welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج2-مصححه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج2-مصححه

1
   
    المبسوط في أُصول الفقه / ج 2
2

2

3
الطبعة الثانية (مصححة ومنقحة)

4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ   
      المبسوط في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني ] ويرايش 2 [ . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1388 .
      4ج .    ISBN: 978 - 964 - 357 - 313 - 3(4VOLSET)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 528 - 1(VOL.2)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زيرنويس.
چاپ دوم; 1392.
      1 . أصول فقه شيعه ـ ـ قرن 15. الف. مؤسسه إمام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
2م 2س/ 8/159 BP    312 / 297
1392
اسم الكتاب:    المبسوط في أُصول الفقه
الجزء:    الثاني
المؤلف:    الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    الثانية (مصححة ومنقحة) ـ 1434 هـ . ق
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   584
التنضيد والإخراج الفني:    …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:797   تسلسل الطبعة الأُولى:408
مركز التوزيع
قم المقدسة ـ ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

5

6

7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير رسله وأشرف أنبيائه محمد وعلى أهل بيته الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا الموسوم بـ «المبسوط في أُصول الفقه» وهو يتضمّن ما بقي من مباحث الألفاظ إلى نهاية المطلق والمقيّد.
ويمتاز هذا الجزء كسابقه بطرح المسائل الأُصولية بأوضح العبارات وأبينها، وفي الوقت نفسه يحتفظ بنصوص الأعلام عند نقل آرائهم وأفكارهم.
وننوه إلى أنّ ما في هذه الطبعة هو الذي يعبر عن آرائنا الأُصولية.
نرجو الله سبحانه أن ينتفع به روّاد العلم وطلاب الحقيقة .
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدسة

8
 

9
 
 
الفصل الخامس(1)

اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده

قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

1. المسألة أُصولية

البحث عن الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدّه الخاص مسألة أُصولية، مثلاً لو ثبت أنّ الأمر بالإزالة يقتضي النهي عن الصلاة تكون الصلاة منهياً عنها، ومن المعلوم أنّ النهي يوجب الفساد بخلاف ما لو لم نقل بالاقتضاء فتكون الصلاة صحيحة.

2. المسألة عقلية أو لفظية

يمكن عقد المسألة عقلية بأن يقال: إنّ البحث في وجود الملازمة بين الإرادتين، وبالتالي بين الأمر والنهي. كما يمكن عقدها لفظية بأن يكون مصب البحث دلالة الأمر بواحدة من الدلالات الثلاث على النهي عن الضد.
ومن هنا يُعلم أنّ عقد المسألة عقلية لا يجتمع مع تفسير الاقتضاء في عنوان

1 . كان الفصل الأوّل حول مادة الأمر، والثاني في صيغة الأمر، والثالث في الإجزاء، والرابع في وجوب المقدّمة، وهذا هو الفصل الخامس من فصول المقصد الأوّل في الأوامر حول اقتضاء الأمر بالشيء، النهي عن الضدّ.

10
البحث بالدلالة اللفظية، إلاّ أن تُعد الدلالة الالتزامية من الدلالات العقلية.

3. تفسير الضد العام والخاص

قد يطلق الضد ويراد به ترك الشيء وهو أمر عدمي ويُسمّى بالضد العام فيقال: هل هناك ملازمة بين الأمر بالصلاة والنهي عن تركها؟
وقد يطلق ويراد به الضد الخاص وهو أمر وجودي مضاد للمأمور به، كالصلاة بالنسبة للإزالة، فيقال: هل الأمر بالإزالة مقتض للنهي عن الصلاة أو لا؟
وكلّما أُطلق الضد يراد به الضد الخاص، إلاّ إذا قامت قرينة على خلافه.
واعلم أنّ محاور هذا الفصل ثلاثة:
الأوّل: حكم الضد العام من حيث كونه منهيّاً عنه أو لا.
الثاني: حكم الضد الخاص كذلك.
الثالث: الثمرات الفقهية للمسألة.
ونقدّم البحث عن الضد العام لكون النهي عن الضد العام من مقدّمات إثبات النهي عن الضد الخاص كما سيأتي، خلافاً لصاحب الكفاية حيث قدّم البحث عن الضدّ الخاص وأخّر دراسة الضد العام، حيث طرحه في الأمر الثالث، ولا يخفى أنّ التقديم أولى لما ذكر.

11
 
المحور الأوّل:

حكم الضد العام

هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضد العام أو لا؟
إنّ القائل بالاقتضاء لا يخلو من القول عن أحد أمرين، إمّا أن يكون بالدلالة العقلية، أو بالدلالة اللفظية; وعلى الثانية إمّا أن يكون الاقتضاء بالدلالة المطابقية، أو التضمنية، أو الالتزامية.
فتكون الصور أربع.
الأُولى: أنّ الدلالة عقلية، وأنّ هناك ملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضده العام، بحيث تظهر في لوح النفس إرادتان تتعلّق إحداهما بايجاد الشيء والأُخرى بالزجر عن تركه.
ومن المعلوم عدمها، إذ ليس في لوح النفس إلاّ إرادة واحدة، فتارة تتجلّى بصورة البعث إلى الشيء، وأُخرى تتجلّى بصورة الزجر عن ترك المأمور به الّذي يكون مساوياً لطلب ترك ترك المأمور به .

الثانية: أنّ الدلالة لفظية، وهي على وجوه ثلاثة

الأوّل: الاقتضاء بالدلالة المطابقية

ويقرّر بما يلي:
إذا أمر المولى بالصلاة في المسجد فضدّه العام هو ترك الصلاة. هذا من جانب.

12
ومن جانب آخر: أنّ مفاد النهي في عامّة الموارد عبارة عن طلب الترك.
ومن جانب ثالث: لو تعلّق النهي بترك الصلاة يكون مفادُه: لا تترك الصلاة، وهو نفس الأمر بالصلاة.
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ افترض أُموراً ثلاثة ولم يُقم البرهان عليها، ونحن نفترض صحّتها، لكن أقصى ما يفيده كلامه هو «أنّ طلب ترك ترك الصلاة» عبارة أُخرى عن الأمر (بالصلاة) أمّا أنّ الأمر بالشيء يتولّد منه ذلك النهي الكذائي فلم يقم عليه البرهان. فلو قلنا: بأنّ الإنسان والبشر مترادفان، فلو تعلّق الأمر بإكرام الإنسان فهل يتعلّق أمرٌ آخر بتكريم البشر، أو أنّ هنا أمراً واحداً يصحّ نسبته إليهما؟
أضف إلى ذلك: أنّه كيف يدلّ قوله: «صلّ» على النهي عن ترك الصلاة، مع أنّ الأمر مركّب من هيئة ومادة، والهيئة تدلّ على البعث إلى الشيء، والمادة تدلّ على الطبيعة، فكيف تدلّ على النهي عن ضد الشيء أي نقيضه؟!

الثاني: الاقتضاء بالدلالة التضمنية

ويقرر بما يلي: أنّ مفاد الأمر بالشيء طلبه مع المنع عن تركه، بحيث يكون المنع عن الترك جزء مفاد الأمر .
يلاحظ عليه: بأنّ الأمر مركّب من الهيئة والمادة، والهيئة تدلّ على البعث والمادة على الطبيعة، فأين الدالّ على المنع من الترك؟!

الثالث: الاقتضاء بالدلالة الالتزامية

إنّ الاقتضاء بالدلالة الالتزامية إمّا أن تكون بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ بأن يكون نفس تصوّر الوجوب كافياً في تصوّر المنع عن الترك.

13
وإمّا أن تكون بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم بأن يكون تصوّر الطرفين والنسبة كافياً في التصديق بالاقتضاء والدلالة.
أمّا الأوّل: فواضح الانتفاء، إذ كيف يمكن ادّعاء الدلالة الالتزامية بهذا النحو مع أنّ الإنسان كثيراً ما يأمر بالشيء وهو غافل عن تركه، فضلاً عن النهي عن تركه.
وأمّا الثاني: فلو افترضنا وجود ذلك النهي بعد تصوّر الأُمور الثلاثة، فهو إمّا لغو، أو غير باعث على النحو الّذي ذكرنا في وجوب المقدّمة، إذ لو كان مطيعاً للواجب فلا حاجة إلى النهي عن الترك، وإن كان عاصياً للواجب فلا يكون النهي عن الترك داعياً وباعثاً. لعدم ترتّب العقاب عليه.
هذا كلّه إذا قلنا بالدلالة اللفظية، وأمّا إذا قلنا بالدلالة العقلية فادّعاء الملازمة بين الإرادتين معناه ظهور إرادتين مستقلتين في لوح النفس; إرادة متعلّقة بفعل الصلاة، وإرادة أُخرى متعلّقة بترك ترك الصلاة. ومن المعلوم وجداناً عدم وجودهما في نفس الآمر.
إلى هنا تبيّن أنّه لا وجه لادّعاء الاستلزام بين الأمر بالشيء والنهي عن ضده (بمعنى نقيضه) بوجه من الوجوه .
فإن قيل: ما فائدة هذا البحث مع أنّه ليس للمطيع إلاّ أجر واحد وليس للعاصي إلاّ عقوبة واحدة؟
قلنا: تظهر الثمرة في المحور الثاني، فإنّ النهي عن الضدّ العام من مقدّمات تعلّق النهي بالضدّ الخاصّ، كما سيأتي.

14
 

المحور الثاني:

حكم الضد الخاص

إذا أمر المولى بالشيء المضيّق وقته كإزالة النجاسة من المسجد فهل يقتضي النهي عن ضدّه الخاص أي الصلاة؟ ونحوه لو أمر بأداء الدين العاجل فهل يلازم النهي عن الصلاة؟ وقد تطرق القوم القائلون بالاقتضاء إلى دراسة المسألة من وجهين:
الأوّل: أنّ ترك الضد مقدّمة لفعل الضد، وهذا ما نسمّيه بمسلك المقدّمية.
الثاني: وجود الملازمة بين الأمر بالأهم والنهي عن المهم، وهذا ما نسمّيه بمسلك الملازمة.

المسلك الأوّل: مسلك المقدّمية

يبتني المسلك الأوّل على مقدّمات أربع:
1. إنّ ترك الضد مقدّمة لفعل الضد الأهم.
2. مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.
3. إنّ الأمر المقدّمي بالشيء (أي الأمر بترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضده العام ـ لما مرّ في المحور الأوّل ـ والمراد نقيضه، وترك الصلاة نقيضه فعل الصلاة .
4. إنّ النهي عن العبادة يوجب الفساد، فلزم بطلان الصلاة.

15
لكنّ عامّة المقدّمات غير ثابتة والبرهان عقيم، وإليك دراسة الأُمور بعامّتها.
استدلّ القائل على أنّ ترك الضد مقدّمة لفعل الضد بأنّ الصلاة مانعة عن الإزالة وعدم المانع من أجزاء العلّة وجزء العلّة ككلّ أجزائها مقدّمة محكومة بالوجوب.
ثم إنّ القوم ناقشوا في خصوص المورد وقالوا بأنّ ترك الضد ليس مقدّمة، بعد تسليم الكبرى، وهو أنّ عدم المانع من أجزاء العلّة ويصلح لأن يكون مقدّمة، غير أنّ المورد ليس من صغريات هذه الكبرى.

المقدّمة الأُولى: ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ الأهم، ومناقشتها

ولكن الأولى المناقشة في الكبرى، وهو أنّ عدم المانع مطلقاً ـ سواء أكان من قبيل هذا المورد، أو مورد آخر كعدم الرطوبة الّذي يُعدّ مقدّمة لإحراق النار القطن المحاذي لها ـ لا يصلح للمقدّمية، وذلك بالبيان التالي:
إنّ الأصل في الخارج هو الوجود، والعدم ليس له أيّ أصالة فيه وإنّما هو مفهوم ذهني يصنعه الذهن بتعمّل، مثلاً أنّ الإنسان إذا دخل القاعة أملاً برؤية زيد ولم يره فيها، فهو في الواقع لم ير شيئاً ولم يجد فيها شيئاً لا أنّه يرى عدمه فيها، لكن الذهن بالتعمّل يصنع من هذا مفهوماً ذهنياً باسم العدم مع خلو صفحة الوجود عنه.
وعلى ضوء ذلك فلا معنى لجعل عدم المانع من أجزاء العلّة، إذ ليس له شأن التأثير أو التأثر ولا الموقوف ولا الموقوف عليه.
نعم لمّا كان وجود المانع مزاحماً لوجود الممنوع عُبِّر عن هذا التزاحم بأنّ عدم المانع شرط لوجود الممنوع، وكم فرق بين القول بأنّ المانع مزاحم، والقول بأنّ عدمه شرط.
وبعبارة أُخرى: أنّ رطوبة الحطب أو القطن مانعة من تأثير المقتضي ـ أي

16
النار ـ فيهما لا أنّ عدم الرطوبة شرط. فالأحكام كلّها للوجودات (الرطوبة مانعة) وينسب إلى الإعدام (عدم الرطوبة شرط) بالعرض والمجاز، وإلى ذلك يشير المحقّق السبزواري في منظومته وشرحه لها ما هذا لفظه:
لا ميـز فـي الاعـدام من حيـث العـدم *** وهو لها إذاً بوهم يرتسم
كذاك في الاعدام لا علية *** وإن بها فاهوا فتقريبية
فلو قالوا: عدم العلّة علّة لعدم المعلول، فهو على سبيل التقريب، فإنّ الحكم بالعلّية عليه، بتشابه الملكات، فإذا قيل: عدم الغيم علّة لعدم المطر، فهو باعتبار أنّ الغيم علّة للمطر، فبالحقيقة قيل: لم تتحقّق العلّية الّتي كانت بين الوجودين، وهذا كما تجري أحكام الموجبات على السوالب في القضايا، فيقال: حملية موجبة، وحملية سالبة، مع أنّ الثانية سلب الحمل، لا حمل السلب. (1)
وعلى ضوء هذا يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الاصفهاني حيث رأى أنّ لإعدام الملكات واقعية لكونها أمراً منتزعاً من الخارج فقال:
الاستعدادات والقابليات وأعدام الملكات كلّها، لا مطابَق لها في الخارج، بل شؤون وحيثيات انتزاعية لأُمور موجودة، فعدم البياض في الموضوع ـ الّذي هو من أعدام الملكات كقابلية الموضوع ـ من الحيثيات الانتزاعية منه «فكون الموضوع بحيث لا بياض له» هو بحيث يكون قابلاً لعروض السواد فمتمّم القابلية كنفس القابلية حيثية انتزاعية.(2)
وجه الضعف: أنّ ما ذكره في الاستعداد والقابلية وحتّى الإضافة صحيح فإنّ القابلية في النواة والنطفة أمر تكويني موجود فيها دون الحجر، وهكذا الإضافة كالأُبوّة والبنوّة، فإنّهما تنتزعان من حيثية وجودية من تخلّق الابن من ماء الأب،

1 . شرح المنظومة، قسم الحكمة: 47، نشر دار العلم.
2 . نهاية الدراية: 1 / 220 .

17
فلكلّ، واقعية بواقعية مبدأ انتزاعهما، وأمّا الاعدام فليس لها واقعية سوى واقعية ملكاتها، فالواقعية في عدم البياض هي لنفس البياض لا لعدمه، وفي عدم البصر لنفس البصر لا للعدم.
وما أفاده من أنّ متمّم القابلية كنفس القابلية مشيراً إلى أنّ «عدم المانع» متمّم للقابلية ضعيف جداً، فإنّ قابلية الجسم لقبول البياض لها واقعية لا نقص فيها، وأمّا عدم قبوله له مع وجود السواد، فليس لأجل نقص في القابلية، بل لوجود التزاحم بين الوجودين، فعُبِّر عن التمانع بأنّ عدم المانع شرط.
وعلى ما ذكرنا فالأولى رفض الكبرى على وجه الإطلاق لا قبولها والمناقشة في الصغرى.
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيد العلاّمة الطباطبائي (قدس سره)حيث قال: ربما يضاف العدم إلى الوجود، فيحصل له حظ من الوجود، ويتبعه نوع من التمايز، كعدم البصر الّذي هو العمى المتميز عن عدم السمع الّذي هو الصمم، وكعدم زيد وعدم عمر المتميز أحدهما عن الآخر.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ التميّز الذهني، غير كون العدم ذا حظ من الوجود في الخارج، فكلّ ما ذكره صحيح في الذهن لا في الخارج، والكلام إنّما هو في الثاني دون الأوّل، والتميز نوع ارتباط ذهني بين الأمرين الوجوديين فإنّ العدم في عدم البصر، عند التصوّر عدم بالحمل الأوّلي، لكنّه موجود في الذهن بالحمل الشايع الصناعي .

مناقشة المحقّق الخراساني

هذا ما عندنا، لكن القوم ناقشوا في خصوص المورد، وقد ناقشها المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:

1 . نهاية الحكمة: 19 .

18

الأوّل: المعاندة بين الوجودين غير المانعية

إنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين لا تقتضي إلاّ عدم اجتماعهما في التحقّق، وحيث لا منافاة أصلاً بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر وبديله، بل بينهما كمال الملائمة، كان أحد العينين مع نقيض الآخر في مرتبة واحدة دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر .(1)
توضيح ذلك: أنّ المانع يستعمل في موردين :
1. ما يكون الشيء بوجوده مانعاً عن تأثير المقتضي كالرطوبة حيث إنّها تمنع من تأثير النار في القطن، وهذا هو الّذي يُعدّ من أجزاء العلّة ويوصف بالتقدّم على الشيء تقدّم أجزاء العلّة على المعلول.
2. ما يكون الشيء بوجوده معانداً للشيء الآخر، ويزاحمه في وجوده، وهذا هو المقصود في المقام، فإنّ الصلاة غير مؤثرة في المقتضي بل هي بوجودها تعاند الإزالة، لأنّ قدرة الإنسان محدودة لا تتمكّن من إيجاد فعلين في عرض واحد، فعدم المانع لهذا المعنى ليس جزء العلّة.
والإشكال نشأ من استعمال لفظ المانع في موردين.
وما ذكرنا من التوضيح هو الّذي أشار إليه المحقّق الخراساني فيما بعد وقال: والمانع الّذي يكون موقوفاً عليه الوجود هوما كان ينافي ويزاحم المقتضي في تأثيره لا ما يعاند الشيء ويزاحمه في وجوده. (2)
إلى هنا تمت المناقشة الأُولى.

الثاني: قياس الضدين بالنقيضين

لا شك أنّ البياض نقيض اللاّبياض وبالعكس ولم يقل أحد بأنّ وجود

1 . كفاية الأُصول: 1 / 207 .   2 . كفاية الأُصول: 1 / 207 .

19
البياض متوقّف على رفع اللاّبياض، فإذا كان الحال في النقيضين كذلك فليكن كذلك في الضدّين.
فلا يكون ترك السواد مقدّمة لتحقّق البياض، أو ترك الصلاة مقدّمة للإزالة.
وإلى هذه المناقشة أشار المحقّق الخراساني بقوله: فكما أنّ قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر، كذلك في المتضادين.(1)

الثالث: استلزام الدور

لو توقّفت الإزالة على ترك الصلاة لزم توقّف ترك الصلاة على وجود الإزالة، والملاك في الطرفين واحد وهو أنّ كلّ واحد مانع عن الآخر، وإلى هذا الإشكال أشار المحقّق الخراساني وقال: كيف ولو اقتضى التضاد توقّف وجود الشيء على عدم ضدّه توقّف الشيء على عدم مانعه لاقتضى توقّف عدم الضد على وجود الشيء توقّف عدم الشيء على مانعه بداهة ثبوت المانعية في الطرفين وكون المطاردة من الجانبين وهو دور واضح .(2)
ثم إنّ المحقّق الخوانساري أجاب عن هذا الدور بأنّ الدور عبارة عن توقّف كلّ من الطرفين فعلاً على الآخر، وأمّا إذا كان التوقّف من أحد الجانبين فعلياً ومن الجانب الآخر شأنياً فلا يلزم الدور لاختلاف الموقوف والموقوف عليه، للزوم وحدة الموقوف عليه وجوداً وصفة في كلا الطرفين.
وأمّا تطبيقه على المورد فإنّ توقّف الإزالة على ترك الصلاة فعلي لوضوح أن توقّف وجود المعلول على جميع أجزاء علّته ومنها عدم المانع، لأنّ للجميع دخلاً

1 . كفاية الأُصول: 1 / 207 .
2 . كفاية الأُصول: 1 / 207 .

20
فعلاً في تحقّقه ووجوده في الخارج.
وأمّا كون التوقّف في جانب ترك الضد وعدمه شأني، فلأنّ عدمه يستند إلى عدم المقتضي للوجود (الإرادة) لا إلى وجود المانع، نعم بعد تحقّق المقتضي مع الشرائط يكون توقّفه عليه فعلياً.
ثم إنّ المحقّق الخوانساري ذكر في ذيل جوابه إشكالاً وجواباً أتى به المحقّق الخراساني بصورة (إن قُلتَ، قُلت:) ونحن لا نتعرض إلى هذا الإشكال والجواب، وإنّما نركّز على نقد ما أفاده المحقّق الخوانساري، وحاصله:
 
نقد كلام المحقّق الخوانساري
إنّ ملاك بطلان الدور هو استلزامه تقدّم الشيء على نفسه، فكلّ شيء استلزم ذلك فهو محال، سواء أكان دوراً أم غيره. وما أفاده المحقّق الخوانساري وإن ارتفع به الدور لاختلاف الطرفين في الفعلية والشأنية ولكن مفسدة الدور بعدُ موجودة; وذلك لأنّ مقتضى توقّف الإزالة على ترك الصلاة فعلاً، يلزم كون ترك الصلاة متقدّماً رتبة على الإزالة.
ولازم كون ترك الصلاة متوقّفاً على الإزالة ولو شأناً كونه متأخّراً عن الإزالة. فيلزم كون شيء واحد متقدّماً ومتأخّراً.
إلى هنا تمّ الكلام في بيان المقدّمة الأُولى، وإليك الكلام في المقدّمات الثلاث الباقية.
المقدّمة الثانية: أنّ مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً .
يلاحظ عليها بما مرّ مفصّلاً من عدم وجوب مقدّمة الواجب .
المقدّمة الثالثة: أنّ الأمر بالشيء (ترك الصلاة) بحكم المقدّمية يستلزم النهي عن ضده العام أي الصلاة، فتكون الصلاة منهياً عنها ويترتّب على هذه المقدّمات

21
فساد الصلاة، لما تقرّر في محله أنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد.
يلاحظ عليه: بما مرّ من عدم اقتضاء الأمر بالشيء، النهي عن ضده العام الّذي هو النقيض. فالبرهان بأجزائه الثلاثة غير صحيح .
المقدّمة الرابعة: أنّ النهي عن العبادة يستلزم الفساد.
أقول: سيأتي الكلام فيها، في باب النواهي، فانتظر.
إكمال
قد عرفت أنّ عدم الضد ليس مقدّمة لفعل الضد الآخر، وأنّ العدم أنزل من أن يكون موقوفاً أو موقوفاً عليه، لكن المحقّق الخوانساري ذهب إلى التفصيل بين الضد الموجود والضدّ المعدوم، فذهب إلى توقّف الضد على ارتفاع الضد الموجود، لوضوح أنّه إذا كان المحل أسود توقّف عروض البياض على ارتفاع السواد، دونما إذا لم يكن أسود .
وأيّده المحقّق النائيني بقوله: إنّ المحل إذا كان مشغولاً بأحد الضدين، فلا يكون قابلاً لعروض الضدّ الآخر إلاّ بعد انعدامه، ويكون وجوده موقوفاً على عدم الضد الموجود، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن شيء منهما موجوداً وكان المحل خالياً عن كلّ منهما، فإنّ قابليته لعروض كلّ منهما فعلية فإذا وجد المقتضي لأحدهما، فلا محالة يكون موجوداً من دون أن يكون لعدم الآخر دخل في وجوده .(1)
يلاحظ على أصل الاستدلال بأنّ عروض البياض على الجسم الأسود وإن كان رهن ارتفاع السواد فيه، لكن ليس هذا بمعنى كون عدم الضد مقدّمة لوجود الضد الآخر، بل لأجل وجود التمانع والتعاند، فإنّ الضدين لا يجتمعان، فلو كان الجسم أسود يستحيل عروض البياض عليه ما دام كونه أسود، وذلك لأجل التضاد

1 . أجود التقريرات: 1 / 259 .

22
بين العينين (السواد والبياض)، فإذا ارتفع السواد يعرض البياض لا بملاك كون عدم السواد مقدّمة، بل لأجل ارتفاع التضاد والتمانع .
ويرد على ما أيّد به المحقّق النائيني، بأنّ القابلية تامّة في الجسم لعامّة الحالات، سواء أكان مشغولاً بأحد اللونين أم لا، وأمّا كون عروض البياض مشروطاً بعدم السواد فهو وإن كان صحيحاً لكنّه لا لأجل تتميم القابلية، بل لأجل وجود التضاد بين العارضين.

شبهة الكعبي في نفي المباح

اشتهر القول بنفي المباح (عن عبدالله بن أحمد المعروف بالكعبي أحد علماء المعتزلة) باسم شبهة الكعبي، وقد بحث فيها الأُصوليون منهم صاحب المعالم في مبحث الضد، وحاصل دليله: أنّه إذا كان الكذب حراماً وجب تركه، بناءً على أنّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بضده العام، فإذا قال: لا تكذب، فهو أمر بترك الضد (ترك الكذب)، ومعلوم أنّ ترك الضد يتوقّف على فعل من الأفعال الاختيارية الوجودية، لاستحالة خلو المكلّف عن فعل من الأفعال الاختيارية، وحينئذ يصبح كلّ فعل اختياري مقدّمة للترك الواجب، فينتفي المباح.
يلاحظ عليه: بعد تسليم الأمر الأوّل ـ وهو أنّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بضده العام ـ أعني: ترك الكذب، لكن لا نسلّم أنّ ترك الكذب متوقّف على فعل مباح; وذلك لأنّ ترك الحرام تارة يكون مستنداً إلى فقدان المقتضي الّذي يعبّر عنه بالصارف، فالإنسان المؤمن لا يكذب لا لكونه مشغولاً بالأكلّ والشرب، بل لكونه خائفاً من عقابه سبحانه، فادّعاء انتفاء المباح بحجة أنّه مقدّمة لترك الحرام ليس أمراً كليّاً; وأُخرى يكون ترك الحرام مستنداً إلى وجود المقتضي لشيء آخر كالأكلّ والشرب، وبالتالي يُترك الحرام من دون أن يكون المباح مقدّمة.

23

المسلك الثاني: مسلك الملازمة

قد عرفت أنّ القائل بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص قد استدلّ بوجهين:
أحدهما: مسلك المقدّمية، وقد مضى.
والثاني: مسلك الملازمة، وهو أنّ ترك الإزالة المحرّم ملازم لفعل الصلاة، والمتلازمان متكافئان في الحكم، فلو كان ترك الإزالة حراماً تكون الصلاة مثله .
أمّا الصغرى ـ أعني: حرمة ترك الإزالة ـ فلما مرّ من أنّ الأمر بالشيء مقتض للنهي عن ضده العام، ويكون معنى قوله: أزل النجاسة، أي لا تترك الإزالة. فإذاً يصبح ترك الإزالة حراماً، وهو ملازم مع فعل الضد.
وأمّا الكبرى ـ أعني: وحدة حكم المتلازمين ـ وهو أنّ الصلاة لو لم تكن محرمة تكون جائزة الفعل لعدم خلو واقعة عن حكم، وعندئذ إن بقي الآخر على حرمته لزم التكليف بالمحال، وإلاّ خرج الحرام المطلق عن كونه حراماً مطلقاً.
ويلاحظ على الصغرى بما عرفت من أنّ الأمر بالشيء لايقتضي النهي عن ضده العام، لما عرفت من أنّ المكلّف إما أن يكون متهيّئاً لامتثال الأمر فيكون النهي عن تركه لغواً لا حاجة إليه، أو لا يكون فعندئذ لا يكون النهي عن الضد مؤثراً في دعوة المكلّف إلى امتثال الأمر بالواجب الامتثال.
ويلاحظ على الكبرى بما مرّ منا في نقض دليل أبي الحسين البصري عند بيان مقدّمة الواجب، وهو: أنّ الصلاة وإن لم تكن محرمة بل جائزة، لكن الّذي يوجب التكليف بالمحال هو كون الصلاة واجبة فعلاً وترك الإزالة حراماً، وأمّا إذا كان أحدهما جائزاً والآخر واجباً فلا يلزم التكليف بالمحال لاستقلال العقل بوجوب ترك الحرام وإن كان ملازمه جائزاً.

24
 

المحور الثالث:

في الثمرة الفقهية

إنّ ثمرة البحث هو تعلّق النهي بالعبادة الموسّعة عند الأمر بالواجب المضيّق، وهذا هو الّذي نهدف إليه بقولنا: الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاص، فتكون النتيجة في هذه المسألة صغرى لمسألة أُخرى تأتي في مبحث النواهي وهو أنّ النهي عن العبادة موجب للفساد، ولا يشترط أن تكون المسألة بنفسها واقعة في طريق الاستنباط، بل يكفي وقوعه في طريق الاستنباط ولو بمعونة مسألة أُخرى.
ثم إنّ القوم أشكلوا على هذه الثمرة بوجهين:
الأوّل: أنّ هذا النهي نهي غيري لا يكشف عن مبغوضية العبادة، لأنّ النهي عنه لأجل كونه وسيلة للحرام، ولولاها لما كان حراماً بل ربما يكون محبوباً، وعندئذ يكون دليلاً على بطلانها، من غير فرق بين كون النهي مستفاداً من مسلك المقدّمية أو مسلك الملازمة، فالنهي الكاشف عن البطلان عبارة عن النهي النفسي بمعنى كون الشيء مبغوضاً في ذاته كالصوم في العيدين والصلاة في أيام العادة.
الثاني: ما ذكره بهاء الدين العاملي من أنّ بطلان الصلاة لا يتوقّف على تعلّق النهي بها، بل يكفي سقوط الأمر بها بعد الأمر بالإزالة، وهو أمر متّفق عليه، فكون الصلاة غير مأمور بها يكفي في فسادها.

25
ثم إنّ القوم حاولوا تصحيح الصلاة ـ مع عدم الأمر بها ـ بوجوه ثلاثة:
الأوّل: كفاية وجود الملاك في صحّة العبادة ولا يلزم قصد الأمر. وهذا ما أجاب به المحقّق الخراساني.
الثاني: كفاية قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة وإن كان الفرد المزاحمُ فاقداً للأمر. وهو المستفاد من كلمات المحقّق الثاني.
الثالث: تصحيح الأمر بالصلاة عن طريق الترتّب.
وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.

الأوّل: كفاية وجود الملاك في صحّة العبادة

المعروف عند الفقهاء أنّ صحّة العبادة فرع وجود الأمر وقصده، غير أنّ المحقّق الخراساني أبدع رأياً خاصّاً وهو أنّ صحّة العبادة رهن أحد الأمرين:
أ. تعلّق الأمر بها وقصده في مقام الامتثال.
ب. وجود الملاك والرجحان الذاتي في العبادة وإتيانها بهذا القصد .
وقد رتّب على ذلك أنّ الفرد المهم وإن سقط أمره لكن الملاك بعد باق، إذ غاية ما أوجبه الابتلاء سقوط أمره لا زوال ملاكه ورجحانه .
قال الخراساني (قدس سره): إنّ المزاحمة على هذا لا يوجب إلاّ ارتفاع الأمر المتعلّق به فعلاً مع بقائه على ما هو عليه من ملاكه من المصلحة كما هو مذهب العدلية، أو غيرها أي شيء كان كما هو مذهب الأشاعرة، وعدم حدوث ما يوجب مبغوضيته وخروجه عن قابلية التقرّب به .(1)
فإن قلت: العلم باشتمال الفعل على الملاك فرع تعلّق الأمر والمفروض

1 . كفاية الأُصول: 1 / 212 .

26
سقوطه فمن أين عُلم أنّ الفعل مشتمل على الملاك ؟
قلت: ما ذكر صحيح في المتعارضين لا المتزاحمين، فإنّ العلم بالملاك موجود في كليهما غاية الأمر صار التزاحم سبباً لتقديم أحدهما على الآخر لا سلب ملاكه ورجحانه الذاتي.

الثاني: ما يستنبط من كلام المحقّق الكركي

إذا بنينا على عدم تعلّق النهي بالضد كما هو مفروض الإشكال فغايته أنّه يوجب سقوط الأمر بالطبيعة المتحقّقة في الفرد المزاحم لا سقوط الأمر عن الطبيعة بوجودها السعيّ، بل الأمر بها باق لعدم اختصاص تحقّق الطبيعة بالفرد المزاحم .
وعلى ضوء هذا فنقول: إنّ الفرد المزاحم وإن لم يكن من مصاديق الطبيعة المأمور بها ولكنّه من مصاديق مطلق الطبيعة، وملاك الامتثال إنّما هو انطباق عنوان الطبيعة على الفرد الخارجي لا كون الفرد الخارجي بشخصه مأموراً به فهو مصداق الطبيعة وإن لم يكن مصداق الطبيعة المأمور بها.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الأمر المتعلّق بالطبيعة يتصوّر على ثلاثة أقسام:
1. أن يكون وجوب الصلاة إنشائياً ما دام لم يمتثل الأهم .
2. أن يكون وجوبها فعلياً والواجب استقباليّاً، والمراد من الاستقبالي تعيّن الإتيان بالمهم بعد الإتيان بالأهم.
3. أن يكون الوجوب والواجب فعليين.
أمّا الأوّل: فلا يمكن التقرّب به لعدم خروجه عن حدّ الإنشاء ولم يصل إلى

1 . لاحظ جامع المقاصد: 5 / 12. وأوضحه المحقّق الخراساني في الكفاية بعد الفراغ عن مسألة الترتّب. لاحظ : الكفاية: 1 / 219 .

27
حدّ الفعلية الّتي هي مرحلة تعلّق الإرادة الجدّية .
أمّا الثاني: فالمفروض أنّه بصدد إتيان المهم في زمن امتثال الأهم، ومن جانب أنّ الأمر بالطبيعة مقيّد بالزمان المتأخّر عن امتثال الأهم وهو بعدُ لم يأت به. فينتج أنّه ليس هنا أمر بالطبيعة حتى يقصده .
أمّا الثالث: فهو يستلزم أن يكون كلّ من الوجوب والواجب فعليّين، وهو يستلزم الأمر بالضدين لافتراض أنّ الأمر بالإزالة كالأمر بالصلاة فعلي.
ثم إنّ جمعاً من المتأخّرين حاولوا تصحيح الأمر بالضد (الصلاة) على وجه الترتّب وبذلك أثبتوا صحّة الصلاة ردّاً على شيخنا بهاء الدين العاملي القائل بفساد الصلاة لأجل عدم تعلّق الأمر بها، كما أجابوا بذلك عن الإشكال المتوجّه إلى المحقّق الثاني من أنّ تعلّق الأمرين الفعليين بالإزالة، والصلاة يستلزم طلب ضدّين.
وبالجملة فرضية الترتّب لو صحّت، تُنتَجْ أمرين:
1. صحّة الصلاة.
2. عدم استلزام تعلّق الأمر الفعلي بالصلاة، الأمرَ بالضدين.

الثالث: الأمر بالمهمّ على وجه الترتّب

إنّ الترتّب من المسائل الشائكة الّتي تضاربت فيها الأقوال بين ادّعاء الاستحالة وادّعاء الإمكان، فلإيضاح الموضوع يجب تقديم أُمور ، وهي:

الأوّل: التفريق بين التعارض والتزاحم

إنّ مورد الترتّب من مصاديق التزاحم لا من موارد التعارض فلابد من توضيح المراد منهما في المقام، فنقول:

28
التعارض والتزاحم يجمعهما وجود التنافي بين الدليلين ويختلفان في مصبِّه.
أمّا التعارض فمصب التنافي فيه هو مقام الجعل والإنشاء، ولذلك عُرّف التعارض بأنّه عبارة عن تنافي مدلولي الدليلين في مقام الجعل والإنشاء، سواء لم يوجد تناف في مقام الامتثال، كما إذا ورد: يجب الدعاء عند رؤية الهلال وورد يستحب الدعاء عند رؤية الهلال; أم وجد التنافي كما إذا ورد دليل على حرمة شيء وورد دليل آخر على وجوبه.
وبعبارة أُخرى: إذا كان هناك تكاذب بين مدلولي الدليلين في مقام الإنشاء فصار كلّ يكذب الآخر على نحو يستحيل تعلّق الإرادة الجدية من المقنّن الحكيم بهما، يَكون المورد من التعارض.
وأمّا التزاحم فهو عبارة عن وجود التنافي بين الحكمين في مقام الامتثال مع كمال الملائمة في مقام الجعل والتشريع غير أنّ عجز المكلّف وقصور قدرته سبَّب التنافي بين الحكمين في مقام الامتثال على وجه لو كان للمكلّف قدرة غيبية لامتثال كلا الحكمين لما كان هناك تناف أصلاً لا في مقام الجعل ولا في مقام الامتثال.
مثلاً إذا أنشأ المولى وجوب تطهير المسجد فوراً كما أنشأ وجوب الصلاة عند الزوال، نرى أنّ الإنشائين في كمال الملائمة لاختلاف الموضوع والمحمول في القضيتين وإنّما يحدث التنافي إذا ابتلى المكلّف بهما في أوّل الزوال ودلّ الدليل على كون الأوّل مضيقاً والثاني موسعاً، فعند ذلك يجب رفع اليد عن أحد الأمرين أو إطلاقه، فالقائل ببطلان الترتّب يرفع اليد عن أصل الأمر، والقائل بصحّته يرفع اليد عن إطلاقه.
ثم إنّ للمحقّق الخراساني تفسيراً آخر للتزاحم سنتناول بيانه في مبحث اجتماع الأمر والنهي.

29

الثاني: مرجّحات التعارض والتزاحم

إذا كان التعارض راجعاً إلى وجود التنافي في مقام الجعل والإنشاء فالمرجّحات الّتي تُرجّح صدق أحد الجعلين على الآخر تكون سماعيّة متوقّفة على ورودها في الشرع، وذلك لأنّه لا سبيل للعقل للتعرف على أقربية أحد الجعلين على الآخر. وسيوافيك بيان مرجّحات التعارض في المقصد الثامن .
وأمّا مرجّحات باب التزاحم فبما أنّ التنافي خارج عن مصب التشريع ولا صلة له بالشارع، بل يرجع إلى قصور قدرة المكلّف في مقام الامتثال فللعقل سبيل إلى تقديم أحد الأمرين على الآخر إمّا ترجيحاً بالذات أو ترجيحاً بالعرض، وإليك بيان الترجيحات:
1. تقديم الأهم بالذات على المهم، كترجيح إنقاذ المسلم على الكافر والذمّي. وهذا هو الترجيح بالذات.
2. تقديم المضيّق على الموسّع وإن كان الموسّع أهم كتقديم تطهير المسجد على الصلاة فيه مع كون الثاني أهم، ولكن ضيق وقت الأوّل وسعة وقت الثاني سبّب تقدّمه على الآخر.
3. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل كما إذا كان عنده ماء يكفيه أحد الأمرين: تطهير الثوب للصلاة أو استعماله في الوضوء، فيقدم الأوّل، إذ ليس له بدل بخلاف الثاني فإنّ للوضوء بدلاً وهو التيمم.
4. تقديم ما هو السابق من الحكمين امتثالاً على المتأخّر كذلك، كما إذا دار أمره بين إقامة الصلاة قائماً والركوع والسجود مومياً، أو صرف القدرة في الركوع والسجود اختياراً وإقامة الصلاة جالساً، فيجب تقديم الأوّل، لأنّ امتثال الأمر بالقيام متقدّم زماناً على امتثال الأمر بالركوع والسجود اختياراً. إذ بصرف القدرة في الأوّل يصبح معذوراً عن الثاني دون العكس.

30
5. تقديم الواجب المطلق على المشروط، كما إذا كان عنده مال ودار أمره بين صرفه في الإنفاق الواجب كالإنفاق على الأولاد والوالدين ومن تحت تكفّله وبين صرفه في الحج، فيقدّم الأوّل على الثاني.

الثالث: في تعريف الترتّب

إنّ الترتّب عبارة عن تعلّق أمر فعلي بواجب أهم على وجه الإطلاق بلا تقييد بشيء وتعلّق أمرفعلي آخر بضدّه المهم مشروطاً بعصيان ذلك الأمر المتعلّق بالأهم على نحو الشرط المتأخّر أو بالعزم على عصيانه، وتظهر حقيقة الترتّب في المثالين التاليين:
أ. إذا كان الواجبان مضيّقين، كما إذا قال المولى: انقذ ولدي فإن عصيت فأنقذ الأجنبي.
ب. إذا كان أحد الواجبين مضيّقاً والآخر موسّعاً، كما إذا قال: أزل النجاسة فإن عصيت فصلِّ.
فعلى كلا التقديرين يكون أحد الأمرين مطلقاً والآخر مشروطاً بالعصيان.

الرابع: صحّة الترتّب وعدمها بحث عقلي

البحث عن صحّة الترتّب وعدمها بحث عقلي لا دخالة للّفظ فيه وذكره في أبواب مباحث الألفاظ كذكر أحكام الملازمات في باب الأوامر مع أنّ البحث فيها عن الملازمة العقلية.

الخامس: إمكان الترتّب دليل على وقوعه

إنّ مسألة الترتّب من المسائل الّتي يكفي في إثبات وقوعها إمكانُها، خلافاً للأُمور التكوينية فإنّ إمكان الشيء لا يكفي في وقوعه «كالعنقاء». وذلك لأنّ شيخنا بهاء الدين العاملي قال: «بأنّ الأمر بالشيء يكفي في سقوط الأمر بضدِّه، إذ

31
لولاه لزم طلب الضدين»، فرفع الغائلة عنده رهن سقوط الأمر من أساسه.
ولكن القائل بالترتّب يقول بأنّ رفع الغائلة لا يتوقّف على سقوط الأمر من رأسه بل يكفي فيه تقييد إطلاقه بالعصيان، فإذا دار الأمر بين سقوط الأمر أو تقييد إطلاقه، فالثاني هو المقدّم، لأنّ المحظورات تتقدّر بقدرها، فمع إمكان حفظ الأمر وتقييد إطلاقه لا تصل النوبة إلى سقوط الأمر بتاتاً.

السادس: أنّ سقوط الأمر رهن أحد أُمور:

1. الامتثال .
2. ارتفاع الموضوع، كما إذا جاء السيل وأخذ الجنازة قبل التغسيل والتكفين.
3. العصيان، كما لو ترك الصلاة حتّى مضى الوقت فالأمر يسقط لكن لا بمعنى سقوط المؤاخذة، بل سقوط فعل الصلاة أداءً. وأمّا القضاء فهو رهن أمر جديد وربما لا يوجد.

السابع: أقسام شرط الأمر بالمهمّ

إنّ شرط الأمر بالمهم أحد أمرين: إمّا العصيان وإمّا نيّته، وكلّ على أقسام ثلاثة، متقدّم على الأمر بالمهم، ومقارن له، ومتأخّر عنه. فصارت الأقسام ستة. وقد ذكر المحقّق الخراساني من العصيان قسماً واحداً ومن عزمه قسمين، المتقدّم والمقارن. فيقع الكلام في وجه التبعيض.

حكم العصيان الخارجي المتقدّم

إنّ وجه التبعيض يَكْمُن في انطباق تعريف الترتّب على بعضه دون بعض، فإنّه عبارة عن توجّه أمرين فعليين لمكلّف واحد في وقت واحد وله قدرة واحدة ـ لا يتمكّن من صرفها فيهما ـ أحدهما مطلق والآخر مشروط، وإليك البيان.
إذا كان الشرط لفعلية الأمر بالمهم هو عصيان الأمر بالأهم عصياناً متقدّماً كما

32
إذا كان الأمر بالأهمّ فورياً آنياً، كالغرق والحرق ولا يدوم إلى آخر وقت الامتثال بالمهم، فلا شكّ أن الأمر بالأهم يسقط ويكون الوقت مختصّاً بامتثال المهم إلى آخره، ومثل هذا خارج عن الترتّب إذ لا يجتمع الأمران في زمان واحد، بخلاف ما إذا كان امتثال الأهم تدريجياً مثل المهم، كإزالة النجاسة عن المسجد فيكون الشرط هو عصيانه في جميع أزمنة امتثال المهم، وهذا لا يتحقق إلاّ إذا كان الشرط لفعلية الأمر بالمهم، هو العصيان المتأخّر، وهو تصور المولى أن العبد ربّما يعصي الأمر بالأهم إلى آخر الوقت، ولكنّه بعد لم يعص لبقاء الوقت، فعند ذلك يأمر بأمرين أحدهما مطلق والآخر مشروط .
وهذا هو الذي يجب أن يقع مورداً للنزاع حيث إنّ الأمرين فعليان غاية الأمر يقع البحث في أنّ نتيجة ذينك الفعلين هل هي الأمر بالجمع بين الضدّين أو لا؟
فتلخّص من ذلك أنّ شرطية العصيان بالنحو المتقدّم يخرج المورد عن الترتّب، وبنحو الشرط المتأخّر يدخله في تعريفه.
ثم إنّ هنا سؤالاً وهو: كيف يكون العصيان شرطاً لفعلية الأمر بالمهم، ولا يكون سبباً لسقوط الأمر بالأهم؟
والجواب: أنّ العصيان المسقط للأمر بالأهم هو العصيان المتقدّم على فعلية الأمر بالمهم بالمعنى الذي عرفت، والمفروض أنّه ليس بشرط، وأمّا ما هو الشرط لفعلية الأمر بالمهم فهو فرض الموتى عصيان العبد في مجموع الوقت وانّه لا يصرف القدرة في تطهير المسجد، والمفروض أنّ الشرط بهذا المعنى موجود في ذهن المولى، موجب لفعلية الأمر بالمهم لكنه غير مسقط للأمر بالاهم وبذلك ظهر أنّه لا بأس بكون العصيان المأخوذ في الأمر بالمهم غير مسقط للأمر بالأهم وفي الوقت نفسه كافياً في فعلية الأمر بالمهم.

حكم العصيان الخارجي المقارن

وبما ذكرنا يُعلم حكم العصيان الخارجي المقارن، إذ أنّه يوجب سقوط الأمر بالأهم لتحقق العصيان على نحو لا يتمكن المكلّف من امتثاله في طول الوقت

33
الذي يسع لامتثال الأمر بالمهم فعند ذلك يخرج المورد عن الترتّب، ولذلك خصّ صاحب الكفاية شرطية العصيان الخارجي بالمتأخّر الذي يسع الوقت لامتثال كلا الأمرين دون أن ينتهي الأمر إلى امتثال أمر واحد وهو المهم.

حكم نيّة العصيان

قد عرفت حكم العصيان الواقعي وأنّ شرطيته تختص بما إذا أُخذ متأخّراً، وأمانيّة عصيان الأمر بالمهم، فقد فرّق المحقّق الخراساني بين المتقدّم والمقارن وبين المتأخّر، فجعل الأولين صالحين لأخذهما شرطاً للأمر بالمهم دون نيّة عصيان الأمر بالأهم متأخرة، ولم يظهر لي ما هو وجه الفرق، فإن نيّة العصيان سواء أُخذت متقدّمة أو مقارنة أو متأخرة، لا تسبب سقوط الأمر بالأهم، حتّى يخرج المورد عن دائرة الترتّب، ولعلّه كان عنده وجه خفي علينا.
إذا عرفت ذلك فأعلم أنّ القائل بإمكان الترتّب قرّره بالوجه التالي:

التقريب الأوّل للترتّب

لا مانع عقلاً من تعلّق الأمر بالضدين على النحو المذكور، أي بأن يكون الأمر بالأهم مطلقاً والأمر بغيره معلّقاً على عصيان ذلك الأمر (على نحو الشرط المتأخّر) أو البناء والعزم عليه، بل هو واقع كثيراً عرفاً .(1)
وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ ملاك الامتناع في الأمرين المطلقين موجود في المقام أيضاً، فإنّ ملاك الامتناع في الأوّل استلزامهما طلب الضدين، وهذا أيضاً موجود في المقام، لافتراض أنّ الأمر بالمهم فعلي في ظرف فعلية الأمر

1 . كفاية الأُصول: 1 / 213 .

34
بالأهم. وإلاّ لخرج المورد عن الترتّب، ولازم ذلك توجّه أمرين فعليّين وهو نفس طلب الضدين.
وبعبارة أُخرى: أنّ في مرتبة الأمر بالأهم لا توجد دعوة للأمر بالمهم ولكن في مرتبة الأمر بالمهم توجد دعوة للأمر بالأهم أيضاً لعدم سقوطه بعدُ. وهذا هو الإشكال الّذي أثاره المحقّق الخراساني ومن تبعه على إمكان الترتّب.

تحليل نظرية المحقّق الخراساني

إنّ هنا مسألتين:
الأُولى: طلب الضدين.
الثانية: طلب الجمع بين الضدين.
وملاك الاستحالة في الأمرين العرضيين هو الثاني، كما إذا قال: أزل النجاسة، وصلّ، في وقت واحد فهو يأمر بشيئين من دون اشتراط أحدهما بشيء.
ولازم ذلك طلب الجمع بين الضدين، لأنّ الطلب في كلّ منهما غير مشروط، وما هو كذلك تكون نتيجتُه طلبَ الجمع بين فعلين متضادين. لأنّ إطلاق كلّ من الدليلين يشمل وجود الآخر.
وأمّا إذا كان أحد الأمرين مطلقاً والآخر مشروطاً بعزم ترك الأوّل فهو وإن كان يطلب الضدين لأجل أنّ الأمر بالأهم، بعدُ لم يسقط، والأمر بالمهم فعليٌ، ولكن النتيجة هي طلب الضدين لاطلب الجمع بين الضدين، ويشهد على ذلك أُمور:
1. إنّ فعلية الأمر بالمهم في ظرف فعلية الأمر بالأهم، لا يعنى بها إلاّ دعوة الأمر بالمهم إلى متعلّقه وهو أمر ممكن لا الجمع بينه وبين متعلّق الأمر بالأهم.
2. لو اشتغل بالأمر بالأهم وأعرض عن المهم فلا يؤاخذ بشيء ويُثاب ولا يعاقب .

35
3. أنّ المولى الواقف على حال العبد يرى أنّه فاقد للورع الّذي يدفع به إلى امتثال الأهم ويرى أنّ الساحة فارغة عن امتثال الأهم فعند ذلك يغتنم الفرصة ويأمره بالمهم ـ مع بقاء الأمر بالأهم على فعليته ـ لئلا تفوت الفرصة ولا يؤديَ أيّاً من الواجبين.
وبذلك يعلم أنّ الأُمور التالية ليست بمانعة عن إمكان الترتّب:
1. اجتماع أمرين فعليين.
2. كون الأمر بالأهم في رتبة الأمر بالمهم.
3. استلزام اجتماعهما في مرتبة الأمر بالمهم (طلب الضدين).
نعم لو كانت النتيجة هي طلب (الجمع بين الضدين) فهو محال، ولكنّه يترتّب على أمرين فعليّين مطلقين، لاما إذا كان الثاني مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل على نحو الشرط المتأخّر.
هذا هو مفتاح الترتّب إمكاناً وامتناعاً.
ثم إنّ المحقّق الخراساني لمّا اختار امتناع الترتّب أثار عدة أسئلة من جانب القائلين بالترتّب ثم أجاب عنها، وبعض هذه الأسئلة، لا يليق أن يُثار من جانب القائلين بصحّته، ولكن المحقّق الخراساني أثارها على لسانهم.

السؤال الأوّل:

لا دليل على امتناع طلب الضدين إذا كان بسوء الاختيار حيث يَعْصي فيما بعدُ بالاختيار، فلولاه لما كان متوجّهاً إليه إلاّ الطلب بالأهم، ولا دليل على امتناع طلب الضدّين إذا كان بسوء الاختيار.
وأجاب عنه بقوله: استحالة طلب الضدين ليست إلاّ لأجل استحالة طلب المحال، واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليته لا تختصّ بحال دون حال وإلاّ لصحّ فيما علّق على أمر اختياري في عرض واحد بلا حاجة في

36
تصحيحه إلى الترتّب، مع أنّه محال بلا ريب ولا إشكال.(1)

تحليل مناقشة المحقّق الخراساني

لو كان السائل يسلّم أنّ الترتّب يستلزم المحال غير أنّ قصور المكلّف صار سبباً لطلب المحال منه لكان للسؤال والجواب مجال، إذ لا فرق في استحالة طلب المحال بين كون السبب هو الآمر مع الالتفات إلى عجز المكلّف، أو المأمور، وأمّا إذا كان الترتّب غير مستلزم للمحال لما قلنا من أنّه مستلزم لطلب الضدين لا طلب الجمع بينهما، فالأوّل جائز والثاني محال، فالسؤال والجواب ساقطان كما هو واضح. والقائل بجواز الترتّب لا يسلّم استلزامَه للمحال، حتّى يقول بكون المكلّف هو السبب للمحذور.
السؤال الثاني:
إنّ قياس المقام بالأمرين العرضيين قياس مع الفارق، فإنّ كلاًّ من الأمرين العرضيين يطارد الآخر، فإذا قال: أزل النجاسة، وفي الوقت نفسه قال: صلّ، فكلّ يدعو إلى بذل القدرة في متعلّقه، وعندئذ تظهر المطاردة لوحدة القدرة وكثرة المقدور، بخلاف الأمرين الطوليين، أي إذا كان الأمر الثاني مقيّداً بعصيان الأمر الأوّل، فإنّ الأمر المتعلّق بالمهم لا يطرد الأمر المتعلّق بالأهم، وذلك لأنّ دعوة الأمر المتعلّق بالمهم إلى امتثاله في ظرف عدم الإتيان بالأهم، فلا يكاد يريد غير الأهم على تقدير إتيانه وإطاعة أمره.
وبعبارة أُخرى: لو كانت دعوة الأمر المتعلّق بالمهم شاملة لصورة إطاعة الأمر بالأهم يلزم المطاردة، وأمّا لو اختصّت دعوته بصورة عدم امتثاله فلا يكون هناك مطاردة.

1 . الكفاية: 1 / 217 .

37
وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجوه:
الأوّل: أنّ الأمر بالمهم يطارد الأمر بالأهم، وذلك لأنّه ليس للمطاردة معنى سوى كون الأمرين فعليين، والمفروض أنّ الأمر بالمهم فعلي كالأمر بالأهم.
الثاني: لو افترضنا أنّ الأمر بالمهم لا يطارد الأمر بالأهم في ظرف الامتثال لكنّه يطارده على تقدير عدم الإتيان به، فعندما ينوي عصيان الأمر به، يجتمع هناك أمران فعليان كلّ يطارد الآخر.
الثالث: يكفي وجود المطاردة من جانب واحد، وهو أنّ الأمر بالأهم يطارد الأمر بالمهم، وهذا كاف في الامتناع ولا يلزم العكس.

تحليل مناقشة المحقّق الخراساني

أمّـا الـوجـه الأوّل فقـد عـرفت أنّ نتيجـة اجتمـاع أمـرين فعليين أحدهما مطلق والآخر مشروط هو طلب الضدين لا طلب الجمع بينهما، والمحـال هو الثاني لا الأوّل.
وأمّا الوجه الثاني وهو وجود المطاردة من الطرفين عند عدم الإتيان بالأهم فجوابه أنّ الأمر بالمهم حينئذ يتضمّن أمرين:
1. أنّه يدعو إلى امتثال متعلّقه، وهذا هو الّذي دفع المحقّق الخراساني إلى القول بالمطاردة من الجانبين لكنّه غفل عن الأمر الثاني وهو:
2. أنّ الأمر بالمهم مع كونه فعلياً هو ذو مرونة ولينة حيث إنّه مع الدعوة إلى نفسه، يتحمّل ترك امتثاله والاشتغال بالأهم، وهذا هو الّذي يزيل المطاردة والمنازعة بين الأمرين، فالأهم أمر تام لا يخضع لشيء ولا يرضى إلاّ بامتثال نفسه، وأمّا الأمر الثاني فهو وإن كان يدعو إلى امتثال متعلّقه لكنّه يخضع لأن يُتَرك لغاية امتثال الأمر بالأهم.

38
وأمّا الوجه الثالث فقد قلنا: إنّ وجود الأمر بالأهم في مرتبة المهم لا ينتج إلاّ وجود أمرين فعليين لا مطلقين، بل مطلق ومشروط ومثله لا يستلزم المحال.
ونزيد المقام توضيحاً: أنّ مركز المطاردة الّتي يدّعيها المحقّق الخراساني لا يخلو عن مواضع ثلاثة:
أ. مقام الجعل والتشريع.
ب. مقام الفعلية.
ج. مقام الامتثال.
أمّا الأوّل فقد عرفت أنّ المورد من قبيل المتزاحمين، والمتزاحمان متلائمان في مقام الجعل ولا تكاذب بينهما في تلك المرتبة، فلا إشكال في جعل الإيجاب على إزالة النجاسة والصلاة، وغيرهما من عشرات الموضوعات.
وأمّا الثاني ـ أي المطاردة في مرحلة الفعلية ـ فلاشكّ أنّ كلاًّ يدعو إلى إنجاز متعلّقه لكن دعوة الأمر بالأهم دعوة مطلقة لا يتنازل عنها أبداً، وأمّا الأمر بالمهم فهي دعوة مشروطة لا يتنازل عنها إلاّ إذا حاول أن يمتثل الأمر بالأهم، وهذا يرفع النزاع والمطاردة بين الأمرين.
وإن شئت قلت: إنّ كلّ أمر يدعو إلى إنجاز متعلّقه ولا يبعث إلاّ إلى إتيانه بمفرده، لا إلى الجمع بين المتعلّقين. وبكلمة حاسمة: إنّ فعلية كلا الأمرين بمعنى دعوة كلّ إلى متعلّقه، لا الدعوة إلى الجمع بين المتعلّقين، فإذا كان كذلك فالمكلّف في مقام الامتثال له المندوحة عن تبعات الأمرين، إمّا أساساً وبتاتاً كما إذا اشتغل بالأهم، أو نسبياً إذا اشتغل بالمهم، فلا يعاقب إمّا مطلقاً، أو يعاقب بعصيان أمر واحد.
وأمّا الثالث فمن حسن الحظ ليس هناك أي مطاردة، وذلك لأنّ البعث مطلقاً لأمر واحد، وذلك لأنّ المكلّف لا يخلو إمّا أن يكون راغباً في امتثال الأمر بالأهم فيترك الأمر بالمهم ولو عكس عُكس.

39

السؤال الثالث:

وهو: كيف تنكرون الترتّب مع أنّه واقع في العرف كثيراً؟
وقد أجاب المحقّق الخراساني عن ذلك بوجهين:
1. إنّه إنّما يأمر بالمهم بعد التجاوز عن الأمر بالأهم.
2. إنّ الأمر بالمهم إرشاد إلى محبوبيته وبقائه على ما هو عليه من المصلحة، على وجه لو أتى به (لأجل الملاك) يستحقّ المثوبة.

تحليل المناقشة:

ماذا يريد من قوله: إنّه يأمر بالمهم بعد التجاوز عن الأمر بالأهم؟ فهل يريد كون الأمر بالأهم منسوخاً والمفروض خلافه، ولأجل ذلك لو رجع إلى امتثال الأمر بالأهم صار ممتثلاً؟
وإن أراد أنّه يطلبه عند يأسه عن امتثال الأمر بالأهم دون سقوطه فهو نفس الترتّب.
وأمّا التوجيه الثاني فهو على خلاف الظاهر، إذ لا يتميّز الأمران بشيء إلاّ أنّ الأوّل مطلق والثاني مشروط، مع كون كليهما مولويّين. فكيف يوصف الأوّل بالمولوية دون الثاني؟!

الاستدلال على بطلان الترتّب بطريق الإن

كان الاستدلال السابق من المحقّق الخراساني على بطلان الترتّب استدلالاً لميّاً، وهو أنّ نتيجة الترتّب هو اجتماع أمرين فعليين والّذي يترتّب عليه طلب الضدين، ولكن هنا استدلالاً آخر وهو إبطال الترتّب بطريق الإن، والمراد الفساد المترتّب على صحّة الترتّب، وهو تعدّد العقابين إذا ترك الأهم والمهم، مع وحدة

40
القدرة وهو شيء لا يقبله العقل، وهذا هو الإشكال الّذي أورده المحقّق الخراساني على أُستاذه السيد الشيرازي الّذي كان يقول بالترتّب.
أقول: إنّ في وحدة العقاب وتعدّده مسلكين:
الأوّل: أنّ وحدته وتعدّده تابع لوحدة القدرة وتعدّدها، فلو كانت القدرة واحدة والتكليف متعدّداً لما كان عليه إلاّ عقاب واحد، لاستقلال العقل بقبح تعدّده مع القدرة الواحدة، ولذلك يتعدّد العقاب إذا تعدّدت القدرة وإن كان التكليفان في زمان واحد كالصلاة والصوم.
الثاني: أنّ تعدّد العقاب ووحدته تابع لتعدّد التكليف ووحدته، وذلك لأنّ المفروض تعلّق أمرين مستقلين بشيئين كلّ واحد منهما ممكن ومقدور للمكلّف من غير فرق بين المتماثلين وبين الأهم والمهم.
فإن قلت: كيف يصحّ تعدّد العقاب مع تعدّد التكليف إذا كانت القدرة واحدة لا تكفي لامتثال واحد منهما ؟
قلت: إنّ وحدة القدرة تجتمع مع تعدّد العقاب ولا ينافي ذلك عدلَه سبحانه، لأنّه كان في وسع العبد ـ مع تعدّد التكليف ووحدة القدرة ـ الاجتنابُ عن مخالفة التكليفين عن عذر، وذلك ببذل قدرته في إنقاذ واحد، والاعتذار عن ترك الأمر الآخر بالعجز، ومع أنّ هذا الباب كان مفتوحاً أمامه، فقد ترك إنقاذ الغريقين بلا عذر، فللمولى أن يؤاخذه ويقول:
لِمَ تركت إنقاذ زيد بلا عذر؟
لِمَ ترك إنقاذ أخيه كذلك ؟
التقريب الثاني لتصحيح الترتّب   
فصار العبد التارك لكلا الأمرين مصدراً لمخالفة أمرين بلا عذر، فيستحقّ عقابين.