welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(260)

7

لم يكن لسيف عليّ(عليه السلام) في الوقائع تأثير

أنكر ابن تيمية دور الإمام علي(عليه السلام) في الحروب والغزوات التي خاضها المسلمون مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: سيفه جزء من أجزاء كثيرة ـ إلى أن قال: ـ وكثير من الوقائع التي ثبت بها الإسلام لم يكن لسيفه فيها تأثير، كيوم بدر كان سيفاً من سيوف كثيرة.(1)
أقول: نحن نعرض قول ابن تيمية هذا على ما ورد في «السيرة النبوية» لابن هشام حوَل مَنْ قُتل في معركة بدر من المشركين على يد علي بن أبي طالب:
1. العاص بن سعيد بن العاص بن أُميّة.
2. الوليد بن عتبة بن ربيعة.
3. عامر بن عبد الله.

1 . منهاج السنّة: 8/89 ـ 90، وفي طبعة بولاق : 4 / 167.

(261)
4. طعيمة بن عدي بن نوفل(1).
5. نوفل بن خويلد بن أسد.
6. النضر بن الحارث بن كلدة.
7. عمير بن عثمان بن عمرو(2).
8. حرملة بن عمرو. قتله خارجة بن زيد، ويقال: بل علي بن أبي طالب.
9. أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة(3).
10. حاجز بن السائب.
11. معاوية بن عامر.
12. أوس بن مِعْير(4).
13. مسعود بن أبي أُمية بن المغيرة.
14. عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة.
15. العاص بن منبّه بن الحجّاج.
16. أبو العاص بن قيس بن عديّ(5).
17. عقبة بن أبي مُعيط. قتله عاصم بن ثابت، ويقال: علي بن أبي طالب.
وممّن اشترك(عليه السلام) في قتله:

1 . ويقال: قتله حمزة بن عبد المطلب.
2 . ويقال: قتله عبد الرحمن بن عوف.
3 . ويقال: قتله عمّار بن ياسر.
4 . ويقال: قتله الحصين بن الحارث، وعثمان بن مظعون.
5 . ويقال: قتله النعمان بن مالك، ويقال: أبو دجانة.

(262)
1. حنظلة بن أبي سفيان. يقال: اشترك فيه هو وحمزة وزيد بن حارثة.
2. عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. اشترك فيه هو وعبيدة بن الحارث وحمزة.
3. زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد. يقال: اشترك فيه هو وحمزة وثابت.
4. عقيل بن الأسود بن المطلب.اشترك فيه هو وحمزة.(1)
وها هو الإمام علي(عليه السلام) يخاطب معاوية في كتاب له إليه: «وعندي السيف الذي أعضضته بجدّك وخالك وأخيك في مقام واحد».وخاطبه في كتاب آخر: «فأنا أبو حسن قاتل جدّك وأخيك وخالك شدخاً يوم بدر».(2)
وروى مسلم في صحيحه باسناده عن قيس بن عُباد، قال: سمعت أبا ذرّ يقسم قسماً أنّ (هذانِ خَصْمانِ اختَصَمُوا في رَبِّهِم).(3) أنّها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة.(4)
وأمّا آثار عليّ(عليه السلام) في غزوة أُحد، فهي آثار مشهورة سجّلها المؤرخون وأصحاب السير في صحائفهم، ومن ذلك ما رواه الطبري في تاريخه، قال:

1 . السيرة النبوية لابن هشام:2/365ـ372، دار إحياء التراث العربي، وقال الشيخ المفيد: وقد أحصي عدد من قتلهم أمير المؤمنين(عليه السلام)فكان 35 رجلاً سوى من شرك في قتله .
2 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 64، 10.
3 . الحج:19.
4 . لاحظ: صحيح مسلم:8/245، برقم 3033; تاريخ الطبري:2/197 و 269; كنزالعمال:5/273; الطبقات الكبرى لابن سعد:3/17، وغيرها.

(263)
حدّثنا أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد قال: حدثنا حبان بن علي، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: لمّا قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة من المشركين، فقال لعلي: إحمل عليهم، فحمل عليهم وفرق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجحمي، ثم أبصر جماعة أُخرى، فقال لعلي: إحمل عليهم، فحمل عليهم، وفرّق جمعهم، وقتل شيبة بن مالك، فقال جبريل: يا رسول الله إنّ هذه للمواساة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّه مني وأنا منه»، فقال جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتاً:
لا سيف إلاّ ذو الفقار *** ولا فتــى إلاّ علــي(1)
وقال ابن أبي الحديد(بعد أن نقل عن الواقدي وابن حبيب والمدائني، أسماء المقتولين من المشركين بأُحد، وأسماء قاتليهم)، قال: فجميع من قُتل من المشركين يوم أُحد ثمانية وعشرون، قَتل عليّ(عليه السلام)منهم ما اتُّفق عليه، وما اختُلف فيه، اثني عشر، وهو إلى جملة القتلى كعدّة من قَتل يوم بدر إلى جملة القتلى يومئذ، وهو قريب من النصف.(2)
وفي وقعة الأحزاب، ألم يسمع ابن تيمية بقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما برز علي(عليه السلام) لعمرو بن عبد ود العامري: «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه»...
قال الفخر الرازي: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لضربة عليٍّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».(3)

1 . تاريخ الطبري:2/197و 514. 2 . شرح نهج البلاغة:15/54.
3 . نهاية الفصول في دراية الأُصول:114، ولاحظ: تاريخ دمشق:1/155(ترجمة علي(عليه السلام)); فرائد السمطين:1/255، برقم 197; الدر المنثور:5/192.

(264)
وعن الحاكم: أنّ يحيى(1) بن آدم قال: ما شبهت قتل عليّ عمراً إلاّ بقول الله عزّ وجل: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَ قَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ)(2).(3)
وهل أنّ ابن تيمية لم يقرأ التاريخ ولم يسمع بغزوة خيبر ولم يبلغه ما ورد في مسند أحمد من عدّة طرق، وصحيحي مسلم، والبخاري من طرق متعدّدة، وفي الجمع بين الصحاح الستة أيضاً عن عبد الله بن بريد، قال: سمعت أبي يقول: حاصرنا خيبر، وأخذ اللّواء أبو بكر، فانصرف، ولم يفتح له، ثمّ أخذه عمر من الغَد فرجع، ولم يفتح له، وأصاب النّاس يومئذ شدّة وجُهد، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لأُعطينّ هذه الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه».
فبات الناس يتداولون ليلتهم، أيّهم يُعطاها؟ فلمّا أصبح النّاس غدوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّهم يرجو أن يُعطاها. فقال النبيّ: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل: يشتكي عينه... فأرسل إليه، فأتى، فبصق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في عينه، ودعا له فبَرأ، فأعطاه الراية، ومضى عليّ فلم يرجع، حتّى فتح الله على يديه».
قال عمر بن الخطّاب ما أحببتُ الإمارة إلاّ يومئذ، قال: فتطاولتُ ـ فتساورت لها ـ رجاء أن أُدعى لها: قال: فدعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّ بن أبي طالب فأعطاها إيّاه(فأعطاه إيّاها) وقال: امشِ ولا تلتفت حتّى يفتح الله عليك.
قال: فسار عليّ شيئاً ـ ماشياً ـ ثمّ وقف ولم يلتفت فصرخ عليّ: يا رسول

1 . هو يحيى بن آدم بن سليمان القرشي، الأموي بالولاء، روايته في الصحيحين، وفي السُّنن. توفّي سنة (203هـ).تهذيب الكمال:31/188، الترجمة 6768.
2 . البقرة:251.
3 . المستدرك على الصحيحين(كتاب المغازي):3/24; المناقب للخوارزمي:171.

(265)
الله على ماذا أُقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله، ففتح الله بيده».(1)
ولنُسمِعْ ابنَ تيمية وأتباعه ومقلّديه قولَ ابن هشام في السيرة في أحداث غزوة حنين: قال: قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: بينا ذلك الرجل من هوازن صاحبُ الراية على جمله يصنع ما يصنع، إذ هوى له]يعني مال عليه [عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فيأتيه علي بن أبي طالب من خلفه، فضرب عُرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله ]يعني: سقط عنه صريعاً[، قال: واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتّفين عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)
وحامل راية المشركين ـ هذا ـ كان اسمه جرول، وكان يكرّ على المسلمين وينال منهم، وبقتله تمّ النصر للنبي والمؤمنين.
هذا جانب من آثار عليّ المشهودة فى أهم المعارك الّتي قامت عليها أعمدة الاسلام، ولكن ابن تيمية تعامى عن ذلك، وجحد أمراً هو أسطع من

1 . لاحظ: صحيح البخاري: 4 / 12 و 20، باب دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وص 207، باب مناقب المهاجرين وفضلهم; وج 5 / 76، باب غزوة خيبر; صحيح مسلم: 5 / 195، باب قوله تعالى: (هُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ)الفتح: 24 ; وج 7 / 120 و 122، باب فضائل علي (عليه السلام); سنن الترمذي: 5 / 302 ; باب مناقب علي (عليه السلام) ; مسند أحمد: 2 / 384، وج 5 / 333 و 358 .
2 . السيرة النبوية لابن هشام:3 و4/445.

(266)
نور الشمس في رائعة النهار، وشذّ شذوذاً عجيباً; بقوله: «وكثير من الوقائع التي ثبت بها الإسلام لم يكن لسيفه فيها تأثير».
وممّا يدلّك على شذوذ هذا القول (الّذي شاء الله تعالى أن ينطق به صاحبه ليشين به نفسه، ويفضح به سريرته)، هو قول الحافظ الكبير المؤرّخ ابن عبدالبرّ القرطبي المالكي (المتوفّى 463هـ)، وهو يترجم لابن أبي طالب:
وأجمعوا على أنّه صلّى القبلتين، وهاجر، وشهد بدراً والحديبية، وسائر المشاهد وأنّه أبلى ببدر وبأُحد وبالخندق وبخيبر بلاء عظيماً، وأنّه أغنى في تلك المشاهد، وقام فيها المقام الكريم.(1)
(لقد كان عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ فارس الجماعة الإسلامية الأُولى، وإنّ حسابه فيها ليس حساب عشرة رجال، وإنّما حساب عشرات وعشرات.
والصحف التي سجّلت غزوات الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ تشهد أنّ عليّ بن أبي طالب كان جيشاً عاملاً في كلّ ملتحم بين المسلمين والمشركين.
وهذه حقيقة تظاهرت على صدقها الأخبار المتواترة نثراً وشعراً، كما سجّلها القصص الشعبي الشائع على الألسنة، والمتلقّى من جيل إلى جيل.
والحقّ أنّ مكان عليّ بن أبي طالب في معارك الإسلام، ومكانته في الأبطال، أكبر من أن تخفى وراء دخان التعصّب والجدل، وأن تعمى عليها مقولات القائلين في مواقف الخصومة والملاحاة).(2)

1 . الاستيعاب:3/1096ـ1097، الترجمة1855.
2 . علي بن أبي طالب، لعبد الكريم الخطيب المصري:130، 145.

(267)
وممّن سجّل بطولات عليّ في معارك الإسلام الخالدة، من الشعراء المتقدّمين، الشاعر المفلق أبو تمّام حبيب بن أوس الطائي (المتوفّى 231هـ) فقال من قصيدة له في مدحه(عليه السلام):
أخوه إذا عُدّ الفخار، وصهره *** فلامثله أخ، ولا مثله صهرُ
وشُدّ به أزر النبي محمّد *** كما شُدّ من موسى بهارونه الأزْر
ومازال صبّاراً دياجير غمرة *** يمزّقها عن وجهه الفتح والنصر
هو السيف سيف الله في كلّ مشهد *** وسيف الرسول، لا دَدان ولا دثْر(1)
فأيّ يد للذمّ لم يبْرِ زندها *** ووجه ضلال ليس فيه له أثْر
يسدّ به الثّغر المخوف من الردى *** ويعتاص (2) من أرض العدوّ به الثغر
بأُحد وبدر حين ماج برجله *** وفرسانه أحد وماج بهم بدر
ويوم حنين والنضير وخيبر *** وبالخندق الثاوي بعقْوته (3) عمرو
سما للمنايا الحمر حتى تكشّفتْ *** وأسيافه حمرٌ وأرماحه حمر(4)

1 . الددان: السيف الكليل. والدَّثر: البطيء الخامل.
2 . يعتاص: يقوى ويشتدّ.
3 . العَقوة: الساحة.
4 . ديوان أبي تمّام:144، طبعة دار صعب، بيروت.

(268)

8

ادّعاء تخلّف أكثر الأُمّة عن بيعة علي(عليه السلام)

تضافرت الروايات والأخبار على أنّ الصحابة والتابعين قد بايعوا عليّاً بيعة واقعية ولم يتخلّف عنه إلاّ بضعة أفراد.
وإليك نتفاً ممّا ذكره المؤرخون، قال ابن واضح الأخباري: وبايع الناس إلاّ ثلاثة نفر من قريش: مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، والوليد بن عقبة... إلى أن قال: وقام قوم من الأنصار فتكلّموا وكان أوّل من تكلّم ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاري وكان خطيب الأنصار، فقال: والله يا أمير المؤمنين لئن كانوا تقدموك في الولاية ]يريد الخلفاء الثلاثة[ فما تقدّموك في الدين، ولئن كانوا سبقوك أمس فقد لحقتهم اليوم، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك، ولا يجهل مكانك، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون، وما احتجت إلى أحد مع علمك.
ثم قام خزيمة بن ثابت الأنصاري، وهو ذوالشهادتين، فقال: يا أميرالمؤمنين ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك، ولا كان المنقلب إلاّ إليك، ولئن

(269)
صدقنا أنفسنا فيك، فلأنت أقدم الناس إيماناً، وأعلم الناس بالله، وأولى المؤمنين برسول الله، لك ما لهم، وليس لهم ما لك.
وقام صعصعة بن صوحان فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد زيّنتَ الخلافة وما زانتْك، ورفعتَها و ما رفعتك، ولهي إليك أحوج منك إليها.
ثم قام مالك بن الحارث الأشتر فقال: أيّها الناس هذا وصي الأوصياء،... إلى أن قال: من كملت فيه الفضائل، ولم يشكّ في سابقته وعلمه وفضله الأواخر، ولا الأوائل.
ثم قام عقبة بن عمرو فقال: من له يوم كيوم العقبة وبيعة كبيعة الرضوان، والإمام الأهدى الذي لا يُخاف جوره، والعالم الذي لا يُخاف جهله. (1)
وممّا قاله علي(عليه السلام) في وصف بيعته بالخلافة: وبسطتم يدي فككفتُها، ومددتُموها فقبضتها، ثم تداككتم عليّ تداكّ الإبل الهيم على حياضها يوم وردها، حتى انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطئ الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير، وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسَرت إليها الكعاب.(2)
وروى أحمد بن حنبل باسناده عن محمد بن الحنفية قال: كنت مع علي، وعثمان محصور، قال: فأتاه رجل فقال: إنّ أمير المؤمنين مقتول،... إلى أن قال: فأتى عليٌّ الدار، وقد قُتل الرجل فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه، فـأتـاه النـاس فضـربوا عليـه الباب فـدخلوا عليـه فقـالوا: إنّ هـذا الـرجل قد قُتل، ولابدّ للناس من خليفة، ولا نعلم أحداً أحق بها منك، فقال لهم علي: لا

1 . تاريخ اليعقوبي:2/179. 2 . نهج البلاغة، الخطبة رقم 229.

(270)
تريدوني] وفي رواية الطبري: لا تفعلوا[ فإنّي لكم وزير خيـر مني لكـم أميـر.
فقالوا: لا والله ما نعلم أحداً أحقّ بها منك. قال: فإن أبيتم عليّ فإنّ بيعتي لا تكون سرّاً ولكن أخرج إلى المسجد، فمن شاء أن يبايعني بايعني. قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس.(1)
والرواية تدلّ على أُمور:
1. زهد علي في الخلافة، وعدم طلبه لها أو طمعه فيها، واعتزاله في بيته حتى جاء الصحابة يطلبونه للبيعة.
2. أنّ الصحابة من المهاجرين والأنصار والناس عامّة هم الذين قصدوا عليّاً وطلبوا منه أن يوافق على البيعة وألحّوا عليه حتى قبلها.
3. أنّ عليّاً كان أحقّ الناس بالخلافة يومئذ في نظر الصحابة، ويدلّ على ذلك إلحاحهم عليه، ليقبل البيعة وتصريحهم بأنّهم لا يعلمون أحقّ منه بالخلافة يومئذ.
4. اتّفاق الناس على عليّ وإجماعهم على بيعته وفيهم المهاجرون والأنصار، ولم يتوقّف عن بيعته إلاّ أهل الشام، وهذا لا يضر بعد إجماع أهل المدينة.(2)
وما ذكره المؤلّفان إنّما هو على غرار كون الخلافة أمراً انتخابياً، وهذا هو الذي لم يرغب فيه الإمام(عليه السلام)، ولذلك قال: «فإنّي لكم وزير خير منّي لكم

1 . فضائل الصحابة:2/573; تاريخ الطبري:4/427.
2 . بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة تأليف: أُمّ مالك الخالدي وحسن فرحان المالكي:104ـ105، مركز الدراسات التاريخية في الأردن، الطبعة الثالثة.

(271)
أمير»، وأمّا على المبنى الصحيح وهو أنّ الخلافة أمر تنصيصي من الله سبحانه، فليس للإمام رفضها أو ردّها، ولكن حيثما أعرضت الأُمّة عن ذلك لم يرغب الإمام فيها على ضوء اقتراحهم.
ومع هذه الشواهد، وأقواها، حسب مباني القوم، رواية أحمد بن حنبل، وهي صحيحة على شرط مسلم ورجالها ثقات رجال الشيخين، هل يبقى في قلب أحد شكّ في بيعة المهاجرين والأنصار لعليّ (عليه السلام)بالخلافة؟
وهل يحق لمنصف أن يذعن لما قاله ابن تيمية: نصف الأُمّة ـ أو أقل أو أكثر ـ لم يبايعوه (يعني: عليّ بن أبي طالب)؟(1)
أو يذعن لما قاله في موضع آخر، وقد تمادى أكثر: فلم يظهر في خلافته دين الإسلام.(2)
ولكي تطمئنّ أكثر، عزيزي القارئ، إلى كذب دعوى ابن تيمية بأنّ نصف الأمة أو أقلّ أو أكثر لم يبايعوا عليّاً، نعرض لك شيئاً ممّا أورده العلماء والحفّاظ والمؤرّخون حول إصفاق الناس على بيعته(عليه السلام).
أ. قال ابن سعد(المتوفّى 230هـ): قالوا... وبويع لعلي بن أبي
طالب رحمه الله بالمدينة، الغد من يوم قُتل عثمان، بالخلافة، بايعه:
طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن
نفيل، وعمّار بن ياسر، وأُسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو
أيوب الأنصاري، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت،

1 . انظر منهاج السنّة: 4/105، وفي طبعة بولاق : 2 / 135.
2 . منهاج السنّة: 4/117، وفي طبعة بولاق : 2 / 138.

(272)
وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم.(1)
ب. قال أبو حنيفة الدينوري(المتوفّى 282هـ):
فلمّا قُتل ]يعني عثمان[ بقي الناس ثلاثة أيام بلا إمام، وكان الذي يصلّي بالناس الغافقي، ثم بايع الناس عليّاً(رضي الله عنه)، فقال: «أيّها الناس، بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنّما الخيار قبل أن تقع البيعة، فإذا وقعت فلا خيار، وإنّما على الإمام الاستقامة، وعلى الرعيّة التسليم، وإنّ هذه بيعة عامّة، من ردّها رغب عن دين الإسلام، وإنّها لم تكن فلتة».
ثمّ قال الدِّينوري:
وكتب عليّ بن أبي طالب إلى معاوية:«أمّا بعد، فقد بلغك الذي كان من مصاب عثمان، واجتماع الناس عليّ ومبايعتهم لي، فادخل في السلم أو ائذن بحرب». وبعث الكتاب مع الحجّاج بن غَزِيّة الأنصاري.(2)
ج. روى الطبري باسناده عن أبي بشير العابدي، قال:
كنت بالمدينة حين قُتل عثمان، واجتمع المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير، فأتوا عليّاً، فقالوا: يا أبا حسن، هلمّ نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم، فمن اخترتم فقد رضيت به فاختاروا، فقالوا: والله ما نختار غيرك... .(3)
د. روى الحاكم النيسابوري باسناده عن الأسود بن يزيد النخعي، قال:

1 . الطبقات الكبرى:3/31.
2 . الأخبار الطوال: 140ـ141(بيعة علي بن أبي طالب).
3 . تاريخ الطبري:3/45(خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب).

(273)
لمّا بويع علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) على منبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال خزيمة بن ثابت، وهو واقف بين يدي المنبر:
إذا نحن بايعنا عليّاً فحسبنا *** أبو حسن مما نخاف من الفتنْ
وجدناه أولى الناس بالناس إنّه *** أطبُّ قريش بالكتاب وبالسُّننْ
وإنّ قريشاً ما تشقّ غباره *** إذا ما جرى يوماً على الضُّمَر البُدُن
وفيه الذي فيهم من الخير كلّه *** وما فيهمُ كلّ الذي فيه من الحَسن
ثمّ نفى الحاكم صحّة ما ادّعي على بعضهم من أنّهم قعدوا عن بيعته، ووصم من زعم ذلك بأنّه يجحد تلك الأحوال، والصواب أنّهم قعدوا عن نصرته في الحرب، وروى في هذا الشأن عدّة أخبار، ثمّ قال:
فبهذه الأسباب وما جانسها، كان اعتزال من اعتزل عن القتال مع علي(رضي الله عنه)أو قتال من قاتله.(1)
وممّا يؤكد ما سبق، وأنّ نفيراً من الصحابة إنّما قعدوا عن القتال معه لا عن بيعته(عليه السلام)، هو تلك الأعذار التي قدّموها بين يدي الإمام، ونقلها أبو حنيفة الدينوري، قال:
ثمّ إنّ عليّاً(رضي الله عنه) نادى في الناس بالتأهُّب للمسير إلى العراق، فدخل عليه سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة، فقال لهم: «قد بلغني عنكم هناة كرهتها لكم»، فقال سعد: «قد كان ما بلغك، فأعطني سيفاً يعرف المسلم من الكافر حتى أُقاتل به معك»!!!

1 . المستدرك على الصحيحين:3/114ـ118.

(274)
وقال عبد الله بن عمر:«أُنشدك الله أن تحملني على ما لا أعرف».
وقال محمد بن مسلمة:«إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمرني أن أُقاتل بسيفي ما قوتل به المشركون، فإذا قوتل أهل الصلاة ضربت به صخر أُحد حتى ينكسر، وقد كسرته بالأمس». ثم خرجوا من عنده.
ثمّ إنّ أُسامة بن زيد دخل، فقال: «اعفني من الخروج معك في هذا الوجه، فإنّي عاهدت الله ألاّ أُقاتل من يشهد أن لا إله إلاّ الله».(1)
ويؤكّده أيضاً قول ابن أبي الحديد:
فأمّا أصحابنا ]يعني المعتزلة[ فإنّهم يذكرون في كتبهم أنّ هؤلاء الرَّهط إنّما اعتذروا بما اعتذروا به لمّا ندبهم إلى الشخوص معه لحرب أصحاب الجمل، وأنّهم لم يتخلّفوا عن البيعة، وإنّما تخلّفوا عن الحرب.
هـ . قال الإمام أبو عبد الله القرطبي(المتوفّى 671هـ):
انعقدت خلافته ]يعني خلافة عليّ(عليه السلام)[ في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومهبط وحيه، ومقرّ النبوة، وموضع الخلافة، بجميع من كان فيها من المهاجرين والأنصار، بطوع منهم وارتضاء واختيار... .(2)
فهل يجهل ابن تيمية هذه الأقوال، وهذه الأخبار والروايات التاريخية؟ نحن لا نظنّ ذلك، ولكنّه الهوى الذي يوافق الهوى الأمويّ البغيض، ويهوي بصاحبه في هذا الوادي السحيق.
وهاك، أخيراً، نموذجاً واحداً من أقوال العلماء، المتأخّرين عن ابن

1 . الأخبار الطوال:142ـ143.
2 . بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة:122، نقله عن التذكرة للقرطبي:623.

(275)
تيمية، حول بيعة الإمام عليّ(عليه السلام)، واتفاق الناس عليها:
و. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852هـ):
وكانت بيعة عليّ بالخلافة عقب قتل عثمان... فبايعه المهاجرون والأنصار وكلّ من حضر، وكتب ببيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلّهم إلاّ معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعدُ، ما كان.(1)
ونختم البحث في هذا الموضوع بالإشارة إلى أنّ مؤلِّفا كتاب «بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة» قد تتبّعا الروايات التي تزعم أنّ بعض الصحابة امتنع عن بيعة عليّ(عليه السلام)، وناقشا أسانيدها، فوجدا أنّها كلّها ضعيفة أو منكرة، وأوردا الروايات والأقوال التي تثبت إجماع المهاجرين والأنصار والبدريين وكبار الصحابة على بيعته(عليه السلام)، وخلصا إلى النتيجة التالية، وهي أنّ:
(كلّ الروايات التي استثنت بيعة بعض كبار الصحابة كسعد وابن عمر وأُسامة وغيرهم، روايات ضعيفة منكرة، تعارضها الروايات الصحيحة، وإلى الآن لم نجد رواية سليمة تثبت تخلّف بعض هؤلاء عن البيعة).(2)

1 . فتح الباري:7/72.
2 . بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة:253ـ 254 .

(276)

9

نتائج خلافة علي(عليه السلام)

يقول ابن تيمية: وعلي(رضي الله عنه) لم يخصّ أحداً من أقاربه بعطاء، لكن ابتدأ بالقتال لمن لم يكن مبتدئاً بالقتال حتى قتل بينهم أُلوف مؤلّفة من المسلمين، وإن كان ما فعله هو متأوّل فيه تأويلاً وافقه عليه طائفة من العلماء وقالوا: إنّ هؤلاء بغاة، والله تعالى أمر بقتال البغاة بقوله: (فَقاتِلُوا الَّتي تَبْغي)، لكن نازعه أكثر العلماء، كما نازع عثمان أكثرهم، وقالوا إنّ الله تعالى قال: (وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحداهُما عَلى الأُخرى فقاتِلُوا الّتي تَبْغِي حَتّى تَفيءَ إلى أَمْرِ اللهِ فَإنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ) .(1)
قالوا: فلم يأمر الله بقتال البغاة ابتداءً، بل إذا وقع قتال بين طائفتين من المؤمنين فقد أمر الله بالإصلاح بينهما، فإن بغت إحداهما على الأُخرى قوتلت، ولم يقع الأمر كذلك.(2)
وقال أيضاً: ولم يحصل بالقتال لا مصلحة الدين ولا مصلحة الدنيا، ولا

1 . الحجرات:9. 2 . منهاج السنّة: 8/231ـ 232، وفي طبعة بولاق : 4 / 204.

(277)
قوتل في خلافته كافر، ولا فَرِح مسلم.(1)
أقول: إنَ مَن يقول: لم يكن قتال علي في الجمل وصفين لم يكن بأمر من رسول الله وإنّما كان رأياً رآه(2)، إمّا جاهل بالحديث المتضافر، الذي أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه علياً(عليه السلام): «بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين»، أو متجاهل; فقد روى البزّار، وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم، وابن أبي عاصم، وابن عساكر بأسانيد كثيرة، عن علي، وأبي أيوب، وأُمّ سلمة، وغيرهم حديث أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(أمر عليّاً بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين).
ومجموع هذه الطرق يقتضي صحّة الحديث، أو حسنه على أقل تقدير.(3)
وقد احتجّ به الحافظ ابن حجر، وقال: «الناكثين أهل الجمل; لأنّهم نكثوا البيعة، والقاسطين أهل الشام; لأنّهم جاروا على الحق في عدم مبايعته، والمارقين أهل النهروان; لثبوت الخبر الصحيح فيهم: إنّهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».(4)
ولا شكّ في أنّ أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال هؤلاء، فيه مصلحة دينية كبرى، وعزّة للإسلام، وليس على الإمام(عليه السلام) الذي استجاب لذلك الأمر، من حرج، إذا لم يدرك ابن تيمية وأمثاله تلك المصلحة.

1 . منهاج السنّة: 7/454، وفي طبعة بولاق : 4 / 121.
2 . منهاج السنّة: 4 / 496، وفي طبعة بولاق : 2/231.
3 . انظر كتاب: بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة:78(وفيه مصادر الحديث المذكور).
4 . المصدر نفسه، نقلاً عن «تلخيص الحبير: 4 / 51 » لابن حجر.

(278)
وكيف لا يكون قتال علي(عليه السلام) بأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد صحّ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه نهى عائشة عن الخروج على عليّ(عليه السلام)، فقد روى أحمد في «مسنده» بإسناده عن قيس بن أبي حازم، قال: لما أقبلت عائشة، فلمّا بلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب. فقالت: أيّ ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب. قالت: ما أظنّني إلاّ أنّني راجعه. قال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراكِ المسلمون، فيُصلح الله ذات بينهم. قالت: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذات يوم: «كيف بإحداكن تَنبُحُ عليها كلاب الحوأب».(1)
وفي رواية البزّار: «ليت شعري أيّتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب، يُقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعد ما كادت».(2)
ونذكر في المقام، أيضاً، ما أخرجه الحاكم عن أبي سعيد قال: كنّا جلوساً ننتظر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه قال: فقمنا معه فانقطعت نعله، فتخلّف عليها عليّ يخصفها، ومضى رسول الله ومضينا معه ثم قام ينتظره وقمنا معه فقال: «إنّ منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله» فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال:«لا ولكنّه خاصف النعل» قال: فجئنا نبشره، قال: فكأنّه قد سمعه.(3)

1 . مسند أحمد:6/52 و 97. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري:13/55» : أخرج هذا أحمد، وأبو يعلى، والبزّار، وابن حبّان وصحّحه، والحاكم. وصحّحه أيضاً الذهبي، وابن حجر، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية»:6/212: وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه. انظر: سير أعلام النبلاء: 2 / 177 ـ 178، الترجمة19، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة 1405هـ .
2 . قال الهيثمي في «مجمع الزوائد:7/234»: رواه البزّار ورجاله ثقات، وكذلك قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري:13/55».
3 . مستدرك الحاكم:3/123، وصحّحه على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.

(279)
ثمّ إنّ عليّاً لم يبدأ بقتال أحد، وإنّما قاد خصومه الجيوش لمحاربته، فقد جمع الناكثون ـ مثلاً ـ الأموال، ودخلوا بجيشهم البصرة، ووالي عليّ(عليه السلام)يومئذ عليها عثمان بن حنيف، فمنع (عائشة) ومن معها من الدخول، فقالا: لم نأت لحرب، وإنّما جئنا لصلح، فكتبوا بينهم وبينه كتاباً أنّهم لا يحدثون حدثاً إلى قدوم عليّ(عليه السلام)وأنّ كلّ فريق منهم آمن من صاحبه، ثم افترقوا فوضع عثمان بن حنيف السلاح، فنتفوا لحيته وشاربه وأشفار عينيه وحاجبيه وانتهبوا بيت المال وأخذوا ما فيه... الخ.(1)
فإذا كان تعامل القوم مع والي علي(عليه السلام) على البصرة، بهذه الصورة، فهل يصحّ لعلي(عليه السلام) أن يتركهم وشأنهم؟!
كيف يتركهم وقد خرجوا من مكة ومعهم خلق عظيم، يقول ابن واضح الأخباري: خرجت عائشة ومعها طلحة والزبير في خلق عظيم وقدم يعلى بن منية بمال من مال اليمن قيل إنّ مبلغه أربعمائة ألف دينار فأخذه منه طلحة والزبير فاستعانا به وسارا نحو البصرة.(2)
وأفضل دليل على أنّ الإمام علي(عليه السلام) لم يبدأ بالقتال قوله لأصحابه: «لا تقاتلوهم حتى يبدأوكم، فإنّكم بحمد الله على حجّة، وترككم إياهم حتى يبدأوكم حجّة أُخرى لكم عليهم».
ثمّ إنّ الإمام علي(عليه السلام) أخذ مصحفاً وقال: مَن يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إليه وله الجنّة.

1 . انظر : تاريخ اليعقوبي:2/181، وتاريخ الطبري:3/485 و 486.
2 . تاريخ اليعقوبي:2/181.

(280)
فقام غلام شاب اسمه مسلم فأخذ القرآن بيمينه ونادى القوم، فقطعوا يده اليمنى، فتناول القرآن باليسرى، وناداهم فقطعوها، فانهالوا عليه بالسيوف حتى قُتل .(1)
ثمّ أخذ أصحاب الجمل يرمون عسكر عليّ بالنبل رميّاً متتابعاً، حتى قتل ثلاثة أو أكثر، وضجّ إليه أصحابه، قالوا: عقرتْنا سهامُهم، وهذه القتلى بين يديك، عند ذلك استرجع الإمام(عليه السلام) وقال: اللهم اشهد، ثم لبس درع رسول الله(ذات الفضول) وتقلّد ذا الفقار، ودفع راية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)السوداء وهي المعروفة بالعقاب دفعها إلى ولده محمد بن الحنفية، وقال للحسن والحسين إنّما دفعت الراية لأخيكما وتركتكما لمكانكما من رسول الله.(2)
فكيف يدّعي ابن تيمية، مع هذا، أنّ الإمام ابتدأ بالقتال، ولم يبدأ بالإصلاح كما أمر الله؟!
كيف يدّعي ذلك، والإمام نفسه يقول لعامر بن مطر الشيباني: والله ما أُريد إلاّ الصلح حتّى يُردّ علينا؟!(3)
كيف يدّعي ذلك، وقد صرّح المؤرّخون بأنّ علياً(رضي الله عنه) أقام ثلاثة أيام يبعث رسله إلى أهل البصرة، فيدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فلم يجد عند القوم إجابة، فزحف نحوهم؟!!(3)
اقرأ واقضِ

1 . أُسد الغابة:3/308; الأغاني:10/203; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:9/112، وغيرها.
2 . شرح نهج البلاغة:9/111. 3 . الكامل في التاريخ: 3 / 225.
3 . الأخبار الطوال، لأبي حنيفة الدينوري :147.

(281)

10

ابن تيمية ونزول آية الولاية في حقّ علي(عليه السلام)

روى جمع من المحدّثين والمفسّرين نزول آية الولاية في علي(عليه السلام)، وهي قوله تعالى: (إنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).(1)
روي عن أنس بن مالك: أنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: مَن يقرض المليَّ الوفيّ؟ وعليٌّ(عليه السلام)راكع يقول بيده خلفه للسائل، أي اخلع الخاتم من يدي.
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عمر وجبت». قال: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ما وجبت؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «وجبت له الجنّة والله، وما خلعه من يده حتى خلعه الله من كلّ ذنب ومن كلّ خطيئة» قال: فما خرج أحدٌ من المسجد حتى نزل جبرئيل بقوله عزّ وجلّ:(إنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ

1 . المائدة:55.

(282)
يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، فأنشأ حسّان بن ثابت يقول:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي *** وكلُّ بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحي والمحبّين ضائعاً *** وما المدحُ في ذات الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكعٌ *** فدتكَ نفوسُ القوم يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خيرَ سيّد *** ويا خيرَ شار ثمَّ يا خير بائع
فأنزل فيك اللهُ خيرَ ولاية *** وبيّنها في محكمات الشرائع
إذا عرفت ذلك فلنقرأ ما قاله ابن تيمية، وننظر كيف أنّه حكم حكماً قاطعاً بكذب نزول الآية في علي، وسوف نقف على مصادر نزول الآية في حقّه(عليه السلام)... وأنّ الحفّاظ والمفسّرين أوردوا حديث النزول في آثارهم.
قال: وقد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى أنّ هذه الآية نزلت في عليٍّ لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم، وكذبه بيّن من وجوه كثيرة.(1) ثم ردّ نزولها في حقّ علي(عليه السلام)بوجوه واهية أشبه بالاجتهاد في مقابل النص.

1 . منهاج السنّة: 2/30، وفي طبعة بولاق : 1 / 155.

(283)
هلم معي، أيّها القارئ، لنسرد لك أسماء عدد من الأعلام، الذين روَوْا نزول هذه الآية في علي(عليه السلام)وجميعهم من حفّاظ السنّة ومفسّريهم، ومَن يُعتمد عليهم في الحديث والتفسير والعقيدة، وهؤلاء ـ والعياذ بالله ـ هم الكذّابون عند ابن تيمية!! وهؤلاء الأعلام هم:
1. الحافظ عبد بن حُميد الكشي(المتوفّى249هـ) بإسناده عن ابن عباس.(1)
2. ابن جرير الطبري (المتوفّى 310هـ) بإسناده عن السُّدّي، وعتبة بن أبي حكيم، ومجاهد.(2)
3. ابن أبي حاتم الرازي (المتوفّى 327 هـ) في تفسيره، بإسناده عن سَلَمة بن كُهيل، وعتبة بن أبي حكيم.(3)
4. الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الأوسط.(4)
5. الحافظ أبو بكر الجصّاص الرازي (المتوفّى370 هـ) في أحكام القرآن.(5)
6. الحافظ أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفّى 468 هـ).(6)
7. الحافظ أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي (المتوفّى 571 هـ).(7)

1 . انظر: الدرّ المنثور:3/105، دارالفكر، 1409 هـ .
2 . جامع البيان(تفسير الطبري):4/372ـ373، برقم 12215، و12218، و 12219.
3 . تفسير القرآن العظيم(تفسير ابن أبي حاتم):4/1162، برقم 6549 و 6551.
4 . المعجم الأوسط:7/130، الحديث 6228.
5 . أحكام القرآن:2/446.
6 . أسباب النزول:133.
7 . تاريخ مدينة دمشق:12/305، وفي ترجمة الإمام علي(عليه السلام) الطبعة المحقّقة برقم 915.

(284)
8 . الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي (المتوفّى 597 هـ).(1)
9. أبو السعادات مبارك بن الأثير الشيباني الجزري الشافعي(المتوفّى 606هـ).(2)
10. القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيره.(3)
وهؤلاء العشرة الذين انتخبناهم من جمع غفير قد رووا نزول الآية في حق عليّ(عليه السلام) قبل أن يولد ابن تيمية، ولو أردنا الاستقصاء لطال بنا البحث، ولكن كفانا عناء ذلك شيخنا العلامة الأميني(رحمه الله)حيث أنهى عدد من ذكر نزول الآية إلى (66)محدّثاً ومفسّراً وكلامياً.(4)
وقد ناقش البعض في صحّة نزول الآية في حقّ عليٍّ (عليه السلام) بأنّ الوارد في الآية صيغة الجمع، فإنّ قوله تعالى: (الَّذينَ)صيغة جمع فلا يكون عليّ هو المراد وحده.(5)
وقد سبقه إلى هذا الإشكال غيره، كابن كثير الدمشقي في تفسيره.(6)
وقد أجاب عنه غير واحد من علمائنا بأنّ استخدام صيغة الجمع لأجل الترغيب بالإتيان بمثله، ولا ينافي انطباقه على الفرد الخارجي.

1 . الرياض النضرة:3/182.
2 . جامع الأُصول:9/478، الحديث 6503. وقد نقله من طريق النسائي.
3 . أنوار التنزيل:1/272.
4 . الغدير:3/220ـ230.
5 . نثر اللآلي على نظم الأمالي:169.
6 . تفسير ابن كثير:2/73.

(285)
هذا وقد استعملت صيغة الجمع في الذكر الحكيم وأُريد بها الواحد في مواضع، منها:
1. قوله تعالى:(والَّذينَ هاجَروا في اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ في الدُّنيا حَسَنَةً).(1)
فإنّ الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل العامري.(2)
2. قوله تعالى: (إنّ الّذين يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَانفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ)،(3) نزلت في الحصين بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف،(4)وغيرهما كثير.
وأمّا كيفية دلالتها على ولاية الإمام علي(عليه السلام)فقد أشبعنا الكلام فيها، في أسفارنا الكلامية.

1 . النحل:41.
2 . تاريخ مدينة دمشق:8/668; الجامع لأحكام القرآن للقرطبي:10/71.
3 . فاطر:29.
4 . الإصابة:1/336.

(286)

11

صور أُخرى لتعرّض ابن تيمية للإمام علي(عليه السلام) وأصحابه

قد سبق منّا أنّ ابن حجر قال في ترجمة العلاّمة الحلّي: وكم من مبالغة له(يعني ابن تيمية) لتوهين كلام الحلّي، أدّت به أحياناً إلى تنقيص عليّ(عليه السلام).(1)
وليس ابن حجر وحيداً في هذا المقال بل أدركه غير واحد ممّن قرأ كتبه، وهذا هو العلاّمة العلوي بن طاهر الحدّاد، يقول: وفي منهاج ابن تيمية من السبّ والذم الموجه المورد في قالب المعاريض ومقدّمات الأدلّة في أمير المؤمنين علي والزهراء البتول والحسنين وذريتهم ما تقشعر منه الجلود وترجف له القلوب، ولا سبب لعكوف النواصب والخوارج على كتابه المذكور إلاّ كونه يضرب على أوتارهم ويتردّد على أطلالهم وآثارهم، فكنْ منه ومنهم على حذر.(2)

1 . لسان الميزان:6/319.
2 . القول الفصل في ما لبني هاشم من الفضل، الجزء الثاني، نقلاً عن كتاب المقالات السنية:376.

(287)
وممّا يدل على ذلك الأُمور التالية:

1. التشكيك في إيمان علي (عليه السلام)قبل البلوغ

حكم ابن تيمية بكفر عليّ قبل البلوغ، فقال: ولا إيمان الصبي مثل إيمان البالغ، فأُولئك يثبت لهم حكم الإيمان والكفر وهم بالغون، وعليٌّ يثبت له حكم الكفر والإيمان وهو دون البلوغ، والصبي المولود بين أبوين كافرين يجري عليه حكم الكفر في الدنيا باتّفاق المسلمين، وإذا أسلم قبل البلوغ على قولين للعلماء، بخلاف البالغ فإنّه يصير مسلماً باتّفاق المسلمين فكان إسلام الثلاثة مخرجاً لهم من الكفر باتّفاق المسلمين، وأمّا إسلام علي فهل يكون مخرجاً له من الكفر على قولين مشهورين، ومذهب الشافعي أنّ إسلام الصبي غير مخرج له من الكفر.(1)
أقول: قل لي بربّك متى كفر عليّ ، وهو الذي وُلد في بيت التوحيد، حتى يؤمن؟؟! متى كفر(عليه السلام) وقد نشأ وتربّى في أحضان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ نعومة أظفاره، (وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قبل النبوة، يتعبّد على ملّة إبراهيم ودين الحنيفية، ويتحنّث وبجانب الناس، ويعتزل ويطلب الخلوة، وينقطع في جبل حراء، وكان عليّ(عليه السلام)معه كالتابع والتلميذ)؟(2) ولقد وصف عليّ(عليه السلام)علاقته بالنبي في تلك الفترة بقوله: ولقد علمتم موضعي من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره وأنا وليد يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه ويُمسُّني جسده، ويُشمّني عَرْفَه، وكان يمضغ الشيء ثم

1 . منهاج السنّة: 8/285، وفي طبعة بولاق : 4/218ـ219.
2 . شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد:13/248.

(288)
يُلقمنيه... إلى أن قال(عليه السلام): ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل إثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: «هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبي، ولكنّك لوزير وإنّك لعلى خير».(1)
أيّها القارئ المنصف: قل لي بربك هل يمكن أن يحكم بالكفر على من يرفع له رسول الله كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً ويأمره بالاقتداء به، وكان معه في غار حراء، ويرى نور الوحي والرسالة ويشمّ ريح النبوّة؟
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ ابن تيمية لمّا كان مولَعاً، لسوء حظّه، باقتناص كلّ فكرة سوداء خطرت على أذهان من سبقه من النواصب، الذين كتب عليهم شقاؤهم أن ينالوا من عليّ(عليه السلام)، فإنّه اقتنص هذه الفكرة من الجاحظ، ثم شانَها أكثر، بما نضح عليها من بغضه وحنقه.
وتتلخّص فكرة الجاحظ في: تفضيل إسلام أبي بكر على إسلام عليّ، بعد افتراض أنّ إسلامهما كان معاً، والسبب الأساس في هذا التفضيل، كما يدّعي هو: أنّ عليّاً أسلم وهو حَدَث غرير، وطفل صغير، فلا يُلحق إسلامه بإسلام البالغين.
وقد ردّ الشيخ أبو جعفر الإسكافي المعتزلي (المتوفّى 240 هـ) على

1 . نهج البلاغة:2/159، الخطبة القاصعة، برقم 192.

(289)
الجاحظ، من جهات، وها نحن نقتبس شيئاً ممّا قاله الإسكافي، لأنّه يصلح أيضاً للردّ على ابن تيمية.
قال: قد بيّنا أنّه]عليه السلام[ قد أسلم بالغاً، ابن خمس عشرة سنة، أو ابن أربع عشرة سنة، على أنّا لو نزلنا على حكم الخصوم، وقلنا ما هو الأشهر والأكثر من الرواية، وهو أنّه أسلم وهو ابن أحد عشر، لم يلزم ما قاله الجاحظ، لأنّ ابن عشر قد يستجمع عقله، ويعلم من مبادئ المعارف ما يستخرج به كثيراً من الأُمور المعقولة.
ولولا أنّ إسلامه كان إسلام المميّز العارف، لَما مدحه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك، حيث قال لابنته فاطمة:«زوّجتك أقدمهم سِلماً»، ولاقرن إلى قوله:«وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً»، والحلم: العقل، وهذان الأمران غاية الفضل، فلولا أنّه أسلم إسلام عارف مميّز، لَما ضمّ إسلامه إلى العلم والحِلم اللّذين وصفه بهما، وكيف يجوز أن يمدحه بأمر لم يكن مُثاباً عليه، ولا معاقباً به لو تركه؟(1)
ولولا أنّ إسلامه كان كذلك، لما افتخر هو(عليه السلام) بالسبق إلى الإسلام
على رؤوس الأشهاد، ولا خطب به على المنبر، وخصوصاً في عصر
قد حارب فيه أهلَ البصرة والشام والنهروان، وقد اعتورته الأعداء
وهجته الشعراء، فلو وجد هؤلاء سبيلاً إلى دحض ما كان يفخر به من

1 . روى الحاكم بإسناده عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن الأغرّ، عن سلمان(رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أوّلكم وروداً عليّ الحوض، أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب.
وروى أيضاً بإسناد صحيح (وافقه عليه الذهبي) عن زيد بن أرقم (رضي الله عنه) قال: إنّ أوّل من أسلم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب(رضي الله عنه). المستدرك على الصحيحين:3/136.

(290)
تقدّم إسلامه لبدأوا بذلك، وتركوا ما لا معنى له.(1)
ثمّ إنّ الشعراء مدحته(عليه السلام) بسبقه إلى الإسلام، فكيف لم يردّ على هؤلاء الذين مدحوه بالسبق شاعر واحد من أهل حربه؟ ولقد قال في أُمّهات الأولاد قولاً خالف فيه عمر، فذكروه بذلك وعابوه، فكيف تركوا أن يعيبوه بما كان يفتخر به ممّا لا فخر فيه عندهم، وعابوه بقوله في أُمّهات الأولاد؟(2)

2. نزول آية:(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ ...) في حق عليّ

نسب ابن تيمية إلى عليّ(عليه السلام) ما هو بريء منه، كبراءة يوسف ممّا اتّهم به، وقال: وأنزل الله تعالى في علي قوله: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ).(3) لمّا صلّى فقرأ وخلَط.(4)
روى الترمذي، وأبو داود، والطبري، وابن أبي حاتم بإسنادهم عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي أنّ جماعة من الصحابة دُعوا إلى بيت أحدهم، فصنع لهم طعاماً، وسقاهم خمراً، قبل تحريم الخمر، ثم حضرت الصلاة، فتقدّم أحدهم ليصلّي بهم، فخلط في صلاته، وحرّف آية من القرآن.
وقد اضطربت الروايات المذكورة، مع أنّها مرويّة عن رجل واحد، في

1 . روت معاذة بنت عبد الله العدوية، قالت: سمعتُ علياً(عليه السلام) يخطب على منبر البصرة، ويقول: أنا الصِّديق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يُسلم.
وروى حبّة بن جُوَين العُرني أنّه سمع عليّاً(عليه السلام) يقول: أنا أوّل رجل أسلم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). شرح نهج البلاغة:13/228ـ229.
2 . انظر: شرح نهج البلاغة:13/219ـ 241.
3 . النساء:43.
4 . منهاج السنّة: 7 / 237، وفي طبعة بولاق : 4 / 65 .

(291)
صاحب الدعوة، والإمام والمأموم، وفي الآية التي حصل فيها التحريف; وذلك كما يلي:
1. فرواية الترمذي تقول: إنّ صاحب الدعوة هو عبد الرحمن بن عوف، وإنّ علياً كان هو الإمام(1) .
2. ورواية أبي داود تقول: إنّ صاحب الدعوة رجل من الأنصار(2).
3. وفي رواية للطبري، وابن المنذر: أنّ إمام الجماعة كان عبد الرحمن بن عوف(3).
4. وفي رواية لابن أبي حاتم: أنّهم قدّموا فلاناً(4) (يعني للصلاة).(5)
وأنت ترى أنّ ابن تيمية قد تعلّق، لغرض (أو مرض) في قلبه، بالرواية التي تزعم أنّ عليّاً كان هو إمام الجماعة، وأغمض عينيه عن سائر الروايات التي تذكر غيره، كما أنّه لم يُشر ـ للغرض نفسه ـ إلى اختلاف الروايات واضطرابها في الموضوع، وحكم حُكماً قاطعاً بأنّ الآية نزلت في عليّ!!
ثمّ إنّ هذه الروايات معارضة برواية صحيحة الإسناد، مرويّة عن أبي عبد الرحمن السلميّ، أيضاً، وإليك نصّها:
روى الحاكم النيسابوري بإسناده عن أبي عبد الرحمن عن عليّ(رضي الله عنه)، قال:

1 . سنن الترمذي:860، كتاب تفسير القرآن، باب (ومن سورة النساء)، برقم 3037.
2 . سنن أبي داود:689، كتاب الأشربة، باب في تحريم الخمر، برقم 3671.
3 . جامع البيان (تفسير الطبري): 4/128، برقم 9526، وكتاب تفسير القرآن لابن المنذر:2/719، برقم 1799.
4 . تفسير القرآن العظيم(تفسير ابن أبي حاتم): 3/958، برقم 5352.
5 . انظر: تفسير آلاء الرحمن للشيخ البلاغي:2/413ـ422; والتفسير الكاشف:2/331ـ332.

(292)
دعانا رجل من الأنصار، قبل تحريم الخمر، فحضرت صلاة المغرب، فتقدّم رجل فقرأ(قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ) فالتبس عليه، فنزلت (لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) الآية.(1)
ومن الملاحظ أنّ هذه الرواية لم تتحدّث عن مجلس للخمر حضره عليّ(عليه السلام)، وإنّما عن رجل (لم يُسمّ) كان قد تقدّم لإمامة الجماعة، فالتبست عليه الآية بسبب سُكره.
فأين هذا ممّا زُعم من تقدّم عليّ لإمامة الجماعة ونزول الآية فيه؟ ولكن ابن تيمية أبى أن يأخذ بهذه الرواية وأمثالها، وآثر الاقتداء بالمارقين الذين كانوا يذهبون إلى أنّ الآية المذكورة نزلت في علي(عليه السلام).
قال الحاكم، بعد أن أورد تلك الرواية:
وفي هذا الحديث فائدة كثيرة، وهي أنّ الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب دون غيره وقد برّأه الله منها، فإنّه راوي هذا الحديث.(2)
فطوبى لابن تيمية، وهو يتّبع رأي الخوارج، ويتمسّك به دون غيره من الآراء والأقوال!!
وليت الأمر اقتصر على هذا الاختلاف والاضطراب بين الروايات المروية عن أبي عبد الرحمن نفسها، بل هناك اختلاف بينها وبين الروايات

1 . المستدرك على الصحيحين:2/307. صحّحها الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
2 . المصدر نفسه.

(293)
الواردة عن غيره في سبب نزول الآية، فعن ابن عباس، قال:
نزلت هذه الآية في جماعة من الصحابة كانوا يشربون الخمر، قبل التحريم، ثم يأتون الصلاة مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيصلّون معه، فنهاهم الله تعالى عن ذلك.(1)
وعن محمد بن كعب القُرظي:... ثمّ أُنزلت التي في النساء، بينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي بعض الصلوات إذ غنّى سكران خلفه، فأنزل الله:(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) الآية. فشربها طائفة من الناس وتركها طائفة،ثم نزلت الرابعة التي في المائدة، فقال عمر بن الخطاب: انتهينا يا ربّنا.(2)
وختاماً نقول: لو كان عند ابن تيمية بعض الإنصاف، لذكر ما رواه جماعة من محدّثي السنّة في شأن الآيات الّتي نزلت في الخمر، حتى يتبيّن للقارئ مَن كان يكرع الخمر، وظلّ يشربها إلى أن نزل في تحريمها نصّ صريح.
روى أبو داود، والترمذي، والنسائي، والطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بأسانيدهم إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، أنّ عمر بن الخطاب، قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة: (يسألونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثمٌ كَبيرٌ) الآية، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في النساء: (يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى)، فدعي عمر فقرئت عليه، ثم قال... فنزلت التي في المائدة:(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ ...)إلى قوله:

1 . أبو بكر الحدّاد اليمني، تفسير الحدّاد:2/258، طبعة دار المدار الإسلامي، 2003م.
2 . الدرّ المنثور:3/165، وقال: أخرجه ابن المنذر.

(294)
(فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)فدُعي عمر فقرئت عليه، فقال: انتهينا انتهينا.(1)
قال الشيخ محمد جواد مغنية: وعلى أية حال، فإن صحّ أنّ جماعة من الصحابة شربوا، وأنّ إمامهم خلط في صلاته، فهؤلاء هم الذين أشركوا بالله، وعبدوا الأوثان، وشربوا الخمر، وأكلوا الحرام في الجاهلية التي نشأوا فيها، وتربّوا عليها... وعلي بن أبي طالب ليس منهم، لأنّه نشأ وترعرع في حجر الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي تولّى تربيته وتهذيبه منذ نعومة أظفاره، وصاغه كما يشاء ويريد.(2)

3 . تكذيب ابن تيمية فضائل أصحاب علي(عليه السلام)

بما أنّ الرجل كان يعادي عليّاً (كما يتبيّن ذلك بوضوح، من مواضع كثيرة من كتابه)، فمن الطبيعيّ جداً، أن يعادي أصحاب علي وأنصاره، بحكم أنّ صديق عدوك هو عدو أيضاً، وقد تجلّت تلك المعاداة بإنكار فضيلة رابية لعمّار بن ياسر، اتّفق المسلمون عليها وأصفق رواتهم على نقلها، وهي قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) له: «تقتلك الفئة الباغية».
يقول ابن تيمية: فهاهنا للناس أقوال: منهم مَن قدح في حديث عمّار.
ومنهم مَن تأوّله على أنّ الباغي: الطالب، وهو تأويل ضعيف .
وأمّا السلف والأئمة فيقول أكثرهم ـ كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم ـ لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغيّة، فإنّ الله لم يأمر بقتالها ابتداءً، بل أمر إذا

1 . سنن الترمذي:868، برقم 3060. وانظر: سنن أبي داود:689، برقم 3670، وجامع البيان:5/44ـ45، برقم 12516ـ 12520، وغيرها.
2 . التفسير الكاشف:2/232.

(295)
اقتتلت طائفتان أن يصلح بينهما، ثم إنْ بغت إحداهما على الأُخرى قوتلت الّتي تبغي، وهؤلاء قوتلوا ابتداءً قبل أن يبدؤوا بقتال .(1)
قد تقدّم أنّ من الاساليب التي درج عليها ابن تيمية، أنّه إذا مرّ بحديث في فضائل علي وآله وأصحابه وكان مخالفاً لهواه، ادّعى على بعض الناس تضعيفه، أو القدح فيه من دون أن يذكر المضعّف، أو القادح.
والعجب أنّه يضعّف حديثاً رواه أكثر من عشرين صحابياً، ويقول في حقّه الحافظ ابن عبدالبرّ: تواترت الآثار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «تقتل عمّاراً الفئة الباغية»، وهو من أصحّ الأحاديث. (2)
فإذا كان مثل هذا الحديث ضعيفاً فما هو الصحيح عنده؟!
وللحافظ ابن حجر كلام حول الحديث، نذكره بنصّه حتى يُعلم مدى انحراف الرجل عن أمير المؤمنين(عليه السلام) وأصحابه، قال:
فائدة: روى حديث: «تقتل عمّاراً الفئة الباغية» جماعة من الصحابة
منهم: قتادة بن النعمان ـ كما تقدّم ـ وأُمّ سلمة عند مسلم، وأبو هريرة
عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن
عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليسر وعمّار نفسه وكلّها عند الطبراني وغيره، وغالب
طرقها صحيحة أو حسنة، وفيه عن جماعة آخرين يطول عدّهم. وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة وفضيلة ظاهرة لعليّ ولعمّار، وردٌّ على

1 . منهاج السنّة: 4 / 390 ـ 391، وفي طبعة بولاق : 2 / 204 ـ 205.
2 . الاستيعاب: 3 / 1140 .

(296)
النواصب الزاعمين أنّ عليّاً لم يكن مصيباً في حروبه.(1)
وكفى في صحّة الحديث عند أهل السنّة أنّ الشيخين قد خرّجاه.(2)
وأمّا قوله: إنّ السلف والأئمة فيقول أكثرهم لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية، فهو من الأكاذيب القبيحة، والّذي نقله كبار العلماء والفقهاء، عن السلف الصالح (لا عن أتباع النهج الأموي) خلاف ذلك، فقد صرّح الإمام ابن قدامة المقدسيّ الحنبليّ (المتوفّى 620 هـ) بأنّه (أجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتال البغاة، فإنّ أبا بكر قاتل مانعي الزكاة، وعليّ قاتل أهل الجمل وصفين وأهل النهروان )(3) .
وممّا يؤكّد ذلك أنّ كلّ مَن تبقّى من أهل بيعة الرضوان، وفيهم البدريّون (إلاّ أفراداً معدودين معروفين اعتزلوا القتال)، كانوا مع الإمام علي في (صفّين) .
روى خليفة بن خيّاط، عن أبي غسان، عن عبدالسلام بن حرب، عن يزيد بن عبدالرحمن، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال:
(شهد مع علي ثمانمائة ممّن بايع بيعة الرضوان، قال: قُتل فيهم ثلاثة وستون، منهم عمّار بن ياسر)(4) .

1 . فتح الباري:1/543.
2 . لاحظ : صحيح البخاري:3/207; وصحيح مسلم:8/186.
3 . المغني: 8 / 522 (كتاب قتال أهل البغي)، مطبعة الإمام بمصر.
4 . تاريخ خليفة: 196 .

(297)
وهذا السند صحيح، ورجاله بين الثقة والصَّدوق.(1)
وهؤلاء الصحابة الكرام أورع من أن يقاتلوا من لم يوجد فيها شرط الطائفة الباغية، ولكنّ ابن تيمية لا يقيم لهذا العدد الكبير من الصحابة وزناً، ما داموا في صفّ الإمام علي (عليه السلام).
وممّا يشهد لما تقدّم، أنّ عبدالله بن عمر بن الخطاب، سمّى فئة معاوية بالفئة الباغية، وعبّر عن ندمه على قعوده عن حرب صفّين.
روى عمر بن شَبّة (المتوفّى 262 هـ)، عن الفضل بن دُكين وأبي أحمد الزبيري، قالا: حدثنا عبدالله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، عن ابن عمر أنّه قال ـ حين حضرته الوفاة ـ : ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئاً، إلاّ أنّي لم أُقاتل الفئة الباغية مع عليّ بن أبي طالب .(2)
وروى الحاكم النيسابوري بإسناده عن الزُّهري، عن حمزة بن عبدالله بن عمر أنّ عبدالله بن عمر قال: ما وجدتُ في نفسي من شيء في أمر هذه الآية،(3) ما وجدتُ في نفسي أنّي لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله عزوجلّ.
قال الحاكم بعد أن روى ذلك: هذا باب كبير قد رواه عن عبدالله بن عمر جماعة من كبار التابعين، وإنّما قدّمت حديث شعيب بن أبي حمزة، عن

1 . بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة: 196 .
2 . نقله ابن عبدالبرّ في الاستيعاب: 3 / 953، وروى ابن عبدالبرّ نحوه بإسناده عن يحيى بن سليمان الجعفي وأسد بن موسى، عن أسباط بن سالم، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر، ورواه أيضاً بإسناده عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن ابن عمر .
3 . يعني قوله تعالى: (وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا).

(298)
الزهريّ، واقتصرت عليه لأنّه صحيح على شرط الشيخين.(1)
ونسأل: أيّهما أعرف بوصف فئة معاوية في حرب (صفِّين): ابن تيمية، أم ابن عمر، الّذي عاصر أحداث (صفِّين)، ووصم فئةَ معاوية (كما وصمها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من قبل) بالفئة الباغية بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على نهاية تلك الحرب، وعبّر عن أساه على ترك قتالها؟!
ونقول أخيراً: إنّما نحن أوردنا هذه الأدلّة على سبيل الاحتجاج على ابن تيمية ومقلّديه، وإلاّ فإنّ قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية» كاف، وحده، لإثبات بغي معاوية وفئته، وإلاّ كيف يصف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)الفئة الّتي تقتل عمّاراً بالفئة الباغية، ولم يتحقّق فيها شرط البغي والعدوان؟!
ومن هنا، فإنّ كلّ مَن يدّعي أنّ فئة معاوية لم تكن بالباغية، فإنّما هو يردّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويصرّ على تخطئته (صلى الله عليه وآله وسلم)في قوله.. أعاذ الله المؤمنين الصادقين من سُبات العقل وقبح الزلل، ومن الخذلان والخسران .

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 115 ـ 116، وقد أقرّ الذهبي بصحّته على شرط الشيخين.
Website Security Test