welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج4*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج4

(1)
المبسوط في أُصول الفقه / ج 4

(2)

(3)
الجزء الرابع

(4)
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق . ـ
      المبسوط في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1432 ق . = 1390 .
      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 313 - 3 (دوره)
ISBN 978 - 964 - 357 - 314 - 0 (ج. 1)
ISBN 978 - 964 - 357 - 440 - 6 (ج. 2)
ISBN 978 - 964 - 357 - 467 - 3 (ج. 3)
ISBN 978 - 964 - 357 - 483 - 3 (ج. 4)
      أُنجـزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 . أُصول فقه الشيعة ـ ـ القرن 15. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. العنوان.
2م 2س/ 8/159 BP    312 / 297
اسم الكتاب:   … المبسوط في أُصول الفقه
الجزء:    …الرابع
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1432 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد الصفحات:   …728 صفحة
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
         تسلسل النشر:658                  تسلسل الطبعة الأُولى:379
مركز التوزيع
قم المقدسة / ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.tohid.ir

(5)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الّذي بعث رسله وأكمل دينه; والصلاة والسلام على من بلّغ رسالته، وعلى آله الطاهرين، موضع سرّه وعيبة علمه، وموئل حكمه، ما كرّ الجديدان وما افترق الفرقدان.
أمّا بعد:
فهذا هو الجزء الرابع والأخير من موسوعتنا الأُصولية «المبسوط في أُصول الفقه»، والّتي تتضمن آراء أكابر المحقّقين من الأُصوليين فيما يمّت لهذا العلم بصلّة.
ولا يخفى على من له إلمام بالشريعة المطّهرة أنّ استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها رهن دراسة وتطبيق أُصول وقواعد تُعدّ مبادئ لها، ومن أنكر ذلك فقد أنكره بلسانه، وقلبه مطمئن بخلافه.
كيف يمكن إنكار توقّف الاستنباط على أُصول موضوعية مع أنّ حجّية الظواهر من تلك الأُصول، فلو لم تثبت حجّيتها قبل الاستنباط فكيف يمكن للفقيه الاستدلال بآية أو رواية على حكم شرعي؟!
إنّ كثيراً من عمومات القرآن والسنّة قد خصّصت بأدلّة منفصلة، فالتمسّك بعموم العام وإطلاق المطلق فرع بقاء حجيّتهما بعد التخصيص والتقييد، إلى غير ذلك من الأُصول والقواعد الّتي لا غنى للفقيه عن دراستها قبل الاستنباط.

(6)
ثم إنّ القوم ـ قدس الله أسرارهم ـ بين مَن يبحث عن تلك القواعد في مقدّمة كتبه الفقهية كالمحدِّث البحراني في «الحدائق الناضرة» فقد اشتمل الجزء الأوّل منها على مقدّمات أكثرها من مسائل أُصول الفقه، لكنّه صاغها بشكل يبدو أنّه استقاها من الأخبار والروايات.
ومنهم مَن أفردها بالتأليف، وهذا هو المنهج السائد عند أصحابنا منذ عصر الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) إلى يومنا هذا .
فلو جُمع ما ألّفه أصحابنا في هذا العلم لشكّل مكتبة عظيمة وثروة علمية وافرة.
هذا وقد قمت في سالف الزمان بتأليف كتابين هما: «الموجز» و«الوسيط»، فاقتضى ذلك تأليف كتاب ثالث يبحث عن المسائل الأُصولية بشكل مبسوط، عسى أن يقع موضع الدراسة والنقد بين أساتذة هذا العلم وطلابه.
والله من وراء القصد
والحمد لله رب العالمين
جعفرالسبحاني
قم المقدسة/ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الخامس عشر من شهر
رمضان المبارك مولد السبط الأكبر
الحسن المجتبى (عليه السلام) 1432 هـ

(7)

الأصل العمليّ الرابع

الاستصحاب

تقدّم الكلام في الأُصول الثلاثة: البراءة، والاحتياط، والتخيير، وبقي الكلام في الأصل الرابع وهو الاستصحاب. وقد تقدّم أنّ انحصار الأُصول العملية الجارية في عامّة أبواب الفقه في هذه الأربعة، حصرٌ استقرائيٌّ، وإن كان حصر مجاريها في الموارد الأربعة عقليّاً. وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: في تعريف الاستصحاب

وقد عُرّف بتعاريف خمسة، ابتداءً من الشيخ بهاء الدين العاملي وانتهاءً بالمحقّق النائيني، وإليك بيانها:
1. إثبات الحكم في الزمن الثاني تعويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل.(1)
هذا ما ذكره شيخنا بهاء الدين العاملي، وقد أُورد عليه بعدم اشتماله

1. زبدة الأُصول:78.

(8)
على ركني الاستصحاب، أعني: اليقين والشكّ.
يلاحظ عليه: بأنّه وإن لم يصرّح بهما لكنّه أشار إلى اليقين بقوله: «تعويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل»، وإلى الشكّ بقوله: «إثبات الحكم في الزمن الثاني». فلو لم يكن بين ظرفي الحكمين اختلاف من حيث اليقين والشكّ لما كان لثبوته في الزمن الثاني تعويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل، وجه.
2. كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق.(1)
وهو تعريف المحقّق القمي(رحمه الله)، وقد أورد عليه الشيخ بأنّه أزيف التعاريف; وذلك لأنّ ما عرّف به هو محلّ الاستصحاب وموضوعه لا تعريفه، وسيوافيك توجيه هذا التعريف عند الفراغ من ذكر التعاريف الخمسة.
3. إبقاء ما كان. (2)
وهو تعريف الشيخ الأنصاري، ووصفه بأنّه أسدّ التعاريف وأقصرها.
ويرد عليه ما أُورد على التعريف الأوّل من عدم الإشارة إلى ركني الاستصحاب ـ أعني: اليقين والشكّ ـ اللّهم إلاّ إذا قيل بأنّ قوله: «ما كان» إشارة إلى اليقين، كما أنّ قوله: «إبقاء» إشارة إلى الشكّ، حسب ما ذكرناه في توجيه التعريف الأوّل.

1 . قوانين الأُصول:2/53.
2. فرائد الأُصول: 3 / 9، طبعة المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، قم ـ 1419 هـ .

(9)
4. الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شُكَّ في بقائه.(1)
وهو تعريف المحقّق الخراساني، والظاهر أنّه ليس شيئاً جديداً، بل شرح لتعريف الشيخ .
فقوله: «ببقاء حكم» إشارة إلى الاستصحابات الحكمية، وقوله: «أو موضوع ذي حكم» إشارة إلى الاستصحاب في الموضوعات الخارجية. مثال الأوّل كما إذا شككنا في بقاء نجاسة ماء زال تغيّره بنفسه، ومثال الثاني كاستصحاب بقاء حياة الزوج أو الزوجة عند الشكّ فيها.
5. عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر والجري العملي بالشكّ في بقاء متعلّق اليقين.(2)
وهو تعريف المحقّق النائيني، ويلاحظ عليه بأنّه تعريف بالنتيجة، فإنّ عدم انتقاض اليقين نتيجة إبقاء اليقين السابق وعدم نقضه بالشكّ اللاحق.
إلى هنا تبيّن حال التعاريف الخمسة، والحق أن يقال: إنّه يختلف تعريف الاستصحاب حسب اختلاف المباني.
فلو قلنا: إنّه أمارة عقلائية لكشف حال الشيء في الآن اللاحق وأنّ اليقين السابق أمارة ظنيّة لبقائه في ظرف الشكّ الذي أُريد به احتمال الخلاف الجامع مع الظن(3)، فتعريف المحقّق القمي من أوضح التعاريف;

1. كفاية الأصول: 2/273.   2 . فوائد الأُصول:4/307.
3. أي المراد من الشكّ، هو الشكّ الأُصولي ـ أعني: خلاف اليقين الذي يجتمع مع وجود الظن ـ لا الشكّ المنطقي، أعني: تساوي الطرفين.

(10)
لأنّ ما هو الأمارة وما هو المفيد للظن، عبارة عن كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن اللاحق...
فهذا النوع من اليقين يفيد الظن بالبقاء في الآن اللاحق.
نعم يرد على تعريف المحقّق القمي أنّ تسمية كون الشيء يقينيّ الحصول استصحاباً، ليس بصحيح ; لأنّ الاستصحاب عبارة عن صحبة شيء لشيء آخر، وليس في كون الشيء يقينيّ الحصول، أي صحبة. نعم نتيجة حجّية اليقين السابق هو استصحاب شيء لشيء آخر.
وأمّا على القول بأنّ الاستصحاب أصل محرز لصيانة الواقع، نظير الاحتياط في أطراف الشبهة المذكورة حيث يحفظ بهما الحكم الشرعي، أمّا الاحتياط فواضح، وأمّا الاستصحاب فلأنّ الغالب هو البقاء.
أو على القول بأنّه أصل تعبدّي محض كأصالتي الطهارة والحلّية، فما ذكره المحقّق الخراساني أوضح التعاريف، وما ذكره الشيخ أخلصها.
ثم يمكن تعريف الاستصحاب بتعريف سادس أقرب إلى لسان الروايات وهو: عدم نقض اليقين السابق المتعلق بالحكم الشرعي أو بموضوع ذي أثر بالشكّ اللاحق نقضاً تشريعياً لا تكوينياً.

الأمر الثاني: هل الاستصحاب مسألة أُصولية أو فقهية؟

هل الاستصحاب مسألة أُصولية مطلقاً، أو أنّه قاعدة فقهية كذلك، أو فيه التفصيل بين الاستصحاب الجاري في الأحكام الكلّية والجاري في الموضوعات؟

(11)
ذهب الشيخ الأنصاري إلى القول الثالث وهو أنّ الاستصحاب مسألة أُصولية إذا كان المستصحب حكماً كليّاً مشكوكاً. وقاعدة فقهية إذا كان المستصحب من الموضوعات الخارجية كاستصحاب عدالة زيد وطهارة ثوبه، نظير أصالة الطهارة وقاعدة الفراغ.
واستدلّ على ذلك بالأمر التالي: إنّ الميزان في كون المسألة أُصولية اختصاص تطبيقها على صغرياتها بالمجتهد، بخلاف القاعدة الفقهية فإنّ تطبيقها يعم المجتهد والمقلّد.
والاستصحاب في الأحكام الكلّية رهن الفحص عن الدليل الاجتهادي ولا يقوم بذلك إلاّ المجتهد، بخلاف الاستصحاب في الموضوعات فليس رهناً لشيء.
وقد قرّر المحقّق النائيني هذا الدليل بتعبير آخر، قال: إنّ نتيجة المسألة الأُصولية إنّما تنفع المجتهد ولاحظّ للمقلّد فيها، وأنّ النتيجة في القاعدة الفقهية تنفع المقلّد.(1) وكأنّه يريد أنّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية ينفع المجتهد دون المقلّد، بخلافه في الموضوعات كطهارة الثوب فإنّه ينفعهما.
أقول: ما استدلاّ به غير تام ; لأنّ تطبيق كثير من القواعد الفقهية بيد المجتهد دون المقلّد، ولا ينتفع به المقلّد نظير قاعدة: «كلّما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، وقاعدة:«ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»، إلى غيرهما من القواعد.

1. فوائد الأُصول:4/309.

(12)
فالظاهر أنّ المسألة أُصولية في كلا الموردين ; لأنّ المائز بين الأمرين أحد أمرين على وجه مانعة الخلو:

1. الاختلاف في المحمولات

فإنّ المحمولات في المسائل الأُصولية ليست أحكاماً شرعية عملية، كقولنا: خبر الواحد حجّة، والظواهر حجّة، وجواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه; بخلاف القواعد الفقهية فإنّ المحمول فيها حكم شرعي مأخوذ من نفس الشرع، كقوله(عليه السلام): «إذا شككت فابن على الأكثر»، أو حكم وضعي منتزع من الحكم التكليفي، كما في قولنا: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فإنّ الحكم الكلّي منتزع من الأحكام الشرعية الصادقة في أبواب مختلفة المستندة إلى قوله(عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».

2. كشف الحكم في الأُصولية استنباط وفي غيرها تطبيق

إنّ إعمال المسألة الأُصولية في المورد من قبيل الاستنباط بخلاف القاعدة الفقهية فإنّ إعمالها من قبيل التطبيق.
والفرق بينهما واضح، وهو أنّ الأوّل يكشف عن حكم شرعي مجهول لم يكن معلوماً للمجتهد قبل الإعمال لا إجمالاً ولا تفصيلاً، بخلاف الثاني فليس في الإعمال كشف عن حكم شرعي مجهول غير معلوم، بل تبديل للعلم الإجمالي بالعلم التفصيلي، وإن شئت فلاحظ القاعدتين التاليتين:
تارة نقول: خبر الثقة حجّة، فلا يندرج فيه أي حكم من الأحكام لا

(13)
إجمالاً ولا تفصيلاً، ولا يستنبط منه حكم إلاّ بضم صغرى إليه وهي خبر الثقة عن وجوب صلاة الجمعة في حال الغيبة.
وأُخرى نقول: كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر، فقد دخل في «الشيء» الثوب والإناء وكل شيء مشكوك إجمالاً. فلا يحتاج إلى صغرى إلاّ للتفصيل والتبيين، وحكم الصغرى يكمن في الكبرى إجمالاً.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة كون الاستصحاب مسألة أُصولية أو فقهيّة على ضوء هذين المعيارين.
فالظاهر وجود المعيارين في كلا الموردين، وذلك أنّ الكبرى ـ أعني: «لا تنقض» ـ حكم غير شرعي، بل هي حكم إرشادي أو تمهيدي لصيانة الواقع أو لرفع التحيّر من دون فرق بين كون المورد شبهة حكمية أو شبهة موضوعية.
كما أنّ العلم بالنتيجة في كلا الموردين غير موجود في العلم بالكبرى، فكما أنّ: «لا تنقض» لا يهدي إلى وجوب الجمعة في الغيبة، كذلك لا يهدي إلى طهارة الثوب إذا كان متيقّن الطهارة في السابق. ومقتضى ذلك عدّ الاستصحاب في كلا الموردين من المسائل الأُصولية.
نعم يمكن توجيه التفصيل المذكور بطريق آخر، وهو: أنّ النتيجة في استصحاب الشبهات الحكمية كليّة لا جزئية بخلافها في الموضوعات الخارجية، كطهارة الثوب ونجاسة الإناء، فالنتيجة فيها جزئية لا تتجاوز عن الثوب والإناء، فبما أنّ نتيجة المسألة الأُصولية تكون كلّية لا جزئية، صحّ عدّها قاعدة فقهية في مورد الموضوعات الخارجية.

(14)

الأمر الثالث: أركان الاستصحاب

أركان الاستصحاب أُمورٌ ثلاثة:
1. فعلية اليقين والشكّ واجتماعهما في زمان واحد.
فإن قلت: إنّ اليقين والشكّ من الأُمور المتضادة فكيف يجتمعان؟
قلت: سيوافيك عند الكلام عن الركن الثالث أنّ المسوّغ هو اختلاف متعلّقي اليقين والشكّ زماناً، فعدالة زيد يوم الجمعة متعلّق لليقين، وعدالته يوم السبت متعلّق للشكّ.
2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك، كما هو الحال في المثال السابق. فزمان العدالة المتيقّنة سابق على زمان العدالة المشكوكة، كسبق الجمعة على السبت.
3. وحدة متعلّقي اليقين والشكّ ذاتاً واختلافهما زماناً، فقد تعلّق اليقين والشكّ بالعدالة، غير أنّ متعلّق اليقين هو عدالته يوم الجمعة ومتعلّق الشكّ عدالته يوم السبت. وعلى هذا فأركان الاستصحاب هي بالنحو التالي:
1. فعلية اليقين والشكّ وعدم إزالة اليقين بالشكّ.
2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك.
3. وحدة متعلّق الشكّ واليقين ذاتاً والاختلاف زماناً.
وسيوافيك أنّ كلاً من هذه الأركان احترازيٌّ تخرج بسببها القواعد الثلاث، كما سيوافيك.

(15)

الأمر الرابع: في القواعد الثلاث

يدور على ألسن الأُصوليين قواعدُ ثلاث وربما يُشكل على المبتدئ الفرق بينها وبين الاستصحاب، ولأجل توضيحها وتوضيح فرقها مع الاستصحاب نذكر كلّ واحدة على وجه الإيجاز:

1. قاعدة اليقين أو الشكّ الساري

إذا أيقن بعدالة زيد يوم الجمعة وطلّق عنده ثم شكّ في يوم السبت في عدالته في نفس ذلك اليوم (الجمعة) مع قطع النظر عن عدالته يوم السبت، إذ يمكن أن يكون فيه مقطوع العدالة أو مقطوع الفسق أو مشكوكه، فعلى كلّ تقدير فالمطلوب ترتّب أثر العدالة في نفس يوم الجمعة فقط . فلو قلنا بحجّية القاعدة يترتّب أثر العدالة في نفس ذلك اليوم ، فلو حكم بصحّة القاعدة تكون حجّة أُخرى غير الاستصحاب.
ولكنّها تفترق عن الاستصحاب بأمرين:
1. وحدة متعلّقي الشكّ واليقين هنا ذاتاً وزماناً، على خلاف الاستصحاب فإنّ متعلّقيهما فيه واحد ذاتاً لكن مختلف زماناً ; ففي الاستصحاب يترتّب أثر العدالة في يوم السبت، وفي القاعدة يترتّب أثر العدالة في يوم الجمعة.
2. عدم فعلية اليقين والشكّ بل ينتهي الأمر إلى زوال اليقين وبقاء الشكّ وحده، على خلاف الاستصحاب فإنّهما فيه فعليان; ففي نفس المثال قد زال اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة ولم يبق إلاّ الشكّ يوم السبت، بخلاف الاستصحاب كما عرفت.

(16)
وإلى ما ذكرنا يرجع ما اشتهر في الألسن من أنّ الشكّ في الاستصحاب يرجع إلى البقاء، وأمّا في قاعدة اليقين فالشكّ يرجع إلى الحدوث. فالبقاء مشكوك في الاستصحاب مع كون الحدوث متيقناً، والحدوث مشكوك في القاعدة مع قطع النظر عن البقاء. وبذلك يُعلم أنّ مشكلة اجتماع اليقين والشكّ في القاعدتين تنحل بطريقين مختلفين:
أمّا الاستصحاب فلأجل اختلاف متعلّقي اليقين والشكّ زماناً، فهذا هو المصحّح لصدقه.
وأمّا في القاعدة فالمبرر لاجتماعهما فيها هو سبق زمان اليقين على زمان الشكّ فقط، ولا يتصوّر فيه سبق زمان الشكّ على اليقين أو اجتماعهما، بخلاف الاستصحاب حيث يتصوّر فيه الحالات الثلاث:
1. سبق اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة ثم الشكّ في عدالته يوم السبت.
2. سبق الشكّ في عدالته يوم السبت ثم اليقين بعدالته يوم الجمعة.
3. طروء اليقين والشكّ بالنسبة إلى كلّ من الجمعة والسبت في زمان واحد.

2. قاعدة المقتضي والمانع

«قاعدة المقتضي وأصالة عدم المانع» من القواعد الّتي أسّسها العلاّمة الشيخ محمد هادي الطهراني (المتوفّى 1321هـ) وطبّق عليها روايات الاستصحاب.

(17)
وحاصلها: أنّه إذا تعلّق اليقين بشيء له تأثير تامّ في وجود المقتضي، لكن شكّ في وجود المانع، كصبّ الماء على اليد، المقتضي لغسل البشرة لولا المانع من القير والجصّ، فيقال: المقتضي موجود والأصل عدم المانع فيثبت غسل البشرة.
فعلى هذا فهي تخالف القاعدتين جوهراً وذاتاً; لأنّ متعلّقي اليقين والشكّ في قاعدة اليقين واحد ذاتاً وزماناً، وفي الاستصحاب واحد ذاتاً مختلفان زماناً، ولكنّهما هنا مختلفان ذاتاً وزماناً. ومن المعلوم أنّ روايات الاستصحاب منصرفة عن مثلها، حيث إنّ موردها تعلّق الشكّ بنفس ما تعلّق به اليقين وإن كان لهذا الشكّ منشأ آخر، وهو وجود المانع، كما في استصحاب الطهارة عند الشكّ في النوم، فاليقين والشكّ تعلّقا ببقاء الطهارة وإن كان الشكّ في بقاء الطهارة معلولاً لشك آخر وهو صدور النوم وعدمه، وهذا بخلاف المقام فإنّ اليقين تعلّق بالصبّ على اليد، والشكّ تعلّق بغسل البشرة، فهما متمايزان.

3. الاستصحاب القهقري

الاستصحاب القهقري نفس الاستصحاب الجاري في الموارد المعروفة، والتفاوت إنّما هو في تقدّم المتيقّن زماناً على المشكوك في الاستصحاب، وتقدّم المشكوك زماناً وتأخّر المتيقّن في المقام.
وذلك نظير ما إذا شككنا في أنّ الصوم والصلاة اللّتين هما حقيقتان ـ في أعصارنا هذه ـ في العبادات المعروفة وشككنا في كونهما كذلك في

(18)
الأعصار السابقة حتى تنتهي إلى عصر الرسالة، فيستصحب من عصرنا إلى الأعصار المتقدّمة، فتكون النتيجة: أنّ ما هو المتبادر اليوم هو المتبادر في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ إنّ روايات الاستصحاب لا تشمل مثل هذا النوع، لما سيوافيك من أنّ مواردها هي تقدّم المتيقّن على المشكوك لا العكس، كما في المقام.
نعم ربّما يحتجّ في إثبات وحدة المعنى في جميع الأعصار بأصالة عدم النقل، إذ لو كان المعنى المتبادر فعلاً غير المتبادر في عصر الرسالة للزم النقل، والأصل عدمه.
وهذا الأصل أصل لفظي عقلائي، ومن المعروف أنّ مثبتات هذه الأُصول حجّة.

الأمر الخامس: في تقسيمات الاستصحاب

ينقسم الاستصحاب حسب المستصحب تارة، والدليل الدال على حكمه أُخرى، وحسب الشكّ ومنشئه ثالثة. وإليك بيان الجميع، بوجه الإيجاز.
أمّا التقسيم الأوّل: فالمستصحب تارة يكون حكماً شرعياً كاستصحاب الوجوب التعييني لصلاة الجمعة في زمان الغيبة، وأُخرى يكون موضوعاً لحكم شرعي كاستصحاب حياة الزوج لوجوب الإنفاق على الزوجة، وثالثة يكون كلّياً كما مرّ، ورابعة جزئياً كاستصحاب وجوب أداء الدين إذا شكّ المديون في الأداء، وخامسة يكون المستصحب حكماً

(19)
تكليفيّاً كما مرّ، وسادسة وضعيّاً كاستصحاب نجاسة الماء الذي زال تغيّره بنفسه.
وعلى جميع التقادير فالمستصحب إمّا أمر وجودي كما مرّ، أو أمر عدمي كاستصحاب عدم جزئية القنوت، إلى غير ذلك من الأمثلة.
وأمّا التقسيم الثاني ـ أي الاستصحاب باعتبار الدليل الدال على المستصحب ـ فإنّ دليله إمّا أن يكون كتاباً، أو سنّة، أو إجماعاً، أو عقلاً.
وأمّا التقسيم الثالث ـ أي الاستصحاب من جهة الشكّ ـ فتارة يتعلّق بالمقتضي، أي الشكّ في استعداد المستصحب للبقاء، كاستصحاب بقاء زيد بعدما عمّر مائة وعشرين سنة; وأُخرى في وجود الرافع لأثر المقتضي، كما إذا شكّ في الطلاق بعد النكاح، فشكّ أنّه طلّق أو لا؟
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الشكّ في الرافع ينقسم إلى الأقسام الخمسة التالية:
1. الشكّ في وجود الرافع وعدمه، كالشكّ في أنّه طلّق أو لا؟
2. الشكّ في رافعية الموجود، وهو على أقسام أربعة لاختلاف منشأ الشكّ:
أ. ما إذا كان منشأ الشكّ تردّد الواجب بين ما امتثل وما لم يمتثل، كما إذا صلّى صلاة الظهر في يوم الجمعة، فإن كان الواجب هو الظهر فقد برئت الذمّة، وإن كان الواجب صلاة الجمعة فالذمّة مشغولة، فالشكّ في رافعية صلاة الظهر نابع عن تردّد الواجب بين الأمرين.

(20)
ب. الجهل بحكم الموجود، كما إذا خرج المذي من الإنسان لعدم الاستبراء، فيشكّ في كونه رافعاً أو لا، لأجل جهله بالحكم.
ج. الجهل بمصداقية الموجود لرافع معلوم المفهوم، كالبلل المردّد بين البول والمذي بعد العلم بحكم المذي.
د. الجهل بمصداقية الموجود لرافع مجهول المفهوم، كما إذا أحدث ثم تيمّم على الآجر، حيث إنّ الجهل بحكم المصداق نابع عن الجهل بمفهوم الصعيد الذي يرتفع الحدث بالتيمّم به.
إلى هنا تمّت التقسيمات الرئيسية وقد ذكرناها تمهيداً.

(21)
 

حجّية الاستصحاب وأدلّته

استدلّوا على حجّية الاستصحاب بوجوه خمسة نذكرها تباعاً:

الأوّل: بناء العقلاء

وهو مبني على مقدّمتين:
1. استكشاف بناء العقلاء على العمل طبقاً للحالة السابقة تعبّداً، سواء أفاد الاطمئنان أم لا، أو أفاد الظن أم لا.
2. عدم صدور الردع من الشارع.
أمّا المقدّمة الأُولى: فالظاهر أنّها غير ثابتة; لأنّ القدر المتيقّن من بناء العقلاء هو العمل على وفق الحالة السابقة عند أحد أمرين: الاطمئنان أو الظن، وهو غير مطلوب في المقام ; لأنّه عبارة عن العمل به تعبّداً مطلقاً، وهو غير ثابت.
أضف إلى ذلك: أنّهم يعملون على وفق الحالة السابقة في الأُمور الحقيرة لا الخطيرة، بل يتوقّفون حتى يحصل لهم الاطمئنان.
وأمّا المقدّمة الثانية ـ أي عدم الردع ـ : فقد وقع فيها النقاش بين المحقّق الخراساني والمحقّق النائيني، فقال الأوّل: بأنّه يكفي في الردع ما ورد في الكتاب والسنّة من النهي عن اتّباع غير العلم، نظير قوله سبحانه: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)،(1) ونظير ذلك.

1.الإسراء:36.

(22)
وناقش في هذا الكلام المحقّق النائيني بأنّ ما ذكره في المقام مناقض تماماً لما ذكره في باب حجّية خبر الواحد من باب بناء العقلاء، حيث قال هناك بأنّ ما دلّ على عدم حجّية الظن لا يصلح لأن يكون رادعاً لبناء العقلاء إلاّ بالدور، مع أنّه سلّم برادعية ما في الكتاب لبناء العقلاء في الاستصحاب بلا دور، فما الفرق بين المقامين؟
وقد أجاب بعض أساتيذنا عن مناقشة المحقّق النائيني فقال: بوجود الفرق بين المقامين بأنّ قول الثقة مفيد للاطمئنان الذي هو علم عند العرف، فلا ينتقل العرف من النهي عن العمل بالظن إلى النهي عن العمل بقول الثقة ; لأنّه لا يراه ظنّاً، بخلاف الاستصحاب فهو ليس مفيداً للاطمئنان حتى يكون علماً عرفياً، بل مفيد للظن فيكفي في ردّه الآيات الناهية عن العمل بالظن.
ويمكن أن يجاب عن مناقشة المحقّق الخراساني بوجه آخر وهو: أنّ الآيات الناهية عن العمل بالظن لا تشمل كلا الموردين، لا مورد خبر الثقة ولا الاستصحاب; لأنّ المراد بالظن في هذه الآيات هو الوهم والتخيّل غير المستند إلى شيء، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى)(1)، ثم يردّ عليهم بقوله: (وَ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ).(2)
ترى أنّ الظنّ في الآية أُريد به التخيّل ; لأنّ المصوّرين يقومون بتصوير الملائكة بصورة الأُنثى فيكون هذا مبدأً لتخيّلهم بأنّهم أُناث.

1.النجم:27.
2. النجم:28.

(23)
ونظيره قوله سبحانه: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ).(1) فالخرص في اللغة هو الكذب والوهم.
وعلى ذلك فالآيات الناهية غير صالحة لردّ بناء العقلاء في كلا البابين.
والأولى نقد الصغرى، وأنّ بناء العقلاء منحصر في موردين: الاطمئنان والظن، والمطلوب غير ذلك.

الثاني: الاستقراء

قال الشيخ: إنّا تتبعنا موارد الشكّ في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع، فلم نجد مورداً إلاّ وقد حكم فيه الشارع بالبقاء، إلاّ مع أمارة توجب الظن بالخلاف، وهي لا تتجاوز عن موارد ثلاثة:
1. إذا بال ولم يستبرئ ثم توضّأ فخرج منه البلل المردّد بين البول والمذي، فمقتضى الاستصحاب بقاء الطهارة النفسانية وطهارة الموضع، إلاّ أنّه يحكم عليه بكونه بولاً ناقضاً للطهارتين، وذلك لغلبة بقاء جزء من البول في المجرى، فرجّح الظاهر على استصحاب الطهارة نفساً وموضعاً.
2. غسالة الحمام عند بعض، والمراد غسالة الماء القليل الذي يغسل به البدن، فمقتضى الاستصحاب طهارة الماء، إلاّ أنّ الظاهر انفعاله بالنجاسة الموجودة غالباً على الأبدان.

1.يونس:66.

(24)
3. موارد قاعدة التجاوز وأصالة الصحّة، فإنّ مقتضى الاستصحاب هو الفساد واشتغال الذمة، إلاّ أنّ مقتضى القاعدة وأصالة الصحّة هو العكس.
والذي يدلّ على صحّة الاستقراء الحديثان التاليان:
أ. «تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام»، وذلك فيمن تجاوز دمها أيام العادة ولم تتجاوز العشرة، فتحكم على الدم بأنّه حيض استصحاباً.
ب. «صمّ للرؤية وأفطر للرؤية»، فلو شكّ في دخول شهر رمضان يستصحب كونه من شعبان، ومثله إذا شكّ في انقضاء شهر رمضان فيستصحب أنّه من رمضان.
يلاحظ عليه: بأنّه لا يثبت الاستقراء بالموردين، بل يجب على الفقيه التتبع من أوّل كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات حتى يقف على صحّته.

الثالث: الاستصحاب مفيد للظن

إنّ الثبوت السابق مفيد للظن به في اللاحق.
يلاحظ عليه: بأنّه لا دليل على حجّية هذا الظن أوّلاً، وعدم إفادته الظن في عامّة الموارد ثانياً.

الرابع: الإجماع المنقول

ادّعى غير واحد من الأُصوليّين كالعلاّمة الحلّي في كتابه:«مبادئ الوصول إلى علم الأُصول» على إجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم وقع الشكّ في أنّه طرأ عليه ما يزيله أو لا، وجب الحكم ببقائه على ما كان أوّلاً.

(25)
ولولا القول بأنّ الاستصحاب حجّة، لكان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح.(1)
يلاحظ عليه ـ بعد فرض ثبوت الإجماع على حجّية الاستصحاب ـ : أنّه يمكن أن يستند المجمعين في فتواهم على حجّية الاستصحاب إلى الأدلّة المتقدّمة، وقد عرفت ضعف هذه الدلائل، فإذا تبيّن ضعف مدرك المجمعين، فلا يكون مثل هذا الإجماع حجّة.

الخامس: الأخبار المستفيضة

تضافرت الأخبار على أصل خاصّ وهو عدم نقض اليقين بالشكّ، وقد ورد هذا الأصل في غير مورد كالوضوء والصلاة وغيرهما.
وأوّل مَن استدلّ به الشيخ حسين بن عبد الصمد والد شيخنا بهاء الدين العاملي(918ـ984هـ)، وقد نقل الروايات في كتابه «العِقد الطهماسبي»، وإليك دراستها واحدة بعد أُخرى:

الأُولى: مضمرة زرارة الأُولى

روى الشيخ في «التهذيب» باسناده عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة قد تنام العينُ ولا ينام القلب والأُذن، فإذا نامت العين والأُذن والقلب وجب الوضوء».

1.مبادئ الوصول إلى علم الأُصول:56، طبعة طهران.

(26)
قلت: فإن حُرِّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به؟ قال: «لا، حتى يستيقن أنّه قد نام، حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ وإنّما تنقضه بيقين آخر».(1)
والاستدلال بالرواية يتوقّف على دراسة مواضع:
الأوّل: أنّ السند صحيح حيث أخذ الشيخ الرواية عن كتاب الحسين بن سعيد الأهوازي وهو يروي عن حمّاد بن عيسى غريق الجحفة (المتوفّى: 208 أو 209هـ)، وهو يروي عن حريز بن عبد الله السجستاني الثقة، وهو يروي عن زرارة مضمراً، حيث لا يُعلم المشار إليه، ولا يعدو إلاّ أن يكون المرجع هو أحد الصادقين(عليهما السلام) لجلالته من أن يروي عن غير المعصومين، وقد صاحب زرارةُ الإمام الصادق(عليه السلام) قرابة أربعين سنة كما صاحب الإمام الباقر(عليه السلام) عدّة سنين. وأمّا سند الشيخ في «التهذيب» إلى الحسين بن سعيد فهو سند صحيح وهو كالتالي: يروي عن المفيد، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد.(2)
وربّما تسند الرواية إلى الإمام الباقر(عليه السلام).(3)
الثاني: ما هو مورد السؤال في الفقرتين؟

1. الوسائل: 1، الباب1 من أبواب الوضوء، الحديث 1. والخطاب في قوله: «لا تنقض» عدول من الغيبة إلى الخطاب من باب الالتفات.
2. تهذيب الأحكام: 10/386.
3. الفوائد المدنية:142; الحدائق:1/143 ضمن المقدّمة الحادية عشرة، ولعلّهما وقفا على اسناد الرواية إلى أبي جعفر(عليه السلام).

(27)
اشتملت الرواية على فقرتين وكلٌّ يتضمّن سؤالاً:
أ. أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟
ب. فإن حُرّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به؟
فيقع الكلام في مورد السؤالين:
أمّا السؤال الثاني فواضح فانّ الشبهة فيه مصداقية يريد أن يستكشف المصداق بعملية خاصّة وهو تحريك شيء إلى جنبه وهو لا يعلم، فأبطل الإمام كاشفيته، وقال: «لا، حتى يستيقن أنّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيّن».
إنّما الكلام في السؤال الأوّل وهنا احتمالات:
1. أن تكون الشبهة مفهومية، فحاول السائل أن يقف على معنى النوم.
2. أن تكون الشبهة حكمية، بمعنى أنّه يعرف معنى النوم، لكنّه لا يدري أي درجة من درجاته تكون ناقضة للوضوء، فيسأل عمّا هو الناقض من هذه الدرجات.
3. أنّه يحتمل أن يكون السؤال عن الخفقة هل هي من النواقض المستقلة غير النوم أم لا؟
أمّا الاحتمال الأوّل فبعيد فإنّ زرارة عربي أصيل، ومن البعيد أنّه لا يعرف معنى النوم حتى يسأل الإمام(عليه السلام) عن معناه وعمّا وضع له.
والثالث بعيد أيضاً، إذ لم يقل أحد باستقلال الخفقة والخفقتين بالناقضية حتى يسأل عنها.

(28)
فإذن يتعيّن الثاني، بمعنى أنّه عالم بالفطرة بأنّ للنوم درجات، فتارة تنام العين فقط، وأُخرى تنام العين والأُذن فقط، وثالثة تنام الثلاثة أي العين والأُذن والقلب أيضاً، فسأل عمّا يكون ناقضاً من هذه الدرجات، فأُجيب بما إذا عطلت عامّة الحواس.
الثالث: ما هو الجزاء لقوله: «وإلاّ، فإنّه على يقين من وضوئه»؟
إنّ قوله: «وإلاّ» أصله: وإن لم يجئ من ذلك أمر بيّن، فهناك احتمالات ثلاثة:
1. أن يكون الجزاء محذوفاً: أي فلا يجب الوضوء.
2. أن يكون الجزاء قوله: «فإنّه على يقين من وضوئه».
3. أن يكون الجزاء قوله: «ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ».
أمّا الاحتمال الأوّل فهو أوضح الوجوه; لأنّه كثيراً ما يُحذف الجزاء وتقام العلّة مقامه، والعلّة هي قوله المركب من صغرى وكبرى; أمّا الصغرى فقوله: «فإنّه على يقين من وضوئه»، وأمّا الكبرى فقوله: «لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ»، ولهذا نظائر في القرآن الكريم، مثل:
1. قوله سبحانه: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ).(1)
أي: إن يسرق فلا عجب ولا غرو، بشهادة أنّه قد سرق أخ له من قبل.
2. قوله سبحانه: (وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ).(2)

1. يوسف: 77.   2 . فاطر:4.

(29)
أي: إن يكذبوك فليس بأمر جديد ; لأنّه قد كذّبت رسل من قبلك.
فإن قيل: لو كان الجزاء المقدّر قوله: «فلا يجب الوضوء» لزم التكرار لسبق ذكره في قوله: «لا، حتى يستيقن»، أي لا يجب الوضوء حتى يستيقن.
فنقول: لا ضير في التكرار إذا أُريد به التأكيد، أضف إلى ذلك: أنّه لو كان الجزاء مذكوراً، للزم التكرار دونما يكون مقدّراً.
وأمّا الاحتمال الثاني فبعيد ; لأنّه جملة خبرية لا تصلح للجزاء إلاّ إذا أُريد بها الإنشاء بأن يكون معناها: «وليكن على يقين من وضوئه»، وهو رهن قرينة.
وأمّا الاحتمال الثالث، فأبعد لاستلزامه توسط الجملة المعترضة بين الشرط والجزاء، مضافاً إلى اشتمالها على حرف العطف المانع من وقوعها جزاءً.
نعم الجزاء عند الأُدباء هو قوله: «فإنّه على يقين من وضوئه». بجعل الجملة الإخبارية إنشائية.
الرابع: حجّية الروايات في عامّة الأبواب.
قد مرّ أنّ الجزاء عبارة: «فلا يجب الوضوء» وقد عُلّل عدم الوجوب بجملتين: إحداهما صغرى، أعني: «إنّه على يقين من وضوئه».
والأُخرى كبرى: «ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ».
فدلالة الرواية على حرمة نقض اليقين بالوضوء في مورده لا غبار

(30)
عليها، إنّما الكلام في دلالة الجملتين على حرمة نقضه في سائر الأبواب.
أقول: المسألة مبنيّة على أمرين:
1. كون اللام في قوله: «ولا تنقض اليقين» للجنس لا للعهد، أي مطلق اليقين، لا اليقين بالوضوء.
2. قوله: «من وضوئه» من متمّمات: «فإنّه» أي: من طرف وضوئه على يقين، فيكون الحدّ الوسط في الصغرى والكبرى نفس اليقين لا اليقين بالوضوء.
ويؤيد ذلك أُمور:
الأوّل: أنّ التعليل بالصغرى والكبرى للجزاء المحذوف، تعليل بأمر ارتكازي، ومثله لا يختصّ بباب دون باب، وكأنّه(عليه السلام) يقول: إنّه على يقين من وضوئه، وإنّ اليقين بمنزلة الجسم الصلب، والشكّ بمنزلة القطن، وليس للقطن هذا الشأن أي نقض الجسم الصلب، فالموضوع للنقض وعدم النقض هو اليقين، لا اليقين بالوضوء.
الثاني: ورود الكبرى في غير باب الوضوء ـ كما سيوافيك ـ .
الثالث: قوله: «أبداً» حيث يناسب عدم اختصاصه بباب دون باب.
وبذلك يعلم أنّه لو قلنا: الجزاء محذوف والجملتان بمنزلة التعليل له المركب من صغرى وكبرى، يكون أظهر في شمول الرواية لعامّة الأبواب.
***

(31)

الرواية الثانية: صحيحة زرارة الثانية

هذه الرواية رواها من المشايخ:
1. الصدوق في علل الشرائع في الباب80 تحت عنوان علّة غسل المنىّ إذا أصاب الثوب، بالسند التالي:
أبي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام).
2. الشيخ الطوسي في «التهذيب» مضمِراً عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت له:
والرواية على كلا السندين صحيحة.
ثمّ إنّها تشتمل على ستة أسئلة وسبعة أجوبة، وما هذا إلاّ لأنّ السؤال السادس له شقّان ولكلّ شق جواب فترتقي الأجوبة إلى سبعة، وها نحن ننقل الرواية عن «التهذيب» بجعل كلّ جواب تحت رقم.
1. أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره، أو شيء من مني، فعلّمتُ أثره إلى أن أصيب له من الماء، فأصبتُ وحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً وصلّيتُ، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك.
قال: «تعيدُ الصلاة وتغسله».
2. قلت: فإنّي لم أكن رأيتُ موضِعَه، وعلمتُ أنّه قد أصابه، فطلبته فلم أقدر عليه، فلمّا صلّيت وجدته؟ قال: «تغسله وتعيد».
3. قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك، فنظرتُ فلم أر شيئاً، ثمّ صلّيتُ فرأيت فيه؟

(32)
قال: «تغسله ولا تعيد الصلاة».
قلت: لِمَ ذلك؟
قال:«لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً».
4. قلت: فإنّي قد علمتُ أنّه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله؟
قال: «تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك».
5. قلت: فهل علىّ إن شككتُ في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟
قال: «لا، ولكنّك إنّما تريد أن تُذْهِبَ الشكَ الذي وقع في نفسك».
6. قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟
فأجاب الإمام بأنّ له صورتين:
أ. قال: «تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته».
ب. «وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعلّه شيء أُوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ».(1)
توضيح الاستدلال يتوقّف على الكلام في مقامين:

1. التهذيب:1/446، ح 1335، باب تطهير البدن والثياب من النجاسات; الوسائل:2، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 2 (السؤال 1 و 2) ; والباب 37 منه، الحديث 1 (السؤال 3 و 5) ; والباب 7 منه، الحديث 2 (السؤال 4); والباب 44 منه، الحديث 1 .