welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(299)

12

ابن تيمية وحديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):

أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي

روى أصحاب السنن والمسانيد أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي:«أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي»، غير أنّ مفاد الحديث لمّا لم يوافق هوى ابن تيمية، أفتى بتضعيفه وتكذيبه، فقال: ومثل قوله: «أنت ولي كلّ مؤمن بعدي» فإنّ هذا موضوع باتّفاق أهل المعرفة بالحديث.(1) ويقول أيضاً في مكان آخر: وكذلك قوله: «هو ولي كلّ مؤمن بعدي» كذب على رسول الله.(2)
وكان على ابن تيمية أن يقول: إنّ هذا الحديث صحيح باتّفاق أهل المعرفة، غير أنّه راقه أن يموِّه على صحّته ويشوّهه بيهرجته كما هو دأبه.
أفهل يحسب الرجل أنّ من أخرج هذا الحديث من أئمّة فنّه ليسوا من أهل المعرفة بالحديث، وفيهم إمام مذهبه أحمد بن حنبل، الّذي أخرجه باسناد صحيح، رجاله كلّهم ثقات؟ قال: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا جعفر بن سليمان، حدّثني يزيد الرِّشك، عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن

1 . منهاج السنّة: 5 / 35 ـ 36، وفي طبعة بولاق: 3 / 9 .
2 . منهاج السنّة: 7 / 391، وفي طبعة بولاق: 4 / 104 .

(300)
حصين، قال: بعث رسول الله سرّية وأمّر علي بن أبي طالب، فأحدث شيئاً في سفره، فتعاقد أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا أمره إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال عمران: وكنّا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله فسلّمنا عليه، قال: فدخلوا عليه فقام رجل منهم، فقال: يا رسول الله إنّ عليّاً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه. ثم قام الثاني فقال: يا رسول الله إنّ عليّاً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه. ثم قام الثالث فقال: يا رسول الله إنّ عليّاً فعل كذا وكذا. ثم قام الرابع فقال: يا رسول الله إنّ عليّاً فعل كذا وكذا.
قال: فأقبل رسول الله على الرابع وقد تغيّر وجهه وقال: «دعوا عليّاً، دعوا عليّاً، دعوا عليّاً، إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو ولي كلّ مؤمن بعدي».(1)
وقد أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن عبيد الله بن عمر القواريري، عن جعفر بن سليمان، بالسند المذكور.(2)
وأخرجه ابن أبي شيبة(3)، وابن حبّان في صحيحه (4)، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء(5)، ومحب الدين الطبري(6)، والبغوي(7)، وابن

1 . مسند أحمد: 5 / 606، الحديث 19426. وانظر: مسند أبي داود الطيالسي: 111، الحديث 829 .
2 . مسند أبي يعلى: 1/ 203، الحديث 350، دار القبلة للثقافة الإسلامية، ومؤسسة علوم القرآن، 1408 هـ .
3 . المصنف:12/180، الحديث 12170.
4 . صحيح ابن حبّان: 5 / 374، مؤسسة الرسالة، 1414 هـ .
5 . حلية الأولياء:6/294.
6 . الرياض النضرة:3/116. 7 . مصابيح السنّة:4/172، الحديث 4766.

(301)
كثير في تاريخه(1)، والسيوطي(2)، والمتقي(3) .
وهناك من المحدّثين والرواة وأصحاب المصادر الحديثية من روى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما تريدون من عليٍّ؟ ما تريدون من عليٍّ؟ ما تريدون من عليٍّ، إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كلّ مؤمن بعدي». أخرجه بهذا اللفظ: الترمذي في جامعه، وقال: هذا حديث حسن غريب، (4) وكذلك النسائي(5)، ومحبّ الدين(6)، وابن حجر(7)، وقال: إسنادٌ قويٌّ.
وهناك إسناد آخر لهذا الحديث، وهو: أخرج أبو داود الطيالسي، عن أبي عوانة ، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعليٍّ: «أنت وليُّ كلِّ مؤمن بعدي».(8) والإسناد صحيح، ورجاله كلّهم ثقات.
قال العلاّمة الأميني بعد أن ناقش ابن تيمية في هذا الحديث وغيره: هذه

1 . البداية والنهاية: 7/381 حوادث سنة 40 هـ .
2 . جامع الأحاديث:4/352، الحديث 12101.
3 . كنز العمال:11/608، الحديث 32940 و 32941، و ص 599 برقم 32883 .
4 . سنن الترمذي:5/590، الحديث 3712.
5 . خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام): 92، الحديث 86 ، قال محقّق الكتاب أبو إسحاق الأثري: إسناده صحيح . ولاحظ : السنن الكبرى:5/132، الحديث 8474 .
6 . الرياض النضرة:3/115.
7 . الإصابة:2/ 509.
8 . مسند أبي داود الطيالسي: 360، الحديث 2752; ولاحظ: المستدرك على الصحيحين: 3 / 134 (وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي)، ومسند أحمد: 1 / 331. قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري، وهو ثقة. مجمع الزوائد: 9 / 120 .

(302)
نبذة يسيرة من مخاريق ابن تيمية، ولو ذهبنا إلى استيفاء ما في منهاج بدعته من الضلالات، والأكاذيب، والتحكّمات، والتقوّلات، فعلينا أن نعيد استنساخ مجلّداته الأربع ونردفها بمجلّدات في ردِّها، ولم أجد بياناً يعرب عن حقيقة الرجل ويمثِّلها للملأ العلميّ، غير أنّي أقتصر على كلمة الحافظ ابن حجر في كتابه «الفتاوى الحديثية»(1) قال: ابن تيميّة عبدٌ خذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه، وبذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتَّفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العزّ بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعيّة والمالكيّة والحنفيّة. (2)

1 . الفتاوى الحديثية: 114.
2 . الغدير:3/306.

(303)

13

ابن تيمية وحديث سدّ الأبواب كلّها إلاّ باب علي(عليه السلام)

إنّ ابن تيمية يهتمّ ويجهد نفسه في إنكار كلّ فضيلة من الفضائل، الّتي رواها الثقات ونقلها الحفّاظ في كتبهم، في حقّ علي(عليه السلام)، وما هذا إلاّ لأنّ ثبوت هذه الفضائل له (عليه السلام) لا يوافق هواه، ولذا تراه يشطب على الجميع بقلم عريض ويصفه بالكذب والوضع، وها هو يقول في الحديث المعروف بسد الأبواب: إنّ هذا ممّا وضعته الشيعة على طريق المقابلة.(1)
وقد استشهد على رأيه بقوله: وإنّ الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي أنّه قال في مرضه الذي مات فيه: «لا يبقين في المسجد خَوخَة إلاّ سُدّت إلا خوخة أبي بكر» ورواه ابن عباس أيضاً في الصحيحين.(2)
ولسائل أن يسأل ابن تيمية: من أين علم أنّ الحديث ممّا وضعته الشيعة على طريق المقابلة؟ ومجرد حبّ الشيعة علياً لا يكون دليلاً على اتّهامهم بالوضع!!
ثم هل تكون المعارضة دليلاً على وضع هذا الحديث؟ فلماذا لا تكون

1 . منهاج السنّة: 5 / 35، وفي طبعة بولاق: 3 / 9 .
2 . نفس المصدر.

(304)
المعارضة دليلاً على وضع الحديث الآخر؟
وعلى كلّ تقدير فالمعارضة لا تكون دليلاً إذا لم يمكن الجمع بين الحديثين، فإنّ سد الباب غير سدّ الخوخة، فالخوخة عبارة عن طاقات كانت في المسجد، فالخوخة في اللغة هي كوّة تعدّي الضوء إلى البيت، فلا مانع من أن يسدّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الأبواب كلّها إلاّ باب علي، ويأمر أيضاً بسدّ الخوخات كلّها إلاّ خوخة بيت أبي بكر، ولذلك يقول العلاّمة الأميني تعليقاً على عبارة ابن تيمية: لا أجد لنسبة وضع هذا الحديث إلى الشيعة دافعاً إلاّ القحّة والصلف، ودفع الحقائق الثابتة بالجلبة والسخب(1)، فإنّ نصب عينيّ الرجل كتب الأئمة من قومه وفيها مسند إمام مذهبه أحمد قد أخرجوه فيها بأسانيد جمّة صحاح وحسان، عن جمع من الصحابة تربو عدّتهم على عدد ما يحصل به التواتر عندهم.(2)
هذا كلّه على سبيل المماشاة، وهلمّ معي الآن لتقرأ مَن نقل الحديث من أئمة الحديث والرواية، لنرى مدى صدق كلام ابن تيمية ودقّته.
فقد أخرج هذا الحديث جمع من الصحابة نأتي بأسمائهم:
1. زيد بن أرقم، 2. عمر بن الخطاب، 3. البراء بن عازب، 4. عبد الله بن عمر بن الخطاب، 5. عبدالله بن عباس، 6. أبو سعيد الخدري، 7. سعد بن مالك، 8. أبو حازم الأشجعي، 9. جابر بن عبد الله الأنصاري، 10. جابر بن سمرة، 11. سعد بن أبي وقّاص، 12. أنس بن مالك.

1 . السخب والصخب: الصِّياح واضطراب الأصوات.
2 . الغدير:3/285.

(305)
مضافاً إلى أنّ الإمام علي(عليه السلام) هو أحد من يُروى عنه هذا الحديث، ومن أراد أن يقف على متون الحديث ومصادره فليرجع إلى موسوعة الغدير.(1)
وها نحن نذكر نزراً يسيراً منها، ليكون كنموذج لما لم نذكره:
1. روى الإمام أحمد (بسند صحيح) عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: وقال ] يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: سدّوا أبواب المسجد غير باب عليّ (2). ورواه النسائي (3)، والحاكم (وصحّحه، وأقرّه الذهبيّ).(4)
2. روى الحاكم بسنده عن زيد بن أرقم قال: كانت لنفر من أصحاب رسول الله أبواب شارعة في المسجد فقال يوماً سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ قال: فتكلّم في ذلك ناس، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد فإنّي أُمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب عليٍّ فقال فيه قائلكم، والله ما سددتُ شيئاً ولا فتحته ولكن أُمرت بشيء فاتّبعته.(5)
3. قال ابن حجر: تنبيه: جاء في سدّ الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها حديث الباب(لا يبقيّن في المسجد باب إلاّ سُدّ إلاّ باب أبي بكر) منها: حديث سعد بن أبي وقاص قال: أمرنا رسول الله بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب عليّ.

1 . الغدير:3/285ـ 304.
2 . مسند أحمد: 1 / 331 .
3 . خصائص أمير المؤمنين: 59، الحديث 42، وص 58، الحديث 41 (وحسّنه محقّق الكتاب أبو إسحاق الأثري).
4 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 132 .
5 . المستدرك:3/125، (وصحّحه الحاكم، وسكت عليه الذهبي)، وانظر: مسند أحمد: 4 / 372 .

(306)
أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قويّ، وفي رواية للطبراني في الأوسط رجالها ثقات (من الزيادة)، فقالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أنا سددتها ولكن الله سدّها».
وعن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي»، فتكلّم ناس في ذلك، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته». أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات.
وعن ابن عباس قال: أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بأبواب المسجد فسدّت إلاّ باب علي، وفي رواية وأمر بسد الأبواب غير باب عليٍّ، فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره. أخرجهما أحمد والنسائي ورجالهما ثقات.
وعن جابر بن سمرة قال: أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بسد الأبواب كلّها غير باب عليٍّ فربما مر فيه وهو جنب. أخرجه الطبراني.
وعن ابن عمر قال: كنّا نقول في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر ; و لقد أُعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم: زوّجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ابنته وولدت له، وسدّ الأبواب إلاّ بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر. أخرجه أحمد، وإسناده حسن.
وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرار (بمهملات) قال: فقلت لابن عمر:أخبرني عن علي وعثمان فذكر الحديث، وفيه: وأمّا علي فلا تسأل عنه أحد أو انظر إلى منزلته من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد سدّ أبوابنا في المسجد وأقرّ

(307)
بابه. ورجاله رجال الصحيح إلاّ العلاء وقد وثّقه يحيى بن معين وغيره.
وهذه الأحاديث يقوّي بعضها بعضاً وكلّ طريق منها صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها.
وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصراً على بعض طرقه عنهم، وأعلّه ببعض من تكلّم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعلّه أيضاً بأنّه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر وزعم أنّه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر انتهى، وأخطأ في ذلك خطأ شنيعاً، فإنّه سلك في ذلك ردّ الأحاديث الصحيحة بتوهّمه المعارضة، مع أنّ الجمع بين القصتين ممكن.(1)

1 . فتح الباري: 7 / 14 ـ 15 .

(308)
14

إنكار ابن تيمية حديث باب مدينة العلم

يقول ابن تيمية: وحديث: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» أضعف وأوهن، ولهذا إنّما يُعدّ في الموضوعات وإن رواه الترمذي، وذكره ابن الجوزي وبيّن أنّ سائر طرقه موضوعة، والكذب يُعرف من نفس المتن.(1)
أقول: كيف يحكم بوضع حديث نقله جماعة من مشاهير الصحابة أوّلاً، وأعاظم التابعين ثانياً، وأبرز العلماء ثالثاً عبر القرون، وقد كفانا في ذلك ما حققه علاّمة عصره العلم الحجّة السيد حامد حسين اللكهنوي، فأفرد لبيان أسانيد الحديث جزءاً خاصّاً من كتابه «عبقات الأنوار» ونقله إلى العربية المحقق العلاّمة السيد علي الحسيني الميلاني في موسوعته «نفحات الأزهار» وطبع في ثلاثة أجزاء.(2)
أمّا من رواه من الصحابة:
1. الإمام علي(عليه السلام)، 2. الإمام السبط الحسن(عليه السلام)، 3. الإمام السبط الحسين(عليه السلام)، 4. عبد الله بن عباس، 5. جابر بن عبد الله الأنصاري، 6. عبد الله بن مسعود، 7. حذيفة بن اليمان، 8. عبد الله بن عمر، 9. أنس بن مالك، 10. عمرو بن العاص .
وأمّا من رواه من التابعين، فمنهم:

1 . منهاج السنّة: 7/515، وفي طبعة بولاق : 4/138.
2 . لاحظ نفحات الأزهار: ج 10 و 11 و 12 .

(309)
1. الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليه السلام)، 2. الإمام الباقر محمد بن علي(عليه السلام)، 3. الأصبغ بن نباتة الحنظلي الكوفي، 4. جرير الظبّي، 5. الحارث بن عبد الله الهمداني الكوفي، 6. سعد بن طريف الحنظلي الكوفي، 7. سعيد بن جبير الأسدي الكوفي، 8. سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، 9. سليمان بن مهران الكوفي المعروف بالأعمش، 10. عاصم بن غمرة السلولي الكوفي، 11. عبد الله بن عثمان بن خثيم القارئ المكّي، 12. عبد الرحمن بن عثمان التميمي المدني، 13. عبد الرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبد الله الصنابحي، 14. مجاهد بن جبر أبو الحجّاج المخزومي المكّي.
وأمّا رواة الحديث من الحفاظ والمحدّثين فقد نقله في القرن الثالث ثمانية من الحفاظ، ورواه في القرن الرابع أربعة عشر، ورواه في القرن الخامس اثنا عشر، ورواه في القرن السادس ثمانية، ورواه في القرن السابع اثنا عشر، ورواه في القرن الثامن عشرة، ورواه في القرن التاسع عشرة أيضاً، وفي القرن العاشر رواه اثنان وعشرون، ورواه في القرن الحادي عشر أربعة عشر، وفي القرن الثاني عشر رواه ثلاثة عشر، وفي القرن الثالث عشر رواه ثلاثة عشر عالماً ومحدّثاً.
هذا ما لدى صاحب العبقات، وفي القرن الرابع عشر نقله خمسة من أهل الاختصاص.(1)
وهذه الأسماء والأرقام التي استقيناها من اللكهنوي والأميني ـ رحمهما الله ـ هي نتيجة جهود فردية لهما، وإلاّ فلو قامت لجان علمية متخصصة بدراسة الحديث والبحث عنه لناهز عدد رواته أكثر ممّا ذُكر هنا.

1 . لاحظ : الغدير:6/110ـ111.

(310)
ثم كيف يحكم عليه بالوضع مع أنّ الحاكم النيسابوري نقله بأسانيد
ثلاثة، نذكر منها ما أورده بالسند الأوّل، قال: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي بالرملة، ثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب». ثم قال الحاكم بعد ذلك: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجّاه.
وأبو الصلت ثقة مأمون فإنّي سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب في التاريخ يقول: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي فقال: ثقة، فقلت: أليس قد حدّث عن أبي معاوية عن الأعمش: «أنا مدينة العلم»؟ فقال: قد حدّث به محمد بن جعفر الفيْدي، وهو ثقة مأمون سمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه القباني إمام عصره ببخارى يقول: سمعت صالح بن محمد بن حبيب الحافظ يقول: وسئل عن أبي الصلت الهروي؟ فقال: دخل يحيى بن معين ونحن معه على أبي الصلت فسلّم عليه، فلمّا خرج تبعته فقلت له: ما تقول رحمك الله في أبي الصلت؟ فقال: هو صدوق، فقلت له: إنّه يروي حديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتها من بابها»؟ فقال: قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية عن الأعمش كما رواه أبو الصلت.(1)

1 . المستدرك:3/126ـ127، وأقرأ السندين الأخيرين في نفس المستدرك.

(311)
والمعروف عن الذهبي أنّ نفسه لا تنبسط للأحاديث الواردة في فضائل علي(عليه السلام)، ومن هنا تجده يبالغ في نقد أسانيدها، وقد ينكر بعض الأحاديث مع إقراره بصحة أسانيدها.(1)
وفي هذا المجال يأتي تعقيبه على رواية الحاكم المتقدّمة، حيث يقول: أبو الصلت: عبد السلام، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب». صحيحٌ (قلت): بل موضوعٌ. قال: وأبو الصلت ثقة مأمون(قلت): لا والله لا ثقة ولا مأمون.(2)
أقول: إنّ الذهبي حكم بوضع الحديث، لوقوع أبي الصلت في أحد طرقه، وأبو الصلت، كما يقول هنا، ليس بثقة ولا مأمون، مع أنّه ذكر في ترجمته ما ينافي ذلك، فقد قال فيه: الرجل الصالح، إلاّ أنّه شيعي جلد. ثم نقل عن عباس الدوري أنّه قال: سمعت يحيى]بن معين[ يوثّق أبا الصلت.(3)
وحكم (الذهبي) أيضاً بوضع الحديث، الذي رواه الحاكم، بسند ثان من طريق عبد الرزاق الصنعاني بسنده إلى جابر بن عبد الله، وذلك لوقوع أحمد بن عبد الله بن يزيد الحرّاني في سنده، حيث قال فيه: دجّال كذّاب.(4)

1 . انظر ما عقّب به على حديث ابن عباس: نظر النبي(صلى الله عليه وآله) في عليّ، فقال:أنت سيد في الدنيا والآخرة... المستدرك على الصحيحين:3/128.
2 . المستدرك:3/126، تلخيص الذهبي في نفس الصفحة.
3 . ميزان الاعتدال:2/616برقم 5051.
4 . المستدرك: (تلخيص الذهبي):3/126.

(312)
والظاهر أنّه لا منشأ لنسبة الدجل والكذب إلى الحرّاني إلاّ لروايته هذا الحديث في فضل أمير المؤمنين(عليه السلام).
ويدلّ على ذلك (أنّ نقل الفضيلة سبب للاتهام بالكذب والدجل)، ما عرفت من أنّه لمّا وصف يحيى بن مَعين أبا الصلت بأنّه صدوق، اعترض عليه صالح بن محمد، وقال: إنّه روى حديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتها من بابها»؟(يعني: كيف يكون صدوقاً، وهو يروي الحديث المذكور؟) فقال ابن معين: قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية عن الأعمش كما رواه أبو الصلت.(1)، وهذا يرشدنا إلى أنّ للعقائد تأثيراً كبيراً على آراء أصحاب الجرح والتعديل، وأنّ الاتجاه السائد عند الكثير منهم، هو تجريح من ينقل فضائل الإمام وأهل بيته .
وحسْب الباحث الموضوعي والقارئ المنصف، لكي يقف على تلك الحقيقة المرّة، أن يتتبّع كلماتهم في حقّ محمد بن جعفر الفَيدي(راوي الحديث الذي نحن بصدده)، حيث اتّسمت، وبشكل واضح، بالاضطراب والتناقض، الدّالَّين على التخبّط والحَيْرة في كيفية التعامل مع الحديث المذكور، الذي يَرون أنّه يخالف اعتقادهم في الخلفاء، ولذا أصرّ المتعصّبون منهم كابن تيمية، والذهبيّ على القول بكونه موضوعاً، مع أنّه ورد في كتبهم من طريقين (دعْ عنك سائر الطرق)، أحدهما صحيح الإسناد على شرط البخاري، والآخر صحيح الإسناد أو حسن الإسناد(على أقلّ تقدير)، وسنثبت ذلك ببرهان قاطع، ولكن بعد أن ننقل بعض تلك الكلمات التي قلنا أنّها تدلّ على التخبّط والحيرة:

1 . نفس المصدر.

(313)
1. قال أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي(المتوفّى474هـ):
محمد بن جعفر، أبو جعفر الكوفي، نزل «فيد»، أخرج البخاري في الهبة عنه، عن محمد بن فضيل، ولم أجد له ذكراً في غير هذا الكتاب، ويشبه أن يكون مجهولاً.(1)
أقول: ذكر الفيدي هذا ـ في أيام الباجي وقبلها ـ العديدُ من المؤلفين، منهم: البخاري في «التاريخ الكبير»(2)، وابن حبّان(المتوفّى 354هـ) في «الثقات»(3)، وابن عدّيّ (المتوفّى 365هـ)، وأبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي(المتوفّى 418هـ)(4))، والحاكم النيسابوري(المتوفّى 405هـ) في «المستدرك على الصحيحين»(5)، والخطيب البغدادي(المتوفّى 463هـ) في «تاريخ بغداد».(6)
فإذا كان أبو الوليد الباجي معذوراً في قوله:«لم أجد له ذكراً في غير هذا الكتاب»، لاحتمال أن تكون الكتب التي ذكرناها غير متوفرة بين يديه، أو أنّ بصره لم يقع على اسمه فيها، فإنّه ليس بمعذور في قوله:«يشبه أن يكون مجهولاً»، فعدم الاطلاع على أحواله لا يبرّر مثل هذا القول... والرجل كان معروفاً، روى عنه كبار المحدثين مثل البخاري، ويعقوب بن شيبة

1 . تهذيب الكمال:24/587، هامش الترجمة5119، نقلاً عن: رجال البخاري للباجي:2/624.
2 . التاريخ الكبير:1/57، برقم 118.
3 . الثقات:9/110.
4 . قال العيني: ذكره اللالكائي، وابن عديّ، وابن عساكر في شيوخ البخاري. عمدة القاري:13/166.
5 . المستدرك على الصحيحين:3/127.
6 . تاريخ بغداد:2/118، برقم 511.

(314)
السدوسي، ومحمد بن عبد الله الحضرمي الشهير بمطيَّن.
2. قال ابن حجر العسقلاني:
وقع في الهبة: حدثنا محمد بن جعفر أبو جعفر ولم يذكر نسبه، والذي أظنّ أنّه القومسي، فإنّه لم يختلف في أنّ كنيته أبو جعفر، بخلاف هذا، والقومسي ثقة حافظ بخلاف هذا فإنّ له أحاديث خولف فيها.(1)
وهذا ظنّ فاسد، قاده إليه الرأي المسبق في حديث(باب مدينة العلم)، فإنّ الفيدي لمّا روى هذا الحديث (الذي طعنوا فيه بسبب متنه الذي يرون أنّه يخالف اعتقادهم)، حاول بعضهم أن يخرجه من رجال الصحيح، أو يتكلّم فيه بلا مسوّغ.
فالفيدي من شيوخ البخاري، ومن رجال صحيحه، صرّح بذلك جماعة، منهم: ابن عديّ، وأبو القاسم اللالكائي، والخطيب البغدادي، وأبو الوليد الباجي، والسمعاني(2) (المتوفّى 562هـ)، وابن عساكر (المتوفّى 571هـ)، وعبد الغني المقدسي (المتوفّى 600هـ)، وأبو الحجاج المزّي(3) (المتوفّى 742هـ)، والذهبي(4)(المتوفّى 748هـ)، فمحاولة شطب اسمه من الصحيح، دونها خرط القَتاد.
ثمّ إنّ أبا جعفر محمد بن جعفر روى في كتاب الهبة من «صحيح

1 . تهذيب التهذيب:9/96، الترجمة 128.
2 . الأنساب:4/416.
3 . تهذيب الكمال:24/587، الترجمة5119.
4 . الكاشف:3/28ـ29، الترجمة4838.

(315)
البخاري»(1) عن محمد بن فضيل بن غزوان، وابن فضيل(2) هذا، عُدّ من شيوخ الفيدي، ولم يعدّ من شيوخ القومسي، فكيف يظنّ ابن حجر أنّ المراد بمحمد بن جعفر، هنا هو القومسي؟!
وأمّا قوله: إنّه لم يختلف في أنّ كنية القومسي أبو جعفر بخلاف الفيدي، فلا يتمّ أيضاً، لأنّ البخاري نفسه كنّى الفيدي في تاريخه بأبي جعفر، واقتصر على هذه الكنية، وكذلك فعل الخطيب البغدادي، وأبو الوليد الباجي، والسمعاني.(3)
وهكذا يتبيّن، بشكل قاطع، أنّ الفيدي من شيوخ البخاري، ومن رجال صحيحه، ولا مجال للتشكيك في ذلك، فالحديث، إذاً صحيح على شرط البخاري.
3. قال الذهبيّ في مواضع من كتبه، بأنّ حديث(باب مدينة العلم) موضوع، مع أنّه أغفل مناقشة بعض أسانيده، فقد لاذ بالصمت ولم يعلّق بشيء على رواية الحاكم النيسابوري من طريق (محمد بن جعفر الفَيْدي)، كما أنّه لم يترجم للفيدي هذا في «ميزان الاعتدال» المخصّص ـ في أصله ـ للضعفاء، حتى يقال إنّ في سند الحديث من تُكلّم فيه، فكيف حكم، إذاً، بوضع الحديث؟!
ثمّ إنّ الذهبي نفسه روى الحديث بإسناده عن سويد بن سعيد، عن

1 . صحيح البخاري:2/159، كتاب الهبة، باب هدية ما يكره لبسها(27)، برقم 2613.
2 . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال:26/293، برقم 5548. وراجع ترجمة محمد بن جعفر القومسي في الكتاب نفسه: ج25/13، برقم 5122.
3. راجع المصادر التي ذكرناها في الصفحة المتقدّمة.

(316)
شريك، عن سلمة بن كهيل، عن الصُّنابحي( عبد الرحمن بن عسيلة)، عن عليّ، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قال: «أنا مدينة العلم، وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأت باب المدينة».(1)
وإليك أبرز كلمات نقّاد الحديث في رجال هذا الإسناد.
ـ سويد بن سعيد.
احتجّ به مسلم في صحيحه، وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن يكون صدوقاً، أو قال: لا بأس به. وأمّا ابن مَعين فأفحش فيه القول.
وقال أبو حاتم: صدوق كثير التدليس.
وقال العجلي: ثقة.
وقال الذهبي: كان صاحب حديث وحفظ، لكنّه عُمِّر وعمي، فربّما لُقِّن ممّا ليس من حديثه، وهو صادق في نفسه، صحيح الكتاب.(2)
ـ شريك بن عبد الله.
وثّقه كثيرون مثل: يحيى بن مَعين، والعجلي، وابن حبّان، وابن شاهين، وقال غير واحد: صدوق.
وقال الذهبي: الحافظ، الصادق، أحد الأئمة. وكان من أوعية العلم.
احتجّ به أصحاب السنن، وأخرج له مسلم متابعة، واستشهد به البخاري في «الجامع»، وروى له في «رفع اليدين في الصلاة» وغيره.(3)

1 . ميزان الاعتدال:2/251، الترجمة3621.
2 . انظر: ميزان الاعتدال:2/248، الترجمة 3621، و تهذيب الكمال:12/247، الترجمة 2643.
3 . انظر: تهذيب الكمال:12/462، الترجمة2736; و ميزان الاعتدال:2/270، الترجمة 3697.

(317)
ـ سلمة بن كُهيل
ثقة عند الجميع، وقد روى له أصحاب الكتب الستة.(1)
ـ عبد الرحمن بن عُسَيلة الصُّنابِحيّ.
ثقة عند الجميع، وقد روى له أصحاب الكتب الستة.(2)
فالحديث بهذا الإسناد، إمّا صحيح(3)، أو حسن (لأنّ رجاله بين الثقة والصدوق)، فكيف يُدّعى، إذاً، أنّه موضوع، وهل هذا إلاّ انصياع للهوى، وقول بغير علم؟!
وهاك مثالاً آخر يعزّز ما سبق من أنّ الذهبي قد تعامل مذهبياً مع الحديث، وليس على أساس المنهج العلمي:
قال: أخرج الترمذي عن إسماعيل بن موسى، عن محمد بن عمر الرومي، عن شريك حديث: «أنا دار الحكمة، وعليٌّ بابها».
ثمّ عقّب الذهبيّ على ذلك بقوله: فما أدري من وضعه؟(4)
فهو يحكم، إذاً، على أحد الرجلين: إسماعيل بن موسى الفزاري، أو محمد بن عمر الرومي، بوضع الحديث.
والآن، لننظر إلى أقوال أصحاب الجرح والتعديل في حقّ هذين الرجلين، حتى نقف على مدى التزامه بالمنهج العلميّ:

1 . انظر: تهذيب الكمال:11/313، الترجمة 2467.
2 . انظر: تهذيب الكمال:17/282، الترجمة 3905.
3 . إذا أخذنا بتوثيق مسلم، والعجلي، لسويد بن سعيد.
4 . ميزان الاعتدال:3/668، الترجمة 8002 .

(318)
ـ محمد بن عمر بن عبد الله الروميّ.
روى عنه من كبار المحدثين: البخاري في غير صحيحه، وأبوحاتم الرازي، ويعقوب بن سفيان الفارسي، وأبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري الكجّي.
قال تلميذه أبو حاتم: هو قديم، روى عن شريك حديثاً منكراً.(1) وعنه أيضاً: فيه ضعف.
وقال أبو زرعة: شيخ فيه لين.
وذكره ابن حبّان في كتاب «الثقات».
فأقصى ما قيل في الرجل أنّ فيه ليناً أو ضعفاً، وأين هذا من الحكم عليه أوعلى تلميذه بوضع الحديث؟
ـ إسماعيل بن موسى الفزاري(المتوفّى 245هـ).
روى عنه من كبار المحدّثين: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبخاري في كتاب «أفعال العباد»، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي (مُطيَّن).
قال تلميذه مطيّن: كان صدوقاً.
وقال أبو حاتم: صدوق.
وقال النسائيّ: ليس به بأس.
وقال ابن عديّ: أنكروا عليه الغلوّ في التشيّع(2)، وأمّا في الرواية

1 . يظهر من هذا القول أنّ المشكلة في متن الحديث، وليست في الراوي!!
2 . كيف يكون غالياً في التشيع،ويروي عنه هؤلاء المحدّثين الكبار، ومنهم البخاري، وابن خزيمة، المعروف موقفهما من الشيعة؟!

(319)
فقد احتمله الناس، وروَوا عنه.(1)
فهل يصحّ، بعد هذه الأقوال فيه، أن يكون أحد اثنين يُقطع عليهما بوضع الحديث؟
وممّا يثير العجب، أن يطعن الذهبي على الفزاريّ بمثل هذا الطعن، مع أنّ الذهبيّ نفسه قال في حقّه: صدوق شيعيّ!!(2)
ثمّ إنّ الفزاريّ لم يتفرّد برواية الحديث عن محمد بن عمر الرومي، وإنّما رواه عنه أيضاً أبو مسلم البصري الكجّي، والكجّي هذا وثّقه الدارقطني وغيره، ووصفه الذهبيّ بقوله: الإمام، الحافظ، شيخ العصر.(3)
وإذا كان الذهبي قد تعامل مع الحديث من وجهة نظر مذهبية، فاضطرب وتخبّط في مناقشة أسانيده ـ كما رأيت ـ فهل يُنتظر من ابن تيمية(وهو أشدّ تعصّباً منه) أن يبحث فيها، ليتوصّل إلى رأي علميّ محدّد من الحديث؟ كلاّ، وألف كلاّ، إنّه لا يرى ثمّة حاجة إلى البحث في أسانيده، فنظرة عجلى منه إلى متن الحديث (وهو يخصّ علياً بهذه الفضيلة الرابية)، كافية للحكم عليه بالوضع!! ومن هنا عوّل على ابن الجوزي في مناقشته لسبعة عشر طريقاً من طرقه الكثيرة، وقال: «ذكره ابن الجوزي، وبيّن أن سائر طرقه موضوعة، والكذب يُعرف من نفس المتن».(4)

1 . انظر: تهذيب الكمال:3/210، الترجمة491; وميزان الاعتدال:1/251، الترجمة 958.
2 . الكاشف للذهبي:1/129، برقم 414.
3 . سير أعلام النبلاء:13/423، الترجمة209.
4 . منهاج السنة: 7 / 515، وفي طبعة بولاق : 4 / 138.

(320)
وممّا يلاحظ على كتاب ابن الجوزي، أنّه لم يستوفِ كلّ طرق الحديث.(1) هذا أوّلاً.
وثانياً: أنّه تعسّف في الحكم على بعض طرقه، ونقل عن الرجاليين اتّهام بعض الرواة بسرقة الحديث، ولم يكشف لنا عن أسماء هؤلاء الرجاليين!!(2)
وقد ردّ عدد من حفّاظ أهل السنّة على ابن الجوزي والذهبيّ وغيرهما ممّن قالوا بأنّ الحديث موضوع، ولم يرتضوا منهم هذا القول الذي يجافي الحقيقة، وإليك بعض ردودهم:
قال الحافظ صلاح الدين خليل العلائي الدمشقي (المتوفّى 761هـ):
هذا الحديث حكم ابن الجوزي وغيره بوضعه، وعندي في ذلك نظر... إلى أن قال: والحاصل أنّه ينتهي بطرقه إلى درجة الحسن المحتجّ به، ولا يكون ضعيفاً فضلاً عن أن يكون موضوعاً. (3)
وقال الحافظ ابن حجر في لسانه: هذا الحديث له طرق كثيرة في

1 . مثل ما روي من طريق محمد بن جعفر الفيدي(من رجال البخاري)، وطريق سُويد بن سعيد(من رجال مسلم)، وغيرهما.
2 . قال: وفي الطريق الثاني: رجاء بن سلمة، وقد اتّهموه بسرقته أيضاً(الموضوعات:1/354، وفيه: جابر بن سلمة، خطأً). يشار إلى أنّني لم أجد لرجاء بن سلمة ذكراً فيما بين يديّ من كتب الجرح والتعديل. نعم ذكره ابن حجر، ولكنه لم ينقل في ترجمته سوى قول ابن الجوزي:(اتّهم بسرقة الأحاديث)، ولم يبيّن لنا مَن هو المتّهِم!!
انظر: لسان الميزان:2/456، برقم 1843 .
وقال أيضاً: في الطريق الأوّل جعفر بن محمد الفقيه، وهو متّهم بسرقة هذا الحديث (الموضوعات:1/354)، ولم ينقل لنا، أيضاً، أسماء من اتّهموه.
3 . لاحظ: النكت البديعات للسيوطي:288ـ289.

(321)
مستدرك الحاكم، أقلّ أحوالها أن يكون للحديث أصل، فلا ينبغي أن يُطلق القول عليه بالوضع.(1)
وقال أيضاً في فتوى هذا الحديث: أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: إنّه صحيح، وخالفه ابن الجوزي فذكره في الموضوعات وقال: إنّه كذب، والصواب خلاف قولهما معاً، وإنّ الحديث من قسم الحسن لا يرتقي إلى الصحة ولا ينحط إلى الكذب، وبيان ذلك يستدعي طولاً، ولكن هذا هو المعتمد في ذلك.(2)
وقال العلاّمة المتّقي الهندي(المتوفّى 975هـ): قد كنت أُجيب بهذا الجواب (يعني جواب ابن حجر) دهراً إلى أن وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث عليّ في «تهذيب الآثار»(3)، مع تصحيح الحاكم لحديث ابن عباس، فاستخرتُ الله وجزمتُ بارتقاء الحديث من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحّة. والله أعلم.(4)
أقول: يتّضح ممّا تقدّم أنّ حديث (باب مدينة العلم)، قد صحّحه يحيى بن مَعين(5) (المتوفّى 233هـ)، وابن جرير الطبري (المتوفّى 310 هـ)،

1 . لسان الميزان:2/123، الترجمة513.
2 . النكت البديعات:289، وكنز العمّال:13/148.
3 . تهذيب الآثار:1/189، الحديث180، مطابع الصفا بمكة المكرمة، 1402هـ .
4 . كنز العمال:13/149.
5 . قد مرّ عليك جوابه لصالح بن محمد بن عمرو بن حبيب المعروف بـ (جزرة)، وقد سأله عن رواية أبي الصلت لحديث (باب مدينة العلم): قد روى هذا، ذاك الفيدي عن أبي معاوية كما رواه أبو الصلت.
وقال المتقي الهندي: وروى الخطيب البغدادي في تاريخه عن يحيى بن معين أنّه سئل عن حديث ابن عباس، فقال: هو صحيح. كنزالعمال:13/148.

(322)
والحاكم النيسابوري (المتوفّى 405 هـ)، والمتّقي الهندي (المتوفّى 975هـ).
وحسّنه صلاح الدين العلائي (المتوفّى 761هـ)، وابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 هـ).
ويتّضح أيضاً، أنّ القائلين ببطلانه (لم يأتوا في ذلك بعلّة قادحة، سوى دعوى الوضع دفعاً بالصدر)، كما أكّد ذلك الحافظ صلاح الدين العلائي الدمشقي.(1)
وأظن أنّ دراسة الحديث أزيد من هذا المقدار خارج عن إطار بحثنا، ومن أراد التفصيل والوقوف على كلمات العلماء حول الحديث فليرجع إلى «عبقات الأنوار» أو «نفحات الأزهار»، وكتاب «الغدير».(2)

1 . انظر: كنز العمّال:13/148.
2 . الغدير:6/87 ـ 117; نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار: ج10 وج11 و ج12.

(323)
15

ابن تيمية وقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أقضاكم عليّ»

يقول ابن تيمية: وأمّا قول الحلّي: ]قال رسول الله:«أقضاكم علي» والقضاء يستلزم العلم والدين[، فهذا الحديث لم يثبت وليس له إسناد تقوم به الحجّة.(1)
كيف يقول: (فهذا الحديث لم يثبت، وليس له إسناد تقوم به الحجّة); وقد روى أحمد في مسنده عن أبي عبد الرحمن: وجدت في كتاب أبي بخط يده في هذا الحديث قال لبنته فاطمة: «أو ما ترضين أنّي قد زوّجتك أقدم أُمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً».(2)
وأخرج البغوي عن أنس، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «أقضى أُمّتي علي». فقال محبّ الدين الطبري (المتوفّى 694هـ): أخرجه البغوي في المصابيح، في الحسان وقال: وعن عمر، قال: أقضانا علي. أخرجه الحافظ السلفي.(3)
وروى أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه عن ابن عباس: قال: قال عمر: علي أقضانا وأُبي أقرؤنا.(3)

1 . منهاج السنّة: 7/512ـ513، وفي طبعة بولاق : 4/138.
2 . مسند أحمد:5/26. 3 . ذخائر العقبى:83.
3 . مسند أحمد :5/113; مستدرك الحاكم:3/305.

(324)
وروى ابن عبد البر في «الاستيعاب» بسنده إلى أبي فروة ]عروة بن الحارث الهمْدانيّ[ قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا.(1)
وروى ابن عبد البر أيضاً بسنده عن علقمة، عن عبد الله]بن مسعود [قال: كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب.(2)
وأورد ابن حجر في «فتح الباري» قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أقضى أُمّتي عليٌّ»، وقال، وهو يشرح قول عمر بن الخطاب المرويّ في البخاري:
«أقرأنا أُبيّ، وأقضانا عليّ»(3) قال: كذا أخرجه موقوفاً، وقد أخرجه الترمذي وغيره من طريق أبي قلابة، عن أنس مرفوعاً في ذكر أُبيّ.
ثم قال ما نصّه: وأمّا قوله: «وأقضانا عليّ»; فورد في حديث مرفوع أيضاً عن أنس رفعه: «أقضى أُمّتي علي بن أبي طالب»، أخرجه البغوي.
وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مرسلاً: «أرحم أُمّتي بأُمّتي أبو بكر وأقضاهم علي» الحديث.
ورويناه موصولاً في فوائد أبي بكر محمد بن العباس بن نجيح من حديث أبي سعيد الخدري مثله.
وروى البزار من حديث ابن مسعود قال: كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب(رضي الله عنه).أ.هـ.(4)

1 . الاستيعاب :3/1102، الترجمة1855. 2 . الاستيعاب:3/1103.
3 . صحيح البخاري:5/149، كتاب تفسير القرآن.
4 . فتح الباري:8/167، برقم 4481.

(325)
16

ابن تيمية وحديث قتال الناكثين والقاسطين والمارقين

وممّا ينبئ عن نزعة ابن تيميّة الأموية، هو إنكاره حديث قتال الناكثين الذي رواه غير واحد من الصحابة والتابعين والحفّاظ والعلماء والمؤلّفين، وحاصل الحديث: أنّ علياً (عليه السلام)قال: «أمرني رسول الله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين».
وفي لفظ آخر عن أحد الصحابة: إنّ رسول الله أمرنا بقتال ثلاثة مع علي، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. إلى غير ذلك من ألفاظ الحديث.
يقول ابن تيمية ما هذا نصّه: وأمّا الحديث الذي يُروى أنّه أُمر بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين، فهو حديث موضوع على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
أقول: إنّ إخبار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ عليّاً يقاتل هذه الطوائف الثلاث، قد ورد بصور مختلفة لا يمكن لمتحدّث ـ فضلاً عن المحدّث ـ رمي هذه الأحاديث الهائلة بالوضع والكذب، إلاّ إذا كان من رماة القول على عواهنه الذين يردّون كلّ ما لا يوافق هواهم.

الصورة الأُولى:

قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لنسائه: كيف بإحداكنّ إذا نبح عليها كلاب الحوأب.
أو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لهن: أيتكنّ تنبح عليها (تنبحها) كلاب الحوأب.

1 . منهاج السنّة: 6/112، وفي طبعة بولاق : 3/156.

(326)
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)لهن: ليت شعري أيتكنّ تنبحها كلاب الحوأب، سائرة إلى الشرق في كتيبة.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لهن: ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الأزبّ، تنبحها كلاب الحوأب.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعائشة: وكأنّي بإحداكنّ قد نبحها كلاب الحوأب، وإيّاك أن تكوني أنت يا حميراء.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا حميراء، كأنّي بك تنبحك كلاب الحوأب، تقاتلين عليّاً وأنت له ظالمة.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام): إن وليت من أمرها شيئاً فارفق بها.
وقد ذكر هذه النصوص حفاظ المحدثين وخبراء التاريخ، اقرأ مصادرها ومداركها في كتاب الغدير.(1) وليس في وسعنا ذكر مصادر هذه الصور مع كثرتها الهائلة.
وإليك شيئاً ممّا روي في هذا المجال:
روى الإمام أحمد بإسناده عن قيس بن أبي حازم، قال:
لمّا أقبلت عائشة، فلمّا بلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب، فقالت: أيّ ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب. قالت: ما أظنّي إلاّ أنّني راجعة. قال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراكِ المسلمون، فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذات يوم: «كيف بإحداكنّ تنبحُ عليها كلاب الحوأب».(2)
وقال الحاكم في المستدرك: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب

1 . الغدير:3/267ـ269. 2 . مسند أحمد:6/52 و 97.

(327)
الحافظ، ثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، قال: لمّا بلغت عائشة بعض ديار بني عامر نبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب. قالت: ما أظنّني إلاّ راجعة، فقال الزبير: لا بعد، تقدّمي ويراك الناس ويصلح الله ذات بينهم. قالت:ما أظنّني إلاّ راجعة، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «كيف بإحداكنّ إذا نبحتها كلاب الحوأب».(1)
وقد مرّ بنا تحت عنوان (نتائج خلافة علي) تصحيح ابن حبّان، والحاكم، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر، لحديث الحوأب، فراجع.

الصورة الثانية:

وممّا يدلّ على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر علياً بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، هو ما رواه ابن عساكر عن أبي صادق(رضي الله عنه)، قال: قدم أبو أيّوب العراق، فأهدت له الأزد جُزراً، فبعثوا بها معي، فدخلت إليه فسلّمت عليه، وقلت له: قد أكرمك الله بصحبة نبيّه ونزوله عليك، فمالي أراك تستقبل الناس تقاتلهم؟! تستقبل هؤلاء مرّة، وهؤلاء مرّة؟ فقال: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عهد إلينا أن نقاتل مع عليّ الناكثين، فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين، فهذا وجهنا إليهم ـ يعني معاوية وأصحابه ـ وعهد إلينا أن نقاتل مع عليٍّ المارقين، فلم أرهم بعد.(2)
أخرج الحاكم في مستدركه عن أبي أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن

1 . مستدرك الحاكم:3/120.
2 . تاريخ دمشق لابن عساكر: 16/54، كنز العمال:11/352، برقم 31720.

(328)
الخطاب قال: أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.(1)
وروى ابن عساكر بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فأتى منزل أُمّ سلمة، فجاء عليّ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أُمّ سلمة هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين بعدي».(2)
ولهذا الحديث طرق كثيرة، وقد تقدّم تحت عنوان (نتائج خلافة علي) قول بعض المحقّقين بأنّ مجموع هذه الطرق يقتضي صحّة الحديث، أو حسنه على أقلّ تقدير.(3)

الصورة الثالثة:

أخرج أحمد في مسنده عن أبي رافع إنّ رسول الله قال لعلي: سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال: أنا يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أنا؟ قال: نعم، قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكن إذا كان ذلك، فارددها إلى مأمنها».(4)
إلى غير ذلك من الصور المختلفة للحديث التي يحكي جميعها عن أنّ عليّاً يواجه بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ثلاث فرق ثلاث كلهم ظالمون خارجون عليه خروج البغاة على إمامهم، ولذلك روي عن الإمام الشافعيّ أنّه قال: لولا عليٌّ لما عُرف شيء من أحكام أهل البغي.(5)

1 . مستدرك الحاكم:3/139.
2 . تاريخ مدينة دمشق:42/470; تاريخ ابن كثير:7/317; كنز العمال:13/110، برقم 36361.
3 . راجع ص 277 ـ 279 من هذا الكتاب. 4 . مسند أحمد:6/393; مجمع الزوائد:7/234.
5 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:9/331.

(329)
17

ابن تيمية وقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«من أحبّ علياً فقد أحبني»

روى العلاّمة الحلّي أحاديث في فضل علي(عليه السلام) ومنها: أنّه قال رجل لسلمان: ما أشدّ حُبّك لعلي؟ قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «من أحبّ عليّاً فقد أحبني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني».
ثمّ إنّ ابن تيمية قال: فالعشرة الأُولى ]من هذه الأحاديث[ كلّها كذب.(1)
قال ذلك من دون أن يأتي بشيء يدلّ على كذب هذه الأحاديث التي منها حديث حبّ عليّ(عليه السلام).
وهانحن نذكر ما وقفنا عليه من المصادر التي ذكرت هذا الحديث.
أقول: أخرج الحاكم عن أبي عثمان النهدي، قال: قال رجل لسلمان: ما أشدّ حبّك لعليّ، قال: سمعت رسول الله يقول: «من أحبّ علياً فقد أحبني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني». ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقد أقرّه الذهبي في تلخيصه، فقال في آخر الحديث: (خ م)(2)، وهي إشارة إلى أنّ الحديث صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وأخرج الطبراني في الكبير عن أُمّ سلمة قالت: أشهد أنّي سمعت رسول

1 . منهاج السنّة: 5/36ـ42، وفي طبعة بولاق : 3/10. 2 . المستدرك:3/130.

(330)
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «من أحب عليّاً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحبّ الله، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله».(1)
قال الحافظ الهيثمي بعد إيراده الحديث: إسناده حسن.(2)
ويؤيد ذلك ما رواه مسلم عن علي(عليه السلام) قال: «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأُمّي إليّ: أنّه لا يحبني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق».(3)
فليحذر ابن تيمية من أن يكون ممّن لا يحبّه فإنّ كثيراً من عباراته في منهاجه يدل بوضوح على أنّ الرجل لا يحب علياً، بل في قلبه منه شيء، بل يتمادى في بغضه، حتى أنّه لم يحب صحابة علي(عليه السلام)كذلك، فقال في حقّ أبي ذرّ: وأمّا كون أبي ذر من أصدق الناس(4) فذاك لا يوجب أنّه أفضل من غيره. إلى أن قال: والحديث المذكور بهذا اللفظ الذي ذكره الرافضي ضعيف، بل موضوع، وليس له إسناد يقوم به.(5)
أقول: روى الترمذي بإسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ما أقلّتِ الغبراءُ ولا أظلّتِ الخضراءُ من رجل أصدقَ لهجةً من أبي ذرّ».
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي ذرّ.(6)

1 . المعجم الكبير:23/380. 2 . مجمع الزوائد:9/132.
3 . صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أنّ حب الأنصار وعلي من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النفاق.
4 . يشير إلى حديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر».
5 . منهاج السنّة: 6/275ـ 276، وفي طبعة بولاق : 3/199.
6 . سنن الترمذي:1082، باب مناقب أبي ذرّ الغفاري، ح3827، تحقيق صدقي جميل العطار.

(331)
ثمّ روى الحديث(وهي رواية مطوّلة) عن أبي ذرّ، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.(1)
وقد صحّح الألباني الحديث، وحسّن الرواية المطوّلة(2) وفيها لفظ: (ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الخضراء من ذي لهجة...).
وأخرج الحاكم في مستدركه عن عبد الرحمن بن غنم قال: كنت مع أبي الدرداء فجاء رجل من قبل المدينة فسأله فأخبره أنّ أبا ذر مسيّر إلى الربذة، فقال أبو الدرداء: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لو أنّ أبا ذر قطع لي عضواً أو يداً ما هجنته بعدما سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر». قال الذهبي: سنده جيّد.(3)
كما أنّ الحديث قد رواه غير واحد من الحفّاظ والمحدّثين، ومنهم ابن سعد.(4) وابن ماجة(5) وأحمد بن حنبل(6)، وغيرهم ممّن رووا هذا الحديث من طرق مختلفة وبألفاظ متفاوتة.
وقد جمع العلاّمة الأميني طرق وألفاظ هذا الحديث.(7) فمن نظر إلى طرق الحديث وكثرة ناقليه يقف على أنّه في غاية الصحّة والمتانة غير أنّ النزعة الأموية عند ابن تيمية حالت بين بصيرته وواقع الحديث فجعلته يقول: وليس له إسناد يقوم به.

1 . سنن الترمذي: 1082، ح3828. 2 . صحيح الجامع الصغير:5/124.
3 . المستدرك:3/344. 4 . الطبقات الكبرى:4/228.
5 . سنن ابن ماجة:56، ح156، تحقيق صدقي جميل العطّار.
6 . مسند أحمد:2/163، و175.
7 . الغدير:8/439ـ 442.

(332)
18

ابن تيمية ونزول (هَلْ أَتَى) في حقّ العترة

قال ابن تيمية: ومنها:(1) قوله ]يعني العلاّمة الحلي[: نزل في حقّهم:
(هَلْ أَتَى )، فإنّ سورة (هَلْ أَتَى )مكيّة باتفاق العلماء وعليّ إنّما
تزوّج فاطمة بالمدينة بعد الهجـرة ولم يدخل بها إلاّ بعد غزوة بدر وولد له الحسن في السنة الثانية من الهجرة والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول (هَلْ أَتَى)بسنين كثيرة، فقول القائل: إنّها نزلت فيهم، من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول القرآن وعلم بأحوال هؤلاء السادة الأخيار (2).
ونحن نناقشه في كلامه هذا من خلال النقاط التالية:
الأُولى: إنّ دعوى ابن تيمية أنّ السورة مكيّة باتّفاق العلماء، تدلّ على فرط جهله بالنقل، أو على تعمّده الكذب، فأقوال العلماء لم تتّفق على أنّ السورة مكية، وإنّما ذهب الكثير منهم، بل أكثرهم، إلى أنّها مدنيّة، وقد استفاضت بذكر ذلك روايات أهل السنة، فروى مجاهد عن ابن عباس: أنّها

1 . يعني الأحاديث الموضوعة حسب ما قاله ابن تيمية.
2 . منهاج السنّة: 4/20، وفي طبعة بولاق : 2/117.

(333)
مدنيّة. وهو قول مجاهد، وقتادة، (وعكرمة، والحسن البصري، والكلبيّ)(1)، وجابر بن زيد.(2)
أمّا روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد أطبقت على كونها مدنيّة.
فأين اتّفاق العلماء على كونها مكيّة، يا شيخ الإسلام (الأموي)؟!!
الثانية: إنّ لفظ (الأسير) الوارد في السورة، يؤيد (بل يؤكد) أنّ السورة (أو الآيات التي تضمّنت قصة الإطعام) مدنية، فثمّة ثلاثة أقوال للمفسّرين في المراد بالأسير:
أحدها: أنّه الأسير من المشركين، وبتعبير الطبري: هو الحربيّ من أهل دار الحرب، يؤخذ قهراً بالغلبة. وهو قول ابن عباس، والحسن البصريّ، وقتادة، وعكرمة.
وهذا القول يناسب الظاهر من لفظ (الأسير).
ثانيها: المسجون من أهل القبلة. وهو قول مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير.(3)
ثالثها: المملوك (العبد). وبه قال السُّدّيّ.(4)

1 . قال هؤلاء الثلاثة: إنّ السورة مدنية إلاّ قوله:(وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أوْ كَفُوراً)، أو قوله: (فاصْبِرْ لحكم رَبِّكَ).
2 . تفسير البغوي:5/188; والتحرير والتنوير (تفسير ابن عاشور): 29/343ـ344 (وفيه: أنّ جابر بن زيد عدّها الثامنة والتسعين في ترتيب السور، وقال: نزلت بعد سورة الرحمن، وقبل سورة الطلاق).
3 . جامع البيان (تفسير الطبري): 14/254 ـ 255 (الأثر: 35782 ـ 35790); والتفسير الكبير للفخر الرازيّ: 30/245.
4 . التفسير الكبير للفخر الرازي:30/245.

(334)
قال العلامة الآلوسيّ: وتسمية المسجون أسيراً مجاز، لمنعه من الخروج، وأمّا تسمية المملوك، فمجاز أيضاً لكن قيل باعتبار ما كان، وقيل باعتبار شبهه به في تقييده بأسار الأمر وعدم تمكّنه من فعل ما يهوى.(1)
يُشار إلى أنّ الطبري اقتصر على ذكر القولين الأوّلَين (وروى بإسناده عن الحسن البصري أنّه قال: ما كان أسراهم إلاّ المشركين)(2)، وكذلك فعل الشيخ الطوسيّ من مفسّري الإمامية.(3)
وقال الطبراني:و(الأسير): الكافر المأسور في أيدي المؤمنين، ويقال: الأسير: العبد.(4)
وأنت ترى ـ عزيزي القارئ ـ أنّ القول بأنّ المراد بالأسير، هو المشرك المأخوذ من أهل دار الحرب، هو القول الأقوى والأنسب لظاهر اللفظ. وهنا نسأل ابن تيمية ومقلّديه:
متى تمكّن المسلمون من أخذ المشركين أسرى؟ أفي مكة أم في المدينة؟ أفي مكة التي كانوا فيها مضطهدين معذَّبين مُطارَدين، أم في المدينة التي قويت فيها شوكتهم، واستحصدت فيها قوّتهم؟
وأمّا إذا أخذنا بقول من قال إنّ المراد بالأسير، هو الأسير من أهل القبلة، فإنّ هذا إنّما يستقيم ـ كما يقول الطيبي ـ إذا اتّفق الإطعام في دار الحرب من المسلم لأسير في أيديهم(5) (أي في أيدي الكفّار).

1 . روح المعاني:29/156.      2 . جامع البيان:14/255. 3 . التبيان في تفسير القرآن:10/210.
4 . التفسير الكبير للطبراني:6/402، دار الكتاب الثقافي بالأردن، 2008م.
5 . روح المعاني:29/155.

(335)
ومن المعلوم أنّه ليس ثمّة ما يدلّ على أنّ المشركين في مكّة قد أسروا أحداً من المسلمين، حتى يؤثره مسلم آخر بطعامه.
فكيف يقال، بعد هذا كلّه، أنّ السورة بتمامها مكية؟!
وإلى هذا المعنى أشار العلاّمة الطباطبائي، بقوله:
ثمّ إنّ عدّ الأسير فيمن أطعمه هؤلاء الأبرار نعم الشاهد على كون الآيات مدنية، فإنّ الأسر إنّما كان بعد هجرة النبي(صلى الله عليه وآله)، وظهور الإسلام على الكفر والشرك لا قبلها.(1)
الثالثة: أنّ نزول هذه الآيات في عليّ وأهل بيته(عليهم السلام)لإيثارهم المسكين واليتيم والأسير، قد ذكره جمع من العلماء والمفسّرين من أهل السنّة، ومن المعتزلة (فضلاً عن الشيعة)، ومنهم: أبو جعفر الإسكافي المعتزليّ(المتوفّى 240هـ)، وابن عبد ربّه الأندلسي المالكي(2)(المتوفّى 328هـ)، والحافظ أبو بكر بن مردويه(3)(المتوفّى 416هـ)، وأبو إسحاق الثعلبي(4)(المتوفّى 427هـ)، وأبو الحسن الواحدي(5)(المتوفّى 468هـ)، والحسين بن مسعود البغوي الشافعي(المتوفّى 516هـ)، وأبو القاسم الزمخشري المعتزلي(6)(المتوفّى 538هـ)، وفخر الدين الرازي الشافعي(المتوفّى 606هـ)، والقاضي

1 . الميزان في تفسير القرآن:20/127.
2 . العقد الفريد:5/354(فقرة: احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّ).
3 . انظر: الدر المنثور للسيوطي:8/371.
4 . تفسير الثعلبي:10/98ـ 102.
5 . أسباب النزول:296.
6 . تفسير الكشاف:4/670.

(336)
ناصر الدين البيضاوي الشافعي(1) (المتوفّى 685هـ)، وحافظ الدين عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي(2) (المتوفّى 701هـ)، وطائفة.
وإليك أقوال ثلاثة من هؤلاء الأعلام:
قال أبو جعفر الإسكافي، وهو يذكر فضائل علي(عليه السلام):
وهو الذي أطعم الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وأُنزلت فيه وفي زوجته وابنيه سورة كاملة من القرآن.(3)
وقال البغوي: روي عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس: نزلت ]يعني آية الإطعام[ في علي بن أبي طالب، وذلك أنّه عمل ليهودي بشيء من الشعير، فقبض الشعير، فطحن ثلثه، فجعلوه منه شيئاً ليأكلون، فلمّا تمّ إنضاجه أتى مسكين فسأل، فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني، فلمّا تمّ إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي، فلما تمّ إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطوَوْا يومهم ذلك.(4)
وقال الفخر الرازي:
والواحدي من أصحابنا ـ يعني من أهل السنّة ـ ذكر في كتاب البسيط أنّها نزلت في حقّ علي(عليه السلام)، وصاحب «الكشاف» من المعتزلة ذكر هذه القصة، فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) مرضا،

1 . تفسير البيضاوي:2/552ـ553.
2 . تفسير النسفي:4/318.
3 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:13/276، الخطبة 238.
4 . تفسير البغوي(معالم التنزيل):5/191ـ192.

(337)
فعادهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أُناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما... (إلى أن قال): فنزل جبريل، وقال: خذها يا محمد هنّأك الله في أهل بيتك، فاقرأ هذه السورة».(1)
هذا، وقد صرّح كلّ من محيي الدين ابن عربي(2) (المتوفّى 638هـ)، والسيد محمود الآلوسي البغدادي(المتوفّى 1270هـ) بأنّ خبر نزولها في عليّ وأهل بيته(عليهم السلام)، مشهور بين الناس، ثم نقل الآلوسي هذين البيتين في مدح عليّ(عليه السلام).
إلامَ أُلام وحتى متى *** أُعاتَبُ في حبّ هذا الفتى
وهل زُوِّجتْ غيره فاطم *** وفي غيره هل أتى (هَلْ أَتَى)(3)
فهل تجد ـ عزيزي القارئ ـ إذا ما وقفتَ على ما تقدّم وعلى غيره(4)، باعثاً لتكذيب ابن تيمية القول بنزول (هَلْ أَتَى) في حقّ عليّ وأهل بيته، إلاّ الحنق الذي يحول بين القلب وبين الاستجابة للبرهان الناصع المنير(فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَ لَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ).(5)

1 . تفسير الرازي، (التفسير الكبير):30/243ـ244.
2 . تفسير ابن عربي:2/370، دار الكتب العلمية، 1422 هـ .
3 . روح المعاني:29/157.
4 . أنهى شيخنا الأميني(رحمه الله) عدد من نقل خبر نزول السورة (أو آيات قصة الإطعام) إلى (34) مفسّراً ومحدّثاً، وهو ـ بالطبع ـ لم يستوفِ أسماء جميع الناقلين له. انظر: الغدير:3/55ـ160.
5 . الحجّ: 46.
Website Security Test