welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(362)
3

ابن تيمية وحرمة الخروج على السلطان الظالم

يرى ابن تيمية أنّ الواجب في ولاية السلطان الجائر الهاتك لحرمات الله تعالى، هو الصبر والنصيحة، لا الخروج والعزل، قال: فإذا تولّى خليفة من الخلفاء كيزيد وعبد الملك والمنصور وغيرهم، فإمّا أن يقال: يجب منعه من الولاية وقتاله حتى يُولّى غيرُه كما يفعله من يرى السيف، فهذا رأي فاسد، فإنّ مفسدة هذا أعظم من مصلحته، وقلّ من خرج على إمام ذي سلطان إلاّ كان ما تولّد على فعله من الشر، أعظم مما تولّد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة...
ثمّ قال: ولهذا لمّا أراد الحسين(رضي الله عنه) أن يخرج إلى أهل العراق، لمّا كاتبوه كتباً كثيرة أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم أن لا يخرج وغلب على ظنهم أنّه يقتل، حتى أنّ بعضهم قال: أستودعك الله من قتيل. وقال بعضهم: لولا الشفاعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج. وهم في ذلك قاصدون نصيحته طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين. والله ورسوله إنّما يأمر بالصلاح لا بالفساد، لكن الرأي يصيب تارة ويخطئ أُخرى.

(363)
فتبيّن أنّ الأمر على ما قاله أُولئك، ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا.
ثم قال: وهذا كلّه ممّا يبيّن أنّ ما أمر به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأُمور للعباد في المعاش والمعاد، وأنّ من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح بل فساد.
ثم استدل لذلك بحديث أنس بن مالك وأسيد بن حضير: أنّ رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلاناً، قال: «ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»... فقد أمر النبي المسلمين بأن يصبروا على الاستئثار عليهم وأن يطيعوا ولاة أُمورهم وإن استأثروا عليهم وأن لا ينازعوهم الأمر.(1)
ما ذكره من الصبر على ظلم الظالم وعدم الخروج عليه هو المنسوب إلى إمامه أحمد بن حنبل، فقد نقل عنه أنّه قال: السمع والطاعة للأئمّة وأميرالمؤمنين البرّ والفاجر، ومن ولي الخلافة فأجمع الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة، البَرّ والفاجر، وإقامة الحدود إلى الأئمة، وليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم،ودفع الصدقات إليهم جائز، من دفعها إليهم أجزأت عنهم، برّاً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفه وخلف كلّ من ولي، جائزة إقامتها، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنّة.

1 . منهاج السنّة: 4/527 ـ 540، وفي طبعة بولاق : 2/240ـ244 .

(364)
ومن خرج على إمام من أئمّة المسلمين وكان الناس قد اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه، أكان بالرضا أو بالغلبة فقد شقّ الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه، مات ميتة جاهلية.(1)
أقول: إنّ دراسة هذه النظرية وبيان عوارضها رهن عرضها على القرآن المجيد أوّلاً، والسنّة الصحيحة ثانياً، وسيرة المسلمين الأوائل ثالثاً حتى يتبيّن الحقّ، وأنّه هل يجب أو يجوز الصبر على ظلم الظالمين وانحراف الحكام عن الصراط المستقيم؟
أمّا الأوّل: فإنّ السكوت أمام تجاوز الظالمين بنفسه معصية حتى وإن لم يضرب على وترهم، وهذا هو كتاب الله العزيز يقصّ حال بني إسرائيل الذين كانوا يعيشون قرب سواحل أحد البحار، فقد قسّمهم إلى أصناف ثلاثة:
1. الجماعة المعتدية (العادية) الذين يصطادون يوم السبت.
2. الجماعة الساكتة الذين أهمّتهم أنفسهم لا يرتكبون ما حرّم الله وفي الوقت نفسه تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى كانوا يعترضون على الآمرين بالمعروف بقولهم: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً)(2).
3. الجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، مستدلّين بقولهم (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).

1 . تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة:2/322; كتاب السنّة لابن حنبل:46.
2 . الأعراف: 164 .

(365)
ثم إنّه سبحانه أباد الجماعتين الأُولى والثانية وأنجى الثالثة، قال سبحانه: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَاب بَئِيس بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).(1)
ومجموع الآيات يحكي عن أنّ العادي والساكت عنه بمنزلة واحدة، ولذلك عمّ العذاب الجميع.
ويؤيد ذلك قوله سبحانه:(وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ).(2)
(فالمنهيّ عنه في الآية إنّما هو الركون إلى أهل الظلم في أمر الدين أو الحياة الدينية، كالسكوت في بيان حقائق الدين عن أُمور تضرّهم، أو ترك فعلِ ما لا يرتضونه، أو توليتهم المجتمع وتقليدهم الأُمور العامّة، أو إجراء الأُمور الدينية بأيديهم وقوّتهم، وأشباه ذلك).(3)
ويؤيده أيضاً، قوله سبحانه: (فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّة يَنْهَونَ عَنِ الْفَسادِ في الأَرضِ إلاّ قَليلاً مِمّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الّذين ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فيهِ وَكانُوا مُجْرِمينَ* وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بظُلْم وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ).(4)
(وهذه الإشارة تكشف عن سنّة من سنن الله في الأُمم، فالأُمّة التي يقع فيها الظلم والفساد، فيجدان من ينهض لدفعهما، هي أُمم ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير. فأمّا الأُمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها

1 . الأعراف:163ـ165. 2 . هود:113.
3 . الميزان في تفسير القرآن:11/55.      4 . هود: 116ـ117.

(366)
المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكرهما، ولكنّه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإنّ سنّة الله تحقّ عليها، إمّا بهلاك الاستئصال، وإمّا بهلاك الانحلال... والاختلال!
فدعاة الصلاح، المناهضون للطغيان والظلم والفساد، هم صمّام الأمان للأُمم والشعوب... وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين للخير والصلاح، الواقفين للظلم والفساد... إنّهم لا يؤدّون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنّما هم يحولون بهذا دون أُممهم وغضب الله، واستحقاق النّكال والضياع).(1)
إنّ السكوت ـ خصوصاً سكوت النخبة من العلماء والحكماء ـ أمام ظلم الظالم وانحرافه عن الحق إلى الباطل واستئثاره بالأموال والخيرات، نوع ركون إلى الظالم خصوصاً أئمة الجمعة والجماعة المرتزقين برواتب الدول الظالمة حيث يدْعون للظالم وأعوانه بطول العمر ودوام السلامة، ويديرون الشؤون الدينية حسب الخطط التي يرسمها ويصوّرها الظالمون وأعوانهم.
إنّ السكوت أمام تحريمهم الحلال وتحليلهم الحرام ينتهي إلى تحريف الدين وضلال العامّة الذين لا يعرفون الحلال والحرام إلاّ عمّا يحدث في المجتمع مع سكوت العلماء.
وأمّا الثاني: ـ أعني: عرض هذه النظرية على السنّة الشريفة ـ فيأتي في مقدّمة ذلك ما رواه الإمام سيد الشهداء الحسين بن علي(عليهما السلام) عن جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث خطب أصحابه وأصحاب الحر ـ قائد جيش عبيد الله بن زياد ـ بقوله ـ بعد ما حمد الله وأثنى عليه ـ : «أيّها الناس إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من

1 . في ظلال القرآن:12/79.

(367)
رأى سلطاناً جائراً، مستحلاًّ لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنّا أحقّ من غيّر».(1)
فإذا رأى الظالم أنّه لا ينكر على فعله ـ من مآتم يفعلها أو سيئات يجترحها ـ أحدٌ من الأُمّة، من الطبقة العليا ولا من غيرها، فإنّه بالطبع سيتمادى في غلوائه، ويزداد في انهماكه، ويشتد في التفرعن والاستعباد، وينتهي الأمر إلى تحريف دين الله، وإلى ما لا تحمد عقباه.
ثمّ إنّ قول ابن تيمية بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر المسلمين بأن يطيعوا ولاة أُمورهم وإن استأثروا، يخالف ما روي بسند صحيح عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «سيلي أُموركم بعدي رجال يُعرّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله».(2)
هذا وقد حذّر أئمّة المسلمين من العترة الطاهرة من محبّة بقاء الظالمين، قال الإمام الصادق(عليه السلام): «من أحبّ بقاء الظالمين فقد أحبّ أن يُعصى الله».
وقال أيضاً: «من سوّد اسمه في ديوان الجبارين حشره الله يوم القيامة حيراناً».

1 . تاريخ الطبري: 4/304، حوادث سنة 61هـ .
2 . أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في زوائد المسند:5/329; والحاكم في المستدرك على الصحيحين:3/357. وانظر: سير أعلام النبلاء:2/9، ترجمة عبادة بن الصامت.

(368)
إلى غير ذلك من الأحاديث المروية عن العترة الطاهرة(عليهم السلام) حول الانسلاك في صفوف الظالمين وإن لم يظلم أحداً.(1)
وهذا هو الإمام علي(عليه السلام) يعلّل سبب قيامه بالأمر وأخذه بزمام الخلافة بقوله: «وما أخذ الله على العلماء ألاّ يُقارُّوا على كِظّة ظالم ولا سَغَب مظلوم».(2)
وأمّا الثالث: أعني عرضها على سيرة المسلمين الأفاضل منهم لا المنهمكين في دنيا إمارتهم وخلافتهم، فإليك نتفاً من أخبار أُباة الضيم وأحوالهم:

الثورات في «خير القرون»!

اتّفق القوم على أنّ القرون الأُولى خير القرون وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونني ثم الذين يلونهم»، فإذا كانت القرون الأُولى خير القرون فيكون عمل السلف الصالح خلالها مقياساً لعمل الخلف من الأُمّة.
ونحن نرى أنّ أُمّة كبيرة من المسلمين قاموا بثورات أراقوا فيها دماءهم وضحّوا بأنفسهم لكي يجهزوا على دولة الأُمويين، واحدة بعد الأُخرى حتى أسقطوها أيام حمارهم، وبذلك أعطوا للآخرين دروساً ضافية حتى يقتفوا أثرهم في القرون اللاحقة، وهذه الثورات ابتداءً من ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)وانتهاء بثورة زيد بن علي (رضي الله عنه)، كانت ثورات إلهية بنيّات خالصة لمناهضة

1 . لاحظ : وسائل الشيعة، ج12، الباب42 من أبواب ما يكتسب به، أحاديث الباب.
2 . نهج البلاغة، الخطبة 3.

(369)
الظالمين وإسقاطهم عن عروشهم، ودفع الأُمور إلى الصالحين من الأُمّة.
فلنستعرض هنا هذه الثورات بصورة موجزة:

1. ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)

إنّ ثورة الحسين(عليه السلام) منذ تفجّرها صارت أُسوة وقدوة لسائر الثوّار، ويكفي في بيان واقع هذه الثورة ما يقوله خبير التاريخ وحجته ابن أبي الحديد، قال: سيد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف، اختياراً له على الدنيّة، أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام)عُرض عليه الأمان وأصحابه، فأنف من الذلّ، وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان، إن لم يقتله، فاختار الموت على ذلك.(1)
ونحن وإن كنّا نعتقد بأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) أسمى من أن يحتاج إلى من يصوّبه في نهضته المباركة ضد الظلم والطغيان، ولكن لا بأس بذكر شيء ممّا ورد في ذلك، لدحض ما يذهب إليه ابن تيمية من «أنّ الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم هو أصلح الأُمور للعباد، وأنّ أفاضل المسلمين كانوا ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة»، ثم استشهد لذلك بأقوال بعض من أشار على الحسين(عليه السلام) بعدم الخروج، وبإيراد أسماء ثلاثة رجال قال إنّهم كانوا ينَهون عن الخروج(2)، متغاضياً عن ذكر ثلّة من الرجال، الذين ثاروا ضد أئمة الجور، أو دعَوا إلى جهادهم، أو صوّبوا رأي الثائرين عليهم، ومن هؤلاء:

1 . شرح نهج البلاغة:3/249.
2 . منهاج السنة: 4/529 و 531، وفي طبعة بولاق : 2/241.

(370)
1. أنس بن الحارث بن نُبيه. له صحبة.
استشهد مع الحسين(عليه السلام).
ذكره في الصحابة: البغوي، وابن السكن، وابن شاهين، والباوردي، وابن منده، وأبو عمر، وأبو أحمد العسكري، وغيرهم.(1)
2. حبيب بن مُظَهَّر(مظاهر) الأسدي.
ذكر ابن الكلبي أنّه أدرك النبي(صلى الله عليه وآله).(2) وقال غيره: إنّه من كبار التابعين.
استشهد مع الحسين(عليه السلام).(3)
3. كبار التابعين الذين استشهدوا مع الحسين(عليه السلام) أو على طريق ثورته كهانئ بن عروة المرادي(4)، وزهير بن القين البجليّ.(5)
4. سليمان بن صُرد الخزاعي، الصحابيّ، أمير التوّابين.
قال ابن عبد البرّ: كان خيّراً فاضلاً، له دين وعبادة، كان اسمه في الجاهلية يساراً، فسمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) سليمان.
وكان فيمن كتب إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما يسأله القدوم إلى الكوفة، فلمّا قدمها ترك القتال معه. فلما قُتل الحسين ندم. ثمّ سار على رأس جيش إلى الشام، فقتل بموضع يقال له عين الوردة، وكان يوم قُتل ابن ثلاث وتسعين سنة.(6)

1 . انظر: الاستيعاب:1/112، برقم 88; وأُسد الغابة:1/123; والإصابة :1/68، برقم 266.
2. الإصابة:1/373، برقم 1949. 3. انظر: تاريخ الطبري:4/261،264،311،323،334،336.
4 . انظر: مقاتل الطالبيين:97ـ100; والكامل لابن الأثير:4/1ـ15.
5 . تاريخ الطبري:4/298ـ 299، 305، 309، 316.
6 . الاستيعاب:2/649، برقم 1056; و تاريخ الطبري:4/426.

(371)
5. كبار التابعين، الذين انضمّوا إلى حركة التوّابين، ومنهم: المُسيَّب بن نَجَبَة الفزاري، ورفاعة بن شدّاد البجليّ.(1)
قُتل رفاعة سنة (66هـ).(2)
وثّقه النّسائي، وروى له هو وابن ماجة، وذكره ابن حبان في «الثقات».(3)
6. عبد الله بن عمرو بن العاص.
عن الفرزدق، قال: لمّا خرج الحسين، لقيتُ عبد الله بن عمرو، فقلت: إنّ هذا خرج، فماترى؟ قال: أرى أن تخرج معه... .
قال الذهبي، بعد أن نقل هذا الخبر:
هذا يدلّ على تصويب عبد الله بن عمرو للحسين في مسيره، وهو رأي ابن الزبير وجماعة من الصحابة شهدوا الحرّة.(4)
هؤلاء جملة من الصحابة والتابعين، الذين نصروا الحسين(عليه السلام) في ثورته، أو استشهدوا من أجل قضيته، أو أعربوا عن تأييدهم له، ورأوا أنّ مصلحة الدين والدنيا في نهضته، فلماذا لم يستند إليهم ابن تيمية في صياغة رأيه، وهم أكثر بكثير ممّن كان يرى وجوب إطاعة حكام الجور، وينهى عن عصيانهم وقتالهم؟
ثمّ إنّ نصائح أكثر (أفاضل أهل العلم والدين) الذين أشاروا على الحسين بأن لا يخرج، لا تعبّر، أبداً، عن اعتقادهم بوجوب الصبر على جور الأئمة وتركِ قتالهم ـ كما يحلو لابن تيمية أن يصوّرها ـ وإنّما تكمن وراءها

1 . تاريخ الطبري:4/426. 2 . تاريخ الطبري:4/523.
3 . تهذيب الكمال:9/204، برقم 1916. 4 . سير أعلام النبلاء:3/293، الترجمة 48.

(372)
دوافع أُخرى، ليس من بينها ذلك الاعتقاد، ويدلّ على ذلك:
1. كلام ابن عباس، حيث قال للحسين(عليه السلام): إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك... أقمْ بهذا البلد فإنّك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك ـ كما زعموا ـ فاكتب إليهم فلينفوا عدوّهم، ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلاّ أن تخرج فسرْ إلى اليمن فإنّ بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل وتبثّ دعاتك، فإنّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية.(1)
2. كلا الحوارين اللَّذين جريا بين الحسين، وبين عبد الله بن مطيع العدوي، وهما:
أ. لما مضى الحسين نحو مكة، لقيه عبد الله بن مطيع، فقال له:
أين تريد؟
قال الحسين: أمّا الآن فمكة.
قال: خار الله لك، غير أنّي أحبّ أن أُشير عليك برأي.
قال الحسين: وما هو؟
قال: إذا أتيت مكة، فأردت الخروج منها إلى بلد من البلدان، فإياك والكوفة، فإنّها بلدة مشؤومة، بها قتل أبوك، وبها خُذل أخوك... بل الزم الحرم... ثمّ ادع إليك شيعتك من كل أرض، فسيأتونك جميعاً.
قال له الحسين: يقضي الله ما أحب.

1 . تاريخ الطبري:4/288; والأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري:244.

(373)
ب. لمّا سار الحسين من مكة نحو العراق، لقيه عبد الله بن مطيع، فسلّم على الحسين، وقال له:
بأبي أنت وأُمي يابن رسول الله، ما أخرجك من حرم الله وحرم جدّك؟
فقال: إنّ أهل الكوفة كتبوا إليّ يسألونني أن أقدم عليهم لما رجوا من إحياء معالم الحقّ، وإماتة البدع.
قال له ابن مطيع: أنشدك الله أن لا تأتي الكوفة، فوالله لئن أتيتها لتقتلنّ.
فقال الحسين(عليه السلام): (لَنْ يُصيبَنا إلاّ ما كَتَبَ الله لَنا)(1). (2)
وأنت تلاحظ، عزيزي القارئ، أنّ الدافع وراء إشارة ابن عباس، وابن مطيع، على الحسين(عليه السلام) بعدم المسير، إنّما هو حبّ الحسين، والتعلّق بشخصه والحرص على حياته، لسموّ منزلته وقربه من الرسول(صلى الله عليه وآله)والرغبة في أن يتّخذ بلداً آخر غير الكوفة، منطلقاً لدعوته وثورته ضد الظلم والفساد، ولم يكن الدافع، أبداً، هو ضرورة الخضوع والاستكانة لجور الحاكم وطغيانه.
وممّا يؤكّد ذلك أنّ ابن مطيع نفسه، كان من رجال أهل المدينة الذين خرجوا على يزيد وخلعوه، وقد ولّته قريش عليها يوم الحَرّة عام (63هـ)، فلمّا انهزم أصحابه توارى في المدينة، ثم سار إلى ابن الزبير بمكة، فاستعمله على الكوفة، فأخرجه المختار منها، فعاد إلى مكة، فلم يزل فيها إلى أن قُتل مع ابن الزبير.(3)

1 . التوبة:50. 2 . الأخبار الطوال:246.
3 . الأخبار الطوال:265; وتهذيب الكمال:16/152، برقم 3578; والأعلام:4/139.

(374)
ومهما يكن، فإنّ الإمام(عليه السلام) بتضحيته وفدائه قد علّم الأُمّة دروساً راقية في التضحية والمفاداة دون المبدأ الصحيح، فعليها أن تقتصّ أثره، وتستلهم تلك الدروس في كلّ آن يكون للظالم جولة فيه.
وقد أثرّت هذه النهضة في الأُمّة الإسلامية، فتوالت الثورات تلو الثورات بعد ثورة الحسين(عليه السلام).
وإذا كان ابن تيمية لم يدرك المصلحة في ثورة الحسين، ويرى أنّ الشرّ قد زاد بخروجه وقتله(1)، فإنّ الكثير من المتطلّعين إلى حياة عزيزة كريمة، ولم تطمس العصبية بصيرتهم، قد أدركوا جوانب عديدة من أهداف هذه الثورة المقدّسة، وما نتج عنها من ثمار زكية على الصعيد الديني والإنساني، فهاك شيئاً ممّا كتبه أحد الباحثين من أهل السنّة، عن بعض مبرّرات الحسين(عليه السلام) في الخروج، ونتائج مقتله:
قال الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «نظرية الإمامة»:
إنّه في ظلّ دولة يقوم نظامها السياسي على أُسس دينية، لا تُعدّ البيعة أو انتخاب الحاكم مجرد عمل سياسي، ففي إقدام الحسين على بيعة يزيد انحراف عن أصل من أُصول الدين، من حيث إنّ السياسة الدينية للمسلمين لا ترى في ولاية العهد وراثة الملك إلاّ بدعة هرقلية دخيلة على الإسلام، ومن حيث إنّ اختيار شخص يزيد مع ما عُرف عنه من سوء السيرة وميله إلى اللهو وشرب الخمر ومنادمة القرود، ليتولى منصب الخلافة عن رسول الله أكبر رُزء يحلّ بالنظام السياسي للإسلام، يتحمّل وزره كلّ من شارك فيه

1 . منهاج السنة: 4/530، وفي طبعة بولاق : 2/242.

(375)
ورضي عنه، فما بالك إذا كان المقدم على ذلك ابن بنت رسول الله.
كان خروج الحسين، إذاً، أمراً يتصل بالدعوة والعقيدة، أكثر ممّا يتصل بالسياسة والحرب، ولقد أراد الحسين أن يصلح كثيراً من مسائل العقيدة بعد أنّ اختلّت الموازين أثناء خلافة معاوية، ذلك أنّ معاوية لم يكن يدعم ملكه بالقوة فحسب، ولكن بآيديولوجية تمسّ العقيدة في الصميم... فكان في خروج الحسين بما يحمله من صفة دينية بوصفه سبط الرسول، إفساد لكلّ الخطط الآيديولوجية التي أرسى معاوية قواعدها طوال أربعين سنة أقامها والياً ثم خليفة.
ثمّ قال: وليس بين من نظر إلى خروج الحسين من زاوية العقيدة أو الحكم الشرعي من يخطّئه غير الظاهريين وأهل السلف ]يعني أصحاب الاتجاه الأموي[، وبالرغم من أنّ رأيهم صادر عن عقيدة إلاّ أنّ دوافع وجهة نظرهم ليست دينية بحتة، فمعظمهم من أهل الشام كابن تيمية أو من الأندلس الأموية كابن حزم وابن العربي، ولا يخلو رأيهم من باعث العصبية الإقليمية أو مشايعة الحكام الأمويين.
ثم قال: وإذا كان الحسين قد هُزم في معركة حربية أو خسر
قضية سياسية، فلم يعرف التاريخ هزيمة كان لها من الأثر لصالح المهزومين كما كان لدم الحسين، فلقد أثار مقتله ثورة ابن الزبير، وخروج المختار،
ولم ينقض ذلك حتى أفضى الأمر إلى ثورات أُخرى إلى أن زالت
الدولة الأموية بعد أن أصبحت ثارات الحسين هي الصرخة المدويّة
لتدكّ العروش، وتزيل الدول، فقام بها ملك العباسيين ثم الفاطميين،


(376)
واستظلّ بها الملوك والأُمراء بين العرب والفرس والروم.(1)
وهكذا يتبيّن أنّ ما ذكره ابن تيمية من أنّه لم يكن في ثورة الإمام الحسين لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، نابع عن جهله بالغايات التي نهض الإمام لأجلها، وكأنّه يتصوّر أن نجاح الثورة هو انتصارها في يومها أو في الأيام القليلة التي تعقبها.
ولكن المنطق يفرض أنّ الثورة وتقييمها يتم من خلال دراسة النتائج التي تترتّب عليها وعلى الثورات التي تلتها.
ومن أهمّ الغايات التي قام الإمام الحسين(عليه السلام) لأجلها هاتان الغايتان، وقد حصلتا بعد استشهاده:
1. أنّ الإمام بتضحيته بنفسه ونفيسه، أعلم الأُمّة بفظاظة الأُمويين وقسوة سياستهم، وابتعادهم عن الناموس البشري فضلاً عن الناموس الديني وتوغلهم في الغلظة الجاهلية، وعادات الكفر الدفين.
وقـد ثـار فـي وجـه الحكم السائد ليعلم الملأ بأنّ هؤلاء الحكام لا يبالون ـ من أجل حفظ حكمهم ـ بانتهاك المحارم وارتكاب المعاصي والجرائم، وهم لا يوقرون كبيراً ولا يرحمون صغيراً ولا يعطفون على رضيع ولا امرأة.
2. لم يكن الحسين(عليه السلام) يطلب ملكاً عضوضاً ولا سلطة بشرية
وإنّما يطلب إيقاظ الأُمّة وتعريفها بواجبها الحتمي، وما هو إلاّ إقامة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأنّ الأُمّة نسيت ذينك

1 . نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية:333ـ 340.

(377)
العمادين، وذلك لعوامل خلفت رفض ذينك الأمرين المهمين.
كانت الأُمّة تعيش بين الترغيب والترهيب فصارت محايدة عن كلّ عمل إيجابي يغيّر الوضع الحاضر، وهم بين راض بما يجري، وبين مبغض صامت، يترك الأمر إلى الله تبارك وتعالى، فكانت القلوب مشفقة والأيدي مغلولة .
فلمّا قام الحسين في وجه الظلم بأولاده وأصحابه القليلين، نفث في جسم الأُمّة روح الكفاح والنضال وحطّم كلّ حاجز نفسي واجتماعي كان يصدّهم عن القيام، وأثبت أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الظروف الحرجة ليس رهن العِدّة والعُدّة، بل إذا حاق الخطر بالأُمّة من ملوكها وأمرائها وزعمـائها وأصبحـوا يسوقون الناس بأفعالهم وأعمالهم، والمجتمع إلى العيث الجاهلي، وجب على المؤمن الاستنكار بقلبه ولسانه ويده، فكان في قيامه تحطيم السدود المزعومة الممانعة عن القيام بالفريضة، ولأجل ذلك استتبعت ثورته، ثورات عديدة تترى من غير فرق بين من ثار وهو على خط الإمام وبين من ثار في وجه الطغمة الأموية ولم يكن على خطه وفكره ولكن الكل كانوا مستلهمين من تلك الثورة العارمة، ولولا حركة الحسين(عليه السلام) لما كان لهذه الحركات أيّ أثر في المجتمع الإسلامي، وإن كنت في ريب من ذلك فعليك بدارسة الثورات المتتابعة بعد قيامه ونهضته.

2. ثورة أهل المدينة

بعد ما استشهد الإمام الحسين(عليه السلام) عزل يزيد عامله على المدينة الوليد، وولّى عثمان بن محمد بن أبي سفيان.

(378)
ولمّا أحسّ الوالي الجديد بحدوث ردّة فعل عند الناس على إثر استشهاد الحسين(عليه السلام)، وحصول نفرة وتباعد عن حكومة يزيد، قرر إرسال وفد إلى دمشق للاطلاع على أوضاع يزيد، وكان من ضمن الوفد: عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة)، وعبدالله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، والمنذر بن الزبير، وآخرون من أشراف المدينة، فلمّا رجعوا إلى المدينة قاموا فأظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر، ويضرب بالطنابير، ويعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الخُرّاب وهم اللصوص وإنّا نشهدكم إنّا قد خلعناه.
وقام عبد الله بن حنظلة فقال: جئتكم من عند رجل، لو لم أجد إلاّ بنىّ هؤلاء لجاهدته بهم، وقد أعطاني وأكرمني وما قبلت منه عطاءه إلاّ لأتقوّى به، فخلعه الناس، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد وولّوه عليهم.(1)
هذه هي الانطلاقة الأُولى لثورة أهل المدينة، التي شارك فيها الكثير من الصحابة والتابعين.
فإذا كان أهل مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يشاركون في الثورة على
الحاكم الجائر، وكان منهم ـ حسب اعتراف ابن تيمية ـ خلْق من أهل
العلم والدين(2)، فهل يمكن أن يقال: إنّهم، جميعاً، كانوا جاهلين
بالحكم الشرعي؟ وإنّهم كانوا مكلَّفين بالصبر على ظلم الحاكم

1 . الكامل لابن الأثير: 4/103.
2 . منهاج السنة: 4/528، وفي طبعة بولاق : 2/241.

(379)
وتلاعبه بالسنن والقيم، فلم يلتزموا بتكليفهم؟
وهل يظنّ ابن تيمية أنّه أعلم بالحكم، وأقدر على تشخيص المصلحة من أُولئك الثائرين (من أهل العلم والدين)، الذين تشرّفوا بصحبة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أو رؤيته، أو عاشوا في كنف الصحابة؟

3. ثورة التوابين في الكوفة

إنّ ثورة أهل المدينة على عامل يزيد وإخراجه من المدينة صارت سبباً لثورة ثالثة، عُرفت باسم حركة التوابين حيث أحسّوا أنّهم قصّروا في حق إمامهم فثاروا على قتلة الإمام وعلى رأسهم النظام الحاكم. وكان قادة الثورة من الصحابة والتابعين الذين كانت لهم مكانة بين الناس وهم: سليمان بن صرد الخزاعي (وكانت له صحبة مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم))، والمسيَّب بن نَجَبة الفزاري، وكان من أصحاب علي(عليه السلام)وخيارهم; وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي; وعبد الله بن وال التيّميّ; ورفاعة بن شدّاد البجلي.
ومن أراد أن يقف على واقع الثورة ونتائجها فليرجع إلى موسوعتنا بحوث في الملل والنحل.(1)
ثم تلتها ثورات أُخرى كثورة المختار الثقفي، وثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وثورة زيد بن علي بن الحسين(عليه السلام) وكلّ هذه الثورات بين أن تكون استمراراً لثورة الإمام الحسين(عليه السلام)، أو متأثّرة بها، وقد أدّت هذه الثورات المتتالية إلى تقويض النظام الأُموي، الذي لم يستمر ـ بعد ثورة الحسين ـ إلاّ نحواً من سبعين سنة.

1 . بحوث في الملل والنحل:1/246ـ257.

(380)

4. ثورة ابن الأشعث، والتحاق القرّاء بها

في سنة (81 هـ) خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي ومَن معه من الجُند، الطاعة، وساروا من سجستان إلى العراق لحرب الحجّاج الثقفي(1)، وكان أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني ـ وله صحبة ـ أوّل من تكلّم من جند ابن الأشعث، فنال من الحجّاج، وقال: إنّي أُشهدكم أنّي أوّل خالع.(2)
ثم جرت وقعات كثيرة بين الطرفين، منها: وقعة الزاوية، ووقعة دُجيل، ووقعة دير الجماجم التي اجتمع فيها جلّ الناس (أهل الكوفة، وأهل البصرة، وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم، والقرّاء من أهل المصرَين)(3) على قتال الحجّاج لظلمه وسفكه الدماء، وأعادوا خلع عبد الملك بن مروان ثانية، وتعبّؤا للقتال.(4)
وقد انضمّ إلى ابن الأشعث خمسمائة من القرّاء(5)، وانتظموا في كتيبة سُمّيت بكتيبة القرّاء، وفيهم:
1. مسلم بن يسار البصريّ، الفقيه الزاهد.
وثّقه: أحمد بن حنبل، والعجلي، وغيرهما.

1 . تاريخ خليفة: 215، ط . دار الفكر، 1414هـ ; والكامل في التاريخ:4/461.
2 . تاريخ الطبري:5/146; والكامل في التاريخ:4/462.
3 . تاريخ الطبري:5/155ـ 156; والكامل في التاريخ:4/469.
4 . تاريخ الإسلام للذهبي(81ـ 100هـ):9 ـ 10.
5 . تاريخ خليفة:222.

(381)
وكان يُعدّ خامس خمسة من فقهاء أهل البصرة.(1)
2. النَّضْر بن أنس بن مالك البصريّ.
وثّقه: ابن سعد، والعجلي، والنسائي، وغيرهم.
روى له أصحاب الكتب الستة.(2)
3. عقبة بن عبد الغافر العَوْذِيّ البصريّ (قُتل).
وثّقه: يحيى بن معين، والعجلي، والنسائي، وغيرهم.
روى له البخاري ومسلم والنسائي.(3)
4. أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الرَّبَعي البصري(قُتل).
وثّقه: أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن حبّان، وغيرهم.
وله مناقب وزهد وعبادة.
روى له أصحاب الكتب الستة.(4)
5. عبد الله بن غالب الحُدّاني البصري العابد(قُتل).
وثّقه: العجلي، والنسائي، وابن عبد البرّ.
وقال أبو بكر البزّار: كان من خيار الناس.(5)
6. عقبة بن وسّاج الأزدي البرساني البصري (قُتل).
وثّقه: ابن معين، وأبو داود، وغيرهما.

1 . انظر: تهذيب الكمال:27/551، برقم 5949; وتاريخ الإسلام(81ـ 100هـ): 475، برقم 406.
2 . انظر: تهذيب الكمال:29/375، برقم 6417.
3 . انظر: تهذيب الكمال:20/209، برقم 3981. 4 . انظر: تهذيب الكمال:3/392، برقم 580.
5 . انظر: تهذيب الكمال: 15/419، برقم 3476; وتاريخ الإسلام(81 ـ100 هـ): 117، برقم 81.

(382)
روى له البخاري حديثاً واحداً.(1)
7. محمد بن سعد بن أبي وقاص الزُّهري (قتله الحجّاج صبراً).
وثّقه: ابن سعد، والعجلي، وابن حبّان.
روى له أصحاب الكتب الستة، وأبو داود في «المراسيل».(2)
8. عبد الله بن شدّاد بن الهادّ الليثي المدني ثم الكوفيّ، الفقيه.
هو من كبار التابعين وثقاتهم.
روى له أصحاب الكتب الستة.
فُقد ليلة دُجيل، وقيل: إنّه غرق بدُجيل.(3)
9. عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ المدنيّ ثم الكوفيّ، الفقيه.
وثّقه: ابن معين، والعجلي.
وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به.
روى له أصحاب الكتب الستة.
غرق بدُجيل. وقال أبو نعيم: قُتل بوقعة الجماجم.(4)
10. أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهُذليّ، وكان من علماء الكوفة.

1 . انظر: تهذيب الكمال:20/228، برقم 3991.
2 . انظر: تهذيب الكمال:25/258، برقم 5238; وتاريخ الإسلام(81ـ 100هـ): 180، برقم 137.
3 . انظر: تهذيب الكمال:15/81، برقم 3330; وسير أعلام النبلاء:3/488، برقم 110.
4 . انظر: تهذيب الكمال:17/372، برقم 3943; وتاريخ الإسلام(81 ـ 100هـ):127، برقم 93.

(383)
وثّقه: ابن معين، وابن سعد.
روى له أصحاب الكتب الستة.
فُقد ليلة دُجيل.(1)
هذا، وقد سمّى خليفة بن خيّاط (المتوفّى 240هـ) في تاريخه، أربعة وعشرين رجلاً من القرّاء الذين خرجوا مع ابن الأشعث، فراجع أسماءهم هناك إذا شئت.(2)
ومع أنّ ابن تيمية يعترف بأنّ ثمّة خلقاً من أهل العلم والدين كانوا في أصحاب ابن الأشعث(3) (كما اعترف من قبل بوجود خلق منهم في أهل الحَرّة)، إلاّ أنّه لم يكترث لمواقف تلك الجموع الثائرة من أهل العلم والدين، الذين استقرّ رأيهم على النهوض بوجه الحاكم الجائر، وقتاله، واعتمد ـ بدلاً عن ذلك ـ على أقوال قلّة قليلة تدعوا إلى الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم!!
ومن العجيب أنّ ابن تيمية يأخذ بأقوال رويت عن ثلاثة من أهل العلم، في شأن ثورة ابن الأشعث، وهم: الشَّعبيّ، والحسن البصري، وطلق بن حبيب، ويدعُ مواقف وأفعال خمسمائة من القرّاء والفقهاء، الذين التحقوا بتلك الثورة، وفيهم العشرة (المذكورين آنفاً) المتّفق على وثاقتهم وجلالتهم في العلم والدين عند أهل السنّة!!

1 . انظر: تهذيب الكمال:14/61، برقم 3051; وتاريخ الإسلام(81 ـ 100هـ): 241، برقم 189.
2 . تاريخ خليفة:221.
3 . منهاج السنة: 4/529، وفي طبعة بولاق : 2/241.

(384)
إنّه يأخذ بذلك، مع أنّ اثنين من هؤلاء الثلاثة، كانا قد اشتركا في الثورة (وهما: الشَّعبي، والحسن البصري)(1)، والثالث(وهو: طلق بن حبيب) كان مرجئاً.(2)
ثمّ إنّ ابن تيمية ذكر قول الشَّعبي: (أصابتنا فتنة، لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء)(3)، ولم يذكر مناسبته!! والحقيقة أنّه قاله بين يدي الطاغية الحجّاج لما أُحضر إليه موثَقاً(4) (بعد فشل الثورة التي كان الشعبيّ من المنضوين تحت لوائها)، ولكن ابن تيمية أبى أن يشير إلى تلك الأجواء الإرهابية التي صدر فيها ذلك القول، لأنّه يعلم أنّ مثل هذه الإشارة، تسلب من القول اعتباره، وتجعله غير ذي قيمة!!
ونسأل ابن تيمية: لماذا عوّلت على قول الشعبي هذا الذي قاله خوفاً من سيف الطاغية الذي كان يقطر من دماء الثائرين على السلطة(سواء من أُسر منهم في الحرب، أو من أُلقي القبض عليه بعدها)، ولم تعوِّل على قول الشعبي نفسه، الذي كان يحرّض فيه القرّاء على القتال:
(يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فوالله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم، ولا أجوَر منهم في الحكم، فليكن بهم البدار)؟؟!!

1 . تاريخ خليفة:221(وفيه: أنّ الحسن أُخرج كرهاً).
2 . انظر: طبقات ابن سعد: 7/227; وسير أعلام النبلاء:4 / 601، برقم 239.
3 . منهاج السنة: 4/529، وفي طبعة بولاق : 2/241.
4 . المعرفة والتاريخ:2/598. وانظر: تاريخ الطبري:5/177ـ178.

(385)
وختاماً نقول: إنّ ابن تيمية لم يكن متورّعاً عن الكذب والافتراء على أهل البيت(عليهم السلام) فهو من رماة القول على عواهنه في عشرات الموارد، وربما يدّعي شيئاً واضح البطلان، ومن أقواله هذه، هذا النموذج:
قال: وكذلك الحسن كان دائماً يشير على أبيه وأخيه بترك القتال.(1)
كيف كان يشير الحسن على أبيه بترك القتال مع أنّه يعلم بأنّ جدّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر عليّاً بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فهل أنّ الحسن كان أعلم من أبيه(عليه السلام)الذي كان يقول: أمرني رسول الله بقتال هؤلاء؟
كيف يشير على أبيه بترك القتال مع أنّه هو الذي استنهض أهل الكوفة لقتال الناكثين في حرب الجمل بعد ما كان الوالي(أبو موسى الأشعري) يثبّط الناس ويقعدهم عن القتال؟!
وهذه مواقف وخطب الإمام الحسن(عليه السلام) وعمّار بن ياسر في الكوفة قد ذكرها المؤرّخون مثل خليفة، واليعقوبي، والطبري، في كتبهم.(2) فمن شاء فليراجعها.
ثم كيف يشير على أبيه عليّ بترك القتال، وهو الذي كان يندفع فيه اندفاع الأبطال، حتى خشي عليه أبوه، وقد رآه في بعض أيام صفين يتسرّع إلى الحرب، فقال:
«املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدُّني، فإنّي أنفس بهذين ـ يعني الحسن

1 . منهاج السنّة: 4/535، وفي طبعة بولاق : 2/243.
2 . تاريخ خليفة:135; وتاريخ اليعقوبي:2/181ـ182; وتاريخ الطبري:3/499.

(386)
والحسين(عليهما السلام) ـ على الموت، لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)»؟!(1)
ولست أدري متى أشار الحسن على أخيه الحسين بترك القتال؟ وكيف أشار عليه بذلك؟ وهل كان الحسن يعلم بأنّ أخيه سينهض للقتال بعد وفاته بأكثر من عشر سنوات؟!

1 . نهج البلاغة، الخطبة 207.

(387)
4

موقف ابن تيمية من يزيد بن معاوية

يقول ابن تيمية: الناس في يزيد طرفان ووسط، قوم يعتقدون أنّه كان من الصحابة، أو من الخلفاء الراشدين المهديين أو من الأنبياء، وهذا كلّه باطل، وقوم يعتقدون أنّه كان كافراً منافقاً في الباطن، وأنّه كان له قصد في أخذ ثأر كفّار أقاربه من أهل المدينة وبني هاشم، وأنّه أنشد:
لما دنت تلك الحمول وأشرفت *** تلك الرؤوس على رُبى جيرون
نعق الغراب فقلت نُحْ أو لا تنح *** فلقد قضيت من النبي ديوني
وأنّه تمثّل بشعر ابن الزبعْرى:
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسَلْ
قد قتلنا القرن من ساداتهم *** وعدلناه ببدر فاعتدَل
وكلا القولين باطل، يعلم بطلانه كلّ عاقل، فإنّ الرجل ملك من ملوك المسلمين وخليفة من الخلفاءالملوك، لا هذا ولا هذا.
ثم ذكر هذه الأقوال الثلاثة في حقّ الحسين(عليه السلام) وقال: وصار الناس في قتل الحسين(رضي الله عنه) ثلاثة أصناف، طرفين ووسطاً، أحد الطرفين يقول:

(388)
إنّه قتل بحقٍّ، فإنّه أراد أن يشق عصا المسلمين ويفرّق الجماعة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: من جاءكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يفرّق جماعتكم فاقتلوه.
والطرف الآخر قالوا: بل كان هو الإمام الواجب طاعته الذي لا ينفذ أمر من أُمور الإيمان إلاّ به، ولا تُصلّى جماعة أو جمعة إلاّ خلف من يولّيه، ولا يجاهد عدو إلاّ بإذنه.
وأمّا الوسط فهم أهل السنّة الذين يقولون لا هذا، ولا هذا، بل يقولون قتل مظلوماً شهيداً فلم يكن متولياً لأمر الأُمّة، والحديث المذكور لا يتناوله.(1)
ما ذكره ابن تيمية، هو الذي كان يجترّه ابن الباز المفتي الأسبق في السعودية، لكن بصورة أغلظ حيث قال في جواب امرأة سألته عن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)فأجاب: يا أُختي هذه أُمور مضت وتاريخ مضى... إلى أن قال: لكن اعتقد أنّ يزيد بن معاوية بيعته بيعة شرعية وأنّ الحسين (رضي الله عنه)وأرضاه نُصح ألاّ يخرج إلى العراق ولا يقبل من دعاه إلى البيعة، حذّره ابن عباس وابن عمر والفرزدق، وكثير من الصحابة حذروه من الخروج إلى العراق وأنّ الخروج لا يؤدّي إلى مصلحة، لكنّه(رضي الله عنه) وأرضاه ما قبل، والله قدّر ما قدّر وقضى ما قضى، فإذا نفذ القضاء لـ... لكنّا نترضى الحسين ونسأل العفو عن الجميع، ولله فيما قضى وقدّر حكمة لا نعلمها.
وقد أدلى المفتي بكلامه هذا من على قناة المجد الفضائية في برنامج حيّ.

1 . منهاج السنّة: 4/549ـ554، (ضمن فصلين)، وفي طبعة بولاق : 2/247ـ 248 .

(389)

يلاحظ على كلام الرجلين بأُمور:

1. أنّ ما ذكره ابن تيمية من القول الأوّل أنّ بعضهم يقول إنّ يزيد من الصحابة أو من الأنبياء، فهل يمكن أن يعرّف لنا مصدراً يتضمّن هذا الكلام، فإنّ الصحبة بأي معنى فسّرت فهي بمعنى رؤية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويزيد لم ير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قطعاً، لأنّه ولد عام 25 أو 26 للهجرة، فكيف يكون صحابيّاً؟!
وأسْفَه من هذا عدّه من الأنبياء، فمن قال بذلك؟ وأين هو المصدر؟!
والذي أظنه أنّه بذكر هذه الأباطيل يمهّد الأذهان لتقبّل الرأي الوسط الذي يتبنّاه، ويوجد أرضية يظنّ أنّها صالحة لإقناع سامعيه.
2. كيف يقول إنّه ملك من ملوك المسلمين، وخليفة من الخلفاء الملوك، وقد استفاض بين الصحابة والتابعين في عصره، أنّه كان فاسقاً، متهتّكاً، منافقاً، وكان أبوه معاوية(الذي انتزى على الأُمّة بالسفهاء حتى ابتزّها أمرها، حسب تعبير الحسن البصري)(1) قد سلّطه على رقاب الناس، وأخذَ على الناس بيعته بالمكر والتمويه والإكراه (استجابة لإشارة شيطانية من المغيرة بن شعبة)، وامتنع الحسين(عليه السلام)، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير من مبايعته.(2)
وكان المغيرة قد أشار على معاوية ببيعة ابنه يزيد ففعل. فقيل له: ماوراءك؟ قال: وضعتُ رِجل معاوية في غَرْزِ غيٍّ لا يزال فيه إلى يوم القيامة!!(3)

1 . تاريخ الطبري:4/208(سنة 51هـ). 2 . البداية والنهاية:8/153.
3 . سير أعلام النبلاء:4/39، الترجمة8; وتاريخ الخلفاء للسيوطي:245.

(390)
ولمّا هلك معاوية، لم يكن ليزيد همّة إلاّ بيعة النفر الذين أبوا على معاوية بيعته، فكتب إلى الوليد بن عتبة(والي المدينة) يأمره أن يأخذ الحسين، وابن عمر، وابن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً لا رُخصة فيه.(1)
وكان الحسين(عليه السلام) أوّل من أقدم على فضح الأمويين وزبانيتهم، في بياناته وخطاباته، التي أفصح فيها عن أسباب ثورته وامتناعه عن بيعة يزيد، وممّا قاله في هذا المجال.
(نحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان).(2)
وقال(عليه السلام) أيضاً:«ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله».(3)

ذمّ يزيد على لسان الصحابة والتابعين

ثم توالت تصريحات الصحابة والتابعين في حقّ يزيد، ومنهم:
1. وفد أهل المدينة إلى يزيد، وفيهم: عبد الله بن حنظلة(الغسيل) الأنصاري، وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، ورجال كثير من أشراف أهل المدينة، وكان يزيد قد أكرمهم وأعظم جوائزهم، فلمّا انصرفوا من عنده، وقدموا المدينة، قالوا:«قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب،

1 . الأخبار الطوال:227; والكامل في التاريخ:4/14.
2 . الكامل في التاريخ:4/47. 3 . الكامل في التاريخ:4/48.

(391)
ويسامر الخُرّاب والفتيان، وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه».(1)
2. عبد الله بن حنظلة الغسيل، قال: «جئتكم من عند رجل، لو لم أجد إلاّ بَنيّ هؤلاء لجاهدتُه بهم، وقد أعطاني وأكرمني، وما قبلتُ عطاءه إلاّ لأتقوّى به». (2)
3. المنذر بن الزبير بن العوّام، قال:«والله إنّه ليشرب الخمر، وإنّه ليسكر حتّى يدع الصلاة».(3)
4. معقل بن سنان الأشجعي (صحابي، قتله مسلم بن عُقبة بعد وقعة الحرّة صبراً)، قال بعد ما خرج من عند يزيد:«نرجع إلى المدينة فنخلع هذا الفاسق بن الفاسق».(4)
5. عبد الله بن الزبير، قال ـ و هو يذكر الحسين الشهيد، ويُعرِّض بيزيد ـ :
«أما والله لقد قتلوه طويلاً بالليل قيامُه... أما والله ما كان يبدّل بالقرآن الغِناءَ، ولا بالبكاء من خشية الله الحُداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس في حَلق الذكر الركضَ في تطلاب الصيد».(5)

ذمّ يزيد على لسان العلماء

هذه كلمات بعض الصحابة والتابعين في الطعن على يزيد، وأمّا من طعن عليه من علماء المسلمين في العصور التي تلت عصر التابعين، فخلق كثير، نختار منهم ما يلي:

1 . تاريخ الطبري: 4 / 368 (سنة 62 هـ). 2 . الكامل في التاريخ:4/103.
3 . تاريخ الطبري:4/369. 4 . الكامل في التاريخ:4/119.
5 . تاريخ الطبري:4/364(سنة 61هـ); والكامل في التاريخ:4/99.

(392)
1. الإمام أحمد بن حنبل (المتوفّى 241هـ).
روى القاضي أبو يعلى ابن الفرّاء بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي:إنّ قوماً ينسبوننا إلى تولّي يزيد.
فقال: يا بُنيّ وهل يتولّى يزيد أحد يؤمن بالله؟
فقلت: فلمَ لا تلعنه؟
فقال: ومتى رأيتني ألعن شيئاً؟ لِمَ لا يُلعن من لعنه الله تعالى في كتابه؟
فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟
فقرأ: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ* أُولئكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمْى أبْصارَهُمْ)(1)، فهل يكون فساد أعظم من القتل؟(2)
2. القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين ابن الفرّاء الحنبليّ(المتوفّى 458هـ).
صنّف كتاباً فيه بيان مَن يستحقّ اللعن، وذكر فيهم يزيد، وقال: الممتنع من ذلك]يعني من لعن يزيد[ إمّا أن يكون غير عالم بجواز ذلك، أو منافقاً يريد أن يوهم بذلك، وربّما استفزّ الجهّال بقوله: «المؤمن لا يكون لعّاناً».(3)
3. الفقيه عماد الدين علي بن محمد الطبري الشافعي المعروف بالكيا الهرّاسي(المتوفّى 504هـ).

1 . محمد:21ـ22.
2 . الردّ على المتعصّب العنيد لابن الجوزي:16ـ17; وانظر: الصواعق المحرقة:222.
3 . الردّ على المتعصّب العنيد:18ـ19. وانظر: الصواعق المحرقة:222.

(393)
سُئل عن لعن يزيد، فقال:... وأمّا قول السلف، ففيه لأحمد قولان تلويح وتصريح، ولمالك قولان تلويح وتصريح، ولأبي حنيفة قولان تلويح وتصريح، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك، وهو اللاّعب بالنَّرد، والمتصيّد بالفهود، ومُدمن الخمر... وكتب فصلاً طويلاً، ثم قلب الورقة، وكتب. لو مُددتُ ببياض لَمددتُ العنان في مخازي هذا الرجل.(1)
4. الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي الحنبلي(المتوفّى 597هـ).
صنّف كتاب الردّ على المتعصّب العنيد المانع من ذمّ يزيد، وقال فيه: إنّه سأله سائل: هل يجوز لعنة يزيد؟ فقال: قد أجازها العلماء الورعون منهم الإمام أحمد بن حنبل.
وقال أيضاً: واعلم أنّه ما رضي ببيعة يزيد أحد ممّن يعوَّل عليه، حتى العوام أنكروا ذلك، غير أنّهم سكتوا خوفاً على أنفسهم.
ثم قال: فبان بما ذكرنا أنّ ولاية يزيد كانت قهراً وإنّما سكت الناس خوفاً. ومن جملة من خرج ]يعني إلى مكة[ ولم يبايع، ابن عمر، فلمّا خاف على نفسه بايع.(2)
5. الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الحنبلي (المتوفّى 748هـ).
قال في وصف يزيد:... وكان ناصبيّاً، فظّاً، غليظاً، جِلفاً، يتناول المُسكر،

1 . وفيات الأعيان:3/287، الترجمة430. 2 . الردّ على المتعصّب العنيد:6، 68، 71.

(394)
ويفعل المنكر. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرّة، فمقته الناس، ولم يُبارَك في عمره.(1)
6. الحافظ ابن كثير الدمشقي الشافعي(المتوفّى 774هـ)، تلميذ ابن تيمية.
قال: وقد أراد ]يعني يزيد بن معاوية[ بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه وملكه، ودوام أيامه من غير منازع، فعاقبه الله بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه، فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر(وَكَذلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أَخَذَ القُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أليمٌ شَديدٌ).(2)
ثم قال ـ بعد أن ذكر أحاديث حول إخافة أهل المدينة ـ : وقد استدلّ بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، اختارها الخلاّل، وأبو بكر عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى وابنه القاضي أبو الحسين، وانتصر لذلك أبو الفرج ابن الجوزي في مصنّف مفرد، وجوّز لعنته.(3)
7. المتكلّم سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفّى 793هـ).
قال: اتّفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به. والحق أنّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا تواتر معناه وإنْ كان تفصيله آحاداً. قال: فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.(4)

1 . سير أعلام النبلاء:4/37ـ38، الترجمة8.      2. هود:102. 3. البداية والنهاية:8/225ـ 226.
4 . شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي:1/68ـ69، نقله عن «شرح العقائد النسفية» للتفتازاني.

(395)
وعلى ضوء ما تقدّم، نسأل ابن تيمية: بأيّ ميزان جعلتَ يزيد من الخلفاء الملوك، وقد تسلّط على المسلمين بالخديعة والقهر، وسفك دماء سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والأخيار من الصحابة والتابعين، ولم يرض ببيعته حتى العوام، غير أنّهم سكتوا خوفاً على أنفسهم (حسب تعبير ابن الجوزي الحنبلي)؟!
وأي شرط من شروط القيادة وإدارة شؤون الأُمّة وجدتَ فيه، حتى يصحّ زعمك بأنّه من الخلفاء الملوك، وقد مرّ بنا تصريح الصحابة والتابعين بفسقه وفجوره، وظلمه وجوره؟ وتصريح وتلويح أئمة المسلمين وعلمائهم وفقهائهم(كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل، وأبي يعلى الفرّاء، والخلاّل، والكيا الهرّاسي، وابن الجوزي) بجواز لعنه؟
وأيّ ملك من ملوك المسلمين، هذا الذى مقته الناس(حسب تعبير الذهبي)، وقصمه الله قاصم الجبابرة(حسب تعبير ابن كثير الدمشقي)؟!
وبعبارة أُخرى: كيف يكون من الخلفاء الملوك مَن كان فاسقاً، فاجراً، متهتّكاً، مدمناً للخمر، ظالماً، جبّاراً، سفّاكاً للدماء، منافقاً، ممقوتاً، ملعوناً؟
كيف يكون كذلك، مع كلّ هذه الشرور والرذائل والمخازي، يا سماحة شيخ الإسلام؟!
وأي وزن يبقى لحُكمك ببطلان القول بكفر يزيد ونفاقه، وقد حكمتْ عليه بذلك، حُكماً واضحاً جازماً، سيرته وأقواله وأفعاله، التي ذكرها الرواة والمحدّثون، والمؤرّخون (الذين يثق بنقلهم ابن تيمية كابن سعد، وابن أبي الدنيا، والطبري) واستند إليها أئمة المذاهب والفقهاء (وفيهم الإمام أحمد

(396)
الذين يدّعي ابن تيمية الانتساب إليه) في الطعن على يزيد وذمّه وإباحة لعنه؟
روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، قال:
قُدم برأس الحسين، فلما وُضع بين يدي يزيد ضربه بقضيب كان في يده، ثم قال:
يُفلِّقن هاماً من رجال أعزّة *** علينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما(1)
وروى بإسناده عن أبي جعفر]الباقر[، قال:
وضع رأس الحسين بين يدي يزيد وعنده أبو برزة، فجعل ينكت بالقضيب على فيه، ويقول:
يُفلِّقن هاماً من رجال أعزّة *** علينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما
فقال أبو برزة: ارفع قضيبك، فوالله لربما رأيت فا(2)النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على فيه يلثمه.(3)
قال ابن الأثير: ولمّا وفد أهل الكوفة بالرأس إلى الشام ودخلوا مسجد دمشق، أتاهم مروان بن الحكم فسألهم: كيف صنعوا؟ فأخبروه، فقام عنهم ثم أتاهم أخوه يحيى بن الحكم فسألهم فأعادوا عليه الكلام، فقال: حُجبتم عن محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة، لن أجامعكم على أمر أبداً، ثم انصرف عنهم، فلمّا دخلوا على يزيد، قال يحيى بن الحكم:
لَهامٌ بجنب الطفّ أدنى قرابةً *** من ابن زياد العبد ذي الحسب الوَغْلِ

1 . انظر: المنتظم:5/342ـ343; والردّ على المتعصّب العنيد:46; وتاريخ الإسلام:5/18ـ19.
2 . أي فم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). 3 . الردّ على المتعصّب العنيد:47. وانظر: تاريخ الطبري:4/356.

(397)
سُميّةُ أمسى نسلُها عددَ الحصى *** وليس لآل المصطفى اليوم من نسْلِ
فضرب يزيد في صدره، وقال: اسكت.(1)

كتاب المعتضد العباسي في مثالب معاوية وابنه يزيد

وممّا يدل على اشتهار وصم يزيد بالنفاق والمروق عن الدين، ذلك الكتاب الذي أنشأه المعتضد العباسي في سنة (284هـ)، وأمر بأن يُقرأ على رؤوس الأشهاد، وممّا جاء فيه:
ومنه (أي من بدع معاوية) إيثاره بدين الله ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبر الخمّير صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدّد والرهبة، وهو يعلم سفهه ويطلع على خبثه ورهقه، ويعاين سكرانه وفجوره وكفره، فلمّا تمكّن منه ما مكّنه منه ووطأه له وعصى الله ورسوله فيه، طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين فأوقع بأهل الحرّة الوقيعة التي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش ممّا ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عبد نفسه وغليله، وظن أن قد انتقم من أولياء الله وبلغ النوى لأعداء الله فقال مجاهراً بكفره ومظهراً لشركه:
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جَزَع الخزرج من وقع الأسَلْ
قد قتلنا القَرْم من ساداتكم *** وعدلنا ميل بدر فاعتدل
فأهلّوا واستهلوا فرحاً *** ثم قالوا يا يزيد لا تشل

1 . الكامل في التاريخ:4/89ـ90; وتاريخ الطبري:4/352.

(398)
لست من خندف إن لم انتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
لعبتْ هاشمُ بالمُلك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل
هذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله، ولا إلى دينه، ولا إلى كتابه، ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله، ولا بما جاء من عند الله.
ثمّ من أغلظ ما انتهك وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مع موقعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل وشهادة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراء على الله وكفراً بدينه وعداوة لرسوله ومجاهدة لعترته واستهانة بحرمته، فكأنّما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفّار أهل الترك والديلم لا يخاف من الله نقمة ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمره واجتث أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعدّ له من عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته.(1)
ومن الجدير بالذكر أنّ الكتاب الذي نقلنا هذه الفقرات منه هو ما أمر المعتضد بقراءته على المنبر، فلمّا صلّى الناس الجمعة بادروا ليسمعوا قراءة الكتاب، وقيل إنّ هذا الكتاب هو الذي أمر المأمون بإنشائه، فمن أراد أن يقف على النص الكامل له فليرجع إلى تاريخ الطبري.(2)

1 . تاريخ الطبري:8/187ـ188.
2 . تاريخ الطبري: 8/183ـ 189، حوادث سنة 284هـ.(وفيه: أنّ يوسف بن يعقوب القاضي خوّف المعتضد من ميل الناس إلى الطالبيين فيما إذا قرئ الكتاب عليهم، فلم يأمر المعتضد في الكتاب بعده بشيء).
Website Security Test