welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(549)
الفصل الخامس:
ملامح منهج ابن تيمية في الحوار
1. أدب ابن تيمية في المناظرة مع العلاّمة الحلّي
2. رمي الشيعة بتهم لا واقع لها
3. المجازفة في رد الصحيح والتهويل في العبارة وزخرفة الكلام

(550)

(551)
1

أدب ابن تيمية في المناظرة مع العلاّمة الحلّي

التفتيش والفحص عن حقيقة علميّة، أمر مطلوب ويُعدّ سُلّماً إلى تكامل العلم، والباحث تارة يقوم بهذا العمل بمفرده، وأُخرى يستعين بشخص آخر، فيتحاوران أو يتناظران لأجل كشف الستار عن وجه الحقيقة.
وقد عُرّفت المناظرة بالنحو التالي: إثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بالدليل، وربما تُعرّف أيضاً بـ :حمل شيء على شيء وإثبات النسبة الجزئية بالدليل.(1)
وقال الشريف الجرجاني: المناظرة لغة من النظير، أو من النظر بالبصيرة، واصطلاحاً هي: النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهاراً للصواب .(2)
ترى أنّ الغاية من المناظرة هي الوقوف على الصواب وإظهار الحقيقة وإعلانها، وأمّا إذا اتخّذ أحد المتناظرين موقفاً مسبقاً ذابّاً عنه بأي شكل شاء، سواء أكان صواباً أم لا، فهذا يكون من مصاديق المراء لا المناظرة.
ومع الأسف، فإنّ ابن تيمية عزم على نفسه أن يردّ كتاب العلاّمة الحلّي المسمّى: «منهاج الكرامة في معرفة الإمامة» من أوّله إلى آخره، حتى أنّه لو

1 . جامع العلوم(دستور العلماء):1/231.
2 . التعريفات:298، برقم 1489.

(552)
استطاع أن يردّ على بسملة الكتاب وحمده، لفعل.
ولذلك نرى أنّه أنكر روايات صحاح أطبق على صحتها حفّاظ الحديث وأثباته.
ويؤيد ذلك ما يقوله هو في مقدمة كتابه: فإنّه قد أحضر إليّ طائفة من أهل السنّة والجماعة كتاباً صنفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا،يدعو إلى مذهب الرافضة الإمامية... إلى أن قال: وطلبوا منّي بيان ما في هذا الكتاب من الضلال وباطل الخطاب لما في ذلك من نصر عباد الله المؤمنين وبيان بطلان أقوال المفترين الملحدين.
ثم قال: ولمّا ألحّوا في طلب الردّ لهذا الضلال المبين، ذاكرين أنّ في الإعراض عن ذلك خذلاناً للمؤمنين، فكتبت ما يسّره الله من البيان... الخ.(1)
ترى أنّه قبل أن يقرأ الكتاب حكم عليه بالضلال، وعلى مؤلفه بالإلحاد، وبذلك خرج عن أدب المناظرة، فإنّ اللائق بحال الرجل المحقّق أن يقول: عليّ أن أقرأ الكتاب حتى أقف على آرائه وأفكاره ودلائله في مسألة الإمامة، فما وجدته حقّاً صدّقته، وما وجدته باطلاً رددت عليه.
ومن المعلوم أنّ من اتخذ من بدء الأمر أن يكتب ردّاً على كتاب من قبل أن يقرأه، لا يكون باحثاً واعياً فاحصاً عن الحقيقة.

خروجه عن حدود أدب المناظرة والنقد البنّاء

من الشروط اللازمة للمتناظرين هو أن يحترم كلّ، الطرف الآخر، ويركز في الردّ على ما يتبناه الآخر، ببرهان واضح ودليل ظاهر، بعيداً عن أسلوب

1 . منهاج السنّة:1/4ـ5، وفي طبعة بولاق: 1 / 2 .

(553)
خدش العواطف، فضلاً عن اعتماد أسلوب السبّ والشتم والتحقير.
ومن يتصفّح منهاج ابن تيمية يجده مليئاً بالسباب والشتائم حتى لو أنّ إنساناً صرف وقتاً لاستخراج سبابه القاذع، لألّف رسالة في هذا الموضوع ولأتى بقائمة طويلة حافلة بعبارات السبّ والشتم والقدح والجرح، وهانحن نذكر نماذج من شتائمه الواردة في مقدّمة الكتاب خاصّة، وللقارئ الكريم أن يستنتج عمّا في غضونه من تلك الشتائم:
1. والقوم (يعني: الشيعة) من أكذب الناس في النقليات ومن أجهل الناس في العقليات.(1)
2. يصدّقون (يعني: الشيعة) من المنقول بما يعلم العلماء أنّه من الأباطيل، ويكذّبون بالمعلوم المتواتر أعظم تواتر، ولا يميّزون في نقلة العلم ورواة الأخبار بين المعروف بالكذب أو الغلط أو الجهل بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار.(2)
3. إذا كان أصل المذهب (يعني: الشيعي) من إحداث الزنادقة المنافقين الذين عاقبهم في حياته علي أمير المؤمنين(رضي الله عنه)... .(3)
ويريد بذلك أنّ التشيّع صنيعة عبد الله بن سبأ.
4. وهذا المصنّف (يعني العلاّمة الحلّي) سمّى كتابه «منهاج الكرامة في معرفة الإمامة»، وهو خليق بأن يسمّى «منهاج الندامة» كما أنّ من ادّعى

1 . منهاج السنّة: 1 / 8 ، وفي طبعة بولاق: 1 / 3 .
2 . منهاج السنّة:1/8 ، وفي طبعة بولاق: 1 / 3 .
3 . منهاج السنّة:1/11، وفي طبعة بولاق: 1 / 3 .

(554)
الطهارة، وهو من الذين لم يُرد الله أن يطهر قلوبهم، بل من أهل الجبت]والطاغوت [والنفاق، كان وصفه بالنجاسة والتكدير، أولى من وصفه بالتطهير.(1)
وزاد محقق الكتاب الدكتور محمد رشاد سالم في الطين بلّة، حيث كتب معلِّقاً على هذه الفقرة: ذكر الصفدي في ترجمته لابن تيمية أنّه سمع ابن تيمية، يقول: ابن المنجَّس، ويريد به ابن المطهَّر الحلّي.(2)
5. وقد جرّبه الناس منهم (يعني: الشيعة) غير مرّة في مثل إعانتهم للمشركين من الترك وغيرهم على أهل الإسلام بخراسان والعراق والجزيرة والشام وغير ذلك، وإعانتهم للنصارى على المسلمين بالشام ومصر وغير ذلك، في وقائع متعدّدة، من أعظمها الحوادث التي كانت في الإسلام في المائة الرابعة والسابعة فإنّه لما قدم كفار الترك إلى بلاد الإسلام وقُتل من المسلمين ما لا يُحصي عدده إلاّ ربّ الأنام، كانوا من أعظم الناس عداوة للمسلمين ومعاونة للكافرين، وهكذا معاونتهم لليهود أمر شهير، حتى جعلهم الناس لهم كالحمير.(3)
أقول: لم يكشف لنا ابن تيمية عن شيء من تلك الحوادث التي زعم أنّ الشيعة أعانوا فيها الكافرين في المائة الرابعة، وهذا يدلّ على خلوّ جعبته، تماماً، من أيّ شيء، لأنّه ليس من عادته أن يجد فيها سهماً ولم يرمهم به.

1 . منهاج السنّة:1/21 ، وفي طبعة بولاق: 1 / 5 .
2 . نفس المصدر والصفحة، وقد نقل المحقق هذه عن كتاب:الوافي بالوفيات، نسخة خطية في مكتبة البودليان بأكسفورد، ج16، ص (21b).
3 . منهاج السنّة:1/20ـ21، وفي طبعة بولاق: 1 / 5 .

(555)
ولذا أطلق عبارته الجارحة تلك دون الإشارة إلى حادثة واحدة، لينال من خصومه الشيعة، بالباطل، ومن خلال اعتماد أسلوب التمويه الذي يحاول به تضليل القرّاء.
ومن هنا لم نر من المناسب أن نردّ عليه في هذا الأمر الذي لم يفصح عنه لغرض مفضوح.
وأمّا مراده من حوادث المائة السابعة، فهو الهجوم الكاسح الذي شنّه المغول (التتار) على البلاد الإسلامية، وسقوط بغداد(عاصمة الدولة الإسلامية) بأيديهم في عام (656هـ).
ويبدو أنّ ابن تيمية قد اتخذ من مماشاة نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي (لهولاكو) ذريعة للهجوم على الشيعة واتّهامهم بمعاونة الكافرين، مغمضاً عينيه عن الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك في البلاد الإسلامية، وما كان ينتابها من ضعف شديد وتدهور في مختلف الصعد، فالخليفة المستعصم تائه في لذاته، وملوك البلاد فاسدون منهمكون في إرضاء شهواتهم وغرائزهم، وتكريس مصالحهم الشخصية، وجيوش المسلمين خائرة القوى، تنهزم لأدنى نزال، وتفرّ قبل أن يلتقي الصفّان.
ولا شكّ في أنّ هذا التدهور الحاصل لم يكن وليد سنة أو سنتين أو فترة قصيرة، وإنّما هو نتيجة لحقبة طويلة من السياسات الخاطئة، والفساد الشامل للنفوس والأوضاع، والإهمال في إدارة البلاد، واستفحال داء توارث الخلافة، والتنازع والانقسام، والصراع على المناصب.
وقد أشار عدد من المؤرخين الذي أرخوا لتلك الفترة التي سبقت احتلال بغداد، إلى جانب من تلك الأوضاع المأساوية التي كانت تعمّ البلاد

(556)
الإسلامية، ومنهم ابن الأثير (المتوفّى 630هـ).
قال ابن الأثير، وهو يتحدث عن وصول التتار إلى أذربيجان: يسّر الله للمسلمين والإسلام من يحفظهم ويحوطهم، فلقد دُفعوا من العدو إلى عظيم، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدّى همّته بطنه وفرجه!!(1)
وقال أيضاً، وهو يشير إلى مسير التتار إلى تركستان وماوراء النهر: وكان خوارزم شاه بمنزله كلّما اجتمع إليه عسكر سيّره إلى سمرقند، فيرجعون ولا يقدرون على الوصول إليها!! نعوذ بالله من الخذلان، سيّر مرّة عشرة آلاف فارس، فعادوا كالمنهزمين من غير قتال، وسيّر عشرين ألفاً فعادوا أيضاً.(3)
وقال ابن العماد الحنبلي في حوادث سنة (652هـ): فيها شرعت التتار في فتح البلاد الإسلامية، والخليفة غافل في خلوته ولهوه.(2)
وقال السيوطي: وفي سنة (655 هـ) مات المعزّ أيبك سلطان مصر، قتلته زوجته «شجرة الدرّ»... والتتار جائلون في البلاد، وشرّهم متزايد، ونارهم تستعر، والخليفة والناس في غفلة عمّا يراد بهم..(4)
والحقيقة، أنّ من يجعل وزر سقوط بغداد وانهيار الخلافة العباسية، على عاتق رجل أو رجلين، إنّما هو يجهل قوانين التاريخ، وسنّة الله تعالى في علوّ الأمم وانخفاضها، ورقيّها وانحطاطها.
إنّ سياسة مداراة هولاكو التي انتهجها هذان الرجلان، إنّما كانت ترمي إلى رفع بعض بوائق المغول، وحفظ ما تبقّى من تراث الإسلام، ومنع إراقة

1 . الكامل في التاريخ:12/376. 2 . الكامل في التاريخ:12/368.
3 . شذرات الذهب:5/255. 4 . تاريخ الخلفاء: 532 .

(557)
المزيد من دماء المسلمين، في وقت كانوا (قد ملكوا فيه أكثر المعمور في الأرض وأحسنه، وأكثره عمارة وأهلاً... ، ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها إلاّ وهو خائف يتوقّعهم، ويترقّب وصولهم إليه).(1)
وقد أشار إلى دور هذين الرجلين بعض المؤرخين، فقال صلاح الدين الصفدي، وهو يتحدث عن نصير الدين:
فكان للمسلمين به نفع خصوصاً الشيعة والعلويين والحكماء وغيرهم، وكان يبرّهم ويقضي أشغالهم، ويحمي أوقاتهم.(2)
وقال ابن كثير في حوادث سنة (656هـ):
وكان قدوم هولاكو بجنوده كلها، وكانوا نحواً من مئتي ألف مقاتل في ثاني عشر المحرّم من هذه السنة إلى بغداد، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان تقدّم من الأمر الذي قدّره الله وقضاه، وهو أنّ هولاكو لما كان أول بروزه من همذان متوجهاً إلى العراق، أشار الوزير ابن العلقمي على الخليفة أن يبعث إليه بهدايا سنيّة ليكون ذلك مداراة له عمّا يريده من قصد بلادهم، فخذل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير]مجاهد الدين أيبك الشركسي [وغيره، وقالوا ]للخليفة[: إنّ الوزير إنّما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال عن نفسه وأهله، وأشاروا بأن يبعث بشيء يسير، فأرسل شيئاً من الهدايا ، فاحتقره هولاكوخان... .(3)
نلفت نظر القارئ في هذه العجالة إلى أمرين:
الأوّل: هب أن الوزير العلقمي أو نصير الدين كانا هما السبب لسقوط

1 . الكامل في التاريخ:12/ 360. 2 . الوافي بالوفيات:1/ 182.
3 . البداية والنهاية: 13 / 213 ـ 214 .

(558)
الدولة الإسلامية، وسيلان الدماء في عاصمتها، فما هو السبب للدماء التي بدأت تسيل من أقصى المشرق الإسلامي إلى العاصمة بغداد؟ فها هو ابن الأثير (المتوفّى عام 630هـ) وقبل سقوط الخلافة الإسلامية بخمس وعشرين سنة، يصف تلك الداهية العظمى بالنحو التالي:
من الّذي يسهل عليه أن يكتب نعيَ الإسلام والمسلمين، ومن ذا الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً، إلاّ أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يُجدي نفعاً، فنقول:
هذا الفصل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصّت المسلمين، فلو قال القائل: إنّ العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتل بمثلها لكان صادقاً، فإنّ التاريخ لم يتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها... إلى أن قال: هؤلاء لم يُبقوا أحداً، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقّوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنّة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاسغون، ثمّ منها إلى بلاد ماوراء النهر مثل سمرقند وبُخارى وغيرها، فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها مُلكاً وتخريباً وقتلاً، ثمّ يتجاوزونها إلى الريّ وهَمَدان وبلاد الجبل وما فيها من البلاد إلى حدّ العراق، ثمّ يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية ويخربون ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج إلاّ الشريد النادر في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله.(1)

1 . الكامل في التاريخ:12/358ـ359. ولكلامه ذيل من أراده فليرجع إليه .

(559)
لقد كان غزو العراق أمراً تتضمنه طبيعة الغزو المغولي الذي كان يستهدف السيطرة على العالم، وقد استولى المغول فعلاً على أكثر الصين وأواسط آسيا وإيران وأوربا الشرقية، وبقيت بلاد الإسماعيلية والعراق وسورية ومصر جيباً جغرافياً وعسكرياً كان لابدّ من الاستيلاء عليه، وهذا ما قام به هولاكو، وإذا كان العراق قد سقط بأيدي المغول نتيجة لخيانة وزيره ابن العلقمي ]كما يُزعم[، فكيف نفسّر سقوط كلّ هذه البلاد الممتدة من المحيط الهادي إلى أواسط أوربا، ومن هم الخونة الذين سلّموها إلى الأعداء؟ ثم كيف نفسّر احتلال هولاكو لسورية، واستعداده للزحف إلى مصر؟(1)
وبعد، فنحن نسأل ابن تيمية وأنصاره: هل كانت يد العلقمي أو نصير الدين تلعب في هذه الحوادث المرّة تحت الستار؟ أو أنّ للدمار عللاً تكمن في سيرة الخلفاء والأُمراء عبر سنين حيث اشتغلوا بالخلافات الداخلية، واشتغل الخلفاء باللهو واللعب، وشرب الخمور وعزف المعازف وسماع المغنيّات، وقد تبعهم الرعاع والسوقة فذهبت الخيمة الإسلامية التي سيطرت على العالم في أوائل قرون العصر الإسلامي.
يقول ابن كثير: أحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كلّ جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولدة تسمّى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً

1 . أعيان الشيعة:9/99.

(560)
شديداً، وأحضر السهم الّذي أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب: «إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب ذوي العقول عقولهم» فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرت الستائر على دار الخلافة، وكان قدوم هولاكوخان بجنوده كلها ـ وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل ـ إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة.(1)
الثاني: لو كان للشيعة يد في سيطرة المغول على بغداد يلزم أن تصان دماء الشيعة عند دخول الأعداء العاصمة، إلاّ أنّنا نرى أنّ المغول قد وضعوا السيف على رقاب كلّ من كان في بغداد من دون أن يميزوا بين شيعي وسنّي وذمّي، فقد قتلوا حوالي ثمانمائة ألف نسمة، سوى من مات حتف أنفه في السراديب والمنازل.
فدع عنك نهباً صيح في حجراته *** ولكن حديثاً ما حديث الرواحل
***
6. قال: أخبر الناس بهم ]الشيعة [ الشعبيُّ وأمثاله من علماء الكوفة، وقد ثبت عنه أنّه قال: ما رأيت أحمق من الخشبية(يريد الشيعة) لو كانوا من الطير لكانوا رَخَماً، ولو كانوا من البهائم لكانوا حُمُراً... الخ.(2)
ونقل أيضاً عن الشعبي أنّه قال: أُحذّركم هذه الأهواء المضلّة وشرّها الرافضة، لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة، ولكن مقتاً لأهل الإسلام وبغياً عليهم.(3)

1 . البداية والنهاية:12/200ـ213. 2 . منهاج السنّة:1/22، وفي طبعة بولاق: 1 / 6 .
3 . منهاج السنّة:1/23، وفي طبعة بولاق: 1 / 6 .

(561)
هذه نماذج من قائمة الشتائم المبثوثة على صفحات مقدمة كتابه، وأمّا ما ذكره في غضون الكتاب بأجزائه الثمانية، فحدّت عنه ولا حرج.
اقسمك بالله أيها القارئ الكريم، هل هذا ما يريده الإسلام ويحث عليه من أدب الحوار مع المشركين وأهل الكتاب، وهل هذا هو المطلوب عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهل هو الأسلوب الأمثل الذي أمر به القرآن الكريم في تبليغ أفكار الإسلام ودعوة الناس لها، مقرونة بالاحترام والتقدير لرأي الطرف الآخر.
وربما يتجاوز القرآن في احترام الطرف المخالف، فيأمر بالتنكر إلى أنّه على حق، ويردده بينه وبينه، ويقول سبحانه:(وإنّا وإيّاكُمْ لَعَلى هُدَىً أو في ضَلال مُبِين).(1)
***

1 . سبأ:24.

(562)
2

رمي الشيعة بتهم لا واقع لها

قد عرفت ما في صدر الرجل من حقد وكراهية، فاضا على لسانه سيلاً من الشتائم والسباب صبّه على رؤوس الشيعة وعلمائهم، فهلمّ نقرأ بعض مفترياته على الشيعة، لترى أنّه لا يوجد على أديم الأرض واحد من الشيعة يتبنى ذلك، وسنذكر شيئاً قليلاً منها:
1. قال: من حماقاتهم كون بعضهم لا يشرب من نهر حفره يزيد.(1)
أقول: لم أر في كتاب ولم أسمع من شيخ أنّ الشيعة لا يشربون من نهر حفره يزيد، فمن أين جاء ابن تيمية بذلك؟
لنفترض أنّ واحداً أو أكثر من الشيعة كره الشرب من نفس النهر ـ على فرض وجوده ـ فهل يجوز لابن تيمية أن ينسب هذا العمل إلى عامّة الشيعة مع أنّهم كانوا منتشرين في ربوع العالم إلى حدّ وصفهم هو بأنهم قد نصروا المشركين على المسلمين في العراق والشام ومصر؟
2. وقال: من حماقاتهم كونهم يكرهون التلفظ بلفظ (العشرة) أو فعل شيء يكون عشرة حتى في البناء لا يبنون على عشرة أعمد، ولا على عشرة جذوع ونحو ذلك.(2)

1 و 2 . منهاج السنّة:1/38، وفي طبعة بولاق: 1 / 9 .

(563)
أقول: إنّ الحسّ يكذب ذلك، يقول العلاّمة الأميني: نعم في قرآن الشيعة (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ)(1) و (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها)(2) و(وَالْفَجْرِ* وَلَيال عَشْر)(3) و (فأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ)(4)، وأمثالها، وهي ترتّلها عند تلاوته في آناء الليل وأطراف النهار، وهذا دعاء العشرات يقرؤه الشيعة في كلّ جمعة، وهذه الصلوات المندوبة التي تكرّر فيها السور عشر مرّات، وهذه الأذكار المستحبّة التي تُقرأ بالعشرات، وهذه مباحث العقول العشرة، ومباحث الجواهر والأعراض العشرة في كتبهم.
وهذا قولهم: إنّ أسماء النبي عشرة.
وقولهم: إنّ الله قوّى العقل بعشرة.
وقولهم: عشر خصال من صفات الإمام.
وقولهم: كانت لعليّ من رسول الله عشر خصال.
وقولهم: بُشِّر شيعة عليّ بعشر خصال.
وقولهم: عشر خصال من مكارم الأخلاق.
وقولهم: لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات.
وقولهم: لا يكون المؤمن عاقلاً إلاّ بعشر خصال.
وقولهم: لا يؤكل عشرة أشياء.
وقولهم: عشرة أشياء من الميتة ذكيّة.
وقولهم: عشرة مواضع لا يُصلّى فيها.
وقولهم: الإيمان عشر درجات.

1 . البقرة:196.         2 . الأنعام:160.         3 . الفجر:1ـ2. 4 . هود:13.

(564)
وقولهم: العافية عشرة أجزاء.
وقولهم: الزهد عشرة أجزاء.
وقولهم: الشهوة عشرة أجزاء.
وقولهم: البركة عشرة أجزاء.
وقولهم: الحياء عشرة أجزاء.
وقولهم: في الشيعة عشر خصال.
وقولهم: الإسلام عشرة أسهم.
وقولهم: في السواك عشر خصال.(1)
وهذه قصور الشيعة المشيّدة، وأبنيتهم العامرة، وحصونهم المنيعة كلّها تكذِّب ابن تيميّة، ولا يخطر على قلب أحد من بانيها ما لفّقه ابن تيميّة من المخاريق.
هذا والشيعة لاترى للعدد قيمة بمجرّده، ولا يوسم أحد منهم بحبّه وبغضه مهما كان المعدود مبغوضاً له أو محبوباً، ولم تسمع أذن الدنيا من أحدهم في العشرة: تسعةٌ وواحد. نعوذ بالله من هذه المجهلة.
3. وقال: من حماقاتهم أنّهم يجعلون للمنتظر عدّة مشاهد ينتظرونه فيها، كالسرداب الذي بسامَّراء الذي يزعمون أنّه غاب فيه، ومشاهد أُخر. وقد يقيمون هناك دابّة ـ إمّا بغلة أو فرساً ]وأمّا غير ذلك[ ـ ليركبها إذا خرج، ويقيمون هناك إما في طرفي النهار وإمّا في أوقات أُخر من ينادي عليه بالخروج: يا مولانا اخرج، يا مولانا اخرج.(2)

1 . الغدير: 3 / 211 ـ 213، طبعة مركز الدراسات الإسلامية ـ بيروت.
2 . منهاج السنّة:1/44ـ45، وفي طبعة بولاق: 1 / 10 .

(565)
أقول: إنّ هذا الكلام الذي نقله ابن تيمية ـ و لم يذكر مستنده ـ ما هو إلاّ مجرد افتراء يُراد به التشنيع على الإمامية والحطّ عليهم لمآرب شيطانية، وإنّ واضع هذه الأسطورة قد حاكها في غير موضعها، فإنّ سامراء مدينة سنّية منذ عصر العباسيين إلى يومنا هذا، لا يوجد فيها من الشيعة إلاّ القليل الذي ليس لهم فيها شأن، فكيف يمكن لهم أن يقفوا بالخيل على باب السرداب ويصيحوا عليه: أن اخرج يا مولانا؟! ولو كان لهذه الأسطورة نصيب من الواقع لتحدّث عنها أهل تلك المدينة ولشاعت بين أهل العراق، ولكننا لا نجد من يتحدّث عنها (في العصور الماضية) سوى من نأى عن ذلك البلد وعن أهله، وتحكّم به التعصّب المقيت، ثم كيف يتأتى للشيعة ممارسة شعائرهم بهذا الشكل عصر كل يوم في مدينة ليس لهم فيها تواجد عبر القرون، لا سيّما في عصر مختلق هذه الفرية؟
وما أشبه هذه الأُسطورة بكذبة إخوة يوسف حيث أتوا بقميص سالم من أي خرق أو شقّ، وعليه دماء يوسف كما يدّعون.
إنّ ما يقوم به الشيعة، هو زيارة مرقدي الإمامين العسكريين(عليهما السلام)، والدعاء والصلاة هناك، وهم يعبّرون بزيارتهم لهما عن حبّهم ووفائهم لأهل بيت النبوّة(عليهم السلام).
4. وقال: أصول الدين عند الإمامية أربعة: التوحيد والعدل والنبوة، والإمامة، فالإمامة هي آخر المراتب، والتوحيد والعدل والنبوة قبل ذلك، وهم يدخلون في التوحيد نفي الصفات، والقول بأنّ القرآن مخلوق وأنّ الله لا يُرى في الآخرة ويدخلون في العدل التكذيب بالقدر، وأنّ الله لا يقدر أن يهدي من يشاء ولا يقدر أن يضل من يشاء وأنّه قد يشاء ما لا يكون ويكون

(566)
ما لا يشاء وغير ذلك، فلا يقولون إنّه خالق كل شيء، ولا انّه على كل شيء قدير، ولا أنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.(1)
أقول: إنّه قد أورد في هذه السطور أكاذيب تنمّ عن أن الرجل لم يقرأ كتاباًكلامياً للشيعة وإنّما اعتمد على المسموعات وكتب المخالفين مثل «الفِصْل» لابن حزم وغيره، فعاد ينسب إلى الشيعة ما هم براء منه، وإليك الإشارة إلى رؤوس هذه الأكاذيب:
أ. أنّ أصول الدين عند الشيعة ثلاثة وهي: التوحيد، والنبوة، والمعاد. وأمّا العدل والإمامة، فهما من خصائص المذهب، فلا يوصف المسلم بالتشيّع إلاّ إذا وصف الله سبحانه بالعدل، والعترة الطاهرة بالإمامة.
ب. قال: إنّهم يدخلون في التوحيد نفي الصفات، وهذا كذب آخر لأنّهم ليسوا من نفاة الصفات الكمالية، وإنّما يدّعون عينيتها مع الذات، فكم فرق بين أن يقال: الله ليس بعالم، وبين أن يقال الله سبحانه كله علم، وهكذا فرق بين أن يقال: الله ليس بقادر، وبين أن يقال: الله سبحانه كلّه قدرة.
وأمّا كيفية صيرورة الوصف عين الذات، فبيانه موكول إلى الكتب الكلامية.
ج. أنّ الله لا يُرى في الآخرة وهذا داخل في الصفات السلبية(التنزيهية) حيث دلّت البراهين على أنّه سبحانه ليس بجسم ولا عرض وما كان كذلك فلا يُرى لا في الدنيا ولا في الآخرة.
د. قال: يدخلون في العدل التكذيب بالقدر، وأنّ الله لا يقدر أن يهدي من يشاء، وهذا افتراء على الشيعة، والقرآن الكريم صريح في أنّ الله على كل

1 . منهاج السنّة:1/99، وفي طبعة بولاق:1/23.

(567)
شيء قدير. فهذا تجريد الاعتقاد للطوسي حيث يصف الله تبارك وتعالى بالقدرة، قال: المسألة الأُولى]من الفصل الثاني[: في أنّه قادر.
وقال العلاّمة الحلّي]المعاصر لابن تيمية[ في شرح هذه المسألة: والدليل على أنّه تعالى قادر أنّا قد بيّنا أنّ العالم حادث، فالمؤثر فيه إن كان موجباً لزم حدوثه أو قِدَم ما فرضناه حادثاً أعني العالم، والتالي بقسميه باطل.
بيان الملازمة: أنّ المؤثر الموجَب يستحيل تخلّف أثره عنه، وذلك يستلزم إمّا قدم العالم ـ و قد فرضناه حادثاً ـ أو حدوث المؤثر ويلزم التسلسل، فظهر أنّ المؤثر للعالم قادر مختار.(1)
وقال الطوسي في موضع آخر: وعمومية العلّة تستلزم عموميّة الصفة.
وشرح العلامة هذه الفقرة وقال: إنّ الله تعالى قادر على كل مقدور، وهو مذهب الأشاعرة، وخالف أكثر الناس في ذلك، فإنّ الفلاسفة قالوا: إنّه تعالى قادر على شيء واحد، وأنّ الواحد لا يتعدد أثره، وقد تقدم بطلان مقالتهم. ثمّ إنّ العلاّمة الحلّي بعد أن يذكر أقوال المجوس والثنوية والنظّام والبلخي والجبّائيين يقول: وهذه المقالات كلها باطلة، لأنّ المقتضي لتعلّق القدرة بالمقدور إنّما هو الإمكان، إذ مع الوجوب والامتناع لا تعلّق، والإمكان ثابت في الجميع فثبت الحكم وصحة التعلّق، وإلى هذا أشار المصنف (يعني الطوسي) عمومية الصفة، أعني القدرة على كل مقدور.(2)
فأين كان ابن تيمية من كتاب العلاّمة، ومن آراء الشيعة؟ هل اطلع عليها ولم يفهمها، أم فهم ودلّس الحقيقة. أم لم يطلع عليها؟ فكيف يحكم على ما

1 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، للعلاّمة الحلّي:11ـ12. 2 . كشف المراد:16ـ18.

(568)
لم يقف عليه، ولم يقرأه، وكيف ينسب إلى الشيعة ما لم يقل به واحد من أئمتهم ولا علمائهم؟
هـ . وأمّا قوله: إنّ الشيعة لا يقولون: إنّه خالق كلّ شيء، فهو كذب آخر، فكيف لا يقول الشيعة به والقرآن الذي يتلونه صباحاً وعشاء، يصرّح به، قال سبحانه: (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيء فاعْبُدُوهُ).(1) وقال سبحانه: (قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيء وَهُوَ الواحِدُ القَهّارُ).(2) وقال سبحانه: (اللهُ
خالقُ كُلِّ شَيء وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيء وَكيلٌ
)(3)، وقال:(ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيء لا إلهَ إلاّ هُو).(4)
ومع هذه الآيات كيف يمكن لمسلم يؤمن بأن القرآن هو كتاب الله المنزل، ومع ذلك ينكر ما تضافر فيه أنّه سبحانه خالق كل شيء.
نعم يفترق الإمامية عن الأشاعرة في أنّه سبحانه خالق كلّ شيء لا بمعنى أنّه يخلق كل شيء مباشرة بلا سبب وتسبيب، وإنّما يخلق تارة مباشرة وأُخرى تسبيباً، ويدل على ذلك غير واحد من الآيات من أنّ للأسباب دوراً بإذن الله في ايجاد الظواهر الطبيعية، وإنّ الإمعان في هذه الآيات الكريمة يدفع الإنسان إلى القول بأنّ الكتاب العزيز يعترف بأنّ النظام الكوني نظام الأسباب والمسببات، فلأجل ذلك ينسب الفعل الواحد إلى الله سبحانه، وفي الوقت نفسه إلى غيره من دون أن يكون هناك تضادٌّ في النسبة، وإليك بعض هذه الآيات:

1 . الأنعام:102. 2 . الرعد:16.
3 . الزمر:62. 4 . غافر:62.

(569)
ـ يقول سبحانه: (اللهُ يَتَوَفّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها)(1). فينسب توفّي الأنفس إلى نفسه، بينما نجده سبحانه ينسبه إلى رسله وملائكته ويقول: (حتّى إذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا).(2)
ولا يجد الإنسان العارف بالقرآن أي اختلاف في النسبة.
ـ إنّ الذكر الحكيم ينسب كتابة أعمال العباد إلى الله سبحانه ويقول: (والله يكتب ما يبيّتون).(3) ولكن في الوقت نفسه ينسب الكتابة إلى رسله ويقول:(بَلى وَرُسُلْنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ).(4)
ـ إنّه سبحانه ينسب تزيين عمل الكافرين إلى نفسه ويقول:(إنّ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ)(5). وفي الوقت نفسه ينسبه إلى الشيطان ويقول:(وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيْطانُ أعمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ).(6)
وفي آية أخرى ينسبها إلى قرنائهم ويقول: (وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناء فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم)،(7) ولا تصحّ هذه النسب المختلفة ظاهراً إلاّ بالقول بأنّ الكون مبني على النظام السببي والمسببي وسببية كلّ شيء بتسبيب منه سبحانه وينتهي الكل إليه، فالفعل مع أنّه فعل السبب فعل المسبِّب (بالكسر) أيضاً.
ـ لا شك أنّ التدبير كالخلقة منحصرٌ في الله سبحانه حتى لو سئل بعض المشركين عن المدبِّر لأجاب بأنّ الله هو المدبّر، كما يقول سبحانه: (وَمَنْ

1 . الزمر:42. 2 . الأنعام:61. 3 . النساء:81 .
4 . الزخرف:80 . 5 . النمل:4. 6 . الأنفال:48.
7 . فصلت:25.

(570)
يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ الله)،(1) لكن نرى أنّ القرآن يعترف بمدبِّريّة غير الله سبحانه حيث يقول:(فَالمُدَبِّراتِ أمْراً).(2)
ـ إنّ القرآن يشير إلى كلتا النسبتين (أي نسبة الفعل إلى الله سبحانه إشارة إلى الجانب التسبيبي وإلى الإنسان إشارة إلى الجانب المباشري) بقوله: (وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلكنَّ اللهَ رَمَى).(3)
فهو يصف النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرمي وينسبه إليه حقيقة ويقول: (إذْ رَمَيْتَ)، لكنّه يصف الله سبحانه بأنّه الرامي الحقيقي، وما ذلك إلاّ لأنّ النبي إنّما قام بما قام، بالقدرة التي منحها الله له، وكان مفيضاً لها عليه حين الفعل، فيكون فعله فعلاً لله أيضاً.
وهذه المجموعة من الآيات ترشدك إلى النظرية الحقَّة في تفسير التوحيد في الخالقية. وفي الحديث القدسي إشارة إليها.
يقول: «يا ابن آدم بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاء لنفسك، وبقوتي أدّيتَ إليّ فرائضي، وبنعمتي قويتَ على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً».(4)
ثمّ إنّ هذه النظرية، على تقاريرها المختلفة من حيث الدقّة والرقّة(5)، ممّا

1 . يونس: 31. 2 . النازعات:5.
3 . الأنفال:17.                      4 . بحار الأنوار: 5 / 57.
4 . إنّ تفسير مسألة «الأمر بين الأمرين» وأنّ فعل العبد في حال كونه فعله، فعلاً لله سبحانه، يختلف حسب اختلاف الأفهام في المقام، فيفسره المتكلم على نمط يناسب أبحاثه، فيصور كونه سبحانه فاعلاً بالتسبيب من حيث إنّه أعطى القدرة والحياة للعبد، فلولاه لما قدر العبد على العمل، وأمّا الحكيم الإلهي فيرى الموجودات على تباينها في الذوات والصفات والأفعال، وترتبها في القرب والبعد من الحق تعالى، قائمة بذاته سبحانه، فهو مع بساطته ينفذ نوره في الموجودات الإمكانية، عامّة. ولا توجد ذرة من ذرات الأكوان الوجودية، إلاّ ونوره محيط بها، قاهر عليها، وهو قائم على كل نفس بما كسبت، وهو مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة.
فإذاً كما أنّه ليس في الوجود شأن إلاّ وهو شأنه كذلك، ليس في الوجود فعل إلاّ وهو فعله، لا بمعنى أنّ فعل زيد ليس فعلاً له، بل بمعنى أنّه فعل زيد مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز، فهو فعله سبحانه كذلك. فهو مع غاية عظمته وعلوه، ينزل منازل الأشياء ويفعل فعلها، كما أنّه مع غاية تجرّده وتقدسه لا تخلو منه أرض ولا سماء. فإذاً نسبة الفعل والإيجاد إلى العبد صحيحة، كما أنّ نسبتها إلى الله تعالى كذلك.

(571)
أطبقت على صحّتها الإمامية والمعتزلة، وأيدته النصوص المروية عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وقد قال به بعض الأشاعرة أيضاً كإمام الحرمين (أبي المعالي الجويني) وهو من أعلام القرن الخامس، والشيخ (الشعراني) وهو من أقطاب الحديث والكلام في القرن العاشر، والشيخ (محمد عبده) مفتي الديار المصرية في القرن الرابع عشر. ومن أراد الوقوف على كلماتهم فليرجع إلى مصادرها.(1)
***

1 . الملل والنحل:1/98ـ99، نقل كلمة إمام الحرمين; اليواقيت والجواهر للشعراني: 139ـ141; رسالة التوحيد: 59ـ 62. وقد جئنا بنص كلامهم في كتابنا (أبحاث في الملل والنحل): 2 / 182 ـ 202 .

(572)
3

المجازفة في ردّ الصحيح

والتهويل في العبارة

وزخرفة الكلام
تبنّى ابن تيمية جملة من الآراء والأفكار والمسائل الّتي خالف فيها جمهور المسلمين من أهل السنّة، لاسيّما في الموضوعات الّتي تتعلّق بمقام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبخصائص وفضائل أهل البيت(عليهم السلام)، ثم أخذ يجادل ويناقش فيها خصومه، بل يقاتلهم دونها بأقصى درجة من الشدّة والحدّة في الردّ، وبالتهويل في إطلاق الأحكام، والتنكّر للقضايا الثابتة، والأُمور الواضحة، حتّى غدا النقاش ذاته، هو الهدف المبتغى له، لا نتائج النقاش، الّتي يُراد منها إجلاء وجه الحقّ، ومن ثمّ التمسّك به .
وقد كشفنا في ثنايا الكتاب عن العديد من الموارد الّتي تطاول فيها على مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقلّل فيها من شأنه العظيم، حتّى أظهره وكأنه بشر عادي.
كما أنّه لم يعبأ بكلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا خالف عقائده لاسيّما عقيدته في معاوية بن أبي سفيان، فقد تقدّم أنّه يرفض ـ مثلاً ـ توصيف فئة معاوية بالباغية، ويخطِّئ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ كما تؤول إلى ذلك نتيجة جداله ـ في

(573)
إطلاق ذلك الوصف عليها، بقوله الثابت الصحيح: «تقتل عمّاراً الفئة الباغية»، بادّعائه أنّ أهل الشام قوتلوا ابتداءً قبل أن يبدأوا بقتال!!!
وأمّا تهويلاته في كلامه، ومجازافاته في رد الأحاديث الصحاح أو الحسان، كقوله: (هو كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث)، أو قوله: (لا ينقله عن النبي ولا ينسبه إليه إلاّ جاهل)، أو قوله: (إنّ أحداً من أهل العلم لم يروِ ذلك)، أو قوله: (إنّ هذا الحديث من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل)، أمّا هذه التهويلات والمجازفات، فقد طغت، بشكل خاصّ، على أسلوبه في مناقشة فضائل وخصائص العترة الطاهرة (لا سيّما سيدها علي (عليه السلام))، والإصرار على إنكارها وتكذيبها بلا دليل أو برهان، ومن دون الإشارة إلى أي مصدر أو موضع، ذُكر فيه اتفاق أهل المعرفة عليه!!!
ومن ذلك: تكذيبه للشطر الآخر من حديث «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»، حيث قال: (وأمّا الزيادة، وهي قوله: «اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه» فلا ريب أنّه كذب)، في حين أنّه صحيح (1)، وقد رواه أحمد بن حنبل في «مسنده» ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة، ورواه من طريق آخر، رجاله ثقات، ورواه النسائي في خصائصه بإسناد صحيح، ورواه الطبراني في «المعجم الأوسط» ورجاله ثقات.(2)
وقد بلغ به الأمر في النيل من شخصية أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)والتهوين من شأنه، أن أنكر ما هو أضوأ من الشمس في وضوحه وسطوعه: بُطولة عليّ

1 . قال ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 6 / 1202، برقم 2982: وجملة القول أن الحديث صحيح بشطريه.
2 . راجع فقرة: موقف أحمد بن حنبل من الإمام علي (عليه السلام): 199 .

(574)
الّتي ضُربت بها الأمثال، وبلاؤه العظيم في معارك الإسلام، ودوره المتميّز فيها، حيث قال: (وكثير من الوقائع الّتي ثبت بها الإسلام لم يكن لسيفه فيها تأثير)(1)!!!
وبسبب هذه المواقف السلبية الّتي اتخذها ابن تيمية من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته الطاهرة، ذهب تقي الدين الحصني والعلاء البخاري وغيرهما إلى أن ابن تيمية عنده ضغينة سوء للنبي، وأهل بيته، وصدقوا فيما قالوا .(2)
***
وفي ختام الفصل نقول: لقد أورد ابن تيمية أكاذيب وافتراءات نُربئ بكتابنا هذا عن أن نسوِّد شيئاً من صحائفه بمثل هذه المخازي التي أخرجت كتابه المعتمد عند أبناء طائفته ومريديه (أعني: منهاج السنّة) أخرجته عن عداد الكتب العلمية والموضوعية، وألقت به في رفوف الكتب المهملة والبائدة...
ولكن ولأجل ألاّ تنطلي على السُذّج من الناس، ننصح القارئ بأن يمرّ عليها مرور الكرام،(3) ويبحث في ثنايا الكتاب عن شاهد أو دليل يؤيد ما يزعمه أنّه من ممارسات الشيعة وطقوسهم التي اعتادوا عليها وسماها (مخاريقهم)، فأين الدليل، وأين الشاهد؟
(قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ).

1 . راجع ص 260 من هذا الكتاب.
2 . انظر: دفع شُبه من شبّه وتمرّد: 1 / 45 ; وأخطاء ابن تيمية: 113 .
3 . لاحظ منهاج السنة:1/38ـ57، وفي طبعة بولاق: 1 / 9 ـ 13 .

(575)

ونقض غزله أنكاثاً

ثم إنّ ابن تيمية لما وقف على أنّ أكثر ما نسبه من الحماقات إلى الشيعة لا يتفق مع الواقع وأنّهم برآء من هذه التهم براءة يوسف عما أُلصق به، حاول تبرير تلك التهم وقال:
ومما ينبغي أن يُعرف أن ما يوجد في جنس الشيعة من الأقوال والأفعال المذمومة، لكن قد لا يكون هذا كله في الإمامية الاثني عشرية، ولا في الزيدية ولكن يكون كثير منه في الغالية وفي كثير من عوامهم مثل ما يذكر عنهم من تحريم لحم الجمل، وأنّ الطلاق يشترط فيه رضا المرأة، ونحو ذلك مما يقوله بعض عوامهم، وإن كان علماؤهم لا يقولون بذلك، ولكن لما كان أصل مذهبهم مستنداً إلى الجهل كانوا أكثر الطوائف كذباً وجهلاً.(1)
إنّه بكلامه هذا صار من مصاديق قوله تعالى: (كالّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوّة أنكاثاً)، ومع ذلك كلّه فقد صبّ سمّه في آخر كلامه فجعل الشيعة من أكثر الطوائف كذباً وجهلاً، وكأنّه أحاط بعقائد وأقوال عامّة الطوائف الإسلامية وغيرها وعدّها وأحصاها فوجد الشيعة أكثرهم كذباً وجهلاً.
(كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إنْ يَقُولونَ إلاّ كَذِباً).(2)
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
تمّ الكتاب بقلم مصنفه جعفر السبحاني،
عشيّة يوم الأحد، الخامس
والعشرين من شهر صفر المظفر
من شهور عام1432 للهجرة الشريفة

1 . منهاج السنّة:1/57، وفي طبعة بولاق: 1 / 13 . 2 . الكهف:5.
Website Security Test