welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(101)
الفصل الثاني:
آراء ابن تيمية في حقوق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
1. زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وموقف ابن تيمية منها
2. ابن تيمية وشدّ الرحال إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
3. ابن تيمية والدعاء عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
4. ابن تيمية ومسّ قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقبيل منبره
5. ابن تيمية والحطّ من مقام النبي وخصائصه (صلى الله عليه وآله وسلم)
6. التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيّاً وميّتاً
7. ابن تيمية وعدم تمييز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل الحق عن أهل الباطل
8. ابن تيمية وعصمة الأنبياء والنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)
9. ابن تيمية وإيمان أبويّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
10. ابن تيمية والصلاة في غار حراء

(102)

(103)
قد يتطرّق إلى سمع أحد أو يقرأ في كتاب ما، أنّ ابن تيمية صدر في خصوص أهل البيت(عليهم السلام) عن موقف خاطئ، وفكر غير ثاقب، ونزعة ملؤها الحقد والضغينة، حالت بينه وبين رؤية الواقع، ولكنّه سرعان ما سيرجع عن قضائه هذا ويرى أنّ موقفه من النبي وآله سيّان، حيث تجرّأ ـ كذلك ـ على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنكر فضله وحقوقه ولم يرعاها.
لا ريب في أنّه إذا كان بين أفراد الإنسان حقيقة مشتركة يدخلون بها في نوع واحد، وهي كون الجميع حيواناً ناطقاً أي مفكّراً، فإنّ ثَمّة خصوصية لكلّ فرد يمتاز بها عن سائر الأفراد، وهي بين جسمانية وروحانية.
وبما أنّا لم نلتق بابن تيمية عن كثب، فلا يمكننا تبيين خصوصياته الجسمانية وقسمات وجهه، ولكن يمكن لنا تبيين نزعاته التي بها يتميّز عن أقرانه وأمثاله، وعندئذ يطرح هذا السؤال: ما هي خصوصياته الروحية العامّة؟
إنّ دراسة كتاب «منهاج السنّة» بطوله و «مجموع الفتاوى» التي جمعها بعض مقلّديه من هنا وهناك يعرضان لنا نزعاته عن كثب، وأنّه كان من طبقة لها المعالم التالية:
1. إنّ الحقّ ما يراه هو وحده، وأنّ عامّة الناس ـ في موارد الخلاف ـ هم على الباطل، ويجب عليهم أن يقفوا أثره.
2. إذا واجه حديثاً أو أثراً لا يوافق رأيه وهواه، وصفه، جازماً، بالكذب

(104)
والبطلان والدسّ، دون أن يسوق شاهداً على كذب الحديث أو بطلان الأثر، أو يذكر مَن كذّبه.
3. إذا كان رأيه في مسألة ما مخالفاً للرأي العام السائد في عصره، نسبه إلى السلف وادّعى اتّفاقهم عليه، دون أن يذكر كلماتهم حتى يُعلم مدى الاتّفاق عليه.
هذه بعض نزعات الرجل، التي يعكسها الكتابان المذكوران، والتي دفعت بفقهاء عصره إلى التصدّي له، وإلى تبديعه، ووصفه بالشذوذ والعدول عن الصراط المستقيم ومباينة مذاهب أهل السنّة(1)، ولم يتخلّف عن ذلك حتى الذهبي، حيث بعث إليه برسالة خاصّة، وصمه بالعُجب بنفسه والاغترار بآرائه، وأظهر فيها عواره وشذوذه. ومن أراد الوقوف على كلمات العلماء في حقّه فليرجع إلى كتاب «السيف الصقيل».
ولمّا مات ابن تيمية ماتت معه أفكاره وآراؤه ولم يعتدَّ بها إلاّ القليل كابن القيّم وابن كثير، واستمرّ الحال كذلك حتى قام محمد بن عبد الوهاب بإحياء مذهبه بحرفيته في منطقة فقيرة من العلم والفكر، وقام آل سعود بدعمه ماليّاً وعسكرياً لما رأوا في اتّباعه ضماناً لبقائهم وسلطتهم. وهانحن نذكر في هذا الفصل شيئاً من تجرّؤ الرجل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وبخس حقوقه إلى حدّ لم يسبقه فيه سابق.

1 . قال اليافعي في ترجمته لابن تيمية: وله مسائل غريبة أنكر عليه فيها، وحُبس بسببها، مباينةً لمذهب أهل السنة، ومن أقبحها نهيه عن زيارة النبيّ عليه الصلاة والسلام. مرآة الجنان: 4 / 278 .

(105)

1

زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وموقف ابن تيمية منها

سأل سائل ابن تيمية عمّا يُروى عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن زار قبري وجبت له شفاعتي»، و «من زار البيت ولم يزرني فقد جفاني»، وهل زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على وجه الاستحباب أو لا؟
فأجاب : أمّا قوله: «مَن زار قبري وجبت له شفاعتي» فهذا الحديث رواه الدارقطني ـ فيما قيل ـ بإسناد ضعيف، ولهذا ذكره غير واحد من الموضوعات، ولم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها من كتب الصحاح والسنن والمسانيد.
وأمّا الحديث الآخر قوله: «مَن حج البيت ولم يزرني فقد جفاني»
فهذا لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، بل هو موضوع على
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ومعناه مخالف للإجماع، فإنّ جفاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من الكبائر... إلخ.
وأمّا زيارته فليست واجبة باتّفاق المسلمين، بل ليس فيها أمر في

(106)
الكتاب ولا في السنّة، وإنّما الأمر الموجود في الكتاب والسنّة بالصلاة عليه والتسليم. وأكثر ما اعتمده العلماء في الزيارة قوله في الحديث الذي رواه أبو داود: «ما من مسلم يسلّم عليّ، إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام».(1)
ثمّ إنّ ابن تيمية قسّم في موضع آخر زيارة القبور إلى قسمين:
الشرعية، والبدعية.
أمّا الأُولى مثل الصلاة على الجنازة والمقصود بها الدعاء للميّت، كما يقصد بذلك الصلاة على جنازته، كما كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يزور أهل البقيع ويزور شهداء أُحد، ويعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منّا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم، واغفر لنا ولهم».
وأمّا الثانية وهي الزيارة البدعية ـ وهي زيارة أهل الشرك، من جنس زيارة النصارى الذين يقصدون دعاء الميت والاستعانة به وطلب الحوائج عنده، فيصلّون عند قبره ويدعون به ـ فهذا ونحوه لم يفعله أحد من الصحابة، ولا أمر به رسول الله ولا استحبّه أحدٌ من سلف الأُمّة وأئمتها.(2)
وأجاب عن سؤال آخر حول الزيارة، فقال: أمّا الاختلاف إلى القبر بعد الدفن، فليس بمستحب، وإنّما المستحب عند الدفن أن يقام على قبره،

1 . مجموع الفتاوى: 27/19، طبعة القاهرة، دارالوفاء، ط2، 1421هـ .
2 . مجموع الفتاوى:24/183.

(107)
ويدعى له بالتثبيت. كما روى أبو داود في سننه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره، ويقول: سلوا له التثبيت، فإنّه الآن يسأل. وهذا معنى قوله:(وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ)(1)، فإنّه لمّا نهى نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصلاة على المنافقين وعن القيام على قبورهم، كان دليل الخطاب أنّ المؤمن يُصلّى عليه قبل الدفن، ويقام على قبره بعد الدفن.
فزيارة الميّت المقرونة بالدعاء، والاستغفار هي من هذا القيام المشروع.
وحاصل كلامه: أنّ الزيارة الشرعية منحصرة بالتسليم على الميّت والدعاء له على أن يغفر الله له، فهذا المقدار من الزيارة مشروع.
وأمّا الزيارة البدعية فهي عبارة عن التسليم على الميّت والصلاة عنده والدعاء عنده، وطلب الحوائج من الرزق والنصر عنده وبه، فهذا ليس مشروعاً باتفاق أئمة المسلمين، إذ هذا لم يفعله رسول الله ولا أمر به ولا رغّب فيه ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين.(2)
فنقول ونحن ندرس كلامه في مقامات:

الأوّل: سرد الروايات الواردة في زيارته

إنّ دراسة الأحاديث الواردة في زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يميط الستر عن وجه الواقع، وهل أنّ الروايات الواردة صحيحة أو حسنة أو موضوعة؟

1 . التوبة:84.
2 . جامع المسائل، المجموعة الرابعة:162ـ 163.

(108)
والمراد من الحسنة عبارة عن الرواية التي في سندها ضعف، ولكن كثرت طرقها ورواتها، كما عليه أهل الحديث في تفسير الحسن.

الحديث الأوّل

قد أخرج قوله: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» عدّة من الحفاظ وأئمة الحديث يزيد عددهم على أربعين محدّثاً وحافظاً، وها نحن نذكر بعض من رواه من قدماء المحدّثين:
1. ابن أبي الدنيا، أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي(المتوفّى 281هـ).(1)
2. محمد بن إسحاق، أبو بكر النيسابوري (المتوفّى 311 هـ) الشهير بابن خزيمة (أخرجه في صحيحه).
3. الحافظ أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني (المتوفّى 385هـ).(2)
4. الحافظ أبو بكر البيهقي(المتوفّى 458هـ).(3)
5. القاضي عياض المالكي(المتوفّى 544هـ).(4)
6. الحافظ أبو القاسم عليّ بن عساكر(المتوفّى 571هـ).(5)
7. الحافظ ابن الجوزي(المتوفّى 597هـ) في مثير الغرام الساكن.
إلى غيرهم من العلماء والمصنّفين الذين ذكر أسماءهم وأسماء كتبهم

1 . كما في الغدير:5/143. 2. سنن الدارقطني:2/278، برقم 194.
3 . السنن الكبرى:5/245. 4 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى:5/194.
5 . مختصر تاريخ دمشق:2/406 في باب مَن زار قبره(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا الباب أسقطه المهذِّب من الكتاب في طبعه، والله يعلم سرّ تحريفه هذا وما أضمرته سريرته.]عن الغدير[ .

(109)
العلاّمة المحقق الأميني.(1) حتى أنّ مؤلّفي «الفقه على المذاهب الأربعة» ـ وهم سبعة مؤلّفين ـ رووا هذا الحديث في موسوعتهم.(2)
فهل يمكن رمي هؤلاء الحفّاظ وفيهم ابن أبي الدنيا والبيهقي والدارقطني وابن خزيمة بأنّهم اعتمدوا على حديث موضوع مدسوس في أمر مهم؟
وأمّا سند الحديث فقد تكلّم فيه تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي (المتوفّى 751هـ) في «شفاء السقام» ونحن نذكر بعض ما قاله:
إنّ الأحاديث التي جمعناها في الزيارة بضعة عشر حديثاً ممّا فيه
لفظ الزيارة غير ما يستدلّ به لها من أحاديث أُخر، وتضافر الأحاديث يزيدها قوة، حتى أنّ الحسن قد يرتقي بذلك إلى درجة الصحيح. ثم قال: وبهذا بل بأقلّ منه، يتبيّن افتراء مَن ادّعى أنّ جميع الأحاديث الواردة في الزيارة، موضوعة.
فسبحان الله!! أما استحى من الله ومن رسوله في هذه المقالة التي لم يسبقه إليها عالم ولا جاهل؟ لا من أهل الحديث، ولا من غيرهم؟ ولا ذكر أحدٌ موسى بن هلال ولا غيره من رواة حديثه هذا بالوضع، ولا اتّهمه به فيما علمنا!
فكيف يستجيز مسلم أن يطلق على كلّ الأحاديث التي هو واحد منها: «أنّها موضوعة» و لم يُنقل ذلك عن عالم قبله، ولا ظهر على هذا الحديث شيء من الأسباب المقتضية للمحدّثين للحكم بالوضع، ولا حُكم متنه ممّا

1 . الغدير:5/143ـ147. 2 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/711.

(110)
يخالف الشريعة، فمن أي وجه يحكم بالوضع عليه لو كان ضعيفاً؟ فكيف وهو حسن أو صحيح؟(1)
أقول: رجال السند ـ كما أخرجه الدارقطني ـ كلّهم ثقات لا كلام فيهم إلاّ في رجلين. وإليك البيان:
روى الدارقطني قال حدثنا القاضي المحاملي، ثنا«عبيد» بن محمد الوراق، ثنا موسى بن هلال العبدي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله: من زار قبري وجبت له شفاعتي. ولا غبار في السند ولو كان كلام، فإنّما هو في موردين:
1. عبيد الله بن محمد الورّاق.
2. موسى بن هلال العبدي.
أمّا الأوّل فهو بصورة المصغّر «عبيد» ثّقة بلا كلام، وثقّه الخطيب(2) وقد أقام السبكي شواهد كثيرة على أنّ النسخة المصحّحة هو «عبيد».
وأمّا لو كان بصورة المكبر فقد ورد فيه التعديل والجرح، لا باتهامه بالوضع والدس والحيل ونظائره، بل بسوء الضبط وإليك كلمات القوم:
1. قال أبو حاتم الرازي: رأيت أحمد بن حنبل يحسن الثناء عليه.
وقال يحيى بن معين: ليس به بأس يكتب حديثه، وقال: إنّه في نافع: صالح، وقال ابن عديّ: لا بأس به صدوق، وقال ابن حبان: كان ممّن غلب عليه الصلاح حتى غُلب عن ضبط الأخبار، وجودة الحفظ للآثار، تقع

1 . شفاء السقام في زيارة خير الأنام(صلى الله عليه وآله وسلم): 79ـ80.
2 . تاريخ بغداد:11/97، برقم 5789.

(111)
المناكير في روايته، فلما فحش خطؤه استحق الترك. (1)
فلو كان فيه كلام فإنّما هو في حفظه، وبما أنّ الحديث في غاية الاختصار، فاحتمال خطئه فيه بعيد.
2. موسى بن هلال، قـال ابـن عـدي: أرجـو أنّه لا بأس به(2). كيف؟ وهـو من مشايخ أحمد بن حنبل، والمشهور أنّ أحمد، ومالك، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، والبخاري، ومسلم، لا يروون إلاّ عن ثقة.
وبذلك ظهر أنّ وصف الحديث بكونه موضوعاً في غاية الخروج عن قواعد الحديث، فإن الضعيف على قسمين: قسم يكون ضعفُ راويه ناشئاً من كونه متهماً بالكذب ونحوه، فاجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا الجنس لا يزيدها قوة.
وقسم يكون ضعف راويه ناشئاً من ضعف الحفظ مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر، عرفنا أنّه ممّا قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه، هكذا قاله ابن الصلاح وغيره.
فاجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا النوع يزيدها قوة وقد يرقى ذلك إلى درجة الحسن أو الصحيح.(3)
ثمّ إنّ لهذا الحديث صوراً أُخرى جمعها العلاّمة السبكي في «شفاء

1 . شفاء السقام:74ـ75.
2 . الكامل:6/351، برقم 1834، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1409هـ .
3 . شفاء السقام:78.

(112)
السقام» فبلغت إلى خمسة عشر حديثاً ويحتمل أن يكون الجميع صوراً مختلفة لحديث واحد كما يحتمل أن تكون أحاديث متعدّدة.
ثمّ تابعه العلاّمة المحقّق الأميني فى كتاب «الغدير» فبلغ عدد الأحاديث إلى اثنين وعشرين حديثاً.
وقد درس هذان العلَمان الأحاديث المذكورة سنداً ودلالة، وردّا الإشكالات المتوجّهة إليها.
وبما أنّ المجال لا يتّسع لنقل الأحاديث مع أسانيدها وما حولها من الكلمات، فلنقتصر على نقل الحديث مع الإشارة إلى مصدر أو مصدرين مما وقفنا عليه أو ما ذكره المحقق السبكي أو العلاّمة الأميني.
وهذه الروايات الكثيرة الواردة في غير واحد من كتب السنن والتاريخ، والتي عكف على نقلها جهابذة الحديث وأعلامه لا يمكن أن توصف بالكذب والدسّ، أو تُرمى بسبب ضعف أحد الرواة في الحفظ والنقل، فهذه الكثرة تدل على أنّ مضمون الرواية متواتر معنى، وأنّ الرسول حثّ على زيارة قبره في غير موقف، وإليك الصور أو الأحاديث الأُخر.

الحديث الثاني

من زار قبري حلّت له شفاعتي(1)

1 . الظاهر أنّ هذا الحديث، هو نفس الحديث الأوّل، وفي الثاني: حلّت، وفي الأوّل: وجبت، وينتهي السند في كليهما إلى ابن عمر. ورواه باللفظ الثاني; الدارقطني في سننه: 2/278، والسيوطي في الدر المنثور:1/237.

(113)

الحديث الثالث

مَن جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلاّ زيارتي كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.(1)

الحديث الرابع

مَن حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي.(2)

الحديث الخامس

مَن حجّ البيت فلم يزرني فقد جفاني.(3)

الحديث السادس

مَن زار قبري أو «مَن زارني» كنت شفيعاً له أو شهيداً.(4)

الحديث السابع

مَن زارني متعمّداً كان في جواري يوم القيامة.(5)

الحديث الثامن

مَن زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي.(6)

1 . رواه الطبراني في معجمه الكبير:12/291، برقم 13149.
2 . رواه الدارقطني في سننه:3/378، برقم 193، كتاب الحج.
3 . رواه ابن عدي في الكامل:7/214، برقم 1956(النعمان بن شبل).
4 . رواه أبو داود الطيالسي في مسنده:1/12.
5 . رواه أبو جعفر العقيلي في الضعفاء:4/361، برقم 1973.
6 . رواه الدارقطني في سننه:2/193.

(114)

الحديث التاسع

مَن حجّ حجّة الإسلام وزار قبري وغزا غزوة وصلّى عليّ في بيت المقدس، لم يسأله الله عزّ وجل فيما افترض عليه.(1)

الحديث العاشر

مَن زارني بعد موتي فكأنّما زارني وأنا حيّ.(2)

الحديث الحادي عشر

مَن زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً.(3)

الحديث الثاني عشر

ما من أحد من أُمّتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر.(4)

الحديث الثالث عشر

مَن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً أو قال: «شفيعاً».(5)

1 . نقله السبكي عن الحافظ أبي الفتح الأزدي في الجزء الثاني من فوائده، ونقله عنه ابن حجر في لسان الميزان:2/4 في ترجمة الأزدي على ما في تعليقة محقّق كتاب: شفاء السقام.
2 . نقله السبكي عن أبي الفتوح سعد بن محمد بن إسماعيل اليعقوبي في جزء فيه فوائد، لاحظ: شفاء السقام:109.
3 . أخرجه البيهقي في شعب الإيمان:3/488.
4 . رواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود ابن النجار في كتاب «الدرة الثمينة في أخبار المدينة» كما في شفاء السقام:112.
5 . رواه الحافظ أبو جعفر العقيلي في كتاب الضعفاء:3/457.

(115)

الحديث الرابع عشر

من لم يزر قبري فقد جفاني.(1)

الحديث الخامس عشر

مَن أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة.(2)
هذه خمس عشرة رواية أخرجها السبكي في «شفاء السقام»، ودرس أسانيدها على نحو لا يبقى لمريب ريب ولا لمشكّك شك.
وقد تابعه المحقّق الأميني فأخرج صوراً أُخرى للرواية حتى تجاوزت العشرين حديثاً، نقتبس منها ما يلي:

الحديث السادس عشر

مَن حجّ إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان.(3)

الحديث السابع عشر

مَن زارني متعمّداً كان في جواري يوم القيامة.(4)

الحديث الثامن عشر

مَن زارني بعد وفاتي وسلّم عليّ رددت عليه السلام .(5)

1 . رواه الحافظ أبو عبد الله ابن النجار في الدرة الثمينة: 397، الباب16.
2 . وفاء الوفا للسمهودي:4/1348.
3 . أخرجه الديلمي، ورواه السمهودي في وفاء الوفا:4/1347.
4 . رواه الدارقطني في سننه:2/278، الحديث 193.
5 . الفائق: الروض 380.

(116)

الحديث التاسع عشر

عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَن زار قبر رسول الله كان في جواره».(1)
إلى غير ذلك من الأحاديث التي رواها الأعلام من السنّة، وإذا أُضيف إليها ما رواه الشيعة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، لظهر أنّ استحباب زيارة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا حثّ عليه النبي وآله الأطهار، ولا يمكن رمي هؤلاء الأعلام ومن رووا عنهم من الرواة بالكذب والدسّ، أو سوء الحفظ والذكر.
ولعمر الحق، لو ورد معشار ما ورد في المقام، في موضوع من المواضيع التي يتبّناها ابن تيمية، لأقاموا الدنيا على صحّته وتضافره، ولم يقعدوها!!

المقام الثاني: الاستدلال بالكتاب على زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

ثمّ إنّ الروايات المتقدّمة وإن كانت كافية في إثبات زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن يمكن الاستدلال قبلها بالآية الكريمة التي ستقرأها تالياً، وقد استدلّ بها لفيف من المحقّقين، أعني قوله سبحانه:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً).(2)
إنّ الآية في بدء النظر وإن كانت منصرفة إلى حياة النبي الدنيوية وانّ على المؤمنين أن يطلبوا منه الاستغفار في حقّهم، لكنّه انصراف بدْوي، لأنّ الدليل قام على حياة النبي بعد رحيله من الدنيا، وأنّه يسمع كلامنا وسلامنا ويردّ

1 . رواه ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق:2/406.
2 . النساء:64.

(117)
جواب سلامنا. وعلى هذا فالآية غير محدودة بحياة النبي الدنيوية، ويشهد على ذلك فهم السلف الصالح للآية، فقد أخرج الحاكم عن عبد الله بن مسعود(رضي الله عنه) قال: إنّ في سورة النساء لخمس آيات ما يسرّني أنّ لي بها الدنياّ وما فيها ـ و قد علمت أنّ العلماء إذا مروا بها يعرفونها ـ (إنّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّة وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْراً عَظيماً)،(1) و(إن تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخلاً كَريماً)(2)، و(إنّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)(3)، ]و[ (وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً)(4)،] و[ (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ >نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً).(5)
قال عبد الله: ما يسرّني أنّ لي بها الدنيا وما فيها.(6)
ووجه الدلالة هو أنّه لو كانت هذه الآية محدّدة بحياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، لَما صحّ لابن مسعود أن يقول: ما يسرّني أن لي بها الدنيا وما فيها، لأنّ فيه إشارة إلى استمرارها بعد حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه قال ذلك بعد رحلته(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال الشوكاني: احتجّ القائلون بأنّها مندوبة بقوله تعالى:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)، ووجه

1 . النساء: 40. 2 . النساء:31.
3 . النساء: 116. 4 . النساء:64.
5 . النساء:110.
6 . مجمع الزوائد:7/11ـ12. أخرجه الحاكم في المستدرك:2/334، المعجم الكبير للطبراني:9/220; الدر المنثور:3/498.

(118)
الاستدلال بها أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حيّ في قبره بعد موته، كما في حديث (الأنبياء أحياء في قبورهم) وقد صحّحه البيهقي وألّف في ذلك جزءاً. قال الأُستاذ أبو منصور البغدادي: قال المتكلّمون المحقّقون من أصحابنا إنّ نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) حيّ بعد وفاته.
ويؤيد ذلك ما ثبت أنّ الشهداء أحياء يرزقون في قبورهم، والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)منهم، وإذا ثبت أنّه حيّ في قبره كان المجيء إليه بعد الموت كالمجيء إليه قبله.(1)

عمل الأعرابي

ذكر ابن عساكر في تاريخه، وابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن»، وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي، قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير
الرسل، إنّ الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً)،
وانّي جئتك مستغفراً ربّك من ذنوبي مستشفعاً فيها بك، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دُفنتْ بالقاع أعظُمهُ *** وطاب من طيبهنّ القاع والأكَمُ
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنُهُ *** فيه العفاف وفيه الجود والكرمُ
ثم استغفر وانصرف.(2)

1 . نيل الأوطار:5/94، دار الجيل، بيروت.
2 . وفاء الوفا:4/1361; الدرر السنية:75; مختصر تاريخ دمشق:2/408.

(119)
إنّ هذا الأعرابي أدرك بذهنه الوقّاد وسريرته الصافية وفطرته السليمة ما تنطوي عليه زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من فوائد جمّة، وأنّ الآية غير محدّدة بحياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط.
يقـول العـلاّمة الأمينـي: هـذه الحكـايـة حكاهـا محمـد بن حرب الهلالي، عن أعرابيّ أتى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وزاره، ثم قال مـا يقـرب ممّا ذكر، رواها ابن النجار وابن عساكر وابن الجوزي، والقسطلاني في المواهب، والسبكي في شفاء السقام، والخالدي في صلح الاخوان، وقال: تلقّى هذه الحكاية العلماء بالقبول، وذكرها أئمّة المذاهب الأربعة في المناسك مستحسنين لها.(1)
***

المقام الثالث: المذاهب الأربعة وزيارة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ من تتبع كلمات العلماء الأبرار حول زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لوجد أنّها سنّة عريقة بين المسلمين أجمع عليها العلماء، ورغّبوا فيها، وقد ذكر السبكي في كتابه«شفاء السقام» نصوص العلماء وإجماعهم على الـزيارة .(2) كما نقل نصوص العلمـاء على الاستحبـاب، الدكتـور محمـد السيد صبيح في كتابه «أخطاء ابن تيمية»، وجعله ثالث الأدلّة باسم: الإجماع على الزيارة.(3)
كما أنّ شيخنا العلاّمة الأميني قد استقصى كلمات الأعلام في المذاهب

1 . الغدير:5/209.
2 . شفاء السقام:155ـ175.
3 . أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته: 199 ـ 218.

(120)
الأربعة، فذكر (42) نصاً من أقوال فقهاء المذاهب الأربعة، كلّهم يؤكّدون على استحباب الزيارة .(1) وها نحن نقتبس شيئاً مما صرّح به هؤلاء الأعلام:
1. قال أبو الحسن الماوردي(المتوفّى 450هـ) في «الأحكام السلطانية»: فإذا عاد وليُّ الحاجّ سار بهم على طريق المدينة لزيارة قبر رسول الله ليجمع لهم بين حج بيت الله وزيارة قبر رسول الله، رعاية لحرمته وقياماً بحقوق طاعته، وذلك وإن لم يكن من فروض الحج، فهو من مندوبات الشرع المستحبّة، وعبادات الحجيج المستحسنة.(2)
2. وقال القاضي عياض المالكي (المتوفّى 544 هـ ) في الشفا: وزيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) سنّة مجمع عليها،وفضيلة مرغّب فيها. ثم ذكر عدّة من أحاديث الباب، فقال:
قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه]يعني إسحاق بن راهويه، شيخ البخاري [: وممّا لم يزل من شأن من حجّ المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتبرّك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطن قدميه والعمود الذي استند إليه ومنزل جبريل بالوحي فيه عليه، ومن عمّره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كلّه.(3)
3. عقد الحافظ ابن الجوزي الحنبلي(المتوفّى 597هـ) في كتابه «مثير الغرام» باباً في زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر حديثي ابن عمر وأنس، المذكورين في الباب السابق.

1 . الغدير:165ـ187. 2 . الأحكام السلطانية:2/105.
3 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى:2/194; شرح الشفا للخفاجي:3/515.

(121)
4. قال الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي(المتوفّى 620 هـ ) في كتابه «المغني»: فصل: يستحبّ زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ ذكر حديثي ابن عمر وأبي هريرة من طريق الدارقطني وأحمد.(1)
5. قال محيي الدين النووي الشافعي (المتوفّى 676 هـ ) في المنهاج المطبوع بهامش شرحه للمغني(2): ويستنّ شرب ماء زمزم وزيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فراغ الحجّ.(3)
وإن شئت ـ عزيزي القارئ ـ أن تقف بصورة إجمالية، على رأي المذاهب الإسلامية في مسألة زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، اقرأ معي كلام الشوكاني في هذا المجال، حيث قال:
ذهب الجمهور إلى أنّها مندوبة، وذهب بعض المالكية، وبعض الظاهرية إلى أنّها واجبة، وقالت الحنفية إنّها قريبة من الواجبات.
ثم قال: وذهب ابن تيمية الحنبلي إلى أنّها غير مشروعة، وتبعه على ذلك بعض الحنابلة.(4)
وممّا يؤكّد شذوذ رأي ابن تيمية (ومقلّديه)، ومخالفته للإجماع (أنّ المسلمين القاصدين للحجّ في جميع الأوقات، وعلى تباين الديار واختلاف المذاهب، قد دأبوا على الوصول إلى المدينة المشرّفة لقصد زيارته، ويعدّون

1 . شرح مختصر الخرقي في فروع الحنابلة:6/588، وهذا الكتاب من تأليف الشيخ أبي القاسم عمر الحنبلي (المتوفّى 334 هـ ) والشرح المذكور من أعظم كتب الحنابلة التي يعتمدون عليها.
2 . المغني:1/494. 3 . المنهاج:1/511 4 . نيل الأوطار:5/94.

(122)
ذلك من أفضل الأعمال، ولم يُنقَل أنّ أحداً أنكر ذلك عليهم، فكان إجماعاً).(1)
ونختم الكلام بما قاله الإمام مالك لأبي جعفر المنصور، في مناظرة جرت بينهما، رواها القاضي عياض في «الشفا»، ونقلها بإسناده إلى ابن حميد، قال: ناظر أبو جعفر ـ أمير المؤمنين ـ مالكاً في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإنّ الله تعالى أدّب قوماً فقال: (لاتَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ...)الآية، ومدح قوماً: (إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ...) الآية، وذمّ قوماً، فقال: (إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ...) الآية، وإنّ حُرْمته ميّتاً كحُرْمته حيّاً.
فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فقال: ولمَ تصرف وجهك عنه؟ وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام)إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبلْه واستشفعْ به، فيشفعه الله تعالى، قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ ...).(2)
 

إكمال

قد قسّم ابن تيمية الزيارة إلى زيارة شرعية وزيارة بدعيّة، وعرّف الثانية

1 . انظر: نيل الأوطار:5/97.
2 . الشفا للقاضي عياض: 2 / 201 ـ 206، الفصل 9.

(123)
بالتسليم على الميّت والصلاة عنده والدعاء عنده، فقال: إنّ هذا ليس مشروعاً باتّفاق أئمة المسلمين.
مع أنّا نرى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فعل ما وصف بدعياً، حيث دعا لنفسه عند قبور البقيع.
روى مسلم عن بريدة(رضي الله عنه) قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خرج إلى المقابر يعلمهم أن يقولوا: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم لنا فَرَط، ونحن لكم تَبَع نسأل الله لنا ولكم العافية.(1)
أو ليس قوله: نسأل الله لنا ولكم العافية، دعاءً للنفس عند قبور المؤمنين.
وفي حديث عائشة الذي رواه مسلم: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين.(2)
ولم يكتف(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك حتى علّم عائشة أن تزور قبور البقيع بالنحو الماضي.
والعجب أنّ الأمر بالدعاء في الكتاب والسنّة مطلق يعمّ كلّ الأمكنة ويكون عين التوحيد، ولكنّه يُصبح عند قبر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) شركاً حسب دين ابن تيمية ورأيه!!
إلى هنا تمّ الكلام حول زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبقي الكلام عن قصد الزيارة والسفر إليها، وهذا ممّا أنكره أيضاً ابن تيمية.

1 . صحيح مسلم:2/671; مسند أحمد:5/353.
2 . صحيح مسلم:2/370; مسند أحمد:6/221.

(124)
2

ابن تيمية وشدّ الرحال إلى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

قسّم ابن تيمية الزيارة إلى شرعية وبدعية، والأُولى أشبه بالدعاء للميت، وجعل الزيارة الدارجة بين المتشرعين من القسم الثاني، ولكنّه لم يكتف بذلك، بل حرّم السفر إلى زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو غيره من الأنبياء في غير واحد من كتبه وفتاواه، قال:
بل نفس السفر لزيارة قبر من القبور ـ قبر نبي أو غيره ـ منهيٌّ عنه عند جمهور العلماء، حتى أنّهم لا يجوزون قصر الصلاة فيه بناءً على أنّه سفر معصية لقوله الثابت في الصحيحين:«لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» وهو أعلم الناس بمثل هذه المسألة.(1) وقال: قالوا: ولأنّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله فهو مخالف للسنّة ولإجماع الأئمة.(2)

1 . مجموع الفتاوى:4/520.
2 . الفتاوى الكبرى:1/142.

(125)
وقال أيضاً: وقد ذكر أصحاب أحمد في السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين هل نقصر فيها الصلاة؟ أربعة أقوال: قيل لا تقصر مطلقاً، وقيل: تقصر مطلقاً، وقيل: لا تقصر إلاّ إلى قبر نبينا، وقيل: لا يقصر إلاّ إلى قبره المكرّم وقبور الأنبياء دون قبور الصالحين.
ولمّا كانت الأقوال الثلاثة الأخيرة مخالفة لرأيه، حاول أن يفسّر وجه الجواز، فقال:
والذين استثنوا قبر نبينا، لقولهم وجهان:
أحدهما ـ و هو الصحيح ـ : أنّ السفر المشروع إليه هو السفر إلى مسجده، وهذا السفر تقصر فيه الصلاة بإجماع المسلمين، وهؤلاء راعوا مطلق السفر، ولم يفصّلوا بين قصد وقصد إذ كان عامّة المسلمين لابد أن يصلّوا في مسجده، فكلّ من سافر إلى قبره المكرّم فقد سافر إلى مسجده المفضل.(1)
ولنا في كلامه وقفتان:

الأُولى: مقدّمة الأمر القربيّ لا توصف بالحرمة

إذا دلّت الروايات على استحباب زيارة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) تكون زيارته أمراً قربيّاً يثاب الإنسان عليه إذا فعله، ويكون السفر إلى الأمر القربي إمّا مستحباً إذا قلنا بوحدة حكم المقدمة وذيها، أو يكون أمراً مباحاً، ولا يكون حراماً لأنّه يلزم منه التكليف بالمحال، إذ من جانب يأمر بالزيارة ـ و لو استحباباً ـ و من جانب يحرّم مقدّمته.

1 . مجموع الفتاوى:28/185

(126)
ومنه يظهر حكم زيارة سائر المقابر وإن لم يكن فيها قبر نبي، بل يكفي وجود الصالحين من المؤمنين حيث إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بزيارة القبور، وقال: «قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد بزيارة قبر أُمّه، فزوروها، فإنّها تذكّركم الآخرة».(1)
فإذا كانت زيارة القبور لأجل التذكّر والاعتبار، أمراً مرغوباً قربيّاً، فيكون السفر إليها إمّا مستحبّاً مثلها أو لا أقل مباحاً.
نعم، زيارة القبر المعيّن بشخصه لم يُؤمر به ـ إلاّ النبي وآله ـ ، وإنّما المطلوب زيارة القبور دون قبر خاص، فالسفر إلى زيارة قبر خاصّ كالوالد والصديق جائز لكن ليس بمأمور به بأمر خاص.
وإن شئت قلت: إنّ السفر إلى المشاهد والمقابر إذا كان لغاية غير أُخروية، ولم تكن تلك الغاية أمراً محرماً، كان السفر جائزاً، كسائر الأسفار.
وأمّا إذا كانت الغاية أمراً قربيّاً ـ كما هو المفروض ـ كان السفر إمّا مستحباً ـ إذا قلنا باستحباب مقدّمة الأمر المستحب ـ أو مباحاً إذا لم نقل. وعلى كلّ تقدير لا يعقل تحريم السفر إليها.

دليل القائل بحرمة السفر

استدلّ ابن تيمية على حرمة السفر بحديث: «لا تشدّ الرحال»(2)، الذي رُوي بألفاظ مختلفة، أشهرها:

1 . صحيح مسلم:977، في الجنائز; سنن أبي داود: برقم3235; سنن الترمذي:برقم 1054، الجنائز; سنن النسائي: 4 / 89 ، باب الجنائز; جامع الأُصول من أحاديث الرسول لابن الأثير: 11/152، برقم 8666.
2 . مجموع الفتاوى:27/199.

(127)
الأوّل: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى».(1) وهذه رواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة.
والثاني: «تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد».(2) من غير حصر، وهذه رواية معْمَر عن الزهري بالسند المذكور.
والثالث: «إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء».(3) وهذه رواية سلمان الأغرّ، عن أبي هريرة.
لقد استدلّ ابن تيمية بهذا الحديث على حرمة السفر، لغير هذه المساجد الثلاثة، ولكن الاستدلال من الوهن بمكان، ويُعرف وهنه بالبيان التالي:
إنّ المستثنى منه محذوف فهو أحد الأمرين:
1. لا تشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد... .
2. لا تُشدّ الرحال إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد... .
فلو كان المراد، الصورة الأُولى، كما هو الظاهر، كان معنى الحديث النهي عن شدّ الرحال إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، ولا يعني عدم جواز شدّ الرحال إلى أيّ مكان من الأمكنة إذا لم يكن المقصود مسجداً، فالحديث يكون غير متعرض لشدّ الرحال لزيارة الأنبياء والأئمّة الطاهرين والصالحين، لأنّ موضوع الحديث إثباتاً ونفياً هو المساجد، وأمّا

1 . صحيح مسلم:3274; صحيح البخاري:1189.
2 . صحيح مسلم:3275.
3 . صحيح مسلم:3276.

(128)
غير ذلك فليس داخلاً فيه، فالاستدلال به على تحريم شدّ الرحال إلى غير المساجد باطل.
وأمّا الصورة الثانية، فلا يمكن الأخذ بها، إذ يلزم منها كون جميع الأسفار محرّمة، سواء كان السفر لأجل زيارة المسجد أو غيره من الأمكنة، وهذا ممّا لا يلتزم به أحد من الفقهاء.
ثمّ إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى أيّ مسجد غير المساجد الثلاثة ليس نهياً تحريمياً، وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في سفر كهذا، وذلك لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف من حيث الفضيلة، فالمساجد الجامعة كلّها متساوية في الفضيلة، فمن العبث ترك الصلاة في جامع هذا البلد والسفر إلى جامع بلد آخر مع أنّهما متماثلان.
وفي هذا الصدد يقول الغزالي: القسم الثاني: وهو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجّ أو جهاد... ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء(عليهم السلام)، وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء. وكلّ من يُتبّرك بمشاهدته في حياته يُتبّرك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» لأنّ ذلك في المساجد; فإنّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد.(1)
يقول الدكتور عبد الملك السعدي: إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى المساجد الأُخرى، لأجل أنّ فيه إتعاب النفس دون جدوى، أو زيادة ثواب;

1 . إحياء علوم الدين:2/247، كتاب آداب السفر.

(129)
لأنّها في الثواب سواء بخلاف الثلاثة، لأنّ العبادة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي مسجد النبوي بألف، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة، فزيادة الثواب تُحبِّب السفر إليها، وهي غير موجودة في بقية المساجد.(1)
والدليل على أنّ السفر لغير هذه المساجد ليس أمراً محرّماً، ما رواه أصحاب الصحاح والسنن: «كان رسول الله يأتي مسجد قُبا، راكباً وماشياً، فيصلّي فيه ركعتين».(2)
وهذا يعني أنّ النهي عن شدّ الرّحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم، لكون النبيّ كان يأتي مسجد قباء راكباً.(3)
وممّا يعضد القول بأنّ شدّ الرّحال لغير المساجد الثلاثة ليس محرّماً، أنّ سعد بن أبي وقّاص كان يحثّ المسلمين على شدّ الرّحال إلى مسجد قُباء. قال ابن حجر: ومن فضائل مسجد قُباء، ما رواه عمر بن شَبّة في «أخبار المدينة» بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقّاص، قال: لأن أصلّي في مسجد قباء ركعتين أحبّ إليّ من أن آتي بيت المقدس مرّتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل.(4)

1 . البدعة:60.
2 . صحيح مسلم:(3280); صحيح البخاري:(1194); سنن النسائي:(694).
3 . فتح الباري:3/69.
4 . المصدر نفسه.

(130)

الوقفة الثانية: هل كان المسلمون يقصدون السفر إلى المسجد دون زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

إنّه حاول أن يفسّر سفر المسلمين إلى المدينة المنوّرة بأنّهم كانوا يقصدون السفر إلى المسجد دون زيارة قبر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا أمر تكذّبه السيرة المستمرة بين المسلمين عبر القرون، فإنّ الإجماع من السلف والخلف على أنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحجّ يتوجّهون إلى زيارته، وربما يزورونه قبل الحجّ، قال السبكي:
هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة، وكلُّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافةً بعيدة وينفقون فيه الأموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربةٌ وطاعةٌ، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على مرّ السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم يستحيل أن يكون خطأ، وكلُّهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى الله عزّ وجلّ، ومَن تأخّر فإنّما يتأخر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسُّفه عليه وودّه لو تيسّر له، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ، فهو المخطئ.
وما ربّما يقال من أنّ سفرهم إلى المدينة لأجل قصد عبادة أُخرى وهو الصلاة في المسجد، باطلٌ جداً، فإنّ المنازعة فيما يقصدُه الناس مكابرةٌ في أمر البديهة، فمن عَرف الناس عرف أنّهم يقصدون بسفرهم الزيارة يعرّجون إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القُرُبات إلاّ ببال قليل منهم، ولهذا قلَّ القاصدون إلى البيت المقدَّس مع تيسّر إتيانه، وإن كان في الصلاة

(131)
فيه من الفضل ما قد عُرف، فالمقصود الأعظم في المدينة الزيارة، كما أنّ المقصود الأعظم في مكّة الحجّ أو العمرة، وصاحب هذا السؤال إن شكّ في نفسه فليسأل كلّ من توجّه إلى المدينة ما قَصَد بذلك؟(1)
ويدلّ على ما ذكرنا ما نقله المؤرّخون عن بعض الصحابة والتابعين في هذا المجال.
قال ابن عساكر في ترجمة بلال: إنّ بلالاً رأى في منامه النبيّ وهو يقول له: ما هذه الجَفْوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزيناً، وجِلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسنُ والحسين فجعل يضمُّهما ويقبّلهما فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذّن به لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلمّا أن قال: «الله أكبر ـ الله أكبر» ارتجّت المدينة، فلما أن قال: «أشهد أن لا إله إلاّ الله» ازدادت رجّتها، فلما أن قال: «أشهد أنّ محمّداً رسول الله» خرجت العواتق من خدورهن فقالوا: أبُعِث رسول الله!؟ فما رُئي يوم أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك اليوم.(2)
قال السبكي: إنّ سفر بلال في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة، لم يكن إلاّ للزيارة والسلام على النبيّ ولم يكن الباعثُ على السفر ذلك من أمر الدنيا ولا من

1 . شفاء السقام:211ـ212.
2 . مختصر تاريخ دمشق: 5/265، و أُسد الغابة:1/208.

(132)
أمر الدين ولا من قصد المسجد ولا من غيره.(1)
إنّ عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ النبيّ السلام ثمّ يرجع.(2)
ثمّ إنّ عمر لمّا صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرحَ عمر بإسلامه، قال عمر له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبي وتتمتع بزيارته؟ فقال لعمر: أنا أفعل ذلك، ولمّا قدم عمر المدينة أوّل ما بدأ بالمسجد وسلّم على رسول الله.(3)
وهكذا بانت الحقيقة، وظهر وجه الحق، ودلّت الروايات والأخبار على أنّ زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تُعدّ من القربات، وأنّ السفر إليها أمر قربي، يتبع في حكمه حكم نفس الزيارة، وأنّ ما ذهب إليه ابن تيمية من تحريم السفر إلى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يخالف رأي الجمهور، ويضادّ سيرة السلف، ولا يجنح إليه إلاّ من اغترّ به، ورضي بتقليده عن تقصير أو قصور.
 

كلام الإمام النووي في السفر إلى زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

قال الإمام النووي: واعلم أنّ زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من أهمّ القربات وأنجح المساعي، فإذا انصرف الحجّاج والمعتمرون من مكة استحبّ لهم استحباباً متأكداً أن يتوجّهوا إلى المدينة لزيارته(صلى الله عليه وآله وسلم)وينوي الزائر من الزيارة التقرّب وشدّ الرحل إليه والصلاة فيه، وأنّ الذي شرفت به(صلى الله عليه وآله وسلم)خير الخلائق

1 . شفاء السقام:251.
2 . شفاء السقام: 143، الباب 3: في ما ورد في السفر إلى زيارته.
3 . فتوح الشام:1/148 في ذكر فتح بيت المقدس.

(133)
وليكن من أوّل قدومه إلى أن يرجع مستشعراً لتعظيمه ممتلئ القلب من هيبته كأنّه يراه، فإذا وصل باب مسجده(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يأتي القبر الكريم فيستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر ويبعد من رأس القبر نحو أربع أذرع، ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَروا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً)(1)وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خيرَ من دُفنت بالقاع أعظمُهُ *** فطاب من طِيبهنَّ القاع والأكَمُ(2)

1 . النساء:64.
2 . المجموع:8/201ـ202.
Website Security Test