welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(51)

الرابع: في علّة ذهاب ابن تيمية وأسلافه إلى إثبات الحركة لله سبحانه

إنّ السبب لذهاب ابن تيمية وأسلافه المجسّمة إلى إثبات الحركة والنزول لله سبحانه، هو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له، مَنْ يسألني فأُعطيَه، مَنْ يستغفرني فأغفرَ له »(1).
وعن هذا الحديث تثار تساؤلات، منها:
أوّلاً: أنّ الله سبحانه هو الغفور الرحيم، وأنّه أقرب إلينا من حبل الوريد، فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه إلى السماء الدنيا وندائه بقوله: مَن يدعوني فأستجيب له. وهو القائل عزّ اسمه: (فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (2).
والقائل : (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ)(3).
والقائل : (قُلْ ياعِباديَ الَّذِينَ أَسْـرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً)(4)، إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن سعة رحمته لعموم عباده.
كما أنّه سبحانه وعد باستجابة دعاء من دعاه من عباده، فقال: (ادْعُوني

1 . صحيح البخاري: 8 / 71، باب الدعاء نصف الليل، برقم 6321 ; صحيح مسلم: 2 / 175، باب الترغيب في الدعاء.
2 . المائدة: 39. 3 . المائدة: 74.
4 . الزمر: 53.

(52)
أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(1)، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على قُرب المغفرة من المستغفرين، والإجابة من الله سبحانه للسائلين آناء الليل والنهار، فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه الكريم إلى السماء الدنيا وندائه بقوله: «مَن يدعوني فأستجيبَ له»؟
ثانياً: تعالى ربّنا عن النزول والصعود والمجيء والذهاب والحركة والانتقال وسائر العوارض والحوادث التي تُفضي إلى الجسمية والتحيّز، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، ومن هنا صار هذا الحديث وأشباهه، سبباً لذهاب الحشوية إلى التجسيم والسلفية إلى التشبيه.
ثالثاً: أنّ لازم ما ذكره أن يكون الله سبحانه دائم النزول والصعود وذلك لتعاقب الليل والنهار، فربّما يكون نصف النهار في بلد هو نصف الليل في بلد آخر، أو أوّل النهار في بلد هو أوّل الليل في بلد آخر، وكلّ بلد له نصف ليل، فحينئذ يلزم أن يكون سبحانه طول الليل والنهار بين النزول والصعود، ومعنى ذلك أنّه يتحرك في عامّة الليل الّذي يكون نهاراً في بلد آخر، وعامّة النهار الّذي يكون ليلاً في بلد آخر، وهو كماترى.
رابعاً: أي فائدة في هذا النداء الّذي لا يسمعه أي ابن أُنثى حتّى يرغب إلى الدعاء؟!
***
ومن العجيب أنّ ابن تيمية نسب ذلك القول إلى أئمة السلف، ولكنّ السلف والخلف بريئون من هذه النسبة ; وذلك لأنّهم يتلون كتاب الله ليل

1 . غافر: 60.

(53)
نهار وهو يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء)(1) وإذا أثبتوا لله الحركة والنزول والصعود، فقد جعلوا لله مثلاً وشبيهاً.
ومن يرجع إلى كلمات علماء الإسلام الواعين من السلف والخلف يجد أنّهم متفقون على تنزيهه سبحانه من أوصاف الجسم والجسمانيات، وأنّهم قد أوّلوا الحديث المروي عن أبي هريرة، بما ينسجم وتقدّسه عن الجسمية.
يقول الحافظ ابن حجر في شرح الحديث المذكور، ما هذا نصّه: استدلّ به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور ; لأنّ القول بذلك يُفضي إلى التحيّز، تعالى الله عن ذلك، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال، ثم قال: وقد حكى أبو بكر بن فورك أنّ بعض المشايخ ضبطه بضمّ أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكاً، ويقوّيه ما رواه النسائي من طريق الأغرّ عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: «إنّ الله يمهل حتّى يمضي شطر الليل ثم يأمر منادياً يقول: هل مَن داع فيستجاب له..» ثم قال: وبهذا يرتفع الإشكال .(2)
ثم نقل عن البيضاوي أنّه قال: ولمّا ثبت بالقواطع أنّه سبحانه منزّه عن الجسمية والتحيّز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه.
نعم ربّما يتمسّك المجسّمة بقوله سبحانه: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا )(3).

1 . الشورى: 11.
2 . فتح الباري: 3 / 30 .
3 . الفجر: 22.

(54)
ولكن الناظر في آيات تلك السورة يقف على أنّه سبحانه يصوّر هول القيامة ورعبها، ويقول قبل هذه الآية: (كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا)(1)، ثم يقول بعدها (وَجِيءَ يَوْمَئِذ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى)(2). فإنّ المراد من مجيء جهنم إبرازها للعصاة، كما في قوله تعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى )(3) .
فالمراد من مجيئه سبحانه هو ظهور قدرته في ذلك اليوم العصيب وسطوع شوكته، وكثيراً ما يقال: «جاء آل فلان» ويراد تسلّطهم وسيطرتهم على البلاد.
وفي الكشّاف: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه، مثّلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلّها ووزرائه وخواصّه عن بكرة أبيهم(4).
وعلى ما ذكرنا فالمراد بمجيئه تعالى مجيء أمره، قال تعالى: (وَ الأَمْرُ يَوْمَئِذ للهِ )(5)، ويؤيد هذا الوجه بعض التأييد قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ وَ الْمَلاَئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ)(6) إذا انضم

1 . الفجر: 21 .
2 . الفجر: 23.
3 . النازعات: 36 .
4 . تفسير الكشاف: 3 / 337 .
5 . الانفطار: 19 .
6 . البقرة: 210 .

(55)
إلى قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ )(1)، وعليه فهناك مضاف محذوف والتقدير: جاء أمر ربك، أو نسبة المجيء إليه تعالى من المجاز العقلي.(2)
وكان لابن تيمية ومن لفّ لفّه أن يرجع إلى كلمات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه، حتّى يقفوا على نعوته جلّ شأنه، ويتعرّفوا على مكانة هذا الحديث وأمثاله من الصحّة والسقم .
1. قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في إحدى خطبه:
«الحمدُ لله الذي علا بحَوْله، ودَنا بطَوْلهِ».(3)
فالإمام(عليه السلام) يؤكّد أنّه سبحانه قد ارتفع بقدرته على كلّ شيء، باعتبار كونه مبدأ كلّ موجود ومرجعه، فهو العليّ المطلق الذي لا أعلى منه في وجود وكمال رتبة وشرف(4)، ولكنّه مع علوّه قد دنا وقرُب بفضله وإحسانه وتكرّمه.
2. وقال(عليه السلام) في وصفه تعالى:
«ما اختلف عليه دهرٌ فيختلف منه الحالُ، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقالُ».(5)
3. وروى يعقوب بن جعفر الجعفري عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)قال:

1 . النحل: 33 . 2 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 284 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة83.
4 . شرح نهج البلاغة، لابن ميثم البحراني:2/231.
5 . نهج البلاغة: الخطبة 91.

(56)
ذكر عنده قوم يزعمون أنّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا، فقال: «إنّ الله تبارك وتعالى لا ينزل، ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنّما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب، ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج إلى شيء بل يُحتاج إليه، وهو ذو الطَّول، لا إله إلاّهو العزيز الحكيم.
أمّا قول الواصفين: إنّه ينزل تبارك وتعالى فإنّما يقول ذلك مَن ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكلُّ متحرِّك محتاج إلى من يحرِّكه أو يتحرَّك به، فمَن ظنّ بالله الظنون هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدّ تحدّونه بنقص أو زيادة، أو تحريك تحرّك، أو زوال أو استنزال، أو نهوض أو قعود، فإنّ الله جلّ وعزّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين وتوهُّم المتوهِّمين، (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)(1)». (2)
وفي الختام، نقول: إنّ الرجل قد صرّح بمذهبه وهو على منبر الشام، يقول الرّحالة ابن بطوطة: وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلّم في فنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً. وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء...ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي، وقال: «إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا» وعدّد ما أُنكر على ابن تيمية، وأحضر

1 . الشعراء: 217 ـ 219 .
2 . الكافي:1/125، كتاب التوحيد، باب الحركة والانتقال، الحديث 1; والتوحيد للصدوق: 183، باب نفي المكان، برقم 18.

(57)
العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.
قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلاّ الله، فأعاد عليه فأجاب عليه بمثل قوله; فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً وصنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سمّاه «البحر المحيط» في نحو أربعين مجلداً.
ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرتُه يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: (إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا) ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً. (1)
وربما يحاول بعض المتعصّبين لابن تيمية، أن ينفي حضور ابن بطوطة في ذلك العام في دمشق، لكنّه غفل عن أنّ النقل لا ينحصر به، بل نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني في موسوعته«الدرر الكامنة»(2)، وهذا يدلّ على أنّ الخبر كان منتشراً يوم ذاك في البلد.
(ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتدى).(3)

1 . الرحلة لابن بطوطة: 112، طبع دار الكتب العلمية.
2 . الدرر الكامنة:1/154.
3 . النجم:30.

(58)
3

الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية (1)

اتّفق علماء الإسلام ـ عدا بعض المحدّثين ـ على أنّه سبحانه منزّه عن الجهة والمكان، وقد برهنوا على ذلك ببراهين واضحة، نذكر بعضها:
1. أنّ الجهة أو المكان لو كانا قديمين يلزم تعدّد القدماء، ولو كانا حادثين يلزم أن يكون سبحانه محلاًّ للحوادث، حيث لم يكن ذا مكان ولا ذا جهة ثم وصف بهما.
2. أنّ الله سبحانه غني بالذات، فكونه ذا جهة أو ذا مكان، يلازم حاجته إليهما، فينقلب الغني فقيراً ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
3. أنّ كلّ ما هو في جهة إمّا جسم أو جسماني، وكلّ منهما ممكن بل حادث، فكيف يوصف بهما سبحانه وتعالى؟
هذه هي البراهين العقلية الّتي تفسّر لنا قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)(2) فلو كان في جهة أو مكان، يكون له ملايين الأمثال، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

1 . هذا الفرع هو من فروع القول بتشبيه الباري بالممكنات، وهو متمّم للفصل السابق.
2 . الشورى: 11.

(59)
وهذه البراهين مبثوثة ومشروحة في الكتب الكلامية والعقدية، ونحن في غنى عن أن نأتي بكلمات العلماء أو أن نشير إليها.
وإذا رجعنا إلى كلمات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين ينزّهون الباري أشدّ التنزيه نجد أنّهم يصفونه بنفي الجهة والمكان.
قال الإمام علي (عليه السلام): «مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، وَمَنْ قَالَ: «كَيْفَ» فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَمَنْ قَالَ: «أَيْنَ» فَقَدْ حَيَّزَهُ».(1)
وقال أيضاً: «لاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَلاَ يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلاَ يَصِفُهُ لِسَانٌ».(2)
وقال في خطبة أُخرى له: «ولا أنّ الأشياء تحويه، فتُقلَّه أو تُهوِيَه، أو أنّ شيئاً يحملُه، فيُميلَه أو يُعدِّلَه! ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج».(3)
وروى الصدوق بإسناده عن سليمان بن مهران قال: قلت لجعفر بن محمد (عليه السلام): هل يجوز أن نقول: إنّ الله في مكان؟ فقال: «سبحان الله وتعالى عن ذلك، إنّه لو كان في مكان لكان محدثاً، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، والاحتياج من صفات المحدَث لا من صفات القديم»(4).
وروى أيضاً عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ الله

1 . نهج البلاغة: الخطبة: 152 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 178 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 186.
4 . توحيد الصدوق: 178، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث 11 .

(60)
تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً».(1)
إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في الجوامع الحديثية المعتبرة .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى عقيدة ابن تيمية من خلال ما ورد في كتبه:
1. قال في «منهاج السنّة»: وجمهور الخلق على أنّ الله فوق العالم، وإن كان أحدهم لا يلفظ بلفظ «الجهة»، فهم يعتقدون بقلوبهم، ويقولون بألسنتهم: ربّهم فوق .(2)
2. قال في «بيان تلبيس الجهميّة»: والله تعالى قد أخبر عن فرعون أنّه طلب أن يصعد ليطّلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبره أنّ إلهه فوق، لم يقصد ذلك، فإنّه لو لم يكن مقرّاً به فإذا لم يخبره موسى به لم يكن إثبات العلوّ لا منه ولا من موسى (عليه السلام)، ثم قال: فموسى صدّق محمداً في أنّ ربه فوق، وفرعون كذّب موسى في أنّ ربه فوق. فالمقرّون بذلك متّبعون لموسى ولمحمد، والمكذبون بذلك موافقون لفرعون .(3)
وهذا استدلال عجيب غريب، فليت شعري من أين علم ابن تيمية أنّ موسى(عليه السلام) أخبر فرعون بأنّ الله في السماء، وأنّه تعالى فوق؟! وكيف عرف أنّ فرعون إنّما طلب أن يصعد ليرى الله في السماء، انطلاقاً من فهمه لكلام

1 . توحيد الصدوق، 184، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث20.
2 . منهاج السنّة النبوية: 2 / 642، وفي طبعة بولاق : 1 / 262 ـ 263.
3 . بيان تلبيس الجهمية: 1 / 526.

(61)
موسى(عليه السلام)؟ ألا يمكن أن يكون طلبه مبنيّاً على توهّمه أنّ إله موسى جسم ماديّ، وبما أنّه لا يراه في الأرض، فلا بدّ أن يكون في السماء، ولذا طلب من وزيره أن يجعل له صرحاً ليُشرف عليه ويراه؟ هذا إذا قلنا ـ وهو بعيد ـ إنّه كان يريد البحث حقّاً عن إله موسى، ولم يقصد الاستهزاء والسخرية، أو خداع قومه والتمويه عليهم.
ولعمر القارئ أنّ هذا النوع من الاستدلال يكشف عن عجز المستدلّ حيث يتشبّث بهذا النوع من التسويلات.
يقول المحقّق الدواني في شرحه على العقائد العضدية: ولابن تيمية أبي العباس أحمد وأصحابه، ميل عظيم إلى إثبات الجهة، ومبالغة في القدح في نفيها. ورأيت في بعض تصانيفه: أنّه لا فرق عند بديهة العقل بين أن يقال: هو معدوم، أو يقال: طلبته في جميع الأمكنة فلم أجده. ونسب النافين إلى التعطيل.(1)
3. وقال في «العقيدة الواسطية»: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله، الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأجمع عليه سلف الأُمّة، من أنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليّ على خلقه، وهو معهم سبحانه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون كما جمع بين ذلك في قوله: (هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها

1 . التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية:94 (المتن)، للسيد جمال الدين الحسيني الأفعاني ومحمد عبده، طبع مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 1423هـ .

(62)
وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير)(1)، وليس معنى قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم): أنّه مختلط بالخلق فإنّ هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأُمّة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطّلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته .(2)
يلاحظ عليه: أنّ كلامه صريح في أنّ الله سبحانه واقع في جهة وهي فوق السماوات، مستقر على عرشه، مستعل على خلقه، فهو مهما أراد أن ينكر عقيدته بأنّ الله سبحانه في جهة، فلا يتسنّى له ذلك.
ثمّ إنّه لمّا لاحظ التعارض بين عقيدته ـ أعني: أنّ الله سبحانه مستقر على عرشه، بائن عن خلقه ـ وقوله سبحانه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم)حاول أن يجمع بين الآيتين، بتفسير المعيّة، بالمعيّة العلمية، حيث إنّه سبحانه في العرش مع أنّه مطّلع على أعمال عباده.
أقول: وليس هذا إلاّ تأويلاً للكتاب العزيز وتفسيراً بالرأي، حيث إنّ عقيدته بأنّ الله فوق السماوات صارت سبباً لتفسير الآية بما مرّ.
إنّ ابن تيمية كثيراً ما يردّ على الجهمية بتأويلهم آيات الصفات، ولكنّه وقع في نفس ما يردّ به عليهم .

1 . الحديد:4.
2 . مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية:1/400ـ 401; العقيدة الواسطية، الرسالة التاسعة، طبعة محمد علي صبيح.

(63)
هبْ أنّه صحّ تأويل قوله سبحانه: (وَهُوَ مَعَكُمْ) بالمعيّة، فبماذا يفسّر قوله سبحانه: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَة إلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أدْنى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أكْثَرَ إلاّ هُوَ مَعَهُمْ أينَ ما كَانُوا ثُمَّ يُنَبّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم)(1)؟! فإنّ الآية صريحة في حضوره سبحانه بين الثلاثة وهو رابعهم، وبين الخمسة وهو سادسهم، لا أنّه مستقر في عرشه ينظر إلى مادونه فيعلم بما يجري بين العباد.
ثمّ إنّ الرجل لمّا لم يوفّق لتفسير المعيّة، تصوّر أنّ القول بالمعيّة يستلزم الحلول، ومن المعلوم أنّ الحلول في المخلوقات كفر بواح، لا يتكلّم
به المتشرّع المؤمن بكتابه وسنّة رسوله، وإنّما المراد بالمعيّة، المعيّة
القيّوميّة، فهو مع كونه خارجاً عن مخلوقاته لكن لا بنحو تنقطع صلته بهم، بل هو مع كونه موجوداً بنفسه، لكن عالم الإمكان قائم به قيام صدور لا قيام حلول.
وإذا أردنا أن نصوّر ذلك بتصوير أدنى فلنذكر هذا المثال:
إنّ النفس الإنسانية مع علوِّها واستقلالها، لكن الصور الإبداعية التي تخلقها في عالمها قائمة بها، فلا الصور داخلة في النفس، ولا النفس منقطعة عنها، بشهادة أنّ النفس لو ذهلت عن الصور لم يبق منها شيء، فمن قال بالمعيّة ـ تبعاً للذكر الحكيم ـ إنّما يريد المعيّة القيّوميّة، ولذلك يقول الإمام علي(عليه السلام): «مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة».(2)

1 . المجادلة:7.
2 . نهج البلاغة: الخطبة1.

(64)
ثمّ إنّ الرجل لمّا وقف على كلام الإمام علي(عليه السلام) في شأنه سبحانه مع المخلوقات، حاول أن يردّ عليه دون أن يذكر اسمه، يقول مخاطباً خصمه: فأنت تقول: إنّه موجود قائم بنفسه وليس بداخل في العالم ولا خارج عنه ولا مباين له ولا محايث(مجانب) له، وأنّه لا يقرب منه شيء ولا يبعد منه شيء، وأمثال ذلك من النفي الذي لو عُرض على الفطرة السليمة جزمت جزماً قاطعاً أنّ هذا باطل وأنّ وجود مثل هذا ممتنع، وكان جزمها ببطلان هذا أقوى من جزمها ببطلان كونه فوق العالم وليس بجسم.(1)
ويقول في موضع آخر: وأمّا الأحكام الكلّية فهي عقلية، فحكم الفطرة بأنّ كل موجودين إمّا متحايثان (متجانبان) وإمّا متباينان، وبأنّ ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلاّ معدوماً. وأنّه يمتنع وجود ما هو كذلك.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قوله: «بأنّ جزم الفطرة ببطلان القول بأنّه سبحانه ليس بداخل في العالم ولا خارج عنه، أقوى من جزمها ببطلان كونه فوق العالم وليس بجسم» يدلّ على أنّ كلا القولين عنده باطل، ولكن الأوّل أظهر بطلاناً من الثاني، فأين، إذاً، قوله: بأنّ سلف الأُمّة اتّفقوا على أنّه فوق العالم، وأنّه ليس لنا أن نصفه بأنّه ليس بجسم، إذ لم يرد في الكتاب والسنّة؟!
وثانياً: أنّ قوله: «ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلاّ معدوماً»، يدلّ على أنّه يتصوّر أنّه سبحانه جسم، إذ من المعلوم أنّ الجسم إذا لم يكن

1 . منهاج السنّة النبوية: 2/147، وفي طبعة بولاق : 1 / 183 ـ 184.
2 . منهاج السنّة النبوية: 2/149، وفي طبعة بولاق : 1 / 184.

(65)
داخل العالم ولا خارجه يكون معدوماً.
وأمّا إذا قلنا: بأنّه سبحانه فوق أن يكون جسماً أو جسمانياً، وأنّ سنخ وجوده أعلى وأنبل من أن يكون مادّة أو مادّياً، جوهراً أو عرضاً، أو ينال حقيقته العقل، فمثل هذا أسمى من أن يوصف بأنّه في خارج العالم أو داخل العالم، إذ الخارج والداخل ظرف للأُمور الجسمية، وما هو غير مماثل له فلا يوصف بالداخل ولا بالخارج.
ثمَّ إنّ الرجل يصرّح بأنّ جعفر بن محمد(عليهما السلام) من أئمة الدين، ويقول: قد استفاض عن جعفر الصادق أنّه سئل عن القرآن أخالق هو أم مخلوق؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنّه كلام الله، وهذا ممّا اقتدى به الإمام أحمد في المحنة، فإنّ جعفر بن محمد من أئمة الدين باتّفاق أهل السنّة.(1)
فإذا كانت هذه مكانة الإمام الصادق(عليه السلام) فهو وآباؤه الأقدمون (بدءاً من علي(عليه السلام) وانتهاءً بأبيه الباقر(عليه السلام)) كلّهم من أئمة الدين، فلماذا لم يرجع إلى شيء من أحاديثهم حول تنزيهه سبحانه عن المكان والجهة؟! ولماذا أعرض عن خطب الإمام علي(عليه السلام)وأحاديث العترة، الواضحة في تنزيه الله سبحانه عن شوائب المادّة والمادّيات وعن الجهة والمكان؟!
قال علي(عليه السلام): «اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلاَ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الُْمجْتَهِدُونَ (الجاهدون)، اَلَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ، اَلَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ... ـ إلى أن قال (عليه السلام): ـ فَمَنْ وَصَفَ

1 . منهاج السنّة النبوية: 2/245، وفي طبعة بولاق : 1 / 208.

(66)
اللهَ سُبْحَانَهُ (يعني بصفة زائدة على ذاته) فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ. وَمَنْ قَالَ «فِيمَ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ. كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم. مَعَ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُقَارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُزَايَلَة».(1)
وقال الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام): «إنّ الله تبارك وتعالى كان لم يزل بلا زمان ولا مكان وهو الآن كما كان، لا يخلو منه مكان، ولا يشغل به مكان، ولا يحلّ في مكان، ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم، ولا خمسة إلاّ هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال».(2)
وخلاصة الأمر أنّ الرجل كان متأثراً بالروايات التي تسلّلت عبر مستسلمة أهل الكتاب إلى الأحاديث الإسلامية، وأنت تقرأ كثيراً منها في توحيد ابن خزيمة وابن مندة وغيرهما.
ويظهر من كلام ابن تيمية أنّه يسلّم بأنّ كثيراً من هذه الأحاديث يوافق التوراة، ولكنّه يرى أنّ عدم إنكار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يُعدّ دليلاً على صحّة غير المردود منها، قال: إنّ المشركين من العرب لم تكن تنازع فيه كما كانت تنازع في المعاد، مع أنّ التوراة مملوءة من ذلك ولم ينكره الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)على اليهود

1 . نهج البلاغة: الخطبة1.
2 . التوحيد للصدوق:179، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث12.

(67)
كما أنكر عليهم ما حرّفوه وما وصفوا به الرب من النقائص، كقولهم: (إنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أغْنِياءُ)(1)، و (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) (2)، ونحو ذلك.((3))
وقال في موضع آخر: وقد عُلم أنّ التوراة مملوءة بإثبات الصفات التي تسمّيها النفاة تجسيماً، ومع ذلك فلم ينكر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أصحابه على اليهود شيئاً من ذلك ولا قالوا: أنتم تجسّمون.(4)
وكفى في ردّ ما يخبر به الأحبار في باب المعارف قوله سبحانه:(وَما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ)(5)، أي ما وصفوه حقّ وصفه وما عرفوه حقّ معرفته.
أقول: إنّ موقف القرآن من التوراة الرائجة ـ في أغلب الموارد ـ هو موقف سلبيّ، حيث صرّح في أكثر من آية بأنّها محرّفة، ووصفها بأنّها أمنيّة، قال سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُون).(6)
فالآية صريحة في أنّ الأحبار كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، وأنّهم يتكسّبون بفعلهم هذا، وليس هذا الكتاب المزوّر إلاّ التوراة المحرّفة، وكذلك ما يوصف بالكتب السماويّة الواردة في العهدين، وهذا المقدار كاف في عدم جواز الاعتماد على ما ورد في الكتب الموصوفة بالسماوية في باب المعارف خصوصاً ما يرجع إلى صفات الله سبحانه من

1 . آل عمران: 181 . 2 . المائدة:64.
3 . منهاج السنّة: 2/152، وفي طبعة بولاق : 1/185.
4 . منهاج السنّة: 2/562، وفي طبعة بولاق : 1/251 .
5 . الزمر:67. 6 . البقرة:79.

(68)
التجسيم والتشبيه والحركة والنزول، والتمكّن من المكان.
كيف نعتمد على كتاب وُصف بكونه ممّا أُنزل على موسى وهو يذكر مصارعة الرب مع يعقوب في خيمته، إلى طلوع الفجر؟! يقول: ثم قام في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر،وعبر مخاضة يبوق، أخذهم وأجازهم الوادي وأجاز ما كان له. فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسانٌ حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنّه لا يقدر عليه ضرب حُقّ فخذه. فانخلع حُقّ فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال: أطلقني لأنّه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له ما اسمك فقال: يعقوب، فقال: لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل.(1)
هذه هي التوراة التي كتبتها أيدي الأحبار، ليتكسّبوا بها في الدنيا وهي مليئة بنزول الرب وحركته وجسمانيته، وغير ذلك ممّا لا يليق أن يكتب ويسطّر!!
وقد افتخر أحد المحاضرين في «قناة المستقلة»، بأنّ ابن تيمية حلّ مشكلة تدور في أذهان الإلهيين، وهي أنّهم يقولون:إنّ الله سبحانه لا في داخل العالم ولا في خارجه، وعندئذ يطرح هذا السؤال: إذا لم يكن لا في داخل العالم ولا في خارجه، فكيف يكون موجوداً؟ فقد حلّ ابن تيمية المشكلة بقوله :إنّ الله على عرشه خارج هذا العالم. هذا ما تطرّق إليه المحاضر في تلك القناة الفضائية.
غير أنّه غفل عن أنّ السؤال عن مكان الله سبحانه وأنّه هل هو في هذا

1 . الكتاب المقدّس، الإصحاح 32 من سفر التكوين.

(69)
العالم أو خارجه، يساوق تسليم كونه جسماً متحيّزاً، ومن المعلوم أنّ المتحيّز لا يفارق الحيّز، فلابد أن يكون له مكان، وهو إمّا داخل العالم أو خارجه، وهذا يكشف عن أنّهم لم يعرفوا الله حق معرفته، إذ صوّروه موجوداً مادّياً، وطلبوا مكاناً له، ثم زعموا أنّه إذا لم يكن في داخل العالم، فهو، إذاً في خارج العالم، وليس هو إلاّ فوق السماوات!!
والحقّ أنّه لا معنى لأن نطلب لله مكاناً داخل العالم أو خارجه ; لأنّه ليس جسماً ولا جسمانياً، كما وصف نفسه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ).
على أنّ خارج العالم إذا لم يكن أمراً مادّياً فهو مساوق عند المحاضر للعدم، فيعود السؤال أيضاً: كيف يكون موجوداً في عالم معدوم؟
ثم أين كان سبحانه قبل أن يخلق هذا العالم؟ فإن قال: خارج هذا العالم، فيقال له: إنّ الخارج لا يتصور إلاّ مع وجود الداخل، والمفروض أنّه لم يخلق الداخل حتى يتصور له خارج، ويكون فيه.
وحقيقة الكلام: أنّ البحث في أنّه سبحانه في داخل هذا العالم أو خارجه أو ليس فيهما، كلّ ذلك مبني على تصويره سبحانه موجوداً مادّياً، فيتطلب أنّه إمّا في داخل العالم أو خارجه لا في غيرهما.
وأمّا على القول بأنّ وجوده أرفع من أن يحيطه مكان أو يحدّه زمان، وأنّه سبحانه هو خالق الزمان والمكان، فإنّ السؤال عن مكانه في داخل العالم أو خارجه أو لا هذا ولا ذاك، يُعدّ ساقطاً، فهو سبحانه موجود قيّوم قائم بنفسه والكون قائم به نظير قيام الصور العلمية بالنفس، وعندئذ فهو في نفس العالم لكن لا بالحلول والممازجة، وفي خارج هذا العالم لكن لا بالمباينة، فلا

(70)
يمكن للإنسان الغور في كنه وجوده، كما قال القائل:
فيك يا أُعجوبة الكو *** ن غدا الفكر كليلا
كلّما أقدم فكري *** فيك شبراً فرّ ميلا وبذلك تقف على قيمة كلام ابن تيمية حيث يقول:ولم يقل أحد من سلف الأُمّة ولا من الصحابة والتابعين: إنّ الله ليس في السماء، ولا إنّه ليس على العرش، ولا إنّه في كل مكان، ولا إنّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنّه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنّه لا تجوز الإشارة الحسيّة إليه بالأصابع ونحوها.(1)

الاتّكاء على أخبار الآحاد في تكوين العقائد

إنّ جذور فكرة التجسيم والتشبيه التي استولت على فكر ابن تيمية ومقلّديه في العصر الحاضر، ترجع إلى اعتمادهم ـ في الأُصول والفروع ـ على أخبار الآحاد، وقد انعقد مؤتمر قبل سنين في المدينة المنوّرة وكان موضوعه: دراسة حجّية أخبار الآحاد في الأُصول والفروع، وقد قُدّم إلى المؤتمر حوالي ثمانين مقالاً كلّها تؤيد حجّية خبر الآحاد في الأُصول، ولم يدرْ في خلَد واحد منهم، أنّ المقصود الأسنى في العقائد هو تحصيل اليقين، ومن المعلوم أنّ أخبار الآحاد لا توجب علماً ولا يقيناً، نعم هي حجّة في باب الفروع لأنّ المقصود فيها هو تطبيق العمل على مضمون الخبر، سواء أفاد يقيناً أو ظناً أولا هذا ولا ذاك، وهو أمر ممكن.

1 . مجموع الفتاوى (كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية): 5 / 15، تحقيق عبدالرحمن العاصي النجدي، طبعة مكتبة ابن تيمية.

(71)
إنّ أخبار الآحاد التي يعتمد عليها هؤلاء في الأُصول والمعارف أكثرها مدسوس وموضوع من قبل مستسلمة أهل الكتاب أو الوضّاعين والكذّابين الذين كانوا يتاجرون بوضع الأحاديث، وقد تلقّفها عنهم السذّج من المحدّثين، وتصوّروها حقائق راهنة، وحيكت لها الأسانيد بشكل لا يظهر معه تدخل الأحبار والرهبان في وضع هذه الأحاديث، ثمّ دوّنها أصحاب الصحاح والسنن ثقةً منهم برجالها، وقد جمعها ابن خزيمة وابن مندة في كتابيهما.
هؤلاء المجسّمة الذين يصوّرون الله تعالى أنّه في السماء ينظر إلى ما دونه من الخلائق، يستدلّون بما رواه مسلم من حديث الجارية، التي سألها رسول الله: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله... قال(صلى الله عليه وآله وسلم)]لسيدها[: «اعتقها فإنّها مؤمنة».(1)
إنّ الاحتجاج بهذه الرواية مشكل من جهتين:
الأُولى: أنّ السيرة المستمرة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته الناس للإسلام، هي أن ينطقوا بالشهادتين ويقرّوا بأن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، ولم يرد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه سأل أحداً ـ غير هذه الجارية ـ عن الله ومكانه وصفاته، فلماذا خُصّت هذه الجارية التي كانت بعيدة عن الإسلام، بهذا السؤال المشكل؟!
الثانية: أنّ هذه الرواية رويت بشكل آخر أيضاً، فهذا هو مالك يرويها في «الموطّأ» بالشكل التالي: أنّ رسول الله قال لها: أتشهدين أن لا إله إلاّ الله؟

1 . صحيح مسلم:2/71; سنن أبي داود:1/211، الحديث 930.

(72)
فقالت: نعم، قال: أتشهدين أنّي رسول الله؟ قالت: نعم.(1)
ورواها أحمد بالنحو التالي: قال: جاء رجل من الأنصار بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله: أنّ عليّ رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة فاعتقها، فقال لها رسول الله: أتشهدين أن لا إله إلاّ الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أنّي رسول الله؟ قالت: نعم، قال: تؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال: اعتقها.(2)
وللعلاّمة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي كلام حول هذه الرواية نذكر عصارته: وأنّه مأوّل لمخالفته القواطع العقليات والنقليات، إذ لا يُتجاوز عن الظاهر إلاّ لضرورة، فإنّ حجج الله تعالى تتعاضد ولا تتضاد،... إلى أن قال: إنّها كانت أعجمية لا تقدر أن تفصح عمّا في ضميرها من اعتقاد التوحيد بالعبارة فتعرف بالإشارة أنّ معبودها إله السماء، فإنّهم كانوا يسمّون الله إله السماء، كما دلّ السؤال والاكتفاء بتلك الإشارة.(3)
وبهذا يسقط الاستدلال بظاهر حديث الجارية على كونه سبحانه في السماء.
والعجب أنّ ابن تيمية كلّما يذكر شيئاً ممّا يدلّ على التجسيم والتشبيه والحركة والنزول ينسبه إلى السلف قاطبة، وكأنّ السلف عنده يتلخّص في مبتدعة السلفيين، وأمّا الآخرون فكأنّهم ليسوا من الأُمّة ولا من سلفهم، حتى

1 . الموطأ:1/145، كتاب العتاقة والولاء، باب ما يجوز من العتق.
2 . مسند أحمد:3/451.
3 . إشارات المرام من عبارات الإمام: 199ـ200.

(73)
أنّه يرمي المفكّرين من المسلمين ـ كإمام الحرمين والغزّالي ـ في كتابيه: منهاج السنّة والموافقة، بأنّهما أشدّ كفراً من اليهود والنصارى! فلو كان هؤلاء المفكّرون أشدّ كفراً من أهل الكتاب فعلى الإسلام السلام!!
بقي الكلام فيما يستند إليه المجسّمة، وهو أنّ كل إنسان يتوجّه إلى السماء حين الدعاء ويرفع إليها يديه، وكأنّ الإنسان بالفطرة قائل بأنّ الله في السماء.
ولكن الإجابة عن ذلك واضحة.
أمّا أوّلاً: فبما أنّ الخيرات والبركات تنزل من السماء كما في قوله: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ)(1)، فلأجل ذلك يتوجّه إلى السماء وترفع الأيدي إليها.
وثانياً: أنّ الإنسان بهذا العمل يجسّد علو مقامه سبحانه ورفعته.

ابن تيمية وجلوسه سبحانه على العرش

لا شكّ في أنّ الجلوس والقعود من صفات الإنسان أو غيره أيضاً، من غير فرق بين أن يكون الجلوس تربّعاً، أو على الركبتين، وهذا كالتحيّز، من صفات المادّة والمادّي، والموجود المنزّه عنهما لا يوصف بالجلوس.
ولكنّ ابن تيمية ينسب جلوس الله إلى أهل السنّة حيث قال في تفسير قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(2): الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة، لا على المجاز.(3)

1 . الذاريات:22. 2 . طه:5.
3 . مجموع الفتاوى: 5/519.

(74)
وقال في كتابه «بيان تلبيس الجهمية»: إنّ العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه، وكالسقف إلى ما تحته، فإذا كان القرآن قد جعل لله عرشاً، وليس هو بالنسبة إليه كالسقف، عُلم أنّه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره، وذلك يقتضي أنّه فوق العرش.(1)
ولست أدري أيّ معنىً يبقى لهذه الآية: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إذا كان سبحانه يوصف بالجلوس على العرش وبالصعود والنزول؟ وهل يغدو، جلّ شأنه، بعد تلك الأوصاف، إلاّ ذا أمثال كثيرة وعديدة؟
يُذكر أنّ ابن قيّم الجوزيّة جمع آراء أُستاذه ابن تيمية في قصيدته النونية، فجاءت مشحونة بالتجسيم، كالقول بأنّ الله فوق سماواته، على عرشه، وأنّه ينزل ويهبط ويصعد.
وإليك بعض أبيات قصيدته هذه التي أخذ يستهزئ فيها بعقيدة التنزيه:
فأسرّ قول معطّل ومكذّب *** في قالب التنزيه للرحمنِ
إذ قال ليس بداخل فينا ولا *** هو خارج عن جملة الأكوان
بل قال ليس ببائن عنها ولا *** فيها ولا هو عينها ببيان
كلا ولا فوق السماوات العُلى *** والعرش من رب ولا رحمان
بل حظه من ربه حظ الثرى *** منه وحظ قواعد البنيان
لو كان فوق العرش كان كهذه *** أجسام سبحان العظيم الشان(2)

1 . بيان تلبيس الجهمية:1/576.
2 . السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل:35.

(75)
وأنت تلاحظ كيف يستهزئ ابن القيّم بعقائد المسلمين في هذه الأبيات.
هذا، وقد فسّر المجسّمة (المقام المحمود) في قوله:(عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(1) بإقعاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على العرش إلى جانب ربّه تبارك وتعالى!!
وتأكيداً لهذا المعنى، نسب ابن القيّم لأبي الحسن الدارقطني الأبيات التالية:
حديث الشفاعة عن أحمد *** إلى أحمد المصطفى نسنده
وجاء حديث بإقعاده *** على العرش أيضاً فلا نجحده
أمرّوا الحديث على وجهه *** ولا تدخلوا فيه ما يفسده
ولا تنكروا أنّه قاعد *** ولا تنكروا أنّه يقعده(2)

1 . الإسراء:79.
2 . لاحظ : بدائع الفوائد لابن القيّم:4/39.

(76)
4

نظرة إلى تكلّمه سبحانه

في منهج ابن تيمية (1)

يعدّ وصف التكلّم لله سبحانه من الصفات الخبريّة، حيث أخبر عنه سبحانه في الذكر الحكيم بقوله: (وكلّم اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً)(2)، وقوله: (وَمَا كانَ لِبَشَر أنْ يُكَلِّمُهُ اللهُ إلاّ وَحْياً أوْ مِنْ وَراءِ حِجاب أوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَليٌّ حَكيمٌ).(3) ولولا ذلك لَما صحّ لنا وصفه بهذا الوصف، لأنّ أسماءه وصفاته تعالى توقيفية.
ومن هنا اتّفق المسلمون على كونه سبحانه متكلّماً، واتّفقوا أيضاً على تنزيهه عن كونه متكلّماً بحرف وصوت، قائمين بذاته (كتكلّم الإنسان بهما)، بَيْدَ أنّهم اختلفوا في كيفية تكلّمه سبحانه. ولكي نتعرّف على حقيقة الكلام عند هؤلاء المختلفين، نأتي بنظرياتهم في هذا المجال.

1 . هذا الفرع من متممات القول بالتشبيه عند ابن تيمية.
2 . النساء:164.
3 . الشورى:51.

(77)

نظرية المعتزلة

ذهبت المعتزلة إلى أنّ كلامه تعالى أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها في غيره، وتكلّمه في الحقيقة من صفات الفعل لا من صفات الذات نظير كونه رازقاً ومنعماً.
قال القاضي عبد الجبار: حقيقة الكلام هي الحروف المنظومة والأصوات المقطّعة، وهذا كما يكون سبحانه منعماً بنعمة توجد في غيره ورازقاً برزق يوجد في غيره، وهكذا يكون متكلّماً بإيجاد الكلام في غيره، وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه الفعل.(1)
هذه النظرية وإن كانت صحيحة لكنّها إنّما تتمّ إذا كان المخاطب شخصاً خاصّاً كتكليمه موسى أو تكليمه أحداً من الأنبياء بالطرق الثلاث، حيث قال:
1. (إلاّ وَحْياً).
2. (أوْ مِنْ وَراءِ حِجاب ).
3. (أوْ يُرْسِلَ رَسُولاً).
وأمّا إذا كان المخاطب عموم الناس من الأوّلين والآخرين، فلابدّ أن يفسّر بوجه آخر، وهو أنّ كلامه هو الفعل المنبئ عن جماله، المُظهر لكماله، كما سيوافيك.

1 . شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 528; وشرح المواقف للسيد الشريف:495.
Website Security Test