welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(476)
11

آراء ابن تيمية حول الإمام الهادي(عليه السلام)

قال العلاّمة الحلي: وكان ولده (أي ولد الإمام الجواد) علي الهادي ويقال له العسكري، لأنّ المتوكل أشخصه من المدينة إلى بغداد ثم انتقل إلى سُرّ من رأى فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، وإنّما أشخصه المتوكل لأنّه كان يبغض عليّاً، فبلغه مقام عليّ بالمدينة وميل الناس إليه، فدعا يحيى بن هرثمة فأمره بإشخاصه، فضجّ أهل المدينة لذلك خوفاً عليه، لأنّه كان محسناً إليهم وملازماً للعبادة في المسجد، فحلف لهم يحيى أنّه لا مكروه عليه ثم فتّش منزله فلم يجد فيه سوى مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عينه وتولّى خدمته بنفسه، فلمّا قدم بغداد بدأ بإسحاق بن إبراهيم الطاهري والي بغداد، فقال له: يا يحيى هذا الرجل قد ولده رسول الله، والمتوكل مَن تعلم، فإن حرّضته عليه قتله، وكان رسول الله خصمك، فقال له يحيى: والله ما وقعت منه إلاّ على خير.
قال: فلمّا دخلت على المتوكل أخبرته بحُسن سيرته وزهده وورعه، فأكرمه المتوكل.
***
وقال أيضاً: ثم مرض المتوكل فنذر إن عوفي تصدّق بدراهم كثيرة،

(477)
فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جواباً فبعث إلى عليّ الهادي (عليه السلام)يسأله فقال: تصدّق بثلاثة وثمانين درهماً، فسأله المتوكل عن السبب؟ فقال: لقوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة)(1) وكانت المواطن هذه الجملة، فإنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)غزا سبعاً وعشرين غزاة، وبعث ستاً وخمسين سريّة.
قال المسعودي: نُمي إلى المتوكل بعلي بن محمد أنّ في منزله سلاحاً من شيعته من أهل قم وأنّه عازم على الملك، فبعث إليه جماعة من الأتراك فهجموا على داره ليلاً، فلم يجدوا شيئاً وهو في بيت يقرأ القرآن وعليه مدرعة من صوف وهو جالس على الرمل والحصباء متوجه إلى الله تعالى يتلو القرآن، فحُمل على حالته تلك إلى المتوكل فأُدخل عليه وهو في مجلس الشراب والكأس في يد المتوكل، فأعظمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس، فقال: والله ما خامر لحمي ودمي قط (فاعفني) فأعفاه وقال له: أسمعني صوتاً، فقال(عليه السلام): (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّات وَ عُيُون)(2)... الآيات; فقال: أنشدني شعراً! فقال: إنّي قليل الرواية للشعر، فقال: لابدّ من ذلك، فأنشده:
باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسهم *** غُلْبُ الرجال فما أغنتهمُ القُلَلُ
واستُنزلوا بعد عزٍّ من معاقلهم *** وأُسكنوا حُفَراً يا بئس ما نزلوا
ناداهمُ صارخٌ من بعد دفنهم *** أين الأساور والتيجان والحُللُ
أين الوجوه التي كانت منعّمة *** من دونها تُضرب الأستار والكللُ
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم *** تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهراً وقد شربوا *** فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا

1 . التوبة: 25 . 2 . الدخان:25.

(478)
فبكى المتوكل حتّى بلت دموعه لحيته.(1)
إلى هنا تم كلام العلاّمة، ثم إنّ ابن تيمية أورد على كل من الفقرات الثلاث إشكالاً:
أمّا الفقرة الأُولى فقال عنها: إنّ إسحاق بن إبراهيم خزاعي لا طائي، فذكر ]العلاّمة[ ما يعلم العلماء أنّه من الباطل.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ النسخة المطبوعة الموجودة بأيدينا، فيها لقب: الطاهري، لا الطائي.
وكذا أورده سبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص»(3)، وعنه أخذه العلاّمة الحلي(4)، وقد سبقهما إلى تلقيب إسحاق بن إبراهيم بالطاهري، آخرون، ومنهم: أبو الحسن علي بن محمد الشابشتي(المتوفّى 388هـ)(5)، فقد عرّفه في كتابه «الديارات» بالطاهري، نسبة إلى عمّه طاهر بن الحسين الخزاعيّ.(6)
وعلى الرغم من أنّ ابن تيمية أخذ يستعرض، في ردّه على العلاّمة الحلي، أسماء بعض مشاهير أُسرة إسحاق هذا ووظائفهم وبعض أخبارهم ـ وكأنّه يريد أن يثبت طول باعه في التاريخ ـ إلاّ أنّه لم يُشر إلى تلقيب إسحاق

1 . منهاج الكرامة:73ـ76. 2 . منهاج السنّة:4/79، وفي طبعة بولاق:2/133 .
3 . تذكرة الخواص:2/494.
4 . الأخبار الواردة في «منهاج الكرامة» للعلامة الحلّي حول الإمام الهادي، منقولة، باختصار يسير، عن «تذكرة الخواص» لسبط ابن الجوزي الحنفيّ، فلاحظ.
5 . وقيل: سنة (390هـ)، وقيل: سنة (399هـ).
6 . نقل ذلك عن «الديارات»2/22، الزركلي في كتابه «الأعلام»1/292.

(479)
بالطاهري (نسبة إلى عمّه طاهر)، فهل يحقّ لأحد أن يرميه بقولته التي قالها في العلاّمة الحلي: (وهذا من جهله)؟
ثم لنفترض أنّ نسخة ابن تيمية كان فيها لقب (الطائي)، فهل مثل هذا الخطأ يستحقّ هذا الإطناب في الردّ، وتلك القولة الفظّة؟! فلعلّ ذلك كان من سهو قلم العلاّمة، أو من تصحيف الكاتب. هذا إذا لم نحتمل أنّ ابن تيمية نفسه قد قرأها خطأً، لاستعجاله في الردّ، وإفراطه في بغض خصومه والطعن عليهم، وحبِّه للمراء واللَّجاج.
وأمّا الفقرة الثانية فأورد ابن تيمية عليها بقوله: بأنّ الفتيا التي ذكرها باطلة لوجوه:
1. إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يغزُ سبعاً وعشرين غزاة باتفاق أهل العلم بالسّير بل أقلّ من ذلك.
2. إنّ هذه الآية نزلت يوم حنين والله قد أخبر بما كان قبل ذلك، فيجب أن يكون ما تقدم قبل ذلك (مَوَاطِنَ كَثِيرَة)، وكان بعد يوم حنين غزوة الطائف وغزوة تبوك وكثير من السرايا كانت بعد حنين، كالسرايا التي كانت بعد فتح مكة.
3. إنّ الله لم ينصرهم في جميع المغازي بل يوم أُحد تولَّوا وكان يوم بلاء وتمحيص، وكذلك يوم مؤتة وغيرها من السرايا، فلو كان مجموع المغازي والسرايا ثلاثاً وثمانين فإنّهم لم ينصروا فيها كلّها حتى يكون مجموع ما نصروا فيه ثلاثاً وثمانين.
4. إنّ لفظ الكثير استعمل في غير هذا العدد(83) نظير قوله: (مَنْ ذَا الذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا).

(480)
يلاحظ على الوجه الأوّل: أعني:
أنّ النبي لم يغزُ سبعاً وعشرين غزاة باتفاق أهل العلم بالسِّير.
أقول: هذا ما يقوله ويدّعي اتفاق أهل العلم بالسِّير عليه، مع أنّ هناك جماعة من أهل العلم بالسِّير يذكرون أنّ غزواته كانت بذلك العدد.
فهذا هو الواقدي، بعد ما ذكر شيئاً موجزاً عن غزواته وسراياه، خرج بالنتيجة التالية، فقال: وكانت مغازي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) التي غزا بنفسه سبعاً وعشرين غزوة.(1)
وهذا هو محمد بن سعد صاحب «الطبقات» يقول: وكان عدد مغازي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) التي غزا بنفسه سبعاً وعشرين غزوة.(2)
وقال ابن عبد البر: ثم غزا رسول الله أهل الكفر من العرب وبعث إليهم السرايا وكانت غزواته بنفسه ستاً وعشرين غزوة. هذا أكثر ما قيل في ذلك.(3)
وقال ابن سيّد الناس تحت عنوان ذكر الخبر عن عدد مغازي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وبعوثه:... قالوا: كان عدد مغازي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) التي غزا بنفسه سبعاً وعشرين.(4)

1 . مغازي الواقدي:1/7، طبعة اكسفورد.
2 . الطبقات الكبرى:2/5. وفيه أسماء غزواته(ص) كالتالي:(غزوة الأبواء، وغزوة بُواط، وغزوة طلب كُرز بن جابر الفِهري، وذي العشيرة، وبدر، وبني قينقاع، والسَّويق، وقَرقرة الكُدْر، وغطفان، وبني سُليم، وأُحد، وحمراء الأسد، وبني النضير، وبدر الموعد، وذات الرقاع، ودومة الجندل، والمُريسيع، والخندق، وبني قريظة، وبني لحيان، والغابة، والحديبية، وخيبر، وعام الفتح، وحنين، والطائف، وتبوك).
3 . الاستيعاب:1/43. والفارق بين العددين (26، و 27) طفيف. ولم يصحّ قوله: (هذا أكثر ما قيل في ذلك)، فأنت ترى قول الواقدي، وابن سعد، أنّ غزواته(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت سبعاً وعشرين.
4 . عيون الأثر في المغازي والسير:1/223.

(481)
وقال الحلبي في باب ذكر مغازيه: ذكر أنّ مغازيه ـ أي وهي التي غزا فيها بنفسه ـ كانت سبعاً وعشرين، ثم ذكر تفصيله.(1)
وقال القسطلاني: فجمع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه سبع وعشرون.(2)
أفيصحّ بعد هذا قول ابن تيمية: لم يغزُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سبعاً وعشرين غزاة باتفاق أهل العلم بالسّير؟
أو ليس الواقدي، وكاتبه محمد بن سعد، وابن عبد البر، وابن سيد الناس، والقسطلاني، والحلبي، من أهل العلم بالسِّير؟!
وهذا يدلّ على أنّ الرجل من رماة القول على عواهنه، يدّعي بلا دليل، ويتّهم بلا بيّنة...
ويلاحظ على الوجه الثاني: أعني:
قال ابن تيمية: إنّ هذه الآية نزلت يوم حنين... الخ.
أقول: كيف يقول إنّ الآية نزلت يوم حنين، وغزوة حنين كانت في السنة الثامنة من الهجرة(3)، والآية في سورة التوبة وقد نزلت في السنة التاسعة من الهجرة.(4)
أضف إلى ذلك: أنّ سياق الكلام، أعني قوله: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة وَ يَوْمَ حُنَيْن)، يدلّ على أنّها نزلت بعد غزوة حنين، لا يوم حنين، حيث يُخبر عن نصرته في ذلك اليوم. وليس هناك دليل على وقت

1 . السيرة الحلبية:2/342. 2 . المواهب اللدنية:2/112.
3 . السيرة النبوية لابن هشام:4/80; وطبقات ابن سعد:2/149.
4 . جامع البيان(تفسير الطبري):6/76، برقم 16372، والتفسير الكبير للفخر الرازي:15/218.

(482)
نزول الآية على وجه دقيق، حتى يستدلّ بها على أنّ بعض الغزوات كان بعد نزول الآية.
والذي يمكن أن يقال: إنّه لم تنزل يوم حنين أي في السنة الثامنة، وإنّما نزلت بعد هذه السنة عند نزول سورة التوبة.
ويلاحظ على الوجه الثالث: أعني:إنّ الله لم ينصرهم في جميع المغازي... الخ
أقول: إنّ في كلامه هذا اعترافاً بأنّ الصحابة الموجودين في غزوة أُحد قد تولّوا عن الجهاد وصاروا ممّن يقول في حقّه سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ)(1).
وهذا يحطّ من مقام الصحابة ويناقض مذهب ابن تيمية من كونهم عدولاً من أوّلهم إلى آخرهم، منذ أن أسلموا إلى وفاتهم.
أضف إلى ذلك: أنّ المراد هو نصرة الله سبحانه في عامّة الأحوال لغُزاة الإسلام ومجاهديه، ولولا نصر الله فيها لما كان الفوز حليفاً لهم، حتى في غزوة أُحد، قال سبحانه: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَة مِنَ اللهِ وَ فَضْل لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَ اللهُ ذُو فَضْل عَظِيم).(2)
فلئن كانت الهزيمة قد حدثت للمسلمين في جانب من المعركة، فإنّ نتائجها الإيجابية: الروحية والإيمانية، كانت لصالحهم، وهذا هو الانتصار الحقيقي، وقد تمّ بفضل الله سبحانه.
ويلاحظ على الوجه الرابع: أعني قوله: إنّ لفظ الكثير استعمل في القرآن في غير هذا العدد.

1 . آل عمران:155. 2 . آل عمران:174.

(483)
أقول: إنّ أساس الإشكال أنّ الرجل لم يفرّق بين الاستئناس بالآية وبين الاستدلال بها.
فالإمام تارة يستدل بالآية على فتواه، وأُخرى يستأنس بها ويجعل الآية تمهيداً لإقناع المخاطب ولنذكر مثالاً لكلٍّ من القسمين:
أمّا الاستدلال فقد روي أنّه قُدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود. فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي(عليه السلام)يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت». فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم:(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)(1)، فأمر به المتوكل، فضرب حتى مات.(2)
تجد أنّ الإمام الهادي(عليه السلام) استنبط حكم الموضوع (الإيمان عند رؤية العذاب) من آية مباركة، لا يذكرها الفقهاء في عداد آيات الأحكام، غير أنّ الإمام لوقوفه على سعة دلالة القرآن، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، وكم له من نظير.
وأمّا الاستئناس فالمراد به أنّ الآية توجد أرضية خاصّة لقبول المخاطب مفاد الفتوى، وهي كما في المقام، إذ لا شكّ في أنّ استعمال مواطن كثيرة في الآية في العدد الخاص لا يكون دليلاً على تعيّن الصدقة بهذا العدد، وإنّما

1 . غافر:84ـ85. 2 . مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب :4/403ـ405.

(484)
الواجب على الناذر أن يتصدّق بشيء يُعدّ عنده دنانير كثيرة، ومن المعلوم أنّه يختلف باختلاف حال الناذر، كثرة وقلّة في المال، فالإمام بتلاوة هذه الآية عطف نظر المتوكل إلى أنّه يجب أن يعطي شيئاً كثيراً ولا يكتفي بالقليل ومع ذلك لا يتعيّن عليه ذلك العدد، ويشهد على ذلك أنّ الإمام قال في آخر كلامه: «وكلّما زاد أمير المؤمنين من فضل الخير كان أنفع له وأُجر عليه في الدنيا والآخرة».(1)
وبما أنّ ابن تيمية قصر نظره على ما نقله العلاّمة عن المسعودي، تصوَّر أنّ الإمام بصدد الاستدلال ولم يقف على أنّ الغرض شيء آخر، ولو كان يريد الاستدلال لما قال في آخر كلامه: «وكلّما زاد أمير المؤمنين من فضل الخير كان أنفع له...».
***
وأمّا الفقرة الثالثة ـ أي إشخاص الإمام الهادي إلى مجلس المتوكل ـ فقد قال فيها ابن تيمية: الحكاية التي ذكرها عن المسعودي، منقطعة الإسناد، وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلاّ الله، فكيف يوثق بحكاية منقطعة الاسناد في كتاب قد عُرف بكثرة الكذب؟(2)
يلاحظ عليه: أنّه وصف كتاب المسعودي بأنّ فيه من الأكاذيب ما لا يحصيه إلاّ الله، فما هو الدليل على ذلك؟
فهل يمكن لنا أن نقول: إنّ في «منهاج السنّة» أكاذيب لا يحصيها إلاّ الله، وهو يقبل منّا هذا القول بلا دليل؟

1 . تاريخ بغداد:12/56. ولاحظ أيضاً: المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم:12/74.
2 . منهاج السنة:4/84، وفي طبعة بولاق:2/131.

(485)
ثم إنّ هذه القصة، قد ذكرها سبط ابن الجوزي (1) والصفدي(2)، وابن خلكان(3)، وابن كثير(4)، وغيرهم، ولم يُنكرها أحد منهم، كما لم يطعن أحد في المسعودي(5) ولا في تاريخه، بل نقل عنه جملة من أصحاب التواريخ والتراجم(6) في مواضع كثيرة من كتبهم، ولم يشيروا إلى أنّه قد عُرف بكثرة الكذب، كما زعم ابن تيمية ذلك.
ولا أدري ما هو موقف أتباع ابن تيمية من شيخهم اللَّجوج، إذا ما علموا أنّه قد أوقع نفسه في ورطة أُخرى ـ كما أوقعها من قبل في ورطات كثيرة ـ بادّعائه أنّ الحكاية التي ذكرها العلاّمة الحلّي عن المسعودي منقطعة الإسناد، وأنّ الأمر ليس كما يدّعي؟
وما هو رأيهم في شيخهم إذا ثبت عندهم أنّ هذا الادّعاء لا نصيب له من الصحّة، دفعه إليه، وإلى سائر ادّعاءاته التي مضى ذكرها، حبُّه للجدال، وولَعُه بردّ كلّ ما أورده العلاّمة الحلي حول فضائل ومناقب أهل بيت المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! وها نحن نكشف عن حقيقة هذه الحكاية، فنقول:
الحكاية المذكورة نقلها المسعودي (المتوفّى 346هـ)، عن إبراهيم

1 . تذكرة الخواص:361. 2 . الوافي بالوفيات:22/72.
3 . وفيات الأعيان:3/272، برقم 424. 4 . البداية والنهاية:16/50.
5 . ترجم له من الأعلام: ابن إسحاق النديم في «الفهرست:225»، وأبو العباس النجاشي في «رجاله:254، برقم 665»، وياقوت في «معجم الأدباء:13/90»، والذهبي في «سير أعلام النبلاء:15/569»، والسُّبكي في «طبقات الشافعية الكبرى:3/456»، وغيرهم، ولم يذكروا فيه شيئاً من الذمّ.
6 . منهم الذهبي، حيث نقل عن المسعودي في مواضع كثيرة من كتابه«سير أعلام النبلاء». انظر ـ على سبيل المثال ـ: ج12، ص 38، 40، 43 و ج13، ص 464، 467.

(486)
]نفطويه [بن محمد بن عرفة النحوي (المتوفّى 323هـ)، عن محمد بن يزيد المبرّد (المتوفّى 285، أو 286هـ)، وهي جزء من خبر طويل رواه المبرّد، وقال في أوّله:
قال المتوكّل لأبي الحسن علي ] الهادي[ بن محمد بن علي...: ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب... .
ثم قال: وقد كان سُعي بأبي الحسن علي بن محمد إلى المتوكّل، وقيل له: إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته، فوجّه إليه ليلاً من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممّن في الدار... (الحكاية المذكورة التي ادّعى ابن تيمية أنّها منقطعة الإسناد).
ثمّ قال المسعودي:
قال]يعني المبرّد[: وأشفق كلّ من حضر على عليّ، وظنّوا أنّ بادرة ستبدر منه إليه، قال: والله لقد بكى المتوكل بكاءً طويلاً حتى بلّت دموعه لحيته، وبكى من كان حوله; ثم أمر برفع الشراب، ثم قال له:«يا أبا الحسن عليك دَين؟» ـ «قال: نعم، أربعة آلاف دينار»، فأمر بدفعها إليه، وردّه إلى منزله مُكرّماً.(1)
ومن المعلوم أنّ المبرّد كان معاصراً للإمام الهادي(عليه السلام)، فقد ولد بالبصرة سنة (210هـ)، وورد سامّراء سنة (246هـ) بطلب من المتوكل، فحضر مجلسه ونال عطاياه، ولما قُتل المتوكل سنة (247هـ) رحل إلى بغداد، وتوفّي بها.(2)

1 . مروج الذهب:5/11ـ13.
2 . انظر ترجمته في: تاريخ بغداد:3/380ـ387; وسير أعلام النبلاء:13/576، الترجمة299; والأعلام:7/144، ومقدمة كتاب «الكامل» للمبرّد، تحقيق الدكتور محمد أحمد الدّالي.

(487)
يُذكر أنّ خبر المبرّد الذي تضمّن الحكاية المذكورة، قد قُسِّم في تاريخ المسعودي إلى أربعة مقاطع، وُضعت لها الأرقام التالية: (2889، 2890، 2891، 2892).(1)
وممّا يؤكد أنّ الخبر الذي تضمّن الحكاية المذكورة، منقول، بأكمله، عن المبرّد، هو أنّ الذهبي أورده باختصار شديد في كتابه «سير أعلام النبلاء»، وكما يلي:
(قال المبرّد: قال المتوكل لعليّ بن محمد بن الرضا: ما يقول ولد أبيك في العباس؟ قال: ما نقول يا أمير المؤمنين في رجل فرض الله طاعته على نبيّه]كذا[(2)، وذكر حكاية طويلة، وبكى المتوكل، وقال له: يا أبا الحسن ليّنت منّا قلوباً قاسية، أعليك دَين؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار، فأمر له بها).(3)
وبهذا تكون الحكاية (الطويلة) قد خرجت من عهدة المسعودي، ومن وصمة أكاذيب كتابه، الذي ادّعى ابن تيمية، باطلاً، أنّه لا يحصيها إلاّ الله، وثبت أنّها من رواية المبرّد، الذي كان معاصراً للإمام الهادي، وكان ـ كما يصفه الذهبي ـ إماماً، علاّمة، فصيحاً، مفوّهاً، موثّقاً.(4)

1 . مروج الذهب:5 / 11ـ13، ونُقل فيه قبل ذلك خبر طويل عن المبرّد، تحدّث فيه المبرّد عن قصة لقائه مع المتوكل، وقد قُسم فيه هذا الخبر إلى سبعة مقاطع، ووضعت له الأرقام من (2882 إلى 2888).
2 . في مروج الذهب: وما يقول ولد أبي، يا أمير المؤمنين، في رجل افترض الله طاعة نبيه على خلقه، وافترض طاعته على بنيه؟ وإنّما أراد أبو الحسن ]يعني الهادي(عليه السلام)[ طاعة الله على بنيه، فعرّض.
3 . سير أعلام النبلاء:12/38، ترجمة المتوكل(7).
4 . سير أعلام النبلاء:13/576، الترجمة 299.

(488)

ما هو الداعي إلى إنكار الحكاية

ويظهر أنّ محاولة إنكار الحكاية المذكورة من قبل ابن تيمية، تعود إلى رغبته في الدفاع عن المتوكل الذي أمر، لمّا أفضت الخلافة إليه، باستقدام المحدّثين إلى سامراء وأجزل صلاتهم ورووا أحاديث الرؤية والصفات(1)، ونصر أحمد بن حنبل وقدّمه على المعتزلة. ثمّ هدم قبر الحسين(عليه السلام) وما حوله من الدور وأمر أن يزرع، ومنع الناس من إتيانه.(2) ومثل هذه الأعمال تستهوي ابن تيمية وأمثاله من النواصب والمجسّمة والغلاة من الحنابلة وغيرهم، ولذا قالوا عنه: بأنّه أظهر السنّة،ولقّبوه بمحيي السنّة.
ولمّا كانت الحكاية المذكورة تفضح المتوكّل، إذ تتحدّث عن مجلس شربه، وهو يكرع الخمرة في جوف الليل، بينما كان الإمام الهادي في ذلك الوقت متوجّهاً إلى ربّه يترنّم بآيات من القرآن.. عزّ على ابن تيمية أن يقبلها، ولكنّه غفل عن أنّ (سنّة) المتوكّل في اللهو والطرب والفساد ومعاقرة الخمور، قد (ظهرت) وشاعت بين الناس، ودوّنها المؤرّخون وأرباب السِّير والتراجم، ولا يمكن إخفاؤها مهما بُذل في ذلك من محاولات.
وإليك شيئاً ممّا ورد حول ذلك:
قال الطبري:(وأخذ ]المتوكل[ مجلسه، ودعا بالندماء والمغنين، فحضروا... وأخذ في الشراب واللهو، ولهج يقول: أنا والله مفارقكم عن قليل، فلم يزل في لهوه وسروره إلى الليل.

1 . سير أعلام النبلاء:12/34.
2 . تاريخ الطبري:7/365 (سنة 236هـ) ; وسير أعلام النبلاء:12/35.

(489)
وقال: وذكر بعضهم... ثم أمر بالعشاء فأحضر، وذلك في جوف الليل، فخرج المنتصر من عنده، وأمر بُنانا غلام أحمد بن يحيى أن يلحقه، فلما خرج وُضعت المائدة بين يدي المتوكل، وجعل يأكلها، ويلقم وهو سكران).(1)
وقُتل في نفس هذه الليلة بتخطيط من ابنه المنتصر وبهذه الحالة، وهو سكران، لقي، محيي السنّة ربّه تعالى!!
وقال المسعودي، وهو يتحدّث عن أيام المتوكل: ولم يكن أحد ممّن سلف من خلفاء بني العباس ظهر في مجلسه العبث والهزل والمضاحك وغير ذلك، ممّا قد استفاض في الناس تركه إلاّ المتوكل، فإنّه السابق إلى ذلك والمُحدِث له.
وقال ابن الأثير: كان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنّه يتولّى عليّاً وأهله بأخذ المال والدم، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنّث، وكان يشدّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة ويكشف رأسه وهو أصلع، ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنّون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين. يحكي بذلك علياً، والمتوكل يشرب ويضحك.(2)
وقال ابن كثير الدمشقي: شرب]إيتاخ[ ليلة مع المتوكل، فعربد عليه المتوكل، فهمّ إيتاخ بقتله، فلمّا كان الصباح اعتذر المتوكل إليه، وقال له: أنت أبي، أنت ربّيتني...(3)

1 . تاريخ الطبري:7/392ـ393(سنة 247هـ). 2 . الكامل في التاريخ:7/55.
3 . البداية والنهاية:5/326(سنة 234هـ)، دار الكتب العلمية، 1405 هـ .

(490)
12

رأي ابن تيمية حول الإمام العسكري(عليه السلام)

إنّ العلاّمة الحلي بعدما فرغ من ذِكر الإمام علي الهادي(عليه السلام) ذكر شيئاً يسيراً عن ولده أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام)، وقال: وكان ولده الحسن العسكري(عليه السلام)عالماً فاضلاً زاهداً أفضل أهل زمانه، روت عنه العامّة كثيراً.(1)
وقد ردّ عليه ابن تيمية، وقال: إنّ العلماء المعروفين بالرواية الذين كانوا في زمن هذا الحسن بن علي العسكري ليست لهم عنه رواية مشهورة في كتب أهل العلم، وشيوخ أهل الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة كانوا موجودين في ذلك الزمان، وقريباً منه: قبله وبعده... فكيف يقال: روت عنه العامة كثيراً؟ وأين هذه الروايات؟ وقوله: «إنّه كان أفضل أهل زمانه» هو من هذا النمط.(2) يعني من الدعاوى المجرّدة.
أقول: يحاول ابن تيمية حينما يذكر شيوخ أهل الكتب الستة(من أهل السنّة)، ويقول إنّهم كانوا موجودين في زمان الإمام العسكري، ولم يرووا عنه، يحاول بذلك التمويه على القارئ، وذلك أنّ هؤلاء الشيوخ الستة، وإن كانوا موجودين في ذلك الزمان، إلاّ أنّهم كانوا، جميعاً، أكبر سنّاً من الإمام(عليه السلام)، وقد سمعوا الحديث وارتحلوا في طلبه قبل أن يتصدّى الإمام لنشر العلم، بل

1 . منهاج الكرامة:76. 2 . منهاج السنّة:4/85ـ86، وفي طبعة بولاق:2/131 .

(491)
قد فرغ بعضهم من طلبه قبل أن يُخلق (عليه السلام).
وها نحن نذكر، بإيجاز، شيئاً من حياة الإمام العسكري، وحياة هؤلاء الشيوخ، لكي يكتشف، القارئ العزيز، بنفسه حقيقة التدليس الذي مارسه ابن تيمية في ردّه المتقدّم، ويقف، أيضاً، على حقائق أُخرى، نعرض لها في أثناء البحث:
ولد الإمام الحسن العسكري بالمدينة المنوّرة سنة (232هـ)، وانتقل به والده الإمام علي الهادي إلى سامراء بعد أن أشخصه إليها المتوكل العباسي سنة (233هـ) ليكون تحت الرقابة، فأقام بها إلى أن استشهد في سنة (260هـ). وكان الحسن العسكرى(عليه السلام) قد نهض بمسؤولية الإمامة ونشر العلم بعد استشهاد والده في سنة (254هـ).(1)
أمّا الشيوخ الستة،وهم:
1. البخاري، فقد ولد في بخارى سنة (194هـ)، ورحل في طلب الحديث سنة (210هـ)، فزار خراسان والعراق والحجاز وغيرها وأقام في بخارى، وقدم نيسابور سنة (250هـ) وحدّث بها، وتعصّب عليه جماعة ورموه بالتهم، فأُخرج إلى خَرتنْك(من قرى سمرقند) فمات فيها سنة (256هـ).(2)
فالبخاري، إذاً، كان أكبر من الإمام العسكري بنحو(38سنة)، وكان يقيم ببخارى، وتوفّي بإحدى قرى سمرقند بعد سنتين، فقط، من بدء الإمام

1 . انظر ترجمته في: تاريخ بغداد:7/336، برقم 3886; ووفيات الأعيان:2/94; وأعيان الشيعة:2/40، والأعلام:2/200.
2 . انظر ترجمته في: وفيات الأعيان:4/188، برقم 569; وتهذيب الكمال:24/430، برقم 5059; وسيّر أعلام النبلاء:12/391، برقم 171; والأعلام:6/34.

(492)
العسكري بالتحديث ونشر العلم في سامراء(بالعراق)، فكيف يريد ابن تيمية، بعد كل هذا، من البخاري أن يروي عن الإمام، حتى وإن غضضنا الطرف عن عقيدة البخاري، وانحرافه عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)؟!
2. مسلم بن الحجّاج، ولد بنيسابور سنة (204هـ) أو نحو ذلك، ورحل في طلب الحديث إلى الحجاز ومصر والشام والعراق، ثم عاد إلى نيسابور، إلى أن توفّي بها سنة (261هـ).(1)
وأنت ترى الفارق الكبير بين عُمر(الإمام) وعُمر (مسلم)، والذي يبلغ نحو (30)عاماً، والمسافة الشاسعة التي تفصل بين بلديهما، فكيف يروي عن الإمام(عليه السلام)مع هذين الأمرين؟!
3. الترمذي، ولد في حدود سنة (210هـ)، ورحل في طلب الحديث إلى خراسان والعراق والحجاز، وعاد إلى ترمذ، وتوفّي بها سنة (279هـ).(2)
ونقول في عدم رواية الترمذي عن الإمام ما قلناه في مسلم بن الحجّاج، فلا حاجة للإعادة.
4. أبو داود. ولد سنة (202هـ). ورحل إلى الشام والعراق ومصر، وزار بغداد مراراً، وروى بها كتابه المصنّف في السنن، ثم سكن البصرة، وتوفّي بها سنة (275هـ).
ويقال: إنّه صنّف كتابه في السنن قديماً، وعرضه على أحمد بن حنبل

1 . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال:27/499، برقم 5923; وسير أعلام النبلاء:12/557، برقم 217، والأعلام:7/221.
2 . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال:26/250، برقم 5531; وسير أعلام النبلاء:13/270، برقم 132; والأعلام:6/322.

(493)
(المتوفّى 241هـ)، فاستجاده واستحسنه.(1)
فكيف، إذاً، يروي أبو داود الذي يكبر الإمام العسكري بأكثر من (30) عاماً، كيف يروي عنه في كتابه «السنن» في الحديث، وقد صنّفه قبل أن يتصدّى الإمام لنشر الحديث بنحو (14) عاماً أو أكثر؟!
أليس هذا بأمر غريب؟ بلى، إلاّ إذا صدر عن ابن تيمية، فإنّه، ومن أجل أن يردّ على خصمه بكل طريقة، لا يبالي أن يأتي بالغرائب والعجائب!!
5. ابن ماجة، ولد سنة (209هـ)، ورحل إلى البصرة وبغداد والشام ومصر والحجار والريّ، في طلب الحديث. وعاد إلى بلده (قزوين). توفّي سنة (273هـ)، وقيل: سنة (275هـ).(2)
6. النَّسائي، ولد في نَسا(بخراسان) سنة (215هـ)، وطلب العلم منذ صغره، فسمع بخراسان والعراق والحجاز وغيرها. وأقام بمصر مدة طويلة، ثم استقرّ في دمشق. سُئل عن فضائل معاوية، فقال: ما أعرف له فضيلة إلاّ «لا أشبع الله بطنه»، فضربوه في الجامع وداسوه، وأُخرج عليلاً، ثم حُمل إلى الرملة (بفلسطين) فمات بها، وذلك في سنة (303هـ)، وقيل: حُمل إلى مكة، فدفن بين الصفا والمروة.
وكان قد رحل إلى قتيبة بن سعيد في سنة (230هـ) لسماع الحديث.(3)

1 . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال:11/355، برقم 2492; وسير أعلام النبلاء:13/203، برقم 117; والأعلام:3/122.
2 . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال:27/40، برقم 5710; وسير أعلام النبلاء:13/277; والأعلام:7/144.
3 . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال:1/328، برقم 48; وسير أعلام النبلاء:14/125، برقم 67; والأعلام:1/171.

(494)
فهل ينتظر ابن تيمية منه أن يسمع من الإمام العسكري الذي تصدّى ـ كما قلنا ـ لنشر العلم والحديث في سنة (254هـ)؟!
وممّا سبق يتضح أنّ خلوّ الكتب الستة من روايات الإمام العسكري(عليه السلام)، يعود، بالدرجة الأساس، إلى أنّ أصحابها، وإن كانوا موجودين في زمانه(عليه السلام)، قبله وبعده (كما يقول ابن تيمية)، إلاّ أنّ أصغرهم سنّاً، وهو النسائي، كان أكبر من الإمام بنحو (17) عاماً، بل كانوا جميعاً، باستثناء النسائي، أكبر سنّاً من والده الإمام علي الهادي(المولود سنة 212هـ)!! ولكنّ ابن تيمية لم يُشر إلى كلّ ذلك، ولم يُشر، أيضاً، إيغالاً منه في التمويه على القارئ، إلى تاريخ بدء الإمام(عليه السلام)بنشر العلم والحديث، ولا إلى تاريخ استشهاده في سنة (260هـ)، وهو ابن ثمان وعشرين سنة!!
ثمّ إنّ التراث الحديثي السُّنّي ليس منحصراً في هذه الكتب الستة، بل هو أوسع من ذلك، وقد نقلته جُملة من كتبهم المصنّفة في هذا المجال، ومن هنا لا يمكن اعتبار الكتب الستة مقياساً لروايات الرواة، كثرة وقلّة، أو وجوداً وعدماً.

اختلاف علماء السنّة في تحديد عدد وأسماء ومراتب أُمّهات الكتب عندهم

وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ القول بأنّ الكتب الحديثية المعتمدة عند أهل السنّة، هي الكتب الستة، قد جاء في وقت متأخّر، وأنّ الاختلاف بين علمائهم، في تحديد عدد وأسماء ومراتب هذه الكتب، ظلّ قائماً لقرون عديدة، قبل أن يشيع القول بذلك أخيراً.
فبعض العلماء مَن يجعل «موطّأ» مالك في مقدّمة الصحاح والسنن، كما صنع أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري الأندلسيّ (المتوفّى 535هـ) في

(495)
كتابه «تجريد الصحاح»، وابن الأثير الجزري، أبو السعادات (المتوفّى 606هـ) في كتابه «جامع الأُصول في أحاديث الرسول».(1)
ومنهم من يجعل الكتب المعتمدة عند السنّة، خمسة، وهي: صحيحا البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، وسنن النَّسائي، وجامع الترمذي.
وهذا هو الرأي المشهور بين الحفّاظ والعلماء، والمحدّثين، وإليه ذهب ابن الصلاح (المتوفّى 643هـ)، ومحيي الدين النووي(المتوفّى 676هـ)، وابن حجر العسقلاني(المتوفّى 852هـ)، وولي الله الدهلوي (المتوفّى 1176هـ).(2)يُذكر أنّ الفضل بن طاهر المقدسي (المتوفّى 507هـ) عُدّ أوّل من أضاف «سنن» ابن ماجة إلى الكتب الخمسة، ثمّ عبد الغني المقدسي(المتوفّى 600هـ)(3)، ولم يحظ ذلك بقبول كثير من العلماء والحفّاظ، ومنهم ابن حجر العسقلاني الذي كان يقدّم «سنن» الدارمي(المتوفّى 255هـ) على «سنن» ابن ماجة، ويقول: إنّها لو ضُمّت إلى الخمسة: البخاري ومسلم وأبي داود
والترمذي والنسائي، لكانت أولى.(3)
وبعد أن عرفنا هذه الحقائق، نقول: إنّه وبالرغم من قصر المدة التي تصدى فيها الإمام العسكري(عليه السلام) لنشر العلم والحديث، وقسوة الأوضاع التي أحاطت به في ظلّ الرقابة الشديدة التي فرضها عليه حكّام بني العباس في عاصمة مُلكهم (سامراء)، فإنّ الذين أخذوا عنه العلم والحديث، قد جاوز

1 . انظر: مقدمة «سنن ابن ماجة»:3، دار الفكر للطباعة والنشر، 1424هـ ، وعناية صدقي جميل العطار.
2 . أضواء على السنّة المحمدية:244، 265، 269. 3 . انظر: مقدمة «سنن ابن ماجة»:5.
3 . انظر: أضواء على السنّة المحمدية:266(الهامش).

(496)
عددهم المائة وأربعين راوياً، كما أحصاهم المتتبّع الشيخ خليل الله العطاردي.(1)
ونحن وإن لم نظفر للإمام(عليه السلام) بروايات كثيرة في كتب أهل السنة(2)، إلاّ أنّه روى له(عليه السلام) منهم: الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني (المتوفّى 430هـ)، والحافظ أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي (المتوفّى 597هـ)، والحافظ عبد العزيز بن محمود، ابن الأخضر الجنابذي الحنبلي(المتوفّى 611هـ).
وروى بعض الأخبار الواردة عنه(عليه السلام): سبط ابن الجوزي الحنفي(3)، وابن الصباغ المالكي(4)، وابن حجر الهيتمي(5)، وغيرهم.
وإليك نصّ الحديث الذي رواه أبو نُعيم الأصبهاني:
قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني القاضي أبو الحسن علي بن محمّد بن علي بن محمد القزويني ببغداد، قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني القاسم بن العلاء الهمداني، قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني أبي علي بن محمد، قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني أبي محمد بن علي قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني أبي علي بن موسى قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني أبي موسى بن جعفر قال: أشهد بالله وأشهد لله،

1 . مسند الإمام العسكري:292ـ398.
2 . لا يُستبعد أن يكون العلاّمة الحلي، بما عُرف عنه من غزارة العلم وكثرة الاطلاع، قد اطّلع على روايات كثيرة للإمام(عليه السلام) في كتب السنّة.
3 . مرآة الزمان:6/ الورقة 192، كما في: الأئمة الاثنا عشر للسيد علي الميلاني:168.
4 . الفصول المهمة:285ـ 288. 5 . الصواعق المحرقة:207ـ208.

(497)
لقد حدّثني أبي جعفر بن محمد قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني أبي محمد بن علي قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني أبي علي بن الحسين قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني أبي الحسين بن علي قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني أبي علي بن أبي طالب ـ رضي الله تعالى عنهم ـ قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد حدّثني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: أشهد بالله وأشهد لله، لقد قال لي جبريل(عليه السلام): يا محمد، إنّ مدمن الخمر كعابد الأوثان.
قال أبو نُعيم الأصبهاني: هذا حديث صحيح ثابت، روته العترة الطيّبة، ولم نكتبه على هذا الشرط بالشهادة بالله ولله إلاّ عن هذا الشيخ.(1)
وقد روى هذا الحديث من طريق آخر، أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب «تحريم الخمر».(2)
ونقل العلاّمة أبو الفتح الأربلي عن الحافظ عبد العزيز الجنابذي عن رجاله عن الحافظ البلاذري، قال: حدّثنا الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى، إمام عصره عند الإمامية بمكّة، قال: حدّثني أبي علي بن محمد المفتي، قال: حدّثني أبي محمد بن علي السيد المحجوب، قال: حدّثني أبي علي بن موسى الرضا، قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر المرتضى قال: حدّثني أبي جعفر بن محمد الصادق، قال: حدّثني أبي محمد بن علي الباقر، قال: حدّثني أبي علي بن الحسين السجاد زين العابدين، قال: حدّثني أبي

1 . حلية الأولياء:3/203.
2 . قال سبط ابن الجوزي في ترجمة الإمام العسكري من «تذكرة الخواص:2/503»:ومن جملة مسانيده، حديث في الخمر عزيز، ذكره جدّي أبو الفرج في كتابه المسمّى بتحريم الخمر، ونقلته من خطّه. ثمّ ذكر الحديث، وفيه: «شارب الخمر كعابد الوثن».

(498)
الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنّة، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب سيد الأوصياء، قال: حدثني محمد بن عبد الله سيد الأنبياء، قال: حدّثني جبرئيل سيد الملائكة، قال: قال الله عزو جل سيد السادات، إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، فمن أقرّ لي بالتوحيد دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي، وقال الحاكم: ولم نكتبه إلاّ عن هذا الشيخ.(1)
هذا ما يتعلّق بالشِّق الأوّل من كلام ابن تيمية، وأمّا الشِّق الثاني منه، أعني قوله: إنّ قول (العلاّمة الحلي) بأنّ الحسن العسكري(عليه السلام) كان أفضل أهل زمانه، هو من الدعاوى المجرّدة، فيقال في جوابه:
إنّ العلاّمة الحلي ليس في هذا المقام، بصدد الاستدلال على أفضلية الإمام العسكري، لأنّ ذلك يرتبط بموضوع الإمامة والغرض منها، والصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها الإمام، وهذه أبحاث مطوّلة قد تناولها العلاّمة بتفصيل في كتبه الكلامية، فمن أحبّ أن يقف عليها فليراجعها في مظانّها.
ونرى من المناسب، هنا، أن نذكر بعض كلمات الأعلام من غير الشيعة، من الذين أشادوا بسموّ منزلة الإمام العسكري، وأقرّوا له بالفضل والتفوّق على غيره.
قال الوزير عبيد الله(2) بن يحيى بن خاقان (المتوفّى 263هـ):
لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقّها أحد من بني هاشم

1 . كشف الغمّة:3/198ـ199، وقد نقله عن كتاب معالم العترة النبوية للجنابذي.
2 . كان من المقدّمين في العصر العباسي، استوزره المتوكّل والمعتمد. وكان عاقلاً حازماً، استمرّ في الوزارة إلى أن توفّي. الأعلام:4/198.

(499)
غير هذا، فإنّ هذا يستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه.(1)
وقال أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان(وكان على الضياع والخراج بقمّ):
«ما رأيت ولا عرفت بسرّ من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي بن الرضا، ولا سمعت به في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته والسلطان وجميع بني هاشم، وتقديمهم إيّاه على ذوي السنّ منهم والخطر، وكذلك القوّاد والوزراء والكتّاب وعوام الناس».(2)
وقال كمال الدين محمد بن طلحة القرشيّ الشافعيّ:
«إنّ المنقبة العليا والمزيّة الكبرى التي خصّه الله عز وعلا بها، وقلّده فريدها، ومنحه تقليدها، وجعلها صفة دائمة، لا يُبلي الدهرُ جديدها، ولا تَنسى الألسنة تلاوتها وترديدها، أنّ المهدي محمّداً نسله المخلوق منه، وولده المنتسب إليه، وبضعته المنفصلة عنه».(3)
وقال ابن الصبّاغ المالكي:
«واحد زمانه من غير مدافع، ونسيج وحده من غير منازع، وسيّد أهل عصره، وإمام أهل دهره، أقواله سديدة، وأفعاله حميدة».(4)

1 و 2. رواه الشيخ الصدوق، عن أبيه ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، كليهما عن سعد بن عبد الله الأشعري القمي، عن أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان سعد قد حضر مجلس أحمد هذا بقم في شعبان سنة (278هـ)،ونقل عنه كلامه وكلام أبيه المذكورين. كمال الدين:1/40ـ42، مقدمة المصنف(فقرة: ما روي في صحة وفاة العسكري(عليه السلام))، وبحار الأنوار:5/325.
3 . مطالب السؤول:209. 4 . الفصول المهمة:274.

(500)
13

آراءُ ابن تيمية حول الإمام المهدي المنتظر

عجّل الله تعالى فرجه الشريف
قال العلاّمة الحلّي(رحمه الله): وولده (يعني الحسن العسكري) مولانا الإمام المهدّي محمد (عليه السلام). روى ابن الجوزي بإسناده إلى ابن عمر، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، فذلك هو المهدي».(1)
أقول: المهدي المنتظر هو أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري الحجّة، الخلف الصالح، ولد(عليه السلام) بسرّ من رأى ليلة النصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين، وله من العمر عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله الحكم صبيّاً كما حدث ليحيى، حيث قال سبحانه:(يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة وَ آتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا).(2)
وجعله إماماً وهو طفل، كما جعل المسيح نبيّاً وهو رضيع، قال سبحانه على لسانه وهو يخاطب قومه: (إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا).(3)
اتّفق المسلمون على ظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل

1 . منهاج الكرامة:77ـ 78. 2 . مريم:12. 3 . مريم:30.

(501)
والفساد، و سحق الظلم والجور، ونشر أعلام العدل، وإعلاء كلمة الحق، وإظهار الدين كلّه ولو كره المشركون، فهو بإذن الله ينجي العالم من ذلّ العبودية لغير الله، ويلغي الأخلاق والعادات الذميمة، ويبطل القوانين الكافرة التي سنّتها الأهواء، ويقطع أواصر العصبيات القومية والعنصرية، ويمحو أسباب العداء والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الأُمّة وافتراق الكلمة، ويحقّق الله سبحانه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ)(1) ، ومن المعلوم أنّ الأرض بعامّتها لم يحكمها الصالحون لحدّ الآن وإنّما حكموا أطرافاً منها، وهذا الوعد الإلهي لم يتحقّق بعد، وإنّما يتحقّق فيما إذا دخلت كلمة الإسلام عامة المدن والقرى وينادى فيها بشهادة أن لا إله إلاّ الله بكرة وعشيّاً، وإنّما يتحقّق ذلك عند ظهور الإمام المنتظر الذي وعد الله به الأُمم.
وقد تضافرت الروايات على خروج إمام من أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ينشر راية الإسلام والعدل في الأرض بعد ما تُملأ جوراً وظلماً.
قال الشيخ مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي(من علماء القرن الحادي عشر) في حقيقة ظهور المهدي:
والصحيح أنّه يخرج آخر الزمان... وقد كثرت بذلك الأخبار والروايات، وشاع ذلك في الأمصار بأحاديث الثقات.(2)

1 . الأنبياء: 105. روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّه قال في تفسير قوله تعالى:(أنّ الأَرضَ يَرِثُها عِبادِي الصّالِحُونَ): إنّ ذلك وعد للمؤمنين بأنّهم يرثون جميع الأرض. التبيان في تفسير القرآن:7/284.
2 . فرائد فوائد الفِكَر في الإمام المهدي المنتظر:219، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، 1427هـ .

(502)
وقال السيد محمد صديق حسن القنُّوجي البخاري(المتوفّى 1307هـ) في المهدي الموعود المنتظَر الفاطمي (حسب تعبيره): الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جداً، تبلُغ حدّ التواتر، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد... وأحاديث المهدي عند الترمذي، وأبي داود، وابن ماجة، والحاكم، والطبراني، وأبي يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة.
ثم قال: وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار، وأنّه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتّبعه المسلمون... (1)
هذا، وقد ناهزت الروايات مبلغاً يُعدّ من أعلى مراتب التواتر، حتى قال الدكتور عبد الباقي (المعاصر في السعودية): إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة أو أكثر من صاحب كتاب صحيح.(2)
وما ذكره من عدد الروايات إنّما يرجع إلى وجودها في الصحاح والسنن، وأمّا غيرها فالروايات أكثر وأكثر، بل لا تجد في مجموع ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)رواية أشهر من رواية المهدي(عليه السلام)، ولأجل إيضاح الموضوع نأتي بالعناوين التي لها صلة بالإمام المهدي(عليه السلام) ونذكر عدد رواياتها ونقتصر في

1 . الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة: 125 ـ 126، دار بن كثير، الطبعة الثانية، 1421 هـ .
2 . بين يدي الساعة:123.

(503)
ذلك على ما جاء في كتاب «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر»، لسماحة آية الله لطف الله الصافي.

1. أحاديث الخلفاء الاثني عشر

تضافرت الروايات على أنّ عدد الخلفاء والأئمة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هو اثنا عشر وأنّ عدّتهم كنقباء بني إسرائيل وحواري عيسى(عليه السلام).
روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: انطلقت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ومعي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة»، قال: قال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش»(1).
روى البخاري عن عبد الملك، قال: سمعت جابر بن سمرة قال: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «يكون اثنا عشر أميراً»، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: «كلّهم من قريش».(2)
وقد أخرج أحمد في مسنده النصوص على الاثني عشر عن جابر بن سمرة بطرق تناهز 34 طريقاً.(3)
وربما ناهز عدد الأحاديث التي وردت في هذا المقام عن طرق أهل السنّة 50 حديثاً.(4)

1 . صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب الناس تبع قريش والخلافة في قريش.
2 . صحيح البخاري: 4، كتاب الأحكام، الباب الذي جعله قبل باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة.
3 . مسند أحمد:5/86 ، 87 ، 89 ، 90، 92، 93، 94، 95، 96، 97، 98، 99، 100، 101، 106، 107، 108.
4 . لاحظ : منتخب الأثر: 1 / 19ـ 40.

(504)
وأمّا إذا أُضيف إلى ذلك ما روي عن طرق الشيعة فيبلغ عدد الجميع (148) حديثاً. إنّما الكلام في ما هو المراد بهذه الأحاديث، وتعيين من ينطبق عليهم هذا العدد؟
يقول بعض الأعاظم (دام ظله) في هذا الصدد: اعلم أنّ هذه الأحاديث لا تنطبق إلاّ على مذهب الشيعة الإمامية، فإنّ بعضها يدل على أنّ الإسلام لا ينقرض ولا ينقضي حتى يمضي في المسلمين اثنا عشر خليفة، وبعضها يدلّ على أنّ عزّة الإسلام إنّما تكون إلى اثني عشر خليفة، وبعضها يدلّ على بقاء الدين إلى أن تقوم الساعة، وأنّ وجود الأئمة مستمر إلى آخر الدهر، وبعضها يدل على أنّ الاثني عشر كلّهم من قريش، وفي بعضها «كلّهم من بني هاشم»، وفي بعضها «وكلّهم لا يرى مثله».
وظاهر جميعها حصر الخلفاء في الاثني عشر وأنّهم متوالون متتابعون، ومعلوم أنّ تلك الخصوصيات لم توجد إلاّ في الأئمة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين، ولا توافق مذهباً من مذاهب فرق المسلمين إلاّ مذهب الإمامية، وينبغي أن يعدّ ذلك من معجزات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإخباره عن المغيّبات، ولا ريب أنّ هذه الأحاديث لا تحتمل غير هذا المعنى ولا يحتمل الذهن السليم المستقيم الخالي عن بعض الشوائب والأغراض غيره.(1)
إلى أن قال: وتستفاد من هذه الأحاديث أُمور:
الأول: عدد الخلفاء الذين يكون الأمر لهم بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحصرهم في الاثني عشر لا يزاد عليهم أحد ولا ينقُص منهم أحد، وهذا مفاد كلّ واحد من الأحاديث.

1 . منتخب الأثر:1/274ـ275.

(505)
الثاني: بقاء الأرض وسكونها عن الاضطراب ماداموا باقين عليها.
الثالث: عدم انقضاء هذا الأمر (دين الإسلام) قبل انقضائهم(عليهم السلام)، واستمرار بقائه ببقائهم، وأنّه ما بقي واحد منهم يكون الدين باقياً قائماً، وفي هذا دلالة على طول مدة بقائهم على وجه البسيطة ولو بطول بقاء الثاني عشر منهم.
الرابع: عزّ هذا الدين وعدم قدرة الطواغيت على محوه ودرس آثاره إلى مدّة هؤلاء الاثني عشر، فهو لا يزال عزيزاً منيعاً لا يقدر أحد على القضاء عليه كما قُضي على سائر الشرائع والأديان، فهذه شريعة موسى وعيسى مضافاً إلى أنّهما قد نُسختا بشريعة الإسلام فقد حرّفت أصولهما وأحكامهما بالحوادث والحروب وسياسات المتغلبين وتحريفات الكهنة وغيرهم، فما بيد اليهود والنصارى الآن من شريعة موسى وعيسى ليس هو الأصل، لا سيّما في الأُصول الاعتقادية.
وأمّا الإسلام فقد بقي عزيزاً منيعاً محفوظاً من تحريف الغالين وإبطال الجاحدين وسيبقى إلى ظهور الإمام المهدي(عليه السلام) وحتى تقوم الساعة، لأنّ الله تعالى جعله في حصن حفظه الحصين، ونصب الأئمة الاثني حفَظَة له وقُوّاماً بأمره في جميع الأزمنة إلى قيام القيامة.
الخامس: إنّ إمامة هؤلاء الأئمة(عليهم السلام) إنّما تكون على التوالي دون التفريق، وهذا أمر يستفاد من صراحة هذه الأحاديث بذلك.(1)

1 . منتخب الأثر: 1/260 ـ 263.
Website Security Test