welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2

صفحه 201
بين العرب قبل الإسلام، وإنّما تصرّف فيها الشارع بإضافة شيء أو حذفه. فيكون الموضوع له ما هو الصحيح عند العرب لا الصحيح عند الشارع فيجوز التمسّك بالإطلاق لصدق الموضوع والشك في عوارضه وخصوصياته.
الثاني: أنّ ما ذُكر ليس ثمرة أُصولية، لأنّ الثمرة الأُصولية ما تقع كبرى في عملية الاستنباط، وأمّا المقام فإنّ غايته كشف وجود الإطلاق على القول بالأعمّ دونه على الصحيح، وهذا أشبه بمبادئ المسائل الفقهية، فالقول بوجود الإطلاق على الأعم دون الصحيح كالقول بوجود الخبر في موضوع دون موضوع فلايعد ثمرة لمسألة أُصولية .

الثمرة الثانية: التمسّك بالبراءة على القول بالأعمّ فقط

قد تقدّم عند البحث عن أدلّة القول بالصحيح توضيح هذه الثمرة، وقلنا: إنّ القولين أمام البراءة سيّان، وليس جريان البراءة من خصائص القول بالأعم، بل تجري على القول بالصحيح، بشرط أن لا يكون الجامع بسيطاً، فلاحظ.

الثمرة الثالثة: في مورد النذر

إذا نذر الرجل أن يعطي ديناراً للمصلّي فعلى القول بوضعها للصحيح لا يفي بنذره إلاّ إذا دفع لمن صلّى صلاة صحيحة بخلافه على القول الآخر فتبرأ ذمّته بالدفع إلى كلّ من صلّى، صحيحة كانت صلاته أم فاسدة.

صفحه 202
يلاحظ عليه: أنّ وجوب الإعطاء تابع لنيّة الناذر، لا لكيفية الوضع، فلو نوى أن يدفع الدرهم لمن صلّى صلاة صحيحة، لما صحّ له الدفع لمن يصلّي صلاة فاسدة، وإن كان الوضع للأعمّ. كما أنّه لو نوى الإعطاء لمطلق من يصلّي، سواء كانت صلاته صحيحة أم فاسدة، جاز له إعطاؤه، وإن كان الوضع للصحيح .
على أنّ مثل هذه الثمرة لا تكون ثمرة لمسألة أُصولية، إذ الملاك في عقد المسألة الأُصولية، كونهاكبرى لقياس استنباط الحكم الشرعي الكلّي، وتشخيص موضوع النذر ـ كما هو الحال في هذه المسألة ـ ليس استنباطاً لحكم شرعي. اللهم إلاّ أن يقال: إنّ المسألة ليست مسألة أُصولية، ولأجل ذلك يبحث عنها في المقدّمة، فلا يضرّ عدم كون النتيجة من مقولة النتائج الأُصولية.

الثمرة الرابعة:

إذا ورد النهي عن محاذاة الرجل للمرأة في حال الصلاة وعلمنا بفساد صلاة المرأة، فعلى القول بوضعها للصحيح تصحّ صلاة الرجل ولا يشملها النهي، بخلاف ما إذا قلنا بوضعها للأعم فيشملها النهي، ومثلها إقامة صلاتي جمعة في أقل من فرسخ مع بطلان إحداهما.
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ النهي عن المحاذاة منصرف إلى الصلاة الصحيحة ـ سواء أكان لفظ الصلاة موضوعاً للصحيح منها أو للأعمّ ـ إنّه ليس ثمرة للمسألة الأُصولية، إذ غاية ذلك هو البحث عن إمكان تطبيق الحكم

صفحه 203
الكلّي، على هذا المورد وليس ذلك ثمرة لها.
إلى هنا تمت دراسة الثمرات الأربع واتّضح أنّه ليس للمسألة ثمرة أُصولية حتّى الثمرة الأُولى، لما عرفت من أنّ المختار في ألفاظ العبادات كونها حقائق عرفية وعلى ضوء ذلك يكون موضوع الإطلاق محرزاً، ويصحّ التمسّك بأدّلة العبادات لو كان لها إطلاق، كما هو الحال في بابيّ الصوم والحج.

صفحه 204
 
في أسماء المعاملات
وتحقيق المقام رهن البحث في أُمور:

الأوّل: في عنوان البحث

هل البحث في وضع الشارع ألفاظ المعاملات للصحيح أو للاعم، أو أنّ البحث في وضع العرف تلك الألفاظ لأحد المعنيين ؟
أقول: إنّ المعاملات تفترق عن العبادات، فإنّ الثانية من مخترعات الشارع وكان له أن يضع لما اخترعه لفظاً واسماً، ويصحّ أن يبحث عن كون الموضوع له عنده هو الصحيح أو الأعم.
وأمّا المعاملات فهي من مخترعات العرف والعقلاء، وقد كانت موجودة بأسمائها ومعانيها قبل بزوغ شمس الإسلام، فإذا لم يكن للشارع أيّ دور في وضعها لمعانيها. بل أنّ الشارع استخدم ما وضعه العرف من الألفاظ في مقاصدها، فعندئذ لا مناص من عقد البحث في وضع الألفاظ للصحيح والأعم عرفاً لا شرعاً...

الثاني: اختصاص البحث بوضعها للأسباب

اختلفت كلمتهم في أنّ الفاظ المعاملات أسماء لأسبابها الموجدة لمسبباتها، كما إذا قلنا: إنّ لفظ البيع اسم للإيجاب والقبول الصادرين من

صفحه 205
عاقل بالغ... الخ، أو أنّها أسماء للمعاني المنشأة بتلك الأسباب كتمليك العين في البيع، وتمليك المنفعة في الإجارة وغيرهما. ولسنا الآن بصدد تحقيق أحد القولين، إنّما نريدُ أنْ نركّز على أنّ البحث في وضع ألفاظ المعاملات للصحيح أو الأعم لا ينسجم مع القول الثاني، لأنّ المسببات أمر بسيط دائر أمره بين الوجود والعدم، فالملكية إمّا حاصلة أو غير حاصلة ولا تتصوّر ملكية فاسدة في نظر المعتبر، وهذا بخلاف القول بوضع ألفاظها للأسباب، فإنّ السبب أمر مركب من أُمور فيقع الاختلاف في وضعها للسبب التام أو لأعمّ منه والناقص، فالأجزاء الناقصة من السبب سبب فاسد، كما أنّ الأجزاء التامّة موصوفة بالصحة.
مثلاً لو قلنا بأنّ لفظ «البيع» اسم للإيجاب والقبول المتضمنين لتمليك العين واختلف في اعتبار العربية وعدمها فيها فالإنشاء بغير العربية عند القائل بالشرطية سبب فاسد، ومعها سبب صحيح.
وبالجملة: وجه التفريق بين الوضع للمسبب ـ فلا يجري النزاع ـ والوضع للسبب ـ فيجري النزاع ـ هو أنّ المسبب أمر بسيط والأمر البسيط دائر أمره بين الوجود والعدم، بخلاف السبب فإنّه أمر مركب دائر أمره بين الناقص والتام، فالأوّل سبب فاسد، والثاني سبب صحيح.

الثالث: في اختلاف الشرع والعرف في بعض الموارد

لاشكّ أنّ الشرع لا يعتدّ ببعض البيوع الّتي يعتبرها العرف، كبيع المنابذة وبيع الخمر والخنزير وغيرها خلافاً للعرف الّذي يعتبرها بيعاً، فبيع المنابذة والخمر والخنزير بيوع فاسدة عند الشرع معتبرة عند العرف.

صفحه 206
فعندئذ يقع الكلام في أنّ محور الاختلاف هل هو في تحديد مفهوم البيع ومعناه المعتبر، أو أنّ الشرع والعرف يتّفقان في المفهوم والمعنى وإنّما الاختلاف في المصاديق، فالعرف يعتبره مصداقاً للبيع دون الشرع؟
ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني، واستدلّ على مختاره بقوله: «لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضاً وأنّ الموضوع له هو العقد المؤثر لأثر كذا شرعاً وعرفاً، والاختلاف بين الشرع والعرف فيما يعتبر في تأثير العقد لا يوجب الاختلاف بينهما في المعنى، بل الاختلاف في المحققات والمصاديق وتخطئة الشرع العرف في تخيّل كون العقد بدون ما اعتبره في تأثيره، محققاً لما هو المؤثر كما لا يخفى .1
يلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: لو كان الموضوع له هو العقد المؤثر للتمليك كما عبرّ به كان لما ذكره وجه، حيث إنّ الشرع والعرف يتفقان في الموضوع له، وهو «العقد المؤثر». وإنّما يختلفان في المصداق فالشرع لا يراه مصداقاً على خلاف العرف. وأمّا لو كان الموضوع له أمراً مركباً من الإيجاب والقبول الصادرين من عاقل وبالغ المالكين للعوضين غير المحجورين... الخ، فالاختلاف يرجع إلى جانب الموضوع حيث إنّ الشارع اعتبر في المبيع كونه طاهر العين لا نجسها، محلّل المنافع لا محرمها، بخلاف العرف.
الثاني: انّ التخطئة في المصداق إنّما تتصوّر في الأُمور التكوينية الّتي يكون لها واقع محفوظ في الخارج فيقاس عليه ما هو المشتبه وانّه هل هو

1 . كفاية الأُصول: 1 / 49 .

صفحه 207
مثلاً ماء أو سراب؟ فالسراب يحسبه الظمآن ماءً لقوة تخيّله، ولكن الرّيّان يُخطّئه بأنّه سراب لا ماء.
ونظيره قوله (عليه السلام): «الفقاع خمر استصغرها الناس» 1، فالعرف ربما لا يراه مصداقاً للخمر لقلّة إسكاره، والشرع يخطّئه لأنّه مسكر بدرجة خاصة.
وأمّا الأُمور الاعتبارية الّتي لا واقع محفوظ لها وإنّما قوامها بنفس الاعتبار فلا وجه لتخطئته، لأنّ لكلّ معتبر سلطاناً في عالم الاعتبار حسب معاييره وضوابطه، فبيع الكلب والخنزير والخمر من أوضح مصاديق البيع في الغرب وليس للشرع أن ينفي عنه سمة البيع. نعم له أن لا يعتبره بيعاً ولا يرتّب عليه الأثر في محيط الشرع وإطاره، ولكن ليس له تخطئة المعتبرين في تسمية نقلهما بيعاً، وهذا أحد الفروق بين الأُمور التكوينية والاعتبارية. والأوّل خارج عن اعتبار المعتبر ودائر مدار الواقع، وأمّا الثاني فهو دائر مدار اعتبار المعتبر بشرط ترتب الأثر عليه، ولا يلزم فيه اتفاق العقلاء، بل لكلّ قوم اعتبارهم ومعتبرهم.

الرابع: ما هو الموضوع له في المعاملات

قد تبيّن ممّا ذكرنا في وضع أسماء العبادات أنّ ألفاظ المعاملات وضعت للصحيح لنفس العلة المذكورة في وضع ألفاظ العبادات، وهو أن الغرض يُحدِّد فعل الإنسان فلا يصدر عنه فعل أوسع من غرضه، وبما أنّ الداعي لاعتبار المعاملات ووضع اللفظ لها، هو المصالح الّتي تترتّب عليها

1 . الكافي: 6 / 423، باب الفقاع، الحديث 91 .

صفحه 208
وتدور عليها رحى الحياة، فلابد أن يدور اعتبارهُ ثبوتاً ووضعُ اللفظ إثباتاً، مدارَ وجود الأغراض الداعية، وهي منحصرة بالصحيح من الأسباب دون الفاسدة منها، فيكون الاعتبار والوضع منحصرين فيه .

الخامس: في وجه التمسّك بالإطلاقات الإمضائية

لا شك أنّ ما ورد من الإطلاقات في مورد المعاملات أدلّة إمضائية لا تأسيسية، إذ ليس للشارع في باب المعاملات دور سوى اعتبار قيد أو إخراج شيء عن تحت الإطلاقات، فإذا كان كذلك فهل يصح للقائل بالصحيح أن يتمسّك بالإطلاقات عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للأسباب أو لا؟
وبعبارة أُخرى: أنّ القول بالصحيح كان مانعاً من التمسّك بالإطلاقات في مورد العبادات، لأنّها على القول بالصحيح تصير مجملة غير واضحة، إذ المفروض أنّ ما هو الصحيح عند الشرع غير معلوم لنا فكيف يمكن أن يتمسّك بالإطلاق في مورد الشك .
وعندئذ يقع الكلام في أنّ القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح يكون مانعاً من التمسّك بالإطلاق أو لا؟ فإذا لم يكن مانعاً فما هو الفرق بين باب العبادات وباب المعاملات حيث صار القول بالصحيح هناك مانعاً من التمسك بها ـ على مذهب المشهور لا على المذهب المختار ـ دون المقام؟
أقول: يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: إنّ ألفاظ المعاملات أسماء للأسباب، أي الإيجاب والقبول مع سائر الشروط.

صفحه 209
الثاني: انّ ألفاظ المعاملات أسماء للمسببات الحاصلة من الإيجاب والقبول، وإليك الكلام في كلا المقامين.
الأوّل: ألفاظ المعاملات أسماء للأسباب الصحيحة، ووجه الفرق بينه وبين العبادات واضح.
أمّا على مبنى المحقّق الخراساني من اتّفاق العرف والشرع فيما هوالسبب للملكية أو علقة الزوجية، وإنّ الاختلاف يرجع إلى التخطئة في المصداق، فظاهر، لأنّ إطلاقها لو كان مسوقاً في مقام البيان يُنزَّل على أنّ المؤثر عند الشارع هو المؤثر عند العرف ولم يعتبر في تأثيره عنده غير ما اعتبر فيه عندهم، كما ينزل عليه إطلاق كلام غيره حيث إنّه منهم، ولو اعتبر في تأثيره ما شك في اعتباره، كان عليه البيان ونصب القرينة عليه، وحيث لم ينصب بان عدم اعتباره عنده أيضاً، ولذا يتمسكون بالإطلاق في أبواب المعاملات مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح .1
وأمّا على القول المختار من أنّ اختلاف الشرع والعرف اختلاف في المفهوم والمعتبر، فعندئذ ربّما يشكل التمسك بالإطلاق، وذلك لأنّه إذا كان معتبرُ الشرع يغاير معتبرَ العرف تُصبح الإطلاقات مجملات غير واضحات، إذ لا طريق إلى فهم ما هو المعتبر لدى الشرع ويكون المورد عند الشك في الجزئية والشرطية شبهة مصداقية للمطلق، يقع الشك في أنّ البيع المعلّق مثلاً هل هو مصداق للبيع أو لا؟ وهذا ما أشار إليه الشيخ في المتاجر عند الفراغ من تعريف البيع مع أنّ سيرة العلماء التمسّك بها عند الشك.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 50 .

صفحه 210
ومع ذلك كلّه يمكن التمسّك بالإطلاقات على هذا المبنى أيضاً، وذلك بلحاظ أمرين:
1. أنّ المعتبر عند الشارع وإن كان يختلف مع المعتبر عند العرف لكن الاختلاف بالأقل والأكثر لا بالتباين، والمعتبر الشرعي لأجل زيادة القيود يصيرُ أضيق من المعتبر عند العرف .
2. أنّ الأدلّة الإمضائية إنّما أمضت ما هو البيع والإجارة والصلح عرفاً، فقوله تعالى: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)، أو قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، أو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلح جائز بين المسلمين» كلّها إمضاء لما بيد العرف والعقلاء، إمضاءً بالإرادة الاستعمالية، فكلّما كانت الإرادة الاستعمالية مطابقة للإرادة الجدّية سكت الشارع واكتفى بالإطلاق، وكلّما كانت الإرادة الجدّية مخالفة للإرادة الاستعمالية أخرجه بالدليل عن حدّ البيع على خلاف القول السابق فانّه اخراج عن المصداقيّة، فقال: «لا منابذة في البيع» فأعلَمَ بذلك أن رمي الحجارة على قطيع غنم ليكون المبيع ما أصابت من القطيع ، ليس ببيع. فتكون النتيجة: أنّ ما عدّه العرف بيعاً أو صلحاً أو إجارة أو رهناً فهو طريق إلى ما هو بيع أو إجارة أو صلح أو رهن عند الشارع وبذلك خرجت الأدلّة الإمضائية عن الإجمال.
وحصيلة الكلام: أنّ قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) أو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)أو سائر الإطلاقات المتوجّهة إلى المعاملات لا يريد إلاّ إمضاء ما بيد العرف من هذه المعاملات ثم اتّخاذها طريقاً إلى ما عنده من هذه المعاملات، ولما كان بين الاعتبارين من النسبة عموم وخصوص مطلق فأشار إلى ما لم يعتبره بدليل آخر، وبذلك يصح التمسك ـ عند الشك في قيدية شيء أو جزئيته

صفحه 211
للأسباب ـ بالإطلاقات ولو لا هذا تلزم لغوية الأدلّة الإمضائية ولا تخرج عنها إلاّ بالقول بما ذكرنا. وهذا هو الّذي يشير إليه الشيخ الأنصاري في آخر تعريف البيع فيقول:
وأمّا وجه تمسّك العلماء بإطلاق أدلّة البيع ونحوه، فلأنّ الخطابات لما وردت على طبق العرف، حُمِل لفظ البيع وشبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف .1
المقام الثاني: التمسّك بالإطلاقات على القول بوضعها للمسببات .
قد عرفت أنّ في وضع ألفاظ العبادات قولين: ثانيهما أنّها موضوعة للمسببات أي ما أوجده الإيجاب والقبول من علقة الملكية في البيع، والزوجية في النكاح، فيقع الكلام في جواز التمسّك بالأدلة الإمضائية للمسبب، لرفع الشك .
ثم إنّ الشك على قسمين:
1. تارة يكون منشأ الشك في صحّة المسبب هو احتمال خروج فرد من تحت الأدلّة الإمضائية، كمعاوضة المتجانسين بالتفاضل في المعدود والمذروع والمشاهد عن تحت قوله: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) .
2. ما يكون منشأ الشك في صحّة المسبب هو احتمال مدخلية شيء في جانب السبب، كمدخلية البلوغ في العاقد وتقدّم القبول على الإيجاب في العقد.
أمّا القسم الأوّل فلا شك أنّه يُحكم ببركة إطلاق الأدلّة الإمضائية على

1 . المتاجر: 80، آخر تعريف البيع .

صفحه 212
عدم خروجها عن المسبب الممضى على وجه الإطلاق فينحصر بطلان البيع الربوي في مبادلة المتجانسين بالمكيل والموزون ولا يعم مبادلة المتجانسين مع التفاضل إذا كان معدوداً أو مذروعاً أو مشاهديّاً، ووجه ذلك هو أنّ الأدلّة الإمضائية للمسبب أمضت ما بيد العرف والمفروض أنّه يرى أنّ المورد من مصاديق المسبب، وإنّما الشك في كونه معتبراً عند الشرع فيكون اعتبار العرف مرآة لاعتبار الشرع.
وأمّا الثاني، أعني: إذا كان منشأ الشك في صحّة المسبب أو وجوده هواحتمال مدخلية قيد أو شرط في ناحية السبب، فهل يمكن رفع الشك عن ناحية السبب بالتمسّك بالإطلاق المنصب على إمضاء المسبب أو لا؟
ذهب المحقّق النائيني إلى عدم جواز التمسّك إلاّ في موردين:
1. إذا لم يكن له إلاّ سبب واحد فإنّ إمضاء المسبب يكون دليلاً على إمضاء السبب .
2. ما إذا لم يكن قدر متيقّن للسبب فيكون إمضاء المسبب دليلاً على إمضائه.
وأمّا في غير هذين الموردين فلا يكون إمضاء المسبب دليلاً على إمضاء السبب، وإليك نصّ كلامه قال: إنّ إمضاء المسبب كما هو المفروض (افتراض أنّ أسماء المعاملات اسم للمسبب دون السبب) لا يكون دليلاً على إمضاء السبب، قال (قدس سره): إنّه إذا كان إمضاؤه للمسببات أي المعاملات الّتي هي رائجة عند العرف كالزوجية والمبادلة، مع قطع النظر عن الأسباب الّتي يتوسل بها إليها، كما في قوله تعالى: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) فإنّه في

صفحه 213
مقام بيان أنّ المعاملات الربوية ـ من دون نظر إلى الأسباب ـ غير ممضاة في الشريعة، بخلاف المعاملة البيعية، فالإطلاق لو كان وارداً في هذا المقام فلا يدلّ على إمضاء الأسباب العرفية، وذلك لعدم الملازمة بين إمضاء المسبب وإمضاء السبب، إلاّ فيما إذا كان له سبب واحد، فإنّ إمضاءه لمسببه يستلزم إمضاءه لا محالة وإلاّ كان إمضاؤه لغواً، وكذا فيما إذا لم يكن في البين قدر متيقّن فإنّ نسبة المسبب حينئذ إلى الجميع على حدّ سواء فلا يمكن الحكم بإمضاء بعض دون بعض، وفي غير هاتين الصورتين لابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن وفي الزائد يرجع إلى أصالة العدم .1
والظاهر جواز التمسّك بالإطلاقات في هذا المقام أيضاً، وذلك لوجهين:
الأوّل: وجود الملازمة العرفية بين إمضاء المسببات والأسباب فهي وإن لم تكن عقلية ولكنّها ملازمة عرفية، فإمضاء المسبب العرفي الّذي له سبب مثله يلازم إمضاء الثاني بالملازمة، لأنّ التفكيك بين الإمضائين ممّا يأباه العرف، حتّى في المورد الّذي يكون فيه قدر المتيقّن في البين فإنّ كون بعض الأسباب متيقّناً وبعضها الآخر غير متيقّن إنّما هو في نظر الفقيه، دون العرف، فإنّ العرف يرى الجميع على مستوى يكون حكمه واحداً.
الثاني: التمسّك بالإطلاق المقامي، ويراد به ما يقابل الإطلاق اللفظي، ومورده كلّ قيد لا يلتفت إليه العرف إذا كان مقصوداً للشارع يجب أن ينبه عليه من غير فرق بين ما لا يمكن أخذه في مطلق الأمر كقصد الوجه أو

1 . أجود التقريرات: 1 / 49 ـ 50 ; المحاضرات: 1 / 197 .

صفحه 214
يمكن، وعلى ضوء ذلك فلو كان السبب الخاص مقصوداً للشارع دون كل ما يراه العرف سبباً كان عليه التصريح بذلك وإلاّ يلزم نقض الغرض، مثلاً نرى أنّ الشارع أمضى الطلاق العرفي ولكن لما كان عنده سبب خاص نبّه عليه حيث قال: إنّما الطلاق أن تقول: أنتِ طالق 1.
ومثله باب المعاملات فلو كان للبيع سبب خاص أضيق ممّا يراه العرف كان عليه التنبيه بدليل خاص وحيث سكت نستكشف إمضاء مطلق السبب.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ ألفاظ المعاملات، سواء أكانت موضوعة للأسباب كالعقود في قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، أم موضوعة للمسببات كقوله: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) يجوز التمسّك عند الشك بإطلاق الدليل، لكن التمسّك على القول بالوضع للأسباب من باب المرآتية والطريقية فالسبب العرفي طريق إلى السبب الشرعي، أو من باب الملازمة العرفية، أو الإطلاق المقامي إذا قلنا بوضعها للمسببات.

السادس: في أسماء المعاملات

إنّ أسماء المعاملات على قسمين:
قسم منها موضوع للسبب كما هو الحال في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )2، فالإمضاء قد تعلّق بالأسباب فإنّ العقد عبارة عن

1 . الوسائل: 15، الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 3 و 4 .
2 . المائدة: 1.

صفحه 215
شدّ الحبلين، واستعير في الآية للإيجاب والقبول فيتمسّك في إطلاق الآية في كل ما يراه العرف سبباً إلاّ إذا قام الدليل على إلغاء سببيته .
وربّما يقال بأنّ العقود جمع العقد وهوالعهد المشدّد فلا يصدق إلاّ
في الأيمان والأقسام، ولكنّه غير ثابت لاستعمال العقد في القرآن في الإيجاب والقبول، قال تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)1.
والمراد بالعقدة هو عقد النكاح ومن بيده إمّا الزوج أو وليّ الزوجة.
وقسم منه ظاهر في المسبب مثل: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) 2، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلح جائز بين المسلمين» 3، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «النكاح سنتي» 4، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الطلاق بيد من أخذ بالساق» .5
 
السابع: في أقسام الجزئية والشرطية
إذا نسب شيء إلى شيء فتارة يكون بينهما التلاؤم والتلاحم، وأُخرى المنافرة والمنافاة.
أمّا الأوّل فله أقسام:
1. أن يكون ملاك التلاؤم كون أحدهما ظرفاً للآخر بمعنى أن يكون

1 . البقرة: 237 .
2 . البقرة: 275 .
3 . الفقيه: 3 / 21، الحديث رقم 2 .
4 . لآلئ الأخبار: 3 / 221 .
5 . مستدرك الوسائل: 15 / 306، الحديث 18329 .

صفحه 216
مطلوباً فيه لا في غيره، وهذا كأدعية شهر رمضان المبارك حيث يستحب قراءتها فيه.
2. أن يكون ملاكه كونه داخلاً في قوام الشيء على نحو الجزئية، وهذا كالركوع والسجود بالنسبة للصلاة .
3. أن يكون ملاكه كونه داخلاً في قوام الشيء على نحو الشرطية، وهذا كالطهارة من الحدث بالنسبة إلى الصلاة .
4. أن يكون ملاكه كونه جزءاً للفرد الموجود من الماهية، وهذا كالقنوت.
5. أن يكون ملاكه كونه شرطاً للفرد الموجود كالصلاة في المسجد، وربّما يعبر عن القسم الرابع والخامس بالمشخّصات الفردية.
هذا كلّه حول ملاك التلاؤم والتلاحم بين الشيئين.
أمّا الثاني وهو ما يكون بينهما منافرة ومنافاة، فله قسمان :
1. أن يكون وجود الشيء مخلاًّ للآخر، كالحدث المخلّ للصلاة .
2. أن يكون وجود الشيء قاطعاً للهيئة الاتصالية للمأمور به، وهذا هو كالفعل الكثير الماحي للصورة الصلائية، ويعبر عن الأوّل بالمانع وعن الثاني بالقاطع.
ثم إنّ الفرق بين الجزء والشرط واضح، فالجزء ما يكون داخلاً في المأمور به قيداً وتقيّداً، وأمّا الشرط فهو ما يكون داخلاً تقيّداً وخارجاً قيداً، سواء كان موجوداً قبل الواجب كالوضوء قبل الصلاة، أو مقارناً لها

صفحه 217
كالاستقبال، أو بعدها كالأغسال الليلية للمستحاضة بالنسبة إلى صحة صوم يومها الماضي.
ثم إنّ تقسيم الجزء والشرط إلى قسمين بمعنى أخذه تارة في حدّ الشيء وماهيته، وأُخرى في مقام وجوده وتحقّقه أمر واضح، وله نظير في التكوين حيث إنّ الحيوان الناطق الّذي به قوام الإنسانية مأخوذ من حدّ الإنسان، فكل منهما جزء للماهيّة بخلاف المشخّصات الفردية كالقصر والطول، فهما مأخوذان في مقام التحقّق لا في مقام الماهية.
والّذي دعا الأُصوليّين إلى هذه التقسيمات هو تنبيه المبتدئ على أنّ الصلاة المشتملة على الجزء المستحب كالقيود أو الشرط المستحب كالصلاة في المسجد ليس شيئاً مركباً من واجب ومستحب، بل هو من مصاديق الواجب بأجمعه، فالصلاة الفاقدة للقنوت أو المأتي بها في البيت صلاة تامة، كما أنّ الصلاة المشتملة عليهما صلاة دون أن تكون مركّبة من واجب ومستحب، والقنوت جزء من الصلاة، غاية الأمر جزء الفرد لا جزء الماهية، ومثله إقامة الصلاة في المسجد، ونستوضح حاله من البيت فالمشتمل على الإيوان بيت وفاقده أيضاً بيت، دون أن يكون المشتمل أمراً مركباً من بيت وشيء زائد .

إشكال وإجابة

ربّما يقال: إنّ التفريق بين أجزاء الماهية وشرطها وجزء الفرد وشرطه إنّما يصح في التكوين لا في عالم الاعتبار، وذلك لوجود ما يميّز به جزء

صفحه 218
الماهية وشرطها عن جزء الفرد وشرطه، وهو أنّه إذا كان الشيء مؤثراً في قوام الشيء فهو دخيل فيه ، وما كان غير مؤثر في قوام الشيء جزءاً وشرطاً فهو راجع إلى جزء الفرد وشرطه.
وأمّا الأُمور الاعتبارية فالأجزاء لا صلة لبعضها ببعض والّذي يوحّدها ويجعلها شيئاً واحداً هو اعتبار المعتبر. وعند ذلك، الأجزاء بلا قنوت ماهية، ومعه ماهية أُخرى لا ماهية واحدة، والاختلاف في كيفية الأخذ، فلا وجه لعدّ الركوع من أجزاء الماهية والقنوت من أجزاء الفرد، هذا هو الإشكال.
وأمّا الإجابة عنه فقد أجاب المحقّق البروجردي بوجه والسيد الأُستاذ بوجه آخر.
ولكن يمكن تصحيح التفريق بالبيان التالي: وهو أنّ كل شيء له مدخلية في أصل الغرض فهو يُعدّ جزء الماهية وشرطها، وأمّا ما له مدخلية في كمال الغرض فهو جزء الفرد أو شرطه، نظير الغرفة والإيوان، فالدار بلا غرفة ليس بدار ولكنها بلا إيوان دار مؤمّن للغرض ولكن معه كمال آخر .

صفحه 219
 
الأمر الحادي عشر:

في الاشتراك اللفظي

الاشتراك اللفظي عبارة عن كون اللفظ موضوعاً لمعنيين أو أكثر بأوضاع متعدّدة بالوضع التعييني أو التعيّني، ويقع البحث فيه في جهات:

الجهة الأُولى: في إمكان الاشتراك

اختلفت الآراء في الاشتراك، فمنهم من أحاله، ومنهم من أوجبه، ولكن القولين بين الإفراط والتفريط، والقول الثالث هو القول الوسط، وقد استدل من أحاله بدعوى أنّه مخلّ بتفهيم المقصود من الوضع لخفاء القرآئن; وأجاب عنه في «الكفاية» بإمكان الاتّكال على القرائن الواضحة أوّلاً، ومنع كونه مخلاًّ بالمقصود وتعلّق الغرض بالإجمال ثانياً.
نعم استدلّ المحقّق الخوئي على الامتناع بوجه آخر، وهو أنّ الوضع الثاني يستلزم نقض الوضع الأوّل، لأنّ الوضع ليس بمعنى جعل الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له، أو جعله وجوداً تنزيلياً للمعنى، بل بمعنى تعهد الواضع في نفسه بأنّه متى تكلّم بلفظ مخصوص لا يريد منه إلاّ تفهيم معنى خاص، ومن المعلوم أنّ هذا التعهد لا يجتمع مع تعهده ثانياً بأنّه متى تكلّم بذلك اللفظ لا يقصد إلاّ تفهيم معنى آخر مبايناً للأوّل، ضرورة أنّه بذلك نقض ما تعهّده أوّلاً.

صفحه 220
وإن شئت قلت: إنّ الوضع عبارة عن التعهد المجرّد عن الإتيان بأيّة قرينة، وهذا غير متحقّق في الاشتراك اللفظي .1
ثم إنّه وجّه بأن ما يُعدّ مشتركاً لفظياً أنّه على طريقة الوضع العام والموضوع له الخاص ولا مانع منه، فإنّ الوضع فيه واحد، ومحذور الامتناع إنّما جاء من تعدّد الوضع.
يلاحظ عليه: بأنّ المبنى غير تام كما أوضحنا حاله عند البحث في الوضع، وعلى فرض التسليم إنّما يصح إذا كان الواضع واحداً، وأمّا إذا كان متعدّداً فلا، وسيوافيك أنّ الاشتراك اللفظي مستند إلى تباعد القبائل العربية بعضهم عن بعض. وتخصيص كل قبيلة اللفظ بمعنى خاص .
ثمّ إنّ توجيه المشترك اللفظي عن طريق الوضع العام والموضوع له الخاص غير تام فيما إذا كان اللفظ مشتركاً بين الضدين، كالقرء بين الطهر والحيض ; أو مشتركاً بين معنين متبائنين، كالعين في العين الباكية والعين الجارية، أو في الذهب والفضة، وإنّما يصح الاشتراك المعنوي إذا كان الكثير من مصاديق المعنى الواحد.
ثم إنّ من أوجب الاشتراك استدلّ بأنّ الألفاظ والتراكيب المؤلفة منها متناهية والمعاني غير متناهية، والحاجة ماسّة إلى تفهيم المعاني بالألفاظ ولا يتم ذلك إلاّ بالاشتراك .
وقد أجاب عنه صاحب الكفاية (2) بوجوه، ويمكن أن يجاب عنه أيضاً بأنّ الألفاظ كالمعاني غير متناهية عرفاً، وذلك بسبب تلفيق الحروف

1 . المحاضرات: 1 / 213 .   2 . كفاية الأُصول: 1 / 53 .

صفحه 221
الهجائية بعضها مع بعض لا سيّما إذا أُضيف إليها الاختلاف في الحركات فلا تكون الألفاظ أقلّ عدداً من المعاني المطروحة للعقلاء.

الجهة الثانية: منشأ الاشتراك

إنّ لهذه الظاهرة اللغوية سببين:
1. تشتت الناطقين باللغة العربية، حيث كانت طائفة تعبّر بلفظ خاص عن معنى، وطائفة أُخرى تعبّر به عن معنى آخر من دون أن تطّلع على ما في حوزة الأُخرى من أوضاع، فلما قام علماء اللغة بجمع لغات العرب من أفواه القبائل العربية ظهر الاشتراك اللفظي.
2. ظهور الاشتراك في ظل كثرة الاستعمال في معنى مجازي إلى حدّ يصير حقيقة كما في لفظ «الغائط» فإنّه موضوع للمكان المنخفض الّذي يقضي فيه الإنسان حاجته، ثمّ كنّى به القرآن عن فضلات الإنسان إلى أن صار حقيقة فيها، وهذا العامل أقلُ تأثيراً من العامل الأول .

الجهة الثالثة: وقوع الاشتراك في القرآن الكريم

قد ثبت ممّا ذكرنا وجود الاشتراك في اللغة العربية، وقد ورد أيضاً في القرآن الكريم وقام بجمع هذه المشتركات جلال الدين السيوطي في الإتقان1. ومن أمثلة ذلك; النجم، حيث يستعمل في الكوكب تارة قال تعالى: (وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى)(2)، وفي النبات الّذي لا ساق له أُخرى قال تعالى:

1 . الإتقان في علوم القرآن: 1 / 445 .   2 . النجم: 1 .

صفحه 222
(وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدَانِ )1. ونظير ذلك أيضاً لفظة «النون» وهي مشتركة بين الحوت والدواة 2 قال سبحانه: (وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)3، وقال سبحانه: (ن وَ الْقَلَمِ وَ مَا يَسْطُرُونَ)4 .

إكمال

ممّا يجب التنبيه عليه أنّ أصحاب المعاجم ربّما يعدّون للفظ واحد معان كثيرة، وربّما يتبادر إلى الذهن أنّها معان مختلفة، ولكنّ الإمعان في كثير من هذه الموارد يثبت أنّها صور مختلفة ومصاديق متنوعة لمعنى واحد، وممّن أفرد في هذا الموضوع كتاباً هو ابن فارس وبعده الزمخشري، فألّف الأوّل كتاب «المقاييس»، والثاني كتاب «أساس البلاغة»، والهدف الوحيد وراء هذين الكتابين هو توحيد المعاني وإرجاعها إلى أصل واحد.
وبذلك يظهر أنّ الاشتراك اللفظي قليل بالنسبة إلى ما يتصوّر في بدء النظر مثلاً: ربّما يقال5: إنّ للفظ (القضاء) خمسة عشر معنى:
1. الفراغ. 2. الأمر. 3. الأجل. 4. الفصل. 5. المضي، 6. الهلاك. 7. الوجوب. 8. الإبرام. 9. الإعلام. 10. الوصية. 11. الموت. 12. النزول. 13. الخلق. 14. الفعل. 15. العهد.

1 . الرحمن: 6.
2 . مجمع البيان: 5 / 330 .
3 . الأنبياء: 87 .
4 . القلم: 1 .
5 . وتقدم أيضاً في ص 149.

صفحه 223
ولكن الجميع صور متنوعة من معنى واحد وهو الإتقان والإنفاذ، يقول ابن فارس: ليس له إلاّ أصل واحد والجميع يرجع إلى ذلك وهو ما يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه. قال الله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ)1 أي أحكم خلقهن، والقضاء: الحكم، قال سبحانه في ذكر من قال: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض )2 أي اصنع واحكم، ولذلك سمّي القاضي قاضياً، لأنّه يحكم الأحكام وينفذها، وسمّيت المنية قضاءً، لأنّها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق.
إلى أن قال: وكلّ كلمة في الباب فإنّها تجري على القياس الّذي ذكرناه، فإذا هُمز3 تغيّر المعنى، يقولون: القُضاة: العيب، يقال: ما عليك منه قضاة، وفي عينه قضاة: أي فساد. 4

1 . فصلت: 12.
2 . طه: 72.
3 . دخلت عليه الهمزة .
4 . المقاييس: 5 / 99 ـ 100، مادة «قضى».

صفحه 224
 
الأمر الثاني عشر:

في استعمال المشترك في أكثر من معنى

كان البحث السابق يدور حول إمكان الاشتراك وعدمه، فإذا ثبت وجود اللفظ المشترك يقع الكلام في جواز استعماله في أكثر من معنى .
ومحلّ النزاع هو أن يكون كلّ من المعنيين ملحوظاً بحاله واستقلاله مثل ما استعمل في واحد منهما، فخرجت الصورتان التاليتان عن محط النزاع:
أ. إذا استعمل في مجموع المعنيين، بحيث يكون كلّ منهما جزءَ المستعمل فيه، نظير العام المجموعي عند الأُصوليين.
ب. إذا استعمل في معنى جامع لكلا المعنيين، كما إذا استعمل في المسمّى بالعين الشاملة للذهب والفضة، أو الباكية والجارية.
فإنّ هاتين الصورتين ليستا من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بل الأُولى استعمال للّفظ في معنى مركب من معنيين حقيقيين، كما أنّ الثانية استعمال له في جامع المعنيين، والمستعمل فيه في الأُولى ذو أجزاء، وفي الثانية ذو أفراد.
وعلى كلّ تقدير، فالظاهر من القدماء أنّ البحث في الجواز وعدمه بحث لغوي، ولكن الظاهر من المتأخّرين أنّ البحث عقلي.

صفحه 225
ولذلك استدلّوا للامتناع العقلي بوجوه ، نذكرها مع تحليلها:

1. الاستعمال في الأكثر رهن لفظ آخر ولحاظ ثان

استدلّ المحقّق الخراساني على الامتناع بأنّ الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة للمعنى حتى يصحّ جعل اللفظ الواحد علامة لشيئين، بل الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى، فإذا كان فانياً في أحد المعنيين، فإفناؤه في المعنى الثاني يحتاج إلى لحاظ اللفظ بغير اللحاظ الأوّل، والمفروض انتفاؤه، قال في «الكفاية»:
حقيقة الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى، بل جعله وجهاً وعنواناً له، بل بوجه نفسه، كأنّه الملقى، ولذا يسري إليه قبحه وحسنه كما لا يخفى، ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك إلاّ لمعنى واحد، ضرورة انّ لحاظه هكذا في إرادة معنى، ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر، حيث إنّ لحاظه كذلك، لا يكاد يكون إلاّ بتبع المعنى فانياً فيه فناء الوجه في ذي الوجه والعنوان في المعنون، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد، مع استلزامه للحاظ آخر، غير لحاظه كذلك في هذا الحال؟!1
يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد من الإفناء، المعنى الحقيقي بأن يتبدّل اللفظ إلى المعنى وتذهب فعلية اللفظ، فهو غير صحيح، ولا يلتزم به القائل، وإن أُريد أنّ الغرض الذاتي يتعلّق بالمعنى دون اللفظ، فالتالي غير ممتنع، إذ أي

1 . كفاية الأُصول: 1 / 54، المطبوع بحاشية المشكيني .

صفحه 226
مانع من أن يتعلّق الغرض الذاتي بمعنيين والغرض العرضيّ باللفظ وينظر إليهما بلفظ واحد ملحوظ بلحاظ فارد.

2. اجتماع لحاظين آليّين في شيء واحد

استدلّ المحقّق العراقي بأنّ وضع اللفظ للمعنى ليس جعله علامة عليه ولو بنحو التنزيل، بل هو جعل اللفظ مرآة تحكي المعنى وتصوّره للسامع، واستعمال اللفظ في المعنى هو فعلية كون اللفظ الموضوع مرآة وحاكياً. وبما أنّ المرآة ملحوظة حين استعمالها باللحاظ الآلي، فيلزم من استعمال اللفظ الواحد في معنيين أو أكثر، أن يلحظ ذاك اللفظ الواحد، في آن واحد، بلحاظين آليين، وحينئذ يجتمع اللحاظان في واحد شخصي.
نعم لو كانت حقيقة الوضع هو العلامة، فلا مانع من كون شيء واحد علامة لشيئين.1
ثم إنّ وجه امتناع اجتماع اللحاظين في شخص واحد هو أنّ اللحاظ من مقولة العلم، فلو اجتمع اللحاظان في شيء واحد يلزم تعلّق علمين بشيء واحد في زمان واحد، وهو غير معقول، لأنّ تشخّص كل علم بمعلومه، ولو كان هناك علمان يلزم اجتماع مثلين في موضوع واحد.
والفرق بين تقريري الأُستاذ(الخراساني) و التلميذ (العراقي)، أنّ تقرير الأُستاذ يركّز على لزوم وجود لفظ ولحاظ آخر باعتبار أنّ الاستعمال إفناء للّفظ، ولابدّ في الاستعمال في المعنى الثاني من لحاظ لفظ واستعمال آخر.

1 . بدائع الأفكار: 1 / 146، وما أفاده تعبير آخر عمّا في «الكفاية».

صفحه 227
وهذا التقرير يركّز على استلزام الاستعمال اجتماع لحاظين آليين في شيء واحد.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أنّ تعدّد اللحاظ في المعنيين يلازم تعدّده في اللفظ المستعمل فيها، ولكن الظاهر أنّه لا ملازمة بين تعدّد اللحاظ في المعنى، وتعدّده في اللفظ، وذلك لأنّ كلاً من المعنيين تعلّق به الغرض الذاتي فيكون كلّ منهما ملحوظاً على وجه الاستقلال، بخلاف اللفظ فإنّه متعلّق بالعرض تعلقاً آلياً، فيكفي في مقام استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، تصوّر المعنيين مستقلاً أوّلاً، ثمّ الانتقال منهما إلى اللفظ ثانياً، والانتقال منه إلى المعنيين ثالثاً.

3. اجتماع لحاظين مستقلّين في صقع النفس

استدلّ المحقّق النائيني على الامتناع بأنّ لازم استعمال اللفظ في المعنيين على نحو الاستقلال، تعلّق اللحاظ الاستقلالي بكلّ واحد منهما في آن واحد، كما إذا لم يستعمل اللفظ إلاّ فيه، ومن الواضح أنّ النفس لا تستطيع أن تجمع بين اللحاظين المستقلين في آن واحد.1
وهذا التقرير يغاير التقريرين السابقين، فإنّ الأوّل كان يركّز على أنّ الاستعمال رهن لحاظ ثان وهو غير موجود، كما أنّ الثاني يركّز على أنّ لازم الاستعمال اجتماع لحاظين آليين في شيء واحد.
وهذا التقرير يركز على أنّ النفس ليس بمقدورها ملاحظة معنيين

1 . المحاضرات: 1 / 217. ولاحظ أجود التقريرات: 1 / 51. وما ذُكر في الثاني لا يخلو من إجمال.

صفحه 228
بحيالهما واستقلالهما.
يلاحظ عليه: أنّ الممتنع هو اجتماع لحاظين مستقلين في آن واحد في معنى واحد، لأنّه أشبه باجتماع المثلين. لما عرفت من أنّ اللحاظ من مقولة العلم.
وأمّا تعلّق اللحاظين المستقلين بمعنيين في آن واحد كما في المقام فليس بممتنع، والشاهد على ذلك أنّ النفس تستخدم العين والسمع والذائقة والشامّة في آن واحد ويكون مدركات كلّ منها ملحوظة بالاستقلال أيضاً.

4. امتناع كون شيء وجوداً تنزيليّاً لشيئين

استدلّ المحقّق الاصفهاني في تعليقته بأنّ حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ، حيث إنّ وجود اللفظ في الخارج، وجود لطبيعي اللفظ بالذات (تكويناً)، ووجود لطبيعي المعنى بالجعل والمواضعة والتنزيل، لا بالذات، ولا يعقل أن يكون وجود واحد وجوداً لماهيتين بالذات، وحيث إنّ الموجود الخارجي (اللفظ) بالذات واحد، فلا مجال لأن يقال: إنّ وجود اللفظ وجود لهذا المعنى خارجاً، ووجود آخر لمعنى آخر، حيث لا وجود آخر حتى ينسب إلى الآخر بالتنزيل، وليس الاستعمال إلاّ إيجاد المعنى بنحو وجوده اللفظي خارجاً، وقد عرفت أنّ الإيجاد والوجود متحدان بالذات، وحيث إنّ الوجود واحد فكذا الإيجاد.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره خلط بين التكوين والاعتبار ففي عالم

1 . نهاية الدراية: 1 / 64.

صفحه 229
التكوين لا يكون الوجود الواحد إلاّ وجوداً لماهية واحدة، وأمّا في عالم الاعتبار فلا إشكال في أن يتعلّق وجود واحد (اللفظ) بمعنيين مختلفين هما بمنزلة الماهية له.
وبتعبير آخر: لا يتعلّق الإيجاد والوجود في التكوين إلاّ بشي واحد، أمّا الاعتبار فلا إشكال في أن يكون اللفظ وجوداً تنزيلياً لمعنيين، لأنّ الاعتبار خفيف المؤونة.

وجود المانع من جهة الوضع

قد عرفت أنّه لا مانع عقلي من استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى، بقي الكلام في المانع اللغوي، وقد ذهب المحقّق القمي إلى وجود المانع اللغوي في المقام وهو أنّ الواضع وضع اللفظ للمعنى في حال الوحدة، فلا يجوز استعمال اللفظ في غير حال الانفراد لا حقيقة ولامجازاً .
أمّا الأوّل فواضح (لحذف قيد الوحدة عند الاستعمال وهي جزء المعنى)، وأمّا الثاني فلأنّه لم تثبت الرخصة في هذا النوع من الاستعمال (وكأنّه يريد إطلاق الكل وإرادة الجزء).1
يلاحظ عليه: بأنّ الوحدة ليست قيداً للوضع ولا للموضوع له، نعم وضع اللفظ للمعنى في حال الوحدة لا بقيد الوحدة، وكم فرق بينهما فالثاني من مقولة (بشرط لا) يبطل كل استعمال يضاد الوحدة، بخلاف الأوّل فإنّه من قبيل (اللابشرط) الّذي يجتمع مع الشرط.

1 . قوانين الأُصول: 1 / 63، طبعة تبريز عام 1315 هـ .

صفحه 230
فإن قلت: إنّ حال الوحدة وإن لم يكن قيداً للوضع ولا للموضوع له، ولكنّه يوجب ضيقاً ذاتياً بمعنى أنّ الوضع يختصّ بتلك الحالة ولا يعمّ غيرها بالذات.
قلت: ما ذكرته صحيح لكن إذا كان الاستعمال بملاك وضع واحد فإنّ كل وضع يختص بمعنى، ولكن إذا كان بملاك وضعين فيكون الاستعمال في معنيين مطابقاً لقانون الوضع.

وقوع استعمال المشترك في لغة العرب

إنّ هذا البحث قليل الجدوى لقلّة ما يتّفق استعمال المشترك في أكثر من معنى. وقد ذكر المحقّق أبو المجد الشيخ محمد الاصفهاني نماذج منه في كتابه «وقاية الأذهان» وممّا ذكره قول الشاعر في مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
المرتمي في الدجى، والمبتلى بعمى *** والمشتكي ظمأ والمبتغي دينا
يأتون سدّته في كلّ ناحية *** ويستفيدون من نعمائه عيناً
فاستعمل الشاعر لفظ «العين» في الشمس، والبصر، والماء الجاري، والذهب حيث إنّ المرتمي «المرميّ» في الدجى، يطلب الضياء، والمبتلى بالعمى يطلب العين الباصرة، والإنسان الظمآن يريد الماء، والمستدين يطلب الذهب.

صفحه 231
 
إكمال:

الكلام في أنَّ للقرآن بطناً

دلّت الروايات على أنّ للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطناً إلى سبعة أبطن.1
وربّما يستدلّ به على جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد بتصور أنّ البطون معان مختلفة للّفظ.
وأجاب المحقّق الخراساني عن ذلك: بأنّ المراد من البطن أحد المعنيين:
1. إرادة المعاني في أنفسها حال الاستعمال في المعنى لا من اللفظ كما إذا استعمل فيها.
2. إرادة لوازم المعنى المستعمل فيه اللفظ وإن كانت أفهامنا قاصرة عن إدراكها.
يلاحظ على المعنى الأوّل: أنّ تلك المعاني إمّا ذات صلة بالمعاني الأوّلية أو لا، فعلى الثاني لا وجه لإرادة تلك المعاني، حين إرادة تلك المعاني الأوليّة، لأنّها ليست بمعان مطابقية ولو بالوضع الآخر، ولا لوازم للمعاني الأوّلية، وعلى الأوّل يرجع إلى الجواب الثاني.

1 . عوالي اللآلي: 4 / 107 و 159 .

صفحه 232
ويلاحظ على الثاني: أنّ لوازم المعنى غير المعنى، وظاهر الروايات أنّ البطن أو البطون من معاني الآيات.
ثم إنّه لم يُعثر على لفظ السبعين على ما في الكفاية، وإنّما الموجود هو سبعة، وهي في غير الكتب المعتبرة.
نعم تضافرت الروايات على أنّ للقرآن بطناً.
روى الكليني بسند معتبر ـ وإن لم يكن صحيحاً اصطلاحاً ـ عن أبي عبدالله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «... فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق... ».1
ويظهر ممّا رواه العياشي أنّ البطن هو تأويل الآية، روى فضيل بن اليسار قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن هذه الرواية (ما في القرآن آية إلاّ ولها ظهر وبطن)، قال (عليه السلام): «ظهره تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما مضى، ومنه ما لم يجئ بعد، يجري كما تجري الشمس والقمر».2
والّذي يمكن أن يقال: إنّ هنا احتمالين لتفسير (البطن) في قولهم(عليهم السلام):

1 . أُصول الكافي: 2 / 599 برقم 2 .
2 . كنز الدقائق: 1 / 6 .

صفحه 233

1. الانطباعات المختلفة حسب اختلاف الأذهان

الّذي يمكن أن يقال: إنّ المراد بها ـ البطن أو البطون ـ عبارة عن المعاني المختلفة والمراتب المتفاوته التي تستفاد من الآيات حسب اختلاف مراتب الناس ودرجاتهم، فإنّ أرباب النفوس الكاملة يستفيدون من الآيات ما لا يخطر ببال المتوسطين فضلاً عن العوام وأرباب النفوس الناقصة. فالبطون السبعة أو السبعون إشارة إلى أُصول المراتب الكمالية لنفوس البشر التي باختلافها يختلف مراتب الاستفادة من الآيات .1
هذا ما أفاده المحقّق البروجردي و يمكن توضيح هذا الجواب بالأمثلة التالية:
أ. قوله سبحانه: (اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُري يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونَة لاَ شَرْقِيَّة وَ لاَ غَرْبِيَّة يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَ اللهُ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ).2
ترى أنّ المفسّرين يستنبطون من هذه الآية معارف هي عبارة عن صور مختلفة لمعنى الآية، فللآية معنى واحد ـ حسب الإرادة الاستعمالية ـ لكن يمكن تطبيق ذلك المعنى الاستعمالي على مصاديق مختلفة، ولكن الجميع في طول المعنى الاستعمالي، فمثلاً الحكماء يطبقون الآية على

1 . نهاية الأُصول: 1 / 56.
2 . النور: 35.

صفحه 234
العقول العشرة، والمحدّثون يطبقونها على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة من أهل بيته(عليهم السلام).
ب. قوله سبحانه: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَ الْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ).1
فإنّ هذه الآية وإن وردت على غرار المثل و لكنّ أهل التدبّر في الآية استنبطوا منها معاني و معارف أبهرت العقول، فلذلك صحّ أن يقال: إنّ للقرآن بطناً أو بطوناً.
كما أنّ الآيات التي تركّز على توحيد اللّه و صفاته هي من أوضح الآيات التي يستنبط منها كلّ فرد المفاهيم والمعاني المرتبطة بمنطوق الآية، وإن اختلفت نقصاً وكمالاً حسب مؤهّلات الأفراد واستعداداتهم، كما ذكرنا. وهذا ما نلاحظه في الآيتين التاليتين:
ج. قال سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ).(2)
د. قال سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).2
ونظير هاتين الآيتين ما احتجّ به نبي الله إبراهيم (عليه السلام)على المشركين،

1 . الرعد: 17.   2 . المؤمنون:91.
2 . الأنبياء: 22.

صفحه 235
وقد نقل سبحانه حجاجه في الآية التالية:
هـ . قال سبحانه: (وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)1 .
إلى آخر ما احتج به سلام اللّه عليه، فإنّه استدلّ بأُفول الكوكب و القمر و الشمس على أنّ هذه الموجودات ليست آلهة ولا تستحق العبادة، وأمّا كيفية دلالة الأُفول على ما ادّعاه فهناك بيانات متفاوتة، وتفسيرات متباينة من المفسّرين يختلف مستواها حسب اختلاف الأفهام.
فهذه نماذج من الآيات التي لها بطن أو بطون يدركها الإنسان حسب اختلاف درجات فهمه.

2. تجريد الآيات من أسباب نزولها

لا شكّ أنّ النزول التدريجي للقرآن الكريم كان من أهدافه الاهتمام بالمصاديق في عصر نزوله لمعالجة وتغيير الأوضاع السائدة، ولكن هذا الاهتمام بالمصاديق في أسباب النزول لا يعني تقييد المعنى القرآني بذلك المصداق; لأنّ تخصيص الآيات بهذه الأسباب والمصاديق يجعل القرآن عقيماً على مدى الأيام، فلعلّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تدارك هذا الأمر وأكّد على ضرورة استخلاص الآية من أسباب نزولها و قال: إنّ للقرآن ظهراً و بطناً، وكما مرّ عليك في جواب الإمام الصادق(عليه السلام).
فعلى هذا فإنّ الأسباب التي استدعت نزول الآية ليست من مقوّمات

1 . الأنعام:75.

صفحه 236
مفهومها، فللآية لب وقشر، وأسباب النزول قشور للآية، والمعتبر هو موضوعها الّذي ينطبق على مصاديق كثيرة مدى الأيام، وإليك نماذج من ذلك:
1. قال سبحانه: (وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْم هَاد).1
فالآية ناصّة على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) منذر من ربه و لكن لم ينصّ على أحد أنّه هاد، فجاء النبي(صلى الله عليه وآله) يشير إلى أحد المصاديق و يقول: «أنا المنذر وعلي الهادي إلى أمري».2
و لكن المصداق غير منحصر بما أُشير إليه، بل الأئمة الهداة(عليهم السلام)الذين خلفوا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عبر الزمان هم المصاديق، و لذلك نرى أنّ الامام الباقر(عليه السلام)يقول: «رسول اللّه المنذر، وعليّ الهادي، وكلّ إمام هاد للقرن الذي هو فيه».3
2. وقال سبحانه: (وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).4
لا شك أنّ الأسباب التي استدعت نزول الآية هو نكث مشركي مكة الأيمان، ولكنّ هذه الأسباب تعدّ قشوراً للآية فالا ية حجّة على الناكثين عبر الزمان.

1 . الرعد:7.
2 . نور الثقلين:2/ 482.
3 . نفس المصدر.
4 . التوبة:12.

صفحه 237
و قد احتجّ بها أمير المؤمنين(عليه السلام)في يوم الجمل، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)قال: «دخل عليّ أُناس من أهل البصرة فسألوني عن طلحة والزبير؟ فقلت لهم: كانا من أئمة الكفر، إنّ علياً (عليه السلام)يوم البصرة لمّا صفّ الخيول، قال لأصحابه: لاتعجلوا على القوم حتى أُعذّر فيما بيني و بين الله عزّ و جلّ و بينهم. فقام إليهم، فقال: ـ ثم ذكر الإمام الصادق(عليه السلام)محاجّة الإمام لهم ـ إلى أن قال: ـ فقال أميرالمؤمنين (عليه السلام): فما بال بيعتي تنكث و بيعة غيري لاتنكث؟! أنّي ضربت الأمر أنفه و عينه فلم أجد إلاّ الكفر أو السيف، ثم ثنى إلى أصحابه فقال:
إن اللّه تبارك و تعالى يقول في كتابه: (وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والذي خلق الحبة و برأ النسمة و اصطفى محمداً بالنبوة إنّهم لأصحاب هذه الآية ما قوتلوا منذ نزلت».1
3. وقال سبحانه: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).2
فقد نزلت في شأن المشركين حيث أثاروا الشكوك حول رسالة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمرهم سبحانه أن يسألوا أهل الذكر إن كانوا لايعلمون. فلا شكّ أنّ ما ورد ذكره في الآية ـ أعني: كون السائل مشركاً

1 . نور الثقلين: 2/ 189; البرهان فى تفسير القرآن: 2/ 106.
2 . النحل:43.

صفحه 238
والمسؤول عنه نبوة الرسول والمسؤولون هم علماء اليهود ـ ليس داخلاً في صميم مدلول الآية، بل مدلولها الذي تركّز عليه هو رجوع الجاهل إلى العالم في أيّ موضوع من الموضوعات.
هذا و قد بسطنا الكلام حول هذا الموضوع في كتابنا «المناهج التفسيرية» فلاحظ.1

1 . المناهج التفسيرية: 177 ـ 189 .

صفحه 239
 
الأمر الثالث عشر:

في المشتق

اتّفقت كلمة علماء الأُصول على أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ، ومجازٌ فيما يتلبّس به في المستقبل، واختلفوا فيما انقضى عنه المبدأ، وقبل الدخول في صلب الموضوع، نقدّم أُموراً:

الأوّل: تعريف المشتق

المشتق هو اللفظ المأخوذ من لفظ آخر، ويسمّى الأوّل فرعاً، والثاني أصلاً، ولابدّ من وجود مناسبة بينهما حتى يتحقّق الأخذ، وقد قسّموه إلى صغير وكبير وأكبر. لأنّ الفرع إمّا أن يشتمل على حروف الأصل وترتيبه، فهو الأوّل، وإذا أطلق لا ينصرف إلاّ إليه. وإمّا أن يشتمل على حروفه دون ترتيبه، وهو الاشتقاق الكبير، كما قيل: إنّ «فَسَّر» مأخوذ من سَفَر، ويقال: «أسفر النقاب» إذا رفع، والتفسير أيضاً رفع النقاب عن وجه المراد; وإمّا أن لا يشتمل على حروفه فضلاً عن ترتيبه وهو الأكبر كثلم وثلب.1

الثاني: النزاع لغوي لا عقلي

الظاهر أنّ النزاع في المقام لغوي، والبحث في حدود الموضوع له، وانّ

1 . لاحظ في الوقوف على تفصيل الأقسام: الفصول الغروية: 58 ـ 59.

صفحه 240
الواضع هل وضعه لخصوص المتلبّس بالمبدأ أو وضعه لأعمّ منه وممّن تلبّس به آناً ما وإن زال عنه؟ والدليل على أنّه لغوي هو استدلال الطرفين بالتبادر وصحّة السلب وعدمه، ولو كان النزاع عقلياً لما كان لهذه الاستدلالات وجه، خلافاً لصاحب المحجّة حيث ذهب إلى أنّ النزاع عقلي، وانّه لا خلاف في المفهوم والمعنى، بل الاختلاف في الحمل، فإنّ القائل بعدم صحّة الإطلاق على من انقضى عنه المبدأ يرى وحدة سنخ الحمل في المشتقات والجوامد، فكما لا يصحّ إطلاق الماء على البخار، كذلك لا يصحّ إطلاق المشتق على ما زال عنه المبدأ بعد تلبّسه به، والقائل بصحّته يدّعي تفاوت الحملين، فإنّ الحمل في الجوامد «حمل هو هو»، فلا يصحّ أن يقال للهواء ماء، والحمل في المشتقات «حمل ذي هو» و«حمل انتساب» و يكفي في الانتساب مجرّد الخروج من العدم إلى الوجود فيصحّ الحمل على المتلبّس ومن انقضى عنه المبدأ.
حاصله: أنّ المفهوم واحد عند الطرفين، والقائل بالمجازية يدّعي كون الحمل في الجامد والمشتق حمل مواطاة، والقائل بالحقيقة يقول إنّ الحمل في الجامد مواطاة وفي المشتق«حمل ذي هو».
يلاحظ عليه: بأنّه لو كان البحث عقلياً يمتنع صدقه على غير الواجد، لأنّ البحث يكون عقلياً والعقل لا يرى غير الواجد واجداً، وعندئذ يجب أن يكون الحمل في الجميع حمل مواطاة أي حمل «هو هو» ويكون مجازاً مطلقاً لا التفريق بين الجوامد وغيرها.
وهذا بخلاف ما إذا كان النزاع لفظياً ولغوياً فيكون زمام الأمر بيد

صفحه 241
الواضع فلو وضعه للمتلبس يكون فيما انقضى عنه المبدأ مجازاً، وإن وضعه للأعم يكون فيه حقيقة أيضاً . وكلا التصويرين صحيحان والاعتبار خفيف المؤونة.

الثالث: المشتق بين الأُدباء والأُصوليّين

قد عرفت معنى المشتق عند الأُدباء، وهو أخذ اللفظ من لفظ آخر، وأمّا المشتق في لسان الأُصوليين فهو عبارة عمّا يجري على الذوات باعتبار كونها واجدة للمبدأ واتحادها معه بنحو من الاتحاد.
وبذلك يعلم أنّ النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه، فالأفعال قاطبة ماضيها ومستقبلها وأمرها، وإن كانت مشتقة عند الأُدباء لكنّها خارجة عن تعريف المشتق عند الأُصوليين، لأنّ الأفعال تدلّ على قيام مبادئها بالذات، قيام صدور أو حلول أو طلب فعل أو طلب ترك، ولا تدلّ على وصف الذات بها، ونظير الأفعال، المصادر المجرّدة والمزيدة لعدم جريها كالأفعال على الذوات بنحو الهوهوية، بل هي تدلّ على نفس المبادئ.
كما أنّ بعض الجوامد الذي يجري على الذوات، وينتزع منه باعتبار اتحاده بالمبدأ كالزوج والرق والحرّ، داخل في تعريف المشتق عند الأُصوليين وخارج عن تعريف المشتق عند الأُدباء.
وأمّا الاجتماع فيصدقان جميعاً على أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء الزمان والمكان،وأسماء الآلة والصفات المشبهة وصيغ المبالغة، لوجود الملاك في الجميع وهو: انتزاعها من الذات وحملها عليه.

صفحه 242
وبالجملة: الميزان عند الأُدباء وجود ذات ومبدأ قائم بها، من غير فرق بين القيام الصدوري والحلولي، أو كون المبدأ فعلاً، أو حرفة، أو ملكة، كما لا فرق بين النسب، أي النسبة القائمة بين الصفات والذات، سواء أكانت النسبة ثبوتية، أو تجددية، أو وقوعاً عليه، أو وقوعاً فيه، أووقوعاً به، أو غير ذلك ممّا يجده الإنسان في أسماء الفاعل والمفعول والزمان والمكان والآلة والصفة.

بناء المسألة الفقهية على المشتق الأُصولي

إذا كان للرجل زوجتان كبيرتان أرضعتا زوجته الصغيرة، فقال صاحب الإيضاح: تحرم الأُولى والصغيرة، وأمّا الثانية فحرمتها وعدمها مبنية على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس، أو كونه حقيقة في أعمّ ممّن انقضى عنه المبدأ، فإن قلنا بالأوّل، لم يصدق على الثانية أنّها أُمّ زوجته، بل هي أُمّ البنت، وليست أُمّ البنت محرّمة، وإن قلنا بالأعم، يصدق أنّها أُمّ من كانت زوجته سابقاً .1
أقول: أمّا الزوجة الصغيرة فهي تحرم على الزوج بلاكلام، لأنّها بالارتضاع تصير بنتاً رضاعية للزوج والبنتية والزوجية لا يجتمعان .
إنّما الكلام في الكبيرة الّتي أرضعت أوّلاً والكبيرة الأُخرى الّتي أرضعت ثانياً، فقد اتّفقت كلمتهم على حرمة الأُولى لأنّها صارت أُم الزوجة. وأمّا الكبيرة الثانية فقد بنوا حرمتها على القول بوضع المشتق للأعم لا لخصوص المتلبّس.

1 . إيضاح الفوائد في شرح القواعد: 3 / 52.

صفحه 243
والظاهر: أنّه لا فرق بين الأُولى والثانية فالحرمة في كلتيهما مبنيّة على القول بالوضع للأعم.
أمّا الثانية فواضحة فإنّها أرضعت الصغيرة بعدما صارت بنتاً رضاعية للزوج فهي من أوّل لحظة أرضعتها إنّما أرضعت بنت الزوج لا زوجة الزوج، ومن المعلوم انّ أُمّ البنت غير محرّمة وأمّا الأُولى فنحن نظن أنّها كالثانية بلا فرق بينهما وذلك ببيانين:
الأوّل: أنّ بنتية الرضيعة وأُمومة المرضعة متضايفتان وهما متكافئتان قوّة وفعلاً. فعندما صارت الرضيعة بنتاً للزوج صارت المرضعة ـ في نفس الوقت ـ أُمّاً لها، إذ لا معنى للبنتية بلا أُمومة. فكونها بنتاً للزوج مُوِرِثة لحرمتها وفي الوقت نفسه موجبة لكون المرضعة أمّاً لها، فللمرضعة من العناوين الأُمومة، ومن المعلوم أنّ أُمّ البنت لا تكون حراماً على الزوج، لأنّ شأن الزوجة بالنسبة إلى الزوج كونها أُمّاً لأولاده ذكراً كان أو أُنثى.
الثاني: أنّ العناوين الثلاثة مجتمعة في آن واحد وهي: أُمومة الكبيرة وبنتية الصغيرة وزوال زوجية الرضيعة. فعندما تصير أُمّاً تزول الزوجية عنها فكيف تكون أُمّاً للزوجة! إلاّ على القول بوضع المشتق للأعم.
هذا هو مقتضى القاعدة، وقد عرفت أنّه لا فرق بين الأُولى والثانية في الحكم.
نعم ذهب المشهور إلى التفريق بين الكبيرتين، بحرمة الأُولى دون الثانية متمسّكاً بالنص الوارد في المسألة.
روى الكليني عن علي بن مهزيار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قيل له: إنّ

صفحه 244
رجلاً تزوّج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته ثم أرضعتها امرأة له أُخرى، فقال: ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية وامرأتاه؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): «اخطأ ابن شبرمة، تحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أوّلاً، فأمّا الأخيرة فلم تحرم عليه كأنّها أرضعت ابنته ».1
أمّا السند فقد رواه الكليني عن علي بن محمد ـ والظاهر انّه إمّا علي بن محمد بن بندار، أو علي بن محمد علان وهو خال الكليني، والظاهر وثاقتهما ـ عن صالح بن أبي حماد ـ وهو مختلف فيه، غير أنّ الفضل بن شاذان يرتضيه ويمدحه ـ عن علي بن مهزيار ـ وهو ثقة بلاكلام ـ .
هذا ما يرجع إلى السند وأمّا المضمون فهو يفرق بين الأُولى والثانية، ولعلّ الوجه في التفريق ما ذكره صاحب الجواهر: من أنّ صدق البنتية للمرتضعة وزوال زوجيتها، وأُمومة المرضعة الأُولى، متحدات في الزمان فآخر زوال الزوجية متصل بأوّل زمان حدوث الأُمومة 2. وهذا المقدار في الصدق كاف في انطباق عنوان «أُمّ الزوجة» عليها بخلاف الثانية فإنّها أرضعتها بعدما صارت بنتاً.
وعلى كل تقدير فما ذكر من النقض والإبرام غير صالح للإفتاء سوى النص، لأنّه مبني على تعلّق الحكم بعنوان الزوجة مع أنّه تعلّق بعنوان النساء لقوله تعالى: (ِ وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ)3 فالبحث كأنّه أشبه بالسالبة بانتفاء

1 . الوسائل: 14، الباب 14 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . الجواهر: 29 / 329 ـ 330 .
3 . النساء: 23.

صفحه 245
الموضوع. وليس عنوان النساء مشتقاً أُصولياً بل هو من الجوامد، كالرجل والشجر والحجر.

الرابع: في توهّم خروج أُمور عن محطّ النزاع

ذهب غير واحد من الأُصوليين إلى خروج الأُمور الثلاثة عن محط النزاع:
1. أسماء الزمان كالمضرب والمقتل.
2. أسماء المفاعيل كالمضروب.
3. العناوين المنتزعة عن مقام الذات كالممكن والواجب والممتنع والعلة والمعلول. وإليك دراسة خروج هذه الأُمور الثلاثة.
أمّا الأوّل: أي أسماء الزمان، فلأنّ محط النزاع فيما إذا كان للذات بقاء مع زوال الوصف كالآكل والشارب حيث إنّ الذات ربّما تكون باقية مع زوال الأكل والشرب، وأمّا إذا كانت الذات زائلة مع زوال الوصف على نحو لا يتصوّر لها البقاء مع عدمه، فهو خارج عن حريمه لعدم تصوّر فردين: المتلبس بالذات، ومَنْ انقضى عنه المبدأ، وهذا كالمقتل فإنّ القتل هو الوصف، والذات هو الزمان، والزمان أمر يتجدد شيئاً فشيئاً فلا يتصور له البقاء مع زوال الوصف، فالزمان الّذي حدث فيه القتل غير الزمان الّذي انقضى عنه المبدأ.
وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه.
1. ما أجاب به المحقّق الخراساني بأنّ انحصار مفهوم في فرد لا يلازم

صفحه 246
وضع اللفظ بازاء هذا الفرد دون العام، وإلاّ لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة، مع أنّ الواجب موضوع للمفهوم العام مع انحصاره فيه تبارك وتعالى.1
يلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: المناقشة في التمثيل بلفظ الجلالة والواجب، أمّا الأوّل فهو عَلمٌ بلا إشكال وكان عليه أن يمثّل بلفظ (إله). وأمّا الثاني (الواجب) فمصداقه ليس منحصراً في واحد لصدقه على الواجب بالغير، وعلى الواجب بالقياس إلى الغير، كالمتضايفين، اللهم إلاّ إذا أراد من الواجب، الواجب بالذات، وهو كما ترى.
الثاني: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ لو كان لهيئة اسم الزمان (مَفْعل) مصداقان مختلفان، تكون الذات باقية في بعضها ومنصرمة في البعض الآخر، فعندئذ يصحّ أن يقال بأنّ الكلام في هيئة (مفعل) من دون نظر إلى فرد دون فرد وانّ انحصار بعض الأفراد في المتلبس لا يوجب انحصار وضع الهيئة به.
وأمّا لو لم يكن له في الخارج إلاّ مصداق واحد ـ كما في المقام ـ فإنّ الزمان في عامة مصاديق تلك الهيئة غير قابل للبقاء، فعندئذ يكون الوضع للأعم أمراً لغواً.
2. ما أجاب به المحقّق الخوئي بأنّ أسماء الأزمنة لم توضع بوضع على حدة في قبال أسماء الأمكنة، بل الهيئة المشتركة بينهما وهي هيئة مفعل وضعت بوضع واحد لمعنى واحد وهو ظرف وقوع الفعل في الخارج أعم

1 . كفاية الأُصول: 1 / 60 .

صفحه 247
من أن يكون زماناً أو مكاناً، فإذا لم يعقل بقاء الذات في مورد كالزمان لم يوجب ذلك عدم جريان النزاع في الهيئة المشتركة بين ما لا تبقى فيه الذات وما تبقى كالمكان .1
3. ما أجاب به المحقّق النائيني (رحمه الله) وجوابه مبني على اختصاص الإشكال بصدق المقتل على اليوم العاشر من شهر محرم الحرام في السنة الثانية والثالثة، فأجاب بأنّه لو كان الزمان المأخوذ فيها شخص ذلك اليوم بعينه لا كُلّيه كان للإشكال مجال، ولكنّ المأخوذ فيه هو الزمان الكلّي لا الشخصي .2
يلاحظ عليه: بأنّ الإشكال ليس منحصراً فيما ذُكر بل الإشكال جار في نفس اليوم الّذي قتل فيه الحسين (عليه السلام)، فلو فرضنا أنّه قتل بسيف العدوان والنصب في الساعة الثالثة بعد الظهر فإذا انقضت تلك الساعة فالذات غير باقية مع الوصف فيعود الإشكال.
4. ويمكن أن يقال: إنّ لكل شيء بقاءً حسب العرف، أمّا الجوامد كالإنسان والفرس فهي باقية مهما مرّ عليها الزمان، وإن كانت غير باقية على ضوء الحركة الجوهرية في الجواهر.
وأمّا الزمانيات أي الحوادث الواقعة في عمود الزمان كالتكلّم وسيلان الماء فلها بقاء عند العرف، حيث يتلقّى العرف خطبة الخطيب أمراً واحداً له ابتداء وله نهاية، ومثلها سيلان الماء.

1 . محاضرات في أُصول الفقه: 1 / 232 ـ 233 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 56 .

صفحه 248
وأمّا الزمان كاليوم فله أيضاً حدوث وبقاء، فإذا طلعت الشمس حدث اليوم، فهو أمر باق إلى نهاية النهار، ولذلك يقال: بقي من النهار ساعتان أو من الليل ساعة .
إذا عرفت ذلك فالإشكال مرتفع بهذا البيان.
أمّا صدق مقتل الحسين (عليه السلام)على الساعة الرابعة فلأنّ للزمان بقاءً إلى نهاية اليوم، فالذات باقية والوصف مرتفع. وأمّا صدقه على اليوم العاشر في السنوات الآتية فلأنّ العرف يعتقد بعود الزمان نفسه فلذلك يقولون: اليوم مقتل الحسين (عليه السلام)، هذا كله حول الأمر الأوّل .
أمّا الأمر الثاني: أعني زعم خروج أسماء المفاعيل عن حريم النزاع فهو بملاك آخر، لأنّ خروج أسماء الزمان كان بملاك توهّم عدم بقاء الذات، وأما هنا فلأجل توهّم كونه متلبّساً دائماً، فإنّ الشخص ما دام موجوداً يطلق عليه أنّه مضروب .
يلاحظ عليه: بأنّه إن أُريد من اسم المفعول المعنى الناعت والمعرِّف فلا يتصوّر فيه الانقضاء كما يقال: علي قالع باب خيبر، وأمّا إذا أُريد منه المعنى الحدوثي التجدّدي فهو قابل للانقضاء، فالآن الّذي صدر فيه الضرب يوصف بأنّه مضروب دون الآنات المتتالية ; إلاّ إذا كان المشتق حقيقة في الأعم .
هذا كله حول الأمر الثاني.
وأمّا الأمر الثالث: الّذي توهم خروجه عن محط البحث فهو عبارة عن العناوين المنتزعة عن الشيء بلا ضم ضميمة كالممكن والواجب والممتنع

صفحه 249
والعلة والمعلول، ووجه الخروج أنّ منزلة هذه الألفاظ منزلة العناوين الذاتية كالإنسان، فكما لا يعقل بقاء الذات مع ذهاب الإنسانية فهكذا لا يعقل بقاء الذات مع زوال الإمكان، وإلاّ للزم انقلاب الممكن إلى الواجب والممتنع .1
يلاحظ عليه: بأنّ محط البحث ليس هو وضع خصوص الهيئة الموجودة في الممكن والواجب مثلاً حتّى يقال بعدم تصوّر زوال التلبّس، بل أنّ محط البحث مثلاً هو هيئة «مُفعِل» الموجودة في الممكن والمقيم، فالأوّل وان لم يتصوّر فيه الزوال مع بقاء الذات، إلاّ أنّ المقيم يمكن فيه تصور بقاء الذات مع زوال الوصف، فعند ذلك يقع الكلام في وضع هيئة (مُفْعِل) بما هي هي مع قطع النظر عن مادة خاصة، وليس هذا كهيئة أسماء الزمان الّتي ليس لها إلاّ مصداق واحد، ومثل الممكن لفظ الواجب فإنّ محط البحث هو هيئة الفاعل الصادقة على الواجب والآكل والشارب. فعدم تصوّر الزوال في المورد الأوّل لا يضر بصحّة البحث لتصوّر الزوال في المثالين الآخرين، ومثله الممتنع إذ ليس البحث في خصوص هيئته، بل مطلق الهيئة الموجودة مثل المستمع الّذي يتصور فيه بقاء الذات مع ذهاب المبدأ.

الأمر الخامس: في دلالة الأفعال على الزمان

اشتهر بين الأدباء على أنّ الأفعال تدلّ على الزمان، فالماضي يخبر عن تحقّق الحدث فيما سبق، والمضارع يُخبر عن تحقّقه فيما يأتي، وقد عرّف الفعل: بأنّه ما دلّ على معنى في نفسه مقترناً بأحد الأزمنة الثلاثة.(2)

1 . المحاضرات: 1 / 240 .   2 . شرح الكافية للرضي: 1 / 11 .

صفحه 250
والمعروف بين المتأخّرين من الأُصوليين ـ ومنهم المحقّق الخراساني ـ عدم دلالتها على الزمان، واستدلّ عليه بوجوه خمسة:
الأوّل: انّ المادة في الأفعال تدلّ على نفس الحدث، والهيئة على نسبة الحدث إلى الفاعل، فما هو الدال على الزمان؟
يلاحظ عليه: أنّ الدال عليه هو الهيئة، لأنّها تدلّ على الإخبار عن تحقّق الحدث، أو ترقّب تحقّقه، والتحقّق والترقّب يلازمان الزمان: الماضي والمستقبل، وسيوافيك توضيحه.
الثاني: النقض بصيغة الأمر والنهي، فإنّ مدلولهما انشاء البعث إلى الفعل أو إنشاء الزجر عنه، دون أنّ تدل الهيئة على شيء، غاية الأمر أنّ نفس الإنشاء بهما متحقّق في الحال وهو لازم وجودهما دون أن يدلا على الزمان.
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه، فإنَّ الماضي والمضارع يخبران عن تحقّق شيء أو ترقّب وجوده، وهما لاينفكان عن الزمان، بخلاف إنشاء البعث أو الزجر، فإنّه لا يخبر عن شيء.
الثالث: لو دلّت الأفعال على الزمان لما صحّت النسبة في الأمثلة التالية:
1. مضى الزمان.
2. علم الله.
3. خلق الله الأرواح.
وإلاّ يلزم أن يكون للزمان زمان في المثال الأوّل، أو يكون فعله سبحانه زمانياً في المثال الثاني والثالث.

صفحه 251
يلاحظ عليه: بأنّه من مقولة إثبات اللغة بالبرهان الفلسفي، فإنّ هذه المحاذير تثبت بالبرهان، ولكن الواضع غافل عنها، فلا مانع عنده من أن يكون للزمان زمانٌ، وقد تداولت الألسن المثل الشائع على ألسن الناس: كان زمان ولم يكن شيء سوى الله سبحانه ثم خلق العالم. ومن المعلوم أنّ الزمان وليد حركة المادة فيلزم أن يكون للزمان زمانان ; زمان قبل خلق المادة وزمان بعد خلقها; وأمّا المثالان الثاني والثالث فقد خرجا بالبرهان، لأنّ وجوده سبحانه مجرد عن الزمان فيكون فعله كذلك. ونظيره قوله: خلق الله الأرواح، فإنّ الأرواح المجرّدة تكون فوق الزمان ومجرّدة عنه. والواضع إنّما وضع هيئة «فَعَلَ» على وجه الإطلاق دون أن يكون ناظراً إلى مورد دون مورد. فلا بأس في أن يكون الموضوع له مشتملاً على الزمان. لكن دلّ البرهان على عدمه في المثالين، غاية ما في الباب أنّ المتكلّم أو الفيلسوف إذا نسب الفعل إليه سبحانه يلزم عليهما تجريد الفعل عن الزمان .
الرابع: المضارع عندهم مشترك في الحال والاستقبال وليس بمشترك لفظي، وإلاّ لزم استعماله فيهما استعمالاً في أكثر من معنى، كما في قولنا: يضرب زيد اليوم وغداً. ولا بمشترك معنوي لعدم الجامع بين الحال والاستقبال لتباين أجزاء الزمان.
يلاحظ عليه: نختار أنّه مشترك معنوي، ولكن تباين أجزاء الزمان وجوداً غير مانع لئن ينتزع منها مفهوم جامع عرضي وهو «الزمان الّذي لم يمض» وهو كاف في مقام الوضع والدلالة عليهما.
الخامس: أنّ الماضي عندهم ربّما يستعمل في ماهو مستقبل حقيقة،

صفحه 252
مثل قولك: يجيئني زيد بعد عام، وقد ضرب قبله بأيام، وربّما المضارع يستعمل على العكس كما في قولك:جاء زيد في شهر كذا، وهو يضرب بعد يوم.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أنّ الملاك في الماضوية وغيرها هو زمان التكلّم، وأمّا إذا كان الملاك هو الحدث الّذي ورد في الكلام (وهو في المقام المجيء) فالفعل عندئذ في الأوّل ماض وفي الثاني مضارع بشرط أن ينسب الضرب إلى المجيء لا إلى حال التكلّم.
والحق أنّ هذه الوجوه غير ناجعة ولا تقف أمام التبادر حيث إنّه يتبادر من هيئة «فَعَلَ» الإخبار عن وقوع الحدث في الزمان الماضي، ومن هيئة «يفعلُ» الإخبار عن وقوعه في المستقبل.
نعم: الّذي يصد المحقّق عن القول بدلالة هيئة الأفعال على الزمان انّ الزمان من المداليل الاسمية فكيف تدل عليه الهيئة الّتي هي من الأدوات الحرفية؟
والّذي يمكن الذب عنه هو أنّ المدّعى ليس دلالة الهيئة على «الزمان الماضي» أو «الزمان المستقبل» بالمعنى الاسمي حتّى يتوجه إليه الإشكال، بل المراد أنّ الهيئة تدل على خصوصية في نسبة الحدث إلى الفاعل وتلك الخصوصية إمّا تحقّق الحدث أو ترقّب تحقّقه، وكلا المفهومين لا ينفكّان عن الزمان .
وبعبارة أُخرى: ليس المدّعى دلالته على مفهوم التحقّق والسبق أو مفهوم الترقّب واللحوق بصورة المعنى الاسمي حتّى يقال: إنّ الهيئة من الأدوات الحرفية، بل المراد هو الدلالة على مصداق السبق وواقعه، وهو ليس إلاّ معنى حرفياً، وهذا نظير التعبير عن مفهوم «من» و «إلى» بالابتداء والانتهاء،

صفحه 253
ومن المعلوم أنّهما مفهومان اسميان لا يوصفان بالمداليل الحرفية، بل المراد واقع الابتداء والانتهاء الّذي هو مدلول حرفي قائم بالأطراف .
ولعلّ هذا هو مراد المحقّق الخراساني في هذا المقام. حيث قال: لا يبعد أن يكون لكلّ من الماضي والمضارع بحسب المعنى خصوصية أُخرى موجبة للدلالة على وقوع النسبة في الزمان الماضي في الماضي، وفي الحال والاستقبال في المضارع فيما لو كان الفاعل من الزمانيات.1
***

الأمر السادس: ما هي مادة المشتقات؟

إنّ لعامة المشتقات أصلاً سارياً فيها بلفظه ومعناه وهذا أمر يدركه الإنسان بالتأمّل في معانيها، فيرى أنّ هناك معنى واحداً سارياً في الجميع يتشكّل بأشكال مختلفة حسب تغيّر الهيئات فتارة يكون صادراً، وأُخرى واقعاً، وثالثة متحققاً في زمان ومكان، إلى غير ذلك من المعاني الطارئة على الأصل.
ويؤيد ذلك أنّ الإنسان ربّما يعلم مفهوم الهيئة ولكن يجهل بمفاد المادة، وهذا آية تعدّد الوضع، وأنّ للمادة وضعاً وللهيئة وضعاً آخر.
وقد اختلفت كلماتهم في تعيين الأصل، فالمعروف هو:
إنّ المصدر أصل والفعل والوصف مشتقان منه، وهذا خيرة البصريين وخيرة ابن مالك في ألفيّته حيث قال:

1 . كفاية الأُصول : 1 / 62 .

صفحه 254
المصدر اسم ما سوى الزمان من *** مدلولي الفعل كأمن من أمن
بمثله أو فعل أو وصف نصب *** وكونه أصلاً لهذين انتُخِب
وهو القول المختار وباقي الأقوال ضعيفة.
وهناك تساؤلات قد تثار على هذا الرأي نعرضها مع التحليل، وهي:
1. كيف يكون المصدر أصلاً للمشتقات مع أنّ الأصل يجب أن يكون عارياً عن كلّ تعيّن حتّى يكون محفوظاً في عامّة المشتقّات، مع أنّ هيئة المصدر مانعة من كونه أصلاً لسائر المشتقات لعدم إمكان حفظ هيئته فيها؟
الجواب: أنّ الإشكال نشأ من قياس المبدأ في عالم الألفاظ بالمبدأ في عالم الكون، فالهيولى الأُولى العارية عن كل التعيّنات سوى ـ كونه قوة الوجود ـ مبدأ للموجودات الطبيعية.
وأمّا المبدأ في عالم الألفاظ فلا يجب أن يكون عارياً من كل تعيّن، بل يكفي حضوره مع حروفه وترتيبها في المشتقات.
وإن شئت قلت: إنّ وزان المصدر في كونه أصلاً وزان القطن في كونه أصلاً لكثير من المنسوجات القطنية، ووزان البلاستيك في الصناعات البلاستيكية، فلا يجب أن يكون الأصل محفوظاً بعامة خصوصياته في الفروع.
2. انّ المصدر مشتمل على نسبة ناقصة فهي تمنع عن كونه مادة المشتقات لاستلزامه اجتماع نسبتين في شيء واحد .
الجواب: أنّ النسبة في المصدر نسبة ناقصة مبهمة، فلا تمنع عن توارد

صفحه 255
النسب المختلفة عليه لكونها سبباً لرفع إبهامها.
3. لماذا لا يكون اسم المصدر مادة المشتقات؟
الجواب: انّه قليل لا يمكن أن يكون أصلاً.
4. لو كان للمادة وضع مستقل وراء وضع الهيئات لزم تعدّد الدلالة، وبالتالي يلزم تعدّد المداليل مع أنّ مفهوم المشتق بسيط .
الجواب: انّ وجود المادة ومفهومها مندك في الهيئة ومفهومها، وهذا صار سبباً لتبادر المعنى الواحد من المشتق.

نظرية السيد الأُستاذ:

ذهب السيد الأُستاذ إلى أنّ المبدأ عبارة عن الحروف المترتّبة مجرّدة عن كلّ هيئة كحروف «ض» و «ب» و «ر»، فهي موضوعة لنفس المعنى مجردة عن كلّ خصوصية ونسبة فاعلية أو مفعولية.
فإن قلت: إنّ اللفظ الموضوع لابدّ وأن يكون قابلاً للتنطّق والتلفّظ، والمادة العارية عن كل صورة غير قابلة له.
قلت: إنّ وضع المادة لما كان وضعاً تهيُئيّاً لأن تتلبس بالهيئات الكثيرة من الماضي والمضارع، فلا يلزم أن تكون قابلة للتنطق .1
يلاحظ عليه: أنّ العرف العام لا يضع لفظاً لمعنى مالم يَنطُق به، فهو بالنطق به يضع اللفظ غالباً، وقد مرّ أنّ وضع غالب الألفاظ وضع تعيني لا تعييني، ووضع المادة بلا هيئة يحتاج إلى قدرة فكرية خارجة عن إطار قدرة

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 105 ـ 106 .

صفحه 256
الواضع الساذج، ولذلك استقر نظره أخيراً على أنّ المصدر مادة المشتقات، لكن الهيئة غير دخيلة في المبدئيّة بل دخيلة في إمكان النطق به، ولو أمكن النطق به بلا هيئة لوضعها بلا هيئة، وعلى ذلك يصبح النزاع أشبه باللفظي.

الأمر السابع: ما هوالمراد من الحال؟

المسألة معنونة في الكتب الأُصولية بالنحو التالي:
هل المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ في الحال؟ أو في أعم منه وممن انقضى عنه المبدأ؟ وعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد من كلمة «الحال» فهناك احتمالات:
أ. زمان النطق.
ب. حال التلبّس.
ج. حال النسبة والجري.
أمّا الأوّل: فهومردود بعدم دلالة المشتق على الزمان أوّلاً، وباستلزامه كون المشتق مجازاً في أغلب الموارد ثانياً، وباتّفاقهم على أنّ قولهم: (كان زيد ضارباً أمس) حقيقة بشرط أن يكون متلبّساً بالمبدأ في ظرف النسبة ثالثاً.
وأمّا الثاني: أعني زمان التلبّس فهو لا ينسجم مع عنوان البحث، بل يستلزم كون الكلمة(في الحال) زائدة، وإن شئت فلاحظ قولهم: «هل المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ» في حال التلبس.
وأمّا الثالث: فهو خيرة المحقّق الخراساني وحاصله: أنّه موضوع

صفحه 257
للمتلبّس بالمبدأ في ظرف النسبة، فلو كان متلبّساً في ظرفها فهو حقيقة وإلاّ فهو مجاز، فإذا قلت: زيد ضارب غداً، فلو أردت أنّ المتلبّس بالضرب غداً، ضارب غداً يكون حقيقة، ولو قلت: ضارب اليوم باعتبار أنّه ضارب غداً، فهو مجاز.1
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ مدلول المشتق بسيط ووضعه للمتلبّس في حال الجري وزمان النسبة يستلزم كونه مركباً ودالاً على الزمان تضمّناً وهو لا يجتمع مع كونه بسيطاً.
ثانياً: أنّ ما ذكره إنّما يتم في الجمل الإخبارية، الّتي ربّما يتفق تطابق زمان التلبّس مع زمان النسبة وربّما يختلف، وأمّا الجمل الإنشائية كما في قولنا: أكرم عالماً، فلا تدلّ على الزمان حتّى يقال إذا وافق زمان التلبّس زمان النسبة.
ثالثاً: أنّ البحث في مفاد المفردات ومعاني الكلمات مع قطع النظر عن كونها وقعت مبتدأ أو فاعلاً أو مفعولاً.
كلّ ذلك يسبّب أن يكون للفظة «الحال» ـ في عنوان البحث ـ معنى آخر.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 66 .

صفحه 258

المراد فعلية الاقتران عند الانتزاع

إنّ محور البحث هو أنّ عنوان المشتق ـ مع قطع النظر عن وقوعه في ضمن الجملة ـ هل ينتزع من الذات المتزامنة مع المبدأ، أو ينتزع من الأعم أي سواء أكان موجوداً بالفعل ومتزامنة مع المبدأ أم كان متزامناً ولكن زال عنه المبدأ؟
توضيح ذلك: أنّ العقل يرى جامعاً حقيقياً بين الأفراد المتلبّسة بالمبدأ ولا يرى ذلك الجامع بين المتلبّس ومن انقضى عنه المبدأ، ولو حاول الإنسان أن يصور له جامعاً فلابد أن يكون جامعاً انتزاعياً غير حقيقي. فيقع النزاع في أنّ الموضوع له هو الذات المتزامنة أو الأعم، فإذا قال: «أكرم العالم» أو «صل خلف العادل» فعلى القول بوضع المشتق للمتلبس بالمبدأ يجب إكرام كل من كان متلبساً بالعلم عند الإكرام، أو متزامناً مع العدل عند الصلاة. وعلى القول الآخر يجب إكرام المتلبّس ومن زال عنه المبدأ، كما تجوز الصلاة خلف من زالت عنه العدالة.
هذا كله في القضايا الإنشائية، وأمّا القضايا الخبرية كقولنا: «زيد ضارب»، فعلى القول بالأخص فلا ينتزع إلاّ إذا كان متلبّساً في ظرف النسبة، وأمّا على القول بالأعمّ فيكفي في الانتزاع كونه متلبّساً في زمان من الأزمان سواء أكان حاضراً أم غابراً.
فالمختار ينطبق في الجمل الإخبارية على مختار المحقّق الخراساني، لكن القول بأنّ الموضوع له هو المتلبّس بالفعل غيرالقول بأنّه موضوع للمتلبّس في ظرف النسبة والجري. نعم، ينطبق المتلبّس بالفعل في الجملة

صفحه 259
الخبرية على المتلبّس في ظرف النسبة ، لكن الانطباق غير كونه موضوعاً له، وبذلك ظهر الفرق بين المختار وما ذهب إليه المحقّق الخراساني.

الأمر الثامن: ما هو الأصل في المسألة؟

لو ثبت أحد القولين في المشتق فلا حاجة إلى تنقيح الأصل وإنّما يحتاج إليها المستنبط إذا لم يثبت عنده أحد القولين.
ثم إنّ الأصل إمّا لفظي أو عملي، والعملي إمّا موضوعي ينقح الموضوع، أو حكمي يثبت الحكم.
أمّا الأصل اللفظي، فليس هناك أصل يركن إليه، لأنّ الأمر دائر بين كون المشتق حقيقة في المتلبّس ومجازاً في غيره، أو مشتركاً معنوياً بين الموردين، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر .
وأمّا الأصل العملي، فالمراد من الموضوعي هو استصحاب عدم كونه موضوعاً للأخصّ أو موضوعاً للأعمّ، والأصلان متعارضان، على أنّ نفي كل من المجاز والاشتراك لا يثبت الآخر .
أضف إلى ذلك إشكالاً ثالثاً وهو: أنّ هذا النوع من الأصل غير معتبر في المقام عند العقلاء، فإنّهم إنّما يتمسّكون بالأصل لكشف المراد لا لكيفية الإرادة كما في المقام، حيث إنّ الغاية عندئذ اكتشاف كون استعمال المشتق فيما انقضى عنه مجازاً أو حقيقة.
فانحصر الأصل بالأصل الحكمي أي الاستصحاب والبراءة، وقد فصل فيه المحقّق الخراساني بين كون الانقضاء قبل إنشاء الحكم أو كونه بعده.

صفحه 260
ففي الأوّل يكون المرجع هو البراءة للشك في التكليف، وفي الثاني يكون المرجع هو استصحاب الحكم، من غير فرق بين العام الاستغراقي ـ كما في قولنا: أكرم العلماء ـ أو البدلي ـ كما إذا قال ـ أكرم عالماً ـ .
ثم إنّ صاحب المحاضرات 1 اختار أن الأصل هو البراءة مطلقاً على كلا القولين، سواء أكان الانقضاء قبل إنشاء الحكم أم بعده.
أمّا الأوّل فواضح، لأنّ الشك في الحدوث، وأمّا الثاني فلا يجري لعدم إحراز بقاء الموضوع، فإنّ الشبهة مفهومية والموضوع مردد بين خصوص المتلبّس أو الأعم، والاستصحاب لا يجري في الحكم لعدم إحراز وحدة القضية المتيقنة مع المشكوكة، مثلاً (العالم) بما له من المعنى موضوع للحكم والتمسّك باستصحاب بقاء الحكم غير ممكن للشك في بقاء الموضوع.
أقول: إنّ ما ذكره من فروع القول بعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية الكلية وفاقاً للمحقّق النراقي وخلافاً لجمهرة الأُصوليين.
واستدلّ على المنع بوجوه نذكر واحداً منها:
ما أُشير إليه في المقام من الشكّ في بقاء الموضوع. ولأجل رفع الإشكال في المقام وغيره نقول: إنّ حاصل الإشكال هو أنّ الموضوع في القضية المتيقّنة غير الموضوع في المشكوكة، فالموضوع في القضية المتيقّنة: في المثال المعروف «هو الماء المتغير أحد أوصافه الثلاثة»، والمشكوك «هو الماء الّذي زال تغيرُهُ بنفسه»، وبين الموضوعين بعد المشرقين.

1 . المحاضرات: 1 / 257 ـ 258 .

صفحه 261
والجواب: أنّه إذا أُريد استصحاب الحكم الشرعي الكلّي فالإشكال وارد قطعاً، لأنّه من قبيل إسراء الحكم الشرعي من موضوع (الماء المتغيّر) إلى موضوع آخر (الماء إذا زال تغيره) وهو أشبه شيء بالقياس أو نفسه .
وأمّا إذا أُريد استصحاب الحكم الشرعي الجزئي فلا يتوجه الإشكال، وذلك بالبيان التالي:
إذا افترضنا ماءً متغيراً أحد أوصافه الثلاثة، لونه أو ريحه أو طعمه، فلا شكّ أنّ الكبرى الكلية تنطبق عليه، فإذا زال تغيّره بنفسه نشير إلى الماء الموجود أمامنا ـ الّذي شمله الدليل الاجتهادي في فترة من الزمان ـ ونقول: كان هذا نجساً والأصل بقاء نجاسته، والوحدة محفوظة في كلتا الحالتين،إذ ليس هنا ماءان بل ماء واحد في الحوض زال شيءٌ من أوصافه.
وجه الفرق بين عدم جواز استصحاب الحكم الشرعي الكلي وجواز استصحاب الحكم الجزئي هو أنّ عالم المفاهيم عالم الكثرة فلا يتبدل مفهوم إلى مفهوم آخر، وأمّا إذا انطبق العنوان الكلّي على مصداق خارجي فتنتهي رسالة الدليل الشرعي الدالّ على الحكم الكلي. فما دام الموضوع باقياً على حاله يُحتج بالكبرى على الصغرى، وأمّا إذا زال تغيره فلا يحتج بالكبرى على الموضوع، بل يستعين المجتهد ـ بعد شمول الكبرى له في فترة من الزمان ـ بدليل الاستصحاب فيشير إلى الماء المشخص ويقول: كان هذا نجساً والأصل بقاء نجاسته.
ويجري نفس هذا البيان فيما إذا انقلب العنب زبيباً وشك في حرمة شرب عصيره إذا غلى، وسيوافيك توضيحه في محله.

صفحه 262
وأمّا المقام، أعني: إذا كان الانقضاء بعد إنشاء الحكم فاستصحاب الحكم الكلّي غير ممكن لعدم إحراز الموضوع. لتردده بين قطعي الانتفاء ـ على القول بالوضع للمتلبس وقطعي البقاء على القول بالوضع للأعم.
وأمّا إذا انطبق الحكم الكلّي ـ قبل زوال المبدأ ـ على مصداق خارجي كزيد ثم زال المبدأ فيشار إلى زيد ويقال: كان هذا واجب الإكرام والأصل بقاء وجوبه. والموضوع في استصحاب الحكم الجزئي هو الشخص الخارجي لا عنوان العالم.

الأمر التاسع: نفي الملازمة بين التركّب والوضع للأعم

ذهب المحقّق النائيني إلى الملازمة بين نظرية تركب المشتق ووضعه للأعم ونظرية البساطة والوضع للأخص.
قال: إنّ الركن الوطيد على القول بالوضع للمركب هو الذات وانتساب المبدأ إليها. ومن المعلوم أنّ النسبة الناقصة لم يؤخذ فيها زمان دون زمان، وقد تبيّن عدم دلالة الأفعال على الزمان، فالمشتقات لا تدلّ عليه بالأولوية. ولذا كان المشهور بين القدماء القائلين بالتركيب هو الوضع للأعم، وهذا بخلاف القول بوضعه لمعنى بسيط فإنّ الركن في صدق المشتق بناء على البساطة هو نفس المبدأ، غاية الأمر أنّه ملحوظ بنحو يصحّ معه الحمل، ولا يكون مبائناً للذات بحسب الوجود، فيقوم الصدق بالمبدأ، فإذا انعدم وانقضى فلامحالة لا يصدق العنوان الاشتقاقي إلاّ بعناية.1

1 . أجود التقريرات: 1 / 75 ـ 77 .

صفحه 263
يلاحظ عليه: بعدم الملازمة بين القولين والرأيين. أمّا الأوّل: فلأنّ الجامع عند القائل بالتركيب إمّا :
الذات المتلبّسة بالمبدأ. أو :
الذات المنتسب إليها المبدأ.
فالأوّل ينطبق على القول بالأخصّ والثاني على القول بالأعم .
وأمّا الثاني: فلأن ما ذكره مبني على ما اختاره السيد الشريف من أنّ المشتق عين المبدأ، والفرق بينهما كون الأوّل لا بشرط والثاني بشرط لا، وعندئذ يكون الركن الركين هو المبدأ ومع زواله لا معنى لصدقه.
ولكنّ المبنى غير صحيح وأنّ المشتق مع كونه بسيطاً مغايرٌ مع مفهوم المبدأ، والفرق بينهما هو الفرق بين العنوان والمعنون، ـ وسيأتي تفصيله ـ فعلى ذلك فيمكن للقائل بالبساطة أن يقول: إنّ الموضوع له هو المعنون بالمبدأ حدوثاً وبقاءً، كما يمكن له أن يقول: إنّ الموضوع له هو المعنون بالمبدأ عبر الزمان.

دعوى أُخرى للمحقّق النائيني

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ القول بالأعم يحتاج إلى تصوير جامع بين المتلبّس والمنقضي ولا جامع بينهما، فإذا لم يعقل وجود الجامع فلا مجال لدعوى الوضع للأعم .1
ثم إنّ تلميذه الجليل أورد عليه بأنّ الجامع المقولي وإن كان غير

1 . أجود التقريرات: 1 / 78 .

صفحه 264
موجود على القول بالأعم، لكن الجامع الانتزاعي موجود بينهما ويمكن التعبير عنه بأحد الوجوه الثلاثة:
1. اتّصاف الذات بالمبدأ في الجملة في مقابل الذات الّتي لم تتصف به بعد، فإنّ الذات في الخارج على قسمين; قسم منها لم يتلبّس بالمبدأ بعد وهو خارج عن المقسم، وقسم منها متصف به ولكنّه أعم من أن يكون الاتّصاف باقياً حين الجري أم لم يكن باقياً.
2. «خروج المبدأ من العدم إلى الوجود» فإنّ المبدأ كما خرج من العدم إلى الوجود في مورد التلبّس كذلك خرج في مورد الانقضاء .
3. أحد الفردين: المتلبّس، ومن انقضى عنه المبدأ .1
يلاحظ عليه:
المشتق موضوع للمتلبّس بالمبدأ   
1. أنّه لا يتبادر من المشتق شيء من هذه الجوامع المتصوّرة.
2. لو قال بأنّ الجامع هو مصداق هذه المفاهيم لا نفسها، فيرد عليه أنّه قول لا يرضى به القائل بالأعم، فإنّ مفهوم المشتق مفهوم وحداني وما ذكره من الجوامع غير وحداني، وإنّما ينحل إليها المفهوم الوحداني والمقصود تعيين المفهوم الوحداني لا ما ينحل إليه أخيراً.
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ قد استحسن كلام المحقّق النائيني وقال ما هذا حاصله: لا محيص للقائل بالأعم من تصوير جامع بينهما، وإلاّ يلزم الاشتراك اللفظي، ولو امتنع تصوير الجامع تسقط دعواه. ولكن الجامع غير موجود إذ الجامع الذاتي بين الواجد والفاقد غير موجود، وأمّا الجامع الانتزاعي فلابد

1 . المحاضرات: 1 / 263 ـ 264 .

صفحه 265
أن ينتزع من الواقع ولا يمكن الانتزاع من الواقع إلاّ إذا كان صالحاً له مع أنّه غير صالح، إذ كيف يمكن انتزاع مفهوم بسيط منحل من الواجد والفاقد.1
يلاحظ عليه: نحن نختار الشق الأخير لكن منشأ الانتزاع هو حيثية الوجدان لا الفقدان والوجدان، لأنّ القائل بالأعم يقول بأنّ ثبوت المبدأ للذات آناً ما في التكوين يوجب اتّصاف الذات بحيثية (تعنونها بما ثبت له المبدأ) كافية في انتزاع المفهوم عن الذات في كلتا الحالتين، والحيثية الاعتبارية المصحّحة للانتزاع موجودة دائماً وإن زال عنها المبدأ.
فالعنوان البسيط المنحل إنّما ينتزع من هذه الحيثية الوجودية المتحقّقة في المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ.
فالمعنى الجامع منتزع من الواجد على كلا القولين لا من الواجد والفاقد.
إذا علمت هذه الأُمور فلندخل في صلب الموضوع.

المشتق موضوع للمتلبّس بالمبدأ

إنّ القوم استدلّوا على كون المشتق حقيقة في المتلبّس بوجوه مختلفة:

1. التصرفات تتعلّق بالمبدأ

الإمعان في الصيغ المشتقة من المصدر يثبت أنّ الواضع يريد توارد المعاني المختلفة على المبدأ وتصويره بألوان النسب بينه وبين الذات، فتارة

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 114 .

صفحه 266
يلاحظ المبدأ بما أنّه منتسب إلى الذات بالصدور عنها، وأُخرى بالوقوع على الذات، وثالثة بثبوته فيها كما في الصفة المشبهة، ورابعة بملاحظة الزمان والمكان ظرفاً للمبدأ، وهكذا.
فالمشتق هو المبدأ الملحوظ مع الذات بنسب وإضافات مختلفة، وما هذا شأنه يكون المحور هو المبدأ لا الذات، فالنسب المختلفة المتداولة تصاغ من المبدأ وتضاف إلى الذات.
وإن شئت قلت: إنّ الواضع يتلاعب بالمبدأ من خلال صياغته في قوالب مختلفة، فالمبدأ هو الّذي يتجلّى بصور وأشكال مختلفة، وليس هناك تلاعب بالذات ولا صياغتها بأشكال مختلفة، وما هذا شأنه لا يمكن غض النظر عنه عند الاستعمال، فإنّ القول بكونه حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ أشبه بغض النظر عنه عند الاستعمال.
وبعبارة أُخرى: أنّ النسبة تتوقّف على أمرين: الذات، والحدث .
والواضع يصبّ اهتمامه على طروء النسب المختلفة على المبدأ عند نسبته إلى الذات، فالمحور هو المبدأ، لكن وجود الذات ضروري لا لكونه محوراً، بل لأجل أنّ النسبة قائمة بالطرفين.

2. تبادر المتلبّس عند الإطلاق

إذا قال المولى: صلّ خلف العادل، أو أدّب الفاسق، أو إذا قيل: لا يصلّينّ أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون، أو إذا قيل: الأعرابي لا يؤم المهاجرين، لا يفهم منه إلاّ المتلبّس بالمبدأ، وهذا هو الظاهر في اللغات الأُخرى.

صفحه 267
ثم إنّ مصب النزاع فيما إذا أمكن الانقضاء أو أمكن الاستمرار، فلو لم يتصوّر له الانقضاء وكان مصداقه منحصراً بالمتلبّس كالممكن أو لم يتصور له الاستمرار وكان مصداقه منحصراً بمن انقضى عنه المبدأ كما في المقتل على ما قيل، فهما خارجان عن محط البحث.
هذان الدليلان من أفضل الأدلّة على المختار.
وهناك دليلان آخران لا يبلغان في الإتقان ما ذُكر، وإليك دراستهما.

3. في مضادة الصفات المتقابلة

لا ريب في مضادة الصفات المتقابلة المأخوذة من المبادئ المتضادة على ما ارتكز لها من المعاني، فلو كان المشتق حقيقة في الأعم لما كان بينها مضادة، بل مخالفة لتصادقها فيمن انقضى عنه المبدأ وتلبس بالآخر.
وأورد عليه المحقّق الرشتي بأنّ التضاد مبني على القول بالوضع للمتلبّس، وأمّا على القول بالوضع للأعم فلا تضاد بين العنوانين.
وأجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ التضاد أمر ارتكازي من غير فرق بين المشتقات كالأبيض والأسود ومبادئها كالبياض والسواد.
أقول: يلاحظ على أصل الاستدلال بأنّه يرجع إلى التبادر وليس دليلاً مستقلاً فإنّ الحكم بالتضاد بين المشتقين فرع إحراز معنى كل بالتبادر، وانّ المتبادر من كل واحد هو تلبّس الموضوع بالمبدأ، وعندئذ يحكم العقل بعدم صحّة اجتماعهما.
فالحكم بالتضاد متأخّر عن إحراز المعنى بالتبادر ومعه لا حاجة إلى دليل آخر.

صفحه 268
ويلاحظ على جواب المحقّق الخراساني بأنّ الأعمّي يسلّم التضاد بين المبدأين لا بين العنوانين، ولا ملازمة بين القول بتضاد المبدأين والقول بتضاد العنوانين، لأنّ المبدأ أي السواد أو البياض من الأُمور التكوينية، والتكوين لا يخضع للاعتبار، وهذا بخلاف وصف شيء بالأسود أو الأبيض فهو أمر راجع إلى اللغة، فلقائل أن يقول: الواضع وضع هيئة الفاعل بمجرد تلبّس الذات بالمبدأ في زمن من الأزمان فيكفي ذلك في صدقه حتّى في الزمان الّذي انقضى عنه المبدأ، ولا مانع عندئذ من اجتماع العنوانين بالفعل: الأبيض باعتبار وصفه الآن والأسود باعتبار اتّصافه به في زمن من الأزمان.
ثم إنّ المحقّق الخراساني أطنب الكلام في المقام بما لا حاجة له .

4. صحّة سلب المشتق عمّا انقضى عنه المبدأ

يقال زيد الناسي ليس بعالم وهي آية المجازية.
وقد أورد عليه المحقّق الرشتي بأنّه إن أُريد بصحة السلب صحته مطلقاً فغير صواب، وإن أُريد مقيّداً فغير مفيد، لأنّ علامة المجاز هي السلب المطلق.
توضيحه: أنّ علامة المجازية هو سلب اللفظ بما له من المعنى عن المورد حتّى يدل على أنّه ليس من مصاديقه مطلقاً، وأمّا سلب معنى خاص للفظ عن المورد فلا يدل إلاّ على أنّه ليس من مصاديق ذلك المقيّد، وأمّا أنّه ليس من مصاديق المعنى على وجه الإطلاق فلا يدل عليه.
فإذا قلت ـ مشيراً إلى الرقبة الكافرة ـ : إنها ليست برقبة مؤمنة، لا يدلّ

صفحه 269
على أنّها ليست برقبة أصلاً، فعلى ذلك إذا قلت: زيد الناسي ليس بعالم بالفعل، يدلّ على أنّه ليس من مصاديق المتلبّس بالفعل، وأمّا أنّه ليس من مصاديقه مطلقاً ولو باعتبار من انقضى عنه المبدأ، فلا.
وأجاب عنه في الكفاية بما هذا توضيحه: إنّ هنا قضيتين:
أ. زيد الناسي ليس بعالم بالفعل.
ب. زيد الناسي ليس بالفعل بعالم.
فقولنا بالفعل في الأوّل قيد للمسلوب أي العالم، وفي الثاني قيد للسلب، والمسلوب مطلق وليس مقيّداً.
فلو كان السلب على وزان المثال الأوّل فالحق مع المستشكل، لأنّ سلب مفهوم العالم المقيد بالتلبس بالفعل يكون دليلاً على أنّه ليس من مصاديق العالم المتلبّس بالمبدأ، وأمّا أنّه ليس مصداقاً لمطلق العالم ولو بملاك آخر فلا يكون دليلاً عليه .
وأمّا لو كان السلب على وزان المثال الثاني بأن تكون الفعلية قيداً للسلب، والمسلوب يكون مطلقاً بلا قيد، فمثل هذا السلب يكون دليلاً على أنّ زيداً الناسي ليس مصداقاً للعالم على وجه الإطلاق; أمّا المتلبّس فالمفروض عدمه، وأمّا كونه عالماً بلحاظ كونه متلبّساً في زمان من الأزمان فهو مردود بصحة السلب.
هذا توضيح ما في الكفاية، ولكن يرد عليه أنّ التفريق بين المثالين بجعل القيد تارة راجعاً إلى المسلوب وأُخرى إلى السلب، أمر دقيق لا
يقف عليه إلاّ الفيلسوف، وأمّا العرف فلا يفرّق بين الجملتين وعندئذ

صفحه 270
يرجع الإشكال، وحاصله: أنّ سلب المعنى المقيد لا يكون دليلاً على سلب المطلق.
إلى هنا تمت أدلّة القائلين بالأخصّ، بقي الكلام في أدلّة القائلين بالأعمّ، وقد استدلّوا بوجوه غير ناهضة:
   

أدلّة القول بالأعم

استدلّ القائلون بالأعم بأُمور أربعة:
1. تبادر الأعم.
2. عدم صحّة السلب عمّن انقضى عنه المبدأ.
3. صحّة إطلاق المقتول والمصلوب والسارق والزاني على من انقضى عنه المبدأ على وجه الحقيقة.
4. استدلال الإمام الصادق (عليه السلام)بآية الابتلاء .
يلاحظ على الاستدلال بهذه الأدلّة:
إنّ كلاً من الأوّل والثاني منقوض بمثله، لأنّ القائل بالاخصّ أيضاً يدّعي تبادر المتلبّس وصحة السلب عمّن انقضى عنه المبدأ، وبما أنّ الدليلين وجدانيان فكل يقنع نفسه لا الآخر.
وأمّا الدليل الثالث فالجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنّ الإطلاق في هذه الموارد الأربعة بلحاظ حال التلبّس، أو بلحاظ زمان النسبة، وقد مرّ أنّ هذا النوع من الإطلاق وإن كان فاقداً للمبدأ حين التكلّم، صحيح.

صفحه 271
الثاني: أنّ المقتول والمصلوب إن أُريد بهما المعنى الحدوثي، أي من وقع عليه القتل والصلب، فلا يصدق على من انقضى عنه المبدأ، وإن أُريد المعنى الوصفي أي الأثر الباقي بعد القتل والصلب، فالصدق لأجل كونه متلبساً بالأثر .
هذا كلّه حول اللفظين المذكورين.
وأمّا السارق والزاني فهنا جواب آخر عنهما، وذلك لأن ترتّب الحكم على موضوعه على قسمين:
تارة يدور الحكم مدار الموضوع حدوثاً وبقاءً، كما في قوله سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)1، ومن المعلوم أَنّ من زال عنه الذكر لا يكون صالحاً لأن يكون مسؤولا.
وأُخرى يكفي في ترتّبه وجود الموضوع حدوثاً، كما في السارق والزاني، فمن يسرق أو يزني في لحظة يكون محكوماً بالجلد والقطع. وهذا لا لأجل أنّ المشتق حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ، بل مناسبة الحكم والموضوع هي الّتي تبعثنا على أنّ اتّصاف الرجل بالمبدأ في آن من الآنات يكون سبباً تاماً لإجراء الحدّ عليه، إذ لا يمكن إجراؤه عليه حين ارتكاب الذنب، فوجوب إجراء الحد عليه ولو بعد فترة من الزمان ليس مبنياً على مسألة كون المشتق موضوعاً للأعم، بل لما عرفت من أنّ مقتضى هذه القضايا كفاية المعنى الحدوثي في المحكومية .
وأمّا الدليل الرابع فالاستدلال بالآية على المقام يقتضي الإحاطة بها من كافة الجوانب.

1 . الأنبياء: 7 .

صفحه 272
قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)1.
وفي الآية جهات مهمة للبحث نشير إليها:
1. ما هو الغرض من ابتلاء الأنبياء؟
2. كيف كان ابتلاء إبراهيم (عليه السلام)؟
3. ما هو المراد من الكلمات؟
4. ما هو المراد من الإتمام؟
5. ما هو المراد من جعله إماماً بعد ما كان نبياً ورسولاً؟
6. ما هو المقصود من العهد المنسوب إليه سبحانه، وكيف تكون الإمامة عهد الله؟
7. كيف تدل الآية على عصمة الإمام؟
وقد حقّقت هذه الأُمور في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» (2) .
وأمّا استدلال الإمام بالآية فقد روى الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام)في تفسير قوله: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أنّه قال: إنّ الإمامة لا تصلح لمن عبد وثنا أو صنماً أو أشرك بالله طرفة عين، وإن أسلم بعد ذلك، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظم الظلم الشرك بالله، قال الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)2 .3

1 . البقرة: 124 .   2 . مفاهيم القرآن: 5 / 197 ـ 259.
2 . لقمان: 13.
3 . تفسير البرهان للبحراني: 1 / 149 .

صفحه 273
أمّا كيفية الاستدلال فهو مبني على صغرى مسلّمة وكبرى قرآنية.
أمّا الصغرى: هؤلاء كانوا ظالمين مشركين.
أمّا الكبرى: والظالمون لا تنالهم الإمامة.
فينتج: أنّ هؤلاء لا تنالهم الإمامة.
وإنّما يصحّ وصفهم بعنوان الظالمين عند التصدّي إذا قلنا بوضع المشتق للأعم بحيث يصدق على المتلبّس بالمبدأ والمنقضي عنه حتّى يصحّ عدّهم من الظالمين حين تصدّوا للخلافة وقد انقضى المبدأ، ولو قلنا بوضع المشتق على المتلبّس تبقى الكبرى بلا صغرى، إذ لا يصحّ أن يقال: هؤلاء كانوا ظالمين عند التصدي، بل يجب أن يقال: كانوا ظالمين قبل التصدّي، وأمّا بعده فقد صاروا موحّدين.
يلاحظ عليه: بأنّ استدلال الإمام (عليه السلام)ليس مبنياً على أنّ المشتق حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ، وإلاّ كان للمخالف أن يرد على الإمام بأنّ الاستدلال بالآية على عدم صلاحية الخلفاء مبني على ما ذُكر ولكن المشتق حقيقة في المتلبّس، ولم يكونوا عند التصدي متلبّسين بالظلم وعندئذ لا يتم الاستدلال.
بل الاستدلال كان مبنياً على أمر آخر سواء أكان المشتق حقيقة في المتلبّس أو لا. وهو مناسبة الحكم والموضوع الّتي تدفعنا إلى اشتراط كون الإمام غير مشرك طول عمره من لدن بلوغه إلى موته، وذلك لأنّ الإمامة كالنبوة منصب إلهي يجب أن يتنزه المتصدي لها عن المنفِّرات والمبعدات لكي يرغب الناس في إمامته وتخضع له القلوب والأعناق ولا تتحقّق تلك الأُمنية إلاّ بنقاوة صحيفة حياته عن الأعمال القبيحة المنفرّة. ومن المعلوم أنّ

صفحه 274
عبادة الصنم مدة طويلة والانغمار في عبادته ممّا يوجب تنفر الناس عن العابد وإن أسلم ووحّد، وبما أنّ هؤلاء كانوا في فترة من أعمارهم ظالمين مشركين فهذا كاف، لأنّ يكون سبباً في حرمانهم من هذا المنصب الإلهي.
وهناك وجه آخر للاستدلال بالآية مع غض النظر عن وضع المشتق ذكره السيد الطباطبائي ناقلاً له عن بعض مشايخه، وهو أنّ الناس حسب التقسيم العقلي على أربعة أقسام:
أ. من كان ظالماً في جميع عمره.
ب. من لم يكن ظالماً طيلة عمره.
ج. من كان ظالماً في مقتبل عمره وتائباً في أواخره حين التصدّي.
د. من لم يقترف الشرك في أوائل عمره واقترفه في أواخره حين التصدي.
فيجب إمعان النظر في تحديد من عناه إبراهيم الخليل. والعقل يحكم بأنّ إبراهيم (عليه السلام)أجل شأناً من أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل والرابع من ذريته، فيبقى القسمان الآخران، وقد نفى الله أحدهما أي من كان ظالماً في مقتبل عمره وغير ظالم حين التصدي، وبقي الآخر وهو الّذي يكون غير ظالم في جميع عمره.1
ثمرة البحث في كون المشتق موضوعاً لخصوص المتلبّس أو الأعم   

1 . الميزان في تفسير القرآن: 1 / 277، في تفسير آية الابتلاء.

صفحه 275
 
خاتمة المطاف

في ثمرات البحث

تظهر الثمرة بين كون المشتق موضوعاً لخصوص المتلبّس أو الأعم في الموارد التالية ـ ويجمع الكل كون المشتق موضوعاً للحكم ـ :
1. قال رجل لعلي بن الحسين (عليهما السلام) : أين يتوضّأ الغرباء؟ قال: «تتّقي شطوط الأنهار، والطرق النافذة وتحت الأشجار المثمرة...».1 فعلى التلبّس يختصّ الحكم بما إذا كان مثمراً ولو بالقوّة، بخلاف القول بالأعم، فيشمل حتى الشجرة المتوقّفة الساقطة عن التوريق والأثمار.
2. قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود، وولد الزنا، والأعرابي لا يؤم المهاجرين».2 والثمرة واضحة على القولين.
3. عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة إذا ماتت وليس معها امرأة تغسلها، قال: «يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها إلى المرافق».3 فلو قلنا بكون المشتق حقيقة في المنقضي فللزوج المطلّق لها، التغسيل عند فقد المماثل.

1 . الوسائل: 1، الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث1.
2 . الوسائل: 5، الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث6.
3 . الوسائل: 2، الباب 24 من أبواب غسل الميت، الحديث8.

صفحه 276
4. وربّما يمثل بالماء المشمَّس أو المسخَّن، ولكن الوارد في لسان الأدلّة، التعبير عنه بصيغة الفعل لا بصيغة المشتق، فقد ورد عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الماء الذي تسخّنه الشمس لا تتوضّأوا به ولا تغسلوا ولا تعجنوا به فانّه يورث البرص».1
   
 
مسائل في المشتق

المسألة الأُولى:

خروج الذات عن مفهوم المشتق

هل المشتق في مفهومه الابتدائي يدل على الذات أو لا ؟
فالمحور في هذه المسألة هو التركيز على دخول الذات في المشتق وعدمه، بخلاف المسألة الآتية فالتركيز فيها على بيان الفرق بين المبدأ والمشتق، فهاهنا مسألتان لا واحدة.
إذا علمت ذلك ففي المسألة احتمالات أو أقوال:
1. إنّ الذات خارجة عن المشتق ابتداء وانتهاءً، فلا يدل على الذات لا بمفهومه الابتدائي ولا بمفهومه الانحلالي، وهو قول الشريف على ما في تعليقاته على «شرح المطالع»2، وأساس هذا النظر هو ما يأتي في المسألة

1 . الوسائل: 1، الباب 6 من أبواب الماء المضاف، الحديث2.
2 . شرح المطالع: 11 .

صفحه 277
الثانية من أنّ المفهوم من ا لمشتق نفس المفهوم من المبدأ والفرق بينهما هو أنّ الأوّل أخِذ، لا بشرط، والثاني بشرط لا .
2. انّ المشتق مشتمل على الذات والمبدأ والنسبة ابتداء وانتهاء، وهذا القول يقابل القول الأوّل تماماً.
3. المشتق غير مشتمل على الذات ابتداء، ولكنّه مشتمل عليها انتهاءً، أي لا يدل بمفهومه الابتدائي على الذات وإنّما يدلّ عليها عند التحليل ومفهومه الانتهائي، وهذا القول هو خيرة المحقّق الاصفهاني والسيد الأُستاذ وهو المختار.
وحاصله: أنّ المشتق بسيط لفظاً ودلالة ومدلولاً، يعني أنّه لفظ واحد لا كثير، وله دلالة واحدة لا دلالات، ومدلول واحد لا مدلولات، في مقابل القول الثاني الّذي يعتقد بالتعدّد في المراحل الثلاثة.
توضيحه: أنّ العقل ربّما يدرك الذات بلا عنوان كالاعلام، وأُخرى يدرك العنوان بلا ذات كالمصادر، وربما يدركهما معاً، وللأخير قسمان:
الأوّل: أن يدرك الذات والعنوان والنسبة على وجه التفصيل، بحيث يتعلّق بكل منها إدراك مستقل فيقال: زيد موصوف بالكتابة أو بالعلم.
الثاني: أن يدرك الذات والعنوان والنسبة دركاً وحدانياً ولكنّه عند التحليل يرجع إلى الأُمور الثلاثة، وهذا هو شأن المشتق فهو غير الذات وغير العنوان وغير النسبة، بل عصارة من الأُمور الثلاثة نعبر عنه بالمعنون، الّذي هو بسيط ابتداءً ومركب تحليلاً.
والدليل على ذلك هو التبادر والوجدان. فإنّ الكاتب والضارب يدلان

صفحه 278
على معنى واحد لا كثير، ولكن له إمكانية التحلل إلى الكثير فهو من مقولة «الوحدة في الكثرة».
فمن قال بالبساطة وأراد ما ذكرنا من البساطة في المفهوم الابتدائي فهو صحيح، ومن قال بالتركيب وأراد التركيب عند التحليل فهو صحيح أيضاً.
وأمّا من قال بالبساطة حتّى في مرحلة التحليل، أو قال بالتركيب في مرحلة الابتداء، فقد نازع وجدانه.
إلى هنا تم بيان ما هو المختار، وإليك دراسة القول الأوّل الّذي هو خيرة الشريف الجرجاني.

استدلال الشريف على بساطة المشتق

استدلّ على خروج الذات عن مدلول المشتق بالقضية المنفصلة وقال: لو قلنا بدخول الذات في المشتق يلزم أحدُ محذورين:
أ. دخول العرض العام في الفصل، إذا كان المأخوذ فيه مفهوم الشيء كما في قولنا: «الإنسان ناطق».
ب. انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية، إذا كان المأخوذ مصداق الشيء كما في قولنا «الإنسان كاتب».
فدخول الشيء في مفهوم الناطق يستلزم دخول العرض العام في الفصل، كما أنّ دخول الإنسان في المثال الثاني يوجب انقلاب القضية من الممكنة إلى الضرورية، لأنّ معنى قولنا: «الإنسان كاتب» هو: «الإنسان، إنسان

صفحه 279
كاتب»، وثبوت الإنسانية للإنسان بالضرورة.
وقد أُجيب عن الشق الأوّل بوجوه:
1. ما أفاده صاحب الفصول من أن أخذ الناطق فصلاً مبني على تجريده عن مفهوم الشيء.
2. ما أجاب به المحقّق الخراساني من أنّ الناطق ليس فصلاً حقيقياً بل من أظهر خواص الإنسان، ولذا ربّما يجعلون لازمين وخاصتين مكان فصل واحد، فيعرّفون الحيوان بأنّه حساس متحرك بالإرادة، مع أنّ الشيء الواحد لا يكون له إلاّ فصل واحد.
والوجه في عدم كون الناطق فصلاً حقيقياً، هو أنّ المبدأ للناطق لو كان هو النطق بمعنى التكلم فهو كيف محسوس، وإن كان بمعنى التفكر ودرك الكليات فهو كيف نفساني على القول بأن العلم من مقولة الكيف.
3. انّ الفصل الحقيقي للإنسان هو النفس، غير أنّ الناطق عنوان وصفي لهذا الفصل الحقيقي ومن أظهر خواصه، فلما كانت حقيقة الفصل مجهولة لنا، أُشير إلى توضيحه بالعنوان الوصفي كما لا يخفى .
والجواب الثالث هو الحق وبه يكتمل الجواب الثاني، وأمّا الجواب الأوّل فهو غير صحيح، لأنّ المنطقيين جعلوا الناطق فصلاً للإنسان بما له من المعنى من دون تجريد .
وأمّا الشق الثاني من استدلاله فهو غير صحيح، لأنّ المحمول ليس مصداق الشيء، أعني: الإنسان بما هو هو، بل المحمول هو الإنسان المقيّد بالكتابة. ومن المعلوم أنّ ثبوته للموضوع ليس بالضرورة بل بالإمكان .

صفحه 280
وحصيلة الكلام: أنّه ليس هناك إخباران أحدهما (الإنسان إنسان) والآخر (الإنسان كاتب أو له الكتابة) حتّى تكون القضية الأُولى ضرورية، بل هنا إخبار واحد وهو الإنسان المقيّد بالكتابة، وثبوت هذا المحمول للموضوع بالإمكان، لأنّ النتيجة تابعة لأخس الجزأين.
إلى هنا تبيّن ما هو الحق. ثم إنّ صاحب الكفاية نقل عن صاحب الفصول أنّه تنظّر فيما ذكره، فنقله ثم رد على ما تنظر فيه، ولسنا بحاجة إلى نقل ما دار بينهما من الكلام، بعد تبيّن الحق.
مع أنّ ما نسبه صاحب الكفاية إلى صاحب الفصول ليس موافقاً لما في نفس الفصول وبالتالي يكون ردّه واقعاً في غير مورده. وقد أوضحنا حال هذه الأُمور في الدورات السابقة 1، فلننتقل إلى المسألة الثانية.
 
المسألة الثانية:

في الفرق بين المبدأ والمشتق

هذه هي المسألة الثانية الّتي أوعزنا إليها في صدر المسألة الأُولى، ويحتاج إلى عقد هذه المسألة من قال: بأنّ المشتق بسيط ابتداءً وتحليلاً، وانّ المفهوم من أحدهما نفس المفهوم من الآخر، كما عليه السيد الشريف. فيستدعي البحث في الفرق بينهما.
وأمّا من قال بتركب المشتق ابتداء ونهاية أو قال ببساطته ابتداءً وتركّبه

1 . لاحظ المحصول: 1 / 274 .

صفحه 281
تحليلاً فهو في غنى عن عقد هذه المسألة لمّا تبيّن الفرق بين المبدأ والمشتق على هذين المنهجين. وعلى ضوء ذلك فهذا البحث على المختار بحث فرضي لا واقعي.
إذا عرفت ذلك فنقول: ذهب الشريف إلى أنّ الفرق بينهما هو نفس الفرق بين الجنس والمادة والفصل والصورة، فكما أنّ الفرق بين الجنس والمادة بكون الأوّل لا بشرط والثاني بشرط لا، فهكذا الفرق بين المشتق والمبدأ، فالأوّل منهما مأخوذ لا بشرط والآخر بشرط لا، ونظير ذلك الفصل والصورة، فالناطق المأخوذ لا بشرط فصل، والمأخوذ بشرط لا صورة.
هذا هو خلاصة مقالة الشريف، وهنا يقع البحث في مقامين:
الأوّل: الكلام في المشَّبه به، أي الفرق بين الجنس والمادة، أو الفصل والصورة، اللابشرطية والبشرط لائية .
الثاني: الكلام في المشبه أي الفرق بين المشتق والمبدأ بهذا المعنى.
أمّا المقام الأوّل: فنقول إنَّ أهل المعقول يستعملون اللابشرط وبشرط لا، في موردين:
1. في باب عوارض الماهية فتلاحظ بما أنّها ماهية تامّة ، كالرقبة الّتي أُريد بها الإنسان حيث إنّها تلاحظ بالنسبة إلى الإيمان على وجوه ثلاثة: فيقال اعتق رقبة مؤمنة، أو يقال: اعتق رقبة غير مؤمنة أو يقال: اعتق رقبة. ففي هذا الصدد يقول المحقق السبزواري:
مخلوطة مطلقة مجرّدة *** عند اعتبارات عليها موردة
ففي هذه المرحلة يلاحظ مفهوم تام من جميع الجهات بالنسبة إلى

صفحه 282
عارض من عوارضه، والعارض خارج عن حقيقة الموضوع وماهيته، ولأجل ذلك لا تنثلم الوحدة المفهومية بهذه الاعتبارات. وهذا القسم خارج عن محط البحث في المقام ولا صلة له بما ذكره أهل المعقول في الفرق بين الجنس والمادة والفصل والصورة.
2. لحاظ الماهية بالنسبة إلى أجزائها الحملية كالحيوان والناطق الّذي تارة يقبلان الحمل على الإنسان فيسمّيان بالجنس والفصل، وأُخرى يستعصيان عن الحمل ولا يجريان على النوع فيسمّيان بالمادة والصورة.
فهذا هو الّذي نشرحه في المقام كي يتبيّن الفرق بين الجنس والمادة والفصل والصورة، حيث نرى أنّهم يصفون شيئاً واحداً كالحيوان تارة بأنّه جنس قابل للحمل على النوع، وأُخرى بأنّه مادة وجزء للإنسان فلا يحمل على الكل، إذ عندئذ يقع السؤال كيف يكون شيء واحد قابلاً للحمل ويكون نفس الموضوع فيقال الإنسان حيوان، وأُخرى غير قابل للحمل وجزء الموضوع؟ فنقول:
إذا لوحظ الحيوان بما أنّه مفهوم مبهم واقع في صراط التكامل قابلٌ لأن يتحصّل بأحد الفصول فعندئذ يُصبح (لا بشرط) لأجل أخذه مبهماً، وقابلاً للحمل لأجل عدم تحصّله، فإذا قيس الحيوان إلى الإنسان يكون نفس الإنسان، فإذا قيل «الإنسان حيوان» يريد الهوهوية حيث إنّه في صراط التكامل يكون نفس الإنسان لا جزءاً منه.1

1 . يقول الحكيم السبزواري:
ابهام جنس حسب الكون خذا *** إذ إنّه الدائر بين ذا وذا

صفحه 283
وأمّا إذا لوحظ الحيوان بما أنّه مفهوم واضح غير مبهم، متحصّل ومكتمل بنفسه فعندئذ يصبح (بشرط لا) لفرط ظهوره ولا يقبل الحمل لأجل اكتماله، فعندئذ إذا قيس إلى الإنسان لا يكون نفس الإنسان، بل يكون جزء منه والجزء الآخر هو النفس.
ولك أن تستعين بهذا البيان في الفرق بين الفصل والصورة، فالمأخوذ (لا بشرط) يكون قابلاً للحمل ويكون نفس الإنسان ويسمّى فصلاً محصِّلاً للجنس ، بخلاف المأخوذ (بشرط لا) فيكون مفهوماً مستقلاً غير قابل للحمل. ويكون جزء الإنسان .
وبذلك يتضح الفرق بين الموردين حيث إنّ اللابشرطية والبشرط لائية، في المورد الأوّل كانا خارجين عن صميم الموضوع (الرقبة) بل عارضين عليه، وهذا كالإيمان والكفر بالنسبة إلى الرقبة، ولأجل ذلك لا تنثلم الوحدة المفهومية في الموضوع بهذين العارضين، فهناك مفهوم واحد يعرض عليه هذان اللحاظان. بخلاف المورد الثاني فاللحاظان داخلان في صميم المفهوم، فالحيوان المأخوذ لا بشرط يحمل على الإنسان، كما أنّ الحيوان المأخوذ بشرط لا غير قابل للحمل، فالحيوان بهذين اللحاظين يصبح مفهومين مختلفين أحدهما لا يمتنع عن الحمل والآخر يعصي عنه، ففي المورد الأوّل (الرقبة) هو مفهوم واحد ملحوظ بلحاظين، وفي المورد الثاني مفهومان مختلفان متعدّدان يكون أحدهما في صميم الذات لا بشرط والآخر بشرط لا .
ولأجل هذا يسمّى الجنس والفصل أجزاء حملية، وأمّا الصورة والمادة

صفحه 284
تسمّى أجزاء حدّية.
هذا هو ما يرومه أهل المعقول في التفريق بين هذه المفاهيم الأربعة، وقد عرفت أنّ هذا المصطلح له موردان.
ثم إنّ صاحب الفصول لمّا لم يفرّق بين المصطلحين اعترض على أهل المعقول بهذا الفرق وهو انّ اللحاظ لا يصيّر ما ليس قابلاً للحمل قابلاً له، وإليك نص كلامه:
قال: إنّ أخذ العرض «لا بشرط» لا يُصّحح حمله على موضوعه، فإذا قلنا: زيد عالم، أو متحرك، يمتنع حمل العلم والحركة عليه وإن اعتبر لا بشرط، بل مصحّح الحمل أنّ مفاد المشتق باعتبار هيئته مفاد «ذو هو» فلا فرق بين قولنا: «ذو بياض» وقولنا: «ذو مال»، فكما أنّ المال إن اعتبر لا بشرط لا يصحّ حمله على صاحبه، فكذلك البياض، ومجرّد استقلال أحدهما (المال) بالوجود دون الآخر (البياض) لا يجدي فرقاً في المقام، فالحقّ أنّ الفرق بين المشتق ومبدئه هو الفرق بين الشيء وذي الشيء، فمدلول المشتق أمر اعتباري منتزع من الذات لملاحظة قيام المبدأ بها.1
وجه الاشكال: أنّه خلط بين المقامين وزعم أنّ لحاظ أجزاء الماهية كلحاظ عوارضها وطوارئها، وما مَثّل به من الأمثلة كالعلم والكتابة فهما من عوارض الماهية، فلا يقبلان الحمل على الموضوع وإن لوحظت (لا بشرط) ألف مرّة، وهذا بخلاف الحيوان فإنّ اللابشرطية أو بشرط اللائية داخلان في صميم المفهوم، فتجعله تارة مفهوماً صالحاً للحمل لأجل إبهامه وانغماره

1 . الفصول: 62 .

صفحه 285
ووقوعه في صراط التكامل، وأُخرى مفهوماً واضحاً متحصلاً متعيناً غير قابل للحمل بل يقع جزءاً للمحدود لا نفسه، وللشيخ الرئيس هنا كلام في إيضاح معنى اللابشرطية وبشرط اللائية نقله الحكيم السبزواري في شرح المنظومة، وإليك نصَّه:
إنّ الماهية (الحيوان) قد تؤخذ بشرط لا، بأن يتصوّر معناها بشرط أن يكون ذلك المعنى وحده بحيث يكون كلّ ما يقارنه زائداً عليه، فيكون جزءاً لذلك المجموع ومادة له، فيمتنع حمله على المجموع (الإنسان) لانتفاء شرط الحمل. وقد تؤخذ لا بشرط، بأن يتصوّر معناها مع تجويز كونه وحده، وكونه لا وحده، بأن يقترن مع شيء آخر فيحمل على المجموع، والماهية المأخوذة كذلك قد تكون غير محصلة بنفسها في الواقع، بل تكون أمراً محتملاً للمقولية على الشيء مختلفة الماهيات (كما هو شأن الجنس)، وإنّما يتحصّل بما ينضاف إليها فيتخصص به ويصير بعينها أحد تلك الأشياء فيكون جنساً والمنضاف إليه الذي قومه وجعله أحد تلك الأشياء فصلاً.1
وممّا ذكرنا يُعلم مضمون الجملة المعروفة بين أهل المعقول حيث قالوا: إنّ الجنس والفصل من أجزاء الحد لا من أجزاء المحدود أي الإنسان، ومعنى الجملة أنّ الحيوان والناطق إذا لوحظا جنساً وفصلاً للمحدود، يصبح كل منهما نفس الإنسان لا جزئه، ولو وصفا بالجزئية فإنّما هو باعتبار كونهما من أجزاء الحد، لا من أجزاء المحدود ـ أي الإنسان ـ لما عرفت من أنّهما في هذا اللحاظ عين المحدود ونفسه.

1 . المنظومة: قسم الحكمة: 91. نقلاً عن الشيخ الرئيس.

صفحه 286
نعم لو لوحظا بما أنّهما مادة وصورة ففي هذه الحالة يكون كلّ جزءاً للمحدود فيكون الحيوان جزءً لماهية الإنسان فيمتنع الحمل، كما يكون الناطق جزءاً له فيمتنع الحمل فيطلق عليهما المادة والصورة (الذهنيتان) مكان الجنس والفصل.

المقام الثاني : في المشبَّه

قد عرفت أنّ الشريف ومن نهج منهجه يشبهون المبدأ والمشتق بالجنس والمادة أو بالفصل والصورة وقبل الخوض في دراسة دلائلهم على مقالتهم نذكر نكتة مفادها أنّ التشبيه مهما صحّ فليس بصحيح من جانب واحد، وذلك لأن دخول العنوانين في مفهوم الجنس والمادة، لا يجعلهما مفهومين متغايرين، فالحيوان بما هو جنس، نفس الحيوان بما هو مادة، وإنّما يتفاوتان بالإبهام والوضوح، حيث إنّ الجنس لإبهامه، قابل لأن يكون أحد الأنواع، ولذلك يحمل على النوع ويقال: الإنسان حيوان، بخلاف المادة فإنّها بتمامية مفهومها، غير قابلة للحمل، وهذا بخلاف المشتق والمبدأ، فالمتبادر من الأوّل هو المعنون ومن الآخر العنوان، فهما مفهومان متغايران بالبداهة، بلا حاجة إلى اللحاظ فتشبيه المشتق والمبدأ بالجنس والمادة، تشبيه مع الفارق.

أدلة القول بالتنزيل

إلى هنا تم تحقيق القول في هذا التشبيه، بقي الكلام في أدلة القول بأنّ الفرق بين المبدأ والمشتق هو أن الأوّل «بشرط لا» والآخر «لا بشرط». ولهم في تبيين ذلك وجوه أربعة يرجع بعضها إلى المحقق الدواني، وإليك بيانها:

صفحه 287
الأوّل: ما ذكره أهل المعقول في الفرق بين العرض والعرضي، أنّ العرض تارة يلاحظ بما هو هو وانّه موجود في قبال موضوعه فهو بهذا اللحاظ بياض ولا يصحّ حمله على موضوعه مثل الجسم، كيف والمفروض أنّه لوحظ بنحو المبائنة مع الموضوع، والحمل هو الاتحاد في الوجود.
وأُخرى يلاحظ بما أنّه ظهور لموضوعه وطور لوجوده وشأن من شؤونه،وظهور الشيء وطوره وشأنه لا يباينه فيصحّ حمله عليه، إذ المفروض انّ هذه المرتبة من مراتب وجود الشيء، والحمل هو الاتحاد في الوجود.
وبعبارة أُخرى: انّ واقع البياض يطرد العدم من جانب ماهيته أوّلاً، فيكون اللابياض بياضاً، ومن جانب موضوعه ثانياً فيكون اللا أبيض، أبيض، فبما أنّه يطرد العدم عن جانب ماهيته يقال له البياض، وبما انّه يطرد العدم عن جانب موضوعه، يقال له: الأبيض.
وهكذا الضرب بما أنّه يطرد العدم عن ماهيته، يطلق عليه الضرب، وبما أنّه يطرد العدم عن جانب موضوعه يطلق عليه الضارب.
فتحصّل من ذلك أنّ للبياض والأبيض مفهوماً واحداً، يختلفان بالاعتبار، فوزان الضرب وزان البياض، ووزان الضارب كوزان الأبيض.
وهذا التقرير، بيان جديد لكون الفرق بين المبدأ والمشتق بشرط لا ولا بشرط.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الحكماء في الفرق بين العرض والعرضي هو بحث عن واقع العرض والعرضي في عالم الكون، وأمّا أن الألفاظ هل

صفحه 288
وضعت لهذا المعنى الدقيق الّذي يدركه الحكماء، فلا، إذ لا صلة بذلك، فتفسير الألفاظ بهذا البحث أمر غير صحيح، فإنّ معاني الألفاظ إنّما تؤخذ بالإمعان فيما يتبادر منها عند أهل اللسان لا ممّا حقّقه الحكماء عند دراسة صحيفة الكون الذي لا صلة له بعالم الألفاظ، فإنّ ما ذكروه في الفرق بين العرض والعرضي يرجع إلى دراستهم صحيفة الكون، يقول الحكيم السبزواري:
وعرضيّ الشيء غير العرض *** ذا كالبياض ذاك مثل الأبيض
الثاني: ما نقله الحكيم السبزواري في تعاليقه على الأسفار من أنّا إذا رأينا شيئاً أبيض، فالمرئي بالذات هو البياض، ونحن قبل ملاحظة أنّ البياض عرض، والعرض لا يوجد قائماً بنفسه، نحكم بأنّه بياض وأبيض، ولولا الاتّحاد بالذات بين البياض والأبيض وخروج الذات عن الثاني لما حكم العقل بذلك في هذه المرتبة، ولم يجوِّز قبل ملاحظة هذه المقدمات، كونه أبيض، لكن الأمر بخلاف ذلك.
يلاحظ عليه: بأنّا وإن نحكم عند رؤية البياض ـ قبل ملاحظة أنّه عرض وانّ العرض لا يوجد قائماً بنفسه ـ بأنّه أبيض، و الملاحظة التفصيلية وإن كانت غير موجودة عند الرؤية، لكن الملاحظة الإجمالية موجودة ارتكازاً، لأنّ الإنسان طيلة حياته يشاهد أنّ البياض لا يوجد إلاّ مع موضوعه، فهو مع هذا العلم الموجود في خزانة ذهنه إذا رأى البياض، وحمل عليه الأبيض، فإنّما حمل على البياض الذي لا يفارق الموضوع، فلا يدلّ ذاك الحمل على خروج الذات والنسبة عن مفهومه.

صفحه 289
الثالث: أنّ المعلّم الأوّل ومترجمي كلامه عبّروا عن المقولات بالمشتقات، ومثلوا لها بها فعبّروا عن الكيف بالمتكيّف ومثّلوا لها بالحار والبارد، فلولا الاتحاد بالذات لم يصحّ ذلك التعبير والتمثيل إلاّ بالتكلّف، بأن يقال: ذكر المشتقات لتضمنها مبادئها.1
يلاحظ عليه: بأنّه لا حجّية لكلام أرسطو ومترجمي كلامه.
الرابع: نقل عن بهمنيار تلميذ الشيخ الرئيس أنّه قال: إنّ الحرارة لو كانت قائمة بذاتها، لكانت حرارة وحارة.2
يلاحظ عليه: بأنّ مثله قد نقل عن تلميذ الشيخ الرئيس، إذ هو قضية شرطية لا تثبت بها اللغة.
 
المسألة الثالثة:

في ملاك الحمل

قد اشتهر بينهم أنّ ملاك الحمل أمران:
المغايرة من جهة والاتحاد من جهة أُخرى، والمغايرة إمّا أن تكون بالاعتبار كما في قولنا: «زيد زيد» فالأوّل منهما يغاير الثاني اعتباراً، حيث يحتمل فيه في بادئ النظر، جواز سلب الشيء عن نفسه فيردّه بقوله «زيد»، أو بالإجمال والتفصيل كما في قولنا: «الإنسان حيوان ناطق»، أو بالمفهوم كما

1 . الأسفار: 1 / 42.
2 . نهاية الدراية: 1 / 94.

صفحه 290
في الحمل الشائع الصناعي نحو «زيد قائم».
وهذا هو حال التغاير، وأمّا الاتحاد فالمثالان الأوّلان يتّحد الموضوع فيهما مع المحمول في المفهوم كما أنّهما في المثال الثالث يتّحدان مصداقاً.
هذا هو المعروف بين المنطقيين، واختاره المحقّق الخراساني، وقال: ملاك الحمل هو الهوهوية والاتحاد من وجه والمغايرة من وجه آخر كما يكون بين المشتقات والذوات .1
يلاحظ عليه: أنّ في هذا الكلام خلطاً بين كون الشيء ملاكاً للصحة وكونه ملاكاً للجدوى، فملاك الأوّل هو الهوهوية فقط، وملاك الثاني هو التغاير بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة، إذ لولا التغاير لكان الحمل لغواً.
 
المسألة الرابعة:

في مغايرة المبدأ للذات

قد مرّ أنّه يشترط في صحة الحمل أو في كونه مفيداً ـ على ما عرفت ـ مغايرة المحمول مع الموضوع بأحد أنواع التغاير الثلاثة، والوحدة مصداقاً وخارجاً.
ولمّا كان هناك مظنةُ سؤال وهو أنّ القول بشرطية تغاير المحمول مع الموضوع لا ينسجم مع عقيدة الإمامية حيث ذهبوا إلى أنّ صفاته سبحانه

1 . كفاية الأُصول: 1 / 84 .

صفحه 291
قديمةٌ وعين ذاته، في مقابل الكرّاميّة الذين قالوا بحدوث صفاته، والأشاعرة الذين قالوا بقدم صفاته مع كونها زائدة على الذات .
فأجاب عنه المحقّق الخراساني: بأنّ القول بالتغاير لا ينافي القول بعينية صفاته مع الذات، لأنّ التغاير في المفهوم لا ينافي عينية صفاته مع الذات خارجاً.
ثم ردّ على صاحب الفصول، حيث ذهب إلى أنّ حمل صفاته سبحانه عليه لا يصحّ إلاّ بالنقل أو التجوّز، لأنّ المتبادر من الصفات هو مغايرة المبدأ مع الذات وزيادته عليها فلا يمكن إجراؤها عليه سبحانه بهذا العنوان، فلابد في الجري من النقل إلى معنى آخر، أو كون استعماله فيه سبحانه مجازاً. فقال في ردّه: بأنّ المغايرة في المفهوم لا تنافي العينية الخارجية فلا حاجة في جري صفاته عليه إلى ما ذكر.
يلاحظ عليه: بأنّ المحقّق الخراساني لم يقف على مغزى ما رامه صاحب الفصول فلذلك اعترض عليه بما عرفت، وذلك أنّه لو كان محور الإشكال توهم التضاد بين شرطية التغاير في صحة الحمل، وعينية صفاته مع ذاته، لكان لما أجاب به مجال، لأنّ مصب التغاير غير مصب الوحدة.
وأمّا لو كان محور الإشكال هو أنّ المتبادر من المشتق هو زيادة العنوان على الذات وإن كان بينهما نوع اتحاد ، فالمتبادر من قولنا: «عالم» هو ذات له العلم، وهذا لا يتفق مع ما عليه الإمامية من عينية الصفات مع الذات.
وبعبارة أُخرى: إذا كان المتبادر من الصفات كالعالم والقادر هو المعنون بما هو معنون يلزم عدم صحة إجراء الصفات الثبوتية عليه تعالى،

صفحه 292
لأنّ مقتضى المحمول في قولنا: «الله عالم» هو زيادة العنوان على المعنون مع أنّ العقيدة على خلافها .
فلو كان محور البحث هو هذا لأصبح كلام المحقّق الخراساني في «أنّ صفاته وإن كانت عين ذاته خارجاً لكنّها غيرها مفهوماً» أمراً لا صلة له بالإشكال.
نعم ما أجاب به صاحب الفصول فراراً عن الإشكال وإن كان مرتبطاً بالمقام لكنّه غير صحيح، لأنّا نُجري تلك الصفات على الله سبحانه كجريها على غيره من دون تجوّز ولا نقل، فيجب حل الإشكال بوجه آخر، بأن نقول:
إنّ المتبادر من المشتق هو المعنون، والذات المتلبّسة بالمبدأ، وظاهره زيادة العنوان على الذات، ونحن نجري أوصافه سبحانه عليه بهذا المعنى، ونستعملها في المعنى المتبادر عرفاً بالإرادة الاستعمالية غير أنّ البرهان قام على عينية صفاته مع ذاته، فتُرفع اليد عن هذا الظهور بالدليل العقلي، فالمراد الجدّي عند من قام الدليل عنده على العينية، غير المراد الاستعمالي الّذي يشترك فيه العالم والجاهل والفيلسوف والمتكلّم.
وقيام البرهان على الوحدة لا يكون سبباً لتغيير اللغة والمتبادر العرفي، غاية الأمر أنّ الأكثرية الساحقة من الناس لا يلتفتون إلى هذه الدقائق، فيستعملون اللفظ فيه سبحانه على النحو الّذي يستعملونه في غيره ولا يرون الزيادة مخلّة بالتوحيد.
فمن الواضح أنّ هنا مقامين:
الأوّل: اللغة، والظهور، والتبادر.

صفحه 293
الثاني: العقيدة، والبرهان، والاستدلال.
وليس من شأن العقيدة تفسير اللغة والمتبادر العرفي، كما أنّه ليس للظواهر أن تصادم البراهين العقلية، فلكلّ طريقه ومجراه.
 
المسألة الخامسة:

في قيام المبدأ بالذات

كان البحث في المسألة السابقة في مغايرة المبدأ للذات، وقد علمت أنّ مفاد المشتق هو المغايرة، وأنّ عدم المغايرة في مورد خاص لا يكون دليلاً على خلاف ذلك.
وأمّا الكلام في هذه المسألة فهو في قيام المبدأ بالذات، وكان على المحقّق الخراساني أن يُدغِم هذه المسألة في المسألة السابقة، كما أنّه كان في إمكانه أن يدغم المسألة السادسة فيها ويجعل الجميع مسألة واحدة.
وعلى كل تقدير ففي هذه المسألة أقوال:
الأوّل: ما عليه الأشاعرة من اشتراط قيام المبدأ بالموضوع قياماً حلولياً، وبذلك ردوا على المعتزلة التي فسرت كونه سبحانه متكلّماً بخلقه الحروف والأصوات في الشجر والجبل، وذهبوا إلى أنّ حقيقة كونه متكلّماً وجود الكلام النفسي في ذاته وقيامه به قياماً حلولياً فأوردوا المفاهيم في ذاته سبحانه، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
الثاني: عدم اشتراط القيام بالموضوع، بشهادة أنّ المؤلم يطلق على

صفحه 294
المعذِّب مع أنّ الاسم قائم بالمؤُلّم لا بالفاعل.
الثالث: ما اختاره صاحب الفصول من شرطية قيام المبدأ بالذات إمّا بالحلول كما في «زيد عالم»، أو بالصدور كما في «زيد ضارب» أو «زيد مُولم» أو بغير هذا النحو من القيام بالوقوع عليه كما في المفعول به ، أو بالوقوع فيه كما في «مقتل الحسين» زماناً ومكاناً.
وإنّما استثنى من شرطية القيام مورداً واحداً وهو ما إذا كان المبدأ ذاتاً لا وصفاً ومثل له بمثالين:
أ. صفاته سبحانه بالنسبة إلى ذاته إذ هي ليس من مقولة الأعراض إلى الموضوع.
ب. اللابن والتامر، إذ ليس المبدأ ـ أعني: اللبن والتمر ـ قائماً بالبائع.
الرابع: ما اختاره المحقّق الخراساني من لزوم قيام المبدأ بالذات في عامة الموارد، غير أنّه يختلف القيام حسب موارده حتّى في ما استثناه صاحب الفصول من صفاته سبحانه، وذلك أنّ صفاته سبحانه الجارية عليه تعالى يكون المبدأ فيها مغايراً له مفهوماً ولكن قائماً به عيناً بنحو من القيام، لا بأن تكون هناك اثنينية وكان ما بحذائه غير الذات، بل بنحو الاتحاد والعينية وكان ما بحذائه عين الذات، وعدم الاطّلاع على مثل هذا التلبّس من الأُمور الخفية لا يضر بصدقها عليه تعالى على نحو الحقيقة إذا كان لها مفهوم صادق عليه تعالى حقيقة ولو بتأمل وتعمّل من العقل والعرف.
فإن قلت: إنّ مثل هذا القيام لا يُعد عرفاً من مصاديق القيام.
قلت: إنّ العرف مرجع في تعيين المفاهيم لا في تطبيقها على

صفحه 295
مصاديقها.1
يلاحظ عليه: أنّ ما اختاره وإن كان أفضل من الأقوال السابقة غير أنَّ في كلامه ملاحظتين:
الأُولى: أنّ العرف مرجع في كلا المقامين، بشهادة أنّ لون الدم ليس دماً عند العرف وإن كان دماً عند الدقة والتحليل المختبري. وأفتى الفقهاء على طهارة لون الدم، لأجل أنّ العرف لا يراه دماً.
الثانية: أنّ الجمع بين قيام الشيء بالشيء والوحدة ونفي الاثنينية، جمع بين الضدين، لأنّ لازم قيام شيء بشيء هو التعدّد ولازم الوحدة هو عدم القيام فكيف يجتمعان؟!
والحق أن يقال: يجب على المحقّق أن يفصّل بين مفاد الكلمة لغة وما هو مقتضى البرهان العقلي.
أمّا الأوّل: فقد مرّ أنّ المشتق يدلّ على المعنون بما هو معنون، ومقتضى ذلك أنّ هناك ذاتاً وعنواناً قائماً بها، ولا ينكره من رجع إلى وجدانه، وعلى هذا نجري الصفات على الله كجريها على غيره.
وأمّا الثاني: فمقتضى البرهان قدم صفاته لا حدوثها أولاً، وعينية صفاته مع ذاته ثانياً وإلاّ لَزَمَ التركيب في ذاته سبحانه أوّلاً، وتعدّد القدماء ثانياً، وكلاهما باطل.
فالقول الحق هو دلالة المشتق على قيام الوصف بالموضوع، ولكن

1 . كفاية الأُصول: 1 / 86 ـ 87 .

صفحه 296
هذه الدلالة مرادة بالإرادة الاستعمالية لا الإرادة الجدّية عند العارفين والعلماء المحقّقين حتّى أنّ كثيراً من الموحّدين يجرون الصفات على الله غافلين عن العينية والزيادة في الواقع.
 
المسألة السادسة:

في اشتراط التلبّس بالمبدأ

ربّما يقال بأنّ تلبّس الذات بالمبدأ ليس شرطاً في صحّة الحمل بشهادة صحة قولنا: «الميزاب جار»، مع أنّ الجريان قائم بالماء لا بالميزاب.
يلاحظ عليه: بأنّ الشرط هو التلبّس العرفي، سواء أكان حقيقياً أو تنزيلياً، فعلاقة الحال والمحل صار سبباً لوصف كلٍّ من الماء والميزاب بالجريان.
***
تمّ الكلام
في الثلاثة عشر أمراً الّتي جعلها المحقّق الخراساني
كمقدّمة لمقاصد كتابه الثمانية، وهي كالتالي:
الأوّل في الأوامر، والثاني في النواهي، والثالث في المفاهيم، والرابع في العموم والخصوص، والخامس في المطلق والمقيّد; وبهذه المقاصد الخمسة أتمّ مباحث الألفاظ، ثم شرع في الجزء الثاني بالمباحث العقلية وهي

صفحه 297
على ثلاثة مقاصد: الأوّل في الحجج والأمارات، والثاني في الأُصول العملية، والثالث في التعادل والترجيح. وختم الكتاب ببحث حول الاجتهاد والتقليد.
والآن نشرع بدراسة المقاصد الثمانية حسب ترتيب المحقّق الخراساني (قدس سره).

صفحه 298

صفحه 299
المقصد الأوّل:   
في الأوامر
وفيه فصول
الفصل الأوّل: في مادّة الأمر والبحث فيها من جهات
الفصل الثاني: فيما يتعلّق بصيغة الأمر وفيه مباحث
الفصل الثالث: في الاجزاء والبحث فيه من جهات
الفصل الرابع: في مقدمة الواجب وفيه مباحث
الفصل الخامس: في مسألة الضد وفيه جهات من البحث
الفصل السادس: في حكم الأمر مع العلم بانتفاء شرطه
الفصل السابع: في متعلّق الأوامر والنواهي
الفصل الثامن: في نسخ الوجوب وبقاء الجواز
الفصل التاسع: في الواجب التخييري
الفصل العاشر: في الوجوب الكفائي
الفصل الحادي عشر: في الواجب الموقت والموسع
الفصل الثاني عشر: في الأمر بالأمر بشيء
الفصل الثالث عشر: في الأمر بشيء مرّتين
   

صفحه 300
Website Security Test