welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2

صفحه 401
كاشفاً ولا الواقع متحقّقاً، يتبيّن أنّه لم يكن هنا تعبد بالعمل بها في هذا المورد، ومعه كيف يمكن القول بالإجزاء؟
وبعبارة ثالثة: انّ العمل بالأمارات لأجل الكشف عن الواقع دون تصرّف فيه ولا انقلاب الواقع عنه إلى مدلول الأمارة، فعندئذ فالذي تعلّق به الأمر لم يحصل، لتخلّف الأمارة، والّذي حصل لم يتعلّق به الأمر.1
يلاحظ عليه: وجود الملازمة العرفية بين الأمر بتطبيق العمل على مفاد الأمارة واجتزاء المولى في مقاصده وأغراضه بما تؤدي إليه الأمارة لكن لا على نحو التصويب بمعنى اختصاص الأحكام بالعالمين وإنكار الحكم المشترك بل بمعنى اكتفاء المولى في تحصيل مآربه بموارد الموافقة وغض النظر عن موارد المخالفة لمصالح اجتماعية وهي تسهيل الأمر على المكلّفين. والقول بهذه الملازمة أمر ملموس في نظائر المقام:
أ. افترض أنّ المولى أمر عبده بتهيئة دواء وأمره بأن يتبع إرشادات الصيدلي المعيّن في أجزاء الدواء وكيفية تركيبها، فاتّبع العبد إرشاداته ولكن الصيدلي أخطأ في مورد أو موردين فالعرف يعدّ العبد ممتثلاً لأمر مولاه، اللهم إلاّ أن يأمره المولى بأمر جديد.
ب. إذا أمر المولى عبده ببناء بيت أو مسجد ويأمره بالعمل بقول مهندس أو معمار خاص، واتّبع العبد في امتثال الأمر إرشاداتهما ولكن ظهر خطأ في جزء خاص للمرشد، فالعبد يُعدّ ممتثلاً والعملُ مجزئاً، إلاّ أن يأمره المولى بأمر جديد.

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 147 .

صفحه 402
وقس على ذلك، المقام: فالإنسان المتشرّع إذا خوطب مع هذه الارتكازات بوجوب العمل بقول الثقة ينتقل منه إلى أنّ الشارع قد اكتفى في تحصيل مقاصده بما تؤدي إليه الأمارة تسهيلاً للأمر على العباد، وما ذلك إلاّ لانّ الشارع واقف على أنّ إلزام المكلّف بتحصيل العلم يوجب العسر والحرج ورغبة الناس عن الدين. هذا من جانب، ومن جانب آخر وقف على أنّ العمل بالأمارة يؤدّي إلى تحصيل أغراض المولى بنسبة عالية أي تسعين بالمائة، ولذلك أمر بالعمل بها مكتفياً في تحصيل مقاصده ومصالحه بهذا المقدار لأنّ في الأمر بتحصيل العلم عسراً وحرجاً.
وهذا البيان يقتضي كون العمل بالأمارة موجباً للإجزاء عند انكشاف الخلاف، سواء انكشف بدليل قطعي أم بأمارة.
هذا هو الدليل المقنع لكل من طالع الموضوع من دون رأي مسبق.
فإن قلت: إنّ لسان دليل التعبّد بالأمارة هو التعبّد بها بأنّها طريق إلى الواقع وكاشف عنه وانّ الواقع متحقّق هنا فإذا تعبّدنا الشارع بالعمل بها بهذه الحيثية ثم تبيّن الخلاف وأنّها لم تكن كاشفة عن الواقع يتبين أنّه لم يكن هنا تعبد بالعمل بها في هذا المورد، ومع عدم التعبّد كيف يمكن القول بالإجزاء؟
قلت: هذا ما اعتمد عليه صاحب الكفاية بتوضيح منّا، ولكن الحيثية الّتي بها تعبدنا الشارع بالعمل بالأمارات هي كونها كاشفة في أغلب الأوقات لا دائمة الكشف.
وهذه الحيثية موجودة في عامة الموارد الّتي يعمل فيها المكلف بالأمارات. وعندئذ يكون التعبد بالأمارة موجوداً حتّى في صورة الخطأ والتخلّف.

صفحه 403
فإن قلت: إنّ لازم إيجاب العمل على وفق الأمارة بما أنّها كاشفة هو عدم الإجزاء، لأنّ لازم الكشف كون الواقع هو الميزان دون مؤدّى الأمارة، وهو يناقض القول بالإجزاء الذي مقتضاه كون المحور مؤدّى الأمارة.
قلت: إنّ إيجاب العمل على وفق الأمارة بما أنّها كاشفة في أغلب الموارد لا في كلّ مورد، ففي مثل هذا يكون الملاك هو الواقع الغالب وهو متحقّق، فلا يلزم من القول بالكاشفية والإجزاء الجمع بين النقيضين.
فإن قلت: إنّ القول بالإجزاء يستلزم التصويب، لأنّ رفع اليد عن جزئية السورة في حقّ من قامت عنده الأمارة على عدم الجزئية يوجب اختصاص الحكم بالعالم دون الجاهل وهكذا سائر الموارد.
قلت: إنّ التصويب عبارة عن إنكار الحكم المشترك الإنشائي بين العالم والجاهل، وهو معترف به في المقام لأنّ المرتفع هو فعلية الحكم أو تنجّزه، وهو ليس بمحذور وليس للقائل بعدم الإجزاء أيضاً القول بفعلية الحكم أو تنجّزه في حق الجاهل.

حكومة دليل الأمارة

إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي ممّن تفرّد بين معاصريه بالقول في الإجزاء عند تخلّف الأمارة. واستدلّ على ذلك بما هذا ملخّصه:
إنّ دليل حجّية الأمارة حاكم على دليل الشرائط والأجزاء والموانع ـ فيما إذا كانت الشبهة موضوعية ـ فإذا قال الشارع: صلّ في طاهر، كان المتبادر من لفظ «طاهر» هو الطهارة الواقعية، وكان الشرط ـ لولا الدليل الحاكم ـ

صفحه 404
لصحّة الصلاة هو الطهارة الواقعية، ولكن لما جعل الشارع قول الثقة حجّة وأخبر هو عن طهارة الثوب المعيّن تصير نتيجة الجمع بين الدليلين هو توسعة المأمور به ـ الصلاة في الثوب الطاهر ـ وانّه تجوز الصلاة في ثوب طاهر واقعاً أو محكوم بالطهارة ظاهراً، فلو صلّى مع ثوب هذا شأنه، فقد حازت صلاتُه شرطَ الصلاة واقعاً، لأنّ الشرط واقعاً أعمّ من الواقعي والظاهري، وتخلّف الأمارة يوجب ارتفاع الشرط من حين التخلَّف.1
يلاحظ عليه: أنّ الحكومة تكون قائمة بلسان الدليل اللفظي حيث يكون الحاكم ناظراً إلى الدليل المحكوم في السعة أو الضيق، فإذا قال: «إذا شككت بين الثلاث والأربع فابن على الأربع» ثم صدر قوله: «لا شكّ للإمام مع حفظ المأموم» يكون الثاني حاكماً على الأوّل، فلو كان الإمام شاكاً بين الثلاث والأربع كانت وظيفته البناء على الأربع، وإذا حفظ المأموم عدد الركعات وقال إنّها الثالثة رجع إلى قول المأموم ولم يعمل بقاعدة الشك لأجل الحكومة. وأمّا المقام فليس هناك دليل لفظي يدلّ على حجية الأمارة، والدليل الحقيقي على حجيتها هو بناء العقلاء بإمضاء الشارع أو عدم ردعه، وفي مثله لا موضوع للحكومة. إذ ليس في المقام دليل لفظي يكون ناظراً إلى أدلّة الأجزاء والشروط .
وأمّا الروايات الواردة حول حجّية قول الثقة فالجميع ناظر إلى بيان الصغرى وانّ فلاناً ثقة وليس ناظراً لبيان الكبرى.

1 . نهاية الأُصول: 1 / 129.

صفحه 405

التفصيل بين الانكشاف الوجداني وغيره

وربّما يفصل بين ما إذا انكشف الخلاف بعلم وجداني فلا يجزي، أو بحجّة معتبرة فيجزي، لأنّ الحجّة اللاحقة كالسابقة، فكما يحتمل أن تكون الحجّة اللاحقة مطابقة للواقع كذلك يحتمل أن تكون الحجّة السابقة مطابقة للواقع وإن كان الواجب على من قامت عنده الحجّة الثانية العمل على مفادها.
يلاحظ عليه: أنّه لو أغمضنا النظر عن الملازمة العرفية، فالحقّ هو عدم الإجزاء في كلتا الصورتين، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، والمفروض في كلتا الصورتين عدم تحصيل البراءة اليقينية فيهما، فالعلم السابق بالتكليف كاف في عدم الإجزاء حتى يعلم الخروج عنه، إمّا بعلم قطعي أو بحجّة شرعية، فالعلم غير موجود والحجّة الشرعية الأُولى متعارضة مع الحجّة الشرعية الثانية.

حكم الإجزاء على القول بالسببية

ما ذكرنا من الإجزاء أو عدمه على القول بحّجية قول الثقة على الطريقية، وأمّا حكمه على القول بالسببية فيظهر بالبيان التالي:
فنقول: القول بالسببية على أقسام:
1. ما نسب إلى الأشاعرة من أنّ أحكامه سبحانه تابعة لآراء المجتهدين أو الأمارات والأُصول القائمة في المورد.
وهذا القول بإطلاقه وإن نسب إلى الأشاعرة لكن النسبة في غير محلّها

صفحه 406
وإنّما يقولون بذلك في مالا نص فيه1، وأمّا ما ورد فيه النص فيعترفون بوجود الحكم المشترك بين العالم والجاهل .
2. ما نسب إلى المعتزلة. وحاصله: تسليم الحكم المشترك بين العالم والجاهل غير أنّه إذا قامت الأمارة على خلاف الواقع ينقلب الواقع إلى مؤدّى الأمارة.
3. ما ذهب إليه شيخنا الأنصاري من القول بالمصلحة السلوكية بأنّ العمل بالأمارة سواء أوافق الواقع، أم خالف لمصلحة جابرة عند تخلّفها عن الواقع ولكن من دون أن تمس كرامة الواقع ويقلبه إلى مؤدّى الأمارة.
وبالجملة إذا طابقت الأمارة الواقع فمنجزة، وإن خالفت الواقع عذّرت وأجبرت المصلحة السلوكية المصلحة الفائتة.
وعلى هذا فيختلف حكم الإجزاء حسب اختلاف المباني أمّا على قول الأشعري فلا موضوع فيه للإجزاء فيما لا نص فيه لافتراض أنّ ما أفتى به المفتي هو حكم الله الواقعي، وأمّا ما فيه النص فربّما يتحد نظرهم مع التصويب المعتزلي من انقلاب الواقع إلى مؤدى الأمارة فيكون مجزئاً بلا ريب.
وأمّا على القول الثالث فقد ذكر المحقّق الخراساني فيه المحتملات الأربعة المتقدّمة في امتثال الأمر الاضطراري، فيختلف حكم الإجزاء حسب اختلاف الفائت، والأَولى أن يقال: يجب التفريق بين كشف الخلاف في داخل الوقت فلا يجزي وخارجه فيجزي.

1 . المستصفى (للغزالي): 2 / 363 .

صفحه 407
توضيحه: إن كان الفائت فضيلة أوّل الوقت كما إذا بان الخلاف قبل خروج الوقت، فالمتدارك هو الفضيلة لا مصلحة أصل الوقت ولا الصلاة فتجب الإعادة، وأمّا إذا كان الفائت مصلحة الوقت وبالتالي مصلحة الصلاة فلابدّ أن تكون المصلحة الفائتة متداركة بالسلوكية كما هو المفروض، فلا يجب القضاء.

إذا كان وجه الحجية غير معلوم

ما ذكرنا من التفصيل يرجع إلى ما إذا علم وجه الحجية وأنّه على الطريقية أو السببية، وأمّا إذا غُمَّ الأمر ولم يعلم وجه الحجّية عند تخلّف الأمارة فللمحقّق الخراساني كلام معقّد في الإعادة والقضاء نوضحه حسب الإمكان والحاجة.
قال بوجوب الإعادة إذا تبيّن الخلاف في الوقت مستدلاً بالأصل وهو أصالة عدم الإتيان بمّا يسقط معه التكليف ولازمه الإعادة في الوقت.
فإن قلت: إنّ هنا أصلاً آخر، وذلك لأنّ الحكم الواقعي لم يكن فعلياً قبل الزوال وبعده إلى قيام الأمارة على خلاف الواقع ونشك في فعليته بعد ظهور الخلاف فالأصل بقاء الحكم الواقعي على ما هو عليه من عدم الفعلية.
قلت: إنّ الاستصحاب المذكور لا يثبت أنّ المأتي به مسقط وعمل بالوظيفة إلاّ على القول بالأصل المثبت والواجب على المكلّف هو إحراز البراءة من الاشتغال القطعي.
فإن قلت: ما الفرق بين المقام والمقامين التاليين على القول بالسببيّة:

صفحه 408
1. الأوامر الاضطرارية، كما إذا فقد الماء في أوّل الوقت ووجده في آخره.
2. الأوامر الظاهرية على القول بحجّية الأمارة من باب السببية حيث حكموا بعدم وجوب الإعادة في هاتين الصورتين.
قلت: فرق واضح بين المقامين، وهو وجود العلم بوجوب الفرد الاضطراري أو الفرد المأمور به بالأمر الظاهري لأجل القول بالسببية، فعند التخلّف يشك في حدوث وجوب آخر يتعلّق بإتيان الفرد الاختياري أو الفرد الواقعي والأصل عدم حدوثه.
وأمّا المقام فليس هناك أيّ علم بوجوب الفرد الظاهري بل هو مردد بعدم كونه واجباً قطعاً على القول بالطريقية، أو بكونه واجباً كذلك على القول بالسببية، ومع هذا الشك كيف يمكن أن نقتصر بالمأتي.
وأمّا القضاء فحكمه يختلف حسب اختلاف المباني.
فإن قلنا بأن القضاء بالأمر الجديد، أعني قوله: «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته»، وأنّ الفوت الّذي هو موضوع لهذا الأمر، أمرٌ وجوديٌ لا يحرز باستصحاب عدم الإتيان بالتكليف الواقعي، فلا يجب القضاء، لأنّ الأمر وإن كان موجوداً لكن الموضوع غير محرز.
وإن قلنا بأنّ القضاء بالأمر الجديد المحرز وجوده والموضوع، أعني: الفوت وهو عند العرف أمر عدمي محرز باستصحاب عدم الإتيان بالتكليف الواقعي فيجب القضاء عندئذ.
إجزاء العمل بالأُصول عن الواقعي   
وإن قلنا بأنّ القضاء تابع للأداء وأنّ الأمر بالشيء في الوقت المضروب

صفحه 409
كما يدعو إلى إتيانه في الوقت يدعو إلى إتيانه في خارجه، فعندئذ يجب القضاء أيضاً لوجود الأمر الأوّل.

المورد الثاني: العمل بالأُصول العملية لاستكشاف كيفية التكليف

قد عرفت أنّ التخلّف في أصل الحكم لا يوجب الإجزاء من غير فرق بين الأمارة والأصل، ونخصّ البحث في المقام بما إذا عمل بالأُصول لاستكشاف أجزاء المكلّف به وشرائطه وموانعه وقواطعه.
وسوف نبحث في المقام عن الأُمور التالية:
1. أصالة الطهارة.
2. أصالة الحلية.
3. الاستصحاب.
4. أصالة البراءة.
5. قاعدة التجاوز.
6. تبدّل رأي المجتهد بالنسبة إلى أعماله وأعمال مقلّديه .
وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر.

1. أصالة الطهارة والإجزاء

ذهب أعلام المتأخّرين إلى أنّ امتثال أجزاء المكلّف به، بقاعدة الطهارة موجب للإجزاء وإن بان التخلّف، معتمدين في ذلك على ما ذكره المحقّق الخراساني، وهذا توضيحه:

صفحه 410
إنّ دليل أصالة الطهارة حاكمة على أدلّة الأجزاء والشرائط، بتوسعة الموضوع، مثلاً إذا قال الشارع: «صلّ في طاهر». فالظاهر منه أنّه يشترط أن يكون اللباس طاهراً واقعياً، فإذا قال بعده: «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» فبالمقارنة نستكشف أنّ الثاني بصدد توسعة الموضوع وأنّ الطهارة التي هي شرط صحّة الصلاة أعمّ من الطهارة الواقعية والظاهرية.
وعلى ضوء ذلك: إذا تبيّن أنّ الثوب نجس فانكشاف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى نفس الطهارة والنجاسة حيث تبين انّ الثوب نجس، وأمّا بالنسبة إلى شرط الصلاة فالانكشاف من حينه لامن أصله، لما عرفت من أنّ شرط الصحّة هو الشرط الّذي هو أعمّ من الظاهري والواقعي لا الشرط الواقعي فقط حتّى تصحّ نسبة انكشاف الخلاف بالنسبة إلى الشرط.
أضف إلى ذلك 1 أنّه إذا صلّى في ثوب طاهر تمسّكاً بأصالة الطهارة ينطبق على المأتي به عنوان الصلاة ويسقط التكليف المتعلّق بها في قوله: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)، ولقد قام الإجماع على عدم وجوب صلاتين من نوع واحد للمكلّف في وقت واحد، فالحكم بالإعادة والقضاء خرق لهذا الإجماع ومعناه وجوب صلاتي الظهر في وقت واحد.
وهناك دليل ثالث على الإجزاء، وهو التمسّك بالملازمة العرفية بين الأمر بالعمل بالأُصول العملية في كيفية الامتثال، وإجزائه في مقام الإطاعة مطلقاً، سواء وافق الواقع أم خالفه، وقد مر هذا البيان في مورد الأمارة.

1 . هذا البيان للمحقّق البروجردي في درسه الشريف. سمعناه منه عند بحثه في كيفية الجمع بين الحكم الواقعي والظاهريّ.

صفحه 411

2. أصالة الحلية والإجزاء

وبهذا البيان نحكم بالإجزاء إذا امتثل أمر المولى في الأجزاء والشرائط والموانع والقواطع بقاعدة الحلّية، فلو شك في حلية ثوبه وعدمها فصلّى بها تمسكاً بقاعدة الحلية تجزي الصلاة ولو انكشف الخلاف. وذلك بالبيانات الثلاثة التالية:
1. حكومة دليل قاعدة الطهارة على أدلّة الشرائط والأجزاء.
2. انطباق عنوان الصلاة وقيام الإجماع على عدمه في وجوب صلاتين على المكلّف من نوع واحد.
3. الملازمة بين العمل بقاعدة الحلية في امتثال المأمور به، والإجزاء.

3. الاستصحاب والإجزاء

عطف المحقّق الخراساني الاستصحاب على القاعدتين وقال: واستصحابهما في وجه قوي. ومراده من الوجه القوي هو القول من أنّ مفاد دليل الاستصحاب جعل المماثل عند الشك فإذا قال: صلّ في طاهر، فإذا شككنا في طهارة ثوب بعد اليقين من طهارته وقال الشارع: «لا تنقض اليقين بالطهارة بالشكّ فيها» فمعناه أنّ الثوب محكوم بالطهارة، فيكون بالنسبة إلى دليل الشرطية حاكماً وجاعلاً للمصداق، غاية الأمر مصداقاً ظاهرياً لا واقعياً، فلو ظهر التخلّف فالتخلّف إنّما هو بالنسبة إلى طهارة الثوب ونجاسته لا بالنسبة إلى كون المكلّف واجداً للشرط، فصلاته كانت صلاة صحيحة تامّة حتّى وإن ظهر بالعلم القطعي كون الثوب نجساً، فالعلم المتأخّر يؤثر في

صفحه 412
مجال الشرط بالنسبة إلى المستقبل لا بالنسبة إلى الماضي، لأنّ الشرط إذا كان أعمّ من الواقعي والظاهري لا يتصوّر فيه التخلّف.

4. أصالة البراءة والإجزاء

المراد من البراءة هنا البراءة الشرعية لا البراءة العقلية، لأنّ دور الثانية رفع العقاب فقط، وأمّا البراءة الشرعية فيمكن أن يدّعى فيها وجود الملازمة بين الأمر بالعمل بالبراءة في مقام الامتثال والإجزاء، فإذا شك في جزئية السورة وعدمها وصلى بلا سورة معتمداً على البراءة الشرعية ثم بان الخلاف فهناك ملازمة بين الأمر بالعمل بالبراءة وإجزاء العمل على وفقها. نعم ليس المراد من الرفع الرفع الواقعي وإلاّ يلزم التصويب، بل المراد الرفع الظاهري وهو الرفع في ظرف الشك، فتكون نتيجة الدليلين هي اكتفاء المولى في امتثال أغراضه ومقاصده بما أدّت إليه الأُصول .
فإن قلت: هل يجوز التمسّك هنا بحديث الحكومة، أي حكومة دليل البراءة على أدلّة الأجزاء والشرائط؟
قلت: إذا كانت الشبهة حكمية كما مثلنا فلا مانع من حكومة دليل البراءة على دليل الأجزاء والشرائط.
فإن قلت: إنّ البراءة أصل عملي ومرتبته متأخّرة، فكيف تكون حاكمة على دليل الأجزاء والشرائط الّذي هو دليل اجتهادي؟
قلت: الحاكم هو دليل أصل البراءة لا نفسها، فقوله: «رفع عن أُمّتي تسعة» دليل اجتهادي وإن كانت نتيجته أصلاً عملياً.

صفحه 413
وأمّا إذا كانت الشبهة موضوعية فعدم الحكومة لأجل لسان الدليل، فإنّ لسانه لسان النفي والرفع لا جعل المصداق والوضع.

5. قاعدة التجاوز والإجزاء

الظاهر من الروايات الدالّة على عدم الاعتداد بالشك عند التجاوز أنّه أصل عقلائي أمضاه الشارع، فقد ورد في غير مورد قوله: «فشكّك ليس بشيء»1. وقوله: «فليمض» 2. فهذان التعبيران يعربان عن تجويز الإتيان بالمأمور به بهذه الكيفية، وهو يلازم عرفاً باقتصار الشارع في تأمين مقاصده وأغراضه بما أدّت إليه قاعدة التجاوز تسهيلاً للعباد، فبحكم الملازمة يحكم بالإجزاء.

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 6.

صفحه 414
   
 
تنبيهات ثلاثة

التنبيه الأوّل: حكم الامتثال على وفق القطع

إذا امتثل أمر المولى اعتماداً على قطعه ويقينه، مثلاً قطع بعدم وجوب السورة فصلّى بلا سورة ثم بدا خلافه فلا يكون مجزياً، وذلك لأن الدليل على الإجزاء هو أحد الأمرين التاليين:
أ. ادّعاء الملازمة بين الأمر بالعمل بالأمارة والأصل واكتفاء المولى في دائرة المولوية والعبودية بما أتى، وهو إنّما يجري إذا كان هناك أمر من الشارع بكيفية الامتثال، والمفروض انتفاؤه، بل اتّبع المكلّف حكم العقل بأنّه يجب العمل بالقطع، ونتيجة حكمه عبارة عن التنجيز إذا أصاب والتعذير إذا أخطأ، وهذا غير الإجزاء. وليس للشارع أمر بالعمل بالقطع إلاّ إرشاداً إلى حكم العقل .
ب. حكومة دليل الأمر الظاهري على الأدلّة الواقعية، كما هو الحال في بعض الأُصول. وهو أيضاً فرع وجود أمر من الشارع والمفروض انتفاؤه.

التنبيه الثاني: القول بالإجزاء والتصويب

لا ملازمة بين القول بالإجزاء والتصويب، سواء كان الإجزاء مبنياً على رفع الحكم عند الجهل، أو مبنيّاً على توسعة الشرط.

صفحه 415
وبعبارة أُخرى: سواء أقامت الأمارة على عدم الحكم في مورد الجزء أو الشرط، أم كان مفاد الأصل توسعة الشرط المأخوذ في الواجب.
أمّا الأوّل: فلأنّ توهّم التصويب في الأحكام مبني على أحد الأُمور الثلاثة:
أ: إذا كان القول بالإجزاء بمعنى إنكار حكم اللّه المشترك بين العالم والجاهل، فيكون حكم العالم هو وجوب الصلاة مع السورة الكاملة، وحكم الجاهل وجوبها بلا سورة، فالحكم المشترك بينهما منتف.
يلاحظ عليه: أنّ الحكم المشترك بين العالم والجاهل في مرحلة الإنشاء محفوظ، فما شرعه اللّه سبحانه وبلغه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم مشترك بين الطائفتين بلا فرق بين العالم والجاهل.
ب: إذا كان القول بالإجزاء ملازماً لعدم فعلية الحكم في حقّ الجاهل، وفعليته في حقّ العالم، وهذا أيضاً نوع إنكار لحكم اللّه المشترك.
يلاحظ عليه: أنّ تخصيص الفعلية بالعالم وإخراج الجاهل عنها أمر مشترك بين القائل بالإجزاء والنافي له، وذلك لقبح خطاب الجاهل فعلاً. ونفي الحكم الفعلي ليس بمعنى نفي الحكم الإنشائي .
ج: انّ القول بالإجزاء ملازم لقبول الناقص مكان الكامل.
يلاحظ عليه: بأنّه ليس أمراً بديعاً، فقد اتّفق الكل على سقوط بعض الأجزاء والشرائط عن المطلوبية بعد الإتيان بالفرد الناقص من الصلاة،

صفحه 416
لحديث: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة»1 فلو أتى بالصلاة بلا سورة جهلاً أو نسياناً فصلاته صحيحة بلا إشكال.
وأمّا الثاني أي لزوم التصويب في ما إذا كان مفاد الأصل هو توسعة الطهارة المأخوذة جزءاً للواجب فنقول: إنّ في المقام دليلين:
1. قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه».2
2. يشترط في ثوب المصلّي أن يكون طاهراً.
فالأصل بالنسبة إلى الدليل الأوّل، أجنبي عنه، إذ ليس بصدد الحكومة على أدلّة النجاسات، فبول غير المأكول نجس سواء علم به الإنسان أم لم يعلم.
فليس هناك حكومة ولا تخصيص ولا تقيد، بل الدليل الأوّل باق على إطلاقه في عامة الحالات.
وأمّا بالنسبة إلى دليل الشرطية، فالأصل ناظر إليه حاكم بمعنى توسيع الشرط المأخوذ في الصلاة وأنّ اللازم فيها هو الطهارة، أعم من أن يكون طاهراً في الواقع أو طاهراً في الظاهر. وعلى ضوء ذلك فلو ظهر التخلف فإنّما يظهر بالنسبة إلى كون الشيء طاهراً، وأمّا بالنسبة إلى شرط الصلاة، فلم يحدث فيه أي تخلّف لكون الشرط من أوّل الأمر هو الأعم لا خصوص الطاهر الواقعي.
 

1 . الوسائل:4، الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث5.
2 . الوسائل: 2، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 2 .

صفحه 417
التنبيه الثالث: إذا اختلفت فتوى السابق مع اللاحق
إذا قلّد مجتهداً قائلاً بكفاية المرة في التسبيحات الأربعة وكفاية الضربة الواحدة في التيمم، ثم مات وقلّد مجتهداً آخر يقول بعدم كفاية المرّة فيهما بل يجبُ تكرار التسبيحات الأربع ثلاث مرات والضربة مرتين، فهل تصح بعد تقليد الثاني، أعماله السابقة، أو تحتاج إلى الإعادة والقضاء؟
فتارة يقع الكلام في العبادات، وأُخرى في المعاملات، وثالثة في الأُمور الخارجية، وإليك دراسة الجميع.

حكم العبادات السابقة

الظاهر الإجزاء بمعنى أنّ كل ما أتى به من العبادات يحكم عليه بالصحة، وإن لزم تطبيق العمل في المستقبل على رأي المجتهد الثاني. وذلك لوجهين:
الأوّل: التمسّك بالملازمة العرفية، فإنّ الشارع إذا أمر بمركب كالصلاة والحج ثم جعل فتوى المفتي حجة في تشخيص الواجب عن غيره، فمعنى ذلك أنّه اكتفى في أغراضه بما أدّت إليه فتوى ذلك المجتهد على التفصيل الّذي عرفت، فاقتضت المصلحة التسهيلية إضفاء الاعتبار على قوله مطلقاً حتّى فيما خالف الواقع.
الثاني: استصحاب حجية فتوى المجتهد الأوّل حيث كانت حجة في الأعمال السابقة ونشك في سقوط حجيتها بعد تقليد المجتهد الثاني، فيحكم ببقائها بالنسبة إلى ما مضى.

صفحه 418
وأمّا فتوى المجتهد الثاني فلاشك أنّها حجة بالنسبة إلى الحوادث التالية، وأمّا الحوادث السابقة فنشك في سعة حجيتها بالنسبة إلى الحوادث الماضية .
وإن شئت قلت: القدر المتيقّن في قوله: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا» أو ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة، هو حجّية قول الفقيه بالنسبة إلى ما يأتي من الحوادث، وأمّا بالنسبة إلى السابق فلا إطلاق في الأدلّة بالنسبة إليه .
ثم إنّ المحقّق الخوئي ذهب إلى لزوم تطبيق العمل على الاجتهاد الثاني من غير فرق بين ما مضى وما يأتي، واستدلّ عليه بما يتلخّص في أُمور ثلاثة:
أ : إنّ قيام الحجّة الثانية وإن كان لا يستكشف به عدمُ حجّيةِ الاجتهاد الأوّل ـ مثلاً ـ في ظرفه إلاّ أنّ مقتضاها ثبوت مدلولها في الشريعة المقدّسة من الابتداء لعدم اختصاصه بعصر دون عصر، إذاً العمل المأتي به على طبق الحجّة السابقة باطل، لأنّه مقتضى الحجّة الثانية، ومعه لابدّ من إعادته أو قضائه.
ب. لو كان الوقت باقياً يجب الإعادة لاحتمال مخالفة فتوى المجتهد الأوّل للواقع، ومعه يجب الاحتياط لتحصيل البراءة والمؤمِّن فلا مناص من الحكم بالإعادة، لأنّ بها يندفع احتمال الضرر بمعنى العقاب.
ج. ولو خرج الوقت يجب القضاء، لأنّ مقتضى الحجة الثانية انّ ما أتى به على طبق الحجة السابقة غير مطابق للواقع فلا مناص من الحكم ببطلانه،

صفحه 419
ومعه يصدق فوت الفريضة وهو يقتضي وجوب القضاء.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ مدلول الحجّة الثانية هو ثبوت مدلولها في الشريعة المقدّسة من الابتداء وإن كان أمراً صحيحاً، إلاّ أنّ المستكشف هو حكم الله المشترك بين العالم والجاهل وأمّا كونه فعلياً أو منجزاً في حق من قلّد المجتهد الأوّل ثم قلّد المجتهد الآخر فغير ثابت .
وإن شئت قلت: إنّ المستكشف هو الحكم وأمّا حجّيته في الحوادث الماضية، فهو أوّل الكلام، بخلاف الحجة الأُولى فإنّها حجة في الحوادث الماضية حتّى الآن .
وأمّا حكمه بالإعادة فهو غير تام، لأنّ موضوعه إذا لم يكن هناك مؤمّن في المورد، وقد مر أنّ الملازمة العرفية أوّلاً واستصحاب حجية فتوى المجتهد الأوّل ثانياً حجّتان في حقه ومؤمِّنان له .
وأمّا القضاء فهو مترتّب على عنوان الفوت ومع وجود الدليل على حجية فتوى المجتهد السابق بالنسبة إلى ما مضى نَشُك في صدق الفوت، لأنّ صدقه مبني على كون الحكم الثاني فعلياً في حقّه وإلاّ فلا يصدق الفوت، وصيرورته فعلياً في الماضي بعدما قلّد الثاني، أوّل الكلام ؟

1 . التنقيح : 1 / 54، قسم الاجتهاد والتقليد.

صفحه 420
   
الفصل الرابع 1:

في مقدّمة الواجب

ونقدّم أُموراً:

الأوّل: تحرير محل النزاع

يحتمل بادئ النظر أن يكون محل النزاع أحد الأُمور التالية:
1. الوجوب العقلي بمعنى أنّ العقل يبعث الإنسان إلى تحصيل المقدّمة عند إرادة ذيها من غير فرق بين أن يكون الفعل مطلوباً لنفسه أو مطلوباً للشارع.
2. الوجوب العرضي بمعنى إنّ هنا وجوباً واحداً منسوباً إلى ذي المقدّمة حقيقة وإلى المقدمة مجازاً وبالعَرَض كنسبة جريان الماء إلى الميزاب.
3. الوجوب الشرعي الغيري الأصلي فهنا وجوبان شرعيان: أحدهما يتعلّق بذيها، والآخر بالمقدمة. وبما أنّها ليست مطلوبة بالذات يكون وجوبها غيرياً، وبما أنّ الإرادة تعلّقت بها مستقلة أو تعلّق بها خطاب المولى مستقلاًّ

1 . ما سيوافيك أطول فصل في مقصد الأوامر وبه يتمّ الجزء الأوّل من كتابنا هذا.

صفحه 421
كما إذا قال: ادخل السوق واشتر اللحم، يكون وجوبها أصلياً.
4. الوجوب الشرعي الغيري التبعي والفرق بينه وبين ما تقدّم هو عدم تعلّق الإرادة المستقلّة بها أو عدم تعلّق الخطاب المستقل بها الإرادة والوجوب فيه دون ما تقدّم.
ثم إنّ الوجوب بالمعنى الأوّل غير قابل للنزاع، كما أنّ البحث في الوجوب الثاني بحث أدبي .
كما أنّ البحث في الوجوب الشرعي الغيري سواء أكان أصلياً أم تبعياً مسألة فقهية لا أُصولية، فتعين البحث في أمر خامس وهو التالي.
5. البحث عن وجود الملازمة بين الوجوبين أو الملازمة بين الإرادتين فيدخل البحث في باب الملازمات ويكون البحث مركّزاً على وجود الملازمة بين حرمة العبادات وفسادها، والملازمة بين حرمة المعاملات وفسادها، فالبحث في هذه المسائل كلّها بحث كبروي وأُصولي وتقع المسألة كبرى لصغرى شرعية مستفادة من الكتاب والسنّة فيقال: الوضوء مقدّمة للصلاة وفقاً للكتاب والسنّة وينطبق عليه الكبرى الأُصولية وهو وجود الملازمة بين وجوب الشيء كالصلاة ووجوب مقدّمته ويستنتج منه وجوب المقدّمة شرعاً، كلّ ذلك على القول بالملازمة.
فاعلم أنّ هذه الملازمة على القول بها ليست من المستقلاّت العقلية، بل من غيرها، وذلك لأنّ الميزان في الأوّل كون الصغرى والكبرى كليهما عقليين، كما يقال: ضرب اليتيم ظلم، وكلّ ظلم قبيح، فينتج: ضرب اليتيم قبيح. كما أنّ الميزان في الثاني كون الصغرى نقلية والكبرى عقلية كما هو

صفحه 422
الحال في المقام فإنّ كون شيء مقدمة كالوضوء أمر شرعي. نعم الكبرى ـ أعني: مقدّمة الواجب واجب ـ أمر عقلي.
فهناك سؤال وهو أنّه إذا كان البحث مركّزاً على وجود الملازمة بين الوجوبين أو الإرادتين يكون البحث عندئذ عقلياً بحتاً فلماذا يبحث عنه في مباحث الألفاظ؟
والجواب: أنّ البحث عقلي وبما أنّ الصغرى تؤخذ من النقل لا من العقل فجعل من المباحث اللفظية، فتأمّل.
وهناك جواب آخر وهو أنّ بعض الأُصوليين قالوا بدلالة الأمر بذي المقدّمة على وجوب المقدّمة بالدلالة الوضعية الالتزامية وهي عند المنطقيين دلالة لفظية لا عقلية على خلاف علماء البيان فإنّ الدلالتين: التضمّنية والالتزامية عندهم عقلية.1
يقول الحكيم السبزواري عن لسان المنطقيين:
دلالة اللفظ بدت مطابقة *** حيث على تمام معنى وافقه
وما على الجزء تضمناً وسم *** وخارج المعنى التزام إن لزم2
ثم إنّ هنا بحثاً آخر وهو على القول بالملازمة بين الوجوبين فهل الملازمة بين وجوب ذي المقدمة ووجوب المقدمة الواقعية أو الملازمة بين وجوب ذيها وما يراه المولى مقدمة؟ ذهب سيدنا الأُستاذ إلى القول الثاني، قائلاً: بأنّ الإرادة من الفاعل إنّما تتعلّق بالشيء بعد تصوّره لا مطلقا وان كان

1 . مفتاح العلوم للسكاكي: 140 ـ 141 .
2 . شرح منظومة السبزواري، قسم المنطق: 13.

صفحه 423
غافلاً عنها. وعلى ذلك فالملازمة هي بين إرادة ذيها وإرادة ما يراه مقدّمة.
والحاصل: أنّ الإرادة وليدة العلم، ولايعقل تعلّقها بشيء إلاّ بعد العلم به وعرفانه مقدّمة للشيء.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ الإرادة وليدة العلم ولا يعقل تعلقها بشيء إلاّ بعد العلم به صحيح لا غبار عليه، إلاّ أنّه يكفي في تعلّق الإرادة بالمقدّمة الواقعية العلم بها إجمالاً لا تفصيلاً; كما إذا أمر شخصاً بصنع معجون ويعلم أنّ له مقدّمات لا يحصل المعجون إلاّ بتحصيلها، وعندئذ تتعلّق الإرادة بما هي مقدّمة واقعية. فلو لم تكن المقدّمة مورداً للالتفات لا تفصيلاً ولا إجمالاً لما تكون طرفاً للملازمة.

الأمر الثاني: المسألة عقلية أُصولية

إنّ المسألة عقلية بحتة لما عرفت من أنّ مصب البحث وجود الملازمة وعدمها، وأمّا عدّ القدماء المسألة من المسائل اللفظية فلأحد الوجهين اللذين مرّا في الأمر الأوّل.
وأمّا كونها أُصولية فلوجود ملاكها فيها، وهو كونها صالحة لاستنباط الحكم الشرعي منها بوقوعها كبرى للدليل، فيقال: الوضوء مقدّمة، ومقدّمة الواجب واجبة لأجل الملازمة بين الوجوبين، فينتج: الوضوء واجب، ومنه يظهر أيضاً أنّ الملازمات كلّها من المسائل الأُصولية حيث يستنبط من الملازمة، الحكمُ الشرعي.

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 153 .

صفحه 424

هل المسألة من مبادئ الأحكام

إنّ للفقهاء مصطلحاً خاصاً في باب الأحكام الخمسة باسم مبادئ الأحكام ويراد بها ما يبحث عن عوارض الأحكام الخمسة وملازماتها ومعانداتها إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يعرض الحكم الشرعي بما هوهو، مثلاً يقال: وجوب الشيء يلازم وجوب مقدّمته، أو وجوب الشيء يلازم حرمة ضدّه، هذا في باب الملازمة; وأمّا المعاندة فيقال: وجوب الشيء يعاند حرمته فلا يمكن أن يكون شيء واحد واجباً وحراماً، ولأجل ذلك منعوا من اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ولو بعنوانين، وهذا مصطلح خاص بالفقهاء حول الأحكام الخمسة.
وعلى ضوء ذلك ذهب سيد مشايخنا المحقّق البروجردي إلى أنّ هذه المسألة من مبادئ الأحكام، قائلاً: بأنّ القدماء كانوا يبحثون عن معاندات الأحكام وملازماتها ويسمّونها بالمبادئ الأحكامية، ومنها هذه المسألة، والمراد منها المسائل التي تكون محمولاتها من عوارض الأحكام التكليفية أو الوضعية من التلازم و التضاد .1
في تقسيم المقدمة إلى داخلية وخارجية   
يلاحظ عليه: بأنّه لامانع من أن تكون مسألة واحدة من مبادئ الأحكام في علم، ومن مسائل علم آخر، نظير المقام فإنّه بالنسبة إلى علم الفقه يعد من مبادئ الأحكام، وبالنسبة إلى أُصول الفقه يعدّ من المسائل.
ثم إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي ذهب إلى عدم كون المسألة أُصولية قائلاً: بأنّ الموضوع لعلم الأُصول هو الحجّة في الفقه، والبحث عن

1 . نهاية الأُصول: 1 / 142.

صفحه 425
تعيّناتها وتشخّصاتها بخبر الواحد وغيره من مسائلها، وأمّا المقام فمحطّ النظر في المسألة هو إثبات الملازمة أو نفيها لا الحجيّة.
يلاحظ عليه: أنّ المحمول في عامة المسائل الأُصولية وهو البحث عن تعينات الحجّة في الفقه ، غاية الأمر تارة يكون المحمول نفس الحجية فيقال: خبر الواحد حجة وأُخرى يكون المحمول أمراً غير الحجية لكن يكون مرجعه إليها. مثلاً إذا قيل الأمر يدل على الفور، أو قيل: الأمر يدل على التكرار، فمرجعه إلى وجود الحجة للفقيه في الفقه على وجوب إتيان المأمور به فوراً بلا تراخ أو مرة بعد أُخرى، فيكون مآل المسألة: الأمر حجة على الفور أو أنّ الأمر حجة على التكرار نظير قولنا: خبر الواحد حجة. وبذلك يعلم أنّ البحث عن وجود الملازمة أو عدمها لغاية تحصيل الحجة على وجوب المقدمة.

الأمر الثالث: تقسيمات المقدّمة

إنّ للمقدمة تقسيمات كثيرة تأتي تباعاً.

التقسيم الأوّل: تقسيمها إلى داخلية وخارجية

إنّ المقدمة الداخلية تنقسم إلى مقدّمة كالجزء ومقدّمة كالشرط والمعد، والفرق بينهما أنّ الأوّل مقدمة بذاتها ووصفها أي بذاتها وتقيدها كالحمد حيث أُخذت جزءاً للصلاة فهو مقدمة بذاته وتقيده. وأمّا الثاني فذات الشرط ليست مقدمة وإنّما المقدّمة تقيد الصلاة بها. وكون المصلّي على وضوء

صفحه 426
وعلى هذا فلو فسرت المقدّمة الداخلية بما يكون الشيء بذاته وتقيده مقدّمة فيوصف بالمقدّمة الداخلية بالمعنى الأخصّ، وأمّا لو فسرت بما يكون التقيد بالشيء مقدّمة وإن كان ذات الشيء خارجاً فهو مقدّمة داخلية بالمعنى الأعم.
ثمّ إنّ الكلام في المقدّمة الداخلية يقع في موارد:
1. وجود ملاك المقدّمية في الأجزاء الداخلية.
2. عدم المانع عن تعلّق الوجوب.
3. عدم الحاجة إلى الوجوب الغيري.
وإليك دراستها بالترتيب:

المورد الأوّل: وجود ملاك المقدّمية في الأجزاء الداخلية

وقد ذُكرت في تصحيح مقدّمية الأجزاء تقريبات:
الأوّل: ما ذكره الشيخ الأعظم وهو أنّ الجزء له لحاظان:
1. لحاظ الجزء بشرط لا، وهو في هذا النظر مقدّمة.
2. لحاظ الجزء «لا بشرط» ومعنى «لا بشرط» أنّه يجتمع مع كلّ شرط، ومن الشروط هو لحاظ الجزء منضّماً مع سائر الأجزاء، فالجزء في هذا اللحاظ يكون عين الكل ولا يعد مقدمة، وإليك نصّ كلامه:
إنّ الجزء له اعتباران:
أحدهما: اعتباره «لا بشرط»، وهو بهذا الاعتبار عين الكل، ومتحد معه، إذ لا ينافي ذلك انضمام سائر الأجزاء إليه، فيصير مركباً منها، ويكون هو الكل.

صفحه 427
وثانيهما: اعتباره بشرط لا، وهو بهذا الاعتبار يغاير الكل.1
يلاحظ عليه: أنّ الشيخ الأعظم قد أحسن حيث جعل المقدمة كل جزء برأسه من دون أن يجعل جميع الأجزاء مقدمة واحدة وهذا مصدر قوة لكلامه في المقام، ومع ذلك أنّ كلا اللحاظين غير تامين.
أمّا لحاظ الجزء كالركوع «بشرط لا» فهو لا يصحّح المغايرة بل يخرج الجزء عن المقدّمية، فإنّ الجزء «بشرط لا» يمتنع أن يقع في خدمة ذي المقدّمة، لأنّ الخدمة فرع انسجام الجزء مع سائر الأجزاء والمفروض أنّه أُخذ «بشرط لا»، طارداً لأي انضمام والتحام.
وأمّا لحاظ الجزء على نحو اللا بشرط فلحاظه بهذا المعنى لا يجعله عين الكل في عامة الشرائط، وذلك لأنّ اللا بشرط يجتمع مع ألف شرط، فكما أنّ من الشروط الانضمام فلحاظ الجزء في هذه الحالة يجعله عين الكل، لكن من الشروط أيضاً الوحدة والتجرّد، فالجزء الموصوف بـ «لا بشرط» عند لحاظ الوحدة، يخرجه عن كونه عين الكل، وكان عليه أن يقول: لحاظ الجزء بشرط الإنضمام، مكان «لحاظ الجزء لا بشرط» فإنّ الثاني لا يفي بمقصوده.
الثاني: ما ذكره المحقّق الخراساني وجوابه مبني على أخذ جميع الأجزاء مقدّمة واحدة وعندئذ فالمقدّمة هي الأجزاء بالأسر وذو المقدّمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع فتحصل المغايرة بينهما فالأجزاء لا بشرط، هي المقدّمة والأجزاء بشرط شيء، هي ذو المقدّمة.

1 . مطارح الأنظار: 40، السطر الرابع.

صفحه 428
يلاحظ عليه: أنّ المبنى غير صحيح، إذ ليس هنا مقدّمة واحدة بل المقدّمة تتكثّر حسب كثرة الأجزاء.
الثالث: ما أفاده المحقّق البروجردي اقتباساً من كلام الشيخ الأنصاري من تكثّر المقدّمة حسب تكثّر الأجزاء، وعلى ذلك فالجزء بما هو جزء مقدّمة والاجزاء بشرط الاجتماع ، ذوها. وقد استدلّ على ذلك بقياس الإرادة الآمرية بالإرادة الفاعلية فكما أنّ المقدّمة في الإرادة الفاعلية تتعدّد حسب كثرة الأجزاء فهكذا الأمر في الإرادة الآمرية فإذا طلب معجوناً مركباً من أجزاء ففي كل جزء ملاك المقدّمية وملاك تعلّق الإرادة الآمرية والفاعلية.
الرابع: ما ذكره صاحب المحاضرات وحاصله: أنّ المقدّمة قد تطلق ويراد بها ما يكون وجوده في الخارج غير وجود ذيه، بأن يكون هناك وجودان.
وقد تطلق ويراد بها مطلق ما يتوقّف عليه وجود الشيء، وإن لم يكن وجوده في الخارج غير وجود ذيه.
أمّا المقدّمة بالإطلاق الأوّل، فلا تصدق على الأجزاء، بداهة أنّ وجود الأجزاء ليس مغايراً لوجود الكلّ، بل وجوده عين وجود أجزائه بالأسر، والتغاير لحاظاً لا يثبت التغاير الخارجي.
وأمّا المقدّمة بالإطلاق الثاني فتشمل الأجزاء أيضاً، لوضوح أنّ وجود الكل يتوقّف على وجود أجزائه، وأمّا وجودها فلا يتوقّف على وجوده. وذلك كالواحد بالنسبة إلى الاثنين، فإنّ وجود الاثنين يتوقّف على وجود الواحد دون العكس.1

1 . المحاضرات: 2 / 297 ـ 298 .

صفحه 429
يلاحظ عليه: بعدم ملاءمة ذيل كلامه مع الصدر فعندما يحاول أن ينفي المقدّمية عن الجزء يتّخذ الاجزاء موضوعاً للحكم ويقول: بداهة أن وجود الأجزاء ليس مغايراً للكلّ.
وعندما يحاول إثبات المقدّمية يتخذ الجزء موضوعاً لكلامه ويقول بأنّ الاثنين يتوقّف على الواحد ولو اكتفى بالجزء الأخير من كلامه ـ أعني: توقّف الاثنين على الواحد ـ لتحقّقت المقدّمية بكلا الإطلاقين وذلك لأنّ الجزء مغاير مع الكل، وفي الوقت نفسه يتوقف عليه وجود الكل.

المورد الثاني: عدم المانع عن تعلّق الوجوب

ثم إنّ المحقّق الخراساني بعدما صحّح مقدّمية الأجزاء لكنّه لم يصفها بالوجوب الغيري، وذلك لأنّ الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتاً والمغايرة بينهما اعتبارية فتكون واجبة بعين وجوبه ومبعوثاً إليها بنفس الأمر الباعث إليه فلا تكون واجبة بوجوب آخر لامتناع اجتماع المثلين .1
توضيحه: أنّ المقتضي لعروض الوجوب الغيري على الاجزاء موجود وهو كون الأجزاء «لا بشرط» مقدّمة للأجزاء «بشرط شيء»، لكن المانع غير مفقود، لأنّ التغاير الاعتباري مصحّح للمقدميّة ولا يكون مصحّحاً لعروض الوجوب الغيري، لأنّ معروض الوجوب هو الخارج، والمفروض أن الأجزاء والكل موجود بوجود واحد.
أقول: ما ذكره ثمرة القول بأنّ المقدّمة هو كلّ الأجزاء وأنّ ليس هناك إلاّ

1 . كفاية الأُصول: 1 / 141 .

صفحه 430
مقدمة واحدة فيصح أن يقال: المقتضي موجود ولكن المانع غير مفقود، وأمّا على ما ذكرنا من كون كلّ جزء مقدّمة برأسه وأنّ هنا مقدّمات لا مقدّمة واحدة، فالمقتضي لعروض الوجوب موجود والمانع عن عروضه مفقود، لأنّ وجود الجزء وحده غير وجود الكل في الخارج.
ثم إنّ المحقّق النائيني حاول أن يرفع المانع من اجتماع المثلين وقال: إنّ اجتماع الحكمين المذكورين في شيء واحد، لا يؤدّي إلى اجتماع المثلين، بل يؤدي إلى اندكاك أحدهما في الآخر، فيصيران حكماً واحداً مؤكّداً، كما في كل واجب نفسي وقع مقدّمة لواجب آخر، كصلاة الظهر بالإضافة إلى صلاة العصر، حيث إنّها واجب نفسي وفي الوقت نفسه واجب غيري باعتبار كونها مقدمة لصلاة العصر، ومثله ما لو نذر إقامة النافلة في المسجد، فالوجوب الآتي من قبل النذر يندك في الاستحباب النفسي.1
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاندكاك فرع إمكان التعلّق، فإذا كان التعلّق غير ممكن لاستلزامه اجتماع المثلين فلا تصل النوبة إلى الاندكاك.
وبعبارة أُخرى: الاندكاك مرحلة العلاج، فلابدّ من تصحيح الاجتماع أوّلاً ثم معالجته.
ثانياً: ما ذكره من الأمثلة ليس فيه أيّ اندكاك.
فإنّ الأمر النفسي تعلّق بصلاة الظهر والأمر الغيري تعلّق بتقدّم الظهر على العصر، فليس هناك اجتماع في موضوع واحد حتّى يندك أحدهما في الآخر.

1 . المحاضرات: 2 / 299 ـ 301. ولاحظ أجود التقريرات: 1 / 216 .

صفحه 431
ومنه يظهر حال النذر فإذا نذر إقامة النافلة في المسجد، فالاستحباب النفسي تعلّق بنفس الصلاة، والوجوب الآتي من قبل النذر تعلّق بالوفاء بالنذر، فالموضوعان متغايران حاملان لحكمين متماثلين.
نعم الصلاة في المسجد مصداق لكلا العنوانين الواجبين، ولا يلزم اجتماع الأمرين في شيء واحد، لأنّ الأحكام تتعلّق بالعناوين لا بالمصاديق. نعم يعدّ المصداق طاعة للواجب لا نفس الواجب.

المورد الثالث: عدم الحاجة إلى الوجوب الغيري

قد مرّ أنّ المحقّق الخراساني منع من تعلّق الوجوب الغيري بالأجزاء دفعاً لاجتماع المثلين في موضوع واحد، ونحن أيضاً نرافقه في النتيجة لكن لا من تلك الجهة الّتي ذكرها بل من جهة لغوية تعلّق الوجوب الغيري بالاجزاء. ويعلم ذلك من ملاحظة الإرادة الفاعلية فعندما يحاول إنسان أن يأتي بمركب في الخارج وله أجزاء، تتعلق الإرادة الفاعلية بنفس الكل، فهو يبعث الإنسان إلى كل جزء جزء من ذلك المركب من دون حاجة إلى تعلّق إرادة أُخرى بالجزء، فإذا كان هذا حال الإرادة الفاعلية فالإرادة الآمرية مثله، فإذا بعث المولى العبد إلى أمر مركب فلا يرى نفسه محتاجاً إلى تعلّق وجوب أو وجوبات بالنسبة إلى كل جزء جزء، لأنّ البعث إلى الكل يغنيه عن تعلّق إيجاب بكلّ جزء جزء بل يراه أمراً لغواً.
فإن شئت قلت: فإذا كان البعث إلى الكل باعثاً إلى إيجاد الكل فلا حاجة إلى تعلّق بعوث بكل جزء وإن لم يكن باعثاً فالأمر بالجزء لا يكون باعثاً، لأنّ

صفحه 432
الأمر بالكلّ أمر مولوي له مثوبة وعقوبة، فإذا لم يكن مؤثراً فالأمر الغيري الفاقد للمثوبة والعقوبة لا يكون باعثاً. هذا كلّه حول المقدمة الداخلية.

المقدّمة الخارجية

تنقسم المقدمة الخارجية ـ كالداخلية ـ إلى أخص وأعم.
فالأخصّ ما يكون القيد والتقيّد خارجين، فهذا كالمكان فإنّه مقدمة للصلاة، ولكنّه بقيده وتقيّده ليس جزءاً للصلاة.
وأمّا الأعم فهو ما يكون القيد خارجاً، سواء كان التقيّد أيضاً خارجاً كالمكان أو كان التقيد داخلاً كالوضوء.
في تقسيم المقدمة إلى عقلية وشرعية وعادية   
***

التقسيم الثاني: تقسيمها إلى عقلية وشرعية وعادية

المقدّمة كما تقسّم إلى داخلية وخارجية، فهكذا تقسّم إلى عقلية وشرعية وعادية.
والملاك في التقسيم الأوّل تقسيم المقدّمة بلحاظ نفسها وأنّها إمّا داخلة في ذيها، أو خارجة منها.
والملاك في التقسيم الثاني هو تقسيمها بلحاظ الحاكم بكون الشيء مقدّمة إمّا بحكم العقل كالعلّة بالنسبة إلى المعلول، أو بحكم الشرع كشرطية الطهارة للصلاة، أو بحكم العادة.
وقد أورد المحقّق الخراساني على هذا التقسيم ما هذا توضيحه:

صفحه 433
1. أنّ الثانية ترجع إلى الأولى، لأنّ امتناع المشروط بدون شرطه بعد أخذه فيه من جانب الشارع، عقلي.
2. أنّ العادية لو أُريد بها ما يكون التوقّف عليها حسب العادة بحيث يمكن تحقّقها (الغاية) بدونها (واقعاً وفعلاً) إلاّ أنّ العادة جرت على الإتيان به بواسطتها (وهذا كالسيارة إلى سائر المواصلات الرائجة في الأزمنة السابقة ، فإنّ العادة جرت في هذه الأيام على الاستفادة من الأُولى دون الثانية، ولكن الوصول إلى المقصد لا يتوقّف على السيارة لا واقعاً ولا فعلاً) وهي وإن كانت غير راجعة إلى العقلية إلاّ أنّها خارجة عن محلّ النزاع.
وإن كانت بمعنى أنّ التوقّف عليها ـ وإن كان فعلاً واقعياً كنصب السلّم ونحوه للصعود إلى السطح ـ إلاّ أنّه لأجل عدم التمكّن من الأسباب الأُخرى كالطيران ، لكنّها عندئذ راجعة إلى العقلية لتعيّن الاستفادة من هذه المقدّمة عقلاً بعد فقدان القسم الأخير.1
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ محور التقسيم هنا هو تقسيم المقدّمة باعتبار حاكمها وأنّه إمّا العقل أو الشرع أو العادة، وهذا لا ينافي أن تدخل المقدّمة الشرعية بعد حكم الشارع، في المقدّمة العقلية.
فالكلام في المقام في التقسيم قبل حكم العقل لا بعد ما حكم.
وثانياً: أنّ الإشكال حصل من تمثيل بعض الأُصوليين بالمقدّمة العادية بنصب السُّلّم، وعندئذ يتوجّه الإشكال بأنّ مثله يدخل في المقدّمة العقلية، والظاهر أن يمثل بالمثال الأوّل، أعني: الوصول إلى المقصد بالسيارة أو

1 . كفاية الأُصول : 1 / 143، بتصرف .

صفحه 434
غيرها مع إمكان الوصول إليه بالعربة القديمة، ولكنّ الثانية صارت منسوخة بعد شيوع وسائل النقل الحديثة. وكونه خارجاً عن موضع النزاع لا يضر بالتقسيم الّذي يدور مدار الحاكم لا كونه داخلاً في حد النزاع.
ثم إنّ صاحب المحاضرات أورد على هذا التقسيم بقوله: إنّ الشرعية هي المقدّمة الداخلية بالمعنى الأعم، والعقلية هي الخارجية بالمعنى الأخص.1
في تقسيم المقدمة إلى مقدّمة الوجود والصحة والوجوب والعلم   
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره وإن كان صحيحاً لكنّه لا يستلزم التداخل في التقسيم فإن التقسيم الأوّل إنّما هو بلحاظ المقدّمة بنفسها وفي المقام التقسيم لحاظ المقدّمة بالنسبة إلى الحاكم بها.

التقسيم الثالث: تقسيمها إلى مقدّمة الوجود والصحة والوجوب والعلم

الملاك في هذا التقسيم هو نسبة المقدّمة إلى ذيها وأنّها أي خدمة تقدّمها إلى ذيها. فتارة يكون وجود ذي المقدّمة متوقّفاً على وجود المقدّمة فيكون دورها دور التأثير في وجود ذي المقدّمة، وأُخرى تكون مؤثّرة في صحّة ذيها كالشرائط الشرعية بالنسبة إلى الصلاة، وثالثة تكون مؤثرة في وجوب ذيها كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج، ورابعة تكون مؤثرة في العلم بتحقّق ذيها كالصلاة إلى الجوانب الأربع وهذا شيء لا سترة فيه.
وقد أورد المحقّق الخراساني على هذا التقسيم أموراً:
1. أنّ مقدّمة الصحّة ترجع إلى مقدّمة الوجود، أمّا إذا قلنا بأنّ ألفاظ

1 . المحاضرات: 2 / 303 .

صفحه 435
العبادات أسام للصحيح منها فواضح، وأمّا على القول بأنّها موضوعة للأعم، فهي وإن كانت لا ترجع إلى مقدّمة الوجود لكن لمّا كان الواجب هو الصحيح من الصلاة لكون المأمور به هو الصحيح تكون مقدّمة وجودية للواجب، والبحث في مقدّمة الواجب لا في مقدّمة المسمّى.
2. أنّ مقدّمة الوجوب خارجة عن محلّ البحث، لأنّه لولاها لما اتّصف الواجب بالوجوب، فكيف تتصف بالوجوب من قبل الواجب المشروط وجوبه.
3. أنّ المقدّمة العلمية كالصلاة إلى أربع جهات، ممّا يحكم بها العقل إرشاداً ليؤمن من العقاب لا من باب الملازمة بين وجوبها ووجوب ذيها، فإنّ ملاك الملازمة هو التوقّف وهو منتف في المقام.1
أقول: ما ذكره من أنّ مقدّمة الصحة ترجع إلى مقدّمة الوجود كلام متين، لكنّ ما ذكره من الإشكالين غير تام. أمّا الأوّل فلأنّ مقدّمة الوجوب وإن كانت لا توصف بالوجوب من قبل الواجب المشروط وجوبه بها لكن ليس الكلام مختصاً بالمقدّمة الّتي توصف بالوجوب من جانب ذيها، بل الملاك أوسع من ذلك وهو التعرّف على دور المقدمة بالنسبة إلى ذيها وإن لم تكن واجبة بوجوبها، ومنه يعلم حكم المقدّمة العلمية فإنّ المقدّمة العلمية لا دور لها في تحقّق ذيها، لأن الصلاة إلى الكعبة متوقّفة في الواقع على الصلاة إلى جهة واحدة لا على الصلوات الأربع، فليس في الصلوات إلى الجهات الأربع ملاك المقدّمية بمعنى توقّف ذيها وجوداً على تحقّقها لكن لها دور في العلم برفع

1 . كفاية الأُصول: 1 / 144 .

صفحه 436
الاشتغال وتحصيل المؤمن.
في تقسيم المقدمة إلى السبب والشرط والمعدّ وعدم المانع   

التقسيم الرابع: تقسيمها إلى السبب والشرط والمعدّ وعدم المانع

تنقسم المقدّمة إلى أقسام أربعة; السبب والشرط والمعدّ وعدم المانع، وملاك التقسيم هو اختلاف كيفية تأثير المقدّمة في ذيها، فإنّ لكلّ نوع تأثيراً فيه ، وإليك دراسة الكلّ:

1. السبب

عُرّف السبب بتعريفين مختلفين، فعرّفه الأُصوليون بالتعريف التالي:
ما يلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدم المسبب. والسبب الأُصولي بهذا المعنى ينطبق على العلّة التامّة. وقد انتزع هذا التعريف من المسائل الفقهية الّتي يكون السبب فيها علّة تامّة، كصيغة العقد بالنسبة إلى النكاح، والوضوء والغسل بالنسبة إلى الطهارة من الحدث، والغسل بالنسبة إلى إزالة الخبث، إلى غير ذلك من الأمثلة.
وهذا التعريف صحيح من منظار الفقيه حيث إنّه ينتزع التعريف من المسائل الّتي يمارسها.
وعرّفه الحكماء بقولهم: ما يكون منه وجود المسبب. وتعريف السبب بهذا المعنى ينطبق على المقتضي الّذي هو جزء العلّة التامّة، كالنار بالنسبة إلى احتراق الحطب فإنّها ليست علّة تامّة للاحتراق، بل هو رهن أُمور أُخرى، كتحقّق المحاذاة بينهما ويبوسة الحطب. فبذلك يظهر أنّ كلاًّ من الطائفتين

صفحه 437
قد تأثّر بالعلم الّذي مارسه، فالأُصولي يمارس العلوم الاعتبارية الّتي يكون السبب فيها علّة تامّة للأمر الاعتباري، والحكيم يمارس العلوم الكونية فعرّفه بما مرّ عليك، وكلٌّ مصيب في تعريفه .

2. الشرط

عرّفه الأُصوليون بما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط.
وهذا التعريف صحيح بالنسبة إلى العلم الذي يمارسه الأُصولي، فإنّ الوضوء شرط للصلاة، فلا يلزم من وجوده وجود المشروط، ولكن يلزم من عدمه عدم المشروط.
وعرّفه الحكماء بتعريف آخر وهو: أنّ الشرط إمّا أن يكون مكمّلاً لفاعلية الفاعل، أو لقابلية القابل، كالمحاذاة في إحراق النار الحطب فهو مكمّل لفاعلية الفاعل، أو يبوسة الحطب حيث إنّها مكمّلة لقابلية القابل.
وكلا التعريفين صحيحان، لكن كلٌّ من منظار خاص.

3. المعدّ

عرّف المعد: ما يقرّب العلّة ـ كالصاعد ـ من المعلول ـ الكون على السطح ـ وهذا كارتقاء السلم درجة بعد درجة. والأَولى إدخال المعد تحت الشرط، فإنّ لكلٍّ منهما تأثيراً وإفاضة، غير أنّ تأثير الشرط دفعي وتأثير المعد بالتدريج.

صفحه 438

4. عدم المانع

في تقسيم المقدمة إلى متقدّمة ومقارنة ومتأخّرة   
عدّ الأُصوليّون عدم المانع من المقدّمات وأجزاء العلّة التامّة، وهذا صحيح من منظار الاعتبار، إذ لا مانع في عالم الاعتبار جعل عدم المانع من أجزاء العلل، وهذا كالجنابة بالنسبة إلى الصلاة، أو الخبث في اللباس بالنسبة إليها.
وأمّا الحكيم فبما أنّه يمارس الأُمور الكونية، والتأثير والتأثر من شؤون الوجود، والعدم لاحظّ له في كلا المقامين، ولذلك يقول الحكيم السبزواري:
كذاك في الأعدام لا علّية *** وإن بها فاهوا فتقريبية1
ولذلك عاد الحكماء يفسّرون دور المانع في مقام العلّية وقالوا: إنّ حقيقة المانعية ترجع إلى وجود التضاد بين المانع والشيء، فعبّروا عن التضاد والتمانع بينهما بشرطية عدم المانع، ومن المعلوم أنّ العدم أنزل من أن يكون جزءاً للعلّة ومؤثراً في المعلول. وللحكيم السبزواري توضيح للمقام فراجعه.(2)

التقسيم الخامس: تقسيمها إلى متقدّمة ومقارنة ومتأخّرة

قسّموا المقدّمة بحسب نسبتها من حيث الزمان إلى ذيها بالأقسام الثلاثة، والملاك في هذا التقسيم مزامنة المقدّمة مع ذيها وعدمها.
ثم إنّ الداعي إلى هذا التقسيم وجود المقدّمات الثلاث في الفقه كما نشير إليه .

1 . شرح المنظومة للحكيم السبزواري: 42 .   2 . شرح المنظومة: 42.

صفحه 439
وهاهنا نكتة وهي أنّ أُصول الفقه عند الحنفية أُصول مستلّة من الفقه، فبما أنّ الفقه أُمّ القواعد الأُصولية، فلو خالفت المسألة الأُصولية لفقه الإمام (أبي حنيفة) وفتواه تُخْضَع القاعدة الأُصولية لفتوى الإمام على خلاف مسلك الإمامية والشافعية في تدوين علم الأُصول فإنّ له عند هاتين الطائفتين أصالة واستقلالاً، وعندئذ تُعرض فتوى الإمام على القاعدة القطعية فإن وافقتها فهو، وإن خالفتها فتعالج بإحدى الطرق المقررة في علم الأُصول. هذا إجمال ما شرحناه في مقال مبسوط حول وجود اتجاهين في تدوين علم أُصول الفقه1، ومن حسن الحظ أنّ التقسيم للمقدمة إلى الأقسام مأخوذة من المسائل الفقهية حيث نرى فيها الأقسام الثلاثة بوضوح.
أمّا المتقدّم فقد قسّم الفقهاء الوصية إلى تمليكية وعهدية وفكية، فالأوّل كما إذا أوصى بتمليك شيء للموصى له، والثاني كما إذا أوصى بأن يحج عنه، والثالث كما إذا أوصى أن يفك عنه عبده.
فإذا أوصى بتمليك شيء من تركته لزيد فالوصية شرط متقدّم على الملكية، والملكية تحصل بعد قبول الموصى له.
وأمّا المقارن فقد اتّفق الفقهاء على أنّ العقل والبلوغ شرطان لعامة التكاليف فهما من الشرائط المقارنة.
وأمّا المتأخّر فقد اشتهر بينهم أنّ صوم المستحاضة في اليوم الّذي تصوم محكوم في يومها بالصحة مع تأخّر شرطها، أعني: اغتسالها ليلاً،

1 . انظر رسائل ومقالات (للمؤلف): 6 / 221 ـ 232، مقال: اتّجاهان في تدوين أُصول الفقه واقتراحات لتطويره.

صفحه 440
فالصحة متقدّمة والشرط متأخّر.
وقد أشكل الأمر في موردين :
في أقسام شرائط المأمور به    
1. الشرط المتقدم حيث إنّه من اجزاء العلّة فلابد من مقارنته معها زمانا، فالشرط المنصرم زمانا غير الموجود عند الجزء الأخير من العلّة التامّة، مخالف للقاعدة العقلية من لزوم اجتماع اجزاء العلّة عند التأثير.
2. الشرط المتأخر حيث انّه من اجزاء العلة يجب تقدمه على المعلول مع انّه متأخر عنه .
أقول: إنّ الشرط المتقدّم أو المتأخّر ; إمّا شرط المأمور به، أو شرط التكليف، أو شرط الوضع، فيقع الكلام في مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: شرائط المأمور به

ينقسم شرط المأمور به إلى: متقدّم كالغسل والوضوء إذا قلنا بشرطية نفس الأعمال الخارجية للصلاة، ومقارن كالستر والاستقبال، ومتأخّر كالأغسال الليلية للمستحاضة الصائمة يومها بشرط أن يكون الاغتسال من أجزاء المأمور به لا شرطاً لصحة الصوم، وإلاّ يدخل في القسم الثالث أعني: شرط الوضع.
وربّما يقال: من أنّ الشرط عبارة عمّا يكمل فاعلية الفاعل أو قابلية القابل وهو بما أنّه من أجزاء العلّة التامّة يجب أن يكون متزامناً مع سائر الأجزاء وبما أنّ العلة متقدّمة على المعلول يجب أن يكون مقدّماً عليه فكيف ينقسم إلى أقسام ثلاثة؟!

صفحه 441
والجواب أنّ ما ذكرته من شؤون الشرط الفلسفي فالشرط فيه يكون متزامناً مع سائر الأجزاء وفي الوقت نفسه يكون متقدّماً على المعلول، وأمّا الشرط هنا فالمراد ما يعدّ من متعلّقات المأمور به والدخيل فيه بنحو من الأنحاء فربّما يكون الدخيل الأمر المتقدّم، وأُخرى الأمر المقارن، وثالثة الأمر المتأخّر.
وبعبارة أُخرى: لمّا كان المأمور به أمراً تدريجياً لا دفعياً فتكون أجزاؤه ومتعلّقاته ما له مدخلية في وقوع الأجزاء محصلة للغرض، تارة متقدّماً، وأُخرى متقارناً، وثالثة متأخّراً. والمغالطة حصلت من اشتراك لفظ الشرط بالمعنى الفلسفي والشرط بالمعنى الفقهي.
فإن قلت: إنّ الوضوء والغسل بنفسهما غير دخيلين والدخيل هو الحالة النفسانية فيكون الشرط مقارناً. هذا من جانب ومن جانب آخر إنّ الاغتسال بالليل ماهية مباينة مع الصوم فلا يتعلّق بهما أمر واحد بل أمران، فعندئذ لا يعلّق عليه الشرط.
قلت: أوّلاً إنّه مناقشة في المثال، وثانياً أنّ ظاهر الآية شرطية نفس الغسلتين والمسحتين للصلاة. قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)1. وأمّا كون الاغتسال أمراً مغايراً للصوم فلا يضر بتعلّق الأمر الواحد بهما كما إذا قال: «صُومي مع الاغتسال بالليل» وعلى فرض تعدّد الأمر فلا يخرج عن الشرطية لارتباط الاغتسال بالصوم.

1 . المائدة: 6 .

صفحه 442
في أقسام شرائط التكليف   
وعلى كلّ تقدير فالاشتراك في اللفظ صار مبدأ المغالطة، فقد ذكر المنطقيون أنّ لها ثلاثة عشر قسماً، منها الاشتراك باللفظ. ولقد أحسن المحقّق النائيني حيث قال: التحقيق هو خروج شروط المأمور به عن حريم النزاع، بداهة أنّ شرطية شيء للمأمور به ليست إلاّ بمعنى أخذه قيداً في المأمور به، فكما يجوز تقييده بأمر سابق أو مقارن، يجوز تقييده بأمر لاحق أيضاً، كتقييد صوم المستحاضة بالاغتسال في الليلة اللاحقة، إذ لا يزيد الشرط بالمعنى المزبور على الجزء، الدخيل في المأمور به تقيّداً وقيداً.1
وبذلك نستغني عمّا ذكره المحقّق الخراساني من الجواب، وهو وإن كان صحيحاً لكنّه لا حاجة له.

المقام الثاني: شرائط التكليف

كان البحث السابق في شرائط ما يقع تحت دائرة الطلب، ولكنّ البحث الحالي مركّز على شرائط نفس الطلب فقد يكون متقدّماً عليه كما إذا قال: إذا جاء زيد اليوم يجب عليك إكرامه غداً، على وجه يكون المجيء شرطاً متقدّماً للوجوب المتأخّر، لأنّ لفظة «غداً» قيدٌ للوجوب، والإرادة، فالشرط متقدّم والمشروط متأخّر، وأُخرى ما يكون مقارناً للتكليف كالبلوغ والعقل، وثالثة ما يكون متأخّراً كوجوب الحج في أوّل أشهر الحج للمستطيع مع كونه مشروطاً بدرك الوقوفين حيّاً فيقال التكليف فعل من أفعال المكلّف، وشرط التكليف جزء من علل التكليف فيجب أن تكون العلة متزامنة الأجزاء، وفي

1 . أجود التقريرات: 1 / 221 ـ 222 .

صفحه 443
الوقت نفسه متقدّمة على المعلول فكيف تكون أقساماً ثلاثة؟!
أقول: يطلق التكليف ويراد به أحد المعنيين التاليين:
1. الإيجاب والزجر الاعتباريان الإنشائيان.
2. الإرادة الحقيقية الظاهرة في نفس المولى الباعثة إلى الإيجاب والزجر الاعتباريين.
أمّا المعنى الأوّل، فالإجابة عنه واضحة بعد لحاظ أُمور :
الأوّل: الأُمور الاعتبارية خفيفة المؤونة ليس فيها تأثير ولا تأثر وإنّما تقوم بفرض الفارض وتصور متصوّر.
الثاني: تخرج الأُمور الاعتبارية عن اللغوية والفرض البحت بترتب أثر اجتماعي عليه وإلاّ يكون أمراً لغواً، كترتّب الملكية على البيع والزوجية على عقد النكاح.
الثالث: أن لا يكون فيه تناقض في عالم الاعتبار وإلاّ يوجب اللغوية فينتفي الشرط الثاني .
إذا علمت ذلك فلا مانع من اعتبار شيء متقدّم شرطاً لأمر متأخّر، أو اعتبار شيء متأخّر شرطاً لأمر متقدم . والمهم هو حل الإشكال في التكليف بالمعنى الآتي.
وأمّا المعنى الثاني ـ أي التكليف بمعنى الإرادة الحقيقية الظاهرة في لوح النفس ـ فهو أمر تكويني وله علّة يجب أن تكون متزامنة مع المعلول، كما هو شأن عامّة العلل التكوينية، إنّما الكلام في بيان ما هي العلّة لظهور هذه

صفحه 444
الظاهرة في لوح النفس فنقول: تظهر الإرادة في النفس غبّ أمرين متزامنين معها:
أ. علم المولى بوجود المصلحة في المأمور به .
ب. علمه بقدرة العبد على إيجاد المأمور به في ظرفه.
أمّا الأوّل: أعني قولنا: إن جاءك زيد اليوم يجب عليك إكرامه غداً، فيجب فيه التفكيك بين المشروط الاعتباري وشرطه، فالإيجاب الاعتباري مشروط متأخر وشرطه ـ أعني: المجيء ـ متقدّم، ولا إشكال فيه، كما أنّه يجب التفكيك بين التكليف الحقيقي ـ أعني: ظهور الإرادة في النفس في المثال المذكور ـ وشرطه وهو علم المكلّف بوجود المصلحة في إكرام زيد في نفس ذلك اليوم، والشرط هنا مقارن لظهور الإرادة، وبذلك يرتفع الإشكال.
وأمّا الثاني: أعني: إيجاب الحجّ المتقدّم مع كون شرطه متأخراً ـ أعني: درك الوقوفين ـ فلو لوحظ الإيجاب الاعتباري فلا مانع من تأخّر شرطه، وأمّا إذا لوحظت إرادة المكلِّف وظهورها في النفس فهو أمر تكويني شرطه فرض المكلّف حيّاً وقادراً على إدراك الوفوفين، فما فيه التقدّم والتأخّر أمر اعتباري، وأمّا الأمر التكويني فالشرط والمشروط متزامنان .
فالإرادة التكوينية ظهرت في النفس ولكن بعد ظهور علمين مقارنين معها وهو علمه بالمصلحة وعلمه بالقدرة. فإذن المشروط (الإرادة) مقرون مع الشرط، كما أنّ الشرط ـ أي العلمين ـ متزامن مع المشروط .
وإن شئت قلت: إنَّ الإرادة الحقيقية المنقدحة في ذهن المولى، بما أنّها

صفحه 445
أمر تكويني يجب أن يكون شرطها مقارناً لها، وقد علمت أنّ المحرك والباعث لظهورها إنّما هو العلم بالمصلحة فيما إذا قال: إذا جاءك زيد يوم الخميس فأكرمه يوم الجمعة، أو العلم بتحقّق القدرة في ظرفها في فريضة الحج.
فتبيّن من ذلك أنّ التكليف الاعتباري أمر خفيف المؤونة يجوز فيه تقدّم شرطه وتقارنه وتأخّره. وأمّا التكليف بمعنى الإرادة فما فرض متقدّماً كالمجيء أو متأخّراً كإدراك الوقوفين ليسا شرطاً للإرادة الحقيقية، بل شرطها عبارة عن علم حصولي حاضر في النفس مبدع للإرادة، وهو العلم بالمصلحة أو المقدور.
فإن قلت: إنّ ظاهر الأمثلة أنّ المجيء شرط لا العلم به، وأن نفس الوقوفين شرط لا العلم به، فإرجاع الشرط إلى العلم تصرف في لسان الدليل.
قلت: ما ذكرته صحيح ولكنّهما شرطان للوجوب الاعتباري لا للإرادة التكوينية، فما هو الشرط للإرادة متزامن معها، وأما المتقدّم والمتأخّر فهما من شرائط الوجوب الاعتباري الّذي هو خفيف المؤونة.
وبذلك يتّضح ما في الكفاية حيث جعل الشرط اللحاظ الذهني (علم المولى)، ولكنّه لم يفرق بين كونه شرطاً للإرادة أو للوجوب الاعتباري، فكلامه متين غير أنّه لم يفرّق بين المعنيين للتكليف.

إجابة صاحب المحاضرات

ذهب صاحب المحاضرات إلى جواز تقدم الشرط على المشروط في

صفحه 446
الأُمور التكوينية قائلاً بأنّ دور الشرط إعطاء استعداد التأثير للمقتضي في مقتضاه ومن البديهي انّه لا مانع من تقدّم ما هو معد ومقرب للمعلول زماناً ولا تعتبر المقارنة في مثله. ومثل لذلك بمثالين:
في أقسام شرائط الوضع   
أحدهما: أنّ غليان الماء خارجاً، يتوقّف على إحراق النار وإيجاد الحرارة فيه على التدريج إلى أن يبلغ درجة خاصة، فالإحراق شرط للغليان، وهو متقدّم.
وثانيهما: تقدّم فري الأوداج مع أنّه شرط للقتل.1
يلاحظ عليه: بأنّه خلط بين الشرط بوجوده الحدوثي والشرط بوجوده البقائي فما هو متقدّم فإنّما هو الشرط بالمعنى الأوّل، وأمّا ما هو متزامن ومقارن فهو الشرط بالمعنى الثاني. فالإحراق بالمعنى الحدوثي وإن كان مفقوداً ولكنّه ليس بشرط، إلاّ أنّه بالمعنى البقائي فهو موجود فإنّ الإحراق التدريجي يحدث في الماء درجة من الحرارة يصل إلى حد الغليان ففي تلك الحالة، الحرارة بحدودها السابقة وان لم تكن موجودة لكنها بكمالها موجودة عند الغليان وليست مفقودة .

المقام الثالث: في شرائط الوضع

اصطلح الأُصوليون على تسمية ما يرجع إلى الحكم التكليفي من القيود بالشرط، وتسمية ما يرجع إلى الحكم الوضعي منها بالسبب. وعلى ذلك فالأسباب في الشريعة مختلفة:

1 . المحاضرات: 2 / 305 ـ 306 .

صفحه 447
فمنها ما هو متقدم كالإيصاء بالملكية التي تحصل بعد الموت بقبول الموصى له.
ومنها ما هو مقارن كعقد البيع بالنسبة إلى البيع .
ومنها ما هو متأخر كالإجازة في عقد الفضولي. والإشكال في المقام يقع في السبب المتقدّم والمتأخّر دون المقارن.
والإجابة عن هذا الإشكال كالإجابة في المقام الثاني فإنّ سببية الشيء في المقام ليست سببية تكوينية حتّى يكون السبب متزامناً مع المسبب في وقت واحد، بل السببية أمر اعتباري لأمر اعتباري، فلا مانع من أن يكون السبب متقدّماً على المسبب الاعتباري أو متأخّراً عنه. فإذاً لا إشكال في أن يكون الإيصاء سبباً متقدّماً على الملكية بعد موت الموصي، أو تكون إجازة المالك بعد العقد سبباً للملكية.
نعم هناك كلام آخر وهو أنّ الأُمور الاعتبارية وإن كانت غير خاضعة للقواعد التكوينية، إلاّ أنّ الأُمور الاعتبارية ـ على الإطلاق ـ مشروطة بشرطين:
أ. أن يترتب الأثر على المعتبر حتّى لا يكون لغواً فاعتبار «انياب اغوال» اعتبار ساقط لا يحوم حوله العقلاء.
ب. أن لا يكون تناقض في الاعتبار، فلو اعتبرت الأُمور العشرة سبباً لأمر اعتباري، ومع ذلك اعتبر ما دون العشرة أيضاً سبباً له فهذا وإن لم يكن محالاً، لكنّه تناقض في الاعتبار ساقط عند العقلاء.
فما اشتهر في الألسن من أنّ الاعتبار خفيف المؤونة وإن كان صحيحاً

صفحه 448
ولكن ليس بمعنى كونه ملغىً عن كل شرط.
إذا عرفت ذلك فنقول في خصوص السبب المتأخّر إشكال وهو وجود التناقض في الاعتبار فمن جانب يعتبر الشارع السبب التام للملكية هو التجارة المقرونة بالتراضي ويقول (تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)، ومن جانب آخر يعتبر الإجازة كاشفة عن حدوث الملكية من حين العقد وإن لم يكن معه رضا المالك فهذا يرجع إلى التناقض في الاعتبار، وذلك لأن لازم قوله تعالى:
(إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)هو لزوم مقارنة التراضي مع العقد، ولكنّ لازم القول بكون الإجازة كاشفة عن حصول الملكية حين العقد، هو عدم شرطية التقارن حين العقد، بل يكفي بعد مضيّ شهر ـ مثلاً ـ ، وهذان الأمران لا يجتمعان اعتباراً، وقد قلنا: إنّ من شرائط صحة الاعتبار كونه معرىً عن التناقض حتّى يصلح أن يقع موضوعاً للأثر.
ولذلك قلنا في محلّه: إنّ الكشف الحقيقي بمعنى كون المشتري مالكاً في الواقع في الفترة الموجودة بين الصيغة وإجازة المالك ليس أمراً محالاً، بل مخالفٌ للاعتبار السابق.
ولذلك ذهب غير واحد من المحقّقين تبعاً لشريف العلماء ـ أُستاذ الشيخ الأنصاري ـ إلى الكشف الحكمي بمعنى أنّ العين ملك للبائع في نفس الفترة غير أنّ نماء المبيع للمالك الثاني (المشتري) تعبّداً.

صفحه 449

دور الإجازة، إحداث الملكية فيما سبق لا الكشف عنها

ويمكن رفع التناقض في الاعتبار بالنحو التالي. وهو أن يقال: إنّ قبول المالك وإجازته كما يحدث الملكية فيما يأتي من الزمان كذلك يُحدث ملكية العين للمشتري فيما مضى من الزمان، أعني: بين الإجازة والعقد.
وبعبارة أُخرى: أنّ الملكية أمر اعتباري فكما يصح إنشاؤها للمستقبل من الزمان كذلك يمكن إنشاؤها للماضي منه إذا كان لهذا الاعتبار أثر شرعي، وعلى هذا فلا مانع من القول بأنّ الإجازة تُحدث ملكية فيما تقدّم من الزمان، فيكون المشتري مالكاً واقعاً في تلك الفترة.
فإن قلت: إنّ لازم ذلك اجتماع مالكين على شيء واحد في زمان واحد، فإنّ الفاصل الزماني بين العقد والإجازة فترة معينة فكيف يمكن أن يكون شيء واحد في تلك الفترة مملوكاً لشخصين، أعني: المالك والمشتري، وهو أشبه بالتناقض.
قلت: إنّ المسوّغ لهذا النوع من الملكية، أعني: أن يكون شيء واحد في زمان واحد ملكاً لشخصين هو اختلاف زمان الاعتبار، حيث إنّ ظرف اعتبار كون العين ملكاً للمالك هو يوم الخميس وظرف اعتبار كون العين ملكاً للمشتري هو يوم الجمعة، واختلاف زمان الاعتبارين هو المسوّغ وإن كان زمان الملكيتين واحداً.
ويمكن استظهاره ممّا رواه محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب، فاستولدها الّذي اشتراها منه، فولدت منه غلاماً، ثمّ جاء سيدها الأوّل، فخاصم سيدها

صفحه 450
الأخير، فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: «الحكم أن يأخذ وليدته وابنها»، فناشده الّذي اشتراها، فقال له: «خذ ابنه الّذي باعك الوليدة حتّى ينفّذ لك البيع»، فلمّا أخذه قال له أبوه: أرسل ابني، قال: لا والله، لا أرسل إليك ابنك حتّى تُرسل ابني، فلمّا رأى ذلك سيدُ الوليدة أجازَ بيعَ ابنه .1
والشاهد في قوله: «خذ ابنه الّذي باعك الوليدة حتّى ينفّذ لك البيع» فإنّ المتبادر منه هو تنفيذ العقد في الفترة الماضية، وهذا ينطبق على ما ذكرنا من أنّ دور الإجازة دور إنشاء الملكية من زمان صدور العقد إلى زمان الإجازة لا الكشف عن الملكية، وبذلك يرتفع الإشكال، لأنّ العقد لا يؤثر في الملكية إلاّ بعد الإجازة وهي مقترنة بالعقد، لأنّ للعقد بقاءً عرفياً.
إلى هنا تمّ حلّ مشكلة الشرط المتأخّر في المقامات الثلاثة .
وحاصل الأجوبة:
أمّا في شرط المأمور به فهو أنّ الشرط هنا ليس شرطاً فلسفياً بل يقابل الجزء، ومن المعلوم أنّ الأجزاء والشرائط في الأُمور التدريجية لا تكون مجتمعة عقلاً، بل تكون متدرجة.
أمّا في شرط التكليف فقد قلنا: إنّ شرط الإيجاب خال عن الإشكال، لأنّ الإيجاب أمر اعتباري ولا مانع من أن يكون شرط المعتبر مقدّماً أو مؤخّراً.
وأمّا الإرادة الّتي وراء الإيجاب فقد قلنا: إنّه أمر ذهني وشرائطه عبارة

1 . الوسائل: 14، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1 .

صفحه 451
عن اللحاظ الذهني كلحاظ المصلحة فيما: (إذا قال: إذا جاء زيد يوم الخميس أكرمه يوم الجمعة)، أو العلم بقدرة المكلف كما إذا أوجب الحج في أشهر الحج مع فرض قدرة العبد على الحج في أيامه. والشرط الذهني متزامن مع الإرادة.
وأمّا شرط الوضع فقد قلنا: إنّ المشكلة تكْمن في أنّ حدوث الملكية قبل الإجازة تناقض في الاعتبار ولا محيص من جعل الإجازة محدثة للملكية بعد صدورها من زمان العقد إلى زمان الاجازة فيكون العقد والإجازة متزامنين وتحصل الملكية بعدهما.

إجابة المحقّق النائيني

إنّ المحقّق النائيني أجاب بوجه نقله عن غيره وقال: وأحسن ما قيل في المقام من الوجوه: هو أنّ الشرط عنوان التعقّب والوصف الانتزاعي، وقد تقدّم عدم توقّف انتزاع وصف التعقب على وجود المتأخّر في موطن الانتزاع، بل يكفي في الانتزاع وجود شيء في موطنه، فيكون الشرط في باب الفضولي هو وصف التعقّب، وانّ السبب للنقل والانتقال هو العقد المتعقب بالإجازة، وهذا الوصف حاصل في زمن العقد هذا .1
يلاحظ عليه: بأنّ فيما ذكره من «أنّ الشرط عنوان التعقّب وهو موجود مع العقد وإن لم يوجد الشرط، أعني: الإجازة»، خلطاً بين ذات المتعقَّب وعنوان التعقب، فالأوّل متحقّق وإن لم تلحق به الإجازة، وأمّا التعقّب بالعنوان

1 . فوائد الأُصول: 1 / 281 .

صفحه 452
الوصفي فبما انّه أمر انتزاعي والأمر الانتزاعي من مراتب التكوين، فكيف يمكن انتزاعه بالفعل مع عدم وجود منشأ الانتزاع، أعني: الإجازة؟!
وبعبارة أُخرى: أنّ عنوان التعقّب إمّا منتزع من ذات العقد وذات الصوم بلا لحاظ ضمّ الإجازة والاغتسال، فلازمه حدوث الملكية، ووصف الصوم بالصحة الفعلية، وإن لم تنضم إليهما الإجازة والاغتسال، وهو خلاف الفرض.
وإمّا منتزعة عنهما بملاحظة الإجازة والاغتسال، فلازمه عدم إمكان انتزاعهما ما لم تلحق بهما الإجازة والاغتسال، إذ لو لم يكن ذات العقد أو الصوم كافياً في صحّة الانتزاع، فلا معنى لانتزاع الخصوصية بلا ضم الإجازة أو الغسل.
تعريف الواجب المطلق والمشروط   

الأمر الرابع: تقسيمات الواجب

قُسِّم الواجب إلى أقسام بملاكات مختلفة نستعرضها فيما يلي:

التقسيم الأوّل: تقسيمه إلى مطلق ومشروط

قَسَّم مشهورُ الأُصوليين الواجب إلى مطلق ومشروط. والظاهر أنّه تقسيم للوجوب، وانّه ينقسم إلى مطلق ومشروط. ووصف الواجب بأحد الأمرين من قبيل الوصف بحال المتعلّق.

صفحه 453

تعريف المطلق والمشروط

عُرّف المطلق والمشروط بتعاريف نقتصر على ذكر تعريفين منها فقط.
الأوّل: المطلق: ما لا يتوقف وجوبه ـ بعد الأُمور العامّة (العقل والبلوغ والقدرة والعلم) ـ على شيء، ويقابله المشروط.
يلاحظ عليه: أنّ تعريف المطلق بما ذكر يوجب عدم صدقه إلاّ على واجب واحد، وهو المعرفة، وأمّا غيرها فما من مطلق إلاّ وهو مشروط بشيء آخر ، فوجوب الصلاة وإن كان مطلقاً بالنسبة إلى الطهارة الحدثية والخبثية، ولكنّه مشروط بدخول الوقت، قال سبحانه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)1.
التعريف الثاني: المطلق: ما لا يتوقّف وجوبه على ما يتوقّف عليه وجوده، وأمّا المشروط فهو ما يتوقّف وجوبه على ما يتوقّف عليه وجوده .
أمّا الأوّل: كوجوب الصلاة فإنّ لها مقدّمات وجودية كالوضوء والغسل والطهارة من الخبث، ومقدّمات وجوبية كزوال الشمس.
فوجوب الصلاة لا يتوقّف على ما يتوقّف عليه وجودها، كالطهارة من الحدثين.
وأمّا الثاني: كوجوب الحج فإنّ وجوبه مشروط بالاستطاعة الّتي يتوقّف عليها وجوده أيضاً. فالمقدّمة الوجودية فيه مقدّمة وجوبية أيضاً .
ويمكن المناقشة في هذا التعريف بأنّ وجوب الحج موقوف على

1 . الإسراء: 78.

صفحه 454
الاستطاعة الشرعية، لكن وجوده لا يتوقّف على الشرعية منها، بل تكفي الاستطاعة العقلية كما في حج المتسكع، فإن الاستطاعة العقلية أوسع من الاستطاعة الشرعية، فالناس أكثرهم مستطيعون للحج بالاستطاعة العقلية دون الشرعية. اللهم إلاّ أن يقال المراد توقّف الحج الواجب لا مطلق الحج، فالقسم الواجب من الحج موقوف وجوده على الاستطاعة الشرعية، كما أنّ وجوبه موقوف عليها.

اعتذار المحقّق الخراساني

قد اعتذر المحقّق الخراساني عن عامّة الإشكالات الواردة على التعاريف في مطلق الأبواب من علم الأُصول، بل مطلق العلوم بأنّها تعريفات لفظية والّتي تسمّى بشرح الاسم وليس بالحد والرسم حتّى يكون جامعاً للأفراد ومانعاً للأغيار. وقد صدر منه (قدس سره)ذلك الاعتذار في غير واحد من مواضع «الكفاية» 1.
يلاحظ عليه: بأنّ فيما ذكره إطاحة بمعظم المحقّقين الذين كانوا يناقشون في هذه التعاريف عبر القرون، حيث إنّهم ـ حسب نظر الخراساني ـ لم يقفوا على حقيقة هذه التعاريف، فصاروا يناقشونها مع الغفلة عن حقيقة الحال.
ثم إنّ في كلام صاحب الكفاية إشكالاً آخر وهو أنّه جعل شرح الاسم مرادفاً للتعريف اللفظي، تبعاً لأُستاذه الحكيم السبزواري الذي قال :

1 . لاحظ مبحث العام والخاص، والمطلق والمقيد، والاستصحاب.

صفحه 455
اُسّ المطالب ثلاثةٌ عُلِم *** مطلب «ما» مطلب «هل» مطلب «لِم»
فما هو الشارح والحقيقي *** وذو اشتباك مع «هل» أنيقِ
وقال في شرحه: يطلب بـ «ما» الشارحة أوّلاً شرح مفهوم الاسم، مثل: ما الخلأ؟ وما العنقاء؟ وبـ «ما» الحقيقية، تعقل ماهية النفس الأمرية، مثل: ما الحركة؟ وما المكان؟ 1
ولكن ما اصطلح عليه العلمان خلاف ما هو المشهور بين المنطقيين، فإنّ شرح الاسم هو نفس الحد ، غاية الأمر قبل العلم بوجوده يسمى شرح الاسم، وبعد العلم بوجوده يطلق عليه الحدّ ، قال المحقّق الطوسي: إنا إذا قلنا في جواب من يقول: ما المثلث المتساوي الأضلاع؟ انّه شكل تحيط به خطوط ثلاثة متساوية، كان حدّاً بحسب الاسم، ثم إنّه إذا بيّنا أنّه الشكل الأوّل من كتاب إقليدس، صار قولنا الأوّل بعينه حدّاً بحسب الذات.2

تحليل آخر للإشكالات

إنّ ما أشكل به على التعريفين نابع عن تصور أنّ الإطلاق والتقييد من الأُمور المطلقة، فالواجب إمّا مطلق فقط أو مشروط كذلك. فعندئذ يتوجه إليه بعض ما ذُكر. وأمّا إذا قلنا بأنّ الإطلاق والتقييد من الأُمور النسبية أو الإضافية وانّه يمكن أن يكون وجوب الشيء مطلقاً بالنسبة إلى شيء ما، ومشروطاً بالنسبة إلى شيء آخر، فلا يتوجه ما ذُكر من الإشكالات. وهذا كالصلاة

1 . شرح المنظومة: 32 (قسم المنطق).
2 . شرح الإشارات: 1 / 25 .

صفحه 456
فوجوبها مطلق بالنسبة إلى الطهارة، ومشروط بالنسبة إلى دخول الوقت.
وحتّى المعرفة فهي مشروطة بالنسبة إلى الأُمور العامّة ومطلقة إلى غيرها.
ومثلها الحج فهو مشروط بالنسبة إلى الاستطاعة الشرعية، وأمّا بالنسبة إلى سائر المقدّمات ـ بعد حصول الاستطاعة ـ فهو مطلق يجب تحصيله.
وتظهر الثمرة: في أنّه لو كان وجوب الشيء مشروطاً بوجود شيء لا يجب تحصيله، بخلاف ما إذا كان غير مشروط به فيجب تحصيله.
***

رجوع القيد إلى مفاد الهيئة أو مفاد المادة

ذهب المشهور إلى أنّ القيد في الواجب المشروط يرجع إلى مفاد الهيئة، وتُصْبح النتيجة عدمَ الوجوب مالم يحصل القيد. وأمّا المادة فهي باقية على إطلاقها.
وذهب الشيخ الأنصاري وتبعه المحقّق النائيني إلى رجوع القيد إلى المادة. وأمّا الوجوب فهو باق على إطلاقه، فلو قال: أكرم زيداً إذا سلّم عليك يوم الجمعة فالوجوب متحقّق قبل ذلك اليوم، وإنّما الإكرام مقيّد بسلامه يوم الجمعة.

تحليل واقع القيود ثبوتاً

   
الظاهر أنّ القيود حسب الثبوت على قسمين لا على قسم واحد كما

صفحه 457
عليه العلمان، فقسم منها لا يصلح إلاّ أن يكون قيداً للمتعلق وقسم منها لا يصلح إلاّ أن يكون قيداً للبعث ومن ورائه الإرادة.
أمّا الأوّل: فكما في قول القائل: طف بالبيت الحرام، فإنّ الطواف ليس مطلوباً بمفرده وإنّما المطلوب هو الطواف بالبيت والقيد هنا يرجع إلى المادة.
ومثله إذا قال: صل صلاة الجمعة جماعة، فإنّ صلاة الجمعة ليست مطلوبة بنفسها، بل المطلوب أن تصلّى جماعة.
وأمّا الثاني: وهو ما يكون المادة بما هي هي ذات مصلحة كالحج والعتق والصوم ولكن تعلّق البعث الإلزامي بها ربما يكون موجباً للحرج إلاّ إذا تقارن مع الشرط كالاستطاعة في الحج، والظهار في مورد العتق، والإفطار في مورد صيام ستين يوماً، فإذا قال: حُجَّ إن استطعت، أو اعتق إذا ظاهرت، أو صم شهرين متتابعين إذا أفطرت، فالقيود ترجع إلى البعث الإلزامي الّذي وراءه الإرادة الإلزامية.
فإذا كانت القيود على قسمين ثبوتاً فكيف نجعلها على نمط واحد إثباتاً؟
بل لابد من ملاحظة الموارد والقرائن الحافّة بالكلام حتّى يتعيّن أحد الأمرين.
 
أدلّة القائل بامتناع رجوع القيد إلى الهيئة
استدلّ الشيخ ومن تبعه على امتناع رجوع القيد إلى مفاد الهيئة بوجوه

صفحه 458
مأخوذة من «مطارح الأنظار» ـ الّذي هو تقرير لبحث الشيخ ـ . وهي:

الدليل الأوّل: مفاد الهيئة جزئي غير قابل للتقييد

إنّ هيئة الأمر موضوعة «بالوضع النوعي العام والموضوع له الخاص» لخصوصيات أفراد الطلب والإرادة الحتمية الإلزامية التي يوقعها الآمر ويوجدها، فالموضوع له والمستعمل فيه، فرد خاص من الطلب، وهو غير قابل للتقييد.
وإن شئت قلت: إنّ الهيئة موضوعة بالوضع العام للموضوع له الخاص، فيكون مفادها إيجاد البعث، وهو أمر جزئي لمساواة الإيجاد بالجزئية، والجزئي لا يقبل التقييد.1
يلاحظ عليه: أنّ الجزئي لا يقبل التقييد أفراداً ولكنّه يقبله أحوالاً، فقولنا: «أكرم زيداً»، فالموضوع جزئي لا يقبل التعدد ولكنّه بالنسبة إلى حالاته كلي، ومن حالاته كونه عالماً عادلاً مسلّماً، وعلى هذا فالوجوب المنشأ بالهيئة وإن كان جزئياً ولكن له سعة بالنسبة إلى الحالات، أعني: كونه مقروناً بتسليم زيد وعدمه. فإذا رجع القيد إلى البعث يخصُّ البعثَ بحالة خاصة وهي حالة السلام.

الدليل الثاني: المادة لها أطوار وحالات

لخّص المحقّق الخراساني هذا الدليل بقوله: إنّ العاقل إذا توجّه إلى

1 . مطارح الأنظار: 46.

صفحه 459
شيء والتفت إليه ، فإمّا أن يتعلّق طلبه به أو لا يتعلّق به طلبه أصلاً، لا كلام في الثاني. وعلى الأوّل فإمّا أن يكون ذلك الشيء مورداً لطلبه وأمره مطلقاً، على اختلاف أطواره، أو على تقدير خاص، وذلك التقدير تارة يكون من الأُمور الاختيارية، وأُخرى لا يكون كذلك، وما يكون من الأُمور الاختيارية قد يكون مأخوذاً فيه على نحو يكون مورداً للتكليف، وقد لا يكون كذلك على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه والأمر به .1
يلاحظ عليه: بأنّ الدليل أشبه بالمصادرة على المطلوب، إذ جعل المقسم من أوّل الأمر هو المطلوب، ولقائل أن يقلّب الدليل عليه ويتخذ الطلب مقسماً لهذا التقسيم .
ويقول: إذا أطلّ الإنسان بنظره إلى شيء فإمّا يتعلّق به طلبه أو لا، وعلى الأوّل إمّا يتعلّق به طلبه على وجه الإطلاق، وأُخرى على وجه التقييد... إلى آخر ما ذكره.

الدليل الثالث: البعث الإنشائي غير قابل للتقييد

وهذا الدليل مركب من مقدّمات ثلاث :
الأُولى: انّ مفاد الهيئة معنى حرفي وهو البعث الإنشائي المندك في المادة. والفرق بين البعث الاسمي والبعث الإنشائي المندك في المادة كالفرق بين «الابتداء» بالمعنى الاسمي «والابتداء» بالمعنى الحرفي.
الثانية: انّ التقييد يحتاج إلى ملاحظة المقيد ثانياً مستقلاً بحياله، حتّى

1 . كفاية الأُصول: 1 / 153 .

صفحه 460
يرجع إليه القيد. إذ التقييد عبارة عن لحاظ شيء مستقلاً ثم تقييده ثانياً.
الثالثة: انّ المعنى الحرفي إذا لوحظ مستقلاً ينقلب إلى المعنى الاسمي. فالابتداء المندك في السير من البصرة إذا لوحظ مستقلاً عن البصرة والسير، يخرج عن كونه معنىً حرفياً ويصير معنىً اسمياً. فبملاحظة هذه المقدّمات الثلاث يثبت امتناع تقييد مفاد الهيئة.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: بأنّ القيود في كلمات الناس والفصحاء والبلغاء ترجع غالباً إلى النسب الّتي هي من المعاني الحرفية من دون أن ينقدح في أذهانهم هذه الإشكالات. فلاحظ قول القائل: «زيد جالس في الدار» فهو لا يُخبر عن زيد ولا عن الجلوس، بل يخبر عن جلوسه في الدار .
وثانياً: ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّه لو سلّمنا امتناع تقييد المعاني الملحوظة آلية، فإنّه إنّما يمنع عن التقييد لو أُنشئ أوّلاً غير مقيّد، لا ما إذا أُنشئ من الأوّل مقيّداً غاية الأمر قد دلّ بدالّين وهوغير إنشائه أوّلاً ثم تقييده ثانياً.

الدليل الرابع: تقييد الهيئة يستلزم تعليق الإنشاء

لو قلنا بأنّ الشرط يرجع إلى مفاد الهيئة الّذي هو عبارة عن إنشاء البعث يلزم التعليق في الإنشاء وهو أمر غير معقول، لأنّ الإنشاء وإن كان أمراً اعتباريّاً خفيف المؤونة لكنّه يدور أمره بين الوجود والعدم فهو إمّا أن يكون قد أُنشئ أو لم يُنشئ، وأمّا أنّه أُنشئ معلّقاً فهو غير متصوّر.

صفحه 461
يلاحظ عليه: بأنّ رجوع القيد إلى مفاد الهيئة يلازم كون المنشأ معلقاً لا تعليق الإنشاء. توضيحه: أنّ الإنشاء عبارة عن استعمال اللفظ في معناه الإيجادي والاستعمال لا يقبل التعليق، فإنّ المتكلم إمّا أن يَستعمل اللفظ في معناه الإيجادي أو لا يَستعمله في ذلك وليس هناك شق ثالث.
نعم إنّ استعمال اللفظ لغاية إيجاد معناه تارة يكون المستعمل فيه البعث المطلق، كما إذا قال: أقم الصلاة; وأُخرى يكون مفاده البعث المقيّد، كما إذا قال: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)1، ومعناه البعث على تقدير، فلو كان هناك تعليق فإنّما هو في المنشأ لا في الإنشاء.
فإن قلت: بأنّ المنشأ ـ البعث المعلق ـ من مقولة الوجود وهو لا يقبل التعليق، لأنّ الشيء إمّا موجود أو معدوم وليس هنا قسم ثالث بمعنى الوجود المعلق.
قلت: هنا فرق بين الإنشاء والمنشأ حيث إنّ الأوّل يرجع إلى استعمال اللفظ في المعنى الإيجادي والاستعمال أشبه بالأمر التكويني فلا يُعقل فيه التعليق بخلاف المنشأ بمعنى البعث فلا مانع من اعتباره معلقاً. والأُمور الاعتبارية خفيفة المؤونة.

الدليل الخامس: تفكيك الإنشاء عن المنشأ

إذا قلنا برجوع القيد إلى المنشأ يلزم تفكيك المنشأ عن الإنشاء حيث إنّ الإنشاء قد تمّ، ولكن البعث بعد غير موجود، لاتّفاقهم على عدم البعث

1 . الإسراء: 78 .

صفحه 462
الفعلي قبل حصول الشيء.
يلاحظ عليه: بأنّ المنشأ لو كان هو الطلب على كل تقدير يلزم التفكيك، وأمّا لو كان المنشأ هو البعث على تقدير حصول الشرط فهو والإنشاء متزامنان، فإذا قيل: أقم الصلاة عند دلوك الشمس فالإنشاء والبعث على تقدير (المنشأ)، متزامنان.
إلى هنا تمت دراسة أدلّة المانع، وبقي الكلام في تحليل الواجب المشروط مع قطع النظر عن هذه المناقشات.
وحقيقة الأمر أنّ المولى ينظر إلى أحوال المكلفين فيرى بعضهم واجداً للشرط فعلاً، ويرى البعض الآخر فاقداً له، ولكنّه سوف يتحقّق له، فعندئذ يُنشئ البعث المقيد ويكون وجوب الحج في حق الحائزين للشرط، بالفعل، وأمّا في حق الفاقدين للشرط حاليّاً والحائزين له مستقبلاً يكون فعلياً حين حصول الشرط، ولذلك نرى أنّ الفقهاء ـ حتّى الشيخ نفسه ـ يصحح الوصية التمليكية الّتي يكون التمليك فيها يقع خلال حياة الموصي، والمنشأ هو التمليك بعد وفاته فإذا قال: هذه الدار لزيد بعد وفاتي، فالإنشاء فعلي مع أنّ المنشأ معلّق بما بعد الوفاة أو بعد قبوله، وفائدة هذا النوع من التمليك كون الموصى له مالكاً في ظرف حصول الشرط.

سؤال وإجابة

هذا السؤال يتوجّه على مختار الشيخ، وظاهر السؤال يرجع إلى أنّ قوله في المقام يستلزم شبه التناقض، حيث إنّ الشيخ جمع بين إطلاق

صفحه 463
الحكم في الحج وعدم وجوب تحصيل الشرط وهما لا يجتمعان، لأنّ الحكم لو كان فعلياً يجب تحصيل مقدماته عقلاً أو شرعاً.
فلو لم يجب تحصيل مقدماته الّتي منها الشرط فلايكون الوجوب (الحكم) فعلياً، مع أنّه يقول بفعليته، وأمّا الإجابة فقد أجاب عنه الشيخ في «مطارح الأنظار» بقوله: إنّ الفعل المقيّد قد يكون ذا مصلحة ملزمة على وجه يكون الفعل والقيد مورداً للإلزام، وقد يكون متعلّق التكليف ذا مصلحة، لكن على تقدير وقوع القيد، لا على وجه التكليف، ففي كل هذه الصور ينبغي للحكيم أن يعبّر عن المقصود بلفظ يكون وافياً بمقصوده .1
وحاصل كلامه: أنّ المصلحة تارة تقوم بالفعل المقيد بشرط تحصيل قيده، وأُخرى بالفعل المقيد إذا حصل قيده، فالأوّل هو الواجب المطلق ويجب تحصيل مقدّماته، والآخر هو الواجب المشروط الّذي لا يجب تحصيل مقدّماته.

مسائل ثلاث

الأُولى: هل الوجوب في الواجب المشروط على فرض رجوع القيد إلى الهيئة، فعلي أو إنشائي ؟
الثانية: إذا كان الوجوب إنشائياً فما هي فائدته ؟
الثالثة: إذا شُك في رجوع القيد إلى الهيئة أو المادة، فما هو الأصل في المقام؟
وسوف نقوم بدراستها واحدة بعد الأُخرى .

1 . مطارح الأنظار: 49. بتصرف منّا في العبارة.

صفحه 464

المسألة الأُولى: هل الوجوب في الواجب المشروط فعلي أو إنشائي؟

هل الوجوب ـ على فرض رجوع القيد إلى الهيئة ـ فعلي أو إنشائي؟ القضاء الحاسم في المسألة يتوقّف على تفسير الفعلية، فإنّ لها معنيين :
المعنى الأوّل: الحكم الفعلي هو البعث على كل تقدير. والحكم الإنشائي هو البعث على تقدير دون تقدير.
فعلى هذا المصطلح يكون البعث في الواجب المشروط إنشائياً لا فعلياً، لأنّ البعث معلّق على الزوال أو الاستطاعة لا على كل تقدير.
المعنى الثاني: إنّ الحكم الفعلي هو الحكم الّذي بيّنه الشارع على لسان نبيّه أو لسان وصيّه من غير فرق بين الواجب المطلق والواجب المشروط، في مقابل الإنشائي وهو الحكم الّذي لم يبيّن وكان مخزوناً عند الوصي لمصلحة في عدم البيان.
وعلى هذا المصطلح فالمطلق والمشروط كلاهما فعليان.
ومع هذا الاعتراف فالمعنى الثاني من خصائص الأحكام الكلية فهي بين الفعلية المبينة والشأنية المخزونة، وأمّا الحكم الشخصي الجزئي فلا شك أنّ الفعلية والإنشائية إنّما هي بالمعنى الأوّل.
إنّ المحقّق العراقي مع اعترافه برجوع القيد إلى الهيئة زعم أنّ الوجوب في الواجب المشروط فعليٌّ، وأفاد في هذا الصدد بما يلي:
إنّ الآمر إذا التفت إلى كون فعل، غير ذي مصلحة إلاّ على تقدير خاص أراده منه على ذاك التقدير، فإن لم يجد مانعاً من إظهار إرادته المذكورة أظهرها بما يجده مظهراً من قول أو فعل.

صفحه 465
فإذا أظهر إرادته التشريعية، اعتبر العرف هذا الإظهار حكماً وطلباً، وقالوا: حكم الشارع مثلاً على كذا وكذا، لأنّ جميع ما يمكن أن يصدر ويتأتى من الآمر قد حصل منه من شوقه وإرادته وإظهاره إرادته المتعلّقة بالفعل الّذي عُلم اشتماله على المصلحة إمّا مطلقاً أو على تقدير دون تقدير.
فالوجوب مطلقاً في المشروط والمطلق حكم فعلي حصل شرطه أم لم يحصل، ولا يعقل أن يكون للحكم عنوان من الوجود ليكون إنشائياً قبل تحقّق شرطه، فعلياً بعده.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مجرد اصطلاح حيث فسّر الحكم بإظهار الإرادة بقول أو فعل، ومن المعلوم أنّ الحكم بهذا المعنى لا ينقسم إلى قسمين.
وفي الحقيقة أنّ ما ذكره راجع إلى المصطلح الثاني. وأمّا حسب المصطلح الأوّل فقد عرفت انقسام الوجوب إلى فعلي وإنشائي.
نعم هاهنا إشكال آخر، وهو أنّ البعث لا يوصف بالحكم إلاّ إذا كان نابعاً عن الإرادة، فهل الإرادة فعلية أو تقديرية؟ فعلى الأوّل كيف تكون المبادئ فعلية مع عدم كون الحكم فعلياً؟ وعلى الفرض الثاني يلزم التعليق في الوجود التكويني أي الإرادة، ومن المعلوم أنّ التعليق في التكوين محال.
والجواب: أنّ الإرادة فعلية لا تقديرية ولكن تعلّقت بفعل المولى (المريد) وهو إنشاء البعث التقديري وكلاهما متحققان. وعندئذ فلا مانع من أن تكون الإرادة فعلية والبعث المنشأ إنشائياً أي مطلوباً على تقدير .

1 . بدائع الأفكار: 1 / 340 .

صفحه 466
وبالجملة هنا أُمور ثلاثة:
1. الإرادة.
2. الإنشاء.
3. البعث.
والأوّل: فعلي، والثاني مثله فعلي أيضاً، والتعليق إنّما هو في الثالث أي البعث، وبما أنّ البعث أمر اعتباري لا مانع من إنشائه معلّقاً.

المسألة الثانية: ما هي فائدة الوجوب المشروط؟

ربّما يقال بأنّه إذا كان الوجوب في الواجب المشروط إنشائياً غير فعلي فما فائدة هذا الإنشاء؟
والجواب كما في الكفاية ـ بتوضيح منا ـ هو: أنّ المولى ينظر إلى المجتمع فيرى أنّ بعضهم مستطيع للحج والبعض الآخر غير مستطيع لكن يمكن أن يصبح مستطيعاً في المستقبل فينشأ الحكم المشروط ليتم الاحتجاج على الموجودين حالياً وعلى الآخرين عند الاستطاعة من دون أن يحتاج إلى إنشاء حكم جديد.

المسألة الثالثة: ما هو الأصل عند الشك في رجوع القيد إلى الهيئة
أو المادة؟

إذا لم تكن أدلة الطرفين مقنعة وشكّ في رجوع القيد، فما هو مقتضى الأصل؟

صفحه 467
قد ذكر السيد الأُستاذ ـ تبعاً للمحقّق العراقي ـ هذه المسألة في هذا المقام، إلاّ أنّ المحقّق الخراساني ذكرها في التقسيم الثاني للواجب ـ أعني: تقسيمه إلى منجز ومعلق ـ ونحن نرجئ البحث فيها إلى التقسيم الثاني، كما نرجئ البحث عن المقدمات المفوّتة إلى ذلك البحث أيضاً .

التقسيم الثاني: تقسيم الواجب المطلق إلى منجّز ومعلّق

ربّما يقسّم الواجب المطلق إلى منجز ومعلق، والفرق بين هذا التقسيم والتقسيم الّذي تقدّم عليه هو أن المقسم في الأوّل مطلق الواجب، فقد قسم إلى مطلق ومشروط، وأمّا المقسم في التقسيم الثاني فهو الواجب المطلق المنقسم إلى منجّز ومعلق. وهذا التقسيم هو الموروث عن صاحب الفصول. وحاصل مرامه:
إذا لم يكن وجوب الواجب ولا نفس الواجب متوقّفين على حصول أمر غير مقدور فهو الواجب المنجّز كالمعرفة، وإن كان وجوبه غير متوقّف على شيء لكن كان الواجب متوقّفاً على حصول أمر غير مقدور فهو الواجب المعلّق أي علق الإتيان به على مجيء زمنه، وعلى ذلك فالوجوب والواجب في المنجز حاليّان، وفي المعلّق الوجوب حالي والواجب استقبالي. 1
وفي الحقيقة أنّ ما اختاره صاحب الفصول في تفسير المعلّق هو نفس ما فسّر الشيخ به الواجب المشروط حيث إنّ الوجوب في الواجب المشروط لدى الشيخ مطلق، والواجب مقيّد، إمّا بقيد غير مقدور أو مقدور لا يلزم

1 . الفصول: 81 بتلخيص .

صفحه 468
تحصيله، ولكن صاحب الفصول خصّ القيد في كلامه المتقدّم بغير المقدور. وبالتالي المعلّق، قسم من الواجب المشروط لدى الشيخ، فتكون النسبة هي العموم والخصوص المطلق .
وقد أُورد على هذا التقسيم إشكالات، نذكرها تباعاً:
الإشكال الأوّل: أنّه لا وجه لتخصيص المعلّق بما يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور، بل ينبغي تعميمه إلى أمر مقدور ومتأخّر أُخذ على نحو لا يكون مورداً للتكليف فلا يترشح عليه الوجوب من الواجب، وعندئذ تكون النسبة هي التساوي.
يلاحظ عليه: بأنّه لم يخصّه بغير المقدور فقد عمّمه إلى المقدور غير لازم التحصيل، في ذيل كلامه، فلاحظ.1
الإشكال الثاني: ما أورده أيضاً صاحب الكفاية بقوله: لا وقع لهذا التقسيم، لأنّه بكلا قسميه (المقدور: صلّ إن دخلت الدار، وغير المقدور: صل إذا دخل الوقت) من المطلق المقابل للمشروط، وخصوصية كون الواجب حالياً أو استقبالياً لا توجبه ما لم توجب الاختلاف في المهم، ولا اختلاف فيه، فإنّ ما رتّبه عليه من وجوب المقدّمة فعلاً كما يأتي إنّما هو من أثر إطلاق وجوبه وحاليته لا من استقبالية الواجب.2
توضيح المقام : أنّ الغاية من التقسيم هو دفع الإشكال عن المقدّمات المفوّتة حيث أطبق القوم على وجوب الغُسل على الجنب الصائم قبل طلوع

1 . الفصول: 81.
2 . الكفاية: 1 / 161 .

صفحه 469
الفجر، وقطع المسافة على المستطيع قبل زمان الحج، مع أنّ الوجوب مشروط غير فعلي فكيف وجبت مقدّماته؟
فعندئذ صار صاحب الفصول بصدد الإجابة قائلاً: بأن وجوب المقدمة لأجل كون الوجوب حاليّاً وإن كان الواجب استقلاليّاً، وكفى في ايجاب المقدمة كون وجوبه حاليّاً.
إذا عرفت ذلك فأعلم أن المحقّق الخراساني أورد على تلك النتيجة، بأن الأثر (وجوب المقدمة) يترتب على فعلية الوجوب، ولا أثر لاستقبالية الواجب، فصار التقسيم بلا ثمرة، لأن كلاً من المنجّز والمعلّق من أقسام الواجب المطلق، والمفروض أن الوجوب في كلا القسمين فعليٌّ، وهذا يكفي في ترتب الأثر.
يلاحظ عليه: أنّ صاحب الفصول لم يرتّب الثمرة على المعلّق في مقابل المنجّز حتّى يُقال أنّهما يشتركان في فعلية الوجوب، وهذا يكفي في إيجاب المقدّمات المفوتة ولا حاجة إلى سائر الخصوصيات، بل رتّب الأثر على المعلّق في مقابل المشروط على مختار المشهور حيث تنحل المشكلة بالقول بالمعلّق ولا تنحل على القول بالواجب المشروط.
الإشكال الثالث: ما نُسب إلى المحقّق النهاوندي وأحياناً إلى السيد الفشاركي.
وحاصل الإشكال على ما لخّصه صاحب الكفاية هو: انّ الطلب والإيجاب إنّما يكون بإزاء الإرادة المحرّكة للعضلات نحو المراد، فكما لا يكاد تكون الإرادة منفكّة عن المراد فليكن الإيجاب غير منفك عما يتعلّق به

صفحه 470
فكيف يتعلّق بأمراستقبالي فلا يكاد يصح الطلب والبعث فعلاً نحوَ أمر متأخّر.
توضيحه: إن وزان الإرادة التشريعية كوزان الإرادة التكوينية، إذ لا فرق بينهما إلاّ في كون الأُولى متعلقة بفعل الغير، والثانية متعلقة بفعل نفس المريد، وإلاّ فهما في جميع المقدمات متماثلتان.
فعلى هذا فالإرادة التكوينية يترتب عليها تحريك العضلات، ويترتب عليه حصول المراد، فيلزم أن تكون الإرادة التشريعية كذلك، أي يلزم أن لا تنفك الإرادة التشريعية عن المراد التشريعي، غاية الأمر يتوسط بين الإرادة والمراد، الايجاب، الّذي هو بمنزلة تحريك العضلات فالقول بفعلية الارادة والايجاب، واستقبالية الواجب، لا ينسجم مع هذه الضابطة .
يلاحظ عليه: إنّ الإرادة مطلقاً سواء أكانت تكوينية أم تشريعيةً لا تنفكّ عن المراد، فالإرادة في الواجب المعلق أيضاً غير منفكّة عنه، وإنّما نشأ الإشكال في متعلّق الإرادة، وإليك التوضيح.
أمّا الأُولى: فلأنّه إذا تمّت المقدّمات من تصور الموضوع والتصديق بالفائدة وارتفعت الموانع، فإن لم يكن بين إرادة الشيء وايجاده أيُّ مانع، حصلت في النفس حالة خاصّة تستعقب تحريك العضلات نحو المراد.
فإن قلت: ربما تتعلّق الإرادة بالمستقبل فيجد الإنسان في نفسه عزماً جازماً بفعل الحجّ ـ مثلاً ـ في المستقبل، وتكريم الضيف في الغد، فانفكّت الإرادة عن المراد.
قلت: هناك خلط بين الشوق والإرادة، ففي تلك الموارد اشتياق إلى

صفحه 471
المراد، وليست هناك أية إرادة أصلاً.
وربما يقال بالتفصيل بأنّه لو تعلّقت الإرادة بتحريك العضلات فهي لا تنفكّ عن المراد كما هو الحال في الرجل الرياضي الذي يتمرن بتحريك عضلاته في ساحة التدريب، وأمّا إذا تعلقت بأمر آخر كسقي الماء أو تناول الغذاء فلا مانع من التفكيك.
يلاحظ عليه: أنّه إذا حصلت في النفس حالة خاصّة التي يعبّر عنها بالعزم والتهيؤ، فهي لا تنفك عن تحريك العضلات نحو المراد، وأمّا الموارد التي يتوهّم فيها التفكيك فهناك شوق بلا إرادة.
فإن قلت: كيف تدّعي عدم التفكيك مع أنّ إرادته سبحانه أمر بسيط تعلقت بإيجاد الكائنات عبر الزمان فالإرادة أزلية والمراد زماني منفكّ عنها.
قلت: إنّ إرادته سبحانه مجهولة الكُنه، فلا يمكن الاستدلال بها على المقام. هذا كلّه حول الإرادة التكوينية.
وأمّا الثانية: ـ أعني الإرادة التشريعية ـ فعدم التفكيك واضح لأنّ متعلق الإرادة انشاء البعث وهو يلازم الإرادة. وإنّما يتوهم التفكيك بتصور أنّ الإرادة التشريعية تعلّقت بفعل الغير فيقال: الإرادة محققة دون المراد عند العصيان. ولكنّه غير صحيح لأنّ الإرادة لا تتعلق إلاّ بما يكون في اختيار المريد، وفعل الغير خارج عن اختيار الإنسان، فلا تتعلّق به الإرادة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الإرادة على وجه الإطلاق لا تنفكّ عن المراد، وبما ذكرنا يندفع إشكال المحقق النهاوندي في الواجب المعلّق حيث تصوّر أنّ إرادة المولى في الواجب المعلّق تعلّقت بفعل الغير في

صفحه 472
المستقبل، فرتّب عليه أنّه محال لاستلزامه تفكيك الإرادة عن المراد. وقد عرفت أنّ الإرادة تعلّقت بانشاء البعث، وهو غير منفك عنها، وإنّما المنفك فعل المكلّف ولم تتعلّق به الإرادة.

كلمات المؤيدين لنظرية المحقّق النهاوندي

إنّ قسماً من المحقّقين نصروا المحقّق النهاوندي بوجوه، وأثبتوا بها امتناع الواجب المعلّق:
1. ما ذكره المحقّق الإصفهاني في تعليقته على الكفاية حيث قال: إنّ الشوق وإن أمكن تعلّقه بأمر استقبالي إلاّ أنّ الإرادة لا يمكن تعلّقها بأمر استقبالي، وإلاّ يلزم تفكيك العلّة التامّة عن معلولها، أعني: انبعاث القوة العاملة المنبثة في العضلات عن علته أي الإرادة.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره من الكبرى وهو امتناع تعلّق الإرادة بأمر استقبالي لا غبار عليه، إلاّ أنّ المورد أعني الواجب المعلّق ليس من تلك المقولة، فالإرادة غير منفكّة عن المراد وهو انشاء البعث، كما مرّ.
2. ما أفاده السيد الطباطبائي قال: إنّ الإرادة نسبة تكوينية يستحيل تعلّقها بأمر موجود في الاستقبال ومعدوم في الحال، سواء أكانت علّة تامّة أم ناقصة أو مرتبطة بأيّ نحو من أنحاء الارتباط الخارجي.2
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى ما ذكرناه في الاشكال المتقدّم ـ بأنّ الإرادة

1 . نهاية الدراية:2/73.
2 . تعليقة على الكفاية للعلاّمة الطباطبائي:114.

صفحه 473
تتشخّص بالصورة الذهنية التي هي مرآة للخارج وهي طرف النسبة، لا المراد الخارجي لامتناع وقوع النسبة بين النفس والخارج فهي كالعلم يتشخص بالصورة المعلومة الذهنية لا الخارجية. وما ذكره (قدس سره) من عجائب الأُمور حيث إنّه كان يركّز في دروسه الشريفة التي كنا نحضرها على أنّ المعلوم بالذات للنفس هو الصورة الذهنية، وأمّا الخارج وهو معلوم بالعرض تصل إليه النفس عن طريق المعلوم بالذات. فالصلة إنّما هي بين النفس والصورة الموجودة في خزانتها.
وعلى كلّ تقدير فما ذكره لا صلة له بالواجب المعلّق لما عرفت من أنّ متعلّق الإرادة فيه هو إنشاء البعث، وأمّا المبعوث فربما يكون مقروناً به وأُخرى متأخراً عنه.
3. ما ذكره صاحب المحاضرات، من أنّ الإرادة عبارة عن الاختيار وإعمال القدرة، فهي لا تتعلّق بفعل الإنسان نفسه إذا كان في زمان متأخر فضلاً عن فعل غيره، ولذا لا يمكن تعلّقها بالمركب من أجزاء طولية كالصلاة دفعة واحدة.
يلاحظ عليه: ـ بعد تسليم كون الإرادة عبارة عن الاختيار وإعمال القدرة وأنّها لا تتعلق بفعل في زمان متأخر ـ أنّ ما ذكره لا صلة له بالواجب المعلّق لما عرفت من أنّ المراد هناك انشاء البعث واعطاء الضابطة للعبد عبر حياته وهو مقرون بها.
وحاصل الكلام: أنّ الواجب المعلّق أمر واضح وبديهي، فإنّ القوم لم يكن عندهم تصوّر صحيح حول الواجب المعلّق، ولذلك ساقوا هذه الإشكالات، حتى أنّ سيدنا الأُستاذ الحجّة الكوهكمري كان يصرّح في

صفحه 474
درسه الشريف بامتناعه، وما ذلك إلاّ لأجل أنّ المتصور من الواجب المعلّق عندهم هو تعلق إرادة المولى بأمر استقبالي، فرتبوا عليه ما رتبوا، وقد علمت أنّ الضابطة أعني: عدم التفكيك في كلتا الإرادتين أمر يؤيده البرهان.
هذا كلّه حول الإشكال الثالث الّذي أثاره المحقّق النهاوندي .
الإشكال الرابع: ما حكاه المحقّق الخراساني من عدم القدرة على المكلف في حال البعث مع أنّها من الشرائط العامة.
ويلاحظ عليه: بأنّ الشرط هو القدرة على الواجب في زمانه لا في زمان الإيجاب والتكليف.
ما ذكره المحقّق النائيني   
الإشكال الخامس: ما ذكره شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري من أنّ إطلاق الوجوب وكون القيد راجعاً إلى الواجب يقتضي إيجاب الفعل مع القيد، وهذا إنّما يتصور في القيود الاختيارية، وأمّا القيود الخارجة عن قدرة المكلّف فيستحيل تعلّق الطلب بما ليس تحت قدرة المكلف، فلا محيص عن إرجاع القيد إلى الهيئة، فيكون الطلب المتعلّق بالفعل المقيد بالزمان من أقسام الطلب المشروط .1
يلاحظ عليه: بأنّ الإشكال إنّما يرد إذا كان الوقت جزءاً للواجب فيجب إيجاده بحكم إطلاق الوجوب مع أنّه خارج عن الاختيار. وأمّا إذا كان شرطاً على نحو يكون القيد خارجاً والتقيد داخلاً فامتثاله أمر ممكن، فلو أمر المولى بقراءة زيارة عاشوراء تحت السماء فهذا أمر مقدور بلا إشكال.
الإشكال السادس: ما ذكره المحقّق النائيني. وهو مبني على مقدّمات ثلاث:

1 . درر الفوائد: 1 / 76 .

صفحه 475
 
1. كلّ القيود ترجع إلى الموضوع
إنّ الأحكام الشرعية موضوعة على نهج القضايا الحقيقية، وهي عبارة عن وضع الحكم على العنوان الكلي الصادق على الأفراد المتحقّقة أو المقدرة عبر الزمان على نحو يكون الإنشاء أزلياً وفعلية الحكم مشروطة بتحقّق الموضوع، فقوله سبحانه: (وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البيتِ مَن استطاعَ إِليهِ سَبيلاً)1، بمنزلة قولنا:«الإنسان العاقل البالغ المستطيع يجب عليه الحجّ» فالحكم مترتّب على موضوع كلي لا تنحصر مصاديقه بالموجودين وقت التشريع بل يشمل مصاديقه عبر الزمان .
فإذا كانت القيود راجعة إلى الموضوع فلا معنى لاستثناء قيد الزمان فهو أيضاً راجع إلى الموضوع كسائر الشروط، فكأنّه يقول: الإنسان البالغ العاقل المستطيع المدرك لزمان الحجّ يجب عليه الحجّ، ومن المعلوم أنّ كلّ حكم مشروط بوجود الموضوع، فيكون الموضوع بعامّة شروطه قيداً للحكم أي الوجوب، من غير فرق بين الاستطاعة والزمان، فكما أنّه لولا الاستطاعة لا وجوب، فهكذا لولا الزمان لا بعث فعلي.

2. لا فرق بين الاستطاعة والزمان

يقول (قدس سره) : نحن نسأل القائل بالواجب المعلّق، أيّة خصوصية في الوقت حتى يتقدّم الوجوب عليه؟ مع أنّا لم نقل بذلك في سائر القيود من البلوغ

1 . آل عمران:97.

صفحه 476
والاستطاعة مع اشتراك الكلّ في كونه مأخوذاً قيداً للموضوع، فأيّ فرق بين الوقت والاستطاعة، بحيث يتقدّم الوجوب على الأوّل دون الثاني؟

3. الزمان أولى أن يكون قيداً للوجوب

ثمّ إنّه (قدس سره) أفاض الكلام وقال: إنّ الأمر في الوقت أوضح، لأنّه لا يمكن أخذه إلاّ مفروض الوجود، لأنّه أمر غير اختياري ينشأ من حركة الفلك، ويكون فوق دائرة الطلب، ويكون التكليف بالنسبة إليه مشروطاً، وإلاّ يلزم تكليف العاجز.1
يلاحظ على المقدّمة الأُولى: بأنّ إرجاع عامة القيود إلى الموضوع وبالتالي جعل الحكم مشروطاً بهذه القيود، غير تام. لما عرفت من أنّ القيود على قسمين:
1. ما يكون مؤثراً في ظهور الإرادة وتبلور الحكم الوجوبي، وهذا فيما إذا كان الموضوع ذا مصلحة ولكن الأمر به على الإطلاق يوجب الحرج، كالحج فإنّه ذا مصلحة من غير فرق بين المتسكع والمستطيع ولكن الإيجاب على وجه الإطلاق موجب للحرج، ولذلك قُيد الوجوب بالاستطاعة، وهذا القسم لا مانع من أن يرجع إلى الموضوع. ويكون الحكم مشروطاً به.
ما ذكره المحقّق الخوئي   
2. ما يكون دخيلاً في وجود الملاك في المتعلّق بحيث لولا هذا الشرط لما كانت أي مصلحة في المتعلق كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة والبيت بالنسبة إلى الطواف، فهذا النوع من الشرط قيد للواجب لا للوجوب وبالتالي

1 . لاحظ: فوائد الأُصول للكاظمي:1/187; أجود التقريرات:1/141.

صفحه 477
لا يصحّ جعله جزء الموضوع.
ويلاحظ على المقدّمة الثانية: بوجود الفرق بين الاستطاعة والزمان، فإنّ للاستطاعة دوراً في ظهور الإرادة الوجوبية دون أن يكون مؤثراً في ملاك الحج بخلاف الزمان فإنّه مؤثر في وجود الملاك في الحج، فالطواف والسعي والرمي تشتمل على المصلحة إذا امتثلت في هذا الوقت دون غيره، وعلى ضوء ذلك لا يصح جعل الزمان قيداً للوجوب بل هو قيد للواجب لكونه دخيلاً في الملاك.
ويلاحظ على الثالثة: بما ذكرناه في تحليل الإشكال الخامس للعلاّمة الحائري بالتفريق بين اتخاذ الزمان جزءاً حتّى يقع تحت دائرة الطلب واتخاذه شرطاً، فيقع التقيّد تحت دائرة الطلب ، ونفس القيد فوقه، وهذا نظير استقبال الكعبة حيث إنّ القيد خارج عن الاختيار وإن كان التقيّد داخلاً فيه .
الإشكال السابع: ما ذكره المحقّق الخوئي (رحمه الله) من أنّ الواجب المعلّق ليس من أقسام الواجب المطلق في مقابل المشروط بل هو قسم منه، وذلك لأنّ وجوب الحج مثلاً إمّا مشروط بيوم عرفة أو مطلق، وبما أنّ التكليف لم يتعلّق بذات الفعل على الإطلاق وإنّما بإيقاعه في زمن خاص، فعلم من ذلك أنّ للزمان دخلاً في ملاكه وإلاّ فلا مقتضى لأخذه في موضوعه، وعليه فبطبيعة الحال يكون الوجوب مشروطاً به غاية الأمر على نحو الشرط المتأخّر.1
يلاحظ عليه: بأنّه مبني على عدم التفريق ثبوتاً بين القيود الراجعة إلى

1 . المحاضرات: 2 / 348 .

صفحه 478
الإرادة الوجوبية والقيود الراجعة إلى المتعلق فما ذكره من أنّ وجوب الحج إمّا مشروط بيوم عرفة أو مطلق لا يثبت مرامه، لأنّا نختار أنّ وجوبه مطلق. ولكن المطلوب المشتمل على الملاك أمر مقيّد، وهذا نظير وجوب الصلاة مع الطهارة فالوجوب مطلق ولكن الواجب مقيّد بالطهارة. فما ذكره من أنّه إذا كان دخيلاً في الملاك يكون الوجوب مشروطاً به غير تام، إذ ليس كل دخيل في الملاك شرطاً للوجوب.
المقدّمات المفوتّة أو ثمرات الواجب المعلّق   

صفحه 479
 
المقدّمات المفوّتة

أو

ثمرات الواجب المعلّق

إنّ الغاية من القول بالواجب المعلّق هو حل مشكلة وجوب المقدمات المفوِّتة، إذ على القول بالوجوب المشروط لا يمكن تصحيح وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها. وعند وجوبه لا يتمكن الإنسان من الإتيان بالمقدمة، ولذلك اختار كل من المحققين للتخلّص من الإشكال مهرباً، وقبل الإشارة إلى هذه الطرق نأتي بأمثلة من المقدمات المفوتة:
1. وجوب الاحتفاظ بالماء قبل الوقت لواجده إذا علم عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت.
2. وجوب الغسل للمستحاضة قبل الفجر في الصيام الواجب.
3. وجوب تحصيل المقدّمات الوجودية للحج قبل وقته.
4. تعلّم الأحكام للبالغ قبل مجيء وقت وجوب العمل، إذا ترتب على تركه فوت الواجب.
إلى غير ذلك من الموارد الّتي يتراءى فيها وجوب المقدّمة على وجوب ذيها، وهو بمنزلة تقدم المعلول على العلّة.

صفحه 480
وقد اختار كل من الأُصوليين مهرباً نشير إليه كما يلي:
1. ما اختاره الشيخ الأنصاري من أنّ القيد في الواجب المشروط يرجع إلى المادة فالوجوب مطلق حالي ينشأ منه وجوب المقدّمة المفوتة. فالمعلول والعلة متزامنان.
2. ما اختاره صاحب الفصول من تقسيم الواجب المطلق إلى منجز ومعلق، والمعلق عنده هو نفس الواجب المشروط عند الشيخ، والفرق بين قوليهما أنّ الشيخ قائل بالتقسيم الثنائي ولكن صاحب الفصول يقول بالتقسيم الرباعي (تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط، والمطلق إلى منجز ومعلق). وتحل العقدة بفعلية وجوب ذي المقدّمة الّذي هو العلة لوجوب المقدّمة. فالوجوبان أيضاً متزامنان.
3. ما ذهب إليه المحقّق الخراساني من أنّ الشرط في هذه الموارد من قبيل الشرط المتأخّر، وأُريد به ما هو المتأخّر وجوداً المتقدم تصوراً، وفعلية وجوب ذي المقدّمة مشروط بالوجود الذهني للشرط (حسب ما مرّ عند البحث في الشرط المتأخّر) 1 وهو حاصل فيكون ذو المقدّمة واجباً قبل حصول الشرط الخارجي، فيتبعه وجوب المقدّمة.
4. ما اختاره المحقّق الأردبيلي في خصوص مسألة التعلّم قبل الوقت وهو القول بالوجوب النفسي التهيئي للجاهل البالغ الّذي يعلم عدم تمكنه من التعلم بعد دخول الوقت فهو واجب نفسي لكن يُهيّئ الإنسان لواجب آخر.

1 . مثلاً تصور المولى حياة العبد في أيام الحج .

صفحه 481
5. ما اختاره السيد الأُستاذ (رحمه الله) وحاصله: أنّ وجوب المقدّمة لا يترشح عن وجوب ذيها على نحو لولا وجوب ذيها لما وجبت المقدّمة. بل وجوب المقدّمة رهن المبادئ المخزونة في ذهن المولى وهي مستقلة عن مبادئ ذي المقدّمة. فكما أنّ تصور ذي المقدّمة وتصور الفائدة فيه ينتهي إلى إيجابه، كذلك تصور المقدّمة وانها وسيلة للفوز بالمقصود ربما ينتهي إلى الحكم بوجوبها وإن لم يكن وجوب ذيها متحقّقاً.
وبذلك يُعلم معنى الملازمة وهو أن وجوب المقدّمة لأجل وجوب ذيها، وانّه لولا وجوبه فعلاً أو في المستقبل لما وجبت المقدّمة. وأمّا كون وجوبه متقدماً على وجوبها (المقدّمة) فلا دليل عليه. وبالتالي لا مانع من تقدم وجوب المقدّمة على وجوب ذيها محصول مبادئ الأوّل دون الثاني.
6. ما اخترناه نحن في أكثر دوراتنا الأُصولية وهو أنّ المقدمات المفوتة وإن لم تكن واجبة قبل وجوب ذيها بناءً على ترشح وجوبها عن وجوبه لكن العقل حاكم بإتيانها قبل وجوب ذيها لافتراض عدم تمكن المكلف من إتيانها في غير هذا المورد فلذلك لو ترك المقدّمة بحجة أنها غير واجبة شرعاً، لا يجوز له تركها بحكم العقل، وهذا كاف في استحقاق العقاب. إذا تركها.

تطبيقات

قد ورد في غير واحد من الآيات والروايات أحكام معلقة على الشرط تتردد بين كونها واجباً مشروطاً، أو واجبا معلّقاً، أو مشروطاً من جانب ومعلقاً

صفحه 482
من جانب آخر، وإليك بعض الأمثلة:
1. قال سبحانه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)1، فالمتبادر منها أنّ الدلوك شرط الوجوب فلولاه لما وجبت الصلاة.
2. قال سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)2، والمراد من شهود الشهر هورؤية الهلال أو كون المكلف حاضراً لا مسافراً، والآية ظاهرة في الوجوب المعلق حيث أوجب على من شهد أوّل الشهر وجوب صيام الشهر كله، فالوجوب حالي والواجب استقبالي.
3. قال سبحانه: (وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)3 فوجوب الحج مشروط بالاستطاعة، فلولاها فليس هنا وجوب، ولكن إذا حصلت الاستطاعة وانقلب الواجب المشروط إلى الواجب المطلق فيكون الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً فيجب تحصيل سائر المقدمات كجواز السفر وغيره قبل وقت الحج.
4. روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة ولا صلاة إلاّ بطهور ».4
والرواية ظاهرة في كون وجوب الصلاة مشروطاً بالوقت .
   

1 . الإسراء: 78 .
2 . البقرة: 185 .
3 . آل عمران: 97 .
4 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب الوضوء، الحديث 1 .

صفحه 483

دوران الأمر بين تقييد الهيئة أو المادة

قد سبق منّا أنّ هناك مسائل ثلاث، أعني:
1. هل الوجوب في الواجب المشروط فعلي أو إنشائي ؟
2. إذا كان الوجوب إنشائياً فما فائدته؟
3. إذا دار الأمر بين رجوع القيد إلى الهيئة أو إلى المادة، فما هو المرجع؟
وقد درسنا المسألتين الأُوليين قبل دراسة تقسيم الواجب إلى منجز ومعلق. وأخّرنا البحث عن المسألة الثالثة إلى المقام.
والمسألة لا تخلو من ثمرة عملية إذ لو كان القيد اختيارياً ورجع إلى الهيئة لما وجب تحصيله كالاستطاعة، ولو رجع إلى المادة يجب تحصيله كالوضوء والغسل.
ثم إنّ عقد هذا البحث يصح ممّن يرى تقييد كل من الهيئة والمادة أمراً ممكناً وأما مَنْ يقول بامتناع تقييد مفاد الهيئة كالشيخ الأنصاري فليس له عقد هذا البحث إلاّ إذا كان البحث افتراضياً.
ثم إنّ مورد هذه المسألة فيما إذا ورد القيد في كلام منفصل ودار الأمر بين الرجوع إلى أحد الأمرين لا ما إذا كان القيد متصلاً، إذ عندئذ يكون الكلام مجملاً شأن كل كلام محتفّ بما يصلح للقرينية لكل من الإطلاقين.
ثم إنّ البحث يقع تارة في مقتضى الأُصول اللفظية وأُخرى في مقتضى الأُصول العملية.

صفحه 484
وإليك بيان الأمرين:

مقتضى الأصل اللفظي

استدلّ الشيخ على رجوع القيد إلى المادة ـ عند الشك ـ لا إلى الهيئة بوجهين:

الأوّل: تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي

وحاصل هذا الوجه هو: أنّ مفاد الهيئة إطلاق شمولي، وإطلاق المادة إطلاق بدلي. وإذا دار الأمر بين تقييد أحد الإطلاقين فتقييد الإطلاق البدلي الّذي هو الأضعف، مقدّم على تقييد الإطلاق الشمولي الّذي هو أقوى. فيجب حفظ الأقوى وإرجاع القيد إلى الأضعف، فلو قال: أكرم كل العلماء، ثم قال: أهن فاسقاً، ففي مورد الاجتماع: العالم الفاسق، يقدم ا لعام على الثاني ويحكم بوجوب إكرامه.
أمّا كون مفاد الهيئة شمولياً فلأجل حالاته الكثيرة، فقول القائل: أكرم زيداً إذا سلّم فالوجوب قبل التقييد يشمل صورتي التسليم وعدمه. كما يشمل سائر الصور الّتي لم تذكر في الكلام، وهذا بخلاف المادة فإنّ إطلاقه بدليّ، لأنّ الطبيعة تتحقّق بوجود فرد واحد، فيكون الشمولي أقوى والبدلي أضعف.
وأورد عليه في «الكفاية» بقوله: إنّ مفاد إطلاق الهيئة وإن كان شمولياً بخلاف المادّة إلاّ أنّه لا يوجب ترجيحه على إطلاقها، لأنّه أيضاً كان بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، غاية الأمر أنّها تارة تقتضي العموم الشمولي وأُخرى

صفحه 485
البدلي كما ربّما تقتضي التعيين أحياناً كما لا يخفى، وترجيح عموم العام على إطلاق المطلق إنّما هو لأجل كون دلالته بالوضع لا لكونه شمولياً بخلاف المطلق فإنّه بالحكمة فيكون العام أظهر منه فيقدم عليه .1
وحاصله: أنّ الشيخ زعم أنّ ملاك التقديم كون المفاد شمولياً فيقدّم على البدلي، بل الميزان قوة الدلالة ، سواء أكان في جانب الشمولي أم جانب البدلي.
ولذلك لو كان الدليل الدال على البدلي هو اللفظ والدال على الشمولي هو الإطلاق فيقدم الأوّل على الثاني، كما إذا قال: أكرم أي واحد من العلماء، ثم قال: ولا تكرم فاسقاً، فيقدّم الأوّل على الثاني ـ في مورد الاجتماع ـ أعني: العالم الفاسق.
وأمّا المقام فبما أنّ الشمولية والبدلية من المداليل العقلية لافتراض كونهما مستفادين من الإطلاق وسكوت المتكلّم عن القيد، فلا وجه لحفظ أحدهما وتقييد الآخر. إذا كان القيد صالحاً للرجوع إليهما.

الوجه الثاني: تقييد الهيئة يوجب تقييد المادة ولا عكس

إذا فرض أنّ المولى قال: أكرم زيداً إن جاءك يوم الجمعة، فلو فرضنا أنّ القيد يرجع إلى الوجوب الّذي هو مفاد الهيئة، فبما أنّه لا وجوب قبل مجيء يوم الجمعة، يكون الواجب مقيداً بنفس الشرط أيضاً بمعنى أنّه يكون المطلوب «الإكرام المقارن بالشرط» ، وهذا بخلاف ما إذا كان القيد راجعاً إلى

1 . الكفاية: 1 / 169 .

صفحه 486
المادة حيث يتعلّق الوجوب المطلق بالإكرام المقيّد بالمجيء ، فلا يسري التقييد إلى مفاد الهيئة ـ أعني: الوجوب ـ لجواز أن يكون الوجوب حالياً قبل يوم الجمعة والمطلوب استقبالياً.
وأورد عليه المحقّق الخراساني: بأنّه إنّما يتم إذا كان القيدُ منفصلاً، بحيث ينعقد لكلّ من الهيئة والمادة إطلاق، فيدور الأمر بين التصرّفين والتصرّف الواحد، وأمّا إذا كان القيد متصلاً فبما أنّه لم ينعقد للكلام أي ظهور وإطلاق، فلو رجع القيد إلى الهيئة فهو لا يستلزم تقييد المادة، بل يستلزم إبطال محلّ الإطلاق وإلغاء القابلية في المادة، وهو ليس أمراً مخالفاً للأصل.
فلو دار الأمر بين تقييد واحد كالمادة، وتقييد واحد وإبطال محل الإطلاق في الآخر، بمعنى أنّه لا ينعقد الإطلاق فيه من أوّل الأمر فلا دليل على الترجيح .1
يلاحظ عليه: بأنّ مورد النزاع فيما إذا كان القيد منفصلاً، وقد أذعن المحقّق الخراساني بصحّة دليل الشيخ الأنصاري فيه ، إلاّ أنّه أشكل عليه فيما إذا كان القيد متّصلاً، مع أنّه خارج عن محل النزاع.
والأولى أن يجاب بأنّ ما ذكره أمر عقلي لا ينعقد به الظهور ولا يلتفت إليه العرف العام الذين هم المرجع في مقام الاستظهار، فلا يكون أحد الإطلاقين أقوى عنده من الإطلاق الآخر حتّى يحفظ الأوّل ويقيد الآخر، وقد مرّ نظيره في تعارض الأحوال وقلنا: إنّ الوجوه المذكورة في تقديم أحد

1 . الكفاية: 1 / 169 ـ 170 .

صفحه 487
الاحتمالين على الآخر وجوه استحسانية لا ينعقد بها الظهور العرفي.

كلام للمحقّق النائيني

إنّ للمحقّق النائيني كلاماً حول الوجهين الّذي ذكرهما الشيخ للاستدلال على رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة وبالتالي التحفّظ على مفاد الإطلاق الشمولي، وتقييد الإطلاق البدلي، فقال (قدس سره): إنّا لو فرضنا أقوائية الإطلاق الشمولي من البدلي فلا يوجب ذلك تقديمه عليه، لأنّ الأقوائية إنّما توجب التقديم، لو كان التخالف والتكاذب منهما بالذات، كما في المثالين:«لا تكرم فاسقاً»، «أكرم عالماً» والأوّل يفيد الشمول، والثاني يفيد البدلية، فإنّ كلّ واحد منهما يكذّب الآخر، إذ لا تجتمع حرمة إكرام الفاسق على إطلاقه ولو كان عالماً، مع وجوب إكرام مطلق العالم ولو كان فاسقاً، ففي مثله يقدّم الأقوى على الأضعف، وهذا هو محلّ الكلام في مبحث التعادل والترجيح، لا في المقام، إذ ليس بين إطلاق الهيئة والمادة في أنفسهما تكاذب في المقام، إذ لا مانع من كونهما مطلقين غير مقيدين، وإنّما جاء التعارض لأجل علم إجمالي بطروء القيد على أحدهما مع تساويه بالنسبة إلى الأقوى والأضعف، وفي مثله، لا وجه لتقديم الأقوى على الأضعف لما ذكرناه من تساوي العلم الإجمالي.1

1 . أجود التقريرات: 1/163ـ 164.

صفحه 488
 
مقتضى الأصل العملي
قد عرفت أنّه لا يوجد أصلٌ لفظي في المقام يعتمد عليه، وأنّ القيد إذا كان متّصلاً يلزم منه الإجمال في الكلام، وإن كان منفصلاً فالعلم الإجمالي بتقييد أحد الإطلاقين يمنع عن الأخذ بواحد منهما، فلابدّ من الرجوع إلى الأصل العملي.
وأمّا مقتضاه فلأنّ الشكّ في كون القيد راجعاً إلـى الهيئـة (فلا يجب تحصيله) وإلى المادة (فيجب تحصيلـه) يرجع إلى الشك في وجـوب تحصيـل القيـد والمرجع فيه البراءة.
نعم الأصل العملي، أعني: البراءة لا يثبت أحد الظهورين، أي كون القيد قيداً للهيئة أو للمادة.
   

التقسيم الثالث: تقسيم الواجب إلى نفسي وغيري

عرّف القوم الواجب النفسي والغيري بالنحو التالي:
النفسي: ما أمر به لنفسه.
الغيري: ما أمر به لغيره.
وأورد عليه الشيخ الأعظم بأنّ تعريف النفسي غير جامع، كما أنّ تعريف الغيري غير مانع.
أمّا التعريف الأوّل: فلأنّه يخرج منه كلّ الواجبات النفسية سوى معرفة الله، إذ غيرها إنّما أمر به لأجل مصالح مترتّبة عليه، كالصلاة، فإنّها أمر بها

صفحه 489
لكونها قربان كل تقي، وكالصوم فإنّه إنّما أمر به لأنّه جُنّة من النار، وهكذا غيرها.
وأمّا الثاني: فغير المعرفة من الواجبات النفسية، داخل تحته، لأنّه أمر به لغيره من المصالح، كما ذكرنا في الصلاة والصوم. فخروج وجوب الصلاة عن تعريف النفسي ودخوله في تعريف الغيري، جعل تعريف النفسي غير جامع وتعريف الغيري غير مانع.
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الأمر لنفسه هو الأمر به لا بملاحظة بعث آخر، كما أنّ المراد من الأمر لغيره هو الأمر به لغاية بعث آخر، وعلى ضوء ذلك فوجوب الصلاة واجب نفسي، لأنّه أمر به لنفسه لا لبعث آخر. ولم يتعلّق بعث بالغايات حتّى يكون البعث إلى الصلاة لأجل ذلك، وإنّما هي غايات حاصلة بنفس الصلاة، وكون الشيء غاية غير كونه مبعوثاً إليه. كما أنّ الأمر بالوضوء واجب غيري، لأنّه أمر به لغاية بعث آخر وهو وجوب الصلاة.
وعلى ذلك فلا تخرج الواجبات النفسية من تحت التعريف الأوّل، فإنّها وإن وجبت لأجل مصالح وأغراض، إلاّ أنّ ذلك لا يخرجها عن النفسية، إذ الميزان في كون الواجب نفسياً، تعلّق البعث بملاك نفسه، لا بملاك بعث آخر في البين، وإن كانت هناك مصالح، والواجبات النفسية كلّها كذلك.
كما لا تدخل تلك الواجبات في إطار الواجبات الغيرية، إذ المفروض أنّ الملاك في الغيري، تعلّق البعث به، لأجل تعلّق بعث آخر بشيء آخر والواجبات النفسية ليست كذلك، إذ المفروض تعلّق البعث بها لنفسها، لا مقدّمة لبعث آخر.

صفحه 490

التعريف الثاني للواجب النفسي والغيري

عرّف الشيخ الأنصاري النفسي والغيري بتعريف آخر فقال:
فإن كان الداعي فيه هو التوصّل به إلى واجب لا يكاد يمكن التوصّل بدونه إليه لتوقّفه عليه فالواجب غيري، وإلاّ فهو نفسي، سواء أكان الداعي محبوبية الواجب بنفسه كالمعرفة بالله أو محبوبيته بما له من فائدة مترتبة عليه كأكثر الواجبات من العبادات والتوصليات .1
وبما أنّ الشيخ عمّم الواجب النفسي إلى ما إذا كان الداعي محبوبية الواجب بنفسه كالمعرفة أو محبوبيته بما له من الغاية، صار ذلك سبباً للإشكال عليه، فأورد عليه في «الكفاية» بأنّه لو كان الداعي هو اشتماله على الفائدة المترتّبة عليه كان الواجب غيرياً، فإنّه لو لم تكن هذه الفائدة لازمة لما دعا إلى إيجاب ذي الفائدة.2
يلاحظ عليه: بأنّ الشيخ جعل المعيار في الغيري كون الداعي إلى الأمر به التوصل إلى واجب آخر وعدمه، لا التوصّل إلى الغايات والأغراض وعدمه. والصلاة أمر بها لا للتوصل إلى واجب آخر ولا ينافيه الأمر بها لغايات فإنّها وإن كانت محبوبة بالذات ولكن ليست واجبة في الشريعة ولم يتعلّق بها أمر ولا طلب.
وبعبارة أُخرى: كم فرق بين القول: الأمر بالشيء لواجب آخر، أو الأمر بالشيء لغاية من الغايات، فالصلاة خارجة عن التعريف الأوّل داخلة في

1 . مطارح الأنظار: 66 .
2 . كفاية الأُصول: 1 / 171 .

صفحه 491
التعريف الثاني، والميزان في الغيري هو الأوّل لا الثاني.
فإن قلت: ينتقض التعريف بالظهر والمغرب إذ فيهما كلا الملاكين النفسي والغيري فإنّ الظهر واجب نفسي وفي الوقت نفسه فقد وجبت لبعث آخر أو واجب آخر .
قلت: إنّ صلاة الظهر بما هي هي واجب نفسي وليس واجباً غيرياً، وأمّا الواجب الغيري فإنّما هو عنوان تقدّمها على العصر على القول بأنّ الشرط هو التقدّم أو تأخّر العصر عن الظهر على القول به.
فإن قلت: ينتقض التعريف بالمقدّمات المفوتة فإنّها واجب غيري مع أنّه بُعث بها لا لبعث آخر لافتراض تأخّر وجوب ذي المقدّمة عن وجوب المقدّمة .
قلت: يكفي في ذلك وجود البعث الآخر في الزمان المتأخّر ولا يشترط أن يكون الوجوبان متزامنين.
وقد تقدّم أنّ السيد الأُستاذ قال: إنّ وجوب المقدّمة وإن كان تابعاً لوجوب ذيها، ولكنّه ليس نابعاً عنه، فلذلك يجوز تقدّم وجوب المقدّمة عليه، فينطبق تعريف الغيري على وجوب المقدّمات المفوتة، لأنّها أمر بها لأجل الأمر بذيها، الآتي في المستقبل.

دوران الأمر بين الواجب النفسي والغيري

إذا تبين كون شيء واجباً نفسياً أو غيرياً فهو، وإلاّ فيرجع إلى الأصل اللفظي أوّلاً، وإلى الأصل العملي ـ في المسألة ـ ثانياً، فيقع الكلام في مقامين:

صفحه 492

المقام الأوّل: ما هو مقتضى الأصل اللفظي؟

المشهور أنّ مقتضى الأصل اللفظي كون الواجب نفسياً، لعدم حاجته إلى البيان الزائد، بخلاف الغيري فإنّه بحاجة إلى القيد بأن يقول: إفعل لهذا.
إلاّ أنّ الشيخ الأنصاري والمحقّق العراقي أنكرا إمكان انعقاد الإطلاق في مفاد الهيئة بوجهين:
الأوّل: أنّ الصيغة موضوعة لمصاديق الطلب الحقيقي المنقدح في نفس الطالب لا لمفهوم الطلب، فإنّ الفعل لا يتّصف بالمطلوبية إلاّ بواسطة تعلّق واقع الإرادة وحقيقتها به، لا بواسطة مفهومها، ومن المعلوم أنّ الفرد الحقيقي المنقدح في نفس الطالب جزئي لا يعقل فيه التقييد والإطلاق، فلا معنى للتمسّك بإطلاق الصيغة لكون الواجب نفسياً لا غيرياً .1
وقد أورد عليه المحقّق الخراساني: بأن مفاد الهيئة ليس الفردَ الحقيقي من الطلب، بل مفادها هو مفهوم الطلب كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف، ولا يكاد يكون مفادها الفردَ الحقيقي من الطلب، أعني: ما يكون بالحمل الشائع طلباً، وإلاّ لما صحّ إنشاؤه بها ضرورة أنّه من الصفات الخارجية الناشئة من الأسباب الخاصة.
نعم ربّما يكون (الطلب الحقيقي) هو السبب لإنشائه، بل المنشأ هو الطلب الإنشائي والوجود الإنشائي لكل شيء ليس إلاّ قصد مفهومه بلفظه .2

1 . مطارح الأنظار: 67 .
2 . كفاية الأُصول: 1 / 173 ـ 174 .

صفحه 493
والظاهر وجود الخلط في كلام العلمين، وأنّ كلاً منهما قد أصاب في مورد وأخطأ في آخر.
أمّا الشيخ فقد أصاب في قوله بأنّ الصيغة ليست موضوعة لمفهوم الطلب، لأنّه لا يوصف بالمطلوبية. ولكنّه أخطأ حيث جعل الموضوع له الطلب الحقيقي المنقدح في نفس الطالب. ومن المعلوم أنّ الطلب الحقيقي غير قابل للإنشاء، لأنّه أمر تكويني، والتكوين لا يتحقّق به، وإنّما القابل للإنشاء هو الفرد الإنشائي من الطلب لا الفرد الحقيقي.
وأمّا المحقّق الخراساني فإنّه وإنّ أصاب في أنّ الطلب الحقيقي ليس هو مفاد الهيئة وإلاّ لما صحّ إنشاؤه بها.
ولكنّه أخطأ في أنّ المُنشأ هو مفهوم الطلب حيث إنّ مفاهيم الحروف والأسماء ـ عنده ـ واحدة. بل المنشأ هوالفرد الاعتباري من الطلب أو الفرد الإنشائي منه، وهو وإن كان جزئياً لكنّه كلّي بالنسبة إلى حالاته، حيث إنّ وجوب الإكرام عام بالنسبة إلى تسليم زيد وعدمه، ومجيئه وعدمه، وهكذا .
الثاني: ما أفاده المحقّق العراقي.
قال: إنّ المعاني الحرفية قد اتّخذت آلة لملاحظة أحوال المعاني الاسمية، وما كان هذا شأنه فهو دائماً مغفولٌ عن ملاحظته بخصوصه، وعليه فكيف يعقل توجه الإطلاق والتقييد إليه لاستلزامه الالتفات إليه بخصوصه في حال كونه مغفولاً عنه بخصوصه، وهذا خلف .1
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يرد الإشكال إذا لوحظ المعنى الحرفي مطلقاً ثم

1 . بدائع الأفكار: 1 / 373 .

صفحه 494
يلاحظ مقيداً، ففي هذه الصورة التقييد يحتاج إلى لحاظ ثان، وأمّا إذا كان المتصوّر من المعنى الحرفي مقيداً من أوّل الأمر واستعمل الألفاظ على طبق المعاني المخزونة في نفسه فالتقييد لا يحتاج إلى لحاظ آخر حتّى ينافي مغفوليته.
   
 
أدلّة المتمسّكين بإطلاق الهيئة
قد عرفت أنّ الشيخ الأنصاري والمحقّق العراقي (قدس سره) أنكرا انعقاد الإطلاق في الهيئة لأجل كون مفادها جزئياً تارة والجزئي غير قابل للتقييد أو كون مفادها آلياً والمعنى الآلي مغفول عنه، والتقييد فرع الالتفات إليه، وقد عرفت أنّ شيئاً منهما غير مانع من انعقاد الإطلاق، فهلمّ معي ندرس أدّلة القول بإمكان انعقاد الإطلاق في مفاد الهيئة وأنّ مقتضاه كونه واجباً نفسيّاً وقد ذكروا هناك وجوهاً:
الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ الهيئة وإن كانت موضوعة لما يعمّهما إلاّ أنّ إطلاقها يقتضي كونه نفسيّاً، فإنّه لو كان شرطاً لغيره لوجب التنبيه على المتكلّم الحكيم.
يلاحظ عليه: بأنّ كلاًّ من الواجب الغيري والنفسي قسمان من مطلق الواجب، فكل منهما متميّز عن المقسم بفصل كما مرّ في تعريفهما بقولهم: «لنفسه أو لغيره» وعلى ضوء ما ذكرنا فكل منهما غير غنيّ عن القيد الزائد على المقسم، ومعه كيف يكون مقتضى الإطلاق هو الواجب النفسي ؟1

1 . سيوافيك تصحيحه بالتفريق بين مقام الثبوت والإثبات، فانتظر.

صفحه 495
الثاني: ما أفاده المحقّق البروجردي من أنّ الصيغ الإنشائية قد وضعت للبعث والتحريك نحو متعلّقاتها، والبعث الغيري المتعلّق بالمقدّمات ليس في الحقيقة بعثاً نحو المتعلّق، وإنّما هو تأكيد للبعث المتعلّق بذيها، فالكلام يحمل على ظاهره وهو البعث الحقيقي نحو ما تعلّق به .1
يلاحظ عليه: بأنّ لسان الواجب الغيري على قسمين: تارة يكون اللسان لسان الإرشاد إلى المقدّمية مثل قوله: لا صلاة إلاّ بطهور أو لا صلاة لمن لم يستقبل القبلة وفي مثله لا يوجد بعث ولا تحريض.
وأُخرى ما يكون ظاهره البعث إلى المقدّمة كقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ )2.
وأي تحريض وبعث أبلغ من قوله: (مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا...). وكون الغاية من البعث إليها، هو البعث إلى ذيها لا ينافي وجود البعث الحقيقي إليها.
ونظيره آية الوضوء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ )3.
الثالث: ما اخترناه وحاصله أنّ هناك فرقاً بين الثبوت والإثبات فالواجب النفسي والغيري يشتركان في أنّ كلاًّ منهما يتميز عن المقسم بقيد

1 . نهاية الأُصول: 1 / 170 .
2 . التوبة: 38 .
3 . المائدة: 6 .

صفحه 496
خاصّ وإلاّ يلزم كون القسم نفس المقسم، وأمّا عالم الإثبات فيمكن أن يقال: إنّ القاء الأمر بلا قيد بيان للواجب النفسي عند العرف، بل بيان بالحمل الشائع له وإن لم يكن بياناً له بالحمل الأولي، فإذا قال: توضّأ، وكان الوضوء واجباً لنفسه يكفي فيه الإطلاق ولا يحتاج إلى قيد نظير قوله: «لنفسه»، وهذا بخلاف ما إذا كان واجباً غيريّاً، فلولا التصريح به لكان البيان غير تامّ، فهذا الوجه وإن كان نفس ما أفاده المحقّق الخراساني وقد أوردنا عليه بما سبق، لكن يمكن تصحيحه بالتفريق بين مقام الثبوت والإثبات، وبذلك يعلم صحّة كلامه هنا وفيما سبق في أوّل الأوامر.
الرابع: بناء العقلاء على حمل الواجب على كونه نفسياً والقيام به وإلغاء احتمال كونه غيرياً.
الخامس: التمسّك بإطلاق دليل الواجب كالصلاة، إذ لو كان الأمر بالوضوء واجباً غيرياً يلزم تقييد الواجب ـ أعني: الصلاة ـ به، بخلاف ما إذا كان نفسياً، فإطلاق دليل الواجب، يثبت كون الوضوء واجباً نفسياً بناء على حجيّة الأُصول المثبتة اللفظية .
يلاحظ عليه: أنّ ذلك يتمّ في مثل الشك في شروط الواجب كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.
وأمّا المقدّمات الخارجيّة كنصب السلّم وسائر الأُمور فلا تكون مأخوذة في متعلّق الأمر النفسي. حتّى يستدلّ بإطلاقه على كون المقدّمات واجباً نفسيّاً.
   
إلى هنا تبيّن أنّ مقتضى الأُصول اللفظية كون الأمر المشكوك نفسيّاً أو

صفحه 497
غيرياً هو النفسية، وأمّا من أنكر الإطلاق اللفظي بحجّة كون مفهوم الهيئة جزئياً أو آلياً فلابد من الرجوع إلى الأُصول العملية، وهذا ما نذكره في البحث التالي.

المقام الثاني: في مقتضى الأصل العملي

قبل أن نذكر مقتضى الأصل العملي نشير إلى الصور الممكن تصوّرها للأصل العملي:
1. الشك في النفسية والغيرية مع العلم بوجوب الغير.
2. الشك في النفسية والغيرية مع الشك في وجوب الغير.
3. الشك في النفسية والغيرية مع العلم بعدم وجوب الغير.
وإليك دراسة الصور.

الصورة الأُولى: الشكّ في النفسية والغيرية مع العلم بوجوب الغير

إذا تردّد وجوب الوضوء بين كونه نفسياً لأجل النذر أو غيرياً لأجل الصلاة الواجبة، كما إذا وجبت عليه صلاة الميّت وشكّ في تقيّدها بالوضوء وعدّمه، فلا شك في أنّ مقتضى الأصل هو الإتيان به وإن لم نعلم جهة وجوبه. هذا ما أشار إليه في «الكفاية»1، إذ لا شك في وجوب الإتيان به إنّما الكلام في إمكان ترتيب أثر النفسية وجواز إتيانه بعد الصلاة أو وجوب ترتيب الغيرية وإتيانه قبلها .
فمقتضى الاشتغال هو الإتيان به قبل الصلاة، إذ لو كان نفسياً لامتثل

1 . الكفاية: 1 / 175 .

صفحه 498
ولو كان غيرياً لكان كذلك.
وأمّا لو أتى به بعد الصلاة فيشك في تحقّق الامتثال حيث يتحقّق الامتثال لو كان نفسياً لا غيرياً .
فالنتيجة أنّه يجب الإتيان به قبل الصلاة أخذاً بقاعدة الاشتغال.
ثم إنّ الظاهر من المحقّق النائيني (قدس سره)هو جريان البراءة في المقام لا الاشتغال قال: إذا علم بعد الزوال بوجوب الوضوء والصلاة وشك في وجوب الوضوء أنّه غيري أو نفسي ففي هذا القسم يرجع الشك إلى تقييد الصلاة بالوضوء فيكون مجرى البراءة لكونه من صغريات الأقل والأكثر الارتباطيين. وأمّا الوضوء فيجب على أي حال نفسياً كان أو غيرياً .1
وحاصل كلامه: جريان البراءة في كون الوضوء واجباً غيرياً. فتكون النتيجة «النفسية»، عندذاك يجوز الإتيان به بعد الصلاة أيضاً .
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ إجراء البراءة عن تقييد الصلاة بالوضوء لا يثبت كون الأمر المشكوك واجباً نفسياً إلاّ على القول بالأصل المثبت، لأنّ لازم عدم تقييد الصلاة بالوضوء عقلاً، كون الأمر به واجباً نفسياً.
ثانياً: أنّ العلم الإجمالي بكون الوضوء واجباً نفسياً أو واجباً غيرياً، يمنع عن إجراء البراءة في جانب الصلاة المقيدة بالوضوء، لأنّ مفاد البراءة عدم كونه واجباً غيرياً، مع أنّ العلم الإجمالي قائم على أحدهما، وقد أطبق الأُصوليون على عدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي .

1 . فوائد الأُصول: 1 / 222 .

صفحه 499

الصورة الثانية: الشك في النفسية والغيرية مع الشك في وجوب الغير

إذا دار أمر وجوب الوضوء بين كونه نفسياً أو غيرياً ، مع الشك في وجوب الغير فما هو مقتضى الأصل ؟
مثلاً: إذا احتمل أنّ عليه الوضوء إمّا نفسياً لأجل النذر، أو غيرياً للصلاة الّتي شُك في وجوبها، كصلاة الآيات إذا شك في تحقّق أسبابها كالزلزال والحوادث الجوية المخوفة.
والظاهر أنّ مقتضى الأصل هو البراءة، فإنّ الوجوب الغيري مشكوك لوجود الشك في وجوب الغير، فيبقى كونه واجباً نفسياً وهو مشكوك، وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخراساني حيث قال: «وإلاّ، فلا، لصيرورة الشك فيه بدوياً» 1، إذ لو كان وجوبه غيريّاً لا يجب لعدم وجوب الصلاة ظاهراً بمقتضى البراءة فيصير وجوب الوضوء نفسياً مجرى للبراءة.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالمختار عندنا في الصورة الأُولى الاشتغال، وفي الصورة الثانية هو البراءة.

الصورة الثالثة: الشك في النفسية والغيرية مع العلم بعدم وجوب الغير

إذا تردّد أمر الوضوء بين كونه نفسياً أو غيرياً لواجب يعلم قطعاً بعدم وجوبه، كما هو الحال في الحائض إذا دار حكم الوضوء بين كونه واجباً نفسياً أو غيرياً للصلاة الّتي يعلم أنّها غير واجبة في حقّها، فلا شك أنّه لا

1 . كفاية الأُصول: 1 / 175 .

صفحه 500
يجب عليها التوضّؤ، بل هو مجرى للبراءة لكون الشك في وجوبه بدوي.
ثم إنّ السيد الأُستاذ (قدس سره)ذهب في هذه الصورة إلى الاحتياط والجمع بين الوجوب النفسي والغيري ومثّل لذلك بالوضوء قبل الوقت بناءً على اشتراط الصلاة بالوقت، فقال: إنّ مرجع ذلك إلى العلم الإجمالي بوجوب الوضوء نفسياً ووجوب الصلاة المتقيّدة به بعد الوقت، والعلم الإجمالي بالواجب المشروط إذا عُلم تحقّق شرطه فهو منجز عقلاً، وبالتالي يجب عليه الوضوء في الحال والصلاة مع الوضوء بعد حضور الوقت .1
قلت: ما ذكره صحيح في المثال المذكور، لأنّه من قبيل العلم الإجمالي بالتدريجيات حيث يُعلم إمّا بوجوب الوضوء قبل الظهر أو بوجوبه بعد الظهر مع الصلاة.
وأمّا المثال الّذي اخترناه فالمرجع هناك البراءة.
   

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 349 .
Website Security Test