welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(399)
5

آراء ابن تيمية في سيّد الساجدين(عليه السلام)

قال ابن تيمية: وظهور آثار غيرهم ـ يعني غير الأئمة ـ في الأُمّة أعظم من ظهور آثارهم في الأُمّة.(1)
وقال: وفي الاثني عشر من هو مشهور بالعلم والدين كعلي بن الحسين، وابنه أبي جعفر، وابنه جعفر بن محمد، وهؤلاء لهم حكم أمثالهم، ففي الأُمّة خلق كثير مثل هؤلاء وأفضل منهم...، وقد انتفع المسلمون في دينهم ودنياهم بخلق كثير أضعاف أضعاف ما انتفعوا بهؤلاء.(2)
هذا ما يقوله ابن تيمية فلننظر إلى ما يقوله النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته الطاهرون وعلماء الأُمّة...
قال أبو الزبير: كنّا عند جابر فدخل عليه علي بن الحسين، فقال: كنت عند رسول الله، فدخل عليه الحسين بن علي فضّمه إليه وقبّله واقعده إلى جنبه ثم قال: «يولد لابني هذا ابن يقال له عليٌّ إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: ليقم سيد العابدين، فيقوم هو».(3)

1 . منهاج السنّة: 4/107ـ108، وفي طبعة بولاق : 2/135.
2 . منهاج السنّة: 4/169ـ170، وفي طبعة بولاق : 2/150 .
3 . تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر:41/370، و ج54/276.

(400)
وقال الحافظ أبو نعيم: فمن هذه الطبقة]أي طبقة تابعي المدينة[: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ رضي الله تعالى عنهم ـ ، زين العابدين، ومنار القانتين، كان عابداً وفيّاً، وجواداً حفيّاً.(1)
وقال الذهبي في وصف زين العابدين(عليه السلام): كان له جلالة عظيمة، وحقّ له والله ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه، وسؤدده وعلمه، وتألّهه، وكمال عقله.(2)
قال الزُّهري: ما كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين، وما رأيت أحداً أفقه منه... .(3)
وقال أيضاً: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين.(4)
وعنه أيضاً: ما لقيت أحداً أفضل منه.(5)
وعن صالح بن حسّان: قال رجل لسعيد بن المسيّب: ما رأيت أحداً أورع من فلان. قال: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا، قال: ما رأيت أورع منه.(6)
وقال ابن سعد: قالوا: وكان علي بن حسين ثقة مأموناً، كثير الحديث، عالياً، رفيعاً، ورعاً.(7)
هذا قليل من كثير، من كلمات محدّثي الإسلام ومؤرّخيهم، في حق

1 . حلية الأولياء:3/133. 2 . سير أعلام النبلاء:4/398.
3 . تهذيب الكمال:20/386، الترجمة4050، وانظر: المعرفة والتاريخ:1/544.
4 . المعرفة والتاريخ:1/544. 5 . أعيان الشيعة:1/631، نقله عن العلل للصدوق.
6 . حلية الأولياء:3/141; وتهذيب الكمال:20/389; و سير أعلام النبلاء:4/391.
7 . طبقات ابن سعد:5/222.

(401)
الإمام زين العابدين(عليه السلام)، بعد ذلك لنرجع إلى آثاره العلمية وما قام به من تأسيس مدرسة فقهية وحديثية، وقد أُحصي أكثر من مائة وستين من التابعين والموالي ممّن كانوا ينهلون من معينه ويروون عنه.
حدّث عنه: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو الزّناد، ويحيى بن أُم الطويل، وعمرو بن دينار، والزهري، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وطائفة. وقد وقفت على كلام الزهري.
وأمّا زهده وعبادته فيكفي في بيانهما أنّه إذا قام إلى الصلاة، أخذته رعدة، فقيل له، في ذلك، فقال: «تدرون بين يدي مَن أقوم، ومن أُناجي».(1)
إن من واجبات الإمام إصلاح المجتمع بكلّ ما أُوتي من قوة وقدرة، ولكن الظروف لم تسمح لأن يقوم(عليه السلام)بذلك على النحو الذي قام به الحسين بن علي(عليه السلام)أو عمه الحسن(عليه السلام)أو جدّه علي(عليه السلام)، وقد كان الضغط كبيراً جدّاً ولأجل ذلك لجأ إلى أسلوب آخر، لإصلاح المجتمع، وهو أسلوب الدعاء، فترك ثروة زاخرة من الأدعية المعروفة بـ«الصحيفة السجادية» التي عالجت مختلف علل النفس البشرية، وتضمنت حلاً لكثير من المشاكل الاجتماعية، وزخرت بالعديد من الأساليب التربوية، كل ذلك في أسلوب رائع يشدّ الإنسان إلى خالقه، ويعمّق ارتباطه الروحي به.
وللإمام أيضاً«رسالة الحقوق»، التي تشتمل على أزيد من خمسين مادّة بيّن فيها حقوق الله سبحانه، وحقوق الوالد والولد، والمعلم، واللسان، والسمع، وسائر الأعضاء، وكثيراً من الحقوق.

1 . حلية الأولياء:3/133; المناقب لابن شهر آشوب:4/148.

(402)
وقد بلغ الإمام(عليه السلام) من العظمة والمهابة مقاماً شامخاً أشار إلى جانب من جوانبه شاعر عصره الفرزدق، في ميميته المعروفة، وها نحن نذكر أبياتاً منها ليتّضح مقامه في أعين الناس يومذاك:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحِلُّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلّهم *** هذا التقي النقيّ الطاهر العلم
إذا رأته قريشٌ قال قائلها *** إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يُنمى إلى ذروة العزّ التي قصرت *** عن نيلها عَربُ الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلمُ
يغضي حياء ويُغضى من مهابته *** فما يكلّم إلاّ حين يبتسم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله *** بجدِّه أنبياء الله قد خُتموا
من معشر حبُّهم دينٌ وبغضُهُمُ *** كفر وقربُهمُ منجىً ومعتصم
إنْ عُدّ أهل التُقى كانوا أئمتهم *** أو قيل من خير أهل الأرض قيل همُ
والقول الفصل بين الإمام السجاد(عليه السلام) وعلماء عصره الذين جعلهم ابن تيمية مع الإمام في كفّة واحدة هو أنّهم أخذوا العلم من خلف إلى سلف، وأمّا الإمام فلم يتأدّب عند أحد ولم يتعلّم منه، وعلومه وعلوم آبائه وأبنائه كلّها بفضل من الله سبحانه، فكانوا كصاحب موسى حيث وصفه سبحانه بقوله: (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(1) فلذلك صار الإمام مع أجداده وأولاده من العترة

1 . الكهف:65،

(403)
الطاهرة الذين جعلهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أعدالاً للقرآن الكريم في الكرامة والعصمة، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي».
فهل يصح بعد ذلك قول ابن تيمية: وكان علي بن الحسين وابنه أبو جعفر وابنه جعفر بن محمد يعلِّمون الناس ما علمهم الله، كما علمه علماء زمانهم، وكان في زمنهم من هو أعلم منهم وأنفع للأُمّة، وهذا معروف عند أهل العلم.(1)
أقول: المعروف عند أهل العلم كالزهري وسعيد بن المسيب وغيرهما خلاف ذلك، وقد قرأتَ آنفاً أقوالهم التي صرّحوا فيها بأنّ علي بن الحسين كان أفقه أهل زمانه وأورعهم وأفضلهم.
***
ثمّ إنّ العلاّمة الحلّي ذكر في حق الإمام زين العابدين(عليه السلام) أمرين:
1. أنّه كان يصلّي كل يوم وليلة ألف ركعة.
2. أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سمّاه سيّد العابدين.(2)
فردّ ابن تيمية على الأوّل بقوله: وأمّا ما ذكره (يعني العلاّمة) من قيام ألف ركعة فقد تقدم بأنّ هذا لا يمكن إلاّ على وجه يكره في الشريعة، أو لا يمكن بحال. فلا يصح ذكر مثل هذا في المناقب.(3)
أقول: قد أشار بقوله: فقد تقدم، إلى ما ذكره بحق علي(عليه السلام) أيضاً، حيث

1 . منهاج السنّة: 6/387، وفي طبعة بولاق:3/248.
2 . منهاج الكرامة:62. تحقيق عبد الرحيم مبارك.
3 . منهاج السنّة: 4/50، وفي طبعة بولاق : 2/123.

(404)
قال: وأمّا ما نقله عن علي أنّه كان يصلّي كلّ يوم وليلة ألف ركعة، فهذا يدلّ على جهله بالفضيلة وجهله بالواقع:
أمّا أوّلاً: فلأنّ هذا ليس بفضيلة فإنّه قد ثبت بالصحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان لا يزيد في الليل على ثلاث عشرة ركعة.
و]ثانياً[ إنّ عليّاً(رضي الله عنه) أعلم بسنّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأتبع لهديه من أن يخالفه هذه المخالفة لو كان ممكناً، فكيف وصلاة ألف ركعة في اليوم والليلة، مع القيام بسائر الواجبات، غير ممكن.(1)
أقول: أمّا ما ذكره من أنّه أمر غير مشروع ففيه:
أوّلاً: أنّ مَن ترجم للإمام علي بن الحسين قد ذكر ذلك، فقد نقله ابن الجوزي في صفوة الصفوة(2/100)، والحافظ المزّي في تهذيب الكمال(20/390)، والذهبي في السير (4/392)، والحافظ في التهذيب:(7/269)، والحافظ السيوطي في تذكرة الحفّاظ(1/75)، وغيرهم عن الإمام مالك بن أنس أحد الأئمة الأربعة قال عن علي بن الحسين(عليه السلام): بلغني أنّه كان يصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات، وكان يسمّى زين العابدين لعبادته.
وقد قال الحافظ المزّي في تهذيب الكمال (35/41) مترجماً له: ذو الثفنات علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين، سمّي بذلك لأنّه كان يصلّي كل يوم ألف ركعة، فصار في ركبتيه مثل نفثات البعير.
وثانياً: أنّ ابن تيمية خلط بين النوافل المرتّبة المعيّنة في الليل فهي لا

1 . منهاج السنّة: 4/28ـ31، وفي طبعة بولاق : 2/119.

(405)
تزيد على ما ذكره من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان لا يزيد في الليل على ثلاث عشرة ركعة، وأين هذا من استحباب مطلق الصلاة ومطلوبية نفسها، وقد ورد في غير واحد من الروايات ما يدفع بالإنسان إلى الاستزادة من النوافل سواء استكثر أو استقل، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلاة خير موضوع استكثر أو استقل»(1)، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر»(2)، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلاة خير موضوع، من شاء أقلّ، ومن شاء أكثر»(3)، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أنس أكثر الصلاة بالليل والنهار تحفظك]حفظتك[».(4)
وبذلك ظهر أنّ ما قام به أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من قيام ألف ركعة في اليوم والليلة ليس مخالفاً للسنّة النبوية.
والذي يدلّ على ذلك أنّ قسماً من أئمة أهل السنّة كانوا يصلّون مئات الركعات في كلّ يوم وليلة، منهم: إمام الحنابلة أحمد بن حنبل.(5)
وقد ذكروا مثله في حق أبي القاسم الجنيد القواريري(المتوفّى 298هـ).(6)
كما ذكروا مثله في حق الحافظ عبد الغني المقدسي (المتوفّى 600هـ).(7)
ثمّ إنّ شيخنا العلامة الأميني ذكر أسماء جمع ممّن كان يصلّي أكثر من ذلك(وذكر مصادر هذه الأقوال)، وقال:

1 . حلية الأولياء:1/166، أخرجه بستة طرق.
2 . أخرجه الطبراني في الأوسط:1/183، ح 245، كما في الترغيب والترهيب.
3 . مستدرك الحاكم:2/653، برقم 4166، مجمع الزوائد:1/160.
4 . تاريخ ابن عساكر:9/344، برقم 829.
5 . البداية والنهاية:13/47، حوادث سنة 600هـ ; حلية الأولياء:9/18; تهذيب الكمال:1/458.
6 . المنتظم:13/118، برقم 253. 7 . تذكرة الحفاظ:1/310، برقم 286.

(406)
ومنهم من يصلي أربعمائة ركعة، ثم ذكر أسماءهم.
ومنهم من كان يصلي خمسمائة ركعة، ثم ذكر أسماءهم.
ومنهم من كان يصلي ستمائة ركعة، ثم ذكر أسماءهم.
ومنهم من كان يصلي سبعمائة ركعة، ثم ذكر أسماءهم.(1)
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الصلاة وراء النوافل اليومية أمر موافق للشرع.
وأمّا ما ذكره من أنّه أمر غير ممكن، فمنشؤه تثاقل الطبع والكسل عن الإكثار من العبادة، فإنّ من لم يتنشط في كلّ عمره لأمثال ذلك، البعيد عن عمل العاملين وعادات العُبّاد، يحسب خروج ذلك عن حيّز الإمكان، لكن من تذوق حلاوة الطاعة ولذّة العبادة يرى أمثال هذه من العادات المطرّدة، قال الأميني(رحمه الله): ونحن نعرف من أصحابنا اليوم، من يأتي بها في الليل تارة، وفي الليل والنهار أُخرى، في أقل من سبع ساعات يصلّيها صلاة تامة مع سورة التوحيد بالرغم من حسبان ابن تيمية استحالتها في اليوم والليلة، فإتيان ألف ركعة في الليل والنهار لا يستوعب كلّ الليل، ولا يحتاج إلى قيام تمامه، ولا يخالف السنّة، بل هي السنّة النبويّة المعتضدة بعمل العلماء والأولياء، فمن شاء استكثر، ومن شاء استقل.(2)
أضف إلى ذلك: أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) إنّما يقومون بهذا العمل إذا لم يكن عندهم ما هو أهم منه، فمن المعلوم أنّ علياً(عليه السلام) لا يقوم بذلك في أيام جهاده مع الناكثين والقاسطين والمارقين.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل أي أنّه كان يصلّي كل يوم وليلة ألف ركعة.

1 . لاحظ: الغدير:5/43ـ50. 2 . الغدير:5/48.

(407)
وأمّا الأمر الثاني: فقد رد عليه ابن تيمية بقوله: وكذلك ما ذكره من تسمية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سيد العابدين هو شيء لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم والدين.(1)
فيلاحظ عليه: أنّ كثيراً ممّن روى عن الإمام(عليه السلام) أو ترجم له، ذكره بوصفين: أحدهما سيد العابدين، والآخر زين العابدين، منهم: الزّهري(الذي قال: سمعتُ علي بن الحسين سيّد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربّه...)(2)، وابن سعد((3))، والمسعودي(4)، وابن خلّكان((5))، وأبي الحجّاج المِزّي(6)، والذهبيّ(7)، وغيرهم، وهذا يعني أنّ هذا الوصف قد اشتهر بين أبناء الأُمّة الإسلامية، ورسخ في أذهانهم منذ أن رأوه مجسَّداً في سلوك الإمام، ثم لم يزل ملازماً له(عليه السلام) على مرّ العصور، ولكنّ ابن تيمية (يريد أن يسلب هذا الوصف عنه)(8)، كعادته في تنقيص أهل البيت، والتقليل من شأن مَن رَفعهم الله تعالى، وأمر بالصلاة عليهم.

أهل العلم يروون حديث جابر حول سيد العابدين

ثمّ كيف يدّعي ابن تيمية أنّ أحداً من أهل العلم لم يروِ تسمية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)له سيد العابدين، وهذا ابن عساكر قد روى بإسناده عن محمد بن

1 . منهاج السنّة: 4/50، وفي طبعة بولاق : 3/123. 2 . البداية والنهاية:9/115.
3 . الطبقات الكبرى:5/156. 4 . مروج الذهب:3/369، برقم 2120.
5 . وفيات الأعيان:3/266. 6 . تهذيب الكمال:20/383.
7 . سير أعلام النبلاء:4/386.
8 . أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته:132.

(408)
زكريا الغلابي، عن إبراهيم بن بشار، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال: دخل الحسين فضمّه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إليه، وقال يولد لابني هذا ابن يقال له عليّ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم سيد العابدين، فيقوم هو، ويولد له ولد... .(1)
ورواه أيضاً بإسناده عن الغلابي، عن شعيب بن واقد، عن سعيد بن محمد الجهني، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله.(2)
يُذكر أنّ ابن الجوزي أورد هذا الحديث في «الموضوعات»، وقال: المتّهم به الغلابي. قال الدارقطني: كان يضع الحديث.(3)
أقول: إنّ كبار الحفّاظ والمحدّثين من أهل السنّة (كابن الصلاح، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر) قد انتقدوا صنيع ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» وقالوا بأنّ فيه تساهلاً كثيراً، إذ حكم بوضع أحاديث ليست بموضوعة، بل هي ضعيفة فقط، وربّما تكون حسنة أو صحيحة.(5)
قال ابن كثير: صنّف الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كتاباً حافلاً في الموضوعات، غير أنّه أدخل فيه ما ليس منه، وأخرج عنه ما كان يلزمه ذكره... .(4)
وممّا عيب به ابن الجوزي أيضاً أنّه (يسرد الجرح، ويسكت عن التوثيق)، وهذا ما نبّه عليه الذهبيّ(6) ، ونلاحظه، بجلاء، في كلامه حول

1 . انظر: تاريخ مدينة دمشق:41/370، الترجمة 4875، وج 54/276، الترجمة 6781.
2 . تاريخ مدينة دمشق:54/276. 3 . الموضوعات:2/44ـ45.
4 . راجع كلماتهم في كتاب نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار:11/121ـ127.
5 . الباعث الحثيث:75. 6 . ميزان الاعتدال:1/16، برقم 20.

(409)
الغلابي(راوي حديث جابر المذكور)، حيث أورد قول الدارقطني في جرحه، وتجاهل قول ابن حبّان، الذي ذكره في «الثقات»، وقال: يُعتَبر بحديثه إذا روى عن الثقات، لأنّه في روايته عن المجاهيل بعض المناكير.(1)
نعود، الآن، إلى حديث جابر حول سيّد العابدين، لنتعرّف على الشيخ الذي روى عنه الغلابي ذلك الحديث، من خلال كلمات الرجاليين التي قيلت في حقّه، ومن ثمّ نقف ـ في ضوء كلام ابن حبّان ـ على مدى اعتبار الحديث.
أمّا شيخ الغلابي، فهو: إبراهيم بن بشّار الرمادي، أبو إسحاق البصري.
وأمّا كلمات الرجاليّين في حقّه، فننقلها من «تهذيب الكمال» للحافظ المزّي، وهي كالتالي:
قال عباس الدوري عن يحيى بن معين: رأيت الرمادي ينظر في كتاب وابن عُيينة يقرأ، ولا يغيّر شيئاً، ليس معه ألواح ولا دواة.
وعن أحمد بن حنبل: كان ]الرمادي[ يحضر معنا عند سفيان بن عيينة، فكان يملي على الناس ما يسمعون من سفيان، وكان ربّما أملى عليهم ما لم يسمعوا.
وقال البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء، وهو صدوق.
وقال أبو حاتم الرازي: صدوق.
وقال النسائي: ليس بالقويّ.
وقال أبو عوانة يعقوب بن إسحاق: ثقة، من كبار أصحاب ابن عُيينة،

1 . ثقات ابن حبّان:9/154.

(410)
وممّن سمع منه قديماً. وقد أخرج حديثه في «صحيحه».
وقال ابن حبّان: كان متقناً ضابطاً، صحب ابن عُيينة سنين كثيرة، وسمع أحاديثه مراراً، ومن زعم أنّه كان ينام في مجلس ابن عيينة فقد صدق، وليس هذا ممّا يجرح مثله في الحديث، وذاك أنّه سمع حديث ابن عُيينة مراراً، والقائل بهذا رآه ينام في المجلس حيث كان يجيء إلى سفيان ويحضر مجلسه للاستئناس، لا للسّماع، فنوم الإنسان عند سماع شيء قد سمعه مراراً ليس ممّا يقدح فيه.
وقد أخرج ابن حبّان حديث الرمادي في «صحيحه».
وقـال أبـو أحمـد بـن عـديّ: لا أعلـم أُنكـر عليـه إلاّ هـذا الحـديث الـذي ذكـره البخاري]يعني حديث كلّكم راع[(1)، وباقي حديثه عن ابن عيينة وأبي معـاوية وغيـرهما من الثقـات، مستقيم، وهو عندنا من أهل الصدق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: ثقة مأمون، من الطبقة الأُولى من أصحاب ابن عُيينة.(2)
وبما تقدّم يظهر لنا أنّ إبراهيم بن بشار الرمادي(شيخ الغلابي) كان ـ وفق آراء أغلب الرجاليين ـ ثقة، أو صدوقاً، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار رأي ابن حبّان، الذي ذكر الغلابي في «الثقات»، وقال: يعتبر بحديثه إذا روى عن

1 . قال البخاري: قال لي إبراهيم الرمادي: حدثنا سفيان بن عيينة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى: كلّكم راع. قال ابن عديّ: وهو وهم، كان ابن عيينة يرويه مرسلاً.
2 . تهذيب الكمال:2/56، الترجمة:155.

(411)
الثقات، نصل إلى النتيجة التالية :
إنّ حديث الغلابي الذي ورد فيه أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سمّى علياً بسيد العابدين، هو حديث معتبر.
ثمّ إنّ الغلابي لم ينفرد برواية الحديث، فقد رواه المدائني عن جابر، كما ذكر ذلك سبط ابن الجوزي الحنفي(1)، ورواه ابن المديني البصري (أحد الأئمة في الحديث) عن جابر، كما ذكر ابن حجر الهيتمي، الذي قال، وهو يثني على محمد بن علي بن الحسين، الباقر:
«كفاه شرفاً أنّ ابن المديني روى عن جابر أنّه قال له، وهو صغير: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يسلِّم عليك، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: كنت جالساً عنده والحسين في حجره وهو يداعبه، فقال: يا جابر: «يولد له مولود اسمه علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين، فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمد، فإن أدركتَه فاقرأه منّي السلام».(2)
وهكذا يتّضح للقارئ اللبيب، مدى مجازفة ابن تيمية، وهو يدّعي أنّ أحداً من أهل العلم لم يرو ذلك.

1 . تذكرة الخواص:2/425، قال الذهبي، وهو يترجم لسبط ابن الجوزي: الشيخ العالم المتقن، الواعظ، البليغ، المؤرخ، الأخباري شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي بن عبد الله التركي ثم البغدادي، الحنفي... له قبول زائد وسوق نافق في دمشق. توفّي سنة (654هـ). سير أعلام النبلاء:23/296، الترجمة 203.
2 . الصواعق المحرقة:201. ويا ليته ذكر الوسائط بين ابن المديني وبين جابر حتّى نتعرّف على سند الحديث. يُذكر أنّ ابن المديني كان من تلامذة سفيان بن عيينة، فلعلّه رواه عنه، عن ابن الزبير، عن جابر.

(412)
6

آراء ابن تيمية في الإمام الباقر(عليه السلام)

قال العلاّمة الحلّي(رحمه الله) في وصف الإمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين:كان أعظم الناس زهداً وعبادة، بَقَر السجودُ جبهته، وكان أعلم (أهل) وقته، سمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الباقر،... ثم ذكر رواية جابر، وفيها: «إنّه (أي محمد بن عليّ) يبقر العلم بقراً» ثم قال: وروى عنه أبو حنيفة وغيره.(1)
وقال ابن تيمية في الرد عليه: وكذلك أبو جعفر محمد بن علي من خيار أهل العلم والدين، وقيل: إنّما سمّي الباقر لأنّه بقر العلم، لا لأجل بقر السجود جبهته، وأمّا كونه أعلم أهل زمانه فهذا يحتاج إلى دليل، والزهري من أقرانه، وهو عند الناس أعلم منه. ونقل تسميته بالباقر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا أصل له عند أهل العلم، بل هو من الأحاديث الموضوعة، وكذلك حديث تبليغ جابر له السلام هو من الموضوعات عند أهل العلم بالحديث.(2)
حاصل كلامه يرجع إلى ثلاثة أُمور:

1 . منهاج الكرامة:65، تحقيق عبد الرحيم مبارك.
2 . منهاج السنّة: 4/50ـ51، وفي طبعة بولاق : 2/123.

(413)
1. إنّ وجه تسمية أبي جعفر محمد بن علي بالباقر لأنّه بقر العلم لا لأجل أنّ السجود بقر جبهته.
2. إنّ كونه أعلم أهل زمانه رهن الدليل، والزهري عند الناس أعلم منه.
3. إنّ حديث تسميته بالباقر، وحديث تبليغ جابر له السلام، هما من الأحاديث الموضوعة.
وهاك الجواب عن هذه الأُمور الثلاثة:
الأوّل: إنّ العلاّمة الحلّي، قد أورد كلا الوصفين في حقّ أبي جعفر(عليه السلام): بقر السجود جبهته، وبقر العِلم، وقد سبقه إلى ذلك سبط ابن الجوزي الحنفي، حيث قال: «إنّما سمّي الباقر من كثرة سجوده، بقر السجود جبهته أي فتحها ووسّعها، وقيل: لغزارة علمه»(1)، فلا وجه لاعتراض ابن تيمية عليه، ولكنّه امرؤ لجوج، مولع بالجدل والمراء في كلّ أمر، صغيراً كان أم كبيراً.
الثاني: إنّ كون أبي جعفر أعلم أهل زمانه، يؤكّده إطلاق لقب الباقر عليه، وتفرّده بهذا اللقب، واشتهاره به على مرّ العصور.
قال الزبير بن بكّار: كان يُقال لمحمد بن علي: باقر العلم. وفيه يقول القرظي:
يا باقرَ العِلم لأهل التُّقى *** وخيرَ من لبّى على الأَجبُلِ(2)
وقال اليعقوبي: وكان يسمّى أبا جعفر الباقر، لأنّه بقر العلم.(3)
وقد اعتنى علماء اللغة بهذا اللقب، فقال الجوهري في الصحاح: التبقّر:

1 . تذكرة الخواص:2/423. 2 . سير أعلام النبلاء:4/403، الترجمة 158.
3 . تاريخ اليعقوبي:2/320.

(414)
التوسّع في العلم، قال: وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: الباقر، لتبقّره في العلم.(1)
وقال ابن منظور في «لسان العرب»: لُقِّب به لأنّه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه، وتوسّع فيه، والتبقّر: التوسّع.(2)
وقال الفيروزآبادي في «القاموس المحيط»: الباقر: محمد بن علي بن الحسين، لتبحّره في العلم.(3)
وشاركهم في هذا الاعتناء الحفّاظ والمحدّثون من أهل السنّة، ومنهم، على سبيل المثال: الذهبي، وابن حجر الهيتمي.
فأمّا الذهبي، فقال: وقيل له الباقر، لأنّه بقر العلم، أي شقّه، وعرف أصله وخفيّه.(4)
وأمّا ابن حجر الهيتمي، فقال: سُمّي بذلك]أي بالباقر[: من بَقَر الأرضَ، أي شقّها وأثار مخبآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام، والحكم واللطائف، ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة أو فاسد الطَّويّة والسريرة، ومن ثمّ قيل فيه: «هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه. صفا قلبه، وزكا علمه وعمله...».(5)...(6)
فأي دليل، على كونه أعلم أهل زمانه، أسطع من هذا الدليل، أعني تلقيبه

1 . الصحاح: 2 / 595، مادة «بقر». 2 . لسان العرب:4/74.
3 . القاموس المحيط: 1/376. 4 . العبر:1/109.
5 . القائل، هو كمال الدين محمد بن طلحة القرشي الشافعي( المتوفّى 652هـ) في كتابه«مطالب السؤول:277»، طبعة مؤسسة البلاغ، 1419هـ .
6 . الصواعق المحرقة:201.

(415)
بهذا اللقب الذي اشتهر به بين المسلمين جميعاً وعلى كرّ العصور؟ ولكن أنّى لمنطمس البصيرة أن يدرك ذلك.
وهل ثمّة أحد في عصره (غير أبي جعفر) قد عرف أصل العلم وخفيّه، واستنبط فرعه، وأظهر مخبآت كنوز المعارف، وحقائق الأحكام؟
وأمّا قول ابن تيمية: والزهري من أقران (الباقر)، وهو عند الناس أعلم منه، فهو ينسجم، تماماً، مع هواه في بني أُميّة، ومشاعر التبجيل التي يحملها تجاه سلاطينهم، والسائرين في ركابهم.
فمن الطبيعي، إذاً، أن يقع اختياره على الزهري، المقرّب من الحكم الأموي، والعامل في خدمته، حيث إنّه (لم يزل مع عبد الملك ثم مع هشام بن عبد الملك، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه)(1)، و(كان في زيّ الأجناد، وله صورة كبيرة في دولة بني أُميّة).(2)
ومن الطبيعي، أيضاً، أن يأخذ، في نظرته للزهري، برأي الناس المفتونين بشهرة علماء البلاط، ولا يميّزون بين العلم الذي يتدفّق من عين صافية، وبين العلم الذي يجري من عين خالطها الكدر، وأن يدعَ (ابن تيمية) أقوال الذين عابوا على الزهري مؤازرته لحكّام الجور، ومجاراته لهم في كثير من الأُمور.
فعن مكحول أنّه ذكر الزهري، فقال: أيّ رجل هو لولا أنّه أفسد نفسه بصحبة الملوك.(3)
وعن عمر بن رويح، قال: كنت مع ابن شهاب الزهري نمشي، فرآني

1 . وفيات الأعيان:4/178. 2 . سير أعلام النبلاء:5/339، الترجمة160.
3 . سير أعلام النبلاء:5/339.

(416)
عمرو بن عبيد بعد، فقال: ما لك ولمنديل الأمراء، يعني ابن شهاب.(1)
وسئل يحيى بن معين، عن منصور بن المعتمر، والزهري (في روايتيهما عن عائشة)، فقال: هما سواء، ومنصور أحبّ إلي، لأنّ الزهري كان سلطانياً.(2)
ثمّ إنّ الإمام الباقر، الذي وصفه ابن سعد بأنّه كثير العلم والحديث(3)، قد نهل من علمه وروى عنه الجمّاء الغفير(على الرغم من صعوبة الظروف التي كان يعيشها، في كثير من الأوقات، في ظل السياسة الأموية المعادية لأهل البيت)، وترك تراثاً علمياً ضخماً، نُقل قسم منه في كتب أهل السنّة (منها الكتب الحديثية الستة المعتمدة عندهم)، ونُقل الكثير منه في كتب الشيعة، بَيْد أنّ ابن تيميّة لا يلتفت إلى كلّ ذلك حتى يدرك الفارق الجمّ بين علمي الرجلين، أو يدرك الفارق بينهما من حيث الصفاء والنقاء والسلامة من شَوْب الباطل، كما هو لم يدرك الفارق بين الرجلين من حيث الشرف والورع والاستقامة والبُعد عن الأهواء، وعن دنيا الطغاة!!!
وأخيراً: ما قيمة حُكم ابن تيمية بأعلمية الزهري، وقد حكم علماء ذلك العصر بخلاف حُكمه؟
فعن أبي إسحاق السبيعي، قال:«...لقيت محمد بن علي بن الحسين وما رأيت مثله».(4)

1 . تاريخ مدينة دمشق:55/370، الترجمة7001.
2 . تهذيب الكمال:26/442ـ443، الترجمة 606، تحقيق الدكتور بشّار عواد.
3 . طبقات ابن سعد:5/324.
4 . شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي:3/281، برقم 1190; والإرشاد للمفيد:263.

(417)
وعن عبد الله بن عطاء المكّي، قال: ما رأيتُ العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيتُ الحَكَم ]يعني ابن عُتيبة[(1) عنده كأنّه متعلِّم.(2)
وقال فيه مالك بن أعْيَن الجُهَنيّ (تلميذ الباقر والصادق(عليهما السلام)):
إذا طلَب الناسُ علمَ القرا *** نِ كانت قريش عليه عيالا
وإنْ قيل: أين ابن بنت الرسو *** لِ؟ نلتَ بذاك فروعاً طوالا
نجومٌ تَهلَّلُ للمُدْلِجينَ *** جبالٌ تورّثُ علماً جبالاً(3)
الثالث: إنّ حديث تسمية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)محمد بن علي(عليهما السلام) بالباقر، الذي زعم ابن تيمية أنّه لا أصل له عند أهل العلم، قد رواه عدد من المحدّثين وأصحاب الآثار، وذكره المؤرّخون، ومنهم، على سبيل المثال: ابن قتيبة الدينوري(المتوفّى 276هـ)، واليعقوبي (المتوفّى بعد 292 هـ ، وقيل: سنة 284هـ)، والشيخ الكليني(4)(المتوفّى 329هـ)، والشيخ الصدوق (الذي
روى الحديث عن أبان بن عثمان البجلي عن الصادق(عليه السلام)، بإسناد رجاله

1 . قال ابن سعد في «الطبقات الكبرى»:6/232: كان الحكم بن عتيبة ثقة فقيهاً عالماً عالياً رفيعاً كثير الحديث. وعن سفيان بن عيينة، قال: ما كان بالكوفة بعد إبراهيم والشعبي مثل الحكم وحماد. تهذيب الكمال:7/118.
2 . شرح الأخبار:3/277، برقم 1187; والإرشاد:263; وحلية الأولياء:3/185ـ186، الترجمة: 341; وتاريخ مدينة دمشق:54/278، الترجمة6781.
3 . معجم الشعراء للمرزباني:366; وتاريخ مدينة دمشق:54/271; وسير أعلام النبلاء:4/404.
4 . الكافي:1/469، كتاب الحجة، باب مولد أبي جعفر محمد بن علي(عليه السلام)، ح2.

(418)
ثقات)(1)، وابن أبي الحديد.
ذكر ابن قتيبة أنّه روى سيّار بن (كذا) الحكم(2)، عن أبيه، أنّ هشام بن عبد الملك نال من أبي جعفر(عليه السلام)، فقال له زيد بن علي رضوان الله تعالى عليه(أخو أبي جعفر): «سمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) باقراً...».
ثمّ ذكر رواية سيّار، عن أبيه، قال: أخبرنا جابر بن عبد الله أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «يا جابر، إنّك ستعمَّر بعدي حتى يولد لي مولود اسمه كاسمي، يبقر العلم بقراً، فإذا لقيته فأقرِئْه منّي السلام».(3)
وقال اليعقوبي: قال جابر بن عبد الله الأنصاري: قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّك تُستبقى حتى ترى رجلاً من ولدي أشبه الناس بي، اسمه على اسمي، إذا رأيتَه لم يُخِلْ عليك، فاقرأْه منّي السلام! فلمّا كبرت سنّ جابر، وخاف الموت، جعل يقول: يا باقر! يا باقر! أين أنت؟...(4)
ونقل ابن أبي الحديد، كلام هشام بن عبد الملك لزيد بن عليّ، وقول زيد له: سمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الباقر... .(5)
وأمّا حديث تبليغ جابر الأنصاري له السلام، والذي زعم ابن تيمية، أنّه

1 . أمالي الصدوق: 289، المجلس (56)، ح9. رواه عن: محمد بن الحسن (بن أحمد بن الوليد)، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن الصادق جعفر بن محمد(عليهما السلام) .
2 . هكذا ورد هذا الاسم في نسخة من «عيون الأخبار» و في أُخرى: سنان بن حكيم. أقول: الراوي المعروف، هو: سيّار أبو الحكم العَنزي الواسطي (المتّفق على وثاقته عند أهل السنّة)، فلعلّه هو. انظر: تهذيب الكمال:12/313، الترجمة2670; وسير أعلام النبلاء:5/391، الترجمة179.
3 . عيون الأخبار: 1 /212.      4 . تاريخ اليعقوبي:2/320. 5 . شرح نهج البلاغة:3/286.

(419)
من الموضوعات، فهو حديث مشهور معروف، رواه ابن عساكر باسناده عن الغلابي، عن إبراهيم بن بشّار، عن سفيان بن عُيَينة، عن أبي الزُّبير المكّي، عن جابر، وفيه: أنّ جابراً ضمّ محمداً (الباقر) إليه وبكى، وقال: يا محمد، إنّ رسول الله يقرأ عليك السلام.(1)
وقد مضى في (فقرة: آراء ابن تيمية في سيد العابدين) أنّ حديث الغلابي حديث مُعتَبر، لقول ابن حبّان في الغلابي: يعتبر بحديثه إذا روى عن الثقات، وهو قد روى حديث جابر عن (إبراهيم بن بشار الرمادي) الذي وثّقه جلّ نقّاد الحديث من أهل السنّة.
وذكر حديث جابر المذكور: ابن قتيبة الدينوري، واليعقوبي، كما مرّ آنفاً، والقاضي أبو حنيفة النعمان المغربي (المتوفّى 363هـ) برواية عبد الله بن ميمون القدّاح، عن جعفر الصادق، عن أبيه الباقر.(2)
كما تقدّمت رواية الشيخ الصدوق له، ضمن حديث تسمية محمد بن علي(عليهما السلام) بالباقر.
ورواه، أيضاً، أبو جعفر الطبري في «ذيل المذيل»(3) عن محمد بن عبد الله الحضرمي، وأبو أحمد بن عديّ(4)، عن الحسن بن الطيب، والقاسم بن زكريا، وأبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر(5) بإسناده عن

1 . تاريخ مدينة دمشق:54/276. 2 . شرح الأخبار:3/276، برقم 1186.
3 . المنتخب من ذيل المذيل:129(المطبوع في ذيل الجزء الثامن من تاريخ الطبري، طبعة مؤسسة الأعلمي).
4 . الكامل:6/411، ترجمة المفضل بن صالح.
5 . تاريخ مدينة دمشق:54/275.

(420)
يحيى بن أحمد المزوق حيون، جميعاً (الحضرمي، وابن الطيب، وابن زكريا، والمزوق)، عن سويد بن سعيد، عن المفضّل بن عبد الله، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر(الباقر)، وإليك نصّ الرواية (كما رواها الطبري):
قال أبو جعفر (الباقر): جاءني جابر بن عبد الله، وأنا في الكتّاب، فقال لي: اكشف لي عن بطنك، فكشفت له عن بطني، فقبّله، ثم قال:
إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمرني أن أُقرئك السلام.
وإليك كلمة موجزة حول رجال الإسناد:
1 . محمد بن عبد الله الحضرمي
قال الذهبي: وثّقه الناس.(1)
2 . سويد بن سعيد
احتجّ به مسلم في صحيحه. وقال أبو حاتم: كان صدوقاً، وكان يدلّس ويكثر ذلك.(2)
3 . المفضّل بن عبد الله.(3)

1 . ميزان الاعتدال:3/607، برقم 7801. 2 . تهذيب الكمال:12/247، الترجمة 2643.
3 . قال أبو أحمد بن عديّ(بعد أن روى حديث جابر عن سويد عن المفضل بن عبد الله) :إنّ سويداً كان يخطئ في اسم أبي مفضّل، فيقول: مفضل بن عبد الله، وإنّما هو مفضل بن صالح. وهذا قول غريب، فمن أين علم ابن عدي بأنّ سويداً كان يخطئ في اسم والد شيخه؟
ثمّ إنّ عدداً من الرجاليين (كأبي حاتم الرازي في «الجرح والتعديل»: ج 8، الترجمة1468)، قد صرّحوا برواية سويد عن المفضّل بن عبد الله.
ويؤكد ذلك أنّ كتب التراجم (مثل تهذيب الكمال: ج 28، الترجمة6148) ذكرت رواية سويد، وكذا محمد بن أبي السري المتوكل العسقلاني، عن المفضل بن عبد الله، فهل يقال: إنّ العسقلاني كان يخطئ، أيضاً، في اسم أبي المفضّل؟!
ويظهر أنّ المزّي، والذهبي لم يرتضيا قول ابن عدي، ولذا قالا: زعم ابن عدي أنّ المفضل بن عبد الله، هو ابن صالح. تهذيب الكمال: ج 28، الترجمة 6148، وميزان الاعتدال: ج 4، الترجمة 8730.

(421)
أقول: فرّق بعضهم كأبي حاتم الرازي(1)، وأبي الحجّاج المزّي(2)، بين المفضّل بن عبد الله(الذي يروي عن أبان بن تغلب، وجابر الجعفي)، وقالا: إنّه (كوفي)، وبين المفضّل بن عبد الله الحبطي البصري نزيل بغداد، في حين جعله آخرون كابن حبّان(3) وعبد الغني المقدسي(4)، واحداً.
ومع أنّ المزّي ذكر في ترجمة المفضّل (الكوفي) روايته عن أبان بن تغلب، إلاّ أنّه ذكر في ترجمة أبان بن تغلب(5)، رواية المفضّل الحبطي عنه!!
يُذكر أنّ البخاري لم يذكر في تاريخه (6) سوى المفضل بن عبد الله الحبطي.
ولمّا كان المزّي قد جعلهما رجلين، فهاك ما أورده في «تهذيب الكمال» من كلمات في حقّهما:
المفضّل بن عبد الله(الكوفي): قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وذكره ابن حبّان في «الثقات».
المفضّل بن عبد الله (ويقال: ابن عبيد الله) الحبطي: قال أبو حاتم: محلّه

1 . الجرح والتعديل:8/318ـ 319، الترجمتان:1467 و 1468.
2 . تهذيب الكمال:28/410، الترجمة6148، وص 412، الترجمة 6149.
3 . الثقات:9/184.
4 . في «الكمال». انظر: تهذيب الكمال:28/413(الهامش1).
5 . تهذيب الكمال:2/6، الترجمة 135. 6 . التاريخ الكبير:7/406، برقم 1781.

(422)
الصدق. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان شيخاً صدوقاً.
4 . أبان بن تغلب.
احتجّ به مسلم في صحيحه. ووثّقه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم.(1)
أقول: فالحديث، إذاً، بهذا الإسناد، رجاله ثقات باستثناء المفضّل، وهو إمّا (الكوفي)، وفيه تجريح وتعديل، وإمّا الحبطي، وهو شيخ صدوق .
وسواء كان المفضّل، هو (الكوفي) أم الحبطي، فإنّه لا يمكن رمي الحديث، بهذا الإسناد فقط، بالوضع، فكيف إذا أخذنا بسائر أسانيده،وبما ورد حوله من أخبار وأقوال؟
وهكذا يتّضح، بعد أن وقفنا على مصادر عديدة لحديث تبليغ جابر للباقر سلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّ قول ابن تيمية بأنّ هذا الحديث موضوع، إنّما هو قول بالباطل، ولا يستند فيه إلى دليل، وأنّ الدافع وراء تسرّعه إلى هذا التكذيب، هو موقفه السلبيّ، المعروف، من أهل بيت النبي، وحُكمه المسبق في إنكار فضائلهم، أو التقليل من شأنها(إذا انغلقت أمامه طرق إنكارها)، وبرهان ذلك، في هذا المقام، أنّه أنكر الحديث دون أن يذكر شيئاً عن مصادره، أو ينظر في أسانيده ويناقشها، ولماذا يُتعب نفسه، وهو لا يراها بحاجة إلى ذلك، مادام الختم الذي نقش عليه عبارة «حديث موضوع» حاضر بين يديه، ليختم به على كلّ حديث وارد في فضائلهم ومناقبهم سلام الله عليهم؟!!

1 . انظر: تهذيب الكمال:2/6، الترجمة135.
Website Security Test