welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(21)
الفصل الأوّل:
في الجانب الاعتقادي
وفيه موارد:
1. التجسيم في عقيدة ابن تيمية.
2. التشبيه في عقيدة ابن تيمية (حركة الباري ونزوله).
3. الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية.
4. نظرة إلى تكلّمه سبحانه في منهج ابن تيمية.
5. عقائد نابية وشاذّة.

(22)

(23)
1

التجسيم في عقيدة ابن تيمية(1)

قامت الشرائع السماوية على تنزيه الله سبحانه عن كونه جسماً أو جسمانياً مشابهاً لمخلوقاته إلى غير ذلك ممّا يعدّ من آثار المادة.
غير أنّ احتكاك أقوام ممّن نزلت عليهم الشرائع بالوثنيين، صار سبباً للميل إلى التجسيم والتشبيه، وعلى رأسهم قوم بني إسرائيل.
ويدلّ على ذلك شواهد، منها:

1. طلبهم من موسى(عليه السلام) إلهاً مجسَّماً

إنّ بني إسرائيل لمّا عبر بهم نبيّهم موسى(عليه السلام) البحر ونزلوا إلى الضفة الأُخرى منه، رأوا قوماً يعبدون الأصنام، فطلبوا من موسى(عليه السلام) أن يجعل لهم

1 . يراد من القول بالتجسيم أنّه سبحانه جسم له أبعاد كأبعاد الجسم، ويراد من التشبيه تشبيهه سبحانه بالأجسام والممكنات وإثبات آثارهما له سبحانه، كالحركة والنزول وكونه في جهة إلى غير ذلك.
ولكنّ التعبيرين كالفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
فعندما يذكران معاً يراد من كلّ معنى خاص، وإذا أُفرد أحدهما يراد به كلا المعنيين، فليكن ذلك على ذكر منك فإنّه يفيدك في الفصول الآتية.

(24)
إلهاً مثل ما لهؤلاء آلهة، لكي يعبدونه، فكأنّهم فكّروا أنّ عبادة الإله غير المرئي أمر غير مفيد، فيجب أن يكون المعبود بصورة موجود مجسّم، وهذا ما يحكيه قوله سبحانه:
(وَجاوَزْنا بِبَني إسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْم يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنام لَهُمْ قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةً قالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ).(1)
فالآية تحكي أنّ النزوع إلى الوثنية كان راسخاً في نفوسهم حتى غفلوا عن النعمة الكبرى التي شملتهم، وهي نجاتهم من فرعون، فطلبوا من موسى ما يضاد شريعته وعقيدته.

2. طلبهم رؤية الله تعالى

الشاهد الثاني على رسوخ فكرة التجسيم عندهم أنّهم طلبوا من موسى(عليه السلام)رؤية الله سبحانه بالعين، ولولاها لم يؤمنوا به، وهذا ما يحكيه الذكر الحكيم في قوله سبحانه:(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ).(2)

3. عبادتهم العجل في غياب موسى(عليه السلام) عنهم

الشاهد الثالث على رسوخ فكرة التجسيم في أذهانهم وأنّهم كانوا يميلون إلى الإله المجسّم أكثر من ميلهم لما دعاهم إليه موسى(عليه السلام)، اغترارهم بما صنع السامريّ حيث صنع لهم عِجْلاً جسداً له صوت، ودعاهم لعبادته،

1 . الأعراف:138.
2 . البقرة: 55.

(25)
فعكف القوم ـ إلاّ القليل منهم ـ على عبادته، دون أن يدور في خُلد أحدهم أنّ هذا يخالف ما دعاهم إليه نبيّهم موسى(عليه السلام) عبر السنوات الطوال، وهذا ما يحكيه الذكر الحكيم عنهم، قال سبحانه:
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمينَ).(1)
وفي آية أُخرى يتّضح بصراحة أنّهم اتّخذوا هذا العجل إلهاً لهم، قال سبحانه: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إلهُكُمْ وَإلهُ مُوسى فَنَسِيَ).(2)
وهذه الحوادث التاريخية المريرة على قلب موسى(عليه السلام)التي يذكرها القرآن الكريم تحكي انحراف بني إسرائيل عن خط التنزيه إلى خط التجسيم.

تطرّق فكرة التجسيم إلى النصرانية

لقد بُعث المسيح(عليه السلام) إلى بني إسرائيل بنفس ما بعث به الكليم(عليه السلام) (وَإذْ قالَ عيسى ابنُ مَرْيَمَ يا بَني إسرائيلَ إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ)(3)، وصرّح(عليه السلام) بعبوديته لله سبحانه، منذ أن كان في المهد صبيّاً(قالَ إنّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)(4).
ولكن تطرّقت فكرة التجسيم إلى النصرانية بعدما رفع الله المسيح(عليه السلام) .

1 . الأعراف:148. 2 . طه: 88 .
3 . الصف:6. 4 . مريم:30.

(26)
وكان المبدأ لذلك هو الديانة البرهمانية التي رفعت علَم التثليث وقالت بالآلهة الثلاثة، أعني:
1. برهما ـ الخالق.
2. فيشنو ـ الواقي .
3. سيفا ـ الهادم.
فالإله عند البراهمة يشبه مثلثاً ذا أضلاع ثلاثة، وكانت تلك الفكرة منتشرة بين الروم القاطنين في سوريا وفلسطين وما جاورها حيث بعث المسيح(عليه السلام).
فأخذ أتباعه في القرن الثاني نفس الفكرة فصبغوها بشكل آخر، فصار التثليث بالنحو التالي:
الأب، الابن، روح القدس. وهي التي يسمّونها الأقانيم الثلاثة، ينقل الأُستاذ محمد فريد وجدي عن دائرة معارف «لاروس»، ما يلي:
إنّ تلاميذ المسيح الأوّليّين الذين عرفوا شخصه، وسمعوا قوله، كانوا أبعد الناس عن اعتقاد أنّه أحد الأركان الثلاثة المكوّنة لذات الخالق، و ما كان بطرس ـ أحد حوارييه ـ يعتبره إلاّ رجلاً موحى إليه من عند الله، أمّا بولس فإنّه خالف عقيدة التلاميذ الأقربين لعيسى وقال: إنّ المسيح أرقى من إنسان وهو نموذج إنسان جديد أي عقل سام متولّد من الله.(1)
ثمّ إنّ القرآن الحكيم يتحدّث عن أنّ النصارى قد اقتبسوا هذه الفكرة من

1 . دائرة معارف القرن العشرين، مادة «ثالوث».

(27)
الذين كفروا من قبل، قال سبحانه: (وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسيحُ ابنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ).(1)

دور الأحبار والرهبان في نشر فكرة التجسيم بين المحدثين

بُعث النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) على تنزيهه سبحانه ورفع مقامه تعالى عن مشابهة المخلوقات، نستلهم ذلك من قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)غير أنّ قسماً من الأحبار والرهبان الذين أسلموا ظاهراً ـ ولكن بقوا على ما كانوا عليه من الديانة الموسوية أو العيسوية باطناً ـ أشاعوا بين المسلمين نفس الفكرة بواسطة الأحاديث والقصص التي كانوا يحكونها عن كتبهم، فأخذها السُّذّج من المحدّثين كحقائق صادقة واقعية، محتجّين بما نسب إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من قوله: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».
وقد اغترّ بهذه الإسرائيليات أو المسيحيات محدّثان معروفان هما: ابن خزيمة وابن مندة، فقد حشدا في كتابيهما كلّ ما يدلّ على تلك الفكرة الموروثة.
فعن الأوّل يقول الرازي في تفسيره الكبير عند تفسير قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ): احتجّ علماء التوحيد قديماً وحديثاً بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء، وحاصلاً في المكان والجهة، وقالوا: لو كان جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام فيلزم وجود الأمثال والأشباه

1 . التوبه:30.

(28)
له، وذلك باطل بصريح قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).
ثم قال: واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بـ«التوحيد» وهو في الحقيقة كتاب الشرك. ثم وصفه بقوله: إنّه مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(1) ولكلامه صلة، من أراد فليرجع إليه.
وكفى في حق الثاني (ابن مندة) ما سنذكره عنه من قوله: إنّ لله سبحانه عرشاً يجلس عليه وهو يئطّ أطيط الرَّحْل.

عقيدة أهل السنّة في التنزيه

اتّفق أهل السنّة وعلى رأسهم أئمة الأشاعرة على تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقات، وقد أفاضوا الكلام في ذلك بإجمال تارة وتفصيل أُخرى، وشذّ عنهم بعض الحنابلة وأهل الحديث، وها نحن نذكر بعض كلماتهم ليقف القارئ على أنّ علماء المسلمين عن بكرة أبيهم مجمعون على أنّه سبحانه منزّه عن مشابهة المخلوقات وعن كونه جسماً أو جسمانياً، وإليك أسماء بعض هؤلاء مع مقتطفات من أقوالهم:
1. أبو جعفر أحمد بن محمد المصري الطحاوي(239ـ 321هـ) في رسالته المعروفة بـ «العقيدة الطحاوية» التي أصبحت مع بعض شروحها كتاباً دراسياً في الجامعات. قال:
ولا شيء مثله، ثم قال: لا تبلغه الأحكام ولا تدركه الأفهام، ولا يشبهه(2) الأنام.(3)

1 . التفسير الكبير:27/150. 2 . في شروح أُخرى: يشبه.
3 . شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز: 1 / 57 ـ 84. ط . مؤسسة الرسالة.

(29)
2. أبو الثناء اللامشي الحنفي الماتريدي من علماء القرن الخامس وأوائل السادس، قال ما نصّه: وإذا ثبت أنّه تعالى ليس بجوهر، فلا يتصوّر أن يكون جسماً أيضاً، لأنّ الجسم اسم للمتركب عن الأجزاء، يقال: هذا أجسمُ من ذلك، أي أكثر تركّباً منه، وتركّب الجسم بدون الجوهرية وهي الأجزاء التي لا تتجزأ، لا يتصوّر; ولأنّ الجسم لا يتصوّر إلاّ على شكل من الأشكال، ووجوده على جميع الأشكال لا يُتصوّر أن يكون، إذ الفرد لا يتصوّر أن يكون مطوّلاً ومدوّراً ومثلثاً ومربعاً، ووجوده على واحد من هذه الأشكال مع مساواة غيره إيّاه في صفات المدح والذم لا يكون إلاّ بتخصيص مخصّص، وذلك من أمارات الحدث; ولأنّه لو كان جسماً لوقعت المشابهة والمماثلة بينه وبين سائر الأجسام في الجسمية، وقد قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).(1)
3. أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403هـ) في «تمهيد الأوائل»، قال:
إن قال قائل: لِمَ أنكرتم أن يكون القديم سبحانه جسماً؟ قيل له: لما قدّمناه من قبل، وهو أنّ حقيقة الجسم أنّه مؤلّف مجتمع بدليل قولهم: رجل جسيم، وزيد أجسم من عمرو، وعلماً بأنّهم يقصرون هذه المبالغة على ضرب من ضروب التأليف في جهة العرض والطول، ولا يوقعونها بزيادة شيء من صفات الجسم سوى التأليف، فلما لم يجز أن يكون القديم مجتمعاً مؤتلفاً، وكان شيئاً واحداً، ثبت أنّه تعالى ليس بجسم.(2)
4. أبو المظفر الاسفراييني (المتوفّى 471هـ)، قال:

1 . التمهيد لقواعد التوحيد: 56، تحقيق عبد المجيد تركي، ط. دار الغرب الإسلامي.
2 . تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل:111، تحقيق أحمد فريد المزيدي. ط. دار الكتب العلمية .

(30)
وأن تعلم أنّ القديم سبحانه ليس بجسم ولا جوهر، لأنّ الجسم يكون فيه التأليف، والجوهر يجوز فيه التأليف والاتّصال، وكلّ ما كان له الاتّصال أو جاز عليه الاتّصال يكون له حدّ ونهاية. وقد دللنا على استحالة الحدّ والنهاية على الباري سبحانه وتعالى، وقد ذكرالله تعالى في صفة الجسم الزيادة فقال: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)(1) فبيّن أنّ ما كان جسماً جازت عليه الزيادة والنقصان ولا تجوز الزيادة والنقصان على الباري سبحانه.(2)
5. عمر النسفي (المتوفّى 534هـ) في «العقيدة النسفية»، قال: والمُحدِث للعالم هو الله تعالى الواحد القديم القادر الحيّ العليم السميع البصير الشائي المريد، ليس بعَرَض ولا جسم ولا جوهر ولا مصوّر ولا ممدود ولا معدود ولا متبعّض ولا متجزّ ولا متركّب ولا متناه، ولا يوصف بالمائية ولا بالكيفية، ولا يتمكّن في مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا يشبهه شيء، ولا يخرج من علمه وقدرته شيء.(3)
هذه إلمامة عابرة بعقيدة أهل السنّة في التنزيه، وكتبهم الكلامية والعقديّة مليئة بمثل هذه الكلمات ولا حاجة إلى نقل المزيد منها، إنّما الكلام في عقيدة ابن تيمية في مجال التنزيه، فالرجل يخفي عقيدته في التجسيم والتشبيه، تارة، فيقول: لا نقول: إنّه سبحانه جسم، ولا نقول: إنّه ليس بجسم.
ولكنّه يظهرها، تارة أُخرى، ويصرّح بأنّه سبحانه جسم بالمعنى الذي اختاره للجسم.

1 . البقرة:247.
2 . التبصير في الدين: 159، ط ، تحقيق كمال يوسف الحوت ، ط . عالم الكتب.
3 . العقيدة النسفية:4، طبعة استنبول.

(31)
وها نحن نذكر كلماته من كتبه المختلفة، مشيرين إلى اسم الكتاب وطبعته ومحققه، حتى يرجع إليه من أراد أن يحقّق الموضوع عن كثب.

التجسيم في عقيدة ابن تيمية

النص الأوّل: يقول في تفسير قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ)(1)، و تفسير قوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)(2)، ما هذا نصّه:
«فإنّه لا يدلّ على نفي الصفات بوجه من الوجوه، بل ولا على نفي ما يسمّيه أهل الاصطلاح جسماً بوجه من الوجوه».(3)
ومراده من الصفات في قوله: نفي الصفات، الصفات الخبرية التي أخبر عنها سبحانه، كاليد والوجه وغيرهما، فهو يعتقد أنّ الجميع يوصف به سبحانه من غير تأويل ولا تعطيل، بل بنفس المعنى اللغوي.
النص الثاني: وقال أيضاً:
«وأمّا ذكر التجسيم وذمّ المجسّمة، فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف والأئمّة، كما لا يعرف في كلامهم أيضاً القول بأنّ الله جسم أو ليس بجسم».(4)
النص الثالث: ويقول في كتاب آخر له:
«وأمّا ما ذكره ]العلاّمة الحلّي[ من لفظ الجسم وما يتبع ذلك، فإنّ هذا

1 . الشورى:11. 2 . مريم:65.
3 . موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول أو «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية:1/100، طبعة دارالكتب العلمية، ط1، بيروت ـ 1405هـ .
4 . نفس المصدر:1/189.

(32)
اللفظ لم ينطق به في صفات الله تعالى لا كتاب ولا سنّة، لا نفياً ولا إثباتاً، ولا تكلّم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم، لا أهل البيت ولا غيرهم».(1)
إلى هنا يتّضح أنّه أخفى التصريح بأنّه تعالى جسمٌ، ونفى أن يكون ذلك القول، يعني أنّ الله جسم أو ليس بجسم، قد ورد في كلام السلف، ولكنّه أظهر عقيدته في مواضع من كتبه، وهذا ما نلاحظه في النصّين التاليين:
النص الرابع: «وقد يراد بالجسم ما يشار إليه، أو ما يرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة وتقوم به الصفات ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم.
فإن أراد بقوله: «ليس بجسم» هذا المعنى قيل له: هذا المعنى ـ الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ ـ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول وأنت لم تقم دليلاً على نفيه.
وأمّا اللفظ فبدعة نفياً وإثباتاً، فليس في الكتاب ولا السنّة، ولا قول أحد من سلف الأُمّة وأئمتها إطلاق لفظ «الجسم» في صفات الله تعالى، لا نفياً ولا إثباتاً».(2)
فقد عرّف إلهه الذي يعبده بالأُمور التالية:
1. أنّه يُشار إليه.
2. أنّه يُرى.

1 . منهاج السنّة النبوية: 2/192، تحقيق محمد رشاد سالم، 1406 هـ ، وفي طبعة بولاق: 1 / 197 .
2 . منهاج السنّة: 1 / 180، طبعة بولاق، وج 2/134ـ 135 الطبعة المحقّقة.

(33)
3. أنّه تقوم به الصفات فيكون مركّباً.
4. أنّ له مكاناً وجهة، بدليل رفع الناس أيديهم عند الدعاء إلى الأعلى.
فالإله بهذا المعنى عنده ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول.
النص الخامس: «فمن قال إنّ الله جسم، وأراد بالجسم هذا المركّب فهو مخطئ، ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله فقد أصاب في نفيه».(1)
وهذا إقرار منه بأنّ الله تعالى جسم، ولكنّه ـ كما يعتقد ـ لا يماثل سائر الأجسام، من حيث إنّ تركيبها حادث. فهو لا ينفي الجسمية عن الله تعالى، وإنّما ينفي عنه هذا التركيب الحادث، ويدلّ على ذلك قوله:(ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله، فقد أصاب في نفيه) لهذا التركيب، وحسْب!!
النص السادس: وقال أيضاً: «وأمّا القول الثالث ـ و هو القول الثابت عن أئمة السنّة المحضة كالإمام أحمد وذويه ـ فلا يطلقون لفظ الجسم لا نفياً ولا إثباتاً، لوجهين: أحدهما: أنّه ليس مأثوراً لا في كتاب ولا سنّة، ولا أُثر عن أحد من الصحابة والتابعين ]لهم بإحسان، ولا غيرهم من أئمة المسلمين[، فصار من البدع المذمومة».(2)
النص السابع: وقال أيضاً: «وليس في كتاب الله، ولا سنّة رسوله، ولا قول أحد من سلف الأُمّة وأئمتها أنّه ليس بجسم، وأنّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً».(3)

1 . شرح حديث النزول:237، تحقيق محمد بن عبد الرحمن الخميس، نشر دار العاصمة.
2 . منهاج السنّة: 2/224 ـ 225، وفي طبعة بولاق: 1 / 204 .
3 . بيان تلبيس الجهمية:1/101. تحقيق محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة، مكّة المكرّمة، 1392هـ، ط1 .

(34)
هذه كلماته التي نقلناها بنصّها من بعض كتبه، ودع عنك ما ذكره في الرسائل الكبرى التي سيوافيك شيء منه.
ولكن ما ندري ما ذا يريد بقوله: ثابت بصحيح المنقول، فهل يعني الذكر الحكيم؟ فما اختاره يضادّه تماماً حيث يقول : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فلو كان سبحانه جسماً يلزم أن يكون له طول وعرض وارتفاع، وبالتالي يكون مركّباً من أجزاء محتاجاً في تحقّقه إلى كلّ جزء. هذا ما يقوله صحيح المنقول.
وأمّا ما نسبه إلى صريح المعقول فهو أيضاً يضادّ ما ذكره تماماً كذلك، إذ لو كان جسماً لاحتاج إلى مكان، فالمكان إمّا أن يكون قديماً فيكون إلهاً ثانياً، وإن كان حادثاً أحدثه سبحانه، فأين كان هو قبل إحداث هذا المكان؟
وأمّا رفع الناس أيديهم عند الدعاء فلا يعني أنّه سبحانه في السماء وإنّما يريدون إفهام رفعة مقام الله سبحانه برفعهم أيديهم; مضافاً إلى أنّ البركات تنزل من السماء، قال سبحانه: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُون)(1)، وسيأتي الكلام فيه، فانتظر.
وأمّا ما نسبه إلى السلف ـ فالسلف بريء منه براءة يوسف ممّا اتّهم به ـ فيكفينا أن نذكر كلام البيهقي في كتابه «الأسماء والصفات»، قال: احتجّ أهل السنّة على أنّه سبحانه ليس في مكان بالحديث النبوي التالي، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان.(2)

1 . الذاريات:22.
2 . الأسماء و الصفات: 400، باب ما جاء في العرش والكرسي.

(35)
وهناك كلمات كثيرة لأهل الحديث لا يسعها المقام.

إجابة عن سؤال

ربّما نسمع من الكثير من أتباع الرجل قولهم: إنّه سبحانه جسم لا كالأجسام، نظير قولنا: شيء لا كالأشياء، فكما أنّ الثاني صحيح، فالأوّل صحيح أيضاً.
والجواب عنه واضح، وهو أنّ الشيء لا يدلّ على خصوصية خاصّة، بل يدلّ على نفس الوجود والتحقّق، فلا مانع من أن يقال: إنّه شيء لا كالأشياء، أي له وجود لا كوجود الأشياء.
وأمّا الجسم فيدلّ على خصوصية مقوّمة له، وهو كونه ذا عرض وطول وارتفاع، فالقول بأنّه جسم يلازم ثبوت هذه الصفات، فتعقيبه بـ :لا كالأجسام ينفي هذه الخصوصيات، فيكون الكلام حاملاً للتناقض.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني(المتوفّى403هـ):
فإن قالوا: ولِمَ أنكرتم أن يكون الباري سبحانه جسماً لا كالأجسام، كما أنّه عندكم شيء لا كالأشياء؟
قيل لهم: لأنّ قولنا (شيء) لم يبن لجنس دون جنس، ولا لإفادة التأليف، فجاز وجود شيء ليس بجنس من أجناس الحوادث وليس مؤلَّف، ولم يكن ذلك نقضاً لمعنى تسميته بأنّه شيء. وقولنا (جسم) موضوع في اللغة للمؤلَّف دون ما ليس بمؤلَّف، كما أنّ قولنا: (إنسان) و(مُحدَث) اسم لما وُجد من عدم، ولما له هذه الصورة دون غيرها، فكما لم يجز أن نثبت القديم سبحانه محدَثاً لا كالمحدثات وإنساناً لا كالناس، قياساً على أن لا شيء

(36)
كالأشياء، لم يجز أن نثبته جسماً لا كالأجسام، لأنّه نقض لمعنى الكلام، وإخراج له عن موضوعه وفائدته.(1)

كلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية

إنّ ابن تيمية قد بدأ بنشر أفكاره الشاذّة لأول مرّة في رسالته في العقيدة الواسطية ـ أعني: الرسالة التاسعة من مجموعة الرسائل الكبرى ـ ووصف فيها الباري سبحانه بالعبارة التالية:
«تواتر عن رسوله (صلى الله عليه وسلم) وأجمع عليه سلف الأُمّة من أنّه سبحانه فوق سماواته، على عرشه، عليٌّ على خلقه».(2)
ومعنى العبارة أنّه سبحانه :
1. فوق السماوات .
2. جالس على عرشه .
3. في مكان مرتفع عن السماوات والأرض.
وليس لهذه الجمل معنى سوى أنّه كملك جالس على السرير في مكان مرتفع ينظر إلى العالم تحته.
نعم استند هو في كلامه هذا بما نقله ابن مندة في توحيده عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال:

1 . تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل:113، تحقيق أحمد فريد المزيدي، ط . دار الكتب العلمية، 1426هـ .
2 . مجموعة الرسائل الكبرى، الرسالة التاسعة: 1/401. ولكلامه صلة ستوافيك في بحثنا عن التشبيه.

(37)
«ويحك أتدري ما الله، إنّ عرشه على سماواته وأرضيه ـ وأشار هكذا بأصابعه ـ مثل القبة عليها، وإنّه ليئطّ أطيط الرَّحْل بالراكب».(1)
وكأنّه سبحانه جسم كبير، له ثقل على العرش، وهو يئطّ كما يئطّ الرَّحْل حينما يجلس عليه الإنسان الثقيل.
وللأسف فإنّ هذا الحديث قد ورد كثيراً في كتب الحديث، فقد نقله أبو داود في سننه برقم 4726، وابن خزيمة في توحيده برقم 147، وابن أبي عاصم في السنّة، ص 575، وابن أبي حاتم في تفسير سورة البقرة برقم 223.
ولا شكّ في أنّ هذا الحديث وأمثاله من الإسرائيليات التي تطرّقت إلى كتب الحديث، وهو من الآثار السلبية لمنع كتابة الحديث النبوي في القرن الأوّل وشيء من الثاني، حتى تداركه الدوانيقي عام 143هـ .
ثمّ إنّ ابن تيمية لمّا رأى أنّ كلامه يستلزم أن يكون سبحانه جسماً كالأجسام حاول التهرّب عن ذلك بوجه، أوقعه ـ أيضاً ـ في المحذور، حيث جمع مصطلحات الحكماء والمتكلّمين في الجسم وقال:
لفظ الجسم فيه إجمال، فقد يراد به :
1. المركّب الذي أجزاؤه مفرّقة فجمعت.
2. أو ما يقبل التفريق أو الانفصال.
3. أو المركّب من مادة وصورة.
4. أو المركّب من الأجزاء المفردة التي تسمّى الجواهر المفردة. وقال: والله تعالى منزّه عن ذلك كلّه.

1 . توحيد ابن مندة: 429، طبعة مؤسسة المعارف، بيروت.

(38)
ثم قال: وقد يراد بالجسم:
5. ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد ]العلاّمة الحلّي [بقوله: «ليس بجسم» هذا المعنى، قيل له: هذا المعنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلاً على نفيه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الجسم من المفاهيم الواضحة في العرف وليس مشتركاً بين هذه المعاني التي أخذها من الفلاسفة والمتكلّمين، فالصحابة عندما سمعوا قوله سبحانه: (إنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً في الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)(2)، أو قوله سبحانه: (وَإذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسامُهُم)(3) لم يخطر ببال أحد منهم أي واحد من المعاني المذكورة حتى المعنى الأخير الذي اختاره وقال عنه: «هذا المعنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تقم دليلاً على نفيه».
فالجسم عند العرب الأقحاح عامّة ما جاء نموذجه في نفس الآيتين نظير: طالوت في الآية الأُولى، والمنافقين في الآية الثانية. فكلّ شيء كان كهذين النموذجين فهو جسم، والذي يجمع الجميع هو اشتماله على الطول والعرض والعمق، فلو قلنا ـ والعياذ بالله ـ : إنّه سبحانه جسم، فلا محيص من اشتماله على ما اشتملت عليه سائر الأجسام من الأبعاد الثلاثة.

1 . منهاج السنّة النبوية: 2/134ـ 135، وفي طبعة بولاق: 1 / 180.
2 . البقرة:247.
3 . المنافقون:4.

(39)
ثمّ إنّه كرّر ما ذكره هنا في مقام آخر،(1) ولا حاجة لنقله.
ثمّ إنّه تفلسف أيضاً في تفسير المكان وقال: قد يراد بالمكان:
1. ما يحوي الشيء ويحيط به.
2. ما يستقرّ الشيء عليه بحيث يكون محتاجاً إليه.
3. قد يراد به ما كان الشيء فوقه وإن لم يكن محتاجاً إليه.
4. وقد يراد به ما فوق العالم وإن لم يكن شيئاً موجوداً.
ثم نفى ما ذكره من المعاني للمكان واختار المعنى التالي:
هو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهذا المعنى حق، سواء سمّيت ذلك مكاناً أم لم تُسمّ.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه ليس للمكان إلاّ معنى واحد وهو كون شيء في شيء، وإحاطة شيء لشيء، ولذلك يفسّره أهل اللغة بقولهم: المكان موضع كون الشيء، فلو كان لله سبحانه مكان فليس إلاّ بهذا المعنى، دون المعاني التي أخذها من مصطلحات الحكماء والمتكلّمين، الذين لهم مصطلحات خاصّة في المفاهيم لا صلة لها بمصطلحات العامّة.
وثانياً: ما ذا يريد من قوله: إنّه «على عرشه»؟ إذ عندئذ يتوجّه إليه
السؤال الثاني: إنّ ذاته سبحانه لا تخلو من أن تكون مماسّة للعرش ، أو غير مماسّة؟
فعلى الثاني تكون ذاته سبحانه منزهةً عن المكان ; لأنّ المكان عبارة عن

1 . لاحظ : منهاج السنّة النبوية: 2/198ـ 200، وفي طبعة بولاق : 1 / 90.
2 . منهاج السنّة النبوية: 1/144ـ145، وفي طبعة بولاق : 1 / 183.

(40)
كون شيء في شيء، إلاّ أنّه يكون ذا جهة وهو كونه فوق العرش يشار إليه، فقد أثبت لله الجهة التي هي من خصائص الأُمور المادّية.
وإن كانت مماسّة (على الأول) فيكون محتاجاً إليه. ولعمر القارئ إنّ صرف الحبر والقلم في نقد هذه الأفكار السقيمة تضييع للعمر والجهد، ولكن اغترار المتظاهرين بالسلفية بابن تيمية، ألجأني إلى دراسة هذه المواضيع. وسيأتي الكلام حول المكان والجهة لله مستقلاً.
 

موقف أهل البيت(عليهم السلام) من فكرة التجسيم

تقدّم أنّ ابن تيمية ذكر في كلماته أنّه لم يرد عن أهل البيت(عليهم السلام) ما يدلّ على عدم كونه جسماً، ولكنّه لبعده عنهم وما يبدو من كلماته من النصب والعداء الذي يكنّه لهم، فإنّه لم يراجع كلماتهم، فصار يرمي الكلام على عواهنه من غير دليل.
وقد وقف الأصم والأبكم فضلاً عن العلماء على أنّ التوحيد والتنزيه من شعار أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، كما أنّ التشبيه والجبر من شعار الأمويين، وهانحن ننقل شيئاً قليلاً من كلمات أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) :
1. يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في إحدى خطبه:
«ما وحدّه من كيّفه، ولا حقيقته أصاب مَن مثّله، ولا إيّاه عنى من شبّهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه».(1)
2. وقال(عليه السلام):

1 . نهج البلاغة: الخطبة 186.

(41)
«فمن وصفَ الله سبحانه فقد قَرَنَهُ، ومَنْ قَرَنهُ فقد ثنّاه، ومَن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جَهله فقد أشار إليه، ومَن أشار إليه فقد حدّه، ومَن حدّه فقد عدّه... مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة».(1)
3. وروى الصدوق بإسناده إلى أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) يوماً خطبة بعد العصر، قال فيها:
«الحمد لله الذي لا يموت، ولا تنقضي عجائبه، لأنّه كلّ يوم في شأن، من إحداث بديع لم يكن، الذي لم يولد فيكون في العزّ مشاركاً، ولم يلد فيكون موروثاً هالكاً، ولم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحاً ماثلاً، ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلاً، الذي ليست له في أوّليّته نهاية، ولا في آخريّته حدّ ولا غاية، الذي لم يسبقه وقت، ولم يتقدمه زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، ولم يوصف بأين ولا مكان».(2)
فأي كلمة أوضح في نفي التجسيم من قوله(عليه السلام): «ولم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحاً ماثلاً».
وأي جملة أوضح في نفي المكان من قوله: «ولم يوصف بأين ولا مكان».
4. وروى الصدوق ـ أيضاً ـ بإسناده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني،

1 . نهج البلاغة: الخطبة 1.
2 . التوحيد: 33، برقم 1.

(42)
قال: دخلت على سيدي علي بن محمد]يعني الإمام عليّاً الهادي(عليه السلام)[... قال: فقلت له: يابن رسول الله إنّي أُريد أن أعرض عليك ديني...فقال: هاتِ يا أبا القاسم، فقلت: إنّي أقول:
إنّ الله تبارك وتعالى واحد، ليس كمثله شيء، خارج عن الحدّين: حدّ الإبطال، وحدّ التشبيه، وإنّه ليس بجسم ولا صورة، ولا عرَض ولا جوهر، بل هو مجسِّم الأجسام ومصوِّر الصور، وخالق الأعراض والجواهر، وربّ كل شيء، ومالكه وجاعله ومُحدثه... فقال علي بن محمد(عليه السلام): «يا أبا القاسم هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبتْ عليه ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة».(1)
***
ثمّ إنّ ابن تيمية صار بصدد تصحيح حديث عبد الله بن خليفة، الظاهر في التجسيم على ما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الله بن خليفة قال: جاءت امرأة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظّم الرب عزّ وجلّ وقال: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَالأرْضَ) إنّه ليقعد عليه جلّ وعزّ، فما يفضل منه إلاّ قيد أربع أصابع وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل إذا رُكب.(2) فقال ردّاً على العلاّمة الحلي حيث نقل الحديث فقال: فهذا لا أعرف له قائلاً ولا ناقلاً ولكن روي في حديث عبد الله بن خليفة أنّه: ما يفضل من العرش أربع أصابع، يُروى بالنفي تارة ويُروى بالإثبات، والحديث

1 . التوحيد:79 ، برقم37.
2 . السنّة:1/305، برقم 593.

(43)
قد طعن فيه غير واحد من المحدّثين كالإسماعيلي وابن الجوزي، ومن الناس من ذكر له شواهد وقوّاه.
ولفظ النفي لا يرد عليه شيء، فإن مثل هذا اللفظ يرد لعموم النفي كقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما في السماء موضع أربع أصابع إلاّ وملك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد»، أي ما فيها موضع.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الوارد في كتاب السنّة ـ أي كتاب إمام مذهبه أحمد بن حنبل الذي نقله عنه ولده عبد الله ـ هو الإثبات: ما يفضل منه إلاّ قيد أربع
أصابع ـ ومعنى ذلك أنّ العرش يمتلئ بوجوده سبحانه ويبقى منه مقدار
أربع أصابع خالياً ـ وما احتمله من النفي للفرار عن المعنى الذي يُضحك الثكلى، وما استشهد به من الحديث ـ أعني قوله: «ما في السماوات موضع أربع أصابع إلاّ وملك...» ـ يفارق المقام، فإنّ الاستثناء فيه بعد أربع أصابع وفي المقام قبله.
وعلى كلتا الصورتين فالحديث ظاهر في التجسيم، سواء امتلأ العرش بوجوده أو بقي منه أربع أصابع.
وعلى كلّ تقدير فآفة المجسّمة والمشبهة لا تنتهي بما ذكرنا فإنّهم أخذوا التجسيم والتشبيه من اليهود.
يقول الشهرستاني: وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح

1 . منهاج السنّة: 2/629، وفي طبعة بولاق : 1 / 260.

(44)
حتى رمدت عيناه، وإنّ العرش ليئط من تحته كأطيط الرحل الجديد، وإنّه ليفضل من كل جانب أربع أصابع.(1)
ولو أراد الباحث تنظيم العقيدة الإسلامية عمّا عليه المشبهة من حمل الصفات الخبرية في الكتاب والسنّة على ظاهرها لأصبحت العقيدة الإسلامية عقيدة الزنادقة، وإن كنت في شكّ فلاحظ ما ذكره الشهرستاني، قال:
وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجَنْب والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها، أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام، وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه الصلاة والسلام: «خلق آدم على صورة الرحمن»، وقوله: «حتى يضع الجبار قدمه في النار» وقوله: «قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن»، وقوله: «خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحاً»، وقوله: «وضع يده أو كفّه على كتفي»، وقوله: «حتى وجدت برد أنامله على كتفي» إلى غير ذلك; أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام.(2)
إنّ الصفات الخبرية هي التي أوجدت فكرة التشبيه والتجسيم عند بعض السلفيين، والمراد بها ما أخبر عنه سبحانه دون أن يدلّ عليه العقل من كونه مستوياً على عرشه، أو أنّ له الوجه واليدين، والجَنْب والمجيء والإتيان والفوق.
ثم إنّ السلف في تفسير الصفات الخبرية على مذاهب:

1 . الملل والنحل:1/121، دار المعرفة، بيروت ـ 1416هـ .
2 . الملل والنحل:1/121.

(45)
1. منهم مَن يثبت الصفات الخبرية كاليدين والوجه ويقولون هذه الصفات وردت في الشرع، فبالغوا في إثبات الصفات إلى حدّ التشبيه بصفات المحدثات.
قال الشهرستاني(المتوفّى548هـ): إنّ جماعة من المتأخّرين زادوا على ما قاله السلف، فقالوا: لابدّ من إجرائها على ظاهرها، فوقعوا في التشبيه الصرف، ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود... .(1)
2. ومنهم مَن اكتفى بتلاوتها من دون أن يحقّقوا معانيها، ونسب ذلك إلى مالك بن أنس لمّا سُئل عن الاستواء على العرش، قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ونسب ذلك إلى أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود بن علي الإصفهاني.(2)
3. ومنهم مَن أوّل الظواهر لكي يخرجوا من مغبّة التشبيه والتجسيم، فقالوا: إنّ المراد من اليد قدرته ونعمته إلى غير ذلك من وجوه التأويل.
وعلى ذلك فالسلف إمّا مبتدعة، وهم الذين يجرون الصفات الخبرية على ظاهرها; وإمّا معطلة، وهم الذين يمرّون على الآيات ويتلونها دون أن يتفكّروا في حقائقها; أو مؤوّلة، وهم الذين يحملون الآيات على خلاف ظواهرها من دون وجود قرائن في نفس تلك الآيات.
وأمّا العلماء الواعون فهم برآء من التشبيه والتعطيل والتأويل، لأنّهم يفرقون بين الظهور الإفرادي والظهور الجملي؟ وإنّما يحتاج إلى التأويل إذا

1 . الملل والنحل:1/105.
2 . الملل والنحل:1/105.

(46)
أخذنا بالظهور الحرفي أو الإفرادي، وأمّا لو أخذنا بالظهور الجملي فنحن في غنى عنه، إذ تصير الجمل عندئذ ظاهرة في المعاني الكنائية أو المجازية، فالحجّة هو الثاني دون الأوّل، والآيات عندهم ظاهرة في معانيها التصديقية من دون حاجة إلى التأويل، وهي بين مجاز وكناية واستعارة، وأمّا تفصيل ذلك فله مجال آخر، وقد أوضحنا حاله في كتابنا «الإنصاف».(1)
وعلى كلّ تقدير فابن تيمية يُعدّ من الطائفة الأُولى، وهو إمام المدافعين عن حوزة أهل التشبيه، وشيخ إسلام أهل التجسيم ممّن سبقه من الكرّامية وجهلة المحدّثين، الذين أخذوا بالظواهر ونسبوها إلى الله سبحانه، وأحيوا بذلك عقيدة اليهود في الله سبحانه.
***
وفي الختام ننقل ما ذكره في «التأسيس في ردّ أساس التقديس» المحفوظ في ظاهرية دمشق في ضمن المجلد رقم 25 «من الكواكب الدراري»، قال: فمن المعلوم أنّ الكتاب والسنّة والإجماع لم ينطق بأنّ الأجسام كلّها محدثة، وأنّ الله ليس بجسم، ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين، فليس في تركي لهذا القول خروج عن الفطرة ولا عن الشريعة.
وقال في موضع آخر: قلتم: ليس هو بجسم ولا جوهر ولا متحيّز ولا في جهة ولا يُشار إليه بحسّ ولا يتميّز منه شيءٌ من شيء، فكيف ساغ لكم هذا المعنى بلا كتاب ولا سُنّة .(2)

1 . الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:3/352ـ359.
2 . لاحظ : الرسائل السبكية: 51 (مقدمة المحقّق).

(47)
2

التشبيه في عقيدة ابن تيمية

(حركة الباري ونزوله)

من الأُمور الّتي يصرّ عليها ابن تيمية، تجويز الحركة والانتقال والنزول لله سبحانه، بل إنّه يقول فوق ذلك، وأنّه ينزل وينتقل من مكان إلى مكان، وأنّه لا مانع من ثبوت ذلك لله سبحانه، بل يدّعي إن عليه أئمة السلف.
هذا ما يدّعيه ابن تيمية في غير واحد من كتبه، وهانحن ننقل شيئاً من كلماته، ليتّضح للقارئ موقف الرجل من هذا الأمر.
صنّف عثمان بن سعيد الدارمي المجسّم (المتوفّى 280هـ)، كتاباً في الردّ(1) على كتاب بشر بن غياث المريسي الجهميّ (المتوفّى 218هـ) في

1 . اشتمل كتاب الردّ هذا على ألفاظ منكرة أطلقها على الله، كالجسم والحركة والمكان والحيّز(ص 379 ومابعدها) دعاه إليها عنف الردّ وشدة الحرص على إثبات صفات الله وأسمائه التي كان يبالغ بشر المريسي في نفيها. قال الإمام الذهبي في هذا الكتاب: فيه بحوث عجيبة مع المريسي، يبالغ فيها في الإثبات، والسكوت عنها أشبه بمنهج السلف في القديم والحديث. سير أعلام النبلاء:13/320(الهامش)، الترجمة 148.
وقال الشيخ محمد حامد الفقي: إنّه أتى فيه ببعض ألفاظ دعاه إليها عنف الردّ... كمثل الجسم والمكان والحيّز، فإنّني لا أوافقه عليها، ولا أستجيز إطلاقها... سير أعلام النبلاء:10/202 (الهامش)، الترجمة 45.

(48)
التوحيد، نقل عنه ابن تيمية في بعض كتبه، ومن الردود التي نقلها ابن تيمية عن الدارمي المجسِّم ووافقه عليها، قوله: أمّا دعواك (يعني دعوى بشر المريسي) أن تفسير القيّوم: «الّذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك»، فلا يقبل منك هذا التفسير إلاّ بأثر صحيح مأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أو بعض أصحابه أو التابعين، لأنّ الحيّ القيّوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميّت، التحرّك، كلّ حيّ متحرّك لا محالة، وكل ميّت غير متحرك لا محالة.(1)
ويقول ابن تيمية أيضاً: إنّ جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نُقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحمّاد بن زيد وغيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدّد(2).
وقال في «الموافقة»: وأئمة السنّة والحديث على إثبات النوعين، وهو الّذي ذكره عنهم مَنْ نقل مذهبهم، كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة، وأنّ ذلك هو مذهب أئمة السنّة والحديث من المتقدّمين والمتأخّرين، وذكر حرب الكرماني أنّه قول من لقيه من أئمة السنّة، كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبدالله بن

1 . موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول (درء التعارض): 1 / 333. نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت 1405 هـ . وما نقله من المريسي وما ردّ به عليه فهو من مصاديق ضعف الطالب والمطلوب فليس معنى القيّوم هو الّذي لا يزول عن مكانه بل معناه القائم بنفسه في مقابل الممكن القائم بغيره، وأمّا ما رُدّ به فهو من الفضاحة بمكان وأنّ نقله يغني عن نقده وردّه.
2 . منهاج السنّة: 2 / 638، وفي طبعة بولاق : 1 / 262.

(49)
الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وقال عثمان بن سعيد وغيره: إنّ الحركة من لوازم الحياة، فكلّ حيّ متحرّك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات، الذين اتّفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم .(1)
هذه الكلمات تكفي في بيان نظرية الرجل، وأنّه يثبت لله سبحانه ما هو من صفات الأجسام، وسيوافيك في آخر المقال أنّه جسّد عقيدته في نزوله سبحانه عن العرش، بنزوله درجة من درجات المنبر إلى درجة أُخرى، وقبل دراسة هذه النظرية ومناقشتها، نقدم أُموراً:

الأوّل: تعريف الحركة

عرّفت الحركة بتعاريف مختلفة أصحّها وأسدّها هو أنّ الحركة: عبارة عن خروج الشيء من القوّة إلى الفعل على سبيل التدرّج.
والقوة عبارة عن الاستعداد، ووجود المستعدّ له يلازم خروجها من القوة إلى الفعلية، فهذا النوع من التعريف يشمل كلّ أنواع الحركة الجوهرية والعرضية، أمّا الأُولى فإنّ نواة البرتقال تنطوي على قابلية خاصة وهي قابلية أن تكون شجرة في المستقبل، فإذا وقعت تحت التراب تحولت تلك القابلية إلى الفعلية، وبالتدريج تخرج من القوّة إلى الفعل.
هذا في الحركة الجوهرية، أمّا الحركة العرضية فمنها الحركة في الأين الّتي نسمّيها بالحركة الانتقالية إلى مكان آخر، فهي أيضاً داخلة في التعريف ففي الجسم قابلية لأن ينتقل من مكان إلى مكان، فإذا أخذ بالحركة، فقد صحّ

1 . الموافقة (درء التعارض): 1 / 309 .

(50)
أن تتحول تلك القوة والقابلية إلى الفعلية، سواء أكان ذلك بسبب عامل داخلي أو خارجي. هذه هي الحركة وأقسامها.

الثاني: وجود الإمكان في المتحرّك

إذا كانت الحركة هي الخروج من القوة إلى الفعل، فلازم ذلك إمكان وجود الشيء المترقّب في المتحرك . ومن المعلوم أنّ واجب الوجود بريء عن الإمكان فهو فعلية محضة لا ينسجم مع الإمكان. كيف يمكن أن يقال: إنّ في واجب الوجود، قوة ناقصة تتكامل بالخروج عنها إلى الفعلية، وهو كمال مطلق وغنيّ من عامة الجهات .

الثالث: ما هي الغاية من الحركة ؟

إنّ الحركة لابدّ لها من غاية، فما هي الغاية من حركة الباري فهل هي الحركة من النقص إلى الكمال؟ أو من الكمال إلى النقص؟ أو لا هذا ولا ذاك؟
أمّا الأوّل فيلازم وجود النقص في الله سبحانه مع أنّه الغني المطلق والكمال التامّ.
وأمّا الثاني فهو يلازم خروج الواجب من الكمال المطلق إلى النقص (الكمال النسبي).
وأمّا الثالث فهو يلازم العبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
هذه تحليلات فلسفية تعرضنا لها في هذا المقام لمن له مقدرة علمية على فهم هذه الأُمور، وهناك أمرٌ آخر هو:
Website Security Test