welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه

161
المرجع هو القواعد الأوّلية. إنّما الكلام في الصورتين الأخيرتين.
الصورة الثالثة: إذا كان تاريخ النقل مجهولاً وتاريخ الاستعمال معلوماً، كما إذا قال النبي في السنة الخامسة من البعثة: «إذا رأيتم الهلال فصلّوا» فلم يُعلم، هل كان النقل متقدماً على الاستعمال أو متأخّراً عنه. فالمعلوم تاريخه لا يجري فيه الأصل وإنّما يجري في مجهول التاريخ: أعني النقل، فيقال: أصالة عدم النقل إلى زمان الاستعمال، فتكون النتيجة حمل العبارة على مطلق الدعاء.
ثم إنّ في هذه الصورة خلافاً بين الأعلام الثلاثة:
أ. ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم حجّية أصالة عدم النقل لا لكونه مثبتاً، بل لأنّ هذا الأصل، أصل عقلائي وإنّما يجري عندهم إذا شُكّ في أصل النقل لا في تقدّمه وتأخّره كما في المقام، فلا يصح لنا حمل لفظ الصلاة على معنى الدعاء.(1)
ب. وذهب المحقّق الحائري إلى أنّ الوضع السابق حجّة لا ترفع
عنه اليد إلاّ بعد العلم بوقت الوضع الثاني، وحيث لم يُعلم ذلك حين الاستعمال فيحمل على المعنى اللغوي فتكون النتيجة موافقة لأصالة عدم النقل .(2)
ج. قال السيد الأُستاذ بأنّ الحجّة هي ظهور الكلام لا العلم بالوضع الأوّل، ومع العلم الإجمالي بالنقل والشك في تقدّمه وتأخّره عن الاستعمال

1 . كفاية الأُصول: 1 / 34 .
2 . درر الفوائد: 47 .

162
لا يبقى للكلام ظهور حتّى نتبعه.(1)
ولعلّ ما ذكره الأُستاذ (قدس سره)هو المتبع، لأنّ الظهور لا ينعقد بهذه الأُمور الذهنية، أعني: استصحاب الوضع الأوّل وعدم ثبوت الوضع الثاني.
الصورة الرابعة: إذا كان تاريخ النقل معلوماً والاستعمال مجهولاً.
فيأتي هنا ما ذكره الأعلام الثلاثة في الصورة الثالثة، فالأصل الجاري في المقام هو أصالة عدم الاستعمال لا أصالة النقل على خلاف الصورة الثالثة، فالمحقّق الخراساني ينفي جريان أصالة عدم الاستعمال إلى زمان النقل الّتي لو جرت يكون المراد هو المعنى الشرعي، ووجه عدم الجريان أنّ الأصل المزبور ـ على خلاف الأصل السابق ـ ليس أصلاً عقلائياً، بل هو أصل شرعي وجريانه فرع وجود أثر شرعي مرتّب عليه بلا واسطة، وليس هذا الأصل موضوعاً للأثر في الأدلّة. وإن أُريد به تأخّر الاستعمال عن النقل يكون الأصل مثبتاً.
كما أنّ المحقّق الحائري يؤكدّ على التمسّك بالوضع الأوّل وأنّه حجّة لا ترفع عنه اليد إلاّ بدليل، ومعنى ذلك حمل الجملة على المعنى اللغوي على خلاف مفاد الأصل أي عدم الاستعمال قبل النقل.
   
كما أنّ السيد الأُستاذ يؤكّد على عدم انعقاد الظهور مع وجود العلم الإجمالي بالنقل، وتردّد الاستعمال بين كونه قبل النقل أو بعده، وقد عرفت أنّ الأقوى هو الأخير.

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 86 .

163
 
الأمر العاشر:

في الصحيح والأعمّ

يقع الكلام في هذا الأمر في مقامين رئيسيّين: العبادات والمعاملات، ولذا جعل صاحب الكفاية عنوان البحث: «هل ألفاظ العبادات أسام لخصوص الصحيحة أو لأعمّ منها» وما هذا إلاّ لأنّه خصّ ألفاظ المعاملات بالبحث مستقلاًّ.
وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: جريان النزاع على عامّة الأقوال

قد مرّ أنّ الأقوال في كيفية استعمال ألفاظ العبادات أربعة:
أ. إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) استعمل هذه الألفاظ في معانيها اللغوية ولكنّه لمّا أراد إراءة مصداق جديد للدعاء لم تكن لهم به معرفة، أتى بدليل ثان يدلّ عليها بنحو تعدّد الدال والمدلول، فأراد من الدليل الأوّل (لفظ الصلاة) نفس الدعاء، ومن الدليل الثاني ما أُضيف إليه من الأجزاء والشرائط .
ب. أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) استعملها في معانيها الشرعية مجازاً للعلاقة بينها وبين المعنى اللغوي.
ج. أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نقلها من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية عن

164
طريق الاستعمال بداعي الوضع.
د. كانت هذه الألفاظ حقائق عرفية في نفس هذه المعاني قبل البعثة، وقد استغلّها الشارع لبيان مقصوده.
والّذي يدخل في عنوان النزاع هو القول الثالث والرابع فقط، لأنّ الألفاظ على ذينك القولين إمّا نقلت من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية، كما هو الحال في القول الثالث أو استغلّها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لبيان مقصوده بالتصرف فيها باضافة شيء أو حذف شيء آخر.
وأمّا على القولين الأَوّلين فلا نقل ولا تصرف، فعنوان البحث لا يشمل هذين القولين، ولكن ذلك لا يمنع من عمومية ملاك النزاع (لا عنوان المسألة) لهما أيضاً ، بأن يقال:
أمّا على القول الأوّل فملاك النزاع هو: هل الدليل الثاني الّذي نصبه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان دالاً على إرادة المصداق الصحيح، أو كان دالاّ على الأعمّ، على وجه يكون الأصل في الاستعمال هو المصداق الّذي أُقيم عليه الدليل في المرحلة الأُولى من هذا الاستعمال، ويكون هو الأُسوة والقدوة في تفسير كلّ ما ورد في الحديث النبوي من الفاظ العبادات، وتكون إرادة المصاديق الأُخر محتاجة إلى قرينة؟ وبعبارة أُخرى: قد تقدّم أنّ المقام على القول الأوّل من قبيل تعدّد الدال والمدلول، فيقع الكلام في أنّ مدلول الدالّ الثاني هل هو الصحيح أو الأعم؟
وأمّا على القول الثاني فيقع النزاع في أنّ الشارع هل لاحظ العلاقة بين المعاني اللغوية والمعاني الصحيحة، أو لاحظ العلاقة بينها وبين الأعم؟

165
وعلى كلّ تقدير يكون الأصل في استعمالات الشارع هو المعنى الّذي لاحظ العلاقة بينه وبين المعنى اللغوي وعليه يُحمل كلّ ما ورد من هذه الألفاظ في السنّة النبوية، وتكون إرادة المعنى الآخر محتاجة إلى قرينة.

الثاني: ما هو معنى الصحّة؟

ادّعى المحقّق الخراساني أنّ الصحّة بمعنى «التمام» وأنَّ تفسير المتكلّم الصحّةَ بموافقة الشريعة أو تفسير الفقيه، بما يسقط الإعادة والقضاء، تفسير باللازم، وبما يُهمُّ كلّ واحد منهما، فالمتكلّم يُهمّه التعرّف على ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله والعقاب والثواب من أفعاله، وهما يترتّبان على الموافقة والمخالفة، ولأجل ذلك فسّرها بموافقة الشريعة، كما أنّ الفقيه يهمّه تعيين تكليف المكلّف من الإعادة والقضاء وعدمهما ولذلك فسّرها بسقوطهما.
أقول: الظاهر أنّ الصحّة لغة تارة تستعمل في مقابل المرض ويقال: «مصح ومريض» وقد جاء في الحديث النبوي قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يُوردَنَّ ذو عاهة على مُصحّ» وأُخرى تستعمل في مقابل النقص، فيقال: «صحيح ومعيب»، فالصحّة حسب الملاك الأوّل تطلق على أشياء باعتبار اتّصافها بكيفية ملائمة لنوعها أو باعتبار أثر يترتّب عليه، ويقابله الفساد بمعنى حدوث كيفية منافرة لطبعه أو باعتبار ترتب أثر لا يترقب منه، ولهذا المعنى توصف الدهون والأدوية والمعاجين بالصحّة والفساد. وهنا يكون ملاك الاتّصاف هو الكيفية لا الكمية. والصحّة في هذا القسم بمعنى

166
«السلامة» فيقال: سالم وفاسد.
وأمّا الصحّة حسب الملاك الثاني تطلق على الشيء باعتبار تمامية أجزائه، ويقابلها النقص باعتبار نقصان بعض أجزائه، وبهذا الملاك يقسم المتاع إلى الصحيح والمعيب، أو الدابة إلى صحيحة ومعيبة. ويكون الملاك هو كونه تامّاً من ناحية الكمية أي الاجزاء والشرائط وعدمها.
فحصر معنى الصحة في معنى التمام من حيث الاجزاء نوع غفلة عن الملاك الأوّل.
فمثلاً لو صلّى بقراءة ملحونة فقد فسدت صلاته لأجل فقدان الكيفية المطلوبة في الصلاة، وأمّا لو صلّى بلا قراءة فقد فسدت صلاته لأجل فقدان أحد الأجزاء.
ولعلّ في عبارة ابن فارس تصريح بكلا المعنيين، قال:
الصحّة، أصل يدلّ على البراءة من المرض والعيب، وعلى الاستواء من ذلك، فالصحّة ذهاب السقم، والبراءة من كلّ عيب.(1) فلابد من تفسير الصحّة على وجه يعمّ كلا القسمين ويمكن ان يقال: التمامية من حيث الكيف والكمّ. أو السلامة من الجهة الأُولى، والتمامية من الجهة الثانية.

الثالث: ما هو المقصود من الوضع للصحيح ؟

هل المراد من الصحيح هو الصحيح بالحمل الأوّلي؟ أو المراد هو الصحيح بالحمل الشائع؟ أو لا هذا ولا ذاك، بل ماهية لو وجدت في الخارج

1 . المقاييس: 3 / 281 .

167
لوصفت بالصحّة؟
لا طريق إلى القول الأوّل لاستلزامه كون الصلاة مرادفة لمفهوم الصحّة; كما لا طريق إلى الثاني لاستلزامه أن يكونَ الموضوع له خاصّاً مع أنّ الجميع متّفق على أنّ الموضوع له هو الأمر الكلّي المردّد بين الصحيح أو أعمّ منه ومن غيره، فتعيّن الثالث، أي الماهية الاعتبارية الّتي لو وجدت في الخارج لوصفت بالصحّة، فالصحّة الفعلية من صفات وجودها، والتعليقية من أوصاف الماهية.

الرابع: في دخول الأجزاء والشرائط في المسمّى

الفرق بين الجزء والشرط، هو انّ الجزء داخل في المسمّى قيداً وتقيّداً، أمّا الشرط فداخل تقيّداً لا قيداً، فالوضوء بنفسه غير داخل في المسمّى ولكن الأمر تعلّق بالصلاة متقيّدة بالوضوء.
أمّا دخول الأجزاء فلاشكّ في دخولها. في المسمّى وأمّا الشرائط فهي على قسمين:
شرط شرعي، كالتستر والاستقبال، وشرط عقلي كقصد الأمر، وقصد الوجه، وعدم الابتلاء بالمزاحم، أو عدم تعلّق النهي.
أمّا القسم الأوّل (الشروط الشرعية) فقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى خروجه عن المسمّى قائلاً: بأنّ رتبة الأجزاء رتبة المقتضي، ورتبة الشرائط متأخّرة عن رتبة المقتضي، فلايسوغ إدخالها في المسمّى لتستوي مع الأجزاء .(1)

1 . مطارح الأنظار: 6 .

168
حاصله: أنّ الشروط في طول المشروط فيستحيل أن يقعا في مصاف واحد.
يلاحظ عليه: أنّه خلطٌ بين عالم العين والتكوين وعالم الوضع والتسمية، فما ذكره راجع إلى عالم العين فالمشروط مقدّم على الشرط، لأنّ الشرط إما متمّم لفاعلية الفاعل كالمحاذاة بالنسبة إلى النار، أو لقابلية القابل كالجفاف بالنسبة إلى الحطب.
وأمّا عالم التسمية والوضع فلا مانع من أن يسمّى المتقدّم والمتأخّر بلفظ واحد، وهذا كالموجود فهو يعمّ الواجب والممكن بوضع واحد، ولكن أين التراب من رب الأرباب؟!
هذا حسب الثبوت، وأمّا الإثبات فأدلّة القائلين بالصحيح والأعمّ خير شاهد على دخول الشرائط في المسمّى، مثلاً:
انّ المحقّق الخراساني استدلّ على وضع لفظ الصلاة على الصحيح منها بالآثار المترتّبة عليها في لسان الشرع ; كالنهي عن الفحشاء، ومعراج المؤمن، وقربان كلّ تقي،(1) وهذه الآثار تدلّ على أمرين:
1. وضع اللفظ للصحيح دون الأعمّ .
2. دخول الشرائط في المسمّى عند الصحيحي، لوضوح أنّ الصلاة إنّما تنهى عن الفحشاء إذا كانت جامعة للأجزاء والشرائط.
كما أنّ استدلال الأعمّي في الرد على الصحيحي يكشف عن دخول

1 . كفاية الأُصول: 1 / 36.

169
الشرائط في المسمّى حيث قال في مقام الرد على الصحيحي: بأنّ القول بالصحيح يلزم تكرار معنى الطلب في الأوامر المتعلّقة بها، لأنّ الأمر بالصحيح حينئذ يرجع إلى الأمر بالمطلوب، إذ هو معنى الصحيح فيكون المعنى أطلب المطلوب .(1)
ومن المعلوم أنّ المطلوب هو التام جزءاً وشرعاً.
هذا كلّه حول الشروط الشرعية، وأمّا الشروط العقلية فلو قلنا بعدم إمكان أخذ قصد الأمر والوجه في المتعلّق فيلازم خروجه عن المسمّى، لأنّ الغرض من الوضع هو جعل الموضوع متعلّقاً للأمر، فإذا كان بعض الشروط غير قابل لأخذه في المتعلّق يكون أخذه في المسمّى أمراً لغواً .
وأمّا على القول بإمكان أخذه في المتعلّق ـ كما هو الحق ـ فلا مانع من أخذه في المسمّى، غير أنّ الرائج هو أخذ الشروط الدخيلة في الماهية في المسمّى لا الشروط الّتي تُعدّ من توابع الوجود والتحقّق. والأُمور الأربعة الّتي أُشير إليها أشبه بلوازم وجود الصلاة الصحيحة فلا تؤخذ في المسمّى.

الخامس: في لزوم جامع على كلا القولين

يجب وجود جامع بين الأفراد من غير فرق بين القول بالصحيح والقول بالأعمّ، وذلك لوجهين:
1. أنّ الأمر دائر بين الاشتراك اللفظي والحقيقة والمجاز، والاشتراك المعنوي، والأوّلان باطلان لم يذهب إليهما أحد، فلا بد من القول بالثالث

1 . الفصول الغروية: 48.

170
الّذي يلازم وجود جامع بين جميع الأفراد الصحيحة، أو بين جميع الأفراد الأعمّ من الصحيحة والفاسدة.
2. أنّ الوضع في ألفاظ العبادات إمّا عامّ والموضوع له كذلك، أو الوضع عام والموضوع له خاص، فعلى كلا القولين لابد من جامع، أمّا أن يكون هو الموضوع له كما هو الحال في القول الأوّل أو يكون وسيلة لمشاهدة الموضوع له، أي الافراد لامتناع تصوّر الافراد غير المتناهية بنفسها إلاّ بطريق جامع يكون وسيلة لمشاهدة الأفراد إجمالاً. كما هو الحال في القول الثاني.

السادس: مشكلة الجامع على القول بالصحيح

القائل بوضع ألفاظ العبادات للصحيح منها يواجه مشكلة عسيرة، فهو من جانب يرى أنّ مصاديق العمل الصحيح مختلفة كمّاً وكيفاً.
أمّا الكم كالصلوات الثنائية والثلاثية والرباعية، وصلاة الحاضر والمسافر، والآمن والخائف.
وأمّا الكيف فكصلاة المتوضّئ والمتيمّم والمصح والمريض، والعاجز عن القيام دون الجلوس، والعاجز عن الجلوس دون الاضطجاع.
ومن جانب آخر يرى نفسه أنّه بصدد إثبات أنّ لفظ الصلاة يصدق على جميع هذه المصاديق المختلفة كماً وكيفاً بوضع واحد.
وعند ذلك تتوجه إليه الأسئلة التالية:
1. لو كان لفظ الصلاة موضوعاً للصلاة الرباعية فلا يصدق على الأقل منها، ولو كان موضوعاً للأقل منها فلا يصدق على الكثير.

171
2. لو كان لفظ الصلاة موضوعاً لما هو وظيفة المختار كالتوضّؤ لما يصدق على ما هو وظيفة المضطر كالتيمم، مع أنّ الصحيحي يدّعي أنّه يشمل كلا الصنفين بوضع واحد.
3. أنّ بعض مصاديق الصحيح صحيحة في حالة وفاسدة في حالة أُخرى كالثنائية صحيحة في حقّ المسافر وفاسدة في حق غيره. فكيف يمكن تصوير جامع يكون جامعاً لعامة المصاديق ومانعاً لغيرها مع أنّ صلاة المضطر داخلة في الموضوع له في حالة وخارجة عنه في حالة أُخرى؟!
وهذه المشاكل الثلاث هي الّتي يواجهها القائل بالصحيح، ولذلك اختار كلٌ مسلكاً ليتخلّص من تلك الإشكالات، وإليك هذه المسالك:

1. الجامع عند المحقّق الخراساني

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الجامع بين أفراد الصلاة ليس معلوماً باسمه، ولكنّه يمكن الإشارة إليه بخواصّه وآثاره ; قال: فإنّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثر الكلّ فيه بذاك الجامع، فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة مثلاً، بالناهية عن الفحشاء وماهو معراج المؤمن، ونحوهما.(1)
وقد تخلّص (رحمه الله) عن الإشكال بجعل الجامع بسيطاً ليكون موجوداً في عامّة الصلوات الصحيحة مع اختلافها فإنّها وإن كانت مختلفة من حيث قلّة الأجزاء وكثرتها لكن الجميع مشترك في الاشتمال على المعنى البسيط. وفي

1 . كفاية الأُصول: 1 / 36 .

172
الحقيقة، كانت الغاية من اتّخاذ الجامع أمراً بسيطاً هو التخلّص عن تصوير الجامع المركّب الّذي يتعسّر تصويره بين مصاديق مختلفة.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: وجود التعارض بين صدر كلامه والذيل، فالصدر ظاهر في أنّ الموضوع له شيء، والنهي عن الفحشاء ونظيره معرّف له، لكن الذيل ظاهر في أنّ الموضوع له هو نفس الأثر أي الناهية عن الفحشاء، اللّهم إلاّ أن يحمل (حرف الباء) في قوله: بالناهية على السببية، أي بسبب الناهية عن الفحشاء ومن خلالها.
وثانياً: أنّ الهدف من الوضع تفهيم ما قام من المعنى في ذهن الواضع ثم المتكلّم، فلو كان المعنى غير قابل للتفهيم إلاّ بالإشارة إليه بالأثر الخاص كان الوضع له لغواً، اللّهم إلاّ أن يقول بالوضع للأثر مع أنّه لا يلتزم به.
وثالثاً: أنّ استخدام قاعدة الواحد ـ أعني : لا يصدر الواحد إلاّ عن الواحد ـ في المقام غير صحيح، لأنّ مصبّ القاعدة هو المعلول الواحد الشخصي البسيط من جميع الجهات، وأمّا الواحد الّذي فيه جهات كثيرة فليس مجرى للقاعدة، وذلك:
لأنّه قد ثبت في محلّه لزوم وجود الرابطة بين المعلول والعلّة ليصحّ في ظلّها صدور المعلول عنها بسبب تلك الرابطة، وإلاّ فلو صدر المعلول من دون صلة رابطة بينهما يلزم أن يكون كلّ شيء علّة لكلّ شيء.
وعلى ضوء هذه القاعدة لو كان المعلول بسيطاً يجب أن يصدر عن الواحد، فلو صدر عن كثير بأن يصدر تارة من هذا، وأُخرى من ذاك، يلزم أن

173
يشتمل المعلول الواحد على حيثيتين مختلفتين يصدر من أحدهما، بحيثية ومن الآخر بحيثية أُخرى، وعندئذ ينقلب الواحد إلى كثير، وهذا خلف. ففرض كون المعلول واحداً بسيطاً لا كثرة فيه يساوق حصر صدوره عن علّة واحدة.
لكن القاعدة ـ كما يوحي برهانها ـ مختصّة بالمعلول الواحد البسيط من جميع الجهات، فإين هي من النهي عن الفحشاء الّذي هو واحد بالنوع حيث إنّ النهي عن الكذب غير النهي عن الغيبة، وكلاهما غير النهي عن النميمة. فالقاعدة صحيحة لكن تطبيقها على المورد غير صحيح.
ورابعاً: أنّ لازم القول بوضع الصلاة للجامع البسيط الموجود في جميع المراتب وإن كان يرفع الاشكال ـ وهو مشكلة وجود الجامع في عامّة مراتب الصحيح أُحادية كانت الصلاة أو ثُنائية أو ثُلاثية أو رُباعية، كانت الصلاة صلاة اختيار أو صلاة اضطرار ـ إلاّ أنّه يوجد الإشكال في مقام آخر وهو لزوم الاحتياط عند الشك في الجزئية والشرطية مع أنّ المشهور هو إجراء البراءة عند الشك فيهما، وتوضيحه:
إنّ مشاهير الأُصوليّين عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للصلاة قالوا بالبراءة بادّعاء انحلال العلم الإجمالي إلى أمر يقيني وشك بدوي، وهذا إنّما يصحّ إذا تعلّق الأمر بأمر مركّب ذي أبعاض حتّى يكون بعضه متيقّناً والبعض الآخر مشكوكاً، والّذي يُعدّ قوام الانحلال، وأمّا إذا كان الأمر متعلّقاً بأمر بسيط وكانت نسبة الأجزاء إليه نسبة المحصِّل إلى المحصَّل يكون المرجع هو الاشتغال لكون المأمور به واضحاً، والشكّ إنّما هو في محقَّقه

174
ودورانه بين الأقل والأكثر، ومن المعلوم أنّ العقل يحكم عندئذ بالاحتياط للعلم بالاشتغال القطعي والشك في سقوطه بالأقل، وهذا ما يعبّر عنه تارة «بالشكّ في المحصِّل» أو «الشكّ في السقوط».
نعم أجاب عن هذا الإشكال المحقّق الخراساني في «الكفاية» .(1) بما هذا توضيحه: وجود الفرق بين المسبب الّذي له وجود مستقل منفصل عن السبب، وبين المنتزع عن المركّب المتحقّق معه من دون أن يكون له وجود مستقل.
فالأوّل كالطهارة إذا فسّرت بالطهارة النفسانية الّتي تتحقّق بالغسلات والمسحات، فظرف المسبب هو النفس، كما أنّ ظرف السبب هو الخارج، ففي هذا المورد إذا شكّ في حصول الطهارة النفسانية لأجل الشك في اعتبار الاستنشاق في الوضوء وعدمه، يجب الاحتياط، لأنّ الاشتغال اليقيني بالمسبب البسيط، أعني: الطهارة النفسانية، يقتضي البراءة اليقينية ولا يحصل إلاّ بضم الاستنشاق إليه .
والثاني كما في المقام، فإنّ للعنوان البسيط نحو اتّحاد في الخارج مع الأجزاء والشرائط ولا يضر اختلاف المنتزع منه قلّة وكثرة في انتزاعه كالإنسان المنتزع من الإنسان التام والناقص، فوجود هذا الجامع البسيط عين وجود المركبات وليس مغايراً لها حتّى يكون الشك في قلّتها أو كثرتها من قبيل الشكّ في المحقّق.
يلاحظ عليه: أنّ الالتزام بالجامع البسيط بأيّ نحو كان، يوجب

1 . كفاية الأُصول: 1 / 37 .

175
الاشتغال لا البراءة، وكون المسبب غير السبب كما في الصورة الأُولى، أو متّحداً معه كما في المقام، لا تأثير له في اختلاف الأصل، وذلك لأنّ متعلّق الأمر هو العنوان الكلّي المنتزع وهو أمر بسيط، لا المنتزع منه الّذي يتّحد فيه الأمران، فمنشأ الخلط تصوّر أنّ الأمر يتعلّق بالوجود الخارجي الّذي يتّحد فيه المنتزع والمنتزع منه، غافلاً عن أنّ الأمر يتعلّق بالعنوان الكلّي الموجود في الذهن لغاية الإيجاد، وهو غيرالمنتزع منه في مقام تعلّق الأمر.

2. الجامع عند المحقّق الاصفهاني

ذكر المحقّق الاصفهاني أنّ الجامع أمر مبهم في غاية الإبهام معرَّف ببعض العناوين غير المنفكّة عنه، وما ذكره قريب ممّا ذكره المحقّق الخراساني، وإليك عبارته:
إنّ الماهية إذا كانت من الماهيات الحقيقية تكون واضحة في مقام الذات ومبهمة من حيث الطوارئ والعوارض، وهذا كالإنسان الّذي هو معلوم جنساً وفصلاً، وإنّما الإبهام في عوارضه المشخّصة.
وإذا كانت الماهية من الأُمور المؤلفة من عدّة أُمور بحيث تزيد وتنقص كمّاً وكيفاً، فمقتضى الوضع لها أن تلاحظ على نحو مبهم في غاية الإبهام بمعرّفية بعض العناوين غير المنفكة عنها، وهذا كالصلاة حيث إنّها مركّبة من ماهيات مختلفة: كالوضع، والكيف والفعل، فلا محيص من وضع اللفظ لسنخ عمل مبهم لا يعرف إلاّ من جانب أثره، وهو النهي عن الفحشاء أو غيره من المعرّفات، بل العرف لا ينتقل من سماع لفظ الصلاة إلاّ إلى سنخ عمل

176
خاص مبهم إلاّ من حيث كونه مطلوباً في الأوقات، وهذا هو الّذي تصوّرناه فيما وضعت له الصلاة بتمام مراتبها، من دون الالتزام بجامع ذاتي مقولي، ومن دون الالتزام بالاشتراك اللفظي.
وهذا واقع في العرف في مثل «الخمر» الموضوع لمائع مبهم من حيث مرتبة الإسكار ومن حيث كونه متّخذاً من العنب أو التمر أو غيرهما، ومن حيث كون هذا طعم خاص أو لون مخصوص أو غير ذلك من الجهات .(1)
يلاحظ عليه:
أوّلاً: بأنّ الموضوع له مع إبهامه وإجماله إمّا مركّب أو بسيط، والبسيط إما جامع مقولي أو جامع عنواني، والمجموع غير تام.
أمّا المركّب فيرد عليه أنّه مردّد بين الأقل والأكثر، فلو وضعت على الأكثر أجزاءً خرج القليل أجزاء عن تحت الصلاة مع كونه صحيحاً في بعض الاحوال كالصلاة الثنائية، وإن وضعت للأقل يخرج الأكثر أجزاءً عن تحتها ; وأمّا البسيط فالمقولي منه غير متصور، لأنّ الصلاة مركّبة من مقولات مختلفة; كالوضع والكيف والفعل، وهي من الأجناس العالية الّتي ليس فوقها جنس.
وأمّا الجامع العنواني الّذي يعبر عنه بالانتزاعي كالناهي عن الفحشاء والمنكر فهو يستلزم خلاف المطلوب، إذ يلزم عليه وجوب الاحتياط عند الشك في الأقل والأكثر حسب ما مرّ تقريبه.
وثانياً: أنّ الخمر موضوع لمفهوم واضح ولمعنى معيّن ـ أعني:

1 . نهاية الدراية: 1 / 39 .

177
المسكر ـ غاية الأمر أُخذ لا بشرط من حيث المنشأ ومرتبة الإسكار والطعم. وقد مرّ أنّ وضع اللفظ لمعنى مبهم لا يعرفه الواضع ولا المخاطب خلاف حكمة الوضع.

3. الجامع عند المحقّق النائيني

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ الموضوع له هو خصوص التام من حيث الأجزاء والشرائط كصلاة المكلّف المختار، وإطلاقها على الصلوات الناقصة الاضطرارية إنّما يكون بعد التصرّف في الأمر العقلي، وجعل الصلوات العذرية المجزية مشابهة للصلوات التامّة في الإسقاط وعدم وجوب الإعادة والقضاء وتنزيلها منزلتها من جهة المسقطية والإجزاء، وبعد هذا التنزيل صارت صلوات ادّعائية ثمّ أُطلقت الصلاة عليها .(1)
وحاصله: أنّ الموضوع له أوّلاً هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط، والاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحي، أو أعمّ منها على الأعمّي، من باب الادعاء والتنزيل، أي تنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة، كما في جملة من الاستعمالات .(2)
يلاحظ عليه: بأنّه إن أراد من كلامه، وضعَ لفظ الصلاة لمفهوم التامة الأجزاء والشرائط فهو كماترى، إذ يكون عندئذ مفهوم الصلاة معادلاً للتامّة الأجزاء والشرائط مع أنّه غير صحيح قطعاً.

1 . نتائج الأفكار، للمحقّق الشاهرودي: 1 / 93 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 36 .

178
وإن أراد ما صدق عليه ذاك العنوان، فمن المعلوم أنّ ما يصدق عليه مختلف من حيث الركعات والأجزاء والشرائط فلو وضعت لقسم واحد يمتنع صدقها على غيره ولا يتصوّر الجامع بين الواجد والفاقد، ومع غض النظر عن هذا الإشكال الأخير فما ذكره من التقريب أقرب إلى الذهن من تقريب العلمين السابقين.

4. الجامع عند المحقّق البروجردي

ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّ الجامع الحقيقي غير متصوّر في المقام ولابد من تصوير جامع عنواني عرضي، يقول في هذا الصدد:
إنّ الجامع المقولي لا يتصور في المقام، فإنّ الأشياء المتباينة، بالذات لا يعقل فرض الجامع بينها بالوحدة الحقيقية الذاتية في مرتبة واحدة من مراتب الصلاة، فكيف بالجامع بين جميع المراتب من الكامل المختار تام الأجزاء والشرائط إلى أنقص المراتب كمية وكيفية؟ فتصوير الجامع الذاتي ممّا لا سبيل إليه .
وأمّا الجامع العرضي فالذي يخطر ببالنا أنّ حال المركبات العبادية كالصلاة والصوم والزكاة وأمثال ذلك حال المركّبات التحليلية كالإنسان ونظائره، فكما أنّ الإنسان محفوظ في جميع أطوار أفراده، زادت خصوصية من خصوصياته أو نقصت منها، فكذلك حال المركبات الاعتبارية العبادية، بمعنى أنّه يمكن اعتبار صورة واحدة تمتاز بها عن غيرها وتكون تلك الصورة، ما به الاجتماع لتمام الأفراد وجميع المراتب، وتكون محفوظة في

179
جميع المراحل، وهذا الشيء هو الخشوع الخاص في الصلاة، فإنّ التخشّع الخاص ـ الّذي يكون محصِّل شيئية الصلاة وتصير به الصلاةُ صلاةً ـ محفوظ في جميع أفراد الصلاة ومراتبها المختلفة، وهذا هو المناسب لمقام عبودية العبد بالنسبة إلى مولاه .(1)
وإن شئت قلت: إنّ جميع مراتب الصلاة بحالها من الاختلاف في الأجزاء والشرائط تشترك في كونها توجّهاً خاصّاً وتخشّعاً مخصوصاً من العبد، ويوجد هذا التوجّه بإيجاد أوّل جزء منها ويبقى إلى أن تتم، فيكون هذا التوجّه بمنزلة الصورة لتلك الأجزاء المتباينة بحسب الذات، المختلفة كمالاً ونقصاً باختلاف المراتب، فالتخشّع بوجوده الخارجي بمنزلة الصورة لهذه الأجزاء، فهو موجود بعين وجودات الأجزاء فيكون الموضوع له للفظ الصلاة هذا المعنى المحفوظ في جميع المراتب .(2)
فإن قلت: إنّ هذا التقرير لا يدفع الإشكال، لأنّ التخشّع المجرّد عن الأجزاء ليس معنى الصلاة، بل معناه هو التخشّع القائم بالأجزاء والشرائط، فعندئذ إمّا أن يكون الموضوع له هي التامة منهما فلا يصدق على غير التامّة، ولو كان الموضوع له هي غير التامة فلاتصدق على القسم التام.
قلت: إنّ الموضوع له هو التخشّع القائم بالأجزاء والشرائط لكن الّذي يقوم به التخشع لا بشرط من جانبي الكثرة والقلّة وهذا يصحّ صدقه على القليل والكثير.

1 . الحجّة في الفقه للأُستاذ مهدي الحائري وهو تقرير لبحوث المحقّق البروجردي: 1 / 58 .
2 . نهاية الأُصول: 1 / 40 .

180
 
5. الجامع عند السيد الأُستاذ
ذهب السيد الأُستاذ إلى أنّ الصلاة اسم للهيئة الخاصة، الحالّة في الأجزاء الخاصة كلّ واحدة منها مأخوذة لا بشرط .
توضيح ذلك: أنّ الواحد الاعتباري يلاحظ على قسمين:
1. قسم تكون الهيئة والمادة متعينتين لا يجوز التجاوز عنهما، وهذا كإطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، قال سبحانه: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)(1)، فالموضوع هو إطعام عشرة مساكين فالعدد متعيّن فلا يكفي إطعام أقل من العشرة ولا يجوز التجاوز عنها بنيّة الوجوب، وهذا هو المراد من تعيّن العدد الّذي هو بمنزلة الهيئة، كما أنّ المادة ـ أعني: المساكين ـ متعيّنة فلا يجوز إبدالهم إلى الأقرباء والأصدقاء والجيران إذا لم يكونوا مساكين.
2. ما تكون الهيئة والمادة كلتيهما لا بشرط أي يجب أن تكون فيه هيئة ومادة ما، دون أن تكون فيه خصوصية وهذا كالبيت فيطلق على المثلث والمربع وغيرهما، كما يطلق على المبنيّ باللبن والآجر والاسمنت فاللازم فيه كونه محافظاً عن البرد والحر بأي شكل كان وبأي مادة بُني. ونظير ذلك السيارة ومعامل النسيج فاللازم ترتب الغاية المطلوبة من السير والنسج، وأمّا الهيئة والمادة فكلتاهما غير متعينتين .

1 . المائدة: 89 .

181
وعلى ضوء ذلك يمكن أن يقال: إنّ الصلاة عبارة عن الهيئة الخاصة الّتي تحكي عن عبودية الفاعل وخضوعه وخشوعه أمام الله سبحانه مقرونة بمواد كالذكر والقرآن والركوع والسجود لكن على النحو اللابشرط الصادر على الميسور منها .
فالصورة الاتصالية للصلاة بمنزلة الهيئة، والذكر والقرآن وسائر الأفعال بمنزلة المادة، وكل أُخذ على النحو اللابشرط دون أن يتحدّد واحد منهما، فإذا قيل الصلاة، يراد بها الهيئة الخاصّة اللابشرط، الحالّة في الاجزاء الخاصة، وتتحد الهيئة مع الاجزاء اتحادَ الصورة والمادة .(1)
وبذلك تندفع كل المحاذير الّتي كان الصحيحي يواجهها، وذلك لأنّه لو كانت الهيئة والمادة متعينتين لما صدقت الصلاة على الخارج منهما مع أنّها أيضاً صلاة، وإذا أُخذ كلّ منهما لا بشرط وغير متعيّن يصدق على الثنائية والثلاثية والرباعية، كما يصدق على صلاة المختار والمضطر، وذلك لأنّ كلاً من الهيئة والمادة غير محدّدين بهيئة ومادة خاصة، بل المأخوذ منهما هو العرض العريض فالركوع والسجود من الهيئة والأذكار والقرآن من المادة أجزاء للصلاة لكن بعرضها العريض الصادق على الميسور منها.
كما أنّ مشكلة لزوم الاحتياط عند الشك في الجزئيّة مرفوعة، وذلك لأنّ الشك في جزئية شيء وعدمها شك في تقيّد الهيئة والمادة بالمشكوك والأصل عدمه.
إذا أمعنت النظر في هذا التقريب يظهر لك مفاد التقريبين الآخرين:

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 106 ـ 109 .

182
أحدهما للسيد الطباطبائي، والآخر للسيد الخوئي، وكأنّ الجميع يوحي إلى معنى واحد، وقد استمد الأوّل في تقريب كلامه بمثال المصباح الّذي تطوّرت مصاديقه من الاستضاءة بإشعال الأشواك ثم المصباح الزيتي ثم الغازي ثم الكهربائي، والجميع مصاديق للمصباح، وما هذا إلاّ لأنّ الواضع وضع لفظ المصباح لما يُضيء حوله على نحو اللابشرط في الأدوات والآلات .
وقد استخدم السيد الخوئي التمثيل بلفظ (البيت) والجميع يشير إلى تقريب واحد، رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الباقين منهم.
إذا تبيّن ذلك فنحن في غنى عن إفاضة القول في الجامع الّذي ذكره القائل بالأعم ، وقد فصل الكلام فيه في الكفاية وإنّما المهم بيان ما هو الحق من أحد القولين، فنقول:

أدلّة القائلين بالوضع للصحيح

استدلّ المحقّق الخراساني على مختاره وهو الوضع للصحيح بأُمور:
1. التبادر.
2. صحة السلب.
3. ترتّب الآثار على الصحيح.
4. نفي الحقيقة بانتفاء بعض الأجزاء.
5. ديدن العقلاء في وضع الألفاظ.
وإليك دراسة هذه الأدلّة:

183
 
الأوّل: التبادر
إنّ المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح; ولمّا كان المختار عند المحقّق الخراساني هو إجمال مفهوم الصلاة، توجّه إليه إشكال يختصّ بمقالته ومقالة تلميذه المحقّق الاصفهاني القائلين بإجمال مفهوم الصلاة، وانّها لاتعرف إلاّ بآثارها.
وحاصل الإشكال: أنّه كيف يمكن الجمع بين تبادر الصحيح والقول بإجمال مفهومها وعدم تبيّنها؟ فأجاب عنه بقوله: ولا منافاة بين دعوى ذلك وبين كون الألفاظ على هذا القول مجملات، فإنّ المنافاة إنّما تكون إذا لم تكن معانيها على هذا الوجه مبيّنة بوجه. وقد عرفت كونها مبينّة بغير وجه .
يلاحظ عليه: أنّ التبادر عبارة عن فهم المعنى من ذات اللفظ وحاقّه بلا استعانة بقرينة خارجية، أو من آثاره وخواصه، فعلى ضوء ذلك فإنّ معنى الصلاة غير واضح عند المستدلّ، بل هو مبهم غاية الإبهام وإن كان معلوماً من جانب الآثار فحينئذ نقول:
إمّا أن يكون التبادر من حاق اللفظ، وهو غير صحيح، لأنّ المفروض أنّه مجمل لا يتبادر منه شيء، وإن كان التبادر من خلال آثاره وخواصه فالتبادر يرجع إلى الدليل الثالث ولا يكون دليلاً مستقلاً.
والحاصل : أنّ التبادر إمّا غير محقّق، أو محقّق من خلال آثاره وخواصه ; فالأوّل لا يحتجّ به، والثاني يرجع إلى الدليل الثالث.
ويمكن أن يقال: إنّ التبادر من خلال الآثار لا يثبت المدّعى من وضع

184
الصلاة للصحيح ; لأنّ التبادر عندئذ يرجع إلى تقييد الصلاة بآثارها. ومن المعلوم أنّه لا يتبادر من الصلاة الموصوفة بالصحّة إلاّ الصلاة الصحيحة. وإنّما يثبت إذا كان تبادر الصحّة من حاق اللفظ.

الثاني: صحّة السلب

استدلّ بصحّة سلب الصلاة عن الصلاة الفاسدة، بأن يقال الصلاة الفاسدة ليست بصلاة.
ولو أُطلق على الصلاة الفاسدة لفظ الصلاة فإنّما هو بالعناية.
يلاحظ عليه: ماذا أراد بقوله: «ليست بصلاة» فهل أراد الصلاة المجرّدة من كلّ قرينة خارجية وداخلية، فالمفروض أنّها مبهمة مجملة غير واضحة، فكيف تسلب عن الصلاة الفاسدة؟!
وإن أراد الصلاة المتبينة من طريق الخواص والآثار، أعني: النهي عن الفحشاء فيكون المسلوب الصلاة حين كونها ناهية عن الفحشاء، ومن المعلوم أنّ سلب الأمر المقيد لا يكون دليلاً على كون استعماله في المسلوب عنه مجازاً، فإنّ الدليل على المجازيّة، السلب المطلق .
وبعبارة أُخرى: أنّ قولنا: الصلاة الفاسدة ليست صلاة ناهية عن الفحشاء، دليل على أنّ الفاسدة ليس من مصاديق الصحيحة، وأمّا أنّها ليست من مصاديق الصلاة مطلقاً فلا يدلّ عليه .
هذا وإنّما يرد على كلا الدليلين إشكال آخر وهو:
إنّ المطلوب هوالعلم بما يتبادر من الصلاة في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

185
والمعصومين(عليهم السلام)لا ما هو المتبادر في أعصارنا، والتبادر حالياً أو صحّة السلب كذلك لا يكشف عن المعنى المتبادر في أعصارهم.
نعم لو قلنا بأصالة عدم النقل يثبت بفضل هذا الأصل كون المتبادر حالياً هو المتبادر في الأعصار السابقة، وإلاّ يلزم النقل والأصل عدمه، وعندئذ لا يكون التبادر أو صحّة السلب دليلاً مستقلاً وإنّما يكون دليلاً بضميمة أصل عقلائي آخر وهو أصالة عدم النقل .
إلى هنا تمّت دراسة الدليلين فلندرس الدليل الثالث .

الثالث: ترتب الآثار على الصحيح

وردت في الآيات والروايات آثارٌ وضعية للصلاة والصوم، قال سبحانه: (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ)(1).
وقال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):
1. الصلاة عمود الدين. (2)
2. الصلاة معراج المؤمن .(3)
3. الصوم جُنّة من النار .(4)
ثم إنّ الموضوع يحتمل أحد أُمور ثلاثة:
أ. الطبيعة المطلقة الشاملة لعامة الأفراد.

1 . العنكبوت: 45 .
2 . الكافي: 3 / 99، باب النفساء، الحديث 4.
3 . جواهر الكلام: 7 / 2 ; بحار الأنوار: 79 / 303 ; تفسير الرازي: 1 / 266 .
4 . الكافي: 4 / 62، باب ما جاء في فضل الصوم والصائم، الحديث 1 .

186
ب. الطبيعة المهملة الّتي تلازم الجزئية.
ج. الفرد الصحيح منهما.
والاستدلال مبني على إرادة المعنى الأوّل دون الأخيرين.
فلو أُريد المعنى الأوّل ثبت المطلوب، إذ عندئذ يدلّ على أنّ طبيعة الصلاة تلازم هذه الآثار الّتي لا تنفك عن الصحّة وينتج أنّ الفاسدة بما أنّها تفقد هذه الآثار، ليست بصلاة.
وأمّا المعنى الثاني ـ أعني: المهملة ـ فهو لا يثبت المطلوب ; لأنّ الملازمة بين النهي عن الفحشاء وبعض مصاديق الصلاة لا يثبت أن الصلاة مطلقاً كذلك، لإمكان أن يكون الأثر لبعض المصاديق .
ومنه يظهر حال المعنى الثالث ـ أعني: الفرد الصحيح ـ فهو أيضاً لا يثبت المطلوب.
فإن قلت: لا محيص من حمل الموضوع على المعنى الأوّل، لأنّ حمله على المعنى الأخير ينافي اصالة الاطلاق.
قلت: إنّ مصبّ الأصل المذكور فيما إذا شك في المعنى المراد، وأمّا إذا علم المراد وشك في كيفية الإرادة فلا يستدلّ بهما كما هو الحال في المقام حيث إنّ المراد معلوم وأنّ هذه الآثار للصلاة الصحيحة لا الفاسدة، وإنّما الكلام في وضع الصلاة وأنّها هل وضعت للصحيح أوّلاً، واستعملت في الفاسد ثانياً، أو أنّها وضعت للأعم واستعملت في الفاسد على وجه الحقيقة فلا يستكشف بالأصل كونها موضوعة للصلاة الصحيحة وان استعمالها في الفاسد مجازٌ.

187
وربّما يورد على الاستدلال بما حاصله:
إنّ هذه الآثار إنّما تترتّب على الصلاة إذا انضم إليها قصد القربة، وإلاّ فلا تكون معراجاً وناهية، ولم يقل أحد بدخول هذا الجزء في مدلول الصلاة، وعندئذ تكون الصلاة بالنسبة إلى هذه الآثار مقتضية، لا علّة تامّة، والاقتضاء كما هو موجود في الصحيحة موجود في الفاسدة غاية الأمر أنّها في الأُولى أقرب إلى الآثار .
يلاحظ عليه: بأنّ المراد من الصحيح ليس العلّة التامة من جميع الجهات، بل المراد العلّة التامّة من غير جانب الجزء العقلي، بمعنى أنّه لو انضم إليه هذا الجزء لكان يلازم هذه الآثار، وهذا متحقّق في القول بالصحيح لا في القول بالأعم، إذ على هذا القول اللفظ موضوع لماهية حتّى لو انضم إليها هذا الجزء لما ترتبت عليه هذه الآثار، فوصف الصلاة بأنّها علّة تامة لهذه الآثار صحيح على القول بالصحيح لا على القول بالأعم .

الرابع: نفي الحقيقة بانتفاء بعض الأجزاء

ورد في الروايات نفي الصلاة بانتفاء بعض الأجزاء، مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» (1)، فيدور الأمرُ بين أُمور ثلاثة:
أ. نفي الحقيقة.
ب. نفي الصحّة.
ج. نفي الكمال.

1 . عوالي اللآلي: 1 / 196، الحديث 2 .

188
فلو أُريد الأوّل فهو يلازم القول بالصحّة ويدلّ على أنّ الصلاة الفاقدة للجزء ليست بصلاة حقيقة.
ولو أُريد الثاني أو الثالث لا يكون دليلاً على المطلوب، لكن إرادة المعنيين يخالف أصالة الحقيقة، لأنّ «لا» وضعت لنفي الجنس لا لنفي الصحّة.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: بأنّ أصالة الحقيقة حجّة فيما إذا كان الشك في نفس المراد لا ما إذا عُلم المراد كما في المقام حيث إنّ الغرض ـ أعني: نفي الصحة ـ معلوم، كما هو الحال في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» ; والشك في كيفية الوضع، وأنّه هل وضع للصحيح حتّى يكون النفي على وجه الحقيقة، أو وضع للأعم حتّى يكون النفي على وجه المجاز، إذ الأصل عندئذ يصير ذريعة لاستكشاف الوضع وكيفية استعمال اللفظ. وقد عرفت عدم صحّة استخدامه في هذا المجال.
وثانياً: نفترض أنّ المراد نفي الحقيقة كما هو الظاهر، إذ لو أُريد غيره لنزل الكلام عن ذروة البلاغة إلى مستوى الكلام العادي. ولكن فرق بين نفي الحقيقة حقيقةً، وبين نفيها ادّعاءً، والأمثلة من قبيل القسم الثاني. والاستدلال مبني على كون نفي الحقيقة على الوجه الحقيقي وهو غير ثابت في نظير هذه التراكيب، مثل: «لا رضاع بعد فطام» أو «لا نكاح إلاّ بولي».
فظهر أنّ هذه الوجوه الأربعة ليست ناجعة، بقي الكلام في الدليل الخامس، وإليك بيانه.

189

الخامس: ديدن العقلاء في وضع الألفاظ

إنّ هذا الدليل مركّب من عدّة مقدّمات، هي:
أ. إنّ طريقة العقلاء في وضع الألفاظ هي وضعها للصحيح.
ب. انّ الداعي إليه هو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح.
ج. انّ هذه الحكمة أيضاً موجودة في وضع الشارع.
د. لا يصحّ التخطّي عن هذه الطريقة .(1)
يلاحظ عليه: بمنع المقدّمة الثانية وهو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح، فإنّ الحاجة إلى تفهيم الفاسد ليست بأقل من العكس.
والأَولى أن يقرر الدليل بنحو آخر، وهو:
إنّ الغاية تحدّد فعلَ الفاعل، فلا يتصوّر أن يكون الفعل أوسع من الغرض والهدف، فالسفر لغاية زيارة الصديق يتحدّد بتلك الغاية، وإرادة السفر في إطار أعمّ من هذا لا يصدر من الفاعل الحكيم.
وعلى ضوء هذا فنقول: إنّ الشارع اخترع الصلاة لغاية خاصّة، وهي تهذيب الإنسان وتربيته، ومن المعلوم أنّ تلك الغاية من نتائج الصلاة التامة لا الناقصة، ومن آثار الصلاة الصحيحة لا الفاسدة، فإذا كان الداعي للاعتبار هو تهذيب الإنسان وتربيته فيتحدّد فعله (أي اعتباره ماهية الصلاة) بتلك الغاية، فينتج أنّ ما هو المعتبر عند الشارع هو الصلاة الصحيحة لترتّب الغرض عليه فقط، وطبيعة الحال أن يكون المسمّى هو نفس المعتبر بأن يكون اللفظ

1 . كفاية الأُصول: 1 / 26 .

190
موضوعاً لنفس ما اعتبره لا لأعم منه.
بقي الكلام في أمر آخر: وهو أنّ هذه البحوث فرع القول بالحقيقة الشرعية، وأنّ الشارع نقل هذه الألفاظ من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية، وقد عرفت أنّه غيرثابت، بل الثابت غير هذا وانّ هذه الألفاظ كانت حقيقة عرفية في هذه المعاني قبل بزوغ شمس الإسلام وأنّ الوحي الإلهي اتّبع تلك الطريقة دون أن يحدث وضعاً جديداً، فعند ذلك يجب أن يقال: إنّ هذه الألفاظ وضعت للصحيح عند العرب قبل الإسلام، والشارع اتّبع تلك الطريقة ولكنّه أضاف أجزاء وشروطاً بدليل منفصل، فيكون الموضوع له والمستعمل فيه هو الصحيح في المعنى الرائج في تلك الأزمنة.

أدلّة القول بالوضع للأعم

إنّ القائل بالأعم لا محيص له من أن يتصوّر جامعاً يشمل كلا الفردين الصحيح والفاسد. وقد ذكروا لتصوير الجامع وجوهاً مذكورة في الكفاية مع نقدها، فالأولى صرف عنان البحث إلى ما أقاموا من الأدّلة على أنّ لفظ الصلاة موضوع للأعم، وإليك دراستها:
1. التبادر
2. عدم صحّة سلب الصلاة عن الفاسدة
وبما أنّ هذين الدليلين وجدانيان، بشهادة أنّ الصحيحي يدّعي العكس، فلا نخوض فيهما.
3. صحّة التقسيم إلى الصحيحة والفاسدة، والمقسم يجب أن يكون

191
موجوداً في الأقسام.
والإجابة عنه واضحة، لأنّ التقسيم حسب أعصارنا لا حسب عصر التسمية، اللّهم إلاّ أن يدعم بأصالة عدم النقل.
وبالجملة هذه الأدلّة غير مهمة، والمهم ما نذكره تالياً.
4. حديث الولاية
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «بُني الإسلامُ على خمس: الصلاة، والزكاة، والحجّ، والصوم، والولاية، ولم ينادَ أحد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بالأربع وتركوا هذه، فلو أنّ أحداً صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة» .(1)
وجه الاستدلال: أنّه لو كانت ألفاظ العبادات أسام للأعم لصح وصفهم بالأخذ بالأربع، وأمّا على القول بوضعها للصحيح فيلزم عدم الأخذ بالخمسة لا خصوص الخامس.
يلاحظ عليه: أنّ في عبادة غير الإمامي قولين(2):
1. قول بالصحّة ولكن غير مقبولة فلا يثاب عليها.
2. قول بالبطلان والفساد.
فعلى القول الأوّل يصح قوله (عليه السلام): «فأخذوا بالأربع» أي صلّوا وصاموا... صحيحاً، إنّما الإشكال على القول الثاني: أنّ عباداتهم فاسدة وباطلة.

1 . الكافي: 2 / 19، باب دعائم الإسلام، الحديث 5.
2 . لأجل الوقوف على أدلة القولين، لاحظ الوسائل: 1، الباب 21 من أبواب مقدمة العبادات. فيما ورد تحت رقم 2، 4، 5، 8، تدلّ على صحّة عباداتهم ولكن لاتقبل ولا يثابون عليها.

192
فالجواب عن الاستدلال عندئذ أنّ المراد من الصحيح هو التام من حيث الاجزاء والشرائط، والمراد من الشرائط ما هو شرط لنفس الماهية فهي داخلة في المسمّى. وأمّا الشرائط العامّة للصحّة كقصد القربة والإسلام والاعتقاد بالولاية فهي شرائط لكلّ العبادات لا لخصوص الصلاة فليست داخلة في المسمّى، فعندئذ يصح أن يقال: ـ حتّى على القول ببطلان عباداتهم ـ إنّهم أخذوا بالأربع، أي صلّوا صلاة تامّة الأجزاء والشرائط وإن كانت باطلة من حيث فقدان الشرائط العامة، لكن فقدانها لا يكون ملازماً لعدم صدق المسمّى، بل هو صادق مع عدم هذه الشرائط، لأنّها شرائط عامّة خارجة عن التسمية.
5. الحديث النبوي
روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال لجارية كانت تعرف أيام حيضها «دعي الصلاة أيام أقرائك» .(1)
وجه الاستدلال: أنّ النهي مولوي فلا يصحّ ذلك النهي إلاّ إذا كان المنهي عنه مقدوراً للمكلّف، فلو أُريد الصلاة الصحيحة لزم تعلّق النهي بشيء خارج عن القدرة، لأنّ صلاتها باطلة. وأمّا لو أُريد الأعم فهي مقدورة حتّى بعد النهي المولوي.
يلاحظ عليه: بأنّ النهي في المقام إرشادي وليس بمولوي فلا يشترط فيه قدرة المكلّف على الفعل، فالحديث بصدد بيان كون الحيض مانعاً عن صحّة الصلاة فهو إرشاد إلى المانعية وتنبيه للمكلّفة بأن تترك الصلاة، وذلك

1 . الكافي: 3 / 88 ، باب جامع في الحائض والمستحاضة، الحديث 1 .

193
لعدم الثمرة والفائدة منها حتّى لو أنّها أتت بها كان عملاً غير مجد، اللهم إلاّ أن تكون كيفية العمل مظهراً للبدعة والتشريع فتكون حراماً من باب التشريع .
6. صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان مكروه
لا شبهة في صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان مكروه، وحصول الحنث بفعلها. فلو كانت الصلاة المنذور تركُها موضوعة لخصوص الصحيحة لزم إشكالان:
الأوّل: عدم إمكان حنث الحلف، لأنّ الحنث يتحقّق بالصلاة الصحيحة، وهي غير مقدورة بعد نهي الشارع.
الثاني: يلزم المحال، لأنّ المنذور حسب الفرض تعلّق بالصحيحة، ومع النذر لا تقع صحيحة، فيلزم من فرض تعلّق النذر بالصحيحة عدم صحّتها.
وقد أجاب المحقّق الخراساني عنه بوجهين:
أ. لو صحّ ذلك لاقتضى عدم صحّة تعلّق النذر بالصحيح لاعدم وضع اللفظ له شرعاً.
ب. أنّ الفساد من قبل النذر لا ينافي صحّة متعلّقه، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها.(1)
أقول: أمّا الجواب الأوّل فواضح، وأمّا الجواب الثاني فحاصله أُمور ثلاثة:
1. النذر منعقد.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 48 .

194
2. الصلاة باطلة.
3. الحنث متحقّق .
وذلك لأنّ متعلّق النذر هو الصحيح قبل النذر لا الصحيح بعده، فالنذر منعقد لكون الصحيح قبل النذر أمر مقدور للناذر حتّى بعد النذر، والصلاة باطلة لتعلّق النهي بها بعد النذر، والحنث متحقّق لأنّه نذر أن يترك الصلاة الصحيحة قبل تحقّق النذر والمفروض أنّه أتى بها وحنث بنذره.
وإن شئت قلت: إنّ متعلّق النذر هو الصحيح لولا النذر، لا الصحيح مطلقاً، والصحيح لولا النذر أمر مقدور وفي الوقت نفسه باطل والحنث متحقّق .
وبعبارة ثالثة: النذر متعلّق بالصحيح النسبي، أي الصحيح في حدّ نفسه لا الصحيح من الجهات الطارئة عليه، فيرتفع المحذوران، أعني:
1. عدم إمكان حنث الحلف.
2. لزوم عدم الشيء من فرض وجوده .
نعم لو تعلّق النذر بترك الصلاة الصحيحة من جميع الجهات يُمنع من صحّة تعلّق النذر به.
ثم إنّ للمحقّق البروجردي إجابة ثانية عن الاستدلال، وحاصلها: عدم صحّة النذر، وذلك لأنّه يشترط في صحّة النذر وجود الرجحان عند نذر الفعل ووجود الحزازة الذاتية عند نذر الترك، ولكن الصلاة في الحمام فاقدة لهذا الشرط، إذ ليست الكراهة بمعنى وجود الحزازة في فعلها، بل المراد كونها أقل ثواباً من الصلاة في البيت، ومثل هذا لا يصحّ تعلّق النذر بتركه، ولو

195
كان هذا ملاكاً لصحّة تعلّق النذر لزم صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في البيت، إذ هو أقل ثواباً بالنسبة إلى المسجد، وهكذا هو بالنسبة إلى المسجد الحرام.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الكراهة في المقام هي من قبيل القسم الثاني، أي كونها ذات حزازة، فإنّ الحمام محل الأوساخ والقذارات، فإقامة الصلاة فيها أشبه بسقي المولى بماء عذب في وعاء قذر، فقياس الصلاة في الحمام بالصلاة في البيت قياس مع الفارق، ولذلك يتعلّق النذر بتركها في الحمام دون الثاني.

إجابة ثالثة عن الاستدلال

وهناك جواب ثالث أفاده المحقّق الحائري وتبعه سيدنا الأُستاذ وحاصل كلامهما: أنّ النذر صحيح، والصلاة صحيحة بعد النذر، والحنث واقع.
أمّا الأوّل: فلما عرفت من وجود الحزازة في الصلاة المأتي بها في الحمام، فهذه المرجوحية الذاتية تصحّح تعلّق النذر بتركها كما يصح تعلّق النذر بترك سائر المكروهات.
وأمّا الثاني: فهو مبني على صحّة اجتماع الأمر والنهي عند اختلاف متعلّقهما، حيث إنّ الأمر بصلاة الفجر تعلّق بطبيعة الصلاة، والنهي تعلّق بحنث النذر فقط، ولا تعارض بينهما غير أنّ الصلاة في الحمام مصداق حقيقي للصلاة ومصداق عرضي للحنث، فلا مانع من أن تكون الصلاة

1 . نهاية الأُصول: 1 / 4 .

196
واجبة لأجل انطباق عنوان الصلاة، ومحرمة لأجل انطباق الحنث عليها.
وأمّا الثالث: أي تحقّق الحنث، لأنّ تلك الصلاة صحيحة بالفعل، والنهي لم يتعلّق بذات العبادة وإنّما تعلّق بعنوان خارج عنها ومثله لا يسبب كون الصلاة باطلة، وإنّما يوجب البطلان إذا تعلّق بذاتها أو بجزئها أو بشرطها لا بعنوان خارجي منطبق عليه .
تمّ الكلام في أدلّة القائلين بوضع ألفاظ العبادات للصحيح والأعمّ، وقد عرفت ما هو الحق فلندرس ثمرات المسألة.

197
 
ثمرات المسألة
قد ذكرت للمسألة ثمرات أربع ندرسها واحدة بعد أُخرى:

الأُولى: جواز التمسّك بالإطلاق عند الشك

إذا شُك في جزئية شيء أو شرطيته يجوز التمسّك بالإطلاقات اللفظية على القول بالأعم دون القول بالصحيح، وذلك لأنّه يشترط في التمسّك بالإطلاق إحراز الموضوع وتعلّق الشك بأُمور خارجة عن حقيقة الموضوع وهذا الشرط موجود في القول بالأعمّ، لأنّ المسمّى عبارة عن الأركان الأربعة مثلاً وهو محرز، وإنّما الشك في أُمور خارجة عنه كالشك في جزئية الاستعاذة للصلاة فيتمسّك بإطلاق قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ)وتُنفى جزئيته.
على خلاف القول بالصحيح حيث إنَّ الموضوع ـ على ذلك القول ـ غير محرز، لأنّه إذا كانت الاستعاذة جزءاً للصلاة يكون مرجع الشك في الجزئية إلى صدق الموضوع وعدمه.
وإن شئت قلت: إنّ الأعمّي يُقسِّم الأجزاء والشرائط إلى ما هودخيل في المسمّى وإلى ما هو دخيل في المأمور به، فالاستعاذة عنده ليست دخيلة في المسمّى فيكون الموضوع محرزاً، إنّما الشك في مدخليتها في المأمور به.
وأمّا الصحيحي فليس عنده من هذا التقسيم عين ولا أثر فهو يُدخل الأجزاء والشرائط كلّها تحت المسمّى والمأمور به عنده هو نفس المسمّى،

198
فالشك في كون شيء شرطاً أو جزءاً للمأمور به، شك في كونه داخلاً في المسمّى أو لا، فيكون مرجع الشك إلى صدق الموضوع وعدمه.
وقد رُدّت هذه الثمرة بوجوه:
1. أنّ القائل بالصحيح وإن حُرم من الإطلاقات اللفظية ولكن في وسعه أن يتمسّك بالإطلاقات البيانية الّتي وردت في باب الوضوء والصلاة ; أمّا الوضوء فقد روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «ألا أحكي لكم وضوء رسول الله؟» فقلنا: بلى .
فدعا بقعب فيه شيء من ماء... الخ .(1)
حيث قام بتجسيد وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بفعله وبيانه .
وأمّا الصلاة: فقد روى حمّاد بن عيسى عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدةً بحدودها تامّة» إلى أن قال: فقام أبو عبد الله (عليه السلام)مستقبل القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه، قد ضمّ أصابعه... الخ .(2)
فإذا شك في جزئية المضمضمة والاستنشاق للوضوء أو الاستعاذة للصلاة، يتمسّك بالإطلاق الوارد فيهما.
يلاحظ عليه: أنّ الثمرة تدور مدار صحّة التمسّك بالإطلاقات اللفظية، وأمّا صحّة التمسّك بالإطلاقات البيانية فهو خارج عن موضوع البحث ولا يضر بالثمرة.

1 . الوسائل: 1 ، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 4 ، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 1، ولاحظ الباب 17، الحديث 1 و 2 .

199
2. إنها عديمة الفائدة، لأنّ المطلقات الواردة في الكتاب غير صالحة للتمسك بها، لأنّه يشترط في صحّة التمسّك ـ مضافاً إلى إحراز الموضوع ـ كون المتكلّم في مقام البيان لا في مقام بيان أصل التشريع، ولذلك لا يجوز التمسّك بقوله: «الغنم حلال»، على حلّية الشاة المغصوبة أو الموطوءة وغير ذلك، لأنّ المتكلّم في مقام بيان حكم طبيعة الشاة لا في مقام بيان حكمها من حيث طروء العوارض والخصوصيات .
يلاحظ عليه: بأنّ الاعتراض على إطلاقه ليس بصحيح، إذ انّه يوجد بين الإطلاقات اللفظية الواردة في الكتاب والسنّة في مورد العبادات ما يكون في مقام البيان فيصحّ التمسّك به كما في آية الصوم، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ )(1)، فالآيةُ في مقام البيان بشهادة أنها تأخذ ببيان الجزئيات والتفاصيل، ثم يقول: (أَيَّامًا مَعْدُودَات فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ )(2)، كما أنّها تأخذ ببيان مبدأ الإمساك ونهايته حيث تقول: (َ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ)(3)، فعلى هذا فلو شك في مدخلية ترك الارتماس في حقيقة الصيام فعلى القول بالصحيح يكون مرجع الشك إلى صدق المسمّى، وأمّا على القول بالأعم يكون مرجع الشكّ إلى جزئية أو شرطية أمر زائد وراء المسمّى، لأنّ الصوم عنده هو الإمساك عن الأكل والشرب وهو متحقّق حتّى مع الارتماس في الماء فيتمسّك بإطلاق الآية

1 . البقرة: 183 .
2 . البقرة: 184 .
3 . البقرة: 187 .

200
ويثبت عدم مدخليته.
3. أنّ الأعمّي أيضاً لا يصحّ له التمسّك بالإطلاقات اللفظية لوجود الفرق بين المسمّى والمأمور به، فالمسمّى وإن كان الأعم لكن المأمور به هو الصحيح، فإذا شُك في جزئية الاستعاذة فهو وإن لم يكن شكّاً في صدق المسمّى ولكنّه شكٌ في صدق المأمور به، لأنّ المأمور به هي الصلاة الصحيحة.
يلاحظ على هذا الاعتراض: بأنّه ناش من الخلط بين كون المأمور به عند القائل بالأعم ذات الصحيح من الصلاة أو الصلاة المقيدة بعنوان الصحيح، فالصحيح في الأوّل عنوان مشير إلى أجزاء الصلاة وشرائطها المأمور بها، وهو في الثاني قيد للمأمور به، فعلى الأوّل يكون الموضوع محرزاً لأجل القول بالوضع للأعم ويصح التمسّك بالإطلاق، وإنّما الشك في جزئية شيء للمأمور به وعدمه فينتفي بفضل الاطلاق، وأمّا على الثاني فالموضوع عنده وإن كان محرزاً أيضاً لكن الإشكال يطرأ من جانب آخر، لأنّ المأمور به مقيّد بعنوان لا يمكن إحرازه إلاّ بالإتيان بالمشكوك حيث إنّ المطلوب هو الصلاة مضافاً إلى عنوان الصحيح ولا يُحرز العنوان إلاّ بالإتيان بالمشكوك.
وبهذا تكون الثمرة موجودة والاعتراضات الثلاثة عليها غير واردة.
نعم يرد على هذه الثمرة إشكالان آخران:
الأوّل: أنّ الموضوع محرز حتّى على القول بالوضع للصحيح لما مرّ من أنّ الصلاة ليست من مخترعات الشريعة الإسلامية، بل كانت موجودة