welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2

صفحه 101
إنّ الإنسان ينتقل إلى مفهوم الزوجية الاعتبارية بين الرجل والمرأة بعد ملاحظة أمرين:
1. رؤية الأشياء في الخارج على صنفين: فرد، وزوج. أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني كالعينين والأُذنين والرجلين واليدين للإنسان، ففي الخارج أيضاً الأشجار تارة تنبت على أصل واحد فيقال لها: صنوان، وأُخرى على أصلين، إلى غير ذلك ممّا يشاهده الإنسان من الأُمور الّتي تُوصَف بالزوجية والّتي يدعم بعضها بعضاً أو يقترن به.
2. قضت الطبيعة البشرية على وجود انجذاب بين الرجل والمرأة من الناحية العاطفية والجنسية على نحو يُكمّل كلّ منهما الآخر.
فعند ملاحظة هذين الأمرين دعت المصلحة الاجتماعيّة إلى ضمّ أحدهما إلى الآخر وجعلهما زوجاً اعتبارياً على غرار الزوج التكويني، غير أنّ وجود الزوج التكويني يرجع إلى خالق العالم، وهذا يرجع إلى المعتبر، أي المقنّن والمشرّع.
إذا عرفت ذلك، فاعلم: أنّه لمّا كان اعتبار الزوجية في عالم الذهن لا يترتّب عليه الأثر المطلوب، اخترع لفظة لإنشاء ما اعتبره في الذهن في عالم القانون، كما إذا قال: زوجت المرأة المعلومة بالمرء المعلوم، فالهيئة وضعت لإيجاد ما اعتبره في الذهن في عالم الاعتبار.
وقس عليه لفظة: «بعت» الإنشائية، فالهيئة وضعت لإيجاد تمليك المبيع للمشتري والثمن للبائع ولكن بعد طيّ مقدّمات:
أ. يرى الإنسان ملكية تكوينية أو اختصاصاً تكوينيّاً بينه وبين أعضائه

صفحه 102
فيقول: سمعي وبصري وعيني، فيرى نفسه أحقّ بها من غيره.
ب. ثم إنّه يرى نفسه أحقّ بما حصّل عليه بكدّ يمينه وعرق جبينه، كما إذا ذهب إلى الغابة أو سواحل البحر فجنى بلوطاً أو اصطاد سمكاً فيرى نفسه أحق بها، فيعتبر نفسه مالكاً وما جناه بيده مملوكاً، وهذه الملكية الاعتبارية محاكاة للملكية التكوينية واستنساخ لها، ثم إنّه بعد هذين الأمرين يرى أنّه يملك السمك وفي الوقت نفسه يحتاج إلى الخبز والآخر بالعكس، فيعتبر اعتباراً ثالثاً وهو مبادلة الملكين وتمليك ما بيده للآخر وبالعكس. وبما أنّ هذا الاعتبار قائم بذهنه ولا يترتب عليه أثر يقوم بأمر رابع وهو إنشاء هذه المبادلة وإيجادها في عالم الاعتبار، فهيئة «بعت» وضعت لإيجاد ما اعتبره في الذهن، وقس على ذلك سائر الأُمور الاعتبارية، وبذلك عُلم أمران:
1. أنّ الأُمور الاعتبارية محاكاة للخارج ونوع استنساخ له، ولولا الخارج لما تمكّنت النفس من الاعتبار. مثلاً: رئاسة الدائرة أو رئاسة العشيرة أمر اعتباري ينتقل إليه الإنسان من الإمعان في وظيفة الرأس في البدن حيث إنّه يدير البدن ويجعل جميع الأجزاء في طريق تدبير واحد، فصار هذا سبباً لانتقال الإنسان إلى إعطاء حكم الرأس لرئيس الدائرة حتّى تُصب الطاقات المختلفة في الاعضاء في مصبّ واحد، ولولا مشاهدة الرأس وعمله لما تمكّن الإنسان من هذا الاعتبار.
2. أنّ الأُمور الإنشائية لا تخضع للصدق والكذب، لأنّها لا تحكي عن شيء خارجي تطابقه أو لا تطابقه، وإنّما هي بصدد الإيجاد، أي إيجاد المعنى المعتبر وإنشائه دون إخطاره والإخبار عنه، والمفروض أنّه يكفي في تحقّق

صفحه 103
الإنشاء والإيجاد نفس الاستعمال والمفروض أنّه قد تحقّق.
وأمّا احتمال كون الاستعمال عن جدّ أو عن هزل فلا يضرّ بالإنشاء بعد تطابق العقلاء على أنّ الأصل مطابقة الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية.
 
النظرية الثالثة: نظرية المبرزية
وهذه النظرية أبداها المحقّق الإيرواني في كتابه «نهاية النهاية» 1. واختاره المحقّق الخوئي في تعاليقه على «أجود التقريرات» 2، وقرّره تلميذه في «المحاضرات»، وإليك خلاصة النظرية كما في الكتاب الأخير حيث قال: إنّ الجملة الإنشائية موضوعة لإبراز أمر نفساني خاص، وكلّ متكلّم متعهّد بأنّه متى ما قصد إبراز ذلك، يتكلّم بالجملة الإنشائية. مثلاً: إذا قصد إبراز اعتبار الملكية، يتكلّم بصيغة «بعت» أو «ملكت»، وإذا قصد إبراز اعتبار الزوجية، يبرزه بقوله: «زوجت» أو «أنكحت»، وإذا قصد إبراز اعتبار كون المادة على عهدة المخاطب، يتكلّم بصيغة «إفعل» ونحوها.
فالجمل الإخبارية والإنشائية تشترك في الدلالة على الإبراز، إلاّ أنّ الأُولى مبرزةٌ لقصد الحكاية والإخبار عن الواقع ونفس الأمر، وتلك مبرزةٌ لاعتبار من الاعتبارات كالملكية والزوجية ونحوهما.
واستدلّ على ذلك بأنّ المراد من كون الإنشاء للإيجاد، إمّا الايجاد التكويني فهو بيّن البطلان، وإمّا الإيجاد الاعتباري، كإيجاد الوجوب والحرمة

1 . نهاية النهاية: 1 / 13 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 25 ـ 26 .

صفحه 104
والملكية والزوجية، فيرده أنّه يكفي في ذلك، نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلّم، فإنّ الإيجاد يتحقّق بالاعتبار النفساني، سواء أكان هناك لفّظ يتلفظ به أم لم يكن، ومن هنا يعلم أنّه لا فرق بينها وبين الجمل الاخبارية. 1
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه إذا لم يكن للجملة الإنشائية دور سوى الحكاية والإخبار عمّا في الواقع أو في الذهن تنقلب الجمل الإنشائية كلّها جملاً خبرية غير أنّ المخبر به تارة في الخارج وأُخرى في الذهن، ويترتّب عليه أمرٌ آخر وهو تطرق احتمال الصدق والكذب إلى الجمل الإنشائيّة، إذ يحتمل أنّه لم يعتبر الملكية والزوجية للشخص أو المبيع، وهذا بخلاف ما عليه المشهور من أنّه يُنشيءُ ما اعتبره في عالم الاعتبار باللفظ، وهذا أمر محقّق لا يضر احتمال عدم اعتباره في الذهن، لأنّ العبرة بالإنشاء والمنشأ لابمنابع الإنشاء ومناشئه.
في هيئة الجملة الاسمية   
وثانياً: أنّ لازم كلامه أن يكون قولنا: بعت لزيد، مرادفاً لقولنا: اعتبرت الملكية لزيد، وهو كماترى.
وثالثاً: ما ذكره من «أنّه يكفي في الايجاد الاعتباري، نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ، لغاية الايجاد» مبني على أنّ وعاء الاعتبار هو الذهن والمفروض أنّه تحقق الايجاد فيه، مع أنّ وعاء الاعتبار، غير الذهن، إذ الذهن من مراتب التكوين والاعتبار أمر لا صلة له بالتكوين، والأثر يترتب على إيجاد الموضوع في ذلك الوعاء،فلا مناص من الإيجاد باللفظ الناظر إلى الإيجاد في ذلك الوعاء فقولك: زوجت هذه بهذا، إيجاد للزوجية في عالم الاعتبار الذي يترتب الأثر عليه في ذلك الوعاء دون وعاء الذهن،

1 . المحاضرات: 1 / 94 ـ 95 .

صفحه 105
وكأنّ ما يتصوّره في الذهن كالمقدمة للايجاد في ذلك الوعاء.
وبما أنّ الأثر مترتب على الايجاد فيه لا الاعتبار النفساني مست الحاجة إلى الانشاء باللفظ.
فإن قلت: إنّ الشيء الخارج عن كلا الوعائين(الخارج والذهن) يكون أمراً موهوماً فلا يوصف بالأمر النفسي، فلا معنى للايجاد في عالم الوهم.
قلت: إنّ الاعتبار فرض من الفروض فما لا يترتّب عليه الأثر لا يعتدّ به، كأنياب أغوال، وما يترتّب عليه الأثر الاجتماعي فله أثر في المجتمع، ولأجل هذا يُعدّ اعتباره من مراتب الأمر النفسى إذ الأمر النفسي لكلّ شيء بحسبه.

الموضع التاسع: في هيئة الجملة الاسمية

المعروف بين المنطقيّين أنّ القضية تتركّب من أُمور ثلاثة: الموضوع، المحمول، والنسبة، وهي إما إيجابية أو سلبية، وعلى ذلك فالقضية مشتملة على نسبة كلامية، والدالّ عليها هيئة الجملة الاسمية. ثم إن وافقت النسبةُ الكلامية النسبةَ الخارجية فالقضية صادقة، وإلاّ فهي كاذبة.
هذا هو المشهور، وتحقيق الحق يتوقّف على البحث في موضعين:
الأوّل: اشتمال القضية الكلامية على النسبة.
الثاني: اشتمال القضية الخارجية عليها.
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ القضايا الحملية موجبتها وسالبتها غير مشتملة على النسبة وإنّما الهيئة وضعت للهوهوية وان هذا ذاك، هذا في الموجبة، وأمّا السالبة فالنفي لسلب الهوهوية، والدليل على ما ذكرنا هو التبادر فإنّ المتبادر في الحمليات كلّها هو الهوهويّة دون أن يكون هناك موضوع ومحمول ونسبة تربط المحمول بالموضوع، وإليك القضايا الحملية بأقسامها:
1. القضايا الحملية الأولية، مثل: الإنسان إنسان أو حيوان ناطق.

صفحه 106
2. القضايا الحملية الشائعة بالذات مثل: البياض أبيض.
3. القضايا الحملية الشائعة بالعرض مثل: الجسم أبيض.
والفرق بين القسمين الأخيرين أنّ الموضوع في الأوّل مصداق حقيقي للمحمول، وفي الثاني مصداق له بالعرض، فإنّ ما هو الأبيض واقعاً هو البياض، وأمّا الجسم فإنّما يكون أبيض ببركة ذلك العارض له.
4. ما يقع في جواب قضايا الهلية البسيطة مثل: زيد موجود.
5. ما يقع في جواب قضايا الهلية المركبة مثل: زيد قائم.
ففي جميع هذه الموارد يتبادر من الهيئة الهُوهويّة، أي كون المحمول عين الموضوع مفهوماً أو مصداقاً. ولاتتبادر الكثرة حتّى يُربط أحدهما بالآخر بالنسبة، فإذا سألك سائل بقوله: هل زيد قائم أو موجود؟ فإنه يسأل عن أنّ زيداً هل هو، ولا يسأل عن ثبوت الوجود أو القيام لزيد، من دون فرق بين كون المشتق مركباً أو بسيطاً، لأنّ الكلام ليس في مفهوم المشتق، بل الكلام في مفهوم الجملة التركيبية فبساطة المشتق وتركّبه غير مؤثّر في ذلك.
وبذلك يظهر معنى الحمليات السالبة مثل قولنا: «ليس زيد عالماً» فمعناه سلب الهوهوية وأنّه لا اتّحاد بينهما.
وأمّا على القول المشهور فمعناه حمل النسبة السلبية على زيد.
هذا كلّه في الحمليات الحقيقية، وأمّا الحمليات المؤولة، أعني: ما تتخلّل فيها بعض الأدوات مثل: «في» و «على» فالحق أنّ موجباتها تشتمل على النسبة الكلامية، مثلاً إذا قلنا: «زيد في الدار» أو «زيد على السطح» فيتبادر منها أُمور ثلاثة، هي: زيد، الدار، كون زيد في الدار، والثالث يفهم من الهيئة.

صفحه 107
وتفسير الجملة المذكورة بالهُوهوية غير صحيح، لأنّ «زيداً» ليس نفس «في الدار» ولا العكس، فهاهنا مفهوم ثالث وهو الكينونة والحصول، وراء الموضوع والمحمول.
هذا كلّه في الحمليات الموجبة، وأمّا الحمليات السالبة فالسلب يتبع مضمون القضية، فلو كان مفاد القضية هي الهُوهوية فالسلب يتوجّه إليها، وإن كان مضمونها الحصول والكينونة فالسلب يتوجّه إلى سلب الحصول، فالسلب بين نفي الهوهوية ونفي النسبة.
وبذلك يُعلم أنّ في عدّ السوالب من الحمليات نوع مجاز.
فإنّ السوالب منها تفيد «سلب الحمل» لا «حمل السلب» كما أنّ الحال في القضايا الشرطية هو كذلك.
فالشرطية الموجبة بمعنى الإخبار عن وجود الملازمة بين الشرط وجوابه، وأمّا الشرطية السالبة فهي بمعنى الإخبار عن سلب هذه الملازمة .
إلى هنا تبيّن عدم اشتمال الجمل الاسمية على النسبة الكلامية إلاّ في الحملية المؤولة الموجبة.
وأمّا السوالب فليس فيها لا حمل ولا نسبة، بل هي وضعت لسلب أحد الأمرين.

الثاني: في النسبة الخارجية

هل الجمل الاسمية المذكورة مشتملة على النسبة الخارجية في مقام التطبيق أوْ لا؟ والبحث في المقام بحث فلسفي وليس بحثاً أدبياً ولا أُصولياً،

صفحه 108
فرائدنا فيه هو البرهان لا التبادر بخلاف المقام الأوّل، ولكن البرهان يدلّ على عدمها في أكثر القضايا ; فإنّ هذه القضايا على أقسام هي:
1. الحمل الأوّلي كقولنا «الإنسان إنسان»، فهي فاقدة للنسبة الخارجية، إذ لا معنى لجعل الربط بين الشيء ونفسه، فإنّ النسبة فرع التعدّد، والمفروض هو الوحدة في مقام المفهوم فضلاً عن الخارج .
2. الهَلِيّة البسيطة كقولنا: «الإنسان موجود»، فإن القول بوجود النسبة الخارجية بين الطرفين في الخارج يستلزم استقلال الماهية، وكونها طرفاً للنسبة مع أنّه باطل، إذ لا واقعية للماهية قبل الوجود فكيف تكون طرفاً للنسبة.
3. الهَلِيّة المركبة: إذا كان المحمول من قبيل الذاتي في باب البرهان، كقولنا: «زيد ممكن» إذ يمتنع وجود النسبة الخارجية بين زيد وإمكانه، لأنّ المفروض أنّه منتزع من صميم الموضوع وحاقّه على نحو يكون وضع الموضوع كافياً في وضع المحمول، فالمحمول داخل في ذات الموضوع لا ينفك عنه، فكيف يمكن أن يكون هناك رابط بينهما، إذ وجود الرابط بمعنى انفكاكه عنه حتّى يثبت عليه ـ في المرحلة الثانية ـ بالرابط والمفروض انّه منتزع من نفس الشيء.
4. الحمل الشائع بالذات، كقولنا: «البياض أبيض»، فهي أيضاً فاقدة للنسبة الخارجية، لأنّ الأبيض ليس إلاّ نفس البياض، فكيف يمكن تصور النسبة بين الشيء ومصداقه الذاتي؟!
5. الحمل الشائع بالعرض، كقولنا: «الجسم أبيض»، فالقضية مشتملة

صفحه 109
على النسبة الخارجية وإن كانت فاقدة للنسبة الكلامية، أمّا الثانية فلما عرفت من أنّها موضوعة للهوهوية لا لإفادة النسبة بين الموضوع والمحمول، وأمّا الأُولى فلاشك أنّ هناك أُموراً ثلاثة تكويناً: فزيد شيء، والقيام شيء آخر، وحصول قيام لزيد شيء ثالث. وهذا أشبه بمن دخل المسجد، فقد أوجد بدخوله أمراً ثالثاً وراء نفسه ووراء المسجد.
6. الحمليات المؤولة، نحو: «زيد في الدار» فهي أيضاً مشتملة على النسبة الخارجية حسب ما عرفت في القسم المتقدّم عليه. كما هي مشتملة على النسبة الكلاميّة.
إلى هنا تم الكلام في المقامين ورائدنا في المقام الأوّل التبادر، وفي الثاني البرهان الفلسفي.

صفحه 110
   
 
الأمر الثالث:

في الحقيقة والمجاز

عُرّف المجاز بأنّه استعمال اللفظ في غير ما وضع له، لمناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. فإن كانت المناسبة هي المشابهة فالمجاز استعارة. وإلاّ فالمجاز مرسل، كاستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ، كاستعمال العين في الإنسان مثل ما ورد في قول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «عيني بالمغرب كتب إليّ يُعلمني» 1 .
وبالعكس كاستعمال الإنسان في عضو منه، كما في قولك: «ضربت إنساناً» إذا ضربت عضواً منه.
وعلى قول هؤلاء يكون استعمال اللفظ في غير ما وضع له بالوضع وحسب تحديد الواضع حيث إنّ الواضع رخّص فيما إذا كان هناك علقة مشابهة أو سائر العلائق البالغة إلى 25 علاقة.
وقد بقي هذا الرأي سائداً بين الأُدباء والأُصوليين إلى أن أوجد العلاّمة أبو المجد الشيخ محمد رضا الاصفهاني (1285 ـ 1363 هـ) ثورة عارمة في الأدب العربي، وأثبت أنّ المجاز مطلقاً استعارة كان أو مرسلاً ليس هو استعمال للفظ في غير معناه، بل هو استعمال للفظ في معناه، غاية الأمر بادّعاء

1 . نهج البلاغة، قسم الكتب، برقم 33.

صفحه 111
أنّ المورد من مصاديق الموضوع له.
وبعبارة أُخرى: إنّ المتكلِّم في باب المجاز لا يأتي بمعنى جديد وإنّما يأتي بمصداق جديد.
وقد شرح نظريته في كتابه وقاية الأذهان .1 وتبعه في هذه النظرية أساتذتنا كالسيد البروجردي والسيد الإمام الخميني (رحمهم الله) .
فعلى هذا فالمتكلّم في باب المجاز يستعمله بالإرادة الاستعمالية نحو استعماله في باب الحقيقة من غير فرق بينهما في مرحلة الوضع والاستعمال.
ثم إنّه استدلّ على ما رامه بأنّ الغاية المتوخّاة من المجاز كالمبالغة في النضارة والصباحة أو الشجاعة أو إثارة التعجّب أو في رفع التعجب، لا يحصل إلاّ باستعمال اللفظ في المعنى الحقيقي لا في المعنى المجازي، وإليك بعض الامثلة:
1. قال تعالى: (وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)2.
والغاية من استعماله لفظة (مَلَك) في حقّه هو المبالغة في النضارة والصباحة، وهذا لا يتمّ إلاّ في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي أي (فرشته) في اللغة الفارسية، لا في المعنى المجازي أي الإنسان الجميل، بشهادة أنّك لو وضعت المعنى المجازي مكان لفظة «ملك» لصارت الآية مغسولة البلاغة، كما إذا قيل: ما هذا بشراً إن هذا إلاّ إنسان جميل.
2. قال الشاعر:

1 . وقاية الأذهان: 103 .
2 . يوسف: 31 .

صفحه 112
لدى أسد شاكي السلاح مقذف *** له لبد أظفاره لم تُقلّمِ
فالشاعر يريد المبالغة في شجاعته وبطولته ولذلك يصفه بالأوصاف التالية:
أ. شاكي السلاح: وهو مقلوب الشائك أي: حدّة السيف.
ب. مقذف: أي مَنْ له صولات وهجمات في ساحات الوغى.
ج. له لُبد: وهو الشعر الكثير على عنق الأسد.
د. اظفاره لم تُقلّم: أي أن مخالبه طويلة.
إنّ هذه الأوصاف تدلّ على أن القائل يصوّر صاحبه بأنّه أسد ومن مصاديقه، بقرينة أنّ له لُبداً ومخالب، فلو وضعنا مكان الأسد الرجل الشجاع لزالت البلاغة أوّلاً، ولما كان لإثبات الوصفين معنى، إذ ليس للرجل الشجاع مهما بلغت شجاعته لبدٌ ولا مخالب.
3. قال الشاعر:
قامت تظللني ومن عجب *** شمسٌ تظللني من الشمس
فإنّ إثارة التعجّب رهن أن تكون الحبيبة من مصاديق الشمس حتّى يثير تظليلها من الشمس عجب الشاعر، وإلاّ فلو قيل مكانه «المرأة الحسناء قامت تظللني من الشمس» فذلك لا يثير التعجب .
4. وقال الشاعر الآخر:

صفحه 113
لا تعجبوا من بِلا غلالته *** قد زُرّ أزراره على القمر1
فهو يريد دفع تعجب المخاطب من اندراس ثوبه، بأنَّ هذا الثوب كان متعرضاً لضوء القمر، وبعض الثياب إذا تعرض لنور القمر يبلى.
كل هذه الصفات تكشف عن أنّ المجاز ليس تلاعباً بالألفاظ، بل تلاعباً بالمعنى.
فالإنسان البليغ لا يستعير لفظ الأسد للرجل الشجاع، بل يستعير معناه له، وهو لا يتحقّق إلاّ باستعماله في نفس الموضوع له، غاية الأمر بادّعاء، فيكون المجاز هو استعمال اللفظ في المعنى ليكون قنطرة لبيان الفرد الادّعائي له.
فان قلت: هذا كلّه في المجاز الاستعاري فهل الأمر كذلك في المجاز المرسل؟
قلت: نعم الأمر فيه كما في المجاز الاستعاري، فإنّ العين في قول الأمير (عليه السلام): «عيني بالمغرب كتب إليّ يعلمني » فاستعمل في العضو الإنساني لا في الإنسان، وذلك للمبالغة وانّه كلّه عين يراقب الأوضاع وليس له أي عضو سوى كونه عيناً.
وعلى ضوء ذلك فالفرق بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي هو أنّ اللفظ في الأوّل يستعمل في الحقيقي دون أن يكون هذا الاستعمال مقدّمة لإفادة معنى آخر، بخلاف الاستعمال المجازي فإنّه

1 . البلا: الاندراس، والغلالة: ثوب رقيق يلبس تحت الثياب، وزرّ من الزِّر بالكسر ما يوضع في القميص وجمعه ازرار .

صفحه 114
يستعمل في المعنى الحقيقي ولكن تكون الغاية من ذلك الاستعمال هو بيان الفرد الادّعائي له .
والّذي يؤيد أنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، هو أنّ القوم يفسرون الكناية بأنّها من قبيل استعمال اللفظ في الملزوم لغاية الانتقال إلى لازمه، مثلاً: يقولون في مقام الوصف بالجود: زيد كثير الرماد، فالجملة مستعملة في نفس المعنى لتكون قنطرة لإفادة لازمه وهوالسخاء وكثرة الضيوف، فإنّ كثرة الرماد تلازم كثرة الطبخ، وهو يلازم كثرة الضيوف الملازمة للسخاء، فليكن المجاز أيضاً من هذا السنخ، والفرق وجود الادّعاء في المجاز دون الكناية.1
فإن قلت: إنّ تلك النظرية إنّما تصحّ في أسماء الأجناس الّذي يمكن أن يتصوّر له فردان حقيقي وادّعائي، وأمّا الأعلام كحاتم ويوسف فلا، إذ ليس لها مصداق سوى الحقيقي.
قلت: إنّ قوام المجازية بإدّعاء العينية، وانّه هو نفس حاتم أو نفس يوسف، على أنّه يمكن أن يقال: إنّ حاتماً ويوسف قد خرجا عن العلمية وصارا اسماً للسخي غاية السخاء، والجميل غاية الجمال، فعندئذ يستعمله في ذلك المعنى ويُعدّ المورد من مصاديقه.
فإن قلت: ما الفرق بين هذه النظرية وما ذكره السكاكي في كتابه «مفتاح العلوم» حيث قال: إنّ المعنى المجازي فرد ادّعائي للمعنى الحقيقي.
قلت: فرق بين تلك النظرية وما ذهب إليه السكاكي وإن كانتا تشتركان

1 . وربّما يفرّق بامكان إرادة كلا المعنيين في الكناية دون المجاز.

صفحه 115
في أصل وجود الادّعاء لكن النظرية المذكورة تتبنَّى استعمال اللفظ في معناه الحقيقي بادّعاء أنّ المورد من مصاديق المعنى الحقيقي، وأمّا السكاكي فالمجاز عنده استعمال اللفظ في غير ما وضع له من أوّل الأمر، لكن المجوِّز لاستعمال لفظ الأسد فيما لم يوضع له هو ادّعاء كونه من مصاديق ما وضع له، وإليك نصّ عبارته في كتابه : وأمّا المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق، استعمالاً في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها، مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع، ثمّ أخذ في تفسير قيود التعريف.1
ومن هنا يُعلم أنّ ما اشتهر في الألسن من تقدير «الأهل» في قسم من المجاز في الاسناد غير صحيح، لأنّه يوجب سقوط الكلام عن البلاغة، فلاحظ قوله سبحانه:
1. (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَ إِنَّا لَصَادِقُونَ)2.
فالمشهور يعتبرونه من قبيل المجاز في الاسناد والمراد «اسأل أهل القرية»، ومن المعلوم أنّ تفسير الآية بهذا النحو يوجب سقوط الآية عن ذروة البلاغة.
وأمّا إذا قلنا إنّ القرية استعملت في نفس معناها اللغوي وانّ شمول الحكم لها كشموله على العير، لكن بادّعاء أنّ الأمر بلغ من الوضوح حتّى أنّ

1 . مفتاح العلوم: 153، ط مصر، 1318 هـ .
2 . يوسف: 82 .

صفحه 116
الحجر والمدر والأشجار والأبنية تشهد بذلك. وإذا سألتها تجيبك.
2. قول الفرزدق في مدح الإمام السجاد (عليه السلام):
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحلّ والحرم
وغير خفي أنّ تقدير الأهل يجعل هذا الشعر في عداد الكلام العادي، وهذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ البطحاء استعملت في نفس المعنى، بادّعاء أنّ الممدوح بلغ من الشهرة مرتبة حتّى أنّ البطحاء برمالها تعرفه.
وبذلك يظهر أنّ صحّة الاستعمالات المجازية تستند إلى الوضع، لأنّه من قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له ولكن حسنه يستند إلى الطبع والذوق ومصحّح الاستعمال هو الوضع المنضمّ إلى حسن الطبع.

صفحه 117
 
الأمر الرابع:

في استعمال اللفظ في اللفظ

إنّ استعمال اللفظ في اللفظ يتصوّر على أقسام أربعة:
1. إطلاق اللفظ وإرادة شخصه، مثل «زيد ـ في كلامي هذا ـ لفظ ».
2. إطلاق اللفظ وإرادة مثله، مثل «زيد ـ في قولك زيد قائم ـ لفظ».
3. إطلاق اللفظ وإرادة صنفه، مثل زيد ـ في كلام القائل: «زيد في ضرب زيد ـ فاعل».
4. إطلاق اللفظ وإرادة نوعه، كقولنا: «زيد ـ على وجه الإطلاق ـ لفظ».

فيقع الكلام في مقامات:

الأوّل: صحّة الإطلاق.
الثاني: كون الإطلاق استعمالاً أو لا.
الثالث: هل هناك دلالة ودال ومدلول أو لا؟
الرابع: وعلى فرض صحّة إطلاق الاستعمال هل هو حقيقي أو مجازي؟
ولنأخذ كلّ قسم بالدراسة فنقول:

صفحه 118

1. إطلاق اللفظ وإرادة شخصه

لا كلام في صحّة الاطلاق إذا دلّ دليل على إمكانه ووقوعه، فالأمثلة تُعرب عن استحسان الذوق هذا النوع من الإطلاق، ولم يخالف في ذلك أحد من الأُصوليّين إلاّ صاحب «الفصول» في القسم الأوّل، وقد ذكر المحقّق الخراساني مختاره وناقش في دليله. ولا حاجة لنقل كلامهما. فلاحظ .
والظاهر أنّه ليس استعمالاً، أي عمل اللفظ في المعنى بكونه مرآة إليه، وذلك لأنّ للاستعمال ثلاثة أركان :
1. إطلاق اللفظ.
2. انتقال المخاطب من سماع اللفظ إلى الصورة الذهنية من اللفظ.
3. انتقاله منها لا إلى نفس اللفظ، بل إلى شيء ثالث وهو الوجود الخارجي غالباً.
وأمّا المقام فالموجود من أركان الاستعمال اثنان لا ثالث لهما، لأنّ المخاطب ينتقل من اللفظ إلى الصورة الذهنية منه، ولمّا قال «لفظ» ينتقل منها إلى الأمر الأوّل أي نفس الموضوع لا إلى أمر ثالث، وهذا بخلاف ما إذا قلنا: زيدٌ قائم حيث ينتقل من اللفظ إلى الصورة التصديقية ومنها إلى الواقع الخارجي، مع أن المنتقل إليه في المقام من الصورة الذهنية هو نفس ما سمعه أوّلاً لا شيءٌ ثالث.
فالاستعمال أمر ثلاثي لا ثنائي.
ثم إنّ صاحب الكفاية نفى كونه استعمالاً واختار أنّه من قبيل إلقاء نفس

صفحه 119
الموضوع إلى المخاطب خارجاً وقد أحضر في ذهنه بلا واسطة حاك، وقد حكم عليه ابتداءً بلا واسطة أصلاً .
يلاحظ عليه: بأنّه كيف يمكن أن يقال بأنّه من قبيل إلقاء نفس الموضوع إلى الذهن، مع أنّ الخارج ـ أعني: الصوت الحاصل من تموّج الهواء ـ لا تناله النفس ولا يقع في لوح النفس، بل هو من قبيل إيجاد صورة الموضوع في الذهن.
وعلى كلّ تقدير فليس القسم الأوّل من قبيل الاستعمال.
وأمّا الدلالة فقد اختارها المحقّق الخراساني قائلاً بأنّه يكفي في تعدّد الدال والمدلول التغاير الاعتباري، فمن حيث إنّها لفظ صادر عن لافظه يكون دالاً، ومن حيث إنّ نفسه وشخصه مراد، كان مدلولاً.
نعم هذا النوع من الاستعمال لا حقيقة ولامجاز، لأنّ زيداً وضع للشخص الخارجي، وإطلاقه وإرادة لفظه ليس حقيقة كما هو معلوم ولا مجازاً لعدم الادّعاء. والحقيقة والمجاز من مقولة الاستعمال فلا مانع من ارتفاعهما.
فتلخّص ممّا قدمنا أنّ القسم الأوّل صحيح إطلاقاً ودلالة وليس باستعمال، نعم لا يوصف بالحقيقة والمجاز، لأنّ وصفه بأحدهما فرع صدق الاستعمال .

الثاني: إطلاق اللفظ وإرادة مثله

إذا قال: «زيد في قولك ـ زيد قائم ـ لفظ» وأراد اللفظ الصادر من المخاطب، فيقع الكلام في:

صفحه 120
1. صحّة إطلاقه.
2. إمكان دلالته.
3. صحّة استعماله .
4. كونه حقيقة أو مجازاً.
أمّا الأوّل: فلاشك في صحّة الإطلاق حتّى عند صاحب «الفصول» الّذي استشكل في صحّة إطلاق القسم الأوّل.
وأمّا الثاني ـ أعني: صحّة الدلالة ـ : فلاشك في أنّ هنا دالاً وهوزيد الصادر من المتكلّم، ومدلولاً وهو الصورة الذهنية لزيد الواقع في كلام المخاطب، لا ينتقل منهما إلى نفس ما صدر من القائل، كما في القسم الأوّل، ولذلك التجأنا هناك إلى أنّ الاختلاف حيثي لا ذاتي بخلاف المقام إذ ينتقل فيه إلى مثله .
وأمّا الثالث ـ أعني: صدق الاستعمال ـ : أيضاً فهو صحيح، لأنّ زيداً الواقع في كلام المتكلّم يكون سبباً لإيجاد الصورة الذهنية للفظ في ذهن المخاطب، ثم هو ينتقل من تلك الصورة الذهنية إلى أمر ثالث وهو الصورة المماثلة الّتي تتلّقاها النفس من كلام القائل، وليس هو نفس اللفظ الأوّل، أو صورته.
وأمّا الرابع: فهو ليس حقيقة وليس مجازاً ، لأنّ زيداً وضع للشخص الخارجي لا للفظ زيد شخصاً كان أو مثلاً.

صفحه 121

الثالث: إطلاق اللفظ وإرادة صنفه

المراد من الصنف هو النوع المحدود بقيود، كما إذا قال: (زيدٌ في «ضرب زيدٌ» فاعل). فقد حُدّدت طبيعة لفظ زيد بكونه بعد الفعل، فأطلق لفظ زيد وأُريد به صنف ذلك اللفظ، وهو الواقع بعد فعل «ضرب» أو كلّ فعل مثله .
فالمراحل الأربعة فيه كالصنف الثاني فالإطلاق صحيح أولاً، والدلالة موجودة، والدال هو زيد الصادر من المتكلّم، والمدلول هو زيد الواقع في كلام القائل بعد الفعل، والاستعمال صحيح لأنّ المخاطب بعد حضور الصورة الذهنية من لفظة زيد في ذهنه، ينتقل إلى شيء ثالث، أعني: الواقع في كلامه، ولكن الاستعمال ليس حقيقة وليس مجازاً، كما مرّ.

الرابع: إطلاق اللفظ وإرادة نوعه

والمراد من النوع: هو إرادة زيد لا بشرط من عامة القيود، كما إذا قال: «زيد ـ على الإطلاق ـ لفظ» وأراد به نوع اللفظ لا خصوص ما تكلّم به، ولا مثله، ولا صنفه، والحال فيه كالحال في القسم الثالث والثاني.
فالأُمور الثلاثة الأُولى محقّقة لكن الاستعمال ليس حقيقياً وليس مجازياً.

صفحه 122
 
الأمر الخامس:

في وضع الألفاظ لمعانيها الواقعية

وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً:

الأوّل: ما هو السبب لطرح المسألة؟

لا شك أنّ لعنوان كلّ مسألة سبباً علمياً أو اجتماعياً دعا المحقّقين إلى البحث فيها.
والظاهر أنّ السبب هو الحوار الّذي دار بين العلاّمة الحلي وأُستاذه المحقّق الطوسي في تعريف الدلالات الثلاث .
عرف المحقّق الطوسي الدلالة المطابقية بأنّها: دلالة اللفظ على تمام المسمّى، وعرّف التضمنية بأنّها: دلالة اللفظ على جزئه.
وأورد العلاّمة الحلّي إشكالاً على أُستاذه قائلاً : إنّ هذا التعريف غير مانع، وذلك لأنّا لو افترضنا أنّ الواضع وضع الإنسان مرّة للناطق فقط، وأُخرى للحيوان الناطق، ثم أراد من الإنسان نفس الناطق، فهو باعتبار الوضع الأوّل دلالة مطابقية لأنّه تمام المسمّى، وبالاعتبار الثاني دلالة تضمنية لأنّه جزء المعنى، فلم يكن التعريف مانعاً.
وأجاب عنه المحقّق الطوسي بما هذا لفظه: إنّ اللفظ لا يدلّ بذاته على

صفحه 123
معناه، بل باعتبار الإرادة والقصد، واللفظ حينما يراد به المعنى المطابقي لا يراد منه المعنى التضمّني، فهو يدلّ على معنى واحد لا غير، ثم قال العلاّمة: وفيه نظر 1.
ولم يُعلم ما هو وجه النظر، ولكن الجواب تامٌّ ـ حسب مبناه ، وذلك لأنّه إن أطلق لفظ الإنسان وأراد به الناطق، فلو أطلقه باعتبار الوضع الأوّل فهو دلالة مطابقية فقط، وإن أطلقه باعتبار الوضع الثاني فهو دلالة تضمنية، وإن أطلقه على وجه الإطلاق فهو غير صحيح، لأنّ الدلالة تابعة للإرادة، فلا بدّ لَهُ من إرادة أحد المعنيين، أي بما هو تمام المسمّى أو جزؤه.
وهذا هو المراد من دلالة المعنى على إرداة المتكلّم.
وقد أُشكل مثل هذا الإشكال على تعريف المفرد في كلام الشيخ الرئيس، إذ أنّه عرّفه بقوله: اللفظ المفرد هو الّذي لا يُراد بالجزء منه دلالة أصلاً حين هو جُزؤه مثل تسميتك إنساناً بعبد الله، فإنّك حين تدلّ بهذا على ذاته لا على صفته من كونه عبداً لله فلستَ تُريد بقولك «عبد» شيئاً أصلاً فكيف إذا سميته بعيسى، بلى في موضع آخر قد تقول: «عبد الله» وتعني «بعبد» شيئاً، فحينئذ (عبد الله) نعت له لا اسم وهو مركّب لا مفرد، فالمركّب هو ما يخالف المفرد.
قال المحقّق الطوسي في شرحه: اعترض عليه بعض المتأخّرين بعبد الله، وأمثاله إذا جُعل علماً لشخص، فإنّه مفرد مع أنّ لأجزائه دلالة مّا.
وأجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: إنّ دلالة اللفظ لمّا كانت وضعية

1 . الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد: 4 .

صفحه 124
كانت متعلّقة بإرادة المتلّفظ الجارية على قانون الوضع، فما يُتلفّظ به ويُراد به معنى مّا، ويفهم عنه ذلك المعنى، يقال له: إنّه دالّ على ذلك المعنى، وما سوى ذلك المعنى ممّا لا تتعلّق به إرادة المتلفّظ، وإن كان ذلك اللفظ أو جزء منه، بحسب تلك اللّغة، أو لغة أُخرى، أو بإرادة أُخرى، يَصلُح لأن يدلّ به عليه، فلا يقال إنّه دالّ عليه .
ثم قال: إذا ثبت هذا فنقول اللفظ الّذي لا يُراد بجزئه، دلالة على جُزء معناه: لا يخلو من أن يراد بجزئه دلالة على شيء آخر أو لا يُراد، وعلى التقدير الأوّل لا تكون دلالة ذلك الجزء متعلّقة بكونه جزءاً من اللفظ الأوّل، بل قد يكون ذلك الجزء بذلك الاعتبار لفظاً برأسه دالاًّ على معنى آخر بإرادة أُخرى; وليس كلامنا فيه. فإذن لا يكون لجزء اللفظ الدال، من حيث هو جزء، دلالة أصلاً، وذلك هو التقدير الثاني بعينه.
فحصل من ذلك أنّ اللفظ الّذي لا يُراد بجزئه دلالة على جزء معناه، لا يدلّ جزؤه على شيء أصلاً.1
وحصيلة الجواب: أنّ المتكلّم إذا قال: «عبد الله» فإن أراد باللفظ الشخص الخارجي فهو مفرد وليس لجزئه دلالة.
وإن أراد به المعنى التركيبي ـ أي مَنْ يكون عبداً لله ـ فهو في هذا المقام مركّب وليس بمفرد.
الثاني: أنّ ظاهر كلام المحقّق الطوسي هو اختصاص الدلالة الوضعية بصورة إرادة المتكلّم المعنى من اللفظ، فتكون النتيجة وضع الألفاظ للمعاني

1 . شرح الإشارات: 1 / 32.

صفحه 125
المرادة، وتدلّ على ذلك ـ أي أنّ الدلالة الوضعية مقيدة بإرادة المتكلّم ـ عبارة المحقّق الطوسي حسب ما نقله العلاّمة الحلّي حيث قال: (إنّ اللفظ لا يدلّ بذاته على معناه، بل باعتبار الإرادة والقصد... الخ) وقد فَهَمَ ذلك صاحبُ المحاكمات في تعاليقه على شرح الإشارات، حيث قال في تبيين نظرية المحقّق الطوسي ما هذا لفظه:
إنّ دلالة اللفظ على المعنى موقوفة على إرادة المتلفّظ ذلك المعنى إرادة جارية على قانون الوضع، إذ الغرض من الوضع تعدية ما في الضمير، وذلك يتوقّف على إرادة اللافظ، فما لم يُرد المعنى من اللفظ لم نجد له دلالة عليه .1
وبذلك يُعلم أنّ حمل كلام المحقّق الطوسي على أن تقيّد الدلالة التصديقية ـ لا الصورية ـ بإرادة المتكلّم أمر لا يوافق عبارته، إذ لا شك أنّ نسبة مضمون الكلام إلى المتكلّم فرع كونه مريداً، ولذلك لو قال: «زيدٌ قائم»، وهو نائم أو ساه، لا تصح نسبة مضمونه إلى المتكلّم، وهذا أمر بديهي اتّفق عليه الكلّ ولا اختصاص له بالمحقّق الطوسي ولا بغيره.
وبعبارة أُخرى: إنّ لكلّ كلام يصل السامع دلالتين:
الأُولى: وضعية أو تصوّرية، وهي لا تتوقّف على شيء سوى العلم بالوضع، سواء أراد المتكلّم أم لا. خلافاً للمحقّق الطوسي.
الثانية: الدلالة التصديقية، وهي أنّ المتكلّم بصدد تفهيم الغير «أنّ زيداً قائمٌ» وهذا يحتاج ـ مضافاً إلى العلم بالوضع ـ إلى كون المتكلّم وراء كونه

1 . المحاكمات لقطب الدين الرازي المطبوعة في ذيل شرح الإشارات: 1 / 32 .

صفحه 126
بصدد التفهيم مُريداً له جدّاً; وهذا شيء اتّفقت عليه كلمة المحقّقين ولا يختصّ بالمحقّق الطوسي.
الأمر الثالث: كلّ من فسّر الوضع بالتعهّد، وقال: هو عبارة عن التزام الواضع بأنّه متى أراد إفهام المعنى الفلاني تكلّم بلفظ كذا، فعليه ان يقول بوضع الألفاظ على المعاني المرادة، وذلك لأنّ معنى قوله: (متى أراد إفهام المعنى الفلاني) بمعنى إفهام المعنى المُراد.
وبعبارة أُخرى: لأنّ الموضوع له ليس نفس المعنى، بل المعنى المقيّد بالإفهام وهو يلازم كونه مراداً.
إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع.
لو قلنا بنظرية المواضعة وانّ الوضع عبارة عن: جعل اللفظ في مقابل المعنى. فاحتمال كون اللفظ موضوعاً للمعنى المراد غير صحيح جدّاً، لأنّ لهذا الاحتمال صوراً:
أ. كون اللفظ موضوعاً للمعنى المقيّد بمفهوم الإرادة .
ب. كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالذات من المعنى المقيّد بمصداق الإرادة، بمعنى جعل زيد في مقابل الصورة الذهنية من الجثة الخارجية بقيد تعلّق الإرادة عليه في لوح النفس.
ج. تلك الصورة ولكن كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالعرض، أي نفس الجثة الخارجية إذا تعلّقت بها الإرادة النفسانية.
د. كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالعرض حين وقوعه في إطار الإرادة النفسانية.

صفحه 127
وكلّها غير صحيحة:
أمّا الأوّل: فلم يقل به أحد.
وأمّا الثاني: فيلزم أن يكون الموضوع له مع قيده أمراً ذهنياً غير قابل للانطباق على الخارج، إذ المفروض أنّ المعلوم بالذات ـ على هذا الفرض ـ أُخذ موضوعاً لا مرآة وطريقاً، وإلاّ يكون من قبيل الصورة التالية.
وأمّا الثالث: فيلزم تركّب الموضوع من جزء خارجي وقيد ذهني، ولازم ذلك عدم انطباق الموضوع على الخارج لكون أحد جزئيه أمراً ذهنياً إلاّ إذا جُرّد عند التطبيق عن القيد.
وأمّا الرابع: وهو كون اللفظ موضوعاً للمعنى الخارجي حين وقوعه في إطار الإرادة، والقضية الحينية قضية متوسطة بين المشروطة وبين المطلقة، مثلاً إذا قلنا: «كلّ كاتب متحرك الأصابع ما دام كاتباً».
فقولنا: «ما دام كاتباً» قيدٌ، فتكون الحركة متقيّدة بالكتابة الفعلية، بخلاف المطلقة كقولنا: «كلّ كاتب متحرك الأصابع بالفعل» فتحرك الأصابع ليس مقيداً بقيد الكتابة، بل يعمّ كلتا الحالتين.
وأمّا الحينية فالقضية فيها لا مقيّدة وليست مطلقة أيضاً، بل لا تنطبق إلاّ على وجود القيد.
يلاحظ عليه: أنّ الحينية بهذا المعنى تصوير ذهني فهي ترجع لبّاً إلى إحدى القضيتين، فوقوع المعنى في إطار الإرادة لا يخلو إما أن يكون ذلك الإطار قيداً فيلحق بالمشروطة فيكون من قبيل القسم الثالث، أو لا يكون قيداً فتعمّ الدلالة كلتا الحالتين، سواء أوقعت في إطار الإرادة أم لم تقع. وعندئذ

صفحه 128
يكون الموضوع المعاني الواقعية لا المرادة .
وتلخّص ممّا ذكرنا أنّ تقييد المعنى بالإرادة ووضع اللفظ عليهما غير متصوّر.

نظرية تقييد الوضع

وهناك احتمال آخر وهو كون الإرادة قيداً للوضع لا قيداً للموضوع له، كما في الصور السابقة، وهذا خيرة المحقّق الاصفهاني حيث قال: العلقة الوضعية متقيّدة بصورة الإرادة الاستعمالية وفي غيرها لا وضع، وما يُرى من الانتقال إلى المعنى بمجرّد سماع اللفظ من لافظ غير شاعر فمن جهة أُنس الذهن بالانتقال من سماعه إلى إرادة معناه. 1
وكأنّه يريد أنّ الغاية تحدّد فعل الإنسان، وبما أنّ الغاية من الوضع هو الإفادة والاستفادة فهذا يوجد ضيقاً في عمل الواضع وفعله .
يلاحظ عليه: بأنّ الغرض وإن كان يُحدِّد عملَ الواضع ويخصّه بموضع الغرض، ولكن الغاية من وضع اللفظ في مقابل المعنى هو بيان الحقائق الواقعية بما هي هي، لا بما وقعت في أُفق الإرادة، فإذا قال القائل: «الماء جسم رطب سيّال» فهو بصدد بيان الحقيقة الخارجية وانّ ذلك العنصر بما هو هو كذلك لا بما أنّه تعلّقت به إرادة القائل، فإذا كانت هذه هي الغاية يترتّب عليه إطلاق العلقة الوضعية وعدم تقيّدها بشيء.

1 . نهاية الدراية: 1 / 33 .

صفحه 129
 
الأمر السادس :

في وضع المركّبات

إنّ للمركبات وضعاً بالنسبة للمفردات، كما أنّ لها وضعاً بالنسبة إلى الهيئات، فتارة يرتقي عدد الوضع إلى ثلاثة، وأُخرى يرتقي إلى خمسة، فقولنا: «زيد إنسان» ذو أوضاع ثلاثة. فلكلّ من المبتدأ والخبر وضع، ولهيئة الجملة الاسمية وضع آخر.
كما أنّ لقولنا: «الضارب متعجّب» أوضاع خمسة: المبتدأ بهيئته ومادته له وضعان، وهكذا الخبر مضافاً إلى هيئة الجملة الاسمية الّتي وضعت للدلالة على الدوام والثبات.
هذا ما لا غبار عليه، غير أنّه نُقل عن بعض الأُدباء أنّ هناك وضعاً آخر ـ وراء الثلاثة مثلاً في المثال الأوّل ووراء الخمسة في المثال الثاني ـ وهو وضع مجموع الهيئة والمادة مرة أُخرى، فيرتقي عدد الأوضاع إلى أربعة في الجملة الأُولى، وإلى ستة في الجملة الثانية، وقد نقله ابن مالك في «شرح المفصل» عن بعض الأُدباء لكنّه مردود:
أوّلاً: أنّ وضع المفردات والهيئة يغنيان عن وضع المجموع من حيث المجموع.
وثانياً: لو كان للمجموع وضع آخر لما كان لنا أن نتكلّم بكلام قبل أن

صفحه 130
يتعلّق به وضع الواضع بمجموع المادة والهيئة، كما في قولنا: «فلان أوّل روّاد الفضاء». لأنّ المفروض أنّ صحّة الإطلاق قيد وضع الواضع، والمفروض أنّه لم يتعلّق به الوضع لعدم وجوده في عصر الواضع.
وثالثاً: أنّه يلزم الانتقال إلى المعنى مرتين في آن واحد لفرض وضع المفردات من المادة والهيئة مرة والمجموع من حيث المجموع مرة أُخرى .
يلاحظ على الأخير: أنّ الانتقال من الوضع إلى الموضوع له لأجل توسط الأُنس بينهما حيث إنّ العلم بالوضع يُحدث أُنساً فينتقل إلى المعنى، ومن المعلوم أنّ الأُنس لا يتكرر مهما تكرّر الوضع.

إكمال

المعروف أنّ وضع المواد شخصيٌ ووضع الهيئات نوعي، ويراد به أنّ المصدر بوحدته الشخصية كالضرب والقتل موضوع لمعناه، بخلاف الهيئات فإنّها موضوعة بجامعها العنواني فيقال: «هيئة فاعل» وضعت لمن قام بالفعل.
توضيح مراد القائل بنوعية الوضع في الهيئات وشخصيته في المواد، هو أنّ الهيئة لا يمكن التكلّم بها إلاّ في ضمن مادّة، فالواضع يستخدم مادة فيصورها بالهيئة ويقول: «هيئة فاعل» في أيّة مادة من المواد، كالناصر والقائم، وضعت لمن قام به الفعل أو صدر عنه، هذا بخلاف «المادة» فإنّها قابلة للتكلّم فيقوم بوضع كلّ مادة مستقلاً عن مادة أُخرى فيكون وضعه شخصياً.
وقد أُورد عليه: بأنّه إن أُريد من نوعية الوضع في الهيئات عدم

صفحه 131
اختصاصها بمادة معيّنة فإنّ المادّة أيضاً غير مختصّة بهيئة معيّنة، فإنّ المصدر له صيغ مختلفة كالضارب والمضروب، فوضع المصدر يغني عن وضع مادّتهما.
وإن أُريد من شخصية الوضع في المواد امتياز وضع كلّ مادة عن وضع الأُخرى، فوضع كلّ هيئة أيضاً يمتاز عن الأُخرى، إذ هيئة الفاعل غير هيئة المفعول، ولا يخفى ضعف الإشكال ويعلم بما أوضحنا به مراد القائل.
وبهذا يُعلم أنّ المصدر هو أصل المواد والمشتقات وكونه مشتملاً على الهيئة غير مانع عن كونه أصل المشتقات، لأنّ الهيئة فاقدة للمعنى وإنّما أُتي بها لإمكان التكلّم بها وإلاّفالمادة هي الحروف غير المتهيئة بهيئة كـ (ض، ر، ب) في «ضرب».

صفحه 132
في علائم الوضع أو تمييز الحقيقة عن المجاز   
 
الأمر السابع:

في علائم الوضع

أو

تمييز الحقيقة عن المجاز

قد ذكر الأُصوليّون لتمييز الحقيقة عن المجاز وتعيين أنّ اللفظ موضوع لذلك المعنى أو غير موضوع له، طرقاً وعلامات:
1. التبادر    2. صحّة الحمل    3. الاطّراد    4. تنصيص أهل اللغة
وقد اعتمد أكثر الأُصوليّين على العلامتين الأُوليين، إلاّ أنّ الحق هو أنّ الاعتماد على الأخيرتين فيما هو المطلوب ليس بأقلّ من الاعتماد على سابقتيهما، بل ربّما تكونان أفضل وأكثر نتيجة، ولنشرع بدراسة هذه العلائم.

العلامة الأُولى: التبادر

تعريفه:
التبادر: عبارة عن انسباق المعنى من نفس اللفظ مجرّداً عن قرينة حالية أو مقالية .
والعلامة هي التبادر عند أهل اللغة، فلو كان المستعلم من أهل اللغة فهو يعتمد على التبادر عند نفسه، ولو كان من غير أهل اللغة فهو يعتمد على

صفحه 133
تبادر المعنى عندهم.
أمّا كون التبادر كاشفاً عن الوضع فلأجل أنّ له سبباً وهو لا يخلو عن أُمور ثلاثة:
1. وجود العلقة الذاتية بين اللفظ والمعنى.
2. وجود العلقة الوضعية بينهما .
3. وجود القرينة المقالية والحالية الموجبة للتبادر.
أمّا الأوّل: فقد أبطلناه، وقلنا: بعدم العلقة الذاتية بين اللفظ والمعنى، وإلاّ لما وجد على وجه الأرض جاهل باللغة.
وأمّا الثالث: فهو مفروض العدم، وأنّ انسباق المعنى إنّما هو من حاقّ اللفظ.
فتعيّن الثاني: وهو أنّ التبادر معلول الوضع، فيكون التبادر برهاناً إنّياً عليه، نظير استكشاف العلّة عن وجود المعلول .
ثم إنّه أُورد على كون التبادر علامة للوضع باستلزامه الدور، لأنّ التبادر موقوف على العلم بالوضع، والمفروض أنّ العلم بالوضع موقوف على التبادر، وهذا هو الدور.
وقد أُجيب عن الدور بوجوه:
الأوّل: ما حكاه المحقّق الاصفهاني في «نهاية الدراية» 1 عن صاحب المحجّة للمحقّق الطهراني: بأنّ العلم بالوضع موقوف على التبادر، وهو ليس

1 . نهاية الدراية: 1 / 39 .

صفحه 134
موقوفاً على العلم بالوضع، بل على نفس الوضع.
يلاحظ عليه: أنّ التبادر وإن كان موقوفاً على الوضع ولكنّه مشروط بالعلم به فيعود الدور في ناحية الشرط، وإلاّ فوجود الوضع من دون العلم به لا ينتج نتيجة ما لم ينضم إليه العلم به، وإلاّ لما وجد على وجه البسيطة أيُّ جاهل باللغة، لأنّ المفروض كفاية الوضع بوجوده الواقعي في التبادر.
الثاني: ما أجاب به المحقّق العراقي حيث قال: إنّ العلم المستفاد بالتبادر غير العلم الّذي يتوقّف عليه التبادر حتّى لو قلنا بتوقّفه على العلم التفصيلي، لأنّه يكفي في ارتفاع الدور تغاير الموقوف والموقوف عليه بالشخص لا بالنوع ولا بالصنف، ولا شبهة في مغايرة العلم الشخصي الحاصل بالتبادر للعلم الشخصي الّذي يتوقّف عليه التبادر. 1
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى امتناع تعلّق العلمين التفصيليين بشيء واحد ـ أنّ العلم الّذي يتوقّف عليه التبادر هل هو تفصيلي أو إجمالي؟ فعلى الأوّل لا حاجة إلى العلم الثاني، وعلى الثاني يرجع إلى الجواب التالي.
الثالث: بأنّ العلم التفصيلي بالموضوع له متوقّف على التبادر، والتبادر موقوف على العلم الارتكازي بالوضع الّذي ربّما يعبّر عنه بالعلم الإجمالي، وهذا النوع من العلم الارتكازي يحصل لكلّ إنسان يعيش بين أهل اللغة منذ طفولته ونعومة أظفاره، وإن كان غير ملتفت إلى علمه.
وبعبارة أُخرى: أنّ الناشئ أو الناشئة إذا عاشا بين أهل اللغة مدة مديدة يتعلّمون منهم اللغة والمعنى الحقيقي ، غير أنّهما لصغر سنّهما يعرفان

1 . بدائع الأفكار: 1 / 97 .

صفحه 135
الموضوع له ولكن ليس لهما علم بما تعلماه، ولمّا كبرا وحاولا تحصيل المعنى بصورة تفصيلية، فهذا النوع من العلم التفصيلي يتوقّف على تبادر المعنى، وهو يتوقّف على العلم بالمعنى إجمالاً وارتكازاً الّذي يحصل لكلّ وليد ينشأ ويترعرع بين أهل اللغة، فيرتفع الدور باختلاف العلمين زماناً وماهية.
فالعلم التفصيلي موقوف على التبادر، والتبادر موقوف على العلم الارتكازي الّذي يكتسبه كلّ طفل أيام تعلّمه اللغة من البيت والبيئة.

بقيت هنا أُمور:

الأوّل: إذا كان الموضوع للاحتجاج هو ظهور الكلام، سواء أكان حقيقة أم مجازاً، فلا فائدة في معرفة الموضوع له وتمييز المعنى المجازي عن المعنى الحقيقي، والّذي يعتبره العقلاء هو ظهور الكلام، سواء أكان هو الموضوع له أم لا .1
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الكلام ظاهراً في معنى، كان لما ذكره وجه، وأمّا إذا كان الكلام مجملاً فانعقاد الظهور موقوف على العلم بالوضع، وهو يُعرف بالتبادر فيكون لمعرفة الموضوع له أثر وفائدة.
الثاني: أنّ تبادر المعنى من اللفظ في زماننا لا يثبت كونه هو المعنى الحقيقي في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة(عليهم السلام)حتّى يحمل اللفظ الوارد من الكتاب والسنّة عليه إلاّ أن يعضد بأصالة عدم النقل، وقلنا بأنّ مثبتاتها حجّة،

1 . المقالات للمحقّق العراقي: 31 (بتصرف).

صفحه 136
ولعلّه على هذا جرت سيرة المفسرين للقرآن حيث يفسرون الأشعار الجاهلية والرسائل القديمة بالمعاني الرائجة في أيامهم.
الثالث: أنّ التبادر كما قلنا إنّما يكون حجّة على الموضوع له إذا كان التبادر مستنداً إلى اللفظ لا إلى القرينة، وإلاّ فالمعنى المجازي أيضاً يتبادر مع القرينة، وعلى هذا فلو أحرزنا أن التبادر مستند إلى حاق اللفظ أو إلى القرينة فهو، وإلاّ فهل تجري أصالة عدم القرينة لإثبات كون المعنى متبادراً من حاق اللفظ أو لا ؟
الظاهر لا، لا لأجل عدم حجيّة الأصل المثبت ـ لما علمت أنّ الأصل اللفظي حجّة في مثبتاته ـ بل لأنّ العقلاء إنّما يستخدمون ذلك الأصل عند الشكّ في المراد فيستعينون به في كشف المراد، وأمّا إذا علم المراد وشك في كيفية الإرادة وانّه هل هو على نحو الحقيقة أو المجاز فلا، وما هذا إلاّ لأنّ العقلاء يستخدمون الأُصول فيما يمسّ بحاجاتهم، وأمّا تعيين كيفية الإرادة وانها هل هي على وجه الحقيقة أو المجاز فخارج عن مقاصدهم.

العلامة الثانية: صحّة الحمل وعدم صحّة السلب

إنّ صحّة الحمل وعدم صحّة السلب آية كون المعنى هو الموضوع له، كما أنّ صحّة السلب آية كونه غير موضوع له. وإليك البيان.
إنّ الحمل إمّا أوّلي وهو ما يكون فيه اللفظان متّحدين في المفهوم والمعنى فضلاً عن المصداق، أو حمل شائع صناعي يختلف اللفظان مفهوماً ويتّحدان وجوداً ومصداقاً.

صفحه 137
وأمّا كيفية الاستعلام فتتحقّق بالنحو التالي:
يُتخذ المعنى موضوعاً وينظر إليه لا بما هو لفظ، بل بما أنّه مفهوم، ويجعل اللفظ الّذي نُريد استعلام معناه محمولاً ويقال: الحيوان المفترس أسد، والحيوان الناطق إنسان، فإذا صحّ الحمل يكون ذلك علامة على أنّ الموضوع، هو الموضوع له، كما أنّ صحّة السلب آية انّه ليس بموضوع له، كما إذا قال: الرجل الشجاع ليس بأسد حقيقة.
هذا إذا كان الحمل أوّلياً، وأمّا إذا كان الحمل شائعاً صناعياً فصحّة الحمل تكشف عن كونه مصداقاً للمحمول كما إذا قال: الرمال صعيد .
كما أنّ صحّة السلب آية كونه ليس بمصداق ، كما إذا قال: الرجل الشجاع ليس بأسد حقيقة.
وقد استشكل على إجراء هذه العلامة ببعض الوجوه:
الأوّل: أنّ صحّة السلب لا تدلّ على عدم الوضع ضرورة صحّة سلب بعض المعاني للفّظ المشترك عنه، كما إذا أُشير إلى الذهب وقيل ليس الذهب عيناً باعتبار كونه موضوعاً للفضة، فهذا النوع من السلب لا يكشف عن المجازية.
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في غير المشترك، وأمّا فيه فلا تتعيّن المجازية إلاّ بسلب عامّة المعاني، ومن المعلوم أنّه لا يصح سلب العين عن الذهب بعامّة المعاني.
وأورد على هذا الجواب (سلب جميع معاني المشترك علامة للمجاز) بأنّه إذا كانت جميع المعاني معلومة لغاية سلبها عن المورد، فلا يبقى لنا شكّ

صفحه 138
في أنّه ليس بموضوع له حتّى نتمسّك بهذه العلامة .1
يلاحظ عليه: بأنّ المقصود هو سلب جميع المعاني المرتكزة إجمالاً في الذهن عن المورد، لا سلبها مع ملاحظتها تفصيلاً حتّى يستغنى عن العلامة، للعلم التفصيلي بكونه ليس منها.
الثاني: أنّ الاستكشاف واستعلام الحال حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع السابق على الحمل وسلبه فيكون إسناده إلى الحمل وسلبه في غير محلّه.
هذا إذا كان المستعلم من أهل اللسان، وأمّا إذا كان من غيرهم فصحّة الحمل عند أهل اللغة أو عدم صحّته يرجع إلى تنصيص أهل اللغة واللسان وليست بعلامة مستقلة، لأنّ العلم بصحّة الحمل لا يحصل إلاّ بتصريح الغير.(2)
يلاحظ عليه: بأنّا نختار الشق الأوّل لكن الإشكال إنّما يتوجّه إذا كان زمان الاستعلام مقارناً لزمان الحمل أو سلبه، وعندئذ يسبقه التبادر ويغني عن غيره. وأمّا إذا كان زمان الحمل أو سلبه مقدّماً على زمان الاستعلام، فلا يسبقه التبادر وتكون الساحة مختصّة بصحّة الحمل، كما إذا صدر الحمل عن العربي الصميم وهو في مقام الخطابة وإلقاء المحاضرة ولم يكن بصدد الاستعلام. ثم صار بعد مدّة بصدد الاستكشاف فوقف على حمله وسلبه السابقين فيستدلّ بهما على مقصوده.
ثم نختار الشق الثاني لكن المراد من تنصيص أهل اللغة هو تصريحهم

1 . نهاية الأُصول للبروجردي: 40 .   2 . تهذيب الأُصول: 1 / 80 ـ 81 .

صفحه 139
بالموضوع في معاجمهم وقواميسهم، وأين هذا من الوقوف على صحّة الحمل أو السلب عند أهل اللغة.
الإشكال الثالث: ما أفاده الشهيد الصدر من أنّ غاية ما يستفاد من الحمل الأوّلي مساواة الموضوع والمحمول مفهوماً ولا يلازم هذا وضع أحدهما في مقابل الآخر، كما هو الحال في الغيث والمطر والإنسان والبشر.1
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الموضوع مركباً والمحمول بسيطاً كما إذا قال: «الحيوان المفترس أسد»، أو إذا قال: «الحيوان الناطق إنسان» فالذوق العربي يشهد بأنّ المركب هو الموضوع له والبسيط هو الموضوع كما في المثالين الأخيرين .
الإشكال الرابع: أنّ صحّة الحمل لا تثبت إلاّ كون الموضوع هو الموضوع عليه في عصرنا هذا، ولا يثبت كونه كذلك في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة (عليهم السلام).
يلاحظ عليه: بأنّ أصالة عدم النقل أصل عقلائي ليس بأقل من سائر الأُصول اللفظية الّتي هي أُصول عقلائية بل أمارة عقلائية، فيؤخذ بلوازمها.
فإنّ أصالة عدم طروء النقل من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى زماننا هذا يثبت عقلاً بأنّ المعنى الحاضر هو الموضوع له، وإلاّ يلزم النقل.
والظاهر أنّ الاستصحاب في المقام هو استصحاب عدم النقل من عصر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)إلى يومنا هذا، وليس هذا استصحاباً قهقرياً، لأنّ

1 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 169 .

صفحه 140
المفروض جرّ المتيقّن من الزمان الماضي إلى الزمان الحاضر.
وأمّا استصحاب عدم النقل من زماننا هذا إلى عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو استصحاب قهقري لا دليل على حجّيته.
ثم إنّ بعض الإشكالات المذكورة في التبادر متوجّهة إلى تلك العلامة كإشكال الدور وعدم الحاجة إلى هذه العلامة لأنّ الحجة هو الظهور، والجواب في الجميع واحد.

العلامة الثالثة: الإطّراد

الاطّراد هي العلامة الثالثة لتمييز الموضوع له عن غيره، ويمكن تقريره بوجهين:
1. إذا لم تختصّ صحةُ استعمال اللفظ في المعنى المشكوك بمقام دون مقام ولا بصورة دون صورة، ولا بمصداق دون مصداق فهو (عدم الاختصاص) آية الوضع، وبالتالي: المستعمل فيه هو الموضوع له.
2. إذا اطّرد استعمال لفظ في مصاديق كلّي بحيثية خاصّة استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها وبين ذلك الكلّي وعلم أنّه موضوع للجامع بين الأفراد، كما إذا استعمل الرجل في زيد وعمرو ـ مع القطع بكونه غير موضوع لكلّ واحد على حدة ـ استكشف منه وجود علاقة الوضع بين اللفظ وذلك الكلّي، وعلم أنّه موضوع للطبيعي من المعنى .
هذا هو تقرير الاطّراد، ومن هنا تبيّن أنّ المراد هو اطّراد الاستعمال لا اطّراد التبادر بأن يطلق المستعلم اللفظ مراراً في أوضاع وحالات مختلفة، فإن

صفحه 141
ذلك يرجع إلى الاستعلام بالتبادر ولا يكون علامة مستقلة، بل المراد اطّراد استعمال اللفظ في المعنى المشكوك في لسان أهل اللغة في موارد مختلفة، حيث يستكشف منه كون الاستعمال بملاك الوضع لا بملاك القرينة، إذ كون الاستعمال بملاك القرينة في الموارد المتنوعة بعيداً جداً، وبما أنّ القوم لم يعطوا لهذه العلامة أهمية فقد وقعت العلامة في محاق الإجمال مع أنّها هي العلامة الوحيدة في هذا المضمار وتتلوها علامة ثانية وهي تنصيص أهل اللغة، وإليك البيان:
لو كنّا بصدد كشف معنى الماء في اللغة العربية فإذا رأينا أنّ جماعة من أهل الثقافات المختلفة استعملوا هذه الكلمة في مورد بحيثية خاصة نستكشف منه أنّه الموضوع له وانّ الاستعمال بذلك الملاك لا بملاك آخر، مثلاً إذا قال الفقيه: الماء قليل وكثير، مطلق ومضاف، طاهر ونجس إلى غير ذلك من التعابير، وقال الكيمياوي: الماء مركب من عنصرين: «أوكسجين» و «هيدروجين»، وقال الفيزياوي: الماء لا لون له، والكل يستعمل ذلك اللفظ بملاك واحد في الجسم المائع السيّال، نستكشف أنّ هذا اللفظ (الماء) موضوع له. وانّ المستعمل فيه حقيقة، من دون أن يكون لثقافة دون ثقافة تأثير فيه، وإنّما السبب هو كونهم من أبناء اللغة.
ولنمثّل مثالاً آخر: اختلف السنّة والشيعة في معنى الغنيمة في قوله سبحانه: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى)1.

1 . الأنفال: 41 .

صفحه 142
فالسنّة على أنّ المراد من قوله: «ما غنمتم» هو الغنيمة الحربية، والشيعة على أنّ المراد بها كلّ ما يفوز به الإنسان ، والّذي يوضح الحق هو التتبع في الكتاب والسنّة وانّه هل هو مطرد في المعنى الثاني أوْ لا؟ ومن حُسن الحظ أنّ القرآن والسنّة استعملت هذا اللفظ كثيراً في مطلق ما يفوز به الإنسان، أمّا القرآن فقد قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)1.
والمراد بالمغانم الكثيرة هي ما يفوز به الإنسان في الحياة الأُخروية .
وأمّا السنّة النبوية، فإليك بعض الموارد الّتي استعمل فيها اللفظ للدلالة على مطلق ما يفوز به الإنسان :
1. روى ابن ماجة في سننه في مورد الزكاة: أنّه جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً». 2
2. وجاء في «مسند أحمد» عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «غنيمة مجالس الذكر الجنّة». 3
3. وفي وصف شهر رمضان جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «غنم للمؤمن». (4)
إلى غير ذلك من الموارد الّتي استعملت اللفظة في معنى عام، فإذن

1 . النساء: 94 .
2 . سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797.
3 . مسند أحمد: 2 / 177.   4 . مسند أحمد: 2 / 274 .

صفحه 143
يطمئنّ الإنسان بأنّه الموضوع له .
وأمّا استعمالها في الغنيمة الحربية فمن باب تطبيق الكلّي على أحد مصاديقه، وإن شاع استعمالها فيها في ألسنِ الفقهاء، لكنّه استعمال متأخّر عن نزول الوحي .
هذا هو تقرير العلامة، ثم إنّ المحقّق الخراساني أورد عليها بوجوه ثلاثة. وإليك نقلها مع التحليل:
1. المجاز وإن لم يطّرد في نوع علائقه مثلاً لا يصحّ استعمال مطلق الجزء في الكلّ، كاستعمال الشعر في الإنسان لكنّه مطّرد في خصوص ما يصحّ معه الاستعمال في المجاز، كما إذا صحّ تنزيل الجزء منزلة الكلّ كاستعمال العين في المراقب، واليد في المتصرّف، فالاطّراد في هذا الصنف من العلامة (ما إذا صحّ تنزيل الجزء منزلة الكل) مطرد.
2. نقل عن صاحب الفصول جواباً عن هذا الإشكال بالفرق بين الاطّرادين، فإنّ الاطّراد في الحقيقة بلا تأويل والاطّراد في المجاز مقرون بالتأويل، أي تنزيل الجزء منزلة الكل. فأجاب المحقّق الخراساني عنه بأنّ لازم ذلك أخذ «بلا تأويل» أو «على وجه الحقيقة» قيداً للاطّراد، فتكون النتيجة أنّ العلم بالمعنى الحقيقي موقوف على الاطّراد «بلا تأويل» أو «على وجه الحقيقة»، وهذا مستلزم للدور.
3. وما أُجيب به عن الدور في العلامتين السابقتين غير جار في هذه العلامة، وذلك لأنّ أحد طرفي العلم في العلامتين السابقتين إجمالي والآخر تفصيلي، وأمّا المقام فالطرفان كلاهما تفصيليان حيث إنّ العلم التفصيلي

صفحه 144
بالحقيقة موقوف على الاطّراد على وجه الحقيقة .1
هذا توضيح ما في «الكفاية» والجميع غير تام:
أمّا الأوّل ـ أعني: اطّراد المجاز ـ فهو غير صحيح، لأنّ المجاز حتّى فيما يصح استعماله فيه الّذي أسماه بصنف العلاقة غير مطرد، لأنّ المجاز قائم على دعامتين:
أ. استحسان الذوق والطبع الّذي يعبر عنه في لسان الأُدباء بوجود العلاقة.
ب. كون المقام مناسباً لاستعمال اللفظ في المعنى المجازي بنفس العلاقة، مثلاً إذا كان المقام مقام الإخبار بوقوع الرؤية على الرجل كما في قولنا: «رأيت رجلاً يرمي» يكون إطلاق الرجل عليه على وجه الحقيقة حسناً بنحو الإطلاق، وأمّا إطلاق الأسد عليه كما في قولنا: «رأيت أسداً يرمي» فيتوقّف (مضافاً إلى تحقّق العلاقة ومصحّح الادّعاء) على كون المقام، مقام إظهار شجاعته، وهذا لا يطّرد إلاّ في مقام خاص، كما إذا كان في مقام بيان الشجاعة فيصح أن يقول: «هذا أسد»، وأمّا إذا كان في مقام الدعوة إلى تناول الطعام فلا يصح أن يقول له: يا أسد تفضّل إلى الطعام. وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الحائري ويقول: إنّ المراد من الاطّراد إذا حُسن استعمال اللفظ في كلّ موقع من غير اختصاص له، بمواقع خاصة كالخطابة ونظم الشعر ممّا يطلب فيها اعمال محاسن الكلام، بخلاف المجاز فإنّه يحسن في تلك المواقع خاصّة، وإلاّ ففي مورد كان المقصود ممحضاً في إفادة المدلول لا

1 . كفاية الأُصول: 1 / 29.

صفحه 145
يكون له حسن كما لا يخفى .1
وأمّا الثاني ـ أعني: أنّ إضافة «من غير تأويل» مستلزم للدور: ـ فهو أيضاً غير تام.
وذلك أنّ قوله: «من غير تأويل» ليس جزءاً من الموقوف عليه، وإنّما هو نتيجة الاطّراد، والمراد أن يطّرد استعمال اللفظ في المعنى المشكوك بكثرة إلى حدّ يطمئن الإنسان إلى أنّ الاستعمال مجرد عن التأويل، وأنّه مستند إلى الوضع. إذ من البعيد أن يكون الاستعمال في هاتيك الموارد الكثيرة مستنداً إلى التأويل من دون أن يتوجّه إليه المستعلم، فكونه من غير تأويل ليس في عرض الاطّراد بل في طوله.
وأمّا الثالث: فالجواب عنه واضح، إذ على ما ذكرنا ليس هناك دور حتّى يُجاب عنه، ولو افترضنا وجوده أيضاً فالعلم في جانب الموقوف تفصيلي وفي جانب الموقوف عليه إجمالي.
إلى هنا تمّ ما ذكره المحقّق الخراساني.
ثم إنّ السيد الأُستاذ جعل العلامة الوحيدة هي «التبادر» وارجع العلامة الثانية إليها، وأورد على العلامة الثالثة ما هذا لفظه: إن أُريد استعمال لفظ الرجل في المثال السابق في المصاديق بما لها من الخصوصيات والعوارض فأمره دائر بين كونه مجازاً ـ إذا حسن الاستعمال ـ أو غلطاً.
وأمّا إذا استعمل في المعنى الجامع بلا إرادة الخصوصية فهذا يوجب التخلّف في العلامة حيث تكون العلامة عندئذ هي صحّة الحمل، وقد مرّ

1 . درر الأُصول: 1 / 15 .

صفحه 146
إرجاعها إلى التبادر.1
يلاحظ عليه: بأنّا نختار الشقّ الثاني، والإشكال إنّما يرد إذا كان الاطّراد مسبوقاً بالعلم بصحّة الحمل بمعنى أنّه عُلم أنّ الحمل صحيح بلا قرينة، وأمّا إذا شُكّ في أنّ المصحّح للحمل ذات الموضوع، أو بضميمة قرينة فلا يكون مسبوقاً به، فعندئذ يكون اطّراد الاستعمال في موارد مختلفة مع حمله على موضوعات متنوعة كاشفاً عن الحقيقة، وأنّ المجوز هو الوضع، دون القرينة من دون أن يكون لصحّة الحمل دور في مجال الاستكشاف. غاية ما يلزم تقارن العلامتين عند حصول العلم بالحقيقة.

الاطّراد ومقالة السيّد المرتضى في الاستعمال

إذا تبيّن المعنى الحقيقي وتميّز عن المجازي كما هو الحال في لفظ (أسد) فالأصل في الاستعمال في هذه الصورة، الحقيقة فما لم تدلّ قرينة على إرادة المجاز يُحمل كلام المتكلّم على المعنى الحقيقي، وهذا ما يقال فيه: «الأصل في الاستعمال الحقيقة» وهو أمر متّفق عليه بين الأُصوليّين.
وأمّا إذا لم يتميّز المعنى الحقيقي عن المجازي كما هو الحال في معنى الأمر حيث إنّه مردّد بين كونه موضوعاً للوجوب أو للقدر المشترك بين الوجوب والندب، فلو استعمل في القدر المشترك وتردّد الأمر بين كونه حقيقة أو مجازاً ، فالسيد المرتضى على أنّ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة، ويستنتج من ذلك كون الأمر موضوعاً للقدر المشترك، وهذا رأي انفرد فيه

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 82 .

صفحه 147
السيد المرتضى في هذا المقام ، وأمّا الآخرون فردّوا عليه بأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز، أي لا يمكن استكشاف المعنى الحقيقي عن المجازي بالاستعمال .
إذا عرفت هذين الأمرين وأنّ المقام الأوّل أمر متّفق عليه دون الثاني، فاعلم أنّ القول بأنّ الاطّراد علامة يتميّز بها المعنى الحقيقي عن المجازي لا يرجع إلى مقالة المرتضى في المقام الثاني فإنّ ما ذكره يرجع إلى أنّ الأصل في كلّ استعمال ما لم يعلم كونه مجازياً كونه حقيقياً، وهذا بخلاف الاطّراد إذ لا يستكشف باستعمال واحد أو اثنين كون المستعمل فيه حقيقة إلاّ إذا انتهى إلى حدّ تطمئن النفس بأنّ الانتقال من اللفظ إلى المعنى مستند إلى الوضع لا إلى القرينة، إذ لو كان لبان، ولو خفيت في مورد فلا تخفى في الموارد الأُخرى.

العلامة الرابعة: تنصيص أهل اللغة

قد ذكروا أنّ تنصيص أهل اللغة على معنى اللفظ من أسباب التعرّف على المعنى الحقيقي وتمييزه عن المجازي.
وقد أشكل عليه: بأنّ شأن اللغوي هو بيان موارد الاستعمال من غير فرق بين كونه معنى حقيقياً أو مجازياً مع أنّ المطلوب لنا هو تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي.
يلاحظ عليه: أنّ هذا الإشكال ممّا ذكره الشيخ الأنصاري وتبعه غيره، وبذلك بخسوا حقّ اللغوي من دون قصد :

صفحه 148
أمّا أوّلاً: فلأنّ المعاجم اللغوية على قسمين: قسم يذكر موارد استعمال الكلمة في موارد مختلفة، وعلى ذلك جرى ابن منظور المصري (المتوفّى 707 هـ) في «لسان العرب»، والفيروزآبادي (المتوفّى 717 هـ) في «القاموس المحيط»، والجزري في «النهاية في غريب الحديث»، والطريحي في «مجمع البحرين».
وقسم آخر بذل مؤلّفوه جهدهم لتعيين المعنى الأصلي الّذي اشتقّ منه سائر المعاني وتفرّع منه بمناسبة من المناسبات ودوّنوا كتابين جليلين في هذا المقام، هما :
أ. المقاييس لأحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى 395 هـ).
ب. أساس البلاغة للزمخشري (المتوفّى 538 هـ).
فقد بذل المؤلّفان الجهود المضنية لتعيين أُصول المعاني وتمييزها عن متفرّعاتها، فالرجوع إلى هذين المعجمين يوقف المراجع على المعنى الموضوع له دون خصوص المستعمل فيه، ولذلك كثيراً ما يقول ابن فارس: هذه الكلمة لها أصل واحد أو أصلان، والباقي صور للمعنى الأصلي ومشتق منه .
وأمّا ثانياً: فلأنّ المراجع إلى أغلب المعاجم الّتي هي بصدد بيان المستعمل فيه، دون الموضوع له، ربّما يستطيع بسبب الممارسة على تمييز المعنى الحقيقي عن المعاني المشتقة منه، وذلك رهن الممارسة والعمل بالمعاجم على نحو يخالط علمُ اللغة دمَهُ ولحمَهُ، وإليك مثالين:
1. الوحي: فقد ذكروا له معاني مختلفة، هي:

صفحه 149
الإشارة السريعة، كقوله: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا)1.
الصوت الخفي، كقوله سبحانه: (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)(2).
الإلهام القلبي، كقوله سبحانه: (وَ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ)2.
التسخير كقوله سبحانه: (وَ أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا)(4).
ولكنّ الإمعان في هذه الموارد يثبت أنّ له معنى واحداً، وهو الإفهام بخفاء والبواقي صور ومصاديق له .
2. القضاء: أنّ أهل اللغة ـ وحتّى أن محشّي الروضة ـ نقل عن أنّهم ذكروا للقضاء معاني هي:
الصُنع، الحتم، البيان، الموت، الإتمام، بلوغ النهاية، العهد، الإيصاء، والأداء.
ولكن الإمعان يثبت أنّ الجميع مصاديق مختلفة لمعنى واحد، وهو العمل المتقن، والباقي صور له، ولذلك أرجع صاحب المقاييس الجميع إلى أصل واحد.
وعلى ذلك فالرجوع إلى هذه القواميس على النحو المذكور ربّما يرفع الستار عن وجه الحقيقة.

1 . مريم: 11 .   2 . الأنعام: 112 .
2 . القصص: 7 .   4 . فصلت: 12 .

صفحه 150
في الحقيقة الشرعية   
 
الأمر الثامن:

في تعارض الأحوال

لا شكّ أنّه إذا دار الأمر بين حمل اللفظ على المعنى الحقيقي والمجازي، فالأصل هو الحقيقة حتى يثبت خلافه، أو إذا دار الأمر بين العام والخاص، أو المطلق والمقيّد، فالأصل هو الأخذ بالعموم والمطلق حتى يثبت خلافها.
إنّما الكلام فيما إذا دار الأمر بين أحد الأُمور السبعة التي كلّها على خلاف الأصل كالتجوّز والتخصيص والتقييد، والاشتراك، والنقل والإضمار، والاستخدام، فهل هناك ترجيح لأحدها على الآخر، أو لا؟ فقد ذكر الأُصوليّون وجوهاً استحسانية لترجيح بعض على البعض الآخر، وقد أطنب المحقّق القمي1 الكلام في ذلك، لكنّها وجوه عقلية ظنية، لا تثبت الظهور.
مثلاً إذا دار الأمر في قوله سبحانه: (وَاسْئَلِ الْقَرْيَةِ الّتي كُنّا فِيها)(2) بين إضمار لفظ «أهل»، أو استعمال القرية في غير معناها الحقيقي فقد ذكروا لكلّ وجهاً غير مقنع، فالبحث عن هذه الوجوه ونقدها إضاعة للعمر والمتّبع لدى أهل المحاورة هو الظهور فإن تحقّق فهو وإلاّ فلا تعتبر، لأنّ هذه الوجوه، علل فكريّة، أشبه بأُمور عقلية بعيدة عن الأذهان العرفية، فلا يلتفت إليها العرف الدقيق حتى يثبت بها الظهور للكلام.

1 . قوانين الأُصول: 1 / 31 ـ 35.   2 . يوسف: 82 .

صفحه 151
 
الأمر التاسع:

الحقيقة الشرعية

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أمرين:
1. البحث عن الحقيقة الشرعية نظير ما سندرسه في المستقبل من كون أسماء العبادات موضوعة للصحيح أو لأعم منه، من نتائج البحوث السابقة، أعني: تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي بالتبادر ونظائره كما سيظهر، حيث يستدلّ القائلون بالحقيقة الشرعية أو وضع ألفاظ العبادات والمعاملات للصحيح، بالتبادر تارة وعدم صحة السلب أُخرى، كما سيتّضح .
2. لا شك أنّ ما يتبادر من ألفاظ العبادات في أعصارنا هذه وما تقدّمها إلى عصر أمير المؤمنين (عليه السلام)هو المعاني الشرعية، كالأركان الأربعة في الصلاة والفرائض المالية في الزكاة، وهكذا.
إنّما الكلام في أنّها هل كانت كذلك في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً، أو لم تكن كذلك وإنّما استعملها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه المعاني لمناسبة بينها وبين المعنى الحقيقي مجازاً إلى أن عادت حقيقة بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فعلى الأوّل فهذه المعاني حقائق شرعية، وعلى الثاني معان مجازية ثم صارت حقائق متشرعيّة.
إذا علمت هذين الأمرين فلندخل في صلب الموضوع .

صفحه 152
أقول: هناك فروض ثلاثة:
الأوّل: أنّ هذه المعاني لم تكن موجودة في الجزيرة العربية ولم يكن للعرب قبل البعثة أيُّ معرفة بهذه المعاني، وأنّ ألفاظها كانت مستعملة قبل البعثة في المعاني اللغوية، وإنّما اطّلعت عليها العرب بعد بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الثاني: أنّ هذه المعاني كانت موجودة بين العرب قبل البعثة لكن لم يكن استعمال تلك الألفاظ فيها بدرجة تُصبح هذه المعاني معان لغوية إلاّ بعد مضيّ شيء قليل من بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فتكون هذه المعاني حقائق شرعية.
الثالث: أنّ هذه المعاني كانت موجودة والأسماء مستعملة فيها إلاّ أنّ الإسلام أصلح ما فُسِد عبر الزمان فأضاف شرطاً أو جزءاً وألغى شيئاً، وعلى هذا القول تصير هذه المعاني معان لغوية لا شرعية. لوجودها قبل بعثة الإسلام واستعمال العرب لها في تلك المعاني.
هذه هي الفروض الّتي تحتمل في المقام.
ثم إنّ للأُصوليين في المقام أقوالاً لا تتجاوز الأربعة، وكأنّ كلّ قائل اختار شيئاً من هذه الفروض الثلاثة:
القول الأوّل: ما ذهب إليه أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403 هـ) حيث قال: إنّ ألفاظ العبادات باقية في معانيها اللغوية، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)استعملها فيها، لأنّ الصلاة مصداق من مصاديق الدعاء غير أنّ العرب لم تكن عارفة بهذا المصداق، وقد عرّفهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)به.
وبعبارة أُخرى: استعملها في معانيها اللغوية ولكنّه أراد المصاديق

صفحه 153
الشرعية من جهة نصب قرينة تدلّ على ذلك بنحو تعدد الدالّ والمدلول.
وبعبارة ثالثة: أضاف أجزاءً وشرائط على المعنى اللغوي بدليل آخر، دون أن يستعملها في المعنى الجديد.
يلاحظ عليه: أنّه ادّعاء غير مقرون بالدليل، لو لم يكن الدليل على خلافه، إذ كيف يمكن أن يقال: إنّ الصلاة من مصاديق الدعاء مع الفرق الواضح بين المعنيين؟! أو انّ الفرائض المالية من مصاديق النمو!، إذ أين النمو من إخراج الأموال الطائلة من متعلّقات الزكاة; فلا محيص للباقلاني عندئذ من أحد قولين:
إما نقل الألفاظ من معانيها ووضعها بوضع جديد على هذه المعاني، أو استعمالها فيها بعلاقة من العلائق فيكون الاستعمال مجازاً .
القول الثاني: إنّ هذه الألفاظ استعملت في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على وجه المجاز ثم صارت حقائق متشرعية في تلك المعاني في لسان الصحابة والتابعين بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). واستدلّوا على ذلك بأنّها لو كانت حقائق شرعية في لسانه لتوقّف ذلك على الوضع، وهو إمّا تعيينيّ أو تعيّني ; والأوّل بعيد جدّاً وإلاّ لنقل، والثاني رهن مرور زمان ولا يكفي عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لذلك.
يلاحظ عليه: بأنّ فترة الرسالة، كانت مدة طويلة، فلماذا لا تكفي في نقل اللفظ من معناه اللغوي إلى المعنى الشرعي؟! كما سيوافيك.
القول الثالث: إنّ ألفاظ العبادات ـ في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ نقلت
من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية بالوضع الجديد فصارت هذه

صفحه 154
المعاني حقائق شرعية.
هذه هي الأقوال الرائجة بين الأُصوليين ، فلو دار الأمر بين القولين: الثاني والثالث، فالثالث هو الأقرب بل الأقوى .
وأمّا الإشكال عليه بأنّ النقل في لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)رهن الوضع والنقل، والوضع التعييني بعيدٌ، والتعيّني رهن مرور زمان كثير فمردود بوجهين:
الأوّل: ما مرّ في نقد القول الثاني من أنّ عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يكفي للوضع التعيّني، فإنّ فترة الرسالة كانت ثلاث وعشرين سنة، أو لا تكفي هذه الفترة لنقل اللفظ من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي في هذه المدة المديدة؟
الثاني: أنّ الوضع غير منحصر بالتعيينيّ والتعيّني إذ هناك طريق آخر للوضع وهو الاستعمال بداعي الوضع كما يقول الأب عند تسمية المولود الجديد مخاطباً أُمّه: إئتيني بولدي حسين، محاولاً بذلك تسميته به .
ومن الممكن أن يتولّى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عملية الوضع من خلال هذا الطريق، فلمّا صلّى أمام المؤمنين ، فقال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي»، فهو بنفس ذلك الاستعمال نقل الصلاة من معناها اللغوي إلى الحقيقة الجديدة.
نعم ربّما يستشكل عليه: بأنّه يمتنع الاستعمال بداعي الوضع، لأنّه يستلزم الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد، فبما أنّه بصدد الوضع فيلاحظ لفظ «حسين» لحاظاً استقلالياً، وبما أنّه بصدد استعماله في المولود الجديد يلاحظ اللفظ استعمالاً آلياً، فيلزم الجمع بين اللحاظين في آن واحد.

صفحه 155
أقول: هذا الإشكال كما مرّ سابقاً قد أورده الفقيه السيد أبو الحسن الاصفهاني صاحب الوسيلة (قدس سره)على أُستاذه في الدرس، ولا ندري بماذا أجابه، ولكن الإجابة عنه واضحة وهي: إن أُريد من الآلية الغفلة عن اللفظ فهو غير صحيح، فإنّ الإنسان في كثير من الأوقات يلتفت إلى الألفاظ وينتخب السهل العذب ويترك خلافه، لا سيّما إذا كان سياسياً يُحاسَب على كل لفظ يتفوّه به.
وإن أُريد من الآلية كون اللفظ وسيلة لإفادة المعنى وانّ المعنى هو الأصل، فالآلية بهذا المعنى لا تنافي لحاظه أيضاً .
إذا عرفت ذلك فلو دار الأمر بين هذه الأقوال فالقول الثالث الّذي هو خيرة المحقّق الخراساني هو الأقوى، ولكن هناك قول آخر وهو ما نتلوه عليك:
القول الرابع: إنّ هذه المعاني كانت موجودة في الشرائع السابقة اليهودية والمسيحية، وكانت العرب قبل البعثة واقفة عليها ومعبّرة عنها بتلك الألفاظ، وقد استعملها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تبعاً لاستعمال الآخرين إيّاها في تلك المعاني. وعلى هذا فهذه الألفاظ كانت موضوعة لتلك المعاني وضعاً لغوياً وبقيت على حالها إلى عصر النبي وبعده إلى يومنا هذا. ولذا فيكون القول بالحقيقة الشرعية أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، هذا هو إجمال النظرية، وإليك شرحها .
أقول: هذه النظرية مركّبة من مقدّمتين:
الأُولى: وجود تلك الماهيات المخترعة في الشرائع السابقة، ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى وجودها في الديانة اليهودية والمسيحية فقد كانوا أصحاب

صفحه 156
صلوات وصوم ـ الآيات الكثيرة الحاكية عن وجودها فيها قال تعالى:
1. (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )1.
2. (وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَ عَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق)2.
3. (قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَجَعَلَني نَبِيًّا * وَجَعَلَني مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَاني بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)3.
4. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ وَ كَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)4.
فإنّ هذه الآيات وغيرها ممّا يجده المتتبّع في القرآن، تدلّ على وجود تلك الماهيات في الشرائع السماوية السابقة، وأنّها ليست ماهيات مخترعة في الشريعة الإسلامية.
الثانية: أنّ العرب قبل البعثة تعبر عن هذه الماهيات بنفس تلك الألفاظ، ويدلّ على ذلك الأُمور الثلاثة التالية:
1. كان للعرب صلة وثيقة باليهود والنصارى فقد كانت «يثرب» معقل اليهود و «نجران» مركزاً للنصارى، وكانت لقريش رحلتان في الشتاء

1 . البقرة: 183 .
2 . الحج: 27 .
3 . مريم: 30 ـ 31 .
4 . مريم: 54 ـ 55 .

صفحه 157
والصيف، فرحلة في فصل الشتاء إلى «اليمن» الّتي كان يتواجد فيها اليهود بكثرة، ورحلة في فصل الصيف إلى «الشام» الّتي كانت يوم ذاك مركزاً للنصارى، فلم يكن للعرب يومذاك بُدّ من وجود لفظ، يعبّرون به عن عباداتهم: صلاتهم وصومهم، ولم يكن ذلك التعبير إلاّ بنفس هذه الألفاظ.
2. أن جعفر بن أبي طالب لمّا التجأ إلى الحبشة مع جمع ممن آمن بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في بدء الدعوة الإسلامية، وقد ألّبت قريش ملك الحبشة على اللاجئين عنده، فاستحضرهم ملك الحبشة وكان جعفر هو المتحدّث باسم المسلمين، فسأله الملك عن علّة لجوئهم، والدين الّذي جاء به نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتكلّم جعفر بن أبي طالب بكلام مبسوط نأخذ منه موضع الحاجة، فقال:
«أيّها الملك كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ـ إلى أن قال: ـ وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدّقناه وآمنّا به...». 1
كلّ ذلك يعرب عن شيوع استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني يوم ذاك. وقد خاطب جعفر ملك الحبشة بلغة قومه، وبالتالي فقد خاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس أيضاً بلغة قومه، قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)2 .
3. الآيات النازلة في صدر الرسالة الّتي جاءت في السور المكية، وإليك شيئاً منها; قال تعالى:

1 . السيرة النبوية: 1 / 338 ; إمتاع الأسماع: 21 ; بحار الأنوار: 18 / 414 .
2 . إبراهيم: 4.

صفحه 158
أ. (أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى )1.
ب. (فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى)2.
ج. (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)3.
د. (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)4.
فقد نزلت هذه الآيات في أوائل سننين البعثة، مع أنّ الصلاة فرضت في ليلة المعراج، وكُلُّ ذلك يدلّ على أنّ العرب المعاصرين لعصر البعثة كانوا يستعملون تلك الألفاظ في نفس هذه المعاني بلا قرينة، وأنّ الوحي الإلهي استخدم اللغة الدارجة بين قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يصف صلاة المشركين عند البيت بالمكاء والتصدية، ويقول: (وَ مَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَ تَصْدِيَةً)5 .
فأثبت لهم صلاة وحكم بأنّها لم تكن إلاّ مُكاءً وتصدية، و «المكاء» هو الصفير، و «التصدية» هي التصفيق. وهذا يدلّ على وجود الصلاة بينهم عند البيت ولكنّهم لعبوا بها فأدخلوا فيها ما ليس بصلاة، بل حصروها فيها، وقال أبو عقيل لبيد في معلقته:
حتّى إذا سلخا جمادى ستة *** جزءٌ فهلال صيامه وصيامها
وعلى هذا فهذه الألفاظ كانت حقائق في هذه المعاني قبل بعثة النبي،

1 . العلق: 9 ـ 10 .
2 . القيامة: 31 ـ 32 .
3 . المدثر: 43 ـ 44 .
4 . الكوثر: 1 ـ 2.
5 . الأنفال: 35 .

صفحه 159
سواء أسميناها بالحقائق اللغوية أم العرفية أم الشرعية. وعند ذلك ينتفي ما رتب على النزاع من الثمرة، حيث قالوا: إنّه لو ثبتت الحقيقة الشرعية يحمل كلّ ما ورد في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه الألفاظ على تلك المعاني، وأمّا لو لم يثبت إلاّ في لسان المتشرّعة يحمل على المعنى اللغوي.
وأمّا حسب القول الرابع فالجميع يحمل على هذه المعاني من غير فرق بين كون وقت الاستعمال معلوماً أو مجهولاً.
وممّا ذكرنا يعلم أنّ ما أورده المحقّق النائيني على هذا القول ، والمحقّق المشكيني في تعليقته على الكفاية، والمحقّق الخوئي في محاضراته، غير تام، لأنّهم اكتفوا ببيان المقدّمة الأُولى فلذلك قالوا:
إنّ هذه المعاني وإن كانت ثابتة في الشرائع السابقة إلاّ أنّها لم تكن يعبّر عنها بهذه الألفاظ، بل بألفاظ أُخر فلا يكون ثبوتها في الشرائع السابقة مانعاً عن ثبوت الحقيقة الشرعية .1
أقول: من المعلوم أنّ وجود هذه المعاني في الأُمم السابقة لا يثبت كون العرب المعاصرين لعصر الرسالة يعبّرون عنها بتلك الألفاظ العربية، وأمّا إذا أُضيف إليها المقدّمة الثانية الّتي أثبتت وجود هذه المعاني بين العرب خصوصاً قريش وأنّهم كانوا يعبّرون عن هذه المعاني بهذه الألفاظ، يثبت كونها حقيقة في هذه المعاني قبل بزوغ شمس الرسالة ، وبذلك ينتفي القول بالحقيقة الشرعية.

1 . أجود التقريرات: 1 / 34 ; ولاحظ تعليقة المشكيني على كفاية الأُصول: 1 / 33 ; والمحاضرات: 1 / 138 .

صفحه 160
فإن قلت: إنّ الموجود من هذه الحقائق في الشرائع السابقة يغاير الموجود في الشريعة الإسلامية .
قلت: إنّ القرآن يصرّح بالوحدة في مورد الصيام والحج، وقد مرّت عليك الآيات المشيرة إلى ذلك.
 
ثمرة فرضية
لو افترضنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نقل هذه الكلمات إلى معانيها الشرعية في إحدى سنين حياته، ولكن لم يُعلم تاريخ النقل أو الاستعمال، فمثلاً إذا قال : «إذا رأيتم الهلال فصلّوا» فهل يحمل على المعنى الشرعي أو على المعنى اللغوي؟
أقول: إنّ هنا صوراً أربع ـ وإن كان بعضها خارجاً عن مصبّ البحث ـ وإليك هذه الصور:
1. إذا كان تاريخ النقل والاستعمال معلومين.
2. إذا كان تاريخ النقل والاستعمال مجهولين.
3. إذا كان تاريخ النقل مجهولاً والاستعمال معلوماً .
4. إذا كان تاريخ النقل معلوماً والاستعمال مجهولاً.
أمّا الصورة الأُولى، فهي خارجة عن مصب البحث، إذ لا شكّ في المعنى المقصود ولا ترديد.
وأمّا الصورة الثانية، فيتعارض فيها الأصلان ويتساقطان، ويكون

صفحه 161
المرجع هو القواعد الأوّلية. إنّما الكلام في الصورتين الأخيرتين.
الصورة الثالثة: إذا كان تاريخ النقل مجهولاً وتاريخ الاستعمال معلوماً، كما إذا قال النبي في السنة الخامسة من البعثة: «إذا رأيتم الهلال فصلّوا» فلم يُعلم، هل كان النقل متقدماً على الاستعمال أو متأخّراً عنه. فالمعلوم تاريخه لا يجري فيه الأصل وإنّما يجري في مجهول التاريخ: أعني النقل، فيقال: أصالة عدم النقل إلى زمان الاستعمال، فتكون النتيجة حمل العبارة على مطلق الدعاء.
ثم إنّ في هذه الصورة خلافاً بين الأعلام الثلاثة:
أ. ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم حجّية أصالة عدم النقل لا لكونه مثبتاً، بل لأنّ هذا الأصل، أصل عقلائي وإنّما يجري عندهم إذا شُكّ في أصل النقل لا في تقدّمه وتأخّره كما في المقام، فلا يصح لنا حمل لفظ الصلاة على معنى الدعاء.1
ب. وذهب المحقّق الحائري إلى أنّ الوضع السابق حجّة لا ترفع
عنه اليد إلاّ بعد العلم بوقت الوضع الثاني، وحيث لم يُعلم ذلك حين الاستعمال فيحمل على المعنى اللغوي فتكون النتيجة موافقة لأصالة عدم النقل .2
ج. قال السيد الأُستاذ بأنّ الحجّة هي ظهور الكلام لا العلم بالوضع الأوّل، ومع العلم الإجمالي بالنقل والشك في تقدّمه وتأخّره عن الاستعمال

1 . كفاية الأُصول: 1 / 34 .
2 . درر الفوائد: 47 .

صفحه 162
لا يبقى للكلام ظهور حتّى نتبعه.1
ولعلّ ما ذكره الأُستاذ (قدس سره)هو المتبع، لأنّ الظهور لا ينعقد بهذه الأُمور الذهنية، أعني: استصحاب الوضع الأوّل وعدم ثبوت الوضع الثاني.
الصورة الرابعة: إذا كان تاريخ النقل معلوماً والاستعمال مجهولاً.
فيأتي هنا ما ذكره الأعلام الثلاثة في الصورة الثالثة، فالأصل الجاري في المقام هو أصالة عدم الاستعمال لا أصالة النقل على خلاف الصورة الثالثة، فالمحقّق الخراساني ينفي جريان أصالة عدم الاستعمال إلى زمان النقل الّتي لو جرت يكون المراد هو المعنى الشرعي، ووجه عدم الجريان أنّ الأصل المزبور ـ على خلاف الأصل السابق ـ ليس أصلاً عقلائياً، بل هو أصل شرعي وجريانه فرع وجود أثر شرعي مرتّب عليه بلا واسطة، وليس هذا الأصل موضوعاً للأثر في الأدلّة. وإن أُريد به تأخّر الاستعمال عن النقل يكون الأصل مثبتاً.
كما أنّ المحقّق الحائري يؤكدّ على التمسّك بالوضع الأوّل وأنّه حجّة لا ترفع عنه اليد إلاّ بدليل، ومعنى ذلك حمل الجملة على المعنى اللغوي على خلاف مفاد الأصل أي عدم الاستعمال قبل النقل.
   
كما أنّ السيد الأُستاذ يؤكّد على عدم انعقاد الظهور مع وجود العلم الإجمالي بالنقل، وتردّد الاستعمال بين كونه قبل النقل أو بعده، وقد عرفت أنّ الأقوى هو الأخير.

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 86 .

صفحه 163
 
الأمر العاشر:

في الصحيح والأعمّ

يقع الكلام في هذا الأمر في مقامين رئيسيّين: العبادات والمعاملات، ولذا جعل صاحب الكفاية عنوان البحث: «هل ألفاظ العبادات أسام لخصوص الصحيحة أو لأعمّ منها» وما هذا إلاّ لأنّه خصّ ألفاظ المعاملات بالبحث مستقلاًّ.
وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: جريان النزاع على عامّة الأقوال

قد مرّ أنّ الأقوال في كيفية استعمال ألفاظ العبادات أربعة:
أ. إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) استعمل هذه الألفاظ في معانيها اللغوية ولكنّه لمّا أراد إراءة مصداق جديد للدعاء لم تكن لهم به معرفة، أتى بدليل ثان يدلّ عليها بنحو تعدّد الدال والمدلول، فأراد من الدليل الأوّل (لفظ الصلاة) نفس الدعاء، ومن الدليل الثاني ما أُضيف إليه من الأجزاء والشرائط .
ب. أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) استعملها في معانيها الشرعية مجازاً للعلاقة بينها وبين المعنى اللغوي.
ج. أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نقلها من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية عن

صفحه 164
طريق الاستعمال بداعي الوضع.
د. كانت هذه الألفاظ حقائق عرفية في نفس هذه المعاني قبل البعثة، وقد استغلّها الشارع لبيان مقصوده.
والّذي يدخل في عنوان النزاع هو القول الثالث والرابع فقط، لأنّ الألفاظ على ذينك القولين إمّا نقلت من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية، كما هو الحال في القول الثالث أو استغلّها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لبيان مقصوده بالتصرف فيها باضافة شيء أو حذف شيء آخر.
وأمّا على القولين الأَوّلين فلا نقل ولا تصرف، فعنوان البحث لا يشمل هذين القولين، ولكن ذلك لا يمنع من عمومية ملاك النزاع (لا عنوان المسألة) لهما أيضاً ، بأن يقال:
أمّا على القول الأوّل فملاك النزاع هو: هل الدليل الثاني الّذي نصبه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للدلالة على المصداق الجديد هل كان دالاً على إرادة المصداق الصحيح، أو كان دالاّ على الأعمّ، على وجه يكون الأصل في الاستعمال هو المصداق الّذي أُقيم عليه الدليل في المرحلة الأُولى من هذا الاستعمال، ويكون هو الأُسوة والقدوة في تفسير كلّ ما ورد في الحديث النبوي من الفاظ العبادات، وتكون إرادة المصاديق الأُخر محتاجة إلى قرينة؟ وبعبارة أُخرى: قد تقدّم أنّ المقام على القول الأوّل من قبيل تعدّد الدال والمدلول، فيقع الكلام في أنّ مدلول الدالّ الثاني هل هو الصحيح أو الأعم؟
وأمّا على القول الثاني فيقع النزاع في أنّ الشارع هل لاحظ العلاقة بين المعاني اللغوية والمعاني الصحيحة، أو لاحظ العلاقة بينها وبين الأعم؟

صفحه 165
وعلى كلّ تقدير يكون الأصل في استعمالات الشارع هو المعنى الّذي لاحظ العلاقة بينه وبين المعنى اللغوي وعليه يُحمل كلّ ما ورد من هذه الألفاظ في السنّة النبوية، وتكون إرادة المعنى الآخر محتاجة إلى قرينة.

الثاني: ما هو معنى الصحّة؟

ادّعى المحقّق الخراساني أنّ الصحّة بمعنى «التمام» وأنَّ تفسير المتكلّم الصحّةَ بموافقة الشريعة أو تفسير الفقيه، بما يسقط الإعادة والقضاء، تفسير باللازم، وبما يُهمُّ كلّ واحد منهما، فالمتكلّم يُهمّه التعرّف على ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله والعقاب والثواب من أفعاله، وهما يترتّبان على الموافقة والمخالفة، ولأجل ذلك فسّرها بموافقة الشريعة، كما أنّ الفقيه يهمّه تعيين تكليف المكلّف من الإعادة والقضاء وعدمهما ولذلك فسّرها بسقوطهما.
أقول: الظاهر أنّ الصحّة لغة تارة تستعمل في مقابل المرض ويقال: «مصح ومريض» وقد جاء في الحديث النبوي قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يُوردَنَّ ذو عاهة على مُصحّ» وأُخرى تستعمل في مقابل النقص، فيقال: «صحيح ومعيب»، فالصحّة حسب الملاك الأوّل تطلق على أشياء باعتبار اتّصافها بكيفية ملائمة لنوعها أو باعتبار أثر يترتّب عليه، ويقابله الفساد بمعنى حدوث كيفية منافرة لطبعه أو باعتبار ترتب أثر لا يترقب منه، ولهذا المعنى توصف الدهون والأدوية والمعاجين بالصحّة والفساد. وهنا يكون ملاك الاتّصاف هو الكيفية لا الكمية. والصحّة في هذا القسم بمعنى

صفحه 166
«السلامة» فيقال: سالم وفاسد.
وأمّا الصحّة حسب الملاك الثاني تطلق على الشيء باعتبار تمامية أجزائه، ويقابلها النقص باعتبار نقصان بعض أجزائه، وبهذا الملاك يقسم المتاع إلى الصحيح والمعيب، أو الدابة إلى صحيحة ومعيبة. ويكون الملاك هو كونه تامّاً من ناحية الكمية أي الاجزاء والشرائط وعدمها.
فحصر معنى الصحة في معنى التمام من حيث الاجزاء نوع غفلة عن الملاك الأوّل.
فمثلاً لو صلّى بقراءة ملحونة فقد فسدت صلاته لأجل فقدان الكيفية المطلوبة في الصلاة، وأمّا لو صلّى بلا قراءة فقد فسدت صلاته لأجل فقدان أحد الأجزاء.
ولعلّ في عبارة ابن فارس تصريح بكلا المعنيين، قال:
الصحّة، أصل يدلّ على البراءة من المرض والعيب، وعلى الاستواء من ذلك، فالصحّة ذهاب السقم، والبراءة من كلّ عيب.1 فلابد من تفسير الصحّة على وجه يعمّ كلا القسمين ويمكن ان يقال: التمامية من حيث الكيف والكمّ. أو السلامة من الجهة الأُولى، والتمامية من الجهة الثانية.

الثالث: ما هو المقصود من الوضع للصحيح ؟

هل المراد من الصحيح هو الصحيح بالحمل الأوّلي؟ أو المراد هو الصحيح بالحمل الشائع؟ أو لا هذا ولا ذاك، بل ماهية لو وجدت في الخارج

1 . المقاييس: 3 / 281 .

صفحه 167
لوصفت بالصحّة؟
لا طريق إلى القول الأوّل لاستلزامه كون الصلاة مرادفة لمفهوم الصحّة; كما لا طريق إلى الثاني لاستلزامه أن يكونَ الموضوع له خاصّاً مع أنّ الجميع متّفق على أنّ الموضوع له هو الأمر الكلّي المردّد بين الصحيح أو أعمّ منه ومن غيره، فتعيّن الثالث، أي الماهية الاعتبارية الّتي لو وجدت في الخارج لوصفت بالصحّة، فالصحّة الفعلية من صفات وجودها، والتعليقية من أوصاف الماهية.

الرابع: في دخول الأجزاء والشرائط في المسمّى

الفرق بين الجزء والشرط، هو انّ الجزء داخل في المسمّى قيداً وتقيّداً، أمّا الشرط فداخل تقيّداً لا قيداً، فالوضوء بنفسه غير داخل في المسمّى ولكن الأمر تعلّق بالصلاة متقيّدة بالوضوء.
أمّا دخول الأجزاء فلاشكّ في دخولها. في المسمّى وأمّا الشرائط فهي على قسمين:
شرط شرعي، كالتستر والاستقبال، وشرط عقلي كقصد الأمر، وقصد الوجه، وعدم الابتلاء بالمزاحم، أو عدم تعلّق النهي.
أمّا القسم الأوّل (الشروط الشرعية) فقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى خروجه عن المسمّى قائلاً: بأنّ رتبة الأجزاء رتبة المقتضي، ورتبة الشرائط متأخّرة عن رتبة المقتضي، فلايسوغ إدخالها في المسمّى لتستوي مع الأجزاء .1

1 . مطارح الأنظار: 6 .

صفحه 168
حاصله: أنّ الشروط في طول المشروط فيستحيل أن يقعا في مصاف واحد.
يلاحظ عليه: أنّه خلطٌ بين عالم العين والتكوين وعالم الوضع والتسمية، فما ذكره راجع إلى عالم العين فالمشروط مقدّم على الشرط، لأنّ الشرط إما متمّم لفاعلية الفاعل كالمحاذاة بالنسبة إلى النار، أو لقابلية القابل كالجفاف بالنسبة إلى الحطب.
وأمّا عالم التسمية والوضع فلا مانع من أن يسمّى المتقدّم والمتأخّر بلفظ واحد، وهذا كالموجود فهو يعمّ الواجب والممكن بوضع واحد، ولكن أين التراب من رب الأرباب؟!
هذا حسب الثبوت، وأمّا الإثبات فأدلّة القائلين بالصحيح والأعمّ خير شاهد على دخول الشرائط في المسمّى، مثلاً:
انّ المحقّق الخراساني استدلّ على وضع لفظ الصلاة على الصحيح منها بالآثار المترتّبة عليها في لسان الشرع ; كالنهي عن الفحشاء، ومعراج المؤمن، وقربان كلّ تقي،1 وهذه الآثار تدلّ على أمرين:
1. وضع اللفظ للصحيح دون الأعمّ .
2. دخول الشرائط في المسمّى عند الصحيحي، لوضوح أنّ الصلاة إنّما تنهى عن الفحشاء إذا كانت جامعة للأجزاء والشرائط.
كما أنّ استدلال الأعمّي في الرد على الصحيحي يكشف عن دخول

1 . كفاية الأُصول: 1 / 36.

صفحه 169
الشرائط في المسمّى حيث قال في مقام الرد على الصحيحي: بأنّ القول بالصحيح يلزم تكرار معنى الطلب في الأوامر المتعلّقة بها، لأنّ الأمر بالصحيح حينئذ يرجع إلى الأمر بالمطلوب، إذ هو معنى الصحيح فيكون المعنى أطلب المطلوب .1
ومن المعلوم أنّ المطلوب هو التام جزءاً وشرطاً.
هذا كلّه حول الشروط الشرعية، وأمّا الشروط العقلية فلو قلنا بعدم إمكان أخذ قصد الأمر والوجه في المتعلّق فيلازم خروجه عن المسمّى، لأنّ الغرض من الوضع هو جعل الموضوع متعلّقاً للأمر، فإذا كان بعض الشروط غير قابل لأخذه في المتعلّق يكون أخذه في المسمّى أمراً لغواً .
وأمّا على القول بإمكان أخذه في المتعلّق ـ كما هو الحق ـ فلا مانع من أخذه في المسمّى، غير أنّ الرائج هو أخذ الشروط الدخيلة في الماهية في المسمّى لا الشروط الّتي تُعدّ من توابع الوجود والتحقّق. والأُمور الأربعة الّتي أُشير إليها أشبه بلوازم وجود الصلاة الصحيحة فلا تؤخذ في المسمّى.

الخامس: في لزوم جامع على كلا القولين

يجب وجود جامع بين الأفراد من غير فرق بين القول بالصحيح والقول بالأعمّ، وذلك لوجهين:
1. أنّ الأمر دائر بين الاشتراك اللفظي والحقيقة والمجاز، والاشتراك المعنوي، والأوّلان باطلان لم يذهب إليهما أحد، فلا بد من القول بالثالث

1 . الفصول الغروية: 48.

صفحه 170
الّذي يلازم وجود جامع بين جميع الأفراد الصحيحة، أو بين جميع الأفراد أعمّ من الصحيحة والفاسدة.
2. أنّ الوضع في ألفاظ العبادات إمّا عامّ والموضوع له كذلك، أو الوضع عام والموضوع له خاص، فعلى كلا القولين لابد من جامع، أمّا أن يكون هو الموضوع له كما هو الحال في القول الأوّل أو يكون وسيلة لمشاهدة الموضوع له، أي الافراد لامتناع تصوّر الافراد غير المتناهية بنفسها إلاّ بطريق جامع يكون وسيلة لمشاهدة الأفراد إجمالاً. كما هو الحال في القول الثاني.

السادس: مشكلة الجامع على القول بالصحيح

القائل بوضع ألفاظ العبادات للصحيح منها يواجه مشكلة عسيرة، فهو من جانب يرى أنّ مصاديق العمل الصحيح مختلفة كمّاً وكيفاً.
أمّا الكم كالصلوات الثنائية والثلاثية والرباعية، وصلاة الحاضر والمسافر، والآمن والخائف.
وأمّا الكيف فكصلاة المتوضّئ والمتيمّم والمصح والمريض، والعاجز عن القيام دون الجلوس، والعاجز عن الجلوس دون الاضطجاع.
ومن جانب آخر يرى نفسه أنّه بصدد إثبات أنّ لفظ الصلاة يصدق على جميع هذه المصاديق المختلفة كماً وكيفاً بوضع واحد.
وعند ذلك تتوجه إليه الأسئلة التالية:
1. لو كان لفظ الصلاة موضوعاً للصلاة الرباعية فلا يصدق على الأقل منها، ولو كان موضوعاً للأقل منها فلا يصدق على الكثير.

صفحه 171
2. لو كان لفظ الصلاة موضوعاً لما هو وظيفة المختار كالتوضّؤ لما يصدق على ما هو وظيفة المضطر كالتيمم، مع أنّ الصحيحي يدّعي أنّه يشمل كلا الصنفين بوضع واحد.
3. أنّ بعض مصاديق الصحيح صحيحة في حالة وفاسدة في حالة أُخرى كالثنائية صحيحة في حقّ المسافر وفاسدة في حق غيره. فكيف يمكن تصوير جامع يكون جامعاً لعامة المصاديق ومانعاً لغيرها مع أنّ صلاة المضطر داخلة في الموضوع له في حالة وخارجة عنه في حالة أُخرى؟!
وهذه المشاكل الثلاث هي الّتي يواجهها القائل بالصحيح، ولذلك اختار كلٌ مسلكاً ليتخلّص من تلك الإشكالات، وإليك هذه المسالك:

1. الجامع عند المحقّق الخراساني

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الجامع بين أفراد الصلاة ليس معلوماً باسمه، ولكنّه يمكن الإشارة إليه بخواصّه وآثاره ; قال: فإنّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثر الكلّ فيه بذاك الجامع، فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة مثلاً، بالناهية عن الفحشاء وماهو معراج المؤمن، ونحوهما.1
وقد تخلّص (رحمه الله) عن الإشكال بجعل الجامع بسيطاً ليكون موجوداً في عامّة الصلوات الصحيحة مع اختلافها فإنّها وإن كانت مختلفة من حيث قلّة الأجزاء وكثرتها لكن الجميع مشترك في الاشتمال على المعنى البسيط. وفي

1 . كفاية الأُصول: 1 / 36 .

صفحه 172
الحقيقة، كانت الغاية من اتّخاذ الجامع أمراً بسيطاً هو التخلّص عن تصوير الجامع المركّب الّذي يتعسّر تصويره بين مصاديق مختلفة.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: وجود التعارض بين صدر كلامه والذيل، فالصدر ظاهر في أنّ الموضوع له شيء، والنهي عن الفحشاء ونظيره معرّف له، لكن الذيل ظاهر في أنّ الموضوع له هو نفس الأثر أي الناهية عن الفحشاء، اللّهم إلاّ أن يحمل (حرف الباء) في قوله: بالناهية على السببية، أي بسبب الناهية عن الفحشاء ومن خلالها.
وثانياً: أنّ الهدف من الوضع تفهيم ما قام من المعنى في ذهن الواضع ثم المتكلّم، فلو كان المعنى غير قابل للتفهيم إلاّ بالإشارة إليه بالأثر الخاص كان الوضع له لغواً، اللّهم إلاّ أن يقول بالوضع للأثر مع أنّه لا يلتزم به.
وثالثاً: أنّ استخدام قاعدة الواحد ـ أعني : لا يصدر الواحد إلاّ عن الواحد ـ في المقام غير صحيح، لأنّ مصبّ القاعدة هو المعلول الواحد الشخصي البسيط من جميع الجهات، وأمّا الواحد الّذي فيه جهات كثيرة فليس مجرى للقاعدة، وذلك:
لأنّه قد ثبت في محلّه لزوم وجود الرابطة بين المعلول والعلّة ليصحّ في ظلّها صدور المعلول عنها بسبب تلك الرابطة، وإلاّ فلو صدر المعلول من دون صلة رابطة بينهما يلزم أن يكون كلّ شيء علّة لكلّ شيء.
وعلى ضوء هذه القاعدة لو كان المعلول بسيطاً يجب أن يصدر عن الواحد، فلو صدر عن كثير بأن يصدر تارة من هذا، وأُخرى من ذاك، يلزم أن

صفحه 173
يشتمل المعلول الواحد على حيثيتين مختلفتين يصدر من أحدهما، بحيثية ومن الآخر بحيثية أُخرى، وعندئذ ينقلب الواحد إلى كثير، وهذا خلف. ففرض كون المعلول واحداً بسيطاً لا كثرة فيه يساوق حصر صدوره عن علّة واحدة.
لكن القاعدة ـ كما يوحي برهانها ـ مختصّة بالمعلول الواحد البسيط من جميع الجهات، فإين هي من النهي عن الفحشاء الّذي هو واحد بالنوع حيث إنّ النهي عن الكذب غير النهي عن الغيبة، وكلاهما غير النهي عن النميمة. فالقاعدة صحيحة لكن تطبيقها على المورد غير صحيح.
ورابعاً: أنّ لازم القول بوضع الصلاة للجامع البسيط الموجود في جميع المراتب وإن كان يرفع الاشكال ـ وهو مشكلة وجود الجامع في عامّة مراتب الصحيح أُحادية كانت الصلاة أو ثُنائية أو ثُلاثية أو رُباعية، كانت الصلاة صلاة اختيار أو صلاة اضطرار ـ إلاّ أنّه يوجد الإشكال في مقام آخر وهو لزوم الاحتياط عند الشك في الجزئية والشرطية مع أنّ المشهور هو إجراء البراءة عند الشك فيهما، وتوضيحه:
إنّ مشاهير الأُصوليّين عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للصلاة قالوا بالبراءة بادّعاء انحلال العلم الإجمالي إلى أمر يقيني وشك بدوي، وهذا إنّما يصحّ إذا تعلّق الأمر بأمر مركّب ذي أبعاض حتّى يكون بعضه متيقّناً والبعض الآخر مشكوكاً، والّذي يُعدّ قوام الانحلال، وأمّا إذا كان الأمر متعلّقاً بأمر بسيط وكانت نسبة الأجزاء إليه نسبة المحصِّل إلى المحصَّل يكون المرجع هو الاشتغال لكون المأمور به واضحاً، والشكّ إنّما هو في محقَّقه

صفحه 174
ودورانه بين الأقل والأكثر، ومن المعلوم أنّ العقل يحكم عندئذ بالاحتياط للعلم بالاشتغال القطعي والشك في سقوطه بالأقل، وهذا ما يعبّر عنه تارة «بالشكّ في المحصِّل» أو «الشكّ في السقوط».
نعم أجاب عن هذا الإشكال المحقّق الخراساني في «الكفاية» .1 بما هذا توضيحه: وجود الفرق بين المسبب الّذي له وجود مستقل منفصل عن السبب، وبين المنتزع عن المركّب المتحقّق معه من دون أن يكون له وجود مستقل.
فالأوّل كالطهارة إذا فسّرت بالطهارة النفسانية الّتي تتحقّق بالغسلات والمسحات، فظرف المسبب هو النفس، كما أنّ ظرف السبب هو الخارج، ففي هذا المورد إذا شكّ في حصول الطهارة النفسانية لأجل الشك في اعتبار الاستنشاق في الوضوء وعدمه، يجب الاحتياط، لأنّ الاشتغال اليقيني بالمسبب البسيط، أعني: الطهارة النفسانية، يقتضي البراءة اليقينية ولا يحصل إلاّ بضم الاستنشاق إليه .
والثاني كما في المقام، فإنّ للعنوان البسيط نحو اتّحاد في الخارج مع الأجزاء والشرائط ولا يضر اختلاف المنتزع منه قلّة وكثرة في انتزاعه كالإنسان المنتزع من الإنسان التام والناقص، فوجود هذا الجامع البسيط عين وجود المركبات وليس مغايراً لها حتّى يكون الشك في قلّتها أو كثرتها من قبيل الشكّ في المحقّق.
يلاحظ عليه: أنّ الالتزام بالجامع البسيط بأيّ نحو كان، يوجب

1 . كفاية الأُصول: 1 / 37 .

صفحه 175
الاشتغال لا البراءة، وكون المسبب غير السبب كما في الصورة الأُولى، أو متّحداً معه كما في المقام، لا تأثير له في اختلاف الأصل، وذلك لأنّ متعلّق الأمر هو العنوان الكلّي المنتزع وهو أمر بسيط، لا المنتزع منه الّذي يتّحد فيه الأمران، فمنشأ الخلط تصوّر أنّ الأمر يتعلّق بالوجود الخارجي الّذي يتّحد فيه المنتزع والمنتزع منه، غافلاً عن أنّ الأمر يتعلّق بالعنوان الكلّي الموجود في الذهن لغاية الإيجاد، وهو غيرالمنتزع منه في مقام تعلّق الأمر.

2. الجامع عند المحقّق الاصفهاني

ذكر المحقّق الاصفهاني أنّ الجامع أمر مبهم في غاية الإبهام معرَّف ببعض العناوين غير المنفكّة عنه، وما ذكره قريب ممّا ذكره المحقّق الخراساني، وإليك عبارته:
إنّ الماهية إذا كانت من الماهيات الحقيقية تكون واضحة في مقام الذات ومبهمة من حيث الطوارئ والعوارض، وهذا كالإنسان الّذي هو معلوم جنساً وفصلاً، وإنّما الإبهام في عوارضه المشخّصة.
وإذا كانت الماهية من الأُمور المؤلفة من عدّة أُمور بحيث تزيد وتنقص كمّاً وكيفاً، فمقتضى الوضع لها أن تلاحظ على نحو مبهم في غاية الإبهام بمعرّفية بعض العناوين غير المنفكة عنها، وهذا كالصلاة حيث إنّها مركّبة من ماهيات مختلفة: كالوضع، والكيف والفعل، فلا محيص من وضع اللفظ لسنخ عمل مبهم لا يعرف إلاّ من جانب أثره، وهو النهي عن الفحشاء أو غيره من المعرّفات، بل العرف لا ينتقل من سماع لفظ الصلاة إلاّ إلى سنخ عمل

صفحه 176
خاص مبهم إلاّ من حيث كونه مطلوباً في الأوقات، وهذا هو الّذي تصوّرناه فيما وضعت له الصلاة بتمام مراتبها، من دون الالتزام بجامع ذاتي مقولي، ومن دون الالتزام بالاشتراك اللفظي.
وهذا واقع في العرف في مثل «الخمر» الموضوع لمائع مبهم من حيث مرتبة الإسكار ومن حيث كونه متّخذاً من العنب أو التمر أو غيرهما، ومن حيث كون هذا طعم خاص أو لون مخصوص أو غير ذلك من الجهات .1
يلاحظ عليه:
أوّلاً: بأنّ الموضوع له مع إبهامه وإجماله إمّا مركّب أو بسيط، والبسيط إما جامع مقولي أو جامع عنواني، والمجموع غير تام.
أمّا المركّب فيرد عليه أنّه مردّد بين الأقل والأكثر، فلو وضعت على الأكثر أجزاءً خرج القليل أجزاء عن تحت الصلاة مع كونه صحيحاً في بعض الاحوال كالصلاة الثنائية، وإن وضعت للأقل يخرج الأكثر أجزاءً عن تحتها ; وأمّا البسيط فالمقولي منه غير متصور، لأنّ الصلاة مركّبة من مقولات مختلفة; كالوضع والكيف والفعل، وهي من الأجناس العالية الّتي ليس فوقها جنس.
وأمّا الجامع العنواني الّذي يعبر عنه بالانتزاعي كالناهي عن الفحشاء والمنكر فهو يستلزم خلاف المطلوب، إذ يلزم عليه وجوب الاحتياط عند الشك في الأقل والأكثر حسب ما مرّ تقريبه.
وثانياً: أنّ الخمر موضوع لمفهوم واضح ولمعنى معيّن ـ أعني:

1 . نهاية الدراية: 1 / 39 .

صفحه 177
المسكر ـ غاية الأمر أُخذ لا بشرط من حيث المنشأ ومرتبة الإسكار والطعم. وقد مرّ أنّ وضع اللفظ لمعنى مبهم لا يعرفه الواضع ولا المخاطب خلاف حكمة الوضع، والحقّ أنّه نفس مختار الكفاية غير انّه لم يصرّح ببساطة الجامع.

3. الجامع عند المحقّق النائيني

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ الموضوع له هو خصوص التام من حيث الأجزاء والشرائط كصلاة المكلّف المختار، وإطلاقها على الصلوات الناقصة الاضطرارية إنّما يكون بعد التصرّف في الأمر العقلي، وجعل الصلوات العذرية المجزية مشابهة للصلوات التامّة في الإسقاط وعدم وجوب الإعادة والقضاء وتنزيلها منزلتها من جهة المسقطية والإجزاء، وبعد هذا التنزيل صارت صلوات ادّعائية ثمّ أُطلقت الصلاة عليها .1
وحاصله: أنّ الموضوع له أوّلاً هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط، والاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحي، أو أعمّ منها على الأعمّي، من باب الادعاء والتنزيل، أي تنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة، كما في جملة من الاستعمالات .2
يلاحظ عليه: بأنّه إن أراد من كلامه، وضعَ لفظ الصلاة لمفهوم التامة الأجزاء والشرائط فهو كماترى، إذ يكون عندئذ مفهوم الصلاة معادلاً للتامّة الأجزاء والشرائط مع أنّه غير صحيح قطعاً.

1 . نتائج الأفكار، للمحقّق الشاهرودي: 1 / 93 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 36 .

صفحه 178
وإن أراد ما صدق عليه ذاك العنوان، فمن المعلوم أنّ ما يصدق عليه مختلف من حيث الركعات والأجزاء والشرائط فلو وضعت لقسم واحد يمتنع صدقها على غيره ولا يتصوّر الجامع بين الواجد والفاقد، ومع غض النظر عن هذا الإشكال الأخير فما ذكره من التقريب أقرب إلى الذهن من تقريب العلمين السابقين.

4. الجامع عند المحقّق البروجردي

ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّ الجامع الحقيقي غير متصوّر في المقام ولابد من تصوير جامع عنواني عرضي، يقول في هذا الصدد:
إنّ الجامع المقولي لا يتصور في المقام، فإنّ الأشياء المتباينة، بالذات لا يعقل فرض الجامع بينها بالوحدة الحقيقية الذاتية في مرتبة واحدة من مراتب الصلاة، فكيف بالجامع بين جميع المراتب من الكامل المختار تام الأجزاء والشرائط إلى أنقص المراتب كمية وكيفية؟ فتصوير الجامع الذاتي ممّا لا سبيل إليه .
وأمّا الجامع العرضي فالذي يخطر ببالنا أنّ حال المركبات العبادية كالصلاة والصوم والزكاة وأمثال ذلك حال المركّبات التحليلية كالإنسان ونظائره، فكما أنّ الإنسان محفوظ في جميع أطوار أفراده، زادت خصوصية من خصوصياته أو نقصت منها، فكذلك حال المركبات الاعتبارية العبادية، بمعنى أنّه يمكن اعتبار صورة واحدة تمتاز بها عن غيرها وتكون تلك الصورة، ما به الاجتماع لتمام الأفراد وجميع المراتب، وتكون محفوظة في

صفحه 179
جميع المراحل، وهذا الشيء هو الخشوع الخاص في الصلاة، فإنّ التخشّع الخاص ـ الّذي يكون محصِّل شيئية الصلاة وتصير به الصلاةُ صلاةً ـ محفوظ في جميع أفراد الصلاة ومراتبها المختلفة، وهذا هو المناسب لمقام عبودية العبد بالنسبة إلى مولاه .1
وإن شئت قلت: إنّ جميع مراتب الصلاة بحالها من الاختلاف في الأجزاء والشرائط تشترك في كونها توجّهاً خاصّاً وتخشّعاً مخصوصاً من العبد، ويوجد هذا التوجّه بإيجاد أوّل جزء منها ويبقى إلى أن تتم، فيكون هذا التوجّه بمنزلة الصورة لتلك الأجزاء المتباينة بحسب الذات، المختلفة كمالاً ونقصاً باختلاف المراتب، فالتخشّع بوجوده الخارجي بمنزلة الصورة لهذه الأجزاء، فهو موجود بعين وجودات الأجزاء فيكون الموضوع له للفظ الصلاة هذا المعنى المحفوظ في جميع المراتب .2
فإن قلت: إنّ هذا التقرير لا يدفع الإشكال، لأنّ التخشّع المجرّد عن الأجزاء ليس معنى الصلاة، بل معناه هو التخشّع القائم بالأجزاء والشرائط، فعندئذ إمّا أن يكون الموضوع له هي التامة منهما فلا يصدق على غير التامّة، ولو كان الموضوع له هي غير التامة فلاتصدق على القسم التام.
قلت: إنّ الموضوع له هو التخشّع القائم بالأجزاء والشرائط لكن الّذي يقوم به التخشع لا بشرط من جانبي الكثرة والقلّة وهذا يصحّ صدقه على القليل والكثير.

1 . الحجّة في الفقه للأُستاذ مهدي الحائري وهو تقرير لبحوث المحقّق البروجردي: 1 / 58 .
2 . نهاية الأُصول: 1 / 40 .

صفحه 180
 
5. الجامع عند السيد الأُستاذ
ذهب السيد الأُستاذ إلى أنّ الصلاة اسم للهيئة الخاصة، الحالّة في الأجزاء الخاصة كلّ واحدة منها مأخوذة لا بشرط .
توضيح ذلك: أنّ الواحد الاعتباري يلاحظ على قسمين:
1. قسم تكون الهيئة والمادة متعينتين لا يجوز التجاوز عنهما، وهذا كإطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، قال سبحانه: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)1، فالموضوع هو إطعام عشرة مساكين فالعدد متعيّن فلا يكفي إطعام أقل من العشرة ولا يجوز التجاوز عنها بنيّة الوجوب، وهذا هو المراد من تعيّن العدد الّذي هو بمنزلة الهيئة، كما أنّ المادة ـ أعني: المساكين ـ متعيّنة فلا يجوز إبدالهم إلى الأقرباء والأصدقاء والجيران إذا لم يكونوا مساكين.
2. ما تكون الهيئة والمادة كلتيهما لا بشرط أي يجب أن تكون فيه هيئة ومادة ما، دون أن تكون فيه خصوصية وهذا كالبيت فيطلق على المثلث والمربع وغيرهما، كما يطلق على المبنيّ باللبن والآجر والاسمنت فاللازم فيه كونه محافظاً عن البرد والحر بأي شكل كان وبأي مادة بُني. ونظير ذلك السيارة ومعامل النسيج فاللازم ترتب الغاية المطلوبة من السير والنسج، وأمّا الهيئة والمادة فكلتاهما غير متعينتين .

1 . المائدة: 89 .

صفحه 181
وعلى ضوء ذلك يمكن أن يقال: إنّ الصلاة عبارة عن الهيئة الخاصة الّتي تحكي عن عبودية الفاعل وخضوعه وخشوعه أمام الله سبحانه مقرونة بمواد كالذكر والقرآن والركوع والسجود لكن على النحو اللابشرط الصادر على الميسور منها .
فالصورة الاتصالية للصلاة بمنزلة الهيئة، والذكر والقرآن وسائر الأفعال بمنزلة المادة، وكل أُخذ على النحو اللابشرط دون أن يتحدّد واحد منهما، فإذا قيل الصلاة، يراد بها الهيئة الخاصّة اللابشرط، الحالّة في الاجزاء الخاصة، وتتحد الهيئة مع الاجزاء اتحادَ الصورة والمادة .1
وبذلك تندفع كل المحاذير الّتي كان الصحيحي يواجهها، وذلك لأنّه لو كانت الهيئة والمادة متعينتين لما صدقت الصلاة على الخارج منهما مع أنّها أيضاً صلاة، وإذا أُخذ كلّ منهما لا بشرط وغير متعيّن يصدق على الثنائية والثلاثية والرباعية، كما يصدق على صلاة المختار والمضطر، وذلك لأنّ كلاً من الهيئة والمادة غير محدّدين بهيئة ومادة خاصة، بل المأخوذ منهما هو العرض العريض فالركوع والسجود من الهيئة والأذكار والقرآن من المادة أجزاء للصلاة لكن بعرضها العريض الصادق على الميسور منها.
كما أنّ مشكلة لزوم الاحتياط عند الشك في الجزئيّة مرفوعة، وذلك لأنّ الشك في جزئية شيء وعدمها شك في تقيّد الهيئة والمادة بالمشكوك والأصل عدمه.
إذا أمعنت النظر في هذا التقريب يظهر لك مفاد التقريبين الآخرين:

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 106 ـ 109 .

صفحه 182
أحدهما للسيد الطباطبائي، والآخر للسيد الخوئي، وكأنّ الجميع يوحي إلى معنى واحد، وقد استمد الأوّل في تقريب كلامه بمثال المصباح الّذي تطوّرت مصاديقه من الاستضاءة بإشعال الأشواك ثم المصباح الزيتي ثم الغازي ثم الكهربائي، والجميع مصاديق للمصباح، وما هذا إلاّ لأنّ الواضع وضع لفظ المصباح لما يُضيء حوله على نحو اللابشرط في الأدوات والآلات .
وقد استخدم السيد الخوئي التمثيل بلفظ (البيت) والجميع يشير إلى تقريب واحد، رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الباقين منهم.
إذا تبيّن ذلك فنحن في غنى عن إفاضة القول في الجامع الّذي ذكره القائل بالأعم ، وقد فصل الكلام فيه في الكفاية وإنّما المهم بيان ما هو الحق من أحد القولين، فنقول:

أدلّة القائلين بالوضع للصحيح

استدلّ المحقّق الخراساني على مختاره وهو الوضع للصحيح بأُمور:
1. التبادر.
2. صحة السلب.
3. ترتّب الآثار على الصحيح.
4. نفي الحقيقة بانتفاء بعض الأجزاء.
5. ديدن العقلاء في وضع الألفاظ.
وإليك دراسة هذه الأدلّة:

صفحه 183
 
الأوّل: التبادر
إنّ المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح; ولمّا كان المختار عند المحقّق الخراساني هو إجمال مفهوم الصلاة، توجّه إليه إشكال يختصّ بمقالته ومقالة تلميذه المحقّق الاصفهاني القائلين بإجمال مفهوم الصلاة، وانّها لاتعرف إلاّ بآثارها.
وحاصل الإشكال: أنّه كيف يمكن الجمع بين تبادر الصحيح والقول بإجمال مفهومها وعدم تبيّنها؟ فأجاب عنه بقوله: ولا منافاة بين دعوى ذلك وبين كون الألفاظ على هذا القول مجملات، فإنّ المنافاة إنّما تكون إذا لم تكن معانيها على هذا الوجه مبيّنة بوجه. وقد عرفت كونها مبينّة بغير وجه .
يلاحظ عليه: أنّ التبادر عبارة عن فهم المعنى من ذات اللفظ وحاقّه بلا استعانة بقرينة خارجية، أو من آثاره وخواصه، فعلى ضوء ذلك فإنّ معنى الصلاة غير واضح عند المستدلّ، بل هو مبهم غاية الإبهام وإن كان معلوماً من جانب الآثار فحينئذ نقول:
إمّا أن يكون التبادر من حاق اللفظ، وهو غير صحيح، لأنّ المفروض أنّه مجمل لا يتبادر منه شيء، وإن كان التبادر من خلال آثاره وخواصه فالتبادر يرجع إلى الدليل الثالث ولا يكون دليلاً مستقلاً.
والحاصل : أنّ التبادر إمّا غير محقّق، أو محقّق من خلال آثاره وخواصه ; فالأوّل لا يحتجّ به، والثاني يرجع إلى الدليل الثالث.
ويمكن أن يقال: إنّ التبادر من خلال الآثار لا يثبت المدّعى من وضع

صفحه 184
الصلاة للصحيح ; لأنّ التبادر عندئذ يرجع إلى تقييد الصلاة بآثارها. ومن المعلوم أنّه لا يتبادر من الصلاة الموصوفة بالصحّة إلاّ الصلاة الصحيحة. وإنّما يثبت إذا كان تبادر الصحّة من حاق اللفظ.

الثاني: صحّة السلب

استدلّ بصحّة سلب الصلاة عن الصلاة الفاسدة، بأن يقال الصلاة الفاسدة ليست بصلاة.
ولو أُطلق على الصلاة الفاسدة لفظ الصلاة فإنّما هو بالعناية.
يلاحظ عليه: ماذا أراد بقوله: «ليست بصلاة» فهل أراد الصلاة المجرّدة من كلّ قرينة خارجية وداخلية، فالمفروض أنّها مبهمة مجملة غير واضحة، فكيف تسلب عن الصلاة الفاسدة؟!
وإن أراد الصلاة المتبينة من طريق الخواص والآثار، أعني: النهي عن الفحشاء فيكون المسلوب الصلاة حين كونها ناهية عن الفحشاء، ومن المعلوم أنّ سلب الأمر المقيد لا يكون دليلاً على كون استعماله في المسلوب عنه مجازاً، فإنّ الدليل على المجازيّة، السلب المطلق .
وبعبارة أُخرى: أنّ قولنا: الصلاة الفاسدة ليست صلاة ناهية عن الفحشاء، دليل على أنّ الفاسدة ليس من مصاديق الصحيحة، وأمّا أنّها ليست من مصاديق الصلاة مطلقاً فلا يدلّ عليه .
هذا وإنّما يرد على كلا الدليلين إشكال آخر وهو:
إنّ المطلوب هوالعلم بما يتبادر من الصلاة في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 185
والمعصومين(عليهم السلام)لا ما هو المتبادر في أعصارنا، والتبادر حالياً أو صحّة السلب كذلك لا يكشف عن المعنى المتبادر في أعصارهم.
نعم لو قلنا بأصالة عدم النقل يثبت بفضل هذا الأصل كون المتبادر حالياً هو المتبادر في الأعصار السابقة، وإلاّ يلزم النقل والأصل عدمه، وعندئذ لا يكون التبادر أو صحّة السلب دليلاً مستقلاً وإنّما يكون دليلاً بضميمة أصل عقلائي آخر وهو أصالة عدم النقل .
إلى هنا تمّت دراسة الدليلين فلندرس الدليل الثالث .

الثالث: ترتب الآثار على الصحيح

وردت في الآيات والروايات آثارٌ وضعية للصلاة والصوم، قال سبحانه: (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ)1.
وقال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):
1. الصلاة عمود الدين. 2
2. الصلاة معراج المؤمن .3
3. الصوم جُنّة من النار .4
ثم إنّ الموضوع يحتمل أحد أُمور ثلاثة:
أ. الطبيعة المطلقة الشاملة لعامة الأفراد.

1 . العنكبوت: 45 .
2 . الكافي: 3 / 99، باب النفساء، الحديث 4.
3 . جواهر الكلام: 7 / 2 ; بحار الأنوار: 79 / 303 ; تفسير الرازي: 1 / 266 .
4 . الكافي: 4 / 62، باب ما جاء في فضل الصوم والصائم، الحديث 1 .

صفحه 186
ب. الطبيعة المهملة الّتي تلازم الجزئية.
ج. الفرد الصحيح منهما.
والاستدلال مبني على إرادة المعنى الأوّل دون الأخيرين.
فلو أُريد المعنى الأوّل ثبت المطلوب، إذ عندئذ يدلّ على أنّ طبيعة الصلاة تلازم هذه الآثار الّتي لا تنفك عن الصحّة وينتج أنّ الفاسدة بما أنّها تفقد هذه الآثار، ليست بصلاة.
وأمّا المعنى الثاني ـ أعني: المهملة ـ فهو لا يثبت المطلوب ; لأنّ الملازمة بين النهي عن الفحشاء وبعض مصاديق الصلاة لا يثبت أن الصلاة مطلقاً كذلك، لإمكان أن يكون الأثر لبعض المصاديق .
ومنه يظهر حال المعنى الثالث ـ أعني: الفرد الصحيح ـ فهو أيضاً لا يثبت المطلوب.
فإن قلت: لا محيص من حمل الموضوع على المعنى الأوّل، لأنّ حمله على المعنى الأخير ينافي اصالة الاطلاق.
قلت: إنّ مصبّ الأصل المذكور فيما إذا شك في المعنى المراد وهو معلوم أعني الصلاة الصحيحة، وأمّا إذا علم المراد وشك في كيفية الإرادة فلا يستدلّ بهما كما هو الحال في المقام حيث إنّ المراد معلوم وأنّ هذه الآثار للصلاة الصحيحة لا الفاسدة، وإنّما الكلام في وضع الصلاة وأنّها هل وضعت للصحيح أوّلاً، واستعملت في الفاسد ثانياً مجازاً، أو أنّها وضعت للأعم واستعملت في الفاسد على وجه الحقيقة فلا يستكشف بالأصل كونها موضوعة للصلاة الصحيحة وان استعمالها في الفاسد مجازٌ.

صفحه 187
وربّما يورد على الاستدلال بما حاصله:
إنّ هذه الآثار إنّما تترتّب على الصلاة إذا انضم إليها قصد القربة، وإلاّ فلا تكون معراجاً وناهية، ولم يقل أحد بدخول هذا الجزء في مدلول الصلاة، وعندئذ تكون الصلاة بالنسبة إلى هذه الآثار مقتضية، لا علّة تامّة، والاقتضاء كما هو موجود في الصحيحة موجود في الفاسدة غاية الأمر أنّها في الأُولى أقرب إلى الآثار .
يلاحظ عليه: بأنّ المراد من الصحيح ليس العلّة التامة من جميع الجهات، بل المراد العلّة التامّة من غير جانب الجزء العقلي، بمعنى أنّه لو انضم إليه هذا الجزء لكان يلازم هذه الآثار، وهذا متحقّق في القول بالصحيح لا في القول بالأعم، إذ على هذا القول اللفظ موضوع لماهية حتّى لو انضم إليها هذا الجزء لما ترتبت عليه هذه الآثار، فوصف الصلاة بأنّها علّة تامة لهذه الآثار صحيح على القول بالصحيح لا على القول بالأعم .

الرابع: نفي الحقيقة بانتفاء بعض الأجزاء

ورد في الروايات نفي الصلاة بانتفاء بعض الأجزاء، مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» 1، فيدور الأمرُ بين أُمور ثلاثة:
أ. نفي الحقيقة.
ب. نفي الصحّة.
ج. نفي الكمال.

1 . عوالي اللآلي: 1 / 196، الحديث 2 .

صفحه 188
فلو أُريد الأوّل فهو يلازم القول بالصحّة ويدلّ على أنّ الصلاة الفاقدة للجزء ليست بصلاة حقيقة.
ولو أُريد الثاني أو الثالث لا يكون دليلاً على المطلوب، لكن إرادة المعنيين يخالف أصالة الحقيقة، لأنّ «لا» وضعت لنفي الجنس لا لنفي الصحّة.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: بأنّ أصالة الحقيقة حجّة فيما إذا كان الشك في نفس المراد لا ما إذا عُلم المراد كما في المقام حيث إنّ الغرض ـ أعني: نفي الصحة ـ معلوم، كما هو الحال في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» ; والشك في كيفية الوضع، وأنّه هل وضع للصحيح حتّى يكون النفي على وجه الحقيقة، أو وضع للأعم حتّى يكون النفي على وجه المجاز، إذ الأصل عندئذ يصير ذريعة لاستكشاف الوضع وكيفية استعمال اللفظ. وقد عرفت عدم صحّة استخدامه في هذا المجال.
وثانياً: نفترض أنّ المراد نفي الحقيقة كما هو الظاهر، إذ لو أُريد غيره لنزل الكلام عن ذروة البلاغة إلى مستوى الكلام العادي. ولكن فرق بين نفي الحقيقة حقيقةً، وبين نفيها ادّعاءً، والأمثلة من قبيل القسم الثاني. والاستدلال مبني على كون نفي الحقيقة على الوجه الحقيقي وهو غير ثابت في نظير هذه التراكيب، مثل: «لا رضاع بعد فطام» أو «لا نكاح إلاّ بولي».
فظهر أنّ هذه الوجوه الأربعة ليست ناجعة، بقي الكلام في الدليل الخامس، وإليك بيانه.

صفحه 189

الخامس: ديدن العقلاء في وضع الألفاظ

إنّ هذا الدليل مركّب من عدّة مقدّمات، هي:
أ. إنّ طريقة العقلاء في وضع الألفاظ هي وضعها للصحيح.
ب. انّ الداعي إليه هو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح.
ج. انّ هذه الحكمة أيضاً موجودة في وضع الشارع.
د. لا يصحّ التخطّي عن هذه الطريقة .1
يلاحظ عليه: بمنع المقدّمة الثانية وهو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح، فإنّ الحاجة إلى تفهيم الفاسد ليست بأقل من العكس.
والأَولى أن يقرر الدليل بنحو آخر، وهو:
إنّ الغاية تحدّد فعلَ الفاعل، فلا يتصوّر أن يكون الفعل أوسع من الغرض والهدف، فالسفر لغاية زيارة الصديق يتحدّد بتلك الغاية، وإرادة السفر في إطار أعمّ من هذا لا يصدر من الفاعل الحكيم.
وعلى ضوء هذا فنقول: إنّ الشارع اخترع الصلاة لغاية خاصّة، وهي تهذيب الإنسان وتربيته، ومن المعلوم أنّ تلك الغاية من نتائج الصلاة التامة لا الناقصة، ومن آثار الصلاة الصحيحة لا الفاسدة، فإذا كان الداعي للاعتبار هو تهذيب الإنسان وتربيته فيتحدّد فعله (أي اعتباره ماهية الصلاة) بتلك الغاية، فينتج أنّ ما هو المعتبر عند الشارع هو الصلاة الصحيحة لترتّب الغرض عليه فقط، وطبيعة الحال أن يكون المسمّى هو نفس المعتبر بأن يكون اللفظ

1 . كفاية الأُصول: 1 / 26 .

صفحه 190
موضوعاً لنفس ما اعتبره لا لأعم منه.
بقي الكلام في أمر آخر: وهو أنّ هذه البحوث فرع القول بالحقيقة الشرعية، وأنّ الشارع نقل هذه الألفاظ من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية، وقد عرفت أنّه غيرثابت، بل الثابت غير هذا وانّ هذه الألفاظ كانت حقيقة عرفية في هذه المعاني قبل بزوغ شمس الإسلام وأنّ الوحي الإلهي اتّبع تلك الطريقة دون أن يحدث وضعاً جديداً، فعند ذلك يجب أن يقال: إنّ هذه الألفاظ وضعت للصحيح عند العرب قبل الإسلام، والشارع اتّبع تلك الطريقة ولكنّه أضاف أجزاء وشروطاً بدليل منفصل، فيكون الموضوع له والمستعمل فيه هو الصحيح في المعنى الرائج في تلك الأزمنة.

أدلّة القول بالوضع للأعم

إنّ القائل بالأعم لا محيص له من أن يتصوّر جامعاً يشمل كلا الفردين الصحيح والفاسد. وقد ذكروا لتصوير الجامع وجوهاً مذكورة في الكفاية مع نقدها، فالأولى صرف عنان البحث إلى ما أقاموا من الأدّلة على أنّ لفظ الصلاة موضوع للأعم، وإليك دراستها:
1. التبادر
2. عدم صحّة سلب الصلاة عن الفاسدة
وبما أنّ هذين الدليلين وجدانيان، بشهادة أنّ الصحيحي يدّعي العكس، فلا نخوض فيهما.
3. صحّة التقسيم إلى الصحيحة والفاسدة، والمقسم يجب أن يكون

صفحه 191
موجوداً في الأقسام.
والإجابة عنه واضحة، لأنّ التقسيم حسب أعصارنا لا حسب عصر التسمية، اللّهم إلاّ أن يدعم بأصالة عدم النقل.
وبالجملة هذه الأدلّة غير مهمة، والمهم ما نذكره تالياً.
4. حديث الولاية
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «بُني الإسلامُ على خمس: الصلاة، والزكاة، والحجّ، والصوم، والولاية، ولم ينادَ أحد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بالأربع وتركوا هذه، فلو أنّ أحداً صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة» .1
وجه الاستدلال: أنّه لو كانت ألفاظ العبادات أسام للأعم لصح وصفهم بالأخذ بالأربع، وأمّا على القول بوضعها للصحيح فيلزم عدم الأخذ بالخمسة لا خصوص الخامس.
يلاحظ عليه: أنّ في عبادة غير الإمامي قولين2:
1. قول بالصحّة ولكن غير مقبولة فلا يثاب عليها.
2. قول بالبطلان والفساد.
فعلى القول الأوّل يصح قوله (عليه السلام): «فأخذوا بالأربع» أي صلّوا وصاموا... صحيحاً، إنّما الإشكال على القول الثاني: أنّ عباداتهم فاسدة وباطلة، فلا يصحّ إلاّ على القول بالأعمّ.

1 . الكافي: 2 / 19، باب دعائم الإسلام، الحديث 5.
2 . لأجل الوقوف على أدلة القولين، لاحظ الوسائل: 1، الباب 21 من أبواب مقدمة العبادات. فيما ورد تحت رقم 2، 4، 5، 8، تدلّ على صحّة عباداتهم ولكن لاتقبل ولا يثابون عليها.

صفحه 192
فالجواب عن الاستدلال عندئذ أنّ المراد من الصحيح هو التام من حيث الاجزاء والشرائط، والمراد من الشرائط ما هو شرط لنفس الماهية فهي داخلة في المسمّى. وأمّا الشرائط العامّة للصحّة كقصد القربة والإسلام والاعتقاد بالولاية فهي شرائط لكلّ العبادات لا لخصوص الصلاة فليست داخلة في المسمّى، فعندئذ يصح أن يقال: ـ حتّى على القول ببطلان عباداتهم ـ إنّهم أخذوا بالأربع، أي صلّوا صلاة تامّة الأجزاء والشرائط وإن كانت باطلة من حيث فقدان الشرائط العامة، لكن فقدانها لا يكون ملازماً لعدم صدق المسمّى، بل هو صادق مع عدم هذه الشرائط، لأنّها شرائط عامّة خارجة عن التسمية.
5. الحديث النبوي
روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال لجارية كانت تعرف أيام حيضها «دعي الصلاة أيام أقرائك» .1
وجه الاستدلال: أنّ النهي مولوي فلا يصحّ ذلك النهي إلاّ إذا كان المنهي عنه مقدوراً للمكلّف، فلو أُريد الصلاة الصحيحة لزم تعلّق النهي بشيء خارج عن القدرة، لأنّ صلاتها باطلة. وأمّا لو أُريد الأعم فهي مقدورة حتّى بعد النهي المولوي.
يلاحظ عليه: بأنّ النهي في المقام إرشادي وليس بمولوي فلا يشترط فيه قدرة المكلّف على الفعل، فالحديث بصدد بيان كون الحيض مانعاً عن صحّة الصلاة فهو إرشاد إلى المانعية وتنبيه للمكلّفة بأن تترك الصلاة، وذلك

1 . الكافي: 3 / 88 ، باب جامع في الحائض والمستحاضة، الحديث 1 .

صفحه 193
لعدم الثمرة والفائدة منها حتّى لو أنّها أتت بها كان عملاً غير مجد، اللهم إلاّ أن تكون كيفية العمل مظهراً للبدعة والتشريع فتكون حراماً من باب التشريع .
6. صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان مكروه
لا شبهة في صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان مكروه، وحصول الحنث بفعلها. فلو كانت الصلاة المنذور تركُها موضوعة لخصوص الصحيحة لزم إشكالان:
الأوّل: عدم إمكان حنث الحلف، لأنّ الحنث يتحقّق بالصلاة الصحيحة، وهي غير مقدورة بعد نهي الشارع.
الثاني: يلزم المحال، لأنّ المنذور حسب الفرض تعلّق بالصحيحة، ومع النذر لا تقع صحيحة، فيلزم من فرض تعلّق النذر بالصحيحة عدم صحّتها.
وقد أجاب المحقّق الخراساني عنه بوجهين:
أ. لو صحّ ذلك لاقتضى عدم صحّة تعلّق النذر بالصحيح لاعدم وضع اللفظ له شرعاً.
ب. أنّ الفساد من قبل النذر لا ينافي صحّة متعلّقه، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها.1
أقول: أمّا الجواب الأوّل فواضح، وأمّا الجواب الثاني فحاصله أُمور ثلاثة:
1. النذر منعقد.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 48 .

صفحه 194
2. الصلاة باطلة.
3. الحنث متحقّق .
وذلك لأنّ متعلّق النذر هو الصحيح قبل النذر لا الصحيح بعده، فالنذر منعقد لكون الصحيح قبل النذر أمر مقدور للناذر حتّى بعد النذر، والصلاة باطلة لتعلّق النهي بها بعد النذر، والحنث متحقّق لأنّه نذر أن يترك الصلاة الصحيحة قبل تحقّق النذر والمفروض أنّه أتى بها وحنث بنذره.
وإن شئت قلت: إنّ متعلّق النذر هو الصحيح لولا النذر، لا الصحيح مطلقاً، والصحيح لولا النذر أمر متحقق وفي الوقت نفسه باطل والحنث متحقّق .
وبعبارة ثالثة: النذر متعلّق بالصحيح النسبي، أي الصحيح في حدّ نفسه لا الصحيح من الجهات الطارئة عليه، فيرتفع المحذوران، أعني:
1. عدم إمكان حنث الحلف.
2. لزوم عدم الشيء من فرض وجوده .
نعم لو تعلّق النذر بترك الصلاة الصحيحة من جميع الجهات يُمنع من صحّة تعلّق النذر به.
ثم إنّ للمحقّق البروجردي إجابة ثانية عن الاستدلال، وحاصلها: عدم صحّة النذر، وذلك لأنّه يشترط في صحّة النذر وجود الرجحان عند نذر الفعل ووجود الحزازة الذاتية عند نذر الترك، ولكن الصلاة في الحمام فاقدة لهذا الشرط، إذ ليست الكراهة بمعنى وجود الحزازة في فعلها، بل المراد كونها أقل ثواباً من الصلاة في البيت، ومثل هذا لا يصحّ تعلّق النذر بتركه، ولو

صفحه 195
كان هذا ملاكاً لصحّة تعلّق النذر لزم صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في البيت، إذ هو أقل ثواباً بالنسبة إلى المسجد، وهكذا هو بالنسبة إلى المسجد الحرام.1
يلاحظ عليه: أنّ الكراهة في المقام هي من قبيل القسم الثاني، أي كونها ذات حزازة، فإنّ الحمام محل الأوساخ والقذارات، فإقامة الصلاة فيها أشبه بسقي المولى بماء عذب في وعاء قذر، فقياس الصلاة في الحمام بالصلاة في البيت قياس مع الفارق، ولذلك يتعلّق النذر بتركها في الحمام دون الثاني.

إجابة ثالثة عن الاستدلال

وهناك جواب ثالث أفاده المحقّق الحائري وتبعه سيدنا الأُستاذ وحاصل كلامهما: أنّ النذر صحيح، والصلاة صحيحة بعد النذر، والحنث واقع.
أمّا الأوّل: فلما عرفت من وجود الحزازة في الصلاة المأتي بها في الحمام، فهذه المرجوحية الذاتية تصحّح تعلّق النذر بتركها كما يصح تعلّق النذر بترك سائر المكروهات.
وأمّا الثاني: فهو مبني على صحّة اجتماع الأمر والنهي عند اختلاف متعلّقهما، حيث إنّ الأمر بصلاة الفجر تعلّق بطبيعة الصلاة، والنهي تعلّق بحنث النذر فقط، ولا تعارض بينهما غير أنّ الصلاة في الحمام مصداق حقيقي للصلاة ومصداق عرضي للحنث، فلا مانع من أن تكون الصلاة

1 . نهاية الأُصول: 1 / 4 .

صفحه 196
واجبة لأجل انطباق عنوان الصلاة، ومحرمة لأجل انطباق الحنث عليها.
وأمّا الثالث: أي تحقّق الحنث، لأنّ تلك الصلاة صحيحة بالفعل، والنهي لم يتعلّق بذات العبادة وإنّما تعلّق بعنوان خارج عنها ومثله لا يسبب كون الصلاة باطلة، وإنّما يوجب البطلان إذا تعلّق بذاتها أو بجزئها أو بشرطها لا بعنوان خارجي منطبق عليه .
تمّ الكلام في أدلّة القائلين بوضع ألفاظ العبادات للصحيح والأعمّ، وقد عرفت ما هو الحق فلندرس ثمرات المسألة.

صفحه 197
 
ثمرات المسألة
قد ذكرت للمسألة ثمرات أربع ندرسها واحدة بعد أُخرى:

الأُولى: جواز التمسّك بالإطلاق عند الشك

إذا شُك في جزئية شيء أو شرطيته يجوز التمسّك بالإطلاقات اللفظية على القول بالأعم دون القول بالصحيح، وذلك لأنّه يشترط في التمسّك بالإطلاق إحراز الموضوع وتعلّق الشك بأُمور خارجة عن حقيقة الموضوع وهذا الشرط موجود في القول بالأعمّ، لأنّ المسمّى عبارة عن الأركان الأربعة مثلاً وهو محرز، وإنّما الشك في أُمور خارجة عنه كالشك في جزئية الاستعاذة للصلاة فيتمسّك بإطلاق قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ)وتُنفى جزئيته.
على خلاف القول بالصحيح حيث إنَّ الموضوع ـ على ذلك القول ـ غير محرز، لأنّه إذا كانت الاستعاذة جزءاً للصلاة يكون مرجع الشك في الجزئية إلى صدق الموضوع وعدمه.
وإن شئت قلت: إنّ الأعمّي يُقسِّم الأجزاء والشرائط إلى ما هودخيل في المسمّى وإلى ما هو دخيل في المأمور به، فالاستعاذة عنده ليست دخيلة في المسمّى فيكون الموضوع محرزاً، إنّما الشك في مدخليتها في المأمور به.
وأمّا الصحيحي فليس عنده من هذا التقسيم عين ولا أثر فهو يُدخل الأجزاء والشرائط كلّها تحت المسمّى والمأمور به عنده هو نفس المسمّى،

صفحه 198
فالشك في كون شيء شرطاً أو جزءاً للمأمور به، شك في كونه داخلاً في المسمّى أو لا، فيكون مرجع الشك إلى صدق الموضوع وعدمه.
وقد رُدّت هذه الثمرة بوجوه:
1. أنّ القائل بالصحيح وإن حُرم من الإطلاقات اللفظية ولكن في وسعه أن يتمسّك بالإطلاقات البيانية الّتي وردت في باب الوضوء والصلاة ; أمّا الوضوء فقد روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «ألا أحكي لكم وضوء رسول الله؟» فقلنا: بلى .
فدعا بقعب فيه شيء من ماء... الخ .1
حيث قام بتجسيد وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بفعله وبيانه .
وأمّا الصلاة: فقد روى حمّاد بن عيسى عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدةً بحدودها تامّة» إلى أن قال: فقام أبو عبد الله (عليه السلام)مستقبل القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه، قد ضمّ أصابعه... الخ .2
فإذا شك في جزئية المضمضمة والاستنشاق للوضوء أو الاستعاذة للصلاة، يتمسّك بالإطلاق الوارد فيهما.
يلاحظ عليه: أنّ الثمرة تدور مدار صحّة التمسّك بالإطلاقات اللفظية، وأمّا صحّة التمسّك بالإطلاقات البيانية فهو خارج عن موضوع البحث ولا يضر بالثمرة.

1 . الوسائل: 1 ، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 4 ، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 1، ولاحظ الباب 17، الحديث 1 و 2 .

صفحه 199
2. إنها عديمة الفائدة، لأنّ المطلقات الواردة في الكتاب غير صالحة للتمسك بها، لأنّه يشترط في صحّة التمسّك ـ مضافاً إلى إحراز الموضوع ـ كون المتكلّم في مقام البيان لا في مقام بيان أصل التشريع، ولذلك لا يجوز التمسّك بقوله: «الغنم حلال»، على حلّية الشاة المغصوبة أو الموطوءة وغير ذلك، لأنّ المتكلّم في مقام بيان حكم طبيعة الشاة لا في مقام بيان حكمها من حيث طروء العوارض والخصوصيات .
يلاحظ عليه: بأنّ الاعتراض على إطلاقه ليس بصحيح، إذ انّه يوجد بين الإطلاقات اللفظية الواردة في الكتاب والسنّة في مورد العبادات ما يكون في مقام البيان فيصحّ التمسّك به كما في آية الصوم، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ )1، فالآيةُ في مقام البيان بشهادة أنها تأخذ ببيان الجزئيات والتفاصيل، ثم يقول: (أَيَّامًا مَعْدُودَات فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ )2، كما أنّها تأخذ ببيان مبدأ الإمساك ونهايته حيث تقول: (َ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ)3، فعلى هذا فلو شك في مدخلية ترك الارتماس في حقيقة الصيام فعلى القول بالصحيح يكون مرجع الشك إلى صدق المسمّى، وأمّا على القول بالأعم يكون مرجع الشكّ إلى جزئية أو شرطية أمر زائد وراء المسمّى، لأنّ الصوم عنده هو الإمساك عن الأكل والشرب وهو متحقّق حتّى مع الارتماس في الماء فيتمسّك بإطلاق الآية

1 . البقرة: 183 .
2 . البقرة: 184 .
3 . البقرة: 187 .

صفحه 200
ويثبت عدم مدخليته.
3. أنّ الأعمّي أيضاً لا يصحّ له التمسّك بالإطلاقات اللفظية لوجود الفرق بين المسمّى والمأمور به، فالمسمّى وإن كان الأعم لكن المأمور به هو الصحيح، فإذا شُك في جزئية الاستعاذة فهو وإن لم يكن شكّاً في صدق المسمّى ولكنّه شكٌ في صدق المأمور به، لأنّ المأمور به هي الصلاة الصحيحة.
يلاحظ على هذا الاعتراض: بأنّه ناش من الخلط بين كون المأمور به عند القائل بالأعم ذات الصحيح من الصلاة أو الصلاة المقيدة بعنوان الصحيح، فالصحيح في الأوّل عنوان مشير إلى أجزاء الصلاة وشرائطها المأمور بها، وهو في الثاني قيد للمأمور به، فعلى الأوّل يكون الموضوع محرزاً لأجل القول بالوضع للأعم ويصح التمسّك بالإطلاق، وإنّما الشك في جزئية شيء للمأمور به وعدمه فينتفي بفضل الاطلاق، وأمّا على الثاني فالموضوع عنده وإن كان محرزاً أيضاً لكن الإشكال يطرأ من جانب آخر، لأنّ المأمور به مقيّد بعنوان لا يمكن إحرازه إلاّ بالإتيان بالمشكوك حيث إنّ المطلوب هو الصلاة مضافاً إلى عنوان الصحيح ولا يُحرز العنوان إلاّ بالإتيان بالمشكوك.
وبهذا تكون الثمرة موجودة والاعتراضات الثلاثة عليها غير واردة.
نعم يرد على هذه الثمرة إشكالان آخران:
الأوّل: أنّ الموضوع محرز حتّى على القول بالوضع للصحيح لما مرّ من أنّ الصلاة ليست من مخترعات الشريعة الإسلامية، بل كانت موجودة
Website Security Test