welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(78)

نظرية الأشاعرة

لقد اختار الأشاعرة مذهباً خاصّاً في هذا الأمر، حاولوا فيه التوفيق بين ما ذهبوا إليه من أنّ التكلّم من صفاته تعالى الذاتية (كالعلم والقدرة)، وبين اعترافهم باستحالة قيام الأصوات والحروف بذاته سبحانه، ويتلخّص هذا المذهب في أنّ كلام الله حقيقةً، هو الكلام النفسي القائم بذاته تعالى، وأنّه غير العلم والإرادة. قال الشهرستاني: وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية، وبذات المتكلّم، وليس بحروف ولا أصوات، وإنّما هو القول الذي يجده القائل في نفسه ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلاماً حقيقياً تردّد، أهو على طريق الحقيقة أم على سبيل المجاز؟ وإن كان على طريق الحقيقة فإطلاق اسم الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك اللفظي.(1)
ترى أنّ الأشعري يرى أنّ واقع الكلام ليس قائماً بالحروف والأصوات وأنّ حقيقته هي المعاني التي يردّدها الإنسان في نفسه ويجيلها في خلده، وبهذا المعنى فسّر كلامه سبحانه وأسماه بالكلام النفسي.
ولسنا في صدد نقد عقيدة الأشعري في المقام، ولكن نشير هنا إلى نكتة وهي أنّ ما ذكره من قيام المعاني والمفاهيم بذاته ـ على فرض تسليمه ـ يوجب رجوع وصف التكلّم إلى العلم، إذ ليس للعلم الحصولي حقيقة وراء قيام المفاهيم المتصوّرة بالذات، فلا يكون وصفاً لغير ذلك.

1 . نهاية الإقدام في علم الكلام، للشهرستاني: 320، طبعة آكسفورد، 1934 م.

(79)
على أنّ قيام المفاهيم المجرّدة بذاته سبحانه لا يخلو عن إشكال واضح مبيّن في محلّه.
وإنّما ذكرنا المذهبين (المعتزلة والأشاعرة) لأجل الإشارة إلى أنّ المسلمين قاطبة ـ وإن اختلفوا في حقيقة التكلّم ـ متّفقون على تنزيهه سبحانه عن قيام الحروف والأصوات بذاته. أمّا المعتزلة فذهبوا إلى إيجاده سبحانه الحروف والأصوات في الشجر وغيره، وأمّا الأشاعرة فلم يعيروا لهما قيمة، وإنّما ركّزوا على الكلام النفسي الباطني القائم بالذات.

نظرية الإمامية

إنّ مشاهير الإمامية قسّموا كلامه سبحانه وتعالى إلى قسمين:
1. ما إذا كان المخاطب فرداً معيّناً، فكلام الله له يتمّ بواحدة من الأقسام الثلاثة المُشار إليها في سورة الشورى : إمّا يوحي إليه، أو يكلّمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً، فقد أشار بقوله: (إلاّ وَحْياً)إلى الكلام الملقى في روع وقلب الأنبياء بسرعة وخفاء من دون توسيط مَلَك، وأشار بقوله: (أو مِنْ وَراءِ حِجاب) إلى الكلام المسموع لموسى في البقعة المباركة من الشجرة، قال سبحانه: (فَلَمّا أتاها نُودِيَ من شاطئِ الوادِ الأيمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنّي أنَا اللهُ رَبُّ العالَمينَ).(1) وأشار بقوله: (أوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) إلى الإلقاء الذي يتوسط فيه ملك الوحي.
وأمّا إذا كان المخاطب عامّة الناس في عامة الأجيال والأعصار فيفسّر

1 . القصص:30.

(80)
كلامه بصورة أُخرى يسمعه كلّ الناس سماعاً عقلياً، وسماعاً يضفي على الإنسان التعرّف على كمال الله سبحانه، وهذا ما سنشرحه تالياً.
لا شكّ أنّ الكلام في أنظار عامّة الناس هو الحروف والأصوات الصادرة من المتكلّم، القائمة به، وهو يحصل من تموّج الهواء واهتزازه بحيث إذا زالت الأمواج زال الكلام معه، ولكنّ الإنسان يتوسّع في إطلاقه، فيطلقه على كلّ فعل من أفعال المتكلّم إذا أفاد نفس الأثر الذي كان يفيده الكلام اللفظي.
فالكلام وإن وضع يوم وضع للأصوات والحروف المتتابعة الكاشفة عمّا يقوم في ضمير المتكلّم من المعاني، إلاّ أنّه لو وجد هناك شيء يفيد ما تفيده الأصوات والحروف المتتابعة بنحو أعلى وأتمّ، لصحّت تسميته كلاماً أو كلمة، وهذا الشيء الذي يمكن أن يقوم مقام الكلام اللفظي هو فعل الفاعل الذي يليق أن يسمّى بالكلام الفعلي، ففعل كلّ فاعل يكشف عن مدى ما يكتنفه الفاعل من العلم والقدرة والعظمة والكمال، غير أنّ دلالة الألفاظ على السرائر والضمائر وضعية، ودلالة الأفعال والآثار على ما عليه الفاعل من العظمة، تكوينية.
ويمكن أن يستدلّ على هذا القسم من الكلام ببعض الآيات; يقول سبحانه: (يا أَهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلى اللهِ إلاّ الحَقَّ إنّما الْمَسيحُ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ).(1) ترى أنّه سبحانه يصف المسيح بكونه كلمته، لأنّ تولده بلا لقاح يعرب عن قدرة خالقه، وهكذا كلّ ما في الكون من الذرة إلى المجرّة،

1 . النساء:171.

(81)
فالجميع كلامه ولسانه في مقام الفعل يتكلّم بلسان الحال، ويدلّ على عظمة الخالق وسعة علمه وإحاطة قدرته بكلّ شيء.
يقول الإمام علي(عليه السلام): «يقول لما أراد كونه: كن، فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع. إنّما كلامه سبحانه فعل منه، أنشأه ومثّله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».(1)
وقد نسب إليه هذان البيتان:
أتزعم أنّك جِرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبرُ
وأنت الكتاب المبين الذي *** بأحرفه يظهر المضمرُ
فكلّ ما في صحيفة الكون من الموجودات الإمكانية كلماته، وتخبر عمّا في المبدأ من كمال وجمال وعلم وقدرة.

نظرية ابن تيمية

هذه نظرة سريعة إلى آراء المسلمين في تفسير معنى كونه سبحانه متكلّماً، وقد عرفت اتّفاقهم على تنزيهه عن وصفه بالتكلّم، بمعنى قيام الحروف والأصوات بذاته، وحان وقت البحث عن عقيدة ابن تيمية وسلفه.
وحاصل كلامه: أنّه سبحانه لم يزل متكلّماً وأنّ نوع التكلّم قديم، ولكن مصاديقه حادثة، نظير ما يقول الحكماء في العالم في بعض الأنواع بأنّ النوع قديم والمصاديق غير قديمة. وعلى كلّ تقدير فالحروف والأصوات قائمة بذاته ولا تفارق العلم والإرادة والكراهة، فالجميع من صفات الذات، وإليك نصوص كلامه من كتبه:

1 . نهج البلاغة: الخطبة 186.

(82)
1. قال في «منهاج السنّة»: وسابعها: قول من يقول: إنّه لم يزل متكلّماً إذا شاء بكلام يقوم به وهو متكلّم بصوت يُسمع، وإنّ نوع الكلام قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعيّن قديماً. وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنّة، وبالجملة أهل السنّة والجماعة أهل الحديث.(1)
2. وقال في «الموافقة»: وإذا قال السلف والأئمة إنّ الله لم يزل متكلّماً إذا شاء، فقد أثبتوا أنّه لم يتجدّد له كونه متكلّماً، بل نفس تكلّمه بمشيئته قديم، وإن كان يتكلّم شيئاً بعد شيء، فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه، إلاّ إذا وجب تناهي المقدورات والمرادات.(2)
3. وقال: فحينئذ فيكون الحق هو القول الآخر، وهو أنّه لم يزل متكلّماً بحروف متعاقبة لا مجتمعة.(3)
وقال أيضاً: وقد يقول هؤلاء إنّه يتكلّم إذا شاء ويسكت إذا شاء، ولم يزل متكلّماً بمعنى أنّه يتكلّم إذا شاء ويسكت إذا شاء.(4)
وقال أيضاً: وفي الصحيح إذا تكلّم الله بالوحي، سمع أهل السماوات كجرّ السلسلة على الصفوان، فقوله:«إذا تكلّم الله بالوحي سمع» يدلّ على أنّه يتكلّم به حين يسمعونه. وذلك ينفي كونه أزلياً، وأيضاً فما يكون كجرّ السلسلة على الصفا يكون شيئاً بعد شيء، والمسبوق بغيره لا يكون أزليّاً.(5)

1 . منهاج السنّة: 2/362، وفي طبعة بولاق : 1 / 221.
2 . موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول:2/278، دارالكتب العلمية، بيروت ـ 1417هـ .
3 . نفس المصدر:4/127 .
4 . مجموع الفتاوى:6/150، تحقيق عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية.
5 . مجموع الفتاوى:6/234.

(83)
وقال أيضاً: وجمهور المسلمين يقولون إنّ القرآن العربي كلام الله وقد تكلّم الله به بحرف وصوت، فقالوا: إنّ الحروف والأصوات قديمة الأعيان، أو الحروف بلا أصوات، وأنّ الباء والسين والميم مع تعاقبها في ذاتها فهي أزليّة الأعيان لم تزل ولا تزال، كما بسطت الكلام على أقوال الناس في القرآن في موضع آخر.(1)
حصيلة كلامه عبارة عن الأُمور التالية:
1. إنّ تكلّمه سبحانه من صفات ذاته كالعلم والقدرة، فيجب أن يكون قائماً بذاته لا قائماً بفعله وليس كالرزق والنعمة، حتى يقوم بفعله، فإذا أنعم يصير منعماً وإذا رزق يصير رازقاً، بل تكلّمه ككونه عالماً وقادراً.
2. إذا كان تكلّمه قائماً بالذات وداخلاً فيها، يجب أن يكون قديماً كقدم علمه وقدرته ولا يكون حادثاً.
3. وبما أنّ التكلّم سنخ وجوده التدرّج، وحقيقته قائمة به أيضاً، فلابدّ أن يكون نوع التكلّم قديماً وأفراده حادثاً، نظير قول الحكماء من الأغارقة: إنّ النفس الإنساني قديم بالنوع وإن كانت مصاديقه حادثة.
4. أنّ ما ذكره هو، في نظره، عقيدة جمهور المسلمين، وكأنّ المسلمين عنده هم جماعة أهل الحديث فقط.
يلاحظ على ما ذكره أوّلاً: بأنّه إذا كان التكلّم الذي واقع وجوده الحدوث والتجدّد، قائماً بالذات ونابعاً عنها، فلازم ذلك، حدوث الذات، لأنّ

1 . مجموع الفتاوى:5/556ـ557.

(84)
حدوث الجزء يلازم حدوث الكلّ، إلاّ أن يرجع التكلّم إلى صفة الفعل، كما عليه العدلية من المعتزلة والشيعة.
وثانياً: أنّ القول بأنّ نوع التكلّم قديم، ومصاديقه حادثة، يستلزم قدم الكلام، فيكون إلهاً ثانياً، كما في كلام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) المتقدّم، إلاّ أن يكون التكلّم جزء الذات فيكون قديماً بقدمها.
وثالثاً: كيف ينسب مختاره إلى جمهور المسلمين، مع أنّ جمهور المسلمين هم الأشاعرة والماتريدية والإمامية والمعتزلة، والجميع يتبرّأون من تلك النسبة. بل هم بُرآء منها براءة يوسف ممّا اتُّهم به. وهذا هو الإمام الاسفرائيني شيخ الأشاعرة في عصره يقول: إنّا نعلم أنّ كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت، لأنّ الحرف والصوت يتضمنان جواز التقدّم والتأخّر، وذلك مستحيل على القادر سبحانه.(1)
ورابعاً: لو كان تكلّمه سبحانه مع كلّ فرد من المكلّفين بالحروف والأصوات، فلا يكون أسرع الحاسبين بل أبطأهم مع أنّه سبحانه يقول: (ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ألا لَهُ الحُكْم وَهُوَ أسْرَعُ الحاسِبينَ).(2)
وخامساً: أنّ ما زعمه في كيفية تكلّمه سبحانه يتّفق تماماً مع ما ورد
في التوراة في قصة آدم وحوّاء عند أكلهما من الشجرة، فقد جاء فيها ما هذا نصّه:
«ورأت المرأة أنّ الشجرة طيبة للأكل ومتعة للعيون وأنّ الشجرة شهية

1 . التبصير في الدين:167، تحقيق كمال يوسف الحوت، طبعة عالم الكتب، بيروت.
2 . الأنعام:62.

(85)
للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأتت أيضاً زوجها الذي معها، فأكل فانفتحت أعينهما فعرفا أنّهما عريانان، فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر، فسمعا وقع خطى الرب الإله، وهو يتمشّى في الجنة عند نسيم النهار، فاختبأ الإنسان وامرأته من وجه الرب الإله فيما بين أشجار الجنّة، فنادى الرب الإله الإنسان وقال له: أين أنت؟ قال: إنّي سمعت وقع خطاك في الجنّة، فخفت لأني عريان فاختبأت. قال: فمن أعلمك أنّك عريان، هل أكلت من الشجرة التي أمرتك أن لا تأكل منها؟ فقال الإنسان: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت...»(1).
وبذلك تقف على قيمة كلام الشهرستاني في الملل والنحل حيث يقول:
«زادت المشبّهة في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأكثرها مقتبس من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه... وزادوا على التشبيه قولهم في القرآن: إنّ الحروف والأصوات والرقوم المكتوبة قديمة أزلية، وقالوا: لا يعقل كلام ليس بحروف ولا كلم.(2)

الاستدلال برواية جابر بن عبد الله

استدلّ ابن تيمية على أنّ تكلّمه سبحانه بحرف وصوت برواية جابر بن عبد الله التي أشار إليها البخاري ] في كتاب العلم، باب الخروج في طلب

1 . التوراة: سفر التكوين، الفصل الثالث، الفقرات رقم 6ـ13.
2 . الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 106 ، نشر دار المعرفة، بيروت.

(86)
العلم [، إشارة إجمالية وقال: «ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد».(1)
ثم نقل هذا الحديث في صحيحه، بهذه الصيغة: ويُذكَر عن جابر عن عبد الله بن أُنيس قال: سمعت النبي يقول: «يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك، أنا الديَّان».(2)
وأنت ترى أنّ البخاري ينقله بتمريض، حيث يقول: (ويُذكَر عن جابر) الظاهر في عدم جزمه بالصحّة. نعم نقله في «الأدب المفرد» بلا لفظ: (ويذكر)، قال:
حدّثنا موسى، قال: حدّثنا همّام، عن القاسم بن عبد الواحد، عن ابن عقيل أنّ جابر بن عبد الله حدّثه أنّه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي فابتعت بعيراً فشددت إليه رحلي شهراً حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس، فبعثت إليه أنّ جابراً بالباب فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج فاعتنقني، قلت: حديث بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت. قال: سمعت النبي يقول: يحشر الله العباد أو الناس عراة غُرلاً بُهماً، قلنا: ما بُهماً؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد(أحسبه قال: كما يسمعه من قَرُب): أنا الملك.(3)

1 . صحيح البخاري: 1 / 27 ، برقم 19، كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم.
2 . صحيح البخاري:4/469، كتاب التوحيد(98)، باب (32) ـ قول الله تعالى:(وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ...)، ط. دارالكتب العلمية، 1419هـ .
3 . الأدب المفرد:326، الباب 442 باب المعانقة برقم 973.

(87)

مناقشة حول حديث جابر، و حديث آخر مرويّ عن أبي سعيد الخدريّ

يلاحظ على الاستدلال:
أوّلاً: أنّ البخاري نقل الحديث في «الصحيح» بصيغة التمريض عن جابر، وهذا يدلّ على عدم جزمه به، ولا شكّ في أنّ ما يورده في «الأدب المفرد» لا يرقى من حيث الصحّة إلى مستوى ما يورده في «الصحيح».
ثانياً: أنّ الحديث المذكور، قد وقع في سنده ابن عقيل (عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب)، وهو ممّن لا يُحتجّ بحديثه، كما تُرشد إلى ذلك كلمات أصحاب الجرح والتعديل، ومنها:
عن يحيى بن معين. ابن عقيل لا يُحتجّ بحديثه. وعنه أيضاً: ضعيف الحديث.
وعن أحمد بن حنبل: ابن عقيل منكر الحديث.
وعن ابن المديني: لم يرو عنه مالك بن أنس، ولا يحيى بن سعيد القطّان.
وقال يعقوب: صدوق، وفي حديثه ضعف شديد جدّاً.
وقال أبو حاتم وغيره: ليّن الحديث.
وقال ابن خزيمة: لا أحتجّ به لسوء حفظه.
وعن البخاري: منكر الحديث.(1)
ثالثاً: أنّ الحديث رواه أبو القاسم الطبراني بإسناده عن أبي الوليد الطيالسي، وحجّاج بن المنهال، وشيبان بن فرّوخ، جميعاً عن همّام بن

1 . انظر: ميزان الاعتدال:2/484 برقم 4536; وتهذيب الكمال:16/78، برقم 3543.

(88)
يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد، عن ابن عقيل، عن جابر، عن عبد الله بن أُنيس، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «يحشر الله العباد... فينادي مناد بصوت يسمعه مَن بَعُد...».(1)
ومع وجود هذا اللفظ (ينادي مناد بصوت) في رواية الطبراني، فإنّ الاستناد إلى هذا الحديث في إثبات الصوت لله سبحانه (حتى مع غضّ الطرف عن سنده) يصبح أمراً متعذّراً.
رابعاً: أمّا الاستدلال بالحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، والذي جاء فيه: قال النبي: يقول الله يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.(2) قوله: «فينادي» يقرأ على وجهين: بصيغة المعلوم فيكون المنادي هو الله ويصير كالشاهد على مذهب ابن تيمية، وبصيغة المجهول: «فيُنادى بصوت» فيكون نائب فاعله هو آدم، ومع هذا الاحتمال لا يمكن أن يستدلّ بمثل هذا الحديث على عقيدة يطلب فيها العلم.
خامساً: أنّ البخاري أخرجه في صحيحه من طريقين آخرين، عن أبي سعيد الخدري(رضي الله عنه)عن النبي باللفظ التالي: يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرجْ بعث النار... .(3)
فقد ورد فيه: يقول الله تعالى، مكان «فينادى بصوت» فصار الحديث

1 . تهذيب الكمال:23/393ـ394، ترجمة القاسم بن عبد الواحد، برقم 4801.
2 . صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى:(وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ)، برقم 7483.
3 . صحيح البخاري، كتاب حديث الأنبياء، برقم3348، وكتاب الرقاق، باب قوله تعالى:(إنّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظيمٌ)، برقم653.

(89)
مردداً بين التعبيرين، ولا دلالة في التعبير الثاني على مرامه، إذ هو نظير قوله سبحانه: (قالَ اللهُ هذا يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقينَ صِدْقُهُمْ).(1)
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الحديث لا يمكن الاحتجاج به من جهات:
أوّلاً: أنّ البخاري ذكر، في صحيحه، حديث جابر عن عبد الله بن أنيس، بصيغة التمريض.
وثانياً: أنّ في سند حديث جابر، من لا يُحتجّ بحديثه، وهو ابن عقيل.
وثالثاً: أنّ البخاري روى، في صحيحه، حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: فينادي، الذي يُحتمل فيه وجهان: صيغة المعلوم وصيغة المجهول.
قال ابن حجر: «فيُنادى» مضبوطاً للأكثر بكسر الدال، وفي رواية أبي ذر بفتحها على البناء للمجهول، ولا محذور في رواية المعلوم، فإنّ قرينة قوله: «إنّ الله يأمرك» تدلّ على أنّ المنادي ملك يأمره الله بأن ينادي بذلك.(2)
وأمّا شهاب الدين القسطلاني، فقال: (فيُنادَى) ـ بفتح الدال ـ مصحّحاً عليها بالفرع وأصله.(3)
ورابعاً: أنّ البخاري روى حديث أبي سعيد الخدري من طريقين آخرين، بلفظ: يقول الله تعالى، دون لفظ: ينادي بصوت. ومع هذا الاضطراب هل يصحّ لعالم أن يستدلّ بمثله على أصل من أُصول الدين؟

1 . المائدة:119.
2 . فتح الباري:13/460، كتاب التوحيد. وانظر: عمدة القاري، للعيني:25/154، طبعة دار الفكر.
3 . إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري:10/431، طبعة دار إحياء التراث العربي. يُذكر أنّني رأيت أربع طبعات من صحيح البخاري، ضُبطت فيها لفظة (فيُنادَى) بصيغة المجهول.

(90)
وخامساً: أنّ معنى قوله: فينادي بصوت (إذا صحّ ضبطها بصيغة المعلوم): أنّه يوجِد النداء يوم القيامة ويسمعه من قرُب ومن بعُد، لا أنّه يتكلّم بذاته بالحروف والأصوات، ومثل هذا الاستعمال كثير، فلا فرق بين أن يقول: «نادى» أو يقول: «قال»، فالجميع من صفات الفعل.
وسادساً: إذا دلّ العقل الحصيف، الذي عرفنا به الله سبحانه وتعالى، على امتناع قيام الحوادث بذاته، لا يعتدّ بخبر الواحد، وإن بلغ من الصحّة ما بلغ، إذا كان على خلاف ما يحكم به العقل الحصيف، الذي هو من حجج الله سبحانه.
وللشيخ محمد زاهد الكوثري في نقد هذا، كلام نذكره بنصه:
قال: وقد أفاض الحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ المنذري في رسالة خاصّة في تبيين بطلان الروايات في ذلك زيادة على ما يوجبه الدليل العقلي القاضي بتنزيه الله عن حلول الحوادث فيه سبحانه، وإن أجاز ذلك الشيخ الحرّاني(ابن تيمية) تبعاً لابن ملكا اليهودي الفيلسوف المتمسلم، حتى اجترأ على أن يزعم أنّ اللفظ حادث شخصاً قديم نوعاً يعني أنّ اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثاً حتماً، لكن ما من لفظ إلاّ وقبله لفظ صادر منه إلى ما لا أوّل له فيكون قديماً بالنوع... إلى أن قال: ولم يدر المسكين بطلان القول بحلول الحوادث في الله جلّ شأنه، وأنّ القول بحوادث لا أوّل لها هذيان، لأنّ الحركة انتقال من حالة إلى حالة فهي تقتضي بحسب ماهيتها كونها مسبوقة بالغير، والأزل ينافي كونه مسبوقاً بالغير، فوجب أن يكون الجمع بينهما محالاً.(1)

1 . مقالات الكوثري:124، طبعة عام 1414هـ ، المكتبة الأزهرية للتراث.

(91)

استدلال بحديث آخر

روى البخاري قال: وقال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً.(1)
ونقله أبو داود بلفظ آخر وقال: إذا تكلّم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صَلْصَلة كجرّ السلسلة على الصفا.(2)
وقد زعم المستدل أنّ الصوت لله سبحانه، ولكن ظاهر الحديث الذي نقله أبو داود أنّ الصوت للسماء حيث إنّ المسموع لأهل السماء هو قوله: «للسماء صلصلة».
أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال بحديث أعرض عن ذيله البخاري في صحيحه وتفرّد بنقله أبو داود، أمر مرفوض جدّاً، فإنّ معرفة العقائد لا تخضع لخبر واحد.
إنّ الله تعالى مستغن عن أن يستعين في كلامه بالحروف والأصوات وإلاّ يكون فقيراً كالإنسان، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. ولذلك اشتهر بين المحقّقين أنّ من وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر فقد كفر.
ومن المناسب أن نأتي هنا، بما ذكره الخطيب البغدادي، حيث قال: يُردّ الحديث الصحيح الإسناد لأُمور:
أن يخالف القرآن، أو السنّة المتواترة، أو العقل، لأنّ الشرع لا يأتي إلاّ بمجوّزات العقول.(3)

1 . صحيح البخاري، باب قول الله تعالى:(ولا تنفع الشفاعة عنده) برقم 7480.
2 . سنن أبي داود:2/421، برقم 4738 كتاب السنة، باب في القرآن، برقم4734، طبعة دار الفكر ـ 1410هـ .
3 . الفقيه والمتفقه:1/132.

(92)
ومن المعلوم أنّ هذه الأحاديث على خلاف العقل الحصيف، ومن أوضح مصاديق تشبيه الخالق بالمخلوق، غير أنّ غلاة الحنابلة ـ و على رأسهم ابن تيمية ـ قد بالغوا في الأخذ بالروايات المنقولة عن مستسلمة اليهود والنصارى، وتأثّروا بأقوالهم المشبعة بفكرة التجسيم والتشبيه، الأمر الذي جرّهم إلى تلك المغبّة المذمومة، وإلاّ فالموحّد الذي يعتمد على النصوص القرآنية أوّلاً، والنبوية ثانياً، وحكم العقل الحصيف ثالثاً، لا يحوم حول هذه الروايات، ولا يقيم لها وزناً.

ذاته سبحانه ليست محلاًّ للحوادث

إنّ نظرية ابن تيمية في تكلّمه سبحانه، وقوله:إنّ الصوت والحروف قائمان بذاته، تستلزم أنّ ذاته تكون محلاًّ للحوادث، ولم يقل به أحد من أئمة السلف إلاّ الكرّامية، وقد استدلّ المحقّقون على امتناع كون ذاته محلاًّ للحوادث بوجوه نأتي بها إجمالاً:
1. أنّ حدوث الحوادث في ذاته يدلّ على انفعاله، والانفعال من شؤون الممكن لا الواجب، كما هو واضح.
2. أنّ المقتضي للحادث إن كان ذاته كان أزلياً وهو خلاف الفرض، وإن كان غيره، كان الواجب مفتقراً إلى الغير.
3. إن كان الحادث صفة كمال استحال خلو الذات عنها، وإن كان صفة نقص استحال اتّصاف الذات بها.(1)

1 . كشف المراد:294.

(93)
وقد أوضح سيف الدين الآمدي الوجه الثالث في كتابه «غاية المرام» وقال ما هذا نصّه: فالرأي الحق والسبيل الصدق والأقرب إلى التحقيق أن يقال: لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتّصافه بها إمّا أن توجب له نقصاً، أو كمالاً، أو لا نقص ولا كمال.
لا جائز أن يقال بكونها غير موجبة للكمال ولا النقصان، فإنّ وجود الشيء بالنسبة إلى نفسه أشرف له من عدمه، إلى أن قال:
ولا جائز أن يقال: إنّها موجبة لكماله، وإلاّ لوجب قدمها لضرورة أن لا يكون البارئ ناقصاً محتاجاً إلى ناحية كمال في حال عدمها.
فبقي أن يكون اتّصافه بها ممّا يوجب القول بنقصه بالنسبة إلى حاله قبل أن يتّصف بها، وبالنسبة إلى ما لم يتّصف بها من الموجودات، ومحال أن يكون الخالق مشروفاً أو ناقصاً بالنسبة إلى المخلوق، ولا من جهة ما.(1)
وقال الأسفرائيني: إنّ الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته; لأنّ ما كان محلاًّ للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل منها كان محدثاً مثلها; ولهذا قال الخليل(عليه السلام): (لا أُحِبُّ الآفِلينَ)(2) بيّن به أنّ من حلّ به من المعاني ما يغيّره من حال إلى حال كان محدثاً لا يصحّ أن يكون إلهاً.(3)
وبذلك ظهر أنّ ابن تيمية قد أحيا منهج الكرّامية لا منهج السلف الصالح ولا من تبعهم بإحسان، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.

1 . غاية المرام في علم الكلام: 191ـ192.
2 . الأنعام:76.
3 . التبصير في الدين:160ـ161.

(94)
5

عقائد نابية وشاذّة

إنّ ما تبّناه ابن تيمية من القول بتجسيم الله سبحانه وحركته ونزوله و تكلّمه بصوت، وإن كان غريباً بعيداً عن الكتاب والسنّة ودلائل العقل، إلاّ أنّ للرجل عقائد أُخرى أغرب من ذلك، نذكر منها نماذج أربعة:
1. استقرار الله على العرش وإمكان استقراره على ظهر بعوضة.
2. قعود النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع ربّه على العرش.
3. فناء النار والعذاب، عن أهل النار.
4. تحريم ذكر الله مفرداً.
أمّا فيما يخصّ النموذج الأوّل، فيقول ابن تيمية: ولو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة، فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، فكيف تنكر أيها النفّاج (1) أنّ عرشه يقلّه.(2)
لقد اعتقد ابن تيمية أنّ الله عزّ وجل جسم وأنّ له استقراراً وأنّه مع عظمته وكبره يستطيع أن يستقر على ظهر بعوضة. أفيصح في عصرنا هذا

1 . النَّفّاج: المتكبّر المفتخر بما ليس عنده.
2 . بيان تلبيس الجهمية:1/568.

(95)
الذي غلب على أهله التعقّل أكثر من التعبّد، الدعوة إلى الاعتقاد برب تستطيع أن تحمله بعوضة، وهو في نفس الوقت أكبر من العرش، وهذا العرش أكبر من السماوات والأرض؟!! تالله إن نشر مثل هذه الأفكار السخيفة في هذه الأيام يورث ابتعاد الناس عن الدين، والعزوف عنه إلى التيارات العلمانية .
وأمّا الثاني: ـ أعني: قعود النبي إلى جانب ربّه على العرش ـ فقد قال الحافظ أبو حيان الأندلسي في تفسيره:
وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية ـ هذا الذي عاصرناه وهو بخطه سمّاه كتاب العرش ـ :إنّ الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكاناً يقعد فيه معه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
يُشار إلى أنّ النسخة المطبوعة من التفسير خالية من هذا الكلام(2)، قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تعليقه على (السيف الصقيل): وقد أخبرني مصحّح طبعه في مطبعة السعادة أنّه استفظعها جدّاً، فحذفها عند الطبع، لئلاّ يستغلها أعداء الدين، ورجاني أن أسجل ذلك هنا استدراكاً لما كان منه ونصيحة للمسلمين.(3)

1 . تفسير النهر الماد:1/254، تفسير آية الكرسي.
2 . وقد نقل هذه الفقرة تقي الدين أبو بكر الحصني الدمشقي(المتوفّى829هـ) عن أبي حيّان النحوي الأندلسي في تفسيره المسمّى بالنهر الماد، في كتابه:«دفع شبه من شبّه وتمرّد»:1/47ـ 48، نشر المكتبة الأزهرية للتراث، مصر.
3 . السيف الصقيل في ردّ ابن زفيل للسبكي: 97، طبعة مكتبة زهران; دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه لابن الجوزي:123، تحقيق حسن السقاف، طبعة الأردن، 1412هـ ; كشف الظنون لحاجي خليفة:2/1438.

(96)
وقد مرّ في الفصل الثالث ما نسبه ابن القيّم إلى أبي الحسن الدارقطني من الأبيات التي تضمنت هذه الأُسطورة.
وأمّا الثالث: ـ أعني: قوله بفناء النار ـ فقد قال ما نصّه:
وفي المسند للطبراني ذكر فيه أنّه ينبت فيها الجرجير، وحينئذ فيحتج على فنائها بالكتاب والسنّة، وأقوال الصحابة، مع أنّ القائلين ببقائها ليس معهم كتاب ولا سنّة ولا أقوال الصحابة.(1)
وقد نسب القول بفناء النار إلى السلف أيضاً، ونقل هذا عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم.
وفيما ادّعاه ردّ لصريح القرآن والسنّة، فقد قال سبحانه: (إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافِرينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعيراً* خالِدينَ فِيها أَبداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصيراً).(2)
وقد ردّ عليه الكثير من علماء الإسلام، منهم المناوي، حيث قال: إنّ الجنّة أبدية لا تفنى والنار مثلها، وزعم جهم بن صفوان أنّهما فانيتان لأنّهما حادثتان، ولم يتابعه أحد من الإسلاميين بل كفّروه به، وذهب بعضهم إلى إفناء النار دون الجنة، وأطال ابن القيّم كشيخه ابن تيمية في الانتصار له في عدة كراريس، وقد صار بذلك أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان لمخالفته نصّ القرآن، وختم بذلك كتابه الذي في وصف الجنان.(3)

1 . الردّ على من قال بفناء الجنة والنار:67.
2 . الأحزاب:64و 65.
3 . فيض القدير:6/341.

(97)
وقال الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي: وبينما تراه ـ يعني: ابن تيمية ـ يسبّ جهماً والجهمية، إذا بك تراه يأخذ بقوله في أنّ النار تفنى وأنّ أهلها ليسوا خالدين فيها أبداً.(1)
وقال أبو بكر الحصني الدمشقي(752ـ 829هـ): واعلم أنّه انتُقد عليه زعمه أنّ النار تفنى، وأنّ الله تعالى يفنيها، وأنّه جعل لها أمداً تنتهي إليه وتفنى، ويزول عذابها. وهو مطالب أين قال الله عزّ وجل؟ وأين قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وصحّ عنه؟(2)
ويكفي في بطلان هذه العقيدة قوله سبحانه في أهل الجحيم: (كُلَّما أَرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَريق).(3)
وقال سبحانه: (مَأْواهُمْ جَهَنَّمَ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً).(4)
وقال: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ).(5)
وأمّا الرابع: ـ أعني: تحريم ذكر الله مفرداً ـ فقد قال ابن تيمية: فأمّا الاسم المفرد ]يعني لفظ الجلالة[ فلا يكون كلاماً مفيداً عند أحد من أهل الأرض، بل ولا أهل السماء، وإن كان وحده كان معه غيره مضمراً، أو كان المقصود به تنبيهاً أو إشارة كما يقصد بالأصوات التي لم توضع لمعنى، لا أنّه يقصد به

1 . فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان:135.
2 . دفع الشبهة عن الرسول والرسالة :116، طبعة 1418هـ، القاهرة; دفع شبه من شبّه وتمرّد للحصني:1/58، طبعة المكتبة الأزهرية للتراث، في مصر، والعنوانان هما لكتاب واحد.
3 . الحج:22.
4 . الإسراء:97.
5 . الفرقان:65.

(98)
المعاني التي تقصد بالكلام، ولهذا عدّ الناس من البدع ما يفعله بعض النساك من ذكر اسم الله وحده بدون تأليف كلام.(1)
أقول: كيف يحرّم ذلك وقد أمر به الذكر الحكيم، قال سبحانه:(قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوضِهِمْ يَلْعَبُونَ).(2)
روى مسلم وغيره عن أنس(رضي الله عنه) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله» وفي لفظ آخر، قال: «لا تقوم الساعة على أحد حتى يقول: الله، الله».(3)
ومن العجيب أنّه في الوقت الذي يحرّم ذكر الله مفرداً، يصحّح ما روي عن ابن عمر أنّه قد خدرت رِجْله، فقال: يا محمد.
قال في كتابه«الكلم الطيّب» تحت عنوان فصل في الرجل إذا خدرت، قال: عن الهيثم بن حَنَش فقال: كنّا عند عبد الله بن عمر، فخدرت رِجْله، فقال له رجل: اذكر أحبّ الناس إليك، فقال: يا محمّد، فكأنّما نشط من عقال.(4)
إنّ هذا الكلام يناقض ما عليه أتباعه اليوم ـ أعني: الوهابيين ـ حيث يحرّمون التوسل بالنبي وإنّ من قال يا محمد فقد أشرك، ويستميتون في ردّ دلالة حديث رواه عثمان بن حنيف في التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كما سيمرّ عليك

1 . الردّ على المنطقيين:35.
2 . الأنعام:91.
3 . صحيح مسلم: كتاب الايمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان; سنن الترمذي، كتاب الفتن، الباب35; المستدرك للحاكم:4/495.
4 . الكلم الطيّب:35، كما في كتاب المقالات السنيّة للشيخ عبد الله الهرري.

(99)
في فصل آخر. وعلى ذلك فقد افترق الوهابيون عن إمامهم، ولم يتابعوه.
ثمّ إنّ بعض أنصار الوهابية ـ أعني: الشيخ الألباني ـ قال بأنّ إسناد قول ابن عمر، ضعيف، ولكنّه لا يضرّنا إذ ليس البحث في صحّة الحديث وضعفه، بل الكلام في أنّ ابن تيمية شيخ الوهابية وإمام ابن عبد الوهاب أجازه، ولكن التلاميذ حرّموه.
أضف إلى ذلك: أنّ الذكر الحكيم يجوّز دعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن يمنع أن نجعل دعاءه كدعاء غيره، قال سبحانه: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)(1)، وكان دعاؤهم بلفظ محمد تارة، ويا محمد أُخرى.

1 . النور:63.

(100)
Website Security Test