welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الزيارة في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الزيارة في الكتاب والسنّة

الزيارة
في
الكتاب والسنّة

تحليلٌ لمفهوم الزيارة وآثارها وأحكامها

تأليف

الفقيه المحقق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)



(3)

تمهيد:

الاِسلام دين الفطرة

عندما نقول إنّ الاِسلام دين الفطرة فهذا لا يعني أنّ كل حكم جزئيّ منه يوافقها، بل يعني أنّ الاَُصول الكلّية في مجالي العقائد والشريعة، تنسجم مع الفطرة وتوحي إليها بشكل واضح، ولذلك كانت تعاليم الاَنبياء، وفي مقدَّمتهم الشريعة الاِسلامية، تثير مكنون الفطرة، لذا فهم قبل أن يكونوا معلِّمين كانوا مذكِّرين بما أودع الله سبحانه في فطرة الاِنسان من ميول نحوَ العبودية لله سبحانه، والانشداد إلى ما وراء الطبيعة، والجنوح إلى العدل ومكارم الاَخلاق، والنفور عن الظلم ومساوىَ العادات. فكأنَّ الفطرة أوّلُ مدرسة يتعلّم فيها الاِنسان أُصولَ المعارف ومكارمَ الاَخلاق وآدابها، من دون معلِّم، وهذا لطف وامتنان منه سبحانه لعباده ويعدّ الحجرَ الاَساسلسائر الهداياتالاِلهية الواصلةإليهم عنطريقأنبيائه ورسله.

وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلك الدين القيّم وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ )(1)فإنّ المراد من الدين في الآية مجموع العقيدة والشريعة، كما فسّره به


(1) الروم: 30.


(4)

مشاهير المفسّرين، وكلمة (فِطْرَتَ اللهِ ) الّتي نصبت على الاختصاص تفسير للدين، فالدين ـ بتمام معنى الكلمة ـ يوافق فطرة الاِنسان، بالمعنى الّذي عرفت، أي أنّ أُصوله وكلّياته تنسجم مع الفطرة وليست الآية وحيدة في بابها، بل لها نظائر في الذكر الحكيم تؤكّد مضمونها، وتثبت بوضوح كون معرفة المحاسن والمساوىَ والفجور والتقوى والميل إلى الفضائل، والانزجار عن الرذائل أمراً فطرياً إلى حدّ يقول سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا )(1)وفي آية أُخرى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ )(2).

فالاِنسان الطبيعي الّذي لم يتأثّر بالمناهج البشرية، يدرك المحاسن والمساوىَ، والفجور والتقوى والخير والشرّ، كرامة من الله سبحانه إليه.

ومن روائع الكلم ما روي عن الاِمام عليّ _ عليه السلام_ حول تحديد دعوة الاَنبياء وأنّ دورهم في مجال التربية تذكيرهم بمقتضيات الفطرة، يقول _ عليه السلام_:

«فبعثَ الله فيهم رُسُلَه، وواتَرَ إليهم أنبياءه؛ لِيستَأدوهم ميثاقَ فطرته، ويُذكِّروهم منسيَّ نعمتِه، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويُثيروا لهم دفائنَ العقول»(3).

فالشرائع السماوية كأنّها تستنطِق الفطرة، وتُذكِّر بالنعمة المنسية بفعل الاَهواء والدعايات الباطلة، وقد أُمر حملتها بإثارة ما دفن في فطرة الاِنسان من جواهر المعقولات في مجالي العقيدة والشريعة.

وعلى ذلك فالشريعة ـ وفقَ الفطرة ـ مصباح ينير الدرب لكلّ ساع في طلب الحقّ. وكلّ فكرة أو ميل، توحي إليهما الفطرة فهو آية كونه حقّاً، وكلّ فكرة أو


(1) الشمس: 7 ـ 8.
(2) البلد: 8 ـ 10.
(3) نهج البلاغة: الخطبة 1.


(5)

جنوح، يناقض الفطرة وترفضهما فهو آية كونه باطلاً. ولاَجل ذلك تخلّينا عن الرهبانية والتعزّب ووأْد البنات؛ لاَنّها تخالف مقتضى الفطرة.

إنّ البحث في كون الشريعة الاِلهية شريعة فطرية، يتطلّب مجالاً واسعاً لما يترتّب على البحث من نتائج مشرقة تعين على حلّ مشاكل أثارها خصوم الاِسلام في مجال خاتمية الشريعة الاِسلامية، حيث إنّهم يرفضون كون الدين ديناً خاتماً، بزعمهم أنّ الحياة الاِنسانية حياة متغيّرة ومتحوّلة فكيف يمكن تدبير المجتمع المتغيّر، بقوانين ثابتة جامدة؟

ولكنّهم لعدم معرفتهم بحقيقة الشريعة الاِسلامية، غفلوا عن أمر هامّ، وهو أنّ المتغيّر في الحياة الاِنسانية هو القشر، لا اللبّ، وإلاّ فالاِنسان بما له من غرائز وميول عُلوية وسفلية لم ولن يتغيّر، وبهذه الميزة والخصوصية هو محكوم بالقوانين الثابتة.

فالاِنسان القديم كان يُحبُّ العدلَ وينفر من الظلم ويميل إلى الزواج والحياة الاجتماعية وهكذا الاِنسان في العصر الحاضر، إذن فالقانون في حقّهما سواء وإن تغيّرت أجواء الحياة وقشورها ولباسها وظواهرها.

الصلة بين الاَحياء والاَموات

إنّ زيارة الاِنسان لقبر حبيبه ومن كانت له به صلة روحية أو مادّية، هي ممّا تشتاق إليه النفوس السليمة؛ فكلّ من يعيش تحت السماء باسم الاِنسان السويّ اذا فارقَ أحبّته وأقرباءه، لا يقطع علاقته بمن شغف قلبه حبّاً، بل هو على حبّه باق، ويريد أن يُجسِّد محبَّته وشوقه بصور مختلفة، فهو تارةً يأوي إلى آثار حبيبه ورسوم داره وأطلاله، فيحتفظ بألبسته وأثاثه وقلمه وخطوطه، ولا


(6)

يكتفي بذلك بل يحاول أن يزور قبره وتربته حيناً بعد حين. كلّ ذلك بباعث ذاتي من صميم خلقته، فلا يصحّ لدين أُسُّه الفطرة أن يخالفه أو يمنعه من وصل أحبّائه وتعاهدهم.

لكن للاِسلام أن يحدّدها ويذكر آدابها ويمنع عن بعض الاَُمور غير الدخيلة في صميمها، لكن ليس في وسعه ـ بما أنّه منادٍ لدين الفطرة ـ أن يقوم بقطع العلائق مع الاَحبّة بتاتاً.

وعلى ضوء ذلك ترى أنّ السنّة حثّت على زيارة القبور وذكرت آثارها البنّاءة، ولو منعت في فترة خاصّة ـ لو صحّ المنع ـ فإنّما هو لمانع عن تطبيق الحكم وتنفيذه كما سيظهر لك.

هذا هو أصل الزيارة، وقضاء الفطرة على وفقه. مضافاً إلى ذلك فلها آثار تربويّة وهي ما يلي:

الآثار التربوية لزيارة القبور

إنّ زيارة القبور تنطوي على آثار تربوية وأخلاقية، وذلك لاَنّ مشاهدة المقابر التي تضمُّ في طياتها مجموعة كبيرة من الذين عاشوا في هذه الحياة الدنيا، وكانوا بمكان عال من القدرة والسلطة، ثمّ انتقلوا إلى الآخرة، تؤدّي إلى الحدّ من روحِ الطمع، والحرص على الدنيا، وربّما تُغيّر سلوك الاِنسان لما يرى أنّ المنزل الاَخير لحياته إنّما هو بيت ضيّق ومظلم باق فيه إلى ما شاء الله، فعند ذلك ربما يترك المظالم والمنكرات ويتوجّه إلى القيم والاَخلاق.

وإلى هذا الجانب من الاَثر التربوي يشير النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويقول:

«كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنّها ترقُّ القلوب، وتدمعُ


(7)

العين وتذكِّر الآخرة، ولا تقولوا هجراً»(1).

وفي لفظ آخر: «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروا القبور؛ فإنّها تزهّد في الدنيا»(2). وفي لفظ ثالث: «وتُذكّر الآخرة»(3).

وعن أبي هريرة أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ زار قبر أُمّه ولم يستغفر لها، قال: «أُمرتُ بالزيارة ونُهيت عن الاستغفار، فزوروا القبور؛ فإنّها تذكّر الموت»(4).

وعنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال: «زوروا القبور؛ فإنّها تذكّركم الآخرة»(5).

ويظهر من بعض الروايات أنّ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نهى يوماً عن زيارة القبور ثمّ رخّصها، وكان النهي والترخيص من الله سبحانه.

ولعلّ النهي كان بملاك أنّ أكثر الاَموات يومذاك كانوا من المشركين، فنهى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن زيارتهم، ولمّا كثر المؤمنون بينهم رخّص بإذن الله.

ولعلّ هناك ملاكاً آخر للنهي وهو أنّ زيارة القبور تُذكّر بالموتى والقتلى، وتورث الجبن عن الجهاد، وإذ قوي الاِسلام رخّص في الزيارة(6).

وعن أُمّ سلمة عنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «نَهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنّ لكم فيها عِبرة»(7).



(1) كنز العمال : ج15، ح42555 و 42998.
(2) كنز العمال 15 : ح42552.
(3) ابن ماجة، السنن 1 : 501| 1571.
(4) مسلم، الصحيح 2 : 671|108؛ أحمد بن حنبل، المسند 1 : 444؛ ابن ماجة، السنن 1 : 676؛ أبو داود، السنن 2 : 72؛ البيهقي، السنن 4 : 76؛ النسائي، السنن 4 : 90؛ الحاكم، المستدرك 1 : 376.
(5) ابن ماجة، السنن 1: 500 | 1569.
(6) منهج الرشاد : ص144.
(7) كنز العمال 15 : 647 | 42558.


(8)

الآثار الاجتماعية لزيارة أكابر الدين

قد تعرّفت على الآثار التربوية لزيارة قبور المسلمين، وهنا آثار تختصّ بزيارة أكابر المسلمين ورؤسائهم، وفي طليعتهم زيارة النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهي: أنّ في زيارتهم نوعاً من الشكر والتقدير على تضحياتهم، وإعلاماً للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الَّذين يسلكون طريقَ الحقّ والهدى والدفاع عن المبدأ والعقيدة.

ولاَجل هذا الاَثر الممتاز لزيارة صُلحاء الاَُمّة، نجد أنّ الاَُمم الحيّة تتسابق على زيارة مدفن رؤسائهم وشخصيّاتهم، الّذين ضحّوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل إحياء الشعب واستقلاله من أيدي المستعمرين والظالمين، ويقيمون الذكريات المئوية لاِحياء معالمهم، ويعدّونه تعظيماً وتكريماً لاَهدافهم.

وهذا هو العالم بغربه وشرقه، فيه قبور وأضرحة لشخصيّاته وعظمائه وصلحائه من غير فرق بين دينيّ ودنيويّ؛ لاَنّ الاِنسان يرى زيارتهم تكريماً لهم، وتأدية لحقوقهم، ووفاءً لعهدهم، فكلّ ما يقوم به فهو بوحي الفطرة ودعوتها إلى ذلك.

إنّ القبور الّتي تحظى باهتمام واحترام المؤمنين بالله في العالم ـ وخاصّة المسلمينـ هي في الغالب قبور حملة الرسالات الاِصلاحيّين الذين أدّوا مهمّتهم على الوجه المطلوب.

وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ الاَنبياء والقادة الدينيّون الّذين حملوا على عاتقهم رسالة السماء وضحَّواـمن أجلها ـ بالنفس والمال والاَحباب، وتحمّلوا أنواع المتاعب والمصاعب من أجل هداية الناس.


(9)

2 ـ العلماء والمفكّرون الّذين كانوا كالشّمعة تُحرقُ نفسها لتضيء للآخرين، وقد عاش هؤلاء حياة الزهد والحرمان، وقدّموا للعالم، البحوثَ القيّمة والتحقيقات الرائعة في مجالات العلم والفكر والطبيعة ومفاهيم السماء وعلوم الكون والمخلوقات وغير ذلك.

3 ـ المجاهدون الثائرون الّذين ضاقوا ذرعاً بما يعيشه المجتمع من الظلم وسحق الحقوق والتمييز العنصري أو القومي، فثاروا ضدّ الظلم والطغيان وطالبوا بحفظ كرامة الاِنسان وأداء حقوقه، وأقاموا صرح العدالة بدمائهم الغالية.

إنّ أيّة ثورة أو تغيير اجتماعي لا يُقدَّر له النجاحُ إلاّ بدفع الثمن، وإنّ ثمن الثورة التي تستهدف تدمير قصور الظالمين، وخنق أنفاسهم هو الدماء الزكية التي يُضحّي بها المقاتلون الاَبطال لاِعادة الحقّ والحرّية إلى الوطن الاِسلامي.

ولذا فإنّ الناس يزورون قبور هؤلاء ويذرفون عندها الدموع، ويتذكّرون بطولاتهم وتضحياتهم، ويُسعدون أرواحهم بتلاوة آيات من القرآن الحكيم هديّة إليهم، وينشدون قصائد في مدحهم وثنائهم وتقدير مواقفهم المشرّفة.

إنّ زيارة مراقد هذه الشخصيات هي نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم، وإعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الّذين يسلكون طريقَ الحقّ والهدى والفضيلة والدفاع عن المبدأ والعقيدة.

إنّ جزاءهم هو خلود الذكر الحسن والثناء الجميل، بالرغم من مرور الزمان على وفاتهم، وتعريفُ الناس بتلك الشخصيات الراقية وبمعتقداتهم الّتي ضحّوا من أجلها، واحترام مراقدهم وتجنّب كلّ ما يمسّ بكرامتها؛ لاَنّ احترام قبورهم احترام لرسالاتهم وعقائدهم، كما أنّ أيّ نوع من الاِهانة والتحقير تجاه مراقدهم هو في الحقيقة إهانة لرسالاتهم وتحقير لشخصيّتهم.

ثمّ إنّ لبعض أهل المعرفة تحليلاً علمياً رائعاً في زيارة النبي الاَكرم نذكره


(10)

بنصّه قال:

اعلم أنّ النفوس القوية القدسية، لا سيّما نفوس الاَنبياء والاَئمة:، إذا نفضوا أبدانهم الشريفة وتجرّدوا عنها، وصعدوا إلى عالم التجرّد، وكانوا في غاية الاِحاطة والاستيلاء على هذا العالم يكون العالم عندهم ظاهراً منكشفاً، فكلّ من يحضر مقابرهم لزيارتهم يطّلعون عليه، لا سيّما ومقابرهم مشاهدُ أرواحهم المقدّسة العليّة، ومحالّ حضور أشباحهم البرزخيّة النورية؛ فإنّهم هناك يشهدون (بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )(1)، وبما آتاهم الله من فضله فرحون، فلهم تمامُ العلم والاطّلاع بزائري قبورهم، وحاضري مراقدهم وما يصدر عنهم من السؤال والتوسّل والاستشفاع والتضرّع، فتهبّ عليهم نسماتُ ألطافهم، وتفيض عليهم من رشحات أنوارهم، ويشفعون إلى الله في قضاء حوائجهم، وإنجاح مقاصدهم، وغفران ذنوبهم وكشف كروبهم.

فهذا هو السرّ في تأكّد استحباب زيارة النبيّ والاَئمة : مع ما فيه من صلة لهم، وبرّهم وإجابتهم، وإدخال السرور عليهم، وتجدّد عهد ولايتهم، وإحياء أمرهم، وإعلاء كلمتهم، وتبكيت أعدائهم. وكلّ واحد من هذه الاَُمور ممّا لا يخفى عظيمُ أجرِهِ وجزيل ثوابه.

وكيف لا تكون زيارتُهم أقربَ القربات، وأشرفَ الطاعات، وأنّ في زيارة المؤمن ـ من جهة كونه مؤمناً فحسب ـ عظيم الاَجر وجزيل الثواب، وقد ورد به الحثّ والتوكيد والترغيب الشديد من الشريعة الطاهرة، ولذلك كثر تردّد الاَحياء إلى قبور أمواتهم للزيارة، وتعارف ذلك بينهم، حتّى صارت لهم سنّة طبيعية.

وأيضاً قد ثبت وتقرّر جلالة قدر المؤمن عند الله، وثوابُ صلته وبرّه وإدخال السرور عليه، وإذا كان الحال في المؤمن من حيث إنّه مؤمن، فما ظنّك بمن


(1) آل عمران: 169.


(11)

عصمه الله من الخطأ، وطهّره من الرجس، وبعثه الله إلى الخلائق أجمعين، وجعله حجّة على العالمين، وارتضاه إماماً للمؤمنين، وقدوة للمسلمين، ولاَجله خلق السماوات والاَرضين، وجعله صراطه وسبيلَه، وعينه ودليله، وبابه الّذي يُؤتى منه، ونورَه الّذي يستضاء به، وأمينَه على بلاده، وحبله المتّصل بينه وبين عباده، من رسل وأنبياء وأئمة وأولياء(1).

وفي الختام نقول: ليس الهدف من هذا التقديم تصويبَ بعض ما يقع عند الزيارة من محرّمات الاَفعال؛ فإنّها أُمور جانبيّة لاتمتّ لاَصل الزيارة بصلة، والّذي ندّعيه ـ وعليه يشهد عمل العقلاء في العالم ديّنهم وغيره ـ أنّ للاِنسان علاقة بمن كان يعشقه ويحبّه، فلا يقطع علاقته به بموته بل يحتفظ بها بشكل خاص بعد الفراق أيضاً، وهذا شيء يلمسه الاِنسان من صميم ذاته، وليس لشريعة سماوية بما أنّها تجاوب الفطرة تمنعه من ذلك، بل لها أن تعدله وتحدّده وتعزل عنه ما ليس منه.

وها نحن نعالج الموضوع بالبحث في الاَُمور التالية:

1 ـ زيارة القبور في الكتاب والسنّة النبوية.

2 ـ أعلام الاَُمّة وزيارة النبي الاَكرم.

3 ـ زيارة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في الكتاب.

4 ـ زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في السنّة.

5 ـ شدّ الرحال إلى زيارة قبر النبيّ الاَعظم.

6 ـ شبهات وتشكيكات حول زيارة النبيّ الاَكرم.

7 ـ خاتمة: تذكرة وإنذار.



(1) جامع السعادات 3 : 398 و 399.


(12)

المبحث الاَوّل

زيارة القبور في الكتاب والسنّة

قد عرفت أنّ زيارة الاِنسان لمن له به صلة روحية أو مادّية، ممّا تشتاق إليه النفوس السليمة، بل هي من وحي الفطرة، ولاَجل ذلك نرى أنّ الكتابَ والسنّة يدعمان أصلَ الزيارة بوجه خاص.

زيارة القبور في القرآن الكريم

أمّا الكتاب فقوله سبحانه: (ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولهِ وماتُوا وَهُم فاسِقُونَ )(1).

إنّ الآية تسعى لهدم شخصية المنافق، ورفع العصا في وجوه حزبه ونظرائه. والنهي عن هذين الاَمرين بالنسبة إلى المنافق، معناه ومفهومه مطلوبية هذين الاَمرين (الصلاة والقيام على القبر) بالنسبة لغيره أي للمؤمن.

والآن يجب أن ننظر في قوله تعالى: (وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ) ما معناه؟



(1) التوبة: 84.


(13)

هل المعنى هو القيام وقت الدفن فقط، حيث لا يجوز ذلك للمنافق، ويستحب للمؤمن، أو المعنى أعمّ من وقت الدفن وغيره؟

إنّ بعض المفسّرين وإن خصّوا القيامَ نفياً وإثباتاً بوقت الدفن، لكن البعض الآخر فسّروه في كلا المجالين بالاَعمّ من وقت الدفن وغيره.

قال السيوطي في تفسيره: ولا تَقم على قبره لدفن أو زيارة(1).

وقال الآلوسي البغدادي: ويفهم من كلام بعضهم أنّ «على» بمعنى «عند» والمراد: لاتقف عند قبره للدفن أو للزيارة(2).

وقال الشيخ إسماعيل حقّي البروسوي: (ولاتَقُم على قبره ) أي ولا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة والدعاء(3).

إلى غير ذلك من المفسّرين، وقد سبقهم البيضاوي في تفسيره(4).

والحقّ مع من أخذ بإطلاق الآية وإليك توضيحه:

إنّ الآية؛ تتألّف من جملتين:

الاَُولى: قوله تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ ).

إنّ لفظة «أحد» بحكم ورودها في سياق النفي تفيد العموم والاستغراق لجميع الاَفراد، ولفظة «أبداً» تفيد الاستغراق الزمني، فيكون معناها: لا تصلّ على أحد من المنافقين في أيّ وقت كان.

فمع الانتباه إلى هذين اللَّفظين نعرف ـ بوضوح ـ أنّ المراد من النهي عن الصلاة على الميّت المنافق ليس خصوص الصلاة على الميت عند الدفن فقط؛ لاَنّها ليست قابلة للتكرار في أزمنة متعدّدة، ولو أُريد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى لفظة


(1) تفسير الجلالين: سورة التوبة في تفسيره الآية.
(2) روح المعاني 10 : 155.
(3) روح البيان 3 : 378.
(4) أنوار التنزيل 1 : 416، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.


(14)

«أبداً»، بل المراد من الصلاة في الآية مطلق الدعاء والترحّم سواء أكان عند الدفن أم غيره.

فإن قال قائل: إنّ لفظة «أبداً» تأكيد للاستغراق الاَفرادي لا الزماني.

فالجواب بوجهين:

1 ـ أنّ لفظة «أحد» أفادت الاستغراق والشمول لجميع المنافقين بوضوح؛ فلا حاجة للتأكيد.

2 ـ أنّ لفظة «أبداً» تستعمل في اللّغة العربية للاستغراق الزماني، كما في قوله تعالى: (وَلا أنْ تَنكِحُوا أزواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَداً )(1).

فالنتيجة أنّ المقصود هو النهي عن الترحّم على المنافق وعن الاستغفار له، سواء أكان بالصلاة عليه عند الدفن أم بغيرها.

الثانية: (ولاَ تقُمْ عَلى قَبْرِهِ ).

إنّ مفهوم هذه الجملة ـ مع الانتباه إلى أنّها معطوفة على الجملة السابقة ـ هو: «لا تَقُم على قبر أحدٍ منهم مات أبداً» لاَنّ كلّ ما ثبت للمعطوف عليه من القيد ـ أعني «أبداً» ـ يثبت للمعطوف أيضاً، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بأنّ المقصود من القيام على القبر هو وقت الدفن فقط؛ لاَنّ المفروض عدم إمكان تكرار القيام على القبر وقت الدفن، كما كان بالنسبة للصلاة، ولفظة «أبداً» المقدّرة في هذه الجملة الثانية تفيد إمكانية تكرار هذا العمل، فهذا يدلّ على أنّ القيام على القبر لايختصّ بوقت الدفن.

وإن قال قائل: إنّ لفظة «أبداً» المقدّرة في الجملة الثانية معناها الاستغراق الاَفرادي.

قلنا: قد سبق الجواب عليه، وأنّ لفظة «أحد» للاستغراق الاَفرادي، لا لفظة


(1) الاَحزاب: 53.


(15)

«أبداً» فهي للاستغراق الزماني.

فيكون معنى الآية الكريمة: أنّ الله تعالى ينهى نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن مطلق الاستغفار والترحّم على المنافق، سواء كان بالصلاة أو مطلق الدعاء، وينهى عن مطلق القيام على القبر، سواء كان عند الدفن أو بعده. ومفهوم ذلك هو أنّ هذين الاَمرين يجوزان للمؤمن.

وبهذا يثبت جواز زيارة قبر المؤمن وجواز قراءة القرآن على روحه، حتّى بعد مئات السنين.

هذا بالنسبة إلى المرحلة الاَُولى وهي أصل الزيارة من وجهة نظر القرآن، وأمّا بالنسبة إليها من ناحية الاَحاديث فإليك بيانها:

زيارة القبور في السنّة النبوية

إنّ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ جسّد بعمله مشروعية زيارة القبور ـ مضافاً إلى أنّه أمر بها كما مرّ ـ وعلّم كيفيتها، وكيف يتكلّم الاِنسان مع الموتى، فقد ورد في غير واحد من المصادر، أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ زار البقيع، وإليك النصوص:

1 ـ روى مسلم عن عائشة أنّها قالت: كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كلّما كان ليلتها من رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجَّلون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لاَهل بقيع الغرقد»(1).

2 ـ وعن عائشة في حديث طويل أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال لها: «أتاني جبرئيل فقال: إنّ ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم» قالت: قلت: كيف أقول لهم يا


(1) مسلم، الصحيح 3: 63 ، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لاَهلها من كتاب الجنائز.


(16)

رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ورحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون»(1).

3 ـ وروى ابن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يُعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: ـ في رواية أبي بكر ـ «السلام على أهل الديار» وفي رواية زهير: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله لَلاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية»(2).

4 ـ عن ابن بريدة، عن أبيه: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»(3).

5 ـ ورويت في كنز العمال الروايات التالية: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون. ووددتُ أنّا قد أُرينا إخواننا قالوا: أولسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد.إلخ»(4).

6 ـ «السلام عليكم يا أهل القبور من المؤمنين والمسلمين، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالاَثر»(5).

7 ـ «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم متواعدون غداً ومتواكلون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللّهم اغفر لاَهل بقيع الغرقد»(6).

8 ـ «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، وإنّا بكم لاحقون،


(1) مسلم، الصحيح 3: 64، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز؛ النسائي، السنن 4 : 91.
(2) مسلم، الصحيح 3: 65، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز.
(3) مسلم، الصحيح 7 : 46، الترمذي، السنن 3 : 370 ح 1054 ؛ النسائي، السنن 4 : 89.
(4) مسلم، الصحيح، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحصيل في الوضوء|ح249.
(5) كنز العمال 15: 247 ـ 248|ح 42561.
(6) كنز العمال 15: 247 ـ 248|ح 42562.


(17)

اللّهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم»(1).

9 ـ «إنّي نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها لتذكِّركم زيارتها خيراً»(2).

10 ـ «نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهنّ؛ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنّ في زيارتها تذكرة»(3). إلى غير ذلك من الآثار النبوية الحاثّة على زيارة القبور، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كنز العمال.



(1) كنز العمال 15: 247 ـ 248|ح 42563.
(2) كنز العمال 15: 247 ـ 248|ح 42564.
(3) كنز العمال 15: 247 ـ 248|ح 42565.