welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(448)
9

آراء ابن تيمية حول الإمام الرضا(عليه السلام)

وصف العلاّمة الحلّي الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) بالعناوين التالية:
1. كان أزهد أهل زمانه وأعلمهم.
2. أخذ عنه فقهاء الجمهور كثيراً.
3. قيل لأبي نؤاس لم لا تمدح الرضا(عليه السلام)؟ فقال:
قلت لا أستطيع مدح إمام *** كان جبريل خادماً لأبيه
وقد أخذ ابن تيمية بردّ هذه العناوين، فقال:
1. أمّا قوله: «إنّه كان أزهد الناس وأعلمهم» فدعوى مجرّدة بلا دليل، كيف والناس يعلمون أنّه كان في زمانه من هو أعلم منه، ومن هو أزهد منه، كالشافعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وأشهب بن عبد العزيز وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي.
2. وأمّا قوله:«إنّه أخذ عنه فقهاء الجمهور كثيراً»، فهذا من أظهر الكذب.
3. وأمّا شعر أبي نؤاس، فقال: ومن المعلوم أنّ هذا وصف مشترك بين

(449)
جميع من كان من ذرية الرسل، وجميع ذرية عليّ يشاركونه في هذا.(1)
هذه هي النقاط الثلاث التي أظهر فيها ابن تيمية حقده وضغينته لعلي بن موسى الرضا(عليه السلام)، فلنا معه كلام في الأُمور الثلاثة هذه:

الأمر الأوّل : كونه أعلم أهل زمانه وأزهدهم

يعلم صدق هذا الأمر من استعراض كلمات العلماء في حق الإمام الرضا(عليه السلام):
1. قال أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي(الأديب الفقيه العالم)(2): ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا، ولا رآه عالِم إلاّ شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد، علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلّمين، فغلبهم عن آخرهم، حتى ما بقي منهم أحد إلاّ أقرّ له بالفضل، وأقرّ على نفسه بالقصور.(3)
2. قال الفخر الرازي في تفسير سورة الكوثر: الكوثر: أولاده، قالوا: لأنّ هذه السورة إنما نزلت ردّاً على من عابه(صلى الله عليه وآله وسلم) بعدم الأولاد، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مر الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت(عليهم السلام)، ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أُميّة في الدنيا أحد يُعبأ به، ثم انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا(عليهم السلام) والنفس الزكيّة وأمثالهم.(4)

1 . منهاج السنة: 4 / 60 ـ 65، وفي طبعة بولاق: 2 / 125 ـ 126 .
2 . كذا وُصف في «تهذيب الكمال:18/73، برقم 34212(وفيه: أنّه مات سنة 236هـ).
3 . رواه الحاكم النيسابوري بإسناده عن أبي الصلت: انظر: إعلام الورى: 2/64، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، 1417هـ .
4 . التفسير الكبير:مج16، ج32، ص 124.

(450)
3. قال الواقدي: علي بن موسى، سمع الحديث من أبيه وعمومته وغيرهم، وكان ثقة يفتي بمسجد رسول الله، وهو ابن نيف وعشرين سنة، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة.(1)
4. قال الشيخ كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي: ومن أمعن النظر والفكرة، وجده في الحقيقة وارثهما(المراد علي بن أبي طالب وعليّ بن الحسين(عليهما السلام)) فيحكم كونه ثالث العَليين، نما إيمانه، وعلا شأنه، وارتفع مكانه، وكثر أعوانه، وظهر برهانه، حتّى أحلّه الخليفة المأمون محلّ مهجته، وأشركه في مملكته، وفوّض إليه أمر خلافته، وعقد له على رؤوس الأشهاد عقدة نكاح ابنته، وكانت مناقبه عليّة، وصفاته سنيّة،ومكارمه حاتمية، وشنشنته أخزمية، وأخلاقه عربية، ونفسه الشريفة هاشميّة، وأرومته الكريمة نبوية.(2)
5. وكفاك في فضله وخضوع العلماء والمحدّثين لعلمه وحديثه ما نقله الفريقان عن غير واحد ممن حضر الواقعة: لمّا مرّ علي بن موسى الرضا بنيسابور وهو راكب بغلة شهباء فإذا محمد بن رافع وأحمد بن حرب ويحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وعدّة من أهل العلم قد تعلّقوا بلجام بغلته في المربعة فقالوا: بحق آبائك الطاهرين حدّثنا بحديث سمعته من أبيك فأخرج رأسه من العمارية وعليه مطرف خزّ ذو وجهين، وقال: حدثني أبي، العبد الصالح موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي الصادق جعفر بن محمد قال: حدثني أبي أبو جعفر محمد بن علي باقر علوم الأنبياء قال: حدثني أبي علي

1 . تذكرة الخواص:315; والمنتظم لابن الجوزي:10/119ـ120.
2 . مطالب السؤول:295; الفصول المهمة:243.

(451)
بن الحسين سيد العابدين، قال حدثني أبي سيد شباب أهل الجنة الحسين، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب(عليهم السلام)، قال: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «سمعت جبرئيل يقول: قال الله جلّ جلاله: إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدوني، من جاء منكم بشهادة أن لا إله إلاّ الله بالإخلاص دخل في حصني ومن دخل في حصني أمن من عذابي».(1)
وقال ابن عساكر: قال لنا أبو سعد إسماعيل (بن أحمد بن عبد الملك) في كلام له: لما دخل علي بن موسى نيسابور، تعلّق أحمد بن حرب الزاهد بلجام دابّته، وياسين بن النضر(2)، ومحمد بن يحيى، فحدّثهم.(3)
وقال إسماعيل العَجْلوني: لما دخل علي بن موسى الرضا نيشابور على بغلة شهباء، خرج علماء البلد في طلبه، منهم: يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حرب ومحمد بن رافع، فتعلّقوا بلجام دابته، فقال له إسحاق: بحق آبائك، حدّثنا، فقال: حدّثنا العبد الصالح أبي موسى بن جعفر... إلى آخر سنده ومضمونه.(4)
فهذا إسحاق بن راهويه الذي وصفه ابن تيمية بأنّه أعلم من علي بن موسى الرضا يأخذ بلجام دابة علي الرضا، ومعه من كبار الفقهاء وشيوخ المحدّثين مثل يحيى بن يحيى، وأحمد بن حرب، ومحمد بن رافع يطلبون

1 . عيون أخبار الرضا:2/134.أخرجه الصدوق بأسانيد ثلاثة مع اختلاف يسير في المتن. وانظر:ذكر أخبار أصبهان:1/138; والمنتظم:10/120; وفيض القدير للمناوي:4/489.
2 . في المطبوع: النضر بن ياسين، والتصويب من: ذكر أخبار أصبهان: 1 / 138 .
3 . تاريخ مدينة دمشق:5/463.
4 . كشف الخفاء:1/122.

(452)
منه حديثاً مروياً عن آبائه بسند يتصل إلى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
ويستفاد من المصادر المتقدّمة(1) أنّ أبرز أعلام ذلك العصر، الذين استقبلوا الإمام الرضا في نيسابور، وطلبوا منه أن يروي لهم حديثاً، عن آبائه(عليهم السلام)، عن جدّه صلوات الله عليه، هم:
1. إسحاق بن إبراهيم(راهويه) بن مَخْلد التميمي، المروزي(المتوفّى 238هـ).
2. أحمد بن حرب بن فيروز النيسابوري(المتوفّى 224هـ).
3. محمد بن رافع القشيري، النيسابوري(المتوفّى 245هـ).
4. يحيى بن يحيى بن بكير التميمي، النيسابوري(المتوفّى 226هـ).
5. محمد بن أسلم الطوسي(المتوفّى 242هـ).
6. محمد بن يحيى الذُّهلي، النيسابوري(المتوفّى 258هـ).
7. ياسين بن النضر، القاضي أبو سعيد النيسابوري(المتوفّى 252هـ).
وهذه الحادثة تدلّ دلالة واضحة على سعة رقعة علم الإمام وعلو مكانته، فإنّ خضوع هؤلاء الأعلام ـ الذين زعم ابن تيمية أنّ بعضهم أعلم منه وأزهد ـ دليل على اعترافهم بأنّه أعلم منهم، وأسمى منزلة .
وأعجب من ذلك أنّهم تلقوا هذا السند، سنداً مباركاً يليق أن يكتب بالذهب، فقد نقل المناوي في شرحه على الجامع الصغير عن الأُستاذ أبي القاسم القشيري: وصل هذا الحديث بهذا السند ببعض أُمراء السامانية فكتبه

1 . عيون أخبار الرضا، وذكر أخبار أصبهان، وتاريخ مدينة دمشق، والمنتظم، وفيض القدير، وكشف الخفاء.

(453)
بالذهب وأوصى أن يدفن معه في قبره، فرؤي في النوم بعد موته فقيل: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بتلفظي بلا إله إلاّ الله، وتصديقي بأنّ محمداً رسول الله.(1)
وقال الإمام أحمد بن حنبل : لو قرأت هذا الإسناد على مجنون بَرئ من جنونه.(2)
وقال أبو نعيم: هذا حديث ثابت مشهور بهذا الإسناد من رواية الطاهرين عن آبائهم الطيبين. وكان بعض سلفنا من المحدثين إذا روى هذا الإسناد قال: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق.(3)
وقال ابن ماجة: قال أبو الصلت: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لبرأ.(4)
ونقل الخطيب البغدادي قول من قال: هذا سعوط المجانين، وإذا سعط به المجنون برأ.(5)
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وهو أحد أئمة الجرح والتعديل: كنت مع أبي بالشام فرأيت رجلاً مصروعاً فذكرت هذا الإسناد، فقلت: أُجرّب بهذا. فقرأت عليه هذا الإسناد فقام الرجل فنفض ثيابه ومرّ.(6)

1 . فيض القدير:4/489.
2 . رواه أبو نعيم الأصبهاني في: ذكر أخبار أصبهان: 1/138 عن إبراهيم بن عبدالله بن إسحاق المعدَّل الأصبهاني، عن أبي علي أحمد بن علي الأنصاري الأصبهاني ساكن نيسابور، عن أحمد بن حنبل، وانظر: الصواعق المحرقة:205.
3 . حلية الأولياء:3/191ـ 192.
4 . سنن ابن ماجة:1/25، كتاب السنة، باب في الإيمان.
5 . تاريخ بغداد:5/418ـ419. 6 . التدوين في أخبار قزوين للرافعي:3/483.

(454)
هذا كلّه حول علمه.
وأمّا زهده فكفى في ذكر زهده(عليه السلام) أنّ المأمون قد عرض الخلافة عليه، ولكنّه رفضها، قال الشيخ المفيد: بعث المأمون إلى الإمام الرضا(عليه السلام) قبل اجتماعه به: إنّي أُريد أن أخلع نفسي من الخلافة وأُقلدك إيّاها فما رأيك؟ فأنكر الرضا(عليه السلام) هذا الأمر وقال له: «أُعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الكلام وأن يسمع به أحد» فردّ عليه الرسالة: فإذا أبيت ما عرضته عليك فلابد من ولاية العهد بعدي، فأبى عليه الرضا إباءً شديداً.
فاستدعاه وخلا به ومعه الفضل بن سهل ذو الرياستين ـ ليس في المجلس غيرهم ـ و قال له: إنّي قد رأيت أن أقلّدك أمر المسلمين وأفسخ ما في رقبتي وأضعه في رقبتك.
فقال له الرضا(عليه السلام):«الله الله يا أمير المؤمنين إنّه لا طاقة لي بذلك ولا قوّة لي عليه».
قال له: فإنّي موليك العهد من بعدي.
فقال له: اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين.(1)

دليل كونه أزهد أهل زمانه

إنّ كثيراً من الناس يستميتون في كسب المناصب والرئاسات والمسؤوليات العليا، فتراهم يحاولون بشتى السبل الحصول على ذلك، فهذان طلحة والزبير جيشّا الجيوش وخاضا المعارك الدامية لنيل الخلافة، أو

1 . الإرشاد:310.

(455)
لنيل ما هو أدنى من ذلك كإمارة الكوفة أو البصرة.
ومعاويه أيضاً الذي لعبت يده تحت الستار في حرب الجمل، وخاض الحرب ضد خليفة زمانه في صفين، بحجة أخذ ثأر ابن عمه عثمان، فلمّا تولّى الخلافة، وصفا له الجوّ، نسي الثأر ومؤاخذة الثائرين على عثمان، فبان أنّ كلّ ما قام به من قتل النفوس وسفك الدماء لم يكن إلاّ لأجل نيل الخلافة.
هذا هو حال السلف الصالح عند القوم، وأمّا الإمام الرضا(عليه السلام) فإنّه أعرض عن الخلافة ودفعها عن نفسه كما رفض ولاية العهد أيضاً، فهل هناك أزهد ممّن يزهد بملك البلاد الإسلامية المترامية الأطراف؟!
وقد اقتدى(عليه السلام) في ذلك بجده علي بن أبي طالب، حيث قال:
أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلاَ سَغَبِ مَظْلُوم، لاََلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَلاََلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز!(1)
وممّا يشهد لسموّ منزلة الإمام الرضا في الزهد والورع ـ إضافة إلى العلم ـ وأنّه لا يرقى إليه في ذلك أحد، هاتان الكلمتان اللتان صدرتا في حقّه من رجلين مشهورين، عاصرا الإمام، وشاهداه عن كثب، وهما: المأمون العباسي، وكاتب العراق في عصره إبراهيم بن العباس الصولي.
قال المأمون في العهد الذي كتبه للرضا(عليه السلام):
ولم أزل منذ أفضت إليّ الخلافة أنظر فيمن أُقلّده أمرها، واجتهد فيمن

1 . نهج البلاغة، الخطبة رقم 3. (الخطبة الشقشقية).

(456)
أُولِّيه عهدَها، فلم أجد من يصلح لها إلاّ أبا الحسن علي بن موسى الرضا، لِما رأيتُ من فضله البارع، وعلمه النافع، وورعه في الباطن والظاهر، وتخلّيه عن الدنيا وأهلها، وميله إلى الآخرة وإيثاره لها، وتيقّنتُ فيه ما الأخبار عليه متواطئة، والألسن عليه متّفقة، فعقدتُ له العهد... .(1)
وقال إبراهيم بن العباس الصولي(2)(176، 167ـ 243هـ):
ما رأيت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) جفا أحداً بكلمة قطّ، ولا رأيته قطع على أحد كلامه قطّ حتى يفرغ منه... وكان قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أوّلها إلى الصبح، وكان كثير الصيام، فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر، ويقول: «ذلك صوم الدهر». وكان كثير المعروف والصدقة في السرّ، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنّه رأى مثله في فضله، فلا تصدّق.(3)

استجابة الدعاء عند تربته

ما يدلّ على قداسة روح الإمام(عليه السلام) وعلوّ مقامه عند الله سبحانه أنّ أئمة أهل السنّة يتبرّكون بقبره ويرون استجابة الدعاء لدى ضريحه المطهّر.

1 . تذكرة الخواص:476ـ 477(وفيه: وهو عهد طويل، ذكره عامّة المؤرّخين في تواريخهم، اختصرته).
2 . نشأ إبراهيم في بغداد فتأدّب وقرّبه الخلفاء، فكان كاتباً للمعتصم والواثق والمتوكّل، وتنقّل في الأعمال والدواوين إلى أن مات متقلّداً ديوان الضياع والنفقات بسامراء. قال المسعودي: لا يُعلم فيمن تقدّم وتأخّر من الكتّاب أشعر منه. وقال ياقوت الحموي: كان كاتباً حاذقاً بليغاً فصيحاً منشئاً. معجم الأُدباء: 1/261; والأعلام:1/45.
3 . عيون أخبار الرضا:2/197ـ198، الباب44، رقم 7.

(457)
قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام علي الرضا(عليه السلام): وقال الحاكم في تاريخ نيسابور: قال: وسمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول: خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا بطوس، قال: فرأيت من تعظيمه ـ يعني ابن خزيمة ـ لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرّعه عندها ماتحيّرنا.(1)
وقال ابن حبّان: وقبره (يعني الإمام الرضا(عليه السلام)) بسناباذ خارج النوقان مشهور يُزار ـ بجنب قبر الرشيد ـ قد زرته مراراً كثيرة، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جدّه وعليه، ودعوت الله إزالتها عني إلاّ استجيب لي وزالت عني تلك الشدّة، وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم أجمعين.(2)
***
وممّا ذكرنا تبيّنت مكانة الإمام الرضا(عليه السلام) في العلم والزهد والقداسة وقربه من الله سبحانه لحدّ يستجاب الدعاء عند تربته الشريفة.
كما ظهر أنّ العلاّمة الحلي لم يكن كاذباً فيما وصف به علي بن موسى الرضا(عليه السلام) وإنّما يكذب مَن يتسرّع في النقد والردّ ويصدر عن ضغائن أموية فيردّ كل فضيلة رابية لآل البيت(عليهم السلام).

1 . تهذيب التهذيب:7/339.
2 . كتاب الثقات لابن حبّان التميمي البستي: 8/456ـ 457، ترجمة علي الرضا(عليه السلام).

(458)
فلنرجع إلى الفقرة الثانية من كلام ابن تيمية.

الأمر الثاني: الإمام الرضا(عليه السلام) وأخذ فقهاء الجمهور العلم منه

قال العلاّمة الحلي: وأخذ عنه فقهاء الجمهور كثيراً، وردّه ابن تيمية بقوله: أمّا قوله: أنّه أخذ عنه فقهاء الجمهور كثيراً، فهو من أظهر الكذب.
أقول: إذا وقفنا على عدد من استقى من نمير علم الرضا(عليه السلام) ورووا عنه، تتبيّن صحّة قول العلاّمة الحلي؟ وأنّ تكذيبه صدر عن حقد وضغينة.
أمّا علماء السنّة فقد ذكر الحافظ جمال الدين أبو الحجّاج يوسف المزّي في «تهذيب الكمال» أسماء من رووا عن الإمام الرضا(عليه السلام)، فقال: روى عنه:
1. أبو بكر أحمد بن الحباب بن حمزة الحميري النسّابة.
2. أيوب بن منصور النيسابوري.
3. دارم بن قبيصة بن نهشل الصنعاني.
4. أبو أحمد داود بن سليمان بن يوسف الغازي القزويني، له عنه نسخة.
5. سليمان بن جعفر.
6. عامر بن سليمان الطائي والد أحمد بن عامر أحد الضعفاء، له عنه نسخة كبيرة.
7. عبد الله بن علي العلويّ.
8. أبو العباس عبد الله المأمون بن هارون (العباسي).
9. أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي.
10. علي بن صدقة الشطّي الرقّي.

(459)
11. علي بن علي الخزاعي الدعبلي.
12. علي بن مهدي بن صدقة بن هشام القاضي، له عنه نسخة.
13. محمد بن سهل بن عامر البجلي.
14. ابنه أبو جعفر محمد بن علي بن موسى((عليهم السلام)).
15. أبو جعفر محمد بن محمد بن حيّان التمّار البصري.
16. موسى بن علي القرشي.
17. أبو عثمان المازني النحوي.(1)
ثمّ إنّ قسماً من هؤلاء الرواة الذين ذكرهم جمال الدين قد ذكرهم الشيخ الطوسي والنجاشي في رجاليهما، ومن المعلوم أنّهما أقدم من جمال الدين.
وأمّا علماء الشيعة، فقد ذكر البرقي(2) في رجاله(59) خريجاً من مدرسته، وفيهم كبار الفقهاء نظراء: أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، ومحمد بن إسماعيل بن بزيع، وعبد الرحمن بن أبي نجران التميمي، وصفوان بن يحيى، إلى غير ذلك.
ولكن الشيخ الطوسي(3) ونتيجة لسعة تتبعه ذكر ما يربو على 300 رجلاً، ومن أبرزهم:
1. أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الله، إمام الحنابلة.
2. إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه (المتوفّى 238هـ).

1 . تهذيب الكمال في أسماء الرجال:21/148ـ149.
2 . رجال البرقي:326ـ340.
3 . رجال الطوسي:351ـ370.

(460)
3. الفضل بن سهل ذو الرياستين.
وقد لاحظ الدكتور كامل مصطفى الشيبي هذا الإقبال المنقطع النظير على الإمام الرضا، للانتهال من علمه، فقال: كان الرضا من قوة الشخصية وسموّ المكانة أن التفّ حوله المرجئة، وأهل الحديث، والزيدية.(1)
ومن أراد أن يقف على سمو مقامه(عليه السلام) بين العلماء النبلاء، المسلمين أو غيرهم، فليرجع إلى مناظراته مع اليهود والنصارى والماديّين والصابئين، وقد جمع قسماً منها الشيخ الصدوق في «عيون أخبار الرضا»، والشيخ الطبرسي في كتاب «الاحتجاج»، ولنذكر أُنموذجاً واحداً، وهي مناظرته مع أبي قرّة، وهو أحد أعلام المحدثين في عصره.
قال: روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيَّين، فقسم لموسى(عليه السلام)الكلام ولمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)الرؤية.
فقال أبو الحسن(عليه السلام): «فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين الجنّ والإنس: أنّه (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)(2)، و ( لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)(3)، و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءْ)(4)، أليس محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)؟» قال: بلى.
قال: «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، فيقول: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، و (لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)، و(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءْ)، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني

1 . الصلة بين التصوّف والتشيّع:214، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية.
2 . الأنعام:103.
3 . طه:110. 4 . الشورى:11.

(461)
وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر. أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يأتي من عند الله بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».
قال أبو قرّة: فإنّه يقوله: (وَ لَقَدْ رَاَهُ نَزْلَةً أُخْرى).(1)
قال أبو الحسن(عليه السلام): «إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)(2) يقول: ما كذب فؤاد محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)ما رأت عيناه ثمّ أخبر بما رأى فقال: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)(3)، فآيات الله غير الله، وقال: (لا يُحيطون بهِ عِلْماً)فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة».
فقال أبو قرة: فتكذّب بالرواية؟
فقال أبو الحسن: «إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذّبتها، وما أجمع المسلمون عليه: أنّه لا يحاط به علماً، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء».(4)

الأمر الثالث: قوله بأنّ شعر أبي نواس غير مختص بالرضا(عليه السلام)

ذكر العلاّمة أنّه قيل لأبي نؤاس: لِمَ لا تمدح الرضا(عليه السلام)؟ فاعتذر بقوله:
قلت لا استطيع مدح إمام *** كان جبريل خادماً لأبيه

1 . النجم:13.
2 . النجم:11.
3 . النجم:18،
4 . الاحتجاج للطبرسي:2/184.

(462)
فرد عليه ابن تيمية بقوله: ومن المعلوم أنّ هذا وصف مشترك بين جميع من كان من ذرية الرسل، وجميع ذرية عليّ يشاركونه في هذا، فأي مزية له في هذا حتى يكون بها إماماً دون أمثاله المشاركين له في هذا الوصف؟(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ العلاّمة لم يستدل على إمامة الرضا(عليه السلام) بشعر أبي نؤاس وإنّما ذكره للإشارة إلى مقامه السامي، وكرامته في نفوس الناس، فسقط قول ابن تيمية: فأي مزية له في هذا حتى يكون بها إماماً.. إلى آخر ما قال.
وثانياً: إنّ أبا نؤاس(الحسن بن هانئ)(2) كان من الشعراء الأفذاذ، ومن كبار علماء اللغة، دقيق الملاحظة، بارعاً في الوصف، (قد جُمع له الكلام، فاختار أحسنه)(3)، فكيف عجز، في مقام مدح الرضا، عن اختيار أحسن الكلام، وخانته براعته في الوصف، فيصف ممدوحه بما هو مشترك بين جميع من كان من ذرية الرسل؟!!

1 . منهاج السنة:4 / 65، وفي طبعة بولاق:2/126.
2 . قال الجاحظ: ما رأيت أحداً كان أعلم باللغة من أبي نؤاس، ولا أفصح لهجة، مع حلاوة، ومجانبة للاستكراه. وقال أبو عبيدة: كان أبو نؤاس للمحدثين، كامرئ القيس للمتقدمين. وكان أبو نؤاس قد نشأ بالبصرة، وروى الحديث عن: حمّاد بن سلمة، والمعتمر بن سليمان، وعبد الواحد بن زياد، ويحيى بن سعيد القطّان، وأزهر بن سعد السمّان، وقرأ القرآن على يعقوب الحضرمي. قال الإمام الشافعي: لولا مجون أبي نؤاس لأخذت عنه العلم. قال ابن الجوزي: لا أؤثر أن أذكر أفعاله المذمومة، لأنّي قد ذكرت عنه التوبة في آخر عمره، وإنّما كان لعبه في أوّل الأمر. انظر: تاريخ بغداد:7/436، برقم 4017; والمنتظم لابن الجوزي:10/16، برقم 1068; والأعلام:2/225.
3 . قاله النظّام. لاحظ : تاريخ بغداد:7/437.

(463)
وإذا كان أبو نؤاس، في منطق ابن تيمية، لم يأتِ إلاّ بكلام فاسد، فعلام أنشد هذه الأبيات بعد ساعة من قوله ـ وقد عوتب على ترك مدح الرضا ـ : والله ما تركتُ ذلك إلاّ إعظاماً له، وليس يقدر مثلي أن يقول في مثله؟(1)
ومن الغريب أنّ هذا الفارس المُجلِّي في الشعر، المُجيد في عشرة أنواع منه(2)، قد كبا به فرسه ـ في رأي ابن تيمية ـ عند وصف الرضا(عليه السلام)، فلم يُجِدْ فيما قال!!
وهكذا يظهر لنا ابن تيمية، فجأة، ناقداً أدبياً كبيراً، يزدري رأيَ كبار الأدباء والشعراء والعلماء الذين أشادوا بشعر أبي نؤاس، وإبداعه في الوصف، واهتدائه إلى المعاني المبتكرة!!
وأظنّ أنّ مثل هذا الناقد الكبير (ابن تيمية!!!) لو عاش في أيام أبي نؤاس وبعدها، لَما قال المأمون: لو وصفتْ الدنيا نفسَها، لما وصفتْ نفسَها بمثل قول أبي نؤاس:
ألا كلّ حيٍّ هالكٌ وابن هالك *** وذو نسب في الهالكينَ عريقِ
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت *** له عن عدوٍّ في ثياب صديقِ(3)
ولَما قال أبو العتاهية، حينما سُئل عن أشعر الناس: الذي يقول في المديح]يعني أبا نؤاس[:

1 . وفيات الأعيان:3/270ـ271، الترجمة 423.
2 . قال ابن خلّكان: وهو في الطبقة الأُولى من المولَّدين، وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في العشرة.
3 . وفيات الأعيان :2/97.

(464)
إذا نحن أثنينا عليك بصالح *** فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
والذي يقول في الزهد:
ألا كلُّ حيّ هالكٌ... *** (البيتان المتقدّمان).(1)ثمّ إنّه كان ينبغي على ابن تيمية أن يسخر من رأي الأديب الكبير المشهور أبي بكر محمد بن يحيى الصولي(2) (المتوفّى 335هـ)، الذي فضّل بيت أبي نؤاس المذكور، على بيت آخر في الفخر.
قال أبو بكر الصولي: حدّثنا أحمد بن يحيى أنّ الشعبي، قال: أفخر بيت قيل، قول الأنصار في بدر:
وببئر بدر إذ يردّ وجوهَهم *** جبريلُ تحت لوائنا ومحمدُ ثم قال الصولي: أفخر منه، قول الحسن بن هانئ في عليّ بن موسى الرضا:
قلتُ: لا استطيع مدح إمام *** كان جبريلُ خادماً لأبيه(3)وثالثاً: إنّ الشاعر، وقد اعتذر عن مدح الإمام لاتّصافه بهذه الفضيلة السامية، أشار، أيضاً، إلى تحلّي الإمام بغرّ الخصال، وذلك بقوله:
فلماذا تركت مدحَ ابن موسى *** والخصال التي تجمّعن فيه
قلت: لا استطيع مدح إمام *** كان جبريلُ خادماً لأبيه

1 . تاريخ بغداد:7/443.
2 . كان من أكابر علماء الأدب، نادمَ الراضي والمكتفي والمقتدر. وكان حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، مقبول القول. له تصانيف، منها: الأوراق، وأدب الكتاب (ط)، وشعر أبي نؤاس والمنحول إليه، وأخبار أبي تمام (ط)، وغيرها. انظر: تاريخ بغداد:3/427، ووفيات الأعيان: 4/356، برقم 648; والأعلام: 7/136.
3 . انظر: سير أعلام النبلاء:9/388; والوافي بالوفيات للصفدي:22/249.

(465)
ثمّ إنّ أبا نؤاس استدرك تقصيره في مدح الإمام في قصيدة أُخرى، فقال:
مُطهَّرون نقيّات جيوبهمُ *** تجري الصلاة عليهم أينما ذُكروا
من لم يكن علوياً حين تنسبه *** فما له في قديم الدهر مفتخر
الله لمّا برا خلقاً فأتقنه *** صفّاكمُ وأصطفاكم أيّها البشر
فأنتمُ الملأ الأعلى وعندكمُ *** علم الكتاب وما جاءت به السور(1)

الإمام الرضا(عليه السلام) ومعروف الكرخي

ثمّ أنكر ابن تيمية كون معروف الكرخي خادماً للإمام الرضا(عليه السلام)، وقال: وما يذكره بعض الناس من أنّ معروفاً الكرخي كان خادماً له وأنّه أسلم على يديه أو أن الخرقة متصلة منه إليه، فكله كذب باتفاق مَن يعرف هذا الشأن.(2)
أقول: ليس في علبة الرجل إلاّ التكذيب، دون أن يدلّل على كلامه بشيء، وأمّا من قال بأنّ معروف الكرخي كانت له صلة خاصّة بالإمام عليّ بن موسى فلم يذكره بلا دليل.
فقد نقله أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري (المتوفّى 465هـ) في رسالته القشيرية، وقال: وهو من موالي علي بن موسى الرضا(رضي الله عنه) مات سنة مئتين وقيل سنة إحدى ومئتين.
سمعت الأُستاذ أبا علي الدقاق يقول: كان معروف الكرخيّ أبواه نصرانيان، فسلّموا معروفاً إلى مؤدّبهم ـ وهو صبيّ ـ فكان المؤدّب يقول له:

1 . وفيات الأعيان:3/271، والوافي بالوفيات:22/250.
2 . منهاج السنّة:4/61ـ 62، وفي طبعة بولاق:2/125ـ126.

(466)
قل ثالث ثلاثة فيقول: بل هو واحد. فضربه المعلم يوماً ضرباً مبرحاً فهرب معروف، فكان أبواه يقولان: ليته يرجع إلينا على أيّ دين يشاء، فنوافقه عليه.
ثم إنّه أسلم على يدي «علي بن موسى الرضا»... ورجع إلى منزله... ودقَّ الباب. فقيل له: من بالباب؟ فقال: معروف. فقالوا: على أيّ دين جئت؟ فقال: على الدين الحنفي. فأسلم أبواه.(1)
ويروي القشيري عن معروف قوله: كنت مارّاً بالكوفة، فوقفت على رجل يُقال له: ابن السمّاك وهو يعظ الناس. فقال في خلال كلامه: من أعرض عن الله بكلّيته أعرض الله عنه جملة، ومن أقبل على الله بقلبه أقبل الله برحمته إليه، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه، ومن كان مرّة ومرّة فالله يرحمه وقتاً ما، فوقع كلامه في قلبي، فأقبلت على الله تعالى، وتركت جميع ما كنت عليه، إلاّ خدمة مولاي «علي بن موسى الرضا».(2)

1 . الرسالة القشيرية:27.
2 . الرسالة القشيرية:27.

(467)
10

رأي ابن تيمية حول الإمام الجواد(عليه السلام)

قال العلاّمة الحلّي: وكان ولده (يعني الرضا(عليه السلام)) محمد الجواد(عليه السلام) على منهاج أبيه في العلم والتقوى والجود، ولمّا مات أبوه الرضا(عليه السلام) شغف به المأمون لكثرة علمه ودينه ووفور عقله مع صغر سنّه، فأراد أن يزوّجه ابنته أُمّ الفضل، وكان قد زوّج أباه الرضا(عليه السلام) بابنته أُم حبيب، فغلظ ذلك على العباسيين واستكبروه، وخافوا أن يخرج الأمر منهم، وأن يُتابعه كما تابع أباه، فاجتمع الأدنون منه وسألوه ترك ذلك، وقالوا: إنّه صغير لا علم عنده، فقال: أنا أعرف به، فإن شئتم فامتحنوه، فرضوا بذلك، وجعلوا ليحيى بن أكثم مالاً كثيراً على امتحانه في مسألة يُعجزه فيها، فتواعدوا إلى يوم، فأحضره المأمون، وحضر القاضي وجماعة العباسيين، فقال القاضي: أسألك عن شيء؟ فقال له(عليه السلام): سل.
فقال: ما تقول في محرم قَتَل صيداً؟
فقال له الإمام(عليه السلام): أقتله في حلٍّ أم حَرَم؟ عالماً كان أو جاهلاً؟ مبتدئاً بقتله أو عائداً؟ من صغار الصيد كان أو من كبارها؟ عبداً كان المحرم أو حُرّاً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ من ذوات الطير كان الصيد أو من غيرها؟
فتحيّر يحيى بن أكثم وبان العجز في وجهه، حتى عرف جماعة أهل

(468)
المجلس أمره، فقال المأمون لأهل بيته: عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثم أقبل على الإمام، فقال: أتخطب؟ فقال: نعم. فقال: إخطب لنفسك خطبة النكاح! فخطب وعقد على خمسمائة درهم جياداً مهر جدّته فاطمة(عليها السلام)، ثم تزوّج بها.(1)
ثمّ إنّ العلاّمة الحلّي لم يذكر ذيل القصّة، قال الشيخ المفيد: فلمّا تفرّق الناس وبقي من الخاصّة مَنْ بَقي، قال المأمون لأبي جعفر(عليه السلام): إن رأيت ـ جُعلت فداك ـ أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصيد، لنعلمه ونستفيده.
قال أبو جعفر(عليه السلام): نعم:
1. إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحل وكان الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً.
2. فإذا قتل فرخاً في الحل فعليه حمل، قد فُطم من اللبن، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ.
3. وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة.
4. وإن كان ظبياً فعليه شاة.
5. فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة.

1 . منهاج الكرامة:71ـ72، نقل الحكاية عن: إرشاد المفيد:319ـ323; ولاحظ : تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي:359.

(469)
6. وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه بالحج، نحره بمنى، وإن كان إحرامه بالعمرة، نحره بمكة.
7. وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد له المأثم، وهو موضوع عنه في الخطاء، والكفارة على الحرّ في نفسه وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفارة عليه وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة.
فقال له المأمون أحسنت يا أبا جعفر، أحسن الله إليك.(1)
إلى هنا تمّ ما دار بين الإمام الجواد (عليه السلام)والمأمون وفقيه بلاطه يحيى بن أكثم، فلنستمع إلى ما ذكره ابن تيمية في هذا الموقف، فقد اعترض على الأسئلة التي طرحها الإمام بالأُمور التالية:
1. إنّ يحيى بن أكثم كان أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن يسأله عن محرم قتل صيداً، فإنّ صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة.
2. إنّ مجرد ما ذكره ليس فيه إلاّ تقسيم أحوال القاتل ليس فيه بيان حكم هذه الأقسام، ومجرد التقسيم لا يقتضي العلم بأحكام الأقسام.
3. ينبغي له أن يسأله أقتله وهو ذاكر لإحرامه أو ناس.
4. ينبغي له أن يسأله أقتله لكونه صال عليه، أو لكونه إضطر إليه لمخمصة، أو قتله اعتباطاً بلا سبب.

1 . الإرشاد للشيخ المفيد:322، طبعة النجف الأشرف.

(470)
5. إنّ الإمام (الجواد) قال:«أفي حلّ قتله أم في حرم»؟ فأورد عليه ابن تيمية بقوله: فإنّ المحرم إذا قتل الصيد وجب عليه الجزاء، سواء قتله في الحل أو في الحرم باتفاق المسلمين، والصيد الحرميّ يَحْرُم قتله على المحلِّ والمحرم، فإذا كان محرماً وقتل صيداً حرمياً توكّدت الحرمة، لكن الجزاء واحد.
6. وأمّا قوله: «مبتدأ أو عائداً» فإنّ هذا فرق ضعيف لم يذهب إليه إلاّ شاذّ من أهل العلم.(1)
فلندرس هذه الإشكالات الواهية، كما سيعرف القارئ المنصف:
أمّا الأوّل: فقد زعم أنّ مقام يحيى بن أكثم أفضل من أن يسأل الإمام الجواد(عليه السلام) عن محرم قتل صيداً، فإنّ صغار الفقهاء يعلمون حكمه.
والجواب: أنّ يحيى بن أكثم كان أعرف بحال المسؤول من ابن تيمية، فلأجل إثبات عدم علم الإمام(عليه السلام) بالأحكام الشرعية طرح سؤالاً مشكلاً، له شقوق وصور، فلمّا أجاب الإمام ببيان صوره وأقسامه أُسقط ما في يد السائل وتبيّنت رفعة شأنه وسمو مقامه وإحاطته بالفقه والأحكام، فليس السؤال على حدّ ما وصفه ابن تيمية.
ثم إنّه وصف يحيى بن أكثم بالأفقهية والأعلمية والأفضلية، ولكن الإمام الحافظ شيخ الإسلام الرازي يعرّفه بقوله: حدّثنا عبد الرحمن قال: سألت أبي عنه: ما تقول فيه؟ قال: فيه نظر، قلت: فماترى فيه؟ قال: نسأل الله السلامة.
ثمّ نقل عن علي بن الحسين بن جنيد أنّه يقول: كانوا لا يشكّون في أنّ

1 . منهاج السنة: 4/71ـ 72، وفي طبعة بولاق: 2/128 .

(471)
يحيى بن أكثم كان يسرق حديث الناس ويجعله لنفسه.(1)
وقال الذهبي: روى عن الثقات عجائب لا يتابع عليها، وقال آخر: كان يتبين بالميل إلى الأحداث وقد سقنا ترجمته في التاريخ الكبير.(2)
ولكن الذهبي رفع الستر في «سير اعلام النبلاء» وبيّن مقصوده من قوله: «يتبين بالميل إلى الأحداث» في «ميزان الاعتدال» فمن شاء التوضيح فليرجع إليه، لأن قلمنا أكرم من نذكر فيه خصائص من يصفه ابن تيمية ـ كذباً ـ بأنّه أفقه وأفضل وأعلم.(3)
وأمّا الثاني: وهو أنّ الإمام الجواد اقتصر على ذكر الأقسام ولم يبيّن أحكامها، فعذر ابن تيمية واضح، لأنّه لم يبحث عن مصدر ما ذكره العلاّمة، وقد عرفت أنّ الإمام بيّن أحكام الأقسام بعد انفضاض المجلس كما عرفت عن «الإرشاد».
وأمّا الثالث: أي لماذا لم يسأل الإمام عن أنّ المحرم كان ذاكراً لإحرامه أم ناس؟ وجوابه: أنّ فرض السائل هو كون القاتل ذاكراً لا ناسياً، فلا معنى لتشقيق الشقوق الخارجة عن موضوع السائل حيث قال: جعلني الله فداك ما تقول في محرم قتل صيداً؟ حيث إنّ ظاهره إلتفات المحرم إلى حاله ولا أقل إن كلامه منصرف إلى الملتفت، مضافاً إلى ندرة نسيان المحرم إحرامه.

1 . الجرح والتعديل:9/129، برقم 547.
2 . ميزان الاعتدال:4/361، برقم 9459.
3 . لاحظ: سير أعلام النبلاء:12/100ـ102، تحقيق شعيب الارنؤوط، وصالح السمر، طبعة بيروت، 1406هـ .

(472)
وأمّا قول الإمام بعده:«عالماً كان المحرم أم جاهلاً» فالمراد به هو العلم بالحكم الشرعي وهو حرمة الصيد أو الجهل به، وليس هذا التقسيم نادراً ; لأنّ الجهل بالأحكام شائع بين الناس؟
وأمّا الرابع: أي قوله: ينبغي أن يسأله: أقتله لكونه صال عليه، أو لكونه اضطر إليه لمخمصة، أو قتله اعتباطاً بلا سبب؟
فالجواب عنه واضح، فلأنّ الصائل من السباع لا يحرم قتله فيخرج عن موضوع السؤال، وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«قتل خمس فواسق في الحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور».(1)
والكلب العقور كناية عن السباع، ولا جزاء في قتله، سواء أصال أم لم يصل.(2)
وحصيلة الكلام بما أنّه ليس في قتل ما صال حرمة ولا جزاء فيكون خارجاً عن المقسم، ولذا ترك الإمام (عليه السلام)ذكره.
وأمّا عدم ذكر صورة الاضطرار فلأجل عدم الفرق بين الصيد لأجل الاضطرار، أو صيده اعتباطاً في وجوب الجزاء، يقول ابن قدامة المقدسي الحنبلي فيما إذا اضطرّ إلى أكل الصيد: أنّه يساوي الميتة في التحريم ويمتاز ـ عن أكل الميتة في حال الإحرام ـ بإيجاب الجزاء.(3)
والتقسيم وتكثير السؤال بين الصيد اضطراراً واعتباطاً إنّما يصحّ أو يلزم

1 . سنن الدارمي:2/36ـ37; والمغني لابن قدامة:3/343.
2 . الأُم:2/192; فتح العزيز:7/489 وغيرهما.
3 . المغني لابن قدامة:3/293; التذكرة للعلاّمة: 7/284ـ 285.

(473)
إذا كان فيه اختلاف في الحكم. وهذا الاضطرار إنّما يرفع الحكم التكليفي(الحرمة)، وأمّا الحكم الوضعي ـ أعني: الجزاء ـ فيبقى على حاله إلاّ إذا دلّ الدليل على رفعه أيضاً.
وأمّا الخامس: أعني قوله: إنّ المحرم إذا قتل الصيد وجب عليه الجزاء من غير فرق بين قتله في الحلّ أو في الحرم.
أقول: لا شكّ في أنّ صيد البرّ حرام على المحرم في الحلّ والحرم، لقوله سبحانه: ( وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا)(1)، وقال الصادق(عليه السلام): «واجتنب في إحرامك صيد البرّ كلّه».(2)
وأمّا وجه التفريق في كلام الإمام(عليه السلام) بين الصيد في الحلّ والصيد في الحرم فلأجل أنّه إذا صاد المحرم في الحرم فالفدية تكون مضاعفة، قال الصادق(عليه السلام): «إن أصبت الصيد وأنت حرام في الحرم فالفداء مضاعف عليك، وإن أصبته وأنت حلال في الحرم فقيمة واحدة، وإن أصبته وأنت حرام في الحلّ فإنّما عليك فداء واحد».(3)
وقد تفطن لذلك في «بدائع الصنائع» وأنّ الصيد في الحرم تُضاعَف فيه الفدية بخلاف الصيد في الحلّ، فقال: والقياس أن تلزمه كفّارتان لوجود الجناية على شيئين هما: الإحرام والحرم فأشبه القارن، إلاّ أنّهم استحسنوا وأوجبوا كفّارة الإحرام لا غير.(4)

1 . المائدة:96. 2 . التهذيب:5/300، برقم 1021.
3 . الوسائل:9، الباب44 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث5; ولاحظ الباب31، الحديث5. ولاحظ في تفصيل المسألة الكتب الفقهية للإمامية ولا سيّما جواهر الكلام :20/316ـ 321.
4 . بدائع الصنائع:2/207.

(474)
وغير خفيّ على العارف بقواعد أهل السنّة أنّ القياس مقدّم على الاستحسان المجرّد إلاّ أن يكون في الثاني دليل أقوى، ولذلك قال الشافعي: من استحسن فقد شرّع، ومن قال بحجّية الاستحسان فإنّما خصّه بما إذا كان فيه دليل أقوى من القياس.
ثم هنا ثمرة أُخرى لكن لا في الجزاء بل في حلّية الصيد، فصيد الحرم لا يحلّ أكله للمحرم والمحلّ، وأمّا صيد الحلّ فلو صاده المحرم لكنْ ذبحه المحلّ، يكون حلالاً للمحل دون المحرم.
قال علي(عليه السلام): «إذا ذَبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محلّ ولا محرم وإذا ذبح المحلّ الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله محلّ ولا محرم».(1)
ويدل بالمفهوم على الحلّية إذا ذبحه المحلّ في غير الحرم، فيحل له أكله ولكن يحرُم على المحرم.
وبذلك ظهر أنّ التفصيل بين صيد الحلّ والحرم ليس أمراً اعتباطياً.
وأمّا السادس: أعني التفريق بين المبتدئ والعائد، فقد تبع فيه الذكر الحكيم حيث قال: (وَ مَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَ اللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام)(2)، وأمّا ما هو المراد من الانتقام فتفصيله موكول إلى محله.
ثمّ إنّ العلاّمة الحلي قال: فخطب الإمام الجواد بنت المأمون وعقد على خمسمائة درهم جياداً، كمهر جدّته فاطمة(عليها السلام) ثم تزوّج بها.

1 . التهذيب:5/377، برقم 1316.
2 . المائدة:95.

(475)
وأورد عليه ابن تيمية بقوله: إنّ مهر فاطمة خمسمائة درهم، لا يثبت، وإنّما الثابت أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من خمسمائة درهم.(1)
ولا يخفى أنّ ما ذكره يؤيد ما ذكره العلاّمة، حيث إنّ فاطمة إحدى بنات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد اعترف ابن تيمية بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما أصدقت امرأة من بناته أكثر من خمسمائة درهم، فما ذكره ابن تيمية أمر كلّي، وما ذكره العلاّمة من مصاديق ذلك الأمر الكلّي، وقد تضافرت روايات عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أنّ مهر فاطمة هو خمسمائة درهم، وبذلك صار هو مهر السنّة.
وبذلك يعلم عدم موضوعية الرجل، وأنّه ليس من المحقّقين، وإنّما يريد الإشكال مهما كان من الضعف بمكان.
ولعمر القارئ أنّ هذه الإشكالات تعرب عن أنّ الرجل آل على نفسه أن يرد كلَّ ما سطّره قلم العلاّمة، سواء أكان حقاً أم باطلاً، وبالتالي يستشكل على التقسيم في كلام الإمام الجواد(عليه السلام)المطابق لما في الذكر الحكيم.

1 . منهاج السنّة:4/74، وفي طبعة بولاق2/128 .
Website Security Test