welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(506)

2. خصوصيات الإمام المهدي(عليه السلام)

إذا راجعنا الأحاديث الواردة عن طريق الفريقين نقف على ملامح وخصوصيات الإمام المهدي(عليه السلام)، وها نحن نذكر عناوين خصوصياته وعدد الروايات الواردة فيها:
1. إنّ المهدي من عترة رسول وأهل بيته وذريته، وفيه 407 أحاديث.
2. إنّ اسمه اسم رسول الله وكنيته ككنية رسول الله وأنّه أشبه الناس به ويعمل بسنّته، وفيه 54 حديثاً.
3. إنّه من ولد أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، وفيه 225حديثاً.
4. إنّه من ولد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وفيه 202 حديث.
5. إنّه من ولد السبطين الحسن والحسين (عليهما السلام)، وفيه 125حديثاً.
6. إنّه التاسع من ولد الحسين(عليه السلام)، وفيه 160 حديثاً.
7. إنّه من ولد الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، وفيه 197 حديثاً.
8. إنّه من ولد الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام)، وفيه 120حديثاً.
9. إنّه السادس من ولد الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)، وفيه 112 حديثاً.
10. إنّه من صلب الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر(عليه السلام)، وفيه 121 حديثاً.
11. إنّه الرابع من ولد الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، وفيه 111 حديثاً.

(507)
12. إنّه من ولد الإمام محمد بن علي الرضا(عليه السلام)، وفيه 109 أحاديث.
13. إنّه خلف خلف أبي الحسن (الإمام الهادي) وابن أبي محمد الحسن (العسكري (عليهما السلام))، وفيه 107 أحاديث.
14. إنّ اسم أبيه الحسن(عليه السلام) وفيه 108 أحاديث.(1)
وهذه الأحاديث ليست بمعنى أنّ كلّ خصوصية فيها أحاديث خاصّة لا صلة لها بسائر الأحاديث، بل يمكن أن يكون حديثاً واحداً أو أحاديث تشتمل على عدّة خصوصيات.
وبملاحظة هذه الأحاديث الواردة من الفريقين، وإن كان أكثرها من طرقنا، يحدد وجود الإمام الثاني عشر على وجه لا تنطبق إلاّ على الخلف الصالح للإمام العسكري(عليه السلام).

ولادته

هذا هو الإمام المنتظر بين السنّة والشيعة، وإنّما الاختلاف بين الفريقين في ولادته، فالشيعة ذهبت إلى أنّ المهدي الموعود هو الإمام الثاني عشر
الذي ولد بسامراء عام 255هـ، واختفى بعد وفاة أبيه عام 260هـ، وقد
تضافرت عليه النصوص من آبائه، على وجه ماترى شكّاً ولا شبهة ووافقتهم جماعة من علماء أهل السنّة، وقالوا بأنّه ولد وأنّه محمد بن الحسن
العسكري.

1 . صدرنا في هذه الأرقام والأعداد عن كتاب «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر» وهو موسوعة بديعة في المهدي المنتظر (عليه السلام)، شكر الله مساعي مؤلفها.

(508)
نعم كثير منهم قالوا بأنّه سيولد في آخر الزمان، ولكنّ أهل البيت أدرى بما في البيت، فمن رجع إلى روايات أهل البيت في كتبهم يظهر له الحق، وأنّ المولود للإمام العسكري هو المهدي الموعود.
وممن أيّد من علماء أهل السنة بأنّ وليد بيت الحسن العسكري هو المهدي الموعود:
1. أبو بكر أحمد بن الحسين المعروف بالبيهقي(المتوفّى 458هـ)، قال في كتابه شعب الإيمان: اختلف الناس في أمر المهدي، فتوقّف جماعة وأحالوا العلم إلى عالمه، واعتقدوا أنّه واحد من أولاد فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، يخلقه الله متى شاء، يبعثه نصرةً لدينه، وطائفة يقولون: إنّ المهديّ الموعود ولد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وهو الإمام الملقب بالحجّة القائم المنتظر محمد بن الحسن العسكري، وأنّه دخل السرداب بسرّ من رأى، وهو حيّ مختف عن أعين الناس، منتظر خروجه، وسيظهر ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، ولا امتناع في طول عمره وامتداد أيّامه كعيسى بن مريم والخضر (عليهما السلام)، وهؤلاء الشيعة، خصوصاً الإماميّة، ووافقهم عليه جماعة من أهل الكشف.(1)
2. أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن الخشاب البغدادي (المتوفّى 567 هـ) قال في كتابه «تاريخ مواليد الأئمة ووفياتهم»، باسناده عن أبي بكر أحمد بن نصر بن عبد الله بن الفتح الدرائي النهرواني، حدّثنا صدقة

1 . شعب الإيمان، كما ورد في منتخب الأثر:2/374، وبما أنّ البيهقي توفّى عام 458 هـ ، فمراده من قوله: جماعة من أهل الكشف، غير محيي الدين ابن العربي فإنّه توفّي عام 638هـ ، وغير الشعراني الذي توفّي عام 955هـ .

(509)
بن موسى، حدثنا أبي، عن الرضا(عليه السلام)، قال: الخلف الصالح من ولد أبي محمد الحسن بن علي وهو صاحب الزمان وهو المهدي.(1)
3. الشيخ محيي الدين المعروف بابن العربي الحاتمي الطائي الأندلسي(المتوفّى 638هـ) صاحب كتاب «الفتوحات المكيّة».
يُذكر أنّ الشيخ عبد الوهاب الشعراني عقد باباً في كتاب «اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر» لبيان أشراط الساعة التي أخبر بها الشارع وكلّها تقع قبل قيام الساعة، وعدّ من ذلك خروج المهدي، وقال: وهو من أولاد الإمام الحسن العسكري ومولده(عليه السلام) ليلة النصف من شعبان سنة 255هـ ، وهو باق إلى أن يجتمع به عيسى ابن مريم(عليه السلام) فيكون عمره إلى وقتنا هذا ـ وهو سنة 958هـ ـ 706 سنين، ثم قال:
عبارة الشيخ محيي الدين في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات هكذا: واعلموا أنّه لابدّ من خروج المهدي(عليه السلام)، لكن لا يخرج حتى تمتلأ الأرض جوراً وظلماً فيملأها قسطاً وعدلاً، ولو لم يكن من الدنيا إلاّ يوم واحد طوّل الله تعالى ذلك اليوم حتّى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، من ولد فاطمة رضي الله عنها، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده الحسن العسكري ابن الإمام علي النقي ـ بالنون ـ ابن محمد التقي ـ بالتاء ـ بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب(رضي الله عنه)، يواطئ اسمه اسم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، يبايعه

1 . تاريخ مواليد الأئمة ووفيّاتهم: 44ـ45، ولاحظ : مجموعة نفيسة للسيد محمود المرعشي:200ـ202.

(510)
المسلمون بين الركن والمقام، يشبه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أخلاقه والله يقول: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم ).(1)
ثمّ ذكر أوصاف المهدي بقوله: هو، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسّم المال بالسوية، ويعدل في الرعية.(2)
هذا وإذا رجعنا إلى كتاب الفتوحات المكية طبعة مصر، والتي أعادت طبعها دار صادر في بيروت وجدنا العبارة محرّفة مبدّلة، وإليك نفس ما جاء هناك: اعلم أيّدنا الله إنّ لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد طوّل الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من ولدنا فيه يواطئ اسمه اسم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جدّه الحسن بن علي بن أبي طالب يبايع بين الركن والمقام.(3)
4. الشيخ كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحة الشافعي القرشي(582ـ 652هـ)، قال في كتابه «مطالب السؤول في مناقب آل الرسول»: الباب الحادي عشر: في أبي محمد الحسن بن علي، الخالص]يعني الحسن العسكري[ إلى أن قال: فاعلم أنّ المنقبة العليا والمزيّة الكبرى التي خصّه الله عزّ وجلّ بها، وقلّده فريدها، ومنحه تقليدها، وجعلها صفة دائمةً لا يبلي الدهر جديدها، ولا تنسى الألسن تلاوتها وترديدها، أنّ المهدي محمّد نسله المخلوق منه، وولده المنتسب إليه، وبضعته المنفصلة عنه... ثم قال: الباب الثاني عشر: في أبي القاسم محمد بن الحسن الخالص بن علي... المهدي الحجّة الخلف

1 . القلم: 4 . 2 . اليواقيت والجواهر:2/143، ط 1378 هـ ، 1959م.
3 . الفتوحات المكيّة:3/327. انظر كيف يحرفون الكلم عن مواضعها.

(511)
الصالح المنتظر عليهم السلام ورحمة الله وبركاته.(1)
5. الشيخ شمس الدين أبو المظفر سبط الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي (المتوفّى 654هـ) قال في كتابه «تذكرة الخواص»: فصل: هو محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام)، وكنيته أبو عبد الله وأبو القاسم، وهو الخلف الحجّة صاحب الزمان القائم والمنتظر والتالي وآخر الأئمة... إلى أن قال: ويقال له ذو الاسمين محمد وأبو القاسم، قالوا أمّهُ أُم ولد يقال لها: صيقل، وقال السدّي: يجتمع المهدي وعيسى بن مريم فيجيء وقت الصلاة فيقول المهدي لعيسى تقدّم، فيقول عيسى: أئت بالصلاة فيصلي عيسى وراءه مأموماً.(2)
6. الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي(المتوفّى 658هـ) صاحب كتاب «البيان في أخبار صاحب الزمان» وكتاب «كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب»فهو بعدما ذكر الإمام الهادي(عليه السلام) وولده الإمام العسكري قال: وقبض يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأوّل سنة ستين ومائتين وخلّف ابنه الإمام المنتظر صلوات الله عليه، ونختم الكتاب بذكره مفرداً.(3)

1 . مطالب السؤول في مناقب آل الرسول:311، طبعة مؤسسة البلاغ، بإشراف السيد عبدالعزيز الطباطبائي.
2 . تذكرة الخواص:2/506ـ512.
3 . ذيل كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب (المسمّى بالبيان في أخبار صاحب الزمان): 473.

(512)
ويقول أيضاً في كتاب «البيان في أخبار صاحب الزمان»، الباب الخامس والعشرون: في الدلالة على جواز بقاء المهدي(عليه السلام) مذ غيبته إلى الآن، ولا امتناع في بقائه، بدليل بقاء عيسى وإلياس والخضر من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجّال وإبليس الملعونين أعداء الله تعالى... إلى آخر كلامه الطويل الذّيل في هذا الباب.(1)
7. الشيخ صلاح الدين الصفدي (المتوفّى 764هـ) قال في شرح الدائرة: إنّ المهدي الموعود هو الإمام الثاني عشر من الأئمة أوّلهم سيدنا عليّ(عليه السلام)، وآخرهم المهدي(رضي الله عنهم).(2)
8. علـي بن محمـد بن أحمـد بن عبـد الله المـالكي المكّي المعـروف بـابن الصبـاغ(734ـ 855هـ) صـرّح في كتـابه «الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة» بولادته (عليه السلام) وتاريخها، وأنّ أُمّه نرجس خير أمة، وصرّح أيضاً بنسبه، وذكر أسماء آبائه، وجملة من حالاتهـم وكلماتهم ومعجزاتهم، وصرّح بأنّه الإمام الثاني عشر، وذكر جملة من الأحاديث الواردة في حقّه(عليه السلام).(3)
9. القاضي فضل الله بن روزبهان الخنجي الشافعي(4) الذي كتب ردّاً على كتاب «كشف الحق ونهج الصدق»للعلاّمة الحلّي، وأسمى ردّه بإبطال نهج الباطل(5) ، قال في ذيل قول العلاّمة: المطلب الثاني في زوجته وأولاده،

1 . البيان في أخبار صاحب الزمان:521، طبعة النجف الأشرف.
2 . شرح الدائرة كما في منتخب الأثر:2/385 نقلاً عن ينابيع المودة للقندوزي.
3 . الفصول المهمة:2/1095 وما بعدها، تحقيق سامي الغريري، طبعة دار الحديث، قم.
4 . ترجم له السَّخاوي في «الضوء اللامع»: 6/171، برقم 580.
5 . فرغ من تصنيفه عام (909 هـ).

(513)
ما هذا لفظه: أقول: ما ذكر من فضائل فاطمة ـ صلوات الله على أبيها وعليها وعلى سائر آل محمد والسلام ـ أمر لا ينكر، فإنّ الإنكار على البحر برحمته، وعلى البر بسعته، وعلى الشمس بنورها، وعلى الأنوار بظهورها، وعلى السحاب بجوده، وعلى الملك بسجوده، إنكار لا يزيد المنكر إلاّ الاستهزاء... إلى أن قال: ونعم ما قلت فيهم منظوماً:
سلام على المصطفى المجتبى *** سلام على السيّد المرتضى
سلام على ستنا فاطمة *** من اختارها الله خير النسا وبعد أن ذكر الأئمة الاثني عشر، قال:
سلام على القائم المنتظر *** أبي القاسم القرم نور الهدى
ترى يملأ الأرض من عدله *** كما ملئت جور أهل الهوى
10. شمس الدين محمد بن طولون (المتوفّى 953هـ) يقول: وثاني عشرهم ابنه محمد بن الحسن، وهو أبو القاسم محمد بن الحسن بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وقد ذكرت المعتمد في أمر هذا في تعليقي «المُهدي إلى ما ورد في المهدي» وقد رتبت تراجم هؤلاء الأئمة الاثني عشر رضي الله عنهم على ترتيب النظم المتقدّم، ثم ذكر شيئاً من أشعاره حولهم.(1)
11. الشيخ ابن حجر الهيتمي المكّي (المتوفّى 974هـ)، قال في

1 . الأئمة الاثنى عشر، لابن طولون: 118، طبعة دار صادر، لاحظ كتاب الإمام المهدي عند أهل السنّة:339.

(514)
الصواعق، بعدما ذكر شيئاً من أحوال الإمام العسكري: ولم يخلف غير ولده: أبي القاسم محمد الحجّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة.(1)
12. جمال الدين عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي الشافعي المصري(المتوفّى 1171هـ) قال في كتابه «الإتحاف بحب الأشراف»: الثاني عشر من الأئمة أبو القاسم محمد الحجّة الإمام. قيل هو المهدي المنتظر، ولد الإمام محمد الحجّة بن الإمام الحسن الخالص رضي الله عنه بسُر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين قبل موت أبيه بخمس سنين، وكان أبوه قد أخفاه حين ولد وستر أمره لصعوبة الوقت وخوفه من الخلفاء، فإنّهم كانوا في ذلك الوقت يتطلّبون الهاشميين ويقصدونهم بالحبس والقتل ويريدون إعدامهم.(2)
ونقتصر ـ لضيق المقام ـ بهذا العدد، إلاّ أنّه هناك ثلّة من العلماء من أهل السنّة قد صرّحوا بولادته، تعرّض لها القندوزي في كتابه «ينابيع المودّة»، والسيد الأمين العاملي في «أعيان الشيعة»، وأنهاهم آية الله الصافي إلى (68)(3) عالماً، وإذا أُضيف إلى ما رواه علماؤنا الأبرار بأسانيدهم فيصير ميلاد الإمام الثاني عشر أمراً قطعيّاً، يؤمن به من ليس في قلبه زيغ.
وإذا أضيف إلى هذا من رآه في الغيبة الصغرى تكون ولادته أظهر من الشمس، وبما أنّ كتابنا هذا لا يسع ذكر أسماء من رأى الحجّة في حياة الإمام

1 . الصواعق المحرقة:208.
2 . الإتحاف بحب الأشراف للشبراوي:179، طبع المطبعة الأدبية بمصر.
3 . لاحظ : منتخب الأثر:2/369ـ 394.

(515)
العسكري وبعد رحيله إلى نهاية الغيبة الصغرى التي انتهت عام 329 هـ ، ومن رآه في الغيبة، فنحيل القارئ الكريم إلى الكتب المؤلفة حول الإمام الثاني عشر.
بقي الكلام في أمر آخر وهو طول عمره الشريف.

طول عمر الإمام المهدي (عج)

إنّ من الأسئلة المطروحة حول الإمام المهدي، طول عمره في فترة غيبته، فإنّه ولد عام 255هـ، فيكون عمره إلى العصر الحاضر أكثر من ألف ومائة وخمسين عاماً، فهل يمكن في منطق العلم أن يعيش إنسان هذا العمر الطويل؟

الجواب:

من وجهين، نقضاً وحلاًّ.
أمّا النقض: فقد دلّ الذكر الحكيم على أنّ شيخ الأنبياء عاش قرابة ألف سنة، قال تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إلاّ خَمْسينَ عاماً).(1)
وقد تضمّنت التوراة أسماء جماعة كثيرة من المعمّرين، وذكرت أحوالهم في سِفْر التكوين.(2)
وقد قام المسلمون بتأليف كتب حول المعمّرين، ككتاب «المعمّرين» لأبي حاتم السجستاني، كما ذكر الصدوق أسماء عدّة منهم في كتاب «كمال

1 . العنكبوت:14.
2 . التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الخامس، الجملة5، وذكرت هناك أعمار آدم، وشيث، ونوح، وغيرهم.

(516)
الدين»(1)، والعلاّمة الكراجكي في رسالته الخاصّة، باسم «البرهان على صحّة طول عمر الإمام صاحب الزمان»(2)، والعلاّمة المجلسي في البحار(3)، وغيرهم.
وأمّا الحلّ: فإنّ السؤال عن إمكان طول العمر، يعرب عن عدم التعرّف على سعة قدرة الله سبحانه: (وما قَدَروا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)(4)، فإنّه إذا كانت حياته وغيبته وسائر شؤونه، برعاية الله سبحانه، فأي مشكلة في أن يمدّ الله سبحانه في عمره ما شاء، ويدفع عنه عوادي المرض ويرزقه عيش الهناء؟
وبعبارة أُخرى: إنّ الحياة الطويلة إمّا ممكنة في حدّ ذاتها أو ممتنعة، والثاني لم يقل به أحد، فتعيّن الأوّل، فلا مانع من أن يقوم سبحانه بمدّ عمر وليّه، ليمارس دوره العظيم في تحكيم منهج الله في الأرض، وإصلاح البشرية وإنقاذها من الويلات والنكبات.
أضف إلى ذلك ما ثبت في علم الحياة، من إمكان طول عمر الإنسان إذا كان مراعياً لقواعد حفظ الصحّة، وأنّ موت الإنسان في فترة متدنية، ليس لقصور الاقتضاء، بل لعوارض تمنع عن استمرار الحياة، ولو أمكن تحصين الإنسان منها بالأدوية والمعالجات الخاصّة، لطال عمره ما شاء الله.
وهناك كلمات ضافية من مَهَرة علم الطب في إمكان إطالة العمر، وتمديد حياة البشر، نشرت في الكتب والمجلات العلمية المختلفة.(5)

1 . كمال الدين:555.
2 . البرهان على صحّة طول عمر صاحب الزمان، ملحق بـ«كنز الفوائد»، له. أيضاً الجزء الثاني. لاحظ في ذكر المعمّرين:114ـ 155.
3 . بحار الأنوار:51/225ـ 293، الباب14. 4 . الأنعام:91.
5 . لاحظ: مجلة المقتطف، الجزء الثالث من السنة التاسعة والخمسين.

(517)
وبالجملة، اتّفقت كلمة الأطباء على أنّ رعاية أُصول حفظ الصحّة، توجب طول العمر، فكلّما كثرت العناية برعاية تلك الأُصول، طال العمر، ولأجل ذلك نرى أنّ الوفيات في هذا الزمان، في بعض الممالك، عن عمر قصير، أقلّ من السابق، والمعمّرين فيها أكثر من ذي قبل، وما هو إلاّ لرعاية أُصول الصحّة، ومن هنا أُسّست شركات تضمن حياة الإنسان إلى أمد معلوم تحت مقرّرات خاصّة وحدود معيّنة، جارية على قوانين حفظ الصحّة، فلو فرض في حياة شخص اجتماع موجبات الصحّة من كلّ وجه، طال عمره إلى ما شاء الله.
وإذا كان (هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريباً في حدود المألوف حتى اليوم في حياة الناس وفي ما أُنجز فعلاً من تجارب العلماء، أوَ ليس الدور التغييري الحاسم الذي أُعدّ له هذا المنقذ غريباً في حدود المألوف في حياة الناس، وما مرّت بهم من تطورات التاريخ؟
أوَ ليس قد أُنيط به تغيير العالم، وإعادة بنائه الحضاري من جديد على أساس الحق والعدل؟ فلماذا تستغرب إذا اتّسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبة، الخارجة عن المألوف كطول عمر المنقذ المنتظر؟ فإنّ غرابة هذه الظواهر وخروجها عن المألوف مهما كان شديداً، لا يفوق بحال غرابة نفس الدور العظيم الذي يجب على اليوم الموعود إنجازه.
فإذا كنّا نستسيغ ذلك الدور الفريد تاريخياً على الرغم من أنّه لا يوجد دور مناظر له في تاريخ الإنسان، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذي لا نجد عمراً مناظراً له في حياتنا المألوفة؟)(1).

1 . بحث حول المهدي للشهيد السيد محمد باقر الصدر:35ـ36 (مطبوع في مقدمة كتاب 2
تاريخ الغيبة الصغرى للشهيد السيد محمد الصدر).

(518)

إشكالات ابن تيمية والجواب عنها

بعد هذه المقدّمة الهامّة حول موضوع الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام) نعود إلى ما ذكره ابن تيمية في هذا الصدد، حيث عمد إلى إنكار ولادة الإمام المهدي، وإمامته، وطول عمره خلال هذه الأزمنة، ولنذكر منها ما هو المهم من إشكالاته ثم نجيب عنها:
***

الإشكال الأوّل: الحسن العسكري لم يكن له نسل ولا عقب

قال ابن تيمية: قد ذكر محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما من أهل العلم بالأنساب والتواريخ: أنّ الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب.(1)
وذكره في أوّل كتابه حيث قال: إنّ الحسن بن علي العسكري لم ينسل ولم يُعقب، كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما من أهل العلم بالنسب.(2)
أقول: إنّ ابن تيمية أحال إلى تاريخ الطبري ولم يذكر أنّه في أي جزء وفي أي موضع ذكر أنّ الحسن بن علي العسكري لم ينسل، وكذلك الأمر في عبد الباقي بن قانع وأنّه في أي كتاب من كتبه ذكر ذلك؟! وعلى كلّ تقدير هل ذكرا ذلك بالإسناد أو ذكراه بالإرسال، وعلى التقدير الأوّل فهل السند

1 . منهاج السنّة:4/87، وفي طبعة بولاق : 2/131.
2 . منهاج السنّة: 1/122، وفي طبعة بولاق : 1/30.

(519)
صحيح أو لا، ومع هذه الإبهامات لا يمكن أن يستند إلى هذه النسب.
ومن المدهش حقاً، أن يذكر ابن تيمية عبد الباقي بن قانع، ويعتمد عليه في مثل هذه الأُمور، فلا هو من أصحاب العلم بالأنساب والتواريخ(كما يزعم ابن تيمية)، ولا هو من معاصري الإمام العسكري، ولا هو ممّن برئ من النقد والتجريح!!
ولابدّ، هنا، من الوقوف على أحوال هذا الرجل، للتأكّد من صحّة ما ذكرناه.
ولد عبد الباقي بن قانع سنة (266هـ)، وقيل: سنة (265هـ)، أي بعد وفاة الإمام العسكري(عليه السلام) بستّ أو خمس سنوات. وتوفّي سنة (351هـ)، وقيل: سنة (354هـ).
قال الدارقطني: كان يحفظ، ولكنّه يخطئ ويصيب.
وقال البرقاني: هو عندي ضعيف، ورأيت البغداديين يوثّقونه.
واعترض الخطيب البغدادي على كلام البرقاني، وقال: لا أدري لماذا ضعّفه البرقاني، فقد كان ابن قانع من أهل العلم والدراية، ورأيت عامة شيوخنا يوثّقونه، وقد تغيّر في آخر عمره.
وقال أبو الحسن بن الفرات: حدث به اختلاط قبل موته بسنتين.
وقال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب: لم أر أحداً ممّن ينسب إلى الحفظ أكثر أوهاماً منه، ولا أظلم أسانيد، ولا أنكر متوناً، وعلى ذلك فقد روى عنه الجلّة ووصفوه بالحفظ منهم أبو الحسن الدارقطني فمن دونه، قال: وكنت سألت الفقيه أبا يعلى يعني الصدفي في قراءة معجمه عليه، فقال لي: فيه

(520)
أوهام كثيرة، فإن تفرّغت إلى التنبيه عليها فافعلْ. قال: فخرّجتُ ذلك وسمّيته: «الإعلام والتعريف ممّا لابن قانع في معجمه من الأوهام والتصحيف».(1)
أفيمكن ـ مع كلّ ما تقدّم ـ أن يُستند إلى قول مَن هذا شأنه في نفي وجود نسل أو عقب للحسن العسكري؟ هذا إذا صحّ عنه أنّه نفى ذلك.
ثمّ إنّ محقق كتاب منهاج السنّة، أعني الدكتور محمد رشاد سالم، ذكر في تعليقته ما زاد على الإبهام إبهاماً، وقال:
أشار الأُستاذ محب الدين الخطيب في تعليقته على المنتقى من منهاج الاعتدال تعليق (2) ص 3 إلى واقعة حدثت سنة 302 هـ ، وهي مذكورة في تاريخ الطبري، تبيّن أنّ الحسن العسكري لم يعقب ثم قال: وذكر الواقعة عريب بن سعد القرطبي في «صلة تاريخ الطبري»:8/34ـ 35، طبعة القاهرة 1358/1939.
أقول: قد استشهد محقّق الكتاب بهذين الأمرين:
1. ما أشار إليه محب الدين الخطيب وأنّه مذكور في تاريخ الطبري.
2. أنّ عريب بن سعد القرطبي ذكر الواقعة التي أشار إليها محب الدين الخطيب.
فلندرس هذين الشاهدين:
الأوّل: أي قوله: إنّ محب الدين الخطيب أشار إلى الواقعة التي حدثت سنة 302هـ ، وهي «تبيّن أنّ الحسن العسكري لم يعقب وهي مذكورة في تاريخ الطبري»، فهذه الإشارة غير صحيحة جزماً، فهذا هو تاريخ الطبري بين

1 . ميزان الاعتدال:2/532، برقم 4735; ولسان الميزان:3/383، برقم 1536; والأعلام:3/272.

(521)
أيدينا، قد بدأ ببيان حوادث سنة (302هـ) في ص 256 من الجزء الثامن وأتمها في ص 258 وليس فيها أي ذكر لهذه الواقعة التي تتضمن أنّ الحسن العسكري لم يعقب.
الثاني: أعني ما ذكره في صلة تاريخ الطبري.
أقول: جاء في ذيل الجزء الثامن الذي يبتدأ من سنة 291ـ 320هـ ، ما أشار إليه المحقق محمد رشاد سالم، وفيه (يعني عام 302هـ) قال:
جاء رجل حسن البزّة، طيّب الرائحة إلى باب غريب خال المقتدر وعليه درّاعة وخف أحمر وسيف جديد بحمائل وهو راكب فرساً ومعه غلام فاستأذن للدخول فمنعه البواب، فانتهره وأغلظ عليه ونزل فدخل ثم قعد إلى جانب الخال وسلّم عليه بغير الإمرة، فقال له غريب وقد استبشع أمره: ما تقول أعزّك الله؟ قال: أنا رجل من ولد علي بن أبي طالب، وعندي نصيحة للخليفة.
إلى أن قال: حتى أُدخل على الخليفة وأُخذ سيفه وتنحّى الغلمان والخدم فأخبر المقتدر بشيء لم يقف عليه أحد، ثم أمر به إلى منزل أُقيم له، وخلع عليه ما يلبسه ووكل به خدم يخدمونه، وأمر المقتدر أن يحضر ابن طومار نقيب الطالبيين... إلى أن قال: فلمّا حضر فسأله ابن طومار عن نسبته فزعم أنّه محمد بن الحسن بن علي بن موسى بن جعفر الرضا وأنّه قدم من البادية.
فقال له ابن طومار: لم يعقب الحسن، وكان قوم يقولون أنّه أعقب، وقوم قالوا: لم يعقب...إلى آخر القصة.(1)

1 . صلة تاريخ الطبري:8/34ـ35.

(522)

يلاحظ على القصة ما يلي:

1. أنّ مؤلف الصلة كان من أهل قرطبة، وقد توفّي سنة (369هـ)(1)، فهو لم يشهد القصة لبُعد بلاده، ولطول الفترة الزمنية الممتدّة بين وفاته وبين وقوعها في سنة (302هـ)، كما أنّه لم يذكر سنداً لها حتى نتعرّف على مكانة راويها في الجرح والتعديل، ويمكن أن تكون من أكاذيب القصّاصين ومختلقات الكذّابين.
2. لو سلّمنا أنّ ابن طومار رجل ثقة خبير بالأنساب، فإنّ المنفي في كلامه هو عدم إعقاب الحسن بن علي بن موسى بن جعفر الرضا، وأين هذا من عدم إعقاب الحسن (العسكري) بن علي بن محمد بن علي الرضا؟
3. لو ذهبنا بعيداً وافترضنا أنّ القصة صحيحة وقد وقعت فعلاً، وافترضنا، أيضاً، أنّ المراد بنفي إعقابه في القصة، هو الحسن العسكري، وأنّه حصل خطأ في سلسلة النسب المذكورة فيها، فإنّ نفي إعقابه، مطلقاً، على ضوء هذه القصة، لا يتمّ للاحتمال التالي، وهو:
أنّ ابن طومار كان يعلم بأنّ الحسن العسكري(عليه السلام) قد أعقب، ولكنّه كان يجاري السلطة الحاكمة في نفي إعقابه، لأنّ مخالفتها في ذلك، سيسبّب له الأذى والمتاعب، وربما القتل، ولا يمكن أن يكون هو بهذه السذاجة حتى يكشف عن هذا الأمر أمام السلطة الجائرة التي كانت تقلقها جداً، الأخبار التي

1 . قال الزركلي في ترجمة عريب: طبيب مؤرخ، من أهل قرطبة. من أصل نصراني. أسلم آباؤه واستعربوا وعرفوا ببني التركي. استعمله الناصر(سنة 331 هـ) على كورة أشونة. واستكتبه المستنصر(الحكم) وارتفعت منزلته عند الحاجب المنصور (أبي عامر) فسمّاه «خازن السلاح»... ثم ذكر وفاته في السنة المذكورة. الاعلام:4/227.

(523)
تتحدث عن وجود ابن للعسكريّ، يطيح بعروش الظالمين، ويبسط القسط والعدل بين الناس.
ثمّ لو افترضنا أنّ ابن طومار نفى وجود عقب للإمام(عليه السلام) عن علم، فإنّ قوله هذا ليس بحجّة، ففي قباله قول مشهور يُثبت وجوده، والقصة نفسها قد تحدّثت عن ذلك، فقد جاء فيها: (وكان قوم يقولون أنّه أعقب، وقوم قالوا: لم يعقب)، وابن طومار لم يكن، في هذا الأمر، بأعلم منه بأصحاب الإمام العسكري وخواصّه، الذين سمعوا منه خبر ولادة ابنه المهدي، ورآه جماعة منهم.
ولعمر القارئ أنّ الاستناد على هذه النقولات الضعيفة أشبه بتمسّك الغريق بكل قشّة.

الإشكال الثاني: الحاجة إلى من يحضن المهدي بعد ولادته

قال: لو كان هذا موجوداً معلوماً لكان الواجب في حكم الله الثابت بنصّ القرآن والسنة والإجماع أن يكون محضوناً عند من يحضنه في بدئه كأُمّه وأُمّ أُمّه ونحوهما من أهل الحضانة، وأن يكون ماله عند من يحفظه إمّا وصي أبيه إن كان له وصي وإمّا غير الوصي إما قريب وإما نائب لدى السلطان، فإنّه يتيم لموت أبيه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ابن تيمية يتصور أنّ الإمام المهدي في أيام صباه كسائر الصبيان، يجب أن يوجد له من يحضنه ويحفظ أمواله إلى غير ذلك من شؤون الأيتام.

1 . منهاج السنّة:4/89 ، وفي طبعة بولاق:2/132.

(524)
ولكنّه خفي عليه أنّ هذا صبي غير عادي، فالله سبحانه هو الحافظ لكلّ شؤونه. كيف يقول ذلك، مع أنّ الخلافة العباسية كانت له بالمرصاد فعندما انتشر خبر وفاة الإمام العسكري بعثوا إلى داره وفتشوها وكبسوا كلّ ما فيها وطلبوا إثر ولده، حتى جاءوا بالنساء اللواتي كنّ في بيت الإمام(عليه السلام)، أفيمكن أن تكون حياته حياة سائر الصبيان حتى تحضنه أُمّه أو أمّ أُمّه... الخ؟!
إنّ الإمام المهدي كان أمانة إلهية والله سبحانه حفظه بعلمه وقدرته من دون أن يحتاج إلى حضانة حاضن أو ولاية ولي.

الإشكال الثالث: عدم الانتفاع بوجوده

قال ابن تيمية: سواء قُدّر وجوده أو عدمه، لا ينتفعون به لا في دين ولا في دنيا، فإنّ المؤمنين به لم ينتفعوا به، ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة، والمكذّبون به يعذّبون (عندهم) على تكذيبهم به، فهو شرٌّ محض لا خير فيه.(1)
والجواب: أنّ أولياء الله بين ظاهر قائم بالأُمور، وبين مختف قائم بها من دون أن يعرفه الناس، وكتاب الله العزيز يشهد على وجود هذين النوعين: ظاهر مشهور باسط اليد تعرفه الأُمة وتقتدي به وتستضيء بضوئه وتبصر بنوره، وغائب مستور، لا يعرفه حتّى نبي زمانه، كما يخبر سبحانه عن مصاحب موسى(عليه السلام) بقوله: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا).(2)

1 . منهاج السنّة:4/89 ـ 90، وفي طبعة بولاق:2/132 . 2 . الكهف:65ـ 66.

(525)
فالقرآن إذن يدلّ على أنّ الولي ربما يكون غير معروف للناس
حتى الأنبياء منهم، ومع ذلك لا يعيش في غفلة عن الناس بل يتصرف
في مصالحهم ويرعى شؤونهم من دون أن يعرفوه. فعلى ضوء الكتاب الكريم، يصحّ لنا أن نقول بأنّ الوليّ إمّا أن يكون وليّاً حاضراً مشاهداً، أو غائباً محجوباً.
وإلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)في كلامه لكميل بن زياد النخعي: «اللَّهُمَّ بَلَى! لاَ تَخْلُو الاَْرْضُ مِنْ قَائِم لِلّهِ بِحُجَّة، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ. ».(1)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يمكن أن تحلّ المشكلة بوجوه:
الأوّل: إنّ عدم علمنا بفائدة وجوده في زمن غيبته، لا يدلّ على عدم كونه مفيداً في زمن غيبته، فالمستشكل جَعَلَ عدم العلم طريقاً إلى العلم بالعدم!! وكم لهذا الإشكال من نظائر في التشريع الإسلامي، فيقيم البسطاء عدم العلم بالفائدة، مقام العلم بعدمها، وهذا من أعظم الجهل في تحليل المسائل العلمية، ولا شكّ أنّ عقول البشر لا تصل إلى كثير من الأُمور المهمّة في عالم التكوين والتشريع، بل لا تفهم مصلحة كثير من سننه، وإن كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث، بعيداً عن اللغو.
ويأتي في إطار القضايا التي قد لا تُعرَف الفائدة منها، ولا تُدرَك المصلحة فيها، قصة رفع النبي عيسى(عليه السلام) إلى السماء، قال تعالى حكاية عن اليهود: (وَقَوْلِهِمْ اِنّا قَتَلْنا الْمَسِيحَ عيسى ابنَ مَرْيَمَ رَسُولَ الله) فردّ عليهم

1 . نهج البلاغة:3/186، قصار الحكم، برقم 147.

(526)
بقوله:(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ...)، ثم قال: (بَلْ رَفَعَهُ اللهِ إليهِ وَكانَ اللهُ عَزيزاً حَكيماً).(1)
وهنا يتساءل المرء عن حكمة رفعه إلى السماء، وعن فائدة بقائه حيّاً منذ أن رُفع إلى أن ينزل في آخر الزمان، فلا يكاد يجد جواباً شافياً، وما عليه إلاّ التسليم لذلك... التسليم النابع من الإيمان العميق الواعي بأنّ كلّ أمر لحكمة.
يذكر أنّ المشهور بين المسلمين أنّ عيسى(عليه السلام) حيّ، وأنّه سينزل في آخر الزمان، وعند ظهور المهدي، وأنّ نزوله من أشراط الساعة.
وقد وردت في هذا الشأن أحاديث كثيرة، رواها الحفّاظ والمحدّثون، ومنهم البخاري ومسلم، اللّذان خصّصا لها باباً في صحيحيهما سمّياه (باب نزول عيسى(عليه السلام))، وإليك ما جاء في هذا الباب من صحيح البخاري:
1. عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«والذي نفسي بيده، ليوشكنَّ أن يَنزل فيكم ابنُ مريم حَكَماً عَدْلاً...» ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم:(وَإنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ القيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهيداً)(2).(3)
قال ابن حجر العسقلاني، وهو يشرح الرواية المذكورة: قوله «حَكماً» أي حاكماً، والمعنى أنّه ينزل حاكماً بهذه الشريعة، فإنّ هذه الشريعة باقية لا تُنسخ، بل يكون عيسى حاكماً من حكّام هذه الأُمّة.(4)

1 . النساء:157ـ 158. 2 . النساء:159.
3 . صحيح البخاري:2/402، باب 51، برقم 3448. طبعة دار الكتب العلمية، 1419هـ. وانظر: صحيح مسلم:1/93.
4 . فتح الباري:6/491.

(527)
2. عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامُكم منكم».(1)
هذا وقد جزم كثير من الحفّاظ والعلماء بأنّ عيسى(عليه السلام) ينزل من السماء، وأنّه يقتدي بالمهدي(عليه السلام) في صلاته.
قال الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين السِّجزي الآبري الشافعي (المتوفّى 363هـ): تواترت الأخبار بأنّ المهدي من هذه الأُمّة، وأنّ عيسى يصلّي خلفه.(2)
وقال الحافظ السيوطي(المتوفّى 911هـ): إنّ صلاة عيسى خلف المهدي ثابتة في عدة أحاديث صحيحة.(3)
وقال المحدّث محمد بن أحمد السفاريني النابلسي الحنبلي(المتوفّى 1188هـ): قد أجمعت الأُمّة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنّما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممّن لا يعتدّ بخلافه، وقد انعقد إجماع الأُمّة على أنّه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية.(4)
وقال القاضي الشوكاني(المتوفّى 1250هـ): الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم متواترة.(5)

1 . صحيح البخاري:2/402، برقم 3449. وانظر: صحيح مسلم:1/94.
2 . ذكره في كتابه «مناقب الشافعي»، ونقله عنه ابن حجر في «فتح الباري»:6/493ـ494.
3 . نقله عنه مرعي المقدسي في «فرائد فوائد الفكِر»:330.
4 . ذكره في «لوامع الأنوار الإلهية»، ونقله عنه السيد محمد صديق القنوجي في كتابه«الإذاعة»:182.
5 . نقله عنه القنوجي في كتابه «الاذاعة»:182.

(528)
وقال السيد محمد صديق القنوجي البخاري(المتوفّى 1307هـ): ونزوله ثابت في الكتاب والسنّة وإجماع الأُمّة.(1)
الثاني: إنّ الغَيبة لا تلازم عدم التصرف في الأُمور، وعدم الاستفادة من وجوده، فقد قلنا: إنّ مصاحب موسى كان وليّاً، لجأ إليه أكبر أنبياء الله في عصره، فقد خرق السفينة التي يمتلكها المستضعفون ليصونها عن غصب الملك، ولم يَعْلَم أصحاب السفينة بتصرّفه، وإلاّ لصدُّوه عن الخرق، جهلاً منهم بغاية علمه. كما أنّه بنى الجدار، ليصون كنز اليتيمين، فأي مانع حينئذ من أن يكون للإمام الغائب في كلّ يوم وليلة تصرّف من هذا النمط من التصرّفات. ويؤيد ذلك ما دلّت عليه الروايات من أنّه يحضر الموسم في أشهر الحج، ويحجّ ويصاحب الناس، ويحضر المجالس، كما دلّت على أنّه يغيث المضطرين، ويعود المرضى، وربّما يتكفّل ـ بنفسه الشريفة ـ قضاء حوائجهم، وإن كان الناس لا يعرفونه.
الثالث: المُسَلّم هو عدم إمكان وصول عموم الناس إليه في غَيبته، وأمّا عدم وصول الخواص إليه، فليس بأمر مسلّم، بل الذي دلّت عليه الروايات خلافه، فالصلحاء من الأُمّة الذين يُستَدَرُّ بهم الغمام، لهم التشرّف بلقائه، والاستفادة من نور وجوده، وبالتالي تستفيد الأُمّة بواسطتهم.
الرابع: لا يجب على الإمام أن يتولّى التصرّف في الأُمور الظاهرية بنفسه، بل له تولية غيره على التصرّف في الأُمور كما فعل المهدي ـ أرواحنا له الفداء ـ في غَيبته. ففي الغيبة الصغرى، كان له وكلاء أربعة، يقومون بحوائج

1 . الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة:180.

(529)
الناس، وكانت الصلة بينه وبين الناس مستمرّة بهم. وفي الغيبة الكبرى نصب الفقهاء والعلماء العدول العالمين بالأحكام، للقضاء وتدبير الأُمور، وإقامة الحدود، وجعلهم حجّة على الناس، فهم يقومون في عصر الغيبة بصيانة الشرع عن التحريف، وبيان الأحكام، ودفع الشبهات، وبكلّ ما يتوقّف عليه نظم أُمور الناس.(1)
وإلى هذه الأجوبة أشار الإمام المهدي(عليه السلام) في آخر توقيع له إلى بعض نوّابه، بقوله: «وأمّا وجهُ الانتفاع بي في غَيبتي، فكالانتفاع بالشَّمسِ إذا غيّبَها عن الأبصار السحاب».(2)
وبهذا يظهر الجواب عن إشكال ابن تيمية بأنّه ما فائدة الإمام الغائب، فقد ذكر القرآن الكريم أنّ موسى غاب عن قومه قرابة أربعين يوماً(3)، وكان نبيّاً ولياً ، وهذا يونس كان من أنبياء الله سبحانه، ومع ذلك فقد غاب في الظلمات.(4)

1 . المراد من الغيبة الصغرى، غيبته ـ صلوات الله عليه ـ منذ وفاة والده عام 260هـ إلى عام 329هـ ، وقد كانت الصلة بينه وبين الناس مستمرة بواسطة وكلائه الأربعة: الشيخ أبي عمرو عثمان بن سعيد العمري، وولده الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان، والشيخ أبي القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت، والشيخ أبي الحسن علي بن محمد السَّمري.
والمراد من الغيبة الكبرى: غيبته من تلك السنة إلى زماننا هذا، انقطعت فيها النيابة الخاصّة عن طريق أشخاص معينين، وحلّ محلّها النيابة العامّة بواسطة الفقهاء والعلماء العدول، كما جاء في توقيعه الشريف:«وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم» (كمال الدين: 484 ، الباب 45 ).
2 . كمال الدين:485، الباب 45، الحديث4. وقد ذكر العلاّمة المجلسي في وجه تشبيهه بالشمس إذا سترها السحاب، وجوهاً، راجعها في بحارالأنوار:52/93ـ94، الباب20.
3 . لاحظ : الأعراف:142. 4 . لاحظ : الأنبياء:87 ـ 88.

(530)
فما فائدة نبي يغيب عن الأبصار، ويعيش بعيداً عن قومه؟!
وهل يمكن لابن تيمية وأتباعه أن يقولوا:إنّه لم يحصل بموسى ويونس لطف ولا مصلحة في حال غيبتهما؟
وبذلك تعرف الوقاحة في كلامه والتي تشير إلى نصبه وعدائه حيث قال: بل إن قُدّر وجوده فهو ضرر على أهل الأرض بلا نفع أصلاً، فإنّ المؤمنين به لم ينتفعوا به، ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة، والمكذبون به يعذبون ـ عندهم ـ على تكذيبهم به، فهو شرّ محض لا خير فيه.(1)

الإشكال الرابع: سبب عدم غيبة آبائه(عليهم السلام)

قال : إذا قالوا بأنّ الناس بسبب ظلمهم احتجب عنهم. قيل:
أوّلاً: كان الظلم موجوداً في زمن آبائه ولم يحتجبوا.
ثانياً: فالمؤمنون به طبّقوا الأرض فهلا اجتمع بهم في بعض الأوقات أو أرسل إليهم رسولاً يعلمهم شيئاً من العلم والدين.
ثالثاً: قد كان يمكنه أن يأوي إلى كثير من المواضع التي فيها شيعته كجبال الشام.
رابعاً: إذا كان هو لا يمكنه أن يذكر شيئاً من العلم والدين لأحد، لأجل هذا الخوف، لم يكن في وجوده لطف ولا مصلحة، فكان هذا مناقضاً لما أثبتوه، بخلاف من أُرسل وكذِّب فإنّه بلّغ الرسالة.(2)

1 . منهاج السنّة:4/90، وفي طبعة بولاق:2/132.
2 . منهاج السنّة: 4/91، وفي طبعة بولاق : 2/132.

(531)
يلاحظ على الأوّل: أنّ سبب احتجابه ليس هو الظلم السائد في الأُمّة فحسْب، حتى يقال: إنّ الظلم كان موجوداً أيام آبائه ولم يحتجبوا، بل إنّ الله تعالى قد ادّخره صلوات الله عليه لليوم الموعود، اليوم الذي يخوض فيه معركة العدل الإلهي، وينجز فيه رسالته الإصلاحية الكبرى في العالم كلّه، بعد أن تضجّ الأرض من الظلم والجور، ويسود اليأس في النفوس، من عامّة الأنظمة البشرية.
وما لم تتهيّأ الأرضية الصالحة لظهوره، فسيبقى مختفياً عن أعين الناس عائشاً بينهم من دون أن يعرفوه، وبذلك يصان عن الاغتيال والقتل على خلاف آبائه حيث إنّهم إمّا قتلوا بالسيف أو بالسمّ.
ويلاحظ على الثاني: بأنّ الفقهاء العظام الذين تربّوا على منهج أهل البيت(عليهم السلام) وتعلّموا الكتاب والسنّة عن طريقهم يقومون بتعليم الشيعة وهدايتهم إلى المثل العليا، فلا حاجة إلى أن يقوم الإمام بإرسال رسول خاص يعلّم الشيعة الدين والعلم.
ويلاحظ على الثالث: أنّ ما ذكره من إمكان أن يأوي إلى المواضع التي فيها شيعته، نابع عن ضيق أفقه، وجهله بمكانة المهدي ورسالته الإصلاحية العالمية، فليس هو معلم كتاتيب ـ كما في تصوّر ابن تيمية الساذج ـ يظهر في منطقة آمنة يعلّمهم الكتاب والسنّة، وإنّما هو صاحب دور فريد أعدّه الله تعالى للنهوض به على مستوى العالَم، إذ على يديه يتحقّق النصر الأعظم على القوى الظالمة، فيقهر الطغاة والجبابرة ويقطع دابر المفسدين، ويقود الأُمم جميعاً إلى شاطئ العدل والرخاء والسلام.
نعم، إنّه «يعمل بسنّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يترك سنّة إلاّ أقامها، ولا بدعة إلاّ


(532)
رفعها، يقوم بالدين آخر الزمان، كما قام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أوّله، يملك الدنيا كلّها... يردّ إلى المسلمين أُلفتهم ونعمتهم، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً... يقسم المال صحاحاً بالسويّة، يَرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض... تَنعَمُ الأُمّة برُّها وفاجرها في زمنه نعمة لم يُسمع بمثلها قطّ... تجري على يديه الملاحم، يستخرج الكنوز، ويفتح المدائن ما بين الخافقَين... يأوي إليه الناس كما تأوي النحل إلى يعسوبها... وتطول الأعمار ]في زمنه[ وتؤدّى الأمانة، وتهلك الأشرار، ولا يبقى من يُبغض آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)».(1)
قارن، عزيزي القارئ، بين هذه العبارات التي استقاها العلاّمة السيد محمد بن عبد الرسول البرزنجي الشافعي، من الروايات والأخبار الواردة حول المهدي، وبين عبارة ابن تيمية: (كان يمكنه ]يعني المهدي [أن يأوي إلى كثير من المواضع التي فيها شيعته، كجبال الشام التي كان فيها الرافضة عاصية، وغير ذلك من المواضع العاصية)(2)، لكي يتبيّن لك مستوى تفكير شيخ الإسلام!! ومبلغ إدراكه لدور منقذ البشرية في اليوم الموعود.
ويلاحظ على الرابع: أعني ما ذكره من عدم وجود لطف ولا مصلحة في وجوده، فقد عرفت فيما سبق أنّ الوليّ الخفيّ له لطف وتصرّف وخدمة للناس، وإن كانوا لا يعرفونه بعينه...
وأمّا تشبيه وجود الإمام بمن أُرسل من الأنبياء وكُذّب فقياس مع الفارق لأنّهم أُرسلوا وكذِّبوا فقتلوا، ولكن مشيئة الله تعلّقت على إيمان الناس به في غيبته وفي الوقت نفسه صيانته وحفظه من كل شرّ ومكروه يتوجّه إليه.

1 . الإشاعة لأشراط الساعة:180ـ181. 2 . منهاج السنة:4/90، وفي طبعة بولاق:2/132.

(533)

الإشكال الخامس: الانتظار يختص بالطائفة الإمامية

يقول: هذا المنتظر لم يحصل به لطائفته إلاّ الانتظار لمن لا يأتي، ودوام الحسرة والألم، والدعاء الذي لا يستجيبه الله، لأنّهم يدعون له بالخروج والظهور من مدة أكثر من أربعمائة وخمسين سنة لم يحصل شيء من هذا.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ انتظار الإمام المهدي لا يختصّ بالطائفة الإمامية، بل يعمّ طوائف أهل السنّة وغيرهم (إلاّ من شذّ منهم)، وإنّما الفرق هو أنّ الإمامية ينتظرون ظهور إمام موجود، ولكنّه غائب عن أعين الناس، وأنّ أكثر أهل السنّة ينتظرون يوم مولد الإمام في آخر الزمان، ويوم نهضته المباركة التي يقيم فيها دولة العدل الإلهي على البسيطة كلّها، وهم ـ كالإمامية ـ يدعون الله تعالى بأن يفوزوا بطلعته الشريفة، ويدركوا أيام دولته الغرّاء لينعموا بأفياء عدلها وخيراتها.
وممّا يدلّ على إيمان أهل السنّة بفكرة الانتظار، هو إطلاق وصف المنتظر على المهدي من قبل علمائهم وكتّابهم، واستعمالهم هذا الوصف عند تسمية مؤلفاتهم، وممّن قام بذلك:
1. الشيخ يوسف بن يحيى السلمي المقدسي الشافعي، وسمّى كتابه: «عقد الدرر من أخبار المهدي المنتظر ـ ط»، أتمّ تأليفه سنة (685هـ).
2. الفقيه ابن حجر الهيتمي المكّي (المتوفّى 974هـ)، وسمّى كتابه: «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر ـ ط».
3. الشيخ يوسف بن مرعي الحنبلي (المتوفّى 1033هـ)، وسمّى كتابه:

1 . منهاج السنّة:4/91، وفي طبعة بولاق:2/132.

(534)
«فرائد فوائد الفِكَر في الإمام المهدي المنتظر ـ ط».
4. القاضي الشوكاني(المتوفّى 1250هـ)، وسمّى كتابه: «التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجّال والمسيح».
5. السيد عبد الله بن محمد بن الصدّيق الغماري المغربي، وسمّى كتابه:«المهدي المنتظر ـ ط».
6. الشيخ حمود بن عبد الله التويجري، وسمّى كتابه: «الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر ـ ط».
7. الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد آل بدر العنزي، وسمّى رسالته: «عقيدة أهل السنّة والأثر في المهدي المنتظر».
8. الدكتور محمد فريد حجاب، وسمّى كتابه: «المهدي المنتظر بين العقيدة الدينية والمضمون السياسي ـ ط».
وثانياً: إذا كان ابن تيمية لا يُدرك فلسفة الانتظار، ولا الآثار الإيجابية المترتّبة عليه، فأيّ لَوم يقع على المنتظِرين؟وأيّ جُناح عليهم في ذلك؟!
وإذا كانت الروايات تتحدّث عن فضل انتظار بعض التكاليف الإلهية (رغبةً في أدائها)، فما بالك بفضل انتظار قيام دولة الحق والعدل، التي يُطبَّق فيها الإسلام على كلّ البشر، وتقام فيها جميع التكاليف الإلهية دون خوف أو وجل؟
روى الحاكم بإسناده عن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه خرج ذات ليلة وقد أخّر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة، والناس ينتظرون في المسجد، فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: ننتظر الصلاة، فقال:

(535)
«إنّكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها... ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمان لأهل السماء... وأنا أمان لأصحابي، فإذا قُبضت أتى أصحابي ما يوعَدون، وأهل بيتي أمان لأُمّتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتى أُمّتي ما يوعَدون».(1)
هذا فيما يتعلق بانتظار الصلاة، أمّا الروايات التي تحثّ على انتظار الفرج، وتؤكد على أنّه أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ، وأنّه أفضل العبادة، فكثيرة، لا سيّما ما ورد فيها عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
وإليك بعض الروايات الواردة في هذا الشأن:
1. روى الشيخ الصدوق باسناده عن موسى بن بكر الواسطي، عن أبي الحسن (الكاظم)، عن آبائه(عليهم السلام) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أفضل أعمال أُمّتي انتظار الفرج من الله عزّ وجلّ».(2)
2. روى الترمذي باسناده عن أبي الأحوص، عن عبد الله(بن مسعود)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «سَلوا الله من فضله فإنّ الله يحب أن يُسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج».(3)

1 . المستدرك على الصحيحين:3/457.
2 . كمال الدين:644، الباب 55، برقم3.
3 . سنن الترمذي: 1024، كتاب الدعوات عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، باب في انتظار الفرج وغير ذلك، برقم3582.
قال المحدّث إسماعيل بن محمد العَجلوني الدمشقي: رواه الترمذي وابن أبي الدنيا في «الفَرَج» وأبو داود والنسائي والبيهقي في «شعب الإيمان» والعسكري في «الأمثال» والديلمي كلّهم عن ابن مسعود مرفوعاً، وحسّن إسناده ابن حجر في بعض حواشيه. وله طرق منها ما رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي والديلمي عن عليّ رفعه (انتظار الفرج من الله عبادة)، ومنها ما رواه العسكري والقضاعي عن ابن عمر رفعه (انتظار الفرج بالصبر عبادة)، ومنها ما رواه البيهقي أيضاً عن ابن عباس رفعه (أفضل العبادة توقّع الفرج)، وأخرج القضاعي عن ابن عباس رفعه (انتظار الفرج بالصبر عبادة)، ومنها ما رواه الحكيم الترمذي في الأصل الثامن والخمسين: (الحياء زينة... وانتظار الفرج من الله عبادة). كشف الخفاء:1/206ـ207، برقم 927.

(536)
3. روى الشيخ الصدوق بإسناده عن أبي بصير، ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله(الصادق)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين(عليهم السلام) قال: «المنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل الله».(1)
4. روى القاضي محمد بن سلامة القضاعي الشافعي بإسناده عن نافع، عن ابن عمر، قال: «انتظار الفرج بالصبر عبادة».(2)
ورواه أيضاً بإسناده عن مجاهد، عن ابن عباس رفعه.(2)
وما هذا الاهتمام بانتظار الفرج(3) إلاّ لأنّه يكون سبباً لأن يقوم المنتظِر بتهيئة الأسباب المنتهية إليه، الموجبة له وإلاّ فلو جلس ووضع يداً على يد وادّعى الانتظار فهو انتظار خاو عن المعنى، فالمنتظِر الواقعي لفرج الإمام هو الذي يقوم بتهيئة الأسباب التي يستمد بها الإمام في جهاده مع المشركين.
نفترض أنّ إنساناً ينتظر قدوم ضيف نهاراً أو ليلاً فيقوم بلوازم الانتظار المعلومة، وإلاّ فلو لم يعمل شيئاً فلا يصحّ أن يقال له أنّه ينتظر قدوم الضيف.

1 . كمال الدين:645، الباب 55، برقم 6. 2 . مسند الشهاب:1/62، برقم 46.
2 . مسند الشهاب:1/63، برقم 47.
3 . للسيد الشهيد محمد بن محمد صادق الصدر بحث قيّم في إثبات اختصاص هذه الروايات بانتظار ظهور المهدي(عليه السلام) لا بانتظار الفرج بعد أيّ شدة، وفي بيان فضل الانتظار والمنتظرين، فراجعه. تاريخ الغيبة الكبرى:362ـ391، طبعة دار التعارف، 1412هـ .

(537)
فالأُمّة المنتظِرة لخروج الإمام الغائب وفَرَجه لا تكون منفكّة عن العمل الصالح وإعداد الكوادر ليوم الفرج، فهذا النوع من الانتظار يحتوي من المعنى والأثر ما لا يحتويه شيء آخر.
وبتعبير السيد الشهيد محمد الصدر: «إنّ هذا الانتظار الكبير ليس إلاّ انتظار الموعود، باعتبار ما يستتبعه من الشعور بالمسؤولية والنجاح في التمحيص الإلهي، والمشاركة في إيجاد شرط الظهور في نهاية المطاف.. كلّ ذلك لمن يشعر بهذا الانتظار ويكون على مستوى مسؤوليته، بخلاف من لا يشعر به، بل يبقى على مستوى المصلحة والأنانية... فإنّه لن ينال من هذه العبادة شيئاً.
ونستطيع بكلّ وضوح أن نعرف أنّه لماذا أصبح هذا الانتظار أساساً من أُسس الدين.. لأنّه مشاركة في الغرض الأساسي لإيجاد البشرية، ذلك الغرض الذي شارك فيه ركب الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أُولئك رفيقاً».(1)
وبذلك يظهر أنّ ما أشار إليه من أنّ دعاءهم لا يستجاب، غفلة عن الغاية من الدعاء، فالغاية منه هو إظهار الرغبة والميل إلى ظهوره وخروجه والاستشهاد بين يديه.
فاستشعار هذا المعنى نوع عبادة لله سبحانه، ووسيلة تقرّب إليه.

الإشكال السادس: طول عمره ممّا تكذبه العادة

قال: ثم إنّ عمر واحد من المسلمين هذه المدّة أمر يعرف كذبه بالعادة

1 . تاريخ الغيبة الكبرى:363.

(538)
المطّردة في أُمّة محمد، فلا يعرف أحد ولد في دين الإسلام وعاش مائة وعشرين سنة، فضلاً عن هذا العمر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال في آخر عمره: «أرأيتكم ليلتكم هذه فإنّه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممّن هو اليوم عليها أحد». فمن كان في ذلك الوقت له سنة ونحوها لم يعش أكثر من مئة سنة قطعاً.(1)
أقول: قد مضى الجواب عن هذا الإشكال (في فقرة: طول عمر الإمام المهدي)، وبيّنا هناك أنّ العمر بيد الله سبحانه يزيد فيه وينقص، وليس بعيداً عن قدرة الله تبارك وتعالى أن يعيش إنسان مئات السنين أو أزيد لحكمة إلهية تدعو إلى ذلك، ومصلحة يقدّرها سبحانه. وقد مضى أنّ شيخ الأنبياء نوحاً قد لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً.
فمن يُنكر أو يستبعد أن يعيش أحدٌ ألف سنة أو أزيد فهو ممن قدّر الله بغير قدره.
وهذا العمر المديد للمهدي المنتظر يبدو مقبولاً أكثر إذا أخذنا بنظر الاعتبار الأمر التالي، وهو:
أنّه إذا كانت الإمامة واجبة، والأدلّة واضحة على اختصاصها بالأئمّة (الخلفاء) الاثني عشر(2)، وأنّ المهدي (عجل الله فرجه الشريف) أحد هؤلاء

1 . منهاج السنة:4/91ـ92، وفي طبعة بولاق:2/132.
2 . إنّ حديث «اثني عشر خليفة كلّهم من قريش» رواه جملة من الحفّاظ والمحدّثين، ومنهم: أحمد بن حنبل في مسنده (1/398، وج 5/89 ، 106)، والبخاري في صحيحه (برقم 7222)، ومسلم (برقم 1821)، وأبو داود (برقم 4280)، والترمذي (برقم 2230) وغيرهم. ومن النصوص التي ورد فيها هذا الحديث: «يكون من بعدي اثنا عشر أميراً»، و«لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش».

(539)
الاثني عشر(1)، وأنّه من عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من ولد فاطمة(2)، فلا منصرف عن القول بطول عمره، لأنّ الزمان لا يخلو من إمام، وقد مضى آباء المهدي بلا خلاف، ولم يبق من يستحق الإمامة سواه. فإن لم يكن عمره ممتداً من وقت أبيه إلى أن يظهره الله سبحانه، حصل الزمان خالياً من إمام.(3) وهذا لا ينسجم مع ما اتّفق عليه المسلمون من أنّ الزمان لا يخلو من إمام، وأنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
فمن هو إمام ابن تيمية في عصره؟ ومن هم أئمّة مقلّدي ابن تيمية في القرون التي تلت وفاة ابن تيمية وحتى الوقت الحاضر؟
ثمّ إنّ قول ابن تيمية: إنّه لا يُعرف أحد ولد في دين الإسلام وعاش مئة وعشرين سنة(وفي بعض النسخ: مئة وعشر سنين) يثير السخرية، فهل تتبّع أخبار جميع المسلمين المنتشرين في أصقاع الأرض ولمدة سبعة قرون، فوجد أنّه لم يعش أحد منهم تلك المدّة؟!!
وأمّا الرواية التي نقلها عن البخاري من أنّه على رأس مئة لا يبقى ممّن هو اليوم على ظهر الأرض أحد، فهي غير واضحة، ولا يمكن الركون إليها، بل يردّها ـ إذا فُسّرت بالصورة التي ذهب إليها ابن تيمية ـ ما صرّح به أكثر من

1 . العَرف الوردي في أخبار المهدي للحافظ السيوطي:173.
2 . قال الإمام القرطبي في تفسيره(8/121):... الأخبار الصحاح قد تواترت على أنّ المهدي من عترة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال في التذكرة(2/616): إنّ النصوص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة، ثابتة.
3 . انظر: كنز الفوائد للكراجكي:2/115.

(540)
واحد من أنّ الصحابي أبا الطفيل عامر بن واثلة الكناني، بقي إلى ما بعد المئة.
قال خليفة بن خيّاط: مات سنة مئة أو نحوها. ثم قال: ويقال: سنة سبع ومئة.
وقال البخاري: حدثنا... عن كثير بن أعين، قال: أخبرني أبو الطفيل بمكّة سنة سبع ومئة.
وقال وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه: كنت بمكّة سنة عشر ومئة، فرأيت جنازة، فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطفيل.
قال الذهبي، معقّباً على قول وهب: هذا هو الصحيح في وفاته لثبوته، ويعضده ما قبله. (1)
ولعمري إنّ هذه الإشكالات نابعة عن عدم التسليم لما دلّ عليه الكتاب والسنّة المتواترة، فعاد ينحت إشكالاً بعد إشكال تأييداً لرأيه المسبق في إنكار وجود المهدي المنتظر(عليه السلام).

الإشكال السابع: اسم أبيه كاسم والد محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)

قال العلاّمة: روى ابن الجوزي باسناده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً».(2)
فأورد عليه ابن تيمية بوجوه ثلاثة أهمها هو الثالث، قال: إنّ لفظ الحديث حجّة عليكم لا لكم، فإنّ لفظه يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي،

1 . سير أعلام النبلاء:3/470، الترجمة97. وانظر: تهذيب الكمال:14/81 ، الترجمة 3064.
2 . منهاج الكرامة:77، عن تذكرة الخواص:2/507.

(541)
فالمهدي الذي أخبر به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) اسمه محمد بن عبد الله، لا محمد بن الحسن. وقد روي عن علي(رضي الله عنه) أنّه قال: هو من ولد الحسن بن علي، لا من ولد الحسين بن علي.(1)
أقول: إنّ الرواية نُقلت على صور:
الأُولى: ما لم تشتمل على ذكر الأب، وإنّما اقتصرت على بيان اسمه، وأنّ اسمه كاسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على اختلاف طفيف في العبارة، وإليك ما ورد في هذا الصدد:
1.ما رواه أحمد عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العربَ رجلٌ من أهل بيتي اسمه يواطئ اسمي». وقد نقله أحمد في مسنده في خمسة مواضع.(2)
2. ما رواه الترمذي باسناده عن عبد الله، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».
قال أبو عيسى(الترمذي): وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأُمّ سلمة وأبي هريرة. وهذا حديث حسن صحيح.(3) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد باسناده.(4)
3. أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا

1 . منهاج السنة:4/95، وفي طبعة بولاق:2/133.
2 . مسند أحمد:1/376، و376ـ 377، و377، و430 و 448.
3 . سنن الترمذي:650، كتاب الفتن، باب ما جاء في المهدي، برقم 2237.
4 . تاريخ بغداد:5/153.

(542)
تذهب، أو لا تنقضي، الدنيا حتى يملك العربَ رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».(1)
وهذا هو ما اتفق عليه الإمام أحمد، والترمذي، وأبو داود في أحد نقلَيه.
الثانية: ما اشتملت على ذكر الأب، وهي إحدى روايتي أبي داود بسنده عن فطر، وعن زائدة، كليهما عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يَبعث فيه رجلاً منّي أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي».(2)
وهنا يقع الكلام في الفقرة الثانية حيث إنّ أبا النبي هو عبد الله وأبا المهدي هو الحسن، فكيف يصحّ قول النبي:«اسم أبيه اسم أبي» وهذا ما استشكله ابن تيمية.
فنقول أوّلاً: إنّ الظاهر من عبارة ابن تيمية أنّ الصورة الثانية لم يروها أبو داود وحده، وإنّما شاركه فيها أحمد والترمذي أيضاً، حيث قال: «وأحاديث المهدي معروفة رواها الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم كحديث عبد الله بن مسعود عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».(3)
ترى أنّه ينسب النقل الثاني إلى أحمد والترمذي، مع أنّهما نقلا الرواية

1 . سنن أبي داود:797، كتاب المهدي، برقم 4282، ذيل الحديث.
2 . سنن أبي داود:796، كتاب المهدي، برقم 4282.
3 . منهاج السنّة:4/95، وفي طبعة بولاق:2/133 .

(543)
بلا هذه الزيادة: «واسم أبيه اسم أبي»، وانّما روى هذه الزيادة أبو داود، الذي نقل الرواية، أيضاً، بالصورة الأُولى: «يواطئ اسمه اسمي»، ولكنّ ابن تيمية أغمض عينيه عن كلّ ذلك، ومارس التدليس المذموم في عبارته من خلال إيهام القارئ بأنّ اللفظ مع الزيادة مرويّ عن الجميع!!!
يذكر أنّ الحافظ الطبراني قد روى حديث عبد الله بن مسعود هذا من طرق كثيرة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِرّ بن حبيش، عن ابن مسعود، ورواه عن عاصم، كلّ من:
1. فطر بن خليفة.
2. سليمان الأعمش.
3. أبو إسحاق الشيباني.
4. أبو شهاب محمد بن إبراهيم الكناني.
5. عبد الله بن حكيم بن جبير.
6. سفيان الثوري.
7. سفيان بن عيينة.
8. شعبة بن الحجّاج.
9. عبد الملك بن أبي غنية.
10. زائدة بن قدامة.
11. عمر بن عبيد الله الطنافسي.
12. عمرو بن أبي قيس.
13. واسط بن الحارث.
14. أبو الأحوص.

(544)
15. أبو بكر بن أبي عياش.
16. هشام بن أبي عبدالله الدَّستوائي البصري.
17. أبو الجحّاف.
18. عثمان بن عبد الله بن شبرمة.
19. عمرو بن قيس الملائي.
20. عمرو بن مرّة.
وإذا رجعنا إلى روايات هؤلاء المحدّثين، وجدنا أنّهم جميعاً، باستثناء خمسة منهم، قد رووه بلفظ «يواطئ اسمه اسمي» أو «يوافق اسمه اسمي» من دون تلك الزيادة.
وأمّا تلك الزيادة (أعني: واسمه أبيه اسم أبي) فلم يروها غير ثلاثة منهم، وهم: فطر، وزائدة، وعمرو بن أبي قيس!!
أمّا الاثنان الآخران، وهما: أبو شهاب محمد بن إبراهيم الكناني، وأبو الجحّاف، فروياه بلفظ «رجل من أهل بيتي» من دون ذكر الاسم، أو اسم الأب.(1)
وبهذا عُلم أنّ ما اشتهر بين الحفّاظ والمحدّثين هو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يواطئ اسمه اسمي»، وأمّا تلك الزيادة «واسم أبيه اسم أبي» فيمكن وصفها بالشذوذ، وهي التي تمسّك بها ابن تيمية، الذي شذّ في مواقفه من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)، وجهد في التنقيص من شأنهم.
الثالثة: ما نقله ]سبط[ ابن الجوزي، قال أنبأنا عبد العزيز بن محمود

1 . انظر: المعجم الكبير للطبراني:10/131، برقم 10208، و ص133 ـ 137، برقم 10213ـ 10230.

(545)
البزاز(1) بإسناده عن ابن عمر، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، فذلك هو المهدي» وهذا حديث مشهور.(2)
وقد نقل العلاّمة الحلّي هذه الصورة عن ]سبط[ ابن الجوزي.(3)
وبذلك يُعلم أنّ العلاّمة الحلّي إنّما استند في نقل الحديث إلى ]سبط [ابن الجوزي، الذي روى الحديث عن الحافظ ابن الأخضر الجنابذي، فما ذكره ابن تيمية ردّاً على العلاّمة بأنّه ذكره بلفظ مكذوب لم يروه أحد منهم، في غير محلّه، فما ذنب العلاّمة إذا روى الحديث على النحو الذي رواه أحد حفّاظ ومحدّثي أهل السنّة؟
ثمّ إنّ حديث ابن عمر هذا لم يذكره سبط ابن الجوزي وحده، بل ذكره أيضاً الشيخ يوسف بن يحيى السلمي المقدسي الشافعي في كتابه«عقد الدرر».(4)
يُشار إلى أنّ للشيخ ناصر الدين الألباني المعاصر (الذي يُعدّ من أهل الخبرة في معرفة الحديث صحيحه وضعيفه) مقالاً، نشر في مجلة التمدّن الإسلامي الصادرة في دمشق، أجاب فيه عن سؤال يتعلّق بالمهدي، وقال: أمّا

1 . الجنابذي البغدادي، المعروف بابن الأخضر(524ـ611هـ). قال ابن النجار: ثقة حجّة. وقال الذهبي: المحدّث، الحافظ، المعمّر، مفيد العراق. كان ثقة، فهماً... سيّر أعلام النبلاء:22/31، الترجمة26.
2 . تذكرة الخواص:2/507.
3 . منهاج الكرامة:77.
4 . عقد الدرر من أخبار المهدي المنتظر:32، طبعة مكتبة عالم الفكر بالقاهرة، 1399هـ .

(546)
مسألة المهدي فليعلم أنّ في خروجه أحاديث كثيرة صحيحة، قسمٌ كبير منها له أسانيد صحيحة، وأنا مورد هنا أمثلة منها، ثمّ نعقب ذلك بدفع شبهة الذين طعنوا فيها، فأقول:
الحديث الأوّل: حديث ابن مسعود(رضي الله عنه)مرفوعاً: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً». والترمذي وأحمد والطبراني في الكبير والصغير وأبو نعيم في الحلية والخطيب في تاريخ بغداد، من طريق زرّ بن حبيش عن ابن مسعود، وقال الترمذي حسن صحيح، والذهبي: صحيح، كما قال.(1)
ولا يخفى أنّه عطف الترمذي وأحمد والخطيب على أبي داود مع أنّه قد ثبت أنّ رواية أحمد والترمذي والخطيب خالية من هذه الزيادة: «واسم أبيه اسم أبي».
وأمّا الطبراني فقد مرّ بنا آنفاً أنّه رواه في المعجم الكبير بإسناده إلى عاصم عن عشرين راوياً، كلّهم رووه عن عاصم بلفظ «يواطئ اسمه اسمي»، ماعدا خمسة منهم، روى ثلاثة منهم تلك الزيادة: «واسم أبيه اسم أبي»، والراويان الآخران روياه بدون ذكر اسمه، أو اسم أبيه.
وعلى كلّ تقدير ففي المقال الذي كتبه الألباني نكات قيّمة نذكر بعضها:
يقول في نقد زعم السيد رشيد رضا أو غيره حيث ضعّفوا أحاديث المهدي: إنّ هؤلاء لم يتتبعوا ما ورد في المهدي حديثاً حديثاً ولا توسّعوا في

1 . مجلة التمدن الإسلامي، السنة 22، شهر ذي القعدة.

(547)
طلب ما لكلّ حديث منها من المسانيد، ولو فعلوا لوجدوا فيها ما تقوم به الحجّة حتى في الأُمور الغيبية التي يزعم البعض أنّها لا تثبت إلاّ بحديث متواتر.
وممّا يدلك على ذلك أنّ السيد رشيد رضا(رحمه الله) ادعى أنّ أسانيدها لا تخلو عن شيعي مع أنّ الأمر ليس كذلك على إطلاقه، فالأحاديث الأربعة التي أوردتها ليس فيها رجل معروف بالتشيّع، على أنّه لو صحّت هذه الدعوى لم يقدح ذلك في صحّة الأحاديث، لأنّ العبرة في الصحة إنّما هو الصدق والضبط، وأمّا الخلاف المذهبي فلا يشترط في ذلك كما هو مقرر في مصطلح علم الحديث، ولهذا روى الشيخان في صحيحهما لكثير من الشيعة وغيرهم من الفرق المخالفة فإحتجّا بأحاديث هذا النوع...
إلى أن قال: وكذلك القول في أحاديث المهدي فإنّه ليس فيها ما يدلّ، بل ما يشير أدنى إشارة إلى أنّ المسلمين لا نهضة لهم ولا عزّ قبل خروج المهدي، فإذا وجد في بعض جهلة المسلمين من يفهم ذلك منها فطريق معالجة جهله أن يعلّم ويفهّم أنّ فهمه خطأ، لا أن تُردّ الأحاديث الصحيحة بسبب سوء فهمه إياها.
ومن شبهات بعض الناس أنّ عقيدة المهدي قد استغلها بعض الدجّالين فادّعوا المهدوية لأنفسهم وشقّوا بسبب ذلك صفوف المسلمين وفرّقوا بينهم، ويضربون على ذلك الأمثلة الكثيرة آخرها غلام أحمد القادياني (دجّال الهند).
ثم أجاب عن الشبهة بقوله: ونحن نقول: إنّ هذه الشبهة من أضعف

(548)
الشبهات وفي رأيي أنّ حكايتها تغني عن ردّها، إذ من المسلَّم به أنّ كثيراً من الأُمور الحقّة يستغلها بعض من ليس أهلاً لها.
إلى أن يقول: وخلاصة القول أنّ عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، يجب الإيمان بها لأنّها من أُمور الغيب والإيمان بها من صفات المتقين، قال تعالى: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )(1) وإنّ إنكارها لا يصدر إلاّ من جاهل أو مكابر، أسأل الله تعالى أن يتوفّانا على الإيمان بها، وبكلّ ما صحّ في الكتاب والسنّة.

1 . البقرة:1ـ3.
Website Security Test