welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2

صفحه 301
الفصل الأوّل:

فيما يتعلّق بمادة الأمر

إنّ البحث في مادة الأمر يقع في جهات:

الأُولى: في معناها اللغوي

نقل المحقّق الخراساني أنّ للفظ الأمر معان متعدّدة:
أ. الطلب، نحو: أمره بكذا.
ب. الشأن، نحو: شغله أمر كذا.
ج. الفعل، نحو: (وَ مَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد)1.
د. الفعل العجيب، نحو: (وَ لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا)(2).
هـ . الغرض، نحو: جاء زيد لأمر كذا.
و. الحادثة، نحو: وقع الأمر.
لا يشك الباحث أنّ أكثر هذه المعاني من قبيل تعدّد الدال والمدلول، أو من قبيل اشتباه المصداق بالمفهوم، أمّا الأوّل فكما في قوله: جاء زيد لأمر كذا، فالأمر فيه ليس للغرض وإنّما يستفاد الغرض من اللام في قوله (لأمر)،

1 . هود: 97 .   2 . هود: 58 .

صفحه 302
وأمّا الثاني فلأنّ الحادثة في قوله: «وقع الأمر» أو الشأن في قوله: «شغله أمر كذا»، من مصاديق الفعل وليس معنى مستقلاً.
والحق أنّ لغة العرب تتمتّع بسعة وهي اشتقاق المعنى من المعنى، ووجود صور مختلفة لمعنى واحد يتراءى في بادئ الأمر أنّها من قبيل المعاني غفلة عن أنّها مصاديق مختلفة لمعنى واحد.
ذكر بعض المعلقين على كتاب القضاء من الروضة البهية أنّ له عشرة معان مع أنّ الجميع من مصاديق معنى واحد وهو إتقان الفعل حتّى أنّ قوله سبحانه: (وَ قَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)من هذا القبيل فإنّ التشريع الإلهي من مصاديق فعل المتقن، وأوّل من قام بتوحيد أكثر المعاني وإرجاعها إلى أصل أو أصلين، هو أحمد بن فارس مؤلف المقاييس، وعلى كلّ تقدير فقد استقرت نظرية المحقّقين على أنّ لمادة الأمر معنيين، أحدهما الطلب، وقد اختلفوا في الثاني:
الطلب       والشأن      وهو خيرة صاحب الفصول
الطلب      والشيء      وهوخيرة المحقّق الخراساني
الطلب      والشيء الخاص      وهوخيرة المحقّق الخوئي
الطلب      والفعل       وهو المختار عندنا
أمّا المعنى الأوّل، فهو غير واضح حيث استدلّ القائل عليه بقول القائل «شغلني أمر كذا» مع أنّه من المحتمل أن يكون المراد هو الفعل، كما مرّ.
وأمّا المعنى الثاني، فقد اعتمد القائل به على قولهم: رأيت أمراً عجيباً، فزعم أنّ الأمر فيه بمعنى الشيء، مع أنّه من المحتمل أن يكون بمعنى الفعل .

صفحه 303
وممّا يدل على أنّه ليس بمعنى الشيء أنّ الأمر لا يطلق على واجب الوجود ولا المجردات ولا الجواهر وحتّى الأعراض، ولكن يقال: الله شيء والملك شيء والجوهر شيء ولا يطلق عليها أنّها أمر.
ولذلك عدل المحقّق الخوئي إلى القول الثالث بأنّ المراد من الشيء هو الشيء الخاص من الفعل والصفة.
أقول: أمّا الفعل فنعم، وأمّا الصفة فلا تطلق على العلم القائم بالنفس أنّه أمر، والظاهر أنّه حقيقة في الطلب والفعل، ويكفي في استعماله في الفعل قوله سبحانه:
1. (إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ)1.
2. (وَ شَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)2 أي شاورهم في أُمورك وأفعالك .
3. (قُضِيَ الأَمْرُ وَ إِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)3.
ثم إنّ الأمر بالمعنى الأوّل لو فسّر بالقول المخصوص يكون جامداً لا يقبل الاشتقاق، ولذلك عدل عنه المحقق الخراساني فقال: إنّ المراد منه هو الطلب بالقول المخصوص حتّى يتضمن معنى حدثياً ويكون صالحاً للاشتقاق.
وأمّا المعنى الثاني ـ أي الفعل ـ فهو معنى جامد غير صالح للاشتقاق «والأمر» بالمعنى الأوّل يجمع على أوامر، وبالمعنى الثاني على أُمور، ولعلّ

1 . آل عمران: 154 .
2 . آل عمران: 159 .
3 . البقرة: 210 .

صفحه 304
تعدّد الجمع دليل على اختلاف المعنى، وإن لم يكن هذا ضابطة كلية فإنّ العبد له جموع مختلفة كالعباد والعبيد، مع كونه فيها بمعنى واحد.
والظاهر أنّ هذا البحث ليس بحثاً أُصولياً بل بحث لغوي كالبحث عن الصعيد، وتظهر الثمرة فيما إذا وردت كلمة الأمر في الكتاب والسنة ولم نتحقّق معناها.
فعلى ما ذكرنا من أنّه مشترك لفظي يحتاج تعيين معناه إلى قرينة معيِّنة وإلاّ يكون مجملاً متروكاً ويكون المرجع هو الأُصول.

الجهة الثانية: في اعتبار العلو والاستعلاء في مفهوم الأمر

هل يعتبر في مفهوم الأمر العلوّ والاستعلاء أو لا يعتبر؟ فيه أقوال:
1. اعتبار العلو لا الاستعلاء.
2. اعتبار أحدهما.
3. عدم اعتبارهما.
4. اعتبار كليهما.
أمّا القول الأوّل: فهو خيرة المحقّق الخراساني، قال: الظاهر اعتبار العلو في معنى الأمر فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمراً، ولو أطلق عليه كان بنحو من العناية.
كما أنّ الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء فيكون الطلب من العالي أمراً، ولو كان مستخفضاً بجناحه .1

1 . كفاية الأُصول: 1 / 91 .

صفحه 305
أقول: أمّا اعتبار العلو في معنى الأمر فيكفي فيه التبادر خصوصاً إذا قلنا بأنّ لفظة الأمر ترادف لفظة (فرمان) في اللغة الفارسية، إنّما الكلام في عدم اعتبار الاستعلاء في مفهوم الأمر، والظاهر اعتباره، إذ نمنع صدق الأمر من العالي إلى السافل إذا كان بلسان الاستدعاء، ويكفي في ذلك ما رواه ابن عباس قال: إنّ بُريرة كانت أمة لعائشة تزوجت بعبد ولمّا أُعتقت خيّرها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بين البقاء على زوجية الزوج السابق أو المفارقة، فاختارت هي المفارقة فاتّصل زوجها بعم النبي العباس ليكلّمه حتّى يأمرها بالبقاء، فلمّا كلّمها النبي وقال لها: «إنّه زوجك»، قالت بريرة: أتأمرني يا رسول الله؟ فقال: لا إنّما أنا شافع، قال: فخيّرها فاختارت نفسها .1
وجه الاستدلال: أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّه زوجك» وإن كان جملة خبرية إلاّ أنّها وردت بداعي طلب البقاء معه، وعندئذ فلو كان مطلق ما يصدر من العالي بصورة الطلب أمراً لم يكن لسؤال بُريرة وجه، مع أنا نرى أنّها قسّمت كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قسمين إلى الأمر والشفاعة، وهذا يدل على أنّ مجرد صدور الطلب من العالي لا يكون كافياً في صدق الأمر ما لم يُضم إليه شيءٌ وليس هو إلاّ التظاهر بالعلو أو الطلب من منطلق القوة والقدرة.
وأمّا القول الثاني: أعني اعتبار أحدهما، فقد نقله المحقّق الخراساني من دون أن يسمّي القائل، فالظاهر أنّه بصدد بيان كفاية الاستعلاء وإن لم يكن القائل عالياً في الواقع.
واستدلّ له بتقبيح العقلاء الطالب السافل ـ من العالي ـ المستعلي عليه

1 . مسند أحمد: 1 / 215 .

صفحه 306
وتوبيخه بمثل أنّك لِمَ تأمره؟
وأجاب عنه بأنّ التوبيخ إنّما هو على استعلائه لا على أمره حقيقة بعد استعلائه، وإنّما يكون إطلاق الأمر على طلبه بحسب ما هو قضية استعلائه.
وبعبارة أُخرى: إنّ التوبيخ قد حصل، لأنّه خرج عن أدب المخاطبة والكلام وإلاّ فمن المعلوم أنّه لا يوصف بأنّه أمر حقيقي.
أمّا القول الثالث: وهو خيرة المحقّق البروجردي (قدس سره)واستدلّ عليه بقوله:
إنّ حقيقة الطلب على قسمين:
قسم يطلب فيه انبعاث المطلوب منه من نفس الطلب بحيث يكون داعيه ومحركه إلى الامتثال صرف هذا الطلب. وهذا ما يسمّى أمراً.
وقسم آخر يقصد فيه انبعاث المطلوب منه من الطلب منضماً إلى بعض المقارنات كطلب المسكين من الغني حيث إن مجرّد الطلب لا يبعث الغني على المساعدة، ما لم يُضم إليه حال السائل، وهذا يسمّى التماساً، ثم قال: القسم الأوّل يناسب العالي، ولا يراد منه كون الطالب عالياً، أي مأخوذاً في مفهوم الأمر حتّى يكون معنى: «آمرك بكذا»، اطلب منك وأنا عال. 1
يلاحظ عليه: أنّ تخصيص لفظ الأمر بالقسم الأوّل والالتماس بالقسم الثاني يحتاج إلى وجود قيد في مفهوم اللفظين حتّى يتعيّن صدق كلّ على مورده فما هذا القيد الموجود في مفهوم كلا اللفظين؟ فهل هو: كون الانبعاث من نفس الطلب وعدمه وهو كما ترى لا يقبل الأخذ في مفهوم الأمر، أو كون

1 . نهاية الأُصول: 1 / 75 ـ 76.

صفحه 307
الطالب عالياً بالنسبة إلى المطلوب منه، ولاثالث، وهذا هو المتعيّن .
ثم إنّ قولنا بأخذ العلو في مفهوم الأمر ليس بمعنى أخذ العلو بالمعنى الاسمي في معنى الأمر، بل المراد أخذه على وجه الإجمال وبالمعنى الحرفي، وبذلك يثبت أنّ الحق هو القول الرابع.

الجهة الثالثة: في دلالة مادة الأمر على الوجوب

قد سبق أنَّ مادة الأمر وضعت للبعث الصادر عن العالي المستعلي، وعندئذ يقع الكلام في دلالتها على الوجوب أو كونها مشتركة بينه وبين الندب بالاشتراك المعنوي.
والظاهر هو الأوّل وذلك لوجوه:
1. تبادره عند الإطلاق.
2. ترتّب الحذر على مطلق مخالفة أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في قوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)1.
3. ترتّب اللوم والتوبيخ على مخالفة أمره سبحانه: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)2.
4. ترتب الزج في السجن على المخالفة: (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ)3.

1 . النور: 63.
2 . الأعراف: 12 .
3 . يوسف: 32.

صفحه 308
فإنّ ترتّب هذه الأُمور الّتي هي من لوازم الوجوب على مخالفة مطلق الأمر، بلا قرينة على الوجوب آية انسباق الوجوب منها.
5. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك» 1 نرى أنّ الرسول نفى الأمر بالسواك لرفع الحرج عن أُمّته، مع صدور الأمر به على وجه الاستحباب، وهذا يدلّ على مساواة الأمر للوجوب. حتى يصح للرسول، نفي صدوره عنه .
6. قوله لبريرة ـ بعد قولها: أتامرني يا رسول الله ـ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا، إنّما أنا شافعٌ»، لا شكّ أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)طلب منها البقاء على زوجيتها بقوله: «إنّه زوجك»، ومع ذلك نفى أن يكون آمراً. وهذا يدلّ على أنّ الطلب الندبي ليس أمراً، بل هو عبارة عن الطلب الجديّ الّذي لا يرضى المولى بتركه.
استدلّ للقول بالاشتراك المعنوي بين الوجوب والندب بوجهين:
أ. صحّة تقسيم الأمر على الوجوب والندب.
وأجاب عنه في الكفاية بأنّ التقسيم دليل على صحّة استعمال الأمر فيهما، وأمّا كونه على وجه الحقيقة فلا، لأنّه أعّم منها.
ب. فعل المندوب طاعة، وكل طاعة فهي فعل المأمور به، يُنتج: انّ فعل المندوب فعل المأمور به.
وأجاب أيضاً: منع كلية الكبرى، لو أُريد من المأمور به فيها معناه الحقيقي، إذ لا نسلم أنّ فعل المندوب من مصاديق المأمور به الحقيقي

1 . الوسائل : 2، الباب 3 من أبواب السواك، الحديث 4.

صفحه 309
الملازم للوجوب، وإن أُريد به الأعم من الحقيقي والمجازي فهو لا يثبت المطلوب.

منشأ انسباق الوجوب

قد تبيّن ممّا سبق انسباق الوجوب من لفظة الأمر، إنّما الكلام في منشئه ومبدئه فهنا احتمالات ثلاث:
1. دلالة اللفظة عليه بالدلالة اللفظية، بأن يكون الوجوب نفس الموضوع له أو جزءه.
2. كون الوجوب، نتيجة الإطلاق وانّ الوجوب لا يحتاج إلى بيان زائد، بخلاف الندب.
3. كونه مقتضى حكم العقل وان بعث المولى لا يترك بلا جواب.
لا سبيل إلى الوجه الأوّل، لأنّ الوجوب كالندب من المفاهيم الانتزاعية، ينتزعان ثبوتاً من شدة إرادة المولى وضعفها، وإثباتاً من المقارنات الّتي تدل على شدة رغبة المولى بالفعل وعدم رضاه بتركه أو عكسها. كالأمر بصوت عال، أو المقرون بالتأكيد ونظائرهما من دون دلالة نفس الصيغة
عليه.
والوجه الثاني، أمر محتمل، لا مانع منه، وسيوافيك توضيحه عند البحث في أنّ إطلاق صيغة الأمر يقتضي كون المأمور به، تعيينياً لا تخييرياً، نفسياً لا غيرياً، عينياً لا كفائياً، وذلك لأنّ الأقسام الأُولى لا تحتاج إلى بيان زائد، بخلاف الأقسام الثانية، فإنّ إفهامها للمخاطب يحتاج إلى قيد زائد على

صفحه 310
الأمر، ومثله المقام، فكأن الطلب المطلق عند العقلاء، يعادل الوجوب، دون الندب فإنّه رهن قيد زائد وهو انّه يجوز تركه.
ولعلّ الثالث أوضح وأمتن، فالأمر بمجرده مادة أو صيغة، تمام الموضوع عند العقل لوجوب الطاعة وعدم الاعتداد باحتمال كونه مندوباً، ولذلك يجب امتثال الأمر مالم يدل دليل على الترخيص.
ما هو المُنشأ بلفظ الأمر   

الجهة الرابعة: المُنشأ بلفظ الأمر وصيغته

عقد المحقّق الخراساني هذا البحث لبيان أمرين:
الأوّل: أنّ المُنشأ بلفظ الأمر وصيغته أو غيرهما هو الطلب الإنشائي لا الطلب الحقيقي.
الثاني: وحدة الطلب والإرادة في المراحل الثلاثة: مفهوماً، إنشاءً، وخارجاً .
أمّا الأوّل: فهو بحث أُصولي لابد من إفاضة الكلام فيه .
وأمّا الثاني: فهو أشبه بالبحث الكلامي الّذي أفاض فيه علماء الكلام من الأشاعرة والمعتزلة والإمامية، وقد أفاض فيه الكلام المحقّق الخراساني دون أن يذكر ما هو الوجه لورود هذه المسألة في أُصول الفقه ، ونحن نذكر خلاصة مرامه في المقامين ثم نأتي بالمختار فيما ذكره.
قال (قدس سره)ما هذا توضيحه: إنّ المنشأ هو الطلب الإنشائي لا الطلب الحقيقي القائم بالنفس والّذي هو الطلب بالحمل الشائع الصناعي، وذلك لأنّ الحقيقي القائم بالنفس أمر تكويني غير قابل للإنشاء والاعتبار، بخلاف

صفحه 311
الإنشائي فهو أمر اعتباري قابل له. وعلى ضوء ذلك فالمُنشأ هو الإرادة الإنشائية أيضاً لا الإرادة الحقيقية والّتي هي الإرادة بالحمل الشائع.
وبذلك ظهر أنّ الطلب والإرادة متّحدان في المراحل الثلاثة:
1. مفهوماً ولغة، وانّ المفهوم من أحدهما هو المفهوم من الآخر .
2. إنشاء، والمقصود به هو أنّ بالأمر يُنشأ الطلب والإرادة الاعتباريان.
3. خارجاً، أي ما هو المصداق في لوح النفس للطلب هو المصداق أيضاً للإرادة.
والدليل على الوحدة في المرحلة الثالثة هو الوجدان فإنّ الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة أُخرى قائمة بها، يكون الطلب غيرها، فإنّ الإنسان عندما يتصوّر الشيء ويصدّق بفائدته وتميل إليه نفسه وتشتاق إليه يجد في نفسه إجماعاً أو هيجاناً نحوه، وهو المسمّى بالإرادة تارة والطلب أُخرى، فنخرج بالنتيجة التالية:
أ. المنشأ هو الطلب والإرادة الإنشائيان.
ب. وحدة الطلب والإرادة في المراحل الثلاثة.
وأمّا من جنح إلى تغايرهما فقد أخذ من الطلب، المصداقَ الإنشائي والاعتباري، ومن الإرادة، الإرادة الحقيقية فزعم تغايرهما، ولكنّه لو أخذ من كُلٍّ ما يقع في مرتبته لما حكم بالتغاير.
ثم إنّ المحقّق الخراساني أشار إلى أدلّة القائلين بتعدّد الطلب والإرادة، وهما دليلان:

صفحه 312
1. الأمر الاختباري فيما إذا أمر بشيء لا يريده جدّاً لاختبار المخاطب، كما هو الحال في أمر الخليل بذبح إسماعيل فهناك طلب ولا إرادة، وإنّما صدر الأمر لاستخبار حال العبد في كونه مطيعاً أو عاصياً. وإلاّ لزم انفكاك المراد عن الإرادة.
2. الأمر الاعتذاري وهذا ما يصدر لتسجيل العصيان على العبد، فإنّ السيد قد يأمر العبد بالفعل ويطلبه منه ولا يريده وهو يعلم أنّه لا يمتثله، لكن يأمره ليحتج عليه عند مجازاته وانّه قد خالف أمره. وإلى هذين الدليلين أشار المحقّق الخراساني في قوله: «كما في صورتي الاختبار والاعتذار» 1.
ثم أجاب المحقّق الخراساني: بأنّه إن أُريد الفرد الحقيقي من الطلب والإرادة فليس في الموردين طلب ولا إرادة، وإن أراد الإنشائي فكلاهما موجود.
وبعبارة أُخرى: أنّ الدليلين يثبتان انفكاك الإرادة الحقيقية عن الطلب الإنشائي، وأمّا تغاير الطلب الحقيقي مع الإرادة الحقيقية أو الانشائيين منه فلا يثبته الدليلان.
ثم إنّه قد نبّه بأنّ النزاع بين الفريقين يمكن أن يكون لفظياً، فالقائل بالوحدة يقول بوحدتهما مع حفظ المرتبة، والقائل بالتعدّد يقول به مع عدم حفظ المرتبة، فيكون النزاع بين الأشاعرة القائلين بالتعدّد والمعتزلة والإمامية القائلين بالوحدة لفظياً.
هذه عصارة ما في الكفاية فيما يرجع إلى الأمرين; ان المنشأ هو

1 . كفاية الأُصول : 1 / 96 .

صفحه 313
المطلب الاعتباري وأنّ الطلب والإرادة متحدتان.
أقول: ما ذكره المحقّق الخراساني من وحدة الأمرين في المراحل الثلاثة غير خال من الإشكال .
أمّا المرحلة الأُولى أي الوحدة مفهوماً: فالظاهر أنّ ما يتبادر من الطلب غير ما يتبادر من الإرادة، فكأنّ الطلب أمر قائم بالجوارح والإرادة أمر قائم بالجوانح ـ ولذلك لا يصح وضع أحدهما مكان الآخر، يقول سبحانه: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)1 مع أنّه لا يصح أن يقال: (يطلب الله منكم اليسر ولا يطلب منكم العسر) .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» 2، فلايصح جعل الإرادة مكان الطلب بأن يقال: إرادة العلم فريضة على كلّ مسلم.
وما هذا إلاّ لأنّ الطلب هو ما يرجع إلى الجوارح، وأمّا الإرادة فيتبادر منه ما يتعلق بالجوانح، فكيف يصح الحكم بوحدة مفهومهما.
وأمّا المرحلة الثانية وهي وحدتهما إنشاء، فالظاهر أنّ المنشأ هو الطلب. وبعبارة أصحّ البعث الإنشائي، فللطلب عند العرف مصداقان: حقيقي قائم بالجوارح، واعتباري ينشأ بصيغة الأمر ونحوه.
وأمّا الإرادة فالظاهر انحصار مصداقها بالفرد الحقيقي وليس لها فرد إنشائي اعتباري، ووجه ذلك أنّ الأُمور الاعتبارية عبارة عن جعل مصداق مماثل لأمر خارجي ملموس كالزوجية من مشاهدة الزوج التكويني كالعينين

1 . البقرة: 185 .
2 . الكافي: 1 / 30 .

صفحه 314
والأذنين والتفاحتين الملتصقتين، وكالمالكية لما يحيزه من البحر حيث يرى نفسه أولى به منتقلاً من مالكية النفس لأعضاء جسده.
وأمّا الانتقال من الأُمور النفسية إلى جعل مصداق وأمر اعتباري لها في عالم الاعتبار فهو أمر بعيد، فلذلك يصح القول: إنّ للطلب مصداقين: حقيقي وانشائي، وذلك لأنّ المصداق الحقيقي للطلب هو أمر محسوس فيصح جعل مصداق اعتباري له، ولكن لا يصح القول بأنّ للإرادة مصداقين حقيقي واعتباري، لأنّ المصداق الحقيقي للإرادة أمر غير محسوس ولا ملموس، فلا يصير مبدأ، لوضع مصداق لها.
وأمّا المرحلة الثالثة، أي في الخارج فهذا يتوقّف على أن نصوّر الطلب أمراً جوانحياً فيتحد مصداق الطلب والارادة ، وأمّا لو قلنا بأنّ الطلب أمر جوارحي فلا يصح الحكم بالوحدة.
هذا، والعجب أنّه جعل النزاع بين الطائفتين لفظياً، ومعنى ذلك أنّ النزاع الممتد عبر عشرة قرون أمر لفظي، وهذا نابع من عدم دراسة تاريخ المسألة والدواعي إلى عقدها.
هذا كلّه حول ما ذكر في الكفاية، وإليك دراسة ما هو الداعي لعقد مسألة وحدة الطلب والإرادة وذلك بالرجوع إلى تاريخ المسألة.

صفحه 315

إكمال

خاض المحقّق الخراساني في مسألة اتّحاد الطلب والإرادة وتعدّدهما من دون أن يشير إلى وجه الورود في هذه المسألة، إذ لو كان البحث أُصولياً لكفى له أن يكتفي بالمقدار اللازم في المقام، وهو أنّ المُنشأ بلفظ الأمر هو الطلب الإنشائي لا الطلب الحقيقي فقط دون أن يخوض في مسألة أُخرى باسم تعدّد الطلب والإرادة أو وحدتهما، ولذلك كان بحثه مجملاً، وما هذا إلاّ لأنّه لم يشر إلى الداعي إلى القول بالتعدّد عند الأشاعرة والوحدة عند المعتزلة والإمامية، ولأجل رفع الحجاب عن وجه الحقيقة نشير باختصار إلى أُمور:

1. تقسيم صفاته إلى ذاتية وفعلية

تنقسم صفات الباري تعالى إلى صفات ذاتية منتزعة من حدّ الذات، أُحادية التعلّق بمعنى أنّها لا تقبل النفي والإثبات، وهذا كالعلم والقدرة فهما منتزعتان من ذاته وفي الوقت نفسه تحمل عليه سبحانه دائماً بالإثبات، فيقال: يعلم ويقدر، ولا يصح ـ ولو في مورد خاص ـ أن يقال: لا يعلم ولا يقدر.
وهذا بخلاف صفات الفعل المنتزعة من إيجاده وفعله فهي في الوقت نفسه ثنائية التعلّق أي تقبل النفي والإثبات ويقال: يُحيي ولا يُحيي، يُميت ولا يُميت، وقد أشار إلى ذلك الميزان شيخنا الكليني في كتابه «الكافي ».1

1 . الكافي: 1 / 111 .

صفحه 316
هل التكلّم من صفات الفعل ؟   

2. هل التكلّم من صفات الفعل أو من صفات الذات

اتّفق المسلمون على وصفه سبحانه بالتكلّم معتمدين على قوله سبحانه: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً)1 ولكن اختلفوا في كونها منتزعة من فعله سبحانه، كالإحياء والإماتة على نحو لو لم يصدر منه فعل لما صحّ انتزاعه منه، أو أنّها من صفات الذات القائمة بها، فعلى الأوّل يكون حادثاً وعلى الثاني يكون قديماً.
ذهبت الإمامية والمعتزلة إلى أنّها من صفات الفعل، وأنّ كلامه حادث كسائر أفعاله، وبالتالي يكون القرآن حادثاً وليس بقديم.
ثم إنّ الكثير من الإمامية ذهبت إلى أنّ حقيقة كلامه هو فعله، فالعالم كله كلامه، لأنّ الكلام في الإنسان هو المعرب عمّا في ضميره، والكون بما فيه من عجائب الخلقة وبدائع الصنع معرب عن علمه وقدرته تعالى.
والكلام وإن وضِع يوم وُضع للأصوات والحروف الكاشفة عمّا في الضمير، إلاّ أنّه لو وجد هناك شيء يفيد ما تفيده الأصوات والحروف بنحو أعلى وأتمّ لصحّت تسميته كلاماً أو كلمة غير أنّ دلالة الألفاظ بالمواضعة، ودلالة الأفعال على ما عليه الفاعل من العظمة، تكوينية، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يصف عيسى ابن مريم بأنّه كلمة الله الّتي ألقاها إلى مريم العذراء ويقول: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ)2، بل يعدّ كلّ ما في الكون من كلماته كما قال: (وَ لَوْ أَنَّ مَا فِي

1 . النساء: 164 .
2 . النساء: 171 .

صفحه 317
الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ)1.
ويقول الإمام علي (عليه السلام): «يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ: (كُنْ فَيَكُونُ)، لاَ بِصَوْت يَقْرَعُ، وَلاَ بِنِدَاء يُسْمَعُ; وِإِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثَّلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً»(2).
ثم إنّ كلامه سبحانه لا ينحصر بما ذُكر بل له مصداق آخر وهو ما سنذكره.
ذهبت المعتزلة وطائفة من الإمامية إلى أنّ كلامه أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرئيل أو يلقيه في قلب النبي. وقد صرّح بذلك القاضي عبدالجبار فقال: حقيقة الكلام، الحروف المنظومة، والأصوات المقطعة، وهذا كما يكون مُنْعِماً بنعمة توجد في غيره، ورازقاً برزق يُوجد في غيره، فهكذا يكون متكلّماً بإيجاد الكلام في غيره، وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه الفعل .2
إنّه سبحانه بيّن كيفية تكليمه الغير في الآية المباركة، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيّ حَكِيمٌ)(4) .
فقد بيّن تعالى أنّ تكليمه الأنبياء لا يعدو الأقسام التالية:
1. (إِلاَّ وَحْياً).

1 . لقمان: 27.   2 . نهج البلاغة: 2 / 122، الخطبة: 179، ط عبده.
2 . شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبدالجبار: 528 ; شرح المواقف: 495 .   4 . الشورى: 51.

صفحه 318
2. (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب).
3. (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً).
فقد أشار بقوله: (إِلاَّ وَحْياً) إلى الكلام المُلقى في روْع الأنبياء بسرعة وخفاء.
وبقوله: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) أشار إلى الإلقاء الّذي يتوسط فيه ملك الوحي.
وأشار بقوله: (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب) إلى مثل تكلّمه مع موسى (عليه السلام)حيث يسمع الصوت ولا يرى المتكلّم.
إلى هنا تمّ بيان نظرية كون التكلّم من صفات الفعل، بقي الكلام في النظرية الثانية الّتي عدّت التكلّم من صفات الذات، والقائل بها طائفتان:
1. أهل الحديث.
2. الأشاعرة.
قال أهل الحديث: كلامه تعالى حروف وأصوات تقوم بذاته وهو قديم، غير أنّ الكرّامية ـ وخلفهم ابن تيمّية ـ قالوا بأنّ كلامه حروف وأصوات وأنّها حادثة قائمة بذاته، لتجويزهم قيام الحوادث بذاته تعالى.1
حول الكلام النفسي   
ولمّا كان هذا الرأي ساقطاً عند مَنْ رُزق عقلاً ولبّاً في المعارف سعى الشيخ الأشعري لتصحيح عقائد أهل الحديث الّتي لا توافق العقل الحصيف، ومن الموارد الّتي قام بتصحيحها هي كونه سبحانه متكلماً، وانّ كلامه قديم

1 . شرح التجريد للقوشجي: 416 .

صفحه 319
قائم بالذات، لكن لا بمعنى قيام الحروف والأصوات بذاته، بل بقيام الكلام النفسي بذاته وهو الكلام الحقيقي، وأمّا الكلام اللفظي فهو طريق إلى الكلام الحقيقي المسمّى بالنفسي.
وأمّا ما هي حقيقة الكلام النفسي فقد بذلوا جهودهم لتبيينه، وحاصل ما أفادوا: انّ الكلام النفسي عبارة عن : المعاني المنتظمة في ذهن المتكلّم والمفاهيم المرتّبة الّتي يعزم المتكلّم على تبيينها، قال متكلّمهم القوشجي: المعنى الّذي يجده المتكلّم في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلّم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الّذي نسمّيه بالكلام النفسي.1
وقال الفضل بن روزبهان في الكتاب الّذي ألّفه ردّاً على كتاب نهج الحق: إذا أراد المتكلّم بالكلام فهل يَفهم من ذاته أنّه يُزوّر ويرتّب معان فيعزم على التكلّم بها، كما أنّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فإنّه يرتّب في نفسه معان وأشياء ويقول في نفسه سأتكلّم بهذا؟ فالمنصف يجد من نفسه هذا البتة.2
فالكلام النفسي عند الأشعري هو الكلام الحقيقي من غير فرق بين الواجب والممكن، فالمعاني والمفاهيم قائمة بذاته قديمة كالذات.
ثم إنّ العدلية ردّوا على الأشاعرة مفنّدين نظرية الكلام النفسي وذلك بالبيان التالي:

1 . شرح التجريد للقوشجي: 420 .
2 . دلائل الصدق للمظفر: 1 / 146 .

صفحه 320
وهو أنّ المعاني المنتظمة في الذات إمّا إخبارية أو إنشائية، فإن كانت من قبيل الأُولى فهي إمّا مفاهيم تصوّرية أو تصديقية، وكلا الأمرين من فروع العلم، وعندئذ يرجع وصف التكلّم في الاخباريات إلى وصف العلم ولايكون وصفاً آخر.
وإن كانت من قبيل الثانية، أي الإنشائية، فهي في الأوامر ترجع إلى الإرادة، وفي النواهي ترجع إلى الكراهة، فعندئذ يكون التكلّم في الإنشائيات راجعاً إلى وصف الإرادة فلا يكون وصفه بكونه متكلّماً وصفاً وراء كونه مريداً.
وحصيلة الكلام: أنّ التكلّم بالمعاني المنتظمة إما أن يكون راجعاً إلى العلم أو إلى الإرادة فلا يكون شيئاً ثالثاً مع أنّهم يدّعون أنّه وصف ثالث.
ولمّا وقعت الأشاعرة في هذا المأزق فمكان أن يعدلوا عن مذهب إمامهم إلى مذهب الحق حاولوا إصلاحه بالقول بأنّ في النفس في خصوص الإنشائيّات أمراً آخر باسم الطلب وراء الإرادة، فلا يرجع كلامه النفسي في الإنشائيات إلى الإرادة بل مرجعه إلى الطلب وهو غير الإرادة.
وقد رُدّ كلامهم بعدم الوجدان وهو أنا مهما رجعنا إلى وجداننا لم نجد في أنفسنا أمراً آخر وراء الإرادة حتّى نسمّيه باسم الكلام النفسي .
ثم لو سلمّنا ذلك في الانشائيات فما هو المعنى الآخر في الاخباريات فإنّ وصف التكلّم فيها راجع إلى العلم، فما هو المعنى الآخر في النفس حتّى يكون هو ملاك التكلّم؟
وبذلك ظهر ما هو الداعي لعدّ الطلب غير الإرادة، وما ذاك إلاّ لتصحيح

صفحه 321
الكلام في الإنشائيات بالكلام النفسي بكونه غير الإرادة .
ثم إنّ الأشاعرة استدلّوا على وجود الكلام النفسي بأُمور ثلاثة:
الأوّل: أنّ الكلام النفسي غير العلم في الإخبار، وذلك لأنّ الرجل ربما يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشك فيه، ففي المورد شيء غير العلم به .1
يلاحظ عليه: أنّ العلم المنفي غير العلم الموجود، فالمنفي عبارة عن «الإذعان بصحّة ما يقول» وأمّا العلم المثبت فهو عبارة عن «التصور»، لأنّ الكاذب يتصوّر الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية ثم يخبر، فهذه الأُمور الثلاثة من أقسام العلم بمعنى التصوّر، فالمستدل لم يفرق بين العلم بمعنى التصوّر والعلم بمعنى التصديق فاتّخذ عدم التصديق دليلاً على انتفاء العلم مطلقاً.
الثاني: أنّ الرجل قد يأمر بما لا يريده كأمره للاختبار فهنا طلب وهو الكلام النفسي ولا إرادة.
يلاحظ عليه : بأنّه لو كان متعلّق الطلب هو الإنشاء فالإرادة موجودة بنفس ذلك المعنى. وقد تعلّقت به. بناءً على القول بوجود الارادة الانشائيّة.
الثالث: انّ العصاة والكفّار مكلّفون بما كُلّف به أهل الطاعة والإيمان، وتكليفهم لا يكون ناشئاً من إرادة الله سبحانه، وإلاّ لزم تفكيك إرادته عن مراده، فلابد أن يكون هناك مبدأ آخر للتكليف وهو الطلب، وهذا يدلّ على

1 . شرح المواقف: 2 / 94.

صفحه 322
تغاير الإرادة والطلب أوّلاً، ووجود صفة أُخرى في ذاته غير الإرادة ثانياً.
يلاحظ عليه: بأنّه لو كان متعلّق الطلب انشاء التكليف فقد تعلّقت به الإرادة أيضاً ولا ضير في تفكيك المراد عن الإرادة إذ لم تتعلّق الإرادة بفعل الغير حتّى يلزم التفكيك بل تعلّقت بالإنشاء وقد تحقّق .
إلى هنا تمّ الكلام في هذا البحث الجانبي الّذي ألجأنا المحقّق الخراساني إلى الدخول فيه .
ثم لمّا ترتّب على القول باتّحاد الطلب والإرادة شبهة حول تكليف الكفّار بالإيمان طرحها المحقّق الخراساني تحت عنوان: «إشكال ودفع» وليس هذا الإشكال أمراً جديداً، بل هو عبارة أُخرى عن الدليل الثالث للأشاعرة.
ولذلك نختم الكلام هنا من دون أن نخوض فيما خاض فيه المحقّق الخراساني من مسألة اختيارية الإرادة واضطراريها، فهذا البحث الجانبي ربّما يأخذ منّا وقتاً كثيراً يحتاج أحياناً إلى شهر، وكنّا في الدورات السابقة قد خضنا في هذا الموضوع وقد طبعت محاضراتنا في ذيل كتاب «لبّ الأثر في الجبر والقدر»، فعلى الطالبين الرجوع إليه .

صفحه 323
   
الفصل الثاني:

في صيغة الأمر ونحوها

وفيه مباحث:

الأوّل: في مفاد صيغة الأمر ونحوها

خصّ صاحب «الكفاية» المبحث الأوّل لمعنى صيغة «إفعل»، وخصّ المبحث الثاني لبيان كيفية استفادة الوجوب والندب منها، ولقد أحسن في ذلك التقسيم، غير أنّ القدماء خلطوا بينهما، إذ يمكن لقائل أن يفسّر صيغة الأمر بغير الوجوب، ومع ذلك يقول بدلالتها عليه من ناحية أُخرى كما سيوافيك بيانه.
وقد أضفنا إلى صيغة «افعل» كلمة «ونحوها» مشيرين إلى أنّ البحث لا يختص بها، بل يعم ما يشابهها كصيغة الأمر بالغائب (ليصلّ)، وأسماء الأفعال (كقولنا: صه)، والجملة الخبرية مثل: (ولدي يصلي)، فالجميع يشارك صيغة الأمر في المفاد.
ثم إنّ صيغة الأمر كما استعملت في الطلب الإنشائي استعملت في بادئ النظر في غيره. كالتعجيز في قوله سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا

صفحه 324
نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ)1.
أو التحقير، كقوله تعالى: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)2.
أو التهديد، كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)3.
أو التمنّي، كقول امرئ القيس:
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فهل الموضوع له والمستعمل فيه شيء واحد أو متعدّد؟
إذا علمت ذلك فلنذكر نظرية المحقّق الخراساني.
قال ما هذا توضيحه: ليس لصيغة الأمر إلاّ معنى واحداً وهو إنشاء الطلب، فلا يستعمل أيضاً إلاّ في هذا، وأمّا الموارد الّتي أُشير فيها إلى استعمالها في التعجيز والتحقير والتهديد والتمنّي وأمثال ذلك فالمستعمل فيه في الجميع أمر واحد وهو إنشاء الطلب وإنّما الاختلاف في ناحية الداعي، فربّما يكون الداعي البعثَ والتحريك نحوَ المطلوب الواقعي، وأُخرى يكون الداعي أحد هذه الأُمور، فالموضوع له والمستعمل فيه في الجميع واحد وإنّما الاختلاف في الدواعي والأغراض.
ثم احتمل أن تكون الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب فيما إذا كان بداعي

1 . البقرة: 22 .
2 . آل عمران: 119.
3 . فصلت: 40 .

صفحه 325
البعث والتحريك لابداع آخر منها فيكون إنشاء الطلب بها بعثاً حقيقة، وإنشاؤه بها تهديداً وغيره مجازاً.
يلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: أنّ الصحيح على مبناه (الإنشاء والاخبار غير مأخوذين في الموضوع له ولا في المستعمل فيه وإنّ «بعت» الانشائي نفس «بعت» الإخباري) هو القول بكون الصيغة موضوعة للطلب الإنشائي لا لإنشاء الطلب، لأنّ المتبادر منه كون الإنشاء مأخوذاً في الموضوع له، اللّهمّ إذا كان كلامه السابق في عدم الأخذ مخصوصاً بلفظة «بعت» وأمثاله ولا يشمل هيئة افعل.
الثاني: أنّه لو كانت الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب في خصوص ما كان بداعي البعث والتحريك على نحو تكون الخصوصية قيداً لوضع الواضع، لأنّه وضعه لإنشاء الطلب بداعي البعث والتحريك، فعندئذ يصبح استعمالها في غير هذا المورد غلطاً لا مجازاً، أمّا كونه غلطاً فلما تقدّم،1 وأمّا عدم كونه مجازاً، فلأنّ المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له، والمفروض أنّه مستعمل فيما وضع له، وقد صرّح به أيضاً في المعاني الحرفية حيث قال: بأنّ لفظة «من» ولفظة «الابتداء» موضوعتان لمعنى واحد، لكن الاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع يكون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر وإن اتّفقا فيما له الوضع.2
والحق أن يقال: إنّ هيئة «افعل» موضوعة للبعث الإنشائي مقابل البعث

1 . الخصوصية قيد لوضع الواضع ومع عدمها يكون الاستعمال غلطاً.
2 . كفاية الأُصول: 1 / 15 الطبعة المحشاة بحاشية المشكيني.

صفحه 326
   
التكويني كما في بعث العبد والغلام إلى العمل باليد، وكإغراء الكلب المعلَّم والطير الجارح حيث إنّ كلاّ منهما يصيد، ويطيع في ذهابه ووقوفه واصطياده لأمر الصائد، كلّ ذلك نوع بعث تكويني، فهيئة افعل تفيد ما تفيده هذه الأعمال والعلائم.
ومن ذلك يعلم مفاد هيئة «لا تفعل» فقد وضعت للزجر عن الفعل.
ثم إنّ ما حقّقه المحقّق الخراساني في أوّل الأمر من أنّ الموضوع له والمستعمل فيه في الجميع واحد، كلام متين، ولكن استعماله في غير مورد التحريك نحو العمل من باب الكناية لا المجاز وهو ذكر الملزوم وإرادة اللازم، فالحقيقة والكناية يشتركان في أنّ الجملة تكون مستعملة في معناها اللغوي غير أنّهما يفترقان في أنّ المعنى اللغوي هو المقصود الأسنى في الحقيقة، ولكنّه في الكناية مقدّمة لتوجيه نظر المخاطب إلى معنى آخر يلازمه، كقولنا: زيد كثير الرماد، فكثرة الرماد ليست أمراً مستحسناً مع أنّه في مقام المدح، فيكون ذلك قرينة على كونها كناية عن الجود، فصار المعنى الحقيقي كناية ووسيلة لتوجيه المخاطب نحو المعنى الآخر الّذي يلازمه كالتهديد والتعجيز.
ولعلّ هذا المقدار يكفي في هذا المقام.

المبحث الثاني: في أنّ الأمر بلا قرينة يدلّ على الوجوب

وقبل الخوض في المقام ندرس حقيقة الوجوب والندب ثبوتاً وإثباتاً، فهناك أقوال:

صفحه 327
1. الوجوب والندب مشتركان في الطلب الإنشائي غير أنّ أحدهما مقيّد بالمنع من الترك والآخر مقيّد بعدم المنع عن الترك.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره معنى تحليليٌ وليس معنى مطابقيّاً، نظير الماء فله معنى لغوي وعرفي وفي الوقت نفسه له معنى تحليلي يذكره علماء الكيمياء حيث يفسّرونه بأنّه سائل مركّب من عنصرين: الأُوكسجين والهيدروجين. وليس كلّ من يطلق كلمة الماء يدور في خلده هذا التعريف التحليلي.
2. الوجوب هو الطلب المترتب عليه العقاب عند الترك، بخلاف الندب فيتشاركان في الطلب الإنشائي ويفترقان في ترتّب العقاب وعدمه .
يلاحظ عليه: أنّه تعريف بالآثار لا بالمعنى المطابقي.
3. الوجوب والندب يشاركان في البعث المسبوق بالإرادة، ويفارقان في شدة الإرادة في الأوّل وضعفها في الثاني، فإنّ إرادة الباعث تختلف شدة وضعفاً بملاحظة الأغراض والمصالح.
فإذا كانت الإرادة شديدة ينتزع منها الوجوب وإذا كانت ضعيفة ينتزع منها الندب .
هذا هو الفارق في الثبوت، وأمّا من حيث الإثبات فربّما يمكن استظهار أحدهما بالقرائن التالية:
1. كيفية أداء الطلب بشدّة وصلابة أو رخوة وفتور.
2. علو الصوت وانخفاضه.

1 . معالم الدين: 67.

صفحه 328
3. اشتمال الأمر على نون التوكيد وعدمه.
4. الوعيد على الترك وعدمه.
هذا كلّه فيما إذا علم أحد الأمرين، وأمّا إذا كان الكلام غير مقرون بهذه القرائن، فهل يمكن أن يستفاد منه الوجوب أو الندب أو لا يستفاد واحد منهما؟
وهذا ما سندرسه في البحث الآتي.

في دلالة صيغة الأمر على الوجوب

عنون المحقّق الخراساني هذا المقصد بقوله: في أنّ الصيغة حقيقة في الوجوب أو في الندب.
إلاّ أنّ الظاهر عدم صحّة العنوان، لأنّ معنى كونه حقيقة في الوجوب أي موضوعة للوجوب أو الندب ، مع أنّه قد أثبت (قدس سره)بأنّ صيغة الأمر موضوعة لإنشاء الطلب فكيف يمكن أن يكون حقيقة في الوجوب أي موضوعة له.
والأولى في عنوان البحث هو ما ذكرنا من «دلالة الصيغة على الوجوب» فدلالتها عليه لا تلازم كونه موضوعاً لها، كما سيتضح .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه إذا علم ورود الأمر من العالي المستعلي فلاشك أنّه يلازم الوجوب لتبادره منه، وإنّما الكلام فيما إذا صدر من العالي ولم يعلم الاستعلاء فهذا هو الّذي اختلفت كلمتهم فيه، والمشهور دلالتها على الوجوب بأحد الوجوه التالية:

صفحه 329
1. دلالة الصيغة على الوجوب بالدلالة اللفظية .
2. انصرافها إلى الوجوب.
3. مقتضى الإطلاق هو الوجوب.
4. الصيغة تكشف عن الإرادة الحتمية عند العقلاء.
5. حكم العقل بوجوب تحصيل المؤمّن.
أمّا الوجه الأوّل: فلا سبيل إليه لما عرفت من أنّ الصيغة موضوعة للطلب أو البعث الإنشائيّين فأين الدلالة اللفظية على الوجوب؟! لأنّها إمّا مطابقية أو تضمنية والوجوب ليس تمام الموضوع له ولا جزأه.
وأمّا الدلالة الالتزامية فهي دلالة عقلية لا لفظية.
أمّا الوجه الثاني: فكالأول، لأنّ منشأ الانصراف أحد أَمرين; كثرة الاستعمال أو كثرة الوجود، وليس استعماله في الندب بأقل من استعماله في الوجوب، وبالتالي لا يكون وجوده أقل من وجود الوجوب فالكثرة في الجانبين على وجه سواء لو لم نقل بالكثرة في جانب الندب.
وأمّا الوجه الثالث: أي كونه مقتضى مقدّمات الحكمة فهو مختار المحقق العراقي (قدس سره)وله بيانان:
الأوّل: ما ذكره في مادة الأمر، وقال: إنّ الطلب الوجوبي هو الطلب التام الّذي لا حدّ له من جهة النقص والضعف، بخلاف الاستحبابي فإنّه مرتبة من الطلب محدودة بحد النقص والضعف، ولا ريب أن الوجود غير المحدود لا يفتقر في بيانه إلى أكثر ممّا يدل عليه، بخلاف المحدود فإنّه يفتقر بعد بيان أصله إلى بيان حدوده، وعليه يلزم حمل الكلام الّذي يدل على الطلب بلا

صفحه 330
ذكر حدّ له، على المرتبة التامّة وهو الوجوب كما هو الشأن في كلّ مطلق.1وهذا البيان أوضح من البيان التالي.
الثاني: أنّ مقدّمات الحكمة كما تجري لتبيين سعة موضوع الحكم كذلك يمكن أن تجري لتشخيص أحد مصداقي المفهوم، فلو كان لمفهوم الكلام فردان ومصداقان في الخارج وكان أحدهما يستدعي مؤونة في البيان أكثر من الآخر فيحمل المطلق على الأقل مؤونة وهوالوجوب في المقام.
وذلك لأنّ الوجوب ثبوتاً واثباتاً أمر بسيط ولكن الندب على خلاف ذلك في كلا المقامين.
أمّا ثبوتاً فالإرادة الوجوبية مطلقة من حيث الوجوب وليست الشدّة قيداً زائداً عليها بل هي حدّ الإرادة وهو من جنس المحدود، فعاد ما به الامتياز نفس ما به الاشتراك، بخلاف الإرادة الندبية فإنّها محدودة بحدّ خاص به تكون إرادة ندبية والحدّ ليس من سنخ المحدود، وبهذا صار ما به الاشتراك غير ما به الامتياز.
وأمّا إثباتاً فلأنّ إطلاق الكلام في مقام الدلالة على الإرادة الخاصّة، كاف في الدلالة على كونها وجوبية، إذ لا حدّ لها زائد على الإرادة في مقام الثبوت، ليفتقر المتكلّم في مقام إفادته إلى بيان ذلك الحدّ ، وهذا بخلاف ما إذا كانت الإرادة ندبية فإنّها محدودة بحدّ خاص ليس من سنخ المحدود فيفتقر المتكلّم في مقام بيانه إلى تقييد الكلام بما يدل عليه.2

1 . بدائع الأفكار: 1 / 197 .
2 . بدائع الأفكار: 1 / 214 .

صفحه 331
يلاحظ عليه في كلا المقامين:
أمّا الثبوت: فلأنّ التشكيك بين الإرادة الشديدة والإرادة الضعيفة من مقولة التشكيك الخاص، ففيه يكون ما به الافتراق (أي تميّز إحدى الإرادتين عن الأُخرى) نفس ما به الاتّفاق، مثلاً الشدّة في النور الشديد ليست شيئاً زائداً على النور بل هي شدّة النور. كما أنّ الضعف في النور الضعيف ليس شيئاً وراء النور بل هو ضعف النور، فالضعف والشدة في كلتا المرحلتين من سنخ المحدود، ومنه يعلم حال شدة الإرادة وضعفها فكلا الحدّين ليسا زائدين على الإرادة بل من سنخ المحدود، فتكون الإرادة في كلتا المرتبتين بسيطة لا مركبة حتّى لا يحتاج بيان شدة الإرادة إلى قيد زائد، بخلاف الأُخرى .
وأمّا الإثبات: فلأنّه إذا كان كلٌّ من الإرادتين: الشديدة والضعيفة بسيطاً، فتكون نسبة هيئة (إفعل) إليهما سواء، وذلك لأنّ المفروض أنّ كلاً من المحكيين بسيط يكفي في بيانه هيئة (إفعل)، فلا يكون الإطلاق دليلاً على أحد الفردين دون الفرد الآخر. وبذلك ظهر أنّ البيان الثاني غير واف بمقصوده، لأنّه مبني على كون أحد المحكيين بسيطاً دون الآخر، وقد ثبتت بساطة كلّ منهما.
هذا هو الّذي أورده السيد الأُستاذ الإمام الخميني1 في درسه الشريف بتصرّف منّا على المحقّق العراقي، ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ ما ذكره من

1 . راجع تهذيب الأُصول: 1 / 200 ـ 202 .

صفحه 332
البيان الأوّل لا يخلو من قوّة وحاصله إنّ كلاًّ من الوجوب والندب في التحليل العقلي مركّب من الطلب والفصل الذي يميّز أحدهما عن الآخر وهو المنع من الترك في الوجوب، وعدم المنع منه في الندب.
هذا عند التحليل العقلي، وأمّا في متلقى العرف فالوجوب بسيط يساوق نفس الطلب بلا قيد، بخلاف الندب فهو بحاجة إلى قيد أي الطلب الموصوف بعدم المنع من الترك.
أمّا وجه ذلك أي كون الأوّل بسيطاً والثاني مركّباً هو أنّ الطلب إذا صدر من العالي المستعلي فهو طلب تام وهو يساوق الوجوب، بخلاف ما إذا صدر منه وأُريد الندب يكون التعبير غير واف بمراده، إلاّ إذا أُضيف إليه عدم المنع من الترك، وبهذا ظهر أنّ مفاد الأمر واف لأداء الوجوب بخلافه بالنسبة أداء الندب. وسيوافيك توضيحه أيضاً في حمل الأمر على التعييني والعيني والنفسي، في مقابل الكقائي والتخييري والعيني.
وأمّا الوجه الرابع: أي كون الصيغة كاشفة ـ عند العقلاء ـ عن الإرادة الحتمية، فهو صحيح لكن له منشأ، والمنشأ إمّا كون الصيغة موضوعة للوجوب أو الانصراف، أو كونها من مقدّمات الحكمة، وعندئذ لا يكون حكم العقلاء دليلاً مستقلاًّ.
وأمّا الوجه الخامس: فهو المذهب الحق أي كون الأمر موضوعاً لوجوب الطاعة عند العقل ولاستحقاق العقوبة عند الترك إلاّ إذا أحرز خلافه، فما لم يحرز المخالف يبقى حكم العقل بحاله. وبعبارة أُخرى: إنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل المؤمّن في دائرة المولوية والعبودية ولا يصح عند العقل ترك العمل باحتمال كون الطلب ندبياً.
حول كلام صاحب المعالم   
فإن قلت: الحكم بالاشتغال بالمقام ينافي ما يأتي في باب البراءة من

صفحه 333
إجرائها في محتمل الوجوب فلزوم حكم العقل بالاحتياط في المقام ينافي ما في حكم العقل بالبراءة بقبح العقاب بلا بيان.
قلت: إنّ مصب البراءة في ما لم يرد بيان من الشارع في الموضوع، وأمّا إذا كان هناك تنصيص وتصريح بالمطلوب فلا تجري البراءة باحتمال كون الأمر للندب لوجود البيان من المولى أوّلاً، وحكم العقل بلزوم طاعة أمر المولى ثانياً إلاّ إذا أُحرز كونه للندب.

إكمال

قال صاحب المعالم: يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الأئمة(عليهم السلام)أنّ استعمال صيغة الأمر في الندب كان شائعاً في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالُها في اللفظ، لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجّح الخارجي، فيشكل التعلّق في إثبات وجوب أمر، بمجرّد ورود الأمر به منهم(عليهم السلام).1
وأجاب عنه صاحب الكفاية بوجهين:
تارة بالنقض: بأنَّ العام اُستعمل في الخاصّ كثيراً حتّى قيل: ما من عام إلاّ وقد خُصّ، ولم ينثلم به ظهوره في العموم، بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخصوص.
وأُخرى بالحلّ: بأنّ الاستعمال في الندب وإن كان كثيراً إلاّ أنّه كان مع القرينة المصاحبة، وكثرة الاستعمال كذلك في المعنى المجازي لا توجب

1 . المعالم: 48 ـ 49.

صفحه 334
صيرورته مجازاً مشهوراً فيه ليُرجّح أو يُتوقف، على الخلاف في المجاز المذكور.
يُلاحظ على كلا الوجهين أمّا النقض فبوجود الفرق بين المقام والعام حيث إنّ العام مستعمل بالإرادة الاستعمالية في معناه الحقيقي وإنّما يرد التخصيص على الإرادة الجدية، ومدار الحقيقة هو كون اللفظ مستعملاً في معناه الحقيقي بالإرادة الاستعمالية فلذلك لم تُوجب كثرةُ التخصيص المجازيةَ، وبالتالي لم تكن مانعة عن حمل العام على معناه الحقيقي عند الشك في التخصيص، وهذا بخلاف استعمال الأمر في الندب فإنّ مفروض المعترض والمجيب أنّه استعمل في الندب كثيراً أو أكثر، وهذا يكون مانعاً عن حمل الأمر المجرد عن القرينة على الوجوب.
وأمّا الحل فلأنّ صاحب المعالم يدّعي أنّ استعمال الأمر في كلمات الأئمة(عليهم السلام)في الندب بلا قرينة لغاية دعوة الناس إلى المستحبات وما ذكره المجيب من أنّ الاستعمال كان مقروناً بالقرينة، يحتاج إلى دليل.
فالأولى أن يقال:
إنّ ما ذكره صاحب المعالم مبني على أنّ الوجوب والندب من المداليل اللفظية فعندئذ يتمشّى ما ذكره من أنّ كثرة الاستعمال في الندب تكون مانعة من حمل الأمر على الوجوب .
   
وأمّا على القول بأنّهما من الأُمور المستفادة من القرائن الحافّة بالكلام كما سبق فلا يكون هذا مانعاً من حمل الأمر على البعث الصادر عن الإرادة الشديدة وذلك بوجهين:

صفحه 335
1. إمّا أن الوجوب مقتضى الإطلاق، كما عليه المحقّق العراقي حيث قال:
إنّ الطلب المطلق بيان للوجوب بلا حاجة إلى أمر آخر، وأمّا الندب فهو ليس طلباً أو بعثاً مطلقاً عند العرف بل طلب مقرون بجواز تركه، فإذا ورد الأمر على وجه الإطلاق فمقتضى القاعدة هو حمله على الوجوب دون الندب.
2. انّ الأمر الصادر من العالي موضوع لوجوب الطاعة عند العقل، حيث إنّ العقل يحكم بوجوب تحصيل المؤمّن وهو يحصل بأحد الأمرين; إمّا الامتثال أو الدليل على أنّ البعث على وجه الندب، وحيث إنّ الثاني منتف فيجب تحصيل المؤمّن على الوجه الأوّل، أعني: الامتثال.

المبحث الثالث: دلالة الجملة الخبرية على الوجوب

ربّما تستعمل الجملة الخبرية في مقام الطلب والبعث، يقول سبحانه: (وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)1 وقال سبحانه: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)(2) وقال سبحانه: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)(3) وقد تضافرت الروايات عنهم(عليهم السلام)في أبواب الطهارة والصلاة وغيرهما: «يَغْتسل»، «يُعيد الصلاة»، «يَستقبل القبلة» إلى غير ذلك، فالجمل الخبرية في هذه الموارد استعملت لداعي الطلب أو البعث، والكلام يقع في أُمور أربعة:

1 . البقرة: 228 .         2 . البقرة: 241 .   3 . البقرة: 233 .

صفحه 336
أ. هل الاستعمال المذكور مجاز أو حقيقة أو كناية؟
ب. هل يلزم الكذب إذا لم يمتثل العبد؟
ج. هل الجملة ظاهرة في الوجوب؟
د. هل الجملة آكد في إفادة الوجوب من الجملة الإنشائية؟
وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.
أمّا الأمر الأوّل: فليس الاستعمال مجازاً مطلقاً، لا على مذهب المشهور، لأنّ المفروض أنّه استعمل فيما وضع له (أي الإخبار) لا في غير ما وضع له (أي الإنشاء)، ولا على المذهب المختار من أنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ فيما وضع له لكن بادّعاء أنّ المورد من مصاديق الموضوع له، وهذا الشرط مفقود في المقام، إذ لا معنى لادّعاء أنّ الإنشاء من مصاديق الإخبار فلا ينطبق عليه تعريف المجاز على الإطلاق.
وأمّا ما كونه حقيقة فهو خيرة المحقّق الخراساني فهو يقول:
بأنّ الجمل الخبرية في هذا المقام مستعملة في معناها، إلاّ أنّه ليس بداعي الاعلام، بل بداعي البعث كما هو الحال في الصيغ الإنشائية على ما عرفت من أنّها أبداً تستعمل في معانيها الإيقاعية لكن بدواع أُخر.
يلاحظ عليه: بأنّ لازم كونه حقيقة ـ في مقابل الكناية ـ أن يكون المستعمل فيه مطلوباً ومقصوداً بالذات، والمقام ليس كذلك فإنّ المقصود الأسنى هو البعث.
والأولى أن يقال: أنّه من باب الكناية، والكناية عبارة عن استعمال

صفحه 337
اللفظ فيما وضع له، مع نصب قرينة على أنّ المراد الحقيقي، لازم المعنى لا نفسه وهذا كقوله: «زيد كثير الرماد» فالإرادة الاستعمالية تعلّقت بالإخبار عنه بكثرة الرماد، وبما أنّ القائل في مقام المدح، وكثرة الرماد ذمّ حيث يدل على وجود الأوساخ أمام البيت، فلابد من القول بأنّه بصدد بيان أمر آخر يلازم ذلك وهو كثرة الجود، ونظيره المقام فإنّه وإن كان مخبراً عن وجود شيء في المستقبل لكنّه ليس مراداً جدياً وإنّما المراد الجدي هو بعثه نحو المطلوب هذا .
نعم لو أراد المحقّق الخراساني من الحقيقة، المصطلح الأعم حتى تشمل الكناية فلا مشاحَّة في الاصطلاح هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الثاني: وهو عدم لزوم الكذب عند ترك الامتثال، ووجهه واضح، فإنّ الكذب إنّما يلزم إذا وردت الجملة بداعي الاخبار لا بداعي الإنشاء، نظير ذلك باب الكنايات، فلو كان جواداً وكان بيته نظيفاً من الرماد فالجملة صادقة لا كاذبة. نعم لو كان بخيلاً أو غير جواد فهي جملة كاذبة وإن ملأ الرمادُ بيته .
أمّا الأمر الثالث: أي دلالته على الوجوب، فهي أيضاً ظاهرة لأنّ الاخبار تكشف عن رغبة المتكلّم بوجود المخبر به في الخارج حتّى رآه مجسداً محقّقاً في الخارج مُخبراً عنه، فلذلك تكون دلالة قوله: «ولدي يصلي» على تأكيد الأمر أوضح من دلالة قوله: «صلّ يا ولدي»، وهذه ضابطة كلية في الكنايات فقوله: «زيد كثير الرماد» آكد في الدلالة على السخاء والجود من قوله: «زيد جواد».

صفحه 338
ومنه يعلم الأمر الرابع وهو آكدية الجملة الخبرية في الدلالة على البعث من الجملة الإنشائية.
إلى هنا تمّ الكلام في المباحث الثلاثة من الفصل الثاني، وأمّا المبحث الرابع الّذي عقده المحقّق الخراساني أعني لو فرضنا ان الأمر ليس حقيقة في الوجوب فهل يمكن القول بظهوره فيه أو لا؟
ونحن في غنى عن هذا البحث لما مرّ من انّه ليس حقيقة فيه قطعاً، وإنّما هو حقيقة في انشاء البعث وان الوجوب من احكام العقل بان بعث المولى لا يترك بلا جواب.

المبحث الرابع: في التعبّدي والتوصّلي1

هل الأصل في الأوامر، التوصّلية، أو أنّ الأصل فيها التعبدية؟ تظهر الثمرة فيما لو لم يعلم حال الأمر حتّى يلحق بما هو الأصل، وقبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:

الأوّل: التوصّلي وإطلاقاته

يطلق التوصّلي على أُمور مختلفة:
1. ما لا يعتبر في سقوطه المباشرة بل يجوز فيه قيام الغير به كأداء الدين حيث يكفي فيه قيام الوكيل أو المتبّرع في سقوطه، ويقابله ما يشترط فيه المباشرة كما إذا سلّم على شخص خاصّ فيجب عليه ردّ السلام مباشرة

1 . قد مرّ أنّ في الفصل الثاني من فصول المقصد الأوّل، مباحث وهذا هو رابعها.

صفحه 339
ولايسقط التكليف بجواب الآخر.
2. ما لا يعتبر في سقوطه الالتفات كتطهير البدن والثوب من الخبث، فلو غمست الأُمُ يد الطفل في الماء الكر لطهرت يده وإن كان الطفل غير ملتفت، ويقابله ما يشترط فيه قصد العنوان على نحو لا يتحقق إلاّ بقصده كالمعاملات، مثل البيع والإجارة وغيرهما.
3. ما لا يشترط في سقوطه، تحقُّقه في ضمن فرد جائز، بل يسقط في ضمن فرد محرم أيضاً كما إذا وجب قتل الحيوان الضار فقتله بآلة مغصوبة، وهذا لا بمعنى أنّ الواجب أعمّ من السائغ والحرام، بل بمعنى سقوط الواجب عندئذ بانتفاء الموضوع أو لحصول الغرض، وإلاّ فالواجب هو الكلّي المتحقّق في ضمن السائغ.
وهذه الموارد الثلاثة يطلق عليها التوصّلي ويقابلها عنوان غير التوصّلي لا التعبّدي.
4. يطلق التوصّلي ويراد به ما يسقط الواجب بأي داع أُتي به، ويقابله التعبّدي وهو ما لا يسقط إلاّ بداع إلهي، فالأوّل كدفن الميّت حيث يوارى حتّى ولو لأجل منع انتشار ريحه، والثاني كالعبادات مثل الصوم والصلاة والحج .
والمقصود من التوصّلي في المقام هو المصطلح الأخير الّذي يقابله التعبّدي.

صفحه 340

الثاني: التعبّدي ومحقّقاته

المراد من التعبّدي ما لا يسقط إلاّ إذا أتي به بداع إلهي لا بداع نفساني، وهذا هو الجامع بين إطلاقاته وعلى ذلك فهذا الداعي يتحقّق بصور مختلفة:
1. الإتيان بالواجب بقصد أمره سبحانه.
2. الإتيان بالواجب لله تبارك وتعالى.
3. الإتيان بداعي التقرّب إليه سبحانه.
4. الإتيان بداعي كونه تعظيماً وتقديساً له.
5. الإتيان بداعي المحبوبية للمولى، فيكون الداعي إلى العمل كونه محبوباً ومطلوباً لله .
6. الإتيان بقصد المصلحة المعنوية المترتّبة على العمل كالتقوى في الصوم، كما قال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )1، والانتهاء عن الفحشاء في الصلاة كما قال سبحانه: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)2 .
نعم لا يكفي الإتيان بالعمل لأجل المصالح الدنيوية كصحة البدن في الصوم والتجارة في الحجّ والرياضة في الصلاة، لأنّ الإتيان لأجل هذه الغايات لا يُضفي على العمل عنوان العبادة.

1 . البقرة: 183 .
2 . العنكبوت: 45.

صفحه 341

الثالث: هل هناك عبادة ذاتية؟

ربّما يظهر من بعض الكلمات أنّ كلاًّ من الركوع والسجود عبادة ذاتية لا تنسلخ العبادية عنهما، بشهادة أنّهما من مظاهر التعظيم والتقدير بين عامّة الشعوب.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان السجود عبادة ذاتية لما أمرسبحانه الملائكة بالسجود لآدم، كما قال سبحانه: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ)1 وقد كان النبي آدم (عليه السلام)مسجوداً له بشهادة قوله: (اسْجُدُوا لآدَمَ)، لا قبلة ولا مسجوداً عليه كالتربة.
إنّ النبي يعقوب (عليه السلام)وأولاده جميعاً سجدوا ليوسف لمّا التقوا به كما قال سبحانه: (وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)(2) وهذا يدلّ على أنّ كون الركوع والسجود من العبادات إنّما هو بالجعل والاعتبار على نحو يمكن أن يتغير الوضع ويصير الركوع أمام الرئيس يوماً أهانة له.

الرابع: ما هو حدّ العبادة؟

اغترّ بعض الناس في حدّ العبادة بما ذكره أهل اللغة من أنّها بمعنى الخضوع والخشوع، ولو صحّ ذلك لما وجد على أديم الأرض موحّدٌ فإنّ الأولاد يخضعون لوالديهم وقد أمرهم سبحانه بذلك وقال: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)2،

1 . البقرة: 34 .   2 . يوسف: 100 .
2 . الإسراء: 24 .

صفحه 342
والتلميذ يخضع أمام المعلم والجندي أمام الضابط، كلّ ذلك يدلّ على أنّ العبادة ليست مجرد الخضوع والخشوع بل تتمتع بعنصرين :
أ. الخضوع بالجوارح من غير فرق بين الرأس واليد وغيرهما.
ب. كون الخضوع نابعاً من الاعتقاد بإلوهية 1 المخضوع له أو ربوبيته، وبكلمة مختصرة: الاعتقاد بأنّ المخضوع له إله أو رب وأنّ مصير الخاضع في كل الأُمور أو بعضها بيده.
ويعلم ذلك من دراسة حال المشركين والموحّدين في معابدهم ومساجدهم، فعمل كلّ منهما يتمتع بهذين العنصرين: أوّلاً هناك خضوع وخشوع بأشكال مختلفة، وثانياً أنّ خضوعهم نابع عن اعتقاد خاص وهو كون المخضوع له خالق العالم أو مدبّره كما هو الحال في عبادة الموحّدين، أو أنّ المخضوع له ممن فُوّض إليه أمرٌ من الأُمور كغفران الذنوب والعزة في الحياة والنصر في الحرب ، وكان الوثنيون يعبدون الآلهة لهذه الغايات وقد أشار سبحانه إلى الغايتين الأخيرتين فقال: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً)2 .
وقال سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)3.
ومن هنا يُعلم أنّ كلّ خضوع وخشوع أمام الأنبياء والأولياء لا يُعدّ عبادة ما لم يعتبرهم الخاضع أرباباً أو آلهة، بل اتّخذهم عباداً مكرمين .

1 . الّتي نعبّر عنها في الفارسيّة به «خدائى» وقد أثبتنا في محلّه أنّ الإله يرادف لفظ «خدا» في الفارسية وليس بمعنى المعبود وإنّما المعبودية من لوازمه.
2 . مريم: 81 .
3 . يس: 74 .

صفحه 343
والكلام الحاسم مع من يصف كلّ تعظيم وتقديس للأنبياء والأولياء عبادة أو دعوتهم شركاً هو أن يحدد ذلك القائل العبادةَ بحد منطقي، فما لم تُحدَّد به لا يمكن القضاء الحاسم، وقد مرّ ذكر الحد المنطقي لها بالعنصرين الماضيين .

الخامس: هل التقسيم ثنائي أو ثلاثي؟

المعروف عند الأُصوليين أنّ الواجب ينقسم إلى قسمين: توصّلي وتعبّدي. وذهب سيدنا الأُستاذ (قدس سره) إلى أنّ ما يعتبر في سقوطه قصد القربة ينقسم إلى قسمين: قربي وتعبدي، والجامع بينهما أنّ المسقط في الجميع هو إتيان الفعل بداع إلهي، وهو في الوقت نفسه ينقسم إلى قسمين إما أن ينطبق عليه عنوان العبادة كالصلاة والاعتكاف والحج، أو لا ينطبق عليه ذلك العنوان وإن كان يُعد طاعة كالزكاة والخمس، فالأوّل تعبّدي يرادف لفظ «پرستش»، والآخر قربيّ، فصارت الأقسام ثلاثة.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره صحيح لو كانت كلمة «عبادة» مرادفة للفظ «پرستش». وعلى ذلك لا يوصف إعطاء الصدقة للفقير وسائر الفرائض المالية بالعبادة، لأنّ الإنسان لا يعبد بهذا العمل خالقه وبارئه.
وأمّا لو قلنا بأنّ لفظ العبادة بمعنى الخضوع فكلّ عمل يأتي به الإنسان خاضعاً لربه وقاصداً لرضاه فهو عبادة.
فالعبادة بهذا المعنى تعمّ كلّ عمل قربي يطلب فيه رضا الله سبحانه وإدراك ثوابه وأجره، وعلى كلّ تقدير فلا مشاحة في الاصطلاح .

صفحه 344

السادس: انّ القيود المأخوذة في المتعلّق على قسمين:

1. ما يمكن أخذه في المتعلّق مع قطع النظر عن تعلّق الأمر به، وهذا كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، حيث تنقسم الصلاة إلى المشروطة بالطهارة وعدمها، ونظيرها سائر القيود.
2. ما لا يمكن أخذه في المتعلّق مع قطع النظر عن الأمر المتعلّق به، وهذا كقصد الأمر بالنسبة إلى الصلاة فهذا القيد ينوع الصلاة إلى قسمين: صلاة يؤتى بها بقصد الأمر وصلاة يؤتى بها بلا هذا القصد، ولكن هذا القيد لا يمكن اعتباره في المتعلق إلاّ مع لحاظ الأمر المتعلّق به.
فما هو من قبيل القسم الأوّل يسمى بالقيود الواقعة تحت دائرة الطلب.
وأمّا ما هو من قبيل القسم الثاني يسمى بالقيود الواقعة فوق دائرة الطلب.
ومن هنا يعلم أنّ قصد الوجه وقصد التميز من قبيل القسم الثاني فلا يؤخذ في المتعلّق إلاّ بلحاظ تعلّق الأمر به.

السابع: اختلاف الأُصوليين فيما هو الأصل

كان الأصل عند العلماء قبل ظهور مدرسة الشيخ الأنصاري هو التوصّلية وقد انقلب الأمر بعد ظهورها بين الأعلام إلى أنّ الأصل هو التعبدية. ومبنى القولين عبارة عن إمكان أخذ قصد الأمر في المتعلّق وعدم إمكانه .
دليل القائل بامتناع أخذ قصد الأمر في المتعلّق   

صفحه 345

دليل القائل بأنّ الأصل هو التوصلية

استدلّ القائل بأنّ الأصل هو التوصلية، بإطلاق المتعلّق، إذ لو كان الواجب هو إتيانه بقصد أمره كان على الشارع ذكر القيد في المتعلّق، بأن يقول ـ مثلاً ـ : زكّ مالكَ بداعي أمره، فإذا خلا المتعلّق عنه يكشف عن عدم مدخليته. وبعبارة أُخرى: التوصلية غنية عن التقييد، والتعبدية رهن ذكر القيد.
هذا على القول بإمكان أخذ قصد الأمر في متعلّقه، وأمّا على القول بعدم إمكان أخذ ما لا يتأتى من قبل الأمر في متعلّقه يُصبح الأصل تعبدياً، إذ لا يمكّن أن يستدل بإطلاق المتعلّق على عدم مدخليته لافتراض امتناع أخذه في المتعلّق، فكيف يُستدلّ بخلوّه عن القيد، على عدم مدخليته؟!
ثم إنّ القائلين بالقول الثاني كالشيخ وأتباع مدرسته كالمحقّق الخراساني والمحقّق النائيني استدلّوا على الامتناع بوجوه ربّما تربو إلى عشرة، وقد ذكر المحقّق الخراساني منها وجوهاً أربعة ندرسها تباعاً وهي:

الوجه الأوّل: استلزامه تعلّق الأمر بغير المقدور

إنّ أخذ «قصد الأمر» في المتعلّق يستلزم التكليف بغير المقدور، فإذا افترضنا أنّ الموضوع قبل الأمر هو «الصلاة مع قصد الأمر» فهو فعل غير مقدور قبل الأمر، إذ لا يتيسّر للمكلّف أن يأتي بالصلاة مع قصد أمرها قبل أن يتعلّق بها التكليف فهو غير مقدور قبل التكليف، ومن المعلوم أنّه يشترط في متعلّق الأمر أن يكون مقدوراً مع قطع النظر عن الأمر.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح ولكن يكفي كونه مقدوراً حين

صفحه 346
الامتثال لا قبل الأمر ولا حين الأمر، فهو قبل الأمر ممتنع، وبعده أمر ممكن والمفروض أنّ المكلّف يمتثل بعد ورود الأمر، وقد اعترف صاحب الكفاية بعدم صحة الدليل حيث قال: «ضرورة إمكان تصور الأمر بها مقيدةً والتمكّن من إتيانها كذلك بعد تعلّق الأمر بها والمعتبر من القدرة المعتبرة عقلاً في صحة الأمر إنّما هو في حال الامتثال لا حال الأمر».1

الوجه الثاني: جزء الموضوع غير مأمور به

إذا افترضنا أنّه إذا أمر المولى بالمركب من «الصلاة وقصد الأمر» وقال: «أقم الصلاة بقصد أمرها»، فعندئذ تكون الصلاة جزء الموضوع لاتمام الموضوع، ومن المعلوم أنّ الجزء غير مأمور به، فكيف يمكن أن يأتي به بقصد أمرها إذ ليس لها أمر وإنّما الأمر للمركب .
يلاحظ على هذا الوجه: بأنّه إذا كانت الصلاة جزءاً فجزء المركّب يؤتى به بنفس الأمر المتعلّق بالمركب، فإذا أمر ببناء المسجد فكلّ جزء يتعلّق بالبناء يأتي به المكلّف بنفس الأمر المتعلّق ببناء المسجد، ومثله المقام حيث يصح للمكلف أن يأتي بالصلاة بنفس الأمر الّذي تعلّق بالمركب، أي الصلاة بقصد أمرها.
وقد أشار المحقّق الخراساني إلى هذا الجواب وقال: نفس الفعل الّذي تعلّق به الوجوب مع هذا القصد يكون متعلّقاً للوجوب، إذ المركب ليس إلاّ نفس الأجزاء بالأسر ويكون تعلّقه بكلّ، عينُ تعلّقه بالكلّ، ويصح أن يؤتى

1 . كفاية الأُصول : 1 / 109.

صفحه 347
به بداعي ذاك الوجوب.
وهذان الوجهان لم يرتض بهما صاحب الكفاية، ولذلك عاد واستدلّ على مقصوده بالوجهين التاليين:
 
الوجه الثالث: استلزامه التسلسل
لو افترضنا أنّ المولى أمر بالصلاة بقصد الأمر فكلّ من الجزأين يتعلّق به الوجوب، ومن المعلوم أنّ الوجوب يتعلّق بالفعل الاختياري، والصلاة وإن كانت فعلاً اختيارياً لكن القصد بمعنى الإرادة ليس بأمر اختياري، وذلك لأنّ الميزان في كون فعل اختيارياً هو كونه مسبوقاً بالإرادة والإرادة ليست اختيارية بهذا الملاك، وإلاّ يلزم سبقها بإرادة أُخرى، وعندئذ ينتقل الكلام إلى الإرادة الثانية فلو كانت غير اختيارية ثبت المطلوب وإن كانت اختيارية لتوقّفت على إرادة ثالثة، وهكذا يلزم التسلسل.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الضابطة ليست قاعدة كلّية ، إذ ليس الملاك في كون الفعل اختيارياً كونه مسبوقاً بالإرادة، بل الملاك في كون الفعل اختيارياً صدوره عن فاعل مختار بالذات. وبعبارة أُخرى: عن فاعل ، مختار في إعمال قدرته، من غير فرق بين الفعل الجوانحي أو الجوارحي، وذلك لأنّ الفاعل العالم على قسمين:
تارة يصدر منه الفعل عن علم ولكن بلا اختيار، كضربات القلب، والتنفس.
وأُخرى يصدر منه الفعل عن علم واختيار بمعنى أنّه مختار في إعمال

صفحه 348
القدرة، كما هو الحال في أفعال الإنسان في المواقع العادية. والإرادة والقصد من القسم الثاني، حيث يريد عن علم واختيار. فلو تعلّق به الأمر، فقد تعلّق بشيء اختياريّ.

الوجه الرابع: داعوية الأمر إلى نفسه

لو افترضنا أنّ المولى أمر بالصلاة بقصد أمرها فكما يجب له إتيان الصلاة بقصد أمرها يجب إتيان الجزء الآخر أيضاً بقصد أمره، ومن المعلوم أنّ الثاني أمر غير ممكن لاستلزامه كون الأمر داعياً إلى نفسه، وإلى هذا الإشكال يشير المحقّق الخراساني بقوله: لا يكاد يمكن الإتيان بالمركّب من قصد الامتثال بداعي امتثال أمره 1.
يلاحظ عليه: أنّ الجزء الثاني أعني: «بقصد أمرها» أخذ في الموضوع طريقياً لبيان حال الجزء الأوّل، ووصفاً له وهو بصدد بيان أنّ الصلاة يجب الإتيان بها بقصد أمرها وليس لهذا الجزء موضوعية، فإذا أتى بالجزء الأوّل بقصد أمره يتحقّق الجزء الثاني قهراً وبلا حاجة إلى قصده ثانياً.
وحصيلة الكلام: إنّ الأمر بالصلاة مقيّدة بداعي أمرها، ليس بمعنى أنّه يأتي بالجزء الثاني «داعي أمرها» أيضاً بقصد أمره، فإنّ هذا التفسير غفلة عن معنى أخذ «قصد الأمر» في متعلّق الأمر، فإنّ الهدف من أخذه ليس إلاّ لبيان كيفية امتثال الجزء الأوّل فقط، فإذا أتى بالصلاة بقصد أمرها فقد امتثل الأمر بالمركّب من الصلاة وقصد الأمر، قهراً، ومعه لا يبقى موضوع لامتثال الجزء الثاني.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 110 .

صفحه 349
هذه هي الوجوه الّتي اعتمد عليها المحقّق الخراساني في المقام، وهناك وجوه أُخرى لبيان الامتناع ربّما تناهز العشرة استوفينا بيانها في الدورات السابقة، ونحن نذكر شيئاً منها .

الوجه الخامس: توقف الشيء على نفسه

إنّ الأمر يتوقّف على الموضوع توقف العرض على موضوعه، والمفروض أنّ جزء الموضوع أعني «قصد الأمر» يتوقّف على الأمر لكون قصده متوقفاً عليه فيلزم توقف الشيء على نفسه الذي يعبر عنه بالدور.1
يلاحظ عليه: بأنّه نفس الإشكال الأوّل في كلام المحقّق الخراساني غير أنّه عبّر عنه بلزوم تعلّق الأمر بغير المقدور وفي هذا الوجه عُبّر عنه باستلزامه توقف الشيء على نفسه الذي هو الدور.
والجواب أنّ قصد الأمر، الموقوف عليه، غير قصد الأمر الموقوف على الأمر; فالأوّل عبارة عن تصوّر قصد الأمر منضمّاً إلى الصلاة وهو قائم بذهن المولى قبل الأمر، والثاني عبارة عن قصد الأمر، القائم بالمصلّي حين الصلاة، فاختلف الطرفان.
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ (قدس سره)أجاب عن هذا الاستدلال بوجه تفصيليّ، فمن أراد فليرجع إلى محاضراته.2

1 . درر الفوائد للمحقق الحائري: 94.
2 . لاحظ: تهذيب الأُصول: 1 / 208 .

صفحه 350
الوجه السادس: تقدّم الشيء على نفسه
بيانه أنّ قصد الأمر متأخّر عن الأمر، والأمر متأخّر عن الموضوع، فينتج أنّ قصد الأمر متأخّر عن الموضوع، فأخذه في الموضوع الذي هو متقدّم
على الأمر، المتقدّم على القصد، يستلزم تقدّم الشيء (أعني قصد الأمر)
على نفسه.
يلاحظ عليه: بأنّه أيضاً نفس الإشكال الخامس لكن باسم مفسدة الدور، لأنّ تقدّم الشيء على نفسه من مفاسد الدور وتبعاته.
والجواب: أنّ قصد الأمر المتقدّم على الأمر وقصده المأخوذ في الموضوع، عبارة عن قصد الأمر المتصوّر في ذهن المولى عند الأمر.
وأمّا قصد الأمر المتأخّر عن الأمر فهو عبارة عن قصد الأمر القائم بالمصلّي حين ابتداء الصلاة، فالمتقدّم ـ أعني الموجود في ذهن المولى ـ غير المتأخر ـ أعني القائم بالمصلي ـ والطرفان مختلفان.
إلى غير ذلك من الوجوه الّتي لا تسمن ولا تغني من جوع.
ثم إنّ القائل بامتناع أخذ قصد الأمر في المتعلّق بأمر واحد، حاول تصحيح أخذه بأمرين، وإليك بيانه.

تصحيح الأخذ بأمرين

إنّ الشيخ الأنصاري (قدس سره)من أوائل القائلين بامتناع أخذ قصد
الأمر المتعلّق بأمر واحد، لكنّه (قدس سره)حاول أن يصحّح الأخذ لكن
بأمرين:

صفحه 351
الأمر الأوّل: يتعلّق بنفس الطبيعة ويقول: أقم الصلاة.
والأمر الثاني: يتعلّق بالإتيان بها بداعي أمرها كما إذا قال: امتثل أمر الصلاة بقصد أمرها.
وعلى هذا فيكون الأصل في الأوامر هو التوصلية، فإنّ الأخذ في متعلّق الأمر الأوّل وإن كان محالاً ولكن لما كان الأخذ في المتعلّق بالأمر الثاني جائزاً فعدم وجود الأمر الثاني يكشف عن عدم مدخليته فيه.1
وأورد المحقّق الخراساني على هذا الوجه قائلاً:
أنّ الأمر الأوّل إن كان يسقط بمجرد موافقته ولو لم يقصد به الامتثال فلا يصل الآمر إلى غرضه بهذه الوسيلة.
وإن لم يسقط بذلك فلا يكاد يكون له وجه إلاّ عدم حصول غرضه بذلك من أمره فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى التوصّل بالأمرين لاستقلال العقل مع عدم حصول الغرض بمجرد الموافقة بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط الأمر .2
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره إنّما يصحّ في حق الشاك في أنّ غرض المولى هل يحصل بمجرد الموافقة أو يحتاج إلى قصد الأمر فحينئذ فالعقل حاكم بتحصيل الغرض بإتيان المأمور به بقصد الأمر.
وأمّا إذا كان المكلّف جاهلاً غير ملتفت بأنّ المأمور به توصّلي أو تعبّدي فعندئذ لا يصل المولى إلى غرضه إلاّ عن طريق تعدد الأمر.

1 . مطارح الأنظار: 60 .
2 . كفاية الأُصول: 1 / 111 .

صفحه 352
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ أورد على المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:
أهمها هو أنّ حكم العقل بوجوب تحصيل الغرض مضافاً إلى الإتيان بالمتعلّق ليس حكماً قطعياً أو ممّا اتّفق عليه العقلاء، إذ لقائل أن يقول: إنّ العقل يحكم بتحصيل ما وقع تحت دائرة الطلب، وأمّا قصد الأمر الّذي لم يرد فيه ولا في دليل آخر فلا دليل على وجوب إتيان ذلك القيد لتحصيل الغرض.
ثم إنّ المحقّق البروجردي أورد على الشيخ الأنصاري القائل بجواز أخذ القيد في المتعلّق بواسطة أمرين بما يلي:
أوّلاً: أنّه إذا فرضت انّ المصلحة قائمة بالطبيعة المقيّدة بقصد الأمر يكشف هذا عن خلو الطبيعة المجردة عن القيد من المصلحة فحينئذ لا تتعلّق الإرادة بمثل هذه الطبيعة، كما لا يمكن أن يكون مثل هذه الإرادة مبدأ للبعث، لأنّ الإرادة وبالتالي البعث تابعان للملاك والمفروض عدمه، وهذا يعرب عن عدم صحّة الأمر الأوّل حتّى يتمّ بالأمر الثاني.
ثانياً: لو فرضنا تعلّق الأمر به، لكنّه لا يكون إلاّ أمراً صورياً; أعني: ما لا يترتب عليه غرض، ولا يكون ذا مصلحة وفائدة، وقصد هذا الأمر الصوري لا يكون مقرّباً، بل القصد وعدمه سواء; فلا يصل المولى إلى مطلوبه بهذه الوسيلة أيضاً .1
يلاحظ عليه: أنّ الصلاة بما هي هي وإن لم تَحمِلُ مصلحة تامة ولكنّها بالنسبة إلى العلة التامة للمصلحة تعدّ مقتضية ويكفي ذلك في تعلق الأمر بها،

1 . نهاية الأُصول: 115.

صفحه 353
مثلاً الزكاة أمر قربي أو عبادي يجب فيها قصد الأمر والطاعة ولكن ليس إعطاء الزكاة إلى الفقراء مجرداً عن قصد القربة فاقداً للمصلحة، ولذلك يجب على الحاكم أخذ الزكاة من مانعيها وإن لم يكن للمعطي قصد ولا طاعة، وقس عليه سائر العبادات لوجود الفرقُ الواضح بين العبادة المجردة عن قصد الأمر وبين عمل اللغو واللعب، غاية الأمر أنّ المصلحة التامة قائمة بإتيانها مع قصد القربة.
وبذلك يظهر النظر في الأمر الثاني فإنّ الأمر الأوّل ليس أمراً صورياً، بل أمر جدّي على حدّ الأمر بالمقتضي .
إلى هنا تبيّن أن مقتضى الإطلاق اللفظي هو التوصّلية، وذلك بأحد الطريقين .
فإذا لم نجد فيما بين أيدينا من الأدلّة ما يدلّ على وجوب قصد الأمر بأحد هذه الطرق نستكشف عدم اعتباره .
فالتمسّك في هذه الموارد تمسّك بالإطلاق اللفظي.

التوصلية والإطلاق المقامي

كان التمسّك في الوجوه السابقة بالإطلاق اللفظي، وفي المقام وجه آخر وهو التمسّك بالإطلاق المقامي، وحاصله: أنّا نفترض أنّ الأخذ في المتعلّق غير ممكن، فلا يدلّ سكوت المولى على عدم الوجوب، ولكن يمكن للمولى أن يذكره بدليل آخر، وذلك فيما لو كانت القيود المشكوكة ممّا لا يلتفت إليه عموم الناس فعلى المولى سبحانه أن ينبّه على تلك القيود

صفحه 354
حتّى لا يكون ناقضاً لغرضه، ولو بدليل مستقل.
وهذا كقصد الأمر وقصد الوجه وتمييز الأجزاء الواجبة عن المستحبّة إلى غير ذلك من القيود الّتي لا يلتفت إلى مدخليتها في غرض المولى إلاّ الأمثل فالأمثل من الناس.
فإذا لم نجد شيئاً في دليل الواجب ـ بأحد الطرق الماضية ـ ما يدلّ على مدخلية أحد هذه الأُمور في غرض الشارع نستكشف عدم مدخليته، وإلاّ كان على الشارع التنبيه على مدخليتها، وعلى ما ذكرنا فمقتضى الإطلاق المقامي كالإطلاق اللفظي هو التوصلية.
والفرق بين الإطلاقين أنّ مصب الإطلاق اللفظي يرجع إلى الشك في اجزاء المتعلّق قلّة وكثرة فيحكم بمقتضى الإطلاق على عدم مدخلية المشكوك كالقنوت مثلاً في الصلاة، وأمّا الإطلاق المقامي فمصبه هو الشك في مدخلية الشيء في غرض المولى وإن كان المتعلّق تامّاً غير ناقص كقصد الأمر والوجه وغيرهما، بناءً على امتناع أخذهما في المتعلّق .
ويظهر من المحقّق الخراساني عند البحث في مقتضى الأصل العقلي، الفرق بين قصد القربة وقصد الوجه والتمييز وانّ الأخيرين ممّا تغفل عنهما عامة الناس، فيتمسك في نفي مدخليتهما في الطاعة بالإطلاق المقامي دون الأوّل 1 .
   
ولكن الفرق غير واضح فإنّ الأُمور الثلاثة من الأفكار الكلامية غير المطروحة إلاّ للأمثل فالأمثل من العلماء، وأين العوام منها.

1 . كفاية الأُصول بحاشية المشكيني: 1 / 114 .

صفحه 355
فخرجنا بهذه النتيجة وهي: أنّ مقتضى الإطلاق المقامي كاللفظي هو التوصلية.

أدلّة القائل بأنّ الأصل التعبّدية

استدلّ القائل بالتعبّدية بما يلي:
الأوّل: قوله سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَ يُؤتُوا الزَّكَاةَ وَ ذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )1.
الاستدلال مبنيّ على تفسير قوله (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ) بالنحو التالي: أي ما أمروا بشيء في مورد من الموارد إلاّ لأجل عبادة الله. وبعبارة أُخرى: الغاية من الأمر في عامة الموارد هو التعبد. وعلى ضوء هذا فكلّ أمر في الشريعة في أي باب من الأبواب إنّما ورد للتعبّد به إلاّ ما قام الدليل على خلافه.
يلاحظ عليه: أنّ التفسير المزبور خاطئ لأنّ قوله: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) يفسّر الآية ويدلّ على المراد أنّهم ما أمروا في مجال العبادة إلاّ أن تكون عبادتهم خالصة لوجه الله لا للرياء والسمعة، ولا للأوثان والاصنام، فيصير معنى الآية أنّ كل أمر تبيّن انّه عبادي فيشترط في صدق الامتثال، الإخلاص فيه، والمراد من (الدِّينَ) في الآية هو الطاعة. واين هذا من القول بأنّ الغاية من كلّ أمر هو العبادة.
ويفسر الآية قوله تعالى: (اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ

1 . البينة: 5.

صفحه 356
اللهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)1، فقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا)نفس قوله في الآية السابقة: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)ومفاد الآيتين هو أنّ الغاية من الأوامر العبادية هو التوحيد في العبادة والاجتناب عن الشرك وليس المراد أنّ الغاية من كلّ أمر هو العبادة.
الثاني: ما تضافر من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما الأعمال بالنيات وإنّما لامرئ ما نوى» (2) وجه الاستدلال هو تفسير «النيّة» بنية القربة، فكلّ عمل خلا عن نية القربة لا يُعدّ عملاً ولا امتثالاً.
يلاحظ عليه: أنّ التفسير المذكور خاطئ بل المقصود نية الفاعل وداعيه ومحركه، فإن كان المحرك أمراً مطلوباً للشرع فهو يُجزى به وإن كان غير مطلوب للشرع فهو يجزى بخلافه، وهذا كضرب اليتيم لغاية التأديب أو لغاية الإيذاء، فالثواب على النيات الصالحة لا على النيات الطالحة، وأين هذا من توقّف كلّ عمل على نيّة القربة .
الثالث: ما نقله المحقّق النائيني عن العلاّمة الكلباسي قال: إنّ المولى إنّما يأمر عبده بشيء ويطلبه منه ليجعل أمره محرّكاً إيّاه نحو العمل وباعثاً له نحو المراد .
وإن شئت قلت: إنّ الغرض من الأمر، كون الأمر داعياً، فحينئذ إن أتى المكلّف به بداعي أمره، فقد حصل الغرض وسقط الأمر، وإلاّ فلا .2

1 . البقرة: 31.   2 . الوسائل: 1، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 7 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 112 ـ 113.

صفحه 357
يلاحظ عليه: أنّ الغاية من الأمر كونه محركاً للعبد نحو العمل لا داعياً لإتيانه بقصد الأمر، فأمر المولى كناية عن المثوبة عند الطاعة، والعقوبة عند المخالفة، فيكون داعياً للعبد إلى الامتثال وإتيان نفس المتعلّق لا إتيانه بداعي أمره.
إلى هنا تمّ ذكر الأدلة الاجتهادية للقائلين بالتعبّدية والتوصلية، فإذا ثبت أحد الأمرين على ضوئها فلا تصل النوبة إلى الأُصول العملية وإلاّ يكون المرجع هو الأصل العقلي تارة، والشرعي أُخرى، وإليك بيانه:

مقتضى الأصل العقلي عند الشك

إنّ مقتضى الأصل العقلي ـ أعني: قبح العقاب بلا بيان ـ هو البراءة، سواء أقلنا بإمكان أخذه في المتعلّق أم لا.
أمّا الأوّل فواضح ـ بشرط أن لا يكون في الدليل إطلاق لفظي كما إذا لم يكن بصدد البيان حتّى تصل النوبة إلى الأصل ـ . وأمّا على الثاني فإنّ المولى وإن كان غير متمكّن من الأخذ بالمتعلّق لكنّه متمكّن من البيان بأحد الطرق الماضية.
نعم لو قلنا بأنّ المولى غير متمكّن من بيان هذا الشرط بنحو من الأنحاء كان المرجع هو الاشتغال، ولكنّه فرض باطل.
وقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الأصل العقلي هو الاشتغال، وذلك بالبيان التالي:
إنّ الشك في المقام يتعلّق بالشك في الخروج عن عهدة التكليف

صفحه 358
المعلوم، مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها، فلا يكون العقاب ـ مع الشك وعدم إحراز الخروج ـ عقاباً بلا بيان، ضرورة أنّه مع العلم بالتكليف تصحّ المؤاخذة على المخالفة، وعدم الخروج عن العهدة ـ لو اتّفق عدم الخروج منها ـ بمجرد الموافقة بلا قصد القربة، وهكذا الحال في كلّ ما شكّ دخله في الطاعة، والخروج به عن العهدة ممّا لا يمكن اعتباره في المأمور به كالوجه والتمييز .1
وحاصله: أنّه إذا تعلّق الشك بقلّة المتعلّق وكثرته كما إذا شككنا في أخذ القنوت في متعلّق الأمر بالصلاة فتجري البراءة العقلية عند أكثر الأُصوليين 2. وأمّا إذا لم يرجع الشك إلى قلّة المتعلّق وكثرته، بل كان المتعلّق تاماً ورجع الشك إلى كيفية الامتثال فهذا ممّا يستقل العقل فيه بالاحتياط، لوجوب تحصيل غرض المولى عند الشك، ولا يحصل إلاّ بضم قصد الأمر إلى المأتي به. وهذا ما يعبّر عنه في علم الأُصول بالشك في السقوط.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّه لو وجب على العبد تحصيل غرض المولى وجب الاحتياط في كلا المقامين، حيث إنّ العبد بعد الإتيان بالأقل يصير شاكاً في حصول غرض المولى بالأقل فيجب الإتيان بكل ما احتمل دخله في الغرض.
ثانياً: نفترض وجود الفرق بين المقامين لكن العبد مسؤول أمام الله

1 . كفاية الأُصول: 1 / 113 ـ 114 .
2 . هذا على مذاق أكثر الأُصوليين حيث يقولون بجريان البراءتين عند الشك في الأقل والأكثر وإن كان المحقّق الخراساني يخالفهم في جريان خصوص البراءة العقلية دون الشرعية.

صفحه 359
سبحانه حسب ما قامت عنده الحجّة على وجوبه، وأمّا لزوم تحصيل غرض المولى فلم يدل عليه دليل.
وبعبارة أوضح: أنّ مقتضى العبودية أمام المولى هو المثول أمامه حسب ما قامت الحجة عليه، وأمّا ما لم تقم عليه الحجة، وإنّما احتْمِل وجوبه، فليس هناك أي ملزم به .

حكم الأصل الشرعي

ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم جريان الأصل الشرعي في المقام بحجة ان الرفع إنّما يتعلق بشيء قابل للوضع والرفع شرعاً وليس قصد القربة واجداً لهذا الشرط، فإن دخل قصد القربة ونحوها في الغرض ليس بشرعي بل واقعي.1
توضيحه: أنّ فرض كلامه أنّه لا يمكن أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر الأوّل، ولا يمكن بيانه بالأمر الثاني أيضاً، فعندئذ يصبح دخل قصد الأمر في المأمور به أمراً عقلياً لا شرعياً فلا يكون وضعه ورفعه بيد الشارع فلا تشمله أدلّة الرفع.
وأنت خبير بأنّ المفروض غير صحيح لما عرفت من إمكان أخذه في المتعلّق بأمر ثان فضلاً عن الأمر الأوّل.
ثم إنّ المحقّق الخراساني لمّا التفت إلى توجّه إشكال إلى كلامه أخذ بدفعه قبل أن يبيّنه، وحاصل الإشكال:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 114 .

صفحه 360
إنّ مدخلية كلّ جزء وشرط في المأمور به أمر عقلي، لأنّ العقل يحكم بتوقّف الكلّ على الجزء والشرط، فيلزم أن لا تعمّ أدلّة الرفع لسائر الشرائط المشكوكة كالقنوت، إذا شُك في جزئيّتها.
فأجاب عنه بالتفريق بين قصد الأمر وسائر الشروط المشكوكة، حيث إنّ القسم الثاني مع الاعتراف بأنّ مدخليته في المأمور به عقلي، قابل للأخذ في المتعلّق فيكون وضعه ورفعه بيد الشارع، بخلاف قصد الأمر فإذا أنسد الأصل الشرعي تصل النوبة إلى العقل وهو يحكم بالاشتغال للعلم بثبوت الأمر الفعلي والشك في سقوطه.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح لكن الفرض باطل، إذ لا يعقل أن يكون لشيء مدخلية في المأمور به ولكن لا يتمكّن الآمر من بيانه ولو بنحو من الأنحاء المتقدّمة.

كلام للمحقّق العراقي

إنّ للمحقّق العراقي كلاماً مبسوطاً حول جريان الأصل الشرعي، حاصله:
إنّ في جريان الأصل الشرعي صوراً ثلاث:
1. يمكن أخذ قصد الأمر في المأمور به بأمر واحد.
2. لا يمكن أخذه في المأمور به إلاّ بأمر ثان.
3. لا يمكن أخذه في المأمور به بوجه من الوجوه.
أمّا الأمر الأوّل: فقد قال المحقّق العراقي بعدم جريان البراءة النقلية، إذا

صفحه 361
قلنا بالاشتغال العقلي، لقصور أدلّتها عن شمول المورد، فإنّ القيد المزبور ـ على فرض دخالته ـ يجوز للمولى الاتّكال على حكم العقل بالاشتغال ولا يوجب عدم البيان نقض الغرض.
يلاحظ عليه: بأنّه كان المترقّب جريان البراءة النقلية لافتراض إمكان أخذ القيد في المتعلّق لكنّ المحقّق العراقي قدّم حكم العقل بالاشتغال على البراءة النقلية، لقضاء العقل بوجوب تحصيل غرض المولى.
وما ذكره صحيح إذا كان حكم العقل في المقام من الأحكام الواقعية المحمولة على ذات الشيء بما هو هو كالحكم بحسن العدل وقبح الظلم، إذ لا يمكن للشارع نقضه، وأمّا حكم العقل بالاهتمام بالشيء عند الشك في مدخليته كما هو الحال في المقام فليس من الأحكام الواضحة عند عقول المكلّفين حتّى يعتمد عليه، مضافاً إلى أنّ حكم العقل بالاحتياط ليس شيئاً جديداً وإنّما هو عبارة أُخرى عن قاعدة معروفة باسم «وجوب دفع الضرر المحتمل» و «لزوم تحصيل المؤمِّن» لكنّه محكوم بحديث الرفع، حيث إنّ موضوع القاعدة احتمال العقاب، وحديث الرفع يكشف عن عدمه، فلا يبقى للاحتمال وجه.
وأمّا الأمر الثاني: أعني ما لا يمكن أخذه في المأمور به إلاّ بأمر ثان، فقد ذهب المحقّق العراقي إلى عدم جريان البراءة النقلية، وذلك لأنّها لا تثبت أنّ متعلّق الأمر الأوّل تمام المأمور به إلاّ على القول بالأصل المثبت. نعم لا يتوجّه هذا الإشكال على الفرض الأوّل لو قلنا بجريان البراءة النقلية فإنّ الشك فيه يرجع إلى انبساط الأمر على الجزء، فمع جريان البراءة تكون باقي

صفحه 362
الأجزاء ـ بنظر العرف ـ تمام المأمور به.
يلاحظ عليه: أنّه لم يدل دليل على وجوب إحراز أن المأتي به تمام المأمور به وإنّما اللازم إحراز إتيان ما وقع تحت دائرة الطلب، والمفروض إحرازه.
وأمّا الأمر الثالث: أي افتراض عدم التمكّن من الأخذ في كلا الأمرين، فعدم جريان البراءة النقلية صحيح، لما مرّ في كلام المحقّق الخراساني من أن ما لا يكون وضعه بيد الشارع لا يكون الرفع بيده أيضاً.
لكن الفرض باطل وخاطئ إذ لا نتصور أن يكون للشيء دخلٌ في المأمور به ولا يتمكّن الآمر من بيانه.

المبحث الخامس: في ظهور الأمر في كونه نفسياً تعيينياً عينياً

ينقسم الأمر إلى نفسيّ وغيري، وتعييني وتخييري، وعيني وكفائي.
وربّما يدور الأمر بين النفسي والتعييني والعيني ومقابلاتها.
فالأوّل: كما إذا قال: اغتسل للجنابة، ودار أمره بين كونه نفسياً أو غيرياً واجباً لأجل أداء صلاة الجمعة.
والثاني: كالأمر بالإطعام، ودار أمره بين كونه واجباً تعيينيّاً أو تخييريّاً بينه وبين العتق.
والثالث: كما إذا أمر بالقتال، ودار أمره بين كونه واجباً عينياً لا يسقط مع قيام الآخر به أو كفائياً ساقطاً مع قيامه .
فالمشهور بين المتأخّرين من الأُصوليين أنّ الأمر عند الشك يُحمل

صفحه 363
على النفسي وقرينيه لاعلى مقابلاتها، ولهم في بيان ذلك تقريبات:

التقريب الأوّل: كونه نفسياً، مقتضى الإطلاق

ما اعتمد عليه المحقّق الخراساني من التمسّك بمقدمات الحكمة قائلاً: بأنّ قضية إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيّاً تعيينيّاً عينيّاً لتقيّد الوجوب في كل من مقابلاتها وتضيّق دائرته، فإذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة عليه فالحكمة تقتضي كونه مطلقاً وجب هناك شيء آخر أو لا، أتى بشيء آخر أو لا، أتى به آخر أو لا، كما هو واضح لا يخفى .1
وأورد عليه سيدنا الأُستاذ (قدس سره)بما حاصله: أنّ تقسيم مفهوم إلى قسمين يلازم اشتمال كلّ فرد بخصوصية بها يتميّز عن المقسم ويغاير قسيمه. وإلاّ صار عين المقسم وكان من باب تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره، وهذا بعد التدبر واضح.
فإذن لابد وأن يكون كلّ من النفسية والغيرية متخصّصة بقيد وجودي أو عدمي، به يمتاز كلّ واحد عن مقسمه وقسيمه، ويقال: النفسي ما يكون إليه البعث لذاته، والغيري بخلافه، ويكون كلّ واحد منهما في مقام التحديد مشتملاً على قيد زائد على نفس البعث ـ ولو من باب زيادة الحدّ على المحدود ـ وتصير النفسية مباينة للغيرية، لا تتعيّن إلاّ بدالّ آخر .2 وقس عليه التعييني والتخييري، والعيني والكفائي، كأن يقال:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 116.
2 . تهذيب الأُصول: 1 / 234 ـ 235 .

صفحه 364
أ. النفسي ما وجب لنفسه .
والغيري ما وجب لغيره.
ب. التعييني ما وجب سواء اتى بشيء آخر أو لا.
والتخييري ما وجب إذا لم يأت بشيء آخر.
ج. العيني ما وجب سواء أتى به آخر أو لا.
والكفائي ما وجب إذا لم يأت به فرد آخر.
أقول: إنّ ما ذكره مبني على رؤية عقلية فلكلٍّ، قيدٌ يمتاز به عن المقسم والقسم الآخر، وأمّا إذا لوحظ برؤية عرفية فالعرف يرى الوجوب النفسي، نفس الوجوب بلا قيد، وهكذا الآخران، من دون أن يزيد على الوجوب بشيء، وذلك لأنّ القيد في الواجب النفسي، أعني قوله: «ما وجب لذاته أو لنفسه» ليس شيئاً زائداً على أصل الأمر، بل هو تأكيد له، فلا يتلقّاه العرف أمراً زائداً على أصل الوجوب وإن كان في نظر العقل قيداً زائداً.
وبه يتبين حال الأمرين الآخرين فإنّ تفسير التعييني بما وجب وإن أتى بشيء آخر، أو تفسير العيني بما وجب وإن أتى به آخر، ليس قيداً زائداً على الوجوب في نظر العرف بل هو تفسير لإطلاق الوجوب وسعته وانه غير محدّد ولا مقيّد، فيكون السكوت كافياً في بيان الأقسام الثلاثة، بخلاف مقابلاتها ففي رؤية العرف تحتاج إلى بيان زائد.

صفحه 365

التقريب الثاني: كونه نفسيّاً، مقتضى حكم العقل

إنّ مقتضى حكم العقل حمل الأمر على النفسي والتعييني والعيني، وذلك نظير ما قلناه في حمل الأمر على الوجوب بأنّ أمر المولى لا يترك بلا جواب، والجواب أحد الأمرين ; إمَّا الامتثال وإمّا قيام الدليل على الندب، ومثله المقام فيجب القيام بالمأمور به ولا يجوز تركه في منطق العقل باحتمال أنّه واجب لأجل شيء آخر غير واجب حالياً كما إذا احتمل أنّ وجوب الاغتسال لأجل صلاة الجمعة غير الواجبة على المكلّف لكونه مسافراً، أو تركه باحتمال أنّ له عدلاً، أو تركه باحتمال أنّه يكفي قيام الغير به.
فهذه الأعذار غير مقبولة لدى العقل في دائرة المولوية والعبودية، ما لم يقم دليل على ذلك الاحتمال.

التقريب الثالث: مدخلية عنوان المكلّف به أو المكلّف بالحكم

هذا الوجه يختص بمورد التعييني والعيني وهو مبني على تفسيرهما وتفسير مقابليهما بالنحو التالي :
إنّ متعلّق الوجوب في التعييني هو نفس العنوان الواقع تحت دائرة الطلب وهو عنوان أصيل كالصلاة في قوله: «صل»، وهذا بخلافه في الواجب التخييري فإنّ متعلّق الوجوب هو أمر انتزاعي كأحد الأفعال، من الإطعام والعتق، كما أنّ متعلّق الوجوب في العيني هو العنوان المنطبق على كلّ شخص بشخصه كالمستطيع، وهذا بخلاف الكفائي فإنّ متعلّق الوجوب أحد الأشخاص.

صفحه 366
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ ظاهر قوله: «أطعم» أو «جاهد في سبيل الله»، مدخلية ذلك العنوان أو ذلك الشخص في تعلّق الوجوب فيحمل عليه، لأنّ حمله على مقابليهما يتوقّف على عدم مدخلية الإطعام والشخص في تعلّق الوجوب، وأنّ المتعلّق به أمر انتزاعي كأحد الأفعال وأحد الأشخاص وهذا على خلاف الظاهر.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مبني على تفسير الواجب التخييري والكفائي بما ذكره، وسيوافيك عدم صحته وأنّ الوجوب في التعييني والتخييري على نسق واحد فالواجب في الأوّل شيء واحد وفي الثاني الأُمور الثلاثة كخصال كفارة الصوم إذا أفطر عمداً فالكل واجبة إلاّ أنّ غرض المولى على نحو لو أتى بأحدها لحصل غرضه ولا حاجة إلى أتيان الآخرين، ومثله العيني والكفائي فدفن الميت واجب على الكل كما أنّ الصلاة واجبة على الكل، غير أنّ سنخ الوجوب في الكفائي على نحو لو أتى به آخر لحصل الغرض ولا تبقى حاجة إلى فعل الآخرين.
إلى هنا تمت الوجوه الثلاثة لبيان حمل الأمر على النفسي والتعييني والعيني عند الشك.
ثم إذا قلنا بقصور الأدلّة الاجتهادية في المقام عن تعيين أحد الأمرين تصل النوبة إلى مقتضى الأصل العملي فقد طرح المحقّق الخراساني الشك بين النفسي والغيري في مبحث مقدمة الواجب كما طرح الشك في غيرهما في باب الاشتغال، ونحن نُرجئ البحث فيها إلى مظانّه.

1 . المحاضرات: 4 / 40، عند البحث في الواجب التخييري.

صفحه 367

المبحث السادس: الأمر عقيب الحظر أو توهّمه

إذا ورد الأمر عقيب الحظر أو توهّمه فهل هو ظاهر في الوجوب؟
وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً:
1. إذا قلنا بأنّ صيغة الأمر تفيد الوجوب إمّا وضعاً أو إطلاقاً أو لأجل حكم العقل، فيقع البحث في أنّه إذا ورد الأمر بعد النهي أو توهّمه فهل يدلّ أيضاً على الوجوب أو لا؟
وهذا البحث منحصر بالقول المزبور، وأمّا على القول بعدم دلالته عليه فهو في فسحة من عقد هذا البحث .
2. اختلفت كلمتهم في مفاد الأمر عند ذاك إلى أقوال:
أ. ظاهر في الوجوب.
ب. ظاهر في الإباحة والترخيص.
ج. تابع لما قبل النهي إذا عُلِّق الأمر بزوال علّة النهي، كما إذا قال: (وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)1 .
د. إجمال الكلام لاكتنافه بما يصلح للقرينيّة، فالمرجع بعد الإجمال هو الأُصول العملية في المسألة.
3. إنّ النهي والأمر تارة يردان في آيتين وأُخرى في آية واحدة:
فالأوّل: نظير قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ...) (2).

1 . المائدة: 2 .   2 . البقرة: 217 .

صفحه 368
وقد نزل الأمر في آية أُخرى، وبين نزول الآيتين قرابة ثمان سنين، قال سبحانه: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)1.
ونظير ذلك قوله سبحانه: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ )2، ومعنى الآية غير مستحلّين اصطيادها في حال إحرامكم.
وقال في آية أُخرى: (وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا...)3.
والثاني: وهو اجتماعهما في آية واحدة، كقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لاَ تَقْرَبُوهُنَّ)وقال بعد النهي: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ)4.
إذا علمت هذه الأُمور فلندرس الأقوال الماضية:
أمّا القول الأوّل: أي ظهورها في الوجوب فهو غير مقبول، على كلّ المباني في مورد إفادة الأمر الوجوب، وذلك لأنّ الوجوب لو كان مستنداً إلى الوضع فهو مشروط بعدم اشتمال الكلام على ما يصلح للقرينية وصرف الكلام عن ظهوره، فلولا النهي السابق لكان للأمر ظهور في الوجوب وضعاً ـ على القول به ـ ولكن وقوعه عقيب الحظر يكون قرينة على أنّ المراد رفع

1 . التوبة: 5.
2 . المائدة: 1 .
3 . المائدة: 2 .
4 . البقرة: 222 .

صفحه 369
الحظر لا إيجاب العمل.
ومثل هذا إذا كان الوجوب مستنداً إلى الإطلاق والمعتمد على مقدّمات الحكمة الّتي منها عدم القرينة في الكلام وعدم ما يصلح للقرينية ومعه تنتفي مقدّمات الحكمة.
وأمّا إذا قلنا بأنَّ الوجوب هو مقتضى حكم العقل فكذلك فإنّ العقل مستقل بالطاعة إذا وصل إلى العبد دليل ظاهر في البعث والطلب، وأمّا إذا اكتنف بما يصلح لصرفه عن ظاهره فلا يُعدّ مثل هذا حجة للمولى على العبد.
وأمّا القول الثاني: أي ظهورها في الترخيص فهو أمر لا ينكر لكن في موارد خاصّة معلومة بالقرينة مثلاً عندما يقصف العدو البلاد بالقنابل فيأتي الإنذار من قبل وسائل الإعلام لأجل اللجوء إلى المخابئ وبعد أن تترك طائرات العدو المنطقة فيأمر المذياع بالخروج من المخابئ، فإنّ ذلك الأمر ليس للوجوب بل يشير إلى رفع المحذور والترخيص والإباحة.
أو إذا نهى الحاكم العسكري المواطنين عن الخروج ليلاً، ثم إذا ورد الأمر ـ بعد استتباب الأُمور ـ بالخروج فلا يفهم من هذا الأمر إلاّ الترخيص، ونظير ذلك آية المحيض فإنّ الأمر بإتيان النساء بعد طهارتهنّ لأجل بيان الترخيص وارتفاع الحرمة.
وأمّا كون ذلك ضابطة كلّية فلم يتحقق.
وأمّا القول الثالث: وهو تبعية حكم الموضوع لما قبل النهي إذا علّق الأمر بزوال علّة النهي كما إذا قال: (وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، فعندئذ يتبع

صفحه 370
الاصطياد بعد الإحلال حكم الاصطياد قبل الإحرام.
ففيه كلام وهو أنّ الرجوع إلى الحكم السابق على النهي إمّا من باب التمسّك بالدليل الاجتهادي أو التمسّك بالاستصحاب.
أمّا الأوّل فهو رهن وجود دليل اجتهادي فوقاني يصح التمسّك به حتّى بعد زوال النهي.
وبعبارة أُخرى: لو كان في المقام دليل له إطلاق زماني بالنسبة إلى ما بعد زوال النهي، فيتمسك به وإلاّ فيتبع حكم الموضوع بعد زوال النهي لما قبله.
وأمّا استصحاب حكم ما قبل النهي فهو غير صحيح لانتقاض اليقين السابق بالنهي المتوسط بينه وبين الأمر، وإلاّ فلو كان للدليل قبل النهي إطلاق زماني فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب.
وأمّا القول الرابع: وهو القول بالإجمال والرجوع إلى الأُصول العملية فهو صحيح، لكن فيما إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي، دال بإطلاقه الأحوالي على حكم الزمان الّذي ورد فيه الأمر، فيكون هو المرجع، أعني قوله سبحانه: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنى شِئْتُمْ )1 فهو بإطلاقه يعم حال المحيض والطهارة، خرج عنه الأوّل، وبقي الباقي تحته، ويكون الحكم الشرعي هو الإباحة الشرعية.
فخرجنا بالنتيجة التالية وهي: انّه ليس هنا ضابطة تشمل عامّة الصور والموارد، بل تختلف النتيجة حسب اختلاف الموارد.

1 . البقرة: 223 .

صفحه 371

المبحث السابع: دلالة الأمر على المرّة والتكرار

هل يدلّ الأمر على المرة أو التكرار أو لا؟
ولنقدّم قبل البحث في ذلك أُموراً:
الأوّل: إذا دلّت القرينة على المرة والتكرار فتُتبع القرينة، كما دلّت على التكرار في قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)1، أو كما دلت على المرة الواحدة كما في مورد الحج فإنّ الأمر به مقرون بالدليل وهو وجوبه في العمر مرة واحدة.
إنّما الكلام فيما لو لم تقم قرينة على أحد الأمرين.
الثاني: هل النزاع في دلالة المادة أو دلالة الهيئة أو كلاهما على أحد الأمرين، وجوه.
ذهب صاحب الفصول إلى أنّ محل النزاع هو دلالة الهيئة لا المادة لإجماع أهل الأدب على أنّ المصدر المجرد من التنوين واللام لا يدل إلاّ على صرف الطبيعة. وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه إنّما يتم إذا كان المصدر هو مبدأ المشتقات وليس كذلك، بل هو أحد المشتقات، فعدم دلالته لا يدلّ على عدم دلالة مبدأ المشتقات عليهما .2
يلاحظ عليه: بأنّا إذا سلّمنا أنّ المصدر أحد المشتقات والمفروض أنّ المادة محفوظة فيه. فإذا لم يدل المصدر إلاّ على صرف الطبيعة، فالمادة

1 . الإسراء: 78 .
2 . كفاية الأُصول: 1 / 117 .

صفحه 372
الموجودة فيه أولى بذلك، لاشتماله عليها. فتكون المادة في عامّة المشتقات دالة على صرف الطبيعة.
الثالث: ربّما تُفسّر المرة والتكرار، بالدفعة والدفعات، وأُخرى بالفرد والأفراد؟ فما هو الفرق بين الدفعة والدفعات والفرد والأفراد؟
أقول: إنّ الملاك في الأوّلين وحدة الحركة وتعدّدها، فلو أمر المولى بإتيان الماء فقام به مرة ثم أتبعه بمرة ثانية يطلق على الأوّل الدفعة وعلى الثاني والثالث، الدفعتان والدفعات .
وأمّا الملاك في الفرد والأفراد هو وحدة مصداق الطبيعة وتعدّدها، وربّما تكون هنا حركة ودُفعة واحدة لكن تشتمل على أفراد متعدّدة، كما إذا قام ـ بعد ما قال له المولى: اسقني ـ فأتى بقدحين مملوءين بالماء فقد امتثل بحركة واحدة ولكن أتى بفردين منفصلين.
فالدفعة تجتمع مع الفرد والأفراد، وأمّا الدفعات فلا تنفك عن تعدّد الفرد.
وإن شئت قلت: إنّ تعدّد الدفعة يطلب لنفسه كون الامتثال الثاني بعد الامتثال الأوّل ولكن تعدّد الأفراد ربما يكون في عرض واحد كما يكون في غيره.
الرابع: هل المراد من المرة والتكرار هو الدفعة والدفعات أو أعم منهما والفرد والأفراد؟
ذهب صاحب الفصول إلى أن المراد منهما هو الدفعة والدفعات، إذ لو كان المراد منهما هوالفرد والأفراد لكان الأولى جعل ذلك البحث ذيلاً

صفحه 373
للبحث الآتي في تعلّق الأمر على الطبيعة أو الفرد بأن يقال: وعلى الثاني، فهل يدل على فرد واحد أو أفراد أو لا يقتضي شيئاً منهما.
وأمّا لو أُريد بهما الدفعة أو الدفعات فلا علقة بين المسألتين.1
وبعبارة أُخرى: على القول بتعلّق الأوامر بالطبائع لا يتصور النزاع في المرّة والتكرار بمعنى الفرد والأفراد مع أنّ البحث عنهما يجب أن ينسجم مع كلا القولين: تعلّق الأمر بالطبائع أو الأفراد.
وأورد عليه المحقق الخراساني بأنّه لا علقة بين المسألتين سواء أُريد منهما الدفعة والدفعات أم أُريد منهما الفرد والأفراد.
أمّا الأوّل فواضح وقد اعترف به صاحب الفصول، وأمّا الثاني فما ذكره مبني على أنّ المراد من الطبيعي هو المفهوم المجرّد عن كل قيد حتّى الوجود ومن المعلوم أنّ الطبيعي بهذا المعنى لا يتصوّر فيه الفرد والأفراد وعندئذ يكون البحث عن المرة والتكرار بمعنى الفرد والأفراد من شقوق القسم الثاني فيقال: فعلى دلالتها على الفرد فهل تدل على فرد واحد أو تدل على أفراد ؟
وأما لو قلنا بأنّ المراد من الطبيعي هو وجود الطبيعة بوجودها السعيّ من دون أن يكون للمشخصات دورٌ في المطلوب في مقابل تعلقها بالفرد الّذي يكون للمشخصات دورٌ فيه، فعندئذ ينطبق البحث على كلا الشقين: الطبيعي بالمعنى المزبور، والفرد، فعلى القول بتعلّقه بالطبيعي يقال : هل المأمور به هو المصداق الواحد من الطبيعة أو المصاديق المتعدّدة. وعلى

1 . الفصول الغروية: 119 .

صفحه 374
القول بتعلّقه بالفرد فجريان النزاع واضح.
فتلخص ممّا ذكرنا أنّه لو قلنا بأنّ المراد من المرة والتكرار هو الفرد والأفراد يجري النزاع على كلا المذهبين في باب متعلّق الأمر .
إذا عرفت هذه الأُمور فنقول: الحق عدم دلالة الصيغة على واحد من الأمرين لعدم وجود الدالّ عليهما، أمّا الهيئة فهي موضوعة للبعث، وأمّا المادة فهي موضوعة للطبيعة المجردة. فأين الدالّ على واحد منهما؟!
وعلى كلّ تقدير فصيغة الأمر وإن لم تدلّ على المرة والتكرار لكن مقتضى الإطلاق الاكتفاء بدفعة واحدة، سواء اشتملت على فرد أو أفراد، وذلك لأنّ الطبيعة توجد بفردها وبوجوده يسقط الأمر، فوزان المرّة وزان كون الأمر نفسياً وعدليه، غنيّة عن البيان الزائد بخلاف التكرار.

تنبيه، فيه أمران:

ذكر المحقق الخراساني في هذا المقام أمرين ربما يصعب على الطالب التفريق بينهما:

الأوّل: في جواز الاقتصار على المرّة

إذا قلنا بدلالة الصيغة على المرّة فلا مجال للإتيان بالمأمور به مرّة ثانية لسقوط الأمر، وأمّا إذا قلنا بعدم دلالته عليها وعلى التكرار، فهل يجوز الاقتصار على امتثال واحد؟ هنا صورتان:
1. إذا كان المتكلم في مقام البيان، فلو وجب التكرار لبيّنه، فيجوز

صفحه 375
الاقتصار على المرة الواحدة.
2. إذا لم يكن كذلك فالمرجع في وجوب المرّة الثانية، هو البراءة، فصارت النتيجة في كلتا الصورتين جواز الاكتفاء بالمرة.

الثاني: في لزوم الاقتصار على المرّة

هل يجب الاقتصار على المرّة، ولا يجوز التكرار أو لا؟ وهذا ما أشار إليه المحقق الخراساني بقوله: وإنّما الإشكال في جواز أن لا يقتصر عليها، فذهب إلى أنّ مقتضى إطلاق الطبيعة المأمور بها هو الإتيان مرّة أو مراراً، إذ لو لزم الاقتصار لزم البيان، ومع ذلك فقد فصّل في نهاية كلامه بين حصول الغرض الأقصى وعدمه، فلو حصل الغرض بإتيان المأمور به ضمن فرد أو أفراد بدفعة واحدة فلا يبقى معه مجال لإتيانه ثانياً لسقوط الأمر بحصول الغرض، كما إذا شرب الماء وارتوى. وبين ما لم يحصل الغرض كما إذا أُتي به ولم يشرب بعد، فلا تبعد صحة تبديل الامتثال بامتثال آخر.
أقول: إنّ ما ذكره تفصيل في مقام الثبوت وهو أمر واضح، وكان اللازم تبيين حكم الإثبات، مثلاً إذا لم يُعلم حصول الغرض الأقصى وعدمه بإتيان الفرد الواحد، فهل عليه أن يأتي بفرد آخر أو لا؟
والأولى أن يقال: إنّه إذا كان المأمور به توصّلياً فلا مانع من تكراره تكليفاً إن لم يُعدّ لغواً، وأمّا إذا كان تعبدياً فتبديل فرد إلى فرد آخر يحتاج إلى دليل، ولذلك أفتى الفقهاء بجواز إعادة الصلاة الّتي أُتي بها فرادى بالجماعة، وأنّ الله سبحانه يختار أفضلهما، وإذا لم يكن هناك دليل فلا.

صفحه 376

المبحث الثامن: في دلالة الأمر على الفور والتراخي

وقبل الخوض في هذا المبحث نقدّم أمراً وهو:
إنّ الواجب ينقسم إلى مؤقت وإلى غير مؤقت، والأوّل ينقسم إلى قسمين; موسّع ومضيّق، والمراد بالموسّع ما يكون الزمان المضروب على الفعل أوسع منه، ويكون المكلّف مخيّراً في امتثاله بين الزمن الأوّل والثاني كصلاة الظهر بالنسبة إلى وقتها.
وأمّا المضيّق فله أقسام:
الأوّل: ما يكون محدوداً من حيث الزمان، لا يجوز تقديمه ولا تأخيره، كالصوم الواجب في شهر رمضان.
الثاني: ما يجب فوراً، ويسقط وجوبه فضلاً عن فوريته لو أخّر، كردّ السلام، فلو لم يردّ عصى، وسقط الوجوب.
الثالث: ما يجب فوراً، ولو عصى لسقطت فوريته لا أصله، كصلاة الزلزلة: فلو عصى وأخّر سقطت فوريتها لا أصل وجوبها.
الرابع: ما لا يسقط أصل وجوبه ولا فوريته إذا عصى ولكن يجب عليه الإتيان به فوراً ففوراً، كقضاء الفوائت. على القول بالمضايقة فيها.
إذا علمت هذا فاعلم أنّ الحق عدم دلالة الأمر على الفور ولا على التراخي دلالة وضعية، لأنّ الأمر مركب من هيئة موضوعة للبعث، ومادة موضوعة للطبيعة، فأين الدال على أحدهما؟ وقد تقدّم نظير ذلك في المبحث السابق، وبعبارة أُخرى: انّ الزمان كالمكان، بل وزان الزمان كوزان سائر القيود الّتي يمكن أخذها في المتعلّق.

صفحه 377
فكما أنّ الأمر بمادته وهيئته لا يدل على المكان ولا على سائر القيود فهكذا الزمان.
ثم إنّ المحقّق الخراساني قد اعترف بما ذكرنا ولكنّه قال: إنّ قضية إطلاق صيغة الأمر جواز التراخي .1
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى الإطلاق عدم الدلالة على واحد منهما، وليس التراخي مقتضاه، بل لو قلنا بذلك فالقول بأنّ الفور مقتضى إطلاق الأمر لكان أوضح، فكأنّ إطلاق الأمر مساوق للإتيان به بعده، وأمّا التأخير فهو رهن دليل.
ثم إنّ القائلين بدلالة الأمر على الفور استدلّوا بوجهين:
الأوّل: ما يدل على أنّ نفس الصيغة تدلّ على الفورية.
الثاني: ما يدل على أنّ القرائن الخارجية تدلّ عليها.
أمّا الأوّل: فهو خيرة شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري وعليه جرى في قضاء الفوائت في كتاب الصلاة حيث قال: إنّ الأمر المتعلّق بموضوع خاصّ غير مقيّد بزمان وإن لم يكن ظاهراً في الفور ولا في التراخي ولكن لا يمكن التمسّك به للتراخي بواسطة الإطلاق، ولا التمسّك بالبراءة العقلية لنفي الفورية، لأنّه يمكن أن يقال: إنّ الفورية وإن كانت غير ملحوظة قيداً في المتعلّق إلاّ أنّها من لوازم الأمر المتعلّق به، فإنّ الأمر تحريك إلى العمل وعلّة تشريعية، وكما أنّ العلّة التكوينية لا تنفكّ عن معلولها في الخارج، كذلك العلّة التشريعية تقتضي عدم انفكاكها عن معلولها في الخارج; وإن لم يلاحظ

1 . كفاية الأُصول: 1 / 122 .

صفحه 378
الآمر ترتبه على العلّة في الخارج قيداً .1
يلاحظ عليه: بأنّ قياس العلل التشريعية على التكوينية قياس مع الفارق، وذلك لأنّ تأثير العلل التكوينية في المتعلّق على نحو الإيجاب، ولذلك لا يتصوّر فيه التراخي، وأمّا العلل التشريعية كالبعث فهي قد تتعلّق بنفس الطبيعة مجردة عن الفور والتراخي، كما في أداء الدين غير المؤقت، وأُخرى متقيداً بواحد منهما، فكيف يصح حمله على صورة واحدة مع أنّ له صوراً مختلفة.
وأمّا الثاني: فقد استدلّوا بالآيتين الكريمتين:
الأُولى: قال سبحانه: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)2.
وجه الاستدلال: أنّ المغفرة من فعله سبحانه فلا معنى للمسارعة إليها، فلابد من أن يكون المراد هو أسباب المغفرة الّتي منها إتيان الواجبات فينتج وجوب المسارعة إلى الإتيان بها وكونها فريضة فورية، ولو عصى تجب فوراً ففوراً لبقاء الموضوع، أعني: المسارعة إلى المغفرة.
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى سياق الآيات هو أنّ المراد من المغفرة سببها والسبب في المقام هو التوبة، لأنّها من أوضح مصاديق أسباب المغفرة، ويدلّ عليه قوله سبحانه في آية أُخرى قريبة منها في نفس السورة: (وَ الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ

1 . كتاب الصلاة للمحقق الحائري: 573 .
2 . آل عمران: 133.

صفحه 379
الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ)1.
وقد أورد على الاستدلال المحقّقُ الخراساني بإشكالين آخرين:
1. حمل الأمر على الاستحباب وإلاّ يلزم تخصيص الأكثر لخروج الواجبات الموسّعة والمستحبات عامّة.
2. أنّ الأمر إرشاد إلى ما يحكم به العقل من حسن المسارعة نحو أسباب المغفرة، وعندئذ يكون المحكّم هو حكم العقل، ومعلوم أنّ حكمه يختلف حسب اختلاف الموارد، فلو كان موسعاً تستحب المسارعة، ولو كان مضيّقاً، تجب، فلا يمكن الاستدلال عندئذ على فورية الأمر على وجه الإطلاق.
الآية الثانية: قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)2.
وجه الاستدلال: أنّ ظاهر الآية وجوب الاستباق إلى الخيرات الّتي من أظهر مصاديقها هو فعل الواجبات، فلو عصى يجب عليه الإتيان في الآن الثاني.
يلاحظ عليه: أنّ الخطاب ليس إلى كل فرد فرد بحياله وانّه يجب عليه السبق إلى الخيرات سواء كان معه شخص آخر أم لا، بل أنّ مفهوم الآية هو

1 . آل عمران: 135 .
2 . المائدة: 48 .

صفحه 380
وجوب تسابق العباد ـ في ميدان المباراة ـ نحو عمل الخير، على نحو لو بادر أحد لم يبق موضوع للآخر، وأين هذا من وجوب مبادرة كلّ إلى واجبه وإن لم يكن في جانبه أيّ مكلف !
وبعبارة أُخرى: إنّ وزان قوله: (اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) وزان قوله: (وَ اسْتَبَقَا الْبَابَ)1، أي تسابق كلّ من يوسف وامرأة العزيز نحو الباب فحاول الأوّل فتحه وحاولت الثانية غلقه، ويكون المراد من الاستباق في الآية هو سبق بعض على بعض في عمل الخيرات لا السبق إلى الخيرات بما هي هي وإن لم تكن هناك مباراة ولا مسابقة .
إكمال
لوقلنا بدلالة الصيغة على الفور إمّا بالدلالة اللفظية أو لكونه مقتضى الإطلاق، فلو عصى المكلّف فهل يجب عليه الإتيان بالمأمور به ثانياً أو لا؟
فيه تفصيل بين كون المقام من قبيل وحدة المطلوب كما في السلام فيسقط عصياناً، أو تعدّده، كما في قضاء الفوائت بناء على المضايقة. فلو لم يمكن استظهار واحد منهما من صيغة الأمر، فالمرجع أحد الأمرين:
1. الإطلاق القاضي بعدم الوجوب في الآن الثاني لو تمّت مقدّمات الحكمة.
2. الأصل العملي ـ عند عدم تمامية مقدمات الحكمة ـ من الاستصحاب أو البراءة، فلو جرى استصحاب الوجوب لأجل القول بأنّ الفورية ليست قيداً للموضوع، وجب الإتيان به ثانياً، وإلاّ فالمرجع البراءة من الإتيان به ثانياً.

1 . يوسف: 25 .

صفحه 381
   
الفصل الثالث:

في الإجزاء

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأمر الأوّل: اختلافهم في عنوان المسألة

اختلفت كلمات الأُصوليين في عنوان المسألة بالنحو التالي:
1. هل الأمر يقتضي الإجزاء أو لا ؟1
2. الأمر بالشيء إذا أُتي به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أو لا ؟2
3. الإتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أم لا؟3
وإليك دراسة هذه العناوين:
أمّا العنوان الأوّل: فلا يخلو من إشكال، فإنّ الأمر لا يدلّ بوجه من الوجوه على الإجزاء. أمّا المطابقة والتضمّن فظاهر، وأمّا الالتزام فلأنّ الإجزاء ليس من اللوازم البيّنة للأمر حتّى يدل عليه بالدلالة الالتزامية.
وأمّا العنوان الثاني: فالضمير في قوله «يقتضي» إن رجع إلى الأمر

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 121 .
2 . الفصول الغروية: 116 .
3 . مطارح الأنظار: 18; كفاية الأُصول: 1 / 104 وغيرهما.

صفحه 382
فيكون هذا العنوان نفس العنوان الأوّل، وإن رجع إلى الإتيان المستفاد من قوله «أُتي» يرجع إلى العنوان الثالث.
وأمّا العنوان الثالث: ففي قوله «على وجهه» احتمالات:
1. المراد قصد الوجه، أي قصد الوجوب والندب.
وأورد عليه في الكفاية بأن لا وجه لاختصاصه بالذكر على تقدير الاعتبار، فلابد من إرادة ما يندرج فيه من المعنى ] الكلّي [.
2. أن يراد من «المأمور به» ما يمكن أن يؤخذ في متعلّق الأمر، كالأجزاء والشرائط الشرعية. ومن «على وجهه» ما لا يمكن أخذه في متعلّق الأمر كالشروط العقلية من قصد الأمر والوجه.
وإلى هذا الوجه يشير في الكفاية بقوله: «النهج الّذي ينبغي أن يُؤتى به على ذلك النهج شرعاً وعقلاً».
يرد على هذا الاحتمال أنّ تقسيم ما يعتبر في المأمور به إلى ما يمكن أخذه في المتعلّق وما لا يمكن، تقسيم حادث طارئ فكيف يمكن حمل التعريف على هذا المصطلح الحديث إلاّ أن يكون العنوان لنفس الشيخ الأنصاري مبتكر هذا التقسيم.
3. على وجهه المطلوب فعلاً فالأمر الواقعي على النحو الّذي أُمر، والأمر الاضطراري على النهج الّذي أُمر به، وهكذا الأمر الظاهري، وعلى هذا يكون القيد توضيحياً.

صفحه 383

الأمر الثاني: ما هوالمراد من الاقتضاء؟

ذكر المحقّق الخراساني أنّ المراد من الاقتضاء هنا بنحو العلّية والتأثير لا بنحو الكشف والدلالة ولذا نُسب إلى الإتيان لا إلى الصيغة.
ثم إنّه قد أورد على نفسه بأنّ علّية الإتيان للإجزاء إنّما تتصوّر بالنسبة إلى أمر نفسه، وأمّا بالنسبة إلى أمر آخر، كالإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري وإجزائه عن الأمر الواقعي فالنزاع في دلالة دليلهما على نحو هل هو يفيد الإجزاء أو لا.
وأجاب عنه بأنّه لا منافاة من أن يكون «الاقتضاء» بمعنى العلّية وتوقّف الإجزاء ـ الّذي هو المعلول ـ على دلالة الدليل الاضطراري أو الظاهري على اشتمال المقام على مصلحة جابرة للفائتة، وذلك لأنّه إذا أحرزت الصغرى وثبت أنّ الموردين مشتملان على المصلحة الفائتة يكون المورد مصداقاً للكبرى، وهو إتيان المأمور به المشتمل على المصلحة التامة الجابرة يكون علّة للإجزاء .1
ولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلّف، والّذي أوقعه فيه هو الجمود على لفظ «يقتضي» الظاهر في العلّية، فصار بصدد بيان العلية في الامتثال الاضطراري والظاهري.
والحق أن يُقال: إنّ البحث في امتثال الأمر الواقعي يرجع إلى العلّية، أي علّية الامتثال للإجزاء، ولكن البحث في إجزاء الأمر الاضطراري أو الظاهري يرجع إلى دلالة الدليل على الإجزاء، مثل قوله: «التراب أحد

1 . كفاية الأُصول: 1 / 125، بتوضيح منّا.

صفحه 384
الطهورين، يكفيك عشر سنين»، أو قوله: «رب الماء رب الطهور».
وبما أنّ لفظ يقتضي ظاهر في العلّية دون الدلالة فالأَولى تبديله بلفظ جامع يعم البحثين بملاكيهما وهو أن يقال: هل الإتيان بالمأمور به أيّاً ما كان، يجزي أو لا؟ فامتثال الأمر الواقعي يوجب سقوط أمره وبالتالي عدم الحاجة إلى الإعادة والقضاء، وامتثال الأمر الاضطراري أو الظاهري يغنيان عن إتيانه وفق الأمر الواقعي ثانياً.

الأمر الثالث: الإجزاء لغة واصطلاحاً

إنّ الإجزاء في اللغة بمعنى الكفاية، وهو بنفس هذا المعنى ورد في العنوان; وأمّا تفسيره بسقوط الإعادة في الوقت، والقضاء في خارجه، فهما من لوازم كفاية امتثال المأمور به، فإذا كان الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي كافياً في مقام الامتثال فهو يلازم عدم التعبّد به في الوقت ثانياً، أو إذا كان امتثال الأمر الظاهري في الوقت محصّلاً للغرض فهو يسقط القضاء في خارج الوقت. وقد مرّ نظير ذلك في مبحث الصحيح والأعمّ عند تفسير الصحّة.

الأمر الرابع: الفرق بين المقام ومسألة المرة والتكرار

الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرة والتكرار واضح جدّاً، فإنّ البحث في المسألة السابقة في تحديد المأمور به وتعيين حدّه فهل المأمور به هو الفرد الواحد مثلاً أو الأفراد؟ وأمّا المقام فالكلام في أنّ الإتيان بالمأمور به

صفحه 385
على النحو الّذي أمر به الشارع من المرة أو التكرار موجب للإجزاء أو لا ؟ فالبحث في مسألتنا هذه كبروي وفي مسألة المرة والتكرار صغروي.
نعم ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ البحث في المسألة الأُولى لفظي تابع لدلالة الأمر على أحدهما أو لا، ولكن البحث في الثانية عقلي. ويرد عليه ما سنورده عليه في الأمر الخامس .
نعم القول بالإجزاء ربّما يتصادق مع القول بالمرّة كما أنّ القول بعدم الإجزاء يتصادق مع التكرار لكن التصادق موردي ولايكون دليلاً على وحدة المسألتين، ولذلك ربّما يتصادق الإجزاء مع التكرار، كما إذا قلنا بأنّ مفاد الأمر هو التكرار فإتيانه على ما هو عليه لا ينفك عن التكرار لافتراض أنّ المأمور به المحدّد هو الفردان من الطبيعة فلا محيص من الامتثال على ما هو عليه من التكرار.

الأمر الخامس: الفرق بين المقام ومسألة كون القضاء بالأمر الأوّل

ذكر المحقّق الخراساني أنّ الفرق بين المقام ومسألة كون القضاء بالأمر الأوّل أو بأمر جديد هو أنّ البحث في المسألة الثانية صغروي تابع لدلالة الصيغة على التبعية وعدمها، بخلاف المقام فإنّ البحث فيه عقلي وهو استقلال العقل بأنّ إتيان المأمور به مجز مسقط للإعادة والقضاء.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كانت المسألتان متّحدتين ماهية وحقيقة وكان الاختلاف منحصراً في كيفية الاستدلال فلا وجه لعقدهما كمسألتين، إذ ربَّ مسألة يمكن التطرق إليها من جانب العقل مرة ومن جانب النقل أُخرى، فهل

صفحه 386
يكون هذا مبرراً لعقدهما كمسألتين؟! والحق أن يقال: إنّه لا صلة بين المسألتين موضوعاً فإنّ الموضوع للمسألة الأُولى في المقام هو إتيان المأمور به بنحو من الأنحاء واقعياً، أو واقعياً ثانوياً أو ظاهرياً، وأمّا المسألة الأُخرى فالموضوع فيها فوت المأمور به وتركه وعدم الإتيان به، فكيف يكونان مسألة واحدة.
   
نعم بينهما في مقام التطبيق عموم من وجه فمن امتثل الأمر الواقعي فهو مجزئ من نفسه ولا تتصوّر فيه مسألة كون القضاء بالأمر الأوّل أو بأمر جديد ، كما أنّ من فاتته صلاة الفجر موضوع لمسألة تبعية الأداء للقضاء ولا موضوع لمسألة الإجزاء لعدم الإتيان بالمأمور به.
نعم يجتمعان فيما إذا امتثل الأمر الاضطراري وفات عنه امتثال الأمر الاختياري فتنطبق عليه المسألتان من حيث الإجزاء والقضاء، حيث فات منه امتثال الأمر الاختياري وإن لم يفت عنه امتثال الأمر الاضطراري.
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في مواضع ثلاثة:
الأوّل: امتثال كل أمر هل يجزي عن التعبّد به ثانياً؟
الثاني: امتثال الأمر الاضطراري هل يجزي عن الاختياري؟
الثالث: امتثال الأمر الظاهري هل يجزي عن الأمر الواقعي؟
وإليك دراسة هذه المواضع:

صفحه 387

الموضع الأوّل: امتثال كلّ أمر هل يجزي عن التعبّد به ثانياً؟

إنّ إجزاء امتثال كلّ أمر عن نفسه من القضايا الّتي قياساتها معها لاستقلال العقل بأنّه لا مجال مع موافقة الأمر بإتيان المأمور به على وجهه، لاقتضاء التعبّد به ثانياً .1
وجهه: أنّ عدم الإجزاء رهن أحد أُمور كلّها منتفية:
1. عدم الإتيان بالمأمور به; وهو باطل، لأنّ الواجب هو نفس الطبيعة وهي تصدق على الإتيان بفرد واحد.
2. عدم حصول الغرض; وهو أيضاً باطل، لأنّ المأتي به سبب تام لحصول الغرض وإلاّ لما أمر به.
3. بقاء الأمر مع حصول الغرض; وهو أيضاً باطل، لاستلزامه الإرادة الجزافيّة.
ثم إنّ المحقّق الخراساني بعدما قال بأنّ إتيان المأمور به على ما هو عليه مجزئ ومع ذلك ذهب إلى أنّ للعبد تبديل امتثال بامتثال آخر، ولمّا كان بين القولين شبه التناقض وذلك لأنّه إذا حصل الامتثال سقط الأمر ولا يبقى موضوع لامتثال الثاني حاول رفع الإشكال بما يلي:
1. ربّما لا يكون مجرّد الإتيان بالمأمور به علّة تامة لحصول الغرض الأقصى وإن كان وافياً به لو اكتفى به، كما أنّه إذا أتى بماء ليشربه فلم يشربه بعد فإنّ الغرض الأدنى قد تحقّق وهو تمكّن المولى من الماء لكن الغرض

1 . كفاية الأُصول: 1 / 127 .

صفحه 388
الأقصى وهورفع عطشه لم يتحقّق، ولذلك يجوز للعبد أن يبدله بفرد آخر أفضل منه .
2. ما إذا أتى بالماء ولكن أُريق الماء واطّلع عليه العبد فإنّ الأمر هنا وإن سقط لكن الملاك باق وهو كاف في دعوته إلى إتيان فرد آخر ليكون بدلاً عنه.
3. ما إذا أتى بالماء وشرب وارتوى فلا يبقى موضوع للتبديل ثم قال: فإذا لم يُعلم أنّ المورد من أي قسم فله التبديل باحتمال أن لا يكون علّة تامة للامتثال.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من القاعدة العقلية واضح جدّاً، ولكن تبديل الامتثال إلى امتثال آخر لا مفهوم صحيح له ، أمّا المثال الأوّل فلأنّ الامتثال أمره دائر بين الوجود والعدم فإن حصل سقط الأمر وإلاّ لا يكون هناك إلاّ امتثال واحد.
وأمّا المثال الثاني فليس هناك امتثال ثان، بل العلم بالغرض حجة تامة على العبد يجب عليه تحصيله وإن لم يكن هناك أمر ولا طلب وبالتالي لا امتثال، نظيره إذا ما رأى أنّ ولد المولى سقط في الماء على نحو لولا إخراجه من الماء يغرق فيجب على العبد إنقاذه وإن لم يكن المولى عالماً به، ووصفه بالامتثال مبني على تخيّل الملازمة بين بقاء الغرض وبقاء الأمر.
وثانياً: عند عدم العلم بانّ المورد من أي قسم يأتي به فإنّما يتمّ في التوصليات الّتي يأتي بها المكلّف لا بداع إلهي، وأمّا العبادات فالإتيان بفرد آخر فرع تعلّق الأمر به وإلاّ لصار عبادة باطلة بدعة والمفروض سقوط الأمر

صفحه 389
بالفرد الأوّل وأمّا الاستدلال بالصلاة المعاداة بالجماعة فسيأتي الكلام فيه.
والأولى أن يقال: أنّ إعادة الفريضة رهن أمر آخر يتعلّق باستحباب إعادتها وهو ليس من قبيل تبديل امتثال بامتثال آخر، بل امتثال لأمر جديد وجوبي أو استحبابي، وبذلك تقف على مفاد الروايات الواردة في المقام:
1. من أفسد حجّه بالجماع يجب عليه إكمال الحج مع إعادته من قابل، وعندذاك سأل زرارة الإمام الصادق (عليه السلام)وقال: فأي الحجّتين لهما؟ قال: «الأُولى الّتي أحدثا فيها ما أحدثا، والأُخرى عليهما عقوبة ».1
فقد تعلّق الأمر الثاني بإتيان الحج من باب المؤاخذة والكفّارة.
وأين هذا من مسألة التبديل، سواء كان تبديل امتثال بامتثال آخر، أم تبديل فرد من الطبيعة إلى فرد آخر منها.
2. ما ورد في إعادة الصلاة مع المخالف، روى عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «ما منكم أحد يصلّي فريضة في وقتها ثم يصلّي معهم صلاة تقية وهو متوضّئ إلاّ كتب الله له بها خمساً وعشرين درجة، فارغبوا في ذلك» .2
3. ما ورد في باب الكسوف من الإعادة إذا فرغ من الصلاة قبل أن ينجلي، روى معاوية بن عمار قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «صلاة الكسوف إذا فرغت قبل أن ينجلي، فأعد »3.
4. إعادة الصلاة بالجماعة فهو مستحب نفسي.

1 . الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب كفارة الاستمتاع، الحديث 9 .
2 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. ولاحظ الحديث 2 و 3 .
3 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب صلاة الكسوف، الحديث 1 .

صفحه 390
فالأمر بالإعادة من باب المشاكلة وإلاّ فقد سقط الأمر، وبما أنّ الصلاة الثانية نفس الصلاة الأُولى من حيث الأجزاء والشرائط استخدم كلمة «أعد»، وإلاّ فهي صلاة مستقلة ولها أمر كذلك.
فعلى ما ذكرنا من أنّ مورد الروايات، هو استحباب الإعادة فهو رهن دليل عليه وإلاّ يصير بدعة.

الموضع الثاني: في إجزاء الأمر الاضطراري عن الاختياري

وله صورتان:
1. أن يكون العذر غير مستوعب.
2. أن يكون العذر مستوعباً.
وإليك دراستهما.

الصورة الأُولى: في العذر غير المستوعب

أقول: يقع البحث تارة في مقام الثبوت، وأُخرى في مقام الإثبات .

الأوّل: في مقام الثبوت

ذكر المحقّق الخراساني فيه صوراً أربعاً:
1. أن يكون الفرد الاضطراري في حالة الاضطرار كالفرد الاختياري في كونه وافياً بتمام المصلحة والملاك.
2. أن لا يكون وافياً به ولكنّه لو أتى بالفرد الاضطراري لا يمكن معه

صفحه 391
تدارك المصلحة الفائتة بعد رفع الاضطرار.
3. تلك الصورة ولكن يمكن تدارك المصلحة الفائتة وكانت واجبة الاستيفاء .
4. تلك الصورة ولكن كانت المصلحة الفائتة راجحة الاستيفاء.
ثم ذكر (قدس سره)كل صورة من حيث الإجزاء وعدمه، وجواز البدار في أوّل الوقت وعدمه فقال:
أمّا الصورة الأُولى فتجزي قطعاً ولا يعيد.
وأمّا البدار فهو فرع إحراز الفرد الاضطراري على المصلحة في أي ظرف من الظروف فهل هو كذلك بمجرد الاضطرار فيجوز البدار مطلقاً؟ أو بشرط الانتظار، أو مع اليأس عن طروء الاختيار فلا يجوز البدار على الأخيرين إلاّ إذا حصل اليأس أو صبر إلى أن لم يبق من الوقت إلاّ مقدار أداء الصلاة في الوقت.
أمّا الصورة الثانية فلا يجوز البدار لأنّه مفوّت للمصلحة الفائتة غير القابلة للإستيفاء. نعم لو صلّى وتمشى منه قصد القربة، يكون مجزياً لعدم التمكن من الاعادة أو القضاء.
أمّا الصورة الثالثة فلا تجزي قطعاً ويجب الاعادة والقضاء لافتراض أنّ المصلحة الفائتة مصلحة لازمة وقابلة للاستيفاء.
وأمّا من حيث البدار فلو ابتدر يكون مخيّراً بين إتيان العمل الاضطراري في هذا الحال والعمل الاختياري بعد رفع الاضطرار، أو الانتظار والاقتصار على تكليف المختار.

صفحه 392
وأمّا الصورة الرابعة فتجزي، لأنّ المصلحة الفائتة غير ملزمة، وأمّا البدار فيتعيّن عليه البدار.
هذا توضيح ما ورد في الكفاية.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ العلم بهذه الصور الغيبية أمر مشكل وليس في ما بين أيدينا من الأدلّة ما يشير إلى أنّ المورد من أي الأقسام.
ثانياً: أنّ تعيّن البدار في الصورة الرابعة غير صحيح، إذ كيف يتعيّن مع أنّه يفوت شيئاً من المصلحة وإن كان الفائت غير لازم التدارك ، ولعل النسخة من الكفاية ملحونة والصحيح: «يستحب» مكان «يتعيّن»، ووجه الاستحباب إدراك فضيلة أوّل الوقت.
ثم إنّ المحقّق الخوئي أورد على الصورة الثالثة بأنّ التخيير فيها غير معقول، لأنّ الشارع إذا لم يكتف بالعمل الناقص في أوّل الوقت، وأوجب على المكلّف الإتيان بالعمل التام الاختياري بعد ارتفاع الاضطرار والعذر، سواء أتى المكلّف بالعمل الاضطراري الناقص في أوّل الوقت، أم لم يأت به، فبطبيعة الحال لا معنى لإيجابه العمل الاضطراري الناقص وإلزام المكلف بإتيانه ولو على نحو التخيير، فإنّه بلا ملاك يقتضيه حيث إنّه لا يترتب على وجوبه أثر.1
يلاحظ عليه: بأنّ تسويغ البدار بالناقص مع لزوم الإتيان بالكامل في آخر الوقت بعد ارتفاع العذر، لأجل ترتّب رجحان على الفرد الناقص غير

1 . انظر المحاضرات: 2 / 233 .

صفحه 393
واف بمصلحة الفرد التام، فيصحّ تسويغه والحكم بجواز الإتيان به مع لزوم الإتيان بالفرد التام في آخر الوقت ، والمورد أشبه ببدل الحيلولة إذا لم يتمكّن الإنسان من أداء العين عاجلاً، فيلجأ إلى الناقص إلى أن يتمكّن من الكامل.
والفرد الناقص وإن لم يشتمل على تمام المصلحة لكنّه مشتمل على مصلحة راجحة.

الثاني: في مقام الإثبات ومايستفاد من الأدلّة

ذكر المحقّق الخراساني في مقام الإثبات صورتين:
الأُولى: إذا كان لدليل البدل (أي دليل التيمم) إطلاق بحيث يعمّ العذر المستوعب وغير المستوعب أيضاً .
الثانية: إذا كان دليل البدل فاقداً للإطلاق.
أمّا الصورة الأُولى فلا شك في الإجزاء وعدم وجوب الإعادة أو القضاء، وذلك لأنّ المفروض أنّ الموضوع لإتيان الصلاة متيمّماً هو أعمّ من المستوعب وغير المستوعب، فامتثال الأمر بالصلاة بالطهارة الترابية موجب لسقوط الأمر الاضطراري ولابد من إيجاب الإتيان به بالطهارة المائية من دليل خاصّ والمفروض عدمه.
أمّا الصورة الثانية فالأصل هو البراءة من إيجاب الإعادة لكونه شكّاً في أصل التكليف، وكذا عن إيجاب القضاء بطريق أولى.
هذا ما أفاده صاحب الكفاية.
أقول: إنّ للمسألة ثلاث صور:

صفحه 394
الأُولى: أن يكون لدليل البدل إطلاق دون دليل المبدل.
الثانية: أن يكون لدليل المبدل إطلاق دون دليل البدل.
الثالثة: أن لا يكون لواحد منهما إطلاق.
أمّا الصورة الأُولى: فهو مجزئ قطعاً، لا لما ذكره (قدس سره)لامتثال الأمر الاضطراري وعدم الدليل على امتثال الأمر الاختياري، وذلك لأنّ ما ذكره مبني على وجود أمرين; يتعلّق أحدهما بالصلاة بالطهارة المائية والآخر بالصلاة بالطهارة الترابية مع أنّ الواقع ليس كذلك، لأنّ هنا أمراً واحداً متعلّق بالجامع الواحد الصادق على جميع أفراده، غير أنّ المختار مكلّف بامتثاله بكيفية، والمضطرّ مكلّف بامتثاله بكيفية أُخرى، والصلاة بكلتا الكيفيتين من مصاديق الجامع المنطبق على عامّة أفراد الصحيح، على ما مرّ في مبحث الصحيح والأعم.
وإن شئت مزيد توضيح فنقول: إذا زالت الشمس، يُخاطَب عامّةُ المكلفين بخطاب وأمر واحد متعلّقاً بالصلاة في قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)1، فالصلاة قائماً أو قاعداً، راكباً أو راجلاً، مع الطهارة المائية أو الترابية من مصاديق الصلاة الواردة في تلك الآية، وهي تعمّها بوضعها للجامع الشامل لعامّة أفراد الصحيح، فالأمر واحد، والمأمور به واحد، ولو كان هنا اختلاف فإنّما هو في كيفية امتثال الأمر الواحد.
على ضوء ما ذكرنا فإذا كان لدليل البدل إطلاق بمعنى شموله

1 . الإسراء: 78 .

صفحه 395
للمستوعب وغير المستوعب فيصح امتثال الأمر بالصلاة بالطهارة الترابية فيسقط الأمر قطعاً لانطباق عنوان الصلاة على المأتي به، وقد أجمع المسلمون على عدم وجوب أكثر من صلاة واحدة، وعندئذ يدخل هذا البحث في الموضع الأوّل ـ أعني: امتثال كل أمر موجب لاجزاء نفسه ـ لأنّ المفروض أنّ هنا أمراً واحداً واجباً فارداً والامتثال آية الإجزاء وليس هناك أمر آخر حتّى يبحث عن إجزائه عنه.
وبالجملة نحن نوافق القوم بالإجزاء ولكنّهم دخلوا من طريق شائك ونحن وردنا من طريق سهل، وذلك إن إجزاء أمر عن أمر آخر يحتاج إلى بيان، وأمّا على الطريق الّذي سلكناه فليس هناك إلاّ أمر واحد وقد امتثل فيسقط الأمر.
الصورة الثانية: إذا كان لدليل المبدل إطلاق دون دليل البدل بمعنى أنّ الأمر بالصلاة مع الطهارة المائية يعم الواجد في عامة الوقت وبعضه، ومن المعلوم أنّ ما امتثل به غير مجزئ إذا تبيّن عدم استيعاب العذر، وذلك لأنّ انكشاف الخلاف وعدم استيعاب العذر يكشف عن عدم الأمر ومعه لا امتثال فكيف يكون مجزياً عمّا له الأمر.
وإن شئت قلت: ما امتثل به فاقد للأمر، وأمّا ما أُمر فلم يمتثله.
هذا من غير فرق بين القول بوحدة الأمر وتعدّده، كما هو واضح.
الصورة الثالثة: إذا لم يكن لواحد من البدل والمبدل إطلاق، وقد ذهب فيها المحقّق الخراساني إلى أنّ المرجع ـ بعد امتثال الأمر الاضطراري ـ هو البراءة، حيث قال: وإلاّ لو لم يكن لدليل البدل اطلاق، فالأصل البراءة من

صفحه 396
إيجاب الإعادة لأنّه شكٌّ في التكليف .
توضيحه: أنّ التكليف بالأمر الواقعي لم يكن فعلياً في زمن الاضطرار وإنّما الفعلي هو التكليف الاضطراري، والمفروض أنّه امتثله، وبعد ارتفاع العذر يشكّ في فعلية الحكم الواقعي وعدمها، ومعه يكون الشكّ في حدوث تكليف آخر بالإعادة أو القضاء وهو مدفوع بالأصل مع احتمال كون الأمر الظاهري وافياً بمصلحة الأمر الواقعي.
يلاحظ عليه: الظاهر أنّ الأصل هو الاشتغال، لأنّ محط البحث عدم وجود إطلاق في ناحية دليل البدل ومعه لا علم بوجود التكليف الاضطراري أيضاً، لأنّ إهمال دليل البدل صار سبباً لاحتمال أن يكون الشرط للصلاة مع التيمّم هو استيعاب العذر، والمفروض عملاً خلافه فكيف يكون امتثال الأمر المشكوك مجزياً؟!
وإن شئت قلت: إنّ مرجع الشك إلى دوران الأمر بين الواجب التخييري أو التعييني، إذ لو كان العذر في بعض الوقت كافياً في إقامة الصلاة مع الطهارة الترابية يكون المكلّف مخيّراً بين امتثال أحد الأمرين : الاضطراري في أوّل الوقت والاختياري في آخره، وإلاّ كان امتثال الأمر الواقعي متعيّناً، ومن المعلوم أنّ دوران الأمر بين الواجب التخييري والواجب التعييني هو الأخذ بالثاني. لأنّ في العمل بما يحتمل التعيين علم بالبراءة القطعية بخلاف الأخذ بأحد طرفي الواجب التخييري المحتمل ففيه احتمال البراءة.
وحصيلة الكلام: أنّه لا يمكن أن يكتفي بفعل لم يحرز تعلّق الأمر به.
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ لمّا التفت إلى ما ذكر حاول إصلاح كلام المحقّق

صفحه 397
الخراساني بوجه آخر وقال: إنّه في حال العذر المؤقت قاطع بعدم الأمر بالاتيان بالصلاة مع الطهارة المائية، ولكن يحتمل أن يكون مأموراً بالأمر الاضطراري فقط، فيأتي به رجاء امتثاله على فرض الأمر به، فإذا أتى به رجاءً يشك في حدوث الأمر الآخر بالصلاة مع الطهارة المائية، فيرجع الشك إلى حدوث التكليف لا إلى سقوطه بعد العلم به .1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكر من الوجه إنّما يصح بعد الإتيان بالأمر الاضطراري المحتمل فيقال: الأوّل قطعي الارتفاع والثاني مشكوك الحدوث، وأمّا إذا لوحظ التكليف أوّل الوقت قبل الإتيان بالفرد الاضطراري فإنّه عندئذ يعلم بتوجّه أحد الأمرين:
1. التخيير بين امتثال الأمر الاضطراري أو الأمر الواقعي.
2. تعيّن امتثال الأمر الواقعي فقط.
ومن المعلوم أنّ المرجع في مثله، هو الأمر المحتمل تعيّنه، لأنّ فيه البراءة القطعية من التكليف دون الأوّل.

الصورة الثانية: في العذر المستوعب

إذا كان المكلّف في تمام الوقت معذوراً فاقداً للماء فتيمّم وصلّى فهل يجب عليه القضاء خارج الوقت أو لا؟ هنا في بدء النظر صور ثلاث:
1. أن يكون لدليل البدل إطلاق يعم صورة الاستيعاب.
2. أن لا يكون له إطلاق.

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 188 .

صفحه 398
وأمّا الصورة الثالثة بمعنى أن يكون لدليل المبدل إطلاق في صورة الاستيعاب كغيره فهو غير معقول، لأنّ معناه شرطية الطهارة المائية وعدم سقوط الشرط في عامّة الوقت، ولازم ذلك ترك الصلاة عند العذر المستوعب مع إمكان إتيان الصلاة بالتيمّم، لأنّه لازم إهمال دليل البدل وفعلية دليل المبدل مع عدم التمكّن من الامتثال.
إذا عرفت ذلك ندرس الصورتين الأُوليين:
أمّا الأُولى: فالإجزاء واضح على كلا القولين أمّا إذا قلنا بوحدة الأمر فواضح، لأنّ هنا أمراً واحداً متعلّقاً بالطبيعة الّتي تختلف أجزاؤها وشرائطها حسب اختلاف الحالات والمفروض أنّه امتثل، ومن المعلوم أنّ امتثال كل أمر يجزي عن نفسه.
وأمّا على القول بتعدّد الأمر فوجوب القضاء فرع صدق الفوت، وهو هنا غير صادق لأنّ الفوت مردّد بين الأُمور التالية:
أ. فوت الأمر الاضطراري والمفروض أنّه امتثله.
ب. فوت الأمر الواقعي الفعلي وهو خلاف الفرض لعدم فعليته لاقتضاء فعليّة الأمر الواقعي عندئذ لزوم ترك الصلاة رأساً. شأن كلّ جزء أو شرط فعلي في حال عدم التمكّن منهما.
إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي   
ج. فوت الملاك الواقعي وهو مشكوك، لاحتمال قيام الطهارة الترابية مكان الطهارة المائية، كما يعرب عنه قوله: «رب الماء رب التراب» .
وأمّا الصورة الثانية ـ أعني: ما إذا كان دليل البدل مهملاً ـ فقد مرّ في العذر غير المستوعب أنّ المرجع هو الاشتغال (خلافاً للمحقّق الخراساني)،

صفحه 399
وذلك لأنّ مرجع الشك هناك هو الشك في السقوط للعلم الإجمالي بوجود الأمر الفعلي بالصلاة وتردّده بين كون الواجب هو الصلاة بالطهارة المائية في آخر الوقت على وجه التعيين أو كونه هو الصلاة بالطهارة الترابية أوّل الوقت والمائية في آخره على وجه التخيير، ففي مثل هذا يتعيّن الأخذ بالتعيين وتأخير الصلاة وإتيانها بالأمر الواقعي.
وأمّا المقام فالظاهر أنّ هذه الصورة غير متصوّرة، إذ معنى كون دليل البدل مهملاً بالنسبة إلى صورة العذر المستوعب، فإمّا أن يكون له إطلاق بالنسبة إلى غير المستوعب أو لا، وكلا الفرضين باطل; أمّا إذا لم يكن له إطلاق بالنسبة إلى غير المستوعب، فمعنى ذلك عدم إحراز كونه مأموراً بالتيمّم; لأنّ المفروض أنّه مهمل من كلا الجانبين، وأمّا إذا كان له إطلاق بالنسبة إلى غير المستوعب يلزم الخلف، إذ كيف يكون العذر غير المستوعب كافياً في الإجزاء دون المستوعب، فاللازم حذف هذه الصورة من صور البحث .

الموضع الثالث: إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي

وقبل الخوض في المقصود نقدم أمراً:
إنّ العمل بالأمارات والأُصول تارة يكون لأجل استكشاف أصل التكليف، كما إذا قامت الأمارة على أنّ الواجب هوصلاة الجمعة، وتبيّن أنّ الواجب هو الظهر، فلا معنى للبحث في الإجزاء، أي إجزاء امتثال أمر موهوم عن امتثال أمر واقعي، فلأجل ذلك نضرب الصفح عنه في كلا الموردين:

صفحه 400
الأمارات والأُصول.
وأُخرى تكون الغاية استكشاف خصوصيات المكلّف به من كون شيء جزءاً أو شرطاً أو مانعاً أو عدم كونه كذلك، فالنزاع منصبّ على هذا القسم.
إذا علمت ذلك يقع الكلام في موردين:

المورد الأوّل: العمل بالأمارة لاستكشاف كيفية التكليف

إذا عمل بالأمارة لاستكشاف خصوصيات المكلّف به، مثلاً: إذا صلّى إنسان أو توضّأ أو اغتسل أو حجّ على وفق ما أخبر به الثقة اعتماداً على قول الشارع بحجّية خبره ثم بان الخلاف، فهل يكون مجزياً أو لا؟
ذهب المتأخّرون من الأُصوليين منهم: المحقّق الخراساني والسيد الأُستاذ (قُدس سرهما)، إلى عدم الإجزاء عند ظهور الخلاف، سواء انكشف الخلاف بعلم وجداني أو بأمارة شرعية، وذلك لأنّ لسان الأمارات لسان أنّه ما هو الشرط واقعاً، (فإنّ دليل حجيّته حيث كان بلسان أنّه واجد لما هو شرطه الواقعي فبارتفاع الجهل ينكشف أنّه لم يكن كذلك بل كان لشرطه فاقداً ).1
وبعبارة أُخرى: انّ لسان دليل التعبّد بالأمارات هو التعبّد بها بما أنّها طريق إلى الواقع وكاشف عنه وانّ الواقع متحقّق هنا، فإذا تعبّدنا الشارع بالعمل بالأمارة لأجل هذه الحيثية ثمّ تبين الخلاف وانّه لم يكن طريقاً ولا

1 . كفاية الأُصول: 1 / 133.
Website Security Test