welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه

81
أحدهما: وحدة المعاني الحرفية والاسمية ذاتاً وجوهراً وإنّما يختلفان بأمر عرضي وهو لحاظ المعنى في مقام الاستعمال مستقلاً أو مندكّاً في الغير، وهذا بخلاف النظرية المعروفة من أنّ بينهما فرقاً جوهريّاً نابعاً من صميم ذاتهما وأنّ واقع المعنى الاسمي، هو الاستقلال، كما أنّ واقع المعنى الحرفي هو الآلية والاندكاك في المتعلّق، بحيث لو حذف القيد من أحد الطرفين لم يبق أثر من المعنيين.
ثانيهما: أنّ لحاظ الاستقلالية والآلية (الّذي يعبّر عنه بالخصوصية) لا يمكن أن يكون قيداً للموضوع له ولا للمستعمل فيه، وإنّما يعرضان للمعنى لدى الاستعمال باشتراط من الواضع حيث اشترط استعمال احدهما في الاستقلالية والآخر في الآلية، فيكونان من طوارئ الاستعمال وعوارضه دون أن يؤخذا في الموضوع له والمستعمل فيه.
هذا هو توضيح النظرية، ويرد عليها:
أوّلاً: أنّ صاحب النظرية لم يبرهن على الأمر الأوّل من وحدة الأسماء والحروف في المعنى ذاتاً وجوهراً وإنّما افترضه أمراً مسلماً، مع أنّ الأغراض كما تتعلّق بالمعاني الاسمية فهكذا تتعلّق بالمعاني الحرفية، فإذا سأل سائل صاحب البيت أين أُصلي؟ فقال: صلّ في المسجد، فالغرض لم يتعلّق بالصلاة ولا بالمسجد بما هو هو، وإنّما تعلق غرض السائل والمجيب بتعيين ظرف الصلاة ومكان إيقاعها فيه، فإذا كان كذلك فلا معنى لعدم وضع اللفظ لمعنى جامع بين الاستقلالية والآلية. مع أنّ الغرض لا يتعلّق به بل يتعلّق بالخصوصية.

82
ثانياً: أنّه (قدس سره)افترض أنّ المشهور يقول بأخذ لحاظ الاستقلالية والآلية في ناحية الموضوع له، فرّد عليه بأنّ الخصوصية المتوهّمة (لحاظ الآلية) إن كانت موجبة لكون الموضوع له خاصّاً، عندئذ يعود السؤال بأنّه ما هو المراد من كونه خاصّاً؟ فإن أُريد منه الجزئي الخارجي، فربّما يكون المستعمل فيه عامّاً كما إذا قال: «سر من البصرة إلى الكوفة»، وإن أُريد منه الجزئي الذهني بحيث يكون لحاظ الآلية قيداً له فيترتب عليه عدّة أُمور:
1. لزوم تعدّد اللحاظين عند الاستعمال، لاستلزامه لحاظ المعنى مضافاً إلى اللحاظ الموجود فيه عن طريق الوضع.
2. عدم انطباقه على الخارج لكون جزء الموضوع أمراً ذهنياً.
3. لزوم كون لحاظ الاستقلالية جزءاً للمعاني الاسمية، فيصبح المعنى الاسمي خاصّاً وهو خلاف ما اتفقوا عليه .(1)
يلاحظ عليه:
أوّلاً: ـ مضافاً إلى أنّه خلط بين البحثين: ما هو الموضوع له؟! وهل الوضع والموضوع له خاص أو لا؟ والكلام في الجهة الأُولى لا الثانية ـ بأن الاستدلال مبني على أمر غير صحيح وهو أخذ لحاظ الاستقلالية ولحاظ الآلية في الموضوع له، مع أنّ المقوم للمعنيين هو واقع الاستقلالية والآلية بمعنى أنّ المعاني ـ تكويناً ـ على قسمين :
1. معان مستقلة في أنفسها من دون ملاحظة لاحظ.
2. معان متعلّقة ومتحقّقة في غيرها كذلك.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 13، بتلخيص.

83
وهذا النوع من التقسيم أمر داخل في جوهر المعاني من غير حاجة إلى لحاظ الواضع، فعلى ذلك يسقط كلّ ما ردّ به قول القائل بأنّ الموضوع له في الحروف خاصّاً .
ثانياً: إذا لم تكن كلّ من الخصوصيتين: الاستقلالية والآلية موجودتين في الموضوع له ولا في المستعمل فيه فكيف تكون الجملة حاكيةً عنها؟! فإنّ الحكاية فرع الوضع، والمفروض أنّ القيدين غير مأخوذين في كلا المقامين. ومجرد قصد المستعمل أحدهما لايكون سبباً للدلالة والحكاية .
ثالثاً: أنّ لازم ما ذكره جواز استعمال كلّ من الاسم والحرف مكان الآخر مع أنّه غير جائز.
وما ذكره من أنّ هذا النوع من الاستعمال على خلاف شرط الواضع غير تام، لعدم لزوم اتّباع شرطه حتّى وان شرطه في ضمن الوضع. إلاّ إذا قيّد الوضع بهذا النوع من الاستعمال على نحو يكون غيره خارجاً عن حيطة الوضع فعندئذ يكون الاستعمال غلطاً.

النظرية الثالثة: تمايزهما بنفس الذات

إنّ هذه النظرية مبنية على أنّ المعاني الحرفية والاسمية متمايزةً بالذات من دون حاجة إلى لحاظ لاحظ أو اعتبار معتبر، بل المعاني مختلفة بالذات متمايزة بالماهيّة، وبعبارة أُخرى: المعنى تارة قائم بنفسه ذهناً وخارجاً وأُخرى قائم بالغير كذلك.
وإن أردت التفصيل، فإليك بيانه.

84
 
ما يدركه العقل ينقسم إلى أقسام ثلاثة:
أ. ما هو مستقل مفهوماً ومصداقاً.
ب. ما هو مستقل مفهوماً لا مصداقاً.
ج. ما هو غير مستقل مفهوماً ومصداقاً.
أمّا الأوّل: فهذا كالجواهر، فمصاديق الإنسان وسائر الأنواع تُتصور في الذهن مستقلةً بلا استعانة بشيء، كما هي مستقلاّت في الوجود والمصداق.
أمّا الثاني: فكالاعراض مثل البياض والسواد فإنّها في صقع الذهن مستقلاّت مفهوماً غير مستقلاّت مصداقاً، فكلّ منّا يتصوّر مفهوم البياض والسواد على وجه الاستقلال ولكنّهما في الخارج يعتمدان على الموضوع كالجسم.
وأمّا الثالث: فهي غير مستقلة ذاتاً ولا ماهية، إذ لا تنالها النفس الإنسانية بنفسها، وإنّما تنالها بواسطة الغير، كما أنّها غير مستقلة وجوداً، ففي مثالنا (زيد في الدار) فكلّ من الموضوع والدار مستقلاّن تصوّراً وذاتاً كما هما مستقلاّن مصداقاً غير أنّ كينونة زيد في الدار من المفاهيم الّتي لا تنالها النفس إلاّ بإضافتها إلى زيد وإلى الدار.
فقد يعبر عن القسم الأوّل بقولهم: موجود في نفسه لنفسه، وعن القسم الثاني: موجود في نفسه لغيره، وعن الثالث: موجود في غيره لغيره .
وربّما يعبّر عن الأوّل أيضاً بالوجود النفسي، وعن الثاني بالوجود

85
الرابطي، وعن الثالث بالوجود الرابط، كما قال الحكيم السبزواري:
إنّ الوجود رابط ورابطي *** ثمة نفسيّ فهاك فاضبط
فعلى هذا فالمعاني إمّا مستقلة مفهوماً وماهية، وإمّا مندكّة وفانية في الغير، وهذه خصيصة ذاتية للمعاني غير مكتسبة من لحاظ لاحظ واعتبار معتبر.
ولتوضيح ما قلناه نأتي بمثال آخر كما لو قلنا (سرت من البصرة إلى الكوفة) فكلّ من (السير) و (البصرة) ينالهما الذهن من دون حاجة إلى مفهوم آخر، بخلاف اتجاه السير مبدأً ومقصداً فإنّ الذهن يحتاج في تصوّره إلى شيء آخر، أي (السير والبصرة والكوفة).
إنّ للشريف الجرجاني كلاماً في المقام ننقله بنصّه; قال:
كما أنّ في الخارج موجوداً قائماً بذاته، وموجوداً قائماً بغيره، كذلك في الذهن ; معقول هو مُدرك قصداً، ملحوظاً في ذاته، يصلح أن يحكم عليه وبه. ومعقول هو مُدرك تبعاً وآلة، كملاحظة غيره، فلا يصلح لشيء منهما، فالابتداء مثلاً إذا لاحظه العقل قصداً وبالذات كان معنىً مستقلاًّ بالمفهومية، ملحوظاً في ذاته، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء فقط، ولا حاجة في الدلالة عليه إلى ضمّ كلمة أُخرى إليه لتدلّ على متعلّقه، وهذا هو المراد بقولهم إنّ للإسم والفعل معنى كائناً في نفس الكلمة الدالّة عليه، وإذا لاحظه العقل من حيث هو حالة بين السير والبصرة مثلاً وجعله آلة لتعرف حالهما، كان معنى غير مستقل بالمفهومية، ولا يصلح أن يكون محكوماً عليه وبه، ولا يمكن أن يتعقّل إلاّ بذكر متعلّقه بخصوصه، ولا أن يدلّ عليه إلاّ بضم كلمة

86
دالّة على متعلّقه .(1)
ثم إنّ هذا المعنى هو الّذي أفرغه الأُدباء في تعريف الاسم والحرف فقالوا:
الاسم: ما دلّ على معنى في نفسه، والحرف: ما دلّ على معنى في غيره، فالضمير في كلّ من «نفسه»، و «غيره» يرجع إلى المعنى، وقد شرحه المحقّقون منهم صدر المتألّهين عند تقسيم الوجود إلى النفسي والرابطي والرابط، وبعده المحقّق الإصفهاني في تعليقته على الكفاية.، والسيد الطباطبائي في تعليقته عليها أيضاً ، والسيد الأُستاذ في دروسه الشريفة.
إلاّ أنّ الفضل والفضيلة في المقام يرجع إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)فكلّ مقتبس من نوره وعلومه، فقد روي عن أبي الأسود الدؤلي أنّه قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام)فرأيته مطرقاً متفكّراً فقلت: فيمَ تفكّر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحناً فأردت أن أصنع كتاباً في أُصول العربية. فقلت: إن صنعت هذا احييتنا وبقيت فينا هذه اللغة. ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كلّه ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف ، والاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في غيره» إلى ان قال: واعلم يا ابا الاسود ان الاشياء ثلاثة ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر وإنّما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر». (2)

1 . شرح الكافية المشهور بشرح الجامي: 15.
2 . «الاشتقاق حول حديث أبي الأسود الدؤلي» للحاج السيد علي البهبهاني: 2 ـ 3. نقلاً عن العوالم، ونفائس الفنون.

87

تقسيم الحروف إلى إخطارية وإيجادية

قسم المحقّق الشيخ محمد تقي الاصفهاني المعروف بصاحب الحاشية، معاني الحروف إلى إخطارية وإيجادية، والمراد من الأُولى: ما يكون حاكياً عن معنى متحقّق في الخارج مثل: «سرت من البصرة إلى الكوفة»، كما أنّ المراد من الثانية ما يوجد بنفس الاستعمال كالنداء والخطاب كقولنا: «يا زيد»، فالقسم الأوّل أشبه بالجملة الخبرية والثاني أشبه بالجملة الإنشائية.
أقول: هذا التقسيم لا ينافي ما هو المختار، فإنّ الإخطار والإيجاد يتحقّقان بما للحروف من المعنى القائم بالغير، فالجامع الاسمي بينهما هو القيام بالغير، غاية الأمر ينقسم القيام بالغير إلى إخطاري وإيجادي.

الحروف موضوعة لإيجاد الربط بين جزئي الكلام

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ شأن أدوات النسبة ليس إلاّ إيجاد الربط بين جزئي الكلام، فإنّ الألفاظ بما لها من المفاهيم متباينة بالهوية والذات كلفظ «السير» و «البصرة» و «الكوفة». فكلمة «من» و «إلى» جيء بهما لإيجاد الربط وإيجاد العلقة بين «السير» و «البصرة» و «الكوفة».(1)
وهذا أيضاً خيرة الشهيد الصدر، قال: إنّ المعاني الاسمية معان استقلالية، وكلّ ما يدلّ على معنى ربطي نسبي نعبر عنه أُصولياً بالحرف، وكلّ ما يدلّ على معنى استقلالي نعبر عنه أُصولياً بالاسم .(2)

1 . فوائد الأُصول: 1 / 42 ; أجود التقريرات: 1 / 18 .
2 . الحلقة الثالثة: 99، وقد حاول بكلامه أن يدخل مفاد الهيئات في المعاني الحرفية، لأنّ مفادها غير استقلالي.

88
أقول: هذا المعنى ليس شيئاً مخالفاً لما هو المشهور، فإنّ الحروف إنّما توجد الربط بين جزئي الكلام بما لها من المفهوم الاندكاكي والتعلّقي، فالربط من خصائص كون المعاني قائمة بالغير.

الحروف وضعت لتضييق المعاني الاسمية

ذهب المحقّق الخوئي في تعليقته على الأجود إلى أنّ الحروف وضعت لتضييق المعاني الاسمية وتقييدها بقيود خارجة عن حقائقها، فإذا قال: «الصلاة في المسجد حكمها كذا» فإنّ الصلاة لها إطلاق بالنسبة إلى الخصوصيات المسنونة والمصنفة والمشخصّة.
فتارة يتعلّق الغرض ببيان المفهوم على إطلاقه وسعته فيقول: «الصلاة خير موضوع» وقد يتعلّق بإفادة حصّة خاصة منه. فيقول: «الصلاة في المسجد مستحبة» فيخصص الصلاة بحصة منها.(1)
أقول: ما ذكره (قدس سره)ليس معنى جديداً للحروف وإنّما التضييق من شؤون المعنى الواقعي للحروف.
في كيفية وضع الحروف   
وبعبارة أُخرى: إن أراد أنّ الحروف وضعت للتضييق بالحمل الأوّلي، فهذا يستلزم انقلاب المعاني الحرفية إلى المعاني الاسمية، وإنْ أراد التضييق بالحمل الشائع، ففيه أنّ التضيّق يحصل لأجل دلالتها على معان خاصة قائمة بالغير كالظرفية، فالتضييق من عوارض ذلك المعنى الاندكاكي.
أضف إلى ذلك أنّ بعض الحروف لا يحصل بها التضييق، كما هو

1 . أجود التقريرات: 1 / 18 .

89
الحال في مثل «قد» و «واو» القسم و «أدوات التحضيض»، مثل قوله: «قد قامت الصلاة»، أو «والله لأفعلن» و «هلاّ قرأت القرآن»، فإنّ الكل من قبيل إضافة معنى إلى معنى آخر، ولو سُمّيت الإضافة «تضييقاً» لعم التضييق الأسماء والأفعال .

الجمع بين الآراء

وبهذا البحث الضافي يظهر أنّ الآراء المذكورة المشهورة بين المتأخّرين ليست شيئاً جديداً، بل ترجع إلى المعنى المعروف، غاية الأمر أنّ الحروف بما لها من المعنى الاندكاكي تارة تُخطِر وأُخرى تُوجد، وفي الوقت نفسه تربط بين الجمل وربّما تضيّق معنى الاسم.
وليعلم أنّ الجامع بين عامّة الحروف هو القيام بالغير مفهوماً ووجوداً، لكن لا ينافي ذلك أن يكون لكلّ حرف معنى خاص كالابتداء لـ «من» والانتهاء لـ « إلى» والإلصاق لـ «الباء»، والظرفية لـ «في»، لكن ما عُبّر به (الابتداء والانتهاء، و...) معان اسمية أُخذت وسيلة للمعاني الحرفية، لأنّ الذهن لا ينالها إلاّ بواسطة المعاني الاسمية.

الموضع السادس: في بيان كيفية وضع الحروف

اختلفت كلمة الأُصوليين في كيفية وضع الحروف إلى أقوال أهمها قولان:
الأوّل: الوضع عام كما أنّ الموضوع له كذلك. وهو خيرة المحقّق الخراساني .

90
الثاني: الوضع عام والموضوع له خاص.
أمّا الأوّل فقد مضى فيه الكلام فلا نعود إليه .
والمهم توضيح القول الثاني: والّذي هو مختار السيد الأُستاذ، وحاصله: أنّ المعنى المتصوّر في مقام الوضع هو مفهوم الابتداء ولكن الموضوع له مصاديقه وجزئياته.
والواضع وضع لفظة «من» لما ينطبق عليه مفهوم الابتداء، أو وضعها لمصاديق الابتداء، أو ما شئت فعبّر.
وأمّا الدليل، فهناك أُمور ثلاثة:
1. الجامع الاسمي للابتداء.
2. الجامع الحرفي لمفهوم الابتداء.
3. المصاديق الخارجية.
فلندرس كلّ واحد من هذه الأُمور.
أمّا الأوّل: فوضع الحروف للجامع الاسمي يستلزم الخلف، لأنّه يلزم منه الانقلاب أي انقلاب المعاني الحرفية إلى الاسمية، حتّى أنّ المحقّق الخراساني رفضه وإنّما قال هو بالابتداء غير الموصوف بالاستقلالية والغيرية، وأمّا على هذا الفرض فالحروف موضوعة للمعاني الاسمية المستقلة .
وأمّا الثاني: فهو وضع الحروف للجامع الحرفي الّذي يكون قدراً مشتركاً بين مصاديق المعاني الحرفية، فعندئذ يكون الوضع عامّاً والموضوع

91
له عامّاً، غير أنّه مقرون بالاشكال لو لم نقل أنّه محال، لأنّ الجامع المقولي الّذي ينتزع من الافراد والمصاديق باعتبار اشتراكها في حقيقة واحدة، يكون ذا مفهوم مستقل يلاحظه الذهن مرة بعد مرة، فتارة يخبر عنه وأُخرى يخبر به. هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ المعنى الحرفي لا يتصوّر له جامع مقولي بهذا المعنى وإلاّ يلزم التناقض.
فمن حيث إنّه جامع مقولي معناه كونه مفهوماً مستقلاً يخبر به ويخبر عنه، وإلاّ فلا يكون جامعاً متصوّراً لدى الوضع.
ومن حيث إنّه جامع للحروف، يكون سنخه سنخ الحروف، يكون قائماً بالغير ومندكّاً فيه، وهذا هو التناقض.
وإن شئت قلت: لو كان الجامع من سنخ المعاني الاسمية فلايكون جامعاً للمعاني الحرفية، وقد فرضنا أنّ الموضوع له هو الجامع الاسمي للمعاني الحرفية، وإن كان من سنخ المعاني الحرفية فلا يمكن أن يوصف بالجامعية لأنّ معنى الجامعية هو الاستقلال في التصور، ولازم كونه حرفياً عدم الاستقلال.
وأمّا الثالث: أي وضعها للمصاديق الخارجية الكثيرة الّتي لا يحيط بها الإنسان مباشرة، فهو أمر غير ممكن.
فلم يبق إلاّ احتمال رابع وهو أنّ يتّخذ الجامع الاسمي ذريعة للوضع للمصاديق، وهو أن يتصوّر الابتداء بالمعنى الاسمي الّذي هو قابل للاخبار به وعنه، ولكنّه يضع اللفظ لما ينطبق عليه ذلك المفهوم الابتدائي الاسمي، ولا مانع من أن يكون المعنى المتصوّر عاماً والموضوع له خاصّاً، لأنّ العام وإن

92
لم يكن مرآة للخاص ولكنّه يكون ذريعة للانتقال من العام إلى الخاص.
وبذلك يعلم أنّ الموضوع له خاص، لأن الحروف وضعت لما هو المصداق للابتداء أو الانتهاء والمصداق يلازم الجزئية.
يقول السيد الأُستاذ: المعنى الّذي هذا شأنه ـ الموصوف بأنّه لا يستقل جوهراً ووجوداً ودلالةً وكيفيةً ـ لا يتصوّر له جامع كلّي ينطبق على أفراده ويحكي عن مصاديقه، لأنّ الجامع ـ على فرضه ـ يجب أن يكون من سنخ المعاني الحرفية، فلا بدّ وأن يكون ربطاً بالحمل الشائع، وإلاّ انقلب معنى اسميّاً. وكونه ربطاً بالحمل الشائع يلازم فرديته، وهو خلف.
بل لابدّ عند الوضع من التوسّل ببعض العناوين الاسمية الّتي لا تكون جامعاً ذاتياً لها، ولا يمكن إيقاع الربط بها، كمفهوم الابتداء ومفهوم النسبة ; ممّا لا تكون من سنخ المعاني الحرفية. فلابدّ حينئذ من الالتزام بخصوص الموضوع له في الحروف كافّة بعد عموم وضعها.
فالواضع لا مناص له إلاّ أن يتصوّر معنى اسمياً، كالابتداء ونحوه; مشيراً به إلى أفراده ومصاديقه بالحمل الشائع، فيضع لفظة «من» مثلاً لما هو مصداق له بالحمل الشائع، وقد عرفت أنّ دلالتها على الوحدة والكثرة تابعة لحال الطرفين.(1)
فإن قلت: قد تقدّم أنّ مفهوم الابتداء لا يكون حاكيا عن مصاديقه. نعم الانتقال من العام إلى الخاص وإن كان ممكناً ولكنّه يوجب كون الوضع والموضوع له خاصيّن، فعلى ضوء ذلك لا يكون الوضع عامّاً والموضوع له

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 46 .

93
خاصّاً، بل يكون كلاهما خاصّين .
قلت: قد تقدّم أنّه يمكن الإشارة إلى الخاص بعد تصوّر العام بألفاظ تدلّ على الخصوصية والجزئية كمثل كل فيقال ـ بعد تصوّر الابتداء ـ وضعت لفظة «من» لكلّ واحد من مصاديقه الخارجية، وهكذا سائر الحروف.
فإن قلت: إنّ المحقّق الخراساني قال بأنّ المستعمل فيه كثيراً ما يكون كلّياً، كما إذا قال: «سرت من البصرة إلى الكوفة» بشهادة أنّه إذا بدأ بسيره من أي نقطة من نقاط البصرة يكون ممتثلاً.
قلت: الظاهر أنّ المتكلّم لاحظ البصرة أمراً واحداً شخصياً فاستعمل الحرف في ذلك الواحد الشخصي، وإنّما جاء التكثير من جانب العقل حيث إنّ العقل بعدما لاحظ كون البصرة واحداً ذا أجزاء تصلح أن تكون مبدأ للسير حكم بأنّ الامتثال يحصل من أي جزء تحقّق، فالمستعمل فيه جزئي عرفاً وإن كان منحلاًّ لدى العقل إلى كثير.

ثمرة البحث

ربما يقال: إنّ الثمرة تظهر في مقامين:
1. إمكان تقييد الهيئة في قولنا: أكرم زيداً إن سلّم عليك.
فقولنا: (أكرم) مشتمل على هيئة دالّة على الوجوب، ومادة دالّة على معروض الوجوب وهو الإكرام.
فلو قلنا بأنّ الهيئات موضوعة للمعنى العام يصحّ إرجاع الشرط إلى

94
مفاد الهيئة فيكون الوجوب مشروطاً بالتسليم .
ولو قلنا بأنّ الموضوع له هو الوجوب الخاص، والخاص غير قابل للتقييد، لأنّه فرع الإطلاق وهو لا يناسب الخاص، فلا محيص من رجوع القيد إلى المادة، أعني: الإكرام.
فيكون الوجوب مطلقاً والإكرام مقيّداً بالتسليم.
يلاحظ عليه: بأنّ مفاد الهيئة قابل للتقييد حتّى وإن كان الموضوع له جزئياً، وذلك لأنّ الجزئي وإن كان غير قابل للتقييد من حيث الأفراد ولكن قابل له من حيث الحالات.
مثلاً: إنّ زيداً وإن كان جزئياً لا يصدق إلاّ على فرد واحد ومثله لا يقبل التقييد، ولكنّه بالنسبة إلى حالته متنوّعة متكثّرة ككونه عادلاً فاسقاً، راكباً راجلاً، عالماً جاهلاً، فيصلح تقييده بالنسبة إلى حالاته، ومثله وجوب الإكرام فله حالتان: وجوبه عند التسليم، ووجوبه عند عدمه، فالقيد يخصصه بحالة خاصة وهي التسليم
في اسماء الاشارة والموصولات والضمائر   
2. اشتمال القضية على المفهوم وعدمه، إذا قال: حُجَّ إن استطعت.
قد ثبت في محلّه أنّ أساس القول بالمفهوم، هو ارتفاع سنخ الحكم وطبيعته، لا شخصه، إذ الحكم الشخصي يرتفع مطلقاً، سواء اشتملت القضية على المفهوم أو لا. وعندئذ لو كان الموضوع له لهيئة الأمر، هو الحكم الشخصي فالنزاع غير قابل للطرح، بخلاف ما لو كان الموضوع هو مطلق الحكم، فيصلح أن يقال: هل القضية تشتمل على المفهوم بحكم دلالته على

95
ارتفاع سنخ الحكم، أيضاً، أو عدم دلالته بل القضية ساكتة بالنسبة إلى حالة ارتفاع القيد .
يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرنا في الثمرة الأُولى فإنّ الحكم الشخصي وإن لم يكن قابلاً للتقييد من حيث الأفراد، لكنّه قابل له من حيث الأحوال، فإنّ الوجوب الشخصي المقيّد بتسليم زيد غير وجوب الإكرام العاري عن هذا القيد، فللوجوب سعة حسب الحالات.
فالقول بالمفهوم وإنكاره لا يبتني على كون مفاد الهيئة كلّياً، بل يجري على القول بجزئية معناها.
وبذلك ظهر أنّ المسألة فاقدة للثمرة.

الموضع السابع: في أسماء الإشارة والضمائر والموصولات

يقع الكلام في أسماء الإشارة والضمائر والموصولات، تارة في معانيها، وأُخرى في كيفية وضعها من حيث خصوص الموضوع له أو عمومه، ونحن نبحث عن الأمرين في محلّ واحد، فنقول: هنا احتمالات :
الأوّل: أنّها وضعت للمفرد المذكّر وإخوته وأخواته .
الثاني: أنّها وضعت لنفس الإشارة.
الثالث: أنّها وضعت للمفرد المذكّر إذا وقع في إطار الإشارة .
أمّا الأوّل: فهو نظرية المحقّق الخراساني، بل هي النظرية المعروفة حيث ذهب المشهور إلى أنّها وضعت لنفس المشار إليه، أعني: المفرد

96
المذكّر مع إخراج الإشارة عن الموضوع له .(1) وعلى هذا يكون الوضع عامّاً والموضوع له كذلك، ولمّا كانت الغاية من هذا الوضع هي الإشارة إلى معانيها أو مخاطبتها، وكانت الإشارة والتخاطب متلازميّ التشخّص فتعرض الخصوصية عند الاستعمال .(2)
يلاحظ عليه: أنّه لو كان الموضوع له هو ذات المفرد المذكّر وذات المشار إليه مع خروج الإشارة ووصف كونه مشاراً إليه عن الموضوع له، فمن أين تفهم الإشارة فإنّ الدالّ عليها أحد أمرين:
إمّا اللفظ: فالمفروض أنّ الموضوع له خال عنها. وإمّا غيره كالإشارة بالإصبع والعصا ففيه:
1. أنّ الخطاب بأنت وأنتم ليس رهناً للإشارة، فنقول: أأنت فعلت؟
2. لازم ذلك عدم صحّة استعماله إلاّ بأحدهما.
وبالجملة: فإنّ هذا القول وإن أصاب في أنّه جعل مفادها معان اسمية مستقلة، لكنّه أخطأ في إخراج الإشارة عن الموضوع له.
أمّا الثاني: فهي نظرية السيد البروجردي وتبعه السيد الأُستاذ، وحاصلها: أنّ أسماء الإشارة والضمائر والموصولات موضوعة لنفس الإشارة إلى الحاضر أو إلى الغائب كما في بعض الضمائر، فعليه لا يكون المشار إليه داخلاً في معناه رأساً، بل تمام الموضوع له فيها ليس إلاّ نفس الإشارة.

1 . شرح الكافية في النحو: 2 / 29 ; البهجة المرضية: 1 / 1042. هذا هو المعروف ولكن الصحيح النهجة المرضيّة.
2 . كفاية الأُصول: 1 / 16 .

97
وإحضار المشار إليه في ذهن السامع ـ على اختلاف في المتعلّق ـ تبعيّ، كإحضاره بإشارة الأخرس، من غير أنّ يكون دخيلاً في الموضوع له، فالإشارة إلى الحاضر لا تتوقّف إلاّ على حضور المشار إليه حقيقة وحكماً، كما أنّ الإشارة إلى الغائب تحتاج إلى كونه معهوداً أو مذكوراً من قبل حتّى تمكن الإشارة إليه، وعلى هذا فتندرج تلك الألفاظ برمّتها في باب الحروف، وتنسلك في عداد مفاهيمها ; من حيث عدم الاستقلال مفهوماً ووجوداً. (1)
يلاحظ عليه:
أوّلاً: ماذا يريد من قوله: إنّ هذه الألفاظ وضعت لنفس الإشارة؟ فهل المراد إنّها وضعت لها فقط، فيرد عليه أنّ هذه الألفاظ تدلّ وراء الإشارة على خصوصية المشار إليه كالمذكر والمؤنث والحاضر والغائب فلا يستعمل «هذا» مكان «هذه» ولا العكس، وهذا يدلّ على أنّ المتعلّق داخل في معنى اللفظ .
وإن أراد أنّها وضعت للإشارة مع دخول المشار إليه في مفاد الموضوع له، فهذا يرجع إلى النظرية التالية كما سيوافيك.
وثانياً: أنّها لو وضعت لنفس الإشارة فالإشارة معنى حرفّي لا يخبر به ولا يخبر عنه، مع أنّ هذه الأسماء يخبر عنها ويخبربها ويقال: «هذا زيدٌ» .
نعم تخلّص سيدنا الأُستاذ عن هذا الإشكال بقوله: إنّ المبتدأ هو الشخص الخارجي، وقد أحضر بواسطة اللفظ، والمحمول يحمل على ذلك الشخص الخارجي .

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 56 ـ 57 .

98
يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك تركّب الكلام من جزء ذهني وهو المحمول وجزء خارجي وهو الموضوع.
وثالثاً: أنّ بعض المبهمات لا يتبادر منها الإشارة مثل (ما) و (مَنْ) و (أي) يقول سبحانه: (يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ) (1) .
وقال سبحانه: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(2) .
وقوله (عليه السلام): «مَنْ كان على يقين وشك فليمض على يقينه» .(2)
وأمّا الثالث: فهو أن يقال: إنّ أسماء الإشارة وضعت للمفرد المذكّر في حال الإشارة، أو إذا وقع في إطار الإشارة، وهذا هو خيرة المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) فقد قال:
في الإخبار والإنشاء   
إنّ أسماء الإشارة والضمائر وبعض المبهمات موضوعة لنفس المعنى في حال تعلّق الإشارة به خارجاً أو ذهناً بنحو من الأنحاء (3) فقولك: «هذا» لا يصدق على زيد إلاّ إذا صار مشاراً باليد أو بالعين، والفرق بين مفهوم لفظ (المشار إليه) ولفظ «هذا» هو الفرق بين لفظ الربط ومفهوم «في» و «مَنْ».(5)
فعلى هذا فالواضع تصوّر الذات على اختلاف أقسامها في مجال الإشارة في إطارها فصار الوضع عامّاً لكون المتصوّر عامّاً، ووضع الألفاظ لكلّ ذات وقعت في ذلك الإطار والمجال، فيكون الموضوع له خاصّاً، وقد ذكرنا نظير ذلك في الحروف.

1 . الجمعة: 1 .   2 . الأنعام: 81 .
2 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 6.
3 . بل المقيّدة بالإشارة.   5 . نهاية الدراية: 1 / 36 .

99
ويدلّ على ذلك التبادر فالمتبادر من لفظ «أنا» و «أنت» و «هو» الذات عند الإشارة.
ثم إنّ الإشارة في اللغة العربية ـ تتكفّل وراء إحضار المشار إليه بيان خصوصيته كإفراده وتثنيته وجمعه وتذكيره وتأنيثه، ولذلك مسّت الحاجة إلى وضع الألفاظ لتقيد هذه الخصوصيات، والاستغناء عن الإشارات التكوينية بالإصبع والعصا.
وأمّا الموصولات فالظاهر أنّها أسماء أجناس مبهمة كلفظ «شيء»، ويرفع الإبهام بما يأتي بعده بالصلة، فالوضع فيها عامّ وكذلك الموضوع له.

الموضع الثامن: في الإخبار والإنشاء

الجمل الإنشائية على قسمين:
قسم يختصّ بالإنشاء فقط، كما هو الحال في صيغ الأمر والنهي والاستفهام والتمنّي والترجّي.
وقسم منها يستعمل تارة في الإخبار وأُخرى في الإنشاء، كقولنا: بعتُ، أو أنتَ ضامن، أو أنت حُرٌّ، إلى غير ذلك من الجمل الّتي تستعمل في كلا الأمرين. فقد وقع الاختلاف في معنى هذه الجمل التي تستعمل في العقود والإيقاعات ، وهناك نظريات:

الأُولى: نظرية المحقّق الخراساني

اختار المحقّق الخراساني في المقام نفس ما اختاره في المعاني

100
الاسمية والحرفية من عدم دخول واقعية الإنشاء والاخبار في الموضوع له، وإنّما هي من قيود الوضع وطوارئ الاستعمال. فمفاد «بعت» نسبة مادة (البيع) إلى المتكلّم إمّا بقصد ثبوت معناه في موطنه فهو إخبار، أو بقصد تحقّقه وثبوته بنفس الاستعمال فهو إنشاء .(1)
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان المعنى على قسمين: قسم محكيّ وقسم مُوجد، فمقتضى الحكمة وضع اللفظ لكلّ من القسمين، إذ من البعيد وضع اللفظ للجامع وعدم الاعتداد بالمعنى المقصود الأصلي.
على أنّ ما ذكره لا يتمّ في الجمل المختصّة بالإنشاء كصيغ الأمر والنهي. والظاهر أنّ الوضع في الجميع على نمط واحد.

النظرية الثانية: نظرية الأُدباء

إنّ مشاهير الأُدباء والأُصوليين ذهبوا إلى أنّ دور الصيغ الإنشائية دور الإيجاد لمعانيها لا الكشف عن حقيقة خارجية أو ذهنية، فقول القائل: «زوجت» إيجاد للزوجية، و «بعت» إيجاد للملكية، و «هل قام زيد؟» إيجاد للاستفهام. وبما أنّ المهم في المقام كشف ما يدلّ عليه هيئات العقود والإيقاعات، فلنركّز الكلام عليه، وقبل أن نستكشف مدلول الهيئة، نبحث عن منشأ الاعتبار وحقيقته، فنقول: إنّ المنشأ للأُمور الاعتبارية قاطبة هو التكوين، والأُمور الاعتبارية محاكاة له واستنساخ له لكن في عالم الاعتبار، مثلاً:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 16 .

101
إنّ الإنسان ينتقل إلى مفهوم الزوجية الاعتبارية بين الرجل والمرأة بعد ملاحظة أمرين:
1. رؤية الأشياء في الخارج على صنفين: فرد، وزوج. أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني كالعينين والأُذنين والرجلين واليدين للإنسان، ففي الخارج أيضاً الأشجار تارة تنبت على أصل واحد فيقال لها: صنوان، وأُخرى على أصلين، إلى غير ذلك ممّا يشاهده الإنسان من الأُمور الّتي تُوصَف بالزوجية والّتي يدعم بعضها بعضاً أو يقترن به.
2. قضت الطبيعة البشرية على وجود انجذاب بين الرجل والمرأة من الناحية العاطفية والجنسية على نحو يُكمّل كلّ منهما الآخر.
فعند ملاحظة هذين الأمرين دعت المصلحة الاجتماعيّة إلى ضمّ أحدهما إلى الآخر وجعلهما زوجاً اعتبارياً على غرار الزوج التكويني، غير أنّ وجود الزوج التكويني يرجع إلى خالق العالم، وهذا يرجع إلى المعتبر، أي المقنّن والمشرّع.
إذا عرفت ذلك، فاعلم: أنّه لمّا كان اعتبار الزوجية في عالم الذهن لا يترتّب عليه الأثر المطلوب، اخترع لفظة لإنشاء ما اعتبره في الذهن في عالم القانون، كما إذا قال: زوجت المرأة المعلومة بالمرء المعلوم، فالهيئة وضعت لإيجاد ما اعتبره في الذهن في عالم الاعتبار.
وقس عليه لفظة: «بعت» الإنشائية، فالهيئة وضعت لإيجاد تمليك المبيع للمشتري والثمن للبائع ولكن بعد طيّ مقدّمات:
أ. يرى الإنسان ملكية تكوينية أو اختصاصاً تكوينيّاً بينه وبين أعضائه

102
فيقول: سمعي وبصري وعيني، فيرى نفسه أحقّ بها من غيره.
ب. ثم إنّه يرى نفسه أحقّ بما حصّل عليه بكدّ يمينه وعرق جبينه، كما إذا ذهب إلى الغابة أو سواحل البحر فجنى بلوطاً أو اصطاد سمكاً فيرى نفسه أحق بها، فيعتبر نفسه مالكاً وما جناه بيده مملوكاً، وهذه الملكية الاعتبارية محاكاة للملكية التكوينية واستنساخ لها، ثم إنّه بعد هذين الأمرين يرى أنّه يملك السمك وفي الوقت نفسه يحتاج إلى الخبز والآخر بالعكس، فيعتبر اعتباراً ثالثاً وهو مبادلة الملكين وتمليك ما بيده للآخر وبالعكس. وبما أنّ هذا الاعتبار قائم بذهنه ولا يترتب عليه أثر يقوم بأمر رابع وهو إنشاء هذه المبادلة وإيجادها في عالم الاعتبار، فهيئة «بعت» وضعت لإيجاد ما اعتبره في الذهن، وقس على ذلك سائر الأُمور الاعتبارية، وبذلك عُلم أمران:
1. أنّ الأُمور الاعتبارية محاكاة للخارج ونوع استنساخ له، ولولا الخارج لما تمكّنت النفس من الاعتبار. مثلاً: رئاسة الدائرة أو رئاسة العشيرة أمر اعتباري ينتقل إليه الإنسان من الإمعان في وظيفة الرأس في البدن حيث إنّه يدير البدن ويجعل جميع الأجزاء في طريق تدبير واحد، فصار هذا سبباً لانتقال الإنسان إلى إعطاء حكم الرأس لرئيس الدائرة حتّى تُصب الطاقات المختلفة في الاعضاء في مصبّ واحد، ولولا مشاهدة الرأس وعمله لما تمكّن الإنسان من هذا الاعتبار.
2. أنّ الأُمور الإنشائية لا تخضع للصدق والكذب، لأنّها لا تحكي عن شيء خارجي تطابقه أو لا تطابقه، وإنّما هي بصدد الإيجاد، أي إيجاد المعنى المعتبر وإنشائه دون إخطاره والإخبار عنه، والمفروض أنّه يكفي في تحقّق

103
الإنشاء والإيجاد نفس الاستعمال والمفروض أنّه قد تحقّق.
وأمّا احتمال كون الاستعمال عن جدّ أو عن هزل فلا يضرّ بالإنشاء بعد تطابق العقلاء على أنّ الأصل مطابقة الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية.
 
النظرية الثالثة: نظرية المبرزية
وهذه النظرية أبداها المحقّق الإيرواني في كتابه «نهاية النهاية» (1). واختاره المحقّق الخوئي في تعاليقه على «أجود التقريرات» (2)، وقرّره تلميذه في «المحاضرات»، وإليك خلاصة النظرية كما في الكتاب الأخير حيث قال: إنّ الجملة الإنشائية موضوعة لإبراز أمر نفساني خاص، وكلّ متكلّم متعهّد بأنّه متى ما قصد إبراز ذلك، يتكلّم بالجملة الإنشائية. مثلاً: إذا قصد إبراز اعتبار الملكية، يتكلّم بصيغة «بعت» أو «ملكت»، وإذا قصد إبراز اعتبار الزوجية، يبرزه بقوله: «زوجت» أو «أنكحت»، وإذا قصد إبراز اعتبار كون المادة على عهدة المخاطب، يتكلّم بصيغة «إفعل» ونحوها.
فالجمل الإخبارية والإنشائية تشترك في الدلالة على الإبراز، إلاّ أنّ الأُولى مبرزةٌ لقصد الحكاية والإخبار عن الواقع ونفس الأمر، وتلك مبرزةٌ لاعتبار من الاعتبارات كالملكية والزوجية ونحوهما.
واستدلّ على ذلك بأنّ المراد من كون الإنشاء للإيجاد، إمّا الايجاد التكويني فهو بيّن البطلان، وإمّا الإيجاد الاعتباري، كإيجاد الوجوب والحرمة

1 . نهاية النهاية: 1 / 13 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 25 ـ 26 .

104
والملكية والزوجية، فيرده أنّه يكفي في ذلك، نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلّم، فإنّ الإيجاد يتحقّق بالاعتبار النفساني، سواء أكان هناك لفّظ يتلفظ به أم لم يكن، ومن هنا يعلم أنّه لا فرق بينها وبين الجمل الاخبارية. (1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه إذا لم يكن للجملة الإنشائية دور سوى الحكاية والإخبار عمّا في الواقع أو في الذهن تنقلب الجمل الإنشائية كلّها جملاً خبرية غير أنّ المخبر به تارة في الخارج وأُخرى في الذهن، ويترتّب عليه أمرٌ آخر وهو تطرق احتمال الصدق والكذب إلى الجمل، إذ يحتمل أنّه لم يعتبر الملكية والزوجية للشخص أو المبيع، وهذا بخلاف ما عليه المشهور من أنّه يُنشيءُ ما اعتبره في عالم الاعتبار، وهذا أمر محقّق لا يضر احتمال عدم اعتباره في الذهن، لأنّ العبرة بالإنشاء والمنشأ لابمنابع الإنشاء ومناشئه.
وثانياً: أنّ ظاهر كلامه أنّ وعاء الاعتبارات هو الذهن، ولذلك قال: «يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلم» مع أنّ الذهن بهذا المعنى من مراتب التكوين، ووعاء الاعتبار أمر اعتباري مثل الاعتبار ولذلك قسّموا نفس الأمر إلى الأُمور الأربعة:
1. الجواهر .
2. الأعراض.
في هيئة الجملة الاسمية   
3. الانتزاعيات.
4. الاعتباريات.

1 . المحاضرات: 1 / 94 ـ 95 .

105
نعم لولا النفس والذهن لما تحقّق الاعتبار ولكنه محقّق له لا وعاء له.
وثالثاً: أنّ الحاجة إلى الإيجاد باللفظ هو عدم ترتب الأثر للاعتبار النفساني حسب تعبيره، بل الأثر لإنشاء الاعتبار خارج الذهن حتّى يكون حجة على الآخرين. فمسّت الحاجة إلى إنشائه باللفظ وراء الاعتبار .

الموضع التاسع: في هيئة الجملة الاسمية

المعروف بين المنطقيّين أنّ القضية تتركّب من أُمور ثلاثة: الموضوع، المحمول، والنسبة، وهي إما إيجابية أو سلبية، وعلى ذلك فالقضية مشتملة على نسبة كلامية، والدالّ عليها هيئة الجملة الاسمية. ثم إن وافقت النسبةُ الكلامية النسبةَ الخارجية فالقضية صادقة، وإلاّ فهي كاذبة.
هذا هو المشهور، وتحقيق الحق يتوقّف على البحث في موضعين:
الأوّل: اشتمال القضية الكلامية على النسبة.
الثاني: اشتمال القضية الخارجية عليها.
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ القضايا الحملية موجبتها وسالبتها غير مشتملة على النسبة وإنّما الهيئة وضعت للهوهوية وان هذا ذاك، هذا في الموجبة، وأمّا السالبة فالنفي لسلب الهوهوية، والدليل على ما ذكرنا هو التبادر فإنّ المتبادر في الحمليات كلّها هو الهوهويّة دون أن يكون هناك موضوع ومحمول ونسبة تربط المحمول بالموضوع، وإليك القضايا الحملية بأقسامها:
1. القضايا الحملية الأولية، مثل: الإنسان إنسان أو حيوان ناطق.

106
2. القضايا الحملية الشائعة بالذات مثل: البياض أبيض.
3. القضايا الحملية الشائعة بالعرض مثل: الجسم أبيض.
والفرق بين القسمين الأخيرين أنّ الموضوع في الأوّل مصداق حقيقي للمحمول، وفي الثاني مصداق له بالعرض، فإنّ ما هو الأبيض واقعاً هو البياض، وأمّا الجسم فإنّما يكون أبيض ببركة ذلك العارض له.
4. ما يقع في جواب قضايا الهلية البسيطة مثل: زيد موجود.
5. ما يقع في جواب قضايا الهلية المركبة مثل: زيد قائم.
ففي جميع هذه الموارد يتبادر من الهيئة الهُوهويّة، أي كون المحمول عين الموضوع مفهوماً أو مصداقاً. ولاتتبادر الكثرة حتّى يُربط أحدهما بالآخر بالنسبة، فإذا سألك سائل بقوله: هل زيد قائم أو موجود؟ فإنه يسأل عن أنّ زيداً هل هو، ولا يسأل عن ثبوت الوجود أو القيام لزيد، من دون فرق بين كون المشتق مركباً أو بسيطاً، لأنّ الكلام ليس في مفهوم المشتق، بل الكلام في مفهوم الجملة التركيبية فبساطة المشتق وتركّبه غير مؤثّر في ذلك.
وبذلك يظهر معنى الحمليات السالبة مثل قولنا: «ليس زيد عالماً» فمعناه سلب الهوهوية وأنّه لا اتّحاد بينهما.
وأمّا على القول المشهور فمعناه حمل النسبة السلبية على زيد.
هذا كلّه في الحمليات الحقيقية، وأمّا الحمليات المؤولة، أعني: ما تتخلّل فيها بعض الأدوات مثل: «في» و «على» فالحق أنّ موجباتها تشتمل على النسبة الكلامية، مثلاً إذا قلنا: «زيد في الدار» أو «زيد على السطح» فيتبادر منها أُمور ثلاثة، هي: زيد، الدار، كون زيد في الدار، والثالث يفهم من الهيئة.

107
وتفسير الجملة المذكورة بالهُوهوية غير صحيح، لأنّ «زيداً» ليس نفس «في الدار» ولا العكس، فهاهنا مفهوم ثالث وهو الكينونة والحصول، وراء الموضوع والمحمول.
هذا كلّه في الحمليات الموجبة، وأمّا الحمليات السالبة فالسلب يتبع مضمون القضية، فلو كان مفاد القضية هي الهُوهوية فالسلب يتوجّه إليها، وإن كان مضمونها الحصول والكينونة فالسلب يتوجّه إلى سلب الحصول، فالسلب بين نفي الهوهوية ونفي النسبة.
وبذلك يُعلم أنّ في عدّ السوالب من الحمليات نوع مجاز.
فإنّ السوالب منها تفيد «سلب الحمل» لا «حمل السلب» كما أنّ الحال في القضايا الشرطية هو كذلك.
فالشرطية الموجبة بمعنى الإخبار عن وجود الملازمة بين الشرط وجوابه، وأمّا الشرطية السالبة فهي بمعنى الإخبار عن سلب هذه الملازمة .
إلى هنا تبيّن عدم اشتمال الجمل الاسمية على النسبة الكلامية إلاّ في الحملية المؤولة الموجبة.
وأمّا السوالب فليس فيها لا حمل ولا نسبة، بل هي وضعت لسلب أحد الأمرين.

الثاني: في النسبة الخارجية

هل الجمل الاسمية المذكورة مشتملة على النسبة الخارجية في مقام التطبيق أوْ لا؟ والبحث في المقام بحث فلسفي وليس بحثاً أدبياً ولا أُصولياً،

108
فرائدنا فيه هو البرهان لا التبادر بخلاف المقام الأوّل، ولكن البرهان يدلّ على عدمها في أكثر القضايا ; فإنّ هذه القضايا على أقسام هي:
1. الحمل الأوّلي كقولنا «الإنسان إنسان»، فهي فاقدة للنسبة الخارجية، إذ لا معنى لجعل الربط بين الشيء ونفسه، فإنّ النسبة فرع التعدّد، والمفروض هو الوحدة في مقام المفهوم فضلاً عن الخارج .
2. الهَلِيّة البسيطة كقولنا: «الإنسان موجود»، فإن القول بوجود النسبة الخارجية بين الطرفين في الخارج يستلزم استقلال الماهية، وكونها طرفاً للنسبة مع أنّه باطل، إذ لا واقعية للماهية قبل الوجود فكيف تكون طرفاً للنسبة.
3. الهَلِيّة المركبة: إذا كان المحمول من قبيل الذاتي في باب البرهان، كقولنا: «زيد ممكن» إذ يمتنع وجود النسبة الخارجية بين زيد وإمكانه، لأنّ المفروض أنّه منتزع من صميم الموضوع وحاقّه على نحو يكون وضع الموضوع كافياً في وضع المحمول، فالمحمول داخل في ذات الموضوع لا ينفك عنه، فكيف يمكن أن يكون هناك رابط بينهما، إذ وجود الرابط بمعنى انفكاكه عنه حتّى يثبت عليه ـ في المرحلة الثانية ـ بالرابط والمفروض انّه منتزع من نفس الشيء.
4. الحمل الشائع بالذات، كقولنا: «البياض أبيض»، فهي أيضاً فاقدة للنسبة الخارجية، لأنّ الأبيض ليس إلاّ نفس البياض، فكيف يمكن تصور النسبة بين الشيء ومصداقه الذاتي؟!
5. الحمل الشائع بالعرض، كقولنا: «الجسم أبيض»، فالقضية مشتملة

109
على النسبة الخارجية وإن كانت فاقدة للنسبة الكلامية، أمّا الثانية فلما عرفت من أنّها موضوعة للهوهوية لا لإفادة النسبة بين الموضوع والمحمول، وأمّا الأُولى فلاشك أنّ هناك أُموراً ثلاثة تكويناً: فزيد شيء، والقيام شيء آخر، وحصول قيام لزيد شيء ثالث. وهذا أشبه بمن دخل المسجد، فقد أوجد بدخوله أمراً ثالثاً وراء نفسه ووراء المسجد.
6. الحمليات المؤولة، نحو: «زيد في الدار» فهي أيضاً مشتملة على النسبة الخارجية حسب ما عرفت في القسم المتقدّم عليه. كما هي مشتملة على النسبة الكلاميّة.
إلى هنا تم الكلام في المقامين ورائدنا في المقام الأوّل التبادر، وفي الثاني البرهان الفلسفي.

110
   
 
الأمر الثالث:

في الحقيقة والمجاز

عُرّف المجاز بأنّه استعمال اللفظ في غير ما وضع له، لمناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. فإن كانت المناسبة هي المشابهة فالمجاز استعارة. وإلاّ فالمجاز مرسل، كاستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ، كاستعمال العين في الإنسان مثل ما ورد في قول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «عيني بالمغرب كتب إليّ يُعلمني» (1) .
وبالعكس كاستعمال الإنسان في عضو منه، كما في قولك: «ضربت إنساناً» إذا ضربت عضواً منه.
وعلى قول هؤلاء يكون استعمال اللفظ في غير ما وضع له بالوضع وحسب تحديد الواضع حيث إنّ الواضع رخّص فيما إذا كان هناك علقة مشابهة أو سائر العلائق البالغة إلى 25 علاقة.
وقد بقي هذا الرأي سائداً بين الأُدباء والأُصوليين إلى أن أوجد العلاّمة أبو المجد الشيخ محمد رضا الاصفهاني (1285 ـ 1363 هـ) ثورة عارمة في الأدب العربي، وأثبت أنّ المجاز مطلقاً استعارة كان أو مرسلاً ليس هو استعمال للفظ في غير معناه، بل هو استعمال للفظ في معناه، غاية الأمر بادّعاء

1 . نهج البلاغة، قسم الكتب، برقم 33.

111
أنّ المورد من مصاديق الموضوع له.
وبعبارة أُخرى: إنّ المتكلِّم في باب المجاز لا يأتي بمعنى جديد وإنّما يأتي بمصداق جديد.
وقد شرح نظريته في كتابه وقاية الأذهان .(1) وتبعه في هذه النظرية أساتذتنا كالسيد البروجردي والسيد الإمام الخميني (رحمهم الله) .
فعلى هذا فالمتكلّم في باب المجاز يستعمله بالإرادة الاستعمالية نحو استعماله في باب الحقيقة من غير فرق بينهما في مرحلة الوضع والاستعمال.
ثم إنّه استدلّ على ما رامه بأنّ الغاية المتوخّاة من المجاز كالمبالغة في النضارة والصباحة أو الشجاعة أو إثارة التعجّب أو في رفع التعجب، لا يحصل إلاّ باستعمال اللفظ في المعنى الحقيقي لا في المعنى المجازي، وإليك بعض الامثلة:
1. قال تعالى: (وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)(2).
والغاية من استعماله لفظة (مَلَك) في حقّه هو المبالغة في النضارة والصباحة، وهذا لا يتمّ إلاّ في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي أي (فرشته) في اللغة الفارسية، لا في المعنى المجازي أي الإنسان الجميل، بشهادة أنّك لو وضعت المعنى المجازي مكان لفظة «ملك» لصارت الآية مغسولة البلاغة، كما إذا قيل: ما هذا بشراً إن هذا إلاّ إنسان جميل.
2. قال الشاعر:

1 . وقاية الأذهان: 103 .
2 . يوسف: 31 .

112
لدى أسد شاكي السلاح مقذف *** له لبد أظفاره لم تُقلّمِ
فالشاعر يريد المبالغة في شجاعته وبطولته ولذلك يصفه بالأوصاف التالية:
أ. شاكي السلاح: وهو مقلوب الشائك أي: حدّة السيف.
ب. مقذف: أي مَنْ له صولات وهجمات في ساحات الوغى.
ج. له لُبد: وهو الشعر الكثير على عنق الأسد.
د. اظفاره لم تُقلّم: أي أن مخالبه طويلة.
إنّ هذه الأوصاف تدلّ على أن القائل يصوّر صاحبه بأنّه أسد ومن مصاديقه، بقرينة أنّ له لُبداً ومخالب، فلو وضعنا مكان الأسد الرجل الشجاع لزالت البلاغة أوّلاً، ولما كان لإثبات الوصفين معنى، إذ ليس للرجل الشجاع مهما بلغت شجاعته لبدٌ ولا مخالب.
3. قال الشاعر:
قامت تظللني ومن عجب *** شمسٌ تظللني من الشمس
فإنّ إثارة التعجّب رهن أن تكون الحبيبة من مصاديق الشمس حتّى يثير تظليلها من الشمس عجب الشاعر، وإلاّ فلو قيل مكانه «المرأة الحسناء قامت تظللني من الشمس» فذلك لا يثير التعجب .
4. وقال الشاعر الآخر:

113
لا تعجبوا من بِلا غلالته *** قد زُرّ أزراره على القمر(1)
فهو يريد دفع تعجب المخاطب من اندراس ثوبه، بأنَّ هذا الثوب كان متعرضاً لضوء القمر، وبعض الثياب إذا تعرض لنور القمر يبلى.
كل هذه الصفات تكشف عن أنّ المجاز ليس تلاعباً بالألفاظ، بل تلاعباً بالمعنى.
فالإنسان البليغ لا يستعير لفظ الأسد للرجل الشجاع، بل يستعير معناه له، وهو لا يتحقّق إلاّ باستعماله في نفس الموضوع له، غاية الأمر بادّعاء، فيكون المجاز هو استعمال اللفظ في المعنى ليكون قنطرة لبيان الفرد الادّعائي له.
فان قلت: هذا كلّه في المجاز الاستعاري فهل الأمر كذلك في المجاز المرسل؟
قلت: نعم الأمر فيه كما في المجاز الاستعاري، فإنّ العين في قول الأمير (عليه السلام): «عيني بالمغرب كتب إليّ يعلمني » فاستعمل في العضو الإنساني لا في الإنسان، وذلك للمبالغة وانّه كلّه عين يراقب الأوضاع وليس له أي عضو سوى كونه عيناً.
وعلى ضوء ذلك فالفرق بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي هو أنّ اللفظ في الأوّل يستعمل في الحقيقي دون أن يكون هذا الاستعمال مقدّمة لإفادة معنى آخر، بخلاف الاستعمال المجازي فإنّه

1 . البلا: الاندراس، والغلالة: ثوب رقيق يلبس تحت الثياب، وزرّ من الزِّر بالكسر ما يوضع في القميص وجمعه ازرار .

114
يستعمل في المعنى الحقيقي ولكن تكون الغاية من ذلك الاستعمال هو بيان الفرد الادّعائي له .
والّذي يؤيد أنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، هو أنّ القوم يفسرون الكناية بأنّها من قبيل استعمال اللفظ في الملزوم لغاية الانتقال إلى لازمه، مثلاً: يقولون في مقام الوصف بالجود: زيد كثير الرماد، فالجملة مستعملة في نفس المعنى لتكون قنطرة لإفادة لازمه وهوالسخاء وكثرة الضيوف، فإنّ كثرة الرماد تلازم كثرة الطبخ، وهو يلازم كثرة الضيوف الملازمة للسخاء، فليكن المجاز أيضاً من هذا السنخ، والفرق وجود الادّعاء في المجاز دون الكناية.(1)
فإن قلت: إنّ تلك النظرية إنّما تصحّ في أسماء الأجناس الّذي يمكن أن يتصوّر له فردان حقيقي وادّعائي، وأمّا الأعلام كحاتم ويوسف فلا، إذ ليس لها مصداق سوى الحقيقي.
قلت: إنّ قوام المجازية بإدّعاء العينية، وانّه هو نفس حاتم أو نفس يوسف، على أنّه يمكن أن يقال: إنّ حاتماً ويوسف قد خرجا عن العلمية وصارا اسماً للسخي غاية السخاء، والجميل غاية الجمال، فعندئذ يستعمله في ذلك المعنى ويُعدّ المورد من مصاديقه.
فإن قلت: ما الفرق بين هذه النظرية وما ذكره السكاكي في كتابه «مفتاح العلوم» حيث قال: إنّ المعنى المجازي فرد ادّعائي للمعنى الحقيقي.
قلت: فرق بين تلك النظرية وما ذهب إليه السكاكي وإن كانتا تشتركان

1 . وربّما يفرّق بامكان إرادة كلا المعنيين في الكناية دون المجاز.

115
في أصل وجود الادّعاء لكن النظرية المذكورة تتبنَّى استعمال اللفظ في معناه الحقيقي بادّعاء أنّ المورد من مصاديق المعنى الحقيقي، وأمّا السكاكي فالمجاز عنده استعمال اللفظ في غير ما وضع له من أوّل الأمر، لكن المجوِّز لاستعمال لفظ الأسد فيما لم يوضع له هو ادّعاء كونه من مصاديق ما وضع له، وإليك نصّ عبارته في كتابه : وأمّا المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق، استعمالاً في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها، مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع، ثمّ أخذ في تفسير قيود التعريف.(1)
ومن هنا يُعلم أنّ ما اشتهر في الألسن من تقدير «الأهل» في قسم من المجاز في الاسناد غير صحيح، لأنّه يوجب سقوط الكلام عن البلاغة، فلاحظ قوله سبحانه:
1. (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَ إِنَّا لَصَادِقُونَ)(2).
فالمشهور يعتبرونه من قبيل المجاز في الاسناد والمراد «اسأل أهل القرية»، ومن المعلوم أنّ تفسير الآية بهذا النحو يوجب سقوط الآية عن ذروة البلاغة.
وأمّا إذا قلنا إنّ القرية استعملت في نفس معناها اللغوي وانّ شمول الحكم لها كشموله على العير، لكن بادّعاء أنّ الأمر بلغ من الوضوح حتّى أنّ

1 . مفتاح العلوم: 153، ط مصر، 1318 هـ .
2 . يوسف: 82 .

116
الحجر والمدر والأشجار والأبنية تشهد بذلك. وإذا سألتها تجيبك.
2. قول الفرزدق في مدح الإمام السجاد (عليه السلام):
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحلّ والحرم
وغير خفي أنّ تقدير الأهل يجعل هذا الشعر في عداد الكلام العادي، وهذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ البطحاء استعملت في نفس المعنى، بادّعاء أنّ الممدوح بلغ من الشهرة مرتبة حتّى أنّ البطحاء برمالها تعرفه.
وبذلك يظهر أنّ صحّة الاستعمالات المجازية تستند إلى الوضع، لأنّه من قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له ولكن حسنه يستند إلى الطبع والذوق ومصحّح الاستعمال هو الوضع المنضمّ إلى حسن الطبع.

117
 
الأمر الرابع:

في استعمال اللفظ في اللفظ

إنّ استعمال اللفظ في اللفظ يتصوّر على أقسام أربعة:
1. إطلاق اللفظ وإرادة شخصه، مثل «زيد ـ في كلامي هذا ـ لفظ ».
2. إطلاق اللفظ وإرادة مثله، مثل «زيد ـ في قولك زيد قائم ـ لفظ».
3. إطلاق اللفظ وإرادة صنفه، مثل زيد ـ في كلام القائل: «زيد في ضرب زيد ـ فاعل».
4. إطلاق اللفظ وإرادة نوعه، كقولنا: «زيد ـ على وجه الإطلاق ـ لفظ».

فيقع الكلام في مقامات:

الأوّل: صحّة الإطلاق.
الثاني: كون الإطلاق استعمالاً أو لا.
الثالث: هل هناك دلالة ودال ومدلول أو لا؟
الرابع: وعلى فرض صحّة إطلاق الاستعمال هل هو حقيقي أو مجازي؟
ولنأخذ كلّ قسم بالدراسة فنقول:

118

1. إطلاق اللفظ وإرادة شخصه

لا كلام في صحّة الاطلاق إذا دلّ دليل على إمكانه ووقوعه، فالأمثلة تُعرب عن استحسان الذوق هذا النوع من الإطلاق، ولم يخالف في ذلك أحد من الأُصوليّين إلاّ صاحب «الفصول» في القسم الأوّل، وقد ذكر المحقّق الخراساني مختاره وناقش في دليله. ولا حاجة لنقل كلامهما. فلاحظ .
والظاهر أنّه ليس استعمالاً، أي عمل اللفظ في المعنى بكونه مرآة إليه، وذلك لأنّ للاستعمال ثلاثة أركان :
1. إطلاق اللفظ.
2. انتقال المخاطب من سماع اللفظ إلى الصورة الذهنية من اللفظ.
3. انتقاله منها لا إلى نفس اللفظ، بل إلى شيء ثالث وهو الوجود الخارجي غالباً.
وأمّا المقام فالموجود من أركان الاستعمال اثنان لا ثالث لهما، لأنّ المخاطب ينتقل من اللفظ إلى الصورة الذهنية منه، ولمّا قال «لفظ» ينتقل منها إلى الأمر الأوّل أي نفس الموضوع لا إلى أمر ثالث، وهذا بخلاف ما إذا قلنا: زيدٌ قائم حيث ينتقل من اللفظ إلى الصورة التصديقية ومنها إلى الواقع الخارجي، مع أن المنتقل إليه في المقام من الصورة الذهنية هو نفس ما سمعه أوّلاً لا شيءٌ ثالث.
فالاستعمال أمر ثلاثي لا ثنائي.
ثم إنّ صاحب الكفاية نفى كونه استعمالاً واختار أنّه من قبيل إلقاء نفس

119
الموضوع إلى المخاطب خارجاً وقد أحضر في ذهنه بلا واسطة حاك، وقد حكم عليه ابتداءً بلا واسطة أصلاً .
يلاحظ عليه: بأنّه كيف يمكن أن يقال بأنّه من قبيل إلقاء نفس الموضوع إلى الذهن، مع أنّ الخارج ـ أعني: الصوت الحاصل من تموّج الهواء ـ لا تناله النفس ولا يقع في لوح النفس، بل هو من قبيل إيجاد صورة الموضوع في الذهن.
وعلى كلّ تقدير فليس القسم الأوّل من قبيل الاستعمال.
وأمّا الدلالة فقد اختارها المحقّق الخراساني قائلاً بأنّه يكفي في تعدّد الدال والمدلول التغاير الاعتباري، فمن حيث إنّها لفظ صادر عن لافظه يكون دالاً، ومن حيث إنّ نفسه وشخصه مراد، كان مدلولاً.
نعم هذا النوع من الاستعمال لا حقيقة ولامجاز، لأنّ زيداً وضع للشخص الخارجي، وإطلاقه وإرادة لفظه ليس حقيقة كما هو معلوم ولا مجازاً لعدم الادّعاء. والحقيقة والمجاز من مقولة الاستعمال فلا مانع من ارتفاعهما.
فتلخّص ممّا قدمنا أنّ القسم الأوّل صحيح إطلاقاً ودلالة وليس باستعمال، نعم لا يوصف بالحقيقة والمجاز، لأنّ وصفه بأحدهما فرع صدق الاستعمال .

الثاني: إطلاق اللفظ وإرادة مثله

إذا قال: «زيد في قولك ـ زيد قائم ـ لفظ» وأراد اللفظ الصادر من المخاطب، فيقع الكلام في:

120
1. صحّة إطلاقه.
2. إمكان دلالته.
3. صحّة استعماله .
4. كونه حقيقة أو مجازاً.
أمّا الأوّل: فلاشك في صحّة الإطلاق حتّى عند صاحب «الفصول» الّذي استشكل في صحّة إطلاق القسم الأوّل.
وأمّا الثاني ـ أعني: صحّة الدلالة ـ : فلاشك في أنّ هنا دالاً وهوزيد الصادر من المتكلّم، ومدلولاً وهو الصورة الذهنية لزيد الواقع في كلام المخاطب، لا ينتقل منهما إلى نفس ما صدر من القائل، كما في القسم الأوّل، ولذلك التجأنا هناك إلى أنّ الاختلاف حيثي لا ذاتي بخلاف المقام إذ ينتقل فيه إلى مثله .
وأمّا الثالث ـ أعني: صدق الاستعمال ـ : أيضاً فهو صحيح، لأنّ زيداً الواقع في كلام المتكلّم يكون سبباً لإيجاد الصورة الذهنية للفظ في ذهن المخاطب، ثم هو ينتقل من تلك الصورة الذهنية إلى أمر ثالث وهو الصورة المماثلة الّتي تتلّقاها النفس من كلام القائل، وليس هو نفس اللفظ الأوّل، أو صورته.
وأمّا الرابع: فهو ليس حقيقة وليس مجازاً ، لأنّ زيداً وضع للشخص الخارجي لا للفظ زيد شخصاً كان أو مثلاً.