welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(134)
3

ابن تيمية والدعاء عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

ذهب ابن تيمية إلى أنّ الدعاء عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) غير مستجاب، بل قد يظهر منه المنع، يقول: ومع هذا لم يقل أحد منهم أنّ الدعاء مستجاب عند قبره، ولا أنّه يستحب أن يتحرى الدعاء متوجّهاً إلى قبره، بل نصّوا على نقيض ذلك.(1)
وقال ـ أيضاً ـ : إنّ قول القائل: إنّ الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين، قول ليس له أصل في كتاب الله ولا سنّة رسوله، ولا قاله أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين، كمالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيدة، ولا مشايخهم الذين يُقتدى بهم.(2)
أقول: يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: استحباب الدعاء عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .

1 . مجموع الفتاوى:27/117. 2 . مجموع الفتاوى:27/64.

(135)
الثاني: عمل السلف في ذلك.
أمّا الأوّل: فيُردّ بوجوه:
1. أنّ التركيز على عدم استحباب الدعاء عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يراد به ترك الدعاء هناك مطلقاً، سواء أكان للمكان مزية أو لا، مع أنّه سبحانه يأمر بالدعاء في كلّ مكان، قال سبحانه: (ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ)(1)، فهل يمكن أن يقال: إنّه يجوز الدعاء في كلّ مكان إلاّ في قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. قال سبحانه: (واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْراهيمَ مُصَلّى)،(2) فقد أمر سبحانه أن يصلّوا عند مقام إبراهيم(عليه السلام) (قاله قتادة والسُّدّي، وهو المروي في أخبار الإمامية)، أو أن يدعوا عنده (قاله مجاهد).(3) وما هذا إلاّ لأجل التبرّك بالمقام، الذي بورك بموطئ قدم إبراهيم(عليه السلام). فإذا جاز التبرّك بالقيام (أو الدعاء) في مقام إبراهيم(عليه السلام)، فكيف لا يجوز التبرك بالقيام والدعاء في مكان دفن فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ أفلا يكون الدعاء عنده أرجى للإجابة؟
3. أنّ صبر هاجر وابنها إسماعيل(عليه السلام) على الأذى والبُعد والوحدة والغربة، قد صار سبباً لجعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين إلى يوم القيامة، فهل يُستكثر على أفضل الأنبياء الذي قال: «ما أُوذي نبي بمثل ما أُوذيت»، وصبر أجمل الصبر، هل يُستكثر عليه أن تكون آثاره محلاًّ للتبرّك بالصلاة والدعاء عندها؟!
4. كيف لا يستجاب الدعاء عند مرقد خاتم الأنبياء؟ وقد نقل الدارمي في سننه في باب «ما أكرم الله تعالى نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته»، قال: حدّثنا أبو

1 . غافر:60.            2 . البقرة:125. 3 . التبيان في تفسير القرآن:1/453.

(136)
النعمان، ثنا سعيد بن زيد، ثنا عمرو بن مالك النُّكري، ثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله، قال: قُحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فاجعلوا منه كُوّاً إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا فمُطرنا مطراً، حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمّي عام الفتق.(1)
ويبدو من الآثار والروايات أنّ السلف الصالح كانوا يصلّون ويدعون عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، تبركاً بتراب قبره ومحلّ دفنه. وإليك عدداً من تلك الروايات:
1 . روى ابن حبّان والطبراني بإسناد صحيح. قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، رأيت أُسامة قال: ورأيته يصلّي عند قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج مروان بن الحكم، فقال: تصلّي عند قبره؟ قال: إنّي أُحبّه. فقال له قولاً قبيحاً، ثم أدبر. فانصرف أُسامة فقال لمروان: إنّك آذيتني، وإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: إنّ الله يبغض الفاحش المتفحّش، وإنّك فاحش متفحّش.(2)
والحديث يدلّ على أنّ المسلمين بصفاء قلوبهم كانوا يقصدون قبر النبي بالصلاة والدعاء لديه، وأنّ الطغمة الأموية وعلى رأسها مروان بن الحكم كانوا يمنعون من هذا العمل، وليس ما ذكر أوّل بادرة بدرت من مروان، بل كان يستمرّ على ذلك حقداً وضغينة على النبي.
2. أخرج الحاكم في مستدركه وصحّحه (ووافقه الذهبي)، عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ

1 . سنن الدارمي:1/56، برقم 92.
2 . صحيح ابن حبان:12/506، برقم 5694; المعجم الكبير:1/166، برقم 405; تاريخ دمشق: 57/248ـ 249.

(137)
برقبته، فقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري(رضي الله عنه)، فقال: جئت رسول الله ولم آت الحجر. سمعت رسول الله يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله.(1)
لا شكّ في أنّ أبا أيوب مضيف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدعو الله تبارك وتعالى ووجهه على القبر.
3. روى الحاكم والبيهقي عن أُمّ علقمة أنّ امرأة دخلت بيت عائشة، فصلّت عند بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وهي صحيحة فسجدت فلم ترفع رأسها حتى ماتت. فقالت عائشة: الحمد لله الذي يحيي ويميت. إنّ في هذه لعبرة لي في عبد الرحمن بن أبي بكر رقد في مقيل له قاله، فذهبوا يوقظونه فوجدوه قد مات.(2)
كلّ ذلك يدلّ على أنّ ما نسبه ابن تيمية إلى السلف الصالح لا يستند إلى دليل صحيح.
***
وأمّا المقام الثاني ـ أي ما نسبه إلى السلف من عدم استحباب الدعاء، أو جوازه عند قبر النبي ـ : فيردّه ما نقلناه من مناظرة المنصور مع مالك وهي قضية معروفة، ولا ندري لأي جهة يكذبها ابن تيمية، وقد نقلها غير واحد من العلماء.

1 . المستدرك:4/515.
2 . المستدرك: 4 / 475 ـ 476 ; شعب الإيمان: 7 / 256 ، برقم 10222. يُذكر أنّ وفاة عبد الرحمن بن أبي بكر كانت في سنة 53 هـ .

(138)
ويكفي في ذلك ما يذكره الحصني في كتاب «دفع شبه مَن تشبّه وتمرّد»، حيث قال: أمّا الدعاء عند القبر فقد ذكره خلق ومنهم الإمام مالك وقد نصّ على أنّه يقف عند القبر، ويقف كما يقف الحاج عند البيت للوداع ويدعو، وفيه المبالغة في طول الوقوف والدعاء، وقد ذكره ابن المواز في الموازية، فأفاد ذلك أنّ إتيان قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والوقوف عنده والدعاء عنده من الأُمور المعلومة عند مالك، وأنّ عمل الناس على ذلك قبله وفي زمنه، ولو كان الأمر على خلاف ذلك لأنكره، فضلاً عن أن يفتي به، أويقرّ عليه.
وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلّم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعا يقف ووجهه إلى القبر، لا إلى القبلة، ويدعو ويسلّم،ولا يمسّ القبر بيده.
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله السامري في كتاب «المستوعب» في باب زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «وإذا قدم مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يستحب له أن يغتسل لدخوله، ثم يأتي مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ويقدّم رجله اليمنى في الدخول... إلى أن يقول: ثم ذكر كيفية السلام والدعاء وأطال، ومنه: اللهم إنّك قلت في كتابك ... وذكر دعاء طويلاً، ثم قال: وإذا أراد الخروج عاد إلى القبر فودّع».
وهذا أبو عبد الله من أئمة الحنابلة، وساق هذا الكلام سياق المتّفق عليه، ومن جملة ما أفاد: أنّه يتوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتوجّه به بعد وفاته كما في حياته، وأنّ الآية عامّة وشاملة للحياة وبعد الوفاة، فتنبّه لذلك.
وكذلك ذكره أبو منصور الكرماني من الحنفية: أنّه يدعو ويطيل الدعاء عند القبر المكرّم.

(139)
وقال الإمام أبوزكريا النووي في مناسكه وغيره: فصل في زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكر كلاماً مطوّلاً، ثم قال: «فإذا صلّى تحيّة المسجد أتى القبر، فاستقبله واستدبر القبلة على نحو أربعة أذرع من جدار القبر، وسلّم مقتصداً لا يرفع صوته»، وذكر كيفيّة السلام، ثم قال: «ويجتهد في إكثار الدعاء، ويغتنم هذا الموقف الشريف...» إلى آخره.
فهذه نقول الأئمة بتطويل الدعاء عند القبر المكرّم، وقد خاب من افترى وكلّ أحد تلحقه الخيبة على قدره.(1)
والعجب أنّ ابن تيمية يرمي السلف بترك الدعاء عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّا نرى أنّ السلف الصالح يدعون عند مرقد الإمام الثامن علي بن موسى الرضا(عليه السلام):فكيف عند قبر جده: النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).
1. روى الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام الرضا(عليه السلام) عن الحاكم في تاريخ نيسابور قال: وسمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول: خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا(عليه السلام)بطوس، قال: فرأيت من تعظيمه ـ يعني ابن خزيمة ـ لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرّعه عندها ما تحيّرنا.(2)
2. وقال ابن حبّان، وهو يتحدّث عن زياراته لقبر الإمام الرضا(عليه السلام): قد زرتُه مراراً كثيرةً، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي

1 . دفع الشبه عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والرسالة «أو دفع شبه من تشبّه وتمرد»:201ـ202.
2 . تهذيب التهذيب:7/339.

(140)
بن موسى الرضا صلوات الله على جدّه وعليه، ودعوت الله إزالتها عنّي، إلاّ استجيب لي، وزالت عني تلك الشدّة، وهذا شيء جربته مراراً فوجدته كذلك.(1)
وفي هذا الصدد يقول العالم المجاهد السيد محسن الأمين العاملي في أُرجوزته المسمّاة بـ«العقود الدرّية في ردّ شبهات الوهابية»:
وكذا الصلاة لدى القبور تبرّكاً *** بذوي القبور فليس بالصُّنع الردي
إنّ الأئمة من سلالة أحمد *** ثِقل النبي وقدوة للمقتدي
قالوا الصلاة لدى محلّ قبورنا *** في الفضل تعدل مثلها في المسجد
عنهم روته لنا الثقات فبالهدى *** منهم إذا شئت الهداية فاقتد
شرَفُ المكان بذي المكان محقق *** وأخو الحجى في ذاك لم يتردد
خير عبادة ربنا في مثله *** من غيره فإليه فاعمد واقصد
وكذلكم طلب الحوائج عندها *** من ربنا أرجى لنيل المقصد
إنّ القبور بساكنيها شُرِّفت *** فلساكنيها منزل لم يجحد
بركاتها ترجى لداع إنّها *** بركات شخص في الضريح موسَّد
لا بدع إن كان الدعاء إليه فيـ *** ـها صاعداً وبغيرها لم يصعد
طلب الحوائج عند قبر مفضَّل *** عند الإله وبالفعال مسوَّد
كسؤالها من ربنا في مسجد *** أو في زمان فاضل لم يردد(2)

1 . كتاب الثقات:8/457، ترجمة علي بن موسى الرضا(عليه السلام).
2 . كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب:399ـ 400، الطبعة الثانية، 1382هـ .

(141)
4

ابن تيمية ومسّ قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتقبيل منبره

إنّ من السنن الجارية بين العقلاء، الاعتزاز بما يتركه أحباؤهم وأصدقاؤهم أو آباؤهم من أشياء. ومن مظاهر ذلك الاعتزاز، الاحتفاظ بها، وإدامة النظر إليها لاستذكار أصحابها، وغير ذلك من وجوه التعبير عن مشاعر الحبّ والوفاء لهم، كتقبيل الولد لصورة والده، أو لما كتبه بخطّه.
ومن المعلوم أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو أحبّ الخلق إلى المسلمين، ففي حال حياته كانوا يتبرّكون بماء وضوئه وشعره وكلّ ما له صلة به، وبعد رحيله يتبرّكون بمنبره(1) وقبره وآثاره، والباعث على كلّ ذلك هو الحبّ والولاء لصاحب الرسالة الكبرى، أو الرغبة في التبرّك بآثاره، من دون أن يكون فيه أي رائحة للشرك، فإنّ التبرك بآثاره في حال حياته، هو نفس التبرك بآثاره بعد رحيله، فإنّ الداعي إذا كان هو الحب فهو مشترك بين الحالين، وإن كان الداعي هو التبرك أي ترقّب رحمة الله سبحانه عن طريق آثاره(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو

1 . عن ابن قُسيط (يزيد بن عبدالله بن قسيط، المتوفّى 122هـ) والعتبي: كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا خلا المسجد جسّوا رمّانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون. الشفا بتعريف حقوق المصطفى:2/200.

(142)
أيضاً كذلك. وعلى كلّ تقدير، فالمؤثر هو الله سبحانه، والتبرّك بالآثار تمسُّك بالسبب.
وقد صدر إمام الحنابلة أحمد بن حنبل عن معرفة وعن فطرة سليمة، فأفتى بجواز مسّ منبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والتبرّك به وبقبره وتقبيله، قال ولده عبد الله بن أحمد: سألته عن الرجل يمسُّ منبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ويتبرّك بمسِّه، ويُقَبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك، يريد بذلك التقرب إلى الله عزّ وجلّ؟ فقال: لا بأس بذلك.(1)
وقال عبدالله بن أحمد أيضاً: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيضعها على فيهِ يُقبِّلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه، يستشفي به.
نقل ذلك الذهبي، وعلّق عليه بقوله:
أين المتنطِّع المنكر على أحمد، وقد ثبت أنّ عبد الله سأل أباه عمّن يلمس رُمّانة منبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويمسّ الحجرة النبوية، فقال: لا أرى بذلك بأساً. أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع.(2)
وقال العلاّمة أحمد بن محمد المقري المالكي(المتوفّى 1041هـ) في «فتح المتعال» نقلاً عن ولي الدين العراقي قال: أخبر الحافظ أبو سعيد بن العلا، قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن

1 . العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل:2/492، برقم 3243، تحقيق الدكتور وحي الله...، ط. بيروت 1408هـ .
2 . سير أعلام النبلاء:11/212، الترجمة 78.

(143)
ناصر(1) وغيره من الحفّاظ: أنّ الإمام أحمد سُئل عن تقبيل قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتقبيل منبره؟ فقال: لا بأس بذلك.
قال: فأريناه التقي ابن تيمية فصار يتعجّب من ذلك، ويقول: عجبت من أحمد عندي جليل، هذا كلامه أو معنى كلامه.
وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به.(2)
وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم، فما بالك بمقادير الصحابة؟ وكيف بآثار الأنبياء(عليهم السلام)؟(3)
روى محمد بن البزار قال: كنت مع أبي عبد الله أحمد بن حنبل في جنازة فأخذ بيدي وقمنا ناحية، فلمّا فرغ الناس من دفنه وانقضى الدفن جاء إلى القبر وأخذ بيدي وجلس ووضع يده على القبر، فقال: اللهم إنّك قلت في
كتابك الحق:(فأمّا إنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعيمٌ* وَأَمّا إنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ اليَمينِ* فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمينِ* وَأَمّا إنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبينَ الضّالِّينَ* فَنُزُلٌ مِنْ حَميم* وَتَصْلِيَةُ جَحيم)(4) إلى آخر السورة. اللهم وأنا أشهد أنّ هذا فلان بن فلان ما كذب بك، ولقد كان

1 . هو الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل البغدادي توفّي سنة (550هـ) قال ابن الجوزي في المنتظم:10/163:«كان حافظاً متقناً ثقة لا مغمز فيه».
2 . ذكره ابن الجوزي في مناقب أحمد:455، وابن كثير في تاريخه:10/331.
3 . انظر الغدير:5/150ـ151.
4 . الواقعة:88ـ 94.

(144)
يؤمن بك وبرسولك(عليه السلام) اللهم فاقبل شهادتنا له، ودعا له وانصرف.(1)
فإذا جاز مسّ قبر المسلم لداع من الدواعي، فالنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بذلك، وتصوُّر أنّ مسّ قبر النبي قد يؤدّي إلى الشرك، تصوّر خاطئ، فالمسلمون كانوا يتبرّكون بقبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عبر القرون، ولم يُذكر عن أحد منهم أنّه أشرك، أو رُمي بالغلوّ.
ورغم كلّ هذا نرى أنّ ابن تيمية قد خالف إمام مذهبه حيث قال: اتّفق الأئمة على أنّه لا يمسّ قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يقبّل، وهذا كلّه محافظة على التوحيد، فإنّ من أُصول الشرك بالله اتّخاذ القبور مساجد.(2)
إنّ تقبيل آثار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يوصف بالعبادة ; لأنّ العبادة ليست مجرد خضوع للشيء، فلا يُعدّ نفس التوجّه إلى الأجسام والجمادات عبادة، بل هي عبارة عن الخضوع إلى الشيء، باعتبار أنّه إله أو ربّ، أو بيده مصير الخاضع في عاجله وآجله، وأمّا مسّ المنبر أو القبر وتقبيلهما لغاية التكريم والتعظيم لنبيّ التوحيد، فلا يوصف بالعبادة ولا يتجاوز التبرّك به في المقام عن تبرّك يعقوب بقميص ابنه يوسف، ولم يخطر بخلد أحد من المسلمين إلى اليوم الذي جاء فيه ابن تيمية بالبدع الجديدة، أنّها عبادة لصاحب القميص والمنبر والقبر أو لنفس تلك الأشياء.
والعجب انّ ابن تيمية يدّعي اتّفاق الأئمة على أنّه لا يمسّ قبر النبي، وكأنّ إمام مذهبه أحمد بن حنبل ليس من الأئمة!!
وها نحن نذكر نبذة يسيرة من تبرُّك السلف بقبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):

1 . طبقات الحنابلة:1/293ـ294.
2 . مجموع الفتاوى: 27 / 223 ; الجواب الباهر لزوار المقابر: 31; الرد على الأخنائي:1/31.

(145)
1. أنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) ـ بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسيدة نساء العالمين ـ حضرت عند قبر أبيها وأخذت قبضة من تراب القبر وراحت تشمّها وتبكي وتقول:
ماذا على مَنْ شمّ تربة أحمد *** ألاّ يشمّ مدى الزمان غوالياً(1)
إنّ عمل السيدة الزهراء(عليها السلام) هذا، يدلّ على جواز التبرّك بقبر رسول الله وتربته الطاهرة .
2. أنّ بلالاً ـ مؤذّن رسول الله ـ أقام في الشام بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فرأى في منامه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في عهد عمر بن الخطاب، وهو يقول: «ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال» فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه.(2)
3. كان عبدالله بن عمر يضع يده اليمنى على قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).(3)
وقد مرّ عليك حديث أبي أيوب الأنصاري الذي رواه الإمام أحمد والحاكم عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم جئت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم آت الحجر، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله».(4)

1 . وفاء الوفا: 4 / 1405; صلح الاخوان: 57.
2 . مختصر تاريخ دمشق: 5 / 265 ; أُسد الغابة: 1 / 208. 3 . وفاء الوفا:4/1405.
4 . مسند أحمد: 5 / 422، برقم 23633; مستدرك الحاكم: 4 / 560، برقم 8571 ; تاريخ دمشق: 57 / 249.

(146)
وأمّا التابعون فحدّث عن ذلك ولا حرج.
ثمّ إنّ محقّق كتاب «العلل ومعرفة الرجال» بعد أن نقل فتوى أحمد بن حنبل بجواز مسّ منبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، حاول أن يفرّ من هذا المأزق بقوله: هذا لمّا كان منبره الذي لامس جسمه الشريف، وأمّا الآن بعد ما تغيّر لا يقال بمشروعية مسّه تبركاً به.
يلاحظ عليه: أوّلاً: لو كان جواز المسّ مختصّاً بالمنبر الذي لامسه جسم النبي الشريف دون ما لم يلامسه كان على الإمام المفتي أن يذكر القيد، ولا يطلق كلامه، حتى ولو افترضنا أنّ المنبر الموجود في المسجد النبوي في عصره كان نفس المنبر الذي لامسه جسم النبي الأكرم، وهذا لا يغيب عن ذهن المفتي، إذ لو كان تقبيل أحد المنبرين نفس التوحيد، وتقبيل المنبر الآخر عين الشرك، لما جاز للمفتي أن يَغفل عن التقسيم والتصنيف.
وثانياً: أنّ ما يفسده هذا التحليل أكثر ممّا يصلحه، وذلك لأنّ معناه أنّ لجسمه الشريف تأثيراً على المنبر ومن تبرّك به، وهذا يناقض التوحيد الربوبي من أنّه لا مؤثر في الكون إلاّالله سبحانه، فكيف يعترف الوهابي بأنّ لجسمه الشريف تأثيراً في الجسم الجامد، وأنّه يجوز للمسلمين أن يتبرّكوا به عبر القرون؟ أو ليس من المنطق الشائع عندكم قول القائل:
ومن يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملّة

(147)
5

ابن تيمية والحطّ من مقام النبي وخصائصه(صلى الله عليه وآله وسلم)

للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) مقامات وخصائص حفلت بذكرها مؤلَّفات علماء الإسلام، ومنهم علماء الإمامية كالحسن بن المطهر الحلّي، حيث تطرّق إلى جانب منها في مقدّمة كتاب النكاح من كتابه «تذكرة الفقهاء». ولا يمكن لعالم منصف أن ينكر هذه الخصائص، أو يقوم بمحاولة تسوية مقامه(صلى الله عليه وآله وسلم) مع مقام الآخرين، ولكنّ ابن تيمية جهد في إنكار كثير من تلك الفضائل ببيان خاص، وكما يلي:
1. روى غير واحد من الحفّاظ أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ وقد ردّ الله عليّ روحي حتى أُسلِّم عليه».(1) وفي رواية أُخرى قال: «إنّ لله ملائكة سيّاحين في الأرض يبلغوني عن أُمّتي السلام».(2)
والحديثان ـ خصوصاً الأوّل منهما ـ صريحان في أنّ الرسول لا يترك

1 . سنن أبي داود، المناسك، برقم1547; مسند أحمد، برقم 10395.
2 . سنن النسائي، باب السهو، برقم 1265; المستدرك على الصحيحين للحاكم:2/421; مسند أحمد، برقم 3484.

(148)
الجواب ويردّ على المسلِّم، ولكن ابن تيمية لما كان يعتقد بموت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)موتاً انقطعت به صلته بأُمّته، أراد أن ينفي جواب السلام، فقال: وإذا سلم المسْلم عليه في صلاته «فإنّه وإن لم يردّ عليه» لكن الله يسلّم عليه عشراً، كما جاء في الحديث: من سلّم عليّ مرّة سلّم الله عليه عشراً، فالله يجزيه على هذا السلام أفضل «مما يحصل بالردّ»، كما أنّه من صلّى عليه مرّة، صلّى الله عليه بها عشراً.(1)
فقوله: (فإنّه وإن لم يردّ عليه)، من قبيل إدخال السمّ في العسل، حيث ذكر في ذيل كلامه شيئاً من فضائله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّه حاول بذلك إقناع المخاطب بما ذكره من عدم ردّ سلامه. لكن الله يسلّم عليه.
2. الظاهر أنّ ما في الحديث المذكور يُعدّ من خصائصه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو أنّ الله سبحانه يردّ عليه روحه حتى يجيب، ولكنّ ابن تيمية يريد سلب هذه الفضيلة منه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعرفون أنّ هذا السلام عليه عند قبره الذي قال فيه: «ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام» ليس من خصائصه ولا فيه فضيلة له على غيره، بل هو مشروع في حقّ كلّ مسلم حي وميّت.
ومن سلّم(عليه) يسلّم الله عليه عشراً كما يصلّي عليه إذا صلّى عليه عشراً، فهو المشروع المأمور به الأفضل الأنفع الأكمل الذي لا مفسدة فيه، وذاك جهد لا يختصّ به.(2)

1 . مجموع الفتاوى:27/395ـ 396. 2 . مجموع الفتاوى:27/413.

(149)
فابن تيمية بصدد تجريد النبي من خصائصه ومنها هذه الخصيصة، ومن الواضح أنّه لو لم يكن هذا من خصائصه لما تكلّم به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا كان هو وسائر الناس في هذا الأمر سواء، فهل يصحّ أن يخاطب أُمّته بقوله: «ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ وردّ الله روحي»؟!
يُذكر أنّ مستنده في عموم هذا الأمر، هو ما رواه ابن عبد البرّ في الاستذكار عن ابن عباس: «ما من أحد مرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فسلم عليه إلاّ عرفه وردّ عليه السلام».(1)
ويلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ ما رواه ابن عباس أخصّ ممّا ورد في حقّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّه مختص بالمؤمن إذا سلّم على مؤمن كان يعيش معه في الحياة الدنيا، دون النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكلّ من سلّم عليه بعد رحيله من أُمّته إلى يوم القيامة يردّ الجواب عليه.
وثانياً: بأنّه ليس في حديث ابن عباس:«إلاّ ردّ الله عليه روحه»، كما ذكره ابن تيمية في غير واحد من كتبه.(2)
3. أنّ الحديث يحتاج إلى تأويل وتوجيه، إذ لازم ما ورد فيه أنّ المسلمين كلّهم أحياء في القبر أو في عالم البرزخ، فأي رجل سلّم على من يعرفه يردّ عليه السلام، مع أنّ المستفاد من الآيات أنّ الأنبياء والأولياء والطبقة العليا من المؤمنين، وطبقة خاصّة من الطواغيت كفرعون وآله أحياء

1 . الاستذكار:2/165.
2 . منهاج السنّة:2/442، من النسخة المحقّقة، والنصّ غير موجود في طبعة بولاق.

(150)
يرزقون أو يعذّبون، لا كلّ مسلم مات وإن لم يكن من هذه الطبقة، والتفصيل في محلّه.
وممّا يشهد على أنّ الرجل يحمل في قلبه حقداً وضغينة على
النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه فرّق بين إتيان مسجد قباء والبقيع وبين إتيان قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فزعم أنّ في الأوّلين فائدة (يعني ثواباً) دون الثالث، وإليك نصّ كلامه:
فلم يبق في إتيان القبر فائدة لهم ولا له، بخلاف إتيان مسجد قباء، فإنّهم كانوا يأتونه كلّ سبت فيصلّون فيه اتّباعاً له(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ الصلاة فيه كعمرة، ويجمعون بين هذا وبين الصلاة في مسجده يوم الجمعة، إذ كان أحد هذين لا يغني عن الآخر، بل يحصل بهذا أجر زائد، وكذلك إذا خرج الرجل إلى البقيع وأهل أُحد كما كان يخرج إليهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو لهم كان حسناً، لأنّ هذا مصلحة لا مفسدة فيها، وهم لا يدعون لهم في كلّ صلاة حتى يقال هذا يغني عن هذا .(1)
يلاحظ عليه: لا يخفى ما في كلامه من سوء أدب وتجرّؤ، إذ
كيف يترتّب على زيارة قبور المسلمين ثواب ولا يترتّب ذلك على زيارة
قبر نبيّهم؟! أيمكن أن يقال: إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا إلى زيارة قبور المسلمين وفي
نفس الوقت استثنى نفسه؟! وأي فائدة أعظم من تلك التي تترتّب على زيارته، وهو صاحب الشفاعة الكبرى في الآخرة، كما وردت بذلك الروايات؟

1 . مجموع الفتاوى:27/416.

(151)
على أنّ المسلمين حينما يزورون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الروضة المشرّفة يؤكّدون ميثاقهم مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على أن يبقوا على إيمانهم بما آمن به
وعملهم بما أمر به وتركهم عمّا نهى عنه، إلى غير ذلك ممّا يُعدّ من الفرائض والوظائف.
ثمّ إنّ السيرة الجارية بين المسلمين منذ رحلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هي الوفود على قبر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل الحجّ وبعده، وهذا أمر لا ينكره إلاّ معاند، فهل يصحّ رمي كلّ هذه الجموع الغفيرة بالانحراف عن الدين؟!
أليس اتّفاق المسلمين على أمر في عصر واحد يكون حجّة على مشروعيته، ولو كان معهم دليل ظنّي على الحكم يرتقي الحكم إلى مرتبة القطع؟ وهذا أمر نصّ عليه الأُصوليّون في كتبهم.
وهؤلاء فقهاء الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة كلّهم يؤكّدون استحباب زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وترتّب الثواب عليها، أفلا يكون الخروج على ما اتّفقت عليه الأُمّة أمراً محرّماً، لو لم يكن ارتداداً عن السيرة؟!

ابن تيمية واسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في العهدين

سأل ابن تيمية سائل وقال: مشهور عندكم في الكتاب والسنّة أنّ نبيكم كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، لكنّهم محوه عنهما، ثم قال: وهذا أمر يستشكله العقل.
فأجاب ابن تيمية بما هذه خلاصته: إنّ الربّ سبحانه إنّما أخبر عن كون رسوله مكتوباً عندهم ـ أي الإخبار عنه، وصفته ومخرجه ونعته ـ ولم يخبر

(152)
بأنّ صريح اسمه العربي مذكور عندهم في التوراة والإنجيل، وهذا أبلغ من ذكره بمجرد اسمه.(1)
وهذا الجواب عن السؤال عجيب ; لأنّ القرآن الكريم ظاهر في أنّ المسيح بشّر بمجيء نبي اسمه أحمد، قال سبحانه:(وَإذْ قالَ عِيسى بنُ مَرْيَمَ يا بَني إسرائيلَ إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأتِي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلمّا جاءَهُمْ بِالبَيِّنات قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ).(2)
وأي عبارة أوضح من قوله:(وَمُبَشِّراً بِرَسُول يأتي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ)، وقال سبحانه:(الَّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ في التَّوراةِ وَالإِنْجِيلِ).(3)
فقوله: «مكتوباً» كما يحتمل أنّه مكتوبٌ عندهم بالوصف والنعت والمخرج، كذلك يحتمل أن يكون مكتوباً ومذكوراً عندهم بالاسم خصوصاً إذا كان المكتوب اسمه المعروف محمد، فإنّ المسمّى به كان قليلاً عند العرب، بالأخصّ إذا سمّي باسمه واسم أبيه فعندئذ يتعيّن، بخلاف التعريف بالوصف فربما لا يتعيّن.
ويظهر من آية أُخرى أنّ نبي الإسلام وُصف في العهدين على نحو يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، قال سبحانه: (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ).(4)

1 . هداية الحيارى:1/42. 2 . الصف:6.
3 . الأعراف:157.                     4 . البقرة:146 و الأنعام:20.

(153)
والآية تشمل التعرّف بالاسم والوصف.
ومن حسن الحظ وجود اسمه في العهدين، فقد ورد اسمه(صلى الله عليه وآله وسلم) في إنجيل يوحنا، بلفظ فارقليطا.(1)
كما ورد في التوراة، الباب17 من سفر التكوين، فقد جاءت البشارة فيه باسمه وبخلفائه الاثني عشر: واسمه بالعبرانية: «ماد ماد» ولفظة: «شنيم اسار» يعني اثنى عشر، و «نِسِى اِم» يعني إمام ; وبالسريانية اسمه : «طاب طاب»، و «روربنين» يعني: إمام. وإليك نص التوراة باللغتين المذكورتين:
ـ وَلِيَشْمِعيل شَمْعتَخِ هِنّي بِريختي أتُودِ هَفْرتي اُتُودِهَرْبَتي اُتُو بِمادْمادْ شِينِمْ اسار نِسِي اِمْ وَاَنَاتَيِتُوا لَكُوىَ كادِلْ. (بالعبرانية).
ـ دَعال اِسْمعَيْلَ شِمْعِتُك هابَرْكَتِهِ وَاسْكِتِّه وَاكْبِرتِه طاب طاب تِرِعْ سَرْرُوربِنينِ تَوْليدي وَاتْليُوحْ لِعامارُبا.(بالسريانية).(2)
وترجمة النص المذكور هي:
قد سمعت دعاءك يا إبراهيم في حقّ إسماعيل، فقد باركته، وصيّرته كبيراً بمحمد (ماد ماد) واثنا عشر إماماً من نسله، وسأُصيّره أُمّة عظيمة.(3)

1 . انجيل يوحنا: الآية 15.
2 . العهد القديم: سفر التكوين، الباب17 .
3 . لاحظ : أنيس الأعلام في نصرة الإسلام: 5/68ـ69، البشارة الرابعة.

(154)
6

التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيّاً وميّتاً

قد حرّم ابن تيمية وبعده محمد بن عبد الوهاب التوسّل بالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله، سواء بدعائه أو بذاته وقداسته ومقامه،وإنّما جوّز التوسّل بدعاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما كان حيّاً، أخذاً بقوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً).(1)
وإليك نصّين من كلامه:
قال في كتاب «التوسّل والوسيلة»: ولهذا لمّا ذكر العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه ولم يذكروا فيما شرّع للمسلمين في هذه الحال التوسّل به، كما لم يذكر أحدٌ من العلماء دعاء غير الله، والاستعانة المطلقة بغيره في حال من الأحوال.(2)
وقال في موضع آخر: وأمّا الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يطلب

1 . النساء:64.
2 . التوسّل والوسيلة:150.

(155)
من الميّت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أنّ ذلك أجوب للدعاء، فالزيارة على هذه الوجوه كلّها مبتدعة لم يشرّعها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك.(1)
أقول: إنّ التوسّل بالنبي يتحقّق على صورتين:
1. التوسّل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ونفسه وشخصه، كأن يقول:
اللّهمّ إنّي أتوسّل إليك بنبيّك محمد أن تقضي حاجتي.
2. التوسّل بمقامه ومنزلته عند الله، كأن يقول:
اللهمّ إنّي أتوسّل إليك بجاه محمد وحرمته أن تقضي حاجتي.
فابن تيمية ومقلّدوه من الوهابية يحرّمون الصورتين، ويصفونهما بالشرك، ولكن الروايات الصحيحة تدلّ على صحّتهما، وقبل أن نذكر الروايات نأتي بمقدّمة موجزة.
لا شكّ أنّ المؤثر والمجيب هو الله سبحانه، وأنّه لا تأثير في عالم الوجود إلاّ له، وما سواه من العلل الطبيعية والملكوتية كلّها أسباب تحمل رحمة الله تبارك وتعالى، وتجري رحمته ونعمته وكرمه وإحسانه عن طريق تلك العلل، وقد تعلّقت إرادته سبحانه ومشيئته على نزول الرحمة عن طريق العلل والأسباب التي جعلها عللاً إعدادية للمسببات، وقد قال الإمام الصادق(عليه السلام):

1 . التوسّل والوسيلة:24.

(156)
«أبى الله أن تجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً».(1)
ومكانة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وقداسته من إحدى الوسائل التي تنزل رحمتُه سبحانه من خلالها، ولا بُعد في ذلك، كما هو الحال في طلب الدعاء والاستغفار من النبي في حال حياته، فإنّ دعاء النبي أحد أسباب استجابة الدعاء.
ومن درس الآيات القرآنية يقف على أنّ الكون يعتمد على نظام الأسباب والمسبّبات والعلل والمعلولات، وفي الوقت نفسه الجميع قائم بالله سبحانه مستمدّ منه.
فهذه هي الأرض والنباتات تعيش بسبب الماء النازل من السماء، فللماء تأثير في حياة الأرض والنبات، كما في قوله سبحانه:(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَبات شَتّى)،(2) فإذاً لا مانع من اتّخاذ ذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وسيلة إلى الله سبحانه حتى تجري رحمته من خلال دعائه أو لأجل قداسته وقربه من الله.
فالتوسّل بنبيّ التوحيد هو عين التوحيد، والتعلّق به هو تعلّق بالله سبحانه.
فإن قلت: لماذا لا ندعو الله سبحانه مباشرة مع أنّه أقرب إلينا من حبل الوريد؟
قلت: لا مانع من أن يكون لهذا الهدف طريقان: طريق بالمباشرة، وطريق بالوسيلة والسبب، والله سبحانه حينما يقول: (ادْعُوني أستَجِب

1 . الكافي: 1/ 183 . 2 . طه:53.

(157)
لَكُم)،(1) أو يقول: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ)(2)، يقول أيضاً: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً).
إذا عرفت تلك المقدّمة، فلنذكر الروايات الصحيحة الدالّة على جواز التوسّل بكلا قسميه: التوسّل بنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتوسّل بحق النبيّ ومنزلته.

1. التوسّل بنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

روى عثمان بن حنيف، قال:إنّ رجلاً ضريراً أتى إلى النبي(قدس سرهما) فقال: ادعُ الله أن يعافيني، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): إن شئت دعوتُ، وإن شئتَ صبرتَ وهو خير؟ قال: فادعُهُ، فأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوضّأ فيُحسن وضوءه ويُصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبي الرحمة يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللهمّ شفّعه فيّ».
قال ابن حنيف: فوالله ماتفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضُرّ.
وهذا الحديث ذكره كثير من الحفّاظ والمحدّثين، نذكر ما وقفنا عليه نحن مباشرة:
1. ابن ماجة في سننه .(3)
قال ابن ماجة: قال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح.

1 . غافر:60.
2 . ق: 16.
3 . سن ابن ماجة:1/441، برقم 1385. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء الكتب العربية.

(158)
2. أحمد بن حنبل في مسنده.(1) وقد روى هذا الحديث من ثلاثة طرق.
3. الترمذي في سننه.(2)
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
4. النسائي في عمل اليوم والليلة.(3)
5. ابن خزيمة في صحيحه.(4)
6. الحاكم النيسابوري في مستدركه. (5)
قال بعد ذكر الحديث: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
7. السيوطي في الجامع الصغير.(6) ورواه عن الترمذي والحاكم.
قال زيني دحلان مفتي مكة المكرّمة: ذكر هذا الحديث مع أسانيد صحيحة، البخاري وابن ماجة والحاكم في مستدركه والسيوطي في جامعه.
وقال الرفاعي ـ الكاتب الوهابي المعاصر، الذي يسعى دوماً إلى تضعيف الأحاديث الخاصة بالتوسّل ـ حول هذا الحديث: لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح ومشهور وقد ثبت بلا شكّ، وجه ارتداد بصر الأعمى بدعاء رسول

1 . مسند أحمد:4/138، نقله عن مسند عثمان بن حنيف، طبع المكتب الإسلامي مؤسسة دار صادر، بيروت.
2 . سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، برقم 3589.
3 . عمل اليوم والليلة:429ـ 431، برقم 658 و 659 و 660، تحقيق الدكتور فاروق حمادة.
4 . صحيح ابن خزيمة:2/2225، برقم 1219، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي.
5 . المستدرك:1/313، طبعة حيدر آباد، الهند.
6 . الجامع الصغير:59.

(159)
الله.(1) حتى أنّ ابن تيمية وصف هذا الحديث بالصحّة وقال: بأنّ المقصود من أبي جعفر الموجود في الحديث هو أبو جعفر الخطمي، وهو ثقة.
أقول: جاء في مسند أحمد وغيره: أبوجعفر الخطمي، وأمّا في سنن ابن ماجة، ففيه: أبو جعفر.
هذا ما وقفنا عليه من مصادر الحديث، وقد نقل الدكتور محمود السيد صبيح أنّ الحديث قد رواه البخاري في التاريخ الكبير:6/209، والترمذي:2/569، والنسائي:6/168، 169، وابن خزيمة:2/225، والطبراني في المعجم الكبير:9/30، 31، والصغير:1/306، والدعاء:1/320، 321، وعبد بن حميد:1/147، وابن قانع في معجم الصحابة:2/257، 258، وابن عساكر في الأربعون حديثاً: 1/53، 54، 55، وتاريخ دمشق:6/24.
وقد صحّح الحديث جمع من علماء الحديث منهم: الترمذي، وابن ماجة، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وأقرّ تصحيحه النووي في الأذكار، والحافظ المنذري، والذهبي، والهيثمي ابن حجر في أمالي الأذكار، والسيوطي، والمناوي، وابن أبي حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان، وابن عساكر.(2)
وممّا تقدّم يتّضح أنّ سند الحديث لا غبار عليه، وأنّ محاولة تضعيف الحديث، تُعدّ محاولة بائسة، مبعثها العناد والتعصّب.
إلى هنا تمّت دراسة الحديث من حيث السند، وبقي الكلام في دلالته.

1 . التوصل إلى حقيقة التوسل:158. وما ذكره «بدعاء رسول الله» فيه مغالطة والصحيح بالدعاء الذي علّمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما سيظهر.
2 . انظر: أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته:333.

(160)

دلالة الحديث على التوسّل بنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ دلالة الحديث على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أرشد الأعمى إلى التوسّل به في دعائه الذي علّمه إيّاه، أمر واضح،وهذا يظهر بالتأمّل في الجُمل التالية:

الأُولى: اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك

فإنّ قوله: «بنبيّك» متعلّق بفعلين:
أ. أسألك بنبيّك.
ب. أتوجّه إليك بنبيّك.
فالمسؤول به وما يتوجّه به إلى الله هو نفس النبي الأطهر(صلى الله عليه وآله وسلم)، لا دعاؤه وإلاّ كان عليه أن يقول: اللهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بدعاء نبيّك، فإنّ من تمسّك برأي مسبق، لمّا رأى أنّه صريح في خلاف ما رامه، أخذ يؤوّل الكلام، فقدّر لفظ (دعاء) وقال: إنّ الأعمى إنّما توسّل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا من البطلان بوضوح، فأين كلمة دعاء في الحديث؟! وما الدليل على تقديره، سوى رأيه المسبق؟!

الثانية: محمد نبي الرحمة

إنّ هذه الفقرة توضح بأنّ المسؤول به نفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا دعاؤه، كما أنّ الفقرة التالية تؤيد ذلك.

الثالثة: يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربي

فالأعمى بحكم هذا الدعاء اتّخذ قداسة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنزلته ونفسه الطيّبة وسيلة لاستجابة دعائه، وأين هو من توسّله بدعائه؟!

(161)

الرابعة: وشفّعه فيّ

ومعنى هذه الجملة هو: اجعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) شفيعي وتقبل شفاعته في حقّي.
وبذلك يتّضح أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بشخصه ونفسه الكريمة، هو محور الدعاء كلّه، وليس فيه أي دليل على التوسّل بدعائه(صلى الله عليه وآله وسلم)أصلاً.
وكلّ من يزعم أنّ ذلك الرجل الضرير قد توسّل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا بشخصه وشخصيّته، فإنّما تغافل عن نصوص الرواية وتجاهلها.
وبما أنّ الرواية صريحة في ردّ مذهب ابن تيمية ومَنْ تابعه، حاولوا أن يشكّكوا في دلالة الحديث بشكوك واهية، نذكر منها ما يلي:
1. أنّ التوسّل كان في حضور النبي لا في غيابه، مع أنّ محطّ البحث في هذه الأيام هو التوسّل به في غياب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
يلاحظ عليه: كيف يقول ذلك والحديث نصّ على أنّ الضرير توسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في غيابه، بشهادة ذيل الحديث حيث يقول ابن حنيف:«فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث، حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضرٌّ»، فإنّ قوله: قد دخل علينا، حاك عن أنّ الأعمى قد ذهب إلى التوضّؤ والصلاة في مكان بعيد عن محضر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعمل بما أمر به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم جاء إليه وقد ذهب ضرّه.
2. أنّ التوسّل كان في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن لم يكن في محضره، ولكن الكلام في التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله إلى الله سبحانه، ولا يمكن الاستدلال بهذه الرواية على جوازه.

(162)
يلاحظ عليه: أنّ الإشكال نابع عن قلّة التتبّع، كيف وقد فهم الصحابي الجليل عثمان بن حنيف عدم الفرق بين حياته ورحيله، فقد روى الطبراني عن عثمان بن حنيف أنّ رجلاً كان يختلف على عثمان بن عفان في حاجته، وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين وقل: اللهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فتقضي لي حاجتي. وتذكر حاجتك ورُح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاءه البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان، فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك، فذكر حاجته وقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة، وقال:ما كانت لك من حاجّة،فاذكرها ، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَه فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلّمتُه فيك، ولكنّي شهدت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)... إلى آخر الحديث.(1)
والناظر إلى كتب الحديث يقف على أنّ من نقله عنونه في باب ظاهر على استمرار العمل بالحديث، حيث ذكروه في باب صلاة الحاجة(2)، وكلّ ذلك يدلّ على أنّ المحدّثين فهموا بأنّه ضابطة عامّة تعمّ جميع الأزمان.
ومن عجائب القول أنّهم يركّزون على أنّ من دعا نبيّاً أو ولياً بعد رحيله

1 . المعجم الكبير للطبراني:9/30 و 31، برقم 8311 .
2 . كنز العمال:6/521; العهود المحمدية للشعراني: 112.

(163)
وقال مثلاً: يا محمد اشفع لي، فقد أشرك; لأنّ الدعاء مخّ العبادة، ودعاء الميّت ـ على رأيهم ـ من صميم العبادة، وقد عزب عن المسكين أنّ على ما ذكره يكون المتوسّل في زمان عثمان مشركاً لأنّه قال: يا محمد، وهو ميّت.
أضف إلى ذلك: وجود المغالطة في معنى الحديث، فإنّ المراد من قوله: الدعاء مخّ العبادة، أي دعاء الله سبحانه، لا دعاء كلّ شخص شخصاً، وإلاّ لم يبق على أديم الأرض من يسجل اسمه في قائمة التوحيد، فإنّ الآباء والأُمهات ما زالوا يدعون أبناءهم.

سيرة الصحابة والتوسّل بنفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ من سبر سيرة الصحابة في حياتهم يقف على أنّهم كانوا يتوسّلون بالنبي ويتوجّهون به إلى الله تعالى في الأزمات والشدائد، وهانحن نذكر هنا بعض النماذج على ذلك:
1. عَنْوَن البخاري باباً بعنوان: سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، وقد ذكر فيه الحديث التالي:
إنّ عمر بن الخطاب كان إذا قُحطُوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللّهم إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبينا فتسقينا وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبينا فاسقنا، فيسقون.(1)
فالحديث يدلّ على أنّ الإمام (عمر بن الخطاب)كان نفسه هو الداعي، وأنّه كان يقول في دعائه ذلك القول: إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا وإنّا نتوسّل إليك بعم نبينا فاسقنا.

1 . صحيح البخاري، برقم 1010.

(164)
فالإمام الداعي يقول إنّهم كانوا يتوسّلون بالنبيّ نفسه وبذاته وكرامته وقداسته لا بدعائه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّهم يتوسّلـون الآن بشخـص العبـاس لا بدعائه رحمه الله، وعلى ذلك فتقدير كلمة (بدعائه) تخرّص على الغيب، ويؤيد ذلك أنّ ابن حجر قال ضمن تفسيره لهذا الحديث: إنّ بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة جاء إلى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله استسق لأُمّتك فإنّهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: «ائت عمـر»، الحديث.(1)
وأمّا توسّل عمر بشخص العباس دون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فوجهه واضح، وهو أنّه أراد أن يتوسّل بشخص يشارك القوم في الحياة ومشاكلها من الشدّة والضرّاء، قائلاً بأنّا إذا لم نكن مستحقين لنزول الرحمة، لكن عمّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مستحقّ لذلك، فليشملنا أيضاً.
2. روى ابن عساكر، قال: روى ابن عُيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: خطب عمر بن الخطاب أُمّ كلثوم بنت أبي بكر إلى عائشة فأطمعته، وقالت: أين المذهب بها عنك؟ فلمّا ذهبت قالت الجارية: تزوجيني عمر وقد عرفت غيرته وخشونة عيشه، والله لئن فعلت لأخرجنّ إلى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ولأصيحنّ به، إنّما أُريد فتى من قريش يصبّ عليّ الدنيا صبّاً.(2)
وواضح أنّ الضمير في «به» راجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
3. روى الطبري وابن كثير عن قرّة بن قيس التميمي: لا أنس قول زينب ابنة فاطمة حين مرّت بأخيها الحسين(عليه السلام) صريعاً وهي تقول: يا محمداه، يا

1 . فتح الباري:2/496. 2 . تاريخ دمشق:25/96; الاستيعاب:4/1807 و1808.

(165)
محمداه، صلّى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء، مرمّل بالدماء، مقطع الأعضاء... .(1)
ثمّ إنّ مَن يؤوِّل التوسّل بالذات إلى التوسّل بالدعاء غافل عن نكتة مهمّة وهي أنّ استجابة الدعاء لأجل قداسة نفس الداعي ونزاهته وعلو مقامه ومنزلته عند الله، وإلاّ فالدعاء الصادر من نفس غير زكية لا يصعد ولا يستجاب، فلو كان للدعاء اعتبار فلأجل أنّه صادر عن روح قدسية ونفس كريمة لم تعص الله تعالى طرفة عين ، فيرجع التوسل بالدعاء إلى التوسّل بالذات.
إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل وهو التوسّل بنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وإليك الكلام في المقام الثاني أعني التوسّل بحق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنزلته وكرامته وجاهه، أو ما شئت...
***

2. التوسّل بحقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء

قد منع ابن تيمية في كلامه السابق والوهابيون عامّة هذا النوع من التوسّل، وهانحن نذكر نصوصاً صحيحة تدلّ عليه، اعترف الأعاظم بصحّتها:
1. روى عطيّة العوفي، عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من خرج من بيته إلى الصلاة; فقال: اللهم إنّي أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، وخرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن

1 . تاريخ الطبري: 4/348; الكامل في التاريخ لابن الأثير:4/81 .

(166)
تغفر لي ذنوبي، إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت، أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ملك».(1)
إنّ هذا الحديث واضح جدّاً في معناه، ويدلّ على أنّه يجوز للمسلم أن يتوسّل إلى الله بحرمة أُوليائه الصالحين ومنزلتهم ووجاهتهم عند الله سبحانه، فيجعل أولئك لله وسطاء وشفعاء لقضاء حاجته واستجابة دعائه، ودلالة الحديث على الموضوع الذي نتحدّث عنه واضحة.
ولمّا لم يجد المخالف ثغرة في دلالة الحديث حاول تضعيف السند، فلم ير فيه من يغمزه أو يطعن عليه، إلاّ عطيّة العوفي، الذي لم يكن له أي جرم سوى ولائه وحبه لعليّ(عليه السلام)(2)، ولو صار هذا سبباً لرفض الحديث لذهب جُلُّ الأحاديث الصحيحة كما قال الذهبي: فلو ردّ حديث هؤلاء (يعني: الشيعة) لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيّنة.(3)
2. روى الطبراني عن عمر بن الخطاب عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لمّا أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلاّ غفرت لي فأوحى الله إليه: ومَنْ محمد؟ فقال: تبارك اسمك، لمّا خُلقْتُ رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب: لا إله إلاّ الله ومحمد رسول الله،

1 . سنن ابن ماجة:1/256، برقم 778; مسند أحمد:3/21; كنز العمال:15/396; المصنّف:7/29; كتاب الدعاء للطبراني:149.
2 . ويدلّ على ذلك، قول الساجي: ليس بحجّة وكان يقدّم علياً على الكلّ، وقول الجوزجاني (الناصبي): مائل. يُذكر أنّه روى عن عطية جلّة الناس، وقد وثّقه ابن سعد، وابن معين(في رواية عنه)، وقال عباس الدوري عن ابن معين: صالح. انظر: مجمع الزوائد:9/109، وتهذيب الكمال: 20/145، الترجمة 3956.
3 . ميزان الاعتدال:1/5.

(167)
فقلت: إنّه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممّن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى إليه إنّه آخر النبيين من ذريتك، ولولا محمد لما خلقتك.(1)
قال سبحانه: (فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ).(2)
والحديث يفسّر الكلمات، وهي الأسماء الخمسة الطيّبة، روى الطبرسي: إنّ آدم رأى مكتوباً على العرش أسماءً معظّمة مكرّمة، فسأل عنها فقيل له: هذه أسماء أجلّ الخلق منزلة عند الله، والأسماء: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فتوسّل آدم إلى ربّه بهم في قبول توبته ورفع منزلته.(3)
ويظهر من الحوار الدائر بين مالك بن أنس إمام المالكية والمنصور الدوانيقي أنّ قصة توسّل آدم(عليه السلام)بالنبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت معروفة مشهورة بين الناس، ولذلك قال مالك للمنصور: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم.
وقد أشار الشعراء إلى هذه الحقيقة في قصائدهم، قال أحدهم:
به أجاب الله آدمَ إذ *** دعا ونجا في بطن السفينة نوحُ
وقال الآخر:
قوم بهم غُفرت خطيئة آدم *** وهم الوسيلة والنجوم الطُلّعُ(4)

1 . المستدرك على الصحيحين:2/615; المعجم الأوسط:6/314; المعجم الصغير:2/82; إمتاع الاسماع للمقريزى:3/188; الشفا بتعريف حقوق المصطفى:1/174; السيرة الحلبية:1/355.
2 . البقرة:37.
3 . مجمع البيان: 1 / 89 ، طبعة صيدا.
4 . كشف الارتياب:307، نقلاً عن المواهب، والبيت الأوّل لابن جابر، والثاني للواسطي.