welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(338)
19

مناقشته في خصائص عليّ(عليه السلام)

إنّ ابن تيمية عندما يرى أنّه لا يستطيع إنكار صحّة حديث من أحاديث فضائل علي(عليه السلام)، لاستقامة سنده وتضافره، يلجأ إلى القول بأنّ ما ورد في ذلك الحديث، هو من فضائل علي وليس من خصائصه.
ومن هذه الموارد ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فلن أسبّه، لاَن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حُمر النعم، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له ـ وقد خلفه في بعض مغازيه ـ فقال له علي: يا رسول الله خلَّفتَني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي؟
وسمعته يقول يوم خيبر: «لأُعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله»، فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً; فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.
ولمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ)دعا رسول

(339)
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً(عليهم السلام)، فقال: اللهم هؤلاء أهلي.(1)
قال ابن تيمية: أمّا حديث مسلم فهذا حديث صحيح وفيه ثلاث فضائل لعلي لكن ليست من خصائص الأئمة ولا من خصائص علي، فإنّ قوله وقد خلّفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله تخلّفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» ليس من خصائصه، فإنّه استخلف على المدينة غير واحد، ولم يكن هذا الاستخلاف أكمل من غيره.(2)
أقول:إنّ متن الحديث، هو أفضل دليل على أنّ ما ورد فيه يُعدّ من فضائله، ومن خصائصه أيضاً، وذلك لأنّ تلك المناقب لو لم تكن من خصائصه، فلماذا تمنى سعد أن يكون له مثل ذلك؟ أليس معنى ذلك أنّه لم يتفق لأحد من الصحابة تلك الفضائل الثلاث؟ وأوضح دليل على أنّ ما جاء في حديث المنزلة يعتبر من خصائص عليّ أنّه أثبت له جميع مناصبه إلاّمنصباً واحداً وهو النبوّة، وليس في الصحابة أحد من له عامّة مناصب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ النبوة ونزول الوحي، غير عليّ(عليه السلام).
نعم، لقد استخلف(صلى الله عليه وآله وسلم) على المدينة غير واحد، كما يقول ابن تيمية، ولكنْ لم يحظ أحد منهم بما حظي به الإمام علي، في هذا الموقف، من ثناء عاطر، ومنزلة فريدة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولهذا عدّت هذه الفضيلة من خصائص عليّ وحده، لا يشاركه فيها

1 . صحيح مسلم: 4/1871، الحديث 2404، كتاب فضائل الصحابة; سنن الترمذي: 5/638، الحديث 3724، كتاب الفضائل; المستدرك:3/116.
2 . منهاج السنّة: 5/24، وفي طبعة بولاق : 3/10.

(340)
أحد،ولكنّ ابن تيمية لا يفقه هذا المعنى، أو لا يريد أن يفقهه، بعد أن شاء له سوء حظّه اتّباع من أعمى الله بصائرهم.(1)
ومن هنا، حاول بكلّ جهده، التلبيس، عن عمد، على نفسه، وعلى مقلّديه، وهو يتناول فضائل علي بالتكذيب، أو التشكيك، أو التهوين من قدْرها وخطرها.

الإطاحة بالوحي

لمّا ذهبت الشيعة في أمر الإمامة إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على خلافة علي وأولاده (عليهم السلام)، زعم ابن تيمية أنّ من يقول بكون الولاية منحصرة في بيت رسول الله فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية، وإليك نص كلامه: ولم يقل أحد قط: إنّي أحقّ بهذا من أبي بكر، ولا قاله أحد بعينه:إنّ فلاناً أحق بهذا الأمر من أبي بكر، وإنّما قال من فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية: إنّ بيت الرسول أحقّ بالولاية لكون العرب كانت في جاهليتها تقدّم أهل بيت الرؤساء، وكذلك الفرس يقدّمون أهل بيت الملك.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الخلافة ـ وإن شئت قلت: إمامة الناس ـ منصب إلهيّ يضعه سبحانه في مَن شاء، وليست مشيئته سبحانه، مشيئة اعتباطية، بل يضعها حسب قابليات ومؤهّلات الشخص، ولهذا نرى أنّ إبراهيم(عليه السلام) لمّا

1 . قال معاوية بن أبي سفيان لعقيل بن أبي طالب وقد كُفّ بصره: أنتم معشر بني هاشم تُصابون في أبصاركم! فقال عقيل: وأنتم معشر بني أُميّة تُصابون في بصائركم!
العقد الفريد لابن عبد ربّه الأندلسي:91.
2. منهاج السنة: 6/ 455 ـ 456، وفي طبعة بولاق : 3/269 .

(341)
طلب من ربّه أن يجعل الإمامة في ذريته، كما يحكي سبحانه عنه: (قالَ إنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيتي قالَ لا ينالُ عَهدي الظّالمينَ).(1) فإنّ الله سبحانه ما ردّ طلبه إلاّ في الظالمين من ذريته، دون العدول عنهم، وعندئذ يُطرح هذا السؤال: هل يصحّ لأحد أن يقول إنّ إبراهيم(عليه السلام) حينما طلب من الله سبحانه جعل الإمامة في ذريته، أنّه انطلق من عادة جاهلية، بابلية مثلاً، أو مصرية؟
كما نرى أنّه سبحانه يحكي عن جعل النبوة في ذرية بعض الأنبياء ويقول:(وَوَهَبْنا لَهُ إسحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ).(2)
ويقول في آية أُخرى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإبْراهيمَ وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ).(3)
وقال سبحانه: (وَمِنْ ذُرَّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ).(4)
فالجميع يشهد بأنّ النبوة والإمامة كانت تنتقل من نبي إلى ذريته الصالحة، فهل بعد هذا يصحّ لمسلم أن يقول: إنّ الله جعل ذلك تبعاً لسنّة جاهلية؟!
وممّا يجب إلفات نظر ابن تيمية إليه: أنّ جعل النبوة والخلافة في ذرية

1. البقرة:124.
2. العنكبوت:27.
3. الحديد:26.
4. الأنعام:84.

(342)
الأنبياء والنبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) يفارق السنة الجاهلية في العرب والعجم; وذلك لأنّه سبحانه يجعل المنصب الإلهي في مَن توفرت فيه القابليات والصلاحيات اللازمة للخلافة والولاية، ولذلك نفى نيل الظالمين ذلك المنصب.
وبعبارة أُخرى: أنّ جعل النبوة والخلافة في ذرية الأنبياء ليس بمعنى أنّ ذلك المنصب منصب وراثي يرثه ماجد من بعد ماجد، بل بمعنى أنّ الله سبحانه يختار مَن تحلّى بالمؤهِّلات لذلك المنصب، وهذا بخلاف وراثة الملك والرئاسة بين العرب والعجم، فإنّ ابن الملك ملك أو أمير، سواء أكان صالحاً أم طالحاً.
أُقسم بالله ـ وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم ـ إنّ الرجل لو التفت إلى لازم كلماته لأذعن أنّه قد خالف نصّ الكتاب والسنّة، وقدّم رأيه عليهما فصار من مصاديق قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ سَميعٌ عَليمٌ).(1)

1. الحجرات:1.

(343)
الفصل الرابع:
آراء ابن تيمية في أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
1. ابن تيمية والصلاة على آل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
2. موقف ابن تيمية من دماء أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
3. ابن تيمية وحرمة الخروج على السلطان الظالم
4. موقف ابن تيمية من يزيد بن معاوية
5. آراء ابن تيمية في سيد الساجدين(عليه السلام)
6. آراء ابن تيمية في الإمام الباقر (عليه السلام)
7. آراء ابن تيمية في الإمام الصادق (عليه السلام)
8 . آراء ابن تيمية في الإمام الكاظم (عليه السلام)
9. آراء ابن تيمية في الإمام الرضا (عليه السلام)
10. آراء ابن تيمية في الإمام الجواد (عليه السلام)
11. آراء ابن تيمية في الإمام الهادي (عليه السلام)
12. آراء ابن تيمية في الإمام العسكري (عليه السلام)
13. آراء ابن تيمية في الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف

(344)

(345)
1

ابن تيمية والصلاة على آل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

يقول ابن تيمية:والفقهاء متنازعون في وجوب الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في الصلاة، وجمهورهم لا يوجبها،ومن أوجبها يوجب الصلاة عليه دون آله، ولو أوجب الصلاة.(1)
ثم قال: بل منهم من لا يوجب إلاّ الصلاة عليه دون آله كما هو معروف في مذهب الشافعي وأحمد، فعلى هذا لا تجب الصلاة على آله .(2)
أقول: إنّ قوله: بأنّ جمهور الفقهاء لا يوجبون الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)غير صحيح إذا أراد بالجمهور الأئمة الأربعة، بشهادة أنّه ذكر في ذيل كلامه أنّ الوجوب معروف في مذهب الشافعي وأحمد. فمعنى هذا أنّ الاثنين من الأربعة قالا بالوجوب دون مالك وأبي حنيفة.
ثمّ إنّ الظاهر ممّا نقله ابن رشد في كتابه أنّ مالكاً وأبا حنيفة غير قائلين بوجوب التشهّد أصلاً، بل يوجبان الجلوس بمقدار التشهّد، قال ابن رشد: اختلفوا في وجوب التشهّد، وفي المختار منه، فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة إلى أنّ التشهد ليس بواجب.(3) وعلى هذا فعدم إيجاب الصلاة على

1 . منهاج السنّة: 4/595، وفي طبعة بولاق : 2 / 258.
2 . منهاج السنّة: 4/598، وفي طبعة بولاق : 2 / 259.
3 . بداية المجتهد:2/227.

(346)
النبي لأجل عدم وجوب التشهّد من رأس.
وإن كنت في شكّ، فعليك بتدبّر كلمات الفقهاء في المقام:
1. قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فرض في التشهّدين وركن من أركان الصلاة]عند الإمامية[، وبه قال الشافعي في التشهّد الأخير، وبه قال ابن مسعود، وأبو مسعود البدري الأنصاري واسمه عقبة بن عمر، وابن عمر، وجابر، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه أنّه غير واجب.
ثمّ استدلّ الشيخ بما روى كعب بن عُجْرة، قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول في صلاته: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.
وقد قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): صلّوا كما رأيتموني أُصلّي.
وروت عائشة قالت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا يقبل الله صلاة إلاّ بطهور، وبالصلاة عليّ.(1)
2. قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي(المتوفّى 620هـ): مسألة: ويتشهّد بالتشهّد و يصلّي على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيقول: اللهم صلّ على محمد وآل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.
وجملته: أنّه إذا جلس في آخر صلاته فإنّه يتشهّد بالتشهد الذي ذكرناه،

1 . الخلاف:1/370، المسألة128.

(347)
ثم يصلّي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ذكر الخرقي. وهي واجبة في صحيح المذهب، وهو قول الشافعي وإسحاق، وعن أحمد أنّها غير واجبة ـ إلى أن قال: ـ وظاهر مذهب أحمد وجوبه، فإنّ أبا زرعة الدمشقي نقل عن أحمد أنّه قال: كنت أتهيب ذلك ثم تبيّنت فإذا الصلاة واجبة، فظاهر هذا أنّه رجع عن قوله الأوّل إلى هذا.(1)
وقال ابن كثير في تفسيره (وهو شافعي المذهب): فإنّا قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسَّر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة منهم: ابن مسعود وأبو مسعود البدري وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: الشعبي وأبو جعفر الباقر ومقاتل بن حيان، وإليه ذهب الشافعي لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضاً، وإليه ذهب الإمام أحمد أخيراً فيما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقي به، وبه قال إسحاق بن راهويه والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن المواز المالكي رحمهم الله تعالى، حتى إنّ بعض الأئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلم كما علمهم أن يقولوا لمّا سألوا وحتى إنّ بعض أصحابنا أوجب الصلاة على آله، وممّن حكاه البندنيجي وسليم الرازي وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي.(2)

في الصلاة على الآل

هذا كلّه حول الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقي الكلام في الصلاة على آله.

1 . المغني: 1/579ـ580.
2 . تفسير ابن كثير:3/508، دار المعرفة، 1402هـ .

(348)
الظاهر أنّه لم يقل بوجوبه إلا الشافعي، وأحمد، في إحدى الروايتين عنه.
قال العلاّمة: وتجب الصلاة على آله(عليهم السلام) عند علمائنا أجمع، وأحمد في إحدى الروايتين، وبعض الشافعية ـ و للشافعية وجهان، وقيل: قولان ـ لأنّ كعب بن عُجْرة قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في صلاته:«اللهم صلّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد» فتجب متابعته لقوله(عليه السلام): «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي».
وعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله: «من صلّى صلاة ولم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تُقبل منه»، وقال الشافعي بالاستحباب للأصل، وهو ممنوع لثبوت المخرج منه.(1)
أقول: الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دون عطف «الآل» عليه صلاة مبتورة وقد نهى عنها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فعلى ما سيوافيك من الروايات من كيفية الصلاة على النبي يلزم لزوم عطف الآل عليه في عامة الأوقات من غير فرق بين حال التشهد وغيره أخذاً بإطلاق الروايات، وقد كتبنا في سالف الزمان شيئاً في هذا الموضوع نأت به هنا:
إنّ من حقوق أهل البيت(عليهم السلام) هي الصلوات عليهم عند الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال سبحانه: (إنّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).(2)
ظاهر الآية هو تخصيص الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّ الصحابة فهموا

1 . تذكرة الفقهاء:3/233، برقم 294.
2 . الأحزاب:56.

(349)
أنّ المراد هو الصلاة عليه وعلى أهل بيته، وقد تضافرت الروايات على ضمّ الآل إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عند التسليم والصلاة عليه، وقد جاء ذلك في الصحاح والمسانيد، نقتصر منها على ما يلي:
1. أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عُجْرة، قال: ألا أُهدي لك هدية سمعتها من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإنّ الله قد علّمنا كيف نسلم؟ قال:
«قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد; اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد».(1)
وأخرجه أيضاً في كتاب التفسير عند تفسير سورة الأحزاب.(2)
كما أخرجه مسلم في باب الصلاة على النبي من كتاب الصلاة.(3)
2. أخرج البخاري أيضاً، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا يا رسول الله، هذا التسليم، فكيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد عبدك ورسولك، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم».(4)
3. أخرج البخاري، عن ابن أبي حازم، عن يزيد، قال: «كما صليت على

1 . صحيح البخاري:4/146 ضمن باب «يزفُّون النَسَلان في المشي» من كتاب بدء الخلق.
2 . صحيح البخاري:6/151، تفسير سورة الأحزاب.
3 . صحيح مسلم:2/16.
4 . صحيح البخاري:6/151، تفسير سورة الأحزاب.

(350)
إبراهيم، وبارك على محمّد وآل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم».(1)
4. أخرج مسلم، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: أتانا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعيد: أمرنا الله تعالى أن نصلّي عليك، يا رسول الله، فكيف نصلّي عليك؟
قال: فسكت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى تمنّينا أنّه لم يسأله.
ثمّ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم».(2)
وقد ذكر ابن حجر الهيتميّ الآية الشريفة، وروى جملة من الأخبار الصحيحة الواردة فيها، وأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قرن الصلاة على آله بالصلاة عليه، لمّا سئل عن كيفية الصلاة والسلام عليه، ثم قال: وهذا دليل ظاهر على أنّ الأمر بالصلاة على أهل بيته، وبقية آله مراد من هذه الآية،وإلاّ لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عُقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر، فلمّا أُجيبوا به، دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به، وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أقامهم في ذلك مقام نفسه، لأنّ القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه، ومنه تعظيمهم، ومن ثمّ لمّا أدخل من مرّ في الكساء، قال: «اللّهم إنّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم»، وقضية استجابة هذا الدعاء: إنّ الله صلّى

1 . المصدر السابق.
2 . صحيح مسلم:2/46، باب الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد التشهّد من كتاب الصلاة.

(351)
عليهم معه فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه.
ويروى: لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون، بل قولوا: اللّهم صلّ على محمد وعلى آل محمد. ثمّ نقل عن الإمام الشافعي قوله:
يا أهل بيت رسول الله حبُّكمُ *** فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ
كفاكمُ من عظيم القدر أنّكمُ *** من لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ
فقال: فيحتمل لا صلاة له صحيحة فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة على الآل، ويحتمل لا صلاة كاملة، فيوافق أظهر قوليه.(1)
هذا كلّه حول الصلاة على الآل عند الصلاة على الحبيب.
وأمّا حكم الصلاة على آل البيت في التشهد، فقال أكثر أصحاب الشافعي: إنّه سنّة.
وقال التربجي من أصحابه: هي واجبة، ولكن الشعر المنقول عنه يدلّ على وجوبه عنده، وتؤيده رواية جابر الجعفي ]الذي كان من أصحاب الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام)، وفي طبقة الفقهاء[، عن أبي جعفر، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«من صلّى صلاة لم يصل فيها عليّ ولا أهل بيتي لم تقبل منه».(2)
وجابر الجعفي ممّن ترجمه ابن حجر في تهذيبه، ونقل عن سفيان في حقّه:

1 . الصواعق المحرقة:146، ط 2، عام 1385هـ .
2 . سنن الدارقطني:1/355.

(352)
ما رأيت أورع في الحديث منه، وقال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكّوا في أنّ جابراً ثقة.
وقال سفيان أيضاً لشعبة: لأن تكلَّمت في جابر الجعفي لأتكلمنَّ فيك. إلى غير ذلك.(1)
قال ابن حجر: أخرج الدارقطني والبيهقي حديث من صلّى صلاة ولم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه، وكأنّ هذا الحديث هو مستند قول الشافعي: إنّ الصلاة على الآل من واجبات الصلاة، كالصلاة عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّه ضعيف، فمستنده الأمر في الحديث المتفق عليه، قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، والأمر للوجوب حقيقة على الأصحّ.(2)
وقال الفخر الرازي: إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة، وقوله: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد.
وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب، وقال الشافعي:
يا راكباً قف بالمحصَّب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهضِ
سَحَراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كما نظم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبُّ آل محمّد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي(3)

1 . تهذيب التهذيب:2/46.
2 . الصواعق المحرقة:234، ط 2، عام 1385 هـ .
3 . تفسير الفخر الرازي:27/166، تفسير سورة الشورى.

(353)
وقال النيسابوري في تفسيره عند قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُربى) كفى شرفاً لآل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفخراً ختم التشهّد بذكرهم والصلاة عليهم في كلّ صلاة.(1)
وروى محب الدين الطبري في الذخائر عن جابر بن عبد الله الأنصاري(رضي الله عنه)أنّه كان يقول: لو صلّيت صلاة لم أُصلِّ فيها على محمّد وعلى آل محمّد ما رأيت أنّها تقبل.(2)
وقال المحقّق الشيخ حسن بن عليّ السقاف: تجب الصلاة على آل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في التشهد الأخير على الصحيح المختار، لأنّ أقصر صيغة وردت عن سيدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثبت فيها ذكر الصلاة على الآل، ولم ترد صيغة خالية منه في صيغ تعليم الصلاة، فقد تقدّم حديث سيدنا زيد بن خارجة، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:
«صلّوا عليّ واجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمد».(3)

بلاغ وإنذار

لقد تبيّن ممّا سبق كيفية الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه لا يصلّى عليه إلاّ بضم الآل إليه، ومع ذلك نرى أنّه قد راجت الصلاة البتراء بين أهل السنّة في كتبهم ورسائلهم، مع أنّ هذه البلاغات من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نصب أعينهم ولكنّهم

1 . الغدير: 2 / 303 نقلاً عن تفسير النيسابوري: تفسير سورة الشورى.
2 . ذخائر العقبى:19، ذكر الحثّ على الصلاة عليهم.
3 . صحيح صفة صلاة النبي:214.

(354)
رفضوها عملاً واكتفوا بالصلاة عليه خاصة، حتى أنّ ابن حجر الهيتمي(899ـ974هـ) نقل كيفية الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن كتابه المطبوع مليء بالصلاة البتراء. وإليك نصّ ما قال: ويروى لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، قالوا: وما الصلاة البتراء؟، قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون، بل قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، ولا ينافي ما تقرر حذف الآل في الصحيحين، قالوا: يا رسول الله: كيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذرّيته، كما صليت على إبراهيم إلى آخره.
لأنّ ذكر الآل ثبت في روايات أُخر، وبه يعلم أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذلك كلّه فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر.(1)
وفي الختام ننقل هنا ما ذكره الرازي، قال: أهل بيته ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهّد، وفي السلام، والطهارة، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبّة.(2)

1 . الصواعق المحرقة:146، ط 2، عام 1385 هـ .
2 . الغدير:2/303، ط. طهران، نقله عن تفسير الرازي:7/391 ولم نعثر عليه في الطبعتين.

(355)
2

موقف ابن تيمية من دماء أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

قال العلاّمة الحلّي نقلاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): اشتد غضب الله وغضبي على من أهرق دمي وآذاني في عترتي.(1)
ورد عليه ابن تيمية بقوله: كلام لا ينقله عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا ينسبه إليه إلاّ جاهل. فإنّ العاصم لدم الحسن والحسين وغيرهما من الإيمان والتقوى أعظم من مجرد القرابة، ولو كان الرجل من أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأتى بما يبيح قتله أو قطعه، كان ذلك جائزاً بإجماع المسلمين.(2)

ولنا مع كلامه وقفات

1. لو كان القائل بذلك جاهلاً لزم أن نحكم بجهالة الصحابة العدول الذين نقلوا الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وهم: عليّ، وأبوسعيد الخدري; ومن المحدّثين والمؤلّفين: الديلمي، وابن المغازلي، ومحب الدين الطبري، والسيوطي، والمناوي، وابن حجر الهيتمي المكّي، وغيرهم.(3)

1 . منهاج الكرامة:102.
2 . منهاج السنّة: 4/586، وفي طبعة بولاق : 2/256.
3 . المناقب لابن المغازلي:292; الصواعق المحرقة:184، إحياء الميت بفضائل أهل 2
البيت(عليهم السلام); هامش إتحاف الأشراف: 115; كنوز الحقائق من حديث خير الخلائق:17; ذخائر العقبى:39 وغيرها. ولاحظ : كنز العمال:1/267، برقم 1343; الدر المنثور:3/230.

(356)
2. إذا كان العاصم لدماء سيدي شباب أهل الجنة الإيمان والتقوى، فلماذا لم يأت جبريل بالتربة التي قتل فيها المئات من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الذين قتلهم الحجاج وجنود يزيد بن معاوية، كما جاء بالتربة الحمراء من كربلاء حيث استشهد الإمام الحسين(عليه السلام) ؟(1)
فيدلّ على أنّ العاصم وراء الإيمان والتقوى قرابة الحسين(عليه السلام) ومكانته من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا هو الحافظ نور الدين الهيثمي قد عقد في كتابه «مجمع الزوائد»، باباً باسم مناقب الحسين(عليه السلام) ونحن نقتبس منه ما روى فيه:
أ. قال: وعن أنس بن مالك، إنّ ملك القطر استأذن أن يأتي النبي فأذن له فقال لأُم سلمة: أملكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد. قال: وجاء الحسين بن علي ليدخل فمنعته فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى منكبه وعلى عاتقه، قال: فقال الملك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أتحبه؟ قال: نعم، قال: إنّ أمّتك ستقلته وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل به، فضرب بيده فجاء بطينة حمراء فأخذتها أُم سلمة، فصرّتها في خمارها، قال ثابت: بلغنا أنّها كربلاء.
ثم قال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني بأسانيد وفيها عمارة

1 . انظر: أخطاء ابن تيمية في حقّ رسول الله وأهل بيته:160.قال السيوطي: في سنة (63 هـ) كانت وقعة الحرّة على باب طَيبة، وما أدراك ما وقعة الحرّة؟ ذكرها الحسن ]البصري[ مرّة، فقال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، قُتل فيها خلق من الصحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم. ثم قال: وعدة المقتولين بالحرّة من قريش والأنصار ثلاثمائة وستة رجال. تاريخ الخلفاء:249ـ250، دار الجيل، 1408هـ .

(357)
بن زاذان، وثّقه جماعة وفيه ضعف، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح.(1)
ب . وعن نُجَيّ الحضرمي أنّه سار مع علي(رضي الله عنه) وكان صاحب مطهرته، فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى عليّ: اصبر أبا عبد الله(عليه السلام)اصبر أبا عبد الله(عليه السلام) بشط الفرات، قلت: وما ذاك؟ قال: دخلت على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ذات يوم وإذا عيناه تذرفان، قلت: يا نبيّ الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل(عليه السلام)، فحدّثني أنّ الحسين يقتل بشط الفرات. قال: فقال: هل لك أن أشمّك من تربته؟ قلت: نعم، قال: فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا.
قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله ثقات، ولم ينفرد نُجيّ بهذا.(2)
ج . وعن عائشة أو أُم سلمة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لإحداهما: لقد دخل عليّ البيت ملَك فلم يدخل عليّ قبلها، قال: إن ابنك هذا حسيناً مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء.
قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.(3)
ثم نقل أحاديث أُخرى كلّها ترمي إلى مضمون ما ذكرناه.
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الأشج عن سلمى، قالت: دخلت على أُمّ

1 . مجمع الزوائد:9/187. 2 . المصدر نفسه.
3 . المصدر نفسه. وصحّحه الذهبي في «تاريخ الإسلام»:3/11، وقال في «سير أعلام النبلاء»: 3/290: ورواه عبد الرزاق، وقال: أُمّ سلمة، ولم يشكّ. ويُروى عن أبي وائل، وعن شهر بن حوشب، عن أُمّ سلمة.

(358)
سلمة وهي تبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقالت: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى رأسه ولحيته تراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفاً.(1)
وروى الإمام أحمد بإسناده عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس قال: رأيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يرى النائم بنصف النهار، وهو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم. فأحصينا ذلك اليوم فوجدوه قُتل في ذلك اليوم.(2)
قال الهيثمي: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح.(3)
وقال ابن كثير الدمشقي: إسناده قوي.(4)
كلّ ذلك يدل على أنّ لدم الحسين مكانة وأهميّة خاصّة من أجل قربه من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

إهانة أُخرى لشهيد الطفّ

قال ابن تيمية: إنّ بعضهم (يعني بعض الشيعة) لا يوقد خشب الطرفاء، لأنّه بلغه أنّ دم الحسين وقع على شجرة من الطرفاء، ومعلوم أنّ تلك
الشجرة بعينها لا يُكره وقودها، ولو كان عليها من أي دم (يعني دم

1 . الجامع الصحيح (سنن الترمذي): 5/657، برقم 3771.
2 . مسند أحمد:1/283; و تاريخ مدينة دمشق:14/237.
3 . مجمع الزوائد:9/194.
4 . البداية والنهاية:8/200.

(359)
الحسين) كان، فكيف بسائر الشجر الذي لم يصبه الدم.(1)
أقول: يُنظر، أوّلاً، في صحّة نسبة هذا الفعل إلى بعض الشيعة، فإنّنا لم نجد في الشيعة من يقوم بهذا الفعل، ولم ينقل إلينا أحدٌ ذلك.
ثانياً: أنّ ابن تيمية ـ وكما هو واضح من كتاباته ـ مولع بذكر أشياء على خصومه، لا وجود لها إلاّ في مخيّلة ناسجها، وهذا الولع بالنسب المفتعلة على الخصوم، هو نتيجة طبيعية للعجز عن الإقناع بالدليل والبرهان، ومقارعة الحجّة بالحجّة.
ثالثاً: لا شكّ أنّ شجرة الطرفاء بما هي شجرة لا يكره وقودها، وإنّما يستكره بعض الناس وقودها(إذا صحّ ذلك) احتراماً لدم الحسين(عليه السلام)الذي وقع على شجرة من الطرفاء، وهذا نوع تكريم لذرية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وسبطه، وليس الامتناع عن إشعال مثل هذا الشجر لكراهة شرعية وردت فيه، وإنّما هو تعبير شخصي عن نوع تكريم للحسين(عليه السلام)وللنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يحترم دم الحسين، كما هو واضح من الروايات التي ذكرناها آنفاً.
ثمّ ما هي علاقة تصرّفات بعض الناس المنتمين إلى دين معيّن، أو مذهب معيّن، بقواعد وأُسس ومباني ذلك الدين أو المذهب، يا سماحة شيخ الإسلام!
وما عليك، عزيزي القارئ، إلاّ أن تقارن بين موقف ابن تيمية من دم الحسين، وبين موقف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منه، بين موقف ابن تيمية الدالّ على قسوة قلبه، حيث لا يبالي بأن تُحرق الشجرة (على فرض وجودها) التي سال عليها

1 . منهاج السنّة: 1/55ـ 56، وفي طبعة بولاق : 1 / 12.

(360)
دم سبط النبي، وسيد شباب أهل الجنة، وبين موقف النبي الدالّ على غاية حزنه وأساه، وهو يلتقط تلك الدماء الطاهرة التي أُريقت على رمضاء كربلاء، كما مرّ عليك في رواية ابن عباس الصحيحة (أو القوية الإسناد) وغيرها.
والذي يدلّ على عظم المصيبة وجسامتها، تلك الروايات التي رواها الحافظ أبو القاسم الطبراني (المتوفّى 360هـ)، وأودعها الحافظ نور الدين الهيثمي(المتوفّى سنّة 807هـ) في كتابه، ومنها:
1. عن ذُويد الجعفي، عن أبيه، قال: لمّا قتل الحسين(رضي الله عنه)، أُنتهب جزور من عسكره، فلمّا طبخت، إذا هي دم، فأكفؤوها.(1)
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.(2)
2. عن الزهري، قال: قال لي عبد الملك: أيّ واحد أنت إن أخبرتني، أي علامة كانت يوم قتل الحسين بن علي؟ قال: قلت: لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلاّ وجد تحتها دم عبيط، فقال عبد الملك: إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان.(3)
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.(4)
3. وعن الزهري: قال ما رفع بالشام حجر يوم قتل الحسين بن علي إلاّ عن دم.(5)

1 . المعجم الكبير:3/121، برقم 2864.
2 . مجمع الزوائد:9/196.
3 . المعجم الكبير:3/119، برقم 2856.
4 . مجمع الزوائد:9/196.
5 . المعجم الكبير:3/113، برقم 2835.

(361)
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.(1)
4. وعن أُم حكيم قالت: قتل الحسين بن علي وأنا يومئذ جويرية، فمكثت السماء أياماً مثل العَلَقة.(2)
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله إلى أُم حكيم رجال الصحيح .(3)
لقد كانت هذه الأحاديث الواردة في حقّ الحسين والآثار التي ترتّبت على قتله، على مرأى ومسمع من ابن تيمية، ولكن بغضه لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) الذي تكشف عنه كلماته الجارحة فيهم، كان هو السبب الحقيقي وراء استهانته بدم الحسين السبط(عليه السلام).

1 . مجمع الزوائد:9/196.
2 . المعجم الكبير:3/113، برقم 2836.
3 . مجمع الزوائد:9/197.
Website Security Test