welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(197)
الفصل الثالث
آراء ابن تيمية في الإمام علي(عليه السلام)
موقف أحمد بن حنبل من الإمام علي (عليه السلام)
إنكار ابن تيمية فضائل الإمام علي (عليه السلام)
مواقف ابن تيمية من الإمام علي (عليه السلام)
1. اتّهامه علياً بإيذاء فاطمة (عليها السلام)
2. دعواه بغض أكثر الصحابة لعلي (عليه السلام)
3. إنكار ابن تيمية حديث المؤاخاة
4. إنكار ابن تيمية حديث الطائر
5. اتّهامه علياً بأنّه قاتل للرئاسة لا للديانة
6. إنكار ابن تيمية عرفان المنافقين ببغض علي (عليه السلام)
7. لم يكن لسيف علي (عليه السلام)في الوقائع تأثير
8. ادّعاء تخلّف أكثر الأُمّة عن بيعة علي (عليه السلام)
9. نتائج خلافة علي (عليه السلام)

(198)
10. ابن تيمية ونزول آية الولاية في حق علي (عليه السلام)
11. صور أُخرى لتعرّض ابن تيمية للإمام علي (عليه السلام)، وأصحابه
12. ابن تيمية وحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي
13. ابن تيمية وحديث سدّ الأبواب كلّها إلاّ باب علي (عليه السلام)
14. إنكار ابن تيمية حديث باب مدينة العلم
15. ابن تيمية وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أقضاكم علي»
16. ابن تيمية وحديث قتال الناكثين والقاسطين والمارقين
17. ابن تيمية وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحبّ عليّاً فقد أحبّني »
18. ابن تيمية ونزول (هَلْ أَتَى) في حق العترة
19. مناقشته في خصائص علي (عليه السلام)

(199)

تمهيد

موقف أحمد بن حنبل من الإمام علي(عليه السلام)

إنّ أحمد بن تيمية ينتمي إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل الذي كان متجاهراً بفضائل أهل البيت(عليهم السلام)وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، وكفى في ذلك ما نقله من فضائل علي(عليه السلام) في كتاب فضائل الصحابة، ونذكر هنا أُموراً تعرب عن موقف ابن حنبل من علي ومن خصمه معاوية بن أبي سفيان.
1. قال محمد بن منصور الطوسي: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله، ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أنّ علياً قال: «أنا قسيم النار»؟ فقال: وما تنكرون من ذا؟ أليس روينا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعلي: «لايحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»؟ قلنا: بلى. قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنة. قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار، قال: فعليٌّ قسيم النار.(1)
2. وقال أيضاً: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من الفضائل ما جاء لعلي(رضي الله عنه).(2)
3. أخرج ابن الجوزي من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت

1 . طبقات الحنابلة:1/320. طبعة دار المعرفة، بيروت.
2 . المستدرك على الصحيحين:3/107.

(200)
أبي فقلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثم قال:إيش أقول فيهما؟إنّ علياً كان كثير الأعداء، ففتش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطرَوه كياداً منهم له.(1)
قال ابن حجر بعد أن نقل هذا: فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصحّ من طريق الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما.(2)
4. إنّ تربيع الخلفاء كان من قِبَل أحمد بن حنبل، وكان قبول خلافته ثقيلاً على بعض أهل الحديث ـ أعني: الذين كانوا عثمانيّي الهوى ـ فهذا هو ابن أبي يعلى ينقل بالإسناد عن دويزة الحمصي قال: دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع لعلي(رضي الله عنه) فقلت: يا أبا عبد الله إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير. فقال: بئسما قلت، وما نحن وحرب القوم وذكرها. فقلت: أصلحك الله إنّما ذكرناها حين ربّعت بعلي، وأوجبت له الخلافة، وما يجب للأئمة قبله، فقال لي: وما يمنعني من ذلك؟ قال: قلت: حديث ابن عمر؟ فقال لي: عمر خير من ابنه. قد رضي علياً للخلافة على المسلمين، وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب(رضي الله عنه)قد سمّى نفسه أميرالمؤمنين، فأقول أنا: ليس للمؤمنين بأمير؟! فانصرفت عنه.(3)

1 . الموضوعات لابن الجوزي: 2/24.
2 . فتح الباري:7/104، باب ذكر معاوية.
3 . طبقات الحنابلة:1/393.

(201)

إنكار ابن تيمية فضائل الإمام علي(عليه السلام)

هذا هو موقف إمام الحنابلة، وإمام ابن تيمية من عليّ(عليه السلام)، فكان عليه أن يقتدي به، إلاّ أنّه خالفه في ذلك وأبى إلاّ أن ينال من علي وكرامته، فأنكر الكثير من فضائله الثابتة عند حفّاظ المحدّثين، ثم وصفه بعبارات، يندى لها الجبين، ويخجل من إيرادها القلم.
وقد بلغ إنكار فضائله إلى حدّ أثار حفيظة علماء أهل السنّة، فاستنكروا آراءه في حق علي(عليه السلام).
يقول ابن حجر: طالعت الردّ المذكور]يعني: «منهاج السنّة» الذي ردّ به على «مفتاح الكرامة» للعلاّمة الحلّي [لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها ابن المطهر، وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات، لكنّه ردّ في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التأليف مظانّها، لأنّه كان لاتّساعه في الحفظ يتّكل على ما في صدره، والإنسان عامد للنسيان، وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدته أحياناً إلى تنقيص علي(رضي الله عنه)، وهذه الترجمة لا تحتمل إيضاح ذلك وإيراد أمثلته، وقد بلغه تصنيف ابن تيمية فكاتبه بأبيات.(1)
والأبيات التي أنشأها العلاّمة الحلّي وخاطب بها ابن تيمية، هي:
لو كنتَ تعلمُ كل ما علم الورى *** طُرّاً لصرتَ صديق كل العالَمِ

1 . لسان الميزان:6/319ـ 320.(ويلاحظ أنّ مكان هذه الأبيات في هذه الطبعة ترك بياضاً، ثمّ إنّ ابن حجر اشتبه عليه الأمر حيث تخيّل أنّ اسم العلاّمة يوسف بن الحسن فترجمه تحت هذا العنوان يوسف بن الحسن، والصحيح هو: الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر).

(202)
لكن جهلت فقلت إنّ جميع مَن *** يهوى خلاف هواك ليس بعالِمِ(1)
والعجب أنّ الشيخ تقي الدين السبكي الذي ردّ على ابن تيمية واتّهمه بالحشو وخلط الحقّ بالباطل، قد استجاد ردّ ابن تيمية على العلاّمة الحلّي، وقال من قصيدة له:
وابن المطهَّر لم تطهُر خلائقهُ *** داع إلى الرفض غال في تعصّبهِ
ولابن تيمية ردّ عليه به *** أجاد في الرد واستيفاء أضربهِ(2)
أقول: قاتل الله التعصّب، يقول السبكي هذا في العلاّمة ابن المطهّر، مع أنّ ابن حجر العسقلاني وصفه بقوله: كان ابن المطهّر مشتهر الذكر، حسن الأخلاق، ولمّا بلغه كتاب ابن تيمية، قال: لو كان يفهم ما أقول أجبته.(3)
ومن هنا آثر سيّدنا محسن الأمين أن يصحّح البيتين المذكورين، فقال:
وابن المطهر قد طابت خلائقه *** داع إلى الحق خال من تعصّبهِ
ولابن تيميّة ردّ عليه وما *** أجاد في ردّه في كل أضربهِ
ثم أضاف أبياتاً أُخرى هي:
حسب ابن تيمية ما كان قبل جرى *** له وعاينه من أهل مذهبه
في مصر أو في دمشق وهو بعد قضى *** في السجن ممّا رأوه من مصائبه

1 . أعيان الشيعة:5/398، نقلاً عن تذكرة ابن عراق المصري; والدرر الكامنة:71(البيت الأوّل فقط).
2 . الوافي بالوفيات:21/262، الترجمة180. 3 . لسان الميزان:2/317، الترجمة 1295.

(203)
مجسِّم وتعالى الله خالقنا *** عن أن يكون له بالجسم من شبه
بذاك صرّح يوماً فوق منبره *** بالشام حسْبك هذا من معائبه
الله ينزل من فوق السماء كما *** نزلت عن منبري ذا من عجائبه(1)
ثمّ إنّ تلميذ منهج ابن تيمية في العصر الحاضر ـ أعني: الشيخ الألباني ـ قد صحّح حديث الغدير في كتابه «سلسلة الأحاديث الصحيحة» أعني قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، وذكر في آخر دراسته للحديث: قد كان الدافع لتحرير الكلام عن الحديث وبيان صحّته أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد ضعّف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب!! وهذا من مبالغته الناتجة في تقديري من تسرعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقّق النظر فيها، والله المستعان.(2)
وهذا الاعتذار لابن تيمية بأنّه يتسرّع في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها، ليس بصحيح، وإنّما الصحيح في تقدير كلّ مطَّلع منصف على أسلوب تعاطي ابن تيمية مع الأحاديث، أنّه يتسرّع فقط، وعن عمد وقصد، في تكذيب وتضعيف ما يتعلّق بفضائل عليّ من الأحاديث، لما يضمره في نفسه تجاه الإمام(عليه السلام).

1 . أعيان الشيعة:5/398، ترجمة العلامة الحلي .
2 . الأحاديث الصحيحة:4/330، الحديث 1750.

(204)
يُذكر أن ابن تيمية، قال : حديث الموالاة قد رواه الترمذي وأحمد في مسنده عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه». وأما الزيادة، وهي قوله: «اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه...» الخ، فلا ريب أنّه كذب.(1)
هكذا يزعم ابن تيمية مع أنّ الشطر الثاني للحديث «اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه» قد أخرجه بإسناد صحيح عن أبي الطفيل، كلٌّ من: أحمد في مسنده (4 / 370) ; والنسائي في خصائصه (90) ; وابن حبان في صحيحه (2205); وابن أبي عاصم في السنّة (1367) ; والطبراني في المعجم الكبير (4968) ; والضياء في المختارة (527). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9 / 104): (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة). وقال الألباني: (وإسناده صحيح على شرط البخاري).
وأخرجه أيضاً عبدالله بن أحمد (المسند: 1 / 119) من طريق يزيد بن أبي زياد وسماك بن عبيد بن الوليد العبسي، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي (عليه السلام). قال الألباني: وهو صحيح بمجموع الطريقين عنه .
وأخرجه عن زيد بن أرقم كلٌّ من: أحمد (1 / 118) ; وابن أبي عاصم (1365) ; والطبراني (4969 ـ 4970) ; والحاكم (3 / 109) وقال: صحيح على شرط الشيخين. قال الألباني: سكت عنه الذهبي، وهو كما قال لولا أن حبيباً كان مدلساً وقد عنعنه .
وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن زيد بن أرقم. قال الهيثمي في المجمع (9 / 106): رجاله ثقات.

1 . منهاج السنة: 7 / 319، وفي طبعة بولاق : 4 / 85.

(205)
قال الألباني: وجملة القول أن حديث الترجمة (يعني: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه) حديث صحيح بشطريه. (1)
ثمّ إنّ الألباني أصاب الحق في إثبات صحّة الحديث، ولكنّه أخطأ في ذيل كلامه، حيث قال: وأمّا ما يذكره الشيعة في هذا الحديث وغيره أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال في علي(عليه السلام): «إنّه خليفتي من بعدي» فلا يصحّ بوجه من الوجوه، بل هو من أباطيلهم الكثيرة التي دلّ الواقع التاريخي على كذبها ; لأنّه لو فرض أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال، لوقع كما قال، لأنّه (وَحْيٌ يُوحَى )(2) والله سبحانه لا يخلف وعده.
والحقّ أنّ المسكين قد خلط بين الإخبار والإنشاء، والجملة قصد بها الإنشاء، ولم يقصد الإخبار حتى يلزم التخلّف، وكم من أخبار في القرآن والسنة قُصد بها الإنشاء ولم تقع. مثل قوله:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )(3) وهل كانوا كذلك؟ لا أدري. والقارئ الكريم ـ العارف بما جرى في عصر الصحابة من الحروب الطاحنة ـ أدرى.
وها نحن نذكر نماذج من مواقفه من علي وأولاده(عليهم السلام).

1 . سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4 / 343 .
2 . النجم: 7 .
3 . الفتح:29.

(206)

1

اتّهامه عليّاً بإيذاء فاطمة(عليها السلام)

يوجد في «منهاج السنّة» ما يدلّ على أنّ ابن تيمية كان يبغض علياً ويظهر هذا في مواضع كثيرة من منهاجه نقتصر بذكر بعضها:
قال: لو قُدّر أنّ أبا بكر آذاها (فاطمة) فلم يؤذها لغرض نفسه، بل ليطيع الله ورسوله ويوصل الحق إلى مستحقه، وعلي(رضي الله عنه) كان قصده أن يتزوّج عليها فله في أذاها غرض بخلاف أبي بكر، فعُلم أنّ أبا بكر كان أبعد أن يُذمّ بأذاها من علي وإنّما قصد طاعة الله ورسوله بما لا حظّ له فيه بخلاف عليّ فإنّه كان له حظّ فيما رابها به.(1)
حاصل ما ذكره أمران:
1. إنّ أبا بكر آذاها ليطيع أمر الله ورسوله.
2. إنّ عليّاً قصد أن يتزوج على فاطمة للإيذاء.
وها نحن ندرس كلا الأمرين:

1 . منهاج السنّة: 4/255، وفي طبعة بولاق : 2/171.

(207)
أمّا الأوّل: فما ذكره من أنّ أبا بكر آذاها فلم يؤذها لغرض نفسه بل ليطيع الله ورسوله، يخالف كلام أبي بكر نفسه في أُخريات حياته، حيث ندم على كشفه بيت فاطمة، وقد ذكر ذلك غير واحد من المؤرّخين منهم:
1. أبو عبيد صاحب كتاب «الأموال»، حيث نقل عن عبد الرحمن بن عوف قوله: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفّي فيه فسلّمت عليه فقلت: ما أرى بك بأساً والحمد لله ولا تأس على الدنيا فوالله إن علمناك إلاّ كنت صالحاً مصلحاً، فأجاب أبا بكر بقوله: إنّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهنّ وودت أنّي لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وودت أنّي أفعلهن، وثلاث وددت أنّي سألت رسول الله عنهن. فأمّا التي فعلتها وودت أنّي لم أفعلها، فوددت أنّي لم أفعل كذا وكذا لخلّة ذكرها، قال أبو عبيد: لا أُريد ذكرها، وودت يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين (عمر أو أبي عبيدة) فكان أميراً وكنت وزيراً، وودت أنّي حيث كنت وجهت خالداً إلى أهل الردّة أقمت بذي القسطة فإن ظفر المسلمون، وإلاّ كنت بصدد لقاء أو مدد.(1)
إنّ صاحب كتاب الأموال لم يصرّح بما قاله أبو بكر وكره تدوينه في كتابه بألفاظه، وليس هو إلاّ كشف بيت فاطمة بشهادة أنّ غيره ذكر القصة وبنفس اللفظ.
2. ذكر ابن أبي الحديد نفس القصة وقال: روى أحمد ـ و روى المبرّد في «الكامل» صدر هذا الخبر عن عبد الرحمن بن عوف ـ قال:

1 . الأموال: 193ـ 194، مكتبة الكليات الازهرية.

(208)
... فأمّا الثلاث التي فعلتها ووددت أنّي لم أكن فعلتُها: فوددت أنّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلق على حرب، وودت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين: عمر أو أبي عبيدة فكان أميراً وكنت وزيراً، وودت أنّي إذ أُتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته وكنت قتلته بالحديد أو أطلقته.(1)
3. نقل المسعودي في «مروج الذهب» نفس القصة بطولها وجاء فيها: فأمّا الثلاث التي فعلتها وودت أنّي تركتها: فوددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة، وودت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة... الخ.(2)
4. روى أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني نفس القصة وقال: فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي لم أفعلهن: فوددت أنّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإن أُغلق على الحرب.(3)
5. نقل ابن عبد ربه نفس القصة فقال: فأمّا الثلاث التي فعلتهن ووددت أنّي تركتهن: فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا أغلقوه عن الحرب.(4)
6. نقل ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق نفس القصة وقال: فأمّا التي وددت أنّي تركتهن... إلى أن قال: فوددت أن لم أكن كشفت بيت فاطمة عن

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:2/45ـ 47; الكامل:1/11. تحقيق الدكتور محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة.
2 . مروج الذهب:2/301، طبع دار الأندلس، بيروت.
3 . المعجم الكبير:1/62، برقم 43.
4 . العقد الفريد:4/93، تحت عنوان استخلاف أبي بكر لعمر.

(209)
شيء مع أنّهم أُغلقوه على الحرب.(1)
7. نقل ابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري مؤلّف كتاب (السقيفة): فذكر قوله: إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث... ثم قال: فوددت أنّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلق على حرب.(2)
8. وروى الذهبي هذه القصة، وأورد قول أبي بكر، بنفس الألفاظ المتقدّمة.(3)
9. ورواها أيضاً الحافظ الهيثمي بنفس الألفاظ .(4)
10. ورواها أيضاً ابن حجر العسقلاني بنفس الألفاظ.(5)
11. ورواها أيضاً المتقي الهندي بنفس الألفاظ.(6)
إلى هنا تمّ الكلام في الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الثاني ـ أعني: قول ابن تيمية بأنّه كان لعليّ غرض في إيذاء فاطمة ـ فقد استوحاه (وبنيّة سيئة) من قصة خطبة عليّ بنت أبي جهل، فهاك الكلام في تلك القصة .

خطبة علي(عليه السلام) بنت أبي جهل رواية موضوعة وقصّة خرافية

لقد أوضحنا حال تلك الخطبة في كتابنا «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» وأثبتنا، بالأدلّة القاطعة، بأنّها قصة خرافية، ولا أصل لها، نسجها

1 . مختصر تاريخ دمشق:13/122. 2 . شرح نهج البلاغة:2/46ـ47.
3 . تاريخ الإسلام:3/117ـ118. 4 . مجمع الزوائد:5/202ـ 203.
5 . لسان الميزان:4/188ـ189. 6 . كنزالعمال:5/631، برقم 14113.

(210)
بعض الحاقدين، المتمرّغين في وحل الباطل، لينالوا من تلك القمّة الشمّاء.وها نحن ننقل إليك ما حقّقناه هناك ليتبيّن للقارئ أنّ أعداء عليّ ينحتون له أعمالاً هو منها بريء .
أخرج الترمذي عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير; أنّ عليّاً ذكر بنت أبي جهل، فبلغ ذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «إنّما فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها».(1)
ولكنّ البخاري رواها بصور مختلفة عن المِسْوَر بن مَخْرمة في غير واحد من الأبواب، وهي كما يلي:
1. ما روى بسنده عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو بن حَلحَلة الدُّؤلي، عن ابن شهاب أنّ علي بن حسين حدّثه: أنّهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية، مقتلَ حسين بن علي رحمة الله عليه، لقيه المِسْوَر بن مَخْرمة، فقال له: هل لك إليَّ من حاجة تأمرني بها؟ فقلت له: لا، فقال له: فهل أنت مُعطِيَّ سيف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فإنّي أخاف أن يغلبك القوم عليه، وأيم الله لئن أعطيتنيه لا يُخلَص إليهم أبداً، حتى تُبلَغ نفسي.
إنّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) خطب ابنة أبي جهل على فاطمة(عليها السلام)، فسمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ مُحتلم.
فقال: إنّ فاطمة منّي، وأنا أتخوّف أن تُفتَن في دينها. ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إيّاه.

1 . سنن الترمذي:5/699، برقم 3869; ورواه أحمد في مسنده:4/5.

(211)
قال: حدّثنى فصدَقَني، ووعدني فوفى لي، وإنّي لست أُحرِّم حلالاً، ولا أُحلُّ حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبنت عدو الله أبداً.(1)
2. وأخرج بسنده عن الزهري، قال: حدّثني علي بن حسين: أنّ المسور بن مخرمة، قال: إنّ عليّاً خطب بنت أبي جهل، فسمعتْ بذلك فاطمة، فأتت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت: يزعم قومك أنّك لا تغضب لبناتك، وهذا عليّ ناكح بنت أبي جهل.
فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعتُه حين تشهّد، يقول: أمّا بعد، أنكحتُ أبا العاص بن الربيع فحدَّثني وصدقَني، وإنّ فاطمة بضعة منّي، وإنّي أكره أن يسوءَها، والله لا تجتمع بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبنت عدو الله عند رجل واحد. فترك عليّ الخطبة.
وزاد محمد بن عمرو بن حلحلة، عن ابن شهاب، عن عليّ، عن مسور: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر صهراً له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إيّاه فأحسن، قال: حدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي.(2)
3. روى بسنده عن ابن أبي مُلَيكة، عن المسور بن مخرمة، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول وهو على المنبر: إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا أن يُنكحوا ابنتهم عليَّ بن أبي طالب، فلا آذن، ثمّ لا آذن، ثمّ لا آذن، إلاّ أن يريد ابن أبي طالب أن يُطلِّق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنّما هي بَضعة منّي يُريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها.(3)

1 . صحيح البخاري:4/83، باب ما ذكر من درع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . صحيح البخاري:5/22ـ23، باب ذكر أصهار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
3 . صحيح البخاري:7/37، باب ذبّ الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف من كتاب النكاح.

(212)

مناقشة الرواية سنداً ومضموناً

إنّ اختلاف ألفاظ الرواية، وتعدُّد الصور المعروضة بها، وتباينَ الزيادات المُلحقة في كلّ صورة، لابدّ أنّه استوقف القارئ اللبيب ـ و قد ألقى نظرة سريعة عليها ـ قبل أن تتراكم لديه الأسئلة حول العديد من فقراتها، والإشكالات الّتي تكتنفها من كلّ جانب.
وممّا يجدر ذكره أنّ ما يُثار حول الرواية من إشكالات وتساؤلات، قائم على أساس صحّة صدورها عن (ابن الزبير، والمسور)، مع غضّ الطرف عمّا في أسانيدها من رواة، لهم هوىً ومَيْل إلى خصوم عليّ وأهل بيته(عليهم السلام)، وإن لم يقدح في وثاقتهم جلّ علماء الجرح والتعديل من السنّة، ومنهم:
ـ ابن أبي مُليكة، وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بن عبد الله بن جُدعان القرشيّ التيميّ(المتوفّى 117هـ). كان قاضياً لعبد الله بن الزبير، ومؤذّناً له.(1)
ـ و ابن شهاب الزهريّ(المتوفّى 124هـ)، كان مقرّباً لدى خلفاء بني أُميّة: عبد الملك، وهشام، ويزيد بن عبد الملك، الّذي جعله قاضياً مع سليمان بن حبيب المحاربي.(2) قال عمر بن رُويح: كنت مع ابن شهاب الزهري نمشي، فرآني عمرو بن عبيد بعد، فقال: مالك ولمنديل الأُمراء، يعني ابن شهاب.(3)وقال يحيى بن معين في منصور بن المعتمر، والزهريّ: هما سواء ومنصور

1 . تهذيب الكمال:15/256، برقم 3405.
2 . تاريخ مدينة دمشق:55/356، الترجمة7001.
3 . تاريخ مدينة دمشق:55/370.

(213)
أحبّ إليّ، لأنّ الزهريّ كان سلطانياً.(1)
ـ والوليد بن كثير القرشي المخزومي بالولاء (المتوفّى 151هـ). قال الساجيّ: كان إباضياً، ولكنّه كان صدوقاً. وعن أبي داود: ثقة إلاّ أنّه إباضيّ. وقال ابن سعد: ليس بذاك. وذكره العقيليّ في الضعفاء.(2)
وليس القصد من ذكر ميول هؤلاء الرواة وأهوائهم لإثبات بطلان الرواية وكذبها ـ طبعاً بضميمة ما تقدّم من اختلاف ألفاظ الرواية وصورها، وما سيأتي حولها من تساؤلات وإشكالات ـ هو الدفاع عن (ابن الزبير، والمسور)، وقد دلّ التاريخ الصحيح على بغض ابن الزبير وعدائه
الصارخ لأمير المؤمنين عليّ، ولسائر بني هاشم. أمّا المسور، فيكفي في اتّضاح ميله وهواه، الاطلاع فقط على الكلمات الآتية، الّتي ذكرها الذهبي في ترجمته:
ـ قدم دمشق بريداً من عثمان يستصرخ بمعاوية.
ـ كانت الخوارج تغشاه وينتحلونه.
ـ قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلاّ صلّى عليه.
ـ إنّ ابن الزبير لا يقطع أمراً دون المسور بمكة.(3)
نعم، لم يكن القصد من وراء ذلك الدفاع عن (ابن الزبير، والمسور)، وإنّما للتأمّل في صدور الرواية عنهما، وذلك لأنّ الدواعي إلى إشاعة ما جاء

1 . تهذيب الكمال:26/442، الترجمة5606، تحقيق الدكتور بشار عوّاد.
2 . تهذيب الكمال:31/73، الترجمة 6733.
3 . سير أعلام النبلاء:3/390ـ 394، برقم 60.

(214)
في الرواية من قَدْح في عليّ(عليه السلام) كانت متوفّرة، فلماذا لم تُبَثّ في عهده؟ ولِمَ لم يُشنِّع بها عليه حسّادُه وخصومه، كأصحاب الجمل(ومنهم ابن الزبير نفسه)، ومعاوية وفئته الباغية، الذين لم يتركوا سهماً في كنائنهم إلاّ رمَوه به، وقد شهد لهم التاريخ أنّهم كانوا بارعين في نسج التُّهم الباطلة ضدّه، فكيف فاتهم تعييره بالغضب النبويّ الهابط عليه كالصاعقة في خضمّ النزاعات الدامية، والمناظرات والردود الحادّة، الّتي جرت بينهم وبينه(عليه السلام)؟
بل، لِمَ لم نجد لهذا الطعن الّذي تتضمّنه الرواية، أثراً في كلام ابن الزبير، الّذي وقف ـ أيّام تغلّبه على الحجاز ـ موقفاً عدائياً سافراً من بني هاشم، ومن ابن عليّ(عليه السلام) نفسه، أعني محمد بن الحنفية؟
ولماذا يلجأ إلى ترك الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لئلاّ يشرئبّ بني هاشم لذكره، وبين يديه هذا السلاح النافذ (الرواية)؟ أما كان الأجدى له سياسياً ودينياً أن يبالغ في الصلاة عليه، ثم يذكر لهم موقفه (صلى الله عليه وآله وسلم)الغاضب من سيّدهم عليّ، ليُرغمهم على طأطأة رؤوسهم، وغضّ أبصارهم؟
كلّ ذلك يشير إلى أنّ الرواية وضعت في زمن متأخّر، حين خلا الجوّ لبني أُميّة، وبعد موت أكثر الصحابة وأكابرهم.

التساؤلات والإشكالات حول الرواية

هذا، وقد حان الآن وقت الوفاء بما وعدناك به ـ عزيزي القارئ ـ من ذكر التساؤلات والإشكالات الّتي يمكن أن تُثار حول الرواية، وأهمّها:
الأوّل: ولد المسور بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه المدينة في

(215)
عقب ذي الحجة سنة ثمان، وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وقُبض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والمسور ابن ثمان سنين،(1) فكيف يُنقل عنه في الصورة الأُولى من رواية البخاري قوله: (فسمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلم)؟!
فابن ثمان سنين لا يُطلق عليه محتلم، ولا كالمحتلم.
الثاني: لماذا لم يروِ خبر الخِطبة من بين كلّ الصحابة سوى ابن الزبير، والمسور، مع أنّه كان لهما من العمر عند وفاة النبي ثمان سنوات؟!
وإذا كان الأمر بهذه الشهرة والخطورة، بحيث يصرّح به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من على المنبر جهاراً، كان من الطبيعي أن ينقله عدد منهم، وممّن هم أكبر سنّاً، وأكثر وعيّاً وإدراكاً من هذين الصبيّين،فلماذا اقتصرت رواية الخبر عليهما؟(2)
وربّما تنتهي أسانيد الرواية إلى شخص واحد، هو المسور بن مخرمة، فقد قال أبو عيسى الترمذي(بعد أن أخرج الرواية عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير): هكذا قال أيوب ـ يعني السختياني ـ عن ابن أبي مليكة عن ابن

1 . الاستيعاب:3/1399، برقم 2405; وتهذيب الكمال:27/581، برقم 5967.
2 . أمّا ما رواه الحاكم بإسناده إلى سُويَد بن غَفَلة، فهو مرسل أوّلاً، لأنّ سويداً لم يلقَ النبيّ، وإن أسلم في حياته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي طريقه الشعبيّ ثانياً، وهو معروف بانحرافه عن عليّ(عليه السلام). يُضاف إلى هذين: أنّ الخبر خال من اللهجة الغاضبة، الّتي عرضتها لنا روايات البخاري. وإليك نصّ الخبر: عن سويد بن غفلة، قال: خطب عليّ ابنة أبي جهل إلى عمّها الحارث بن هشام، فاستشار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: أعن حَسَبها تسألني؟ قال عليّ: قد أعلم ما حسبها، ولكن تأمرني بها؟ فقال: لا، فاطمة مضغة مني ولا أحسب إلاّ وإنّها تحزن أو تجزع. فقال عليّ: لا آتي شيئاً تكرهه. المستدرك:3/158ـ159.

(216)
الزبير، وقال غير واحد عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة، ويحتمل أن يكون ابن أبي مليكة روى عنهما جميعاً.
وهذا يعني أنّ رواية ابن الزبير للخبر مجرّد احتمال!!
الثالث: إنّ الصلة بين القصتين في كلام المسور مع علي بن الحسين مقطوعة ـ أعني: بين قصة سيف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقصة خطبة ابنة أبي جهل ـ ومن هنا جهد الشُّرّاح في إيجاد وجه للمناسبة بينهما، فذكر الكرمانيّ ثلاثة وجوه، أغنانا ابن حجر عن ذكر اثنين منها، لأنّ كلاًّ منهما ـ حسب تعبيره ـ ظاهر التكلّف. أمّا الوجه الثالث الّذي وصفه بالمعتمد، فهو: كما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحبّ رفاهية خاطر فاطمة(عليها السلام)، فأنا أيضاً أحبّ رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها، فأعطني السيف حتى أحفظه لك.(1) لكنّ ابن حجر عاد، فأورد عليه هذا الإشكال:
لا أزال أتعجّب من المسور كيف بالغ في تعصّبه لعلي بن الحسين، حتى قال: إنّه لو أودع عنده السيف لا يُمكّن أحداً منه حتى تزهق روحه، رعاية لكونه ابن ابن فاطمة، محتجّاً بحديث الباب، ولم يُراعِ خاطره في أنّ ظاهر سياق الحديث المذكور غضاضة على عليّ بن الحسين لما فيه من إيهام غضٍّ من جدّه عليّ بن أبي طالب، حيث أقدم على خطبة بنت أبي جهل على فاطمة، حتى اقتضى أن يقع من النبيّ في ذلك من الإنكار ما وقع، بل أتعجّب من المسور تعجّباً آخر أبلغ من ذلك، وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة، وما بذلَ نفسه دون ابن فاطمة نفسه، أعني الحسين

1 . فتح الباري:6/214.

(217)
والد عليّ، الّذي وقعت له معه القصة حتى قُتل بأيدي ظلمة الولاة، لكن يُحتمل أن يكون عذره أنّ الحسين لمّا خرج إلى العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أنّ أمره يؤول إلى ما آل إليه، والله أعلم.(1)
وهذا الاعتذار لمسور في عدم نصرة الحسين(عليه السلام) لا يصحّ بتاتاً، فلقد تقدّم آنفاً أنّ هواه كان مع أعداء عليّ وأهل بيته، فكيف يُنتظر منه أن يبذل نفسه دون ابن فاطمة، حتى وإن علم أنّ أمره يؤول إلى ما آل إليه؟!
الرابع: كيف ينقل عليّ بن الحسين(عليهما السلام) للزهريّ تلك القصة الّتي تنتقص من شخصية جدّه أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)، وتحطّ من شأنه، لا سيّما بعد ذلك الوقت الّذي عاش فيه المأساة الدامية لمصرع أبيه الحسين(عليه السلام)وأهل بيته وأصحابه، وسمع ما يبثّه الإعلام الأموي ومناصروه من أخبار كاذبة، وقصص مفتعلة، تستهدف النيل من العترة الطاهرة، وطمس مآثرهم الجليلة؟
إنّ هذا الأمر لا يفعله إنسان عاديّ، فكيف يفعله مَن كان قمّةً في سجاياه، علماً وعقلاً وحكمة وجلالة قدر، حتى لو افترضنا أنّه حقاً سمع القصة من المسور؟
الخامس: إنّ الأُمّة مُجمعة على أنّ عليّاً لو نكح ابنة أبي جهل، مضافاً إلى نكاح فاطمة(عليها السلام) لجاز، لأنّه داخل تحت عموم الآية المبيحة للنساء الأربع، فابنة أبي جهل المشار إليها كانت مسلمة، لأنّ هذه القصة كانت بعد فتح مكة وإسلام أهلها طوعاً وكرهاً، ورواة الخبر موافقون على ذلك. هذا ما قاله ابن أبي الحديد.(2)

1 . فتح الباري:9/327. 2 . شرح نهج البلاغة:4/65.

(218)
وعندئذ نقول: هل يُعقَل إذاً، إذا كان الأمر كذلك ـ وهو فعلاً كذلك ـ أن يغضب الأسوة الحسنة في الخلُق العظيم وفي تطبيق الأحكام، وأمام الملأ هذا الغضب العارم ـ الّذي تصوّره روايات البخاري ـ على ابن عمه وصهره وموضع سرّه وأبي ذريّته، وهل يُعقل والأمر كذلك أن يوجّه الرحمة المهداة للعالمين، والرؤوف الرحيم بالمؤمنين هذه الرسالة الشديدة اللهجة ـ وعبر الناس ـ إلى فاديه وناصره ورفيق دربه وجهاده وأوّل المؤمنين به؟!
ولمّا كان غضب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه الدرجة من أمر جائز، لا يمكن أن يقبل به مسلم واع عارف بسيرته ومنزلته(صلى الله عليه وآله وسلم)، حاول بعض مَن يقدّس كلّ ما ورد في الصحيحين من روايات أن يتمحّل له أسباباً مختلفة، فقال ابن التين: أصحّ ما تُحمل عليه هذه القصة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حرّم على عليّ أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل، لأنّه علّل بأنّ ذلك يؤذيه وأذيته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله: (لا أُحرّم حلالاً) أي هي له حلال لو لم تكن عنده فاطمة، وأمّا الجمع بينهما الّذي يستلزم تأذّي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لتأذّي فاطمة به فلا.
وقال ابن حجر: وزعم غيره أنّ السياق يُشعر بأنّ ذلك مباح لعليّ، لكنه منعه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) رعاية لخاطر فاطمة، وقَبِل هو ذلك امتثالاً لأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والّذي يظهر لي أنّه لا يبعد أن يُعدّ في خصائص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن لا يُتزوج على بناته، ويُحتمل أن يكون ذلك خاصّاً بفاطمة(عليها السلام).(1)
وهكذا تتعدّد الاحتمالات، والتحميلات على محامل بعيدة، من أجل الدفاع عن الرواية، الّتي لو كانت (في غير علىّ(عليه السلام)) لرُئي فيها موقف آخر.

1 . فتح الباري:9/328ـ329.

(219)
وعلى أية حال، فإنّ ما قاله ابن حجر يخالف ما تقدّم عن ابن أبي الحديد من إجماع الأُمّة على جواز النكاح لعليّ.
كما فات هؤلاء أنّ عليّاً ـ كما تدلّ سيرته ـ كان مثل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يراعي خاطر فاطمة، ويتأذّى لتأذّيها، فكيف لا يحسّ بحزنها وجزعها من هذا الأمر، فيتركه حباً بأنيسته ورفيقة حياته، ورعايةً لمشاعر صفيّة أخيه وحبيبه، قبل أن تنطلق إلى أبيها شاكيةً؟!
ثمّ ألا يؤذي جهرُ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بمعاتبة عليّ هذا العتاب الشديد، وتعريضُه به من خلال الثناء على صهره من بني عبد شمس، ألا يؤذي ذلك عليّاً، حتى وإن كان قصده(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما يحتمله ابن حجر ـ المبالغة في رضا فاطمة(عليها السلام)، (1)فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أجلّ من أن يحيف على أحد في حكم وغيره، وأجلّ من أن ينقض وصاياه في عليّ(عليه السلام)، الّتي حذّر فيها من إيذائه، تماماً كما كان يحذّر من إيذاء فاطمة.
روى ابن عبد البرّ المالكي بسنده عن عمرو بن شاس، قال: قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قد آذيتني، فقلت: ما أُحبُّ أن أُؤذيك، فقال: مَن آذى عليّاً فقد آذاني.(2)
كما تقدّم في رواية عمران بن حُصين إعراض النبيّ عن أربعة من الصحابة، كانوا قد أخبروه بما صنع عليّ، قال: فأقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)والغضب يُعرف في وجهه، فقال: «ما تريدون من عليّ؟ ما تريدون من عليّ؟ ما تريدون من عليّ؟ إنّ عليّاً مني، وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي».

1 . فتح الباري:7/86. 2 . الاستيعاب:3/1183، الترجمة1925.

(220)
وفي الختام نقول: إنّ قصارى ما بذله بعض الشرّاح ومنهم ابن حجر، لا يخرج عن محاولة تبرير غضب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وخطبة عليّ، وإيجاد وجه للمناسبة بين قصة السيف وقصة الخطبة، كلّ ذلك بحزمة من الاحتمالات والتحميلات البعيدة والمتكلّفة.
ومن هنا كان عليهم أن يبذلوا جهودهم في تقييم الرواية بعرضها على التاريخ الصحيح في سيرة عليّ(عليه السلام)وقُربه من النبي، وأنّه كان يتّبعه اتّباع الظلّ لذي الظلّ وكان واقفاً على ما يبغض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو يرضيه، فهل يتصوّر منه(عليه السلام)أن يخطب بنت أبي جهل ـ الذي هو من ألد أعداء الإسلام ـ على فاطمة الزهراء من دون استئذان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
نعم لا نقول إنّ تزويج بنت أبي جهل المسلمة كان حراماً، ولكن ليس كلّ حلال يُعمل به، خصوصاً مثل علي(عليه السلام) بالنسبة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبضعته.
وهكذا يتبيّن من خلال الأدلّة الساطعة والقرائن القوية الّتي ذكرناها، أنّ غرض الخائبين من وضع الخبر على وجوه مختلفة وزيادات متفاوتة، هو النيل من شخصية عليّ(عليه السلام)ومنزلته الرفيعة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو على حساب الإساءة إلى النبي، الّذي صوّره الخبر ـ وحاشاه ـ رجلاً ثائراً، منساقاً مع عواطفه، فيغضب لأمر لا جُناح في إتيانه شرعاً وعرفاً!! وقد جاء اختيار القصة في أمر يتعلّق بفاطمة، إمعاناً في تأكيد غرضهم، وللتشويش على الحقيقة المرة، وصرف الأذهان عمّن غضبت عليهم حقاً فاطمة، الّتي قال فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني».(1)

1 . صحيح البخاري: 5/51 في كتاب مناقب قرابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

(221)
روى البخاري أنّ فاطمة(عليها السلام) ابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يَقْسِم لها ميراثها، ما ترك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أفاء الله عليه.
فقال لها أبو بكر: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: لا نُورث ما تركنا صدقة.
فغضبت فاطمة(عليها السلام) بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت.(1)
وروى البخاري أيضاً أنّ فاطمة(عليها السلام) بنت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما يبقى من خمس خيبر ـ إلى أن قال: ـ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرتْه، فلم تكلِّمه حتى توفِّيت، وعاشت بعد النبي ستة أشهر، فلمّا توفيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها.(2)
(إنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).(3)

1 . صحيح البخاري:4/79، باب فرض الخمس.
2 . صحيح البخاري:5/139، باب غزوة خيبر; وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه:5/153، كتاب الجهاد، باب قول النبي: لا نورث ما تركناه صدقة; وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده:1/9.
3 . ق:37.

(222)

2

دعواه بغض أكثر الصحابة لعلي(عليه السلام)

قال ابن تيمية: إنّ الله قد أخبر أنّه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودّاً وهذا وعد منه صادق، ومعلوم أنّ الله قد جعل للصحابة مودّة في قلب كلّ مسلم، لا سيّما الخلفاء رضي الله عنهم ولا سيّما أبو بكر وعمر، فإنّ عامّة الصحابة والتابعين كانوا يودّونهما وكانوا خير القرون.
ولم يكن كذلك عليّ فإنّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه ويقاتلونه .(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ لازم كلامه أنّ عليّاً لم يكن من مصاديق الآية المباركة، أعني قوله سبحانه:(إنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً)(2) فإنّ مفاد الآية عند ابن تيمية أنّ شارة المؤمن وعلامته هي ودّ الناس له، وبما أنّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه، فهذا آية عدم كونه مؤمناً وعاملاً للصالحات.

1 . منهاج السنّة: 7/137، وفي طبعة بولاق : 4 / 38.
2 . مريم:96.

(223)
أفيصحّ لمسلم أن يتفوّه بذلك، ويُخرج أوّل من آمن بالنبي عن عداد المؤمنين؟ لا والله، كبرت كلمة تخرج من أفواههم.
وثانياً: لو كان معنى الآية أنّ علامة الإيمان حب جميع الناس لما وجد على وجه الأرض مؤمن يحبه جميع الناس، فاليهود تبغض المسيح(عليه السلام)كما أنّهم يبغضون نبينا محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، والماديّون يبغضون الإلهيين، وهذا يدلّ على أنّ ابن تيمية لم يفهم معنى الآية وتسرّع في القضاء.
وثالثاً: أنّ معنى الآية أنّ المؤمن والذي يقوم بالعمل الصالح يحبّه الناس إجمالاً ; وذلك لأنّ تحلّيه بالإيمان يدعوه للتحلّي بالقيم والأعمال النافعة للناس، فلو كان هذا معنى الآية فعليّ(عليه السلام) في سنامها.
ورابعاً: لو صحّ ما ذكره للزم نفاق وفسق كثير من الصحابة والتابعين لما ثبت في الصحيح من قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام):«لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق» وقد أخرجه غير واحد من الحفّاظ.(1) وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله».(2)
إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على حبّ عليّ(عليه السلام) ومودّته وموالاته.
وقد روى البخاري قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم خيبر: «لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . انظر: صحيح مسلم: 1 / 61، باب نقص الإيمان بنقص الطاعات، كتاب الإيمان، ح144، دار الفكر; ومسند أحمد:1/153، ح733; والسنن الكبرى للنسائي:5/137، ح8487; وخصائص أمير المؤمنين: 119، ح102، وغيرها.
2 . مستدرك الحاكم:3/121. وقد صحّحه الحاكم، وأقرّه الذهبيّ.

(224)
كلّهم يرجو أن يُعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول الله في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): انفُذ على رِسْلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من أن يكون لك حُمر النَّعم.(1)
أبعد هذا الحديث الذي يصوّر لنا منزلة عليّ عند الله ورسوله، نأخذ بدعوى ابن تيمية الباطلة: بأنّ كثيراً من الصحابة والتابعين يبغضونه ويسبّونه؟ إنّه بدعواه هذه إنّما يسيء إلى الصحابة والتابعين، لأنّهم يبغضون ويسبّون ويقاتلون (كما يزعم) مَن يحبّه الله ورسوله!!
وخامساً: إنّ دعواه بأنّ عليّاً لم يكن من مصاديق الآية المتقدّمة، يكذّبها ما رواه بعض محدّثي السنّة في هذا الشأن، فقد أخرج ابن مردويه، والديلمي عن البراء بن عازب أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ ـ كرم الله تعالى وجهه ـ : قل اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين ودّاً، فأنزل الله هذه الآية(2) ـ يعني قوله: (إنّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً).
قال العلاّمة الآلوسي: وروى الإمامية خبر نزولها في عليّ ـ كرّم الله تعالى وجهه ـ عن ابن عباس، والباقر.(3)

1 . صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، الحديث 4210.
2 . روح المعاني، للآلوسي: 16/143. وانظر: تفسير المراغي:16/88.
3 . روح المعاني:16/143.

(225)
فأيّ تعصب، وأيّ عناد، يسوقان شيخ الإسلام الأموي إلى هذا المنحدر، ونحن نرى هذا البون الشاسع بين دعواه، وبين ما وردت به الرواية؟!
وسادساً: إنّ الادّعاء بأنّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضون عليّاً.... هو ادّعاء كاذب، يفضحه الواقع التاريخي للصحابة والتابعين. فهاك بعض الشواهد التي تكشف عن وقوف الصحابة إلى جانب عليّ في الأيام العصيبة، وهو، بالطبع، أقوى تعبيراً عن مجرّد الودّ، ولا يتسع المجال لذكر موقف التابعين منه(عليه السلام).
ـ على الرغم من حصول البيعة لأبي بكر في السقيفة بتلك الطريقة المعروفة، فإنّ عامّة الأنصار كان هواهم في عليّ، وقد عبّر عن ذلك بوضوح أحد ساداتهم، وهو النعمان بن عَجْلان الزُّرقي، حيث قال من قصيدة له:
وكان هوانا في عليّ وإنّه *** لأهل لها من حيث ندري ولا ندري(1)
ويؤيد ذلك أنّ أبا بكر لمّا بايعه عمر وغيره في السقيفة، قالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلاّ علياً.(2)
ـ إنّ جلّ المهاجرين والأنصار الذين أدركوا خلافه الإمام علي، كانوا قد انضوَوا تحت رايته، ويؤكد ذلك أنّ معاوية لمّا تمرّد على الإمام وكتب إليه يتهدّده، كتب(عليه السلام) إليه كتاباً، جاء فيه: وأنا مُرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زِحامُهم... .(3)
ويؤيد ذلك أنّ جيش الإمام(عليه السلام) لمّا سار إلى أهل الشام، كان (علي في

1 . الاستيعاب:4/1505، الترجمة 2619. 2 . الكامل في التاريخ:2/325.
3 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 28.

(226)
القلب في أهل المدينة، وأكثر مَن معه من أهل المدينة، الأنصار، ومعه عدد من خزاعة وكنانة وغيرهم من أهل المدينة).(1)
ـ إنّ الذين والَوا علياً من المهاجرين والأنصار، والذين شهدوا معه جهاده ضد معاوية وفئته الباغية، كانت أسماؤهم من ألمع الأسماء في سماء الفضل والورع والإيمان، وهم كثيرون جدّاً، منهم: حذيفة بن اليمان، وأبو ذرّ الغفاري، وأُبيّ بن كعب، والمقداد بن الأسود، والعباس(عمّ النبي)، والفضل بن العباس، وعبد الله بن العباس (حبر الأُمة)، وأبو الهيثم بن التيهان، وجابر الأنصاري، وأبو أيوب الأنصاري، وخبّاب بن الأرتّ، وعديّ بن حاتم الطائي، وأبو عمرة الأنصاري، وعثمان بن حُنيف، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت الأنصاري، وعمّار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن بُديل الخزاعي، و... .
فليعرّفنا ابن تيمية بأسماء الصحابة الذين أبغضوا عليّاً وسبّوه وقاتلوه، وليكشف عن سيرتهم وأعمالهم، وخصائصهم النفسية والإيمانية... وليكشف عن عدد الذين شهدوا مع معاوية حربه الظالمة ضد الإمام والخليفة الشرعي.
لا شكّ في أنّ أسماءهم ـ مع قلّتهم ـ كانت ذائعة في دنيا المكر والخداع، والتلوّن والنفاق، والتكالب على الحطام.
ورحم الله تعالى أبا قيس الأودي، حين قال: أدركتُ الناس، وهم ثلاث طبقات: أهل دين يحبّون عليّاً، وأهل دنيا يحبّون معاوية، وخوارج.(2)
فطوبى لابن تيمية، وهو يثني على أهل الدنيا، ويصطفّ معهم!!

1 . الكامل في التاريخ:3/297. 2 . الاستيعاب: 3/1115، الترجمة1855.

(227)

3

إنكار ابن تيمية حديث المؤاخاة

ذكر العلاّمة الحلي حديث المؤاخاة بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ(عليه السلام)، فردّ عليه ابن تيمية بقوله: إنّ هذا الحديث موضوع عند أهل الحديث لا يرتاب أحد من أهل المعرفة بالحديث أنّه موضوع وواضعه جاهل، كذب كذباً ظاهراً مكشوفاً، يعرف أنّه كذب من له أدنى معرفة بالحديث.
إنّ أحاديث المؤاخاة لعليّ كلّها موضوعة والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يؤاخِ أحداً، ولا آخى بين مهاجريّ ومهاجريّ، ولا بين أبي بكر وعمر، ولا بين أنصاريّ وأنصاريّ، ولكن آخى بين المهاجرين والأنصار في أوّل قدومه المدينة.(1)
ثمّة أمران في كلام ابن تيمية:
1. إنكار المؤاخاة بين المهاجرين.
2. إنكار مؤاخاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام) بشكل مطلق. وهذا هو المهمّ عند ابن تيمية.
وقبل أن نذكر كلمات الحفّاظ والمؤرخين في قضية المؤاخاة بين

1 . منهاج السنّة: 7/360ـ361، وفي طبعة بولاق : 4 / 96.

(228)
المهاجرين، نودّ أن ننقل هنا ردّ الحافظ ابن حجر العسقلاني، الذي دحض به كلام ابن تيمية المتقدّم، قال: أنكر ابن تيمية في كتاب الردّ على ابن المطهر (....) المؤاخاة بين المهاجرين، وخصوصاً مؤاخاة النبي لعليّ، قال: لأنّ المؤاخاة شُرّعت لإرفاق بعضهم بعضاً، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجريّ لمهاجريّ.
وهذا ردٌّ للنص بالقياس وإغفالٌ عن حكمة المؤاخاة، لأنّ بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوة، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفقنّ الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا نظر في مؤاخاته لعليّ لأنّه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا من قبل البعثة واستمرّ، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، لأنّ زيداً مولاهم، فقد ثبت أخوّتهما وهما من المهاجرين، وسيأتي في عمرة القضاء قول زيد بن حارثة: إنّ بنت حمزة بنت أخي.(1)
وإليك كلمات بعض المؤرخين والحفّاظ، الذين ذكروا المؤاخاة بين المهاجرين، وذكروا أيضاً مؤاخاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام):
1. قال محمد بن حبيب البغدادي(المتوفّى245هـ):
ذِكر مؤاخاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه المهاجرين قبل الهجرة، وكان آخى بينهم على الحقّ والمواساة وذلك بمكّة، فآخى(صلى الله عليه وآله وسلم) بين نفسه وبين عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، وآخى بين حمزة بن عبد المطلب(رحمه الله)وبين زيد بن حارثة مولى

1 . فتح الباري:7/271.

(229)
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)... وآخى بين أبي بكر وعمر رحمهما الله، وبين عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف... .(1)
2. قال البلاذري (المتوفّى 279هـ):
قالوا: وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) آخى بين حمزة وبين زيد بن حارثة على الحقّ والمواساة، وبين أبي بكر وعمر، وبين... وقال لعلي:أنت أخي.(2)
وقال أيضاً في ترجمة زيد بن حارثة: وآخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بينه وبين حمزة. وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين أراد القتال.(3)
3. قال الحافظ المؤرّخ ابن عبد البرّ(المتوفّى 463هـ):
آخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين المهاجرين بمكة، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة، وقال في كلّ واحدة منهما لعليّ: أنت أخي في الدنيا والآخرة، وآخى بينه وبين نفسه، فلذلك كان هذا القول وما أشبه من علي(رضي الله عنه).(4)
ويعني بـ(هذا القول وما أشبه من عليّ)، قوله(عليه السلام) الذي رُوي من وجوه: أنا عبد الله، وأخو رسول الله، لا يقولها أحد غيري إلاّ كذّاب.(5)
4. قال الحافظ جمال الدين المزّي(المتوفّى 742هـ) في ترجمة زيد بن

1 . المحبَّر:70ـ71.
2 . أنساب الأشراف:1/270، برقم 625.
3 . أنساب الأشراف:1/472، برقم 949.
4 . الاستيعاب:3/1098ـ1099، الترجمة1855.
5 . الاستيعاب:3/1098.

(230)
حارثة: وآخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بينه وبين حمزة بن عبد المطلب.(1)
هذا وقد نقل كثير من المحدّثين وأصحاب السنن والآثار حديث مؤاخاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام)، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) له: أنت أخي، وقول علي(عليه السلام): أنا أخو رسول الله، فهاك بعض رواياتهم:
أخرج الترمذي عن ابن عمر، قال: آخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه، فجاء عليّ تدمع عيناه، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت أخي في الدنيا والآخرة.
قال أبو عيسى]يعني الترمذي[: هذا حديث حسن غريب. وفي الباب عن زيد بن أبي أوفى.(2)
وروى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس، قال: لمّا خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من مكّة خرج علي بابنة حمزة، فاختصم فيها علي وجعفر وزيد إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)... وقال زيد: ابنة أخي وكان زيد مؤاخياً لحمزة، آخى بينهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد: أنت مولاي ومولاها، وقال لعلي: أنت أخي وصاحبي، وقال لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي.(3)
وروى الحاكم بإسناده عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، قال: كان عليّ

1 . تهذيب الكمال:10/36، الترجمة2094.
2 . سنن الترمذي:5/595، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب، برقم 3720. وانظر: المستدرك على الصحيحين:3/14(مؤاخاة رسول الله بين الصحابة); ومصابيح السنة:4/173، برقم 4769; والرياض النضرة:3/111، 164.
3 . مسند أحمد:1/230. وانظر: الاستيعاب لابن عبد البرّ:3/1098(وفيه: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي: أنت أخي وصاحبي).

(231)
يقول في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله يقول: (أفَإنْ ماتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ)(1)، والله لاننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قُتل لأقاتلنّ على ما قاتل عليه حتى أموت. والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارث علمه، فمن أحقّ به منّي.(2)
قال الحافظ نور الدين الهيثمي، بعد أن نقل الحديث المتقدّم: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.(3)
أفرأيت، عزيزي القارئ، كيف يتعامى (شيخ الإسلام الأموي) عن رؤية كلّ هذه الآثار الواردة في كتب مؤرّخي وحفّاظ ومحدّثي أهل السنّة، ويُنكر، بكلّ صلافة، المؤاخاة بين المهاجرين، ومؤاخاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي(عليه السلام)؟ أفهكذا يفعل بغض عليّ بصاحبه، فيهين نفسه بنفسه ويُرديها في مهاوي الجهل والضلال؟
إذا ما أهان امرؤ نفسَهُ *** فلا أكرمَ اللهُ من يُكرمُهْ

1 . آل عمران:144.
2 . المستدرك على الصحيحين:3/126. وانظر: المعجم الكبير للطبراني:1/107، برقم 176; والسنن الكبرى للنسائي:5/125، برقم 8450 .
3 . مجمع الزوائد:9/134.
Website Security Test