welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه

121

الثالث: إطلاق اللفظ وإرادة صنفه

المراد من الصنف هو النوع المحدود بقيود، كما إذا قال: (زيدٌ في «ضرب زيدٌ» فاعل). فقد حُدّدت طبيعة لفظ زيد بكونه بعد الفعل، فأطلق لفظ زيد وأُريد به صنف ذلك اللفظ، وهو الواقع بعد فعل «ضرب» أو كلّ فعل مثله .
فالمراحل الأربعة فيه كالصنف الثاني فالإطلاق صحيح أولاً، والدلالة موجودة، والدال هو زيد الصادر من المتكلّم، والمدلول هو زيد الواقع في كلام القائل بعد الفعل، والاستعمال صحيح لأنّ المخاطب بعد حضور الصورة الذهنية من لفظة زيد في ذهنه، ينتقل إلى شيء ثالث، أعني: الواقع في كلامه، ولكن الاستعمال ليس حقيقة وليس مجازاً، كما مرّ.

الرابع: إطلاق اللفظ وإرادة نوعه

والمراد من النوع: هو إرادة زيد لا بشرط من عامة القيود، كما إذا قال: «زيد ـ على الإطلاق ـ لفظ» وأراد به نوع اللفظ لا خصوص ما تكلّم به، ولا مثله، ولا صنفه، والحال فيه كالحال في القسم الثالث والثاني.
فالأُمور الثلاثة الأُولى محقّقة لكن الاستعمال ليس حقيقياً وليس مجازياً.

122
 
الأمر الخامس:

في وضع الألفاظ لمعانيها الواقعية

وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً:

الأوّل: ما هو السبب لطرح المسألة؟

لا شك أنّ لعنوان كلّ مسألة سبباً علمياً أو اجتماعياً دعا المحقّقين إلى البحث فيها.
والظاهر أنّ السبب هو الحوار الّذي دار بين العلاّمة الحلي وأُستاذه المحقّق الطوسي في تعريف الدلالات الثلاث .
عرف المحقّق الطوسي الدلالة المطابقية بأنّها: دلالة اللفظ على تمام المسمّى، وعرّف التضمنية بأنّها: دلالة اللفظ على جزئه.
وأورد العلاّمة الحلّي إشكالاً على أُستاذه قائلاً : إنّ هذا التعريف غير مانع، وذلك لأنّا لو افترضنا أنّ الواضع وضع الإنسان مرّة للناطق فقط، وأُخرى للحيوان الناطق، ثم أراد من الإنسان نفس الناطق، فهو باعتبار الوضع الأوّل دلالة مطابقية لأنّه تمام المسمّى، وبالاعتبار الثاني دلالة تضمنية لأنّه جزء المعنى، فلم يكن التعريف مانعاً.
وأجاب عنه المحقّق الطوسي بما هذا لفظه: إنّ اللفظ لا يدلّ بذاته على

123
معناه، بل باعتبار الإرادة والقصد، واللفظ حينما يراد به المعنى المطابقي لا يراد منه المعنى التضمّني، فهو يدلّ على معنى واحد لا غير، ثم قال العلاّمة: وفيه نظر (1).
ولم يُعلم ما هو وجه النظر، ولكن الجواب تامٌّ ـ حسب مبناه ، وذلك لأنّه إن أطلق لفظ الإنسان وأراد به الناطق، فلو أطلقه باعتبار الوضع الأوّل فهو دلالة مطابقية فقط، وإن أطلقه باعتبار الوضع الثاني فهو دلالة تضمنية، وإن أطلقه على وجه الإطلاق فهو غير صحيح، لأنّ الدلالة تابعة للإرادة، فلا بدّ لَهُ من إرادة أحد المعنيين، أي بما هو تمام المسمّى أو جزؤه.
وهذا هو المراد من دلالة المعنى على إرداة المتكلّم.
وقد أُشكل مثل هذا الإشكال على تعريف المفرد في كلام الشيخ الرئيس، إذ أنّه عرّفه بقوله: اللفظ المفرد هو الّذي لا يُراد بالجزء منه دلالة أصلاً حين هو جُزؤه مثل تسميتك إنساناً بعبد الله، فإنّك حين تدلّ بهذا على ذاته لا على صفته من كونه عبداً لله فلستَ تُريد بقولك «عبد» شيئاً أصلاً فكيف إذا سميته بعيسى، بلى في موضع آخر قد تقول: «عبد الله» وتعني «بعبد» شيئاً، فحينئذ (عبد الله) نعت له لا اسم وهو مركّب لا مفرد، فالمركّب هو ما يخالف المفرد.
قال المحقّق الطوسي في شرحه: اعترض عليه بعض المتأخّرين بعبد الله، وأمثاله إذا جُعل علماً لشخص، فإنّه مفرد مع أنّ لأجزائه دلالة مّا.
وأجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: إنّ دلالة اللفظ لمّا كانت وضعية

1 . الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد: 4 .

124
كانت متعلّقة بإرادة المتلّفظ الجارية على قانون الوضع، فما يُتلفّظ به ويُراد به معنى مّا، ويفهم عنه ذلك المعنى، يقال له: إنّه دالّ على ذلك المعنى، وما سوى ذلك المعنى ممّا لا تتعلّق به إرادة المتلفّظ، وإن كان ذلك اللفظ أو جزء منه، بحسب تلك اللّغة، أو لغة أُخرى، أو بإرادة أُخرى، يَصلُح لأن يدلّ به عليه، فلا يقال إنّه دالّ عليه .
ثم قال: إذا ثبت هذا فنقول اللفظ الّذي لا يُراد بجزئه، دلالة على جُزء معناه: لا يخلو من أن يراد بجزئه دلالة على شيء آخر أو لا يُراد، وعلى التقدير الأوّل لا تكون دلالة ذلك الجزء متعلّقة بكونه جزءاً من اللفظ الأوّل، بل قد يكون ذلك الجزء بذلك الاعتبار لفظاً برأسه دالاًّ على معنى آخر بإرادة أُخرى; وليس كلامنا فيه. فإذن لا يكون لجزء اللفظ الدال، من حيث هو جزء، دلالة أصلاً، وذلك هو التقدير الثاني بعينه.
فحصل من ذلك أنّ اللفظ الّذي لا يُراد بجزئه دلالة على جزء معناه، لا يدلّ جزؤه على شيء أصلاً.(1)
وحصيلة الجواب: أنّ المتكلّم إذا قال: «عبد الله» فإن أراد باللفظ الشخص الخارجي فهو مفرد وليس لجزئه دلالة.
وإن أراد به المعنى التركيبي ـ أي مَنْ يكون عبداً لله ـ فهو في هذا المقام مركّب وليس بمفرد.
الثاني: أنّ ظاهر كلام المحقّق الطوسي هو اختصاص الدلالة الوضعية بصورة إرادة المتكلّم المعنى من اللفظ، فتكون النتيجة وضع الألفاظ للمعاني

1 . شرح الإشارات: 1 / 32.

125
المرادة، وتدلّ على ذلك ـ أي أنّ الدلالة الوضعية مقيدة بإرادة المتكلّم ـ عبارة المحقّق الطوسي حسب ما نقله العلاّمة الحلّي حيث قال: (إنّ اللفظ لا يدلّ بذاته على معناه، بل باعتبار الإرادة والقصد... الخ) وقد فَهَمَ ذلك صاحبُ المحاكمات في تعاليقه على شرح الإشارات، حيث قال في تبيين نظرية المحقّق الطوسي ما هذا لفظه:
إنّ دلالة اللفظ على المعنى موقوفة على إرادة المتلفّظ ذلك المعنى إرادة جارية على قانون الوضع، إذ الغرض من الوضع تعدية ما في الضمير، وذلك يتوقّف على إرادة اللافظ، فما لم يُرد المعنى من اللفظ لم نجد له دلالة عليه .(1)
وبذلك يُعلم أنّ حمل كلام المحقّق الطوسي على أن تقيّد الدلالة التصديقية ـ لا الصورية ـ بإرادة المتكلّم أمر لا يوافق عبارته، إذ لا شك أنّ نسبة مضمون الكلام إلى المتكلّم فرع كونه مريداً، ولذلك لو قال: «زيدٌ قائم»، وهو نائم أو ساه، لا تصح نسبة مضمونه إلى المتكلّم، وهذا أمر بديهي اتّفق عليه الكلّ ولا اختصاص له بالمحقّق الطوسي ولا بغيره.
وبعبارة أُخرى: إنّ لكلّ كلام يصل السامع دلالتين:
الأُولى: وضعية أو تصوّرية، وهي لا تتوقّف على شيء سوى العلم بالوضع، سواء أراد المتكلّم أم لا. خلافاً للمحقّق الطوسي.
الثانية: الدلالة التصديقية، وهي أنّ المتكلّم بصدد تفهيم الغير «أنّ زيداً قائمٌ» وهذا يحتاج ـ مضافاً إلى العلم بالوضع ـ إلى كون المتكلّم وراء كونه

1 . المحاكمات لقطب الدين الرازي المطبوعة في ذيل شرح الإشارات: 1 / 32 .

126
بصدد التفهيم مُريداً له جدّاً; وهذا شيء اتّفقت عليه كلمة المحقّقين ولا يختصّ بالمحقّق الطوسي.
الأمر الثالث: كلّ من فسّر الوضع بالتعهّد، وقال: هو عبارة عن التزام الواضع بأنّه متى أراد إفهام المعنى الفلاني تكلّم بلفظ كذا، فعليه ان يقول بوضع الألفاظ على المعاني المرادة، وذلك لأنّ معنى قوله: (متى أراد إفهام المعنى الفلاني) بمعنى إفهام المعنى المُراد.
وبعبارة أُخرى: لأنّ الموضوع له ليس نفس المعنى، بل المعنى المقيّد بالإفهام وهو يلازم كونه مراداً.
إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع.
لو قلنا بنظرية المواضعة وانّ الوضع عبارة عن: جعل اللفظ في مقابل المعنى. فاحتمال كون اللفظ موضوعاً للمعنى المراد غير صحيح جدّاً، لأنّ لهذا الاحتمال صوراً:
أ. كون اللفظ موضوعاً للمعنى المقيّد بمفهوم الإرادة .
ب. كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالذات من المعنى المقيّد بمصداق الإرادة، بمعنى جعل زيد في مقابل الصورة الذهنية من الجثة الخارجية بقيد تعلّق الإرادة عليه في لوح النفس.
ج. تلك الصورة ولكن كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالعرض، أي نفس الجثة الخارجية إذا تعلّقت بها الإرادة النفسانية.
د. كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالعرض حين وقوعه في إطار الإرادة النفسانية.

127
وكلّها غير صحيحة:
أمّا الأوّل: فلم يقل به أحد.
وأمّا الثاني: فيلزم أن يكون الموضوع له مع قيده أمراً ذهنياً غير قابل للانطباق على الخارج، إذ المفروض أنّ المعلوم بالذات ـ على هذا الفرض ـ أُخذ موضوعاً لا مرآة وطريقاً، وإلاّ يكون من قبيل الصورة التالية.
وأمّا الثالث: فيلزم تركّب الموضوع من جزء خارجي وقيد ذهني، ولازم ذلك عدم انطباق الموضوع على الخارج لكون أحد جزئيه أمراً ذهنياً إلاّ إذا جُرّد عند التطبيق عن القيد.
وأمّا الرابع: وهو كون اللفظ موضوعاً للمعنى الخارجي حين وقوعه في إطار الإرادة، والقضية الحينية قضية متوسطة بين المشروطة وبين المطلقة، مثلاً إذا قلنا: «كلّ كاتب متحرك الأصابع ما دام كاتباً».
فقولنا: «ما دام كاتباً» قيدٌ، فتكون الحركة متقيّدة بالكتابة الفعلية، بخلاف المطلقة كقولنا: «كلّ كاتب متحرك الأصابع بالفعل» فتحرك الأصابع ليس مقيداً بقيد الكتابة، بل يعمّ كلتا الحالتين.
وأمّا الحينية فالقضية فيها لا مقيّدة وليست مطلقة أيضاً، بل لا تنطبق إلاّ على وجود القيد.
يلاحظ عليه: أنّ الحينية بهذا المعنى تصوير ذهني فهي ترجع لبّاً إلى إحدى القضيتين، فوقوع المعنى في إطار الإرادة لا يخلو إما أن يكون ذلك الإطار قيداً فيلحق بالمشروطة فيكون من قبيل القسم الثالث، أو لا يكون قيداً فتعمّ الدلالة كلتا الحالتين، سواء أوقعت في إطار الإرادة أم لم تقع. وعندئذ

128
يكون الموضوع المعاني الواقعية لا المرادة .
وتلخّص ممّا ذكرنا أنّ تقييد المعنى بالإرادة ووضع اللفظ عليهما غير متصوّر.

نظرية تقييد الوضع

وهناك احتمال آخر وهو كون الإرادة قيداً للوضع لا قيداً للموضوع له، كما في الصور السابقة، وهذا خيرة المحقّق الاصفهاني حيث قال: العلقة الوضعية متقيّدة بصورة الإرادة الاستعمالية وفي غيرها لا وضع، وما يُرى من الانتقال إلى المعنى بمجرّد سماع اللفظ من لافظ غير شاعر فمن جهة أُنس الذهن بالانتقال من سماعه إلى إرادة معناه. (1)
وكأنّه يريد أنّ الغاية تحدّد فعل الإنسان، وبما أنّ الغاية من الوضع هو الإفادة والاستفادة فهذا يوجد ضيقاً في عمل الواضع وفعله .
يلاحظ عليه: بأنّ الغرض وإن كان يُحدِّد عملَ الواضع ويخصّه بموضع الغرض، ولكن الغاية من وضع اللفظ في مقابل المعنى هو بيان الحقائق الواقعية بما هي هي، لا بما وقعت في أُفق الإرادة، فإذا قال القائل: «الماء جسم رطب سيّال» فهو بصدد بيان الحقيقة الخارجية وانّ ذلك العنصر بما هو هو كذلك لا بما أنّه تعلّقت به إرادة القائل، فإذا كانت هذه هي الغاية يترتّب عليه إطلاق العلقة الوضعية وعدم تقيّدها بشيء.

1 . نهاية الدراية: 1 / 33 .

129
 
الأمر السادس :

في وضع المركّبات

إنّ للمركبات وضعاً بالنسبة للمفردات، كما أنّ لها وضعاً بالنسبة إلى الهيئات، فتارة يرتقي عدد الوضع إلى ثلاثة، وأُخرى يرتقي إلى خمسة، فقولنا: «زيد إنسان» ذو أوضاع ثلاثة. فلكلّ من المبتدأ والخبر وضع، ولهيئة الجملة الاسمية وضع آخر.
كما أنّ لقولنا: «الضارب متعجّب» أوضاع خمسة: المبتدأ بهيئته ومادته له وضعان، وهكذا الخبر مضافاً إلى هيئة الجملة الاسمية الّتي وضعت للدلالة على الدوام والثبات.
هذا ما لا غبار عليه، غير أنّه نُقل عن بعض الأُدباء أنّ هناك وضعاً آخر ـ وراء الثلاثة مثلاً في المثال الأوّل ووراء الخمسة في المثال الثاني ـ وهو وضع مجموع الهيئة والمادة مرة أُخرى، فيرتقي عدد الأوضاع إلى أربعة في الجملة الأُولى، وإلى ستة في الجملة الثانية، وقد نقله ابن مالك في «شرح المفصل» عن بعض الأُدباء لكنّه مردود:
أوّلاً: أنّ وضع المفردات والهيئة يغنيان عن وضع المجموع من حيث المجموع.
وثانياً: لو كان للمجموع وضع آخر لما كان لنا أن نتكلّم بكلام قبل أن

130
يتعلّق به وضع الواضع بمجموع المادة والهيئة، كما في قولنا: «فلان أوّل روّاد الفضاء». لأنّ المفروض أنّ صحّة الإطلاق قيد وضع الواضع، والمفروض أنّه لم يتعلّق به الوضع لعدم وجوده في عصر الواضع.
وثالثاً: أنّه يلزم الانتقال إلى المعنى مرتين في آن واحد لفرض وضع المفردات من المادة والهيئة مرة والمجموع من حيث المجموع مرة أُخرى .
يلاحظ على الأخير: أنّ الانتقال من الوضع إلى الموضوع له لأجل توسط الأُنس بينهما حيث إنّ العلم بالوضع يُحدث أُنساً فينتقل إلى المعنى، ومن المعلوم أنّ الأُنس لا يتكرر مهما تكرّر الوضع.

إكمال

المعروف أنّ وضع المواد شخصيٌ ووضع الهيئات نوعي، ويراد به أنّ المصدر بوحدته الشخصية كالضرب والقتل موضوع لمعناه، بخلاف الهيئات فإنّها موضوعة بجامعها العنواني فيقال: «هيئة فاعل» وضعت لمن قام بالفعل.
توضيح مراد القائل بنوعية الوضع في الهيئات وشخصيته في المواد، هو أنّ الهيئة لا يمكن التكلّم بها إلاّ في ضمن مادّة، فالواضع يستخدم مادة فيصورها بالهيئة ويقول: «هيئة فاعل» في أيّة مادة من المواد، كالناصر والقائم، وضعت لمن قام به الفعل أو صدر عنه، هذا بخلاف «المادة» فإنّها قابلة للتكلّم فيقوم بوضع كلّ مادة مستقلاً عن مادة أُخرى فيكون وضعه شخصياً.
وقد أُورد عليه: بأنّه إن أُريد من نوعية الوضع في الهيئات عدم

131
اختصاصها بمادة معيّنة فإنّ المادّة أيضاً غير مختصّة بهيئة معيّنة، فإنّ المصدر له صيغ مختلفة كالضارب والمضروب، فوضع المصدر يغني عن وضع مادّتهما.
وإن أُريد من شخصية الوضع في المواد امتياز وضع كلّ مادة عن وضع الأُخرى، فوضع كلّ هيئة أيضاً يمتاز عن الأُخرى، إذ هيئة الفاعل غير هيئة المفعول، ولا يخفى ضعف الإشكال ويعلم بما أوضحنا به مراد القائل.
وبهذا يُعلم أنّ المصدر هو أصل المواد والمشتقات وكونه مشتملاً على الهيئة غير مانع عن كونه أصل المشتقات، لأنّ الهيئة فاقدة للمعنى وإنّما أُتي بها لإمكان التكلّم بها وإلاّفالمادة هي الحروف غير المتهيئة بهيئة كـ (ض، ر، ب) في «ضرب».

132
في علائم الوضع أو تمييز الحقيقة عن المجاز   
 
الأمر السابع:

في علائم الوضع

أو

تمييز الحقيقة عن المجاز

قد ذكر الأُصوليّون لتمييز الحقيقة عن المجاز وتعيين أنّ اللفظ موضوع لذلك المعنى أو غير موضوع له، طرقاً وعلامات:
1. التبادر    2. صحّة الحمل    3. الاطّراد    4. تنصيص أهل اللغة
وقد اعتمد أكثر الأُصوليّين على العلامتين الأُوليين، إلاّ أنّ الحق هو أنّ الاعتماد على الأخيرتين فيما هو المطلوب ليس بأقلّ من الاعتماد على سابقتيهما، بل ربّما تكونان أفضل وأكثر نتيجة، ولنشرع بدراسة هذه العلائم.

العلامة الأُولى: التبادر

تعريفه:
التبادر: عبارة عن انسباق المعنى من نفس اللفظ مجرّداً عن قرينة حالية أو مقالية .
والعلامة هي التبادر عند أهل اللغة، فلو كان المستعلم من أهل اللغة فهو يعتمد على التبادر عند نفسه، ولو كان من غير أهل اللغة فهو يعتمد على

133
تبادر المعنى عندهم.
أمّا كون التبادر كاشفاً عن الوضع فلأجل أنّ له سبباً وهو لا يخلو عن أُمور ثلاثة:
1. وجود العلقة الذاتية بين اللفظ والمعنى.
2. وجود العلقة الوضعية بينهما .
3. وجود القرينة المقالية والحالية الموجبة للتبادر.
أمّا الأوّل: فقد أبطلناه، وقلنا: بعدم العلقة الذاتية بين اللفظ والمعنى، وإلاّ لما وجد على وجه الأرض جاهل باللغة.
وأمّا الثالث: فهو مفروض العدم، وأنّ انسباق المعنى إنّما هو من حاقّ اللفظ.
فتعيّن الثاني: وهو أنّ التبادر معلول الوضع، فيكون التبادر برهاناً إنّياً عليه، نظير استكشاف العلّة عن وجود المعلول .
ثم إنّه أُورد على كون التبادر علامة للوضع باستلزامه الدور، لأنّ التبادر موقوف على العلم بالوضع، والمفروض أنّ العلم بالوضع موقوف على التبادر، وهذا هو الدور.
وقد أُجيب عن الدور بوجوه:
الأوّل: ما حكاه المحقّق الاصفهاني في «نهاية الدراية» (1) عن صاحب المحجّة للمحقّق الطهراني: بأنّ العلم بالوضع موقوف على التبادر، وهو ليس

1 . نهاية الدراية: 1 / 39 .

134
موقوفاً على العلم بالوضع، بل على نفس الوضع.
يلاحظ عليه: أنّ التبادر وإن كان موقوفاً على الوضع ولكنّه مشروط بالعلم به فيعود الدور في ناحية الشرط، وإلاّ فوجود الوضع من دون العلم به لا ينتج نتيجة ما لم ينضم إليه العلم به، وإلاّ لما وجد على وجه البسيطة أيُّ جاهل باللغة، لأنّ المفروض كفاية الوضع بوجوده الواقعي في التبادر.
الثاني: ما أجاب به المحقّق العراقي حيث قال: إنّ العلم المستفاد بالتبادر غير العلم الّذي يتوقّف عليه التبادر حتّى لو قلنا بتوقّفه على العلم التفصيلي، لأنّه يكفي في ارتفاع الدور تغاير الموقوف والموقوف عليه بالشخص لا بالنوع ولا بالصنف، ولا شبهة في مغايرة العلم الشخصي الحاصل بالتبادر للعلم الشخصي الّذي يتوقّف عليه التبادر. (1)
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى امتناع تعلّق العلمين التفصيليين بشيء واحد ـ أنّ العلم الّذي يتوقّف عليه التبادر هل هو تفصيلي أو إجمالي؟ فعلى الأوّل لا حاجة إلى العلم الثاني، وعلى الثاني يرجع إلى الجواب التالي.
الثالث: بأنّ العلم التفصيلي بالموضوع له متوقّف على التبادر، والتبادر موقوف على العلم الارتكازي بالوضع الّذي ربّما يعبّر عنه بالعلم الإجمالي، وهذا النوع من العلم الارتكازي يحصل لكلّ إنسان يعيش بين أهل اللغة منذ طفولته ونعومة أظفاره، وإن كان غير ملتفت إلى علمه.
وبعبارة أُخرى: أنّ الناشئ أو الناشئة إذا عاشا بين أهل اللغة مدة مديدة يتعلّمون منهم اللغة والمعنى الحقيقي ، غير أنّهما لصغر سنّهما يعرفان

1 . بدائع الأفكار: 1 / 97 .

135
الموضوع له ولكن ليس لهما علم بما تعلماه، ولمّا كبرا وحاولا تحصيل المعنى بصورة تفصيلية، فهذا النوع من العلم التفصيلي يتوقّف على تبادر المعنى، وهو يتوقّف على العلم بالمعنى إجمالاً وارتكازاً الّذي يحصل لكلّ وليد ينشأ ويترعرع بين أهل اللغة، فيرتفع الدور باختلاف العلمين زماناً وماهية.
فالعلم التفصيلي موقوف على التبادر، والتبادر موقوف على العلم الارتكازي الّذي يكتسبه كلّ طفل أيام تعلّمه اللغة من البيت والبيئة.

بقيت هنا أُمور:

الأوّل: إذا كان الموضوع للاحتجاج هو ظهور الكلام، سواء أكان حقيقة أم مجازاً، فلا فائدة في معرفة الموضوع له وتمييز المعنى المجازي عن المعنى الحقيقي، والّذي يعتبره العقلاء هو ظهور الكلام، سواء أكان هو الموضوع له أم لا .(1)
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الكلام ظاهراً في معنى، كان لما ذكره وجه، وأمّا إذا كان الكلام مجملاً فانعقاد الظهور موقوف على العلم بالوضع، وهو يُعرف بالتبادر فيكون لمعرفة الموضوع له أثر وفائدة.
الثاني: أنّ تبادر المعنى من اللفظ في زماننا لا يثبت كونه هو المعنى الحقيقي في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة(عليهم السلام)حتّى يحمل اللفظ الوارد من الكتاب والسنّة عليه إلاّ أن يعضد بأصالة عدم النقل، وقلنا بأنّ مثبتاتها حجّة،

1 . المقالات للمحقّق العراقي: 31 (بتصرف).

136
ولعلّه على هذا جرت سيرة المفسرين للقرآن حيث يفسرون الأشعار الجاهلية والرسائل القديمة بالمعاني الرائجة في أيامهم.
الثالث: أنّ التبادر كما قلنا إنّما يكون حجّة على الموضوع له إذا كان التبادر مستنداً إلى اللفظ لا إلى القرينة، وإلاّ فالمعنى المجازي أيضاً يتبادر مع القرينة، وعلى هذا فلو أحرزنا أن التبادر مستند إلى حاق اللفظ أو إلى القرينة فهو، وإلاّ فهل تجري أصالة عدم القرينة لإثبات كون المعنى متبادراً من حاق اللفظ أو لا ؟
الظاهر لا، لا لأجل عدم حجيّة الأصل المثبت ـ لما علمت أنّ الأصل اللفظي حجّة في مثبتاته ـ بل لأنّ العقلاء إنّما يستخدمون ذلك الأصل عند الشكّ في المراد فيستعينون به في كشف المراد، وأمّا إذا علم المراد وشك في كيفية الإرادة وانّه هل هو على نحو الحقيقة أو المجاز فلا، وما هذا إلاّ لأنّ العقلاء يستخدمون الأُصول فيما يمسّ بحاجاتهم، وأمّا تعيين كيفية الإرادة وانها هل هي على وجه الحقيقة أو المجاز فخارج عن مقاصدهم.

العلامة الثانية: صحّة الحمل وعدم صحّة السلب

إنّ صحّة الحمل وعدم صحّة السلب آية كون المعنى هو الموضوع له، كما أنّ صحّة السلب آية كونه غير موضوع له. وإليك البيان.
إنّ الحمل إمّا أوّلي وهو ما يكون فيه اللفظان متّحدين في المفهوم والمعنى فضلاً عن المصداق، أو حمل شائع صناعي يختلف اللفظان مفهوماً ويتّحدان وجوداً ومصداقاً.

137
وأمّا كيفية الاستعلام فتتحقّق بالنحو التالي:
يُتخذ المعنى موضوعاً وينظر إليه لا بما هو لفظ، بل بما أنّه مفهوم، ويجعل اللفظ الّذي نُريد استعلام معناه محمولاً ويقال: الحيوان المفترس أسد، والحيوان الناطق إنسان، فإذا صحّ الحمل يكون ذلك علامة على أنّ الموضوع، هو الموضوع له، كما أنّ صحّة السلب آية انّه ليس بموضوع له، كما إذا قال: الرجل الشجاع ليس بأسد حقيقة.
هذا إذا كان الحمل أوّلياً، وأمّا إذا كان الحمل شائعاً صناعياً فصحّة الحمل تكشف عن كونه مصداقاً للمحمول كما إذا قال: الرمال صعيد .
كما أنّ صحّة السلب آية كونه ليس بمصداق ، كما إذا قال: الرجل الشجاع ليس بأسد حقيقة.
وقد استشكل على إجراء هذه العلامة ببعض الوجوه:
الأوّل: أنّ صحّة السلب لا تدلّ على عدم الوضع ضرورة صحّة سلب بعض المعاني للفّظ المشترك عنه، كما إذا أُشير إلى الذهب وقيل ليس الذهب عيناً باعتبار كونه موضوعاً للفضة، فهذا النوع من السلب لا يكشف عن المجازية.
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في غير المشترك، وأمّا فيه فلا تتعيّن المجازية إلاّ بسلب عامّة المعاني، ومن المعلوم أنّه لا يصح سلب العين عن الذهب بعامّة المعاني.
وأورد على هذا الجواب (سلب جميع معاني المشترك علامة للمجاز) بأنّه إذا كانت جميع المعاني معلومة لغاية سلبها عن المورد، فلا يبقى لنا شكّ

138
في أنّه ليس بموضوع له حتّى نتمسّك بهذه العلامة .(1)
يلاحظ عليه: بأنّ المقصود هو سلب جميع المعاني المرتكزة إجمالاً في الذهن عن المورد، لا سلبها مع ملاحظتها تفصيلاً حتّى يستغنى عن العلامة، للعلم التفصيلي بكونه ليس منها.
الثاني: أنّ الاستكشاف واستعلام الحال حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع السابق على الحمل وسلبه فيكون إسناده إلى الحمل وسلبه في غير محلّه.
هذا إذا كان المستعلم من أهل اللسان، وأمّا إذا كان من غيرهم فصحّة الحمل عند أهل اللغة أو عدم صحّته يرجع إلى تنصيص أهل اللغة واللسان وليست بعلامة مستقلة، لأنّ العلم بصحّة الحمل لا يحصل إلاّ بتصريح الغير.(2)
يلاحظ عليه: بأنّا نختار الشق الأوّل لكن الإشكال إنّما يتوجّه إذا كان زمان الاستعلام مقارناً لزمان الحمل أو سلبه، وعندئذ يسبقه التبادر ويغني عن غيره. وأمّا إذا كان زمان الحمل أو سلبه مقدّماً على زمان الاستعلام، فلا يسبقه التبادر وتكون الساحة مختصّة بصحّة الحمل، كما إذا صدر الحمل عن العربي الصميم وهو في مقام الخطابة وإلقاء المحاضرة ولم يكن بصدد الاستعلام. ثم صار بعد مدّة بصدد الاستكشاف فوقف على حمله وسلبه السابقين فيستدلّ بهما على مقصوده.
ثم نختار الشق الثاني لكن المراد من تنصيص أهل اللغة هو تصريحهم

1 . نهاية الأُصول للبروجردي: 40 .   2 . تهذيب الأُصول: 1 / 80 ـ 81 .

139
بالموضوع في معاجمهم وقواميسهم، وأين هذا من الوقوف على صحّة الحمل أو السلب عند أهل اللغة.
الإشكال الثالث: ما أفاده الشهيد الصدر من أنّ غاية ما يستفاد من الحمل الأوّلي مساواة الموضوع والمحمول مفهوماً ولا يلازم هذا وضع أحدهما في مقابل الآخر، كما هو الحال في الغيث والمطر والإنسان والبشر.(1)
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الموضوع مركباً والمحمول بسيطاً كما إذا قال: «الحيوان المفترس أسد»، أو إذا قال: «الحيوان الناطق إنسان» فالذوق العربي يشهد بأنّ المركب هو الموضوع له والبسيط هو الموضوع كما في المثالين الأخيرين .
الإشكال الرابع: أنّ صحّة الحمل لا تثبت إلاّ كون الموضوع هو الموضوع عليه في عصرنا هذا، ولا يثبت كونه كذلك في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة (عليهم السلام).
يلاحظ عليه: بأنّ أصالة عدم النقل أصل عقلائي ليس بأقل من سائر الأُصول اللفظية الّتي هي أُصول عقلائية بل أمارة عقلائية، فيؤخذ بلوازمها.
فإنّ أصالة عدم طروء النقل من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى زماننا هذا يثبت عقلاً بأنّ المعنى الحاضر هو الموضوع له، وإلاّ يلزم النقل.
والظاهر أنّ الاستصحاب في المقام هو استصحاب عدم النقل من عصر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)إلى يومنا هذا، وليس هذا استصحاباً قهقرياً، لأنّ

1 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 169 .

140
المفروض جرّ المتيقّن من الزمان الماضي إلى الزمان الحاضر.
وأمّا استصحاب عدم النقل من زماننا هذا إلى عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو استصحاب قهقري لا دليل على حجّيته.
ثم إنّ بعض الإشكالات المذكورة في التبادر متوجّهة إلى تلك العلامة كإشكال الدور وعدم الحاجة إلى هذه العلامة لأنّ الحجة هو الظهور، والجواب في الجميع واحد.

العلامة الثالثة: الإطّراد

الاطّراد هي العلامة الثالثة لتمييز الموضوع له عن غيره، ويمكن تقريره بوجهين:
1. إذا لم تختصّ صحةُ استعمال اللفظ في المعنى المشكوك بمقام دون مقام ولا بصورة دون صورة، ولا بمصداق دون مصداق فهو (عدم الاختصاص) آية الوضع، وبالتالي: المستعمل فيه هو الموضوع له.
2. إذا اطّرد استعمال لفظ في مصاديق كلّي بحيثية خاصّة استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها وبين ذلك الكلّي وعلم أنّه موضوع للجامع بين الأفراد، كما إذا استعمل الرجل في زيد وعمرو ـ مع القطع بكونه غير موضوع لكلّ واحد على حدة ـ استكشف منه وجود علاقة الوضع بين اللفظ وذلك الكلّي، وعلم أنّه موضوع للطبيعي من المعنى .
هذا هو تقرير الاطّراد، ومن هنا تبيّن أنّ المراد هو اطّراد الاستعمال لا اطّراد التبادر بأن يطلق المستعلم اللفظ مراراً في أوضاع وحالات مختلفة، فإن

141
ذلك يرجع إلى الاستعلام بالتبادر ولا يكون علامة مستقلة، بل المراد اطّراد استعمال اللفظ في المعنى المشكوك في لسان أهل اللغة في موارد مختلفة، حيث يستكشف منه كون الاستعمال بملاك الوضع لا بملاك القرينة، إذ كون الاستعمال بملاك القرينة في الموارد المتنوعة بعيداً جداً، وبما أنّ القوم لم يعطوا لهذه العلامة أهمية فقد وقعت العلامة في محاق الإجمال مع أنّها هي العلامة الوحيدة في هذا المضمار وتتلوها علامة ثانية وهي تنصيص أهل اللغة، وإليك البيان:
لو كنّا بصدد كشف معنى الماء في اللغة العربية فإذا رأينا أنّ جماعة من أهل الثقافات المختلفة استعملوا هذه الكلمة في مورد بحيثية خاصة نستكشف منه أنّه الموضوع له وانّ الاستعمال بذلك الملاك لا بملاك آخر، مثلاً إذا قال الفقيه: الماء قليل وكثير، مطلق ومضاف، طاهر ونجس إلى غير ذلك من التعابير، وقال الكيمياوي: الماء مركب من عنصرين: «أوكسجين» و «هيدروجين»، وقال الفيزياوي: الماء لا لون له، والكل يستعمل ذلك اللفظ بملاك واحد في الجسم المائع السيّال، نستكشف أنّ هذا اللفظ (الماء) موضوع له. وانّ المستعمل فيه حقيقة، من دون أن يكون لثقافة دون ثقافة تأثير فيه، وإنّما السبب هو كونهم من أبناء اللغة.
ولنمثّل مثالاً آخر: اختلف السنّة والشيعة في معنى الغنيمة في قوله سبحانه: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى)(1).

1 . الأنفال: 41 .

142
فالسنّة على أنّ المراد من قوله: «ما غنمتم» هو الغنيمة الحربية، والشيعة على أنّ المراد بها كلّ ما يفوز به الإنسان ، والّذي يوضح الحق هو التتبع في الكتاب والسنّة وانّه هل هو مطرد في المعنى الثاني أوْ لا؟ ومن حُسن الحظ أنّ القرآن والسنّة استعملت هذا اللفظ كثيراً في مطلق ما يفوز به الإنسان، أمّا القرآن فقد قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)(1).
والمراد بالمغانم الكثيرة هي ما يفوز به الإنسان في الحياة الأُخروية .
وأمّا السنّة النبوية، فإليك بعض الموارد الّتي استعمل فيها اللفظ للدلالة على مطلق ما يفوز به الإنسان :
1. روى ابن ماجة في سننه في مورد الزكاة: أنّه جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً». (2)
2. وجاء في «مسند أحمد» عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «غنيمة مجالس الذكر الجنّة». (3)
3. وفي وصف شهر رمضان جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «غنم للمؤمن». (4)
إلى غير ذلك من الموارد الّتي استعملت اللفظة في معنى عام، فإذن

1 . النساء: 94 .
2 . سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797.
3 . مسند أحمد: 2 / 177.   4 . مسند أحمد: 2 / 274 .

143
يطمئنّ الإنسان بأنّه الموضوع له .
وأمّا استعمالها في الغنيمة الحربية فمن باب تطبيق الكلّي على أحد مصاديقه، وإن شاع استعمالها فيها في ألسنِ الفقهاء، لكنّه استعمال متأخّر عن نزول الوحي .
هذا هو تقرير العلامة، ثم إنّ المحقّق الخراساني أورد عليها بوجوه ثلاثة. وإليك نقلها مع التحليل:
1. المجاز وإن لم يطّرد في نوع علائقه مثلاً لا يصحّ استعمال مطلق الجزء في الكلّ، كاستعمال الشعر في الإنسان لكنّه مطّرد في خصوص ما يصحّ معه الاستعمال في المجاز، كما إذا صحّ تنزيل الجزء منزلة الكلّ كاستعمال العين في المراقب، واليد في المتصرّف، فالاطّراد في هذا الصنف من العلامة (ما إذا صحّ تنزيل الجزء منزلة الكل) مطرد.
2. اجاب صاحب الفصول عن هذا الإشكال بالفرق بين الاطّرادين، فإنّ الاطّراد في الحقيقة بلا تأويل والاطّراد في المجاز مقرون بالتأويل، أي تنزيل الجزء منزلة الكل. فأجاب المحقّق الخراساني عنه بأنّ لازم ذلك أخذ «بلا تأويل» أو «على وجه الحقيقة» قيداً للاطّراد، فتكون النتيجة أنّ العلم بالمعنى الحقيقي موقوف على الاطّراد «بلا تأويل» أو «على وجه الحقيقة»، وهذا مستلزم للدور.
3. وما أُجيب به عن الدور في العلامتين السابقتين غير جار في هذه العلامة، وذلك لأنّ أحد طرفي العلم في العلامتين السابقتين إجمالي والآخر تفصيلي، وأمّا المقام فالطرفان كلاهما تفصيليان حيث إنّ العلم التفصيلي

144
بالحقيقة موقوف على الاطّراد على وجه الحقيقة .(1)
هذا توضيح ما في «الكفاية» والجميع غير تام:
أمّا الأوّل ـ أعني: اطّراد المجاز ـ فهو غير صحيح، لأنّ المجاز حتّى فيما يصح استعماله فيه الّذي أسماه بصنف العلاقة غير مطرد، لأنّ المجاز قائم على دعامتين:
أ. استحسان الذوق والطبع الّذي يعبر عنه في لسان الأُدباء بوجود العلاقة.
ب. كون المقام مناسباً لاستعمال اللفظ في المعنى المجازي بنفس العلاقة، مثلاً إذا كان المقام مقام الإخبار بوقوع الرؤية على الرجل كما في قولنا: «رأيت رجلاً يرمي» يكون إطلاق الرجل عليه على وجه الحقيقة حسناً بنحو الإطلاق، وأمّا إطلاق الأسد عليه كما في قولنا: «رأيت أسداً يرمي» فيتوقّف (مضافاً إلى تحقّق العلاقة ومصحّح الادّعاء) على كون المقام، مقام إظهار شجاعته، وهذا لا يطّرد إلاّ في مقام خاص، كما إذا كان في مقام بيان الشجاعة فيصح أن يقول: «هذا أسد»، وأمّا إذا كان في مقام الدعوة إلى تناول الطعام فلا يصح أن يقول له: يا أسد تفضّل إلى الطعام. وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الحائري ويقول: إنّ المراد من الاطّراد إذا حُسن استعمال اللفظ في كلّ موقع من غير اختصاص له، بمواقع خاصة كالخطابة ونظم الشعر ممّا يطلب فيها اعمال محاسن الكلام، بخلاف المجاز فإنّه يحسن في تلك المواقع خاصّة، وإلاّ ففي مورد كان المقصود ممحضاً في إفادة المدلول لا

1 . كفاية الأُصول: 1 / 29.

145
يكون له حسن كما لا يخفى .(1)
وأمّا الثاني ـ أعني: أنّ إضافة «من غير تأويل» مستلزم للدور: ـ فهو أيضاً غير تام.
وذلك أنّ قوله: «من غير تأويل» ليس جزءاً من الموقوف عليه، وإنّما هو نتيجة الاطّراد، والمراد أن يطّرد استعمال اللفظ في المعنى المشكوك بكثرة إلى حدّ يطمئن الإنسان إلى أنّ الاستعمال مجرد عن التأويل، وأنّه مستند إلى الوضع. إذ من البعيد أن يكون الاستعمال في هاتيك الموارد الكثيرة مستنداً إلى التأويل من دون أن يتوجّه إليه المستعلم، فكونه من غير تأويل ليس في عرض الاطّراد بل في طوله.
وأمّا الثالث: فالجواب عنه واضح، إذ على ما ذكرنا ليس هناك دور حتّى يُجاب عنه، ولو افترضنا وجوده أيضاً فالعلم في جانب الموقوف تفصيلي وفي جانب الموقوف عليه إجمالي.
إلى هنا تمّ ما ذكره المحقّق الخراساني.
ثم إنّ السيد الأُستاذ جعل العلامة الوحيدة هي «التبادر» وارجع العلامة الثانية إليها، وأورد على العلامة الثالثة ما هذا لفظه: إن أُريد استعمال لفظ الرجل في المثال السابق في المصاديق بما لها من الخصوصيات والعوارض فأمره دائر بين كونه مجازاً ـ إذا حسن الاستعمال ـ أو غلطاً.
وأمّا إذا استعمل في المعنى الجامع بلا إرادة الخصوصية فهذا يوجب التخلّف في العلامة حيث تكون العلامة عندئذ هي صحّة الحمل، وقد مرّ

1 . درر الأُصول: 1 / 15 .

146
إرجاعها إلى التبادر.(1)
يلاحظ عليه: بأنّا نختار الشقّ الثاني، والإشكال إنّما يرد إذا كان الاطّراد مسبوقاً بالعلم بصحّة الحمل بمعنى أنّه عُلم أنّ الحمل صحيح بلا قرينة، وأمّا إذا شُكّ في أنّ المصحّح للحمل ذات الموضوع، أو بضميمة قرينة فلا يكون مسبوقاً به، فعندئذ يكون اطّراد الاستعمال في موارد مختلفة مع حمله على موضوعات متنوعة كاشفاً عن الحقيقة، وأنّ المجوز هو الوضع، دون القرينة من دون أن يكون لصحّة الحمل دور في مجال الاستكشاف. غاية ما يلزم تقارن العلامتين عند حصول العلم بالحقيقة.

الاطّراد ومقالة السيّد المرتضى في الاستعمال

إذا تبيّن المعنى الحقيقي وتميّز عن المجازي كما هو الحال في لفظ (أسد) فالأصل في الاستعمال في هذه الصورة، الحقيقة فما لم تدلّ قرينة على إرادة المجاز يُحمل كلام المتكلّم على المعنى الحقيقي، وهذا ما يقال فيه: «الأصل في الاستعمال الحقيقة» وهو أمر متّفق عليه بين الأُصوليّين.
وأمّا إذا لم يتميّز المعنى الحقيقي عن المجازي كما هو الحال في معنى الأمر حيث إنّه مردّد بين كونه موضوعاً للوجوب أو للقدر المشترك بين الوجوب والندب، فلو استعمل في القدر المشترك وتردّد الأمر بين كونه حقيقة أو مجازاً ، فالسيد المرتضى على أنّ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة، ويستنتج من ذلك كون الأمر موضوعاً للقدر المشترك، وهذا رأي انفرد فيه

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 82 .

147
السيد المرتضى في هذا المقام ، وأمّا الآخرون فردّوا عليه بأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز، أي لا يمكن استكشاف المعنى الحقيقي عن المجازي بالاستعمال .
إذا عرفت هذين الأمرين وأنّ المقام الأوّل أمر متّفق عليه دون الثاني، فاعلم أنّ القول بأنّ الاطّراد علامة يتميّز بها المعنى الحقيقي عن المجازي لا يرجع إلى مقالة المرتضى في المقام الثاني فإنّ ما ذكره يرجع إلى أنّ الأصل في كلّ استعمال ما لم يعلم كونه مجازياً كونه حقيقياً، وهذا بخلاف الاطّراد إذ لا يستكشف باستعمال واحد أو اثنين كون المستعمل فيه حقيقة إلاّ إذا انتهى إلى حدّ تطمئن النفس بأنّ الانتقال من اللفظ إلى المعنى مستند إلى الوضع لا إلى القرينة، إذ لو كان لبان، ولو خفيت في مورد فلا تخفى في الموارد الأُخرى.

العلامة الرابعة: تنصيص أهل اللغة

قد ذكروا أنّ تنصيص أهل اللغة على معنى اللفظ من أسباب التعرّف على المعنى الحقيقي وتمييزه عن المجازي.
وقد أشكل عليه: بأنّ شأن اللغوي هو بيان موارد الاستعمال من غير فرق بين كونه معنى حقيقياً أو مجازياً مع أنّ المطلوب لنا هو تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي.
يلاحظ عليه: أنّ هذا الإشكال ممّا ذكره الشيخ الأنصاري وتبعه غيره، وبذلك بخسوا حقّ اللغوي من دون قصد :

148
أمّا أوّلاً: فلأنّ المعاجم اللغوية على قسمين: قسم يذكر موارد استعمال الكلمة في موارد مختلفة، وعلى ذلك جرى ابن منظور المصري (المتوفّى 707 هـ) في «لسان العرب»، والفيروزآبادي (المتوفّى 717 هـ) في «القاموس المحيط»، والجزري في «النهاية في غريب الحديث»، والطريحي في «مجمع البحرين».
وقسم آخر بذل مؤلّفوه جهدهم لتعيين المعنى الأصلي الّذي اشتقّ منه سائر المعاني وتفرّع منه بمناسبة من المناسبات ودوّنوا كتابين جليلين في هذا المقام، هما :
أ. المقاييس لأحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى 395 هـ).
ب. أساس البلاغة للزمخشري (المتوفّى 538 هـ).
فقد بذل المؤلّفان الجهود المضنية لتعيين أُصول المعاني وتمييزها عن متفرّعاتها، فالرجوع إلى هذين المعجمين يوقف المراجع على المعنى الموضوع له دون خصوص المستعمل فيه، ولذلك كثيراً ما يقول ابن فارس: هذه الكلمة لها أصل واحد أو أصلان، والباقي صور للمعنى الأصلي ومشتق منه .
وأمّا ثانياً: فلأنّ المراجع إلى أغلب المعاجم الّتي هي بصدد بيان المستعمل فيه، دون الموضوع له، ربّما يستطيع بسبب الممارسة على تمييز المعنى الحقيقي عن المعاني المشتقة منه، وذلك رهن الممارسة والعمل بالمعاجم على نحو يخالط علمُ اللغة دمَهُ ولحمَهُ، وإليك مثالين:
1. الوحي: فقد ذكروا له معاني مختلفة، هي:

149
الإشارة السريعة، كقوله: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا)(1).
الصوت الخفي، كقوله سبحانه: (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)(2).
الإلهام القلبي، كقوله سبحانه: (وَ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ)(2).
التسخير كقوله سبحانه: (وَ أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا)(4).
ولكنّ الإمعان في هذه الموارد يثبت أنّ له معنى واحداً، وهو الإفهام بخفاء والبواقي صور ومصاديق له .
2. القضاء: أنّ أهل اللغة ـ وحتّى أن محشّي الروضة ـ نقل عن أنّهم ذكروا للقضاء معاني هي:
الصُنع، الحتم، البيان، الموت، الإتمام، بلوغ النهاية، العهد، الإيصاء، والأداء.
ولكن الإمعان يثبت أنّ الجميع مصاديق مختلفة لمعنى واحد، وهو العمل المتقن، والباقي صور له، ولذلك أرجع صاحب المقاييس الجميع إلى أصل واحد.
وعلى ذلك فالرجوع إلى هذه القواميس على النحو المذكور ربّما يرفع الستار عن وجه الحقيقة.

1 . مريم: 11 .   2 . الأنعام: 112 .
2 . القصص: 7 .   4 . فصلت: 12 .

150
في الحقيقة الشرعية   
 
الأمر الثامن:

في تعارض الأحوال

لا شكّ أنّه إذا دار الأمر بين حمل اللفظ على المعنى الحقيقي والمجازي، فالأصل هو الحقيقة حتى يثبت خلافه، أو إذا دار الأمر بين العام والخاص، أو المطلق والمقيّد، فالأصل هو الأخذ بالعموم والمطلق حتى يثبت خلافها.
إنّما الكلام فيما إذا دار الأمر بين أحد الأُمور السبعة التي كلّها على خلاف الأصل كالتجوّز والتخصيص والتقييد، والاشتراك، والنقل والإضمار، والاستخدام، فهل هناك ترجيح لأحدها على الآخر، أو لا؟ فقد ذكر الأُصوليّون وجوهاً استحسانية لترجيح بعض على البعض الآخر، وقد أطنب المحقّق القمي(1) الكلام في ذلك، لكنّها وجوه عقلية ظنية، لا تثبت الظهور.
مثلاً إذا دار الأمر في قوله سبحانه: (وَاسْئَلِ الْقَرْيَةِ الّتي كُنّا فِيها)(2) بين إضمار لفظ «أهل»، أو استعمال القرية في غير معناها الحقيقي فقد ذكروا لكلّ وجهاً غير مقنع، فالبحث عن هذه الوجوه ونقدها إضاعة للعمر والمتّبع لدى أهل المحاورة هو الظهور فإن تحقّق فهو وإلاّ فلا تعتبر، لأنّ هذه الوجوه، علل فكريّة، أشبه بأُمور عقلية بعيدة عن الأذهان العرفية، فلا يلتفت إليها العرف الدقيق حتى يثبت بها الظهور للكلام.

1 . قوانين الأُصول: 1 / 31 ـ 35.   2 . يوسف: 82 .

151
 
الأمر التاسع:

الحقيقة الشرعية

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أمرين:
1. البحث عن الحقيقة الشرعية نظير ما سندرسه في المستقبل من كون أسماء العبادات موضوعة للصحيح أو لأعم منه، من نتائج البحوث السابقة، أعني: تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي بالتبادر ونظائره كما سيظهر، حيث يستدلّ القائلون بالحقيقة الشرعية أو وضع ألفاظ العبادات والمعاملات للصحيح، بالتبادر تارة وعدم صحة السلب أُخرى، كما سيتّضح .
2. لا شك أنّ ما يتبادر من ألفاظ العبادات في أعصارنا هذه وما تقدّمها إلى عصر أمير المؤمنين (عليه السلام)هو المعاني الشرعية، كالأركان الأربعة في الصلاة والفرائض المالية في الزكاة، وهكذا.
إنّما الكلام في أنّها هل كانت كذلك في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً، أو لم تكن كذلك وإنّما استعملها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه المعاني لمناسبة بينها وبين المعنى الحقيقي مجازاً إلى أن عادت حقيقة بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فعلى الأوّل فهذه المعاني حقائق شرعية، وعلى الثاني معان مجازية ثم صارت حقائق متشرعيّة.
إذا علمت هذين الأمرين فلندخل في صلب الموضوع .

152
أقول: هناك فروض ثلاثة:
الأوّل: أنّ هذه المعاني لم تكن موجودة في الجزيرة العربية ولم يكن للعرب قبل البعثة أيُّ معرفة بهذه المعاني، وأنّ ألفاظها كانت مستعملة قبل البعثة في المعاني اللغوية، وإنّما اطّلعت عليها العرب بعد بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الثاني: أنّ هذه المعاني كانت موجودة بين العرب قبل البعثة لكن لم يكن استعمال تلك الألفاظ فيها بدرجة تُصبح هذه المعاني معان لغوية إلاّ بعد مضيّ شيء قليل من حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فتكون هذه المعاني حقائق شرعية.
الثالث: أنّ هذه المعاني كانت موجودة والأسماء مستعملة فيها إلاّ أنّ الإسلام أصلح ما فُسِد عبر الزمان فأضاف شرطاً أو جزءاً وألغى شيئاً، وعلى هذا القول تصير هذه المعاني معان لغوية لا شرعية. لوجودها قبل بعثة الإسلام واستعمال العرب لها في تلك المعاني.
هذه هي الفروض الّتي تحتمل في المقام.
ثم إنّ للأُصوليين في المقام أقوالاً لا تتجاوز الأربعة، وكأنّ كلّ قائل اختار شيئاً من هذه الفروض الثلاثة:
القول الأوّل: ما ذهب إليه أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403 هـ) حيث قال: إنّ ألفاظ العبادات باقية في معانيها اللغوية، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)استعملها فيها، لأنّ الصلاة مصداق من مصاديق الدعاء غير أنّ العرب لم تكن عارفة بهذا المصداق، وقد عرّفهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)به.
وبعبارة أُخرى: استعملها في معانيها اللغوية ولكنّه أراد المصاديق

153
الشرعية من جهة نصب قرينة تدلّ على ذلك بنحو تعدد الدالّ والمدلول.
وبعبارة ثالثة: أضاف أجزاءً وشرائط على المعنى اللغوي بدليل آخر، دون أن يستعملها في المعنى الجديد.
يلاحظ عليه: أنّه ادّعاء غير مقرون بالدليل، لو لم يكن الدليل على خلافه، إذ كيف يمكن أن يقال: إنّ الصلاة من مصاديق الدعاء مع الفرق الواضح بين المعنيين؟! أو انّ الفرائض المالية من مصاديق النمو!، إذ أين النمو من إخراج الأموال الطائلة من متعلّقات الزكاة; فلا محيص للباقلاني عندئذ من أحد قولين:
إما نقل الألفاظ من معانيها ووضعها بوضع جديد على هذه المعاني، أو استعمالها فيها بعلاقة من العلائق فيكون الاستعمال مجازاً .
القول الثاني: إنّ هذه الألفاظ استعملت في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على وجه المجاز ثم صارت حقائق متشرعية في تلك المعاني في لسان الصحابة والتابعين بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). واستدلّوا على ذلك بأنّها لو كانت حقائق شرعية في لسانه لتوقّف ذلك على الوضع، وهو إمّا تعيينيّ أو تعيّني ; والأوّل بعيد جدّاً وإلاّ لنقل، والثاني رهن مرور زمان ولا يكفي عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لذلك.
يلاحظ عليه: بأنّ فترة الرسالة، كانت مدة طويلة، فلماذا لا تكفي في نقل اللفظ من معناه اللغوي إلى المعنى الشرعي؟! كما سيوافيك.
القول الثالث: إنّ ألفاظ العبادات ـ في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ نقلت
من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية بالوضع الجديد فصارت هذه

154
المعاني حقائق شرعية.
هذه هي الأقوال الرائجة بين الأُصوليين ، فلو دار الأمر بين القولين: الثاني والثالث، فالثالث هو الأقرب بل الأقوى .
وأمّا الإشكال عليه بأنّ النقل في لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)رهن الوضع والنقل، والوضع التعييني بعيدٌ، والتعيّني رهن مرور زمان كثير فمردود بوجهين:
الأوّل: ما مرّ في نقد القول الثاني من أنّ عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يكفي للوضع التعيّني، فإنّ فترة الرسالة كانت ثلاث وعشرين سنة، أو لا تكفي هذه الفترة لنقل اللفظ من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي في هذه المدة المديدة؟
الثاني: أنّ الوضع غير منحصر بالتعيينيّ والتعيّني إذ هناك طريق آخر للوضع وهو الاستعمال بداعي الوضع كما يقول الأب عند تسمية المولود الجديد مخاطباً أُمّه: إئتيني بولدي حسين، محاولاً بذلك تسميته به .
ومن الممكن أن يتولّى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عملية الوضع من خلال هذا الطريق، فلمّا صلّى أمام المؤمنين ، فقال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي»، فهو بنفس ذلك الاستعمال نقل الصلاة من معناها اللغوي إلى الحقيقة الجديدة.
نعم ربّما يستشكل عليه: بأنّه يمتنع الاستعمال بداعي الوضع، لأنّه يستلزم الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد، فبما أنّه بصدد الوضع فيلاحظ لفظ «حسين» لحاظاً استقلالياً، وبما أنّه بصدد استعماله في المولود الجديد يلاحظ اللفظ استعمالاً آلياً، فيلزم الجمع بين اللحاظين في آن واحد.

155
أقول: هذا الإشكال كما مرّ سابقاً قد أورده الفقيه السيد أبو الحسن الاصفهاني صاحب الوسيلة (قدس سره)على أُستاذه في الدرس، ولا ندري بماذا أجابه، ولكن الإجابة عنه واضحة وهي: إن أُريد من الآلية الغفلة عن اللفظ فهو غير صحيح، فإنّ الإنسان في كثير من الأوقات يلتفت إلى الألفاظ وينتخب السهل العذب ويترك خلافه، لا سيّما إذا كان سياسياً يُحاسَب على كل لفظ يتفوّه به.
وإن أُريد من الآلية كون اللفظ وسيلة لإفادة المعنى وانّ المعنى هو الأصل، فالآلية بهذا المعنى لا تنافي لحاظه أيضاً .
إذا عرفت ذلك فلو دار الأمر بين هذه الأقوال فالقول الثالث الّذي هو خيرة المحقّق الخراساني هو الأقوى، ولكن هناك قول آخر وهو ما نتلوه عليك:
القول الرابع: إنّ هذه المعاني كانت موجودة في الشرائع السابقة اليهودية والمسيحية، وكانت العرب قبل البعثة واقفة عليها ومعبّرة عنها بتلك الألفاظ، وقد استعملها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تبعاً لاستعمال الآخرين إيّاها في تلك المعاني. وعلى هذا فهذه الألفاظ كانت موضوعة لتلك المعاني وضعاً لغوياً وبقيت على حالها إلى عصر النبي وبعده إلى يومنا هذا. ولذا فيكون القول بالحقيقة الشرعية أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، هذا هو إجمال النظرية، وإليك شرحها .
أقول: هذه النظرية مركّبة من مقدّمتين:
الأُولى: وجود تلك الماهيات المخترعة في الشرائع السابقة، ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى وجودها في الديانة اليهودية والمسيحية فقد كانوا أصحاب

156
صلوات وصوم ـ الآيات الكثيرة الحاكية عن وجودها فيها قال تعالى:
1. (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )(1).
2. (وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَ عَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق)(2).
3. (قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَجَعَلَني نَبِيًّا * وَجَعَلَني مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَاني بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)(3).
4. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ وَ كَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)(4).
فإنّ هذه الآيات وغيرها ممّا يجده المتتبّع في القرآن، تدلّ على وجود تلك الماهيات في الشرائع السماوية السابقة، وأنّها ليست ماهيات مخترعة في الشريعة الإسلامية.
الثانية: أنّ العرب قبل البعثة تعبر عن هذه الماهيات بنفس تلك الألفاظ، ويدلّ على ذلك الأُمور الثلاثة التالية:
1. كان للعرب صلة وثيقة باليهود والنصارى فقد كانت «يثرب» معقل اليهود و «نجران» مركزاً للنصارى، وكانت لقريش رحلتان في الشتاء

1 . البقرة: 183 .
2 . الحج: 27 .
3 . مريم: 30 ـ 31 .
4 . مريم: 54 ـ 55 .

157
والصيف، فرحلة في فصل الشتاء إلى «اليمن» الّتي كان يتواجد فيها اليهود بكثرة، ورحلة في فصل الصيف إلى «الشام» الّتي كانت يوم ذاك مركزاً للنصارى، فلم يكن للعرب يومذاك بُدّ من وجود لفظ، يعبّرون به عن عباداتهم: صلاتهم وصومهم، ولم يكن ذلك التعبير إلاّ بنفس هذه الألفاظ.
2. أن جعفر بن أبي طالب لمّا التجأ إلى الحبشة مع جمع ممن آمن بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في بدء الدعوة الإسلامية، وقد ألّبت قريش ملك الحبشة على اللاجئين عنده، فاستحضرهم ملك الحبشة وكان جعفر هو المتحدّث باسم المسلمين، فسأله الملك عن علّة لجوئهم، والدين الّذي جاء به نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتكلّم جعفر بن أبي طالب بكلام مبسوط نأخذ منه موضع الحاجة، فقال:
«أيّها الملك كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ـ إلى أن قال: ـ وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدّقناه وآمنّا به...». (1)
كلّ ذلك يعرب عن شيوع استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني يوم ذاك. وقد خاطب جعفر ملك الحبشة بلغة قومه، وبالتالي فقد خاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس أيضاً بلغة قومه، قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)(2) .
3. الآيات النازلة في صدر الرسالة الّتي جاءت في السور المكية، وإليك شيئاً منها; قال تعالى:

1 . السيرة النبوية: 1 / 338 ; إمتاع الأسماع: 21 ; بحار الأنوار: 18 / 414 .
2 . إبراهيم: 4.

158
أ. (أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى )(1).
ب. (فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى)(2).
ج. (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)(3).
د. (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)(4).
فقد نزلت هذه الآيات في أوائل سننين البعثة، مع أنّ الصلاة فرضت في ليلة المعراج، وكُلُّ ذلك يدلّ على أنّ العرب المعاصرين لعصر البعثة كانوا يستعملون تلك الألفاظ في نفس هذه المعاني بلا قرينة، وأنّ الوحي الإلهي استخدم اللغة الدارجة بين قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يصف صلاة المشركين عند البيت بالمكاء والتصدية، ويقول: (وَ مَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَ تَصْدِيَةً)(5) .
فأثبت لهم صلاة وحكم بأنّها لم تكن إلاّ مُكاءً وتصدية، و «المكاء» هو الصفير، و «التصدية» هي التصفيق. وهذا يدلّ على وجود الصلاة بينهم عند البيت ولكنّهم لعبوا بها فأدخلوا فيها ما ليس بصلاة، بل حصروها فيها، وقال أبو عقيل لبيد في معلقته:
حتّى إذا سلخا جمادى ستة *** جزءٌ فهلال صيامه وصيامها
وعلى هذا فهذه الألفاظ كانت حقائق في هذه المعاني قبل بعثة النبي،

1 . العلق: 9 ـ 10 .
2 . القيامة: 31 ـ 32 .
3 . المدثر: 43 ـ 44 .
4 . الكوثر: 1 ـ 2.
5 . الأنفال: 35 .

159
سواء أسميناها بالحقائق اللغوية أم العرفية أم الشرعية. وعند ذلك ينتفي ما رتب على النزاع من الثمرة، حيث قالوا: إنّه لو ثبتت الحقيقة الشرعية يحمل كلّ ما ورد في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه الألفاظ على تلك المعاني، وأمّا لو لم يثبت إلاّ في لسان المتشرّعة يحمل على المعنى اللغوي.
وأمّا حسب القول الرابع فالجميع يحمل على هذه المعاني من غير فرق بين كون وقت الاستعمال معلوماً أو مجهولاً.
وممّا ذكرنا يعلم أنّ ما أورده المحقّق النائيني على هذا القول ، والمحقّق المشكيني في تعليقته على الكفاية، والمحقّق الخوئي في محاضراته، غير تام، لأنّهم اكتفوا ببيان المقدّمة الأُولى فلذلك قالوا:
إنّ هذه المعاني وإن كانت ثابتة في الشرائع السابقة إلاّ أنّها لم تكن يعبّر عنها بهذه الألفاظ، بل بألفاظ أُخر فلا يكون ثبوتها في الشرائع السابقة مانعاً عن ثبوت الحقيقة الشرعية .(1)
أقول: من المعلوم أنّ وجود هذه المعاني في الأُمم السابقة لا يثبت كون العرب المعاصرين لعصر الرسالة يعبّرون عنها بتلك الألفاظ العربية، وأمّا إذا أُضيف إليها المقدّمة الثانية الّتي أثبتت وجود هذه المعاني بين العرب خصوصاً قريش وأنّهم كانوا يعبّرون عن هذه المعاني بهذه الألفاظ، يثبت كونها حقيقة في هذه المعاني قبل بزوغ شمس الرسالة ، وبذلك ينتفي القول بالحقيقة الشرعية.

1 . أجود التقريرات: 1 / 34 ; ولاحظ تعليقة المشكيني على كفاية الأُصول: 1 / 33 ; والمحاضرات: 1 / 138 .

160
فإن قلت: إنّ الموجود من هذه الحقائق في الشرائع السابقة يغاير الموجود في الشريعة الإسلامية .
قلت: إنّ القرآن يصرّح بالوحدة في مورد الصيام والحج، وقد مرّت عليك الآيات المشيرة إلى ذلك.
 
ثمرة فرضية
لو افترضنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نقل هذه الكلمات إلى معانيها الشرعية في إحدى سنين حياته، ولكن لم يُعلم تاريخ النقل أو الاستعمال، فمثلاً إذا قال : «إذا رأيتم الهلال فصلّوا» فهل يحمل على المعنى الشرعي أو على المعنى اللغوي؟
أقول: إنّ هنا صوراً أربع ـ وإن كان بعضها خارجاً عن مصبّ البحث ـ وإليك هذه الصور:
1. إذا كان تاريخ النقل والاستعمال معلومين.
2. إذا كان تاريخ النقل والاستعمال مجهولين.
3. إذا كان تاريخ النقل مجهولاً والاستعمال معلوماً .
4. إذا كان تاريخ النقل معلوماً والاستعمال مجهولاً.
أمّا الصورة الأُولى، فهي خارجة عن مصب البحث، إذ لا شكّ في المعنى المقصود ولا ترديد.
وأمّا الصورة الثانية، فيتعارض فيها الأصلان ويتساقطان، ويكون