welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(423)
7

آراء ابن تيمية حول الإمام الصادق(عليه السلام)

قال ابن تيمية: فهؤلاء الأئمة الأربعة ليس فيهم من أخذ عن جعفر شيئاً من قواعد الفقه، لكن رووا عنه أحاديث كما رووا عن غيره، وأحاديث غيره أضعاف أحاديثه، وليس بين حديث الزهري وحديثه نسبة، لا في القوة ولا في الكثرة. وقد استراب البخاري في بعض حديثه لما بلغه عن يحيى بن سعيد القطان فيه كلام فلم يخرّج له، ولم يُكذَب على أحد ما كذب على جعفر الصادق مع براءته.(1)
إنّ تقييم كلام ابن تيمية هذا ومعرفة مدى مطابقته للواقع، رهن دراسة أُمور:
1. مكانة الإمام الصادق(عليه السلام) عند أعلام العلماء والمحدّثين من أهل السنّة.
2. تلامذته ورواة الحديث عنه(عليه السلام).
3. الأئمة الأربعة ومكانة الإمام الصادق(عليه السلام).
4. المقارنة بين الإمام الصادق(عليه السلام) والزهري.
5. موقف البخاري من أحاديث الإمام الصادق(عليه السلام).

1 . منهاج السنّة: 7/533ـ 534، وفي طبعة بولاق : 4/143.

(424)
6. دور الإمام الصادق(عليه السلام) في نشر فقه الإمامية والمعارف الحقيقية.
7. ابن تيمية والكذب على الإمام الصادق(عليه السلام).
وإليك دراسة هذه الأُمور واحداً بعد الآخر.

الأوّل: مكانة الإمام الصادق(عليه السلام) عند علماء السنّة

إنّ الكلام عن الإمام الصادق(عليه السلام) الذي هو أحد الأئمة الاثني عشر ومن أهل بيت النبوة والطهارة، ممّن طهّرهم الله من الرجس، أمر مشكل لا يقوم بتعريف جانب من جوانبه إلاّ الأمثل من المحقّقين فالأمثل، وكفانا في ذلك أفاضل أهل السنّة، وإليك نماذج ممّا قالوه فيه(عليه السلام):
1. قال كمال الدين ابن طلحة القرشي الشافعي: هو(يعني الإمام الصادق(عليه السلام)) من عظماء أهل البيت وساداتهم، ذو علوم جمّة وعبادة موفورة وأوراد متواصلة، وزهادة بيّنة وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسّم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليه نفسه. رؤيته تذكّر الآخرة، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوة، وطهارة أفعاله تصدع بأنّه من ذرية الرسالة. نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، و أيوب السختياني وغيرهم، وعدّوا أخذهم منه منقبة شُرّفوا بها وفضيلة اكتسبوها.(1)

1 . مطالب السؤول في مناقب آل الرسول:283. وانظر: كشف الغمّة للإربلي:2/367ـ368 .

(425)
2. قال الجاحظ (رغم عدائه السافر لأهل البيت(عليهم السلام)): جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، ويقال: إنّ أبا حنيفة من تلامذته، وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب.(1)
3. قال الذهبي في ميزانه: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الهاشمي أبو عبد الله، أحد الأئمة، بَرٌّ صادق كبير الشأن، لم يحتج به البخاري.(2)
4. قال النووي: وروى عنه محمد بن إسحاق، ويحيى الأنصاري، ومالك، والسفيانان، وابن جريج، وشعبة، ويحيى القطان وآخرون... واتفقوا على إمامته وجلالته.(3)
5. قال ابن حبان في الثقات: كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً، يحتج بحديثه من غير رواية أولاده عنه.(4)
6. قال الشهرستاني: ويفيض على الموالين له، أسرار العلوم.(5)
7. قال ابن حجر الهيتمي: نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد، وابن جريج، والسفيانين، وأبي حنيفة، وشعبة، وأيوب السختياني.(7)

الثاني: تلامذة الإمام الصادق(عليه السلام) ورواة الحديث عنه

حفلت كتب التراجم والرجال بأسماء من تلمذ على يدي الإمام

1 . رسائل الجاحظ:106.
2 . ميزان الاعتدال:1/414. وسيوافيك أنّ عدم احتجاج البخاري لا ينقص من شأنه لولا أنّه نقطة سوداء في حياة صاحب الصحيح.
3 . تهذيب الأسماء واللغات:1/155. 4 . الثقات:6/131، باب الجيم .
5 . الملل والنحل:1/272. 6 . الصواعق المحرقة:201.

(426)
الصادق(عليه السلام)، ومن أخذ وروى الحديث عنه من أعلام السنّة.
وقد ذكر أحمد بن عبد الله البرقي أسماء من أخذ العلم والحديث والفتوى عن الإمام الصادق(عليه السلام)فأنهى عددهم إلى 812 راوياً ومحدّثاً وحافظاً.(1)
وأمّا الشيخ الطوسي في رجاله، فقد أنهى عدد الرواة والمستفيدين منه إلى أكثرمن (3200) شخصاً.(2)
وقال الشيخ المفيد: نقل الناس عن الصادق(عليه السلام) من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء، ما نقل عنه، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار، ونقلة الأخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل.(3)
ونقل النجاشي عن الحسن بن علي الوشّاء(من أصحاب الإمام الرضا، حفيد الإمام الصادق(عليهما السلام)) أنّه قال: أدركت في هذا المسجد (يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ، كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمد(عليه السلام)!!(4)
و هانحن نذكر هنا، أسماء جملة من الأعلام الذين رووا عنه ونهلوا من علومه:
1. أبو حنيفة النعمان بن ثابت (المتوفّى 150هـ).
2. مالك بن أنس (المتوفّى 179هـ).
3. سفيان الثوري(المتوفّى 161هـ).

1 . رجال البرقي:122ـ 284. 2 . رجال الشيخ الطوسي:155ـ328.
3 . الإرشاد:289. 4 . رجال النجاشي:1/138ـ139.

(427)
4. سفيان بن عيينة(المتوفّى 198هـ).
5. شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي(المتوفّى 160هـ).
6. فضيل بن عياض بن سعد بن بشر التميمي اليربوعي(المتوفى187هـ).
7. حاتم بن إسماعيل المدني (المتوفّى 187هـ).
8. حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن مالك، أبو عمرو الكوفي(المتوفّى 194هـ).
9. زهير بن محمد التميمي، أبو المنذر الخراساني(المتوفّى 162هـ).
10. يحيى بن سعيد بن فروخ القطان الحافظ البصري(المتوفّى 198هـ).
11. إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري (المتوفّى 180هـ).
12. إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، أبو إسحاق المدني(المتوفّى 184هـ).
13. الضحاك بن مخلد، أبو عاصم النبيل المصري (المتوفّى212هـ).
14. محمد بن فليح بن سليمان المدني(المتوفّى197هـ).
15. عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت (المتوفّى 194هـ).
16. عثمان بن فرقد العطار، أبو معاذ البصري.
17. عبد العزيز بن عمران(أبي ثابت) بن عبد العزيز الزهري المدني (المتوفّى 197هـ).
18. أبان بن تغلب (المتوفّى 141هـ).
19. معاوية بن عمّار الدُّهني(المتوفّى 175هـ).

(428)
20. مصعب بن سلام التميمي الكوفي.
21. وُهيب بن خالد، أبو بكر البصري(المتوفّى 169 هـ ، وقيل: 165هـ).
22. إبراهيم بن سعد الزهري(المتوفّى 183هـ).
23. مسلم بن خالد المكّي الزنجي (المتوفّى 180هـ).
24. الحارث بن عمير البصري.
25. عاصم بن حُميد الحنفي الحنّاط.
26. أيوب بن أبي تميمة السختياني، أبو بكر البصري (المتوفّى 121هـ).
27. عبد الملك بن جريج القرشي (المتوفّى 149هـ).
28. جابر بن يزيد الجعفي (المتوفّى 128هـ).
29. عبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْدي(المتوفّى 186هـ).
30. يحيى بن سعيد الأنصاري(المتوفّى 144هـ).(1)

الثالث: الأئمة الأربعة والإمام الصادق(عليه السلام)

ذكر ابن تيمية أنّ الأئمّة الأربعة لم يأخذوا عن جعفر الصادق(عليه السلام) شيئاً من قواعد الفقه، ولكن رووا عنه أحاديث كما رووا عن غيره.
أقول: ربما يظنّ القارئ أنّ لما ذكره ابن تيمية مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، ولكن سوف يتبدّد هذا الظن بمطالعة كلمات الحفّاظ والمؤرّخين الذين تكلّموا عن أخذ الأئمة الأربعة عن الإمام الصادق(عليه السلام)بالمباشرة أو غيرها.
ذكر أبو القاسم البغّار في مسند أبي حنيفة: قال الحسن بن زياد: سمعت

1 . لاحظ: رجال الطوسي; وتهذيب الكمال; وسير أعلام النبلاء، وتهذيب التهذيب.

(429)
أبا حنيفة وقد سُئل: مَن أفقه مَن رأيت؟ قال: جعفر بن محمد، لمّا أقدمه المنصور بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيّئ لي من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة، ثم بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه، وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت عليه، فأومأ إليّ فجلست، ثمّ التفت إليه فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة، قال: نعم أعرفه، ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلت أُلقي عليه فيجيبني فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربّما تابعنا وربّما تابعهم، وربّما خالفنا جميعاً، حتى أتيت على الأربعين مسألة، فما أخلّ منها بشيء. ثمّ قال أبو حنيفة: أليس أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.(1)
وقال مالك بن أنس: جعفر بن محمد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: إمّا مصلّ، وإمّا صائم، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأت عين، ولا سمعت أُذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً.(2)
إنّ ابن تيمية يتصوّر أنّ عصر الإمام الصادق(عليه السلام) كعصره، فهناك قواعد فقهية يبحث عنها الفقهاء في كتب خاصّة وهناك أحاديث فقهية يجمعها

1 . جامع مسانيد أبي حنيفة:1/252; تذكرة الحفاظ:1/157; بحار الأنوار:47/217ـ 218; الإمام الصادق والمذاهب الأربعة:4/335 نقلاً عن مناقب أبي حنيفة للمكّي:1/173.
2 . أمالي الصدوق: 635 ح 2، المجلس 81 ; التهذيب:2/104; مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 372 و 396 ; أعيان الشيعة: 1 / 660 .

(430)
المحدّثون في كتبهم، فقد رتّب عليه أنّ الأئمة الأربعة رووا عن الإمام الصادق لكن لم يأخذوا عنه قواعد الفقه، والمسكين يموّه بذلك على أذهان عامّة الناس، ويقول: إنّ الصادق(عليه السلام) كأحد الرواة.
والحال هو أنّ الأحاديث والروايات كانت تحتوي على القواعد الفقهية، وكان الفقهاء يستخرجونها من الأحاديث. فإذا كان أبو حنيفة يعترف بقوله: أليس أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس، فقد اعترف بأعلمية الإمام الصادق، فهل يعقل أنّه يتركه ولا يأخذ منه علماً يستفيد منه؟!
وإذا كان الإمام مالك بن أنس وصف الإمام الصادق بقوله: ما رأت عين ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً، فإذا كانت هذه مكانة الإمام الصادق(عليه السلام) فهل يمكن ألا يستفيد من نمير علمه؟! كيف وقد روي أنّ أبا حنيفة كان يفتي في المسجد الحرام إذ وقف عليه الإمام الصادق(عليه السلام)ففطن أبو حنيفة فقام فقال: يا ابن رسول الله لو علمت أوّل ما وقفت لما قعدت وأنت قائم، فقال: اجلس وافت الناس على هذا أدركت آبائي.(1)
يقول ابن أبي الحديد: أمّا أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة، وأمّا الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن، فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة، وأمّا أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة، وأبوحنيفة قرأ على جعفر بن محمد(عليهما السلام).(2)
هذا وإنّ ابن تيمية قد ناقض كلامه هذا ـ في مقام آخر من كتابه ـ حيث

1 . طبقات الحنفية:1/463. 2 . شرح نهج البلاغة:10/18.

(431)
قال: وقد استفاض عن جعفر الصادق أنّه سئل عن القرآن: أخالق هو أم مخلوق؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق وهذا ممّا اقتدى به الإمام أحمد في المحنة، فإنّ جعفر بن محمد من أئمّة الدين باتفاق أهل السنّة.(1)
فعلى هذا فجعفر بن محمد أحد الأئمة، وهو متبوع إمامه، أعني: أحمد بن حنبل.

الرابع: المقارنة بين الإمام الصادق(عليه السلام) والزهري

إنّ من عجائب الدهر ـ وما عشت أراك الدهر عجباً ـ أن يقارن ابن تيمية بين الزهري والإمام الصادق(عليه السلام)،ثمّ يفضّل الزهري، بقوله: وليس بين حديث الزهري وحديثه نسبة، لا في القوة ولا في الكثرة!!!
إنّ ابن تيمية يدّعي في كلامه هذا أمرين:
1. كثرة حديث الزهري وقلّة حديث الإمام الصادق(عليه السلام).
2. قوّة حديث الزهري دون حديث الإمام(عليه السلام).
أمّا ادّعاء قلّة حديث الإمام الصادق(عليه السلام) وكثرة حديث الزهري فوجهه أنّه قصر نظره على الصحاح والمسانيد، ولذلك زعم أنّه ليس بين حديثه وحديث الزهري نسبة من حيث الكمية، ولكنّه غفل عن الأحاديث التي وعاها شيعة الإمام الصادق(عليه السلام) عنه في عامّة أبواب الفقه والمعارف والعلوم الكونية والطبيعية.
وممّا يدلّ على سعة روايات الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، وكثرة مَن رَوَوا عنه، أنّ أصحاب الحديث قد ألَّفوا كتباً جمعوا فيها أسماء الرواة عنه على اختلافهم في الآراء والمقالات(2) ومنهم:

1 . منهاج السنّة: 2 / 245 ، وفي طبعة بولاق: 1 / 208 . 2 . الإرشاد:389.

(432)
1. الحافظ الكبير ابن عُقدة (المتوفّى 333هـ)، الذي ذكر في كتابه الرجال ـ وهو كتاب: من روى عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) ـ أسماء أربعة آلاف رجل، وأخرج لكل رجل الحديث الذي رواه.(1)
2. المحدّث حمزة بن القاسم بن علي العلوي العباسي (المتوفّى بعد 330 هـ ). له كتاب: مَن روى عن جعفر بن محمد من الرجال.(2)
3. أحمد بن نوح السيرافي البصري. له كتاب: الرجال الذين رووا عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) وزاد على ما ذكره ابن عُقدة كثيراً.(3)
وقد مضى تحت عنوان (آراء ابن تيمية في الإمام الباقر) أنّ ابن تيمية، قال: «الزهري من أقران (الباقر)، وهو عند الناس أعلم منه»، فما الذي دعاه، هنا، إلى المقارنة بين الزهري والصادق (ابن الباقر)، ولم يكن من أقرانه؟
ولماذا هذا الإصرار على اختيار الزهريّ(المتوفّى 124هـ) دون غيره من المحدّثين؟!
وهل خلا عصر الإمام الصادق(المتوفّى 148هـ) من كبار العلماء والمحدّثين، حتى يضطرّ ابن تيمية إلى ذكر اسم الزهري ثانية، ويزعم أنّه يفوق الصادق في الحديث كثرةً وقوةً؟!
فلولا ذَكَر، وقد اعتزم أن يقايس بين الصادق وبين أحد الأعلام ـ و إن كان أهل البيت لا يُقاس بهم أحد ـ فلولا ذكر، مثلاً، سليمان الأعمش

1 . رجال النجاشي:94، برقم 233; وخلاصة الأقوال:321، برقم 1263.
2 . رجال النجاشي:140، برقم 364.
3 . فهرست الطوسي: 86 ، برقم 117; ورجال النجاشي: 86 ، برقم 209.

(433)
(المتوفّى 148هـ)، فهو أقرب طبقة إلى الصادق(عليه السلام) من الزهري، وهو أيضاً، أكثر علماً، وأشدّ ورعاً وديانة منه، كما يبدو من أقوال أعلام مدرسة الصحابة، التي ننقل إليك جانباً منها:
ـ قال سفيان بن عيينة: سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أُخرى.
ـ قال شعبة بن الحجّاج: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش.
ـ قال عبد الله بن داود الخُريبي: سمعتُ شعبة إذا ذكر الأعمش، قال: المُصحَف المُصحَف. يعني من صِدْقه.
ـ قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: ليس في المحدّثين أثبت من الأعمش، ومنصور بن المعتمر وهو ثبت أيضاً، وهو أفضل من الأعمش، إلاّ أنّ الأعمش أعرف بالمُسند وأكثر مسنداً منه.
ـ قال عيسى بن يونس: لم نَر نحن ولا القرن الذين كانوا قبلنا مثل الأعمش،وما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته.
ـ قال أحمد العجلي: يقال إنّه ظهر له أربعة آلاف حديث، ولم يكن له كتاب.
ـ قال أبو داود السجستاني: عند شعبة عن الأعمش نحو من خمسمائة ]حديث[، وكان عند وكيع عنه ثمانمائة، وسفيان أعلمهم بالأعمش.(1)

1 . أُنظر هذه الأقوال وغيرها في ترجمة سليمان (الأعمش) بن مهران من: تهذيب الكمال:12/76، الترجمة 2570; وسير أعلام النبلاء:6/226، الترجمة 110.

(434)

حديث الزهري نصفه مُرسَل، ومُرسَله بمنزلة الريح

وأمّا حديث الزهري، فهو كما يقول أبو داود: ألفان ومئتا حديث، النصف منها مُسند.(1)
وهذا يعني أنّ نصف حديثه مُرسَل، فما هي كلمة نقّاد الحديث في مرسل الزهري؟
ـ قال يحيى بن سعيد القطّان: مُرسل الزهري شرٌّ من مرسل غيره، لأنّه حافظ، وكلّ ما قدر أن يسمّي سمّى، وإنّما يترك من لا يحبّ أن يسمّيه.(2)
ـ قال أحمد بن سنان: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول: هو بمنزلة الريح.(3)
ـ قال الشافعي: إرسال الزهري ليس بشيء، لأنّا نجده يروي عن سليمان بن أرقم.(4)
ـ قال الذهبي: مراسيل الزهري كالمُعضل، لأنّه يكون قد سقط منه اثنان... ومن عَدّ مُرسَل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ونحوهما، فإنّه لم يدرِ ما يقول، نعم مرسله كمرسل قتادة ونحوه.(5)

1 . سير أعلام النبلاء:5/328، الترجمة 160.
2 . المصدر نفسه.
3 . تهذيب الكمال:26/443ـ 444(الهامش7).
4 . سير أعلام النبلاء:5/339. وسليمان بن أرقم، هو أبو معاذ البصري. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ذاهب الحديث. وقال أبو داود والدارقطني: متروك. ميزان الاعتدال:2/196، برقم 3427.
5 . سير أعلام النبلاء:5/339 .

(435)
ونسأل: ما الذي منع ابن تيمية من ذكر الأعمش في مجال المقارنة، وهو ـ كما يتضح من الأقوال المتقدّمة ـ أكثر حديثاً من الزهري، وأكثر مسنداً منه؟!
وما الذي منعه منه، وقد عُرف الأعمش بسمات لم يُعرف بها الزهري، مثل الزهد، والورع، ومجانبة السلاطين، والبُعد عن ملاذّ الدنيا وزبرجها؟!(1)
إنّ السبب في ذلك واضح جداً، فقد ذكرنا سابقاً، أنّ الزهري كان مقرّباً لدى حكام بني أُمية، وأنّه كانت له صورة كبيرة في دولتهم (حسب تعبير الذهبي)، وأنّه أفسد نفسه بصحبة الملوك(كما قال مكحول)، وكان هشام بن عبد الملك قد صيّره مع أولاده يعلّمهم ويحجّ معهم(2)، ولمّا كان ابن تيمية معجباً بسيرة حكّام بني أُميّة وسياستهم الجائرة، فلا غرابة، إذاً، أن ينظر بعين التقدير والتعظيم لمفتي بلاطهم ومحدِّثه، وأن يتجاهل مثل الأعمش، بل يرى الإمامَين الباقر والصادق (المناهضَين للحُكم الأموي) دون الزهري في العلم والحديث!!

الخامس: موقف البخاري من أحاديث الإمام الصادق(عليه السلام)

ذكر ابن تيمية في كلامه أنّ البخاري استراب في النقل عن الإمام الصادق(عليه السلام)لما بلغه عن يحيى بن سعيد القطّان: فيه كلام، فلم يخرج له.
أمّا يحيى بن سعيد القطّان فهو أبو سعيد يحيى بن سعيد من تابعي

1 . كان الزهري يعلم من نفسه التعلّق بالدنيا، فقد روى الحميدي، عن سفيان بن عيينة، أنّه قيل للزهري: لو أنّك سكنت المدينة، ورحت إلى مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبره، تعلَّم الناس منك؟ قال: إنّه ليس ينبغي أن أفعل حتى أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة. سير أعلام النبلاء:5/237.
2 . سير أعلام النبلاء:5/331.

(436)
التابعين، روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري وحنظلة بن أبي سفيان وابن جريج ومالك، وروى عنه الثوري وابن عُيينة وجماعة، مات يوم الأحد سنة 198هـ، وقد كالوا له فضائل غريبة، قالوا: إنّ يحيى بن سعيد القطّان كان يختم القرآن في كل ليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة.(1)

مُجالد وكلمات القطّان فيه

ثم إنّ صالح بن أحمد بن حنبل، نقل عن علي ابن المديني، أنّه سُئل يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد، فقال: في نفسي منه شيء، قلت: فمجالد؟ قال: مجالد أحبّ إليّ منه.(2)
فما هي حقيقة رأي يحيى بن سعيد القطّان في مجالد بن سعيد؟ وهل ينسجم هذا القول المروي عنه في حقّ المحبوب، المفضَّل على الإمام الصادق، مع سائر أقواله الكثيرة فيه؟
هذا ما نتعرّف عليه من خلال استعراض تلك الأقوال التي ذكرها له نقّاد الحديث.
قال أبو بكر بن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد القطّان يقول: لو أردتُ أن يرفع لي مجالد حديثه كلّه رفعه. قال: نعم. قلت: ولمَ يرفع حديثه؟ قال: لضعفه.
وقال عمرو بن علي الفلاّس: سمعت يحيى بن سعيد يقول لعبيد الله:

1 . الأنساب للسمعاني:4/519.
2 . تهذيب الكمال:5/76، الترجمة950.

(437)
أين تذهب؟ قال: أذهب إلى وهب بن جرير اكتب السِّيرة ـ يعني عن مجالد ـ قال: تكتب كَذِباً كثيراً، لو شئت أن يجعلها لي مجالد كلّها عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله، فعَلَ.
وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعّفه.
وقال يعقوب بن سفيان: قد تكلّم الناس فيه وبخاصة يحيى بن سعيد.
وقال علي ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: مجالد؟ قال: في نفسي منه شيء.(1)
أقول: إنّ مجالداً الذي يضعّفه يحيى بن سعيد كلّ هذا التضعيف، دعْ عنك تكذيبه له، كيف يصحّ أن يقول فيه: إنّه أحبّ إليه من جعفر بن محمد(عليه السلام)، الذي روى عنه يحيى بن سعيد، وقال:أملى عليّ جعفر بن محمد الحديث الطويل؟(2)
كما ذكر أبو العباس النجاشي(من أكابر رجاليي الشيعة الإمامية) أنّ يحيى بن سعيد روى عن الصادق(عليه السلام) نسخة، ثم ذكر سنده إلى النسخة، ووثّقه.(3)
ثمّ إنّ عبارة «في نفسي منه شيء» قالها يحيى بن سعيد القطّان في مجالد(4)، وهذا ممّا يزيد في نسبة الشكّ في صحة القول إنّه قالها في الإمام الصادق، وذلك لوضوح رأي القطّان (الذي تعكسه أقواله المتقدّمة) في

1 . الجرح والتعديل:8/361، برقم 1653; وتهذيب الكمال:27/219، الترجمة 5780.
2 . أخرجه مسلم (1218) في الحجّ، باب حجّة النبي(عليه السلام)، وهو طويل جداً.
3 . رجال النجاشي: 443، برقم 1196 .
4 . الجرح والتعديل:8/361، برقم 1653; وتهذيب الكمال:27/221، الترجمة5780.

(438)
مجالد، الذي جرحه أيضاً، كثيرون،(1) في حين اتّفق كبار العلماء والنقّاد على جلالة الصادق(عليه السلام) وعظمة شأنه.(2)
ثمّ إنّه على فرض أنّ القطّان قال ذلك في الصادق(عليه السلام)، فلِمَ أخذ البخاري بقوله; فلمْ يروِ له في صحيحه (بهذه الحجّة)، وترك أقوال سائر أئمّة هذا
الشأن من أهل السنة، الذين أثنوا على الصادق، وأشادوا بمكانته الدينية والعلمية؟
ولماذا استراب فيه البخاري بسبب قول القطّان (إذا صحّ عنه)، فلم يحتجّ به، واحتجّ به سائر أصحاب الصحاح والمسانيد كمسلم والترمذي وابن داود وابن ماجه، وغيرهم؟!
وهل حقّاً إنّ البخاري لا يخرّج لأحد يبلغه عنه كلام فيه؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف ضمّ «صحيحه» جملة من الضعفاء، الذين لا يشكّ في ضعفهم أيّ خبير رجاليّ؟!
فهذا هو ابن حجر العسقلاني، يقول: إنّ الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وثلاثون رجلاً، المتكلم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلاً، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلاً، المتكلم فيه بالضعف منهم مائة وستون رجلاً، ولا شكّ أنّ التخريج

1 . قال ابن معين وغيره: لا يحتجّ به. وقال أحمد بن حنبل: يرفع كثيراً ممّا لا يرفعه الناس، ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال البخاري: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يروي عنه شيئاً، انظر: ميزان الاعتدال:3/438، برقم 7070.
2 . قال أبو حاتم: جعفر بن محمد، ثقة لا يُسأل عن مثله. ووثّقه الشافعي، ويحيى بن معين، والعجلي، والنسائي، وابن عدي، وابن حبّان، وغيرهم. تهذيب الكمال:5/74، الترجمة950.

(439)
عمّن لم يُتكلَّم فيه أصلاً أولى من التخريج عمّن تُكلِّم فيه وإن لم يكن ذلك الكلام قدحاً.(1)
وقال الحافظ زين الدين العراقي في شرح ألفيته في علوم الحديث: إنّ النسائي ضعّف جماعة أخرج لهم الشيخان، أو أحدهما.
وقال بدر الدين العيني: في الصحيح جماعة جرحهم بعض المتقدّمين.
وقال ابن الصلاح: احتجّ البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم، كعكرمة مولى ابن عباس، وكإسماعيل بن أبي أويس، وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم... .(2)
وقد أحصى بعض المعاصرين الرواة الضعفاء في أسانيد البخاري وأثبت ضعفهم، فكان عددهم يناهز الـ(304) رجال، مبتدأ بـ(إبراهيم بن سويد بن حيان المدني الذي وصفه ابن حبّان بقوله: ربما أتى بمناكير).(3)ومنتهياً باسم (أبو بكر بن أبي موسى الأشعري الذي قال فيه محمد بن سعد: يستضعف)، فمن أراد أن يقف على أسماء هؤلاء وما ذكره رجال الجرح والتعديل حولهم فليرجع إلى كتاب «الإمام البخاري وصحيحه الجامع المختصر»، تأليف الشيخ حسين الهرساوي.
وحول فعل البخاري هذا، حيث ترك الحديث عن الصادق(عليه السلام) واشتغل بأحاديث النواصب والخوارج مثل عمران بن حطّان أو مروان بن الحكم،

1 . فتح الباري:1/11، المقدمة.
2 . انظر: أضواء على السنة المحمدية:257.
3 . المغني في رجال الصحيحين:4/15.

(440)
قال العلامة أبو بكر بن شهاب المدني في قصيدة نقلها محمد العلوي، منها:
قضية أشبه بالمرزئةْ *** هذا البخاري إمام الفئةْ
بالصادق الصّدّيق ما احتجّ في *** صحيحه واحتجّ بالمرجئة
ومثل عمران بن حطّان أو *** مروان وابن المرأة المخطئة
مشكلة ذات عوار إلى *** حيرة أرباب النُّهى ملجئة
وحق بيت يمّمته الورى *** مُغِذَّة في السير أو مُبطئة
إنّ الإمام الصادق المجتبى *** بفضله الآي أتت مُنبئة
أجلّ مَن في عصره رتبة *** لم يقترف في عمره سيئة
قُلامة من ظفر إبهامه *** تعدل من مثل البخاري مئة(1)

السادس: دور الإمام الصادق(عليه السلام) في نشر فقه الإمامية والمعارف الحقيقية

ذكر العلاّمة الحلي(رحمه الله) في حق الإمام الصادق(عليه السلام) ما هذا لفظه: وهو الذي نُشر منه فقه الإمامية والمعارف الحقيقية،والعقائد اليقينية وكان لا يخبر بأمر إلاّ وقع، وبه سمّوه الصادق الأمين.(2)
وهذا الكلام صريح في أنّ الإمامية أخذوا فقههم عن الإمام الصادق(عليه السلام)كما أخذوا المعارف الحقيقية والعقائد منه (عليه السلام).
هذا هو مفهوم العبارة،وأمّا ابن تيمية، فقد قال في نقد هذا الكلام:
وأمّا قوله: هو الذي نشر فقه الإمامية والمعارف الحقيقية والعقائد اليقينية فهذا الكلام يستلزم أحد أمرين:

1 . العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل:55. 2 . منهاج الكرامة:66.

(441)
إمّا أنّه ابتدع في العلم ما لم يكن يعلمه مَن قبله.
وإمّا أن يكون الذين قبله قصّروا فيما يجب ] عليهم [ من نشر العلم...
ثم رتب على ذلك وقال: وهل يشك عاقل أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن لأُمّته المعارف الحقيقية والعقائد اليقينية أكمل بيان وأنّ أصحابه تلقّوا ذلك عنه، وبلغوه إلى المسلمين.(1)
أقول: أوّلاً: الظاهر أنّ النسخة التي كانت عند ابن تيمية ـ من منهاج الكرامة ـ مصحّفة فالصحيح هو ما أوردناه طبقاً للنسخة المحقّقة أخيراً، وهو هكذا«هو الذي نُشر منه»، لا «هو الذي نشر فقه الإمامية و...» وبين العبارتين بون شاسع في المعنى.
وثانياً: سلمنا أنّ العبارة كما ذكرها ابن تيمية، فالمراد أنّ الإمام الصادق(عليه السلام)نشر ما أخذ عن أبيه عن آبائه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الفقه والمعارف والعقائد، ومعنى ذلك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بيّنه لأصحابه ومنهم علي بن أبي طالب، فمنه أخذ أولاده الطاهرون حتى وصلت النوبة إلى الإمام الصادق(عليه السلام)، وهذا لا يستلزم كلا الأمرين، فلا الإمام الصادق ابتدع في العلم ما لم يكن يعلمه مَن قبله، ولا أنّ السابقين قصّروا في ما يجب عليهم من نشر العلم.
ولكن الحق هو أنّ ابن تيمية نظر إلى كتاب العلاّمة برؤية عدائية وبقلب ملئ بالحقد والضغينة، ففي هذا الموقف تتجلّى الحقائق الراهنة المسلمة عند الناظر، كلاماً باطلاً، عصمنا الله وإياكم من التعصب وأخْذ الموقف العدائي من الحق وأهله.

1 . منهاج السنّة: 4/ 53 ـ 54، وفي طبعة بولاق : 2 / 124 .

(442)

السابع: ابن تيمية والكذب على الإمام الصادق(عليه السلام)

قال ابن تيمية: ولم يُكذَب على أحد ما كذب على جعفر الصادق مع براءته.
وقد جعل هذا أحد موارد ضعف الروايات المروية عنه، وبالتالي تنقيص الإمام(عليه السلام)، وكان عليه أن يشبّه الإمام الصادق(عليه السلام) في هذا الوجه ـ لو صدق ـ بالنبي الأكرم، فإنّه لم يكذب على أحد ما كذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن ما زعمه ابن تيمية كذباً على لسان الإمام الصادق(عليه السلام) فهو يزنه ويكيله بميزانه ومكياله، فإذا كان ما روي عنه على خلاف التجسيم والتشبيه وعلى حدّ السكوت أمام الجبابرة والظلمة، فيزعمه كذباً على لسان الإمام الصادق(عليه السلام).
هذا وقد ألّف غير واحد من علماء الجرح والتعديل كتباً في أخطاء البخاري منهم:
1. ابن أبي حاتم الرازي (المتوفّى 327هـ)، وقد ألّف كتاباً باسم:بيان خطأ البخاري.
2. علي بن عمر بن أحمد أبو الحسن الدارقطني(المتوفّى 385هـ)، حيث صنّف كتابين: أحدهما: الإلزامات، والثاني: التتبع.
3. أبو عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري(المتوفّى430هـ)، وقد ألزم في(مستدركه) البخاري ومسلم في تقصيرهما بالنسبة إلى عدم تخريجهما الأحاديث الصحيحة في كتابيهما.
4. أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (المتوفّى 463هـ) صنّف كتاب الموضح لأوهام البخاري.
5. أبو الوليد سليمان بن خلف المعروف بالباجي (المتوفّى474هـ)

(443)
صنف كتاب: التعديل والترجيح لمن خرّج عنه البخاري في الصحيح.
إلى غير ذلك ممّن ذكروا أوهام البخاري وأخطاءه،وقد أحصاها المحقّق الثبت الشيخ حسين الهرساوي فبلغت 18 عنواناً.(1)
وفي الختام نقول: إن نقل البخاري وعدم نقله عن أحد ليس ميزاناً للحق والباطل، فقد كان المسلمون يعيشون وبينهم علماء ومحدّثون ولم يكن للبخاري ولا لكتابه أي أثر، فلا يضرّ عدم نقل البخاري عن العترة الطاهرة(عليهم السلام).
إنّ الإمام الصادق(عليه السلام) غصن من أغصان الشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، كيف وهو من أهل بيت النبوة والطهارة الذين طهرهم الله عن الرجس وجعل مودتهم أجراً للنبوة.
إنّ حديث الإمام الصادق(عليه السلام) هو حديث أبيه، وهو حديث جدّه، وأجداده، وهم(عليهم السلام)كما قال الشاعر:
مِن معشر حبُّهم دينٌ وبغضُهُمُ *** كفرٌ وقربهُمُ منجىً ومعتصَمُ فعلى هذا فلا يضرّ عدم نقل البخاري وأضرابه عن الإمام الصادق(عليه السلام)وآبائه الطيبين الطاهرين، فهم في غنى عمّن أعمت العصبية عيون بصائرهم، ومثله مفاد قول القائل:
وما ضرَّ الورودَ وما عليها *** إذا المزكوم لم يَطعَم شذاها
وقول الآخر:
لا يضرّ البحرَ أمسى زاخراً *** أن رَمى فيهِ غلامٌ بالحجر

1 . لاحظ الإمام البخاري وصحيحه الجامع المختصر:513 ـ 530.

(444)
8

آراء ابن تيمية حول الإمام الكاظم(عليه السلام)

أقرّ ابن تيمية بما ذكره العلاّمة الحلّي من فضل الإمام الكاظم الذي نقله المخالف والمؤالف(1)، ولكنّه أنكر قصة لقاء شقيق البلخي مع الإمام الكاظم في سفر الحجّ في القادسية، التي أشار إليها العلاّمة الحلّي.
وقال (ابن تيمية): وأمّا من بعد جعفر، فموسى بن جعفر قال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين.
ثم قال: موسى ولد بالمدينة سنة بضع وعشرين ومائة، وأقدمه المهدي إلى بغداد ثمّ ردّه إلى المدينة وأقام بها إلى أيام الرشيد، فقدم هارون منصرفاً من عُمرة، فحمل موسى معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه، قال ابن سعد: فتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة، وليس له كثير رواية، روى عن أبيه جعفر، وروى عنه أخوه عليّ، وروى له الترمذي وابن ماجة... إلى أن قال: وأمّا الحكاية المذكورة عن شقيق البلخي فكذب فإنّ هذه الحكاية تخالف المعروف من حال موسى بن جعفر، وموسى كان مقيماً بالمدينة بعد موت أبيه جعفر، وجعفر مات سنة ثمان وأربعين ]يعني ومئة[ ولم يكن قد جاء إذ ذاك إلى العراق حتى يكون بالقادسية، ولم يكن أيضاً ممن يترك منفرداً على

1 . منهاج الكرامة:67.

(445)
هذه الحال لشهرته وكثرة غاشيته، وإجلال الناس له، وهو معروف ومتهم أيضاً بالملك، ولذلك أخذه المهدي ثم الرشيد إلى بغداد.(1)
وها نحن نناقشه في الأمرين اللّذين اشتمل عليهما كلامه، وهما:
1. إنّ موسى بن جعفر ليس له كثير رواية، ولم يرو له غير الترمذي وابن ماجة.
2. لقاء شقيق البلخي مع الإمام في طريق الحج، أمر مكذوب.
أمّا الأمر الأوّل: أعني ما ذكره عنه(عليه السلام) بأنّه ليس له كثير رواية، فإنّه قد قصر نظره على كتب قومه، ولذلك قال بأنّه لم يرو له غير الترمذي وابن ماجة، وأمّا إذا وسّع نظره إلى مَن رووا عنه من الشيعة الإمامية فسيظهر له أنّه قد تربّى على يديه كثير من الحفاظ والمحدّثين، فقد عدّ الرجالي البرقي أصحابه ـ أعني: من أخذ عنه العلم والحديث ـ فناهز عددهم المائتين(2)، كما أنّ الشيخ الطوسي ذكر من أخذ عنه العلم فبلغ عددهم 272 راوياً ومحدّثاً.(3)
ثمّ إنّ عدم رواية بعض أصحاب الصحاح عنه إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على تعصّب القوم في أخذ العلم، فإنّ رجلاً مثل موسى بن جعفر الذي وصفه أبو حاتم الرازي بأنّه إمام من أئمّة المسلمين، ووصفه ابن تيمية نفسه بأنّه لم يكن ممّن يترك منفرداً لشهرته وكثرة غاشيته وإجلال الناس له، يدلّ على أنّ له شخصية روحانية مرموقة حيث كان الناس يجلّونه لأجل ورعه وعلمه وانتمائه إلى البيت النبوي، فعدم نقل أصحاب الصحاح (غير الترمذي

1 . منهاج السنة: 2/124، وفي طبعة بولاق : 4/55ـ56.
2 . رجال البرقي:185ـ 325. 3 . رجال الطوسي:329ـ349.

(446)
وابن ماجة) لو دلّ على شيء، لدلّ على تقصيرهم في أخذ العلم.
وقد تقدّم أنّ البخاري لم يروِ للإمام الصادق (عليه السلام)في «صحيحه» مع اتّفاق الكلمة على أنّه (عليه السلام)قد ملأ الدنيا بعلمه وفقهه!! فخلوّ الصحاح من أحاديث أحد الأئمة(عليهم السلام)، أو قلّة أحاديثه فيها، لا يعنيان، أبداً، أنّ ذلك الإمام ليس له كثير رواية.
وأمّا الأمر الثاني: أعني حكاية لقاء شقيق البلخي معه(عليه السلام) فقد ردّها لمخالفتها ـ كما يرى ـ المعروف من حال موسى بن جعفر حيث كان مقيماً بالمدينة بعد موت أبيه جعفر أوّلاً، ولم يكن أيضاً ممَن يترك منفرداً على هذه الحال لكمال شهرته وكثرة غاشيته.
فيلاحظ على الأوّل بأنّ الرجل يتكلم وكأنّه قد أحاط تماماً بحياة الإمام(عليه السلام)وعرف أنّه لم يسافر بعد موت أبيه جعفر بن محمد مع أنّ سبط ابن الجوزي روى بسنده عن شقيق البلخي، قال: خرجتُ حاجّاً في سنة تسع وأربعين ومائة فنزلت القادسية، فإذا شاب حسن الوجه شديد السمرة، عليه ثوب صوف مشتمل بشملة، في رجليه نعلان، وقد جلس منفرداً عن الناس....(1)
وهذا يدلّ على أنّ الإمام موسى بن جعفر سافر إلى العراق بعد وفاة أبيه بسنة واحدة، فأي مانع أن يسافر آنذاك إلى العراق (لغاية من الغايات)، ومنه إلى الحج؟
وبذلك يظهر وهن ما ذكره ابن تيمية من أنّ الإمام لا يترك منفرداً، لشهرته وكثرة غاشيته، فإنّ ذلك إنّما يتمّ فيما إذا ذاع أمره بين الناس وكان للخلافة

1 . تذكرة الخواص:2/461، ولاحظ بقية القصة فيه، فالمقام لا يتّسع لإيرادها.

(447)
العباسية موقفاً سيئاً منه، فعند ذلك لا يترك منفرداً، وأمّا إذا كان في أوائل سنيّ إمامته وذلك بعد وفاة أبيه فيكون بعيداً عن تلك التوهُّمات.
هذا، وقد روى حكاية شقيق البلخي مع الإمام الكاظم (عليه السلام)ونقلَها عدّة من الأعلام، منهم:
1. القاضي الحسن بن عبد الرحمن الرامهُرمزي(1)(المتوفّى نحو360هـ). نقل ذلك عنه ابن حجر الهيتمي.(2)
2. أبو الفرج ابن الجوزي، الحنبلي(المتوفّى 597هـ). رواها بسنده إلى شقيق، في كتابه «مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن»(3)، ونقلها في كتابه «صفة الصفوة».(4)
3. كمال الدين محمد بن طلحة القرشي الشافعي(المتوفّى 652هـ). ذكرها في كتابه «مطالب السَّؤول في مناقب آل الرسول».(5)
4. أبو المظفر يوسف بن قَزغلي (سبط ابن الجوزي) الحنفي (المتوفّى 654هـ). رواها بإسناده إلى شقيق، كما مرّ عليك.
5. ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي (المتوفّى 973هـ)، نقلها عن الرامهرمزي، وابن الجوزي.(6)

1 . ترجم له الذهبيّ، وقال في حقّه: الإمام الحافظ البارع، محدّث العجم، وكان أحد الأثبات. سير أعلام النبلاء:16/73، الترجمة55.
2 . الصواعق المحرقة:203ـ 204.
3 . مثير الغرام:402ـ 403، باب ذكر طرف مستحسن من أخبار الصالحين والأولياء في الحجّ.
4 . صفة الصفوة:2/185ـ187، الترجمة191.
5 . مطالب السؤول:290ـ 291. 6 . أنظر: الصواعق المحرقة: 203 ـ 204 .
Website Security Test