welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(1)
بسم الله الرحمن الرحيم

(2)

(3)
ابن تيمية
فكراً ومنهجاً

(4)

الإهداء

إلى الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه..
إلى الذين ينتهجون سبل البحث العلمي، سعياً وراء الحقيقة..
إلى الذين تحرّروا من أسر الأهواء والنزعات الشخصية، وأثروا إنصاف الحق..
إلى الذين ينظرون إلى الأُمور بعقلية فاحصة دارسة، لا بعقلية التقليد الأعمى والتقديس الأجوف..
إليهم جميعاً، أُهدي هذا الكتاب مشفوعاً بصادق الودَّ، وخالص المحبّة.
المؤلف

(5)
 
 
ابن تيمية
فكراً ومنهجاً
قراءة نقدية لعقائد وآراء ابن تيمية ومناقشتها على ضوء الكتاب العزيز والسنّة النبوية والعقل الحصيف
 
تأليف
الراجي عفو ربّه
جعفر السبحاني
 
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

(6)
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق. ـ
      ابن تيمية فكراً ومنهجاً: قراءة نقدية لعقائد وآراء ابن تيمية ومناقشتها على ضوء الكتاب العزيز... / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1432 ق = 1390
      616 ص . 1 ـ 490ـ 357 ـ 964 ـ 978ISBN:
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا.
      1. ابن تيمية، أحمد بن عبدالحليم، 661 ـ 728 ق. ـ ـ نقد و تفسير. 2 . وهابية ـ ـ شبه وردود . 3 . شيعة ـ ـ شبه وردود.
      65/201BP 1390 2س 17الف 416/297
      المكتبة الوطنية في ايران 2482562
اسم الكتاب: ابن تيمية فكراً ومنهجاً
المؤلّف: العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة: الأُولى - 1432هـ . ق
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الكمية: 1000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني: … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
      تسلسل النشر:663                  تسلسل الطبعة الأُولى:380
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 251-98+ ; 9121519271 - 98+
http://www.imamsadiq.org

(7)

الإنسان بآرائه وأفكاره

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأشرف رسله محمد وآله الطاهرين.
أمّا بعد;
إذا أردنا أن نتعرّف على حقيقة شيء ما، فأقرب الطرق وأحسنها هو التعرّف على آثاره وثمراته، فإنّ الأثر خير دليل على واقع المؤثّر، فحلاوة الثمرة آية كون الشجرة طيّبة، ومرُّها دليل على أنّها شجرة خبيثة، وكلٌّ يعكس ما عليه الشيء من كمال وجمال، أو عيب ونقصان; وهذا ما ينطبق على الإنسان، فأفضل وسيلة لتقييمه هي مراجعة آثاره ومؤلّفاته ودراسة ما فيها من آراء وعقائد، دون الاعتماد على تعديل هذا وجرح ذاك، على الرغم من أهميّة الجرح والتعديل وأقوال العلماء في تقييم الرجال.
هذا وقد اختلفت الآراء في أحمد بن تيمية الحرّاني(662ـ 728هـ) فمن الناس من يصفه بالإمام في العقائد والمعارف والتفسير والفقه، ويستشهد

(8)
بكلامه ولا يجيز لنفسه ولا لغيره العدول عن مواقفه وآرائه قيد أنملة.
ومنهم من يقف على طرف النقيض من ذلك، ويقول: إنّه عبد خذله الله، وأضلّه وأعماه وأصمّه.
ونحن لا ندري أيّاً من الرأيين هو الصواب، فلو اتّبعنا أحدهما فقد بخسنا حق الرجل حيث اقتفينا أقوالهم ـ في مدحه وذمّه ـ بلا دليل.
ولذلك سلكْنا منهج الدراسة الصحيحة، وهو قراءة أفكاره وآرائه في ما تركه من الكتب والرسائل، واتّخذنا موقفاً علميّاً يرضاه الله سبحانه ورسوله، منطلقين من قوله سبحانه: (ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم إنَّ السَّمعَ وَالْبَصَرَ والفُؤاد كلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤولاً).(1)
وسنقرأ شيئاً من آراء العلماء في حقّه وستجدها ـ كما قلنا ـ على طرفي نقيض.

اختلاف آراء العلماء في ابن تيمية

اختلفت أنظار العلماء في أحمد بن تيمية اختلافاً شديداً، وها نحن نذكر شيئاً من كلمات المادحين والذاميّن ولا نستقصي، إذ يطول عندئذ الكلام، كما يطول موقفنا مع القرّاء الكرام.

كلمات المادحين :

1. وصفه محمد بن شاكر الكتبي بقوله: الإمام العلاّمة، الفقيه، المفسّر، الحافظ، المحدّث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف والذكاء، تقي

1 . الإسراء:36.

(9)
الدين أبو العباس ابن العالم المفتي شهاب الدين ابن الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات. قرأ بنفسه ونسخ عدّة أجزاء وصار من أئمة النقد ومن علماء الأثر مع التديّن والذكر والصيانة والنزاهة عن حطام هذه الدار، ثم أقبل على الفقه ودقائقه، وغاص على مباحثه... .(1)
2. وصفه تلميذه الذهبي(المتوفّى749هـ) قائلاً: وصنّف في فنون، ولعلّ تآليفه تبلغ ثلاثمائة مجلّدة، وكان قوّالاً بالحق، نهّاءً عن المنكر، ذا سطوة وإقدام وعدم مداراة .(2)
3. أفاض عبد الحي ابن العماد الحنبلي الكلام في حياة ابن تيمية ونقل كلمات المادحين على وجه التفصيل، وقال:
أقبل على العلوم في صغره فأخذ الفقه والأُصول عن والده ـ إلى أن قال ـ : وبرع في ذلك وناظر وقرأ العربية على ابن عبد القوي ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه، وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه، وأحكم أُصول الفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم، ونظر في الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله وردّ على رؤسائهم وأكابرهم.(3)
وسيوافيك ـ عند دراسة آرائه ـ أنّه تأثّر بالفلسفة الإغريقية وقال بقِدَم العالَم وعدم حدوثه، مكان الردّ عليها.
4. ووصفه صلاح الدين الصفدي بقوله: الشيخ الإمام العالم العلاّمة

1 . فوات الوفيات:1/74. 2 . نفس المصدر:1/75. نقلاً عن الذهبي.
3 . شذرات الذهب في أخبار من ذهب:6/80 ـ 81 .

(10)
المفسّر الفقيه، المجتهد الحافظ، المحدّث شيخ الإسلام ونادرة العصر، ذو التصانيف والذكاء والحافظة المفرطة....(1)
5. وقال عنه الحافظ شمس الدين الداوودي: الإمام العلاّمة، الفقيه المجتهد، الناقد المفسّر، البارع الأُصولي، شيخ الإسلام، علم الزهاد، نادرة دهره... إلى أن قال: شهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره.(2)

كلمات القادحين

قد اطّلعتَ على كلمات بعض المادحين الذين عرّفوه على الوجه الذي عرفت، وهناك كلمات قادحة وذامّة لمن وقف على آثاره وكتبه أو شافهه وكلّمه، وإليك نزراً من هذه الكلمات :
1. يقول شهاب الدين ابن جهبل الحلبي(المتوفّى 733هـ) في الرسالة التي صنفها في نفي الجهة ردّاً على ابن تيمية ما هذا لفظه: فالذي دعا إلى تصدير هذه النبذة ما وقع في هذه المدّة، ممّا علّقه بعضهم في إثبات الجهة واغترّ بها من لم يرسخ له في التعليم قدم، ولم يتعلّق بأذيال المعرفة، ولا سحبه لجام الفهم ولا استبصر بنور الحكمة، فأحببت أن أذكر عقيدة أهل السنّة وأهل الجماعة ثم أُبيّن فساد ما ذكره، مع أنّه لم يدّع دعوى إلاّ نقضها، ولا أطّد قاعدة إلاّ هدمها.(3)
2. يقول الحافظ علي بن عبد الكافي السبكي(المتوفّى756هـ) في خطبة

1 . الوافي بالوفيات:7/15، الترجمة2964. 2 . طبقات المفسرين:1/46،الترجمة42.
3 . طبقات الشافعية الكبرى:9/34ـ35.

(11)
كتابه «الدرة المضيّة في الردّ على ابن تيمية» ما هذا لفظه:
أمّا بعد، فإنّه لمّا أحدث ابن تيمية ما أحدث في أُصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنّة، مظهراً أنّه داع إلى الحق، هاد إلى الجنة، فخرج عن الاتّباع إلى الابتداع، وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدّسة، وإنّ الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وإنّ القرآن محدث تكلم الله به بعد أن لم يكن، وإنّه يتكلّم ويسكت، ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدّى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزم بالقول بأنّه لا أوّل للمخلوقات فقال بحوادث لا أوّل لها، فأثبت الصفة القديمة، حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّة من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاث والسبعين التي افترقت عليها الأُمّة، ولا وقفت به مع أُمّة من الأُمم همة، وكلّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً، ممّا نقل جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع... .(1)
3. يقول أبو بكر الحصني الدمشقي(المتوفّى 829هـ) في حق ابن تيمية: فاعلم أنّي نظرت في كلام هذا الخبيث الذي في قلبه مرض الزيغ، المتتبع ما تشابه من الكتاب والسنّة ابتغاء الفتنة، وتبعه على ذلك خلق من العوام وغيرهم ممّن أراد الله عزّ وجلّ إهلاكه، فوجدت فيه ما لا أقدر على النطق به، ولا لي أنامل تطاوعني على رسمه وتسطيره، لما فيه من تكذيب ربّ العالمين، في تنزيهه لنفسه في كتابه المبين، وكذا الازدراء بأصفيائه

1 . لاحظ: الرسائل السبكية:121، طبع دار عالم الكتب، بيروت، 1403هـ .

(12)
المنتخبين وخلفائهم الراشدين، وأتباعهم الموفقين، فعدلت عن ذلك إلى ذكر ما ذكره الأئمة المتّقون، وما اتّفقوا عليه من تبديعه وإخراجه ببغضه من الدين... .(1)
4. يقول شهاب الدين ابن حجر الهيتمي(المتوفّى 974هـ):ابن تيمية عبد خذله الله، وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه، بذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتّفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد، أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية، ولم يقصر اعتراضه على متأخّري السلف الصوفية بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب(رضي الله عنه).
والحاصل أنّه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كلّ وعر وحَزْن، ويعتقد فيه أنّه مبتدع ضال، مضلّ، غال. عامله الله بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله.(2)
وقال أيضاً في كتابه«الجوهر المنظّم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرّم»:
فإن قلت: كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها، وابن تيمية من متأخّري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كلّه، كما رآه السبكي في خطّه، وأطال ابن تيمية في الاستدلال بذلك بما تمجّه

1 . دفع شبهة من شبّه وتمرّد:216، طبع مصر، عام 1350هـ . ولاحظ ص 83 من الطبعة المحقّقة، ط 1418هـ .
2 . الفتاوى الحديثية:86 ، ونقله العلاّمة الشيخ محمد نجيب(المتوفّى 1354هـ) في كتابه «تطهير الفؤاد»:9، ط مصر.

(13)
الأسماع وتنفر منه الطباع، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً، وأنّه لا تقصَّر فيه الصلاة، وأنّ جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة، وتبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه.
قلت: من هو ابن تيمية حتّى ينظر إليه؟ أو يعوّل في شيء من أُمور الدين عليه؟ وهل هو إلاّ كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة، وحججه الكاسدة، حتّى أظهروا عوار سقطاته، وقبائح أوهامه وغلطاته، كالعز بن جماعة: عبد أذلّه الله وأغواه، وألبسه رداء الخزي، وبوّأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان، وأوجب له الحرمان.(1)
ونحن نقتصر على هذه الكلمات التي قيلت في مدحه وفي ذمّه، ولا نطيل أكثر(2)، غير أنّ هنا نكتة نلفت إليها نظر القارئ، وسيقف عليها في ثنايا الكتاب عن كثب، وهي ما نبّه عليها الشيخ سلامة القضاعي العزامي المصري(المتوفّى 1379هـ) في كتابه «فرقان القرآن» حيث قال: ومن عجيب أمر هذا الرجل أنّه إذا ابتدع شيئاً حكى عليه إجماع الأوّلين والآخرين كذباً وزوراً، وربما تجد تناقضه في الصفحة الواحدة، فتجده في منهاجه مثلاً يدّعي أنّه ما من حادث إلاّ وقبله حادث إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي، ثم يقول: وعلى ذلك أجمع الصحابة والتابعون. وبعد قليل يحكي اختلافاً لحق الصحابة في أوّل مخلوق ما هو؟ أهو القلم أم الماء؟ وبينما تراه يتكلّم

1 . فرقان القرآن:132، طبع في مقدمة كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي.
2 . الكلمات التي قيلت في مدح الرجل أو ذمّه كثيرة، لا يتسع المجال، هنا، لنقلها، وما صدر ضدّه كان أكثر بكثير ممّا صدر لصالحه، وللوقوف على كلمات الذين ردّوا عليه، راجع موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل»: 4 / 48 ـ 82، (فقرة: آراء معاصريه ومقاربي عصره في حقّه); والرسائل السبكية، المقدّمة، نشر عالم الكتب، بيروت.

(14)
بلسان أهل الحقّ المنزهين، إذا بك تراه قد انقلب جهوياً«جهميّاً».(1)
والحقيقة أنّ الذي يدفع الباحث إلى التحقيق ورفض التقليد في
شأن الرجل، ما نلاحظه من الأُمور التالية:
1. قيام عدد كبير من الفقهاء والعلماء منذ زمانه إلى زماننا هذا بكتابة الردود عليه، ونقد أفكاره وآرائه، إلى حدٍّ لم نعثر على مثله بين الماضين والمعاصرين، وقد ناهز عدد العلماء الذين ردّوا عليه (114) عالماً ومحققاً، وقد عقد الشيخ عبد الله الهرري فصلاً لبيان أسماء العلماء والفقهاء والقضاة الذين ناظروا ابن تيمية أو ردّوا عليه وذكروا معايبه ممّن عاصروه أو جاءوا بعده.(2)
وهذه الردود الهائلة التي لو جُمعت لشكلت مكتبة خاصّة.
2. إنّ تلميذه المعروف الذهبي الذي وصف أُستاذه بما عرفتَ من كونه قوّالاً بالحق، نهّاءً عن المنكر، إلى غير ذلك من الأوصاف، قد كتب إليه رسالة خاصّة نصحه فيها على وجه يدلّ على أنّ التلميذ ـ وهو الشفوق المحبّ الوادّ لأُستاذه (3) ـ قد بلغ من الاستياء منه إلى حدٍّ شديد، حيث يقول فيها:
إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس... إلى أن قال: فهل معظم أتباعك إلاّ قعيد مربوط خفيف العقل؟ أو عامي كذّاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدِّقني ففتشهم وزنهم بالعدل.

1 . فرقان القرآن:132ـ 137.
2 . المقالات السنية:482ـ503. 3 . هذه عبارة الذهبي نفسه في الرسالة المذكورة.

(15)
يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظّمها وتصغّر العباد؟ إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح ـ والله ـ بها أحاديث الصحيحين؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار، أو بالتأويل والإنكار.
أما لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أمّا أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى ـ والله ـ ما أذكر أنّك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت... .(1)
فإذا كان هذا حال التلميذ بالنسبة إلى أُستاذه، فما حال من عاداه وخاصمه؟
ويأتي في هذا الإطار، قول صلاح الدين الصفدي، الذي تقدّم ثناؤه البالغ على ابن تيمية، ولكنّه قال في شرحه على (لامية العجم) عند قول الطغراني:
ويا خبيراً على الأسرار مطّلعاً *** اصمتْ، ففي الصمت منجاةٌ من الزللِ
يقال: إنّ الخليل بن أحمد]الفراهيدي[ رحمه الله تعالى اجتمع هو وعبد الله بن المقفّع ليلة فتحادثا إلى الغداة، فلمّا تفرّقا، قيل للخليل: كيف رأيته؟ قال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله، وكذا كان ابن المقفّع، فإنّه قتله قلّةُ عقله

1 . تكملة السيف الصقيل، للمحقّق المعاصر الكوثري:190ـ192. ولاحظ الرسائل السبكية، تحت عنوان النصيحة الذهبية:211ـ 213.

(16)
وكثرةُ كلامه شرّ قتلة، ومات شرّ ميتة.
قال الصفدي (بعد ما ذكر ذلك): وكذا أيضاً كان الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أحمد ابن تيمية رحمه الله تعالى، علمُه متّسع جدّاً إلى الغاية، وعقله ناقص يورّطه في المهالك، ويوقعه في المضايق.(1)
3. إنّ ابن تيمية طرح أفكاره وآراءه في عصر كانت فيه بغداد (عاصمة الخلافة الإسلامية) قد سقطت بأيدي التتار، وساد المسلمين الدمار والهلاك، وعمّت فيهم المذابح الفظيعة والمجازر الرهيبة على يد جيش التتار الوثني، ولا شك في أنّ الدواء الناجع في تلك الأزمنة المظلمة، هو نشر التعاليم الإسلامية التي تدعو إلى الجهاد والوحدة وإعادة الثقة إلى النفوس والعمل على تقوية المعنويات ورفع المستوى العسكري لدى المسلمين عملاً بقوله تعالى:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)(2).
ولكن ـ ويا للأسف ـ نرى أنّ ابن تيمية طرح مسائل لا تمتّ بأي صلة لداء الهزيمة والإحباط عند المسلمين.
إنّ طرح الخلافات الكلامية والفقهية في العصر الذي كانت فيه القوارع تُصبّ على رؤوس المسلمين من الشرق والغرب ما هو إلاّ من قبيل صبّ الزيت على النار، وتعميق الجُرح غير المندمل، فإنّ الأفكار التي قدّمها ابن تيمية في ذلك العصر الرهيب تتلخص في أُمور نذكر منها ما يلي:

1 . نقله الشيخ يوسف النبهاني في كتابه: شواهد الحق:188ـ189، دار الفكر، 1403هـ .
2 . الأنفال:60.

(17)
1. يجب توصيفه سبحانه بالصفات الخبرية بنفس المعاني اللغوية من دون تصرّف، كالاستواء على العرش، وأنّ له يداً ووجهاً، وأنّ له نزولاً وصعوداً.
2. قِدَم العالم وليس هنا له أوّل.
3. يحرم شدّ الرحال إلى زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتعظيمه بحجّة أنّ ذلك يؤدي إلى الشرك.
4. لا تصحّ أكثر الفضائل المنقولة في الصحاح والسنن في حق علي وآله(عليهم السلام).
إلى غير ذلك من الآراء الشاذّة عن الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين.
ولو افترضنا صواب آرائه وأفكاره في هذه المجالات، فلا شكّ أنّ نشرها في هذه الأجواء يفرّق الجماعة ويشقّ عصا المسلمين، ويشغلهم عن مواجهة الأعداء والحفاظ على بلاد المسلمين.
***
ونحن لمّا رأينا اختلاف أنظار العلماء في حقّ الرجل إلى درجة تنزِّهه جماعة، وتذمُّه جماعة أُخرى، رأينا أنّ من الصواب ترك قول هاتين الطائفتين ودراسة آراء الرجل مباشرة من كتبه وفتاواه، فإنّ ثمرة الشجرة أدلّ دليل على حقيقتها، فثمرة النخلة تنبئ عن طيبها وصفائها، وثمرة الحنظل مُرّة تخبر عن خبث أصلها.
وهذا ما دعانا إلى عرض آراء الرجل التي أخذناها من كتبه ورسائله، إلاّ أنّنا ركّزنا على كتابه «منهاج السنّة»، لأنّه يعكس تماماً آراءه في تنزيه الله

(18)
سبحانه وحقوق نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام).
ثمّ إنّ الرجل لمّا كان كثير الانتاج، ولا يكاد يكتب في موضوع إلاّ وانتقل إلى موضوع آخر، فصارت الإحاطة بآرائه أمراً مشكلاً.
وقد تكفّل جهد هذا الأمر جهابذة من علماءالمسلمين وأنصار الحق الذين تنبض قلوبهم بتنزيهه سبحانه عن الجسم والجسمانية والجهة والحركة كما تنبض بحفظ مقام أولياء الله سبحانه وأصفيائه نذكر منهم ما يلي:
1. تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي(المتوفّى 756هـ) في «الرسائل السبكية في الرد على ابن تيمية وتلميذه ابن قيّم الجوزية».
2. تقي الدين الحصني الدمشقي(المتوفّى 829هـ )في «دفع شُبَه من شَبَّه وتمرّد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد».
3. الدكتور محمود سيد صبيح (المعاصر)، فقد تتبع كلامه فيما يقرب من (4000) صفحة أو يزيد، وردّ عليه في كتاب، سمّاه:«أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)».
4. العلاّمة الشيخ عبد الله الهرري، فقد نقد آراء ابن تيمية بتأليف كتابه «المقالات السنية في الرد على ابن تيمية».
فجزى الله الجميع خير الجزاء وشكر سعيهم.
ونحمد الله سبحانه ونستعين به، راجين الله أن يرزقنا معرفة الحق واتِّباعه، ومعرفة الضلال واجتنابه، إنّه بذلك قدير، وبالإجابة جدير.
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الرابع من شهر شوال من شهور
عام 1431 هـ

(19)

ثناء وتقدير

أتقدّم بالشكر الوافر إلى المحقّق البارع الأُستاذ السيد حيدر محمد علي البغدادي الطحّان ـ دام عزّه ـ فقد أعاننا في تأليف هذا الكتاب، وأفادنا بآرائه وأفكاره، شكر الله مساعيه.
كما أتقدّم بالشكر الجزيل والثناء الجميل إلى محقّقي مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ومن ساهم في طباعة الكتاب وإخراجه الفني، حيث بذلوا جهدهم في تصحيح هذا الكتاب وإخراجه بهذه الحلّة القشيبة.
المؤلف

(20)

(21)
الفصل الأوّل:
في الجانب الاعتقادي
وفيه موارد:
1. التجسيم في عقيدة ابن تيمية.
2. التشبيه في عقيدة ابن تيمية (حركة الباري ونزوله).
3. الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية.
4. نظرة إلى تكلّمه سبحانه في منهج ابن تيمية.
5. عقائد نابية وشاذّة.

(22)

(23)
1

التجسيم في عقيدة ابن تيمية(1)

قامت الشرائع السماوية على تنزيه الله سبحانه عن كونه جسماً أو جسمانياً مشابهاً لمخلوقاته إلى غير ذلك ممّا يعدّ من آثار المادة.
غير أنّ احتكاك أقوام ممّن نزلت عليهم الشرائع بالوثنيين، صار سبباً للميل إلى التجسيم والتشبيه، وعلى رأسهم قوم بني إسرائيل.
ويدلّ على ذلك شواهد، منها:

1. طلبهم من موسى(عليه السلام) إلهاً مجسَّماً

إنّ بني إسرائيل لمّا عبر بهم نبيّهم موسى(عليه السلام) البحر ونزلوا إلى الضفة الأُخرى منه، رأوا قوماً يعبدون الأصنام، فطلبوا من موسى(عليه السلام) أن يجعل لهم

1 . يراد من القول بالتجسيم أنّه سبحانه جسم له أبعاد كأبعاد الجسم، ويراد من التشبيه تشبيهه سبحانه بالأجسام والممكنات وإثبات آثارهما له سبحانه، كالحركة والنزول وكونه في جهة إلى غير ذلك.
ولكنّ التعبيرين كالفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
فعندما يذكران معاً يراد من كلّ معنى خاص، وإذا أُفرد أحدهما يراد به كلا المعنيين، فليكن ذلك على ذكر منك فإنّه يفيدك في الفصول الآتية.

(24)
إلهاً مثل ما لهؤلاء آلهة، لكي يعبدونه، فكأنّهم فكّروا أنّ عبادة الإله غير المرئي أمر غير مفيد، فيجب أن يكون المعبود بصورة موجود مجسّم، وهذا ما يحكيه قوله سبحانه:
(وَجاوَزْنا بِبَني إسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْم يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنام لَهُمْ قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةً قالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ).(1)
فالآية تحكي أنّ النزوع إلى الوثنية كان راسخاً في نفوسهم حتى غفلوا عن النعمة الكبرى التي شملتهم، وهي نجاتهم من فرعون، فطلبوا من موسى ما يضاد شريعته وعقيدته.

2. طلبهم رؤية الله تعالى

الشاهد الثاني على رسوخ فكرة التجسيم عندهم أنّهم طلبوا من موسى(عليه السلام)رؤية الله سبحانه بالعين، ولولاها لم يؤمنوا به، وهذا ما يحكيه الذكر الحكيم في قوله سبحانه:(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ).(2)

3. عبادتهم العجل في غياب موسى(عليه السلام) عنهم

الشاهد الثالث على رسوخ فكرة التجسيم في أذهانهم وأنّهم كانوا يميلون إلى الإله المجسّم أكثر من ميلهم لما دعاهم إليه موسى(عليه السلام)، اغترارهم بما صنع السامريّ حيث صنع لهم عِجْلاً جسداً له صوت، ودعاهم لعبادته،

1 . الأعراف:138.
2 . البقرة: 55.

(25)
فعكف القوم ـ إلاّ القليل منهم ـ على عبادته، دون أن يدور في خُلد أحدهم أنّ هذا يخالف ما دعاهم إليه نبيّهم موسى(عليه السلام) عبر السنوات الطوال، وهذا ما يحكيه الذكر الحكيم عنهم، قال سبحانه:
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمينَ).(1)
وفي آية أُخرى يتّضح بصراحة أنّهم اتّخذوا هذا العجل إلهاً لهم، قال سبحانه: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إلهُكُمْ وَإلهُ مُوسى فَنَسِيَ).(2)
وهذه الحوادث التاريخية المريرة على قلب موسى(عليه السلام)التي يذكرها القرآن الكريم تحكي انحراف بني إسرائيل عن خط التنزيه إلى خط التجسيم.

تطرّق فكرة التجسيم إلى النصرانية

لقد بُعث المسيح(عليه السلام) إلى بني إسرائيل بنفس ما بعث به الكليم(عليه السلام) (وَإذْ قالَ عيسى ابنُ مَرْيَمَ يا بَني إسرائيلَ إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ)(3)، وصرّح(عليه السلام) بعبوديته لله سبحانه، منذ أن كان في المهد صبيّاً(قالَ إنّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)(4).
ولكن تطرّقت فكرة التجسيم إلى النصرانية بعدما رفع الله المسيح(عليه السلام) .

1 . الأعراف:148. 2 . طه: 88 .
3 . الصف:6. 4 . مريم:30.

(26)
وكان المبدأ لذلك هو الديانة البرهمانية التي رفعت علَم التثليث وقالت بالآلهة الثلاثة، أعني:
1. برهما ـ الخالق.
2. فيشنو ـ الواقي .
3. سيفا ـ الهادم.
فالإله عند البراهمة يشبه مثلثاً ذا أضلاع ثلاثة، وكانت تلك الفكرة منتشرة بين الروم القاطنين في سوريا وفلسطين وما جاورها حيث بعث المسيح(عليه السلام).
فأخذ أتباعه في القرن الثاني نفس الفكرة فصبغوها بشكل آخر، فصار التثليث بالنحو التالي:
الأب، الابن، روح القدس. وهي التي يسمّونها الأقانيم الثلاثة، ينقل الأُستاذ محمد فريد وجدي عن دائرة معارف «لاروس»، ما يلي:
إنّ تلاميذ المسيح الأوّليّين الذين عرفوا شخصه، وسمعوا قوله، كانوا أبعد الناس عن اعتقاد أنّه أحد الأركان الثلاثة المكوّنة لذات الخالق، و ما كان بطرس ـ أحد حوارييه ـ يعتبره إلاّ رجلاً موحى إليه من عند الله، أمّا بولس فإنّه خالف عقيدة التلاميذ الأقربين لعيسى وقال: إنّ المسيح أرقى من إنسان وهو نموذج إنسان جديد أي عقل سام متولّد من الله.(1)
ثمّ إنّ القرآن الحكيم يتحدّث عن أنّ النصارى قد اقتبسوا هذه الفكرة من

1 . دائرة معارف القرن العشرين، مادة «ثالوث».

(27)
الذين كفروا من قبل، قال سبحانه: (وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسيحُ ابنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ).(1)

دور الأحبار والرهبان في نشر فكرة التجسيم بين المحدثين

بُعث النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) على تنزيهه سبحانه ورفع مقامه تعالى عن مشابهة المخلوقات، نستلهم ذلك من قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)غير أنّ قسماً من الأحبار والرهبان الذين أسلموا ظاهراً ـ ولكن بقوا على ما كانوا عليه من الديانة الموسوية أو العيسوية باطناً ـ أشاعوا بين المسلمين نفس الفكرة بواسطة الأحاديث والقصص التي كانوا يحكونها عن كتبهم، فأخذها السُّذّج من المحدّثين كحقائق صادقة واقعية، محتجّين بما نسب إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من قوله: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».
وقد اغترّ بهذه الإسرائيليات أو المسيحيات محدّثان معروفان هما: ابن خزيمة وابن مندة، فقد حشدا في كتابيهما كلّ ما يدلّ على تلك الفكرة الموروثة.
فعن الأوّل يقول الرازي في تفسيره الكبير عند تفسير قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ): احتجّ علماء التوحيد قديماً وحديثاً بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء، وحاصلاً في المكان والجهة، وقالوا: لو كان جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام فيلزم وجود الأمثال والأشباه

1 . التوبه:30.

(28)
له، وذلك باطل بصريح قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).
ثم قال: واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بـ«التوحيد» وهو في الحقيقة كتاب الشرك. ثم وصفه بقوله: إنّه مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(1) ولكلامه صلة، من أراد فليرجع إليه.
وكفى في حق الثاني (ابن مندة) ما سنذكره عنه من قوله: إنّ لله سبحانه عرشاً يجلس عليه وهو يئطّ أطيط الرَّحْل.

عقيدة أهل السنّة في التنزيه

اتّفق أهل السنّة وعلى رأسهم أئمة الأشاعرة على تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقات، وقد أفاضوا الكلام في ذلك بإجمال تارة وتفصيل أُخرى، وشذّ عنهم بعض الحنابلة وأهل الحديث، وها نحن نذكر بعض كلماتهم ليقف القارئ على أنّ علماء المسلمين عن بكرة أبيهم مجمعون على أنّه سبحانه منزّه عن مشابهة المخلوقات وعن كونه جسماً أو جسمانياً، وإليك أسماء بعض هؤلاء مع مقتطفات من أقوالهم:
1. أبو جعفر أحمد بن محمد المصري الطحاوي(239ـ 321هـ) في رسالته المعروفة بـ «العقيدة الطحاوية» التي أصبحت مع بعض شروحها كتاباً دراسياً في الجامعات. قال:
ولا شيء مثله، ثم قال: لا تبلغه الأحكام ولا تدركه الأفهام، ولا يشبهه(2) الأنام.(3)

1 . التفسير الكبير:27/150. 2 . في شروح أُخرى: يشبه.
3 . شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز: 1 / 57 ـ 84. ط . مؤسسة الرسالة.

(29)
2. أبو الثناء اللامشي الحنفي الماتريدي من علماء القرن الخامس وأوائل السادس، قال ما نصّه: وإذا ثبت أنّه تعالى ليس بجوهر، فلا يتصوّر أن يكون جسماً أيضاً، لأنّ الجسم اسم للمتركب عن الأجزاء، يقال: هذا أجسمُ من ذلك، أي أكثر تركّباً منه، وتركّب الجسم بدون الجوهرية وهي الأجزاء التي لا تتجزأ، لا يتصوّر; ولأنّ الجسم لا يتصوّر إلاّ على شكل من الأشكال، ووجوده على جميع الأشكال لا يُتصوّر أن يكون، إذ الفرد لا يتصوّر أن يكون مطوّلاً ومدوّراً ومثلثاً ومربعاً، ووجوده على واحد من هذه الأشكال مع مساواة غيره إيّاه في صفات المدح والذم لا يكون إلاّ بتخصيص مخصّص، وذلك من أمارات الحدث; ولأنّه لو كان جسماً لوقعت المشابهة والمماثلة بينه وبين سائر الأجسام في الجسمية، وقد قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).(1)
3. أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403هـ) في «تمهيد الأوائل»، قال:
إن قال قائل: لِمَ أنكرتم أن يكون القديم سبحانه جسماً؟ قيل له: لما قدّمناه من قبل، وهو أنّ حقيقة الجسم أنّه مؤلّف مجتمع بدليل قولهم: رجل جسيم، وزيد أجسم من عمرو، وعلماً بأنّهم يقصرون هذه المبالغة على ضرب من ضروب التأليف في جهة العرض والطول، ولا يوقعونها بزيادة شيء من صفات الجسم سوى التأليف، فلما لم يجز أن يكون القديم مجتمعاً مؤتلفاً، وكان شيئاً واحداً، ثبت أنّه تعالى ليس بجسم.(2)
4. أبو المظفر الاسفراييني (المتوفّى 471هـ)، قال:

1 . التمهيد لقواعد التوحيد: 56، تحقيق عبد المجيد تركي، ط. دار الغرب الإسلامي.
2 . تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل:111، تحقيق أحمد فريد المزيدي. ط. دار الكتب العلمية .

(30)
وأن تعلم أنّ القديم سبحانه ليس بجسم ولا جوهر، لأنّ الجسم يكون فيه التأليف، والجوهر يجوز فيه التأليف والاتّصال، وكلّ ما كان له الاتّصال أو جاز عليه الاتّصال يكون له حدّ ونهاية. وقد دللنا على استحالة الحدّ والنهاية على الباري سبحانه وتعالى، وقد ذكرالله تعالى في صفة الجسم الزيادة فقال: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)(1) فبيّن أنّ ما كان جسماً جازت عليه الزيادة والنقصان ولا تجوز الزيادة والنقصان على الباري سبحانه.(2)
5. عمر النسفي (المتوفّى 534هـ) في «العقيدة النسفية»، قال: والمُحدِث للعالم هو الله تعالى الواحد القديم القادر الحيّ العليم السميع البصير الشائي المريد، ليس بعَرَض ولا جسم ولا جوهر ولا مصوّر ولا ممدود ولا معدود ولا متبعّض ولا متجزّ ولا متركّب ولا متناه، ولا يوصف بالمائية ولا بالكيفية، ولا يتمكّن في مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا يشبهه شيء، ولا يخرج من علمه وقدرته شيء.(3)
هذه إلمامة عابرة بعقيدة أهل السنّة في التنزيه، وكتبهم الكلامية والعقديّة مليئة بمثل هذه الكلمات ولا حاجة إلى نقل المزيد منها، إنّما الكلام في عقيدة ابن تيمية في مجال التنزيه، فالرجل يخفي عقيدته في التجسيم والتشبيه، تارة، فيقول: لا نقول: إنّه سبحانه جسم، ولا نقول: إنّه ليس بجسم.
ولكنّه يظهرها، تارة أُخرى، ويصرّح بأنّه سبحانه جسم بالمعنى الذي اختاره للجسم.

1 . البقرة:247.
2 . التبصير في الدين: 159، ط ، تحقيق كمال يوسف الحوت ، ط . عالم الكتب.
3 . العقيدة النسفية:4، طبعة استنبول.

(31)
وها نحن نذكر كلماته من كتبه المختلفة، مشيرين إلى اسم الكتاب وطبعته ومحققه، حتى يرجع إليه من أراد أن يحقّق الموضوع عن كثب.

التجسيم في عقيدة ابن تيمية

النص الأوّل: يقول في تفسير قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ)(1)، و تفسير قوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)(2)، ما هذا نصّه:
«فإنّه لا يدلّ على نفي الصفات بوجه من الوجوه، بل ولا على نفي ما يسمّيه أهل الاصطلاح جسماً بوجه من الوجوه».(3)
ومراده من الصفات في قوله: نفي الصفات، الصفات الخبرية التي أخبر عنها سبحانه، كاليد والوجه وغيرهما، فهو يعتقد أنّ الجميع يوصف به سبحانه من غير تأويل ولا تعطيل، بل بنفس المعنى اللغوي.
النص الثاني: وقال أيضاً:
«وأمّا ذكر التجسيم وذمّ المجسّمة، فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف والأئمّة، كما لا يعرف في كلامهم أيضاً القول بأنّ الله جسم أو ليس بجسم».(4)
النص الثالث: ويقول في كتاب آخر له:
«وأمّا ما ذكره ]العلاّمة الحلّي[ من لفظ الجسم وما يتبع ذلك، فإنّ هذا

1 . الشورى:11. 2 . مريم:65.
3 . موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول أو «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية:1/100، طبعة دارالكتب العلمية، ط1، بيروت ـ 1405هـ .
4 . نفس المصدر:1/189.

(32)
اللفظ لم ينطق به في صفات الله تعالى لا كتاب ولا سنّة، لا نفياً ولا إثباتاً، ولا تكلّم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم، لا أهل البيت ولا غيرهم».(1)
إلى هنا يتّضح أنّه أخفى التصريح بأنّه تعالى جسمٌ، ونفى أن يكون ذلك القول، يعني أنّ الله جسم أو ليس بجسم، قد ورد في كلام السلف، ولكنّه أظهر عقيدته في مواضع من كتبه، وهذا ما نلاحظه في النصّين التاليين:
النص الرابع: «وقد يراد بالجسم ما يشار إليه، أو ما يرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة وتقوم به الصفات ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم.
فإن أراد بقوله: «ليس بجسم» هذا المعنى قيل له: هذا المعنى ـ الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ ـ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول وأنت لم تقم دليلاً على نفيه.
وأمّا اللفظ فبدعة نفياً وإثباتاً، فليس في الكتاب ولا السنّة، ولا قول أحد من سلف الأُمّة وأئمتها إطلاق لفظ «الجسم» في صفات الله تعالى، لا نفياً ولا إثباتاً».(2)
فقد عرّف إلهه الذي يعبده بالأُمور التالية:
1. أنّه يُشار إليه.
2. أنّه يُرى.

1 . منهاج السنّة النبوية: 2/192، تحقيق محمد رشاد سالم، 1406 هـ ، وفي طبعة بولاق: 1 / 197 .
2 . منهاج السنّة: 1 / 180، طبعة بولاق، وج 2/134ـ 135 الطبعة المحقّقة.

(33)
3. أنّه تقوم به الصفات فيكون مركّباً.
4. أنّ له مكاناً وجهة، بدليل رفع الناس أيديهم عند الدعاء إلى الأعلى.
فالإله بهذا المعنى عنده ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول.
النص الخامس: «فمن قال إنّ الله جسم، وأراد بالجسم هذا المركّب فهو مخطئ، ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله فقد أصاب في نفيه».(1)
وهذا إقرار منه بأنّ الله تعالى جسم، ولكنّه ـ كما يعتقد ـ لا يماثل سائر الأجسام، من حيث إنّ تركيبها حادث. فهو لا ينفي الجسمية عن الله تعالى، وإنّما ينفي عنه هذا التركيب الحادث، ويدلّ على ذلك قوله:(ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله، فقد أصاب في نفيه) لهذا التركيب، وحسْب!!
النص السادس: وقال أيضاً: «وأمّا القول الثالث ـ و هو القول الثابت عن أئمة السنّة المحضة كالإمام أحمد وذويه ـ فلا يطلقون لفظ الجسم لا نفياً ولا إثباتاً، لوجهين: أحدهما: أنّه ليس مأثوراً لا في كتاب ولا سنّة، ولا أُثر عن أحد من الصحابة والتابعين ]لهم بإحسان، ولا غيرهم من أئمة المسلمين[، فصار من البدع المذمومة».(2)
النص السابع: وقال أيضاً: «وليس في كتاب الله، ولا سنّة رسوله، ولا قول أحد من سلف الأُمّة وأئمتها أنّه ليس بجسم، وأنّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً».(3)

1 . شرح حديث النزول:237، تحقيق محمد بن عبد الرحمن الخميس، نشر دار العاصمة.
2 . منهاج السنّة: 2/224 ـ 225، وفي طبعة بولاق: 1 / 204 .
3 . بيان تلبيس الجهمية:1/101. تحقيق محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة، مكّة المكرّمة، 1392هـ، ط1 .

(34)
هذه كلماته التي نقلناها بنصّها من بعض كتبه، ودع عنك ما ذكره في الرسائل الكبرى التي سيوافيك شيء منه.
ولكن ما ندري ما ذا يريد بقوله: ثابت بصحيح المنقول، فهل يعني الذكر الحكيم؟ فما اختاره يضادّه تماماً حيث يقول : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فلو كان سبحانه جسماً يلزم أن يكون له طول وعرض وارتفاع، وبالتالي يكون مركّباً من أجزاء محتاجاً في تحقّقه إلى كلّ جزء. هذا ما يقوله صحيح المنقول.
وأمّا ما نسبه إلى صريح المعقول فهو أيضاً يضادّ ما ذكره تماماً كذلك، إذ لو كان جسماً لاحتاج إلى مكان، فالمكان إمّا أن يكون قديماً فيكون إلهاً ثانياً، وإن كان حادثاً أحدثه سبحانه، فأين كان هو قبل إحداث هذا المكان؟
وأمّا رفع الناس أيديهم عند الدعاء فلا يعني أنّه سبحانه في السماء وإنّما يريدون إفهام رفعة مقام الله سبحانه برفعهم أيديهم; مضافاً إلى أنّ البركات تنزل من السماء، قال سبحانه: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُون)(1)، وسيأتي الكلام فيه، فانتظر.
وأمّا ما نسبه إلى السلف ـ فالسلف بريء منه براءة يوسف ممّا اتّهم به ـ فيكفينا أن نذكر كلام البيهقي في كتابه «الأسماء والصفات»، قال: احتجّ أهل السنّة على أنّه سبحانه ليس في مكان بالحديث النبوي التالي، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان.(2)

1 . الذاريات:22.
2 . الأسماء و الصفات: 400، باب ما جاء في العرش والكرسي.

(35)
وهناك كلمات كثيرة لأهل الحديث لا يسعها المقام.

إجابة عن سؤال

ربّما نسمع من الكثير من أتباع الرجل قولهم: إنّه سبحانه جسم لا كالأجسام، نظير قولنا: شيء لا كالأشياء، فكما أنّ الثاني صحيح، فالأوّل صحيح أيضاً.
والجواب عنه واضح، وهو أنّ الشيء لا يدلّ على خصوصية خاصّة، بل يدلّ على نفس الوجود والتحقّق، فلا مانع من أن يقال: إنّه شيء لا كالأشياء، أي له وجود لا كوجود الأشياء.
وأمّا الجسم فيدلّ على خصوصية مقوّمة له، وهو كونه ذا عرض وطول وارتفاع، فالقول بأنّه جسم يلازم ثبوت هذه الصفات، فتعقيبه بـ :لا كالأجسام ينفي هذه الخصوصيات، فيكون الكلام حاملاً للتناقض.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني(المتوفّى403هـ):
فإن قالوا: ولِمَ أنكرتم أن يكون الباري سبحانه جسماً لا كالأجسام، كما أنّه عندكم شيء لا كالأشياء؟
قيل لهم: لأنّ قولنا (شيء) لم يبن لجنس دون جنس، ولا لإفادة التأليف، فجاز وجود شيء ليس بجنس من أجناس الحوادث وليس مؤلَّف، ولم يكن ذلك نقضاً لمعنى تسميته بأنّه شيء. وقولنا (جسم) موضوع في اللغة للمؤلَّف دون ما ليس بمؤلَّف، كما أنّ قولنا: (إنسان) و(مُحدَث) اسم لما وُجد من عدم، ولما له هذه الصورة دون غيرها، فكما لم يجز أن نثبت القديم سبحانه محدَثاً لا كالمحدثات وإنساناً لا كالناس، قياساً على أن لا شيء

(36)
كالأشياء، لم يجز أن نثبته جسماً لا كالأجسام، لأنّه نقض لمعنى الكلام، وإخراج له عن موضوعه وفائدته.(1)

كلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية

إنّ ابن تيمية قد بدأ بنشر أفكاره الشاذّة لأول مرّة في رسالته في العقيدة الواسطية ـ أعني: الرسالة التاسعة من مجموعة الرسائل الكبرى ـ ووصف فيها الباري سبحانه بالعبارة التالية:
«تواتر عن رسوله (صلى الله عليه وسلم) وأجمع عليه سلف الأُمّة من أنّه سبحانه فوق سماواته، على عرشه، عليٌّ على خلقه».(2)
ومعنى العبارة أنّه سبحانه :
1. فوق السماوات .
2. جالس على عرشه .
3. في مكان مرتفع عن السماوات والأرض.
وليس لهذه الجمل معنى سوى أنّه كملك جالس على السرير في مكان مرتفع ينظر إلى العالم تحته.
نعم استند هو في كلامه هذا بما نقله ابن مندة في توحيده عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال:

1 . تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل:113، تحقيق أحمد فريد المزيدي، ط . دار الكتب العلمية، 1426هـ .
2 . مجموعة الرسائل الكبرى، الرسالة التاسعة: 1/401. ولكلامه صلة ستوافيك في بحثنا عن التشبيه.

(37)
«ويحك أتدري ما الله، إنّ عرشه على سماواته وأرضيه ـ وأشار هكذا بأصابعه ـ مثل القبة عليها، وإنّه ليئطّ أطيط الرَّحْل بالراكب».(1)
وكأنّه سبحانه جسم كبير، له ثقل على العرش، وهو يئطّ كما يئطّ الرَّحْل حينما يجلس عليه الإنسان الثقيل.
وللأسف فإنّ هذا الحديث قد ورد كثيراً في كتب الحديث، فقد نقله أبو داود في سننه برقم 4726، وابن خزيمة في توحيده برقم 147، وابن أبي عاصم في السنّة، ص 575، وابن أبي حاتم في تفسير سورة البقرة برقم 223.
ولا شكّ في أنّ هذا الحديث وأمثاله من الإسرائيليات التي تطرّقت إلى كتب الحديث، وهو من الآثار السلبية لمنع كتابة الحديث النبوي في القرن الأوّل وشيء من الثاني، حتى تداركه الدوانيقي عام 143هـ .
ثمّ إنّ ابن تيمية لمّا رأى أنّ كلامه يستلزم أن يكون سبحانه جسماً كالأجسام حاول التهرّب عن ذلك بوجه، أوقعه ـ أيضاً ـ في المحذور، حيث جمع مصطلحات الحكماء والمتكلّمين في الجسم وقال:
لفظ الجسم فيه إجمال، فقد يراد به :
1. المركّب الذي أجزاؤه مفرّقة فجمعت.
2. أو ما يقبل التفريق أو الانفصال.
3. أو المركّب من مادة وصورة.
4. أو المركّب من الأجزاء المفردة التي تسمّى الجواهر المفردة. وقال: والله تعالى منزّه عن ذلك كلّه.

1 . توحيد ابن مندة: 429، طبعة مؤسسة المعارف، بيروت.

(38)
ثم قال: وقد يراد بالجسم:
5. ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد ]العلاّمة الحلّي [بقوله: «ليس بجسم» هذا المعنى، قيل له: هذا المعنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلاً على نفيه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الجسم من المفاهيم الواضحة في العرف وليس مشتركاً بين هذه المعاني التي أخذها من الفلاسفة والمتكلّمين، فالصحابة عندما سمعوا قوله سبحانه: (إنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً في الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)(2)، أو قوله سبحانه: (وَإذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسامُهُم)(3) لم يخطر ببال أحد منهم أي واحد من المعاني المذكورة حتى المعنى الأخير الذي اختاره وقال عنه: «هذا المعنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تقم دليلاً على نفيه».
فالجسم عند العرب الأقحاح عامّة ما جاء نموذجه في نفس الآيتين نظير: طالوت في الآية الأُولى، والمنافقين في الآية الثانية. فكلّ شيء كان كهذين النموذجين فهو جسم، والذي يجمع الجميع هو اشتماله على الطول والعرض والعمق، فلو قلنا ـ والعياذ بالله ـ : إنّه سبحانه جسم، فلا محيص من اشتماله على ما اشتملت عليه سائر الأجسام من الأبعاد الثلاثة.

1 . منهاج السنّة النبوية: 2/134ـ 135، وفي طبعة بولاق: 1 / 180.
2 . البقرة:247.
3 . المنافقون:4.

(39)
ثمّ إنّه كرّر ما ذكره هنا في مقام آخر،(1) ولا حاجة لنقله.
ثمّ إنّه تفلسف أيضاً في تفسير المكان وقال: قد يراد بالمكان:
1. ما يحوي الشيء ويحيط به.
2. ما يستقرّ الشيء عليه بحيث يكون محتاجاً إليه.
3. قد يراد به ما كان الشيء فوقه وإن لم يكن محتاجاً إليه.
4. وقد يراد به ما فوق العالم وإن لم يكن شيئاً موجوداً.
ثم نفى ما ذكره من المعاني للمكان واختار المعنى التالي:
هو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهذا المعنى حق، سواء سمّيت ذلك مكاناً أم لم تُسمّ.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه ليس للمكان إلاّ معنى واحد وهو كون شيء في شيء، وإحاطة شيء لشيء، ولذلك يفسّره أهل اللغة بقولهم: المكان موضع كون الشيء، فلو كان لله سبحانه مكان فليس إلاّ بهذا المعنى، دون المعاني التي أخذها من مصطلحات الحكماء والمتكلّمين، الذين لهم مصطلحات خاصّة في المفاهيم لا صلة لها بمصطلحات العامّة.
وثانياً: ما ذا يريد من قوله: إنّه «على عرشه»؟ إذ عندئذ يتوجّه إليه
السؤال الثاني: إنّ ذاته سبحانه لا تخلو من أن تكون مماسّة للعرش ، أو غير مماسّة؟
فعلى الثاني تكون ذاته سبحانه منزهةً عن المكان ; لأنّ المكان عبارة عن

1 . لاحظ : منهاج السنّة النبوية: 2/198ـ 200، وفي طبعة بولاق : 1 / 90.
2 . منهاج السنّة النبوية: 1/144ـ145، وفي طبعة بولاق : 1 / 183.

(40)
كون شيء في شيء، إلاّ أنّه يكون ذا جهة وهو كونه فوق العرش يشار إليه، فقد أثبت لله الجهة التي هي من خصائص الأُمور المادّية.
وإن كانت مماسّة (على الأول) فيكون محتاجاً إليه. ولعمر القارئ إنّ صرف الحبر والقلم في نقد هذه الأفكار السقيمة تضييع للعمر والجهد، ولكن اغترار المتظاهرين بالسلفية بابن تيمية، ألجأني إلى دراسة هذه المواضيع. وسيأتي الكلام حول المكان والجهة لله مستقلاً.
 

موقف أهل البيت(عليهم السلام) من فكرة التجسيم

تقدّم أنّ ابن تيمية ذكر في كلماته أنّه لم يرد عن أهل البيت(عليهم السلام) ما يدلّ على عدم كونه جسماً، ولكنّه لبعده عنهم وما يبدو من كلماته من النصب والعداء الذي يكنّه لهم، فإنّه لم يراجع كلماتهم، فصار يرمي الكلام على عواهنه من غير دليل.
وقد وقف الأصم والأبكم فضلاً عن العلماء على أنّ التوحيد والتنزيه من شعار أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، كما أنّ التشبيه والجبر من شعار الأمويين، وهانحن ننقل شيئاً قليلاً من كلمات أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) :
1. يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في إحدى خطبه:
«ما وحدّه من كيّفه، ولا حقيقته أصاب مَن مثّله، ولا إيّاه عنى من شبّهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه».(1)
2. وقال(عليه السلام):

1 . نهج البلاغة: الخطبة 186.

(41)
«فمن وصفَ الله سبحانه فقد قَرَنَهُ، ومَنْ قَرَنهُ فقد ثنّاه، ومَن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جَهله فقد أشار إليه، ومَن أشار إليه فقد حدّه، ومَن حدّه فقد عدّه... مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة».(1)
3. وروى الصدوق بإسناده إلى أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) يوماً خطبة بعد العصر، قال فيها:
«الحمد لله الذي لا يموت، ولا تنقضي عجائبه، لأنّه كلّ يوم في شأن، من إحداث بديع لم يكن، الذي لم يولد فيكون في العزّ مشاركاً، ولم يلد فيكون موروثاً هالكاً، ولم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحاً ماثلاً، ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلاً، الذي ليست له في أوّليّته نهاية، ولا في آخريّته حدّ ولا غاية، الذي لم يسبقه وقت، ولم يتقدمه زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، ولم يوصف بأين ولا مكان».(2)
فأي كلمة أوضح في نفي التجسيم من قوله(عليه السلام): «ولم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحاً ماثلاً».
وأي جملة أوضح في نفي المكان من قوله: «ولم يوصف بأين ولا مكان».
4. وروى الصدوق ـ أيضاً ـ بإسناده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني،

1 . نهج البلاغة: الخطبة 1.
2 . التوحيد: 33، برقم 1.

(42)
قال: دخلت على سيدي علي بن محمد]يعني الإمام عليّاً الهادي(عليه السلام)[... قال: فقلت له: يابن رسول الله إنّي أُريد أن أعرض عليك ديني...فقال: هاتِ يا أبا القاسم، فقلت: إنّي أقول:
إنّ الله تبارك وتعالى واحد، ليس كمثله شيء، خارج عن الحدّين: حدّ الإبطال، وحدّ التشبيه، وإنّه ليس بجسم ولا صورة، ولا عرَض ولا جوهر، بل هو مجسِّم الأجسام ومصوِّر الصور، وخالق الأعراض والجواهر، وربّ كل شيء، ومالكه وجاعله ومُحدثه... فقال علي بن محمد(عليه السلام): «يا أبا القاسم هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبتْ عليه ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة».(1)
***
ثمّ إنّ ابن تيمية صار بصدد تصحيح حديث عبد الله بن خليفة، الظاهر في التجسيم على ما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الله بن خليفة قال: جاءت امرأة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظّم الرب عزّ وجلّ وقال: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَالأرْضَ) إنّه ليقعد عليه جلّ وعزّ، فما يفضل منه إلاّ قيد أربع أصابع وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل إذا رُكب.(2) فقال ردّاً على العلاّمة الحلي حيث نقل الحديث فقال: فهذا لا أعرف له قائلاً ولا ناقلاً ولكن روي في حديث عبد الله بن خليفة أنّه: ما يفضل من العرش أربع أصابع، يُروى بالنفي تارة ويُروى بالإثبات، والحديث

1 . التوحيد:79 ، برقم37.
2 . السنّة:1/305، برقم 593.

(43)
قد طعن فيه غير واحد من المحدّثين كالإسماعيلي وابن الجوزي، ومن الناس من ذكر له شواهد وقوّاه.
ولفظ النفي لا يرد عليه شيء، فإن مثل هذا اللفظ يرد لعموم النفي كقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما في السماء موضع أربع أصابع إلاّ وملك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد»، أي ما فيها موضع.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الوارد في كتاب السنّة ـ أي كتاب إمام مذهبه أحمد بن حنبل الذي نقله عنه ولده عبد الله ـ هو الإثبات: ما يفضل منه إلاّ قيد أربع
أصابع ـ ومعنى ذلك أنّ العرش يمتلئ بوجوده سبحانه ويبقى منه مقدار
أربع أصابع خالياً ـ وما احتمله من النفي للفرار عن المعنى الذي يُضحك الثكلى، وما استشهد به من الحديث ـ أعني قوله: «ما في السماوات موضع أربع أصابع إلاّ وملك...» ـ يفارق المقام، فإنّ الاستثناء فيه بعد أربع أصابع وفي المقام قبله.
وعلى كلتا الصورتين فالحديث ظاهر في التجسيم، سواء امتلأ العرش بوجوده أو بقي منه أربع أصابع.
وعلى كلّ تقدير فآفة المجسّمة والمشبهة لا تنتهي بما ذكرنا فإنّهم أخذوا التجسيم والتشبيه من اليهود.
يقول الشهرستاني: وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح

1 . منهاج السنّة: 2/629، وفي طبعة بولاق : 1 / 260.

(44)
حتى رمدت عيناه، وإنّ العرش ليئط من تحته كأطيط الرحل الجديد، وإنّه ليفضل من كل جانب أربع أصابع.(1)
ولو أراد الباحث تنظيم العقيدة الإسلامية عمّا عليه المشبهة من حمل الصفات الخبرية في الكتاب والسنّة على ظاهرها لأصبحت العقيدة الإسلامية عقيدة الزنادقة، وإن كنت في شكّ فلاحظ ما ذكره الشهرستاني، قال:
وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجَنْب والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها، أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام، وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه الصلاة والسلام: «خلق آدم على صورة الرحمن»، وقوله: «حتى يضع الجبار قدمه في النار» وقوله: «قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن»، وقوله: «خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحاً»، وقوله: «وضع يده أو كفّه على كتفي»، وقوله: «حتى وجدت برد أنامله على كتفي» إلى غير ذلك; أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام.(2)
إنّ الصفات الخبرية هي التي أوجدت فكرة التشبيه والتجسيم عند بعض السلفيين، والمراد بها ما أخبر عنه سبحانه دون أن يدلّ عليه العقل من كونه مستوياً على عرشه، أو أنّ له الوجه واليدين، والجَنْب والمجيء والإتيان والفوق.
ثم إنّ السلف في تفسير الصفات الخبرية على مذاهب:

1 . الملل والنحل:1/121، دار المعرفة، بيروت ـ 1416هـ .
2 . الملل والنحل:1/121.

(45)
1. منهم مَن يثبت الصفات الخبرية كاليدين والوجه ويقولون هذه الصفات وردت في الشرع، فبالغوا في إثبات الصفات إلى حدّ التشبيه بصفات المحدثات.
قال الشهرستاني(المتوفّى548هـ): إنّ جماعة من المتأخّرين زادوا على ما قاله السلف، فقالوا: لابدّ من إجرائها على ظاهرها، فوقعوا في التشبيه الصرف، ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود... .(1)
2. ومنهم مَن اكتفى بتلاوتها من دون أن يحقّقوا معانيها، ونسب ذلك إلى مالك بن أنس لمّا سُئل عن الاستواء على العرش، قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ونسب ذلك إلى أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود بن علي الإصفهاني.(2)
3. ومنهم مَن أوّل الظواهر لكي يخرجوا من مغبّة التشبيه والتجسيم، فقالوا: إنّ المراد من اليد قدرته ونعمته إلى غير ذلك من وجوه التأويل.
وعلى ذلك فالسلف إمّا مبتدعة، وهم الذين يجرون الصفات الخبرية على ظاهرها; وإمّا معطلة، وهم الذين يمرّون على الآيات ويتلونها دون أن يتفكّروا في حقائقها; أو مؤوّلة، وهم الذين يحملون الآيات على خلاف ظواهرها من دون وجود قرائن في نفس تلك الآيات.
وأمّا العلماء الواعون فهم برآء من التشبيه والتعطيل والتأويل، لأنّهم يفرقون بين الظهور الإفرادي والظهور الجملي؟ وإنّما يحتاج إلى التأويل إذا

1 . الملل والنحل:1/105.
2 . الملل والنحل:1/105.

(46)
أخذنا بالظهور الحرفي أو الإفرادي، وأمّا لو أخذنا بالظهور الجملي فنحن في غنى عنه، إذ تصير الجمل عندئذ ظاهرة في المعاني الكنائية أو المجازية، فالحجّة هو الثاني دون الأوّل، والآيات عندهم ظاهرة في معانيها التصديقية من دون حاجة إلى التأويل، وهي بين مجاز وكناية واستعارة، وأمّا تفصيل ذلك فله مجال آخر، وقد أوضحنا حاله في كتابنا «الإنصاف».(1)
وعلى كلّ تقدير فابن تيمية يُعدّ من الطائفة الأُولى، وهو إمام المدافعين عن حوزة أهل التشبيه، وشيخ إسلام أهل التجسيم ممّن سبقه من الكرّامية وجهلة المحدّثين، الذين أخذوا بالظواهر ونسبوها إلى الله سبحانه، وأحيوا بذلك عقيدة اليهود في الله سبحانه.
***
وفي الختام ننقل ما ذكره في «التأسيس في ردّ أساس التقديس» المحفوظ في ظاهرية دمشق في ضمن المجلد رقم 25 «من الكواكب الدراري»، قال: فمن المعلوم أنّ الكتاب والسنّة والإجماع لم ينطق بأنّ الأجسام كلّها محدثة، وأنّ الله ليس بجسم، ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين، فليس في تركي لهذا القول خروج عن الفطرة ولا عن الشريعة.
وقال في موضع آخر: قلتم: ليس هو بجسم ولا جوهر ولا متحيّز ولا في جهة ولا يُشار إليه بحسّ ولا يتميّز منه شيءٌ من شيء، فكيف ساغ لكم هذا المعنى بلا كتاب ولا سُنّة .(2)

1 . الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:3/352ـ359.
2 . لاحظ : الرسائل السبكية: 51 (مقدمة المحقّق).

(47)
2

التشبيه في عقيدة ابن تيمية

(حركة الباري ونزوله)

من الأُمور الّتي يصرّ عليها ابن تيمية، تجويز الحركة والانتقال والنزول لله سبحانه، بل إنّه يقول فوق ذلك، وأنّه ينزل وينتقل من مكان إلى مكان، وأنّه لا مانع من ثبوت ذلك لله سبحانه، بل يدّعي إن عليه أئمة السلف.
هذا ما يدّعيه ابن تيمية في غير واحد من كتبه، وهانحن ننقل شيئاً من كلماته، ليتّضح للقارئ موقف الرجل من هذا الأمر.
صنّف عثمان بن سعيد الدارمي المجسّم (المتوفّى 280هـ)، كتاباً في الردّ(1) على كتاب بشر بن غياث المريسي الجهميّ (المتوفّى 218هـ) في

1 . اشتمل كتاب الردّ هذا على ألفاظ منكرة أطلقها على الله، كالجسم والحركة والمكان والحيّز(ص 379 ومابعدها) دعاه إليها عنف الردّ وشدة الحرص على إثبات صفات الله وأسمائه التي كان يبالغ بشر المريسي في نفيها. قال الإمام الذهبي في هذا الكتاب: فيه بحوث عجيبة مع المريسي، يبالغ فيها في الإثبات، والسكوت عنها أشبه بمنهج السلف في القديم والحديث. سير أعلام النبلاء:13/320(الهامش)، الترجمة 148.
وقال الشيخ محمد حامد الفقي: إنّه أتى فيه ببعض ألفاظ دعاه إليها عنف الردّ... كمثل الجسم والمكان والحيّز، فإنّني لا أوافقه عليها، ولا أستجيز إطلاقها... سير أعلام النبلاء:10/202 (الهامش)، الترجمة 45.

(48)
التوحيد، نقل عنه ابن تيمية في بعض كتبه، ومن الردود التي نقلها ابن تيمية عن الدارمي المجسِّم ووافقه عليها، قوله: أمّا دعواك (يعني دعوى بشر المريسي) أن تفسير القيّوم: «الّذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك»، فلا يقبل منك هذا التفسير إلاّ بأثر صحيح مأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أو بعض أصحابه أو التابعين، لأنّ الحيّ القيّوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميّت، التحرّك، كلّ حيّ متحرّك لا محالة، وكل ميّت غير متحرك لا محالة.(1)
ويقول ابن تيمية أيضاً: إنّ جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نُقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحمّاد بن زيد وغيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدّد(2).
وقال في «الموافقة»: وأئمة السنّة والحديث على إثبات النوعين، وهو الّذي ذكره عنهم مَنْ نقل مذهبهم، كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة، وأنّ ذلك هو مذهب أئمة السنّة والحديث من المتقدّمين والمتأخّرين، وذكر حرب الكرماني أنّه قول من لقيه من أئمة السنّة، كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبدالله بن

1 . موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول (درء التعارض): 1 / 333. نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت 1405 هـ . وما نقله من المريسي وما ردّ به عليه فهو من مصاديق ضعف الطالب والمطلوب فليس معنى القيّوم هو الّذي لا يزول عن مكانه بل معناه القائم بنفسه في مقابل الممكن القائم بغيره، وأمّا ما رُدّ به فهو من الفضاحة بمكان وأنّ نقله يغني عن نقده وردّه.
2 . منهاج السنّة: 2 / 638، وفي طبعة بولاق : 1 / 262.

(49)
الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وقال عثمان بن سعيد وغيره: إنّ الحركة من لوازم الحياة، فكلّ حيّ متحرّك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات، الذين اتّفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم .(1)
هذه الكلمات تكفي في بيان نظرية الرجل، وأنّه يثبت لله سبحانه ما هو من صفات الأجسام، وسيوافيك في آخر المقال أنّه جسّد عقيدته في نزوله سبحانه عن العرش، بنزوله درجة من درجات المنبر إلى درجة أُخرى، وقبل دراسة هذه النظرية ومناقشتها، نقدم أُموراً:

الأوّل: تعريف الحركة

عرّفت الحركة بتعاريف مختلفة أصحّها وأسدّها هو أنّ الحركة: عبارة عن خروج الشيء من القوّة إلى الفعل على سبيل التدرّج.
والقوة عبارة عن الاستعداد، ووجود المستعدّ له يلازم خروجها من القوة إلى الفعلية، فهذا النوع من التعريف يشمل كلّ أنواع الحركة الجوهرية والعرضية، أمّا الأُولى فإنّ نواة البرتقال تنطوي على قابلية خاصة وهي قابلية أن تكون شجرة في المستقبل، فإذا وقعت تحت التراب تحولت تلك القابلية إلى الفعلية، وبالتدريج تخرج من القوّة إلى الفعل.
هذا في الحركة الجوهرية، أمّا الحركة العرضية فمنها الحركة في الأين الّتي نسمّيها بالحركة الانتقالية إلى مكان آخر، فهي أيضاً داخلة في التعريف ففي الجسم قابلية لأن ينتقل من مكان إلى مكان، فإذا أخذ بالحركة، فقد صحّ

1 . الموافقة (درء التعارض): 1 / 309 .

(50)
أن تتحول تلك القوة والقابلية إلى الفعلية، سواء أكان ذلك بسبب عامل داخلي أو خارجي. هذه هي الحركة وأقسامها.

الثاني: وجود الإمكان في المتحرّك

إذا كانت الحركة هي الخروج من القوة إلى الفعل، فلازم ذلك إمكان وجود الشيء المترقّب في المتحرك . ومن المعلوم أنّ واجب الوجود بريء عن الإمكان فهو فعلية محضة لا ينسجم مع الإمكان. كيف يمكن أن يقال: إنّ في واجب الوجود، قوة ناقصة تتكامل بالخروج عنها إلى الفعلية، وهو كمال مطلق وغنيّ من عامة الجهات .

الثالث: ما هي الغاية من الحركة ؟

إنّ الحركة لابدّ لها من غاية، فما هي الغاية من حركة الباري فهل هي الحركة من النقص إلى الكمال؟ أو من الكمال إلى النقص؟ أو لا هذا ولا ذاك؟
أمّا الأوّل فيلازم وجود النقص في الله سبحانه مع أنّه الغني المطلق والكمال التامّ.
وأمّا الثاني فهو يلازم خروج الواجب من الكمال المطلق إلى النقص (الكمال النسبي).
وأمّا الثالث فهو يلازم العبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
هذه تحليلات فلسفية تعرضنا لها في هذا المقام لمن له مقدرة علمية على فهم هذه الأُمور، وهناك أمرٌ آخر هو:

(51)

الرابع: في علّة ذهاب ابن تيمية وأسلافه إلى إثبات الحركة لله سبحانه

إنّ السبب لذهاب ابن تيمية وأسلافه المجسّمة إلى إثبات الحركة والنزول لله سبحانه، هو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له، مَنْ يسألني فأُعطيَه، مَنْ يستغفرني فأغفرَ له »(1).
وعن هذا الحديث تثار تساؤلات، منها:
أوّلاً: أنّ الله سبحانه هو الغفور الرحيم، وأنّه أقرب إلينا من حبل الوريد، فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه إلى السماء الدنيا وندائه بقوله: مَن يدعوني فأستجيب له. وهو القائل عزّ اسمه: (فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (2).
والقائل : (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ)(3).
والقائل : (قُلْ ياعِباديَ الَّذِينَ أَسْـرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً)(4)، إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن سعة رحمته لعموم عباده.
كما أنّه سبحانه وعد باستجابة دعاء من دعاه من عباده، فقال: (ادْعُوني

1 . صحيح البخاري: 8 / 71، باب الدعاء نصف الليل، برقم 6321 ; صحيح مسلم: 2 / 175، باب الترغيب في الدعاء.
2 . المائدة: 39. 3 . المائدة: 74.
4 . الزمر: 53.

(52)
أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(1)، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على قُرب المغفرة من المستغفرين، والإجابة من الله سبحانه للسائلين آناء الليل والنهار، فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه الكريم إلى السماء الدنيا وندائه بقوله: «مَن يدعوني فأستجيبَ له»؟
ثانياً: تعالى ربّنا عن النزول والصعود والمجيء والذهاب والحركة والانتقال وسائر العوارض والحوادث التي تُفضي إلى الجسمية والتحيّز، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، ومن هنا صار هذا الحديث وأشباهه، سبباً لذهاب الحشوية إلى التجسيم والسلفية إلى التشبيه.
ثالثاً: أنّ لازم ما ذكره أن يكون الله سبحانه دائم النزول والصعود وذلك لتعاقب الليل والنهار، فربّما يكون نصف النهار في بلد هو نصف الليل في بلد آخر، أو أوّل النهار في بلد هو أوّل الليل في بلد آخر، وكلّ بلد له نصف ليل، فحينئذ يلزم أن يكون سبحانه طول الليل والنهار بين النزول والصعود، ومعنى ذلك أنّه يتحرك في عامّة الليل الّذي يكون نهاراً في بلد آخر، وعامّة النهار الّذي يكون ليلاً في بلد آخر، وهو كماترى.
رابعاً: أي فائدة في هذا النداء الّذي لا يسمعه أي ابن أُنثى حتّى يرغب إلى الدعاء؟!
***
ومن العجيب أنّ ابن تيمية نسب ذلك القول إلى أئمة السلف، ولكنّ السلف والخلف بريئون من هذه النسبة ; وذلك لأنّهم يتلون كتاب الله ليل

1 . غافر: 60.

(53)
نهار وهو يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء)(1) وإذا أثبتوا لله الحركة والنزول والصعود، فقد جعلوا لله مثلاً وشبيهاً.
ومن يرجع إلى كلمات علماء الإسلام الواعين من السلف والخلف يجد أنّهم متفقون على تنزيهه سبحانه من أوصاف الجسم والجسمانيات، وأنّهم قد أوّلوا الحديث المروي عن أبي هريرة، بما ينسجم وتقدّسه عن الجسمية.
يقول الحافظ ابن حجر في شرح الحديث المذكور، ما هذا نصّه: استدلّ به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور ; لأنّ القول بذلك يُفضي إلى التحيّز، تعالى الله عن ذلك، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال، ثم قال: وقد حكى أبو بكر بن فورك أنّ بعض المشايخ ضبطه بضمّ أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكاً، ويقوّيه ما رواه النسائي من طريق الأغرّ عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: «إنّ الله يمهل حتّى يمضي شطر الليل ثم يأمر منادياً يقول: هل مَن داع فيستجاب له..» ثم قال: وبهذا يرتفع الإشكال .(2)
ثم نقل عن البيضاوي أنّه قال: ولمّا ثبت بالقواطع أنّه سبحانه منزّه عن الجسمية والتحيّز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه.
نعم ربّما يتمسّك المجسّمة بقوله سبحانه: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا )(3).

1 . الشورى: 11.
2 . فتح الباري: 3 / 30 .
3 . الفجر: 22.

(54)
ولكن الناظر في آيات تلك السورة يقف على أنّه سبحانه يصوّر هول القيامة ورعبها، ويقول قبل هذه الآية: (كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا)(1)، ثم يقول بعدها (وَجِيءَ يَوْمَئِذ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى)(2). فإنّ المراد من مجيء جهنم إبرازها للعصاة، كما في قوله تعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى )(3) .
فالمراد من مجيئه سبحانه هو ظهور قدرته في ذلك اليوم العصيب وسطوع شوكته، وكثيراً ما يقال: «جاء آل فلان» ويراد تسلّطهم وسيطرتهم على البلاد.
وفي الكشّاف: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه، مثّلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلّها ووزرائه وخواصّه عن بكرة أبيهم(4).
وعلى ما ذكرنا فالمراد بمجيئه تعالى مجيء أمره، قال تعالى: (وَ الأَمْرُ يَوْمَئِذ للهِ )(5)، ويؤيد هذا الوجه بعض التأييد قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ وَ الْمَلاَئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ)(6) إذا انضم

1 . الفجر: 21 .
2 . الفجر: 23.
3 . النازعات: 36 .
4 . تفسير الكشاف: 3 / 337 .
5 . الانفطار: 19 .
6 . البقرة: 210 .

(55)
إلى قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ )(1)، وعليه فهناك مضاف محذوف والتقدير: جاء أمر ربك، أو نسبة المجيء إليه تعالى من المجاز العقلي.(2)
وكان لابن تيمية ومن لفّ لفّه أن يرجع إلى كلمات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه، حتّى يقفوا على نعوته جلّ شأنه، ويتعرّفوا على مكانة هذا الحديث وأمثاله من الصحّة والسقم .
1. قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في إحدى خطبه:
«الحمدُ لله الذي علا بحَوْله، ودَنا بطَوْلهِ».(3)
فالإمام(عليه السلام) يؤكّد أنّه سبحانه قد ارتفع بقدرته على كلّ شيء، باعتبار كونه مبدأ كلّ موجود ومرجعه، فهو العليّ المطلق الذي لا أعلى منه في وجود وكمال رتبة وشرف(4)، ولكنّه مع علوّه قد دنا وقرُب بفضله وإحسانه وتكرّمه.
2. وقال(عليه السلام) في وصفه تعالى:
«ما اختلف عليه دهرٌ فيختلف منه الحالُ، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقالُ».(5)
3. وروى يعقوب بن جعفر الجعفري عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)قال:

1 . النحل: 33 . 2 . الميزان في تفسير القرآن: 20 / 284 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة83.
4 . شرح نهج البلاغة، لابن ميثم البحراني:2/231.
5 . نهج البلاغة: الخطبة 91.

(56)
ذكر عنده قوم يزعمون أنّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا، فقال: «إنّ الله تبارك وتعالى لا ينزل، ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنّما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب، ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج إلى شيء بل يُحتاج إليه، وهو ذو الطَّول، لا إله إلاّهو العزيز الحكيم.
أمّا قول الواصفين: إنّه ينزل تبارك وتعالى فإنّما يقول ذلك مَن ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكلُّ متحرِّك محتاج إلى من يحرِّكه أو يتحرَّك به، فمَن ظنّ بالله الظنون هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدّ تحدّونه بنقص أو زيادة، أو تحريك تحرّك، أو زوال أو استنزال، أو نهوض أو قعود، فإنّ الله جلّ وعزّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين وتوهُّم المتوهِّمين، (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)(1)». (2)
وفي الختام، نقول: إنّ الرجل قد صرّح بمذهبه وهو على منبر الشام، يقول الرّحالة ابن بطوطة: وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلّم في فنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً. وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء...ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي، وقال: «إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا» وعدّد ما أُنكر على ابن تيمية، وأحضر

1 . الشعراء: 217 ـ 219 .
2 . الكافي:1/125، كتاب التوحيد، باب الحركة والانتقال، الحديث 1; والتوحيد للصدوق: 183، باب نفي المكان، برقم 18.

(57)
العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.
قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلاّ الله، فأعاد عليه فأجاب عليه بمثل قوله; فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً وصنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سمّاه «البحر المحيط» في نحو أربعين مجلداً.
ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرتُه يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: (إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا) ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً. (1)
وربما يحاول بعض المتعصّبين لابن تيمية، أن ينفي حضور ابن بطوطة في ذلك العام في دمشق، لكنّه غفل عن أنّ النقل لا ينحصر به، بل نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني في موسوعته«الدرر الكامنة»(2)، وهذا يدلّ على أنّ الخبر كان منتشراً يوم ذاك في البلد.
(ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتدى).(3)

1 . الرحلة لابن بطوطة: 112، طبع دار الكتب العلمية.
2 . الدرر الكامنة:1/154.
3 . النجم:30.

(58)
3

الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية (1)

اتّفق علماء الإسلام ـ عدا بعض المحدّثين ـ على أنّه سبحانه منزّه عن الجهة والمكان، وقد برهنوا على ذلك ببراهين واضحة، نذكر بعضها:
1. أنّ الجهة أو المكان لو كانا قديمين يلزم تعدّد القدماء، ولو كانا حادثين يلزم أن يكون سبحانه محلاًّ للحوادث، حيث لم يكن ذا مكان ولا ذا جهة ثم وصف بهما.
2. أنّ الله سبحانه غني بالذات، فكونه ذا جهة أو ذا مكان، يلازم حاجته إليهما، فينقلب الغني فقيراً ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
3. أنّ كلّ ما هو في جهة إمّا جسم أو جسماني، وكلّ منهما ممكن بل حادث، فكيف يوصف بهما سبحانه وتعالى؟
هذه هي البراهين العقلية الّتي تفسّر لنا قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)(2) فلو كان في جهة أو مكان، يكون له ملايين الأمثال، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

1 . هذا الفرع هو من فروع القول بتشبيه الباري بالممكنات، وهو متمّم للفصل السابق.
2 . الشورى: 11.

(59)
وهذه البراهين مبثوثة ومشروحة في الكتب الكلامية والعقدية، ونحن في غنى عن أن نأتي بكلمات العلماء أو أن نشير إليها.
وإذا رجعنا إلى كلمات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين ينزّهون الباري أشدّ التنزيه نجد أنّهم يصفونه بنفي الجهة والمكان.
قال الإمام علي (عليه السلام): «مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، وَمَنْ قَالَ: «كَيْفَ» فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَمَنْ قَالَ: «أَيْنَ» فَقَدْ حَيَّزَهُ».(1)
وقال أيضاً: «لاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَلاَ يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلاَ يَصِفُهُ لِسَانٌ».(2)
وقال في خطبة أُخرى له: «ولا أنّ الأشياء تحويه، فتُقلَّه أو تُهوِيَه، أو أنّ شيئاً يحملُه، فيُميلَه أو يُعدِّلَه! ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج».(3)
وروى الصدوق بإسناده عن سليمان بن مهران قال: قلت لجعفر بن محمد (عليه السلام): هل يجوز أن نقول: إنّ الله في مكان؟ فقال: «سبحان الله وتعالى عن ذلك، إنّه لو كان في مكان لكان محدثاً، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، والاحتياج من صفات المحدَث لا من صفات القديم»(4).
وروى أيضاً عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ الله

1 . نهج البلاغة: الخطبة: 152 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 178 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 186.
4 . توحيد الصدوق: 178، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث 11 .

(60)
تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً».(1)
إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في الجوامع الحديثية المعتبرة .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى عقيدة ابن تيمية من خلال ما ورد في كتبه:
1. قال في «منهاج السنّة»: وجمهور الخلق على أنّ الله فوق العالم، وإن كان أحدهم لا يلفظ بلفظ «الجهة»، فهم يعتقدون بقلوبهم، ويقولون بألسنتهم: ربّهم فوق .(2)
2. قال في «بيان تلبيس الجهميّة»: والله تعالى قد أخبر عن فرعون أنّه طلب أن يصعد ليطّلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبره أنّ إلهه فوق، لم يقصد ذلك، فإنّه لو لم يكن مقرّاً به فإذا لم يخبره موسى به لم يكن إثبات العلوّ لا منه ولا من موسى (عليه السلام)، ثم قال: فموسى صدّق محمداً في أنّ ربه فوق، وفرعون كذّب موسى في أنّ ربه فوق. فالمقرّون بذلك متّبعون لموسى ولمحمد، والمكذبون بذلك موافقون لفرعون .(3)
وهذا استدلال عجيب غريب، فليت شعري من أين علم ابن تيمية أنّ موسى(عليه السلام) أخبر فرعون بأنّ الله في السماء، وأنّه تعالى فوق؟! وكيف عرف أنّ فرعون إنّما طلب أن يصعد ليرى الله في السماء، انطلاقاً من فهمه لكلام

1 . توحيد الصدوق، 184، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث20.
2 . منهاج السنّة النبوية: 2 / 642، وفي طبعة بولاق : 1 / 262 ـ 263.
3 . بيان تلبيس الجهمية: 1 / 526.

(61)
موسى(عليه السلام)؟ ألا يمكن أن يكون طلبه مبنيّاً على توهّمه أنّ إله موسى جسم ماديّ، وبما أنّه لا يراه في الأرض، فلا بدّ أن يكون في السماء، ولذا طلب من وزيره أن يجعل له صرحاً ليُشرف عليه ويراه؟ هذا إذا قلنا ـ وهو بعيد ـ إنّه كان يريد البحث حقّاً عن إله موسى، ولم يقصد الاستهزاء والسخرية، أو خداع قومه والتمويه عليهم.
ولعمر القارئ أنّ هذا النوع من الاستدلال يكشف عن عجز المستدلّ حيث يتشبّث بهذا النوع من التسويلات.
يقول المحقّق الدواني في شرحه على العقائد العضدية: ولابن تيمية أبي العباس أحمد وأصحابه، ميل عظيم إلى إثبات الجهة، ومبالغة في القدح في نفيها. ورأيت في بعض تصانيفه: أنّه لا فرق عند بديهة العقل بين أن يقال: هو معدوم، أو يقال: طلبته في جميع الأمكنة فلم أجده. ونسب النافين إلى التعطيل.(1)
3. وقال في «العقيدة الواسطية»: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله، الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأجمع عليه سلف الأُمّة، من أنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليّ على خلقه، وهو معهم سبحانه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون كما جمع بين ذلك في قوله: (هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها

1 . التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية:94 (المتن)، للسيد جمال الدين الحسيني الأفعاني ومحمد عبده، طبع مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 1423هـ .

(62)
وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير)(1)، وليس معنى قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم): أنّه مختلط بالخلق فإنّ هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأُمّة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطّلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته .(2)
يلاحظ عليه: أنّ كلامه صريح في أنّ الله سبحانه واقع في جهة وهي فوق السماوات، مستقر على عرشه، مستعل على خلقه، فهو مهما أراد أن ينكر عقيدته بأنّ الله سبحانه في جهة، فلا يتسنّى له ذلك.
ثمّ إنّه لمّا لاحظ التعارض بين عقيدته ـ أعني: أنّ الله سبحانه مستقر على عرشه، بائن عن خلقه ـ وقوله سبحانه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم)حاول أن يجمع بين الآيتين، بتفسير المعيّة، بالمعيّة العلمية، حيث إنّه سبحانه في العرش مع أنّه مطّلع على أعمال عباده.
أقول: وليس هذا إلاّ تأويلاً للكتاب العزيز وتفسيراً بالرأي، حيث إنّ عقيدته بأنّ الله فوق السماوات صارت سبباً لتفسير الآية بما مرّ.
إنّ ابن تيمية كثيراً ما يردّ على الجهمية بتأويلهم آيات الصفات، ولكنّه وقع في نفس ما يردّ به عليهم .

1 . الحديد:4.
2 . مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية:1/400ـ 401; العقيدة الواسطية، الرسالة التاسعة، طبعة محمد علي صبيح.

(63)
هبْ أنّه صحّ تأويل قوله سبحانه: (وَهُوَ مَعَكُمْ) بالمعيّة، فبماذا يفسّر قوله سبحانه: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَة إلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أدْنى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أكْثَرَ إلاّ هُوَ مَعَهُمْ أينَ ما كَانُوا ثُمَّ يُنَبّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم)(1)؟! فإنّ الآية صريحة في حضوره سبحانه بين الثلاثة وهو رابعهم، وبين الخمسة وهو سادسهم، لا أنّه مستقر في عرشه ينظر إلى مادونه فيعلم بما يجري بين العباد.
ثمّ إنّ الرجل لمّا لم يوفّق لتفسير المعيّة، تصوّر أنّ القول بالمعيّة يستلزم الحلول، ومن المعلوم أنّ الحلول في المخلوقات كفر بواح، لا يتكلّم
به المتشرّع المؤمن بكتابه وسنّة رسوله، وإنّما المراد بالمعيّة، المعيّة
القيّوميّة، فهو مع كونه خارجاً عن مخلوقاته لكن لا بنحو تنقطع صلته بهم، بل هو مع كونه موجوداً بنفسه، لكن عالم الإمكان قائم به قيام صدور لا قيام حلول.
وإذا أردنا أن نصوّر ذلك بتصوير أدنى فلنذكر هذا المثال:
إنّ النفس الإنسانية مع علوِّها واستقلالها، لكن الصور الإبداعية التي تخلقها في عالمها قائمة بها، فلا الصور داخلة في النفس، ولا النفس منقطعة عنها، بشهادة أنّ النفس لو ذهلت عن الصور لم يبق منها شيء، فمن قال بالمعيّة ـ تبعاً للذكر الحكيم ـ إنّما يريد المعيّة القيّوميّة، ولذلك يقول الإمام علي(عليه السلام): «مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة».(2)

1 . المجادلة:7.
2 . نهج البلاغة: الخطبة1.

(64)
ثمّ إنّ الرجل لمّا وقف على كلام الإمام علي(عليه السلام) في شأنه سبحانه مع المخلوقات، حاول أن يردّ عليه دون أن يذكر اسمه، يقول مخاطباً خصمه: فأنت تقول: إنّه موجود قائم بنفسه وليس بداخل في العالم ولا خارج عنه ولا مباين له ولا محايث(مجانب) له، وأنّه لا يقرب منه شيء ولا يبعد منه شيء، وأمثال ذلك من النفي الذي لو عُرض على الفطرة السليمة جزمت جزماً قاطعاً أنّ هذا باطل وأنّ وجود مثل هذا ممتنع، وكان جزمها ببطلان هذا أقوى من جزمها ببطلان كونه فوق العالم وليس بجسم.(1)
ويقول في موضع آخر: وأمّا الأحكام الكلّية فهي عقلية، فحكم الفطرة بأنّ كل موجودين إمّا متحايثان (متجانبان) وإمّا متباينان، وبأنّ ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلاّ معدوماً. وأنّه يمتنع وجود ما هو كذلك.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قوله: «بأنّ جزم الفطرة ببطلان القول بأنّه سبحانه ليس بداخل في العالم ولا خارج عنه، أقوى من جزمها ببطلان كونه فوق العالم وليس بجسم» يدلّ على أنّ كلا القولين عنده باطل، ولكن الأوّل أظهر بطلاناً من الثاني، فأين، إذاً، قوله: بأنّ سلف الأُمّة اتّفقوا على أنّه فوق العالم، وأنّه ليس لنا أن نصفه بأنّه ليس بجسم، إذ لم يرد في الكتاب والسنّة؟!
وثانياً: أنّ قوله: «ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلاّ معدوماً»، يدلّ على أنّه يتصوّر أنّه سبحانه جسم، إذ من المعلوم أنّ الجسم إذا لم يكن

1 . منهاج السنّة النبوية: 2/147، وفي طبعة بولاق : 1 / 183 ـ 184.
2 . منهاج السنّة النبوية: 2/149، وفي طبعة بولاق : 1 / 184.

(65)
داخل العالم ولا خارجه يكون معدوماً.
وأمّا إذا قلنا: بأنّه سبحانه فوق أن يكون جسماً أو جسمانياً، وأنّ سنخ وجوده أعلى وأنبل من أن يكون مادّة أو مادّياً، جوهراً أو عرضاً، أو ينال حقيقته العقل، فمثل هذا أسمى من أن يوصف بأنّه في خارج العالم أو داخل العالم، إذ الخارج والداخل ظرف للأُمور الجسمية، وما هو غير مماثل له فلا يوصف بالداخل ولا بالخارج.
ثمَّ إنّ الرجل يصرّح بأنّ جعفر بن محمد(عليهما السلام) من أئمة الدين، ويقول: قد استفاض عن جعفر الصادق أنّه سئل عن القرآن أخالق هو أم مخلوق؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنّه كلام الله، وهذا ممّا اقتدى به الإمام أحمد في المحنة، فإنّ جعفر بن محمد من أئمة الدين باتّفاق أهل السنّة.(1)
فإذا كانت هذه مكانة الإمام الصادق(عليه السلام) فهو وآباؤه الأقدمون (بدءاً من علي(عليه السلام) وانتهاءً بأبيه الباقر(عليه السلام)) كلّهم من أئمة الدين، فلماذا لم يرجع إلى شيء من أحاديثهم حول تنزيهه سبحانه عن المكان والجهة؟! ولماذا أعرض عن خطب الإمام علي(عليه السلام)وأحاديث العترة، الواضحة في تنزيه الله سبحانه عن شوائب المادّة والمادّيات وعن الجهة والمكان؟!
قال علي(عليه السلام): «اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلاَ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الُْمجْتَهِدُونَ (الجاهدون)، اَلَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ، اَلَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ... ـ إلى أن قال (عليه السلام): ـ فَمَنْ وَصَفَ

1 . منهاج السنّة النبوية: 2/245، وفي طبعة بولاق : 1 / 208.

(66)
اللهَ سُبْحَانَهُ (يعني بصفة زائدة على ذاته) فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ. وَمَنْ قَالَ «فِيمَ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ. كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم. مَعَ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُقَارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُزَايَلَة».(1)
وقال الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام): «إنّ الله تبارك وتعالى كان لم يزل بلا زمان ولا مكان وهو الآن كما كان، لا يخلو منه مكان، ولا يشغل به مكان، ولا يحلّ في مكان، ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم، ولا خمسة إلاّ هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال».(2)
وخلاصة الأمر أنّ الرجل كان متأثراً بالروايات التي تسلّلت عبر مستسلمة أهل الكتاب إلى الأحاديث الإسلامية، وأنت تقرأ كثيراً منها في توحيد ابن خزيمة وابن مندة وغيرهما.
ويظهر من كلام ابن تيمية أنّه يسلّم بأنّ كثيراً من هذه الأحاديث يوافق التوراة، ولكنّه يرى أنّ عدم إنكار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يُعدّ دليلاً على صحّة غير المردود منها، قال: إنّ المشركين من العرب لم تكن تنازع فيه كما كانت تنازع في المعاد، مع أنّ التوراة مملوءة من ذلك ولم ينكره الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)على اليهود

1 . نهج البلاغة: الخطبة1.
2 . التوحيد للصدوق:179، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث12.

(67)
كما أنكر عليهم ما حرّفوه وما وصفوا به الرب من النقائص، كقولهم: (إنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أغْنِياءُ)(1)، و (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) (2)، ونحو ذلك.((3))
وقال في موضع آخر: وقد عُلم أنّ التوراة مملوءة بإثبات الصفات التي تسمّيها النفاة تجسيماً، ومع ذلك فلم ينكر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أصحابه على اليهود شيئاً من ذلك ولا قالوا: أنتم تجسّمون.(4)
وكفى في ردّ ما يخبر به الأحبار في باب المعارف قوله سبحانه:(وَما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ)(5)، أي ما وصفوه حقّ وصفه وما عرفوه حقّ معرفته.
أقول: إنّ موقف القرآن من التوراة الرائجة ـ في أغلب الموارد ـ هو موقف سلبيّ، حيث صرّح في أكثر من آية بأنّها محرّفة، ووصفها بأنّها أمنيّة، قال سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُون).(6)
فالآية صريحة في أنّ الأحبار كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، وأنّهم يتكسّبون بفعلهم هذا، وليس هذا الكتاب المزوّر إلاّ التوراة المحرّفة، وكذلك ما يوصف بالكتب السماويّة الواردة في العهدين، وهذا المقدار كاف في عدم جواز الاعتماد على ما ورد في الكتب الموصوفة بالسماوية في باب المعارف خصوصاً ما يرجع إلى صفات الله سبحانه من

1 . آل عمران: 181 . 2 . المائدة:64.
3 . منهاج السنّة: 2/152، وفي طبعة بولاق : 1/185.
4 . منهاج السنّة: 2/562، وفي طبعة بولاق : 1/251 .
5 . الزمر:67. 6 . البقرة:79.

(68)
التجسيم والتشبيه والحركة والنزول، والتمكّن من المكان.
كيف نعتمد على كتاب وُصف بكونه ممّا أُنزل على موسى وهو يذكر مصارعة الرب مع يعقوب في خيمته، إلى طلوع الفجر؟! يقول: ثم قام في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر،وعبر مخاضة يبوق، أخذهم وأجازهم الوادي وأجاز ما كان له. فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسانٌ حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنّه لا يقدر عليه ضرب حُقّ فخذه. فانخلع حُقّ فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال: أطلقني لأنّه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له ما اسمك فقال: يعقوب، فقال: لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل.(1)
هذه هي التوراة التي كتبتها أيدي الأحبار، ليتكسّبوا بها في الدنيا وهي مليئة بنزول الرب وحركته وجسمانيته، وغير ذلك ممّا لا يليق أن يكتب ويسطّر!!
وقد افتخر أحد المحاضرين في «قناة المستقلة»، بأنّ ابن تيمية حلّ مشكلة تدور في أذهان الإلهيين، وهي أنّهم يقولون:إنّ الله سبحانه لا في داخل العالم ولا في خارجه، وعندئذ يطرح هذا السؤال: إذا لم يكن لا في داخل العالم ولا في خارجه، فكيف يكون موجوداً؟ فقد حلّ ابن تيمية المشكلة بقوله :إنّ الله على عرشه خارج هذا العالم. هذا ما تطرّق إليه المحاضر في تلك القناة الفضائية.
غير أنّه غفل عن أنّ السؤال عن مكان الله سبحانه وأنّه هل هو في هذا

1 . الكتاب المقدّس، الإصحاح 32 من سفر التكوين.

(69)
العالم أو خارجه، يساوق تسليم كونه جسماً متحيّزاً، ومن المعلوم أنّ المتحيّز لا يفارق الحيّز، فلابد أن يكون له مكان، وهو إمّا داخل العالم أو خارجه، وهذا يكشف عن أنّهم لم يعرفوا الله حق معرفته، إذ صوّروه موجوداً مادّياً، وطلبوا مكاناً له، ثم زعموا أنّه إذا لم يكن في داخل العالم، فهو، إذاً في خارج العالم، وليس هو إلاّ فوق السماوات!!
والحقّ أنّه لا معنى لأن نطلب لله مكاناً داخل العالم أو خارجه ; لأنّه ليس جسماً ولا جسمانياً، كما وصف نفسه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ).
على أنّ خارج العالم إذا لم يكن أمراً مادّياً فهو مساوق عند المحاضر للعدم، فيعود السؤال أيضاً: كيف يكون موجوداً في عالم معدوم؟
ثم أين كان سبحانه قبل أن يخلق هذا العالم؟ فإن قال: خارج هذا العالم، فيقال له: إنّ الخارج لا يتصور إلاّ مع وجود الداخل، والمفروض أنّه لم يخلق الداخل حتى يتصور له خارج، ويكون فيه.
وحقيقة الكلام: أنّ البحث في أنّه سبحانه في داخل هذا العالم أو خارجه أو ليس فيهما، كلّ ذلك مبني على تصويره سبحانه موجوداً مادّياً، فيتطلب أنّه إمّا في داخل العالم أو خارجه لا في غيرهما.
وأمّا على القول بأنّ وجوده أرفع من أن يحيطه مكان أو يحدّه زمان، وأنّه سبحانه هو خالق الزمان والمكان، فإنّ السؤال عن مكانه في داخل العالم أو خارجه أو لا هذا ولا ذاك، يُعدّ ساقطاً، فهو سبحانه موجود قيّوم قائم بنفسه والكون قائم به نظير قيام الصور العلمية بالنفس، وعندئذ فهو في نفس العالم لكن لا بالحلول والممازجة، وفي خارج هذا العالم لكن لا بالمباينة، فلا

(70)
يمكن للإنسان الغور في كنه وجوده، كما قال القائل:
فيك يا أُعجوبة الكو *** ن غدا الفكر كليلا
كلّما أقدم فكري *** فيك شبراً فرّ ميلا وبذلك تقف على قيمة كلام ابن تيمية حيث يقول:ولم يقل أحد من سلف الأُمّة ولا من الصحابة والتابعين: إنّ الله ليس في السماء، ولا إنّه ليس على العرش، ولا إنّه في كل مكان، ولا إنّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنّه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنّه لا تجوز الإشارة الحسيّة إليه بالأصابع ونحوها.(1)

الاتّكاء على أخبار الآحاد في تكوين العقائد

إنّ جذور فكرة التجسيم والتشبيه التي استولت على فكر ابن تيمية ومقلّديه في العصر الحاضر، ترجع إلى اعتمادهم ـ في الأُصول والفروع ـ على أخبار الآحاد، وقد انعقد مؤتمر قبل سنين في المدينة المنوّرة وكان موضوعه: دراسة حجّية أخبار الآحاد في الأُصول والفروع، وقد قُدّم إلى المؤتمر حوالي ثمانين مقالاً كلّها تؤيد حجّية خبر الآحاد في الأُصول، ولم يدرْ في خلَد واحد منهم، أنّ المقصود الأسنى في العقائد هو تحصيل اليقين، ومن المعلوم أنّ أخبار الآحاد لا توجب علماً ولا يقيناً، نعم هي حجّة في باب الفروع لأنّ المقصود فيها هو تطبيق العمل على مضمون الخبر، سواء أفاد يقيناً أو ظناً أولا هذا ولا ذاك، وهو أمر ممكن.

1 . مجموع الفتاوى (كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية): 5 / 15، تحقيق عبدالرحمن العاصي النجدي، طبعة مكتبة ابن تيمية.

(71)
إنّ أخبار الآحاد التي يعتمد عليها هؤلاء في الأُصول والمعارف أكثرها مدسوس وموضوع من قبل مستسلمة أهل الكتاب أو الوضّاعين والكذّابين الذين كانوا يتاجرون بوضع الأحاديث، وقد تلقّفها عنهم السذّج من المحدّثين، وتصوّروها حقائق راهنة، وحيكت لها الأسانيد بشكل لا يظهر معه تدخل الأحبار والرهبان في وضع هذه الأحاديث، ثمّ دوّنها أصحاب الصحاح والسنن ثقةً منهم برجالها، وقد جمعها ابن خزيمة وابن مندة في كتابيهما.
هؤلاء المجسّمة الذين يصوّرون الله تعالى أنّه في السماء ينظر إلى ما دونه من الخلائق، يستدلّون بما رواه مسلم من حديث الجارية، التي سألها رسول الله: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله... قال(صلى الله عليه وآله وسلم)]لسيدها[: «اعتقها فإنّها مؤمنة».(1)
إنّ الاحتجاج بهذه الرواية مشكل من جهتين:
الأُولى: أنّ السيرة المستمرة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته الناس للإسلام، هي أن ينطقوا بالشهادتين ويقرّوا بأن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، ولم يرد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه سأل أحداً ـ غير هذه الجارية ـ عن الله ومكانه وصفاته، فلماذا خُصّت هذه الجارية التي كانت بعيدة عن الإسلام، بهذا السؤال المشكل؟!
الثانية: أنّ هذه الرواية رويت بشكل آخر أيضاً، فهذا هو مالك يرويها في «الموطّأ» بالشكل التالي: أنّ رسول الله قال لها: أتشهدين أن لا إله إلاّ الله؟

1 . صحيح مسلم:2/71; سنن أبي داود:1/211، الحديث 930.

(72)
فقالت: نعم، قال: أتشهدين أنّي رسول الله؟ قالت: نعم.(1)
ورواها أحمد بالنحو التالي: قال: جاء رجل من الأنصار بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله: أنّ عليّ رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة فاعتقها، فقال لها رسول الله: أتشهدين أن لا إله إلاّ الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أنّي رسول الله؟ قالت: نعم، قال: تؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال: اعتقها.(2)
وللعلاّمة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي كلام حول هذه الرواية نذكر عصارته: وأنّه مأوّل لمخالفته القواطع العقليات والنقليات، إذ لا يُتجاوز عن الظاهر إلاّ لضرورة، فإنّ حجج الله تعالى تتعاضد ولا تتضاد،... إلى أن قال: إنّها كانت أعجمية لا تقدر أن تفصح عمّا في ضميرها من اعتقاد التوحيد بالعبارة فتعرف بالإشارة أنّ معبودها إله السماء، فإنّهم كانوا يسمّون الله إله السماء، كما دلّ السؤال والاكتفاء بتلك الإشارة.(3)
وبهذا يسقط الاستدلال بظاهر حديث الجارية على كونه سبحانه في السماء.
والعجب أنّ ابن تيمية كلّما يذكر شيئاً ممّا يدلّ على التجسيم والتشبيه والحركة والنزول ينسبه إلى السلف قاطبة، وكأنّ السلف عنده يتلخّص في مبتدعة السلفيين، وأمّا الآخرون فكأنّهم ليسوا من الأُمّة ولا من سلفهم، حتى

1 . الموطأ:1/145، كتاب العتاقة والولاء، باب ما يجوز من العتق.
2 . مسند أحمد:3/451.
3 . إشارات المرام من عبارات الإمام: 199ـ200.

(73)
أنّه يرمي المفكّرين من المسلمين ـ كإمام الحرمين والغزّالي ـ في كتابيه: منهاج السنّة والموافقة، بأنّهما أشدّ كفراً من اليهود والنصارى! فلو كان هؤلاء المفكّرون أشدّ كفراً من أهل الكتاب فعلى الإسلام السلام!!
بقي الكلام فيما يستند إليه المجسّمة، وهو أنّ كل إنسان يتوجّه إلى السماء حين الدعاء ويرفع إليها يديه، وكأنّ الإنسان بالفطرة قائل بأنّ الله في السماء.
ولكن الإجابة عن ذلك واضحة.
أمّا أوّلاً: فبما أنّ الخيرات والبركات تنزل من السماء كما في قوله: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ)(1)، فلأجل ذلك يتوجّه إلى السماء وترفع الأيدي إليها.
وثانياً: أنّ الإنسان بهذا العمل يجسّد علو مقامه سبحانه ورفعته.

ابن تيمية وجلوسه سبحانه على العرش

لا شكّ في أنّ الجلوس والقعود من صفات الإنسان أو غيره أيضاً، من غير فرق بين أن يكون الجلوس تربّعاً، أو على الركبتين، وهذا كالتحيّز، من صفات المادّة والمادّي، والموجود المنزّه عنهما لا يوصف بالجلوس.
ولكنّ ابن تيمية ينسب جلوس الله إلى أهل السنّة حيث قال في تفسير قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(2): الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة، لا على المجاز.(3)

1 . الذاريات:22. 2 . طه:5.
3 . مجموع الفتاوى: 5/519.

(74)
وقال في كتابه «بيان تلبيس الجهمية»: إنّ العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه، وكالسقف إلى ما تحته، فإذا كان القرآن قد جعل لله عرشاً، وليس هو بالنسبة إليه كالسقف، عُلم أنّه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره، وذلك يقتضي أنّه فوق العرش.(1)
ولست أدري أيّ معنىً يبقى لهذه الآية: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إذا كان سبحانه يوصف بالجلوس على العرش وبالصعود والنزول؟ وهل يغدو، جلّ شأنه، بعد تلك الأوصاف، إلاّ ذا أمثال كثيرة وعديدة؟
يُذكر أنّ ابن قيّم الجوزيّة جمع آراء أُستاذه ابن تيمية في قصيدته النونية، فجاءت مشحونة بالتجسيم، كالقول بأنّ الله فوق سماواته، على عرشه، وأنّه ينزل ويهبط ويصعد.
وإليك بعض أبيات قصيدته هذه التي أخذ يستهزئ فيها بعقيدة التنزيه:
فأسرّ قول معطّل ومكذّب *** في قالب التنزيه للرحمنِ
إذ قال ليس بداخل فينا ولا *** هو خارج عن جملة الأكوان
بل قال ليس ببائن عنها ولا *** فيها ولا هو عينها ببيان
كلا ولا فوق السماوات العُلى *** والعرش من رب ولا رحمان
بل حظه من ربه حظ الثرى *** منه وحظ قواعد البنيان
لو كان فوق العرش كان كهذه *** أجسام سبحان العظيم الشان(2)

1 . بيان تلبيس الجهمية:1/576.
2 . السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل:35.

(75)
وأنت تلاحظ كيف يستهزئ ابن القيّم بعقائد المسلمين في هذه الأبيات.
هذا، وقد فسّر المجسّمة (المقام المحمود) في قوله:(عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(1) بإقعاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على العرش إلى جانب ربّه تبارك وتعالى!!
وتأكيداً لهذا المعنى، نسب ابن القيّم لأبي الحسن الدارقطني الأبيات التالية:
حديث الشفاعة عن أحمد *** إلى أحمد المصطفى نسنده
وجاء حديث بإقعاده *** على العرش أيضاً فلا نجحده
أمرّوا الحديث على وجهه *** ولا تدخلوا فيه ما يفسده
ولا تنكروا أنّه قاعد *** ولا تنكروا أنّه يقعده(2)

1 . الإسراء:79.
2 . لاحظ : بدائع الفوائد لابن القيّم:4/39.

(76)
4

نظرة إلى تكلّمه سبحانه

في منهج ابن تيمية (1)

يعدّ وصف التكلّم لله سبحانه من الصفات الخبريّة، حيث أخبر عنه سبحانه في الذكر الحكيم بقوله: (وكلّم اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً)(2)، وقوله: (وَمَا كانَ لِبَشَر أنْ يُكَلِّمُهُ اللهُ إلاّ وَحْياً أوْ مِنْ وَراءِ حِجاب أوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَليٌّ حَكيمٌ).(3) ولولا ذلك لَما صحّ لنا وصفه بهذا الوصف، لأنّ أسماءه وصفاته تعالى توقيفية.
ومن هنا اتّفق المسلمون على كونه سبحانه متكلّماً، واتّفقوا أيضاً على تنزيهه عن كونه متكلّماً بحرف وصوت، قائمين بذاته (كتكلّم الإنسان بهما)، بَيْدَ أنّهم اختلفوا في كيفية تكلّمه سبحانه. ولكي نتعرّف على حقيقة الكلام عند هؤلاء المختلفين، نأتي بنظرياتهم في هذا المجال.

1 . هذا الفرع من متممات القول بالتشبيه عند ابن تيمية.
2 . النساء:164.
3 . الشورى:51.

(77)

نظرية المعتزلة

ذهبت المعتزلة إلى أنّ كلامه تعالى أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها في غيره، وتكلّمه في الحقيقة من صفات الفعل لا من صفات الذات نظير كونه رازقاً ومنعماً.
قال القاضي عبد الجبار: حقيقة الكلام هي الحروف المنظومة والأصوات المقطّعة، وهذا كما يكون سبحانه منعماً بنعمة توجد في غيره ورازقاً برزق يوجد في غيره، وهكذا يكون متكلّماً بإيجاد الكلام في غيره، وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه الفعل.(1)
هذه النظرية وإن كانت صحيحة لكنّها إنّما تتمّ إذا كان المخاطب شخصاً خاصّاً كتكليمه موسى أو تكليمه أحداً من الأنبياء بالطرق الثلاث، حيث قال:
1. (إلاّ وَحْياً).
2. (أوْ مِنْ وَراءِ حِجاب ).
3. (أوْ يُرْسِلَ رَسُولاً).
وأمّا إذا كان المخاطب عموم الناس من الأوّلين والآخرين، فلابدّ أن يفسّر بوجه آخر، وهو أنّ كلامه هو الفعل المنبئ عن جماله، المُظهر لكماله، كما سيوافيك.

1 . شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 528; وشرح المواقف للسيد الشريف:495.

(78)

نظرية الأشاعرة

لقد اختار الأشاعرة مذهباً خاصّاً في هذا الأمر، حاولوا فيه التوفيق بين ما ذهبوا إليه من أنّ التكلّم من صفاته تعالى الذاتية (كالعلم والقدرة)، وبين اعترافهم باستحالة قيام الأصوات والحروف بذاته سبحانه، ويتلخّص هذا المذهب في أنّ كلام الله حقيقةً، هو الكلام النفسي القائم بذاته تعالى، وأنّه غير العلم والإرادة. قال الشهرستاني: وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية، وبذات المتكلّم، وليس بحروف ولا أصوات، وإنّما هو القول الذي يجده القائل في نفسه ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلاماً حقيقياً تردّد، أهو على طريق الحقيقة أم على سبيل المجاز؟ وإن كان على طريق الحقيقة فإطلاق اسم الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك اللفظي.(1)
ترى أنّ الأشعري يرى أنّ واقع الكلام ليس قائماً بالحروف والأصوات وأنّ حقيقته هي المعاني التي يردّدها الإنسان في نفسه ويجيلها في خلده، وبهذا المعنى فسّر كلامه سبحانه وأسماه بالكلام النفسي.
ولسنا في صدد نقد عقيدة الأشعري في المقام، ولكن نشير هنا إلى نكتة وهي أنّ ما ذكره من قيام المعاني والمفاهيم بذاته ـ على فرض تسليمه ـ يوجب رجوع وصف التكلّم إلى العلم، إذ ليس للعلم الحصولي حقيقة وراء قيام المفاهيم المتصوّرة بالذات، فلا يكون وصفاً لغير ذلك.

1 . نهاية الإقدام في علم الكلام، للشهرستاني: 320، طبعة آكسفورد، 1934 م.

(79)
على أنّ قيام المفاهيم المجرّدة بذاته سبحانه لا يخلو عن إشكال واضح مبيّن في محلّه.
وإنّما ذكرنا المذهبين (المعتزلة والأشاعرة) لأجل الإشارة إلى أنّ المسلمين قاطبة ـ وإن اختلفوا في حقيقة التكلّم ـ متّفقون على تنزيهه سبحانه عن قيام الحروف والأصوات بذاته. أمّا المعتزلة فذهبوا إلى إيجاده سبحانه الحروف والأصوات في الشجر وغيره، وأمّا الأشاعرة فلم يعيروا لهما قيمة، وإنّما ركّزوا على الكلام النفسي الباطني القائم بالذات.

نظرية الإمامية

إنّ مشاهير الإمامية قسّموا كلامه سبحانه وتعالى إلى قسمين:
1. ما إذا كان المخاطب فرداً معيّناً، فكلام الله له يتمّ بواحدة من الأقسام الثلاثة المُشار إليها في سورة الشورى : إمّا يوحي إليه، أو يكلّمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً، فقد أشار بقوله: (إلاّ وَحْياً)إلى الكلام الملقى في روع وقلب الأنبياء بسرعة وخفاء من دون توسيط مَلَك، وأشار بقوله: (أو مِنْ وَراءِ حِجاب) إلى الكلام المسموع لموسى في البقعة المباركة من الشجرة، قال سبحانه: (فَلَمّا أتاها نُودِيَ من شاطئِ الوادِ الأيمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنّي أنَا اللهُ رَبُّ العالَمينَ).(1) وأشار بقوله: (أوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) إلى الإلقاء الذي يتوسط فيه ملك الوحي.
وأمّا إذا كان المخاطب عامّة الناس في عامة الأجيال والأعصار فيفسّر

1 . القصص:30.

(80)
كلامه بصورة أُخرى يسمعه كلّ الناس سماعاً عقلياً، وسماعاً يضفي على الإنسان التعرّف على كمال الله سبحانه، وهذا ما سنشرحه تالياً.
لا شكّ أنّ الكلام في أنظار عامّة الناس هو الحروف والأصوات الصادرة من المتكلّم، القائمة به، وهو يحصل من تموّج الهواء واهتزازه بحيث إذا زالت الأمواج زال الكلام معه، ولكنّ الإنسان يتوسّع في إطلاقه، فيطلقه على كلّ فعل من أفعال المتكلّم إذا أفاد نفس الأثر الذي كان يفيده الكلام اللفظي.
فالكلام وإن وضع يوم وضع للأصوات والحروف المتتابعة الكاشفة عمّا يقوم في ضمير المتكلّم من المعاني، إلاّ أنّه لو وجد هناك شيء يفيد ما تفيده الأصوات والحروف المتتابعة بنحو أعلى وأتمّ، لصحّت تسميته كلاماً أو كلمة، وهذا الشيء الذي يمكن أن يقوم مقام الكلام اللفظي هو فعل الفاعل الذي يليق أن يسمّى بالكلام الفعلي، ففعل كلّ فاعل يكشف عن مدى ما يكتنفه الفاعل من العلم والقدرة والعظمة والكمال، غير أنّ دلالة الألفاظ على السرائر والضمائر وضعية، ودلالة الأفعال والآثار على ما عليه الفاعل من العظمة، تكوينية.
ويمكن أن يستدلّ على هذا القسم من الكلام ببعض الآيات; يقول سبحانه: (يا أَهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلى اللهِ إلاّ الحَقَّ إنّما الْمَسيحُ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ).(1) ترى أنّه سبحانه يصف المسيح بكونه كلمته، لأنّ تولده بلا لقاح يعرب عن قدرة خالقه، وهكذا كلّ ما في الكون من الذرة إلى المجرّة،

1 . النساء:171.

(81)
فالجميع كلامه ولسانه في مقام الفعل يتكلّم بلسان الحال، ويدلّ على عظمة الخالق وسعة علمه وإحاطة قدرته بكلّ شيء.
يقول الإمام علي(عليه السلام): «يقول لما أراد كونه: كن، فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع. إنّما كلامه سبحانه فعل منه، أنشأه ومثّله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».(1)
وقد نسب إليه هذان البيتان:
أتزعم أنّك جِرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبرُ
وأنت الكتاب المبين الذي *** بأحرفه يظهر المضمرُ
فكلّ ما في صحيفة الكون من الموجودات الإمكانية كلماته، وتخبر عمّا في المبدأ من كمال وجمال وعلم وقدرة.

نظرية ابن تيمية

هذه نظرة سريعة إلى آراء المسلمين في تفسير معنى كونه سبحانه متكلّماً، وقد عرفت اتّفاقهم على تنزيهه عن وصفه بالتكلّم، بمعنى قيام الحروف والأصوات بذاته، وحان وقت البحث عن عقيدة ابن تيمية وسلفه.
وحاصل كلامه: أنّه سبحانه لم يزل متكلّماً وأنّ نوع التكلّم قديم، ولكن مصاديقه حادثة، نظير ما يقول الحكماء في العالم في بعض الأنواع بأنّ النوع قديم والمصاديق غير قديمة. وعلى كلّ تقدير فالحروف والأصوات قائمة بذاته ولا تفارق العلم والإرادة والكراهة، فالجميع من صفات الذات، وإليك نصوص كلامه من كتبه:

1 . نهج البلاغة: الخطبة 186.

(82)
1. قال في «منهاج السنّة»: وسابعها: قول من يقول: إنّه لم يزل متكلّماً إذا شاء بكلام يقوم به وهو متكلّم بصوت يُسمع، وإنّ نوع الكلام قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعيّن قديماً. وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنّة، وبالجملة أهل السنّة والجماعة أهل الحديث.(1)
2. وقال في «الموافقة»: وإذا قال السلف والأئمة إنّ الله لم يزل متكلّماً إذا شاء، فقد أثبتوا أنّه لم يتجدّد له كونه متكلّماً، بل نفس تكلّمه بمشيئته قديم، وإن كان يتكلّم شيئاً بعد شيء، فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه، إلاّ إذا وجب تناهي المقدورات والمرادات.(2)
3. وقال: فحينئذ فيكون الحق هو القول الآخر، وهو أنّه لم يزل متكلّماً بحروف متعاقبة لا مجتمعة.(3)
وقال أيضاً: وقد يقول هؤلاء إنّه يتكلّم إذا شاء ويسكت إذا شاء، ولم يزل متكلّماً بمعنى أنّه يتكلّم إذا شاء ويسكت إذا شاء.(4)
وقال أيضاً: وفي الصحيح إذا تكلّم الله بالوحي، سمع أهل السماوات كجرّ السلسلة على الصفوان، فقوله:«إذا تكلّم الله بالوحي سمع» يدلّ على أنّه يتكلّم به حين يسمعونه. وذلك ينفي كونه أزلياً، وأيضاً فما يكون كجرّ السلسلة على الصفا يكون شيئاً بعد شيء، والمسبوق بغيره لا يكون أزليّاً.(5)

1 . منهاج السنّة: 2/362، وفي طبعة بولاق : 1 / 221.
2 . موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول:2/278، دارالكتب العلمية، بيروت ـ 1417هـ .
3 . نفس المصدر:4/127 .
4 . مجموع الفتاوى:6/150، تحقيق عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية.
5 . مجموع الفتاوى:6/234.

(83)
وقال أيضاً: وجمهور المسلمين يقولون إنّ القرآن العربي كلام الله وقد تكلّم الله به بحرف وصوت، فقالوا: إنّ الحروف والأصوات قديمة الأعيان، أو الحروف بلا أصوات، وأنّ الباء والسين والميم مع تعاقبها في ذاتها فهي أزليّة الأعيان لم تزل ولا تزال، كما بسطت الكلام على أقوال الناس في القرآن في موضع آخر.(1)
حصيلة كلامه عبارة عن الأُمور التالية:
1. إنّ تكلّمه سبحانه من صفات ذاته كالعلم والقدرة، فيجب أن يكون قائماً بذاته لا قائماً بفعله وليس كالرزق والنعمة، حتى يقوم بفعله، فإذا أنعم يصير منعماً وإذا رزق يصير رازقاً، بل تكلّمه ككونه عالماً وقادراً.
2. إذا كان تكلّمه قائماً بالذات وداخلاً فيها، يجب أن يكون قديماً كقدم علمه وقدرته ولا يكون حادثاً.
3. وبما أنّ التكلّم سنخ وجوده التدرّج، وحقيقته قائمة به أيضاً، فلابدّ أن يكون نوع التكلّم قديماً وأفراده حادثاً، نظير قول الحكماء من الأغارقة: إنّ النفس الإنساني قديم بالنوع وإن كانت مصاديقه حادثة.
4. أنّ ما ذكره هو، في نظره، عقيدة جمهور المسلمين، وكأنّ المسلمين عنده هم جماعة أهل الحديث فقط.
يلاحظ على ما ذكره أوّلاً: بأنّه إذا كان التكلّم الذي واقع وجوده الحدوث والتجدّد، قائماً بالذات ونابعاً عنها، فلازم ذلك، حدوث الذات، لأنّ

1 . مجموع الفتاوى:5/556ـ557.

(84)
حدوث الجزء يلازم حدوث الكلّ، إلاّ أن يرجع التكلّم إلى صفة الفعل، كما عليه العدلية من المعتزلة والشيعة.
وثانياً: أنّ القول بأنّ نوع التكلّم قديم، ومصاديقه حادثة، يستلزم قدم الكلام، فيكون إلهاً ثانياً، كما في كلام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) المتقدّم، إلاّ أن يكون التكلّم جزء الذات فيكون قديماً بقدمها.
وثالثاً: كيف ينسب مختاره إلى جمهور المسلمين، مع أنّ جمهور المسلمين هم الأشاعرة والماتريدية والإمامية والمعتزلة، والجميع يتبرّأون من تلك النسبة. بل هم بُرآء منها براءة يوسف ممّا اتُّهم به. وهذا هو الإمام الاسفرائيني شيخ الأشاعرة في عصره يقول: إنّا نعلم أنّ كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت، لأنّ الحرف والصوت يتضمنان جواز التقدّم والتأخّر، وذلك مستحيل على القادر سبحانه.(1)
ورابعاً: لو كان تكلّمه سبحانه مع كلّ فرد من المكلّفين بالحروف والأصوات، فلا يكون أسرع الحاسبين بل أبطأهم مع أنّه سبحانه يقول: (ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ألا لَهُ الحُكْم وَهُوَ أسْرَعُ الحاسِبينَ).(2)
وخامساً: أنّ ما زعمه في كيفية تكلّمه سبحانه يتّفق تماماً مع ما ورد
في التوراة في قصة آدم وحوّاء عند أكلهما من الشجرة، فقد جاء فيها ما هذا نصّه:
«ورأت المرأة أنّ الشجرة طيبة للأكل ومتعة للعيون وأنّ الشجرة شهية

1 . التبصير في الدين:167، تحقيق كمال يوسف الحوت، طبعة عالم الكتب، بيروت.
2 . الأنعام:62.

(85)
للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأتت أيضاً زوجها الذي معها، فأكل فانفتحت أعينهما فعرفا أنّهما عريانان، فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر، فسمعا وقع خطى الرب الإله، وهو يتمشّى في الجنة عند نسيم النهار، فاختبأ الإنسان وامرأته من وجه الرب الإله فيما بين أشجار الجنّة، فنادى الرب الإله الإنسان وقال له: أين أنت؟ قال: إنّي سمعت وقع خطاك في الجنّة، فخفت لأني عريان فاختبأت. قال: فمن أعلمك أنّك عريان، هل أكلت من الشجرة التي أمرتك أن لا تأكل منها؟ فقال الإنسان: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت...»(1).
وبذلك تقف على قيمة كلام الشهرستاني في الملل والنحل حيث يقول:
«زادت المشبّهة في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأكثرها مقتبس من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه... وزادوا على التشبيه قولهم في القرآن: إنّ الحروف والأصوات والرقوم المكتوبة قديمة أزلية، وقالوا: لا يعقل كلام ليس بحروف ولا كلم.(2)

الاستدلال برواية جابر بن عبد الله

استدلّ ابن تيمية على أنّ تكلّمه سبحانه بحرف وصوت برواية جابر بن عبد الله التي أشار إليها البخاري ] في كتاب العلم، باب الخروج في طلب

1 . التوراة: سفر التكوين، الفصل الثالث، الفقرات رقم 6ـ13.
2 . الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 106 ، نشر دار المعرفة، بيروت.

(86)
العلم [، إشارة إجمالية وقال: «ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد».(1)
ثم نقل هذا الحديث في صحيحه، بهذه الصيغة: ويُذكَر عن جابر عن عبد الله بن أُنيس قال: سمعت النبي يقول: «يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك، أنا الديَّان».(2)
وأنت ترى أنّ البخاري ينقله بتمريض، حيث يقول: (ويُذكَر عن جابر) الظاهر في عدم جزمه بالصحّة. نعم نقله في «الأدب المفرد» بلا لفظ: (ويذكر)، قال:
حدّثنا موسى، قال: حدّثنا همّام، عن القاسم بن عبد الواحد، عن ابن عقيل أنّ جابر بن عبد الله حدّثه أنّه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي فابتعت بعيراً فشددت إليه رحلي شهراً حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس، فبعثت إليه أنّ جابراً بالباب فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج فاعتنقني، قلت: حديث بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت. قال: سمعت النبي يقول: يحشر الله العباد أو الناس عراة غُرلاً بُهماً، قلنا: ما بُهماً؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد(أحسبه قال: كما يسمعه من قَرُب): أنا الملك.(3)

1 . صحيح البخاري: 1 / 27 ، برقم 19، كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم.
2 . صحيح البخاري:4/469، كتاب التوحيد(98)، باب (32) ـ قول الله تعالى:(وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ...)، ط. دارالكتب العلمية، 1419هـ .
3 . الأدب المفرد:326، الباب 442 باب المعانقة برقم 973.

(87)

مناقشة حول حديث جابر، و حديث آخر مرويّ عن أبي سعيد الخدريّ

يلاحظ على الاستدلال:
أوّلاً: أنّ البخاري نقل الحديث في «الصحيح» بصيغة التمريض عن جابر، وهذا يدلّ على عدم جزمه به، ولا شكّ في أنّ ما يورده في «الأدب المفرد» لا يرقى من حيث الصحّة إلى مستوى ما يورده في «الصحيح».
ثانياً: أنّ الحديث المذكور، قد وقع في سنده ابن عقيل (عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب)، وهو ممّن لا يُحتجّ بحديثه، كما تُرشد إلى ذلك كلمات أصحاب الجرح والتعديل، ومنها:
عن يحيى بن معين. ابن عقيل لا يُحتجّ بحديثه. وعنه أيضاً: ضعيف الحديث.
وعن أحمد بن حنبل: ابن عقيل منكر الحديث.
وعن ابن المديني: لم يرو عنه مالك بن أنس، ولا يحيى بن سعيد القطّان.
وقال يعقوب: صدوق، وفي حديثه ضعف شديد جدّاً.
وقال أبو حاتم وغيره: ليّن الحديث.
وقال ابن خزيمة: لا أحتجّ به لسوء حفظه.
وعن البخاري: منكر الحديث.(1)
ثالثاً: أنّ الحديث رواه أبو القاسم الطبراني بإسناده عن أبي الوليد الطيالسي، وحجّاج بن المنهال، وشيبان بن فرّوخ، جميعاً عن همّام بن

1 . انظر: ميزان الاعتدال:2/484 برقم 4536; وتهذيب الكمال:16/78، برقم 3543.

(88)
يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد، عن ابن عقيل، عن جابر، عن عبد الله بن أُنيس، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «يحشر الله العباد... فينادي مناد بصوت يسمعه مَن بَعُد...».(1)
ومع وجود هذا اللفظ (ينادي مناد بصوت) في رواية الطبراني، فإنّ الاستناد إلى هذا الحديث في إثبات الصوت لله سبحانه (حتى مع غضّ الطرف عن سنده) يصبح أمراً متعذّراً.
رابعاً: أمّا الاستدلال بالحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، والذي جاء فيه: قال النبي: يقول الله يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.(2) قوله: «فينادي» يقرأ على وجهين: بصيغة المعلوم فيكون المنادي هو الله ويصير كالشاهد على مذهب ابن تيمية، وبصيغة المجهول: «فيُنادى بصوت» فيكون نائب فاعله هو آدم، ومع هذا الاحتمال لا يمكن أن يستدلّ بمثل هذا الحديث على عقيدة يطلب فيها العلم.
خامساً: أنّ البخاري أخرجه في صحيحه من طريقين آخرين، عن أبي سعيد الخدري(رضي الله عنه)عن النبي باللفظ التالي: يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرجْ بعث النار... .(3)
فقد ورد فيه: يقول الله تعالى، مكان «فينادى بصوت» فصار الحديث

1 . تهذيب الكمال:23/393ـ394، ترجمة القاسم بن عبد الواحد، برقم 4801.
2 . صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى:(وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ)، برقم 7483.
3 . صحيح البخاري، كتاب حديث الأنبياء، برقم3348، وكتاب الرقاق، باب قوله تعالى:(إنّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظيمٌ)، برقم653.

(89)
مردداً بين التعبيرين، ولا دلالة في التعبير الثاني على مرامه، إذ هو نظير قوله سبحانه: (قالَ اللهُ هذا يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقينَ صِدْقُهُمْ).(1)
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الحديث لا يمكن الاحتجاج به من جهات:
أوّلاً: أنّ البخاري ذكر، في صحيحه، حديث جابر عن عبد الله بن أنيس، بصيغة التمريض.
وثانياً: أنّ في سند حديث جابر، من لا يُحتجّ بحديثه، وهو ابن عقيل.
وثالثاً: أنّ البخاري روى، في صحيحه، حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: فينادي، الذي يُحتمل فيه وجهان: صيغة المعلوم وصيغة المجهول.
قال ابن حجر: «فيُنادى» مضبوطاً للأكثر بكسر الدال، وفي رواية أبي ذر بفتحها على البناء للمجهول، ولا محذور في رواية المعلوم، فإنّ قرينة قوله: «إنّ الله يأمرك» تدلّ على أنّ المنادي ملك يأمره الله بأن ينادي بذلك.(2)
وأمّا شهاب الدين القسطلاني، فقال: (فيُنادَى) ـ بفتح الدال ـ مصحّحاً عليها بالفرع وأصله.(3)
ورابعاً: أنّ البخاري روى حديث أبي سعيد الخدري من طريقين آخرين، بلفظ: يقول الله تعالى، دون لفظ: ينادي بصوت. ومع هذا الاضطراب هل يصحّ لعالم أن يستدلّ بمثله على أصل من أُصول الدين؟

1 . المائدة:119.
2 . فتح الباري:13/460، كتاب التوحيد. وانظر: عمدة القاري، للعيني:25/154، طبعة دار الفكر.
3 . إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري:10/431، طبعة دار إحياء التراث العربي. يُذكر أنّني رأيت أربع طبعات من صحيح البخاري، ضُبطت فيها لفظة (فيُنادَى) بصيغة المجهول.

(90)
وخامساً: أنّ معنى قوله: فينادي بصوت (إذا صحّ ضبطها بصيغة المعلوم): أنّه يوجِد النداء يوم القيامة ويسمعه من قرُب ومن بعُد، لا أنّه يتكلّم بذاته بالحروف والأصوات، ومثل هذا الاستعمال كثير، فلا فرق بين أن يقول: «نادى» أو يقول: «قال»، فالجميع من صفات الفعل.
وسادساً: إذا دلّ العقل الحصيف، الذي عرفنا به الله سبحانه وتعالى، على امتناع قيام الحوادث بذاته، لا يعتدّ بخبر الواحد، وإن بلغ من الصحّة ما بلغ، إذا كان على خلاف ما يحكم به العقل الحصيف، الذي هو من حجج الله سبحانه.
وللشيخ محمد زاهد الكوثري في نقد هذا، كلام نذكره بنصه:
قال: وقد أفاض الحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ المنذري في رسالة خاصّة في تبيين بطلان الروايات في ذلك زيادة على ما يوجبه الدليل العقلي القاضي بتنزيه الله عن حلول الحوادث فيه سبحانه، وإن أجاز ذلك الشيخ الحرّاني(ابن تيمية) تبعاً لابن ملكا اليهودي الفيلسوف المتمسلم، حتى اجترأ على أن يزعم أنّ اللفظ حادث شخصاً قديم نوعاً يعني أنّ اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثاً حتماً، لكن ما من لفظ إلاّ وقبله لفظ صادر منه إلى ما لا أوّل له فيكون قديماً بالنوع... إلى أن قال: ولم يدر المسكين بطلان القول بحلول الحوادث في الله جلّ شأنه، وأنّ القول بحوادث لا أوّل لها هذيان، لأنّ الحركة انتقال من حالة إلى حالة فهي تقتضي بحسب ماهيتها كونها مسبوقة بالغير، والأزل ينافي كونه مسبوقاً بالغير، فوجب أن يكون الجمع بينهما محالاً.(1)

1 . مقالات الكوثري:124، طبعة عام 1414هـ ، المكتبة الأزهرية للتراث.

(91)

استدلال بحديث آخر

روى البخاري قال: وقال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً.(1)
ونقله أبو داود بلفظ آخر وقال: إذا تكلّم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صَلْصَلة كجرّ السلسلة على الصفا.(2)
وقد زعم المستدل أنّ الصوت لله سبحانه، ولكن ظاهر الحديث الذي نقله أبو داود أنّ الصوت للسماء حيث إنّ المسموع لأهل السماء هو قوله: «للسماء صلصلة».
أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال بحديث أعرض عن ذيله البخاري في صحيحه وتفرّد بنقله أبو داود، أمر مرفوض جدّاً، فإنّ معرفة العقائد لا تخضع لخبر واحد.
إنّ الله تعالى مستغن عن أن يستعين في كلامه بالحروف والأصوات وإلاّ يكون فقيراً كالإنسان، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. ولذلك اشتهر بين المحقّقين أنّ من وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر فقد كفر.
ومن المناسب أن نأتي هنا، بما ذكره الخطيب البغدادي، حيث قال: يُردّ الحديث الصحيح الإسناد لأُمور:
أن يخالف القرآن، أو السنّة المتواترة، أو العقل، لأنّ الشرع لا يأتي إلاّ بمجوّزات العقول.(3)

1 . صحيح البخاري، باب قول الله تعالى:(ولا تنفع الشفاعة عنده) برقم 7480.
2 . سنن أبي داود:2/421، برقم 4738 كتاب السنة، باب في القرآن، برقم4734، طبعة دار الفكر ـ 1410هـ .
3 . الفقيه والمتفقه:1/132.

(92)
ومن المعلوم أنّ هذه الأحاديث على خلاف العقل الحصيف، ومن أوضح مصاديق تشبيه الخالق بالمخلوق، غير أنّ غلاة الحنابلة ـ و على رأسهم ابن تيمية ـ قد بالغوا في الأخذ بالروايات المنقولة عن مستسلمة اليهود والنصارى، وتأثّروا بأقوالهم المشبعة بفكرة التجسيم والتشبيه، الأمر الذي جرّهم إلى تلك المغبّة المذمومة، وإلاّ فالموحّد الذي يعتمد على النصوص القرآنية أوّلاً، والنبوية ثانياً، وحكم العقل الحصيف ثالثاً، لا يحوم حول هذه الروايات، ولا يقيم لها وزناً.

ذاته سبحانه ليست محلاًّ للحوادث

إنّ نظرية ابن تيمية في تكلّمه سبحانه، وقوله:إنّ الصوت والحروف قائمان بذاته، تستلزم أنّ ذاته تكون محلاًّ للحوادث، ولم يقل به أحد من أئمة السلف إلاّ الكرّامية، وقد استدلّ المحقّقون على امتناع كون ذاته محلاًّ للحوادث بوجوه نأتي بها إجمالاً:
1. أنّ حدوث الحوادث في ذاته يدلّ على انفعاله، والانفعال من شؤون الممكن لا الواجب، كما هو واضح.
2. أنّ المقتضي للحادث إن كان ذاته كان أزلياً وهو خلاف الفرض، وإن كان غيره، كان الواجب مفتقراً إلى الغير.
3. إن كان الحادث صفة كمال استحال خلو الذات عنها، وإن كان صفة نقص استحال اتّصاف الذات بها.(1)

1 . كشف المراد:294.

(93)
وقد أوضح سيف الدين الآمدي الوجه الثالث في كتابه «غاية المرام» وقال ما هذا نصّه: فالرأي الحق والسبيل الصدق والأقرب إلى التحقيق أن يقال: لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتّصافه بها إمّا أن توجب له نقصاً، أو كمالاً، أو لا نقص ولا كمال.
لا جائز أن يقال بكونها غير موجبة للكمال ولا النقصان، فإنّ وجود الشيء بالنسبة إلى نفسه أشرف له من عدمه، إلى أن قال:
ولا جائز أن يقال: إنّها موجبة لكماله، وإلاّ لوجب قدمها لضرورة أن لا يكون البارئ ناقصاً محتاجاً إلى ناحية كمال في حال عدمها.
فبقي أن يكون اتّصافه بها ممّا يوجب القول بنقصه بالنسبة إلى حاله قبل أن يتّصف بها، وبالنسبة إلى ما لم يتّصف بها من الموجودات، ومحال أن يكون الخالق مشروفاً أو ناقصاً بالنسبة إلى المخلوق، ولا من جهة ما.(1)
وقال الأسفرائيني: إنّ الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته; لأنّ ما كان محلاًّ للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل منها كان محدثاً مثلها; ولهذا قال الخليل(عليه السلام): (لا أُحِبُّ الآفِلينَ)(2) بيّن به أنّ من حلّ به من المعاني ما يغيّره من حال إلى حال كان محدثاً لا يصحّ أن يكون إلهاً.(3)
وبذلك ظهر أنّ ابن تيمية قد أحيا منهج الكرّامية لا منهج السلف الصالح ولا من تبعهم بإحسان، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.

1 . غاية المرام في علم الكلام: 191ـ192.
2 . الأنعام:76.
3 . التبصير في الدين:160ـ161.

(94)
5

عقائد نابية وشاذّة

إنّ ما تبّناه ابن تيمية من القول بتجسيم الله سبحانه وحركته ونزوله و تكلّمه بصوت، وإن كان غريباً بعيداً عن الكتاب والسنّة ودلائل العقل، إلاّ أنّ للرجل عقائد أُخرى أغرب من ذلك، نذكر منها نماذج أربعة:
1. استقرار الله على العرش وإمكان استقراره على ظهر بعوضة.
2. قعود النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع ربّه على العرش.
3. فناء النار والعذاب، عن أهل النار.
4. تحريم ذكر الله مفرداً.
أمّا فيما يخصّ النموذج الأوّل، فيقول ابن تيمية: ولو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة، فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، فكيف تنكر أيها النفّاج (1) أنّ عرشه يقلّه.(2)
لقد اعتقد ابن تيمية أنّ الله عزّ وجل جسم وأنّ له استقراراً وأنّه مع عظمته وكبره يستطيع أن يستقر على ظهر بعوضة. أفيصح في عصرنا هذا

1 . النَّفّاج: المتكبّر المفتخر بما ليس عنده.
2 . بيان تلبيس الجهمية:1/568.

(95)
الذي غلب على أهله التعقّل أكثر من التعبّد، الدعوة إلى الاعتقاد برب تستطيع أن تحمله بعوضة، وهو في نفس الوقت أكبر من العرش، وهذا العرش أكبر من السماوات والأرض؟!! تالله إن نشر مثل هذه الأفكار السخيفة في هذه الأيام يورث ابتعاد الناس عن الدين، والعزوف عنه إلى التيارات العلمانية .
وأمّا الثاني: ـ أعني: قعود النبي إلى جانب ربّه على العرش ـ فقد قال الحافظ أبو حيان الأندلسي في تفسيره:
وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية ـ هذا الذي عاصرناه وهو بخطه سمّاه كتاب العرش ـ :إنّ الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكاناً يقعد فيه معه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
يُشار إلى أنّ النسخة المطبوعة من التفسير خالية من هذا الكلام(2)، قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تعليقه على (السيف الصقيل): وقد أخبرني مصحّح طبعه في مطبعة السعادة أنّه استفظعها جدّاً، فحذفها عند الطبع، لئلاّ يستغلها أعداء الدين، ورجاني أن أسجل ذلك هنا استدراكاً لما كان منه ونصيحة للمسلمين.(3)

1 . تفسير النهر الماد:1/254، تفسير آية الكرسي.
2 . وقد نقل هذه الفقرة تقي الدين أبو بكر الحصني الدمشقي(المتوفّى829هـ) عن أبي حيّان النحوي الأندلسي في تفسيره المسمّى بالنهر الماد، في كتابه:«دفع شبه من شبّه وتمرّد»:1/47ـ 48، نشر المكتبة الأزهرية للتراث، مصر.
3 . السيف الصقيل في ردّ ابن زفيل للسبكي: 97، طبعة مكتبة زهران; دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه لابن الجوزي:123، تحقيق حسن السقاف، طبعة الأردن، 1412هـ ; كشف الظنون لحاجي خليفة:2/1438.

(96)
وقد مرّ في الفصل الثالث ما نسبه ابن القيّم إلى أبي الحسن الدارقطني من الأبيات التي تضمنت هذه الأُسطورة.
وأمّا الثالث: ـ أعني: قوله بفناء النار ـ فقد قال ما نصّه:
وفي المسند للطبراني ذكر فيه أنّه ينبت فيها الجرجير، وحينئذ فيحتج على فنائها بالكتاب والسنّة، وأقوال الصحابة، مع أنّ القائلين ببقائها ليس معهم كتاب ولا سنّة ولا أقوال الصحابة.(1)
وقد نسب القول بفناء النار إلى السلف أيضاً، ونقل هذا عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم.
وفيما ادّعاه ردّ لصريح القرآن والسنّة، فقد قال سبحانه: (إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافِرينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعيراً* خالِدينَ فِيها أَبداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصيراً).(2)
وقد ردّ عليه الكثير من علماء الإسلام، منهم المناوي، حيث قال: إنّ الجنّة أبدية لا تفنى والنار مثلها، وزعم جهم بن صفوان أنّهما فانيتان لأنّهما حادثتان، ولم يتابعه أحد من الإسلاميين بل كفّروه به، وذهب بعضهم إلى إفناء النار دون الجنة، وأطال ابن القيّم كشيخه ابن تيمية في الانتصار له في عدة كراريس، وقد صار بذلك أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان لمخالفته نصّ القرآن، وختم بذلك كتابه الذي في وصف الجنان.(3)

1 . الردّ على من قال بفناء الجنة والنار:67.
2 . الأحزاب:64و 65.
3 . فيض القدير:6/341.

(97)
وقال الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي: وبينما تراه ـ يعني: ابن تيمية ـ يسبّ جهماً والجهمية، إذا بك تراه يأخذ بقوله في أنّ النار تفنى وأنّ أهلها ليسوا خالدين فيها أبداً.(1)
وقال أبو بكر الحصني الدمشقي(752ـ 829هـ): واعلم أنّه انتُقد عليه زعمه أنّ النار تفنى، وأنّ الله تعالى يفنيها، وأنّه جعل لها أمداً تنتهي إليه وتفنى، ويزول عذابها. وهو مطالب أين قال الله عزّ وجل؟ وأين قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وصحّ عنه؟(2)
ويكفي في بطلان هذه العقيدة قوله سبحانه في أهل الجحيم: (كُلَّما أَرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَريق).(3)
وقال سبحانه: (مَأْواهُمْ جَهَنَّمَ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً).(4)
وقال: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ).(5)
وأمّا الرابع: ـ أعني: تحريم ذكر الله مفرداً ـ فقد قال ابن تيمية: فأمّا الاسم المفرد ]يعني لفظ الجلالة[ فلا يكون كلاماً مفيداً عند أحد من أهل الأرض، بل ولا أهل السماء، وإن كان وحده كان معه غيره مضمراً، أو كان المقصود به تنبيهاً أو إشارة كما يقصد بالأصوات التي لم توضع لمعنى، لا أنّه يقصد به

1 . فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان:135.
2 . دفع الشبهة عن الرسول والرسالة :116، طبعة 1418هـ، القاهرة; دفع شبه من شبّه وتمرّد للحصني:1/58، طبعة المكتبة الأزهرية للتراث، في مصر، والعنوانان هما لكتاب واحد.
3 . الحج:22.
4 . الإسراء:97.
5 . الفرقان:65.

(98)
المعاني التي تقصد بالكلام، ولهذا عدّ الناس من البدع ما يفعله بعض النساك من ذكر اسم الله وحده بدون تأليف كلام.(1)
أقول: كيف يحرّم ذلك وقد أمر به الذكر الحكيم، قال سبحانه:(قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوضِهِمْ يَلْعَبُونَ).(2)
روى مسلم وغيره عن أنس(رضي الله عنه) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله» وفي لفظ آخر، قال: «لا تقوم الساعة على أحد حتى يقول: الله، الله».(3)
ومن العجيب أنّه في الوقت الذي يحرّم ذكر الله مفرداً، يصحّح ما روي عن ابن عمر أنّه قد خدرت رِجْله، فقال: يا محمد.
قال في كتابه«الكلم الطيّب» تحت عنوان فصل في الرجل إذا خدرت، قال: عن الهيثم بن حَنَش فقال: كنّا عند عبد الله بن عمر، فخدرت رِجْله، فقال له رجل: اذكر أحبّ الناس إليك، فقال: يا محمّد، فكأنّما نشط من عقال.(4)
إنّ هذا الكلام يناقض ما عليه أتباعه اليوم ـ أعني: الوهابيين ـ حيث يحرّمون التوسل بالنبي وإنّ من قال يا محمد فقد أشرك، ويستميتون في ردّ دلالة حديث رواه عثمان بن حنيف في التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كما سيمرّ عليك

1 . الردّ على المنطقيين:35.
2 . الأنعام:91.
3 . صحيح مسلم: كتاب الايمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان; سنن الترمذي، كتاب الفتن، الباب35; المستدرك للحاكم:4/495.
4 . الكلم الطيّب:35، كما في كتاب المقالات السنيّة للشيخ عبد الله الهرري.

(99)
في فصل آخر. وعلى ذلك فقد افترق الوهابيون عن إمامهم، ولم يتابعوه.
ثمّ إنّ بعض أنصار الوهابية ـ أعني: الشيخ الألباني ـ قال بأنّ إسناد قول ابن عمر، ضعيف، ولكنّه لا يضرّنا إذ ليس البحث في صحّة الحديث وضعفه، بل الكلام في أنّ ابن تيمية شيخ الوهابية وإمام ابن عبد الوهاب أجازه، ولكن التلاميذ حرّموه.
أضف إلى ذلك: أنّ الذكر الحكيم يجوّز دعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن يمنع أن نجعل دعاءه كدعاء غيره، قال سبحانه: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)(1)، وكان دعاؤهم بلفظ محمد تارة، ويا محمد أُخرى.

1 . النور:63.

(100)

(101)
الفصل الثاني:
آراء ابن تيمية في حقوق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
1. زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وموقف ابن تيمية منها
2. ابن تيمية وشدّ الرحال إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
3. ابن تيمية والدعاء عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
4. ابن تيمية ومسّ قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقبيل منبره
5. ابن تيمية والحطّ من مقام النبي وخصائصه (صلى الله عليه وآله وسلم)
6. التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيّاً وميّتاً
7. ابن تيمية وعدم تمييز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل الحق عن أهل الباطل
8. ابن تيمية وعصمة الأنبياء والنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)
9. ابن تيمية وإيمان أبويّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
10. ابن تيمية والصلاة في غار حراء

(102)

(103)
قد يتطرّق إلى سمع أحد أو يقرأ في كتاب ما، أنّ ابن تيمية صدر في خصوص أهل البيت(عليهم السلام) عن موقف خاطئ، وفكر غير ثاقب، ونزعة ملؤها الحقد والضغينة، حالت بينه وبين رؤية الواقع، ولكنّه سرعان ما سيرجع عن قضائه هذا ويرى أنّ موقفه من النبي وآله سيّان، حيث تجرّأ ـ كذلك ـ على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنكر فضله وحقوقه ولم يرعاها.
لا ريب في أنّه إذا كان بين أفراد الإنسان حقيقة مشتركة يدخلون بها في نوع واحد، وهي كون الجميع حيواناً ناطقاً أي مفكّراً، فإنّ ثَمّة خصوصية لكلّ فرد يمتاز بها عن سائر الأفراد، وهي بين جسمانية وروحانية.
وبما أنّا لم نلتق بابن تيمية عن كثب، فلا يمكننا تبيين خصوصياته الجسمانية وقسمات وجهه، ولكن يمكن لنا تبيين نزعاته التي بها يتميّز عن أقرانه وأمثاله، وعندئذ يطرح هذا السؤال: ما هي خصوصياته الروحية العامّة؟
إنّ دراسة كتاب «منهاج السنّة» بطوله و «مجموع الفتاوى» التي جمعها بعض مقلّديه من هنا وهناك يعرضان لنا نزعاته عن كثب، وأنّه كان من طبقة لها المعالم التالية:
1. إنّ الحقّ ما يراه هو وحده، وأنّ عامّة الناس ـ في موارد الخلاف ـ هم على الباطل، ويجب عليهم أن يقفوا أثره.
2. إذا واجه حديثاً أو أثراً لا يوافق رأيه وهواه، وصفه، جازماً، بالكذب

(104)
والبطلان والدسّ، دون أن يسوق شاهداً على كذب الحديث أو بطلان الأثر، أو يذكر مَن كذّبه.
3. إذا كان رأيه في مسألة ما مخالفاً للرأي العام السائد في عصره، نسبه إلى السلف وادّعى اتّفاقهم عليه، دون أن يذكر كلماتهم حتى يُعلم مدى الاتّفاق عليه.
هذه بعض نزعات الرجل، التي يعكسها الكتابان المذكوران، والتي دفعت بفقهاء عصره إلى التصدّي له، وإلى تبديعه، ووصفه بالشذوذ والعدول عن الصراط المستقيم ومباينة مذاهب أهل السنّة(1)، ولم يتخلّف عن ذلك حتى الذهبي، حيث بعث إليه برسالة خاصّة، وصمه بالعُجب بنفسه والاغترار بآرائه، وأظهر فيها عواره وشذوذه. ومن أراد الوقوف على كلمات العلماء في حقّه فليرجع إلى كتاب «السيف الصقيل».
ولمّا مات ابن تيمية ماتت معه أفكاره وآراؤه ولم يعتدَّ بها إلاّ القليل كابن القيّم وابن كثير، واستمرّ الحال كذلك حتى قام محمد بن عبد الوهاب بإحياء مذهبه بحرفيته في منطقة فقيرة من العلم والفكر، وقام آل سعود بدعمه ماليّاً وعسكرياً لما رأوا في اتّباعه ضماناً لبقائهم وسلطتهم. وهانحن نذكر في هذا الفصل شيئاً من تجرّؤ الرجل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وبخس حقوقه إلى حدّ لم يسبقه فيه سابق.

1 . قال اليافعي في ترجمته لابن تيمية: وله مسائل غريبة أنكر عليه فيها، وحُبس بسببها، مباينةً لمذهب أهل السنة، ومن أقبحها نهيه عن زيارة النبيّ عليه الصلاة والسلام. مرآة الجنان: 4 / 278 .

(105)

1

زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وموقف ابن تيمية منها

سأل سائل ابن تيمية عمّا يُروى عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن زار قبري وجبت له شفاعتي»، و «من زار البيت ولم يزرني فقد جفاني»، وهل زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على وجه الاستحباب أو لا؟
فأجاب : أمّا قوله: «مَن زار قبري وجبت له شفاعتي» فهذا الحديث رواه الدارقطني ـ فيما قيل ـ بإسناد ضعيف، ولهذا ذكره غير واحد من الموضوعات، ولم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها من كتب الصحاح والسنن والمسانيد.
وأمّا الحديث الآخر قوله: «مَن حج البيت ولم يزرني فقد جفاني»
فهذا لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، بل هو موضوع على
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ومعناه مخالف للإجماع، فإنّ جفاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من الكبائر... إلخ.
وأمّا زيارته فليست واجبة باتّفاق المسلمين، بل ليس فيها أمر في

(106)
الكتاب ولا في السنّة، وإنّما الأمر الموجود في الكتاب والسنّة بالصلاة عليه والتسليم. وأكثر ما اعتمده العلماء في الزيارة قوله في الحديث الذي رواه أبو داود: «ما من مسلم يسلّم عليّ، إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام».(1)
ثمّ إنّ ابن تيمية قسّم في موضع آخر زيارة القبور إلى قسمين:
الشرعية، والبدعية.
أمّا الأُولى مثل الصلاة على الجنازة والمقصود بها الدعاء للميّت، كما يقصد بذلك الصلاة على جنازته، كما كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يزور أهل البقيع ويزور شهداء أُحد، ويعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منّا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم، واغفر لنا ولهم».
وأمّا الثانية وهي الزيارة البدعية ـ وهي زيارة أهل الشرك، من جنس زيارة النصارى الذين يقصدون دعاء الميت والاستعانة به وطلب الحوائج عنده، فيصلّون عند قبره ويدعون به ـ فهذا ونحوه لم يفعله أحد من الصحابة، ولا أمر به رسول الله ولا استحبّه أحدٌ من سلف الأُمّة وأئمتها.(2)
وأجاب عن سؤال آخر حول الزيارة، فقال: أمّا الاختلاف إلى القبر بعد الدفن، فليس بمستحب، وإنّما المستحب عند الدفن أن يقام على قبره،

1 . مجموع الفتاوى: 27/19، طبعة القاهرة، دارالوفاء، ط2، 1421هـ .
2 . مجموع الفتاوى:24/183.

(107)
ويدعى له بالتثبيت. كما روى أبو داود في سننه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره، ويقول: سلوا له التثبيت، فإنّه الآن يسأل. وهذا معنى قوله:(وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ)(1)، فإنّه لمّا نهى نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصلاة على المنافقين وعن القيام على قبورهم، كان دليل الخطاب أنّ المؤمن يُصلّى عليه قبل الدفن، ويقام على قبره بعد الدفن.
فزيارة الميّت المقرونة بالدعاء، والاستغفار هي من هذا القيام المشروع.
وحاصل كلامه: أنّ الزيارة الشرعية منحصرة بالتسليم على الميّت والدعاء له على أن يغفر الله له، فهذا المقدار من الزيارة مشروع.
وأمّا الزيارة البدعية فهي عبارة عن التسليم على الميّت والصلاة عنده والدعاء عنده، وطلب الحوائج من الرزق والنصر عنده وبه، فهذا ليس مشروعاً باتفاق أئمة المسلمين، إذ هذا لم يفعله رسول الله ولا أمر به ولا رغّب فيه ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين.(2)
فنقول ونحن ندرس كلامه في مقامات:

الأوّل: سرد الروايات الواردة في زيارته

إنّ دراسة الأحاديث الواردة في زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يميط الستر عن وجه الواقع، وهل أنّ الروايات الواردة صحيحة أو حسنة أو موضوعة؟

1 . التوبة:84.
2 . جامع المسائل، المجموعة الرابعة:162ـ 163.

(108)
والمراد من الحسنة عبارة عن الرواية التي في سندها ضعف، ولكن كثرت طرقها ورواتها، كما عليه أهل الحديث في تفسير الحسن.

الحديث الأوّل

قد أخرج قوله: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» عدّة من الحفاظ وأئمة الحديث يزيد عددهم على أربعين محدّثاً وحافظاً، وها نحن نذكر بعض من رواه من قدماء المحدّثين:
1. ابن أبي الدنيا، أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي(المتوفّى 281هـ).(1)
2. محمد بن إسحاق، أبو بكر النيسابوري (المتوفّى 311 هـ) الشهير بابن خزيمة (أخرجه في صحيحه).
3. الحافظ أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني (المتوفّى 385هـ).(2)
4. الحافظ أبو بكر البيهقي(المتوفّى 458هـ).(3)
5. القاضي عياض المالكي(المتوفّى 544هـ).(4)
6. الحافظ أبو القاسم عليّ بن عساكر(المتوفّى 571هـ).(5)
7. الحافظ ابن الجوزي(المتوفّى 597هـ) في مثير الغرام الساكن.
إلى غيرهم من العلماء والمصنّفين الذين ذكر أسماءهم وأسماء كتبهم

1 . كما في الغدير:5/143. 2. سنن الدارقطني:2/278، برقم 194.
3 . السنن الكبرى:5/245. 4 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى:5/194.
5 . مختصر تاريخ دمشق:2/406 في باب مَن زار قبره(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا الباب أسقطه المهذِّب من الكتاب في طبعه، والله يعلم سرّ تحريفه هذا وما أضمرته سريرته.]عن الغدير[ .

(109)
العلاّمة المحقق الأميني.(1) حتى أنّ مؤلّفي «الفقه على المذاهب الأربعة» ـ وهم سبعة مؤلّفين ـ رووا هذا الحديث في موسوعتهم.(2)
فهل يمكن رمي هؤلاء الحفّاظ وفيهم ابن أبي الدنيا والبيهقي والدارقطني وابن خزيمة بأنّهم اعتمدوا على حديث موضوع مدسوس في أمر مهم؟
وأمّا سند الحديث فقد تكلّم فيه تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي (المتوفّى 751هـ) في «شفاء السقام» ونحن نذكر بعض ما قاله:
إنّ الأحاديث التي جمعناها في الزيارة بضعة عشر حديثاً ممّا فيه
لفظ الزيارة غير ما يستدلّ به لها من أحاديث أُخر، وتضافر الأحاديث يزيدها قوة، حتى أنّ الحسن قد يرتقي بذلك إلى درجة الصحيح. ثم قال: وبهذا بل بأقلّ منه، يتبيّن افتراء مَن ادّعى أنّ جميع الأحاديث الواردة في الزيارة، موضوعة.
فسبحان الله!! أما استحى من الله ومن رسوله في هذه المقالة التي لم يسبقه إليها عالم ولا جاهل؟ لا من أهل الحديث، ولا من غيرهم؟ ولا ذكر أحدٌ موسى بن هلال ولا غيره من رواة حديثه هذا بالوضع، ولا اتّهمه به فيما علمنا!
فكيف يستجيز مسلم أن يطلق على كلّ الأحاديث التي هو واحد منها: «أنّها موضوعة» و لم يُنقل ذلك عن عالم قبله، ولا ظهر على هذا الحديث شيء من الأسباب المقتضية للمحدّثين للحكم بالوضع، ولا حُكم متنه ممّا

1 . الغدير:5/143ـ147. 2 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/711.

(110)
يخالف الشريعة، فمن أي وجه يحكم بالوضع عليه لو كان ضعيفاً؟ فكيف وهو حسن أو صحيح؟(1)
أقول: رجال السند ـ كما أخرجه الدارقطني ـ كلّهم ثقات لا كلام فيهم إلاّ في رجلين. وإليك البيان:
روى الدارقطني قال حدثنا القاضي المحاملي، ثنا«عبيد» بن محمد الوراق، ثنا موسى بن هلال العبدي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله: من زار قبري وجبت له شفاعتي. ولا غبار في السند ولو كان كلام، فإنّما هو في موردين:
1. عبيد الله بن محمد الورّاق.
2. موسى بن هلال العبدي.
أمّا الأوّل فهو بصورة المصغّر «عبيد» ثّقة بلا كلام، وثقّه الخطيب(2) وقد أقام السبكي شواهد كثيرة على أنّ النسخة المصحّحة هو «عبيد».
وأمّا لو كان بصورة المكبر فقد ورد فيه التعديل والجرح، لا باتهامه بالوضع والدس والحيل ونظائره، بل بسوء الضبط وإليك كلمات القوم:
1. قال أبو حاتم الرازي: رأيت أحمد بن حنبل يحسن الثناء عليه.
وقال يحيى بن معين: ليس به بأس يكتب حديثه، وقال: إنّه في نافع: صالح، وقال ابن عديّ: لا بأس به صدوق، وقال ابن حبان: كان ممّن غلب عليه الصلاح حتى غُلب عن ضبط الأخبار، وجودة الحفظ للآثار، تقع

1 . شفاء السقام في زيارة خير الأنام(صلى الله عليه وآله وسلم): 79ـ80.
2 . تاريخ بغداد:11/97، برقم 5789.

(111)
المناكير في روايته، فلما فحش خطؤه استحق الترك. (1)
فلو كان فيه كلام فإنّما هو في حفظه، وبما أنّ الحديث في غاية الاختصار، فاحتمال خطئه فيه بعيد.
2. موسى بن هلال، قـال ابـن عـدي: أرجـو أنّه لا بأس به(2). كيف؟ وهـو من مشايخ أحمد بن حنبل، والمشهور أنّ أحمد، ومالك، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، والبخاري، ومسلم، لا يروون إلاّ عن ثقة.
وبذلك ظهر أنّ وصف الحديث بكونه موضوعاً في غاية الخروج عن قواعد الحديث، فإن الضعيف على قسمين: قسم يكون ضعفُ راويه ناشئاً من كونه متهماً بالكذب ونحوه، فاجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا الجنس لا يزيدها قوة.
وقسم يكون ضعف راويه ناشئاً من ضعف الحفظ مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر، عرفنا أنّه ممّا قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه، هكذا قاله ابن الصلاح وغيره.
فاجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا النوع يزيدها قوة وقد يرقى ذلك إلى درجة الحسن أو الصحيح.(3)
ثمّ إنّ لهذا الحديث صوراً أُخرى جمعها العلاّمة السبكي في «شفاء

1 . شفاء السقام:74ـ75.
2 . الكامل:6/351، برقم 1834، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1409هـ .
3 . شفاء السقام:78.

(112)
السقام» فبلغت إلى خمسة عشر حديثاً ويحتمل أن يكون الجميع صوراً مختلفة لحديث واحد كما يحتمل أن تكون أحاديث متعدّدة.
ثمّ تابعه العلاّمة المحقّق الأميني فى كتاب «الغدير» فبلغ عدد الأحاديث إلى اثنين وعشرين حديثاً.
وقد درس هذان العلَمان الأحاديث المذكورة سنداً ودلالة، وردّا الإشكالات المتوجّهة إليها.
وبما أنّ المجال لا يتّسع لنقل الأحاديث مع أسانيدها وما حولها من الكلمات، فلنقتصر على نقل الحديث مع الإشارة إلى مصدر أو مصدرين مما وقفنا عليه أو ما ذكره المحقق السبكي أو العلاّمة الأميني.
وهذه الروايات الكثيرة الواردة في غير واحد من كتب السنن والتاريخ، والتي عكف على نقلها جهابذة الحديث وأعلامه لا يمكن أن توصف بالكذب والدسّ، أو تُرمى بسبب ضعف أحد الرواة في الحفظ والنقل، فهذه الكثرة تدل على أنّ مضمون الرواية متواتر معنى، وأنّ الرسول حثّ على زيارة قبره في غير موقف، وإليك الصور أو الأحاديث الأُخر.

الحديث الثاني

من زار قبري حلّت له شفاعتي(1)

1 . الظاهر أنّ هذا الحديث، هو نفس الحديث الأوّل، وفي الثاني: حلّت، وفي الأوّل: وجبت، وينتهي السند في كليهما إلى ابن عمر. ورواه باللفظ الثاني; الدارقطني في سننه: 2/278، والسيوطي في الدر المنثور:1/237.

(113)

الحديث الثالث

مَن جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلاّ زيارتي كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.(1)

الحديث الرابع

مَن حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي.(2)

الحديث الخامس

مَن حجّ البيت فلم يزرني فقد جفاني.(3)

الحديث السادس

مَن زار قبري أو «مَن زارني» كنت شفيعاً له أو شهيداً.(4)

الحديث السابع

مَن زارني متعمّداً كان في جواري يوم القيامة.(5)

الحديث الثامن

مَن زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي.(6)

1 . رواه الطبراني في معجمه الكبير:12/291، برقم 13149.
2 . رواه الدارقطني في سننه:3/378، برقم 193، كتاب الحج.
3 . رواه ابن عدي في الكامل:7/214، برقم 1956(النعمان بن شبل).
4 . رواه أبو داود الطيالسي في مسنده:1/12.
5 . رواه أبو جعفر العقيلي في الضعفاء:4/361، برقم 1973.
6 . رواه الدارقطني في سننه:2/193.

(114)

الحديث التاسع

مَن حجّ حجّة الإسلام وزار قبري وغزا غزوة وصلّى عليّ في بيت المقدس، لم يسأله الله عزّ وجل فيما افترض عليه.(1)

الحديث العاشر

مَن زارني بعد موتي فكأنّما زارني وأنا حيّ.(2)

الحديث الحادي عشر

مَن زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً.(3)

الحديث الثاني عشر

ما من أحد من أُمّتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر.(4)

الحديث الثالث عشر

مَن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً أو قال: «شفيعاً».(5)

1 . نقله السبكي عن الحافظ أبي الفتح الأزدي في الجزء الثاني من فوائده، ونقله عنه ابن حجر في لسان الميزان:2/4 في ترجمة الأزدي على ما في تعليقة محقّق كتاب: شفاء السقام.
2 . نقله السبكي عن أبي الفتوح سعد بن محمد بن إسماعيل اليعقوبي في جزء فيه فوائد، لاحظ: شفاء السقام:109.
3 . أخرجه البيهقي في شعب الإيمان:3/488.
4 . رواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود ابن النجار في كتاب «الدرة الثمينة في أخبار المدينة» كما في شفاء السقام:112.
5 . رواه الحافظ أبو جعفر العقيلي في كتاب الضعفاء:3/457.

(115)

الحديث الرابع عشر

من لم يزر قبري فقد جفاني.(1)

الحديث الخامس عشر

مَن أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة.(2)
هذه خمس عشرة رواية أخرجها السبكي في «شفاء السقام»، ودرس أسانيدها على نحو لا يبقى لمريب ريب ولا لمشكّك شك.
وقد تابعه المحقّق الأميني فأخرج صوراً أُخرى للرواية حتى تجاوزت العشرين حديثاً، نقتبس منها ما يلي:

الحديث السادس عشر

مَن حجّ إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان.(3)

الحديث السابع عشر

مَن زارني متعمّداً كان في جواري يوم القيامة.(4)

الحديث الثامن عشر

مَن زارني بعد وفاتي وسلّم عليّ رددت عليه السلام .(5)

1 . رواه الحافظ أبو عبد الله ابن النجار في الدرة الثمينة: 397، الباب16.
2 . وفاء الوفا للسمهودي:4/1348.
3 . أخرجه الديلمي، ورواه السمهودي في وفاء الوفا:4/1347.
4 . رواه الدارقطني في سننه:2/278، الحديث 193.
5 . الفائق: الروض 380.

(116)

الحديث التاسع عشر

عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَن زار قبر رسول الله كان في جواره».(1)
إلى غير ذلك من الأحاديث التي رواها الأعلام من السنّة، وإذا أُضيف إليها ما رواه الشيعة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، لظهر أنّ استحباب زيارة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا حثّ عليه النبي وآله الأطهار، ولا يمكن رمي هؤلاء الأعلام ومن رووا عنهم من الرواة بالكذب والدسّ، أو سوء الحفظ والذكر.
ولعمر الحق، لو ورد معشار ما ورد في المقام، في موضوع من المواضيع التي يتبّناها ابن تيمية، لأقاموا الدنيا على صحّته وتضافره، ولم يقعدوها!!

المقام الثاني: الاستدلال بالكتاب على زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

ثمّ إنّ الروايات المتقدّمة وإن كانت كافية في إثبات زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن يمكن الاستدلال قبلها بالآية الكريمة التي ستقرأها تالياً، وقد استدلّ بها لفيف من المحقّقين، أعني قوله سبحانه:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً).(2)
إنّ الآية في بدء النظر وإن كانت منصرفة إلى حياة النبي الدنيوية وانّ على المؤمنين أن يطلبوا منه الاستغفار في حقّهم، لكنّه انصراف بدْوي، لأنّ الدليل قام على حياة النبي بعد رحيله من الدنيا، وأنّه يسمع كلامنا وسلامنا ويردّ

1 . رواه ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق:2/406.
2 . النساء:64.

(117)
جواب سلامنا. وعلى هذا فالآية غير محدودة بحياة النبي الدنيوية، ويشهد على ذلك فهم السلف الصالح للآية، فقد أخرج الحاكم عن عبد الله بن مسعود(رضي الله عنه) قال: إنّ في سورة النساء لخمس آيات ما يسرّني أنّ لي بها الدنياّ وما فيها ـ و قد علمت أنّ العلماء إذا مروا بها يعرفونها ـ (إنّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّة وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْراً عَظيماً)،(1) و(إن تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخلاً كَريماً)(2)، و(إنّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)(3)، ]و[ (وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً)(4)،] و[ (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ >نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً).(5)
قال عبد الله: ما يسرّني أنّ لي بها الدنيا وما فيها.(6)
ووجه الدلالة هو أنّه لو كانت هذه الآية محدّدة بحياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، لَما صحّ لابن مسعود أن يقول: ما يسرّني أن لي بها الدنيا وما فيها، لأنّ فيه إشارة إلى استمرارها بعد حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه قال ذلك بعد رحلته(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال الشوكاني: احتجّ القائلون بأنّها مندوبة بقوله تعالى:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)، ووجه

1 . النساء: 40. 2 . النساء:31.
3 . النساء: 116. 4 . النساء:64.
5 . النساء:110.
6 . مجمع الزوائد:7/11ـ12. أخرجه الحاكم في المستدرك:2/334، المعجم الكبير للطبراني:9/220; الدر المنثور:3/498.

(118)
الاستدلال بها أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حيّ في قبره بعد موته، كما في حديث (الأنبياء أحياء في قبورهم) وقد صحّحه البيهقي وألّف في ذلك جزءاً. قال الأُستاذ أبو منصور البغدادي: قال المتكلّمون المحقّقون من أصحابنا إنّ نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) حيّ بعد وفاته.
ويؤيد ذلك ما ثبت أنّ الشهداء أحياء يرزقون في قبورهم، والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)منهم، وإذا ثبت أنّه حيّ في قبره كان المجيء إليه بعد الموت كالمجيء إليه قبله.(1)

عمل الأعرابي

ذكر ابن عساكر في تاريخه، وابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن»، وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي، قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير
الرسل، إنّ الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً)،
وانّي جئتك مستغفراً ربّك من ذنوبي مستشفعاً فيها بك، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دُفنتْ بالقاع أعظُمهُ *** وطاب من طيبهنّ القاع والأكَمُ
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنُهُ *** فيه العفاف وفيه الجود والكرمُ
ثم استغفر وانصرف.(2)

1 . نيل الأوطار:5/94، دار الجيل، بيروت.
2 . وفاء الوفا:4/1361; الدرر السنية:75; مختصر تاريخ دمشق:2/408.

(119)
إنّ هذا الأعرابي أدرك بذهنه الوقّاد وسريرته الصافية وفطرته السليمة ما تنطوي عليه زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من فوائد جمّة، وأنّ الآية غير محدّدة بحياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط.
يقـول العـلاّمة الأمينـي: هـذه الحكـايـة حكاهـا محمـد بن حرب الهلالي، عن أعرابيّ أتى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وزاره، ثم قال مـا يقـرب ممّا ذكر، رواها ابن النجار وابن عساكر وابن الجوزي، والقسطلاني في المواهب، والسبكي في شفاء السقام، والخالدي في صلح الاخوان، وقال: تلقّى هذه الحكاية العلماء بالقبول، وذكرها أئمّة المذاهب الأربعة في المناسك مستحسنين لها.(1)
***

المقام الثالث: المذاهب الأربعة وزيارة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ من تتبع كلمات العلماء الأبرار حول زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لوجد أنّها سنّة عريقة بين المسلمين أجمع عليها العلماء، ورغّبوا فيها، وقد ذكر السبكي في كتابه«شفاء السقام» نصوص العلماء وإجماعهم على الـزيارة .(2) كما نقل نصوص العلمـاء على الاستحبـاب، الدكتـور محمـد السيد صبيح في كتابه «أخطاء ابن تيمية»، وجعله ثالث الأدلّة باسم: الإجماع على الزيارة.(3)
كما أنّ شيخنا العلاّمة الأميني قد استقصى كلمات الأعلام في المذاهب

1 . الغدير:5/209.
2 . شفاء السقام:155ـ175.
3 . أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته: 199 ـ 218.

(120)
الأربعة، فذكر (42) نصاً من أقوال فقهاء المذاهب الأربعة، كلّهم يؤكّدون على استحباب الزيارة .(1) وها نحن نقتبس شيئاً مما صرّح به هؤلاء الأعلام:
1. قال أبو الحسن الماوردي(المتوفّى 450هـ) في «الأحكام السلطانية»: فإذا عاد وليُّ الحاجّ سار بهم على طريق المدينة لزيارة قبر رسول الله ليجمع لهم بين حج بيت الله وزيارة قبر رسول الله، رعاية لحرمته وقياماً بحقوق طاعته، وذلك وإن لم يكن من فروض الحج، فهو من مندوبات الشرع المستحبّة، وعبادات الحجيج المستحسنة.(2)
2. وقال القاضي عياض المالكي (المتوفّى 544 هـ ) في الشفا: وزيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) سنّة مجمع عليها،وفضيلة مرغّب فيها. ثم ذكر عدّة من أحاديث الباب، فقال:
قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه]يعني إسحاق بن راهويه، شيخ البخاري [: وممّا لم يزل من شأن من حجّ المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتبرّك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطن قدميه والعمود الذي استند إليه ومنزل جبريل بالوحي فيه عليه، ومن عمّره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كلّه.(3)
3. عقد الحافظ ابن الجوزي الحنبلي(المتوفّى 597هـ) في كتابه «مثير الغرام» باباً في زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر حديثي ابن عمر وأنس، المذكورين في الباب السابق.

1 . الغدير:165ـ187. 2 . الأحكام السلطانية:2/105.
3 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى:2/194; شرح الشفا للخفاجي:3/515.

(121)
4. قال الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي(المتوفّى 620 هـ ) في كتابه «المغني»: فصل: يستحبّ زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ ذكر حديثي ابن عمر وأبي هريرة من طريق الدارقطني وأحمد.(1)
5. قال محيي الدين النووي الشافعي (المتوفّى 676 هـ ) في المنهاج المطبوع بهامش شرحه للمغني(2): ويستنّ شرب ماء زمزم وزيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فراغ الحجّ.(3)
وإن شئت ـ عزيزي القارئ ـ أن تقف بصورة إجمالية، على رأي المذاهب الإسلامية في مسألة زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، اقرأ معي كلام الشوكاني في هذا المجال، حيث قال:
ذهب الجمهور إلى أنّها مندوبة، وذهب بعض المالكية، وبعض الظاهرية إلى أنّها واجبة، وقالت الحنفية إنّها قريبة من الواجبات.
ثم قال: وذهب ابن تيمية الحنبلي إلى أنّها غير مشروعة، وتبعه على ذلك بعض الحنابلة.(4)
وممّا يؤكّد شذوذ رأي ابن تيمية (ومقلّديه)، ومخالفته للإجماع (أنّ المسلمين القاصدين للحجّ في جميع الأوقات، وعلى تباين الديار واختلاف المذاهب، قد دأبوا على الوصول إلى المدينة المشرّفة لقصد زيارته، ويعدّون

1 . شرح مختصر الخرقي في فروع الحنابلة:6/588، وهذا الكتاب من تأليف الشيخ أبي القاسم عمر الحنبلي (المتوفّى 334 هـ ) والشرح المذكور من أعظم كتب الحنابلة التي يعتمدون عليها.
2 . المغني:1/494. 3 . المنهاج:1/511 4 . نيل الأوطار:5/94.

(122)
ذلك من أفضل الأعمال، ولم يُنقَل أنّ أحداً أنكر ذلك عليهم، فكان إجماعاً).(1)
ونختم الكلام بما قاله الإمام مالك لأبي جعفر المنصور، في مناظرة جرت بينهما، رواها القاضي عياض في «الشفا»، ونقلها بإسناده إلى ابن حميد، قال: ناظر أبو جعفر ـ أمير المؤمنين ـ مالكاً في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإنّ الله تعالى أدّب قوماً فقال: (لاتَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ...)الآية، ومدح قوماً: (إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ...) الآية، وذمّ قوماً، فقال: (إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ...) الآية، وإنّ حُرْمته ميّتاً كحُرْمته حيّاً.
فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فقال: ولمَ تصرف وجهك عنه؟ وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام)إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبلْه واستشفعْ به، فيشفعه الله تعالى، قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ ...).(2)
 

إكمال

قد قسّم ابن تيمية الزيارة إلى زيارة شرعية وزيارة بدعيّة، وعرّف الثانية

1 . انظر: نيل الأوطار:5/97.
2 . الشفا للقاضي عياض: 2 / 201 ـ 206، الفصل 9.

(123)
بالتسليم على الميّت والصلاة عنده والدعاء عنده، فقال: إنّ هذا ليس مشروعاً باتّفاق أئمة المسلمين.
مع أنّا نرى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فعل ما وصف بدعياً، حيث دعا لنفسه عند قبور البقيع.
روى مسلم عن بريدة(رضي الله عنه) قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خرج إلى المقابر يعلمهم أن يقولوا: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم لنا فَرَط، ونحن لكم تَبَع نسأل الله لنا ولكم العافية.(1)
أو ليس قوله: نسأل الله لنا ولكم العافية، دعاءً للنفس عند قبور المؤمنين.
وفي حديث عائشة الذي رواه مسلم: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين.(2)
ولم يكتف(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك حتى علّم عائشة أن تزور قبور البقيع بالنحو الماضي.
والعجب أنّ الأمر بالدعاء في الكتاب والسنّة مطلق يعمّ كلّ الأمكنة ويكون عين التوحيد، ولكنّه يُصبح عند قبر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) شركاً حسب دين ابن تيمية ورأيه!!
إلى هنا تمّ الكلام حول زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبقي الكلام عن قصد الزيارة والسفر إليها، وهذا ممّا أنكره أيضاً ابن تيمية.

1 . صحيح مسلم:2/671; مسند أحمد:5/353.
2 . صحيح مسلم:2/370; مسند أحمد:6/221.

(124)
2

ابن تيمية وشدّ الرحال إلى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

قسّم ابن تيمية الزيارة إلى شرعية وبدعية، والأُولى أشبه بالدعاء للميت، وجعل الزيارة الدارجة بين المتشرعين من القسم الثاني، ولكنّه لم يكتف بذلك، بل حرّم السفر إلى زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو غيره من الأنبياء في غير واحد من كتبه وفتاواه، قال:
بل نفس السفر لزيارة قبر من القبور ـ قبر نبي أو غيره ـ منهيٌّ عنه عند جمهور العلماء، حتى أنّهم لا يجوزون قصر الصلاة فيه بناءً على أنّه سفر معصية لقوله الثابت في الصحيحين:«لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» وهو أعلم الناس بمثل هذه المسألة.(1) وقال: قالوا: ولأنّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله فهو مخالف للسنّة ولإجماع الأئمة.(2)

1 . مجموع الفتاوى:4/520.
2 . الفتاوى الكبرى:1/142.

(125)
وقال أيضاً: وقد ذكر أصحاب أحمد في السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين هل نقصر فيها الصلاة؟ أربعة أقوال: قيل لا تقصر مطلقاً، وقيل: تقصر مطلقاً، وقيل: لا تقصر إلاّ إلى قبر نبينا، وقيل: لا يقصر إلاّ إلى قبره المكرّم وقبور الأنبياء دون قبور الصالحين.
ولمّا كانت الأقوال الثلاثة الأخيرة مخالفة لرأيه، حاول أن يفسّر وجه الجواز، فقال:
والذين استثنوا قبر نبينا، لقولهم وجهان:
أحدهما ـ و هو الصحيح ـ : أنّ السفر المشروع إليه هو السفر إلى مسجده، وهذا السفر تقصر فيه الصلاة بإجماع المسلمين، وهؤلاء راعوا مطلق السفر، ولم يفصّلوا بين قصد وقصد إذ كان عامّة المسلمين لابد أن يصلّوا في مسجده، فكلّ من سافر إلى قبره المكرّم فقد سافر إلى مسجده المفضل.(1)
ولنا في كلامه وقفتان:

الأُولى: مقدّمة الأمر القربيّ لا توصف بالحرمة

إذا دلّت الروايات على استحباب زيارة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) تكون زيارته أمراً قربيّاً يثاب الإنسان عليه إذا فعله، ويكون السفر إلى الأمر القربي إمّا مستحباً إذا قلنا بوحدة حكم المقدمة وذيها، أو يكون أمراً مباحاً، ولا يكون حراماً لأنّه يلزم منه التكليف بالمحال، إذ من جانب يأمر بالزيارة ـ و لو استحباباً ـ و من جانب يحرّم مقدّمته.

1 . مجموع الفتاوى:28/185

(126)
ومنه يظهر حكم زيارة سائر المقابر وإن لم يكن فيها قبر نبي، بل يكفي وجود الصالحين من المؤمنين حيث إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بزيارة القبور، وقال: «قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد بزيارة قبر أُمّه، فزوروها، فإنّها تذكّركم الآخرة».(1)
فإذا كانت زيارة القبور لأجل التذكّر والاعتبار، أمراً مرغوباً قربيّاً، فيكون السفر إليها إمّا مستحبّاً مثلها أو لا أقل مباحاً.
نعم، زيارة القبر المعيّن بشخصه لم يُؤمر به ـ إلاّ النبي وآله ـ ، وإنّما المطلوب زيارة القبور دون قبر خاص، فالسفر إلى زيارة قبر خاصّ كالوالد والصديق جائز لكن ليس بمأمور به بأمر خاص.
وإن شئت قلت: إنّ السفر إلى المشاهد والمقابر إذا كان لغاية غير أُخروية، ولم تكن تلك الغاية أمراً محرماً، كان السفر جائزاً، كسائر الأسفار.
وأمّا إذا كانت الغاية أمراً قربيّاً ـ كما هو المفروض ـ كان السفر إمّا مستحباً ـ إذا قلنا باستحباب مقدّمة الأمر المستحب ـ أو مباحاً إذا لم نقل. وعلى كلّ تقدير لا يعقل تحريم السفر إليها.

دليل القائل بحرمة السفر

استدلّ ابن تيمية على حرمة السفر بحديث: «لا تشدّ الرحال»(2)، الذي رُوي بألفاظ مختلفة، أشهرها:

1 . صحيح مسلم:977، في الجنائز; سنن أبي داود: برقم3235; سنن الترمذي:برقم 1054، الجنائز; سنن النسائي: 4 / 89 ، باب الجنائز; جامع الأُصول من أحاديث الرسول لابن الأثير: 11/152، برقم 8666.
2 . مجموع الفتاوى:27/199.

(127)
الأوّل: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى».(1) وهذه رواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة.
والثاني: «تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد».(2) من غير حصر، وهذه رواية معْمَر عن الزهري بالسند المذكور.
والثالث: «إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء».(3) وهذه رواية سلمان الأغرّ، عن أبي هريرة.
لقد استدلّ ابن تيمية بهذا الحديث على حرمة السفر، لغير هذه المساجد الثلاثة، ولكن الاستدلال من الوهن بمكان، ويُعرف وهنه بالبيان التالي:
إنّ المستثنى منه محذوف فهو أحد الأمرين:
1. لا تشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد... .
2. لا تُشدّ الرحال إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد... .
فلو كان المراد، الصورة الأُولى، كما هو الظاهر، كان معنى الحديث النهي عن شدّ الرحال إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، ولا يعني عدم جواز شدّ الرحال إلى أيّ مكان من الأمكنة إذا لم يكن المقصود مسجداً، فالحديث يكون غير متعرض لشدّ الرحال لزيارة الأنبياء والأئمّة الطاهرين والصالحين، لأنّ موضوع الحديث إثباتاً ونفياً هو المساجد، وأمّا

1 . صحيح مسلم:3274; صحيح البخاري:1189.
2 . صحيح مسلم:3275.
3 . صحيح مسلم:3276.

(128)
غير ذلك فليس داخلاً فيه، فالاستدلال به على تحريم شدّ الرحال إلى غير المساجد باطل.
وأمّا الصورة الثانية، فلا يمكن الأخذ بها، إذ يلزم منها كون جميع الأسفار محرّمة، سواء كان السفر لأجل زيارة المسجد أو غيره من الأمكنة، وهذا ممّا لا يلتزم به أحد من الفقهاء.
ثمّ إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى أيّ مسجد غير المساجد الثلاثة ليس نهياً تحريمياً، وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في سفر كهذا، وذلك لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف من حيث الفضيلة، فالمساجد الجامعة كلّها متساوية في الفضيلة، فمن العبث ترك الصلاة في جامع هذا البلد والسفر إلى جامع بلد آخر مع أنّهما متماثلان.
وفي هذا الصدد يقول الغزالي: القسم الثاني: وهو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجّ أو جهاد... ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء(عليهم السلام)، وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء. وكلّ من يُتبّرك بمشاهدته في حياته يُتبّرك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» لأنّ ذلك في المساجد; فإنّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد.(1)
يقول الدكتور عبد الملك السعدي: إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى المساجد الأُخرى، لأجل أنّ فيه إتعاب النفس دون جدوى، أو زيادة ثواب;

1 . إحياء علوم الدين:2/247، كتاب آداب السفر.

(129)
لأنّها في الثواب سواء بخلاف الثلاثة، لأنّ العبادة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي مسجد النبوي بألف، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة، فزيادة الثواب تُحبِّب السفر إليها، وهي غير موجودة في بقية المساجد.(1)
والدليل على أنّ السفر لغير هذه المساجد ليس أمراً محرّماً، ما رواه أصحاب الصحاح والسنن: «كان رسول الله يأتي مسجد قُبا، راكباً وماشياً، فيصلّي فيه ركعتين».(2)
وهذا يعني أنّ النهي عن شدّ الرّحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم، لكون النبيّ كان يأتي مسجد قباء راكباً.(3)
وممّا يعضد القول بأنّ شدّ الرّحال لغير المساجد الثلاثة ليس محرّماً، أنّ سعد بن أبي وقّاص كان يحثّ المسلمين على شدّ الرّحال إلى مسجد قُباء. قال ابن حجر: ومن فضائل مسجد قُباء، ما رواه عمر بن شَبّة في «أخبار المدينة» بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقّاص، قال: لأن أصلّي في مسجد قباء ركعتين أحبّ إليّ من أن آتي بيت المقدس مرّتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل.(4)

1 . البدعة:60.
2 . صحيح مسلم:(3280); صحيح البخاري:(1194); سنن النسائي:(694).
3 . فتح الباري:3/69.
4 . المصدر نفسه.

(130)

الوقفة الثانية: هل كان المسلمون يقصدون السفر إلى المسجد دون زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

إنّه حاول أن يفسّر سفر المسلمين إلى المدينة المنوّرة بأنّهم كانوا يقصدون السفر إلى المسجد دون زيارة قبر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا أمر تكذّبه السيرة المستمرة بين المسلمين عبر القرون، فإنّ الإجماع من السلف والخلف على أنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحجّ يتوجّهون إلى زيارته، وربما يزورونه قبل الحجّ، قال السبكي:
هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة، وكلُّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافةً بعيدة وينفقون فيه الأموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربةٌ وطاعةٌ، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على مرّ السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم يستحيل أن يكون خطأ، وكلُّهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى الله عزّ وجلّ، ومَن تأخّر فإنّما يتأخر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسُّفه عليه وودّه لو تيسّر له، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ، فهو المخطئ.
وما ربّما يقال من أنّ سفرهم إلى المدينة لأجل قصد عبادة أُخرى وهو الصلاة في المسجد، باطلٌ جداً، فإنّ المنازعة فيما يقصدُه الناس مكابرةٌ في أمر البديهة، فمن عَرف الناس عرف أنّهم يقصدون بسفرهم الزيارة يعرّجون إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القُرُبات إلاّ ببال قليل منهم، ولهذا قلَّ القاصدون إلى البيت المقدَّس مع تيسّر إتيانه، وإن كان في الصلاة

(131)
فيه من الفضل ما قد عُرف، فالمقصود الأعظم في المدينة الزيارة، كما أنّ المقصود الأعظم في مكّة الحجّ أو العمرة، وصاحب هذا السؤال إن شكّ في نفسه فليسأل كلّ من توجّه إلى المدينة ما قَصَد بذلك؟(1)
ويدلّ على ما ذكرنا ما نقله المؤرّخون عن بعض الصحابة والتابعين في هذا المجال.
قال ابن عساكر في ترجمة بلال: إنّ بلالاً رأى في منامه النبيّ وهو يقول له: ما هذه الجَفْوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزيناً، وجِلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسنُ والحسين فجعل يضمُّهما ويقبّلهما فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذّن به لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلمّا أن قال: «الله أكبر ـ الله أكبر» ارتجّت المدينة، فلما أن قال: «أشهد أن لا إله إلاّ الله» ازدادت رجّتها، فلما أن قال: «أشهد أنّ محمّداً رسول الله» خرجت العواتق من خدورهن فقالوا: أبُعِث رسول الله!؟ فما رُئي يوم أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك اليوم.(2)
قال السبكي: إنّ سفر بلال في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة، لم يكن إلاّ للزيارة والسلام على النبيّ ولم يكن الباعثُ على السفر ذلك من أمر الدنيا ولا من

1 . شفاء السقام:211ـ212.
2 . مختصر تاريخ دمشق: 5/265، و أُسد الغابة:1/208.

(132)
أمر الدين ولا من قصد المسجد ولا من غيره.(1)
إنّ عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ النبيّ السلام ثمّ يرجع.(2)
ثمّ إنّ عمر لمّا صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرحَ عمر بإسلامه، قال عمر له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبي وتتمتع بزيارته؟ فقال لعمر: أنا أفعل ذلك، ولمّا قدم عمر المدينة أوّل ما بدأ بالمسجد وسلّم على رسول الله.(3)
وهكذا بانت الحقيقة، وظهر وجه الحق، ودلّت الروايات والأخبار على أنّ زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تُعدّ من القربات، وأنّ السفر إليها أمر قربي، يتبع في حكمه حكم نفس الزيارة، وأنّ ما ذهب إليه ابن تيمية من تحريم السفر إلى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يخالف رأي الجمهور، ويضادّ سيرة السلف، ولا يجنح إليه إلاّ من اغترّ به، ورضي بتقليده عن تقصير أو قصور.
 

كلام الإمام النووي في السفر إلى زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

قال الإمام النووي: واعلم أنّ زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من أهمّ القربات وأنجح المساعي، فإذا انصرف الحجّاج والمعتمرون من مكة استحبّ لهم استحباباً متأكداً أن يتوجّهوا إلى المدينة لزيارته(صلى الله عليه وآله وسلم)وينوي الزائر من الزيارة التقرّب وشدّ الرحل إليه والصلاة فيه، وأنّ الذي شرفت به(صلى الله عليه وآله وسلم)خير الخلائق

1 . شفاء السقام:251.
2 . شفاء السقام: 143، الباب 3: في ما ورد في السفر إلى زيارته.
3 . فتوح الشام:1/148 في ذكر فتح بيت المقدس.

(133)
وليكن من أوّل قدومه إلى أن يرجع مستشعراً لتعظيمه ممتلئ القلب من هيبته كأنّه يراه، فإذا وصل باب مسجده(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يأتي القبر الكريم فيستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر ويبعد من رأس القبر نحو أربع أذرع، ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَروا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً)(1)وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خيرَ من دُفنت بالقاع أعظمُهُ *** فطاب من طِيبهنَّ القاع والأكَمُ(2)

1 . النساء:64.
2 . المجموع:8/201ـ202.

(134)
3

ابن تيمية والدعاء عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

ذهب ابن تيمية إلى أنّ الدعاء عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) غير مستجاب، بل قد يظهر منه المنع، يقول: ومع هذا لم يقل أحد منهم أنّ الدعاء مستجاب عند قبره، ولا أنّه يستحب أن يتحرى الدعاء متوجّهاً إلى قبره، بل نصّوا على نقيض ذلك.(1)
وقال ـ أيضاً ـ : إنّ قول القائل: إنّ الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين، قول ليس له أصل في كتاب الله ولا سنّة رسوله، ولا قاله أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين، كمالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيدة، ولا مشايخهم الذين يُقتدى بهم.(2)
أقول: يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: استحباب الدعاء عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .

1 . مجموع الفتاوى:27/117. 2 . مجموع الفتاوى:27/64.

(135)
الثاني: عمل السلف في ذلك.
أمّا الأوّل: فيُردّ بوجوه:
1. أنّ التركيز على عدم استحباب الدعاء عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يراد به ترك الدعاء هناك مطلقاً، سواء أكان للمكان مزية أو لا، مع أنّه سبحانه يأمر بالدعاء في كلّ مكان، قال سبحانه: (ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ)(1)، فهل يمكن أن يقال: إنّه يجوز الدعاء في كلّ مكان إلاّ في قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. قال سبحانه: (واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْراهيمَ مُصَلّى)،(2) فقد أمر سبحانه أن يصلّوا عند مقام إبراهيم(عليه السلام) (قاله قتادة والسُّدّي، وهو المروي في أخبار الإمامية)، أو أن يدعوا عنده (قاله مجاهد).(3) وما هذا إلاّ لأجل التبرّك بالمقام، الذي بورك بموطئ قدم إبراهيم(عليه السلام). فإذا جاز التبرّك بالقيام (أو الدعاء) في مقام إبراهيم(عليه السلام)، فكيف لا يجوز التبرك بالقيام والدعاء في مكان دفن فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ أفلا يكون الدعاء عنده أرجى للإجابة؟
3. أنّ صبر هاجر وابنها إسماعيل(عليه السلام) على الأذى والبُعد والوحدة والغربة، قد صار سبباً لجعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين إلى يوم القيامة، فهل يُستكثر على أفضل الأنبياء الذي قال: «ما أُوذي نبي بمثل ما أُوذيت»، وصبر أجمل الصبر، هل يُستكثر عليه أن تكون آثاره محلاًّ للتبرّك بالصلاة والدعاء عندها؟!
4. كيف لا يستجاب الدعاء عند مرقد خاتم الأنبياء؟ وقد نقل الدارمي في سننه في باب «ما أكرم الله تعالى نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته»، قال: حدّثنا أبو

1 . غافر:60.            2 . البقرة:125. 3 . التبيان في تفسير القرآن:1/453.

(136)
النعمان، ثنا سعيد بن زيد، ثنا عمرو بن مالك النُّكري، ثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله، قال: قُحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فاجعلوا منه كُوّاً إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا فمُطرنا مطراً، حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمّي عام الفتق.(1)
ويبدو من الآثار والروايات أنّ السلف الصالح كانوا يصلّون ويدعون عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، تبركاً بتراب قبره ومحلّ دفنه. وإليك عدداً من تلك الروايات:
1 . روى ابن حبّان والطبراني بإسناد صحيح. قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، رأيت أُسامة قال: ورأيته يصلّي عند قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج مروان بن الحكم، فقال: تصلّي عند قبره؟ قال: إنّي أُحبّه. فقال له قولاً قبيحاً، ثم أدبر. فانصرف أُسامة فقال لمروان: إنّك آذيتني، وإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: إنّ الله يبغض الفاحش المتفحّش، وإنّك فاحش متفحّش.(2)
والحديث يدلّ على أنّ المسلمين بصفاء قلوبهم كانوا يقصدون قبر النبي بالصلاة والدعاء لديه، وأنّ الطغمة الأموية وعلى رأسها مروان بن الحكم كانوا يمنعون من هذا العمل، وليس ما ذكر أوّل بادرة بدرت من مروان، بل كان يستمرّ على ذلك حقداً وضغينة على النبي.
2. أخرج الحاكم في مستدركه وصحّحه (ووافقه الذهبي)، عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ

1 . سنن الدارمي:1/56، برقم 92.
2 . صحيح ابن حبان:12/506، برقم 5694; المعجم الكبير:1/166، برقم 405; تاريخ دمشق: 57/248ـ 249.

(137)
برقبته، فقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري(رضي الله عنه)، فقال: جئت رسول الله ولم آت الحجر. سمعت رسول الله يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله.(1)
لا شكّ في أنّ أبا أيوب مضيف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدعو الله تبارك وتعالى ووجهه على القبر.
3. روى الحاكم والبيهقي عن أُمّ علقمة أنّ امرأة دخلت بيت عائشة، فصلّت عند بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وهي صحيحة فسجدت فلم ترفع رأسها حتى ماتت. فقالت عائشة: الحمد لله الذي يحيي ويميت. إنّ في هذه لعبرة لي في عبد الرحمن بن أبي بكر رقد في مقيل له قاله، فذهبوا يوقظونه فوجدوه قد مات.(2)
كلّ ذلك يدلّ على أنّ ما نسبه ابن تيمية إلى السلف الصالح لا يستند إلى دليل صحيح.
***
وأمّا المقام الثاني ـ أي ما نسبه إلى السلف من عدم استحباب الدعاء، أو جوازه عند قبر النبي ـ : فيردّه ما نقلناه من مناظرة المنصور مع مالك وهي قضية معروفة، ولا ندري لأي جهة يكذبها ابن تيمية، وقد نقلها غير واحد من العلماء.

1 . المستدرك:4/515.
2 . المستدرك: 4 / 475 ـ 476 ; شعب الإيمان: 7 / 256 ، برقم 10222. يُذكر أنّ وفاة عبد الرحمن بن أبي بكر كانت في سنة 53 هـ .

(138)
ويكفي في ذلك ما يذكره الحصني في كتاب «دفع شبه مَن تشبّه وتمرّد»، حيث قال: أمّا الدعاء عند القبر فقد ذكره خلق ومنهم الإمام مالك وقد نصّ على أنّه يقف عند القبر، ويقف كما يقف الحاج عند البيت للوداع ويدعو، وفيه المبالغة في طول الوقوف والدعاء، وقد ذكره ابن المواز في الموازية، فأفاد ذلك أنّ إتيان قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والوقوف عنده والدعاء عنده من الأُمور المعلومة عند مالك، وأنّ عمل الناس على ذلك قبله وفي زمنه، ولو كان الأمر على خلاف ذلك لأنكره، فضلاً عن أن يفتي به، أويقرّ عليه.
وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلّم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعا يقف ووجهه إلى القبر، لا إلى القبلة، ويدعو ويسلّم،ولا يمسّ القبر بيده.
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله السامري في كتاب «المستوعب» في باب زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «وإذا قدم مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يستحب له أن يغتسل لدخوله، ثم يأتي مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ويقدّم رجله اليمنى في الدخول... إلى أن يقول: ثم ذكر كيفية السلام والدعاء وأطال، ومنه: اللهم إنّك قلت في كتابك ... وذكر دعاء طويلاً، ثم قال: وإذا أراد الخروج عاد إلى القبر فودّع».
وهذا أبو عبد الله من أئمة الحنابلة، وساق هذا الكلام سياق المتّفق عليه، ومن جملة ما أفاد: أنّه يتوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتوجّه به بعد وفاته كما في حياته، وأنّ الآية عامّة وشاملة للحياة وبعد الوفاة، فتنبّه لذلك.
وكذلك ذكره أبو منصور الكرماني من الحنفية: أنّه يدعو ويطيل الدعاء عند القبر المكرّم.

(139)
وقال الإمام أبوزكريا النووي في مناسكه وغيره: فصل في زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكر كلاماً مطوّلاً، ثم قال: «فإذا صلّى تحيّة المسجد أتى القبر، فاستقبله واستدبر القبلة على نحو أربعة أذرع من جدار القبر، وسلّم مقتصداً لا يرفع صوته»، وذكر كيفيّة السلام، ثم قال: «ويجتهد في إكثار الدعاء، ويغتنم هذا الموقف الشريف...» إلى آخره.
فهذه نقول الأئمة بتطويل الدعاء عند القبر المكرّم، وقد خاب من افترى وكلّ أحد تلحقه الخيبة على قدره.(1)
والعجب أنّ ابن تيمية يرمي السلف بترك الدعاء عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّا نرى أنّ السلف الصالح يدعون عند مرقد الإمام الثامن علي بن موسى الرضا(عليه السلام):فكيف عند قبر جده: النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).
1. روى الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام الرضا(عليه السلام) عن الحاكم في تاريخ نيسابور قال: وسمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول: خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا(عليه السلام)بطوس، قال: فرأيت من تعظيمه ـ يعني ابن خزيمة ـ لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرّعه عندها ما تحيّرنا.(2)
2. وقال ابن حبّان، وهو يتحدّث عن زياراته لقبر الإمام الرضا(عليه السلام): قد زرتُه مراراً كثيرةً، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي

1 . دفع الشبه عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والرسالة «أو دفع شبه من تشبّه وتمرد»:201ـ202.
2 . تهذيب التهذيب:7/339.

(140)
بن موسى الرضا صلوات الله على جدّه وعليه، ودعوت الله إزالتها عنّي، إلاّ استجيب لي، وزالت عني تلك الشدّة، وهذا شيء جربته مراراً فوجدته كذلك.(1)
وفي هذا الصدد يقول العالم المجاهد السيد محسن الأمين العاملي في أُرجوزته المسمّاة بـ«العقود الدرّية في ردّ شبهات الوهابية»:
وكذا الصلاة لدى القبور تبرّكاً *** بذوي القبور فليس بالصُّنع الردي
إنّ الأئمة من سلالة أحمد *** ثِقل النبي وقدوة للمقتدي
قالوا الصلاة لدى محلّ قبورنا *** في الفضل تعدل مثلها في المسجد
عنهم روته لنا الثقات فبالهدى *** منهم إذا شئت الهداية فاقتد
شرَفُ المكان بذي المكان محقق *** وأخو الحجى في ذاك لم يتردد
خير عبادة ربنا في مثله *** من غيره فإليه فاعمد واقصد
وكذلكم طلب الحوائج عندها *** من ربنا أرجى لنيل المقصد
إنّ القبور بساكنيها شُرِّفت *** فلساكنيها منزل لم يجحد
بركاتها ترجى لداع إنّها *** بركات شخص في الضريح موسَّد
لا بدع إن كان الدعاء إليه فيـ *** ـها صاعداً وبغيرها لم يصعد
طلب الحوائج عند قبر مفضَّل *** عند الإله وبالفعال مسوَّد
كسؤالها من ربنا في مسجد *** أو في زمان فاضل لم يردد(2)

1 . كتاب الثقات:8/457، ترجمة علي بن موسى الرضا(عليه السلام).
2 . كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب:399ـ 400، الطبعة الثانية، 1382هـ .

(141)
4

ابن تيمية ومسّ قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتقبيل منبره

إنّ من السنن الجارية بين العقلاء، الاعتزاز بما يتركه أحباؤهم وأصدقاؤهم أو آباؤهم من أشياء. ومن مظاهر ذلك الاعتزاز، الاحتفاظ بها، وإدامة النظر إليها لاستذكار أصحابها، وغير ذلك من وجوه التعبير عن مشاعر الحبّ والوفاء لهم، كتقبيل الولد لصورة والده، أو لما كتبه بخطّه.
ومن المعلوم أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو أحبّ الخلق إلى المسلمين، ففي حال حياته كانوا يتبرّكون بماء وضوئه وشعره وكلّ ما له صلة به، وبعد رحيله يتبرّكون بمنبره(1) وقبره وآثاره، والباعث على كلّ ذلك هو الحبّ والولاء لصاحب الرسالة الكبرى، أو الرغبة في التبرّك بآثاره، من دون أن يكون فيه أي رائحة للشرك، فإنّ التبرك بآثاره في حال حياته، هو نفس التبرك بآثاره بعد رحيله، فإنّ الداعي إذا كان هو الحب فهو مشترك بين الحالين، وإن كان الداعي هو التبرك أي ترقّب رحمة الله سبحانه عن طريق آثاره(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو

1 . عن ابن قُسيط (يزيد بن عبدالله بن قسيط، المتوفّى 122هـ) والعتبي: كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا خلا المسجد جسّوا رمّانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون. الشفا بتعريف حقوق المصطفى:2/200.

(142)
أيضاً كذلك. وعلى كلّ تقدير، فالمؤثر هو الله سبحانه، والتبرّك بالآثار تمسُّك بالسبب.
وقد صدر إمام الحنابلة أحمد بن حنبل عن معرفة وعن فطرة سليمة، فأفتى بجواز مسّ منبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والتبرّك به وبقبره وتقبيله، قال ولده عبد الله بن أحمد: سألته عن الرجل يمسُّ منبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ويتبرّك بمسِّه، ويُقَبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك، يريد بذلك التقرب إلى الله عزّ وجلّ؟ فقال: لا بأس بذلك.(1)
وقال عبدالله بن أحمد أيضاً: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيضعها على فيهِ يُقبِّلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه، يستشفي به.
نقل ذلك الذهبي، وعلّق عليه بقوله:
أين المتنطِّع المنكر على أحمد، وقد ثبت أنّ عبد الله سأل أباه عمّن يلمس رُمّانة منبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويمسّ الحجرة النبوية، فقال: لا أرى بذلك بأساً. أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع.(2)
وقال العلاّمة أحمد بن محمد المقري المالكي(المتوفّى 1041هـ) في «فتح المتعال» نقلاً عن ولي الدين العراقي قال: أخبر الحافظ أبو سعيد بن العلا، قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن

1 . العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل:2/492، برقم 3243، تحقيق الدكتور وحي الله...، ط. بيروت 1408هـ .
2 . سير أعلام النبلاء:11/212، الترجمة 78.

(143)
ناصر(1) وغيره من الحفّاظ: أنّ الإمام أحمد سُئل عن تقبيل قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتقبيل منبره؟ فقال: لا بأس بذلك.
قال: فأريناه التقي ابن تيمية فصار يتعجّب من ذلك، ويقول: عجبت من أحمد عندي جليل، هذا كلامه أو معنى كلامه.
وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به.(2)
وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم، فما بالك بمقادير الصحابة؟ وكيف بآثار الأنبياء(عليهم السلام)؟(3)
روى محمد بن البزار قال: كنت مع أبي عبد الله أحمد بن حنبل في جنازة فأخذ بيدي وقمنا ناحية، فلمّا فرغ الناس من دفنه وانقضى الدفن جاء إلى القبر وأخذ بيدي وجلس ووضع يده على القبر، فقال: اللهم إنّك قلت في
كتابك الحق:(فأمّا إنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعيمٌ* وَأَمّا إنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ اليَمينِ* فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمينِ* وَأَمّا إنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبينَ الضّالِّينَ* فَنُزُلٌ مِنْ حَميم* وَتَصْلِيَةُ جَحيم)(4) إلى آخر السورة. اللهم وأنا أشهد أنّ هذا فلان بن فلان ما كذب بك، ولقد كان

1 . هو الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل البغدادي توفّي سنة (550هـ) قال ابن الجوزي في المنتظم:10/163:«كان حافظاً متقناً ثقة لا مغمز فيه».
2 . ذكره ابن الجوزي في مناقب أحمد:455، وابن كثير في تاريخه:10/331.
3 . انظر الغدير:5/150ـ151.
4 . الواقعة:88ـ 94.

(144)
يؤمن بك وبرسولك(عليه السلام) اللهم فاقبل شهادتنا له، ودعا له وانصرف.(1)
فإذا جاز مسّ قبر المسلم لداع من الدواعي، فالنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بذلك، وتصوُّر أنّ مسّ قبر النبي قد يؤدّي إلى الشرك، تصوّر خاطئ، فالمسلمون كانوا يتبرّكون بقبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عبر القرون، ولم يُذكر عن أحد منهم أنّه أشرك، أو رُمي بالغلوّ.
ورغم كلّ هذا نرى أنّ ابن تيمية قد خالف إمام مذهبه حيث قال: اتّفق الأئمة على أنّه لا يمسّ قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يقبّل، وهذا كلّه محافظة على التوحيد، فإنّ من أُصول الشرك بالله اتّخاذ القبور مساجد.(2)
إنّ تقبيل آثار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يوصف بالعبادة ; لأنّ العبادة ليست مجرد خضوع للشيء، فلا يُعدّ نفس التوجّه إلى الأجسام والجمادات عبادة، بل هي عبارة عن الخضوع إلى الشيء، باعتبار أنّه إله أو ربّ، أو بيده مصير الخاضع في عاجله وآجله، وأمّا مسّ المنبر أو القبر وتقبيلهما لغاية التكريم والتعظيم لنبيّ التوحيد، فلا يوصف بالعبادة ولا يتجاوز التبرّك به في المقام عن تبرّك يعقوب بقميص ابنه يوسف، ولم يخطر بخلد أحد من المسلمين إلى اليوم الذي جاء فيه ابن تيمية بالبدع الجديدة، أنّها عبادة لصاحب القميص والمنبر والقبر أو لنفس تلك الأشياء.
والعجب انّ ابن تيمية يدّعي اتّفاق الأئمة على أنّه لا يمسّ قبر النبي، وكأنّ إمام مذهبه أحمد بن حنبل ليس من الأئمة!!
وها نحن نذكر نبذة يسيرة من تبرُّك السلف بقبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):

1 . طبقات الحنابلة:1/293ـ294.
2 . مجموع الفتاوى: 27 / 223 ; الجواب الباهر لزوار المقابر: 31; الرد على الأخنائي:1/31.

(145)
1. أنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) ـ بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسيدة نساء العالمين ـ حضرت عند قبر أبيها وأخذت قبضة من تراب القبر وراحت تشمّها وتبكي وتقول:
ماذا على مَنْ شمّ تربة أحمد *** ألاّ يشمّ مدى الزمان غوالياً(1)
إنّ عمل السيدة الزهراء(عليها السلام) هذا، يدلّ على جواز التبرّك بقبر رسول الله وتربته الطاهرة .
2. أنّ بلالاً ـ مؤذّن رسول الله ـ أقام في الشام بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فرأى في منامه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في عهد عمر بن الخطاب، وهو يقول: «ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال» فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه.(2)
3. كان عبدالله بن عمر يضع يده اليمنى على قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).(3)
وقد مرّ عليك حديث أبي أيوب الأنصاري الذي رواه الإمام أحمد والحاكم عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم جئت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم آت الحجر، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله».(4)

1 . وفاء الوفا: 4 / 1405; صلح الاخوان: 57.
2 . مختصر تاريخ دمشق: 5 / 265 ; أُسد الغابة: 1 / 208. 3 . وفاء الوفا:4/1405.
4 . مسند أحمد: 5 / 422، برقم 23633; مستدرك الحاكم: 4 / 560، برقم 8571 ; تاريخ دمشق: 57 / 249.

(146)
وأمّا التابعون فحدّث عن ذلك ولا حرج.
ثمّ إنّ محقّق كتاب «العلل ومعرفة الرجال» بعد أن نقل فتوى أحمد بن حنبل بجواز مسّ منبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، حاول أن يفرّ من هذا المأزق بقوله: هذا لمّا كان منبره الذي لامس جسمه الشريف، وأمّا الآن بعد ما تغيّر لا يقال بمشروعية مسّه تبركاً به.
يلاحظ عليه: أوّلاً: لو كان جواز المسّ مختصّاً بالمنبر الذي لامسه جسم النبي الشريف دون ما لم يلامسه كان على الإمام المفتي أن يذكر القيد، ولا يطلق كلامه، حتى ولو افترضنا أنّ المنبر الموجود في المسجد النبوي في عصره كان نفس المنبر الذي لامسه جسم النبي الأكرم، وهذا لا يغيب عن ذهن المفتي، إذ لو كان تقبيل أحد المنبرين نفس التوحيد، وتقبيل المنبر الآخر عين الشرك، لما جاز للمفتي أن يَغفل عن التقسيم والتصنيف.
وثانياً: أنّ ما يفسده هذا التحليل أكثر ممّا يصلحه، وذلك لأنّ معناه أنّ لجسمه الشريف تأثيراً على المنبر ومن تبرّك به، وهذا يناقض التوحيد الربوبي من أنّه لا مؤثر في الكون إلاّالله سبحانه، فكيف يعترف الوهابي بأنّ لجسمه الشريف تأثيراً في الجسم الجامد، وأنّه يجوز للمسلمين أن يتبرّكوا به عبر القرون؟ أو ليس من المنطق الشائع عندكم قول القائل:
ومن يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملّة

(147)
5

ابن تيمية والحطّ من مقام النبي وخصائصه(صلى الله عليه وآله وسلم)

للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) مقامات وخصائص حفلت بذكرها مؤلَّفات علماء الإسلام، ومنهم علماء الإمامية كالحسن بن المطهر الحلّي، حيث تطرّق إلى جانب منها في مقدّمة كتاب النكاح من كتابه «تذكرة الفقهاء». ولا يمكن لعالم منصف أن ينكر هذه الخصائص، أو يقوم بمحاولة تسوية مقامه(صلى الله عليه وآله وسلم) مع مقام الآخرين، ولكنّ ابن تيمية جهد في إنكار كثير من تلك الفضائل ببيان خاص، وكما يلي:
1. روى غير واحد من الحفّاظ أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ وقد ردّ الله عليّ روحي حتى أُسلِّم عليه».(1) وفي رواية أُخرى قال: «إنّ لله ملائكة سيّاحين في الأرض يبلغوني عن أُمّتي السلام».(2)
والحديثان ـ خصوصاً الأوّل منهما ـ صريحان في أنّ الرسول لا يترك

1 . سنن أبي داود، المناسك، برقم1547; مسند أحمد، برقم 10395.
2 . سنن النسائي، باب السهو، برقم 1265; المستدرك على الصحيحين للحاكم:2/421; مسند أحمد، برقم 3484.

(148)
الجواب ويردّ على المسلِّم، ولكن ابن تيمية لما كان يعتقد بموت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)موتاً انقطعت به صلته بأُمّته، أراد أن ينفي جواب السلام، فقال: وإذا سلم المسْلم عليه في صلاته «فإنّه وإن لم يردّ عليه» لكن الله يسلّم عليه عشراً، كما جاء في الحديث: من سلّم عليّ مرّة سلّم الله عليه عشراً، فالله يجزيه على هذا السلام أفضل «مما يحصل بالردّ»، كما أنّه من صلّى عليه مرّة، صلّى الله عليه بها عشراً.(1)
فقوله: (فإنّه وإن لم يردّ عليه)، من قبيل إدخال السمّ في العسل، حيث ذكر في ذيل كلامه شيئاً من فضائله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّه حاول بذلك إقناع المخاطب بما ذكره من عدم ردّ سلامه. لكن الله يسلّم عليه.
2. الظاهر أنّ ما في الحديث المذكور يُعدّ من خصائصه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو أنّ الله سبحانه يردّ عليه روحه حتى يجيب، ولكنّ ابن تيمية يريد سلب هذه الفضيلة منه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعرفون أنّ هذا السلام عليه عند قبره الذي قال فيه: «ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام» ليس من خصائصه ولا فيه فضيلة له على غيره، بل هو مشروع في حقّ كلّ مسلم حي وميّت.
ومن سلّم(عليه) يسلّم الله عليه عشراً كما يصلّي عليه إذا صلّى عليه عشراً، فهو المشروع المأمور به الأفضل الأنفع الأكمل الذي لا مفسدة فيه، وذاك جهد لا يختصّ به.(2)

1 . مجموع الفتاوى:27/395ـ 396. 2 . مجموع الفتاوى:27/413.

(149)
فابن تيمية بصدد تجريد النبي من خصائصه ومنها هذه الخصيصة، ومن الواضح أنّه لو لم يكن هذا من خصائصه لما تكلّم به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا كان هو وسائر الناس في هذا الأمر سواء، فهل يصحّ أن يخاطب أُمّته بقوله: «ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ وردّ الله روحي»؟!
يُذكر أنّ مستنده في عموم هذا الأمر، هو ما رواه ابن عبد البرّ في الاستذكار عن ابن عباس: «ما من أحد مرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فسلم عليه إلاّ عرفه وردّ عليه السلام».(1)
ويلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ ما رواه ابن عباس أخصّ ممّا ورد في حقّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّه مختص بالمؤمن إذا سلّم على مؤمن كان يعيش معه في الحياة الدنيا، دون النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكلّ من سلّم عليه بعد رحيله من أُمّته إلى يوم القيامة يردّ الجواب عليه.
وثانياً: بأنّه ليس في حديث ابن عباس:«إلاّ ردّ الله عليه روحه»، كما ذكره ابن تيمية في غير واحد من كتبه.(2)
3. أنّ الحديث يحتاج إلى تأويل وتوجيه، إذ لازم ما ورد فيه أنّ المسلمين كلّهم أحياء في القبر أو في عالم البرزخ، فأي رجل سلّم على من يعرفه يردّ عليه السلام، مع أنّ المستفاد من الآيات أنّ الأنبياء والأولياء والطبقة العليا من المؤمنين، وطبقة خاصّة من الطواغيت كفرعون وآله أحياء

1 . الاستذكار:2/165.
2 . منهاج السنّة:2/442، من النسخة المحقّقة، والنصّ غير موجود في طبعة بولاق.

(150)
يرزقون أو يعذّبون، لا كلّ مسلم مات وإن لم يكن من هذه الطبقة، والتفصيل في محلّه.
وممّا يشهد على أنّ الرجل يحمل في قلبه حقداً وضغينة على
النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه فرّق بين إتيان مسجد قباء والبقيع وبين إتيان قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فزعم أنّ في الأوّلين فائدة (يعني ثواباً) دون الثالث، وإليك نصّ كلامه:
فلم يبق في إتيان القبر فائدة لهم ولا له، بخلاف إتيان مسجد قباء، فإنّهم كانوا يأتونه كلّ سبت فيصلّون فيه اتّباعاً له(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ الصلاة فيه كعمرة، ويجمعون بين هذا وبين الصلاة في مسجده يوم الجمعة، إذ كان أحد هذين لا يغني عن الآخر، بل يحصل بهذا أجر زائد، وكذلك إذا خرج الرجل إلى البقيع وأهل أُحد كما كان يخرج إليهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو لهم كان حسناً، لأنّ هذا مصلحة لا مفسدة فيها، وهم لا يدعون لهم في كلّ صلاة حتى يقال هذا يغني عن هذا .(1)
يلاحظ عليه: لا يخفى ما في كلامه من سوء أدب وتجرّؤ، إذ
كيف يترتّب على زيارة قبور المسلمين ثواب ولا يترتّب ذلك على زيارة
قبر نبيّهم؟! أيمكن أن يقال: إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا إلى زيارة قبور المسلمين وفي
نفس الوقت استثنى نفسه؟! وأي فائدة أعظم من تلك التي تترتّب على زيارته، وهو صاحب الشفاعة الكبرى في الآخرة، كما وردت بذلك الروايات؟

1 . مجموع الفتاوى:27/416.

(151)
على أنّ المسلمين حينما يزورون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الروضة المشرّفة يؤكّدون ميثاقهم مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على أن يبقوا على إيمانهم بما آمن به
وعملهم بما أمر به وتركهم عمّا نهى عنه، إلى غير ذلك ممّا يُعدّ من الفرائض والوظائف.
ثمّ إنّ السيرة الجارية بين المسلمين منذ رحلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هي الوفود على قبر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل الحجّ وبعده، وهذا أمر لا ينكره إلاّ معاند، فهل يصحّ رمي كلّ هذه الجموع الغفيرة بالانحراف عن الدين؟!
أليس اتّفاق المسلمين على أمر في عصر واحد يكون حجّة على مشروعيته، ولو كان معهم دليل ظنّي على الحكم يرتقي الحكم إلى مرتبة القطع؟ وهذا أمر نصّ عليه الأُصوليّون في كتبهم.
وهؤلاء فقهاء الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة كلّهم يؤكّدون استحباب زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وترتّب الثواب عليها، أفلا يكون الخروج على ما اتّفقت عليه الأُمّة أمراً محرّماً، لو لم يكن ارتداداً عن السيرة؟!

ابن تيمية واسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في العهدين

سأل ابن تيمية سائل وقال: مشهور عندكم في الكتاب والسنّة أنّ نبيكم كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، لكنّهم محوه عنهما، ثم قال: وهذا أمر يستشكله العقل.
فأجاب ابن تيمية بما هذه خلاصته: إنّ الربّ سبحانه إنّما أخبر عن كون رسوله مكتوباً عندهم ـ أي الإخبار عنه، وصفته ومخرجه ونعته ـ ولم يخبر

(152)
بأنّ صريح اسمه العربي مذكور عندهم في التوراة والإنجيل، وهذا أبلغ من ذكره بمجرد اسمه.(1)
وهذا الجواب عن السؤال عجيب ; لأنّ القرآن الكريم ظاهر في أنّ المسيح بشّر بمجيء نبي اسمه أحمد، قال سبحانه:(وَإذْ قالَ عِيسى بنُ مَرْيَمَ يا بَني إسرائيلَ إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأتِي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلمّا جاءَهُمْ بِالبَيِّنات قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ).(2)
وأي عبارة أوضح من قوله:(وَمُبَشِّراً بِرَسُول يأتي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ)، وقال سبحانه:(الَّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ في التَّوراةِ وَالإِنْجِيلِ).(3)
فقوله: «مكتوباً» كما يحتمل أنّه مكتوبٌ عندهم بالوصف والنعت والمخرج، كذلك يحتمل أن يكون مكتوباً ومذكوراً عندهم بالاسم خصوصاً إذا كان المكتوب اسمه المعروف محمد، فإنّ المسمّى به كان قليلاً عند العرب، بالأخصّ إذا سمّي باسمه واسم أبيه فعندئذ يتعيّن، بخلاف التعريف بالوصف فربما لا يتعيّن.
ويظهر من آية أُخرى أنّ نبي الإسلام وُصف في العهدين على نحو يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، قال سبحانه: (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ).(4)

1 . هداية الحيارى:1/42. 2 . الصف:6.
3 . الأعراف:157.                     4 . البقرة:146 و الأنعام:20.

(153)
والآية تشمل التعرّف بالاسم والوصف.
ومن حسن الحظ وجود اسمه في العهدين، فقد ورد اسمه(صلى الله عليه وآله وسلم) في إنجيل يوحنا، بلفظ فارقليطا.(1)
كما ورد في التوراة، الباب17 من سفر التكوين، فقد جاءت البشارة فيه باسمه وبخلفائه الاثني عشر: واسمه بالعبرانية: «ماد ماد» ولفظة: «شنيم اسار» يعني اثنى عشر، و «نِسِى اِم» يعني إمام ; وبالسريانية اسمه : «طاب طاب»، و «روربنين» يعني: إمام. وإليك نص التوراة باللغتين المذكورتين:
ـ وَلِيَشْمِعيل شَمْعتَخِ هِنّي بِريختي أتُودِ هَفْرتي اُتُودِهَرْبَتي اُتُو بِمادْمادْ شِينِمْ اسار نِسِي اِمْ وَاَنَاتَيِتُوا لَكُوىَ كادِلْ. (بالعبرانية).
ـ دَعال اِسْمعَيْلَ شِمْعِتُك هابَرْكَتِهِ وَاسْكِتِّه وَاكْبِرتِه طاب طاب تِرِعْ سَرْرُوربِنينِ تَوْليدي وَاتْليُوحْ لِعامارُبا.(بالسريانية).(2)
وترجمة النص المذكور هي:
قد سمعت دعاءك يا إبراهيم في حقّ إسماعيل، فقد باركته، وصيّرته كبيراً بمحمد (ماد ماد) واثنا عشر إماماً من نسله، وسأُصيّره أُمّة عظيمة.(3)

1 . انجيل يوحنا: الآية 15.
2 . العهد القديم: سفر التكوين، الباب17 .
3 . لاحظ : أنيس الأعلام في نصرة الإسلام: 5/68ـ69، البشارة الرابعة.

(154)
6

التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيّاً وميّتاً

قد حرّم ابن تيمية وبعده محمد بن عبد الوهاب التوسّل بالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله، سواء بدعائه أو بذاته وقداسته ومقامه،وإنّما جوّز التوسّل بدعاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما كان حيّاً، أخذاً بقوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً).(1)
وإليك نصّين من كلامه:
قال في كتاب «التوسّل والوسيلة»: ولهذا لمّا ذكر العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه ولم يذكروا فيما شرّع للمسلمين في هذه الحال التوسّل به، كما لم يذكر أحدٌ من العلماء دعاء غير الله، والاستعانة المطلقة بغيره في حال من الأحوال.(2)
وقال في موضع آخر: وأمّا الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يطلب

1 . النساء:64.
2 . التوسّل والوسيلة:150.

(155)
من الميّت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أنّ ذلك أجوب للدعاء، فالزيارة على هذه الوجوه كلّها مبتدعة لم يشرّعها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك.(1)
أقول: إنّ التوسّل بالنبي يتحقّق على صورتين:
1. التوسّل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ونفسه وشخصه، كأن يقول:
اللّهمّ إنّي أتوسّل إليك بنبيّك محمد أن تقضي حاجتي.
2. التوسّل بمقامه ومنزلته عند الله، كأن يقول:
اللهمّ إنّي أتوسّل إليك بجاه محمد وحرمته أن تقضي حاجتي.
فابن تيمية ومقلّدوه من الوهابية يحرّمون الصورتين، ويصفونهما بالشرك، ولكن الروايات الصحيحة تدلّ على صحّتهما، وقبل أن نذكر الروايات نأتي بمقدّمة موجزة.
لا شكّ أنّ المؤثر والمجيب هو الله سبحانه، وأنّه لا تأثير في عالم الوجود إلاّ له، وما سواه من العلل الطبيعية والملكوتية كلّها أسباب تحمل رحمة الله تبارك وتعالى، وتجري رحمته ونعمته وكرمه وإحسانه عن طريق تلك العلل، وقد تعلّقت إرادته سبحانه ومشيئته على نزول الرحمة عن طريق العلل والأسباب التي جعلها عللاً إعدادية للمسببات، وقد قال الإمام الصادق(عليه السلام):

1 . التوسّل والوسيلة:24.

(156)
«أبى الله أن تجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً».(1)
ومكانة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وقداسته من إحدى الوسائل التي تنزل رحمتُه سبحانه من خلالها، ولا بُعد في ذلك، كما هو الحال في طلب الدعاء والاستغفار من النبي في حال حياته، فإنّ دعاء النبي أحد أسباب استجابة الدعاء.
ومن درس الآيات القرآنية يقف على أنّ الكون يعتمد على نظام الأسباب والمسبّبات والعلل والمعلولات، وفي الوقت نفسه الجميع قائم بالله سبحانه مستمدّ منه.
فهذه هي الأرض والنباتات تعيش بسبب الماء النازل من السماء، فللماء تأثير في حياة الأرض والنبات، كما في قوله سبحانه:(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَبات شَتّى)،(2) فإذاً لا مانع من اتّخاذ ذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وسيلة إلى الله سبحانه حتى تجري رحمته من خلال دعائه أو لأجل قداسته وقربه من الله.
فالتوسّل بنبيّ التوحيد هو عين التوحيد، والتعلّق به هو تعلّق بالله سبحانه.
فإن قلت: لماذا لا ندعو الله سبحانه مباشرة مع أنّه أقرب إلينا من حبل الوريد؟
قلت: لا مانع من أن يكون لهذا الهدف طريقان: طريق بالمباشرة، وطريق بالوسيلة والسبب، والله سبحانه حينما يقول: (ادْعُوني أستَجِب

1 . الكافي: 1/ 183 . 2 . طه:53.

(157)
لَكُم)،(1) أو يقول: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ)(2)، يقول أيضاً: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً).
إذا عرفت تلك المقدّمة، فلنذكر الروايات الصحيحة الدالّة على جواز التوسّل بكلا قسميه: التوسّل بنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتوسّل بحق النبيّ ومنزلته.

1. التوسّل بنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

روى عثمان بن حنيف، قال:إنّ رجلاً ضريراً أتى إلى النبي(قدس سرهما) فقال: ادعُ الله أن يعافيني، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): إن شئت دعوتُ، وإن شئتَ صبرتَ وهو خير؟ قال: فادعُهُ، فأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوضّأ فيُحسن وضوءه ويُصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبي الرحمة يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللهمّ شفّعه فيّ».
قال ابن حنيف: فوالله ماتفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضُرّ.
وهذا الحديث ذكره كثير من الحفّاظ والمحدّثين، نذكر ما وقفنا عليه نحن مباشرة:
1. ابن ماجة في سننه .(3)
قال ابن ماجة: قال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح.

1 . غافر:60.
2 . ق: 16.
3 . سن ابن ماجة:1/441، برقم 1385. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء الكتب العربية.

(158)
2. أحمد بن حنبل في مسنده.(1) وقد روى هذا الحديث من ثلاثة طرق.
3. الترمذي في سننه.(2)
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
4. النسائي في عمل اليوم والليلة.(3)
5. ابن خزيمة في صحيحه.(4)
6. الحاكم النيسابوري في مستدركه. (5)
قال بعد ذكر الحديث: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
7. السيوطي في الجامع الصغير.(6) ورواه عن الترمذي والحاكم.
قال زيني دحلان مفتي مكة المكرّمة: ذكر هذا الحديث مع أسانيد صحيحة، البخاري وابن ماجة والحاكم في مستدركه والسيوطي في جامعه.
وقال الرفاعي ـ الكاتب الوهابي المعاصر، الذي يسعى دوماً إلى تضعيف الأحاديث الخاصة بالتوسّل ـ حول هذا الحديث: لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح ومشهور وقد ثبت بلا شكّ، وجه ارتداد بصر الأعمى بدعاء رسول

1 . مسند أحمد:4/138، نقله عن مسند عثمان بن حنيف، طبع المكتب الإسلامي مؤسسة دار صادر، بيروت.
2 . سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، برقم 3589.
3 . عمل اليوم والليلة:429ـ 431، برقم 658 و 659 و 660، تحقيق الدكتور فاروق حمادة.
4 . صحيح ابن خزيمة:2/2225، برقم 1219، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي.
5 . المستدرك:1/313، طبعة حيدر آباد، الهند.
6 . الجامع الصغير:59.

(159)
الله.(1) حتى أنّ ابن تيمية وصف هذا الحديث بالصحّة وقال: بأنّ المقصود من أبي جعفر الموجود في الحديث هو أبو جعفر الخطمي، وهو ثقة.
أقول: جاء في مسند أحمد وغيره: أبوجعفر الخطمي، وأمّا في سنن ابن ماجة، ففيه: أبو جعفر.
هذا ما وقفنا عليه من مصادر الحديث، وقد نقل الدكتور محمود السيد صبيح أنّ الحديث قد رواه البخاري في التاريخ الكبير:6/209، والترمذي:2/569، والنسائي:6/168، 169، وابن خزيمة:2/225، والطبراني في المعجم الكبير:9/30، 31، والصغير:1/306، والدعاء:1/320، 321، وعبد بن حميد:1/147، وابن قانع في معجم الصحابة:2/257، 258، وابن عساكر في الأربعون حديثاً: 1/53، 54، 55، وتاريخ دمشق:6/24.
وقد صحّح الحديث جمع من علماء الحديث منهم: الترمذي، وابن ماجة، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وأقرّ تصحيحه النووي في الأذكار، والحافظ المنذري، والذهبي، والهيثمي ابن حجر في أمالي الأذكار، والسيوطي، والمناوي، وابن أبي حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان، وابن عساكر.(2)
وممّا تقدّم يتّضح أنّ سند الحديث لا غبار عليه، وأنّ محاولة تضعيف الحديث، تُعدّ محاولة بائسة، مبعثها العناد والتعصّب.
إلى هنا تمّت دراسة الحديث من حيث السند، وبقي الكلام في دلالته.

1 . التوصل إلى حقيقة التوسل:158. وما ذكره «بدعاء رسول الله» فيه مغالطة والصحيح بالدعاء الذي علّمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما سيظهر.
2 . انظر: أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته:333.

(160)

دلالة الحديث على التوسّل بنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ دلالة الحديث على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أرشد الأعمى إلى التوسّل به في دعائه الذي علّمه إيّاه، أمر واضح،وهذا يظهر بالتأمّل في الجُمل التالية:

الأُولى: اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك

فإنّ قوله: «بنبيّك» متعلّق بفعلين:
أ. أسألك بنبيّك.
ب. أتوجّه إليك بنبيّك.
فالمسؤول به وما يتوجّه به إلى الله هو نفس النبي الأطهر(صلى الله عليه وآله وسلم)، لا دعاؤه وإلاّ كان عليه أن يقول: اللهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بدعاء نبيّك، فإنّ من تمسّك برأي مسبق، لمّا رأى أنّه صريح في خلاف ما رامه، أخذ يؤوّل الكلام، فقدّر لفظ (دعاء) وقال: إنّ الأعمى إنّما توسّل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا من البطلان بوضوح، فأين كلمة دعاء في الحديث؟! وما الدليل على تقديره، سوى رأيه المسبق؟!

الثانية: محمد نبي الرحمة

إنّ هذه الفقرة توضح بأنّ المسؤول به نفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا دعاؤه، كما أنّ الفقرة التالية تؤيد ذلك.

الثالثة: يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربي

فالأعمى بحكم هذا الدعاء اتّخذ قداسة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنزلته ونفسه الطيّبة وسيلة لاستجابة دعائه، وأين هو من توسّله بدعائه؟!

(161)

الرابعة: وشفّعه فيّ

ومعنى هذه الجملة هو: اجعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) شفيعي وتقبل شفاعته في حقّي.
وبذلك يتّضح أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بشخصه ونفسه الكريمة، هو محور الدعاء كلّه، وليس فيه أي دليل على التوسّل بدعائه(صلى الله عليه وآله وسلم)أصلاً.
وكلّ من يزعم أنّ ذلك الرجل الضرير قد توسّل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا بشخصه وشخصيّته، فإنّما تغافل عن نصوص الرواية وتجاهلها.
وبما أنّ الرواية صريحة في ردّ مذهب ابن تيمية ومَنْ تابعه، حاولوا أن يشكّكوا في دلالة الحديث بشكوك واهية، نذكر منها ما يلي:
1. أنّ التوسّل كان في حضور النبي لا في غيابه، مع أنّ محطّ البحث في هذه الأيام هو التوسّل به في غياب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
يلاحظ عليه: كيف يقول ذلك والحديث نصّ على أنّ الضرير توسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في غيابه، بشهادة ذيل الحديث حيث يقول ابن حنيف:«فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث، حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضرٌّ»، فإنّ قوله: قد دخل علينا، حاك عن أنّ الأعمى قد ذهب إلى التوضّؤ والصلاة في مكان بعيد عن محضر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعمل بما أمر به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم جاء إليه وقد ذهب ضرّه.
2. أنّ التوسّل كان في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن لم يكن في محضره، ولكن الكلام في التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله إلى الله سبحانه، ولا يمكن الاستدلال بهذه الرواية على جوازه.

(162)
يلاحظ عليه: أنّ الإشكال نابع عن قلّة التتبّع، كيف وقد فهم الصحابي الجليل عثمان بن حنيف عدم الفرق بين حياته ورحيله، فقد روى الطبراني عن عثمان بن حنيف أنّ رجلاً كان يختلف على عثمان بن عفان في حاجته، وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين وقل: اللهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فتقضي لي حاجتي. وتذكر حاجتك ورُح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاءه البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان، فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك، فذكر حاجته وقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة، وقال:ما كانت لك من حاجّة،فاذكرها ، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَه فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلّمتُه فيك، ولكنّي شهدت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)... إلى آخر الحديث.(1)
والناظر إلى كتب الحديث يقف على أنّ من نقله عنونه في باب ظاهر على استمرار العمل بالحديث، حيث ذكروه في باب صلاة الحاجة(2)، وكلّ ذلك يدلّ على أنّ المحدّثين فهموا بأنّه ضابطة عامّة تعمّ جميع الأزمان.
ومن عجائب القول أنّهم يركّزون على أنّ من دعا نبيّاً أو ولياً بعد رحيله

1 . المعجم الكبير للطبراني:9/30 و 31، برقم 8311 .
2 . كنز العمال:6/521; العهود المحمدية للشعراني: 112.

(163)
وقال مثلاً: يا محمد اشفع لي، فقد أشرك; لأنّ الدعاء مخّ العبادة، ودعاء الميّت ـ على رأيهم ـ من صميم العبادة، وقد عزب عن المسكين أنّ على ما ذكره يكون المتوسّل في زمان عثمان مشركاً لأنّه قال: يا محمد، وهو ميّت.
أضف إلى ذلك: وجود المغالطة في معنى الحديث، فإنّ المراد من قوله: الدعاء مخّ العبادة، أي دعاء الله سبحانه، لا دعاء كلّ شخص شخصاً، وإلاّ لم يبق على أديم الأرض من يسجل اسمه في قائمة التوحيد، فإنّ الآباء والأُمهات ما زالوا يدعون أبناءهم.

سيرة الصحابة والتوسّل بنفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ من سبر سيرة الصحابة في حياتهم يقف على أنّهم كانوا يتوسّلون بالنبي ويتوجّهون به إلى الله تعالى في الأزمات والشدائد، وهانحن نذكر هنا بعض النماذج على ذلك:
1. عَنْوَن البخاري باباً بعنوان: سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، وقد ذكر فيه الحديث التالي:
إنّ عمر بن الخطاب كان إذا قُحطُوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللّهم إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبينا فتسقينا وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبينا فاسقنا، فيسقون.(1)
فالحديث يدلّ على أنّ الإمام (عمر بن الخطاب)كان نفسه هو الداعي، وأنّه كان يقول في دعائه ذلك القول: إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا وإنّا نتوسّل إليك بعم نبينا فاسقنا.

1 . صحيح البخاري، برقم 1010.

(164)
فالإمام الداعي يقول إنّهم كانوا يتوسّلون بالنبيّ نفسه وبذاته وكرامته وقداسته لا بدعائه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّهم يتوسّلـون الآن بشخـص العبـاس لا بدعائه رحمه الله، وعلى ذلك فتقدير كلمة (بدعائه) تخرّص على الغيب، ويؤيد ذلك أنّ ابن حجر قال ضمن تفسيره لهذا الحديث: إنّ بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة جاء إلى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله استسق لأُمّتك فإنّهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: «ائت عمـر»، الحديث.(1)
وأمّا توسّل عمر بشخص العباس دون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فوجهه واضح، وهو أنّه أراد أن يتوسّل بشخص يشارك القوم في الحياة ومشاكلها من الشدّة والضرّاء، قائلاً بأنّا إذا لم نكن مستحقين لنزول الرحمة، لكن عمّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مستحقّ لذلك، فليشملنا أيضاً.
2. روى ابن عساكر، قال: روى ابن عُيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: خطب عمر بن الخطاب أُمّ كلثوم بنت أبي بكر إلى عائشة فأطمعته، وقالت: أين المذهب بها عنك؟ فلمّا ذهبت قالت الجارية: تزوجيني عمر وقد عرفت غيرته وخشونة عيشه، والله لئن فعلت لأخرجنّ إلى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ولأصيحنّ به، إنّما أُريد فتى من قريش يصبّ عليّ الدنيا صبّاً.(2)
وواضح أنّ الضمير في «به» راجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
3. روى الطبري وابن كثير عن قرّة بن قيس التميمي: لا أنس قول زينب ابنة فاطمة حين مرّت بأخيها الحسين(عليه السلام) صريعاً وهي تقول: يا محمداه، يا

1 . فتح الباري:2/496. 2 . تاريخ دمشق:25/96; الاستيعاب:4/1807 و1808.

(165)
محمداه، صلّى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء، مرمّل بالدماء، مقطع الأعضاء... .(1)
ثمّ إنّ مَن يؤوِّل التوسّل بالذات إلى التوسّل بالدعاء غافل عن نكتة مهمّة وهي أنّ استجابة الدعاء لأجل قداسة نفس الداعي ونزاهته وعلو مقامه ومنزلته عند الله، وإلاّ فالدعاء الصادر من نفس غير زكية لا يصعد ولا يستجاب، فلو كان للدعاء اعتبار فلأجل أنّه صادر عن روح قدسية ونفس كريمة لم تعص الله تعالى طرفة عين ، فيرجع التوسل بالدعاء إلى التوسّل بالذات.
إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل وهو التوسّل بنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وإليك الكلام في المقام الثاني أعني التوسّل بحق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنزلته وكرامته وجاهه، أو ما شئت...
***

2. التوسّل بحقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء

قد منع ابن تيمية في كلامه السابق والوهابيون عامّة هذا النوع من التوسّل، وهانحن نذكر نصوصاً صحيحة تدلّ عليه، اعترف الأعاظم بصحّتها:
1. روى عطيّة العوفي، عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من خرج من بيته إلى الصلاة; فقال: اللهم إنّي أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، وخرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن

1 . تاريخ الطبري: 4/348; الكامل في التاريخ لابن الأثير:4/81 .

(166)
تغفر لي ذنوبي، إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت، أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ملك».(1)
إنّ هذا الحديث واضح جدّاً في معناه، ويدلّ على أنّه يجوز للمسلم أن يتوسّل إلى الله بحرمة أُوليائه الصالحين ومنزلتهم ووجاهتهم عند الله سبحانه، فيجعل أولئك لله وسطاء وشفعاء لقضاء حاجته واستجابة دعائه، ودلالة الحديث على الموضوع الذي نتحدّث عنه واضحة.
ولمّا لم يجد المخالف ثغرة في دلالة الحديث حاول تضعيف السند، فلم ير فيه من يغمزه أو يطعن عليه، إلاّ عطيّة العوفي، الذي لم يكن له أي جرم سوى ولائه وحبه لعليّ(عليه السلام)(2)، ولو صار هذا سبباً لرفض الحديث لذهب جُلُّ الأحاديث الصحيحة كما قال الذهبي: فلو ردّ حديث هؤلاء (يعني: الشيعة) لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيّنة.(3)
2. روى الطبراني عن عمر بن الخطاب عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لمّا أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلاّ غفرت لي فأوحى الله إليه: ومَنْ محمد؟ فقال: تبارك اسمك، لمّا خُلقْتُ رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب: لا إله إلاّ الله ومحمد رسول الله،

1 . سنن ابن ماجة:1/256، برقم 778; مسند أحمد:3/21; كنز العمال:15/396; المصنّف:7/29; كتاب الدعاء للطبراني:149.
2 . ويدلّ على ذلك، قول الساجي: ليس بحجّة وكان يقدّم علياً على الكلّ، وقول الجوزجاني (الناصبي): مائل. يُذكر أنّه روى عن عطية جلّة الناس، وقد وثّقه ابن سعد، وابن معين(في رواية عنه)، وقال عباس الدوري عن ابن معين: صالح. انظر: مجمع الزوائد:9/109، وتهذيب الكمال: 20/145، الترجمة 3956.
3 . ميزان الاعتدال:1/5.

(167)
فقلت: إنّه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممّن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى إليه إنّه آخر النبيين من ذريتك، ولولا محمد لما خلقتك.(1)
قال سبحانه: (فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ).(2)
والحديث يفسّر الكلمات، وهي الأسماء الخمسة الطيّبة، روى الطبرسي: إنّ آدم رأى مكتوباً على العرش أسماءً معظّمة مكرّمة، فسأل عنها فقيل له: هذه أسماء أجلّ الخلق منزلة عند الله، والأسماء: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فتوسّل آدم إلى ربّه بهم في قبول توبته ورفع منزلته.(3)
ويظهر من الحوار الدائر بين مالك بن أنس إمام المالكية والمنصور الدوانيقي أنّ قصة توسّل آدم(عليه السلام)بالنبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت معروفة مشهورة بين الناس، ولذلك قال مالك للمنصور: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم.
وقد أشار الشعراء إلى هذه الحقيقة في قصائدهم، قال أحدهم:
به أجاب الله آدمَ إذ *** دعا ونجا في بطن السفينة نوحُ
وقال الآخر:
قوم بهم غُفرت خطيئة آدم *** وهم الوسيلة والنجوم الطُلّعُ(4)

1 . المستدرك على الصحيحين:2/615; المعجم الأوسط:6/314; المعجم الصغير:2/82; إمتاع الاسماع للمقريزى:3/188; الشفا بتعريف حقوق المصطفى:1/174; السيرة الحلبية:1/355.
2 . البقرة:37.
3 . مجمع البيان: 1 / 89 ، طبعة صيدا.
4 . كشف الارتياب:307، نقلاً عن المواهب، والبيت الأوّل لابن جابر، والثاني للواسطي.

(168)

3. توسّل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بحقّه وحقّ مَن سبقه من الأنبياء(عليهم السلام)

لمّا ماتت فاطمة بنت أسد، دخل عليها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فجلس عند رأسها فقال: رحمك الله يا أُمّي...، بعد أُمّي ثمّ دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أُسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلمّا بلغوا اللحد حفره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بيده وأخرج تُرابه بيده، فلمّا فرغ دخل رسول الله فاضطجع فيه ثم قال: «الله الذي يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت، اغْفر لأُمّي فاطمة بنت أسد ولقِّنْها حجّتها، ووسّع عليها مدخلها، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي».(1)
إلى هنا تبيّن أنّ التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبدعائه ونفسه وشخصه ومنزلته وجاهه ومقامه، أمر ندبت إليه السنّة النبوية وعمل به الصحابة، والروايات الواردة في هذا المضمار كثيرة استقصينا قسماً منها في كتابنا:«الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية»، فلا حاجة إلى التكرار.
إنّما الكلام فيما يدّعيه ابن تيمية من اتّفاق الصحابة وسلف الأُمة وأئمة المسلمين، في كلّ ما يتبنّاه من عقائد، وما يختاره من آراء، ومنها تحريم التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حين أنّ دراسة سيرة المسلمين والتتبُّع في غضون التاريخ يثبتان بوضوح أنّ التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بأشكاله المختلفة، كان دأب المسلمين عبر القرون، ومنذ رحيل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد قام المحقّق السيد الشريف الدكتور محمود السيد صبيح برصد مواضع تلك التوسّلات بشكل

1 . المعجم الكبير للطبراني:24/352، برقم871; حلية الأولياء:3/121; المعجم الأوسط للطبراني: 1/68، برقم 189; كنز العمال:12/148، برقم 34425.

(169)
موسّع في كتابه: «أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته»، وقد استفدنا منه في هذا المجال، كما رجعنا إلى المصادر التي نقل عنها. وإليك نزراً منها:

4. «يا محمداه» شعار المجاهدين والمظلومين

قال الطبري في تاريخه في ذكر حرب المسلمين مع أهل اليمامة من أتباع مسيلمة الكذّاب: وكان شعارهم يومئذ «يا محمداه».(1)
وليس لهذا الشعار من معنى إلاّ الاستعانة بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وليست هي في الحقيقة إلاّ الاستعانة بربّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد سبق منّا أنّ العلل والأسباب تنتهي إلى الله سبحانه، فكلّ فعل وقوّة من عباد الله، فهو بحول الله وقوته سبحانه.
وروى الطبري في تاريخه وابن الأثير في الكامل أنّ عمال الحجّاج كتبوا إليه:إنّ الخراج قد انكسر وإنّ أهل الذمّة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار، فكتب الحجّاج إليهم: إنّ من كان له أصل في قرية فليخرج إليها، فخرج الناس فعسكروا فجعلوا يبكون وينادون: يا محمّداه، يا محمّداه وجعلوا لا يدرون أين يذهبون.(2)
وروى ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة (137هـ) في حرب المسلمين مع المجوس بقيادة سنباذ، قال: فلمّا التقوا قدّم سنباذ السبايا من النساء المسلمات على الجمال، فلما رأين عسكر المسلمين قمن في المحامل ونادين وامحمداه ذهب الإسلام، ووقعت الريح في أثوابهن،

1 . تاريخ الطبري:2/513; البداية والنهاية:6/357.
2 . تاريخ الطبري:5/182; الكامل لابن الأثير:4/200.

(170)
فنفرت الإبل وعادت على عسكر سنباذ، فتفرّق العسكر وكان ذلك سبب الهزيمة، وتبع المسلمون الإبل ووضعوا السيوف في المجوس ومن معهم.(1)

5. الاستعاذة برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج مسلم عن أبي مسعود إنّه كان يضرب غلامه، فجعل يقول: أعوذ بالله، قال: فجعل يضربه فقال: أعوذ برسول الله، فتركه، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): والله، لله أقدر عليك منك عليه، فاعتقه.(2)
والشاهد في أنّ العبد قد استعاذ برسول الله بعد الاستعاذة بالله سبحانه، وقد بلغ من تكريمه لرسول الله أنّه ترك ضربه، فلو كانت الاستعاذة بالرسول كفراً وشركاً، لكان عليه أن يضربه بأشدّ من ذلك.
وأمّا لماذا لم يترك ضربه عندما استعاذ بالله سبحانه، فشرّاح الصحيح يحملونه على عدم سماعه لشدّة غضبه. وعلى كلّ حال فإن تلقّي الصحابة لهذه الكلمة يعبّر عن تكريم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لا الشرك بالله سبحانه.
روي عن عائشة أنّها قالت: بعثت صفيّة إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بطعام، قد صنعته له وهو عندي، فلمّا رأيت الجارية أخذتني رعدة حتى استقبلتني فضربت القصعة فرميت بها، قالت: فنظرت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فعرفت الغضب في وجهه، فقلت: أعوذ برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يلعنّي اليوم.(3)

1 . الكامل في التاريخ:5/481.
2 . صحيح مسلم:5/92; شرح النووي لصحيح مسلم:11/131.
3 . مسند أحمد:6/277; مجمع الزوائد:4/321.

(171)
فهذا هو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يسمع من زوجته الاستعاذة به، فلو كانت الاستعاذة أمراً محرّماً أو سبباً للشرك أو تجاوزاً للحدّ ووروداً في الغلو، لنهى رسول الله عائشة وكان عليه أن يغضب عليها أكثر من غضبه لضرب القصعة والرمي بها.

6. التقرّب إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

روى أبو هريرة أنّ النبي قال: إنّ النساء أكثر أهل النار يوم القيامة، وعندئذ تقربت النساء بما استطعن، وكان في النساء امرأة عبد الله بن مسعود فانقلبتْ إلى عبد الله بن مسعود، فأخبرتْه بما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأخذت حليّها، قال ابن مسعود: أين تذهبين بهذه الحليّ؟ قالت: أتقرّب بها إلى الله ورسوله... الخ.(1)
والشاهد في قول زوجة ابن مسعود: «أتقرّب بها إلى الله ورسوله»، فجعلت التقرّب إلى الرسول في عداد التقرّب إلى الله، دون أن يستشمّ منها المقرئ الكبير ريح الشرك والغلو.
وما ذلك إلا لأنّ التقرّب إلى الرسول بما أنّه رسول الله، والمبلّغ عنه، فهو تقرّب إلى الله سبحانه، ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (وَمَا نَقَمُوا إلاّ أنْ أغناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ)(2)، وقال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنا اللهُ سَيُؤتِينا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ).(3)
ومن المعلوم أنّ إغناء الرسول وإيتائه إنّما هو بحول من الله سبحانه، فما

1 . مسند أحمد:2/373; حلية الأولياء:2/69.
2 . التوبة:74. 3 . التوبة:59.

(172)
يصدر منه هو فعل للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي الوقت نفسه فعل لله سبحانه، وهذا هو نفس التوحيد الأفعالي الذي يشير إليه قوله سبحانه: (وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى).(1)
ترى أنّه سبحانه يسلب عن رسوله الرمي في عين الإثبات فيقول: (وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ)، وليس هذا بتناقض ; لأنّ ما نفاه غير ما أثبته، فالأوّل هو الرمي بقوة مستقلة غير معتمدة على الله سبحانه، والثاني هو الرمي المستمدّ من حوله وقوته وإقداره.

7. التوبة إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

روى البخاري عن عائشة أنّها اشترتْ نمرقة فيها تصاوير، فلمّا رآها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قام على الباب فلم يدخل، فعرفتْ في وجهه الكراهية، قالتْ: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبتْ؟...الخ.(2)
والشاهد في قولها: أتوب إلى الله وإلى رسوله، مع أنّها لم تعص إلاّ الله سبحانه، ولكن لمّا أنّ الرسول هو الذي بلّغ حكمه، كان عصياناً له أيضاً، فتابت إليهما معاً.

8. المفزع إلى الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)

روى أحمد بإسناده إلى موسى، عن أبيه، عن عمرو بن العاص، قال: كان فزع بالمدينة فأتيت على سالم مولى أبي حذيفة وهو محتب بحمائل سيفه،

1 . الأنفال:17.
2 . صحيح البخاري:4/77، برقم 5961، دار الكتب العلمية، 1419هـ .

(173)
فأخذت سيفاً فاحتبيت بحمائله، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله وإلى رسوله، قال: ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان»(1).
أقول: لو أنّ التكلّم بما في الرواية يُعدّ شركاً، لمّا رواها أحمد ولا مشايخه.

9. خطاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالسلام في التشهّد

لمّا ذهب ابن تيمية إلى انقطاع الصلة بين الأحياء والأموات، بل إلى القول بأنّ الأنبياء والأولياء أموات لا يسمعون، صار ذلك مبرراً لبعض أتباع منهجه إلى القيام بتحريف التشهد، فالمسلمون قاطبة يسلّمون على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في التشهد بصيغة الخطاب، ويقولون: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. غير أنّ بعض مقلّديه عمد إلى تحريف الكلم عن مواضعه، فحرّف التشهد إلى قوله: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته.(2)
ولكي نقف على شذوذ هؤلاء المبتدعة، نأتي بصيغة التشهّد عند المذاهب السنيّة الأربعة، وإليك البيان:
جاء في «الموسوعة الفقهية الكويتية»، وتحت عنوان (ألفاظ التشهّد) ما يلي:(3)
يرى الحنفية والحنابلة أنّ أفضل التشهد، التشهد الذي علّمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)،

1 . مسند أحمد:4/203; السنن الكبرى للنسائي:5/82; مجمع الزوائد للهيثمي:9/300(وقال: رجاله رجال الصحيح); صحيح ابن حبان:15/567; سير أعلام النبلاء:3/565.
2 . انظر: أخطاء ابن تيمية:390. 3 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 12 / 35 ـ 36 .

(174)
عبد الله بن مسعود وهو: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته... الخ.(1)
ويرى المالكية أنّ أفضل التشهد تشهد عمر بن الخطاب وهو: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته... الخ.(2)
وأمّا الشافعية فأفضل التشهد عندهم ما روي عن ابن عباس قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلّمنا التشهد كما يعلّمنا السورة من القرآن،فيقول: «قولوا: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته... الخ.(3)
وعلى هذا فالمذاهب الأربعة متّفقة على أنّ التسليم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)هو بصورة الخطاب،فمن حرّفها إلى التسليم بصيغة الغائب، فقد حرّف الكلم عن مواضعه، واتّبع غير سبيل المؤمنين، قال سبحانه: (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبيلِ الْمُؤْمِنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءت مَصِيراً).(4)
ومن العجيب أن يصبح السلام غير جائز على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بصيغة

1 . حديث تعليم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) التشهد لعبد الله بن مسعود، أخرجه البخاري في صحيحه: 1 / 202، باب المكث بين السجدتين، وج 7 / 127 و 136، كتاب الاستئذان ; ومسلم في صحيحه: 2 / 13، باب التشهد في الصلاة.
2 . القوانين الفقهية:70 ; حاشية الدسوقي:1/251 .
3 . الأذكار:61ـ62; روضة الطالبين:1/263; صحيح مسلم:1/302ـ303.
4 . النساء:115.

(175)
الخطاب، مع أنّه جائز على غيره، فقد روى مسلم عن بريدة (رضي الله عنه) قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم لنا فرَط، ونحن لكم تبع، نسأل الله لنا ولكم العافية.(1)
وفي حديث عائشة الذي رواه مسلم: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين.(2)

1 . صحيح مسلم:2/671; مسند أحمد:5/353.
2 . صحيح مسلم:2/370; مسند أحمد:6/221.

(176)
7

ابن تيمية وعدم تمييز النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

أهل الحق عن أهل الباطل

ذكر العلاّمة الحلّي أنّ رسول الله قال في حق عليّ(عليه السلام): «هذا فاروق أُمّتي يفرّق بين أهل الحق والباطل». وقال عبد الله بن عمر: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ ببغضهم عليّاً(عليه السلام).
وردّ ابن تيمية على العلاّمة الحلّي بكلام طويل قائلاً: ما المعنيّ بكون عليّ أو غيره فاروق الأُمة، يفرّق بين الحق والباطل؟ إن عنى بذلك أنّه يميّز بين أهل الحق وأهل الباطل فيميّز بين المؤمنين والمنافقين، فهذا أمر لا يقدر عليه أحد من البشر، لا نبي ولا غيره، وقد قال تعالى لنبيه:(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).(1)
فإذا كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعلم عين كلّ منافق في مدينته وفيما حولها، فكيف يعلم ذلك غيره؟(2)

1 . التوبة:101. 2 . منهاج السنّة: 4 / 290، وفي طبعة بولاق : 2 /179ـ 180.

(177)
لقد عزب عن المسكين أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان لا يعلمهم ما لم يتكلّموا، ولكن يميّزهم بطريق آخر صرّح به كتاب الله العزيز، قال تعالى: (وَلَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ الْقَوْلِ).(1) على أنّه قد وهم في فهم الحديث إذ المقصود من كونه الفاروق بين أهل الحق والباطل، أنّه يُميَّز بولائه أهل الحق عن غيرهم، فمن تولّى علياً(عليه السلام)وأطاعه واتّبع منهاجه، فهو من أهل الحق، ومن تولّى عنه وخالفه وعصاه، فهو من أهل الباطل.
وأيّة غرابة في أن يكون عليّ(عليه السلام)، هو الفاروق الذي يفصل بين أهل الحق والباطل، وقد صحّ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال فيه: «إنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق»(2)، وصحّ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً أنّه قال:«مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع علياً فقد أطاعني، ومن عصى عليّاً فقد عصاني».(3)
ثمّ إنّ ابن تيمية ادّعى أنّ حديث «هذا فاروق أُمتي» حديث موضوع مكذوب على النبيّ، ولم يرو في شيء من كتب العلم المعتمدة، وليس له إسناد معروف.(4)

1 . محمد:30.
2 . مسند أحمد:1/95، 138، وروى مسلم عن عليّ(عليه السلام) أنّه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النَّسَمة إنّه لعهد النبيّ الأُمّيّ إليّ أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، برقم 144. وانظر: سنن ابن ماجة، كتاب السنة، برقم 114; وسنن الترمذي، كتاب المناقب، برقم 3757.
3 . المستدرك على الصحيحين:3/121. صحّحه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
4 . انظر: منهاج السنّة: 4/286، وفي طبعة بولاق : 2/179.

(178)
إنّ هذا الإصرار على ردّ الحديث والجزم بوضعه، لا يصدران من عالم يحتاط في إطلاق الأحكام الجاهزة، ولكنّ ابن تيمية يسارع إلى ردّ أو تأويل الأحاديث التي تسطع بفضائل عليّ، تعصّباً وعناداً، ومن المعلوم أنّ التعصّب داء عُضال لا دواء له.
ولا أدري كيف يقطع بتكذيب الحديث، وقد رواه الطبراني عن أبي ذر وسلمان، ورواه البزّار عن أبي ذرّ وحده(1)، ورواه ابن عساكر عن أبي ذرّ وسلمان، وعن أبي ذرّ، وعن ابن عباس(2)، ورُوي أيضاً عن أبي ليلى الغفاري.(3)
هذا وقد زاد الدكتور محمد رشاد سالم (محقّق منهاج السنّة) في الطين بِلَّة، حين قال: إنّه لم يجد الحديث المذكور لا في كتب الأحاديث الصحيحة ولا كتب الأحاديث الموضوعة!!!
وهكذا يضع التعصب الذميم والتقليد الأعمى لـ(شيخ الإسلام الأمويّ) غشاوةً على العينين، فلا تبصران شيئاً يخالف هوى صاحبهما!!

1 . مجمع الزوائد:9/102.
2 . تاريخ مدينة دمشق:42/41ـ43، ترجمة علي بن أبي طالب برقم 4933.
3 . أُسد الغابة: 5/287، ترجمة أبي ليلى الغفاري.

(179)
8

ابن تيمية وعصمة الأنبياء والنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)

اتّفق المسلمون على أنّ الأنبياء معصومون بعد البعثة، إلاّ من شذّ منهم ولا يعبأ به، وأمّا قبل البعثة فالأكثر على عصمتهم من الكبائر والصغائر، ومنهم من ذهب إلى عدم عصمتهم من الصغائر.
ويظهر من ابن تيمية عدم عصمتهم بعد البعثة من غير فرق بين نبي الإسلام وغيره، قال: والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه كانوا لا يؤخّرون التوبة، بل يسارعون ويسابقون إليها، لا يؤخّرون ولا يصرّون على الذنب، بل هم معصومون من ذلك، ومن أخّر ذلك زمناً قليلاً كفّر الله ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون (عليه السلام).(1)
وظاهر العبارة أنّهم يرتكبون الكبيرة بعد البعثة، غير أنّهم لا يصرّون على الذنب، بل يتوبون بين كبيرة وكبيرة.
ويستدلّ على ذلك بقوله سبحانه:(إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ

1 . مجموع الفتاوى:10/309.

(180)
اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً).(1)
ثمّ وصف مَن فسّر هذه الآية وشبهها بنحو يعارض رأية بأنّه من الجهمية والباطنية.
ونقل في «منهاج السنّة» عن بعضهم: كان داود بعد التوبة خير منه قبل الخطيئة، وقال بعضهم: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه.(2)
وقال في موضع آخر: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه.(3)
ومراده من أكرم الخلق هو النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن الذنب هو الذنب الكبير، وهو ما ورد في قوله سبحانه: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ).
ولمّا كانت الآية ذريعة لاتّهام النبي الأعظم بعدم العصمة، فلنعطف عنان الكلام إلى تفسير الآية فنقول: الذنب في اللغة وإن فُسّر بالإثم والجرم والمعصية، والجمع ذنوب،(4) لكنّ المعنى الحقيقي أوسع من ذلك وهو كلّ شيء له تبعة سيئة بشهادة قوله سبحانه حاكياً عن موسى(عليه السلام): (وَلَهُمْ عَليَّ

1 . الفتح:1ـ2.
2 . منهاج السنّة: 2 / 432 من الطبعة المحقّقة فقط.
3 . منهاج السنّة: 6/210، وفي طبعة بولاق : 3 / 180.
4 . لسان العرب:5/62.

(181)
ذَنْبٌ).(1) عنى بالذنب قتل الرجل الذي وكزه موسى(عليه السلام)فقضى عليه، وكان ذلك الرجل من آل فرعون.(2)
وقال في المقاييس: ذنب، الذال والنون والباء، أُصول ثلاثة: أحدها الجرم، والآخر مؤخّر الشيء، والثالث كالحظ والنصيب.
فإذا أُريد الأوّل الذَّنْب والجُرم، والأصل الآخر الذَّنَب وهو مؤخّر الدواب.(3)
وبما أنّ الذَنْبَ والذَنَبَ من مادة واحدة وإنّما الاختلاف بالحركات فيمكن أن يقال: إنّ المادة أي الذال والنون والباء، بمعنى ما يتبع الشيء ومؤخّره، فلو يطلق على ذنب الحيوانات فلأجل كونه مؤخّر الشيء، ولو يطلق على المعصية والجرم فلأنّ له تبعة عرفية أو شرعية، فيستنتج من ذلك أنّ الذنب في ألسن المتأخّرين وإن كان هو الجرم والمعصية ولكن المعنى الحقيقي ما للشيء من التبعة، سواء أكان جرماً شرعياً أو جرماً عرفياً وغير ذلك.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّه كان للنبي عند المشركين تبعات كثيرة حيث إنّ النبي بدعوته ونهضته وثورته على الكفر والوثنية وما وقع بينه وبين المشركين من الحروب والمغازي بعد الهجرة، صار ذا تبعة سيئة عند الكفّار والمشركين على حدّ لم يكونوا غافرين له مادامت لهم شوكة ومقدرة، وما

1 . الشعراء:14.
2 . لسان العرب:5/62.
3 . مقاييس اللغة:2/361.

(182)
كانوا لينسوا زهوق ملّتهم وانهدام سنّتهم وطريقتهم،ولا ثارات من قتل من صناديدهم دون أن يشفوا غليل صدورهم بالانتقام منه وإمحاء اسمه وإعفاء رسمه، غير أنّ الله سبحانه رزقه(صلى الله عليه وآله وسلم)هذا الفتح وهو فتح مكة أو فتح الحديبية المنتهي إلى فتح مكة، فذهب بشوكتهم وأخمد نارهم، فستر بذلك عليه ما كان لهم عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)من الذنب وآمنه منهم.
فالمراد بالذنب ـ والله أعلم ـ التبعة السيئة التي لدعوته(صلى الله عليه وآله وسلم) عند الكفّار والمشركين، وهو ذنب لهم عليه كما في قول موسى لربه:(وَلَهُمْ عَليَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُون) (1)، وما تقدّم من ذنبه هو ما كان منه(صلى الله عليه وآله وسلم)بمكة قبل الهجرة، وما تأخّر من ذنبه هو ما كان منه بعد الهجرة، ومغفرته تعالى لذنبه هي ستره عليه بإبطال تبعته بإذهاب شوكتهم وهدم بنيتهم، ويؤيد ذلك ما يتلوه من قوله: (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) إلى قوله سبحانه: (وَيَنْصُرَكَ نَصْراً عَزيزاً).(2)
وبكلمة قصيرة: المراد، هو الذنب من منظار المشركين كما هو المراد في قصة موسى(عليه السلام)حيث إنّ قتل القبطي كان ذنباً عندهم.
وللإمام الثامن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) كلام يؤيد هذا التفسير، وهو ما أجاب به المأمون الذي سأله قائلاً: فأخبرني عن قول الله تعالى:(لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) فقال الرضا(عليه السلام): «لم يكن أحد عند مشركي مكة أعظم ذنباً من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنماً، فلمّا جاءهم(صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبُر ذلك عليهم

1 . الشعراء:14.
2 . تفسير الميزان:18/254.

(183)
وعظم وقالوا: (وَجَعَلَ الآلِهَةَ إلهاً واحِداً إنّ هذا لَشَيءٌ عُجابٌ* وَانْطَلَقَ المَلاَُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ* ما سَمِعْنا بِهذا في الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هذا إلاّ اخْتِلاقٌ)(1)، فلمّا فتح الله على نبيه مكة قال: يا محمد (إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) عند مشركي مكة بدعائك إلى التوحيد فيما تقدّم وما تأخّر».(2)

بيان آخر للآية

هناك بيان آخر للآية وهو أنّ النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بسبب نهضته بوجه الشرك والمشركين والوثنية صار غرضاً لسهام الاتّهام والشبهات، ولأجل أن توضع الحواجز بينه وبين الناس اتّهمه المشركون بتهم كثيرة ذكرها القرآن الكريم وهي(كاهن، ساحر، يتعلّم القرآن من غيره، أو مجنون لا يعتدّ بقوله وعمله) وغير ذلك.
وكلّ هذه الأوصاف انتشرت في الجزيرة العربية بين الناس، ومن المعلوم أنّ أكثر المشركين تلقّوا ذلك بالقبول، ولذا كانوا يبتعدون عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)والإيمان به، ولمّا قام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بهذا الفتح المبين الذي زالت به شوكتهم وكسرت قوتهم، وأصبح هو القائد المحنّك الذي أصبح قادراً على قيادة أُمّة كبيرة وإدارة أُمور لا يقوم بها إلاّ الأمثل من الرجال، فأثبت بذلك أنّه ليس بكاهن ولا ساحر ولا مجنون، وأين فتح البلاد وغزو الأقوام المسلحة،

1 . ص: 5ـ7.
2 . عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2 / 180 ; مجمع البحرين:2/104.

(184)
من الكهنة والسحرة والمجانين؟!
فالله سبحانه يقول: (إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)، ليترتب على ذلك زوال كلّ ما أُلصق به من صفات باطلة وتهم مزيّفة قبل الهجرة وبعدها.
فعلى هذا فالآية لو لم تدلّ على عظمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)خلقاً ومنطقاً وحنكة ، فهي لا تدلّ على أنّه كان عاصياً لله سبحانه.
ثمّ إنّ لابن تيمية ذريعة أُخرى لاتّهام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعدم العصمة وهو ذيل الآية، قال في «مجموع الفتاوى»: وقد قال الله لنبيّه بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان: (إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً* وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزيزاً)، فأخبر أنّه فعل هذا ليهديه صراطاً مستقيماً، فإذا كان هذا حاله فكيف بحال غيره.(1)
وكان عليه أن يستدلّ على ما رامه بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ كلّ يوم سورة الحمد ويقول:(إهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ)، فلو كان على صراط مستقيم فما معنى طلبه الهداية على الصراط المستقيم؟!
ولكنّ المقصود واضح لمن صفا قلبه وخلت روحه عن الحقد والعناد، فالمراد بـ (وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقيماً) أي يثبّتك على صراط مستقيم; كما هو المراد من قوله: (إهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ).
ثمّ إنّ ذيل الآية: (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزيزاً) خير دليل على أنّ المراد هو أنّه سبحانه يثبّت النبي في الطريق المتصل إلى الغاية، الذي سلكه بعد

1 . مجموع الفتاوى:22/401.

(185)
الرجوع من الحديبية وفتح خيبر، حيث بسط سلطة الدين في أقطار الجزيرة حتى تتطهر الأرض من أرجاس الشرك وأدران الوثنية، فإنّ فتح مكة والطائف صار سبباً لقطع الشرك عن مواطن التوحيد، وذلّ اليهود وخضوع نصارى الجزيرة للإسلام، وهذا لا ينال إلاّ بتثبيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على الصراط المستقيم الذي له ثمرات مثل ما ذكرنا.
بقيت هنا ذريعة أُخرى لمن يتّهم النبي بعدم العصمة، وهي قوله سبحانه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى* وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدى* وَوَجَدَكَ عائلاً فَأَغْنى).(1)
فربما يتوهّم المتوهّم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان ضالاًّ بنحو من الضلال، فهداه الله سبحانه إلى طريق التوحيد، ولكنّ هذا التفسير تفسير بالرأي، فدراسة مجموع آيات السورة يدلّ على أنّ محور الآيات هو بيان حالات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)منذ أن ولد: كان يتيماً، فآواه; وفقيراً، فأغناه; وضالاًّ (بالضلالة الطبيعية التي تعمّ كلّ إنسان لولا هداية الله تبارك وتعالى)، فهداه، فلا مانع، إذاً من أن يكون ضالاًّ بالطبيعة حتى شملته الهداية منذ فتح عينه على الدنيا.
والضلالة الطبيعية ذاتية وهي لازمة لكلّ موجود ممكن، فتزال بتوفيق من الله سبحانه.
وإن شئت التفصيل فنقول: إنّ الضلالة التي تقابل الهداية والرشاد، تُتصوّر على قسمين:
قسم تكون الضلالة فيه وصفاً وجودياً وحالة واقعية كامنة في النفس

1 . الضحى:6ـ8.

(186)
توجب منقصتها وظلمتها، كالكافر والمشرك والفاسق، والضلالة في هاتيك الأفراد صفة وجودية تكمن في نفوسهم، وتتزايد حسب استمرار الإنسان في الكفر والشرك والعصيان والتجرّؤ على المولى سبحانه، قال الله سبحانه:(ولاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسهِمْ إنّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).(1)
فإنّ لازدياد الإثم بالجوارح تأثيراً في زيادة الكفر، وقد وصف سبحانه بعض الأعمال بأنّها زيادة في الكفر، قال سبحانه: (إِنَّما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).(2)
وقسم تكون الضلالة فيه أمراً عدميّاً، بمعنى كون النفس فاقدة للرشاد غير مالكة له، وعندئذ يكون الإنسان ضالاًّ بمعنى أنّه غير واجد للهداية من عند نفسه، وفي الوقت نفسه لا تكمن فيه صفة وجودية مثل ما تكمن في نفس المشرك والعاصي، وهذا كالطفل الذي أشرف على التمييز وكاد أن يعرف الخير من الشر، والصلاح من الفساد، والسعادة من الشقاء، فهو آنذاك ضالّ، لكن بالمعنى الثاني، أي غير واجد للنور الذي يهتدي به في سبيل الحياة، لا ضالّ بالمعنى الأوّل بمعنى كينونة ظلمة الكفر والفسق في روحه.
إذا عرفت ذلك، فاعلم: أنّه لو كان المراد من الضالّ في الآية، ما يخالف الهداية والرشاد فهي تهدف إلى القسم الثاني منه لا الأوّل، بشهادة أنّ الآية بصدد توصيف النعم التي أفاضها الله سبحانه على نبيّه يوم افتقد أباه ثم أُمّه

1 . آل عمران:178.
2 . التوبة:37.

(187)
فصار يتيماً لا ملجأ له ولا مأوى، فآواه وأكرمه بجدّه عبد المطلب ثم بعمّه أبي طالب، وكان ضالاًّ حسب الطبيعة الإنسانية، فهداه إلى أسباب السعادة وعرّفه وسائل الشقاء.
والالتزام بالضلالة بهذا المعنى لازم القول بالتوحيد الافعالي، فإنّ كلّ ممكن كما لا يملك وجوده وحياته، لا يملك فعله ولا هدايته ولا رشده إلاّ عن طريق ربّه سبحانه، وإنّما يفاض عليه كلّ شيء منه، قال تعالى:(يَا أَيُّها النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَميدُ)(1)، فكما أنّ وجوده مفاض من الله سبحانه، فهكذا كلّ ما يوصف به من جمال وكمال فهو من فيوض رحمته الواسعة، والاعتقاد بالهداية الذاتية، وغَناء الممكن بعد وجوده عن هدايته سبحانه، يناقض التوحيد الافعالي.

1 . فاطر:15.

(188)

9

ابن تيمية وإيمان أبويّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

سأل سائل ابن تيمية عن إسلام والديّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: هل يصحّ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟
فأجاب ابن تيمية بقوله: لم يصحّ ذلك عن أحد من أهل الحديث... لأنّ ظهور كذب ذلك لا يخفى على متديّن. ثمّ هذا خلاف الكتاب والسنّة الصحيحة والإجماع، قال تعالى:(إنّما التَّوبَةُ عَلى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَة...)(1)، فبيّن الله تعالى أنّه لا توبة لمن مات كافراً.(2)
ولا يخفى على القارئ الكريم أنّ السائل قد سلّم بأمر غير مسلّم وهو:أنّ

1 . النساء:17.
2 . مجموع الفتاوى:4/324ـ326. وهذا تصريح من ابن تيمية بأنّ أبويّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ماتا كافرين، ولم يقتصر بذلك بل استدلّ عليه ـ في ذيل كلامه ـ ببعض الروايات.

(189)
والدا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ماتا وهما مشركان، لكن فرّع عليه ما سمعه من أنّ الله أحياهما حتى أسلما، ولكنّ الحق أنّه لم يدلّ دليل ـ ولو كان ضعيفاً ـ على أنّهما كانا مشركين، حتى يفرّع عليه ما ذكره السائل، بل القرائن تدلّ على أنّ بيت عبد المطلب كان بيت التوحيد، وأنّ خيمة التوحيد كانت قائمة في بيته، استظل تحتها الهاشميون عامّة إلاّ من شذّ منهم.
وقد أشبعنا هذا الموضوع بحثاً في موسوعتنا «مفاهيم القرآن»(1)، ولكن نذكر للقارئ نزراً ممّا قلناه هناك:
اتّفقت الإمامية على أنّ آباء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله عزّ وجلّ موحّدون، واحتجّوا على ذلك بالكتاب والأخبار، قال الله عزّ وجلّ: (الّذي يَراكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدينَ)(2).
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا، ولم يدنسني بدنس الجاهلية».(3)
وأجمعوا على أنّ عمّه أبو طالب مات مؤمناً، وأنّ آمنة بنت وهب كانت على التوحيد، وأنّها تحشر في جملة المؤمنين.(4)

1 . لاحظ : مفاهيم القرآن:5/276.
2 . الشعراء:218ـ219.
3 . تفسير الرازي:24/174; السيرة الحلبية:1/30; الدر المنثور:5/98.
4 . أوائل المقالات:12ـ13.

(190)
نعم الاستدلال بالآية مبني على أنّ المراد نقل روحه من ساجد إلى ساجد، وهو المروي عن ابن عباس، في قوله تعالى:(وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدينَ)أي من نبيّ إلى نبيّ حتى أُخرجت نبياً.
وأمّا الاستدلال بالحديث فهو مبني على أنّه مَن كان كافراً فليس بطاهر، وقد قال سبحانه: (إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ).(1)
ويمكن الاستدلال على طهارة الوالد بما نقلت عنه من كلمات وأبيات عندما عرضت فاطمة الخثعمية نفسها عليه، فقال والد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ردّاً عليها:
أمّا الحرام فالممات دونه *** والحلّ لا حلّ فأستبينه
يحمي الكريم عرضه ودينه *** فكيف بالأمر الذي تبغينه(2)
وقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» ولعل فيه إيعازاً إلى طهارة آبائه وأُمهاته من العهر والزنا، بل العصيان والشرك.
وأمّا والدته(صلى الله عليه وآله وسلم) فكفى في ذلك ما رواه الحفّاظ عنها عند وفاتها فإنّها (رضي الله عنها) خرجت مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ابن خمس أو ست سنين ونزلت بالمدينة تزور أخواله ـ أي أخوال جده(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ (3) وهم بنو عَديّ بن النّجار، ومعها أُم أيمن «بركة» الحبشية، فأقامت عندهم، وكان الرسول بعد الهجرة يذكر أُموراً حدثت في مقامه ويقول: «إنّ أُمّي نزلت في تلك الدار،

1 . مفاتيح الغيب:431، والآية 28 من سورة التوبة.
2 . السيرة الحلبية:1/46.
3 . السيرة الحلبية: 2 / 244، دار المعرفة ـ 1400 هـ .

(191)
وكان قوم من اليهود يختلفون وينظرون إليّ، فنظر إليّ رجل من اليهود، فقال: يا غلام ما اسمك؟ فقلت: أحمد، فنظر إلى ظهري وسمعته يقول: هذا نبي هذه الأُمّة، ثم راح إلى إخوانه فأخبرهم، فخافت أُمّي عليّ، فخرجنا من المدينة، فلمّا كانت بالأبواء توفّيت ودفنت فيها».
روى أبو نعيم في دلائل النبوّة عن أسماء بنت رهم قالت: شهدت آمنة أُمّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في علّتها التي ماتت بها، ومحمد عليه الصلاة والسلام غلام يَفَع،(1) له خمس سنين عند رأسها، فنظرت إلى وجهه وخاطبته بقولها:
إنّ صحّ ما أبصرتُ في المنام *** فأنت مبعوث إلى الأنام
فالله أنهاك عن الأصنام *** أن لا تواليها مع الأقوام
ثم قالت: كلّ حي ميّت، وكلّ جديد بال، وكلّ كبير يفنى، وأنا ميّتة، وذكري باق، وولدت طهراً.
وقال الزرقاني في«شرح المواهب» نقلاً عن جلال الدين السيوطي تعليقاً على قولها: وهذا القول منها صريح في أنّها كانت موحّدة، إذ ذكرت دين إبراهيم(عليه السلام) وبشّرت ابنها بالإسلام من عند الله، وهل التوحيد شيء غير هذا؟! فإنّ التوحيد هو الاعتراف بالله وانّه لا شريك له والبراءة من عبادة الأصنام.(2)
هذا بعض ما يمكن أن يقال، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى موسوعتنا.

1 . يفَع الغلام: ترعرعَ.
2 . الإتحاف للشبراوي:144; سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية:1/57.

(192)
10

ابن تيمية والصلاة في غار حراء

إنّ المسلمين قاطبة عندما يعتمرون أو يحجّون، يزورون غار حراء ويتبرّكون به ويصلّون فيه، وقد تشرّف غار حراء بنزول القرآن فيه وتعبّد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه عدّة أعوام، ولكن ابن تيمية يريد نفي كرامة هذا المكان، ويقول في كتاب «اقتضاء الصراط»: وأصل دين المسلمين أنّه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلاّ المساجد خاصّة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء، ونحوه من البقاع، هو ممّا جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه.(1)
أقول: إنّه سبحانه تبارك وتعالى أمرنا باتّخاذ مقام إبراهيم مصلّى وقال: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْراهيمَ مُصَلّى).(2) أوَ لا يكون مصلّى خاتم الأنبياء مثله أو أفضل منه؟
يقول الإمام النووي:وأجمع السلف والخلف على التبرّك بالصلاة في مصلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في الروضة المباركة، ودخول الغار الذي دخله(صلى الله عليه وآله وسلم).(3)

1 . اقتضاء الصراط:1/439. 2 . البقرة:125.
3 . كما نقله عنه السيد الشريف في كتابه: «أخطاء ابن تيمية»، ص 492.

(193)
وقال ابن جُزَيّ الغرناطي المالكي(المتوفّى741هـ): من المواضع التي ينبغي قصدها تبرّكاً، قبر إسماعيل(عليه السلام)وأُمّه هاجر وهما في الحجر، وقبر آدم(عليه السلام)في جبل أبي قبيس، والغار المذكور في القرآن وهو جبل أبي ثور، والغار الذي في جبل حراء حيث ابتدأ نزول الوحي على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وزيارة قبور من بمكّة والمدينة من الصحابة والتابعين والأئمة.(1)
ثمّ إنّ ابن تيمية يستدلّ على عدم جواز التبرّك بزيارة غار حراء والصلاة فيه قائلاً: بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أقام في مكة بعد النبوة بضع عشر سنة لم يزره ولم يصعد إليه، وكذلك المؤمنون معه بمكة، وبعد الهجرة أتى مكة مراراً في عمرة الحديبية وعام الفتح وأقام بها قريباً من عشرين يوماً وفي عمرة الجعرانة لم يأت غار حراء ولا زاره.(2)
أقول: قد تقدّم منا أنّ من خصائص ابن تيمية القضاء الباتّ في موضوعات ليس له فيها أي دليل ضعيف فضلاً عن القوي، فَمِنْ أين علم أنّ النبي لم يزره وكذلك المؤمنون؟ على أنّ عدم زيارة ذلك المحلّ لأجل أُمور هامّة كانت تقع على عاتقه، لا يدلّ على حرمته، وقد قلنا في محلّه: إنّ ترك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الصحابة شيئاً لا يدلّ على التحريم، وهذا هو أحد المواضيع التي يتمسّك بها أبناء ابن تيمية(وهو المسمّى بالترك) وهو من الصحّة بمعزل.
إلى هنا تمّ ما ذكره ابن تيمية في حقّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يكشف عن عدم

1 . القوانين الفقهية:1/96.
2 . مجموع الفتاوى:27/151.

(194)
حبّه للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو عناده له(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو وإن كان يتظاهر في بعض المقامات بالحبّ والتكريم لكن بوادر كلامه تكشف عمّا كان يحمل في قرارة نفسه من بغض وكراهية تجاه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
***
بقي هنا شيء، وهو أنّ ابن تيمية يتمسّك ـ في عامّة المقامات ـ بفعل الصحابي، لكنّنا نراه يعدل عن ذلك الأصل في مورد تتبع عبد الله بن عمر للمواضع التي صلّى فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيصلّي فيها.
ولمّا كان فعل ذلك الصحابي على خلاف رأيه وهواه، أخذ يصفه بالابتداع.
يقول: وتحرّي هذا ـ أي عبد الله بن عمر ـ ليس من سنّة الخلفاء الراشدين، بل هو ممّا ابتدع، وقول الصحابي وفعله إذا خالفه نظيره ليس بحجّة فكيف إذا انفرد عن جماهير الصحابة.(1)
أقول: كيف يصف عبد الله بن عمر بالتبديع وقد عقد البخاري باباً لهذا، وقال: باب المساجد التي على طرف المدينة والمواضع التي صلّى فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد نقل فيه أحاديث عشرة، ننقل منها حديثاً واحداً، ومن أراد المزيد فليرجع إليه.
روى البخاري وقال: حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدّمي قال: حدّثنا فضيل بن سليمان قال: حدّثنا موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرّى أماكن من الطريق فيصلّي فيها، ويحدّث أنّ أباه كان يصلّي فيها، وأنّه

1 . اقتضاء الصراط:1/390.

(195)
رأى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي في تلك الأمكنة. وحدّثني نافع عن ابن عمر أنّه كان يصلّي في تلك الأمكنة، وسألت سالماً فلا أعلمه إلاّ وافق نافعاً في الأمكنة كلّها، إلاّ أنّهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء.(1)
وروى ابن عبد البرّ في «الاستذكار» عن مالك بن محمد بن عمرو بن طلحة الديلمي، عن محمد بن عمران الأنصاري، عن أبيه أنّه قال: عدل إليّ عبد الله بن عمر وأنا نازل تحت سَرْحة بطريق مكة، فقال: ما أنزلك تحت هذه السرحة؟ فقلت: أردت ظلّها، فقال: هل غير ذلك؟ فقلت: لا ما أنزلني إلاّ ذلك، فقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا كنت بين الأخشبين من منى (ونفخ بيده نحو المشرق) فإنّ هناك وادياً يقال له السرر به شجرة سرّ تحتها سبعون نبيّاً».
ثم قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث دليل على التبرّك بمواضع الأنبياء والصالحين وآثارهم، وإلى هذا قصد ابن عمر بحديثه هذا. والله أعلم.(2)
هذا ما آثرنا إيراده من أخطاء ابن تيمية في حقّ النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وضربنا الصفح عن كثير ممّا زلت قدماه في هذا المضمار.
ونودّ ـ الآن ـ أن نطلع القارئ الكريم على شيء من كلماته في حقّ الإمام علي(عليه السلام) وأولاده الطاهرين، ليقف على حقيقة موقفه منهم، سلام الله تعالى عليهم. وهذا ما نطرحه في الفصلين القادمين.

1 . صحيح البخاري: 129، الباب 88 ـ 89 ، الحديث 483. ولاحظ عامّة روايات الباب، ترى أنّ عبد الله بن عمر ليس الوحيد في تتبع الآثار.
2 . الاستذكار:4/407، ولاحظ: التمهيد:13/67.

(196)

(197)
الفصل الثالث
آراء ابن تيمية في الإمام علي(عليه السلام)
موقف أحمد بن حنبل من الإمام علي (عليه السلام)
إنكار ابن تيمية فضائل الإمام علي (عليه السلام)
مواقف ابن تيمية من الإمام علي (عليه السلام)
1. اتّهامه علياً بإيذاء فاطمة (عليها السلام)
2. دعواه بغض أكثر الصحابة لعلي (عليه السلام)
3. إنكار ابن تيمية حديث المؤاخاة
4. إنكار ابن تيمية حديث الطائر
5. اتّهامه علياً بأنّه قاتل للرئاسة لا للديانة
6. إنكار ابن تيمية عرفان المنافقين ببغض علي (عليه السلام)
7. لم يكن لسيف علي (عليه السلام)في الوقائع تأثير
8. ادّعاء تخلّف أكثر الأُمّة عن بيعة علي (عليه السلام)
9. نتائج خلافة علي (عليه السلام)

(198)
10. ابن تيمية ونزول آية الولاية في حق علي (عليه السلام)
11. صور أُخرى لتعرّض ابن تيمية للإمام علي (عليه السلام)، وأصحابه
12. ابن تيمية وحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي
13. ابن تيمية وحديث سدّ الأبواب كلّها إلاّ باب علي (عليه السلام)
14. إنكار ابن تيمية حديث باب مدينة العلم
15. ابن تيمية وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أقضاكم علي»
16. ابن تيمية وحديث قتال الناكثين والقاسطين والمارقين
17. ابن تيمية وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحبّ عليّاً فقد أحبّني »
18. ابن تيمية ونزول (هَلْ أَتَى) في حق العترة
19. مناقشته في خصائص علي (عليه السلام)

(199)

تمهيد

موقف أحمد بن حنبل من الإمام علي(عليه السلام)

إنّ أحمد بن تيمية ينتمي إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل الذي كان متجاهراً بفضائل أهل البيت(عليهم السلام)وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، وكفى في ذلك ما نقله من فضائل علي(عليه السلام) في كتاب فضائل الصحابة، ونذكر هنا أُموراً تعرب عن موقف ابن حنبل من علي ومن خصمه معاوية بن أبي سفيان.
1. قال محمد بن منصور الطوسي: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله، ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أنّ علياً قال: «أنا قسيم النار»؟ فقال: وما تنكرون من ذا؟ أليس روينا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعلي: «لايحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»؟ قلنا: بلى. قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنة. قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار، قال: فعليٌّ قسيم النار.(1)
2. وقال أيضاً: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من الفضائل ما جاء لعلي(رضي الله عنه).(2)
3. أخرج ابن الجوزي من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت

1 . طبقات الحنابلة:1/320. طبعة دار المعرفة، بيروت.
2 . المستدرك على الصحيحين:3/107.

(200)
أبي فقلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثم قال:إيش أقول فيهما؟إنّ علياً كان كثير الأعداء، ففتش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطرَوه كياداً منهم له.(1)
قال ابن حجر بعد أن نقل هذا: فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصحّ من طريق الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما.(2)
4. إنّ تربيع الخلفاء كان من قِبَل أحمد بن حنبل، وكان قبول خلافته ثقيلاً على بعض أهل الحديث ـ أعني: الذين كانوا عثمانيّي الهوى ـ فهذا هو ابن أبي يعلى ينقل بالإسناد عن دويزة الحمصي قال: دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع لعلي(رضي الله عنه) فقلت: يا أبا عبد الله إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير. فقال: بئسما قلت، وما نحن وحرب القوم وذكرها. فقلت: أصلحك الله إنّما ذكرناها حين ربّعت بعلي، وأوجبت له الخلافة، وما يجب للأئمة قبله، فقال لي: وما يمنعني من ذلك؟ قال: قلت: حديث ابن عمر؟ فقال لي: عمر خير من ابنه. قد رضي علياً للخلافة على المسلمين، وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب(رضي الله عنه)قد سمّى نفسه أميرالمؤمنين، فأقول أنا: ليس للمؤمنين بأمير؟! فانصرفت عنه.(3)

1 . الموضوعات لابن الجوزي: 2/24.
2 . فتح الباري:7/104، باب ذكر معاوية.
3 . طبقات الحنابلة:1/393.

(201)

إنكار ابن تيمية فضائل الإمام علي(عليه السلام)

هذا هو موقف إمام الحنابلة، وإمام ابن تيمية من عليّ(عليه السلام)، فكان عليه أن يقتدي به، إلاّ أنّه خالفه في ذلك وأبى إلاّ أن ينال من علي وكرامته، فأنكر الكثير من فضائله الثابتة عند حفّاظ المحدّثين، ثم وصفه بعبارات، يندى لها الجبين، ويخجل من إيرادها القلم.
وقد بلغ إنكار فضائله إلى حدّ أثار حفيظة علماء أهل السنّة، فاستنكروا آراءه في حق علي(عليه السلام).
يقول ابن حجر: طالعت الردّ المذكور]يعني: «منهاج السنّة» الذي ردّ به على «مفتاح الكرامة» للعلاّمة الحلّي [لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها ابن المطهر، وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات، لكنّه ردّ في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التأليف مظانّها، لأنّه كان لاتّساعه في الحفظ يتّكل على ما في صدره، والإنسان عامد للنسيان، وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدته أحياناً إلى تنقيص علي(رضي الله عنه)، وهذه الترجمة لا تحتمل إيضاح ذلك وإيراد أمثلته، وقد بلغه تصنيف ابن تيمية فكاتبه بأبيات.(1)
والأبيات التي أنشأها العلاّمة الحلّي وخاطب بها ابن تيمية، هي:
لو كنتَ تعلمُ كل ما علم الورى *** طُرّاً لصرتَ صديق كل العالَمِ

1 . لسان الميزان:6/319ـ 320.(ويلاحظ أنّ مكان هذه الأبيات في هذه الطبعة ترك بياضاً، ثمّ إنّ ابن حجر اشتبه عليه الأمر حيث تخيّل أنّ اسم العلاّمة يوسف بن الحسن فترجمه تحت هذا العنوان يوسف بن الحسن، والصحيح هو: الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر).

(202)
لكن جهلت فقلت إنّ جميع مَن *** يهوى خلاف هواك ليس بعالِمِ(1)
والعجب أنّ الشيخ تقي الدين السبكي الذي ردّ على ابن تيمية واتّهمه بالحشو وخلط الحقّ بالباطل، قد استجاد ردّ ابن تيمية على العلاّمة الحلّي، وقال من قصيدة له:
وابن المطهَّر لم تطهُر خلائقهُ *** داع إلى الرفض غال في تعصّبهِ
ولابن تيمية ردّ عليه به *** أجاد في الرد واستيفاء أضربهِ(2)
أقول: قاتل الله التعصّب، يقول السبكي هذا في العلاّمة ابن المطهّر، مع أنّ ابن حجر العسقلاني وصفه بقوله: كان ابن المطهّر مشتهر الذكر، حسن الأخلاق، ولمّا بلغه كتاب ابن تيمية، قال: لو كان يفهم ما أقول أجبته.(3)
ومن هنا آثر سيّدنا محسن الأمين أن يصحّح البيتين المذكورين، فقال:
وابن المطهر قد طابت خلائقه *** داع إلى الحق خال من تعصّبهِ
ولابن تيميّة ردّ عليه وما *** أجاد في ردّه في كل أضربهِ
ثم أضاف أبياتاً أُخرى هي:
حسب ابن تيمية ما كان قبل جرى *** له وعاينه من أهل مذهبه
في مصر أو في دمشق وهو بعد قضى *** في السجن ممّا رأوه من مصائبه

1 . أعيان الشيعة:5/398، نقلاً عن تذكرة ابن عراق المصري; والدرر الكامنة:71(البيت الأوّل فقط).
2 . الوافي بالوفيات:21/262، الترجمة180. 3 . لسان الميزان:2/317، الترجمة 1295.

(203)
مجسِّم وتعالى الله خالقنا *** عن أن يكون له بالجسم من شبه
بذاك صرّح يوماً فوق منبره *** بالشام حسْبك هذا من معائبه
الله ينزل من فوق السماء كما *** نزلت عن منبري ذا من عجائبه(1)
ثمّ إنّ تلميذ منهج ابن تيمية في العصر الحاضر ـ أعني: الشيخ الألباني ـ قد صحّح حديث الغدير في كتابه «سلسلة الأحاديث الصحيحة» أعني قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، وذكر في آخر دراسته للحديث: قد كان الدافع لتحرير الكلام عن الحديث وبيان صحّته أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد ضعّف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب!! وهذا من مبالغته الناتجة في تقديري من تسرعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقّق النظر فيها، والله المستعان.(2)
وهذا الاعتذار لابن تيمية بأنّه يتسرّع في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها، ليس بصحيح، وإنّما الصحيح في تقدير كلّ مطَّلع منصف على أسلوب تعاطي ابن تيمية مع الأحاديث، أنّه يتسرّع فقط، وعن عمد وقصد، في تكذيب وتضعيف ما يتعلّق بفضائل عليّ من الأحاديث، لما يضمره في نفسه تجاه الإمام(عليه السلام).

1 . أعيان الشيعة:5/398، ترجمة العلامة الحلي .
2 . الأحاديث الصحيحة:4/330، الحديث 1750.

(204)
يُذكر أن ابن تيمية، قال : حديث الموالاة قد رواه الترمذي وأحمد في مسنده عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه». وأما الزيادة، وهي قوله: «اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه...» الخ، فلا ريب أنّه كذب.(1)
هكذا يزعم ابن تيمية مع أنّ الشطر الثاني للحديث «اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه» قد أخرجه بإسناد صحيح عن أبي الطفيل، كلٌّ من: أحمد في مسنده (4 / 370) ; والنسائي في خصائصه (90) ; وابن حبان في صحيحه (2205); وابن أبي عاصم في السنّة (1367) ; والطبراني في المعجم الكبير (4968) ; والضياء في المختارة (527). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9 / 104): (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة). وقال الألباني: (وإسناده صحيح على شرط البخاري).
وأخرجه أيضاً عبدالله بن أحمد (المسند: 1 / 119) من طريق يزيد بن أبي زياد وسماك بن عبيد بن الوليد العبسي، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي (عليه السلام). قال الألباني: وهو صحيح بمجموع الطريقين عنه .
وأخرجه عن زيد بن أرقم كلٌّ من: أحمد (1 / 118) ; وابن أبي عاصم (1365) ; والطبراني (4969 ـ 4970) ; والحاكم (3 / 109) وقال: صحيح على شرط الشيخين. قال الألباني: سكت عنه الذهبي، وهو كما قال لولا أن حبيباً كان مدلساً وقد عنعنه .
وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن زيد بن أرقم. قال الهيثمي في المجمع (9 / 106): رجاله ثقات.

1 . منهاج السنة: 7 / 319، وفي طبعة بولاق : 4 / 85.

(205)
قال الألباني: وجملة القول أن حديث الترجمة (يعني: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه) حديث صحيح بشطريه. (1)
ثمّ إنّ الألباني أصاب الحق في إثبات صحّة الحديث، ولكنّه أخطأ في ذيل كلامه، حيث قال: وأمّا ما يذكره الشيعة في هذا الحديث وغيره أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال في علي(عليه السلام): «إنّه خليفتي من بعدي» فلا يصحّ بوجه من الوجوه، بل هو من أباطيلهم الكثيرة التي دلّ الواقع التاريخي على كذبها ; لأنّه لو فرض أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال، لوقع كما قال، لأنّه (وَحْيٌ يُوحَى )(2) والله سبحانه لا يخلف وعده.
والحقّ أنّ المسكين قد خلط بين الإخبار والإنشاء، والجملة قصد بها الإنشاء، ولم يقصد الإخبار حتى يلزم التخلّف، وكم من أخبار في القرآن والسنة قُصد بها الإنشاء ولم تقع. مثل قوله:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )(3) وهل كانوا كذلك؟ لا أدري. والقارئ الكريم ـ العارف بما جرى في عصر الصحابة من الحروب الطاحنة ـ أدرى.
وها نحن نذكر نماذج من مواقفه من علي وأولاده(عليهم السلام).

1 . سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4 / 343 .
2 . النجم: 7 .
3 . الفتح:29.

(206)

1

اتّهامه عليّاً بإيذاء فاطمة(عليها السلام)

يوجد في «منهاج السنّة» ما يدلّ على أنّ ابن تيمية كان يبغض علياً ويظهر هذا في مواضع كثيرة من منهاجه نقتصر بذكر بعضها:
قال: لو قُدّر أنّ أبا بكر آذاها (فاطمة) فلم يؤذها لغرض نفسه، بل ليطيع الله ورسوله ويوصل الحق إلى مستحقه، وعلي(رضي الله عنه) كان قصده أن يتزوّج عليها فله في أذاها غرض بخلاف أبي بكر، فعُلم أنّ أبا بكر كان أبعد أن يُذمّ بأذاها من علي وإنّما قصد طاعة الله ورسوله بما لا حظّ له فيه بخلاف عليّ فإنّه كان له حظّ فيما رابها به.(1)
حاصل ما ذكره أمران:
1. إنّ أبا بكر آذاها ليطيع أمر الله ورسوله.
2. إنّ عليّاً قصد أن يتزوج على فاطمة للإيذاء.
وها نحن ندرس كلا الأمرين:

1 . منهاج السنّة: 4/255، وفي طبعة بولاق : 2/171.

(207)
أمّا الأوّل: فما ذكره من أنّ أبا بكر آذاها فلم يؤذها لغرض نفسه بل ليطيع الله ورسوله، يخالف كلام أبي بكر نفسه في أُخريات حياته، حيث ندم على كشفه بيت فاطمة، وقد ذكر ذلك غير واحد من المؤرّخين منهم:
1. أبو عبيد صاحب كتاب «الأموال»، حيث نقل عن عبد الرحمن بن عوف قوله: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفّي فيه فسلّمت عليه فقلت: ما أرى بك بأساً والحمد لله ولا تأس على الدنيا فوالله إن علمناك إلاّ كنت صالحاً مصلحاً، فأجاب أبا بكر بقوله: إنّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهنّ وودت أنّي لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وودت أنّي أفعلهن، وثلاث وددت أنّي سألت رسول الله عنهن. فأمّا التي فعلتها وودت أنّي لم أفعلها، فوددت أنّي لم أفعل كذا وكذا لخلّة ذكرها، قال أبو عبيد: لا أُريد ذكرها، وودت يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين (عمر أو أبي عبيدة) فكان أميراً وكنت وزيراً، وودت أنّي حيث كنت وجهت خالداً إلى أهل الردّة أقمت بذي القسطة فإن ظفر المسلمون، وإلاّ كنت بصدد لقاء أو مدد.(1)
إنّ صاحب كتاب الأموال لم يصرّح بما قاله أبو بكر وكره تدوينه في كتابه بألفاظه، وليس هو إلاّ كشف بيت فاطمة بشهادة أنّ غيره ذكر القصة وبنفس اللفظ.
2. ذكر ابن أبي الحديد نفس القصة وقال: روى أحمد ـ و روى المبرّد في «الكامل» صدر هذا الخبر عن عبد الرحمن بن عوف ـ قال:

1 . الأموال: 193ـ 194، مكتبة الكليات الازهرية.

(208)
... فأمّا الثلاث التي فعلتها ووددت أنّي لم أكن فعلتُها: فوددت أنّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلق على حرب، وودت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين: عمر أو أبي عبيدة فكان أميراً وكنت وزيراً، وودت أنّي إذ أُتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته وكنت قتلته بالحديد أو أطلقته.(1)
3. نقل المسعودي في «مروج الذهب» نفس القصة بطولها وجاء فيها: فأمّا الثلاث التي فعلتها وودت أنّي تركتها: فوددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة، وودت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة... الخ.(2)
4. روى أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني نفس القصة وقال: فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي لم أفعلهن: فوددت أنّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإن أُغلق على الحرب.(3)
5. نقل ابن عبد ربه نفس القصة فقال: فأمّا الثلاث التي فعلتهن ووددت أنّي تركتهن: فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا أغلقوه عن الحرب.(4)
6. نقل ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق نفس القصة وقال: فأمّا التي وددت أنّي تركتهن... إلى أن قال: فوددت أن لم أكن كشفت بيت فاطمة عن

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:2/45ـ 47; الكامل:1/11. تحقيق الدكتور محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة.
2 . مروج الذهب:2/301، طبع دار الأندلس، بيروت.
3 . المعجم الكبير:1/62، برقم 43.
4 . العقد الفريد:4/93، تحت عنوان استخلاف أبي بكر لعمر.

(209)
شيء مع أنّهم أُغلقوه على الحرب.(1)
7. نقل ابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري مؤلّف كتاب (السقيفة): فذكر قوله: إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث... ثم قال: فوددت أنّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلق على حرب.(2)
8. وروى الذهبي هذه القصة، وأورد قول أبي بكر، بنفس الألفاظ المتقدّمة.(3)
9. ورواها أيضاً الحافظ الهيثمي بنفس الألفاظ .(4)
10. ورواها أيضاً ابن حجر العسقلاني بنفس الألفاظ.(5)
11. ورواها أيضاً المتقي الهندي بنفس الألفاظ.(6)
إلى هنا تمّ الكلام في الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الثاني ـ أعني: قول ابن تيمية بأنّه كان لعليّ غرض في إيذاء فاطمة ـ فقد استوحاه (وبنيّة سيئة) من قصة خطبة عليّ بنت أبي جهل، فهاك الكلام في تلك القصة .

خطبة علي(عليه السلام) بنت أبي جهل رواية موضوعة وقصّة خرافية

لقد أوضحنا حال تلك الخطبة في كتابنا «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» وأثبتنا، بالأدلّة القاطعة، بأنّها قصة خرافية، ولا أصل لها، نسجها

1 . مختصر تاريخ دمشق:13/122. 2 . شرح نهج البلاغة:2/46ـ47.
3 . تاريخ الإسلام:3/117ـ118. 4 . مجمع الزوائد:5/202ـ 203.
5 . لسان الميزان:4/188ـ189. 6 . كنزالعمال:5/631، برقم 14113.

(210)
بعض الحاقدين، المتمرّغين في وحل الباطل، لينالوا من تلك القمّة الشمّاء.وها نحن ننقل إليك ما حقّقناه هناك ليتبيّن للقارئ أنّ أعداء عليّ ينحتون له أعمالاً هو منها بريء .
أخرج الترمذي عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير; أنّ عليّاً ذكر بنت أبي جهل، فبلغ ذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «إنّما فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها».(1)
ولكنّ البخاري رواها بصور مختلفة عن المِسْوَر بن مَخْرمة في غير واحد من الأبواب، وهي كما يلي:
1. ما روى بسنده عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو بن حَلحَلة الدُّؤلي، عن ابن شهاب أنّ علي بن حسين حدّثه: أنّهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية، مقتلَ حسين بن علي رحمة الله عليه، لقيه المِسْوَر بن مَخْرمة، فقال له: هل لك إليَّ من حاجة تأمرني بها؟ فقلت له: لا، فقال له: فهل أنت مُعطِيَّ سيف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فإنّي أخاف أن يغلبك القوم عليه، وأيم الله لئن أعطيتنيه لا يُخلَص إليهم أبداً، حتى تُبلَغ نفسي.
إنّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) خطب ابنة أبي جهل على فاطمة(عليها السلام)، فسمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ مُحتلم.
فقال: إنّ فاطمة منّي، وأنا أتخوّف أن تُفتَن في دينها. ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إيّاه.

1 . سنن الترمذي:5/699، برقم 3869; ورواه أحمد في مسنده:4/5.

(211)
قال: حدّثنى فصدَقَني، ووعدني فوفى لي، وإنّي لست أُحرِّم حلالاً، ولا أُحلُّ حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبنت عدو الله أبداً.(1)
2. وأخرج بسنده عن الزهري، قال: حدّثني علي بن حسين: أنّ المسور بن مخرمة، قال: إنّ عليّاً خطب بنت أبي جهل، فسمعتْ بذلك فاطمة، فأتت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت: يزعم قومك أنّك لا تغضب لبناتك، وهذا عليّ ناكح بنت أبي جهل.
فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعتُه حين تشهّد، يقول: أمّا بعد، أنكحتُ أبا العاص بن الربيع فحدَّثني وصدقَني، وإنّ فاطمة بضعة منّي، وإنّي أكره أن يسوءَها، والله لا تجتمع بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبنت عدو الله عند رجل واحد. فترك عليّ الخطبة.
وزاد محمد بن عمرو بن حلحلة، عن ابن شهاب، عن عليّ، عن مسور: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر صهراً له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إيّاه فأحسن، قال: حدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي.(2)
3. روى بسنده عن ابن أبي مُلَيكة، عن المسور بن مخرمة، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول وهو على المنبر: إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا أن يُنكحوا ابنتهم عليَّ بن أبي طالب، فلا آذن، ثمّ لا آذن، ثمّ لا آذن، إلاّ أن يريد ابن أبي طالب أن يُطلِّق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنّما هي بَضعة منّي يُريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها.(3)

1 . صحيح البخاري:4/83، باب ما ذكر من درع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . صحيح البخاري:5/22ـ23، باب ذكر أصهار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
3 . صحيح البخاري:7/37، باب ذبّ الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف من كتاب النكاح.

(212)

مناقشة الرواية سنداً ومضموناً

إنّ اختلاف ألفاظ الرواية، وتعدُّد الصور المعروضة بها، وتباينَ الزيادات المُلحقة في كلّ صورة، لابدّ أنّه استوقف القارئ اللبيب ـ و قد ألقى نظرة سريعة عليها ـ قبل أن تتراكم لديه الأسئلة حول العديد من فقراتها، والإشكالات الّتي تكتنفها من كلّ جانب.
وممّا يجدر ذكره أنّ ما يُثار حول الرواية من إشكالات وتساؤلات، قائم على أساس صحّة صدورها عن (ابن الزبير، والمسور)، مع غضّ الطرف عمّا في أسانيدها من رواة، لهم هوىً ومَيْل إلى خصوم عليّ وأهل بيته(عليهم السلام)، وإن لم يقدح في وثاقتهم جلّ علماء الجرح والتعديل من السنّة، ومنهم:
ـ ابن أبي مُليكة، وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بن عبد الله بن جُدعان القرشيّ التيميّ(المتوفّى 117هـ). كان قاضياً لعبد الله بن الزبير، ومؤذّناً له.(1)
ـ و ابن شهاب الزهريّ(المتوفّى 124هـ)، كان مقرّباً لدى خلفاء بني أُميّة: عبد الملك، وهشام، ويزيد بن عبد الملك، الّذي جعله قاضياً مع سليمان بن حبيب المحاربي.(2) قال عمر بن رُويح: كنت مع ابن شهاب الزهري نمشي، فرآني عمرو بن عبيد بعد، فقال: مالك ولمنديل الأُمراء، يعني ابن شهاب.(3)وقال يحيى بن معين في منصور بن المعتمر، والزهريّ: هما سواء ومنصور

1 . تهذيب الكمال:15/256، برقم 3405.
2 . تاريخ مدينة دمشق:55/356، الترجمة7001.
3 . تاريخ مدينة دمشق:55/370.

(213)
أحبّ إليّ، لأنّ الزهريّ كان سلطانياً.(1)
ـ والوليد بن كثير القرشي المخزومي بالولاء (المتوفّى 151هـ). قال الساجيّ: كان إباضياً، ولكنّه كان صدوقاً. وعن أبي داود: ثقة إلاّ أنّه إباضيّ. وقال ابن سعد: ليس بذاك. وذكره العقيليّ في الضعفاء.(2)
وليس القصد من ذكر ميول هؤلاء الرواة وأهوائهم لإثبات بطلان الرواية وكذبها ـ طبعاً بضميمة ما تقدّم من اختلاف ألفاظ الرواية وصورها، وما سيأتي حولها من تساؤلات وإشكالات ـ هو الدفاع عن (ابن الزبير، والمسور)، وقد دلّ التاريخ الصحيح على بغض ابن الزبير وعدائه
الصارخ لأمير المؤمنين عليّ، ولسائر بني هاشم. أمّا المسور، فيكفي في اتّضاح ميله وهواه، الاطلاع فقط على الكلمات الآتية، الّتي ذكرها الذهبي في ترجمته:
ـ قدم دمشق بريداً من عثمان يستصرخ بمعاوية.
ـ كانت الخوارج تغشاه وينتحلونه.
ـ قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلاّ صلّى عليه.
ـ إنّ ابن الزبير لا يقطع أمراً دون المسور بمكة.(3)
نعم، لم يكن القصد من وراء ذلك الدفاع عن (ابن الزبير، والمسور)، وإنّما للتأمّل في صدور الرواية عنهما، وذلك لأنّ الدواعي إلى إشاعة ما جاء

1 . تهذيب الكمال:26/442، الترجمة5606، تحقيق الدكتور بشار عوّاد.
2 . تهذيب الكمال:31/73، الترجمة 6733.
3 . سير أعلام النبلاء:3/390ـ 394، برقم 60.

(214)
في الرواية من قَدْح في عليّ(عليه السلام) كانت متوفّرة، فلماذا لم تُبَثّ في عهده؟ ولِمَ لم يُشنِّع بها عليه حسّادُه وخصومه، كأصحاب الجمل(ومنهم ابن الزبير نفسه)، ومعاوية وفئته الباغية، الذين لم يتركوا سهماً في كنائنهم إلاّ رمَوه به، وقد شهد لهم التاريخ أنّهم كانوا بارعين في نسج التُّهم الباطلة ضدّه، فكيف فاتهم تعييره بالغضب النبويّ الهابط عليه كالصاعقة في خضمّ النزاعات الدامية، والمناظرات والردود الحادّة، الّتي جرت بينهم وبينه(عليه السلام)؟
بل، لِمَ لم نجد لهذا الطعن الّذي تتضمّنه الرواية، أثراً في كلام ابن الزبير، الّذي وقف ـ أيّام تغلّبه على الحجاز ـ موقفاً عدائياً سافراً من بني هاشم، ومن ابن عليّ(عليه السلام) نفسه، أعني محمد بن الحنفية؟
ولماذا يلجأ إلى ترك الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لئلاّ يشرئبّ بني هاشم لذكره، وبين يديه هذا السلاح النافذ (الرواية)؟ أما كان الأجدى له سياسياً ودينياً أن يبالغ في الصلاة عليه، ثم يذكر لهم موقفه (صلى الله عليه وآله وسلم)الغاضب من سيّدهم عليّ، ليُرغمهم على طأطأة رؤوسهم، وغضّ أبصارهم؟
كلّ ذلك يشير إلى أنّ الرواية وضعت في زمن متأخّر، حين خلا الجوّ لبني أُميّة، وبعد موت أكثر الصحابة وأكابرهم.

التساؤلات والإشكالات حول الرواية

هذا، وقد حان الآن وقت الوفاء بما وعدناك به ـ عزيزي القارئ ـ من ذكر التساؤلات والإشكالات الّتي يمكن أن تُثار حول الرواية، وأهمّها:
الأوّل: ولد المسور بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه المدينة في

(215)
عقب ذي الحجة سنة ثمان، وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وقُبض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والمسور ابن ثمان سنين،(1) فكيف يُنقل عنه في الصورة الأُولى من رواية البخاري قوله: (فسمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلم)؟!
فابن ثمان سنين لا يُطلق عليه محتلم، ولا كالمحتلم.
الثاني: لماذا لم يروِ خبر الخِطبة من بين كلّ الصحابة سوى ابن الزبير، والمسور، مع أنّه كان لهما من العمر عند وفاة النبي ثمان سنوات؟!
وإذا كان الأمر بهذه الشهرة والخطورة، بحيث يصرّح به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من على المنبر جهاراً، كان من الطبيعي أن ينقله عدد منهم، وممّن هم أكبر سنّاً، وأكثر وعيّاً وإدراكاً من هذين الصبيّين،فلماذا اقتصرت رواية الخبر عليهما؟(2)
وربّما تنتهي أسانيد الرواية إلى شخص واحد، هو المسور بن مخرمة، فقد قال أبو عيسى الترمذي(بعد أن أخرج الرواية عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير): هكذا قال أيوب ـ يعني السختياني ـ عن ابن أبي مليكة عن ابن

1 . الاستيعاب:3/1399، برقم 2405; وتهذيب الكمال:27/581، برقم 5967.
2 . أمّا ما رواه الحاكم بإسناده إلى سُويَد بن غَفَلة، فهو مرسل أوّلاً، لأنّ سويداً لم يلقَ النبيّ، وإن أسلم في حياته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي طريقه الشعبيّ ثانياً، وهو معروف بانحرافه عن عليّ(عليه السلام). يُضاف إلى هذين: أنّ الخبر خال من اللهجة الغاضبة، الّتي عرضتها لنا روايات البخاري. وإليك نصّ الخبر: عن سويد بن غفلة، قال: خطب عليّ ابنة أبي جهل إلى عمّها الحارث بن هشام، فاستشار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: أعن حَسَبها تسألني؟ قال عليّ: قد أعلم ما حسبها، ولكن تأمرني بها؟ فقال: لا، فاطمة مضغة مني ولا أحسب إلاّ وإنّها تحزن أو تجزع. فقال عليّ: لا آتي شيئاً تكرهه. المستدرك:3/158ـ159.

(216)
الزبير، وقال غير واحد عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة، ويحتمل أن يكون ابن أبي مليكة روى عنهما جميعاً.
وهذا يعني أنّ رواية ابن الزبير للخبر مجرّد احتمال!!
الثالث: إنّ الصلة بين القصتين في كلام المسور مع علي بن الحسين مقطوعة ـ أعني: بين قصة سيف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقصة خطبة ابنة أبي جهل ـ ومن هنا جهد الشُّرّاح في إيجاد وجه للمناسبة بينهما، فذكر الكرمانيّ ثلاثة وجوه، أغنانا ابن حجر عن ذكر اثنين منها، لأنّ كلاًّ منهما ـ حسب تعبيره ـ ظاهر التكلّف. أمّا الوجه الثالث الّذي وصفه بالمعتمد، فهو: كما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحبّ رفاهية خاطر فاطمة(عليها السلام)، فأنا أيضاً أحبّ رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها، فأعطني السيف حتى أحفظه لك.(1) لكنّ ابن حجر عاد، فأورد عليه هذا الإشكال:
لا أزال أتعجّب من المسور كيف بالغ في تعصّبه لعلي بن الحسين، حتى قال: إنّه لو أودع عنده السيف لا يُمكّن أحداً منه حتى تزهق روحه، رعاية لكونه ابن ابن فاطمة، محتجّاً بحديث الباب، ولم يُراعِ خاطره في أنّ ظاهر سياق الحديث المذكور غضاضة على عليّ بن الحسين لما فيه من إيهام غضٍّ من جدّه عليّ بن أبي طالب، حيث أقدم على خطبة بنت أبي جهل على فاطمة، حتى اقتضى أن يقع من النبيّ في ذلك من الإنكار ما وقع، بل أتعجّب من المسور تعجّباً آخر أبلغ من ذلك، وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة، وما بذلَ نفسه دون ابن فاطمة نفسه، أعني الحسين

1 . فتح الباري:6/214.

(217)
والد عليّ، الّذي وقعت له معه القصة حتى قُتل بأيدي ظلمة الولاة، لكن يُحتمل أن يكون عذره أنّ الحسين لمّا خرج إلى العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أنّ أمره يؤول إلى ما آل إليه، والله أعلم.(1)
وهذا الاعتذار لمسور في عدم نصرة الحسين(عليه السلام) لا يصحّ بتاتاً، فلقد تقدّم آنفاً أنّ هواه كان مع أعداء عليّ وأهل بيته، فكيف يُنتظر منه أن يبذل نفسه دون ابن فاطمة، حتى وإن علم أنّ أمره يؤول إلى ما آل إليه؟!
الرابع: كيف ينقل عليّ بن الحسين(عليهما السلام) للزهريّ تلك القصة الّتي تنتقص من شخصية جدّه أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)، وتحطّ من شأنه، لا سيّما بعد ذلك الوقت الّذي عاش فيه المأساة الدامية لمصرع أبيه الحسين(عليه السلام)وأهل بيته وأصحابه، وسمع ما يبثّه الإعلام الأموي ومناصروه من أخبار كاذبة، وقصص مفتعلة، تستهدف النيل من العترة الطاهرة، وطمس مآثرهم الجليلة؟
إنّ هذا الأمر لا يفعله إنسان عاديّ، فكيف يفعله مَن كان قمّةً في سجاياه، علماً وعقلاً وحكمة وجلالة قدر، حتى لو افترضنا أنّه حقاً سمع القصة من المسور؟
الخامس: إنّ الأُمّة مُجمعة على أنّ عليّاً لو نكح ابنة أبي جهل، مضافاً إلى نكاح فاطمة(عليها السلام) لجاز، لأنّه داخل تحت عموم الآية المبيحة للنساء الأربع، فابنة أبي جهل المشار إليها كانت مسلمة، لأنّ هذه القصة كانت بعد فتح مكة وإسلام أهلها طوعاً وكرهاً، ورواة الخبر موافقون على ذلك. هذا ما قاله ابن أبي الحديد.(2)

1 . فتح الباري:9/327. 2 . شرح نهج البلاغة:4/65.

(218)
وعندئذ نقول: هل يُعقَل إذاً، إذا كان الأمر كذلك ـ وهو فعلاً كذلك ـ أن يغضب الأسوة الحسنة في الخلُق العظيم وفي تطبيق الأحكام، وأمام الملأ هذا الغضب العارم ـ الّذي تصوّره روايات البخاري ـ على ابن عمه وصهره وموضع سرّه وأبي ذريّته، وهل يُعقل والأمر كذلك أن يوجّه الرحمة المهداة للعالمين، والرؤوف الرحيم بالمؤمنين هذه الرسالة الشديدة اللهجة ـ وعبر الناس ـ إلى فاديه وناصره ورفيق دربه وجهاده وأوّل المؤمنين به؟!
ولمّا كان غضب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه الدرجة من أمر جائز، لا يمكن أن يقبل به مسلم واع عارف بسيرته ومنزلته(صلى الله عليه وآله وسلم)، حاول بعض مَن يقدّس كلّ ما ورد في الصحيحين من روايات أن يتمحّل له أسباباً مختلفة، فقال ابن التين: أصحّ ما تُحمل عليه هذه القصة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حرّم على عليّ أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل، لأنّه علّل بأنّ ذلك يؤذيه وأذيته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله: (لا أُحرّم حلالاً) أي هي له حلال لو لم تكن عنده فاطمة، وأمّا الجمع بينهما الّذي يستلزم تأذّي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لتأذّي فاطمة به فلا.
وقال ابن حجر: وزعم غيره أنّ السياق يُشعر بأنّ ذلك مباح لعليّ، لكنه منعه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) رعاية لخاطر فاطمة، وقَبِل هو ذلك امتثالاً لأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والّذي يظهر لي أنّه لا يبعد أن يُعدّ في خصائص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن لا يُتزوج على بناته، ويُحتمل أن يكون ذلك خاصّاً بفاطمة(عليها السلام).(1)
وهكذا تتعدّد الاحتمالات، والتحميلات على محامل بعيدة، من أجل الدفاع عن الرواية، الّتي لو كانت (في غير علىّ(عليه السلام)) لرُئي فيها موقف آخر.

1 . فتح الباري:9/328ـ329.

(219)
وعلى أية حال، فإنّ ما قاله ابن حجر يخالف ما تقدّم عن ابن أبي الحديد من إجماع الأُمّة على جواز النكاح لعليّ.
كما فات هؤلاء أنّ عليّاً ـ كما تدلّ سيرته ـ كان مثل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يراعي خاطر فاطمة، ويتأذّى لتأذّيها، فكيف لا يحسّ بحزنها وجزعها من هذا الأمر، فيتركه حباً بأنيسته ورفيقة حياته، ورعايةً لمشاعر صفيّة أخيه وحبيبه، قبل أن تنطلق إلى أبيها شاكيةً؟!
ثمّ ألا يؤذي جهرُ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بمعاتبة عليّ هذا العتاب الشديد، وتعريضُه به من خلال الثناء على صهره من بني عبد شمس، ألا يؤذي ذلك عليّاً، حتى وإن كان قصده(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما يحتمله ابن حجر ـ المبالغة في رضا فاطمة(عليها السلام)، (1)فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أجلّ من أن يحيف على أحد في حكم وغيره، وأجلّ من أن ينقض وصاياه في عليّ(عليه السلام)، الّتي حذّر فيها من إيذائه، تماماً كما كان يحذّر من إيذاء فاطمة.
روى ابن عبد البرّ المالكي بسنده عن عمرو بن شاس، قال: قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قد آذيتني، فقلت: ما أُحبُّ أن أُؤذيك، فقال: مَن آذى عليّاً فقد آذاني.(2)
كما تقدّم في رواية عمران بن حُصين إعراض النبيّ عن أربعة من الصحابة، كانوا قد أخبروه بما صنع عليّ، قال: فأقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)والغضب يُعرف في وجهه، فقال: «ما تريدون من عليّ؟ ما تريدون من عليّ؟ ما تريدون من عليّ؟ إنّ عليّاً مني، وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي».

1 . فتح الباري:7/86. 2 . الاستيعاب:3/1183، الترجمة1925.

(220)
وفي الختام نقول: إنّ قصارى ما بذله بعض الشرّاح ومنهم ابن حجر، لا يخرج عن محاولة تبرير غضب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وخطبة عليّ، وإيجاد وجه للمناسبة بين قصة السيف وقصة الخطبة، كلّ ذلك بحزمة من الاحتمالات والتحميلات البعيدة والمتكلّفة.
ومن هنا كان عليهم أن يبذلوا جهودهم في تقييم الرواية بعرضها على التاريخ الصحيح في سيرة عليّ(عليه السلام)وقُربه من النبي، وأنّه كان يتّبعه اتّباع الظلّ لذي الظلّ وكان واقفاً على ما يبغض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو يرضيه، فهل يتصوّر منه(عليه السلام)أن يخطب بنت أبي جهل ـ الذي هو من ألد أعداء الإسلام ـ على فاطمة الزهراء من دون استئذان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
نعم لا نقول إنّ تزويج بنت أبي جهل المسلمة كان حراماً، ولكن ليس كلّ حلال يُعمل به، خصوصاً مثل علي(عليه السلام) بالنسبة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبضعته.
وهكذا يتبيّن من خلال الأدلّة الساطعة والقرائن القوية الّتي ذكرناها، أنّ غرض الخائبين من وضع الخبر على وجوه مختلفة وزيادات متفاوتة، هو النيل من شخصية عليّ(عليه السلام)ومنزلته الرفيعة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو على حساب الإساءة إلى النبي، الّذي صوّره الخبر ـ وحاشاه ـ رجلاً ثائراً، منساقاً مع عواطفه، فيغضب لأمر لا جُناح في إتيانه شرعاً وعرفاً!! وقد جاء اختيار القصة في أمر يتعلّق بفاطمة، إمعاناً في تأكيد غرضهم، وللتشويش على الحقيقة المرة، وصرف الأذهان عمّن غضبت عليهم حقاً فاطمة، الّتي قال فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني».(1)

1 . صحيح البخاري: 5/51 في كتاب مناقب قرابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

(221)
روى البخاري أنّ فاطمة(عليها السلام) ابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يَقْسِم لها ميراثها، ما ترك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أفاء الله عليه.
فقال لها أبو بكر: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: لا نُورث ما تركنا صدقة.
فغضبت فاطمة(عليها السلام) بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت.(1)
وروى البخاري أيضاً أنّ فاطمة(عليها السلام) بنت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما يبقى من خمس خيبر ـ إلى أن قال: ـ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرتْه، فلم تكلِّمه حتى توفِّيت، وعاشت بعد النبي ستة أشهر، فلمّا توفيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها.(2)
(إنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).(3)

1 . صحيح البخاري:4/79، باب فرض الخمس.
2 . صحيح البخاري:5/139، باب غزوة خيبر; وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه:5/153، كتاب الجهاد، باب قول النبي: لا نورث ما تركناه صدقة; وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده:1/9.
3 . ق:37.

(222)

2

دعواه بغض أكثر الصحابة لعلي(عليه السلام)

قال ابن تيمية: إنّ الله قد أخبر أنّه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودّاً وهذا وعد منه صادق، ومعلوم أنّ الله قد جعل للصحابة مودّة في قلب كلّ مسلم، لا سيّما الخلفاء رضي الله عنهم ولا سيّما أبو بكر وعمر، فإنّ عامّة الصحابة والتابعين كانوا يودّونهما وكانوا خير القرون.
ولم يكن كذلك عليّ فإنّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه ويقاتلونه .(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ لازم كلامه أنّ عليّاً لم يكن من مصاديق الآية المباركة، أعني قوله سبحانه:(إنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً)(2) فإنّ مفاد الآية عند ابن تيمية أنّ شارة المؤمن وعلامته هي ودّ الناس له، وبما أنّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه، فهذا آية عدم كونه مؤمناً وعاملاً للصالحات.

1 . منهاج السنّة: 7/137، وفي طبعة بولاق : 4 / 38.
2 . مريم:96.

(223)
أفيصحّ لمسلم أن يتفوّه بذلك، ويُخرج أوّل من آمن بالنبي عن عداد المؤمنين؟ لا والله، كبرت كلمة تخرج من أفواههم.
وثانياً: لو كان معنى الآية أنّ علامة الإيمان حب جميع الناس لما وجد على وجه الأرض مؤمن يحبه جميع الناس، فاليهود تبغض المسيح(عليه السلام)كما أنّهم يبغضون نبينا محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، والماديّون يبغضون الإلهيين، وهذا يدلّ على أنّ ابن تيمية لم يفهم معنى الآية وتسرّع في القضاء.
وثالثاً: أنّ معنى الآية أنّ المؤمن والذي يقوم بالعمل الصالح يحبّه الناس إجمالاً ; وذلك لأنّ تحلّيه بالإيمان يدعوه للتحلّي بالقيم والأعمال النافعة للناس، فلو كان هذا معنى الآية فعليّ(عليه السلام) في سنامها.
ورابعاً: لو صحّ ما ذكره للزم نفاق وفسق كثير من الصحابة والتابعين لما ثبت في الصحيح من قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام):«لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق» وقد أخرجه غير واحد من الحفّاظ.(1) وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله».(2)
إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على حبّ عليّ(عليه السلام) ومودّته وموالاته.
وقد روى البخاري قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم خيبر: «لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . انظر: صحيح مسلم: 1 / 61، باب نقص الإيمان بنقص الطاعات، كتاب الإيمان، ح144، دار الفكر; ومسند أحمد:1/153، ح733; والسنن الكبرى للنسائي:5/137، ح8487; وخصائص أمير المؤمنين: 119، ح102، وغيرها.
2 . مستدرك الحاكم:3/121. وقد صحّحه الحاكم، وأقرّه الذهبيّ.

(224)
كلّهم يرجو أن يُعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول الله في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): انفُذ على رِسْلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من أن يكون لك حُمر النَّعم.(1)
أبعد هذا الحديث الذي يصوّر لنا منزلة عليّ عند الله ورسوله، نأخذ بدعوى ابن تيمية الباطلة: بأنّ كثيراً من الصحابة والتابعين يبغضونه ويسبّونه؟ إنّه بدعواه هذه إنّما يسيء إلى الصحابة والتابعين، لأنّهم يبغضون ويسبّون ويقاتلون (كما يزعم) مَن يحبّه الله ورسوله!!
وخامساً: إنّ دعواه بأنّ عليّاً لم يكن من مصاديق الآية المتقدّمة، يكذّبها ما رواه بعض محدّثي السنّة في هذا الشأن، فقد أخرج ابن مردويه، والديلمي عن البراء بن عازب أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ ـ كرم الله تعالى وجهه ـ : قل اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين ودّاً، فأنزل الله هذه الآية(2) ـ يعني قوله: (إنّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً).
قال العلاّمة الآلوسي: وروى الإمامية خبر نزولها في عليّ ـ كرّم الله تعالى وجهه ـ عن ابن عباس، والباقر.(3)

1 . صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، الحديث 4210.
2 . روح المعاني، للآلوسي: 16/143. وانظر: تفسير المراغي:16/88.
3 . روح المعاني:16/143.

(225)
فأيّ تعصب، وأيّ عناد، يسوقان شيخ الإسلام الأموي إلى هذا المنحدر، ونحن نرى هذا البون الشاسع بين دعواه، وبين ما وردت به الرواية؟!
وسادساً: إنّ الادّعاء بأنّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضون عليّاً.... هو ادّعاء كاذب، يفضحه الواقع التاريخي للصحابة والتابعين. فهاك بعض الشواهد التي تكشف عن وقوف الصحابة إلى جانب عليّ في الأيام العصيبة، وهو، بالطبع، أقوى تعبيراً عن مجرّد الودّ، ولا يتسع المجال لذكر موقف التابعين منه(عليه السلام).
ـ على الرغم من حصول البيعة لأبي بكر في السقيفة بتلك الطريقة المعروفة، فإنّ عامّة الأنصار كان هواهم في عليّ، وقد عبّر عن ذلك بوضوح أحد ساداتهم، وهو النعمان بن عَجْلان الزُّرقي، حيث قال من قصيدة له:
وكان هوانا في عليّ وإنّه *** لأهل لها من حيث ندري ولا ندري(1)
ويؤيد ذلك أنّ أبا بكر لمّا بايعه عمر وغيره في السقيفة، قالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلاّ علياً.(2)
ـ إنّ جلّ المهاجرين والأنصار الذين أدركوا خلافه الإمام علي، كانوا قد انضوَوا تحت رايته، ويؤكد ذلك أنّ معاوية لمّا تمرّد على الإمام وكتب إليه يتهدّده، كتب(عليه السلام) إليه كتاباً، جاء فيه: وأنا مُرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زِحامُهم... .(3)
ويؤيد ذلك أنّ جيش الإمام(عليه السلام) لمّا سار إلى أهل الشام، كان (علي في

1 . الاستيعاب:4/1505، الترجمة 2619. 2 . الكامل في التاريخ:2/325.
3 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 28.

(226)
القلب في أهل المدينة، وأكثر مَن معه من أهل المدينة، الأنصار، ومعه عدد من خزاعة وكنانة وغيرهم من أهل المدينة).(1)
ـ إنّ الذين والَوا علياً من المهاجرين والأنصار، والذين شهدوا معه جهاده ضد معاوية وفئته الباغية، كانت أسماؤهم من ألمع الأسماء في سماء الفضل والورع والإيمان، وهم كثيرون جدّاً، منهم: حذيفة بن اليمان، وأبو ذرّ الغفاري، وأُبيّ بن كعب، والمقداد بن الأسود، والعباس(عمّ النبي)، والفضل بن العباس، وعبد الله بن العباس (حبر الأُمة)، وأبو الهيثم بن التيهان، وجابر الأنصاري، وأبو أيوب الأنصاري، وخبّاب بن الأرتّ، وعديّ بن حاتم الطائي، وأبو عمرة الأنصاري، وعثمان بن حُنيف، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت الأنصاري، وعمّار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن بُديل الخزاعي، و... .
فليعرّفنا ابن تيمية بأسماء الصحابة الذين أبغضوا عليّاً وسبّوه وقاتلوه، وليكشف عن سيرتهم وأعمالهم، وخصائصهم النفسية والإيمانية... وليكشف عن عدد الذين شهدوا مع معاوية حربه الظالمة ضد الإمام والخليفة الشرعي.
لا شكّ في أنّ أسماءهم ـ مع قلّتهم ـ كانت ذائعة في دنيا المكر والخداع، والتلوّن والنفاق، والتكالب على الحطام.
ورحم الله تعالى أبا قيس الأودي، حين قال: أدركتُ الناس، وهم ثلاث طبقات: أهل دين يحبّون عليّاً، وأهل دنيا يحبّون معاوية، وخوارج.(2)
فطوبى لابن تيمية، وهو يثني على أهل الدنيا، ويصطفّ معهم!!

1 . الكامل في التاريخ:3/297. 2 . الاستيعاب: 3/1115، الترجمة1855.

(227)

3

إنكار ابن تيمية حديث المؤاخاة

ذكر العلاّمة الحلي حديث المؤاخاة بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ(عليه السلام)، فردّ عليه ابن تيمية بقوله: إنّ هذا الحديث موضوع عند أهل الحديث لا يرتاب أحد من أهل المعرفة بالحديث أنّه موضوع وواضعه جاهل، كذب كذباً ظاهراً مكشوفاً، يعرف أنّه كذب من له أدنى معرفة بالحديث.
إنّ أحاديث المؤاخاة لعليّ كلّها موضوعة والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يؤاخِ أحداً، ولا آخى بين مهاجريّ ومهاجريّ، ولا بين أبي بكر وعمر، ولا بين أنصاريّ وأنصاريّ، ولكن آخى بين المهاجرين والأنصار في أوّل قدومه المدينة.(1)
ثمّة أمران في كلام ابن تيمية:
1. إنكار المؤاخاة بين المهاجرين.
2. إنكار مؤاخاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام) بشكل مطلق. وهذا هو المهمّ عند ابن تيمية.
وقبل أن نذكر كلمات الحفّاظ والمؤرخين في قضية المؤاخاة بين

1 . منهاج السنّة: 7/360ـ361، وفي طبعة بولاق : 4 / 96.

(228)
المهاجرين، نودّ أن ننقل هنا ردّ الحافظ ابن حجر العسقلاني، الذي دحض به كلام ابن تيمية المتقدّم، قال: أنكر ابن تيمية في كتاب الردّ على ابن المطهر (....) المؤاخاة بين المهاجرين، وخصوصاً مؤاخاة النبي لعليّ، قال: لأنّ المؤاخاة شُرّعت لإرفاق بعضهم بعضاً، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجريّ لمهاجريّ.
وهذا ردٌّ للنص بالقياس وإغفالٌ عن حكمة المؤاخاة، لأنّ بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوة، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفقنّ الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا نظر في مؤاخاته لعليّ لأنّه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا من قبل البعثة واستمرّ، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، لأنّ زيداً مولاهم، فقد ثبت أخوّتهما وهما من المهاجرين، وسيأتي في عمرة القضاء قول زيد بن حارثة: إنّ بنت حمزة بنت أخي.(1)
وإليك كلمات بعض المؤرخين والحفّاظ، الذين ذكروا المؤاخاة بين المهاجرين، وذكروا أيضاً مؤاخاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام):
1. قال محمد بن حبيب البغدادي(المتوفّى245هـ):
ذِكر مؤاخاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه المهاجرين قبل الهجرة، وكان آخى بينهم على الحقّ والمواساة وذلك بمكّة، فآخى(صلى الله عليه وآله وسلم) بين نفسه وبين عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، وآخى بين حمزة بن عبد المطلب(رحمه الله)وبين زيد بن حارثة مولى

1 . فتح الباري:7/271.

(229)
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)... وآخى بين أبي بكر وعمر رحمهما الله، وبين عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف... .(1)
2. قال البلاذري (المتوفّى 279هـ):
قالوا: وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) آخى بين حمزة وبين زيد بن حارثة على الحقّ والمواساة، وبين أبي بكر وعمر، وبين... وقال لعلي:أنت أخي.(2)
وقال أيضاً في ترجمة زيد بن حارثة: وآخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بينه وبين حمزة. وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين أراد القتال.(3)
3. قال الحافظ المؤرّخ ابن عبد البرّ(المتوفّى 463هـ):
آخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين المهاجرين بمكة، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة، وقال في كلّ واحدة منهما لعليّ: أنت أخي في الدنيا والآخرة، وآخى بينه وبين نفسه، فلذلك كان هذا القول وما أشبه من علي(رضي الله عنه).(4)
ويعني بـ(هذا القول وما أشبه من عليّ)، قوله(عليه السلام) الذي رُوي من وجوه: أنا عبد الله، وأخو رسول الله، لا يقولها أحد غيري إلاّ كذّاب.(5)
4. قال الحافظ جمال الدين المزّي(المتوفّى 742هـ) في ترجمة زيد بن

1 . المحبَّر:70ـ71.
2 . أنساب الأشراف:1/270، برقم 625.
3 . أنساب الأشراف:1/472، برقم 949.
4 . الاستيعاب:3/1098ـ1099، الترجمة1855.
5 . الاستيعاب:3/1098.

(230)
حارثة: وآخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بينه وبين حمزة بن عبد المطلب.(1)
هذا وقد نقل كثير من المحدّثين وأصحاب السنن والآثار حديث مؤاخاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام)، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) له: أنت أخي، وقول علي(عليه السلام): أنا أخو رسول الله، فهاك بعض رواياتهم:
أخرج الترمذي عن ابن عمر، قال: آخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه، فجاء عليّ تدمع عيناه، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت أخي في الدنيا والآخرة.
قال أبو عيسى]يعني الترمذي[: هذا حديث حسن غريب. وفي الباب عن زيد بن أبي أوفى.(2)
وروى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس، قال: لمّا خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من مكّة خرج علي بابنة حمزة، فاختصم فيها علي وجعفر وزيد إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)... وقال زيد: ابنة أخي وكان زيد مؤاخياً لحمزة، آخى بينهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد: أنت مولاي ومولاها، وقال لعلي: أنت أخي وصاحبي، وقال لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي.(3)
وروى الحاكم بإسناده عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، قال: كان عليّ

1 . تهذيب الكمال:10/36، الترجمة2094.
2 . سنن الترمذي:5/595، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب، برقم 3720. وانظر: المستدرك على الصحيحين:3/14(مؤاخاة رسول الله بين الصحابة); ومصابيح السنة:4/173، برقم 4769; والرياض النضرة:3/111، 164.
3 . مسند أحمد:1/230. وانظر: الاستيعاب لابن عبد البرّ:3/1098(وفيه: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي: أنت أخي وصاحبي).

(231)
يقول في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله يقول: (أفَإنْ ماتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ)(1)، والله لاننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قُتل لأقاتلنّ على ما قاتل عليه حتى أموت. والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارث علمه، فمن أحقّ به منّي.(2)
قال الحافظ نور الدين الهيثمي، بعد أن نقل الحديث المتقدّم: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.(3)
أفرأيت، عزيزي القارئ، كيف يتعامى (شيخ الإسلام الأموي) عن رؤية كلّ هذه الآثار الواردة في كتب مؤرّخي وحفّاظ ومحدّثي أهل السنّة، ويُنكر، بكلّ صلافة، المؤاخاة بين المهاجرين، ومؤاخاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي(عليه السلام)؟ أفهكذا يفعل بغض عليّ بصاحبه، فيهين نفسه بنفسه ويُرديها في مهاوي الجهل والضلال؟
إذا ما أهان امرؤ نفسَهُ *** فلا أكرمَ اللهُ من يُكرمُهْ

1 . آل عمران:144.
2 . المستدرك على الصحيحين:3/126. وانظر: المعجم الكبير للطبراني:1/107، برقم 176; والسنن الكبرى للنسائي:5/125، برقم 8450 .
3 . مجمع الزوائد:9/134.

(232)

4

إنكار ابن تيمية حديث الطائر

من الأحاديث المشهورة، في فضائل الإمام عليّ، عند محدّثي السنّة، ويزعم ابن تيمية أنّها من الموضوعات، حديث الطائر المشوي.
وقبل أن نأخذ في مناقشة كلام ابن تيمية حول هذا الحديث، يحسن أن نذكر الحديث نفسه، فهاكه كما ورد في أحد طرق الحاكم إليه:
روى الحاكم بإسناده عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك(رضي الله عنه) قال: كنت أخدم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقُدِّم لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فرخ مشوّي، فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، قال: فقلت اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، فجاء علي(رضي الله عنه)فقلت: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على حاجة، ثم جاء فقلت: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على حاجة، ثم جاء فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): افتح. فدخل، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ما حبسك عليّ، فقال: إنّ هذه آخر ثلاث كرّات يردّني أنس يزعم أنّك على حاجة.
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): ما حملك على ما صنعت؟

(233)
فقلت: يا رسول الله! سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الرجل قد يحب قومه. قال الحاكم:هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً، ثمّ صحّت الرواية عن عليّ، وأبي سعيد الخدري، وسفينة.(1)
وقد أنكر ابن تيمية هذا الحديث، وقال في ردّه على العلاّمة الحلّي، الذي كان قد أورد الحديث في كتابه:
والجواب من وجوه:
أحدها: المطالبة بتصحيح النقل، وقوله]يعني العلاّمة الحلّي[: «روى الجمهور كافّة» كذب عليهم، فإنّ حديث الطير لم يروه أحد من أصحاب الصحيح، ولا صحّحه أئمّة الحديث، ولكن هو ممّا رواه بعض الناس، كما رووا أمثاله في فضل غير عليّ، بل قد رُوي في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، وصُنِّف في ذلك مصنّفات، وأهل العلم بالحديث لا يصحّحون لا هذا ولا هذا.
الثاني: أنّ حديث الطائر من المكذوبات والموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل، قال أبوموسى المديني:«قد جمع غير واحد من الحفاظ طرق أحاديث الطير للاعتبار والمعرفة، كالحاكم النيسابوري وأبي نُعيم، وابن مردويه، وسئل الحاكم عن حديث الطير فقال: «لا يصحّ».(2)

1 . المستدرك على الصحيحين:3/130ـ131.
2 . منهاج السنّة: 7/371ـ372، وفي طبعة بولاق : 4/99.

(234)
ونحن، بدورنا، نناقش كلام ابن تيمية من وجوه:
الأوّل: ماذا يعني بـ(أصحاب الصحيح) في قوله:«إنّ حديث الطير لم يروه أحد من أصحاب الصحيح»، فإن عنى بهم الشيخين(البخاري ومسلم) لا غير، تمّ قوله، وإن عنى جميع أصحاب الصحيح، لم يتمّ، لأنّ حديث الطير رواه أبو عيسى الترمذي في «الجامع الصحيح»(1) الذي عُرف بـ «سنن الترمذي»، وهو أحد الكتب الستة المعتمدة عند أهل السنّة، بل ذهب بعضهم إلى أنّه ثالث الكتب الستة، يعني أنّ رتبته بعد صحيحي الشيخين.
ثمّ إنّ عدم رواية أصحاب الصحيح لحديث ما، لا يضير بشهرته وانتشاره بين جمهور المحدّثين، ولا صحّته أيضاً، فكم من حديث صحيح شائع بين المحدّثين، لم يروه أصحاب الصحيح، ولعلّ مراجعة سريعة لكتاب «المستدرك على الصحيحين» لأبي عبد الله الحاكم، تكفي لمعرفة صحّة ما ذكرناه، فقد أورد هذا الحافظ طائفة من الأحاديث التي لم يروها الشيخان مع أنّها على شرطهما، وقد وافق الذهبيّ أبا عبد الله الحاكم في تصحيح كثير من تلك الأحاديث على شرطهما أو على شرط أحدهما.
الثاني: أنّ غرض ابن تيمية من الادّعاء بأنّ حديث الطير(هو ممّا رواه بعض الناس)، هو التوهين من شأن الحديث، ومن رواته، وهو ادّعاء فارغ، تكذّبه كلمات أعلام حفّاظ ومحدّثي السنّة حول الحديث، فهاك عدداً منها:
أ. قال الحاكم النيسابوري: «قد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً...».(2)

1 . الجامع الصحيح(سنن الترمذي):5/636ـ 637، برقم 3721.
2 . المستدرك على الصحيحين:3/131.

(235)
ب. وقال الذهبيّ: «وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة جداً، وقد أفردتها بمصنّف...».(1)
ج. وقال ابن كثير الدمشقي:«وحديث الطير قد صنّف الناس فيه، وله طرق متعدّدة...». ثم قال: «وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة، منهم:أبو بكر بن مردويه، والحافظ أبو طاهر محمد بن أحمد بن حمدان...ورأيت فيه]يعني في حديث الطير[ مجلّداً في جمع طرقه وألفاظه لأبي جعفر بن جرير الطبري المفسّر، صاحب التاريخ...».(2)
د. وقال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي (ذهبيّ العصر): «وحديث الطير مشهور، روي من طرق كثيرة...».
وبعد، فإمّا أن يكون ابن تيمية جاهلاً بهذه الطرق الكثيرة إلى الحديث، وشهرته، فادّعى ما ليس له به علم، وعندئذ يقال: كيف يتلاءم هذا مع كلّ هذا التعظيم والتبجيل له، وإطلاق لقب (شيخ الإسلام)عليه؟!
وإمّا أن يكون عارفاً بتلك الطرق، ولكنّه لبّس، عن عمد، على نفسه، بكتمان الحقيقة، لشيء يعتمل في قلبه من الإمام علي (عليه السلام).
الثالث: أنّ ابن تيمية ينقل قول أبي موسى المديني (المتوفّى 581 هـ) أنّه «سُئل الحاكم (المتوفّى 405هـ) عن حديث الطير، فقال: لا يصحّ»، بينما هو يُعرض عن تصحيح الحاكم نفسه للحديث، وتصريحه بذلك في كتابه «المستدرك على الصحيحين»!!! فأين الأمانة العلمية، وأين الموضوعية يا سماحة شيخ الإسلام (الأموي).

1 . تذكرة الحفّاظ:3/1042، ترجمة الحاكم النيسابوري. 2 . البداية والنهاية:7/383ـ387.

(236)
وبهذا التصحيح، تصحيح الحاكم (الذي وصفه الذهبي بالحافظ الكبير، إمام المحدّثين)(1) يُدحَض ـ أيضاً ـ ادّعاء ابن تيمية بأنّ أئمة الحديث لا يصحّحون الحديث.
ولم ينفرد الحاكم بهذا التصحيح، بل ثمة طريق آخر إلى الحديث عند الطبراني، صحّحه الهيثمي، فقد روى الطبراني بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي نعم، عن سفينة مولى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ النبيّ أوتي بطير، فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير: فجاء علي(رضي الله عنه)، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهمّ وإليّ».(2)
قال الحافظ نور الدين الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة.(3)
وممّا يثير العجب أنّ الدكتور محمد رشاد سالم (محقّق كتاب منهاج السنّة) نقل في هامش الكتاب المذكور تعليقات الهيثمي على أحاديث الطير، ولكنّه تغافل عن نقل التعليق المتقدّم ـ(4) أعني قول الهيثمي:«رجال الطبراني رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة» ـ لأنّه يعلم أنّ هذا التعليق يأتي على كلّ مزاعم شيخه حول الحديث. وهكذا تتّسق جهود أتباع النهج الأُموي الرامية إلى طمس الحقائق، من خلال تغييب كلمات وأقوال علماء السنّة بشأن الأحاديث الواردة في فضل علي(عليه السلام) خاصّة، وفضل أهل البيت عامّة.
الرابع: أنّ ابن تيمية إنّما يُزري بنفسه وبعلمه حين يدّعي (أنّ حديث

1 . تذكرة الحفّاظ:3/1039. 2 . المعجم الكبير:7/82، برقم 6437.
3 . مجمع الزوائد:9/126. 4 . منهاج السنّة:7/371ـ 372(الهامش5).

(237)
الطائر من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل)، فليس ثمّة أحد من أهل المعرفة بحقائق النقل، مَن تفوّه بمثل هذا الادّعاء، الذي لا يجرؤ عليه إلاّ من تلبّس بالجهل، أو تردّى في هوّة العناد والتعصّب المقيت.
لقد روى هذا الحديث جمع من حفّاظ ومحدثي السنّة، وأودعوه في كتبهم، وأفرد عدد منهم طرقه في مؤلَّف، ومنهم: أبو جعفر الطبري (المتوفّى 310هـ)، والحاكم النيسابوري، وأبو نُعيم الأصبهاني، وابن مردويه، وشمس الدين الذهبي، ولم يذكر أيُّ منهم أنّ الحديث مكذوب، كما تعرّض لنقده جملة من أعلام الجرح والتعديل، ولم يرمِهِ حتى المتمذهبون منهم بالوضع، وإنّما أقصى ما وصفوا به الحديث أنّه ضعيف.
وإليك بعض كلماتهم:
قال الترمذي، بعد أن روى الحديث من طريق السُّدّي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث السُّدي إلاّ من هذا الوجه، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أنس... والسُّدّي اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن وسمع أنس بن مالك، ورأى الحسين بن علي. وثّقه شعبة، وسفيان الثوريّ، وزائدة، ووثّقه يحيى بن سعيد القطّان.(1)
وقال أبو جعفر محمد بن عمرو العُقَيلي المكي(المتوفّى 322هـ): طرق هذا الحديث فيها لين.(2)

1 . الجامع الصحيح(سنن الترمذي):5/636ـ637، برقم 3721.
2 . الضعفاء الكبير:4/189 برقم 1765.

(238)
وأخرجه ابن الجوزي (المتوفّى 597هـ) في كتابه «العلل المتناهية» من طريق واحد عن ابن عباس، وستة عشر طريقاً عن أنس(1)، ولم يذكره في كتابه «الموضوعات».
يُذكر أنّ بعض محقّقي كتب الحديث وشرّاحها(كالعلاّمة علي بن سلطان محمد القاري) قد زعم بأنّ ابن الجوزي قال بأنّ حديث الطير موضوع(2)، وهذا خطأ بيّن، والصواب أنّه قال بوضع حديث آخر، رواه القاسم بن جندب عن أنس، وفيه أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «يا أنس أوّل من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين... إذ جاء عليّ(عليه السلام)».(3)
وقال شمس الدين الذهبي: وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة جدّاً، وقد أفردتها بمصنَّف، ومجموعها يوجب أن يكون للحديث أصل.(4)
وقال أيضاً: وحديث الطير ـ على ضعفه ـ فله طرق جمّة، وقد أفردتها في جزء، ولم يثبت، ولا أنا بالمعتقد بطلانه.(5)
وقال ابن كثير الدمشقي: قد جمع الناس في هذا الحديث مصنّفات مفردة... وبالجملة، ففي القلب من صحّة هذا الحديث نظر، وإن كثرت طرقه.(6)

1 . العلل المتناهية: 1 / 228 ـ 236 ، الأرقام 360ـ377.
2 . مرقاة المفاتيح:9/3938، دارالفكر، 1422 هـ .
3 . الموضوعات لابن الجوزي:1/376ـ 377، الحديث السادس والعشرون.
4 . تذكرة الحفاظ:3/1042.
5 . سير أعلام النبلاء:13/233، الترجمة 118.
6 . البداية والنهاية:7/387.

(239)
وأنت ترى، عزيزي القارئ، أنّ هؤلاء الحفّاظ من أهل السنّة، لم يرموا حديث الطير بالوضع، وإنّما ذهبوا إلى تضعيفه، وبهذا تبيّن كذب ابن تيمية في ادّعائه بأنّ الحديث من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل.

تأثير العقيدة في محاولات تضعيف حديث الطائر

والحقّ، أنّه لولا أنّ عقيدة هؤلاء الحفّاظ وغيرهم في تفضيل أبي بكر، تسبق نظرتهم إلى الحديث، لما ضعّفه أحد منهم، وهذا ما تشهد به كلماتهم المضطربة والمتسرّعة حول رجال أسانيد الحديث الذي رُوي بطرق جمّة (حسب وصف الذهبي الذي مرّ آنفاً)، وكذا تأويلاتهم المتعسّفة لمتنه، حين لم يجدوا قدحاً في رجال إسناد بعض طرقه.
وممّا يدلّ على ذلك:
1. قول الذهبيّ في تعليقه على رواية الحاكم (التي رواها من طريق محمد بن أحمد بن عياض بن أبي طيبة، عن أبيه، عن يحيى بن حسّان، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك)، قال: ابن عياض لا أعرفه.
ونسأل: هل أنّ عدم معرفته بابن عياض، تسوّغ له القول، بعد ذلك: ولقد كنت زماناً طويلاً أظنّ أنّ حديث الطير، لم يجسر الحاكم أن يودعه في مستدركه...؟!!!(1)
ألا يحتمل الذهبي أنّ الحاكم، وهو عنده إمام المحدّثين، قد كان يعرف

1 . التلخيص، المطبوع في ذيل المستدرك على الصحيحين:3/131.

(240)
من لا يعرفه هو، خصوصاً مع كونه متقدّماً عليه زماناً؟
نعم، لابدّ للباحث الموضوعي أن يحتمل أو يظنّ ذلك، فقد ينكشف ـ بعد البحث ـ ما كان خافياً عليه من قبل، وهذا ما وقع للذهبيّ نفسه، سبحان الله، ومع الرجل الذي كان لا يعرفه، حيث قال في ترجمة (محمد بن أحمد بن عياض) في الميزان:
روى عن أبيه أبي غسان أحمد بن عياض بن أبي طيبة المصري، عن يحيى بن حسّان، فذكر حديث الطير. وقال الحاكم: هذا على شرط البخاري ومسلم.
وأضاف (الذهبي): قلت: الكلّ ثقات إلاّ هذا، فأنا أتّهمه، ثم ظهر لي أنّه صدوق. روى عنه الطبراني، و... (إلى أن قال): مات في سنة إحدى وتسعين ومائتين.
ثم قال: فأمّا أبوه فلا أعرفه.(1)
2. قول الشيخ شهاب الدين فضل الله التوربشتي(كما نقله عنه شرف الدين الطيبي وغيره) في تعليقه على حديث الطير برواية الترمذي: نحن وإن كنّا بحمد الله لا نجهل فضل عليّ(رضي الله عنه) وقدمه وسوابقه في الإسلام، واختصاصه برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لقرابته القريبة ومؤاخاته في الدين... فلسنا نرى أن نضرب عن تقرير أمثال هذه الأحاديث في نصابها صفحاً، لما يُخشى فيها من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين... وهذا حديث يريش به المبتدع سهامه ويوصل به المبتدع جناحه، فيتّخذه ذريعة إلى الطعن في خلافة أبي

1 . ميزان الاعتدال:3/465، الترجمة7180.

(241)
بكر!! ]لاحظ[، التي هي أوّل حكم أجمع عليه المسلمون في هذه الأُمّة...، فنقول وبالله التوفيق: هذا الحديث لا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر والقول بخيريته من الأخبار الصحاح منضمّاً إليها إجماع الصحابة، لمكان سنده، فإنّ فيه لأهل النقل مقالاً، ولا يجوز حمل أمثاله على ما يخالف الإجماع، لا سيّما والصحابي]يعني أنساً [الذي يرويه ممّن دخل في هذا الإجماع...، فلو ثبت هذا الحديث، فالسبيل أن يؤوَّل على وجه لا ينقض عليه ما اعتقده!! ]لاحظ[، ولا يخالف ما هو أصحّ منه متناً وإسناداً، وهو أن يقال: يُحمَل قوله: «بأحبّ خلقك»، على أنّ المراد منه ائتني بمن هو من أحبّ خلقك إليك فيشاركه فيه غيره، وهم المفضّلون بإجماع الأُمّة... فيؤوَّل هذا الحديث على الوجه الذي ذكرناه، أو على أنّه أراد به أحبّ خلقه إليه من بني عمّه وذويه، وقد كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يطلق القول، وهو يريد تقييده، ويعمّ به ويريد تخصيصه... .(1)
3. قول ابن كثير الدمشقي المتقدّم: وبالجملة، ففي القلب من صحّة هذا الحديث ]يعني حديث الطير[ نظر، وإن كثرت طرقه!!
نعم، المشكلة، إذاً، في القلب، وليست في سند الحديث أو في متنه، ولو تجرّد القلب للحقّ، وسَلم من الهوى، لزالت المشكلة، وأُودع الحديث في سائر كتب الصحيح، ولم يتنظّر فيه أحد.
4. مبالغة ابن الجوزي في قدح بعض رجال أسانيد الحديث، وإصراره على اقتناص أي كلمة تجريح صدرت في حقّهم مع غض الطرف عن

1 . شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (المسمّى الكاشف عن حقائق السنن):11/270ـ271، دار الكتب العلمية 1422هـ . وانظر: مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح:9/3938; وتحفة الأحوذي للمباركفوري:9/234، دار الحديث بالقاهرة، 1421هـ .

(242)
كلمات التعديل الواردة فيهم، ومن ذلك:
ألف: ما رواه من طريق عبيد الله بن موسى العبسي، عن عيسى بن عمر القاري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدّي، عن أنس .
قال ابن الجوزي: وهذا لا يصحّ، لأنّ إسماعيل السُّدّي قد ضعّفه عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين.(1)
يقول هذا ابن الجوزي، مع أنّ السُّدّي(المتوفّى 127هـ) قد روى عنه شعبة، وسفيان الثوري، وزائدة بن قدامة(2)، ووثّقوه، وروى له مسلم في «صحيحه» وروى له أصحاب السنن الأربعة، ووثّقه يحيى بن سعيد القطّان، وأحمد بن حنبل، والعجليّ، وابن حبّان، وقال ابن عديّ: وهو عندي مستقيم الحديث، صدوق لا بأس به.(3)
ثمّ إنّه قد ورد عن عبد الرحمن بن مهدي ما ينافي تضعيفه للسدّي، حيث قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي، قال: قال يحيى بن معين يوماً عند عبد الرحمن بن مهدي، وذكر إبراهيم بن مهاجر، والسُّدّي، فقال يحيى: ضعيفان، فغضب عبد الرحمن وكَرِه ما قال.(4)
وهكذا يتّضح (بعد أن تعرّفنا على كلمات أعلام محدّثي أهل السنّة، وكبار علمائهم في الجرح والتعديل، في حقّ إسماعيل السُّدّي) أنّ رجال

1 . العلل المتناهية:1/230، برقم 363(الطريق الثالث).
2 . قال أحمد بن حنبل: المتثبّتون في الحديث أربعة: سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة. سير أعلام النبلاء: 7 / 376، برقم 139.
3 . انظر: الجامع الصحيح (سنن الترمذي):5/637، برقم 3721; وتهذيب الكمال:3/132، الترجمة462(إسماعيل بن عبد الرحمن السّدّي); وميزان الاعتدال:1/236، برقم 907.
4 . تهذيب الكمال:3/135.

(243)
إسناد حديث الطير (بهذا الطريق) ثقات.
ب : و ما رواه من طريق الحسن بن حمّاد الضبّي، عن مسهر بن عبد الملك، عن عيسى بن عمر القاري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدّي، عن أنس. ثم ضعّفه بالسُّدّي، وبمُسهر، لقول البخاري: وفي مُسهر بعض النظر.(1)
أقول: أمّا السُّدّي، فقد تبيّن أنّ جُلّ علمائهم قد وثّقوه، وفيهم من أدركه وروى عنه، وهم أعرف به من المتأخّرين كيحيى بن مَعين (المتوفّى 233هـ) وغيره.
وأمّا مُسهر، فقد وثّقه تلميذه الحسن بن حمّاد الضبّي(الثقة)(2)، وأبو يعلى الموصلي، وذكره ابن حبّان في كتاب «الثقات» وقال: يخطئ ويهم، وقال النسائي: ليس بالقويّ.(3)
وقد روى هذا الحديث النسائي(4) عن زكريا بن يحيى، عن الحسن بن حمّاد، ورواه أبو يعلى الموصلي(5) (المتوفّى 307هـ) عن الحسن بن حمّاد، كلاهما بالإسناد المتقدّم.
ثمّ إنّ ابن الجوزي روى حديث الطير من طريق (أحمد بن سعيد بن فرقد الجُدّي، عن أبي حُمّة محمد بن يوسف اليمامي، عن أبي قُرّة موسى

1 . العلل المتناهية:1/229، برقم 362(الطريق الثاني).
2 . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال:6/133، الترجمة1220.
3 . تهذيب الكمال:27/577، الترجمة 5963; وميزان الاعتدال:4/113، برقم 8534 .
4 . خصائص أمير المؤمنين:34، برقم 12.
5 . مسند أبي يعلى الموصلي:4/130، برقم 4039(مسند أنس بن مالك).

(244)
بن طارق، عن موسى بن عقبة، عن أبي النضر سالم مولى عمر بن عبيد الله، عن أنس بن مالك)(1)، ولم يتكلّم حول رجاله، ولم يجرح أحداً منهم، فالحديث، إذاً، غير معلول عنده، ولكنّ بعض المتأخّرين عصراً عن ابن الجوزي، أبى إلاّ أن يقدح في أحد رجاله، من دون الاستناد إلى دليل، فقد قال الذهبي، وهو يذكر (أحمد بن سعيد بن فرقد الجُدّي) في ميزانه:
روى عن أبي حُمّة، وعنه الطَّبراني، فذكر حديث الطّير بإسناد الصحيحين، فهو المتّهم بوضعه.(2)
وعقّب ابن حجر العسقلاني على كلام الذهبي بقوله: أخرجه الحاكم عن محمد بن صالح الأندلسي، عن أحمد هذا، عن أبي حُمّة... وأحمد بن سعيد معروف من شيوخ الطبراني، وأظنه دخل عليه إسناد في إسناد!!(3)
قال السيد محسن الأمين العاملي: ولو كان معروفاً من شيوخ الطبري، فالذهبيّ لا يمكن أن يصدّقه وكيف يصدّقه، وهو يروي أنّ علياً أحبّ الخلق إلى الله وإلى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! إنّ هذا ما لا يكون.(4)
وأمّا ظنّ العسقلاني أنّه دخل عليه إسناد في إسناد، فهو ظنٌّ لا يغني من الحقّ شيئاً، وتضليل ليس لأحد إلى قبوله من سبيل.(5)

1 . العلل المتناهية:1/233، برقم 371(الطريق العاشر).
2 . ميزان الاعتدال:1/100، برقم 390.
3 . لسان الميزان:1/177، برقم 566.
4 . أعيان الشيعة:2/598.
5 . نفحات الأزهار للسيد علي الميلاني: 13/189.

(245)
ونستخلص ممّا تقدّم أنّ حديث الطير، حديث مشهور عند السنّة، صحيح عند الحاكم النيسابوري وغيره.
وقد رواه جمع من حفّاظهم ومحدّثيهم، وبطرق كثيرة، بعضها على شرط السُّنن(1)، وبعضها بأسانيد رجالها كلّهم ثقات، أو كلّهم ثقات غير رجل واحد اختلفت كلمة رجالييهم فيه بين التوثيق والتضعيف، وقد أثبتنا دَور النزعة المذهبية الحاسم في محاولات تضعيف الحديث، ومن هنا اتّسمت تلك المحاولات بالتعنّت والتعسّف، والإسراف في تجريح الرواة، وإطلاق الاتّهامات الجاهزة.
ومع كلّ ذلك لم نجد من أهل العلم بحقائق النقل مَن رمى الحديث بالوضع، وإنّما هم بين مصحّح، ومحسِّن، ومضعِّف، وساكت(2) عن بعض طرقه، ولكنّ ابن تيمية لم يُبالِ ما يقول، ولم يخش الله فيما يكتب ويسطِّر، فادّعى أنّ الحديث من الموضوعات، وكأنّه لم يقرأ قوله سبحانه:(وَكُلُّ صَغير وَكَبير مُسْتَطَر).(3)

1 . قال الذهبي، وقد ذكر حديث الطير: له طرق كثيرة عن أنس، متكلَّم فيها، وبعضها على شرط السنن، من أجودها حديث قطن بن نُسَير شيخ مسلم، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عبد الله بن المثنى، عن عبد الله بن أنس بن مالك، عن أنس، قال: أُهدي إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حَجَل مشويّ، فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي، وذكر الحديث. تاريخ الإسلام(عصر الخلفاء الراشدين):3/633.
2 . مثل البوصيري، حيث عزا حديث الطير، برواية سفينة، للبزّار، وسكت عنها، انظر: المطالب العالية لابن حجر:4/63، برقم 3964(هامش1)، تحقيق الأُستاذ المحدّث حبيب الرحمن الأعظمي.
3 . القمر:53.

(246)

المعاند لا تقنعه حُجّة

قال الشيخ زين الدين المُناوي القاهري(المتوفّى 1031هـ)، وهو يردّ على ابن تيمية في حديث الطير:
وهذه الأخبار وإنْ فُرض ضعفها جميعاً، لكن لا يُنكِر تقوّي الحديث الضعيف بكثرة طرقه، وتعدّد مخرّجيه إلاّ جاهل بالصناعة الحديثية، أو معاند متعصّب، والظنّ به ]يعني ابن تيمية[ أنّه من القبيل الثاني.(1)
ونودّ في الختام أن نذكر لطلاّب الحقّ سنداً آخر لحديث الطير، أورده ابن كثير الدمشقي في كتابه «البداية والنهاية»، وأقرّ بأنّه أجود من إسناد الحاكم، فرجاله كلّهم ثقات، وليس لأحد فيهم مقال، فإليك سند الحديث، مع كلمات نقّاد الحديث حول رجاله:
قال ابن كثير، وهو يسرد عدداً من طرق الحديث: ورواه ابن أبي حاتم، عن عمار بن خالد الواسطي، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أنس، فذكر الحديث.(2)
هذا هو إسناد الحديث، وأمّا كلمات النقّاد، فهي كما يلي:
ـ ابن أبي حاتم، وهو عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الحنظلي الرازي (المتوفّى 327هـ) .
قال أبو يعلى الخليلي: كان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال.
وقال الإمام أبو الوليد الباجي: ثقة حافظ.(3)

1 . فيض القدير شرح الجامع الصغير: 3 / 221، ولاحظ : نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار:13/14 .
2 . البداية والنهاية:7/363. 3 . سير أعلام النبلاء:13/263، الترجمة 129.

(247)
ـ عمّار بن خالد الواسطي.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان ثقة، صدوقاً.
وذكره ابن حبّان في «الثقات».
وقال ابن حجر: ثقة.(1)
ـ إسحاق بن يوسف الأزرق (المتوفّى 195هـ) .
وثّقه يحيى بن معين، والعجلي، وهو من رجال الصحيحين، وروى له أصحاب السنن الأربع.(2)
ـ عبد الملك بن أبي سليمان مَيْسرة العرزمي(المتوفّى 145هـ).
وثّقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، والنَّسائي، وغيرهم.
وعن سفيان الثوري أنّه كان يقول له الميزان.
روى له مسلم، وأصحاب السنن الأربع، واستشهد به البخاري في «الصحيح»، وروى له في الأدب.(3)
ومن أراد التعرّف على المزيد من طرق الحديث، فليرجع إلى موسوعة «عبقات الأنوار» للسيد حامد حسين الموسوي الكنتوري اللكهنوي (المتوفّى 1306هـ)، وقد لخّص السيد علي الميلاني(حفظه الله) هذه الموسوعة باسم «نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار»، فوقعت أبحاثه في حديث الطير، فقط، في جزأين مستقلّين، هما الثالث عشر، والرابع عشر، فراجعهما إن أحببت.

1 . تهذيب الكمال:21/187، الترجمة 4158. 2 . تهذيب الكمال:2/496، الترجمة395.
3 . تهذيب الكمال:18/322، الترجمة 3532.

(248)

5

اتّهامه عليّاً بأنّه قاتَلَ للرئاسة لا للديانة

إنّ مَن سبر كتاب «منهاج السنّة» يقف على مواضع كثيرة تكشف عن بغض مؤلّفه لعلي وأولاده، وأنّه كان يستر ذلك ببعض المدائح أحياناً، ولكنّه سرعان ما ينقضها ويتركها، وقد وقف على ذلك ابن حجر العسقلاني في ترجمته لابن تيمية في كتابه «الدرر الكامنة»، فقال:
ومنهم مَن ينسبه إلى النفاق لقوله في عليّ ما تقدّم.
ولقوله: إنّه كان مخذولاً حيثما توجّه.
وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها.
وإنّما قاتل للرياسة لا للديانة.
ولقوله: إنّه كان يحب الرياسة وأنّ عثمان كان يحب المال.
ولقوله: أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، وعليٌّ أسلم صبيّاً والصبي لا يصحّ إسلامه على قول.
ولكلامه في قصة خطبة أبي جهل ومات وما نسيها.

(249)
فألزموه بالنفاق لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ولا يبغضك إلاّ منافق».(1)
وهذه الجمل تفصح عن حقده، وعمّا ينطوي قلبه من ضغينة على أبي الحسن(عليه السلام)، وهذا الذي ذكره عنه ابن حجر قليل من كثير، فإنّ مَن تفحّص كتاب «منهاج السنّة» يقف على العشرات من أمثال هذه الجمل.
وقد تتبع الدكتور محمود السيد صبيح كتب ابن تيمية وعلى رأسها «منهاج السنّة» وجمع أخطاءه في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته بعد ما قرأ أربعين ألف صفحة من كتبه يقول: وقد تتبعت كثيراً من أقوال مبتدعة هذا العصر فوجدت استدلالهم بابن تيمية، فتتبعت بحول الله وقوته كلام ابن تيمية فيما يقرب من أربعين ألف صفحة أو يزيد فوجدته قد أخطأ أخطاء شنيعة في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وصحابته. وأنت خبير أنّ جناب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته أهم عندنا أجمعين من جناب ابن تيمية، لذا غيرة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى جنابه الرفيع جمعت جملة أخطاء لابن تيمية وقع فيها في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته وصحابته.(2)
وها نحن نقتبس من هذا الكتاب ما استخرجه مؤلفه في ذلك المضمار مع الرجوع إلى المصدر الذي أشار إليه حتى نكون على اطمئنان في النقل.
1. قال ابن تيمية: وفتاويه] يعني فتاوى الإمام عليّ[ من جنس فتاوى عمر وعثمان، ليس هو أولى بالصواب منهم، ولا في أقوالهم من الأقوال المرجوحة أكثر ممّا في قوله، ولا كان ثناء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورضاه عنه بأعظم من ثنائه عليهم ورضائه عنهم، بل لو قال القائل: إنّه لا يُعرف من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه

1. الدرر الكامنة: 1 / 155، طبعة حيدر آباد.
2 . أخطاء ابن تيمية:6(المقدمة)، طبعة القاهرة، 1423 هـ .

(250)
عتب على عثمان في شيء وقد عتب على علي في غير موضع، لما أبعَدَ، فإنّه لمّا أراد أن يتزوج بنت أبي جهل اشتكته فاطمة لأبيها... .(1)
أقول: حاصل كلامه أنّه جعل عليّاً والخليفتين في كفة واحدة في العلم بالشريعة، وكفى في بطلان ذلك لجوء عمر إلى علي في مواضع كثيرة، وقد تواتر قوله: لولا علي لهلك عمر(2)، وربما يلتجئ إلى علي(عليه السلام)ويقول: لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب.(3)
كيف يقول ذلك وكان عمر نفسه يقول: عليٌّ أقضانا؟(4)
ومن تجرُّئه تقوّله على وليّ الله الأعظم من أنّ النبي عتب على عليّ في غير موضع. أمّا دعوى أنّه أراد أن يتزوج بنت أبي جهل، فقد تقدّم الكلام حولها، وأثبتنا أنّها قصة مختلقة، نسجها خصوم عليّ(عليه السلام) للنيل من شخصيته ومنزلته من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولصرف الأنظار عمّن غضبت عليهم فاطمة(عليها السلام)وهجرتهم ولم تكلّمهم حتى توفّيت(عليها السلام).
2. قال ابن تيمية: كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لأعطينّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله»، وقوله: «إنّه لعهد النبي الأُمّي إليَّ أنّه لا يحبني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق»، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون

1 . منهاج السنّة: 4 / 241 ـ 242، وفي طبعة بولاق : 2 / 168.
2 . لاحظ: الاستيعاب: 3/1103; الرياض النضرة:3/142; مناقب الخوارزمي:180، برقم 65; الأربعين للرازي:466.
3 . الرياض النضرة:3/145; تذكرة الخواص:148، إلى غير ذلك من المصادر.
4 . الاستيعاب: 3 / 1102، ترجمة علي بن أبي طالب. رواه باسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر، ورجال الرواية ثقات. ورواه أيضاً بإسناده عن ابن عباس.

(251)
من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي». فهذه الأُمور ليست من خصائص عليّ، لكنّها من فضائله ومناقبه التي تُعرف بها فضيلته، واشتهر رواية أهل السنّة لها، ليدفعوا بها قدح من قدح في عليّ، وجعلوه كافراً أو ظالماً، من الخوارج.(1)
أقول: لا يخفى أنّ الرجل بصدد إنكار خصائص علي(عليه السلام) بتبديلها إلى الفضائل ثم التهوين ممّا أوردوه منها بزعم أنّ الغاية منها هو ردّ عادية الخوارج الذين كفّروا عليّاً .
كيف لا يكون من خصائصه(عليه السلام) قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) له في غزوة تبوك: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي» فإنّ الاستثناء دليل على أنّ كل ما للنبي من مناصب دينية فجميعها ثابت لعلي(عليه السلام)إلاّ النبوة، فهل قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل هذا القول لأحد من الصحابة؟ وهل هناك مَن تحلّى بهذه المنقبة غيره؟
وهل قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»، لغير عليّ؟
وعلى كلّ تقدير فهذه الكلمات الصادرة عن النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) لدليل واضح على علو مقامه وسموّ كعبه.
وللحافظ ابن حجر في «الإصابة» كلام حول خصائص علي(عليه السلام) يليق بالمحقق الرجوع إليها ومطالعتها حتى يقف على ما لعلي(عليه السلام) من الفضائل والمناقب ما ليس لغيره.(2)
3. وقال: ومن المعلوم أنّ الخلفاء الثلاثة اتّفقت (اّتفق) عليهم

1 . منهاج السنّة: 4 / 371، وفي طبعة بولاق : 2 / 199. 2 . الإصابة:4/564ـ569.

(252)
المسلمون، وكان السيف في زمانهم مسلولاً على الكفّار، مكفوفاً عن أهل الإسلام، وأمّا عليّ فلم يتّفق المسلمون على مبايعته، بل وقعت الفتنة تلك المدّة، ]وكان السيف في تلك المدّة [ مكفوفاً عن الكفّار مسلولاً على أهل الإسلام.(1)
أقول: أوّلاً: إنّ السيف لم يكن مكفوفاً عن الكفّار في زمان علي(عليه السلام) بل كان مسلولاً عليهم في المشرق الإسلامي كما يذكره المؤرّخون، حيث حصلت الفتوحات في زمان خلافته.
ذكر ابن الأثير في الكامل: وفيها (يعني سنة تسع وثلاثين) توجّه الحارث بن مُرّة العبدي إلى بلاد السند غازياً متطوعاً بأمر أمير المؤمنين علي(عليه السلام) فغنم وأصاب غنائم وسبياً كبيراً، وقسم في يوم واحد ألف رأس، وبقي غازياً إلى أن قُتل بأرض القيقان هو ومن معه إلاّ قليلاً سنة اثنتين وأربعين أيّام معاوية.(2)
وثانياً: إنّ الاختلافات والصراعات التي وقعت أيّام خلافة علي(عليه السلام) قد كانت نتيجة طبيعية لسياسة الخلفاء، خصوصاً الثالث منهم، حيث حلّت العصبية والقبلية، والطبقية، محل العدالة والمساواة والموازين الإسلامية، وكان الإمام علي(عليه السلام)يريد إرجاع هذه الأُمّة عن تلك القبلية والعصبيّة وهاوية الانحراف وحب الدنيا، إلى سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأيامه، فتمرّد عليه أصحاب الدنيا وعشّاق السلطة، وجيّشوا الجيوش بالأموال التي اغتصبوها من بيت مال المسلمين لمحاربة الإمام (عليه السلام)، فحاربهم(عليه السلام)امتثالاً لصريح القرآن، وأوامر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . منهاج السنّة: 4/161، وفي طبعة بولاق : 2 / 148. 2 . الكامل في التاريخ:3/381.

(253)
روى أبو أيوب الأنصاري قال: أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين .(1)
وروى أبو سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال هؤلاء فمع مَن؟ قال: «مع علي بن أبي طالب».(2)
فعلى هذا فقد قام عليّ بما أمر به رسول الله، ولكنّ ابن تيمية لا يعبأ بكلام رسول الله إذا ما تعلّق بعليّ(عليه السلام)، ولا بنبوءاته(صلى الله عليه وآله وسلم) التي تأتي في إطار حرصه على أُمّته، ورغبته في أن تمضي في السير على طريق الهداية، وأن تتنكّب عن طريق الضلال، فيدلّها على معالم الطريق، ويرشدها إليه بإشارات واضحة، ومن ذلك قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله»، قال أبو سعيد الخدري: فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر، قال أبو بكر: أنا هو؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل ـ يعني علياً ]وكان(عليه السلام) يخصف نعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)[ ـ فأتيناه، فبشّرناه فلم يرفع به رأسه، كأنّه قد كان سمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(3)

1 . المستدرك:3/139.
2 . انظر تاريخ ابن كثير:7/305. إلى غير ذلك من مصادر الحديث التي تناهز حدّ التضافر.
3 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 122 ـ 123، وصحّحه على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي. يذكر أنّ الحاكم رواه من طريقين: أحدهما: من طريق عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد. والثاني: من طريق عبيد الله بن موسى، عن فطر بن خليفة، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد. ورجال كلا الطريقين، ثقات.

(254)
إذن، فالقتال على تأويل القرآن، كان من مواطن البشرى، ولذا استشرف لها أبو بكر وعمر، ولكن تلك النبوءة لم تتحقّق إلاّ على يد حليف القرآن، وتلك البُشرى لم تُزَفّ للقرآن، وللرسالة وصاحبها، وللأُمّة جمعاء، إلاّ من بطل الإسلام، الذي كان في طليعة مَن قاتل مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على تنزيل القرآن.
ونسأل: ألا يُعتبَر ابن تيمية، بذلك الكلام الذي يعيب به مَن حَمل راية الدفاع عن القرآن، وصانه من تحريف المتأوِّلين المبطلين، ألا يُعتبر بذلك طاعناً على رسول الله نفسه، ومنغِّصاً عليه فرحه وسروره ببقاء القرآن، الذي جاد بكلّ شيء في سبيل تحكيمه في الحياة، مصوناً من التحريف بعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
ثمّ إنّ السيف في زمان الخلفاء الثلاثة لم يكن مكفوفاً عن أهل الإسلام، فعلى الرغم من أنّ التاريخ الذي كتبوه بأيديهم قد أسرف كثيراً في ذكر أخبار المرتدّين الذين حاربهم أبو بكر، فإنّك تجد في ثنايا صفحاته أنّ ثمّة جماعة من المسلمين، لم ترتدّ، وأُخرى امتنعت عن أداء الزكاة لسبب من الأسباب، ليس من بينها إنكار فريضة الزكاة، وممّا يدلّك على ذلك قول الخفشيش، الذي يستنكر فيه تولّي أبي بكر للأمر:
أطعنا رسول الله ما كان بيننا *** فيا لعباد الله ما لأبي بكر
أيملكنا بكر، إذا مات، بعده *** فذاك وبيت الله قاصمةُ الظَّهرِ(1)
ويدلّ على ذلك أيضاً قصة مالك بن نويرة وقومه، الذين قتلهم خالد بن

1 . تاريخ المدينة المنورة لابن شبّة: 547 ـ 548; وانظر: تاريخ الطبري:2/477.

(255)
الوليد، وهم ممّن شهد لهم أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري بالإسلام، وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها،وكان يحدّث أنّهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا: إنّا المسلمون، فقالوا: نحن المسلمون، قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، قال: ثمّ صلّينا وصلّوا، وكان خالد يعتذر في قتله أنّه قال وهو يراجعه: ما أخال صاحبكم إلاّ وقد كان يقول كذا وكذا، قال: أوَما تعدّه لك صاحباً؟ ثمّ قدّمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه!!! فلمّا بلغ قتلهم عمر بن الخطاب، تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: عدوّ الله]يعني خالداً [عدا على امرئ مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته... .(1)
فكيف يدّعي ابن تيمية، بعد هذا وغيره أنّ السيف كان مسلولاً فقط على الكفّار؟
ثمّ إنّ عليّاً ما خاض غمار الحروب إلاّ بعد إتمام الحجّة، وإبلاغ القوم بما يجب عليهم، وبعد تكبّرهم ورفضهم ما كان له بد إلاّ محاربة المفسدين وتجار الأموال، ومستغلّي المناصب غير المستحقين لها.
ولذا فالاختلاف والصراعات لم تكن معلولة لحكومة علي(عليه السلام)، بل كانت أثراً طبيعياً للتربية غير السليمة لمن سبقه ممّن رفضوا حكومة العدل الإلهي وسعوا وراء ملذّاتهم الدنيوية، والتي وقف علي(عليه السلام) حائلاً بينهم وبينها، مما دعاهم للتآمر عليه ومحاربته.

1 . تاريخ الطبري:2/503ـ504.

(256)

6

إنكار ابن تيمية عرفان المنافقين ببغض علي(عليه السلام)

تضافرت الروايات على أنّ قسماً من الصحابة كانوا يعرفون المنافقين ببغضهم علي بن أبي طالب(عليه السلام)وهذا من فضائله التي لا تنكر، ولكن ابن تيمية حاول أن ينكره، حيث قال:
«ومن قدّر أنّه سمع عن بعض الأنصار أمراً يوجب بغضه فأبغضه، لذلك كان ضالاً مخطئاً ولم يكن منافقاً لذلك، وكذلك من اعتقد في بعض الصحابة اعتقاداً غير مطابق فظنّ فيه أنّه كان كافراً أو فاسقاً فأبغضه لذلك، كان جاهلاً ظالماً ولم يكن منافقاً. وهذا ممّا يبيَّن به كذب ما يُروى عن بعض الصحابة كجابر أنّه قال:«ما كنّا نعرف المنافقين على عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب» فإنّ هذا النفي من أظهر الأُمور كذباً، لا يخفى بطلان هذا النفي على آحاد الناس فضلاً عن أن يخفى مثل ذلك على جابر أو نحوه. ثم ذكر علامات المنافقين الواردة في سورة التوبة، وقال:ليس في شيء منها بغض عليّ.(1)
لقد بذل ابن تيمية كلّ ما في وسعه، لردّ هذه المنقبة التي اختصّ بها عليّ

1 . منهاج السنّة: 7/149، وفي طبعة بولاق : 4 / 39.

(257)
وحده من دون الصحابة أجمعين، واستثار كلّ أضغانه الأموية للحطّ من قـدر الإمام(عليه السلام)، ولجأ، لهذا الغرض، إلى مختلف الأساليب المموِّهة والمضلِّلة، الأمر الذي أوقعه في تناقضات واضحة، أعماه الحقد عن رؤيتها.
والحقّ أنّ كلام جابر من أنّهم كانوا يعرفون المنافقين ببغض عليّ، هو تجسيد حيّ لما صحّ من قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ:«إنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق».(1)
فلمَ، إذاً، كلّ هذا التعسّف في ردّ كلامه، بل في ردّ الحديث الشريف؟
ومن الغريب قول ابن تيمية: إنّ القرآن الكريم ذكر علامات المنافقين، وليس في شيء منها بغض عليّ، ثم هو ينقل عن الصحيحين من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان».(2) وهذه العلامات، كماترى، لم تُذكر في القرآن الكريم.
وينقل، أيضاً، عن الصحيحين من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».(3) وهذه العلامة، أيضاً، لم تُذكر في القرآن الكريم. والسبب واضح، وهو أنّ تلك الآيات لم تكن بصدد الحصر... وابن تيمية يعلم ذلك، ولكن بغض عليّ(عليه السلام)، هو الذي حمله على هذا الجدل المقيت.

1 . مسند أحمد:1/95، و138، وانظر: سنن الترمذي:5/343، وصحيح مسلم:1/86، وفيه عن عليّ(عليه السلام): «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأُمّيّ أنّه لا يحبني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق».
2. منهاج السنّة:7/148، وفي طبعة بولاق:4/41.
3 . منهاج السنّة: 7 / 147، وفي طبعة بولاق : 4 / 40.

(258)
ثمّ إنّ ابن تيمية قد فسّر كلام جابر، بما يراه، ثم ذهب إلى بيان امتناعه!! قال: والمقصود هنا أنّه يمتنع أن يقال: لا علامة للنفاق إلاّ بغض عليّ، ولا يقول هذا أحد من الصحابة.(1)
ونسأل ابن تيمية: من قال لك أنّ ما فسّرتَ به كلام جابر، هو المعنى المقصود منه؟!
ولمّا ضاقت به السبل، عاد فقال: لكنّ الذي قد يقال: إنّ بغضه من علامات النفاق، كما في الحديث المرفوع:«لا يبغضني إلاّ منافق» فهذا يمكن توجيهه، فإنّه مَنْ عَلِمَ ما قام به عليّ(رضي الله عنه) من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله، ثم أبغضه على ذلك، فهو منافق.(2)
فلمَ إذاً، كلّ هذا الجدل واللجاج، والإطناب المملّ، والذهاب في كلّ اتجاه، من أجل ردّ كلام جابر؟؟!
ولست أدري، كيف يرى ابن تيمية أنّ نفاق من يبغض الأنصار أظهر(3)من نفاق من يبغض عليّاً، مع أنّ هذه المزية ثابتة لعليّ وحده، في حين أنّها ثابتة (مع القول بصحة الحديث) للأنصار بمجموعهم، ففرق كبير بين أن يبغض شخص عليّاً فيوصم بالنفاق، وبين أن يبغض طائفة واسعة هم الأنصار، وهذا يعني أنّ من يبغض بعض الأنصار ـ لأمر ما ـ لا يُعدّ منافقاً، في حين أن من يبغض عليّاً وحده يُعدّ منافقاً، فأيّ النفاقين أظهر؟

1 . منهاج السنّة: 7/152، وفي طبعة بولاق : 4 / 42.
2 . منهاج السنّة: 7/152، وفي طبعة بولاق : 4 / 42 . الظاهر من عبارته(فإنّه من علم ما قام به علي من الايمان... ثم أبغضه على ذلك، فهو منافق) أنّه يرى أنّ من أبغضه على غير ذلك، كأن يكون على قتاله(عليه السلام) سيّده معاوية، الخصم الألدّ لعليّ، فهو ليس بمنافق.
3 . منهاج السنة:7/152، وفي طبعة بولاق: 4 / 42 .

(259)
ومن أعجب العجائب قول ابن تيمية: (أنّ النفاق في بغض عمر أظهر منه في بغض علي).(1)
فليأتنا بحديث نبويّ يثبت هذا؟ وإلاّ فإنّ إطلاق الكلام جُزافاً وبلا دليل لا يعجز عنه الجاهلون. اللهم إلاّ أن يدّعي ابن تيمية أنّه أعلم بعمر من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ قوله هو الحقّ، ولا يمكن أن يرقى إليه قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)!!! وعندئذ فلا كلام لنا معه، لأنّه لا يُستبعد من مثله أن يشتطّ فيقول ـ وقد دافع عن يزيد ـ أنّ النفاق في بغض يزيد أظهر منه في بغض عليّ.
وختاماً إنّ القائل بعرفان المنافقين ببغض عليّ ليس هو جابر بن عبد الله وحده بل شاركه فيه غيره، وقد أخرج شيخنا المحقّق الأميني في غديره مَنْ ذَكرَ هذا الموضوع من رواة الحديث، ومنهم:
1. أبو ذر الغفاري فإنّه قال: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله إلاّ بثلاث: بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلّف عن الصلاة، وبغضهم عليّ بن أبي طالب.
2. أبو سعيد الخدري، قال: كنّا نعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم عليّاً.
3. أبو سعيد محمد بن الهيثم، قال: إن كنّا لنعرف المنافقين نحن معاشر الأنصار إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب.
4. أبو الدرداء. قال: إن كنّا نعرف المنافقين معشر الأنصار إلاّ ببغضهم علي بن أبي طالب(عليه السلام).(2)

1 . منهاج السنّة: 7/153، وفي طبعة بولاق : 4 / 42.
2 . للوقوف على مصادر هذه الصور، راجع: الغدير في الكتاب والسنة: 3 / 182ـ 184.

(260)

7

لم يكن لسيف عليّ(عليه السلام) في الوقائع تأثير

أنكر ابن تيمية دور الإمام علي(عليه السلام) في الحروب والغزوات التي خاضها المسلمون مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: سيفه جزء من أجزاء كثيرة ـ إلى أن قال: ـ وكثير من الوقائع التي ثبت بها الإسلام لم يكن لسيفه فيها تأثير، كيوم بدر كان سيفاً من سيوف كثيرة.(1)
أقول: نحن نعرض قول ابن تيمية هذا على ما ورد في «السيرة النبوية» لابن هشام حوَل مَنْ قُتل في معركة بدر من المشركين على يد علي بن أبي طالب:
1. العاص بن سعيد بن العاص بن أُميّة.
2. الوليد بن عتبة بن ربيعة.
3. عامر بن عبد الله.

1 . منهاج السنّة: 8/89 ـ 90، وفي طبعة بولاق : 4 / 167.

(261)
4. طعيمة بن عدي بن نوفل(1).
5. نوفل بن خويلد بن أسد.
6. النضر بن الحارث بن كلدة.
7. عمير بن عثمان بن عمرو(2).
8. حرملة بن عمرو. قتله خارجة بن زيد، ويقال: بل علي بن أبي طالب.
9. أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة(3).
10. حاجز بن السائب.
11. معاوية بن عامر.
12. أوس بن مِعْير(4).
13. مسعود بن أبي أُمية بن المغيرة.
14. عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة.
15. العاص بن منبّه بن الحجّاج.
16. أبو العاص بن قيس بن عديّ(5).
17. عقبة بن أبي مُعيط. قتله عاصم بن ثابت، ويقال: علي بن أبي طالب.
وممّن اشترك(عليه السلام) في قتله:

1 . ويقال: قتله حمزة بن عبد المطلب.
2 . ويقال: قتله عبد الرحمن بن عوف.
3 . ويقال: قتله عمّار بن ياسر.
4 . ويقال: قتله الحصين بن الحارث، وعثمان بن مظعون.
5 . ويقال: قتله النعمان بن مالك، ويقال: أبو دجانة.

(262)
1. حنظلة بن أبي سفيان. يقال: اشترك فيه هو وحمزة وزيد بن حارثة.
2. عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. اشترك فيه هو وعبيدة بن الحارث وحمزة.
3. زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد. يقال: اشترك فيه هو وحمزة وثابت.
4. عقيل بن الأسود بن المطلب.اشترك فيه هو وحمزة.(1)
وها هو الإمام علي(عليه السلام) يخاطب معاوية في كتاب له إليه: «وعندي السيف الذي أعضضته بجدّك وخالك وأخيك في مقام واحد».وخاطبه في كتاب آخر: «فأنا أبو حسن قاتل جدّك وأخيك وخالك شدخاً يوم بدر».(2)
وروى مسلم في صحيحه باسناده عن قيس بن عُباد، قال: سمعت أبا ذرّ يقسم قسماً أنّ (هذانِ خَصْمانِ اختَصَمُوا في رَبِّهِم).(3) أنّها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة.(4)
وأمّا آثار عليّ(عليه السلام) في غزوة أُحد، فهي آثار مشهورة سجّلها المؤرخون وأصحاب السير في صحائفهم، ومن ذلك ما رواه الطبري في تاريخه، قال:

1 . السيرة النبوية لابن هشام:2/365ـ372، دار إحياء التراث العربي، وقال الشيخ المفيد: وقد أحصي عدد من قتلهم أمير المؤمنين(عليه السلام)فكان 35 رجلاً سوى من شرك في قتله .
2 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 64، 10.
3 . الحج:19.
4 . لاحظ: صحيح مسلم:8/245، برقم 3033; تاريخ الطبري:2/197 و 269; كنزالعمال:5/273; الطبقات الكبرى لابن سعد:3/17، وغيرها.

(263)
حدّثنا أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد قال: حدثنا حبان بن علي، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: لمّا قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة من المشركين، فقال لعلي: إحمل عليهم، فحمل عليهم وفرق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجحمي، ثم أبصر جماعة أُخرى، فقال لعلي: إحمل عليهم، فحمل عليهم، وفرّق جمعهم، وقتل شيبة بن مالك، فقال جبريل: يا رسول الله إنّ هذه للمواساة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّه مني وأنا منه»، فقال جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتاً:
لا سيف إلاّ ذو الفقار *** ولا فتــى إلاّ علــي(1)
وقال ابن أبي الحديد(بعد أن نقل عن الواقدي وابن حبيب والمدائني، أسماء المقتولين من المشركين بأُحد، وأسماء قاتليهم)، قال: فجميع من قُتل من المشركين يوم أُحد ثمانية وعشرون، قَتل عليّ(عليه السلام)منهم ما اتُّفق عليه، وما اختُلف فيه، اثني عشر، وهو إلى جملة القتلى كعدّة من قَتل يوم بدر إلى جملة القتلى يومئذ، وهو قريب من النصف.(2)
وفي وقعة الأحزاب، ألم يسمع ابن تيمية بقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما برز علي(عليه السلام) لعمرو بن عبد ود العامري: «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه»...
قال الفخر الرازي: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لضربة عليٍّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».(3)

1 . تاريخ الطبري:2/197و 514. 2 . شرح نهج البلاغة:15/54.
3 . نهاية الفصول في دراية الأُصول:114، ولاحظ: تاريخ دمشق:1/155(ترجمة علي(عليه السلام)); فرائد السمطين:1/255، برقم 197; الدر المنثور:5/192.

(264)
وعن الحاكم: أنّ يحيى(1) بن آدم قال: ما شبهت قتل عليّ عمراً إلاّ بقول الله عزّ وجل: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَ قَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ)(2).(3)
وهل أنّ ابن تيمية لم يقرأ التاريخ ولم يسمع بغزوة خيبر ولم يبلغه ما ورد في مسند أحمد من عدّة طرق، وصحيحي مسلم، والبخاري من طرق متعدّدة، وفي الجمع بين الصحاح الستة أيضاً عن عبد الله بن بريد، قال: سمعت أبي يقول: حاصرنا خيبر، وأخذ اللّواء أبو بكر، فانصرف، ولم يفتح له، ثمّ أخذه عمر من الغَد فرجع، ولم يفتح له، وأصاب النّاس يومئذ شدّة وجُهد، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لأُعطينّ هذه الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه».
فبات الناس يتداولون ليلتهم، أيّهم يُعطاها؟ فلمّا أصبح النّاس غدوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّهم يرجو أن يُعطاها. فقال النبيّ: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل: يشتكي عينه... فأرسل إليه، فأتى، فبصق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في عينه، ودعا له فبَرأ، فأعطاه الراية، ومضى عليّ فلم يرجع، حتّى فتح الله على يديه».
قال عمر بن الخطّاب ما أحببتُ الإمارة إلاّ يومئذ، قال: فتطاولتُ ـ فتساورت لها ـ رجاء أن أُدعى لها: قال: فدعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّ بن أبي طالب فأعطاها إيّاه(فأعطاه إيّاها) وقال: امشِ ولا تلتفت حتّى يفتح الله عليك.
قال: فسار عليّ شيئاً ـ ماشياً ـ ثمّ وقف ولم يلتفت فصرخ عليّ: يا رسول

1 . هو يحيى بن آدم بن سليمان القرشي، الأموي بالولاء، روايته في الصحيحين، وفي السُّنن. توفّي سنة (203هـ).تهذيب الكمال:31/188، الترجمة 6768.
2 . البقرة:251.
3 . المستدرك على الصحيحين(كتاب المغازي):3/24; المناقب للخوارزمي:171.

(265)
الله على ماذا أُقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله، ففتح الله بيده».(1)
ولنُسمِعْ ابنَ تيمية وأتباعه ومقلّديه قولَ ابن هشام في السيرة في أحداث غزوة حنين: قال: قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: بينا ذلك الرجل من هوازن صاحبُ الراية على جمله يصنع ما يصنع، إذ هوى له]يعني مال عليه [عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فيأتيه علي بن أبي طالب من خلفه، فضرب عُرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله ]يعني: سقط عنه صريعاً[، قال: واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتّفين عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)
وحامل راية المشركين ـ هذا ـ كان اسمه جرول، وكان يكرّ على المسلمين وينال منهم، وبقتله تمّ النصر للنبي والمؤمنين.
هذا جانب من آثار عليّ المشهودة فى أهم المعارك الّتي قامت عليها أعمدة الاسلام، ولكن ابن تيمية تعامى عن ذلك، وجحد أمراً هو أسطع من

1 . لاحظ: صحيح البخاري: 4 / 12 و 20، باب دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وص 207، باب مناقب المهاجرين وفضلهم; وج 5 / 76، باب غزوة خيبر; صحيح مسلم: 5 / 195، باب قوله تعالى: (هُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ)الفتح: 24 ; وج 7 / 120 و 122، باب فضائل علي (عليه السلام); سنن الترمذي: 5 / 302 ; باب مناقب علي (عليه السلام) ; مسند أحمد: 2 / 384، وج 5 / 333 و 358 .
2 . السيرة النبوية لابن هشام:3 و4/445.

(266)
نور الشمس في رائعة النهار، وشذّ شذوذاً عجيباً; بقوله: «وكثير من الوقائع التي ثبت بها الإسلام لم يكن لسيفه فيها تأثير».
وممّا يدلّك على شذوذ هذا القول (الّذي شاء الله تعالى أن ينطق به صاحبه ليشين به نفسه، ويفضح به سريرته)، هو قول الحافظ الكبير المؤرّخ ابن عبدالبرّ القرطبي المالكي (المتوفّى 463هـ)، وهو يترجم لابن أبي طالب:
وأجمعوا على أنّه صلّى القبلتين، وهاجر، وشهد بدراً والحديبية، وسائر المشاهد وأنّه أبلى ببدر وبأُحد وبالخندق وبخيبر بلاء عظيماً، وأنّه أغنى في تلك المشاهد، وقام فيها المقام الكريم.(1)
(لقد كان عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ فارس الجماعة الإسلامية الأُولى، وإنّ حسابه فيها ليس حساب عشرة رجال، وإنّما حساب عشرات وعشرات.
والصحف التي سجّلت غزوات الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ تشهد أنّ عليّ بن أبي طالب كان جيشاً عاملاً في كلّ ملتحم بين المسلمين والمشركين.
وهذه حقيقة تظاهرت على صدقها الأخبار المتواترة نثراً وشعراً، كما سجّلها القصص الشعبي الشائع على الألسنة، والمتلقّى من جيل إلى جيل.
والحقّ أنّ مكان عليّ بن أبي طالب في معارك الإسلام، ومكانته في الأبطال، أكبر من أن تخفى وراء دخان التعصّب والجدل، وأن تعمى عليها مقولات القائلين في مواقف الخصومة والملاحاة).(2)

1 . الاستيعاب:3/1096ـ1097، الترجمة1855.
2 . علي بن أبي طالب، لعبد الكريم الخطيب المصري:130، 145.

(267)
وممّن سجّل بطولات عليّ في معارك الإسلام الخالدة، من الشعراء المتقدّمين، الشاعر المفلق أبو تمّام حبيب بن أوس الطائي (المتوفّى 231هـ) فقال من قصيدة له في مدحه(عليه السلام):
أخوه إذا عُدّ الفخار، وصهره *** فلامثله أخ، ولا مثله صهرُ
وشُدّ به أزر النبي محمّد *** كما شُدّ من موسى بهارونه الأزْر
ومازال صبّاراً دياجير غمرة *** يمزّقها عن وجهه الفتح والنصر
هو السيف سيف الله في كلّ مشهد *** وسيف الرسول، لا دَدان ولا دثْر(1)
فأيّ يد للذمّ لم يبْرِ زندها *** ووجه ضلال ليس فيه له أثْر
يسدّ به الثّغر المخوف من الردى *** ويعتاص (2) من أرض العدوّ به الثغر
بأُحد وبدر حين ماج برجله *** وفرسانه أحد وماج بهم بدر
ويوم حنين والنضير وخيبر *** وبالخندق الثاوي بعقْوته (3) عمرو
سما للمنايا الحمر حتى تكشّفتْ *** وأسيافه حمرٌ وأرماحه حمر(4)

1 . الددان: السيف الكليل. والدَّثر: البطيء الخامل.
2 . يعتاص: يقوى ويشتدّ.
3 . العَقوة: الساحة.
4 . ديوان أبي تمّام:144، طبعة دار صعب، بيروت.

(268)

8

ادّعاء تخلّف أكثر الأُمّة عن بيعة علي(عليه السلام)

تضافرت الروايات والأخبار على أنّ الصحابة والتابعين قد بايعوا عليّاً بيعة واقعية ولم يتخلّف عنه إلاّ بضعة أفراد.
وإليك نتفاً ممّا ذكره المؤرخون، قال ابن واضح الأخباري: وبايع الناس إلاّ ثلاثة نفر من قريش: مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، والوليد بن عقبة... إلى أن قال: وقام قوم من الأنصار فتكلّموا وكان أوّل من تكلّم ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاري وكان خطيب الأنصار، فقال: والله يا أمير المؤمنين لئن كانوا تقدموك في الولاية ]يريد الخلفاء الثلاثة[ فما تقدّموك في الدين، ولئن كانوا سبقوك أمس فقد لحقتهم اليوم، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك، ولا يجهل مكانك، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون، وما احتجت إلى أحد مع علمك.
ثم قام خزيمة بن ثابت الأنصاري، وهو ذوالشهادتين، فقال: يا أميرالمؤمنين ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك، ولا كان المنقلب إلاّ إليك، ولئن

(269)
صدقنا أنفسنا فيك، فلأنت أقدم الناس إيماناً، وأعلم الناس بالله، وأولى المؤمنين برسول الله، لك ما لهم، وليس لهم ما لك.
وقام صعصعة بن صوحان فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد زيّنتَ الخلافة وما زانتْك، ورفعتَها و ما رفعتك، ولهي إليك أحوج منك إليها.
ثم قام مالك بن الحارث الأشتر فقال: أيّها الناس هذا وصي الأوصياء،... إلى أن قال: من كملت فيه الفضائل، ولم يشكّ في سابقته وعلمه وفضله الأواخر، ولا الأوائل.
ثم قام عقبة بن عمرو فقال: من له يوم كيوم العقبة وبيعة كبيعة الرضوان، والإمام الأهدى الذي لا يُخاف جوره، والعالم الذي لا يُخاف جهله. (1)
وممّا قاله علي(عليه السلام) في وصف بيعته بالخلافة: وبسطتم يدي فككفتُها، ومددتُموها فقبضتها، ثم تداككتم عليّ تداكّ الإبل الهيم على حياضها يوم وردها، حتى انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطئ الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير، وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسَرت إليها الكعاب.(2)
وروى أحمد بن حنبل باسناده عن محمد بن الحنفية قال: كنت مع علي، وعثمان محصور، قال: فأتاه رجل فقال: إنّ أمير المؤمنين مقتول،... إلى أن قال: فأتى عليٌّ الدار، وقد قُتل الرجل فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه، فـأتـاه النـاس فضـربوا عليـه الباب فـدخلوا عليـه فقـالوا: إنّ هـذا الـرجل قد قُتل، ولابدّ للناس من خليفة، ولا نعلم أحداً أحق بها منك، فقال لهم علي: لا

1 . تاريخ اليعقوبي:2/179. 2 . نهج البلاغة، الخطبة رقم 229.

(270)
تريدوني] وفي رواية الطبري: لا تفعلوا[ فإنّي لكم وزير خيـر مني لكـم أميـر.
فقالوا: لا والله ما نعلم أحداً أحقّ بها منك. قال: فإن أبيتم عليّ فإنّ بيعتي لا تكون سرّاً ولكن أخرج إلى المسجد، فمن شاء أن يبايعني بايعني. قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس.(1)
والرواية تدلّ على أُمور:
1. زهد علي في الخلافة، وعدم طلبه لها أو طمعه فيها، واعتزاله في بيته حتى جاء الصحابة يطلبونه للبيعة.
2. أنّ الصحابة من المهاجرين والأنصار والناس عامّة هم الذين قصدوا عليّاً وطلبوا منه أن يوافق على البيعة وألحّوا عليه حتى قبلها.
3. أنّ عليّاً كان أحقّ الناس بالخلافة يومئذ في نظر الصحابة، ويدلّ على ذلك إلحاحهم عليه، ليقبل البيعة وتصريحهم بأنّهم لا يعلمون أحقّ منه بالخلافة يومئذ.
4. اتّفاق الناس على عليّ وإجماعهم على بيعته وفيهم المهاجرون والأنصار، ولم يتوقّف عن بيعته إلاّ أهل الشام، وهذا لا يضر بعد إجماع أهل المدينة.(2)
وما ذكره المؤلّفان إنّما هو على غرار كون الخلافة أمراً انتخابياً، وهذا هو الذي لم يرغب فيه الإمام(عليه السلام)، ولذلك قال: «فإنّي لكم وزير خير منّي لكم

1 . فضائل الصحابة:2/573; تاريخ الطبري:4/427.
2 . بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة تأليف: أُمّ مالك الخالدي وحسن فرحان المالكي:104ـ105، مركز الدراسات التاريخية في الأردن، الطبعة الثالثة.

(271)
أمير»، وأمّا على المبنى الصحيح وهو أنّ الخلافة أمر تنصيصي من الله سبحانه، فليس للإمام رفضها أو ردّها، ولكن حيثما أعرضت الأُمّة عن ذلك لم يرغب الإمام فيها على ضوء اقتراحهم.
ومع هذه الشواهد، وأقواها، حسب مباني القوم، رواية أحمد بن حنبل، وهي صحيحة على شرط مسلم ورجالها ثقات رجال الشيخين، هل يبقى في قلب أحد شكّ في بيعة المهاجرين والأنصار لعليّ (عليه السلام)بالخلافة؟
وهل يحق لمنصف أن يذعن لما قاله ابن تيمية: نصف الأُمّة ـ أو أقل أو أكثر ـ لم يبايعوه (يعني: عليّ بن أبي طالب)؟(1)
أو يذعن لما قاله في موضع آخر، وقد تمادى أكثر: فلم يظهر في خلافته دين الإسلام.(2)
ولكي تطمئنّ أكثر، عزيزي القارئ، إلى كذب دعوى ابن تيمية بأنّ نصف الأمة أو أقلّ أو أكثر لم يبايعوا عليّاً، نعرض لك شيئاً ممّا أورده العلماء والحفّاظ والمؤرّخون حول إصفاق الناس على بيعته(عليه السلام).
أ. قال ابن سعد(المتوفّى 230هـ): قالوا... وبويع لعلي بن أبي
طالب رحمه الله بالمدينة، الغد من يوم قُتل عثمان، بالخلافة، بايعه:
طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن
نفيل، وعمّار بن ياسر، وأُسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو
أيوب الأنصاري، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت،

1 . انظر منهاج السنّة: 4/105، وفي طبعة بولاق : 2 / 135.
2 . منهاج السنّة: 4/117، وفي طبعة بولاق : 2 / 138.

(272)
وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم.(1)
ب. قال أبو حنيفة الدينوري(المتوفّى 282هـ):
فلمّا قُتل ]يعني عثمان[ بقي الناس ثلاثة أيام بلا إمام، وكان الذي يصلّي بالناس الغافقي، ثم بايع الناس عليّاً(رضي الله عنه)، فقال: «أيّها الناس، بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنّما الخيار قبل أن تقع البيعة، فإذا وقعت فلا خيار، وإنّما على الإمام الاستقامة، وعلى الرعيّة التسليم، وإنّ هذه بيعة عامّة، من ردّها رغب عن دين الإسلام، وإنّها لم تكن فلتة».
ثمّ قال الدِّينوري:
وكتب عليّ بن أبي طالب إلى معاوية:«أمّا بعد، فقد بلغك الذي كان من مصاب عثمان، واجتماع الناس عليّ ومبايعتهم لي، فادخل في السلم أو ائذن بحرب». وبعث الكتاب مع الحجّاج بن غَزِيّة الأنصاري.(2)
ج. روى الطبري باسناده عن أبي بشير العابدي، قال:
كنت بالمدينة حين قُتل عثمان، واجتمع المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير، فأتوا عليّاً، فقالوا: يا أبا حسن، هلمّ نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم، فمن اخترتم فقد رضيت به فاختاروا، فقالوا: والله ما نختار غيرك... .(3)
د. روى الحاكم النيسابوري باسناده عن الأسود بن يزيد النخعي، قال:

1 . الطبقات الكبرى:3/31.
2 . الأخبار الطوال: 140ـ141(بيعة علي بن أبي طالب).
3 . تاريخ الطبري:3/45(خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب).

(273)
لمّا بويع علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) على منبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال خزيمة بن ثابت، وهو واقف بين يدي المنبر:
إذا نحن بايعنا عليّاً فحسبنا *** أبو حسن مما نخاف من الفتنْ
وجدناه أولى الناس بالناس إنّه *** أطبُّ قريش بالكتاب وبالسُّننْ
وإنّ قريشاً ما تشقّ غباره *** إذا ما جرى يوماً على الضُّمَر البُدُن
وفيه الذي فيهم من الخير كلّه *** وما فيهمُ كلّ الذي فيه من الحَسن
ثمّ نفى الحاكم صحّة ما ادّعي على بعضهم من أنّهم قعدوا عن بيعته، ووصم من زعم ذلك بأنّه يجحد تلك الأحوال، والصواب أنّهم قعدوا عن نصرته في الحرب، وروى في هذا الشأن عدّة أخبار، ثمّ قال:
فبهذه الأسباب وما جانسها، كان اعتزال من اعتزل عن القتال مع علي(رضي الله عنه)أو قتال من قاتله.(1)
وممّا يؤكد ما سبق، وأنّ نفيراً من الصحابة إنّما قعدوا عن القتال معه لا عن بيعته(عليه السلام)، هو تلك الأعذار التي قدّموها بين يدي الإمام، ونقلها أبو حنيفة الدينوري، قال:
ثمّ إنّ عليّاً(رضي الله عنه) نادى في الناس بالتأهُّب للمسير إلى العراق، فدخل عليه سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة، فقال لهم: «قد بلغني عنكم هناة كرهتها لكم»، فقال سعد: «قد كان ما بلغك، فأعطني سيفاً يعرف المسلم من الكافر حتى أُقاتل به معك»!!!

1 . المستدرك على الصحيحين:3/114ـ118.

(274)
وقال عبد الله بن عمر:«أُنشدك الله أن تحملني على ما لا أعرف».
وقال محمد بن مسلمة:«إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمرني أن أُقاتل بسيفي ما قوتل به المشركون، فإذا قوتل أهل الصلاة ضربت به صخر أُحد حتى ينكسر، وقد كسرته بالأمس». ثم خرجوا من عنده.
ثمّ إنّ أُسامة بن زيد دخل، فقال: «اعفني من الخروج معك في هذا الوجه، فإنّي عاهدت الله ألاّ أُقاتل من يشهد أن لا إله إلاّ الله».(1)
ويؤكّده أيضاً قول ابن أبي الحديد:
فأمّا أصحابنا ]يعني المعتزلة[ فإنّهم يذكرون في كتبهم أنّ هؤلاء الرَّهط إنّما اعتذروا بما اعتذروا به لمّا ندبهم إلى الشخوص معه لحرب أصحاب الجمل، وأنّهم لم يتخلّفوا عن البيعة، وإنّما تخلّفوا عن الحرب.
هـ . قال الإمام أبو عبد الله القرطبي(المتوفّى 671هـ):
انعقدت خلافته ]يعني خلافة عليّ(عليه السلام)[ في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومهبط وحيه، ومقرّ النبوة، وموضع الخلافة، بجميع من كان فيها من المهاجرين والأنصار، بطوع منهم وارتضاء واختيار... .(2)
فهل يجهل ابن تيمية هذه الأقوال، وهذه الأخبار والروايات التاريخية؟ نحن لا نظنّ ذلك، ولكنّه الهوى الذي يوافق الهوى الأمويّ البغيض، ويهوي بصاحبه في هذا الوادي السحيق.
وهاك، أخيراً، نموذجاً واحداً من أقوال العلماء، المتأخّرين عن ابن

1 . الأخبار الطوال:142ـ143.
2 . بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة:122، نقله عن التذكرة للقرطبي:623.

(275)
تيمية، حول بيعة الإمام عليّ(عليه السلام)، واتفاق الناس عليها:
و. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852هـ):
وكانت بيعة عليّ بالخلافة عقب قتل عثمان... فبايعه المهاجرون والأنصار وكلّ من حضر، وكتب ببيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلّهم إلاّ معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعدُ، ما كان.(1)
ونختم البحث في هذا الموضوع بالإشارة إلى أنّ مؤلِّفا كتاب «بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة» قد تتبّعا الروايات التي تزعم أنّ بعض الصحابة امتنع عن بيعة عليّ(عليه السلام)، وناقشا أسانيدها، فوجدا أنّها كلّها ضعيفة أو منكرة، وأوردا الروايات والأقوال التي تثبت إجماع المهاجرين والأنصار والبدريين وكبار الصحابة على بيعته(عليه السلام)، وخلصا إلى النتيجة التالية، وهي أنّ:
(كلّ الروايات التي استثنت بيعة بعض كبار الصحابة كسعد وابن عمر وأُسامة وغيرهم، روايات ضعيفة منكرة، تعارضها الروايات الصحيحة، وإلى الآن لم نجد رواية سليمة تثبت تخلّف بعض هؤلاء عن البيعة).(2)

1 . فتح الباري:7/72.
2 . بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة:253ـ 254 .

(276)

9

نتائج خلافة علي(عليه السلام)

يقول ابن تيمية: وعلي(رضي الله عنه) لم يخصّ أحداً من أقاربه بعطاء، لكن ابتدأ بالقتال لمن لم يكن مبتدئاً بالقتال حتى قتل بينهم أُلوف مؤلّفة من المسلمين، وإن كان ما فعله هو متأوّل فيه تأويلاً وافقه عليه طائفة من العلماء وقالوا: إنّ هؤلاء بغاة، والله تعالى أمر بقتال البغاة بقوله: (فَقاتِلُوا الَّتي تَبْغي)، لكن نازعه أكثر العلماء، كما نازع عثمان أكثرهم، وقالوا إنّ الله تعالى قال: (وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحداهُما عَلى الأُخرى فقاتِلُوا الّتي تَبْغِي حَتّى تَفيءَ إلى أَمْرِ اللهِ فَإنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ) .(1)
قالوا: فلم يأمر الله بقتال البغاة ابتداءً، بل إذا وقع قتال بين طائفتين من المؤمنين فقد أمر الله بالإصلاح بينهما، فإن بغت إحداهما على الأُخرى قوتلت، ولم يقع الأمر كذلك.(2)
وقال أيضاً: ولم يحصل بالقتال لا مصلحة الدين ولا مصلحة الدنيا، ولا

1 . الحجرات:9. 2 . منهاج السنّة: 8/231ـ 232، وفي طبعة بولاق : 4 / 204.

(277)
قوتل في خلافته كافر، ولا فَرِح مسلم.(1)
أقول: إنَ مَن يقول: لم يكن قتال علي في الجمل وصفين لم يكن بأمر من رسول الله وإنّما كان رأياً رآه(2)، إمّا جاهل بالحديث المتضافر، الذي أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه علياً(عليه السلام): «بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين»، أو متجاهل; فقد روى البزّار، وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم، وابن أبي عاصم، وابن عساكر بأسانيد كثيرة، عن علي، وأبي أيوب، وأُمّ سلمة، وغيرهم حديث أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(أمر عليّاً بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين).
ومجموع هذه الطرق يقتضي صحّة الحديث، أو حسنه على أقل تقدير.(3)
وقد احتجّ به الحافظ ابن حجر، وقال: «الناكثين أهل الجمل; لأنّهم نكثوا البيعة، والقاسطين أهل الشام; لأنّهم جاروا على الحق في عدم مبايعته، والمارقين أهل النهروان; لثبوت الخبر الصحيح فيهم: إنّهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».(4)
ولا شكّ في أنّ أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال هؤلاء، فيه مصلحة دينية كبرى، وعزّة للإسلام، وليس على الإمام(عليه السلام) الذي استجاب لذلك الأمر، من حرج، إذا لم يدرك ابن تيمية وأمثاله تلك المصلحة.

1 . منهاج السنّة: 7/454، وفي طبعة بولاق : 4 / 121.
2 . منهاج السنّة: 4 / 496، وفي طبعة بولاق : 2/231.
3 . انظر كتاب: بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة:78(وفيه مصادر الحديث المذكور).
4 . المصدر نفسه، نقلاً عن «تلخيص الحبير: 4 / 51 » لابن حجر.

(278)
وكيف لا يكون قتال علي(عليه السلام) بأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد صحّ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه نهى عائشة عن الخروج على عليّ(عليه السلام)، فقد روى أحمد في «مسنده» بإسناده عن قيس بن أبي حازم، قال: لما أقبلت عائشة، فلمّا بلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب. فقالت: أيّ ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب. قالت: ما أظنّني إلاّ أنّني راجعه. قال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراكِ المسلمون، فيُصلح الله ذات بينهم. قالت: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذات يوم: «كيف بإحداكن تَنبُحُ عليها كلاب الحوأب».(1)
وفي رواية البزّار: «ليت شعري أيّتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب، يُقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعد ما كادت».(2)
ونذكر في المقام، أيضاً، ما أخرجه الحاكم عن أبي سعيد قال: كنّا جلوساً ننتظر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه قال: فقمنا معه فانقطعت نعله، فتخلّف عليها عليّ يخصفها، ومضى رسول الله ومضينا معه ثم قام ينتظره وقمنا معه فقال: «إنّ منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله» فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال:«لا ولكنّه خاصف النعل» قال: فجئنا نبشره، قال: فكأنّه قد سمعه.(3)

1 . مسند أحمد:6/52 و 97. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري:13/55» : أخرج هذا أحمد، وأبو يعلى، والبزّار، وابن حبّان وصحّحه، والحاكم. وصحّحه أيضاً الذهبي، وابن حجر، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية»:6/212: وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه. انظر: سير أعلام النبلاء: 2 / 177 ـ 178، الترجمة19، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة 1405هـ .
2 . قال الهيثمي في «مجمع الزوائد:7/234»: رواه البزّار ورجاله ثقات، وكذلك قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري:13/55».
3 . مستدرك الحاكم:3/123، وصحّحه على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.

(279)
ثمّ إنّ عليّاً لم يبدأ بقتال أحد، وإنّما قاد خصومه الجيوش لمحاربته، فقد جمع الناكثون ـ مثلاً ـ الأموال، ودخلوا بجيشهم البصرة، ووالي عليّ(عليه السلام)يومئذ عليها عثمان بن حنيف، فمنع (عائشة) ومن معها من الدخول، فقالا: لم نأت لحرب، وإنّما جئنا لصلح، فكتبوا بينهم وبينه كتاباً أنّهم لا يحدثون حدثاً إلى قدوم عليّ(عليه السلام)وأنّ كلّ فريق منهم آمن من صاحبه، ثم افترقوا فوضع عثمان بن حنيف السلاح، فنتفوا لحيته وشاربه وأشفار عينيه وحاجبيه وانتهبوا بيت المال وأخذوا ما فيه... الخ.(1)
فإذا كان تعامل القوم مع والي علي(عليه السلام) على البصرة، بهذه الصورة، فهل يصحّ لعلي(عليه السلام) أن يتركهم وشأنهم؟!
كيف يتركهم وقد خرجوا من مكة ومعهم خلق عظيم، يقول ابن واضح الأخباري: خرجت عائشة ومعها طلحة والزبير في خلق عظيم وقدم يعلى بن منية بمال من مال اليمن قيل إنّ مبلغه أربعمائة ألف دينار فأخذه منه طلحة والزبير فاستعانا به وسارا نحو البصرة.(2)
وأفضل دليل على أنّ الإمام علي(عليه السلام) لم يبدأ بالقتال قوله لأصحابه: «لا تقاتلوهم حتى يبدأوكم، فإنّكم بحمد الله على حجّة، وترككم إياهم حتى يبدأوكم حجّة أُخرى لكم عليهم».
ثمّ إنّ الإمام علي(عليه السلام) أخذ مصحفاً وقال: مَن يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إليه وله الجنّة.

1 . انظر : تاريخ اليعقوبي:2/181، وتاريخ الطبري:3/485 و 486.
2 . تاريخ اليعقوبي:2/181.

(280)
فقام غلام شاب اسمه مسلم فأخذ القرآن بيمينه ونادى القوم، فقطعوا يده اليمنى، فتناول القرآن باليسرى، وناداهم فقطعوها، فانهالوا عليه بالسيوف حتى قُتل .(1)
ثمّ أخذ أصحاب الجمل يرمون عسكر عليّ بالنبل رميّاً متتابعاً، حتى قتل ثلاثة أو أكثر، وضجّ إليه أصحابه، قالوا: عقرتْنا سهامُهم، وهذه القتلى بين يديك، عند ذلك استرجع الإمام(عليه السلام) وقال: اللهم اشهد، ثم لبس درع رسول الله(ذات الفضول) وتقلّد ذا الفقار، ودفع راية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)السوداء وهي المعروفة بالعقاب دفعها إلى ولده محمد بن الحنفية، وقال للحسن والحسين إنّما دفعت الراية لأخيكما وتركتكما لمكانكما من رسول الله.(2)
فكيف يدّعي ابن تيمية، مع هذا، أنّ الإمام ابتدأ بالقتال، ولم يبدأ بالإصلاح كما أمر الله؟!
كيف يدّعي ذلك، والإمام نفسه يقول لعامر بن مطر الشيباني: والله ما أُريد إلاّ الصلح حتّى يُردّ علينا؟!(3)
كيف يدّعي ذلك، وقد صرّح المؤرّخون بأنّ علياً(رضي الله عنه) أقام ثلاثة أيام يبعث رسله إلى أهل البصرة، فيدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فلم يجد عند القوم إجابة، فزحف نحوهم؟!!(3)
اقرأ واقضِ

1 . أُسد الغابة:3/308; الأغاني:10/203; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:9/112، وغيرها.
2 . شرح نهج البلاغة:9/111. 3 . الكامل في التاريخ: 3 / 225.
3 . الأخبار الطوال، لأبي حنيفة الدينوري :147.

(281)

10

ابن تيمية ونزول آية الولاية في حقّ علي(عليه السلام)

روى جمع من المحدّثين والمفسّرين نزول آية الولاية في علي(عليه السلام)، وهي قوله تعالى: (إنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).(1)
روي عن أنس بن مالك: أنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: مَن يقرض المليَّ الوفيّ؟ وعليٌّ(عليه السلام)راكع يقول بيده خلفه للسائل، أي اخلع الخاتم من يدي.
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عمر وجبت». قال: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ما وجبت؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «وجبت له الجنّة والله، وما خلعه من يده حتى خلعه الله من كلّ ذنب ومن كلّ خطيئة» قال: فما خرج أحدٌ من المسجد حتى نزل جبرئيل بقوله عزّ وجلّ:(إنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ

1 . المائدة:55.

(282)
يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، فأنشأ حسّان بن ثابت يقول:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي *** وكلُّ بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحي والمحبّين ضائعاً *** وما المدحُ في ذات الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكعٌ *** فدتكَ نفوسُ القوم يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خيرَ سيّد *** ويا خيرَ شار ثمَّ يا خير بائع
فأنزل فيك اللهُ خيرَ ولاية *** وبيّنها في محكمات الشرائع
إذا عرفت ذلك فلنقرأ ما قاله ابن تيمية، وننظر كيف أنّه حكم حكماً قاطعاً بكذب نزول الآية في علي، وسوف نقف على مصادر نزول الآية في حقّه(عليه السلام)... وأنّ الحفّاظ والمفسّرين أوردوا حديث النزول في آثارهم.
قال: وقد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى أنّ هذه الآية نزلت في عليٍّ لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم، وكذبه بيّن من وجوه كثيرة.(1) ثم ردّ نزولها في حقّ علي(عليه السلام)بوجوه واهية أشبه بالاجتهاد في مقابل النص.

1 . منهاج السنّة: 2/30، وفي طبعة بولاق : 1 / 155.

(283)
هلم معي، أيّها القارئ، لنسرد لك أسماء عدد من الأعلام، الذين روَوْا نزول هذه الآية في علي(عليه السلام)وجميعهم من حفّاظ السنّة ومفسّريهم، ومَن يُعتمد عليهم في الحديث والتفسير والعقيدة، وهؤلاء ـ والعياذ بالله ـ هم الكذّابون عند ابن تيمية!! وهؤلاء الأعلام هم:
1. الحافظ عبد بن حُميد الكشي(المتوفّى249هـ) بإسناده عن ابن عباس.(1)
2. ابن جرير الطبري (المتوفّى 310هـ) بإسناده عن السُّدّي، وعتبة بن أبي حكيم، ومجاهد.(2)
3. ابن أبي حاتم الرازي (المتوفّى 327 هـ) في تفسيره، بإسناده عن سَلَمة بن كُهيل، وعتبة بن أبي حكيم.(3)
4. الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الأوسط.(4)
5. الحافظ أبو بكر الجصّاص الرازي (المتوفّى370 هـ) في أحكام القرآن.(5)
6. الحافظ أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفّى 468 هـ).(6)
7. الحافظ أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي (المتوفّى 571 هـ).(7)

1 . انظر: الدرّ المنثور:3/105، دارالفكر، 1409 هـ .
2 . جامع البيان(تفسير الطبري):4/372ـ373، برقم 12215، و12218، و 12219.
3 . تفسير القرآن العظيم(تفسير ابن أبي حاتم):4/1162، برقم 6549 و 6551.
4 . المعجم الأوسط:7/130، الحديث 6228.
5 . أحكام القرآن:2/446.
6 . أسباب النزول:133.
7 . تاريخ مدينة دمشق:12/305، وفي ترجمة الإمام علي(عليه السلام) الطبعة المحقّقة برقم 915.

(284)
8 . الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي (المتوفّى 597 هـ).(1)
9. أبو السعادات مبارك بن الأثير الشيباني الجزري الشافعي(المتوفّى 606هـ).(2)
10. القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيره.(3)
وهؤلاء العشرة الذين انتخبناهم من جمع غفير قد رووا نزول الآية في حق عليّ(عليه السلام) قبل أن يولد ابن تيمية، ولو أردنا الاستقصاء لطال بنا البحث، ولكن كفانا عناء ذلك شيخنا العلامة الأميني(رحمه الله)حيث أنهى عدد من ذكر نزول الآية إلى (66)محدّثاً ومفسّراً وكلامياً.(4)
وقد ناقش البعض في صحّة نزول الآية في حقّ عليٍّ (عليه السلام) بأنّ الوارد في الآية صيغة الجمع، فإنّ قوله تعالى: (الَّذينَ)صيغة جمع فلا يكون عليّ هو المراد وحده.(5)
وقد سبقه إلى هذا الإشكال غيره، كابن كثير الدمشقي في تفسيره.(6)
وقد أجاب عنه غير واحد من علمائنا بأنّ استخدام صيغة الجمع لأجل الترغيب بالإتيان بمثله، ولا ينافي انطباقه على الفرد الخارجي.

1 . الرياض النضرة:3/182.
2 . جامع الأُصول:9/478، الحديث 6503. وقد نقله من طريق النسائي.
3 . أنوار التنزيل:1/272.
4 . الغدير:3/220ـ230.
5 . نثر اللآلي على نظم الأمالي:169.
6 . تفسير ابن كثير:2/73.

(285)
هذا وقد استعملت صيغة الجمع في الذكر الحكيم وأُريد بها الواحد في مواضع، منها:
1. قوله تعالى:(والَّذينَ هاجَروا في اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ في الدُّنيا حَسَنَةً).(1)
فإنّ الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل العامري.(2)
2. قوله تعالى: (إنّ الّذين يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَانفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ)،(3) نزلت في الحصين بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف،(4)وغيرهما كثير.
وأمّا كيفية دلالتها على ولاية الإمام علي(عليه السلام)فقد أشبعنا الكلام فيها، في أسفارنا الكلامية.

1 . النحل:41.
2 . تاريخ مدينة دمشق:8/668; الجامع لأحكام القرآن للقرطبي:10/71.
3 . فاطر:29.
4 . الإصابة:1/336.

(286)

11

صور أُخرى لتعرّض ابن تيمية للإمام علي(عليه السلام) وأصحابه

قد سبق منّا أنّ ابن حجر قال في ترجمة العلاّمة الحلّي: وكم من مبالغة له(يعني ابن تيمية) لتوهين كلام الحلّي، أدّت به أحياناً إلى تنقيص عليّ(عليه السلام).(1)
وليس ابن حجر وحيداً في هذا المقال بل أدركه غير واحد ممّن قرأ كتبه، وهذا هو العلاّمة العلوي بن طاهر الحدّاد، يقول: وفي منهاج ابن تيمية من السبّ والذم الموجه المورد في قالب المعاريض ومقدّمات الأدلّة في أمير المؤمنين علي والزهراء البتول والحسنين وذريتهم ما تقشعر منه الجلود وترجف له القلوب، ولا سبب لعكوف النواصب والخوارج على كتابه المذكور إلاّ كونه يضرب على أوتارهم ويتردّد على أطلالهم وآثارهم، فكنْ منه ومنهم على حذر.(2)

1 . لسان الميزان:6/319.
2 . القول الفصل في ما لبني هاشم من الفضل، الجزء الثاني، نقلاً عن كتاب المقالات السنية:376.

(287)
وممّا يدل على ذلك الأُمور التالية:

1. التشكيك في إيمان علي (عليه السلام)قبل البلوغ

حكم ابن تيمية بكفر عليّ قبل البلوغ، فقال: ولا إيمان الصبي مثل إيمان البالغ، فأُولئك يثبت لهم حكم الإيمان والكفر وهم بالغون، وعليٌّ يثبت له حكم الكفر والإيمان وهو دون البلوغ، والصبي المولود بين أبوين كافرين يجري عليه حكم الكفر في الدنيا باتّفاق المسلمين، وإذا أسلم قبل البلوغ على قولين للعلماء، بخلاف البالغ فإنّه يصير مسلماً باتّفاق المسلمين فكان إسلام الثلاثة مخرجاً لهم من الكفر باتّفاق المسلمين، وأمّا إسلام علي فهل يكون مخرجاً له من الكفر على قولين مشهورين، ومذهب الشافعي أنّ إسلام الصبي غير مخرج له من الكفر.(1)
أقول: قل لي بربّك متى كفر عليّ ، وهو الذي وُلد في بيت التوحيد، حتى يؤمن؟؟! متى كفر(عليه السلام) وقد نشأ وتربّى في أحضان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ نعومة أظفاره، (وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قبل النبوة، يتعبّد على ملّة إبراهيم ودين الحنيفية، ويتحنّث وبجانب الناس، ويعتزل ويطلب الخلوة، وينقطع في جبل حراء، وكان عليّ(عليه السلام)معه كالتابع والتلميذ)؟(2) ولقد وصف عليّ(عليه السلام)علاقته بالنبي في تلك الفترة بقوله: ولقد علمتم موضعي من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره وأنا وليد يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه ويُمسُّني جسده، ويُشمّني عَرْفَه، وكان يمضغ الشيء ثم

1 . منهاج السنّة: 8/285، وفي طبعة بولاق : 4/218ـ219.
2 . شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد:13/248.

(288)
يُلقمنيه... إلى أن قال(عليه السلام): ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل إثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: «هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبي، ولكنّك لوزير وإنّك لعلى خير».(1)
أيّها القارئ المنصف: قل لي بربك هل يمكن أن يحكم بالكفر على من يرفع له رسول الله كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً ويأمره بالاقتداء به، وكان معه في غار حراء، ويرى نور الوحي والرسالة ويشمّ ريح النبوّة؟
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ ابن تيمية لمّا كان مولَعاً، لسوء حظّه، باقتناص كلّ فكرة سوداء خطرت على أذهان من سبقه من النواصب، الذين كتب عليهم شقاؤهم أن ينالوا من عليّ(عليه السلام)، فإنّه اقتنص هذه الفكرة من الجاحظ، ثم شانَها أكثر، بما نضح عليها من بغضه وحنقه.
وتتلخّص فكرة الجاحظ في: تفضيل إسلام أبي بكر على إسلام عليّ، بعد افتراض أنّ إسلامهما كان معاً، والسبب الأساس في هذا التفضيل، كما يدّعي هو: أنّ عليّاً أسلم وهو حَدَث غرير، وطفل صغير، فلا يُلحق إسلامه بإسلام البالغين.
وقد ردّ الشيخ أبو جعفر الإسكافي المعتزلي (المتوفّى 240 هـ) على

1 . نهج البلاغة:2/159، الخطبة القاصعة، برقم 192.

(289)
الجاحظ، من جهات، وها نحن نقتبس شيئاً ممّا قاله الإسكافي، لأنّه يصلح أيضاً للردّ على ابن تيمية.
قال: قد بيّنا أنّه]عليه السلام[ قد أسلم بالغاً، ابن خمس عشرة سنة، أو ابن أربع عشرة سنة، على أنّا لو نزلنا على حكم الخصوم، وقلنا ما هو الأشهر والأكثر من الرواية، وهو أنّه أسلم وهو ابن أحد عشر، لم يلزم ما قاله الجاحظ، لأنّ ابن عشر قد يستجمع عقله، ويعلم من مبادئ المعارف ما يستخرج به كثيراً من الأُمور المعقولة.
ولولا أنّ إسلامه كان إسلام المميّز العارف، لَما مدحه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك، حيث قال لابنته فاطمة:«زوّجتك أقدمهم سِلماً»، ولاقرن إلى قوله:«وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً»، والحلم: العقل، وهذان الأمران غاية الفضل، فلولا أنّه أسلم إسلام عارف مميّز، لَما ضمّ إسلامه إلى العلم والحِلم اللّذين وصفه بهما، وكيف يجوز أن يمدحه بأمر لم يكن مُثاباً عليه، ولا معاقباً به لو تركه؟(1)
ولولا أنّ إسلامه كان كذلك، لما افتخر هو(عليه السلام) بالسبق إلى الإسلام
على رؤوس الأشهاد، ولا خطب به على المنبر، وخصوصاً في عصر
قد حارب فيه أهلَ البصرة والشام والنهروان، وقد اعتورته الأعداء
وهجته الشعراء، فلو وجد هؤلاء سبيلاً إلى دحض ما كان يفخر به من

1 . روى الحاكم بإسناده عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن الأغرّ، عن سلمان(رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أوّلكم وروداً عليّ الحوض، أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب.
وروى أيضاً بإسناد صحيح (وافقه عليه الذهبي) عن زيد بن أرقم (رضي الله عنه) قال: إنّ أوّل من أسلم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب(رضي الله عنه). المستدرك على الصحيحين:3/136.

(290)
تقدّم إسلامه لبدأوا بذلك، وتركوا ما لا معنى له.(1)
ثمّ إنّ الشعراء مدحته(عليه السلام) بسبقه إلى الإسلام، فكيف لم يردّ على هؤلاء الذين مدحوه بالسبق شاعر واحد من أهل حربه؟ ولقد قال في أُمّهات الأولاد قولاً خالف فيه عمر، فذكروه بذلك وعابوه، فكيف تركوا أن يعيبوه بما كان يفتخر به ممّا لا فخر فيه عندهم، وعابوه بقوله في أُمّهات الأولاد؟(2)

2. نزول آية:(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ ...) في حق عليّ

نسب ابن تيمية إلى عليّ(عليه السلام) ما هو بريء منه، كبراءة يوسف ممّا اتّهم به، وقال: وأنزل الله تعالى في علي قوله: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ).(3) لمّا صلّى فقرأ وخلَط.(4)
روى الترمذي، وأبو داود، والطبري، وابن أبي حاتم بإسنادهم عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي أنّ جماعة من الصحابة دُعوا إلى بيت أحدهم، فصنع لهم طعاماً، وسقاهم خمراً، قبل تحريم الخمر، ثم حضرت الصلاة، فتقدّم أحدهم ليصلّي بهم، فخلط في صلاته، وحرّف آية من القرآن.
وقد اضطربت الروايات المذكورة، مع أنّها مرويّة عن رجل واحد، في

1 . روت معاذة بنت عبد الله العدوية، قالت: سمعتُ علياً(عليه السلام) يخطب على منبر البصرة، ويقول: أنا الصِّديق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يُسلم.
وروى حبّة بن جُوَين العُرني أنّه سمع عليّاً(عليه السلام) يقول: أنا أوّل رجل أسلم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). شرح نهج البلاغة:13/228ـ229.
2 . انظر: شرح نهج البلاغة:13/219ـ 241.
3 . النساء:43.
4 . منهاج السنّة: 7 / 237، وفي طبعة بولاق : 4 / 65 .

(291)
صاحب الدعوة، والإمام والمأموم، وفي الآية التي حصل فيها التحريف; وذلك كما يلي:
1. فرواية الترمذي تقول: إنّ صاحب الدعوة هو عبد الرحمن بن عوف، وإنّ علياً كان هو الإمام(1) .
2. ورواية أبي داود تقول: إنّ صاحب الدعوة رجل من الأنصار(2).
3. وفي رواية للطبري، وابن المنذر: أنّ إمام الجماعة كان عبد الرحمن بن عوف(3).
4. وفي رواية لابن أبي حاتم: أنّهم قدّموا فلاناً(4) (يعني للصلاة).(5)
وأنت ترى أنّ ابن تيمية قد تعلّق، لغرض (أو مرض) في قلبه، بالرواية التي تزعم أنّ عليّاً كان هو إمام الجماعة، وأغمض عينيه عن سائر الروايات التي تذكر غيره، كما أنّه لم يُشر ـ للغرض نفسه ـ إلى اختلاف الروايات واضطرابها في الموضوع، وحكم حُكماً قاطعاً بأنّ الآية نزلت في عليّ!!
ثمّ إنّ هذه الروايات معارضة برواية صحيحة الإسناد، مرويّة عن أبي عبد الرحمن السلميّ، أيضاً، وإليك نصّها:
روى الحاكم النيسابوري بإسناده عن أبي عبد الرحمن عن عليّ(رضي الله عنه)، قال:

1 . سنن الترمذي:860، كتاب تفسير القرآن، باب (ومن سورة النساء)، برقم 3037.
2 . سنن أبي داود:689، كتاب الأشربة، باب في تحريم الخمر، برقم 3671.
3 . جامع البيان (تفسير الطبري): 4/128، برقم 9526، وكتاب تفسير القرآن لابن المنذر:2/719، برقم 1799.
4 . تفسير القرآن العظيم(تفسير ابن أبي حاتم): 3/958، برقم 5352.
5 . انظر: تفسير آلاء الرحمن للشيخ البلاغي:2/413ـ422; والتفسير الكاشف:2/331ـ332.

(292)
دعانا رجل من الأنصار، قبل تحريم الخمر، فحضرت صلاة المغرب، فتقدّم رجل فقرأ(قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ) فالتبس عليه، فنزلت (لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) الآية.(1)
ومن الملاحظ أنّ هذه الرواية لم تتحدّث عن مجلس للخمر حضره عليّ(عليه السلام)، وإنّما عن رجل (لم يُسمّ) كان قد تقدّم لإمامة الجماعة، فالتبست عليه الآية بسبب سُكره.
فأين هذا ممّا زُعم من تقدّم عليّ لإمامة الجماعة ونزول الآية فيه؟ ولكن ابن تيمية أبى أن يأخذ بهذه الرواية وأمثالها، وآثر الاقتداء بالمارقين الذين كانوا يذهبون إلى أنّ الآية المذكورة نزلت في علي(عليه السلام).
قال الحاكم، بعد أن أورد تلك الرواية:
وفي هذا الحديث فائدة كثيرة، وهي أنّ الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب دون غيره وقد برّأه الله منها، فإنّه راوي هذا الحديث.(2)
فطوبى لابن تيمية، وهو يتّبع رأي الخوارج، ويتمسّك به دون غيره من الآراء والأقوال!!
وليت الأمر اقتصر على هذا الاختلاف والاضطراب بين الروايات المروية عن أبي عبد الرحمن نفسها، بل هناك اختلاف بينها وبين الروايات

1 . المستدرك على الصحيحين:2/307. صحّحها الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
2 . المصدر نفسه.

(293)
الواردة عن غيره في سبب نزول الآية، فعن ابن عباس، قال:
نزلت هذه الآية في جماعة من الصحابة كانوا يشربون الخمر، قبل التحريم، ثم يأتون الصلاة مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيصلّون معه، فنهاهم الله تعالى عن ذلك.(1)
وعن محمد بن كعب القُرظي:... ثمّ أُنزلت التي في النساء، بينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي بعض الصلوات إذ غنّى سكران خلفه، فأنزل الله:(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) الآية. فشربها طائفة من الناس وتركها طائفة،ثم نزلت الرابعة التي في المائدة، فقال عمر بن الخطاب: انتهينا يا ربّنا.(2)
وختاماً نقول: لو كان عند ابن تيمية بعض الإنصاف، لذكر ما رواه جماعة من محدّثي السنّة في شأن الآيات الّتي نزلت في الخمر، حتى يتبيّن للقارئ مَن كان يكرع الخمر، وظلّ يشربها إلى أن نزل في تحريمها نصّ صريح.
روى أبو داود، والترمذي، والنسائي، والطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بأسانيدهم إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، أنّ عمر بن الخطاب، قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة: (يسألونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثمٌ كَبيرٌ) الآية، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في النساء: (يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى)، فدعي عمر فقرئت عليه، ثم قال... فنزلت التي في المائدة:(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ ...)إلى قوله:

1 . أبو بكر الحدّاد اليمني، تفسير الحدّاد:2/258، طبعة دار المدار الإسلامي، 2003م.
2 . الدرّ المنثور:3/165، وقال: أخرجه ابن المنذر.

(294)
(فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)فدُعي عمر فقرئت عليه، فقال: انتهينا انتهينا.(1)
قال الشيخ محمد جواد مغنية: وعلى أية حال، فإن صحّ أنّ جماعة من الصحابة شربوا، وأنّ إمامهم خلط في صلاته، فهؤلاء هم الذين أشركوا بالله، وعبدوا الأوثان، وشربوا الخمر، وأكلوا الحرام في الجاهلية التي نشأوا فيها، وتربّوا عليها... وعلي بن أبي طالب ليس منهم، لأنّه نشأ وترعرع في حجر الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي تولّى تربيته وتهذيبه منذ نعومة أظفاره، وصاغه كما يشاء ويريد.(2)

3 . تكذيب ابن تيمية فضائل أصحاب علي(عليه السلام)

بما أنّ الرجل كان يعادي عليّاً (كما يتبيّن ذلك بوضوح، من مواضع كثيرة من كتابه)، فمن الطبيعيّ جداً، أن يعادي أصحاب علي وأنصاره، بحكم أنّ صديق عدوك هو عدو أيضاً، وقد تجلّت تلك المعاداة بإنكار فضيلة رابية لعمّار بن ياسر، اتّفق المسلمون عليها وأصفق رواتهم على نقلها، وهي قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) له: «تقتلك الفئة الباغية».
يقول ابن تيمية: فهاهنا للناس أقوال: منهم مَن قدح في حديث عمّار.
ومنهم مَن تأوّله على أنّ الباغي: الطالب، وهو تأويل ضعيف .
وأمّا السلف والأئمة فيقول أكثرهم ـ كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم ـ لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغيّة، فإنّ الله لم يأمر بقتالها ابتداءً، بل أمر إذا

1 . سنن الترمذي:868، برقم 3060. وانظر: سنن أبي داود:689، برقم 3670، وجامع البيان:5/44ـ45، برقم 12516ـ 12520، وغيرها.
2 . التفسير الكاشف:2/232.

(295)
اقتتلت طائفتان أن يصلح بينهما، ثم إنْ بغت إحداهما على الأُخرى قوتلت الّتي تبغي، وهؤلاء قوتلوا ابتداءً قبل أن يبدؤوا بقتال .(1)
قد تقدّم أنّ من الاساليب التي درج عليها ابن تيمية، أنّه إذا مرّ بحديث في فضائل علي وآله وأصحابه وكان مخالفاً لهواه، ادّعى على بعض الناس تضعيفه، أو القدح فيه من دون أن يذكر المضعّف، أو القادح.
والعجب أنّه يضعّف حديثاً رواه أكثر من عشرين صحابياً، ويقول في حقّه الحافظ ابن عبدالبرّ: تواترت الآثار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «تقتل عمّاراً الفئة الباغية»، وهو من أصحّ الأحاديث. (2)
فإذا كان مثل هذا الحديث ضعيفاً فما هو الصحيح عنده؟!
وللحافظ ابن حجر كلام حول الحديث، نذكره بنصّه حتى يُعلم مدى انحراف الرجل عن أمير المؤمنين(عليه السلام) وأصحابه، قال:
فائدة: روى حديث: «تقتل عمّاراً الفئة الباغية» جماعة من الصحابة
منهم: قتادة بن النعمان ـ كما تقدّم ـ وأُمّ سلمة عند مسلم، وأبو هريرة
عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن
عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليسر وعمّار نفسه وكلّها عند الطبراني وغيره، وغالب
طرقها صحيحة أو حسنة، وفيه عن جماعة آخرين يطول عدّهم. وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة وفضيلة ظاهرة لعليّ ولعمّار، وردٌّ على

1 . منهاج السنّة: 4 / 390 ـ 391، وفي طبعة بولاق : 2 / 204 ـ 205.
2 . الاستيعاب: 3 / 1140 .

(296)
النواصب الزاعمين أنّ عليّاً لم يكن مصيباً في حروبه.(1)
وكفى في صحّة الحديث عند أهل السنّة أنّ الشيخين قد خرّجاه.(2)
وأمّا قوله: إنّ السلف والأئمة فيقول أكثرهم لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية، فهو من الأكاذيب القبيحة، والّذي نقله كبار العلماء والفقهاء، عن السلف الصالح (لا عن أتباع النهج الأموي) خلاف ذلك، فقد صرّح الإمام ابن قدامة المقدسيّ الحنبليّ (المتوفّى 620 هـ) بأنّه (أجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتال البغاة، فإنّ أبا بكر قاتل مانعي الزكاة، وعليّ قاتل أهل الجمل وصفين وأهل النهروان )(3) .
وممّا يؤكّد ذلك أنّ كلّ مَن تبقّى من أهل بيعة الرضوان، وفيهم البدريّون (إلاّ أفراداً معدودين معروفين اعتزلوا القتال)، كانوا مع الإمام علي في (صفّين) .
روى خليفة بن خيّاط، عن أبي غسان، عن عبدالسلام بن حرب، عن يزيد بن عبدالرحمن، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال:
(شهد مع علي ثمانمائة ممّن بايع بيعة الرضوان، قال: قُتل فيهم ثلاثة وستون، منهم عمّار بن ياسر)(4) .

1 . فتح الباري:1/543.
2 . لاحظ : صحيح البخاري:3/207; وصحيح مسلم:8/186.
3 . المغني: 8 / 522 (كتاب قتال أهل البغي)، مطبعة الإمام بمصر.
4 . تاريخ خليفة: 196 .

(297)
وهذا السند صحيح، ورجاله بين الثقة والصَّدوق.(1)
وهؤلاء الصحابة الكرام أورع من أن يقاتلوا من لم يوجد فيها شرط الطائفة الباغية، ولكنّ ابن تيمية لا يقيم لهذا العدد الكبير من الصحابة وزناً، ما داموا في صفّ الإمام علي (عليه السلام).
وممّا يشهد لما تقدّم، أنّ عبدالله بن عمر بن الخطاب، سمّى فئة معاوية بالفئة الباغية، وعبّر عن ندمه على قعوده عن حرب صفّين.
روى عمر بن شَبّة (المتوفّى 262 هـ)، عن الفضل بن دُكين وأبي أحمد الزبيري، قالا: حدثنا عبدالله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، عن ابن عمر أنّه قال ـ حين حضرته الوفاة ـ : ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئاً، إلاّ أنّي لم أُقاتل الفئة الباغية مع عليّ بن أبي طالب .(2)
وروى الحاكم النيسابوري بإسناده عن الزُّهري، عن حمزة بن عبدالله بن عمر أنّ عبدالله بن عمر قال: ما وجدتُ في نفسي من شيء في أمر هذه الآية،(3) ما وجدتُ في نفسي أنّي لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله عزوجلّ.
قال الحاكم بعد أن روى ذلك: هذا باب كبير قد رواه عن عبدالله بن عمر جماعة من كبار التابعين، وإنّما قدّمت حديث شعيب بن أبي حمزة، عن

1 . بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة: 196 .
2 . نقله ابن عبدالبرّ في الاستيعاب: 3 / 953، وروى ابن عبدالبرّ نحوه بإسناده عن يحيى بن سليمان الجعفي وأسد بن موسى، عن أسباط بن سالم، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر، ورواه أيضاً بإسناده عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن ابن عمر .
3 . يعني قوله تعالى: (وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا).

(298)
الزهريّ، واقتصرت عليه لأنّه صحيح على شرط الشيخين.(1)
ونسأل: أيّهما أعرف بوصف فئة معاوية في حرب (صفِّين): ابن تيمية، أم ابن عمر، الّذي عاصر أحداث (صفِّين)، ووصم فئةَ معاوية (كما وصمها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من قبل) بالفئة الباغية بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على نهاية تلك الحرب، وعبّر عن أساه على ترك قتالها؟!
ونقول أخيراً: إنّما نحن أوردنا هذه الأدلّة على سبيل الاحتجاج على ابن تيمية ومقلّديه، وإلاّ فإنّ قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية» كاف، وحده، لإثبات بغي معاوية وفئته، وإلاّ كيف يصف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)الفئة الّتي تقتل عمّاراً بالفئة الباغية، ولم يتحقّق فيها شرط البغي والعدوان؟!
ومن هنا، فإنّ كلّ مَن يدّعي أنّ فئة معاوية لم تكن بالباغية، فإنّما هو يردّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويصرّ على تخطئته (صلى الله عليه وآله وسلم)في قوله.. أعاذ الله المؤمنين الصادقين من سُبات العقل وقبح الزلل، ومن الخذلان والخسران .

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 115 ـ 116، وقد أقرّ الذهبي بصحّته على شرط الشيخين.

(299)

12

ابن تيمية وحديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):

أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي

روى أصحاب السنن والمسانيد أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي:«أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي»، غير أنّ مفاد الحديث لمّا لم يوافق هوى ابن تيمية، أفتى بتضعيفه وتكذيبه، فقال: ومثل قوله: «أنت ولي كلّ مؤمن بعدي» فإنّ هذا موضوع باتّفاق أهل المعرفة بالحديث.(1) ويقول أيضاً في مكان آخر: وكذلك قوله: «هو ولي كلّ مؤمن بعدي» كذب على رسول الله.(2)
وكان على ابن تيمية أن يقول: إنّ هذا الحديث صحيح باتّفاق أهل المعرفة، غير أنّه راقه أن يموِّه على صحّته ويشوّهه بيهرجته كما هو دأبه.
أفهل يحسب الرجل أنّ من أخرج هذا الحديث من أئمّة فنّه ليسوا من أهل المعرفة بالحديث، وفيهم إمام مذهبه أحمد بن حنبل، الّذي أخرجه باسناد صحيح، رجاله كلّهم ثقات؟ قال: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا جعفر بن سليمان، حدّثني يزيد الرِّشك، عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن

1 . منهاج السنّة: 5 / 35 ـ 36، وفي طبعة بولاق: 3 / 9 .
2 . منهاج السنّة: 7 / 391، وفي طبعة بولاق: 4 / 104 .

(300)
حصين، قال: بعث رسول الله سرّية وأمّر علي بن أبي طالب، فأحدث شيئاً في سفره، فتعاقد أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا أمره إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال عمران: وكنّا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله فسلّمنا عليه، قال: فدخلوا عليه فقام رجل منهم، فقال: يا رسول الله إنّ عليّاً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه. ثم قام الثاني فقال: يا رسول الله إنّ عليّاً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه. ثم قام الثالث فقال: يا رسول الله إنّ عليّاً فعل كذا وكذا. ثم قام الرابع فقال: يا رسول الله إنّ عليّاً فعل كذا وكذا.
قال: فأقبل رسول الله على الرابع وقد تغيّر وجهه وقال: «دعوا عليّاً، دعوا عليّاً، دعوا عليّاً، إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو ولي كلّ مؤمن بعدي».(1)
وقد أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن عبيد الله بن عمر القواريري، عن جعفر بن سليمان، بالسند المذكور.(2)
وأخرجه ابن أبي شيبة(3)، وابن حبّان في صحيحه (4)، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء(5)، ومحب الدين الطبري(6)، والبغوي(7)، وابن

1 . مسند أحمد: 5 / 606، الحديث 19426. وانظر: مسند أبي داود الطيالسي: 111، الحديث 829 .
2 . مسند أبي يعلى: 1/ 203، الحديث 350، دار القبلة للثقافة الإسلامية، ومؤسسة علوم القرآن، 1408 هـ .
3 . المصنف:12/180، الحديث 12170.
4 . صحيح ابن حبّان: 5 / 374، مؤسسة الرسالة، 1414 هـ .
5 . حلية الأولياء:6/294.
6 . الرياض النضرة:3/116. 7 . مصابيح السنّة:4/172، الحديث 4766.

(301)
كثير في تاريخه(1)، والسيوطي(2)، والمتقي(3) .
وهناك من المحدّثين والرواة وأصحاب المصادر الحديثية من روى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما تريدون من عليٍّ؟ ما تريدون من عليٍّ؟ ما تريدون من عليٍّ، إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كلّ مؤمن بعدي». أخرجه بهذا اللفظ: الترمذي في جامعه، وقال: هذا حديث حسن غريب، (4) وكذلك النسائي(5)، ومحبّ الدين(6)، وابن حجر(7)، وقال: إسنادٌ قويٌّ.
وهناك إسناد آخر لهذا الحديث، وهو: أخرج أبو داود الطيالسي، عن أبي عوانة ، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعليٍّ: «أنت وليُّ كلِّ مؤمن بعدي».(8) والإسناد صحيح، ورجاله كلّهم ثقات.
قال العلاّمة الأميني بعد أن ناقش ابن تيمية في هذا الحديث وغيره: هذه

1 . البداية والنهاية: 7/381 حوادث سنة 40 هـ .
2 . جامع الأحاديث:4/352، الحديث 12101.
3 . كنز العمال:11/608، الحديث 32940 و 32941، و ص 599 برقم 32883 .
4 . سنن الترمذي:5/590، الحديث 3712.
5 . خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام): 92، الحديث 86 ، قال محقّق الكتاب أبو إسحاق الأثري: إسناده صحيح . ولاحظ : السنن الكبرى:5/132، الحديث 8474 .
6 . الرياض النضرة:3/115.
7 . الإصابة:2/ 509.
8 . مسند أبي داود الطيالسي: 360، الحديث 2752; ولاحظ: المستدرك على الصحيحين: 3 / 134 (وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي)، ومسند أحمد: 1 / 331. قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري، وهو ثقة. مجمع الزوائد: 9 / 120 .

(302)
نبذة يسيرة من مخاريق ابن تيمية، ولو ذهبنا إلى استيفاء ما في منهاج بدعته من الضلالات، والأكاذيب، والتحكّمات، والتقوّلات، فعلينا أن نعيد استنساخ مجلّداته الأربع ونردفها بمجلّدات في ردِّها، ولم أجد بياناً يعرب عن حقيقة الرجل ويمثِّلها للملأ العلميّ، غير أنّي أقتصر على كلمة الحافظ ابن حجر في كتابه «الفتاوى الحديثية»(1) قال: ابن تيميّة عبدٌ خذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه، وبذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتَّفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العزّ بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعيّة والمالكيّة والحنفيّة. (2)

1 . الفتاوى الحديثية: 114.
2 . الغدير:3/306.

(303)

13

ابن تيمية وحديث سدّ الأبواب كلّها إلاّ باب علي(عليه السلام)

إنّ ابن تيمية يهتمّ ويجهد نفسه في إنكار كلّ فضيلة من الفضائل، الّتي رواها الثقات ونقلها الحفّاظ في كتبهم، في حقّ علي(عليه السلام)، وما هذا إلاّ لأنّ ثبوت هذه الفضائل له (عليه السلام) لا يوافق هواه، ولذا تراه يشطب على الجميع بقلم عريض ويصفه بالكذب والوضع، وها هو يقول في الحديث المعروف بسد الأبواب: إنّ هذا ممّا وضعته الشيعة على طريق المقابلة.(1)
وقد استشهد على رأيه بقوله: وإنّ الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي أنّه قال في مرضه الذي مات فيه: «لا يبقين في المسجد خَوخَة إلاّ سُدّت إلا خوخة أبي بكر» ورواه ابن عباس أيضاً في الصحيحين.(2)
ولسائل أن يسأل ابن تيمية: من أين علم أنّ الحديث ممّا وضعته الشيعة على طريق المقابلة؟ ومجرد حبّ الشيعة علياً لا يكون دليلاً على اتّهامهم بالوضع!!
ثم هل تكون المعارضة دليلاً على وضع هذا الحديث؟ فلماذا لا تكون

1 . منهاج السنّة: 5 / 35، وفي طبعة بولاق: 3 / 9 .
2 . نفس المصدر.

(304)
المعارضة دليلاً على وضع الحديث الآخر؟
وعلى كلّ تقدير فالمعارضة لا تكون دليلاً إذا لم يمكن الجمع بين الحديثين، فإنّ سد الباب غير سدّ الخوخة، فالخوخة عبارة عن طاقات كانت في المسجد، فالخوخة في اللغة هي كوّة تعدّي الضوء إلى البيت، فلا مانع من أن يسدّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الأبواب كلّها إلاّ باب علي، ويأمر أيضاً بسدّ الخوخات كلّها إلاّ خوخة بيت أبي بكر، ولذلك يقول العلاّمة الأميني تعليقاً على عبارة ابن تيمية: لا أجد لنسبة وضع هذا الحديث إلى الشيعة دافعاً إلاّ القحّة والصلف، ودفع الحقائق الثابتة بالجلبة والسخب(1)، فإنّ نصب عينيّ الرجل كتب الأئمة من قومه وفيها مسند إمام مذهبه أحمد قد أخرجوه فيها بأسانيد جمّة صحاح وحسان، عن جمع من الصحابة تربو عدّتهم على عدد ما يحصل به التواتر عندهم.(2)
هذا كلّه على سبيل المماشاة، وهلمّ معي الآن لتقرأ مَن نقل الحديث من أئمة الحديث والرواية، لنرى مدى صدق كلام ابن تيمية ودقّته.
فقد أخرج هذا الحديث جمع من الصحابة نأتي بأسمائهم:
1. زيد بن أرقم، 2. عمر بن الخطاب، 3. البراء بن عازب، 4. عبد الله بن عمر بن الخطاب، 5. عبدالله بن عباس، 6. أبو سعيد الخدري، 7. سعد بن مالك، 8. أبو حازم الأشجعي، 9. جابر بن عبد الله الأنصاري، 10. جابر بن سمرة، 11. سعد بن أبي وقّاص، 12. أنس بن مالك.

1 . السخب والصخب: الصِّياح واضطراب الأصوات.
2 . الغدير:3/285.

(305)
مضافاً إلى أنّ الإمام علي(عليه السلام) هو أحد من يُروى عنه هذا الحديث، ومن أراد أن يقف على متون الحديث ومصادره فليرجع إلى موسوعة الغدير.(1)
وها نحن نذكر نزراً يسيراً منها، ليكون كنموذج لما لم نذكره:
1. روى الإمام أحمد (بسند صحيح) عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: وقال ] يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: سدّوا أبواب المسجد غير باب عليّ (2). ورواه النسائي (3)، والحاكم (وصحّحه، وأقرّه الذهبيّ).(4)
2. روى الحاكم بسنده عن زيد بن أرقم قال: كانت لنفر من أصحاب رسول الله أبواب شارعة في المسجد فقال يوماً سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ قال: فتكلّم في ذلك ناس، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد فإنّي أُمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب عليٍّ فقال فيه قائلكم، والله ما سددتُ شيئاً ولا فتحته ولكن أُمرت بشيء فاتّبعته.(5)
3. قال ابن حجر: تنبيه: جاء في سدّ الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها حديث الباب(لا يبقيّن في المسجد باب إلاّ سُدّ إلاّ باب أبي بكر) منها: حديث سعد بن أبي وقاص قال: أمرنا رسول الله بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب عليّ.

1 . الغدير:3/285ـ 304.
2 . مسند أحمد: 1 / 331 .
3 . خصائص أمير المؤمنين: 59، الحديث 42، وص 58، الحديث 41 (وحسّنه محقّق الكتاب أبو إسحاق الأثري).
4 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 132 .
5 . المستدرك:3/125، (وصحّحه الحاكم، وسكت عليه الذهبي)، وانظر: مسند أحمد: 4 / 372 .

(306)
أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قويّ، وفي رواية للطبراني في الأوسط رجالها ثقات (من الزيادة)، فقالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أنا سددتها ولكن الله سدّها».
وعن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي»، فتكلّم ناس في ذلك، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته». أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات.
وعن ابن عباس قال: أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بأبواب المسجد فسدّت إلاّ باب علي، وفي رواية وأمر بسد الأبواب غير باب عليٍّ، فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره. أخرجهما أحمد والنسائي ورجالهما ثقات.
وعن جابر بن سمرة قال: أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بسد الأبواب كلّها غير باب عليٍّ فربما مر فيه وهو جنب. أخرجه الطبراني.
وعن ابن عمر قال: كنّا نقول في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر ; و لقد أُعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم: زوّجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ابنته وولدت له، وسدّ الأبواب إلاّ بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر. أخرجه أحمد، وإسناده حسن.
وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرار (بمهملات) قال: فقلت لابن عمر:أخبرني عن علي وعثمان فذكر الحديث، وفيه: وأمّا علي فلا تسأل عنه أحد أو انظر إلى منزلته من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد سدّ أبوابنا في المسجد وأقرّ

(307)
بابه. ورجاله رجال الصحيح إلاّ العلاء وقد وثّقه يحيى بن معين وغيره.
وهذه الأحاديث يقوّي بعضها بعضاً وكلّ طريق منها صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها.
وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصراً على بعض طرقه عنهم، وأعلّه ببعض من تكلّم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعلّه أيضاً بأنّه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر وزعم أنّه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر انتهى، وأخطأ في ذلك خطأ شنيعاً، فإنّه سلك في ذلك ردّ الأحاديث الصحيحة بتوهّمه المعارضة، مع أنّ الجمع بين القصتين ممكن.(1)

1 . فتح الباري: 7 / 14 ـ 15 .

(308)
14

إنكار ابن تيمية حديث باب مدينة العلم

يقول ابن تيمية: وحديث: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» أضعف وأوهن، ولهذا إنّما يُعدّ في الموضوعات وإن رواه الترمذي، وذكره ابن الجوزي وبيّن أنّ سائر طرقه موضوعة، والكذب يُعرف من نفس المتن.(1)
أقول: كيف يحكم بوضع حديث نقله جماعة من مشاهير الصحابة أوّلاً، وأعاظم التابعين ثانياً، وأبرز العلماء ثالثاً عبر القرون، وقد كفانا في ذلك ما حققه علاّمة عصره العلم الحجّة السيد حامد حسين اللكهنوي، فأفرد لبيان أسانيد الحديث جزءاً خاصّاً من كتابه «عبقات الأنوار» ونقله إلى العربية المحقق العلاّمة السيد علي الحسيني الميلاني في موسوعته «نفحات الأزهار» وطبع في ثلاثة أجزاء.(2)
أمّا من رواه من الصحابة:
1. الإمام علي(عليه السلام)، 2. الإمام السبط الحسن(عليه السلام)، 3. الإمام السبط الحسين(عليه السلام)، 4. عبد الله بن عباس، 5. جابر بن عبد الله الأنصاري، 6. عبد الله بن مسعود، 7. حذيفة بن اليمان، 8. عبد الله بن عمر، 9. أنس بن مالك، 10. عمرو بن العاص .
وأمّا من رواه من التابعين، فمنهم:

1 . منهاج السنّة: 7/515، وفي طبعة بولاق : 4/138.
2 . لاحظ نفحات الأزهار: ج 10 و 11 و 12 .

(309)
1. الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليه السلام)، 2. الإمام الباقر محمد بن علي(عليه السلام)، 3. الأصبغ بن نباتة الحنظلي الكوفي، 4. جرير الظبّي، 5. الحارث بن عبد الله الهمداني الكوفي، 6. سعد بن طريف الحنظلي الكوفي، 7. سعيد بن جبير الأسدي الكوفي، 8. سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، 9. سليمان بن مهران الكوفي المعروف بالأعمش، 10. عاصم بن غمرة السلولي الكوفي، 11. عبد الله بن عثمان بن خثيم القارئ المكّي، 12. عبد الرحمن بن عثمان التميمي المدني، 13. عبد الرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبد الله الصنابحي، 14. مجاهد بن جبر أبو الحجّاج المخزومي المكّي.
وأمّا رواة الحديث من الحفاظ والمحدّثين فقد نقله في القرن الثالث ثمانية من الحفاظ، ورواه في القرن الرابع أربعة عشر، ورواه في القرن الخامس اثنا عشر، ورواه في القرن السادس ثمانية، ورواه في القرن السابع اثنا عشر، ورواه في القرن الثامن عشرة، ورواه في القرن التاسع عشرة أيضاً، وفي القرن العاشر رواه اثنان وعشرون، ورواه في القرن الحادي عشر أربعة عشر، وفي القرن الثاني عشر رواه ثلاثة عشر، وفي القرن الثالث عشر رواه ثلاثة عشر عالماً ومحدّثاً.
هذا ما لدى صاحب العبقات، وفي القرن الرابع عشر نقله خمسة من أهل الاختصاص.(1)
وهذه الأسماء والأرقام التي استقيناها من اللكهنوي والأميني ـ رحمهما الله ـ هي نتيجة جهود فردية لهما، وإلاّ فلو قامت لجان علمية متخصصة بدراسة الحديث والبحث عنه لناهز عدد رواته أكثر ممّا ذُكر هنا.

1 . لاحظ : الغدير:6/110ـ111.

(310)
ثم كيف يحكم عليه بالوضع مع أنّ الحاكم النيسابوري نقله بأسانيد
ثلاثة، نذكر منها ما أورده بالسند الأوّل، قال: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي بالرملة، ثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب». ثم قال الحاكم بعد ذلك: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجّاه.
وأبو الصلت ثقة مأمون فإنّي سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب في التاريخ يقول: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي فقال: ثقة، فقلت: أليس قد حدّث عن أبي معاوية عن الأعمش: «أنا مدينة العلم»؟ فقال: قد حدّث به محمد بن جعفر الفيْدي، وهو ثقة مأمون سمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه القباني إمام عصره ببخارى يقول: سمعت صالح بن محمد بن حبيب الحافظ يقول: وسئل عن أبي الصلت الهروي؟ فقال: دخل يحيى بن معين ونحن معه على أبي الصلت فسلّم عليه، فلمّا خرج تبعته فقلت له: ما تقول رحمك الله في أبي الصلت؟ فقال: هو صدوق، فقلت له: إنّه يروي حديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتها من بابها»؟ فقال: قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية عن الأعمش كما رواه أبو الصلت.(1)

1 . المستدرك:3/126ـ127، وأقرأ السندين الأخيرين في نفس المستدرك.

(311)
والمعروف عن الذهبي أنّ نفسه لا تنبسط للأحاديث الواردة في فضائل علي(عليه السلام)، ومن هنا تجده يبالغ في نقد أسانيدها، وقد ينكر بعض الأحاديث مع إقراره بصحة أسانيدها.(1)
وفي هذا المجال يأتي تعقيبه على رواية الحاكم المتقدّمة، حيث يقول: أبو الصلت: عبد السلام، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب». صحيحٌ (قلت): بل موضوعٌ. قال: وأبو الصلت ثقة مأمون(قلت): لا والله لا ثقة ولا مأمون.(2)
أقول: إنّ الذهبي حكم بوضع الحديث، لوقوع أبي الصلت في أحد طرقه، وأبو الصلت، كما يقول هنا، ليس بثقة ولا مأمون، مع أنّه ذكر في ترجمته ما ينافي ذلك، فقد قال فيه: الرجل الصالح، إلاّ أنّه شيعي جلد. ثم نقل عن عباس الدوري أنّه قال: سمعت يحيى]بن معين[ يوثّق أبا الصلت.(3)
وحكم (الذهبي) أيضاً بوضع الحديث، الذي رواه الحاكم، بسند ثان من طريق عبد الرزاق الصنعاني بسنده إلى جابر بن عبد الله، وذلك لوقوع أحمد بن عبد الله بن يزيد الحرّاني في سنده، حيث قال فيه: دجّال كذّاب.(4)

1 . انظر ما عقّب به على حديث ابن عباس: نظر النبي(صلى الله عليه وآله) في عليّ، فقال:أنت سيد في الدنيا والآخرة... المستدرك على الصحيحين:3/128.
2 . المستدرك:3/126، تلخيص الذهبي في نفس الصفحة.
3 . ميزان الاعتدال:2/616برقم 5051.
4 . المستدرك: (تلخيص الذهبي):3/126.

(312)
والظاهر أنّه لا منشأ لنسبة الدجل والكذب إلى الحرّاني إلاّ لروايته هذا الحديث في فضل أمير المؤمنين(عليه السلام).
ويدلّ على ذلك (أنّ نقل الفضيلة سبب للاتهام بالكذب والدجل)، ما عرفت من أنّه لمّا وصف يحيى بن مَعين أبا الصلت بأنّه صدوق، اعترض عليه صالح بن محمد، وقال: إنّه روى حديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتها من بابها»؟(يعني: كيف يكون صدوقاً، وهو يروي الحديث المذكور؟) فقال ابن معين: قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية عن الأعمش كما رواه أبو الصلت.(1)، وهذا يرشدنا إلى أنّ للعقائد تأثيراً كبيراً على آراء أصحاب الجرح والتعديل، وأنّ الاتجاه السائد عند الكثير منهم، هو تجريح من ينقل فضائل الإمام وأهل بيته .
وحسْب الباحث الموضوعي والقارئ المنصف، لكي يقف على تلك الحقيقة المرّة، أن يتتبّع كلماتهم في حقّ محمد بن جعفر الفَيدي(راوي الحديث الذي نحن بصدده)، حيث اتّسمت، وبشكل واضح، بالاضطراب والتناقض، الدّالَّين على التخبّط والحَيْرة في كيفية التعامل مع الحديث المذكور، الذي يَرون أنّه يخالف اعتقادهم في الخلفاء، ولذا أصرّ المتعصّبون منهم كابن تيمية، والذهبيّ على القول بكونه موضوعاً، مع أنّه ورد في كتبهم من طريقين (دعْ عنك سائر الطرق)، أحدهما صحيح الإسناد على شرط البخاري، والآخر صحيح الإسناد أو حسن الإسناد(على أقلّ تقدير)، وسنثبت ذلك ببرهان قاطع، ولكن بعد أن ننقل بعض تلك الكلمات التي قلنا أنّها تدلّ على التخبّط والحيرة:

1 . نفس المصدر.

(313)
1. قال أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي(المتوفّى474هـ):
محمد بن جعفر، أبو جعفر الكوفي، نزل «فيد»، أخرج البخاري في الهبة عنه، عن محمد بن فضيل، ولم أجد له ذكراً في غير هذا الكتاب، ويشبه أن يكون مجهولاً.(1)
أقول: ذكر الفيدي هذا ـ في أيام الباجي وقبلها ـ العديدُ من المؤلفين، منهم: البخاري في «التاريخ الكبير»(2)، وابن حبّان(المتوفّى 354هـ) في «الثقات»(3)، وابن عدّيّ (المتوفّى 365هـ)، وأبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي(المتوفّى 418هـ)(4))، والحاكم النيسابوري(المتوفّى 405هـ) في «المستدرك على الصحيحين»(5)، والخطيب البغدادي(المتوفّى 463هـ) في «تاريخ بغداد».(6)
فإذا كان أبو الوليد الباجي معذوراً في قوله:«لم أجد له ذكراً في غير هذا الكتاب»، لاحتمال أن تكون الكتب التي ذكرناها غير متوفرة بين يديه، أو أنّ بصره لم يقع على اسمه فيها، فإنّه ليس بمعذور في قوله:«يشبه أن يكون مجهولاً»، فعدم الاطلاع على أحواله لا يبرّر مثل هذا القول... والرجل كان معروفاً، روى عنه كبار المحدثين مثل البخاري، ويعقوب بن شيبة

1 . تهذيب الكمال:24/587، هامش الترجمة5119، نقلاً عن: رجال البخاري للباجي:2/624.
2 . التاريخ الكبير:1/57، برقم 118.
3 . الثقات:9/110.
4 . قال العيني: ذكره اللالكائي، وابن عديّ، وابن عساكر في شيوخ البخاري. عمدة القاري:13/166.
5 . المستدرك على الصحيحين:3/127.
6 . تاريخ بغداد:2/118، برقم 511.

(314)
السدوسي، ومحمد بن عبد الله الحضرمي الشهير بمطيَّن.
2. قال ابن حجر العسقلاني:
وقع في الهبة: حدثنا محمد بن جعفر أبو جعفر ولم يذكر نسبه، والذي أظنّ أنّه القومسي، فإنّه لم يختلف في أنّ كنيته أبو جعفر، بخلاف هذا، والقومسي ثقة حافظ بخلاف هذا فإنّ له أحاديث خولف فيها.(1)
وهذا ظنّ فاسد، قاده إليه الرأي المسبق في حديث(باب مدينة العلم)، فإنّ الفيدي لمّا روى هذا الحديث (الذي طعنوا فيه بسبب متنه الذي يرون أنّه يخالف اعتقادهم)، حاول بعضهم أن يخرجه من رجال الصحيح، أو يتكلّم فيه بلا مسوّغ.
فالفيدي من شيوخ البخاري، ومن رجال صحيحه، صرّح بذلك جماعة، منهم: ابن عديّ، وأبو القاسم اللالكائي، والخطيب البغدادي، وأبو الوليد الباجي، والسمعاني(2) (المتوفّى 562هـ)، وابن عساكر (المتوفّى 571هـ)، وعبد الغني المقدسي (المتوفّى 600هـ)، وأبو الحجاج المزّي(3) (المتوفّى 742هـ)، والذهبي(4)(المتوفّى 748هـ)، فمحاولة شطب اسمه من الصحيح، دونها خرط القَتاد.
ثمّ إنّ أبا جعفر محمد بن جعفر روى في كتاب الهبة من «صحيح

1 . تهذيب التهذيب:9/96، الترجمة 128.
2 . الأنساب:4/416.
3 . تهذيب الكمال:24/587، الترجمة5119.
4 . الكاشف:3/28ـ29، الترجمة4838.

(315)
البخاري»(1) عن محمد بن فضيل بن غزوان، وابن فضيل(2) هذا، عُدّ من شيوخ الفيدي، ولم يعدّ من شيوخ القومسي، فكيف يظنّ ابن حجر أنّ المراد بمحمد بن جعفر، هنا هو القومسي؟!
وأمّا قوله: إنّه لم يختلف في أنّ كنية القومسي أبو جعفر بخلاف الفيدي، فلا يتمّ أيضاً، لأنّ البخاري نفسه كنّى الفيدي في تاريخه بأبي جعفر، واقتصر على هذه الكنية، وكذلك فعل الخطيب البغدادي، وأبو الوليد الباجي، والسمعاني.(3)
وهكذا يتبيّن، بشكل قاطع، أنّ الفيدي من شيوخ البخاري، ومن رجال صحيحه، ولا مجال للتشكيك في ذلك، فالحديث، إذاً صحيح على شرط البخاري.
3. قال الذهبيّ في مواضع من كتبه، بأنّ حديث(باب مدينة العلم) موضوع، مع أنّه أغفل مناقشة بعض أسانيده، فقد لاذ بالصمت ولم يعلّق بشيء على رواية الحاكم النيسابوري من طريق (محمد بن جعفر الفَيْدي)، كما أنّه لم يترجم للفيدي هذا في «ميزان الاعتدال» المخصّص ـ في أصله ـ للضعفاء، حتى يقال إنّ في سند الحديث من تُكلّم فيه، فكيف حكم، إذاً، بوضع الحديث؟!
ثمّ إنّ الذهبي نفسه روى الحديث بإسناده عن سويد بن سعيد، عن

1 . صحيح البخاري:2/159، كتاب الهبة، باب هدية ما يكره لبسها(27)، برقم 2613.
2 . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال:26/293، برقم 5548. وراجع ترجمة محمد بن جعفر القومسي في الكتاب نفسه: ج25/13، برقم 5122.
3. راجع المصادر التي ذكرناها في الصفحة المتقدّمة.

(316)
شريك، عن سلمة بن كهيل، عن الصُّنابحي( عبد الرحمن بن عسيلة)، عن عليّ، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قال: «أنا مدينة العلم، وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأت باب المدينة».(1)
وإليك أبرز كلمات نقّاد الحديث في رجال هذا الإسناد.
ـ سويد بن سعيد.
احتجّ به مسلم في صحيحه، وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن يكون صدوقاً، أو قال: لا بأس به. وأمّا ابن مَعين فأفحش فيه القول.
وقال أبو حاتم: صدوق كثير التدليس.
وقال العجلي: ثقة.
وقال الذهبي: كان صاحب حديث وحفظ، لكنّه عُمِّر وعمي، فربّما لُقِّن ممّا ليس من حديثه، وهو صادق في نفسه، صحيح الكتاب.(2)
ـ شريك بن عبد الله.
وثّقه كثيرون مثل: يحيى بن مَعين، والعجلي، وابن حبّان، وابن شاهين، وقال غير واحد: صدوق.
وقال الذهبي: الحافظ، الصادق، أحد الأئمة. وكان من أوعية العلم.
احتجّ به أصحاب السنن، وأخرج له مسلم متابعة، واستشهد به البخاري في «الجامع»، وروى له في «رفع اليدين في الصلاة» وغيره.(3)

1 . ميزان الاعتدال:2/251، الترجمة3621.
2 . انظر: ميزان الاعتدال:2/248، الترجمة 3621، و تهذيب الكمال:12/247، الترجمة 2643.
3 . انظر: تهذيب الكمال:12/462، الترجمة2736; و ميزان الاعتدال:2/270، الترجمة 3697.

(317)
ـ سلمة بن كُهيل
ثقة عند الجميع، وقد روى له أصحاب الكتب الستة.(1)
ـ عبد الرحمن بن عُسَيلة الصُّنابِحيّ.
ثقة عند الجميع، وقد روى له أصحاب الكتب الستة.(2)
فالحديث بهذا الإسناد، إمّا صحيح(3)، أو حسن (لأنّ رجاله بين الثقة والصدوق)، فكيف يُدّعى، إذاً، أنّه موضوع، وهل هذا إلاّ انصياع للهوى، وقول بغير علم؟!
وهاك مثالاً آخر يعزّز ما سبق من أنّ الذهبي قد تعامل مذهبياً مع الحديث، وليس على أساس المنهج العلمي:
قال: أخرج الترمذي عن إسماعيل بن موسى، عن محمد بن عمر الرومي، عن شريك حديث: «أنا دار الحكمة، وعليٌّ بابها».
ثمّ عقّب الذهبيّ على ذلك بقوله: فما أدري من وضعه؟(4)
فهو يحكم، إذاً، على أحد الرجلين: إسماعيل بن موسى الفزاري، أو محمد بن عمر الرومي، بوضع الحديث.
والآن، لننظر إلى أقوال أصحاب الجرح والتعديل في حقّ هذين الرجلين، حتى نقف على مدى التزامه بالمنهج العلميّ:

1 . انظر: تهذيب الكمال:11/313، الترجمة 2467.
2 . انظر: تهذيب الكمال:17/282، الترجمة 3905.
3 . إذا أخذنا بتوثيق مسلم، والعجلي، لسويد بن سعيد.
4 . ميزان الاعتدال:3/668، الترجمة 8002 .

(318)
ـ محمد بن عمر بن عبد الله الروميّ.
روى عنه من كبار المحدثين: البخاري في غير صحيحه، وأبوحاتم الرازي، ويعقوب بن سفيان الفارسي، وأبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري الكجّي.
قال تلميذه أبو حاتم: هو قديم، روى عن شريك حديثاً منكراً.(1) وعنه أيضاً: فيه ضعف.
وقال أبو زرعة: شيخ فيه لين.
وذكره ابن حبّان في كتاب «الثقات».
فأقصى ما قيل في الرجل أنّ فيه ليناً أو ضعفاً، وأين هذا من الحكم عليه أوعلى تلميذه بوضع الحديث؟
ـ إسماعيل بن موسى الفزاري(المتوفّى 245هـ).
روى عنه من كبار المحدّثين: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبخاري في كتاب «أفعال العباد»، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي (مُطيَّن).
قال تلميذه مطيّن: كان صدوقاً.
وقال أبو حاتم: صدوق.
وقال النسائيّ: ليس به بأس.
وقال ابن عديّ: أنكروا عليه الغلوّ في التشيّع(2)، وأمّا في الرواية

1 . يظهر من هذا القول أنّ المشكلة في متن الحديث، وليست في الراوي!!
2 . كيف يكون غالياً في التشيع،ويروي عنه هؤلاء المحدّثين الكبار، ومنهم البخاري، وابن خزيمة، المعروف موقفهما من الشيعة؟!

(319)
فقد احتمله الناس، وروَوا عنه.(1)
فهل يصحّ، بعد هذه الأقوال فيه، أن يكون أحد اثنين يُقطع عليهما بوضع الحديث؟
وممّا يثير العجب، أن يطعن الذهبي على الفزاريّ بمثل هذا الطعن، مع أنّ الذهبيّ نفسه قال في حقّه: صدوق شيعيّ!!(2)
ثمّ إنّ الفزاريّ لم يتفرّد برواية الحديث عن محمد بن عمر الرومي، وإنّما رواه عنه أيضاً أبو مسلم البصري الكجّي، والكجّي هذا وثّقه الدارقطني وغيره، ووصفه الذهبيّ بقوله: الإمام، الحافظ، شيخ العصر.(3)
وإذا كان الذهبي قد تعامل مع الحديث من وجهة نظر مذهبية، فاضطرب وتخبّط في مناقشة أسانيده ـ كما رأيت ـ فهل يُنتظر من ابن تيمية(وهو أشدّ تعصّباً منه) أن يبحث فيها، ليتوصّل إلى رأي علميّ محدّد من الحديث؟ كلاّ، وألف كلاّ، إنّه لا يرى ثمّة حاجة إلى البحث في أسانيده، فنظرة عجلى منه إلى متن الحديث (وهو يخصّ علياً بهذه الفضيلة الرابية)، كافية للحكم عليه بالوضع!! ومن هنا عوّل على ابن الجوزي في مناقشته لسبعة عشر طريقاً من طرقه الكثيرة، وقال: «ذكره ابن الجوزي، وبيّن أن سائر طرقه موضوعة، والكذب يُعرف من نفس المتن».(4)

1 . انظر: تهذيب الكمال:3/210، الترجمة491; وميزان الاعتدال:1/251، الترجمة 958.
2 . الكاشف للذهبي:1/129، برقم 414.
3 . سير أعلام النبلاء:13/423، الترجمة209.
4 . منهاج السنة: 7 / 515، وفي طبعة بولاق : 4 / 138.

(320)
وممّا يلاحظ على كتاب ابن الجوزي، أنّه لم يستوفِ كلّ طرق الحديث.(1) هذا أوّلاً.
وثانياً: أنّه تعسّف في الحكم على بعض طرقه، ونقل عن الرجاليين اتّهام بعض الرواة بسرقة الحديث، ولم يكشف لنا عن أسماء هؤلاء الرجاليين!!(2)
وقد ردّ عدد من حفّاظ أهل السنّة على ابن الجوزي والذهبيّ وغيرهما ممّن قالوا بأنّ الحديث موضوع، ولم يرتضوا منهم هذا القول الذي يجافي الحقيقة، وإليك بعض ردودهم:
قال الحافظ صلاح الدين خليل العلائي الدمشقي (المتوفّى 761هـ):
هذا الحديث حكم ابن الجوزي وغيره بوضعه، وعندي في ذلك نظر... إلى أن قال: والحاصل أنّه ينتهي بطرقه إلى درجة الحسن المحتجّ به، ولا يكون ضعيفاً فضلاً عن أن يكون موضوعاً. (3)
وقال الحافظ ابن حجر في لسانه: هذا الحديث له طرق كثيرة في

1 . مثل ما روي من طريق محمد بن جعفر الفيدي(من رجال البخاري)، وطريق سُويد بن سعيد(من رجال مسلم)، وغيرهما.
2 . قال: وفي الطريق الثاني: رجاء بن سلمة، وقد اتّهموه بسرقته أيضاً(الموضوعات:1/354، وفيه: جابر بن سلمة، خطأً). يشار إلى أنّني لم أجد لرجاء بن سلمة ذكراً فيما بين يديّ من كتب الجرح والتعديل. نعم ذكره ابن حجر، ولكنه لم ينقل في ترجمته سوى قول ابن الجوزي:(اتّهم بسرقة الأحاديث)، ولم يبيّن لنا مَن هو المتّهِم!!
انظر: لسان الميزان:2/456، برقم 1843 .
وقال أيضاً: في الطريق الأوّل جعفر بن محمد الفقيه، وهو متّهم بسرقة هذا الحديث (الموضوعات:1/354)، ولم ينقل لنا، أيضاً، أسماء من اتّهموه.
3 . لاحظ: النكت البديعات للسيوطي:288ـ289.

(321)
مستدرك الحاكم، أقلّ أحوالها أن يكون للحديث أصل، فلا ينبغي أن يُطلق القول عليه بالوضع.(1)
وقال أيضاً في فتوى هذا الحديث: أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: إنّه صحيح، وخالفه ابن الجوزي فذكره في الموضوعات وقال: إنّه كذب، والصواب خلاف قولهما معاً، وإنّ الحديث من قسم الحسن لا يرتقي إلى الصحة ولا ينحط إلى الكذب، وبيان ذلك يستدعي طولاً، ولكن هذا هو المعتمد في ذلك.(2)
وقال العلاّمة المتّقي الهندي(المتوفّى 975هـ): قد كنت أُجيب بهذا الجواب (يعني جواب ابن حجر) دهراً إلى أن وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث عليّ في «تهذيب الآثار»(3)، مع تصحيح الحاكم لحديث ابن عباس، فاستخرتُ الله وجزمتُ بارتقاء الحديث من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحّة. والله أعلم.(4)
أقول: يتّضح ممّا تقدّم أنّ حديث (باب مدينة العلم)، قد صحّحه يحيى بن مَعين(5) (المتوفّى 233هـ)، وابن جرير الطبري (المتوفّى 310 هـ)،

1 . لسان الميزان:2/123، الترجمة513.
2 . النكت البديعات:289، وكنز العمّال:13/148.
3 . تهذيب الآثار:1/189، الحديث180، مطابع الصفا بمكة المكرمة، 1402هـ .
4 . كنز العمال:13/149.
5 . قد مرّ عليك جوابه لصالح بن محمد بن عمرو بن حبيب المعروف بـ (جزرة)، وقد سأله عن رواية أبي الصلت لحديث (باب مدينة العلم): قد روى هذا، ذاك الفيدي عن أبي معاوية كما رواه أبو الصلت.
وقال المتقي الهندي: وروى الخطيب البغدادي في تاريخه عن يحيى بن معين أنّه سئل عن حديث ابن عباس، فقال: هو صحيح. كنزالعمال:13/148.

(322)
والحاكم النيسابوري (المتوفّى 405 هـ)، والمتّقي الهندي (المتوفّى 975هـ).
وحسّنه صلاح الدين العلائي (المتوفّى 761هـ)، وابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 هـ).
ويتّضح أيضاً، أنّ القائلين ببطلانه (لم يأتوا في ذلك بعلّة قادحة، سوى دعوى الوضع دفعاً بالصدر)، كما أكّد ذلك الحافظ صلاح الدين العلائي الدمشقي.(1)
وأظن أنّ دراسة الحديث أزيد من هذا المقدار خارج عن إطار بحثنا، ومن أراد التفصيل والوقوف على كلمات العلماء حول الحديث فليرجع إلى «عبقات الأنوار» أو «نفحات الأزهار»، وكتاب «الغدير».(2)

1 . انظر: كنز العمّال:13/148.
2 . الغدير:6/87 ـ 117; نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار: ج10 وج11 و ج12.

(323)
15

ابن تيمية وقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أقضاكم عليّ»

يقول ابن تيمية: وأمّا قول الحلّي: ]قال رسول الله:«أقضاكم علي» والقضاء يستلزم العلم والدين[، فهذا الحديث لم يثبت وليس له إسناد تقوم به الحجّة.(1)
كيف يقول: (فهذا الحديث لم يثبت، وليس له إسناد تقوم به الحجّة); وقد روى أحمد في مسنده عن أبي عبد الرحمن: وجدت في كتاب أبي بخط يده في هذا الحديث قال لبنته فاطمة: «أو ما ترضين أنّي قد زوّجتك أقدم أُمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً».(2)
وأخرج البغوي عن أنس، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «أقضى أُمّتي علي». فقال محبّ الدين الطبري (المتوفّى 694هـ): أخرجه البغوي في المصابيح، في الحسان وقال: وعن عمر، قال: أقضانا علي. أخرجه الحافظ السلفي.(3)
وروى أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه عن ابن عباس: قال: قال عمر: علي أقضانا وأُبي أقرؤنا.(3)

1 . منهاج السنّة: 7/512ـ513، وفي طبعة بولاق : 4/138.
2 . مسند أحمد:5/26. 3 . ذخائر العقبى:83.
3 . مسند أحمد :5/113; مستدرك الحاكم:3/305.

(324)
وروى ابن عبد البر في «الاستيعاب» بسنده إلى أبي فروة ]عروة بن الحارث الهمْدانيّ[ قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا.(1)
وروى ابن عبد البر أيضاً بسنده عن علقمة، عن عبد الله]بن مسعود [قال: كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب.(2)
وأورد ابن حجر في «فتح الباري» قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أقضى أُمّتي عليٌّ»، وقال، وهو يشرح قول عمر بن الخطاب المرويّ في البخاري:
«أقرأنا أُبيّ، وأقضانا عليّ»(3) قال: كذا أخرجه موقوفاً، وقد أخرجه الترمذي وغيره من طريق أبي قلابة، عن أنس مرفوعاً في ذكر أُبيّ.
ثم قال ما نصّه: وأمّا قوله: «وأقضانا عليّ»; فورد في حديث مرفوع أيضاً عن أنس رفعه: «أقضى أُمّتي علي بن أبي طالب»، أخرجه البغوي.
وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مرسلاً: «أرحم أُمّتي بأُمّتي أبو بكر وأقضاهم علي» الحديث.
ورويناه موصولاً في فوائد أبي بكر محمد بن العباس بن نجيح من حديث أبي سعيد الخدري مثله.
وروى البزار من حديث ابن مسعود قال: كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب(رضي الله عنه).أ.هـ.(4)

1 . الاستيعاب :3/1102، الترجمة1855. 2 . الاستيعاب:3/1103.
3 . صحيح البخاري:5/149، كتاب تفسير القرآن.
4 . فتح الباري:8/167، برقم 4481.

(325)
16

ابن تيمية وحديث قتال الناكثين والقاسطين والمارقين

وممّا ينبئ عن نزعة ابن تيميّة الأموية، هو إنكاره حديث قتال الناكثين الذي رواه غير واحد من الصحابة والتابعين والحفّاظ والعلماء والمؤلّفين، وحاصل الحديث: أنّ علياً (عليه السلام)قال: «أمرني رسول الله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين».
وفي لفظ آخر عن أحد الصحابة: إنّ رسول الله أمرنا بقتال ثلاثة مع علي، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. إلى غير ذلك من ألفاظ الحديث.
يقول ابن تيمية ما هذا نصّه: وأمّا الحديث الذي يُروى أنّه أُمر بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين، فهو حديث موضوع على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
أقول: إنّ إخبار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ عليّاً يقاتل هذه الطوائف الثلاث، قد ورد بصور مختلفة لا يمكن لمتحدّث ـ فضلاً عن المحدّث ـ رمي هذه الأحاديث الهائلة بالوضع والكذب، إلاّ إذا كان من رماة القول على عواهنه الذين يردّون كلّ ما لا يوافق هواهم.

الصورة الأُولى:

قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لنسائه: كيف بإحداكنّ إذا نبح عليها كلاب الحوأب.
أو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لهن: أيتكنّ تنبح عليها (تنبحها) كلاب الحوأب.

1 . منهاج السنّة: 6/112، وفي طبعة بولاق : 3/156.

(326)
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)لهن: ليت شعري أيتكنّ تنبحها كلاب الحوأب، سائرة إلى الشرق في كتيبة.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لهن: ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الأزبّ، تنبحها كلاب الحوأب.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعائشة: وكأنّي بإحداكنّ قد نبحها كلاب الحوأب، وإيّاك أن تكوني أنت يا حميراء.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا حميراء، كأنّي بك تنبحك كلاب الحوأب، تقاتلين عليّاً وأنت له ظالمة.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام): إن وليت من أمرها شيئاً فارفق بها.
وقد ذكر هذه النصوص حفاظ المحدثين وخبراء التاريخ، اقرأ مصادرها ومداركها في كتاب الغدير.(1) وليس في وسعنا ذكر مصادر هذه الصور مع كثرتها الهائلة.
وإليك شيئاً ممّا روي في هذا المجال:
روى الإمام أحمد بإسناده عن قيس بن أبي حازم، قال:
لمّا أقبلت عائشة، فلمّا بلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب، فقالت: أيّ ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب. قالت: ما أظنّي إلاّ أنّني راجعة. قال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراكِ المسلمون، فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذات يوم: «كيف بإحداكنّ تنبحُ عليها كلاب الحوأب».(2)
وقال الحاكم في المستدرك: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب

1 . الغدير:3/267ـ269. 2 . مسند أحمد:6/52 و 97.

(327)
الحافظ، ثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، قال: لمّا بلغت عائشة بعض ديار بني عامر نبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب. قالت: ما أظنّني إلاّ راجعة، فقال الزبير: لا بعد، تقدّمي ويراك الناس ويصلح الله ذات بينهم. قالت:ما أظنّني إلاّ راجعة، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «كيف بإحداكنّ إذا نبحتها كلاب الحوأب».(1)
وقد مرّ بنا تحت عنوان (نتائج خلافة علي) تصحيح ابن حبّان، والحاكم، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر، لحديث الحوأب، فراجع.

الصورة الثانية:

وممّا يدلّ على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر علياً بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، هو ما رواه ابن عساكر عن أبي صادق(رضي الله عنه)، قال: قدم أبو أيّوب العراق، فأهدت له الأزد جُزراً، فبعثوا بها معي، فدخلت إليه فسلّمت عليه، وقلت له: قد أكرمك الله بصحبة نبيّه ونزوله عليك، فمالي أراك تستقبل الناس تقاتلهم؟! تستقبل هؤلاء مرّة، وهؤلاء مرّة؟ فقال: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عهد إلينا أن نقاتل مع عليّ الناكثين، فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين، فهذا وجهنا إليهم ـ يعني معاوية وأصحابه ـ وعهد إلينا أن نقاتل مع عليٍّ المارقين، فلم أرهم بعد.(2)
أخرج الحاكم في مستدركه عن أبي أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن

1 . مستدرك الحاكم:3/120.
2 . تاريخ دمشق لابن عساكر: 16/54، كنز العمال:11/352، برقم 31720.

(328)
الخطاب قال: أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.(1)
وروى ابن عساكر بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فأتى منزل أُمّ سلمة، فجاء عليّ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أُمّ سلمة هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين بعدي».(2)
ولهذا الحديث طرق كثيرة، وقد تقدّم تحت عنوان (نتائج خلافة علي) قول بعض المحقّقين بأنّ مجموع هذه الطرق يقتضي صحّة الحديث، أو حسنه على أقلّ تقدير.(3)

الصورة الثالثة:

أخرج أحمد في مسنده عن أبي رافع إنّ رسول الله قال لعلي: سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال: أنا يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أنا؟ قال: نعم، قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكن إذا كان ذلك، فارددها إلى مأمنها».(4)
إلى غير ذلك من الصور المختلفة للحديث التي يحكي جميعها عن أنّ عليّاً يواجه بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ثلاث فرق ثلاث كلهم ظالمون خارجون عليه خروج البغاة على إمامهم، ولذلك روي عن الإمام الشافعيّ أنّه قال: لولا عليٌّ لما عُرف شيء من أحكام أهل البغي.(5)

1 . مستدرك الحاكم:3/139.
2 . تاريخ مدينة دمشق:42/470; تاريخ ابن كثير:7/317; كنز العمال:13/110، برقم 36361.
3 . راجع ص 277 ـ 279 من هذا الكتاب. 4 . مسند أحمد:6/393; مجمع الزوائد:7/234.
5 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:9/331.

(329)
17

ابن تيمية وقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«من أحبّ علياً فقد أحبني»

روى العلاّمة الحلّي أحاديث في فضل علي(عليه السلام) ومنها: أنّه قال رجل لسلمان: ما أشدّ حُبّك لعلي؟ قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «من أحبّ عليّاً فقد أحبني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني».
ثمّ إنّ ابن تيمية قال: فالعشرة الأُولى ]من هذه الأحاديث[ كلّها كذب.(1)
قال ذلك من دون أن يأتي بشيء يدلّ على كذب هذه الأحاديث التي منها حديث حبّ عليّ(عليه السلام).
وهانحن نذكر ما وقفنا عليه من المصادر التي ذكرت هذا الحديث.
أقول: أخرج الحاكم عن أبي عثمان النهدي، قال: قال رجل لسلمان: ما أشدّ حبّك لعليّ، قال: سمعت رسول الله يقول: «من أحبّ علياً فقد أحبني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني». ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقد أقرّه الذهبي في تلخيصه، فقال في آخر الحديث: (خ م)(2)، وهي إشارة إلى أنّ الحديث صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وأخرج الطبراني في الكبير عن أُمّ سلمة قالت: أشهد أنّي سمعت رسول

1 . منهاج السنّة: 5/36ـ42، وفي طبعة بولاق : 3/10. 2 . المستدرك:3/130.

(330)
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «من أحب عليّاً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحبّ الله، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله».(1)
قال الحافظ الهيثمي بعد إيراده الحديث: إسناده حسن.(2)
ويؤيد ذلك ما رواه مسلم عن علي(عليه السلام) قال: «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأُمّي إليّ: أنّه لا يحبني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق».(3)
فليحذر ابن تيمية من أن يكون ممّن لا يحبّه فإنّ كثيراً من عباراته في منهاجه يدل بوضوح على أنّ الرجل لا يحب علياً، بل في قلبه منه شيء، بل يتمادى في بغضه، حتى أنّه لم يحب صحابة علي(عليه السلام)كذلك، فقال في حقّ أبي ذرّ: وأمّا كون أبي ذر من أصدق الناس(4) فذاك لا يوجب أنّه أفضل من غيره. إلى أن قال: والحديث المذكور بهذا اللفظ الذي ذكره الرافضي ضعيف، بل موضوع، وليس له إسناد يقوم به.(5)
أقول: روى الترمذي بإسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ما أقلّتِ الغبراءُ ولا أظلّتِ الخضراءُ من رجل أصدقَ لهجةً من أبي ذرّ».
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي ذرّ.(6)

1 . المعجم الكبير:23/380. 2 . مجمع الزوائد:9/132.
3 . صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أنّ حب الأنصار وعلي من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النفاق.
4 . يشير إلى حديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر».
5 . منهاج السنّة: 6/275ـ 276، وفي طبعة بولاق : 3/199.
6 . سنن الترمذي:1082، باب مناقب أبي ذرّ الغفاري، ح3827، تحقيق صدقي جميل العطار.

(331)
ثمّ روى الحديث(وهي رواية مطوّلة) عن أبي ذرّ، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.(1)
وقد صحّح الألباني الحديث، وحسّن الرواية المطوّلة(2) وفيها لفظ: (ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الخضراء من ذي لهجة...).
وأخرج الحاكم في مستدركه عن عبد الرحمن بن غنم قال: كنت مع أبي الدرداء فجاء رجل من قبل المدينة فسأله فأخبره أنّ أبا ذر مسيّر إلى الربذة، فقال أبو الدرداء: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لو أنّ أبا ذر قطع لي عضواً أو يداً ما هجنته بعدما سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر». قال الذهبي: سنده جيّد.(3)
كما أنّ الحديث قد رواه غير واحد من الحفّاظ والمحدّثين، ومنهم ابن سعد.(4) وابن ماجة(5) وأحمد بن حنبل(6)، وغيرهم ممّن رووا هذا الحديث من طرق مختلفة وبألفاظ متفاوتة.
وقد جمع العلاّمة الأميني طرق وألفاظ هذا الحديث.(7) فمن نظر إلى طرق الحديث وكثرة ناقليه يقف على أنّه في غاية الصحّة والمتانة غير أنّ النزعة الأموية عند ابن تيمية حالت بين بصيرته وواقع الحديث فجعلته يقول: وليس له إسناد يقوم به.

1 . سنن الترمذي: 1082، ح3828. 2 . صحيح الجامع الصغير:5/124.
3 . المستدرك:3/344. 4 . الطبقات الكبرى:4/228.
5 . سنن ابن ماجة:56، ح156، تحقيق صدقي جميل العطّار.
6 . مسند أحمد:2/163، و175.
7 . الغدير:8/439ـ 442.

(332)
18

ابن تيمية ونزول (هَلْ أَتَى) في حقّ العترة

قال ابن تيمية: ومنها:(1) قوله ]يعني العلاّمة الحلي[: نزل في حقّهم:
(هَلْ أَتَى )، فإنّ سورة (هَلْ أَتَى )مكيّة باتفاق العلماء وعليّ إنّما
تزوّج فاطمة بالمدينة بعد الهجـرة ولم يدخل بها إلاّ بعد غزوة بدر وولد له الحسن في السنة الثانية من الهجرة والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول (هَلْ أَتَى)بسنين كثيرة، فقول القائل: إنّها نزلت فيهم، من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول القرآن وعلم بأحوال هؤلاء السادة الأخيار (2).
ونحن نناقشه في كلامه هذا من خلال النقاط التالية:
الأُولى: إنّ دعوى ابن تيمية أنّ السورة مكيّة باتّفاق العلماء، تدلّ على فرط جهله بالنقل، أو على تعمّده الكذب، فأقوال العلماء لم تتّفق على أنّ السورة مكية، وإنّما ذهب الكثير منهم، بل أكثرهم، إلى أنّها مدنيّة، وقد استفاضت بذكر ذلك روايات أهل السنة، فروى مجاهد عن ابن عباس: أنّها

1 . يعني الأحاديث الموضوعة حسب ما قاله ابن تيمية.
2 . منهاج السنّة: 4/20، وفي طبعة بولاق : 2/117.

(333)
مدنيّة. وهو قول مجاهد، وقتادة، (وعكرمة، والحسن البصري، والكلبيّ)(1)، وجابر بن زيد.(2)
أمّا روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد أطبقت على كونها مدنيّة.
فأين اتّفاق العلماء على كونها مكيّة، يا شيخ الإسلام (الأموي)؟!!
الثانية: إنّ لفظ (الأسير) الوارد في السورة، يؤيد (بل يؤكد) أنّ السورة (أو الآيات التي تضمّنت قصة الإطعام) مدنية، فثمّة ثلاثة أقوال للمفسّرين في المراد بالأسير:
أحدها: أنّه الأسير من المشركين، وبتعبير الطبري: هو الحربيّ من أهل دار الحرب، يؤخذ قهراً بالغلبة. وهو قول ابن عباس، والحسن البصريّ، وقتادة، وعكرمة.
وهذا القول يناسب الظاهر من لفظ (الأسير).
ثانيها: المسجون من أهل القبلة. وهو قول مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير.(3)
ثالثها: المملوك (العبد). وبه قال السُّدّيّ.(4)

1 . قال هؤلاء الثلاثة: إنّ السورة مدنية إلاّ قوله:(وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أوْ كَفُوراً)، أو قوله: (فاصْبِرْ لحكم رَبِّكَ).
2 . تفسير البغوي:5/188; والتحرير والتنوير (تفسير ابن عاشور): 29/343ـ344 (وفيه: أنّ جابر بن زيد عدّها الثامنة والتسعين في ترتيب السور، وقال: نزلت بعد سورة الرحمن، وقبل سورة الطلاق).
3 . جامع البيان (تفسير الطبري): 14/254 ـ 255 (الأثر: 35782 ـ 35790); والتفسير الكبير للفخر الرازيّ: 30/245.
4 . التفسير الكبير للفخر الرازي:30/245.

(334)
قال العلامة الآلوسيّ: وتسمية المسجون أسيراً مجاز، لمنعه من الخروج، وأمّا تسمية المملوك، فمجاز أيضاً لكن قيل باعتبار ما كان، وقيل باعتبار شبهه به في تقييده بأسار الأمر وعدم تمكّنه من فعل ما يهوى.(1)
يُشار إلى أنّ الطبري اقتصر على ذكر القولين الأوّلَين (وروى بإسناده عن الحسن البصري أنّه قال: ما كان أسراهم إلاّ المشركين)(2)، وكذلك فعل الشيخ الطوسيّ من مفسّري الإمامية.(3)
وقال الطبراني:و(الأسير): الكافر المأسور في أيدي المؤمنين، ويقال: الأسير: العبد.(4)
وأنت ترى ـ عزيزي القارئ ـ أنّ القول بأنّ المراد بالأسير، هو المشرك المأخوذ من أهل دار الحرب، هو القول الأقوى والأنسب لظاهر اللفظ. وهنا نسأل ابن تيمية ومقلّديه:
متى تمكّن المسلمون من أخذ المشركين أسرى؟ أفي مكة أم في المدينة؟ أفي مكة التي كانوا فيها مضطهدين معذَّبين مُطارَدين، أم في المدينة التي قويت فيها شوكتهم، واستحصدت فيها قوّتهم؟
وأمّا إذا أخذنا بقول من قال إنّ المراد بالأسير، هو الأسير من أهل القبلة، فإنّ هذا إنّما يستقيم ـ كما يقول الطيبي ـ إذا اتّفق الإطعام في دار الحرب من المسلم لأسير في أيديهم(5) (أي في أيدي الكفّار).

1 . روح المعاني:29/156.      2 . جامع البيان:14/255. 3 . التبيان في تفسير القرآن:10/210.
4 . التفسير الكبير للطبراني:6/402، دار الكتاب الثقافي بالأردن، 2008م.
5 . روح المعاني:29/155.

(335)
ومن المعلوم أنّه ليس ثمّة ما يدلّ على أنّ المشركين في مكّة قد أسروا أحداً من المسلمين، حتى يؤثره مسلم آخر بطعامه.
فكيف يقال، بعد هذا كلّه، أنّ السورة بتمامها مكية؟!
وإلى هذا المعنى أشار العلاّمة الطباطبائي، بقوله:
ثمّ إنّ عدّ الأسير فيمن أطعمه هؤلاء الأبرار نعم الشاهد على كون الآيات مدنية، فإنّ الأسر إنّما كان بعد هجرة النبي(صلى الله عليه وآله)، وظهور الإسلام على الكفر والشرك لا قبلها.(1)
الثالثة: أنّ نزول هذه الآيات في عليّ وأهل بيته(عليهم السلام)لإيثارهم المسكين واليتيم والأسير، قد ذكره جمع من العلماء والمفسّرين من أهل السنّة، ومن المعتزلة (فضلاً عن الشيعة)، ومنهم: أبو جعفر الإسكافي المعتزليّ(المتوفّى 240هـ)، وابن عبد ربّه الأندلسي المالكي(2)(المتوفّى 328هـ)، والحافظ أبو بكر بن مردويه(3)(المتوفّى 416هـ)، وأبو إسحاق الثعلبي(4)(المتوفّى 427هـ)، وأبو الحسن الواحدي(5)(المتوفّى 468هـ)، والحسين بن مسعود البغوي الشافعي(المتوفّى 516هـ)، وأبو القاسم الزمخشري المعتزلي(6)(المتوفّى 538هـ)، وفخر الدين الرازي الشافعي(المتوفّى 606هـ)، والقاضي

1 . الميزان في تفسير القرآن:20/127.
2 . العقد الفريد:5/354(فقرة: احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّ).
3 . انظر: الدر المنثور للسيوطي:8/371.
4 . تفسير الثعلبي:10/98ـ 102.
5 . أسباب النزول:296.
6 . تفسير الكشاف:4/670.

(336)
ناصر الدين البيضاوي الشافعي(1) (المتوفّى 685هـ)، وحافظ الدين عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي(2) (المتوفّى 701هـ)، وطائفة.
وإليك أقوال ثلاثة من هؤلاء الأعلام:
قال أبو جعفر الإسكافي، وهو يذكر فضائل علي(عليه السلام):
وهو الذي أطعم الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وأُنزلت فيه وفي زوجته وابنيه سورة كاملة من القرآن.(3)
وقال البغوي: روي عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس: نزلت ]يعني آية الإطعام[ في علي بن أبي طالب، وذلك أنّه عمل ليهودي بشيء من الشعير، فقبض الشعير، فطحن ثلثه، فجعلوه منه شيئاً ليأكلون، فلمّا تمّ إنضاجه أتى مسكين فسأل، فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني، فلمّا تمّ إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي، فلما تمّ إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطوَوْا يومهم ذلك.(4)
وقال الفخر الرازي:
والواحدي من أصحابنا ـ يعني من أهل السنّة ـ ذكر في كتاب البسيط أنّها نزلت في حقّ علي(عليه السلام)، وصاحب «الكشاف» من المعتزلة ذكر هذه القصة، فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) مرضا،

1 . تفسير البيضاوي:2/552ـ553.
2 . تفسير النسفي:4/318.
3 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:13/276، الخطبة 238.
4 . تفسير البغوي(معالم التنزيل):5/191ـ192.

(337)
فعادهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أُناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما... (إلى أن قال): فنزل جبريل، وقال: خذها يا محمد هنّأك الله في أهل بيتك، فاقرأ هذه السورة».(1)
هذا، وقد صرّح كلّ من محيي الدين ابن عربي(2) (المتوفّى 638هـ)، والسيد محمود الآلوسي البغدادي(المتوفّى 1270هـ) بأنّ خبر نزولها في عليّ وأهل بيته(عليهم السلام)، مشهور بين الناس، ثم نقل الآلوسي هذين البيتين في مدح عليّ(عليه السلام).
إلامَ أُلام وحتى متى *** أُعاتَبُ في حبّ هذا الفتى
وهل زُوِّجتْ غيره فاطم *** وفي غيره هل أتى (هَلْ أَتَى)(3)
فهل تجد ـ عزيزي القارئ ـ إذا ما وقفتَ على ما تقدّم وعلى غيره(4)، باعثاً لتكذيب ابن تيمية القول بنزول (هَلْ أَتَى) في حقّ عليّ وأهل بيته، إلاّ الحنق الذي يحول بين القلب وبين الاستجابة للبرهان الناصع المنير(فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَ لَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ).(5)

1 . تفسير الرازي، (التفسير الكبير):30/243ـ244.
2 . تفسير ابن عربي:2/370، دار الكتب العلمية، 1422 هـ .
3 . روح المعاني:29/157.
4 . أنهى شيخنا الأميني(رحمه الله) عدد من نقل خبر نزول السورة (أو آيات قصة الإطعام) إلى (34) مفسّراً ومحدّثاً، وهو ـ بالطبع ـ لم يستوفِ أسماء جميع الناقلين له. انظر: الغدير:3/55ـ160.
5 . الحجّ: 46.

(338)
19

مناقشته في خصائص عليّ(عليه السلام)

إنّ ابن تيمية عندما يرى أنّه لا يستطيع إنكار صحّة حديث من أحاديث فضائل علي(عليه السلام)، لاستقامة سنده وتضافره، يلجأ إلى القول بأنّ ما ورد في ذلك الحديث، هو من فضائل علي وليس من خصائصه.
ومن هذه الموارد ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فلن أسبّه، لاَن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حُمر النعم، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له ـ وقد خلفه في بعض مغازيه ـ فقال له علي: يا رسول الله خلَّفتَني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي؟
وسمعته يقول يوم خيبر: «لأُعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله»، فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً; فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.
ولمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ)دعا رسول

(339)
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً(عليهم السلام)، فقال: اللهم هؤلاء أهلي.(1)
قال ابن تيمية: أمّا حديث مسلم فهذا حديث صحيح وفيه ثلاث فضائل لعلي لكن ليست من خصائص الأئمة ولا من خصائص علي، فإنّ قوله وقد خلّفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله تخلّفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» ليس من خصائصه، فإنّه استخلف على المدينة غير واحد، ولم يكن هذا الاستخلاف أكمل من غيره.(2)
أقول:إنّ متن الحديث، هو أفضل دليل على أنّ ما ورد فيه يُعدّ من فضائله، ومن خصائصه أيضاً، وذلك لأنّ تلك المناقب لو لم تكن من خصائصه، فلماذا تمنى سعد أن يكون له مثل ذلك؟ أليس معنى ذلك أنّه لم يتفق لأحد من الصحابة تلك الفضائل الثلاث؟ وأوضح دليل على أنّ ما جاء في حديث المنزلة يعتبر من خصائص عليّ أنّه أثبت له جميع مناصبه إلاّمنصباً واحداً وهو النبوّة، وليس في الصحابة أحد من له عامّة مناصب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ النبوة ونزول الوحي، غير عليّ(عليه السلام).
نعم، لقد استخلف(صلى الله عليه وآله وسلم) على المدينة غير واحد، كما يقول ابن تيمية، ولكنْ لم يحظ أحد منهم بما حظي به الإمام علي، في هذا الموقف، من ثناء عاطر، ومنزلة فريدة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولهذا عدّت هذه الفضيلة من خصائص عليّ وحده، لا يشاركه فيها

1 . صحيح مسلم: 4/1871، الحديث 2404، كتاب فضائل الصحابة; سنن الترمذي: 5/638، الحديث 3724، كتاب الفضائل; المستدرك:3/116.
2 . منهاج السنّة: 5/24، وفي طبعة بولاق : 3/10.

(340)
أحد،ولكنّ ابن تيمية لا يفقه هذا المعنى، أو لا يريد أن يفقهه، بعد أن شاء له سوء حظّه اتّباع من أعمى الله بصائرهم.(1)
ومن هنا، حاول بكلّ جهده، التلبيس، عن عمد، على نفسه، وعلى مقلّديه، وهو يتناول فضائل علي بالتكذيب، أو التشكيك، أو التهوين من قدْرها وخطرها.

الإطاحة بالوحي

لمّا ذهبت الشيعة في أمر الإمامة إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على خلافة علي وأولاده (عليهم السلام)، زعم ابن تيمية أنّ من يقول بكون الولاية منحصرة في بيت رسول الله فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية، وإليك نص كلامه: ولم يقل أحد قط: إنّي أحقّ بهذا من أبي بكر، ولا قاله أحد بعينه:إنّ فلاناً أحق بهذا الأمر من أبي بكر، وإنّما قال من فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية: إنّ بيت الرسول أحقّ بالولاية لكون العرب كانت في جاهليتها تقدّم أهل بيت الرؤساء، وكذلك الفرس يقدّمون أهل بيت الملك.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الخلافة ـ وإن شئت قلت: إمامة الناس ـ منصب إلهيّ يضعه سبحانه في مَن شاء، وليست مشيئته سبحانه، مشيئة اعتباطية، بل يضعها حسب قابليات ومؤهّلات الشخص، ولهذا نرى أنّ إبراهيم(عليه السلام) لمّا

1 . قال معاوية بن أبي سفيان لعقيل بن أبي طالب وقد كُفّ بصره: أنتم معشر بني هاشم تُصابون في أبصاركم! فقال عقيل: وأنتم معشر بني أُميّة تُصابون في بصائركم!
العقد الفريد لابن عبد ربّه الأندلسي:91.
2. منهاج السنة: 6/ 455 ـ 456، وفي طبعة بولاق : 3/269 .

(341)
طلب من ربّه أن يجعل الإمامة في ذريته، كما يحكي سبحانه عنه: (قالَ إنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيتي قالَ لا ينالُ عَهدي الظّالمينَ).(1) فإنّ الله سبحانه ما ردّ طلبه إلاّ في الظالمين من ذريته، دون العدول عنهم، وعندئذ يُطرح هذا السؤال: هل يصحّ لأحد أن يقول إنّ إبراهيم(عليه السلام) حينما طلب من الله سبحانه جعل الإمامة في ذريته، أنّه انطلق من عادة جاهلية، بابلية مثلاً، أو مصرية؟
كما نرى أنّه سبحانه يحكي عن جعل النبوة في ذرية بعض الأنبياء ويقول:(وَوَهَبْنا لَهُ إسحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ).(2)
ويقول في آية أُخرى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإبْراهيمَ وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ).(3)
وقال سبحانه: (وَمِنْ ذُرَّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ).(4)
فالجميع يشهد بأنّ النبوة والإمامة كانت تنتقل من نبي إلى ذريته الصالحة، فهل بعد هذا يصحّ لمسلم أن يقول: إنّ الله جعل ذلك تبعاً لسنّة جاهلية؟!
وممّا يجب إلفات نظر ابن تيمية إليه: أنّ جعل النبوة والخلافة في ذرية

1. البقرة:124.
2. العنكبوت:27.
3. الحديد:26.
4. الأنعام:84.

(342)
الأنبياء والنبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) يفارق السنة الجاهلية في العرب والعجم; وذلك لأنّه سبحانه يجعل المنصب الإلهي في مَن توفرت فيه القابليات والصلاحيات اللازمة للخلافة والولاية، ولذلك نفى نيل الظالمين ذلك المنصب.
وبعبارة أُخرى: أنّ جعل النبوة والخلافة في ذرية الأنبياء ليس بمعنى أنّ ذلك المنصب منصب وراثي يرثه ماجد من بعد ماجد، بل بمعنى أنّ الله سبحانه يختار مَن تحلّى بالمؤهِّلات لذلك المنصب، وهذا بخلاف وراثة الملك والرئاسة بين العرب والعجم، فإنّ ابن الملك ملك أو أمير، سواء أكان صالحاً أم طالحاً.
أُقسم بالله ـ وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم ـ إنّ الرجل لو التفت إلى لازم كلماته لأذعن أنّه قد خالف نصّ الكتاب والسنّة، وقدّم رأيه عليهما فصار من مصاديق قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ سَميعٌ عَليمٌ).(1)

1. الحجرات:1.

(343)
الفصل الرابع:
آراء ابن تيمية في أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
1. ابن تيمية والصلاة على آل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
2. موقف ابن تيمية من دماء أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
3. ابن تيمية وحرمة الخروج على السلطان الظالم
4. موقف ابن تيمية من يزيد بن معاوية
5. آراء ابن تيمية في سيد الساجدين(عليه السلام)
6. آراء ابن تيمية في الإمام الباقر (عليه السلام)
7. آراء ابن تيمية في الإمام الصادق (عليه السلام)
8 . آراء ابن تيمية في الإمام الكاظم (عليه السلام)
9. آراء ابن تيمية في الإمام الرضا (عليه السلام)
10. آراء ابن تيمية في الإمام الجواد (عليه السلام)
11. آراء ابن تيمية في الإمام الهادي (عليه السلام)
12. آراء ابن تيمية في الإمام العسكري (عليه السلام)
13. آراء ابن تيمية في الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف

(344)

(345)
1

ابن تيمية والصلاة على آل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

يقول ابن تيمية:والفقهاء متنازعون في وجوب الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في الصلاة، وجمهورهم لا يوجبها،ومن أوجبها يوجب الصلاة عليه دون آله، ولو أوجب الصلاة.(1)
ثم قال: بل منهم من لا يوجب إلاّ الصلاة عليه دون آله كما هو معروف في مذهب الشافعي وأحمد، فعلى هذا لا تجب الصلاة على آله .(2)
أقول: إنّ قوله: بأنّ جمهور الفقهاء لا يوجبون الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)غير صحيح إذا أراد بالجمهور الأئمة الأربعة، بشهادة أنّه ذكر في ذيل كلامه أنّ الوجوب معروف في مذهب الشافعي وأحمد. فمعنى هذا أنّ الاثنين من الأربعة قالا بالوجوب دون مالك وأبي حنيفة.
ثمّ إنّ الظاهر ممّا نقله ابن رشد في كتابه أنّ مالكاً وأبا حنيفة غير قائلين بوجوب التشهّد أصلاً، بل يوجبان الجلوس بمقدار التشهّد، قال ابن رشد: اختلفوا في وجوب التشهّد، وفي المختار منه، فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة إلى أنّ التشهد ليس بواجب.(3) وعلى هذا فعدم إيجاب الصلاة على

1 . منهاج السنّة: 4/595، وفي طبعة بولاق : 2 / 258.
2 . منهاج السنّة: 4/598، وفي طبعة بولاق : 2 / 259.
3 . بداية المجتهد:2/227.

(346)
النبي لأجل عدم وجوب التشهّد من رأس.
وإن كنت في شكّ، فعليك بتدبّر كلمات الفقهاء في المقام:
1. قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فرض في التشهّدين وركن من أركان الصلاة]عند الإمامية[، وبه قال الشافعي في التشهّد الأخير، وبه قال ابن مسعود، وأبو مسعود البدري الأنصاري واسمه عقبة بن عمر، وابن عمر، وجابر، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه أنّه غير واجب.
ثمّ استدلّ الشيخ بما روى كعب بن عُجْرة، قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول في صلاته: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.
وقد قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): صلّوا كما رأيتموني أُصلّي.
وروت عائشة قالت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا يقبل الله صلاة إلاّ بطهور، وبالصلاة عليّ.(1)
2. قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي(المتوفّى 620هـ): مسألة: ويتشهّد بالتشهّد و يصلّي على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيقول: اللهم صلّ على محمد وآل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.
وجملته: أنّه إذا جلس في آخر صلاته فإنّه يتشهّد بالتشهد الذي ذكرناه،

1 . الخلاف:1/370، المسألة128.

(347)
ثم يصلّي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ذكر الخرقي. وهي واجبة في صحيح المذهب، وهو قول الشافعي وإسحاق، وعن أحمد أنّها غير واجبة ـ إلى أن قال: ـ وظاهر مذهب أحمد وجوبه، فإنّ أبا زرعة الدمشقي نقل عن أحمد أنّه قال: كنت أتهيب ذلك ثم تبيّنت فإذا الصلاة واجبة، فظاهر هذا أنّه رجع عن قوله الأوّل إلى هذا.(1)
وقال ابن كثير في تفسيره (وهو شافعي المذهب): فإنّا قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسَّر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة منهم: ابن مسعود وأبو مسعود البدري وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: الشعبي وأبو جعفر الباقر ومقاتل بن حيان، وإليه ذهب الشافعي لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضاً، وإليه ذهب الإمام أحمد أخيراً فيما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقي به، وبه قال إسحاق بن راهويه والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن المواز المالكي رحمهم الله تعالى، حتى إنّ بعض الأئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلم كما علمهم أن يقولوا لمّا سألوا وحتى إنّ بعض أصحابنا أوجب الصلاة على آله، وممّن حكاه البندنيجي وسليم الرازي وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي.(2)

في الصلاة على الآل

هذا كلّه حول الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقي الكلام في الصلاة على آله.

1 . المغني: 1/579ـ580.
2 . تفسير ابن كثير:3/508، دار المعرفة، 1402هـ .

(348)
الظاهر أنّه لم يقل بوجوبه إلا الشافعي، وأحمد، في إحدى الروايتين عنه.
قال العلاّمة: وتجب الصلاة على آله(عليهم السلام) عند علمائنا أجمع، وأحمد في إحدى الروايتين، وبعض الشافعية ـ و للشافعية وجهان، وقيل: قولان ـ لأنّ كعب بن عُجْرة قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في صلاته:«اللهم صلّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد» فتجب متابعته لقوله(عليه السلام): «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي».
وعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله: «من صلّى صلاة ولم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تُقبل منه»، وقال الشافعي بالاستحباب للأصل، وهو ممنوع لثبوت المخرج منه.(1)
أقول: الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دون عطف «الآل» عليه صلاة مبتورة وقد نهى عنها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فعلى ما سيوافيك من الروايات من كيفية الصلاة على النبي يلزم لزوم عطف الآل عليه في عامة الأوقات من غير فرق بين حال التشهد وغيره أخذاً بإطلاق الروايات، وقد كتبنا في سالف الزمان شيئاً في هذا الموضوع نأت به هنا:
إنّ من حقوق أهل البيت(عليهم السلام) هي الصلوات عليهم عند الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال سبحانه: (إنّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).(2)
ظاهر الآية هو تخصيص الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّ الصحابة فهموا

1 . تذكرة الفقهاء:3/233، برقم 294.
2 . الأحزاب:56.

(349)
أنّ المراد هو الصلاة عليه وعلى أهل بيته، وقد تضافرت الروايات على ضمّ الآل إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عند التسليم والصلاة عليه، وقد جاء ذلك في الصحاح والمسانيد، نقتصر منها على ما يلي:
1. أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عُجْرة، قال: ألا أُهدي لك هدية سمعتها من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإنّ الله قد علّمنا كيف نسلم؟ قال:
«قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد; اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد».(1)
وأخرجه أيضاً في كتاب التفسير عند تفسير سورة الأحزاب.(2)
كما أخرجه مسلم في باب الصلاة على النبي من كتاب الصلاة.(3)
2. أخرج البخاري أيضاً، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا يا رسول الله، هذا التسليم، فكيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد عبدك ورسولك، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم».(4)
3. أخرج البخاري، عن ابن أبي حازم، عن يزيد، قال: «كما صليت على

1 . صحيح البخاري:4/146 ضمن باب «يزفُّون النَسَلان في المشي» من كتاب بدء الخلق.
2 . صحيح البخاري:6/151، تفسير سورة الأحزاب.
3 . صحيح مسلم:2/16.
4 . صحيح البخاري:6/151، تفسير سورة الأحزاب.

(350)
إبراهيم، وبارك على محمّد وآل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم».(1)
4. أخرج مسلم، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: أتانا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعيد: أمرنا الله تعالى أن نصلّي عليك، يا رسول الله، فكيف نصلّي عليك؟
قال: فسكت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى تمنّينا أنّه لم يسأله.
ثمّ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم».(2)
وقد ذكر ابن حجر الهيتميّ الآية الشريفة، وروى جملة من الأخبار الصحيحة الواردة فيها، وأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قرن الصلاة على آله بالصلاة عليه، لمّا سئل عن كيفية الصلاة والسلام عليه، ثم قال: وهذا دليل ظاهر على أنّ الأمر بالصلاة على أهل بيته، وبقية آله مراد من هذه الآية،وإلاّ لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عُقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر، فلمّا أُجيبوا به، دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به، وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أقامهم في ذلك مقام نفسه، لأنّ القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه، ومنه تعظيمهم، ومن ثمّ لمّا أدخل من مرّ في الكساء، قال: «اللّهم إنّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم»، وقضية استجابة هذا الدعاء: إنّ الله صلّى

1 . المصدر السابق.
2 . صحيح مسلم:2/46، باب الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد التشهّد من كتاب الصلاة.

(351)
عليهم معه فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه.
ويروى: لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون، بل قولوا: اللّهم صلّ على محمد وعلى آل محمد. ثمّ نقل عن الإمام الشافعي قوله:
يا أهل بيت رسول الله حبُّكمُ *** فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ
كفاكمُ من عظيم القدر أنّكمُ *** من لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ
فقال: فيحتمل لا صلاة له صحيحة فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة على الآل، ويحتمل لا صلاة كاملة، فيوافق أظهر قوليه.(1)
هذا كلّه حول الصلاة على الآل عند الصلاة على الحبيب.
وأمّا حكم الصلاة على آل البيت في التشهد، فقال أكثر أصحاب الشافعي: إنّه سنّة.
وقال التربجي من أصحابه: هي واجبة، ولكن الشعر المنقول عنه يدلّ على وجوبه عنده، وتؤيده رواية جابر الجعفي ]الذي كان من أصحاب الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام)، وفي طبقة الفقهاء[، عن أبي جعفر، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«من صلّى صلاة لم يصل فيها عليّ ولا أهل بيتي لم تقبل منه».(2)
وجابر الجعفي ممّن ترجمه ابن حجر في تهذيبه، ونقل عن سفيان في حقّه:

1 . الصواعق المحرقة:146، ط 2، عام 1385هـ .
2 . سنن الدارقطني:1/355.

(352)
ما رأيت أورع في الحديث منه، وقال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكّوا في أنّ جابراً ثقة.
وقال سفيان أيضاً لشعبة: لأن تكلَّمت في جابر الجعفي لأتكلمنَّ فيك. إلى غير ذلك.(1)
قال ابن حجر: أخرج الدارقطني والبيهقي حديث من صلّى صلاة ولم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه، وكأنّ هذا الحديث هو مستند قول الشافعي: إنّ الصلاة على الآل من واجبات الصلاة، كالصلاة عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّه ضعيف، فمستنده الأمر في الحديث المتفق عليه، قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، والأمر للوجوب حقيقة على الأصحّ.(2)
وقال الفخر الرازي: إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة، وقوله: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد.
وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب، وقال الشافعي:
يا راكباً قف بالمحصَّب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهضِ
سَحَراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كما نظم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبُّ آل محمّد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي(3)

1 . تهذيب التهذيب:2/46.
2 . الصواعق المحرقة:234، ط 2، عام 1385 هـ .
3 . تفسير الفخر الرازي:27/166، تفسير سورة الشورى.

(353)
وقال النيسابوري في تفسيره عند قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُربى) كفى شرفاً لآل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفخراً ختم التشهّد بذكرهم والصلاة عليهم في كلّ صلاة.(1)
وروى محب الدين الطبري في الذخائر عن جابر بن عبد الله الأنصاري(رضي الله عنه)أنّه كان يقول: لو صلّيت صلاة لم أُصلِّ فيها على محمّد وعلى آل محمّد ما رأيت أنّها تقبل.(2)
وقال المحقّق الشيخ حسن بن عليّ السقاف: تجب الصلاة على آل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في التشهد الأخير على الصحيح المختار، لأنّ أقصر صيغة وردت عن سيدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثبت فيها ذكر الصلاة على الآل، ولم ترد صيغة خالية منه في صيغ تعليم الصلاة، فقد تقدّم حديث سيدنا زيد بن خارجة، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:
«صلّوا عليّ واجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمد».(3)

بلاغ وإنذار

لقد تبيّن ممّا سبق كيفية الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه لا يصلّى عليه إلاّ بضم الآل إليه، ومع ذلك نرى أنّه قد راجت الصلاة البتراء بين أهل السنّة في كتبهم ورسائلهم، مع أنّ هذه البلاغات من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نصب أعينهم ولكنّهم

1 . الغدير: 2 / 303 نقلاً عن تفسير النيسابوري: تفسير سورة الشورى.
2 . ذخائر العقبى:19، ذكر الحثّ على الصلاة عليهم.
3 . صحيح صفة صلاة النبي:214.

(354)
رفضوها عملاً واكتفوا بالصلاة عليه خاصة، حتى أنّ ابن حجر الهيتمي(899ـ974هـ) نقل كيفية الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن كتابه المطبوع مليء بالصلاة البتراء. وإليك نصّ ما قال: ويروى لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، قالوا: وما الصلاة البتراء؟، قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون، بل قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، ولا ينافي ما تقرر حذف الآل في الصحيحين، قالوا: يا رسول الله: كيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذرّيته، كما صليت على إبراهيم إلى آخره.
لأنّ ذكر الآل ثبت في روايات أُخر، وبه يعلم أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذلك كلّه فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر.(1)
وفي الختام ننقل هنا ما ذكره الرازي، قال: أهل بيته ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهّد، وفي السلام، والطهارة، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبّة.(2)

1 . الصواعق المحرقة:146، ط 2، عام 1385 هـ .
2 . الغدير:2/303، ط. طهران، نقله عن تفسير الرازي:7/391 ولم نعثر عليه في الطبعتين.

(355)
2

موقف ابن تيمية من دماء أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

قال العلاّمة الحلّي نقلاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): اشتد غضب الله وغضبي على من أهرق دمي وآذاني في عترتي.(1)
ورد عليه ابن تيمية بقوله: كلام لا ينقله عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا ينسبه إليه إلاّ جاهل. فإنّ العاصم لدم الحسن والحسين وغيرهما من الإيمان والتقوى أعظم من مجرد القرابة، ولو كان الرجل من أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأتى بما يبيح قتله أو قطعه، كان ذلك جائزاً بإجماع المسلمين.(2)

ولنا مع كلامه وقفات

1. لو كان القائل بذلك جاهلاً لزم أن نحكم بجهالة الصحابة العدول الذين نقلوا الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وهم: عليّ، وأبوسعيد الخدري; ومن المحدّثين والمؤلّفين: الديلمي، وابن المغازلي، ومحب الدين الطبري، والسيوطي، والمناوي، وابن حجر الهيتمي المكّي، وغيرهم.(3)

1 . منهاج الكرامة:102.
2 . منهاج السنّة: 4/586، وفي طبعة بولاق : 2/256.
3 . المناقب لابن المغازلي:292; الصواعق المحرقة:184، إحياء الميت بفضائل أهل 2
البيت(عليهم السلام); هامش إتحاف الأشراف: 115; كنوز الحقائق من حديث خير الخلائق:17; ذخائر العقبى:39 وغيرها. ولاحظ : كنز العمال:1/267، برقم 1343; الدر المنثور:3/230.

(356)
2. إذا كان العاصم لدماء سيدي شباب أهل الجنة الإيمان والتقوى، فلماذا لم يأت جبريل بالتربة التي قتل فيها المئات من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الذين قتلهم الحجاج وجنود يزيد بن معاوية، كما جاء بالتربة الحمراء من كربلاء حيث استشهد الإمام الحسين(عليه السلام) ؟(1)
فيدلّ على أنّ العاصم وراء الإيمان والتقوى قرابة الحسين(عليه السلام) ومكانته من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا هو الحافظ نور الدين الهيثمي قد عقد في كتابه «مجمع الزوائد»، باباً باسم مناقب الحسين(عليه السلام) ونحن نقتبس منه ما روى فيه:
أ. قال: وعن أنس بن مالك، إنّ ملك القطر استأذن أن يأتي النبي فأذن له فقال لأُم سلمة: أملكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد. قال: وجاء الحسين بن علي ليدخل فمنعته فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى منكبه وعلى عاتقه، قال: فقال الملك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أتحبه؟ قال: نعم، قال: إنّ أمّتك ستقلته وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل به، فضرب بيده فجاء بطينة حمراء فأخذتها أُم سلمة، فصرّتها في خمارها، قال ثابت: بلغنا أنّها كربلاء.
ثم قال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني بأسانيد وفيها عمارة

1 . انظر: أخطاء ابن تيمية في حقّ رسول الله وأهل بيته:160.قال السيوطي: في سنة (63 هـ) كانت وقعة الحرّة على باب طَيبة، وما أدراك ما وقعة الحرّة؟ ذكرها الحسن ]البصري[ مرّة، فقال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، قُتل فيها خلق من الصحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم. ثم قال: وعدة المقتولين بالحرّة من قريش والأنصار ثلاثمائة وستة رجال. تاريخ الخلفاء:249ـ250، دار الجيل، 1408هـ .

(357)
بن زاذان، وثّقه جماعة وفيه ضعف، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح.(1)
ب . وعن نُجَيّ الحضرمي أنّه سار مع علي(رضي الله عنه) وكان صاحب مطهرته، فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى عليّ: اصبر أبا عبد الله(عليه السلام)اصبر أبا عبد الله(عليه السلام) بشط الفرات، قلت: وما ذاك؟ قال: دخلت على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ذات يوم وإذا عيناه تذرفان، قلت: يا نبيّ الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل(عليه السلام)، فحدّثني أنّ الحسين يقتل بشط الفرات. قال: فقال: هل لك أن أشمّك من تربته؟ قلت: نعم، قال: فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا.
قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله ثقات، ولم ينفرد نُجيّ بهذا.(2)
ج . وعن عائشة أو أُم سلمة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لإحداهما: لقد دخل عليّ البيت ملَك فلم يدخل عليّ قبلها، قال: إن ابنك هذا حسيناً مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء.
قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.(3)
ثم نقل أحاديث أُخرى كلّها ترمي إلى مضمون ما ذكرناه.
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الأشج عن سلمى، قالت: دخلت على أُمّ

1 . مجمع الزوائد:9/187. 2 . المصدر نفسه.
3 . المصدر نفسه. وصحّحه الذهبي في «تاريخ الإسلام»:3/11، وقال في «سير أعلام النبلاء»: 3/290: ورواه عبد الرزاق، وقال: أُمّ سلمة، ولم يشكّ. ويُروى عن أبي وائل، وعن شهر بن حوشب، عن أُمّ سلمة.

(358)
سلمة وهي تبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقالت: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى رأسه ولحيته تراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفاً.(1)
وروى الإمام أحمد بإسناده عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس قال: رأيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يرى النائم بنصف النهار، وهو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم. فأحصينا ذلك اليوم فوجدوه قُتل في ذلك اليوم.(2)
قال الهيثمي: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح.(3)
وقال ابن كثير الدمشقي: إسناده قوي.(4)
كلّ ذلك يدل على أنّ لدم الحسين مكانة وأهميّة خاصّة من أجل قربه من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

إهانة أُخرى لشهيد الطفّ

قال ابن تيمية: إنّ بعضهم (يعني بعض الشيعة) لا يوقد خشب الطرفاء، لأنّه بلغه أنّ دم الحسين وقع على شجرة من الطرفاء، ومعلوم أنّ تلك
الشجرة بعينها لا يُكره وقودها، ولو كان عليها من أي دم (يعني دم

1 . الجامع الصحيح (سنن الترمذي): 5/657، برقم 3771.
2 . مسند أحمد:1/283; و تاريخ مدينة دمشق:14/237.
3 . مجمع الزوائد:9/194.
4 . البداية والنهاية:8/200.

(359)
الحسين) كان، فكيف بسائر الشجر الذي لم يصبه الدم.(1)
أقول: يُنظر، أوّلاً، في صحّة نسبة هذا الفعل إلى بعض الشيعة، فإنّنا لم نجد في الشيعة من يقوم بهذا الفعل، ولم ينقل إلينا أحدٌ ذلك.
ثانياً: أنّ ابن تيمية ـ وكما هو واضح من كتاباته ـ مولع بذكر أشياء على خصومه، لا وجود لها إلاّ في مخيّلة ناسجها، وهذا الولع بالنسب المفتعلة على الخصوم، هو نتيجة طبيعية للعجز عن الإقناع بالدليل والبرهان، ومقارعة الحجّة بالحجّة.
ثالثاً: لا شكّ أنّ شجرة الطرفاء بما هي شجرة لا يكره وقودها، وإنّما يستكره بعض الناس وقودها(إذا صحّ ذلك) احتراماً لدم الحسين(عليه السلام)الذي وقع على شجرة من الطرفاء، وهذا نوع تكريم لذرية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وسبطه، وليس الامتناع عن إشعال مثل هذا الشجر لكراهة شرعية وردت فيه، وإنّما هو تعبير شخصي عن نوع تكريم للحسين(عليه السلام)وللنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يحترم دم الحسين، كما هو واضح من الروايات التي ذكرناها آنفاً.
ثمّ ما هي علاقة تصرّفات بعض الناس المنتمين إلى دين معيّن، أو مذهب معيّن، بقواعد وأُسس ومباني ذلك الدين أو المذهب، يا سماحة شيخ الإسلام!
وما عليك، عزيزي القارئ، إلاّ أن تقارن بين موقف ابن تيمية من دم الحسين، وبين موقف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منه، بين موقف ابن تيمية الدالّ على قسوة قلبه، حيث لا يبالي بأن تُحرق الشجرة (على فرض وجودها) التي سال عليها

1 . منهاج السنّة: 1/55ـ 56، وفي طبعة بولاق : 1 / 12.

(360)
دم سبط النبي، وسيد شباب أهل الجنة، وبين موقف النبي الدالّ على غاية حزنه وأساه، وهو يلتقط تلك الدماء الطاهرة التي أُريقت على رمضاء كربلاء، كما مرّ عليك في رواية ابن عباس الصحيحة (أو القوية الإسناد) وغيرها.
والذي يدلّ على عظم المصيبة وجسامتها، تلك الروايات التي رواها الحافظ أبو القاسم الطبراني (المتوفّى 360هـ)، وأودعها الحافظ نور الدين الهيثمي(المتوفّى سنّة 807هـ) في كتابه، ومنها:
1. عن ذُويد الجعفي، عن أبيه، قال: لمّا قتل الحسين(رضي الله عنه)، أُنتهب جزور من عسكره، فلمّا طبخت، إذا هي دم، فأكفؤوها.(1)
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.(2)
2. عن الزهري، قال: قال لي عبد الملك: أيّ واحد أنت إن أخبرتني، أي علامة كانت يوم قتل الحسين بن علي؟ قال: قلت: لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلاّ وجد تحتها دم عبيط، فقال عبد الملك: إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان.(3)
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.(4)
3. وعن الزهري: قال ما رفع بالشام حجر يوم قتل الحسين بن علي إلاّ عن دم.(5)

1 . المعجم الكبير:3/121، برقم 2864.
2 . مجمع الزوائد:9/196.
3 . المعجم الكبير:3/119، برقم 2856.
4 . مجمع الزوائد:9/196.
5 . المعجم الكبير:3/113، برقم 2835.

(361)
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.(1)
4. وعن أُم حكيم قالت: قتل الحسين بن علي وأنا يومئذ جويرية، فمكثت السماء أياماً مثل العَلَقة.(2)
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله إلى أُم حكيم رجال الصحيح .(3)
لقد كانت هذه الأحاديث الواردة في حقّ الحسين والآثار التي ترتّبت على قتله، على مرأى ومسمع من ابن تيمية، ولكن بغضه لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) الذي تكشف عنه كلماته الجارحة فيهم، كان هو السبب الحقيقي وراء استهانته بدم الحسين السبط(عليه السلام).

1 . مجمع الزوائد:9/196.
2 . المعجم الكبير:3/113، برقم 2836.
3 . مجمع الزوائد:9/197.

(362)
3

ابن تيمية وحرمة الخروج على السلطان الظالم

يرى ابن تيمية أنّ الواجب في ولاية السلطان الجائر الهاتك لحرمات الله تعالى، هو الصبر والنصيحة، لا الخروج والعزل، قال: فإذا تولّى خليفة من الخلفاء كيزيد وعبد الملك والمنصور وغيرهم، فإمّا أن يقال: يجب منعه من الولاية وقتاله حتى يُولّى غيرُه كما يفعله من يرى السيف، فهذا رأي فاسد، فإنّ مفسدة هذا أعظم من مصلحته، وقلّ من خرج على إمام ذي سلطان إلاّ كان ما تولّد على فعله من الشر، أعظم مما تولّد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة...
ثمّ قال: ولهذا لمّا أراد الحسين(رضي الله عنه) أن يخرج إلى أهل العراق، لمّا كاتبوه كتباً كثيرة أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم أن لا يخرج وغلب على ظنهم أنّه يقتل، حتى أنّ بعضهم قال: أستودعك الله من قتيل. وقال بعضهم: لولا الشفاعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج. وهم في ذلك قاصدون نصيحته طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين. والله ورسوله إنّما يأمر بالصلاح لا بالفساد، لكن الرأي يصيب تارة ويخطئ أُخرى.

(363)
فتبيّن أنّ الأمر على ما قاله أُولئك، ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا.
ثم قال: وهذا كلّه ممّا يبيّن أنّ ما أمر به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأُمور للعباد في المعاش والمعاد، وأنّ من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح بل فساد.
ثم استدل لذلك بحديث أنس بن مالك وأسيد بن حضير: أنّ رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلاناً، قال: «ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»... فقد أمر النبي المسلمين بأن يصبروا على الاستئثار عليهم وأن يطيعوا ولاة أُمورهم وإن استأثروا عليهم وأن لا ينازعوهم الأمر.(1)
ما ذكره من الصبر على ظلم الظالم وعدم الخروج عليه هو المنسوب إلى إمامه أحمد بن حنبل، فقد نقل عنه أنّه قال: السمع والطاعة للأئمّة وأميرالمؤمنين البرّ والفاجر، ومن ولي الخلافة فأجمع الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة، البَرّ والفاجر، وإقامة الحدود إلى الأئمة، وليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم،ودفع الصدقات إليهم جائز، من دفعها إليهم أجزأت عنهم، برّاً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفه وخلف كلّ من ولي، جائزة إقامتها، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنّة.

1 . منهاج السنّة: 4/527 ـ 540، وفي طبعة بولاق : 2/240ـ244 .

(364)
ومن خرج على إمام من أئمّة المسلمين وكان الناس قد اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه، أكان بالرضا أو بالغلبة فقد شقّ الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه، مات ميتة جاهلية.(1)
أقول: إنّ دراسة هذه النظرية وبيان عوارضها رهن عرضها على القرآن المجيد أوّلاً، والسنّة الصحيحة ثانياً، وسيرة المسلمين الأوائل ثالثاً حتى يتبيّن الحقّ، وأنّه هل يجب أو يجوز الصبر على ظلم الظالمين وانحراف الحكام عن الصراط المستقيم؟
أمّا الأوّل: فإنّ السكوت أمام تجاوز الظالمين بنفسه معصية حتى وإن لم يضرب على وترهم، وهذا هو كتاب الله العزيز يقصّ حال بني إسرائيل الذين كانوا يعيشون قرب سواحل أحد البحار، فقد قسّمهم إلى أصناف ثلاثة:
1. الجماعة المعتدية (العادية) الذين يصطادون يوم السبت.
2. الجماعة الساكتة الذين أهمّتهم أنفسهم لا يرتكبون ما حرّم الله وفي الوقت نفسه تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى كانوا يعترضون على الآمرين بالمعروف بقولهم: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً)(2).
3. الجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، مستدلّين بقولهم (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).

1 . تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة:2/322; كتاب السنّة لابن حنبل:46.
2 . الأعراف: 164 .

(365)
ثم إنّه سبحانه أباد الجماعتين الأُولى والثانية وأنجى الثالثة، قال سبحانه: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَاب بَئِيس بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).(1)
ومجموع الآيات يحكي عن أنّ العادي والساكت عنه بمنزلة واحدة، ولذلك عمّ العذاب الجميع.
ويؤيد ذلك قوله سبحانه:(وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ).(2)
(فالمنهيّ عنه في الآية إنّما هو الركون إلى أهل الظلم في أمر الدين أو الحياة الدينية، كالسكوت في بيان حقائق الدين عن أُمور تضرّهم، أو ترك فعلِ ما لا يرتضونه، أو توليتهم المجتمع وتقليدهم الأُمور العامّة، أو إجراء الأُمور الدينية بأيديهم وقوّتهم، وأشباه ذلك).(3)
ويؤيده أيضاً، قوله سبحانه: (فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّة يَنْهَونَ عَنِ الْفَسادِ في الأَرضِ إلاّ قَليلاً مِمّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الّذين ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فيهِ وَكانُوا مُجْرِمينَ* وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بظُلْم وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ).(4)
(وهذه الإشارة تكشف عن سنّة من سنن الله في الأُمم، فالأُمّة التي يقع فيها الظلم والفساد، فيجدان من ينهض لدفعهما، هي أُمم ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير. فأمّا الأُمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها

1 . الأعراف:163ـ165. 2 . هود:113.
3 . الميزان في تفسير القرآن:11/55.      4 . هود: 116ـ117.

(366)
المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكرهما، ولكنّه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإنّ سنّة الله تحقّ عليها، إمّا بهلاك الاستئصال، وإمّا بهلاك الانحلال... والاختلال!
فدعاة الصلاح، المناهضون للطغيان والظلم والفساد، هم صمّام الأمان للأُمم والشعوب... وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين للخير والصلاح، الواقفين للظلم والفساد... إنّهم لا يؤدّون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنّما هم يحولون بهذا دون أُممهم وغضب الله، واستحقاق النّكال والضياع).(1)
إنّ السكوت ـ خصوصاً سكوت النخبة من العلماء والحكماء ـ أمام ظلم الظالم وانحرافه عن الحق إلى الباطل واستئثاره بالأموال والخيرات، نوع ركون إلى الظالم خصوصاً أئمة الجمعة والجماعة المرتزقين برواتب الدول الظالمة حيث يدْعون للظالم وأعوانه بطول العمر ودوام السلامة، ويديرون الشؤون الدينية حسب الخطط التي يرسمها ويصوّرها الظالمون وأعوانهم.
إنّ السكوت أمام تحريمهم الحلال وتحليلهم الحرام ينتهي إلى تحريف الدين وضلال العامّة الذين لا يعرفون الحلال والحرام إلاّ عمّا يحدث في المجتمع مع سكوت العلماء.
وأمّا الثاني: ـ أعني: عرض هذه النظرية على السنّة الشريفة ـ فيأتي في مقدّمة ذلك ما رواه الإمام سيد الشهداء الحسين بن علي(عليهما السلام) عن جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث خطب أصحابه وأصحاب الحر ـ قائد جيش عبيد الله بن زياد ـ بقوله ـ بعد ما حمد الله وأثنى عليه ـ : «أيّها الناس إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من

1 . في ظلال القرآن:12/79.

(367)
رأى سلطاناً جائراً، مستحلاًّ لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنّا أحقّ من غيّر».(1)
فإذا رأى الظالم أنّه لا ينكر على فعله ـ من مآتم يفعلها أو سيئات يجترحها ـ أحدٌ من الأُمّة، من الطبقة العليا ولا من غيرها، فإنّه بالطبع سيتمادى في غلوائه، ويزداد في انهماكه، ويشتد في التفرعن والاستعباد، وينتهي الأمر إلى تحريف دين الله، وإلى ما لا تحمد عقباه.
ثمّ إنّ قول ابن تيمية بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر المسلمين بأن يطيعوا ولاة أُمورهم وإن استأثروا، يخالف ما روي بسند صحيح عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «سيلي أُموركم بعدي رجال يُعرّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله».(2)
هذا وقد حذّر أئمّة المسلمين من العترة الطاهرة من محبّة بقاء الظالمين، قال الإمام الصادق(عليه السلام): «من أحبّ بقاء الظالمين فقد أحبّ أن يُعصى الله».
وقال أيضاً: «من سوّد اسمه في ديوان الجبارين حشره الله يوم القيامة حيراناً».

1 . تاريخ الطبري: 4/304، حوادث سنة 61هـ .
2 . أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في زوائد المسند:5/329; والحاكم في المستدرك على الصحيحين:3/357. وانظر: سير أعلام النبلاء:2/9، ترجمة عبادة بن الصامت.

(368)
إلى غير ذلك من الأحاديث المروية عن العترة الطاهرة(عليهم السلام) حول الانسلاك في صفوف الظالمين وإن لم يظلم أحداً.(1)
وهذا هو الإمام علي(عليه السلام) يعلّل سبب قيامه بالأمر وأخذه بزمام الخلافة بقوله: «وما أخذ الله على العلماء ألاّ يُقارُّوا على كِظّة ظالم ولا سَغَب مظلوم».(2)
وأمّا الثالث: أعني عرضها على سيرة المسلمين الأفاضل منهم لا المنهمكين في دنيا إمارتهم وخلافتهم، فإليك نتفاً من أخبار أُباة الضيم وأحوالهم:

الثورات في «خير القرون»!

اتّفق القوم على أنّ القرون الأُولى خير القرون وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونني ثم الذين يلونهم»، فإذا كانت القرون الأُولى خير القرون فيكون عمل السلف الصالح خلالها مقياساً لعمل الخلف من الأُمّة.
ونحن نرى أنّ أُمّة كبيرة من المسلمين قاموا بثورات أراقوا فيها دماءهم وضحّوا بأنفسهم لكي يجهزوا على دولة الأُمويين، واحدة بعد الأُخرى حتى أسقطوها أيام حمارهم، وبذلك أعطوا للآخرين دروساً ضافية حتى يقتفوا أثرهم في القرون اللاحقة، وهذه الثورات ابتداءً من ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)وانتهاء بثورة زيد بن علي (رضي الله عنه)، كانت ثورات إلهية بنيّات خالصة لمناهضة

1 . لاحظ : وسائل الشيعة، ج12، الباب42 من أبواب ما يكتسب به، أحاديث الباب.
2 . نهج البلاغة، الخطبة 3.

(369)
الظالمين وإسقاطهم عن عروشهم، ودفع الأُمور إلى الصالحين من الأُمّة.
فلنستعرض هنا هذه الثورات بصورة موجزة:

1. ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)

إنّ ثورة الحسين(عليه السلام) منذ تفجّرها صارت أُسوة وقدوة لسائر الثوّار، ويكفي في بيان واقع هذه الثورة ما يقوله خبير التاريخ وحجته ابن أبي الحديد، قال: سيد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف، اختياراً له على الدنيّة، أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام)عُرض عليه الأمان وأصحابه، فأنف من الذلّ، وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان، إن لم يقتله، فاختار الموت على ذلك.(1)
ونحن وإن كنّا نعتقد بأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) أسمى من أن يحتاج إلى من يصوّبه في نهضته المباركة ضد الظلم والطغيان، ولكن لا بأس بذكر شيء ممّا ورد في ذلك، لدحض ما يذهب إليه ابن تيمية من «أنّ الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم هو أصلح الأُمور للعباد، وأنّ أفاضل المسلمين كانوا ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة»، ثم استشهد لذلك بأقوال بعض من أشار على الحسين(عليه السلام) بعدم الخروج، وبإيراد أسماء ثلاثة رجال قال إنّهم كانوا ينَهون عن الخروج(2)، متغاضياً عن ذكر ثلّة من الرجال، الذين ثاروا ضد أئمة الجور، أو دعَوا إلى جهادهم، أو صوّبوا رأي الثائرين عليهم، ومن هؤلاء:

1 . شرح نهج البلاغة:3/249.
2 . منهاج السنة: 4/529 و 531، وفي طبعة بولاق : 2/241.

(370)
1. أنس بن الحارث بن نُبيه. له صحبة.
استشهد مع الحسين(عليه السلام).
ذكره في الصحابة: البغوي، وابن السكن، وابن شاهين، والباوردي، وابن منده، وأبو عمر، وأبو أحمد العسكري، وغيرهم.(1)
2. حبيب بن مُظَهَّر(مظاهر) الأسدي.
ذكر ابن الكلبي أنّه أدرك النبي(صلى الله عليه وآله).(2) وقال غيره: إنّه من كبار التابعين.
استشهد مع الحسين(عليه السلام).(3)
3. كبار التابعين الذين استشهدوا مع الحسين(عليه السلام) أو على طريق ثورته كهانئ بن عروة المرادي(4)، وزهير بن القين البجليّ.(5)
4. سليمان بن صُرد الخزاعي، الصحابيّ، أمير التوّابين.
قال ابن عبد البرّ: كان خيّراً فاضلاً، له دين وعبادة، كان اسمه في الجاهلية يساراً، فسمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) سليمان.
وكان فيمن كتب إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما يسأله القدوم إلى الكوفة، فلمّا قدمها ترك القتال معه. فلما قُتل الحسين ندم. ثمّ سار على رأس جيش إلى الشام، فقتل بموضع يقال له عين الوردة، وكان يوم قُتل ابن ثلاث وتسعين سنة.(6)

1 . انظر: الاستيعاب:1/112، برقم 88; وأُسد الغابة:1/123; والإصابة :1/68، برقم 266.
2. الإصابة:1/373، برقم 1949. 3. انظر: تاريخ الطبري:4/261،264،311،323،334،336.
4 . انظر: مقاتل الطالبيين:97ـ100; والكامل لابن الأثير:4/1ـ15.
5 . تاريخ الطبري:4/298ـ 299، 305، 309، 316.
6 . الاستيعاب:2/649، برقم 1056; و تاريخ الطبري:4/426.

(371)
5. كبار التابعين، الذين انضمّوا إلى حركة التوّابين، ومنهم: المُسيَّب بن نَجَبَة الفزاري، ورفاعة بن شدّاد البجليّ.(