاق.
(ولو كان) إسلام أحد الزّوجين الحربيّين (بعده) أي الدّخول (وقف) انفساخ النّكاح (على انقضاء العدّة) عدّة الطّلاق، فإن أسلم الأخير فيها استمرّ النّكاح، وإلاّ تبيّن انفساخه من حين الإسلام، للنّصّ(1)، والإجماع المحكيّ في ذلك كله(2)، (و) هذا كلّه فيما (لو أسلم الزّوج الحربي) غير الفرق على أربع نسوة فمادون ولا يثبت له الاختيار، للأصل، وعدم مقتض له من حرمة الجميع.
ولو أسلم الحربيّ (على أكثر من أربع) نسوة دائمات كتابيّات مطلقاً أو (حربيّات) مع عدم إسلامهنّ بقي نكاحه بالنّسبة إلى الكتابيّات، (و) أمّا الحربيّات الباقيات على الكفر فيأتي فيهنّ التّفصيل المتقدّم من كون إسلامه قبل الدّخول فينفسخ نكاحهنّ في الحال أو بعده فيتوقّف على انقضاء العدّة.
فلو (أسلمن) هنّ أيضاً أو صرن كتابيّات في العدّة استمرّ النّكاح بالنّسبة إليهنّ كالكتابيّات، ولكن لا يجوز له بحكم الشّريعة الإسلاميّة إمساك جميعهنّ، بل يتخيّر أربعاً منهنّ من دون تجديد عقد بشرط جواز نكاحهنّ في شريعة الإسلام، ويفارق سائرهنّ من دون طلاق، ولا فرق في التّخيير بين من ترتّب عقدهنّ أو اقترن، ولا بين اختيار الأوائل منهنّوالأواخر، ولا بين المدخولة وغيرها، بل ولا بين المسلمة منهنّوالكتابيّة، لإطلاق النّصّ في ذلك كلّه(3)، و قيل

1 . الوسائل:20/547، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث5.
2 . راجع الرياض:10/245.
3 . الوسائل:20/524، الباب 6 من أبواب ما يحرم باستيفاءالعدد، الحديث1.

صفحه 86
بتعيّن المسلمات، بل عن بعضهم انفساخ عقد الكتابيّات، ولا ريب أنّ تخيير المسلمات أحوط رعاية لشرف الإسلام هذا (و(1)) إذا (اختار أربعاً) منهنّ على النّحو المذكور (انفسخ) بعد الاختيار (نكاح البواقي) من دون طلاق.
(ولو أسلم الذّميّ وعنده أربع) نسوة فمادون ذمّيّات مطلقاً أو حربيّات مع إسلامهنّ أيضاً أو صيرورتهنّ ذمّيّات (ثبت عقده عليهنّ) ولا يثبت له الاختيار، للأصل، (ولو كنّ أزيد) من أربع دائمات (تخيّر أربعاً) منهنّ أيضاً من دون تجديد عقد بالشرطالمذكور (و بطل نكاحالبواقي) من دون طلاق.
وهاهنا (مسائل):
(الأُولى): قد ظهر ممّا مرّ أنّ التّساوي في الإسلام شرط في صحّة عقد النّكاح، فلا يجوز للمسلمة تزوّج الكافر مطلقاً، ولا للمسلم التّزويج بالحربيّة غير الكتابيّة مطلقاً، وبالكتابيّة أيضاً دائماً ابتداء، ويجوز له تزويجها متعة، وبملك اليمين، واستدامة مطلقاً، و قد مرّ ذلك كلّه في مطاوي المسائل المتقدّمة، ومنه يستظهر عدم صحّة نكاح النّاصب ولا النّاصبة لأهل البيت (عليهم السلام) ، لكفرهم بإنكارهم لضروريّ من الدّين، فيشملهما عموم أدلّة المنع من مناكحة الكفّار، مضافاً إلى النّصوص المستفيضة(2)، هذا.
وهل يشترط التّساوي في الإيمان بالمعنى الخاصّ ـ المراد به الإقرار بالأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) ـ أم لا؟
فيه أقوال، ثالثها اختصاصه بالزّوج دون الزّوجة، وهو المشهور بين الفرقة

1 . خ ل:ف.
2 . الوسائل:20/549، الباب10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث1و3.

صفحه 87
المحقّة، واختاره المصنف هنا، و في أكثر كتبه، وقال:
(لا يجوز للمؤمنة) الاثني عشريّة (أن تتزوّج بالمخالف) من أيّ فرق الإسلام، ولو من الشّيعة غير الإماميّة، وللشّهرة العظيمة، والأخبار الكثيرة(1) الواضحة الدّلالة معلّلاً في بعضها بأنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه (ويجوز بالعكس (2)) قطعاً لذلك (و) لذلك أيضاً (يكره تزويج الفاسق) خصوصاً شارب الخمر.
(الثّانية: نكاح الشّغار) ـ بكسر الشّين ـ حرام و (باطل)بالنّصّ(3) والإجماع(4)، (وهو) كما في النّصّ (جعل نكاح امرأة مهراً لأُخرى) بأن يزوّج كلّ من الوليّين الآخر بنته على أن يكون بضع كلّ واحدة مهراً للأُخرى، وهو نكاح كان في الجاهليّة، مأخوذ من الشّغر بمعنى الرّفع، أو الخلوّ لرفع المهر فيه، أو خلوّه عنه، ولعلّ المنع فيه إمّا من جهة تعليق عقد على عقد على وجه الدّور، أو تشريك البضع بين كونه مهراً للزّوجة وملكاً للزوج.
(الثّالثة: يجوز تزويج الحرّة بالعبد، والهاشميّة بغيره، والعربيّة بالعجميّ وبالعكس) اتّفاقاً إلاّ من الإسكافي فيما حكي عنه فاعتبر في الهاشميّة عدم تزوّجها إلاّ من الهاشميّ.
(ويجب) عند الأكثر على من بيده عقدة النّكاح (إجابة المؤمن القادر

1 . الوسائل: 20/555، الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث2.
2 . خ ل:العكس.
3 . الوسائل: 20/303، الباب 27 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد.
4 . راجع الرياض:10/269.

صفحه 88
على النّفقة) في غير موارد الكراهة، عملاً بظاهر الأمر بالتّزويج ممّن ارتضى دينه وخلقه في النّصوص(1)، ولكن ليس فيها التّقييد بالقدرة على النّفقة، ولعلّ المستند فيه أنّ الصّبر على الفقر ضرر عظيم في الجملة فينبغي جبره بعدم وجوب الإجابة.

1 . الوسائل: 20/77، الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الحديث 2.

صفحه 89

الفصل الرّابع

في النّكاح المنقطع

الّذي هو نكاح (المتعة) الثّابتة شرعيّة في الجملة، بالكتاب والسّنة المتواترة من طرق الخاصّة والعامّة، وعلى بقائها إلى يوم القيامة إجماع أهل العصمة وشيعتهم الإماميّة.
(ويشترط فيه(1)):
العقد العربيّ مع الإمكان، وهو عبارة عن (الإيجاب) بلفظ زوّجت أو أنكحت، أو متّعت خاصّة، بلا خلاف كما عن جماعة، (والقبول).
وصدوره إيجاباً وقبولاً (من أهله) على ما ذكر في العقد الدّائم.
(وذكر المهر، ولابدّ فيه (2) من ذكر(3) الأجل المعيّن) المحروس من الزّيادة والنّقيصة، (ولو لم يذكر المهر بطل) العقد مطلقاً عمداً أو سهواً، وهذا بخلاف الدّائم فليس ركناً فيه إجماعاً كما سيأتي في السّابع من فصول هذا الكتاب، (ولو لم يذكر الأجل فالأقرب) عند المصنّف وجماعة (البطلان) بانتفاء الشّرط، وقيل يصير دائماً لأصالة الصّحة مع صلاحيّة أصل العقد لكلّ

1 . خ ل:فيها.
2 . خ ل:فيها.
3 . خ ل .

صفحه 90
منهما، وإنّما يتمحّض للمتعة بذكر الأجل، وللدّوام بعدمه، فإذا انتفى الأوّل ثبت الثّاني، ويدفعه مضافاً إلى ما ذكر، أنّ الدّوام لم يقصد والعقد تابع للقصد.
ويشترط في الزّوجة المنقطعة كونها مسلمة أو كتابيّة (ويحرم) التّمتع (بغير الكتابيّة من الكفّار) ويبطل، (و) نحوه تمتّع (الأمة على الحرّة) الدّائمة أو المنقطعة (من دون إذنها و) كذا تمتع (بنت الأخ والأُخت من دون إذن العمّة والخالة) مثل العقد الدّائم كما مرّ في الفصل الثالث.
(ويكره) تمتع(الزّانية) وإن فعل فليمنعها من الفجور، (و) كذا تمتّع (البكر) ولو فعل لا يفتضّها للنّهي عن أصل المتعة في بعض الأخبار(1)، وعن افتضاضها مع الفعل في آخر(2)، معلّلاً في كليهما بالعيب على الأبكار، أو على أهلها، وإن رضيت بذلك، وقد حملوه على الكراهة في الأمرين، للأصل، مع ظهور النّصوص فيها، مع أنّ فيه جمعاً بينها و بين المعتبرة الدّالّة على الجواز، بل الظّاهر عدم الفرق بين أن يكون لها أب أم لا للعلّة، والتّخصيص بالثّاني لا وجه له، بل الظّاهر الكراهة مع إذن الأب أيضاً لذلك، نعم يشتدّ لو وقع (بغير (3) إذن الأب) لاجتماع الكراهتين متعة البكر وعدم إذن الوليّ على القول بجواز استبدادها في النّكاح، وإلاّفلا ريب في التّحريم والبطلان لو وقع بغير إذن أبيها، وقد عرفت تحقيق الحال في أوّل الكتاب.
(ولا حدّ للمهر) ويتقدّر بكلّ ما يقع به التّراضي من كلّ ما يتموّل ولو كان كفّاً من بر.

1 . الوسائل:21/35، الباب11 من أبواب المتعة، الحديث12.
2 . الوسائل:21/32، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث1.
3 . خ ل:من غير.

صفحه 91
(ولو وهبها) ما بقي من (المدّة) المضروبة (قبل الدّخول، ثبت نصفه) على المشهور، المنصور، المحكيّ عليه الإجماع في جامع المقاصد(1)ومحكيّ السّرائر(2) المؤيّد بمقطوعة سماعة(3)، وإلاّ فالعقد قد أوجب الجميع، والتّنصيف مخصوص بالطّلاق، والقياس حرام.
هذا ولو وهب المدّة بعد الدّخول استقرّ المهر في ذمّته كملاً بشرط الوفاء بالمدّة وتمكينها من نفسها في جميعها (و) لا ريب في ذلك، نعم (لو أخلّت) هي (ببعض المدّة) ولم تمكّنه من نفسها فيه (سقط) من المهر (بنسبته) إن نصفاً فنصف، وإن ثلثاً فثلث، حتّى أنّه يسقط أجمع لو أخلّت بها اكتع، بلا خلاف ولا إشكال، للمعتبرة المستفيضة(4)، ولكونها كالمستأجرة.
(ولو ظهر بطلان العقد) بظهور زوج، أو عدّة، أو كونها محرّمة عليه جمعاً أو عيناً (فلا مهر) لها إن كان هذا (قبل الدّخول) للأصل (و) لو كان (بعده) ثبت (لها المهر) جميعاً (مع جهلها) بالفساد، وأمّا مع العلم به فهي بغيّ ولا مهر لبغيّ، هذا .
وقد قرع سمعك فيما تلوناه عليك في آخر الفصل الأوّل أنّه يجوز العزل عن المتعة بلا شبهة، نصّاً(5) وإجماعاً، (و) لكن (يلحق به الولد وإن عزل) مع الإمكان، وظاهرهم الوفاق عليه، فإنّ الولد للفراش، والمنيّ سبّاق.

1 . جامع المقاصد:13/23.
2 . السرائر:2/623.
3 . الوسائل:21/63، الباب 30 من أبواب المتعة، الحديث1.
4 . الوسائل:21/61، الباب 27 من أبواب المتعة، الحديث2و3.
5 . الوسائل:21/70، الباب 33 من أبواب المتعة، الحديث5.

صفحه 92
(و) لكن (لو نفاه) عن نفسه (فلا) يثبت به (لعان) هنا مطلقاً ولو لم يعزل، بلا إشكال; بل ينتفي بدونه، بخلاف الدّوام فيحتاج النّفي فيه إلى اللّعان، وليس له النّفي إلاّ مع العلم لا بالظّنّ، وإن عزل.
والمستند في عدم احتياج النّفي إلى اللّعان مضافاً إلى الإجماع المحكيّ في كلمات بعض الأجلّة ما دلّ من النّصوص على نفي اللّعان فيها مطلقاً من غير فرق بين القذف ونفي الولد، إذ مقتضاه انتفاء الولد مطلقاً، وإلاّ لانسدّباب نفيه ولزم كونه أقوى من ولد الزّوجة الدّائمة وهو معلوم البطلان.
(ولا يقع بها طلاق) بل تبين بهبة المدّة، أو بانقضائها; (ولا لعان) لاختصاصه بالدّائم مطلقاً، سواء كان للقذف بالزّنا أو لنفي الولد، إجماعاً في الثّاني، وعلى المشهور في الأوّل، خلافاً للمفيد(1) والمرتضى(2) والشّهيد الأوّل(3)، لعموم آية اللّعان (4) المخصّص بصحيحة ابن سنان(5)، وكذا لا يقع بها إيلاء على المشهور كما سيأتي (ولا ظهار) عند المصنّف وجماعة(6)، وسيأتي أنّ الأظهر وقوع الظّهار بها عند المصنف تبعاً لجماعة.(7)
(ولا ميراث لها) مطلقاً (و إن شرط) ثبوته في متن العقد كما هو أحد أقوال المسألة، والأظهر ثبوته مع الشّرط لصحيحة محمّد بن مسلم(8)، مضافاً إلى

1 . المقنعة:540ـ542.
2 . الانتصار:276.
3 . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:5/296.
4 . النور:6ـ9.
5 . الوسائل: 22/430، الباب 10 من أبواب اللعان، الحديث2.
6 . المختلف:7/418; الهداية:274.
7 . راجع الرياض:10/296.
8 . الوسائل: 21/67، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث5.

صفحه 93
عموم المؤمنون، وأمّا مع عدم الشّرط فلا، للأصل، مع عدم ثبوت الإرث الّذي هو حكم شرعيّ هنا، بل ثبوت خلافه كما في صحيحة أُخرى لمحمّد بن مسلم.(؟؟؟)الوسائل:21/66، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث2.
(وتعتدّ) المتمتّع بها المدخولة الغير اليائسة لغير زوجه دونه (بعد) انقضاء (الأجل) المضروب أو هبته إيّاها (بحيضتين) إن كانت ممّن تحيض، (أو بخمسة وأربعين يوماً) لو كانت مسترابة لا تحيض وهي في سنّ من تحيض، وهو موضع وفاق فيهما كما صرّح به بعض الأجلّة، ولا فرق فيهما بين الأمة والحرّة، (و) تعتدّ (في الموت بأربعة أشهر وعشرة أيّام) مطلقاً كما هو ظاهره، للأصل، وللرّوايات الصّحيحة(1).
وقيل بالتّفصيل بين الحرّة فكذلك، والأمة فنصف ذلك، هذا في الحائل.
وأمّا الحامل فعدّتها أبعد الأجلين من وضع الحمل وممّا ذكر على القولين.

1 . الوسائل: 22/203، الباب 15 من أبواب العدد، الحديث 1و2.

صفحه 94

الفصل الخامس

في نكاح ـالعبيد و ـالإماء

بكسر الهمزة مع المدّ جمع أمة بفتحها.
(لا يجوز للعبد و) لا (الأمة أن يعقدا لأنفسهما) نكاحاً (بغير إذن المولى) للإجماعات المحكيّة، والنّصوص المستفيضة(1)، مع كونهما ملكاً له فلا يتصرّفان فيه بغير إذنه، (فإن فعل أحدهما) وعقد لنفسه بدون إذنه وقع فضوليّاً و (وقف على الإجازة) للإجماع المحكيّ عن الانتصار(؟؟؟)نقله عنه في الرياض:10/309. والخلاف(2) والسّرائر، مضافاً إ(3)لى النّصوص المستفيضة(4)، خلافاً لجماعة حيث حكموا بالبطلان إمّا مطلقاً بناء على بطلان عقد الفضوليّ امّا مطلقاً أو النّكاح منه خاصّة، أو بطلان هذا خاصّة نظراً إلى أنّه منهيّ عنه لقبح التّصرّف في مال الغير، وأمّا في الأمة خاصّة كما عن ابن حمزة(5) لظاهر بعض النّصوص(6) المثبتة للإجازة

1 . الوسائل: 21/113، الباب 23 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
2 . الخلاف: 4/266، المسألة18، كتاب النكاح.
3 . السرائر:2/596.
4 . الوسائل:21/114، الباب 24من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.
5 . الوسيلة:304 ـ306.
6 . الوسائل:21/185، الباب67 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.

صفحه 95
في العبد خاصّة، ورجوعاً في غيره إلى النّهي المفيد للبطلان، هذا.
ولا يخفى ضعف ما استندوا إليه، وقد قرّر في محلّه صحّة الفضوليّ وعدم دلالة النّهي على البطلان في المقام، والنّصوص المثبتة لنفوذ الإجازة وإن اختصّ أكثرها بالعبد إلاّ أنّ بعضاً منها ـ و هو صحيح ـ ظاهر العموم له وللأمة.
(ولو أذن المولى للعبد) في النّكاح (ثبت مهر) زوجة (عبده) المأوذن (عليه) سواء في ذلك كسب العبد وغيره من سائر أمواله ، (و) كذا (نفقة زوجته) على الأشهر، وقيل بتعلّقهما بكسب العبد.
(و) لو أذن للأمة (ثبت لمولى الأمة (1) مهر أمته) لأنّها ومنافعها له، ولا خلاف فيه، ويستحقّ بالعقد (ويستقرّبالدّخول).
( و لو) كان الزوّجان رقّاً فالولد رقّ، لأنّه فرعهما وتابع لهما ويملكه المولى إن اتّحد، وإن كان كلّ منهما لمالك و (لم يأذنا) لهما في النّكاح وحصل ولد (فالولد لهما، و كذا(2) لو اذنا) معاً فيه (فالولد لهما) أيضاً بينهما نصفين في الصّورتين، لأنّه نماء ملكهما مع عدم مزيّة لأحدهما على الآخر والنّسب لاحق بهما، بخلاف باقي الحيوانات فانّ النّسب غير معتبر فيها، والنّموّ فيها لاحق بالأُمّ خاصّة، هذا مع عدم اشتراط أحدهما الانفراد بالولد أو بأكثره، وإلاّ فهو المتّبع، لصحّته، وعدم منافاته للنّكاح.
(ولو أذن أحدهما) خاصّة (فالولد) ملك (للآخر) الّذي لم يأذن، سواء كان هو مولى الأب أو مولى الأُمّ في ظاهر الأصحاب، بل في المسالك(3)

1 . خ ل: المرأة.
2 . خ ل.
3 . المسالك:8/9.

صفحه 96
ظاهرهم الاتّفاق عليه.
(ولو كان أحد الزّوجين حرّاً فالولد مثله) مطلقاً للنّصوص المستفيضة(1) (مالم يشترط المولى) على الحرّ (الرّقيّة) فيلزم الشّرط على قول مشهور، ولعلّه لعموم أوفوا، والمؤمنون، مضافاً إلى رواية مقطوعة السّند(2) الدّالة على أنّ ولد الحرّ من مملوكة مملوك، وهي مع قطع سندها لا تصلح لتأسيس هذا الحكم المخالف للأصل، فانّ الولد إذا كان مع الإطلاق ينعقد حرّاً فلا تأثير للشّرط في رقيّته، لأنّه ليس ملكاً لأبيه حتّى يؤثر شرطه فيه، وإنّما الحقّ فيه للّه تعالى، كما لا يصحّ اشتراط رقيّة ولد الحرّين، فلا يشرع اشتراط الرّقيّة، مع ورود أخبار كثيرة دالّة على حرّيّة، من أحد أبويه حرّمن دون الاستفصال عن وقوع اشتراط الرّقيّة أم لا، ومع ذلك ففي سند الرّواية أبو سعيد المكاري(3) وقد ضعّفه علماء الرّجال، وبذلك كلّه يكون مستثنى من عموم «أوفوا» و«المؤمنون».
وبالجملة عمومها مشروط بمشروعيّة الشّرط، وقد عرفت مخالفته للشّرع في المقام، وحينئذ فالأظهر وفاقاً للمسالك(4) فساد الشّرط وحرّيّة الولد مع حريّة أحد أبويه مطلقاً.
(ولو تزوّج الحرّ الأمة من دون إذن المولى) ووطئها قبل الإجازة

1 . الوسائل:21/121، الباب 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
2 . الوسائل:21/123، الباب30 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث10.
3 . هو هاشم بن حيان، أبو سعيد المكاري، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، له كتاب، ذكر النجاشي في ترجمة ابنه انّه واقفي، وقد ضعّفه الأعلام.
(راجع معجم رجال الحديث:19/241 برقم 13262).
4 . المسالك: 8 / 10 ـ 12.

صفحه 97
(عالماً) بالحرمة، ولا شبهة (فهو زان) بالضّرورة، وعليه دلّت المعتبرة(1)، (و) لا يلحقه (الولد) إذ لا نسب للزّاني، بل إنّما هو (رقّ) للمولى مطلقاً، جهلت الأمة أم لا، لأنّه نماء ملكه، فيتبعه، وللصّحيحة(2)، وعليه الحدّ للزّنا، كما أنّ عليها ذلك لوعلمت بالحرمة من دون شبهة، وكذا عليه المهر أيضاً إن كانت الأمة جاهلة بالحكم أو موضوعه بلا شبهة، بل مطلقاً كما عن جماعة، لأنّه عوض البضع الّذي هو ملك المولى، ولا مدخل فيه للعلم والجهل.
(ولو كان جاهلاً) بحرمة ذلك عليه أو كان هناك شبهة وطئها بها بعد العقد، كأن وجدها على فراشه (سقط) عنه (الحدّ) للشّبهة الدّارئة (دون المهر) ويلحقه الولد حرّاً ، إجراء للشّبهة، وإن لم تكن عن عقد مجرى العقد الصّحيح في حصول النّسب المقتضي للحريّة على الوجه الّذي ذكرناه (و) لكن يلزم (عليه قيمته (3)يوم سقوطه حيّاً) للمولى، لأنّه نماء ملكه، وقد أتلفه عليه، هذا حكم ما إذا تزوّج الحرّالأمة من غير أن تدّعي الحريّة.
(و) أمّا (لو ادّعت الحريّة فكذلك) أيضاً في سقوط الحدّ، ولزوم المهر، ولحوق الولد، وأمّاحرّيته فقد وقع الخلاف فيها في هذه الصّورة مع كونها من الشّبهة النّازلة منزلة العقد الصّحيح المستلزم لحصول النّسب المقتضي للحرّيّة، فقيل بكونه حرّاً كالسّابق لعدم الفرق بين أفراد الشّبهة في حرّيّة الولد، وعن الشّيخ(4)واتباعه كون الولد في خصوص هذه الصّورة رقّاً، بخلاف ما سبق من

1 . الوسائل: 21 / 120، الباب 29 من أبواب نكاحالعبيد والإماء، الحديث 3.
2 . الوسائل:21/177، الباب61 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1و2.
3 . خ ل: قيمة الولد.
4 . النهاية:477.

صفحه 98
شبهة الزّوج بغير دعواها الحرّيّة، بل في محكيّ الحدائق(1) عليه الشّهرة، ولعلّه لخصوص بعض النّصوص(2) الواردة في المسألة، المعارضة بأصالة الحرّيّة المستفادة من النّصوص المعتبرة المتقدّم إليها الإشارة، ولظهور الأدلّة في كونه كالعقد الصّحيح في لحوق النّسب المقتضي لحرّيّة الولد وتبعيّته للحرّمن الأبوين أباً كان أو أُمّاً فلا بأس بالمصير إلى الحريّة مع عدم ظهور فرق بين أفراد الشّبهة، ولكنّ المصنّف بنى كلامه ظاهراً على الرّقيّة.
(و) قال: إنّه يلزم (على الأب) الحرّالمتزوّج للأمة بادّعائها الحرّيّة (فكّ أولاده) المتولّدين من تلك الأمة، المحكوم برقّيتهم عند المصنّف ومن ذكر بقيمة يوم سقوطهم أحياء (ويلزم) على (المولى) مولى الجارية أيضاً قبول القيمة و(دفعهم إليه) بمعنى أنّه يضمن قيمة الولد للمولى، لأنّه كالمتلف لماله الّذي هو نماء ملكه ـ و إن كان مشتبهاً لعدم ارتفاع الضّمان بالاشتباه ـ و هذا الحكم وإن كان في الظّاهر مبنيّاً على القول بالرّقيّة كما أشرنا إليه، ولكن ظاهر المسالك(3) أنّه كذلك مطلقاً حتّى على القول بالحريّة أيضاً ، فلا يكون هذا ثمرة الخلاف، قال فيه ـ بعد نقل القولين ـ : وتظهر فائدتهما ـمع اتّفاقهم على وجوب القيمة والحريّة ـ في ما لو لم يدفع القيمة لفقر ونحوه، فعلى القول بالحريّة تبقى ديناً في ذمّته، والولد حرّ وعلى القول الآخر يتوقّف الحريّة على دفع القيمة.
(ولو عجز) عنها (سعى في القيمة) وجوباً بلا خلاف. هذا.
(ومع عدم الدّخول) بالأمة المزوّجة من دون إذن مولاها (لا) يثبت

1 . الحدائق:24/224.
2 . الوسائل: 21/185ـ 186، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1و2و3.
3 . المسالك:8/20.

صفحه 99
عليه (مهر) لها مطلقاً مع العلم أو الجهل.
(ولو تزوّجت الحرّة بعبد عالمة) بالرّقيّة وعدم الإذن والإجازة، (فلا مهر) لها مطلقاً مع الدّخول وعدمه، فانّها بغيّ، مضافاً إلى النّصّ الخاصّ(1) (والولد رقّ) لمولى العبد، ضرورة انتفائه عن الأُمّ بالزّنا الّذي لا يثبت معه نسب، فيبقى أصل تبعيّة النّماء للمال المقتضي لكون الولد رقّاً للمولى على حاله، (ومع الجهل) منها بالأمرين، أو أحدهما فهو (حرّ) تبعاً لأشرف الأبوين مع عدم المانع من جهة الجهل (ولا) يلزمها (قيمة) الولد، للأصل، واختصاص النّصّ والفتوى بالعكس، أعني: الحرّ المتزوّج بالأمة شبهة كما مرّ، والقياس حرام (و) يلزم (على العبد المهر) المسمّى مع الإجازة، والمثل مع عدمها، لفساد العقد الموجب للمسمّى، ضرورة كون الوطء محترماً لا يخلو عن مهر، ولكن حيث كان العبد غير قادر على شيء فهو معسر حينئذ فالمتّجه انّه (يتّبع به بعد العتق) مع عدم الإجازة ولزوم مهر المثل، وإلاّ كان اللاّزم المهر المسمّى يطالب به السّيدّ لما عرفت من أنّ مهر العبد المأذون على مولاه كنفقة زوجته، وهذا واضح لا سترة عليه، ثمّ إنّ لزوم المهر المسمّى أو المثل إنّما هو (مع الدّخول) وأمّا مع عدمه فواضح أنّه لا يلزم شيء أصلاً.
(ولو زنى الحرّ أو المملوك بمملوكة) الغير (فالولد) رقّ (لمولاها) ،لأنّه نماؤها مع انتفاء النّسب عن الزّاني.
ولو اشترى زوجته من مولاها بطل العقد، وحلّت بالملك ، (و) كذا (لو اشترى جزءاً من زوجته) المختصّة، أو المشتركة بين مالكين فصاعداً

1 . الوسائل:21/115، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث3.

صفحه 100
المزوّجة بإذن مالكيها (بطل العقد) أيضاً بلا شبهة، لامتناع عقد الإنسان على أمته لنفسه مطلقاً ابتداء واستدامة، وهو يستلزم بطلان العقد، بالإضافة إلى حصّته المنتقلة إليه بالشّراء، ويلزمه البطلان بالإضافة إلى الجميع، لعدم تبعّض العقد وانتفاء الكلّ بانتفاء الجزء، ومع بطلان العقد رأساً يحرم الوطء مطلقاً لاستلزامه التّصرّف في ملك الغير بدون إذنه، بل لو أذن الشّريك الآخر (و) أمضى العقد السّابق (لم تحلّ) أيضاً ، فإنّ الباطل بالشّراء لا يصحّحه الرّضا والإمضاء، بل لا تحلّ (بالتّحليل) المجدّد من الشّريك الآخر بالنّسبة إلى حصّته أيضاً (على قول) مشهور، للأصل، مع أنّ سبب الاستباحة لا يتبعّض، وعلى تقدير الحلّ بالتّحليل يلزم التّبعيض حيث إنّ بعضه مستباح بالملك والآخر بالتّحليل المغاير لملك الرّقبة في الجملة، ولكنّه غير مجد في مقابلة النّصّ الصحيح الصّريح في الإباحة بالتّحليل المحكيّ عن الفقيه(1) والتّهذيب(2) والكافي(3)، وهو في رفع الأصل، وتقييد قاعدة التبعيض ـ بعد تسليم كون ما نحن فيه من ذلك ـ كاف.
(ولو اعتقت الأمة) الّتي قد زوّجها مولاها قبل العتق (كان لها فسخ النّكاح) قبل الدّخول وبعده إجماعاً فيما كانت تحت عبد، كما حكاه جماعة(4)، والنّصوص به مستفيضة(5)، وعلى المشهور فيما كانت تحت حرّ، لحدوث الكمال، وزوال الإجبار، مع إطلاق بعض الأخبار الواردة في المضمار(6) المنجبر قصورها ـ لو كان ـ بعمل الأعيان، و بها يخرج عن حكم أصالة اللّزوم المستند

1 . من لا يحضره الفقيه:3/457ح 4579.
2 . التهذيب:8/203ح717.
3 . الكافي:5/482ح3.
4 . راجع الرياض:10/333.
5 . الوسائل: 21/192، الباب 72 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.
6 . الوسائل:21/163، الباب52 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث8.

صفحه 101
إليها في عدم جواز فسخ الأمة عقدها بعد عتقها لو كانت تحت الحرّ، ثمّ إنّ الخيار على الفور اقتصاراً في فسخ العقد اللاّزم على موضع اليقين، والضّرورة مدفوعة به، وهذا بخلاف العبد فانّه لا خيار له بالعتق، للأصل، ولانجبار كماله بكون الطّلاق بيده.
(و) من الأُصول المسلّمة أنّه لا (يجوز) تزويج الرّجل بأمته بمهر مطلقاً إلاّ فيما (جعل العتق) منه بمجموعها (مهراً لمملوكته) الّتي يريد أن يتزوّجها، فلا ريب في جوازه، بالإجماع(1)، و النّصوص المستفيضة(2)، بل المتواترة، فلا يعتدّ باستبعاد تحقّق الإيجاب والقبول وهي مملوكة، وكيف يتزوّج جاريته وهي مملوكة البضع بغير التّزويج، أو باستشمام رائحة الدّور منه لتوقّف العتق على العقد الّذي لا يحقّق في فرض المسألة إلاّ بالمهر الّذي هو العتق.
نعم لا يحكم بصحّته بقول مطلق، بل (إذا قدّم العتق) وقال: أعتقتك وتزوّجتك وجعلت عتقك مهرك، كما عن الشيخين(3) لبطلان تزويج المولى بأمته قبل عتقه (أو) عكس وقدّم في المثال لفظ (النّكاح) وإنشائه على إنشاء العتق، كما هو المشهور، فيقول قد تزوّجتك واعتقتك وجعلت مهرك عتقك، لئلاّ تعتق فلا تصلح لجعل عتقها مهرها، مضافاً إلى أنّها تملك أمرها بالعتق لو قدّم، فلا يصحّ تزويجها بدون رضاها، (على خلاف) في ذلك بين قولين متعارض الوجهين، مع أنّ الصّيغة بأجمعها جملة واحدة لا يتمّ إلاّ ب آخرها، ولا فرق بين المتقدّم والمتأخّر، وبه يندفع الوجهان، فلا يبعد التّخيير في تقديم أيّ شاء من

1 . الرياض:10/337.
2 . الوسائل:21/96، الباب 11 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
3 . الخلاف:4/268، المسألة 22، كتاب النكاح.

صفحه 102
العتق والتّزويج.
(وأُمّ الولد) للمولى (رقّ) له، للأصل، وعدم ما يوجب عتقها عليه أو على الولد، والاستيلاد ليس بعتق بالضّرورة. وإن منع من بيعها، بل مطلق نقلها ، مادام الولد حيّاً لتشبّثها بذيل الحرّيّة في الجملة ولكن إن كان ولدها حيّاً; ولو مات الولد في حياة أبيه عادت إلى الرّقيّة المحضة وجاز بيعها مطلقاً، ولكن (لا يجوز بيعها) مع وجوده وحياته (إلاّ في ثمن رقبتها إذا لم يكن) للمولى مال آخر (غيرها) بلا خلاف كما قيل بعد وفاة المولى، بل مطلقاً كما هو ظاهر المتن، وفاقاً للمشهور، للإطلاق.
(وتنعتق) أُمّ الولد (بموت المولى من نصيب الولد) لانعتاق الوالدين إذا ملكهما الولد كما سيأتي في كتاب العتق إن شاء اللّه تعالى.
(ولو عجز) نصيبه من التّركة عن كلّها (سعت) هي في فكّ المتخلّف منها، ولا يلزم الولد شراؤه وفكّه من ماله من غير التّركة، خلافاً لمحكيّ المبسوط(1)فأوجبه، ولا السّعي في فكّه مع عدم المال خلافاً لمحكيّ ابن حمزة(2) فأوجبه، ومستندهما غير واضح، مع مخالفتهما للأصل، ولظواهر النّصوص الحاكمة بانعتاقها من نصيب ولدها المشعرة باختصاص ذلك بالنّصيب، وإلاّ فالأنسب التّعبير بانعتاقها عليه من ماله .
(وإذا بيعت الأمة) ذات البعل حرّاً كان أو عبداً لمالك كانا أو لمالكين، بالتّشريك بينهما أو الانفراد (كان للمشتري على الفور فسخ النّكاح) السّابق، و إجازته، سواء كان البيع قبل الدّخول أو بعده (ولصاحب العبد) الّذي هو زوج الأمة المذكورة (أيضاً) التّخيير بين فسخ النّكاح و إجازته، سواء

1 . المبسوط:6/185.
2 . الوسيلة:343.

صفحه 103
كان هو مالك الأمة بعينه أو غيره.
(وكذا إذا بيع العبد) المتزوّج وتحته أمة، فللمشتري أيضاً الخيار في فسخ النّكاح و إبقائه، للنّصّ(1)، والإجماع المحكيّ في كلمات جمع من الأجلّة في ذلك كلّه، واختلفوا في ثبوت الحكم وخيار المشتري في ما لو بيع العبد وتحته حرّة، فقيل بالعدم، للأصل، واختصاص الدّليل المثبت للحكم بغير محلّ الفرض، مع حرمة القياس، والمشهور المنصور أنّه أيضاً كذلك، لتعليل خيار المشتري في بعض نصوص المسألة بعدم قدرة المملوك على شيء، وهو مشترك بين ما كان تحت العبد المبيع أمة أو حرّة، مع تأيّده بقاعدة السّلطنة.
(و) اعلم أنّه يملك مولى الأمة مهرها بالعقد لمقابلته بالبضع المملوك له، ويستقرّ (مع) الدّخول لا قبله، وقد مرّ، و حينئذ فإن زوّج أمته ملك مهرها لثبوته في ملكه، فلو باعها قبل الدّخول فقد تقرّر أنّ للمشتري الخيار فلو (فسخ مشتري الأمة) المزوّجة نكاحها السّابق (قبل الدّخول لا ) يثبت (مهر) على زوجها لأحد، بل يسقط من أصله لانفساخ العقد الّذي ثبت المهر باعتباره، لأنّ الفسخ قد جاء من قبل المستحقّ له وهو المولى فلا شيء منه له ولا لغيره قطعاً، بل يستردّه الزّوج لو أقبضه (ولو أجاز) عمرو نكاحها السّابق (قبله) أي الدّخول (فـ) قد ظهر من القاعدة المذكورة انّ (له المهر) لأنّه مالك البضع المقابل له لا للبائع الّذي أوقع العقد المنقطع بالبيع، والإجازة كالعقد المستأنف، هذا حكم بيع الأمة المزوّجة قبل الدّخول.
(و) لو باعها (بعده) كان مهرها (لـ) لمولى (البائع) سواء أجاز المشتري النّكاح أم لا، بل فسخه، لاستقراره للبائع بمجرّد الدّخول في الصّورتين،

1 . الوسائل:21/154، الباب47 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.

صفحه 104
وإنّما للمشتري الخيار بين فسخ النّكاح و إمضائه.
(وطلاق) زوجة (العبد) الّتي زوّجها بإذن سيّده حرّة كانت أو أمة لغير مولاه (بيده) وليس لمولاه إجباره عليه، فإنّ الطّلاق بيد من أخذ بالسّاق (و) لا ريب في ذلك.
نعم (لو كانا) أي العبد وزوجته الأمة مملوكين (لـ)مالك (واحد كان للمولى فسخه) بلفظه أو بلفظ الطّلاق، والأمر بالاعتزال، ونحوها، وليس للعبد طلاق أمة سيّده إلاّ برضاه، كما أنّ تزويجه بيده، للنّصوص المستفيضة(1)، والإجماع المحكيّ في كلمات بعض الأجلّة.(2)
(ويحرم لمن زوّج أمته) من عبده أو غيره، وجوه الاستمتاع منها، من (وطئها ولمسها والنّظر إليها بشهوة مادامت في حباله) أو في العدّة، كما أطلقه جماعة، وعن بعض المتأخّرين دعوى الإجماع عليه محصّلاً و منقولاً ً(3)، مضافاً إلى النّصوص المعتبرة(4)، وملكه لها بعد أن كان الاستمتاع بها مملوكاً لغيره غير مجد أصلاً، والاستمتاع بالمرأة الواحدة لا يكون مملوكاً لرجلين معاً، هذا.
وليس للمولى انتزاعها منه إذا لم يكن عبده، للنّصوص المستفيضة(5)، إلاّ أن يبيعها مثلاً فيكون المشتري بالخيار على ما عرفته.
(وليس لأحد الشّريكين وطء) الأمة (المشتركة) بينهما (بالملك) لبعضها، لحرمة التّصرّف في المال المشترك مطلقاً، وكذا لا يجوز وطؤها بتزويجها

1 . الوسائل:21/149، الباب 45 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.
2 . الرياض:10/354.
3 . الرياض:10/356.
4 . الوسائل:20/396، الباب8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4.
5 . الوسائل: 21/181، الباب 64 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 5.

صفحه 105
لأحدهما لاستلزامه تبعّض البضع من حيث استباحته بالملك والعقد، والبضع لا يتبعّض، وسبب الحلّ منحصر في العقد، وملك اليمين، ومجموعهما غيرهما، ومع هذا فلا يكون زانياً بوطي الأمة المشتركة، بل يكون عاصياً ويعزّر بعمله كما صرّح به في الجواهر، وسيأتى(1) في الفصل التّاسع أيضاً (و) لا ريب في ذلك، نعم (بالتحليل) من أحدهما حصّته لصاحبه (يجوّز) عند المصنف وجماعة، للصّحيح(2) الصّريح في ذلك الكافي في رفع الأصل، وتقييد قاعدة التّبعيض المستند إليها في المنع بعد تسليم كون ما نحن فيه من ذلك كما أشرنا إليه آنفاً.
(ويجب على مشتري الجارية) وكلّ من ملكها بأحد الوجوه المملّكة ولو إرثاً (استبراؤها) بحيضة، أو بخمسة وأربعين يوماً إن كانت لا تحيض وهي في سنّ من تحيض، ولا يجوز وطؤها قبل ذلك إلاّ إذا كانت الأمة يائسة، أو كان البائع امرأة أو صبيّاً، أو علم المشتري عدم وطئه لها، أو كان عادلاً وأخبر باستبرائها، أو كانت عند انتقالها إليه حائضاً فيكفي بإكمال حيضها ولو لحظة لحصول الغرض في ذلك كلّه، وهو العلم ببراءة الرّحم عادة، هذا.
وقد اكتفى المصنّف بواحدة من صور عدم لزوم الاستبراء (و) هي ما (لو أعتقها) بعد ملكها فظاهر الأصحاب أنّه (حل له وطئها بالعقد) والتّزويج بعده (من غير استبراء) للأصل والنّصّ الصّحيح(3) الدّالّ على أفضليّة الاستبراء مع عدم لزومه، بل استظهر في المسالك(4) اتّفاق الأصحاب على ذلك، والظّاهر وفاقاً لبعض الأصحاب تقييده بأن لا يعلم لها وطي محترم

1 . راجع جواهر الكلام:30/286 و 239.
2 . التهذيب:8/203ح717.
3 . الوسائل: 21/103، الباب16 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.
4 . المسالك:8/72.

صفحه 106
وإلاّوجب الاستبراء بحيضة لوجود المقتضي له حينئذ، بخلاف ما لو علم عدم الوطي أو جهل الحال، فإنّ الأصل عدم الوطي إلاّ ما دلّ الدّليل على وجوب الاستبراء فيه ولو مع الجهل وذلك في المملوكة فيبقى غيرها على الأصل (و) لكن (لابدّلغيره) لو زوّجها منه (من عدّة) الطّلاق المقرّرة لـ(الحرّة) مع عدم العلم بعدم الدّخول، وإلاّ فلا كالمولى لعدم المقتضي للعدّة مع العلم بعدم الدّخول وإن هو حينئذ إلاّ كالمولى، بل وكذلك الجهل أيضاً لأصالة عدمه فيجب تنزيل إطلاق الأخبار وعبارة المتن كغيرها على ذلك للانصراف وإن كان العمل بالإطلاق أولى.
ثمّ إنّ العدّة في المقام هو عدّة طلاق الحرّة كما دلّ عليه بعض أخبار المسألة.
(ولو حلّل أمته على غيره حلّت له ولو كان لمملوكه) أو مملوك غيره بإذنه، وعن بعضهم عدم جوازه للمملوك، ويجب على المحلّل له الاقتصار على مدلول لفظ التّحليل وما يشهد الحال بدخول فيه (ولا يحلّ له غير) الحدّ (المأذون) له من وجوه الاستمتاع ولكن تحلّ مقدّمات الوطي بتحليله بشهادة الحال، ولأنّه لا ينفكّ عنها غالباً ولا موقع له بدونها مضافاً إلى الأولويّة.
(وينعقد الولد) الحاصل من الأمة المحلّلة (حرّاً) من حريّة المحلّل له سواء شرط حرّيته أم أطلق تغليباً لها ولعموم الأخبار بتبعيّة الولد للحرّمن الأبوين، وفي صحّة اشتراط الرّقيّة خلاف، ولو قلنا بالعدم فهو أيضاً كالإطلاق. هذا.
ولو كان المحلّل له رقّاً فلا ريب في رقّيّة الولد للإجماع كما في الرّياض.(1)

1 . الرياض:10/369.

صفحه 107

الفصل السادس

في العيوب

المجوّزة للفسخ لأحد الزّوجين إذا حصل واحد منها في الآخر، (وهي أربعة في الرّجل) بل خمسة:
أحدها: (الجنون) المطبق أو الأدواريّ، سواء كان قبل العقد أو تجدّد بعده، كما هو ظاهر إطلاقه.
(و) ثانيها: (العنّة) الّتي هي مرض يعجز معه عن الإيلاج، لضعف الذّكر عن الانتشار.
(و) ثالثها: (الخصاء) بالكسر معالمدّ : وهو سلّ الأُنثيين وإخراجهما وإن أمكن الوطي; وفي معناه الوجاء، وهو رضّهما بحيث يبطل قوّتهما.
(و) رابعها: (الجبّ) و هو قطع مجموع الذّكر أو ما لا يبقى معه قدر الحشفة.
وخامسها: الجذام، للضّرورة، وعموم صحيحة الحلبي عن الصّادق (عليه السلام) : «إنّما يردّ النّكاح من البرص والجذام والجنون والعفل»(1)، فإنّه عامّ في الرّجل والمرأة إلاّما أخرجه الدّليل مع أنّ كونه عيباً في المرأة مع وجود وسيلة الفراق للرّجل

1 . الوسائل: 21/209، الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث6.

صفحه 108
بالطّلاق قد يقتضيه فيه بطريق أولى، إذ لا طريق للمرأة إلاّ الخيار، هذا كلّه مع أدائه إلى الضّرر المنفي لكونه من الأمراض المسرية باتّفاق الأطبّاء. هذا.
(و) العيوب المجوّزة لفسخ النّكاح (سبعة في المرأة):
الأوّل: (الجنون) كما ذكر.
(و) ثانيها: (الجذام) وهو مرض يظهر معه يبس الأعضاء وتناثر اللّحم.
(و) ثالثها:(البرص) وهو البياض أو السّواد الظّاهران على صفحة البدن لغلبة السّوداء أو البلغم.
(و) رابعها: (القرن) بسكون الرّاء وفتحها: وهو عظم كالسّنّ في الفرج يمنع الوطي; وفي معناه العفل، وهو شيء يخرج من قبل النّساء شبيه الأدرة للرّجل; وكذا الرّتق، وهو أن يكون الفرج ملتحماً ليس فيه مدخل للذّكر.
(و) خامسها: (الإفضاء) و قد مضى تفسيره.
(و) سادسها و سابعها: (العمى والإقعاد).
وهذه العيوب المذكورة إنّما توجب الخيار لو تقدّمت على العقد (ولا فسخ بـ) العيب (المتجدّد بعد العقد) مطلقاً في الرّجل أو المرأة (في غير العنّة).
(وفي الجنون المتجدّد) بعد العقد أيضاً (قول بالفسخ) اختاره في إرشاده(1) بالنّسبة إلى جنون الرّجل، وقطع في المرأة بعدم الفسخ بالعيوب المتجدّدة بعد العقد وإن كانت قبل الوطي، ولعلّه لأصالة اللّزوم مع استصحاب حكم العقد، مضافاً إلى انجبار ضرره بقدرة الطّلاق (والخيار) مطلقاً (على

1 . إرشاد الأذهان:2/28.

صفحه 109
الفور) فلو علم كلّ منهما بعيب في الآخر ولم يبادر بالفسخ لزم العقد وإن لم يكن ذلك عن رضى باللّزوم.
(وليس) الفسخ بالعيب (بطلاق) قطعاً لعدم اعتبار لفظه فيه فلا يجري فيه أحكامه ولا يشترط بشرائطه.
(ولا بدّ من الحاكم في) ضرب أجل (العنّة خاصّة) لا في فسخها بعده، بل تستقلّ به حينئذ كاستقلال كلّ منهما به من دون أن يفتقر إلى الحاكم، لأنّه حقّ ثبت فلا يتوقّف عليه كسائر الحقوق.
(ولا مهر مع(1) الفسخ قبل الدّخول) في شيء من العيوب إن كان (من الرّجل) إجماعاً كما قيل; (و) أمّا لو فسخ (بعده)، فلها مهر (المسمّى) ، أوالمثل، (ويرجع به الزّوج على المدلّس) إن كان ولو كانت المرأة نفسها، وإلاّفلا.
(و) مع كون الفسخ (من المرأة لا مهر لها) إن كان (قبل الدّخول إلاّفي) الفسخ (بالعنّة فيثبت نصفه) للنّصّ(2)، (و) لها مع فسخها (بعده) مهر (المسمّى) ، أو المثل.
والمراد من التّدليس السّكوت عن العيب الخارج عن الخلقة مع العلم، أو دعوى صفة كمال مع عدمها من الزّوجة، أو من بحكمها للمتزوّج، أو من بحكمه.
(والقول قول منكر العيب) الخفيّ لو اختلفا فيه مع عدم البيّنة كغيرها

1 . خ ل:في.
2 . الوسائل: 21/233، الباب 15 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث1.

صفحه 110
من الدّعاوى، وأمّا العيب الجليّ كالجنون والعمى ونحوهما ممّا لا يحتاج إلى يمين وإقامة بيّنة، فينظر فيه الحاكم ويحكم بمقتضى ما ظهر له، كما صرّح به في المسالك(1) والجواهر(2) ، و هو ظاهر.
وأمّا العنن فالنّزاع فيه و فيه بحث يخصّه، وحاصله: انّه يشترط فيه عجزه عن وطئها وعن وطي غيرها قبلاً ودبراً، فبعد تحقّق العجز عن ذلك كلّه يجب أن ترفع أمرها إلى الحكومة الشّرعيّة.
(ويؤجّل الحاكم العنّين مع المرافعة) منها إليه (سنة) من حينها (فإن وطئها أو غيرها) قبلاً أو دبراً ولو مرّة في كلّ المدّة (فلا فسخ) لها لانكشاف عدم العنن (وإلاّ) يقدر على ذلك في كلّ المدّة (فسخت) إن شاءت (ولها نصف المهر) للنّصّ(3)، ولو لم ترفع أمرها إليه وإن كان حياءً فلا خيار لها وإنّما احتيج إلى مضيّ السّنة هنا دون غيره من العيوب، لجواز عروض العنن بواحد من الطّبائع الأربعة يزول بما يضادّه من الفصول الأربعة.
(ولو تزوّجها) بشرط كونها (حرّة) في متن العقد (فبانت أمة) أو مبعّضة (فسخ) إن شاء وإن دخل، لأنّ ذلك فائدة الشّرط، (ولا مهر) لها فانّها السّبب، (إلاّ مع الدّخول) فيجب جميعه عليه (فيرجع به على المدلّس).
(وكذا لو شرطت) الزّوجة في متن العقد أن تكون (بنت مهيرة فخرجت بنت أمة)، فله الفسخ إن شاء قضيّة للشّرط، وقبل الدّخول لا مهر،

1 . المسالك:8/128.
2 . جواهر الكلام:30/345.
3 . الوسائل:21/233، الباب 15 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث1.

صفحه 111
وبعده يجب مع الرّجوع به على المدلّس.
والمهيرة فعيلة بمعنى مفعولة، أي حرّة لا تنكح إلاّبمهر بخلاف الأمة فانّها قد توطأ بالملك.
(ولو) انعكست سابقة هذه المسألة و (تزوّجته) بشرط كونه (حرّاً فبان عبداً فلها الفسخ) لقضيّة الشّرط (و المهر بعد الدّخول) لاستقراره به (لا قبله)، لأنّ الفسخ قد جاء من قبلها; قيل: وهو ضابط عدم وجوبه لها قبل الدّخول، واللّه العالم.
ومن فروع التّدليس: ما لو شرط بكارتها في متن العقد، فوجدها ثيّباً، وثبت سبقه على العقد بإقرارها، أو بالبيّنة أو القرائن القطعيّة; كان له الفسخ، لانتفاء الشّرط الّذي فائدته ذلك، بل لا يبعد ثبوت الخيار معه و إن لم يشترط في العقد وإنّما كان بتدليس منها، أو من وليّها.
وعلى التّقديرين، فإن فسخ قبل الدّخول فلا مهر، وبعده فالمسمّى، أو مهر المثل مع الرّجوع إلى المدلّس ولو كان هو نفسها.
نعم لو تزوّجها بظنّ البكارة من دون اشتراط أو تدليس وظهرت ثيّباً، لم يكن له خيار ولا رجوع بمهر وإن ظهر سبق الثيبوبة على العقد، كما لا خيار أصلاً مع عدم العلم بالسّبق واحتمال التجدّد بخطوة ونحوها.

صفحه 112

الفصل السّابع

في المهر

(وهو عوض البضع، وتملكه المرأة) بجميعه (بالعقد) وإن لم يستقرّ إلاّ بعد الدّخول (ويسقط نصفه بالطّلاق قبل الدّخول، ولو دخل قبلاً أو دبراً استقرّ) الجميع، ولا يستقرّ بمجرّد الخلوة (و) كلّما (يصحّ) أن يملكه المسلم ـ وإن قلّ بعد أن يكون متموّلاً ـ جاز (أن يكون) مهراً (عيناً) مشخّصاً كان (أو ديناً) في الذّمّة (أو منفعة) للعقار أو الحيوان أو العبيد، أو إجارة الزّوج نفسه مدّة معيّنة، أو على عمل مخصوص كتعليم صنعة أو سورة، أو علم غير واجب، أو شيء من الآداب والحكم ونحوها من الأعمال المحلّلة المقصودة.
(ولا يتقدّر) المهر (قلّة) ما لم يقصر عن التّقويم كحبّة حنطة، (ولا كثرة) بل يتقدّر بالتّراضي بينهما، نعم يكره أن يتجاوز مهر السّنة الّذي أصدقه النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأزواجه جمع، وهو خمسمائة درهم. هذا.
ولا يشترط في صحّة عقد النّكاح الدّائم ذكر المهر، بل يصحّ بدونه أيضاً إجماعاً(1)، ونصّاً. كتاباً(2) وسنّة(3)، وهو المعبّر عنه بتفويض البضع، بأن تقول:

1 . راجع الرياض:10/418.
2 . البقرة:236.
3 . الوسائل:21/268، الباب12 من أبواب المهور، الحديث1.

صفحه 113
زوّجتك نفسي; فيقول: قبلت; سواء أهملا ذكره أم نفياه صريحاً و شرطا أن لا مهر، فيصحّ العقد قطعاً للإجماعات المحكيّة، مع إرادة نفي المهر المسمّى في العقد.
وبعبارة أُخرى شرطا عدم المهر في الحال أو أطلقاه، وذلك لا ينافي حكم التّفويض ووجوبه في المال، وأمّا لو أرادت نفيه حال العقد وما بعده ولو بعد الدّخول فلا إشكال في فساد الشّرط، بل المعروف فساد العقد أيضاً، إذ من مقتضياته وجوب المهر في الجملة بالعقد، أو بالفرض، أو بالدّخول، وينافيه شرط نفيه بالجملة.
(و) بالجملة: لا ريب في عدم كون المهر ركناً من أركان النّكاح، بل يصحّ العقد مع نفيه أيضاً بالمعنى المذكور فضلاً عن عدم ذكره، نعم (لابدّ في) تعيّنه (من) تعيينه في متن العقد أو التّراضي بعده بفرضه بالإشارة أو (الوصف أوالمشاهدة ولو) لم يذكر أصلاً أو نفاه أو (لم يتعيّن) مع ذكره، كدابّة مجهولة وتعليم سورة غير معيّنة من دون تقييدها بالفيل أو البقرة (صحّ العقد) وفسد المهر.
ولا يجب عليه مهر بمجرّد العقد، وحينئذ فلو تراضيا بعد العقد بفرض مهر معيّن جاز وصار لازماً، ساوى مهر المثل أو زاد عليه أو نقص عنه، (و) إلاّ (كان لها مع الدّخول) وعدم فرض مهر بعد العقد (مهر المثل) الّذي يرغب به في مثلها نسباً وسنّاً وعقلاً ومالاً وجمالاً وكمالاً ونحوها (ما لم يتجاوز) ما ذكرناه من مقدار مهر (السّنّة، فإن تجاوز) عنها (ردّ إليها).
( ومع الطّلاق (1)) وقبل الاتّفاق على فرض مهر معيّن (لها المتعة)

1 . خ ل.

صفحه 114
والتمتيع بحسب حال الزّوج في الفقر واليسار.
(فالموسر (1)) يمتّعها (بالثّوب المرتفع) عادة (أو عشرة دنانير) مثاقيل شرعيّة فأزيد.
(والمتوسّط) في الضّعة والسّعة يمتّع (بخمسة دنانير) أو الثّوب المتوسّط ونحوهما.
(والفقير بخاتم) ذهب أو فضّة معتدّ به في العادة (أو درهم) ونحوه.
والمرجع في الأحوال الثّلاثة إلى العرف بحسب زمانه ومكانه وشأنه، واختلاف النصّوص أيضاً منزّل على العرف والعادة، قال اللّه تعالى: (لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طلّقْتُمُ النّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنّ أَوْ تَفْرضُوا لَهُنَّ فَريضة وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسع قَدَرُهُ وَ عَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالمَعْرُوف)(2) . هذا.
ولا متعة في الزّوجة المفوّضة لبضعها لغير المطلّقة قبل الدّخول والفرض، بل للمفروض لها مقدار الفرض بعد الدّخول، ونصفه قبله، و للمدخولة بغير الفرض مهر المثل، ولا شيء فيما لو مات أحد الزّوجين قبل الدّخول.
(ولو تزوّجها بحكم أحدهما) في تقدير المهر، وفوّضاه إليه (صحّ) وهو المعبّر عنه بتفويض المهر، بأن تقول: تزوّجتك على أن تفرض من المهر ما شئت، أو ما شئت، (ويلزم) حينئذ (ما يحكم به صاحب الحكم ما لم تتجاوز المرأة) ما ذكرناه من مقدار (مهر السّنّة إن كانت هي الحاكمة) للنّصّ المعلّل بأنّه إذا حكّمها «لم يكن لها أن تتجاوز ما سنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ]و[ (3)

1 . خ ل:للموسر.
2 . البقرة:236.
3 . من الوسائل.

صفحه 115
تزوّج عليه نساءه»(1) وهذا بخلاف تحكيم الزّوج فلا يتقدّر حكمه في طرف الكثرة ولا القلّة، فعليها أن تقبل حكمه إذا كان ممّا يتموّل وإن كان أقلّ (ولو مات الحاكم قبله) أي قبل الحكم و قبل الدّخول (فلها المتعة) كما ذكر، ولا مهر لها، للنّصّ (2) المؤيّد بعدم حصول المسمّى، وعدم الدّخول الموجب بمهر المثل، وبعدهما، أو بعد الحكم و قبل الدّخول، فلها المحكوم به، وفي عكسه مهر المثل، لأنّه الأصل في ما لم يكن مهر، هذا.
وحيث قد عرفت اشتراط صحّة المهر المسمّى بالتّعيين تعيّن فساده مع عدمه والرّجوع إلى مهر المثل، ولا خلاف فيه كما في المسالك(3).
ولكن استثنى المصنف هنا تبعاً للشّيخ وجماعة(4)، بل المشهور، الخادم والبيت والدّار من القاعدة (و) قال: (لو تزوّجها على خادم مطلق) غير معيّن بالإشارة أو الوصف أو المشاهدة (أو دار أو بيت) كذلك لم يفسد المسمّى من أصله حتّى يرجع إلى مهر المثل، بل (كان لها) فرد (وسط) من كلّ من (ذلك) لا الرّديّ من أفرادها ولا الجيّد منها، وذلك لخصوص بعض النّصوص المدخولة السّند بالإرسال في بعضها، والضّعف في آخر، ولذا قوّى في المسالك(5) تبعاً لجماعة من المتأخّرين البطلان والرجوع إلى مهر المثل في الثلاثة أيضاً كغيرها مع عدم انضباط الوسط منها واختلافه اختلافاً شديداً خصوصاً مع عدم ذكر بلد الدّار والبيت أو ناحيتهما من البلد المعيّن.

1 . الوسائل:21/278، الباب21 من أبواب المهور، الحديث1.
2 . الوسائل:21/278، الباب 21 من أبواب المهور، الحديث2.
3 . المسالك:8/220.
4 . المبسوط:4/319; الغنية:348; المهذّب:2/206.
5 . المسالك:8/175.

صفحه 116
(ولو قال) أتزوّجك (على السّنّة) مكتفياً به (كان خمسمائة(1) فـ) يكون مهرها (خمسمائة درهم) للشّهرة العظيمة، والأخبار بكون مهر السنّة بذلك المقدار مستفيضة.(2)
(ولو عقد(3) الذّمّيان) أو غيرهما من الكفّار (على) ما لا يملك في شرعنا كخنزير أو (خمر) مثلاً (صحّ) العقد والمهر بلا إشكال، لأنّهما يملكانه في شرعهما، (فإن) أسلما أو (أسلم أحدهما قبل القبض فلها القيمة) عند مستحلّيه لعدم فساد المسمّى حتّى يرجع إلى مهر المثل، ولذا لو كان قد أقبضها إيّاه قبل الإسلام برئ، وإنّما تعذّر الحكم به لمانع الإسلام فوجب المصير إلى قيمته، كما لو جرى العقد على عين وتعذّر تسليمها.
(ولو تزوّج المسلم عليه) أي على الخمر كما هو ظاهره فسد المهر بلا إشكال. وكان الأولى تأنيث الضّمير، فانّ الخمر مؤنّث سماعيّ، ويمكن عوده إلى ما لا يملك في شرعنا أصلاً المفهوم من السّياق كما نبّهنا عليه، والأمر سهل.
وأمّا العقد ففي صحّته خلاف.
(قيل:) بل هو المشهور (يصحّ، ويثبت مع الدّخول مهر المثل) أو قيمته عند مستحلّيه; ومع عدم الدّخول، المتعة، أو مهر المثل على الخلاف.
(وقيل) كما عن الشّيخين(4) والقاضيّ(5) والتّقيّ(6) (يبطل العقد) من

1 . خ ل.
2 . الوسائل:21/244، الباب 4 من أبواب المهور.
3 . خ ل: تزوّج.
4 . النهاية:2/319; وقد نسب البطلان إلى المفيد العلاّمة في المختلف:7/131.
5 . المهذب:2/200.
6 . الكافي في الفقه:293.

صفحه 117
أصله، لأنّه عقد معاوضة يفسد بفساد العوض، مضافاً إلى تعليق الرّضا بالباطل المقتضي لارتفاعه بارتفاعه، فما وقع عليه الرّضا لم يصحّ، وما هو صحيح لم يتراضيا عليه.
ويدفعه ـ مع كونه إعادة للمدّعى ـ: الإجماع على عدم كونه كعقود المعاوضات المحضة المقصود بها مجرّد المعاوضة، ولذا صحّ مع عدم ذكر المهر في متنه، بل مع اشتراط عدمه فيه كما عرفته.
وبالجملة: فبطلان المهر لا يؤثّر في بطلان العقد لصحّة خلوّه عنه، بل يصحّ مع شرط عدمه، فلا يكون ذكر المهر الفاسد أبلغ من اشتراط عدمه.
(ولو أمهر) مملوكه (المدبّر) وجعله مهراً لزوجته (بطل التّدبير) فانّه ـ كما سيأتي في الفصل الثّالث من كتاب العتق ـ وصيّة به، له الرّجوع متى شاء بكلّ ما يدلّ عليه، وهذا منه.
(ولو شرط في) متن (العقد) الأمر (المحرّم) شرعاً غير مناف لمقتضى العقد (بطل الشّرط خاصّة) دون العقد والمهر بلا خلاف في الموضعين كما قيل، وذلك كما لو شرطت عدم التّزويج عليها، أو تسليم المهر في أجل فإن تأخّر عنه فلا عقد، ولولا شائبة الإجماع لأشكل الحكم بما أشرنا إليه آنفاً في مسألة تزويج المسلم على الخمر من أنّ تعليق الرّضا بالباطل مقتض لارتفاعه بارتفاعه.
(ولو اشترط أن لا يخرجها عن بلدها لزم) الوفاء بالشّرط، للرّواية الصّحيحة(1) المعتضدة بالشّهرة العظيمة، مع قطع النّظر عن الصّحة مع عدم مخالفته المشروع أصلاً، فانّ خصوصيات الوطن أمر مطلوب للعقلاء بواسطة النّشو والأنس والأهل فجاز شرطه توصّلاً إلى الغرض المباح.

1 . الوسائل:21/299، الباب40 من أبواب المهور، الحديث1.

صفحه 118
(والقول قول الزّوج) مع يمينه فيما لو اختلف الزّوجان (في قدر المهر) لأنّه منكر بالنّسبة إلى ما تدّعيه الزّوجة عليه.
(و) كذا لا إشكال في تقديم قوله مع الحلف (لو) اختلفا في أصل المهر قبل الدّخول، فادّعت الزّوجة عليه مهراً و (أنكره) الزّوج وقال: لا مهر لك عندي بل أنت مفوّضة البضع، وذلك لأنّه منكر لما تدّعيه، والعقد بمجرّده لا يقتضي اشتغال ذمّة الزّوج بالمهر، لاحتمال تجرّده عن ذكره أصلاً، وبعد حلفه يثبت مقتضى العدم، نعم لو كان اختلافهما في أصله (بعد الدّخول فالوجه) ثبوت (مهر المثل) الّذي يستعقبه الدّخول في ما لم يحكم بمهر معيّن في العقد ولو بحكم الأصل كما عرفته، هذا.
وقد أطلق في الشّرائع(1) تبعاً لجماعة من الأصحاب تقديم قول الزّوج في هذه الصّورة أيضاً استناداً إلى البراءة الأصليّة، لكون كلّ من العقد والدّخول أعمّ من ثبوت المهر على الزّوج، أمّا العقد فكما عرفته، وأمّا الدّخول فانّ الزّوج قد يكون صغيراً معسراً زوّجه أبوه فكان المهر في ذمّة الأب، أو كان عبداً زوّجه مولاه فكان لازماً للمولى، فمجرّد النّكاح المشتمل على الدّخول أيضاً لا يستلزم وجوب المهر في ذمّة الزّوج ما لم يثبت بالإقرار أو البيّنة فيرجع عند الاختلاف إلى أصالة براءة الزّوج، ويدخل في عموم اليمين على من أنكر، وهو الأظهر.
(ولو ادّعت) الزّوجة (المواقعة) وأنكره الزّوج ليندفع عنه نصف المهر بالطّلاق (فالقول قوله مع يمينه) بلا إشكال مع عدم الخلوة، لأنّه منكر، والأصل عدمها و (على إشكال) مع الخلوة التّامة الّتي لا مانع معها من الوقاع شرعاً ولا عقلاً ولا عرفاً، وذلك لتعارض الأصل المذكور مع الظّاهر من حال

1 . الشرائع:2/333.

صفحه 119
الصّحيح إذا خلا بحليلته، والأظهر الأوّل، لترجيح الأصل كما في الأُصول، هذا في الثّيّب.
وأمّا البكر المدّعية للوقاع قبلاً فلا إشكال فيها لإمكان الاطّلاع على صدق أحدهما باطّلاع الثّقات من النّساء عليها، وذلك جائز في المقام قطعاً، فيبطل دعواها بالبيّنة القائمة على فسادها، ولا يحتاج إلى اليمين; وأمّا دعواها الوقاع في الدّبر، فكالأوّل في تقديم قول الزّوج المنكر بيمينه.
(ولو زوّج الأب) ولده (الصّغير) فالمهر على الولد مع يساره و (ضمن) الأب (المهر) وثبت في ذمّته (مع فقره) قهراً لا انّه يجب أن يضمنه ولا خلاف في ذلك مع الأخبار الكثيرة الصّحيحة(1)، فلو مات الوالد أُخرج ذلك المهر أيضاً من أصل تركته كسائر ديونه سواء بلغ الولد وأيسر أو مات قبل ذلك.
(وللمرأة الامتناع) من تسليم نفسها إلى الزّوج (قبل الدّخول) بها (حتى تقبض المهر) إن كان حالاًّ عيناً أو منفعة متعيّناًً أو في الذّمّة، موسراً كان الزّوج أو معسراً، كما هو ظاهره.
وما قد يقال انّه إذا كان معسراً ليس لها الامتناع لوجوب الإنظار، يدفعه أنّ وجوب الإنظار لا يقتضي وجوب التّسليم قبل قبض العوض، وفي جواز الامتناع بعد الدّخول قولان، أشهرهما الأوّل، والأظهر الثّاني، للاستصحاب الذّي لا يعارضه الوجوه المذكورة في إثبات الأوّل من أنّ المهر قد استقرّ بالوطء، وقد حصل تسليمها نفسها برضاها، فانحصر حقّها في المطالبة دون الامتناع، مع أنّ التّسليم حقّ عليها، والمهر حقّ عليه، والأصل عدم تعلّق أحدهما بالآخر فيتمسّك به إلى أن يثبت النّاقل.

1 . الوسائل:21/287، الباب 28 من أبواب المهور.

صفحه 120

الفصل الثّامن

في القسم(1) والنّشوز ـ والشّقاق ـ

أمّا القسم، فهو بفتح القاف، مصدر قسمت الشّيء، والمراد هنا قسمة اللّيالي بين الأزواج; ولا ريب في وجوبه في الجملة لما فيه من العدل بينهنّ والمعاشرة بالمعروف المأمور بها في الآية(2)، فيجب (للزّوجة)(3) الواحدة الكبيرة العاقلة المطيعة لزوجها المعقودة (دائماً) لا بالمتعة أو ملك اليمين، ولا الصّغيرة، ولا المجنونة، ولا النّاشزة، (ليلة من أربع، وللزّوجتين ليلتان، وللثلاث ثلاث) والفاضل من الأربع في كلّ الصّور له يضعه حيث يشاء في الزّوجات، وغيرهن (ولو كنّ أربعاً، فلكلّ واحدة ليلة) ولا يبقى له فاضل لاستغراقهنّ النّصاب، وظاهر المتن ـ لو لم يكن صريحه ـ أنّ القسمة تجب ابتداء وإن لم يبتدئ بها، وهو الأشهر، لإطلاق الأمر بها، وفي الشّرائع(4) والتحرير(5) تبعاً لمحكيّ المبسوط(6) أنّه لا يجب القسمة حتّى يبتدئ بها، فلا يجب حينئذ للواحدة مطلقاً ولا للمتعدّدات إلاّ مع المبيت ليلة عند إحداهنّ فيجب مثل ذلك للأُخريات أيضاً حتّى يتمّ الدّور، ثمّ لا يجب عليه شيء، فله الإعراض عنهنّ أجمع، وذلك للأصل،

1 . خ ل: القسمة.
2 . النساء:19.
3 . خ ل: والمرأة.
4 . شرائع الإسلام:2/335.
5 . تحرير الأحكام:3/587 ـ 588.
6 . المبسوط:4/326.

صفحه 121
مع ظهور قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيمانُكمْ) (1) في أنّ الواحدة كملك اليمين لا حقّ لها أصلاً، ويتمّ دلالته على عدم وجوب القسم مطلقاً، بالإجماع المركّب، فإنّ كلّ من قال بعدمه للواحدة قال بعدمه للأزيد إلاّ مع الابتداء بواحدة، وهذا هو الأجود.
ثمّ إنّه لا فرق في وجوب القسم بين كون الزّوج حرّاً أو عبداً خصيّاً أو عنّيناً أو غيرهم، للإطلاق، مع أنّ الغرض منه الأُنس لا المواقعة.
(ولو وهبته إحداهنّ) ليلتها كان له ذلك لتسلّطها على حقّها كالمال، إلاّ انّه لا يجب عليه القبول، فإنّه حقّ مشترك بينهما، لاشتراك ثمرته وهو الاستيناس والاستمتاع لكلّ منهما فيعتبر رضاه أيضاً، مع أنّ الأخبار توجب استحقاقها، وحقّ الاستمتاع يوجب استحقاقه، فلكلّ منهما الخيار في قبول إسقاط صاحبه له، ولا يتعيّن عليه القبول، نعم لو قبل الهبة المذكورة برضاه (وضع ليلتها) الموهوبة له (حيث شاء، ولو وهبت) إحداهنّ ليلتها (الضرّة) الأُخرى، اشترط برضاه لذلك، فلو رضي (بات) تلك اللّيلة (عندها) أي الضّرّة الموهوبة لها كلّ ليلة في وقتها، إن كانت معيّنة، وإن وهبتها لهنّ وسوّى بينهنّ بات عند كلّ واحدة بعض اللّيلة وجعل الواهبة كالمعدومة.
(والواجب) في المبيت (المضاجعة) خاصّة (ليلاً) وهي أن ينام معها قريباً منها عادة معطياً لها وجهه دائماً أو أكثريّاً بحيث لا يعدّ هاجراً، وإن لم يتلاصق الجسمان ،و (لا) يجب فيه (المواقعة) لأنّها لا تجب إلاّفي كلّ أربعة أشهر. هذا.

1 . النساء:3.

صفحه 122
ولا يذهب عليك أنّ ما ذكر من حقّ القسم إنّما هو في الحرّة المسلمة، وأمّا الأمة المسلمة والحرّة الكتابيّة ـ حيث يجوز نكاحهما دواماً ـ فلهما نصف القسم لنقصان كلّ منهما من وجه، مع النّصوص المستفيضة(1) النّاصّة على الأُولى، والمنزّلة للكتابيات منزلة الإماء.
(و) حيث لا يكون القسم أقلّ من ليلة فلابدّ من حمل التّنصيف على أن يكون (للحرّة) المسلمة مع الأمة المسلمة والحرّة الكتابيّة (ليلتان) أي ضعف ضرّتيها، فيدور القسمة من ثمان لئلاّ يلزم الانكسار، (و) حينئذ يكون (لـ) كلّ من (الأمة) المسلمة (والكتابيّة) الحرّة (ليلة واحدة) منها، وأمّا الكتابيّة الأمة فلها ربع القسم ليلة من ستّ عشرة ليلة لئلاّ تساوي الأمة المسلمة ولا الحرّة الكتابيّة، كما صرّح به بعض الأجلّة.
فانقدح من هذا أنّه لو كان له أربع زوجات دائمات حرّة مسلمة وكتابيّة، وأمة مسلمة وكتابيّة، فللأُولى أربع من ستّ عشرة ليلة يفرّقها على كلّ أربع واحدة إن لم ترض بغيره، ولكلّ من الثّانية والثّالثة اثنتان منها يفرّقها على كلّ ثمان واحدة إن لم تراضيا بغيره، وللرّابعة واحدة منها، وله تسع كما لا يخفى.
(وتختصّ البكر عند) حدثان عرسها و (الدّخول) عليها (بسبع) ليال ولاء، (والثّيّب بثلاث) كذلك على وجه الوجوب، كما هو ظاهره، وهو المشهور، للنّبويّ: «للبكر سبعة أيّام و للثّيّب ثلاث» (2) ولصحيحة(3) ابن أبي

1 . الوسائل:21/346، الباب 8 من أبواب القسم والنشوز.
2 . سنن البيهقي:7/300نحوه.
3 . الوسائل:21/339، الباب 2 من أبواب القسم والنشوز والشقاق، الحديث1.

صفحه 123
عمير(1) عن أبي جعفر(عليه السلام) .
(يستحبّ) له (التّسوية) بين الزّوجات (في الإنفاق) وإطلاق الوجه، والجماع استحباباً مؤكّداً لما فيه من رعاية العدل وتمام الإنصاف، هذا جملة من القول في أحكام القسم.

]النشوز[

(و) أمّا النّشوز فهو في الأصل الارتفاع، والمراد هنا خروج أحد الزّوجين عمّا يجب عليه من حقّ الآخر، فكأنّه يرتفع ويتعالى به عمّا أوجب اللّه تعالى عليه.
إذا عرفت هذا، فاعلم أنّه (يجب على الزّوجة التّمكين) الكامل لزوجها (وإزالة المنفّر) القولي والفعليّ والأدبيّ معه، وإلاّفهو محكوم بالنّشوز.
(و) يجوز (له) عند ظهور أماراته بتقطيب الوجه، والإجابة لدعوته بكلام خشن، ونحو ذلك (ضرب) زوجته (النّاشزة) بذلك مقتصراً على ما يؤمّل معه طاعتها لكن (بعد وعظها) أوّلاً، (وهجرها) في المضجع بتحويل الظّهر إليها، والاعتزال عن فراشها ثانياً، قال اللّه تعالى: (واللاّتي تَخافُونَ نُشُوزهُنَّ فَعِظُوهُنّ وَاهْجُروهُنَّ فِي المَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ).(2)
(ولو نشز) الزّوج بمنع حقوقها الواجبة لها عليه من القسم والنّفقة

1 . هو محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى، أبو أحمد الأزدي، بغدادي الأصل والمقام، لقى أبا الحسن موسى (عليه السلام) وسمع منه أحاديث، وروى عن الرضا (عليه السلام) ، جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين.
رجال النجاشي:2/204برقم 888.
2 . النساء:34.

صفحه 124
(طالبته) بها إن شاءت، ومع إصراره رفعت أمرها إلى الحاكم، (و) يجوز (لها) حينئذ (ترك بعض) ما يجب لها عليه من (حقّها أو كلّه) برضاها (استمالة له ويحلّ) له (قبوله) . هذا جملة من أحكام النّشوز.

]الشّقاق [

(و) أمّا الشّقاق، فهو أن يكون النّشوز والكراهة منهما، فكأنّ كلّواحد منهما في شقّ غير الآخر، فـ(لو كره كلّ منهما صاحبه) وخيف عليهما الفرقة (أنفذ الحاكم حكمين) بالغين عاقلين حرّين مهتديين إلى ما هو المقصود من بعثهما سواء كانا (من أهلهما) أي أحدهما من أهله والآخر من أهلها، كما هو صريح الآية(1) (أو أجنبيّين) لحصول الغرض وكونهما من الأهل في الآية للإرشاد إلى ما هو الأصلح، ومع ذلك فالأحوط الأوّل عملاً بظاهر الآية، ولو تعذّر الأهل فلا كلام في جواز الأجانب.
ثمّ إنّ صريح المتن وفاقاً للأكثر كما في المسالك(2) أنّ المخاطب بالبعث الحكّام المنصوبون لأمثال ذلك، وهو كذلك، خلافاً للنّافع(3) ومحكيّ الصّدوقين(4) من توجّه الخطاب إلى الزّوجين، ومع الامتناع فالحاكم لظاهر بعض النّصوص.(5)

1 . النساء:35.
2 . المسالك:8/365.
3 . المختصر النافع:191.
4 . المقنع:350; ونقله عنهما المختلف:7/405; والرياض:10/479.
5 . الوسائل: 21/353، الباب 13 من أبواب القسم والنشوز، الحديث1.

صفحه 125
وفيه أنّه مناف لاختلاف الضمير بالجمع والتّثنية والحضور والغيبة، وعلى القول المذكور كان اللاّزم المساواة، مع أنّ المأمور بالبعث هو الخائف من شقاقهما وهو غيرهما، والإنسان لا يبعث أحداً إلى نفسه. هذا.
وعلى القولين في بعث الحكمين (فإن رأيا الصّلح) بينهما واتّفقا عليه (أصلحا) من غير معاودة إلى باعثهما، ويمضى على الزّوجين ما حكما به، (وإن رأيا الفرقة) بينهما واتّفقا عليها، (راجعاهما) وجوباً (في الطّلاق والبذل)، ولا يصحّ التّفريق إلاّ مع إذن الزّوج في الطّلاق والزّوجة في البذل، (ولا) يمضى (حكم) الحكمين على الزّوجين (مع اختلافهما) في الرّأي بلا إشكال، للأصل، واختصاص الأدلّة باتّفاقهما(1)، مع استحالة الترجيح بلا مرجّح،وهو واضح، واللّه العالم.

1 . الوسائل: 21/353، الباب 13 من أبواب القسم والنشوز، الحديث1.

صفحه 126

الفصل التّاسع

في أحكام الأولاد

(يلحق الولد) التّامّ الخلقة (في) النّكاح (الدّائم) بالزّوج (مع) اجتماع شروط ثلاثة: (الدّخول) بها، (ومضيّ ستّة أشهر) هلاليّة (من حين الوطء، ووضعه لمدّة الحمل، وهي(1) ستّة أشهر إلى) تسعة كما هو المشهور المنصور بالأخبار المستفيضة(2) المحكيّ عليه الإجماع في كلمات بعض أو (عشرة) كما اختاره المصنّف تبعاً لجماعة، (أو سنة) كما هو قول آخر في المسألة، ولا قائل بزيادته عن السّنة، ولا يبعد حمل اختلاف الرّوايات على اختلاف عادات النّساء، فإنّ بعضهنّ تلد لتسعة، وأُخرى لعشرة، وقد يتّفق نادراً بلوغ سنة.
ثمّ إنّ هذا في الولد التّامّ الخلقة الّذي ولجته الرّوح، وفي غيره ممّا تسقطه المرأة يرجع في إلحاقه بالزّوج حيث يحتاج إلى الإلحاق ليجب عليه تكفينه ونحو ذلك من الأحكام الّتي لا تترتّب على حياته إلى المعتاد لمثله من الأيّام والأشهر وإن نقصت عن السّتة الأشهر، فإن أمكن عادة كونه منه لحقه الحكم و إن علم عادة

1 . خ ل: عشرة أشهر إلى ستة.
2 . الوسائل: 21/380، الباب 17 من أبواب أحكام الأولاد.

صفحه 127
انتفاؤه عنه لغيبته عنه مدّة تزيد عن تخلّقه عادة انتفى عنه كما صرّح بهذه الجملة في اللّمعة والرّوضة.(1)
(ولو(2) غاب) الزّوج (أو اعتزل) عنها (أكثر من عشرة أشهر (3)) الّتي هي أقصى الحمل عند المصنف (ثمّ ولدت لم يلحق به).
(والقول قوله في عدم الدّخول) لو ادّعته الزّوجة عليه، لأنّه منكر على ما مرّ في آخر الفصل السّابع، فراجع.
(ولو اعترف به و(4) أنكر الولد، لم ينتف عنه(5) إلاّباللّعان) ولو لم يلاعن حدّ به على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في الفصل السّابع من كتاب الفراق، وذلك لعموم الولد للفراش.
(ولا يجوز له إلحاق ولد الزّنا به) وان تزوّج بها بعد الزّنا، لعدم ثبوت النّسب بالزّنا، وعدم اقتضاء الفراش إلحاق ما حكم بانتفائه عنه قطعاً.
(ولو) طلّق زوجته المدخول بها، فأتت بولد بين أجلي الحمل، ولم تتزوّج ولم توطأ بشبهة بعد الطّلاق، فالولد للمطلّق بلا خلاف ولا إشكال، لأنّها فراشه، ولم يلحقها بعد فراش آخر، وأمّا لو لحقها فراش آخر بأن وطئت بشبهة أو (تزوّجت بـ) زوج (آخر بعد طلاق الأوّل) وانقضاء العدّة ظاهراً (وأتت بولد) فهنا أربع صور:
فإن لم يكن إلحاقه بالثّاني وأمكن اللّحوق بالأوّل فقط، كما لو ولدته (لأقلّ من ستّة أشهر) من وطء الثّاني، ولتمامها من دون تجاوز أقصى الحمل من وطء

1 . الروضة البهية:5/434ـ 435.
2 . خ ل: فلو.
3 . خ ل.
4 . خ ل:ثمّ.
5 . خ ل.

صفحه 128
الأوّل (فهو للأوّل) قطعاً، وتبيّن بطلان نكاح الثّاني لانكشاف وقوعه في العدّة، وحرمت عليه مؤبّداً لوطيه لها، كما مرّ في أحكام المصاهرة.
(وإن) انعكس الأمر وأمكن لحوقه بالثّاني دون الأوّل كما لو (كان) ولادته (لستّة أشهر) أقلّ الحمل (فصاعداً) من وطء الثّاني، ولأزيد من أكثر الحمل من وطء الأوّل (فهو للأخير) قطعاً.
وإن أمكن لحوقه بهما،وكان الولادة فيما بين أقلّ الحمل وأكثره من وطئهما بأن كان لستّة أشهر فصاعداً من وطء الثّاني و لثمانية مثلاً فما فوقها إلى أقصى الحمل من وطء الأوّل ففي ترجيح الثّاني أو القرعة قولان، لصلاحيّة الزّمان لإلحاقه بكلّ منهما، فلا ترجيح إلاّ بالقرعة، والظّاهر الأوّل، لتقديم الفراش الفعلي على الزّائل السّابق الّذي لا يطلق عليه الفراش إلاّ بالتّجوّز.
وبالجملة (فلو) لم يمكن إلحاقه بأحدهما كما لو (كان) الولادة (لأقلّ من ستّة أشهر من وطء الثّاني وأكثر من) أقصى الحمل الّذي هو سنة أو تسعة أشهر، أو (عشرة أشهر(1)) ـ على الخلاف ـ (من طلاق الأوّل) بل وطئه (فليس) ذلك الولد (لهما) وانتفى عنهما قطعاً، نعم يلحق بالأُمّ ويرثها وترثه، هذا حكم الزّوجة المطلّقة المزوّجة بعد الطّلاق.
(وكذا) الحكم في (الأمة لو بيعت بعد الوطي) في جميع الصّور المذكورة لكن يتبيّن فساد البيع في صورة لحوق الولد بالأوّل، لأنّها أُمّ ولد، هذا جملة من القول في أحكام ولد الزّوجة الدّائمة.
(و) أمّا ولد المملوكة والمتعة، فيلحق شرعاً بالمولى والزّوج المتمتّع بلا

1 . خ ل.

صفحه 129
شبهة مع اجتماع الشّروط الثّلاثة، وعليه اتّفاق النصّ(1)، والفتوى في الرّياض(2)، وحينئذ يلزمه الإقرار انقياداً لحكم الشّرع، وبعده لا يسمع إنكاره ونفي الولد عنه أصلاً كما صرّح به المصنّف بقوله: (لو اعترف بولد أمته أو المتعة) ألزم بإقراره و(ألحق) الولد (به) إذا لم يعلم انتفاؤه عنه بفقد بعض الشّروط أو كلّها (ولا يقبل نفيه بعد ذلك) فانّه إنكار بعد الإقرار،ولكن لو نفاه أوّلاً انتفى عنه ظاهراً بغير لعان، ـ وإن فعل حراماً ـ إذا كان مع اجتماع الشّرائط، حيث نفى ما حكم الشّارع ظاهراً بلحوقه به، ولو اعترف به بعد نفيه لحق به لجواز إقرار العاقل على نفسه، ثمّ لا يسمع النّفي بعده، أصلاً.
(ولو وطئها المولى وأجنبيّ) فجوراً لا شبهة يمكن بها اللّحوق في حقّه أيضاً (فالولد للمولى) مع عدم الأمارة الّتي يغلب معها الظّنّ بالعدم، إجماعاً لعموم حكم الفراش، بل هو كذلك، ولو قلنا بعدم كون الأمة فراشاً كما هو المشهور، لقاعدة لحوق الولد للوطء المحترم مع الإمكان، ولا يعارضه وطء الزّاني الّذي ليس له إلاّالحجر، (ومع) حصول (أمارة(3) الانتفاء) عنه كذلك (لا يجوز إلحاقه) به (ولا نفيه) عنه (بل يستحبّ) له (أن يوصي له بشيء) ولا يورثه ميراث الأولاد، كما عن الأكثر للأخبار المستفيضة(4). هذا.
ومع الشّبهة من الأجنبيّ وإمكان اللّحوق به أيضاً فالقرعة كما في الجواهر(5)، فانّه نظير المسألة اللاّحقة، أو يحكم به للأخير من الزّوج والأجنبيّ كما

1 . الوسائل:21/169، الباب 56 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث2.
2 . الرياض:10/491ـ 492.
3 . خ ل: أمارات.
4 . الوسائل:21/166ـ 167، الباب 55 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1و2.
5 . جواهر الكلام:31/237ـ 238.

صفحه 130
في الرّياض.(1)
(ولو وطئها المشتركون) في طهر واحد، أو متعدّد عالمين بالحرمة، أو جاهلين، مع إذن كلّ واحد منهم للآخر أو لا، فقد فعلوا حراماً قطعاً، ولو حبلت حينئذ فولدت ولداً يمكن لحوقه بكلّ واحد منهم(فتداعوه) أو سكتوا، أُقرع بينهم، و (ألحقّ بمن تخرجه القرعة ويغرم للباقين حصصهم من قيمة الأمة، وقيمة ولدها(2) يوم سقوطه حيّاً) ضرورة كون الجارية بالنّسبة إليه أُمّ ولد، وكون الولد ولداً له، فهو حينئذ كالجاني على حصصهم. هذا.
وقد أشرنا في أواخر الفصل الخامس إلى أنّه لا يكون زانياً بوطء الأمة المشتركة حتّى لا يلحق به، بل يكون عاصياً ويعزّر بعمله، ويلحق به الولد، وتكون الجارية أُمّ ولد، ويغرم لباقي الشّركاء كما ذكر، هذا.
ولو ادّعاه واحد من الشّركاء ونفاه الباقون ألحق به. و أغرم حصص الباقين من قيمة الأُمّ والولد، لانتفائه عن غيره بالنّفي من غير لعان، هذا.

]أحكام ولد الشبهة [

(و) أمّا أحكام ولد الشّبهة فنقول: (لو وطئ) الأجنبيّة (بالشّبهة ألحق به الولد) كالوطء الصّحيح، نصّاً (3) وإجماعاً، وإن لم تكن هي مشتبهة كما أنّه يلحق بها الولد مع شبهتها وإن لم يكن هو مشتبهاً، وفي الأوّل يقيّد بالشّروط

1 . الرياض:10/494 وما بعدها.
2 . خ ل:وقيمته.
3 . الوسائل:21/185، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

صفحه 131
الثّلاثة مع عدم زوج حاضر أو مولى يمكن إلحاقه به (فإن كان لها زوج) أو مولى كذلك، فالقرعة مع فرض الاشتباه وصلاحيّته لكلّ واحد منهما، وإلاّ فهو للأخير، ولكن يغرم في الأمة بقيمة الولد يوم سقوطه حيّاً للمولى، وينعقد حرّاً تبعاً لأبيه، ولا ينافيه لزوم القيمة، لأنّ ذلك تقويم منفعة الأمة الفائتة على المولى بسبب تصرّف الغير فيها، ولو لم يعطه بقي في ذمّة الأب، ولا يصير الولد رقّاً، فيجمع بين الحقّين بإعطاء المولى قيمته، هذا.
(و) لو زوّج الأجنبية بـ(ظن خلوّها) من الزّوج والمولى فبانت ذات زوج أو مولى (ردّت عليه) أي على الزّوج وجوباً، وفي حكمه المولى (بعد) انقضاء (العدّة من الثّاني)، والأولاد للواطئ الثّاني مع الشّرائط، سواء استند في ذلك إلى حكم الحاكم أو شهادة العدلين، أو إخبار مخبر ـ و لو فاسقاً ـ أو غيرها مع فرض تحقّق موضوع الشّبهة، بلا شبهة.هذا.

]سنن الولادة و آدابها [

(و) يلحق بأحكام الأولاد سنن الولادة وآدابها.
اعلم أنّه (يجب عند الولادة) كفاية (استبداد النّساء) وانفرادهنّ (أو الزّوج بالمرأة) للإعانة لها عند المخاض.
(ويستحبّ غسل المولود) حين الولادة، (والأذان في أُذنه اليمنى، والإقامة في اليُسرى، وتحنيكه بتربة الحسين(عليه السلام) وبماء الفرات) الّذي هو النّهر المعروف، ومع عدم إمكانه بماء عذب آخر والمراد بالتّحنيك إدخال ذلك إلى حنكه وهوأعلى داخل الفم.

صفحه 132
(و) منها (تسميته باسم أحد الأنبياء أو(1) الأئمّة (عليهم السلام) ) ففي الخبر: «أوّل ما يبرّ الرّجل ولده أن يسمّيه باسم حسن».(2)
(و) منها : (الكنية) بأبي فلان في الذّكر وأُمّ فلان في الأُنثى مخافة النّبز والمكروه من اللّقب في المستقبل، وهي غير اللّقب، ويجوز ما أُشعر بالمدح منه أيضاً.
(و) لكن (لا) يستحبّ بل يكره أن (يكنّى) بأبي مرّة كما في الخبر السّجّاديّ(3). أو بأبي عيسى(4) وأبي الحكم(5) وأبي مالك(6)، أو يكنّى من هو اسمه (محمّد بأبي القاسم)(7) للنّهي عن ذلك في الخبر النّبويّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
(و) منها: (حلق رأسه يوم السّابع) من ولادته، (والعقيقة بعده، والتّصدّق بوزنه) أي وزن شعر الرّأس المفهوم من السّياق (ذهباً أو فضّة، وثقب أُذنه) من غير فرق في ذلك بين الذّكر والأُنثى كما يقتضيه إطلاق النّصّ(8) والفتوى.
(و) منها: (ختانه فيه) أي في ذلك اليوم، ولكن يجوز تأخيره عنه بلا خلاف مع ظهور نصوص(9) المسألة في الاستحباب بل في الجواهر(10) عليه

1 . في نسخة: و.
2 . الوسائل:21/388، الباب 22 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث1.
3 . الوسائل: 21/399، الباب 29 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.
4 . الوسائل:21/400، الباب 29 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث2.
5 . الوسائل:21/400، الباب 29 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث2.
6 . المصدر نفسه.
7 . المصدر نفسه.
8 . الوسائل:21/420، الباب 44من أبواب أحكام الأولاد.
9 . الوسائل:21/438، الباب 54 من أبواب أحكام الأولاد.
10 . جواهر الكلام:31/260.

صفحه 133
الإجماع بقسميه.
(و) من هنا كان الأظهر عدم وجوبه على الوليّ قبل البلوغ، نعم لو بلغ ولم يختن قبله (يجب) عليه (بعد(1) البلوغ) أن يختن نفسه، لأنّ الختان واجب في نفسه بالضّرورة الدّينيّة فضلاً عن المذهبيّة الّتي أغنت عن النّصوص المتضافرة; ويدخل في من بلغ غير مختون الكافر إذا أسلم بلا خلاف في الظّاهر وإن طعن في السّنّ، بل و لو بلغ ثمانين سنة كما في خبر السّكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .(2)
هذا في الذّكر (و) أمّا ختان الإناث المعبّر عنه بـ(خفض الجواري) فهو (مستحبّ) وإن بلغن، للإجماعات المحكيّة والنّصوص المستفيضة(3)، ولا يجب على الوليّ قبل البلوغ ولا عليهنّ بعده; والظّاهر انّ وقته فيهن السّنة السّابعة من ولادتهنّ كما صرّح به بعض الأجلّة، بل في خبر باقريّ النّهي عن خفضهنّ قبلها.(4)
(ويستحبّ له) مؤكّداً (أن يعقّ عن) ولده (الذّكر بذكر وعن الأُنثى بأُنثى) ولو خالفته أجزأت وتأدّت السّنة .
(وهي) أي العقيقة شاة أو جزور أو بقرة يستحبّ اتّصافها (بصفات الأضحيّة) من السّنّ والسّمن والسّلامة من العيوب، ويجزي فيها مطلق ذلك (ولا) يجزي الصّدقة بثمنها عن القيام بالسّنّة.
ويكره أن (يأكل الأبوان) سيّما الأُمّ ومن في عيالهما حتّى القابلة (منها

1 . خ ل: عند.
2 . الوسائل:21/440، الباب 55 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث1.
3 . الوسائل: 21/442، الباب 58 من أبواب أحكام الأولاد.
4 . الوسائل: 21/428، الباب47 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث1.

صفحه 134
و) كذا (لا) ينبغي أن (يكسر شيء من عظامها (1)) بل يفصل مفاصلها، للنّصّ(2) في ذلك كلّه. هذا.

]الرّضاع [

(و) من لواحق أحكام الأولاد الرّضاع .لا ريب في أنّ (أفضل المراضع الأُمّ) لأوفقيّة لبنها بمزاجه وأنسبيّته بطبيعته لتغذيته منه في البطن، مضافاً إلى النّصّ(3)(و) مع ذلك لا يجب عليها إرضاع ولدها أو غيره، للأصل والخبر(4) وظاهر الآية (فَإِنْ أَرضعن لكُمْ فاتُوهُنَّ أُجورهُنَّ) (5) بل (لـ)لأُمّ (الحرّة على الأب) الحيّ الموسر وإن علا إذا لم يكن للرّضيع مال، لأنّها من جملة نفقته الواجبة له عليه (ومع موته) أو إعساره (من مال الرّضيع)، كما أنّه كذلك مقدّماً، على الأب مع وجود المال للرّضيع بلا إشكال كما أشرنا إليه وصرّح به المصنّف في سائر كتبه; وإذا لم يكن للرّضيع مال مع موت أبيه أو عدم يساره، فلا أُجرة للأُمّ، بل يجب عليها لوجوب إنفاقه الّذي منه الرّضاع حينئذ على الأُمّ.
(و) من هنا تعرف أنّه (لا تجبر) الأُمّ (الحرّة على إرضاعه) إذ لا يجب عليها إرضاع ولدها فضلاً عن غيره بأصل الشّرع كما ذكرناه (و) في حكم الأُمّ الأمة مملوكة الغير بلا إشكال كعدم الإشكال في أنّه (تجبر الأمة) من مولاها على

1 . خ ل: عظمها.
2 . راجع الرياض:10/511ـ 514.
3 . الوسائل:21/452، الباب 68 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث2.
4 . الوسائل:21/456، الباب71 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث1.
5 . الطلاق:6.

صفحه 135
إرضاع ولدها بل وولد غيرها لصريح الخبر(1)، ولأنّها بجميع منافعها ملك له فتجبر.
(و) الأصل في نهاية (حدّ الرّضاع حولان) قمريّان كاملان لقوله تعالى: (وَالوالِدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين لِمَنْ أَراد أَنْ يُتمّ الرِّضاعة)(2) ثمّ إنّ قضيّة الأصل مع ظاهر بعض النّصوص(3) جواز الزّيادة على الحولين مطلقاً من دون تقييدها بالشّهر والشّهرين وإن كان المشهور تحديدها بذلك، ومستنده غير واضح والآية لا تنافي ذلك، فانّ ظاهرها انّ الزّيادة ليس من الرّضاعة لتمامها بالحولين، وليس فيها دلالة على المنع من الزّائد، كما أنّ ظاهرها كون تمام الرّضاع حولين وهو لا ينافي جواز النّقص منهما.
(و) لذا قالوا من غير خلاف انّ (أقلّه أحد وعشرون شهراً) للأصل والنّصّ(4) وظاهر قوله تعالى:(وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً) (5)، بناءً على أنّالتسعة أكثرالحمل و انّهالغالبالمنزّل عليه إطلاقالآية فيكونالباقي أحداً وعشرين شهراً ، والظّاهر أنّه لا يجوز أقلّ من ذلك، وهو المشهور المحكيّ عليه الإجماع، فلو نقص لغير ضرورة كان جوراً ً(6) محرماً كما في بعض نصوص المسألة عدم جواز نقصه عن ذلك وإلاّفيكون جوراً محرّماً.

1 . الوسائل:21/452، الباب 68 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث1.
2 . البقرة:233.
3 . الوسائل:21/454، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث4و7.
4 . الوسائل:21/454، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 2و5.
5 . الأحقاف:15.
6 . الوسائل:21/455، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 5.

صفحه 136
(والأُمّ أحقّ بإرضاعه إذا رضيت بما يطلبه غيرها من أُجرة) فضلاً عمّا لو رضيت بأقلّ منه (أو تبرعّت) به، ولو طلبت الزّيادة كان للأب نزعه منها واسترضاع غيرها. هذا .

]الحضانة[

ومن لواحق أحكام الولد الحضانة الّتي هي بالفتح والكسر ولاية وسلطنة على تربية الطّفل، وما يتعلّق بها من مصلحة حفظه وجعله في سريره وكحله وتنظيفه وغسل ثيابه ونحو ذلك (والأُم(1) أحقّ بحضانة) ولدها (الذّكر) وتربيته حولين (مدّة الرّضاع) لا مطلقاً، بل (إذا كانت) عاقلة غير مزوّجة (حرّة مسلمة) إلاّ أن يكون الأبوان معاً رقيقين أو كافرين، فإنّه يسقط اعتبار الحريّة في الأوّل والإسلام في الثّاني، لعدم التّرجيح، فلا حضانة للأمة و لا للمزوّجة ولا للكافرة مع إسلام الولد، ولا للمجنونة لاحتياجها إلى الحضانة فلا يعقل حضانتها لغيرها.
وأمّا الكافرة فعدم حضانتها للولد المسلم ظاهرة، لأنّ الحضانة نوع ولاية منفيّة عنها بالنّسبة إلى المسلم.
وكذا الأمة ليس لها أهليّة الولاية، مضافاً إلى فحوى النّصوص(2) النّافية لها عن الأب العبد مادام رقّاً.

1 . خ ل.
2 . الوسائل:21/459، الباب 73 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث1.

صفحه 137
وأمّا المزوّجة فللنصّ(1) مع إجماع الطّائفة كما في الرّوضة(2)، ولو طلّقت بائناً أو انقضت عدّتها الرّجعيّة فقضيّة الاستصحاب وإن كان عدم عود الحضانة لكن المشهور عودها لزوال المانع.
(و) كذا الأُمّ أولى (بالأُنثى) من أولادها (إلى سبع سنين) من حين الولادة، وبعدما ذكر من الحدّين في الذّكر والأُنثى فالأب أولى بهما إلى البلوغ والرّشد يجوز له أخذهما منها.
(وتسقط الحضانة) عنها لو تزوّجت كما أشرنا إليه.
(ولو مات الأب أو كان مملوكاً) أو مجنوناً (أو كافراً فالأُمّ) العاقلة الحرّة المسلمة (أولى) بالحضانة من الوصيّ وغيره و إن تزوّجت.
ثمّ إنّ مستند التّفصيل بين الذّكر والأُنثى هو الجمع بين النّصوص الحاكم بعضها بأحقيّة الأب بعد الحولين مطلقاً، والآخر بأحقيّة الأُمّ كذلك إلى سبع سنين من حين الولادة، بحمل الأوّل على الولد الذّكور والثّاني على الإناث، بقرينة الإجماع المحكيّ عن الغنية(3) في الأوّل، وعنه(4) و عن السّرائر(5) في الثّاني، ولولاهما لكان القول بالتفصيل مع شهرته مشكلاً وتعيّن القول بإطلاق السّبع في المقامين لاشتمال أدلّته على الصّحيحة وغاية ما في أدلّة الآخر هي الموثقة ولا تعارض الصّحيحة.

1 . الوسائل:21/471، الباب 81 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث4.
2 . الروضة:5/463.
3 . غنية النزوع:387.
4 . غنية النزوع:387.
5 . السرائر:2/653.

صفحه 138

الفصل العاشر:

في النّفقات

وأسبابها الموجبة لها ثلاثة: الزوجيّة، والقرابة، والملك.
(أمّا الزّوجة: فيجب لها النّفقة) في كلّ ما تحتاج إليه في العادة (من الإطعام) والأدام، (والكسوة، والسّكنى)، والبساط، ونحوها بما يليق بها بحسب عادة أمثالها، لكن (مع) اجتماع شرطين: (العقد الدّائم، والتّمكين التّام) له بما شاء من الاستمتاعات في كلّ زمان و مكان يسوغ فيه الاستمتاع (مع القدرة) عليه عقلاً وشرعاً، فلا تسقط نفقتها بالامتناع لعذر عقليّ كالمرض، أو شرعيّ كالحيض وفعل الواجب، كما لا ريب في سقوطها عن المتعة، والمملوكة، والصّغيرة، والنّاشزة الخارجة عن طاعة الزّوج، ولو بالخروج من بيته بلا إذن.
ومع الشّرطين تستحقّ الزّوجة النّفقة مطلقاً (وإن كانت) غنيّة أو (ذمّيّة أو أمةً) أرسلها إليه مولاها ليلاً ونهاراً، لعموم الأدلّة.
وكذا تستحقّها المطلّقة الرّجعيّة مادامت هي في العدّة، بخلاف البائن والمتوفّى عنها زوجها، (فإن طلّقت بائناً أو مات الزّوج فلا نفقة) لها (مع عدم الحمل) للإجماعات المحكيّة، والنّصوص المستفيضة(1).

1 . الوسائل:21/519و 521، الباب 8 من أبواب النفقات، الحديث 1و6.

صفحه 139
وظاهره وجوبها مع الحمل في المقامين، وهو في الأوّل كذلك لذلك(1)، وأمّا الثّاني فالأصل عدم الوجوب فيه، مضافاً إلى النّصوص المستفيضة(2)، نعم قد ورد في رواية(3) عمل بها الشّيخ وجماعة(4) ثبوت نفقتها في المقام الثّاني في نصيب الحمل من التّركة، لكنّها مع الغضّ عن الاشتراك في سندها، لا تعارض تلك الرّوايات الكثيرة المعتضدة بالشّهرة العظيمة الوجدانيّة والمحكيّة.
واعلم أنّ نفقة الإنسان على نفسه مقدّمة على نفقة الزّوجة، ونفقتها مقدّمة على نفقة الأقارب الواجبي النّفقة (وتقضى) نفقتها (مع الفوات) دون نفقتهم، للنّصوص، والإجماعات المحكيّة(5)، (وأمّا الأقارب فتجب) النّفقة (للأبوين) أو الإنفاق (عليالأبوين(6) وإن علوا) من طرف الأب أو الأُمّ (والأولاد وإن نزلوا خاصّة)، ولا يجب الإنفاق على غيرهم من الأقارب، نعم يستحبّ لصلة الرّحم، ويتأكّد في الوارث لكونه أقرب، ولا يجب في الآباء والأولاد أيضاً بقول مطلق، بل (بشرط الفقر) في المنفق عليه والحريّة (والعجز عن التّكسب) وإن كان فاسقاً أو كافراً محقون الدّم، ولا يشترط في الإنفاق على الزّوجة كما أشرنا إليه، فلا يجب الإنفاق على الغنيّ، والقادر على التّكسب، والمملوك، فانّ نفقته على مولاه.
(و) يجب (على الأب نفقة الولد) مع وجوده ويساره (فإن فقد أو

1 . الوسائل: 21/518، الباب 7 من أبواب النفقات.
2 . الوسائل:21/522، الباب 9 من أبواب النفقات، الحديث1.
3 . الوسائل:21/524، الباب 10 من أبواب النفقات، الحديث 1.
4 . النهاية:2/490; من لا يحضره الفقيه:3/510ح4789.
5 . الرياض:10/540.
6 . خ ل.

صفحه 140
عجز) لفقره (فعلى أبالأب، وهكذا) مرتّباً الأقرب منهم فالأقرب، (فإن فقدوا) جميعاً (فـ) تجب النّفقة (على الأُمّ) خاصّة مع وجودها ويسارها (فإن فقدت) أو أعسرت (ف آباؤها) وأُمّهاتها يقومون بالنّفقة بالسّويّة مرتّباً الأقرب فالأقرب إلى المنفق عليه.
(وأمّا المملوك: فتجب نفقته على مولاه و) يجوز (له أن يجعلها في كسبه) بأن يأذن له صرف جميع ما يكتسبه في نفقته أو يعيّن خراجاً معلوماً عليه يؤدّيه في كلّ يوم أو مدّة معيّنة ممّا يكتسبه فما فضل يكون له يجعله نفقته، مقتصراً عليه (مع الكفاية، وإلاّتمّمه (1) المولى) وجوباً في الصّورتين.
(ويجب النّفقة للبهائم) المملوكة على مالكها (فإن امتنع أجبر على البيع) أو الإنفاق (أو الذّبح إن كانت مذكاة) مقصودة بالذّبح للّحم أو الجلد (أو) يجبر على البيع أو (الإنفاق) عليها صوناً لها عن التّلف إن لم يكن كذلك، واللّه العالم.

1 . خ ل:أتمّه.

صفحه 141

كتاب الفراق

وهو في الأصل معروف، وفي الاصطلاح افتراق أحد الزّوجين بواحد من الأسباب الدّينيّة، (وفيه فصول) يذكر في كلّ منها أحكام واحد من تلك الأسباب، نعم عقد لكلّ من شرائط الطّلاق وأقسامه و ما يتعقّبه من العدّة وآدابها لكثرة الابتلاء به فصلاً برأسه وقال:

صفحه 142

الفصل الأوّل:

في الطّلاق

الّذي هو إزالة قيد النّكاح بغير عوض بصيغة طالق.
(ويشترط في المطلّق: البلوغ، والعقل، والاختيار و القصد) فلا عبرة بطلاق الصّبيّ والمجنون والمكره والغافل والهازل والسّكران ونحوها، ممّا يرتفع معه القصد.
(و) يجوز (للوليّ) الّذي هو الأب والجدّله مع اتّصال الجنون بالصّغر، والحاكم عند عدمهما أو عدمه (أن يطلق) مع الغبطة (عن المجنون) المطبق (لا الصّغير والسّكران) والمغمى عليه والنّائم، ومن يعتريه الجنون أدواراً، فإنّ لهم أمداً يرتقب، بخلاف المجنون.
(و) يشترط (في المطلّقة دوام الزّوجيّة) فلا يقع بالأمة، ولا المتعة، ولا الأجنبيّة، ولو علّقه بعقد المناكحة ،(وخلوّها من الحيض والنّفاس إن) كانت حائلاً، (كان) زوجها (حاضراً، ودخل بها، ولو) اختلّ أحد الشّروط الثّلاثة بأن كانت غير مدخول بها، أو حاملاً إن قلنا بجواز حيضها، أو (كان) زوجها (غائباً) عنها لا بمجرّده، بل (بقدر) أن يعلم (انتقالها من طهر إلى) طهر (آخر) بحسب عادتها، لم يشترط الطّهر من الحيض والنّفاس، و (صحّ

صفحه 143
طلاقها(1) و إن (2) كانت حائضاً) أو نفساء، نصّاًً(3)، وإجماعاً، في ذلك كلّه، إلاّ في تعيين مقدار الغيبة المجوّزة للطّلاق ففيه اختلاف بين الأصحاب، كأخبار الباب بين مطلق للغيبة، ومقيّد لها بشهر، ومقيّد لها بثلاثة أشهر، ومحصّله ما ذكره هنا، وعلى اختلاف عادات النّساء يحمل اختلاف الأخبار.
(و) يشترط أيضاً (أن يطلّقها في طهر لم يقربها فيه بجماع) لا مطلق القرب (إلاّفي الصّغيرة) الّتي لم تبلغ تسعاً (واليائسة) الّتي قعدت عن المحيض (والحامل) المستبين حملها، (و) أمّا (المسترابة) بالحمل الّتي لا تحيض وهي في سنّ من تحيض، فيجب عليها أن (تصبر ثلاثة أشهر) من حين المواقعة عنها ثمّ يطلّقها، (و) لا يقع طلاقها قبله، بالإجماع، والمعتبرة.(4)
كما (لا يقع إلاّ بقوله) هذه، أو فلانة، أو أنت، أو زوجتي (طالق) فلا يكفي أنت طلاق، أو مطلّقة، أو من المطلّقات، ونحوها.
ولابدّأن يكون (مجرّداً عن الشّرط) المحتمل الوقوع والعدم، (والصّفة) المقطوع الحصول، فلو علّقه على أحد الأمرين بطل.
(ويشترط) في صحّة الطّلاق (سماع رجلين عدلين) ولا يقبل شهادة النّساء هنا مطلقاً، لا منفردات ولا منضمّات.

1 . خ ل: الطلاق.
2 . في نسخة: و لو.
3 . الوسائل:22/56، الباب 26 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1و6.
4 . الوسائل: 22/91، الباب 40 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1.

صفحه 144

الفصل الثاني:

في أقسامه

(وهو ) ينقسم إلى قسمين: (بدعة) محرّمة (وسنّة) جائزة بالمعنى الأعمّ الشّامل للواجب والمندوب والمكروه، كوجوب طلاق المولى، والمظاهر ـ الآتي في الفصل الخامس والسّادس ـ واستحباب الطّلاق مع الشّقاق والنّفاق، وكراهته مع الوفاق والتيام الأخلاق، وقد يطلق طلاق السّنة على معنى أخصّ من هذا، وهو أن يطلّقها على الشّرائط، ثمّ يتركها حتى تخرج من العدّة، ويعقد عليها ثانياً، ويقال له طلاق السّنة بالمعنى الأخص.

]طلاق البِدعة [

(فالأوّل): طلاقها في طهر المواقعة و (طلاق الحائض الحائل) غير الحامل (و(1) النّفساء) كذلك (مع) الدّخول و (حضور الزّوج) كما مرّ (أو) طلاق (المسترابة قبل) مضيّ (ثلاثة أشهر) من وقاعها كما مرّ (و) من طلاق البدعة (طلاق الثلاث) من إضافة الموصوف إلى الصّفة (مرسلاً) بأن يفسّره بالثّلاث وقال: أنت طالق ثلاثاً، وظاهره تبعاً لجمّ غفير من الأجلّة

1 . خ ل:أو.

صفحه 145
بطلانه من أصله، وعدم وقوعه أصلاً ولو واحداً، وهذا بخلاف المرتّب، بأن يكرّر الصّيغة ثلاثاً بقصد تعدّد الطّلاق، فلا خلاف ولا إشكال في وقوع الطّلقة الأُولى مع اجتماع الشّرائط، وبطلان الأُخريين فقط، ومع فسادها فالثّانية، ومع فسادهما فالثّالثة، فلا يصحّ في الطّلاق مازاد على الواحد بغير رجعة متخلّلة، بل المشهور وقوع الطّلقة الواحدة في الصّورة الأُولى أيضاً، فالمقصود من كونه بدعة إنّما هو حرمة المجموع من حيث هو مجموع، وذلك لا ينافي تحليل بعض أفراده.
(و) بالجملة، فـ(الكلّ) من أقسام طلاق البدعة (باطل) لا يقع أصلاً، إلاّ ما أشرنا إليه من الطّلقة الواحدة من الثّلاث المرتّبة، بل ومن المرسلة أيضاً على المشهور. هذا.
(و)(1) من أقسام طلاق البدعة على ما في بعض نسخ الكتاب (الطّلاق ثلاثاً) (2) مرتّباً بتكرار صيغته كما أشرنا إليه إلى ما هو المرا دمن حرمته.

]طلاق السنّة [

(و) القسم (الثّاني) الّذي هو طلاق السّنّة أيضاً ينقسم إلى اثنين: (بائن ورجعيّ).
(فالأوّل: ) ما لا يصحّ معه الرّجعة، بلا عقد وهو ستّة، فإنّ عدم صحّة الرّجوع إمّا لعدم العدّة بالمرّة، ولا رجوع إلاّ في العدّة، وهو ثلاثة أقسام:
(طلاق اليائسة) عن المحيض; (والصّغيرة) وإن دخل بها، (و)

1 . خ ل.
2 . خ ل.

صفحه 146
طلاق (غير المدخول بها).
وإمّا لعدم إمكان الرّجوع في العدّة ابتداءً وإن أمكن في الجملة (و) هو اثنان: طلاق (المختلعة، والمباراة مع استمرارها) أي الزّوجة (على البذل) المعتبر فيهما، ولو رجعت في البذل صار الطّلاق رجعيّاً يترتّب عليه أحكامه من الإنفاق والإسكان وتحريم الأُخت والخامس وغيرها، فهو بائن في حال ورجعيّ في آخر، وهنا قسم آخر لا يمكن الرّجوع فيه أصلاً (و) هي (المطلّقة ثلاثاً بينها رجعتان) أو عقدان، أو عقد ورجعة في الحرّة، وأمّا الأمة فتحرم بعد اثنتين يتخلّلهما رجعة، وهذا سادس أنواع البائن من قسمي طلاق السّنّة.
(والثّاني) منهما المقابل له، وهو الطّلاق الرّجعيّ (ما عداه) أي ما ذكر من الأقسام الستة (ممّا)(1) يجوز (للرّجل المراجعة فيه) في العدّة ولو لم يرجع.
(و) أمّا (طلاق العدّة) فليس قسماً ثالثاً لطلاق السّنة في مقابل البائن والرّجعيّ كما صنعه الأكثر وجعلوه قسيماً لهما، بل هو (من أحد هذه) الّتي يجوز الرّجوع فيها، ومن جملة أفرادها، بل أظهرها فانّه (ما) أي طلاق وقع على الشّرائط ثمّ (يراجع(؟؟؟) خ ل : يرجع. في العدّة و يواقع ثمّ يطلق بعد الطّهر) الآخر، ولذا بعينه سمّي بطلاق العدّة، لتحقّق الرّجوع فيه في العدّة (فهذه) المطلّقة العديّة الحرّة (تحرم بعد تسع) طلقات (ينكحها بينها رجلان) بعد الثّالثة والسّادسة، (مؤبّداً) كما مرّ في السّابعة من مسائل الثّالث من فصول كتاب النّكاح مع حكم الأمة.

1 . خ ل.

صفحه 147
(و) المطلّقة بـ(ما عداه) أي طلاق العدة (تحرم في كلّ) طلقة (ثالثة) في الحرّة، وثانية في الأمة (حتّى تنكح) زوجاً (غيره) كحرمتها كذلك في المطلّقة للعدّة أيضاً، والمقصود من العبارة الفرق بين المطلّقة للعدّة وغيرها باختصاص الحرمة الأبديّة بعد التّسع بالأُولى فقط، فلا تحرم في غيرها مؤبّداً، ولو ارتقى إلى مائة بعد حصول المحلّل بعد كلّ ثلاثة، لا أنّ التّحريم بعد الثلاث مختصّ بغير المطلّقة للعدّة، لجريانه فيها، وفي جميع أقسام الطّلاق بلا شبهة.
(ويشترط في المحلّل البلوغ، والوطي قُبلاً، بالعقد الصّحيح الدّائم) فلا تحليل بالصّغير، ولا بالعقد المجرّد عن الوطي، ولا بالوطي في الدّبر أو بالحرام أو الشّبهة أو بالتّحليل أو الملك أو بالعقد المنقطع بلا إشكال، لصراحة النّصوص المستفيضة مع الإجماعات المحكيّة في كلمات الأجلّة. (وكما يهدم ) المحلّل (الثلاث) طلقات كذلك (يهدم ما دونها) أيضاً على وجه تكون المرأة لو رجعت إلى زوجها كما إذا لم تكن مطلّقة أصلاً ويجعل الطّلاقان أو الواحد كالعدم، ولزوجها الأوّل أن يتزوّجها ويطلّقها ثلاث مرّات بعده، لصراحة موثّقة رفاعة في ذلك مع إشعار كثير من عبارات الأصحاب بالإجماع عليه.
(وتصحّ الرّجعة (1)) وردّالمرأة إلى النّكاح السّابق في العدّة بكلّ ما دلّ عليها سواء كان (نطقاً) كقوله رجعت وارتجعت ونحوهما (أو(2) فعلاً) كالوطء والقبلة واللّمس بقصد الرّجعة لا ما كان عن السّهو أو الغفلة أو الشّبهة (ولا يجب فيها الإشهاد).

1 . خ ل:المراجعة.
2 . في نسخة: و.

صفحه 148
( ويقبل قول المرأة) مع يمينها (في انقضاء العدّة بالحيض) إذا اختلفا فيه فادّعته هي لتمنعه من الرّجعة وادّعى هو بقاءها، وذلك لأنّ الحيض والعدّة للنّساء إذا ادّعت صدّقت كما في الباقريّ(1)، وهذا بخلاف ما ]لو[ ادّعت الانقضاء بالأشهر فينعكس الأمر ويقدّم قول الزّوج مع يمينه لرجوع هذا الاختلاف في الحقيقة إلى وقت الطّلاق، ويقدّم قوله فيه كتقديمه في أصله، لأصالة تأخّر الحادث، وهو منكر في المقامين،ومنه يعلم أنّه يقدّم قولها في الجميع لو ادّعى الرّجل الانقضاء وادّعت الزّوجة بقاء العدّة لتطالب الكسوة والنّفقة.

]في أحكام طلاق المريض و نكاحه [

(ويكره طلاق المريض) للنّهي، المحمول على الكراهة، جمعاً بينه و بين ما دلّ على وقوعه صريحاً، (و) مع ذلك (يقع) لو طلّق (ولكن ترثه المرأة) في العدّة وبعدها (وإن كان) الطّلاق (بائناً) لو مات (إلى سنة) من حين الطّلاق ولو بعد العدّة، بل في آخر جزء السّنة (مالم يمت بعدها ولو) كان (بلحظة) وذلك كلّه للإجماعات المحكيّة، والنّصوص المستفيضة، المخرجة عن حكم عدم التّوريث في الطّلاق البائن أو بعد انقضاء العدّة، ولكنّها متّفقة الدّلالة كفتوى الجماعة على تقييد الحكم بقيدين آخرين أشار إليهما المصنف بقوله: (أو) لم (تتزوّج هي أو يبرأ) هو (من مرضه) فلو تزوّجت بعد العدّة قبل السّنة أو برئ من مرضه ومات بمرض غيره قبل مضيّ السّنة حرمت الميراث ولو لم تتزوّج بغيره، بلا خلاف في شيء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه; كما في

1 . الوسائل: 22/222، الباب 24من أبواب العدد، الحديث1.

صفحه 149
الجواهر(1)، مضافاً إلى النّصوص المستفيضة.(2)
(وهو) أي الزّوج الّذي طلّق زوجته في مرضه (يرثها في) الطّلاق (الرّجعيّ) فقط لو ماتت(في) أثناء (العدّة) الرّجعيّة لا بعدها، ولا في البائن مطلقاً، وذلك لعموم المعتبرة(3) المستفيضة مع الإجماعات المحكيّة عن جماعة من الأجلّة .
هذا جملة من القول في أحكام طلاق المريض (و) أمّا (نكاحه) فالمرويّ في النّصوص الكثيرة (4) المؤيّدة بالشّهرة العظيمة المحكيّة عليه الإجماع في كلمات بعض الأجلّة انّه (صحيح مع الدّخول) أو برئه من مرضه، (وإلاّ فلا) يصحّ بحيث يلزم و يترتّب عليه أحكامه من الإرث ونحوه. وحينئذ فإن مات في مرضه قبل الدّخول فلا مهر لها ولا ميراث ولا عدّة، وإن مات بعد الدّخول أو مات في مرض آخر بعد برئه من الأوّل فلا ريب في لزوم العقد وترتّب جميع أحكامه عليه.
وليس المراد بعدم الصّحة مع عدم الدّخول هو البطلان من أصله وإلاّ لزم عدم جواز وطئه لها في المرض بذلك العقد، بل المراد عدم لزومه على وجه يترتّب عليه جميع أحكامه حتّى بعد الموت من الميراث والعدّة; وكذا إن ماتت هي في مرضه الّذي عقد عليها قبل الدّخول بها، لتوقّف صحّة العقد ولزومه الموجب لترتّب جملة الأحكام عليه كما يظهر من المتن.

1 . جواهر الكلام:32/152.
2 . الوسائل:22/151، الباب 22من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه.
3 . الوسائل: 22/155، الحديث12و13.
4 . الوسائل :22/ 149 الباب 21 من أبواب أقسام الطلاق.

صفحه 150

الفصل الثّالث:

في العدّة

اعلم أنّه (لا عدّة في الطّلاق على الصّغيرة و اليائسة، وغيرالمدخول بها) قبلاً أو دبراً، (و) أمّا الكبيرة المدخولة الغير اليائسة (المستقيمة الحيض) الّتي تحيض في كلّ شهر مرّة على عادة النّساء فـ(عدّتها ثلاث أقراء) أطهار، وفي معناها المعتادة للحيض في مادون الثّلاثة أشهر، وأمّا المعتادة في الزّائد عليها فلا تعتدّبالإقراء وإن كانت لها عادة مضبوطة الوقت والعدد، بل هي في حكم الغير المستقيمة الحيض الّتي ذكرها فيما بعد .
ثمّ إنّ هذا كلّه يصحّ (إن كانت) الزّوجة المطلّقة (حرّة) وإن كانت تحت عبد (وإلاّفـ) عدّتها (قِرآن) أي طهران وإن كانت تحت حرّ، فانّ المناط في العدّة كون الزّوجة حرّة أو أمة لا كون الزّوج حرّاً أو عبداً.
(وإن) لم تكن مستقيمة الحيض بأن (كانت في سنّ من تحيض ولا حيض لها) أصلاً أم انقطع لعارض أم كانت معتادة للزّائد على الثلاثة أشهر كما أشرنا إليه (فعدّتها ثلاثة أشهر) هلاليّة (إن كانت حرّة وإلاّ فشهر ونصف) للنّصّ والإجماع في ذلك كلّه كما صرّح به في الرّياض.(1)

1 . راجع الرياض:11/111و 122و 113و 117و 142.

صفحه 151
(والحامل) سواء كانت حرّة أو أمة (عدّتها) في الطّلاق والفسخ والوطء بالشّبهة (وضع الحمل وإن) لم يكن تامّ الخلقة و (كان سقطاً) ولو علقة ووضعته بعد الطّلاق بلحظة بالكتاب(1) والإجماع والسّنّة(2) لكن مع تحقّق كونه مبدأ نشوء الآدميّ، ولا عبرة بما يشكّ فيه، كما لا خلاف في عدم العبرة بالنّطفة على ما صرّح به بعض الأجلّة.
(وعدّة الحرّة) الحائل (المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيّام) مطلقاً (صغيرة) كانت (أو يائسة أو غيرهما، دخل بها أو لا) بالغاً كان الزّوج أو غيره.
(ولو كانت) الحرّة المتوفّى عنها زوجها (حاملاًفـ)عدّتها (أبعد الأجلين) من وضع الحمل ومن المدّة المزبورة.
(و) يجب (عليها) أي على الزّوجة الحرّة المتوفّى عنها زوجها (الحداد) في جميع مدّة العدّة (وهو ترك الزّينة) بكلّ أقسامها من الكحل والحنا والإدهان والثّياب الملوّنة، و نحوها من كلّ ما يتعارف بين النّساء للزّينة، ولا ريب في اختلافه باختلاف الأشخاص والأعصار والأمصار.
وأمّا الأمة ففي وجوب الحداد عليها وعدمه قولان، أشهرهما وهو الأظهر الثّاني، للأصل مع انصراف أدلّة الحداد إلى الحرّة، ومع فرض عدمه فهي بصحيحة زرارة(3) النّاصّة على عدم الحداد على الأمة مقيّدة، هذا في الزّوجة المتوفّى عنها زوجها إذا كانت حرّة.

1 . الطلاق: 6.
2 . الوسائل: 22/197، الباب 11 من أبواب العدد، الحديث1.
3 . الوسائل: 22/259، الباب 42 من أبواب العدد، الحديث2.

صفحه 152
(ولو كانت أمة) حائلاً وتوفّي زوجها، (فـ) عدّتها عند المصنّف تبعاً للمحكيّ عن المفيد(1) وابن أبي عقيل(2) وسلاّر(3) وابن الجنيد(4) (شهران وخمسة أيّام و) الأمة (الحامل) تعتدّ (بأبعد الأجلين) من تلك المدّة ومن وضع الحمل، والأظهر وفاقاً لجماعة من الأجلّة أنّ عدّة الأمة المتوفّى عنها زوجها كالحرّة، للنّصوص المعتبرة الصّريحة(5) في ذلك الرّاجحة على ما دلّ على ما في المتن، بموافقة عموم الكتاب ومخالفة العامّة، فإنّ مذهب جمع منهم على ما قيل التّنصيف، فيمكن حمل أخبار المتن على التّقيّة، ومع فرض التّساوي فقضيّة الاستصحاب هو ما ذكرناه.
وعدّة الأمة الحامل أيضاً أبعد الأجلين من وضع الحمل وأربعة أشهر وعشرة أيّام، ثمّ إنّ هذا في الأمة غير ذات الولد من المولى (و) أمّا (أُمّ الولد) منه فالأشهر، بل لعلّ عليه عامّة من تأخّر كما في الرّياض(6) ومنهم المحقّق في نافعه(7) وشرائعه(8) و المصنّف هنا و في سائر كتبه، انّها (تعتدّ من وفاة الزّوج) الّذي قد زوّجها إيّاه مولاها بعد أن صارت أُمّ ولده، سواء كانت ذات ولد من ذلك الزّوج أم لا (كالحرّة) وذلك للنّصّ الخاصّ(9)، مع اختصاص أدلّة اعتداد الأمة بنصف الحرّة كما مرّ بحكم التّبادر والغلبة بغير ذات الولد البتّة، وكذا من

1 . المقنعة:534ـ 535.
2 . نقله عنه العلاّمة في المختلف:7/484.
3 . المراسم:165.
4 . نقله عنه العلاّمة في المختلف:7/484.
5 . الوسائل:22/259، الباب 42 من أبواب العدد.
6 . الرياض:11/149.
7 . المختصر النافع:201.
8 . شرائع الإسلام:3/41.
9 . الوسائل:22/259، الباب 42 من أبواب العدد، الحديث3.

صفحه 153
موت المولى إن لم تكن مزوّجة، لرواية إسحاق بن عمّار(1) عن الكاظم (عليه السلام) وهي موثقة(2)، وإن كانت مزوّجة فلا عدّة من موت المولى إجماعاً كما في كشف اللّثام(3)، هذا في أُمّ الولد.
(و) أمّا (غيرها) ممّن تشبّث بالحريّة كالمدبّرة والمكاتبة غير المبعّضة، فـ(كالأمة) القنّة في تنصيف عدّتي الطّلاق ووفاة الزّوج على ما سمعته، وأمّا وفاة المولى فلا عدّة لها فيها، بل عليها الاستبراء بحيضة إن لم تكن مزوّجة، وإلاّفلا استبراء ولا عدّة; والمبعضّة في حكم الحرّة. هذا.
ويحتمل أن يكون لفظة غيرها في المتن بالجرّ عطفاً على وفاة الزّوج يعني انّ امتياز أُمّ الولد عن غيرها من الإماء إنّما هو في عدّة وفاة الزّوج فقط، وتعتدّ أو تستبرئ من غيرها كسائر الإماء على ما فصّلوه في عدد الإماء واستبرائهن.
(ولو مات زوج الأمة ثمّ اعتقت) في العدّة (اعتدّت كالحرّة) للرّواية الخاصّة(4)، وتغليباً لجانب الحريّة، وكذلك المطلّقة الرّجعيّة المعتقة في العدّة فانّها في حكم الزّوجة، بخلاف البائنة لكونها عند العتق أجنبيّة، نصّاً(5) وإجماعاً في المقامين، ثمّ إنّ ما ذكر من عدّة الأمة إنّما هو بالنّسبة إلى طلاق الزّوج أووفاته وأمّا المولى فإن شاء أن يزوّجها من غيره قبل الوطء أو مات قبله فلا استبراء

1 . هو إسحاق بن عمار بن حيان الصيرفي الساباطي، وثّقه النجاشي في رجاله والشيخ في الفهرست والرجال وقال عنه: كان فطحياً.
راجع معجم رجال الحديث:3/52 برقم 1157و ص 61 برقم 1158ـ 1160.
2 . الوسائل:22/260، الباب 42 من أبواب العدد، الحديث 4.
3 . كشف اللثام:2/138، الطبعة الحجريّة.
4 . الوسائل:22/262، الباب 43 من أبواب العدد، الحديث 1.
5 . الوسائل:22/273، الباب 50 من أبواب العدد، الحديث2.

صفحه 154
عليها ولا عدّة ولو مات أو أراد تزويجها بعده يكفي الاستبراء بحيضة واحدة.
(ولو أعتق أمته بعد وطئها) ثمّ طلّقت (اعتدّت) كالحرّة (بثلاثة أقراء) إن كانت غير مسترابة وإلاّ فبثلاثة أشهر، ولا يكفي الإستبراء المختصّ بالأمة لصيرورتها حرّة.
(ولو مات) الزّوج (بعد الطّلاق رجعيّاً اعتدت الحرّة والأمة للوفاة) كلّ بنصابه وانتقض عدّة الطّلاق، ولو كان موته في آخر جزءمنها، فانّ المطلّقة الرّجعية في حكم الزّوجة، (ولو كان) الطّلاق الّذي مات الزّوج في عدّته (بائناً) لم يلزم استيناف العدّة للوفاة بل (أتمّت عدّة الطّلاق) لانقطاع علقة الزّوجيّة فيه بالمرّة.
(ولا يجوز للزّوج أن يخرج) مطلّقته (الرّجعيّة من بيت الطّلاق حتّى تخرج عدّتها إلاّ أن تأتي بفاحشة) مبيّنة توجب الحدّ أو تؤذي أهله بالقول أو الفعل، والمراد ببيت الطّلاق هو المنزل الّذي طلّقت وهي فيه إذا كان مسكن أمثالها، وإن لم يكن مسكنها الأوّل فإن كان دون حقّها فلها طلب المناسب، أو فوقه فله ذلك، (و) كما لا يجوز له إخراجها من بيت الطّلاق (لا) يجوز (لها) أيضاً (أن تخرج) منه لتعلّق النّهي بهما في الآية(1) (إلاّ مع الضّرورة) ومعها تخرج (بعد نصف اللّيل وترجع قبل الفجر) وجوباً كما هو ظاهره، وهو المشهور، وغير خفيّ أنّه فيما ارتفع الضّرورة به، وإلاّفيجوز ما يرتفع به بلا إشكال.
(و) يجب (عليه نفقة عدّتها) أي المطلّقة الرّجعيّة كما كانت في صلب

1 . الطلاق:1.

صفحه 155
النّكاح، شرطاً، وكمّاً وكيفاً.
(و) يجب أن (تعتدّالمطلّقة من وقت إيقاعه) أي الطّلاق مطلقاً (والمتوفّى عنها زوجها) تعتدّمع الحضور من حينه، ومع الغيبة (من حين البلوغ) أي بلوغ الخبر بموته، وإن لم يثبت شرعاً، لكن لا يجوز لها التّزويج قبل ثبوته، والفائدة الاجتزاء بتلك العدّة، والفارق النصّ.

صفحه 156

الفصل الرّابع

]الخُلع و المُباراة[

(في الخلع) بالضّمّ، من الخلع بالفتح، بمعنى النّزع لغة; وشرعاً إزالة قيد النّكاح بفدية من الزّوجة وكراهة منها له خاصّة، فكأنّ كلاًّ منهما ينزع لباس الآخر (هُنّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ) .(1)
(والمباراة) بالهمز، وقد تقلب ألفاً هي: المفارقة لغة، وفي الشّرع إزالة قيد النّكاح بفدية منها مع الكراهيّة من الجانبين.
والكلام في الصّيغة، والشّرائط، واللواحق.
أمّا الصّيغة للخلع: أن يقول الزّوج خلعتك، أو خالعتك، أو فلانة أو أنت مختلعة على كذا، (و) لكن (لا يقع الخلع) بكلّ من هذه الألفاظ (بمجرّده ما لم يتبع بالطّلاق) على الفور بقوله: فأنت: أو فهي: أو ففلانة طالق (على قول) الشّيخ(2) وابن إدريس(3) وابن زهرة(4)، ولا دليل عليه سوى الأصل

1 . البقرة:187.
2 . الخلاف:4/422، المسألة 3.
3 . السرائر:2/726.
4 . غنية النزوع:375.

صفحه 157
المقطوع، والإجماع المدّعى عليه الممنوع، ورواية(1) موسى بن بكير(2) القاصرة السّند والدّلالة، ولعلّه لذا اختار المصنّف في مختلفه(3) وتحريره(4)تبعاً للشّهرة العظيمة المحكيّ عليها الإجماع عن الأجلّة، خلافه، مضافاً إلى النّصوص الصّحيحة.(5)
(ولابدّ فيه) أي الخلع (من الفدية) كما قد عرفت من تعريفه، ويجوز كونها (من كلّ ما (6) يصحّ تملّكه) وامهاره، من المال المعلوم، والمنفعة، والتّعليم،وغيرها، لكن (بشرط التّعيين) بالوصف أو الإشارة (واختيار المرأة) ورضاها لكون الخلع معاوضة مفتقرة إليهما في الحقيقة، (و) لا تقدير لها في القلّة والكثرة بل (له أن يأخذ) منها كلّ ما تبذله برضاها ولو كان (أزيد ممّا أعطاها) ووصل إليها منه من المهر والكسوة والنّفقة، لأنّ الكراهة منها فلا يتقدّر عليها في جانب الزّيادة.

]في شرائط الخُلع [

(و) أمّا شرائط الخلع: فاعلم أنّه (يشترط في) كلّ من (الخالع) والمختلعة، (التّكليف) بالبلوغ والعقل (والاختيار والقصد) فلا خلع لفاقد أحد الأوصاف إجماعاً كما مرّ في شرائط المطلّق .

1 . الوسائل:22/283، الباب3 من كتاب الخلع والمباراة، الحديث1.
2 . هو موسى بن بكر الواسطي، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن عليمها السَّلام ، له كتاب، قال عنه الشيخ: كوفي، واقفي.
راجع معجم رجال الحديث:19/28 برقم 12738.
3 . المختلف:7/393.
4 . تحرير الأحكام:4/82.
5 . الوسائل:22/280، الباب 1من كتاب الخلع والمباراة، الحديث3.
6 . خ ل: و هي ما.

صفحه 158
(و) يشترط (في المرأة) المختلعة إذا كان قد خلعها (مع الدّخول) بها مضافاً إلى ذلك كونها في (الطّهر الّذي لم يقربها فيه بجماع) لا مطلق القرب، لكن (مع حضوره وانتفاء الحمل، وإمكان الحيض) ومع انتفاء واحد من القيود الثّلاثة يصحّ خلعها، ولو كانت في طهر المواقعة.
(و) من شرائط المختلعة (اختصاصها بالكراهيّة ) صريحاً، للنّصوص المستفيضة(1)، والإجماعات المحكيّة.
(و) يعتبر في العقد (حضور شاهدين عدلين، وتجريده عن شرط لا يقتضيه العقد) كما مرّ في الطّلاق، نعم لا بأس بشرط قضيّة العقد كما لو شرطا رجوعها متى شاءت، أو رجوعه إن رجعت، ووجهه ظاهر، مع أنّه لا خلاف فيه.
(و) أمّا اللّواحق ففيها مسائل:
الأُولى: (يبطل) الخلع (لو انتفت الكراهيّة منها) لفقد الشّرط، (و) يتفرّع عليه أنّه (لا يملك الفدية) لاشتراطه بصحّة الخلع المتوقّفة على كراهة المرأة الّتي هي كما عرفت منتفية.
(و) ثانيها: انّه يجوز (لها الرّجوع في الفدية مادامت في العدّة) بلا إشكال، (و) لا يجوز له الرّجوع في العقد السّابق ابتداء، فانّ الخلع بائن، نعم (إذا رجعت هي) في الفدية صار رجعيّاً بعد كونه بائناً و (كان له) أيضاً (الرّجوع في البضع) مالم يحدث مانع، كما لو تزوّج أُختها أو الرّابعة، ومع زوال المانع بالوفاة أو الطّلاق البائن في العدّة يجوز الرّجوع أيضاً، (وإلاّ) ترجع المختلعة في الفدية (فلا) يجوز للخالع الرّجوع في البضع لما عرفته.

1 . الوسائل:22/279، الباب 1من كتاب الخلع والمباراة.

صفحه 159
(و) ثالثها: انّه (لا توارث بينهما) أي المختلعين لو مات أحدهما (في) أثناء (العدّة) بلا خلاف وشبهة، لانقطاع العصمة الموجبة لذلك، مضافاً إلى صريح الخبر.(1)
(و) رابعها: انّه (لو) خالعها على عين معيّنة فـ(بانت الفدية مستحقّة) للغير، فقيل يصحّ ويكون له المثل أو القيمة فإنّ الخلع ليس بمعاوضة حقيقيّة، والأصل في العقود الصحّة، وبطلان عين العوض ينجبر بضمان المثل أو القيمة، ولكن لو (قيل يبطل الخلع) كما عن الشّيخ(2) وجماعة كان أشبه بالقواعد المقرّرة، فانّ العوض في الخلع لازم للماهيّة كما عرفته، وبطلان اللاّزم يستلزم بطلان الملزوم بالبديهة، هذا، مع عدم تحقّق القصد إلى الخلع المجرّد عن الفدية المعيّنة، ومنه يظهر فساد ما قيل من صيرورته رجعيّاً بعد بطلان الخلع مع أتباعه بالطّلاق، وذلك لعدم قصده، وما كان قد قصده لم يقع، وأمّا مع عدم اتباعه بالطّلاق فلا ريب في بطلانه خلعيّاً ورجعيّاً.
(و) خامسها: انّه (لو بذلت الأمة) في الخلع (مع الإذن) من المولى (صحّ) إجماعاً كما قيل، ويجب الاقتصار على القدر المعيّن، ومع الإطلاق تفتدي بمهر المثل الّذي هو عوض البضع، فيحمل الإطلاق عليه كانصراف إطلاق الأمر بالشّراء إلى قيمة المثل، هذا.
ولا يبعد انصراف الإطلاق إلى بذل المهر المسمّى الّذي هو المتعارف غالباً في طلب الخلع، (و) لو بذلت (بدونه) صحّ الخلع في ذمّتها و (تتبع به) بعد العتق واليسار إذا كان الفدية ديناً، ولو بذلت عيناً من أعيان سيّدها فأجاز

1 . الوسائل:22/290، الباب 5 من كتاب الخلع والمباراة، الحديث4.
2 . المبسوط: 4/344.

صفحه 160
المولى صحّ الخلع والبذل، كما لو أذن ابتداءً، وإلاّ فقد عرفت أنّ الأشبه بطلان البذل للاستحقاق والخلع لخلوّه عن العوض المعتبر فيه مع عدم القصد إلى غير العوض المعيّن من المثل أو القيمة كما قيل به، (و) حيث قد عرفت اشتراط صحّة التّملك في الفدية ظهر لك أنّه (لو كان (1) فدية المسلم) في الخلع (خمراً) أو خنزيراً أو غيرهما ممّا لا يملكه المسلم فسد البذل بلا إشكال، لاشتراط الماليّة فيه، وأمّا الخلع فقد فصّل المصنف فيه بالإتباع بالطّلاق وعدمه (فإن اتبع) صيغته (بالطّلاق) على ما سمعته (كان رجعيّاً)، وإلاّفيبطل من أصله، ولا ينعقد بائناً لفساد عوضه المستلزم لفساده، ولا رجعيّاً لعدم تحقّقه بصيغة الخلع، وأمّا مع الإتباع فيكونان أمرين متغايرين لا يلزم من فساد أحدهما فساد الآخر، وحينئذ فيفسد الخلع لفساد العوض، ويبقى الطّلاق المتعقّب له رجعيّاً، لبطلان العوض الموجب لكونه بائناً. هذا.
ولكن قد عرفت ممّا تلوناه عليك في مسألة استحقاق الفدية فساد أصل العقد أيضاً بائناً، أو رجعيّاً، فراجع.
(ولو خالعها (2) على ألف ولم يعيّن) المراد منه (بطل) لفقد التّعيين المعتبر فيه.
ثمّ إنّ ما ذكر من فساد الفدية مع كونها ممّا لا يملكه المسلم إنّما هو في صورة العلم (و) أمّا مع الجهل كما (لو خالع على) ما هو (خلّ) بزعمهما (فبان خمراً، صحّ و) كان (له بقدره خلّ) قيل لأنّ تراضيهما على المقدار من الجزئيّ المعيّن الّذي يظنّان كونه متموّلاً يقتضي الرّضاء بالكلّي المنطبق عليه، لأنّ الجزئيّ مستلزم له فالرّضا به مستلزم للرّضا بالكلّي، فإذا فات الجزئي لمانع

1 . خ ل: كانت.
2 . خ ل: خلعها.

صفحه 161
صلاحيّته للملك بقي الكلّي. هذا.
ولولا دعوى عدم الخلاف فيه كما في كلمات بعض الأجلّة لأمكن المناقشة فيه بما ذكرناه عند استحقاق الفدية، بل هذا أولى بالفساد منه لعدم استعداده للفدية بالذّات، بخلاف الاستحقاق، ولعلّه لما ذكرناه استشكل في المقام بعض من هو من أساطين الأعلام من أهل العصر، وقطع بالبطلان بعض آخر منهم، واللّه العالم.
(ولو طلّق بفدية) وقال: أنت طالق على كذا مع سبق سؤالها له أو مع قبولها بعده كذلك (كان) طلاقاً خلعيّاً صحيحاً (بائناً وإن تجرّد عن لفظ الخلع) لكن بشرط الكراهة، إذ الخلع عبارة عن الطّلاق المعوّض مع كراهة الزّوجة، ولا مدخل للفظ الخلع في تحقّق ماهيّته، وسنذكر نظيره في المباراة أيضاً فعبارة المتن من تتمّة ما ذكره في أوّل الفصل من عدم وقوع الخلع بمجرّده من دون الإتباع بالطّلاق يعني أنّه لا يكفي في تحقّق الخلع التّلفّظ به من دون لفظ الطّلاق بخلاف العكس. هذا.
ويحتمل قويّاً أن تكون الجملة مستقلّة إشارة إلى قسم آخر من الطّلاق معروف بالطّلاق المعوّض غير مشروطة بكراهة الزّوجة أو الزّوجين في قبال الخلع والمباراة وهو أيضاً من أقسام البائن، يعني أنّ الطّلاق المعوّض المجرّد عن لفظ الخلع أيضاً طلاق بائن صحيح غيرهما.
وإن شئت قلت: إنّ الطّلاق بعوض أعمّ مطلقاً من الخلع والمباراة بناء على كونهما من أقسام الطّلاق، ومبائن لهما على كونهما مجرّد فسخ، على الخلاف، وكيف كان، يمكن تحقّق فرد من الطّلاق بعوض لم يكن واحداً منهما.

صفحه 162
قال في الشّرائع(1) في المسألة الخامسة من النّظر الرّابع من كتاب الخلع: لو خالعها وشرط الرّجعة لم يصحّ، وكذا لو طلق بعوض.
وعلّله في المسالك(2) بأنّ ذلك شرط مناف لمقتضى العقد وللمشروع، فانّ من حكم الخلع والطّلاق بعوض أن يكون بائناً فاشتراط الرّجعة فيه ينافي موضوعه الشّرعيّ. وقد استقصى الكلام في هذا المقام في جامع الشّتات(3) بما لا مزيد عليه فليراجع عليه. هذا.
(ولو قالت طلّقني) أو خالعني (بكذا كان الجواب على الفور) بحيث لا يتخلّلهما زمان طويل ولا كلام أجنبيّ يوجب رفع ارتباط أحدهما بالآخر، وكذا لو انعكس الأمر وتقدّم لفظه وقال: خالعتك على ألف مثلاً، اعتبر التزامها للألف وقبولها له عقيب كلامه كذلك، (فإن تأخّر) الجواب في الصّورتين على الوجه المذكور، (فلا) يستحقّ عليها (فدية، وكان) الطّلاق (رجعيّاً) بمعنى كونه صحيحاً خالياً عن العوض.
وبعبارة أُخرى: يصير رجعيّاً من حيث البذل وإلاّ فيمكن كونه بائناً من جهة أُخرى، ككونها غير مدخول بها أو كون الطّلقة ثالثة، ويظهر الإشكال في صيرورته رجعيّاً أيضاً ممّا أسلفناه في استحقاق الفدية. هذا جملة من القول في الخلع.

]في المُباراة [

(وشروط المباراة) الّتي ذكرنا تفسيرها لغة وشرعاً وأحكامها (كالخلع)

1 . شرائع الإسلام:3/55.
2 . المسالك:9/430.
3 . نقله عنه في جواهرالكلام: 33/56، فلاحظ.

صفحه 163
في جميع ما ذكر (إلاّ ) في أُمور:
أحدها: لزوم اتّباعها بالطّلاق للإجماعات المحكيّة في كلام جماعة بخلاف الخلع الّذي قد عرفت قوّة عدم لزومه فيه.
وثانيها: (أنّ ) صحّتها تترتّب على (الكراهيّة) من الزّوجين كلّ (منهما) لصاحبه نصّاً(1) وإجماعاً، فلا تصحّ فيما لو لم يكن هناك كراهة أصلاً، أو كانت من أحدهما بخلاف الخلع المعتبر فيه كراهة الزّوجة، فقط; (وصورتها) كما في الخلع من الافتقار إلى استدعاء المرأة مع الكراهة والقبول كذلك، واللّفظ الدّال عليه من قبل الزّوج أن يقول: (بارأتك بكذا فأنت طالق) ولا تنحصر في لفظ المباراة، بل تقع بالكنايات الدّالة عليها كفا سختك أو أبنتك أو غيرهما متبعاً لهما بالطّلاق، بل لو تجرّد عنها و قال: أنت طالق بكذا صحّ وكان مباراة، إذ هي عبارة عن الطّلاق المعوّض مع منافاة بين الزّوجين، وفي الجواهر(2) دعوى الاتّفاق عليه.
(و) كيف كان فـ(هي بائن) لا يجوز رجوعه في العقد (مالم ترجع) هي (في البذل في) أثناء (العدّة)، ومن المعلوم أنّه لا رجوع لها فيه إلاّمع إمكان رجوعه في البضع وعدم حدوث مانع منه، كما كان كذلك في الخلع وقد مرّ.
(و) ثالثها: انّه (لا يحلّ له) في فدية المباراة (الزّائد على ما أعطاها) من المهر ويجب الاقتصار على تمام المهر فمادون، بخلاف فدية الخلع كما

1 . الوسائل:22/294، الباب 8 من كتاب الخلع والمباراة، الحديث3.
2 . جواهر الكلام:33/90و 92.

صفحه 164
عرفته، وفي الجواهر(1) والرّياض(2) الإجماع على عدم جواز الزّيادة بل عن جماعة عدم جواز أخذ المساوي ولزوم الاقتصار على الأقلّ استناداً إلى بعض النّصوص(3) المنافي لعموم قاعدة السّلطنة وقوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً) (4) والمعارض بما هو أقوى منه، وحينئذ فالأجود جواز المساوي وفاقاً للمشهور.

1 . جواهر الكلام:33/94.
2 . الرياض:11/188.
3 . الوسائل:22/287، الباب 4 من كتاب الخلع والمباراة، الحديث 1و 4.
4 . النساء:4.

صفحه 165

الفصل الخامس

في الظّهار

(وهو حرام) في شرع الإسلام يترتّب عليه حرمة الزّوجة ولزوم الكفّارة بالعود كما سيأتي، وكان في الجاهليّة طلاقاً كالإيلاء محرّماً أبداً .
(و) هو مصدر المفاعلة مأخوذ من الظّهر، واختصّ الاشتقاق به، لأنّ (صورته) الأصليّة (أن يقول) الرّجل (لزوجته: أنتِ عليّ كظهر أُمّي أو إحدى المحرّمات) النّسبيّة أو الرّضاعيّة، وخصّ الظّهر لأنّه موضع الرّكوب في المركوب، والمرأة مركوبة وقت الغشيان، فركوب الأُمّ مستعار من ركوب الدّابّة، ثمّ شبّه ركوب من يملك نكاحها بركوب ظهر امرأة محرّمة عليه أبداً، وهو من لطائف الاستعارات.
(وشرطه) كلّ ما هو شرط في الطّلاق فيعتبر فيه (سماع شاهدي عدل، وكمال المظاهر) بلوغاً وعقلاً (والاختيار، والقصد، وإيقاعه في طهر لم يجامعها فيه إذا كان) زوجها (حاضراً) معها (و) كان (مثلها تحيض) فيصحّ في الصّغيرة واليائسة مطلقاً، وكذا في الغائب الّذي لا يعلم حال زوجته (و) لاريب في ذلك كلّه.
نعم (في) وقوعه بالنّسبة إلى الزّوجة (المتمتّع بها والأمة وغير المدخول

صفحه 166
بها، و) كذا في وقوعه معلّقاً مقروناً (مع الشّرط قولان) أشهرهما الوقوع في الأُوليين للعمومات (وَالّذينَ يظاهرون من نسائهم) (1) وغيره، وعدمه في الأُخريين; وهو في غير المدخولة كذلك، لصحيحة محمّد بن مسلم(2)، وأمّا في التّعليق فالأقرب الوقوع لصحيحة حريز (3)عن الصّادق (عليه السلام)(4) ، مضافاً إلى عمومات الكتاب والسّنّة .هذا.
وأمّا التّعليق على الوصف، فظاهر بعضهم الاتّفاق على عدم جوازه، لعمومات قاعدة لزوم التّنجيز.
(ولا يقع) الظّهار في حال الغضب، وإن لم يرتفع معه القصد أصلاً، ولا في حال السّكر للنّصّ(5) بل في الرّياض(6) نفي الخلاف فيها، وكذا لا يقع (في) ما إذا قصد به (إضرار) الزّوجة للنّصوص(7) المعتضدة بالشّهرة (و) كذا (لا) يقع (في يمين) بأن يجعله جزاء على فعل أو ترك قصداً للزّجر أو البعث على الفعل سواء تعلّق به أو بها كقوله: إن شربت الخمر أو تركت الصّلاة فأنتِ عليّ كظهر أُمّي، وذلك للأصل والنّصوص المستفيضة(8) والإجماعات المحكيّة كما

1 . المجادلة:3.
2 . الوسائل:22/316، الباب 8 من كتاب الظهار، الحديث2.
3 . هو حريز بن عبد اللّه السجستاني، أبو محمد الأزدي، من أهل الكوفة، أكثر السفر والتجارة إلى سجستان فعرف بها، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، ثقة، له كتب.
معجم رجال الحديث:4/249برقم 2637.
4 . الوسائل:22/334، الباب 16 من كتاب الظهار، الحديث7.
5 . الوسائل:22/315، الباب 7 من كتاب الظهار، الحديث 1و2.
6 . الرياض:11/198.
7 . الوسائل: 22/315، الباب 7 من كتاب الظهار، الحديث2.
8 . الوسائل: 22/311، الباب 6 من كتاب الظهار، الحديث 1و3 و4و....

صفحه 167
صرّح به بعض الأجلّة، وهو وإن كان مشاكلاً للشّرط، فيلزم من جواز ذلك على القول به الجواز هنا أيضاً، إلاّأنّه مفارق له في القصد والمعنى، لأنّ المراد من الشّرط مجرّد التّعليق وفي اليمين الزّجر والبعث مضافاً إلى حرمة القياس.
وبالجملة فإذا وقع الظّهار يحرم الوطء قبل التّكفير اتّفاقاً فتوىً ونصّاً(1) (ومع) العود عن الظّهار بـ(إرادة) استباحة (الوطي) الّذي حرّمه الظّهار (يجب الكفّارة) الآتية في الفصل الثّالث من كتاب الأيمان، وإلاّفلا تجب بمجرّد الظهار، بل لا يستقرّ الوجوب بمجرّد إرادة الوطي أيضاً بحيث تلزمه ولو مع العدول عنها وطلاقها بعدها أيضاً، بل وجوبها شرطيّ (بمعنى تحريم الوطي حتّى يكفّر) فلو عزم ولم يفعل ولم يكفّر ثمّ بدا له في ذلك فطلّقها سقطت عنه الكفّارة (فإن طلّق (2)) رجعيّاً (وراجع في العدّة لم تحلّ عليه حتّى يكفّر) لبقاء علقة الزّوجيّة السّابقة المترتبّة عليها حرمة الظّهار مضافاً إلى النّصّ (3) والإجماع وإطلاق الآية.
(ولو خرجت) العدّة في الطّلاق الرّجعيّ ثمّ تزوّجها ووطئها (أو كان بائناً فاستأنف) عقدها (في العدّة أو مات أحدهما) أو كلاهما قبل العود (أو ارتدّ) أحدهما أو كلاهما (فلا كفّارة) للأصل مع ظهور أدلّتها في أنّ الموجب لها العود والوطي بالعقد الأوّل الّذي لحقه التّحريم، فلا يكون وجه للكفّارة مع عدم العود إلى العقد الأوّل ولو لعدم إمكانه.
ثمّ إنّ الحكم في الموت كذلك بلا خلاف ولا إشكال.

1 . الوسائل: 22/303، الباب 1 من كتاب الظهار.
2 . خ ل: طلّقها.
3 . الوسائل: 22/318ـ 320، الباب 10 من كتاب الظهار، الحديث2و 7و 8.

صفحه 168
وأمّا الارتداد سوا ءكان قبل الدخول أو بعده، فإن كان من الرّجل عن فطرة فكذلك في بينونتها منه و سقوط حكم الظّهار في حقّه لعدم إمكان تزويجه عند من قال بعدم قبول توبته أصلاً، بل هو كذلك، ولو قلنا بقبول توبته على وجه يصحّ له تزويجه بامرأته لسقوط حكم الظّهار أيضاً لكونه حينئذ كالمطلّق بائناً بل أعظم، لأنّها تعتدّعدّة الوفاة وإن كان ارتداد الرّجل عن ملّة أو كانت المرتدّة هي المرأة مطلقاً فلا يسقط حكم الظّهار، لكون العدّة من الارتداد حينئذ رجعيّة فيترتّب حكمها من عود الظّهار مع العود في العدّة وعدمه مع انقضائها قبل العود ضرورة إمكان الرّجوع إلى الزّوجة بالإسلام في العدّة فهو بحكم الطّلاق الرّجعي، ]و [ قد مرّ عود حكم الظّهار فيه بالرّجوع في العدّة وهو واضح لا سترة عليه.
(و) بالجملة فـ(لو وطئ قبل التّكفير) في مورد لزومه (عامداً لزمه كفّارتان) للإجماعات المحكيّة، إحداهما للظّهار والعود، والأُخرى للوطي الّذي هو سبب آخر لها باعتبار حصول الحنث به بالظّهار الّذي هو كالنّذر واليمين بالنسبة إلى ذلك، مضافاً إلى النّصوص الخاصّة (وتتكرّر بكلّوطء كفّارة) واحدة له دون كفّارة الظّهار فهي بحالها لا تتكرر بتكرّر الوطء، وحينئذ فيجب عليه ثلاث للوطء الثّاني وأربع للثّالث وهكذا، وذلك لصدق الوطء قبل التّكفير على كلّ منها، وقد عرفت ظهور الأدلّة في كونه سبباً للتّكفيروالأصل عدم التّداخل.
(ولو عجز) المظاهر عن خصال الكفّارة وأبدالها التي سيذكرها في الفصل الثّالث من كتاب الأيمان (أجزأه الاستغفار) لموثّقة إسحاق بن عمّار الصّريحة في المضمار.
(و) اعلم أنّه إن صبرت المظاهرة على ترك الزّوج وطئها فلا اعتراض

صفحه 169
لأحد في ذلك، للأصل وانحصار حقّ الاستمتاع فيها فجاز إسقاطها له. نعم (إذا) لم تصبر و (رافعته) إلى الحاكم المعدّ لأمثال ذلك، خيّره الحاكم بين العود والتّكفير وبين الطّلاق، فإن أبى عنهما (أنظره الحاكم ثلاثة أشهر من حين المرافعة) لينظر في أمره، ثمّ إن لم يختر أحد الأمرين عند انقضائها (فـ) يحبس و (يضيّق عليه بعدها) في المطعم والمشرب ويمنع عمّا زاد على سدّ الرّمق (حتّى يكفّر) ويرجع عن الظّهار (أو يطلّق) ولا يجبر على أحدهما بل يخيّر بينهما.
(ولو ظاهر زوجته الأمة ثمّ اشتراها) من مولاها (ووطئها بالملك فلا كفّارة) لبطلان حكم العقد السّابق الّذي وقع عليه الظّهار بالملك كما بطل حكمه في تزويجها بعد العدّة الرّجعيّة أو استئناف عقدها في العدّة البائنة وقد عرفته، بل هو أقوى من التّزويج الثّاني لاختلاف جنس السّبب فيه دونه.

صفحه 170

الفصل السّادس

في الإيلاء

الّذي هو في الأصل الحلف، وفي الشّرع حلف الزّوج باللّه على ترك وطء الزّوجة المدخولة الدّائمة قبلاً أو مطلقاً، أبداً، أو مطلقاً من غير تقييد بزمان، أو مقيّداً بالزّيادة على أربعة أشهر، للإضرار بها، وقد كان طلاقاً في الجاهليّة كالظّهار، فغيّر الشارع حكمه وجعل له أحكاماً خاصّة مع اجتماع شرائطه، وإلاّ فهو يمين يعتبر فيه ما يعتبر في اليمين، وحينئذ فكلّ موضع لا ينعقد الإيلاء يكون يميناً مع اجتماع الشّرائط كما ذكره غير واحد. هذا.
(و) لا إشكال في أنّه (لا ينعقد) الإيلاء (بغير اسم اللّه تعالى ) المختصّ به أو الغالب فيه، لأنّه كما عرفت من اليمين المعتبر فيه ذلك، مضافاً إلى النّصوص الخاصّة، (و) كذا (لا) ينعقد الإيلاء لو كان (لغير إضرار) الزّوجة، بلا خلاف، فلو حلف لمصلحة بدنه، أو لصلاح اللّبن، أو لتدبير مرض، لم يكن له حكم الإيلاء، نعم يجري عليه حكم اليمين مع اجتماع شرائطه.
ولابدّ من صدوره (من كامل) بلوغاً وعقلاً (مختار قاصد) مطلقاً (وإن كان عبداً) أو كافراً مقرّاً باللّه تعالى ليمكن حلفه به (أو خصيّاً) يولج ولا ينزل (أو مجبوباً) بقي منه قدر يمكن معه الجماع، بلا خلاف في ذلك، بل مطلقاً عند جماعة، للعمومات، ولكنّ الأشبه عدم الوقوع فيما لم يبق منه ذلك،

صفحه 171
لامتناع متعلّق اليمين حينئذ كما لو حلف أن لا يصعد إلى السّماء، مع أنّ شرطه الإضرار الغير المتصوّر في الفرض; وأمّا العبد فلا ريب في جوازه منه مطلقاً إذن مولاه أم لا، حرّة كانت زوجته أو أمة، إذ لا حقّ لسيّده في وطئه لها، بل له الامتناع منه وإن أمره به.
(ولابدّ أن تكون المرأة) المولّى منها (منكوحة بـ) العقد (الدّائم، مدخولاً بها) ولو دُبراً (وان يولي مطلقاً) غير مقيّد بزمان أصلاً، فيحمل على التّأبيد، ضرورة توقّف الصّدق على الانتفاء في جميع الأوقات، أو مقيّداً بالدّوام الّذي هو تأكيد لما اقتضاه الإطلاق (أو) مقيّداً بما كان (أزيد من أربعة أشهر) ولو لحظة، فلا يقع بالمملوكة، ولا غير المدخولة، ولا الأجنبيّة ولو علّقه على النّكاح، ولا المقيّد بالأربعة فما دون، بلا شبهة وريبة، وكذا الزّوجة المنقطعة، للشّهرة العظيمة.
واعلم أنّ مدّة التّربّص للزّوجة في الإيلاء أربعة أشهر من حين الإيلاء، حرّة كانت أو أمة، مسلمةً أو ذميّة، وكلّ المدّة حقّ للزّوج، حرّاً كان أو مملوكاً، مسلماً أو كافراً إن وطئ فيها كفّر وانحلّ الإيلاء، وإلاّتربّص إليها، وليس للزوجة مطالبته فيها بالرّجوع والفئة.
وحينئذ (فإذا) لم يطأها، ولم تصبر، و (رافعته) إلى الشّرع (أنظره الحاكم(1) أربعة أشهر) من حين الإيلاء للنّصوص الكثيرة(2) (فإن رجع وكفّر) بعد الوطء بكفّارة اليمين فلا بحث، (وإلاّ) يرجع وأصرّ على الامتناع و رافعته بعد المدّة ثانياً (ألزمه) الحاكم بأحد أمرين تخييراً (الطّلاق أو الفئة

1 . خ ل: إلى.
2 . الوسائل:22/347ـ 349، الباب 8 من أبواب الإيلاء، الحديث1و 3و 4و 5و 6و 7.

صفحه 172
والتّكفير) وليس له إجباره على أحدهما تعييناً، كما لا يجوز له الطّلاق عنه يقيناً، فانّ الطّلاق بيد من أخذ بالسّاق، وما عن بعض العامّة من أنّ له ذلك واضح الفساد، فإن امتنع عن الأمرين حبسه الحاكم (ويضيّق عليه في المطعم والمشرب حتّى يفعل أحدهما و) إذا طلّق فالمشهور أنّه (يقع الطّلاق رجعيّاً) حيث لا يكون لبينونته سبب آخر لوجود المقتضي، وهو وقوعه بشرائط الرّجعيّ مع انتفاء المانع، إذ ليس إلاّ كونه طلاق مول مأموراً به تخييراً، وهو لا يقتضي البينونة، هذا، مع أنّ الرّجعي هو الأصل في الطّلاق، ولذا احتاج البائن إلى سبب يقتضيه.
(ولو آلي مدّة) معيّنة تزيد عن الأربعة (فدافع) بعد المرافعة ولم يفعل أحد الأمرين (حتّى خرجت) تلك المدّة (فـ) قد سقط حكم الإيلاء و (لا كفّارة) عليه مع الوطء بعده (و) إنّما يجب (عليه الكفّارة لو وطئ قبله) لأنّها تجب مع الحنث في اليمين، ولا يتحقّق إلاّمع الوطء فيها، وأمّا إذا انقضت سقط حكم اليمين سواء رافعته وألزمه الحاكم بأحد الأمرين أم لا، لاشتراكهما في المقتضي، وإن أثم بالمدافعة على تقدير المرافعة.
(ولو ادّعى) الوطي و (الإصابة) فأنكرته (فالقول قوله مع يمينه) بلا خلاف كما صرّحوا به، وبه هان مخالفة القواعد المقرّرة من تقديم قول المنكر، وإنّما خالفوها لتعذّر إقامة البيّنة، أو تعسّرها، فلو لم يقبل قوله فيه مع إمكان صدقه لزم الحرج، ولأنّه من فعله الّذي لا يعلم إلاّمن قبله، مع أنّ الأصل بقاء النّكاح وعدم التّسلط على الإجبار على الطّلاق، مضافاً إلى نصّ باقريّ(1) وآخر

1 . الوسائل:21/233، الباب 15 من أبواب العيوب، الحديث1.

صفحه 173
صادقيّ.(1)
ثمّ إنّك قد عرفت أنّ الموليَ بعد انقضاء المهلة يطالب بالطّلاق أو الفئة (و) نقول هنا في بيان ما تحصل به: إنّ (فئة) المولي ( القادر) على الجماع عقلاً وشرعاً وحسّاً (هو الوطء قبلاً) الّذي هو المحلوف عليه، (وفئة) المجبوب (العاجز) عن ذلك على القول بوقوع الإيلاء منه كما أشرنا إليه الاعتذار عن عجزه و (إظهار العزم على الوطء مع) حصول (القدرة) والاستطاعة، وكذا فئة الصّحيح لو انقضت المدّة وله مانع من الوطء عقليّ كالمرض، أو شرعيّ كالحيض، أوحسيّ أو عاديّ كالتّعب والجوع والشّبع، و هو واضح لا سترة عليه، وصرّح به في الرّوضة.(2)
(ولا تتكرّر الكفّارة بتكرّر اليمين) إذا كان المحلوف عليه واحداً، والزّمان واحداً، كأن يقول: واللّه لا أطالب خمسة أشهر، واللّه لا أطأك خمسة أشهر، أو يقول أبداً فيهما، وذلك لأنّ اليمين مبالغة في المحلوف عليه وإنّما تغايرها بتغاير المحلوف عليه لا الصّيغة، فإذا كرّرها على محلوف عليه واحد فإنّما زاد في التّأكيد والمبالغة ولا يجدي قصد المغايرة، وهذا بخلاف تغاير زمان الإيلاء أي الوقت المحلوف على ترك الوطء فيه كأن يقول: واللّه لا أطأك ستّة أشهر، واللّه لا أطأك ستّة أشهر بعد انقضاء السّتة الأُولى، ونحو ذلك، فهما إيلاءان كما صرّح به جمع من الأعيان، ولها المرافعة لكلّ منهما، فلو ماطل في الأوّل حتّى انقضت مدّته انحلّودخل وقت الآخر.

1 . الوسائل: 22/356، الباب 13من أبواب الإيلاء، الحديث1.
2 . الروضة:6/164.

صفحه 174

الفصل السّابع

في اللّعان

الّذي هو في الأصل مصدر لاعن بمعنى الطّرد والإبعاد من الخير، والاسم اللّعنة; وشرعاً مباهلة بين الزّوجين بكلمة مخصوصة في إزالة حدّ أو نفي ولد عند الحاكم.
والأصل فيه بعد الإجماع، الكتاب والسنّة المستفيضة، قال اللّه تعالى: (والّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهادة ُأَحدِهِم أَربعُ شَهادات بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقينَ* وَالخامِسَةُ أَنَّ لعنَتَ اللّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الكاذِبين* وَيَدْرَؤُا عَنْها العَذاب أَنْ تَشهَدَ أَربَعَ شَهادات بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ *وَالخامِسةَ انَّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِين) .(1)
(و سببه) الشّرعي أمران:
أحدهما: (قذف الزّوجة) الدّائمة المدخولة المحصنة العفيفة الغير المشهورة (بالزّنا) و رميها به (مع ادّعاء المشاهدة، وعدم البيّنة) فلو رمى الأجنبيّة، أو الزّوجة المتمتّع بها، أو الدّائمة الغير المدخولة، أو المدخولة مع عدم دعوى المشاهدة، سقط اللّعان وتعيّن الحدّ، كما أنّه لو كان له بيّنة على ما قذفها به

1 . النور:6ـ9.

صفحه 175
سقط عنه الحدّ واللّعان، وكذا لو كانت المقذوفة مشهورة بالزّنا، لأنّ اللّعان إنّما شرّع صوناً لعرضها من الانهتاك، وعرض المشهورة منهتك.
وثانيها: ما ذكره المصنّف بقوله: (أو إنكار) من (ولد) على فراشه ممّن (يلحق (1) به ظاهراً) لولا لعانه، كأن يولد من زوجته الدّائمة لأقلّ الحمل فصاعداً من حين الوطء قبل أقصاه، فلو علم ولادته تامّاً لأقلّ من ستّة أشهر أوولد بعد أقصى الحمل لم يلحق به قطعاً وانتفى عنه بغير لعان، وكذا لو نفى ولد المملوكة أو المتعة، فانّه ينتفي ظاهراً بغير لعان، وإن فعل حراماً حيث نفى ما حكم الشّارع بلحوقه به ظاهراً.
(ويشترط في) كلّ من ( الملاعن والملاعنة، التّكليف) بالبلوغ، والعقل، فلا عبرة بلعان الصّبي والمجنون زوجاً أو زوجة، إجماعاً، لعدم العبرة بكلامهما، مع رفع القلم عنهما (و) أمّا الأخرس فيصحّ لعانه إذا كان له إشارة معقولة إن أمكن معرفته اللّعان، نعم يشترط (سلامة المرأة من الصّمم والخرس) ولو قذفها مع أحدهما بما يوجب اللّعان حرمت عليه مؤبّداً بدون لعان، للنصّ(2)، ويحتمل كون نفي الولد أيضاً كذلك، لمساواته القذف في الحكم، وإن كان الأشبه جريان اللّعان فيه، لعموم أدلّته، مع اختصاص النّصّ بالقذف، ومنع المساواة مطلقاً.
(و) يشترط أيضاً (دوام النّكاح) فلا يجوز لعان المتمتّع بها مطلقاً على الأشهر، بل عن جماعة عليه الإجماع في نفي الولد وعن الغنية(3) مطلقاً، وقد مرّ منّا

1 . خ ل: يلتحق.
2 . الوسائل:22/427، الباب 8 من كتاب اللعان.
3 . الغنية:378.

صفحه 176
في الفصل الرّابع من كتاب النّكاح ما يدلّ على نفي اللّعان في المنقطعة بقول مطلق، فراجع.
(وفي اشتراط الدّخول) بالزّوجة في مشروعيّة اللّعان (قولان) أشهرهما المرويّ في النّصوص المستفيضة ذلك، فلا لعان في غير المدخولة، بل الواجب الحدّ فقط لو قذفها بما يوجب اللّعان.
(وصورته) الّتي يتحقّق بها (أن يقول الرّجل) أوّلاً عند الحاكم (أشهد باللّه إنّي لمن الصّادقين فيما قلته عن (1) هذه المرأة) من الزّنا أو نفي الولد المعيّن، ويكرّرها (أربع مرّات) .
ولا يصحّ إلاّ مع إذن الحاكم وتلقينه كما صرّحوا به، ولعلّه لكونه شهادة أو يميناً لا تؤدّى إلاّ بإذنه، ولا يعتدّ به قبل استحلافه; (ثمّ يعظه الحاكم) استحباباً كما سيُصرّح به قبل كلمة اللّعنة، ويخوّفه اللّه تعالى ويقول له: إنّ عذاب الآخرة أشدّ من عذاب الدّنيا ويقرأ عليه: (إِنَّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً)(2)وانّ لعنه لنفسه يوجب اللّعنة إن كان كاذباً و نحو ذلك.
(فإن رجع) عن اللّعان ونكل عنه أو اعترف بالكذب سقط عنه حكمه و (حدّ) للقذف إن كان اللّعان له لا مطلقاً و لم ينتف عنه الولد مطلقاً بلا خلاف، لإيجاب القذف الحدّ والفراش لحوق النّسب ولا ينتفيان إلاّ باللّعان وقد أبى عنه في المقام، (وإلاّ) يرجع عنه (قال) بعد شهادته أربعاً كذلك (انّ لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين) فيما رماها به من الزّنا أو نفي الولد، ويبدّل ضمير الغائب بياء المتكلّم، وبذلك يسقط الحدّ عنه، وبه يفترق عن الأجنبيّ

1 . خ ل: على.
2 . آل عمران:77.

صفحه 177
الّذي يثبت الحدّ عليه بالقذف ولا يسقط بعده بشيء.
(ثمّ) بعد ما فرغ الرّجل من الشّهادة واللّعنة (تقول المرأة أربع مرّات أشهد باللّه أنّه لمن الكاذبين) فيما رماها به من الزّنا، (ثمّ يعظها الحاكم) استحباباً بنحو ذلك، (فإن اعترفت) بالزّنا أو نكلت عن إتمام اللّعان (رجمها) إيفاءً لحدّ الزّنا فانّ لعانه حجّة شرعيّة، (وإلاّ قالت) بعد شهادتها أربعاً كذلك: (إنّ غضب اللّه عليها إن كان من الصّادقين)، و مع لعانها كذلك يترتّب عليه سقوط الرّجم عنها وانتفاء الولد عن الرّجل دونها إن كان اللّعان لنفيه وحرمتها الأبديّة (فتحرم) هي (أبداً) عليه للنّصوص المعتبرة الكثيرة.(1)
(و) حيث إنّ اللّعان وظيفة شرعيّة كالعبادة لا مجال للعقل فيه بالمرّة، فـ(يجب) فيه الاقتصار على ما ورد به الكتاب والسّنّة وهو (التّلفّظ بالشّهادة) على الوجه المذكور الوارد في الأدلّة، فمع إبدالها بمعناها ومرادفها لا يحكم بالصّحة.
(و) كذا يجب (قيامهما) كلّ (عند التلفّظ) بوظيفته وإن كان الآخر جالساً عنده كما هو أحد القولين والرّوايتين(2)، والأظهر وفاقاً لأشهرهما وأصحّهما قيامهما جميعاً بين يدي الحاكم، ولا يبعد بذلك إرادة هذا المعنى من عبارة المتن.
(و) يجب أيضاً (بدأة الرّجل) بالتّلفظ، ثمّ المرأة على التّرتيب

1 . الوسائل: 22/407ـ 412، الباب 1من كتاب اللعان.
2 . الوسائل: 22/409، الباب 1 من كتاب اللعان، الحديث4و6.

صفحه 178
المذكور ولا يجزي العكس لذلك، مضافاً إلى أنّ لعانها لإسقاط الحدّ الّذي وجب عليها بلعان زوجها الّذي هو حجّة شرعيّة.
(و) من الواجب (تعيين المرأة) اسماً أو نسباً أووصفاً أو إشارة بحيث يمنع المشاركة (والنّطق بالعربيّة) الصّحيحة (مع القدرة، و يجوز غيرها مع التّعذّر(1)).
(و) كذا يجب الموالاة بين كلماته والتّرتيب كما ذكر بـ(البدأة بالشّهادات ثمّ باللّعن في الرّجل، والمرأة تبدأ بالشّهادات ثمّ بالغضب) فلو عكس في ترتيب الكلمات أو أخلّ بموالاتها و تراخى بما يعدّفصلاً أو تكلّم في خلالها بغيره بطل.
(ويستحبّ جلوس الحاكم مستدبر القبلة) ويقيمهما مستقبلين بحذائه لصريح النصّ(2) و وقوف (الرّجل عن يمينه والمرأة عن يساره) في يمين الرّجل (وحضور من يسمع(3) اللّعان) من الصّلحاء والأعيان للنّصّ(4) وليعرف النّاس ما يجري عليهما من التّفريق المؤبّد أو حكم القذف أو ثبوت الزّنا; وقيل: أقلّ ما يتأدّى به الوظيفة أربعة نفر عدد شهود الزّنا لعدم ثبوته بغيره فيحضرون لإثباته، ولا دليل عليه بخصوصه إلاّ أنّ الأمر سهل في المندوبات.
(و) منها: (الوعظ) للرّجل بعد الشّهادة و (قبل اللّعن و) للمرأة بعد الشّهادة و قبل (الغضب) كما ذكر.

1 . خ ل: العذر.
2 . الوسائل: 22/409، الباب 1 من كتاب اللعان، الحديث 4.
3 . خ ل: يستمع.
4 . الوسائل:22/409، الباب 1 من كتاب اللعان، الحديث5.

صفحه 179
وقد ظهر لك ممّا مرّانّه لو أكذب نفسه في أثناء اللّعان أو نكل ولو بكلمة واحدة، ثبت عليه حدّ القذف ولم يثبت الأحكام الباقية الّتي علم أنّها مترتّبة على اللّعان الّذي لا يتحقّق إلاّ بإكماله فبدونه لا يثبت شيء منها للأصل.
وكذا لو نكلت هي أو أقرّت بعد لعان الرّجل، رجمت، لأنّها محصنة وحدّها الرّجم، وهذا فيما ]لو[ قذفها بالزّنا، وأمّا إذا لاعنها لنفي الولد بلا قذف لم يثبت الحدّ عليها إلاّ أن تقرّبموجبه، وفي الأوّل يسقط الحدّ عنه بلعانه ولا يزول الفراش ولا يثبت التّحريم مع فرض إقرارها أو نكولها ولو بكلمة واحدة بلا خلاف ولا إشكال في شيء من ذلك نصّاً(؟؟؟)الوسائل: 22/415، الباب 3 من كتاب اللعان، الحديث3. و فتوىً. هذا .
ولا يحتاج في رجمها إلى إقرارها أربعاً بعد لعانه الّذي هو كإقامة البيّنة عليها فمع فرض نكولها عن اللّعان لم يسقط عنها الحدّ الثّابت بلعانه، نعم لو أقرّت قبل لعانه اعتبر كونه أربعاً كغيره من الإقرار بالزّنا.
(ولو أكذب نفسه بعد اللعان حدّ للقذف) وجوباً فإنّه يسقط باللّعان مع علم صدقه أو اشتباه حاله أو اعترافه بكذبه ينفيهما مضافاً إلى النصّ ولم يتغيّر أحكام اللّعان (ولم يزل التّحريم) المؤبّد ولا يعود الفراش بإكذاب نفسه بلا خلاف ولا إشكال نصّاً(1) وفتوىً واستصحاباً، ولكن يلحق الولد به نصّاً(2) وفتوىً لكن فيما عليه، لا فيما له لإقراره أوّلاً بالانتفاء منه، (و) لذا قال: إنّه (يرثه الولد) المنفيّ عنه شرعاً باللّعان (مع اعترافه بعد اللّعان) بكونه منه، (ولا يرثه الأب ولا من يتقرّب به)، و ذلك لأنّ اعترافه إقرار في حقّ نفسه بإرثه

1 . الوسائل: 22/423، الباب 6 من كتاب اللعان.
2 . المصدر نفسه.

صفحه 180
منه و دعوى ولادته قد انتفت شرعاً باللّعان، فيثبت إقراره على نفسه ولا يثبت دعواه على غيره، ولذا لا يرث الابن أقرباء الأب ولا يرثونه، لأنّ الإقرار لا يتعدّى المقرّ، وقد ظهر ممّا مرّ أنّه ترثه الأُمّ ومن يتقرّب بها كإرثه منهم، لعدم انتفاء الولد عنها بعد تمام اللّعان فضلاً عن أثنائه وإنّما ينتفي عن الرّجل فقط. هذا.
(ولو اعترفت المرأة ) بالزّنا وأكذبت نفسها (بعد اللّعان) فكذلك لا يعود الفراش ولا يزول التّحريم ولا يوجب الحدّعليها بمجرّده إجماعاً، لأنّه إقرار بالزّنا وهو لا يثبت إلاّ أن تقرّ (أربعاً) كما سيأتي في بابه إن شاء اللّه تعالى، فيجب عند الأكثر لعموم ما دلّ على ثبوت الحدّبالإقرار أربعاً من الكامل الحرّالمختار; و (قيل) لا (تحدّ) هنا، لسقوطه باللّعان فلا يعود، ولعلّه أجود.
(ولو ادّعت المرأة المطلّقة الحمل منه فأنكره)، فمع اتّفاقهما على الدّخول يلحق به الولد ولا ينتفي عنه إلاّباللّعان إجماعاً، ولو اختلفا فيه فادّعت المطلّقة الدّخول وأنكره الزّوج (فأقامت بيّنة بإرخاء السّتر) عليها، (فالأقرب) عند المصنّف وكثير من المتأخّرين توجّه اليمين إلى الزّوج وانتفاء الولد عنه بها ولزوم نصف المهر لها و (سقوط اللّعان ما لم يثبت الدّخول) الّذي هو شرط بالإقرار أو البيّنة وإرخاء السّتر منه ولا أثر للبيّنة القائمة به ولا يتوجّه عليه الحدّ، لأنّه لم يقذف فإنّ إنكار الولد أعمّ من ذلك ولا أنكر ولداً يلحق به ويلزمه الإقرار حتّى يصحّ اللّعان منه.
وبعبارة أُخرى: لم يثبت الوطء الّذي به يتحقّق الفراش المقتضي للحوق الولد به، وفيه قول آخر بأنّه يلاعنها في الفرض وتبين منه ويلزم عليه المهر كملاً، لرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1)، المخالفة بعد تصحيح سندها

1 . الوسائل:22/412، الباب 2 من كتاب اللعان، الحديث1.

صفحه 181
ودلالتها للأُصول الثّابتة بالأخبار الصّحيحة من اشتراط اللّعان بالدّخول الّذي هوحقيقة في الوطء خاصّة دون الخلوة وعدم لزوم تمام المهر بالخلوة. هذا .
وفي محكيّ النّهاية(1) بعد الحكم باللّعان والتّحريم وتمام المهر على تقدير إقامة البيّنة على إرخاء السّتر انّه إن لم تقم بيّنة على ذلك كان عليه نصف المهر ولا لعان وعليها مائة سوط.
ولا إشكال في الأوّلين للزومهما لعدم الدّخول، وأمّا الثّالث فمع الغضّ عن عدم دلالة الرّواية المزبورة عليه لا وجه له أصلاً ضرورة عدم ثبوت حدّ عليها، فإنّ إنكار الولد منه و إن انتفى بدون لعان لا يقتضي زناها، والأصل يقتضي عدم وجوب الحدّ واعترافها بالوطء والحمل منه الّذي كان القول قوله في نفيهما للأصل مع عدم ثبوت السّبب المحلّل لا يوجب حدّاً عليها، لأنّه أعمّولا يلزم من انتفاء السّبب الخاصّ المحلّل انتفاء غيره من الأسباب وإن لم تدّعه، ولا أقلّ من أن يكون دعواها ذلك شبهة دارئة للحدّ وعدم ثبوت دعواها شرعاً لا يحقّق وصف الزّنا قطعاً، وعلى تقدير تسليم جميع ذلك لا وجه لإطلاق ثبوت الحدّ بمجرّد الاعتراف بل لابدّ من اشتراط كون الإقرار أربعاً، واللّه العالم.

1 . النهاية ونكتها:2/456.

صفحه 182

صفحه 183

كتاب العتق وتوابعه

وهو في اللّغة: الخلوص; وفي الشّرع: خلوص المملوك الآدميّ أو بعضه من الرّق بالنّسبة إلى العتق الأصلي، وأمّا بالنّسبة إلى عتق المباشرة المقصود بالذّات من هذا الكتاب تخلّص المملوك الآدميّ أو بعضه من الرّق منجّزاً بصيغة مخصوصة، وفضله متّفق عليه بين المسلمين، والأصل فيه بعده الكتاب والسنّة المستفيضة ففي تفسير قوله تعالى: (إذ تَقُولُ لِلّذي أنعَمَ اللّهُ عليهِ وأنعَمْتَ عَلَيه)(1) أنعم اللّه عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالعتق.
وفي النّبويّ المشهور المستفيض بين الطّرفين ولو بعبارات مختلفة: من أعتق مسلماً مؤمناً(2) أعتق اللّه العزيز الجبّار بكلّ عضو منه عضواً له من النّار. (3)
(وفيه فصول):

1 . الأحزاب:37.
2 . خ ل.
3 . الوسائل:23/9، الباب 1من أبواب كتاب العتق، الحديث1.

صفحه 184

صفحه 185

الفصل الأوّل:

]في الرّق [

(في) بيان متعلّق (الرّق) و من يجوز استرقاقه.
اعلم أنّه (يختصّ الرّق) أي الاسترقاق (بأهل الحرب) من أصناف الكفّار مطلقاً (و(1) بأهل الذّمّة إن أخلّوا بالشّرائط) المقرّرة لها دون الملتزمين بها.
(ويحكم على) البالغ العاقل (المقرّ) على نفسه (بالرّقيّة) حال كونه (مختاراً) بها مع عدم العلم من الخارج بخلافها، لعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز (ولا يقبل قول مدّعي الحرّيّة إذا كان يباع في الأسواق إلاّببيّنة) بلا خلاف كما قيل، لأنّ ظاهر اليد والتّصرف يقتضي الرّقيّة حملاً لأفعال المسلمين على الصّحّة، وبه يخرج عن أصالة الحريّة الثّابتة بالصّحيحة(2) : النّاس كلّهم أحرار، إلاّمن أقرّعلى نفسه بالعبوديّة وهو يدرك من عبد أو أمة.
(ولا يملك الرّجل ولا المرأة أحد الأبوين وإن علوا، و الأولاد وإن نزلوا،و ) كذا (لا يملك الرّجل) فقط واحداً من (المحارم بالنّسب من

1 . خ ل: أو.
2 . الوسائل:23/54، الباب 29 من كتاب العتق، الحديث1.

صفحه 186
النّساء) كالخالة والعمّة والأُخت وبنتها وبنت الأخ (ولو ملك أحد هؤلاء) المذكورين (عتق) بمجرّده قهراً، للإجماعات المحكيّة والنّصوص المستفيضة(1)، ويستفاد منها انّه يملك غير المذكورين من الرّجال والنّساء مضافاً إلى الإجماع المحكيّ فيه وفي أنّه على كراهيّة ويتأكّد الكراهيّة فيمن يرثه كما يستفاد ملك المرأة سوى العمودين من الأرحام وعدم انعتاقهم عليها، ولا خلاف فيه.
(و) المشهور نصّاً(2) وفتوىً انّ (حكم الرّضاع حكم النّسب) فينعتق عليه بذلك من ينعتق عليه بهذا.

1 . الوسائل: 23/18، الباب 7 من كتاب العتق.
2 . الوسائل: 23/22، الباب 8 من كتاب العتق.

صفحه 187

الفصل الثّاني:

]في العتق[

في جملة من القول في الأسباب الأربعة لإزالة الرّق:
منها: الملك المذكور في الفصل السّابق.
ومنها: السّراية والعوارض المذكوران في آخر هذا الفصل.
ومنها: المباشرة الّتي ينشعب إلى التّدبير والكتابة المذكورة كلّ منهما في فصل على حدة.
(والعتق) المقصود هنا بيانه (والصّريح) من عباراته (صريح ألفاظه)(1) المتحقّق به قطعاً التّحرير، كأن يقول: (أنت) أو هذا فلان (حرّ، وفي) وقوعه بـ(لفظ العتق إشكال) من الشّكّ في كونه كناية عن التّحرير فلا يقع به أو مرادفاً له فيدلّ عليه صريحاً ويقع، ولكنّ الأقرب وقوعه به لصراحته فيه في العرف المقدّم على الشّرع واللّغة لو أغمضنا عن صراحته فيهما أيضاً بل استعماله فيه أكثر من التّحرير جدّاً.
(و) لا ينبغي الشكّ في ذلك كما لا ريب في أنّه (لا يقع بغيرهما) من الألفاظ (و لا بالإشارة و) لا (الكتابة مع القدرة) على النّطق لأصالة بقاء

1 . خ ل.

صفحه 188
الرّق إلى أن يثبت خلافه ولم يثبت في المقام كيف، وقد صرّح بعض الأجلّة بالإجماع على عدم وقوعه فيه كما لا ريب في كفاية الإشارة والكتابة مع العجز عن النّطق، ولابدّ في العتق من التّنجيز.
(ولا يقع مشروطاً) بشرط متوقع أو صفة مترقبّة متيقّن الحصول إلاّفي التّدبير كما سيأتي في الفصل اللاّحق، وذلك لأصالة بقاء الرّق مع دعوى الإجماع عليه في محكيّ التّنقيح(1) والمختلف.(2)
(و) كذا (لا) يقع (في يمين) على المعنى الّذي سمعته في الظّهار.
(ولو شرط مع العتق شيئاً) آخر سائغاً (من خدمة وغيرها) كالمال (جاز)، للإجماع عليه في بعض عبارات الأجلّة مع عمومات لزوم الوفاء بالشّرط السّليمة عن المعارض، لكونه عتقاً مع شرط لا عتقاً بشرط حتّى يكون من التّعليق المبطل كما هو مفروض العبارة.
(وشرطه التّكليف) بالبلوغ والعقل (في) المولى (المعتق) وجواز التصرّف المالي (والاختيار والقصد) إلى العتق (و) قصد (القربة) به إلى اللّه تعالى فلا يقع من الصّبيّ ولا المجنون في حال جنونه ولا السّفيه ولا المكره ولا النّاسي أوالغافل أوا لهازل أوالسّكران، ولا ما لم يقصد به وجه اللّه سبحانه بلا إشكال في شيء من ذلك.
(و) يشترط أيضاً (إسلام العبد) المعتق وكونه مملوكاً لمولاه إجماعاً في الثّاني، وعلى الأشهر المحكيّ عليه الإجماع في بعض العبارات في الأوّل، للأصل وخصوص بعض النصوص(3) المنجبر قصور سنده واختصاصه بالمشرك بالشّهرة

1 . التنقيح الرائع:3/433ـ 434.
2 . المختلف:8/50.
3 . الوسائل:23/35، الباب 17 من كتاب العتق، الحديث5.

صفحه 189
وعدم القائل بالفرق.
(ويكره إعتاق(1) المخالف) في المذهب للنّهي عنه في بعض الأخبار(2).
(و) لكن (لو نذر عتقه أو عتق الكافر) انعقد و (صحّ) بلا كراهة ولا حرمة.
ولعلّه للجمع بين الرّواية المذكورة الناهية عن عتق المشرك(3) وبين ما روي أنّ عليّاً عليه الصّلاة والسّلام أعتق عبداً نصرانيّاً فأسلم حين أعتقه(4)، بحمله على النّذر وحمل الأُولى على عدمه.
ولكن لا شاهد لهذا الجمع مع أنّ عتق الكافر إذا كان حراماً كان نذره نذراً في معصية وهو محرّم بلا شبهة، فالجمع بين حرمة عتق الكافر وصحّة نذره أشبه شيء بالجمع بين الضّدّين.
والأوجه عدم اعتبار الإسلام في المعتق بالمرّة وصحّة عتق المملوك الكافر وكونه محلاً للتّقرّب يتبع المستفاد من الأدلّة، فمع فرض إطلاقها الأمر بعتق مطلق الرّقبة فلا إشكال في صحّة النيّة، إذ ليس كون العتق عبادةً مأخوذة من رجحان الإحسان ونحوه حتّى يقال: انّ الكافر ليس أهلاً له، مع أنّ المصالح المترتّبة على ذلك لا يحيط بها إلاّ علاّم الغيوب، فربّما أدّى ذلك إلى إسلامه كما سمعته في عتق عليّ(عليه السلام) ، بل ورد في بعض النّصوص الأمر بسقيهم وإطعامهم معلّلة بأنّ لكلّ كبد حرّاء أجراً(5)، وإعطائهم من سهم المؤلّفة من الزّكاة المعتبر فيها قصد القربة معروف، والخبر النّاهي المذكور مع ضعفه وكونه أخصّ من المدّعى كما سمعته،

1 . خ ل.
2 . الوسائل:23/34، الباب 17 من كتاب العتق، الحديث3.
3 . الوسائل:23/35، الباب17 من كتاب العتق، الحديث5.
4 . الوسائل:23/34، الباب 17 من كتاب العتق، الحديث2.
5 . بحار الأنوار:74/370.

صفحه 190
لاختصاصه بالمشرك يمكن حمله على ضرب من الكراهة، لرجحان إطلاق الأدلّة المعتضد بما سمعته سيّما المروي من فعل عليّ(عليه السلام) ، ولا داعي على حمله على صورة النّذر فقط لخلوّه من الشّاهد.
(ويستحبّ أن يعتق) مماليكه مطلقاً ويتأكّد في (من) كان مؤمناً منهم، ومن (مضى له في ملكه سبع سنين فصاعداً) للخبر.(1)
(ولو نذر عتق كلّ عبد له قديم) في ملكه (أعتق من كان) منهم (في ملكه ستّة أشهر فصاعداً) للمرسل(2) المنجبر بعمل الأكثر، هذا إذا لم ينو شيئاً آخر غير ما ورد به الشّرع ولم يكن هناك عرف يقتضي خلافه، وإلاّفالمتّبع قصده أو ذلك العرف وإن كان مخالفاً لما ورد في ذلك.
(ولو نذر عتق أوّل مملوك يملكه فملك) واحداً وجب عتقه سواء ملك بعده آخر أم لا، لتحقّق الأوّليّة بعدم سبق الغير ولا يتوقّف على تحقّق شيء بعده; ولو ملك (جماعة استخرج) من يعتقه منهم (بالقرعة) بينهم للصّحيحة، لكن (على خلاف) فيه ناش من ذلك، و من خبر آخر صريح في التخيير ضعيف.(3)
و هاهنا قول ثالث بلزوم عتق الكلّ ولعلّه لصدق متعلّق النّذر على الجميع ولا ريب انّه خلاف نيّته.
ورابع ببطلان النّذر من أصله لعدم تحقّق متعلّقه ولا يعارض شيء من ذلك ما مرّ من النصّ الجلي.

1 . الوسائل:23/59، الباب33 من كتاب العتق.
2 . الوسائل:23/56، الباب30 من كتاب العتق، الحديث1.
3 . الوسائل:23/93، الباب 57 من كتاب العتق، الحديث3.

صفحه 191
(و) اعلم أنّ (العبد لا يملك شيئاً وإن ملّكه مولاه على الأقوى) لعدم استعداده للملك، وعلى هذا (فلو أعتقه وبيده مال فالمال) الّذي بيده (للمولى) مطلقاً (وإن علم به) حين العتق ( ولم يستثنه) فإنّ لفظ العتق لا يتضمّن غير فكّ الرّق لا إباحة المال.
(ولو أعتق ثلث عبيده) ومماليكه مثلاً، أو جزءاً مشاعاً آخر ولم يعيّن أو عيّن وجهل، وكذا لو أعتق جميع مماليكه في مرض موته وليس له سواهم، وقلنا بنفوذه من الثّلث واحتيج إلى استخراجه (استخرج) الثّلث ونحوه من الأجزاء المشاعة (بالقرعة) بلا خلاف، كما صرّح به بعض الأجلّة، بل عليه الإجماع في محكيّ التّنقيح(1) والكفاية(2)، لعموم ما دلّ على اعتبارها في كلّ أمر فيه جهالة، ومنه مفروض المسألة مع أنّ العتق حقّ للمعتق (بالفتح) و لا ترجيح لبعضهم على آخر لعدم التّعيين، فوجب استخراجه بالقرعة، وإنّما لم يعتق ثلث كلّ واحد بالإشاعة كما لعلّه يتبادر أو يتوهّم للنبويّ المعمول به الصّريح في فعله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك مع استلزام عتق الكلّ الإضرار بالمالك لما ستسمعه في المسألة التّالية من حكم السّراية، وأمّا طريق القرعة فيكتب أسماء كلّ من المماليك في رقعة ثمّ يخرج واحداً واحداً على الحرّيّة أو الرّقيّة على نسبة المطلوب في القلّة والكثرة إلى أن يستوفيه، وأمّا أن يعكس ويكتب في بعض الرّقاع الحريّة وفي آخر الرّقيّة ثمّ يخرج على الأسماء واحداً بعد واحد إلى أن يستوفيه. هذا.
ويمكن تقسيم العبيد أيّاً ما كانوا إلى ثلاثة وإخراج القرعة على النّحو المذكور على كلّ من الأجزاء لا على أسمائهم واحداً واحداً بأن يكتب ثلاث رقاع في كلّ واحد منها أسماء جزء من الأجزاء الثلاثة ثمّ يخرج واحدة منها على الحرّيّة

1 . التنقيح الرائع:3/446.
2 . كفاية الأحكام: 220.

صفحه 192
أو اثنتان على الرّقيّة، أو يعكس ويكتب في واحد من الرّقاع الثلاثة الحريّة وفي اثنتين منها الرّقيّة ثمّ يخرج باسم أحد الأجزاء الثلاثة، وهذا واضح لا سترة عليه إنّما المهمّ معرفة انّ الملاك في التّجزية إلى الثّلث هل هو قيمة المماليك أو عددهم؟
فنقول: إنّ الصّور المتصوّرة في المقام ستّة:
أوّلها: أن يكون كلّ من عدد المماليك وقيمتها قابلاً للتّقسيم الثّلاثي، كأن يكونوا ستّة قيمة كلّ واحد مائة، ولا إشكال فيه أصلاً.
وثانيها: أن تختلف القيمة لكن بحيث يمكن التّقسيم الثّلاثي، كأن يكونوا ستّة قيمة ثلاث منهم ثلاثمائة، كلّواحد مائة; والثّلاث الأُخرى ستمائة كلّواحد مائتان، ولا إشكال فيه أيضاً، فيضمّ كلّ خسيس إلى نفيس ويجعلان ثلثاً.
وثالثها: ما لا يمكن التّقسيم الثّلاثي القيمي والعددي معاً، بل لو عدّل بأحدهما اختلف الآخر، كما لو كان قيمة واحد من السّتّة ألفاً وقيمة اثنين منهم ألفاً وقيمة الثلاثة ألفاً، فإن اعتبرت القيمة كانت أثلاثاً لكن اختلف العدد، وإن اعتبر العدد كان أثلاثاً لكن اختلفت القيمة، وحيئنذ ففي ترجيح اعتبار القيمة أو العدد وجهان; والمحكيّ عن الأكثر الأوّل، بل عن المبسوط(1) الإجماع عليه; ففي المثال يجعل الواحد ثلثاً والاثنان ثلثاً والثّلاثة ثلثاً، ويخرج قرعة الحرّيّة والرّقيّة على الأثلاث، لأنّ المقصود الذّاتيّ من العبيد المالية دون الأشخاص ويطرح اعتبار العدد.
ورابعها: ما أمكن التّقسيم الثّلاثي فيه بالقيمة دون العدد، كما لو كانوا سبعة قيمة واحد منها مائتان واثنين كذلك والأربعة الباقية كذلك، وحكمه كسابقه، بل أولى فإنّ ترجيح جانب القيمة مع إمكان العدد يقتضيه مع عدمه

1 . المبسوط:6/58ـ 59.

صفحه 193
بطريق أولى.
وخامسها: ما أمكن فيه التّعديل الثّلاثي بالعدد خاصّة دون القيمة; كستّة قيمة اثنين منها: مائة، واثنين : مائة وخمسون، واثنين: ثلاثمائة; قسّموا ثلاثة بالعدد، فإن أخرج على الحرّية فخرج اثنان ينقص قيمتهما عن ثلث قيمة المجموع عتقا وأكمل الثّلث من الباقين بالقرعة، وإن خرجا زائدين عن ثلث قيمة المجموع أُعيدت القيمة بينهما وعتق من يخرج على الحرّيّة ومن الآخر تتمّة الثّلث، والأولى كما قيل استعمال القرعة وإخراج واحد واحد حتّى يستوفى الثّلث.
وسادسها: ما لم يمكن فيه التّعديل الثّلاثي أصلاً عدداً وقيمة; كخمسة قيمة واحد منها: مائة; واثنين: مائة، واثنين: ثلاثمائة، فيخرج القرعة على الحريّة حتّى يستوفي ثلث قيمة المجموع، ولو قصرت قيمة المخرج أكملنا الثّلث بجزء من آخر، وحيث يلزم عتق جزء من أحدهم سعى في باقيه كما صرّحوا به، هذا كلّه في العتق من أقسام المباشرة من أسباب إزالة الرّق.

]العتق بالسراية [

(و) أمّا السّراية فهو انعتاق باقي المملوك إذا أعتق بعضه بشرائط خاصّة، فـ(لو أعتق بعض عبده) ومملوكه وإن قلّ جدّاً سرى العتق فيه أجمع و (عتق) عليه (كلّه، ولو كان له) أي للمعتق (شريك) في العبد المعتق بعضه (قوّم عليه حصّة شريكه) ودفع إليه القيمة (واعتقت) تلك الحصّة أيضاً، هذا إذا كان المولى المعتق موسراً بأن يملك ـ زيادة عمّا يستثنى في الدّين من داره وخادمه ودابّته وثيابه اللاّئقة بحاله كمّاً وكيفاً، وقوت يوم له ولعياله ـ ما يسع قيمة نصيب الشّريك فيدفع إليه ويعتق، (ولو كان) المولى المعتق (معسراً

صفحه 194
سعى العبد) بنفسه (في) فكّ باقيه بدفع قيمة (النّصيب) المذكور إلى صاحبه.
(ولو أعتق) المولى أمته (الحبلى) برقّ (فالوجه عدم عتق الحمل) لعدم القصد إليه بالخصوصيّة (إلاّ أن يعتقه بالنّصوصيّة)، هذا.

]العتق بالعوارض [

(و) أمّا العتق بالعوارض: الّتي تعرض المملوك، فاعلم أنّ (عمى المملوك) بحيث لا يبصر أصلاً (وجذامه، وتنكيل المولى به) بقطع أنفه أو لسانه أو شفتيه أو أُذنيه أو نحو ذلك، (و) كذا (الإقعاد) والزّمانة العارض له (أسباب) قهريّة (في العتق) متى حصل أحدها في المملوك انعتق على مولاه قهراً (وكذا إسلام العبد) في دار الحرب سابقاً على مولاه (وخروجه) منها إلى دار الإسلام (قبل مولاه) فهو أيضاً يوجب العتق القهريّ إجماعاً كما قيل، بخلاف إسلامه بعد مولاه فلا ينعتق عليه وإن خرج إلينا قبله، كما أنّه كذلك لو لم يخرج إلينا في الفرض الأوّل، نعم يجبر فيه مولاه الكافر على بيعه ولا يقرّ تحت يده.
(ولو مات ذو المال وله وارث) قريب (مملوك) و (لا) وارث له (غيره اشتري من مولاه) من تركة ذلك المتوفّى وجوباً ـ ولو قهراً على مولاه ـ (واعتق واعطي الباقي (1) له ) نصّاً(2) وإجماعاً،ولا يمكن وراثته حال رقّه المانع من الإرث كما سيأتي في بابه إن شاء اللّه تعالى، والمتولّي للشّراء والعتق هو الحاكم الشّرعي ومع التّعذّر غيره كفاية.

1 . خ ل: باقي التركة.
2 . الوسائل:26/49، الباب20 من أبواب موانع الإرث.

صفحه 195

الفصل الثّالث

في التّدبير

من أسباب إزالة الرّقّ المشار إليها في الفصل السّابق، (وهو) في الأصل تفعيل من الدّبر; وفي الشّرع تعليق عتق مملوكه بوفاته، الّذي هو دبر الحياة، وإليه يرجع ما قيل من أنّه دبّر أمر دنياه باستخدامه واسترقاقه، وأمر آخرته بإعتاقه، لأنّ التّدبير في الأُمور أيضاً مأخوذ من الدبّر بمعنى النّظر في عواقب الأُمور وإدبارها، وعلى كلّ حال فلا إشكال ولا خلاف في تحقّقه بإنشاء العتق معلّقاً على ما بعد الوفاة أي عندها، ولفظه الصّريح (أن يقول) لمملوكه (أنت رقّ في حياتي وحرّبعد وفاتي) بل لا ريب في كفاية الجملة الثانية.
ولا بدّمن صدور صيغته (من الكامل) الجائز التّصرّف، بالبلوغ، والعقل، ورفع الحجر، (القاصد) إلى إيقاعه، فلا يقع من الصّغير والمجنون والسّفيه والمملوك والمفلس والسّاهي والغافل والنّائم والهازل.
واعلم أنّ التدبير وصيّة بالعتق يجري فيه أحكامها (فيعتق من الثلث) لا الأصل (بعد الوفاة) لا قبله (كالوصيّة، وله الرّجوع) فيه (متى شاء، وهو متأخّر عن الدّين) وما في معناه من الوصايا الواجبة أو المتقدّمة عليه لفظاً، والعطايا المنجّزة مطلقاً سواء كانت سابقة على التّدبير أو متأخّرة عنه، فإن استوعبت التركة بطل التّدبير كما هو حكم الوصيّة في ذلك كلّه.

صفحه 196
(ولو دبّر) الأمة (الحبلى) بمملوك له (اختصّت) هي (بالتّدبير دون الحمل) فلا يسري إليه مطلقاً ، علم بحبلها حين تدبيرها أم لا إلاّ أن يدبّره بالخصوصيّة، هذا في الحمل السّابق على التّدبير.
و (أمّا لو تجدّد الحمل) من غير المولى (من مملوك) له أو لغيره حملاً يدخل في ملكه (بعد التّدبير، فانّه يكون مدبّراً) كأُمّه للنّصوص المستفيضة(1)، بخلاف ما لو لم يدخل الحمل في ملك المولى، كأن يتولّد من الحرّ أو مملوك الغير وقد اشترط كون الحمل لذلك الغير.
ولو حملت هذه المدبّرة من مولاها لم يبطل تدبيرها، بل يجتمع لعتقها سببان: التّدبير والاستيلاد، وتعتق بوفاته من الثّلث بالأوّل لسبقه، ومع عدم وفاء الثّلث ضمّ إليه الثّاني.
(ولو رجع في تدبير الأُمّ) المدبّرة المتجدّد حملها بعد التّدبير جاز بلا إشكال كما ذكر، إنّما الكلام في جواز الرّجوع في تدبير ولدها المحكوم بتدبيره أيضاً في الفرض، فعن الحلّي(2) وجماعة جوازه فيه أيضاً، لأنّه فرع تدبير الأُمّ فلا يزيد على الأصل، مضافاً إلى إطلاق أدلّة جواز الرّجوع في التّدبير، و (قيل لا يصحّ رجوعه في تدبير الأولاد) بعد الرّجوع إلى أُمّهم مطلقاً لا في تدبير أُمّهم ولا منفرداً كما عن الأكثر بل عليه الإجماع في محكيّ الكنز(3) والخلاف، وذلك لا(4)نّ تدبير الأُمّ إنّما هو بفعل المالك ويجوز له الرّجوع فيه، بخلاف تدبير الولد الّذي هو بالسّراية، فلا

1 . الوسائل:23/122، الباب 5 من أبواب التدبير، الحديث 1و2.
2 . السرائر:3/33.
3 . نقله عنه في الجواهر: 34/206.
4 . الخلاف:6/416، المسألة 14، كتاب المدبر.

صفحه 197
اختيار له فيه.
وبعبارة واضحة: رجوع المولى فسخ لما حصل بصيغة التّدبير لا لما كان تدبيره بالنّماء الّذي لا يقبل الفسخ، ولذا كان الفسخ بالخيار لا يقتضي الفسخ في النّماء المتخلّل بل يبقى للمشتري وإن ردّت العين إلى البائع، هذا مضافاً إلى صحيحة(1) أبان(2) الصّريحة في المقصود المخرجة عن قضيّة الإطلاق المذكور وقاعدة عدم زيادة الفرع على الأصل لو سلّم كونها قاعدة شرعيّة.
وإن شئت قلت: إنّه لم يباشر تدبيره وإنّما هو عتق قهريّ حكم به الشّرع فلا يباشر في الرّق، وبهذا يحصل الفرق بين الأصل والفرع.
(و) مع ذلك فـ(الأقرب) عند جماعة منهم المصنف هنا و في إرشاده(3) (انّ رجوعه في تدبير الأُمّ خاصّة ليس رجوعاً في تدبير الأولاد) مالم يصرّح به بالخصوصيّة كعدم سراية تدبير الأُمّ إلى الولد، وقد عرفته.
(ولو) صرّح به كذلك و (رجع في تدبيرهما معاً، صحّ الرّجوع) لما قد عرفته مع جوابه (و) كذا الكلام في (ولد) العبد (المدبّر من مملوكه (4)) إذا ولد بعد تدبيره بحيث يملكه مولاه، كأن تولّد من أمته المدبّرة أو غيرها، أو من أمة الغير مع اشتراط رقيّته لمولى العبد (مدبّر) أيضاً كأبيه، ضرورة عدم الفرق بين العبد المدبّر والأمة المدبّرة ـ الّتي قد سمعت إلحاق أولادها بها ـ في حكم

1 . الوسائل:23/122، الباب5 من أبواب التدبير، الحديث1.
2 . هو أبان بن تغلب بن رباح، أبو سعيد البكري الجريري، عظيم المنزلة في أصحابنا ، لقي: علي بن الحسين وأبا جعفر و أبا عبد اللّه (عليهم السلام) وروى عنهم، وكان له عندهم منزلة وقدم.
رجال النجاشي:1/73 برقم6.
3 . إرشاد الأذهان: 2 / 74.
4 . خ ل : مملوكة.

صفحه 198
التّدبير، هذا على نسخة تذكير لفظ المملوك، مضافاً إلى الضّمير، فالجارّ للتّبعيض، وهو متعلّق بالمدبّر.
وأمّا على نسخة التّأنيث فالجار متعلّق بالولد يعني أنّ ولد العبد المدبّر إذا تولّد من المملوكة سواء كانت مملوكة لمولى العبد أو غيره مع اشتراط رقيّته لمولى العبد، مدبّر أيضاً لما ذكر، مضافاً إلى رواية صحيحة(1) صريحة، مع عدم ظهور خلاف فيه (و) لا في أنّه (لا يبطل تدبير الولد بموت أبيه) أو أُمّه (قبل مولاه) للأصل، وعدم ثبوت البطلان، وأمّا بطلان تدبيرهما بموتهما فإنّما هو لفوات متعلّق التّدبير بالنّسبة إليهما، وهو غير حاصل في تدبير الأولاد، ولا ملازمة بين تدبيرهما وتدبيرهم، (وينعتقون) بعد موت المولى ( من الثّلث، ولو (2) عجز) الثّلث وقصر عن قيمتهم (استسعوا) في ما بقي منهم .
(وإباق) المملوك (المدبّر إبطال للتّدبير(3)) نصّاً(4)، وإجماعاً، وإن صحّ العكس، وتدبير الآبق لإطلاق الأدلّة، فلو ولد له في حال إباقه ولد يلحق بالمولى المدبّر كان رقّاً مثل أصله الآبق بلا خلاف ظاهر، بل ربّما يستظهر عليه الإجماع من الحلّي(5)، ولكن أولاد ذلك الآبق قبل إباقه يبقون على التّدبير، وإن بطل في حقّه، استصحاباً للحكم السّابق فيهم مع عدم المعارض.

1 . الوسائل:23/124، الباب5 من أبواب التدبير، الحديث1.
2 . خ ل: فإن.
3 . خ ل: التدبير.
4 . الوسائل:23/129، الباب10 من أبواب التدبير.
5 . السرائر:3/33.

صفحه 199

الفصل الرّابع

في الكتابة

من الكتب بمعنى الجمع والضّمّ، ومنه كتبت الحروف لانضمام بعضها إلى بعض، وسمّي هذا العقد بها لأنّه يُكتب بينهما كتاب بالعتق إذا أدّى، أو لإيجاب المولى على نفسه ذلك، من كتب أي أوجب، أو لانضمام بعض النّجوم إلى بعض كما هو الغالب من وضعها ب آجال متعدّدة.
(وهي قسمان): فانّه إن اقتصر على العقد من دون اشتراط العود في الرّق مع العجز عن أداء تمام مال الكتابة فهي (مطلقة و) إن اشترط عوده رقّاً مع العجز فهي (مشروطة) .
(فالمطلقة أن يقول) المولى (لعبده أو أمته كاتبتك على كذا) مائة مثلاً (على أن تؤدّيه في نجم كذا، أمّا في نجم واحد) معلوم المقدار كسنة مثلاً (أو في نجوم متعدّدة) يؤدّي في كلّ نجم منها قدراً من مالها، تساوت النّجوم أجلاً ومالاً، أم اختلفت، بشرط العلم بالأجل، وبقدر المال في كلّ أجل، (فيقول) المملوك (قبلت، وقيل) لا يكفي ذلك المقدار بل (يفتقر إلى) إضافة (قوله فإذا أدّيت فأنت حرّ) إليه، ولا ريب أنّه أحوط، (فهذا) القسم من المكاتب (يتحرّر منه بقدر ما يؤدّي) من مال الكتابة بالنّسبة، ولو كان جزءاً من مائة مثلاً، ولا يتوقّف عتقه على تأدية جميع مال الكتابة.

صفحه 200
واعلم أنّهم اختلفوا في لزوم الكتابة وجوازها على أقوال:
اللزّوم مطلقاً من الطّرفين في كلا القسمين، كما عليه المحقّق(1) والشّهيدان(2) والمصنف هنا و في سائر كتبه، حاكياً عليه الإجماع في تحريره(3)، لأنّه عقد والأصل في العقود اللّزوم، لعموم «أوفوا» و «المؤمنون».
(و) معنى اللّزوم من الطّرفين أنّه (ليس) للمكاتب ولا (لمولاه فسخ الكتابة) بنفسه ابتداءً إلاّ معالتّقايل كغيرها من العقود اللاّزمة، وإن جاز فسخه للمولى لعروض عجز المكاتب عن أداء مال الكتابة فله الخيار حينئذ في الصّبر أو الفسخ وردّ المكاتب إلى الرّقيّة، ولو كان العجز عن بعضه، من غير فرق، كما في الرّياض(4) بين المطلق والمشروط; غاية الأمر أنّ الثّاني لا يتبعّض بل يردّ جميعه إلى الرّق. وإن كان قد ردّأكثر مال الكتابة وبقي منه أقلّ قليل، وبعد الرّدّ أيضاً لا يدفع إليه ما أخذه منه، وأمّا الأوّل (المطلق) فيتبعضّ ويردّإلى الرقيّة بعد الفسخ بقدر ما يبقى من مال الكتابة، وينعتق منه بمقدار ما أدّاه منه، بل يظهر من المصنّف كما سيصرّح به آنفاً وكذا خاله المحقّق أنّه في المشروط كذلك.
وأمّا المطلق فليس لمولاه فسخ كتابته وردّه إلى الرقّ مطلقاً (وإن عجز) عن أداء مال كتابته بعضه أو كلّه (و) أرسلوه إرسال المسلّمات، غاية الأمر أنّه ينجبر الضّرر على المولى من منعه عن الفسخ مع عدم وصوله إلى حقّه بأنّه (يفكّه الإمام (عليه السلام) ) أو نائبه الخاصّ أو العامّ (من سهم الرّقاب) من الزّكاة

1 . الشرائع:3/125.
2 . الروضة البهية:6/351.
3 . تحرير الأحكام:4/224.
4 . الرياض:11/368.

صفحه 201
(وجوباً مع العجز) عن أداء مال الكتابة، ولم يجد فيه خلافاً في الجواهر(1).
ومع تعذّر سهم الرّقاب يكون كالمشروط يجوز فسخ كتابته واسترقاق كلّه أو بعضه إن كان قد أدّى شيئاً كما في المسالك(2) ومحكيّ الدّروس(3).
ثمّ إنّ جواز الدّفع من سهم الرّقاب إلى كلّ من قسمي المكاتب لا إشكال فيه أصلاً، وعليه إجماع النّصوص(4) والفتاوى، وإنّما الإشكال في وجوب دفعه إلى المكاتب المطلق كما في المتن والشّرائع(5) وغيرهما، فإن تمّ هناك إجماع كما لعلّه يستظهر من الجواهر(6)، فذاك; وإلاّفالمسألة في غاية الإشكال، وما قد يستند إليه مع إرساله لا دلالة فيه على المدّعى. هذا.
وأمّا الأقوال الأُخر: من اللزّوم من طرف المولى، والجواز من طرف المملوك مطلقاً، كما عن الخلاف(7); أو لزوم المطلق من الطّرفين والمشروط من طرف المولى فقط، كما عن المبسوط(8); أو جواز المشروط من الطّرفين، والمطلق من طرف المكاتب، كما عن ابن حمزة(9); فلا وجه لها، وما ذكروه في تقريبها ليس في مقابل ما أشرنا إليه في إثبات اللّزوم بمسموع، ولا يسمن ولا يغني من جوع. هذا.
وبعد ما عرفت من إمكان التّبعيض في الحريّة والرّقيّة في المكاتب المطلق

1 . الجواهر:34/291.
2 . المسالك:10/457.
3 . الدروس:2/246.
4 . الوسائل:9/293، الباب 44 من أبواب مستحقي الزكاة، الحديث1.
5 . الشرائع:3/128.
6 . الجواهر:34/291ـ 292.
7 . الخلاف:2/661، المسألة 17، كتاب المكاتب.
8 . المبسوط:6/91.
9 . الوسيلة:345.

صفحه 202
بنسبة ما أدّاه من مال الكتابة نقول: إنّ لكلّ من أبعاض المبعّض حكمه ويجري عليه أحكام الحرّ بنسبة ما فيه من الحرّيّة، وأحكام الرقّ كذلك وحينئذ (إن (1) أولد) المبعّض ولداً من حرّة كان ذلك الولد أيضاً حرّاً بجملته بتبعيّة أُمّه، وإن أولده ( من مملوكة تحرّر من أولاده بقدر ما فيه من الحريّة) ويكون ما عداه رقّاً يلحق بمن كان يلحق به لولا التّبعيض على ما فصّلوه في أحكام الأولاد من كتاب النّكاح.
(وإن مات) المكاتب المطلق (ولم) يؤدّ شيئاً من مال الكتابة حتّى (يتحرّر منه شيء) بنسبته، ولو كان أقلّ قليل (كان ميراثه) وأولاده التّابعون له في الكتابة (للمولى) كما هو حكم الرّق المحض (وإن تحرّر منه شيء) لتأدية شيءمن مال الكتابة (كان لمولاه من ماله بقدر) ما بقي فيه من (الرّقيّة، ولورثته) الأحرار الأصل أو التّابعين له في الحريّة والرّقيّة (الباقي) بنسبة ما فيه من الحريّة، ولم يكن عليهم شيء من مال الكتابة، للأصل (و) إن لم يكونوا أحراراً في الأصل، بل كانوا تابعين له في الحريّة والرّقيّة بأن ولدوا من أمته بعد الكتابة (يؤدّون منه) أي من باقي التّركة الحاصل لهم من نصيب الحريّة (ما بقي من مال الكتابة) على أبيهم.
(ولو لم يكن) له (مال سعى الأولاد في ما بقي على أبيهم) من مال الكتابة (ومع الأداء) لبقيّة مال الكتابة في الصّورتين (ينعتق الأولاد ويرث) كلّ منهم (بقدر) ما يختصّ به من (نصيب الحريّة)، ولكنّ سعيهم وأداءهم بالسّويّة وإن اختلفوا في استحقاق الميراث للذّكورة والأُنوثة، فانّهم متساوون في ما عتق منهم و ما بقي. هذا.

1 . خ ل: فإن.

صفحه 203
وأمّا المتولّدون قبل الكتابة فليس لهم شيء للرّقّ المحض المانع من الإرث، وحينئذفينتقل المال الباقي بعد نصيب المولى إلى الطّبقة اللاّحقة، واللّه العالم.
(ولو أوصى) المكاتب المطلق (أو أُوصي له بشيء صحّ) الوصيّة منه وله (بقدر) ما فيه من (الحريّة) وبطل في الزّائد إجماعاً لما ذكرناه من حكم المبعّض (وكذا لو وجب عليه حدّ) أُقيم عليه من حدّ الأحرار بنسبة ما فيه من الحريّة ومن حدّ المملوك بنسبة ما فيه من الرّقيّة.
(ولو وطئ المولى) المكاتبة (المطلقة) المبعّضة بأداء بعض مال الكتابة سقط عنه من الحدّ بقدر نصيبه منها و (حدّ بنصيب الحريّة) لأنّه وطء محرّم بمن قد صارت أجنبيّة، فيجب الحدّ; ولا يجب إكماله لما فيها من الملك الموجب لانتفاء الحدّ فيه كما يوجبه في المكاتبة المشروطة والمطلقة الغير المبعّضة، نعم، يعزّر في ذلك كلّه لتحريم وطء المكاتبة مطلقاً كما سيصرّح به،هذا كلّه في الكتابة المطلقة.

]المكاتبة المشروطة [

(و أمّا المشروطة فإن(1) يقول) المولى لمملوكه (بعد ذلك) المذكور في عقد المطلقة (فإن عجزت) عن أداء مال الكتابة في الأجل المقرّر (فأنت ردّ) أي مردود (في الرّق، وهذا لا يتحرّر منه شيء إلاّ بأداء جميع ما عليه) من مال الكتابة (فإن عجز) لم يتحرّر منه شيء.
(وحدّه) المسوّغ للفسخ مخالفة الشّرط، فإن شرط عليه التّعجيز عند

1 . خ ل:فهو ان.

صفحه 204
تأخير نجم عن محلّه أوإلى نجم آخر، ويجتمع مالان على المملوك، أو إلى مدّة مضبوطة، اتّبع شرطه، وإن أطلق فحدّه (أن يؤخّر نجماً عن وقته) لأنّه إخلال بالشّرط، وقضيّته قدرة المولى على الفسخ، مضافاً إلى الصّحاح الخاصّة.(1)
وبالجملة فمع العجز بأيّ نحو كان ـ ولو كان هوأقلّ قليل من النّجم الآخر ـ لا ينعتق منه شيء، بل (ردّفي الرّق) بأجمعه.
(ويستحبّ للمولى الصّبر عليه) مع العجز لما فيه من الإعانة على التخلّص من الرّقّ، وللأمر بإنظاره سنة وسنتين و ثلاثاً، وحمل على الاستحباب جمعاً.
(ولابدّ في العوض) في المكاتبة (من) أُمور:
أحدها: (كونه ديناً) فلا يصحّ الكتابة على العين، بلا خلاف يوجد كما في الرّياض (2)، مضافاً إلى أنّ العين إن كانت للمولى فلا يتحقّق المعاوضة بها، لأنّها معاوضة على ماله، وإن كانت لغيره فهي كجعل ثمن المبيع من مال غير المشتري على أن يكون المبيع ملكاً له والثّمن من غيره، وهو غير جائز.
وثانيها: كونه (مؤجّلاً) فلا يصحّ حالاّ، لفظاً أو حكماً ، لعجزه عن الأداء في الحال، لأنّ ما في يده للسيّد، وما ليس في يده متوقّع الحصول، فلابدّ من ضرب الأجل لئلاّيتطرّق إليه الجهالة الموجبة للغرر المنهيّ عنه في الشّريعة، فيتعيّن ضرب الأجل، نعم لا فرق فيه بين الأجل الواحد والزّائد مع التّساوي في المال والأجل والتّفاضل.

1 . الوسائل:23/145، الباب 5 من أبواب المكاتبة.
2 . الرياض:11/377.

صفحه 205
و ثالثها: أن يكون (معلوماً)(1) جنساً ووصفاً، كمّاً و كيفاً، فلا يصحّ المجهول للغرر.
و رابعها: كونه (ممّا يصحّ تملّكه) للمولى بلا خلاف كما قيل، فلا يصحّ مكاتبة المسلم عبده الذّميّ على الخمر والخنزير ونحوهما، بخلاف مكاتبة المولى الكافر على ما يملكه في دينه وإن كان ممّا لا يملكه المسلم، هذا.
(و) بعد اجتماع الشّروط لا يتقدّر في الكثرة والقلّة لإطلاق الأدلّة، نعم (يكره أن يتجاوز به القيمة) العادلة للمملوك وقت الكتابة، للمرسلة(2)، ومنافاته للإرفاق والإحسان الّذي بنى عليه مشروعيّة الكتابة.
(وإذا مات) المكاتب (المشروط) و لم يؤدّ المال جميعاً ـ وإن كان قد أدّى بعضه ـ (بطلت الكتابة وكان ماله وأولاده لمولاه) إن كانوا متولّدين من أمته، لأنّه مات مملوكاً يرث أمواله وأولاده، مولاه، وأمّا موت المطلق فقد عرفت أحكامه.
(و) من أحكام الكتابة أيضاً أنّه (ليس للمكاتب) بقسميه (أن يتصرّف في ماله بغير الاكتساب) من عتق، وإقراض،و هبة غير معوّضة، وبيع نسية بغير رهن ولا ضمين، أو محاباة، أو بغبن، ونحوها (إلاّ بإذن المولى) لا مطلق البيع، فانّ له التصرّف بالبيع والشّراء وغيرهما من أنواع التّكسّب الّتي لا خطر فيها ولا تبرّع.
(و) كذا (ينقطع تصرّف المولى عن ماله بغير الاستيفاء) عن مال

1 . خ ل.
2 . الوسائل:23/161،الباب 18 من أبواب المكاتبة، الحديث1.

صفحه 206
الكتابة مطلقاً مشروطاً أو مطلقاً، لخروجه عن محض الرّقيّة، وانقطاع سلطنة المولى عنه، ولذا امتنع عليه بيعه وعتقه قبل فسخ الكتابة، وجاز له معاملة المولى بالبيع والشّراء إجماعاً كما قيل، وليس المراد بجواز الاستيفاء جواز أخذه من المكاتب قهراً لأجل الاستيفاء مطلقاً، لأنّ المكاتب كالمديون في تخيّره في جهة الوفاء، وتعيين الدّين في أعيان ما بيده موكول إليه، بل المراد جواز ذلك في الجملة، وهو ما إذا لم يؤدّ النّجم المقرّر مع حلوله وكان بيد المولى مال بقدره، وأمّا لو زاد عليه فالتّعيين موكول إلى المكاتب، ومع امتناعه فإلى الحاكم، كما في كلّ ممتنع.
(و) من التّصرف الممنوع منه وطء الأمة المكاتبة ـ ولو برضاها ـ عقداً وملكاً، لخروجها بالمكاتبة عن محض الرّقيّة المسوّغ لوطئها بملك اليمين، وعدم صيرورتها حرّة تستباح بضعها بالعقد، مضافاً إلى بعض المعتبرة.(1)
فـ(لو وطئ مكاتبته) عالماً بالتّحريم عزّر ـ وإن لم يتحرّر منها شيء ـ وحدّ بنسبة الحرّيّة ان تبعضّت، ولو طاوعته هي حدّت حدّالمملوك إن لم تتبعّض، وإلاّفبالنّسبة; وإن كان (مكرهاً) لها في وطئها (فـ) يلزمه (لها المهر) لأمثالها، من دون خلاف يظهر كما في الرّياض(2)، مضافاً إلى الخبر القويّ الشّامل بإطلاقه لصورة المطاوعة أيضاً، وبه صرّح في الرّوضة(3) معلّلاً له بأنّها لم تستقلّ في ملك الوطء ليسقط ببغيها، ومنه يظهر الوجه في تقييد المتن لزوم المهر بالإكراه، مع جوابه، مع أنّ عموم نفي المهر عن البغيّ على تقدير شموله لمحلّ الفرض مخصّص بذلك الخبر القويّ.(4)

1 . الوسائل:23/151، الباب 8 من أبواب المكاتبة، الحديث1.
2 . الرياض:11/390.
3 . الروضة: 6/366.
4 . الوسائل: 23/157، الباب 14 من أبواب المكاتبة، الحديث2.

صفحه 207
(وليس لها أن تتزوّج بدون (1) إذن المولى) بلا خلاف فيه، وفي أنّه لا يجوز للمولى أيضاً تزويجها من غيره بدون إذنها، للأصل، وما ذكرناه من عدم كونها أمة محضة أو حرّة كذلك.
واعلم أنّ الحمل الموجود حال الكتابة، ولو علم بانفصاله لدون ستّة أشهر من حينها لا يدخل في كتابة أُمّه، (و) أمّا (أولادها) الّذين حملت بهم (بعد الكتابة) المحكوم برقّهم لتولّدهم من عبد السّيّد أو زناً ـ وهي جاهلة ـ ثبت لهم حكم الكتابة بمعنى أنّه ينعتق منهم بحساب ما ينعتق منها كلاً أو بعضاً، بالعتق أو بالأداء أو بالإبراء، للصّحيحة، مع ما قيل أنّ الولد من كسبها فيتوقّف أمره على رقيّتها وحرّيتها كسائر كسبها، وهذا هو المراد بكونهم بحكمها كما ذكروه، لا أنّهم (مكاتبون) حقيقة إذ لم يجر عليهم عقد المكاتبة وإنّما المراد انعتاقهم بانعتاقها من جهة الكتابة حتّى لو فسخت الكتابة ثمّ عتقت الأُمّ لم ينعتق الولد، هذا (إذا لم يكونوا أحراراً) بولادتهم من الحرّ وإلاّ لم يتبعوا أبويها في الرّق حيث يعودان فيه قطعاً، ولا مدخل لهم في الكتابة، ولو حملت من مولاها لم تبطل الكتابة للأصل وكان الولد حرّاً وتصير أُمّ ولد له، فإن مات وعليها شيء من مال الكتابة تحرّرت من نصيب ولدها وإن لم يكن لها ولد من المولى حين موته أو لم يف نصيبه بما عليها من مال الكتابة سعت في كلّه أو ما بقي منه لوارثه القائم مقامه كما هو ظاهر.

1 . خ ل: بغير.

صفحه 208

صفحه 209

كتاب الأيمان

جمع يمين وتوابعها
(وفيه فصول):

صفحه 210

صفحه 211

الفصل الأوّل:

]في اليمين [

في نفس اليمين و هو الحلف باللّه على ما سيأتي لتحقيق ما يحتمل الموافقة والمخالفة في المستقبل، وتحقيقها في ضمن أُمور:
الأوّل: فيما تنعقد به، اعلم أنّه (لا ينعقد اليمين) بحيث يحنث بالمخالفة ويجب لها عليه الكفّارة (بغير أسماء اللّه تعالى) الخاصّة، أو ما ينصرف إطلاقه إليه على ما سيأتي في آخر الفصل مشروحاً; وكذا لا ينعقد بالطّلاق، ولا بالعتاق، ولا بالظّهار، ولا بالحرم، ولا بالكعبة، ولا بالمصحف، والأبوين والأئمّة والأنبياء، وغيرهم من المخلوقات المعظّمة، والأماكن المشرّفة.
نعم لا يبعد جواز الحلف بذلك وإن لم يكن منعقداً بحيث يستلزم الحنث والكفّارة، بل لا ينبغي ترك الوفاء به لمنافاته لتعظيم ما أُريد تعظيمه شرعاً، بل لابدّ منه مع فرض الإهانة في بعض الأحوال; وذلك للأصل والسّيرة القطعيّة، مضافاً إلى نصوص(1) مشتملة على حلف بعض الأئمّة (عليهم السلام) وبعض أصحابهم في حضورهم بغير اللّه تعالى; وأمّا مثل قوله: سألتك بالقرآن، أو بالنّبيّ، أو الأئمّة، ونحو ذلك أن تفعل كذا; فلا ريب في جوازه، لأنّه ليس حلفاً، بل هو من باب

1 . الوسائل:23/261ـ 264، الباب 30 من كتاب الأيمان، الحديث6و 7 و 10و 14.

صفحه 212
التّوسيط والاستشفاع.
(و) كذا (لا) ينعقد اليمين (بالبراءة منه تعالى)، (أو من أحد الأنبياء، أو الأئمّة (عليهم السلام) ) و التّحيّة بلا خلاف يظهر، لما قد عرفته من عدم انعقاد الحلف بغير أسماء اللّه تعالى، ولكن لا خلاف هنا في الإثم وإن كان صادقاً، مضافاً إلى النّصوص الكثيرة(1) بخلاف سابقه، نعم لا يجب الكفّارة على المشهور.
(و) الثّاني في شرائط الحالف اعلم أنّه (يشترط في الحالف التّكليف) بالبلوغ والعقل، (والقصد) إلى مدلول اليمين، (والاختيار)، فلا تنعقد من الصّبيّ والمجنون والمُكره والغضبان والسّكران والنّائم والهازل، إلاّ أن يتحقّق قصد اليمين الصّادرة عن أحدهم فتنعقد معه بلا إشكال نفياً وإثباتاً.
(و) المشهور انّه (يصحّ) اليمين (من الكافر) مطلقاً وإن كان كفره بجحود الخالق، لإطلاق الأدلّة وعمومها اللّذين لا ينافيهما كفره بعد أن كان مخاطباً بفروع الشّريعة.
(و) الثّالث: في متعلّق اليمين (إنّما ينعقد) لوحلف (على فعل الواجب أو المندوب أو المباح) المتساوي الطّرفين في الأصل (مع الأولويّة) العرضيّة في فعله ديناً أو دنياً، (أو) حلف على (ترك الحرام أو ترك المكروه أو ترك المباح) الأصل المتساوي الطّرفين (مع الأولويّة) العرضيّة الدّينيّة أو الدّنيويّة، ويظهر ثمرة الحلف على فعل الواجب أو ترك الحرام في وجوب الكفّارة مع المخالفة; ثمّ إنّ قيد الأولويّة المذكورة في فعل المباح أو تركه إنّما هو على سبيل الأولويّة، (و) إلاّ فلا خلاف ظاهراً كما صرّح به بعض الأجلّة في أنّه (لو

1 . الوسائل:23/212ـ 214، الباب 7و 8 من كتاب الأيمان.

صفحه 213
تساوى) وجود (متعلّق اليمين وعدمه في الدّين والدّنيا) بحيث لا يترجّح أحدهما على الآخر أصلاً انعقد و (وجب العمل بمقتضى اليمين) كما لا ريب في عدم انعقادها مع مرجوحيّة متعلّقها كذلك; فلوحلف على فعل مباح أو تركه وكان الأولى مخالفته في دينه أو دنياه، فليأت ما هو خير له ولا إثم عليه ولا كفّارة، لعدم انعقاد اليمين.
وبالجملة فالضّابط في متعلّق اليمين ما كان راجحاً، أو مساوي الطّرفين، ومتى كان الرّجحان الدّينيّ أو الدّنيويّ في نقيضه لم ينعقد وله أن يأتي بالرّاجح من دون إثم ولا كفّارة، للإجماعات المحكيّة والنّصوص المستفيضة.(1) هذا.
(و) لا إشكال في أنّه (لا يتعلّق) اليمين (بفعل الغير)، كما لو قال: واللّه لتفعلنّ كذا، وهي المسمّاة بيمين المناشدة، فإنّها لا تنعقد في حقّ الحالف ولا المحلوف، للأصل مع عدم خلاف يظهر.
(و) كذا (لا) إشكال في عدم تعلّقها (بالماضي) نفياً أو إثباتاً، كما لو حلف على ترك أمر وقد فعله، أو بالعكس، أو وقوع أمر أو عدم وقوعه مع تعمّد الكذب، وهذا هو المسمّى بيمين الغموس الّتي لا ريب في حرمتها وكونها من أعظم الكبائر.
فقد ورد انّها الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين، وقتل النّفس، ونهب المسلم، والفرار من الزّحف، واليمين الغموس(2). الحديث.
وسمّيت غموساً، لأنّها تغمس الحالف في الإثم أو النّار، ومع ذلك لا يجب

1 . الرياض:11/469.
2 . البحار:88/26. و راجع الوسائل:15/318 و 329 و 331،الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 20 و 33 و 36.

صفحه 214
فيها كفّارة أصلاً، وإنّما كفّارتها الاستغفار فقط. نعم لو تضمّنت ظلماً للغير كأن حلف على حبس مال محترم وعدم ردّه إلى صاحبه، فكفّارتها ردّه إلى صاحبه مع الاستغفار. هذا.
وقد يطلق الغموس على الحلف على الماضي مطلقاً ولو كان صادقاً، فلا تحرم، بل يكره شديداً.
(و) كذا (لا) إشكال في عدم تعلّق اليمين (بالمستحيل) الغير المقدور عادة كصعود السّماء، أو عقلاً كالجمع بين النّقيضين، أو شرعاً كترك الصّلاة في حال التّكليف.
(ولو) حلف على أمر ممكن في وقت معيّن مقدور له إيجاده فيه عادة ثمّ (تجدّد العجز عن) إتيان ذلك (الممكن) مستمرّاً إلى انقضاء الوقت المعيّن في حلفه، أو أبداً إن لم يقيّد بوقت (انحلّت اليمين) لفقد شرطه ولو عادت القدرة بعد الوقت المعيّن فضلاً عن عدم عودها أبداً، وذلك كأن يحلف أن يحجّ في هذه السّنة ثمّ يعجز فيها. نعم لو عادت القدرة بعد العجز قبل خروج المدّة، ولو كان بعد مدّة كثيرة في المطلق الغير المقيّد بالوقت فلا إشكال في وجوبه.
(ويجوز أن يحلف على خلاف الواقع مع تضمّن المصلحة) كتخليص المؤمن أو ماله أو دفع أذيّة عنه أو عن نفسه، ولا يأثم بذلك مع كذبه لحسن النّافع منه، بل وقد يجب إذا انحصر طريق التّخلّص فيه وكذلك الحلف عليه للنّصوص المستفيضة(1) (و) مع ذلك فقد صرّح جمع من الأجلّة منهم المصنّف في قواعده(2)بوجوب (التّورية) الّتي هي أن يقصد باللّفظ غير ظاهره (إن عرفها) وأحسنها وإن لم يكن يميناً، ولعلّه للتّخلّص من الكذب الواجب

1 . الوسائل:23/224، الباب 12 من أبواب الأيمان، الحديث1و 2و 4.
2 . قواعد الأحكام:3/282.

صفحه 215
اجتنابه ما أمكنه، والتّورية وإن لم تخرجها عن الكذب بناء على بعض الأقوال في تعريفه، لكنّها قريبة من الصّدق وإن لم تكن صدقاً، إلاّ أنّ النّصوص المذكورة خالية عن ذلك، ولذا تنظّر فيه جمع من الأجلّة وهو في محلّه، ولعلّه أقرب إلى مراد المتن ولكنّه أحوط.
(ولو استثنى) في اليمين (بالمشيّة) بأن يعلّقها على مشيّة اللّه تعالى، جاز قطعاً و (انحلّت اليمين) بذلك عن الانعقاد، فلا يحنث حينئذ بالفعل المحلوف عليه ولا تلزمه الكفّارة مع اتّصالها بها عادة، ومع التّراخي تلزم اليمين ولغى الاستثناء بلا خلاف يظهر في شيء من ذلك، هذا في التّعليق على مشيّة اللّه تعالى.
وأمّا التّعليق على مشيّة غيره فلا إشكال في جوازه أيضاً، ولكنّه يحبس اليمين ويوقفها على مشيّة ذلك الغير، فلو قال: واللّه لأدخلنّ الدّار اليوم إن شاء زيد ،وقال زيد بعد ذلك: شئت، انعقدت اليمين لتحقّق الشّرط حينئذ، فإن ترك حنث; وإن قال: لم أشاء، لم تنعقد اليمين لفقد الشّرط ولا يحنث.
(و) اعلم أنّه لا إشكال في توقّف يمين الولد والزّوجة والعبد على إذن الوالد والزّوج والمولى كما يستفاد من نصوص كثيرة(1) مع الإجماع عليه في محكيّ الغنية(2)، فلو بادروا إليها قبله كان (للوالد والزّوج والمولى حلّ يمين الولد والزّوجة والعبد) ولا كفّارة لو كان حلفهم (في غير الواجب) الفعل أو التّرك، وأمّا فيه فتنعقد تامّاً وليس لأحد حلّها بلا خلاف يظهر في شيء من ذلك (وإنّما) تنعقد اليمين و (تجب الكفّارة) في خلفها (بترك ما يجب فعله أو فعل ما يجب تركه) من غير فرق بين ما وجب فعله أو تركه أصل

1 . الوسائل:23/216، الباب 10 من أبواب الأيمان، الحديث1.
2 . الغنية:392.

صفحه 216
الشّرع أو عرض له الوجوب (باليمين) نفسها كالحلف على فعل المندوب أو المباح أو ترك المكروه أو المباح و(لا) يجب (بـ) اليمين (الغموس) المتقدّم تفسيرها باليمين الكاذبة على الماضي مع التّعمّد كفّارة أصلاً سوى الاستغفار فقط، بلا خلاف يظهر بل عن الخلاف(1) وظاهر المسالك(2) عليه إجماع الإماميّة للأصل والنّصّ(3)، ولو تضمّنت الغموس ظلماً فكفّارتها مع الاستغفار ردّه.
(ولا يجوز أن يحلف) بشيء (إلاّ مع العلم) بما يحلف عليه من صوم أو صلاة أو صدقة أو نحو ذلك، وتقييد المعلوم بذلك قد صرّح به الفاضل المقداد(4)وبعض شرّاح المختصر النّافع(5) فيما حكى عنهما وعن الثّاني بعده، ولا يمكن أن يكون المراد به العلم بوقوع ما يحلف عليه، لأنّ المستقبل الّذي هو مورد انعقاد اليمين لا يعلم وقوعه .
وقال في الرّياض(6) بعد هذه الجملة: لم يذكر في الشّرائع ولا غيره هذا الشّرط في هذا الباب، وإنّما يعتبرونه (أي العلم) في اليمين المتوجّهة إلى المنكر أو المدّعي مع الشّاهد ولا ريب في اعتباره هناك. هذا.
ولعلّ نظر ذلك البعض كما هو ظاهر كلامه لو لم يكن صريحه إلى أنّ مورد اليمين المنعقدة لابدّ أن يكون مستقبلاً وإلاّ فلا ينعقد بالماضي كما مرّ، ولكن لا يبعد أن يكون مراد المتن هو اعتبار العلم في الحلف على الماضي الّذي قد بيّنا جوازه و إن لم ينعقد بحيث يلزم بحنثه كفّارة، يعني انّ الحلف بالماضي إنّما يجوز مع العلم بوقوعه ولا يجوز بالظّنّ والحدس والتّخمين، بل ربّما يمكن العلم بوقوع

1 . الخلاف:6/134، المسألة 7.
2 . المسالك:11/209.
3 . الوسائل:23/214، الباب 9 من أبواب الأيمان، الحديث1و3.
4 . التنقيح الرائع:3/511.
5 . نهاية المرام:2/336.
6 . الرياض:11/464.

صفحه 217
الأُمور المستقبلة أيضاً من بعض القواعد المنتجة له في نظره وبعد حصوله بأيّ طريق كان يجوز الحلف به.
وبالجملة فمسوّغ جواز الحلف هو العلم بوقوع المحلوف عليه والقطع بأنّه وقع أو أنّه سيقع. واللّه العالم.
(و)ا علم أنّه لا (ينعقد) اليمين إلاّبذات اللّه سبحانه من غير اعتبار اسم من أسمائه، كقوله: والّذي فلق الحبّة وبرئ النّسمة، أو :والّذي نفسي بيده، أو: و مقلّب القلوب و الأبصار، ونحو ذلك; أو يحلف بواحد من أسمائه الخاصّة، كما (لو قال : واللّه لأفعلنّ، أو باللّه، أو بربّ الكعبة، أو تاللّه) أو أيمن اللّه، أو من اللّه، (أو أيم اللّه) أو مُ اللّه، أو يمن اللّه، أو ام اللّه، أو ليمن اللّه، (أو لعمر اللّه، أو أُقسم باللّه، أو أحلف بربّ المصحف) ونحو ذلك، أو بما ينصرف إليه إطلاقه من أسمائه المشتركة كالرّبّ والخالق والرّازق ونحوها، وذلك لأنّ الظّاهر من الأخبار(1) انّ المراد من الحلف باللّه هو الحلف به تعالى في مقابل الحلف بغيره لا أن يكون بخصوص هذا اللّفظ.
ولا ينعقد اليمين بما (دون) الأقسام الثلاثة، كالحيّ والبصير والموجود والسّميع ونحوها ممّا لا يراد به الذّات ولا يختصّ به تعالى ولا ينصرف إطلاقه إليه وإن نوى به الحلف، لأنّها بسبب اشتراكها بين الخالق والمخلوق لا يكون لها حرمة.
وكذلك لا ينعقد بقوله (حقّ اللّه) مدخولاً لواحد من أدوات القسم أيضاً وإن قصد به الحلف، للأصل واشتراك الحقّ وإطلاقه على أُمور كثيرة لا ينعقد بها اليمين كالقرآن والعبادات ونحوها، فيقع الحلف بحقّه لا به، ولكن لا

1 . الوسائل:23/259، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث 3و4.

صفحه 218
يبعد الانعقاد به بعد ملاحظة استعماله في العرف في القسم بالذّات من غير التفات إلى شيء آخر ولا أقلّ من الانصراف إليه نظير ما عرفته في الأسماء المشتركة ولا سيّما لو أراد به اللّه الحقّ أو المستحقّ للإلهيّة. نعم لو قصد به ما يجب للّه على عباده لم ينعقد، وأولى من ذلك كلّه الإيكال إلى عرف الحالف، فإن قصد الحلف بالذّات انعقد يميناً، وإلاّ فلا. وانقدح ممّا ذكرناه أوّلاً انّ الحقّ انعقاد اليمين لو قال: والحقّ، لأنّه مع اشتراكه في اللّه تعالى أغلب وإطلاقه منصرف إليه كالخالق والرّازق ونحوهما.
تبصرة: قولهم: لعَمر اللّه في القسم هو بفتح العين مرفوع على الابتداء والخبر محذوف، والمعنى لعَمر اللّه قسمي، وهو بمعنى الحياة والبقاء قريب من العمر بالضّمّ، لكنّه لم يستعمل في القسم إلاّ مفتوحاً، وهو بهذا المعنى وإن كان محتملاً للمعاني المانعة من انعقاد اليمين كالقدرة والعلم وغيرهما من الصّفات المشتركة، لكنّه لما استعمل في اليمين شرعاً وعرفاً حكم بانعقادها به نظير ما عرفته في انصراف الأسماء المشتركة.
وأمّا قولهم: أيمن اللّه وأشباهه ممّا ذكر المصنف بعضها وأضفنا إليه آخر، فعن الفاضل اللّغوي ابن آوى في الاستدراك على الصّحاح(1) أنّ فيها إحدى وعشرين لغة، أربع في أيمن بفتح الهمزة وكسرها مع ضمّ النّون وفتحها، وأربع في ليمن باللام المكسورة والمفتوحة والنون المفتوحة والمضمومة، ولغتان في يمن بفتح النّون وضمّها، و ثلاث لغات في أيم بفتح الهمزة وكسرها مع ضمّ الميم وبفتح الهمزة وفتح الميم، ولغتان في ام بكسر الميم وضمّها مع كسر الهمزة فيهما، وثلاث في من بضمّ الميم والنّون وفتحهما وكسرهما ، و بالحركات الثّلاث وكلّ ذلك يقسم به.

1 . نقله عنه في جواهرالكلام: 35/253.

صفحه 219

الفصل الثّاني

في النّذر(1) والعهود

أمّا النّذر فهو في اللّغة الوعد بخير أو شرّ مطلقاً، أو هو الوعد بالشّرط كما عن تغلب.
وفي الشّرع الالتزام بفعل أو ترك بقصد القربة، ولعلّ الجمع باعتبار تعدّد الأقسام كما ستعرفه.
(ويشترط في النّاذر: التّكليف) بالبلوغ والعقل، (والاختيار، والقصد) إلى مدلول الصّيغة، (والإسلام); فلا ينعقد نذر الصّبيّ،والمجنون حال جنونه لا إفاقته، ولا غير القاصد كالعابث والهازل والنّائم والغافل والسّكران والغضبان المرتفع قصدهما بلا خلاف يظهر في شيء من ذلك; وأمّا الكافر فقد يتوهّم كما عن الكفاية(2) و سيّد المدارك(؟؟؟)مدارك الأحكام:7/94. إمكان القربة من الكافر المقرّ بربّ العزّة وقوّاه في الرّياض(3) .
ولكن لا يذهب عليك انّه ليس المراد من قصد القربة افعل كذا للتقرّب إلى اللّه وإن لم يكن الفعل مقرّباً، بل لابدّ من كون الفعل مقرّباً، وإذا جعلت شرطيّة الإيمان في صحّة العبادات كما في النّصوص المستفيضة نصب عينك، تعلم عدم

1 . خ ل:النّذور.
2 . كفاية الأحكام:228.
3 . الرياض:11/478.

صفحه 220
صحّة ذلك المعنى من الكافر بأقسامه، بل و من المخالف غير الاثني عشريّة ولو كان من سائر فرق الشّيعة، فاشتراط صحّة العبادات بالإيمان بهم عليهم التّحيّة كاد أن يكون من ضروريّات مذهب الشّيعة.
(و) يشترط أيضاً (إذن الزّوج والمولى في) نذر (الزّوجة والعبد)، بل وكذلك إذن الوالد في نذر الولد على الأحوط، لإطلاق اليمين الّتي قد عرفت اعتباره فيها على النّذر في بعض الأخبار; فلو بادروا إلى إيقاعه بدون إذنهم كان لهم الفسخ والإبطال لو كان النّذر (في غير الواجب) الفعل أو التّرك، وأمّا فيه فلا كاليمين (وهو إمّا برّ) يكون شكراً على حدوث النّعمة(كقوله: إن رزقت ولداً فللّه عليّ كذا، (أو شكر كقوله إن برئ المريض فللّه عليّ كذا)(1) ) من أبواب الطّاعة.
ولا يذهب عليك انّ ما ذيّلنا به عبارة المتن شرحاً لها إنّما هو على تربيع أقسام النّذر وجعل نذر الشّكر قسماً برأسه كما في أكثر النّسخ الموجودة عندي من الكتاب، وعليه فليحمل نذر البرّ على شكر حدوث النّعمة كما فعلناه في مقابل كون نذر الشّكر لدفع البليّة كما مثّل به، وفي نسخة أُخرى من الكتاب وعليها بنى بعض الأجلّة تعليقاته تثليث الأقسام بإسقاط نذر الشّكر ومثاله موافقاً لجلّ الكتب الفقهيّة لو لم يكن كلّها.
وعليه فالنّذر إمّا برّ وهو قسمان: شكر على حدوث النّعمة، وآخر شكر على دفع البليّة كالمثالين، والاقتصار في المتن على أوّلهما من باب المثال لا من قبيل الانحصار، ويسمّى هذا القسم بنوعيه نذر مجازاة في مقابل القسم الثّاني أو الثّالث

1 . خ ل.

صفحه 221
المذكور في قوله: (أو زجر) على فعل أمر مرجوح، أو ترك فعل راجح (كقوله: إن فعلت محرّماً) أو مكروهاً (فللّه عليّ كذا، وإن لم أفعل الطّاعة) الواجبة أو المندوبة (فللّه عليّ كذا) من أبواب الطّاعة.
والقسم الثّالث أو الرّابع ما ذكره بقوله: (أو تبرّع) بدون شرط شكراً أو زجراً (كقوله للّه عليّ كذّا) وظاهره انعقاد نذر التّبرّع أيضاً، كما هو المشهور المدّعى عليه الإجماع في محكيّ الخلاف(1)، لإطلاق الأدلّة وعمومها كتاباً وسنّة(2)، منها قوله تعالى :(إِنّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطني مُحَرَّراً) (3) بناء على أنّ النّذر المذكور فيهما حقيقة في الأعمّ من المتبرّع وغيره إمّا مطلقاً أو في العرف خاصّة، ولو خالفته اللّغة لدعوى انّ النّذر فيها هو الوعد بشرط كما عن تغلب، وذلك لرجحان العرف عليها في مقام التّعارض، هذا وأمّا نذر البرّ ونذر الزّجر فلا إشكال ولا خلاف في انعقادهما أصلاً.
(ولو قال: عليّ كذا، ولم يقل للّه لم يجب) بلا خلاف كما قيل، لعدم تحقّق القربة المعتبرة.
(ومتعلّق النّذر) الملتزم بصيغته (يجب أن يكون طاعة للّه) مأموراً بها وجوباً أو ندباً، فلا ينعقد نذر الحرام والمكروه وعليه الإجماع في الرّوضة(4)وغيرها، وكذا المباح كما هو ظاهر إطلاق العبارة ونسبه في المسالك(5) إلى الشّهرة. وربّما

1 . الخلاف:6/191، المسألة1.
2 . راجع الرياض:11/482.
3 . آل عمران:35.
4 . الروضة:3/42.
5 . المسالك:11/318.

صفحه 222
يتوهّم عدم جواز نذر الواجب لعدم الفائدة، ولكن قد عرفت ممّا ذكرناه في الأيمان ظهور الثّمرة في وجوب الكفّارة مع الحنث.
(و) يشترط أيضاً أن يكون (مقدوراً للنّاذر) لاستحالة التّكليف بالممتنع، فلا ينعقد مع العجز من النّاذر، ويسقط التّكليف عنه لو تجدّد العجز بعد القدرة وسيصرّح به في المتن.
ولا ينعقد النّذر لو قال: للّه عليّ نذر واقتصر عليه بلا خلاف فيه كما قيل، لعدم ذكر متعلّقه مع النّصّ (و) لكن ينعقد بلا خلاف (لو نذر فعل طاعة) يتقرّب بها إلى اللّه تعالى، أو قال: للّه عليّ قربة (ولم يعيّن) في الصّيغة، لاجتماع شرائطه الّتي من جملتها ذكر المتعلّق وهو فعل القربة و يبرأ بفعل كلّ طاعة وقربة; فلو (تصدّق بشيء) ولو كان أقلّ قليل، (أو صلّى ركعتين، أو صام يوماً)، أو عاد مريضاً أو أفشى سلاماً مثلاً، خرج عن العهدة وبرئ منه الذّمة.
(ولو نذر صوم حين، كان) اللاّزم (عليه) صوم (ستّة أشهر).
( ولو قال:) للّه عليّ أن أصوم (زماناً، فـ) اللاّزم عليه صيام (خمسة أشهر)، (ولو نذر الصّدقة بمال كثير فـ) اللاّزم عليه (ثمانون درهماً).
( ولو نذر عتق كلّ عبد له قديم، عتق من مضى عليه ستّة أشهر فصاعداً في ملكه) للنّصّ الخاصّ في كلّ من المسائل الأربع.(1)
ولا يذهب عليك انّ هذا الحكم المذكور فيها إنّما هو إذا لم ينو شيئاً آخر غير ما ورد به الشّرع، أو لم يكن هناك عرف يقتضي خلافه، وإلاّ فالمتّبع منويّه أو

1 . الوسائل:10/378،الباب 14 من أبواب بقية الصوم الواجب; والجزء 23/298،الباب 3 من كتاب النذر والعهد ، الحديث1.

صفحه 223
ذلك العرف العامّ المقدّم على غيره، وإن كان هناك عرف خاصّ فهو متقدّم على العامّ أيضاً، وإطلاق النّصوص محمول على غير هذه الصّورة قطعاً.
(ولو عجز) النّاذر (عمّا نذر) بعد قدرته عليه ابتداءً (سقط فرضه) لفقدان شرطه.
(و لو نذر أن يتصدّق بجميع ما يملكه) في الحال، لزم الوفاء به، مالم يضرّ بحاله في دينه أو دنياه، لرجحان الصّدّقة في نفسها مع عدم ما يوجب مرجوحيّتها كما في الفرض. نعم لو شقّ عليه الوفاء (وخاف الضّرر) كذلك (ولو عجز ناذر الصّدقة بماله أجمع(1) قوّمه) على نفسه وجوباً (وتصدّق) به (شيئاً فشيئاً حتّى يوفّي)، كما في الرّواية الصّحيحة الصّريحة(2)، بل ربّما يؤذن بالإجماع عليه كلمات جمع من الأجلّة، ولولاهما لأمكن الإشكال في أصل الصحّة، لمخالفة الرّواية للقواعد المسلّمة لاشتمالها على الصّدقة بالقيمة بدل العين المنذورة، وصحّة النّذر مع الضّرر الموجب للمرجوحيّة المانعة عن انعقاد النّذر بالمرّة بعد ما عرفت من لزوم كون متعلّق النّذر من الطّاعة (ومع الإطلاق) لصيغة النّذر وعدم تقييدها بزمان أو مكان يلزم المنذور في الذمّة.
(ولا يتقيّد بوقت) خاصّ أو مكان مخصوص، بل له إتيانه فيما شاء من الأمكنة ووقته تمام العمر لا يتضيّق إلاّ بظنّ الوفاة كسائر الواجبات الموسّعة لإطلاق الأمر، (ولو قيّده بوقت) معيّن ( أو مكان) خاصّ (لزم) المنذور بشخصه عملاً بمقتضى نذره وأعاده لو فعله في غيره لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه.

1 . خ ل.
2 . الوسائل:23/314، الباب 14 من كتاب النذر والعهد، الحديث1.

صفحه 224
(ولو نذر صوم يوم بعينه (1) فاتّفق له فيه السّفر الشّرعي) الموجب للقصر (أفطر) ذلك اليوم وجوباً (وقضاه. وكذا لو) مرض أو (حاضت المرأة أو نفست) في ذلك فيجب الإفطار والقضاء، للنصّ في كلا الأمرين(2)، بل ربّما يدّعى الإجماع عليهما، ولعلّه لعدم الظّفر بالمخالف أو عدم الاعتداد به.
(ولو) اتّفق انّه (كان) اليوم المعيّن المنذور صومه (عيداً) للفطر أو الأضحى (أفطر) وجوباً بلا إشكال (ولا قضاء)، لأنّ وجوبه فرع صحّة النّذر المعلوم عدمها في المقام، لعدم قبول الزّمان للصّوم، والجهل به لا يخرجه عن عدم الصّلاحية، فهو نذر معصية; ونحوه ما تصادف اليوم المنذور صومه أيّام حيضها أو نفاسها أو أيّام التّشريق بمنى، هذا مضافاً إلى الأصل واحتياج القضاء إلى فرض جديد وليس .
(وكذا) يجب الإفطار في ذلك اليوم المعيّن بدون القضاء (لو عجز عن صومه) المنذور فيه بعذر لا يكاد يرجى زواله مطلقاً لما ذكر، وظاهره عدم وجوب شيء آخر، وفي روايات كثيرة انّه يتصدّق عن اليوم المنذور مع العجز عن صومه بمدّ من حنطة كما في بعضها(3)، أو بمدّ من حنطة أو تمر كما في آخر(4)، أو بمدّ من حنطة أو شعير كما في ثالث(؟؟؟) الوسائل: 10/209، الباب 15 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 3و1.، أو بمدّين من طعام كما في رابع(5)، واختلافها مشعر بالاستحباب مع قصور أسانيدها عن إفادة الوجوب ومخالفتها للقواعد

1 . خ ل.
2 . الوسائل:10/177و 196، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 11; والباب 10 منه، الحديث 3.
3 . الوسائل: 23/312، الباب 12 من أبواب النذور والعهد، الحديث 2.
4 . الوسائل: 10/209، الباب 15 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 3و1.
5 . الوسائل: 23/312، الباب 12 من أبواب النذر والعهد، الحديث1.

صفحه 225
المقرّرة من سقوط النّذر مع العجز المستلزم لعدم الكفّارة.
(و) أمّا (العهد) الّذي هو في الأصل الاحتفاظ بالشّيء ومراعاته فصيغته (أن يقول: عاهدت اللّه أو عليّ عهد اللّه انّه متى كان كذا فعليّ كذا، وهو لازم) العمل كالنّذر واليمين يوجب مخالفته الكفّارة إن كان ما عاهد عليه واجباً أو مندوباً أو ترك مكروه أو محرّم للعمومات وإن قلنا بعدم انعقاد نذر الواجب، وفي العكس لا يلزم وإن كان فعل مكروه أو ترك مندوب، فلو عاهد على فعل ما يكون تركه أولى أو بالعكس، فليفعل الأولى ولا يلزمه كفّارة أصلاً، لعدم انعقاده لو كان كذلك ابتداءً وانحلاله لو عرض له ذلك في الأثناء. هذا.
(و) اختلف الأصحاب في أنّ العهد هل (حكمه حكم اليمين) فينعقد على المباح المتساوي الطّرفين وعلى الواجب ومع التبرّع من دون تعليق على شرط ولا يعتبر فيه القربة أو حكم النّذر فلا ينعقد إلاّ على الرّاجح مع القربة لاعتبارهما في النّذر بلا شبهة، كما لا ينعقد على الواجب ومع التّبرّع بدون الشّرط على قول من يقول به في النّذر كما أشرنا إليه، واختار المصنف الأقلّ وفاقاً للأكثر، للعمومات الدّالّة على لزوم الوفاء به، وتقييدها بما ينطبق على متعلّق النّذر يحتاج إلى دليل مفقود في المقام ويتفرّع على هذا انعقاده تبرّعاً بقوله: عاهدت اللّه على كذا بدون الشّرط وعليه فلا تنحصر الصّيغة فيما ذكرناه في المتن.
(ولا ينعقد النّذر والعهد إلاّ باللّفظ) الدّالّ على قصده، لأصالة عدم ترتّب حكمهما على غير ذلك، ولكونهما من الأسباب الّتي لا يكفي فيها مجرّد القصد والاعتقاد والإنشاء في الضّمير من دون ذكر الصّيغة، خلافاً للشيخين(1)، لعموم الأدلّة وهو فرع الصّدق في العرف واللّغة، وليس فليس، ولا أقلّ من الشّكّ

1 . المقنعة: 563، النهاية و نكتها: 3/53.

صفحه 226
فيرجع إلى الأصل المذكور.
(ولو جعل) بالنّذر (دابّته أو عبده أو جاريته هدياً لبيت اللّه تعالى أو أحد المشاهد) المشرّفة فإن قصد مصرفاً معيّناً تعيّن، و إن أطلق (بيع) ذلك (و صرف الثّمن(1) في مصالح البيت أو المشهد الّذي جعل له وفي معونة) المحتاجين من (الحاجّ والزّائرين) للنّصوص الكثيرة المعتبرة.(2)

1 . خ ل:ثمنه.
2 . التهذيب:5/440، الحديث 1529; الوسائل: 13/249ـ 250،الباب 22 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث 6و 8.

صفحه 227

الفصل الثّالث

في الكفّارات

التي قد سبق منها ما يتعلّق بالإحرام في الباب الخامس من كتاب الحجّ، فلنذكر هنا ما سوى ذلك.
(وهي) أربعة أقسام: (مرتّبة، ومخيّرة، وما يجتمع فيه الأمران، وكفّارة الجمع):

]في الكفّارات المرتّبة [

(فالمرتّبة): ثلاث:
أحدها: (كفّارة الظّهار) المذكور في الفصل الخامس من كتاب الفراق.
(و) ثانيها: كفّارة (قتل الخطأ) الآتي بيانه في الفصل الأوّل من كتاب الدّيات، (ويجب فيهما) خصال كفّارة الإفطار في شهر رمضان (عتق رقبة) أوّلاً (فإن عجز صام شهرين متتابعين، فإن عجز) عنه أيضاً (أطعم ستّين مسكيناً) لكلّ مسكين مدّ من طعام ، بلا خلاف يظهر في الأُولى، بل عليه الإجماع عن جماعة، مضافاً إلى نصّ الآية في سورة المجادلة(1)، وأمّا الثّانية فعليها

1 . المجادلة:3ـ4.

صفحه 228
الشّهرة، بل نفى عنه الخلاف في محكيّ المبسوط(1)، وديات المسالك(2) ، مضافاً إلى صريح الآية (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فتَحرِيرُ رَقَبة...) (3) في سورة النّساء بالنّسبة إلى الأوّلين من الخصال الثّلاثة، والنصوص المستفيضة الّتي منها صحيح(4) ابن سنان في الجميع.
(و) ثالثها: (كفّارة من أفطر يوماً من قضاء شهر رمضان بعد الزّوال عامداً(5)) فانّهم وإن اختلفوا فيها على أقوال: إسقاطها بالمرّة كما عن العمّاني(6)، أو هي مخيّرة بين إطعام العشرة وصوم الثّلاثة كما عن الحلبي(7) وابن زهرة(8)، أو هي كفّارة رمضان كما عن الصّدوقين(9)، أو هي كفّارة يمين كما عن القاضي(10)وظاهر الشّيخين(11)، إلاّ أنّ المشهور نصّاً(12) وفتوى كما في المسالك(13) انّها مرتّبة بين أمرين: (إطعام عشرة مساكين) أوّلاً، (فإن عجز) ولم يجد (صام ثلاثة أيّام متتابعات).

1 . المبسوط:7/245.
2 . المسالك:10/10.
3 . النساء:92.
4 . الوسائل:22/374، الباب 10 من أبواب الكفّارات، الحديث 1.
5 . خ ل.
6 . كما في المختلف:8/219.
7 . الكافي في الفقه:184.
8 . الغنية:142.
9 . المقنع: 200.
10 . المهذب:2/422.
11 . المقنعة:570; النهاية:572.
12 . الوسائل:10/347، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.
13 . المسالك:10/10.

صفحه 229
وأمّا الأقوال الأُخر فبعضها خال عن المستند، وما ذكروه من الدّليل في غيره عليل لا يقاوم أدلّة القول المشهور المنصور، نعم ما ذكره المصنف من اعتبار التّتابع في صوم الثّلاثة تبعاً للشّيخين وجماعة منهم المحقّق في الشّرائع(1) لم يقم عليه دليل بالخصوص، والأصل يقتضي عدمه، وأمّا الاحتياط فسالك سبيله لا ينكب عن الصّراط.
وأمّا الإفطار قبل الزّوال في قضاء شهر رمضان فلا يوجب شيئاً مع سعة وقت القضاء، وأمّا مع تضيّق الوقت بدخول شهر رمضان المقبل فلا يجوز الإفطار، ولكن لا كفّارة هنا بسبب الإفطار، وإن وجبت الفدية مع تأخيره عن رمضان المقبل.

]الكفّارة المخيّرة [

(والمخيّرة كفّارة من أفطر يوماً من شهر رمضان) مع وجوب صومه عليه بما يوجبها (أو) أفطر يوماً (من) صوم (نذر معيّن) من غير عذر، للنّصوص(2)المؤيّدة بالشّهرة العظيمة، بل المشهور أنّ مطلق مخالفة النّذر، بل العهد ولو في غير الصّوم، كذلك كما نبّه عليه المصنّف بقوله: (أو خالف نذراً أو عهداً على قول) مشهور منصور بنصوص كثيرة(3)، مؤيّدة بالشّهرة، المحكيّ عليه الإجماع في كلمات الأجلّة (وهي) أي الكفّارة المخيّرة عبارة عن الخصال الثّلاث المذكورة (عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين

1 . الشرائع:1/205.
2 . الوسائل: 10/44، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
3 . الوسائل: 22/395، الباب24 من أبواب الكفّارات، الحديث 1و2.

صفحه 230
مسكيناً) ثمّ إنّ إطلاق المصنّف الحكم في من أفطر يوماً من رمضان كإطلاق الرّواية يشمل الإفطار بالمحلّل والمحرّم كما هو المشهور، لكن في رواية جزم بصحّتها في محكيّ التّحرير(1) أنّ الثّاني يوجب كفّارة الجمع، وبها يقيّد الأولى، وفي إرشاد المصنّف(2) أيضاً إيجاب الإفطار بالمحرّم كفّارة الجمع.

]كفّارة ما يجب فيه الأمران [

(و) أمّا (ما يجتمع فيه الأمران) التّرتيب والتّخيير فـ(كفّارة اليمين، وهي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم) مخيّراً بين الثلاث (فإن عجز) عن كلّها (صام ثلاثة أيّام متواليات(3)، وكذا الإيلاء) الّذي هو قسم خاصّ من اليمين السّابق ذكره في الفصل السّادس من كتاب الفراق.
والحكم في هذه الكفّارة محلّ وفاق بين المسلمين كما صرّح بذلك في المسالك(4) من حيث إنّها منصوصة في القرآن ،قال عزّ من قائل: (لا يُؤاخِذكُمُ اللّهُ باللَّغْو في أَيْمانِكُمْ وَلكِن يُؤاخِذُكُمُ بِما عَقَّدْتُمُ الأَيْمانَ فَكَفّارتُهُ إِطْعامُ عَشَرِة مَساكينَ مِنْ أَوسَطِما تُطْعِمُونَ أَهلِيكُمُ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْريرُ رَقَبَة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَة أيّام ذلِكَ كفّارُة أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ) (5) وأمّا التّتابع في صوم الثّلاثة فليس في الآية ولا في نصوص المسألة ما يدلّ عليه والأصل عدمه، إلاّ أن يكون هناك إجماع كما لعلّه يظهر من إرساله إرسال المسلّمات .

1 . تحرير الأحكام:4/373.
2 . إرشاد الأذهان:2/97.
3 . خ ل: متتابعات.
4 . المسالك:10/24.
5 . المائدة:89.

صفحه 231

]كفّارة الجمع [

(و) أمّا (كفّارة الجمع) فإنّما هي في الإفطار بالمحرّم في شهر رمضان كما أشرنا إليه، وكذا (في قتل المؤمن عمداً ظلماً) عدواناً، لا خطأ أو قصاصاً، وهي (عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستّين مسكيناً) للنّصوص المستفيضة(1)، مع حكاية الإجماع عليه في كلمات بعض الأجلّة، والمراد بالمؤمن هنا كما صرّح به في المسالك(2) المسلم ومن في حكمه كولده الصّغير والمجنون، ولا فرق بين الذّكر والأُنثى والحرّ والعبد، بشرط كون القتل مباشرة لا تسبيباً، ولعلّه يأتي في بابه إن شاء اللّه تعالى، هذا جملة أقسام الكفّارة، وبقي منها أنواع قد اختلف في أصل وجوبها ومقاديرها.
(و) فيها مسائل :
الأُولى: (قيل) كما عن الشّيخين(3) وجماعة (من حلف بالبراءة) من اللّه سبحانه ورسوله والأئمّة (عليهم السلام) على الاجتماع أو الانفراد (فعليه كفّارة ظهار، فإن عجز فكفّارة اليمين) إمّا بمجرّده كما عن القاضي(4) والشّيخين(؟؟؟)النهاية ونكتها:3/65. وجماعة، أو بعد الحنث كما عن المفيد(5) والدّيلمي(6)، وعن ابن حمزة(7) وجوب كفّارة

1 . الوسائل: 22/398، الباب 28من أبواب الكفّارات، الحديث1.
2 . المسالك:10/24.
3 . المقنعة:558; النهاية ونكتها:3/65.
4 . المهذب:2/421.
5 . المقنعة:558.
6 . المراسم:185.
7 . الوسيلة:349.

صفحه 232
النّذر، وعن الصّدوق(1) أنّه يصوم ثلاثة أيّام ويتصدّق على عشرة مساكين; ولكن واحداً منها لا يرجع إلى مستند صالح، و ما قد يدّعى الإجماع على بعضها مع وهنها بشدّة الخلاف، معارض بحكايته على آخر، .
وفي تحرير المصنف(2) ومختلفه(3) التّكفير بإطعام عشرة مساكين مع الاستغفار، لصحيحة محمّد بن يحيى(4)، قال: كتب محمّد بن الحسن الصفّار إلى أبي محمّد العسكري (عليه السلام) : رجل حلف بالبراءة من اللّه ورسوله فحنث ما توبته؟ فوقّع : «يطعم عشرة مساكين، لكلّ مسكين مدّ، ويستغفر اللّه».(5)
وتبعه من المتأخّرين بعض الأجلّة منهم الشّهيد الثّاني في المسالك(6) والرّوضة(7)، لصحّة الرّواية، وعدم المعارض، ومعهما لا يضرّ كونها مكاتبة وشاذّة نادرة، كما قدح بهما المحقّق في ما حكي عن نكت النّهاية(8)، واختار هو عدم الكفّارة من أصله.
أقول: ويوهنها أيضاً إعراض الأصحاب عنه إلى زمان المصنف كما في الجواهر(9)، بل وهو نفسه هنا، وفي إرشاده(10)، بل صرّح في قواعده(11) بأنّه لا ينعقد اليمين بالبراءة من اللّه أو الرّسول أو أحد الأئمّة ولا يجب بها كفّارة، ونسب

1 . المقنع:408.
2 . تحرير الأحكام:4/368.
3 . المختلف:8/141.
4 . هو محمد بن يحيى، أبو جعفر العطار القميّ، شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة عين، كثير الحديث، له كتب، روى عنه الكليني كثيراً.
راجع معجم رجال الحديث:18/30 برقم 11982.
5 . الوسائل:23/213، الباب 7 من أبواب الأيمان، الحديث3.
6 . المسالك:10/26.
7 . الروضة:3/14
8 . النهاية ونكتها:3/65.
9 . جواهر الكلام:33/179ـ 180.
10 . إرشاد الأذهان:2/97.
11 . قواعد الأحكام: 3/297.

صفحه 233
التّوقيع المذكور إلى الرّواية، وما ذكره هنا إلى القيل، واللّه هادي السّبيل.
وحينئذ فالأشبه عدم وجوب كفّارة أصلاً، للأصل، مع عدم انعقاد اليمين بالبراءة، إذ لا حلف إلاّ باللّه سبحانه كما عرفته، نعم لا ريب في تحريمه صادقاً كان أو كاذباً، مع الحنث وعدمه، ويدلّ عليه مضافاً إلى بعض النّصوص(1) اتّفاق الجميع كما في الرّوضة(2)، بل ويحتمل الكفر في بعض صوره.
(و) الثّانية: إن (في جزّالمرأة) أي قرضها (شعر) رأسـ(ها) كلّه أو بعضه للصّدق (في المصاب كفّارة) الإفطار في شهر (رمضان) المخيّرة، وفاقاً للشّيخ(3)وجماعة، وعن الدّيلمي(4) والحلّي(5) أنّها كفّارة ظهار مرتّبة،ولا ريب أنّه أحوط، وإن لم نقف له على دليل، كما أنّ ما دلّ على الأوّل من النصّ عليل، فالأظهر عدم الكفّارة أصلاً للأصل، مع عدم المخرج، ولا يبعد إلحاق الحلق والإحراق أيضاً بالجزّ.
(وفي نتفه) أي قلع شعرها كلّه أو بعضه (أو خدش وجهها) كذلك (أو شقّ الرّجل) لا المرأة كلّ (ثوبه) أو بعضه (في موت ولده) أو ولد ولده مطلقاً (أو زوجته) كذلك (كفّارة يمين) على الأشهر المحكيّ عليه عدم الخلاف عن الأكثر، وبه يفترق عن سابقته، وإلاّ فمستنده من النّصوص ما دلّ عليها، وقد عرفت حاله.

1 . الوسائل:23/213، الباب 7 من أبواب الأيمان، الحديث2.
2 . الروضة:3/13ـ 14.
3 . النهاية ونكتها:3/69.
4 . المراسم:187.
5 . السرائر:3/78. و في نسخة الأصل: الحلبي، الظاهر أنّه تصحيف حيث لم نعثر عليه في «الكافي في الفقه» و قد ذهب صاحب الرياض و جواهرالكلام إلى ما ذهبنا إليه.

صفحه 234
(و) الثّالثة: انّه (لو تزوّج بامرأة في عدّتها) للوفاة أو الطّلاق الرّجعي أو البائن قيل (فارقها وكفّر بخمسة أصوع من دقيق) للحنطة أو الشّعير للانصراف وجوباً، لخبرين ضعيفين بالإرسال في أحدهما(1)، والاشتراك في آخر(2)، مضافاً إلى ورودهما في ذات البعل، وعنوان كلامهم ذات العدّة، وهما متغايران، فما فيهما لا عامل به، ومورد الفتوى لا شاهد له، ودفع ذلك بعمومهما للمعتدّة الرّجعيّة بترك الاستفصال، وللبائنة بعدم القول بالفصل، كما ترى، فعدم وجوب الكفّارة أصلاً لا يخلو عن قوّة، نعم لا بأس بالاستحباب المتسامح فيه، ولو في مورد الفتوى الخالي عن النّصّ لو قلنا به.
(و) الرّابعة: انّه (من (3) نام عن) صلاة (العشاء الآخرة حتّى خرج الوقت) الّذي هو نصف اللّيل (أصبح صائماً) لكفّارة فوت الفريضة (ويصلّيها) قضاءً، وفاقاً للشّيخ(4) وجماعة(5) للمرسلة(6)، وأكثر المتأخرين على الاستحباب، ولا يخلو عن قوّة.
(ولو عجز عن صوم يوم) معيّن (نذره، تصدّق بمدّين) من طعام (على مسكين) كما في رواية ضعيفة(7) قد أشرنا إليها آنفاٌ في كتاب النّذر فراجع.

1 . الوسائل:22/404، الباب 36 من أبواب الكفّارات، الحديث1.
2 . الوسائل: 28/127، الباب 27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 5.
3 . خ ل:لو.
4 . تهذيب الأحكام:8/323، الحديث 1200.
5 . الانتصار:165; الغنية:141.
6 . الوسائل: 4/216، الباب 29 من أبواب المواقيت، الحديث8.
7 . الوسائل: 23/312، الباب 12من أبواب النذر والعهد، الحديث1.

صفحه 235
وهاهنا (مسائل:)
(الأُولى): لا يلزم في تحقّق القدرة على الرّقبة اللاّزم عتقها في الكفّارة أن يملك عينها، بل(من وجد ثمن الرّقبة و أمكنه الشّراء فقد وجد الرّقبة) ويتعيّن عليه الابتياع والعتق في المرتّبة، وذلك لصدق الوجدان بذلك في العرف واللّغة.
(ويشترط فيها الإيمان) لصريح الآية، وكذا السّلامة من العيوب الّتي تعتق بها، وهي الإقعاد والعمى والجذام والتّنكيل الصّادر من المولى، بلا شبهة لانعتاقه بمجرّد حصول هذه الأسباب كما مرّ، فلا يتصوّر إيقاع العتق عليه ثانياً.
(و) لا يشترط غير ذلك أصلاً، بل (يجزي الآبق) ما لم يعلم موته، (و) كذا (أُمّ الولد،والمدبّر) والمكاتب الغير المبعّض، فإنّه تعجيل عتق لا ينافي تشبّثهم بالحرّية المترقّبة بعد موت المولى، أو أداء مال الكتابة، وكذا لا يقدح غير ما ذكرناه من العيوب سواء كانت منقّصة لماليّته أو مخلّة باكتسابه أم لا، كمقطوع الأنامل، أو الأصابع، أو اليد، أو الأصمّ والأخرس ونحوها.
(الثانية: من لم يجد الرّقبة) ولو أدناها (أو وجدها ولم يجد الثّمن) أصلاً، أو كان محتاجاً إليه للنّفقة له ولعياله الواجبي النّفقة (انتقل) فرضه (إلى الصّوم في) الكفّارة (المرتّبة، ولا يباع ثياب بدنه، ولا خادمه، ولا مسكنه) اللاّئقة بحاله في الكفّارة، لاستلزام استثنائها في الّذي هو حقّ النّاس الاستثناء هنا بطريق أولى.
(الثّالثة): ما ذكرناه في المسألة السّابقة من الانتقال إلى الصّوم بعد العجز عن العتق في المرتّبة إنّما هو في الحرّ، وأمّا (كفّارة العبد) أي المملوك (في الظّهار، وقتل الخطأ) فيتعيّن (في الصّوم) من أوّل الأمر، وليس عليه عتق ولا

صفحه 236
صدقة للنّصّ(1)، مع القواعد المسلّمة من عدم ملكه أصلاً أو كونه محجوراً عليه في ما ملكه، بل المشهور المحكيّ عليه الإجماع أنّ صومه أيضاً شهر واحد (نصف كفّارة الحرّ) ل(2)لصّحيحة، وغلبة التّنصيف في حقّه، بل قيل انّها قاعدة كلّية.
(الرّابعة: إذا عجز عن الصّيام في) الكفّارة (المرتّبة وجب الإطعام) للعدد المذكور إلى أن يشبعوا مرّة واحدة، ولا يتقدّر حينئذ بقدر مخصوص، بل ما يحصل به الشّبع عادة، سواء زاد عن المدّ أم نقص، فلو لم يكفه المدّ زاده حتّى يشبع، كما أنّه لو شبع بدونه كفى، وله تسليم ما يطعم به إلى المستحقّ، بل الظّاهر الاجتزاء بالتّفريق، فيطعم بعضاً ويسلّم إلى آخر، والمشهور في مقداره مع التّسليم أنّه يعطي (لكلّ مسكين مدّ من طعام) وفاقاً للمشهور لأصالة براءة الذّمة من الزّائد، بعد الإجماع على عدم جواز الأقلّ، مع النّصوص(3) الواردة في كفّارة قتل الخطأ وشهر رمضان بتحديدها بخمسة عشر صاعاً، مضافاً إلى نصوص(4)كفّارة اليمين المتمّمة بعدم القول بالفصل.
ومع ذلك قيل مدّان مع القدرة، و واحد مع العجز للاحتياط، وحكاية الإجماع عليه عن صريح الخلاف(5)، وظاهر التّبيان(6)، ومجمع البيان(7).
والاحتياط لو عمل به معارض في بعض الصّور بمثله، كما إذا أوصى

1 . الوسائل:22/323، الباب 12من أبواب الظهار، الحديث 1و 2و 3.
2 . الوسائل:22/323، الباب 12من أبواب الظهار، الحديث 1و 2و 3.
3 . الوسائل: 10/46، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.
4 . الوسائل: 10/48، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 10.
5 . الخلاف:4/560، المسألة 62.
6 . التبيان:4/13.
7 . مجمع البيان:3ـ4/367 ـ 368.

صفحه 237
بالكفّارة ولم يعيّن القدر، وله صغار، ونحو ذلك، والإجماع موهون بذهاب المشهور إلى خلافه، فيبقى الأصل، والنّصوص المستفيضة، وفيها الصّحيح وغيره، سليمة عن المعارض.
واعلم أنّه لا يجوز إعطاؤه لغير المسكين أو لما دون العدد لخروج كلّ منهما عن مدلول الآية، وكذا لا يجوز التّكرار في الكفّارة الواحدة مع التّمكن لذلك، إذ لا يسمّى المسكين الواحد المطعم ستّين مرّة مثلاً ستّين مسكيناً (و) هو واضح لا إشكال فيه، نعم (لو تعذّر العدد جاز التّكرار) للنّصّ(1) المنجبر بالشّهرة العظيمة.
(و) الواجب في الجنس أن (يطعم) من (غالب قوته ويستحبّ) ضمّ (الإدام) إليه ولا يجب والمراد به ما جرت العادة بأكله مع الخبز، ويختلف في النّفاسة والرداءة، (وأعلاه اللّحم، وأوسطه الخلّ) والزّيت، (وأدناه(2) الملح) للنّصّ (3)، هذا.
ولا يذهب عليك انّه يجوز إعطاء العدد المعتبر في الكفّارة إطعاماً وتسليماً وبالتّفريق مجتمعين أو متفرّقين لصدق الإطعام في ذلك كلّه.
وحدّ الإطعام الإشباع كما أشرنا إلى ذلك كلّه، وما تقدّم من تقدير الإطعام بالمدّ أو المدّين إنّما هو مع تسليمه إلى المستحقّ كما أشرنا إليه.
وعليه فلا فرق بين الصّغير والكبير كما صرّح به بعض الأجلّة(4)، وأمّا إن

1 . الوسائل:22/386، الباب 16 من أبواب الكفّارات، الحديث1.
2 . خ ل: وأقلّه.
3 . الوسائل:22/380، الباب 14 من أبواب الكفّارات، الحديث 3و 2.
4 . راجع الرياض:11/272.

صفحه 238
اقتصر على الإطعام والإشباع، فلابدّمن كونهم كباراً، أو مختلطين من الكبار والصّغار، إلاّ مع احتساب الاثنين بواحد، كما صرّح به في المتن، ومع الاختلاط يجوز احتساب الصّغار أيضاً من النّصاب بلا زيادة لصدق إطعام العدد مع العمومات، والإطلاقات المقتضية للاكتفاء بالصّغير مطلقاً كالكبير خرج منها انفراد الصّغار بالاتّفاق كما في المسالك(1) فيبقى الباقي ولا يفترق الحال بين كون الكبار بقدر الصّغار أو أقلّ لإطلاق النّصّ(2) والفتوى.
(و) إلى ما نبّهنا عليه صرّح بقوله: (لا يجوز إطعام الصّغار) محتسباً بهم من العدد (إلاّ منضمّين إلى الرّجال)(3) فيجوز حينئذ احتسابهم من العدد وفاقاً للمشهور في المستثنى والمستثنى منه، مضافاً في الثّاني إلى ما أشرنا إليه من العمومات والإطلاقات.
ويدلّ على الأوّل أيضاً، أعني: عدم جواز الاجتزاء بالصّغار في الانفراد إلاّ مع احتساب الاثنين منهم بواحد، كما أشرنا إليه، وبه صرّح المصنف كغيره بقوله: (فإن انفردوا احتسب الاثنان) منهم (بواحد) رواية غياث(4) الموثقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يجزي إطعام الصّغير في كفّارة اليمين ولكن صغيرين

1 . المسالك:10/95.
2 . الوسائل: 22/387، الباب 17 من أبواب الكفّارات، الحديث 3.
3 . خ ل:منفردين ويجوز منضمّين.
4 . هو غياث بن إبراهيم التميمي الأسدي، بصري، سكن الكوفة، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن عليمها السَّلام ، له كتاب، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر ـ قائلاً: بتري ـ والصادق وفيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام) ، وقد بحث السيد الخوئي في أنّ المذكور في أصحاب الباقر وفيمن لم يروي عنهم (عليهم السلام) يختلف عن الذي ذكره النجاشي والبرقي والشيخ في الفهرست وأصحاب الصادق (عليه السلام) فراجع.
معجم رجال الحديث:13/231 برقم 9280.

صفحه 239
بكبير». (1)
و اختصاصها بكفّارة اليمين محمول على المثال لغيرها ولو بقرينة الشّهرة المؤيّدة باستبعاد الفرق مع اتّحاد الأمر فيهما بإطعام المسكين، بل قال في الجواهر(2): يمكن دعوى ظهور ذلك في إرادة بيان كيفيّة الإطعام في جميع الكفّارات وإن ذكر ذلك في كفّارة اليمين.
ثمّ إنّ ظاهر الموثّقة وإن كان يقتضي عدم إجزاء الصّغير مطلقاً منفرداً ومجتمعاً، إلاّ أنّهم حملوها على الأقلّ بقرينة ظهور بعض الأخبار في الاجتزاء بهم مع الاجتماع. هذا.
واعلم أنّه ليس المراد من الصّغير والكبير ما هو المصطلح الشّرعي المعروف، قال في المسالك: إنّه لا تقدير في الصّغر والكبر شرعاً، فيرجع فيهما إلى العرف، ولا يختصّ بالكبير البالغ، بل العبرة بكثرة الأكل وقلّته بحيث يقارب أكل المتوسّط من الكبار، ولعلّ بلوغ عشر سنين يقارب ذلك غالباً(3). انتهى.
المسألة (الخامسة) قد عرفت أنّ كفّارة اليمين مخيّرة بين العتق والإطعام والكسوة، وقد مرّ ما يتعلّق بالأوّلين، وأمّا الثّالث فاعلم أنّ (الكسوة لكلّ فقير ثوبان مع القدرة وإلاّ فواحد) جمعاً بين النّصوص المطلقة في الأمرين(4)، ولكنّه حمل بعيد ليس في الأخبار إشعار به، والجمع بينهما بحمل أخبار الثّوبين على الأفضليّة لا يخلو عن مزيّة، للأصل وإطلاق الآية والسّنّة وانسباق النّدب من

1 . الوسائل:22/387، الباب 17 من أبواب الكفّارات، الحديث1.
2 . جواهر الكلام:33/267.
3 . المسالك:10/98.
4 . الرياض:11/274.

صفحه 240
نظم مجموع نصوص المسألة الآمرة بثوب ف(1)ي بعضها وبثوبين في آخر(2)، بل في بعضها الجمع بين الأمرين، فهو كالتّخيير بين الأقلّ والأكثر المحمول على ما ذكر، بل يمكن أن يقال إنّ ترجيح أدلّة أحد الأمرين على الآخر ببعض المرجّحات مطلقاً لو وجد أولى من الجمع المذكور الخالي عن الشّاهد.
وبالجملة هذا كلّه في كمّ الكسوة، وأمّا الكيفيّة فالمعيار فيها ما يحصل به ستر العورة مع صدق الكسوة في العرف والعادة كالقميص والسّراويل والجبّة دون الخفّ والقلنسوة.
(السّادسة: لابدّ) في جميع خصال الكفّارة ولو كان إطعاماً أو كسوة (من نيّة القربة، والتعيين) للسّبب الّذي يكفّر عنه، (والتّكليف) بالبلوغ والعقل (والإسلام) بالمعنى الأخصّ المراد به الإيمان (في المكفّر); فلا يصحّ بدون القربة، لأنّها عبادة فيشملها عموم الأدلّة على اعتبارها فيها، ولا بدون التّعيين، لأنّ الكفّارة اسم مشترك بين أفراد مختلفة لا يتميّز المأمور به عن غيره إلاّ بالنيّة، ولا عن الصّغير والمجنون لارتفاع التّكليف المقتضي لعدم توجّه الخطاب، ولا عن المخالف فضلاً عن الكافر لعدم تحقّق القربة المعتبرة فيها منهما والتّكفير عبادة ومن شرطها الإيمان مع النّصوص الكثيرة في بطلان عبادة المخالف(3). واللّه العالم.

1 . الوسائل:22/381، الباب 14من أبواب الكفّارات، الحديث 5.
2 . الوسائل:22/375 و377، الباب 12من أبواب الكفّارات، الحديث 1و9و 13.
3 . الوسائل: 1/118، الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات.

صفحه 241

كتاب الصّيد وتوابعه

من الذّباحة والأطعمة والأشربة

والمراد به هنا بقرينة الذّباحة هو القتل المزهق في أي موضع كان فإنّ له معنيين في الشّرع:
أحدهما: إثبات اليد على الحيوان الممتنع بالأصالة.
والثّاني: إزهاق روحه بالآلة المعتبرة فيه من غير ذبح.
وكلاهما مباحان كتاباً وسنّةً وإجماعاً بل ضرورة من الدّين، قال اللّه تعالى شأنه :(أُحلَّ لَكُم صَيْدُ البَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارِة وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً)(1) (وإ ذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا)(2) (وَما عَلّمتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلَّبِينَ تُعَلّمُونَهُنّ مِمّا عَلّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيهِ) .(3)
وأمّا السنّة فمتواترة في الغاية وفي كلمات الأكثرين عنوان الكتاب بالصّيد والذّبائح. وعليه فالمراد به المصيد كما لا يخفى، فإنّ المعروف انّ الذّبائح جمع

1 . المائدة:96.
2 . المائدة:2.
3 . المائدة:4.

صفحه 242
الذّبيحة ولا يبعد إرادة هذا المعنى في المقام كما يفصح عنه عبارة: فيما يؤكل صيده، وقتل صيد، أو نحوهما في المتن وإن كان الذّبائح جمعاً للذّباحة بقي الصّيد على معناه المصدري أيضاً كما في عنوان الصّيد والذّباحة.
(و) بالجملة فـ(فيه فصول:)

صفحه 243

الفصل الأوّل

]فيما يؤكل صيده[

لا ريب في جواز الاصطياد بالنّصّ والإجماع بجميع الآلات وصنوف الحيوان من السّيف والرّمح والسّهم والسّكين ونحوها، وكذا الكلب والفهد والنّمر والعقاب والبازي وغيرها من الآلات والحيوان، ثمّ إن أدركه مستقرّ الحياة وجب تذكيته مطلقاً ويحرم أكله بدونها كما سيأتي في آخر هذا الفصل; بخلاف ما قتل بالآلة الجماديّ أو الحيوانيّ، فمنه ما يجوز أكله، ومنه ما ليس كذلك.
وسيأتي الثّاني (في) آخر الفصل، وأمّا الأوّل، أعني: (ما يؤكل صيده) المقتول، فقد تعرّض لبيانه هنا (و) قال: (هو أمران):
من الحيوان (الكلب) المعلّم فقط.
(و) من الجماد (السّهم) و نحوه ممّا سيذكره.
(أمّا الكلب، فإذا قتل صيداً وهو الممتنع) وحشيّاً كان أو أهليّاً مستوحشاً كما هو ظاهر إطلاقه، لعدم صدق الصّيد على غير الممتنع في العرف واللّغة، فيندرج في عموم ما دلّ على توقّف حلّ الحيوان على التّذكية، وأمّا صدق الصّيد على الأهليّ المستوحش، فلا يخلو عن مناقشة، والأُصول تقتضي الرّجوع في إباحته إلى مراعاة التّذكية، لكنّ النّصوص الواردة في المتردّي مع الإجماع المصرّح به في كلمات بعض الأجلّة ألحقاه بالصّيد.

صفحه 244
وبالجملة إذا قتل الكلب حيواناً ممتنعاًكذلك (حلّ أكله بشروط ستّة):
أحدها: (أن يكون الكلب معلّماً) بحيث (يسترسل) وينطلق (إذا) أغراه و (أرسله، وينزجر) ويقف عن الانطلاق (إذا زجره) عنه.
(و) ثانيها: كما هو ظاهرالعبارة (أن لا يعتاد أكل ما يصيده) كما هو المشهور، بل عن جماعة الإجماع عليه، (و) على أنّه (لا اعتبار بـ) الأكل (النّادر) في زوال التّعليم، كعدم العبرة بالنّادر من الاسترسال والانزجار في تحقّقه عرفاً. هذا.
ولا يذهب عليك انّ عدم الاعتياد ليس شرطاً مستقلاً في حلّ الأكل، بل من مقوّمات التّعليم الّذي هو الشّرط، والأمر سهل.
(و) ثالثها: (أن يكون المرسل) للكلب (مسلماً أو في حكمه) كولده المميّز الغير البالغ، فلا يحلّ لو أرسله الكافر ولو كان يهوديّاً أو نصرانيّاً، وكذا من حكم بكفره من المسلمين كالنّاصب والمجسّمة، ونحوه المجنون والصّبيّ غير المميّز، لاشتراط أن يكون (قاصداً لإرسال الكلب) إلى الصّيد وهو رابعها، فلو استرسل الكلب بنفسه من غير أن يرسله، أو أرسله لكن لا بقصد الصّيد فصادف صيداً فقتله، أو أرسله لا بقصد المحلّل كما لو ظنّه خنزيراً فأصاب محلّلاً لم يحلّ.
نعم المعتبر قصد الجنس المحلّل لا عينه، فلو أرسل كلبه أو سهمه على صيد معيّن، فقتل غيره، حلّ لتحقّق القصد ولصريح الخبر عن التّهذيب(1) القاصر السّند والمتن باختلاف النّسخ، فعن بعضها يأكل وعن آخر لا يأكل في جواب السّؤال عن الخطأ في الصّيد، وأمّا القصد فلم يتحقّق بالنّسبة إلى الصّيد

1 . التهذيب:9/38 ح160.

صفحه 245
الحاضر وكفاية القصد بالنّسبة إلى غيره ولو كان محلّلاً أوّل الكلام،والظّاهر عدمه، لأصالة عدم التّذكية المكتفى في الخروج عنها بالمتيقّن لكن في الرّياض(1) نفى الخلاف فيه، فإن تمّ فذاك، وإلاّ فالحكم كما ذكر.
(و) خامسها: (أن يسمّي) للّه (عند إرساله) الكلب مع التّذكر، فلو تركها عمداً حرم للنّهي.
(و) سادسها: (ألاّ يغيب) الصّيد (عن العين حيّاً)، فلو غاب عنه وحياته مستقرّة بأن يمكن أن يعيش ولو نصف يوم ثمّ وجد مقتولاً أو ميّتاً لم يؤكل للنّصّّ(2)وعدم الخلاف كما قيل لجواز استناد القتل إلى غير الكلب.
(ولو نسى التّسمية) ولم يذكرها قبل الإصابة (و) لكن (كان يعتقد وجوبها حلّ الأكل) بلا خلاف كما قيل; ولو تذكّر قبل الإصابة فتركها لم يؤكل، لبقاء محلّ الوجوب وظاهر المصنّف انّه لو لم يعتقد وجوبها بل تركها جهلاً به فهو كالعامد،وذلك لأصالة الحرمة بدون التّسمية خرج منها صورة النّسيان لما مرّ فيكون الجهل مندرجاً تحتها وإلحاقه به قياس. هذا.
(و) عن جماعة من الأصحاب من غير خلاف يعرف فيه بينهم اعتبار كون التّسمية من المرسل فـ(لو سمّى غير المرسل لم يحلّ) مع قتله، للأصل والنّصّ(3) وأولى بعدم الحلّ لو أرسل شخص وقصد الصّيد آخر وسمّى ثالث.
(وكذا) يعتبر من غير خلاف يعرف استناد موت الصّيد إلى السّبب المحلّل خاصّة لا السّبب المحرّم ولا المشترك فـ(لا يحلّ لو) سمّى شخص

1 . الرياض:8/135، طبعة دارا لهادي، بيروت، وما يأتي أخرجناه من هذه النسخة إلى آخر الكتاب.
2 . الوسائل: 23/359، الباب 14من أبواب الصيد، الحديث1.
3 . الوسائل:23/359، الباب 13 من أبواب الصيد، الحديث 1و2.

صفحه 246
وأرسل كلبه لكن (شاركه) في قتل الصّيد (كلب) آخر مسترسل بنفسه أو غير معلّم أو أرسله (الكافر، أو من لم يسمّ، أو من لم يقصد) جنس الصّيد لم يحلّ أيضاً فضلاً عمّا لو لم يعلم الحال في استناد الإزهاق إلى أيّ منالأمرين كما هو كذلك في كل سبب محلّل اشترك معه غيرالمحلّل و لم يعلم استنادالإزهاق إلى المحلّل، لأصالة عدم التّذكية مع صراحة بعض نصوص المسألة.(1)
أمّا لو اشترك في قتله كلبان معلّمان أرسلهما مسلمان مع القصد والتّسمية، فلا ريب في الحليّة فضلاً عمّا لو أرسلهما واحد كذلك، فصريح خبر أبي بصير(2) الحلّ مع اشتراك الأسباب المحلّلة، بل عن صريح بعض وظاهر آخرين الاتّفاق على ذلك.
هذا جملة من القول في الحيوان المحلّل صيده المقتول (و أمّا) غيره من الآلات الجماديّة الّذي يحلّ صيده فهو عبارة عن: (السّهم): المراد به هنا كما في قواعد المصنّف(3) كلّ آلة محدّدة (فيدخل فيه السّيف والرّمح) ونحوهما ممّا فيه نصل من حديد ويحلّ صيد واحد من هذه الآلات مطلقاً، كما صرّح به في ذيل هذه العبارة.
(و) أمّا (المعراض) ونحوه من السّهام المحدّدة الّتي لا نصل فيها، فلا يحلّ صيدها إلاّ (إذا خرق) اللّحم ولو يسيراً، فلا يحلّ لو أصابه معترضاً وقتله.

1 . الوسائل:23/342، الباب 5 من أبواب الصيد، الحديث 1و2و 3.
2 . الوسائل: 23/343، الباب 5 من أبواب الصيد، الحديث2.
3 . قواعد الأحكام:3/312.

صفحه 247
ثمّ إنّ المعراض عند أكثر اللّغويين سهم بلا ريش، وقيل: بلا ريش ونصل; وفي القاموس(1) وقطر المحيط(2) أنّه سهم بلا ريش، رقيق الطّرفين، غليظ الوسط، يصيب بعرضه دون حدّه.
وقيل: سهم طويل له أربع قذذ دقاق إذا رمى اعترض.
والنّصل حديدة السّهم والرّمح والسّيف والسّكين ما لم يكن له مقبض.
وبالجملة (فيؤكل ما يقتله أحدها) مطلقاً، أو مع الخرق (إذا سمّى المرسل) لها (وكان مسلماً، أو بحكمه) على ما مرّ مشروحاً; ولو ترك التّسمية عمداً أوجهلاً أو سهواً فكما سبق. هذا .
وقد قرع سمعك انّه لو أدرك الصّيد مستقرّ الحياة وجب تذكيته (ولو) أدركه و قد (قتل) بـ(ما) أي سهم (فيه حديدة) سواء استند قتله إلى جرحه وخرقه أم لا، كما لو أصابه (معترضاً حلّ) أكله بلا خلاف يظهر، لصحيحة محمّد الحلبي(3) عن الصّادق (عليه السلام)(4)، ولم يجد في الجواهر(5) خلافاً فيه نصّاً وفتوى.
ولو قتله المعراض أو السّهم الّذي لا نصل فيه حلّ إن خرق لحمه ولو يسيراً

1 . القاموس المحيط:2/495، باب «عرض».
2 . القطر المحيط:2/1340، مادة «عرض».
3 . هو محمد بن علي بن أبي شعبة الحلبي، أبو جعفر، وجه أصحابنا وفقيههم، والثقة الذي لا يطعن عليه، له كتاب، من أصحاب الإمامين الصادق والباقر عليمها السَّلام . معجم رجال الحديث:16/302 برقم 11265.
4 . الوسائل: 23 / 371، الباب 22 من أبواب الصيد، الحديث 2.
5 . جواهر الكلام:36/16.

صفحه 248
ومات بذلك; وإن أصابه معترضاً أو لم يكن قتله بالخرق لم يحلّ، لصحيحة أبي عبيدة(1) عن الصادق (عليه السلام) (2)، مضافاً إلى اتّفاق كلمة الأصحاب عليه كما في الجواهر.(3)
(ولو قتل الكلب أو السّهم فرخاً) غير ممتنع (لم يحلّ) لما عرفت أنّ الصّيد هو الممتنع .
(ولو رماه بسهم) ونحوه، (فتردّى من جبل، أو وقع في الماء، فمات) موتاً يحتمل استناده إلى كلّ منهما (لم يحلّ)، لما عرفت من اشتراط استناد الموت إلى السّبب المحلّل وحده، فيحرم ما استند موته إلى غيره أو إليهما معاً أو كان مشكوكاً فيه، فيجري فيه أصالة الحرمة، مضافاً إلى النّصوص الكثيرة.(4)
وأمّا لو علم استناد موته إلى السّهم، فيحلّ قطعاً، لأنّه مقتول بالآلة.
(ولو قدّه السّيف بنصفين) أي بقطعتين متساويتين أو مختلفتين (حلاّ) بلا خلاف، كما عن السّّرائر (5) والمبسوط(6) والخلاف(7) (إن تحرّكا) حركة المذبوح (أو لم يتحرّكا) أصلاً.
(ولو تحرّك أحدهما حركة ما حياته مستقرّة، حلّ) ذلك الشّقّ المتحرّك

1 . هو زياد بن عيسى، أبو عبيدة الحذّاء، كوفي، ثقة، روى عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليمها السَّلام ، معجم رجال الحديث:7/310 برقم 4797.
2 . الوسائل:23/370، الباب 22 من أبواب الصيد، الحديث1.
3 . جواهر الكلام:36/17.
4 . الوسائل: 23/378، الباب 26 من أبواب الصيد.
5 . السرائر:3/95.
6 . المبسوط:6/261.
7 . الخلاف:6/18، المسألة 17، كتاب الصيد و الذبائح.

صفحه 249
لكن (بعد التّذكية خاصّة) دون الشّقّ الغير المتحرّك، لأنّه حينئذ قطعة مبانة من الحيّ محرمة قطعاً، (وإلاّ) يكن حياة المتحرّك مستقرّة (حلاّ) أي النّصفان (معاً)، لكونهما في الفرض مقتولين بالآلة.
(ولو قطعت الحبالة بعضه) أي الصّيد عضواً أو غيره (فهو) قطعة مبانة من الحيّ (ميتة) لا يحلّ أكله وهو واضح، وأمّا القطعة الأُخرى المستقرّ حياتها بالفرض، فلابدّ من تذكيتها.
نعم لو لم تستقرّ حياتها حرمت القطعتان معاً كما مرّ آنفاً، لعدم حليّة مقتول غير الكلب والسّهم، وسيصرّح به في المتن بعد سطرين.
هذا مع عود الضّمير إلى البعض، والأولى إعادته إلى الصيّد الّذي هو مرجع الضّمير المضاف إليه في بعضه، وعليه فالمطلب أوضح، يعني: أنّ الحبالة لو قطعت بعض الصّيد فمات به فهو بكلا جزئيه ميتة.
والحبالة ـ بالكسر ـ ما يصاد به من أي شيء كان كالسّيف ونحوه و إن كثر استعمالها في الوهق المسمّى في الفارسية بـ (كمند) وهو المراد هنا.
(ولو رمى) بالآلة المعتبرة مطلقاً قاصداً (صيداً) معيّناً (فأصاب غيره حلّ، ولو رماه(1) لا للصّيد) بل للّهو أو غيره (فأصاب) صيداً و قتله (لم يحلّ) بلا خلاف فيهما كما قيل، لما مرّمن أنّ المعتبر القصد إلى الجنس المحلّل لا الشّخص، وأمّا عدم الحلّ في الثاني، فلعدم تحقّق القصد المعتبر في حليّة الصّيد أصلاً، هذا.
(و) لا إشكال في جواز الاصطياد بـ(باقي آلات الصّيد كالفهود)

1 . خ ل: رمى.

صفحه 250
جمع الفهد المفسّر في الفارسية بـيوز (جانور شكاري)، (والحبالة) الّتي قد عرفت تفسيرها آنفاً، (وغيرهما) من الأحجار والشّبكة ونحوهما، وكذا جوارح البهائم والطّيور مطلقاً كما نبّهنا في أوّل الفصل إلى هذا وإلى أنّه (لا يحلّ) ما اصطيد بذلك بمجرّد الصّيد (ما لم يدرك ذكاته، وهو المستقرّ حياته ويذكّيه(1))، فيحرم لو أدركه ميّتاً، أو لم يذكّه مع استقرار حياته حتّى مات بنفسه أصلاً ونصّاً(2) بل وعليه الإجماع في محكيّ ال(3)سّرائر والخلاف(4)والانتصار(5) والغنية.(6)

1 . خ ل: وتذكيته.
2 . الوسائل: 23/343، الباب 6 من أبواب الصيد، الحديث 1و3.
3 . السرائر:3/93.
4 . الخلاف:6/5، المسألة 1، كتاب الصيد والذباحة.
5 . الانتصار:182.
6 . الغنية:394.

صفحه 251

الفصل الثّاني

في الذّباحة

بمعنى التّذكية الّتي هي أعمّ من النّحر ونحوه من سائر أنواعها، فلو عنون بها كان أولى.
وقال في قطر المحيط: ذبح يذبح ذبحاًوذباحاً: شقّ وفتق ونحر وخنق(1)، وعليه فالأمر أوضح، والأمر سهل.
وقال في كشف اللّثام: إنّه لم ير لفظ الذّباحة في كتب اللّغة وإن تداول التّعبير بها في الكتب الفقهيّة.(2)

]في الذابح [

(ويشترط في الذّابح: الإسلام أو حكمه) كطفله المميّز وإن كان أُنثى، لعدم خلاف يظهر في عدم اشتراط البلوغ والذّكورة في المذكّي، كعدم الخلاف في عدم اشتراط الفحولة والبصر والطّهارة وكمال العقل فيه، فيحلّ ذبيحة المسلمة والصّبيّ المميّز والخصيّ والمجبوب والجنب والحائض والنّفساء دون المجنون وغير

1 . القطر المحيط:1/683، مادة «ذبح».
2 . كشف اللثام:2/76، المقصد الرابع، ط حجر.

صفحه 252
المميّز لعدم تحقّق القصد.
(ولو ذبح) الوثنيّ أو الخارجي أو المجسّم أو (الذّميّ أو النّاصب) لعداوة أهل البيت (عليهم السلام) المحكوم بكفره شرعاً، (لم يحلّ الأكل) على أشهر الأقوال في الذّميّ(1)، والإجماع في غيره مطلقاً.(2)
وعن جماعة: حلّ ذبيحة الذّميّ إذا سمعت تسميته; وعن آخرين: حلّ ذبيحة غير المجوسيّ مطلقاً وفيه أخبار صحيحة(3) معارضة بمثلها أو أقوى منها(4) محمولة على التّقييد أو الضّرورة المحوجة إلى أكل الميتة.
نعم لا يشترط الإيمان وفاقاً للمشهور، للأصل والعمومات والسّيرة القطعيّة ونفي الحرج، مضافاً إلى نصوص خاصّة(5)، والقول باشتراطه كما عن القاضي(6) والحلبي(7) ضعيف لا يعبأ به.
(و) لا ينبغي الإشكال في أنّه (يحلّ لو ذبح المخالف) الغير المجسّم أو المشبّه أو النّاصب أو الخارجيّ المعادي لأهل البيت (عليهم السلام) إذا ذكر التّسمية، كما لا إشكال في حرمة ذبيحة من ذكر من فرق المسلمين وإن أظهروا الإسلام، للنّصوص المعتبرة والإجماع(8)ات المحكيّة (وإنّما) الإشكال في اشتراط اعتقاد

1 . راجع الرياض:8/167.
2 . راجع الرياض:8/175.
3 . الوسائل:23/57، الباب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 17.
4 . الوسائل: 23/48 و52، الباب 26 و 27 من أبواب الذبائح.
5 . الوسائل: 3/490، الباب 50 من أبواب النجاسات.
6 . المهذب:2/439.
7 . الكافي في الفقه:277.
8 . الوسائل: 24/66، الباب 28 من أبواب الذبائح، الحديث 1.

صفحه 253
وجوب التّسمية مع ذكرها وعدمه، والأظهر الأوّل.

]في الآلة [

هذا جملة من القول في المذكّى، وأمّا الكلام في الآلة، فاعلم أنّه يشترط أن (يكون ) التّذكية ذبحاً أو نحراً (بالحديد مع القدرة) عليه، فلا يجزي غيره وإن كان من المعادن المنطبعة كالنّحاس والذّهب والفضّة، (ويجوز مع الضّرورة) بالاضطرار إلى الأكل أو الخوف من فوت الذّبيحة التذكية(بـ) غيره من كلّ (ما يفري الأوداج) ويقطعها بحدّه ولو كان هو الزّجاجة أو الخشبة الحادّة أو قشر القصبة بلا خلاف يظهر في المستثنى والمستثنى منه، مضافاً إلى النّصوص المستفيضة (1)فيهما هنا في غير السنّ والظّفر، وفي وقوع التّذكية بهما مع الضّرورة خلاف(2) ، والأظهر الأوّل.

]في كيفيّة الذبح [

(و) أمّا كيفية الذّبح فاعلم أنّه (يجب قطع) الأعضاء الأربعة من المذبوح (المريء) ـ بفتح الميم وكسر الرّاء والهمزة مع الياء من غير مدّ ـ وهو مجرى الطّعام المتّصل بالحلقوم من تحته (والودجين) ـ بفتح الواو والدّال المهملةـ (و) هما عرقان محيطان بـ(الحلقوم) الّذي هو العضو الرّابع وهو ـ بضمّ الحاء المهملة ـ مجرى النّفس.

1 . الوسائل:24/8، الباب 2من أبواب الذبائح.
2 . راجع الرياض:8/176.

صفحه 254
(ويكفي في المنحور) الّذي هو الإبل خاصّة (طعنه) أي إدخال السّكين ونحوها (في وهدة اللّبّة) أي ثغرة النّحر، فانّ اللّبّة كمكّة النّحر، والوهدة في الأصل المكان المنخفض، ولا يعتبر فيه قطع الأعضاء، ولا حدّللطّعنة طولاً وعرضاً، بل المعتبر موته بها خاصّة.
(ويشترط في الذّبيحة) بالمعنى الأعمّ الشّامل للمنحور أيضاً (استقبال القبلة) بها مع الإمكان لا استقبال الذّابح، (و) كذا (التّسمية) بأن يذكر اللّه تعالى عند الذّبح أو النّحر.
(ولو أخلّ بأحدهما عمداً لم يحلّ، ولو كان ناسياً جاز) للإجماع المستفيض النّقل في كليهما(1)، مضافاً إلى النّصوص المستفيضة(2)، ولا إشارة فيها إلى استثناء غير حال النسيان، فيبقى حال الجهل مندرجاً تحت إطلاق الأدلّة والقياس حرام، وقد مرّ نظير المسألة في الفصل الأوّل.
(ويشترط في الإبل النّحر) كما ذكر (وفي غيرها) من الحيوان القابل للتّذكية (الذّبح) عدا ما يستثنيه من السّمك ونحوه، فلو عكس فذبح الإبل أو نحر ما عداها مع الإمكان حرم، ولا بأس مع الضّرورة كالمتردي والمستعصي، كما يحلّ طعنه كيف ما اتّفق.
(و) يشترط أيضاً العلم بحياة الحيوان عند التّذكية، ويحصل بأحد أمرين:
إمّا (أن يتحرّك بعد التّذكية) ذبحاً أو نحراً (حركة الأحياء) ولو بمسمّاها دون الاختلاج والتقلّص الطّبيعي الحاصلين في اللّحم المسلوخ أيضاً،

1 . الرياض:8/181.
2 . الوسائل: 24/27، الباب 14من أبواب الذبائح.

صفحه 255
(وأقلّه حركة الذّنب) أو الأُذن أو سائر الأعضاء، ( أو تطرف العين).
(أو بخروج(1) الدّم المسفوح) المعتدل بدفع، فلا يكفي خروج الدّم متثاقلاً لتبارد غيره مع النّصّ الخاصّ(2) بعدم العبرة به.
ثمّ إنّ الاكتفاء بأحد الأمرين في استكشاف حياة الحيوان لعلّه طريق حسن للجمع بين نصوص المسألة الواردة فيه الدّالّة جملة منها على اعتبار الحركة خاصّة وآخر على اعتبار خروج الدّم المعتدل ولا إشارة في واحد منها إلى لزوم اجتماعهما، ولا ريب انّه أحوط، بل جعله في الرّياض(3) طريق الجمع بين نصوص المسألة، وغير خفيّ انّ ما ذكرناه في الجمع أحسن.
(و) بالجملة فـ (لو فقدا) معاً (لم تحلّ) بلا إشكال.
هذا كلّه في الحيوان المأكول اللّحم، وأمّا غيره فلا إشكال في عدم قبول نجس العين والآدميّ ولو كان ظاهراً أو مباح الدّم للتّذكية، وكذا الحشرات على المشهور للأصل مع خروجها عن منصرف الإطلاقات، وأمّا المسوخ والسّباع فالمشهور فيهما قبول التّذكية، بل صرّح بعض الأجلّة بعدم الخلاف في الثّاني وعن آخر الإجماع عليه.
(ويستحبّ في) ذبح (الغنم ربط قوائمها عدا إحدى رجليه) فيطلقها; (وفي) ذبح (البقر ربط قوائمها وإطلاق ذنبه; و) يستحبّ أيضاً (ربط أخفاف الإبل إلى الإبط) وتطلق رجلاه على معنى أن يجمع بين أخفاف يديها ثمّ يربطهما معاً مجتمعتين من الخفّ إلى الإبط، وليس المراد انّه يعقل

1 . خ ل: يخرج.
2 . الوسائل: 24/24، الباب 12 من أبواب الذبائح.
3 . الرياض:8/186ـ 187.

صفحه 256
خفيّ يديه إلى آباطه، لأنّه لا يستطيع القيام حينئذ والمستحبّ في الإبل أن يكون قائماً; (و) يستحبّ (إرسال الطّير) بعد ذبحه.
(وما يباع في أسواق المسلمين) من الذّبائح و أجزائها (فهو ذكيّ) بحكم الشّرع (حلال) طاهر يجوز ابتياعه وأكله من غير فحص (إذا لم يعلم حاله)، ولا فرق بين أخذه من معلوم الإسلام أو مجهوله بعد كون السّوق سوق الإسلام بشهادة العرف.
(ولو تعذّر الذّبح أو النّحر كالمتردّي) في بئر أو موضع لا يتمكّن المذكّي من الوصول إلى موضع الذّكاة منه، (و) كذلك الأهليّ (المستعصي) الّذي لا يمكن لصاحبه إثبات يده عليه (يجوز أخذه (1) بالسّيوف وغيرها (2)ممّا يجرح) وإن لم يصادف الأخذ موضع التّذكية ولم يحصل الاستقبال (إذا خشي التّلف) ولم يدرك بعد الجرح ذكاته، فيحلّ حينئذ أكله بشرط التّسمية وغيرها من الشّرائط الغير المتعذّرة.
(وذكاة السّمك) المأكول (إخراجه من الماء حيّاً)، وكذلك إثبات اليد عليه خارج الماء وإن لم يخرجه منه، كما لو وثب فأخذه قبل موته، أو أخذه كذلك بعد انحسار الماء عنه.
(ولو مات في الماء بعد أخذه لم يحلّ) للنّصّ(3) مع عدم ظهور الخلاف فيه.
وظاهر المتن كالأكثر انّه لا يعتبر في تحقّق تذكية السّمك بعد أخذه حيّاً

1 . خ ل: عقر.
2 . خ ل: بالسيف وغيره.
3 . الوسائل:24/79، الباب33 من أبواب الذبائح، الحديث 1و2.

صفحه 257
موته خارج الماء، وعليه فيجوز أكله حيّاً وهو كذلك، لأنّه مذكّى بالإخراج، لإطلاق الأدلّة في تحقّق التّذكية به من غير اعتبار موته بعد ذلك، بخلاف غيره من الحيوان فإنّ تذكيته مشروطة بموته بالذّبح أو النّحر أو ما في حكمهما، ولا ينافيه حرمته لو أُعيد في الماء بعد ذلك ومات فيه كما صرّحوا به من غير خلاف يعرف لصريح النّصّ الصّحيح(1)، إذ يمكن خروج هذا الفرد بالنّصّ وأقصاه انّه يشترط في السّمك مع تحقّق التّذكية عدم موته في الماء فبقي ما دلّ على أنّ ذكاته إخراجه خالياً عن المعارض، ومنه يظهر ضعف القول بعدم جواز أكله حتّى يموت كباقي ما يذكّى لعدم حلّه لو رجع إلى الماء بعد إخراجه فمات فيه، ولو كان مجرّد إخراجه كافياً لما حرم بعده، ووجه الضّعف خروج هذا الفرد بالنصّ فيبقى الباقي.
(وكذا ذكاة الجراد أخذه حيّاً ولا يشترط في ) أخذ (هما الإسلام، ولا التّسمية)، ولا الاستقبال عند الأخذ; لكن يشترط في حلّ أكله حضور مسلم عنده يشاهده قد أُخرج حيّاً ومات خارج الماء، لصحيحة الحلبي(2) وغيرها من الأخبار الكثيرة الدّالة عليه، فلا يحلّ أكل ما يوجد في يده بلا إشكال حتّى يعلم ولو شرعاً أنّه مات بعد إخراجه من الماء حيّاً بحيث يكون مذكّىً، لأنّ الأصل عدم التّذكية ومن المحتمل أخذه ميّتاً في الماء، ولا أصل يقضي بصحّة قوله وفعله كالمسلم حتّى يكون قاطعاً لذلك، ويجوز أكله حيّاً كما صرّح به بعض الأجلّة(3) ويستأنس له بما ذكرناه في جواز أكل السّمك حيّاً.

1 . الوسائل: 24/88، الباب 37 من أبواب الذبائح، الحديث 5و 6و 8.
2 . الوسائل: 24/75، الباب 32 من أبواب الذبائح، الحديث 1.
3 . التهذيب:9/80 ، الحديث 345.

صفحه 258
(والدّبا) الّذي هو بالفتح مقصوراً جمع الدّباة بالفتح أيضاً بمعنى الجراد قبل أن يطير (حرام) لا يحلّ أكله حتّى يستقلّ بالطّيران ليكون صيداً حينئذ باعتبار امتناعه بطيرانه، بلا خلاف في ذلك كما صرّحوا به.
(ولو) مات الجراد أو (احترق في أجمّة قبل أخذه فحرام) أكله، لعدم حصول الأخذ الّذي هو تذكية وإن قصده المحرق، لعدم صدق اسم الصّيد والأخذ على ذلك.
(وذكاة الجنين ذكاة أُمّه) يحلّ بحلّها ولا حاجة إلى تذكية أُخرى لكن (مع تمام الخلقة) وتكامل الأعضاء، سواء ولجه الرّوح أو لا، أُخرج ميّتاً أو حيّاً غير مستقرّ الحياة.
(ولو أُخرج (1) حيّاً) مستقرّ الحياة (لم يحلّ بدون التّذكية)، لأنّه حيوان يتوقّف حلّه عليها إلاّما أخرجه الدّليل. هذا .
ولو لم تتمّ خلقته لم يحلّ أصلاً نصّاً(2) وإجماعاً. واللّه العالم.

1 . خ ل: خرج.
2 . الوسائل: 24/34، الباب 18 من أبواب الذبائح، الحديث 4و 6و 7.

صفحه 259

الفصل الثّالث

في معرفة أحكام الأطعمة والأشربة

الّتي هي من المهمّات للإنسان باعتبار كونه جسداً لا يمكن استغناؤه عنهما (وفيه مباحث):

]المبحث[ الأوّل: في حيوان البحر

( ولا يؤكل منه إلاّسمك له فلس) أي قشر كالورق وإن زال عنه في بعض الأحيان، (ويحرم الطافي) وهو السّمك الّذي يموت في الماء، أو ما يلقيه البحر ميّتاً، أو يموت لنضب الماء عنه بلا خلاف في شيء من ذلك. (والجلاّل) المتغذّي بالعذرة محضاً حتّى ينمو بها (منه) أي من السّمك يحرم أيضاً كالطّافي (حتّى) يستبرأ بأن (يطعم علفاً طاهراً) في الماء الطّاهر (يوماً وليلة) على المشهور بين الأصحاب في أصل الحكم بالحرمة، وما قدّر لاستبرائه من المدّة، ومخالفة الإسكافي(1) في الأوّل لقوله بالكراهة، والشّيخ والصّدوق(2) في الثّاني لاكتفائهما باليوم إلى اللّيل نادرة، هذا في السّمك.

1 . نقله عنه في المختلف:8/279.
2 . النهاية ونكتها:3/75و 79و 82; المقنع:421.

صفحه 260
وأمّا غيره من حيوان البحر فلا يؤكل مطلقاً من غير فرق بين ما كان على صفة المحلّل وغيره كما أشار إليه بالحصر (و) ذلك كـ(الجرّيّ) والشّاة (والسّلحفاة والضّفادع والسّرطان)، وغيرها من حيوان البحر ككلبه وخنزيره ونحوهما، وإنّما خصّ الأربعة بالذّكر لورود النّهي(1) عنها بالخصوص.
والجريّ ـ بكسرتين والتّشديد ـ نوع من السّمك طويل أملس ليس له فلوس، وهو غير ما يسمّى بالفارسية بـ(مار ماهي) كما هو صريح اللّمعة والرّوضة(2)، وفسّره بعضهم به.
وفي حياة الحيوان: انّ الجرّيث ويقال له الجريّ أيضاً نوع من السّمك يشبه الحيّة(3)، ويقال له بالفارسيّة: «مار ماهي»، ويقال له : الأنكليس أيضاً.
وعن الجاحظ انّه يأكل الجرذان، و هو حيّة الماء.
والسّلحفاة ـ بضمّ السّين المهملة وفتح اللاّم فالحاء المهملة السّاكنة فالفاء ـ هو الّذي يقال له في الفارسيّة (سنگ پشت).
والضّفادع جمع ضفدع كزبرج يقال له بالفارسيّة : غوك، و بالتركيّة: قرباغه.
والسّرطان ـ بفتحتين ـ يسمّى عقرب الماء أيضاً، ويقال له بالفارسيّة : خرچنگ.
(ولا بأس بالكنعت) المقول له (الكنعد)(4) أيضاً ـ بالدّال المهملة ـ

1 . الوسائل:24/130، الباب 9 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1; و ص146، الباب 16 منه، الحديث1.
2 . الروضة البهية:7/263.
3 . حياة الحيوان:1/176ـ 177.
4 . خ ل.

صفحه 261
و هو ضرب من السّمك له فلس ضعيف يحتكّ بالرّمل وغيره فيذهب عنه ثمّ يعود.
(و) كذا لا بأس بـ(الرّبيثا) ـ بكسرتين ـ قال «في فرهنگ آنندراج» ما لفظه: ربيثا بر وزن مسيحا بلغت سرياني، نوعى از ماهى كوچك باشد كه از جانب هرمز آورند، و آن را در گرم سيرات ماهى استنه گويند، وماهيانه از آن پزند، و همچنان خشك نيز خورند، قوّت باه دهد.(1) انتهى.
(و) لا بأس أيضاً بـ(الطّمر) ـ بالكسر ـ (و الطّبراني) ـ بفتحتين ـ (و الأبلاميّ) بالكسر ـ (و الأربيان) ـ بكسر الهمزة والباء ـ و هو سمك أبيض كالدّود، وغيرها من أصناف السّمك ذي الفلوس والقشور الّتي لا إشكال في حلّها، وكلّ من هذه الخمسة ذات فلس وقشر وذكرها بالخصوص لورودها في النّصوص(2)، وإلاّفقد علم حكمها ممّا مضى من الحكم بحلّ كلّ ما له فلس مطلقاً.
وفي «فرهنگ آنندراج» ما لفظه: اربيان ملخ آبى كه عرب جراد البحر و شيرازيان ميگو خوانند، ونمك سود خشك آن را خورند، و با برنج و روغن نيز پزند همانا عربى است(3). انتهى.

1 . نقله عنه في لغت نامه دهخدا:25/268. و حاصل الترجمة إلى العربيّة: ربيثا على وزن مسيحا باللّغة السريانيّة، نوع من الأسماك الصغيرة، يوجد في مدينة هرمز الساحليّة في جنوب إيران، يقال له سمك «استنه» حسب نسخة الشارح، و « اشته» حسب لغت نامه دهخدا، و يأكلون منه باستمرار في كل شهر، و يؤكل مجففاً أيضاً، يقوّي الباه.
2 . الوسائل: 24/129، الباب 8 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 9; وص 139، الباب 12 منه.
3 . نقله عنه في لغت نامه دهخدا:5/1616ـ 1617. وحاصل الترجمة إلى العربية: الاربيان : جراد الماء، يسمّيه العرب: جراد البحر، وأهل شيراز: ميگو، ويؤكل جافاً مع الملح، ويطبخ ايضاً مع الأرز والدهن وهي أكلة عربية.

صفحه 262
(و) يجوز أن (يؤكل ما) أي سمكة (يوجد في جوف السّمكة) المذكّاة بأخذها حيّة (إن كانت مباحة) من ذوات الفلوس المحلّل أكلها، وإلاّ فلا يحلّ أكلها ومقتضاه الحلّ وإن لم يعلم بحياتها حين الأخذ، وبه رواية ضعيفة(1)، وأُخرى مرسلة(2); والأشبه المنع إن لم يعلم بخروجها من الماء حيّة الّذي هو تذكية السّمكة، فتبقى على أصالة الحرمة; وأصالة عدم التّذكية الّتي لا يقطعها الخبران بعد الضّعف والإرسال، وأمّا استصحاب الحياة المقطوع بها في الجملة ولو قبل ابتلاع السّمكة لها إلى حين الأخذ، فلا يعارض أصالة عدم التّذكية المتوقّفة على شرط لا يحرز بالأصل لكونه بالنّسبة إليه من الأُصول المثبتة.
وكذا (لا) يجوز أكل (ما) أي سمكة (تقذفه الحيّة) بعد ابتلاعها (إلاّأن) يكون حيّاً و (يضطرب) بعد القذف (ولم ينسلخ(3)) من فلوسها لرواية أيّوب بن أعين(4) عن الصّادق (عليه السلام)(5) الصّريحة في النّهي عن الأكل مع التّسلّخ والأمر بها، عقيبه مع عدمه، وهي مع جهالة السّند مخالفة لما عرفته من قاعدة تذكية السّمك الّتي هي أخذه حيّاً، فلابدّ من الطّرح أو الحمل على الأُصول المقرّرة من أخذ السّمكة حيّة، ولو كان هو مع التّسلّخ أيضاً بعد العلم بكونها من ذوات الفلوس ضرورة كونها كغيرها من السّمك المعتبر فيه ما عرفت وابتلاع الحيّة لها لا يوجد فيها حكماً آخر، والنّهي عن أكلها مع التّسلّخ محمول على مخافة الضّرر.

1 . الوسائل: 24/86، الباب 36 من أبواب الذبائح، الحديث 2 و 1.
2 . الوسائل: 24/86، الباب 36 من أبواب الذبائح، الحديث 2 و 1.
3 . خ ل: يتسلّخ.
4 . هو أيّوب بن أعين الكوفي من أصحاب الصادق والكاظم عليمها السَّلام . معجم رجال الحديث:3/253 برقم 1592.
5 . الوسائل:24/145، الباب 15 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث1.

صفحه 263
(والبيض) المأخوذ من جوف السّمك (تابع) له في الحلّ والحرمة، فبيض المحلّل حلال وإن كان أملس، والمحرّم حرام وإن كان خشناً، لكونه من أجزائه على وجه يشمله دليل الحلّ والحرمة; مضافاً إلى عدم ظهور خلاف في الأوّل، وصراحة خبر ابن أبي يعفور(1) عن الصّادق (عليه السلام) : انّ البيض إذا كان ممّا يؤكّل لحمه فلا بأس به وبأكله وهو حلال(2). بل يدلّ هذا الخبر بمفهومه على الثّاني أيضاً بعد حمل البأس فيه على الحرمة ولو بقرينة سياق الجملة.
نعم يمكن المناقشة بعدم صدق البيض عرفاً على تروب السّمك، وإنّما أطلقه الأصحاب عليه لضرب من المجاز باعتبار كونه مبدأ تكوّن السّمك كالبيض في غيره، إلاّ أنّه قد يستفاد من خبر داود بن فرقد(3) عنه(عليه السلام) أيضاً: كلّ شيء لحمه حلال، فجميع ما كان منه من لبن أو بيض أو انفحة كلّ ذلك حلال طيّب تبعيّة ذلك في الحلّ والحرمة وإن لم يكن بيضاً عرفاً. (4)
ولا ينافي ما ذكرناه إطلاق الأكثرين حليّة الخشن دون الأملس من بيض السّمك مطلقاً بتوهّم كون ذلك ملاك الحلّوالحرمة فيه دون التّبعيّة المذكورة.
و حينئذ فيحرم الأملس وإن كان من المحلّل ويحلّ الخشن وإن كان من

1 . هو عبد اللّه بن أبي يعفور العبدي ـ واسم أبي يعفور واقد وقيل وقدان ـ يكنى أبا محمد، ثقة ثقة، جليل في أصحابنا، كريم على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ومات في أيّامه.
معجم رجال الحديث: 10/96 برقم 6680.
2 . الوسائل: 24/165، الباب 27 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 7.
3 . هو داود بن فرقد الأسدي النصري، وفرقد يكنّى أبا يزيد، كوفي ثقة، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن عليمها السَّلام .
معجم رجال الحديث:7/114 برقم 4418.
4 . الكافي:6/325 ، الحديث7.

صفحه 264
محرّم، لإمكان تنزيل الإطلاق المزبور على إرادة التّمييز عند الاشتباه، كما يومى إليه قول المصنّف ككثير: (ومع الاشتباه) بين بيض المحلّل والمحرّم من السّمك (يؤكل الخشن لا الأملس)، وإلاّلاقتضى حرمة الأملس من المحلّل وحلّيّة الخشن من المحرّم ولا دليل عليه، بل ظاهر ما سمعته من إطلاق ما دلّ على تبعيّة البيض للحيوان مطلقاً نصّاً وفتوىً خلافه.(1)
المبحث (الثاني): في (البهائم).
( و) لا خلاف ولا إشكال في أنّه (يؤكل) منها (النّعم) الثّلاثة (الأهليّة) الإبل والبقر والغنم، (و) من الوحشيّة (بقر الوحش، وكبش الجبل) ذو القرن الطّويل (والحمير، والغزلان، واليحامير) جمع يحمور، وهي كما في حياة الحيوان: دابّة وحشيّة نافرة لها قرنان طويلان كأنّهما منشاران ينشر بهما الشّجر، فإذا عطش وورد الفرات ويجد الشّجر ملتفّة فينشرها بهما، ولونها إلى الحمرة، ويلقي قرونه في كلّ سنة، وهي صامتة لا تجويف فيها(2); ولا خلاف في حلّيّة ما ذكر بين المسلمين كما صرّح به في المسالك(3)، مضافاً إلى أصالتي الإباحة والبراءة، وعمومات الكتاب والسّنّة.
(ويكره الخيل والبغال والحمير) الأهليّة، ولا تحرم، بلا خلاف يظهر إلاّمن الحلبي(4) في البغل، فالحرمة استناداً إلى بعض النّصوص(5) القاصرة عن مقاومة أدلّة الكراهة من أصالتي البراءة والإباحة، والإجماعات المحكيّة، وظواهر

1 . الرياض:8/228.
2 . حياة الحيوان:2/408.
3 . المسالك:12/22.
4 . الكافي في الفقه:277.
5 . الوسائل:24/121، الباب 5 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1.

صفحه 265
النّصوص المستفيضة(1)، مضافاً إلى موافقته للعامّة، فلابدّ من طرحه بالمرّة، أو حمله على شدّة الكراهة كما هو المشهور في البغل.
(ويحرم الجلاّل من المباح، وهو ما يأكل عذرة الإنسان خاصّة) لا يخلط غيرها إلى أن ينبت عليها لحمه ويشتدّعظمه عرفاً، وحرمة الجلاّل مشهورة نصّاً(2)وفتوىً، وخلاف الإسكافي(3) نادر ملحوق بالإجماع كما صرّح به بعض الأجلّة ، ولا يحلّ (إلاّ مع الاستبراء) بأن يربط ويطعم العلف الطّاهر، ويمنع عن التّغذّي بالعذرة وغيرها من النّجاسات الأصليّة والعرضيّة في مدّة معيّنة في الشّريعة، (و) يختلف ذلك بحسب الموارد كما فصّله بقوله:
إنّه (تطعم النّاقة) والبعير، بل مطلق الإبل وإن كانت صغاراً (علفاً طاهراً) كذلك (أربعين يوماً)، وعن غير واحد أنّ ذلك هو المتّفق عليه نصّاً(4) وفتوى.
(و) المشهور أنّ (البقرة) الجلاّلة ذكراً كان أو أُنثى، صغيراً أو كبيراً، يستبرأ (عشرين) يوماً كما في خبر السّكوني(5)، وقيل: ثلاثين كما في خبر آخر(6)، و قيل انّها كالنّاقة، للأصل المقطوع بسند الأوّل لقوّته، وتأيّده بالشّهرة العظيمة، بل وعليه الإجماع في محكيّ الخلاف(7) والغنية(8).

1 . الوسائل:24/122، الباب 5من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 3، 4، 6، 7و 8.
2 . الوسائل:24/166، الباب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة.
3 . نقله عنه في الرياض:8/233.
4 . الوسائل: 24/166، الباب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة.
5 . الوسائل: 24/166، الباب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1و2.
6 . الوسائل: 24/166، الباب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1و2.
7 . الخلاف:6/86، المسألة 16.
8 . الغنية:398.

صفحه 266
(و) يستبرأ (الشّاة عشرة) أيّام للخبر(1)، مع إجماع الخلاف(2) والغنية(3) وما لا تقدير له في الشّريعة يستبرأ بما يغلب معه الظّنّ بزوال الجلل في العرف والعادة.
(ولو شرب) الحيوان المحلّل (لبن خنزيرة) فإن كان قليلاً بحيث لا يشتدّ عظمه ولا ينبت لحمه (كره) لحمه ولبنه خاصّة كما في ظاهر العبارة ونظائرها، ولحم نسله أيضاً كما في اللّمعة(4)، لاحتمال التّأثير، ويستحبّ استبراؤه بسبعة أيّام كما في إرشاد المصنف(5) وقواعده(6)، لخبر السّكوني: «بأن يعلف بالطّاهر إن كان فطيماً أو يشرب من لبن الشّاة ونحوها إن كان رضيعاً».(7)
(ولو اشتدّ) عظمه ونبت (لحمه حرم هو ونسله) أبداً، ولا استبراء، وعليه الإجماع في محكيّ الغنية(8) مع نصوص كثيرة متلقّاة عند الأصحاب مع ضعفها بالقبول كما في المسالك(9) وكشف اللّثام.(10)
(ويحرم) من الوحشيّة (كلّ ذي ناب) أي ظفر يفترس به قويّاً كان

1 . الوسائل: 24/166، الباب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1و4.
2 . الخلاف: 6/86، المسألة 16.
3 . الغنية:398.
4 . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:7/293.
5 . إرشاد الأذهان:2/112.
6 . قواعد الأحكام: 3/328.
7 . الوسائل: 24/162، الباب 25 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 4.
8 . الغنية:398.
9 . المسالك:12/30.
10 . كشف اللثام:2/85، الطبعة الحجرية.

صفحه 267
(كالأسد) والذّئب والنّمر، أو ضعيفاً كالضّبع (والثّعلب) و ابن آوى (و) لاخلاف في ذلك كما أنّه لا خلاف في أنّه (يحرم الأرنب والضّبّ) المسمّى في الفارسية بـ«سوسمار» (واليربوع) المعبّر عنه في الفارسيّة بـ«موش دشتي» (والحشرات) الّتي هي صغار دوابّ الأرض كلّها كالقنفذ والفأرة والعقرب والحيّة والخنافس ونحوها (و) كذلك (القمل والبقّوالبراغيث) وغيرها ممّا هو مندرج في الخبائث وإن خرج عن صدق الحشرات، وعلى ذلك كلّه الإجماع في محكيّ الخلاف(1) والغنية.(2)

1 . راجع الخلاف:6/74ـ 83، المسألة 3و 4و 5و 7و 8و 9و 13، كتاب الأطعمة.
2 . الغنية:398.

صفحه 268

]في أحكام الطّيور [

المبحث (الثّالث) في أحكام (الطّيور) (ويحرم) منه أصناف:
منها: (السّبع) الّذي له ظفر ومخلب يفترس به الطّير، ويعدو به عليه، (كالبازيّ) بالتّخفيف والتّشديد، ويقال له بالفارسيّة (باز)، وبالتركيّة (القوشى)، أو هو كلّ ما يصيد من الطّيور (و) نحوه (الرّخمة) على ]وزن[ قَصَبَة، طائر يأكل العذرة، وجمعه رخم كقصب كذا في مجمع البحرين(1)، وعن الصّحاح (2) أنّه طائر أبقع يشبه النّسر في الخلقة، يقال له الأنوق، هذا، ويقال له بالتّركيّة آق بابا وقرتال، وبالفارسيّة مردار خوار، ويكثر في السّواحل والجبال و الصّحارى من الهند والبنكالة، وهو قسم من النّسر الموسوم في الفارسيّة بـ(كركس) أو شبيه به، وكنيتها أُمّ جعران وأُمّ رسالة وأُمّ عجيبة وأُم كبير.
(و) منها: (ما كان صفيفه) أي بسط جناحيه حال طيرانه من غير أن يحرّكهما (أكثر من دفيفه) الذي هو ضربهما حالته، للإجماع، والنّصوص الكثيرة في ذلك كلّه(3)، ولا يحرم مع كون الدّفيف أكثر من الصّفيف أو تساويهما، لعموم أدلّة الإباحة من الكتاب والسنّة.

1 . مجمع البحرين:6/71، مادة «رخم».
2 . الصحاح:5/1929، مادة «رخم».
3 . الوسائل:24/152، الباب 19 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1و2.

صفحه 269
(و) منها: (ما ليس له قانصة ولا حوصلة ولا صيصية).
والأوّل موضع يجمع فيه الحصى يقال له بالفارسيّة (سنگدان).
والثّاني بـالتّشديد والتّخفيفـ مجمع الحبّ وغيره من المأكول عندالحلق(1)، ويسمّى في الفارسيّة بـ(چينه دان).
والثّالث ـبكسر الأوّل والثّالث مخفّفاً ـ الشّوكة الّتي في رجله موضع العقب، ويعبّر عنها فيهابـ (مهميز).
ويظهر من المتن كغيره أنّ ما كان له أحد الأُمور الثّلاثة فهو حلال، وهو كذلك، إلاّ أن يقوم النصّ على الحرمة، وعلى ذلك كلّه الإجماع بقسميه في الجواهر(2)، مضافاً إلى النّصوص المستفيضة أو المتواترة.(3)
(و) منها: (الخفّاش) كرمّان، المقول له في الفارسيّة (شب پره)، و يقال له : الخشاف و ا لوطواط أيضاً.
(و) منها: (الطّاووس) المعروف بلا خلاف فيهما كما في الرّياض(4) والجواهر.(5)
(و) منها: (الجلاّل من)الطّير(الحلال) الأصل فإنّه يحرم بعروض الجللل باغتذائها عذرة الإنسان محضاً عليالمشهور و لا يحل (حتّى يستبرأ) بما ذكرناه هناك في كلّ من الطّيور بمقدّره الشّرعي، (فالبطّة وشبهها) من طيور

1 . في نسخة الأصل: عنه الخق، و هو تصحيف.
2 . الجواهر:36/306.
3 . الوسائل:24/149، الباب 18 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1ـ4.
4 . الرياض:8/246.
5 . الجواهر:36/309.

صفحه 270
الماء (بخمسة أيّام، والدّجاجة) وشبهها في الحجم (بثلاثة أيّام) كما في كلمات الأكثرين، وليس في مستند الحكم مع ضعفه إلحاق ما أشبههما بهما كما ذكره الأكثر، وهو مع تسليم الحكم في الأصل قياس، فالأولى الرّجوع في تقدير الاستبراء إلى زوال اسم الجلل في العرف، كما هو المرجع في كلّ ما لم يرد لبيانه دليل.
(و) من محرّمات الطيور (الزّنابير والذّباب) المعبّر عنه في الفارسيّة بـ(مگس)، وعن القسم الكبير منه بـ (خرمگس)، ويتكّون من الفضلات وهو على ألوان أسود وأزرق وأصفر، وفي حكمه الدّيدان حتّى الّتي في الفواكه منها، للاستخباث في كلّها، مع نفي الخلاف في الذّباب والزّنابير في الرّياض(1) والجواهر(2)وغيرهما.
والبيض تابع للطّير في الحلّ والحرمة، فبيض المحلّل محلّل (وبيض المحرّم) محرّم، وهو مسلّم، هذا في معلوم الأصل.
(و) يحرم (ما اتّفق طرفاه في المشتبه) الأصل حلال أو حرام، ويحلّ مختلف الطّرفين بلا خلاف فيه وفي سابقه كما في الرّياض(3) والجواهر(4)، بل عليه الاتّفاق في كشف اللّثام(5)، والإجماع في محكيّ الغنية(6)، مضافاً إلى ما ذكرناه في بيض السّمك من دليل التّبعيّة.

1 . الرياض:8/250.
2 . الجواهر:36/319.
3 . الرياض:8/250.
4 . الجواهر:36/334.
5 . كشف اللثام:2/83، الطبعة الحجرية.
6 . الغنية:398.

صفحه 271
(ويكره) من الطّيور: (الغراب، والخطّاف، والهدهد، والصّرد، والصّوّام، والشّقراق، والفاختة، والقبّرة ) بأقسامها.
و الغراب: معروف يقال له بالفارسيّة (كلاغ) وبالتّركيّة قارقا، وهو أبقع (أبلق) وأسود، ويقال للقسم الصّغير من الثّاني غراب الزّرع، وما يكون أصغر من غراب الزّرع ومنقاره ورجلاه أحمر يقال له بالفارسيّة: زغن وزاغچه.
والخطّاف، كرمّان، يقال له بالفارسيّة (پرستو) وبالتّركيّة (قرلان قوش).
والهدهد: طائر معروف ذو خطوط وألوان كثيرة، يقال له بالفارسيّة (بوبو و شانه سر) وفي اصطلاح أهالينا بوبيّ.
وأمّا الصّرد: فهو على ما في حياة الحيوان (1) طائر فوق العصفور، يصيد العصافير وصغار الطّيور، ضخم الرّأس والمنقار، نصفه أبيض ونصفه أسود، وهو أبيض البطن أخضر الظّهر، ولا يكاد يرى إلاّفي سعفة أو شجرة، لا يقدر عليه أحد، شرير النّفس شديد النّقرة، غذاؤه من اللّحم، له صفير مختلف، يصفر لكلّ طائر يريد صيده بلغته فيدعوه إلى القرب منه، فإذا اجتمعن إليه شدّ على بعضهنّ، ومنقاره ضخم شديد إذا نقر واحداً قتله من ساعته وأكله، ولا يزال كذلك هذا دأبه، ومأواه الأشجار ورؤوس التّلاع و أعالي الحصون، ويقال له: نقّار الشّجر أيضاً. ويعرف بين أهالينا بـ(آغاج دَلَنْ) ويقال له بالفارسيّة: ترنشك، وسبزگرا،ووركاك، وداركو، وداربو، وسارج، وبالسّريانيّة: سودانيات، وكنيته أبو كثير.
وأمّا الصّوّام: كرمّان فهو على ما في الرّوضة(2) ومجمع البحرين(3) طائر أغبر

1 . حياة الحيوان:2/61.
2 . الروضة:7/286.
3 . مجمع البحرين:6/104، مادة «صوم».

صفحه 272
اللّون، طويل الرّقبة، أكثر ما يبيت في النّخل وفي الجبل، ولم أظفر على اسم فارسيّ له، ولا على ضبطه فيما حضرني من كتب اللّغة.
والشّقراق: كقرطاس، أو هو بفتح الشّين أو كسرها مع كسر القاف وتشديد الرّاء، طائر أخضر مليح، بقدر الحمام، فيه خضرة وبياض وحمرة، وخضرته حسنة مشبعة، وفي أجنحته سواد، وعن الجاحظ أنّه ضرب من الغربان ويقال له: الشرقرق كسفرجل، وشرقراق بزيادة الألف، والأخيل أيضاً.(1)
ويعبّر عنه في التّركيّة بـ(بويون بوران) كما في بعض كتب اللّغة، أو (آرى قوشى) كما في آخر، وفي الفارسيّة بـ چُز، وكَتَب، وكَرايه، وكاسگينه.
والفاختة: طير قليل الألفة، رماديّ اللّون مطوّق بسواد، يقال له بالفارسية (كوكو) كما يعبّر به عن صوته أيضاً، وهي مشؤومة معروفة بالنّحوسة.
والقبرة: ـبضم القاف وفتح الباء المشدّدةـ ضرب معروف من العصافير يقال له بالفارسيّة :چكاوك.

1 . حياة الحيوان:2/56.

صفحه 273

]في الجامد [

المبحث (الرابع): في (الجامد) غير المائع، والحيوان الحيّ، ولا حصر للمحلّل منه الّذي هو مقتضى أصالة الحلّ (و) لذا ذكر المحرّم منه في ضمن خمسة مسائل:
الأُولى: (يحرم الميتة) المراد منها الحيوان بعد خروج روحه بغير التّذكية المعتبرة شرعاً (و) كذا يحرم جميع (أجزائها) إجماعاً، وكتاباً(1)، و سنّة(2) (عدا صوف ما كان طاهراً في حال حياته، وشعره ووبره، وريشه) بشرط الجزّ أو غسل موضع الإتّصال مع النّتف (وقرنه، وعظمه، وظلفه) وذلك لعدم حلول الحياة فيها، فلا يصدق عليه الموت المفروض كونه السّبب في التّحريم.
ثمّ إنّ الصّوف للشّاة بمنزلة الشّعر للمعز وغيره.
والشّعر ما ينبت من مسامّ البدن ممّا ليس بصوف ولا وبر الّذي هو للإبل والأرنب ونحوهما كالصّوف للغنم.
والرّيش كسوة الطّائر وزينته، وهو له بمنزلة الشّعر لغيره من الحيوان.
والقرن معروف يقال له بالفارسيّة شاخ.
والظّلف بالكسر للظّبي والشّاة والبقرة ونحوها بمنزلة القدم للإنسان.

1 . المائدة:3.
2 . الوسائل: 24/99، الباب1 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

صفحه 274
وكذا يحلّ الظّفر الّذي هو بالكسر أو الضّمّ، أو بضمّتين مع شذوذ الأوّل، مادّة قرنيّة تنبت في أطراف الأصابع، يكون في الإنسان وغيره، ولعلّ عدم تعرّضه له لاندراجه تحت العظم كما أنّه لم يذكر السّنّ لذلك. هذا.
(و) أمّا (بيضه) أي طاهر العين من الميتة فيحلّ (إذا اكتسى الجلد الفوقانيّ) الصّلب، وإلاّ كان بحكمها، (و) كذا يحلّ (الأنفحة) من طاهر العين من الميتة، وهي بكسر الهمزة وفتح الفاء والحاء المهملة، وقد تكسر الفاء، وقد تشدّد الحاء مع فتح الفاء، معدة الحمل أو الجدي الرّضيع الجديد الولادة ما لم يأكل العلف، ويسمّى في الفارسيّة بـ(پنير مايه)، وبعد أكل العلف لا يسمّى إنفحة، بل كرشاء وهي مستثناة من حكم الميتة، بالنّصّ عليه في أخبار كثيرة. (1) هذا.
وقد يفسّر الأنفحة باللّبن المنعقد في كرش الجدى، فهو حينئذ ممّا لا تحلّه الحياة، وناسب ذكره مع الباقي ولا يحتاج إلى الاستثناء.
وفي المسالك(2) الاتّفاق على طهارة هذه المذكورات وحلّيّة استعمالها، وأمّا الأكل فالظّاهر جواز ما لا يضرّ منها بالبدن للأصل.
(و) المسألة الثّانية: انّه (يحرم من الذّبيحة) والمنحورة، لا نحو السّمك والجراد فلا يحرم شيء منه، للأصل، وإنّما يحرم من الذّبيحة بالمعنى الأعمّ للمنحورة خمسة عشر شيئاً على ما ذكره المصنف:
(القضيب) وهو الذّكر، (والأُنثيان) وهما البيضتان.
(والطّحال) بكسر الطّاء، وهو مجمع الدّم الفاسد، ويسمّى في الفارسيّة

1 . الوسائل:24/179، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة.
2 . المسالك: 12/54 ـ 55.

صفحه 275
بـ(سپرز).
(والفرث) وهو الرّوث في جوفها (والدّم).
( والمثانة) الّتي هي مجمع البول.
(والمرارة) بفتح الميم الّتي هي مجمع الصّفراء، معلّقة مع الكبد كالكيس، ويقال له بالفارسيّة زهره.
(والمشيمة) بيت الولد، وهو قرين الولد الّذي يخرج معه.
(والفرج) بالمعنى الأعمّ الشّامل للقبل والدّبر.
(والعلباء) بالمدّ والكسر، عصبتان عريضتان صفراوان ممدوتان من الرّقبة إلى أصل الذّنب يميناً وشمالاً ، وقد يسمّى في اصطلاح بعض أهالينا بـ(شاه دمار) ويقال له بالفارسيّة: شاهرگ، ورگ جان.
(والنّخاع) مثلّث النّون، خيط أبيض يمتدّ داخل الفقار، ولا قوام للحيوان بدونه، وتسمّيه العامّة دودة الظّهر، ويقال له بالفارسيّة : مغز حرام.
(والغدد) جمع الغدّه المسمّاة في الفارسية بـ (دشپل) وفي التّركيّة بـ(وز) .
(وذات الأشاجع) وهي كما في التحرير(1) ومحكيّ السّرائر(2) أُصول الأصابع الّتي تتّصل بعصب ظاهر الكفّ.
وفي محكيّ الصّحاح(3) جعلها الأشاجع من دون المضاف، والواحد أشجع، وحينئذ فذات الأشاجع مجتمع تلك الأُصول، والمراد منها في الحيوان ما جاوز الظّلف من الأعصاب ونحوها.

1 . تحرير الأحكام: 4/640.
2 . السرائر:3/111.
3 . الصحاح:3/1236، مادة «شجع».

صفحه 276
وعن مجمع ]الفائدة و[ البرهان(1) أنّ الظّاهر أنّ الأشاجع وذات الأشاجع واحد، ولكن لا توجد بالمعنى المذكور في كلّ من البهائم المحلّلة، اللّهمّ إلاّ أن يقال هي أُصول الأصابع والظّلف وغيره، فتوجد في الغنم والإبل والبقر، ويمكن وجودها بالمعنى الأوّل في الطّيور، ويشكل تمييزها، وعن بعض اللّغويّين هي العصب الممدود ما بين الرّسغ إلى أُصول الأصابع.
وفي كشف اللّثام(2) عن فقه القرآن(3) للرّاوندي أنّه موضع الذّبح ومجمع العروق.
(و) بالجملة فمن محرّمات الذّبيحة (خرزة الدّماغ) الّتي هي في وسطه بقدر الحمّصة، تميل إلى الغبرة (والحدق) الّتي هي جمع الحدقة المراد بها هنا النّاظر من العين لا جسم العين كلّه.
وتحريم هذا العدد من أجزاء الذّبيحة والمنحورة كما هنا، وقواعد المصنّف(4)، واللّمعة(5)، محكيّ عن الحليّ(6) واقتصر في الإرشاد(7) والتّحرير(8)على التّسعة الأُولى، ناسباً للسّتة الأخيرة في الأوّل إلى القيل، وفي الثّاني إلى أكثر الأصحاب.
وعن نهاية الشيخ حرمة الجميع غير المثانة فلم يتعرّض لها.(9)

1 . مجمع الفائدة:11/244.
2 . كشف اللثام:2/86، ط حجر.
3 . فقه القرآن:2/258.
4 . قواعد الأحكام:3/329.
5 . الروضة البهية:7/310.
6 . السرائر:3/111.
7 . إرشاد الأذهان:2/112.
8 . تحرير الأحكام:4/639 ـ 640.
9 . النهاية ونكتها:3/95.

صفحه 277
والأقوال هنا كثيرة منشؤها نصوص عديدة هي بالضّعف والإرسال والرّفع والجهالة موهونة(1)، ولذا اختار ابن الجنيد في ما حكي عنه الكراهة.(2)
كما اختلف آراء القائلين بالحرمة في الكميّة المحرّمة لعدم اجتماع عدد المتن في واحد من نصوص المسألة، وإنّما تلفّق من الجملة، فالّذي ينبغي أن يقال انّ قضيّة أصلي الإباحة والبراءة، والعمومات، وحصر المحرّمات، مثل (فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيه) (3) و (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعام)(4) و غير ذلك هو الحلّيّة، إلاّ ما خرج بالأدلّة العامّة، وإلاّ فالنّصوص الخاصّة المذكورة قاصرة عن إفادة الحرمة، فما كان من المذكورات من الخبائث المسلّمة الحرمة بالإجماع وصريح الآية يحرم لذلك، كما صرّح به جمع من الأجلّة منهم صاحب الرّياض(5) والشّرائع(6) والمسالك(7)، وذلك كالتّسعة الأُولى، بل في الجواهر(8) وغيره الإجماع بقسميه، مع استفاضة المحكيّ منهما على الخمسة الأُولى من التّسعة، مع صراحة الآية في الدّم وفي معناه الطّحال الذي هو مجمع الدّم الفاسد، وأمّا السّتة الأخيرة فيحتاج إلى دليل صالح خاصّ، وليس، ولعلّه لذا اقتصر في الإرشاد والتّحرير على التّسعة، بل وفي الشرائع(9) على الثّمانية غير الفرج لتردّده فيه في الخباثة، ولكنّه بعيد عن الإنصاف والمروّة كدعوى استخباث مجموع العدّة كما استدلّ به في المختلف(10) لمذهب النّهاية.

1 . الوسائل:25/171، الباب 31 من أبواب الأطعمة المحرّمة.
2 . المختلف:8/314.
3 . الأنعام:118.
4 . المائدة:1.
5 . الرياض:8/264.
6 . الشرائع:3/223.
7 . المسالك:12/61ـ 62.
8 . الجواهر:36/348.
9 . الشرائع:3/223.
10 . المختلف:8/314.

صفحه 278
وبالجملة: فالأصل،والعمومات، مع ضعف نصوص المسألة، ووهن ما يحكى من الإجماع في بعض من تلك الجملة باشتهار الخلاف العظيم بين الأجلّة، مع عدم ظهور الخباثة في كلّ ما ذكروه، يؤيّد الكراهة في السّتة الأخيرة، ولا سيّما ذات الأشاجع والحدقة والخرزة، مع عدم ورود نصّ أصلاً في الأوّل من هذه الثّلاثة على أنّ المراد منها غير معلوم بالبديهة كما قد ذكرناه في معناه ]و[ قد عرفته، إلاّ أن يتشبّث بعدم القول بالفصل، وما هو بقول فصل، ومع ذلك كلّه فالمسألة في غاية الصّعوبة والاحتياط طريق النّجاة والسّلامة. هذا.
ويزيد في وهن دلالة نصوص المسألة أيضاً ـ مضافاً إلى ما ذكرناه بالنّسبة إلى سندها ـ اقتران ما ذهبوا إلى حرمته بما هو مسلّم الكراهة عندهم كالعروق والأوداج وآذان القلب.
(ويكره) أكل (الكلى) بالضّمّ والقصر، جمع الكلية، والكلوة بالضّمّ فيهما، ويقال لها بالفارسيّة: كرده، وبالتّركيّة : بويرك.
وكذا يكره العروق (وأُذنا القلب) بلا خلاف ظاهر في عدم الحرمة، مضافاً إلى الأصل، وبهما يصرف النّهي عن الأخيرين في بعض الأخبار على تقدير العمل به عن ظاهره، وأمّا الكلى فلم يرد فيها نهي أصلاً، وإنّما الوارد فيها لفظ الكراهة الّذي هو أعمّ من الحرمة.
(و) المسألة الثّالثة: انّه (يحرم الأعيان النّجسة كالعذرة) والأبوال والمسكرات، ونحوها المتنجّسات قبل تطهيرها، (و) نحوها (ما أُبين من الحيّ) إذا كان ممّا تحلّه الحياة، لأنّه أيضاً ميتة أو بحكمها نصّاً(1) وفتوىً.

1 . الوسائل: 23/386، الباب 35 من أبواب الصيد، و ج24/71، من أبواب الذبائح.

صفحه 279
(و) الرّابعة: انّه يحرم (الطّين) بجميع أصنافه، نصّاً(1)، وإجماعاً، (عدا) المقدار (اليسير من تربة الحسين (عليه السلام) للاستشفاء) به إجماعاً، ونصوصاً مستفيضة(2) مؤكّدة بالقسم وغيره من المؤكّدات، من غير فرق بين إذن الطّبيب وعدمه، بل ولا إشكال مع تحذيره أيضاً، للإطلاقات، نعم لا يتجاوز قدر الحمّصة المعهودة المتوسّطة كما في بعض نصوص المسألة مع عدم الخلاف فيه كما في الجواهر(3)، وبه قيّد المصنف في سائر كتبه، وعليه ينزّل ما أطلق من النّصوص والفتاوى، مع أنّ استثناءها للضّرورة فليقتصر فيها على ما يندفع به وهو القدر المزبور فما دونه، مع ما في بعض الأخبار عن الصّادق (عليه السلام) « انّ من تناول منها أكثر من ذلك، فكأنّما أكل من لحومنا ودمائنا».(4)
وينبغي التّنبيه على أُمور:
الأوّل: مورد النّصّ و الفتوى هو حرمة أكل الطّين الّذي هو التّراب الممزوج بالماء، وما قد يذكر في بعضها من الضّرر فهو من حكم الحرمة، ولذا حرم منه القليل الغير المضرّ أيضاً، والأصل يقتضي عدم الحرمة في التّراب، بل والمدر أيضاً للخروج عن مسمّى الطّين.
الثّاني: قال في المسالك: إنّ قيد الاستشفاء في جواز أكل التّربة المقدّسة احتراز عن أكلها بمجرّد التبرّك، فلا يجوز على الأصحّ، وإنّما يجوز الاستشفاء بها عن المرض الحاصل.(5)

1 . الوسائل:24/220، الباب 58 من أبواب الأطعمة المحرمة.
2 . الوسائل: 24/226، الباب 59 من أبواب الأطعمة المحرمة.
3 . الجواهر:36/358.
4 . الوسائل: 24/229، الباب 59 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 6.
5 . المسالك:12/69.

صفحه 280
الثالث: قد اختلف الأخبار في حدّ ما يؤخذ منه التّربة ففي بعضها انّها تؤخذ من عند القبر إلى سبعين ذراعاً(1)، وفي آخر على رأس ميل(2)، وفي ثالث على فرسخ(3)، وفي رابع على أربعة أميال(4)، وفي خامس على عشرة أميال(5)، وفي سادس على أربعة فراسخ(6)، وفي سابع على ثمانية فراسخ.(7)
وطريق الجمع ترتّبها في الفضل، ولا ريب أنّه كلّما قرب من القبر الشّريف كان أفضل، بل لا يبعد أن يقال أنّ مقتضى الأصل لزوم الاقتصار في الاستثناء على المتيقّن من التّربة المقدّسة، وهو ما أُخذ من القبر المطهّر، أو ما جاوره عرفاً، ويحتمل إلى سبعين ذراعاً كما في الرّواية، وأمّا ما جاوزه ممّا سمعته من الرّوايات المذكورة فمشكل، إلاّأن يؤخذ منه ويوضع على القبر أو الضّريح كما صرّح بذلك كلّه في الرّياض.(8)
وبالجملة: فلا يشترط في جواز الاستشفاء بالتّربة المقدّسة أخذها بالدّعاء وتناولها به، لإطلاق النّصوص، مع عدم قائل بالاشتراط، وما قد دلّ عليه من الأخبار ضعيف لا يصلح لتقييد ما ذكر، مع إمكان حمله على الكمال وزيادة الفضل، أو على التّربة المطهّرة المحترمة التي هي غير تربة الاستشفاء.
قال في الرّوضة ـ بعد ذكر عدم اشتراط الاستشفاء بالدّعاء ـ : و ليس

1 . الوسائل: 14/511، الباب 67 من أبواب المزار، الحديث 3.
2 . الوسائل: 14/513، الباب 67 من أبواب المزار، الحديث9.
3 . البحار:101/131.
4 . الوسائل:24/227، الباب 59 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث3.
5 . الوسائل:14/512، الباب 67 من أبواب المزار، الحديث7.
6 . الروضة:7/327.
7 . الروضة:7/327.
8 . الرياض:8/276.

صفحه 281
كذلك التّربة المحترمة، فانّها مشروطة بأخذها من الضّريح المقدّس أو خارجه (ممّا جاوره أو إلى سبعة فراسخ أو ثمانية) مع وضعها عليه، أو أخذها بالدّعاء، ولو وجد تربة منسوبة إليه (عليه السلام) حكم باحترامها حملاً على المعهود(1)، انتهى.
(و) الخامسة: انّه يحرم (السّموم القاتلة) والأشياء الضّارّة بجميع أصنافها جامدة كانت أو مايعة، قليلها وكثيرها، نعم لو كان ممّا يقتل أو يضرّ كثيره دون قليله فالمحرّم منه ما بلغ ذلك الحدّ، ولا يجوز التّعدي إلى موضع المخاطرة، واللّه العالم.

1 . الروضة:7/327.

صفحه 282

]في المايع [

المبحث (الخامس): في (المايع):
(ويحرم) منه (كلّ مسكر من خمر) متّخذ من العنب (وغيره) كالنّبيذ المتّخذ من التّمر، والبتع من العسل، والفضيخ من التّمر والبسر، والنّقيع من الزّبيب، والمرز من الذّرّة، ولا يختصّ التّحريم فيها بالمقدار المسكر، بل تحرم و إن كانت مثقال ذرّة، (و) كذا يحرم (العصير) العنبيّ (إذا غلى) قبل أن يذهب ثلثاه كما سيذكره في طيّ مسائل الباب.
(و) يلحق بالمسكر (الفقّاع) قليله وكثيره وإن لم يكن مسكراً كما هو ظاهر عطفه على المسكر، بل لا خلاف فيه كما في الرّياض(1)، بل عليه الإجماعات المحكيّة والنّصوص المستفيضة(2)، من غير تقييد بالإسكار، فيدور الحكم بالتحريم مدار تسميته في العرف بذلك الاسم، وإن لم يعلم كونه متّخذاً من الشّعير أو الزّبيب كما قد يفسر به.
(و) يحرم أيضاً من المايعات (الدّم) المسفوح المنصبّ من العرق بكثرة، وغيره كدم الضّفادع ونحوها، وإن لم يكن نجساً، للاستخباث، وعموم الآية(3)، لا ما يتخلّف في اللّحم ممّا لا يقذفه المذبوح فانّه طاهر وحلال.

1 . الرياض:8/280.
2 . الوسائل:25/359، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرمة.
3 . المائدة:3.

صفحه 283
(و) كذا يحرم (العلقة) التي هي القطعة الغليظة المستحيلة من النّطفة من الدّم مطلقاً (وإن كانت في البيضة، وهي) مع حرمتها (نجسة) أيضاً.
(و) كذا يحرم (كلّ ما ينجس(1) من المايع وغيره) المذكور في هذا الفصل استطراداً، من غير فرق بين النّجس بالأصالة كالبّول والميتة، والمتنجّس بالعرض كالماء والطّعام الملاقي للنّجس أو المتنجّس، (و) لا إشكال في ذلك، نعم يكفي في تطهير الجامد الرّافع للحرمة أنّه (يلقى النّجاسة وما يكتنفها من) ذلك (الجامد) المتنجّس (كالسّمن والعسل ويحلّ الباقي) بلا إشكال فيه، وهذا بخلاف المائع النّجس أو المتنجّس غير الماء فانّه لا يطهر إلاّ بالخروج عن حقيقته وصيرورته ماء مطلقاً بالامتزاج، وأمّا الماء النّجس فانّه يطهر بالملاقاة بالكثير. هذا.
(والدّهن النّجس بملاقاة النّجاسة يجوز الاستصباح به تحت السّماء خاصة) لا تحت الأظلّة بلا خلاف ولا إشكال في الأوّل، وعلى المشهور في الثّاني، وقد أسلفنا ما هو الحقّ في أوّل كتاب المتاجر، فراجع.
(ويحرم الأبوال كلّها) من المأكول وغيره، نجس العين وطاهرها، للاستخباث، (عدا بول(2) الإبل) فقط كما هنا، و في كلمات الأكثرين، أو شبهه أيضاًمن البقر والغنم كما في القواعد(3) (للاستشفاء) فقد حكى الإجماع بتحليله له بعض الأجلاّء، ولا ينبغي الإشكال فيه، مضافاً إلى صراحة بعض

1 . خ ل: هو نجس.
2 . خ ل: أبوال.
3 . القواعد:3/330.

صفحه 284
النّصوص في الأوّل فقط(1)، وبعضها فيه وفي أخويه،(2) وإنّما الإشكال في حصر الاستثناء به، فانّ الوجه لو كان هو ضرورة الاستشفاء لم يكن وجه لاختصاص بول الإبل ضرورة مساواته مع الضّرورة لغيره من غير فرق بين الأنعام الثّلاثة ونحوها.
وحينئذ فلابدّ إمّا من القول بحرمة أبوال مأكول اللّحم مطلقاً من الإبل وغيره للاستخباث مع استثناء الضّرورة، أو بحلّها كذلك ولو لغير التّداوي كما عن المرتضى(3) والحلي(4) وابن الجنيد(5)، وعليه المحقّق في نافعه(6)، للأصل، والعمومات، و منع الاستخباث، بل في محكيّ الانتصار الإجماع عليه.(7)
ولكنّه بعيد عن الإنصاف، لظهور الصّدق العرفي، بل اللّغويّ قطعاً، و تنفّر جميع الطّباع أو أكثرها عنها جدّاً، وهو كاف في الحكم بالخباثة المستلزمة للحرمة. هذا.
مضافاً إلى الأولويّة المستفادة من أدلّة حرمة المثانة الّتي هي مجمع البول بناء على بعدها بالإضافة إلى البول من القطع بالخباثة، فتحريمها مع ذلك يستلزم تحريم البول القريب من القطع بالاستخباث بالإضافة إليها بطريق أولى.
ولا يخلو هذا عن قوّة مع عدم الضّرورة، ومعها لا يفترق الحال بين الأنعام

1 . الوسائل:24/114، الباب 59 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 3.
2 . الوسائل: 24/115، الباب 59 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 7.
3 . الانتصار:201.
4 . السرائر:3/125.
5 . نقله عنه في الرياض:8/299.
6 . المختصر النافع: 254.
7 . الانتصار:201.

صفحه 285
الثّلاثة وغيرها، ولعلّ الحصر في الإبل أو هو مع أخويه لعدم الشّفاء في أبوال غيرها ، أو انحصار الشّفاء في مورد النّصوص فيها، والأمر سهل، واللّه العالم.
(وكذا يحرم لبن الحيوان المحرّم) اللّحم بلا خلاف.
و اعلم أنّ مقتضى الأُصول المقرّرة في اللّحم المشتبه المجهول الحال هو الحرمة إلاّ أن يعلم التذّكية بالوجدان أو بحكم الشّريعة (و) لكن المرويّ في بعض النّصوص انّه (لو اشتبه اللّحم) وجهل حاله بالنّسبة إلى التّذكية وعدمها (القي في النّار فإن انقبض فـ) هو (ذكيّ وإلا) ينقبض بل انبسط (فـ) هو (ميتة) سواء اتّسع وانبسط أو بقي على حاله، وفي السّند ضعف، والأصل عدم التّذكية، والتّحريم مطلقاً لا يخلوا عن قوّة.
(ولو امتزجا) أي اللّحم المذكّى والميتة (واشتبه) أحدهما بالآخر ولا سبيل إلى تميّزه (اجتنبا) معاً لعدم حصول اجتناب الميتة الواجب بلا شبهة إلاّ به، هذا. مع الحصر، وأمّا مع عدمه فلا يجب الاجتناب أصلاً بلا خلاف فيهما.

(مسائل):

(الأُولى): لا يجوز لأحد أن يأكل من مال غيره بدون إذنه ولو كان هو كافراً محترم المال، إجماعاً، وعقلاً، وشرعاً كتاباً(1) و سنّة (2)، نعم (يجوز للإنسان أن يأكل من بيت من تضمّنته الآية خاصّة) دون غيرهم لما ذكر أو لا غير الأكل من الحمل والإفساد و إطعام الغير، وكلاهما صحيحان لانحصار الإذن في الآية في

1 . البقرة:188.
2 . الوسائل: 24/234، الباب 63 من أبواب الأطعمة المحرمة.

صفحه 286
الأكل من بيوتهم فلا يتعدّى إلى غير الأكل ، ولا إلى غير البيوت من أموالهم كالدّكّان والبستان مثلاً، ولو كان للأكل اقتصاراً فيما خالف الأصل على المتيقّن، إلاّ أن يدلّ الأكل عليه بالأولويّة كالشّرب من مائه أو الوضوء به مثلاً ونحو ذلك، أو بالالتزام كالكون بها حالته، وأمّا الأكل فيجوز مطلقاً مع حضورهم وغيبتهم ولو (مع عدم) العلم بالإذن، وهو الفارق بينهم و بين غيرهم.
والإنصاف انّ إطلاق الآية منصرف إلى ما هو متعارف بين النّاس من حصول شاهد الحال ودخول القريب البيوت المذكورة والأكل فيها من دون إذن، نعم لا يجوز مع (العلم بالكراهيّة) قطعاً، ثمّ إنّ الآية في آخر سورة النّور ]أي[ قوله تعالى : (لَيْسَ عَلى الأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلى الْمَريضِ حَرَج وَلاَ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إخْوانكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتكُمْ أَوْما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ). (1)
والمراد ببيوتكم ما يملكه الآكل لأنّه حقيقة فيه، قيل: ويمكن أن تكون النّكتة فيه مع ظهور إباحته الإشارة إلى مساواة ما ذكر له في الإباحة والتّنبيه على أنّ الصّديق والأقارب المذكورين ينبغي جعلهم كالنّفس في أن يحبّ لهم ما يحبّ لها ويكره لهم ما يكره لها، كما جعل بيوتهم كبيته.
وقيل: هو بيت الأزواج والعيال.
وقيل: بيت الأولاد، لأنّهم لم يذكروا في الأقارب مع أنّهم أولى منهم بالمودّة، والموافقة مع استفاضة النّصوص في توسعة الأمر بالنسبة للوالد، وانّ«ولد الرّجل

1 . النور:61.

صفحه 287
بعضه»(1) و «حكمه حكم نفسه»(2) و «هو وماله لأبيه»(3) فجاز نسبة بيته إليه; و انّ أطيب ما يأكل الرّجل من كسبه، وانّ ولده من كسبه.(4)
والمراد بما ملكتم مفاتحه ما يكون عليها وكيلاً أو بحفظها قيماً كما في المرسل كالصّحيح، وقيل هو العبد، وقيل: من له عليه ولاية، وقيل: ما يجده الإنسان في داره ولا يعلم به، وأطلق على ذلك كلّه ملك المفاتيح لكونها في يده وحفظه.
والمرجع في الصّديق إلى العرف لعدم تحديده شرعاً.
(الثّانية: إذا انقلب الخمر خلاّ طهرت) وحلّت (بعلاج كان) ذلك الانقلاب (أو غيره) وسواء كان عين المعالج به باقية أم لا (ما لم يمازجها نجاسة) خارجيّة فانّ الزّائل هو النّجاسة الخمريّة، فلو باشرها كافر أو عالجها بالنّجس لم تطهر بالانقلاب. هذا.
ولا خلاف ولا إشكال في الانقلاب النّفسيّ وحصول الطّهارة به، للنّصّ(5)، وزوال المعنى المحرّم لتبعيّة الأحكام للأسماء في الحلّ والحرمة، والطّهارة والنّجاسة، وأمّا الانقلاب العلاجي فكذلك.
ويدلّ عليه مضافاً إلى العمومات والإطلاقات، جملة من النّصوص الخاصّة المشتملة على الصّحيحة والموثّقة(6)، فلا وجه لما قد يقال بعدم جوازه لعدم دلالة

1 . قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لولده الحسن (عليه السلام) : «يا بني إنّي وجدتك بعضي».
2 . قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لولده الحسن (عليه السلام) : «يا بني إنّي وجدتك بعضي».
وقال له أيضاً: «... وكأنّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي».
نهج البلاغة:3/43 ط عبده.
3 . راجع الوسائل:17/265، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8و9.
4 . سنن البيهقي:7/479ـ 480.
5 . الوسائل: 3/524، الباب 77 من أبواب النجاسات، و ج25/370، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة.
6 . الوسائل: 3/524، الباب 77 من أبواب النجاسات، و ج25/370، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة.

صفحه 288
عليها في الأخبار المعتبرة، كما لا وجه لاشتراط ذهاب العين المعالج به قبل أن يصير خلاًّ على القول بذلك، لأنّه ينجس بوضعه ولا يطهر بانقلابها خلاً، لأنّ المطهّر للخمر هو الانقلاب الغير المتحقّق في ذلك الجسم الموضوع فيها، لأنّ هذا الكلام لا يجري على القول بطهارة الخمر.
وأمّا على القول بنجاستها كما هو الأشهر الأظهر، فيمكن أيضاً اغتفار ذلك كالآينة نظراً إلى إطلاق ما أشرنا إليه من الأدلّة، كما لا إشكال في طهارة الآنية فانّها ممّا لا ينفكّ عنها الخمر، فلو لم تطهر معها لما أمكن الحكم بطهرها وإن انقلبت بنفسها.
(الثّالثة): لا إشكال في أنّه (لا يحرم شيء من الرّبوبات) الغير المسكرة (وإن شمّ رائحة المسكر) كربّ التّفّاح والرمّان والتّوت ونحوها، للأصل، والعمومات، مضافاً إلى النّصوص الخاصّة.(1)
(الرّابعة: العصير) العنبيّ (إذا غلى من قبل نفسه أو بالنّار حرم حتّى يذهب ثلثاه أو ينقلب خلاً) على ما ذكر في المسألة الثّانية، ولا ريب في الحرمة ولا خلاف فيها، والنّصوص متواترة فيها(2)، وأمّا نجاسة العصير فلا دليل عليه، والأصل الطّهارة، وكذا الأصحّ في العصير التّمري أو الزّبيبيّ ونحوهما الطّهارة والحلّية، للأصل، مع عدم دليل صالح.
(الخامسة: يجوز للمضطرّ) الّذي يخاف التّلف أو المرض أو نحوهما على نفسه أو غيره، كالحامل على الجنين، والمرضع على الرّضيع (تناول المحرّم بقدر ما

1 . الوسائل: 25/366، الباب 29 من أبواب الأشربة المحرمة.
2 . الوسائل: 25/282، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة.

صفحه 289
يمسك) به (رمقه) ويدفع ضرورته (إلاّالباغي وهو الخارج على الإمام) العادل(عليه السلام) (والعادي وهو قاطع الطّريق) فلا يرخّصان في تناول الحرام، ولو مع شدّة الضّرورة، قال اللّه تعالى: (فَمَنِِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَلا عَاد فَلا إِثْمَ عَلَيه)(1) وتفسير الباغي والعادي بما ذكر قد ورد في بعض النّصوص.(2)
وقد يفسّر الأوّل بالمستحلّ للميتة الّذي يبغيها ويرغب في أكلها ويتلّذذ بها، وقد يفسّر بالمفرط المتجاوز عن الحدّ الّذي أحلّ له.
والثّاني بالّذي يعدو الرّمق ويتجاوز حدّ الشّبع، أو بالمتزوّد منها.
والذي ينبغي أن يقال انّ ظاهر الآية هو الرّخصة للمضطرّ من حيث كونه كذلك، لا المتناول المستحلّ للمحرّم، أو القادم على الإثم في ذلك، وقد عبّر عن هذا المعنى في الآية الأُخرى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجانِف لإثْم فَإنَّ اللّه غَفُورٌ رََحِيمٌ) (3) بالمتجانف للإثم المفسّر من غير خلاف يعرف بالميل إلى أكل الميتة استحلالاً، والميل إلى الحرام والتعمّد له، فليحمل الباغي والعادي أيضاً في الآية الأُخرى على معنى المتجانف للإثم الّذي لا رخصة له ولو في حال الاضطرار، ضرورة عدم كون الباعث له الاضطرار الّذي هو ملاك الرّخصة، بل التّجانف للإثم الّذي هو عبارة أُخرى عن البغي والعدوان في أكل الميتة حال الاختيار، فانّ الآيات يفسّر بعضها بعضاً، بل نقول: إنّه لا اضطرار فيه في الحقيقة، ضرورة عدم حالة امتناع له حتّى يكون ما فيه من الحال حالة اضطرار له، إذ المنساق من قوله تعالى (فمن اضطر) هو الرّخصة للممتنع حال الاختيار إن اتّفق

1 . البقرة:173.
2 . الوسائل:24/214، الباب 56 من أبواب الأطعمة المحرمة.
3 . المائدة:3.

صفحه 290
له الاضطرار.
وعلى هذا فقوله تعالى: (غير متجانف) وكذا (غير باغ ولا عاد) بعد حملهما على غير المتجانف كالحالالمؤكّدة والكاشفة، فالأجود الرّخصة للممتنع حال الاختيار إذا اضطرّ إلى أكل المحرّم ـ و لو كان هو بغياً أو عادياً بالمعاني المذكورة ـ لعموم الآية والاشتراك في العلّة، وما ورد من النّصوص في معناهما غير محرز الحجّية.
ثمّ إنّ إطلاق المتن عدم الفرق بين الخمر وغيرها من المحرّمات في جواز تناولها مع الاضطرار، ولكنّ الأقوى في ما لو قام غيرها مقامها هوالاجتناب عنها، و لو لم نقل به في غير هذه الصّورة لإطلاق النّهي الكثير عنها في الأخبار.
(السّادسة): في آداب الأكل والشّرب وهي كثيرة اقتصر المصنّف هنا على بعضها وقال:
(يستحبّ غسل اليدين ) معاً (قبل الطّعام، والتّسمية) عند الشّروع في الأكل، وعلى كلّ لون على انفراده، وأن يبدأ صاحب الطّعام ويكون آخر من يمتنع (والأكل باليمنى) مع الاختيار (وغسل اليدين) معاً (بعده) وإن كان الأكل بأحدهما .
(و) يستحبّ كما في بعض الأخبار(1) أن يبدأ صاحب الطّعام في الغسل الأوّل ثمّ بمن عن يمينه، وفي الغسل الثّاني يبدأ بمن عن يساره.
ويستحبّ أيضاً أن يجمع غسالة الأيدي في إناء واحد، للنّصّ.(2)

1 . الوسائل: 24/339، الباب 50 من أبواب آداب المائدة.
2 . الوسائل:24/341، الباب 51 من أبواب آداب المائدة.

صفحه 291
كما يستحبّ (الحَمدُُُ) للّه سُبحانه (والاستلقاء) على ظهره بعد الفراغ (وجعل الرّجل اليمنى على) رجله (اليسرى).
(ويحرم الأكل) بل الجلوس (على مائدة) يشرب عليها شيء من (المسكر) خمراً أو غيرها للنّصّ.(1)
(و) كذا يحرم (إفراط الأكل المتضمّن للضّرر) وهو ظاهر، والنّصوص في ذلك كلّه كثيرة متضافرة.(2)

1 . الوسائل:24/232، الباب 62 من أبواب الأطعمة المحرّمة.
2 . الوسائل:24/239، الباب 1 من أبواب آداب المائدة.

صفحه 292

صفحه 293

كتاب الميراث

الّذي هو تركة الميّت، (وفيه) ثمانية (فصول)

صفحه 294

صفحه 295

الفصل الأوّل

في أسبابه ـ وموجباته ـ

(وهي شيئان: نسب وسبب).
( فالنّسب) الّذي هو الاتّصال بالولادة بانتهاء أحدهما إلى الآخر أو بانتهائهما إلى ثالث مع صدق اسم النّسب عرفاً على الوجه الشّرعيّ (مراتبه(1) ثلاث (2)) لا يرث أحد من المرتبة التّالية مع وجود واحد من المرتبة السّابقة خال من الموانع.

]الأبوان و الأولاد [

المرتبة (الأُولى: الأبوان) دون آبائهما الّذين هم في المرتبة الثّانية (والأولاد) وإن نزلوا، (فللأب المنفرد) عن قريب للميّت في مرتبة من الأُمّ والأولاد وأحد الزوجين (المال) كلّه بالقرابة، إذ لا فرض له مع عدم الولد.
(وللأُمّ وحدها) منفردة عن الأب والأولاد وأحد الزّوجين كلّ المال، لكنّ (الثلث) منه بالفرض لقوله تعالى: (فإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثهُ أَبَواه فِلأُمّهِ

1 . خ ل: مراتب.
2 . في نسخة: ثلاثة.

صفحه 296
الثُّلُث)(1) (والباقي) الّذي هو الثّلثان (ردّعليها) بالقرابة، لعدم فرض لها زائد على الثّلث.
(ولو اجتمعا) أي الأبوان خاصّة منفردين عمّن هو في مرتبتهما، فللأُمّ السّدس مع الحاجب من الاخوة ـ الآتي بيانه آنفاً ـ والثّلث مع عدمه بالفرض فيهما للآية المذكورة ولقوله تعالى : (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمّهِ السُّدُس) (2) و (كان الباقي) الّذي هو الثّلثان أو خمسة أسداس (له) أي للأب بالقرابة (ولو) اجتمعا و(كان معهما زوج أو زوجة فله) أي الزّوج أو الزّوجة (نصيبه) الأعلى المفروض له على تقدير عدم الولد، وهو النّصف للزّوج، والرّبع للزّوجة، بالفرض كما سيأتي في الفصل الثّاني، (و) يكون (للأُمّ الثّلث) من الأصل، لا ثلث الباقي عن نصيبهما، مع عدم الحاجب، والسّدس من الأصل معه بالفرض (والباقي) عن نصيبهم (للأب) بالقرابة.
(وللابن) المنفرد عمّن يشاركه في مرتبته (المال) كلّه بالقرابة (وكذا الابنين(3) فمازاد) يرثون المال كلّه بالقرابة يقتسمونه بينهم (بالسّويّة) لعدم إمكان التّرجيح من غير مرجّح.
(ولو(4) انفردت البنت) الواحدة عمّن يشاركها في مرتبتها (فلها النّصف) بالفرض، قال اللّه تعالى : (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصف) (5) (و) النّصف (الباقي) أيضاً (ردّعليها ) بالقرابة.
(وللبنتين فمازاد الثّلثان) قال اللّه تعالى في البنات: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَك)(6) وان جعل النّصب فيه للزّائد عن الاثنتين إلاّ أنّهما

1 . النساء:11.
2 . النساء:11.
3 . خ ل: الابنان.
4 . خ ل: فلو.
5 . النساء:11.
6 . النساء:11.

صفحه 297
ألحقتا به إجماعاً كما في كلام جماعة (و) الثّلث (الباقي ردّعليهما) بالقرابة.
(ولو اجتمع الذّكور والإناث من الأولاد فللذّكر مثل حظّ الأُنثيين) بالكتاب(1)، والنّصّ(2)، والإجماع.
(ولكلّ واحد من الأبوين مع الذّكور) من الأولاد (السدس) بالفرض، قال تعالى: (وَ لأَبَويهِ لِكُلِّ واحد مِنْهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كان لَهُ وَلَد).(3) (والباقي) عن نصيبهما و هو الثّلثان (للأولاد) الذّكور بالقرابة واحداً أو متعدداً بينهم بالسّويّة; (ولو كان معه إناث، فالباقي) لهم بالقرابة أيضاً يقتسمونه (بينهم) بالتّفاضل (للذّكر مثل حظّالأُنثيين).
(ولكلّ واحد من الأبوين منفرداً) عن الآخر (مع البنت) الواحدة السّدس أباً كان أو أُمّاً بالفرض، ولها النّصف ثلاثة أسداس كذلك، كما علم، والسّدسان الباقيان يردّعليهم بالنّسبة، والقسمة من اثني عشر، فنفرض التّركة اثني عشر قراناً، اثنان منها لأحد الأبوين بالفرض، وواحد منها له بالرّدّ، والمجموع (الرّبع) من التّركة يختصّ به (بالتّسمية) أي الفرض (والرّدّ، والباقي) الّذي هو ثلاثة أرباع التّركة تسعة من اثني عشر (للبنت كذلك) ستّة نصف التّركة بالفرض، وثلاثة ربعها بالرّدّ.
(و) لأحد الأبوين (مع البنتين فما زاد) السّدس، أباً أو أُمّاً بالفرض، ولهما أو لهنّ الثّلثان أربعة أسداس كذلك، والسّدس الباقي عن سهامهم يردّ عليهم جميعاً بالنّسبة، فيكون لأحد الأبوين (الخمس) بالفرض والرّدّ، وللبنتين

1 . النساء:11.
2 . الوسائل:26/93، الباب 2 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد.
3 . النساء:11.

صفحه 298
فمازاد أربعة أخماس كذلك، والقسمة من ثلاثين فنفرض التّركة ثلاثين، عشرون منها ثلثا التّركة للبنتين فمازاد بالفرض، وخمسة سدسها لأحد الأبوين كذلك، والخمسة الباقية أيضاً يردّ إليهم بنسبة سهامهم، أربعة منها للبنتين فصاعداً يكون مع فرضهم المذكور أربعة وعشرين، أربعة أخماس التّركة بالرّدّ والفرض، وواحد منها لأحد الأبوين يكون مع الخمسة فرضه ستّة خمس التّركة بالفرض والرّدّ.
(ولهما) أي الأبوين مجتمعين (مع البنت) الواحدة السّدسان بالفرض كما ذكر، ولها النّصف ثلاثة أسداس كذلك، والسّدس الباقي يرد عليهم أخماساً على نسبة الفريضة فيكون جميع التّركة بينهم أخماساً للأبوين (الخمسان) بالمناصفة بينهما (تسمية وردّاً، والباقي) الّذي هو ثلاثة أخماس (لها) أي البنت الواحدة كذلك، والفريضة هنا أيضاً من ثلاثين ويتّضح طريق العمل من سابقه.
(و) للأبوين مجتمعين (مع البنتين فمازاد الثّلث) بالفرض لكلّ منهما نصفه سدس، والثّلثان الباقيان للبنتين فصاعداً بالفرض أيضاً كما ذكر، ولا ردّ هنا لأنّ الفريضة بقدر السّهام، والقسمة من ستّة.
(ولو شاركهم) أي البنت أو البنتين مع الأبوين أو أحدهما (زوج أو زوجة دخل النّقص) الحاصل في بعض فروض المسألة من زيادة السّهام على الفريضة (على البنت أو البنات) ويستوفى نصيب الزّوجين والأبوين، ويتّضح المقصود في ضمن فروع:
الأوّل: ما لو اجتمع الزّوج معالبنت الواحدة وأحد الأبوين، فيكون الرّبع للزّوج ، والثلاثة الأرباع الباقية للبنت و أحد الأبوين، أرباعاً بالفرض والرّدّ، ربع الثلاثة الأرباع للأُمّ أو الأب، وثلاثة أرباعها للبنت، كما لو انحصر الوارث فيهما

صفحه 299
على قياس ما سمعته آنفاً في اجتماع واحد من الأبوين مع البنت، والقسمة من ستّة عشر، أربعة منها للزّوج، والباقي كما مرّ ثلاثة منها لأحد الأبوين بفرضه وردّه، والتّسعة الباقية للبنت كذلك، وإن شئت تفكيك مقدار الفرض عن الرّدّ فاجعل الفريضة من ثمانية وأربعين، ربعها اثنا عشر للزّوج، ونصفها أربعة وعشرون للبنت بالفرض، وسدسها ثمانية لأحد الأبوين، والأربعة الباقية فضل الفريضة على السّهام، وهو نصف سدسها يردّ أرباعاً على البنت و أحد الأبوين بنسبة سهامهم المذكورة، واحد منها لأحد الأبوين وثلاثة منها للبنت، ولا ردّ على الزّوج.
الثّاني: الفرض بحاله مع الزّوجة، فلها الثّمن، والسّبعة الأثمان الباقية كالثّلاثة الأرباع في سابقه، والقسمة من ستة وتسعين، للزّوجة اثنى عشر منها ولا ردّعليها، وللبنت ثمانية وأربعون بالفرض، وخمسة عشر بالردّ، ولأحد الأبوين ستّة عشر بالفرض وخمسة بالرّدّ، كما لا يخفى على المحاسب، هذا إن أردت تعيين مقدار الفرض والرّدّ.
وإن شئت قسمة مجموع ما يختصّ بكلّ واحد أعمّ من الفرض والرّدّ فيصحّ القسمة من اثنين وثلاثين، أربعة منها للزّوجة، وسبعة لأحد الأبوين، وأحد وعشرون للبنت، فإنّ الأربعة والسّبعة و أحداً وعشرين المخرجات من اثنين وثلاثين كالاثني عشر وواحد وعشرين وثلاثة وستّين المخرجات من ستّة وتسعين.
الثّالث: ما لو اجتمع الأبوان كلاهما مع البنت الواحدة والزّوج، كان له الرّبع، وللأبوين السّدسان، وللبنت النّصف، ومجموعها يزيد عن الأصل بنصف سدس يحطّ من نصيب البنت، والفريضة من اثني عشر، ثلاثة منها للزّوج، وأربعة للأبوين، والخمسة الباقية للبنت الواحدة، ولولا الزّوج لكان فرضها في المثال ستّة ولزم ردّ الاثنين الباقيين عن نصيبها ونصيب الأبوين عليهم بالنّسبة كما ذكر، وصحّ الفريضة من ثلاثين، أو خمسة على قياس ما سمعته في سابقه.

صفحه 300
الرّابع: الفرض بحاله مع الزّوجة، فلها الثّمن، وللأبوين الثّلث، وللبنت النّصف، ويزيد التّركة عن مجموعها بربع سدس كما لا يخفى على الخبير، فللزّوجة نصيبها،والسّبعة الأثمان الباقية للبنت والأبوين بالفرض والرّدّ، كصورة انحصار التّركة في ذلك السّبعة الأثمان والورثة في البنت والأبوين، والفريضة من مائة وعشرين، للزّوجة خمسة عشر ولا ردّ ، وللبنت ستّون بالفرض، وثلاث بالرّدّ، ولكلّ من الأبوين عشرون بالفرض وواحد بالرّدّ، ولك تصحيح الفريضة من أربعين على قياس ما سمعته في الصّورة الثّالثة.
الخامس: ما اجتمع فيه الزّوج مع البنتين و أحد الأبوين، فللزّوج الرّبع، ثلاثة من اثني عشر، وللأب أو الأُمّ السّدس اثنان منها، والسّبعة الباقية للبنتين ينقص عن فرضهما الّذي هو الثّلثان (ثمانية في الفرض) بنصف سدس.
السّادس: البنتان فمازاد مع أحد الأبوين والزّوجة فلها الثّمن ثلاثة من أربعة وعشرين، وللأب أو الأُمّ السّدس أربعة منها، وللبنتين فمازاد الثّلثان ستّة عشر منها، ويبقى واحد يردّ على البنتين و أحد الأبوين أخماساً، ولك تصحيح الفريضة من مائة وعشرين، أو من أربعين على قياس ما سمعته في الفرضين الأوّلين.
السّابع والثّامن: البنتان والأبوان مع الزّوج أو الزّوجة، فللزّوج الرّبع، وللزّوجة الثّمن، وللأبوين السّدسان، والباقي للبنتين، ينقص عن الثّلثين فرضهما بربع التّركة في الأوّل، وثمنها في الثّاني، والفريضة في الأوّل من اثني عشر، وفي الثّاني من أربعة وعشرين.
هذا جملة الفروع الّتي يفضل في بعضها الفريضة عن السّهام فيردّ الفاضل على الأبوين والبنات بالنّسبة، وذلك في الأوّلين والرّابع والسّادس، ويقصر عنها في

صفحه 301
البواقي فيدخل النّقص على البنتين،ويستوفى نصيب الزّوجين والأبوين.

(مسائل:)

]في الحاجب[

(الأُولى:) في بيان الحاجب المشار إليه في طيّ المسائل السّابقة.
اعلم أنّ الحجب على قسمين:
حجب حرمان يمنع عن أصل الإرث، كحجب القريب للبعيد.
وحجب نقصان يمنع عن بعضه، وهو في موضعين:
أحدهما: الولد يحصل به الحجب للزّوجين عن نصيبهما الأعلى كما سيأتي في الفصل الثّاني، وللأبوين عمّا زاد على السّدسين ولأحدهما عن الزّائد على السّدس; إلاّ أن يكونا أو أحدهما معالبنتالواحدة، فإنّهما لا يحجبان و لا أحدهما عنالزيادة عليالسّدس أو السّدسين، بل يشاركانها في مازاد عن نصفها وسدسيهما بالنّسبة كما يشاركها أحدهما في مازاد عن نصفها وسدسه كذلك; وكذا لو كان أحدهما مع البنتين أو البنات، فانّهنّ لا يمنعنه عمّا زاد على سدسه وثلثيهنّ، بل يردّما بقي من الفريضة وهو السّدس عليه وعليهنّ بالنّسبة، كما مرّ في طيّ المسائل المتقدّمة.
وثانيهما: الإخوة فـ(إذا خلّف الميّت مع الأبوين أخاً وأُختين أو أربع أخوات أو أخوين) لم يرثوا شيئاً لبعدهم عن الأبوين و (حجبوا الأُمّ عمّا زاد عن(1)السّدس، بشرط أن يكونوا) خالين من موانع الإرث شرعاً من القتل

1 . خ ل: على.

صفحه 302
والرّق والكفر بأن كانوا (مسلمين غير قاتلين) لمورّثهم (ولا مماليك) .
كما يشترط ثان، وهو أن يكونوا (منفصلين) بالولادة (غير حمل) فلا يحجب الحمل ولو بكونه متمّماً للعدد المعتبر فيه.
(و) ثالث و هو أن ( يكونوا) إخوة (من الأبوين أو من الأب) أو بالتّفريق فلا تحجب كلالة الأُمّ.
(و) رابع، وهو أن (يكون الأب موجوداً) ليُوفّروا عليه ما حجبوها عنه وإن لم يحصل لهم منه شيء كما أشرنا إليه.
وقد أفاد المصنّف بمثال المتن شرطاً خامساً، وهو عدم حجب الإخوة بقول مطلق، بل يشترط أن يكونوا ذكرين أو أربع نساء، أو ذكراً وأُنثيين فمازاد، وذلك للمعتبرة المستفيضة(1) مع الإجماعات المحكيّة في كلمات بعض الأجلّة فيها، وفي ثالث الشّروط بل أوّلها أيضاً بالنّسبة إلى عدم حجب الإخوة الأرقّاء والكفرة وبها يقيّد إطلاق الآية الشّريفة، وأمّا الشّرط الثّاني والرّابع والأوّل أيضاً بالنّسبة إلى الإخوة القتلة فهي أيضاً كذلك على المشهور والمخالف شاذّ لا يعبأ به، بل ربّما يدّعي الإجماع في الشّرط الثّاني والرّابع أيضاً.
وبالجملة (فإن فقد أحد هذه) الشّروط الخمسة (فلا حجب; وإذا اجتمعت الشّرائط، فإن لم يكن معهما) أي الأبوين ( أولاد) وانحصر الوارث فيهما، (فللأُمّ السّدس خاصّة) لحرمانها عن الزّائد بالإخوة، (والباقي) الّذي هو خمسة أسداس (للأب)، لعدم وارث آخر; ولو لم يكن هناك حجب لاستحقّت الأُمّ الثّلث والأب الثّلثين.

1 . الوسائل:26/120، الباب 11 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد.

صفحه 303
(وإن كان معهما بنت) واحدة فريضتها النّصف (فلكلّ من الأبوين السّدس) بالفرض (وللبنت النّصف) ثلاثة أسداس كذلك (و) السّدس (الباقي يردّ على البنت والأب) فقط (أرباعاً) بنسبة سهامهم، و لا يردّ منه شيء على الأُمّ لحرمانها عن الزّائد على السّدس بالإخوة. والفريضة من أربعة وعشرين: أربعة منها للأُمّ بالفرض فقط، وللأب أيضاً أربعة، وللبنت اثنا عشر بالفرض، ويردّ الأربعة الباقية الّتي هو سدس الفريضة إليهما بالنسبة المذكورة، واحد للأب وثلاث للبنت.
المسألة (الثّانية: أولاد الأولاد يقومون) في الإرث (مقام الأولاد عند عدمهم) و لو مع وجود أحد الأبوين أو كليهما، (ويأخذ كلّ فريق منهم نصيب من يتقرّب به، فلأولاد البنت) إذا اجتمعوا (مع أولاد الابن الثّلث) نصيب البنت مع الابن يقتسمونه بينهم (للذّكر مثل حظّ الأُنثيين، ولأولاد الابن) في المثال (الثّلثان) نصيب الابن مع البنت يقتسمونهما بينهم (كذلك) بالتّفاضل، لعموم قوله تعالى:(لِلّذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) (1) في الفرضين.
(والأقرب) إلى الميّت من أولاد الأولاد (يمنع الأبعد) منهم إليه من تركته إجماعاً، فلا يرث بطن مع من هو أقرب منه إلى الميّت بلا خلاف (ويشاركون) أي أولاد أولاد الميّت حيث قاموا مقام آبائهم عند عدمهم (الأبوين) له (ك آبائهم) الّذين هم أولاد له للصّلب، (ويردّعلى أولاد البنت) ما يزيد عن فرضها وفرض الأبوين (كما) كان (يردّعليها) نفسها لو كانت موجودة (ذكوراً) كان أولاد البنت ( أو إناثاً) وإن كان لا ردّ في

1 . النساء:11.

صفحه 304
الولد الذّكر للصّلب إذ العبرة في أولاد الأولاد بذكورة من يتقرّب به وأُنوثته لا أنفسهم.
وحينئذ فلو كان له أبوان وأولاد بنت كان لهما الخمس بالفرض والرّدّ ولهم أربعة أخماس كذلك.
ولو اجتمع مع أولاد البنت أحد الأبوين كان له الرّبع كذلك، ولهم الثّلاثة الأرباع كذلك.
ولو اجتمع الأبوان أو أحدهما مع أولاد الابن كان لهما أوله السّدس والباقي لهم ، ولا ردّأصلاً.
]في الحبوة[
المسألة (الثّالثة): من متفرّدات الإماميّة بالضّرورة من مذهبهم والنّصوص المستفيضة عن أئمّتهم أنّه (يحبى) أي يعطى (الولد الذّكر الأكبر) الّذي لا أكبر منه وإن كان الولد الذّكر منحصراً فيه من التّركة زيادة على غيره من الوارث (بثياب بدن) أبيه (الميّت) لا ثياب تجارته، (وخاتمه وسيفه ومصحفه، إذا لم يكن) المحبوّ (سفيهاً ولا فاسد الرّأي) والاعتقاد بأن يكون مخالفاً للحقّ.
وفي الشّرائع نسب اشتراط هذين إلى المشهور(1)، والنّصوص خالية عنه وإطلاقها يدفعه مع أنّ السّفه لا يمنع الاستحقاق ولا يرفع وجوب القضاء لبقاء التّكليف معه فيستحقّ الحبوة وإن جعلنا القضاء شرطاً في ثبوتها كما سنشير في

1 . شرائع الإسلام:4/25.

صفحه 305
آخر المسألة.
و أمّا الثّاني ففي المسالك(1) والرّوضة(2) إنّه يمكن اعتباره إلزاماً للمخالف بمعتقده كما يلزم بغيره من الأحكام الّتي تثبت عنده لا عندنا، كأخذ سهم العصبة منه وحلّ مطلّقته ثلاثاً ويمنع من الإرث أو بعضه حيث يقول به، إدانة له في ذلك كلّه بمعتقده، وأنت خبير بأنّ الإلزام المذكور ليس من باب الشّرطيّة، ولذا لم يشترط أحد في إبطال العول والعصبة عدم فساد الرّأي، وإنّما حكموا به مطلقاً مع تصريحهم كجملة من الأخبار بجواز إدانة المخالف بمعتقده فيهما، مع أنّ فساد الرّأي لا ينحصر في المخالف بل الواقفة وغيرها من الفرق المعتقدة بالحبوة أيضاً كذلك.
ثمّ إنّ ظاهر المتن كالأكثر أنّ الحبوة على سبيل الوجوب ومجانيّته، لظهور النّصوص المعبّر فيها بكونها له في ذلك لظهور اللاّم في الملك والاستحقاق مع عدم تعرّض أصلاً لذكر القيمة مع لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة مع لزومها ; و عن السّيّد(3) والإسكافي(4) الاستحباب وكونه بالقيمة فيكون ثمرة خصوصيّة الأكبر اختصاصه بالعين من بين الورثة، وذلك للأصل وعمومات الإرث المرتفعين بالأدلّة الخاصّة.
وأمّا حصر الحبوة في الأربعة مع عدم ذكرها في خبر مجتمعة وتفرّقها في أخبار عديدة، فهو المشهور في الغاية، وفي بعض الأخبار الصّحيحة إضافة السّلاح والكتب والرّحل والرّاحلة أيضاً في الحبوة(5)، ولكنّ الأصحاب أعرضوا عنه مع

1 . المسالك:13/135ـ 136.
2 . الروضة:8/120ـ 121.
3 . الانتصار:299ـ 300.
4 . نقلهاعنه العلاّمة في المختلف:9/21.
5 . الوسائل:26/97، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد.

صفحه 306
كونه بمرأى منهم ومسمع، كما صرّح به في الرّوضة(1)، ويظهر من غيرها أيضاً حيث اقتصروا على الأربعة، ولو لم نتوحّش من الانفراد لقلنا بلزوم إحباء كلّ ما هو من مختصّات الرّجل بحيث لا يشاركه عادة غيره من خواصّه أهل بيته، ولكنّ الاقتصار على مورد النّصّ ولا سيّما الأربعة المشهورة طريق النّجاة مع رعاية وظيفة الاحتياط في كلّ مورد بحسبه.
وبالجملة فيجب الإحباء بما ذكر بالشّروط المذكورة، و (بشرط أن يخلّف الميّت) مالاً (غير ذلك) وإن قلّ، للأصل السّالم عن معارضة الإطلاقات المنساقة إلى المفروض الّذي هو الغالب.
(و) يجب (عليه) أي الولد الأكبر (قضاء ما ) كان (على الميّت من صلاة وصيام)، ولكن لا تلازم بين القضاء والحبوة وإن حكي عن ابن حمزة اشتراط ثبوت القضاء بالحبوة(2)، وذلك لمنع كون القضاء في مقابلة الحبوة، لإطلاق نصوص الجانبين وخلوّها عن بيانه بالمرّة، ويظهر الفائدة في مورد افتراق كلّ منهما عن الآخر كما لو كان الولد غير مكلّف بالقضاء أو لم يكن هناك حبوة، فعلى ما اخترناه تثبت الحبوة في الأوّل والقضاء في الثّاني لعدم الاشتراط والملازمة، نعم قد يثبتان معاً كما لو كان الولد مكلّفاً وخلّف الميّت حبوة.

]في الإخوة و الأجداد [

(المرتبة الثّانية: الإخوة) لأب، أو لأُمّ، أو لهما، ويعبّر عنهم بالكلالة، (والأجداد) كذلك.

1 . الروضة:8/110ـ 111.
2 . الوسيلة:387.

صفحه 307
اعلم أنّه (إذا لم يكن للميّت ولد وإن نزل ولا أحد الأبوين)، أو كانوا ممنوعين عن الإرث، (كان ميراثه للإخوة) وأولادهم وإن نزلوا (والأجداد) وإن علوا، بشرط الأقرب إلى الميّت فالأقرب (فللأخ من الأبوين فمازاد المال) كلّه بالقرابة بلا خلاف ولا إشكال، قال اللّه تعالى: (وهُوَ يَرِثُها إِنْ لم يَكُنْ لَها وَلَد).(1)
(و) كذلك كلّه (للأُخت من قبلهما) إلاّ أنّها ترث ( النّصف) بالفرض والتّسمية قال اللّه تعالى: (إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَك)(2)(والباقي ردّعليها) بالقرابة وآية أُولي الأرحام عندنا.
(وللأُختين منهما فما زاد الثّلثان) بالفرض، قال اللّه تعالى في الأخوات: (فَإِنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَك)(3) والحقّ الزائد عليهما بهما بالإجماع (والباقي ردّعليهما) بالقرابة.
(ولو اجتمع) الإخوة (الذّكور والإناث) من الأبوين (فللذّكر مثل حظّ الأُنثيين) كتاباً(4) وسنّة(5) وإجماعاً بقسميه.
(6) للواحد من ولد الأُمّ ذكراً) كان (أو أُنثى) مع انفراده (السّدس) بالفرض، قال اللّه تعالى: (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فِلِكُلِّ واحد مِنْهُما السُّدُس)(7) (والباقي ردّ عليه) بالقرابة.
(وللاثنين فصاعداً) من ولدها مع انفرادهم المال كلّه، إلاّ أنّ

1 . النساء:176.
2 . النساء:176.
3 . النساء:176.
4 . النساء:176.
5 . الوسائل: 26/153، الباب 2 من أبواب ميراث الاخوة والأجداد، الحديث5.
6 . خ ل:فـ.
7 . النساء:12.

صفحه 308
(الثّلث) منه بالفرض (والباقي ردّعليهم) بالقرابة (الذّكر والأُنثى سواء) قال سبحانه: (فَإِنْ كانُوا) أي أولاد الأُمّ أكثر من ذلك، فهم شركاء في الثّلث، مضافاً إلى أصالة التّسوية في الشّركة خصوصاً مع اتّحاد السّبب وللسّنّة المستفيضة(1) والإجماع بقسميه، فيتطابق الإجماع والكتاب والسّنّة. هذا .
واعلم أنّه لا يرث الإخوة من الأب فقط مع وجود الإخوة من الأبوين لا بالفرض ولا بالقرابة، اجتمعوا من كلالة الأُمّ أيضاً أم لا (و) لا إشكال في ذلك ولا خلاف، بل عليه الإجماعات المحكيّة، مضافاً إلى نصوص خاصّة(2)، وبها يخصّص عمومات الإرث بالقرابة والفريضة من الكتاب والسنّة. نعم (يقومالمتقرّب(3)) إلى الميّت (بالأب خاصّة مقام من يتقرّب بالأبوين) عند عدمهم أو منعهم من الإرث (من غير مشاركة) لهم مع وجودهم وارثين، (و) يكون (حكمه) أي حكم المتقرّب بالأب في الانفراد والاجتماع بعضهم مع بعض أو مع إخوة الأُمّ (حكمه(4)) أي حكم المتقرّبين بالأبوين نصّاً(5) وإجماعاً; فلو انفرد الأخ أو الأُخت للأب حاز المال كلّه، لكن الأوّل بالقرابة والثّانية كذلك في النّصف وفي النّصف الآخر بالفرض، وكذلك الأُختان فما زاد من الأب بالنّسبة إلى الثّلثين بالفرض والباقي بالرّدّ، وللإخوة والأخوات المتعدّدين الثّلثان بالفرض والباقي بالقرابة، ويقتسمون بالسّويّة مع التّساوي في الذّكورة والأُنوثة، وبالتّفاضل مع الاختلاف. هذا كلّه حكم انفراد كلّ من إخوة الأبوين أو الأب أو الأُمّ عن الآخر.

1 . الوسائل:26/173، الباب 8 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 4.
2 . الوسائل: 26/182، الباب 13 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد.
3 . خ ل: من يتقرّب .
4 . خ ل : حكمهم.
5 . الوسائل: 26/153، الباب 2 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث5.

صفحه 309
(و لو اجتمع الإخوة من الأبوين مع الإخوة من الأُمّ (من كلّ واحد منهما)(1) كان لمن يتقرّب بالأُمّ السّدس) بالفرض (إن كان واحداً، والثّلث) كذلك (إن كانوا (2) أكثر) يقتسمونه (بينهم بالسّويّة) كما مرّ مطلقاً، (وإن كانوا ذكوراً وإناثاً، ولمن تقرّب (3) بالأبوين الباقي واحداً كان أو أكثر) ذكوراً أم إناثاً حتّى أنّه لو كانت إخوة الأبوين إناثاً واجتمع أُخت للأبوين مع واحد من كلالة الأُمّ أو جماعة أو أُختان للأبوين مع واحد من كلالة الأُمّ، فالفاضل من الفروض أيضاً يردّعلى قرابة الأبوين فقط، كما سيصرّح بذلك في الفصل الرّابع بقوله: وذو السّببين أولى بالرّدّ وهم يقتسمون جميع ما حازوه بالقرابة والفريضة، والرّدّ بينهم بالتّفاوت (للذّكر مثل حظّالأُنثيين وسقط الإخوة من الأب) وحده بإخوة الأبوين كما عرفته .
(ولو اجتمع الإخوة من الأُمّ مع الإخوة من الأب خاصّة) ولم يكن هناك إخوة الأبوين أصلاً (كان) كاجتماعهم مع إخوة الأبوين فيكون (لمن تقرّب بالأُمّ السّدس إن كان واحداً، والثّلث إن كان أكثر بالسّوية، والباقي لمن تقرّب بالأب) فقط لقيامه مقام المتقرّب بالأبوين، وحكمه حكمه كما عرفته، فيقسم بينهم بالتّفاوت (للذّكر مثل حظّ الأُنثيين).
(ولو كان الإخوة من قبل الأب) المجتمعون مع إخوة الأُمّ (إناثاً) ففي الرّدّ على الفريقين أو اختصاصه بقرابة الأب وحرمان كلالة الأُمّ عنه كصورة اجتماعها مع قرابة الأبوين كما أشرنا إليه قولان مشهوران .

1 . خ ل.
2 . خ ل: كان.
3 . خ ل : يتقرّب.

صفحه 310
ولا يذهب عليك انّ المتصوّر في المقام أربع صور:
الأُولى: اجتماع أُختين للأب فمازاد مع اثنين أو أكثر من كلالة الأُمّ، فالفريضة من ستّة، أربعة منها لكلالة الأب يقتسمونها بينهم بالتّفاضل، واثنتان منها لكلالة الأُمّ بينهم بالسّوية، ولا يلزم في هذه الصّورة ردّولا نقص، ولا كلام فيها أصلاً.
الثّانية: أُخت لأب مع واحد من كلالة الأُمّ، فيحوز الكلالة، السّدس، والأُخت النّصف ثلاثة أسداس، ويردّالسّدسان الباقيان أيضاً عليها فقط دون الكلالة، كما لو كانت من الأبوين، لقيام المتقرّب بالأب مقام المتقرّب بهما عند عدمه.
الثّالثة: أُخت لأب مع الزّائد عن الواحد من كلالة الأُمّ، فيحوز الكلالة الثّلث اثنين من ستّة، والأُخت ثلاثة منها، والسّدس الباقي يُردّ عليها فقط لما عرفته.
الرّابعة: أُختان فصاعداً للأب مع واحد من الكلالة، فيحوز الكلالة السّدس، والأُختان الثّلثين أربعة أسداس، ويردّ الباقي أيضاً عليهما لما عرفته. هذا.
واختصاص الرّدّ بكلالة الأب فقط هو المحكيّ عن الصّدوق(1) والشّيخين(2) وأتباعهما وأكثر المتأخّرين.(3)
واختار المصنّف هنا تبعاً للشّرائع(4) و النّافع(5) وفاقاً للحلّي(6)

1 . المقنع:496.
2 . المقنعة:690; النهاية:637.
3 . مسالك الأفهام:13/142ـ 143.
4 . الشرائع:4/26.
5 . المختصر النافع:269.
6 . السرائر:3/260.

صفحه 311
والمبسوط(1) الرّدّ على كلا الفريقين، وقال: إنّه مع أُنوثيّة كلالة الأب المجتمعين مع كلالة الأُمّ (كان الرّدّ) حين زيادة الفريضة عن السهام (بينهنّ و بين المتقرّب بالأُمّ) بنسبة سهامهم (أرباعاً) كما في الصّورة الثّانية المذكورة، (أو أخماساً) كما في الأخيرتين.
(وللزّوج والزّوجة) عند اجتماعهما مع الإخوة (نصيبهما الأعلى) من النّصف أو الرّبع (ويدخل النّقص) الحاصل بزيادة سهام الورثة عن الفريضة لدخول الزّوج أو الزّوجة مع الكلالة (على المتقرّب بالأبوين) إن كان (أو بالأب) مع عدمه، ولا يسقط من فريضة الزّوجين والمتقرّب بالأُمّ شيء، فلو كان له زوج وأُخت لأب، وأُخرى لأُمّ، فقد عرفت ممّا تقدّم أنّ فرض كلّ من الزّوج وأُخت الأب النّصف، ثلاثة من ستّة، وفرض أُخت الأُمّ السّدس، ويزيد ذلك عن الفريضة بسدس، ولا ينكسر شيء من الزّوج وأُخت الأُمّ، بل يستوفى لهما فرضهما المقرّر، وينقص ذلك السّدس من سهم المتقرّب بالأبوين، ويعطى له اثنان من ستّة، وهكذا في سائر الفروض من تعدّد الكلالتين أو أحدهما مع دخول الزّوج أو الزّوجة، هذا جملة من القول في الإخوة.
(و) أمّا الأجداد المشاركون لهم في المرتبة، فاعلم أنّ (للجدّ إذا انفرد) عمّن هو في مرتبته (المال) كلّه، لأب كان أو لأُمّ (وكذا الجدّة) المنفردة ترثه مطلقاً.
(ولو اجتمعا) أي الجدّ والجدّة وكانا معاً (لأب فـ) المال كلّه لهما يقتسمانه بينهما بالتّفاضل (للذّكر ضعف الأُنثى، وإن كانا) معاً (لأُمّ فـ) المال لهما أيضاً، لكن يقتسمانه (بالسّويّة).

1 . المبسوط:4/73.

صفحه 312
(ولو اجتمع) الأجداد (المختلفون) في القرابة، وكان بعضهم لأب وآخر لأُمّ (فللمتقرّب بالأُمّ) منهم (الثّلث) مطلقاً (وإن كان واحداً، والباقي) الّذي هو الثّلثان (للمتقرّب بالأب) وإن كان واحداً أيضاً، ومع التّعدّد في الأوّل يقتسمون الثّلث بينهم بالسّوية ولو مع اختلافهم في الذّكورة و الأُنوثة، وفي الثّاني يقتسمون الثّّلثين ولو مع الأُنوثة والاتّحاد، بل في الجواهر(1) أنّ عليه عامّة المتأخّرين، بل وعليه الإجماع عن الخلاف(2)، لعموم ما دلّ على أنّ إرث كلّ قريب نصيب من يتقرّب به، ومن المعلوم أنّ نصيب الأُمّ الثّلث، والأب الثّلثان، فيرث قريب كلّ منهما نصيبه، ولا يشكل في ذلك بالإخوة والأخوات الخارجين بالدّليل النّاصّ على حكمهم الخاصّ، كما لا يشكل بكون نصيب الأُمّ السّدس أيضاً، ضرورة ظهور الآية(3) في أنّ نصيبها الأصلي مع عدم الولد الثّلث، فينصرف الإطلاق السّابق إليه كالأب. هذا.
وأمّا التّسوية في جدودة الأُمّ، والتّفاضل في جدودة الأب كما نبّهنا عليه، فيدلّ على الأوّل موافقته للأصل في الشّركة، الثّابت بالأدلّة، وهو التّسوية كما أشرنا إليه آنفاً، مع عدم ظهور خلاف يعرف، فلا إشكال فيه وإن لم يقم دليل خاصّ أصلاً، ويبقى مرسلة مجمع البيان(4)، وما حكي عن الفقه الرّضوي(5) المصرّح بالحكم فيهما شاهدين على المدّعى على تقدير عدم اعتبار الرّضوي، وإلاّ فهو أيضاً دليل آخر له، و للثّاني أيضاً، أعني: التّفاضل في جدودة الأب، للتّصريح فيه وفي المرسلة على كلا الحكمين، مع عدم ظهور خلاف فيه أيضاً.

1 . الجواهر:39/152.
2 . الخلاف:4/58.
3 . النساء:11.
4 . مجمع البيان:3/30.
5 . فقه الرضا:290.

صفحه 313
(ولو دخل) مع الأجداد (الزّوج أو الزّوجة) أخذ كلّ منهما نصيبه الأعلى نصفاً أو ربعاً، والمتقرّب بالأُمّ ثلث الأصل، لأنّه نصيبها المفروض لها فيأخذه المتقرّبون بها و (دخل النّقص) الحاصل بإيراث الزّوجين (على المتقرّب) بالأبوين أو (بالأب) من الأجداد، كما يدخل على الأب إذا اجتمع مع الأُمّ، وعلى كلالته إذا اجتمع مع كلالتها، وأمّا المتقرّب بالأُمّ من الأجداد فيرث ثلث الأصل مع دخول الزّوجين وعدمه.
وإن شئت فقل: إنّ سهم الزّوجيّة ينقص في الحقيقة ممّا يرثه المتقرّب بالأبوين أو الأب فقط، والمتقرّب بالأُمّ يحوز ثُلث الأصل لا ثلث ما يبقى من التّركة بعد إخراج نصيب الزّوجيّة حتّى يدخل النّقص على كلّ من الفريقين بالنّسبة.
وبالجملة فليس المراد من النّقص هنا ما هو المعروف المصطلح في سائر الموارد من نقص السّهم المفروض الّذي يرثه صاحبه مع أحد الزّوجين عمّا كان يرثه مع عدمه كما قد سمعت في اجتماع الزّوجين مع البنت أو البنتين، والأُخت أو الأُختين، إذ ليس للمتقرّب بالأب مع الأجداد سهم مفروض ينقص بدخول أحد الزّوجين، وإنّما يرث بالقرابة فقط، وليس نقصان ما يرثه مع أحد الزّوجين إلاّكنقصان ما يرثه الأب نفسه معه عمّا كان يرثه مع عدمه (و) الجدّ (الأقرب) إلى الميّت (يمنع الأبعد) منه بلا خلاف ولا إشكال فيه ولا في سابقه، للقواعد المقرّرة، وخصوص بعض المعتبرة.(1)
(ولو اجتمع الإخوة والأجداد كان الجدّ) والجدّة للأب (كالأخ) والأُخت له، والجدّ (والجدّة) للأُمّ (كالأُخت) والأخ لها، فيكون لقرابة الأُمّ من

1 . الوسائل:26/176، الباب 9 من أبواب ميراث الاخوة والأجداد، الحديث2.

صفحه 314
الأجداد والإخوة الثّلث بينهم بالسّويّة ذكوراً كانوا أو إناثاً أو مختلفين متعدّدين في الطّرفين أو متّحدين، ولقرابة الأب من الأجداد والإخوة الثّلثان بينهم للذّكر ضعف الأُنثى كذلك.
فلو كان هناك جدّ وجدّة، وأخ وأُخت لأُمّ ونظائرها من الأبوين أو الأب، فلأقرباء الأُُمّ الثّلث واحد من ثلاثة، وسهامهم أربعة بالسّويّة; ولأقرباء الأب اثنان منها بالتّفاوت، وسهامهم ستّة، وبعد ضرب وفق واحد من السّهام في الآخر ثمّ الحاصل في الثّلاثة أصل الفريضة يحصل ستّة وثلاثون منها، تصحّ السّهام المفروضة، ويدلّ على ذلك النّصوص(1) الكثيرة في تنزيل الجدّ والجدّة منزلة الإخوة، مضافاً إلى الإجماعات المحكيّة عن ظاهر جماعة.
(و) اعلم أنّ (الجدّ وإن علا يقاسم(2) الإخوة) مع فقد الأسفل، وإلاّ كان هو المشارك لهم دونه لقاعدة الأقرب، ولا يشكل ذلك بكون الأخ أقرب من الجدّ الأعلى لأنّهم صنفان، والأقرب إنّما يمنع الأبعد في الصّنف الواحد كما هو القاعدة المسلّمة المستنبطة من الأدلّة، هذا مع إطلاق النّصوص(3) بتساوي الإخوة والأجداد الصّادق بذلك.
(و) كذا (أولاد الإخوة والأخوات) وإن نزلوا من الأبوين ومن أحدهما (يقومون مقام آبائهم عند عدمهم في مقاسمة الأجداد) السّافلة وإن كانوا مساوين للإخوة المتقدّمين على أولادهم، لما ذكر من الإطلاق، وإنّما يمنع قريب كلّ صنف بعيده، لا البعيد من الصّنف الآخر كما أشرنا إليه، فالجدّ الأدنى والجدّة الدّنيا ـ و إن كانا للأُُمّ ـ يمنعان الجدّ الأعلى والجدّة العُليا وإن كانا لأب،

1 . الوسائل:26/164، الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد.
2 . خ ل: يقاسمه.
3 . المصدر نفسه.

صفحه 315
لاتّحاد الصّنف، دون أولاد الإخوة لاختلافه، وكذا الأخ والأُخت ـ وإن كانا للأُمّ ـ يمنعان ابن الأخ وإن كان للأب أو الأبوين، وكذا ابن الأخ مطلقاً يمنع ابن ابنه كذلك، ولا يمنع أولاد الإخوة للصّلب الأجداد وإن علوا بمراتب، كما لا يمنع الأجداد النّازلة أبو الأبوين وأُمّهما مع قربهم أولاد الإخوة وإن نزلوا بمراتب، وعلى هذا القياس، لاختلاف الصنّف وإنّما يمنع كلّ أقرب بمرتبة وإن كان للأُمّ الأبعد وإن كان للأبوين مع وحدة الصّنف واتّحاد جهة النّسبة.
وبالجملة: فلم نظفر بخلاف في قيام أولاد الإخوة وإن نزلوا مقام آبائهم ومقاسمتهم الأجداد، بل عليه الإجماع في محكيّ الانتصار(1) والسّرائر(2) وكنز العرفان(3) والغنية(4) وغيرهم من الأجلّة، مضافاً إلى النّصوص المستفيضة (5) المنزّلة كلّ ذي رحم بمنزلة الرّحم الّذي يجرّ به عموماً كما في بعضها، ومقاسمة أولاد الإخوة الجدّ خصوصاً كما في آ(6)خر. هذا.
بل (و) يستفاد من عموم المنزلة أنّ (كلّواحد منهم) أي أولاد الإخوة (يرث نصيب من يتقرّب به) إلى الميّت، فلأولاد الأُخت المنفردة للأبوين أو الأب النّصف فرضاً، والباقي ردّاً، وإن كانوا ذكوراً، ولأولاد الأخ للأب أو الأبوين المال وإن كانوا أُنثى بالقرابة، ولولد الأخ أو الأُخت للأُمّ السّدس وإن تعدّد الولد، ولأولاد الإخوة المتعدّدين لها الثّلث بالسّويّة، والباقي لأولاد المتقرّب بالأبوين ـ إن وجدوا ـ وإلاّ فللمتقرّب بالأب بالتّفاضل، وإلاّ ردّالباقي على ولد

1 . الانتصار:211.
2 . السرائر:3/260.
3 . كنز العرفان:2/334.
4 . الغنية:325.
5 . الوسائل:26/162، الباب5 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث9.
6 . الوسائل: 26/159، الباب 5 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 1.

صفحه 316
الأخ للأُمّ، وعلى هذا القياس باقي الأقسام.
(و) اقتسام الأولاد مع تعدّدهم واختلافهم في الذّكورة و الأُنوثة ك آبائهم فـ(يقسّمون(1) بالسّويّة إن كانوا) أولاد إخوة (لأُمّ، وإن كانوا) أولادإخوة لأبوين أو (لأب) مع عدمهم (فللذّكر ضعف الأُنثى) فانّ ذلك حكم عموم المنزلة.

]في الأعمام والأخوال [

(المرتبة الثّالثة: الأعمام والأخوال) الدّاخلون في آية (أُولوا الأَرحام)(2) وإلاّ فلم يرد على إرثهم نصّ خاصّ في القرآن (وإنّما يرثون مع فقد الأوّلين) الآباء والأولاد والإخوة وبنيهم والأجداد للإجماع عليه في كلمات بعض الأجلّة، والنّصوص الكثيرة(3)، مضافاً إلى قاعدة الأقربيّة، لظهور أقربيّة كلّ من آحاد المرتبة الثّانية من كلّ من هذه المرتبة، وما يحكى عن الفضل(4) من تشريك الخال والجدّة للأُمّ في المال شاذّلا يعبأ به.
(فللعمّ وحده) منفرداً عمّن يشاركه في المرتبة (المال) كلّه لأب كان أو لأُمّ (وكذا العمّان فما زاد، وكذا العمّة) المنفردة (والعمّتان والعمّات) لأب كانوا أو لأُمّ أو لهما ويقتسمونه بينهم بالسّويّة، إن تساووا في المرتبة، ولا يتقرّب بعضهم بالأُمّ وبعضهم بالأبوين أو الأب.

1 . خ ل: يقتسمون.
2 . الأنفال:75.
3 . الوسائل:26/185، الباب 1 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال.
4 . راجع الرياض:9/113.

صفحه 317
(ولو اجتمعوا) أي الأعمام والعمّات مع تساويهم في جهة القرابة بأن كانوا جميعاً للأبوين، أو أحدهما بأن كانوا إخوة للميّت لأبويه، أو واحد منهما (فللذّكر مثل حظّ الأُنثيين) بلا خلاف ولا إشكال في ما لو كانوا لهما أو للأب فقط.
وأمّا لو كانوا جميعاً للأُمّ فظاهر إطلاق المتن كالنّافع(1) والشّرايع(2) ومحكيّ الفضل(3) والفقيه(4)، أنّه كذلك، وعليه وعلى سابقه الإجماع في محكيّ الغنية(5)، مضافاً إلى إطلاق خبر سلمة بن محرز(6) عن الصّادق (عليه السلام) : «للعمّ الثّلثان وللعمّة الثّلث»(7) ونحوه الرّضوي.(8)
ولكن صريح المصنّف في إرشاده(9) وقواعده(10)، كاللّمعة والرّوضة(11)، وغيرهم من الأجلّة، الاقتسام في أعمام الأُمّ بالسّويّة لأصالة التّسوية، في إطلاق الشّركة كما نبّهنا عليه في طيّ المسائل المتقدّمة، خرج عنه أعمام الأب بالإجماع فتبقى هذه الصّورة مندرجة تحته مع عدم مخرج لها عدا إجماع الغنية الموهون بكثرة الخلاف في المسألة، مضافاً إلى معارضته بحكاية نفي الخلاف هنا أيضاً عن

1 . المختصر النافع:270.
2 . الشرائع:4/31.
3 . الكافي:7/120ذ ح 8.
4 . من لا يحضره الفقيه:4/211 ح149 باب ميراث ذوي الأرحام.
5 . الغنية:326.
6 . هو سلمة بن محرز القلانسي الكوفي، أبو يحيى، عربي كوفي، من أصحاب الباقر والصادق عليمها السَّلام .
(معجم رجال الحديث:8/212 برقم 5372).
7 . الوسائل:26/189، الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، الحديث 9.
8 . الفقه الرضوي:289.
9 . إرشاد الأذهان:2/122ـ 123.
10 . قواعد الأحكام: 3/369.
11 . الروضة البهية:8/153.

صفحه 318
الكفاية(1) وغيره من الأجلّة.
وأمّا إطلاق الخبر والرّضوي فيدفعه بعد الغضّ عن التّرديد في اعتبار الثّاني، وقصور سند الأوّل بالجهالة، انصرافهما إلى عمّ الأبوين خاصّة; ثمّ إنّ صريح الرّياض(2) انحصار الخلاف في المجتمعين من الأعمام في جهة القرابة، بأن كانوا جميعاً للأبوين أو لأحدهما.
(و) أمّا (لو تفرّقوا) في جهة القرابة، وكان بعضهم للأُمّ وآخر للأب أو لهما (فـ)لا خلاف كما عن صريح جماعة انّه يكون (للواحد من) المتقرّب بـ(الأُمّ السّدس) ذكراً كان أو أُنثى (وللزّائد عليه الثّلث) يقتسمونه بينهم (بالسّويّة) ولو اختلفوا في الذّكورة والأُنوثة (والباقي) عن السّدس أو الثّلث (لمن يتقرّب (3)بالأبوين واحداً أو أكثر) يقتسمونه بينهم بالتّفاضل (للذّكر(4) ضعف الأُنثى وسقط) مع أعمام الأبوين (المتقرّب بالأب) فقط، (و) لا ريب في ذلك.
نعم (لو فقد المتقرّب بهما قام المتقرّب بالأب) فقط (مقامه و) يكون (حكمه حكمه) على قياس ما سمعته في قيام المتقرّب بالأب من الإخوة مقام المتقرّب بالأبوين منهم، للنّصّ(5) وحكاية الإجماع عليه عن السّرائر(6) والغنية(7) . هذا جملة من القول في ميراث الأعمام.
(و) أمّا الأخوال: فنقول: إنّ (للخال المنفرد) عمّن يشاركه في مرتبته

1 . كفاية الأحكام:300.
2 . الرياض:9/114ـ 115.
3 . خ ل: تقرّب.
4 . خ ل : فللذّكر.
5 . الوسائل:26/190، الباب 4 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، الحديث1.
6 . السرائر:3/262.
7 . الغنية:326.

صفحه 319
جميع (المال، وكذا الخالان فما زاد) يرثون جميع المال إذا انفردوا عمّن هو في مرتبتهم (وكذا الخالة) المنفردة (والخالتان) المنفردتان (والخالات) المنفردات لهنّ المال بينهنّ بالسّويّة.
(ولو اجتمعوا) أي الأخوال والخالات مع انفرادهم عن الأعمام (تساووا) في القسمة، لأب كانوا أو لأُمّ ، أو لهما، بشرط اتّحاد النّسبة وجهة القرابة، بلا خلاف ولا إشكال في شيء من ذلك، لانحصار الأولويّة فيهم، مع أصالة التّسوية، وعدم ما يدلّ على التّفاضل.
(ولو تفرّقوا) في جهة القرابة وكان بعضهم للأبوين وبعض للأب خاصّة وآخر للأُمّ (فللمتقرّب (1) بالأُمّ السّدس إن كان واحداً) ذكراً كان أو أُنثى (والثّلث إن كان أكثر) يقتسمونه بينهم (بالسّويّة، والباقي) عن السّدس أو الثّلث (لمن يتقرّب(2) بالأبوين، واحداً كان أو أكثر) يقتسمونه بالسّويّة أيضاً، لاشتراك الجميع في التّقرّب بالأُمّ، وما ذكرناه من الشّرح إنّما يلتئم بنسخة (فللمتقرّب) بعد جملة ولو تفرّقوا كما هو الأصحّ، وأمّا على نسخة(وللمتقرّب) بالواو بدل الفاء، فنقول: إنّ كلمة لو في قوله لو تفرّقوا وصلية، والجملة التّالية بيان لكيفيّة القسمة بين أخوال الأب وأخوال الأُمّ، والمراد من المساواة هو مساواة ذكور كلّ من فرق الأخوال مع إناثه، لا مساواة كلّ من الفرق مع الآخر، والأمر سهل.
(ويسقط (3) المتقرّب بالأب) منهم مع المتقرّب منهم بالأبوين.
(ولو فقد المتقرّب بهما قام المتقرّب بالأب مقامه) ويكون حكمه وهيئته

1 . خ ل :وللمتقرّب.
2 . خ ل : تقرّب.
3 . خ ل : سقط.

صفحه 320
(كهيئته) وحكمه، فيحوزون الثّلثين أو الخمسة أسداس يقتسمونه بينهم بالسّويّة ، كالمتقرّب بالأبوين. هذا.
ولا خلاف ولا إشكال في شيء من ذلك، لأصالة التّسوية والتّقرّب بالأُمّ إلاّ في اقتسام خؤولة الأب بالتّساوي، فعن بعضهم اقتسامهم بالتّفاضل لتقرّبهم بالأب في الجملة، وردّ بأنّ تقرّبهم إلى الميّت بالأُمّ مطلقاً، ولا عبرة بالتّقرّب إلى الأُمّ الّتي هي واسطة بالأب، هذا.
وقد يستشكل في التّقرّب بالأُمّ المقتضي للتّسوية بأنّه إن كان العبرة بالتّقرّب إلى الميّت، فتقرّب الخؤولة إليه بالأُمّ مطلقاً، فيلزم اقتسامهم بالتّساوي مطلقاً لا اختصاص قرابة الأُمّ منهم بالسّدس أو الثّلث، وقرابة الأبوين بالباقي، وإن كان الاعتبار بتقرّب الوارث إلى الواسطة أي الأُمّ، فلا ينبغي النّظر إلى الأُمّ مطلقاً، بل يتوجّه الإشكال بناء على الأوّل إلى سقوط المتقرّب بالأب مع وجود المتقرّب بالأبوين أيضاً، إذ بعد اعتبار التّقرّب إلى الميّت لا وجه لسقوط المتقرّب إلى أُمّه بالأب متى اجتمع مع المتقرّب إليها بالأبوين. هذا.
ويمكن الذّب عن الإشكال ـ بعد الالتزام باعتبار التّقرّب إلى الميّت ـ بمنع الملازمة المذكورة، عموم القاعدة المستفادة من الأدلّة القطعيّة في منع المتقرّب بالأبوين للمتقرّب بالأب لمحلّ البحث أيضاً.
(ولو اجتمع الأخوال والأعمام فللأخوال الثّلث وإن كان واحداً (أو أكثر)(1) ذكراً) كان (أو أُنثى، والباقي للأعمام وإن كان واحداً ذكراً) كان (أو أُنثى) لأنّ الأخوال يرثون نصيب من تقرّبوا به وهو الأُمّ، ونصيبها الثّلث; والأعمام يرثون نصيب من يتقرّبون به وهو الأب، ونصيبه الثّلثان.

1 . خ ل .

صفحه 321
ومنه يظهر عدم الفرق بين اتّحاد الخال وتعدّده، وذكوريّته وأُنوثيّته، ومع ذلك فالأخبار فيه متضافرة، ويقتسم كلّ من الفريقين نصيبه من الثّلث والثّلثين اقتسامهم حال الانفراد كما ذكرناه، فالأخوال يقتسمون الثّلث بينهم بالسّويّة مع استوائهم في جهة النّسبة.
(فإن تفرّق(1) الأخوال) فيها (فللمتقرّب بالأُم) منهم إلى الميّت بأن كانوا إخوة أُمّه من الأُم (سدس الثّلث) المقرّر لطبقة الأخوال (إن كان واحداً و ثلثه إن كان أكثر بالسّويّة، والباقي) عن السّدس أو الثّلث (لمن يتقرّب(2)) منهم (بالأبوين) واحداً كان أو أكثر، يقتسمونه بينهم بالسّويّة أيضاً نحو ما سمعته في صورة الانفراد عن الأعمام، لاشتراك الجميع في التّقرّب بالأُمّ، (وسقط المتقرّب بالأب) فقط مع المتقرّب بالأبوين، ويقوم مقامه مع عدمه وحكمه كحكمه (وللأعمام الباقي) من ثلث الأخوال، وهو ثلثان، وقسمتها بينهم كالانفراد عن الأخوال أيضا.
(فإن) اتّحدوا في جهة القرابة، فالمال بينهم، للذّكر مثل حظّ الأُنثيين مطلقاً على ظاهر إطلاق المصنّف في صورة انفراد الأعمام كما مرّ.
وقد ظهر ممّا أسلفناه هناك أنّ الأصحّ اقتسامهم بالسّويّة إن كانوا إخوة أب الميّت من أُمّه خاصّة; نعم إن كانوا إخوته للأبوين أو الأب، مع عدمه، فللذّكر ضعف الأُنثى.
وقد ظهر أيضاً هناك أنّ الخلاف إنّما هو مع اتّحاد جهة القرابة وإلاّفلا خلاف ولا إشكال في أنّهم إن (تفرّقوا) فيها وكان بعضهم للأبوين وبعضهم للأب وآخر للأُمّ (فللمتقرّب بالأُمّ سدسه) أي الباقي الّذي هو الثّلثان (إن

1 . خ ل : تفرّقت.
2 . خ ل : تقرّب.

صفحه 322
كان واحداً) ذكراً كان أو أُنثى، (وإلاّ) يكن واحداً بل أكثر (فالثّلث) يقتسمونه بينهم بالسّويّة وإن اختلفوا في الذّكورة والأُنوثة، (والباقي) عن الثّلث أو السّدس من الثّلثين (للمتقرّب بهما) واحداً أو أكثر يقتسمونه بينهم بالتّفاضل (وسقط المتقرّب بالأب) فقط مع المتقرّب بالأبوين ، ويقوم مقامه مع فقده، ويكون حكمه حكمه كما عرفته.
(وللزّوج أو الزّوجة) المجتمعين مع الأعمام أو الأخوال، أو كليهما (نصيبه(1) الأعلى) من النّصف والرّبع، (وللمتقرّب بالأُمّ) من شركائهما من أيّ الفريقين كان (ثلث الأصل) لا الباقي بعد نصيب الزّوجة مع التّعدد يقتسمونه بينهم بالسّويّة، ولو كانوا من الأعمام، وسدسه مع الوحدة من غير فرق في الصّورتين بين الذّكر والأُنثى، ولا يدخل النّقص عليهم بالزّوج أو الزّوجة (والباقي) بعد نصيب الزّوجيّة والمتقرّبين بالأُمّ من الشّركاء، وهو على تقدير الزّوج مع تعدّدهم، السدس، ومع الوحدة الثّلث، وعلى تقدير الزوجيّة ثلث ونصف سدس، أو نصف ونصف سدس (للمتقرّب بهما) أي بالأبوين (أو بالأب) فقط ]و[ مع عدمه يقتسمه الأخوال بالسّويّة مطلقاً، والأعمام بالتّفاوت كذلك، هذا كلّه حكم اجتماع الزّوجين مع أحد الفريقين.
ومنه ـ مع ما مرّ من حكم الأعمام والأخوال بدون الاجتماع معهما ـ ينقدح حكم الاجتماع بكلا الفريقين، فللأخوال مطلقاً ذكراً أو أُنثى واحداً أو أكثر لأُمّ أو لأب أو لهما، ثلث الأصل، والباقي بعد نصيب الزّوجيّة والأخوال وهو السّدس على تقدير الزّوج، ونصفه مع الثّلث على تقدير الزّوجة للأعمام كذلك على ما سمعته من كيفيّة القسمة.

1 . خ ل : نصيبهما.

صفحه 323
ونقول هنا لمزيد الاهتمام: إنّه لو تفرّق الفريقان المجتمعان مع أحد الزّوجين أخذ كلّ منهما نصيبه الأعلى وللأخوال ثلث الأصل كما ذكر، سدسه لمن تقرّب منهم بالأُمّ مع الوحدة، وثلثه لهم مع الكثرة، وثلثاه للمتقرّب منهم بالأبوين أو بالأب عند عدمه يقتسمونه بينهم بالسّويّة لاشتراكهم في الانتساب بالأُمّ، والباقي بعد نصيب الأخوال و أحد الزّوجين للأعمام يقتسمونه كذلك، سدسه للمتقرّب منهم بالأُمّ مع الوحدة، وثلثه لهم مع الكثرة بالسّوية، والباقي منه للمتقرّب منهم بالأبوين أو بالأب مع عدمهم، مع التّفاوت. هذا.
ويظهر من المسالك(1) والجواهر(2) في ذيل نظير عبارة المتن من الشّرائع شرح المتقرّب بالأُمّ المحكوم عليه بثلث الأصل بالأخوال، والمتقرّب بالأبوين أو بالأب المحكوم عليه بالباقي بعد نصيب الأخوال والزّوجيّة بالأعمام، وهو صحيح حكماً وموضوعاً في المتقرّب بالأُمّ أو بالأب، وأمّا تفسير المتقرّب بالأبوين بالأعمام فلا وجه له أصلاً، نعم يتمشّى ذلك التّفسير في عبارة النّافع(3)، حيث قال في مسألة اجتماع الزّوجين مع الفريقين: لمن تقرّب بالأُمّ ثلث الأصل والباقي لمن تقرّب بالأب. هذا.
نعم يتوجّه على ما فسّرناه عبارة المتن أنّه كان اللاّزم عليه إضافة عبارة (سدسه) في المتن عاطفاً له على ثلث الأصل كما أشرنا إليه في الشّرح، ولكنّه سهل بالنّسبة إلى تغليط العبارة وحملها على معنى غير معقول، مع أنّ غرضه الأصلي في المقام ليس بيان مقدار السّهام، فقد ذكره مفصّلاً بل بيان أنّ متعلّق السّهم المعيّن للمتقرّب بالأُمّ هو أصل التّركة لا الباقي بعد نصيب الزّوجية، وذكر الثّلث من

1 . المسالك:13/174.
2 . الجواهر:39/192ـ 193.
3 . المختصر النافع:271.

صفحه 324
باب المثال. هذا.
وإن كان مراد الجواهر(1) بقوله متناً وشرحاً: (فما يبقى فهو لقرابة الأب والأُمّ من الأعمام والعمّات) معنى التّبعيض من الجارّ لا التّبيين يعني أنّ الباقي بعد نصيب الأخوال والزّوجيّة إنّما هو للصّنف المتقرّب بالأب والأُمّ من الأعمام، ومع عدمه فللصنّف الآخر المتقرّب بالأب فقط منهم، فيرد الإشكال على حكم المسألة بأنّ الباقي المذكور لا يختصّ بأحد الصّنفين المذكورين على التّرتيب، بل يرث الصّنف المتقرّب بالأُمّ من الأعمام أيضاً بلا إشكال كما أوضحناه بالمثال.
(ويقوم أولاد العمومة والعمّات و الخوؤلة (2) والخالات مقام آبائهم) وأُمّهاتهم (عند(3) عدمهم، ويأخذ كلّ منهما نصيب من يتقرّب به، واحداً كان أو أكثر) فيأخذ ولد العمّ أو العمّة، وإن كان أُنثى: الثّلثين; و ولد الخال أو الخالة، وإن كان ذكراً:الثّلث; وابن العمّة مع بنت العمّ: الثّلثَ كذلك، ويتساوى ابن الخال و ابن الخالة وبنتهما، ويقتسم أولاد العمومة من الأبوين أو من الأب مع عدمهم بالتّفاوت، وأولاد العمومة من الأُمّ بالتّساوي كأولاد الخؤولة مطلقاً.
ولو اجتمع معهم زوج أو زوجة كان كاجتماعه مع آبائهم، فيأخذ النّصفَ أو الرّبعَ، ولأولاد الأخوال الثّلث من الأصل، والباقي لأولاد الأعمام، وغير ذلك من الفروع الّتي لا تكاد تخفى بعد الإحاطة بما ذكرناه، ولا خلاف ولا إشكال في حكم أولاد العمومة والخؤولة وقيامهم مقام آبائهم لآية (أُوْلُوا الأرحام)(4) مع الكليّة النّاطقة بتنزيل كلّ ذي رحم منزلة الرّحم الّذي يجرّبه كما في نصوص كثيرة.
(والأقرب) إلى الميّت من أعمامه وأخواله (يمنع الأبعد) عنه منهم،

1 . الجواهر:39/193.
2 . في نسخة: الخالة.
3 . خ ل :مع.
4 . الأنفال:75.

صفحه 325
وإن لم يكن من صنفه، فلا يرث ابن الخال ولو للأبوين مع الخال و لو للأُمّ أو للأب، ولا مع العمّ مطلقاً، ولا ابن العمّ مطلقاً مع العمّة أو الخال أو الخالة مطلقاً.
وبالجملة فقريب كلّ من أصناف هذه المرتبة يمنع بعيده، وبعيد الصّنف الآخر أيضاً في جميع الصّور (إلاّفي صورة واحدة) مستثناة من القاعدة العامّة المسلّمة بالإجماعات المحكيّة المستفيضة، لو لم تكن متواترة، مضافاً إلى نصوص متضافر(1) (وهي ابن عمّ) للميّت (من الأبوين مع العمّ من الأب فانّ المال لابن العمّ خاصّة).
و هذا بخلاف ما تقدّم في الأجداد والإخوة فإنّ قريب كلّ من الصّنفين لا يمنع بعيد الآخر، والفارق مع النّصّ، أنّ ميراث الأعمام والأخوال ثبت ب آية أُولي الأرحام، فالصّنفان طبقة واحدة، يمنع قريبها بعيدها، وهذا بخلاف الإخوة والأجداد فإنّ كلّ واحد ثبت بخصوصه من غير اعتبار الآخر، فيشارك البعيد من أحدهما القائم مقام قريبه ـ مع عدمه ـ قريب الآخر.
وبالجملة فحيث إنّ المسألة المستثناة المذكورة قد ثبتت على خلاف الأُصول المقرّرة فالتّعدية عن مورد النّصّ والإجماع مشكلة، والاقتصار عليه طريق السّلامة، فلا يتعدّى الحكم إلى غيرها من الصّور، كما لو دخل زوج أو زوجة أو خال أو خالة أو عمّة أو تعدّد أحد الجانبين، تغيّر أحدهما أو كلاهما بالأُنوثة.
واعلم أنّ هذه المرتبة من مراتب الإرث مشتملة على طبقات مترتّبة لا ترث اللاّحقة منها مع وجود واحد من سابقتها.
فالأولى: عمومة الميّت وخؤولته فأولادهم فأولاد أولادهم وهكذا مرتّبين.

1 . الوسائل: 26/192، الباب 5 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، الحديث 2.

صفحه 326
(و) الثّانية: (عمومة الأب وخؤولته، وعمومة الأُمّ وخؤولتها) ذكوراً أو إناثاً فأولادهم كذلك، فهم (يقومون مقام العمومة والعمّات) للميّت (والخؤولة(1)والخالات) له (مع فقدهم) وكذا فقد أولادهم كما أشرنا إليه وصرّح به في المتن، وإلاّ فيقدّمون على أعمام الأب وأخواله لكونهم أقرب منهم بدرجة.
والثّالثة: عمومة الجدّ والجدّة وخؤولتهما، ثمّ أولادهم فنازلاً مرتّبين، وهكذا إلى حيث يذهب (والأقرب يمنع الأبعد) في جميع طبقات المراتب المذكورة ففيما نحن فيه يمنع عمومة الأبوين وخؤولتهما فأولادهم الّذين هم ثانية الطّبقات عمومة الجدّ والجدّة وخؤولتهما وأولادهم الّذين هم ثالثتها وهكذا.
(و) قد عرفت من الأمثلة انّ (أولاد العمومة و الخؤولة(2)) للميّت (وإن نزلوا) يقومون مقام آبائهم مع عدمهم (ويمنعون) ك آبائهم (عمومة الأب وخؤولته وعمومة الأُمّ وخؤولتها) فابن العمّ مطلقاً وكذا أحفاده وإن نزلوا أولى من عمّ الأب وابنه الّذي هو أولى من عمّ الجدّ، وهكذا أولاد كلّ بطن أقرب أولى من البطن الأبعد ، ويدلّ عليه بعد الوفاق المحكيّ في كلمات جماعة، الأولويّة المستفادة من الآية والكلّية المستفادة من الأدلة في تنزيل كلّ ذي رحم منزلة الرّحم الّذي يجرّبه.
(ولو اجتمع للوارث سببان متشاركان) في إيجابهما الإرث بالنّسب أو السّبب أو الملفّق منهما و (ورث بهما كابن عمّ لأب هو ابن خال لأُمّ أو زوج هو (3)ابن عمّ و(4) ابن خال) ويفرض كون شخص واحد عمّاً وخالاً لآخر فيما

1 . خ ل: و الخالة.
2 . خ ل :الخالة.
3 . خ ل : مع.
4 . خ ل : أو.

صفحه 327
لو تزوّج أخوك لأبيك مثلاً أُختك لأُمّك، فإنّك تصير بالنّسبة إلى ولدهما عمّاً للأب خالاً للأُمّ، فترث نصيب العمّ والخال من تركته لو كان معك غيرك ممّن هو في مرتبتك من الأعمام والأخوال، وكذلك يرث ذلك الولد منك نصيب ابن الأخ وابن الأُخت لو جامعه غيره ممّن هو في مرتبته من أولاد الإخوة، ولو زوّجت ذلك الولد بعد فرضه أُنثى ابنك فقد صارت زوجة لابن عمّه الّذي هو ابن خال، فيرث كلّ منهما من صاحبه بالأسباب الثّلاثة: الزّوجيّة وولد العمومة وولد الخؤولة، وقد أشرنا بالمثال إلى أنّ المراد بالسّبب هنا المعنى الأعمّ من السّبب المصطلح في باب الإرث المقابل للنّسب لشموله هنا النّسب أيضاً فأقسام اجتماع السّببين بهذا المعنى ثلاثة: إمّا أن يجتمع هناك نسبان، أو سببان بالمعنى الأخصّ المقابل للنّسب، أو بترك من الأمرين.
و قد عرفت مثال الأوّل والأخير، وأمّا الثّاني كما في معتق هو ضامن جريرة أو زوج أو زوجة.
ثمّ إنّ هذا في مشاركة السّببين المجتمعين في إيجاب الإرث (ولو منع أحدهما الآخر ورث) من جمعهما (من قبل) السّبب (المانع) خاصّة (كابن عمّ لأب هو أخ لأُمّ) فيرث بالأخوة فقط المانعة من التّوارث ببنوّة العمّ، ويفرض ذلك فيما لو تزوج عمّك أُمّك فولدهما ابن عمّك وأخ لك من أُمّك. والحَمْدُ للّهِ سُبحانَهُ.

صفحه 328

الفصل الثّاني

في الميراث بالسّبب

الّذي هو اتّصال أحد الشّخصين بالآخر بغير الولادة بحيث يوجب الإرث شرعاً.
(وهو اثنان: الزّوجيّة) الدّائمة من الجانبين أو شرط الإرث كما ذكره في الرّابع من فصول كتاب النّكاح (والولاء).

]في الزّوجيّة [

(فللزّوج مع عدم الولد) الغير الممنوع من الإرث و إن نزل للزّوجة المتوفّاة منه أو من غيره (النّصف، ومعه و إن نزل الرّبع; وللزّوجة مع عدمه) لزوجها المتوفّى منها أو من غيرها كذلك (الرّبع، ومع وجوده) كذلك فلها (الثّمن).
(ولو فقد) الميّت (غيرهما) من ورّاث الولاء والنّسب (ردّ) النّصف الباقي أيضاً (على الزّوج)، مضافاً إلى فرضه للشّهرة الكثيرة العظيمة والنّصوص المستفيضة(1).

1 . الوسائل:26/197، الباب3 من أبواب ميراث الأزواج.

صفحه 329
(وفي) ردّ الفاضل عن نصيب (الزّوجة) عليها إذا لم يكن هناك وارث سواها بعد الإمام (عليه السلام) الّذي هو الوارث العامّ (قولان) أشهرهما العدم واختصاصها بالرّبع خاصّة والباقي للإمام (عليه السلام) ، وعليه نصوص كثيرة مستفيضة.(1)
(ويتشارك مازاد على الواحدة) من الزّوجات (في الثّمن) مع الولد، (أو الرّبع) مع عدمه.
(و) لا يشترط في توارث الزّوجين الدّخول، بل (يرث كلّ منهما من صاحبه) مطلقاً (مع الدّخول وعدمه) بل يتوارثان مادامت في حباله (و) لو (مع) العدّة في (الطّلاق الرّجعي) فانّه لا يمنع من التّوارث، لأنّ المطلّقة الرّجعيّة في حكم الزّوجة، بخلاف البائن فانّه بمجرّد وقوعه يمنع التّوارث، ولو في العدّة، إلاّفي صورة واحدة مرّت في الفصل الثّاني من كتاب الفراق.
(ويرث الزّوج من جميع التّركة) لزوجته المتوفّاة من دون استثناء شيء منها، سواء كان ذا ولد منها أم لا، نصّاً(2)، وإجماعاً، (وكذا المرأة) ترث من مجموع متروكات زوجها (إذا كان له ولد منها، ولو فقد) وإن وجد من غيرها (ورثت) من كلّ التّركة (إلاّ من العقارات والأرضين) يعني أنّ غير ذات الولد محرومة من الأراضي عيناً وقيمةً، ومن العقارات، المراد بها الأراضي المغلّة والمشغولة بشيء من البناء والغرس، ونحوها أيضاً عيناً، لا قيمة، ولكن لا تقوّم في هذه الصّورة أيضاً نفس الأرض لحرمانها منها كأرض البياض، وحينئذ (فتقوّم

1 . الوسائل:26/202، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2و 3و 4و ....
2 . الوسائل:26/212، الباب 7 من أبواب ميراث الأزواج.

صفحه 330
الأبنية والآلات) أي آلات البناء من الأخشاب والأبواب (والنّخيل والأشجار) ونحوها (وترث من القيمة) الرّبع أو الثّمن.
والمشهور المحكيّ عليه الإجماع، وظاهر النّصوص المستفيضة(1)، عدم الفرق في حرمان الزّوجة من الأراضي ـ الّذي هو في الجملة من متفرّدات الإماميّة ـ بين ذات الولد وغيرها، مضافاً إلى علّة الحرمان الواردة في عدّة من الأخبار (2) المقتضية لذلك، وإن كان بعض النّسوان أقوى في ذلك من بعض، ومحصّلها أنّ الزّوجة دخيلة على الورثة، فربّما تزوّجت بعد الميّت بغيره ممّن كان يحسده أو يعاديه فتسكنه في مساكنه وتسلّطه على عقاره، فيحصل على الورثة بذلك غضاضة عظيمة، فاقتضت الحكمة الإلهيّة منعها من ذلك، و إعطائها القيمة جبراً لها، وهي في قوّة العين، والضّرر بها منفيّ، أو قليل يتحمّل، هذا كلّه مضافاً إلى إطلاق أخبار الحرمان وعمومها لذات الولد وغيرها، وهذا هو الأظهر.
ثمّ لو قلنا كالمتن باختصاص الحرمان بغير ذات الولد، واجتمعت هي مع ذات الولد، ورثت ذات الولد كمال الثّمن من رقبة الأرض من غير مشاركة أحد من الورثة معها، ومن دون دفع شيء إلى الأُخرى أيضاً، وورثت أيضاً كمال الثّمن من أعيان الآلات والأبنية، لكن عليها للأُخرى مثلا نصف قيمتها، وتأخذ الأُخرى أيضاً حصّتها ممّا ترث من عينه، هذا.
وهل يجبر الوارث على التّقويم، أو تجبر هي على الرّضا بالعين إذا رضي الوارث؟ وجهان، نسب ثانيهما إلى بعض المتأخّرين، تمسّكاً بما عساه يظهر هنا من كون التّقويم رخصة جبراً لحال الوارث، فهو كالأمر الوارد عقيب الحظر.

1 . الوسائل: 26/205، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1و2و3و....
2 . الوسائل: 26/206، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.

صفحه 331
وفيه: أنّه مناف لظاهر النّصوص، حيث دلّت على عدم إرثها من ذلك، وعدم تملّكه شيئاً منها، وانّ القيمة تجب على الوارث على وجه قهريّ لا على طريق المعاوضة، فلا مدخليّة لرضا الورثة فيه، فيجبرون على التّقويم.
وبالجملة فالأجود في كيفيّة التّقويم أن تقوّم الآلات ونحوها مستحقّة البقاء في الأرض مجّاناً على وجه لا يستحقّ عليها أُجرة إلى أن تفنى، وتعطى قيمة ما عدا الأرض من ذلك، لأنّها كانت فيها كذلك بحقّ، فتعطى حصّتها من ذلك، وقد يقوّم بطريق آخر مدخول لا يهمّنا نقله.
ثمّ إنّ هاهنا قولاً ثالثاً لابن الجنيد(1)، وهو: عدم حرمان الزّوجة أصلاً،. وكونها كغيرها من الورثة، لعموم أدلّة الإرث اللاّزم تخصيصها بالإجماع، ونصوص الحرمان.
ورابعاً للمرتضى(2): من تخصيص الحرمان بعين الأرض و الآلات والأبنية، فتعطى من قيمة الكلّ، ويظهر نسبته إليه من المسالك(3)، وذلك للجمع بين عمومات الحرمان، وعمومات الإرث، بحمل الأوّل على العين، والثّاني على القيمة; وهو جمع بلا بيّنة، ونظيره الاستدلال لمختار المصنّف بأنّه مقتضى الجمع بين أدلّة الحرمان وأدلّة إرثها من جميع التّركة، الّتي منها رواية مقطوعة لابن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة(4) «في النّساء إذا كان لهنّ ولد أُعطين من الرّباع»(5)بحمل هذه

1 . نقله عنه العلاّمة في المختلف:9/34.
2 . الانتصار:301.
3 . المسالك:13/184.
4 . هو عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن أذينة بن سلمة بن الحرث، شيخ أصحابنا البصريّين ووجههم، من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) الذين أدركوا أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، ثقة، له كتاب.
معجم رجال الحديث:13/18 برقم 8699.
5 . وسائل الشيعة:26/213، الباب 7 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث2.

صفحه 332
على ذات الولد، وتلك على غيرها، وهو أيضاً جمع بلا شاهد، مع كون رواية ابن اذينة مقطوعة حيث لم يسندها إلى الحجّة (عليه السلام) ، ولا ريب انّها ليست بحجّة.
(ولو تزوّج المريض ودخل) بها أو برئ من مرضه، لزم العقد وترتّب جميع أحكام الزّوجيّة واستحقّت المهر و (ورثت، وإلاّ فلا مهر ولا ميراث) ولا عدّة، كما مرّ مشروحاً في آخر الفصل الثاني من كتاب الفراق.

]في الولاء [

(و) أمّا ( الولاء): الّذي هو في الأصل بالفتح : القرب والدّنوّ، وشرعاً: قرب أحد الشّخصين فصاعداً إلى آخر على وجه يوجب الإرث بغير نسب ولا زوجيّة، (فأقسامه ثلاثة:) العتق ، وضمان الجريرة، والإمامة.

(الأوّل: ولاء العتق):

(ويرث المعتق عتيقه) وكذا أولاد عتيقه، للنّصّ(1) (مع) اجتماع شروط ثلاثة : (التّبرع) بعتقه (وعدم التّبري من) ضمان (الجريرة، بعد فقد) وارث (النّسب) للعتيق، فلا يتحقّق الولاء لو أعتقه في واجب كالنّذر والكفّارة، أو تبرأ من ضمان جريرته عند الإعتاق، أو كان له وارث نسبيّ وإن بعد، وكذا لو انعتق قهراً بالجذام والعَمى، ونحوهما ممّا مرّ في كتاب العتق إذا لم يعتقه الوليّ وإنّما أعتقه اللّه قهراً، وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الولاء لمن أعتق».(2)

1 . الوسائل:26/241، الباب 3 من أبواب ميراث ولاء العتق.
2 . الوسائل:26/241، الباب 3 من أبواب ميراث ولاء العتق، الحديث2.

صفحه 333
والأصل في ولاء العتق وكلّ من الشّروط الثلاثة النّصوص المستفيضة(1)، والإجماعات المحكيّة، مع آية (أُولو الأَرحام)(2) في الشّرط الثّالث.
ولا يذهب عليك أنّه كما يرث المولى عتيقه كذلك يرث أولاد عتيقه بلا خلاف كما قيل، مع نصوص مستفيضة(3) (ويشارك) المعتِق في تركة عتيقه (الزّوج والزّوجة) له، فيرث كلّ منهما نصيبه الأعلى والباقي للمعتِق، للشّهرة العظيمة، بل لم يظهر فيه خلاف إلاّ من الحلبي(4)، فمنع من إرثه مع الزّوج، وجعل المال كلّه للزّوج، فرضاً وردّاً; ويدفعه عموم «الولاء لمن أعتق» و«الولاء لحمة كلحمة النّسب».(5)
و مع اجتماع الشّروط يرثه المعتق وتختصّ التّركة به مع وحدته، (ولو كان المنعم) المعتِق له (متعدّداً تشاركوا) فيها يقتسمونها بينهم بالسّويّة مطلقاً بلا خلاف، لاستواء سبب الاستحقاق الّذي هو الإعتاق بالنّسبة إلى الجميع، ولا ينظر فيها إلى الذّكورة والأُنوثة كالإرث بالنّسب، لأنّ ذلك خارج بالنّصّ والإجماع، وإلاّ لكان مقتضى الشّركة فيه أيضاً خلاف ذلك كما أشرنا إليه في طيّ المسائل السّابقة.
(ولو عدم) المعتق (فـ) للأصحاب في تعيين الوارث للعتيق أقوال، والمشهور منها اثنان:
أحدهما: (الأقرب) عند المصنّف وجماعة، منهم الشّيخ، في محكي

1 . المصدر نفسه.
2 . الأنفال:75.
3 . الوسائل:26/233، الباب 1 من أبواب ميراث ولاء العتق.
4 . الكافي:374.
5 . الوسائل:23/75، الباب 42 من كتاب العتق، الحديث 2.

صفحه 334
النّهاية(1)، وقد دلّت عليه الرّوايات الصّحيحة(2)، (انتقال الولاء) بعد وفاة المعتق (إلى الأبوين والأولاد الذّكور) له، ومع عدم الأولاد الذّكور يقوم الذّكور من أولاد الأولاد مقام آبائهم، ويأخذ كلّ منهم نصيب من يتقرّب به كالميراث بغير الولاء، ومع انفراد الأبوين والأولاد الذّكور ـ وإن نزلوا ـ لا يشاركهما أحدٌ من الأقارب، لخبر اللّحمة، مع عدم ظهور خلاف فيه، لمعلوميّة ترتّب الإرث بالولاء كالنّسب، (فإن فقدوا) أي الأبوان والأولاد الذّكور (فـ) الولاء (للعصبة) الّتي هي ـ بالفتحات ـ قرابة الأب الّذين يعقلون عنه، وهم الرّجال منهم، إذا أحدث حدثاً، من إخوته وجدوده وعمومه وأبنائهم، هذا إذا كان المعتق رجلاً.
(ولو كان المنعم) المعتق (امرأة انتقل) الولاء (إلى عصبتها) من أوّل الأمر (دون) أبويها و (أولادها) وإن كانوا ذكوراً، وسيظهر حكم فقدان القرابة والعصبة ممّا يذكره في المتن، نصرّح أيضاً في ذيل مسألة جرّالولاء، وقد ظهر عدم إرث البنات بالولاء وأنّ الوارث بالولاء بعد فقد من يرث من الطّبقة الأُولى هم الإخوة فأولادهم، وأجداد الأب الّذين هم الطّبقة الثّانية; لكنّ الظّاهر مشاركة إخوة الأب و إخوة الأبوين كما في الرّوضة(3)، لسقوط نسبة الأُمّ كما تعرفه، ثمّ الأعمام فأولادهم الّذين هم الطّبقة الثّالثة بترتيب الأقرب فالأقرب في التّعصيب، وذلك للإجماع، مع اختصاص الولاء في نصوص المسألة بالعصبة الّذين يعقلون وهم الرّجال منهم خاصّة.
(و) عليه فـ(لا يرث الولاء) الأُمّ ولا (من يتقرّب بالأُم) من الإخوة

1 . النهاية:670.
2 . الوسائل:26/239، الباب 1 من أبواب ميراث ولاء العتق، الحديث 18.
3 . الروضة:8/187.

صفحه 335
و الأجداد والأخوال والخالات، بتنزيل الأقارب منزلة واسطة التّقرّب، فضلاً عن الأخوات و الجدّات والعمّات، لحرمان النّساء من الإرث بالولاء ولو كنّ من قبل الأب، ومن هنا يظهر أنّ مخالفة المتن كالرّوضة(1) وغيرها في جعل الأُمّ أيضاً وارثة بالولاء كالأب لا وجه له، لاختصاص النّصوص بالرّجال خاصّة(2)، مع عدم دليل صالح للفرق بينها و بين من تقرّب بها.
واعلم أنّ التّحقيق عدم كون الولاء من الحقوق المنتقلة ، لأنّه لحمة كلحمة النّسب الّذي هو غير منتقل، ولعدم تصوّر انتقال حقّ النّعمة الحاصلة للمنعم بالعتق، (و) لذا قال المصنّف تبعاً للأكثر: إنّه (لا يصحّ بيعه، ولا رهنه، ولا هبته، ولا اشتراطه في) ضمن عقد ( بيع) ونحوه، مع دلالة النّصوص عليه صريحاً، ولم يظهر فيه خلاف، بل في الجواهر(3) عليه الإجماع بقسميه، بل الأظهر عدم كونه موروثاً لذلك، نعم لا ريب في كون الولاء يورث به وإن كان لا يُورث كما سنذكره آنفاً في ذيل مسألة جرّ الولاء (وجرّالولاء) وانتقاله من شخص إلى آخر (صحيح) شرعاً، واقع نصّاً(4) وإجماعاً، كما قيل.
ونقول في توضيحه: إنّهم ذكروا من غير خلاف يعرف بينهم كما صرّح به بعض الأجلّة، بل و يظهر ممّا ذكره المصنّف في ذيل المسألة أيضاً، أنّه إن فقد المعتق وقرابته الوارثون للولاء على التّفصيل المذكور فيرث العتيق معتق المعتق، ومع العدم فقرابته على التّفصيل; ولو عدم معتق المعتق وقرابته فمعتق معتق المعتق ثمّ قرابته، وهكذا; وإن عدموا جميعاً، فالولاء لمعتق أب المعتق فقرابته، ثمّ

1 . الروضة:8/187.
2 . الوسائل:26/239، الباب 1 من أبواب ميراث ولاء العتق، الحديث18.
3 . الجواهر:39/243.
4 . الوسائل:23/74، الباب 42 من كتاب العتق.

صفحه 336
معتق هذا المعتق فقرابته، وهكذا; وإن عدموا جميعاً، فالولاء لمعتق أب الأب فقرابته، ومع عدمه أو عدم إمكانه، فلمعتق الأُمّ فقرابته.
إذا جعلت هذا نصب عينك فاعلم أنّ ميراث أولاد الأمة المعتقة لمعتقهم لا لمعتق أُمّهم، فإنّ المعتق مباشرة مقدّم في حقّ الولاء على معتق الأبوين، لأنّ نعمة من أعتقه عليه أعظم من نعمة من أعتق بعض أُصوله فيختصّ بالولاء، ولا فرق في ذلك بين أن يعتقوا منفصلين أو حملاً مع أُمّهم، ولا ينجرّ ولاؤهم من معتقهم ـ على تقدير فقده وفقد عصبته ـ إلى معتق أُمّهم أو أبيهم ،لأنّ ولاء المباشرة لا ينجرّ مطلقاً وإنّما ينجرّالولاء من مولى الأُمّ إلى مولى الأب فقط بشروط ثلاثة:
أحدها: رقيّة الأب حين الولادة، فلو كان حرّاً في الأصل فلا ولاء على ولده، وإن كان عتيقاً ثبت الولاء على ولده لمعتقه ابتداءً ولا جرّ.
وثانيها: كون الأُمّ معتقة، فلو كانت حرّةً في الأصل فأولادها كذلك، وإن كانت أمة فولدها رقيق لسيّدها، فإن أعتقه فولاؤه له ولا ينجرّ عنه، لما ذكر، وإن أعتقها فأتت بولد لدون ستّة أشهر فقد مسّه الرّق وعتق بالمباشرة إن قلنا إنّ الحمل تابع، ولا ينجرّالولاء، وإلاّبقي على الرّقيّة، و إن أتت به لأكثر من ستّة أشهر لم يحكم بمسّ الرّق، وانجرّ الولاء، لاحتمال حدوثه بعد العتق، فلم يمسّه الرّق، ولم يحكم برقّه بالشّك.
الثّالث: أن يعتق الأب الرّق، فلو مات رقّاً لم ينجرّ الولاء، وعلى هذا (فلو) اعتقت الأُمّ أوّلاً ثمّ (حملت) تلك (المعتقة بعد العتق من مملوك آخر) حملاً (حرّاً) تبعاً لحرّيّة أُمّه حين انعقاد نطفته من دون أن يكون هناك ما يوجب رقّيته ممّا ذكر في النّكاح (فولاؤه) وولاء أمته المعتقة قبل حمله (لمولاها) لأنّه حرّ الأصل في الفرض، لا معتق له حتّى يقدّم على غيره، ولا يمكن الولاء من

صفحه 337
جهة الأب أيضاً لكونه رقّاً لا ولاء عليه، ولمعتق الأُمّ نعمة عليه فإنّه عتق بعتق الأُمّ، فإن مات ذلك الحمل وأبوه رقيق ورثه معتق الأُمّ بالولاء.
(فإذا أعتق الأب) بعد ذلك فكذلك،وأمّا لو أعتق قبله في حياته (انجرّ الولاء) من معتق أُمّه (إلى معتق أبيه) يرثه لو مات بعد عتقه، نصّاً(1) وإجماعاً، مع أنّ الولاء تلو النسب بمقتضى حديث اللّحمة والنّسب إلى الآباء دون الأُمّهات، وثبوت الولاء لمولاها كان لضرورة أنّه لا ولاء على الأب، فإذا وجد قدّم عليه كما يقدّم عليه لو كان معتقاً قبل عتق الأُمّ أو معه، ثمّ لا يعود إلى مولى الأُمّ أصلاً، بل يكون كما لو كان الولاء من أوّل الأمر لمعتق الأب (فإن فقد فـ) الولاء (لأبويه وأولاده الذّكور) إن كان المنعم رجلاً كما مرّ (فإن فقدوا فللعصبة) وإن كان المنعم امرأة انتقل الولاء إلى العصبة من أوّل الأمر كما مرّ (فإن فقدوا) ولم يوجد أحد من قرابة المنعم (فلمولى مولى الأب) و مع فقده فلقرابته بالتّفصيل (فإن فقدوا فلمولى مولى مولى الأب، فإن فقد) فلقرابته بالتّفصيل، ومع فقد الموالي وعصباتهم (فلمولى عصبة المولى) ومع فقده فلقرابته بالتّفصيل، (فإن فقد) هو وقرابته (فللضّامن) للجريرة (فإن فقد) الضّامن أيضاًً (فللإمام (عليه السلام) ).
وكيف كان فـ(لا يرجع) الولاء (إلى مولى الأُمّ) بعد انتقاله عنه إلى مولى الأب كما هو موضوع المسألة.
(ولو مات المنعم عن ابنين) يرثان ولاءه (ثمّ مات المعتَق) بالفتح (بعد موت أحدهما) المنتقل حصّته من الولاء إلى ورثته (تشارك) الابن

1 . الوسائل:23/66، الباب 38 من كتاب العتق.

صفحه 338
(الحيّ وورثة) الابن (الميّت) في الولاء، وهو واضح على القول بكون الولاء من الحقوق الموروثة كما هو أحد القولين في المسألة، والقول الآخر المحكيّ عليه الإجماع تارة ونفي الخلاف أُخرى عن الشّيخ(1) أنّه يورث به ولا يورث وهو الأظهر، لأنّه لحمة كلحمة النّسب الّذي هو غير موروث، ولعدم تصوّر انتقال حقّ النّعمة الحاصل للمنعم بالعتق، ولأنّه لو كان موروثاً على الكيفيّة المذكورة في انتقاله لكان منافياً لآية (أُولي الأَرحام) الّتي ينكر بها على المخالفين في تقديمهم العصبة على البنات، وليس كذلك إذا كان يورث به. هذا.
و تظهر الفائدة فيما لو مات المنعم قبل العتيق وخلّف وارثاً غير الوارث عند موت العتيق كما في فرض المتن، فعلى القول بالتّوريث يشارك الابن الباقي ورثة الابن المتوفّى لانتقال حصّته إليهم كما في سائر الأموال والحقوق الموروثة، وأمّا على القول الآخر فيختصّ الولاء بالولد الباقي، فإنّ المراد بكونه موروثاً به الإرث لسببه عند الحكم بإرثه.
و تظهر الثّمرة أيضاً في ما لو مات المنعم عن ابن وابن ابن، ثمّ مات الابن قبل موت المعتق، وترك ابناً فإنّ ولدي الولدين يتساويان في إرثه على المشهور المنصور، ويختصّ بولد من كان حيّاً عند موت أبيه عن الآخر.

]ولاء ضامن الجريرة [

القسم (الثاني: ولاء تضمّن ) الشّخص (الجريرة) أي الجناية، لا إشكال في أنّ (من توالى إنساناً) بما يفيد أنّ أحدهما يعقل عن الآخر أو كلاًّ

1 . لاحظ الرياض:9/156.

صفحه 339
منهما يعقل عن صاحبه، أي يؤدّي دية جناياته، ويرثه بعد وفاته فيقبل الآخر، بشرط كونه لا وارث له عند العقد، صحّ و (يضمن(1)) بمجرّد هذا العقد (جريرته) إن جنى (ويكون ولاؤه) الموجب للإرث (له).
وصورة عقده أن يقول المضمون: عاقدتك على أن تنصرني، وتدفع عنّي، وتعقل عنّي، وترثني، فيقول الضّامن: قبلت.
ولو اشترك العقد بينهما قال أحدهما للآخر: عاقدتك على أن تنصرني وانصرك، وتعقل عنّي واعقل عنك،وترثني وأرثك، فيقبل الآخر، أو ما أدّى هذا المعنى .
(و) يترتّب على ثبوت الولاء أنّه (يرث(2)) الضّامن من المضمون في الأوّل، وكلّ منهما عن الآخر في الثّاني لكن لا مطلقاً، بل (مع فقد كلّ) وارث (مناسب ومسابب) كالمعتق.
(ويشارك) ضامن الجريرة (الزّوجين) ويرث كلّ منهما نصيبه الأعلى والباقي عن نصيبهما للضّامن (وهو أولى من الإمام) بلا إشكال، للنّصوص المستفيضة(3)، مع الإجماع عليه في محكيّ الغنية.(4) هذا.
(و) قد ظهر لك أنّ حكم التّوالي المزبور الإرث والعقل لكن (لا يتعدّى) ذلك (الضّامن) إلى أقاربه وورثته كما هو المشهور اقتصاراً فيما

1 . خ ل: بأن يضمن.
2 . خ ل: ورث.
3 . الوسائل:26/246، الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والامامة، الحديث 1 وص 256 الباب6.
4 . الغنية:328.

صفحه 340
خالف الأصل على القدر المتيقّن، ولم نظفر بدليل يدلّ على ما حكي عن بعض الأجلّة من التّسوية بين هذا الولاء وولاء العتق في جميع الأحكام المذكورة الثابتة له، ولا إشكال في أنّه لا يرث المضمون الضّامن إلاّ إذا كانا متضامنين كما أشرنا إليه.
(و) كيف كان (لا) يصحّ أن (يضمن إلاّ سائبة) لا ولاء لأحد عليه (كالمعتق واجباً) كفّارة أو نذر، أو نحوه المعتق تبرّعاً مع التبرّي من جريرته، (و) كذا (من) كان حرّاً لأصل لكن (لا وارث له سواه) مطلقاً، ولو كان هو المعتق فإنّ هذا الإرث متأخّر عن الإرث بالنّسب والعتق بلا خلاف.
والفرق بين هذا الحكم وما ذكره أوّلاً من اشتراط الإرث بفقد المناسب والمسابب مع اشتراكهما في هذا المعنى في الحقيقة، أنّ هذا شرط صحّة العقد، وذلك شرط الإرث، يعني أنّه مع صحّة العقد واجتماع شرائطه لا يثبت الإرث للضّامن إلاّ مع فقد الوارث المذكور عند موت المضمون أيضاً، فلو فرض تجدّد وارث للمضمون، كما لو لم يكن له ولد حال الضّمان، ثمّولد بعد ذلك كان إرثه له دون الضّامن، وإن كان سببه صحيحاً سائغاً، وفي بطلان العقد حينئذ أو بقائه مراعى، وجهان، و قضيّة الاستصحاب الثّاني، لكن الظّاهر الأوّل، لظهور الدّليل في شرطيّة عدم الوارث ابتداءً واستدامة، هذا، بل يمكن تجدّد الوارث السّببيّ (المعتق) أيضاً بعد عقد ضمان الجريرة، كما لو كان إسلامه طارئاً ثمّ كفر بعد العقد والتحق بدار الحرب فاسترقّ واعتق، فإنّه يقدّم ولاء العتق على الضّامن المتقدّم، واللّه العالم.
القسم (الثّالث: ولاء الإمامة، وإذا فقد كلّ) وارث (مناسب ومسابب) حتّى ضامن الجريرة، بل الزّوجين أيضاً بناء على القول بالرّدّ (انتقل

صفحه 341
الميراث إلى الإمام (عليه السلام) ) للنّصوص الكثيرة(1)، والإجماعات المحكيّة المستفيضة في كلمات جمع كثير من الأجلة، ولا ريب أنّ المال مع حضوره (عليه السلام)له (يعمل به ما شاء) على حسب تسلّط غيره على ماله.
(و) لكن روي مرسلاً(2) أنّه (كان عليّ(عليه السلام) يضعه في فقراء بلده) أي بلد الميّت (وضعفاء جيرانه)، وفي كلمات أكثر الأجلّة أنّه كان ذلك منه (عليه السلام)تبرّعاً عليهم لا على سبيل الوجوب، هذا مضافاً إلى ضعف السّند.
(و) أمّا (مع الغيبة) فيجب أن (يقسم في الفقراء) مطلقاً كما هو المشهور، أو فقراء بلد الميّت ومساكينها كما في اللّمعة(3) ، ولا ريب أنّه أحوط، وأحوط منه الدّفع إلى نائب الإمام (عليه السلام) .

1 . الوسائل:26/253، الباب 4 من أبواب ولاء ضمان الجريرة، الحديث 5، و ص 257، الباب 7.
2 . الوسائل:26/255، الباب 5 من أبواب ولاء ضمان الجريرة، الحديث10.
3 . الروضة البهيّة في شرح اللّمعة الدمشقيّة: 8/190.

صفحه 342

الفصل الثّالث

في موانع الإرث

وهي كثيرة ذكر في اللّمعة منها خمسة، وأنهاها في محكيّ الدّروس إلى عشرين، ولكنّ المصنف ذكر هنا أفرادها المشهورة (وهي ثلاثة: كفر، وقتل، ورقّ).
(أمّا الكفر) فيمنع في طرف الوارث فقط (فلا يرث الكافر) بأقسامه أصليّاً ومرتداً، أو محكوماً بكفره من فرق المسلمين (من المسلم، وإن) لم يكن مؤمناً و (قرب) كالولد و الأُمّ والأب، وذلك للنّصوص المستفيضة(1)، بل المتواترة، بل في الجواهر(2) والمسالك(3) اتّفاق المسلمين عليه (ولا يمنع) القريب الكافر (من يتقرّب به، فلو كان للمسلم ولد كافر وله) أي لهذا الولد الكافر (ابن مسلم ورث) ذلك الابن (الجدّ) دون الولد الكافر، بل لو كان الوارث المسلم ضامن جريرة اجتمع مع ولد كافر للميّت، فالميراث للضّامن دون الولد، لعدم الخلاف فيه كما في كلمات جمع من الأجلّة، بل عليه الإجماع عن صريح جماعة، (و) ينضاف إلى ذلك ما صرّح عليه موافقاً للنّصّ (4) والإجماع،

1 . الوسائل:26/11، الباب 1 من أبواب موانع الإرث.
2 . الجواهر:39/15.
3 . المسالك:13/20.
4 . الوسائل:26/257، الباب 7 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة.

صفحه 343
من أنّه (لو فقد) الوارث (المسلم) ولو كان بعيداً حتّى ضامن الجريرة، بل والزّوجين أيضاً على القول بالرّدّ (كان الميراث للإمام (عليه السلام) ) بلا خلاف ولا إشكال، بعد ما عرفت من عدم إرث الكافر المسلم، فلا وارث له حينئذ، فيرثه الإمام الّذي هو وارث من لا وارث له، فانّ ثبوت أولويّة إرثه من الكافر بولائه الّذي هو متأخّر عن أنواع الولاء، يستلزم إرث من قبله من أُولي الولاء الّذين منهم ضامن الجريرة بطريق أولى كما لا يخفى. هذا.
وقد أشرنا إلى أنّ الكفر لا يمنع من الإرث في طرف المورّث (و) لذا قالوا: إنّ (المسلم يرث الكافر ويمنع (من)(1) مشاركة الكفّار) في الإرث وإن قربوا وبعد (ولو كان لل(2)كافر ولد كافر و ابن عمّ مسلم فميراثه لابن العمّ) ولا إشكال فيه ولا خلاف، بل هو كذلك لذلك وإن كان الوارث البعيد المسلم هو مولى نعمة أو ضامن جريرة.
(ولو(3) أسلم الكافر) على ميراث مورّثه المحجوب منه بكفره، مع وجود ورثة له مسلمين (قبل القسمة) بينهم حيث يكونون متعدّدين (يشاركه) في الإرث بحسب حاله ذكورة وأُنوثة (إن كان متساوياً) له في النّسب والمرتبة، كما لو كان الكافر ابناً والورثة إخوته المسلمون مثلاً (وأخذ الجميع) وحازه كملاً (إن كان أولى) منهم في المرتبة، كما لو كان الوارث في المثال إخوة الميّت، والحكم بذلك مطلق (سواء كان الميّت مسلماً أو كافراً) للنّصوص المستفيضة(4)، مع عدم ظهور خلاف فيه.
(ولو كان الوارث) المسلم (واحداً) غير الإمام (عليه السلام) (وأسلم

1 . خ ل.
2 . خ ل: فلو.
3 . خ ل: فلو.
4 . الوسائل:26/20، الباب 3 من أبواب موانع الإرث.

صفحه 344
الكافر)، أو كان إسلامه بعد القسمة في صورة التّعدد، (لم يرث) أصلاً، لأصالة عدم الإرث، بعد عدم صدق القسمة مع الوحدة، مضافاً إلى حكاية الإجماع عن بعض الأجلّة، وأمّا لو لم يكن له وارث سوى الإمام، فأسلم، فهو أولى من الإمام .
(والمسلمون يتوارثون(1)) بعضهم من بعض (وإن اختلفوا في الآراء) والمذاهب، ما لم يحكم بكفرهم بالنّصب، أو الغلوّ، أو إنكار واحد من ضروريات الدّين، ومعه لا يرث المحكوم بالكفر غيره، وهو يرثه، (و) كذا (الكفّار يتوارثون) بعضهم من بعض (وإن اختلفوا في الملل) بلا خلاف في شيء من ذلك، مع عمومات أدلّة الإرث من الكتاب والسنّة، السّليمة هنا عن المعارض، لاختصاص الأدلّة المانعة عن إرث الكافر من المسلم بالكافر مقابل المسلم، وهو من لم يظهر الشّهادتين أو أظهرهما مع الحكم بكفره في الشّريعة.
(والمرتدّ) الّذي هو الكافر بعد الإسلام، إن كان رجلاً وكان ارتداده (عن فطرة) الإسلام، بأن ارتدّ عنه بعد أن انعقد و أحد أبويه مسلم، لا يستتاب، بل (يقتل في الحال، وتعتد امرأته من حين الارتداد عدّة الوفاة) سواء قتل أو مات، أو بقى حيّاً (ويقسم ميراثه) بين ورثته وإن لم يقتل ولم يمت (ولاتسقط هذه الأحكام بالتّوبة) لعدم قبولها ظاهراً بالنّسبة إلى ذلك قطعاً، وإن قلنا بقبولها باطناً فيما بينه و بين اللّه تعالى،ولا إشكال في شيء من ذلك للنّصوص المستفيضة(2) مع حكاية الإجماع عليه عن بعض الأجلّة.

1 . في نسخة: يرثون.
2 . الوسائل:26/27، الباب 6 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3و 4و 5. وانظر الجزء 28/323، الباب 1 من أبوا ب حد المرتد.

صفحه 345
(و) من كان ارتداده (عن غير فطرة) كأن أسلم عن كفره ثمّ ارتدّ، لا يقتل ابتداءً بل (يستتاب، فإن تاب) فلا يجري عليه شيء من الأحكام المذكورة (وإلاّ قتل) للنّصوص الكثيرة(1)، بل في الجواهر(2) عليه الإجماع بقسميه، (وتعتدّ زوجته عدّة الطّلاق) من حين الارتداد، فإن عاد قبل خروجها من العدّة فهو أحقّ بها، وإن خرجت من العدّة ولم يعد فلا سبيل له عليها، بلا إشكال، (ولا تقسم أمواله إلاّ بعد القتل) أو الموت، بل لم يظهر فيه خلاف، بل في كشف اللّثام(3) قطع الأصحاب بالحكمين، فكأنّهم اتّفقوا عليه، كما لا إشكال في أنّه إن مات أو قتل قبل العدّة اعتدّت منه عدّة المتوفّى عنها زوجها، وهي ترثه في العدّة، ولا يرثها إن ماتت وهو مرتدّ عن الإسلام.
(ولو تكرّر) الارتداد والاستتابة من الرّجل بأن ارتدّ الملّي ثمّ تاب، ثمّ ارتدّ ثمّ تاب، وهكذا إلى الأربعة، لا يطلب منه التّوبة ولا تقبل و (قتل في الرّابعة) مع تخلّل الحدّ ثلاثاً بمجرّد الارتداد كالفطريّ، كما هنا وفي إرشاد المصنف(4) وقواعده(5) ونحوه في محكيّ الخلاف(6) مستدلاً عليه بإجماع الأصحاب على أنّ أصحاب الكبائر يقتلون في الرّابعة، وفي محكيّ المبسوط(7) انّه روي عنهم (عليهم السلام) أنّ أصحاب الكبائر يقتلون في الرّابعة، مع كون قضيّة الاحتياط في الدّماء. هذا.

1 . الوسائل:28/327، الباب 3 من أبواب حدّالمرتد.
2 . الجواهر:39/35.
3 . كشف اللثام:2/258، الطبعة الحجرية.
4 . إرشاد الأذهان:2/190.
5 . قواعد الأحكام:3/575.
6 . الخلاف:5/504.
7 . المبسوط:8/74.

صفحه 346
ولكن لا يبعد القول بوجوب قتل المرتدّ في الثّالثة إذا أُقيم عليه الحدّ مرّتين بينها، لعموم النّصّ الصّحيح(1) الصّريح في وجوب قتل أصحاب الكبائر فيها والمرتدّ منهم، بل أكبرهم، وإن لم يرد فيه نصّ خاصّ، والإجماع ممنوع، ورواية القتل في الرّابعة مرسلة، هذا كلّه في ارتداد الرّجل.
(والمرأة إذا ارتدّت حبست) دائماً (وضربت أوقات الصّلاة) بحسب ما يراه الحاكم، واستخدمت الخدمة الشّاقّة، وأُلبست الثّياب الخشنة، ومنعت من الطّعام والشّراب (حتى تتوب أو تموت) ولا تقتل أصلاً مطلقاً (وإن كانت) مرتدّة (عن فطرة) للنّصوص المستفيضة.(2)
(وميراث المرتدّ للمسلم) وإن بعد وقرب وارثه الكافر، إجماعاً، لما مرّمع تنزيله منزلة المسلم في كثير من الأحكام، كقضاء عباداته الفائتة زمن الرّدّة، وعدم جواز استرقاقه، (و) من هنا قالوا إنّه (لو لم يكن) وارث المرتدّ (إلاّ كافر انتقل) ميراثه (إلى الإمام (عليه السلام) ) بلا خلاف في الفطريّ، و على الأشهر مطلقاً، (والمرتدّ لا يرث المسلم) مطلقاً لمنع الكفر ولو كان هو بالارتداد عن الإرث كما نبّهنا عليه.

]في القتل [

(الثّاني) من موانع الإرث (القتل) أي قتل الوارث لولاه لورثه (وهو يمنع الوارث من الإرث إن كان عمداً ظلماً) فلا يمنع لو قتله بحقّ حدّاً أو

1 . الوسائل: 28/ 19، الباب 5 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث1.
2 . الوسائل:28/330، الباب 4 من أبواب حدّ المرتد.

صفحه 347
قصاصاً أو غيرهما، للنّصوص الكثيرة(1)، والإجماعات المحكيّة.
(ولو كان) قتله (خطأ منع) أيضاً مطلقاً كما عن العمّاني، للإطلاق; أو لا كذلك كما في النّافع(2) والشرائع(3) ومحكيّ المفيد والديل(4)مي(5)، للصّحيحة(6)، أو انّه يمنع (من إرث الدّية) فقط (على قول) مشهور محكيّ عليه الإجماع عن بعض الأجلّة مع أنّه جامع بين النّصين، مضافاً إلى أنّ الدّية يجب دفعها إلى الوارث، ودفع القاتل إيّاها إلى نفسه غير معقول.
(و) الوارث القاتل كالكافر ينزّل منزلة المعدوم، فلو اجتمع القاتل الممنوع من الإرث وغيره ممّن يرث المقتول فيكون (ميراث المقتول لغير القاتل و إن بعد) ذلك الغير (وقرب القاتل) وفي أكثر النّسخ (تقرّب أو قرب بالقاتل(7)) يعني أنّ ميراث المقتول للبعيد الغير القاتل وإن كان تقرّبه إلى الميّت بواسطة القاتل كابنه مثلاً، فضلاً عمّن يساويه في مرتبة الإرث كأخيه مثلاً، أو لم يكن تقرّبه إليه بواسطة كابن أخيه ونحوه.
(ولو فقد) غير القاتل ولم يكن لمقتول وارث سواه (فـ) الإرث كلّه (للإمام(عليه السلام) ) بلا خلاف يظهر في شيء من ذلك ولا إشكال، فانّ القاتل الممنوع من الإرث كالمعدوم فيرثه من عداه من مراتب الوارث على التّرتيب.
(والدّية يرثها) كلّ (من تقرّب (8)) إلى الميّت (بالأب) سواء تقرّب

1 . الوسائل: 26/30 ـ 31، الباب 7 و 8 من أبواب موانع الإرث.
2 . المختصر النافع:264.
3 . شرائع الإسلام:4/14.
4 . المقنعة:703.
5 . المراسم:218.
6 . الوسائل: 26/33، الباب 9 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.
7 . خ ل.
8 . خ ل: يتقرّب.

صفحه 348
بالأُمّ أيضاً أم لا مطلقاً (ذكوراً) كان المتقرّب بالأب (أو إناثاً و) كذا يرث كلّ من (الزّوج والزوجة) من دية الآخر لحكاية الإجماع عليه في كلمات جماعة، مضافاً إلى عمومات الكتاب والسنّة، وخصوص المعتبرة المستفيضة(1)، (وفي) إرث (المتقرّب بالأُمّ) أيضاً لها (قولان) من ذلك، ومن رواية دالّة على حرمان إخوة الأُمّ منها، ويثبت الحكم في غير الإخوة من المتقرّبين بها بطريق أولى، واستقربه الشّهيد في محكيّ الدروس(2) بعد حكمه بقصر المنع على موضع النّصّ.
(ولو لم يكن للمقتول عمداً وارث) سوى الإمام (عليه السلام) (لم يكن للإمام العفو) عن القصاص والدّية، (بل) عليه (أخذ الدّية) مع التّراضي (أو القتل) وذلك للنّصّ الخاصّ(3)، وإلاّ فقد عرفت في ولاء الإمامة أنّ تركة من لا ورثة له أصلاً للإمام (عليه السلام) نفسه يفعل فيها ما يشاء لا بيت مال المسلمين، فله العفو أيضاً كغيره من الأولياء، بل هو أولى، ولكن العمل بالرّواية الصّحيحة(4) الدّالّة على الأوّل أولى، والبحث من أصله قليل الجدوى.
(ويقضي من الدّية) الّتي هي في حكم مال الميّت (الدّيون والوصايا وإن كانت للعمد) فصولح عن القصاص عليها .
(وليس للدّيّان) إلزام الورثة بالدّية و (المنع من القصاص) في صورة العمد مع عدم وفاء المال بالدّيون ليوفّروا الدّية أيضاً عليه، وذلك لأنّ أخذ الدّية اكتساب، وهو غير واجب على الوارث في دين المورّث، مع عمومات

1 . الوسائل:26/35، الباب 10 من أبواب موانع الإرث.
2 . الدروس:2/347ـ 348.
3 . الوسائل:29/124، الباب 60 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.
4 . المصدر نفسه.

صفحه 349
حقّ القصاص.

]في الرّق [

(الثّالث): من موانع الإرث (الرّق: وهو مانع) منه (في الطّرفين) الوارث والمورّث بمعنى أنّه لا يرث الإنسان إذا كان رقّاً، وإن كان المورّث مثله، بل يرثه الحرّ وإن كان ضامن جريرة، دون الرّقّ، وإن كان ولداً، وكذا لا يورّث الرّق، بل ماله لمولاه بحقّ الملك لا بالإرث وإن كان له وارث حرّ، ولا خلاف في ذلك حتّى على القول بمالكيّة الرّقّ، مضافاً إلى النّصوص المستفيضة.(1)
(ولو اجتمع الحرّ) الوارث (مع المملوك) مثله (فالمال) كلّه (للحرّ، وإن بعد) كما لو كان ولد الميّت رقيقاً، وله ولد حرّ، فيرث ذلك الحرّ جدّه دون الأب لوجود المانع فيه دونه، ولا يمنع تقرّبه بالرّقّ كالكافر والقاتل كما مرّ.
(ولو أعتق) الوارث الرّقّ كان كإسلام الوارث الكافر، فإن كان (قبل القسمة شارك) باقي الورثة (مع المساواة) لهم في الطّبقة، والدّرجة، (واختصّ) بالإرث وحازه كلّه (مع الأولويّة) منهم، للنّصوص الكثيرة(2)، مع عدم ظهور خلاف فيه.
(ولو كان الوارث) الحرّ (واحداً) غير الإمام (عليه السلام) (وأعتق) الرّقّ بعد موت مورّثه، أو كان العتق بعد القسمة (لم يرث) أصلاً مطلقاً وإن كان أقرب إلى الميّت من الحرّ، لأنّه لا قسمة له في الأوّل، ولا عتق قبلها في الثّاني.

1 . الوسائل:26/43، الباب 16 من أبواب موانع الإرث.
2 . الوسائل:26/46، الباب 18 من أبواب موانع الإرث.

صفحه 350
(ولو لم يكن) للميّت ممّن عدا الإمام (وارث إلاّ المملوك أجبر مولاه) من طرف الحاكم أو غيره كفاية مع تعذّره (على أخذ القيمة من التّركة وأعتق وأخذ) المال (الباقي) بعد قيمته، ويحوزه ويجمعه، للإجماعات المحكيّة، والنّصوص المستفيضة(1)، هذا مع وفاء المال بالقيمة (ولو قصرت التّركة) عنها (لم يفكّ) على الأشهر الأظهر، اقتصاراً فيما خالف الأصل على مورد النّصّ والفتوى، وهو ما وفت التّركة بتمام القيمة، وما قد يقال بفكّ ما وفى له القيمة وسعى العبد في باقيه; فيه ما فيه، فإنّه مجهول القائل والدّليل.
(و) قد عرفت من مانعيّة الرّقّ في الطّرفين انّ (ميراث المملوك لمولاه وإن قلنا إنّه يملك) بحقّ الملك لا بالإرث، (و) حيث كان المملوك الّذي منع إرثه و توريثه في المتن كغيره مطلقاً ينصرف إلى القنّ دون غيره ممّن تشبّث بالحريّة للتّبادر، نبّه على عموم الحكم بقوله: إنّ (المدبّر وأُمّ الولد والمكاتب المشروط أو المطلق إذا لم يتحرّر منه شيء) بتأدية شيء من مال الكتابة (كالقنّ) في الأحكام المذكورة حتّى البيع في فكّ الرّقبة مع انحصار التّركة فيها، بلا خلاف في شيء من ذلك، لاشتراك الجميع في أصل الرقيّة وان تشبّثوا بالحرّيّة فيندرجون في جميع ما دلّ على عدم إرث المملوك، من النّصّ(2) والإجماع المحكيّ، ولذا لم يرثهم أحد لو ماتوا لعدم الملك لهم، وأمّا المبعّض فكالحرّ بالنّسبة إلى جزئه الحرّ والرّقّ بالنّسبة إلى الجزء الآخر.

1 . الوسائل:26/49، الباب 20 من أبواب موانع الإرث.
2 . المصدر نفسه.

صفحه 351

الفصل الرّابع

في حساب الفرائض

الّذي هو من أعظم المهامّ في المقام للاحتياج إليه في تصحيح المسائل أوّلاً، وقسمة التّركة على الورثة ثانياً، وينبغي الإشارة الإجماليّة إلى معرفة ما بين الأعداد من النّسبة لمسيس الحاجة إليها في معرفة الأحكام الآتية، فنقول:
إذا كان العددان متساويين يقال لهما المتماثلان كثلاثة وثلاثة مثلاً، وإن كانا مختلفين،فلا يخلو من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن لا يبقى شيء بعد قسمة الأكثر على الأقلّ، ويقال لهما المتداخلان، والمتوافقان بالمعنى الأعمّ، كثلاثة و ستّة أو تسعة أو ثلاثين ونحوها.
و ثانيها: أن يبقى منه شيء فوق الواحد، فنقسم الأقلّ المقسوم عليه على ذلك الباقي فإن لم يبق فذاك، وإلاّ فنقسم ذلك الباقي على هذا المقسوم الأخير، وهكذا إلى أن يبقى واحد، فيقال لهما المتباينان، فالنّسبة بين الثّلاثة والأربعة التّباين، إذ الباقي بعد قسمة الأكثر على الأقلّ هو الواحد، وكذا بين الأربعة والخمسة عشر، إذ بعد ما قسمنا الثّاني على الأوّل يبقى ثلاثة فنقسم الأربعة على الثلاثة يبقى واحد، وكذا بين المائة والتّسعة والعشرين فنقسم الأوّل على الثاني يبقى ثلاثة عشر، فنقسم التسعة والعشرين على ثلاثة عشر يبقى ثلاثة، فنقسم الثّلاثة عشر على الثّلاثة يبقى واحد.

صفحه 352
وثالثها: الصّورة بحالها إلاّ أنّ الباقي في آخر العمل مازاد على الواحد فيقال لهما المتوافقان بالمعنى الأخصّ، والكسر الّذي يكون هذا الباقي مخرجه وفقهما ينسب التّوافق إليه فالنّسبة بين الستّة والثّمانية هو التّوافق بالنّصف، إذ الباقي بعد قسمة الثّاني على الأوّل اثنان، وهو مخرج النّصف، وهكذا إذا أردنا معرفة النّسبة بين المائة والثّمانية والعشرين قسمنا الأوّل على الثّاني بقي ستّة عشر، فقسمنا عليها الثّمانية والعشرين بقى اثني عشر، فقسمنا السّتة عشر عليه بقى أربعة، وهذا العدد الأخير هو مخرج الرّبع، فالنّسبة بين المائة والثّمانية والعشرين هو التّوافق بالرّبع، و من خواصّ المتوافقين أنّه يحصل من ضرب وفق أحدهما في عين الآخر ما يحصل من عكسه، فالحاصل من ضرب نصف كلّ من السّتة والثمانية المتوافقين بالنّصف في عين الآخر هو الأربعة والعشرون، والحاصل من ضرب ربع كلّ من المائة والثّمانية والعشرين في عين الآخر هو سبعمائة كما لا يخفى، وهكذا في نظائرهما، واعلم أيضاً أنّ مخرج الكسر هو أقلّ عدد يخرج منه ذلك الكسر المطلوب صحيحاً، ومنه تعرف أنّ :
(في مخارج السّهام) السّتّة المفروضة المقدّرة في كتاب اللّه عزّ وجلّ خمسة: (النّصف من اثنين، والثّلث والثّلثان من ثلاثة، والرّبع من أربعة، والسّدس من ستّة، والثّمن من ثمانية) وحينئذ فإمّا أن لا يقع في المسألة شيء من هذه الكسور، أو يقع فيها واحد منها، أو اثنان فصاعداً.
ففي الأوّل يجعل المال على عدد الرّؤوس مع التّساوي في الذّكورة والأُنوثة، و مع الاختلاف فيهما يجعل سهمان للذّكر وسهم للأُنثى، فالمجتمع هو أصل الفريضة صحيحاً، ففي الخمسة الأبناء يكون أصل الفريضة خمسة، وكذا في خمس بنات، وفي ثمانية أبناء وأربع بنات يكون أصل الفريضة عشرين.

صفحه 353
وفي الثّاني يكون المخرج المأخوذ منه ذلك الكسر هو أصل الفريضة، كما لو اجتمع الزّوج مع الإخوة للأب، فإنّ أصل الفريضة اثنان. هو مخرج النّصف حصّة الزّوج فله واحد منها والآخر للإخوة، فإن لم ينكسر كزوج وأخ واحد فذاك، وإن انكسر كما في زوج و أخوين أو ثلاثة إخوة، عملت به ما يذكره في المتن.
وفي حكم وقوع الكسر الواحد في المسألة وقوع كسرين متماثلين منها، كما لو اجتمع فيها نصفان كزوج، وأُخت للأب، فأصل الفريضة أيضاً اثنان، وفي الثّالث ينظر إلى النّسبة بين مخرجي الكسرين الواقعين في المسألة فإن كانا متماثلين وخرج الكسران من مخرج واحد فيجتزي بأحدهما كالثّلث والثّلثين في اجتماع المتعدّد من كلالة الأُمّ، مع أُختين للأب، أو الأبوين، فالثّلاثة أصل المسألة، وحكم الانكسار ما سيذكره في المتن،وإن كانا مختلفين متداخلين فيجتزى بأكثرهما كالثّمانية مخرج الثّمن فريضة الزّوجة، والاثنين مخرج النّصف فريضة البنت الواحدة، فيما إذا اجتمعت مع الزّوجة، فأكثر المخرجين وهو الثّمانية في الفرض هو أصل المسألة وإن كانا متباينين ضربنا أحدهما في الآخر فالحاصل هو أصل الفريضة، كأربعة وثلاثة فيما إذا اجتمعت زوجة لها الرّبع وأُمّ لها الثّلث فتضرب الأربعة في الثّلاثة فيحصل اثنا عشر وهو أصل المسألة.
(و) إن كانا متوافقين كما (لو كان في الفريضة ربع) هو فرض الزّوجة مع عدم الولد (وسدس) هو فرض الواحد من كلالة الأُمّ، ضربنا وفق أحدهما وهو النّصف في المثال في مجموع الآخر (فـ) يصحّ المسألة (من اثني عشر) الحاصل من ضرب أحد النّصفين من العددين في الآخر الاثنين في السّتة أو الثّلاثة في الأربعة.
(و) كذا لو اجتمع (الثّمن والسّدس) كزوجة، وأحد الأبوين، مع

صفحه 354
ابن، فإنّ الثّمانية والسّتة مخرجي العددين متوافقان بالنّصف، فتضرب أحدهما في مجموع الآخر فيصحّ المسألة (من أربعة وعشرين) حاصلة من ضرب الأربعة في السّتة، أو الثّلاثة في الثّمانية، وهي أصل الفريضة، هذا و بعد ما صحّحت الفريضة فلا يخلو من ثلاث حالات:
الأُولى: أن تكون الفريضة بقدر السّهام وحينئذ فقد تنقسم الفريضة عليها بدون كسر فلا بحث، كزوج وأُخت للأبوين أو الأب، فالمسألة من اثنين لكلّ منهما نصف، لأنّ فيها نصفين ومخرجهما اثنان ينقسم عليهما من دون كسر، وكذا البنتان والأبوان، أو الزّوج والأبوان، فالفريضة من ستّة، وهي تنقسم بغير كسر كما هو واضح.
(وقد تنكسر الفريضة) ولا تنقسم على السّهام بغير كسر مع مساواتها لها ولا يعتبر فيه من النّسبة بين النّصيب والعدد سوى التّوافق والتّباين للاحتياج إلى تصعيد المسألة على وجه تنقسم على المنكسر، واعتبار التّداخل يوجب بقاء الفريضة على حالها، فلا يحصل الغرض، ولذا يقتصر على اعتبار النّسبة بين نصيب من انكسر عليه وعدد رؤوسهم (فتضرب) حينئذ (عدد) رؤوس (من انكسر عليه) دون نصيبه (في أصل الفريضة إن لم يكن بين نصيبهم وعددهم وفق) بل كانا متباينين، فما اجتمع صحّت منه المسألة، مثل زوج وأخوين، فانّ الفريضة فيه من اثنين، فانّ الزّوج له نصف والاثنان أقلّ عدد يخرج منه النّصف صحيحاً، فواحد منهما نصيب الزّوج والثّاني ينكسر على الأخوين ولا وفق بينهما، فيضرب عددهما في أصل الفريضة، فبلغ أربعة، فتصحّ القسمة حينئذ بلا كسر، و(مثل أبوين وخمس بنات) فانّ فريضتهم ستّة، لأنّ فيها من الفروض سدساً وثلثين، ومخرج الثّلث يدخل في مخرج السّدس، فأصل الفريضة

صفحه 355
مخرج السّدس وهو ستّة، للأبوين منها اثنان، فيبقى نصيب البنات من ذلك أربعة لا تنقسم عليهنّ صحيحة، و بين نصيبهنّ وعدد رؤوسهنّ تباين، فتضرب عددهنّ وهو خمسة في ستّة أصل الفريضة فما ارتفع صحّت منه المسألة، وهو ثلاثون، للأبوين عشرة، وللبنات عشرون لكلّ واحدة أربعة، فكلّ من حصل له من الورّاث سهم من أصل الفريضة يأخذه مضروباً في الخمسة.
هذا كلّه مع التّباين بين عددهم ونصيبهم من أصل الفريضة (وإلا) يتباينا، بل كانا متوافقين (ضربت) جزء (الوفق من العدد) المنكسر عليه الفريضة، لا مجموعه، ولا وفق النّصيب، في أصل الفريضة، فما حصل تصحّ منه المسألة، وذلك (كأبوين وستّ بنات) فانّ الفريضة حينئذ ستّة كما عرفت للأبوين اثنان وللبنات أربعة، ولكن لا تنقسم عليهنّ على صحّة، والنّصيب يوافق العدد الّذي هو السّتة بالنّصف، فعلى القاعدة المذكورة (تضرب) نصف العدد (ثلاثة) الّذي هو جزء (وفق العدد) للرّؤوس (مع النّصيب) وهو أربعة (في) أصل (الفريضة) وهو ستّة، فتبلغ ثمانية عشر، منها ستّة للأبوين، واثنا عشر للبنات.
(و) الحالة الثّانية: ما (لو قصرت(1) الفريضة) عن السّهام، وإنّما تقصر (بدخول الزّوج أو الزّوجة) كبنتين وأبوين مع الزّوج، فالفريضة من اثني عشر، مخرج الرّبع والثّلثين والسّدسين، ثمانية منها للبنتين، وأربعة للأبوين، وثلاثة للزّوج، وهذا خمسة عشر عدد السّهام يزيد على الفريضة بثلاثة.
ولو كانت هناك زوجة بدل الزّوج فالفريضة مع أربعة وعشرين،مضروب ستة مخرج السّدس في أربعة جزء وفق الثّمانية مخرج الثّمن فريضة الزّوجة، أو

1 . خ ل: نقصت.

صفحه 356
بالعكس ثلاثة منها للزّوجة وثمانية للأبوين، وستّة عشر للبنتين، فتنقص الفريضة عن السّهام الّتي هي سبعة وعشرون، بثلاثة.
وبهذا القياس ما لو اجتمع الزّوج مع البنت الواحدة والأبوين، أو أحد الأبوين مع الزّوج والبنتين، أو أحد الزّوجين مع أُختين للأُمّ وأُختين للأبوين أو للأب، فإذا اتّفق ذلك استوفي نصيب كلّ من الزّوجين والأبوين وكلالة الأُمّ من أصل الفريضة و (دخل النّقص على البنت أو البنات، والأُخت أو الأخوات للأبوين، أو للأب) فقط، لا على الجميع بأن يزاد في عدد الفريضة بما يساوي عدد السّهام حتّى يحصل النّقص على الجميع بالنّسبة، وذلك بأن يجعل الفريضة في المثال الأوّل خمسة عشر ويعطي سهم كلّ من الورثة من هذا العدد لا الاثني عشر الّذي هو أصل الفريضة، فللزّوج ثلاثة من خمسة عشر، وللبنتين ثمانية منها، وللأبوين أربعة منها; وهكذا في سائر الأمثلة المتقدّمة، فانّ هذا هو العول الباطل بالضّرورة من مذهب الشّيعة، بل يدخل النّقص على فريق واحد على ما سمعته.
(و) الحالة الثّالثة: ما نبّه عليه بقوله: (لو زادت الفريضة) عن السّهام كإن خلّف بنتاً واحدة وأبوين، أو أحدهما، أو بنات وأحدهما (ردّت) الزّيادة عن الفريضة (على) ذوي السّهام بالنّسبة (غير الزّوج والزّوجة، والأُمّ مع) وجود (الإخوة) الحاجبين لها عمّا زاد عن السّدس على ما مرّ في المرتبة الأُولى من مراتب الورّاث، و أمّا مع عدمهم فيردّعلى الأُمّ أيضاً بالنسبة.
(و) إذا اجتمع ذو سببين كالأُخت من الأبوين مع ذي سبب واحد كإلاخوة من الأُمّ فـ(ذو السّببين أولى بالرّدّ من) ذي (السّبب الواحد) كما مرّ في مسألة اجتماع إخوة الأبوين مع إخوة الأُمّ من المرتبة الثّانية.
وكيف كان فلا شيء عندنا للعصبة، وقرابات الأب عند زيادة الفريضة عن

صفحه 357
السّهام.
هذا جملة من القول في أحكام العول والتّعصيب المتداولين في ألسنة الفقهاء، وبقي الكلام في أحكام المناسخات المتداولة أيضاً بينهم، وإدراجه في طيّ مسائل هذا الفصل إنّما هو للاحتياج فيها إلى تصحيح الفريضة وتعيين مخارج السّهام الّذي هو موضوع الفصل.
والمناسخة: مفاعلة من النّسخ، وهو النّقل والتّحويل، من نسخت الكتاب إذا نقلته من نسخة إلى أُخرى، وسمّيت هذه المسائل بها لأنّ الانصباء بموت الميّت الثّاني تنسخ وتنقل من عدد إلى آخر، وكذا التّصحيح ينقل من حال إلى حال، وكذا عدد مجموع الورثة ينتقل من مقدار إلى مقدار آخر بموت أحدهم، وقد يطلق على الإبطال، ووجهه هنا أنّ الفارض أبطل تلك القسمة وتعلّق غرضه بغيرها وإن اتّفق موافقة الثّانية، للأُولى.
وبالجملة تتحقّق المناسخة المصطلحة بأن يموت شخص ثمّ يموت أحد ورّاثه قبل قسمة تركته وأردنا قسمة الفريضتين من أصل واحد، فنقول: إنّ هنا أربع صور:
الأُولى: أن يتّحد الوارث والاستحقاق فيكون كالفريضة الواحدة ولا يحتاج إلى عمل آخر، ونعني باتّحاد الوارث كون وارث الميّت الثّاني هو وارث الميّت الأوّل بعينه، وباتّحاد الاستحقاق كون الجهة الموجبة لاستحقاق الميراث فيها واحداً كالبنوّة، والأُخوّة، ونحوهما، وذلك كرجل توفّي وخلّف أربعة إخوة وأُختين والجميع لأب وأُمّ، أو لأُمّ، فمات منهم أخوان وأُخت، وليس لهم وارث إلاّ الإخوة الباقون، فانّ المال ينقسم بين الأخوين والأُخت الباقين أخماساً إن تقرّبوا بالأب، وبالسّويّة إن تقرّبوا بالأُمّ، ومن مات منهم ينزّل منزلة العدم، فكأنّ الميّت الأوّل لم يخلف إلاّ

صفحه 358
هؤلاء الباقين.
الصّورة الثّانية: أن يختلف الوارث خاصّة دون الاستحقاق، كما لو ترك الميّت الأوّل ابنين، فمات أحدهما وترك ابناً، فانّ جهة الاستحقاق في الفريضتين واحدة، وهي البنوّة، والوارث مختلف.
الصّورة الثّالثة: عكس الثّانية، كما لو مات رجل وترك ثلاثة أولاد، ثمّ مات أحدهم ولم يخلف غير أخويه المذكورين، فانّ الوارث فيها واحد، وجهة الاستحقاق مختلفة، هي في الأوّل البنوّة، وفي الثّاني الأخوّة.
الصورة الرّابعة: أن يختلف الوارث وجهة الاستحقاق معاً، كما لو مات رجل وخلّف زوجة وابناً وبنتاً، ثمّ ماتت الزّوجة عن ابن وبنت ليسا منه، فإنّ جهة الاستحقاق في الأوّل الزّوجيّة، وفي الثّاني البنوّة، والوارث فيه أولادها، وفي الأوّل الزّوجة وأولاده. هذا.
(و) بعد ما تلوناه عليك نقول:
إنّه (لو مات بعض الورّاث(1) قبل القسمة) واتّحد الوارث والاستحقاق كان كالفريضة الواحدة ولا يحتاج إلى عمل آخر كما عرفته في الأُولى من الصّور الأربع.
(و) لو (تغاير الوارث أو الاستحقاق) أو هما، ونهض نصيب الميّت الثّاني من الفريضة الأُولى بعد تصحيحها بالقسمة على ورثته من غير كسر كان أيضاً كالفريضة الواحدة، وصحّت المسألتان من المسألة الأُولى، وذلك كما في الأمثلة المزبورة.

1 . في نسخة: الوارث.

صفحه 359
أمّا الأوّل منها فواضح لأنّ نصيب الميّت الثّاني من الفريضة الأُولى النّصف ووارثه ولده الواحد يرجع إليه من غير كسر.
وأمّا الثّاني منها فلأنّ الميّت الثّاني ينزّل منزلة العدم ويقسم ميراث الأوّل على الموجودين.
وأمّا الثّالث فانّ فريضة الميّت الأوّل من أربعة وعشرين مضروب مخرج الثّمن نصيب الزّوجة في مخرج الثّلث والثّلثين نصيب الابن والبنت الواحدة، للزّوجة منها ثلاثة تنقسم على ابنها وبنتها صحيحة.
ففي كلّ هذه الأمثلة تصحّ المسألتان من فريضة واحدة ولا يحتاج إلى تثنية العمل، لنهوض نصيب الميت الثّاني من الفريضة الأُولى بالقسمة على ورثته من غير كسر، وإن لم ينهض كذلك فانظر النّسبة بين نصيب الميّت الثّاني وسهام ورثته بالتّوافق أو التّباين، إذ لا عبرة بالتّداخل كما عرفته، فإن توافقا (فاضرب الوفق من الفريضة الثّانية) الّتي هي السّهام لا الوفق من النّصيب الّذي هو فريضة الميّت (في) أصل (الفريضة الأُولى) الّتي أخذت منها نصيب الميّت الثّاني، وذلك كأبوين وابن، ثمّ يموت الابن عن ابنين وبنتين، فالفريضة الأُولى من ستّة مخرج نصيب أحد الأبوين وللابن المتوفّى منها أربعة، وسهام ورثته ستّة توافق نصيبهم بالنّصف، فتضرب ثلاثة وفق الفريضة الثّانية في أصل الفريضة الأُولى ستّة تبلغ ثمانية عشر، منها تصحّ المسألتان لكلّ واحد من أبوي الميّت الأول منها ثلاثة سدسها، وللابن اثنا عشر تنقسم على ورثته من غير كسر لابنيه منها ثمانية ولبنتيه أربعة.
(وإن لم يكن) بين نصيب الميّت الثّاني وسهام ورثته (وفق) بل تباينا (فاضرب) تمام (الفريضة الثّانية في) أصل الفريضة (الأُولى) فما بلغ

صفحه 360
صحّت منه الفريضتان كما لو كان ورثة الابن في المثال ابنين وبنتاً، فانّ سهامهم حينئذ خمسة، تباين نصيب مورّثهم من الفريضة الأُولى وهو أربعة، فتضرب الخمسة في ستّة أصل الفريضة الأُولى تبلغ ثلاثين، منه تصحّ المسألتان كما لا يخفى. واللّه العالم. وله الحَمدُ كما هو أهلهُ.

صفحه 361

الفصل الخامس

]في ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه [

(في ميراث ولد الملاعنة و) ولد (الزّنا والحمل والمفقود) الخبر.
اعلم أنّ (ولد) المرأة (الملاعنة ترثه أُمّه ومن يتقرّب) إليه (بها) من الإخوة والأخوال وأولادهم، (و) كذا يرثه (ولده وزوجه أو زوجته، وهو) أيضاً (يرثهم و) لا إشكال في ذلك، كعدم الإشكال في أنّه (لا توارث بينه و بين الأب ومن يتقرّب به) لانتفائه عنه باللّعان كما مرّ في السّابع من فصول كتاب الفراق، ولكنّه لم ينتف عن الأُمّ، ولا يلزم من نفي الأب له كونه ولد زنا إجماعاً.
(ولو ترك إخوة من الأبوين مع اخوة من الأُمّ تساووا في ميراثه) لعدم العبرة بالانتساب إلى الأب وسقوطه شرعاً، فالمتقرّب بالأبوين أيضاً في حكم من تقرّب بالأُمّ فقط.
(وولد الزّنا) من الطّرفين (لا يرثه) أبوه ( الزّاني ولا ) أُمّه (الزّانية، ولا من يتقرّب بهما و هو (1)) أيضاً (لا يرثهم) لانتفاء النّسب

1 . خ ل.

صفحه 362
بينهم شرعاً، فلا يتصوّر التّوارث المسبّب عنه، ولم نظفر فيه بخلاف يظهر، بل نقل الإجماع عليه مستفيض، والنّصوص فيه مستفيضة(1)، (وإنّما يرثه ولده) وإن نزل، (وزوجه أو زوجته وهو) أيضاً (يرثهم) للعمومات، مع عدم المانع من جهتهم، نعم لو اختصّ الزّنا بأحد الطّرفين انتفى عنه خاصّة وورثه الآخر ومن يتقرّب به (ومع عدمهم) أي الورّاث المذكورين فيرثه الضّامن لجريرته ومع عدمه فوارثه (الإمام (عليه السلام) ).
(والحمل إن سقط حيّاً ورث وإلاّ فلا) بلا خلاف ولا إشكال (و) النّصوص فيه مع ذلك مستفيضة(2) كعدم الخلاف كما عن صريح جماعة في أنّه (يوقف) ويعزل (له) لو طلب الورثة القسمة (قبل الولادة، نصيب ذكرين احتياطاً) عن تولّده حيّاً وتعدّده ذكراً، وإنّما لم يوقف له زيادة عن نصيبهما مع احتماله أيضاً لندرته.
والاحتمالات المتصوّرة في الحمل على تقدير عدم زيادته عن اثنين، عشرة، كونه ذكراً أو أُنثى أو خنثى، أو ذكرين أو انثيين أو خنثيين، أو ذكراً و أُنثى، أو ذكراً وخنثى، أو أُنثى وخنثى، أو أن يسقط ميّتاً، وأكثرها نصيباً للحمل فرضه ذكرين، فلو اجتمع معه ذكر أُعطي الثّلث، ووقف له الثّلثان، ولو اجتمع معه أُنثى أُعطيت الخمس حتى يتبيّن الحمل، فان ولد حيّاً كما فرض فلا بحث،وإلاّ وزّع التّركة بينهم على حسب ما يقتضيه حال الحمل من ذكوريّة و أُنوثيّة وخنوثيّة واحداً أو متعدّداً (ويعطى أصحاب الفرض) المجتمعون مع الحمل

1 . الوسائل:26/274، الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة.
2 . الوسائل:26/302، الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى.

صفحه 363
(أقلّ النّصيبين) المفروضين لهم على تقديرين إن كانوا ممّن يحجبهم الحمل على الأعلى كالزّوجين والأبوين، أو أحدهما مع عدم ولد هناك أصلاً، فإن ولد ميّتاً أكملوا نصيبهم، وإن ولد حيّاً قسّم التّركة على حسب ما يقتضيه حاله.
والضّابط: أنّه متى كان هناك حمل وطلب الورثة القسمة فمن كان محجوباً بالحمل كالإخوة لا يعطى شيئاً إلى أن يتبيّن الحال، ومن كان له فرض لا يتغيّر بوجوده وعدمه كنصيب الزّوجين والأبوين إذا كان معه ولد يعطى كمال نصيبه، ومن ينقص نصيبه بالحمل يعطى أقلّ ما يصيبه على تقدير ولادته حيّاً إلى أن يتبيّن الحال.
(ودية الجنين) الّذي هو الولد في البطن مطلقاً حلّ فيه الحياة أم لا، مختصّ (لأبويه) مع وجودهما أو أحدهما (أو من يتقرّب بهما أو بالأب) خاصّة مع عدمهما كما لو ماتا معه، أو مات أبوه قبله، وأُمّه معه أو قبله، وقد مرّت المسألة في بحث مانعيّة القتل عن الإرث وأفردوها بالذّكر هنا لورود نصّ فيها بالخصوص.(1)
(و) أمّا (المفقود) الخبر الّذي لا يعلم موته ولا حياته، فلا ريب في وجوب التّربّص بماله نصّاً(2) وفتوىً، وإن اختلفوا في مقداره ما بين أربع سنين أو عشر، والمحكيّ عن الشّيخ(3) والقاضي(4) وابن حمزة(5) والحلّي(6) وكثير من

1 . الوسائل:26/36، الباب 10 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3.
2 . الوسائل: 26/296، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى.
3 . المبسوط:4/125.
4 . المهذب:2/165ـ 166.
5 . الوسيلة:400.
6 . السرائر:3/298.

صفحه 364
المتأخّرين أنّه لا (يقسم أمواله) إلاّ (بعد مضيّ مدّة) من حين ولادته (لا يمكن أن يعيش مثله إليها غالباً) عادةً، ولا ريب أنّ هذا هو الأولى في الاحتياط وأبعد عن التّهجّم على الأموال المعصومة بالأخبار الضّعيفة، مع أصالة بقاء الحياة، وعدم دخول التّركة في ملك الورثة، واللّه العالم.

صفحه 365

الفصل السّادس

في ميراث الخنثى

(وهو من له فرجان) للرّجال والنّساء، وحيث إنّ الظّاهر انحصار أنواع الإنسان في صنفي الذّكر والأُنثى في الواقع لعدم الواسطة على الظّاهر المستفاد من تقسيم الإنسان، بل مطلق الحيوان إلى الذّكر والأُنثى في جميع الأصناف في الكتاب والسّنّة، على وجه لا يستطاع إنكاره كقوله سبحانه: (خَلَقَ الزّوجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى) (1) وقوله تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكور)(2) إلى غير ذلك من الآيات، والمستفيض من الأخبار(3) بحيث لا تقبل الإنكار.
وعلى هذا فالخنثى إمّا ذكر أو أُنثى في الواقع لا يخرج عنهما، ويكون أحد فرجيه أصليّاً والآخر زائداً كسائر الزّوائد الخلقيّة من يد ورجل ونحوهما، فإن أمكن استعلام الأصليّ من الزّائد فهو المعروف بالخنثى الواضح، وإلاّ فهو المشكل، وطريق استعلامه أنّه يعتبر بالبول فإن بال من فرج الرّجال فهو رجل، وإن بال من فرج النّساء فهو امرأة، وإن بال منهما اعتبر بالسّبق (فبأيّهما سبق البول منه حكم له) ذكورة وأُنوثة، للإجماعات المحكيّة (ولو تساويا) في الخروج (حكم للمتأخّر في الانقطاع، فإن تساويا) في البول أخذاً وانقطاعاً

1 . النجم:45.
2 . الشورى:49.
3 . البحار:60/335ـ 337 و 340 و 341و 344.

صفحه 366
سمّي خنثى مشكلاً، و (أُعطي) نصف النّصيبين (نصف سهم رجل ونصف سهم امرأة) للنّصوص الكثيرة(1) المؤيّدة ـ مع صحّة بعضها ـ بالشّهرة العظيمة.
لا ينافي ذلك انحصار النّاس في الذّكر والأُنثى كما ذكرناه، لجواز مخالفة هذا الفرد في النّصيب بالدّليل الخاصّ، وعن الخلاف(2) العمل بالقرعة لإجماع الفرقة، و ورودها في الأُمور المشتبهة، وهذا من تلك الجملة، ولا ريب في عدم الاشتباه بعد ورود النّصوص المعتبرة.
و أمّا إجماع الخلاف فهو موهون بكثرة الخلاف، بل الشّهرة على خلافه، وعن المفيد(3) والسّيد المرتضى(4) عدّ الأضلاع فإن تساوى الجانبان عدداً فأُنثى، وإلاّ فذكر، مدّعيين عليه الإجماع، مع نصوص خاصّة معلّلة له بخلقة حوّاء من الضّلع الأيسر لآدم، وقد عرفت حال الإجماع، وأمّا النّصوص المذكورة فلا تكافئ ما ذكرناه من النّصوص الكثيرة المؤيّدة بالشّهرة العظيمة، مع مخالفتها للحسّ والاعتبار والتّشريح الحاكمين بتساوى الرّجال و النّساء في الأضلاع كما في كشف اللّثام(5)، وعلى المشهور المنصور.
(فلو خلّف ولدين، ذكراً وخنثى، فرضتهما ذكرين تارة(6)) فالفريضة من اثنين (ثمّ ) تفرضهما (ذكراً وأُنثى) فالفريضة من ثلاثة (وضربت

1 . الوسائل:26/285، الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى.
2 . الخلاف:4/106، المسألة 116.
3 . المقنعة:698.
4 . الانتصار:306ـ 307.
5 . كشف اللثام:2/123، الطبعة الحجرية.
6 . خ ل.

صفحه 367
إحدى الفريضتين في الأُخرى) فيحصل ستّة (ثمّ) تضرب ذلك السّتّة (المجتمع في حالتيه) الذّكورة والأُنوثة (في) اثنين (مخرج النّصف) كما هو القاعدة المطّردة في مسألة الخناثى للافتقار إلى تنصيف كلّ نصيب (فيكون اثنا عشر للخنثى) منها (خمسة) نصف مجموع ماله منها على تقدير ذكوريّته وهو ستّة، وما له منها على تقدير أُنوثيّته وهو أربعة (و) الباقي (للذّكر) وهو (سبعة) بالتقريب.
(ولو كان معه) أي الخنثى (أُنثى كان لها خمسة وللخنثى سبعة) بالتقريب المذكور، إلاّ أنّ له على تقدير الذّكوريّة ثمانية، وعلى تقدير الأُنوثيّة ستّة، ونصفهما سبعة.
(ولو اجتمعا) أي الذّكر والأُنثى (معه) أي الخنثى (فالفريضة من أربعين) لأنّها على تقدير الأُنوثيّة من أربعة، وعلى تقدير الذّكوريّة من خمسة، ومضروب أحدهما في الآخر عشرون، ومضروبه في اثنين ـ كما هو قضيّة قاعدة الخناثى وقد أشرنا إليه ـ أربعون ; له منها على تقدير ذكوريّته ستّة عشر، وعلى تقدير أُنوثيّته عشر، ونصفهما ثلاثة عشر، والباقي بين الذّكر والأُنثى أثلاثاً.
ومن هنا تعرف أنّ الضّابط في مسألة الخنثى أنّك تعمل تارة على تقدير ذكوريّته، وأُخرى على فرض أُنوثيّته، وتعطي كلّ وارث منه و ممّن اجتمع معه نصف ما اجتمع له في الفرضين.
ولو اجتمع معه في أحد الفروض أحد الزّوجين صحّحت فريضة الخنثى ومشاركيه مع قطع النّظر عن أحدهما ثمّ ضربت مخرج نصيبه من الرّبع أو الثّمن في الفريضة، وأخذت من الحاصل نصيبه، وقسمت الباقي كما سلف، ففي الفرض الأوّل الّذي فيه الفريضة اثنا عشر لو جامعهما زوج ضربتها في مخرج

صفحه 368
نصيبه أربعة يحصل ثمانية وأربعون، للزّوج اثنا عشر، وللخنثى خمسة عشر، وللابن واحد وعشرون.
ولو جامعهما زوجة ضربت الاثنا عشر في ثمانية مخرج نصيب الزّوجة، وتبلغ ستّة وتسعين، لها اثنا عشر، وللخنثى خمسة وثلاثون، وللابن تسعة وأربعون، كما لا يخفى على المتدرّب، وقس عليه سائر الفروض.
(ولو فقد الفرجين) ولم يكن له فرج الرّجال والنّساء إمّا بأن تخرج الفضلة من دبره، أو يفقده ويكون له ثقبة بين المخرجين تخرج منه الفضلتان أو البول مع وجود الدّبر، أو بأن يتقيّأ ما يأكله (ورث بالقرعة) للنّصوص الكثيرة(1) المعتضدة بالشّهرة العظيمة.
(ومن) كان (له رأسان أو بدنان على حقو واحد) الّذي هو بالفتح فالسّكون معقد الأزار عند الوسط، سواء كان ما تحت الحقو ذكراً أو أُنثى أم خنثى، لأنّ الكلام هنا في اتّحاده وتعدّده، وحكمه أن يوقظ أو (يصاح به(2) فإن انتبها معاً فواحد وإلاّ) ينتبه الآخر عند انتباه أحدهما (فـ) هما (اثنان) للنّصّ(3) ، وعدم الخلاف، وعلى التّقديرين يرث إرث ذي الفرج الموجود، أو فاقد الفرج ذكراً أو أُنثى أو خنثى، واحداً أو اثنين، واللّه العالم.

1 . الوسائل: 26/291، الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى.
2 . خ ل: يوقظ أحدهما.
3 . الوسائل:26/295، الباب 5 من أبواب ميراث الخنثى.

صفحه 369

الفصل السّابع

في بيان ميراث الغرقى والمهدوم عليهم

اعلم أنّ شرط الإرث تحقّق سبق موت المورّث على الوارث وإن قلّ، فلا يحكم به فيما لو ماتا دفعة أو اشتبه السّبق والاقتران أو المتقدّم منهما بالمتأخّر إلاّ ما خرج بدليل خاصّ (و) هو مسألة (هؤلاء) المذكورين فانّهم (يتوارثون) ويرث بعضهم بعضاً للإجماعات المحكيّة والنّصوص المستفيضة(1)، لكن (بشروط(2)) ثلاثة:
(أن يكون لهما أو لأحدهما مال; وكانوا) مع ذلك (يتوارثون) كلّ واحد منهم يرث من الآخر ولو بمشاركة غيره; ومع انتفاء الشّرط الأوّل ينتفي التّوارث من أصله، لعدم ما يورث به إن لم يكن مال لهما، ومع كونه لأحدهما دون الآخر ينتقل إلى ذلك الآخر الّذي لا مال له ثمّ إلى وارثه الحيّ، ولا شيء لورثة ذي المال كما في الصّحيحة.(3) هذا.
وكذا لو انتفى الشّرط الثّاني، كما لو لم يكن هناك استحقاق إرث بالكليّة لعدم نسب أو سبب، أو وجود واحد من موانع الإرث، أو وجود وارث حيّ لكلّ

1 . الوسائل: 26/307، الباب 1 من أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم.
2 . في نسخة: بشرط.
3 . الوسائل:26/309، الباب2 من أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم، الحديث1.

صفحه 370
منهما أو لأحدهما حاجب للميّت الآخر، لم يثبت الحكم أيضاً.
وعلى هذا فلو غرق أخوان ولكلّ واحد منهما ولد، فلا توارث بينهما، بل ولد كلّ يحرز ميراثه; وكذا لو كان الولد لأحدهما خاصّة دون الآخر، وليس للآخر إلاّ أُخوة ذو الولد، فلا يرثه الأخ ويختصّ الميراث بغيره، وإن كان أبعد لعدم ثبوت بقائه بعد أخيه الّذي قد قلنا إنّه شرط في الإرث.
(و) يشترط أيضاً أن (يشتبه المتقدّم) منهم في الموت بالمتأخّر، فلو علم اقتران الموت فلا إرث، ولو علم المتقدّم من المتأخّر ورث المتأخّر المتقدّم دون العكس.
(وفي ثبوت هذا الحكم) يعني التّوارث بين الأموات المشتبهين في الموت بحسب السّبق والاقتران، مع اجتماع ما مرّ من الشّرائط، فيما إذا كان الموت (بـ)سبب آخر (غير الغرق والهدم) كالقتل والحرق (إشكال) من الأصل المتقدّم في شرط التّوارث مع اختصاص النّصوص بالغرقى والمهدوم عليهم، ومن أنّ الظاهر أنّ العلّة في التّوارث بينهم الاشتباه المستند إلى سبب وهي موجودة في محلّ البحث، ولا ريب انّ الأشبه الأوّل، والعلّة مستنبطة لا عبرة بها.
ولو كان الموت حتف الأنف فلا توارث مع الاشتباه، إجماعاً. هذا.
(ومع) اجتماع (الشّرائط) المتقدّمة (يرث كلّ واحد منهم من) صلب تركة (صاحبه لا ممّا ورث منه) للأصل، والإجماع في محكيّ الغنية(1)، واختصاص النّصوص الدّالّة على توريث كلّ منهم من صاحبه ـ بحكم التّبادر ـ بالتّوارث من أصل التّركة، وقال ا(2)لمفيد وسلاّر:(3) يورث ممّا ورث منه أيضاً،

1 . الغنية:332.
2 . المقنعة:698 ـ 699.
3 . المراسم:225ـ 226.

صفحه 371
لإطلاق الأدلّة، ولعدم الفائدة في تقديم الأضعف لولا ذلك.
(و) قد ورد في النّصّ الصّحيح(1) أنّه (يقدّم الأضعف) والأقلّ نصيباً وفرضاً (في الإرث) بأن يفرض موت الأقوى أوّلاً ويرث الأضعف منه نصيبه ثمّ يفرض موت الأضعف ثانياً، ويورث منه الأقوى من أصل تركته; وما تقدّم حجّة عليهما، مضافاً إلى ما ذكره جماعة وهو فرض الحياة بعد الموت لأنّ التّوريث من الثّاني يقتضي فرض موته فلو ورث ما انتقل عنه لكان حيّاً بعد انتقال المال عنه، وهو ممتنع عادة في موضوع واحد من جهة واحدة، وهذا بخلاف التّوارث بينهما، و إرث الأوّل من الثّاني ضرورة كون ذلك من فرض الحياة والموت في كلّ واحد منهما، لا فرضهما معاً في واحد مخصوص، هذا مع اختلاف الجهة لفرض الموت من حيث إنّه يورث والحياة من حيث إنّه يرث به. هذا.
مع أنّ وجوب تقديم الأضعف محل تردّد، بل منع، فظاهر الإرشاد(2) وصريح التّحرير(3) والدّروس(4) ومحكيّ الإيجاز(5) و الغنية(6)، هو الاستحباب، للأصل، مع خلوّ كثير من النّصوص عن أداة التّرتيب.
وعلى تسليم الوجوب ـ كما هو ظاهر المتن واللّمعة(7)، وفاقاً لمحكيّ الشّيخين(8) والحلّي(9) وغيرهم لظهور النّصوص المتضمّنة للترتيب فيه ـ فهو تعبّد

1 . الوسائل:26/315، الباب 6 من أبواب ميراث الغرقى، الحديث2.
2 . إرشاد الأذهان:2/130.
3 . تحرير الأحكام:2/175، الطبعة الحجرية.
4 . الدروس:2/353.
5 . الإيجاز(الرسائل العشر):276.
6 . الغنية:332.
7 . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:8/219.
8 . المقنعة: 699; المبسوط:4/118.
9 . السرائر:3/300.

صفحه 372
محض، لا يترتّب عليه ثمرة بعد ما عرفت من إرث كلّ منهما من تالد مال الآخر دون طارفه، لا لعلّة معقولة، وأكثر علل الشّرع عنّا خفيّة، لعجز أفهامنا عن إدراكها بالكلّيّة، وإلاّ فلا يفترق الحال بين تقديم الأقلّ نصيباً وتأخيره بعد توريث كلّ منهما من أصل مال صاحبه لا ممّا ورث منه أيضاً، نعم، تظهر فائدة التّقديم على قول المفيد، ضرورة ترتّب الزّيادة والنّقصان عليه، وعلى اعتبار التّقديم.
(فلو غرق) الزّوج والزّوجة قدّم موت الزّوج وورثت منه الزّوجة أوّلاً ثمنها أو ربعها، ثمّ يفرض موت الزّوجة ويورّث منها الزّوج ثانياً ربعه أو نصفه من تركتها الأصليّة، لا ممّا ورثته أيضاً، وعلى قول المفيد(1) يعطى ربعه أو نصفه أيضاً.
ولو غرق (أب وابن) واحد أو أكثر ولم يبلغوا ستة (فرض(2) موت الابن أوّلاً، وأخذ الأب نصيبه) منه (ثمّ ) يفرض موت الأب و (يرث الابن نصيبه من) صلب (تركة الأب لا ممّا ورث منه، وينتقل نصيب كلّ واحد منهما إلى وارثه) الخاصّ أو العامّ.
ولو كان لأحدهما وارث خاصّ دون الآخر أُعطي ما اجتمع لذي الوارث الخاصّ لهم، وما اجتمع لعديم الوارث الخاصّ لوارثه العامّ الّذي هو الإمام (عليه السلام) .
ولو لم يكن لهما وارث خاصّ غير أنفسهما بأن انحصر الوارث الخاصّ لكلّ منهما في الآخر انتقل مال كلّ منهما إلى الآخر فرضاً، ثمّ انتقل منهما إلى الإمام (عليه السلام) بالفعل، لأنّه (عليه السلام) «وارث من لا وارث له شرعاً»(3) كما هنا، لأنّ فرض تأخّر موت كلّ منهما عن صاحبه المقتضي لكونه وارثاً قد انقطع بالفرض الآخر المُضادّ له

1 . المقنعة: 699.
2 . خ ل: يفرض.
3 . الوسائل:26/248، الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة.

صفحه 373
فكأنّه لا وارث لهما، سيّما مع إمكان تقارن موتهما.
ثمّ إنّ كون الأب أضعف إنّما هو على تقدير كون الابن منفرداً بالإرث أو معه مشارك يزيد حصّته معه عن السّدس، فلو فرض أنّ للأب خمسة أبناء غير الّذي غرق معه كانا مساويين في الإرث; ولو فرض كون الأبناء أكثر من ستة انعكس الأمر، وكان الابن أضعف، هذا كلّه مع التّفاوت بين الغريقين والمهدومين في الاستحقاق; وأمّا مع عدمه فيسقط اعتبار التّقديم قطعاً، كأخوين لأب أو لأُمّ أو لهما، فإن كان لكلّ منهما مال ولا مشارك لهما في الإرث انتقل مال كلّ منهما إلى صاحبه فرضاً، ثمّ ينتقل منهما إلى وارثهما الخاصّ محقّقاً.
(ولو كان لأحد الأخوين مال) دون الآخر (انتقل ماله) إلى ذلك الآخر فرضاً ثمّ ينتقل (إلى ورثة) خاصّة لذلك (الآخر) محقّقاً، ولم يكن لذي المال شيء، ولا يجري فيه حكم الغرقى كما ذكرناه في أوّل الفصل، (ولو لم يكن) هناك (وارث) خاصّ أصلاً (كان) المال من كلّ منهما في الأوّل، ومن ذي المال خاصّة، في الثّاني (للإمام (عليه السلام) ) كالسّابق الّذي كان بينهما تفاوت في الضّعف والقوّة.

صفحه 374

الفصل الثّامن

في ميراث المجوس

وغيرهم من فرق الكفر إذا أسلموا، أو ترافعوا إلى حكّام الإسلام، أو اشترط عليهم التزامهم بأحكامه، وقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
فالمحكيّ عن المفيد(1) والتّقيّ(2) والحلّي(3) وعلم الهدى(4) تبعاً ليونس بن عبد الرّحمن ـ من أجلاّء قدماء الأصحاب ورواتهم من رجال الكاظم والرّضاعليمها السَّلام ـ انّهم يتوارثون بالصّحيح من النّسب والسّبب دون فاسدهما لبطلانه في شرع الإسلام، فلا يجوز لحاكمه أن يرتّب عليه أثرها.
وعن الصّدوق(5) والعمّاني(6) تبعاً للفضل بن شاذان النّيشابوري ـمن أصحابنا الفضلاء العظماء المتكلّمين من رجال الهادي والعسكري عليمها السَّلامـ أنّهم يتوارثون بالنّسب مطلقاً، وبالصّحيح من السّبب دون فاسده، واختاره في اللّمعة(7) أيضاً، أمّا الأوّل فلأنّ المسلمين يتوارثون بمطلق النّسب حيث تقع

1 . المقنعة:699.
2 . الكافي في الفقه:377.
3 . السرائر:3/287.
4 . رسائل الشريف المرتضى:266، المجموعة الأُولى.
5 . من لا يحضره الفقيه:4/343ـ 346.
6 . نقله عنه العلاّمة في المختلف:9/91.
7 . الروضة البهية:8/222.

صفحه 375
الشّبهة وهي موجودة فيهم، وأمّا الثّاني فلقوله تعالى : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ)(1) و (قُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ)(2) (وَ إِن حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ)(3) ولا شيء من الفاسد بما أنزل اللّه، ولا بحقّ، ولا بقسط.
(و) عن الشّيخ(4) وجماعة(5) ـ بل قيل انّه المشهور ـ انّ (هؤلاء يرثون بالسبب والنّسب) مطلقاً من غير فرق بين (صحيحهما وفاسدهما) لما في غير واحد من الأخبار: «أنّ كلّ قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمه»(6) لكن (على خلاف) في ذلك كما عرفته.
وعلى المشهور (فلو ترك) المجوسيّ (أُمّاً هي زوجته(7) فلها نصيبهما) أي نصيب الأُمومة و الزّوجيّة، وعلى مختار الفضل فالأوّل فقط، وكذلك على قول يونس إن كانت أُمّه على نكاح صحيح وإلاّفلا شيء لها.
(ولو كان أحدهما) أي السّببين المجتمعين في ورثة المجوس (مانعاً) من الإرث بالآخر (ورث به خاصّة) دون السّبب الممنوع، وذلك (كبنت هي) أُخت، كأن تزوّج أُمّه فأولدها بنتاً، فهي بنته لصلبه، وأُخته لأُمّه، ونحوه ما لو تزوّج بنته فأولدها بنتاً، فهي بنته لصلبه مع كونها (بنت بنت، فإنّها ترث) في المثالين (من نصيب البنت خاصّة) لا من نصيب الأُخت أيضاً معه في المثال الأوّل، ولا من نصيب بنت البنت في المثال الثّاني،وهو واضح، واللّه العالم.

1 . المائدة:49.
2 . الكهف:29.
3 . المائدة:42.
4 . النهاية ونكتها:3/269ـ 271.
5 . المهذب:2/170ـ 171; المراسم:224; الوسيلة:403.
6 . الوسائل:26/318، الباب1 من أبواب ميراث المجوس، الحديث 3.
7 . خ ل: زوجة.

صفحه 376

صفحه 377

كتاب القضاء

ـ والحكم بين النّاس ـ

والشّهادات والحدود

(وفيه فصول):

صفحه 378

صفحه 379

الفصل الأوّل

في صفات القاضي

(ولابدّ أن يكون مكلّفاً) بالبلوغ والعقل.
(مؤمناً) بالمعنى الأخصّ، معتقداً بالأُصول الخمسة.
(عدلاً عالماً) بجميع الأحكام عن أدلّتها ولو بالظنّ الاجتهادي القائم مقام العلم بالدّليل القطعيّ.
(ذكراً طاهر المولد) عن الزّنا.
(ضابطاً) غالب الحفظ فلا ينفذ قضاء الصّبيّ، وإن كان مراهقاً، بل ومجتهداً جامعاً للشّرائط، بل وإن كان أعلم من غيره; ولا المجنون إطباقيّاً أو أدواريّاً، ولا غير المؤمن الاثني عشري، ولو كان من سائر فرق الإسلام، ولا المرأة، ولا الفاسق.
(ولا) من لا يعلم جميع الأحكام عن اجتهاد، فلا (يكفيه) التّقليد والعمل على طبق (فتوى العلماء) ولا الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض، على القول بتجزّي الاجتهاد، كما لا ينفذ قضاء ولد الزّنا، ولا غير الضّابط الغالب عليه النّسيان، أو المساوي ذكره، بلا خلاف يظهر في شيء من ذلك، بل دعوى

صفحه 380
الوفاق على غير الأخير في المسالك(1)، واستظهار عدم الخلاف فيه في الرّياض(2).
مضافاً في الصّغير والمجنون إلى سلب أقوالهما وأفعالهما وكونهما مولّى عليهما، وعدم نفوذ قولهما وفعلهما على أنفسهما فانتفاء ولايتهما وعدم نفوذ قولهما على الغير أولى، فلا يصلحان لهذا المنصب العظيم، كعدم صلاح الفاسق الإماميّ المردود الشّهادة القاصر عن الولاية على يتيم ونحوه له بطريق أولى، فضلاً عن غير الإماميّ الّذي لا يعادل فسق فسقه مع اختلاف الفريقين في الأُصول المعتبرة في القضاوة، مضافاً إلى تواتر النّصوص في النّهي عن التّرافع إلى قضاة العامّة(3)، بل هو من ضروريّات الدّيانة الحقّة الجعفريّة، فما ظنّك بالكافر الّذي لا ريب في عدم جواز تصدّره لهذا المنصب الجليل، وعدم جواز إيكاله إليه و «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»(4)
ومنه يستأنس إلى اشتراط طهارة المولد مؤيّداً بتنفّر الطباع عن ولد الزّنا، مضافاً إلى فحوى ما دلّ على المنع من إمامته وشهادته، فالقضاء أولى به.
وأمّا العلم فلا ريب فيه لتواتر النّصوص في النّهي عن القول على اللّه بغيره.
وأمّا الذّكورة، فللإجماع، والنّبويّ«لايفلح قوم وليتهم امرأة».(5)
وقوله (عليه السلام) : «ليس على النّساء جمعة ولا جماعة» إلى أن قال: «ولا تولّى القضاء».(6)

1 . المسالك:13/327.
2 . الرياض:9/239ـ 240.
3 . الوسائل:27/106، الباب 9 من أبواب صفات القاضي; الكافي:1/54ح 10.
4 . الوسائل:26/14، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 11.
5 . سنن البيهقي:10/118.
6 . الوسائل: 27/16، الباب 2 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.

صفحه 381
وغيرهما . مضافاً إلى التّقييد بالرّجل في بعض نصوص النّصب، والانصراف إليه فيما عداه، ومؤيّداً بأنّه لا يليق بحالها مجالسة الرّجال ورفع الصّوت بينهم، ولابدّللقاضي من ذلك. هذا.
ومع الشّكّ في هذا و غيره من الشّرائط فالمرجع هو أصالة عدم نفوذ الحكم، وعدم ترتيب آثاره، وعدم صدور الإذن من الإمام (عليه السلام) في هذا المنصب الجليل، فإنّه مرتبة عالية وأمارة شرعيّة وغصن من دوحة الرئاسة العامّة الثّابتة للنبيّ والأئمّة (عليهم السلام) ، وخلافة عنهم ولابدّ من إحراز الإذن منهم.
وبالجملة: فكلّ ما شكّ في اشتراطه فقضيّة الأصل ذلك، فلا يبعد القول باشتراطه الحرّية والنّطق والسّمع والبصر والكتابة، وغلبة الحفظ، كما عن بعض الأجلّة لذلك، مع إمكان دعوى الانصراف في بعضها، لو لم يكن كلّها، وعليه المصنّف في قواعده(1) في غير السّمع، ونحوه كشف اللّثام(2)، وعن فخر المحقّقين فيما حكي عن إيضاحه(3)، لو امتنع سماعه لم تصحّ توليته إجماعاً، لامتناع سماع البيّنات والأيمان والإقرارات، هذا كلّه مع مناسبات جليّة لا تخفى على من له أدنى دربة ورويّة.
(و) من هنا يظهر أنّه (لابدّ) مع اجتماع هذه الشّرائط (من إذن الإمام(عليه السلام) ) بالقضاء لمستجمعها، ولا يكفي مجرّد اجتماعها فيه إجماعاً، لاتّفاق النّصّ(4)والفتوى على اختصاصه (عليه السلام) بمنصب القضاء، فلا يجوز لأحد التصرّف فيه إلاّ بإذنه قطعاً، (و) لا ريب في ذلك مع حضوره، نعم، (ينفذ

1 . قواعد الأحكام: 3/421 ـ 422.
2 . كشف اللثام:2/143.
3 . الإيضاح:4/396.
4 . الكافي:7/406، ح1; التهذيب:6/217ح 511.

صفحه 382
قضاءالفقيه مع الغيبة إذا جمع(1) الصّفات) المذكورة، فانّه مأذون من قبله على سبيل العموم نصّاً(2) وإجماعاً.

]في آداب القاضي [

(و) من آداب القاضي :انّه (يستحبّ ) له (الإعلان بوصوله) وقدومه إن لم يشتهر خبره (والجلوس في) موضع بارز من (وسط البلد) للتّسوية بين الخصوم في مسافة الطّريق، ولتسهيل الوصول إليه، وليكن في حال القضاء (مستدبر القبلة) ليكون وجوه النّاس إليها إذا وقفوا بين يديه ليكون ذلك أردع لهم عن الكلام الباطل، وخصوصاً في وقت الاستحلاف.
(و) منها: (السّؤال عن الحجج والودائع) للنّاس، (و) وثائق الأيتام، والأوقاف، وديوان الحكم المشتمل على المحاضر والسّجلاّت، ونحوها، ويأخذها من يد الحاكم المعزول الّذي كانت في يده بالولاية الّتي انتقلت إليه عن (أرباب السّجن وموجبه)، ويثبت أسماءهم، ويبحث عن موجب حبسهم، ليعلم تفاصيل أحوال النّاس ويعرف حقوقهم وحوائجهم،ويخلّص من يجب تخليصه من المحبوسين.
(و) منها: (أن يفرّق الشّهود) عند الإقامة، فانّه أوثق، (خصوصاً مع التّهمة) والرّيبة، وهذا في غير العلماء والصّلحاء وذوي البصائر; وفيهم لا يستحبّ، بل يكره، بل ربّما يحرم لما يتضمّن ذلك من الغضاضة والمهانة بهم،

1 . خ ل: اجتمع.
2 . الكافي:7/412 ح4; التهذيب:6/219 ح516.

صفحه 383
وكسر قلوبهم.
(و) منها: (مخاوضة العلماء) ومعاونتهم في المسائل المشتبهة لينبّهوه على خطئه(1) لو كان، وينبغي أن يجمع قضايا كلّ أُسبوع وحججه و وثائقه، ويكتب تاريخها أو أسامي أربابها عليها، فإن اجتمع كلّ شهر كتب عليه شهر كذا، أو سنة فسنة كذا، أو يوم فيوم كذا، ليكون أسهل عليه، وعلى من بعده من الحكّام في استخراج المطلوب منها وقت الحاجة.
ويستحبّ أيضاً أن يخرج للقضاء في أجمل هيئته، وعلى سكينة ووقار، ولا يجلس على التّراب، ولا على بارية المسجد ـ إن قضى فيه ـ بل يفرش له ما يجلس عليه ،لأنّه أهيب له في أعين الخصوم وأنفذ لأمره، ويجلس عليه وحده ليتميّز عن غيره.

]في الآداب المكروهة للقاضي [

(ويكره القضاء: مع شغل القلب بالغضب، والجوع والعطش، والهمّ والفرح،وغيرها) من المشغلات، كالمرض، وغلبة النّعاس، ومدافعة الأخبثين، ونحوها، ممّا يمنع التّوجّه التّامّ، والإقبال الكامل.
(و) يكره أيضاً: (اتّخاذ الحاجب وقت القضاء، وتعيين قوم للشّهادة) بحيث لا يقبل شهادة سواهم، لما يترتّب عليه من التّضييق على النّاس، بل لا يبعد تحريمه لو أوجب إبطال شهادة مقبولي الشّهادة، فانّه ربّما يتحمّل الشّهادة غيرهم، فإذا لم تقبل شهادتهم ضاع الحقّ عن أهله.

1 . في نسخة الأصل: خطئهم، و هو تصحيف.

صفحه 384
(و) يكره أيضاً: (الشّفاعة إلى الغريم) وصاحب الحقّ (في إسقاط حقّه) الثّابت عنده، ولا يكره قبل الثّبوت، بل يستحبّ التّرغيب في الصّلح .
(ويقضي الإمام (عليه السلام) بعلمه) مطلقاً (وغيره) يقضي (به) أي بعلمه (في حقوق النّاس) والمشهور أنّ حقوق اللّه وحدوده أيضاً كذلك، بل عليه الإجماع عن جماعة (وإن انتفى العلم) بالحقّ (حكم بالشّهادة مع علمه بعدالة الشّهود أو التزكية) لهم وتعديلهم مع جهله بها، وإن عرف الفسق طرح الشّهادة، ولا يطلب التّزكية، وحيث يطلبها فإن لم يكن هناك تزكية فلا بحث، وإن زكّاهم بشاهدين على كلّ منهم يعرفان العدالة ومزيلها أثبت العدالة، ثمّ يسأل الجرح عن الخصم (وتسمع) التّزكية، وشهادة التّعديل، ولو كانت (مطلقة) غير مبيّن السّبب (بخلاف) شهادة (الجرح) فلا تسمع إلاّ مفصّلة مبيّنة للسبب، ولعلّه لتعدّد ما يعتبر في العدالة فيحتاج التّفصيل إلى ذكر جميع الكبائر وغيرها، وهو متعسّر بخلاف الجرح الّذي يكفي فيه ذكر سبب واحد، وهذا هو المشهور، ولكن الظّاهر وفاقاً لبعضهم كفاية الإطلاق فيهما مع العلم بالأسباب وموافقة مذهبهما لمذهب الحاكم، اجتهاداً أو تقليداً، ووجوب ذكر السّبب في غيره.
(ومع التّعارض) بين الجرح والتّعديل كأن أطلقا الجرح والتّعديل، وقال أحدهما: إنّه فاسق، والآخر: إنّه عادل، أو قال الجارح: إنّه شرب الخمر في يوم معيّن، وقال المعدّل: إنّه كان في ذلك اليوم أجمع في مكان كذا، فقد يقال انّه (يقدّم الجرح) لاعتضاده بأصالة عدم حصول سبب الحكم، ولكن الأظهر التّساقط والرّجوع إلى الحالة السّابقة إن كانت معلومة، وإلاّ فالتّوقف، كما لو لم

صفحه 385
يكن هناك بيّنة. هذا.
وأمّا مع عدم التّعارض والتّكاذب فلا إشكال، كما لو قال المعدّل: إنّه ذو ملكة رادعة، ولا أعلم صدور كبيرة منه; وقال الجارح: رأيته قد ارتكب المعصية الفلانية; أو قال الجارح: إنّه ارتكب كبيرة في يوم كذا، والمعدّل: إنّه تاب بعد ذلك، وهو فعلاً ذو ملكة. وحينئذ فيحكم بالعدالة في الثّاني، والفسق في الأوّل، لعدم المنافاة بينهما أصلاً.
(وتحرم الرّشوة) على الحكم بذلاً وأخذاً، إجماعاً، ونصوصاً(1)، بل ضرورة من الدّين، بل في جملة من الأخبار انّ «الرّشا في الحكم كفر با(2)للّه» وفي بعضها «أنّه شرك»(3) لبقائها على ملكه، وعليه فلو تلفت قبل وصولها إليه ضمنها له لعموم «على اليد» وغيره (ويجب إعادتها) إلى باذلها (وإن حكم بالحقّ).
(وإذا التمس الغريم) المدّعي للحقّ من الحاكم (إحضار خصمه) مجلس الحكم (أجابه ) الحاكم وجوباً مطلقاً (إلاّ) في (المرأة) المخدّرة (غير البرزة (4) أو المريض فينفذ إليهما من يحكم بينهما(5)) أو يحلفهما، أو أنّه يأمرهما بنصب وكيل يخاصم عنهما، وأمّا المرأة البرزة الّتي من عادتها البروز لحوائجها ولو إلى مجالس الرّجال فهي كالرّجل.

1 . الوسائل:27/222ـ 223، الباب 8 من أبواب آداب القاضي، الحديث 3و 4و 5و 7و 8.
2 . المصدر نفسه: الحديث3.
3 . بحار الأنوار:75/345 ح 42.
4 . خ ل: المبرّزة.
5 . خ ل: معهما.

صفحه 386

الفصل الثّاني

في كيفيّة الحكم

(و) يجب (عليه) أي القاضي (أن يسوّي بين الخصمين في الكلام) معهما، (والسّلام) عليهما وردّه إذا سلّما، (والمكان) لهما فيجلسهما بين يديه معاً، (والنّظر) إليهما (والإنصات) والاستماع لكلامهما (والعدل في الحكم) بينهما، وغير ذلك من أنواع الإكرام، كالإذن في الدّخول، وطلاقة الوجه، ونحوهما، للنّصوص المستفيضة.(1)
(و) لو كان أحد الخصمين مسلماً والآخر كافراً (يجوز أن يكون المسلم قاعداً أو أعلى منزلاً والكافر قائماً أو أخفض) قولاً واحداً، وظاهر العبارة وماضاهاها من عبائر الجماعة وجوب التّسوية بينهما في ماعدا ذلك، ولكنّ الظّاهر خلافه، للأصل، واختصاص النّصوص الموجبة ـ ولو بحكم التّبادر ـ بغير الفرض المعلوم فيه شرف الإسلام على غيره، فهو يعلو ولا يعلى عليه، وأجود منه رعاية خصوصيّات الموارد.
(ولا) يجوز للقاضي أن (يلقّن الخصم) ويعلّمه شيئاً يستظهر به على خصمه كأن يدعي بطريق الاحتمال فيلقّنه الدّعوى بالجزم حتّى تسمع دعواه، أو

1 . الوسائل:27/214، الباب 3 من أبواب آداب القاضي.

صفحه 387
ادّعى عليه قرض وأراد الجواب بالوفاء، فيعلّمه الإنكار لئلاّ يلزمه البيّنة باعترافه، ونحو ذلك، بلا خلاف فيه على الظّاهر، وعلّلوه بأنّه منصوب لسدّ باب المنازعة لا فتحها، والظّاهر أنّه لا يندرج في الفرض تلقينه بعد العلم بكونه على الحقّ إذ هو من المعاونة على البرّ، ومجرّد فتح باب المنازعة المنصوب لسدّها بحيث يصير سبباً لعدم إبطال حقوق النّاس لا يقتضي حرمة ذلك، خصوصاً بعد إمكان اندراجه في تعليم محاورات الشّرع، واللّه العالم.
(ولو بادر (1) أحدهما بالدّعوى قدّمه) وجوباً، لكن (فيها) خاصّة لا غيرها من الدّعاوى، ولا فرق بين الذّكر والأُنثى، والشّريف والوضيع، لأحقيّة السّابق من غيره في جميع الحقوق المشتركة، ولو قطع عليه غريمه كلامه في أثناء تلك الدّعوى فقال: كنت أنا المدّعي لم يلتفت إليه حتّى تنتهى تلك الخصومة الّتي هي أحقّ من دعواه بالسّبق.
(ولو ادّعيا دفعة سمع من الّذي على يمين صاحبه(2)) في المجلس، للنّصّ(3)، والإجماع المحكيّ عن الشّيخ(4) والمرتضى.(5)
وكيف كان فجواب الخصم المدّعى عليه إمّا إقرار بما ادّعي عليه، أو إنكار له، أو سكوت (فإن أقرّخصمه) المدّعي عليه بما ادّعي عليه ثبت في ذمّته و(الزمه) الحاكم بتأديته (إذا كان كاملاً) بالبلوغ والعقل (مختاراً) في إقراره، جائز التّصرّف، وغير ذلك من شرائط نفوذ الإقرار المذكورة في بابه، (فإن

1 . خ ل: بدر.
2 . خ ل : خصمه.
3 . الوسائل:27/218، الباب 5 من أبواب آداب القاضي، الحديث2.
4 . المبسوط:8/154.
5 . الانتصار:243.

صفحه 388
امتنع) من التّأدية (حبسه مع التماس خصمه(1)) بلا خلاف يظهر وللخبر «ليّ الواجد يحلّ عقوبته وعرضه»(2) وفسّر العقوبة بالحبس، والعرض بالأغلاظ له في القول، كقوله: يا ظالم، ونحوه، ورفع الصّوت عليه.

]في جواب المدّعى عليه [

(ولو طلب المدّعي) من الحاكم الحكم حكم له على المقرّ، و يقول له: قضيت عليك به وجوباً، ولا إشكال فيه ولا خلاف.
وفي جوازه بدون طلب المدّعي ومسألته، قولان، فعن المبسوط(3) توقّفه على سؤاله، فانّه حقّه فيتوقّف الحكم على طلبه، ولكنّ الأظهر الأوّل، بشهادة حال المدّعي بطلبه، مع أنّ مقتضى الأدلّة بعد الرّجوع إلى الحاكم للمرافعة جواز تصدّيه لها بجميع كيفيّاتها من دون حاجة إلى السّؤال عن المدّعي أو المدّعى عليه، نعم لا يجوز الحكم مع ظهور عدم الرّضا من المدّعي، فضلاً عن منعه عنه لغرض من الأغراض. هذا.
ولو التمس المدّعي من الحاكم (إثبات حقّه) وكتابة إقراره (أثبته) وكتب أنّ زيد بن عمرو ـ مثلاً ـ أقرّ بكذا لبَكر لكن (مع معرفته باسمه ونسبه أو بعد معرفة عدلين له) يشهدان باسمه ونسبه (أو ) يثبته (بالحلية) الخاصّة مع قناعة المدّعي بها فيكتب صفة المقرّ من طوله وقصره وبياضه وسواده ولكنته ونحو ذلك من الأوصاف الّتي يؤمن معها من التّزوير، ولا يجوز كتابته

1 . خ ل : الخصم.
2 . الوسائل:18/333، الباب 8 من أبواب الدين والقرض، الحديث 4.
3 . المبسوط:8/157ـ 158.

صفحه 389
بمجرّد إقراره، وإن صادقه المدّعي حذراً من تواطئهما على نسب لغيرهما ليلزما ذا النّسب بما لا يستحقّ عليه. هذا.
والظاهر عدم وجوب كتابة الحكم و إعطائه للمدّعي المحكوم له، للأصل، مع عدم المخرج، وكتابة الحكم غير الحكم الواجب بلا إشكال، كما لا إشكال في وجوبها مع توقف وصول الحقّ عليها.
ويحرم أخذ الأُجرة عليها لذلك، كأخذها على أصل الحكم، والظّاهر جواز أخذ قيمة القرطاس والمداد فإنّ الواجب في مورده هو العمل لا بذل المال.
واعلم أنّ مقتضى الآية والأخبار الدّالّة على الحبس أنّ الإعسار شرط في وجوب الإنظار، لا أنّ الإيسار شرط في جواز الحبس والإجبار.
(و) على هذا فـ(لو ادّعى) المدّعى عليه بعد إقراره بصحّة الدّعوى (الإعسار) والعجز عن أداء الحقّ لعدم ملكه للزّائد على المستثنيات في الدّين، ولم يثبت إعساره يجوز حبسه وإجباره.
(و) إن شئت قلت: إنّ الأصل المستفاد من الآية والأخبار هو جواز الحبس والإجبار ما لم يثبت الإعسار، نعم لو (ثبت) ذلك عند الحاكم بعلمه أو بتصديق المدّعي (أنظره الحاكم) وأمهله وجوباً إلى أن يمكن له الوفاءُ ويتيّسر، للأصل، والآية، والمستفيض من الرّواية، (وإن لم يثبت) بذلك (الزم) بإثباته (بالبيّنة) العادلة على تلف المال (إذا عرف له) أصل (مال) قبل ذلك (أو كان أصل الدّعوى مالاً) كالقرض ونحوه وادّعى تلف ذلك المال وأنّه معسر فعلاً، فإن أقام بيّنة على ذلك انظر، وإلاّ فالمحكيّ عن الأكثر أنّه يحبس حتّى يثبت إعساره، وعن التّذكرة(1) أنّه يحلف المحكوم له على بقاء ماله فيحبس

1 . التذكرة:2/58، الطبعة الحجرية.

صفحه 390
لعموم ما دلّ على وجوب الحلف على المنكر، ولكن الأظهر هو ما عليه الأكثر لما ذكرناه من ظهور الأدلّة في الحبس حتّى يتبيّن إعساره، وانّه يكفي في جوازه عدم تحقّق الإعسار، وهي مخصّصة لعمومات وجوب الحلف على المنكر (وإلا) يعرف له أصل مال، ولا كانت الدّعوى مالاً، بأن كان مسبوقاً بالإعسار، فإن صدّقه المحكوم له، فهو; وإن كذّبه، وأقام بيّنة على كونه موسراً، جرى عليه حكمه من الحبس والإجبار، وإلاّ فيستحلف المحكوم عليه المدّعي للإعسار و (قبل قوله مع اليمين) ووجب إنظاره لموافقة دعواه الأصل، فيكون في حكم المنكر الّذي هو من وافق قوله الأصل، وإن نكل حبس حتّى يثبت إعساره، لا للحكم بالنّكول، بل لما ذكرناه من كون الإعسار شرطاً للإنظار، ولم يثبت، لا أنّ الإيسار شرط الإجبار.
وإن ردّ اليمين على المحكوم له، فحلف، جرى عليه حكم الإيسار; وإن نكل، فإن قلنا بالحكم بالنّكول سقط حقّه، وإلاّ فالظّاهر جريان حكم الإيسار، لما مرّ.
وبالجملة : فالدّعوى الغير المالي الّذي يحكم فيه مع سبق الإعسار بحلف مدّعيه كالصّداق والإتلاف ونفقة الزّوجة والأقارب والجناية الموجبة للمال، ونحو ذلك، وهذا بخلاف ما كان أصل الدّعوى مالاً أو عرف للمدّعى عليه أصل مال قبل ذلك، فإنّ أصالة بقائه تمنع قبول قوله، ثمّ إنّ ذلك كلّه حكم ما علم كون مدّعي الإعسار مسبوقاً به أو بالإيسار، وأمّا إذا لم يعلم الحال السّابق، أو علم توارد الحالين ولم يعلم المتأخّر، فقضيّة القاعدة المذكورة، والاخبار، جواز الحبس حتّى يتبيّن الحال.
ثمّ إنّ هذا كلّه حكم إقرار المدّعى عليه بصحّة الدّعوى، (وإن

صفحه 391
جحد) ها (طلب) الحاكم (البيّنة من المدّعي، فإن أحضرها) وعرف الحاكم عدالتها (حكم له، وإلاّ) يحضرها، وقال هي غائبة أُجّل بمقدار إحضارها بلا خلاف يظهر، وإن قال المدّعي: إنّه لا بيّنة له (توجّهت له) أي للمنكر (اليمين) على عدم حقّ للمدّعي عليه، (وإن (1) التمسها) أي المدّعي اليمين (احلف(2)المنكر) وعلى نسخة أحلف فالفعل مبنيّ للمفعول أو هو للفاعل والضّمير للحاكم.
(ولا يجوز) تبرّع المنكر باليمين، ولا للحاكم (إحلافه حتّى يلتمس المدّعي) بلا إشكال لأنّه حقّ له، وإن كان إيقاعه إلى الحاكم، وليس هنا شهادة حال كما كان في الحكم بدون طلب المدّعي على ما أشرنا إليه، إذ ربّما تعلّق غرضه بعدم سقوط الدّعوى، بل بقائها إلى وقت آخر، إمّا ليتذكّر البيّنة، أو يتحرّى وقتاً صالحاً، أو يرتدع المنكر عن إنكاره، أو تتبدّل الخصومة بالصّلح، ونحو ذلك.
وعلى هذا (فإن تبرّع) المنكر بالحلف (أو أحلفه الحاكم) من دون سؤال المدّعي لغى و (لا (3) يعتدّ بها، وأُعيدت) اليمين (مع التماس المدّعي، فإن) حلف ثانياً بعد التماس المدّعي و امر الحاكم فذاك، وإن (نكل) عن اليمين وردّها لم يحكم عليه بمجرّد نكوله، بل (ردّت) اليمين (على المدّعي) من طرف الحاكم من باب النّيابة العامّة فانّه وليّ الممتنع، (وثبت حقّه) بتلك اليمين المردودة (إن حلف، وإن(4) نكل بطلت(5) دعواه) وفاقاً لكثير من القدماء وأكثر المتأخّرين، بل عليه الإجماع في محكيّ الخلاف(6) والغنية(7)، مضافاً

1 . خ ل : فإن.
2 . خ ل :حلف.
3 . خ ل :لم.
4 . خ ل :فإن.
5 . في نسخة: بطل.
6 . الخلاف:6/293، المسألة 39ـ 40، كتاب الشهادات.
7 . الغنية:442ـ 443.

صفحه 392
إلى الأصل الدالّ على براءة ذمّة المنكر عن الحقّ المدّعى به، وعدم ثبوته عليه بمجرّد نكوله كما هو القول الآخر، لاحتمال كونه لاحترام اليمين لا الإذعان بثبوت الحقّ ولزومه، فلا يخرج عنه إلاّ بدليل قائم على إثباته عليه بمجرّده.
وبالجملة: فالقدر المتيقّن المخرج من حكم ذلك الأصل ثبوت الحقّ على المنكر بالنّكول والحلف من المدّعي بعد الرّدّ كليهما، للإجماع عليه حينئذ، هذا كلّه مضافاً إلى الأخبار المستفيضة(1) الدّالة على أنّ القضاء بين النّاس بالبيّنات والأيمان، مع أنّ الواجب على المنكر الحلف أو الرّدّ على المدّعي للأخبار الدّالة على التّخيير بينهما، وإذا امتنع عن الأمرين ردّ الحاكم من باب الولاية على الممتنع، هذا.
وأمّا قوله (عليه السلام) : «البيّنة للمدّعي واليمين على المدّعى عليه»(2) الدّال على اختصاص اليمين بالمنكر فلا يجوز من المدّعي، وبه قد يستدلّ على الحكم بالنّكول.
ففيه: أنّه لبيان الوظيفة الأوّلية، وهو لا ينافي ثبوتها على المدّعي بالرّدّ من المنكر أو الحاكم إذا اقتضته الأدلّة، هذا مع عدم وفائه بكفاية النّكول في الحكم بثبوت حقّ المدّعي كما لا يخفى، وبمثل ذلك يجاب عن الأُصول المتشبّث بها في إثبات ذلك القول من أصالة عدم كون النّكول حجّة على المنكر، وأصالة عدم كونها حجّة للمدّعي، وأصالة عدم توجّه اليمين على غير المنكر، وأصالة براءة المدّعي من التّكليف باليمين، وأصالة براءة ذمّة الحاكم من التّكليف بالرّدّ، وأصالة عدم ثبوت الحلف على المدّعي، وأصالة عدم مشروعيّة ردّ اليمين من

1 . الوسائل:27/229، الباب 1من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى.
2 . الوسائل: 27/233، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث1.

صفحه 393
الحاكم، فانّ شيئاً من هذه الوجوه لا يجدي في إثبات كفاية النّكول في الحكم بثبوت حقّ المدّعي، مضافاً إلى اندفاعها بما ذكرناه من أدلّة القول المختار.
(و) كذلك (إن) لم يحلف المدّعى عليه و (ردّ اليمين) على المدّعي (حلف المدّعي) وثبت دعواه (وإن(1) نكل) المدّعي أيضاً عن اليمين المردودة، ولم يحلف (بطل دعواه) كبطلانها في سابقته الّتي ردّت إليه اليمين من طرف الحاكم، للنصوص المستفيضة(2)، والإجماعات المحكيّة، ولا ريب فيه في ذلك المجلس مع عدم بيّنة له، بل الظّاهر أنّه كذلك ولو في مجلس آخر، أو كانت له بيّنة، لظهور الأخبار في عدم الحقّ له أصلاً، وسقوطه مع عدم حلفه اليمين المردودة إليه من المدّعى عليه، فلا وجه لما عن المبسوط(3) من سماع دعواه في مجلس آخر، ولما عن جماعة من سماعها إذا كانت له بيّنة.
(وإذا حلف المنكر) على الوجه المعتبر سقطت الدّعوى في الدّنيا قطعاً في ظاهر الشّرع و (لم يكن للمدّعي المقاصّة) من مال المنكر لو ظفر عليه، لعدم حقّ له عليه ظاهراً في الدّنيا، وإن لم يبرئ ذمّته من الحقّ في نفس الأمر لو كان كاذباًً، بل يجب عليه فيما بينه و بين اللّه تعالى التّخلّص من حقّ المدّعي.
(و) منه يعلم أيضاً أنّه لا يجوز له الدّعوى و (لا تسمع بيّنته) القائمة بما حلف عليه المنكر (بعد اليمين) لعدم حقّ له ظاهراً فلا تكون البيّنة حجّة له، وذلك كلّه للنّصوص الكثيرة(4)، والإجماعات المحكيّة، (إلاّأن يكذّب) الحالف (نفسه) أو ادّعى سهوه ونسيانه واعترف بالحقّ المدّعى به ـ كلاً أو

1 . خ ل : فإن.
2 . الوسائل: 27/241، الباب7 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث1و 2و 4.
3 . المبسوط:8/209.
4 . الكافي:7/438 ح2.

صفحه 394
بعضاً ـ فيجوز للمدّعي مطالبته بما اعترف به، بل يحلّ له مقاصّته وإقامته البيّنة عليه لو أنكر الحقّ ثانياً أو ماطل في أدائه، سواء كان ذلك من الحالف لتنبّهه بعد الحلف انّ الحقّ كان للمدّعي، أو لتوبته، أو غير ذلك، والظّاهر عدم الخلاف فيه، بل عن جماعة الإجماع عليه، لقاعدة الإقرار، وانصراف الأخبار الدّالّة على سقوط حقّه على غير هذه الصّورة.
(و) اعلم أنّه لا يستحلف المدّعي مع بيّنته المرضيّة القابلة لإثبات الحقّ، نعم (لو كان الدّين) المدّعى المشهود به (على ميّت احتاج المدّعي مع البيّنة) العادلة القائمة بأصل الحقّ (إلى يمين على البقاء) في ذمّة المدّعى عليه إلى حين الدّعوى (استظهاراً) للواقع، ودفعاً لاحتمال ردّه بعد ثبوته في ذمّته، نصّاً(1)، وإجماعاً في المستثنى منه، بل في الرّوضة(2) والمسالك(3) دعوى الإجماع في المستثنى أيضاً، وفي الجواهر(4) أنّه لم يجد خلافاً فيه بين من تعرّض له، هذا مضافاً إلى بعض النّصوص الصّريحة، ولا إشكال فيه، إنّما الإشكال في اختصاص الحكم بدعوى الدّين على الميّت كما هو ظاهر المتن كالأكثر، أو شموله لدعوى العين أيضاً عليه، بل للدّعوى على الطّفل والمجنون والغائب أيضاً، وقد نسب الخلاف في كلّ من المقامين إلى كثير لمشاركة الكلّ لدعوى الدّين على الميّت في العلّة المومى إليها في الأخبار، و هو احتمالالوفاء مع عدماللّسان في المدّعيعليه و فيه منع كونالعلّة مجرّد عدم اللّسان فعلاً بل عدمه مطلقاً كما في الميّت، فالأجود القول الأوّل لثبوت الحكم في الدّين على الميّت على خلاف الأصل اللاّزم فيه الاقتصار على مورد النّصّ مع الغضّ عن ظهوره في الدّين. هذا.

1 . الوسائل: 27/371، الباب 28 من أبواب الشهادات، ذيل الحديث 1.
2 . الروضة:3/104.
3 . المسالك:13/460.
4 . الجواهر:40/194.

صفحه 395
وقد يتوجّه اليمين إلى المدّعي في مواضع أُخر كاللّوث مع دعوى الدّم، ومع الشّاهد الواحد، ومع ردّ المنكر، ومع نكوله، ومع دعواه إيفاء المدّعى به، وقد نظم بعضهم هذه الموارد التّسعة الّتي يتوجّه اليمين فيها إلى المدّعي بقوله:
في تسعة يستحلف المدّعي *** مع شاهد والرّدّ ممّن يعيّ
وهكذا الدّعوى على ميّت *** والطّفل والمجنون، قف واسمع
ومثله الدّعوى على غائب *** ومدّعي الإيفاء على المدّعي
وهكذا في اللّوث يا صاحبي *** أو نكل المنكر فافهم وعي
وقد يتوجّه اليمين إلى المدّعي في جملة من الموارد المتفرّقة المتشتّتة في الأبواب الفقهيّة، هذا جملة من القول في إنكار المدّعى عليه لصحّة دعوى المدّعي في مقام الجواب.
(ولو سكت المنكر) المعبّر به عن المدّعى عليه في الأغلب في جواب المدّعي، فإن كان (لآفة) من طرش أو خرس (توصّل) الحاكم ( إلى معرفة) الجواب كيف كان بـ(إقراره أو إنكاره) بالإشارة المفيدة لليقين، ولو كان (بمترجم) عدل، (و) يعتبر فيه التّعدّد فإنّه من الشّهود فـ(لا يكفي المترجم الواحد، وإن كان) السّكوت (عناداً، حبس حتّى يجيب) لأنّ الجواب حقّ واجب عليه، فإذا امتنع عنه حبس حتّى يؤدّيه، وإن كان السّكوت لدهش أزاله الحاكم بالرّفق والإمهال، وإن كان لغباوة وسوء فهم توصّل إلى إزالته بالتعريف والبيان.

صفحه 396

الفصل الثّالث

في الاستحلاف

(و) ما ينعقد به اليمين القاطعة للخصومة.
اعلم أنّه (لا يجوز) الحلف المثبت للحقّ من المدّعي والمسقط للدّعوى من المنكر (بغير أسماء اللّه) الخاصّة (تعالى ) شأنه (ولو كان) الحالف كافراً، للإجماعات المستفيضة، والنّصوص الكثيرة(1)، من غير فرق بين كفره بإنكار أصل واجب الوجود نعوذ باللّه أو غيره، نعم لو رأى الحاكم أنّ (إحلاف الذّمّي) بل مطلق الكافر كما قيل (بـ)ما يقتضي (دينه) كونه (أردع) وأكثر منعاً له عن الباطل إلى الحقّ من الحلف باللّه عزّ وجلّ (جاز) له إحلافه به عملاً برواية السّكو(2)ني أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) استحلف يهوديّاً بالتوراة الّتي أُنزلت على موسى ـ على نبينا و (عليه السلام) ـ .
(ويستحبّ) بلا خلاف للحاكم تقديم (الوعظ) على اليمين لمن توجّهت إليه (والتّخويف) من عاقبتها بذكر ما ورد من الآيات والرّوايات المتضمّنة لعقوبة الحلف الكاذب.

1 . الوسائل:23/265، الباب 32 من أبواب كتاب الأيمان .
2 . الوسائل: 23/266، الباب 32 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 4.

صفحه 397
(و) يجوز للحاكم، بل يستحبّ كما هو المشهور (التّغليظ) لليمين (في) الحقوق كلّها، ويشترط في الماليّ منها كونه بمقدار (نصاب القطع) الّذي هو ربع دينار (فمازاد) عليه فلا تغليظ فيما دونه بلا خلاف يظهر.
ويتحقّق التّغليظ: (بالقول) مثل: «واللّه الّذي لا إله ]إلاّ[ هُو الرّحمن الرّحيم الطّالب الغالب، الضّارّ النّافع، المدرك المهلك، الّذي يعلم من السّرّما يعلم من العلانية» وغير ذلك من الألفاظ ممّا يراه الحاكم.
(والمكان) كالمساجد، والكعبة، والمقام، والمسجد الحرام، ونحوها من الأماكن المشرّفة.
(والزّمان) كالجمعة والعيدين و أمثالها، من الأوقات المكرّمة.
(ويكفي) في الحلف أن يقول الحالف: (واللّه ما له قبلي كذا) بلا خلاف عملاً بالإطلاق.
(ويمين الأخرس بالإشارة) المفهمة لليمين.
(ولا) يجوز أن (يحلف) الحاكم أحداً (إلاّ في مجلس القضاء) أي مجلس حضوره مع إذنه، بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرّياض(1)، بل فيه ظاهرهم الإجماع، كما يستفاد من كثير منهم الأردبيليّ(2) وصاحب الكفاية(3)، والمراد كما صرّح به في كشف اللّثام(4) أنّ الحاكم هو المستحلف بنفسه، كما أنّه المتولّي لسماع الشّهادة، فكلّ موضع يستحلف فيه فهو مجلس حكمه لا المجلس الّذي استمرّ فيه قضاؤه غالباً ليقال أنّه يخالف الأمر بالتّغليظ المكانيّ إذا لم يكن

1 . الرياض:9/328.
2 . مجمع الفائدة و البرهان:12/187 ـ 188.
3 . كفاية الأحكام:270.
4 . كشف اللثام:2/160.

صفحه 398
مجلس قضائه من الأماكن الشّريفة.
وبالجملة: فالمشهور المدّعى عليه الإجماع عدم جواز الإحلاف لغير الحاكم، وأنّه لا يجوز له الاستنابة فيه، ويدلّ عليه مضافاً إلى ذلك، أصالة عدم انقطاع الدّعوى بغيره، وأصالة عدم ترتّب آثار الحلف من سقوط الحقّ أو لزومه عليه بعد الشّكّ في تناول الإطلاقات الواردة في تعليم ميزان القضاء للحكّام لغير الفرض، بل الظّنّ بعدم تناوله له إذ الغالب في الحلف في مقام الدّعاوى الّتي هي موردها كونه في حضور الحاكم وبإذنه.
نعم، ذكر غير واحد من الأجلّة منهم الشّرائع(1) والمصنّف هنا وفي سائر كتبه، بل نفى بعضهم الخلاف فيه أيضاً، أنّه كذلك (مع المكنة) وأمّا مع العذر المانع من حضور المدّعى عليه، كالمريض، والمخدّرة الغير المعتادة للحضور في مجمع الرّجال أو الممنوعة بأحد الأعذار كالحيض ونحوه ممّا يمنع دخول المسجد لو جلس فيه القاضي أو المانع لها من أصل الخروج، فيجوز استنابة من يستحلفهم في منزلهم، وليس على الحاكم أن يتوجّه بنفسه إليهم للتّحليف للحرج، ولما فيه من الكسر من شأنه، بل هو كذلك وإن تمكّن الحاكم من الوصول بلا نقص ومشقّة عليه، كما يستنيب من يسمع منهم الدّعوى ويتولّى الحكم هو بنفسه.
وبالجملة فلو كان المانع من الحضور عند الحاكم للحلف أو إقامة الدّعوى والبيّنة عذراً شرعيّاً ولو كان هو العسر والحرج المانعين من التّكليف عقلاً وشرعاً، جازت الاستنابة ولو مع تمكّن حضور الحاكم بنفسه عند ذلك العاجز بدون انحطاط ومشقّة، وليس في شيء من الفتاوى اعتبار مباشرة الحاكم الإحلاف

1 . شرائع الإسلام:4/88.

صفحه 399
بنفسه مطلقاً، فاحتمال اعتبار مسير الحاكم إليه إلاّ مع استلزامه النّقص عليه ليس في محلّه، لمخالفته لإطلاق الفتاوى مع كونه إلقاء للحاكم في عسر وشدّة منفيّة في الشّريعة مع عدم كونه معهوداً في الأعصار القديمة والأخيرة عند أحد من حكّام الخاصّة والعامّة.
(و) اعلم أنّه لابدّ أن تكون (اليمين على) سبيل (القطع) والجزم (إلاّفي) ما يرجع إلى (نفي فعل الغير فانّها على نفي العلم)، كما لو ادّعى على مورّثه مالاً أو على وكيله قبض ما وكّل فيه أو بيعه وأنكر ذلك الوارث أوا لموكّل، فيكفيه الحلف على أنّه لا يعلم به لتعسّر العلم بالنّفي فيه غالباً، بخلاف إثبات فعل الغير كما لو أظهر الوارث في المثال ردّمورّثه للمال المدّعى به إلى المدّعي وأقام بالشّهادة عدلاً واحداً فانّه يحلف معه، وكذا إثبات فعل نفسه أو نفيه، لإمكان العلم في ذلك كلّه ولو فرض العلم بالانتفاء في فعل الغير أيضاً، كما إذا تعلّق الدّعوى بزمان مخصوص أو مكان كذلك وهو يعلم كذب المدّعي فيهما حلف على البتّ أيضاً، ووجه اعتبار القطع في المحلوف عليه بعد الاتّفاق عليه انّ المتبادر من الحلف واليمين على الشّيء الوارد في النّصوص والفتاوى هو الحلف عليه بتّاً وقطعاً.
ثمّ إنّ المعروف بين الأصحاب انّ الحلف على نفي العلم فيما لو ادّعى عليه العلم بالحقّ المدّعى به على المورّث والعلم بموته وانّه ترك في يده مالاً يفي بالكلّ أو البعض، بل لم يجد فيه خلافاً في الجواهر(1) ، فلو ساعد المدّعي على عدم أحد هذه الأُمور فضلاً عن كلّها لم يتوجّه له عليه دعوى فضلاً عن اليمين ومع اجتماعها فيمين الوارث أيضاً على البتّ باعتبار تعلّقه بأمر يرجع إلى نفسه ومرجعه

1 . الجواهر:40/215.

صفحه 400
إلى اعتبار الجزم في المحلوف عليه دائماً، كما قال في التّحرير(1) والقواعد(2) انّ الضّابط انّ اليمين على العلم دائماً فالأظهر عدم الفرق بين فعل نفسه وغيره، فمع علمه بالحال يحلف على البتّ ولو في نفي فعل الغير، وإن لم يكن عالماً وادّعى المدّعى عليه العلم حلف على نفيه وهو أيضاً على البتّ، وهو ظاهر فانّه يعلم أنّه لا يعلم و يقطع بعدم العلم المدّعى به عليه.
(ولو ادّعى المنكر الإبراء) من الدّين المدّعى به (أو الإقباض) للعين المدّعى بها (انقلب مدّعياً) و المدّعي منكراً يحلف على بقاء الحقّ أو على نفي ما قاله المنكر.
واعلم أنّ من شرط سماع الدّعوى أن يكون المدّعي مستحقّاً لموجبها، فلا تسمع في الحدود، لأنّها حقّ اللّه، والمستحقّ لم يأذن في الدّعوى ولم يطلب الإثبات، بل أمر بدرء الحدود بالشّبهات، وحينئذ فلا تسمع الدّعوى في الحدود مجرّدة عن البيّنة بلا خلاف، كما اعترف به غير واحد بل عن بعضهم الإجماع عليه وسماعها بالبيّنة بمعنى ثبوتها بها لا أنّها تكون دعوى له معها.
(و) على هذا فـ(لا) يتوجّه (يمين) على المنكر (في) دعوى (حدّ) من الحدود، ولا تثبت إلاّ بالإقرار أو البيّنة، والنّصوص به مع ذلك مستفيضة(3)، ففي غير واحد منها انّه لا يمين في حدّ.
ولا يذهب عليك انّ ذلك فيما إذا كانت الحدود من الحقوق المحضة للّه تعالى، كحدّ الزّنا وشرب الخمر ونحوهما; وإذا كانت الدّعوى مركّبة من الحقّين

1 . تحرير الأحكام:2/192، الطبعة الحجرية.
2 . قواعد الأحكام: 3/447.
3 . الكافي:7/255، باب أنّه لا يمين في حد; التهذيب:10/79 ح 75.

صفحه 401
كالسّرقة يثبت لكلّ منهما حكمه، فلا يثبت اليمين بالنّسبة إلى حقّ اللّه كالقطع وتثبت بالإضافة إلى حقّ النّاس كالمال، لعدم الملازمة بين الحقّين، فيجري في الثّاني حكم الدّعوى بالنّسبة إلى اليمين وردّها والنّكول دون الأوّل الّذي قد عرفت عدم جعل الشّارع اليمين حجّة فيه; وأمّا إذا كان الحقّ مشتركاً بين اللّه وبين الآدميّ كالقذف، ففي سماع الدّعوى من المقذوف قولان: من تغليب حقّ اللّه كما عليه الأكثر، أو الآدميّ كما في محكيّ الدّروس(1) والمبسوط(2).
وعليه فإذا ادّعى انّه قذفه بالزّنا ولا بيّنة هناك وأنكر يجوز له إحلافه، فإن حلف برأ، وإن ردّ اليمين على المدّعي فحلف حدّ المدّعى عليه حدّ القذف.
و كذا إذا قذف هو شخصاً بالزّنا وقال له: يا زاني وأُريد حدّه للقذف، جاز أن يطلب من ذلك الشّخص اليمين على عدمه، فإن حلف ثبت على القاذف حدّ القذف، وإن ردّ الحلف عليه فحلف سقط عنه حدّ القذف ويثبت الزّنا في حقّ المقذوف، ولكن لا يحكم عليه بحدّ الزّنا، لأنّ ذلك حقّ للّه محض، وحقوق اللّه المحضة لا تسمع فيها الدّعوى ولا يحكم فيها بالنّكول وردّ اليمين، هذا هو وإن كان أحسن من حيث الاعتبار وعموم قاعدة الإنكار، إلاّ أنّ الأظهر ما عليه الأكثر من تقديم حقّ اللّه الأكبر، لعموم الأخبار المذكورة النّافية لليمين في الحدّ المخصّصة لعموم قاعدة اليمين على من أنكر.
(و) بالجملة فلا يجري الحلف في الحقوق المشتركة أيضاً، كما أنّه (لا) يجوز (مع عدم العلم) بما يحلف عليه، لاعتبار الجزم في الحلف عقلاً ونقلاً، وقد تقدّم آنفاً جملة من القول في ذلك، وإنّما المراد هنا بقرينة السّياق عدم جواز

1 . الدروس:2/93.
2 . المبسوط:8/215ـ 216.

صفحه 402
حلف المدّعي أيضاً حيث يتوجّه إليه بما لا قطع له به كما كان المنكر كذلك فلا يجوز حلفه بما يشهد به شاهد واحد كما عن بعض العامّة، ولا بما يجده مكتوباً بخطّه أو خطّ مورّثه وإن أمن الجعل والتّزوير إلاّ مع حصول القطع واليقين (و) لا إشكال فيه كعدم الإشكال في أنّه (لا) يجوز أن يحلف (ليثبت مالاً لغيره) وإن تعلّق له حقّ به ولم يظهر خلاف فيه، بل ظاهر بعض الأجلّة كونه موضع وفاق والأصل فيه بعده الأصل مع عدم المخرج لظهور ما دلّ على الثّبوت باليمين في المدّعى لنفسه ولا يشمل إطلاقه ليمين غير المستحقّ.
وعلى هذا فلو ادّعى غريم الميّت مالاً له على آخر مع شاهد، فإن حلف الوارث ثبت، لأنّه المالك للتّركة وإن تعلّق بها حقّ الدّيّان وكان لهم أخذه واستيفاء دينه منه، وإن امتنع لم يحلف الغريم على أنّه ملك الميت ولا يجبر الوارث عليه، للأصل; وكذا لو ادّعى رهناً، وأقام شاهداً واحداً انّه ملك للرّاهن لم يحلف على ذلك، لأنّ يمينه، لإثبات مال الغير فلا يجوز.
(وتقبل الشّهادة (1) مع اليمين) ويقضي الحاكم بهما (إذا بدأ بالشّهادة من عدل) واحد وتعديله قبل اليمين ثمّ الإتيان بها، فلو عكس فبدأ باليمين قبل إقامة الشّهادة أو التّعديل وقعت لاغية ويفتقر إلى إعادتها بعد الإقامة.
ثمّ إنّه لا خلاف ولا إشكال عندنا في جواز القضاء بالشاهد الواحد ويمين المدّعي في الجملة، ويدلّ عليه الأخبار المستفيضة(2) كما لا خلاف ولا إشكال في عدم القضاء بهما في حقوق اللّه تعالى، مضافاً إلى صحيحة محمّد بن مسلم(3) وانّما

1 . خ ل: يقبل الشاهد.
2 . الوسائل:27/264، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم.
3 . الوسائل:27/268، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 12.

صفحه 403
الكلام في أنّه هل يقضي بهما في حقوق النّاس كلّها كما عن ظاهر الكفاية(1) الميل إليه وإلاّ فلم يعرف قائل صريح به؟ أو ينحصر هو (في الأموال) مطلقاً؟ كما هو المشهور قولان، بل هنا قول ثالث (و) هو اختصاصه بـ(الدّيون) فقط من الأموال. هذا.
ودليل المشهور ما عن الشّيخ(2) والحلّي(3) من الإجماع عليه ونفي الخلاف فيه في المختلف(4); وجعلوا ضابطه المال كالدّين والقرض والغصب والاحتطاب والالتقاط ونحوها، أو ما يقصد منه المال كعقود المعاوضات من البيع والصّلح والإجارة والجنايات الموجبة للمال ونحوها; ولا دليل عليه ولا إشارة في شيء من الأخبار إليه ولا إلى الضّابط المذكور له، مع تشويش كلماتهم في تعيين ما يدخل في الضّابط وما لا يدخل، وأمّا الإجماع في مورد الخلاف فلا يعبأ به.
والأظهر القول الثّالث، لجملة من الأخبار (5) المقيّدة بالدّين و بها يقيّد المطلقات الّتي أُطلق فيها لفظ الحقّ واستشهد بها للقول الأوّل على تقدير تسليم الإطلاق، وإلاّ فهي منساقة لبيان أصل الجواز في مقابل قول أبي حنيفة وليست بصدد البيان إلاّ في الجملة فلا إطلاق فيها ،فقد ظهر انّه (لا) يقضى بشاهد واحد مع اليمين في غير الدّيون مطلقاً خصوصاً (في) الدّعاوى الغير الماليّة، مثل (الهلال) والخلع (والطّلاق) المجرّد عن المال والحدود (والقصاص) والرّجعة والوكالة والوصاية والتّدبير والكتابة والعتق والنّسب

1 . كفاية الأحكام:272.
2 . المبسوط:8/189; الخلاف:6/254، المسألة7; و ص 283 ـ 284، المسألة 29ـ 30.
3 . السرائر:2/140.
4 . المختلف:8/523.
5 . الوسائل:27/264ـ 265، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1و 3و 5.

صفحه 404
وعيوب الزّوجين ونحوها.
(وإذا شهد بالحكم) الصّادر من حاكم شرعيّ شاهدان (عدلان) حضرا الدّعوى وسمعاها والإنكار والشّهادة وحكم الحاكم (عند حاكم آخر أنفذه) ذلك (الحاكم الثّاني) المشهود عنده وجوباً (ما لم يناف) ما هو (المشروع) في نظره، كاستناده إلى ما لا يراه مجزياً في ثبوت الحقّ، أو صدوره ممّن ليس له أهليّة الحكم، وهو واضح.

صفحه 405

الفصل الرّابع:

في ـ بيان ـ المدّعي

الّذي قد استفاض في النّصوص انّ البيّنة عليه كما استفاض كون اليمين على المدّعى عليه ومن أنكر، والمرجع فيهما العرف المحكّم في كلّ ما لم يثبت له حقيقة شرعيّة ولا قرينة على إرادة معنى مجازيّ خاصّ، ولعلّ ما يتراءى من التّعبيرات المختلفة في تفسيره من أنّه الّذي لو ترك ترك، أو هو الّذي يقول خلاف الأصل أو خلاف الظّاهر لا يراد منها إلاّ الإشارة إلى تمييز معناه العرفي في الجملة المنطبق في الأغلب على كلّ من المعاني الثّلاثة.
(و) كيف كان فـ(لابدّ أن يكون) المدّعي (مكلّفاً) بالبلوغ والعقل (مدّعياً لنفسه، أو لمن له الولاية عنه) بالوكالة أو الوصاية أو الأُبوّة أو الجُدودة أو الحكومة أو النّيابة عن الحاكم، ولابدّ أيضاً أن يدّعي (ما (1) يصحّ تملّكه)، فلا تصحّ دعوى الصّغير ولا المجنون ولا دعواه مالاً لغيره كما مرّ آنفاً، ولا لغير من له ولاية عليه ممّن أشرنا إليه، وكذا لا تسمع دعوى المسلم خمراً أو خنزيراً أو نحوهما ممّا لا يصحّ تملّكه له. نعم لا بأس بدعوى استحقاق ثمنها حال عدم الإسلام، ولا خلاف في شيء من ذلك.
واعلم أنّ من كانت دعواه عقوبة كالقصاص وحدّ القذف فلابدّ من الرّفع

1 . خ ل: بما.

صفحه 406
إلى الحاكم، وليس له استيفاؤها بنفسه بلا خلاف، كما في محكيّ الكفاية.(1)
(و) إن كانت عيناً في يد إنسان وتيقّن استحقاقها فيجوز (له انتزاع) تلك (العين) عن المنكر، ولو قهراً، من دون إذن الحاكم، لأنّه عين ماله، و«النّاس مسلّطون على أموالهم» و (أمّا الدّين فكذلك) أيضاً (مع الجحود(2) وعدم البيّنة) الّتي يتمكّن بها من إثباته عليه عند الحاكم وانتزاعه منه بإعانته، (و) كذا (مع) الإقرار و (عدم البذل) .
نعم، لو كان الحقّ ديناً وكان الغريم مقرّاً باذلاً، أو منكراً وله بيّنة كذلك، لم يستقلّ المدّعي بانتزاعه منه من دونه أو من دون الحاكم، لأنّ الغريم مخيّر في جهات القضاء، لأنّه المخاطب فلا يتعيّن الحقّ في شيء من دون تعيينه أو تعيين الحاكم مع امتناعه، فإنّه وليّ الممتنع،ولم يظهر خلاف في شيء من ذلك.
(ولو ادّعى ما لا يد لأحد عليه قضى له به) وأنّه ملكه يجوز ابتياعه منه والتّصرّف فيه بإذنه بلا خلاف، إذ (مع عدم المنازع) لا وجه لمنع المدّعي منه، ولا لإحلافه، ولا لمطالبة البيّنة، إذ لا خصم حتّى يترتّب عليه ذلك.
(و) يجوز أن (يحكم على الغائب) عن مجلس الحكم (مع) قيام (البيّنة) عليه بالحقّ (ويباع ماله في الدّين) ويقضى عنه وهو غائب، ويكون هو على حجّته إذا حضر، فإن ادّعى بعده قضاءً أو إبراءً، أقام به البيّنة فذاك، وإلاّ أُحلف المدّعي الأصل الّذي هو منكر حينئذ، ولا خلاف في ذلك، بل عليه الإجماع في كلمات بعض الأجلّة(3)، مضافاً إلى النّصّ(4) الصّريح في ذلك،

1 . كفاية الأحكام:275.
2 . خ ل : الجحد.
3 . راجع الرياض:9/382.
4 . الوسائل:27/294، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم.

صفحه 407
(و) في أنّه (لا يدفع) المال إلى الّذي أقام البيّنة في غيبة المدّعى عليه (إلاّ بكفيل) وعليه جمع من الأجلّة، ومنهم الشّهيد الثّاني في المسالك(1)والرّوضة(2)، خلافاً لما حكي عن ابن حمزة(3) فلم يذكر التكفيل، بل أوجب على الغريم اليمين بدله، وقد مرّ في الفصل الثّاني في مسألة الدّعوى على الميّت إلى مستندهم الإشارة، وقدعرفت جوابه مع كونه اجتهاداً في مقابلة الرّواية المعتبرة.
(و) اعلم أنّ ظاهر اليد يقتضي الملكيّة ما لم تعارضه البيّنة بلا خلاف، بل عليه الإجماع كما صرّح به بعض الأجلّة، والنّصوص به مع ذلك مستفيضة(4).
وحينئذ فـ(لو تنازع اثنان ما في يدهما) كدار سكناها فادّعى كلّ منهما المجموع ولا بيّنة لهما (فـ) يقضي (لهما بالسّويّة ولكلّ ) منهما (إحلاف صاحبه) على عدم استحقاقه لا لإثبات ما في يده، فإن حلفا أو نكلا اقتسماه بالسّويّة، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهو للحالف; ثمّ إنّ حلف الّذي بدأ الحاكم بتحليفه ونكل الآخر بعده حلف الأوّل اليمين المردودة إن لم نقض بالنّكول كما مرّ، وإن نكل الأوّل ورغب الثّاني في اليمين، فقد اجتمع عليه يمين النّفي للنّصف الّذي ادّعاه صاحبه ويمين الإثبات للنّصف الّذي ادّعاه هو، ففي المسالك(5) انّه يكفي يمين واحدة جامعة للنّفي والإثبات، والأوفق بالأصل تعدّد اليمين لاقتضاء تعدّد الأسباب تعدّد المسبّبات.
(ولو كان) المتنازع فيه (في يد أحدهما) خاصّة (فـ) هو

1 . المسالك:13/464.
2 . نقله عنه في الرياض:9/383.
3 . الوسيلة:273.
4 . الكافي:7/387 ح1; التهذيب:6/261 ح 100; الوسائل:27/292، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم.
5 . المسالك:14/78ـ 79.

صفحه 408
(للمتشبّث) وهو ذو اليد لكن (مع اليمين) على نفي استحقاق الآخر، لأنّه هو المدّعي عليه والخارج مدّع.
(ولو كان في يد ثالث فهي) أي العين المتنازع فيها (لمن صدّقه) ذلك الثّالث بأنّها له فهو في حكم ذي اليد يقضي بها له مع يمينه (وللآخر إحلافه) نظير ما سمعته في ما لو كان المتنازع فيه في يد أحدهما بل هو منه، هذا على إرجاع ضمير الجرّ إلى من صدّقه، ويجوز إرجاعه إلى الثّالث(ذي اليد) إذا يصحّ لذلك الآخر إحلافه أيضاً إن ادّعى عليه علمه بأنّها له، فإن امتنع حلف الآخر وأغرمه القيمة لا العين لاستحقاق المصدّق له إيّاها بإقراره فلا يمكنه ارتجاعها منه و إنّما يغرم القيمة لتفويت العين على الآخر بإقراره وحيث إنّ المصدّق له في حكم ذي اليد (فإن صدّقهما) ذلك الثالث صارا معاً في حكمه و (تساويا) في العين المتنازع فيها (ولكلّ منهما إحلاف صاحبه) كما لو كانت في يدهما معاً (وإن كذّبهما أُقرّت) العين (في يده) بعد يمينه لهما.
(ولو تداعى الزّوجان) أو ورثتهما أو أحدهما مع ورثة الآخر (متاع البيت) الّذي في يدهما، سواء كان البيت لهما أو لأحدهما أو للغير وكان في يدهما بعنوان مبيح للتصرّف أو غيره، وسواء كانت الزّوجيّة باقية أم لا، وسواء كانت الزّوجة دائمة أو منقطعة إذا كانت في بيته كالدّائمة كما هو ظاهر إطلاقه كغيره، قضي لمن له البيّنة مطلقاً، بلا خلاف كما في الرّياض(1)، وإن لم يكن هناك بيّنة ففي المسألة أقوال:
أحدها: انّ الجميع للمرأة، إلاّما أقام الرّجل عليه البيّنة، لصحاح(2) عبد

1 . الرياض:9/395.
2 . الوسائل:26/213 ـ 215، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1.

صفحه 409
الرّحمن بن الحجّاج المعلّلة له بأنّ «المرأة تأتي بالجهاز والمتاع من بيت أهلها».
وثانيها: أنّ ما يصلح للرّجل له، وما يصلح للمرأة أو لهما لها.
وثالثها: الرّجوع إلى العرف والعادة في الاختصاص بأحدهما، فإن وجد عمل به، وإن فقد أو اضطرب كان بينهما نصفين.
ورابعها: ما ذكره المصنّف بقوله: (قيل) يكون (للرّجل ما يصلح له) كالسّلاح والدّرع والعمامة (وللمرأة ما يصلح لها) كالحُليّ والمقنعة ونحوهما (وما يصلح لهما) يقسم (بينهما) نصفين بعد التّحالف، أو النّكول; وهذا هو مختار المحقّق في الشّرائع(1) والنّافع(2)، والحلّي في محكّي السّرائر(3)، والشّيخ في محكّي الخلاف(4) والنّهاية(5)، وجمع من الأجلّة، ونسبه في المسالك(6) إلى الأكثر، بل عليه الإجماع في محكيّ الخلاف والسّرائر.
ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى ذلك ـ صحيحة(7) رفاعة(8)، وغيرها; وقصور الدّلالة عن إفادة التّفصيل المذكور غير ضائر بعد اعترافهم بالظّهور، مع دلالة المجموع عليه، بل عن المبسوط(9) نسبته إلى روايات الأصحاب مشعراً بدعوى الإجماع عليه أيضاً; (و) لا ينافيه فتواه بخلافه، فقد (قال في) ما حكي عن

1 . الشرائع:4/119.
2 . المختصر النافع: 285.
3 . السرائر:2/194.
4 . الخلاف:6/352، المسألة 27.
5 . النهاية:351.
6 . المسالك:14/136.
7 . الوسائل:26/216، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 4.
8 . هو رفاعة بن موسى الأسدي النخاس، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن عليمها السَّلام ، كان ثقة في حديثه، مسكوناً إلى روايته، لا يعترض عليه بشيء من الغمز، حسن الطريقة، له كتاب.
رجال النجاشي:2/379 برقم 436.
9 . المبسوط:8/310.

صفحه 410
(المبسوط) بعد تلك النّسبة: (إذا لم تكن) لهما (بيّنة ويدهما عليه) كان كغيرهما من المتداعيين (فهو لهما) بالسّوية، يقسّم بينهما نصفين بعد حلف كلّ منهما لصاحبه، من غير فرق بين ما يصلح لأحدهما وغيره، وعليه المصنّف في ظاهر إرشاده(1)، وصريح قواعده(2)، وهو قول خامس في المسألة، ولعلّه للعمومات، وهو الذي يقتضيه الأصل.
ولا ريب في طرح الأصل، وتخصيص العمومات بما ذكرناه من الرّوايات، فالأجود أن يقال: انّه إن كان هناك قضاء عاديّ وعرفيّ في الاختصاص بأحدهما قضي به، ويحكم به بعد اليمين، لرجوع الشّرع في باب الدّعاوى إلى العادات، ولذا حكم بقول المنكر مع اليمين، بناء على الأصل، وكون ذي اليد أولى من الخارج لقضاء العادة بملكيّة ما في يد الإنسان غالباً، وأمّا مع انتفاء العرف والعادة فلابدّ من المصير إلى القول الرّابع، للنّصوص المذكورة، المعتضدة ـ مع الغضّ عن صحّة اسنادها ـ بالإجماع المحكيّ، والشّهرة، ولا يعارضها إلاّ الصّحاح المذكورة في دليل قول الأوّل، وهي بقرينة التّعليل المشار إليه فيها مختصّة بما إذا كانت العادة نقل الجهاز وأثاث البيت من بيت الزّوجة، ولعلّه كان كذلك في الزّمان السّابق، لا إذا كان بالعكس، أو كان بعضه منه وبعضه منها كما هو الغالب في زماننا، واللّه العالم.
هذا جملة من القول في أحكام الأيدي وتعارضها.

1 . إرشاد الأذهان:2/151.
2 . قواعد الأحكام:3/470.

صفحه 411

]في البيّنات المختلفة [

وأمّا البيّنات المختلفة: فيجب التوفيق بينهما والعمل بكلّ منها حتّى الإمكان، كما إذا شهدت إحداهما بملك أحد المتداعيين أمس والأُخرى بملك الآخر اليوم، عمل بالثّانية لإمكان صدقهما معاً.
(ولو تعارضت البيّنتان(1)) بحيث يتحقّق التّضادّ بينهما على وجه لا يمكن التّوفيق، ويستلزم العمل بكلّ تكذيب الأُخرى، كما لو شهدت إحداهما بملك زيد الآن والأُخرى بملك عمرو الآن، فلا يخلو الحال عن أحد صور ثلاث، أو أربع ، لأنّه إمّا أن تكون العين المتنازع فيها في يد أحدهما، أو في يدهما، أو في يد ثالث، أو لا يد لأحد عليها.
فإن كان الأوّل: (قضي للخارج) الّذي لا تيكون الشيء المتنازع فيه في يده مطلقاً، من دون قرعة، ولا ترجيح بالأعدليّة، أو الأكثريّة، أو غيرهما، وفاقاً للمعظم، بل عن الخلاف(2) وظاهر المبسوط(3) وعن السّرائر(4) والغنية(5) عليه إجماع الطّائفة، بل عن الأوّلين نسبته إلى اخبار الفرقة. هذا.
مضافاً إلى النّصّ المشهور «البيّنة للمدّعي واليمين على المدّعى عليه» فانّ الخارج في الفرض هو المدّعي والدّاخل هو المدّعى عليه، والمراد من الخبر اختصاص البيّنة بالمدّعي وعدم العبرة بها وعدم قبولها من المدّعى عليه (إلاّ)

1 . في نسخة: البيّنات.
2 . الخلاف:6/329ـ 333، المسألة 2و 3و 4.
3 . المبسوط:8/258.
4 . السرائر: 2/168.
5 . الغنية:443.

صفحه 412
فيما ترجّحت بيّنته على بيّنة الخارج بـ(أن تشهد) بيّنة الخارج بالملك المطلق من دون ذكر سبب له و (بيّنة) الدّاخل (المتشبّث) ذي اليد (بـ) ذكر (السّبب) للملك، فتقول: هذا ملكه ورثه من أبيه، أو ابتاعه من أخيه، أو هو نتاج دابّته، ونحو ذلك، فيقضى حينئذ للدّاخل المتشبّث كما هنا، وفي سائر كتب المصنف، وفي محكيّ المحقّق(1) والطّبرسيّ(2) والشّيخ(3)، بل ربّما يستشعر الإجماع عن الخلاف والمبسوط، مضافاً إلى تأيّد بيّنة الدّاخل بذكر السّبب.
ولا ريب في وهن دعوى الإجماع ـ على تقدير ظهوره من كلمات المبسوط والخلاف ـ بكثرة المشاجرة والخلاف، وأمّا التّأيّد بذكر السّبب فهو فرع اعتبار البيّنة، وقد عرفت عدم العبرة ببيّنة المدّعى عليه من أصله; فالأجود تقديم بيّنة الخارج مطلقاً، ولو كانت مقرونة بذكر السّبب، أو ترجّحت بغيره من الأكثرية أو الأعدلية أو غيرهما.
(و) منه يظهر حكم ما (لو شهدتا) البيّنتان (بالسّبب فـ) يقضى فيه ـ أيضاً ـ (للخارج) لتأيّد بيّنته، مع اعتبارها الذّاتي بذكر السّبب، ولا عبرة ببيّنة الدّاخل، ولو ترجّحت به أو بغيره، بل تقديم بيّنة الخارج هنا أولى من تقديمهما في المطلقتين، و أولى منه انفرادها وحدها بذكر السّبب، هذا كلّه حكم الصّورة الأُولى.
(ولو تشبّثا) المتداعيان كلاهما في الشّيء المتنازع فيه، مع إقامة كلّ منهما بيّنة باختصاصه بالمجموع (قضي به لكلّ (4) بما في يد صاحبه) لا بما في يده، لأنّه داخل بالنّسبة إليه، يحكم به له بيده لا ببيّنت.

1 . الشرائع:4/111.
2 . المؤتلف من المختلف:2/563.
3 . النهاية:244; المبسوط:8/295.
4 . خ ل.

صفحه 413
وعلى هذا (فيكون) الشّيء المتنازع فيه (بينهما) نصفين (بالسّويّة) كما لو لم تكن هناك بيّنة أصلاً، والفرق مجرّد اعتبار، فيحكم مع البيّنة لكلّ بما في يد صاحبه، وبدونها يختصّ كلّ بما في يده، وعلى التّقديرين يكون بينهما نصفين، وهذا الحكم يظهر بالتّدبّر في تقديم بيّنة الخارج، بل هو مترتّب عليه، فكلّ من البيّنتين قد اعتبرت فيما لا يعتبر فيه الأُخرى، ولذا لم يلحظ فيه أيضاً التّرجيح بالعدد أو العدالة، ولا يعمل فيها أيضاً بالقرعة لزوال الشّبهة بالبيّنة المعتبرة، وما قيل من أنّ الحكم بالتّنصيف إنّما هو لتساقط البيّنتين بسبب التّساوي فيبقى الحكم كما لو لم تكن هناك بيّنة، قد ظهر فساده ممّا تلوناه عليك، لعدم العبرة ببيّنة الدّاخل أصلاً حتّى تعارض بيّنة الخارج، وتظهر الثّمرة في اليمين على من قضي له، فعلى القيل يلزم اليمين لكلّ من المتداعيين على الآخر كصورة عدم البيّنة، وعلى المختار لا يمين أصلاً، لنهوض البيّنة بإثبات الحقّ، هذا كلّه حكم الثّانية من الصّور الأربع.
(ولو كان) الشيء المتنازع فيه (في يد ثالث) خارج عنهما وهي الصّورة الثّالثة ويلحق بها الرّابعة الّتي لا يد لأحد عليه (قضى للأعدل) من البيّنتين، ومع التّساوي ف