welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : ابن تيمية فكراً ومنهجاً*
نویسنده : العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

ابن تيمية فكراً ومنهجاً

(1)
بسم الله الرحمن الرحيم

(2)

(3)
ابن تيمية
فكراً ومنهجاً

(4)

الإهداء

إلى الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه..
إلى الذين ينتهجون سبل البحث العلمي، سعياً وراء الحقيقة..
إلى الذين تحرّروا من أسر الأهواء والنزعات الشخصية، وأثروا إنصاف الحق..
إلى الذين ينظرون إلى الأُمور بعقلية فاحصة دارسة، لا بعقلية التقليد الأعمى والتقديس الأجوف..
إليهم جميعاً، أُهدي هذا الكتاب مشفوعاً بصادق الودَّ، وخالص المحبّة.
المؤلف

(5)
 
 
ابن تيمية
فكراً ومنهجاً
قراءة نقدية لعقائد وآراء ابن تيمية ومناقشتها على ضوء الكتاب العزيز والسنّة النبوية والعقل الحصيف
 
تأليف
الراجي عفو ربّه
جعفر السبحاني
 
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

(6)
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق. ـ
      ابن تيمية فكراً ومنهجاً: قراءة نقدية لعقائد وآراء ابن تيمية ومناقشتها على ضوء الكتاب العزيز... / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1432 ق = 1390
      616 ص . 1 ـ 490ـ 357 ـ 964 ـ 978ISBN:
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا.
      1. ابن تيمية، أحمد بن عبدالحليم، 661 ـ 728 ق. ـ ـ نقد و تفسير. 2 . وهابية ـ ـ شبه وردود . 3 . شيعة ـ ـ شبه وردود.
      65/201BP 1390 2س 17الف 416/297
      المكتبة الوطنية في ايران 2482562
اسم الكتاب: ابن تيمية فكراً ومنهجاً
المؤلّف: العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة: الأُولى - 1432هـ . ق
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الكمية: 1000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني: … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
      تسلسل النشر:663                  تسلسل الطبعة الأُولى:380
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 251-98+ ; 9121519271 - 98+
http://www.imamsadiq.org

(7)

الإنسان بآرائه وأفكاره

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأشرف رسله محمد وآله الطاهرين.
أمّا بعد;
إذا أردنا أن نتعرّف على حقيقة شيء ما، فأقرب الطرق وأحسنها هو التعرّف على آثاره وثمراته، فإنّ الأثر خير دليل على واقع المؤثّر، فحلاوة الثمرة آية كون الشجرة طيّبة، ومرُّها دليل على أنّها شجرة خبيثة، وكلٌّ يعكس ما عليه الشيء من كمال وجمال، أو عيب ونقصان; وهذا ما ينطبق على الإنسان، فأفضل وسيلة لتقييمه هي مراجعة آثاره ومؤلّفاته ودراسة ما فيها من آراء وعقائد، دون الاعتماد على تعديل هذا وجرح ذاك، على الرغم من أهميّة الجرح والتعديل وأقوال العلماء في تقييم الرجال.
هذا وقد اختلفت الآراء في أحمد بن تيمية الحرّاني(662ـ 728هـ) فمن الناس من يصفه بالإمام في العقائد والمعارف والتفسير والفقه، ويستشهد

(8)
بكلامه ولا يجيز لنفسه ولا لغيره العدول عن مواقفه وآرائه قيد أنملة.
ومنهم من يقف على طرف النقيض من ذلك، ويقول: إنّه عبد خذله الله، وأضلّه وأعماه وأصمّه.
ونحن لا ندري أيّاً من الرأيين هو الصواب، فلو اتّبعنا أحدهما فقد بخسنا حق الرجل حيث اقتفينا أقوالهم ـ في مدحه وذمّه ـ بلا دليل.
ولذلك سلكْنا منهج الدراسة الصحيحة، وهو قراءة أفكاره وآرائه في ما تركه من الكتب والرسائل، واتّخذنا موقفاً علميّاً يرضاه الله سبحانه ورسوله، منطلقين من قوله سبحانه: (ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم إنَّ السَّمعَ وَالْبَصَرَ والفُؤاد كلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤولاً).(1)
وسنقرأ شيئاً من آراء العلماء في حقّه وستجدها ـ كما قلنا ـ على طرفي نقيض.

اختلاف آراء العلماء في ابن تيمية

اختلفت أنظار العلماء في أحمد بن تيمية اختلافاً شديداً، وها نحن نذكر شيئاً من كلمات المادحين والذاميّن ولا نستقصي، إذ يطول عندئذ الكلام، كما يطول موقفنا مع القرّاء الكرام.

كلمات المادحين :

1. وصفه محمد بن شاكر الكتبي بقوله: الإمام العلاّمة، الفقيه، المفسّر، الحافظ، المحدّث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف والذكاء، تقي

1 . الإسراء:36.

(9)
الدين أبو العباس ابن العالم المفتي شهاب الدين ابن الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات. قرأ بنفسه ونسخ عدّة أجزاء وصار من أئمة النقد ومن علماء الأثر مع التديّن والذكر والصيانة والنزاهة عن حطام هذه الدار، ثم أقبل على الفقه ودقائقه، وغاص على مباحثه... .(1)
2. وصفه تلميذه الذهبي(المتوفّى749هـ) قائلاً: وصنّف في فنون، ولعلّ تآليفه تبلغ ثلاثمائة مجلّدة، وكان قوّالاً بالحق، نهّاءً عن المنكر، ذا سطوة وإقدام وعدم مداراة .(2)
3. أفاض عبد الحي ابن العماد الحنبلي الكلام في حياة ابن تيمية ونقل كلمات المادحين على وجه التفصيل، وقال:
أقبل على العلوم في صغره فأخذ الفقه والأُصول عن والده ـ إلى أن قال ـ : وبرع في ذلك وناظر وقرأ العربية على ابن عبد القوي ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه، وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه، وأحكم أُصول الفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم، ونظر في الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله وردّ على رؤسائهم وأكابرهم.(3)
وسيوافيك ـ عند دراسة آرائه ـ أنّه تأثّر بالفلسفة الإغريقية وقال بقِدَم العالَم وعدم حدوثه، مكان الردّ عليها.
4. ووصفه صلاح الدين الصفدي بقوله: الشيخ الإمام العالم العلاّمة

1 . فوات الوفيات:1/74. 2 . نفس المصدر:1/75. نقلاً عن الذهبي.
3 . شذرات الذهب في أخبار من ذهب:6/80 ـ 81 .

(10)
المفسّر الفقيه، المجتهد الحافظ، المحدّث شيخ الإسلام ونادرة العصر، ذو التصانيف والذكاء والحافظة المفرطة....(1)
5. وقال عنه الحافظ شمس الدين الداوودي: الإمام العلاّمة، الفقيه المجتهد، الناقد المفسّر، البارع الأُصولي، شيخ الإسلام، علم الزهاد، نادرة دهره... إلى أن قال: شهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره.(2)

كلمات القادحين

قد اطّلعتَ على كلمات بعض المادحين الذين عرّفوه على الوجه الذي عرفت، وهناك كلمات قادحة وذامّة لمن وقف على آثاره وكتبه أو شافهه وكلّمه، وإليك نزراً من هذه الكلمات :
1. يقول شهاب الدين ابن جهبل الحلبي(المتوفّى 733هـ) في الرسالة التي صنفها في نفي الجهة ردّاً على ابن تيمية ما هذا لفظه: فالذي دعا إلى تصدير هذه النبذة ما وقع في هذه المدّة، ممّا علّقه بعضهم في إثبات الجهة واغترّ بها من لم يرسخ له في التعليم قدم، ولم يتعلّق بأذيال المعرفة، ولا سحبه لجام الفهم ولا استبصر بنور الحكمة، فأحببت أن أذكر عقيدة أهل السنّة وأهل الجماعة ثم أُبيّن فساد ما ذكره، مع أنّه لم يدّع دعوى إلاّ نقضها، ولا أطّد قاعدة إلاّ هدمها.(3)
2. يقول الحافظ علي بن عبد الكافي السبكي(المتوفّى756هـ) في خطبة

1 . الوافي بالوفيات:7/15، الترجمة2964. 2 . طبقات المفسرين:1/46،الترجمة42.
3 . طبقات الشافعية الكبرى:9/34ـ35.

(11)
كتابه «الدرة المضيّة في الردّ على ابن تيمية» ما هذا لفظه:
أمّا بعد، فإنّه لمّا أحدث ابن تيمية ما أحدث في أُصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنّة، مظهراً أنّه داع إلى الحق، هاد إلى الجنة، فخرج عن الاتّباع إلى الابتداع، وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدّسة، وإنّ الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وإنّ القرآن محدث تكلم الله به بعد أن لم يكن، وإنّه يتكلّم ويسكت، ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدّى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزم بالقول بأنّه لا أوّل للمخلوقات فقال بحوادث لا أوّل لها، فأثبت الصفة القديمة، حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّة من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاث والسبعين التي افترقت عليها الأُمّة، ولا وقفت به مع أُمّة من الأُمم همة، وكلّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً، ممّا نقل جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع... .(1)
3. يقول أبو بكر الحصني الدمشقي(المتوفّى 829هـ) في حق ابن تيمية: فاعلم أنّي نظرت في كلام هذا الخبيث الذي في قلبه مرض الزيغ، المتتبع ما تشابه من الكتاب والسنّة ابتغاء الفتنة، وتبعه على ذلك خلق من العوام وغيرهم ممّن أراد الله عزّ وجلّ إهلاكه، فوجدت فيه ما لا أقدر على النطق به، ولا لي أنامل تطاوعني على رسمه وتسطيره، لما فيه من تكذيب ربّ العالمين، في تنزيهه لنفسه في كتابه المبين، وكذا الازدراء بأصفيائه

1 . لاحظ: الرسائل السبكية:121، طبع دار عالم الكتب، بيروت، 1403هـ .

(12)
المنتخبين وخلفائهم الراشدين، وأتباعهم الموفقين، فعدلت عن ذلك إلى ذكر ما ذكره الأئمة المتّقون، وما اتّفقوا عليه من تبديعه وإخراجه ببغضه من الدين... .(1)
4. يقول شهاب الدين ابن حجر الهيتمي(المتوفّى 974هـ):ابن تيمية عبد خذله الله، وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه، بذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتّفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد، أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية، ولم يقصر اعتراضه على متأخّري السلف الصوفية بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب(رضي الله عنه).
والحاصل أنّه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كلّ وعر وحَزْن، ويعتقد فيه أنّه مبتدع ضال، مضلّ، غال. عامله الله بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله.(2)
وقال أيضاً في كتابه«الجوهر المنظّم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرّم»:
فإن قلت: كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها، وابن تيمية من متأخّري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كلّه، كما رآه السبكي في خطّه، وأطال ابن تيمية في الاستدلال بذلك بما تمجّه

1 . دفع شبهة من شبّه وتمرّد:216، طبع مصر، عام 1350هـ . ولاحظ ص 83 من الطبعة المحقّقة، ط 1418هـ .
2 . الفتاوى الحديثية:86 ، ونقله العلاّمة الشيخ محمد نجيب(المتوفّى 1354هـ) في كتابه «تطهير الفؤاد»:9، ط مصر.

(13)
الأسماع وتنفر منه الطباع، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً، وأنّه لا تقصَّر فيه الصلاة، وأنّ جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة، وتبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه.
قلت: من هو ابن تيمية حتّى ينظر إليه؟ أو يعوّل في شيء من أُمور الدين عليه؟ وهل هو إلاّ كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة، وحججه الكاسدة، حتّى أظهروا عوار سقطاته، وقبائح أوهامه وغلطاته، كالعز بن جماعة: عبد أذلّه الله وأغواه، وألبسه رداء الخزي، وبوّأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان، وأوجب له الحرمان.(1)
ونحن نقتصر على هذه الكلمات التي قيلت في مدحه وفي ذمّه، ولا نطيل أكثر(2)، غير أنّ هنا نكتة نلفت إليها نظر القارئ، وسيقف عليها في ثنايا الكتاب عن كثب، وهي ما نبّه عليها الشيخ سلامة القضاعي العزامي المصري(المتوفّى 1379هـ) في كتابه «فرقان القرآن» حيث قال: ومن عجيب أمر هذا الرجل أنّه إذا ابتدع شيئاً حكى عليه إجماع الأوّلين والآخرين كذباً وزوراً، وربما تجد تناقضه في الصفحة الواحدة، فتجده في منهاجه مثلاً يدّعي أنّه ما من حادث إلاّ وقبله حادث إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي، ثم يقول: وعلى ذلك أجمع الصحابة والتابعون. وبعد قليل يحكي اختلافاً لحق الصحابة في أوّل مخلوق ما هو؟ أهو القلم أم الماء؟ وبينما تراه يتكلّم

1 . فرقان القرآن:132، طبع في مقدمة كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي.
2 . الكلمات التي قيلت في مدح الرجل أو ذمّه كثيرة، لا يتسع المجال، هنا، لنقلها، وما صدر ضدّه كان أكثر بكثير ممّا صدر لصالحه، وللوقوف على كلمات الذين ردّوا عليه، راجع موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل»: 4 / 48 ـ 82، (فقرة: آراء معاصريه ومقاربي عصره في حقّه); والرسائل السبكية، المقدّمة، نشر عالم الكتب، بيروت.

(14)
بلسان أهل الحقّ المنزهين، إذا بك تراه قد انقلب جهوياً«جهميّاً».(1)
والحقيقة أنّ الذي يدفع الباحث إلى التحقيق ورفض التقليد في
شأن الرجل، ما نلاحظه من الأُمور التالية:
1. قيام عدد كبير من الفقهاء والعلماء منذ زمانه إلى زماننا هذا بكتابة الردود عليه، ونقد أفكاره وآرائه، إلى حدٍّ لم نعثر على مثله بين الماضين والمعاصرين، وقد ناهز عدد العلماء الذين ردّوا عليه (114) عالماً ومحققاً، وقد عقد الشيخ عبد الله الهرري فصلاً لبيان أسماء العلماء والفقهاء والقضاة الذين ناظروا ابن تيمية أو ردّوا عليه وذكروا معايبه ممّن عاصروه أو جاءوا بعده.(2)
وهذه الردود الهائلة التي لو جُمعت لشكلت مكتبة خاصّة.
2. إنّ تلميذه المعروف الذهبي الذي وصف أُستاذه بما عرفتَ من كونه قوّالاً بالحق، نهّاءً عن المنكر، إلى غير ذلك من الأوصاف، قد كتب إليه رسالة خاصّة نصحه فيها على وجه يدلّ على أنّ التلميذ ـ وهو الشفوق المحبّ الوادّ لأُستاذه (3) ـ قد بلغ من الاستياء منه إلى حدٍّ شديد، حيث يقول فيها:
إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس... إلى أن قال: فهل معظم أتباعك إلاّ قعيد مربوط خفيف العقل؟ أو عامي كذّاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدِّقني ففتشهم وزنهم بالعدل.

1 . فرقان القرآن:132ـ 137.
2 . المقالات السنية:482ـ503. 3 . هذه عبارة الذهبي نفسه في الرسالة المذكورة.

(15)
يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظّمها وتصغّر العباد؟ إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح ـ والله ـ بها أحاديث الصحيحين؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار، أو بالتأويل والإنكار.
أما لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أمّا أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى ـ والله ـ ما أذكر أنّك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت... .(1)
فإذا كان هذا حال التلميذ بالنسبة إلى أُستاذه، فما حال من عاداه وخاصمه؟
ويأتي في هذا الإطار، قول صلاح الدين الصفدي، الذي تقدّم ثناؤه البالغ على ابن تيمية، ولكنّه قال في شرحه على (لامية العجم) عند قول الطغراني:
ويا خبيراً على الأسرار مطّلعاً *** اصمتْ، ففي الصمت منجاةٌ من الزللِ
يقال: إنّ الخليل بن أحمد]الفراهيدي[ رحمه الله تعالى اجتمع هو وعبد الله بن المقفّع ليلة فتحادثا إلى الغداة، فلمّا تفرّقا، قيل للخليل: كيف رأيته؟ قال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله، وكذا كان ابن المقفّع، فإنّه قتله قلّةُ عقله

1 . تكملة السيف الصقيل، للمحقّق المعاصر الكوثري:190ـ192. ولاحظ الرسائل السبكية، تحت عنوان النصيحة الذهبية:211ـ 213.

(16)
وكثرةُ كلامه شرّ قتلة، ومات شرّ ميتة.
قال الصفدي (بعد ما ذكر ذلك): وكذا أيضاً كان الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أحمد ابن تيمية رحمه الله تعالى، علمُه متّسع جدّاً إلى الغاية، وعقله ناقص يورّطه في المهالك، ويوقعه في المضايق.(1)
3. إنّ ابن تيمية طرح أفكاره وآراءه في عصر كانت فيه بغداد (عاصمة الخلافة الإسلامية) قد سقطت بأيدي التتار، وساد المسلمين الدمار والهلاك، وعمّت فيهم المذابح الفظيعة والمجازر الرهيبة على يد جيش التتار الوثني، ولا شك في أنّ الدواء الناجع في تلك الأزمنة المظلمة، هو نشر التعاليم الإسلامية التي تدعو إلى الجهاد والوحدة وإعادة الثقة إلى النفوس والعمل على تقوية المعنويات ورفع المستوى العسكري لدى المسلمين عملاً بقوله تعالى:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)(2).
ولكن ـ ويا للأسف ـ نرى أنّ ابن تيمية طرح مسائل لا تمتّ بأي صلة لداء الهزيمة والإحباط عند المسلمين.
إنّ طرح الخلافات الكلامية والفقهية في العصر الذي كانت فيه القوارع تُصبّ على رؤوس المسلمين من الشرق والغرب ما هو إلاّ من قبيل صبّ الزيت على النار، وتعميق الجُرح غير المندمل، فإنّ الأفكار التي قدّمها ابن تيمية في ذلك العصر الرهيب تتلخص في أُمور نذكر منها ما يلي:

1 . نقله الشيخ يوسف النبهاني في كتابه: شواهد الحق:188ـ189، دار الفكر، 1403هـ .
2 . الأنفال:60.

(17)
1. يجب توصيفه سبحانه بالصفات الخبرية بنفس المعاني اللغوية من دون تصرّف، كالاستواء على العرش، وأنّ له يداً ووجهاً، وأنّ له نزولاً وصعوداً.
2. قِدَم العالم وليس هنا له أوّل.
3. يحرم شدّ الرحال إلى زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتعظيمه بحجّة أنّ ذلك يؤدي إلى الشرك.
4. لا تصحّ أكثر الفضائل المنقولة في الصحاح والسنن في حق علي وآله(عليهم السلام).
إلى غير ذلك من الآراء الشاذّة عن الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين.
ولو افترضنا صواب آرائه وأفكاره في هذه المجالات، فلا شكّ أنّ نشرها في هذه الأجواء يفرّق الجماعة ويشقّ عصا المسلمين، ويشغلهم عن مواجهة الأعداء والحفاظ على بلاد المسلمين.
***
ونحن لمّا رأينا اختلاف أنظار العلماء في حقّ الرجل إلى درجة تنزِّهه جماعة، وتذمُّه جماعة أُخرى، رأينا أنّ من الصواب ترك قول هاتين الطائفتين ودراسة آراء الرجل مباشرة من كتبه وفتاواه، فإنّ ثمرة الشجرة أدلّ دليل على حقيقتها، فثمرة النخلة تنبئ عن طيبها وصفائها، وثمرة الحنظل مُرّة تخبر عن خبث أصلها.
وهذا ما دعانا إلى عرض آراء الرجل التي أخذناها من كتبه ورسائله، إلاّ أنّنا ركّزنا على كتابه «منهاج السنّة»، لأنّه يعكس تماماً آراءه في تنزيه الله

(18)
سبحانه وحقوق نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام).
ثمّ إنّ الرجل لمّا كان كثير الانتاج، ولا يكاد يكتب في موضوع إلاّ وانتقل إلى موضوع آخر، فصارت الإحاطة بآرائه أمراً مشكلاً.
وقد تكفّل جهد هذا الأمر جهابذة من علماءالمسلمين وأنصار الحق الذين تنبض قلوبهم بتنزيهه سبحانه عن الجسم والجسمانية والجهة والحركة كما تنبض بحفظ مقام أولياء الله سبحانه وأصفيائه نذكر منهم ما يلي:
1. تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي(المتوفّى 756هـ) في «الرسائل السبكية في الرد على ابن تيمية وتلميذه ابن قيّم الجوزية».
2. تقي الدين الحصني الدمشقي(المتوفّى 829هـ )في «دفع شُبَه من شَبَّه وتمرّد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد».
3. الدكتور محمود سيد صبيح (المعاصر)، فقد تتبع كلامه فيما يقرب من (4000) صفحة أو يزيد، وردّ عليه في كتاب، سمّاه:«أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)».
4. العلاّمة الشيخ عبد الله الهرري، فقد نقد آراء ابن تيمية بتأليف كتابه «المقالات السنية في الرد على ابن تيمية».
فجزى الله الجميع خير الجزاء وشكر سعيهم.
ونحمد الله سبحانه ونستعين به، راجين الله أن يرزقنا معرفة الحق واتِّباعه، ومعرفة الضلال واجتنابه، إنّه بذلك قدير، وبالإجابة جدير.
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الرابع من شهر شوال من شهور
عام 1431 هـ

(19)

ثناء وتقدير

أتقدّم بالشكر الوافر إلى المحقّق البارع الأُستاذ السيد حيدر محمد علي البغدادي الطحّان ـ دام عزّه ـ فقد أعاننا في تأليف هذا الكتاب، وأفادنا بآرائه وأفكاره، شكر الله مساعيه.
كما أتقدّم بالشكر الجزيل والثناء الجميل إلى محقّقي مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ومن ساهم في طباعة الكتاب وإخراجه الفني، حيث بذلوا جهدهم في تصحيح هذا الكتاب وإخراجه بهذه الحلّة القشيبة.
المؤلف

(20)
Website Security Test