welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2

صفحه 1
   
    المبسوط في أُصول الفقه/ ج 1
   مصححة و منقحة 1438 هـ. ق
1

صفحه 2
4
سبحانى تبريزى، جعفر 1308 ـ
      المبسوط في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني . ] ويراست 2 [. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1389 .
      4 ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 513 - 7(VOL.1)
ISBN 978 - 964 - 357 - 313 - 3(6VOL.SET)
      فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
چاپ دوم; 1391 .
      1 . أُصول فقه شيعه ـ ـ قرن 15. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
2م 2س/ 8/159 BP    312 / 297
1391
اسم الكتاب:   … المبسوط في أُصول الفقه
الجزء:    …الأوّل
المؤلف:   … الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   … الثانية (مصححة ومنقحة)
تاريخ الطبع:   … 1391 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2012 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   …604 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:772   تسلسل الطبعة الأُولى:397
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 3
الفقيه
جعفر السبحاني
الطبعة الثانية (مصححة ومنقحة)

صفحه 4

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصالحات، حمداً لا ينقطع عدده ولا يُفنى مدده. والصلاة والسلام على أشرف بريته وأفضل خليقته محمد، وآله عيبة علمه وحفظة سنّته وخلفائه بعد رحلته، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج .
أمّا بعد، فقد ألّفنا في سالف الزمان في علم الأُصول كتابين هما: «الموجز» للمبتدئين في هذا العلم، و «الوسيط» للمتوسطين فيه .
فمسّت الحاجة إلى تأليف كتاب ثالث «مبسوط» على مستوى المتقدمين في دراسة علم الأُصول . وهذا هو الّذي نقدمه في هذه الصحائف بعون من الله تعالى وتوفيقه.
وقد قمنا بتأليف هذه الدورات الثلاث لغاية تسهيل الأمر على الطالب في الحوزة العلمية لصيانة وقته عن الاشتغال بغير اللازم في مجال الاستنباط والاجتهاد، فإنّ قسماً من المباحث المطروحة في الكتب الأُصولية للمتأخّرين ليس لها دور مهم في استخراج الأحكام من أدلّتها الشرعية. نعم لها تأثير في شحذ الأذهان وتوقّدها.
وها نحن نسير في هذا الكتاب على ضوء كتاب «الكفاية» ـ مع الاعتراف بأنّ بعض ما ورد في المقدّمة من قبيل لزوم ما لا يلزم .

صفحه 8
وممّا يجدر ذكره هو أنّي قد استعنت في توضيح بعض مسائل هذا الكتاب بما حرّره العلمان الفاضلان: السيد محمود الجلالي المازندراني 1، والشيخ محمد حسين الحاج العاملي 2 اللّذان قاما بتقرير محاضراتنا في أُصول الفقه الّتي ألقيناها على طلاب البحث الخارج في الحوزة العلمية في قم المقدسة عبر السنوات الماضية .
ويشتمل كتابنا هذا على مقدّمة تحتوي على ثلاثة عشر أمراً، ومقاصد ثمانية، وخاتمة حول الاجتهاد والتقليد.

1 . انبرى السيد الجلالي دامت توفيقاته لتقرير دروس دورتنا الأُصولية الثالثة وتم طبعها في أربعة أجزاء بعنوان المحصول في علم الأُصول، عام 1414 هـ .
2 . قام الشيخ العاملي حفظه الله بتقرير دروس دورتنا الأُصولية الرابعة، وطبعت في أربعة أجزاء أيضاً بعنوان إرشاد العقول إلى علم الأُصول، عام 1426 هـ .

صفحه 9
المقدّمة،
وفيها أُمور:
1 . حول موضوع العلوم، وفيه جهات سبع من البحث.
2 . في الوضع، وفيه مواضع تسع من البحث.
3 . في الحقيقة والمجاز والرأي الحاسم في الأخير.
4 . استعمال اللفظ في اللفظ والبحث فيه في مقامات .
5 . في وضع الألفاظ لمعانيها الواقعية.
6 . في وضع المركّبات والهيئات.
7 . في علائم الوضع أو تمييز الحقيقة عن المجاز.
8 . في تعارض الأحوال وصورها.
9 . الحقيقة الشرعية.
10 . الصحيح والأعمّ في العبادات والمعاملات.
11 . الاشتراك اللفظي وإمكانه ووقوعه.
12 . استعمال المشترك في أكثر من معنى.
13 . المشتق وفيه أُمور.
      مسائل ست في المشتق .

صفحه 10

صفحه 11
الأمر الأوّل:

حول موضوع العلوم

وفيه جهات: 1
الجهة الأُولى

في تعريف موضوع كلّ علم

عرّفوا موضوع العلوم بقولهم: موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية .2
وبما أنّ التعريف قد اشتمل على كلمتي «العوارض» و «الذاتية» فتوضيحه يتوقّف على دراسة الأمرين التاليين :
1. مصطلح العرض في المنطق والفلسفة.
2. مصطلح الذاتي بين القدماء والمتأخّرين.

1 . ذكر المحقّق الخراساني في مقدّمة كتابه ثلاثة عشر أمراً جعلها كالمقدّمة له، والأمر الأوّل منها يشتمل على أُمور سبعة ترجع أربعة منها إلى مطلق العلوم، والثلاثة الباقية إلى خصوص علم الأُصول. أمّا ما يرجع إلى مطلق العلوم فهو: 1. تعريف موضوع العلم على وجه الإطلاق. 2. ما هي النسبة بين موضوع العلم وموضوع مسائله؟ 3. لزوم وجود الموضوع للعلم. 4. وجه تمايز العلوم.
وأمّا الثلاثة الباقية الّتي ترجع إلى علم الأُصول فهي : 1. ما هو موضوع علم الأُصول؟
2. تعريف علم الأُصول. 3. ما هو الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد والمسائل الفقهية؟
والمراد من قولنا: «وفيها جهات» في المتن، هو هذه الأُمور السبعة، فلاحظ.
2 . شرح الشمسية: 23. والأولى أن يقال: عن أعراضه الذاتية فإنّ العوارض: جمع العارضة لا العرض.

صفحه 12
أمّا الأوّل: فالعرض في الفلسفة يقابل الجوهر، فكلّ ماهية إذا وجدت في الخارج لا في موضوع، فهي جوهر، وإذا وجدت فيه في موضوع فهي عرض، وللجوهر أقسام خمسة، هي: العقل، والنفس، والجسم، والهيولى، والصورة.
وللعرض أقسام تسعة، هي: الكيف، و «الكم»، و «متى»، و «الأين»، و «الوضع»، و «الجدة»، و «الإضافة»، و «أن يفعل»، و «أن ينفعل».
والعرض في مصطلح المنطقيين ينقسم إلى عرض خاص وهو المقول على ما تحت حقيقة واحدة، كالكاتب بالقوة للإنسان وعرض عام وهو الخارج المقول عليها وعلى غيرها كالماشي.1
وأمّا الثاني: أي الذاتي فهنا اصطلاحان نشير إليهما:

1. الذاتي في باب الايساغوجي

والمراد من الذاتي في باب الايساغوجي أُمور ثلاثة:
أ. الجنس، وهو المقول على الكثرة المختلفة الحقائق.
ب. النوع، وهو المقول على الكثرة المتّفقة الحقيقة.
ج. الفصل، وهو المقول على الشيء في مقام التمييز عن المشاركات في الجنس القريب.

1 . تهذيب المنطق للتفتازاني، باب الكليات الخمس.

صفحه 13

2. الذاتي في باب البرهان

عرّف الذاتي في باب البرهان: ما ينتزع من نفس ذات الشيء فيكفي ذاته في انتزاعه كالإمكان المنتزع من الممكنات، ويقابله العرض الغريب، وعلى هذا فهو عرضي لأنّه ليس ذات الشيء، ومع الوصف ذاتي لأنّ وضع الذات يكفي في انتزاعه.
ثمّ إنّ للعرض الذاتي اصطلاحين:
أ: العرض الذاتي في مصطلح القدماء
عرّفه الشيخ الرئيس بقوله: ما يكون موضوع القضية مأخوذاً في حدّ محمولها; بمعنى إذا أردنا أن نعرّف المحمول يقع الموضوع في حدّه. وإليك بعض الأمثلة:
1. إذا قلنا: العدد إمّا زوج أو فرد، وأردنا أن نعرف الزوج أو الفرد، يقع العدد في حدّه، فيقال: الزوج هو العدد الّذي ينقسم إلى قسمين متساويين، والفرد هوالعدد الّذي لا ينقسم إلى قسمين متساويين.
2. إذا قلنا: الموجود إمّا واجب أو ممكن، وأردنا تعريف كلّ من الواجب والممكن، يقع الموجود في حده ويقال: الواجب: هو الموجود بالضرورة الأزلية، والممكن: هو الموجود بلا ضرورة.
3. إذا قلنا: الممكن إمّا جوهر أو عرض، وأردنا تعريف كلاًّ من المحمولين يقع الممكن في تعريفهما ويقال: الجوهر هو الممكن الموجود لا في موضوع، والعرض هو الممكن الموجود في موضوع. وهكذا سائر الأقسام.

صفحه 14
فالمعيار هو أخذ الموضوع في حدّ المحمول.
وربّما لا يكون الموضوع مأخوذاً في حدّ المحمول، بل يكون بعض ما يقوّم الموضوع مأخوذاً في حدّ المحمول، وهذا أيضاً عرض ذاتي. وقد مثّل الشيخ لهذا القسم بأمثلة من العلوم الحقيقية، ونحن نأتي ببعض الأمثلة الواضحة من العلوم الاعتبارية، فنقول:
يكفي في كون المحمول عرضاً ذاتياً أن يكون الموضوع أو أحد مقوّماته واقعاً في حدّ المحمول، فتعمّ الأقسام التالية:
1. ان يكون الموضوع واقعاً فى حد المحمول.
2. أن يؤخذ معروض الموضوع في حدّ العارض، كما في قولنا: «الفاعل مرفوع» فإنّ الموضوع غير مأخوذ في تعريف المحمول لكن معروض الموضوع ـ أعني: «الكلمة» ـ مأخوذ في حدّ المحمول، فيقال: المرفوع هو الكلمة الّتي في آخرها علامة كذا.
3. أن يؤخذ جنس المعروض في حدّ العارض، وهذا كقولنا: «الفعل الماضي مبنيّ» فإنّ الفعل الماضي غير مأخوذ في حدّ «المبني» لكن جنس المعروض ـ أعني: الكلمة ـ مأخوذ في حدّ المبنيّ، فالمبنيّ هو: الكلمة الّتي لا يتغيّر آخرها بتغيّر العوامل .
4. أن يؤخذ موضوع جنس المعروض في حدّ العارض، كقولنا: «المفعول المطلق منصوب» فإنّ «المفعول المطلق» ولا «جنسه» أي المفعول بما هو هو غير مأخوذين في تعريف المنصوب، لكن معروض الجنس ـ أعني: الكلمة ـ مأخوذ في حدّ المنصوب. فالمنصوب هو الكلمة الّتي في

صفحه 15
آخرها علامة كذا.
فتلخّص من ذلك: أنّ العرض الذاتي في مصطلح المنطقيّين من القدماء عبارة عن: قضية يكون الموضوع أو ما يقوّمه مأخوذاً في حدّ المحمول.
وقد أشار الشيخ الرئيس إلى الأقسام الأربعة بقوله:
«إنّ من المحمولات ما لا يكون مأخوذاً في حدّ الموضوع، ولا الموضوع أو ما يقوّمه مأخوذاً في حدّه، فليس بذاتي، بل هو عرض مطلق غير داخل في صناعة البرهان مثل البياض للققنس».1
واشار بقوله: «ولا الموضوع» الى ما يكون الموضوع مأخوذاً في حد المحمول.
كما اشار بقوله: «أو ما يقومه» الى أخذ ما يقوّم الموضوع في حدّ المحمول.
كما أشار بقوله: «إنّ من المحمولات ما لا يكون مأخوذاً في حدّ الموضوع» إلى قسم خامس، وهو أن يكون المحمول مأخوذاً في حدّ الموضوع، كما إذا قيل: الواجب موجود، فالمحمول هنا مأخوذ في حدّ الواجب.
هذا هو العرض الذاتي عند القدماء، وإليك ما هو المصطلح عند المتأخّرين.

1 . الفن الخامس من منطق الشفاء: 127 .

صفحه 16
ب. العرض الذاتي عند المتأخّرين
ذهب المحقّق السبزواري بأنّ المعيار في كون العرض ذاتياً أو غريباً هو: «أن يكون العرض من قبيل الوصف بحال الشيء في مقابل الوصف بحال متعلّق الشيء»، وبعبارة أُخرى: العرض الذاتي عبارة عمّا يعرض الشيء بلا واسطة في العروض، ويقابله العرض الغريب وهو ما يعرض الشيء بواسطة، على نحو لولا الواسطة لما صحّ حمله على الموضوع، فلاحظ المثالين التاليين:
تارة نقول: الماء جار، وأُخرى نقول الميزاب جار، فالأوّل وصف الشيء بحال نفسه، فيسمّى بالعرض الذاتي، والآخر وصف الشيء بحال متعلّقه، فيسمّى بالعرض الغريب، فالجريان وصف للماء حقيقة ووصف للميزاب مجازاً لعلاقة الحالّ والمحلّ على وجه لولاها لما صحّ وصف الميزاب به، وعلى ضوء ذلك فمقوّم العرض الذاتي هو كون العرض وصفاً واقعياً لا وصفاً مجازياً من غير فرق بين عروضه على المعروض بلا واسطة كعروض التعجّب على الإنسان، أو بواسطة أمر مباين كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار، أو بواسطة أعم كعروض المشي على الإنسان بواسطة كونه حيواناً، أو بواسطة أمر أخصّ كعروض التعجّب للحيوان بواسطة كونه إنساناً، فوجود الواسطة وعدمها لا يؤثر، وإنّما الملاك كون الوصف حقيقياً أو مجازياً.1
وقد تبعه المحقّق الخراساني وغيره في تفسير العرض الذاتي.

1 . الأسفار: 1 / 32، قسم التعليقة، بتوضيح منّا.

صفحه 17

القضاء بين الرأيين

الحقّ هو التفصيل بين العلوم الحقيقية والعلوم الاعتبارية، فإذا كانت القضية جزءاً من العلوم الكونية الّتي لا يدور صدقها ولا كذبها مدار اعتبار معتبر، يجب أن يكون المحمول عرضاً ذاتياً بالمعنى المعروف عند القدماء، ولا يكفي المعنى المعروف بين المتأخرين إذ يعتبر في قضايا العلوم الحقيقية كون القضية واجدة لأمرين:
1. أن تكون كلية لا جزئية.
2. صادقة في جميع الأزمنة.
وتحصيل اليقين بقضية من القضايا الكونية بهذين الوصفين، فرع وجود التلازم بين الموضوع والمحمول تكويناً وحقيقة، ولا يحصل مثل ذلك إلاّ إذا كان الموضوع مأخوذاً في حد المحمول، أو أن يكون المحمول مأخوذاً في حدّ الموضوع، على ما أشار إليه الشيخ في آخر كلامه، حتّى يحصل اليقين بثبوت النسبة لجميع أفراد الموضوع في عامة الحالات.
والحاصل: انّ محطّ هذا الاصطلاح هو المسائل المطروحة في الفنّ الأعلى وفي قسم الطبيعيات والتعليمات كالرياضيات الّتي تطلب لنفسها اليقين بثبوت المحمول للموضوع، على وجه يمتنع التفكيك بينهما في عامّة الحالات والأزمان، وهذا النوع من اليقين لا يتحقّق إلاّ إذا كانت هناك ملازمة واقعية بين الموضوع والمحمول بحيث يكون وضع الموضوع كافياً في وضع المحمول أو بالعكس، وهذا يقتضي أن يكون المحمول عارضاً

صفحه 18
للموضوع بلا واسطة، أو بواسطة أمر مساو 1 يكفي في وضعها أيضاً وضع الموضوع.
وإن شئت قلت: العرض الذاتي عبارة عمّا يكون الموضوع وحده ـ بلا حاجة إلى حيثية تعليلية ـ كافياً في ثبوت المحمول، ويكون الموضوع بنفسه منشأ له بلا حاجة إلى اعتبار معتبر، وهذا كقولنا: الجسم إمّا متحرك أو ساكن، فالموضوع بنفسه غير منفك عن أحد المحمولين، أو قول القائل: مجموع زوايا المثلث قائمتان، فالمثلث بما هو هو من دون حاجة إلى أمر خارجي يلازم كون مجموع زواياه مساوياً لزاويتين قائمتين. وهكذا المسائل المطروحة في الإلهيات بالمعنى الأعم أو الطبيعيات أو الرياضيات كلّها من هذا القبيل، أي أنّ الموضوع منشأ لعروض المحمول عروضاً غير منفك، وذلك لأنّ الموضوع علّة المحمول.
وأمّا العلوم الاعتبارية، الّتي قوامها بيد المعتبر، والملازمة بين موضوع المسألة ومحمولها تابعة لاعتبار المعتبر، دون أن تكون هناك ملازمة واقعية بينهما، فيكفي في عدّ المسألة جزء من العلم وقوعها في طريق تأمين الغرض الّذي دعا المؤسّس إلى تأسيسه وتدوينه. وعلى هذا، فالعلوم العربية والفقه والأُصول، كلّها علوم اعتبارية لا يعتبر فيها كون البحث عرضاً ذاتياً لموضوع المسألة أو لموضوع العلم، بل استعمال العرض الذاتي، والغريب فيها ـ بكلا المعنيين ـ أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
وحصيلة الكلام: انّه لا مناص في العلوم الحقيقية من تفسير العرض

1 . سيأتي الكلام فيه، فانتظر.

صفحه 19
الذاتي بما عليه القدماء فقط ولا يكفي التفسير المعروف عند المتأخرين واما العلوم الاعتبارية فهي في غنى عن كلا الاصطلاحين.
وقد ابتلي علم الأُصول ونظائره الّتي تُعد علوماً اعتبارية ببحوث هي من خصائص العلوم الحقيقية، فيلزم على الباحث التفكيك بين الأمرين.
وهذا البيان الموجز هو المناسب في المقام، وأمّا التفصيل فليطلب من محلّه خصوصاً; شرح المنظومة قسم المنطق، مبحث مشاركة الحد والبرهان في الحدود 1، ونهاية الحكمة للسيد العلاّمة الطباطبائي (2)، وتعاليقه على الأسفار.(3)
الجهة الثانية

في بيان نسبة موضوع العلم إلى موضوع مسائله

لمّا عُرّف العرض الذاتي بما يعرض الشيء بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو، توجّه في المقام إشكال، وهو: أنّ محمولات المسائل (التي هي من عوارض موضوع العلم) تعرض عليه بواسطة أخصّ وهي موضوعات المسائل، لا بواسطة أمر مساو، مثلاً :
1. كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود، فالتركيب يعرض الموجود الّذي هو الموضوع في الفن الأعلى بواسطة، «الممكن» الّذي هو موضوع المسألة وهو أخصّ من موضوع العلم.

1. شرح المنظومة:35 ـ 38.      2. نهاية الحكمة:5 ـ 6.   3. الأسفار:1/31، قسم التعليقة .

صفحه 20
2. زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فالتساوي الّذي هوالمحمول يعرض موضوع العلم، أعني: الكم المتّصل بواسطة «المثلث» الّذي هو أخصّ منه، وهكذا.
هذا هو الإشكال:
وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني قائلاً: إن نسبة موضوعات العلوم إلى موضوعات مسائلها، نسبة الطبيعي إلى أفراده، والكلّي إلى مصاديقه، فهما متغايران مفهوماً ومتّحدان مصداقاً.1
ويرد عليه أوّلاً: أنّ الالتزام بكون الواسطة أمراً مساوياً للموضوع، ثم طرح الإشكال بأنّ موضوعات المسائل أخصّ من موضوعات العلوم، التزام بأمر غير لازم على منهجه، لأنّه فسّر العرض الذاتي بما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض فقط، سواء أكان بلا واسطة أو بواسطة أعمّ أو أخصّ، وعلى ضوء ما ذكره فالإشكال غير وارد على منهجه حتّى يحتاج إلى الجواب.
وثانياً: ان ما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ نسبة موضوع العلم إلى موضوع المسألة، نسبة الطبيعي إلى أفراده، لا يرفع الإشكال، لأنّه إنّما يصحّ إذا لم تكن للخصوصية الموجودة في موضوع المسألة مدخلية في عروض المحمول على موضوع العلم. والمفروض خلافه، لأنّ للإمكان مدخلية في عروض التركيب من ماهية ووجود، على الموجود بما هو هو، وهكذا سائر الأمثلة، وعندئذ تنتقض القاعدة في تعريف العرض الذاتي، فتدبّر.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 7 .

صفحه 21
وقد أورد السيد الأُستاذ على ما ذكره المحقّق الخراساني بأنّ الضابطة منتقضة في علمي الهيئة والجغرافيا فإنّ النسبة بين الموضوعين، نسبة الكل إلى الجزء، فإنّ قضاياها قضايا جزئية كالبحث عن القمر والبلد الخاص، وأنّ نسبتهما إلى موضوع العلم نسبة الجزء إلى الكل.1
ويمكن الذب عن الإشكال بأنّه ليس الموضوع في العلمين ذوات الكواكب أو البلدان حتّى يكون البحث عن حال كوكب أو بلد خاص بحثاً عن جزء الموضوع، بل الموضوع أوضاع الكواكب وهو أمر كلّي، والبحث عن أوضاع كوكب خاص يكون جزئياً من ذلك الكلّي ومثله علم الجغرافيا، إذ ليس الموضوع ذوات البلدان، بل هي بما لها من الخصوصات من عرضها وطولها وعدد مدنها، وبراريها وبحارها وأنهارها وما لها من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

دراسة الاشكال على نهج القدماء

ثم الإشكال أو السؤال ـ كما عرفت ـ متوجّه إلى منهج القدماء، حيث خصّوا العرض الذاتي بالعارض بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو مع ان موضوعات السائل اخص من موضوع العلم وقد أُجيب عنه بوجهين متقاربين هما:
أحدهما: أنّ العرض الذاتي عبارة عمّا يكون الموضوع مأخوذاً في حدّ العرض، كما في قولنا: «الموجود إمّا واجب أو ممكن»، فالموجود مأخوذ في

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 13 .

صفحه 22
حدّ الواجب كما هو مأخوذ في حدّ الممكن، وهكذا إذا أخذنا الواجب أو الممكن موضوعاً لمحمول، كقولنا:
الواجب بسيط.
والممكن مركب.
فقد أخذنا الموجود في حد البسيط والمركب، لأنّ البسيط من جميع الجهات هو الموجود الواجب، كما أنّ المركّب من ماهية ووجود هو الموجود المركّب، ومهما تنزّلنا وبحثنا عن محمول المحمول فلم يزل موضوع العلم سارياً في حدّ المحمولات.
وبذلك يتبيّن معنى التساوي، وهو: تساوي المحمول مع الموجود المتخصّص بالخصوصية، كتساوي البسيط مع الموجود الواجب لا مطلق الوجود، وتساوي المركب من ماهية ووجود مع الموجود المركب لا مطلق الوجود.
يلاحظ عليه: بأنّ موضوع العلم غير موضوع المسألة، فالأوّل يتمتّع بالسعة والشمول بخلاف الثاني، فهو أمر مضيّق ومحدّد بقيود أعطته الصلاحية لئن يقع موضوعاً للمسألة، هذا من جانب.
ومن جانب آخر: أنّ ظاهر قولهم في تعريف الذاتي: «ما يعرض الموضوع بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو» أي مساو لموضوع العلم، والمفروض خلافه، لأنّ موضوع المسألة ليس مساوياً له .
ثانيهما: أنّ المحمول عبارة عن الجملة المردّدة بين محمولين أو القضية المنفصلة كما في قولنا: الموجود إمّا واجب أو ممكن، فالمجموع

صفحه 23
مساو للموضوع وإن لم يكن كلّ منهما، مساوياً له.
وهكذا إذا تنزّلنا وقلنا: الممكن إمّا جوهر أو عرض، فمجموع المحمولات الأربعة مساوية للموجود، وهكذا إذا تنزلنا وقلنا: والجوهر إمّا عقل أو نفس أو جسم أو صورة أو هيولى، فمجموع المحمولات التسعة مساوية لموضوع العلم.
الجهة الثالثة

في لزوم وجود الموضوع لكلّ علم

هل يجب أن يكون لكلّ علم موضوع خاص حتّى يُبحث عن عوارضه الذاتية أو لا؟ فيه ثلاثة أقوال:
1. لزوم وجود الموضوع، وهو الظاهر من العلماء من تعريفهم موضوع العلم.
2. عدم لزوم وجود الموضوع.
3. القول بالتفصيل بين العلوم الحقيقية والاعتبارية .
ولكلّ قائل ودليل نشير إليهما تالياً .

دليل القول الأوّل:

الظاهر من المحقّق الخراساني هو القول الأوّل. 1 واستدلّ عليه

1 . كفاية الأُصول: 1 / 2.

صفحه 24
بقاعدة: «الواحد لا يصدر إلاّ من واحد» ببيان أنّ (الغرض) الواحد المترتّب على مجموع المسائل يتوقّف على وجود جامع بينها، وإلاّ فلو صدر الغرض الواحد من المسائل المتنوعة بلا جهة جامعة بين مسائله فيلزم صدور الواحد عن الكثير، وهو محال.
والقاعدة مبنية على لزوم وجود الصلة بين العلّة والمعلول، وإلاّ فلو صدر شيء من شيء من دون رابطة بينهما يلزم أن يصدر كلّ شيء من كلّ شيء، وهو أمر باطل، ولذلك نرى أنَّ العطشان لا يرويه إلاّ الماء دون الأكل على خلاف الجائع، هذا من جانب ; ومن جانب آخر أنّه لو صدر شيء واحد من غير واحد يلزم أن يتحقّق في الواحد جهتان: إحداهما تصحّح صدوره من تلك العلّة، والأُخرى تصحّح صدوره من العلّة الأُخرى. وعند ذلك يشتمل الواحد على حيثيتين مختلفتين فيكون ما فرضناه، واحداً كثيراً، وهو خلف.
أقول: إنّ الاستدلال بالقاعدة على المقام غير صحيح، لأنّ القاعدة على فرض صحّتها جارية في البسيط من جميع الجهات، كالعقل الأوّل بناءً على أنّه إنّيّ الوجود وليس له ماهيّة، ففي مثله لا يصحّ صدوره عن كثير لما مرّ من حديث الخلف، وأمّا الواحد النوعي الّذي يتكثّر بتكثّر المسائل فهو خارج عن حريم القاعدة، وهذا كالغرض المترتّب على علم واحد فهو واحد نوعي ولكنّه في الحقيقة أغراض متعدّدة تنسلك تحت غرض واحد من غير فرق بين العلوم الحقيقة أو الاعتبارية، مثلاً أنّ الغرض المترتّب على النواسخ غير الغرض المترتّب على بابي الحال والتمييز.

صفحه 25
فالاستدلال على وجود الموضوع بواسطة هذا البرهان غير تام، نعم سيوافيك في ذيل القول الثالث لزوم وجود الموضوع في العلوم الحقيقية ببرهان آخر.

دليل القول الثاني:

وهذا القول هو خيرة المحقّق الاصفهاني قال: إنّ العلم عبارة عن مركّب اعتباري من قضايا متعددة يجمعها غرض واحد. 1
واختاره السيد الأُستاذ (رحمه الله) قائلاً: بأنّ التتبّع في العلوم ناهض على خلاف ما التزموه ; إذ العلوم لم تكن إلاّ قضايا قليلة قد تكاملت بمرور الزمان، فلم يكن الموضوع عند المؤسّس المدوّن مشخصّاً حتّى يجعل البحث عن أحواله. 2
يلاحظ عليه: بأنّ ما استدلّ به ناظر إلى مقام الإثبات، وهذا لا يدلّ على عدم الموضوع في عالم الثبوت، فعدم تشخّص الموضوع عند المؤسّسين لا يدلّ على عدمه في الواقع، أضف إلى ذلك أنّ عدم ظهور الموضوع عند المؤسّسين غير واضح حتّى فيما مثلّه بعلم الجغرافيا وعلم الهيئة.

دليل القول الثالث:

استدلّ القائل 3 بالتفصيل بين العلوم الاعتبارية والحقيقية، بأنّ

1 . نهاية الدراية: 1 / 7 .
2 . تهذيب الأُصول: 1 / 15 .
3 . السيد الطباطبائي (رحمه الله) في تعليقته على كفاية الأُصول: 10 ـ 12 .

صفحه 26
المحمول في العلوم عرض ذاتي لموضوع العلم فالموضوع من علل وجوده ـ كما أوضحناه ـ فكيف يمكن أن يكون هناك عرض بلا موضوع، وقد مرّ أنّ الموضوع مأخوذ في المحمول وفي محمول محموله إلى أن ينتهي الأمر إلى المحمول الآخر. وبالجملة بين الموضوع والمحمول ملازمة واقعية تكوينية، من غير فرق بين ما يعرضه بلا واسطة أو بواسطة موضوعات المسائل، فالموضوع واقع في عداد العلل، فكيف يُتصوّر وجود المعلول بلا وجود علّته؟!
نعم ما ذكرنا من البرهان يجري في الأعراض الحقيقية التي يكون بين الموضوع والعرض تلازم تكويني، سواء كان هناك معتبر أو لا فهي بحاجة إلى وجود الموضوع .
وأمّا العلوم الاعتبارية فمحمولات المسائل لا تنفك عن وجود الموضوع في عالم الاعتبار، وإلاّ لما انعقدت القضية. وأمّا لزوم وجود الموضوع للعلم، والجهة الجامعة لموضوعات المسائل، فلا دليل عليه، وإن كان الغالب وجودها كما في العلوم الأدبية.
فالرأي الحاسم في حاجة العلوم إلى الموضوع وعدمه، هو التفريق بين العلوم الحقيقية والعلوم الاعتبارية. فالأُولى لا تنفك عن وجود موضوع يبحث عن عوارضه حسب البرهان الماضي ذكره. والثانية غنية عن وجود الموضوع، بل يكفي اشتراك القضايا في ترتّب غرض خاص عليها.

صفحه 27
الجهة الرابعة

في تمايز العلوم

اختلفت كلماتهم في تعيين المميز بين العلوم، إلى أقوال أربعة هي:
1. تمايز العلوم بتمايز الأغراض.
2. تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات.
3. تمايز العلوم بالجهة الجامعة بين مسائلها المنتزعة عن المحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها.
4. تمايز العلوم بذاتها وجوهرها.
ولنأخذ بدراسة كلّ واحد من هذه الأقوال.

دليل القول الأوّل

ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض، وقال: إنّ تمايز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا بالموضوعات ولا بالمحمولات، وإلاّ كان كلّ باب، بل كلّ مسألة من كلّ علم، علماً على حدة، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً

صفحه 28
للتعدّد، كما لا تكون وحدتهما سبباً لئن يكون من الواحد 1 (إذا كان الغرض متعدداً).
يلاحظ عليه:
1. أنّه إذا كان بين العلمين تمايز في مرتبة الذات كتمايز علم النفس وعلم النبات فلا تصل حينئذ النوبة إلى التمييز بالغرض الّذي هو أمر متأخّر عن جوهر المسألة الّذي يشكّلها موضوعُها ومحمُولُها.
2. أنّ ما ذكره إنّما يتمّ ـ ظاهراً لا واقعاً ـ فيما لو اتّحد العلمان موضوعاً كالصرف والنحو، فإنّ الموضوع واحد والغرض متعدّد، حيث إنّ الغرض من الصرف معرفة الصحيح والمعتل، والغرض من النحو معرفة المعرب والمبني .
ومع ذلك كلّه يمكن أن يكون التمايز حتّى في هذا القسم بأمر متقدّم على الغرض، وهو اختلاف مسائل العلمين جوهراً، فالعلمان متميّزان في مرتبة متقدّمة على الغرض، ولذلك يترتّب على كلّ غرض غير ما يترتّب على الآخر.
3. أنّ الغرض إمّا غرض التدوين، أو غرض التعليم، وكلاهما متأخّران عن العلم، ولا معنى لتمييز الشيء المتقدّم بأثره المتأخّر.
وإن شئت قلت: إنّ التمييز في مقام الذات دعا المدّون إلى تدوين علمين كالنحو والصرف، أو دعا المعلم إلى تعليم علمين.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 5 .

صفحه 29
 
دليل القول الثاني
ذهب المشهور إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات .
أمّا الأوّل: وذلك كالعلوم المتباينة موضوعاً كالحساب والهندسة، فإنّ موضوع الأوّل هو الكم المنفصل، وموضوع الثاني هو الكم المتّصل.
والأوّل يبحث عن أحكام الأعداد، والثاني يبحث عن أحكام السطوح والخطوط.
وأمّا الثاني: ففيما إذا اتّحدت الموضوعات كالكلمة بالنسبة إلى الصرف والنحو، والبدن الإنساني بالنسبة إلى التشريح والطب ووظائف الأعضاء، فتعدّد العلوم باعتبار اختلاف حيثية البحث فيجب في علم الصرف البحث في الكلمة من حيث الصحّة والاعتلال، كما يبحث في علم النحو عنها باعتبار الإعراب والبناء. ومثلهما البحث في البدن الإنساني لأجل معرفة الصحّة والمرض، أو لأجل معرفة نفس الأعضاء أو وظائفها.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكروه صحيح في القسم الأوّل، أي فيما إذا كان بين العلوم تباين في الموضوعات. وأمّا في غيره فتباينه ليس بالموضوع ـ لافتراض وحدته ـ ولا بالحيثيات، لأنّ الحيثية منتزعة من محمولات العلوم والجهة الجامعة بين مسائلها، فنسبة الميْز إلى المحمولات في أمثال هذه الموارد أولى من نسبته إلى الحيثيات.
وآفة هذا القول هو ادّعاء الكلّية فقد عرفت أنّه قد يصحّ في مورد

صفحه 30
واحد، وهو فيما إذا كان بين العلمين تمايز في مقام الموضوع، دونما إذا لم يكن بينهما تمايز في ذلك المقام، فعندئذ القول بالتمايز، لأجل الجهة الجامعة بين المسائل، متعيّن.

دليل القول الثالث

ذهب سيدنا المحقّق البروجردي بأنّ تمايز العلوم بتمايز محمولاتها أو الجهة الجامعة بين محمولاتها المنتسبة إلى موضوعاتها، وإليك توضيحه:
إنّ لمسائل كلّ علم، جهة وخصوصية لا توجد في مسائل سائر العلوم، وتكون هذه الجهة هي الجهة الجامعة بين تلك المسائل وبسببها يحصل الميز بين مسائل هذا العلم ومسائل سائر العلوم، مثلاً: الجهة الجامعة لمسائل علم النحو هي البحث عن كيفية آخر الكلمة من المرفوعية والمنصوبية والمجرورية، فهي خصوصية ذاتية ثابتة في جميع مسائله، وبهذه الجهة تمتاز هذه المسائل عن مسائل سائر العلوم.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكر إنّما يتمّ في العلوم الّتي تتّحد موضوعاتها، كما في علمي النحو والصرف أو العلوم الثلاثة كالطب والتشريح ووظائف الأعضاء، فإنّ المائز بين مسائل العلمين أو مسائل العلوم الثلاثة هو الجهة الجامعة بين مسائلها.
وأما العلوم المتباينة موضوعاً فأوّل ما يتوجّه إليه ذهن الإنسان فيها هو الموضوع ثم المحمول ثم الجهة الجامعة بين مسائلها، فالقول بالتمييز بالجهة الجامعة في هذا القسم تمييز بشيء متميّز قبله بأُمور مختلفة. فأين الباحث

صفحه 31
عن مطلع الشمس ومغربها أو مطلع القمر ومغربه عمّن يبحث في طبقات الأرض وكيفية تكونها؟!
وآفة هذا القول مع ما سبقه هو ادّعاء الكلية، وإلاّ فكلّ يصحّ على وجه الموجبة الجزئية.

دليل القول الرابع

ذهب السيد الأُستاذ (رحمه الله) إلى أنّ تمايز العلوم بذواتها، وقال: إنّ منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتتة الّتي يناسب بعضها بعضاً، فهذه السنخية موجودة في جوهر تلك القضايا وحقيقتها، ففي مثله يكون تمايز العلوم واختلاف بعضها بذاتها، فقضايا كلّ علم مختلفة ومتميزة عن قضايا علم آخر.
وأمّا تداخل بعض مسائل العلوم في بعض فلا يضر بما ذكرناه، لأنّ المركّب بما هو مركّب متميّز بذاته عن غيره، لاختلاف أكثر أجزائه مع أجزاء المركّب الآخر وإن اتّحدا بعضاً.1
يلاحظ عليه: بأنّه ليس نظرية جديدة في مقابل القولين الأخيرين، وذلك لأنّ تمايز قضايا كلّ علم مع العلم الآخر بجوهرها وواقعها يرجع إلى أحد الأمرين: إمّا الاختلاف في ناحية الموضوع، أو بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل ; فالأوّل كالعلم الباحث عن الأوضاع الفلكية والعلم الباحث عن النبات والمعادن، فإنّ تمايزهما بالموضوع أوّلاً ثم بالمحمولات

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 16 .

صفحه 32
المنتسبة، والثاني كما في العلوم المتوحّدة موضوعاً كعلمي الصرف والنحو فإنّ الميز بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل، فالقول بتمايز العلوم بجوهرها ينحل إلى أحد القولين: إمّا التمايز بالموضوع، أو التمايز بالجهة الجامعة بين المسائل.

ما هو المختار؟

قد ظهر ممّا ذكرنا ما هو المختار في المقام وهو الميز بالموضوع تارة، وبالجهة المشتركة بين محمولات المسائل أُخرى ; فالأوّل فيما إذا كان بين الموضوعين تباين نوعي كعلمي الهندسة والحساب، والثاني فيما إذا كان الموضوع أمراً واحداً وإنّما الاختلاف في جانب المسائل، كما مرّ في علمي الصرف والنحو وعلوم الطب والتشريح ووظائف الأعضاء.
إلى هنا تم البحث في الجهات الأربع الّتي طرحها المحقّق الخراساني في الأمر الأوّل وهي برمتها راجعة إلى مطلق العلوم، وإليك البحث عن الجهات الثلاث الباقية الّتي تتعلّق بعلم الأُصول.

صفحه 33
الجهة الخامسة

موضوع علم الأُصول

اختلفت كلماتهم في بيان موضوع علم الأُصول، وهناك آراء وأقوال هي :
1. انّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة أو نفس الأدلّة بلا تحديد بـ «الأربعة».
2. انّ موضوع علم الأُصول هي الجهة الجامعة بين موضوعات مسائل ذلك العلم، وهو خيرة المحقّق الخراساني.
3. انّ الموضوع هو الحجّة في الفقه، وهو خيرة المحقّق البروجردي، واختاره سيدنا الأُستاذ (قدس سره) في بعض دوراته الأُصولية.
4. لا حاجة لوجود موضوع لعلم الأُصول. وهو مختار سيدنا الأُستاذ (قدس سره)في الدورة الأخيرة.
وإليك دراسة الأقوال واحداً بعد الآخر.

صفحه 34
 
القول الأوّل
ذهب القدماء إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو «الأدلّة الأربعة» وربّما يحذف الوصف ويقال نفس الأدلّة.
وأُورد عليه: بأنّه إذا كان الموضوع هو الأدلّة الأربعة بقيد الدليلية تخرج أكثر المباحث الأُصولية عن كونها مسألة أُصولية وتُصبح من مبادئ ذلك العلم، لوجود الفرق الواضح بين مبادئ العلم وعوارضه. فالأوّل يبحث في وجود موضوع العلم، والثاني يبحث عن عوارضه بعد تسليم وجوده، فإذا كان موضوع علم الأُصول هو الأدلّة يكون البحث عن حجيّة الخبر الواحد وكونه دليلاً أو لا، بحثاً عن وجود مصاديق هذه الأدلّة ، والبحث عن مصاديق الموضوع بحث عن المبادئ لا عن العوارض.
وأجاب عنه الشيخ بقوله: إنّ مرجع هذه المسألة إلى أنّ السنّة ـ أعني: قول الحجّة أو فعله أو تقريره ـ هل يثبت بخبر الواحد، أو لا يثبت إلاّ بما يفيد القطع من التواتر والقرينة؟ ومن هنا يتّضح دخولها في مسائل أُصول الفقه الباحث عن أحوال الأدلّة .1
وأُورد عليه في «الكفاية» بما هذا توضيحه:
إنّ السنّة لا يخلو إمّا أن يراد بها المحكي منها الّذي هو قول المعصوم وفعله وتقريره، أو يراد بها الحاكي الّذي هو قول الراوي كزرارة.

1 . الفرائد: 37، طبعة رحمة الله .

صفحه 35
فعلى الأوّل، فالمراد من الثبوت، إمّا الثبوت الواقعي أي وجود السنّة الّذي هو مفاد كان التامّة، فهو بحث عن وجود الموضوع لا عن عوارضه.
أو الثبوت التعبّدي، أي وجوب العمل على طبق الخبر، فهو وإن كان بحثاً عن العوارض لكنّه بحث عن عوارض الحاكي لا المحكي، ومرجع البحث إلى أنّ الحاكي هل له هذا الشأن أو لا؟ ولكن المفروض أنّ المراد من السنّة هو المحكيّ.
وعلى الثاني، أي كون المراد من السنّة ما يعمّ حاكيها، فالإشكال وإن كان مرتفعاً، وذلك إذ يكون روح البحث عن وجوب العمل بالحاكي بعد فرض وجوده ، إلاّ أن البحث في غير واحد من مسائل هذا العلم لا يخصّ الأدلّة، بل يعم غيرها كالبحث عن مفاد الأمر والنهي وأنهما ظاهران في المعنى الكذائي أو لا .1
ويمكن الإجابة بأنّا نختار الشق الثاني فيعود البحث عن مفاد الأمر والنهي إلى البحث عن عوارض السنّة، وذلك فإنّه إذا ثبت ظهور الأمر في الوجوب في اللغة العربية من غير اختصاص بكلام المعصوم وغيره ينتقل الإنسان من هذا البحث إلى ظهور الأمر الوارد في السنّة في الوجوب أيضاً، لأنّ كلام المعصوم من مصاديق اللغة العربية، فيكون البحث الكلّي واسطة في الثبوت لكون الأوامر الواردة في الكتاب والسنّة حجّة في الوجـوب، وقـد مرّ في كلام المحقّق السبزواري 2 أنّ العارض مهما لم يتوسط بينه

1 . كفاية الأُصول: 1 / 6 ـ 9 .
2 . لاحظ مبحث العرض الذاتي عند المتأخرين في ص 16 من هذا الكتاب .

صفحه 36
وبين المعروض واسطة في العروض فهو عرض ذاتي ; والبحث عن الضابطة الكلّية في لغة العرب من قبيل الواسطة في الثبوت.

القول الثاني

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة، وإن لم نعلم الموضوع بخصوصه.
يلاحظ عليه: بأنّه ليس شيئاً جديداً، بل هو تكرار لما سبق، وهو أنّ نسبة موضوع العلم إلى مسائله نسبة الطبيعي إلى فرده والكلّي إلى مصاديقه، والمهم بيان ما هو الطبيعي أو الكلّي في المقام .

القول الثالث

ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه، ومسائله عبارة عن التعيّنات العارضة لها والمحدّدة إيّاها .
توضيح ذلك: أنّ العرض على قسمين خارجي وتحليلي، أمّا الأوّل فكالبحث عن عوارض الجسم من حيث الحركة والسكون أو من جهة الألوان والطعوم.
والثاني كالبحث عن تعيّنات الوجود المطلق كالوجوب والإمكان أو كتعيّن الوجود الإمكاني بالعقل والنفس والهيولى والصورة والجسم المؤلف منهما، ففي جميع ذلك الموضوع أمر مسلّم عند الحكيم، وهو أنّ للوجود

صفحه 37
واقعية خلافاً للسوفسطائيين غير أنّه يريد أن يتعرف على خصوصياته وتعيّناته وخصائصه وقوالبه، فيعود البحث في الفن الأعلى إلى أنّ الوجود هل يتحدّد بالوجوب تارة وبالإمكان أُخرى؟ أو هل يتحدّد الوجود الإمكاني بالعقل والنفس والصورة والهيولى والجسم؟ فالبحث لا يرجع إلى إثبات أصل الوجود، بل هو أمر مسلّم وإنّما يرجع إلى تشخّصاته وحدوده.
إذا عرفت ذلك فقس عليه علم الأُصول، فإنّ الفقيه يعرف بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)التحق بالرفيق الأعلى وترك بين الأُمّة حججاً شرعية يحتجّ بها سبحانه على عباده يوم القيامة، غير أنّه لا يعرف خصوصياتها وتعيّناتها فيقول: هل الحجّة المسلّمة الوجود، تتعيّن بخبر الواحد، أو بظاهر الكتاب، أو بالشهرة الفتوائية، أو لا؟
فالبحث عن التعيّنات بحث عن العوارض التحليلية لموضوع علم الأُصول.
فإن قلت: فعلى هذا يجب أن تقع الحجّة موضوعاً وخبر
الواحد محمولاً بأن يقال: هل الحجّة خبر الواحد أو لا؟ لأنّ المفروض أنّ الحجّة هي الموضوع والتعيّن بخبر الواحد هو المحمول مع أنّ الدارج هو العكس؟
قلت: ما ذكرته حق، ولكن لأجل تسهيل الأمر على المبتدئين عكسوا القضية وقالوا: خبر الواحد حجّة، نظير ذلك مسائل الفن الأعلى فإنّ الموضوع فيه هو الموجود والتعيّن بالوجوب والإمكان أو بالجوهر والعرض من محمولاته، فلازم ذلك أن يقال: «الموجود عقل أو نفس» مع أنّ الدارج

صفحه 38
هو: العقل موجود، والنفس موجودة، كلّ ذلك لأجل تسهيل الأمر على المبتدأ .1
فإن قلت: هناك مسائل يبحث فيها عن وجود الحجّة لا عن تعيّنها، كالبحث عن ظهور الأمر والنهي في الوجوب والتحريم والفور والتراخي والوحدة والكثرة، ممّا يطلب فيها أصل الظهور لا تعيّنات الحجّة وتطوّراتها.
قلت: يمكن إرجاع البحث فيها إلى التعيّنات، وذلك لما مرّ من أنّ البحث في هذه المسائل مركَّز على استنباط الضابطة الكلّية في لغة العرب حتّى يكون سبباً لكون الأمر حجّة على الوجوب، والنهي على التحريم أو حجّة على الفور والتراخي في السنّة النبوية.
فإن قلت: كيف يكون البحث في باب الملازمات العقلية، بحثاً عن الأعراض فإنّ البحث مركّز على وجود الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته أو حرمة ضده، لا عن تعيّنات الحجّة ؟
قلت: الظاهر أنّ عدّ باب الملازمات من المسائل الأُصولية مبني على كونه من المباحث اللفظية، أي أنّ الأمر بالشيء هل يدلّ ـ بنحو من الدلالات ـ على وجوب مقدّمته أو حرمة ضده أو لا؟ فيكون البحث فيها على غرار البحث في دلالة الأمر على الوجوب، وإلاّ فيعود البحث عن الملازمات من مبادئ الأحكام الّتي يبحث فيها عن عوارض الأحكام الخمسة وحالاته.
وبذلك يعلم أنّ النظريات في تعيين موضوع علم الأُصول متقاربة فنظرية المحقّق البروجردي هي بعينها نفس نظرية الشيخ الأنصاري غير أن

1 . شرح المنظومة للسبزواري: 201 .

صفحه 39
المحقّق البروجردي عبّر عنه بالحجّة في الفقه، كما أنّ القول بأنّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي1 هو نفس النظرية، وأنّ الجميع يرجع إلى شيء واحد لباً وإن اختلف لفظاً .
الجهة السادسة

تعريف علم الأُصول

عرِّفَ علم الأُصول بتعاريف متعدّدة :

التعريف الأوّل:

وهو المنقول عن القدماء حيث قالوا: هو العلم بالقواعد المُمُهَدَّة لاستنباط الأحكام الشرعية .
وأُورد عليه: بأنّ المستنبَط تارة يكون حكماً شرعياً كالحكم المستند إلى الكتاب والسنّة، وأُخرى يكون المستنبَط وظيفة عملية وعذراً عقلياً بين العبد والمولى كالأُصول العقلية، فإن حكم العقل. بقبح العقاب بلا بيان بمعنى معذورّية الجاهل عند الجهل بالواقع، وأمّا ما هو الحكم الشرعي في المورد فلا يستنبط من حكم العقل .
فإن قلت: على القول بالملازمة بين حكم العقل والشرع يكون

1 . دروس في علم الأُصول: 3 / 14 .

صفحه 40
المستنبط حكماً شرعياً.
قلت: غاية ما يثبت بالملازمة هو إمضاء الشرع معذورية العبد في هذه الحالة، وأمّا ما هو الحكم الشرعي للمورد فهو لا يستنبط من قاعدة الملازمة. وبعبارة أُخرى: العقل يحكم بمعذورية الجاهل بالحكم الشرعي بعد الفحص، كما أنّ الشرع ـ على القول بالملازمة ـ يعدّه أيضاً معذوراً، وأمّا ما هو حكم المورد شرعاً كشرب التتن فهو مجهول على المستنبِط.
ونظيره حجّية الظن الانسدادي على القول بالحكومة، وذلك لأنّ للقائلين بتمامية مقدّمات الانسداد نظرين:
1. أنّ العقل بعد ملاحظة المقدّمات يكشف عن أنّ الشارع لم يترك المكلف سُدى، بل جعل الظن الانسدادي حجّة في حقّه، وعند ذلك يكون مفاد الظن الانسدادي حكماً شرعياً ظاهرياً.
2. أنّ العقل بعد ملاحظة المقدّمات يستقل بوجوب العمل بالظن دفعاً للخروج عن الدين إذا لم يتعبّد بشيء من الظن والاحتياط واعتمد على أصالة البراءة، وعند ذلك يكون العلم بالظن قاطعاً للعذر عند العقل من دون أن يكون مفاده حكماً شرعياً، والتعريف المزبور للقدماء لا يشمل الظن الانسدادي على القول بالحكومة.

صفحه 41

التعريف الثاني:

صناعة يعرف بها القواعد الّتي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو الّتي يُنتهى إليها في مقام العمل. وقد ذكره المحقّق الخراساني.1
ويرد عليه: أنّ لازم ما اختاره في تمايز العلوم أن يُعدّ علم الأُصول علمين مختلفين لوجود غرضين مختلفين: أحدهما استنباط الأحكام، والآخر تحصيل الأعذار.
فإن قلت: إنّ علم الرجال الباحث عن وثاقة الراوي وعدمها داخل في التعريف، لأنّه يقع في طريق استنباط الأحكام.
قلت: الظاهر خروجه عن التعريف لأجل لفظة «القواعد»، فإنّ علم الرجال قضايا شخصية لا كلية ولا جزئية.
فإن قلت: يبقى النقض بعلم الدراية الّذي يبحث عن أحوال الحديث العارضة عليه من جانبي السند والمتن فهو يقع في طريق الاستنباط.
قلت: المقصود ما يكون هو المقدمة الأخيرة للاستنباط لا كل ما يتوقف عليه الاستنباط.

التعريف الثالث:

وهو للمحقّق النائيني، وهوأن علم الأُصول هو العلم بالكبريات الّتي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلّي. (2) فيقال:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 4 .   2 . فوائد الأُصول: 1 / 19 .

صفحه 42
صلاة الجمعة ممّا أُمر به.
وكلّ ما أُمر به فهو شيء واجب.
فصلاة الجمعة شيء واجب.
يلاحظ عليه أوّلاً: بما أُورد به على تعريف المشهور فإنّ المُستنبَط ربّما يكون عذراً عقلياً لا حكماً شرعياً. وبعبارة أُخرى :يكون وظيفة عملية لا حكماً شرعياً.
ثانياً: أنّه ربّما لا يكون ضمُّ الصغريات إلى الكبريات سبباً لاستنباط الحكم الشرعي، بل يحتاج بعد الضمّ إلى محاولة أُخرى.
وهذا نظير الصلاة في الدار المغصوبة فإنّها على القول بإمكان الاجتماع يكون العمل الخارجي موصوفاً بالوجوب والحرمة، وأمّا على القول بالامتناع تكون النتيجة امتناع الاجتماع ولابدّ في حلّ المشكلة من تقديم أقوى الملاكين على الآخر. ومن المعلوم أنّ هذا المقدار من النتيجة لا يستنبط به الحكم الشرعي، بل يحتاج إلى محاولة أُخرى تثبت ما هو الأقوى ملاكاً من الأمر والنهي حتّى يتبعه الحكم الشرعي.

التعريف الرابع:

وهو للسيد الأُستاذ : حيث قال أنّه القواعد الآلية الّتي يمكن أن تقع كبرى لاستنباط الأحكام الفرعية الإلهية، أو الوظيفة العملية.1
توضيحه: أنّ نسبة علم الأُصول إلى الفقه نسبة علم المنطق إلى الفلسفة

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 19 .

صفحه 43
والكلام، فدور علم الأُصول دور آلي وليس باستقلالي كدور المنطق، شأن كل آلة يستخدمها الإنسان، فالنظّارة آلة للإبصار وليس مقصودة بالأصالة، وهكذا علم الأُصول آلة للاستنباط وليست مقصودة بالذات.
ونستوضح المقام بكلام الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)حيث قال عند تبيين نظر الإسلام بالنسبة إلى الدنيا: «من أبصر بها بصّرته، ومن أبصر إليها أعمته» 1 أي النظر إلى الدنيا بما هي وسيلة للحياة يوجب البصيرة، والنظر إليها بعنوان أنّها الغاية والهدف يوجب العمى.
ثم إنّه (رحمه الله) وصف القواعد بإمكان الوقوع لا بالوقوع نفسه، وذلك لتدخل فيه الظنون غير المعتبرة، كالقياس والاستحسان والظن الانسدادي، فالجميع يتمتع بالإمكان لا بالوقوع.

التعريف الخامس:

ما اختاره الشهيد الصدر (قدس سره): وهو العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي، خاصة الّتي يستعملها الفقيه كدليل على الجعل الشرعي الكلّي .2
يلاحظ عليه: باستلزامه خروج القواعد الّتي يستعملها الفقيه على تحصيل العذر، كالبراءة العقلية والظن الانسدادي على الحكومة. وكان عليه أن يعطف جملة أُخرى حتّى يكون التعريف جامعاً للافراد.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 82.
2 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 31 .

صفحه 44

التعريف السادس:

وقد ذكرناه في الدورة السابقة وهو: القواعد الكلّية غير المشتملة على أحكام شرعية فرعية المُمَهدّة لاستنباط الأحكام أو الوظيفة العملية.
فبقولنا:
1. القواعد الكلية: خرج علم الرجال .
2. القواعد غير المشتملة على أحكام شرعية فرعية: خرجت القواعد الفقهية، لأنّ محمولاتها أحكام شرعية.
3. كما دخل بقولنا: (الوظيفة العملية) البراءة العقلية والظن الانسدادي على الحكومة.
وعلى كلّ تقدير فالغرض من ذكر هذه التعاريف توضيح واقع علم الأُصول أمام الطالب وعرضه بشكل واضح، وكلّ هذه التعاريف تشترك في إيضاح الغاية من هذا العلم، وعلى ضوء ذلك يكون الإشكال في الجامعية أو المانعية أمراً فاقداً للأهمية، لأنّ الغاية هي المعرفة الإجمالية، وهي حاصلة في الجميع .

صفحه 45
الجهة السابعة

في الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية

إنّ القواعد الفقهية لها جذور في تاريخ الفقه كما أنّ للمسائل الأُصولية جذوراً فيه أيضاً، ولكلّ من العنوانين تآليف وتصانيف، أمّا المسائل الأُصولية فسيوافيك بيان تاريخها على وجه الإيجاز، وأمّا القواعد الفقهية فأوّل من ألّف فيها من الشيعة الإمامية هو الشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي (734 ـ 786 هـ) حيث ألّف كتاباً باسم «القواعد والفوائد» وإن تضمّن وراء القواعد الفقهية أُموراً أُخرى.
ثم توالى التأليف بعده فألّف الشهيد الثاني كتابه المعروف بـ «تمهيد القواعد» وهو كتاب ممتع، إلى غير ذلك من الآثار الجليلة في هذا المجال.
وقد صار هذا الأمر سبباً لطرح قضية الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية .
وهناك فروق مذكورة نشير إلى عناوينها إجمالاً أوّلاً، ثم نأخذها بالتفصيل لاحقاً:
الأوّل: إجراء المسألة الأُصولية بيد المجتهد، بخلاف القواعد الفقهية فإنّها تعمّه والمقلّد .
الثاني: المسائل الأُصولية تقع في طريق استكشاف الأحكام في عامّة

صفحه 46
الأبواب، بخلاف القواعد الفقهية .
الثالث: أنّ المسائل الأُصولية تجري في استنباط الأحكام الكلّيّة، بخلاف القواعد الفقهية فإنّها لا تجري إلاّ في الموضوعات.
الرابع: أنّ القواعد الأُصولية أداة للاستنباط بخلاف القواعد الفقهية فإنّها أداة للتطبيق .
الخامس: أنّ الفرق بينهما بالمحمولات.
هذه رؤوس الفروق المذكورة، وإليك بيانها مفصّلاً.
أمّا الفرق الأوّل: فهوما ذكره الشيخ عند البحث عن حجّيّة الاستصحاب وقال: بأنّه من المسائل الأُصولية في مورد الشبهات الحكمية، وإليك نصّ كلامه:
نعم يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعية 1 بأنّ إجراءها في موردها، أعني: صورة الشك في بقاء الحكم الشرعي السابق ليس وظيفة المقلّد، فهي ممّا يحتاج إليه المجتهد فقط ولا تنفع المقلّد، وهذا من خواص المسألة الأُصولية، فإنّ المسائل الأُصولية لما مُهِّدت للاجتهاد واستنباط الأحكام من الأدلّة اختصّ التكلّم فيها بالمجتهد ولا حظّ لغيره .2
يلاحظ عليه: أنّ بعض القواعد الفقهية يشارك المسائل الأُصولية في أنّها لا تنفع للمقلّد، بل يختصّ إجراؤها بالمجتهد، وهذا كالقاعدة المعروفة: «المؤمنون عند شروطهم، إلاّ إذا حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً» أوقولهم:

1 . الظاهر: أنّه أراد القواعد الفقهية.
2 . الفرائد: 320 .

صفحه 47
«المؤمنون عند شروطهم إلاّ ما خالف الكتاب أو السنّة»، فإنّ تشخيص الموافق والمخالف أمر يختصّ بالمجتهد حتّى يتمسّك بالقاعدة، بل ربّما لا ينتفع به المتجزئ، وقس على ذلك قسماً آخر من القواعد الفقهية الّتي لا ينتفع بها المقلّد كقاعدة: «ما يضمن وما لا يضمن».
أمّا الفرق الثاني: فهو خيرة المحقّق ضياء الدين العراقي وقد قال: إنّ القواعد الأُصولية مستعدة بذواتها لئن تقع في طريق استكشاف كلّ وظيفة عملية في أي باب من أبواب الفقه، بخلاف الثانية فإنّ كلّ واحدة منها مختصة بباب من أبواب الفقه لا تتجاوزه إلى غيره .1
وقد لوحظ عليه بالنقض بقاعدتي الضرر والحرج، فإنّهما يجريان في عامّة الأبواب.
ثم إنّ المحقّق العراقي أجاب عن هذا النقض بقوله: بأنّه يمكن بهما تشخيص الحكم الشرعي، ولا يقع شيء منهما في طريق استكشاف الوظيفة العملية الكلّية كما هو شأن المسألة الأُصولية .
وحاصل جوابه: أنّه قد مرّ في تعريف علم الأُصول أنّ القواعد الأُصولية تارة تقع في طريق استنباط الأحكام الواقعية وأُخرى في طريق ما ينتهي إليه المجتهد من الوظيفة في حالة الشكّ، وقاعدة «لا ضرر» تقع في طريق استنباط الأحكام الواقعية ولا تقع في طريق ما يستنبط منه حكم الوظيفة في حال الشكّ، ولذلك لا يصحّ عدّها من القواعد الأُصولية.

1 . بدائع الأفكار: 1 / 26 .

صفحه 48
ثم إنّ الشهيد الصدر (قدس سره)أجاب عن النقض بصورة أُخرى وحاصل ما أفادهُ: أنّ مفاد «لا ضرر» ليس إلاّ مجموعة من التشريعات العدميّة جمعت في عبارة واحدة، فقصر وجوب الوضوء على غير حالة الضرر، وقصر وجوب الصوم على غير حالة الضرر ـ مثلاً ـ ليسا مجعولين بجعل واحد وثابتين بتقرر واحد، بل الأوّل ثابت بتقييد جعل وجوب الوضوء بغير حالة الضرر، والثاني ثابت بتقييد جعل وجوب الصوم بغير حالة الضرر، غاية الأمر أنّ الشارع جمع بين هذه التشريعات العدمية المتعدّدة بجعولها في مبرز واحد، وفي مثل ذلك لا تصدق القاعدة، إذ لا يوجد أمر كلّي وحداني يكون دخيلاً في إثبات كلّ واحد من هذه التشريعات، بل هي جميعاً تثبت في عرض واحد بدليل واحد. من قبيل أن يقال: كلّ حكم يثبت للرجل في المعاملات فهو ثابت للمرأة.1
يلاحظ عليه: ماذا يريد من قوله: «فقصر وجوب الوضوء على غير حالة الضرر ـ مثلاً ـ وقصر وجوب الصوم على غير حالة الضرر ليسا مجعولين بجعل واحد وثابتين بتقرر واحد»؟
فما هو السبب لتعدّد الجعل في موارد «لا ضرر ولا حرج» واتّحاده في المسائل الأُصولية؟
فإن كان السبب لتعدّد الجعل هو تعدّد الموضوع في القاعدتين في عامّة مصاديقهما ووحدته في المسائل الأُصولية، فهو ليس بتام، لإمكان أن يكون الموضوع فيهما أيضاً موحّداً في عامّة الموارد، بأن يكون الموضوع

1 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 24.

صفحه 49
هو فعل المكلف الضرري أو الحرجي، فيكون الجعل واحداً باعتبار وحدة الموضوع. فلا يكون أي فرق بين القاعدتين والمسائل الأُصولية .
وإن كان السبب لتعدد الجعل هو تعدد الملاك فهو أيضاً كالسابق لأنّ الملاك في عامة الموارد هو الضرر من غير فرق بين بابي الوضوء والصوم وغيرهما، وأمّا تشبيه المقام بالمثال الّذي ذكره فهو تشبيه مع الفارق، لظهور أنّ الكلام المذكور أشبه بالجمع في التعبير لأحكام كثيرة، وإن شئت قلت: أشبه بالعنوان المشير.
وأمّا الفرق الثالث: وهو ما يستفاد من بعض كلمات المحقّق الخوئي حيث يقول: والصحيح أنّه لا شيء من القواعد الفقهية تجري في الشبهات الحكمية، فإنّ قاعدتي نفي الضرر والحرج لا تجريان في موارد الضرر أو الحرج النوعي.1
وحاصل جوابه أنّ القواعد الأُصولية ـ كما مرّ في توضيح كلام المحقّق العراقي ـ تتحمّل مسؤوليتين:
1. مسؤولية استنباط الأحكام الواقعية.
2. مسؤولية بيان الوظيفة عند الشكّ في الحكم الواقعي.
والقواعد الفقهية على وجه الإطلاق من غير فرق بين قاعدتي لا ضرر ولا حرج وغيرهما، تقع في طريق الاستنباط، لكن لا يستنبط منها حكم الشاكّ في الحكم الواقعي الذي يعبّر عنه بالوظيفة العملية وكأنّه(قدس سره) استنبط هذاالجواب من كلام المحقّق العراقي في خصوص قاعدتي لا ضرر ولا حرج.

1 . محاضرات في أُصول الفقه: 1 / 10 .

صفحه 50
وأمّا الفرق الرابع: وهو المفهوم من كلام المحقّق المذكور وحاصله: أنّ إعمال القواعد الأُصولية على موردها من قبيل الاستنباط، بخلاف القواعد الفقهية، فإنّ إجراءها على موردها من قبيل التطبيق. فها هو يقول: فإنّ الأحكام المستفادة من القواعد الفقهية، سواء كانت مختصّة بالشبهات الموضوعية كقاعدة الفراغ واليد والحلّية ونحوها، أم كانت تعمّ الشبهات الحكمية أيضاً كقاعدتي لا ضرر ولا حرج بناء على جريانهما في موارد الضرر أو الحرج النوعي، وقاعدتي ما يضمن وما لا يضمن وغيرهما، إنّما هي من باب تطبيق مضامينها بأنفسها على مصاديقها، لا من باب الاستنباط والتوسيط، مع أنّ نتيجتها في الشبهات الموضوعية نتيجة شخصية.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره، مائز غالبي وليس دائمياً، وذلك لأنّ دور بعض المسائل الفقهية دور الاستنباط، وذلك كقاعدتي لا ضرر ولا حرج فإنّ استخراج حرمة الوضوء أو الصوم من القاعدتين ليس من مقولة التطبيق وإنّما هي من مقولة الاستنباط، إذ فرق بين أن نقول: «أكرم العالم» ثم نطبّقه على مصاديقه، وبين القول: «لا حكم ضررياً ولا حرجياً في الإسلام» ثم ننتقل منه إلى عدم تشريع الوجوب الضرري في الوضوء والصوم.
وأمّا الفرق الخامس: وهو التفريق بين المسائل والقواعد بالمحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها. وإليك توضيحه:
وحاصل هذا الفرق يرجع إلى أنّ تميّز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية بمحمولاتها المنتسبة إلى موضوعاتها، وإن شئت قلت: إنّ ملاك

1 . محاضرات في أُصول الفقه : 1 / 10 .

صفحه 51
البحث في الأُولى غيره في الثانية، فإنّ ملاكه في المسائل الأُصولية هو طلب الحجّة على الحكم الشرعي لا نفس الحكم الشرعي، ولكن المطلوب في القواعد الفقهية هو نفس الحكم الشرعي وضعاً وتكليفاً، وإليك تفصيل ذلك.
إنّ المسائل الأُصولية تدور حول الأُمور التالية:
1. ما يبحث فيه عن تعيين مفاد الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة، كمفاد الأمر والنهي والعام والخاصّ إلى غير ذلك.
2. ما يبحث فيه عن الحكم العقلي كالبحث عن وجود الملازمة بين الأمر ووجوب مقدمته وحرمة ضده، أو الملازمة بين حرمة الشيء وفساده، والملازمة بين تعليق الحكم على شرط، وارتفاعه عند ارتفاعه، فالمطلوب منها هو حكم العقل الّذي يستنبط به حكم الشرع اخذاً بالملازمة.
3. ما يبحث فيه عن حجّية أُمور تقع في طريق الاستنباط، كالبحث عن حجّية الخبر الواحد أو الإجماع أو الشهرة، فإنّ المطلوب فيها هو الحجّية الوضعية غير المرتبطة بالعمل.
ويلحق به مبحث التعادل والترجيح، فإنّ ملاك البحث هنا عن تعيين ما هو الحجّة وكيفية تمييزها عن غيرها أو ترجيحها على حجّة أُخرى.
4. ما يبحث فيه عن الوظيفة العملية عند الشك في الحكم الشرعي إذا لم يكن هناك طريق إليه، وإن شئت ألحقته بالقسم الثالث، لأنّ المطلوب هو طلب الحجّة بين المكلّف وبين ربّه، إمّا تنجيزاً كما هو الحال في الاحتياط، أو تعذيراً كما هو الحال في أصل البراءة.
فهذه المسائل ونظائرها تعرب عن أنّ الملاك في المسائل الأُصولية

صفحه 52
عبارة عن أُمور لا تتعلّق بالحكم الشرعي التكليفي ولا الوضعي المتعلّق بالعمل، وإنّما المطلوب فيها أُمور خارجة عن هذا المصب.
وأمّا إذا لاحظنا القواعد الفقهية نرى أنّ المحمول فيها إمّا حكم تكليفي عملي، وإمّا حكم وضعي متعلّق بالعمل. فالأوّل كقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً» فمعنى قوله: «عند شروطهم» أي يجب العمل بالشروط الّتي اتّفقوا عليها; ونظيره قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس» فهو من جانب ينفي الوجوب ومن جانب آخر يثبته في الموارد الخمسة، فالمحمول في كلا الطرفين إمّا رفع شرعي أو إيجاب شرعي.
وقس على ذلك سائر القواعد الفقهية الّتي لا تتجاوز أُمّهاتها عن أربعين قاعدة، وربّما تتجاوز فروعها وما انشق منها إلى مائة أو أكثر .
فإن قلت: قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» حكم تكليفي فيلزم أن يكون قاعدة فقهية مع أنّ العلماء يجعلون الاستصحاب في عداد المسائل الأُصولية.
قلت: إنّ الشيخ يفصّل بين جريانه في الأحكام كاستصحاب وجوب صلاة الجمعة في الغيبة، وبين جريانه في الموضوعات كاستصحاب طهارة الثوب، فالأوّل عنده مسألة أُصولية والآخر قاعدة فقهية.
والظاهر أنّ مفاد: «لا تنقض» حكم وضعي غير متعلّق بالعمل، وهو جعل الحجّية لليقين السابق، وهي مسألة أُصولية مطلقاً، غاية الأمر أنّ نتيجتها تارة تكون حكماً شرعياً كالاستصحاب في الأحكام، وأُخرى مسألة فقهية كما في الموضوعات. ولم يدلّ دليل على أنّ نتائج المسائل الأُصولية يجب

صفحه 53
أن تكون كلّية. نعم يجب ألاّ تكون منحصرة في مورد واحد، فإنّ الاستصحاب كما يسري في هذا الثوب المشتبه يجري في موارد أُخرى.
إلى هنا تبيّن أنّ التمييز بين المقامين بما ذكرنا أولى ممّا ذكروه من الفوارق.
وبه تتمّ الجهات السبع الّتي أوردها المحقّق الخراساني في الأمر الأوّل، ولكن بقيت هنا جهة ثامنة لم يذكرها (رحمه الله)وسنوردها فيما يلي:
الجهة الثامنة

نشأة علم الأُصول وتاريخه

إنّ أوّل من ألّف في أُصول الفقه من السنّة هو أبو يوسف بن يعقوب ابن إبراهيم الشيباني (المتوفّى 189 هـ). يقول ابن النديم في «الفهرست»: من مؤلّفاته كتاب «أُصول الفقه» وكتاب «الاستحسان» وكتاب «اجتهاد الرأي» 1.
ثم ألّف محمد بن إدريس الشافعي (المتوفّى 204 هـ) «الرسالة في أُصول الفقه» ثم توالى التأليف عند أهل السنّة على نمطين مختلفين ذكرنا تفصيل ذلك في تقديمنا لشرح العلامة الحلّي (رحمه الله) لكتاب «مختصر الحاجب» في أُصول الفقه .
وأمّا عند الشيعة الإمامية فإنّ الفضل في ذلك المضمار يرجع إلى أئمة

1 . الفهرست لابن النديم: 302 .

صفحه 54
أهل البيت(عليهم السلام)خصوصاً الإمامين الصادقين (عليهما السلام)، فقد أمليا على تلاميذهما قواعد كثيرة في الفقه وأُصوله، وقد جمعها الشيخ الحر العاملي في كتاب أسماه «الفصول المهمة في أُصول الأئمة(عليهم السلام)».
وقد اقتدى عُلماء الشيعة بأئمتهم فألّفوا رسائل وكتباً، فأوّل من ألّف هو يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208 هـ) ألّف «اختلاف الحديث ومسائله»،1 ثم تلاه أبو سهل النوبختي (المتوفّى 311 هـ) فألّف كتاب «الخصوص والعموم والأسماء والأحكام» 2، وجاء بعده الحسن بن موسى النوبختي فألّف كتاب «خبر الواحد والعمل به» 3 وكانت هذه الرسائل في بعض المسائل الأُصولية.
ولكنّ التأليف بصورة كاملة ابتدأ من عصر الشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ) فألّف كتابه المسمّى «التذكرة بأُصول الفقه» وقد طبع ضمن مجموعة مصنفاته.
وألّف بعده الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ) كتابه «الذريعة إلى أُصول الشريعة»، ثم ألف بعده سلاّر الديلمي (المتوفّى 448 هـ) كتابه «التقريب في أُصول الفقه»، ثم ألّف بعده الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ) «العدّة في أُصول الفقه».
ثم توالى التأليف بين علمائنا في عامّة القرون، ذكرنا تفصيله في مقدّمة

1 . رجال النجاشي: برقم 1209 .
2 . رجال النجاشي: برقم 67 .
3 . رجال النجاشي: برقم 146 .

صفحه 55
كتابنا «الوسيط في أُصول الفقه».
نعم كانت المدارس الفقهية مزدهرة بأُصول الفقه إلى نهاية القرن العاشر، وفي طليعة القرن الحادي عشر ظهرت الأخبارية على يد الشيخ محمد أمين الاسترآبادي (المتوفّى 1033 هـ) فشنّ حملة شعواء على الأُصول والأُصوليّين فأوجد ذلك نكسة وركوداً قرابة قرنين، وبعد أن ظهر المحقّق البهبهاني في الأوساط العلمية وناظر رئيس الأخباريين الشيخ يوسف البحراني، وظهر برهانه غلب منهج الأُصوليين على منهج الأخباريّين، وبعد أن توفي الوحيد البهبهاني عام (1206 هـ) تحمّل المسؤولية تلاميذه، كالشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى 1228 هـ) فقد أدرج مسائل أُصول الفقه في مقدّمة كتابه «كشف الغطاء»، والشيخ أبي القاسم القمي (المتوفّى 1231 هـ) فألّف «قوانين الأُصول» في جزأين، ثم دام التأليف على هذا المنهاج .
إلى أن ظهر رائد النهضة الأُصولية الجديدة الشيخ مرتضى الأنصاري في أواخر القرن الثالث عشر فصارت كتبه محور الدراسة في الفقه والأُصول إلى أن اكتمل المنهج بيد تلميذه المحقّق الخراساني (المتوفّى 1329 هـ). وها نحن نسير على أضوائهم وآرائهم. وبذلك ظهر أنّ علم الأُصول ليس أمراً بديعاً، ولا دراسته والتأليف فيه بدعة .
ثم إنّ أكثر العلماء قد أفردوا الأُصول بالتأليف إلاّ أنّ قسماً آخر منهم جعلوها مقدّمة لكتبهم الفقهية كالشيخ البحراني في حدائقه، وكاشف الغطاء في كتابه «كشف الغطاء».
وإنّي أرجو من الله سبحانه أن يهدينا بهدايته إلى الحقّ المبين .

صفحه 56
في كيفية دلالة الألفاظ على معانيها   
 
الأمر الثاني:

في الوضع

لقد استأثرت البحوث المتعلّقة بالوضع باهتمام خاص في علم الألسنة الّذي يدرّس في الجامعات كعلم مستقل، فاستيعاب البحث فيه يخرجنا عن المقصود، وإنّما نكتفي بالإشارة إليه على وجه عابر.
ويقع الكلام فيه في مواضع:
الأوّل: هل أنّ دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية ، أو أنّ دلالتها عليها بالجعل والمواضعة؟
الثاني: إذا قلنا بالقول الثاني، فهل الواضع هو الله سبحانه أو الإنسان نفسه حسب حاجاته المتدرجة؟
الثالث: ما هي حقيقة الوضع بعد القول بأنّه بالجعل والمواضعة؟
الرابع: أقسام الوضع ومناشئه.
الخامس: في معاني الحروف .
السادس: في كيفية وضع الحروف.
السابع: في وضع أسماء الإشارة والضمائر والموصولات.
الثامن: في معنى الجمل الإخبارية والإنشائية.
التاسع: في مفاد الجملة الاسميّة.

صفحه 57
وإليك دراسة هذه المواضع واحداً بعد الآخر.
 
الموضع الأوّل: في كيفية دلالة الألفاظ على معانيها
هل دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية كدلالة الدخان على وجود النار، أو أنّها بالجعل والمواضعة؟
حُكي عن سليمان بن عَبّاد أنّ دلالتها على المعاني بالذات، يقول الشهيد الشيخ فضل الله النوري (قدس سره)في منظومته:
وعن سليمان بن عَبّاد حُكي *** دلالةُ اللفظ لذاته فاتركِ
حُجّته لزوم ترجيح بلا *** مرجِّح كذاك منه نُقِلا
لكنّه مخالف المشهورِ *** مخالف لمذهب الجمهورِ
وقد أشار (قدس سره)بقوله: «حجّته» إلى أنّه لولا هذه المناسبة بين الألفاظ والمعاني لكان تخصيص الواضع لفظاً مخصوصاً بمعنى بلا مرجّح، وهو محال كالترجيح بلا مرجّح.
وأورد عليه المحقّق الخوئي: بأنّ المحال هو الترجّح بلا مرجّح دون الترجيح بلا مرجّح، إذ لا قبح فيه فضلاً عن الاستحالة إذا كان هناك مرجّح لاختيار طبيعيّ الفعل مع فقد الترجيح بين أفراده ومصاديقه، وحيث إنّ المرجِّح لاختيار طبيعي الوضع والتخصيص موجود فهو كاف في تخصيص الواضع وجعله لكلّ معنى لفظاً مخصوصاً وإن فُقِدَ الترجيحُ بين كلّ فرد من أفراده .1

1 . محاضرات في أُصول الفقه: 1 / 38 ـ 39 .

صفحه 58
يلاحظ عليه: بأنّ القضيتين في الاستحالة سواء. فكما أنّ أصل الفعل يحتاج إلى علّة والتي نعبر عنها بالترجّح بلا مرجّح فهكذا الخصوصية تحتاج إلى علّة، والّتي نعبر عنها بقولنا الترجيح بلا مرجِّح. وبعبارة أُخرى: فكما أنّ أصل الأكل من أحد الرغيفين يتوقّف على وجود داع، فهكذا تخصيص الانتخاب بأحدهما دون الآخر يلازم وجود الداعي، وفي الحقيقة مرجع الترجيح بلا مرجّح إلى الترجّح بلا مرجح. لكن في الخصوصية. وسيوافيك بيان بعض الدواعي لترجيح بعض الألفاظ على بعض .
نعم الفرضية باطلة من وجوه:
1. لو صحّ ذلك القول لزمت لغوية الوضع، إذ تكون دلالة اللفظ على المعنى أشبه بدلالة الدخان على النار أو السعال على وجع الصدر.
2. يلزم اجتماع المتناسبين المتضادين في اللفظ كما في الأضداد كالقُرء بالنسبة إلى الطهر والحيض، أو الجون بالنسبة إلى الأسود والأبيض.
3. يلزم أن يكون عامّة الناس عالمين بعامّة اللغات في ظل المناسبة الذاتية.
لكن أظن أنّ مراد القائل شيء آخر غير ظاهر كلامه، وهو أنّ الغالب في الحيوانات إمّا عرض المعنى بنفسه على المخاطب، كتناول أُمّ الحيوان الصغير، الحبّةَ بمنقارها وتكرار ذلك أمام ولدها إذا أرادت إفهامه أن يأكل. أو بالإشارة إلى المعنى، بالذنب أو اليد أو بالتصويت، كما تفعل الهرّة لإفهام جوعها أو طلب ولدها، أو بغير ذلك من المواهب المودعة من الله تعالى في الحيوانات.

صفحه 59
وأمّا الإنسان فقد حباه الله المنطق والبيان فيعبّر به عمّا يجول في ضميره لكن كيف يستخدم الألفاظ لإظهار ما في الضمير وليس من البعيد أنّه يلاحظ بعض المناسبات فيستند في تسمية الحيوانات إلى أصواتها، كالهدهد والبوم والحمام والعصفور والهرّة، كما يستند في حكاية الأفعال والحركات إلى أصواتها أيضاً، كالدق والدك والشق والكسر والصرير والدويّ والنهيق. وربّما يرى مناسبة خيالية أو وهمية بين الألفاظ ومعانيها كالمشابهة في الشكل والهيئة، وغير ذلك من المناسبات فها هو لفظ الهيولى فإنّه بمعنى «المادة الأُولى»، لكن يستعمله العرف الفارسي الخاص
في الموجود المهيب، لما يراه بين ذاك اللفظ و المعنى من مناسبة
وهمية.
وقد جرّبنا ذلك في بعض الأطفال فرأيناهم يخترعون لبعض الأشياء والمعاني ألفاظاً مهملة عندما يحكون بها عمّا يجول في ضمائرهم، لمناسبة خيالية بينهما عندهم، ولعلّ هذا هو القاعدة الكلّية في تكثّر الألفاظ وتكامل اللغة .
ولا مانع من الالتزام بهذا النوع من المناسبة في وضع الألفاظ. لكنّها لا تُغني عن الوضع .

صفحه 60
في تعيين الواضع   
 
الموضع الثاني: في تعيين الواضع
هل وضع الألفاظ في مقابل المعاني أمر، إلهي أو أنّه بشري؟

الوضع ظاهرة إلهية

ذهب المحقّق النائيني إلى الأوّل، وحاصل كلامه: أنّ الواضع هو الله تبارك وتعالى لا غير، وذلك لأُمور:
أ. لو فرضت جماعة أرادوا إحداث ألفاظ، بقدر ألفاظ أيّ لغة لما قدروا عليه، فما ظنّك بواحد.
ب. كثرة المعاني فإنّه يتعذّر تصوّرها من شخص أو أشخاص.
ج. لو كان الوضع أمراً بشرياً لسجّله التاريخ عبر القرون، لأنّ مثل هذا العمل من أعظم الخدمات للبشر ولذلك تتوفّر الدواعي على نقله .
وحاصل هذه الوجوه: أنّ استيعاب الأوضاع اللغوية في جانبي اللفظ والمعنى أمر لا يقوم به فرد أو جماعة معيّنون، على أنّه لو كان هناك واضع لخلّد التاريخ اسمه.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره يتمّ لو كان هناك واضع خاص أو أشخاص معيّنون، وأمّا على القول بأنّ أصل كلّ لغة وتكاملها، مرهون بجهد الإنسان عبر آلاف السنين فلا مانع من قيام أُمّة كبيرة بعمل خارج عن إحاطة الإنسان الواحد أو الجماعة القليلة، أعني: وضع اللغة وإكمالها، حسب ما أُلهموا من

1 . أجود التقريرات: 1 / 12 .

صفحه 61
قِبَل خالقهم سبحانه الّذي قال: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)1.
ويمكن توجيه كلام المحقّق النائيني بأنّ وضع الألفاظ في مقابل المعاني وإن كان ظاهرة بشرية في حياة الإنسان، لكنّ تحقّق ذلك بعناية من الله سبحانه حيث ألهم الإنسان ألفاظاً خاصة في مقابل معاني كذلك، فلولا إلهامه سبحانه وعنايته لم يقدر الإنسان على تلك الظاهرة بهذه الدقائق الفنية والاستيعاب.
ولكن الظاهر من الذكر الحكيم أنّه سبحانه علم آدم الأسماء كلّها فلو أُريد من الأسماء ألفاظ المعاني والحقائق، فهو يدلّ على أنّ الوضع بالنسبة إلى اللغة الّتي كلّم الله بها آدم كان أمراً إلهياً، مضافاً إلى أنّه سبحانه خاطب آدم وقال: (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)(2)، إلى غير ذلك من الخطابات الواردة في سورة البقرة. نعم الآية تدلّ على سبق الوضع في اللغة الّتي خاطب بها آدم (عليه السلام) دون سائر اللغات. وأمّا اللغة الّتي خاطب بها سبحانه آدم (عليه السلام)فغير معلومة على وجه اليقين .

الوضع ظاهرة بشرية

الإمعان في الحياة البشرية الغابرة يثبت بأنّ الحضارة الإنسانية بأبعادها ليست وليدة يوم أو شهر أو سنة، بل الإنسان خرج من البداوة والحياة الفردية

1 . الرحمن: 1 ـ 4 .   2 . البقرة: 35 .

صفحه 62
إلى الحياة الاجتماعية بالتدريج فهو عبر إعمار الأرض بأنحائها المختلفة كان بحاجة شديدة إلى التفاهم والحوار، وقد خلق الله سبحانه مادتها في فطرته، وقال: (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) فالحاجة دعته إلى إفهام ما في ضميره من الحوائج بإنشاء ألفاظ مقابل معان بالتدريج، فلو قلنا إنّ لكلّ لغة واضعاً، فالواضع هو البشر عبر الزمان بإذن الله سبحانه وبالتدريج ولم يزل الأمر كذلك في مستقبل الأيام حيث إنّ الألفاظ تزداد، وفق زيادة المعاني.
إنّ وضع الألفاظ في مقابل المعاني نتيجة قانون طبيعي وهو قانون «الطلب والعرض» فهما متلازمان، فإذا كان هناك طلب من جانب يتحقّق العرض والاستجابة من جانب آخر، والمقام أشبه به فمن جانب يريد الإنسان ان يُفهم ما يقوم في ذهنه من المعاني البسيطة أو المركبة وهذا هو الطلب، وهو يلازم وجود عرض يتناسب مع هذا الطلب، وما هو إلاّ اختراع ألفاظ وجمل تؤدّي حاجته، وهذا هو العرض.
والّذي يدلّ على ذلك وجود المجامع العلمية والأدبية الّتي تضع الألفاظ لمعان مختلفة جديدة فالحاجة ألجأتهم إلى إنشاء هذه المجامع الّتي يلتقي فيها أساتذة اللغة والأدب فيضعون الألفاظ بعد محاورات ومناظرات، غير أنّ هذا الأمر يتحقّق في هذه الأيّام بفضل أُناس ماهرين، ولكنّ أصل اللغة تكوّن نتيجة محاورة جماعات كثيرة عبر القرون.
ما هي حقيقة الوضع   
وأمّا اشتمال اللغة على الدقائق الفنية والقواعد الجليلة فهو ليس نتيجة جهد شخص أو أشخاص في زمن معيّن، وإنّما هي ممارسة الإنسان لهذه اللغة عبر القرون.

صفحه 63

الموضع الثالث: ما هي حقيقة الوضع؟

المعروف بين العلماء في حقيقة الوضع نظريتان:
أ. نظرية المواضعة، وأنّ حقيقة الوضع ترجع إلى أمر اعتباري.
ب. نظرية التعهّد.
وإليك تبيين النظريتين:

النظرية الأُولى: نظرية المواضعة

وحاصل النظرية: أنّ الواضع يمارس عملية اعتبارية إنشائية تتولّد على ضوئها العلاقة اللغوية بين اللفظ والمعنى.
وقد اختلفت كلمتهم في بيان ذلك الأمر الاعتباري بصور نشير إليها :
1. ما ذكره المحقّق الخراساني حيث قال: الوضع عبارة عن نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما ناش عن تخصيصه به تارة ومن كثرة استعماله فيها أُخرى.
يلاحظ عليه:
أ. إنّ اختصاص اللفظ بالمعنى من نتائج الوضع وليس نفسه. والظاهر أنّ اختياره لفظ «الاختصاص» مكان «التخصيص» لأجل إدخال الوضع التعيّني في التعريف، إذ ليس فيه تخصيص من جانب الواضع، وسيوافيك الكلام فيه عند البحث عن مناشئ الوضع.
ب. إنّ الاختصاص المذكور كما يحصل تارة بالوضع التعييني وأُخرى

صفحه 64
بالوضع التعيّني يحصل بسبب ثالث أيضاً، وهو استعمال اللفظ في المعنى لكن بداعي الوضع، كما سيأتي بيانه من المحقّق الخراساني في مبحث الحقيقة الشرعية.
ج. التعريف لا يخلو من إجمال حيث قال: «نحو ارتباط بين اللفظ والمعنى» دون أن يبيّن حقيقة هذا الربط.
2. إنّ حقيقة الوضع عبارة عن اعتبار وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، فهو هو في عالم الاعتبار وإن لم يكن كذلك حقيقة.1
وحاصله: أنّ الواضع جعل وجود اللفظ وجوداً للمعنى في عالم الاعتبار واعتبره وجوداً تنزيلياً له في ذلك العالم دون عالم الخارج والعين على خلاف التنزيلات الشرعية والعرفية كقوله: «الطواف بالبيت صلاة»، وقوله: «الفقاع خمر استصغره الناس»، فإنّ التنزيل فيهما عيني .
يلاحظ على هذه النظرية: أنّ تفسير الوضع بهذا المعنى لا يمارسه إلاّ الأذكياء العارفون بالفرد الحقيقي والفرد التنزيلي، وأمّا الإنسان البدائي فهذا العمل الدقيق بعيد منه حتّى أنّ هذا المعنى لا يدور بخلد الأذكياء في مجمع اللغة .
أضف إلى ذلك: أنّ كون اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى لا يتحقّق إلاّ بالاستعمال، فهذا هو الّذي يتحقّق به التنزيل ولولا الاستعمال لمّا كان من التنزيل أثر ولا خبر، وكلامنا في المقام في الوضع المتقدّم على الاستعمال، ولو حاولتَ تبيّن الحال فاعطف نظرك إلى صانع المرآة ومن ينظر فيها

1 . وهي نظرية المحقّق الإيرواني في نهاية النهاية في شرح الكفاية: 7 (طبع طهران).

صفحه 65
فالصانع ينظر إليها بنظرة استقلالية لا تنزيلية بخلاف الناظر فيها قبل الخروج من البيت ليرتّب وضعه الخارجي. فمثل الواضع مثل صانع المرآة كما أنّ مثل الناظر هو مثل المستعمل.
وبكلمة قصيرة: التنزيل من شؤون الاستعمال وليس من شؤون الوضع.
3. الوجه المختار وهو أنّ الوضع عبارة عن تعيين اللفظ في مقابل المعنى بداعي الانتقال إليه عند التكلّم. ونستكشف ذلك من عمل الأخصائيّين في المجامع اللغوية فإنّ عملهم يقوم على وضع الألفاظ بإزاء المعاني، فإذا وجدت ظاهرة طبيعية أو اجتماعية في حياتهم يحاولون وضع لفظ يشير إليها كما هوالحال في الاختراعات الحديثة والظواهر الاجتماعية الجديدة. ليستمد به الواضع أو المجتمع في التعبير عنها. نعم ما ذكرنا من التعريف لا يشمل الوضع التعيّني وبما أنّ الكلام في المقام في تعريف الوضع التعييني اقتصرنا عليه.
إلى هنا تم تبيين نظرية الاعتبار بوجوهها الثلاثة. ولننتقل إلى بيان نظرية التعهّد.

النظرية الثانية: نظرية التعهد

إنّ حقيقة الوضع ليست إلاّ التعهّد بذكر اللفظ عند إرادتهم المعنى 1.
قال أبو المجد الآغا محمد رضا الاصفهاني: الوضع عبارة عن التعّهد،

1 . تشريح الأُصول للمحقّق علي النهاوندي. نقلاً عن نهاية النهاية في شرح الكفاية للايرواني: 7 .

صفحه 66
أعني: تعهّد المتكلّم للمخاطب والتزامه له بأنّه لاينطق بلفظ خاص، إلاّ عند إرادته معنى خاصّاً، أو أنّه إذا أراد إفهامه معنى معيناً، لا يتكلّم إلاّ بلفظ معيّن، فمتى تعهّد له بذلك وأعلمه به حصلت الدلالة وحصل الإفهام .1
يلاحظ عليه بوجوه:
الأوّل: أنّه من قبيل خلط الغاية من الفعل، بنفس الفعل، فالوضع شيء والغاية المتوخّاة منه شيء آخر، فالتعهد المذكور في كلامه غاية الوضع حتّى يخرج فعل المتكلّم عن اللغوية. وإن شئت قلت: الوضع عمل خاص لتلك الغاية.
الثاني: لو كانت حقيقة الوضع ذاك التعهد، لزم أن يكون كلّ مستعمل واضعاً، لالتزام كلّ مستعمل تفهيم المعنى عند المتكلّم باللفظ المخصوص، والالتزام به أمر غريب وإن التزم به بعض المحقّقين .2
الثالث: أنّ الالتزام بالتعهّد في الوضع غير لازم، بل يكفي فيه مجرّد جعل اللفظ في مقابل المعنى إلاّ بداعي الانتقال إليه عند التكلّم، كما هو الحال في سائر الدوال كالعلائم الرائجة لإدارة المرور.
في أقسام الوضع   
وقد تفطّن المحقّق الاصفهاني لما ذكرناه من كون كيفية الدلالة والانتقال من اللفظ وسائر الدوال على نهج واحد بلا إشكال، فقال: فليس من نصب العلامة على رأس الفرسخ إلاّوضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه، من دون أيّ تعهد منه.(3)

1 . وقاية الأذهان: 62، ط . مؤسسة آل البيت(عليهم السلام).
2 . تعاليق أجود التقريرات: 1 / 12 .   3 . نهاية الدراية: 1 / 14 .

صفحه 67

الموضع الرابع: في أقسام الوضع ومناشئه

قد يقسّم الوضع تارة بالنظر إلى المعنى الموضوع بإزائه اللفظ، وأُخرى باعتبار مناشئه ككونه بالتعيين أو بالتعيّن أو بالاستعمال، وإليك الكلام في كلا القسمين:
القسم الأوّل: تقسيُمه باعتبار المعنى الموضوع بإزائه اللفظ، وله بهذا الاعتبار أقسام أربعة:
1. الوضع العام والموضوع له العام.
2. الوضع الخاص والموضوع له الخاصّ.
3. الوضع العام والموضوع له الخاص.
4. الوضع الخاص والموضوع له العام.
أمّا ملاك التقسيم فهو أنّه إذا كانت عملية الوضع عبارة عن تعيين اللفظ إزاء المعنى، فلابدّ من تصوّر المعنى تفصيلاً أو إجمالاً، بنفسه أو بعنوانه وجهته.
فتارة يكون المتصوّر عامّاً، كالحيوان الناطق والموضوع له نفس ذلك المتصوّر، فيكون وضع الإنسان عاماً ـ لكون المتصوّر عامّاً ـ والموضوع أيضاً عامّاً، لأنّ المفروض وضع اللفظ له.
وأُخرى يكون المتصوّر خاصّاً جزئياً، كما إذا رُزق مولوداً وأسماه بالحسين فيكون الوضع خاصّاً ـ لكون المتصوّر خاصّاً ـ والموضوع له كذلك، والموضوع له في هذين القسمين متصوّر تفصيلاً وبنفسه، بخلاف

صفحه 68
القسمين الأخيرين، إذ الموضوع له فيهما متصوّر إجمالاً وبعنوانه.
وثالثاً: يكون المتصوّر عامّاً ولكن الموضوع له هو أفراد ذلك العام، كما إذا تصوّر مفهوم الابتداء بالمعنى الاسمي ووضع لفظه لمصاديقه الخارجية المتصوّرة إجمالاً، فيكون الوضع عامّاً لكون المتصوّر عامّاً، والموضوع له خاصّاً، لأنّه هو الأفراد والمصاديق الكلّية.
ورابعاً: يكون المعنى المتصوّر فرداً خاصّاً واللفظ موضوعاً للجهة المشتركة بين هذا الفرد وسائر الأفراد، كما إذا أخذ مخترع المتر ما بيده ووضع اسمه على الجهة المشتركة، فيكون الوضع خاصّاً لأنّ المتصور هو المتر الخاصّ والموضوع له عامّاً لفرض وضع اللفظ للجهة المشتركة بين الأفراد الكثيرة المشاركة في الكم والمقدار.
لاشكّ في إمكان القسمين الأوّلين ووقوعهما، إنّما الكلام في إمكان القسمين الأخيرين ووقوعهما، فالمشهور بين المنطقيين والأُصوليّين إمكان الثالث ووقوعه وامتناع الرابع وعدم وقوعه بالتالي، فلنأخذ القسم الثالث بالدراسة ثم القسم الرابع.

إمكان القسم الثالث ووقوعه

ذهب المحقّق الخراساني إلى إمكانه ووقوعه وقال:
إنّ العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك، فإنّه من وجوهها، ومعرفة وجه الشيء، معرفته بوجه. وحاصله: أنّه لا يشترط في تصوّر الموضوع له تصوّره تفصيلاً، بل يكفي تصوّره إجمالاً حيث يكفي

صفحه 69
في معرفة الأفراد تصوّرها بالعنوان العام.
ثم إنّهم مثّلوا ذلك بالحروف وأسماء الإشارة والضمائر، فقالوا يجوز للواضع تصوّر مفهوم الابتداء بالمعنى الاسمي ووضعه لمصاديقه الخارجية، أو تصوّر المفرد المذكر ووضع لفظة هذا لمصاديقه، وهكذا المبهمات والضمائر فالمعنى المتصوّر عام، والموضوع له خاص.
يلاحظ عليه: أنّ العنوان العام كالابتداء موضوع للماهية المعرّاة عن كلّ خصوصية فكيف يمكن أن يحكي عن الأفراد المتقوّمة بالخصوصيات.
وبعبارة أُخرى: أنّ حكاية شيء عن شيء فرع كونه موضوعاً له، والمفروض أنّ العنوان العام موضوع للقدر المشترك فقط، فكيف يمكن أن يحكي عن شيء لم يوضع له أصلاً؟!
فإن قلت: إنّ الكلّي متّحد مع الفرد في الخارج فيكفي الاتّحاد في الخارج في تحقّق الحكاية.
قلت: إنّ الاتحاد في الخارج لا يكون سبباً للحكاية، وإلاّ لزم حكاية العرض عن الموضوع كالبياض عن الجسم لاتّحاده معه.
وبذلك يظهر النظر في ما أفاده الشهيد الصدر (قدس سره)حيث حاول أن يصحّح حكاية العنوان العام عن المصاديق قائلاً بأنّ مفهوم الحيوان الناطق مفهوم منتزع عن مفهوم زيد وعمرو وخالد وهكذا، وبحكم ذلك يكون صالحاً لان يلاحظ بما هو فان في تلك المفاهيم وحاك عنها، ويوضع له اللفظ بهذا اللحاظ فتكون العلاقة الوضعية قائمة بتلك المفاهيم، وبذلك يتحقق الوضع العام والموضوع له الخاص .1

1 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 89 .

صفحه 70
يلاحظ عليه: بأنّ مفهوم الحيوان الناطق وإن كان منتزعاً من مفهوم زيد وعمرو وخالد لكنّه منتزع من الجهة المشتركة بينهم لا من الجهة المشتركة المنضّمة إلى الخصوصيات المتضادة، إذ يستحيل أن ينتزع المعنى الواحد من الخصوصيات المختلفة، وعلى هذا فلو كان فانياً أو حاكياً فإنّما يكون فانياً وحاكياً عن الجهة المشتركة. لا الجهات المتضادة .
والأولى في التصوير ما ذكره المحقّق ضياء الدين العراقي قال: إنّ العناوين العامّة المنتزعة على أنواع:
1. العنوان المنتزع من الجامع الذاتي بين أفراده، المتّحد وجوداً مع خصوصيات الأفراد، والمعرّى عنها تصوّراً وحقيقة كالحيوان والإنسان.
2. العنوان المنتزع من الأفراد باعتبار اتّصافها بخصوصية خارجة عن ذاتها وذاتياتها، سواء كان ما بحذائها شيء كالأبيض، أو لا كالممكن. وهذان القسمان لا يحكيان عن شيء من خصوصيات أفراده، بل يحكيان عن الجامع الساري.
3. العنوان العام الّذي يحكي إجمالاً عن الخصوصيات الّتي يكون بها التشخّص خارجاً.
والأوّل والثاني يحكيان عن الجامع الموجود في الفرد دون الخصوصيات، والثالث يحكي عن نفس الخصوصيات الّتي بها يكون التشخّص خارجاً، مثل مفهوم «الشخص» و «الفرد» و «المصداق» فهذه عناوين كلّية منتزعة من الأفراد والخصوصيات الخارجية. ونظيرها لفظ «كلّ» و «بعض» والموصولات مثل «من» و «ما». وعندئذ يصح أن يوضع لفظ

صفحه 71
«الإنسان»، لكلّ من ينطبق عليه لفظ الإنسان، فإنّ لفظ «الكلّ»، حاك عن الأفراد إجمالاً، أو يقال لفظ «هذا» موضوع لكلّ مفرد مذكر .1
والفرق بين التقريرين واضح فإنّ المعنى المتصوّر في التقريرين الأوّلين هو الماهية المعرّاة عن كلّ خصوصية، بخلاف التقرير الثالث فإنّ المعنى المتصوّر بفضل لفظ «كلّ» هو الخصوصيات والأفراد إجمالاً.
وبعبارة أُخرى: أنّ لفظة «مفرد مذكر» إشارة إلى العنوان العام.
كما أنّ لفظة «كلّ» تشير إلى الخصوصيات المقوّمة للأفراد .
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ (قدس سره)فرّق في هذا القسم بين حكاية العام عن الخصوصيات وبين الانتقال من ا لعام إلى الخصوصيات، فقال باستحالة الأوّل وإمكان الثاني، حيث لا مانع من انتقال المتكلّم من العام إلى الخاص، بل ربّما ينتقل الإنسان من الضد إلى الضد. فلو كان الملاك هو الحكاية فالعام غير قابل للحكاية عن الخصوصيات، وإن كان الملاك هو الانتقال فلا مانع من أن ينتقل الإنسان بسبب من الدواعي من شيء إلى شيء، ولا يشترط في الانتقال حكاية ما انتقل عنه، عمّا انتقل إليه .
وحصيلة الكلام: أنّ الانتقال من تصوّر العام إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس بمكان من الإمكان.
والظاهر كفاية الانتقال، بأن يؤخذ العنوان المشير الاجمالي آلة للوضع لأفراده ولا يحتاج إلى تصوّرها تفصيلاً، بل ربّما يمتنع لعدم تناهيها.2

1 . بدائع الأفكار: 1 / 38 ـ 39 .
2 . تهذيب الأُصول: 1 / 16 .

صفحه 72
يلاحظ عليه: بأنّ الانتقال من العام إلى كل واحد من الأفراد إجمالاً يستلزم تصور الموضوع له بنفسه وباستقلاله، لا بعنوانه ووجهه، وعندئذ ينقلب الفرض من كون الوضع عامّاً والموضع له خاصّاً إلى كون الوضع والموضوع له خاصّين حيث يتوصل الواضع بذلك إلى إيجاد العلقة الوضعية بين اللفظ وكلّ واحد من الأفراد الخاصّة، ولا منافاة بين كثرة الأفراد وكون الوضع والموضوع له خاصّين، إذ المقصود إيجاد العلقة بين اللفظ وكلّ واحد من الأفراد اجمالاً في مقابل ما إذا كان الموضوع واحداً كالأعلام ففيها علقة واحدة بين اللفظ والمعنى، وفي المقام علائق كثيرة حسب تعدّد الأفراد.
وبعبارة أُخرى: فرق بين لحاظ الأفراد بمرآتية العام، وبين الانتقال إليها بداع من الدواعي. ففي الصورة الأُولى، العنوان العام يكون محفوظاً فيصير الوضع عاماً، بخلاف الثاني حيث ان الداعي يكون سبباً للانتقال وبالتالي لا يكون محفوظاً عند الوضع فيصير الوضع خاصّاً.
أمّا القسم الرابع: أعني: كون الوضع خاصّاً والموضوع له عامّاً، بمعنى تصوّر الخاص وجعل اللفظ في مقابل الجامع بين هذا الفرد وسائر الأفراد، كما إذا تصوّر مخترع المتر (الوحدة القياسية) ما اخترعه شخصياً وجعل لفظة المتر اسماً للجامع بين مخترعه وسائر الأفراد الناجمة عبر الزمان.
هذا، والمشهور عندهم امتناعه، وقد قيل في وجهه:
إن الخاصّ لا يكون مرآة للعامّ، لأنّه إذا لوحظت الخصوصية فيه حين الوضع يكون الموضوع له كالوضع خاصّاً، وإن جرّد عنها يكون الوضع والموضوع له عامين ويرجع إلى القسم الأوّل .

صفحه 73
فإن قلت: إنّ الخاص مشتمل على العام ضمناً فيمكن أن يضع الواضع اللفظ بإزائه من خلال تصوّر الخاص.
قلت: العام الموجود في ضمن الخاص مقيد بالخصوصية فالوضع بإزاء مثل ذلك العام، لايلازم كون الموضوع له عامّاً، وأمّا تجريده عن الخصوصية فيوجب الانقلاب أي صيرورة الوضع والموضوع له عامّين.
ثم إنّ بعض المشايخ حاولوا تصحيح ذلك القسم بأمثلة:
أ. إذا تصوّر الواضع فرداً خارجياً من نوع كزيد وهويعلم أن بينه وبين سائر الأفراد جامعاً كليّاً فيضع لفظ الإنسان للجامع بينه وبين سائر الأفراد، فالمتصوّر خاص ـ أعني: زيداً ـ لكن الموضوع له هو الجامع بين هذا الفرد وسائر الأفراد.1
ب. إذا تصوّر شخصاً جزئياً خارجيّاً من دون أن يعلم تفصيلاً بالقدر المشترك بينه وبين سائر الأفراد، ولكنّه يعلم إجمالاً باشتماله على جامع مشترك بينه وبين باقي الأفراد مثله، كما إذا رأى جسماً من بعيد ولم يعلم أنّه حيوان أو جماد، فوضع لفظاً بإزاء ما هو متّحد مع هذا الشخص في الواقع (أي على الجامع بينه وبين غيره) فالموضوع له لوحظ إجمالاً وبالوجه، وليس الوجه عند هذا الشخص إلاّ الجزئي، لأنّ المفروض أنّ الجامع ليس متعقّلاً عنده إلاّ بعنوان ما هو متّحد مع هذا الشخص.2
ج. ما سبق من مثال المتر حيث ان مخترعه يضع لفظه على الوحدة

1 . وقاية الأذهان، لأبي المجد الاصفهاني: 66 باختلاف في التعبير.
2 . درر الفوائد: 1 / 5. ولا يخفى وحدة التقريرين جوهراً وإن اختلفا تعبيراً.

صفحه 74
القياسية المشتركة بين ما في يديه وسائر الأفراد، فالوضع خاص لأنّ المتصوّر هو الطول المعيّن، ولكن الموضوع له هو الجامع بينه وبين غيره.
في مناشئ الوضع   
يلاحظ عليه: بأنّ الجامع الّذي هو الموضوع له إمّا مقيّد بالفرد، أو مجرّد عنه. فعلى الأوّل يكون الموضوع له خاصّاً وهو خلفٌ، وعلى الثاني يكون الوضع عامّاً والموضوع له كذلك. وذلك لأنّ الواضع ينتقل من الفرد المشخّص إلى الجامع، وعندئذ يكون الفرد منسيّاً غير منظور، ويكون المتصوّر نفس الجامع الملحوظ إجمالاً، فيكون الوضع والموضوع له عامّين وهو خلف الفرض.
وإن شئت قلت: إنّ الأمثلة من قبيل الانتقال من الفرد إلى العنوان العام لا من مقولة رؤية العام من منظار الخاص ومشاهدة الأوّل بمرآتيّة الثاني، ومحط البحث هو الثاني حتّى يكون الوضع خاصّاً، لا الأوّل الّذي يوجب كون الوضع عامّاً مثل الموضوع له .

في مناشئ الوضع

قد يقسم الوضع حسب مناشئه إلى الوضع التعيّيني والتعيني والاستعمالي.
أمّا الأوّل: فيراد به جعل العلقة بين اللفظ والمعنى بتخصيصه للثاني وجعله في مقابله كما إذا قال: سمّيت ولدي حُسيناً.
أمّا الثاني: فيراد به حصول العلقة بين اللفظ والمعنى بكثرة استعماله فيه مع القرينة إلى حدٍّ يتبادر منه المعنى الثاني بلا قرينة أيضاً .

صفحه 75
فإن قلت: إذا كان اللفظ قبل حصول الوضع التعيني مستعملاً في المعنى على نحو المجازية ومقروناً بالقرينة في عامة الاستعمالات، فكيف يصير حقيقة فيه مع عدم انفكاك الاستعمال عن القرينة.
قلت: إنّ الوضع التعيّني يُراد به تارة تعيّن اللفظ في أحد مصاديق المعنى الموضوع له كما هو الحال في الدابة الّذي كان يطلق في اللغة على كل ما يدبّ في الأرض وصار متعيّناً في الفرس، وأُخرى يراد به نقل اللفظ من معنى إلى معنى آخر، كنقل لفظ الصلاة من الدعاء إلى المعنى الشرعي، وكلا الموردين رهن قرينة غير أنّها في الأوّل معيِّنة وفي الثاني مُفهمة.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ كثرة استعمال اللفظ مع القرينة ربّما يطول مدة بحيث يتلقّى المخاطب من سماع اللفظ المعنى الثاني قبل سماع القرينة فيصبح وجود القرينة شيئاً زائداً فيحذف فيستقر الأمر في المعنى الثاني.
فإن قلت: إنّ الوضع ـ بمعنى جعل اللفظ في مقابل المعنى ليستمدّ به الواضع، بل المجتمع في التعبير عن المقصود به ـ أمر قصدي وإنشائي فلا يتحقّق بدون القصد، ومن الواضح أنّ كلّ استعمال بمفرده لم يقصد به التعيين، فكيف يتحقّق معنى الوضع القصدي بهذه الاستعمالات الفارغة عن القصد.
قلت: الإشكال غير متوجّه على تعريف المحقّق الخراساني، لأنّه فسّر الوضع بالاختصاص لا بالتخصيص، ولذلك قسّم الوضع إلى قسمين: تعييني وتعيّني، وإنّما يتوجّه على تعريفنا بالتخصيص والتعيين، ولكنّه على ما ذكرنا غير داخل في المُعرَّف وإنّما يلحق به لاشتراكهما في النتيجة، ولذلك اقتصرنا

صفحه 76
فيما سبق على الوضع التعييني، وعلى ذلك فمرادنا بالمناشئ هو الأعمّ من أن يكون وضعاً حقيقياً أو يكون نتيجة الوضع.
وأمّا الثالث: أي الوضع بالاستعمال فيراد به استعمال اللفظ في المعنى بقصد الوضع، كما إذا رُزق ولداً وأرادت العائلة انتخاب اسم له فيقول كبير العائلة ناولني ولدي حُسيناً لأُقبله، فيطلق عليه اسم «حسين» بقصد كونه علماً له .
والفرق بين هذا القسم والقسم الأوّل هو الفرق بين الحمل الأوّلي والشائع الصناعي، فالوضع في الأوّل بالحمل الأوّلي حيث يقول: سميته حسيناً، أو وضعت اسمه حسيناً، وفي الثاني بالحمل الشائع لأنّ عمله هذا مصداق للحمل.
وقد اعترض على هذا النوع من الوضع بوجوه:
الأوّل: لزوم اجتماع اللحاظ الآلي والاستقلالي حيث إنّ اللفظ ملحوظ في مقام الوضع استقلالاً وفي مقام الاستعمال آلياً، وبعبارة أُخرى: إنّ اللفظ في مقام الوضع ملحوظ للمتكلّم ولكنّه في مقام الاستعمال مغفول عنه، وهذا الإشكال حكي عن السيد الجليل الاصفهاني صاحب وسيلة النجاة حيث أورده على أُستاذه المحقّق الخراساني في درسه.
وأُجيب: بأنّ الملحوظ استقلالاً طبيعي اللفظ، بداهة أنّه لم يجعل ما يتفوّه به بشخصه علماً، بل يشير به إلى الطبيعي منه، والملحوظ آلياً شخص هذا اللفظ .1

1 . مقالات الأُصول: 1 / 17 .

صفحه 77
يلاحظ عليه: أنّ الواضع ليس إنساناً فيلسوفاً يفرّق بين طبيعي اللفظ وشخصه، بل يركّز قصده على ما يتكلّم به وهو أمر شخصي.
والأولى أن يقال: إنّه لا مانع من اجتماع اللحاظين الآلي والاستقلالي كما هو المشاهد في المتكلّم باللغة الأجنبية إذا كان في بداية تعلّمه لها، وصار في مقام المحاورة حيث إنّه يلاحظ الألفاظ آلياً واستقلالياً، أمّا آلياً فلأجل التفهيم، وأمّا استقلالياً فلأجل أن لا يلحن في التكلّم. فليكن المقام من هذا القبيل حيث إنّ كبير العائلة يُحضر في ذهنه عدة ألفاظ يختار أحدها فيقول: ناولني ولدي (الحسين) .
الثاني: انّ الاستعمال المذكور ليس حقيقياً ولا مجازياً، أمّا الأوّل فلعدم الوضع، وأمّا الثاني فلعدم العلاقة أو عدم ملاحظتها.
وأجاب المحقّق الخراساني: بأنّ الاستعمال مجاز، ولا يشترط في المجاز وجود العلاقة ولا ملاحظتها، بل يكفي كون صحّة الاستعمال موافقاً للطبع.
ويمكن أن يجاب بأنّ الاستعمال حقيقيٌ، لأنّ الاستعمال مقارن للوضع ولا يشترط في صحة الاستعمال سبقُ الوضع على الاستعمال، بل يكفي كونه موضوعاً وقته .
الثالث: ما أثاره الشهيد الصدر من أنّه مبني على أنّ الوضع أمر إنشائي يتسبّب إلى إيجاده خارجاً باللفظ إيجاداً إنشائياً لا حقيقياً، على حد ما
يقال في باب الإنشائيات لكن نحن لا نتعقّل إنشاء المعنى باللفظ، بل
ليس الأُمور الإنشائية إلاّ اعتبارات قائمة في أُفق نفس المعتبر ويكون

صفحه 78
اللفظ مجرد كاشف عنها .1
يلاحظ عليه: أنّ الإشكال مبني على ما اختاره هو وأُستاذه المحقّق الخوئي في باب الإنشائيات، وأنّها أُمور معتبرة قائمة في نفس المعتبر واللفظ كاشف ; وسيوافيك أنّ الحق هو النظرية المعروفة، فانتظر.
في المعاني الحرفية   

الموضع الخامس: في المعاني الحرفية

ويقع الكلام هنا في مقامين:
1. ما هي معانيها ومضامينها؟
2. ما هي كيفية وضعها؟
وهل الوضع خاص أو عام؟ والبحثان مختلطان في كلمات القوم، وإليك الكلام في المقام الأوّل .
أقول: عرّف ابن الحاجب الاسم والحرف في الكافية بالشكل التالي:
الاسم: ما دلّ على معنى في نفسه، والحرف: ما دلّ على معنى في غيره.2
حاصله: أنّ المعنى في حدّ ذاته على قسمين; قسم يكون مفهوماً محصّلاً في نفسه، لا يحتاج في إحضاره في الذهن إلى معنى آخر، وقسم يكون مفهوماً متحقّقاً في الذهن بتبع غيره .

1 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 98 .
2 . الكافية مع شرحها: 5 / 87 في معنى الحرف، والضمير في كلّ من «في نفسه» و «غيره» يرجع إلى المعنى، فلاحظ .

صفحه 79
ثم، انّه ظهرت آراءٌ ونظريات في معنى الحروف وهي بين الإفراط والتفريط.

النظرية الأُولى: نظرية العلامة والإعراب

ربّما يقال: بأنّ الحرف وحده لا معنى له أصلاً، إذ هو كالعَلَم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما، فإذا انفرد عن ذلك الشيء بقي غير دالّ على معنى أصلاً .1
وربّما يقال في توضيحه: بأنّ وزان الحروف وزان الأعاريب في أواخر الكلم، فكما أنّ التنوين يشير إلى كون اللفظ فاعلاً أو مفعولاً من دون أن يكون له معنى خاص فهكذا الحروف.
أقول: هذه النظرية لو صحّت نسبتها إلى الرضي أو غيره، فهي بمكان من التفريط. وإنّما قلنا: لو صحّت نسبتها إلى الرضي، لأنّ صدر كلامه يناقض تلك النسبة، بل هو ظاهر في النظرية الثانية للمحقّق الخراساني.
وعلى كلّ تقدير يرد عليها :
1. أنّ الحروف ممّا يُنطق بها مستقلاً فيليق أن يكون لها وضع خاص، بخلاف الإعراب فإنّه لا يُنطق به كذلك إلاّ عند التعليم للأطفال، فكيف تقاس به؟!
2. أنّ الإعراب خال من المعنى بِخلاف الحروف حيث يتبادر منها المعنى المندكّ في غيرها لا أنّها خالية من المعنى.

1 . شرح الرضي على الكافية في النحو: 1 / 37، طبعة بنغازي .

صفحه 80
ولعلّ القائل بهذه النظرية يريد معنىً آخر من نفي كون الحروف دالةً على المعنى بالاستقلال فاشبهت بالعلامة والإعراب، بخلاف الأسماء فإنّها دالّة على المعنى بالاستقلال.

النظرية الثانية: وحدة المعاني الاسمية والحرفية

إنّ للمحقّق الخراساني نظرية خاصة في معاني الحروف طرحها بقوله : إنّ المعاني الحرفية والاسمية متّحدة جوهراً فلا فرق بينهما في الموضوع له، والاستقلال في الاسم والآلية في الحرف، خارجان عن حريم المعنى وحقيقته، وإنّما يعرضان عند الاستعمال، فيكون الوضع عامّاً والموضوع له كذلك .1
وربّما يظهر ذلك من صدر كلام الرضي في الكافية حيث قال: إنّ معنى «من»: الابتداء، ومعنى لفظ «الابتداء» سواء، الخ. (2)
وحاصل النظرية: أنّ كلاًّ من لفظي «الابتداء» و «من» موضوعان لمعنى واحد وهو ذات الابتداء، سواء أكان مفهوماً مستقلاً كما في قولنا: «الابتداء خير من الانتهاء»، أو آلةً للغير ومندكّاً فيه، كما في قولنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة». غير أنّ الاستقلالية والاندكاك يعرضان عليهما عند الاستعمال، فالواضع وضع الاسم والحرف لمعنى واحد، ولكن شرط على المستعملين أن يستعملوا الأوّل في المفهوم المستقل والثاني في المفهوم المندك.
والنظرية مبنية على أمرين:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 15 .   2 . شرح الكافية: 1 / 37 .

صفحه 81
أحدهما: وحدة المعاني الحرفية والاسمية ذاتاً وجوهراً وإنّما يختلفان بأمر عرضي وهو لحاظ المعنى في مقام الاستعمال مستقلاً أو مندكّاً في الغير، وهذا بخلاف النظرية المعروفة من أنّ بينهما فرقاً جوهريّاً نابعاً من صميم ذاتهما وأنّ واقع المعنى الاسمي، هو الاستقلال، كما أنّ واقع المعنى الحرفي هو الآلية والاندكاك في المتعلّق، بحيث لو حذف القيد من أحد الطرفين لم يبق أثر من المعنيين.
ثانيهما: أنّ لحاظ الاستقلالية والآلية (الّذي يعبّر عنه بالخصوصية) لا يمكن أن يكون قيداً للموضوع له ولا للمستعمل فيه، وإنّما يعرضان للمعنى لدى الاستعمال باشتراط من الواضع حيث اشترط استعمال احدهما في الاستقلالية والآخر في الآلية، فيكونان من طوارئ الاستعمال وعوارضه دون أن يؤخذا في الموضوع له والمستعمل فيه.
هذا هو توضيح النظرية، ويرد عليها:
أوّلاً: أنّ صاحب النظرية لم يبرهن على الأمر الأوّل من وحدة الأسماء والحروف في المعنى ذاتاً وجوهراً وإنّما افترضه أمراً مسلماً، مع أنّ الأغراض كما تتعلّق بالمعاني الاسمية فهكذا تتعلّق بالمعاني الحرفية، فإذا سأل سائل صاحب البيت أين أُصلي؟ فقال: صلّ في المسجد، فالغرض لم يتعلّق بالصلاة ولا بالمسجد بما هو هو، وإنّما تعلق غرض السائل والمجيب بتعيين ظرف الصلاة ومكان إيقاعها فيه، فإذا كان كذلك فلا معنى لعدم وضع اللفظ لمعنى جامع بين الاستقلالية والآلية. مع أنّ الغرض لا يتعلّق به بل يتعلّق بالخصوصية.

صفحه 82
ثانياً: أنّه (قدس سره)افترض أنّ المشهور يقول بأخذ لحاظ الاستقلالية والآلية في ناحية الموضوع له، فرّد عليه بأنّ الخصوصية المتوهّمة (لحاظ الآلية) إن كانت موجبة لكون الموضوع له خاصّاً، عندئذ يعود السؤال بأنّه ما هو المراد من كونه خاصّاً؟ فإن أُريد منه الجزئي الخارجي، فربّما يكون المستعمل فيه عامّاً كما إذا قال: «سر من البصرة إلى الكوفة»، وإن أُريد منه الجزئي الذهني بحيث يكون لحاظ الآلية قيداً له فيترتب عليه عدّة أُمور:
1. لزوم تعدّد اللحاظين عند الاستعمال، لاستلزامه لحاظ المعنى مضافاً إلى اللحاظ الموجود فيه عن طريق الوضع.
2. عدم انطباقه على الخارج لكون جزء الموضوع أمراً ذهنياً.
3. لزوم كون لحاظ الاستقلالية جزءاً للمعاني الاسمية، فيصبح المعنى الاسمي خاصّاً وهو خلاف ما اتفقوا عليه .1
يلاحظ عليه:
أوّلاً: ـ مضافاً إلى أنّه خلط بين البحثين: ما هو الموضوع له؟! وهل الوضع والموضوع له خاص أو لا؟ والكلام في الجهة الأُولى لا الثانية ـ بأن الاستدلال مبني على أمر غير صحيح وهو أخذ لحاظ الاستقلالية ولحاظ الآلية في الموضوع له، مع أنّ المقوم للمعنيين هو واقع الاستقلالية والآلية بمعنى أنّ المعاني ـ تكويناً ـ على قسمين :
1. معان مستقلة في أنفسها من دون ملاحظة لاحظ.
2. معان متعلّقة ومتحقّقة في غيرها كذلك.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 13، بتلخيص.

صفحه 83
وهذا النوع من التقسيم أمر داخل في جوهر المعاني من غير حاجة إلى لحاظ الواضع، فعلى ذلك يسقط كلّ ما ردّ به قول القائل بأنّ الموضوع له في الحروف خاصّاً .
ثانياً: إذا لم تكن كلّ من الخصوصيتين: الاستقلالية والآلية موجودتين في الموضوع له ولا في المستعمل فيه فكيف تكون الجملة حاكيةً عنها؟! فإنّ الحكاية فرع الوضع، والمفروض أنّ القيدين غير مأخوذين في كلا المقامين. ومجرد قصد المستعمل أحدهما لايكون سبباً للدلالة والحكاية .
ثالثاً: أنّ لازم ما ذكره جواز استعمال كلّ من الاسم والحرف مكان الآخر مع أنّه غير جائز.
وما ذكره من أنّ هذا النوع من الاستعمال على خلاف شرط الواضع غير تام، لعدم لزوم اتّباع شرطه حتّى وان شرطه في ضمن الوضع. إلاّ إذا قيّد الوضع بهذا النوع من الاستعمال على نحو يكون غيره خارجاً عن حيطة الوضع فعندئذ يكون الاستعمال غلطاً.

النظرية الثالثة: تمايزهما بنفس الذات

إنّ هذه النظرية مبنية على أنّ المعاني الحرفية والاسمية متمايزةً بالذات من دون حاجة إلى لحاظ لاحظ أو اعتبار معتبر، بل المعاني مختلفة بالذات متمايزة بالماهيّة، وبعبارة أُخرى: المعنى تارة قائم بنفسه ذهناً وخارجاً وأُخرى قائم بالغير كذلك.
وإن أردت التفصيل، فإليك بيانه.

صفحه 84
 
ما يدركه العقل ينقسم إلى أقسام ثلاثة:
أ. ما هو مستقل مفهوماً ومصداقاً.
ب. ما هو مستقل مفهوماً لا مصداقاً.
ج. ما هو غير مستقل مفهوماً ومصداقاً.
أمّا الأوّل: فهذا كالجواهر، فمصاديق الإنسان وسائر الأنواع تُتصور في الذهن مستقلةً بلا استعانة بشيء، كما هي مستقلاّت في الوجود والمصداق.
أمّا الثاني: فكالاعراض مثل البياض والسواد فإنّها في صقع الذهن مستقلاّت مفهوماً غير مستقلاّت مصداقاً، فكلّ منّا يتصوّر مفهوم البياض والسواد على وجه الاستقلال ولكنّهما في الخارج يعتمدان على الموضوع كالجسم.
وأمّا الثالث: فهي غير مستقلة ذاتاً ولا ماهية، إذ لا تنالها النفس الإنسانية بنفسها، وإنّما تنالها بواسطة الغير، كما أنّها غير مستقلة وجوداً، ففي مثالنا (زيد في الدار) فكلّ من الموضوع والدار مستقلاّن تصوّراً وذاتاً كما هما مستقلاّن مصداقاً غير أنّ كينونة زيد في الدار من المفاهيم الّتي لا تنالها النفس إلاّ بإضافتها إلى زيد وإلى الدار.
فقد يعبر عن القسم الأوّل بقولهم: موجود في نفسه لنفسه، وعن القسم الثاني: موجود في نفسه لغيره، وعن الثالث: موجود في غيره لغيره .
وربّما يعبّر عن الأوّل أيضاً بالوجود النفسي، وعن الثاني بالوجود

صفحه 85
الرابطي، وعن الثالث بالوجود الرابط، كما قال الحكيم السبزواري:
إنّ الوجود رابط ورابطي *** ثمة نفسيّ فهاك فاضبط
فعلى هذا فالمعاني إمّا مستقلة مفهوماً وماهية، وإمّا مندكّة وفانية في الغير، وهذه خصيصة ذاتية للمعاني غير مكتسبة من لحاظ لاحظ واعتبار معتبر.
ولتوضيح ما قلناه نأتي بمثال آخر كما لو قلنا (سرت من البصرة إلى الكوفة) فكلّ من (السير) و (البصرة) ينالهما الذهن من دون حاجة إلى مفهوم آخر، بخلاف اتجاه السير مبدأً ومقصداً فإنّ الذهن يحتاج في تصوّره إلى شيء آخر، أي (السير والبصرة والكوفة).
إنّ للشريف الجرجاني كلاماً في المقام ننقله بنصّه; قال:
كما أنّ في الخارج موجوداً قائماً بذاته، وموجوداً قائماً بغيره، كذلك في الذهن ; معقول هو مُدرك قصداً، ملحوظاً في ذاته، يصلح أن يحكم عليه وبه. ومعقول هو مُدرك تبعاً وآلة، كملاحظة غيره، فلا يصلح لشيء منهما، فالابتداء مثلاً إذا لاحظه العقل قصداً وبالذات كان معنىً مستقلاًّ بالمفهومية، ملحوظاً في ذاته، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء فقط، ولا حاجة في الدلالة عليه إلى ضمّ كلمة أُخرى إليه لتدلّ على متعلّقه، وهذا هو المراد بقولهم إنّ للإسم والفعل معنى كائناً في نفس الكلمة الدالّة عليه، وإذا لاحظه العقل من حيث هو حالة بين السير والبصرة مثلاً وجعله آلة لتعرف حالهما، كان معنى غير مستقل بالمفهومية، ولا يصلح أن يكون محكوماً عليه وبه، ولا يمكن أن يتعقّل إلاّ بذكر متعلّقه بخصوصه، ولا أن يدلّ عليه إلاّ بضم كلمة

صفحه 86
دالّة على متعلّقه .1
ثم إنّ هذا المعنى هو الّذي أفرغه الأُدباء في تعريف الاسم والحرف فقالوا:
الاسم: ما دلّ على معنى في نفسه، والحرف: ما دلّ على معنى في غيره، فالضمير في كلّ من «نفسه»، و «غيره» يرجع إلى المعنى، وقد شرحه المحقّقون منهم صدر المتألّهين عند تقسيم الوجود إلى النفسي والرابطي والرابط، وبعده المحقّق الإصفهاني في تعليقته على الكفاية.، والسيد الطباطبائي في تعليقته عليها أيضاً ، والسيد الأُستاذ في دروسه الشريفة.
إلاّ أنّ الفضل والفضيلة في المقام يرجع إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)فكلّ مقتبس من نوره وعلومه، فقد روي عن أبي الأسود الدؤلي أنّه قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام)فرأيته مطرقاً متفكّراً فقلت: فيمَ تفكّر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحناً فأردت أن أصنع كتاباً في أُصول العربية. فقلت: إن صنعت هذا احييتنا وبقيت فينا هذه اللغة. ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كلّه ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف ، والاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في غيره» إلى ان قال: واعلم يا ابا الاسود ان الاشياء ثلاثة ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر وإنّما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر». 2

1 . شرح الكافية المشهور بشرح الجامي: 15.
2 . «الاشتقاق حول حديث أبي الأسود الدؤلي» للحاج السيد علي البهبهاني: 2 ـ 3. نقلاً عن العوالم، ونفائس الفنون.

صفحه 87

تقسيم الحروف إلى إخطارية وإيجادية

قسم المحقّق الشيخ محمد تقي الاصفهاني المعروف بصاحب الحاشية، معاني الحروف إلى إخطارية وإيجادية، والمراد من الأُولى: ما يكون حاكياً عن معنى متحقّق في الخارج مثل: «سرت من البصرة إلى الكوفة»، كما أنّ المراد من الثانية ما يوجد بنفس الاستعمال كالنداء والخطاب كقولنا: «يا زيد»، فالقسم الأوّل أشبه بالجملة الخبرية والثاني أشبه بالجملة الإنشائية.
أقول: هذا التقسيم لا ينافي ما هو المختار، فإنّ الإخطار والإيجاد يتحقّقان بما للحروف من المعنى القائم بالغير، فالجامع الاسمي بينهما هو القيام بالغير، غاية الأمر ينقسم القيام بالغير إلى إخطاري وإيجادي.

الحروف موضوعة لإيجاد الربط بين جزئي الكلام

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ شأن أدوات النسبة ليس إلاّ إيجاد الربط بين جزئي الكلام، فإنّ الألفاظ بما لها من المفاهيم متباينة بالهوية والذات كلفظ «السير» و «البصرة» و «الكوفة». فكلمة «من» و «إلى» جيء بهما لإيجاد الربط وإيجاد العلقة بين «السير» و «البصرة» و «الكوفة».1
وهذا أيضاً خيرة الشهيد الصدر، قال: إنّ المعاني الاسمية معان استقلالية، وكلّ ما يدلّ على معنى ربطي نسبي نعبر عنه أُصولياً بالحرف، وكلّ ما يدلّ على معنى استقلالي نعبر عنه أُصولياً بالاسم .2

1 . فوائد الأُصول: 1 / 42 ; أجود التقريرات: 1 / 18 .
2 . الحلقة الثالثة: 99، وقد حاول بكلامه أن يدخل مفاد الهيئات في المعاني الحرفية، لأنّ مفادها غير استقلالي.

صفحه 88
أقول: هذا المعنى ليس شيئاً مخالفاً لما هو المشهور، فإنّ الحروف إنّما توجد الربط بين جزئي الكلام بما لها من المفهوم الاندكاكي والتعلّقي، فالربط من خصائص كون المعاني قائمة بالغير.

الحروف وضعت لتضييق المعاني الاسمية

ذهب المحقّق الخوئي في تعليقته على الأجود إلى أنّ الحروف وضعت لتضييق المعاني الاسمية وتقييدها بقيود خارجة عن حقائقها، فإذا قال: «الصلاة في المسجد حكمها كذا» فإنّ الصلاة لها إطلاق بالنسبة إلى الخصوصيات المسنونة والمصنفة والمشخصّة.
فتارة يتعلّق الغرض ببيان المفهوم على إطلاقه وسعته فيقول: «الصلاة خير موضوع» وقد يتعلّق بإفادة حصّة خاصة منه. فيقول: «الصلاة في المسجد مستحبة» فيخصص الصلاة بحصة منها.1
أقول: ما ذكره (قدس سره)ليس معنى جديداً للحروف وإنّما التضييق من شؤون المعنى الواقعي للحروف.
في كيفية وضع الحروف   
وبعبارة أُخرى: إن أراد أنّ الحروف وضعت للتضييق بالحمل الأوّلي، فهذا يستلزم انقلاب المعاني الحرفية إلى المعاني الاسمية، وإنْ أراد التضييق بالحمل الشائع، ففيه أنّ التضيّق يحصل لأجل دلالتها على معان خاصة قائمة بالغير كالظرفية، فالتضييق من عوارض ذلك المعنى الاندكاكي.
أضف إلى ذلك أنّ بعض الحروف لا يحصل بها التضييق، كما هو

1 . أجود التقريرات: 1 / 18 .

صفحه 89
الحال في مثل «قد» و «واو» القسم و «أدوات التحضيض»، مثل قوله: «قد قامت الصلاة»، أو «والله لأفعلن» و «هلاّ قرأت القرآن»، فإنّ الكل من قبيل إضافة معنى إلى معنى آخر، ولو سُمّيت الإضافة «تضييقاً» لعم التضييق الأسماء والأفعال .

الجمع بين الآراء

وبهذا البحث الضافي يظهر أنّ الآراء المذكورة المشهورة بين المتأخّرين ليست شيئاً جديداً، بل ترجع إلى المعنى المعروف، غاية الأمر أنّ الحروف بما لها من المعنى الاندكاكي تارة تُخطِر وأُخرى تُوجد، وفي الوقت نفسه تربط بين الجمل وربّما تضيّق معنى الاسم.
وليعلم أنّ الجامع بين عامّة الحروف هو القيام بالغير مفهوماً ووجوداً، لكن لا ينافي ذلك أن يكون لكلّ حرف معنى خاص كالابتداء لـ «من» والانتهاء لـ « إلى» والإلصاق لـ «الباء»، والظرفية لـ «في»، لكن ما عُبّر به (الابتداء والانتهاء، و...) معان اسمية أُخذت وسيلة للمعاني الحرفية، لأنّ الذهن لا ينالها إلاّ بواسطة المعاني الاسمية.

الموضع السادس: في بيان كيفية وضع الحروف

اختلفت كلمة الأُصوليين في كيفية وضع الحروف إلى أقوال أهمها قولان:
الأوّل: الوضع عام كما أنّ الموضوع له كذلك. وهو خيرة المحقّق الخراساني .

صفحه 90
الثاني: الوضع عام والموضوع له خاص.
أمّا الأوّل فقد مضى فيه الكلام فلا نعود إليه .
والمهم توضيح القول الثاني: والّذي هو مختار السيد الأُستاذ، وحاصله: أنّ المعنى المتصوّر في مقام الوضع هو مفهوم الابتداء ولكن الموضوع له مصاديقه وجزئياته.
والواضع وضع لفظة «من» لما ينطبق عليه مفهوم الابتداء، أو وضعها لمصاديق الابتداء، أو ما شئت فعبّر.
وأمّا الدليل، فهناك أُمور ثلاثة:
1. الجامع الاسمي للابتداء.
2. الجامع الحرفي لمفهوم الابتداء.
3. المصاديق الخارجية.
فلندرس كلّ واحد من هذه الأُمور.
أمّا الأوّل: فوضع الحروف للجامع الاسمي يستلزم الخلف، لأنّه يلزم منه الانقلاب أي انقلاب المعاني الحرفية إلى الاسمية، حتّى أنّ المحقّق الخراساني رفضه وإنّما قال هو بالابتداء غير الموصوف بالاستقلالية والغيرية، وأمّا على هذا الفرض فالحروف موضوعة للمعاني الاسمية المستقلة .
وأمّا الثاني: فهو وضع الحروف للجامع الحرفي الّذي يكون قدراً مشتركاً بين مصاديق المعاني الحرفية، فعندئذ يكون الوضع عامّاً والموضوع

صفحه 91
له عامّاً، غير أنّه مقرون بالاشكال لو لم نقل أنّه محال، لأنّ الجامع المقولي الّذي ينتزع من الافراد والمصاديق باعتبار اشتراكها في حقيقة واحدة، يكون ذا مفهوم مستقل يلاحظه الذهن مرة بعد مرة، فتارة يخبر عنه وأُخرى يخبر به. هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ المعنى الحرفي لا يتصوّر له جامع مقولي بهذا المعنى وإلاّ يلزم التناقض.
فمن حيث إنّه جامع مقولي معناه كونه مفهوماً مستقلاً يخبر به ويخبر عنه، وإلاّ فلا يكون جامعاً متصوّراً لدى الوضع.
ومن حيث إنّه جامع للحروف، يكون سنخه سنخ الحروف، يكون قائماً بالغير ومندكّاً فيه، وهذا هو التناقض.
وإن شئت قلت: لو كان الجامع من سنخ المعاني الاسمية فلايكون جامعاً للمعاني الحرفية، وقد فرضنا أنّ الموضوع له هو الجامع الاسمي للمعاني الحرفية، وإن كان من سنخ المعاني الحرفية فلا يمكن أن يوصف بالجامعية لأنّ معنى الجامعية هو الاستقلال في التصور، ولازم كونه حرفياً عدم الاستقلال.
وأمّا الثالث: أي وضعها للمصاديق الخارجية الكثيرة الّتي لا يحيط بها الإنسان مباشرة، فهو أمر غير ممكن.
فلم يبق إلاّ احتمال رابع وهو أنّ يتّخذ الجامع الاسمي ذريعة للوضع للمصاديق، وهو أن يتصوّر الابتداء بالمعنى الاسمي الّذي هو قابل للاخبار به وعنه، ولكنّه يضع اللفظ لما ينطبق عليه ذلك المفهوم الابتدائي الاسمي، ولا مانع من أن يكون المعنى المتصوّر عاماً والموضوع له خاصّاً، لأنّ العام وإن

صفحه 92
لم يكن مرآة للخاص ولكنّه يكون ذريعة للانتقال من العام إلى الخاص.
وبذلك يعلم أنّ الموضوع له خاص، لأن الحروف وضعت لما هو المصداق للابتداء أو الانتهاء والمصداق يلازم الجزئية.
يقول السيد الأُستاذ: المعنى الّذي هذا شأنه ـ الموصوف بأنّه لا يستقل جوهراً ووجوداً ودلالةً وكيفيةً ـ لا يتصوّر له جامع كلّي ينطبق على أفراده ويحكي عن مصاديقه، لأنّ الجامع ـ على فرضه ـ يجب أن يكون من سنخ المعاني الحرفية، فلا بدّ وأن يكون ربطاً بالحمل الشائع، وإلاّ انقلب معنى اسميّاً. وكونه ربطاً بالحمل الشائع يلازم فرديته، وهو خلف.
بل لابدّ عند الوضع من التوسّل ببعض العناوين الاسمية الّتي لا تكون جامعاً ذاتياً لها، ولا يمكن إيقاع الربط بها، كمفهوم الابتداء ومفهوم النسبة ; ممّا لا تكون من سنخ المعاني الحرفية. فلابدّ حينئذ من الالتزام بخصوص الموضوع له في الحروف كافّة بعد عموم وضعها.
فالواضع لا مناص له إلاّ أن يتصوّر معنى اسمياً، كالابتداء ونحوه; مشيراً به إلى أفراده ومصاديقه بالحمل الشائع، فيضع لفظة «من» مثلاً لما هو مصداق له بالحمل الشائع، وقد عرفت أنّ دلالتها على الوحدة والكثرة تابعة لحال الطرفين.1
فإن قلت: قد تقدّم أنّ مفهوم الابتداء لا يكون حاكيا عن مصاديقه. نعم الانتقال من العام إلى الخاص وإن كان ممكناً ولكنّه يوجب كون الوضع والموضوع له خاصيّن، فعلى ضوء ذلك لا يكون الوضع عامّاً والموضوع له

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 46 .

صفحه 93
خاصّاً، بل يكون كلاهما خاصّين .
قلت: قد تقدّم أنّه يمكن الإشارة إلى الخاص بعد تصوّر العام بألفاظ تدلّ على الخصوصية والجزئية كمثل كل فيقال ـ بعد تصوّر الابتداء ـ وضعت لفظة «من» لكلّ واحد من مصاديقه الخارجية، وهكذا سائر الحروف.
فإن قلت: إنّ المحقّق الخراساني قال بأنّ المستعمل فيه كثيراً ما يكون كلّياً، كما إذا قال: «سرت من البصرة إلى الكوفة» بشهادة أنّه إذا بدأ بسيره من أي نقطة من نقاط البصرة يكون ممتثلاً.
قلت: الظاهر أنّ المتكلّم لاحظ البصرة أمراً واحداً شخصياً فاستعمل الحرف في ذلك الواحد الشخصي، وإنّما جاء التكثير من جانب العقل حيث إنّ العقل بعدما لاحظ كون البصرة واحداً ذا أجزاء تصلح أن تكون مبدأ للسير حكم بأنّ الامتثال يحصل من أي جزء تحقّق، فالمستعمل فيه جزئي عرفاً وإن كان منحلاًّ لدى العقل إلى كثير.

ثمرة البحث

ربما يقال: إنّ الثمرة تظهر في مقامين:
1. إمكان تقييد الهيئة في قولنا: أكرم زيداً إن سلّم عليك.
فقولنا: (أكرم) مشتمل على هيئة دالّة على الوجوب، ومادة دالّة على معروض الوجوب وهو الإكرام.
فلو قلنا بأنّ الهيئات موضوعة للمعنى العام يصحّ إرجاع الشرط إلى

صفحه 94
مفاد الهيئة فيكون الوجوب مشروطاً بالتسليم .
ولو قلنا بأنّ الموضوع له هو الوجوب الخاص، والخاص غير قابل للتقييد، لأنّه فرع الإطلاق وهو لا يناسب الخاص، فلا محيص من رجوع القيد إلى المادة، أعني: الإكرام.
فيكون الوجوب مطلقاً والإكرام مقيّداً بالتسليم.
يلاحظ عليه: بأنّ مفاد الهيئة قابل للتقييد حتّى وإن كان الموضوع له جزئياً، وذلك لأنّ الجزئي وإن كان غير قابل للتقييد من حيث الأفراد ولكن قابل له من حيث الحالات.
مثلاً: إنّ زيداً وإن كان جزئياً لا يصدق إلاّ على فرد واحد ومثله لا يقبل التقييد، ولكنّه بالنسبة إلى حالته متنوّعة متكثّرة ككونه عادلاً فاسقاً، راكباً راجلاً، عالماً جاهلاً، فيصلح تقييده بالنسبة إلى حالاته، ومثله وجوب الإكرام فله حالتان: وجوبه عند التسليم، ووجوبه عند عدمه، فالقيد يخصصه بحالة خاصة وهي التسليم
في اسماء الاشارة والموصولات والضمائر   
2. اشتمال القضية على المفهوم وعدمه، إذا قال: حُجَّ إن استطعت.
قد ثبت في محلّه أنّ أساس القول بالمفهوم، هو ارتفاع سنخ الحكم وطبيعته، لا شخصه، إذ الحكم الشخصي يرتفع مطلقاً، سواء اشتملت القضية على المفهوم أو لا. وعندئذ لو كان الموضوع له لهيئة الأمر، هو الحكم الشخصي فالنزاع غير قابل للطرح، بخلاف ما لو كان الموضوع هو مطلق الحكم، فيصلح أن يقال: هل القضية تشتمل على المفهوم بحكم دلالته على

صفحه 95
ارتفاع سنخ الحكم، أيضاً، أو عدم دلالته بل القضية ساكتة بالنسبة إلى حالة ارتفاع القيد .
يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرنا في الثمرة الأُولى فإنّ الحكم الشخصي وإن لم يكن قابلاً للتقييد من حيث الأفراد، لكنّه قابل له من حيث الأحوال، فإنّ الوجوب الشخصي المقيّد بتسليم زيد غير وجوب الإكرام العاري عن هذا القيد، فللوجوب سعة حسب الحالات.
فالقول بالمفهوم وإنكاره لا يبتني على كون مفاد الهيئة كلّياً، بل يجري على القول بجزئية معناها.
وبذلك ظهر أنّ المسألة فاقدة للثمرة.

الموضع السابع: في أسماء الإشارة والضمائر والموصولات

يقع الكلام في أسماء الإشارة والضمائر والموصولات، تارة في معانيها، وأُخرى في كيفية وضعها من حيث خصوص الموضوع له أو عمومه، ونحن نبحث عن الأمرين في محلّ واحد، فنقول: هنا احتمالات :
الأوّل: أنّها وضعت للمفرد المذكّر وإخوته وأخواته .
الثاني: أنّها وضعت لنفس الإشارة.
الثالث: أنّها وضعت للمفرد المذكّر إذا وقع في إطار الإشارة .
أمّا الأوّل: فهو نظرية المحقّق الخراساني، بل هي النظرية المعروفة حيث ذهب المشهور إلى أنّها وضعت لنفس المشار إليه، أعني: المفرد

صفحه 96
المذكّر مع إخراج الإشارة والتخاطب عن الموضوع له، وبذلك صار الوضع عامّاً والموضوع له كذلك، قال: إنّ المستعمل فيه في مثل أسماء
الإشارة والضمائر أيضاً عامٌ، وأنّ تشخصه إنّما نشأ من قبل طور
استعمالها حيث إنّ أسماء الإشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها وكذا
بعض الضمائر وبعضها ليخاطب بها المعنى. والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخص.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لم يُقم برهاناً على ما ادعاه.
وثانياً: إنّ ظاهر قوله: ليشار بها، أنّ الإشارة تتحقّق بنفس اللفظ، والحال أنّ اللفظ خال عن الإشارة، وكيف يشار به مع أنّها غير داخلة في الموضوع له، وكون الإشارة بالإصبع والعصا خلاف ظاهر كلامه.
وبالجملة: فإنّ هذا القول وإن أصاب في أنّه جعل مفادها معان اسمية مستقلة، لكنّه أخطأ في إخراج الإشارة عن الموضوع له.
أمّا الثاني: فهي نظرية السيد البروجردي وتبعه السيد الأُستاذ، وحاصلها: أنّ أسماء الإشارة والضمائر والموصولات موضوعة لنفس
الإشارة إلى الحاضر أو إلى الغائب كما في بعض الضمائر، فعليه لا يكون المشار إليه داخلاً في معناه رأساً، بل تمام الموضوع له فيها ليس إلاّ
نفس الإشارة.

صفحه 97
وإحضار المشار إليه في ذهن السامع ـ على اختلاف في المتعلّق ـ تبعيّ، كإحضاره بإشارة الأخرس، من غير أنّ يكون دخيلاً في الموضوع له، فالإشارة إلى الحاضر لا تتوقّف إلاّ على حضور المشار إليه حقيقة وحكماً، كما أنّ الإشارة إلى الغائب تحتاج إلى كونه معهوداً أو مذكوراً من قبل حتّى تمكن الإشارة إليه، وعلى هذا فتندرج تلك الألفاظ برمّتها في باب الحروف، وتنسلك في عداد مفاهيمها ; من حيث عدم الاستقلال مفهوماً ووجوداً. 1
يلاحظ عليه:
أوّلاً: ماذا يريد من قوله: إنّ هذه الألفاظ وضعت لنفس الإشارة؟ فهل المراد إنّها وضعت لها فقط، فيرد عليه أنّ هذه الألفاظ تدلّ وراء الإشارة على خصوصية المشار إليه كالمذكر والمؤنث والحاضر والغائب فلا يستعمل «هذا» مكان «هذه» ولا العكس، وهذا يدلّ على أنّ المتعلّق داخل في معنى اللفظ .
وإن أراد أنّها وضعت للإشارة مع دخول المشار إليه في مفاد الموضوع له، فهذا يرجع إلى النظرية التالية كما سيوافيك.
وثانياً: أنّها لو وضعت لنفس الإشارة فالإشارة معنى حرفّي لا يخبر به ولا يخبر عنه، مع أنّ هذه الأسماء يخبر عنها ويخبربها ويقال: «هذا زيدٌ» .
نعم تخلّص سيدنا الأُستاذ عن هذا الإشكال بقوله: إنّ المبتدأ هو الشخص الخارجي، وقد أحضر بواسطة اللفظ، والمحمول يحمل على ذلك الشخص الخارجي .

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 56 ـ 57 .

صفحه 98
يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك تركّب الكلام من جزء ذهني وهو المحمول وجزء خارجي وهو الموضوع.
وثالثاً: أنّ بعض المبهمات لا يتبادر منها الإشارة مثل (ما) و (مَنْ) و (أي) يقول سبحانه: (يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ) 1 .
وقال سبحانه: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(2) .
وقوله (عليه السلام): «مَنْ كان على يقين وشك فليمض على يقينه» .2
وأمّا الثالث: فهو أن يقال: إنّ أسماء الإشارة وضعت للمفرد المذكّر في حال الإشارة، أو إذا وقع في إطار الإشارة، وهذا هو خيرة المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) فقد قال:
في الإخبار والإنشاء   
إنّ أسماء الإشارة والضمائر وبعض المبهمات موضوعة لنفس المعنى في حال تعلّق الإشارة به خارجاً أو ذهناً بنحو من الأنحاء 3 فقولك: «هذا» لا يصدق على زيد إلاّ إذا صار مشاراً باليد أو بالعين، والفرق بين مفهوم لفظ (المشار إليه) ولفظ «هذا» هو الفرق بين لفظ الربط ومفهوم «في» و «مَنْ».(5)
فعلى هذا فالواضع تصوّر الذات على اختلاف أقسامها في مجال الإشارة في إطارها فصار الوضع عامّاً لكون المتصوّر عامّاً، ووضع الألفاظ لكلّ ذات وقعت في ذلك الإطار والمجال، فيكون الموضوع له خاصّاً، وقد ذكرنا نظير ذلك في الحروف.

1 . الجمعة: 1 .   2 . الأنعام: 81 .
2 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 6.
3 . بل المقيّدة بالإشارة.   5 . نهاية الدراية: 1 / 36 .

صفحه 99
ويدلّ على ذلك التبادر فالمتبادر من لفظ «أنا» و «أنت» و «هو» الذات عند الإشارة.
ثم إنّ الإشارة في اللغة العربية ـ تتكفّل وراء إحضار المشار إليه بيان خصوصيته كإفراده وتثنيته وجمعه وتذكيره وتأنيثه، ولذلك مسّت الحاجة إلى وضع الألفاظ لتقيد هذه الخصوصيات، والاستغناء عن الإشارات التكوينية بالإصبع والعصا.
وأمّا الموصولات فالظاهر أنّها أسماء أجناس مبهمة كلفظ «شيء»، ويرفع الإبهام بما يأتي بعده بالصلة، فالوضع فيها عامّ وكذلك الموضوع له.

الموضع الثامن: في الإخبار والإنشاء

الجمل الإنشائية على قسمين:
قسم يختصّ بالإنشاء فقط، كما هو الحال في صيغ الأمر والنهي والاستفهام والتمنّي والترجّي.
وقسم منها يستعمل تارة في الإخبار وأُخرى في الإنشاء، كقولنا: بعتُ، أو أنتَ ضامن، أو أنت حُرٌّ، إلى غير ذلك من الجمل الّتي تستعمل في كلا الأمرين. فقد وقع الاختلاف في معنى هذه الجمل التي تستعمل في العقود والإيقاعات ، وهناك نظريات:

الأُولى: نظرية المحقّق الخراساني

اختار المحقّق الخراساني في المقام نفس ما اختاره في المعاني

صفحه 100
الاسمية والحرفية من عدم دخول واقعية الإنشاء والاخبار في الموضوع له، وإنّما هي من قيود الوضع وطوارئ الاستعمال. فمفاد «بعت» نسبة مادة (البيع) إلى المتكلّم إمّا بقصد ثبوت معناه في موطنه فهو إخبار، أو بقصد تحقّقه وثبوته بنفس الاستعمال فهو إنشاء .1
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان المعنى على قسمين: قسم محكيّ وقسم مُوجد، فمقتضى الحكمة وضع اللفظ لكلّ من القسمين، إذ من البعيد وضع اللفظ للجامع وعدم الاعتداد بالمعنى المقصود الأصلي.
على أنّ ما ذكره لا يتمّ في الجمل المختصّة بالإنشاء كصيغ الأمر والنهي. والظاهر أنّ الوضع في الجميع على نمط واحد.

النظرية الثانية: نظرية الأُدباء

إنّ مشاهير الأُدباء والأُصوليين ذهبوا إلى أنّ دور الصيغ الإنشائية دور الإيجاد لمعانيها لا الكشف عن حقيقة خارجية أو ذهنية، فقول القائل: «زوجت» إيجاد للزوجية، و «بعت» إيجاد للملكية، و «هل قام زيد؟» إيجاد للاستفهام. وبما أنّ المهم في المقام كشف ما يدلّ عليه هيئات العقود والإيقاعات، فلنركّز الكلام عليه، وقبل أن نستكشف مدلول الهيئة، نبحث عن منشأ الاعتبار وحقيقته، فنقول: إنّ المنشأ للأُمور الاعتبارية قاطبة هو التكوين، والأُمور الاعتبارية محاكاة له واستنساخ له لكن في عالم الاعتبار، مثلاً:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 16 .

صفحه 101
إنّ الإنسان ينتقل إلى مفهوم الزوجية الاعتبارية بين الرجل والمرأة بعد ملاحظة أمرين:
1. رؤية الأشياء في الخارج على صنفين: فرد، وزوج. أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني كالعينين والأُذنين والرجلين واليدين للإنسان، ففي الخارج أيضاً الأشجار تارة تنبت على أصل واحد فيقال لها: صنوان، وأُخرى على أصلين، إلى غير ذلك ممّا يشاهده الإنسان من الأُمور الّتي تُوصَف بالزوجية والّتي يدعم بعضها بعضاً أو يقترن به.
2. قضت الطبيعة البشرية على وجود انجذاب بين الرجل والمرأة من الناحية العاطفية والجنسية على نحو يُكمّل كلّ منهما الآخر.
فعند ملاحظة هذين الأمرين دعت المصلحة الاجتماعيّة إلى ضمّ أحدهما إلى الآخر وجعلهما زوجاً اعتبارياً على غرار الزوج التكويني، غير أنّ وجود الزوج التكويني يرجع إلى خالق العالم، وهذا يرجع إلى المعتبر، أي المقنّن والمشرّع.
إذا عرفت ذلك، فاعلم: أنّه لمّا كان اعتبار الزوجية في عالم الذهن لا يترتّب عليه الأثر المطلوب، اخترع لفظة لإنشاء ما اعتبره في الذهن في عالم القانون، كما إذا قال: زوجت المرأة المعلومة بالمرء المعلوم، فالهيئة وضعت لإيجاد ما اعتبره في الذهن في عالم الاعتبار.
وقس عليه لفظة: «بعت» الإنشائية، فالهيئة وضعت لإيجاد تمليك المبيع للمشتري والثمن للبائع ولكن بعد طيّ مقدّمات:
أ. يرى الإنسان ملكية تكوينية أو اختصاصاً تكوينيّاً بينه وبين أعضائه

صفحه 102
فيقول: سمعي وبصري وعيني، فيرى نفسه أحقّ بها من غيره.
ب. ثم إنّه يرى نفسه أحقّ بما حصّل عليه بكدّ يمينه وعرق جبينه، كما إذا ذهب إلى الغابة أو سواحل البحر فجنى بلوطاً أو اصطاد سمكاً فيرى نفسه أحق بها، فيعتبر نفسه مالكاً وما جناه بيده مملوكاً، وهذه الملكية الاعتبارية محاكاة للملكية التكوينية واستنساخ لها، ثم إنّه بعد هذين الأمرين يرى أنّه يملك السمك وفي الوقت نفسه يحتاج إلى الخبز والآخر بالعكس، فيعتبر اعتباراً ثالثاً وهو مبادلة الملكين وتمليك ما بيده للآخر وبالعكس. وبما أنّ هذا الاعتبار قائم بذهنه ولا يترتب عليه أثر يقوم بأمر رابع وهو إنشاء هذه المبادلة وإيجادها في عالم الاعتبار، فهيئة «بعت» وضعت لإيجاد ما اعتبره في الذهن، وقس على ذلك سائر الأُمور الاعتبارية، وبذلك عُلم أمران:
1. أنّ الأُمور الاعتبارية محاكاة للخارج ونوع استنساخ له، ولولا الخارج لما تمكّنت النفس من الاعتبار. مثلاً: رئاسة الدائرة أو رئاسة العشيرة أمر اعتباري ينتقل إليه الإنسان من الإمعان في وظيفة الرأس في البدن حيث إنّه يدير البدن ويجعل جميع الأجزاء في طريق تدبير واحد، فصار هذا سبباً لانتقال الإنسان إلى إعطاء حكم الرأس لرئيس الدائرة حتّى تُصب الطاقات المختلفة في الاعضاء في مصبّ واحد، ولولا مشاهدة الرأس وعمله لما تمكّن الإنسان من هذا الاعتبار.
2. أنّ الأُمور الإنشائية لا تخضع للصدق والكذب، لأنّها لا تحكي عن شيء خارجي تطابقه أو لا تطابقه، وإنّما هي بصدد الإيجاد، أي إيجاد المعنى المعتبر وإنشائه دون إخطاره والإخبار عنه، والمفروض أنّه يكفي في تحقّق

صفحه 103
الإنشاء والإيجاد نفس الاستعمال والمفروض أنّه قد تحقّق.
وأمّا احتمال كون الاستعمال عن جدّ أو عن هزل فلا يضرّ بالإنشاء بعد تطابق العقلاء على أنّ الأصل مطابقة الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية.
 
النظرية الثالثة: نظرية المبرزية
وهذه النظرية أبداها المحقّق الإيرواني في كتابه «نهاية النهاية» 1. واختاره المحقّق الخوئي في تعاليقه على «أجود التقريرات» 2، وقرّره تلميذه في «المحاضرات»، وإليك خلاصة النظرية كما في الكتاب الأخير حيث قال: إنّ الجملة الإنشائية موضوعة لإبراز أمر نفساني خاص، وكلّ متكلّم متعهّد بأنّه متى ما قصد إبراز ذلك، يتكلّم بالجملة الإنشائية. مثلاً: إذا قصد إبراز اعتبار الملكية، يتكلّم بصيغة «بعت» أو «ملكت»، وإذا قصد إبراز اعتبار الزوجية، يبرزه بقوله: «زوجت» أو «أنكحت»، وإذا قصد إبراز اعتبار كون المادة على عهدة المخاطب، يتكلّم بصيغة «إفعل» ونحوها.
فالجمل الإخبارية والإنشائية تشترك في الدلالة على الإبراز، إلاّ أنّ الأُولى مبرزةٌ لقصد الحكاية والإخبار عن الواقع ونفس الأمر، وتلك مبرزةٌ لاعتبار من الاعتبارات كالملكية والزوجية ونحوهما.
واستدلّ على ذلك بأنّ المراد من كون الإنشاء للإيجاد، إمّا الايجاد التكويني فهو بيّن البطلان، وإمّا الإيجاد الاعتباري، كإيجاد الوجوب والحرمة

1 . نهاية النهاية: 1 / 13 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 25 ـ 26 .

صفحه 104
والملكية والزوجية، فيرده أنّه يكفي في ذلك، نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلّم، فإنّ الإيجاد يتحقّق بالاعتبار النفساني، سواء أكان هناك لفّظ يتلفظ به أم لم يكن، ومن هنا يعلم أنّه لا فرق بينها وبين الجمل الاخبارية. 1
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه إذا لم يكن للجملة الإنشائية دور سوى الحكاية والإخبار عمّا في الواقع أو في الذهن تنقلب الجمل الإنشائية كلّها جملاً خبرية غير أنّ المخبر به تارة في الخارج وأُخرى في الذهن، ويترتّب عليه أمرٌ آخر وهو تطرق احتمال الصدق والكذب إلى الجمل الإنشائيّة، إذ يحتمل أنّه لم يعتبر الملكية والزوجية للشخص أو المبيع، وهذا بخلاف ما عليه المشهور من أنّه يُنشيءُ ما اعتبره في عالم الاعتبار باللفظ، وهذا أمر محقّق لا يضر احتمال عدم اعتباره في الذهن، لأنّ العبرة بالإنشاء والمنشأ لابمنابع الإنشاء ومناشئه.
في هيئة الجملة الاسمية   
وثانياً: أنّ لازم كلامه أن يكون قولنا: بعت لزيد، مرادفاً لقولنا: اعتبرت الملكية لزيد، وهو كماترى.
وثالثاً: ما ذكره من «أنّه يكفي في الايجاد الاعتباري، نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ، لغاية الايجاد» مبني على أنّ وعاء الاعتبار هو الذهن والمفروض أنّه تحقق الايجاد فيه، مع أنّ وعاء الاعتبار، غير الذهن، إذ الذهن من مراتب التكوين والاعتبار أمر لا صلة له بالتكوين، والأثر يترتب على إيجاد الموضوع في ذلك الوعاء،فلا مناص من الإيجاد باللفظ الناظر إلى الإيجاد في ذلك الوعاء فقولك: زوجت هذه بهذا، إيجاد للزوجية في عالم الاعتبار الذي يترتب الأثر عليه في ذلك الوعاء دون وعاء الذهن،

1 . المحاضرات: 1 / 94 ـ 95 .

صفحه 105
وكأنّ ما يتصوّره في الذهن كالمقدمة للايجاد في ذلك الوعاء.
وبما أنّ الأثر مترتب على الايجاد فيه لا الاعتبار النفساني مست الحاجة إلى الانشاء باللفظ.
فإن قلت: إنّ الشيء الخارج عن كلا الوعائين(الخارج والذهن) يكون أمراً موهوماً فلا يوصف بالأمر النفسي، فلا معنى للايجاد في عالم الوهم.
قلت: إنّ الاعتبار فرض من الفروض فما لا يترتّب عليه الأثر لا يعتدّ به، كأنياب أغوال، وما يترتّب عليه الأثر الاجتماعي فله أثر في المجتمع، ولأجل هذا يُعدّ اعتباره من مراتب الأمر النفسى إذ الأمر النفسي لكلّ شيء بحسبه.

الموضع التاسع: في هيئة الجملة الاسمية

المعروف بين المنطقيّين أنّ القضية تتركّب من أُمور ثلاثة: الموضوع، المحمول، والنسبة، وهي إما إيجابية أو سلبية، وعلى ذلك فالقضية مشتملة على نسبة كلامية، والدالّ عليها هيئة الجملة الاسمية. ثم إن وافقت النسبةُ الكلامية النسبةَ الخارجية فالقضية صادقة، وإلاّ فهي كاذبة.
هذا هو المشهور، وتحقيق الحق يتوقّف على البحث في موضعين:
الأوّل: اشتمال القضية الكلامية على النسبة.
الثاني: اشتمال القضية الخارجية عليها.
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ القضايا الحملية موجبتها وسالبتها غير مشتملة على النسبة وإنّما الهيئة وضعت للهوهوية وان هذا ذاك، هذا في الموجبة، وأمّا السالبة فالنفي لسلب الهوهوية، والدليل على ما ذكرنا هو التبادر فإنّ المتبادر في الحمليات كلّها هو الهوهويّة دون أن يكون هناك موضوع ومحمول ونسبة تربط المحمول بالموضوع، وإليك القضايا الحملية بأقسامها:
1. القضايا الحملية الأولية، مثل: الإنسان إنسان أو حيوان ناطق.

صفحه 106
2. القضايا الحملية الشائعة بالذات مثل: البياض أبيض.
3. القضايا الحملية الشائعة بالعرض مثل: الجسم أبيض.
والفرق بين القسمين الأخيرين أنّ الموضوع في الأوّل مصداق حقيقي للمحمول، وفي الثاني مصداق له بالعرض، فإنّ ما هو الأبيض واقعاً هو البياض، وأمّا الجسم فإنّما يكون أبيض ببركة ذلك العارض له.
4. ما يقع في جواب قضايا الهلية البسيطة مثل: زيد موجود.
5. ما يقع في جواب قضايا الهلية المركبة مثل: زيد قائم.
ففي جميع هذه الموارد يتبادر من الهيئة الهُوهويّة، أي كون المحمول عين الموضوع مفهوماً أو مصداقاً. ولاتتبادر الكثرة حتّى يُربط أحدهما بالآخر بالنسبة، فإذا سألك سائل بقوله: هل زيد قائم أو موجود؟ فإنه يسأل عن أنّ زيداً هل هو، ولا يسأل عن ثبوت الوجود أو القيام لزيد، من دون فرق بين كون المشتق مركباً أو بسيطاً، لأنّ الكلام ليس في مفهوم المشتق، بل الكلام في مفهوم الجملة التركيبية فبساطة المشتق وتركّبه غير مؤثّر في ذلك.
وبذلك يظهر معنى الحمليات السالبة مثل قولنا: «ليس زيد عالماً» فمعناه سلب الهوهوية وأنّه لا اتّحاد بينهما.
وأمّا على القول المشهور فمعناه حمل النسبة السلبية على زيد.
هذا كلّه في الحمليات الحقيقية، وأمّا الحمليات المؤولة، أعني: ما تتخلّل فيها بعض الأدوات مثل: «في» و «على» فالحق أنّ موجباتها تشتمل على النسبة الكلامية، مثلاً إذا قلنا: «زيد في الدار» أو «زيد على السطح» فيتبادر منها أُمور ثلاثة، هي: زيد، الدار، كون زيد في الدار، والثالث يفهم من الهيئة.

صفحه 107
وتفسير الجملة المذكورة بالهُوهوية غير صحيح، لأنّ «زيداً» ليس نفس «في الدار» ولا العكس، فهاهنا مفهوم ثالث وهو الكينونة والحصول، وراء الموضوع والمحمول.
هذا كلّه في الحمليات الموجبة، وأمّا الحمليات السالبة فالسلب يتبع مضمون القضية، فلو كان مفاد القضية هي الهُوهوية فالسلب يتوجّه إليها، وإن كان مضمونها الحصول والكينونة فالسلب يتوجّه إلى سلب الحصول، فالسلب بين نفي الهوهوية ونفي النسبة.
وبذلك يُعلم أنّ في عدّ السوالب من الحمليات نوع مجاز.
فإنّ السوالب منها تفيد «سلب الحمل» لا «حمل السلب» كما أنّ الحال في القضايا الشرطية هو كذلك.
فالشرطية الموجبة بمعنى الإخبار عن وجود الملازمة بين الشرط وجوابه، وأمّا الشرطية السالبة فهي بمعنى الإخبار عن سلب هذه الملازمة .
إلى هنا تبيّن عدم اشتمال الجمل الاسمية على النسبة الكلامية إلاّ في الحملية المؤولة الموجبة.
وأمّا السوالب فليس فيها لا حمل ولا نسبة، بل هي وضعت لسلب أحد الأمرين.

الثاني: في النسبة الخارجية

هل الجمل الاسمية المذكورة مشتملة على النسبة الخارجية في مقام التطبيق أوْ لا؟ والبحث في المقام بحث فلسفي وليس بحثاً أدبياً ولا أُصولياً،

صفحه 108
فرائدنا فيه هو البرهان لا التبادر بخلاف المقام الأوّل، ولكن البرهان يدلّ على عدمها في أكثر القضايا ; فإنّ هذه القضايا على أقسام هي:
1. الحمل الأوّلي كقولنا «الإنسان إنسان»، فهي فاقدة للنسبة الخارجية، إذ لا معنى لجعل الربط بين الشيء ونفسه، فإنّ النسبة فرع التعدّد، والمفروض هو الوحدة في مقام المفهوم فضلاً عن الخارج .
2. الهَلِيّة البسيطة كقولنا: «الإنسان موجود»، فإن القول بوجود النسبة الخارجية بين الطرفين في الخارج يستلزم استقلال الماهية، وكونها طرفاً للنسبة مع أنّه باطل، إذ لا واقعية للماهية قبل الوجود فكيف تكون طرفاً للنسبة.
3. الهَلِيّة المركبة: إذا كان المحمول من قبيل الذاتي في باب البرهان، كقولنا: «زيد ممكن» إذ يمتنع وجود النسبة الخارجية بين زيد وإمكانه، لأنّ المفروض أنّه منتزع من صميم الموضوع وحاقّه على نحو يكون وضع الموضوع كافياً في وضع المحمول، فالمحمول داخل في ذات الموضوع لا ينفك عنه، فكيف يمكن أن يكون هناك رابط بينهما، إذ وجود الرابط بمعنى انفكاكه عنه حتّى يثبت عليه ـ في المرحلة الثانية ـ بالرابط والمفروض انّه منتزع من نفس الشيء.
4. الحمل الشائع بالذات، كقولنا: «البياض أبيض»، فهي أيضاً فاقدة للنسبة الخارجية، لأنّ الأبيض ليس إلاّ نفس البياض، فكيف يمكن تصور النسبة بين الشيء ومصداقه الذاتي؟!
5. الحمل الشائع بالعرض، كقولنا: «الجسم أبيض»، فالقضية مشتملة

صفحه 109
على النسبة الخارجية وإن كانت فاقدة للنسبة الكلامية، أمّا الثانية فلما عرفت من أنّها موضوعة للهوهوية لا لإفادة النسبة بين الموضوع والمحمول، وأمّا الأُولى فلاشك أنّ هناك أُموراً ثلاثة تكويناً: فزيد شيء، والقيام شيء آخر، وحصول قيام لزيد شيء ثالث. وهذا أشبه بمن دخل المسجد، فقد أوجد بدخوله أمراً ثالثاً وراء نفسه ووراء المسجد.
6. الحمليات المؤولة، نحو: «زيد في الدار» فهي أيضاً مشتملة على النسبة الخارجية حسب ما عرفت في القسم المتقدّم عليه. كما هي مشتملة على النسبة الكلاميّة.
إلى هنا تم الكلام في المقامين ورائدنا في المقام الأوّل التبادر، وفي الثاني البرهان الفلسفي.

صفحه 110
   
 
الأمر الثالث:

في الحقيقة والمجاز

عُرّف المجاز بأنّه استعمال اللفظ في غير ما وضع له، لمناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. فإن كانت المناسبة هي المشابهة فالمجاز استعارة. وإلاّ فالمجاز مرسل، كاستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ، كاستعمال العين في الإنسان مثل ما ورد في قول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «عيني بالمغرب كتب إليّ يُعلمني» 1 .
وبالعكس كاستعمال الإنسان في عضو منه، كما في قولك: «ضربت إنساناً» إذا ضربت عضواً منه.
وعلى قول هؤلاء يكون استعمال اللفظ في غير ما وضع له بالوضع وحسب تحديد الواضع حيث إنّ الواضع رخّص فيما إذا كان هناك علقة مشابهة أو سائر العلائق البالغة إلى 25 علاقة.
وقد بقي هذا الرأي سائداً بين الأُدباء والأُصوليين إلى أن أوجد العلاّمة أبو المجد الشيخ محمد رضا الاصفهاني (1285 ـ 1363 هـ) ثورة عارمة في الأدب العربي، وأثبت أنّ المجاز مطلقاً استعارة كان أو مرسلاً ليس هو استعمال للفظ في غير معناه، بل هو استعمال للفظ في معناه، غاية الأمر بادّعاء

1 . نهج البلاغة، قسم الكتب، برقم 33.

صفحه 111
أنّ المورد من مصاديق الموضوع له.
وبعبارة أُخرى: إنّ المتكلِّم في باب المجاز لا يأتي بمعنى جديد وإنّما يأتي بمصداق جديد.
وقد شرح نظريته في كتابه وقاية الأذهان .1 وتبعه في هذه النظرية أساتذتنا كالسيد البروجردي والسيد الإمام الخميني (رحمهم الله) .
فعلى هذا فالمتكلّم في باب المجاز يستعمله بالإرادة الاستعمالية نحو استعماله في باب الحقيقة من غير فرق بينهما في مرحلة الوضع والاستعمال.
ثم إنّه استدلّ على ما رامه بأنّ الغاية المتوخّاة من المجاز كالمبالغة في النضارة والصباحة أو الشجاعة أو إثارة التعجّب أو في رفع التعجب، لا يحصل إلاّ باستعمال اللفظ في المعنى الحقيقي لا في المعنى المجازي، وإليك بعض الامثلة:
1. قال تعالى: (وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)2.
والغاية من استعماله لفظة (مَلَك) في حقّه هو المبالغة في النضارة والصباحة، وهذا لا يتمّ إلاّ في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي أي (فرشته) في اللغة الفارسية، لا في المعنى المجازي أي الإنسان الجميل، بشهادة أنّك لو وضعت المعنى المجازي مكان لفظة «ملك» لصارت الآية مغسولة البلاغة، كما إذا قيل: ما هذا بشراً إن هذا إلاّ إنسان جميل.
2. قال الشاعر:

1 . وقاية الأذهان: 103 .
2 . يوسف: 31 .

صفحه 112
لدى أسد شاكي السلاح مقذف *** له لبد أظفاره لم تُقلّمِ
فالشاعر يريد المبالغة في شجاعته وبطولته ولذلك يصفه بالأوصاف التالية:
أ. شاكي السلاح: وهو مقلوب الشائك أي: حدّة السيف.
ب. مقذف: أي مَنْ له صولات وهجمات في ساحات الوغى.
ج. له لُبد: وهو الشعر الكثير على عنق الأسد.
د. اظفاره لم تُقلّم: أي أن مخالبه طويلة.
إنّ هذه الأوصاف تدلّ على أن القائل يصوّر صاحبه بأنّه أسد ومن مصاديقه، بقرينة أنّ له لُبداً ومخالب، فلو وضعنا مكان الأسد الرجل الشجاع لزالت البلاغة أوّلاً، ولما كان لإثبات الوصفين معنى، إذ ليس للرجل الشجاع مهما بلغت شجاعته لبدٌ ولا مخالب.
3. قال الشاعر:
قامت تظللني ومن عجب *** شمسٌ تظللني من الشمس
فإنّ إثارة التعجّب رهن أن تكون الحبيبة من مصاديق الشمس حتّى يثير تظليلها من الشمس عجب الشاعر، وإلاّ فلو قيل مكانه «المرأة الحسناء قامت تظللني من الشمس» فذلك لا يثير التعجب .
4. وقال الشاعر الآخر:

صفحه 113
لا تعجبوا من بِلا غلالته *** قد زُرّ أزراره على القمر1
فهو يريد دفع تعجب المخاطب من اندراس ثوبه، بأنَّ هذا الثوب كان متعرضاً لضوء القمر، وبعض الثياب إذا تعرض لنور القمر يبلى.
كل هذه الصفات تكشف عن أنّ المجاز ليس تلاعباً بالألفاظ، بل تلاعباً بالمعنى.
فالإنسان البليغ لا يستعير لفظ الأسد للرجل الشجاع، بل يستعير معناه له، وهو لا يتحقّق إلاّ باستعماله في نفس الموضوع له، غاية الأمر بادّعاء، فيكون المجاز هو استعمال اللفظ في المعنى ليكون قنطرة لبيان الفرد الادّعائي له.
فان قلت: هذا كلّه في المجاز الاستعاري فهل الأمر كذلك في المجاز المرسل؟
قلت: نعم الأمر فيه كما في المجاز الاستعاري، فإنّ العين في قول الأمير (عليه السلام): «عيني بالمغرب كتب إليّ يعلمني » فاستعمل في العضو الإنساني لا في الإنسان، وذلك للمبالغة وانّه كلّه عين يراقب الأوضاع وليس له أي عضو سوى كونه عيناً.
وعلى ضوء ذلك فالفرق بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي هو أنّ اللفظ في الأوّل يستعمل في الحقيقي دون أن يكون هذا الاستعمال مقدّمة لإفادة معنى آخر، بخلاف الاستعمال المجازي فإنّه

1 . البلا: الاندراس، والغلالة: ثوب رقيق يلبس تحت الثياب، وزرّ من الزِّر بالكسر ما يوضع في القميص وجمعه ازرار .

صفحه 114
يستعمل في المعنى الحقيقي ولكن تكون الغاية من ذلك الاستعمال هو بيان الفرد الادّعائي له .
والّذي يؤيد أنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، هو أنّ القوم يفسرون الكناية بأنّها من قبيل استعمال اللفظ في الملزوم لغاية الانتقال إلى لازمه، مثلاً: يقولون في مقام الوصف بالجود: زيد كثير الرماد، فالجملة مستعملة في نفس المعنى لتكون قنطرة لإفادة لازمه وهوالسخاء وكثرة الضيوف، فإنّ كثرة الرماد تلازم كثرة الطبخ، وهو يلازم كثرة الضيوف الملازمة للسخاء، فليكن المجاز أيضاً من هذا السنخ، والفرق وجود الادّعاء في المجاز دون الكناية.1
فإن قلت: إنّ تلك النظرية إنّما تصحّ في أسماء الأجناس الّذي يمكن أن يتصوّر له فردان حقيقي وادّعائي، وأمّا الأعلام كحاتم ويوسف فلا، إذ ليس لها مصداق سوى الحقيقي.
قلت: إنّ قوام المجازية بإدّعاء العينية، وانّه هو نفس حاتم أو نفس يوسف، على أنّه يمكن أن يقال: إنّ حاتماً ويوسف قد خرجا عن العلمية وصارا اسماً للسخي غاية السخاء، والجميل غاية الجمال، فعندئذ يستعمله في ذلك المعنى ويُعدّ المورد من مصاديقه.
فإن قلت: ما الفرق بين هذه النظرية وما ذكره السكاكي في كتابه «مفتاح العلوم» حيث قال: إنّ المعنى المجازي فرد ادّعائي للمعنى الحقيقي.
قلت: فرق بين تلك النظرية وما ذهب إليه السكاكي وإن كانتا تشتركان

1 . وربّما يفرّق بامكان إرادة كلا المعنيين في الكناية دون المجاز.

صفحه 115
في أصل وجود الادّعاء لكن النظرية المذكورة تتبنَّى استعمال اللفظ في معناه الحقيقي بادّعاء أنّ المورد من مصاديق المعنى الحقيقي، وأمّا السكاكي فالمجاز عنده استعمال اللفظ في غير ما وضع له من أوّل الأمر، لكن المجوِّز لاستعمال لفظ الأسد فيما لم يوضع له هو ادّعاء كونه من مصاديق ما وضع له، وإليك نصّ عبارته في كتابه : وأمّا المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق، استعمالاً في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها، مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع، ثمّ أخذ في تفسير قيود التعريف.1
ومن هنا يُعلم أنّ ما اشتهر في الألسن من تقدير «الأهل» في قسم من المجاز في الاسناد غير صحيح، لأنّه يوجب سقوط الكلام عن البلاغة، فلاحظ قوله سبحانه:
1. (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَ إِنَّا لَصَادِقُونَ)2.
فالمشهور يعتبرونه من قبيل المجاز في الاسناد والمراد «اسأل أهل القرية»، ومن المعلوم أنّ تفسير الآية بهذا النحو يوجب سقوط الآية عن ذروة البلاغة.
وأمّا إذا قلنا إنّ القرية استعملت في نفس معناها اللغوي وانّ شمول الحكم لها كشموله على العير، لكن بادّعاء أنّ الأمر بلغ من الوضوح حتّى أنّ

1 . مفتاح العلوم: 153، ط مصر، 1318 هـ .
2 . يوسف: 82 .

صفحه 116
الحجر والمدر والأشجار والأبنية تشهد بذلك. وإذا سألتها تجيبك.
2. قول الفرزدق في مدح الإمام السجاد (عليه السلام):
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحلّ والحرم
وغير خفي أنّ تقدير الأهل يجعل هذا الشعر في عداد الكلام العادي، وهذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ البطحاء استعملت في نفس المعنى، بادّعاء أنّ الممدوح بلغ من الشهرة مرتبة حتّى أنّ البطحاء برمالها تعرفه.
وبذلك يظهر أنّ صحّة الاستعمالات المجازية تستند إلى الوضع، لأنّه من قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له ولكن حسنه يستند إلى الطبع والذوق ومصحّح الاستعمال هو الوضع المنضمّ إلى حسن الطبع.

صفحه 117
 
الأمر الرابع:

في استعمال اللفظ في اللفظ

إنّ استعمال اللفظ في اللفظ يتصوّر على أقسام أربعة:
1. إطلاق اللفظ وإرادة شخصه، مثل «زيد ـ في كلامي هذا ـ لفظ ».
2. إطلاق اللفظ وإرادة مثله، مثل «زيد ـ في قولك زيد قائم ـ لفظ».
3. إطلاق اللفظ وإرادة صنفه، مثل زيد ـ في كلام القائل: «زيد في ضرب زيد ـ فاعل».
4. إطلاق اللفظ وإرادة نوعه، كقولنا: «زيد ـ على وجه الإطلاق ـ لفظ».

فيقع الكلام في مقامات:

الأوّل: صحّة الإطلاق.
الثاني: كون الإطلاق استعمالاً أو لا.
الثالث: هل هناك دلالة ودال ومدلول أو لا؟
الرابع: وعلى فرض صحّة إطلاق الاستعمال هل هو حقيقي أو مجازي؟
ولنأخذ كلّ قسم بالدراسة فنقول:

صفحه 118

1. إطلاق اللفظ وإرادة شخصه

لا كلام في صحّة الاطلاق إذا دلّ دليل على إمكانه ووقوعه، فالأمثلة تُعرب عن استحسان الذوق هذا النوع من الإطلاق، ولم يخالف في ذلك أحد من الأُصوليّين إلاّ صاحب «الفصول» في القسم الأوّل، وقد ذكر المحقّق الخراساني مختاره وناقش في دليله. ولا حاجة لنقل كلامهما. فلاحظ .
والظاهر أنّه ليس استعمالاً، أي عمل اللفظ في المعنى بكونه مرآة إليه، وذلك لأنّ للاستعمال ثلاثة أركان :
1. إطلاق اللفظ.
2. انتقال المخاطب من سماع اللفظ إلى الصورة الذهنية من اللفظ.
3. انتقاله منها لا إلى نفس اللفظ، بل إلى شيء ثالث وهو الوجود الخارجي غالباً.
وأمّا المقام فالموجود من أركان الاستعمال اثنان لا ثالث لهما، لأنّ المخاطب ينتقل من اللفظ إلى الصورة الذهنية منه، ولمّا قال «لفظ» ينتقل منها إلى الأمر الأوّل أي نفس الموضوع لا إلى أمر ثالث، وهذا بخلاف ما إذا قلنا: زيدٌ قائم حيث ينتقل من اللفظ إلى الصورة التصديقية ومنها إلى الواقع الخارجي، مع أن المنتقل إليه في المقام من الصورة الذهنية هو نفس ما سمعه أوّلاً لا شيءٌ ثالث.
فالاستعمال أمر ثلاثي لا ثنائي.
ثم إنّ صاحب الكفاية نفى كونه استعمالاً واختار أنّه من قبيل إلقاء نفس

صفحه 119
الموضوع إلى المخاطب خارجاً وقد أحضر في ذهنه بلا واسطة حاك، وقد حكم عليه ابتداءً بلا واسطة أصلاً .
يلاحظ عليه: بأنّه كيف يمكن أن يقال بأنّه من قبيل إلقاء نفس الموضوع إلى الذهن، مع أنّ الخارج ـ أعني: الصوت الحاصل من تموّج الهواء ـ لا تناله النفس ولا يقع في لوح النفس، بل هو من قبيل إيجاد صورة الموضوع في الذهن.
وعلى كلّ تقدير فليس القسم الأوّل من قبيل الاستعمال.
وأمّا الدلالة فقد اختارها المحقّق الخراساني قائلاً بأنّه يكفي في تعدّد الدال والمدلول التغاير الاعتباري، فمن حيث إنّها لفظ صادر عن لافظه يكون دالاً، ومن حيث إنّ نفسه وشخصه مراد، كان مدلولاً.
نعم هذا النوع من الاستعمال لا حقيقة ولامجاز، لأنّ زيداً وضع للشخص الخارجي، وإطلاقه وإرادة لفظه ليس حقيقة كما هو معلوم ولا مجازاً لعدم الادّعاء. والحقيقة والمجاز من مقولة الاستعمال فلا مانع من ارتفاعهما.
فتلخّص ممّا قدمنا أنّ القسم الأوّل صحيح إطلاقاً ودلالة وليس باستعمال، نعم لا يوصف بالحقيقة والمجاز، لأنّ وصفه بأحدهما فرع صدق الاستعمال .

الثاني: إطلاق اللفظ وإرادة مثله

إذا قال: «زيد في قولك ـ زيد قائم ـ لفظ» وأراد اللفظ الصادر من المخاطب، فيقع الكلام في:

صفحه 120
1. صحّة إطلاقه.
2. إمكان دلالته.
3. صحّة استعماله .
4. كونه حقيقة أو مجازاً.
أمّا الأوّل: فلاشك في صحّة الإطلاق حتّى عند صاحب «الفصول» الّذي استشكل في صحّة إطلاق القسم الأوّل.
وأمّا الثاني ـ أعني: صحّة الدلالة ـ : فلاشك في أنّ هنا دالاً وهوزيد الصادر من المتكلّم، ومدلولاً وهو الصورة الذهنية لزيد الواقع في كلام المخاطب، لا ينتقل منهما إلى نفس ما صدر من القائل، كما في القسم الأوّل، ولذلك التجأنا هناك إلى أنّ الاختلاف حيثي لا ذاتي بخلاف المقام إذ ينتقل فيه إلى مثله .
وأمّا الثالث ـ أعني: صدق الاستعمال ـ : أيضاً فهو صحيح، لأنّ زيداً الواقع في كلام المتكلّم يكون سبباً لإيجاد الصورة الذهنية للفظ في ذهن المخاطب، ثم هو ينتقل من تلك الصورة الذهنية إلى أمر ثالث وهو الصورة المماثلة الّتي تتلّقاها النفس من كلام القائل، وليس هو نفس اللفظ الأوّل، أو صورته.
وأمّا الرابع: فهو ليس حقيقة وليس مجازاً ، لأنّ زيداً وضع للشخص الخارجي لا للفظ زيد شخصاً كان أو مثلاً.

صفحه 121

الثالث: إطلاق اللفظ وإرادة صنفه

المراد من الصنف هو النوع المحدود بقيود، كما إذا قال: (زيدٌ في «ضرب زيدٌ» فاعل). فقد حُدّدت طبيعة لفظ زيد بكونه بعد الفعل، فأطلق لفظ زيد وأُريد به صنف ذلك اللفظ، وهو الواقع بعد فعل «ضرب» أو كلّ فعل مثله .
فالمراحل الأربعة فيه كالصنف الثاني فالإطلاق صحيح أولاً، والدلالة موجودة، والدال هو زيد الصادر من المتكلّم، والمدلول هو زيد الواقع في كلام القائل بعد الفعل، والاستعمال صحيح لأنّ المخاطب بعد حضور الصورة الذهنية من لفظة زيد في ذهنه، ينتقل إلى شيء ثالث، أعني: الواقع في كلامه، ولكن الاستعمال ليس حقيقة وليس مجازاً، كما مرّ.

الرابع: إطلاق اللفظ وإرادة نوعه

والمراد من النوع: هو إرادة زيد لا بشرط من عامة القيود، كما إذا قال: «زيد ـ على الإطلاق ـ لفظ» وأراد به نوع اللفظ لا خصوص ما تكلّم به، ولا مثله، ولا صنفه، والحال فيه كالحال في القسم الثالث والثاني.
فالأُمور الثلاثة الأُولى محقّقة لكن الاستعمال ليس حقيقياً وليس مجازياً.

صفحه 122
 
الأمر الخامس:

في وضع الألفاظ لمعانيها الواقعية

وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً:

الأوّل: ما هو السبب لطرح المسألة؟

لا شك أنّ لعنوان كلّ مسألة سبباً علمياً أو اجتماعياً دعا المحقّقين إلى البحث فيها.
والظاهر أنّ السبب هو الحوار الّذي دار بين العلاّمة الحلي وأُستاذه المحقّق الطوسي في تعريف الدلالات الثلاث .
عرف المحقّق الطوسي الدلالة المطابقية بأنّها: دلالة اللفظ على تمام المسمّى، وعرّف التضمنية بأنّها: دلالة اللفظ على جزئه.
وأورد العلاّمة الحلّي إشكالاً على أُستاذه قائلاً : إنّ هذا التعريف غير مانع، وذلك لأنّا لو افترضنا أنّ الواضع وضع الإنسان مرّة للناطق فقط، وأُخرى للحيوان الناطق، ثم أراد من الإنسان نفس الناطق، فهو باعتبار الوضع الأوّل دلالة مطابقية لأنّه تمام المسمّى، وبالاعتبار الثاني دلالة تضمنية لأنّه جزء المعنى، فلم يكن التعريف مانعاً.
وأجاب عنه المحقّق الطوسي بما هذا لفظه: إنّ اللفظ لا يدلّ بذاته على

صفحه 123
معناه، بل باعتبار الإرادة والقصد، واللفظ حينما يراد به المعنى المطابقي لا يراد منه المعنى التضمّني، فهو يدلّ على معنى واحد لا غير، ثم قال العلاّمة: وفيه نظر 1.
ولم يُعلم ما هو وجه النظر، ولكن الجواب تامٌّ ـ حسب مبناه ، وذلك لأنّه إن أطلق لفظ الإنسان وأراد به الناطق، فلو أطلقه باعتبار الوضع الأوّل فهو دلالة مطابقية فقط، وإن أطلقه باعتبار الوضع الثاني فهو دلالة تضمنية، وإن أطلقه على وجه الإطلاق فهو غير صحيح، لأنّ الدلالة تابعة للإرادة، فلا بدّ لَهُ من إرادة أحد المعنيين، أي بما هو تمام المسمّى أو جزؤه.
وهذا هو المراد من دلالة المعنى على إرداة المتكلّم.
وقد أُشكل مثل هذا الإشكال على تعريف المفرد في كلام الشيخ الرئيس، إذ أنّه عرّفه بقوله: اللفظ المفرد هو الّذي لا يُراد بالجزء منه دلالة أصلاً حين هو جُزؤه مثل تسميتك إنساناً بعبد الله، فإنّك حين تدلّ بهذا على ذاته لا على صفته من كونه عبداً لله فلستَ تُريد بقولك «عبد» شيئاً أصلاً فكيف إذا سميته بعيسى، بلى في موضع آخر قد تقول: «عبد الله» وتعني «بعبد» شيئاً، فحينئذ (عبد الله) نعت له لا اسم وهو مركّب لا مفرد، فالمركّب هو ما يخالف المفرد.
قال المحقّق الطوسي في شرحه: اعترض عليه بعض المتأخّرين بعبد الله، وأمثاله إذا جُعل علماً لشخص، فإنّه مفرد مع أنّ لأجزائه دلالة مّا.
وأجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: إنّ دلالة اللفظ لمّا كانت وضعية

1 . الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد: 4 .

صفحه 124
كانت متعلّقة بإرادة المتلّفظ الجارية على قانون الوضع، فما يُتلفّظ به ويُراد به معنى مّا، ويفهم عنه ذلك المعنى، يقال له: إنّه دالّ على ذلك المعنى، وما سوى ذلك المعنى ممّا لا تتعلّق به إرادة المتلفّظ، وإن كان ذلك اللفظ أو جزء منه، بحسب تلك اللّغة، أو لغة أُخرى، أو بإرادة أُخرى، يَصلُح لأن يدلّ به عليه، فلا يقال إنّه دالّ عليه .
ثم قال: إذا ثبت هذا فنقول اللفظ الّذي لا يُراد بجزئه، دلالة على جُزء معناه: لا يخلو من أن يراد بجزئه دلالة على شيء آخر أو لا يُراد، وعلى التقدير الأوّل لا تكون دلالة ذلك الجزء متعلّقة بكونه جزءاً من اللفظ الأوّل، بل قد يكون ذلك الجزء بذلك الاعتبار لفظاً برأسه دالاًّ على معنى آخر بإرادة أُخرى; وليس كلامنا فيه. فإذن لا يكون لجزء اللفظ الدال، من حيث هو جزء، دلالة أصلاً، وذلك هو التقدير الثاني بعينه.
فحصل من ذلك أنّ اللفظ الّذي لا يُراد بجزئه دلالة على جزء معناه، لا يدلّ جزؤه على شيء أصلاً.1
وحصيلة الجواب: أنّ المتكلّم إذا قال: «عبد الله» فإن أراد باللفظ الشخص الخارجي فهو مفرد وليس لجزئه دلالة.
وإن أراد به المعنى التركيبي ـ أي مَنْ يكون عبداً لله ـ فهو في هذا المقام مركّب وليس بمفرد.
الثاني: أنّ ظاهر كلام المحقّق الطوسي هو اختصاص الدلالة الوضعية بصورة إرادة المتكلّم المعنى من اللفظ، فتكون النتيجة وضع الألفاظ للمعاني

1 . شرح الإشارات: 1 / 32.

صفحه 125
المرادة، وتدلّ على ذلك ـ أي أنّ الدلالة الوضعية مقيدة بإرادة المتكلّم ـ عبارة المحقّق الطوسي حسب ما نقله العلاّمة الحلّي حيث قال: (إنّ اللفظ لا يدلّ بذاته على معناه، بل باعتبار الإرادة والقصد... الخ) وقد فَهَمَ ذلك صاحبُ المحاكمات في تعاليقه على شرح الإشارات، حيث قال في تبيين نظرية المحقّق الطوسي ما هذا لفظه:
إنّ دلالة اللفظ على المعنى موقوفة على إرادة المتلفّظ ذلك المعنى إرادة جارية على قانون الوضع، إذ الغرض من الوضع تعدية ما في الضمير، وذلك يتوقّف على إرادة اللافظ، فما لم يُرد المعنى من اللفظ لم نجد له دلالة عليه .1
وبذلك يُعلم أنّ حمل كلام المحقّق الطوسي على أن تقيّد الدلالة التصديقية ـ لا الصورية ـ بإرادة المتكلّم أمر لا يوافق عبارته، إذ لا شك أنّ نسبة مضمون الكلام إلى المتكلّم فرع كونه مريداً، ولذلك لو قال: «زيدٌ قائم»، وهو نائم أو ساه، لا تصح نسبة مضمونه إلى المتكلّم، وهذا أمر بديهي اتّفق عليه الكلّ ولا اختصاص له بالمحقّق الطوسي ولا بغيره.
وبعبارة أُخرى: إنّ لكلّ كلام يصل السامع دلالتين:
الأُولى: وضعية أو تصوّرية، وهي لا تتوقّف على شيء سوى العلم بالوضع، سواء أراد المتكلّم أم لا. خلافاً للمحقّق الطوسي.
الثانية: الدلالة التصديقية، وهي أنّ المتكلّم بصدد تفهيم الغير «أنّ زيداً قائمٌ» وهذا يحتاج ـ مضافاً إلى العلم بالوضع ـ إلى كون المتكلّم وراء كونه

1 . المحاكمات لقطب الدين الرازي المطبوعة في ذيل شرح الإشارات: 1 / 32 .

صفحه 126
بصدد التفهيم مُريداً له جدّاً; وهذا شيء اتّفقت عليه كلمة المحقّقين ولا يختصّ بالمحقّق الطوسي.
الأمر الثالث: كلّ من فسّر الوضع بالتعهّد، وقال: هو عبارة عن التزام الواضع بأنّه متى أراد إفهام المعنى الفلاني تكلّم بلفظ كذا، فعليه ان يقول بوضع الألفاظ على المعاني المرادة، وذلك لأنّ معنى قوله: (متى أراد إفهام المعنى الفلاني) بمعنى إفهام المعنى المُراد.
وبعبارة أُخرى: لأنّ الموضوع له ليس نفس المعنى، بل المعنى المقيّد بالإفهام وهو يلازم كونه مراداً.
إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع.
لو قلنا بنظرية المواضعة وانّ الوضع عبارة عن: جعل اللفظ في مقابل المعنى. فاحتمال كون اللفظ موضوعاً للمعنى المراد غير صحيح جدّاً، لأنّ لهذا الاحتمال صوراً:
أ. كون اللفظ موضوعاً للمعنى المقيّد بمفهوم الإرادة .
ب. كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالذات من المعنى المقيّد بمصداق الإرادة، بمعنى جعل زيد في مقابل الصورة الذهنية من الجثة الخارجية بقيد تعلّق الإرادة عليه في لوح النفس.
ج. تلك الصورة ولكن كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالعرض، أي نفس الجثة الخارجية إذا تعلّقت بها الإرادة النفسانية.
د. كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالعرض حين وقوعه في إطار الإرادة النفسانية.

صفحه 127
وكلّها غير صحيحة:
أمّا الأوّل: فلم يقل به أحد.
وأمّا الثاني: فيلزم أن يكون الموضوع له مع قيده أمراً ذهنياً غير قابل للانطباق على الخارج، إذ المفروض أنّ المعلوم بالذات ـ على هذا الفرض ـ أُخذ موضوعاً لا مرآة وطريقاً، وإلاّ يكون من قبيل الصورة التالية.
وأمّا الثالث: فيلزم تركّب الموضوع من جزء خارجي وقيد ذهني، ولازم ذلك عدم انطباق الموضوع على الخارج لكون أحد جزئيه أمراً ذهنياً إلاّ إذا جُرّد عند التطبيق عن القيد.
وأمّا الرابع: وهو كون اللفظ موضوعاً للمعنى الخارجي حين وقوعه في إطار الإرادة، والقضية الحينية قضية متوسطة بين المشروطة وبين المطلقة، مثلاً إذا قلنا: «كلّ كاتب متحرك الأصابع ما دام كاتباً».
فقولنا: «ما دام كاتباً» قيدٌ، فتكون الحركة متقيّدة بالكتابة الفعلية، بخلاف المطلقة كقولنا: «كلّ كاتب متحرك الأصابع بالفعل» فتحرك الأصابع ليس مقيداً بقيد الكتابة، بل يعمّ كلتا الحالتين.
وأمّا الحينية فالقضية فيها لا مقيّدة وليست مطلقة أيضاً، بل لا تنطبق إلاّ على وجود القيد.
يلاحظ عليه: أنّ الحينية بهذا المعنى تصوير ذهني فهي ترجع لبّاً إلى إحدى القضيتين، فوقوع المعنى في إطار الإرادة لا يخلو إما أن يكون ذلك الإطار قيداً فيلحق بالمشروطة فيكون من قبيل القسم الثالث، أو لا يكون قيداً فتعمّ الدلالة كلتا الحالتين، سواء أوقعت في إطار الإرادة أم لم تقع. وعندئذ

صفحه 128
يكون الموضوع المعاني الواقعية لا المرادة .
وتلخّص ممّا ذكرنا أنّ تقييد المعنى بالإرادة ووضع اللفظ عليهما غير متصوّر.

نظرية تقييد الوضع

وهناك احتمال آخر وهو كون الإرادة قيداً للوضع لا قيداً للموضوع له، كما في الصور السابقة، وهذا خيرة المحقّق الاصفهاني حيث قال: العلقة الوضعية متقيّدة بصورة الإرادة الاستعمالية وفي غيرها لا وضع، وما يُرى من الانتقال إلى المعنى بمجرّد سماع اللفظ من لافظ غير شاعر فمن جهة أُنس الذهن بالانتقال من سماعه إلى إرادة معناه. 1
وكأنّه يريد أنّ الغاية تحدّد فعل الإنسان، وبما أنّ الغاية من الوضع هو الإفادة والاستفادة فهذا يوجد ضيقاً في عمل الواضع وفعله .
يلاحظ عليه: بأنّ الغرض وإن كان يُحدِّد عملَ الواضع ويخصّه بموضع الغرض، ولكن الغاية من وضع اللفظ في مقابل المعنى هو بيان الحقائق الواقعية بما هي هي، لا بما وقعت في أُفق الإرادة، فإذا قال القائل: «الماء جسم رطب سيّال» فهو بصدد بيان الحقيقة الخارجية وانّ ذلك العنصر بما هو هو كذلك لا بما أنّه تعلّقت به إرادة القائل، فإذا كانت هذه هي الغاية يترتّب عليه إطلاق العلقة الوضعية وعدم تقيّدها بشيء.

1 . نهاية الدراية: 1 / 33 .

صفحه 129
 
الأمر السادس :

في وضع المركّبات

إنّ للمركبات وضعاً بالنسبة للمفردات، كما أنّ لها وضعاً بالنسبة إلى الهيئات، فتارة يرتقي عدد الوضع إلى ثلاثة، وأُخرى يرتقي إلى خمسة، فقولنا: «زيد إنسان» ذو أوضاع ثلاثة. فلكلّ من المبتدأ والخبر وضع، ولهيئة الجملة الاسمية وضع آخر.
كما أنّ لقولنا: «الضارب متعجّب» أوضاع خمسة: المبتدأ بهيئته ومادته له وضعان، وهكذا الخبر مضافاً إلى هيئة الجملة الاسمية الّتي وضعت للدلالة على الدوام والثبات.
هذا ما لا غبار عليه، غير أنّه نُقل عن بعض الأُدباء أنّ هناك وضعاً آخر ـ وراء الثلاثة مثلاً في المثال الأوّل ووراء الخمسة في المثال الثاني ـ وهو وضع مجموع الهيئة والمادة مرة أُخرى، فيرتقي عدد الأوضاع إلى أربعة في الجملة الأُولى، وإلى ستة في الجملة الثانية، وقد نقله ابن مالك في «شرح المفصل» عن بعض الأُدباء لكنّه مردود:
أوّلاً: أنّ وضع المفردات والهيئة يغنيان عن وضع المجموع من حيث المجموع.
وثانياً: لو كان للمجموع وضع آخر لما كان لنا أن نتكلّم بكلام قبل أن

صفحه 130
يتعلّق به وضع الواضع بمجموع المادة والهيئة، كما في قولنا: «فلان أوّل روّاد الفضاء». لأنّ المفروض أنّ صحّة الإطلاق قيد وضع الواضع، والمفروض أنّه لم يتعلّق به الوضع لعدم وجوده في عصر الواضع.
وثالثاً: أنّه يلزم الانتقال إلى المعنى مرتين في آن واحد لفرض وضع المفردات من المادة والهيئة مرة والمجموع من حيث المجموع مرة أُخرى .
يلاحظ على الأخير: أنّ الانتقال من الوضع إلى الموضوع له لأجل توسط الأُنس بينهما حيث إنّ العلم بالوضع يُحدث أُنساً فينتقل إلى المعنى، ومن المعلوم أنّ الأُنس لا يتكرر مهما تكرّر الوضع.

إكمال

المعروف أنّ وضع المواد شخصيٌ ووضع الهيئات نوعي، ويراد به أنّ المصدر بوحدته الشخصية كالضرب والقتل موضوع لمعناه، بخلاف الهيئات فإنّها موضوعة بجامعها العنواني فيقال: «هيئة فاعل» وضعت لمن قام بالفعل.
توضيح مراد القائل بنوعية الوضع في الهيئات وشخصيته في المواد، هو أنّ الهيئة لا يمكن التكلّم بها إلاّ في ضمن مادّة، فالواضع يستخدم مادة فيصورها بالهيئة ويقول: «هيئة فاعل» في أيّة مادة من المواد، كالناصر والقائم، وضعت لمن قام به الفعل أو صدر عنه، هذا بخلاف «المادة» فإنّها قابلة للتكلّم فيقوم بوضع كلّ مادة مستقلاً عن مادة أُخرى فيكون وضعه شخصياً.
وقد أُورد عليه: بأنّه إن أُريد من نوعية الوضع في الهيئات عدم

صفحه 131
اختصاصها بمادة معيّنة فإنّ المادّة أيضاً غير مختصّة بهيئة معيّنة، فإنّ المصدر له صيغ مختلفة كالضارب والمضروب، فوضع المصدر يغني عن وضع مادّتهما.
وإن أُريد من شخصية الوضع في المواد امتياز وضع كلّ مادة عن وضع الأُخرى، فوضع كلّ هيئة أيضاً يمتاز عن الأُخرى، إذ هيئة الفاعل غير هيئة المفعول، ولا يخفى ضعف الإشكال ويعلم بما أوضحنا به مراد القائل.
وبهذا يُعلم أنّ المصدر هو أصل المواد والمشتقات وكونه مشتملاً على الهيئة غير مانع عن كونه أصل المشتقات، لأنّ الهيئة فاقدة للمعنى وإنّما أُتي بها لإمكان التكلّم بها وإلاّفالمادة هي الحروف غير المتهيئة بهيئة كـ (ض، ر، ب) في «ضرب».

صفحه 132
في علائم الوضع أو تمييز الحقيقة عن المجاز   
 
الأمر السابع:

في علائم الوضع

أو

تمييز الحقيقة عن المجاز

قد ذكر الأُصوليّون لتمييز الحقيقة عن المجاز وتعيين أنّ اللفظ موضوع لذلك المعنى أو غير موضوع له، طرقاً وعلامات:
1. التبادر    2. صحّة الحمل    3. الاطّراد    4. تنصيص أهل اللغة
وقد اعتمد أكثر الأُصوليّين على العلامتين الأُوليين، إلاّ أنّ الحق هو أنّ الاعتماد على الأخيرتين فيما هو المطلوب ليس بأقلّ من الاعتماد على سابقتيهما، بل ربّما تكونان أفضل وأكثر نتيجة، ولنشرع بدراسة هذه العلائم.

العلامة الأُولى: التبادر

تعريفه:
التبادر: عبارة عن انسباق المعنى من نفس اللفظ مجرّداً عن قرينة حالية أو مقالية .
والعلامة هي التبادر عند أهل اللغة، فلو كان المستعلم من أهل اللغة فهو يعتمد على التبادر عند نفسه، ولو كان من غير أهل اللغة فهو يعتمد على

صفحه 133
تبادر المعنى عندهم.
أمّا كون التبادر كاشفاً عن الوضع فلأجل أنّ له سبباً وهو لا يخلو عن أُمور ثلاثة:
1. وجود العلقة الذاتية بين اللفظ والمعنى.
2. وجود العلقة الوضعية بينهما .
3. وجود القرينة المقالية والحالية الموجبة للتبادر.
أمّا الأوّل: فقد أبطلناه، وقلنا: بعدم العلقة الذاتية بين اللفظ والمعنى، وإلاّ لما وجد على وجه الأرض جاهل باللغة.
وأمّا الثالث: فهو مفروض العدم، وأنّ انسباق المعنى إنّما هو من حاقّ اللفظ.
فتعيّن الثاني: وهو أنّ التبادر معلول الوضع، فيكون التبادر برهاناً إنّياً عليه، نظير استكشاف العلّة عن وجود المعلول .
ثم إنّه أُورد على كون التبادر علامة للوضع باستلزامه الدور، لأنّ التبادر موقوف على العلم بالوضع، والمفروض أنّ العلم بالوضع موقوف على التبادر، وهذا هو الدور.
وقد أُجيب عن الدور بوجوه:
الأوّل: ما حكاه المحقّق الاصفهاني في «نهاية الدراية» 1 عن صاحب المحجّة للمحقّق الطهراني: بأنّ العلم بالوضع موقوف على التبادر، وهو ليس

1 . نهاية الدراية: 1 / 39 .

صفحه 134
موقوفاً على العلم بالوضع، بل على نفس الوضع.
يلاحظ عليه: أنّ التبادر وإن كان موقوفاً على الوضع ولكنّه مشروط بالعلم به فيعود الدور في ناحية الشرط، وإلاّ فوجود الوضع من دون العلم به لا ينتج نتيجة ما لم ينضم إليه العلم به، وإلاّ لما وجد على وجه البسيطة أيُّ جاهل باللغة، لأنّ المفروض كفاية الوضع بوجوده الواقعي في التبادر.
الثاني: ما أجاب به المحقّق العراقي حيث قال: إنّ العلم المستفاد بالتبادر غير العلم الّذي يتوقّف عليه التبادر حتّى لو قلنا بتوقّفه على العلم التفصيلي، لأنّه يكفي في ارتفاع الدور تغاير الموقوف والموقوف عليه بالشخص لا بالنوع ولا بالصنف، ولا شبهة في مغايرة العلم الشخصي الحاصل بالتبادر للعلم الشخصي الّذي يتوقّف عليه التبادر. 1
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى امتناع تعلّق العلمين التفصيليين بشيء واحد ـ أنّ العلم الّذي يتوقّف عليه التبادر هل هو تفصيلي أو إجمالي؟ فعلى الأوّل لا حاجة إلى العلم الثاني، وعلى الثاني يرجع إلى الجواب التالي.
الثالث: بأنّ العلم التفصيلي بالموضوع له متوقّف على التبادر، والتبادر موقوف على العلم الارتكازي بالوضع الّذي ربّما يعبّر عنه بالعلم الإجمالي، وهذا النوع من العلم الارتكازي يحصل لكلّ إنسان يعيش بين أهل اللغة منذ طفولته ونعومة أظفاره، وإن كان غير ملتفت إلى علمه.
وبعبارة أُخرى: أنّ الناشئ أو الناشئة إذا عاشا بين أهل اللغة مدة مديدة يتعلّمون منهم اللغة والمعنى الحقيقي ، غير أنّهما لصغر سنّهما يعرفان

1 . بدائع الأفكار: 1 / 97 .

صفحه 135
الموضوع له ولكن ليس لهما علم بما تعلماه، ولمّا كبرا وحاولا تحصيل المعنى بصورة تفصيلية، فهذا النوع من العلم التفصيلي يتوقّف على تبادر المعنى، وهو يتوقّف على العلم بالمعنى إجمالاً وارتكازاً الّذي يحصل لكلّ وليد ينشأ ويترعرع بين أهل اللغة، فيرتفع الدور باختلاف العلمين زماناً وماهية.
فالعلم التفصيلي موقوف على التبادر، والتبادر موقوف على العلم الارتكازي الّذي يكتسبه كلّ طفل أيام تعلّمه اللغة من البيت والبيئة.

بقيت هنا أُمور:

الأوّل: إذا كان الموضوع للاحتجاج هو ظهور الكلام، سواء أكان حقيقة أم مجازاً، فلا فائدة في معرفة الموضوع له وتمييز المعنى المجازي عن المعنى الحقيقي، والّذي يعتبره العقلاء هو ظهور الكلام، سواء أكان هو الموضوع له أم لا .1
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الكلام ظاهراً في معنى، كان لما ذكره وجه، وأمّا إذا كان الكلام مجملاً فانعقاد الظهور موقوف على العلم بالوضع، وهو يُعرف بالتبادر فيكون لمعرفة الموضوع له أثر وفائدة.
الثاني: أنّ تبادر المعنى من اللفظ في زماننا لا يثبت كونه هو المعنى الحقيقي في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة(عليهم السلام)حتّى يحمل اللفظ الوارد من الكتاب والسنّة عليه إلاّ أن يعضد بأصالة عدم النقل، وقلنا بأنّ مثبتاتها حجّة،

1 . المقالات للمحقّق العراقي: 31 (بتصرف).

صفحه 136
ولعلّه على هذا جرت سيرة المفسرين للقرآن حيث يفسرون الأشعار الجاهلية والرسائل القديمة بالمعاني الرائجة في أيامهم.
الثالث: أنّ التبادر كما قلنا إنّما يكون حجّة على الموضوع له إذا كان التبادر مستنداً إلى اللفظ لا إلى القرينة، وإلاّ فالمعنى المجازي أيضاً يتبادر مع القرينة، وعلى هذا فلو أحرزنا أن التبادر مستند إلى حاق اللفظ أو إلى القرينة فهو، وإلاّ فهل تجري أصالة عدم القرينة لإثبات كون المعنى متبادراً من حاق اللفظ أو لا ؟
الظاهر لا، لا لأجل عدم حجيّة الأصل المثبت ـ لما علمت أنّ الأصل اللفظي حجّة في مثبتاته ـ بل لأنّ العقلاء إنّما يستخدمون ذلك الأصل عند الشكّ في المراد فيستعينون به في كشف المراد، وأمّا إذا علم المراد وشك في كيفية الإرادة وانّه هل هو على نحو الحقيقة أو المجاز فلا، وما هذا إلاّ لأنّ العقلاء يستخدمون الأُصول فيما يمسّ بحاجاتهم، وأمّا تعيين كيفية الإرادة وانها هل هي على وجه الحقيقة أو المجاز فخارج عن مقاصدهم.

العلامة الثانية: صحّة الحمل وعدم صحّة السلب

إنّ صحّة الحمل وعدم صحّة السلب آية كون المعنى هو الموضوع له، كما أنّ صحّة السلب آية كونه غير موضوع له. وإليك البيان.
إنّ الحمل إمّا أوّلي وهو ما يكون فيه اللفظان متّحدين في المفهوم والمعنى فضلاً عن المصداق، أو حمل شائع صناعي يختلف اللفظان مفهوماً ويتّحدان وجوداً ومصداقاً.

صفحه 137
وأمّا كيفية الاستعلام فتتحقّق بالنحو التالي:
يُتخذ المعنى موضوعاً وينظر إليه لا بما هو لفظ، بل بما أنّه مفهوم، ويجعل اللفظ الّذي نُريد استعلام معناه محمولاً ويقال: الحيوان المفترس أسد، والحيوان الناطق إنسان، فإذا صحّ الحمل يكون ذلك علامة على أنّ الموضوع، هو الموضوع له، كما أنّ صحّة السلب آية انّه ليس بموضوع له، كما إذا قال: الرجل الشجاع ليس بأسد حقيقة.
هذا إذا كان الحمل أوّلياً، وأمّا إذا كان الحمل شائعاً صناعياً فصحّة الحمل تكشف عن كونه مصداقاً للمحمول كما إذا قال: الرمال صعيد .
كما أنّ صحّة السلب آية كونه ليس بمصداق ، كما إذا قال: الرجل الشجاع ليس بأسد حقيقة.
وقد استشكل على إجراء هذه العلامة ببعض الوجوه:
الأوّل: أنّ صحّة السلب لا تدلّ على عدم الوضع ضرورة صحّة سلب بعض المعاني للفّظ المشترك عنه، كما إذا أُشير إلى الذهب وقيل ليس الذهب عيناً باعتبار كونه موضوعاً للفضة، فهذا النوع من السلب لا يكشف عن المجازية.
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في غير المشترك، وأمّا فيه فلا تتعيّن المجازية إلاّ بسلب عامّة المعاني، ومن المعلوم أنّه لا يصح سلب العين عن الذهب بعامّة المعاني.
وأورد على هذا الجواب (سلب جميع معاني المشترك علامة للمجاز) بأنّه إذا كانت جميع المعاني معلومة لغاية سلبها عن المورد، فلا يبقى لنا شكّ

صفحه 138
في أنّه ليس بموضوع له حتّى نتمسّك بهذه العلامة .1
يلاحظ عليه: بأنّ المقصود هو سلب جميع المعاني المرتكزة إجمالاً في الذهن عن المورد، لا سلبها مع ملاحظتها تفصيلاً حتّى يستغنى عن العلامة، للعلم التفصيلي بكونه ليس منها.
الثاني: أنّ الاستكشاف واستعلام الحال حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع السابق على الحمل وسلبه فيكون إسناده إلى الحمل وسلبه في غير محلّه.
هذا إذا كان المستعلم من أهل اللسان، وأمّا إذا كان من غيرهم فصحّة الحمل عند أهل اللغة أو عدم صحّته يرجع إلى تنصيص أهل اللغة واللسان وليست بعلامة مستقلة، لأنّ العلم بصحّة الحمل لا يحصل إلاّ بتصريح الغير.(2)
يلاحظ عليه: بأنّا نختار الشق الأوّل لكن الإشكال إنّما يتوجّه إذا كان زمان الاستعلام مقارناً لزمان الحمل أو سلبه، وعندئذ يسبقه التبادر ويغني عن غيره. وأمّا إذا كان زمان الحمل أو سلبه مقدّماً على زمان الاستعلام، فلا يسبقه التبادر وتكون الساحة مختصّة بصحّة الحمل، كما إذا صدر الحمل عن العربي الصميم وهو في مقام الخطابة وإلقاء المحاضرة ولم يكن بصدد الاستعلام. ثم صار بعد مدّة بصدد الاستكشاف فوقف على حمله وسلبه السابقين فيستدلّ بهما على مقصوده.
ثم نختار الشق الثاني لكن المراد من تنصيص أهل اللغة هو تصريحهم

1 . نهاية الأُصول للبروجردي: 40 .   2 . تهذيب الأُصول: 1 / 80 ـ 81 .

صفحه 139
بالموضوع في معاجمهم وقواميسهم، وأين هذا من الوقوف على صحّة الحمل أو السلب عند أهل اللغة.
الإشكال الثالث: ما أفاده الشهيد الصدر من أنّ غاية ما يستفاد من الحمل الأوّلي مساواة الموضوع والمحمول مفهوماً ولا يلازم هذا وضع أحدهما في مقابل الآخر، كما هو الحال في الغيث والمطر والإنسان والبشر.1
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الموضوع مركباً والمحمول بسيطاً كما إذا قال: «الحيوان المفترس أسد»، أو إذا قال: «الحيوان الناطق إنسان» فالذوق العربي يشهد بأنّ المركب هو الموضوع له والبسيط هو الموضوع كما في المثالين الأخيرين .
الإشكال الرابع: أنّ صحّة الحمل لا تثبت إلاّ كون الموضوع هو الموضوع عليه في عصرنا هذا، ولا يثبت كونه كذلك في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة (عليهم السلام).
يلاحظ عليه: بأنّ أصالة عدم النقل أصل عقلائي ليس بأقل من سائر الأُصول اللفظية الّتي هي أُصول عقلائية بل أمارة عقلائية، فيؤخذ بلوازمها.
فإنّ أصالة عدم طروء النقل من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى زماننا هذا يثبت عقلاً بأنّ المعنى الحاضر هو الموضوع له، وإلاّ يلزم النقل.
والظاهر أنّ الاستصحاب في المقام هو استصحاب عدم النقل من عصر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)إلى يومنا هذا، وليس هذا استصحاباً قهقرياً، لأنّ

1 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 169 .

صفحه 140
المفروض جرّ المتيقّن من الزمان الماضي إلى الزمان الحاضر.
وأمّا استصحاب عدم النقل من زماننا هذا إلى عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو استصحاب قهقري لا دليل على حجّيته.
ثم إنّ بعض الإشكالات المذكورة في التبادر متوجّهة إلى تلك العلامة كإشكال الدور وعدم الحاجة إلى هذه العلامة لأنّ الحجة هو الظهور، والجواب في الجميع واحد.

العلامة الثالثة: الإطّراد

الاطّراد هي العلامة الثالثة لتمييز الموضوع له عن غيره، ويمكن تقريره بوجهين:
1. إذا لم تختصّ صحةُ استعمال اللفظ في المعنى المشكوك بمقام دون مقام ولا بصورة دون صورة، ولا بمصداق دون مصداق فهو (عدم الاختصاص) آية الوضع، وبالتالي: المستعمل فيه هو الموضوع له.
2. إذا اطّرد استعمال لفظ في مصاديق كلّي بحيثية خاصّة استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها وبين ذلك الكلّي وعلم أنّه موضوع للجامع بين الأفراد، كما إذا استعمل الرجل في زيد وعمرو ـ مع القطع بكونه غير موضوع لكلّ واحد على حدة ـ استكشف منه وجود علاقة الوضع بين اللفظ وذلك الكلّي، وعلم أنّه موضوع للطبيعي من المعنى .
هذا هو تقرير الاطّراد، ومن هنا تبيّن أنّ المراد هو اطّراد الاستعمال لا اطّراد التبادر بأن يطلق المستعلم اللفظ مراراً في أوضاع وحالات مختلفة، فإن

صفحه 141
ذلك يرجع إلى الاستعلام بالتبادر ولا يكون علامة مستقلة، بل المراد اطّراد استعمال اللفظ في المعنى المشكوك في لسان أهل اللغة في موارد مختلفة، حيث يستكشف منه كون الاستعمال بملاك الوضع لا بملاك القرينة، إذ كون الاستعمال بملاك القرينة في الموارد المتنوعة بعيداً جداً، وبما أنّ القوم لم يعطوا لهذه العلامة أهمية فقد وقعت العلامة في محاق الإجمال مع أنّها هي العلامة الوحيدة في هذا المضمار وتتلوها علامة ثانية وهي تنصيص أهل اللغة، وإليك البيان:
لو كنّا بصدد كشف معنى الماء في اللغة العربية فإذا رأينا أنّ جماعة من أهل الثقافات المختلفة استعملوا هذه الكلمة في مورد بحيثية خاصة نستكشف منه أنّه الموضوع له وانّ الاستعمال بذلك الملاك لا بملاك آخر، مثلاً إذا قال الفقيه: الماء قليل وكثير، مطلق ومضاف، طاهر ونجس إلى غير ذلك من التعابير، وقال الكيمياوي: الماء مركب من عنصرين: «أوكسجين» و «هيدروجين»، وقال الفيزياوي: الماء لا لون له، والكل يستعمل ذلك اللفظ بملاك واحد في الجسم المائع السيّال، نستكشف أنّ هذا اللفظ (الماء) موضوع له. وانّ المستعمل فيه حقيقة، من دون أن يكون لثقافة دون ثقافة تأثير فيه، وإنّما السبب هو كونهم من أبناء اللغة.
ولنمثّل مثالاً آخر: اختلف السنّة والشيعة في معنى الغنيمة في قوله سبحانه: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى)1.

1 . الأنفال: 41 .

صفحه 142
فالسنّة على أنّ المراد من قوله: «ما غنمتم» هو الغنيمة الحربية، والشيعة على أنّ المراد بها كلّ ما يفوز به الإنسان ، والّذي يوضح الحق هو التتبع في الكتاب والسنّة وانّه هل هو مطرد في المعنى الثاني أوْ لا؟ ومن حُسن الحظ أنّ القرآن والسنّة استعملت هذا اللفظ كثيراً في مطلق ما يفوز به الإنسان، أمّا القرآن فقد قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)1.
والمراد بالمغانم الكثيرة هي ما يفوز به الإنسان في الحياة الأُخروية .
وأمّا السنّة النبوية، فإليك بعض الموارد الّتي استعمل فيها اللفظ للدلالة على مطلق ما يفوز به الإنسان :
1. روى ابن ماجة في سننه في مورد الزكاة: أنّه جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً». 2
2. وجاء في «مسند أحمد» عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «غنيمة مجالس الذكر الجنّة». 3
3. وفي وصف شهر رمضان جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «غنم للمؤمن». (4)
إلى غير ذلك من الموارد الّتي استعملت اللفظة في معنى عام، فإذن

1 . النساء: 94 .
2 . سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797.
3 . مسند أحمد: 2 / 177.   4 . مسند أحمد: 2 / 274 .

صفحه 143
يطمئنّ الإنسان بأنّه الموضوع له .
وأمّا استعمالها في الغنيمة الحربية فمن باب تطبيق الكلّي على أحد مصاديقه، وإن شاع استعمالها فيها في ألسنِ الفقهاء، لكنّه استعمال متأخّر عن نزول الوحي .
هذا هو تقرير العلامة، ثم إنّ المحقّق الخراساني أورد عليها بوجوه ثلاثة. وإليك نقلها مع التحليل:
1. المجاز وإن لم يطّرد في نوع علائقه مثلاً لا يصحّ استعمال مطلق الجزء في الكلّ، كاستعمال الشعر في الإنسان لكنّه مطّرد في خصوص ما يصحّ معه الاستعمال في المجاز، كما إذا صحّ تنزيل الجزء منزلة الكلّ كاستعمال العين في المراقب، واليد في المتصرّف، فالاطّراد في هذا الصنف من العلامة (ما إذا صحّ تنزيل الجزء منزلة الكل) مطرد.
2. نقل عن صاحب الفصول جواباً عن هذا الإشكال بالفرق بين الاطّرادين، فإنّ الاطّراد في الحقيقة بلا تأويل والاطّراد في المجاز مقرون بالتأويل، أي تنزيل الجزء منزلة الكل. فأجاب المحقّق الخراساني عنه بأنّ لازم ذلك أخذ «بلا تأويل» أو «على وجه الحقيقة» قيداً للاطّراد، فتكون النتيجة أنّ العلم بالمعنى الحقيقي موقوف على الاطّراد «بلا تأويل» أو «على وجه الحقيقة»، وهذا مستلزم للدور.
3. وما أُجيب به عن الدور في العلامتين السابقتين غير جار في هذه العلامة، وذلك لأنّ أحد طرفي العلم في العلامتين السابقتين إجمالي والآخر تفصيلي، وأمّا المقام فالطرفان كلاهما تفصيليان حيث إنّ العلم التفصيلي

صفحه 144
بالحقيقة موقوف على الاطّراد على وجه الحقيقة .1
هذا توضيح ما في «الكفاية» والجميع غير تام:
أمّا الأوّل ـ أعني: اطّراد المجاز ـ فهو غير صحيح، لأنّ المجاز حتّى فيما يصح استعماله فيه الّذي أسماه بصنف العلاقة غير مطرد، لأنّ المجاز قائم على دعامتين:
أ. استحسان الذوق والطبع الّذي يعبر عنه في لسان الأُدباء بوجود العلاقة.
ب. كون المقام مناسباً لاستعمال اللفظ في المعنى المجازي بنفس العلاقة، مثلاً إذا كان المقام مقام الإخبار بوقوع الرؤية على الرجل كما في قولنا: «رأيت رجلاً يرمي» يكون إطلاق الرجل عليه على وجه الحقيقة حسناً بنحو الإطلاق، وأمّا إطلاق الأسد عليه كما في قولنا: «رأيت أسداً يرمي» فيتوقّف (مضافاً إلى تحقّق العلاقة ومصحّح الادّعاء) على كون المقام، مقام إظهار شجاعته، وهذا لا يطّرد إلاّ في مقام خاص، كما إذا كان في مقام بيان الشجاعة فيصح أن يقول: «هذا أسد»، وأمّا إذا كان في مقام الدعوة إلى تناول الطعام فلا يصح أن يقول له: يا أسد تفضّل إلى الطعام. وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الحائري ويقول: إنّ المراد من الاطّراد إذا حُسن استعمال اللفظ في كلّ موقع من غير اختصاص له، بمواقع خاصة كالخطابة ونظم الشعر ممّا يطلب فيها اعمال محاسن الكلام، بخلاف المجاز فإنّه يحسن في تلك المواقع خاصّة، وإلاّ ففي مورد كان المقصود ممحضاً في إفادة المدلول لا

1 . كفاية الأُصول: 1 / 29.

صفحه 145
يكون له حسن كما لا يخفى .1
وأمّا الثاني ـ أعني: أنّ إضافة «من غير تأويل» مستلزم للدور: ـ فهو أيضاً غير تام.
وذلك أنّ قوله: «من غير تأويل» ليس جزءاً من الموقوف عليه، وإنّما هو نتيجة الاطّراد، والمراد أن يطّرد استعمال اللفظ في المعنى المشكوك بكثرة إلى حدّ يطمئن الإنسان إلى أنّ الاستعمال مجرد عن التأويل، وأنّه مستند إلى الوضع. إذ من البعيد أن يكون الاستعمال في هاتيك الموارد الكثيرة مستنداً إلى التأويل من دون أن يتوجّه إليه المستعلم، فكونه من غير تأويل ليس في عرض الاطّراد بل في طوله.
وأمّا الثالث: فالجواب عنه واضح، إذ على ما ذكرنا ليس هناك دور حتّى يُجاب عنه، ولو افترضنا وجوده أيضاً فالعلم في جانب الموقوف تفصيلي وفي جانب الموقوف عليه إجمالي.
إلى هنا تمّ ما ذكره المحقّق الخراساني.
ثم إنّ السيد الأُستاذ جعل العلامة الوحيدة هي «التبادر» وارجع العلامة الثانية إليها، وأورد على العلامة الثالثة ما هذا لفظه: إن أُريد استعمال لفظ الرجل في المثال السابق في المصاديق بما لها من الخصوصيات والعوارض فأمره دائر بين كونه مجازاً ـ إذا حسن الاستعمال ـ أو غلطاً.
وأمّا إذا استعمل في المعنى الجامع بلا إرادة الخصوصية فهذا يوجب التخلّف في العلامة حيث تكون العلامة عندئذ هي صحّة الحمل، وقد مرّ

1 . درر الأُصول: 1 / 15 .

صفحه 146
إرجاعها إلى التبادر.1
يلاحظ عليه: بأنّا نختار الشقّ الثاني، والإشكال إنّما يرد إذا كان الاطّراد مسبوقاً بالعلم بصحّة الحمل بمعنى أنّه عُلم أنّ الحمل صحيح بلا قرينة، وأمّا إذا شُكّ في أنّ المصحّح للحمل ذات الموضوع، أو بضميمة قرينة فلا يكون مسبوقاً به، فعندئذ يكون اطّراد الاستعمال في موارد مختلفة مع حمله على موضوعات متنوعة كاشفاً عن الحقيقة، وأنّ المجوز هو الوضع، دون القرينة من دون أن يكون لصحّة الحمل دور في مجال الاستكشاف. غاية ما يلزم تقارن العلامتين عند حصول العلم بالحقيقة.

الاطّراد ومقالة السيّد المرتضى في الاستعمال

إذا تبيّن المعنى الحقيقي وتميّز عن المجازي كما هو الحال في لفظ (أسد) فالأصل في الاستعمال في هذه الصورة، الحقيقة فما لم تدلّ قرينة على إرادة المجاز يُحمل كلام المتكلّم على المعنى الحقيقي، وهذا ما يقال فيه: «الأصل في الاستعمال الحقيقة» وهو أمر متّفق عليه بين الأُصوليّين.
وأمّا إذا لم يتميّز المعنى الحقيقي عن المجازي كما هو الحال في معنى الأمر حيث إنّه مردّد بين كونه موضوعاً للوجوب أو للقدر المشترك بين الوجوب والندب، فلو استعمل في القدر المشترك وتردّد الأمر بين كونه حقيقة أو مجازاً ، فالسيد المرتضى على أنّ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة، ويستنتج من ذلك كون الأمر موضوعاً للقدر المشترك، وهذا رأي انفرد فيه

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 82 .

صفحه 147
السيد المرتضى في هذا المقام ، وأمّا الآخرون فردّوا عليه بأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز، أي لا يمكن استكشاف المعنى الحقيقي عن المجازي بالاستعمال .
إذا عرفت هذين الأمرين وأنّ المقام الأوّل أمر متّفق عليه دون الثاني، فاعلم أنّ القول بأنّ الاطّراد علامة يتميّز بها المعنى الحقيقي عن المجازي لا يرجع إلى مقالة المرتضى في المقام الثاني فإنّ ما ذكره يرجع إلى أنّ الأصل في كلّ استعمال ما لم يعلم كونه مجازياً كونه حقيقياً، وهذا بخلاف الاطّراد إذ لا يستكشف باستعمال واحد أو اثنين كون المستعمل فيه حقيقة إلاّ إذا انتهى إلى حدّ تطمئن النفس بأنّ الانتقال من اللفظ إلى المعنى مستند إلى الوضع لا إلى القرينة، إذ لو كان لبان، ولو خفيت في مورد فلا تخفى في الموارد الأُخرى.

العلامة الرابعة: تنصيص أهل اللغة

قد ذكروا أنّ تنصيص أهل اللغة على معنى اللفظ من أسباب التعرّف على المعنى الحقيقي وتمييزه عن المجازي.
وقد أشكل عليه: بأنّ شأن اللغوي هو بيان موارد الاستعمال من غير فرق بين كونه معنى حقيقياً أو مجازياً مع أنّ المطلوب لنا هو تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي.
يلاحظ عليه: أنّ هذا الإشكال ممّا ذكره الشيخ الأنصاري وتبعه غيره، وبذلك بخسوا حقّ اللغوي من دون قصد :

صفحه 148
أمّا أوّلاً: فلأنّ المعاجم اللغوية على قسمين: قسم يذكر موارد استعمال الكلمة في موارد مختلفة، وعلى ذلك جرى ابن منظور المصري (المتوفّى 707 هـ) في «لسان العرب»، والفيروزآبادي (المتوفّى 717 هـ) في «القاموس المحيط»، والجزري في «النهاية في غريب الحديث»، والطريحي في «مجمع البحرين».
وقسم آخر بذل مؤلّفوه جهدهم لتعيين المعنى الأصلي الّذي اشتقّ منه سائر المعاني وتفرّع منه بمناسبة من المناسبات ودوّنوا كتابين جليلين في هذا المقام، هما :
أ. المقاييس لأحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى 395 هـ).
ب. أساس البلاغة للزمخشري (المتوفّى 538 هـ).
فقد بذل المؤلّفان الجهود المضنية لتعيين أُصول المعاني وتمييزها عن متفرّعاتها، فالرجوع إلى هذين المعجمين يوقف المراجع على المعنى الموضوع له دون خصوص المستعمل فيه، ولذلك كثيراً ما يقول ابن فارس: هذه الكلمة لها أصل واحد أو أصلان، والباقي صور للمعنى الأصلي ومشتق منه .
وأمّا ثانياً: فلأنّ المراجع إلى أغلب المعاجم الّتي هي بصدد بيان المستعمل فيه، دون الموضوع له، ربّما يستطيع بسبب الممارسة على تمييز المعنى الحقيقي عن المعاني المشتقة منه، وذلك رهن الممارسة والعمل بالمعاجم على نحو يخالط علمُ اللغة دمَهُ ولحمَهُ، وإليك مثالين:
1. الوحي: فقد ذكروا له معاني مختلفة، هي:

صفحه 149
الإشارة السريعة، كقوله: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا)1.
الصوت الخفي، كقوله سبحانه: (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)(2).
الإلهام القلبي، كقوله سبحانه: (وَ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ)2.
التسخير كقوله سبحانه: (وَ أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا)(4).
ولكنّ الإمعان في هذه الموارد يثبت أنّ له معنى واحداً، وهو الإفهام بخفاء والبواقي صور ومصاديق له .
2. القضاء: أنّ أهل اللغة ـ وحتّى أن محشّي الروضة ـ نقل عن أنّهم ذكروا للقضاء معاني هي:
الصُنع، الحتم، البيان، الموت، الإتمام، بلوغ النهاية، العهد، الإيصاء، والأداء.
ولكن الإمعان يثبت أنّ الجميع مصاديق مختلفة لمعنى واحد، وهو العمل المتقن، والباقي صور له، ولذلك أرجع صاحب المقاييس الجميع إلى أصل واحد.
وعلى ذلك فالرجوع إلى هذه القواميس على النحو المذكور ربّما يرفع الستار عن وجه الحقيقة.

1 . مريم: 11 .   2 . الأنعام: 112 .
2 . القصص: 7 .   4 . فصلت: 12 .

صفحه 150
في الحقيقة الشرعية   
 
الأمر الثامن:

في تعارض الأحوال

لا شكّ أنّه إذا دار الأمر بين حمل اللفظ على المعنى الحقيقي والمجازي، فالأصل هو الحقيقة حتى يثبت خلافه، أو إذا دار الأمر بين العام والخاص، أو المطلق والمقيّد، فالأصل هو الأخذ بالعموم والمطلق حتى يثبت خلافها.
إنّما الكلام فيما إذا دار الأمر بين أحد الأُمور السبعة التي كلّها على خلاف الأصل كالتجوّز والتخصيص والتقييد، والاشتراك، والنقل والإضمار، والاستخدام، فهل هناك ترجيح لأحدها على الآخر، أو لا؟ فقد ذكر الأُصوليّون وجوهاً استحسانية لترجيح بعض على البعض الآخر، وقد أطنب المحقّق القمي1 الكلام في ذلك، لكنّها وجوه عقلية ظنية، لا تثبت الظهور.
مثلاً إذا دار الأمر في قوله سبحانه: (وَاسْئَلِ الْقَرْيَةِ الّتي كُنّا فِيها)(2) بين إضمار لفظ «أهل»، أو استعمال القرية في غير معناها الحقيقي فقد ذكروا لكلّ وجهاً غير مقنع، فالبحث عن هذه الوجوه ونقدها إضاعة للعمر والمتّبع لدى أهل المحاورة هو الظهور فإن تحقّق فهو وإلاّ فلا تعتبر، لأنّ هذه الوجوه، علل فكريّة، أشبه بأُمور عقلية بعيدة عن الأذهان العرفية، فلا يلتفت إليها العرف الدقيق حتى يثبت بها الظهور للكلام.

1 . قوانين الأُصول: 1 / 31 ـ 35.   2 . يوسف: 82 .

صفحه 151
 
الأمر التاسع:

الحقيقة الشرعية

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أمرين:
1. البحث عن الحقيقة الشرعية نظير ما سندرسه في المستقبل من كون أسماء العبادات موضوعة للصحيح أو لأعم منه، من نتائج البحوث السابقة، أعني: تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي بالتبادر ونظائره كما سيظهر، حيث يستدلّ القائلون بالحقيقة الشرعية أو وضع ألفاظ العبادات والمعاملات للصحيح، بالتبادر تارة وعدم صحة السلب أُخرى، كما سيتّضح .
2. لا شك أنّ ما يتبادر من ألفاظ العبادات في أعصارنا هذه وما تقدّمها إلى عصر أمير المؤمنين (عليه السلام)هو المعاني الشرعية، كالأركان الأربعة في الصلاة والفرائض المالية في الزكاة، وهكذا.
إنّما الكلام في أنّها هل كانت كذلك في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً، أو لم تكن كذلك وإنّما استعملها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه المعاني لمناسبة بينها وبين المعنى الحقيقي مجازاً إلى أن عادت حقيقة بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فعلى الأوّل فهذه المعاني حقائق شرعية، وعلى الثاني معان مجازية ثم صارت حقائق متشرعيّة.
إذا علمت هذين الأمرين فلندخل في صلب الموضوع .

صفحه 152
أقول: هناك فروض ثلاثة:
الأوّل: أنّ هذه المعاني لم تكن موجودة في الجزيرة العربية ولم يكن للعرب قبل البعثة أيُّ معرفة بهذه المعاني، وأنّ ألفاظها كانت مستعملة قبل البعثة في المعاني اللغوية، وإنّما اطّلعت عليها العرب بعد بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الثاني: أنّ هذه المعاني كانت موجودة بين العرب قبل البعثة لكن لم يكن استعمال تلك الألفاظ فيها بدرجة تُصبح هذه المعاني معان لغوية إلاّ بعد مضيّ شيء قليل من بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فتكون هذه المعاني حقائق شرعية.
الثالث: أنّ هذه المعاني كانت موجودة والأسماء مستعملة فيها إلاّ أنّ الإسلام أصلح ما فُسِد عبر الزمان فأضاف شرطاً أو جزءاً وألغى شيئاً، وعلى هذا القول تصير هذه المعاني معان لغوية لا شرعية. لوجودها قبل بعثة الإسلام واستعمال العرب لها في تلك المعاني.
هذه هي الفروض الّتي تحتمل في المقام.
ثم إنّ للأُصوليين في المقام أقوالاً لا تتجاوز الأربعة، وكأنّ كلّ قائل اختار شيئاً من هذه الفروض الثلاثة:
القول الأوّل: ما ذهب إليه أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403 هـ) حيث قال: إنّ ألفاظ العبادات باقية في معانيها اللغوية، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)استعملها فيها، لأنّ الصلاة مصداق من مصاديق الدعاء غير أنّ العرب لم تكن عارفة بهذا المصداق، وقد عرّفهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)به.
وبعبارة أُخرى: استعملها في معانيها اللغوية ولكنّه أراد المصاديق

صفحه 153
الشرعية من جهة نصب قرينة تدلّ على ذلك بنحو تعدد الدالّ والمدلول.
وبعبارة ثالثة: أضاف أجزاءً وشرائط على المعنى اللغوي بدليل آخر، دون أن يستعملها في المعنى الجديد.
يلاحظ عليه: أنّه ادّعاء غير مقرون بالدليل، لو لم يكن الدليل على خلافه، إذ كيف يمكن أن يقال: إنّ الصلاة من مصاديق الدعاء مع الفرق الواضح بين المعنيين؟! أو انّ الفرائض المالية من مصاديق النمو!، إذ أين النمو من إخراج الأموال الطائلة من متعلّقات الزكاة; فلا محيص للباقلاني عندئذ من أحد قولين:
إما نقل الألفاظ من معانيها ووضعها بوضع جديد على هذه المعاني، أو استعمالها فيها بعلاقة من العلائق فيكون الاستعمال مجازاً .
القول الثاني: إنّ هذه الألفاظ استعملت في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على وجه المجاز ثم صارت حقائق متشرعية في تلك المعاني في لسان الصحابة والتابعين بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). واستدلّوا على ذلك بأنّها لو كانت حقائق شرعية في لسانه لتوقّف ذلك على الوضع، وهو إمّا تعيينيّ أو تعيّني ; والأوّل بعيد جدّاً وإلاّ لنقل، والثاني رهن مرور زمان ولا يكفي عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لذلك.
يلاحظ عليه: بأنّ فترة الرسالة، كانت مدة طويلة، فلماذا لا تكفي في نقل اللفظ من معناه اللغوي إلى المعنى الشرعي؟! كما سيوافيك.
القول الثالث: إنّ ألفاظ العبادات ـ في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ نقلت
من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية بالوضع الجديد فصارت هذه

صفحه 154
المعاني حقائق شرعية.
هذه هي الأقوال الرائجة بين الأُصوليين ، فلو دار الأمر بين القولين: الثاني والثالث، فالثالث هو الأقرب بل الأقوى .
وأمّا الإشكال عليه بأنّ النقل في لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)رهن الوضع والنقل، والوضع التعييني بعيدٌ، والتعيّني رهن مرور زمان كثير فمردود بوجهين:
الأوّل: ما مرّ في نقد القول الثاني من أنّ عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يكفي للوضع التعيّني، فإنّ فترة الرسالة كانت ثلاث وعشرين سنة، أو لا تكفي هذه الفترة لنقل اللفظ من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي في هذه المدة المديدة؟
الثاني: أنّ الوضع غير منحصر بالتعيينيّ والتعيّني إذ هناك طريق آخر للوضع وهو الاستعمال بداعي الوضع كما يقول الأب عند تسمية المولود الجديد مخاطباً أُمّه: إئتيني بولدي حسين، محاولاً بذلك تسميته به .
ومن الممكن أن يتولّى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عملية الوضع من خلال هذا الطريق، فلمّا صلّى أمام المؤمنين ، فقال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي»، فهو بنفس ذلك الاستعمال نقل الصلاة من معناها اللغوي إلى الحقيقة الجديدة.
نعم ربّما يستشكل عليه: بأنّه يمتنع الاستعمال بداعي الوضع، لأنّه يستلزم الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد، فبما أنّه بصدد الوضع فيلاحظ لفظ «حسين» لحاظاً استقلالياً، وبما أنّه بصدد استعماله في المولود الجديد يلاحظ اللفظ استعمالاً آلياً، فيلزم الجمع بين اللحاظين في آن واحد.

صفحه 155
أقول: هذا الإشكال كما مرّ سابقاً قد أورده الفقيه السيد أبو الحسن الاصفهاني صاحب الوسيلة (قدس سره)على أُستاذه في الدرس، ولا ندري بماذا أجابه، ولكن الإجابة عنه واضحة وهي: إن أُريد من الآلية الغفلة عن اللفظ فهو غير صحيح، فإنّ الإنسان في كثير من الأوقات يلتفت إلى الألفاظ وينتخب السهل العذب ويترك خلافه، لا سيّما إذا كان سياسياً يُحاسَب على كل لفظ يتفوّه به.
وإن أُريد من الآلية كون اللفظ وسيلة لإفادة المعنى وانّ المعنى هو الأصل، فالآلية بهذا المعنى لا تنافي لحاظه أيضاً .
إذا عرفت ذلك فلو دار الأمر بين هذه الأقوال فالقول الثالث الّذي هو خيرة المحقّق الخراساني هو الأقوى، ولكن هناك قول آخر وهو ما نتلوه عليك:
القول الرابع: إنّ هذه المعاني كانت موجودة في الشرائع السابقة اليهودية والمسيحية، وكانت العرب قبل البعثة واقفة عليها ومعبّرة عنها بتلك الألفاظ، وقد استعملها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تبعاً لاستعمال الآخرين إيّاها في تلك المعاني. وعلى هذا فهذه الألفاظ كانت موضوعة لتلك المعاني وضعاً لغوياً وبقيت على حالها إلى عصر النبي وبعده إلى يومنا هذا. ولذا فيكون القول بالحقيقة الشرعية أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، هذا هو إجمال النظرية، وإليك شرحها .
أقول: هذه النظرية مركّبة من مقدّمتين:
الأُولى: وجود تلك الماهيات المخترعة في الشرائع السابقة، ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى وجودها في الديانة اليهودية والمسيحية فقد كانوا أصحاب

صفحه 156
صلوات وصوم ـ الآيات الكثيرة الحاكية عن وجودها فيها قال تعالى:
1. (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )1.
2. (وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَ عَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق)2.
3. (قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَجَعَلَني نَبِيًّا * وَجَعَلَني مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَاني بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)3.
4. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ وَ كَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)4.
فإنّ هذه الآيات وغيرها ممّا يجده المتتبّع في القرآن، تدلّ على وجود تلك الماهيات في الشرائع السماوية السابقة، وأنّها ليست ماهيات مخترعة في الشريعة الإسلامية.
الثانية: أنّ العرب قبل البعثة تعبر عن هذه الماهيات بنفس تلك الألفاظ، ويدلّ على ذلك الأُمور الثلاثة التالية:
1. كان للعرب صلة وثيقة باليهود والنصارى فقد كانت «يثرب» معقل اليهود و «نجران» مركزاً للنصارى، وكانت لقريش رحلتان في الشتاء

1 . البقرة: 183 .
2 . الحج: 27 .
3 . مريم: 30 ـ 31 .
4 . مريم: 54 ـ 55 .

صفحه 157
والصيف، فرحلة في فصل الشتاء إلى «اليمن» الّتي كان يتواجد فيها اليهود بكثرة، ورحلة في فصل الصيف إلى «الشام» الّتي كانت يوم ذاك مركزاً للنصارى، فلم يكن للعرب يومذاك بُدّ من وجود لفظ، يعبّرون به عن عباداتهم: صلاتهم وصومهم، ولم يكن ذلك التعبير إلاّ بنفس هذه الألفاظ.
2. أن جعفر بن أبي طالب لمّا التجأ إلى الحبشة مع جمع ممن آمن بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في بدء الدعوة الإسلامية، وقد ألّبت قريش ملك الحبشة على اللاجئين عنده، فاستحضرهم ملك الحبشة وكان جعفر هو المتحدّث باسم المسلمين، فسأله الملك عن علّة لجوئهم، والدين الّذي جاء به نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتكلّم جعفر بن أبي طالب بكلام مبسوط نأخذ منه موضع الحاجة، فقال:
«أيّها الملك كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ـ إلى أن قال: ـ وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدّقناه وآمنّا به...». 1
كلّ ذلك يعرب عن شيوع استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني يوم ذاك. وقد خاطب جعفر ملك الحبشة بلغة قومه، وبالتالي فقد خاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس أيضاً بلغة قومه، قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)2 .
3. الآيات النازلة في صدر الرسالة الّتي جاءت في السور المكية، وإليك شيئاً منها; قال تعالى:

1 . السيرة النبوية: 1 / 338 ; إمتاع الأسماع: 21 ; بحار الأنوار: 18 / 414 .
2 . إبراهيم: 4.

صفحه 158
أ. (أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى )1.
ب. (فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى)2.
ج. (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)3.
د. (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)4.
فقد نزلت هذه الآيات في أوائل سننين البعثة، مع أنّ الصلاة فرضت في ليلة المعراج، وكُلُّ ذلك يدلّ على أنّ العرب المعاصرين لعصر البعثة كانوا يستعملون تلك الألفاظ في نفس هذه المعاني بلا قرينة، وأنّ الوحي الإلهي استخدم اللغة الدارجة بين قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يصف صلاة المشركين عند البيت بالمكاء والتصدية، ويقول: (وَ مَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَ تَصْدِيَةً)5 .
فأثبت لهم صلاة وحكم بأنّها لم تكن إلاّ مُكاءً وتصدية، و «المكاء» هو الصفير، و «التصدية» هي التصفيق. وهذا يدلّ على وجود الصلاة بينهم عند البيت ولكنّهم لعبوا بها فأدخلوا فيها ما ليس بصلاة، بل حصروها فيها، وقال أبو عقيل لبيد في معلقته:
حتّى إذا سلخا جمادى ستة *** جزءٌ فهلال صيامه وصيامها
وعلى هذا فهذه الألفاظ كانت حقائق في هذه المعاني قبل بعثة النبي،

1 . العلق: 9 ـ 10 .
2 . القيامة: 31 ـ 32 .
3 . المدثر: 43 ـ 44 .
4 . الكوثر: 1 ـ 2.
5 . الأنفال: 35 .

صفحه 159
سواء أسميناها بالحقائق اللغوية أم العرفية أم الشرعية. وعند ذلك ينتفي ما رتب على النزاع من الثمرة، حيث قالوا: إنّه لو ثبتت الحقيقة الشرعية يحمل كلّ ما ورد في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه الألفاظ على تلك المعاني، وأمّا لو لم يثبت إلاّ في لسان المتشرّعة يحمل على المعنى اللغوي.
وأمّا حسب القول الرابع فالجميع يحمل على هذه المعاني من غير فرق بين كون وقت الاستعمال معلوماً أو مجهولاً.
وممّا ذكرنا يعلم أنّ ما أورده المحقّق النائيني على هذا القول ، والمحقّق المشكيني في تعليقته على الكفاية، والمحقّق الخوئي في محاضراته، غير تام، لأنّهم اكتفوا ببيان المقدّمة الأُولى فلذلك قالوا:
إنّ هذه المعاني وإن كانت ثابتة في الشرائع السابقة إلاّ أنّها لم تكن يعبّر عنها بهذه الألفاظ، بل بألفاظ أُخر فلا يكون ثبوتها في الشرائع السابقة مانعاً عن ثبوت الحقيقة الشرعية .1
أقول: من المعلوم أنّ وجود هذه المعاني في الأُمم السابقة لا يثبت كون العرب المعاصرين لعصر الرسالة يعبّرون عنها بتلك الألفاظ العربية، وأمّا إذا أُضيف إليها المقدّمة الثانية الّتي أثبتت وجود هذه المعاني بين العرب خصوصاً قريش وأنّهم كانوا يعبّرون عن هذه المعاني بهذه الألفاظ، يثبت كونها حقيقة في هذه المعاني قبل بزوغ شمس الرسالة ، وبذلك ينتفي القول بالحقيقة الشرعية.

1 . أجود التقريرات: 1 / 34 ; ولاحظ تعليقة المشكيني على كفاية الأُصول: 1 / 33 ; والمحاضرات: 1 / 138 .

صفحه 160
فإن قلت: إنّ الموجود من هذه الحقائق في الشرائع السابقة يغاير الموجود في الشريعة الإسلامية .
قلت: إنّ القرآن يصرّح بالوحدة في مورد الصيام والحج، وقد مرّت عليك الآيات المشيرة إلى ذلك.
 
ثمرة فرضية
لو افترضنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نقل هذه الكلمات إلى معانيها الشرعية في إحدى سنين حياته، ولكن لم يُعلم تاريخ النقل أو الاستعمال، فمثلاً إذا قال : «إذا رأيتم الهلال فصلّوا» فهل يحمل على المعنى الشرعي أو على المعنى اللغوي؟
أقول: إنّ هنا صوراً أربع ـ وإن كان بعضها خارجاً عن مصبّ البحث ـ وإليك هذه الصور:
1. إذا كان تاريخ النقل والاستعمال معلومين.
2. إذا كان تاريخ النقل والاستعمال مجهولين.
3. إذا كان تاريخ النقل مجهولاً والاستعمال معلوماً .
4. إذا كان تاريخ النقل معلوماً والاستعمال مجهولاً.
أمّا الصورة الأُولى، فهي خارجة عن مصب البحث، إذ لا شكّ في المعنى المقصود ولا ترديد.
وأمّا الصورة الثانية، فيتعارض فيها الأصلان ويتساقطان، ويكون

صفحه 161
المرجع هو القواعد الأوّلية. إنّما الكلام في الصورتين الأخيرتين.
الصورة الثالثة: إذا كان تاريخ النقل مجهولاً وتاريخ الاستعمال معلوماً، كما إذا قال النبي في السنة الخامسة من البعثة: «إذا رأيتم الهلال فصلّوا» فلم يُعلم، هل كان النقل متقدماً على الاستعمال أو متأخّراً عنه. فالمعلوم تاريخه لا يجري فيه الأصل وإنّما يجري في مجهول التاريخ: أعني النقل، فيقال: أصالة عدم النقل إلى زمان الاستعمال، فتكون النتيجة حمل العبارة على مطلق الدعاء.
ثم إنّ في هذه الصورة خلافاً بين الأعلام الثلاثة:
أ. ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم حجّية أصالة عدم النقل لا لكونه مثبتاً، بل لأنّ هذا الأصل، أصل عقلائي وإنّما يجري عندهم إذا شُكّ في أصل النقل لا في تقدّمه وتأخّره كما في المقام، فلا يصح لنا حمل لفظ الصلاة على معنى الدعاء.1
ب. وذهب المحقّق الحائري إلى أنّ الوضع السابق حجّة لا ترفع
عنه اليد إلاّ بعد العلم بوقت الوضع الثاني، وحيث لم يُعلم ذلك حين الاستعمال فيحمل على المعنى اللغوي فتكون النتيجة موافقة لأصالة عدم النقل .2
ج. قال السيد الأُستاذ بأنّ الحجّة هي ظهور الكلام لا العلم بالوضع الأوّل، ومع العلم الإجمالي بالنقل والشك في تقدّمه وتأخّره عن الاستعمال

1 . كفاية الأُصول: 1 / 34 .
2 . درر الفوائد: 47 .

صفحه 162
لا يبقى للكلام ظهور حتّى نتبعه.1
ولعلّ ما ذكره الأُستاذ (قدس سره)هو المتبع، لأنّ الظهور لا ينعقد بهذه الأُمور الذهنية، أعني: استصحاب الوضع الأوّل وعدم ثبوت الوضع الثاني.
الصورة الرابعة: إذا كان تاريخ النقل معلوماً والاستعمال مجهولاً.
فيأتي هنا ما ذكره الأعلام الثلاثة في الصورة الثالثة، فالأصل الجاري في المقام هو أصالة عدم الاستعمال لا أصالة النقل على خلاف الصورة الثالثة، فالمحقّق الخراساني ينفي جريان أصالة عدم الاستعمال إلى زمان النقل الّتي لو جرت يكون المراد هو المعنى الشرعي، ووجه عدم الجريان أنّ الأصل المزبور ـ على خلاف الأصل السابق ـ ليس أصلاً عقلائياً، بل هو أصل شرعي وجريانه فرع وجود أثر شرعي مرتّب عليه بلا واسطة، وليس هذا الأصل موضوعاً للأثر في الأدلّة. وإن أُريد به تأخّر الاستعمال عن النقل يكون الأصل مثبتاً.
كما أنّ المحقّق الحائري يؤكدّ على التمسّك بالوضع الأوّل وأنّه حجّة لا ترفع عنه اليد إلاّ بدليل، ومعنى ذلك حمل الجملة على المعنى اللغوي على خلاف مفاد الأصل أي عدم الاستعمال قبل النقل.
   
كما أنّ السيد الأُستاذ يؤكّد على عدم انعقاد الظهور مع وجود العلم الإجمالي بالنقل، وتردّد الاستعمال بين كونه قبل النقل أو بعده، وقد عرفت أنّ الأقوى هو الأخير.

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 86 .

صفحه 163
 
الأمر العاشر:

في الصحيح والأعمّ

يقع الكلام في هذا الأمر في مقامين رئيسيّين: العبادات والمعاملات، ولذا جعل صاحب الكفاية عنوان البحث: «هل ألفاظ العبادات أسام لخصوص الصحيحة أو لأعمّ منها» وما هذا إلاّ لأنّه خصّ ألفاظ المعاملات بالبحث مستقلاًّ.
وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: جريان النزاع على عامّة الأقوال

قد مرّ أنّ الأقوال في كيفية استعمال ألفاظ العبادات أربعة:
أ. إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) استعمل هذه الألفاظ في معانيها اللغوية ولكنّه لمّا أراد إراءة مصداق جديد للدعاء لم تكن لهم به معرفة، أتى بدليل ثان يدلّ عليها بنحو تعدّد الدال والمدلول، فأراد من الدليل الأوّل (لفظ الصلاة) نفس الدعاء، ومن الدليل الثاني ما أُضيف إليه من الأجزاء والشرائط .
ب. أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) استعملها في معانيها الشرعية مجازاً للعلاقة بينها وبين المعنى اللغوي.
ج. أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نقلها من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية عن

صفحه 164
طريق الاستعمال بداعي الوضع.
د. كانت هذه الألفاظ حقائق عرفية في نفس هذه المعاني قبل البعثة، وقد استغلّها الشارع لبيان مقصوده.
والّذي يدخل في عنوان النزاع هو القول الثالث والرابع فقط، لأنّ الألفاظ على ذينك القولين إمّا نقلت من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية، كما هو الحال في القول الثالث أو استغلّها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لبيان مقصوده بالتصرف فيها باضافة شيء أو حذف شيء آخر.
وأمّا على القولين الأَوّلين فلا نقل ولا تصرف، فعنوان البحث لا يشمل هذين القولين، ولكن ذلك لا يمنع من عمومية ملاك النزاع (لا عنوان المسألة) لهما أيضاً ، بأن يقال:
أمّا على القول الأوّل فملاك النزاع هو: هل الدليل الثاني الّذي نصبه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للدلالة على المصداق الجديد هل كان دالاً على إرادة المصداق الصحيح، أو كان دالاّ على الأعمّ، على وجه يكون الأصل في الاستعمال هو المصداق الّذي أُقيم عليه الدليل في المرحلة الأُولى من هذا الاستعمال، ويكون هو الأُسوة والقدوة في تفسير كلّ ما ورد في الحديث النبوي من الفاظ العبادات، وتكون إرادة المصاديق الأُخر محتاجة إلى قرينة؟ وبعبارة أُخرى: قد تقدّم أنّ المقام على القول الأوّل من قبيل تعدّد الدال والمدلول، فيقع الكلام في أنّ مدلول الدالّ الثاني هل هو الصحيح أو الأعم؟
وأمّا على القول الثاني فيقع النزاع في أنّ الشارع هل لاحظ العلاقة بين المعاني اللغوية والمعاني الصحيحة، أو لاحظ العلاقة بينها وبين الأعم؟

صفحه 165
وعلى كلّ تقدير يكون الأصل في استعمالات الشارع هو المعنى الّذي لاحظ العلاقة بينه وبين المعنى اللغوي وعليه يُحمل كلّ ما ورد من هذه الألفاظ في السنّة النبوية، وتكون إرادة المعنى الآخر محتاجة إلى قرينة.

الثاني: ما هو معنى الصحّة؟

ادّعى المحقّق الخراساني أنّ الصحّة بمعنى «التمام» وأنَّ تفسير المتكلّم الصحّةَ بموافقة الشريعة أو تفسير الفقيه، بما يسقط الإعادة والقضاء، تفسير باللازم، وبما يُهمُّ كلّ واحد منهما، فالمتكلّم يُهمّه التعرّف على ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله والعقاب والثواب من أفعاله، وهما يترتّبان على الموافقة والمخالفة، ولأجل ذلك فسّرها بموافقة الشريعة، كما أنّ الفقيه يهمّه تعيين تكليف المكلّف من الإعادة والقضاء وعدمهما ولذلك فسّرها بسقوطهما.
أقول: الظاهر أنّ الصحّة لغة تارة تستعمل في مقابل المرض ويقال: «مصح ومريض» وقد جاء في الحديث النبوي قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يُوردَنَّ ذو عاهة على مُصحّ» وأُخرى تستعمل في مقابل النقص، فيقال: «صحيح ومعيب»، فالصحّة حسب الملاك الأوّل تطلق على أشياء باعتبار اتّصافها بكيفية ملائمة لنوعها أو باعتبار أثر يترتّب عليه، ويقابله الفساد بمعنى حدوث كيفية منافرة لطبعه أو باعتبار ترتب أثر لا يترقب منه، ولهذا المعنى توصف الدهون والأدوية والمعاجين بالصحّة والفساد. وهنا يكون ملاك الاتّصاف هو الكيفية لا الكمية. والصحّة في هذا القسم بمعنى

صفحه 166
«السلامة» فيقال: سالم وفاسد.
وأمّا الصحّة حسب الملاك الثاني تطلق على الشيء باعتبار تمامية أجزائه، ويقابلها النقص باعتبار نقصان بعض أجزائه، وبهذا الملاك يقسم المتاع إلى الصحيح والمعيب، أو الدابة إلى صحيحة ومعيبة. ويكون الملاك هو كونه تامّاً من ناحية الكمية أي الاجزاء والشرائط وعدمها.
فحصر معنى الصحة في معنى التمام من حيث الاجزاء نوع غفلة عن الملاك الأوّل.
فمثلاً لو صلّى بقراءة ملحونة فقد فسدت صلاته لأجل فقدان الكيفية المطلوبة في الصلاة، وأمّا لو صلّى بلا قراءة فقد فسدت صلاته لأجل فقدان أحد الأجزاء.
ولعلّ في عبارة ابن فارس تصريح بكلا المعنيين، قال:
الصحّة، أصل يدلّ على البراءة من المرض والعيب، وعلى الاستواء من ذلك، فالصحّة ذهاب السقم، والبراءة من كلّ عيب.1 فلابد من تفسير الصحّة على وجه يعمّ كلا القسمين ويمكن ان يقال: التمامية من حيث الكيف والكمّ. أو السلامة من الجهة الأُولى، والتمامية من الجهة الثانية.

الثالث: ما هو المقصود من الوضع للصحيح ؟

هل المراد من الصحيح هو الصحيح بالحمل الأوّلي؟ أو المراد هو الصحيح بالحمل الشائع؟ أو لا هذا ولا ذاك، بل ماهية لو وجدت في الخارج

1 . المقاييس: 3 / 281 .

صفحه 167
لوصفت بالصحّة؟
لا طريق إلى القول الأوّل لاستلزامه كون الصلاة مرادفة لمفهوم الصحّة; كما لا طريق إلى الثاني لاستلزامه أن يكونَ الموضوع له خاصّاً مع أنّ الجميع متّفق على أنّ الموضوع له هو الأمر الكلّي المردّد بين الصحيح أو أعمّ منه ومن غيره، فتعيّن الثالث، أي الماهية الاعتبارية الّتي لو وجدت في الخارج لوصفت بالصحّة، فالصحّة الفعلية من صفات وجودها، والتعليقية من أوصاف الماهية.

الرابع: في دخول الأجزاء والشرائط في المسمّى

الفرق بين الجزء والشرط، هو انّ الجزء داخل في المسمّى قيداً وتقيّداً، أمّا الشرط فداخل تقيّداً لا قيداً، فالوضوء بنفسه غير داخل في المسمّى ولكن الأمر تعلّق بالصلاة متقيّدة بالوضوء.
أمّا دخول الأجزاء فلاشكّ في دخولها. في المسمّى وأمّا الشرائط فهي على قسمين:
شرط شرعي، كالتستر والاستقبال، وشرط عقلي كقصد الأمر، وقصد الوجه، وعدم الابتلاء بالمزاحم، أو عدم تعلّق النهي.
أمّا القسم الأوّل (الشروط الشرعية) فقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى خروجه عن المسمّى قائلاً: بأنّ رتبة الأجزاء رتبة المقتضي، ورتبة الشرائط متأخّرة عن رتبة المقتضي، فلايسوغ إدخالها في المسمّى لتستوي مع الأجزاء .1

1 . مطارح الأنظار: 6 .

صفحه 168
حاصله: أنّ الشروط في طول المشروط فيستحيل أن يقعا في مصاف واحد.
يلاحظ عليه: أنّه خلطٌ بين عالم العين والتكوين وعالم الوضع والتسمية، فما ذكره راجع إلى عالم العين فالمشروط مقدّم على الشرط، لأنّ الشرط إما متمّم لفاعلية الفاعل كالمحاذاة بالنسبة إلى النار، أو لقابلية القابل كالجفاف بالنسبة إلى الحطب.
وأمّا عالم التسمية والوضع فلا مانع من أن يسمّى المتقدّم والمتأخّر بلفظ واحد، وهذا كالموجود فهو يعمّ الواجب والممكن بوضع واحد، ولكن أين التراب من رب الأرباب؟!
هذا حسب الثبوت، وأمّا الإثبات فأدلّة القائلين بالصحيح والأعمّ خير شاهد على دخول الشرائط في المسمّى، مثلاً:
انّ المحقّق الخراساني استدلّ على وضع لفظ الصلاة على الصحيح منها بالآثار المترتّبة عليها في لسان الشرع ; كالنهي عن الفحشاء، ومعراج المؤمن، وقربان كلّ تقي،1 وهذه الآثار تدلّ على أمرين:
1. وضع اللفظ للصحيح دون الأعمّ .
2. دخول الشرائط في المسمّى عند الصحيحي، لوضوح أنّ الصلاة إنّما تنهى عن الفحشاء إذا كانت جامعة للأجزاء والشرائط.
كما أنّ استدلال الأعمّي في الرد على الصحيحي يكشف عن دخول

1 . كفاية الأُصول: 1 / 36.

صفحه 169
الشرائط في المسمّى حيث قال في مقام الرد على الصحيحي: بأنّ القول بالصحيح يلزم تكرار معنى الطلب في الأوامر المتعلّقة بها، لأنّ الأمر بالصحيح حينئذ يرجع إلى الأمر بالمطلوب، إذ هو معنى الصحيح فيكون المعنى أطلب المطلوب .1
ومن المعلوم أنّ المطلوب هو التام جزءاً وشرطاً.
هذا كلّه حول الشروط الشرعية، وأمّا الشروط العقلية فلو قلنا بعدم إمكان أخذ قصد الأمر والوجه في المتعلّق فيلازم خروجه عن المسمّى، لأنّ الغرض من الوضع هو جعل الموضوع متعلّقاً للأمر، فإذا كان بعض الشروط غير قابل لأخذه في المتعلّق يكون أخذه في المسمّى أمراً لغواً .
وأمّا على القول بإمكان أخذه في المتعلّق ـ كما هو الحق ـ فلا مانع من أخذه في المسمّى، غير أنّ الرائج هو أخذ الشروط الدخيلة في الماهية في المسمّى لا الشروط الّتي تُعدّ من توابع الوجود والتحقّق. والأُمور الأربعة الّتي أُشير إليها أشبه بلوازم وجود الصلاة الصحيحة فلا تؤخذ في المسمّى.

الخامس: في لزوم جامع على كلا القولين

يجب وجود جامع بين الأفراد من غير فرق بين القول بالصحيح والقول بالأعمّ، وذلك لوجهين:
1. أنّ الأمر دائر بين الاشتراك اللفظي والحقيقة والمجاز، والاشتراك المعنوي، والأوّلان باطلان لم يذهب إليهما أحد، فلا بد من القول بالثالث

1 . الفصول الغروية: 48.

صفحه 170
الّذي يلازم وجود جامع بين جميع الأفراد الصحيحة، أو بين جميع الأفراد أعمّ من الصحيحة والفاسدة.
2. أنّ الوضع في ألفاظ العبادات إمّا عامّ والموضوع له كذلك، أو الوضع عام والموضوع له خاص، فعلى كلا القولين لابد من جامع، أمّا أن يكون هو الموضوع له كما هو الحال في القول الأوّل أو يكون وسيلة لمشاهدة الموضوع له، أي الافراد لامتناع تصوّر الافراد غير المتناهية بنفسها إلاّ بطريق جامع يكون وسيلة لمشاهدة الأفراد إجمالاً. كما هو الحال في القول الثاني.

السادس: مشكلة الجامع على القول بالصحيح

القائل بوضع ألفاظ العبادات للصحيح منها يواجه مشكلة عسيرة، فهو من جانب يرى أنّ مصاديق العمل الصحيح مختلفة كمّاً وكيفاً.
أمّا الكم كالصلوات الثنائية والثلاثية والرباعية، وصلاة الحاضر والمسافر، والآمن والخائف.
وأمّا الكيف فكصلاة المتوضّئ والمتيمّم والمصح والمريض، والعاجز عن القيام دون الجلوس، والعاجز عن الجلوس دون الاضطجاع.
ومن جانب آخر يرى نفسه أنّه بصدد إثبات أنّ لفظ الصلاة يصدق على جميع هذه المصاديق المختلفة كماً وكيفاً بوضع واحد.
وعند ذلك تتوجه إليه الأسئلة التالية:
1. لو كان لفظ الصلاة موضوعاً للصلاة الرباعية فلا يصدق على الأقل منها، ولو كان موضوعاً للأقل منها فلا يصدق على الكثير.

صفحه 171
2. لو كان لفظ الصلاة موضوعاً لما هو وظيفة المختار كالتوضّؤ لما يصدق على ما هو وظيفة المضطر كالتيمم، مع أنّ الصحيحي يدّعي أنّه يشمل كلا الصنفين بوضع واحد.
3. أنّ بعض مصاديق الصحيح صحيحة في حالة وفاسدة في حالة أُخرى كالثنائية صحيحة في حقّ المسافر وفاسدة في حق غيره. فكيف يمكن تصوير جامع يكون جامعاً لعامة المصاديق ومانعاً لغيرها مع أنّ صلاة المضطر داخلة في الموضوع له في حالة وخارجة عنه في حالة أُخرى؟!
وهذه المشاكل الثلاث هي الّتي يواجهها القائل بالصحيح، ولذلك اختار كلٌ مسلكاً ليتخلّص من تلك الإشكالات، وإليك هذه المسالك:

1. الجامع عند المحقّق الخراساني

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الجامع بين أفراد الصلاة ليس معلوماً باسمه، ولكنّه يمكن الإشارة إليه بخواصّه وآثاره ; قال: فإنّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثر الكلّ فيه بذاك الجامع، فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة مثلاً، بالناهية عن الفحشاء وماهو معراج المؤمن، ونحوهما.1
وقد تخلّص (رحمه الله) عن الإشكال بجعل الجامع بسيطاً ليكون موجوداً في عامّة الصلوات الصحيحة مع اختلافها فإنّها وإن كانت مختلفة من حيث قلّة الأجزاء وكثرتها لكن الجميع مشترك في الاشتمال على المعنى البسيط. وفي

1 . كفاية الأُصول: 1 / 36 .

صفحه 172
الحقيقة، كانت الغاية من اتّخاذ الجامع أمراً بسيطاً هو التخلّص عن تصوير الجامع المركّب الّذي يتعسّر تصويره بين مصاديق مختلفة.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: وجود التعارض بين صدر كلامه والذيل، فالصدر ظاهر في أنّ الموضوع له شيء، والنهي عن الفحشاء ونظيره معرّف له، لكن الذيل ظاهر في أنّ الموضوع له هو نفس الأثر أي الناهية عن الفحشاء، اللّهم إلاّ أن يحمل (حرف الباء) في قوله: بالناهية على السببية، أي بسبب الناهية عن الفحشاء ومن خلالها.
وثانياً: أنّ الهدف من الوضع تفهيم ما قام من المعنى في ذهن الواضع ثم المتكلّم، فلو كان المعنى غير قابل للتفهيم إلاّ بالإشارة إليه بالأثر الخاص كان الوضع له لغواً، اللّهم إلاّ أن يقول بالوضع للأثر مع أنّه لا يلتزم به.
وثالثاً: أنّ استخدام قاعدة الواحد ـ أعني : لا يصدر الواحد إلاّ عن الواحد ـ في المقام غير صحيح، لأنّ مصبّ القاعدة هو المعلول الواحد الشخصي البسيط من جميع الجهات، وأمّا الواحد الّذي فيه جهات كثيرة فليس مجرى للقاعدة، وذلك:
لأنّه قد ثبت في محلّه لزوم وجود الرابطة بين المعلول والعلّة ليصحّ في ظلّها صدور المعلول عنها بسبب تلك الرابطة، وإلاّ فلو صدر المعلول من دون صلة رابطة بينهما يلزم أن يكون كلّ شيء علّة لكلّ شيء.
وعلى ضوء هذه القاعدة لو كان المعلول بسيطاً يجب أن يصدر عن الواحد، فلو صدر عن كثير بأن يصدر تارة من هذا، وأُخرى من ذاك، يلزم أن

صفحه 173
يشتمل المعلول الواحد على حيثيتين مختلفتين يصدر من أحدهما، بحيثية ومن الآخر بحيثية أُخرى، وعندئذ ينقلب الواحد إلى كثير، وهذا خلف. ففرض كون المعلول واحداً بسيطاً لا كثرة فيه يساوق حصر صدوره عن علّة واحدة.
لكن القاعدة ـ كما يوحي برهانها ـ مختصّة بالمعلول الواحد البسيط من جميع الجهات، فإين هي من النهي عن الفحشاء الّذي هو واحد بالنوع حيث إنّ النهي عن الكذب غير النهي عن الغيبة، وكلاهما غير النهي عن النميمة. فالقاعدة صحيحة لكن تطبيقها على المورد غير صحيح.
ورابعاً: أنّ لازم القول بوضع الصلاة للجامع البسيط الموجود في جميع المراتب وإن كان يرفع الاشكال ـ وهو مشكلة وجود الجامع في عامّة مراتب الصحيح أُحادية كانت الصلاة أو ثُنائية أو ثُلاثية أو رُباعية، كانت الصلاة صلاة اختيار أو صلاة اضطرار ـ إلاّ أنّه يوجد الإشكال في مقام آخر وهو لزوم الاحتياط عند الشك في الجزئية والشرطية مع أنّ المشهور هو إجراء البراءة عند الشك فيهما، وتوضيحه:
إنّ مشاهير الأُصوليّين عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للصلاة قالوا بالبراءة بادّعاء انحلال العلم الإجمالي إلى أمر يقيني وشك بدوي، وهذا إنّما يصحّ إذا تعلّق الأمر بأمر مركّب ذي أبعاض حتّى يكون بعضه متيقّناً والبعض الآخر مشكوكاً، والّذي يُعدّ قوام الانحلال، وأمّا إذا كان الأمر متعلّقاً بأمر بسيط وكانت نسبة الأجزاء إليه نسبة المحصِّل إلى المحصَّل يكون المرجع هو الاشتغال لكون المأمور به واضحاً، والشكّ إنّما هو في محقَّقه

صفحه 174
ودورانه بين الأقل والأكثر، ومن المعلوم أنّ العقل يحكم عندئذ بالاحتياط للعلم بالاشتغال القطعي والشك في سقوطه بالأقل، وهذا ما يعبّر عنه تارة «بالشكّ في المحصِّل» أو «الشكّ في السقوط».
نعم أجاب عن هذا الإشكال المحقّق الخراساني في «الكفاية» .1 بما هذا توضيحه: وجود الفرق بين المسبب الّذي له وجود مستقل منفصل عن السبب، وبين المنتزع عن المركّب المتحقّق معه من دون أن يكون له وجود مستقل.
فالأوّل كالطهارة إذا فسّرت بالطهارة النفسانية الّتي تتحقّق بالغسلات والمسحات، فظرف المسبب هو النفس، كما أنّ ظرف السبب هو الخارج، ففي هذا المورد إذا شكّ في حصول الطهارة النفسانية لأجل الشك في اعتبار الاستنشاق في الوضوء وعدمه، يجب الاحتياط، لأنّ الاشتغال اليقيني بالمسبب البسيط، أعني: الطهارة النفسانية، يقتضي البراءة اليقينية ولا يحصل إلاّ بضم الاستنشاق إليه .
والثاني كما في المقام، فإنّ للعنوان البسيط نحو اتّحاد في الخارج مع الأجزاء والشرائط ولا يضر اختلاف المنتزع منه قلّة وكثرة في انتزاعه كالإنسان المنتزع من الإنسان التام والناقص، فوجود هذا الجامع البسيط عين وجود المركبات وليس مغايراً لها حتّى يكون الشك في قلّتها أو كثرتها من قبيل الشكّ في المحقّق.
يلاحظ عليه: أنّ الالتزام بالجامع البسيط بأيّ نحو كان، يوجب

1 . كفاية الأُصول: 1 / 37 .

صفحه 175
الاشتغال لا البراءة، وكون المسبب غير السبب كما في الصورة الأُولى، أو متّحداً معه كما في المقام، لا تأثير له في اختلاف الأصل، وذلك لأنّ متعلّق الأمر هو العنوان الكلّي المنتزع وهو أمر بسيط، لا المنتزع منه الّذي يتّحد فيه الأمران، فمنشأ الخلط تصوّر أنّ الأمر يتعلّق بالوجود الخارجي الّذي يتّحد فيه المنتزع والمنتزع منه، غافلاً عن أنّ الأمر يتعلّق بالعنوان الكلّي الموجود في الذهن لغاية الإيجاد، وهو غيرالمنتزع منه في مقام تعلّق الأمر.

2. الجامع عند المحقّق الاصفهاني

ذكر المحقّق الاصفهاني أنّ الجامع أمر مبهم في غاية الإبهام معرَّف ببعض العناوين غير المنفكّة عنه، وما ذكره قريب ممّا ذكره المحقّق الخراساني، وإليك عبارته:
إنّ الماهية إذا كانت من الماهيات الحقيقية تكون واضحة في مقام الذات ومبهمة من حيث الطوارئ والعوارض، وهذا كالإنسان الّذي هو معلوم جنساً وفصلاً، وإنّما الإبهام في عوارضه المشخّصة.
وإذا كانت الماهية من الأُمور المؤلفة من عدّة أُمور بحيث تزيد وتنقص كمّاً وكيفاً، فمقتضى الوضع لها أن تلاحظ على نحو مبهم في غاية الإبهام بمعرّفية بعض العناوين غير المنفكة عنها، وهذا كالصلاة حيث إنّها مركّبة من ماهيات مختلفة: كالوضع، والكيف والفعل، فلا محيص من وضع اللفظ لسنخ عمل مبهم لا يعرف إلاّ من جانب أثره، وهو النهي عن الفحشاء أو غيره من المعرّفات، بل العرف لا ينتقل من سماع لفظ الصلاة إلاّ إلى سنخ عمل

صفحه 176
خاص مبهم إلاّ من حيث كونه مطلوباً في الأوقات، وهذا هو الّذي تصوّرناه فيما وضعت له الصلاة بتمام مراتبها، من دون الالتزام بجامع ذاتي مقولي، ومن دون الالتزام بالاشتراك اللفظي.
وهذا واقع في العرف في مثل «الخمر» الموضوع لمائع مبهم من حيث مرتبة الإسكار ومن حيث كونه متّخذاً من العنب أو التمر أو غيرهما، ومن حيث كون هذا طعم خاص أو لون مخصوص أو غير ذلك من الجهات .1
يلاحظ عليه:
أوّلاً: بأنّ الموضوع له مع إبهامه وإجماله إمّا مركّب أو بسيط، والبسيط إما جامع مقولي أو جامع عنواني، والمجموع غير تام.
أمّا المركّب فيرد عليه أنّه مردّد بين الأقل والأكثر، فلو وضعت على الأكثر أجزاءً خرج القليل أجزاء عن تحت الصلاة مع كونه صحيحاً في بعض الاحوال كالصلاة الثنائية، وإن وضعت للأقل يخرج الأكثر أجزاءً عن تحتها ; وأمّا البسيط فالمقولي منه غير متصور، لأنّ الصلاة مركّبة من مقولات مختلفة; كالوضع والكيف والفعل، وهي من الأجناس العالية الّتي ليس فوقها جنس.
وأمّا الجامع العنواني الّذي يعبر عنه بالانتزاعي كالناهي عن الفحشاء والمنكر فهو يستلزم خلاف المطلوب، إذ يلزم عليه وجوب الاحتياط عند الشك في الأقل والأكثر حسب ما مرّ تقريبه.
وثانياً: أنّ الخمر موضوع لمفهوم واضح ولمعنى معيّن ـ أعني:

1 . نهاية الدراية: 1 / 39 .

صفحه 177
المسكر ـ غاية الأمر أُخذ لا بشرط من حيث المنشأ ومرتبة الإسكار والطعم. وقد مرّ أنّ وضع اللفظ لمعنى مبهم لا يعرفه الواضع ولا المخاطب خلاف حكمة الوضع، والحقّ أنّه نفس مختار الكفاية غير انّه لم يصرّح ببساطة الجامع.

3. الجامع عند المحقّق النائيني

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ الموضوع له هو خصوص التام من حيث الأجزاء والشرائط كصلاة المكلّف المختار، وإطلاقها على الصلوات الناقصة الاضطرارية إنّما يكون بعد التصرّف في الأمر العقلي، وجعل الصلوات العذرية المجزية مشابهة للصلوات التامّة في الإسقاط وعدم وجوب الإعادة والقضاء وتنزيلها منزلتها من جهة المسقطية والإجزاء، وبعد هذا التنزيل صارت صلوات ادّعائية ثمّ أُطلقت الصلاة عليها .1
وحاصله: أنّ الموضوع له أوّلاً هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط، والاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحي، أو أعمّ منها على الأعمّي، من باب الادعاء والتنزيل، أي تنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة، كما في جملة من الاستعمالات .2
يلاحظ عليه: بأنّه إن أراد من كلامه، وضعَ لفظ الصلاة لمفهوم التامة الأجزاء والشرائط فهو كماترى، إذ يكون عندئذ مفهوم الصلاة معادلاً للتامّة الأجزاء والشرائط مع أنّه غير صحيح قطعاً.

1 . نتائج الأفكار، للمحقّق الشاهرودي: 1 / 93 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 36 .

صفحه 178
وإن أراد ما صدق عليه ذاك العنوان، فمن المعلوم أنّ ما يصدق عليه مختلف من حيث الركعات والأجزاء والشرائط فلو وضعت لقسم واحد يمتنع صدقها على غيره ولا يتصوّر الجامع بين الواجد والفاقد، ومع غض النظر عن هذا الإشكال الأخير فما ذكره من التقريب أقرب إلى الذهن من تقريب العلمين السابقين.

4. الجامع عند المحقّق البروجردي

ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّ الجامع الحقيقي غير متصوّر في المقام ولابد من تصوير جامع عنواني عرضي، يقول في هذا الصدد:
إنّ الجامع المقولي لا يتصور في المقام، فإنّ الأشياء المتباينة، بالذات لا يعقل فرض الجامع بينها بالوحدة الحقيقية الذاتية في مرتبة واحدة من مراتب الصلاة، فكيف بالجامع بين جميع المراتب من الكامل المختار تام الأجزاء والشرائط إلى أنقص المراتب كمية وكيفية؟ فتصوير الجامع الذاتي ممّا لا سبيل إليه .
وأمّا الجامع العرضي فالذي يخطر ببالنا أنّ حال المركبات العبادية كالصلاة والصوم والزكاة وأمثال ذلك حال المركّبات التحليلية كالإنسان ونظائره، فكما أنّ الإنسان محفوظ في جميع أطوار أفراده، زادت خصوصية من خصوصياته أو نقصت منها، فكذلك حال المركبات الاعتبارية العبادية، بمعنى أنّه يمكن اعتبار صورة واحدة تمتاز بها عن غيرها وتكون تلك الصورة، ما به الاجتماع لتمام الأفراد وجميع المراتب، وتكون محفوظة في

صفحه 179
جميع المراحل، وهذا الشيء هو الخشوع الخاص في الصلاة، فإنّ التخشّع الخاص ـ الّذي يكون محصِّل شيئية الصلاة وتصير به الصلاةُ صلاةً ـ محفوظ في جميع أفراد الصلاة ومراتبها المختلفة، وهذا هو المناسب لمقام عبودية العبد بالنسبة إلى مولاه .1
وإن شئت قلت: إنّ جميع مراتب الصلاة بحالها من الاختلاف في الأجزاء والشرائط تشترك في كونها توجّهاً خاصّاً وتخشّعاً مخصوصاً من العبد، ويوجد هذا التوجّه بإيجاد أوّل جزء منها ويبقى إلى أن تتم، فيكون هذا التوجّه بمنزلة الصورة لتلك الأجزاء المتباينة بحسب الذات، المختلفة كمالاً ونقصاً باختلاف المراتب، فالتخشّع بوجوده الخارجي بمنزلة الصورة لهذه الأجزاء، فهو موجود بعين وجودات الأجزاء فيكون الموضوع له للفظ الصلاة هذا المعنى المحفوظ في جميع المراتب .2
فإن قلت: إنّ هذا التقرير لا يدفع الإشكال، لأنّ التخشّع المجرّد عن الأجزاء ليس معنى الصلاة، بل معناه هو التخشّع القائم بالأجزاء والشرائط، فعندئذ إمّا أن يكون الموضوع له هي التامة منهما فلا يصدق على غير التامّة، ولو كان الموضوع له هي غير التامة فلاتصدق على القسم التام.
قلت: إنّ الموضوع له هو التخشّع القائم بالأجزاء والشرائط لكن الّذي يقوم به التخشع لا بشرط من جانبي الكثرة والقلّة وهذا يصحّ صدقه على القليل والكثير.

1 . الحجّة في الفقه للأُستاذ مهدي الحائري وهو تقرير لبحوث المحقّق البروجردي: 1 / 58 .
2 . نهاية الأُصول: 1 / 40 .

صفحه 180
 
5. الجامع عند السيد الأُستاذ
ذهب السيد الأُستاذ إلى أنّ الصلاة اسم للهيئة الخاصة، الحالّة في الأجزاء الخاصة كلّ واحدة منها مأخوذة لا بشرط .
توضيح ذلك: أنّ الواحد الاعتباري يلاحظ على قسمين:
1. قسم تكون الهيئة والمادة متعينتين لا يجوز التجاوز عنهما، وهذا كإطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، قال سبحانه: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)1، فالموضوع هو إطعام عشرة مساكين فالعدد متعيّن فلا يكفي إطعام أقل من العشرة ولا يجوز التجاوز عنها بنيّة الوجوب، وهذا هو المراد من تعيّن العدد الّذي هو بمنزلة الهيئة، كما أنّ المادة ـ أعني: المساكين ـ متعيّنة فلا يجوز إبدالهم إلى الأقرباء والأصدقاء والجيران إذا لم يكونوا مساكين.
2. ما تكون الهيئة والمادة كلتيهما لا بشرط أي يجب أن تكون فيه هيئة ومادة ما، دون أن تكون فيه خصوصية وهذا كالبيت فيطلق على المثلث والمربع وغيرهما، كما يطلق على المبنيّ باللبن والآجر والاسمنت فاللازم فيه كونه محافظاً عن البرد والحر بأي شكل كان وبأي مادة بُني. ونظير ذلك السيارة ومعامل النسيج فاللازم ترتب الغاية المطلوبة من السير والنسج، وأمّا الهيئة والمادة فكلتاهما غير متعينتين .

1 . المائدة: 89 .

صفحه 181
وعلى ضوء ذلك يمكن أن يقال: إنّ الصلاة عبارة عن الهيئة الخاصة الّتي تحكي عن عبودية الفاعل وخضوعه وخشوعه أمام الله سبحانه مقرونة بمواد كالذكر والقرآن والركوع والسجود لكن على النحو اللابشرط الصادر على الميسور منها .
فالصورة الاتصالية للصلاة بمنزلة الهيئة، والذكر والقرآن وسائر الأفعال بمنزلة المادة، وكل أُخذ على النحو اللابشرط دون أن يتحدّد واحد منهما، فإذا قيل الصلاة، يراد بها الهيئة الخاصّة اللابشرط، الحالّة في الاجزاء الخاصة، وتتحد الهيئة مع الاجزاء اتحادَ الصورة والمادة .1
وبذلك تندفع كل المحاذير الّتي كان الصحيحي يواجهها، وذلك لأنّه لو كانت الهيئة والمادة متعينتين لما صدقت الصلاة على الخارج منهما مع أنّها أيضاً صلاة، وإذا أُخذ كلّ منهما لا بشرط وغير متعيّن يصدق على الثنائية والثلاثية والرباعية، كما يصدق على صلاة المختار والمضطر، وذلك لأنّ كلاً من الهيئة والمادة غير محدّدين بهيئة ومادة خاصة، بل المأخوذ منهما هو العرض العريض فالركوع والسجود من الهيئة والأذكار والقرآن من المادة أجزاء للصلاة لكن بعرضها العريض الصادق على الميسور منها.
كما أنّ مشكلة لزوم الاحتياط عند الشك في الجزئيّة مرفوعة، وذلك لأنّ الشك في جزئية شيء وعدمها شك في تقيّد الهيئة والمادة بالمشكوك والأصل عدمه.
إذا أمعنت النظر في هذا التقريب يظهر لك مفاد التقريبين الآخرين:

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 106 ـ 109 .

صفحه 182
أحدهما للسيد الطباطبائي، والآخر للسيد الخوئي، وكأنّ الجميع يوحي إلى معنى واحد، وقد استمد الأوّل في تقريب كلامه بمثال المصباح الّذي تطوّرت مصاديقه من الاستضاءة بإشعال الأشواك ثم المصباح الزيتي ثم الغازي ثم الكهربائي، والجميع مصاديق للمصباح، وما هذا إلاّ لأنّ الواضع وضع لفظ المصباح لما يُضيء حوله على نحو اللابشرط في الأدوات والآلات .
وقد استخدم السيد الخوئي التمثيل بلفظ (البيت) والجميع يشير إلى تقريب واحد، رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الباقين منهم.
إذا تبيّن ذلك فنحن في غنى عن إفاضة القول في الجامع الّذي ذكره القائل بالأعم ، وقد فصل الكلام فيه في الكفاية وإنّما المهم بيان ما هو الحق من أحد القولين، فنقول:

أدلّة القائلين بالوضع للصحيح

استدلّ المحقّق الخراساني على مختاره وهو الوضع للصحيح بأُمور:
1. التبادر.
2. صحة السلب.
3. ترتّب الآثار على الصحيح.
4. نفي الحقيقة بانتفاء بعض الأجزاء.
5. ديدن العقلاء في وضع الألفاظ.
وإليك دراسة هذه الأدلّة:

صفحه 183
 
الأوّل: التبادر
إنّ المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح; ولمّا كان المختار عند المحقّق الخراساني هو إجمال مفهوم الصلاة، توجّه إليه إشكال يختصّ بمقالته ومقالة تلميذه المحقّق الاصفهاني القائلين بإجمال مفهوم الصلاة، وانّها لاتعرف إلاّ بآثارها.
وحاصل الإشكال: أنّه كيف يمكن الجمع بين تبادر الصحيح والقول بإجمال مفهومها وعدم تبيّنها؟ فأجاب عنه بقوله: ولا منافاة بين دعوى ذلك وبين كون الألفاظ على هذا القول مجملات، فإنّ المنافاة إنّما تكون إذا لم تكن معانيها على هذا الوجه مبيّنة بوجه. وقد عرفت كونها مبينّة بغير وجه .
يلاحظ عليه: أنّ التبادر عبارة عن فهم المعنى من ذات اللفظ وحاقّه بلا استعانة بقرينة خارجية، أو من آثاره وخواصه، فعلى ضوء ذلك فإنّ معنى الصلاة غير واضح عند المستدلّ، بل هو مبهم غاية الإبهام وإن كان معلوماً من جانب الآثار فحينئذ نقول:
إمّا أن يكون التبادر من حاق اللفظ، وهو غير صحيح، لأنّ المفروض أنّه مجمل لا يتبادر منه شيء، وإن كان التبادر من خلال آثاره وخواصه فالتبادر يرجع إلى الدليل الثالث ولا يكون دليلاً مستقلاً.
والحاصل : أنّ التبادر إمّا غير محقّق، أو محقّق من خلال آثاره وخواصه ; فالأوّل لا يحتجّ به، والثاني يرجع إلى الدليل الثالث.
ويمكن أن يقال: إنّ التبادر من خلال الآثار لا يثبت المدّعى من وضع

صفحه 184
الصلاة للصحيح ; لأنّ التبادر عندئذ يرجع إلى تقييد الصلاة بآثارها. ومن المعلوم أنّه لا يتبادر من الصلاة الموصوفة بالصحّة إلاّ الصلاة الصحيحة. وإنّما يثبت إذا كان تبادر الصحّة من حاق اللفظ.

الثاني: صحّة السلب

استدلّ بصحّة سلب الصلاة عن الصلاة الفاسدة، بأن يقال الصلاة الفاسدة ليست بصلاة.
ولو أُطلق على الصلاة الفاسدة لفظ الصلاة فإنّما هو بالعناية.
يلاحظ عليه: ماذا أراد بقوله: «ليست بصلاة» فهل أراد الصلاة المجرّدة من كلّ قرينة خارجية وداخلية، فالمفروض أنّها مبهمة مجملة غير واضحة، فكيف تسلب عن الصلاة الفاسدة؟!
وإن أراد الصلاة المتبينة من طريق الخواص والآثار، أعني: النهي عن الفحشاء فيكون المسلوب الصلاة حين كونها ناهية عن الفحشاء، ومن المعلوم أنّ سلب الأمر المقيد لا يكون دليلاً على كون استعماله في المسلوب عنه مجازاً، فإنّ الدليل على المجازيّة، السلب المطلق .
وبعبارة أُخرى: أنّ قولنا: الصلاة الفاسدة ليست صلاة ناهية عن الفحشاء، دليل على أنّ الفاسدة ليس من مصاديق الصحيحة، وأمّا أنّها ليست من مصاديق الصلاة مطلقاً فلا يدلّ عليه .
هذا وإنّما يرد على كلا الدليلين إشكال آخر وهو:
إنّ المطلوب هوالعلم بما يتبادر من الصلاة في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 185
والمعصومين(عليهم السلام)لا ما هو المتبادر في أعصارنا، والتبادر حالياً أو صحّة السلب كذلك لا يكشف عن المعنى المتبادر في أعصارهم.
نعم لو قلنا بأصالة عدم النقل يثبت بفضل هذا الأصل كون المتبادر حالياً هو المتبادر في الأعصار السابقة، وإلاّ يلزم النقل والأصل عدمه، وعندئذ لا يكون التبادر أو صحّة السلب دليلاً مستقلاً وإنّما يكون دليلاً بضميمة أصل عقلائي آخر وهو أصالة عدم النقل .
إلى هنا تمّت دراسة الدليلين فلندرس الدليل الثالث .

الثالث: ترتب الآثار على الصحيح

وردت في الآيات والروايات آثارٌ وضعية للصلاة والصوم، قال سبحانه: (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ)1.
وقال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):
1. الصلاة عمود الدين. 2
2. الصلاة معراج المؤمن .3
3. الصوم جُنّة من النار .4
ثم إنّ الموضوع يحتمل أحد أُمور ثلاثة:
أ. الطبيعة المطلقة الشاملة لعامة الأفراد.

1 . العنكبوت: 45 .
2 . الكافي: 3 / 99، باب النفساء، الحديث 4.
3 . جواهر الكلام: 7 / 2 ; بحار الأنوار: 79 / 303 ; تفسير الرازي: 1 / 266 .
4 . الكافي: 4 / 62، باب ما جاء في فضل الصوم والصائم، الحديث 1 .

صفحه 186
ب. الطبيعة المهملة الّتي تلازم الجزئية.
ج. الفرد الصحيح منهما.
والاستدلال مبني على إرادة المعنى الأوّل دون الأخيرين.
فلو أُريد المعنى الأوّل ثبت المطلوب، إذ عندئذ يدلّ على أنّ طبيعة الصلاة تلازم هذه الآثار الّتي لا تنفك عن الصحّة وينتج أنّ الفاسدة بما أنّها تفقد هذه الآثار، ليست بصلاة.
وأمّا المعنى الثاني ـ أعني: المهملة ـ فهو لا يثبت المطلوب ; لأنّ الملازمة بين النهي عن الفحشاء وبعض مصاديق الصلاة لا يثبت أن الصلاة مطلقاً كذلك، لإمكان أن يكون الأثر لبعض المصاديق .
ومنه يظهر حال المعنى الثالث ـ أعني: الفرد الصحيح ـ فهو أيضاً لا يثبت المطلوب.
فإن قلت: لا محيص من حمل الموضوع على المعنى الأوّل، لأنّ حمله على المعنى الأخير ينافي اصالة الاطلاق.
قلت: إنّ مصبّ الأصل المذكور فيما إذا شك في المعنى المراد وهو معلوم أعني الصلاة الصحيحة، وأمّا إذا علم المراد وشك في كيفية الإرادة فلا يستدلّ بهما كما هو الحال في المقام حيث إنّ المراد معلوم وأنّ هذه الآثار للصلاة الصحيحة لا الفاسدة، وإنّما الكلام في وضع الصلاة وأنّها هل وضعت للصحيح أوّلاً، واستعملت في الفاسد ثانياً مجازاً، أو أنّها وضعت للأعم واستعملت في الفاسد على وجه الحقيقة فلا يستكشف بالأصل كونها موضوعة للصلاة الصحيحة وان استعمالها في الفاسد مجازٌ.

صفحه 187
وربّما يورد على الاستدلال بما حاصله:
إنّ هذه الآثار إنّما تترتّب على الصلاة إذا انضم إليها قصد القربة، وإلاّ فلا تكون معراجاً وناهية، ولم يقل أحد بدخول هذا الجزء في مدلول الصلاة، وعندئذ تكون الصلاة بالنسبة إلى هذه الآثار مقتضية، لا علّة تامّة، والاقتضاء كما هو موجود في الصحيحة موجود في الفاسدة غاية الأمر أنّها في الأُولى أقرب إلى الآثار .
يلاحظ عليه: بأنّ المراد من الصحيح ليس العلّة التامة من جميع الجهات، بل المراد العلّة التامّة من غير جانب الجزء العقلي، بمعنى أنّه لو انضم إليه هذا الجزء لكان يلازم هذه الآثار، وهذا متحقّق في القول بالصحيح لا في القول بالأعم، إذ على هذا القول اللفظ موضوع لماهية حتّى لو انضم إليها هذا الجزء لما ترتبت عليه هذه الآثار، فوصف الصلاة بأنّها علّة تامة لهذه الآثار صحيح على القول بالصحيح لا على القول بالأعم .

الرابع: نفي الحقيقة بانتفاء بعض الأجزاء

ورد في الروايات نفي الصلاة بانتفاء بعض الأجزاء، مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» 1، فيدور الأمرُ بين أُمور ثلاثة:
أ. نفي الحقيقة.
ب. نفي الصحّة.
ج. نفي الكمال.

1 . عوالي اللآلي: 1 / 196، الحديث 2 .

صفحه 188
فلو أُريد الأوّل فهو يلازم القول بالصحّة ويدلّ على أنّ الصلاة الفاقدة للجزء ليست بصلاة حقيقة.
ولو أُريد الثاني أو الثالث لا يكون دليلاً على المطلوب، لكن إرادة المعنيين يخالف أصالة الحقيقة، لأنّ «لا» وضعت لنفي الجنس لا لنفي الصحّة.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: بأنّ أصالة الحقيقة حجّة فيما إذا كان الشك في نفس المراد لا ما إذا عُلم المراد كما في المقام حيث إنّ الغرض ـ أعني: نفي الصحة ـ معلوم، كما هو الحال في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» ; والشك في كيفية الوضع، وأنّه هل وضع للصحيح حتّى يكون النفي على وجه الحقيقة، أو وضع للأعم حتّى يكون النفي على وجه المجاز، إذ الأصل عندئذ يصير ذريعة لاستكشاف الوضع وكيفية استعمال اللفظ. وقد عرفت عدم صحّة استخدامه في هذا المجال.
وثانياً: نفترض أنّ المراد نفي الحقيقة كما هو الظاهر، إذ لو أُريد غيره لنزل الكلام عن ذروة البلاغة إلى مستوى الكلام العادي. ولكن فرق بين نفي الحقيقة حقيقةً، وبين نفيها ادّعاءً، والأمثلة من قبيل القسم الثاني. والاستدلال مبني على كون نفي الحقيقة على الوجه الحقيقي وهو غير ثابت في نظير هذه التراكيب، مثل: «لا رضاع بعد فطام» أو «لا نكاح إلاّ بولي».
فظهر أنّ هذه الوجوه الأربعة ليست ناجعة، بقي الكلام في الدليل الخامس، وإليك بيانه.

صفحه 189

الخامس: ديدن العقلاء في وضع الألفاظ

إنّ هذا الدليل مركّب من عدّة مقدّمات، هي:
أ. إنّ طريقة العقلاء في وضع الألفاظ هي وضعها للصحيح.
ب. انّ الداعي إليه هو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح.
ج. انّ هذه الحكمة أيضاً موجودة في وضع الشارع.
د. لا يصحّ التخطّي عن هذه الطريقة .1
يلاحظ عليه: بمنع المقدّمة الثانية وهو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح، فإنّ الحاجة إلى تفهيم الفاسد ليست بأقل من العكس.
والأَولى أن يقرر الدليل بنحو آخر، وهو:
إنّ الغاية تحدّد فعلَ الفاعل، فلا يتصوّر أن يكون الفعل أوسع من الغرض والهدف، فالسفر لغاية زيارة الصديق يتحدّد بتلك الغاية، وإرادة السفر في إطار أعمّ من هذا لا يصدر من الفاعل الحكيم.
وعلى ضوء هذا فنقول: إنّ الشارع اخترع الصلاة لغاية خاصّة، وهي تهذيب الإنسان وتربيته، ومن المعلوم أنّ تلك الغاية من نتائج الصلاة التامة لا الناقصة، ومن آثار الصلاة الصحيحة لا الفاسدة، فإذا كان الداعي للاعتبار هو تهذيب الإنسان وتربيته فيتحدّد فعله (أي اعتباره ماهية الصلاة) بتلك الغاية، فينتج أنّ ما هو المعتبر عند الشارع هو الصلاة الصحيحة لترتّب الغرض عليه فقط، وطبيعة الحال أن يكون المسمّى هو نفس المعتبر بأن يكون اللفظ

1 . كفاية الأُصول: 1 / 26 .

صفحه 190
موضوعاً لنفس ما اعتبره لا لأعم منه.
بقي الكلام في أمر آخر: وهو أنّ هذه البحوث فرع القول بالحقيقة الشرعية، وأنّ الشارع نقل هذه الألفاظ من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية، وقد عرفت أنّه غيرثابت، بل الثابت غير هذا وانّ هذه الألفاظ كانت حقيقة عرفية في هذه المعاني قبل بزوغ شمس الإسلام وأنّ الوحي الإلهي اتّبع تلك الطريقة دون أن يحدث وضعاً جديداً، فعند ذلك يجب أن يقال: إنّ هذه الألفاظ وضعت للصحيح عند العرب قبل الإسلام، والشارع اتّبع تلك الطريقة ولكنّه أضاف أجزاء وشروطاً بدليل منفصل، فيكون الموضوع له والمستعمل فيه هو الصحيح في المعنى الرائج في تلك الأزمنة.

أدلّة القول بالوضع للأعم

إنّ القائل بالأعم لا محيص له من أن يتصوّر جامعاً يشمل كلا الفردين الصحيح والفاسد. وقد ذكروا لتصوير الجامع وجوهاً مذكورة في الكفاية مع نقدها، فالأولى صرف عنان البحث إلى ما أقاموا من الأدّلة على أنّ لفظ الصلاة موضوع للأعم، وإليك دراستها:
1. التبادر
2. عدم صحّة سلب الصلاة عن الفاسدة
وبما أنّ هذين الدليلين وجدانيان، بشهادة أنّ الصحيحي يدّعي العكس، فلا نخوض فيهما.
3. صحّة التقسيم إلى الصحيحة والفاسدة، والمقسم يجب أن يكون

صفحه 191
موجوداً في الأقسام.
والإجابة عنه واضحة، لأنّ التقسيم حسب أعصارنا لا حسب عصر التسمية، اللّهم إلاّ أن يدعم بأصالة عدم النقل.
وبالجملة هذه الأدلّة غير مهمة، والمهم ما نذكره تالياً.
4. حديث الولاية
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «بُني الإسلامُ على خمس: الصلاة، والزكاة، والحجّ، والصوم، والولاية، ولم ينادَ أحد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بالأربع وتركوا هذه، فلو أنّ أحداً صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة» .1
وجه الاستدلال: أنّه لو كانت ألفاظ العبادات أسام للأعم لصح وصفهم بالأخذ بالأربع، وأمّا على القول بوضعها للصحيح فيلزم عدم الأخذ بالخمسة لا خصوص الخامس.
يلاحظ عليه: أنّ في عبادة غير الإمامي قولين2:
1. قول بالصحّة ولكن غير مقبولة فلا يثاب عليها.
2. قول بالبطلان والفساد.
فعلى القول الأوّل يصح قوله (عليه السلام): «فأخذوا بالأربع» أي صلّوا وصاموا... صحيحاً، إنّما الإشكال على القول الثاني: أنّ عباداتهم فاسدة وباطلة، فلا يصحّ إلاّ على القول بالأعمّ.

1 . الكافي: 2 / 19، باب دعائم الإسلام، الحديث 5.
2 . لأجل الوقوف على أدلة القولين، لاحظ الوسائل: 1، الباب 21 من أبواب مقدمة العبادات. فيما ورد تحت رقم 2، 4، 5، 8، تدلّ على صحّة عباداتهم ولكن لاتقبل ولا يثابون عليها.

صفحه 192
فالجواب عن الاستدلال عندئذ أنّ المراد من الصحيح هو التام من حيث الاجزاء والشرائط، والمراد من الشرائط ما هو شرط لنفس الماهية فهي داخلة في المسمّى. وأمّا الشرائط العامّة للصحّة كقصد القربة والإسلام والاعتقاد بالولاية فهي شرائط لكلّ العبادات لا لخصوص الصلاة فليست داخلة في المسمّى، فعندئذ يصح أن يقال: ـ حتّى على القول ببطلان عباداتهم ـ إنّهم أخذوا بالأربع، أي صلّوا صلاة تامّة الأجزاء والشرائط وإن كانت باطلة من حيث فقدان الشرائط العامة، لكن فقدانها لا يكون ملازماً لعدم صدق المسمّى، بل هو صادق مع عدم هذه الشرائط، لأنّها شرائط عامّة خارجة عن التسمية.
5. الحديث النبوي
روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال لجارية كانت تعرف أيام حيضها «دعي الصلاة أيام أقرائك» .1
وجه الاستدلال: أنّ النهي مولوي فلا يصحّ ذلك النهي إلاّ إذا كان المنهي عنه مقدوراً للمكلّف، فلو أُريد الصلاة الصحيحة لزم تعلّق النهي بشيء خارج عن القدرة، لأنّ صلاتها باطلة. وأمّا لو أُريد الأعم فهي مقدورة حتّى بعد النهي المولوي.
يلاحظ عليه: بأنّ النهي في المقام إرشادي وليس بمولوي فلا يشترط فيه قدرة المكلّف على الفعل، فالحديث بصدد بيان كون الحيض مانعاً عن صحّة الصلاة فهو إرشاد إلى المانعية وتنبيه للمكلّفة بأن تترك الصلاة، وذلك

1 . الكافي: 3 / 88 ، باب جامع في الحائض والمستحاضة، الحديث 1 .

صفحه 193
لعدم الثمرة والفائدة منها حتّى لو أنّها أتت بها كان عملاً غير مجد، اللهم إلاّ أن تكون كيفية العمل مظهراً للبدعة والتشريع فتكون حراماً من باب التشريع .
6. صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان مكروه
لا شبهة في صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان مكروه، وحصول الحنث بفعلها. فلو كانت الصلاة المنذور تركُها موضوعة لخصوص الصحيحة لزم إشكالان:
الأوّل: عدم إمكان حنث الحلف، لأنّ الحنث يتحقّق بالصلاة الصحيحة، وهي غير مقدورة بعد نهي الشارع.
الثاني: يلزم المحال، لأنّ المنذور حسب الفرض تعلّق بالصحيحة، ومع النذر لا تقع صحيحة، فيلزم من فرض تعلّق النذر بالصحيحة عدم صحّتها.
وقد أجاب المحقّق الخراساني عنه بوجهين:
أ. لو صحّ ذلك لاقتضى عدم صحّة تعلّق النذر بالصحيح لاعدم وضع اللفظ له شرعاً.
ب. أنّ الفساد من قبل النذر لا ينافي صحّة متعلّقه، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها.1
أقول: أمّا الجواب الأوّل فواضح، وأمّا الجواب الثاني فحاصله أُمور ثلاثة:
1. النذر منعقد.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 48 .

صفحه 194
2. الصلاة باطلة.
3. الحنث متحقّق .
وذلك لأنّ متعلّق النذر هو الصحيح قبل النذر لا الصحيح بعده، فالنذر منعقد لكون الصحيح قبل النذر أمر مقدور للناذر حتّى بعد النذر، والصلاة باطلة لتعلّق النهي بها بعد النذر، والحنث متحقّق لأنّه نذر أن يترك الصلاة الصحيحة قبل تحقّق النذر والمفروض أنّه أتى بها وحنث بنذره.
وإن شئت قلت: إنّ متعلّق النذر هو الصحيح لولا النذر، لا الصحيح مطلقاً، والصحيح لولا النذر أمر متحقق وفي الوقت نفسه باطل والحنث متحقّق .
وبعبارة ثالثة: النذر متعلّق بالصحيح النسبي، أي الصحيح في حدّ نفسه لا الصحيح من الجهات الطارئة عليه، فيرتفع المحذوران، أعني:
1. عدم إمكان حنث الحلف.
2. لزوم عدم الشيء من فرض وجوده .
نعم لو تعلّق النذر بترك الصلاة الصحيحة من جميع الجهات يُمنع من صحّة تعلّق النذر به.
ثم إنّ للمحقّق البروجردي إجابة ثانية عن الاستدلال، وحاصلها: عدم صحّة النذر، وذلك لأنّه يشترط في صحّة النذر وجود الرجحان عند نذر الفعل ووجود الحزازة الذاتية عند نذر الترك، ولكن الصلاة في الحمام فاقدة لهذا الشرط، إذ ليست الكراهة بمعنى وجود الحزازة في فعلها، بل المراد كونها أقل ثواباً من الصلاة في البيت، ومثل هذا لا يصحّ تعلّق النذر بتركه، ولو

صفحه 195
كان هذا ملاكاً لصحّة تعلّق النذر لزم صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في البيت، إذ هو أقل ثواباً بالنسبة إلى المسجد، وهكذا هو بالنسبة إلى المسجد الحرام.1
يلاحظ عليه: أنّ الكراهة في المقام هي من قبيل القسم الثاني، أي كونها ذات حزازة، فإنّ الحمام محل الأوساخ والقذارات، فإقامة الصلاة فيها أشبه بسقي المولى بماء عذب في وعاء قذر، فقياس الصلاة في الحمام بالصلاة في البيت قياس مع الفارق، ولذلك يتعلّق النذر بتركها في الحمام دون الثاني.

إجابة ثالثة عن الاستدلال

وهناك جواب ثالث أفاده المحقّق الحائري وتبعه سيدنا الأُستاذ وحاصل كلامهما: أنّ النذر صحيح، والصلاة صحيحة بعد النذر، والحنث واقع.
أمّا الأوّل: فلما عرفت من وجود الحزازة في الصلاة المأتي بها في الحمام، فهذه المرجوحية الذاتية تصحّح تعلّق النذر بتركها كما يصح تعلّق النذر بترك سائر المكروهات.
وأمّا الثاني: فهو مبني على صحّة اجتماع الأمر والنهي عند اختلاف متعلّقهما، حيث إنّ الأمر بصلاة الفجر تعلّق بطبيعة الصلاة، والنهي تعلّق بحنث النذر فقط، ولا تعارض بينهما غير أنّ الصلاة في الحمام مصداق حقيقي للصلاة ومصداق عرضي للحنث، فلا مانع من أن تكون الصلاة

1 . نهاية الأُصول: 1 / 4 .

صفحه 196
واجبة لأجل انطباق عنوان الصلاة، ومحرمة لأجل انطباق الحنث عليها.
وأمّا الثالث: أي تحقّق الحنث، لأنّ تلك الصلاة صحيحة بالفعل، والنهي لم يتعلّق بذات العبادة وإنّما تعلّق بعنوان خارج عنها ومثله لا يسبب كون الصلاة باطلة، وإنّما يوجب البطلان إذا تعلّق بذاتها أو بجزئها أو بشرطها لا بعنوان خارجي منطبق عليه .
تمّ الكلام في أدلّة القائلين بوضع ألفاظ العبادات للصحيح والأعمّ، وقد عرفت ما هو الحق فلندرس ثمرات المسألة.

صفحه 197
 
ثمرات المسألة
قد ذكرت للمسألة ثمرات أربع ندرسها واحدة بعد أُخرى:

الأُولى: جواز التمسّك بالإطلاق عند الشك

إذا شُك في جزئية شيء أو شرطيته يجوز التمسّك بالإطلاقات اللفظية على القول بالأعم دون القول بالصحيح، وذلك لأنّه يشترط في التمسّك بالإطلاق إحراز الموضوع وتعلّق الشك بأُمور خارجة عن حقيقة الموضوع وهذا الشرط موجود في القول بالأعمّ، لأنّ المسمّى عبارة عن الأركان الأربعة مثلاً وهو محرز، وإنّما الشك في أُمور خارجة عنه كالشك في جزئية الاستعاذة للصلاة فيتمسّك بإطلاق قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ)وتُنفى جزئيته.
على خلاف القول بالصحيح حيث إنَّ الموضوع ـ على ذلك القول ـ غير محرز، لأنّه إذا كانت الاستعاذة جزءاً للصلاة يكون مرجع الشك في الجزئية إلى صدق الموضوع وعدمه.
وإن شئت قلت: إنّ الأعمّي يُقسِّم الأجزاء والشرائط إلى ما هودخيل في المسمّى وإلى ما هو دخيل في المأمور به، فالاستعاذة عنده ليست دخيلة في المسمّى فيكون الموضوع محرزاً، إنّما الشك في مدخليتها في المأمور به.
وأمّا الصحيحي فليس عنده من هذا التقسيم عين ولا أثر فهو يُدخل الأجزاء والشرائط كلّها تحت المسمّى والمأمور به عنده هو نفس المسمّى،

صفحه 198
فالشك في كون شيء شرطاً أو جزءاً للمأمور به، شك في كونه داخلاً في المسمّى أو لا، فيكون مرجع الشك إلى صدق الموضوع وعدمه.
وقد رُدّت هذه الثمرة بوجوه:
1. أنّ القائل بالصحيح وإن حُرم من الإطلاقات اللفظية ولكن في وسعه أن يتمسّك بالإطلاقات البيانية الّتي وردت في باب الوضوء والصلاة ; أمّا الوضوء فقد روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «ألا أحكي لكم وضوء رسول الله؟» فقلنا: بلى .
فدعا بقعب فيه شيء من ماء... الخ .1
حيث قام بتجسيد وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بفعله وبيانه .
وأمّا الصلاة: فقد روى حمّاد بن عيسى عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدةً بحدودها تامّة» إلى أن قال: فقام أبو عبد الله (عليه السلام)مستقبل القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه، قد ضمّ أصابعه... الخ .2
فإذا شك في جزئية المضمضمة والاستنشاق للوضوء أو الاستعاذة للصلاة، يتمسّك بالإطلاق الوارد فيهما.
يلاحظ عليه: أنّ الثمرة تدور مدار صحّة التمسّك بالإطلاقات اللفظية، وأمّا صحّة التمسّك بالإطلاقات البيانية فهو خارج عن موضوع البحث ولا يضر بالثمرة.

1 . الوسائل: 1 ، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 4 ، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 1، ولاحظ الباب 17، الحديث 1 و 2 .

صفحه 199
2. إنها عديمة الفائدة، لأنّ المطلقات الواردة في الكتاب غير صالحة للتمسك بها، لأنّه يشترط في صحّة التمسّك ـ مضافاً إلى إحراز الموضوع ـ كون المتكلّم في مقام البيان لا في مقام بيان أصل التشريع، ولذلك لا يجوز التمسّك بقوله: «الغنم حلال»، على حلّية الشاة المغصوبة أو الموطوءة وغير ذلك، لأنّ المتكلّم في مقام بيان حكم طبيعة الشاة لا في مقام بيان حكمها من حيث طروء العوارض والخصوصيات .
يلاحظ عليه: بأنّ الاعتراض على إطلاقه ليس بصحيح، إذ انّه يوجد بين الإطلاقات اللفظية الواردة في الكتاب والسنّة في مورد العبادات ما يكون في مقام البيان فيصحّ التمسّك به كما في آية الصوم، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ )1، فالآيةُ في مقام البيان بشهادة أنها تأخذ ببيان الجزئيات والتفاصيل، ثم يقول: (أَيَّامًا مَعْدُودَات فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ )2، كما أنّها تأخذ ببيان مبدأ الإمساك ونهايته حيث تقول: (َ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ)3، فعلى هذا فلو شك في مدخلية ترك الارتماس في حقيقة الصيام فعلى القول بالصحيح يكون مرجع الشك إلى صدق المسمّى، وأمّا على القول بالأعم يكون مرجع الشكّ إلى جزئية أو شرطية أمر زائد وراء المسمّى، لأنّ الصوم عنده هو الإمساك عن الأكل والشرب وهو متحقّق حتّى مع الارتماس في الماء فيتمسّك بإطلاق الآية

1 . البقرة: 183 .
2 . البقرة: 184 .
3 . البقرة: 187 .

صفحه 200
ويثبت عدم مدخليته.
3. أنّ الأعمّي أيضاً لا يصحّ له التمسّك بالإطلاقات اللفظية لوجود الفرق بين المسمّى والمأمور به، فالمسمّى وإن كان الأعم لكن المأمور به هو الصحيح، فإذا شُك في جزئية الاستعاذة فهو وإن لم يكن شكّاً في صدق المسمّى ولكنّه شكٌ في صدق المأمور به، لأنّ المأمور به هي الصلاة الصحيحة.
يلاحظ على هذا الاعتراض: بأنّه ناش من الخلط بين كون المأمور به عند القائل بالأعم ذات الصحيح من الصلاة أو الصلاة المقيدة بعنوان الصحيح، فالصحيح في الأوّل عنوان مشير إلى أجزاء الصلاة وشرائطها المأمور بها، وهو في الثاني قيد للمأمور به، فعلى الأوّل يكون الموضوع محرزاً لأجل القول بالوضع للأعم ويصح التمسّك بالإطلاق، وإنّما الشك في جزئية شيء للمأمور به وعدمه فينتفي بفضل الاطلاق، وأمّا على الثاني فالموضوع عنده وإن كان محرزاً أيضاً لكن الإشكال يطرأ من جانب آخر، لأنّ المأمور به مقيّد بعنوان لا يمكن إحرازه إلاّ بالإتيان بالمشكوك حيث إنّ المطلوب هو الصلاة مضافاً إلى عنوان الصحيح ولا يُحرز العنوان إلاّ بالإتيان بالمشكوك.
وبهذا تكون الثمرة موجودة والاعتراضات الثلاثة عليها غير واردة.
نعم يرد على هذه الثمرة إشكالان آخران:
الأوّل: أنّ الموضوع محرز حتّى على القول بالوضع للصحيح لما مرّ من أنّ الصلاة ليست من مخترعات الشريعة الإسلامية، بل كانت موجودة

صفحه 201
بين العرب قبل الإسلام، وإنّما تصرّف فيها الشارع بإضافة شيء أو حذفه. فيكون الموضوع له ما هو الصحيح عند العرب لا الصحيح عند الشارع فيجوز التمسّك بالإطلاق لصدق الموضوع والشك في عوارضه وخصوصياته.
الثاني: أنّ ما ذُكر ليس ثمرة أُصولية، لأنّ الثمرة الأُصولية ما تقع كبرى في عملية الاستنباط، وأمّا المقام فإنّ غايته كشف وجود الإطلاق على القول بالأعمّ دونه على الصحيح، وهذا أشبه بمبادئ المسائل الفقهية، فالقول بوجود الإطلاق على الأعم دون الصحيح كالقول بوجود الخبر في موضوع دون موضوع فلايعد ثمرة لمسألة أُصولية .

الثمرة الثانية: التمسّك بالبراءة على القول بالأعمّ فقط

قد تقدّم عند البحث عن أدلّة القول بالصحيح توضيح هذه الثمرة، وقلنا: إنّ القولين أمام البراءة سيّان، وليس جريان البراءة من خصائص القول بالأعم، بل تجري على القول بالصحيح، بشرط أن لا يكون الجامع بسيطاً، فلاحظ.

الثمرة الثالثة: في مورد النذر

إذا نذر الرجل أن يعطي ديناراً للمصلّي فعلى القول بوضعها للصحيح لا يفي بنذره إلاّ إذا دفع لمن صلّى صلاة صحيحة بخلافه على القول الآخر فتبرأ ذمّته بالدفع إلى كلّ من صلّى، صحيحة كانت صلاته أم فاسدة.

صفحه 202
يلاحظ عليه: أنّ وجوب الإعطاء تابع لنيّة الناذر، لا لكيفية الوضع، فلو نوى أن يدفع الدرهم لمن صلّى صلاة صحيحة، لما صحّ له الدفع لمن يصلّي صلاة فاسدة، وإن كان الوضع للأعمّ. كما أنّه لو نوى الإعطاء لمطلق من يصلّي، سواء كانت صلاته صحيحة أم فاسدة، جاز له إعطاؤه، وإن كان الوضع للصحيح .
على أنّ مثل هذه الثمرة لا تكون ثمرة لمسألة أُصولية، إذ الملاك في عقد المسألة الأُصولية، كونهاكبرى لقياس استنباط الحكم الشرعي الكلّي، وتشخيص موضوع النذر ـ كما هو الحال في هذه المسألة ـ ليس استنباطاً لحكم شرعي. اللهم إلاّ أن يقال: إنّ المسألة ليست مسألة أُصولية، ولأجل ذلك يبحث عنها في المقدّمة، فلا يضرّ عدم كون النتيجة من مقولة النتائج الأُصولية.

الثمرة الرابعة:

إذا ورد النهي عن محاذاة الرجل للمرأة في حال الصلاة وعلمنا بفساد صلاة المرأة، فعلى القول بوضعها للصحيح تصحّ صلاة الرجل ولا يشملها النهي، بخلاف ما إذا قلنا بوضعها للأعم فيشملها النهي، ومثلها إقامة صلاتي جمعة في أقل من فرسخ مع بطلان إحداهما.
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ النهي عن المحاذاة منصرف إلى الصلاة الصحيحة ـ سواء أكان لفظ الصلاة موضوعاً للصحيح منها أو للأعمّ ـ إنّه ليس ثمرة للمسألة الأُصولية، إذ غاية ذلك هو البحث عن إمكان تطبيق الحكم

صفحه 203
الكلّي، على هذا المورد وليس ذلك ثمرة لها.
إلى هنا تمت دراسة الثمرات الأربع واتّضح أنّه ليس للمسألة ثمرة أُصولية حتّى الثمرة الأُولى، لما عرفت من أنّ المختار في ألفاظ العبادات كونها حقائق عرفية وعلى ضوء ذلك يكون موضوع الإطلاق محرزاً، ويصحّ التمسّك بأدّلة العبادات لو كان لها إطلاق، كما هو الحال في بابيّ الصوم والحج.

صفحه 204
 
في أسماء المعاملات
وتحقيق المقام رهن البحث في أُمور:

الأوّل: في عنوان البحث

هل البحث في وضع الشارع ألفاظ المعاملات للصحيح أو للاعم، أو أنّ البحث في وضع العرف تلك الألفاظ لأحد المعنيين ؟
أقول: إنّ المعاملات تفترق عن العبادات، فإنّ الثانية من مخترعات الشارع وكان له أن يضع لما اخترعه لفظاً واسماً، ويصحّ أن يبحث عن كون الموضوع له عنده هو الصحيح أو الأعم.
وأمّا المعاملات فهي من مخترعات العرف والعقلاء، وقد كانت موجودة بأسمائها ومعانيها قبل بزوغ شمس الإسلام، فإذا لم يكن للشارع أيّ دور في وضعها لمعانيها. بل أنّ الشارع استخدم ما وضعه العرف من الألفاظ في مقاصدها، فعندئذ لا مناص من عقد البحث في وضع الألفاظ للصحيح والأعم عرفاً لا شرعاً...

الثاني: اختصاص البحث بوضعها للأسباب

اختلفت كلمتهم في أنّ الفاظ المعاملات أسماء لأسبابها الموجدة لمسبباتها، كما إذا قلنا: إنّ لفظ البيع اسم للإيجاب والقبول الصادرين من

صفحه 205
عاقل بالغ... الخ، أو أنّها أسماء للمعاني المنشأة بتلك الأسباب كتمليك العين في البيع، وتمليك المنفعة في الإجارة وغيرهما. ولسنا الآن بصدد تحقيق أحد القولين، إنّما نريدُ أنْ نركّز على أنّ البحث في وضع ألفاظ المعاملات للصحيح أو الأعم لا ينسجم مع القول الثاني، لأنّ المسببات أمر بسيط دائر أمره بين الوجود والعدم، فالملكية إمّا حاصلة أو غير حاصلة ولا تتصوّر ملكية فاسدة في نظر المعتبر، وهذا بخلاف القول بوضع ألفاظها للأسباب، فإنّ السبب أمر مركب من أُمور فيقع الاختلاف في وضعها للسبب التام أو لأعمّ منه والناقص، فالأجزاء الناقصة من السبب سبب فاسد، كما أنّ الأجزاء التامّة موصوفة بالصحة.
مثلاً لو قلنا بأنّ لفظ «البيع» اسم للإيجاب والقبول المتضمنين لتمليك العين واختلف في اعتبار العربية وعدمها فيها فالإنشاء بغير العربية عند القائل بالشرطية سبب فاسد، ومعها سبب صحيح.
وبالجملة: وجه التفريق بين الوضع للمسبب ـ فلا يجري النزاع ـ والوضع للسبب ـ فيجري النزاع ـ هو أنّ المسبب أمر بسيط والأمر البسيط دائر أمره بين الوجود والعدم، بخلاف السبب فإنّه أمر مركب دائر أمره بين الناقص والتام، فالأوّل سبب فاسد، والثاني سبب صحيح.

الثالث: في اختلاف الشرع والعرف في بعض الموارد

لاشكّ أنّ الشرع لا يعتدّ ببعض البيوع الّتي يعتبرها العرف، كبيع المنابذة وبيع الخمر والخنزير وغيرها خلافاً للعرف الّذي يعتبرها بيعاً، فبيع المنابذة والخمر والخنزير بيوع فاسدة عند الشرع معتبرة عند العرف.

صفحه 206
فعندئذ يقع الكلام في أنّ محور الاختلاف هل هو في تحديد مفهوم البيع ومعناه المعتبر، أو أنّ الشرع والعرف يتّفقان في المفهوم والمعنى وإنّما الاختلاف في المصاديق، فالعرف يعتبره مصداقاً للبيع دون الشرع؟
ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني، واستدلّ على مختاره بقوله: «لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضاً وأنّ الموضوع له هو العقد المؤثر لأثر كذا شرعاً وعرفاً، والاختلاف بين الشرع والعرف فيما يعتبر في تأثير العقد لا يوجب الاختلاف بينهما في المعنى، بل الاختلاف في المحققات والمصاديق وتخطئة الشرع العرف في تخيّل كون العقد بدون ما اعتبره في تأثيره، محققاً لما هو المؤثر كما لا يخفى .1
يلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: لو كان الموضوع له هو العقد المؤثر للتمليك كما عبرّ به كان لما ذكره وجه، حيث إنّ الشرع والعرف يتفقان في الموضوع له، وهو «العقد المؤثر». وإنّما يختلفان في المصداق فالشرع لا يراه مصداقاً على خلاف العرف. وأمّا لو كان الموضوع له أمراً مركباً من الإيجاب والقبول الصادرين من عاقل وبالغ المالكين للعوضين غير المحجورين... الخ، فالاختلاف يرجع إلى جانب الموضوع حيث إنّ الشارع اعتبر في المبيع كونه طاهر العين لا نجسها، محلّل المنافع لا محرمها، بخلاف العرف.
الثاني: انّ التخطئة في المصداق إنّما تتصوّر في الأُمور التكوينية الّتي يكون لها واقع محفوظ في الخارج فيقاس عليه ما هو المشتبه وانّه هل هو

1 . كفاية الأُصول: 1 / 49 .

صفحه 207
مثلاً ماء أو سراب؟ فالسراب يحسبه الظمآن ماءً لقوة تخيّله، ولكن الرّيّان يُخطّئه بأنّه سراب لا ماء.
ونظيره قوله (عليه السلام): «الفقاع خمر استصغرها الناس» 1، فالعرف ربما لا يراه مصداقاً للخمر لقلّة إسكاره، والشرع يخطّئه لأنّه مسكر بدرجة خاصة.
وأمّا الأُمور الاعتبارية الّتي لا واقع محفوظ لها وإنّما قوامها بنفس الاعتبار فلا وجه لتخطئته، لأنّ لكلّ معتبر سلطاناً في عالم الاعتبار حسب معاييره وضوابطه، فبيع الكلب والخنزير والخمر من أوضح مصاديق البيع في الغرب وليس للشرع أن ينفي عنه سمة البيع. نعم له أن لا يعتبره بيعاً ولا يرتّب عليه الأثر في محيط الشرع وإطاره، ولكن ليس له تخطئة المعتبرين في تسمية نقلهما بيعاً، وهذا أحد الفروق بين الأُمور التكوينية والاعتبارية. والأوّل خارج عن اعتبار المعتبر ودائر مدار الواقع، وأمّا الثاني فهو دائر مدار اعتبار المعتبر بشرط ترتب الأثر عليه، ولا يلزم فيه اتفاق العقلاء، بل لكلّ قوم اعتبارهم ومعتبرهم.

الرابع: ما هو الموضوع له في المعاملات

قد تبيّن ممّا ذكرنا في وضع أسماء العبادات أنّ ألفاظ المعاملات وضعت للصحيح لنفس العلة المذكورة في وضع ألفاظ العبادات، وهو أن الغرض يُحدِّد فعل الإنسان فلا يصدر عنه فعل أوسع من غرضه، وبما أنّ الداعي لاعتبار المعاملات ووضع اللفظ لها، هو المصالح الّتي تترتّب عليها

1 . الكافي: 6 / 423، باب الفقاع، الحديث 91 .

صفحه 208
وتدور عليها رحى الحياة، فلابد أن يدور اعتبارهُ ثبوتاً ووضعُ اللفظ إثباتاً، مدارَ وجود الأغراض الداعية، وهي منحصرة بالصحيح من الأسباب دون الفاسدة منها، فيكون الاعتبار والوضع منحصرين فيه .

الخامس: في وجه التمسّك بالإطلاقات الإمضائية

لا شك أنّ ما ورد من الإطلاقات في مورد المعاملات أدلّة إمضائية لا تأسيسية، إذ ليس للشارع في باب المعاملات دور سوى اعتبار قيد أو إخراج شيء عن تحت الإطلاقات، فإذا كان كذلك فهل يصح للقائل بالصحيح أن يتمسّك بالإطلاقات عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للأسباب أو لا؟
وبعبارة أُخرى: أنّ القول بالصحيح كان مانعاً من التمسّك بالإطلاقات في مورد العبادات، لأنّها على القول بالصحيح تصير مجملة غير واضحة، إذ المفروض أنّ ما هو الصحيح عند الشرع غير معلوم لنا فكيف يمكن أن يتمسّك بالإطلاق في مورد الشك .
وعندئذ يقع الكلام في أنّ القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح يكون مانعاً من التمسّك بالإطلاق أو لا؟ فإذا لم يكن مانعاً فما هو الفرق بين باب العبادات وباب المعاملات حيث صار القول بالصحيح هناك مانعاً من التمسك بها ـ على مذهب المشهور لا على المذهب المختار ـ دون المقام؟
أقول: يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: إنّ ألفاظ المعاملات أسماء للأسباب، أي الإيجاب والقبول مع سائر الشروط.

صفحه 209
الثاني: انّ ألفاظ المعاملات أسماء للمسببات الحاصلة من الإيجاب والقبول، وإليك الكلام في كلا المقامين.
الأوّل: ألفاظ المعاملات أسماء للأسباب الصحيحة، ووجه الفرق بينه وبين العبادات واضح.
أمّا على مبنى المحقّق الخراساني من اتّفاق العرف والشرع فيما هوالسبب للملكية أو علقة الزوجية، وإنّ الاختلاف يرجع إلى التخطئة في المصداق، فظاهر، لأنّ إطلاقها لو كان مسوقاً في مقام البيان يُنزَّل على أنّ المؤثر عند الشارع هو المؤثر عند العرف ولم يعتبر في تأثيره عنده غير ما اعتبر فيه عندهم، كما ينزل عليه إطلاق كلام غيره حيث إنّه منهم، ولو اعتبر في تأثيره ما شك في اعتباره، كان عليه البيان ونصب القرينة عليه، وحيث لم ينصب بان عدم اعتباره عنده أيضاً، ولذا يتمسكون بالإطلاق في أبواب المعاملات مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح .1
وأمّا على القول المختار من أنّ اختلاف الشرع والعرف اختلاف في المفهوم والمعتبر، فعندئذ ربّما يشكل التمسك بالإطلاق، وذلك لأنّه إذا كان معتبرُ الشرع يغاير معتبرَ العرف تُصبح الإطلاقات مجملات غير واضحات، إذ لا طريق إلى فهم ما هو المعتبر لدى الشرع ويكون المورد عند الشك في الجزئية والشرطية شبهة مصداقية للمطلق، يقع الشك في أنّ البيع المعلّق مثلاً هل هو مصداق للبيع أو لا؟ وهذا ما أشار إليه الشيخ في المتاجر عند الفراغ من تعريف البيع مع أنّ سيرة العلماء التمسّك بها عند الشك.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 50 .

صفحه 210
ومع ذلك كلّه يمكن التمسّك بالإطلاقات على هذا المبنى أيضاً، وذلك بلحاظ أمرين:
1. أنّ المعتبر عند الشارع وإن كان يختلف مع المعتبر عند العرف لكن الاختلاف بالأقل والأكثر لا بالتباين، والمعتبر الشرعي لأجل زيادة القيود يصيرُ أضيق من المعتبر عند العرف .
2. أنّ الأدلّة الإمضائية إنّما أمضت ما هو البيع والإجارة والصلح عرفاً، فقوله تعالى: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)، أو قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، أو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلح جائز بين المسلمين» كلّها إمضاء لما بيد العرف والعقلاء، إمضاءً بالإرادة الاستعمالية، فكلّما كانت الإرادة الاستعمالية مطابقة للإرادة الجدّية سكت الشارع واكتفى بالإطلاق، وكلّما كانت الإرادة الجدّية مخالفة للإرادة الاستعمالية أخرجه بالدليل عن حدّ البيع على خلاف القول السابق فانّه اخراج عن المصداقيّة، فقال: «لا منابذة في البيع» فأعلَمَ بذلك أن رمي الحجارة على قطيع غنم ليكون المبيع ما أصابت من القطيع ، ليس ببيع. فتكون النتيجة: أنّ ما عدّه العرف بيعاً أو صلحاً أو إجارة أو رهناً فهو طريق إلى ما هو بيع أو إجارة أو صلح أو رهن عند الشارع وبذلك خرجت الأدلّة الإمضائية عن الإجمال.
وحصيلة الكلام: أنّ قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) أو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)أو سائر الإطلاقات المتوجّهة إلى المعاملات لا يريد إلاّ إمضاء ما بيد العرف من هذه المعاملات ثم اتّخاذها طريقاً إلى ما عنده من هذه المعاملات، ولما كان بين الاعتبارين من النسبة عموم وخصوص مطلق فأشار إلى ما لم يعتبره بدليل آخر، وبذلك يصح التمسك ـ عند الشك في قيدية شيء أو جزئيته

صفحه 211
للأسباب ـ بالإطلاقات ولو لا هذا تلزم لغوية الأدلّة الإمضائية ولا تخرج عنها إلاّ بالقول بما ذكرنا. وهذا هو الّذي يشير إليه الشيخ الأنصاري في آخر تعريف البيع فيقول:
وأمّا وجه تمسّك العلماء بإطلاق أدلّة البيع ونحوه، فلأنّ الخطابات لما وردت على طبق العرف، حُمِل لفظ البيع وشبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف .1
المقام الثاني: التمسّك بالإطلاقات على القول بوضعها للمسببات .
قد عرفت أنّ في وضع ألفاظ العبادات قولين: ثانيهما أنّها موضوعة للمسببات أي ما أوجده الإيجاب والقبول من علقة الملكية في البيع، والزوجية في النكاح، فيقع الكلام في جواز التمسّك بالأدلة الإمضائية للمسبب، لرفع الشك .
ثم إنّ الشك على قسمين:
1. تارة يكون منشأ الشك في صحّة المسبب هو احتمال خروج فرد من تحت الأدلّة الإمضائية، كمعاوضة المتجانسين بالتفاضل في المعدود والمذروع والمشاهد عن تحت قوله: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) .
2. ما يكون منشأ الشك في صحّة المسبب هو احتمال مدخلية شيء في جانب السبب، كمدخلية البلوغ في العاقد وتقدّم القبول على الإيجاب في العقد.
أمّا القسم الأوّل فلا شك أنّه يُحكم ببركة إطلاق الأدلّة الإمضائية على

1 . المتاجر: 80، آخر تعريف البيع .

صفحه 212
عدم خروجها عن المسبب الممضى على وجه الإطلاق فينحصر بطلان البيع الربوي في مبادلة المتجانسين بالمكيل والموزون ولا يعم مبادلة المتجانسين مع التفاضل إذا كان معدوداً أو مذروعاً أو مشاهديّاً، ووجه ذلك هو أنّ الأدلّة الإمضائية للمسبب أمضت ما بيد العرف والمفروض أنّه يرى أنّ المورد من مصاديق المسبب، وإنّما الشك في كونه معتبراً عند الشرع فيكون اعتبار العرف مرآة لاعتبار الشرع.
وأمّا الثاني، أعني: إذا كان منشأ الشك في صحّة المسبب أو وجوده هواحتمال مدخلية قيد أو شرط في ناحية السبب، فهل يمكن رفع الشك عن ناحية السبب بالتمسّك بالإطلاق المنصب على إمضاء المسبب أو لا؟
ذهب المحقّق النائيني إلى عدم جواز التمسّك إلاّ في موردين:
1. إذا لم يكن له إلاّ سبب واحد فإنّ إمضاء المسبب يكون دليلاً على إمضاء السبب .
2. ما إذا لم يكن قدر متيقّن للسبب فيكون إمضاء المسبب دليلاً على إمضائه.
وأمّا في غير هذين الموردين فلا يكون إمضاء المسبب دليلاً على إمضاء السبب، وإليك نصّ كلامه قال: إنّ إمضاء المسبب كما هو المفروض (افتراض أنّ أسماء المعاملات اسم للمسبب دون السبب) لا يكون دليلاً على إمضاء السبب، قال (قدس سره): إنّه إذا كان إمضاؤه للمسببات أي المعاملات الّتي هي رائجة عند العرف كالزوجية والمبادلة، مع قطع النظر عن الأسباب الّتي يتوسل بها إليها، كما في قوله تعالى: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) فإنّه في

صفحه 213
مقام بيان أنّ المعاملات الربوية ـ من دون نظر إلى الأسباب ـ غير ممضاة في الشريعة، بخلاف المعاملة البيعية، فالإطلاق لو كان وارداً في هذا المقام فلا يدلّ على إمضاء الأسباب العرفية، وذلك لعدم الملازمة بين إمضاء المسبب وإمضاء السبب، إلاّ فيما إذا كان له سبب واحد، فإنّ إمضاءه لمسببه يستلزم إمضاءه لا محالة وإلاّ كان إمضاؤه لغواً، وكذا فيما إذا لم يكن في البين قدر متيقّن فإنّ نسبة المسبب حينئذ إلى الجميع على حدّ سواء فلا يمكن الحكم بإمضاء بعض دون بعض، وفي غير هاتين الصورتين لابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن وفي الزائد يرجع إلى أصالة العدم .1
والظاهر جواز التمسّك بالإطلاقات في هذا المقام أيضاً، وذلك لوجهين:
الأوّل: وجود الملازمة العرفية بين إمضاء المسببات والأسباب فهي وإن لم تكن عقلية ولكنّها ملازمة عرفية، فإمضاء المسبب العرفي الّذي له سبب مثله يلازم إمضاء الثاني بالملازمة، لأنّ التفكيك بين الإمضائين ممّا يأباه العرف، حتّى في المورد الّذي يكون فيه قدر المتيقّن في البين فإنّ كون بعض الأسباب متيقّناً وبعضها الآخر غير متيقّن إنّما هو في نظر الفقيه، دون العرف، فإنّ العرف يرى الجميع على مستوى يكون حكمه واحداً.
الثاني: التمسّك بالإطلاق المقامي، ويراد به ما يقابل الإطلاق اللفظي، ومورده كلّ قيد لا يلتفت إليه العرف إذا كان مقصوداً للشارع يجب أن ينبه عليه من غير فرق بين ما لا يمكن أخذه في مطلق الأمر كقصد الوجه أو

1 . أجود التقريرات: 1 / 49 ـ 50 ; المحاضرات: 1 / 197 .

صفحه 214
يمكن، وعلى ضوء ذلك فلو كان السبب الخاص مقصوداً للشارع دون كل ما يراه العرف سبباً كان عليه التصريح بذلك وإلاّ يلزم نقض الغرض، مثلاً نرى أنّ الشارع أمضى الطلاق العرفي ولكن لما كان عنده سبب خاص نبّه عليه حيث قال: إنّما الطلاق أن تقول: أنتِ طالق 1.
ومثله باب المعاملات فلو كان للبيع سبب خاص أضيق ممّا يراه العرف كان عليه التنبيه بدليل خاص وحيث سكت نستكشف إمضاء مطلق السبب.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ ألفاظ المعاملات، سواء أكانت موضوعة للأسباب كالعقود في قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، أم موضوعة للمسببات كقوله: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) يجوز التمسّك عند الشك بإطلاق الدليل، لكن التمسّك على القول بالوضع للأسباب من باب المرآتية والطريقية فالسبب العرفي طريق إلى السبب الشرعي، أو من باب الملازمة العرفية، أو الإطلاق المقامي إذا قلنا بوضعها للمسببات.

السادس: في أسماء المعاملات

إنّ أسماء المعاملات على قسمين:
قسم منها موضوع للسبب كما هو الحال في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )2، فالإمضاء قد تعلّق بالأسباب فإنّ العقد عبارة عن

1 . الوسائل: 15، الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 3 و 4 .
2 . المائدة: 1.

صفحه 215
شدّ الحبلين، واستعير في الآية للإيجاب والقبول فيتمسّك في إطلاق الآية في كل ما يراه العرف سبباً إلاّ إذا قام الدليل على إلغاء سببيته .
وربّما يقال بأنّ العقود جمع العقد وهوالعهد المشدّد فلا يصدق إلاّ
في الأيمان والأقسام، ولكنّه غير ثابت لاستعمال العقد في القرآن في الإيجاب والقبول، قال تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)1.
والمراد بالعقدة هو عقد النكاح ومن بيده إمّا الزوج أو وليّ الزوجة.
وقسم منه ظاهر في المسبب مثل: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) 2، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلح جائز بين المسلمين» 3، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «النكاح سنتي» 4، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الطلاق بيد من أخذ بالساق» .5
 
السابع: في أقسام الجزئية والشرطية
إذا نسب شيء إلى شيء فتارة يكون بينهما التلاؤم والتلاحم، وأُخرى المنافرة والمنافاة.
أمّا الأوّل فله أقسام:
1. أن يكون ملاك التلاؤم كون أحدهما ظرفاً للآخر بمعنى أن يكون

1 . البقرة: 237 .
2 . البقرة: 275 .
3 . الفقيه: 3 / 21، الحديث رقم 2 .
4 . لآلئ الأخبار: 3 / 221 .
5 . مستدرك الوسائل: 15 / 306، الحديث 18329 .

صفحه 216
مطلوباً فيه لا في غيره، وهذا كأدعية شهر رمضان المبارك حيث يستحب قراءتها فيه.
2. أن يكون ملاكه كونه داخلاً في قوام الشيء على نحو الجزئية، وهذا كالركوع والسجود بالنسبة للصلاة .
3. أن يكون ملاكه كونه داخلاً في قوام الشيء على نحو الشرطية، وهذا كالطهارة من الحدث بالنسبة إلى الصلاة .
4. أن يكون ملاكه كونه جزءاً للفرد الموجود من الماهية، وهذا كالقنوت.
5. أن يكون ملاكه كونه شرطاً للفرد الموجود كالصلاة في المسجد، وربّما يعبر عن القسم الرابع والخامس بالمشخّصات الفردية.
هذا كلّه حول ملاك التلاؤم والتلاحم بين الشيئين.
أمّا الثاني وهو ما يكون بينهما منافرة ومنافاة، فله قسمان :
1. أن يكون وجود الشيء مخلاًّ للآخر، كالحدث المخلّ للصلاة .
2. أن يكون وجود الشيء قاطعاً للهيئة الاتصالية للمأمور به، وهذا هو كالفعل الكثير الماحي للصورة الصلائية، ويعبر عن الأوّل بالمانع وعن الثاني بالقاطع.
ثم إنّ الفرق بين الجزء والشرط واضح، فالجزء ما يكون داخلاً في المأمور به قيداً وتقيّداً، وأمّا الشرط فهو ما يكون داخلاً تقيّداً وخارجاً قيداً، سواء كان موجوداً قبل الواجب كالوضوء قبل الصلاة، أو مقارناً لها

صفحه 217
كالاستقبال، أو بعدها كالأغسال الليلية للمستحاضة بالنسبة إلى صحة صوم يومها الماضي.
ثم إنّ تقسيم الجزء والشرط إلى قسمين بمعنى أخذه تارة في حدّ الشيء وماهيته، وأُخرى في مقام وجوده وتحقّقه أمر واضح، وله نظير في التكوين حيث إنّ الحيوان الناطق الّذي به قوام الإنسانية مأخوذ من حدّ الإنسان، فكل منهما جزء للماهيّة بخلاف المشخّصات الفردية كالقصر والطول، فهما مأخوذان في مقام التحقّق لا في مقام الماهية.
والّذي دعا الأُصوليّين إلى هذه التقسيمات هو تنبيه المبتدئ على أنّ الصلاة المشتملة على الجزء المستحب كالقيود أو الشرط المستحب كالصلاة في المسجد ليس شيئاً مركباً من واجب ومستحب، بل هو من مصاديق الواجب بأجمعه، فالصلاة الفاقدة للقنوت أو المأتي بها في البيت صلاة تامة، كما أنّ الصلاة المشتملة عليهما صلاة دون أن تكون مركّبة من واجب ومستحب، والقنوت جزء من الصلاة، غاية الأمر جزء الفرد لا جزء الماهية، ومثله إقامة الصلاة في المسجد، ونستوضح حاله من البيت فالمشتمل على الإيوان بيت وفاقده أيضاً بيت، دون أن يكون المشتمل أمراً مركباً من بيت وشيء زائد .

إشكال وإجابة

ربّما يقال: إنّ التفريق بين أجزاء الماهية وشرطها وجزء الفرد وشرطه إنّما يصح في التكوين لا في عالم الاعتبار، وذلك لوجود ما يميّز به جزء

صفحه 218
الماهية وشرطها عن جزء الفرد وشرطه، وهو أنّه إذا كان الشيء مؤثراً في قوام الشيء فهو دخيل فيه ، وما كان غير مؤثر في قوام الشيء جزءاً وشرطاً فهو راجع إلى جزء الفرد وشرطه.
وأمّا الأُمور الاعتبارية فالأجزاء لا صلة لبعضها ببعض والّذي يوحّدها ويجعلها شيئاً واحداً هو اعتبار المعتبر. وعند ذلك، الأجزاء بلا قنوت ماهية، ومعه ماهية أُخرى لا ماهية واحدة، والاختلاف في كيفية الأخذ، فلا وجه لعدّ الركوع من أجزاء الماهية والقنوت من أجزاء الفرد، هذا هو الإشكال.
وأمّا الإجابة عنه فقد أجاب المحقّق البروجردي بوجه والسيد الأُستاذ بوجه آخر.
ولكن يمكن تصحيح التفريق بالبيان التالي: وهو أنّ كل شيء له مدخلية في أصل الغرض فهو يُعدّ جزء الماهية وشرطها، وأمّا ما له مدخلية في كمال الغرض فهو جزء الفرد أو شرطه، نظير الغرفة والإيوان، فالدار بلا غرفة ليس بدار ولكنها بلا إيوان دار مؤمّن للغرض ولكن معه كمال آخر .

صفحه 219
 
الأمر الحادي عشر:

في الاشتراك اللفظي

الاشتراك اللفظي عبارة عن كون اللفظ موضوعاً لمعنيين أو أكثر بأوضاع متعدّدة بالوضع التعييني أو التعيّني، ويقع البحث فيه في جهات:

الجهة الأُولى: في إمكان الاشتراك

اختلفت الآراء في الاشتراك، فمنهم من أحاله، ومنهم من أوجبه، ولكن القولين بين الإفراط والتفريط، والقول الثالث هو القول الوسط، وقد استدل من أحاله بدعوى أنّه مخلّ بتفهيم المقصود من الوضع لخفاء القرآئن; وأجاب عنه في «الكفاية» بإمكان الاتّكال على القرائن الواضحة أوّلاً، ومنع كونه مخلاًّ بالمقصود وتعلّق الغرض بالإجمال ثانياً.
نعم استدلّ المحقّق الخوئي على الامتناع بوجه آخر، وهو أنّ الوضع الثاني يستلزم نقض الوضع الأوّل، لأنّ الوضع ليس بمعنى جعل الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له، أو جعله وجوداً تنزيلياً للمعنى، بل بمعنى تعهد الواضع في نفسه بأنّه متى تكلّم بلفظ مخصوص لا يريد منه إلاّ تفهيم معنى خاص، ومن المعلوم أنّ هذا التعهد لا يجتمع مع تعهده ثانياً بأنّه متى تكلّم بذلك اللفظ لا يقصد إلاّ تفهيم معنى آخر مبايناً للأوّل، ضرورة أنّه بذلك نقض ما تعهّده أوّلاً.

صفحه 220
وإن شئت قلت: إنّ الوضع عبارة عن التعهد المجرّد عن الإتيان بأيّة قرينة، وهذا غير متحقّق في الاشتراك اللفظي .1
ثم إنّه وجّه بأن ما يُعدّ مشتركاً لفظياً أنّه على طريقة الوضع العام والموضوع له الخاص ولا مانع منه، فإنّ الوضع فيه واحد، ومحذور الامتناع إنّما جاء من تعدّد الوضع.
يلاحظ عليه: بأنّ المبنى غير تام كما أوضحنا حاله عند البحث في الوضع، وعلى فرض التسليم إنّما يصح إذا كان الواضع واحداً، وأمّا إذا كان متعدّداً فلا، وسيوافيك أنّ الاشتراك اللفظي مستند إلى تباعد القبائل العربية بعضهم عن بعض. وتخصيص كل قبيلة اللفظ بمعنى خاص .
ثمّ إنّ توجيه المشترك اللفظي عن طريق الوضع العام والموضوع له الخاص غير تام فيما إذا كان اللفظ مشتركاً بين الضدين، كالقرء بين الطهر والحيض ; أو مشتركاً بين معنين متبائنين، كالعين في العين الباكية والعين الجارية، أو في الذهب والفضة، وإنّما يصح الاشتراك المعنوي إذا كان الكثير من مصاديق المعنى الواحد.
ثم إنّ من أوجب الاشتراك استدلّ بأنّ الألفاظ والتراكيب المؤلفة منها متناهية والمعاني غير متناهية، والحاجة ماسّة إلى تفهيم المعاني بالألفاظ ولا يتم ذلك إلاّ بالاشتراك .
وقد أجاب عنه صاحب الكفاية (2) بوجوه، ويمكن أن يجاب عنه أيضاً بأنّ الألفاظ كالمعاني غير متناهية عرفاً، وذلك بسبب تلفيق الحروف

1 . المحاضرات: 1 / 213 .   2 . كفاية الأُصول: 1 / 53 .

صفحه 221
الهجائية بعضها مع بعض لا سيّما إذا أُضيف إليها الاختلاف في الحركات فلا تكون الألفاظ أقلّ عدداً من المعاني المطروحة للعقلاء.

الجهة الثانية: منشأ الاشتراك

إنّ لهذه الظاهرة اللغوية سببين:
1. تشتت الناطقين باللغة العربية، حيث كانت طائفة تعبّر بلفظ خاص عن معنى، وطائفة أُخرى تعبّر به عن معنى آخر من دون أن تطّلع على ما في حوزة الأُخرى من أوضاع، فلما قام علماء اللغة بجمع لغات العرب من أفواه القبائل العربية ظهر الاشتراك اللفظي.
2. ظهور الاشتراك في ظل كثرة الاستعمال في معنى مجازي إلى حدّ يصير حقيقة كما في لفظ «الغائط» فإنّه موضوع للمكان المنخفض الّذي يقضي فيه الإنسان حاجته، ثمّ كنّى به القرآن عن فضلات الإنسان إلى أن صار حقيقة فيها، وهذا العامل أقلُ تأثيراً من العامل الأول .

الجهة الثالثة: وقوع الاشتراك في القرآن الكريم

قد ثبت ممّا ذكرنا وجود الاشتراك في اللغة العربية، وقد ورد أيضاً في القرآن الكريم وقام بجمع هذه المشتركات جلال الدين السيوطي في الإتقان1. ومن أمثلة ذلك; النجم، حيث يستعمل في الكوكب تارة قال تعالى: (وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى)(2)، وفي النبات الّذي لا ساق له أُخرى قال تعالى:

1 . الإتقان في علوم القرآن: 1 / 445 .   2 . النجم: 1 .

صفحه 222
(وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدَانِ )1. ونظير ذلك أيضاً لفظة «النون» وهي مشتركة بين الحوت والدواة 2 قال سبحانه: (وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)3، وقال سبحانه: (ن وَ الْقَلَمِ وَ مَا يَسْطُرُونَ)4 .

إكمال

ممّا يجب التنبيه عليه أنّ أصحاب المعاجم ربّما يعدّون للفظ واحد معان كثيرة، وربّما يتبادر إلى الذهن أنّها معان مختلفة، ولكنّ الإمعان في كثير من هذه الموارد يثبت أنّها صور مختلفة ومصاديق متنوعة لمعنى واحد، وممّن أفرد في هذا الموضوع كتاباً هو ابن فارس وبعده الزمخشري، فألّف الأوّل كتاب «المقاييس»، والثاني كتاب «أساس البلاغة»، والهدف الوحيد وراء هذين الكتابين هو توحيد المعاني وإرجاعها إلى أصل واحد.
وبذلك يظهر أنّ الاشتراك اللفظي قليل بالنسبة إلى ما يتصوّر في بدء النظر مثلاً: ربّما يقال5: إنّ للفظ (القضاء) خمسة عشر معنى:
1. الفراغ. 2. الأمر. 3. الأجل. 4. الفصل. 5. المضي، 6. الهلاك. 7. الوجوب. 8. الإبرام. 9. الإعلام. 10. الوصية. 11. الموت. 12. النزول. 13. الخلق. 14. الفعل. 15. العهد.

1 . الرحمن: 6.
2 . مجمع البيان: 5 / 330 .
3 . الأنبياء: 87 .
4 . القلم: 1 .
5 . وتقدم أيضاً في ص 149.

صفحه 223
ولكن الجميع صور متنوعة من معنى واحد وهو الإتقان والإنفاذ، يقول ابن فارس: ليس له إلاّ أصل واحد والجميع يرجع إلى ذلك وهو ما يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه. قال الله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ)1 أي أحكم خلقهن، والقضاء: الحكم، قال سبحانه في ذكر من قال: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض )2 أي اصنع واحكم، ولذلك سمّي القاضي قاضياً، لأنّه يحكم الأحكام وينفذها، وسمّيت المنية قضاءً، لأنّها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق.
إلى أن قال: وكلّ كلمة في الباب فإنّها تجري على القياس الّذي ذكرناه، فإذا هُمز3 تغيّر المعنى، يقولون: القُضاة: العيب، يقال: ما عليك منه قضاة، وفي عينه قضاة: أي فساد. 4

1 . فصلت: 12.
2 . طه: 72.
3 . دخلت عليه الهمزة .
4 . المقاييس: 5 / 99 ـ 100، مادة «قضى».

صفحه 224
 
الأمر الثاني عشر:

في استعمال المشترك في أكثر من معنى

كان البحث السابق يدور حول إمكان الاشتراك وعدمه، فإذا ثبت وجود اللفظ المشترك يقع الكلام في جواز استعماله في أكثر من معنى .
ومحلّ النزاع هو أن يكون كلّ من المعنيين ملحوظاً بحاله واستقلاله مثل ما استعمل في واحد منهما، فخرجت الصورتان التاليتان عن محط النزاع:
أ. إذا استعمل في مجموع المعنيين، بحيث يكون كلّ منهما جزءَ المستعمل فيه، نظير العام المجموعي عند الأُصوليين.
ب. إذا استعمل في معنى جامع لكلا المعنيين، كما إذا استعمل في المسمّى بالعين الشاملة للذهب والفضة، أو الباكية والجارية.
فإنّ هاتين الصورتين ليستا من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بل الأُولى استعمال للّفظ في معنى مركب من معنيين حقيقيين، كما أنّ الثانية استعمال له في جامع المعنيين، والمستعمل فيه في الأُولى ذو أجزاء، وفي الثانية ذو أفراد.
وعلى كلّ تقدير، فالظاهر من القدماء أنّ البحث في الجواز وعدمه بحث لغوي، ولكن الظاهر من المتأخّرين أنّ البحث عقلي.

صفحه 225
ولذلك استدلّوا للامتناع العقلي بوجوه ، نذكرها مع تحليلها:

1. الاستعمال في الأكثر رهن لفظ آخر ولحاظ ثان

استدلّ المحقّق الخراساني على الامتناع بأنّ الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة للمعنى حتى يصحّ جعل اللفظ الواحد علامة لشيئين، بل الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى، فإذا كان فانياً في أحد المعنيين، فإفناؤه في المعنى الثاني يحتاج إلى لحاظ اللفظ بغير اللحاظ الأوّل، والمفروض انتفاؤه، قال في «الكفاية»:
حقيقة الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى، بل جعله وجهاً وعنواناً له، بل بوجه نفسه، كأنّه الملقى، ولذا يسري إليه قبحه وحسنه كما لا يخفى، ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك إلاّ لمعنى واحد، ضرورة انّ لحاظه هكذا في إرادة معنى، ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر، حيث إنّ لحاظه كذلك، لا يكاد يكون إلاّ بتبع المعنى فانياً فيه فناء الوجه في ذي الوجه والعنوان في المعنون، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد، مع استلزامه للحاظ آخر، غير لحاظه كذلك في هذا الحال؟!1
يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد من الإفناء، المعنى الحقيقي بأن يتبدّل اللفظ إلى المعنى وتذهب فعلية اللفظ، فهو غير صحيح، ولا يلتزم به القائل، وإن أُريد أنّ الغرض الذاتي يتعلّق بالمعنى دون اللفظ، فالتالي غير ممتنع، إذ أي

1 . كفاية الأُصول: 1 / 54، المطبوع بحاشية المشكيني .

صفحه 226
مانع من أن يتعلّق الغرض الذاتي بمعنيين والغرض العرضيّ باللفظ وينظر إليهما بلفظ واحد ملحوظ بلحاظ فارد.

2. اجتماع لحاظين آليّين في شيء واحد

استدلّ المحقّق العراقي بأنّ وضع اللفظ للمعنى ليس جعله علامة عليه ولو بنحو التنزيل، بل هو جعل اللفظ مرآة تحكي المعنى وتصوّره للسامع، واستعمال اللفظ في المعنى هو فعلية كون اللفظ الموضوع مرآة وحاكياً. وبما أنّ المرآة ملحوظة حين استعمالها باللحاظ الآلي، فيلزم من استعمال اللفظ الواحد في معنيين أو أكثر، أن يلحظ ذاك اللفظ الواحد، في آن واحد، بلحاظين آليين، وحينئذ يجتمع اللحاظان في واحد شخصي.
نعم لو كانت حقيقة الوضع هو العلامة، فلا مانع من كون شيء واحد علامة لشيئين.1
ثم إنّ وجه امتناع اجتماع اللحاظين في شخص واحد هو أنّ اللحاظ من مقولة العلم، فلو اجتمع اللحاظان في شيء واحد يلزم تعلّق علمين بشيء واحد في زمان واحد، وهو غير معقول، لأنّ تشخّص كل علم بمعلومه، ولو كان هناك علمان يلزم اجتماع مثلين في موضوع واحد.
والفرق بين تقريري الأُستاذ(الخراساني) و التلميذ (العراقي)، أنّ تقرير الأُستاذ يركّز على لزوم وجود لفظ ولحاظ آخر باعتبار أنّ الاستعمال إفناء للّفظ، ولابدّ في الاستعمال في المعنى الثاني من لحاظ لفظ واستعمال آخر.

1 . بدائع الأفكار: 1 / 146، وما أفاده تعبير آخر عمّا في «الكفاية».

صفحه 227
وهذا التقرير يركّز على استلزام الاستعمال اجتماع لحاظين آليين في شيء واحد.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أنّ تعدّد اللحاظ في المعنيين يلازم تعدّده في اللفظ المستعمل فيها، ولكن الظاهر أنّه لا ملازمة بين تعدّد اللحاظ في المعنى، وتعدّده في اللفظ، وذلك لأنّ كلاً من المعنيين تعلّق به الغرض الذاتي فيكون كلّ منهما ملحوظاً على وجه الاستقلال، بخلاف اللفظ فإنّه متعلّق بالعرض تعلقاً آلياً، فيكفي في مقام استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، تصوّر المعنيين مستقلاً أوّلاً، ثمّ الانتقال منهما إلى اللفظ ثانياً، والانتقال منه إلى المعنيين ثالثاً.

3. اجتماع لحاظين مستقلّين في صقع النفس

استدلّ المحقّق النائيني على الامتناع بأنّ لازم استعمال اللفظ في المعنيين على نحو الاستقلال، تعلّق اللحاظ الاستقلالي بكلّ واحد منهما في آن واحد، كما إذا لم يستعمل اللفظ إلاّ فيه، ومن الواضح أنّ النفس لا تستطيع أن تجمع بين اللحاظين المستقلين في آن واحد.1
وهذا التقرير يغاير التقريرين السابقين، فإنّ الأوّل كان يركّز على أنّ الاستعمال رهن لحاظ ثان وهو غير موجود، كما أنّ الثاني يركّز على أنّ لازم الاستعمال اجتماع لحاظين آليين في شيء واحد.
وهذا التقرير يركز على أنّ النفس ليس بمقدورها ملاحظة معنيين

1 . المحاضرات: 1 / 217. ولاحظ أجود التقريرات: 1 / 51. وما ذُكر في الثاني لا يخلو من إجمال.

صفحه 228
بحيالهما واستقلالهما.
يلاحظ عليه: أنّ الممتنع هو اجتماع لحاظين مستقلين في آن واحد في معنى واحد، لأنّه أشبه باجتماع المثلين. لما عرفت من أنّ اللحاظ من مقولة العلم.
وأمّا تعلّق اللحاظين المستقلين بمعنيين في آن واحد كما في المقام فليس بممتنع، والشاهد على ذلك أنّ النفس تستخدم العين والسمع والذائقة والشامّة في آن واحد ويكون مدركات كلّ منها ملحوظة بالاستقلال أيضاً.

4. امتناع كون شيء وجوداً تنزيليّاً لشيئين

استدلّ المحقّق الاصفهاني في تعليقته بأنّ حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ، حيث إنّ وجود اللفظ في الخارج، وجود لطبيعي اللفظ بالذات (تكويناً)، ووجود لطبيعي المعنى بالجعل والمواضعة والتنزيل، لا بالذات، ولا يعقل أن يكون وجود واحد وجوداً لماهيتين بالذات، وحيث إنّ الموجود الخارجي (اللفظ) بالذات واحد، فلا مجال لأن يقال: إنّ وجود اللفظ وجود لهذا المعنى خارجاً، ووجود آخر لمعنى آخر، حيث لا وجود آخر حتى ينسب إلى الآخر بالتنزيل، وليس الاستعمال إلاّ إيجاد المعنى بنحو وجوده اللفظي خارجاً، وقد عرفت أنّ الإيجاد والوجود متحدان بالذات، وحيث إنّ الوجود واحد فكذا الإيجاد.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره خلط بين التكوين والاعتبار ففي عالم

1 . نهاية الدراية: 1 / 64.

صفحه 229
التكوين لا يكون الوجود الواحد إلاّ وجوداً لماهية واحدة، وأمّا في عالم الاعتبار فلا إشكال في أن يتعلّق وجود واحد (اللفظ) بمعنيين مختلفين هما بمنزلة الماهية له.
وبتعبير آخر: لا يتعلّق الإيجاد والوجود في التكوين إلاّ بشي واحد، أمّا الاعتبار فلا إشكال في أن يكون اللفظ وجوداً تنزيلياً لمعنيين، لأنّ الاعتبار خفيف المؤونة.

وجود المانع من جهة الوضع

قد عرفت أنّه لا مانع عقلي من استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى، بقي الكلام في المانع اللغوي، وقد ذهب المحقّق القمي إلى وجود المانع اللغوي في المقام وهو أنّ الواضع وضع اللفظ للمعنى في حال الوحدة، فلا يجوز استعمال اللفظ في غير حال الانفراد لا حقيقة ولامجازاً .
أمّا الأوّل فواضح (لحذف قيد الوحدة عند الاستعمال وهي جزء المعنى)، وأمّا الثاني فلأنّه لم تثبت الرخصة في هذا النوع من الاستعمال (وكأنّه يريد إطلاق الكل وإرادة الجزء).1
يلاحظ عليه: بأنّ الوحدة ليست قيداً للوضع ولا للموضوع له، نعم وضع اللفظ للمعنى في حال الوحدة لا بقيد الوحدة، وكم فرق بينهما فالثاني من مقولة (بشرط لا) يبطل كل استعمال يضاد الوحدة، بخلاف الأوّل فإنّه من قبيل (اللابشرط) الّذي يجتمع مع الشرط.

1 . قوانين الأُصول: 1 / 63، طبعة تبريز عام 1315 هـ .

صفحه 230
فإن قلت: إنّ حال الوحدة وإن لم يكن قيداً للوضع ولا للموضوع له، ولكنّه يوجب ضيقاً ذاتياً بمعنى أنّ الوضع يختصّ بتلك الحالة ولا يعمّ غيرها بالذات.
قلت: ما ذكرته صحيح لكن إذا كان الاستعمال بملاك وضع واحد فإنّ كل وضع يختص بمعنى، ولكن إذا كان بملاك وضعين فيكون الاستعمال في معنيين مطابقاً لقانون الوضع.

وقوع استعمال المشترك في لغة العرب

إنّ هذا البحث قليل الجدوى لقلّة ما يتّفق استعمال المشترك في أكثر من معنى. وقد ذكر المحقّق أبو المجد الشيخ محمد الاصفهاني نماذج منه في كتابه «وقاية الأذهان» وممّا ذكره قول الشاعر في مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
المرتمي في الدجى، والمبتلى بعمى *** والمشتكي ظمأ والمبتغي دينا
يأتون سدّته في كلّ ناحية *** ويستفيدون من نعمائه عيناً
فاستعمل الشاعر لفظ «العين» في الشمس، والبصر، والماء الجاري، والذهب حيث إنّ المرتمي «المرميّ» في الدجى، يطلب الضياء، والمبتلى بالعمى يطلب العين الباصرة، والإنسان الظمآن يريد الماء، والمستدين يطلب الذهب.

صفحه 231
 
إكمال:

الكلام في أنَّ للقرآن بطناً

دلّت الروايات على أنّ للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطناً إلى سبعة أبطن.1
وربّما يستدلّ به على جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد بتصور أنّ البطون معان مختلفة للّفظ.
وأجاب المحقّق الخراساني عن ذلك: بأنّ المراد من البطن أحد المعنيين:
1. إرادة المعاني في أنفسها حال الاستعمال في المعنى لا من اللفظ كما إذا استعمل فيها.
2. إرادة لوازم المعنى المستعمل فيه اللفظ وإن كانت أفهامنا قاصرة عن إدراكها.
يلاحظ على المعنى الأوّل: أنّ تلك المعاني إمّا ذات صلة بالمعاني الأوّلية أو لا، فعلى الثاني لا وجه لإرادة تلك المعاني، حين إرادة تلك المعاني الأوليّة، لأنّها ليست بمعان مطابقية ولو بالوضع الآخر، ولا لوازم للمعاني الأوّلية، وعلى الأوّل يرجع إلى الجواب الثاني.

1 . عوالي اللآلي: 4 / 107 و 159 .

صفحه 232
ويلاحظ على الثاني: أنّ لوازم المعنى غير المعنى، وظاهر الروايات أنّ البطن أو البطون من معاني الآيات.
ثم إنّه لم يُعثر على لفظ السبعين على ما في الكفاية، وإنّما الموجود هو سبعة، وهي في غير الكتب المعتبرة.
نعم تضافرت الروايات على أنّ للقرآن بطناً.
روى الكليني بسند معتبر ـ وإن لم يكن صحيحاً اصطلاحاً ـ عن أبي عبدالله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «... فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق... ».1
ويظهر ممّا رواه العياشي أنّ البطن هو تأويل الآية، روى فضيل بن اليسار قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن هذه الرواية (ما في القرآن آية إلاّ ولها ظهر وبطن)، قال (عليه السلام): «ظهره تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما مضى، ومنه ما لم يجئ بعد، يجري كما تجري الشمس والقمر».2
والّذي يمكن أن يقال: إنّ هنا احتمالين لتفسير (البطن) في قولهم(عليهم السلام):

1 . أُصول الكافي: 2 / 599 برقم 2 .
2 . كنز الدقائق: 1 / 6 .

صفحه 233

1. الانطباعات المختلفة حسب اختلاف الأذهان

الّذي يمكن أن يقال: إنّ المراد بها ـ البطن أو البطون ـ عبارة عن المعاني المختلفة والمراتب المتفاوته التي تستفاد من الآيات حسب اختلاف مراتب الناس ودرجاتهم، فإنّ أرباب النفوس الكاملة يستفيدون من الآيات ما لا يخطر ببال المتوسطين فضلاً عن العوام وأرباب النفوس الناقصة. فالبطون السبعة أو السبعون إشارة إلى أُصول المراتب الكمالية لنفوس البشر التي باختلافها يختلف مراتب الاستفادة من الآيات .1
هذا ما أفاده المحقّق البروجردي و يمكن توضيح هذا الجواب بالأمثلة التالية:
أ. قوله سبحانه: (اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُري يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونَة لاَ شَرْقِيَّة وَ لاَ غَرْبِيَّة يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَ اللهُ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ).2
ترى أنّ المفسّرين يستنبطون من هذه الآية معارف هي عبارة عن صور مختلفة لمعنى الآية، فللآية معنى واحد ـ حسب الإرادة الاستعمالية ـ لكن يمكن تطبيق ذلك المعنى الاستعمالي على مصاديق مختلفة، ولكن الجميع في طول المعنى الاستعمالي، فمثلاً الحكماء يطبقون الآية على

1 . نهاية الأُصول: 1 / 56.
2 . النور: 35.

صفحه 234
العقول العشرة، والمحدّثون يطبقونها على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة من أهل بيته(عليهم السلام).
ب. قوله سبحانه: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَ الْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ).1
فإنّ هذه الآية وإن وردت على غرار المثل و لكنّ أهل التدبّر في الآية استنبطوا منها معاني و معارف أبهرت العقول، فلذلك صحّ أن يقال: إنّ للقرآن بطناً أو بطوناً.
كما أنّ الآيات التي تركّز على توحيد اللّه و صفاته هي من أوضح الآيات التي يستنبط منها كلّ فرد المفاهيم والمعاني المرتبطة بمنطوق الآية، وإن اختلفت نقصاً وكمالاً حسب مؤهّلات الأفراد واستعداداتهم، كما ذكرنا. وهذا ما نلاحظه في الآيتين التاليتين:
ج. قال سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ).(2)
د. قال سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).2
ونظير هاتين الآيتين ما احتجّ به نبي الله إبراهيم (عليه السلام)على المشركين،

1 . الرعد: 17.   2 . المؤمنون:91.
2 . الأنبياء: 22.

صفحه 235
وقد نقل سبحانه حجاجه في الآية التالية:
هـ . قال سبحانه: (وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)1 .
إلى آخر ما احتج به سلام اللّه عليه، فإنّه استدلّ بأُفول الكوكب و القمر و الشمس على أنّ هذه الموجودات ليست آلهة ولا تستحق العبادة، وأمّا كيفية دلالة الأُفول على ما ادّعاه فهناك بيانات متفاوتة، وتفسيرات متباينة من المفسّرين يختلف مستواها حسب اختلاف الأفهام.
فهذه نماذج من الآيات التي لها بطن أو بطون يدركها الإنسان حسب اختلاف درجات فهمه.

2. تجريد الآيات من أسباب نزولها

لا شكّ أنّ النزول التدريجي للقرآن الكريم كان من أهدافه الاهتمام بالمصاديق في عصر نزوله لمعالجة وتغيير الأوضاع السائدة، ولكن هذا الاهتمام بالمصاديق في أسباب النزول لا يعني تقييد المعنى القرآني بذلك المصداق; لأنّ تخصيص الآيات بهذه الأسباب والمصاديق يجعل القرآن عقيماً على مدى الأيام، فلعلّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تدارك هذا الأمر وأكّد على ضرورة استخلاص الآية من أسباب نزولها و قال: إنّ للقرآن ظهراً و بطناً، وكما مرّ عليك في جواب الإمام الصادق(عليه السلام).
فعلى هذا فإنّ الأسباب التي استدعت نزول الآية ليست من مقوّمات

1 . الأنعام:75.

صفحه 236
مفهومها، فللآية لب وقشر، وأسباب النزول قشور للآية، والمعتبر هو موضوعها الّذي ينطبق على مصاديق كثيرة مدى الأيام، وإليك نماذج من ذلك:
1. قال سبحانه: (وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْم هَاد).1
فالآية ناصّة على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) منذر من ربه و لكن لم ينصّ على أحد أنّه هاد، فجاء النبي(صلى الله عليه وآله) يشير إلى أحد المصاديق و يقول: «أنا المنذر وعلي الهادي إلى أمري».2
و لكن المصداق غير منحصر بما أُشير إليه، بل الأئمة الهداة(عليهم السلام)الذين خلفوا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عبر الزمان هم المصاديق، و لذلك نرى أنّ الامام الباقر(عليه السلام)يقول: «رسول اللّه المنذر، وعليّ الهادي، وكلّ إمام هاد للقرن الذي هو فيه».3
2. وقال سبحانه: (وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).4
لا شك أنّ الأسباب التي استدعت نزول الآية هو نكث مشركي مكة الأيمان، ولكنّ هذه الأسباب تعدّ قشوراً للآية فالا ية حجّة على الناكثين عبر الزمان.

1 . الرعد:7.
2 . نور الثقلين:2/ 482.
3 . نفس المصدر.
4 . التوبة:12.

صفحه 237
و قد احتجّ بها أمير المؤمنين(عليه السلام)في يوم الجمل، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)قال: «دخل عليّ أُناس من أهل البصرة فسألوني عن طلحة والزبير؟ فقلت لهم: كانا من أئمة الكفر، إنّ علياً (عليه السلام)يوم البصرة لمّا صفّ الخيول، قال لأصحابه: لاتعجلوا على القوم حتى أُعذّر فيما بيني و بين الله عزّ و جلّ و بينهم. فقام إليهم، فقال: ـ ثم ذكر الإمام الصادق(عليه السلام)محاجّة الإمام لهم ـ إلى أن قال: ـ فقال أميرالمؤمنين (عليه السلام): فما بال بيعتي تنكث و بيعة غيري لاتنكث؟! أنّي ضربت الأمر أنفه و عينه فلم أجد إلاّ الكفر أو السيف، ثم ثنى إلى أصحابه فقال:
إن اللّه تبارك و تعالى يقول في كتابه: (وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والذي خلق الحبة و برأ النسمة و اصطفى محمداً بالنبوة إنّهم لأصحاب هذه الآية ما قوتلوا منذ نزلت».1
3. وقال سبحانه: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).2
فقد نزلت في شأن المشركين حيث أثاروا الشكوك حول رسالة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمرهم سبحانه أن يسألوا أهل الذكر إن كانوا لايعلمون. فلا شكّ أنّ ما ورد ذكره في الآية ـ أعني: كون السائل مشركاً

1 . نور الثقلين: 2/ 189; البرهان فى تفسير القرآن: 2/ 106.
2 . النحل:43.

صفحه 238
والمسؤول عنه نبوة الرسول والمسؤولون هم علماء اليهود ـ ليس داخلاً في صميم مدلول الآية، بل مدلولها الذي تركّز عليه هو رجوع الجاهل إلى العالم في أيّ موضوع من الموضوعات.
هذا و قد بسطنا الكلام حول هذا الموضوع في كتابنا «المناهج التفسيرية» فلاحظ.1

1 . المناهج التفسيرية: 177 ـ 189 .

صفحه 239
 
الأمر الثالث عشر:

في المشتق

اتّفقت كلمة علماء الأُصول على أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ، ومجازٌ فيما يتلبّس به في المستقبل، واختلفوا فيما انقضى عنه المبدأ، وقبل الدخول في صلب الموضوع، نقدّم أُموراً:

الأوّل: تعريف المشتق

المشتق هو اللفظ المأخوذ من لفظ آخر، ويسمّى الأوّل فرعاً، والثاني أصلاً، ولابدّ من وجود مناسبة بينهما حتى يتحقّق الأخذ، وقد قسّموه إلى صغير وكبير وأكبر. لأنّ الفرع إمّا أن يشتمل على حروف الأصل وترتيبه، فهو الأوّل، وإذا أطلق لا ينصرف إلاّ إليه. وإمّا أن يشتمل على حروفه دون ترتيبه، وهو الاشتقاق الكبير، كما قيل: إنّ «فَسَّر» مأخوذ من سَفَر، ويقال: «أسفر النقاب» إذا رفع، والتفسير أيضاً رفع النقاب عن وجه المراد; وإمّا أن لا يشتمل على حروفه فضلاً عن ترتيبه وهو الأكبر كثلم وثلب.1

الثاني: النزاع لغوي لا عقلي

الظاهر أنّ النزاع في المقام لغوي، والبحث في حدود الموضوع له، وانّ

1 . لاحظ في الوقوف على تفصيل الأقسام: الفصول الغروية: 58 ـ 59.

صفحه 240
الواضع هل وضعه لخصوص المتلبّس بالمبدأ أو وضعه لأعمّ منه وممّن تلبّس به آناً ما وإن زال عنه؟ والدليل على أنّه لغوي هو استدلال الطرفين بالتبادر وصحّة السلب وعدمه، ولو كان النزاع عقلياً لما كان لهذه الاستدلالات وجه، خلافاً لصاحب المحجّة حيث ذهب إلى أنّ النزاع عقلي، وانّه لا خلاف في المفهوم والمعنى، بل الاختلاف في الحمل، فإنّ القائل بعدم صحّة الإطلاق على من انقضى عنه المبدأ يرى وحدة سنخ الحمل في المشتقات والجوامد، فكما لا يصحّ إطلاق الماء على البخار، كذلك لا يصحّ إطلاق المشتق على ما زال عنه المبدأ بعد تلبّسه به، والقائل بصحّته يدّعي تفاوت الحملين، فإنّ الحمل في الجوامد «حمل هو هو»، فلا يصحّ أن يقال للهواء ماء، والحمل في المشتقات «حمل ذي هو» و«حمل انتساب» و يكفي في الانتساب مجرّد الخروج من العدم إلى الوجود فيصحّ الحمل على المتلبّس ومن انقضى عنه المبدأ.
حاصله: أنّ المفهوم واحد عند الطرفين، والقائل بالمجازية يدّعي كون الحمل في الجامد والمشتق حمل مواطاة، والقائل بالحقيقة يقول إنّ الحمل في الجامد مواطاة وفي المشتق«حمل ذي هو».
يلاحظ عليه: بأنّه لو كان البحث عقلياً يمتنع صدقه على غير الواجد، لأنّ البحث يكون عقلياً والعقل لا يرى غير الواجد واجداً، وعندئذ يجب أن يكون الحمل في الجميع حمل مواطاة أي حمل «هو هو» ويكون مجازاً مطلقاً لا التفريق بين الجوامد وغيرها.
وهذا بخلاف ما إذا كان النزاع لفظياً ولغوياً فيكون زمام الأمر بيد

صفحه 241
الواضع فلو وضعه للمتلبس يكون فيما انقضى عنه المبدأ مجازاً، وإن وضعه للأعم يكون فيه حقيقة أيضاً . وكلا التصويرين صحيحان والاعتبار خفيف المؤونة.

الثالث: المشتق بين الأُدباء والأُصوليّين

قد عرفت معنى المشتق عند الأُدباء، وهو أخذ اللفظ من لفظ آخر، وأمّا المشتق في لسان الأُصوليين فهو عبارة عمّا يجري على الذوات باعتبار كونها واجدة للمبدأ واتحادها معه بنحو من الاتحاد.
وبذلك يعلم أنّ النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه، فالأفعال قاطبة ماضيها ومستقبلها وأمرها، وإن كانت مشتقة عند الأُدباء لكنّها خارجة عن تعريف المشتق عند الأُصوليين، لأنّ الأفعال تدلّ على قيام مبادئها بالذات، قيام صدور أو حلول أو طلب فعل أو طلب ترك، ولا تدلّ على وصف الذات بها، ونظير الأفعال، المصادر المجرّدة والمزيدة لعدم جريها كالأفعال على الذوات بنحو الهوهوية، بل هي تدلّ على نفس المبادئ.
كما أنّ بعض الجوامد الذي يجري على الذوات، وينتزع منه باعتبار اتحاده بالمبدأ كالزوج والرق والحرّ، داخل في تعريف المشتق عند الأُصوليين وخارج عن تعريف المشتق عند الأُدباء.
وأمّا الاجتماع فيصدقان جميعاً على أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء الزمان والمكان،وأسماء الآلة والصفات المشبهة وصيغ المبالغة، لوجود الملاك في الجميع وهو: انتزاعها من الذات وحملها عليه.

صفحه 242
وبالجملة: الميزان عند الأُدباء وجود ذات ومبدأ قائم بها، من غير فرق بين القيام الصدوري والحلولي، أو كون المبدأ فعلاً، أو حرفة، أو ملكة، كما لا فرق بين النسب، أي النسبة القائمة بين الصفات والذات، سواء أكانت النسبة ثبوتية، أو تجددية، أو وقوعاً عليه، أو وقوعاً فيه، أووقوعاً به، أو غير ذلك ممّا يجده الإنسان في أسماء الفاعل والمفعول والزمان والمكان والآلة والصفة.

بناء المسألة الفقهية على المشتق الأُصولي

إذا كان للرجل زوجتان كبيرتان أرضعتا زوجته الصغيرة، فقال صاحب الإيضاح: تحرم الأُولى والصغيرة، وأمّا الثانية فحرمتها وعدمها مبنية على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس، أو كونه حقيقة في أعمّ ممّن انقضى عنه المبدأ، فإن قلنا بالأوّل، لم يصدق على الثانية أنّها أُمّ زوجته، بل هي أُمّ البنت، وليست أُمّ البنت محرّمة، وإن قلنا بالأعم، يصدق أنّها أُمّ من كانت زوجته سابقاً .1
أقول: أمّا الزوجة الصغيرة فهي تحرم على الزوج بلاكلام، لأنّها بالارتضاع تصير بنتاً رضاعية للزوج والبنتية والزوجية لا يجتمعان .
إنّما الكلام في الكبيرة الّتي أرضعت أوّلاً والكبيرة الأُخرى الّتي أرضعت ثانياً، فقد اتّفقت كلمتهم على حرمة الأُولى لأنّها صارت أُم الزوجة. وأمّا الكبيرة الثانية فقد بنوا حرمتها على القول بوضع المشتق للأعم لا لخصوص المتلبّس.

1 . إيضاح الفوائد في شرح القواعد: 3 / 52.

صفحه 243
والظاهر: أنّه لا فرق بين الأُولى والثانية فالحرمة في كلتيهما مبنيّة على القول بالوضع للأعم.
أمّا الثانية فواضحة فإنّها أرضعت الصغيرة بعدما صارت بنتاً رضاعية للزوج فهي من أوّل لحظة أرضعتها إنّما أرضعت بنت الزوج لا زوجة الزوج، ومن المعلوم انّ أُمّ البنت غير محرّمة وأمّا الأُولى فنحن نظن أنّها كالثانية بلا فرق بينهما وذلك ببيانين:
الأوّل: أنّ بنتية الرضيعة وأُمومة المرضعة متضايفتان وهما متكافئتان قوّة وفعلاً. فعندما صارت الرضيعة بنتاً للزوج صارت المرضعة ـ في نفس الوقت ـ أُمّاً لها، إذ لا معنى للبنتية بلا أُمومة. فكونها بنتاً للزوج مُوِرِثة لحرمتها وفي الوقت نفسه موجبة لكون المرضعة أمّاً لها، فللمرضعة من العناوين الأُمومة، ومن المعلوم أنّ أُمّ البنت لا تكون حراماً على الزوج، لأنّ شأن الزوجة بالنسبة إلى الزوج كونها أُمّاً لأولاده ذكراً كان أو أُنثى.
الثاني: أنّ العناوين الثلاثة مجتمعة في آن واحد وهي: أُمومة الكبيرة وبنتية الصغيرة وزوال زوجية الرضيعة. فعندما تصير أُمّاً تزول الزوجية عنها فكيف تكون أُمّاً للزوجة! إلاّ على القول بوضع المشتق للأعم.
هذا هو مقتضى القاعدة، وقد عرفت أنّه لا فرق بين الأُولى والثانية في الحكم.
نعم ذهب المشهور إلى التفريق بين الكبيرتين، بحرمة الأُولى دون الثانية متمسّكاً بالنص الوارد في المسألة.
روى الكليني عن علي بن مهزيار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قيل له: إنّ

صفحه 244
رجلاً تزوّج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته ثم أرضعتها امرأة له أُخرى، فقال: ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية وامرأتاه؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): «اخطأ ابن شبرمة، تحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أوّلاً، فأمّا الأخيرة فلم تحرم عليه كأنّها أرضعت ابنته ».1
أمّا السند فقد رواه الكليني عن علي بن محمد ـ والظاهر انّه إمّا علي بن محمد بن بندار، أو علي بن محمد علان وهو خال الكليني، والظاهر وثاقتهما ـ عن صالح بن أبي حماد ـ وهو مختلف فيه، غير أنّ الفضل بن شاذان يرتضيه ويمدحه ـ عن علي بن مهزيار ـ وهو ثقة بلاكلام ـ .
هذا ما يرجع إلى السند وأمّا المضمون فهو يفرق بين الأُولى والثانية، ولعلّ الوجه في التفريق ما ذكره صاحب الجواهر: من أنّ صدق البنتية للمرتضعة وزوال زوجيتها، وأُمومة المرضعة الأُولى، متحدات في الزمان فآخر زوال الزوجية متصل بأوّل زمان حدوث الأُمومة 2. وهذا المقدار في الصدق كاف في انطباق عنوان «أُمّ الزوجة» عليها بخلاف الثانية فإنّها أرضعتها بعدما صارت بنتاً.
وعلى كل تقدير فما ذكر من النقض والإبرام غير صالح للإفتاء سوى النص، لأنّه مبني على تعلّق الحكم بعنوان الزوجة مع أنّه تعلّق بعنوان النساء لقوله تعالى: (ِ وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ)3 فالبحث كأنّه أشبه بالسالبة بانتفاء

1 . الوسائل: 14، الباب 14 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . الجواهر: 29 / 329 ـ 330 .
3 . النساء: 23.

صفحه 245
الموضوع. وليس عنوان النساء مشتقاً أُصولياً بل هو من الجوامد، كالرجل والشجر والحجر.

الرابع: في توهّم خروج أُمور عن محطّ النزاع

ذهب غير واحد من الأُصوليين إلى خروج الأُمور الثلاثة عن محط النزاع:
1. أسماء الزمان كالمضرب والمقتل.
2. أسماء المفاعيل كالمضروب.
3. العناوين المنتزعة عن مقام الذات كالممكن والواجب والممتنع والعلة والمعلول. وإليك دراسة خروج هذه الأُمور الثلاثة.
أمّا الأوّل: أي أسماء الزمان، فلأنّ محط النزاع فيما إذا كان للذات بقاء مع زوال الوصف كالآكل والشارب حيث إنّ الذات ربّما تكون باقية مع زوال الأكل والشرب، وأمّا إذا كانت الذات زائلة مع زوال الوصف على نحو لا يتصوّر لها البقاء مع عدمه، فهو خارج عن حريمه لعدم تصوّر فردين: المتلبس بالذات، ومَنْ انقضى عنه المبدأ، وهذا كالمقتل فإنّ القتل هو الوصف، والذات هو الزمان، والزمان أمر يتجدد شيئاً فشيئاً فلا يتصور له البقاء مع زوال الوصف، فالزمان الّذي حدث فيه القتل غير الزمان الّذي انقضى عنه المبدأ.
وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه.
1. ما أجاب به المحقّق الخراساني بأنّ انحصار مفهوم في فرد لا يلازم

صفحه 246
وضع اللفظ بازاء هذا الفرد دون العام، وإلاّ لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة، مع أنّ الواجب موضوع للمفهوم العام مع انحصاره فيه تبارك وتعالى.1
يلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: المناقشة في التمثيل بلفظ الجلالة والواجب، أمّا الأوّل فهو عَلمٌ بلا إشكال وكان عليه أن يمثّل بلفظ (إله). وأمّا الثاني (الواجب) فمصداقه ليس منحصراً في واحد لصدقه على الواجب بالغير، وعلى الواجب بالقياس إلى الغير، كالمتضايفين، اللهم إلاّ إذا أراد من الواجب، الواجب بالذات، وهو كما ترى.
الثاني: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ لو كان لهيئة اسم الزمان (مَفْعل) مصداقان مختلفان، تكون الذات باقية في بعضها ومنصرمة في البعض الآخر، فعندئذ يصحّ أن يقال بأنّ الكلام في هيئة (مفعل) من دون نظر إلى فرد دون فرد وانّ انحصار بعض الأفراد في المتلبس لا يوجب انحصار وضع الهيئة به.
وأمّا لو لم يكن له في الخارج إلاّ مصداق واحد ـ كما في المقام ـ فإنّ الزمان في عامة مصاديق تلك الهيئة غير قابل للبقاء، فعندئذ يكون الوضع للأعم أمراً لغواً.
2. ما أجاب به المحقّق الخوئي بأنّ أسماء الأزمنة لم توضع بوضع على حدة في قبال أسماء الأمكنة، بل الهيئة المشتركة بينهما وهي هيئة مفعل وضعت بوضع واحد لمعنى واحد وهو ظرف وقوع الفعل في الخارج أعم

1 . كفاية الأُصول: 1 / 60 .

صفحه 247
من أن يكون زماناً أو مكاناً، فإذا لم يعقل بقاء الذات في مورد كالزمان لم يوجب ذلك عدم جريان النزاع في الهيئة المشتركة بين ما لا تبقى فيه الذات وما تبقى كالمكان .1
3. ما أجاب به المحقّق النائيني (رحمه الله) وجوابه مبني على اختصاص الإشكال بصدق المقتل على اليوم العاشر من شهر محرم الحرام في السنة الثانية والثالثة، فأجاب بأنّه لو كان الزمان المأخوذ فيها شخص ذلك اليوم بعينه لا كُلّيه كان للإشكال مجال، ولكنّ المأخوذ فيه هو الزمان الكلّي لا الشخصي .2
يلاحظ عليه: بأنّ الإشكال ليس منحصراً فيما ذُكر بل الإشكال جار في نفس اليوم الّذي قتل فيه الحسين (عليه السلام)، فلو فرضنا أنّه قتل بسيف العدوان والنصب في الساعة الثالثة بعد الظهر فإذا انقضت تلك الساعة فالذات غير باقية مع الوصف فيعود الإشكال.
4. ويمكن أن يقال: إنّ لكل شيء بقاءً حسب العرف، أمّا الجوامد كالإنسان والفرس فهي باقية مهما مرّ عليها الزمان، وإن كانت غير باقية على ضوء الحركة الجوهرية في الجواهر.
وأمّا الزمانيات أي الحوادث الواقعة في عمود الزمان كالتكلّم وسيلان الماء فلها بقاء عند العرف، حيث يتلقّى العرف خطبة الخطيب أمراً واحداً له ابتداء وله نهاية، ومثلها سيلان الماء.

1 . محاضرات في أُصول الفقه: 1 / 232 ـ 233 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 56 .

صفحه 248
وأمّا الزمان كاليوم فله أيضاً حدوث وبقاء، فإذا طلعت الشمس حدث اليوم، فهو أمر باق إلى نهاية النهار، ولذلك يقال: بقي من النهار ساعتان أو من الليل ساعة .
إذا عرفت ذلك فالإشكال مرتفع بهذا البيان.
أمّا صدق مقتل الحسين (عليه السلام)على الساعة الرابعة فلأنّ للزمان بقاءً إلى نهاية اليوم، فالذات باقية والوصف مرتفع. وأمّا صدقه على اليوم العاشر في السنوات الآتية فلأنّ العرف يعتقد بعود الزمان نفسه فلذلك يقولون: اليوم مقتل الحسين (عليه السلام)، هذا كله حول الأمر الأوّل .
أمّا الأمر الثاني: أعني زعم خروج أسماء المفاعيل عن حريم النزاع فهو بملاك آخر، لأنّ خروج أسماء الزمان كان بملاك توهّم عدم بقاء الذات، وأما هنا فلأجل توهّم كونه متلبّساً دائماً، فإنّ الشخص ما دام موجوداً يطلق عليه أنّه مضروب .
يلاحظ عليه: بأنّه إن أُريد من اسم المفعول المعنى الناعت والمعرِّف فلا يتصوّر فيه الانقضاء كما يقال: علي قالع باب خيبر، وأمّا إذا أُريد منه المعنى الحدوثي التجدّدي فهو قابل للانقضاء، فالآن الّذي صدر فيه الضرب يوصف بأنّه مضروب دون الآنات المتتالية ; إلاّ إذا كان المشتق حقيقة في الأعم .
هذا كله حول الأمر الثاني.
وأمّا الأمر الثالث: الّذي توهم خروجه عن محط البحث فهو عبارة عن العناوين المنتزعة عن الشيء بلا ضم ضميمة كالممكن والواجب والممتنع

صفحه 249
والعلة والمعلول، ووجه الخروج أنّ منزلة هذه الألفاظ منزلة العناوين الذاتية كالإنسان، فكما لا يعقل بقاء الذات مع ذهاب الإنسانية فهكذا لا يعقل بقاء الذات مع زوال الإمكان، وإلاّ للزم انقلاب الممكن إلى الواجب والممتنع .1
يلاحظ عليه: بأنّ محط البحث ليس هو وضع خصوص الهيئة الموجودة في الممكن والواجب مثلاً حتّى يقال بعدم تصوّر زوال التلبّس، بل أنّ محط البحث مثلاً هو هيئة «مُفعِل» الموجودة في الممكن والمقيم، فالأوّل وان لم يتصوّر فيه الزوال مع بقاء الذات، إلاّ أنّ المقيم يمكن فيه تصور بقاء الذات مع زوال الوصف، فعند ذلك يقع الكلام في وضع هيئة (مُفْعِل) بما هي هي مع قطع النظر عن مادة خاصة، وليس هذا كهيئة أسماء الزمان الّتي ليس لها إلاّ مصداق واحد، ومثل الممكن لفظ الواجب فإنّ محط البحث هو هيئة الفاعل الصادقة على الواجب والآكل والشارب. فعدم تصوّر الزوال في المورد الأوّل لا يضر بصحّة البحث لتصوّر الزوال في المثالين الآخرين، ومثله الممتنع إذ ليس البحث في خصوص هيئته، بل مطلق الهيئة الموجودة مثل المستمع الّذي يتصور فيه بقاء الذات مع ذهاب المبدأ.

الأمر الخامس: في دلالة الأفعال على الزمان

اشتهر بين الأدباء على أنّ الأفعال تدلّ على الزمان، فالماضي يخبر عن تحقّق الحدث فيما سبق، والمضارع يُخبر عن تحقّقه فيما يأتي، وقد عرّف الفعل: بأنّه ما دلّ على معنى في نفسه مقترناً بأحد الأزمنة الثلاثة.(2)

1 . المحاضرات: 1 / 240 .   2 . شرح الكافية للرضي: 1 / 11 .

صفحه 250
والمعروف بين المتأخّرين من الأُصوليين ـ ومنهم المحقّق الخراساني ـ عدم دلالتها على الزمان، واستدلّ عليه بوجوه خمسة:
الأوّل: انّ المادة في الأفعال تدلّ على نفس الحدث، والهيئة على نسبة الحدث إلى الفاعل، فما هو الدال على الزمان؟
يلاحظ عليه: أنّ الدال عليه هو الهيئة، لأنّها تدلّ على الإخبار عن تحقّق الحدث، أو ترقّب تحقّقه، والتحقّق والترقّب يلازمان الزمان: الماضي والمستقبل، وسيوافيك توضيحه.
الثاني: النقض بصيغة الأمر والنهي، فإنّ مدلولهما انشاء البعث إلى الفعل أو إنشاء الزجر عنه، دون أنّ تدل الهيئة على شيء، غاية الأمر أنّ نفس الإنشاء بهما متحقّق في الحال وهو لازم وجودهما دون أن يدلا على الزمان.
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه، فإنَّ الماضي والمضارع يخبران عن تحقّق شيء أو ترقّب وجوده، وهما لاينفكان عن الزمان، بخلاف إنشاء البعث أو الزجر، فإنّه لا يخبر عن شيء.
الثالث: لو دلّت الأفعال على الزمان لما صحّت النسبة في الأمثلة التالية:
1. مضى الزمان.
2. علم الله.
3. خلق الله الأرواح.
وإلاّ يلزم أن يكون للزمان زمان في المثال الأوّل، أو يكون فعله سبحانه زمانياً في المثال الثاني والثالث.

صفحه 251
يلاحظ عليه: بأنّه من مقولة إثبات اللغة بالبرهان الفلسفي، فإنّ هذه المحاذير تثبت بالبرهان، ولكن الواضع غافل عنها، فلا مانع عنده من أن يكون للزمان زمانٌ، وقد تداولت الألسن المثل الشائع على ألسن الناس: كان زمان ولم يكن شيء سوى الله سبحانه ثم خلق العالم. ومن المعلوم أنّ الزمان وليد حركة المادة فيلزم أن يكون للزمان زمانان ; زمان قبل خلق المادة وزمان بعد خلقها; وأمّا المثالان الثاني والثالث فقد خرجا بالبرهان، لأنّ وجوده سبحانه مجرد عن الزمان فيكون فعله كذلك. ونظيره قوله: خلق الله الأرواح، فإنّ الأرواح المجرّدة تكون فوق الزمان ومجرّدة عنه. والواضع إنّما وضع هيئة «فَعَلَ» على وجه الإطلاق دون أن يكون ناظراً إلى مورد دون مورد. فلا بأس في أن يكون الموضوع له مشتملاً على الزمان. لكن دلّ البرهان على عدمه في المثالين، غاية ما في الباب أنّ المتكلّم أو الفيلسوف إذا نسب الفعل إليه سبحانه يلزم عليهما تجريد الفعل عن الزمان .
الرابع: المضارع عندهم مشترك في الحال والاستقبال وليس بمشترك لفظي، وإلاّ لزم استعماله فيهما استعمالاً في أكثر من معنى، كما في قولنا: يضرب زيد اليوم وغداً. ولا بمشترك معنوي لعدم الجامع بين الحال والاستقبال لتباين أجزاء الزمان.
يلاحظ عليه: نختار أنّه مشترك معنوي، ولكن تباين أجزاء الزمان وجوداً غير مانع لئن ينتزع منها مفهوم جامع عرضي وهو «الزمان الّذي لم يمض» وهو كاف في مقام الوضع والدلالة عليهما.
الخامس: أنّ الماضي عندهم ربّما يستعمل في ماهو مستقبل حقيقة،

صفحه 252
مثل قولك: يجيئني زيد بعد عام، وقد ضرب قبله بأيام، وربّما المضارع يستعمل على العكس كما في قولك:جاء زيد في شهر كذا، وهو يضرب بعد يوم.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أنّ الملاك في الماضوية وغيرها هو زمان التكلّم، وأمّا إذا كان الملاك هو الحدث الّذي ورد في الكلام (وهو في المقام المجيء) فالفعل عندئذ في الأوّل ماض وفي الثاني مضارع بشرط أن ينسب الضرب إلى المجيء لا إلى حال التكلّم.
والحق أنّ هذه الوجوه غير ناجعة ولا تقف أمام التبادر حيث إنّه يتبادر من هيئة «فَعَلَ» الإخبار عن وقوع الحدث في الزمان الماضي، ومن هيئة «يفعلُ» الإخبار عن وقوعه في المستقبل.
نعم: الّذي يصد المحقّق عن القول بدلالة هيئة الأفعال على الزمان انّ الزمان من المداليل الاسمية فكيف تدل عليه الهيئة الّتي هي من الأدوات الحرفية؟
والّذي يمكن الذب عنه هو أنّ المدّعى ليس دلالة الهيئة على «الزمان الماضي» أو «الزمان المستقبل» بالمعنى الاسمي حتّى يتوجه إليه الإشكال، بل المراد أنّ الهيئة تدل على خصوصية في نسبة الحدث إلى الفاعل وتلك الخصوصية إمّا تحقّق الحدث أو ترقّب تحقّقه، وكلا المفهومين لا ينفكّان عن الزمان .
وبعبارة أُخرى: ليس المدّعى دلالته على مفهوم التحقّق والسبق أو مفهوم الترقّب واللحوق بصورة المعنى الاسمي حتّى يقال: إنّ الهيئة من الأدوات الحرفية، بل المراد هو الدلالة على مصداق السبق وواقعه، وهو ليس إلاّ معنى حرفياً، وهذا نظير التعبير عن مفهوم «من» و «إلى» بالابتداء والانتهاء،

صفحه 253
ومن المعلوم أنّهما مفهومان اسميان لا يوصفان بالمداليل الحرفية، بل المراد واقع الابتداء والانتهاء الّذي هو مدلول حرفي قائم بالأطراف .
ولعلّ هذا هو مراد المحقّق الخراساني في هذا المقام. حيث قال: لا يبعد أن يكون لكلّ من الماضي والمضارع بحسب المعنى خصوصية أُخرى موجبة للدلالة على وقوع النسبة في الزمان الماضي في الماضي، وفي الحال والاستقبال في المضارع فيما لو كان الفاعل من الزمانيات.1
***

الأمر السادس: ما هي مادة المشتقات؟

إنّ لعامة المشتقات أصلاً سارياً فيها بلفظه ومعناه وهذا أمر يدركه الإنسان بالتأمّل في معانيها، فيرى أنّ هناك معنى واحداً سارياً في الجميع يتشكّل بأشكال مختلفة حسب تغيّر الهيئات فتارة يكون صادراً، وأُخرى واقعاً، وثالثة متحققاً في زمان ومكان، إلى غير ذلك من المعاني الطارئة على الأصل.
ويؤيد ذلك أنّ الإنسان ربّما يعلم مفهوم الهيئة ولكن يجهل بمفاد المادة، وهذا آية تعدّد الوضع، وأنّ للمادة وضعاً وللهيئة وضعاً آخر.
وقد اختلفت كلماتهم في تعيين الأصل، فالمعروف هو:
إنّ المصدر أصل والفعل والوصف مشتقان منه، وهذا خيرة البصريين وخيرة ابن مالك في ألفيّته حيث قال:

1 . كفاية الأُصول : 1 / 62 .

صفحه 254
المصدر اسم ما سوى الزمان من *** مدلولي الفعل كأمن من أمن
بمثله أو فعل أو وصف نصب *** وكونه أصلاً لهذين انتُخِب
وهو القول المختار وباقي الأقوال ضعيفة.
وهناك تساؤلات قد تثار على هذا الرأي نعرضها مع التحليل، وهي:
1. كيف يكون المصدر أصلاً للمشتقات مع أنّ الأصل يجب أن يكون عارياً عن كلّ تعيّن حتّى يكون محفوظاً في عامّة المشتقّات، مع أنّ هيئة المصدر مانعة من كونه أصلاً لسائر المشتقات لعدم إمكان حفظ هيئته فيها؟
الجواب: أنّ الإشكال نشأ من قياس المبدأ في عالم الألفاظ بالمبدأ في عالم الكون، فالهيولى الأُولى العارية عن كل التعيّنات سوى ـ كونه قوة الوجود ـ مبدأ للموجودات الطبيعية.
وأمّا المبدأ في عالم الألفاظ فلا يجب أن يكون عارياً من كل تعيّن، بل يكفي حضوره مع حروفه وترتيبها في المشتقات.
وإن شئت قلت: إنّ وزان المصدر في كونه أصلاً وزان القطن في كونه أصلاً لكثير من المنسوجات القطنية، ووزان البلاستيك في الصناعات البلاستيكية، فلا يجب أن يكون الأصل محفوظاً بعامة خصوصياته في الفروع.
2. انّ المصدر مشتمل على نسبة ناقصة فهي تمنع عن كونه مادة المشتقات لاستلزامه اجتماع نسبتين في شيء واحد .
الجواب: أنّ النسبة في المصدر نسبة ناقصة مبهمة، فلا تمنع عن توارد

صفحه 255
النسب المختلفة عليه لكونها سبباً لرفع إبهامها.
3. لماذا لا يكون اسم المصدر مادة المشتقات؟
الجواب: انّه قليل لا يمكن أن يكون أصلاً.
4. لو كان للمادة وضع مستقل وراء وضع الهيئات لزم تعدّد الدلالة، وبالتالي يلزم تعدّد المداليل مع أنّ مفهوم المشتق بسيط .
الجواب: انّ وجود المادة ومفهومها مندك في الهيئة ومفهومها، وهذا صار سبباً لتبادر المعنى الواحد من المشتق.

نظرية السيد الأُستاذ:

ذهب السيد الأُستاذ إلى أنّ المبدأ عبارة عن الحروف المترتّبة مجرّدة عن كلّ هيئة كحروف «ض» و «ب» و «ر»، فهي موضوعة لنفس المعنى مجردة عن كلّ خصوصية ونسبة فاعلية أو مفعولية.
فإن قلت: إنّ اللفظ الموضوع لابدّ وأن يكون قابلاً للتنطّق والتلفّظ، والمادة العارية عن كل صورة غير قابلة له.
قلت: إنّ وضع المادة لما كان وضعاً تهيُئيّاً لأن تتلبس بالهيئات الكثيرة من الماضي والمضارع، فلا يلزم أن تكون قابلة للتنطق .1
يلاحظ عليه: أنّ العرف العام لا يضع لفظاً لمعنى مالم يَنطُق به، فهو بالنطق به يضع اللفظ غالباً، وقد مرّ أنّ وضع غالب الألفاظ وضع تعيني لا تعييني، ووضع المادة بلا هيئة يحتاج إلى قدرة فكرية خارجة عن إطار قدرة

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 105 ـ 106 .

صفحه 256
الواضع الساذج، ولذلك استقر نظره أخيراً على أنّ المصدر مادة المشتقات، لكن الهيئة غير دخيلة في المبدئيّة بل دخيلة في إمكان النطق به، ولو أمكن النطق به بلا هيئة لوضعها بلا هيئة، وعلى ذلك يصبح النزاع أشبه باللفظي.

الأمر السابع: ما هوالمراد من الحال؟

المسألة معنونة في الكتب الأُصولية بالنحو التالي:
هل المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ في الحال؟ أو في أعم منه وممن انقضى عنه المبدأ؟ وعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد من كلمة «الحال» فهناك احتمالات:
أ. زمان النطق.
ب. حال التلبّس.
ج. حال النسبة والجري.
أمّا الأوّل: فهومردود بعدم دلالة المشتق على الزمان أوّلاً، وباستلزامه كون المشتق مجازاً في أغلب الموارد ثانياً، وباتّفاقهم على أنّ قولهم: (كان زيد ضارباً أمس) حقيقة بشرط أن يكون متلبّساً بالمبدأ في ظرف النسبة ثالثاً.
وأمّا الثاني: أعني زمان التلبّس فهو لا ينسجم مع عنوان البحث، بل يستلزم كون الكلمة(في الحال) زائدة، وإن شئت فلاحظ قولهم: «هل المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ» في حال التلبس.
وأمّا الثالث: فهو خيرة المحقّق الخراساني وحاصله: أنّه موضوع

صفحه 257
للمتلبّس بالمبدأ في ظرف النسبة، فلو كان متلبّساً في ظرفها فهو حقيقة وإلاّ فهو مجاز، فإذا قلت: زيد ضارب غداً، فلو أردت أنّ المتلبّس بالضرب غداً، ضارب غداً يكون حقيقة، ولو قلت: ضارب اليوم باعتبار أنّه ضارب غداً، فهو مجاز.1
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ مدلول المشتق بسيط ووضعه للمتلبّس في حال الجري وزمان النسبة يستلزم كونه مركباً ودالاً على الزمان تضمّناً وهو لا يجتمع مع كونه بسيطاً.
ثانياً: أنّ ما ذكره إنّما يتم في الجمل الإخبارية، الّتي ربّما يتفق تطابق زمان التلبّس مع زمان النسبة وربّما يختلف، وأمّا الجمل الإنشائية كما في قولنا: أكرم عالماً، فلا تدلّ على الزمان حتّى يقال إذا وافق زمان التلبّس زمان النسبة.
ثالثاً: أنّ البحث في مفاد المفردات ومعاني الكلمات مع قطع النظر عن كونها وقعت مبتدأ أو فاعلاً أو مفعولاً.
كلّ ذلك يسبّب أن يكون للفظة «الحال» ـ في عنوان البحث ـ معنى آخر.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 66 .

صفحه 258

المراد فعلية الاقتران عند الانتزاع

إنّ محور البحث هو أنّ عنوان المشتق ـ مع قطع النظر عن وقوعه في ضمن الجملة ـ هل ينتزع من الذات المتزامنة مع المبدأ، أو ينتزع من الأعم أي سواء أكان موجوداً بالفعل ومتزامنة مع المبدأ أم كان متزامناً ولكن زال عنه المبدأ؟
توضيح ذلك: أنّ العقل يرى جامعاً حقيقياً بين الأفراد المتلبّسة بالمبدأ ولا يرى ذلك الجامع بين المتلبّس ومن انقضى عنه المبدأ، ولو حاول الإنسان أن يصور له جامعاً فلابد أن يكون جامعاً انتزاعياً غير حقيقي. فيقع النزاع في أنّ الموضوع له هو الذات المتزامنة أو الأعم، فإذا قال: «أكرم العالم» أو «صل خلف العادل» فعلى القول بوضع المشتق للمتلبس بالمبدأ يجب إكرام كل من كان متلبساً بالعلم عند الإكرام، أو متزامناً مع العدل عند الصلاة. وعلى القول الآخر يجب إكرام المتلبّس ومن زال عنه المبدأ، كما تجوز الصلاة خلف من زالت عنه العدالة.
هذا كله في القضايا الإنشائية، وأمّا القضايا الخبرية كقولنا: «زيد ضارب»، فعلى القول بالأخص فلا ينتزع إلاّ إذا كان متلبّساً في ظرف النسبة، وأمّا على القول بالأعمّ فيكفي في الانتزاع كونه متلبّساً في زمان من الأزمان سواء أكان حاضراً أم غابراً.
فالمختار ينطبق في الجمل الإخبارية على مختار المحقّق الخراساني، لكن القول بأنّ الموضوع له هو المتلبّس بالفعل غيرالقول بأنّه موضوع للمتلبّس في ظرف النسبة والجري. نعم، ينطبق المتلبّس بالفعل في الجملة

صفحه 259
الخبرية على المتلبّس في ظرف النسبة ، لكن الانطباق غير كونه موضوعاً له، وبذلك ظهر الفرق بين المختار وما ذهب إليه المحقّق الخراساني.

الأمر الثامن: ما هو الأصل في المسألة؟

لو ثبت أحد القولين في المشتق فلا حاجة إلى تنقيح الأصل وإنّما يحتاج إليها المستنبط إذا لم يثبت عنده أحد القولين.
ثم إنّ الأصل إمّا لفظي أو عملي، والعملي إمّا موضوعي ينقح الموضوع، أو حكمي يثبت الحكم.
أمّا الأصل اللفظي، فليس هناك أصل يركن إليه، لأنّ الأمر دائر بين كون المشتق حقيقة في المتلبّس ومجازاً في غيره، أو مشتركاً معنوياً بين الموردين، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر .
وأمّا الأصل العملي، فالمراد من الموضوعي هو استصحاب عدم كونه موضوعاً للأخصّ أو موضوعاً للأعمّ، والأصلان متعارضان، على أنّ نفي كل من المجاز والاشتراك لا يثبت الآخر .
أضف إلى ذلك إشكالاً ثالثاً وهو: أنّ هذا النوع من الأصل غير معتبر في المقام عند العقلاء، فإنّهم إنّما يتمسّكون بالأصل لكشف المراد لا لكيفية الإرادة كما في المقام، حيث إنّ الغاية عندئذ اكتشاف كون استعمال المشتق فيما انقضى عنه مجازاً أو حقيقة.
فانحصر الأصل بالأصل الحكمي أي الاستصحاب والبراءة، وقد فصل فيه المحقّق الخراساني بين كون الانقضاء قبل إنشاء الحكم أو كونه بعده.

صفحه 260
ففي الأوّل يكون المرجع هو البراءة للشك في التكليف، وفي الثاني يكون المرجع هو استصحاب الحكم، من غير فرق بين العام الاستغراقي ـ كما في قولنا: أكرم العلماء ـ أو البدلي ـ كما إذا قال ـ أكرم عالماً ـ .
ثم إنّ صاحب المحاضرات 1 اختار أن الأصل هو البراءة مطلقاً على كلا القولين، سواء أكان الانقضاء قبل إنشاء الحكم أم بعده.
أمّا الأوّل فواضح، لأنّ الشك في الحدوث، وأمّا الثاني فلا يجري لعدم إحراز بقاء الموضوع، فإنّ الشبهة مفهومية والموضوع مردد بين خصوص المتلبّس أو الأعم، والاستصحاب لا يجري في الحكم لعدم إحراز وحدة القضية المتيقنة مع المشكوكة، مثلاً (العالم) بما له من المعنى موضوع للحكم والتمسّك باستصحاب بقاء الحكم غير ممكن للشك في بقاء الموضوع.
أقول: إنّ ما ذكره من فروع القول بعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية الكلية وفاقاً للمحقّق النراقي وخلافاً لجمهرة الأُصوليين.
واستدلّ على المنع بوجوه نذكر واحداً منها:
ما أُشير إليه في المقام من الشكّ في بقاء الموضوع. ولأجل رفع الإشكال في المقام وغيره نقول: إنّ حاصل الإشكال هو أنّ الموضوع في القضية المتيقّنة غير الموضوع في المشكوكة، فالموضوع في القضية المتيقّنة: في المثال المعروف «هو الماء المتغير أحد أوصافه الثلاثة»، والمشكوك «هو الماء الّذي زال تغيرُهُ بنفسه»، وبين الموضوعين بعد المشرقين.

1 . المحاضرات: 1 / 257 ـ 258 .

صفحه 261
والجواب: أنّه إذا أُريد استصحاب الحكم الشرعي الكلّي فالإشكال وارد قطعاً، لأنّه من قبيل إسراء الحكم الشرعي من موضوع (الماء المتغيّر) إلى موضوع آخر (الماء إذا زال تغيره) وهو أشبه شيء بالقياس أو نفسه .
وأمّا إذا أُريد استصحاب الحكم الشرعي الجزئي فلا يتوجه الإشكال، وذلك بالبيان التالي:
إذا افترضنا ماءً متغيراً أحد أوصافه الثلاثة، لونه أو ريحه أو طعمه، فلا شكّ أنّ الكبرى الكلية تنطبق عليه، فإذا زال تغيّره بنفسه نشير إلى الماء الموجود أمامنا ـ الّذي شمله الدليل الاجتهادي في فترة من الزمان ـ ونقول: كان هذا نجساً والأصل بقاء نجاسته، والوحدة محفوظة في كلتا الحالتين،إذ ليس هنا ماءان بل ماء واحد في الحوض زال شيءٌ من أوصافه.
وجه الفرق بين عدم جواز استصحاب الحكم الشرعي الكلي وجواز استصحاب الحكم الجزئي هو أنّ عالم المفاهيم عالم الكثرة فلا يتبدل مفهوم إلى مفهوم آخر، وأمّا إذا انطبق العنوان الكلّي على مصداق خارجي فتنتهي رسالة الدليل الشرعي الدالّ على الحكم الكلي. فما دام الموضوع باقياً على حاله يُحتج بالكبرى على الصغرى، وأمّا إذا زال تغيره فلا يحتج بالكبرى على الموضوع، بل يستعين المجتهد ـ بعد شمول الكبرى له في فترة من الزمان ـ بدليل الاستصحاب فيشير إلى الماء المشخص ويقول: كان هذا نجساً والأصل بقاء نجاسته.
ويجري نفس هذا البيان فيما إذا انقلب العنب زبيباً وشك في حرمة شرب عصيره إذا غلى، وسيوافيك توضيحه في محله.

صفحه 262
وأمّا المقام، أعني: إذا كان الانقضاء بعد إنشاء الحكم فاستصحاب الحكم الكلّي غير ممكن لعدم إحراز الموضوع. لتردده بين قطعي الانتفاء ـ على القول بالوضع للمتلبس وقطعي البقاء على القول بالوضع للأعم.
وأمّا إذا انطبق الحكم الكلّي ـ قبل زوال المبدأ ـ على مصداق خارجي كزيد ثم زال المبدأ فيشار إلى زيد ويقال: كان هذا واجب الإكرام والأصل بقاء وجوبه. والموضوع في استصحاب الحكم الجزئي هو الشخص الخارجي لا عنوان العالم.

الأمر التاسع: نفي الملازمة بين التركّب والوضع للأعم

ذهب المحقّق النائيني إلى الملازمة بين نظرية تركب المشتق ووضعه للأعم ونظرية البساطة والوضع للأخص.
قال: إنّ الركن الوطيد على القول بالوضع للمركب هو الذات وانتساب المبدأ إليها. ومن المعلوم أنّ النسبة الناقصة لم يؤخذ فيها زمان دون زمان، وقد تبيّن عدم دلالة الأفعال على الزمان، فالمشتقات لا تدلّ عليه بالأولوية. ولذا كان المشهور بين القدماء القائلين بالتركيب هو الوضع للأعم، وهذا بخلاف القول بوضعه لمعنى بسيط فإنّ الركن في صدق المشتق بناء على البساطة هو نفس المبدأ، غاية الأمر أنّه ملحوظ بنحو يصحّ معه الحمل، ولا يكون مبائناً للذات بحسب الوجود، فيقوم الصدق بالمبدأ، فإذا انعدم وانقضى فلامحالة لا يصدق العنوان الاشتقاقي إلاّ بعناية.1

1 . أجود التقريرات: 1 / 75 ـ 77 .

صفحه 263
يلاحظ عليه: بعدم الملازمة بين القولين والرأيين. أمّا الأوّل: فلأنّ الجامع عند القائل بالتركيب إمّا :
الذات المتلبّسة بالمبدأ. أو :
الذات المنتسب إليها المبدأ.
فالأوّل ينطبق على القول بالأخصّ والثاني على القول بالأعم .
وأمّا الثاني: فلأن ما ذكره مبني على ما اختاره السيد الشريف من أنّ المشتق عين المبدأ، والفرق بينهما كون الأوّل لا بشرط والثاني بشرط لا، وعندئذ يكون الركن الركين هو المبدأ ومع زواله لا معنى لصدقه.
ولكنّ المبنى غير صحيح وأنّ المشتق مع كونه بسيطاً مغايرٌ مع مفهوم المبدأ، والفرق بينهما هو الفرق بين العنوان والمعنون، ـ وسيأتي تفصيله ـ فعلى ذلك فيمكن للقائل بالبساطة أن يقول: إنّ الموضوع له هو المعنون بالمبدأ حدوثاً وبقاءً، كما يمكن له أن يقول: إنّ الموضوع له هو المعنون بالمبدأ عبر الزمان.

دعوى أُخرى للمحقّق النائيني

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ القول بالأعم يحتاج إلى تصوير جامع بين المتلبّس والمنقضي ولا جامع بينهما، فإذا لم يعقل وجود الجامع فلا مجال لدعوى الوضع للأعم .1
ثم إنّ تلميذه الجليل أورد عليه بأنّ الجامع المقولي وإن كان غير

1 . أجود التقريرات: 1 / 78 .

صفحه 264
موجود على القول بالأعم، لكن الجامع الانتزاعي موجود بينهما ويمكن التعبير عنه بأحد الوجوه الثلاثة:
1. اتّصاف الذات بالمبدأ في الجملة في مقابل الذات الّتي لم تتصف به بعد، فإنّ الذات في الخارج على قسمين; قسم منها لم يتلبّس بالمبدأ بعد وهو خارج عن المقسم، وقسم منها متصف به ولكنّه أعم من أن يكون الاتّصاف باقياً حين الجري أم لم يكن باقياً.
2. «خروج المبدأ من العدم إلى الوجود» فإنّ المبدأ كما خرج من العدم إلى الوجود في مورد التلبّس كذلك خرج في مورد الانقضاء .
3. أحد الفردين: المتلبّس، ومن انقضى عنه المبدأ .1
يلاحظ عليه:
المشتق موضوع للمتلبّس بالمبدأ   
1. أنّه لا يتبادر من المشتق شيء من هذه الجوامع المتصوّرة.
2. لو قال بأنّ الجامع هو مصداق هذه المفاهيم لا نفسها، فيرد عليه أنّه قول لا يرضى به القائل بالأعم، فإنّ مفهوم المشتق مفهوم وحداني وما ذكره من الجوامع غير وحداني، وإنّما ينحل إليها المفهوم الوحداني والمقصود تعيين المفهوم الوحداني لا ما ينحل إليه أخيراً.
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ قد استحسن كلام المحقّق النائيني وقال ما هذا حاصله: لا محيص للقائل بالأعم من تصوير جامع بينهما، وإلاّ يلزم الاشتراك اللفظي، ولو امتنع تصوير الجامع تسقط دعواه. ولكن الجامع غير موجود إذ الجامع الذاتي بين الواجد والفاقد غير موجود، وأمّا الجامع الانتزاعي فلابد

1 . المحاضرات: 1 / 263 ـ 264 .

صفحه 265
أن ينتزع من الواقع ولا يمكن الانتزاع من الواقع إلاّ إذا كان صالحاً له مع أنّه غير صالح، إذ كيف يمكن انتزاع مفهوم بسيط منحل من الواجد والفاقد.1
يلاحظ عليه: نحن نختار الشق الأخير لكن منشأ الانتزاع هو حيثية الوجدان لا الفقدان والوجدان، لأنّ القائل بالأعم يقول بأنّ ثبوت المبدأ للذات آناً ما في التكوين يوجب اتّصاف الذات بحيثية (تعنونها بما ثبت له المبدأ) كافية في انتزاع المفهوم عن الذات في كلتا الحالتين، والحيثية الاعتبارية المصحّحة للانتزاع موجودة دائماً وإن زال عنها المبدأ.
فالعنوان البسيط المنحل إنّما ينتزع من هذه الحيثية الوجودية المتحقّقة في المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ.
فالمعنى الجامع منتزع من الواجد على كلا القولين لا من الواجد والفاقد.
إذا علمت هذه الأُمور فلندخل في صلب الموضوع.

المشتق موضوع للمتلبّس بالمبدأ

إنّ القوم استدلّوا على كون المشتق حقيقة في المتلبّس بوجوه مختلفة:

1. التصرفات تتعلّق بالمبدأ

الإمعان في الصيغ المشتقة من المصدر يثبت أنّ الواضع يريد توارد المعاني المختلفة على المبدأ وتصويره بألوان النسب بينه وبين الذات، فتارة

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 114 .

صفحه 266
يلاحظ المبدأ بما أنّه منتسب إلى الذات بالصدور عنها، وأُخرى بالوقوع على الذات، وثالثة بثبوته فيها كما في الصفة المشبهة، ورابعة بملاحظة الزمان والمكان ظرفاً للمبدأ، وهكذا.
فالمشتق هو المبدأ الملحوظ مع الذات بنسب وإضافات مختلفة، وما هذا شأنه يكون المحور هو المبدأ لا الذات، فالنسب المختلفة المتداولة تصاغ من المبدأ وتضاف إلى الذات.
وإن شئت قلت: إنّ الواضع يتلاعب بالمبدأ من خلال صياغته في قوالب مختلفة، فالمبدأ هو الّذي يتجلّى بصور وأشكال مختلفة، وليس هناك تلاعب بالذات ولا صياغتها بأشكال مختلفة، وما هذا شأنه لا يمكن غض النظر عنه عند الاستعمال، فإنّ القول بكونه حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ أشبه بغض النظر عنه عند الاستعمال.
وبعبارة أُخرى: أنّ النسبة تتوقّف على أمرين: الذات، والحدث .
والواضع يصبّ اهتمامه على طروء النسب المختلفة على المبدأ عند نسبته إلى الذات، فالمحور هو المبدأ، لكن وجود الذات ضروري لا لكونه محوراً، بل لأجل أنّ النسبة قائمة بالطرفين.

2. تبادر المتلبّس عند الإطلاق

إذا قال المولى: صلّ خلف العادل، أو أدّب الفاسق، أو إذا قيل: لا يصلّينّ أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون، أو إذا قيل: الأعرابي لا يؤم المهاجرين، لا يفهم منه إلاّ المتلبّس بالمبدأ، وهذا هو الظاهر في اللغات الأُخرى.

صفحه 267
ثم إنّ مصب النزاع فيما إذا أمكن الانقضاء أو أمكن الاستمرار، فلو لم يتصوّر له الانقضاء وكان مصداقه منحصراً بالمتلبّس كالممكن أو لم يتصور له الاستمرار وكان مصداقه منحصراً بمن انقضى عنه المبدأ كما في المقتل على ما قيل، فهما خارجان عن محط البحث.
هذان الدليلان من أفضل الأدلّة على المختار.
وهناك دليلان آخران لا يبلغان في الإتقان ما ذُكر، وإليك دراستهما.

3. في مضادة الصفات المتقابلة

لا ريب في مضادة الصفات المتقابلة المأخوذة من المبادئ المتضادة على ما ارتكز لها من المعاني، فلو كان المشتق حقيقة في الأعم لما كان بينها مضادة، بل مخالفة لتصادقها فيمن انقضى عنه المبدأ وتلبس بالآخر.
وأورد عليه المحقّق الرشتي بأنّ التضاد مبني على القول بالوضع للمتلبّس، وأمّا على القول بالوضع للأعم فلا تضاد بين العنوانين.
وأجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ التضاد أمر ارتكازي من غير فرق بين المشتقات كالأبيض والأسود ومبادئها كالبياض والسواد.
أقول: يلاحظ على أصل الاستدلال بأنّه يرجع إلى التبادر وليس دليلاً مستقلاً فإنّ الحكم بالتضاد بين المشتقين فرع إحراز معنى كل بالتبادر، وانّ المتبادر من كل واحد هو تلبّس الموضوع بالمبدأ، وعندئذ يحكم العقل بعدم صحّة اجتماعهما.
فالحكم بالتضاد متأخّر عن إحراز المعنى بالتبادر ومعه لا حاجة إلى دليل آخر.

صفحه 268
ويلاحظ على جواب المحقّق الخراساني بأنّ الأعمّي يسلّم التضاد بين المبدأين لا بين العنوانين، ولا ملازمة بين القول بتضاد المبدأين والقول بتضاد العنوانين، لأنّ المبدأ أي السواد أو البياض من الأُمور التكوينية، والتكوين لا يخضع للاعتبار، وهذا بخلاف وصف شيء بالأسود أو الأبيض فهو أمر راجع إلى اللغة، فلقائل أن يقول: الواضع وضع هيئة الفاعل بمجرد تلبّس الذات بالمبدأ في زمن من الأزمان فيكفي ذلك في صدقه حتّى في الزمان الّذي انقضى عنه المبدأ، ولا مانع عندئذ من اجتماع العنوانين بالفعل: الأبيض باعتبار وصفه الآن والأسود باعتبار اتّصافه به في زمن من الأزمان.
ثم إنّ المحقّق الخراساني أطنب الكلام في المقام بما لا حاجة له .

4. صحّة سلب المشتق عمّا انقضى عنه المبدأ

يقال زيد الناسي ليس بعالم وهي آية المجازية.
وقد أورد عليه المحقّق الرشتي بأنّه إن أُريد بصحة السلب صحته مطلقاً فغير صواب، وإن أُريد مقيّداً فغير مفيد، لأنّ علامة المجاز هي السلب المطلق.
توضيحه: أنّ علامة المجازية هو سلب اللفظ بما له من المعنى عن المورد حتّى يدل على أنّه ليس من مصاديقه مطلقاً، وأمّا سلب معنى خاص للفظ عن المورد فلا يدل إلاّ على أنّه ليس من مصاديق ذلك المقيّد، وأمّا أنّه ليس من مصاديق المعنى على وجه الإطلاق فلا يدل عليه.
فإذا قلت ـ مشيراً إلى الرقبة الكافرة ـ : إنها ليست برقبة مؤمنة، لا يدلّ

صفحه 269
على أنّها ليست برقبة أصلاً، فعلى ذلك إذا قلت: زيد الناسي ليس بعالم بالفعل، يدلّ على أنّه ليس من مصاديق المتلبّس بالفعل، وأمّا أنّه ليس من مصاديقه مطلقاً ولو باعتبار من انقضى عنه المبدأ، فلا.
وأجاب عنه في الكفاية بما هذا توضيحه: إنّ هنا قضيتين:
أ. زيد الناسي ليس بعالم بالفعل.
ب. زيد الناسي ليس بالفعل بعالم.
فقولنا بالفعل في الأوّل قيد للمسلوب أي العالم، وفي الثاني قيد للسلب، والمسلوب مطلق وليس مقيّداً.
فلو كان السلب على وزان المثال الأوّل فالحق مع المستشكل، لأنّ سلب مفهوم العالم المقيد بالتلبس بالفعل يكون دليلاً على أنّه ليس من مصاديق العالم المتلبّس بالمبدأ، وأمّا أنّه ليس مصداقاً لمطلق العالم ولو بملاك آخر فلا يكون دليلاً عليه .
وأمّا لو كان السلب على وزان المثال الثاني بأن تكون الفعلية قيداً للسلب، والمسلوب يكون مطلقاً بلا قيد، فمثل هذا السلب يكون دليلاً على أنّ زيداً الناسي ليس مصداقاً للعالم على وجه الإطلاق; أمّا المتلبّس فالمفروض عدمه، وأمّا كونه عالماً بلحاظ كونه متلبّساً في زمان من الأزمان فهو مردود بصحة السلب.
هذا توضيح ما في الكفاية، ولكن يرد عليه أنّ التفريق بين المثالين بجعل القيد تارة راجعاً إلى المسلوب وأُخرى إلى السلب، أمر دقيق لا
يقف عليه إلاّ الفيلسوف، وأمّا العرف فلا يفرّق بين الجملتين وعندئذ

صفحه 270
يرجع الإشكال، وحاصله: أنّ سلب المعنى المقيد لا يكون دليلاً على سلب المطلق.
إلى هنا تمت أدلّة القائلين بالأخصّ، بقي الكلام في أدلّة القائلين بالأعمّ، وقد استدلّوا بوجوه غير ناهضة:
   

أدلّة القول بالأعم

استدلّ القائلون بالأعم بأُمور أربعة:
1. تبادر الأعم.
2. عدم صحّة السلب عمّن انقضى عنه المبدأ.
3. صحّة إطلاق المقتول والمصلوب والسارق والزاني على من انقضى عنه المبدأ على وجه الحقيقة.
4. استدلال الإمام الصادق (عليه السلام)بآية الابتلاء .
يلاحظ على الاستدلال بهذه الأدلّة:
إنّ كلاً من الأوّل والثاني منقوض بمثله، لأنّ القائل بالاخصّ أيضاً يدّعي تبادر المتلبّس وصحة السلب عمّن انقضى عنه المبدأ، وبما أنّ الدليلين وجدانيان فكل يقنع نفسه لا الآخر.
وأمّا الدليل الثالث فالجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنّ الإطلاق في هذه الموارد الأربعة بلحاظ حال التلبّس، أو بلحاظ زمان النسبة، وقد مرّ أنّ هذا النوع من الإطلاق وإن كان فاقداً للمبدأ حين التكلّم، صحيح.

صفحه 271
الثاني: أنّ المقتول والمصلوب إن أُريد بهما المعنى الحدوثي، أي من وقع عليه القتل والصلب، فلا يصدق على من انقضى عنه المبدأ، وإن أُريد المعنى الوصفي أي الأثر الباقي بعد القتل والصلب، فالصدق لأجل كونه متلبساً بالأثر .
هذا كلّه حول اللفظين المذكورين.
وأمّا السارق والزاني فهنا جواب آخر عنهما، وذلك لأن ترتّب الحكم على موضوعه على قسمين:
تارة يدور الحكم مدار الموضوع حدوثاً وبقاءً، كما في قوله سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)1، ومن المعلوم أَنّ من زال عنه الذكر لا يكون صالحاً لأن يكون مسؤولا.
وأُخرى يكفي في ترتّبه وجود الموضوع حدوثاً، كما في السارق والزاني، فمن يسرق أو يزني في لحظة يكون محكوماً بالجلد والقطع. وهذا لا لأجل أنّ المشتق حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ، بل مناسبة الحكم والموضوع هي الّتي تبعثنا على أنّ اتّصاف الرجل بالمبدأ في آن من الآنات يكون سبباً تاماً لإجراء الحدّ عليه، إذ لا يمكن إجراؤه عليه حين ارتكاب الذنب، فوجوب إجراء الحد عليه ولو بعد فترة من الزمان ليس مبنياً على مسألة كون المشتق موضوعاً للأعم، بل لما عرفت من أنّ مقتضى هذه القضايا كفاية المعنى الحدوثي في المحكومية .
وأمّا الدليل الرابع فالاستدلال بالآية على المقام يقتضي الإحاطة بها من كافة الجوانب.

1 . الأنبياء: 7 .

صفحه 272
قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)1.
وفي الآية جهات مهمة للبحث نشير إليها:
1. ما هو الغرض من ابتلاء الأنبياء؟
2. كيف كان ابتلاء إبراهيم (عليه السلام)؟
3. ما هو المراد من الكلمات؟
4. ما هو المراد من الإتمام؟
5. ما هو المراد من جعله إماماً بعد ما كان نبياً ورسولاً؟
6. ما هو المقصود من العهد المنسوب إليه سبحانه، وكيف تكون الإمامة عهد الله؟
7. كيف تدل الآية على عصمة الإمام؟
وقد حقّقت هذه الأُمور في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» (2) .
وأمّا استدلال الإمام بالآية فقد روى الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام)في تفسير قوله: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أنّه قال: إنّ الإمامة لا تصلح لمن عبد وثنا أو صنماً أو أشرك بالله طرفة عين، وإن أسلم بعد ذلك، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظم الظلم الشرك بالله، قال الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)2 .3

1 . البقرة: 124 .   2 . مفاهيم القرآن: 5 / 197 ـ 259.
2 . لقمان: 13.
3 . تفسير البرهان للبحراني: 1 / 149 .

صفحه 273
أمّا كيفية الاستدلال فهو مبني على صغرى مسلّمة وكبرى قرآنية.
أمّا الصغرى: هؤلاء كانوا ظالمين مشركين.
أمّا الكبرى: والظالمون لا تنالهم الإمامة.
فينتج: أنّ هؤلاء لا تنالهم الإمامة.
وإنّما يصحّ وصفهم بعنوان الظالمين عند التصدّي إذا قلنا بوضع المشتق للأعم بحيث يصدق على المتلبّس بالمبدأ والمنقضي عنه حتّى يصحّ عدّهم من الظالمين حين تصدّوا للخلافة وقد انقضى المبدأ، ولو قلنا بوضع المشتق على المتلبّس تبقى الكبرى بلا صغرى، إذ لا يصحّ أن يقال: هؤلاء كانوا ظالمين عند التصدي، بل يجب أن يقال: كانوا ظالمين قبل التصدّي، وأمّا بعده فقد صاروا موحّدين.
يلاحظ عليه: بأنّ استدلال الإمام (عليه السلام)ليس مبنياً على أنّ المشتق حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ، وإلاّ كان للمخالف أن يرد على الإمام بأنّ الاستدلال بالآية على عدم صلاحية الخلفاء مبني على ما ذُكر ولكن المشتق حقيقة في المتلبّس، ولم يكونوا عند التصدي متلبّسين بالظلم وعندئذ لا يتم الاستدلال.
بل الاستدلال كان مبنياً على أمر آخر سواء أكان المشتق حقيقة في المتلبّس أو لا. وهو مناسبة الحكم والموضوع الّتي تدفعنا إلى اشتراط كون الإمام غير مشرك طول عمره من لدن بلوغه إلى موته، وذلك لأنّ الإمامة كالنبوة منصب إلهي يجب أن يتنزه المتصدي لها عن المنفِّرات والمبعدات لكي يرغب الناس في إمامته وتخضع له القلوب والأعناق ولا تتحقّق تلك الأُمنية إلاّ بنقاوة صحيفة حياته عن الأعمال القبيحة المنفرّة. ومن المعلوم أنّ

صفحه 274
عبادة الصنم مدة طويلة والانغمار في عبادته ممّا يوجب تنفر الناس عن العابد وإن أسلم ووحّد، وبما أنّ هؤلاء كانوا في فترة من أعمارهم ظالمين مشركين فهذا كاف، لأنّ يكون سبباً في حرمانهم من هذا المنصب الإلهي.
وهناك وجه آخر للاستدلال بالآية مع غض النظر عن وضع المشتق ذكره السيد الطباطبائي ناقلاً له عن بعض مشايخه، وهو أنّ الناس حسب التقسيم العقلي على أربعة أقسام:
أ. من كان ظالماً في جميع عمره.
ب. من لم يكن ظالماً طيلة عمره.
ج. من كان ظالماً في مقتبل عمره وتائباً في أواخره حين التصدّي.
د. من لم يقترف الشرك في أوائل عمره واقترفه في أواخره حين التصدي.
فيجب إمعان النظر في تحديد من عناه إبراهيم الخليل. والعقل يحكم بأنّ إبراهيم (عليه السلام)أجل شأناً من أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل والرابع من ذريته، فيبقى القسمان الآخران، وقد نفى الله أحدهما أي من كان ظالماً في مقتبل عمره وغير ظالم حين التصدي، وبقي الآخر وهو الّذي يكون غير ظالم في جميع عمره.1
ثمرة البحث في كون المشتق موضوعاً لخصوص المتلبّس أو الأعم   

1 . الميزان في تفسير القرآن: 1 / 277، في تفسير آية الابتلاء.

صفحه 275
 
خاتمة المطاف

في ثمرات البحث

تظهر الثمرة بين كون المشتق موضوعاً لخصوص المتلبّس أو الأعم في الموارد التالية ـ ويجمع الكل كون المشتق موضوعاً للحكم ـ :
1. قال رجل لعلي بن الحسين (عليهما السلام) : أين يتوضّأ الغرباء؟ قال: «تتّقي شطوط الأنهار، والطرق النافذة وتحت الأشجار المثمرة...».1 فعلى التلبّس يختصّ الحكم بما إذا كان مثمراً ولو بالقوّة، بخلاف القول بالأعم، فيشمل حتى الشجرة المتوقّفة الساقطة عن التوريق والأثمار.
2. قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود، وولد الزنا، والأعرابي لا يؤم المهاجرين».2 والثمرة واضحة على القولين.
3. عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة إذا ماتت وليس معها امرأة تغسلها، قال: «يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها إلى المرافق».3 فلو قلنا بكون المشتق حقيقة في المنقضي فللزوج المطلّق لها، التغسيل عند فقد المماثل.

1 . الوسائل: 1، الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث1.
2 . الوسائل: 5، الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث6.
3 . الوسائل: 2، الباب 24 من أبواب غسل الميت، الحديث8.

صفحه 276
4. وربّما يمثل بالماء المشمَّس أو المسخَّن، ولكن الوارد في لسان الأدلّة، التعبير عنه بصيغة الفعل لا بصيغة المشتق، فقد ورد عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الماء الذي تسخّنه الشمس لا تتوضّأوا به ولا تغسلوا ولا تعجنوا به فانّه يورث البرص».1
   
 
مسائل في المشتق

المسألة الأُولى:

خروج الذات عن مفهوم المشتق

هل المشتق في مفهومه الابتدائي يدل على الذات أو لا ؟
فالمحور في هذه المسألة هو التركيز على دخول الذات في المشتق وعدمه، بخلاف المسألة الآتية فالتركيز فيها على بيان الفرق بين المبدأ والمشتق، فهاهنا مسألتان لا واحدة.
إذا علمت ذلك ففي المسألة احتمالات أو أقوال:
1. إنّ الذات خارجة عن المشتق ابتداء وانتهاءً، فلا يدل على الذات لا بمفهومه الابتدائي ولا بمفهومه الانحلالي، وهو قول الشريف على ما في تعليقاته على «شرح المطالع»2، وأساس هذا النظر هو ما يأتي في المسألة

1 . الوسائل: 1، الباب 6 من أبواب الماء المضاف، الحديث2.
2 . شرح المطالع: 11 .

صفحه 277
الثانية من أنّ المفهوم من ا لمشتق نفس المفهوم من المبدأ والفرق بينهما هو أنّ الأوّل أخِذ، لا بشرط، والثاني بشرط لا .
2. انّ المشتق مشتمل على الذات والمبدأ والنسبة ابتداء وانتهاء، وهذا القول يقابل القول الأوّل تماماً.
3. المشتق غير مشتمل على الذات ابتداء، ولكنّه مشتمل عليها انتهاءً، أي لا يدل بمفهومه الابتدائي على الذات وإنّما يدلّ عليها عند التحليل ومفهومه الانتهائي، وهذا القول هو خيرة المحقّق الاصفهاني والسيد الأُستاذ وهو المختار.
وحاصله: أنّ المشتق بسيط لفظاً ودلالة ومدلولاً، يعني أنّه لفظ واحد لا كثير، وله دلالة واحدة لا دلالات، ومدلول واحد لا مدلولات، في مقابل القول الثاني الّذي يعتقد بالتعدّد في المراحل الثلاثة.
توضيحه: أنّ العقل ربّما يدرك الذات بلا عنوان كالاعلام، وأُخرى يدرك العنوان بلا ذات كالمصادر، وربما يدركهما معاً، وللأخير قسمان:
الأوّل: أن يدرك الذات والعنوان والنسبة على وجه التفصيل، بحيث يتعلّق بكل منها إدراك مستقل فيقال: زيد موصوف بالكتابة أو بالعلم.
الثاني: أن يدرك الذات والعنوان والنسبة دركاً وحدانياً ولكنّه عند التحليل يرجع إلى الأُمور الثلاثة، وهذا هو شأن المشتق فهو غير الذات وغير العنوان وغير النسبة، بل عصارة من الأُمور الثلاثة نعبر عنه بالمعنون، الّذي هو بسيط ابتداءً ومركب تحليلاً.
والدليل على ذلك هو التبادر والوجدان. فإنّ الكاتب والضارب يدلان

صفحه 278
على معنى واحد لا كثير، ولكن له إمكانية التحلل إلى الكثير فهو من مقولة «الوحدة في الكثرة».
فمن قال بالبساطة وأراد ما ذكرنا من البساطة في المفهوم الابتدائي فهو صحيح، ومن قال بالتركيب وأراد التركيب عند التحليل فهو صحيح أيضاً.
وأمّا من قال بالبساطة حتّى في مرحلة التحليل، أو قال بالتركيب في مرحلة الابتداء، فقد نازع وجدانه.
إلى هنا تم بيان ما هو المختار، وإليك دراسة القول الأوّل الّذي هو خيرة الشريف الجرجاني.

استدلال الشريف على بساطة المشتق

استدلّ على خروج الذات عن مدلول المشتق بالقضية المنفصلة وقال: لو قلنا بدخول الذات في المشتق يلزم أحدُ محذورين:
أ. دخول العرض العام في الفصل، إذا كان المأخوذ فيه مفهوم الشيء كما في قولنا: «الإنسان ناطق».
ب. انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية، إذا كان المأخوذ مصداق الشيء كما في قولنا «الإنسان كاتب».
فدخول الشيء في مفهوم الناطق يستلزم دخول العرض العام في الفصل، كما أنّ دخول الإنسان في المثال الثاني يوجب انقلاب القضية من الممكنة إلى الضرورية، لأنّ معنى قولنا: «الإنسان كاتب» هو: «الإنسان، إنسان

صفحه 279
كاتب»، وثبوت الإنسانية للإنسان بالضرورة.
وقد أُجيب عن الشق الأوّل بوجوه:
1. ما أفاده صاحب الفصول من أن أخذ الناطق فصلاً مبني على تجريده عن مفهوم الشيء.
2. ما أجاب به المحقّق الخراساني من أنّ الناطق ليس فصلاً حقيقياً بل من أظهر خواص الإنسان، ولذا ربّما يجعلون لازمين وخاصتين مكان فصل واحد، فيعرّفون الحيوان بأنّه حساس متحرك بالإرادة، مع أنّ الشيء الواحد لا يكون له إلاّ فصل واحد.
والوجه في عدم كون الناطق فصلاً حقيقياً، هو أنّ المبدأ للناطق لو كان هو النطق بمعنى التكلم فهو كيف محسوس، وإن كان بمعنى التفكر ودرك الكليات فهو كيف نفساني على القول بأن العلم من مقولة الكيف.
3. انّ الفصل الحقيقي للإنسان هو النفس، غير أنّ الناطق عنوان وصفي لهذا الفصل الحقيقي ومن أظهر خواصه، فلما كانت حقيقة الفصل مجهولة لنا، أُشير إلى توضيحه بالعنوان الوصفي كما لا يخفى .
والجواب الثالث هو الحق وبه يكتمل الجواب الثاني، وأمّا الجواب الأوّل فهو غير صحيح، لأنّ المنطقيين جعلوا الناطق فصلاً للإنسان بما له من المعنى من دون تجريد .
وأمّا الشق الثاني من استدلاله فهو غير صحيح، لأنّ المحمول ليس مصداق الشيء، أعني: الإنسان بما هو هو، بل المحمول هو الإنسان المقيّد بالكتابة. ومن المعلوم أنّ ثبوته للموضوع ليس بالضرورة بل بالإمكان .

صفحه 280
وحصيلة الكلام: أنّه ليس هناك إخباران أحدهما (الإنسان إنسان) والآخر (الإنسان كاتب أو له الكتابة) حتّى تكون القضية الأُولى ضرورية، بل هنا إخبار واحد وهو الإنسان المقيّد بالكتابة، وثبوت هذا المحمول للموضوع بالإمكان، لأنّ النتيجة تابعة لأخس الجزأين.
إلى هنا تبيّن ما هو الحق. ثم إنّ صاحب الكفاية نقل عن صاحب الفصول أنّه تنظّر فيما ذكره، فنقله ثم رد على ما تنظر فيه، ولسنا بحاجة إلى نقل ما دار بينهما من الكلام، بعد تبيّن الحق.
مع أنّ ما نسبه صاحب الكفاية إلى صاحب الفصول ليس موافقاً لما في نفس الفصول وبالتالي يكون ردّه واقعاً في غير مورده. وقد أوضحنا حال هذه الأُمور في الدورات السابقة 1، فلننتقل إلى المسألة الثانية.
 
المسألة الثانية:

في الفرق بين المبدأ والمشتق

هذه هي المسألة الثانية الّتي أوعزنا إليها في صدر المسألة الأُولى، ويحتاج إلى عقد هذه المسألة من قال: بأنّ المشتق بسيط ابتداءً وتحليلاً، وانّ المفهوم من أحدهما نفس المفهوم من الآخر، كما عليه السيد الشريف. فيستدعي البحث في الفرق بينهما.
وأمّا من قال بتركب المشتق ابتداء ونهاية أو قال ببساطته ابتداءً وتركّبه

1 . لاحظ المحصول: 1 / 274 .

صفحه 281
تحليلاً فهو في غنى عن عقد هذه المسألة لمّا تبيّن الفرق بين المبدأ والمشتق على هذين المنهجين. وعلى ضوء ذلك فهذا البحث على المختار بحث فرضي لا واقعي.
إذا عرفت ذلك فنقول: ذهب الشريف إلى أنّ الفرق بينهما هو نفس الفرق بين الجنس والمادة والفصل والصورة، فكما أنّ الفرق بين الجنس والمادة بكون الأوّل لا بشرط والثاني بشرط لا، فهكذا الفرق بين المشتق والمبدأ، فالأوّل منهما مأخوذ لا بشرط والآخر بشرط لا، ونظير ذلك الفصل والصورة، فالناطق المأخوذ لا بشرط فصل، والمأخوذ بشرط لا صورة.
هذا هو خلاصة مقالة الشريف، وهنا يقع البحث في مقامين:
الأوّل: الكلام في المشَّبه به، أي الفرق بين الجنس والمادة، أو الفصل والصورة، اللابشرطية والبشرط لائية .
الثاني: الكلام في المشبه أي الفرق بين المشتق والمبدأ بهذا المعنى.
أمّا المقام الأوّل: فنقول إنَّ أهل المعقول يستعملون اللابشرط وبشرط لا، في موردين:
1. في باب عوارض الماهية فتلاحظ بما أنّها ماهية تامّة ، كالرقبة الّتي أُريد بها الإنسان حيث إنّها تلاحظ بالنسبة إلى الإيمان على وجوه ثلاثة: فيقال اعتق رقبة مؤمنة، أو يقال: اعتق رقبة غير مؤمنة أو يقال: اعتق رقبة. ففي هذا الصدد يقول المحقق السبزواري:
مخلوطة مطلقة مجرّدة *** عند اعتبارات عليها موردة
ففي هذه المرحلة يلاحظ مفهوم تام من جميع الجهات بالنسبة إلى

صفحه 282
عارض من عوارضه، والعارض خارج عن حقيقة الموضوع وماهيته، ولأجل ذلك لا تنثلم الوحدة المفهومية بهذه الاعتبارات. وهذا القسم خارج عن محط البحث في المقام ولا صلة له بما ذكره أهل المعقول في الفرق بين الجنس والمادة والفصل والصورة.
2. لحاظ الماهية بالنسبة إلى أجزائها الحملية كالحيوان والناطق الّذي تارة يقبلان الحمل على الإنسان فيسمّيان بالجنس والفصل، وأُخرى يستعصيان عن الحمل ولا يجريان على النوع فيسمّيان بالمادة والصورة.
فهذا هو الّذي نشرحه في المقام كي يتبيّن الفرق بين الجنس والمادة والفصل والصورة، حيث نرى أنّهم يصفون شيئاً واحداً كالحيوان تارة بأنّه جنس قابل للحمل على النوع، وأُخرى بأنّه مادة وجزء للإنسان فلا يحمل على الكل، إذ عندئذ يقع السؤال كيف يكون شيء واحد قابلاً للحمل ويكون نفس الموضوع فيقال الإنسان حيوان، وأُخرى غير قابل للحمل وجزء الموضوع؟ فنقول:
إذا لوحظ الحيوان بما أنّه مفهوم مبهم واقع في صراط التكامل قابلٌ لأن يتحصّل بأحد الفصول فعندئذ يُصبح (لا بشرط) لأجل أخذه مبهماً، وقابلاً للحمل لأجل عدم تحصّله، فإذا قيس الحيوان إلى الإنسان يكون نفس الإنسان، فإذا قيل «الإنسان حيوان» يريد الهوهوية حيث إنّه في صراط التكامل يكون نفس الإنسان لا جزءاً منه.1

1 . يقول الحكيم السبزواري:
ابهام جنس حسب الكون خذا *** إذ إنّه الدائر بين ذا وذا

صفحه 283
وأمّا إذا لوحظ الحيوان بما أنّه مفهوم واضح غير مبهم، متحصّل ومكتمل بنفسه فعندئذ يصبح (بشرط لا) لفرط ظهوره ولا يقبل الحمل لأجل اكتماله، فعندئذ إذا قيس إلى الإنسان لا يكون نفس الإنسان، بل يكون جزء منه والجزء الآخر هو النفس.
ولك أن تستعين بهذا البيان في الفرق بين الفصل والصورة، فالمأخوذ (لا بشرط) يكون قابلاً للحمل ويكون نفس الإنسان ويسمّى فصلاً محصِّلاً للجنس ، بخلاف المأخوذ (بشرط لا) فيكون مفهوماً مستقلاً غير قابل للحمل. ويكون جزء الإنسان .
وبذلك يتضح الفرق بين الموردين حيث إنّ اللابشرطية والبشرط لائية، في المورد الأوّل كانا خارجين عن صميم الموضوع (الرقبة) بل عارضين عليه، وهذا كالإيمان والكفر بالنسبة إلى الرقبة، ولأجل ذلك لا تنثلم الوحدة المفهومية في الموضوع بهذين العارضين، فهناك مفهوم واحد يعرض عليه هذان اللحاظان. بخلاف المورد الثاني فاللحاظان داخلان في صميم المفهوم، فالحيوان المأخوذ لا بشرط يحمل على الإنسان، كما أنّ الحيوان المأخوذ بشرط لا غير قابل للحمل، فالحيوان بهذين اللحاظين يصبح مفهومين مختلفين أحدهما لا يمتنع عن الحمل والآخر يعصي عنه، ففي المورد الأوّل (الرقبة) هو مفهوم واحد ملحوظ بلحاظين، وفي المورد الثاني مفهومان مختلفان متعدّدان يكون أحدهما في صميم الذات لا بشرط والآخر بشرط لا .
ولأجل هذا يسمّى الجنس والفصل أجزاء حملية، وأمّا الصورة والمادة

صفحه 284
تسمّى أجزاء حدّية.
هذا هو ما يرومه أهل المعقول في التفريق بين هذه المفاهيم الأربعة، وقد عرفت أنّ هذا المصطلح له موردان.
ثم إنّ صاحب الفصول لمّا لم يفرّق بين المصطلحين اعترض على أهل المعقول بهذا الفرق وهو انّ اللحاظ لا يصيّر ما ليس قابلاً للحمل قابلاً له، وإليك نص كلامه:
قال: إنّ أخذ العرض «لا بشرط» لا يُصّحح حمله على موضوعه، فإذا قلنا: زيد عالم، أو متحرك، يمتنع حمل العلم والحركة عليه وإن اعتبر لا بشرط، بل مصحّح الحمل أنّ مفاد المشتق باعتبار هيئته مفاد «ذو هو» فلا فرق بين قولنا: «ذو بياض» وقولنا: «ذو مال»، فكما أنّ المال إن اعتبر لا بشرط لا يصحّ حمله على صاحبه، فكذلك البياض، ومجرّد استقلال أحدهما (المال) بالوجود دون الآخر (البياض) لا يجدي فرقاً في المقام، فالحقّ أنّ الفرق بين المشتق ومبدئه هو الفرق بين الشيء وذي الشيء، فمدلول المشتق أمر اعتباري منتزع من الذات لملاحظة قيام المبدأ بها.1
وجه الاشكال: أنّه خلط بين المقامين وزعم أنّ لحاظ أجزاء الماهية كلحاظ عوارضها وطوارئها، وما مَثّل به من الأمثلة كالعلم والكتابة فهما من عوارض الماهية، فلا يقبلان الحمل على الموضوع وإن لوحظت (لا بشرط) ألف مرّة، وهذا بخلاف الحيوان فإنّ اللابشرطية أو بشرط اللائية داخلان في صميم المفهوم، فتجعله تارة مفهوماً صالحاً للحمل لأجل إبهامه وانغماره

1 . الفصول: 62 .

صفحه 285
ووقوعه في صراط التكامل، وأُخرى مفهوماً واضحاً متحصلاً متعيناً غير قابل للحمل بل يقع جزءاً للمحدود لا نفسه، وللشيخ الرئيس هنا كلام في إيضاح معنى اللابشرطية وبشرط اللائية نقله الحكيم السبزواري في شرح المنظومة، وإليك نصَّه:
إنّ الماهية (الحيوان) قد تؤخذ بشرط لا، بأن يتصوّر معناها بشرط أن يكون ذلك المعنى وحده بحيث يكون كلّ ما يقارنه زائداً عليه، فيكون جزءاً لذلك المجموع ومادة له، فيمتنع حمله على المجموع (الإنسان) لانتفاء شرط الحمل. وقد تؤخذ لا بشرط، بأن يتصوّر معناها مع تجويز كونه وحده، وكونه لا وحده، بأن يقترن مع شيء آخر فيحمل على المجموع، والماهية المأخوذة كذلك قد تكون غير محصلة بنفسها في الواقع، بل تكون أمراً محتملاً للمقولية على الشيء مختلفة الماهيات (كما هو شأن الجنس)، وإنّما يتحصّل بما ينضاف إليها فيتخصص به ويصير بعينها أحد تلك الأشياء فيكون جنساً والمنضاف إليه الذي قومه وجعله أحد تلك الأشياء فصلاً.1
وممّا ذكرنا يُعلم مضمون الجملة المعروفة بين أهل المعقول حيث قالوا: إنّ الجنس والفصل من أجزاء الحد لا من أجزاء المحدود أي الإنسان، ومعنى الجملة أنّ الحيوان والناطق إذا لوحظا جنساً وفصلاً للمحدود، يصبح كل منهما نفس الإنسان لا جزئه، ولو وصفا بالجزئية فإنّما هو باعتبار كونهما من أجزاء الحد، لا من أجزاء المحدود ـ أي الإنسان ـ لما عرفت من أنّهما في هذا اللحاظ عين المحدود ونفسه.

1 . المنظومة: قسم الحكمة: 91. نقلاً عن الشيخ الرئيس.

صفحه 286
نعم لو لوحظا بما أنّهما مادة وصورة ففي هذه الحالة يكون كلّ جزءاً للمحدود فيكون الحيوان جزءً لماهية الإنسان فيمتنع الحمل، كما يكون الناطق جزءاً له فيمتنع الحمل فيطلق عليهما المادة والصورة (الذهنيتان) مكان الجنس والفصل.

المقام الثاني : في المشبَّه

قد عرفت أنّ الشريف ومن نهج منهجه يشبهون المبدأ والمشتق بالجنس والمادة أو بالفصل والصورة وقبل الخوض في دراسة دلائلهم على مقالتهم نذكر نكتة مفادها أنّ التشبيه مهما صحّ فليس بصحيح من جانب واحد، وذلك لأن دخول العنوانين في مفهوم الجنس والمادة، لا يجعلهما مفهومين متغايرين، فالحيوان بما هو جنس، نفس الحيوان بما هو مادة، وإنّما يتفاوتان بالإبهام والوضوح، حيث إنّ الجنس لإبهامه، قابل لأن يكون أحد الأنواع، ولذلك يحمل على النوع ويقال: الإنسان حيوان، بخلاف المادة فإنّها بتمامية مفهومها، غير قابلة للحمل، وهذا بخلاف المشتق والمبدأ، فالمتبادر من الأوّل هو المعنون ومن الآخر العنوان، فهما مفهومان متغايران بالبداهة، بلا حاجة إلى اللحاظ فتشبيه المشتق والمبدأ بالجنس والمادة، تشبيه مع الفارق.

أدلة القول بالتنزيل

إلى هنا تم تحقيق القول في هذا التشبيه، بقي الكلام في أدلة القول بأنّ الفرق بين المبدأ والمشتق هو أن الأوّل «بشرط لا» والآخر «لا بشرط». ولهم في تبيين ذلك وجوه أربعة يرجع بعضها إلى المحقق الدواني، وإليك بيانها:

صفحه 287
الأوّل: ما ذكره أهل المعقول في الفرق بين العرض والعرضي، أنّ العرض تارة يلاحظ بما هو هو وانّه موجود في قبال موضوعه فهو بهذا اللحاظ بياض ولا يصحّ حمله على موضوعه مثل الجسم، كيف والمفروض أنّه لوحظ بنحو المبائنة مع الموضوع، والحمل هو الاتحاد في الوجود.
وأُخرى يلاحظ بما أنّه ظهور لموضوعه وطور لوجوده وشأن من شؤونه،وظهور الشيء وطوره وشأنه لا يباينه فيصحّ حمله عليه، إذ المفروض انّ هذه المرتبة من مراتب وجود الشيء، والحمل هو الاتحاد في الوجود.
وبعبارة أُخرى: انّ واقع البياض يطرد العدم من جانب ماهيته أوّلاً، فيكون اللابياض بياضاً، ومن جانب موضوعه ثانياً فيكون اللا أبيض، أبيض، فبما أنّه يطرد العدم عن جانب ماهيته يقال له البياض، وبما انّه يطرد العدم عن جانب موضوعه، يقال له: الأبيض.
وهكذا الضرب بما أنّه يطرد العدم عن ماهيته، يطلق عليه الضرب، وبما أنّه يطرد العدم عن جانب موضوعه يطلق عليه الضارب.
فتحصّل من ذلك أنّ للبياض والأبيض مفهوماً واحداً، يختلفان بالاعتبار، فوزان الضرب وزان البياض، ووزان الضارب كوزان الأبيض.
وهذا التقرير، بيان جديد لكون الفرق بين المبدأ والمشتق بشرط لا ولا بشرط.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الحكماء في الفرق بين العرض والعرضي هو بحث عن واقع العرض والعرضي في عالم الكون، وأمّا أن الألفاظ هل

صفحه 288
وضعت لهذا المعنى الدقيق الّذي يدركه الحكماء، فلا، إذ لا صلة بذلك، فتفسير الألفاظ بهذا البحث أمر غير صحيح، فإنّ معاني الألفاظ إنّما تؤخذ بالإمعان فيما يتبادر منها عند أهل اللسان لا ممّا حقّقه الحكماء عند دراسة صحيفة الكون الذي لا صلة له بعالم الألفاظ، فإنّ ما ذكروه في الفرق بين العرض والعرضي يرجع إلى دراستهم صحيفة الكون، يقول الحكيم السبزواري:
وعرضيّ الشيء غير العرض *** ذا كالبياض ذاك مثل الأبيض
الثاني: ما نقله الحكيم السبزواري في تعاليقه على الأسفار من أنّا إذا رأينا شيئاً أبيض، فالمرئي بالذات هو البياض، ونحن قبل ملاحظة أنّ البياض عرض، والعرض لا يوجد قائماً بنفسه، نحكم بأنّه بياض وأبيض، ولولا الاتّحاد بالذات بين البياض والأبيض وخروج الذات عن الثاني لما حكم العقل بذلك في هذه المرتبة، ولم يجوِّز قبل ملاحظة هذه المقدمات، كونه أبيض، لكن الأمر بخلاف ذلك.
يلاحظ عليه: بأنّا وإن نحكم عند رؤية البياض ـ قبل ملاحظة أنّه عرض وانّ العرض لا يوجد قائماً بنفسه ـ بأنّه أبيض، و الملاحظة التفصيلية وإن كانت غير موجودة عند الرؤية، لكن الملاحظة الإجمالية موجودة ارتكازاً، لأنّ الإنسان طيلة حياته يشاهد أنّ البياض لا يوجد إلاّ مع موضوعه، فهو مع هذا العلم الموجود في خزانة ذهنه إذا رأى البياض، وحمل عليه الأبيض، فإنّما حمل على البياض الذي لا يفارق الموضوع، فلا يدلّ ذاك الحمل على خروج الذات والنسبة عن مفهومه.

صفحه 289
الثالث: أنّ المعلّم الأوّل ومترجمي كلامه عبّروا عن المقولات بالمشتقات، ومثلوا لها بها فعبّروا عن الكيف بالمتكيّف ومثّلوا لها بالحار والبارد، فلولا الاتحاد بالذات لم يصحّ ذلك التعبير والتمثيل إلاّ بالتكلّف، بأن يقال: ذكر المشتقات لتضمنها مبادئها.1
يلاحظ عليه: بأنّه لا حجّية لكلام أرسطو ومترجمي كلامه.
الرابع: نقل عن بهمنيار تلميذ الشيخ الرئيس أنّه قال: إنّ الحرارة لو كانت قائمة بذاتها، لكانت حرارة وحارة.2
يلاحظ عليه: بأنّ مثله قد نقل عن تلميذ الشيخ الرئيس، إذ هو قضية شرطية لا تثبت بها اللغة.
 
المسألة الثالثة:

في ملاك الحمل

قد اشتهر بينهم أنّ ملاك الحمل أمران:
المغايرة من جهة والاتحاد من جهة أُخرى، والمغايرة إمّا أن تكون بالاعتبار كما في قولنا: «زيد زيد» فالأوّل منهما يغاير الثاني اعتباراً، حيث يحتمل فيه في بادئ النظر، جواز سلب الشيء عن نفسه فيردّه بقوله «زيد»، أو بالإجمال والتفصيل كما في قولنا: «الإنسان حيوان ناطق»، أو بالمفهوم كما

1 . الأسفار: 1 / 42.
2 . نهاية الدراية: 1 / 94.

صفحه 290
في الحمل الشائع الصناعي نحو «زيد قائم».
وهذا هو حال التغاير، وأمّا الاتحاد فالمثالان الأوّلان يتّحد الموضوع فيهما مع المحمول في المفهوم كما أنّهما في المثال الثالث يتّحدان مصداقاً.
هذا هو المعروف بين المنطقيين، واختاره المحقّق الخراساني، وقال: ملاك الحمل هو الهوهوية والاتحاد من وجه والمغايرة من وجه آخر كما يكون بين المشتقات والذوات .1
يلاحظ عليه: أنّ في هذا الكلام خلطاً بين كون الشيء ملاكاً للصحة وكونه ملاكاً للجدوى، فملاك الأوّل هو الهوهوية فقط، وملاك الثاني هو التغاير بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة، إذ لولا التغاير لكان الحمل لغواً.
 
المسألة الرابعة:

في مغايرة المبدأ للذات

قد مرّ أنّه يشترط في صحة الحمل أو في كونه مفيداً ـ على ما عرفت ـ مغايرة المحمول مع الموضوع بأحد أنواع التغاير الثلاثة، والوحدة مصداقاً وخارجاً.
ولمّا كان هناك مظنةُ سؤال وهو أنّ القول بشرطية تغاير المحمول مع الموضوع لا ينسجم مع عقيدة الإمامية حيث ذهبوا إلى أنّ صفاته سبحانه

1 . كفاية الأُصول: 1 / 84 .

صفحه 291
قديمةٌ وعين ذاته، في مقابل الكرّاميّة الذين قالوا بحدوث صفاته، والأشاعرة الذين قالوا بقدم صفاته مع كونها زائدة على الذات .
فأجاب عنه المحقّق الخراساني: بأنّ القول بالتغاير لا ينافي القول بعينية صفاته مع الذات، لأنّ التغاير في المفهوم لا ينافي عينية صفاته مع الذات خارجاً.
ثم ردّ على صاحب الفصول، حيث ذهب إلى أنّ حمل صفاته سبحانه عليه لا يصحّ إلاّ بالنقل أو التجوّز، لأنّ المتبادر من الصفات هو مغايرة المبدأ مع الذات وزيادته عليها فلا يمكن إجراؤها عليه سبحانه بهذا العنوان، فلابد في الجري من النقل إلى معنى آخر، أو كون استعماله فيه سبحانه مجازاً. فقال في ردّه: بأنّ المغايرة في المفهوم لا تنافي العينية الخارجية فلا حاجة في جري صفاته عليه إلى ما ذكر.
يلاحظ عليه: بأنّ المحقّق الخراساني لم يقف على مغزى ما رامه صاحب الفصول فلذلك اعترض عليه بما عرفت، وذلك أنّه لو كان محور الإشكال توهم التضاد بين شرطية التغاير في صحة الحمل، وعينية صفاته مع ذاته، لكان لما أجاب به مجال، لأنّ مصب التغاير غير مصب الوحدة.
وأمّا لو كان محور الإشكال هو أنّ المتبادر من المشتق هو زيادة العنوان على الذات وإن كان بينهما نوع اتحاد ، فالمتبادر من قولنا: «عالم» هو ذات له العلم، وهذا لا يتفق مع ما عليه الإمامية من عينية الصفات مع الذات.
وبعبارة أُخرى: إذا كان المتبادر من الصفات كالعالم والقادر هو المعنون بما هو معنون يلزم عدم صحة إجراء الصفات الثبوتية عليه تعالى،

صفحه 292
لأنّ مقتضى المحمول في قولنا: «الله عالم» هو زيادة العنوان على المعنون مع أنّ العقيدة على خلافها .
فلو كان محور البحث هو هذا لأصبح كلام المحقّق الخراساني في «أنّ صفاته وإن كانت عين ذاته خارجاً لكنّها غيرها مفهوماً» أمراً لا صلة له بالإشكال.
نعم ما أجاب به صاحب الفصول فراراً عن الإشكال وإن كان مرتبطاً بالمقام لكنّه غير صحيح، لأنّا نُجري تلك الصفات على الله سبحانه كجريها على غيره من دون تجوّز ولا نقل، فيجب حل الإشكال بوجه آخر، بأن نقول:
إنّ المتبادر من المشتق هو المعنون، والذات المتلبّسة بالمبدأ، وظاهره زيادة العنوان على الذات، ونحن نجري أوصافه سبحانه عليه بهذا المعنى، ونستعملها في المعنى المتبادر عرفاً بالإرادة الاستعمالية غير أنّ البرهان قام على عينية صفاته مع ذاته، فتُرفع اليد عن هذا الظهور بالدليل العقلي، فالمراد الجدّي عند من قام الدليل عنده على العينية، غير المراد الاستعمالي الّذي يشترك فيه العالم والجاهل والفيلسوف والمتكلّم.
وقيام البرهان على الوحدة لا يكون سبباً لتغيير اللغة والمتبادر العرفي، غاية الأمر أنّ الأكثرية الساحقة من الناس لا يلتفتون إلى هذه الدقائق، فيستعملون اللفظ فيه سبحانه على النحو الّذي يستعملونه في غيره ولا يرون الزيادة مخلّة بالتوحيد.
فمن الواضح أنّ هنا مقامين:
الأوّل: اللغة، والظهور، والتبادر.

صفحه 293
الثاني: العقيدة، والبرهان، والاستدلال.
وليس من شأن العقيدة تفسير اللغة والمتبادر العرفي، كما أنّه ليس للظواهر أن تصادم البراهين العقلية، فلكلّ طريقه ومجراه.
 
المسألة الخامسة:

في قيام المبدأ بالذات

كان البحث في المسألة السابقة في مغايرة المبدأ للذات، وقد علمت أنّ مفاد المشتق هو المغايرة، وأنّ عدم المغايرة في مورد خاص لا يكون دليلاً على خلاف ذلك.
وأمّا الكلام في هذه المسألة فهو في قيام المبدأ بالذات، وكان على المحقّق الخراساني أن يُدغِم هذه المسألة في المسألة السابقة، كما أنّه كان في إمكانه أن يدغم المسألة السادسة فيها ويجعل الجميع مسألة واحدة.
وعلى كل تقدير ففي هذه المسألة أقوال:
الأوّل: ما عليه الأشاعرة من اشتراط قيام المبدأ بالموضوع قياماً حلولياً، وبذلك ردوا على المعتزلة التي فسرت كونه سبحانه متكلّماً بخلقه الحروف والأصوات في الشجر والجبل، وذهبوا إلى أنّ حقيقة كونه متكلّماً وجود الكلام النفسي في ذاته وقيامه به قياماً حلولياً فأوردوا المفاهيم في ذاته سبحانه، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
الثاني: عدم اشتراط القيام بالموضوع، بشهادة أنّ المؤلم يطلق على

صفحه 294
المعذِّب مع أنّ الاسم قائم بالمؤُلّم لا بالفاعل.
الثالث: ما اختاره صاحب الفصول من شرطية قيام المبدأ بالذات إمّا بالحلول كما في «زيد عالم»، أو بالصدور كما في «زيد ضارب» أو «زيد مُولم» أو بغير هذا النحو من القيام بالوقوع عليه كما في المفعول به ، أو بالوقوع فيه كما في «مقتل الحسين» زماناً ومكاناً.
وإنّما استثنى من شرطية القيام مورداً واحداً وهو ما إذا كان المبدأ ذاتاً لا وصفاً ومثل له بمثالين:
أ. صفاته سبحانه بالنسبة إلى ذاته إذ هي ليس من مقولة الأعراض إلى الموضوع.
ب. اللابن والتامر، إذ ليس المبدأ ـ أعني: اللبن والتمر ـ قائماً بالبائع.
الرابع: ما اختاره المحقّق الخراساني من لزوم قيام المبدأ بالذات في عامة الموارد، غير أنّه يختلف القيام حسب موارده حتّى في ما استثناه صاحب الفصول من صفاته سبحانه، وذلك أنّ صفاته سبحانه الجارية عليه تعالى يكون المبدأ فيها مغايراً له مفهوماً ولكن قائماً به عيناً بنحو من القيام، لا بأن تكون هناك اثنينية وكان ما بحذائه غير الذات، بل بنحو الاتحاد والعينية وكان ما بحذائه عين الذات، وعدم الاطّلاع على مثل هذا التلبّس من الأُمور الخفية لا يضر بصدقها عليه تعالى على نحو الحقيقة إذا كان لها مفهوم صادق عليه تعالى حقيقة ولو بتأمل وتعمّل من العقل والعرف.
فإن قلت: إنّ مثل هذا القيام لا يُعد عرفاً من مصاديق القيام.
قلت: إنّ العرف مرجع في تعيين المفاهيم لا في تطبيقها على

صفحه 295
مصاديقها.1
يلاحظ عليه: أنّ ما اختاره وإن كان أفضل من الأقوال السابقة غير أنَّ في كلامه ملاحظتين:
الأُولى: أنّ العرف مرجع في كلا المقامين، بشهادة أنّ لون الدم ليس دماً عند العرف وإن كان دماً عند الدقة والتحليل المختبري. وأفتى الفقهاء على طهارة لون الدم، لأجل أنّ العرف لا يراه دماً.
الثانية: أنّ الجمع بين قيام الشيء بالشيء والوحدة ونفي الاثنينية، جمع بين الضدين، لأنّ لازم قيام شيء بشيء هو التعدّد ولازم الوحدة هو عدم القيام فكيف يجتمعان؟!
والحق أن يقال: يجب على المحقّق أن يفصّل بين مفاد الكلمة لغة وما هو مقتضى البرهان العقلي.
أمّا الأوّل: فقد مرّ أنّ المشتق يدلّ على المعنون بما هو معنون، ومقتضى ذلك أنّ هناك ذاتاً وعنواناً قائماً بها، ولا ينكره من رجع إلى وجدانه، وعلى هذا نجري الصفات على الله كجريها على غيره.
وأمّا الثاني: فمقتضى البرهان قدم صفاته لا حدوثها أولاً، وعينية صفاته مع ذاته ثانياً وإلاّ لَزَمَ التركيب في ذاته سبحانه أوّلاً، وتعدّد القدماء ثانياً، وكلاهما باطل.
فالقول الحق هو دلالة المشتق على قيام الوصف بالموضوع، ولكن

1 . كفاية الأُصول: 1 / 86 ـ 87 .

صفحه 296
هذه الدلالة مرادة بالإرادة الاستعمالية لا الإرادة الجدّية عند العارفين والعلماء المحقّقين حتّى أنّ كثيراً من الموحّدين يجرون الصفات على الله غافلين عن العينية والزيادة في الواقع.
 
المسألة السادسة:

في اشتراط التلبّس بالمبدأ

ربّما يقال بأنّ تلبّس الذات بالمبدأ ليس شرطاً في صحّة الحمل بشهادة صحة قولنا: «الميزاب جار»، مع أنّ الجريان قائم بالماء لا بالميزاب.
يلاحظ عليه: بأنّ الشرط هو التلبّس العرفي، سواء أكان حقيقياً أو تنزيلياً، فعلاقة الحال والمحل صار سبباً لوصف كلٍّ من الماء والميزاب بالجريان.
***
تمّ الكلام
في الثلاثة عشر أمراً الّتي جعلها المحقّق الخراساني
كمقدّمة لمقاصد كتابه الثمانية، وهي كالتالي:
الأوّل في الأوامر، والثاني في النواهي، والثالث في المفاهيم، والرابع في العموم والخصوص، والخامس في المطلق والمقيّد; وبهذه المقاصد الخمسة أتمّ مباحث الألفاظ، ثم شرع في الجزء الثاني بالمباحث العقلية وهي

صفحه 297
على ثلاثة مقاصد: الأوّل في الحجج والأمارات، والثاني في الأُصول العملية، والثالث في التعادل والترجيح. وختم الكتاب ببحث حول الاجتهاد والتقليد.
والآن نشرع بدراسة المقاصد الثمانية حسب ترتيب المحقّق الخراساني (قدس سره).

صفحه 298

صفحه 299
المقصد الأوّل:   
في الأوامر
وفيه فصول
الفصل الأوّل: في مادّة الأمر والبحث فيها من جهات
الفصل الثاني: فيما يتعلّق بصيغة الأمر وفيه مباحث
الفصل الثالث: في الاجزاء والبحث فيه من جهات
الفصل الرابع: في مقدمة الواجب وفيه مباحث
الفصل الخامس: في مسألة الضد وفيه جهات من البحث
الفصل السادس: في حكم الأمر مع العلم بانتفاء شرطه
الفصل السابع: في متعلّق الأوامر والنواهي
الفصل الثامن: في نسخ الوجوب وبقاء الجواز
الفصل التاسع: في الواجب التخييري
الفصل العاشر: في الوجوب الكفائي
الفصل الحادي عشر: في الواجب الموقت والموسع
الفصل الثاني عشر: في الأمر بالأمر بشيء
الفصل الثالث عشر: في الأمر بشيء مرّتين
   

صفحه 300

صفحه 301
الفصل الأوّل:

فيما يتعلّق بمادة الأمر

إنّ البحث في مادة الأمر يقع في جهات:

الأُولى: في معناها اللغوي

نقل المحقّق الخراساني أنّ للفظ الأمر معان متعدّدة:
أ. الطلب، نحو: أمره بكذا.
ب. الشأن، نحو: شغله أمر كذا.
ج. الفعل، نحو: (وَ مَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد)1.
د. الفعل العجيب، نحو: (وَ لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا)(2).
هـ . الغرض، نحو: جاء زيد لأمر كذا.
و. الحادثة، نحو: وقع الأمر.
لا يشك الباحث أنّ أكثر هذه المعاني من قبيل تعدّد الدال والمدلول، أو من قبيل اشتباه المصداق بالمفهوم، أمّا الأوّل فكما في قوله: جاء زيد لأمر كذا، فالأمر فيه ليس للغرض وإنّما يستفاد الغرض من اللام في قوله (لأمر)،

1 . هود: 97 .   2 . هود: 58 .

صفحه 302
وأمّا الثاني فلأنّ الحادثة في قوله: «وقع الأمر» أو الشأن في قوله: «شغله أمر كذا»، من مصاديق الفعل وليس معنى مستقلاً.
والحق أنّ لغة العرب تتمتّع بسعة وهي اشتقاق المعنى من المعنى، ووجود صور مختلفة لمعنى واحد يتراءى في بادئ الأمر أنّها من قبيل المعاني غفلة عن أنّها مصاديق مختلفة لمعنى واحد.
ذكر بعض المعلقين على كتاب القضاء من الروضة البهية أنّ له عشرة معان مع أنّ الجميع من مصاديق معنى واحد وهو إتقان الفعل حتّى أنّ قوله سبحانه: (وَ قَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)من هذا القبيل فإنّ التشريع الإلهي من مصاديق فعل المتقن، وأوّل من قام بتوحيد أكثر المعاني وإرجاعها إلى أصل أو أصلين، هو أحمد بن فارس مؤلف المقاييس، وعلى كلّ تقدير فقد استقرت نظرية المحقّقين على أنّ لمادة الأمر معنيين، أحدهما الطلب، وقد اختلفوا في الثاني:
الطلب       والشأن      وهو خيرة صاحب الفصول
الطلب      والشيء      وهوخيرة المحقّق الخراساني
الطلب      والشيء الخاص      وهوخيرة المحقّق الخوئي
الطلب      والفعل       وهو المختار عندنا
أمّا المعنى الأوّل، فهو غير واضح حيث استدلّ القائل عليه بقول القائل «شغلني أمر كذا» مع أنّه من المحتمل أن يكون المراد هو الفعل، كما مرّ.
وأمّا المعنى الثاني، فقد اعتمد القائل به على قولهم: رأيت أمراً عجيباً، فزعم أنّ الأمر فيه بمعنى الشيء، مع أنّه من المحتمل أن يكون بمعنى الفعل .

صفحه 303
وممّا يدل على أنّه ليس بمعنى الشيء أنّ الأمر لا يطلق على واجب الوجود ولا المجردات ولا الجواهر وحتّى الأعراض، ولكن يقال: الله شيء والملك شيء والجوهر شيء ولا يطلق عليها أنّها أمر.
ولذلك عدل المحقّق الخوئي إلى القول الثالث بأنّ المراد من الشيء هو الشيء الخاص من الفعل والصفة.
أقول: أمّا الفعل فنعم، وأمّا الصفة فلا تطلق على العلم القائم بالنفس أنّه أمر، والظاهر أنّه حقيقة في الطلب والفعل، ويكفي في استعماله في الفعل قوله سبحانه:
1. (إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ)1.
2. (وَ شَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)2 أي شاورهم في أُمورك وأفعالك .
3. (قُضِيَ الأَمْرُ وَ إِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)3.
ثم إنّ الأمر بالمعنى الأوّل لو فسّر بالقول المخصوص يكون جامداً لا يقبل الاشتقاق، ولذلك عدل عنه المحقق الخراساني فقال: إنّ المراد منه هو الطلب بالقول المخصوص حتّى يتضمن معنى حدثياً ويكون صالحاً للاشتقاق.
وأمّا المعنى الثاني ـ أي الفعل ـ فهو معنى جامد غير صالح للاشتقاق «والأمر» بالمعنى الأوّل يجمع على أوامر، وبالمعنى الثاني على أُمور، ولعلّ

1 . آل عمران: 154 .
2 . آل عمران: 159 .
3 . البقرة: 210 .

صفحه 304
تعدّد الجمع دليل على اختلاف المعنى، وإن لم يكن هذا ضابطة كلية فإنّ العبد له جموع مختلفة كالعباد والعبيد، مع كونه فيها بمعنى واحد.
والظاهر أنّ هذا البحث ليس بحثاً أُصولياً بل بحث لغوي كالبحث عن الصعيد، وتظهر الثمرة فيما إذا وردت كلمة الأمر في الكتاب والسنة ولم نتحقّق معناها.
فعلى ما ذكرنا من أنّه مشترك لفظي يحتاج تعيين معناه إلى قرينة معيِّنة وإلاّ يكون مجملاً متروكاً ويكون المرجع هو الأُصول.

الجهة الثانية: في اعتبار العلو والاستعلاء في مفهوم الأمر

هل يعتبر في مفهوم الأمر العلوّ والاستعلاء أو لا يعتبر؟ فيه أقوال:
1. اعتبار العلو لا الاستعلاء.
2. اعتبار أحدهما.
3. عدم اعتبارهما.
4. اعتبار كليهما.
أمّا القول الأوّل: فهو خيرة المحقّق الخراساني، قال: الظاهر اعتبار العلو في معنى الأمر فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمراً، ولو أطلق عليه كان بنحو من العناية.
كما أنّ الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء فيكون الطلب من العالي أمراً، ولو كان مستخفضاً بجناحه .1

1 . كفاية الأُصول: 1 / 91 .

صفحه 305
أقول: أمّا اعتبار العلو في معنى الأمر فيكفي فيه التبادر خصوصاً إذا قلنا بأنّ لفظة الأمر ترادف لفظة (فرمان) في اللغة الفارسية، إنّما الكلام في عدم اعتبار الاستعلاء في مفهوم الأمر، والظاهر اعتباره، إذ نمنع صدق الأمر من العالي إلى السافل إذا كان بلسان الاستدعاء، ويكفي في ذلك ما رواه ابن عباس قال: إنّ بُريرة كانت أمة لعائشة تزوجت بعبد ولمّا أُعتقت خيّرها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بين البقاء على زوجية الزوج السابق أو المفارقة، فاختارت هي المفارقة فاتّصل زوجها بعم النبي العباس ليكلّمه حتّى يأمرها بالبقاء، فلمّا كلّمها النبي وقال لها: «إنّه زوجك»، قالت بريرة: أتأمرني يا رسول الله؟ فقال: لا إنّما أنا شافع، قال: فخيّرها فاختارت نفسها .1
وجه الاستدلال: أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّه زوجك» وإن كان جملة خبرية إلاّ أنّها وردت بداعي طلب البقاء معه، وعندئذ فلو كان مطلق ما يصدر من العالي بصورة الطلب أمراً لم يكن لسؤال بُريرة وجه، مع أنا نرى أنّها قسّمت كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قسمين إلى الأمر والشفاعة، وهذا يدل على أنّ مجرد صدور الطلب من العالي لا يكون كافياً في صدق الأمر ما لم يُضم إليه شيءٌ وليس هو إلاّ التظاهر بالعلو أو الطلب من منطلق القوة والقدرة.
وأمّا القول الثاني: أعني اعتبار أحدهما، فقد نقله المحقّق الخراساني من دون أن يسمّي القائل، فالظاهر أنّه بصدد بيان كفاية الاستعلاء وإن لم يكن القائل عالياً في الواقع.
واستدلّ له بتقبيح العقلاء الطالب السافل ـ من العالي ـ المستعلي عليه

1 . مسند أحمد: 1 / 215 .

صفحه 306
وتوبيخه بمثل أنّك لِمَ تأمره؟
وأجاب عنه بأنّ التوبيخ إنّما هو على استعلائه لا على أمره حقيقة بعد استعلائه، وإنّما يكون إطلاق الأمر على طلبه بحسب ما هو قضية استعلائه.
وبعبارة أُخرى: إنّ التوبيخ قد حصل، لأنّه خرج عن أدب المخاطبة والكلام وإلاّ فمن المعلوم أنّه لا يوصف بأنّه أمر حقيقي.
أمّا القول الثالث: وهو خيرة المحقّق البروجردي (قدس سره)واستدلّ عليه بقوله:
إنّ حقيقة الطلب على قسمين:
قسم يطلب فيه انبعاث المطلوب منه من نفس الطلب بحيث يكون داعيه ومحركه إلى الامتثال صرف هذا الطلب. وهذا ما يسمّى أمراً.
وقسم آخر يقصد فيه انبعاث المطلوب منه من الطلب منضماً إلى بعض المقارنات كطلب المسكين من الغني حيث إن مجرّد الطلب لا يبعث الغني على المساعدة، ما لم يُضم إليه حال السائل، وهذا يسمّى التماساً، ثم قال: القسم الأوّل يناسب العالي، ولا يراد منه كون الطالب عالياً، أي مأخوذاً في مفهوم الأمر حتّى يكون معنى: «آمرك بكذا»، اطلب منك وأنا عال. 1
يلاحظ عليه: أنّ تخصيص لفظ الأمر بالقسم الأوّل والالتماس بالقسم الثاني يحتاج إلى وجود قيد في مفهوم اللفظين حتّى يتعيّن صدق كلّ على مورده فما هذا القيد الموجود في مفهوم كلا اللفظين؟ فهل هو: كون الانبعاث من نفس الطلب وعدمه وهو كما ترى لا يقبل الأخذ في مفهوم الأمر، أو كون

1 . نهاية الأُصول: 1 / 75 ـ 76.

صفحه 307
الطالب عالياً بالنسبة إلى المطلوب منه، ولاثالث، وهذا هو المتعيّن .
ثم إنّ قولنا بأخذ العلو في مفهوم الأمر ليس بمعنى أخذ العلو بالمعنى الاسمي في معنى الأمر، بل المراد أخذه على وجه الإجمال وبالمعنى الحرفي، وبذلك يثبت أنّ الحق هو القول الرابع.

الجهة الثالثة: في دلالة مادة الأمر على الوجوب

قد سبق أنَّ مادة الأمر وضعت للبعث الصادر عن العالي المستعلي، وعندئذ يقع الكلام في دلالتها على الوجوب أو كونها مشتركة بينه وبين الندب بالاشتراك المعنوي.
والظاهر هو الأوّل وذلك لوجوه:
1. تبادره عند الإطلاق.
2. ترتّب الحذر على مطلق مخالفة أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في قوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)1.
3. ترتّب اللوم والتوبيخ على مخالفة أمره سبحانه: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)2.
4. ترتب الزج في السجن على المخالفة: (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ)3.

1 . النور: 63.
2 . الأعراف: 12 .
3 . يوسف: 32.

صفحه 308
فإنّ ترتّب هذه الأُمور الّتي هي من لوازم الوجوب على مخالفة مطلق الأمر، بلا قرينة على الوجوب آية انسباق الوجوب منها.
5. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك» 1 نرى أنّ الرسول نفى الأمر بالسواك لرفع الحرج عن أُمّته، مع صدور الأمر به على وجه الاستحباب، وهذا يدلّ على مساواة الأمر للوجوب. حتى يصح للرسول، نفي صدوره عنه .
6. قوله لبريرة ـ بعد قولها: أتامرني يا رسول الله ـ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا، إنّما أنا شافعٌ»، لا شكّ أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)طلب منها البقاء على زوجيتها بقوله: «إنّه زوجك»، ومع ذلك نفى أن يكون آمراً. وهذا يدلّ على أنّ الطلب الندبي ليس أمراً، بل هو عبارة عن الطلب الجديّ الّذي لا يرضى المولى بتركه.
استدلّ للقول بالاشتراك المعنوي بين الوجوب والندب بوجهين:
أ. صحّة تقسيم الأمر على الوجوب والندب.
وأجاب عنه في الكفاية بأنّ التقسيم دليل على صحّة استعمال الأمر فيهما، وأمّا كونه على وجه الحقيقة فلا، لأنّه أعّم منها.
ب. فعل المندوب طاعة، وكل طاعة فهي فعل المأمور به، يُنتج: انّ فعل المندوب فعل المأمور به.
وأجاب أيضاً: منع كلية الكبرى، لو أُريد من المأمور به فيها معناه الحقيقي، إذ لا نسلم أنّ فعل المندوب من مصاديق المأمور به الحقيقي

1 . الوسائل : 2، الباب 3 من أبواب السواك، الحديث 4.

صفحه 309
الملازم للوجوب، وإن أُريد به الأعم من الحقيقي والمجازي فهو لا يثبت المطلوب.

منشأ انسباق الوجوب

قد تبيّن ممّا سبق انسباق الوجوب من لفظة الأمر، إنّما الكلام في منشئه ومبدئه فهنا احتمالات ثلاث:
1. دلالة اللفظة عليه بالدلالة اللفظية، بأن يكون الوجوب نفس الموضوع له أو جزءه.
2. كون الوجوب، نتيجة الإطلاق وانّ الوجوب لا يحتاج إلى بيان زائد، بخلاف الندب.
3. كونه مقتضى حكم العقل وان بعث المولى لا يترك بلا جواب.
لا سبيل إلى الوجه الأوّل، لأنّ الوجوب كالندب من المفاهيم الانتزاعية، ينتزعان ثبوتاً من شدة إرادة المولى وضعفها، وإثباتاً من المقارنات الّتي تدل على شدة رغبة المولى بالفعل وعدم رضاه بتركه أو عكسها. كالأمر بصوت عال، أو المقرون بالتأكيد ونظائرهما من دون دلالة نفس الصيغة
عليه.
والوجه الثاني، أمر محتمل، لا مانع منه، وسيوافيك توضيحه عند البحث في أنّ إطلاق صيغة الأمر يقتضي كون المأمور به، تعيينياً لا تخييرياً، نفسياً لا غيرياً، عينياً لا كفائياً، وذلك لأنّ الأقسام الأُولى لا تحتاج إلى بيان زائد، بخلاف الأقسام الثانية، فإنّ إفهامها للمخاطب يحتاج إلى قيد زائد على

صفحه 310
الأمر، ومثله المقام، فكأن الطلب المطلق عند العقلاء، يعادل الوجوب، دون الندب فإنّه رهن قيد زائد وهو انّه يجوز تركه.
ولعلّ الثالث أوضح وأمتن، فالأمر بمجرده مادة أو صيغة، تمام الموضوع عند العقل لوجوب الطاعة وعدم الاعتداد باحتمال كونه مندوباً، ولذلك يجب امتثال الأمر مالم يدل دليل على الترخيص.
ما هو المُنشأ بلفظ الأمر   

الجهة الرابعة: المُنشأ بلفظ الأمر وصيغته

عقد المحقّق الخراساني هذا البحث لبيان أمرين:
الأوّل: أنّ المُنشأ بلفظ الأمر وصيغته أو غيرهما هو الطلب الإنشائي لا الطلب الحقيقي.
الثاني: وحدة الطلب والإرادة في المراحل الثلاثة: مفهوماً، إنشاءً، وخارجاً .
أمّا الأوّل: فهو بحث أُصولي لابد من إفاضة الكلام فيه .
وأمّا الثاني: فهو أشبه بالبحث الكلامي الّذي أفاض فيه علماء الكلام من الأشاعرة والمعتزلة والإمامية، وقد أفاض فيه الكلام المحقّق الخراساني دون أن يذكر ما هو الوجه لورود هذه المسألة في أُصول الفقه ، ونحن نذكر خلاصة مرامه في المقامين ثم نأتي بالمختار فيما ذكره.
قال (قدس سره)ما هذا توضيحه: إنّ المنشأ هو الطلب الإنشائي لا الطلب الحقيقي القائم بالنفس والّذي هو الطلب بالحمل الشائع الصناعي، وذلك لأنّ الحقيقي القائم بالنفس أمر تكويني غير قابل للإنشاء والاعتبار، بخلاف

صفحه 311
الإنشائي فهو أمر اعتباري قابل له. وعلى ضوء ذلك فالمُنشأ هو الإرادة الإنشائية أيضاً لا الإرادة الحقيقية والّتي هي الإرادة بالحمل الشائع.
وبذلك ظهر أنّ الطلب والإرادة متّحدان في المراحل الثلاثة:
1. مفهوماً ولغة، وانّ المفهوم من أحدهما هو المفهوم من الآخر .
2. إنشاء، والمقصود به هو أنّ بالأمر يُنشأ الطلب والإرادة الاعتباريان.
3. خارجاً، أي ما هو المصداق في لوح النفس للطلب هو المصداق أيضاً للإرادة.
والدليل على الوحدة في المرحلة الثالثة هو الوجدان فإنّ الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة أُخرى قائمة بها، يكون الطلب غيرها، فإنّ الإنسان عندما يتصوّر الشيء ويصدّق بفائدته وتميل إليه نفسه وتشتاق إليه يجد في نفسه إجماعاً أو هيجاناً نحوه، وهو المسمّى بالإرادة تارة والطلب أُخرى، فنخرج بالنتيجة التالية:
أ. المنشأ هو الطلب والإرادة الإنشائيان.
ب. وحدة الطلب والإرادة في المراحل الثلاثة.
وأمّا من جنح إلى تغايرهما فقد أخذ من الطلب، المصداقَ الإنشائي والاعتباري، ومن الإرادة، الإرادة الحقيقية فزعم تغايرهما، ولكنّه لو أخذ من كُلٍّ ما يقع في مرتبته لما حكم بالتغاير.
ثم إنّ المحقّق الخراساني أشار إلى أدلّة القائلين بتعدّد الطلب والإرادة، وهما دليلان:

صفحه 312
1. الأمر الاختباري فيما إذا أمر بشيء لا يريده جدّاً لاختبار المخاطب، كما هو الحال في أمر الخليل بذبح إسماعيل فهناك طلب ولا إرادة، وإنّما صدر الأمر لاستخبار حال العبد في كونه مطيعاً أو عاصياً. وإلاّ لزم انفكاك المراد عن الإرادة.
2. الأمر الاعتذاري وهذا ما يصدر لتسجيل العصيان على العبد، فإنّ السيد قد يأمر العبد بالفعل ويطلبه منه ولا يريده وهو يعلم أنّه لا يمتثله، لكن يأمره ليحتج عليه عند مجازاته وانّه قد خالف أمره. وإلى هذين الدليلين أشار المحقّق الخراساني في قوله: «كما في صورتي الاختبار والاعتذار» 1.
ثم أجاب المحقّق الخراساني: بأنّه إن أُريد الفرد الحقيقي من الطلب والإرادة فليس في الموردين طلب ولا إرادة، وإن أراد الإنشائي فكلاهما موجود.
وبعبارة أُخرى: أنّ الدليلين يثبتان انفكاك الإرادة الحقيقية عن الطلب الإنشائي، وأمّا تغاير الطلب الحقيقي مع الإرادة الحقيقية أو الانشائيين منه فلا يثبته الدليلان.
ثم إنّه قد نبّه بأنّ النزاع بين الفريقين يمكن أن يكون لفظياً، فالقائل بالوحدة يقول بوحدتهما مع حفظ المرتبة، والقائل بالتعدّد يقول به مع عدم حفظ المرتبة، فيكون النزاع بين الأشاعرة القائلين بالتعدّد والمعتزلة والإمامية القائلين بالوحدة لفظياً.
هذه عصارة ما في الكفاية فيما يرجع إلى الأمرين; ان المنشأ هو

1 . كفاية الأُصول : 1 / 96 .

صفحه 313
المطلب الاعتباري وأنّ الطلب والإرادة متحدتان.
أقول: ما ذكره المحقّق الخراساني من وحدة الأمرين في المراحل الثلاثة غير خال من الإشكال .
أمّا المرحلة الأُولى أي الوحدة مفهوماً: فالظاهر أنّ ما يتبادر من الطلب غير ما يتبادر من الإرادة، فكأنّ الطلب أمر قائم بالجوارح والإرادة أمر قائم بالجوانح ـ ولذلك لا يصح وضع أحدهما مكان الآخر، يقول سبحانه: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)1 مع أنّه لا يصح أن يقال: (يطلب الله منكم اليسر ولا يطلب منكم العسر) .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» 2، فلايصح جعل الإرادة مكان الطلب بأن يقال: إرادة العلم فريضة على كلّ مسلم.
وما هذا إلاّ لأنّ الطلب هو ما يرجع إلى الجوارح، وأمّا الإرادة فيتبادر منه ما يتعلق بالجوانح، فكيف يصح الحكم بوحدة مفهومهما.
وأمّا المرحلة الثانية وهي وحدتهما إنشاء، فالظاهر أنّ المنشأ هو الطلب. وبعبارة أصحّ البعث الإنشائي، فللطلب عند العرف مصداقان: حقيقي قائم بالجوارح، واعتباري ينشأ بصيغة الأمر ونحوه.
وأمّا الإرادة فالظاهر انحصار مصداقها بالفرد الحقيقي وليس لها فرد إنشائي اعتباري، ووجه ذلك أنّ الأُمور الاعتبارية عبارة عن جعل مصداق مماثل لأمر خارجي ملموس كالزوجية من مشاهدة الزوج التكويني كالعينين

1 . البقرة: 185 .
2 . الكافي: 1 / 30 .

صفحه 314
والأذنين والتفاحتين الملتصقتين، وكالمالكية لما يحيزه من البحر حيث يرى نفسه أولى به منتقلاً من مالكية النفس لأعضاء جسده.
وأمّا الانتقال من الأُمور النفسية إلى جعل مصداق وأمر اعتباري لها في عالم الاعتبار فهو أمر بعيد، فلذلك يصح القول: إنّ للطلب مصداقين: حقيقي وانشائي، وذلك لأنّ المصداق الحقيقي للطلب هو أمر محسوس فيصح جعل مصداق اعتباري له، ولكن لا يصح القول بأنّ للإرادة مصداقين حقيقي واعتباري، لأنّ المصداق الحقيقي للإرادة أمر غير محسوس ولا ملموس، فلا يصير مبدأ، لوضع مصداق لها.
وأمّا المرحلة الثالثة، أي في الخارج فهذا يتوقّف على أن نصوّر الطلب أمراً جوانحياً فيتحد مصداق الطلب والارادة ، وأمّا لو قلنا بأنّ الطلب أمر جوارحي فلا يصح الحكم بالوحدة.
هذا، والعجب أنّه جعل النزاع بين الطائفتين لفظياً، ومعنى ذلك أنّ النزاع الممتد عبر عشرة قرون أمر لفظي، وهذا نابع من عدم دراسة تاريخ المسألة والدواعي إلى عقدها.
هذا كلّه حول ما ذكر في الكفاية، وإليك دراسة ما هو الداعي لعقد مسألة وحدة الطلب والإرادة وذلك بالرجوع إلى تاريخ المسألة.

صفحه 315

إكمال

خاض المحقّق الخراساني في مسألة اتّحاد الطلب والإرادة وتعدّدهما من دون أن يشير إلى وجه الورود في هذه المسألة، إذ لو كان البحث أُصولياً لكفى له أن يكتفي بالمقدار اللازم في المقام، وهو أنّ المُنشأ بلفظ الأمر هو الطلب الإنشائي لا الطلب الحقيقي فقط دون أن يخوض في مسألة أُخرى باسم تعدّد الطلب والإرادة أو وحدتهما، ولذلك كان بحثه مجملاً، وما هذا إلاّ لأنّه لم يشر إلى الداعي إلى القول بالتعدّد عند الأشاعرة والوحدة عند المعتزلة والإمامية، ولأجل رفع الحجاب عن وجه الحقيقة نشير باختصار إلى أُمور:

1. تقسيم صفاته إلى ذاتية وفعلية

تنقسم صفات الباري تعالى إلى صفات ذاتية منتزعة من حدّ الذات، أُحادية التعلّق بمعنى أنّها لا تقبل النفي والإثبات، وهذا كالعلم والقدرة فهما منتزعتان من ذاته وفي الوقت نفسه تحمل عليه سبحانه دائماً بالإثبات، فيقال: يعلم ويقدر، ولا يصح ـ ولو في مورد خاص ـ أن يقال: لا يعلم ولا يقدر.
وهذا بخلاف صفات الفعل المنتزعة من إيجاده وفعله فهي في الوقت نفسه ثنائية التعلّق أي تقبل النفي والإثبات ويقال: يُحيي ولا يُحيي، يُميت ولا يُميت، وقد أشار إلى ذلك الميزان شيخنا الكليني في كتابه «الكافي ».1

1 . الكافي: 1 / 111 .

صفحه 316
هل التكلّم من صفات الفعل ؟   

2. هل التكلّم من صفات الفعل أو من صفات الذات

اتّفق المسلمون على وصفه سبحانه بالتكلّم معتمدين على قوله سبحانه: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً)1 ولكن اختلفوا في كونها منتزعة من فعله سبحانه، كالإحياء والإماتة على نحو لو لم يصدر منه فعل لما صحّ انتزاعه منه، أو أنّها من صفات الذات القائمة بها، فعلى الأوّل يكون حادثاً وعلى الثاني يكون قديماً.
ذهبت الإمامية والمعتزلة إلى أنّها من صفات الفعل، وأنّ كلامه حادث كسائر أفعاله، وبالتالي يكون القرآن حادثاً وليس بقديم.
ثم إنّ الكثير من الإمامية ذهبت إلى أنّ حقيقة كلامه هو فعله، فالعالم كله كلامه، لأنّ الكلام في الإنسان هو المعرب عمّا في ضميره، والكون بما فيه من عجائب الخلقة وبدائع الصنع معرب عن علمه وقدرته تعالى.
والكلام وإن وضِع يوم وُضع للأصوات والحروف الكاشفة عمّا في الضمير، إلاّ أنّه لو وجد هناك شيء يفيد ما تفيده الأصوات والحروف بنحو أعلى وأتمّ لصحّت تسميته كلاماً أو كلمة غير أنّ دلالة الألفاظ بالمواضعة، ودلالة الأفعال على ما عليه الفاعل من العظمة، تكوينية، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يصف عيسى ابن مريم بأنّه كلمة الله الّتي ألقاها إلى مريم العذراء ويقول: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ)2، بل يعدّ كلّ ما في الكون من كلماته كما قال: (وَ لَوْ أَنَّ مَا فِي

1 . النساء: 164 .
2 . النساء: 171 .

صفحه 317
الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ)1.
ويقول الإمام علي (عليه السلام): «يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ: (كُنْ فَيَكُونُ)، لاَ بِصَوْت يَقْرَعُ، وَلاَ بِنِدَاء يُسْمَعُ; وِإِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثَّلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً»(2).
ثم إنّ كلامه سبحانه لا ينحصر بما ذُكر بل له مصداق آخر وهو ما سنذكره.
ذهبت المعتزلة وطائفة من الإمامية إلى أنّ كلامه أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرئيل أو يلقيه في قلب النبي. وقد صرّح بذلك القاضي عبدالجبار فقال: حقيقة الكلام، الحروف المنظومة، والأصوات المقطعة، وهذا كما يكون مُنْعِماً بنعمة توجد في غيره، ورازقاً برزق يُوجد في غيره، فهكذا يكون متكلّماً بإيجاد الكلام في غيره، وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه الفعل .2
إنّه سبحانه بيّن كيفية تكليمه الغير في الآية المباركة، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيّ حَكِيمٌ)(4) .
فقد بيّن تعالى أنّ تكليمه الأنبياء لا يعدو الأقسام التالية:
1. (إِلاَّ وَحْياً).

1 . لقمان: 27.   2 . نهج البلاغة: 2 / 122، الخطبة: 179، ط عبده.
2 . شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبدالجبار: 528 ; شرح المواقف: 495 .   4 . الشورى: 51.

صفحه 318
2. (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب).
3. (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً).
فقد أشار بقوله: (إِلاَّ وَحْياً) إلى الكلام المُلقى في روْع الأنبياء بسرعة وخفاء.
وبقوله: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) أشار إلى الإلقاء الّذي يتوسط فيه ملك الوحي.
وأشار بقوله: (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب) إلى مثل تكلّمه مع موسى (عليه السلام)حيث يسمع الصوت ولا يرى المتكلّم.
إلى هنا تمّ بيان نظرية كون التكلّم من صفات الفعل، بقي الكلام في النظرية الثانية الّتي عدّت التكلّم من صفات الذات، والقائل بها طائفتان:
1. أهل الحديث.
2. الأشاعرة.
قال أهل الحديث: كلامه تعالى حروف وأصوات تقوم بذاته وهو قديم، غير أنّ الكرّامية ـ وخلفهم ابن تيمّية ـ قالوا بأنّ كلامه حروف وأصوات وأنّها حادثة قائمة بذاته، لتجويزهم قيام الحوادث بذاته تعالى.1
حول الكلام النفسي   
ولمّا كان هذا الرأي ساقطاً عند مَنْ رُزق عقلاً ولبّاً في المعارف سعى الشيخ الأشعري لتصحيح عقائد أهل الحديث الّتي لا توافق العقل الحصيف، ومن الموارد الّتي قام بتصحيحها هي كونه سبحانه متكلماً، وانّ كلامه قديم

1 . شرح التجريد للقوشجي: 416 .

صفحه 319
قائم بالذات، لكن لا بمعنى قيام الحروف والأصوات بذاته، بل بقيام الكلام النفسي بذاته وهو الكلام الحقيقي، وأمّا الكلام اللفظي فهو طريق إلى الكلام الحقيقي المسمّى بالنفسي.
وأمّا ما هي حقيقة الكلام النفسي فقد بذلوا جهودهم لتبيينه، وحاصل ما أفادوا: انّ الكلام النفسي عبارة عن : المعاني المنتظمة في ذهن المتكلّم والمفاهيم المرتّبة الّتي يعزم المتكلّم على تبيينها، قال متكلّمهم القوشجي: المعنى الّذي يجده المتكلّم في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلّم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الّذي نسمّيه بالكلام النفسي.1
وقال الفضل بن روزبهان في الكتاب الّذي ألّفه ردّاً على كتاب نهج الحق: إذا أراد المتكلّم بالكلام فهل يَفهم من ذاته أنّه يُزوّر ويرتّب معان فيعزم على التكلّم بها، كما أنّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فإنّه يرتّب في نفسه معان وأشياء ويقول في نفسه سأتكلّم بهذا؟ فالمنصف يجد من نفسه هذا البتة.2
فالكلام النفسي عند الأشعري هو الكلام الحقيقي من غير فرق بين الواجب والممكن، فالمعاني والمفاهيم قائمة بذاته قديمة كالذات.
ثم إنّ العدلية ردّوا على الأشاعرة مفنّدين نظرية الكلام النفسي وذلك بالبيان التالي:

1 . شرح التجريد للقوشجي: 420 .
2 . دلائل الصدق للمظفر: 1 / 146 .

صفحه 320
وهو أنّ المعاني المنتظمة في الذات إمّا إخبارية أو إنشائية، فإن كانت من قبيل الأُولى فهي إمّا مفاهيم تصوّرية أو تصديقية، وكلا الأمرين من فروع العلم، وعندئذ يرجع وصف التكلّم في الاخباريات إلى وصف العلم ولايكون وصفاً آخر.
وإن كانت من قبيل الثانية، أي الإنشائية، فهي في الأوامر ترجع إلى الإرادة، وفي النواهي ترجع إلى الكراهة، فعندئذ يكون التكلّم في الإنشائيات راجعاً إلى وصف الإرادة فلا يكون وصفه بكونه متكلّماً وصفاً وراء كونه مريداً.
وحصيلة الكلام: أنّ التكلّم بالمعاني المنتظمة إما أن يكون راجعاً إلى العلم أو إلى الإرادة فلا يكون شيئاً ثالثاً مع أنّهم يدّعون أنّه وصف ثالث.
ولمّا وقعت الأشاعرة في هذا المأزق فمكان أن يعدلوا عن مذهب إمامهم إلى مذهب الحق حاولوا إصلاحه بالقول بأنّ في النفس في خصوص الإنشائيّات أمراً آخر باسم الطلب وراء الإرادة، فلا يرجع كلامه النفسي في الإنشائيات إلى الإرادة بل مرجعه إلى الطلب وهو غير الإرادة.
وقد رُدّ كلامهم بعدم الوجدان وهو أنا مهما رجعنا إلى وجداننا لم نجد في أنفسنا أمراً آخر وراء الإرادة حتّى نسمّيه باسم الكلام النفسي .
ثم لو سلمّنا ذلك في الانشائيات فما هو المعنى الآخر في الاخباريات فإنّ وصف التكلّم فيها راجع إلى العلم، فما هو المعنى الآخر في النفس حتّى يكون هو ملاك التكلّم؟
وبذلك ظهر ما هو الداعي لعدّ الطلب غير الإرادة، وما ذاك إلاّ لتصحيح

صفحه 321
الكلام في الإنشائيات بالكلام النفسي بكونه غير الإرادة .
ثم إنّ الأشاعرة استدلّوا على وجود الكلام النفسي بأُمور ثلاثة:
الأوّل: أنّ الكلام النفسي غير العلم في الإخبار، وذلك لأنّ الرجل ربما يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشك فيه، ففي المورد شيء غير العلم به .1
يلاحظ عليه: أنّ العلم المنفي غير العلم الموجود، فالمنفي عبارة عن «الإذعان بصحّة ما يقول» وأمّا العلم المثبت فهو عبارة عن «التصور»، لأنّ الكاذب يتصوّر الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية ثم يخبر، فهذه الأُمور الثلاثة من أقسام العلم بمعنى التصوّر، فالمستدل لم يفرق بين العلم بمعنى التصوّر والعلم بمعنى التصديق فاتّخذ عدم التصديق دليلاً على انتفاء العلم مطلقاً.
الثاني: أنّ الرجل قد يأمر بما لا يريده كأمره للاختبار فهنا طلب وهو الكلام النفسي ولا إرادة.
يلاحظ عليه : بأنّه لو كان متعلّق الطلب هو الإنشاء فالإرادة موجودة بنفس ذلك المعنى. وقد تعلّقت به. بناءً على القول بوجود الارادة الانشائيّة.
الثالث: انّ العصاة والكفّار مكلّفون بما كُلّف به أهل الطاعة والإيمان، وتكليفهم لا يكون ناشئاً من إرادة الله سبحانه، وإلاّ لزم تفكيك إرادته عن مراده، فلابد أن يكون هناك مبدأ آخر للتكليف وهو الطلب، وهذا يدلّ على

1 . شرح المواقف: 2 / 94.

صفحه 322
تغاير الإرادة والطلب أوّلاً، ووجود صفة أُخرى في ذاته غير الإرادة ثانياً.
يلاحظ عليه: بأنّه لو كان متعلّق الطلب انشاء التكليف فقد تعلّقت به الإرادة أيضاً ولا ضير في تفكيك المراد عن الإرادة إذ لم تتعلّق الإرادة بفعل الغير حتّى يلزم التفكيك بل تعلّقت بالإنشاء وقد تحقّق .
إلى هنا تمّ الكلام في هذا البحث الجانبي الّذي ألجأنا المحقّق الخراساني إلى الدخول فيه .
ثم لمّا ترتّب على القول باتّحاد الطلب والإرادة شبهة حول تكليف الكفّار بالإيمان طرحها المحقّق الخراساني تحت عنوان: «إشكال ودفع» وليس هذا الإشكال أمراً جديداً، بل هو عبارة أُخرى عن الدليل الثالث للأشاعرة.
ولذلك نختم الكلام هنا من دون أن نخوض فيما خاض فيه المحقّق الخراساني من مسألة اختيارية الإرادة واضطراريها، فهذا البحث الجانبي ربّما يأخذ منّا وقتاً كثيراً يحتاج أحياناً إلى شهر، وكنّا في الدورات السابقة قد خضنا في هذا الموضوع وقد طبعت محاضراتنا في ذيل كتاب «لبّ الأثر في الجبر والقدر»، فعلى الطالبين الرجوع إليه .

صفحه 323
   
الفصل الثاني:

في صيغة الأمر ونحوها

وفيه مباحث:

الأوّل: في مفاد صيغة الأمر ونحوها

خصّ صاحب «الكفاية» المبحث الأوّل لمعنى صيغة «إفعل»، وخصّ المبحث الثاني لبيان كيفية استفادة الوجوب والندب منها، ولقد أحسن في ذلك التقسيم، غير أنّ القدماء خلطوا بينهما، إذ يمكن لقائل أن يفسّر صيغة الأمر بغير الوجوب، ومع ذلك يقول بدلالتها عليه من ناحية أُخرى كما سيوافيك بيانه.
وقد أضفنا إلى صيغة «افعل» كلمة «ونحوها» مشيرين إلى أنّ البحث لا يختص بها، بل يعم ما يشابهها كصيغة الأمر بالغائب (ليصلّ)، وأسماء الأفعال (كقولنا: صه)، والجملة الخبرية مثل: (ولدي يصلي)، فالجميع يشارك صيغة الأمر في المفاد.
ثم إنّ صيغة الأمر كما استعملت في الطلب الإنشائي استعملت في بادئ النظر في غيره. كالتعجيز في قوله سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا

صفحه 324
نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ)1.
أو التحقير، كقوله تعالى: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)2.
أو التهديد، كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)3.
أو التمنّي، كقول امرئ القيس:
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فهل الموضوع له والمستعمل فيه شيء واحد أو متعدّد؟
إذا علمت ذلك فلنذكر نظرية المحقّق الخراساني.
قال ما هذا توضيحه: ليس لصيغة الأمر إلاّ معنى واحداً وهو إنشاء الطلب، فلا يستعمل أيضاً إلاّ في هذا، وأمّا الموارد الّتي أُشير فيها إلى استعمالها في التعجيز والتحقير والتهديد والتمنّي وأمثال ذلك فالمستعمل فيه في الجميع أمر واحد وهو إنشاء الطلب وإنّما الاختلاف في ناحية الداعي، فربّما يكون الداعي البعثَ والتحريك نحوَ المطلوب الواقعي، وأُخرى يكون الداعي أحد هذه الأُمور، فالموضوع له والمستعمل فيه في الجميع واحد وإنّما الاختلاف في الدواعي والأغراض.
ثم احتمل أن تكون الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب فيما إذا كان بداعي

1 . البقرة: 22 .
2 . آل عمران: 119.
3 . فصلت: 40 .

صفحه 325
البعث والتحريك لابداع آخر منها فيكون إنشاء الطلب بها بعثاً حقيقة، وإنشاؤه بها تهديداً وغيره مجازاً.
يلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: أنّ الصحيح على مبناه (الإنشاء والاخبار غير مأخوذين في الموضوع له ولا في المستعمل فيه وإنّ «بعت» الانشائي نفس «بعت» الإخباري) هو القول بكون الصيغة موضوعة للطلب الإنشائي لا لإنشاء الطلب، لأنّ المتبادر منه كون الإنشاء مأخوذاً في الموضوع له، اللّهمّ إذا كان كلامه السابق في عدم الأخذ مخصوصاً بلفظة «بعت» وأمثاله ولا يشمل هيئة افعل.
الثاني: أنّه لو كانت الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب في خصوص ما كان بداعي البعث والتحريك على نحو تكون الخصوصية قيداً لوضع الواضع، لأنّه وضعه لإنشاء الطلب بداعي البعث والتحريك، فعندئذ يصبح استعمالها في غير هذا المورد غلطاً لا مجازاً، أمّا كونه غلطاً فلما تقدّم،1 وأمّا عدم كونه مجازاً، فلأنّ المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له، والمفروض أنّه مستعمل فيما وضع له، وقد صرّح به أيضاً في المعاني الحرفية حيث قال: بأنّ لفظة «من» ولفظة «الابتداء» موضوعتان لمعنى واحد، لكن الاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع يكون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر وإن اتّفقا فيما له الوضع.2
والحق أن يقال: إنّ هيئة «افعل» موضوعة للبعث الإنشائي مقابل البعث

1 . الخصوصية قيد لوضع الواضع ومع عدمها يكون الاستعمال غلطاً.
2 . كفاية الأُصول: 1 / 15 الطبعة المحشاة بحاشية المشكيني.

صفحه 326
   
التكويني كما في بعث العبد والغلام إلى العمل باليد، وكإغراء الكلب المعلَّم والطير الجارح حيث إنّ كلاّ منهما يصيد، ويطيع في ذهابه ووقوفه واصطياده لأمر الصائد، كلّ ذلك نوع بعث تكويني، فهيئة افعل تفيد ما تفيده هذه الأعمال والعلائم.
ومن ذلك يعلم مفاد هيئة «لا تفعل» فقد وضعت للزجر عن الفعل.
ثم إنّ ما حقّقه المحقّق الخراساني في أوّل الأمر من أنّ الموضوع له والمستعمل فيه في الجميع واحد، كلام متين، ولكن استعماله في غير مورد التحريك نحو العمل من باب الكناية لا المجاز وهو ذكر الملزوم وإرادة اللازم، فالحقيقة والكناية يشتركان في أنّ الجملة تكون مستعملة في معناها اللغوي غير أنّهما يفترقان في أنّ المعنى اللغوي هو المقصود الأسنى في الحقيقة، ولكنّه في الكناية مقدّمة لتوجيه نظر المخاطب إلى معنى آخر يلازمه، كقولنا: زيد كثير الرماد، فكثرة الرماد ليست أمراً مستحسناً مع أنّه في مقام المدح، فيكون ذلك قرينة على كونها كناية عن الجود، فصار المعنى الحقيقي كناية ووسيلة لتوجيه المخاطب نحو المعنى الآخر الّذي يلازمه كالتهديد والتعجيز.
ولعلّ هذا المقدار يكفي في هذا المقام.

المبحث الثاني: في أنّ الأمر بلا قرينة يدلّ على الوجوب

وقبل الخوض في المقام ندرس حقيقة الوجوب والندب ثبوتاً وإثباتاً، فهناك أقوال:

صفحه 327
1. الوجوب والندب مشتركان في الطلب الإنشائي غير أنّ أحدهما مقيّد بالمنع من الترك والآخر مقيّد بعدم المنع عن الترك.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره معنى تحليليٌ وليس معنى مطابقيّاً، نظير الماء فله معنى لغوي وعرفي وفي الوقت نفسه له معنى تحليلي يذكره علماء الكيمياء حيث يفسّرونه بأنّه سائل مركّب من عنصرين: الأُوكسجين والهيدروجين. وليس كلّ من يطلق كلمة الماء يدور في خلده هذا التعريف التحليلي.
2. الوجوب هو الطلب المترتب عليه العقاب عند الترك، بخلاف الندب فيتشاركان في الطلب الإنشائي ويفترقان في ترتّب العقاب وعدمه .
يلاحظ عليه: أنّه تعريف بالآثار لا بالمعنى المطابقي.
3. الوجوب والندب يشاركان في البعث المسبوق بالإرادة، ويفارقان في شدة الإرادة في الأوّل وضعفها في الثاني، فإنّ إرادة الباعث تختلف شدة وضعفاً بملاحظة الأغراض والمصالح.
فإذا كانت الإرادة شديدة ينتزع منها الوجوب وإذا كانت ضعيفة ينتزع منها الندب .
هذا هو الفارق في الثبوت، وأمّا من حيث الإثبات فربّما يمكن استظهار أحدهما بالقرائن التالية:
1. كيفية أداء الطلب بشدّة وصلابة أو رخوة وفتور.
2. علو الصوت وانخفاضه.

1 . معالم الدين: 67.

صفحه 328
3. اشتمال الأمر على نون التوكيد وعدمه.
4. الوعيد على الترك وعدمه.
هذا كلّه فيما إذا علم أحد الأمرين، وأمّا إذا كان الكلام غير مقرون بهذه القرائن، فهل يمكن أن يستفاد منه الوجوب أو الندب أو لا يستفاد واحد منهما؟
وهذا ما سندرسه في البحث الآتي.

في دلالة صيغة الأمر على الوجوب

عنون المحقّق الخراساني هذا المقصد بقوله: في أنّ الصيغة حقيقة في الوجوب أو في الندب.
إلاّ أنّ الظاهر عدم صحّة العنوان، لأنّ معنى كونه حقيقة في الوجوب أي موضوعة للوجوب أو الندب ، مع أنّه قد أثبت (قدس سره)بأنّ صيغة الأمر موضوعة لإنشاء الطلب فكيف يمكن أن يكون حقيقة في الوجوب أي موضوعة له.
والأولى في عنوان البحث هو ما ذكرنا من «دلالة الصيغة على الوجوب» فدلالتها عليه لا تلازم كونه موضوعاً لها، كما سيتضح .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه إذا علم ورود الأمر من العالي المستعلي فلاشك أنّه يلازم الوجوب لتبادره منه، وإنّما الكلام فيما إذا صدر من العالي ولم يعلم الاستعلاء فهذا هو الّذي اختلفت كلمتهم فيه، والمشهور دلالتها على الوجوب بأحد الوجوه التالية:

صفحه 329
1. دلالة الصيغة على الوجوب بالدلالة اللفظية .
2. انصرافها إلى الوجوب.
3. مقتضى الإطلاق هو الوجوب.
4. الصيغة تكشف عن الإرادة الحتمية عند العقلاء.
5. حكم العقل بوجوب تحصيل المؤمّن.
أمّا الوجه الأوّل: فلا سبيل إليه لما عرفت من أنّ الصيغة موضوعة للطلب أو البعث الإنشائيّين فأين الدلالة اللفظية على الوجوب؟! لأنّها إمّا مطابقية أو تضمنية والوجوب ليس تمام الموضوع له ولا جزأه.
وأمّا الدلالة الالتزامية فهي دلالة عقلية لا لفظية.
أمّا الوجه الثاني: فكالأول، لأنّ منشأ الانصراف أحد أَمرين; كثرة الاستعمال أو كثرة الوجود، وليس استعماله في الندب بأقل من استعماله في الوجوب، وبالتالي لا يكون وجوده أقل من وجود الوجوب فالكثرة في الجانبين على وجه سواء لو لم نقل بالكثرة في جانب الندب.
وأمّا الوجه الثالث: أي كونه مقتضى مقدّمات الحكمة فهو مختار المحقق العراقي (قدس سره)وله بيانان:
الأوّل: ما ذكره في مادة الأمر، وقال: إنّ الطلب الوجوبي هو الطلب التام الّذي لا حدّ له من جهة النقص والضعف، بخلاف الاستحبابي فإنّه مرتبة من الطلب محدودة بحد النقص والضعف، ولا ريب أن الوجود غير المحدود لا يفتقر في بيانه إلى أكثر ممّا يدل عليه، بخلاف المحدود فإنّه يفتقر بعد بيان أصله إلى بيان حدوده، وعليه يلزم حمل الكلام الّذي يدل على الطلب بلا

صفحه 330
ذكر حدّ له، على المرتبة التامّة وهو الوجوب كما هو الشأن في كلّ مطلق.1وهذا البيان أوضح من البيان التالي.
الثاني: أنّ مقدّمات الحكمة كما تجري لتبيين سعة موضوع الحكم كذلك يمكن أن تجري لتشخيص أحد مصداقي المفهوم، فلو كان لمفهوم الكلام فردان ومصداقان في الخارج وكان أحدهما يستدعي مؤونة في البيان أكثر من الآخر فيحمل المطلق على الأقل مؤونة وهوالوجوب في المقام.
وذلك لأنّ الوجوب ثبوتاً واثباتاً أمر بسيط ولكن الندب على خلاف ذلك في كلا المقامين.
أمّا ثبوتاً فالإرادة الوجوبية مطلقة من حيث الوجوب وليست الشدّة قيداً زائداً عليها بل هي حدّ الإرادة وهو من جنس المحدود، فعاد ما به الامتياز نفس ما به الاشتراك، بخلاف الإرادة الندبية فإنّها محدودة بحدّ خاص به تكون إرادة ندبية والحدّ ليس من سنخ المحدود، وبهذا صار ما به الاشتراك غير ما به الامتياز.
وأمّا إثباتاً فلأنّ إطلاق الكلام في مقام الدلالة على الإرادة الخاصّة، كاف في الدلالة على كونها وجوبية، إذ لا حدّ لها زائد على الإرادة في مقام الثبوت، ليفتقر المتكلّم في مقام إفادته إلى بيان ذلك الحدّ ، وهذا بخلاف ما إذا كانت الإرادة ندبية فإنّها محدودة بحدّ خاص ليس من سنخ المحدود فيفتقر المتكلّم في مقام بيانه إلى تقييد الكلام بما يدل عليه.2

1 . بدائع الأفكار: 1 / 197 .
2 . بدائع الأفكار: 1 / 214 .

صفحه 331
يلاحظ عليه في كلا المقامين:
أمّا الثبوت: فلأنّ التشكيك بين الإرادة الشديدة والإرادة الضعيفة من مقولة التشكيك الخاص، ففيه يكون ما به الافتراق (أي تميّز إحدى الإرادتين عن الأُخرى) نفس ما به الاتّفاق، مثلاً الشدّة في النور الشديد ليست شيئاً زائداً على النور بل هي شدّة النور. كما أنّ الضعف في النور الضعيف ليس شيئاً وراء النور بل هو ضعف النور، فالضعف والشدة في كلتا المرحلتين من سنخ المحدود، ومنه يعلم حال شدة الإرادة وضعفها فكلا الحدّين ليسا زائدين على الإرادة بل من سنخ المحدود، فتكون الإرادة في كلتا المرتبتين بسيطة لا مركبة حتّى لا يحتاج بيان شدة الإرادة إلى قيد زائد، بخلاف الأُخرى .
وأمّا الإثبات: فلأنّه إذا كان كلٌّ من الإرادتين: الشديدة والضعيفة بسيطاً، فتكون نسبة هيئة (إفعل) إليهما سواء، وذلك لأنّ المفروض أنّ كلاً من المحكيين بسيط يكفي في بيانه هيئة (إفعل)، فلا يكون الإطلاق دليلاً على أحد الفردين دون الفرد الآخر. وبذلك ظهر أنّ البيان الثاني غير واف بمقصوده، لأنّه مبني على كون أحد المحكيين بسيطاً دون الآخر، وقد ثبتت بساطة كلّ منهما.
هذا هو الّذي أورده السيد الأُستاذ الإمام الخميني1 في درسه الشريف بتصرّف منّا على المحقّق العراقي، ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ ما ذكره من

1 . راجع تهذيب الأُصول: 1 / 200 ـ 202 .

صفحه 332
البيان الأوّل لا يخلو من قوّة وحاصله إنّ كلاًّ من الوجوب والندب في التحليل العقلي مركّب من الطلب والفصل الذي يميّز أحدهما عن الآخر وهو المنع من الترك في الوجوب، وعدم المنع منه في الندب.
هذا عند التحليل العقلي، وأمّا في متلقى العرف فالوجوب بسيط يساوق نفس الطلب بلا قيد، بخلاف الندب فهو بحاجة إلى قيد أي الطلب الموصوف بعدم المنع من الترك.
أمّا وجه ذلك أي كون الأوّل بسيطاً والثاني مركّباً هو أنّ الطلب إذا صدر من العالي المستعلي فهو طلب تام وهو يساوق الوجوب، بخلاف ما إذا صدر منه وأُريد الندب يكون التعبير غير واف بمراده، إلاّ إذا أُضيف إليه عدم المنع من الترك، وبهذا ظهر أنّ مفاد الأمر واف لأداء الوجوب بخلافه بالنسبة أداء الندب. وسيوافيك توضيحه أيضاً في حمل الأمر على التعييني والعيني والنفسي، في مقابل الكقائي والتخييري والعيني.
وأمّا الوجه الرابع: أي كون الصيغة كاشفة ـ عند العقلاء ـ عن الإرادة الحتمية، فهو صحيح لكن له منشأ، والمنشأ إمّا كون الصيغة موضوعة للوجوب أو الانصراف، أو كونها من مقدّمات الحكمة، وعندئذ لا يكون حكم العقلاء دليلاً مستقلاًّ.
وأمّا الوجه الخامس: فهو المذهب الحق أي كون الأمر موضوعاً لوجوب الطاعة عند العقل ولاستحقاق العقوبة عند الترك إلاّ إذا أحرز خلافه، فما لم يحرز المخالف يبقى حكم العقل بحاله. وبعبارة أُخرى: إنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل المؤمّن في دائرة المولوية والعبودية ولا يصح عند العقل ترك العمل باحتمال كون الطلب ندبياً.
حول كلام صاحب المعالم   
فإن قلت: الحكم بالاشتغال بالمقام ينافي ما يأتي في باب البراءة من

صفحه 333
إجرائها في محتمل الوجوب فلزوم حكم العقل بالاحتياط في المقام ينافي ما في حكم العقل بالبراءة بقبح العقاب بلا بيان.
قلت: إنّ مصب البراءة في ما لم يرد بيان من الشارع في الموضوع، وأمّا إذا كان هناك تنصيص وتصريح بالمطلوب فلا تجري البراءة باحتمال كون الأمر للندب لوجود البيان من المولى أوّلاً، وحكم العقل بلزوم طاعة أمر المولى ثانياً إلاّ إذا أُحرز كونه للندب.

إكمال

قال صاحب المعالم: يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الأئمة(عليهم السلام)أنّ استعمال صيغة الأمر في الندب كان شائعاً في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالُها في اللفظ، لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجّح الخارجي، فيشكل التعلّق في إثبات وجوب أمر، بمجرّد ورود الأمر به منهم(عليهم السلام).1
وأجاب عنه صاحب الكفاية بوجهين:
تارة بالنقض: بأنَّ العام اُستعمل في الخاصّ كثيراً حتّى قيل: ما من عام إلاّ وقد خُصّ، ولم ينثلم به ظهوره في العموم، بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخصوص.
وأُخرى بالحلّ: بأنّ الاستعمال في الندب وإن كان كثيراً إلاّ أنّه كان مع القرينة المصاحبة، وكثرة الاستعمال كذلك في المعنى المجازي لا توجب

1 . المعالم: 48 ـ 49.

صفحه 334
صيرورته مجازاً مشهوراً فيه ليُرجّح أو يُتوقف، على الخلاف في المجاز المذكور.
يُلاحظ على كلا الوجهين أمّا النقض فبوجود الفرق بين المقام والعام حيث إنّ العام مستعمل بالإرادة الاستعمالية في معناه الحقيقي وإنّما يرد التخصيص على الإرادة الجدية، ومدار الحقيقة هو كون اللفظ مستعملاً في معناه الحقيقي بالإرادة الاستعمالية فلذلك لم تُوجب كثرةُ التخصيص المجازيةَ، وبالتالي لم تكن مانعة عن حمل العام على معناه الحقيقي عند الشك في التخصيص، وهذا بخلاف استعمال الأمر في الندب فإنّ مفروض المعترض والمجيب أنّه استعمل في الندب كثيراً أو أكثر، وهذا يكون مانعاً عن حمل الأمر المجرد عن القرينة على الوجوب.
وأمّا الحل فلأنّ صاحب المعالم يدّعي أنّ استعمال الأمر في كلمات الأئمة(عليهم السلام)في الندب بلا قرينة لغاية دعوة الناس إلى المستحبات وما ذكره المجيب من أنّ الاستعمال كان مقروناً بالقرينة، يحتاج إلى دليل.
فالأولى أن يقال:
إنّ ما ذكره صاحب المعالم مبني على أنّ الوجوب والندب من المداليل اللفظية فعندئذ يتمشّى ما ذكره من أنّ كثرة الاستعمال في الندب تكون مانعة من حمل الأمر على الوجوب .
   
وأمّا على القول بأنّهما من الأُمور المستفادة من القرائن الحافّة بالكلام كما سبق فلا يكون هذا مانعاً من حمل الأمر على البعث الصادر عن الإرادة الشديدة وذلك بوجهين:

صفحه 335
1. إمّا أن الوجوب مقتضى الإطلاق، كما عليه المحقّق العراقي حيث قال:
إنّ الطلب المطلق بيان للوجوب بلا حاجة إلى أمر آخر، وأمّا الندب فهو ليس طلباً أو بعثاً مطلقاً عند العرف بل طلب مقرون بجواز تركه، فإذا ورد الأمر على وجه الإطلاق فمقتضى القاعدة هو حمله على الوجوب دون الندب.
2. انّ الأمر الصادر من العالي موضوع لوجوب الطاعة عند العقل، حيث إنّ العقل يحكم بوجوب تحصيل المؤمّن وهو يحصل بأحد الأمرين; إمّا الامتثال أو الدليل على أنّ البعث على وجه الندب، وحيث إنّ الثاني منتف فيجب تحصيل المؤمّن على الوجه الأوّل، أعني: الامتثال.

المبحث الثالث: دلالة الجملة الخبرية على الوجوب

ربّما تستعمل الجملة الخبرية في مقام الطلب والبعث، يقول سبحانه: (وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)1 وقال سبحانه: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)(2) وقال سبحانه: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)(3) وقد تضافرت الروايات عنهم(عليهم السلام)في أبواب الطهارة والصلاة وغيرهما: «يَغْتسل»، «يُعيد الصلاة»، «يَستقبل القبلة» إلى غير ذلك، فالجمل الخبرية في هذه الموارد استعملت لداعي الطلب أو البعث، والكلام يقع في أُمور أربعة:

1 . البقرة: 228 .         2 . البقرة: 241 .   3 . البقرة: 233 .

صفحه 336
أ. هل الاستعمال المذكور مجاز أو حقيقة أو كناية؟
ب. هل يلزم الكذب إذا لم يمتثل العبد؟
ج. هل الجملة ظاهرة في الوجوب؟
د. هل الجملة آكد في إفادة الوجوب من الجملة الإنشائية؟
وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.
أمّا الأمر الأوّل: فليس الاستعمال مجازاً مطلقاً، لا على مذهب المشهور، لأنّ المفروض أنّه استعمل فيما وضع له (أي الإخبار) لا في غير ما وضع له (أي الإنشاء)، ولا على المذهب المختار من أنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ فيما وضع له لكن بادّعاء أنّ المورد من مصاديق الموضوع له، وهذا الشرط مفقود في المقام، إذ لا معنى لادّعاء أنّ الإنشاء من مصاديق الإخبار فلا ينطبق عليه تعريف المجاز على الإطلاق.
وأمّا ما كونه حقيقة فهو خيرة المحقّق الخراساني فهو يقول:
بأنّ الجمل الخبرية في هذا المقام مستعملة في معناها، إلاّ أنّه ليس بداعي الاعلام، بل بداعي البعث كما هو الحال في الصيغ الإنشائية على ما عرفت من أنّها أبداً تستعمل في معانيها الإيقاعية لكن بدواع أُخر.
يلاحظ عليه: بأنّ لازم كونه حقيقة ـ في مقابل الكناية ـ أن يكون المستعمل فيه مطلوباً ومقصوداً بالذات، والمقام ليس كذلك فإنّ المقصود الأسنى هو البعث.
والأولى أن يقال: أنّه من باب الكناية، والكناية عبارة عن استعمال

صفحه 337
اللفظ فيما وضع له، مع نصب قرينة على أنّ المراد الحقيقي، لازم المعنى لا نفسه وهذا كقوله: «زيد كثير الرماد» فالإرادة الاستعمالية تعلّقت بالإخبار عنه بكثرة الرماد، وبما أنّ القائل في مقام المدح، وكثرة الرماد ذمّ حيث يدل على وجود الأوساخ أمام البيت، فلابد من القول بأنّه بصدد بيان أمر آخر يلازم ذلك وهو كثرة الجود، ونظيره المقام فإنّه وإن كان مخبراً عن وجود شيء في المستقبل لكنّه ليس مراداً جدياً وإنّما المراد الجدي هو بعثه نحو المطلوب هذا .
نعم لو أراد المحقّق الخراساني من الحقيقة، المصطلح الأعم حتى تشمل الكناية فلا مشاحَّة في الاصطلاح هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الثاني: وهو عدم لزوم الكذب عند ترك الامتثال، ووجهه واضح، فإنّ الكذب إنّما يلزم إذا وردت الجملة بداعي الاخبار لا بداعي الإنشاء، نظير ذلك باب الكنايات، فلو كان جواداً وكان بيته نظيفاً من الرماد فالجملة صادقة لا كاذبة. نعم لو كان بخيلاً أو غير جواد فهي جملة كاذبة وإن ملأ الرمادُ بيته .
أمّا الأمر الثالث: أي دلالته على الوجوب، فهي أيضاً ظاهرة لأنّ الاخبار تكشف عن رغبة المتكلّم بوجود المخبر به في الخارج حتّى رآه مجسداً محقّقاً في الخارج مُخبراً عنه، فلذلك تكون دلالة قوله: «ولدي يصلي» على تأكيد الأمر أوضح من دلالة قوله: «صلّ يا ولدي»، وهذه ضابطة كلية في الكنايات فقوله: «زيد كثير الرماد» آكد في الدلالة على السخاء والجود من قوله: «زيد جواد».

صفحه 338
ومنه يعلم الأمر الرابع وهو آكدية الجملة الخبرية في الدلالة على البعث من الجملة الإنشائية.
إلى هنا تمّ الكلام في المباحث الثلاثة من الفصل الثاني، وأمّا المبحث الرابع الّذي عقده المحقّق الخراساني أعني لو فرضنا ان الأمر ليس حقيقة في الوجوب فهل يمكن القول بظهوره فيه أو لا؟
ونحن في غنى عن هذا البحث لما مرّ من انّه ليس حقيقة فيه قطعاً، وإنّما هو حقيقة في انشاء البعث وان الوجوب من احكام العقل بان بعث المولى لا يترك بلا جواب.

المبحث الرابع: في التعبّدي والتوصّلي1

هل الأصل في الأوامر، التوصّلية، أو أنّ الأصل فيها التعبدية؟ تظهر الثمرة فيما لو لم يعلم حال الأمر حتّى يلحق بما هو الأصل، وقبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:

الأوّل: التوصّلي وإطلاقاته

يطلق التوصّلي على أُمور مختلفة:
1. ما لا يعتبر في سقوطه المباشرة بل يجوز فيه قيام الغير به كأداء الدين حيث يكفي فيه قيام الوكيل أو المتبّرع في سقوطه، ويقابله ما يشترط فيه المباشرة كما إذا سلّم على شخص خاصّ فيجب عليه ردّ السلام مباشرة

1 . قد مرّ أنّ في الفصل الثاني من فصول المقصد الأوّل، مباحث وهذا هو رابعها.

صفحه 339
ولايسقط التكليف بجواب الآخر.
2. ما لا يعتبر في سقوطه الالتفات كتطهير البدن والثوب من الخبث، فلو غمست الأُمُ يد الطفل في الماء الكر لطهرت يده وإن كان الطفل غير ملتفت، ويقابله ما يشترط فيه قصد العنوان على نحو لا يتحقق إلاّ بقصده كالمعاملات، مثل البيع والإجارة وغيرهما.
3. ما لا يشترط في سقوطه، تحقُّقه في ضمن فرد جائز، بل يسقط في ضمن فرد محرم أيضاً كما إذا وجب قتل الحيوان الضار فقتله بآلة مغصوبة، وهذا لا بمعنى أنّ الواجب أعمّ من السائغ والحرام، بل بمعنى سقوط الواجب عندئذ بانتفاء الموضوع أو لحصول الغرض، وإلاّ فالواجب هو الكلّي المتحقّق في ضمن السائغ.
وهذه الموارد الثلاثة يطلق عليها التوصّلي ويقابلها عنوان غير التوصّلي لا التعبّدي.
4. يطلق التوصّلي ويراد به ما يسقط الواجب بأي داع أُتي به، ويقابله التعبّدي وهو ما لا يسقط إلاّ بداع إلهي، فالأوّل كدفن الميّت حيث يوارى حتّى ولو لأجل منع انتشار ريحه، والثاني كالعبادات مثل الصوم والصلاة والحج .
والمقصود من التوصّلي في المقام هو المصطلح الأخير الّذي يقابله التعبّدي.

صفحه 340

الثاني: التعبّدي ومحقّقاته

المراد من التعبّدي ما لا يسقط إلاّ إذا أتي به بداع إلهي لا بداع نفساني، وهذا هو الجامع بين إطلاقاته وعلى ذلك فهذا الداعي يتحقّق بصور مختلفة:
1. الإتيان بالواجب بقصد أمره سبحانه.
2. الإتيان بالواجب لله تبارك وتعالى.
3. الإتيان بداعي التقرّب إليه سبحانه.
4. الإتيان بداعي كونه تعظيماً وتقديساً له.
5. الإتيان بداعي المحبوبية للمولى، فيكون الداعي إلى العمل كونه محبوباً ومطلوباً لله .
6. الإتيان بقصد المصلحة المعنوية المترتّبة على العمل كالتقوى في الصوم، كما قال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )1، والانتهاء عن الفحشاء في الصلاة كما قال سبحانه: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)2 .
نعم لا يكفي الإتيان بالعمل لأجل المصالح الدنيوية كصحة البدن في الصوم والتجارة في الحجّ والرياضة في الصلاة، لأنّ الإتيان لأجل هذه الغايات لا يُضفي على العمل عنوان العبادة.

1 . البقرة: 183 .
2 . العنكبوت: 45.

صفحه 341

الثالث: هل هناك عبادة ذاتية؟

ربّما يظهر من بعض الكلمات أنّ كلاًّ من الركوع والسجود عبادة ذاتية لا تنسلخ العبادية عنهما، بشهادة أنّهما من مظاهر التعظيم والتقدير بين عامّة الشعوب.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان السجود عبادة ذاتية لما أمرسبحانه الملائكة بالسجود لآدم، كما قال سبحانه: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ)1 وقد كان النبي آدم (عليه السلام)مسجوداً له بشهادة قوله: (اسْجُدُوا لآدَمَ)، لا قبلة ولا مسجوداً عليه كالتربة.
إنّ النبي يعقوب (عليه السلام)وأولاده جميعاً سجدوا ليوسف لمّا التقوا به كما قال سبحانه: (وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)(2) وهذا يدلّ على أنّ كون الركوع والسجود من العبادات إنّما هو بالجعل والاعتبار على نحو يمكن أن يتغير الوضع ويصير الركوع أمام الرئيس يوماً أهانة له.

الرابع: ما هو حدّ العبادة؟

اغترّ بعض الناس في حدّ العبادة بما ذكره أهل اللغة من أنّها بمعنى الخضوع والخشوع، ولو صحّ ذلك لما وجد على أديم الأرض موحّدٌ فإنّ الأولاد يخضعون لوالديهم وقد أمرهم سبحانه بذلك وقال: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)2،

1 . البقرة: 34 .   2 . يوسف: 100 .
2 . الإسراء: 24 .

صفحه 342
والتلميذ يخضع أمام المعلم والجندي أمام الضابط، كلّ ذلك يدلّ على أنّ العبادة ليست مجرد الخضوع والخشوع بل تتمتع بعنصرين :
أ. الخضوع بالجوارح من غير فرق بين الرأس واليد وغيرهما.
ب. كون الخضوع نابعاً من الاعتقاد بإلوهية 1 المخضوع له أو ربوبيته، وبكلمة مختصرة: الاعتقاد بأنّ المخضوع له إله أو رب وأنّ مصير الخاضع في كل الأُمور أو بعضها بيده.
ويعلم ذلك من دراسة حال المشركين والموحّدين في معابدهم ومساجدهم، فعمل كلّ منهما يتمتع بهذين العنصرين: أوّلاً هناك خضوع وخشوع بأشكال مختلفة، وثانياً أنّ خضوعهم نابع عن اعتقاد خاص وهو كون المخضوع له خالق العالم أو مدبّره كما هو الحال في عبادة الموحّدين، أو أنّ المخضوع له ممن فُوّض إليه أمرٌ من الأُمور كغفران الذنوب والعزة في الحياة والنصر في الحرب ، وكان الوثنيون يعبدون الآلهة لهذه الغايات وقد أشار سبحانه إلى الغايتين الأخيرتين فقال: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً)2 .
وقال سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)3.
ومن هنا يُعلم أنّ كلّ خضوع وخشوع أمام الأنبياء والأولياء لا يُعدّ عبادة ما لم يعتبرهم الخاضع أرباباً أو آلهة، بل اتّخذهم عباداً مكرمين .

1 . الّتي نعبّر عنها في الفارسيّة به «خدائى» وقد أثبتنا في محلّه أنّ الإله يرادف لفظ «خدا» في الفارسية وليس بمعنى المعبود وإنّما المعبودية من لوازمه.
2 . مريم: 81 .
3 . يس: 74 .

صفحه 343
والكلام الحاسم مع من يصف كلّ تعظيم وتقديس للأنبياء والأولياء عبادة أو دعوتهم شركاً هو أن يحدد ذلك القائل العبادةَ بحد منطقي، فما لم تُحدَّد به لا يمكن القضاء الحاسم، وقد مرّ ذكر الحد المنطقي لها بالعنصرين الماضيين .

الخامس: هل التقسيم ثنائي أو ثلاثي؟

المعروف عند الأُصوليين أنّ الواجب ينقسم إلى قسمين: توصّلي وتعبّدي. وذهب سيدنا الأُستاذ (قدس سره) إلى أنّ ما يعتبر في سقوطه قصد القربة ينقسم إلى قسمين: قربي وتعبدي، والجامع بينهما أنّ المسقط في الجميع هو إتيان الفعل بداع إلهي، وهو في الوقت نفسه ينقسم إلى قسمين إما أن ينطبق عليه عنوان العبادة كالصلاة والاعتكاف والحج، أو لا ينطبق عليه ذلك العنوان وإن كان يُعد طاعة كالزكاة والخمس، فالأوّل تعبّدي يرادف لفظ «پرستش»، والآخر قربيّ، فصارت الأقسام ثلاثة.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره صحيح لو كانت كلمة «عبادة» مرادفة للفظ «پرستش». وعلى ذلك لا يوصف إعطاء الصدقة للفقير وسائر الفرائض المالية بالعبادة، لأنّ الإنسان لا يعبد بهذا العمل خالقه وبارئه.
وأمّا لو قلنا بأنّ لفظ العبادة بمعنى الخضوع فكلّ عمل يأتي به الإنسان خاضعاً لربه وقاصداً لرضاه فهو عبادة.
فالعبادة بهذا المعنى تعمّ كلّ عمل قربي يطلب فيه رضا الله سبحانه وإدراك ثوابه وأجره، وعلى كلّ تقدير فلا مشاحة في الاصطلاح .

صفحه 344

السادس: انّ القيود المأخوذة في المتعلّق على قسمين:

1. ما يمكن أخذه في المتعلّق مع قطع النظر عن تعلّق الأمر به، وهذا كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، حيث تنقسم الصلاة إلى المشروطة بالطهارة وعدمها، ونظيرها سائر القيود.
2. ما لا يمكن أخذه في المتعلّق مع قطع النظر عن الأمر المتعلّق به، وهذا كقصد الأمر بالنسبة إلى الصلاة فهذا القيد ينوع الصلاة إلى قسمين: صلاة يؤتى بها بقصد الأمر وصلاة يؤتى بها بلا هذا القصد، ولكن هذا القيد لا يمكن اعتباره في المتعلق إلاّ مع لحاظ الأمر المتعلّق به.
فما هو من قبيل القسم الأوّل يسمى بالقيود الواقعة تحت دائرة الطلب.
وأمّا ما هو من قبيل القسم الثاني يسمى بالقيود الواقعة فوق دائرة الطلب.
ومن هنا يعلم أنّ قصد الوجه وقصد التميز من قبيل القسم الثاني فلا يؤخذ في المتعلّق إلاّ بلحاظ تعلّق الأمر به.

السابع: اختلاف الأُصوليين فيما هو الأصل

كان الأصل عند العلماء قبل ظهور مدرسة الشيخ الأنصاري هو التوصّلية وقد انقلب الأمر بعد ظهورها بين الأعلام إلى أنّ الأصل هو التعبدية. ومبنى القولين عبارة عن إمكان أخذ قصد الأمر في المتعلّق وعدم إمكانه .
دليل القائل بامتناع أخذ قصد الأمر في المتعلّق   

صفحه 345

دليل القائل بأنّ الأصل هو التوصلية

استدلّ القائل بأنّ الأصل هو التوصلية، بإطلاق المتعلّق، إذ لو كان الواجب هو إتيانه بقصد أمره كان على الشارع ذكر القيد في المتعلّق، بأن يقول ـ مثلاً ـ : زكّ مالكَ بداعي أمره، فإذا خلا المتعلّق عنه يكشف عن عدم مدخليته. وبعبارة أُخرى: التوصلية غنية عن التقييد، والتعبدية رهن ذكر القيد.
هذا على القول بإمكان أخذ قصد الأمر في متعلّقه، وأمّا على القول بعدم إمكان أخذ ما لا يتأتى من قبل الأمر في متعلّقه يُصبح الأصل تعبدياً، إذ لا يمكّن أن يستدل بإطلاق المتعلّق على عدم مدخليته لافتراض امتناع أخذه في المتعلّق، فكيف يُستدلّ بخلوّه عن القيد، على عدم مدخليته؟!
ثم إنّ القائلين بالقول الثاني كالشيخ وأتباع مدرسته كالمحقّق الخراساني والمحقّق النائيني استدلّوا على الامتناع بوجوه ربّما تربو إلى عشرة، وقد ذكر المحقّق الخراساني منها وجوهاً أربعة ندرسها تباعاً وهي:

الوجه الأوّل: استلزامه تعلّق الأمر بغير المقدور

إنّ أخذ «قصد الأمر» في المتعلّق يستلزم التكليف بغير المقدور، فإذا افترضنا أنّ الموضوع قبل الأمر هو «الصلاة مع قصد الأمر» فهو فعل غير مقدور قبل الأمر، إذ لا يتيسّر للمكلّف أن يأتي بالصلاة مع قصد أمرها قبل أن يتعلّق بها التكليف فهو غير مقدور قبل التكليف، ومن المعلوم أنّه يشترط في متعلّق الأمر أن يكون مقدوراً مع قطع النظر عن الأمر.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح ولكن يكفي كونه مقدوراً حين

صفحه 346
الامتثال لا قبل الأمر ولا حين الأمر، فهو قبل الأمر ممتنع، وبعده أمر ممكن والمفروض أنّ المكلّف يمتثل بعد ورود الأمر، وقد اعترف صاحب الكفاية بعدم صحة الدليل حيث قال: «ضرورة إمكان تصور الأمر بها مقيدةً والتمكّن من إتيانها كذلك بعد تعلّق الأمر بها والمعتبر من القدرة المعتبرة عقلاً في صحة الأمر إنّما هو في حال الامتثال لا حال الأمر».1

الوجه الثاني: جزء الموضوع غير مأمور به

إذا افترضنا أنّه إذا أمر المولى بالمركب من «الصلاة وقصد الأمر» وقال: «أقم الصلاة بقصد أمرها»، فعندئذ تكون الصلاة جزء الموضوع لاتمام الموضوع، ومن المعلوم أنّ الجزء غير مأمور به، فكيف يمكن أن يأتي به بقصد أمرها إذ ليس لها أمر وإنّما الأمر للمركب .
يلاحظ على هذا الوجه: بأنّه إذا كانت الصلاة جزءاً فجزء المركّب يؤتى به بنفس الأمر المتعلّق بالمركب، فإذا أمر ببناء المسجد فكلّ جزء يتعلّق بالبناء يأتي به المكلّف بنفس الأمر المتعلّق ببناء المسجد، ومثله المقام حيث يصح للمكلف أن يأتي بالصلاة بنفس الأمر الّذي تعلّق بالمركب، أي الصلاة بقصد أمرها.
وقد أشار المحقّق الخراساني إلى هذا الجواب وقال: نفس الفعل الّذي تعلّق به الوجوب مع هذا القصد يكون متعلّقاً للوجوب، إذ المركب ليس إلاّ نفس الأجزاء بالأسر ويكون تعلّقه بكلّ، عينُ تعلّقه بالكلّ، ويصح أن يؤتى

1 . كفاية الأُصول : 1 / 109.

صفحه 347
به بداعي ذاك الوجوب.
وهذان الوجهان لم يرتض بهما صاحب الكفاية، ولذلك عاد واستدلّ على مقصوده بالوجهين التاليين:
 
الوجه الثالث: استلزامه التسلسل
لو افترضنا أنّ المولى أمر بالصلاة بقصد الأمر فكلّ من الجزأين يتعلّق به الوجوب، ومن المعلوم أنّ الوجوب يتعلّق بالفعل الاختياري، والصلاة وإن كانت فعلاً اختيارياً لكن القصد بمعنى الإرادة ليس بأمر اختياري، وذلك لأنّ الميزان في كون فعل اختيارياً هو كونه مسبوقاً بالإرادة والإرادة ليست اختيارية بهذا الملاك، وإلاّ يلزم سبقها بإرادة أُخرى، وعندئذ ينتقل الكلام إلى الإرادة الثانية فلو كانت غير اختيارية ثبت المطلوب وإن كانت اختيارية لتوقّفت على إرادة ثالثة، وهكذا يلزم التسلسل.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الضابطة ليست قاعدة كلّية ، إذ ليس الملاك في كون الفعل اختيارياً كونه مسبوقاً بالإرادة، بل الملاك في كون الفعل اختيارياً صدوره عن فاعل مختار بالذات. وبعبارة أُخرى: عن فاعل ، مختار في إعمال قدرته، من غير فرق بين الفعل الجوانحي أو الجوارحي، وذلك لأنّ الفاعل العالم على قسمين:
تارة يصدر منه الفعل عن علم ولكن بلا اختيار، كضربات القلب، والتنفس.
وأُخرى يصدر منه الفعل عن علم واختيار بمعنى أنّه مختار في إعمال

صفحه 348
القدرة، كما هو الحال في أفعال الإنسان في المواقع العادية. والإرادة والقصد من القسم الثاني، حيث يريد عن علم واختيار. فلو تعلّق به الأمر، فقد تعلّق بشيء اختياريّ.

الوجه الرابع: داعوية الأمر إلى نفسه

لو افترضنا أنّ المولى أمر بالصلاة بقصد أمرها فكما يجب له إتيان الصلاة بقصد أمرها يجب إتيان الجزء الآخر أيضاً بقصد أمره، ومن المعلوم أنّ الثاني أمر غير ممكن لاستلزامه كون الأمر داعياً إلى نفسه، وإلى هذا الإشكال يشير المحقّق الخراساني بقوله: لا يكاد يمكن الإتيان بالمركّب من قصد الامتثال بداعي امتثال أمره 1.
يلاحظ عليه: أنّ الجزء الثاني أعني: «بقصد أمرها» أخذ في الموضوع طريقياً لبيان حال الجزء الأوّل، ووصفاً له وهو بصدد بيان أنّ الصلاة يجب الإتيان بها بقصد أمرها وليس لهذا الجزء موضوعية، فإذا أتى بالجزء الأوّل بقصد أمره يتحقّق الجزء الثاني قهراً وبلا حاجة إلى قصده ثانياً.
وحصيلة الكلام: إنّ الأمر بالصلاة مقيّدة بداعي أمرها، ليس بمعنى أنّه يأتي بالجزء الثاني «داعي أمرها» أيضاً بقصد أمره، فإنّ هذا التفسير غفلة عن معنى أخذ «قصد الأمر» في متعلّق الأمر، فإنّ الهدف من أخذه ليس إلاّ لبيان كيفية امتثال الجزء الأوّل فقط، فإذا أتى بالصلاة بقصد أمرها فقد امتثل الأمر بالمركّب من الصلاة وقصد الأمر، قهراً، ومعه لا يبقى موضوع لامتثال الجزء الثاني.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 110 .

صفحه 349
هذه هي الوجوه الّتي اعتمد عليها المحقّق الخراساني في المقام، وهناك وجوه أُخرى لبيان الامتناع ربّما تناهز العشرة استوفينا بيانها في الدورات السابقة، ونحن نذكر شيئاً منها .

الوجه الخامس: توقف الشيء على نفسه

إنّ الأمر يتوقّف على الموضوع توقف العرض على موضوعه، والمفروض أنّ جزء الموضوع أعني «قصد الأمر» يتوقّف على الأمر لكون قصده متوقفاً عليه فيلزم توقف الشيء على نفسه الذي يعبر عنه بالدور.1
يلاحظ عليه: بأنّه نفس الإشكال الأوّل في كلام المحقّق الخراساني غير أنّه عبّر عنه بلزوم تعلّق الأمر بغير المقدور وفي هذا الوجه عُبّر عنه باستلزامه توقف الشيء على نفسه الذي هو الدور.
والجواب أنّ قصد الأمر، الموقوف عليه، غير قصد الأمر الموقوف على الأمر; فالأوّل عبارة عن تصوّر قصد الأمر منضمّاً إلى الصلاة وهو قائم بذهن المولى قبل الأمر، والثاني عبارة عن قصد الأمر، القائم بالمصلّي حين الصلاة، فاختلف الطرفان.
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ (قدس سره)أجاب عن هذا الاستدلال بوجه تفصيليّ، فمن أراد فليرجع إلى محاضراته.2

1 . درر الفوائد للمحقق الحائري: 94.
2 . لاحظ: تهذيب الأُصول: 1 / 208 .

صفحه 350
الوجه السادس: تقدّم الشيء على نفسه
بيانه أنّ قصد الأمر متأخّر عن الأمر، والأمر متأخّر عن الموضوع، فينتج أنّ قصد الأمر متأخّر عن الموضوع، فأخذه في الموضوع الذي هو متقدّم
على الأمر، المتقدّم على القصد، يستلزم تقدّم الشيء (أعني قصد الأمر)
على نفسه.
يلاحظ عليه: بأنّه أيضاً نفس الإشكال الخامس لكن باسم مفسدة الدور، لأنّ تقدّم الشيء على نفسه من مفاسد الدور وتبعاته.
والجواب: أنّ قصد الأمر المتقدّم على الأمر وقصده المأخوذ في الموضوع، عبارة عن قصد الأمر المتصوّر في ذهن المولى عند الأمر.
وأمّا قصد الأمر المتأخّر عن الأمر فهو عبارة عن قصد الأمر القائم بالمصلّي حين ابتداء الصلاة، فالمتقدّم ـ أعني الموجود في ذهن المولى ـ غير المتأخر ـ أعني القائم بالمصلي ـ والطرفان مختلفان.
إلى غير ذلك من الوجوه الّتي لا تسمن ولا تغني من جوع.
ثم إنّ القائل بامتناع أخذ قصد الأمر في المتعلّق بأمر واحد، حاول تصحيح أخذه بأمرين، وإليك بيانه.

تصحيح الأخذ بأمرين

إنّ الشيخ الأنصاري (قدس سره)من أوائل القائلين بامتناع أخذ قصد
الأمر المتعلّق بأمر واحد، لكنّه (قدس سره)حاول أن يصحّح الأخذ لكن
بأمرين:

صفحه 351
الأمر الأوّل: يتعلّق بنفس الطبيعة ويقول: أقم الصلاة.
والأمر الثاني: يتعلّق بالإتيان بها بداعي أمرها كما إذا قال: امتثل أمر الصلاة بقصد أمرها.
وعلى هذا فيكون الأصل في الأوامر هو التوصلية، فإنّ الأخذ في متعلّق الأمر الأوّل وإن كان محالاً ولكن لما كان الأخذ في المتعلّق بالأمر الثاني جائزاً فعدم وجود الأمر الثاني يكشف عن عدم مدخليته فيه.1
وأورد المحقّق الخراساني على هذا الوجه قائلاً:
أنّ الأمر الأوّل إن كان يسقط بمجرد موافقته ولو لم يقصد به الامتثال فلا يصل الآمر إلى غرضه بهذه الوسيلة.
وإن لم يسقط بذلك فلا يكاد يكون له وجه إلاّ عدم حصول غرضه بذلك من أمره فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى التوصّل بالأمرين لاستقلال العقل مع عدم حصول الغرض بمجرد الموافقة بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط الأمر .2
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره إنّما يصحّ في حق الشاك في أنّ غرض المولى هل يحصل بمجرد الموافقة أو يحتاج إلى قصد الأمر فحينئذ فالعقل حاكم بتحصيل الغرض بإتيان المأمور به بقصد الأمر.
وأمّا إذا كان المكلّف جاهلاً غير ملتفت بأنّ المأمور به توصّلي أو تعبّدي فعندئذ لا يصل المولى إلى غرضه إلاّ عن طريق تعدد الأمر.

1 . مطارح الأنظار: 60 .
2 . كفاية الأُصول: 1 / 111 .

صفحه 352
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ أورد على المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:
أهمها هو أنّ حكم العقل بوجوب تحصيل الغرض مضافاً إلى الإتيان بالمتعلّق ليس حكماً قطعياً أو ممّا اتّفق عليه العقلاء، إذ لقائل أن يقول: إنّ العقل يحكم بتحصيل ما وقع تحت دائرة الطلب، وأمّا قصد الأمر الّذي لم يرد فيه ولا في دليل آخر فلا دليل على وجوب إتيان ذلك القيد لتحصيل الغرض.
ثم إنّ المحقّق البروجردي أورد على الشيخ الأنصاري القائل بجواز أخذ القيد في المتعلّق بواسطة أمرين بما يلي:
أوّلاً: أنّه إذا فرضت انّ المصلحة قائمة بالطبيعة المقيّدة بقصد الأمر يكشف هذا عن خلو الطبيعة المجردة عن القيد من المصلحة فحينئذ لا تتعلّق الإرادة بمثل هذه الطبيعة، كما لا يمكن أن يكون مثل هذه الإرادة مبدأ للبعث، لأنّ الإرادة وبالتالي البعث تابعان للملاك والمفروض عدمه، وهذا يعرب عن عدم صحّة الأمر الأوّل حتّى يتمّ بالأمر الثاني.
ثانياً: لو فرضنا تعلّق الأمر به، لكنّه لا يكون إلاّ أمراً صورياً; أعني: ما لا يترتب عليه غرض، ولا يكون ذا مصلحة وفائدة، وقصد هذا الأمر الصوري لا يكون مقرّباً، بل القصد وعدمه سواء; فلا يصل المولى إلى مطلوبه بهذه الوسيلة أيضاً .1
يلاحظ عليه: أنّ الصلاة بما هي هي وإن لم تَحمِلُ مصلحة تامة ولكنّها بالنسبة إلى العلة التامة للمصلحة تعدّ مقتضية ويكفي ذلك في تعلق الأمر بها،

1 . نهاية الأُصول: 115.

صفحه 353
مثلاً الزكاة أمر قربي أو عبادي يجب فيها قصد الأمر والطاعة ولكن ليس إعطاء الزكاة إلى الفقراء مجرداً عن قصد القربة فاقداً للمصلحة، ولذلك يجب على الحاكم أخذ الزكاة من مانعيها وإن لم يكن للمعطي قصد ولا طاعة، وقس عليه سائر العبادات لوجود الفرقُ الواضح بين العبادة المجردة عن قصد الأمر وبين عمل اللغو واللعب، غاية الأمر أنّ المصلحة التامة قائمة بإتيانها مع قصد القربة.
وبذلك يظهر النظر في الأمر الثاني فإنّ الأمر الأوّل ليس أمراً صورياً، بل أمر جدّي على حدّ الأمر بالمقتضي .
إلى هنا تبيّن أن مقتضى الإطلاق اللفظي هو التوصّلية، وذلك بأحد الطريقين .
فإذا لم نجد فيما بين أيدينا من الأدلّة ما يدلّ على وجوب قصد الأمر بأحد هذه الطرق نستكشف عدم اعتباره .
فالتمسّك في هذه الموارد تمسّك بالإطلاق اللفظي.

التوصلية والإطلاق المقامي

كان التمسّك في الوجوه السابقة بالإطلاق اللفظي، وفي المقام وجه آخر وهو التمسّك بالإطلاق المقامي، وحاصله: أنّا نفترض أنّ الأخذ في المتعلّق غير ممكن، فلا يدلّ سكوت المولى على عدم الوجوب، ولكن يمكن للمولى أن يذكره بدليل آخر، وذلك فيما لو كانت القيود المشكوكة ممّا لا يلتفت إليه عموم الناس فعلى المولى سبحانه أن ينبّه على تلك القيود

صفحه 354
حتّى لا يكون ناقضاً لغرضه، ولو بدليل مستقل.
وهذا كقصد الأمر وقصد الوجه وتمييز الأجزاء الواجبة عن المستحبّة إلى غير ذلك من القيود الّتي لا يلتفت إلى مدخليتها في غرض المولى إلاّ الأمثل فالأمثل من الناس.
فإذا لم نجد شيئاً في دليل الواجب ـ بأحد الطرق الماضية ـ ما يدلّ على مدخلية أحد هذه الأُمور في غرض الشارع نستكشف عدم مدخليته، وإلاّ كان على الشارع التنبيه على مدخليتها، وعلى ما ذكرنا فمقتضى الإطلاق المقامي كالإطلاق اللفظي هو التوصلية.
والفرق بين الإطلاقين أنّ مصب الإطلاق اللفظي يرجع إلى الشك في اجزاء المتعلّق قلّة وكثرة فيحكم بمقتضى الإطلاق على عدم مدخلية المشكوك كالقنوت مثلاً في الصلاة، وأمّا الإطلاق المقامي فمصبه هو الشك في مدخلية الشيء في غرض المولى وإن كان المتعلّق تامّاً غير ناقص كقصد الأمر والوجه وغيرهما، بناءً على امتناع أخذهما في المتعلّق .
ويظهر من المحقّق الخراساني عند البحث في مقتضى الأصل العقلي، الفرق بين قصد القربة وقصد الوجه والتمييز وانّ الأخيرين ممّا تغفل عنهما عامة الناس، فيتمسك في نفي مدخليتهما في الطاعة بالإطلاق المقامي دون الأوّل 1 .
   
ولكن الفرق غير واضح فإنّ الأُمور الثلاثة من الأفكار الكلامية غير المطروحة إلاّ للأمثل فالأمثل من العلماء، وأين العوام منها.

1 . كفاية الأُصول بحاشية المشكيني: 1 / 114 .

صفحه 355
فخرجنا بهذه النتيجة وهي: أنّ مقتضى الإطلاق المقامي كاللفظي هو التوصلية.

أدلّة القائل بأنّ الأصل التعبّدية

استدلّ القائل بالتعبّدية بما يلي:
الأوّل: قوله سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَ يُؤتُوا الزَّكَاةَ وَ ذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )1.
الاستدلال مبنيّ على تفسير قوله (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ) بالنحو التالي: أي ما أمروا بشيء في مورد من الموارد إلاّ لأجل عبادة الله. وبعبارة أُخرى: الغاية من الأمر في عامة الموارد هو التعبد. وعلى ضوء هذا فكلّ أمر في الشريعة في أي باب من الأبواب إنّما ورد للتعبّد به إلاّ ما قام الدليل على خلافه.
يلاحظ عليه: أنّ التفسير المزبور خاطئ لأنّ قوله: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) يفسّر الآية ويدلّ على المراد أنّهم ما أمروا في مجال العبادة إلاّ أن تكون عبادتهم خالصة لوجه الله لا للرياء والسمعة، ولا للأوثان والاصنام، فيصير معنى الآية أنّ كل أمر تبيّن انّه عبادي فيشترط في صدق الامتثال، الإخلاص فيه، والمراد من (الدِّينَ) في الآية هو الطاعة. واين هذا من القول بأنّ الغاية من كلّ أمر هو العبادة.
ويفسر الآية قوله تعالى: (اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ

1 . البينة: 5.

صفحه 356
اللهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)1، فقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا)نفس قوله في الآية السابقة: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)ومفاد الآيتين هو أنّ الغاية من الأوامر العبادية هو التوحيد في العبادة والاجتناب عن الشرك وليس المراد أنّ الغاية من كلّ أمر هو العبادة.
الثاني: ما تضافر من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما الأعمال بالنيات وإنّما لامرئ ما نوى» (2) وجه الاستدلال هو تفسير «النيّة» بنية القربة، فكلّ عمل خلا عن نية القربة لا يُعدّ عملاً ولا امتثالاً.
يلاحظ عليه: أنّ التفسير المذكور خاطئ بل المقصود نية الفاعل وداعيه ومحركه، فإن كان المحرك أمراً مطلوباً للشرع فهو يُجزى به وإن كان غير مطلوب للشرع فهو يجزى بخلافه، وهذا كضرب اليتيم لغاية التأديب أو لغاية الإيذاء، فالثواب على النيات الصالحة لا على النيات الطالحة، وأين هذا من توقّف كلّ عمل على نيّة القربة .
الثالث: ما نقله المحقّق النائيني عن العلاّمة الكلباسي قال: إنّ المولى إنّما يأمر عبده بشيء ويطلبه منه ليجعل أمره محرّكاً إيّاه نحو العمل وباعثاً له نحو المراد .
وإن شئت قلت: إنّ الغرض من الأمر، كون الأمر داعياً، فحينئذ إن أتى المكلّف به بداعي أمره، فقد حصل الغرض وسقط الأمر، وإلاّ فلا .2

1 . البقرة: 31.   2 . الوسائل: 1، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 7 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 112 ـ 113.

صفحه 357
يلاحظ عليه: أنّ الغاية من الأمر كونه محركاً للعبد نحو العمل لا داعياً لإتيانه بقصد الأمر، فأمر المولى كناية عن المثوبة عند الطاعة، والعقوبة عند المخالفة، فيكون داعياً للعبد إلى الامتثال وإتيان نفس المتعلّق لا إتيانه بداعي أمره.
إلى هنا تمّ ذكر الأدلة الاجتهادية للقائلين بالتعبّدية والتوصلية، فإذا ثبت أحد الأمرين على ضوئها فلا تصل النوبة إلى الأُصول العملية وإلاّ يكون المرجع هو الأصل العقلي تارة، والشرعي أُخرى، وإليك بيانه:

مقتضى الأصل العقلي عند الشك

إنّ مقتضى الأصل العقلي ـ أعني: قبح العقاب بلا بيان ـ هو البراءة، سواء أقلنا بإمكان أخذه في المتعلّق أم لا.
أمّا الأوّل فواضح ـ بشرط أن لا يكون في الدليل إطلاق لفظي كما إذا لم يكن بصدد البيان حتّى تصل النوبة إلى الأصل ـ . وأمّا على الثاني فإنّ المولى وإن كان غير متمكّن من الأخذ بالمتعلّق لكنّه متمكّن من البيان بأحد الطرق الماضية.
نعم لو قلنا بأنّ المولى غير متمكّن من بيان هذا الشرط بنحو من الأنحاء كان المرجع هو الاشتغال، ولكنّه فرض باطل.
وقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الأصل العقلي هو الاشتغال، وذلك بالبيان التالي:
إنّ الشك في المقام يتعلّق بالشك في الخروج عن عهدة التكليف

صفحه 358
المعلوم، مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها، فلا يكون العقاب ـ مع الشك وعدم إحراز الخروج ـ عقاباً بلا بيان، ضرورة أنّه مع العلم بالتكليف تصحّ المؤاخذة على المخالفة، وعدم الخروج عن العهدة ـ لو اتّفق عدم الخروج منها ـ بمجرد الموافقة بلا قصد القربة، وهكذا الحال في كلّ ما شكّ دخله في الطاعة، والخروج به عن العهدة ممّا لا يمكن اعتباره في المأمور به كالوجه والتمييز .1
وحاصله: أنّه إذا تعلّق الشك بقلّة المتعلّق وكثرته كما إذا شككنا في أخذ القنوت في متعلّق الأمر بالصلاة فتجري البراءة العقلية عند أكثر الأُصوليين 2. وأمّا إذا لم يرجع الشك إلى قلّة المتعلّق وكثرته، بل كان المتعلّق تاماً ورجع الشك إلى كيفية الامتثال فهذا ممّا يستقل العقل فيه بالاحتياط، لوجوب تحصيل غرض المولى عند الشك، ولا يحصل إلاّ بضم قصد الأمر إلى المأتي به. وهذا ما يعبّر عنه في علم الأُصول بالشك في السقوط.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّه لو وجب على العبد تحصيل غرض المولى وجب الاحتياط في كلا المقامين، حيث إنّ العبد بعد الإتيان بالأقل يصير شاكاً في حصول غرض المولى بالأقل فيجب الإتيان بكل ما احتمل دخله في الغرض.
ثانياً: نفترض وجود الفرق بين المقامين لكن العبد مسؤول أمام الله

1 . كفاية الأُصول: 1 / 113 ـ 114 .
2 . هذا على مذاق أكثر الأُصوليين حيث يقولون بجريان البراءتين عند الشك في الأقل والأكثر وإن كان المحقّق الخراساني يخالفهم في جريان خصوص البراءة العقلية دون الشرعية.

صفحه 359
سبحانه حسب ما قامت عنده الحجّة على وجوبه، وأمّا لزوم تحصيل غرض المولى فلم يدل عليه دليل.
وبعبارة أوضح: أنّ مقتضى العبودية أمام المولى هو المثول أمامه حسب ما قامت الحجة عليه، وأمّا ما لم تقم عليه الحجة، وإنّما احتْمِل وجوبه، فليس هناك أي ملزم به .

حكم الأصل الشرعي

ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم جريان الأصل الشرعي في المقام بحجة ان الرفع إنّما يتعلق بشيء قابل للوضع والرفع شرعاً وليس قصد القربة واجداً لهذا الشرط، فإن دخل قصد القربة ونحوها في الغرض ليس بشرعي بل واقعي.1
توضيحه: أنّ فرض كلامه أنّه لا يمكن أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر الأوّل، ولا يمكن بيانه بالأمر الثاني أيضاً، فعندئذ يصبح دخل قصد الأمر في المأمور به أمراً عقلياً لا شرعياً فلا يكون وضعه ورفعه بيد الشارع فلا تشمله أدلّة الرفع.
وأنت خبير بأنّ المفروض غير صحيح لما عرفت من إمكان أخذه في المتعلّق بأمر ثان فضلاً عن الأمر الأوّل.
ثم إنّ المحقّق الخراساني لمّا التفت إلى توجّه إشكال إلى كلامه أخذ بدفعه قبل أن يبيّنه، وحاصل الإشكال:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 114 .

صفحه 360
إنّ مدخلية كلّ جزء وشرط في المأمور به أمر عقلي، لأنّ العقل يحكم بتوقّف الكلّ على الجزء والشرط، فيلزم أن لا تعمّ أدلّة الرفع لسائر الشرائط المشكوكة كالقنوت، إذا شُك في جزئيّتها.
فأجاب عنه بالتفريق بين قصد الأمر وسائر الشروط المشكوكة، حيث إنّ القسم الثاني مع الاعتراف بأنّ مدخليته في المأمور به عقلي، قابل للأخذ في المتعلّق فيكون وضعه ورفعه بيد الشارع، بخلاف قصد الأمر فإذا أنسد الأصل الشرعي تصل النوبة إلى العقل وهو يحكم بالاشتغال للعلم بثبوت الأمر الفعلي والشك في سقوطه.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح لكن الفرض باطل، إذ لا يعقل أن يكون لشيء مدخلية في المأمور به ولكن لا يتمكّن الآمر من بيانه ولو بنحو من الأنحاء المتقدّمة.

كلام للمحقّق العراقي

إنّ للمحقّق العراقي كلاماً مبسوطاً حول جريان الأصل الشرعي، حاصله:
إنّ في جريان الأصل الشرعي صوراً ثلاث:
1. يمكن أخذ قصد الأمر في المأمور به بأمر واحد.
2. لا يمكن أخذه في المأمور به إلاّ بأمر ثان.
3. لا يمكن أخذه في المأمور به بوجه من الوجوه.
أمّا الأمر الأوّل: فقد قال المحقّق العراقي بعدم جريان البراءة النقلية، إذا

صفحه 361
قلنا بالاشتغال العقلي، لقصور أدلّتها عن شمول المورد، فإنّ القيد المزبور ـ على فرض دخالته ـ يجوز للمولى الاتّكال على حكم العقل بالاشتغال ولا يوجب عدم البيان نقض الغرض.
يلاحظ عليه: بأنّه كان المترقّب جريان البراءة النقلية لافتراض إمكان أخذ القيد في المتعلّق لكنّ المحقّق العراقي قدّم حكم العقل بالاشتغال على البراءة النقلية، لقضاء العقل بوجوب تحصيل غرض المولى.
وما ذكره صحيح إذا كان حكم العقل في المقام من الأحكام الواقعية المحمولة على ذات الشيء بما هو هو كالحكم بحسن العدل وقبح الظلم، إذ لا يمكن للشارع نقضه، وأمّا حكم العقل بالاهتمام بالشيء عند الشك في مدخليته كما هو الحال في المقام فليس من الأحكام الواضحة عند عقول المكلّفين حتّى يعتمد عليه، مضافاً إلى أنّ حكم العقل بالاحتياط ليس شيئاً جديداً وإنّما هو عبارة أُخرى عن قاعدة معروفة باسم «وجوب دفع الضرر المحتمل» و «لزوم تحصيل المؤمِّن» لكنّه محكوم بحديث الرفع، حيث إنّ موضوع القاعدة احتمال العقاب، وحديث الرفع يكشف عن عدمه، فلا يبقى للاحتمال وجه.
وأمّا الأمر الثاني: أعني ما لا يمكن أخذه في المأمور به إلاّ بأمر ثان، فقد ذهب المحقّق العراقي إلى عدم جريان البراءة النقلية، وذلك لأنّها لا تثبت أنّ متعلّق الأمر الأوّل تمام المأمور به إلاّ على القول بالأصل المثبت. نعم لا يتوجّه هذا الإشكال على الفرض الأوّل لو قلنا بجريان البراءة النقلية فإنّ الشك فيه يرجع إلى انبساط الأمر على الجزء، فمع جريان البراءة تكون باقي

صفحه 362
الأجزاء ـ بنظر العرف ـ تمام المأمور به.
يلاحظ عليه: أنّه لم يدل دليل على وجوب إحراز أن المأتي به تمام المأمور به وإنّما اللازم إحراز إتيان ما وقع تحت دائرة الطلب، والمفروض إحرازه.
وأمّا الأمر الثالث: أي افتراض عدم التمكّن من الأخذ في كلا الأمرين، فعدم جريان البراءة النقلية صحيح، لما مرّ في كلام المحقّق الخراساني من أن ما لا يكون وضعه بيد الشارع لا يكون الرفع بيده أيضاً.
لكن الفرض باطل وخاطئ إذ لا نتصور أن يكون للشيء دخلٌ في المأمور به ولا يتمكّن الآمر من بيانه.

المبحث الخامس: في ظهور الأمر في كونه نفسياً تعيينياً عينياً

ينقسم الأمر إلى نفسيّ وغيري، وتعييني وتخييري، وعيني وكفائي.
وربّما يدور الأمر بين النفسي والتعييني والعيني ومقابلاتها.
فالأوّل: كما إذا قال: اغتسل للجنابة، ودار أمره بين كونه نفسياً أو غيرياً واجباً لأجل أداء صلاة الجمعة.
والثاني: كالأمر بالإطعام، ودار أمره بين كونه واجباً تعيينيّاً أو تخييريّاً بينه وبين العتق.
والثالث: كما إذا أمر بالقتال، ودار أمره بين كونه واجباً عينياً لا يسقط مع قيام الآخر به أو كفائياً ساقطاً مع قيامه .
فالمشهور بين المتأخّرين من الأُصوليين أنّ الأمر عند الشك يُحمل

صفحه 363
على النفسي وقرينيه لاعلى مقابلاتها، ولهم في بيان ذلك تقريبات:

التقريب الأوّل: كونه نفسياً، مقتضى الإطلاق

ما اعتمد عليه المحقّق الخراساني من التمسّك بمقدمات الحكمة قائلاً: بأنّ قضية إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيّاً تعيينيّاً عينيّاً لتقيّد الوجوب في كل من مقابلاتها وتضيّق دائرته، فإذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة عليه فالحكمة تقتضي كونه مطلقاً وجب هناك شيء آخر أو لا، أتى بشيء آخر أو لا، أتى به آخر أو لا، كما هو واضح لا يخفى .1
وأورد عليه سيدنا الأُستاذ (قدس سره)بما حاصله: أنّ تقسيم مفهوم إلى قسمين يلازم اشتمال كلّ فرد بخصوصية بها يتميّز عن المقسم ويغاير قسيمه. وإلاّ صار عين المقسم وكان من باب تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره، وهذا بعد التدبر واضح.
فإذن لابد وأن يكون كلّ من النفسية والغيرية متخصّصة بقيد وجودي أو عدمي، به يمتاز كلّ واحد عن مقسمه وقسيمه، ويقال: النفسي ما يكون إليه البعث لذاته، والغيري بخلافه، ويكون كلّ واحد منهما في مقام التحديد مشتملاً على قيد زائد على نفس البعث ـ ولو من باب زيادة الحدّ على المحدود ـ وتصير النفسية مباينة للغيرية، لا تتعيّن إلاّ بدالّ آخر .2 وقس عليه التعييني والتخييري، والعيني والكفائي، كأن يقال:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 116.
2 . تهذيب الأُصول: 1 / 234 ـ 235 .

صفحه 364
أ. النفسي ما وجب لنفسه .
والغيري ما وجب لغيره.
ب. التعييني ما وجب سواء اتى بشيء آخر أو لا.
والتخييري ما وجب إذا لم يأت بشيء آخر.
ج. العيني ما وجب سواء أتى به آخر أو لا.
والكفائي ما وجب إذا لم يأت به فرد آخر.
أقول: إنّ ما ذكره مبني على رؤية عقلية فلكلٍّ، قيدٌ يمتاز به عن المقسم والقسم الآخر، وأمّا إذا لوحظ برؤية عرفية فالعرف يرى الوجوب النفسي، نفس الوجوب بلا قيد، وهكذا الآخران، من دون أن يزيد على الوجوب بشيء، وذلك لأنّ القيد في الواجب النفسي، أعني قوله: «ما وجب لذاته أو لنفسه» ليس شيئاً زائداً على أصل الأمر، بل هو تأكيد له، فلا يتلقّاه العرف أمراً زائداً على أصل الوجوب وإن كان في نظر العقل قيداً زائداً.
وبه يتبين حال الأمرين الآخرين فإنّ تفسير التعييني بما وجب وإن أتى بشيء آخر، أو تفسير العيني بما وجب وإن أتى به آخر، ليس قيداً زائداً على الوجوب في نظر العرف بل هو تفسير لإطلاق الوجوب وسعته وانه غير محدّد ولا مقيّد، فيكون السكوت كافياً في بيان الأقسام الثلاثة، بخلاف مقابلاتها ففي رؤية العرف تحتاج إلى بيان زائد.

صفحه 365

التقريب الثاني: كونه نفسيّاً، مقتضى حكم العقل

إنّ مقتضى حكم العقل حمل الأمر على النفسي والتعييني والعيني، وذلك نظير ما قلناه في حمل الأمر على الوجوب بأنّ أمر المولى لا يترك بلا جواب، والجواب أحد الأمرين ; إمَّا الامتثال وإمّا قيام الدليل على الندب، ومثله المقام فيجب القيام بالمأمور به ولا يجوز تركه في منطق العقل باحتمال أنّه واجب لأجل شيء آخر غير واجب حالياً كما إذا احتمل أنّ وجوب الاغتسال لأجل صلاة الجمعة غير الواجبة على المكلّف لكونه مسافراً، أو تركه باحتمال أنّ له عدلاً، أو تركه باحتمال أنّه يكفي قيام الغير به.
فهذه الأعذار غير مقبولة لدى العقل في دائرة المولوية والعبودية، ما لم يقم دليل على ذلك الاحتمال.

التقريب الثالث: مدخلية عنوان المكلّف به أو المكلّف بالحكم

هذا الوجه يختص بمورد التعييني والعيني وهو مبني على تفسيرهما وتفسير مقابليهما بالنحو التالي :
إنّ متعلّق الوجوب في التعييني هو نفس العنوان الواقع تحت دائرة الطلب وهو عنوان أصيل كالصلاة في قوله: «صل»، وهذا بخلافه في الواجب التخييري فإنّ متعلّق الوجوب هو أمر انتزاعي كأحد الأفعال، من الإطعام والعتق، كما أنّ متعلّق الوجوب في العيني هو العنوان المنطبق على كلّ شخص بشخصه كالمستطيع، وهذا بخلاف الكفائي فإنّ متعلّق الوجوب أحد الأشخاص.

صفحه 366
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ ظاهر قوله: «أطعم» أو «جاهد في سبيل الله»، مدخلية ذلك العنوان أو ذلك الشخص في تعلّق الوجوب فيحمل عليه، لأنّ حمله على مقابليهما يتوقّف على عدم مدخلية الإطعام والشخص في تعلّق الوجوب، وأنّ المتعلّق به أمر انتزاعي كأحد الأفعال وأحد الأشخاص وهذا على خلاف الظاهر.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مبني على تفسير الواجب التخييري والكفائي بما ذكره، وسيوافيك عدم صحته وأنّ الوجوب في التعييني والتخييري على نسق واحد فالواجب في الأوّل شيء واحد وفي الثاني الأُمور الثلاثة كخصال كفارة الصوم إذا أفطر عمداً فالكل واجبة إلاّ أنّ غرض المولى على نحو لو أتى بأحدها لحصل غرضه ولا حاجة إلى أتيان الآخرين، ومثله العيني والكفائي فدفن الميت واجب على الكل كما أنّ الصلاة واجبة على الكل، غير أنّ سنخ الوجوب في الكفائي على نحو لو أتى به آخر لحصل الغرض ولا تبقى حاجة إلى فعل الآخرين.
إلى هنا تمت الوجوه الثلاثة لبيان حمل الأمر على النفسي والتعييني والعيني عند الشك.
ثم إذا قلنا بقصور الأدلّة الاجتهادية في المقام عن تعيين أحد الأمرين تصل النوبة إلى مقتضى الأصل العملي فقد طرح المحقّق الخراساني الشك بين النفسي والغيري في مبحث مقدمة الواجب كما طرح الشك في غيرهما في باب الاشتغال، ونحن نُرجئ البحث فيها إلى مظانّه.

1 . المحاضرات: 4 / 40، عند البحث في الواجب التخييري.

صفحه 367

المبحث السادس: الأمر عقيب الحظر أو توهّمه

إذا ورد الأمر عقيب الحظر أو توهّمه فهل هو ظاهر في الوجوب؟
وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً:
1. إذا قلنا بأنّ صيغة الأمر تفيد الوجوب إمّا وضعاً أو إطلاقاً أو لأجل حكم العقل، فيقع البحث في أنّه إذا ورد الأمر بعد النهي أو توهّمه فهل يدلّ أيضاً على الوجوب أو لا؟
وهذا البحث منحصر بالقول المزبور، وأمّا على القول بعدم دلالته عليه فهو في فسحة من عقد هذا البحث .
2. اختلفت كلمتهم في مفاد الأمر عند ذاك إلى أقوال:
أ. ظاهر في الوجوب.
ب. ظاهر في الإباحة والترخيص.
ج. تابع لما قبل النهي إذا عُلِّق الأمر بزوال علّة النهي، كما إذا قال: (وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)1 .
د. إجمال الكلام لاكتنافه بما يصلح للقرينيّة، فالمرجع بعد الإجمال هو الأُصول العملية في المسألة.
3. إنّ النهي والأمر تارة يردان في آيتين وأُخرى في آية واحدة:
فالأوّل: نظير قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ...) (2).

1 . المائدة: 2 .   2 . البقرة: 217 .

صفحه 368
وقد نزل الأمر في آية أُخرى، وبين نزول الآيتين قرابة ثمان سنين، قال سبحانه: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)1.
ونظير ذلك قوله سبحانه: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ )2، ومعنى الآية غير مستحلّين اصطيادها في حال إحرامكم.
وقال في آية أُخرى: (وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا...)3.
والثاني: وهو اجتماعهما في آية واحدة، كقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لاَ تَقْرَبُوهُنَّ)وقال بعد النهي: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ)4.
إذا علمت هذه الأُمور فلندرس الأقوال الماضية:
أمّا القول الأوّل: أي ظهورها في الوجوب فهو غير مقبول، على كلّ المباني في مورد إفادة الأمر الوجوب، وذلك لأنّ الوجوب لو كان مستنداً إلى الوضع فهو مشروط بعدم اشتمال الكلام على ما يصلح للقرينية وصرف الكلام عن ظهوره، فلولا النهي السابق لكان للأمر ظهور في الوجوب وضعاً ـ على القول به ـ ولكن وقوعه عقيب الحظر يكون قرينة على أنّ المراد رفع

1 . التوبة: 5.
2 . المائدة: 1 .
3 . المائدة: 2 .
4 . البقرة: 222 .

صفحه 369
الحظر لا إيجاب العمل.
ومثل هذا إذا كان الوجوب مستنداً إلى الإطلاق والمعتمد على مقدّمات الحكمة الّتي منها عدم القرينة في الكلام وعدم ما يصلح للقرينية ومعه تنتفي مقدّمات الحكمة.
وأمّا إذا قلنا بأنَّ الوجوب هو مقتضى حكم العقل فكذلك فإنّ العقل مستقل بالطاعة إذا وصل إلى العبد دليل ظاهر في البعث والطلب، وأمّا إذا اكتنف بما يصلح لصرفه عن ظاهره فلا يُعدّ مثل هذا حجة للمولى على العبد.
وأمّا القول الثاني: أي ظهورها في الترخيص فهو أمر لا ينكر لكن في موارد خاصّة معلومة بالقرينة مثلاً عندما يقصف العدو البلاد بالقنابل فيأتي الإنذار من قبل وسائل الإعلام لأجل اللجوء إلى المخابئ وبعد أن تترك طائرات العدو المنطقة فيأمر المذياع بالخروج من المخابئ، فإنّ ذلك الأمر ليس للوجوب بل يشير إلى رفع المحذور والترخيص والإباحة.
أو إذا نهى الحاكم العسكري المواطنين عن الخروج ليلاً، ثم إذا ورد الأمر ـ بعد استتباب الأُمور ـ بالخروج فلا يفهم من هذا الأمر إلاّ الترخيص، ونظير ذلك آية المحيض فإنّ الأمر بإتيان النساء بعد طهارتهنّ لأجل بيان الترخيص وارتفاع الحرمة.
وأمّا كون ذلك ضابطة كلّية فلم يتحقق.
وأمّا القول الثالث: وهو تبعية حكم الموضوع لما قبل النهي إذا علّق الأمر بزوال علّة النهي كما إذا قال: (وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، فعندئذ يتبع

صفحه 370
الاصطياد بعد الإحلال حكم الاصطياد قبل الإحرام.
ففيه كلام وهو أنّ الرجوع إلى الحكم السابق على النهي إمّا من باب التمسّك بالدليل الاجتهادي أو التمسّك بالاستصحاب.
أمّا الأوّل فهو رهن وجود دليل اجتهادي فوقاني يصح التمسّك به حتّى بعد زوال النهي.
وبعبارة أُخرى: لو كان في المقام دليل له إطلاق زماني بالنسبة إلى ما بعد زوال النهي، فيتمسك به وإلاّ فيتبع حكم الموضوع بعد زوال النهي لما قبله.
وأمّا استصحاب حكم ما قبل النهي فهو غير صحيح لانتقاض اليقين السابق بالنهي المتوسط بينه وبين الأمر، وإلاّ فلو كان للدليل قبل النهي إطلاق زماني فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب.
وأمّا القول الرابع: وهو القول بالإجمال والرجوع إلى الأُصول العملية فهو صحيح، لكن فيما إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي، دال بإطلاقه الأحوالي على حكم الزمان الّذي ورد فيه الأمر، فيكون هو المرجع، أعني قوله سبحانه: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنى شِئْتُمْ )1 فهو بإطلاقه يعم حال المحيض والطهارة، خرج عنه الأوّل، وبقي الباقي تحته، ويكون الحكم الشرعي هو الإباحة الشرعية.
فخرجنا بالنتيجة التالية وهي: انّه ليس هنا ضابطة تشمل عامّة الصور والموارد، بل تختلف النتيجة حسب اختلاف الموارد.

1 . البقرة: 223 .

صفحه 371

المبحث السابع: دلالة الأمر على المرّة والتكرار

هل يدلّ الأمر على المرة أو التكرار أو لا؟
ولنقدّم قبل البحث في ذلك أُموراً:
الأوّل: إذا دلّت القرينة على المرة والتكرار فتُتبع القرينة، كما دلّت على التكرار في قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)1، أو كما دلت على المرة الواحدة كما في مورد الحج فإنّ الأمر به مقرون بالدليل وهو وجوبه في العمر مرة واحدة.
إنّما الكلام فيما لو لم تقم قرينة على أحد الأمرين.
الثاني: هل النزاع في دلالة المادة أو دلالة الهيئة أو كلاهما على أحد الأمرين، وجوه.
ذهب صاحب الفصول إلى أنّ محل النزاع هو دلالة الهيئة لا المادة لإجماع أهل الأدب على أنّ المصدر المجرد من التنوين واللام لا يدل إلاّ على صرف الطبيعة. وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه إنّما يتم إذا كان المصدر هو مبدأ المشتقات وليس كذلك، بل هو أحد المشتقات، فعدم دلالته لا يدلّ على عدم دلالة مبدأ المشتقات عليهما .2
يلاحظ عليه: بأنّا إذا سلّمنا أنّ المصدر أحد المشتقات والمفروض أنّ المادة محفوظة فيه. فإذا لم يدل المصدر إلاّ على صرف الطبيعة، فالمادة

1 . الإسراء: 78 .
2 . كفاية الأُصول: 1 / 117 .

صفحه 372
الموجودة فيه أولى بذلك، لاشتماله عليها. فتكون المادة في عامّة المشتقات دالة على صرف الطبيعة.
الثالث: ربّما تُفسّر المرة والتكرار، بالدفعة والدفعات، وأُخرى بالفرد والأفراد؟ فما هو الفرق بين الدفعة والدفعات والفرد والأفراد؟
أقول: إنّ الملاك في الأوّلين وحدة الحركة وتعدّدها، فلو أمر المولى بإتيان الماء فقام به مرة ثم أتبعه بمرة ثانية يطلق على الأوّل الدفعة وعلى الثاني والثالث، الدفعتان والدفعات .
وأمّا الملاك في الفرد والأفراد هو وحدة مصداق الطبيعة وتعدّدها، وربّما تكون هنا حركة ودُفعة واحدة لكن تشتمل على أفراد متعدّدة، كما إذا قام ـ بعد ما قال له المولى: اسقني ـ فأتى بقدحين مملوءين بالماء فقد امتثل بحركة واحدة ولكن أتى بفردين منفصلين.
فالدفعة تجتمع مع الفرد والأفراد، وأمّا الدفعات فلا تنفك عن تعدّد الفرد.
وإن شئت قلت: إنّ تعدّد الدفعة يطلب لنفسه كون الامتثال الثاني بعد الامتثال الأوّل ولكن تعدّد الأفراد ربما يكون في عرض واحد كما يكون في غيره.
الرابع: هل المراد من المرة والتكرار هو الدفعة والدفعات أو أعم منهما والفرد والأفراد؟
ذهب صاحب الفصول إلى أن المراد منهما هو الدفعة والدفعات، إذ لو كان المراد منهما هوالفرد والأفراد لكان الأولى جعل ذلك البحث ذيلاً

صفحه 373
للبحث الآتي في تعلّق الأمر على الطبيعة أو الفرد بأن يقال: وعلى الثاني، فهل يدل على فرد واحد أو أفراد أو لا يقتضي شيئاً منهما.
وأمّا لو أُريد بهما الدفعة أو الدفعات فلا علقة بين المسألتين.1
وبعبارة أُخرى: على القول بتعلّق الأوامر بالطبائع لا يتصور النزاع في المرّة والتكرار بمعنى الفرد والأفراد مع أنّ البحث عنهما يجب أن ينسجم مع كلا القولين: تعلّق الأمر بالطبائع أو الأفراد.
وأورد عليه المحقق الخراساني بأنّه لا علقة بين المسألتين سواء أُريد منهما الدفعة والدفعات أم أُريد منهما الفرد والأفراد.
أمّا الأوّل فواضح وقد اعترف به صاحب الفصول، وأمّا الثاني فما ذكره مبني على أنّ المراد من الطبيعي هو المفهوم المجرّد عن كل قيد حتّى الوجود ومن المعلوم أنّ الطبيعي بهذا المعنى لا يتصوّر فيه الفرد والأفراد وعندئذ يكون البحث عن المرة والتكرار بمعنى الفرد والأفراد من شقوق القسم الثاني فيقال: فعلى دلالتها على الفرد فهل تدل على فرد واحد أو تدل على أفراد ؟
وأما لو قلنا بأنّ المراد من الطبيعي هو وجود الطبيعة بوجودها السعيّ من دون أن يكون للمشخصات دورٌ في المطلوب في مقابل تعلقها بالفرد الّذي يكون للمشخصات دورٌ فيه، فعندئذ ينطبق البحث على كلا الشقين: الطبيعي بالمعنى المزبور، والفرد، فعلى القول بتعلّقه بالطبيعي يقال : هل المأمور به هو المصداق الواحد من الطبيعة أو المصاديق المتعدّدة. وعلى

1 . الفصول الغروية: 119 .

صفحه 374
القول بتعلّقه بالفرد فجريان النزاع واضح.
فتلخص ممّا ذكرنا أنّه لو قلنا بأنّ المراد من المرة والتكرار هو الفرد والأفراد يجري النزاع على كلا المذهبين في باب متعلّق الأمر .
إذا عرفت هذه الأُمور فنقول: الحق عدم دلالة الصيغة على واحد من الأمرين لعدم وجود الدالّ عليهما، أمّا الهيئة فهي موضوعة للبعث، وأمّا المادة فهي موضوعة للطبيعة المجردة. فأين الدالّ على واحد منهما؟!
وعلى كلّ تقدير فصيغة الأمر وإن لم تدلّ على المرة والتكرار لكن مقتضى الإطلاق الاكتفاء بدفعة واحدة، سواء اشتملت على فرد أو أفراد، وذلك لأنّ الطبيعة توجد بفردها وبوجوده يسقط الأمر، فوزان المرّة وزان كون الأمر نفسياً وعدليه، غنيّة عن البيان الزائد بخلاف التكرار.

تنبيه، فيه أمران:

ذكر المحقق الخراساني في هذا المقام أمرين ربما يصعب على الطالب التفريق بينهما:

الأوّل: في جواز الاقتصار على المرّة

إذا قلنا بدلالة الصيغة على المرّة فلا مجال للإتيان بالمأمور به مرّة ثانية لسقوط الأمر، وأمّا إذا قلنا بعدم دلالته عليها وعلى التكرار، فهل يجوز الاقتصار على امتثال واحد؟ هنا صورتان:
1. إذا كان المتكلم في مقام البيان، فلو وجب التكرار لبيّنه، فيجوز

صفحه 375
الاقتصار على المرة الواحدة.
2. إذا لم يكن كذلك فالمرجع في وجوب المرّة الثانية، هو البراءة، فصارت النتيجة في كلتا الصورتين جواز الاكتفاء بالمرة.

الثاني: في لزوم الاقتصار على المرّة

هل يجب الاقتصار على المرّة، ولا يجوز التكرار أو لا؟ وهذا ما أشار إليه المحقق الخراساني بقوله: وإنّما الإشكال في جواز أن لا يقتصر عليها، فذهب إلى أنّ مقتضى إطلاق الطبيعة المأمور بها هو الإتيان مرّة أو مراراً، إذ لو لزم الاقتصار لزم البيان، ومع ذلك فقد فصّل في نهاية كلامه بين حصول الغرض الأقصى وعدمه، فلو حصل الغرض بإتيان المأمور به ضمن فرد أو أفراد بدفعة واحدة فلا يبقى معه مجال لإتيانه ثانياً لسقوط الأمر بحصول الغرض، كما إذا شرب الماء وارتوى. وبين ما لم يحصل الغرض كما إذا أُتي به ولم يشرب بعد، فلا تبعد صحة تبديل الامتثال بامتثال آخر.
أقول: إنّ ما ذكره تفصيل في مقام الثبوت وهو أمر واضح، وكان اللازم تبيين حكم الإثبات، مثلاً إذا لم يُعلم حصول الغرض الأقصى وعدمه بإتيان الفرد الواحد، فهل عليه أن يأتي بفرد آخر أو لا؟
والأولى أن يقال: إنّه إذا كان المأمور به توصّلياً فلا مانع من تكراره تكليفاً إن لم يُعدّ لغواً، وأمّا إذا كان تعبدياً فتبديل فرد إلى فرد آخر يحتاج إلى دليل، ولذلك أفتى الفقهاء بجواز إعادة الصلاة الّتي أُتي بها فرادى بالجماعة، وأنّ الله سبحانه يختار أفضلهما، وإذا لم يكن هناك دليل فلا.

صفحه 376

المبحث الثامن: في دلالة الأمر على الفور والتراخي

وقبل الخوض في هذا المبحث نقدّم أمراً وهو:
إنّ الواجب ينقسم إلى مؤقت وإلى غير مؤقت، والأوّل ينقسم إلى قسمين; موسّع ومضيّق، والمراد بالموسّع ما يكون الزمان المضروب على الفعل أوسع منه، ويكون المكلّف مخيّراً في امتثاله بين الزمن الأوّل والثاني كصلاة الظهر بالنسبة إلى وقتها.
وأمّا المضيّق فله أقسام:
الأوّل: ما يكون محدوداً من حيث الزمان، لا يجوز تقديمه ولا تأخيره، كالصوم الواجب في شهر رمضان.
الثاني: ما يجب فوراً، ويسقط وجوبه فضلاً عن فوريته لو أخّر، كردّ السلام، فلو لم يردّ عصى، وسقط الوجوب.
الثالث: ما يجب فوراً، ولو عصى لسقطت فوريته لا أصله، كصلاة الزلزلة: فلو عصى وأخّر سقطت فوريتها لا أصل وجوبها.
الرابع: ما لا يسقط أصل وجوبه ولا فوريته إذا عصى ولكن يجب عليه الإتيان به فوراً ففوراً، كقضاء الفوائت. على القول بالمضايقة فيها.
إذا علمت هذا فاعلم أنّ الحق عدم دلالة الأمر على الفور ولا على التراخي دلالة وضعية، لأنّ الأمر مركب من هيئة موضوعة للبعث، ومادة موضوعة للطبيعة، فأين الدال على أحدهما؟ وقد تقدّم نظير ذلك في المبحث السابق، وبعبارة أُخرى: انّ الزمان كالمكان، بل وزان الزمان كوزان سائر القيود الّتي يمكن أخذها في المتعلّق.

صفحه 377
فكما أنّ الأمر بمادته وهيئته لا يدل على المكان ولا على سائر القيود فهكذا الزمان.
ثم إنّ المحقّق الخراساني قد اعترف بما ذكرنا ولكنّه قال: إنّ قضية إطلاق صيغة الأمر جواز التراخي .1
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى الإطلاق عدم الدلالة على واحد منهما، وليس التراخي مقتضاه، بل لو قلنا بذلك فالقول بأنّ الفور مقتضى إطلاق الأمر لكان أوضح، فكأنّ إطلاق الأمر مساوق للإتيان به بعده، وأمّا التأخير فهو رهن دليل.
ثم إنّ القائلين بدلالة الأمر على الفور استدلّوا بوجهين:
الأوّل: ما يدل على أنّ نفس الصيغة تدلّ على الفورية.
الثاني: ما يدل على أنّ القرائن الخارجية تدلّ عليها.
أمّا الأوّل: فهو خيرة شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري وعليه جرى في قضاء الفوائت في كتاب الصلاة حيث قال: إنّ الأمر المتعلّق بموضوع خاصّ غير مقيّد بزمان وإن لم يكن ظاهراً في الفور ولا في التراخي ولكن لا يمكن التمسّك به للتراخي بواسطة الإطلاق، ولا التمسّك بالبراءة العقلية لنفي الفورية، لأنّه يمكن أن يقال: إنّ الفورية وإن كانت غير ملحوظة قيداً في المتعلّق إلاّ أنّها من لوازم الأمر المتعلّق به، فإنّ الأمر تحريك إلى العمل وعلّة تشريعية، وكما أنّ العلّة التكوينية لا تنفكّ عن معلولها في الخارج، كذلك العلّة التشريعية تقتضي عدم انفكاكها عن معلولها في الخارج; وإن لم يلاحظ

1 . كفاية الأُصول: 1 / 122 .

صفحه 378
الآمر ترتبه على العلّة في الخارج قيداً .1
يلاحظ عليه: بأنّ قياس العلل التشريعية على التكوينية قياس مع الفارق، وذلك لأنّ تأثير العلل التكوينية في المتعلّق على نحو الإيجاب، ولذلك لا يتصوّر فيه التراخي، وأمّا العلل التشريعية كالبعث فهي قد تتعلّق بنفس الطبيعة مجردة عن الفور والتراخي، كما في أداء الدين غير المؤقت، وأُخرى متقيداً بواحد منهما، فكيف يصح حمله على صورة واحدة مع أنّ له صوراً مختلفة.
وأمّا الثاني: فقد استدلّوا بالآيتين الكريمتين:
الأُولى: قال سبحانه: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)2.
وجه الاستدلال: أنّ المغفرة من فعله سبحانه فلا معنى للمسارعة إليها، فلابد من أن يكون المراد هو أسباب المغفرة الّتي منها إتيان الواجبات فينتج وجوب المسارعة إلى الإتيان بها وكونها فريضة فورية، ولو عصى تجب فوراً ففوراً لبقاء الموضوع، أعني: المسارعة إلى المغفرة.
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى سياق الآيات هو أنّ المراد من المغفرة سببها والسبب في المقام هو التوبة، لأنّها من أوضح مصاديق أسباب المغفرة، ويدلّ عليه قوله سبحانه في آية أُخرى قريبة منها في نفس السورة: (وَ الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ

1 . كتاب الصلاة للمحقق الحائري: 573 .
2 . آل عمران: 133.

صفحه 379
الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ)1.
وقد أورد على الاستدلال المحقّقُ الخراساني بإشكالين آخرين:
1. حمل الأمر على الاستحباب وإلاّ يلزم تخصيص الأكثر لخروج الواجبات الموسّعة والمستحبات عامّة.
2. أنّ الأمر إرشاد إلى ما يحكم به العقل من حسن المسارعة نحو أسباب المغفرة، وعندئذ يكون المحكّم هو حكم العقل، ومعلوم أنّ حكمه يختلف حسب اختلاف الموارد، فلو كان موسعاً تستحب المسارعة، ولو كان مضيّقاً، تجب، فلا يمكن الاستدلال عندئذ على فورية الأمر على وجه الإطلاق.
الآية الثانية: قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)2.
وجه الاستدلال: أنّ ظاهر الآية وجوب الاستباق إلى الخيرات الّتي من أظهر مصاديقها هو فعل الواجبات، فلو عصى يجب عليه الإتيان في الآن الثاني.
يلاحظ عليه: أنّ الخطاب ليس إلى كل فرد فرد بحياله وانّه يجب عليه السبق إلى الخيرات سواء كان معه شخص آخر أم لا، بل أنّ مفهوم الآية هو

1 . آل عمران: 135 .
2 . المائدة: 48 .

صفحه 380
وجوب تسابق العباد ـ في ميدان المباراة ـ نحو عمل الخير، على نحو لو بادر أحد لم يبق موضوع للآخر، وأين هذا من وجوب مبادرة كلّ إلى واجبه وإن لم يكن في جانبه أيّ مكلف !
وبعبارة أُخرى: إنّ وزان قوله: (اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) وزان قوله: (وَ اسْتَبَقَا الْبَابَ)1، أي تسابق كلّ من يوسف وامرأة العزيز نحو الباب فحاول الأوّل فتحه وحاولت الثانية غلقه، ويكون المراد من الاستباق في الآية هو سبق بعض على بعض في عمل الخيرات لا السبق إلى الخيرات بما هي هي وإن لم تكن هناك مباراة ولا مسابقة .
إكمال
لوقلنا بدلالة الصيغة على الفور إمّا بالدلالة اللفظية أو لكونه مقتضى الإطلاق، فلو عصى المكلّف فهل يجب عليه الإتيان بالمأمور به ثانياً أو لا؟
فيه تفصيل بين كون المقام من قبيل وحدة المطلوب كما في السلام فيسقط عصياناً، أو تعدّده، كما في قضاء الفوائت بناء على المضايقة. فلو لم يمكن استظهار واحد منهما من صيغة الأمر، فالمرجع أحد الأمرين:
1. الإطلاق القاضي بعدم الوجوب في الآن الثاني لو تمّت مقدّمات الحكمة.
2. الأصل العملي ـ عند عدم تمامية مقدمات الحكمة ـ من الاستصحاب أو البراءة، فلو جرى استصحاب الوجوب لأجل القول بأنّ الفورية ليست قيداً للموضوع، وجب الإتيان به ثانياً، وإلاّ فالمرجع البراءة من الإتيان به ثانياً.

1 . يوسف: 25 .

صفحه 381
   
الفصل الثالث:

في الإجزاء

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأمر الأوّل: اختلافهم في عنوان المسألة

اختلفت كلمات الأُصوليين في عنوان المسألة بالنحو التالي:
1. هل الأمر يقتضي الإجزاء أو لا ؟1
2. الأمر بالشيء إذا أُتي به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أو لا ؟2
3. الإتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أم لا؟3
وإليك دراسة هذه العناوين:
أمّا العنوان الأوّل: فلا يخلو من إشكال، فإنّ الأمر لا يدلّ بوجه من الوجوه على الإجزاء. أمّا المطابقة والتضمّن فظاهر، وأمّا الالتزام فلأنّ الإجزاء ليس من اللوازم البيّنة للأمر حتّى يدل عليه بالدلالة الالتزامية.
وأمّا العنوان الثاني: فالضمير في قوله «يقتضي» إن رجع إلى الأمر

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 121 .
2 . الفصول الغروية: 116 .
3 . مطارح الأنظار: 18; كفاية الأُصول: 1 / 104 وغيرهما.

صفحه 382
فيكون هذا العنوان نفس العنوان الأوّل، وإن رجع إلى الإتيان المستفاد من قوله «أُتي» يرجع إلى العنوان الثالث.
وأمّا العنوان الثالث: ففي قوله «على وجهه» احتمالات:
1. المراد قصد الوجه، أي قصد الوجوب والندب.
وأورد عليه في الكفاية بأن لا وجه لاختصاصه بالذكر على تقدير الاعتبار، فلابد من إرادة ما يندرج فيه من المعنى ] الكلّي [.
2. أن يراد من «المأمور به» ما يمكن أن يؤخذ في متعلّق الأمر، كالأجزاء والشرائط الشرعية. ومن «على وجهه» ما لا يمكن أخذه في متعلّق الأمر كالشروط العقلية من قصد الأمر والوجه.
وإلى هذا الوجه يشير في الكفاية بقوله: «النهج الّذي ينبغي أن يُؤتى به على ذلك النهج شرعاً وعقلاً».
يرد على هذا الاحتمال أنّ تقسيم ما يعتبر في المأمور به إلى ما يمكن أخذه في المتعلّق وما لا يمكن، تقسيم حادث طارئ فكيف يمكن حمل التعريف على هذا المصطلح الحديث إلاّ أن يكون العنوان لنفس الشيخ الأنصاري مبتكر هذا التقسيم.
3. على وجهه المطلوب فعلاً فالأمر الواقعي على النحو الّذي أُمر، والأمر الاضطراري على النهج الّذي أُمر به، وهكذا الأمر الظاهري، وعلى هذا يكون القيد توضيحياً.

صفحه 383

الأمر الثاني: ما هوالمراد من الاقتضاء؟

ذكر المحقّق الخراساني أنّ المراد من الاقتضاء هنا بنحو العلّية والتأثير لا بنحو الكشف والدلالة ولذا نُسب إلى الإتيان لا إلى الصيغة.
ثم إنّه قد أورد على نفسه بأنّ علّية الإتيان للإجزاء إنّما تتصوّر بالنسبة إلى أمر نفسه، وأمّا بالنسبة إلى أمر آخر، كالإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري وإجزائه عن الأمر الواقعي فالنزاع في دلالة دليلهما على نحو هل هو يفيد الإجزاء أو لا.
وأجاب عنه بأنّه لا منافاة من أن يكون «الاقتضاء» بمعنى العلّية وتوقّف الإجزاء ـ الّذي هو المعلول ـ على دلالة الدليل الاضطراري أو الظاهري على اشتمال المقام على مصلحة جابرة للفائتة، وذلك لأنّه إذا أحرزت الصغرى وثبت أنّ الموردين مشتملان على المصلحة الفائتة يكون المورد مصداقاً للكبرى، وهو إتيان المأمور به المشتمل على المصلحة التامة الجابرة يكون علّة للإجزاء .1
ولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلّف، والّذي أوقعه فيه هو الجمود على لفظ «يقتضي» الظاهر في العلّية، فصار بصدد بيان العلية في الامتثال الاضطراري والظاهري.
والحق أن يُقال: إنّ البحث في امتثال الأمر الواقعي يرجع إلى العلّية، أي علّية الامتثال للإجزاء، ولكن البحث في إجزاء الأمر الاضطراري أو الظاهري يرجع إلى دلالة الدليل على الإجزاء، مثل قوله: «التراب أحد

1 . كفاية الأُصول: 1 / 125، بتوضيح منّا.

صفحه 384
الطهورين، يكفيك عشر سنين»، أو قوله: «رب الماء رب الطهور».
وبما أنّ لفظ يقتضي ظاهر في العلّية دون الدلالة فالأَولى تبديله بلفظ جامع يعم البحثين بملاكيهما وهو أن يقال: هل الإتيان بالمأمور به أيّاً ما كان، يجزي أو لا؟ فامتثال الأمر الواقعي يوجب سقوط أمره وبالتالي عدم الحاجة إلى الإعادة والقضاء، وامتثال الأمر الاضطراري أو الظاهري يغنيان عن إتيانه وفق الأمر الواقعي ثانياً.

الأمر الثالث: الإجزاء لغة واصطلاحاً

إنّ الإجزاء في اللغة بمعنى الكفاية، وهو بنفس هذا المعنى ورد في العنوان; وأمّا تفسيره بسقوط الإعادة في الوقت، والقضاء في خارجه، فهما من لوازم كفاية امتثال المأمور به، فإذا كان الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي كافياً في مقام الامتثال فهو يلازم عدم التعبّد به في الوقت ثانياً، أو إذا كان امتثال الأمر الظاهري في الوقت محصّلاً للغرض فهو يسقط القضاء في خارج الوقت. وقد مرّ نظير ذلك في مبحث الصحيح والأعمّ عند تفسير الصحّة.

الأمر الرابع: الفرق بين المقام ومسألة المرة والتكرار

الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرة والتكرار واضح جدّاً، فإنّ البحث في المسألة السابقة في تحديد المأمور به وتعيين حدّه فهل المأمور به هو الفرد الواحد مثلاً أو الأفراد؟ وأمّا المقام فالكلام في أنّ الإتيان بالمأمور به

صفحه 385
على النحو الّذي أمر به الشارع من المرة أو التكرار موجب للإجزاء أو لا ؟ فالبحث في مسألتنا هذه كبروي وفي مسألة المرة والتكرار صغروي.
نعم ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ البحث في المسألة الأُولى لفظي تابع لدلالة الأمر على أحدهما أو لا، ولكن البحث في الثانية عقلي. ويرد عليه ما سنورده عليه في الأمر الخامس .
نعم القول بالإجزاء ربّما يتصادق مع القول بالمرّة كما أنّ القول بعدم الإجزاء يتصادق مع التكرار لكن التصادق موردي ولايكون دليلاً على وحدة المسألتين، ولذلك ربّما يتصادق الإجزاء مع التكرار، كما إذا قلنا بأنّ مفاد الأمر هو التكرار فإتيانه على ما هو عليه لا ينفك عن التكرار لافتراض أنّ المأمور به المحدّد هو الفردان من الطبيعة فلا محيص من الامتثال على ما هو عليه من التكرار.

الأمر الخامس: الفرق بين المقام ومسألة كون القضاء بالأمر الأوّل

ذكر المحقّق الخراساني أنّ الفرق بين المقام ومسألة كون القضاء بالأمر الأوّل أو بأمر جديد هو أنّ البحث في المسألة الثانية صغروي تابع لدلالة الصيغة على التبعية وعدمها، بخلاف المقام فإنّ البحث فيه عقلي وهو استقلال العقل بأنّ إتيان المأمور به مجز مسقط للإعادة والقضاء.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كانت المسألتان متّحدتين ماهية وحقيقة وكان الاختلاف منحصراً في كيفية الاستدلال فلا وجه لعقدهما كمسألتين، إذ ربَّ مسألة يمكن التطرق إليها من جانب العقل مرة ومن جانب النقل أُخرى، فهل

صفحه 386
يكون هذا مبرراً لعقدهما كمسألتين؟! والحق أن يقال: إنّه لا صلة بين المسألتين موضوعاً فإنّ الموضوع للمسألة الأُولى في المقام هو إتيان المأمور به بنحو من الأنحاء واقعياً، أو واقعياً ثانوياً أو ظاهرياً، وأمّا المسألة الأُخرى فالموضوع فيها فوت المأمور به وتركه وعدم الإتيان به، فكيف يكونان مسألة واحدة.
   
نعم بينهما في مقام التطبيق عموم من وجه فمن امتثل الأمر الواقعي فهو مجزئ من نفسه ولا تتصوّر فيه مسألة كون القضاء بالأمر الأوّل أو بأمر جديد ، كما أنّ من فاتته صلاة الفجر موضوع لمسألة تبعية الأداء للقضاء ولا موضوع لمسألة الإجزاء لعدم الإتيان بالمأمور به.
نعم يجتمعان فيما إذا امتثل الأمر الاضطراري وفات عنه امتثال الأمر الاختياري فتنطبق عليه المسألتان من حيث الإجزاء والقضاء، حيث فات منه امتثال الأمر الاختياري وإن لم يفت عنه امتثال الأمر الاضطراري.
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في مواضع ثلاثة:
الأوّل: امتثال كل أمر هل يجزي عن التعبّد به ثانياً؟
الثاني: امتثال الأمر الاضطراري هل يجزي عن الاختياري؟
الثالث: امتثال الأمر الظاهري هل يجزي عن الأمر الواقعي؟
وإليك دراسة هذه المواضع:

صفحه 387

الموضع الأوّل: امتثال كلّ أمر هل يجزي عن التعبّد به ثانياً؟

إنّ إجزاء امتثال كلّ أمر عن نفسه من القضايا الّتي قياساتها معها لاستقلال العقل بأنّه لا مجال مع موافقة الأمر بإتيان المأمور به على وجهه، لاقتضاء التعبّد به ثانياً .1
وجهه: أنّ عدم الإجزاء رهن أحد أُمور كلّها منتفية:
1. عدم الإتيان بالمأمور به; وهو باطل، لأنّ الواجب هو نفس الطبيعة وهي تصدق على الإتيان بفرد واحد.
2. عدم حصول الغرض; وهو أيضاً باطل، لأنّ المأتي به سبب تام لحصول الغرض وإلاّ لما أمر به.
3. بقاء الأمر مع حصول الغرض; وهو أيضاً باطل، لاستلزامه الإرادة الجزافيّة.
ثم إنّ المحقّق الخراساني بعدما قال بأنّ إتيان المأمور به على ما هو عليه مجزئ ومع ذلك ذهب إلى أنّ للعبد تبديل امتثال بامتثال آخر، ولمّا كان بين القولين شبه التناقض وذلك لأنّه إذا حصل الامتثال سقط الأمر ولا يبقى موضوع لامتثال الثاني حاول رفع الإشكال بما يلي:
1. ربّما لا يكون مجرّد الإتيان بالمأمور به علّة تامة لحصول الغرض الأقصى وإن كان وافياً به لو اكتفى به، كما أنّه إذا أتى بماء ليشربه فلم يشربه بعد فإنّ الغرض الأدنى قد تحقّق وهو تمكّن المولى من الماء لكن الغرض

1 . كفاية الأُصول: 1 / 127 .

صفحه 388
الأقصى وهورفع عطشه لم يتحقّق، ولذلك يجوز للعبد أن يبدله بفرد آخر أفضل منه .
2. ما إذا أتى بالماء ولكن أُريق الماء واطّلع عليه العبد فإنّ الأمر هنا وإن سقط لكن الملاك باق وهو كاف في دعوته إلى إتيان فرد آخر ليكون بدلاً عنه.
3. ما إذا أتى بالماء وشرب وارتوى فلا يبقى موضوع للتبديل ثم قال: فإذا لم يُعلم أنّ المورد من أي قسم فله التبديل باحتمال أن لا يكون علّة تامة للامتثال.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من القاعدة العقلية واضح جدّاً، ولكن تبديل الامتثال إلى امتثال آخر لا مفهوم صحيح له ، أمّا المثال الأوّل فلأنّ الامتثال أمره دائر بين الوجود والعدم فإن حصل سقط الأمر وإلاّ لا يكون هناك إلاّ امتثال واحد.
وأمّا المثال الثاني فليس هناك امتثال ثان، بل العلم بالغرض حجة تامة على العبد يجب عليه تحصيله وإن لم يكن هناك أمر ولا طلب وبالتالي لا امتثال، نظيره إذا ما رأى أنّ ولد المولى سقط في الماء على نحو لولا إخراجه من الماء يغرق فيجب على العبد إنقاذه وإن لم يكن المولى عالماً به، ووصفه بالامتثال مبني على تخيّل الملازمة بين بقاء الغرض وبقاء الأمر.
وثانياً: عند عدم العلم بانّ المورد من أي قسم يأتي به فإنّما يتمّ في التوصليات الّتي يأتي بها المكلّف لا بداع إلهي، وأمّا العبادات فالإتيان بفرد آخر فرع تعلّق الأمر به وإلاّ لصار عبادة باطلة بدعة والمفروض سقوط الأمر

صفحه 389
بالفرد الأوّل وأمّا الاستدلال بالصلاة المعاداة بالجماعة فسيأتي الكلام فيه.
والأولى أن يقال: أنّ إعادة الفريضة رهن أمر آخر يتعلّق باستحباب إعادتها وهو ليس من قبيل تبديل امتثال بامتثال آخر، بل امتثال لأمر جديد وجوبي أو استحبابي، وبذلك تقف على مفاد الروايات الواردة في المقام:
1. من أفسد حجّه بالجماع يجب عليه إكمال الحج مع إعادته من قابل، وعندذاك سأل زرارة الإمام الصادق (عليه السلام)وقال: فأي الحجّتين لهما؟ قال: «الأُولى الّتي أحدثا فيها ما أحدثا، والأُخرى عليهما عقوبة ».1
فقد تعلّق الأمر الثاني بإتيان الحج من باب المؤاخذة والكفّارة.
وأين هذا من مسألة التبديل، سواء كان تبديل امتثال بامتثال آخر، أم تبديل فرد من الطبيعة إلى فرد آخر منها.
2. ما ورد في إعادة الصلاة مع المخالف، روى عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «ما منكم أحد يصلّي فريضة في وقتها ثم يصلّي معهم صلاة تقية وهو متوضّئ إلاّ كتب الله له بها خمساً وعشرين درجة، فارغبوا في ذلك» .2
3. ما ورد في باب الكسوف من الإعادة إذا فرغ من الصلاة قبل أن ينجلي، روى معاوية بن عمار قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «صلاة الكسوف إذا فرغت قبل أن ينجلي، فأعد »3.
4. إعادة الصلاة بالجماعة فهو مستحب نفسي.

1 . الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب كفارة الاستمتاع، الحديث 9 .
2 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. ولاحظ الحديث 2 و 3 .
3 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب صلاة الكسوف، الحديث 1 .

صفحه 390
فالأمر بالإعادة من باب المشاكلة وإلاّ فقد سقط الأمر، وبما أنّ الصلاة الثانية نفس الصلاة الأُولى من حيث الأجزاء والشرائط استخدم كلمة «أعد»، وإلاّ فهي صلاة مستقلة ولها أمر كذلك.
فعلى ما ذكرنا من أنّ مورد الروايات، هو استحباب الإعادة فهو رهن دليل عليه وإلاّ يصير بدعة.

الموضع الثاني: في إجزاء الأمر الاضطراري عن الاختياري

وله صورتان:
1. أن يكون العذر غير مستوعب.
2. أن يكون العذر مستوعباً.
وإليك دراستهما.

الصورة الأُولى: في العذر غير المستوعب

أقول: يقع البحث تارة في مقام الثبوت، وأُخرى في مقام الإثبات .

الأوّل: في مقام الثبوت

ذكر المحقّق الخراساني فيه صوراً أربعاً:
1. أن يكون الفرد الاضطراري في حالة الاضطرار كالفرد الاختياري في كونه وافياً بتمام المصلحة والملاك.
2. أن لا يكون وافياً به ولكنّه لو أتى بالفرد الاضطراري لا يمكن معه

صفحه 391
تدارك المصلحة الفائتة بعد رفع الاضطرار.
3. تلك الصورة ولكن يمكن تدارك المصلحة الفائتة وكانت واجبة الاستيفاء .
4. تلك الصورة ولكن كانت المصلحة الفائتة راجحة الاستيفاء.
ثم ذكر (قدس سره)كل صورة من حيث الإجزاء وعدمه، وجواز البدار في أوّل الوقت وعدمه فقال:
أمّا الصورة الأُولى فتجزي قطعاً ولا يعيد.
وأمّا البدار فهو فرع إحراز الفرد الاضطراري على المصلحة في أي ظرف من الظروف فهل هو كذلك بمجرد الاضطرار فيجوز البدار مطلقاً؟ أو بشرط الانتظار، أو مع اليأس عن طروء الاختيار فلا يجوز البدار على الأخيرين إلاّ إذا حصل اليأس أو صبر إلى أن لم يبق من الوقت إلاّ مقدار أداء الصلاة في الوقت.
أمّا الصورة الثانية فلا يجوز البدار لأنّه مفوّت للمصلحة الفائتة غير القابلة للإستيفاء. نعم لو صلّى وتمشى منه قصد القربة، يكون مجزياً لعدم التمكن من الاعادة أو القضاء.
أمّا الصورة الثالثة فلا تجزي قطعاً ويجب الاعادة والقضاء لافتراض أنّ المصلحة الفائتة مصلحة لازمة وقابلة للاستيفاء.
وأمّا من حيث البدار فلو ابتدر يكون مخيّراً بين إتيان العمل الاضطراري في هذا الحال والعمل الاختياري بعد رفع الاضطرار، أو الانتظار والاقتصار على تكليف المختار.

صفحه 392
وأمّا الصورة الرابعة فتجزي، لأنّ المصلحة الفائتة غير ملزمة، وأمّا البدار فيتعيّن عليه البدار.
هذا توضيح ما ورد في الكفاية.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ العلم بهذه الصور الغيبية أمر مشكل وليس في ما بين أيدينا من الأدلّة ما يشير إلى أنّ المورد من أي الأقسام.
ثانياً: أنّ تعيّن البدار في الصورة الرابعة غير صحيح، إذ كيف يتعيّن مع أنّه يفوت شيئاً من المصلحة وإن كان الفائت غير لازم التدارك ، ولعل النسخة من الكفاية ملحونة والصحيح: «يستحب» مكان «يتعيّن»، ووجه الاستحباب إدراك فضيلة أوّل الوقت.
ثم إنّ المحقّق الخوئي أورد على الصورة الثالثة بأنّ التخيير فيها غير معقول، لأنّ الشارع إذا لم يكتف بالعمل الناقص في أوّل الوقت، وأوجب على المكلّف الإتيان بالعمل التام الاختياري بعد ارتفاع الاضطرار والعذر، سواء أتى المكلّف بالعمل الاضطراري الناقص في أوّل الوقت، أم لم يأت به، فبطبيعة الحال لا معنى لإيجابه العمل الاضطراري الناقص وإلزام المكلف بإتيانه ولو على نحو التخيير، فإنّه بلا ملاك يقتضيه حيث إنّه لا يترتب على وجوبه أثر.1
يلاحظ عليه: بأنّ تسويغ البدار بالناقص مع لزوم الإتيان بالكامل في آخر الوقت بعد ارتفاع العذر، لأجل ترتّب رجحان على الفرد الناقص غير

1 . انظر المحاضرات: 2 / 233 .

صفحه 393
واف بمصلحة الفرد التام، فيصحّ تسويغه والحكم بجواز الإتيان به مع لزوم الإتيان بالفرد التام في آخر الوقت ، والمورد أشبه ببدل الحيلولة إذا لم يتمكّن الإنسان من أداء العين عاجلاً، فيلجأ إلى الناقص إلى أن يتمكّن من الكامل.
والفرد الناقص وإن لم يشتمل على تمام المصلحة لكنّه مشتمل على مصلحة راجحة.

الثاني: في مقام الإثبات ومايستفاد من الأدلّة

ذكر المحقّق الخراساني في مقام الإثبات صورتين:
الأُولى: إذا كان لدليل البدل (أي دليل التيمم) إطلاق بحيث يعمّ العذر المستوعب وغير المستوعب أيضاً .
الثانية: إذا كان دليل البدل فاقداً للإطلاق.
أمّا الصورة الأُولى فلا شك في الإجزاء وعدم وجوب الإعادة أو القضاء، وذلك لأنّ المفروض أنّ الموضوع لإتيان الصلاة متيمّماً هو أعمّ من المستوعب وغير المستوعب، فامتثال الأمر بالصلاة بالطهارة الترابية موجب لسقوط الأمر الاضطراري ولابد من إيجاب الإتيان به بالطهارة المائية من دليل خاصّ والمفروض عدمه.
أمّا الصورة الثانية فالأصل هو البراءة من إيجاب الإعادة لكونه شكّاً في أصل التكليف، وكذا عن إيجاب القضاء بطريق أولى.
هذا ما أفاده صاحب الكفاية.
أقول: إنّ للمسألة ثلاث صور:

صفحه 394
الأُولى: أن يكون لدليل البدل إطلاق دون دليل المبدل.
الثانية: أن يكون لدليل المبدل إطلاق دون دليل البدل.
الثالثة: أن لا يكون لواحد منهما إطلاق.
أمّا الصورة الأُولى: فهو مجزئ قطعاً، لا لما ذكره (قدس سره)لامتثال الأمر الاضطراري وعدم الدليل على امتثال الأمر الاختياري، وذلك لأنّ ما ذكره مبني على وجود أمرين; يتعلّق أحدهما بالصلاة بالطهارة المائية والآخر بالصلاة بالطهارة الترابية مع أنّ الواقع ليس كذلك، لأنّ هنا أمراً واحداً متعلّق بالجامع الواحد الصادق على جميع أفراده، غير أنّ المختار مكلّف بامتثاله بكيفية، والمضطرّ مكلّف بامتثاله بكيفية أُخرى، والصلاة بكلتا الكيفيتين من مصاديق الجامع المنطبق على عامّة أفراد الصحيح، على ما مرّ في مبحث الصحيح والأعم.
وإن شئت مزيد توضيح فنقول: إذا زالت الشمس، يُخاطَب عامّةُ المكلفين بخطاب وأمر واحد متعلّقاً بالصلاة في قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)1، فالصلاة قائماً أو قاعداً، راكباً أو راجلاً، مع الطهارة المائية أو الترابية من مصاديق الصلاة الواردة في تلك الآية، وهي تعمّها بوضعها للجامع الشامل لعامّة أفراد الصحيح، فالأمر واحد، والمأمور به واحد، ولو كان هنا اختلاف فإنّما هو في كيفية امتثال الأمر الواحد.
على ضوء ما ذكرنا فإذا كان لدليل البدل إطلاق بمعنى شموله

1 . الإسراء: 78 .

صفحه 395
للمستوعب وغير المستوعب فيصح امتثال الأمر بالصلاة بالطهارة الترابية فيسقط الأمر قطعاً لانطباق عنوان الصلاة على المأتي به، وقد أجمع المسلمون على عدم وجوب أكثر من صلاة واحدة، وعندئذ يدخل هذا البحث في الموضع الأوّل ـ أعني: امتثال كل أمر موجب لاجزاء نفسه ـ لأنّ المفروض أنّ هنا أمراً واحداً واجباً فارداً والامتثال آية الإجزاء وليس هناك أمر آخر حتّى يبحث عن إجزائه عنه.
وبالجملة نحن نوافق القوم بالإجزاء ولكنّهم دخلوا من طريق شائك ونحن وردنا من طريق سهل، وذلك إن إجزاء أمر عن أمر آخر يحتاج إلى بيان، وأمّا على الطريق الّذي سلكناه فليس هناك إلاّ أمر واحد وقد امتثل فيسقط الأمر.
الصورة الثانية: إذا كان لدليل المبدل إطلاق دون دليل البدل بمعنى أنّ الأمر بالصلاة مع الطهارة المائية يعم الواجد في عامة الوقت وبعضه، ومن المعلوم أنّ ما امتثل به غير مجزئ إذا تبيّن عدم استيعاب العذر، وذلك لأنّ انكشاف الخلاف وعدم استيعاب العذر يكشف عن عدم الأمر ومعه لا امتثال فكيف يكون مجزياً عمّا له الأمر.
وإن شئت قلت: ما امتثل به فاقد للأمر، وأمّا ما أُمر فلم يمتثله.
هذا من غير فرق بين القول بوحدة الأمر وتعدّده، كما هو واضح.
الصورة الثالثة: إذا لم يكن لواحد من البدل والمبدل إطلاق، وقد ذهب فيها المحقّق الخراساني إلى أنّ المرجع ـ بعد امتثال الأمر الاضطراري ـ هو البراءة، حيث قال: وإلاّ لو لم يكن لدليل البدل اطلاق، فالأصل البراءة من

صفحه 396
إيجاب الإعادة لأنّه شكٌّ في التكليف .
توضيحه: أنّ التكليف بالأمر الواقعي لم يكن فعلياً في زمن الاضطرار وإنّما الفعلي هو التكليف الاضطراري، والمفروض أنّه امتثله، وبعد ارتفاع العذر يشكّ في فعلية الحكم الواقعي وعدمها، ومعه يكون الشكّ في حدوث تكليف آخر بالإعادة أو القضاء وهو مدفوع بالأصل مع احتمال كون الأمر الظاهري وافياً بمصلحة الأمر الواقعي.
يلاحظ عليه: الظاهر أنّ الأصل هو الاشتغال، لأنّ محط البحث عدم وجود إطلاق في ناحية دليل البدل ومعه لا علم بوجود التكليف الاضطراري أيضاً، لأنّ إهمال دليل البدل صار سبباً لاحتمال أن يكون الشرط للصلاة مع التيمّم هو استيعاب العذر، والمفروض عملاً خلافه فكيف يكون امتثال الأمر المشكوك مجزياً؟!
وإن شئت قلت: إنّ مرجع الشك إلى دوران الأمر بين الواجب التخييري أو التعييني، إذ لو كان العذر في بعض الوقت كافياً في إقامة الصلاة مع الطهارة الترابية يكون المكلّف مخيّراً بين امتثال أحد الأمرين : الاضطراري في أوّل الوقت والاختياري في آخره، وإلاّ كان امتثال الأمر الواقعي متعيّناً، ومن المعلوم أنّ دوران الأمر بين الواجب التخييري والواجب التعييني هو الأخذ بالثاني. لأنّ في العمل بما يحتمل التعيين علم بالبراءة القطعية بخلاف الأخذ بأحد طرفي الواجب التخييري المحتمل ففيه احتمال البراءة.
وحصيلة الكلام: أنّه لا يمكن أن يكتفي بفعل لم يحرز تعلّق الأمر به.
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ لمّا التفت إلى ما ذكر حاول إصلاح كلام المحقّق

صفحه 397
الخراساني بوجه آخر وقال: إنّه في حال العذر المؤقت قاطع بعدم الأمر بالاتيان بالصلاة مع الطهارة المائية، ولكن يحتمل أن يكون مأموراً بالأمر الاضطراري فقط، فيأتي به رجاء امتثاله على فرض الأمر به، فإذا أتى به رجاءً يشك في حدوث الأمر الآخر بالصلاة مع الطهارة المائية، فيرجع الشك إلى حدوث التكليف لا إلى سقوطه بعد العلم به .1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكر من الوجه إنّما يصح بعد الإتيان بالأمر الاضطراري المحتمل فيقال: الأوّل قطعي الارتفاع والثاني مشكوك الحدوث، وأمّا إذا لوحظ التكليف أوّل الوقت قبل الإتيان بالفرد الاضطراري فإنّه عندئذ يعلم بتوجّه أحد الأمرين:
1. التخيير بين امتثال الأمر الاضطراري أو الأمر الواقعي.