welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج1-مصححه2

صفحه 1
   
    المبسوط في أُصول الفقه/ ج 1
   مصححة و منقحة 1438 هـ. ق
1

صفحه 2
4
سبحانى تبريزى، جعفر 1308 ـ
      المبسوط في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني . ] ويراست 2 [. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1389 .
      4 ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 513 - 7(VOL.1)
ISBN 978 - 964 - 357 - 313 - 3(6VOL.SET)
      فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
چاپ دوم; 1391 .
      1 . أُصول فقه شيعه ـ ـ قرن 15. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
2م 2س/ 8/159 BP    312 / 297
1391
اسم الكتاب:   … المبسوط في أُصول الفقه
الجزء:    …الأوّل
المؤلف:   … الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   … الثانية (مصححة ومنقحة)
تاريخ الطبع:   … 1391 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2012 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   …604 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:772   تسلسل الطبعة الأُولى:397
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 3
الفقيه
جعفر السبحاني
الطبعة الثانية (مصححة ومنقحة)

صفحه 4

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصالحات، حمداً لا ينقطع عدده ولا يُفنى مدده. والصلاة والسلام على أشرف بريته وأفضل خليقته محمد، وآله عيبة علمه وحفظة سنّته وخلفائه بعد رحلته، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج .
أمّا بعد، فقد ألّفنا في سالف الزمان في علم الأُصول كتابين هما: «الموجز» للمبتدئين في هذا العلم، و «الوسيط» للمتوسطين فيه .
فمسّت الحاجة إلى تأليف كتاب ثالث «مبسوط» على مستوى المتقدمين في دراسة علم الأُصول . وهذا هو الّذي نقدمه في هذه الصحائف بعون من الله تعالى وتوفيقه.
وقد قمنا بتأليف هذه الدورات الثلاث لغاية تسهيل الأمر على الطالب في الحوزة العلمية لصيانة وقته عن الاشتغال بغير اللازم في مجال الاستنباط والاجتهاد، فإنّ قسماً من المباحث المطروحة في الكتب الأُصولية للمتأخّرين ليس لها دور مهم في استخراج الأحكام من أدلّتها الشرعية. نعم لها تأثير في شحذ الأذهان وتوقّدها.
وها نحن نسير في هذا الكتاب على ضوء كتاب «الكفاية» ـ مع الاعتراف بأنّ بعض ما ورد في المقدّمة من قبيل لزوم ما لا يلزم .

صفحه 8
وممّا يجدر ذكره هو أنّي قد استعنت في توضيح بعض مسائل هذا الكتاب بما حرّره العلمان الفاضلان: السيد محمود الجلالي المازندراني 1، والشيخ محمد حسين الحاج العاملي 2 اللّذان قاما بتقرير محاضراتنا في أُصول الفقه الّتي ألقيناها على طلاب البحث الخارج في الحوزة العلمية في قم المقدسة عبر السنوات الماضية .
ويشتمل كتابنا هذا على مقدّمة تحتوي على ثلاثة عشر أمراً، ومقاصد ثمانية، وخاتمة حول الاجتهاد والتقليد.

1 . انبرى السيد الجلالي دامت توفيقاته لتقرير دروس دورتنا الأُصولية الثالثة وتم طبعها في أربعة أجزاء بعنوان المحصول في علم الأُصول، عام 1414 هـ .
2 . قام الشيخ العاملي حفظه الله بتقرير دروس دورتنا الأُصولية الرابعة، وطبعت في أربعة أجزاء أيضاً بعنوان إرشاد العقول إلى علم الأُصول، عام 1426 هـ .

صفحه 9
المقدّمة،
وفيها أُمور:
1 . حول موضوع العلوم، وفيه جهات سبع من البحث.
2 . في الوضع، وفيه مواضع تسع من البحث.
3 . في الحقيقة والمجاز والرأي الحاسم في الأخير.
4 . استعمال اللفظ في اللفظ والبحث فيه في مقامات .
5 . في وضع الألفاظ لمعانيها الواقعية.
6 . في وضع المركّبات والهيئات.
7 . في علائم الوضع أو تمييز الحقيقة عن المجاز.
8 . في تعارض الأحوال وصورها.
9 . الحقيقة الشرعية.
10 . الصحيح والأعمّ في العبادات والمعاملات.
11 . الاشتراك اللفظي وإمكانه ووقوعه.
12 . استعمال المشترك في أكثر من معنى.
13 . المشتق وفيه أُمور.
      مسائل ست في المشتق .

صفحه 10

صفحه 11
الأمر الأوّل:

حول موضوع العلوم

وفيه جهات: 1
الجهة الأُولى

في تعريف موضوع كلّ علم

عرّفوا موضوع العلوم بقولهم: موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية .2
وبما أنّ التعريف قد اشتمل على كلمتي «العوارض» و «الذاتية» فتوضيحه يتوقّف على دراسة الأمرين التاليين :
1. مصطلح العرض في المنطق والفلسفة.
2. مصطلح الذاتي بين القدماء والمتأخّرين.

1 . ذكر المحقّق الخراساني في مقدّمة كتابه ثلاثة عشر أمراً جعلها كالمقدّمة له، والأمر الأوّل منها يشتمل على أُمور سبعة ترجع أربعة منها إلى مطلق العلوم، والثلاثة الباقية إلى خصوص علم الأُصول. أمّا ما يرجع إلى مطلق العلوم فهو: 1. تعريف موضوع العلم على وجه الإطلاق. 2. ما هي النسبة بين موضوع العلم وموضوع مسائله؟ 3. لزوم وجود الموضوع للعلم. 4. وجه تمايز العلوم.
وأمّا الثلاثة الباقية الّتي ترجع إلى علم الأُصول فهي : 1. ما هو موضوع علم الأُصول؟
2. تعريف علم الأُصول. 3. ما هو الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد والمسائل الفقهية؟
والمراد من قولنا: «وفيها جهات» في المتن، هو هذه الأُمور السبعة، فلاحظ.
2 . شرح الشمسية: 23. والأولى أن يقال: عن أعراضه الذاتية فإنّ العوارض: جمع العارضة لا العرض.

صفحه 12
أمّا الأوّل: فالعرض في الفلسفة يقابل الجوهر، فكلّ ماهية إذا وجدت في الخارج لا في موضوع، فهي جوهر، وإذا وجدت فيه في موضوع فهي عرض، وللجوهر أقسام خمسة، هي: العقل، والنفس، والجسم، والهيولى، والصورة.
وللعرض أقسام تسعة، هي: الكيف، و «الكم»، و «متى»، و «الأين»، و «الوضع»، و «الجدة»، و «الإضافة»، و «أن يفعل»، و «أن ينفعل».
والعرض في مصطلح المنطقيين ينقسم إلى عرض خاص وهو المقول على ما تحت حقيقة واحدة، كالكاتب بالقوة للإنسان وعرض عام وهو الخارج المقول عليها وعلى غيرها كالماشي.1
وأمّا الثاني: أي الذاتي فهنا اصطلاحان نشير إليهما:

1. الذاتي في باب الايساغوجي

والمراد من الذاتي في باب الايساغوجي أُمور ثلاثة:
أ. الجنس، وهو المقول على الكثرة المختلفة الحقائق.
ب. النوع، وهو المقول على الكثرة المتّفقة الحقيقة.
ج. الفصل، وهو المقول على الشيء في مقام التمييز عن المشاركات في الجنس القريب.

1 . تهذيب المنطق للتفتازاني، باب الكليات الخمس.

صفحه 13

2. الذاتي في باب البرهان

عرّف الذاتي في باب البرهان: ما ينتزع من نفس ذات الشيء فيكفي ذاته في انتزاعه كالإمكان المنتزع من الممكنات، ويقابله العرض الغريب، وعلى هذا فهو عرضي لأنّه ليس ذات الشيء، ومع الوصف ذاتي لأنّ وضع الذات يكفي في انتزاعه.
ثمّ إنّ للعرض الذاتي اصطلاحين:
أ: العرض الذاتي في مصطلح القدماء
عرّفه الشيخ الرئيس بقوله: ما يكون موضوع القضية مأخوذاً في حدّ محمولها; بمعنى إذا أردنا أن نعرّف المحمول يقع الموضوع في حدّه. وإليك بعض الأمثلة:
1. إذا قلنا: العدد إمّا زوج أو فرد، وأردنا أن نعرف الزوج أو الفرد، يقع العدد في حدّه، فيقال: الزوج هو العدد الّذي ينقسم إلى قسمين متساويين، والفرد هوالعدد الّذي لا ينقسم إلى قسمين متساويين.
2. إذا قلنا: الموجود إمّا واجب أو ممكن، وأردنا تعريف كلّ من الواجب والممكن، يقع الموجود في حده ويقال: الواجب: هو الموجود بالضرورة الأزلية، والممكن: هو الموجود بلا ضرورة.
3. إذا قلنا: الممكن إمّا جوهر أو عرض، وأردنا تعريف كلاًّ من المحمولين يقع الممكن في تعريفهما ويقال: الجوهر هو الممكن الموجود لا في موضوع، والعرض هو الممكن الموجود في موضوع. وهكذا سائر الأقسام.

صفحه 14
فالمعيار هو أخذ الموضوع في حدّ المحمول.
وربّما لا يكون الموضوع مأخوذاً في حدّ المحمول، بل يكون بعض ما يقوّم الموضوع مأخوذاً في حدّ المحمول، وهذا أيضاً عرض ذاتي. وقد مثّل الشيخ لهذا القسم بأمثلة من العلوم الحقيقية، ونحن نأتي ببعض الأمثلة الواضحة من العلوم الاعتبارية، فنقول:
يكفي في كون المحمول عرضاً ذاتياً أن يكون الموضوع أو أحد مقوّماته واقعاً في حدّ المحمول، فتعمّ الأقسام التالية:
1. ان يكون الموضوع واقعاً فى حد المحمول.
2. أن يؤخذ معروض الموضوع في حدّ العارض، كما في قولنا: «الفاعل مرفوع» فإنّ الموضوع غير مأخوذ في تعريف المحمول لكن معروض الموضوع ـ أعني: «الكلمة» ـ مأخوذ في حدّ المحمول، فيقال: المرفوع هو الكلمة الّتي في آخرها علامة كذا.
3. أن يؤخذ جنس المعروض في حدّ العارض، وهذا كقولنا: «الفعل الماضي مبنيّ» فإنّ الفعل الماضي غير مأخوذ في حدّ «المبني» لكن جنس المعروض ـ أعني: الكلمة ـ مأخوذ في حدّ المبنيّ، فالمبنيّ هو: الكلمة الّتي لا يتغيّر آخرها بتغيّر العوامل .
4. أن يؤخذ موضوع جنس المعروض في حدّ العارض، كقولنا: «المفعول المطلق منصوب» فإنّ «المفعول المطلق» ولا «جنسه» أي المفعول بما هو هو غير مأخوذين في تعريف المنصوب، لكن معروض الجنس ـ أعني: الكلمة ـ مأخوذ في حدّ المنصوب. فالمنصوب هو الكلمة الّتي في

صفحه 15
آخرها علامة كذا.
فتلخّص من ذلك: أنّ العرض الذاتي في مصطلح المنطقيّين من القدماء عبارة عن: قضية يكون الموضوع أو ما يقوّمه مأخوذاً في حدّ المحمول.
وقد أشار الشيخ الرئيس إلى الأقسام الأربعة بقوله:
«إنّ من المحمولات ما لا يكون مأخوذاً في حدّ الموضوع، ولا الموضوع أو ما يقوّمه مأخوذاً في حدّه، فليس بذاتي، بل هو عرض مطلق غير داخل في صناعة البرهان مثل البياض للققنس».1
واشار بقوله: «ولا الموضوع» الى ما يكون الموضوع مأخوذاً في حد المحمول.
كما اشار بقوله: «أو ما يقومه» الى أخذ ما يقوّم الموضوع في حدّ المحمول.
كما أشار بقوله: «إنّ من المحمولات ما لا يكون مأخوذاً في حدّ الموضوع» إلى قسم خامس، وهو أن يكون المحمول مأخوذاً في حدّ الموضوع، كما إذا قيل: الواجب موجود، فالمحمول هنا مأخوذ في حدّ الواجب.
هذا هو العرض الذاتي عند القدماء، وإليك ما هو المصطلح عند المتأخّرين.

1 . الفن الخامس من منطق الشفاء: 127 .

صفحه 16
ب. العرض الذاتي عند المتأخّرين
ذهب المحقّق السبزواري بأنّ المعيار في كون العرض ذاتياً أو غريباً هو: «أن يكون العرض من قبيل الوصف بحال الشيء في مقابل الوصف بحال متعلّق الشيء»، وبعبارة أُخرى: العرض الذاتي عبارة عمّا يعرض الشيء بلا واسطة في العروض، ويقابله العرض الغريب وهو ما يعرض الشيء بواسطة، على نحو لولا الواسطة لما صحّ حمله على الموضوع، فلاحظ المثالين التاليين:
تارة نقول: الماء جار، وأُخرى نقول الميزاب جار، فالأوّل وصف الشيء بحال نفسه، فيسمّى بالعرض الذاتي، والآخر وصف الشيء بحال متعلّقه، فيسمّى بالعرض الغريب، فالجريان وصف للماء حقيقة ووصف للميزاب مجازاً لعلاقة الحالّ والمحلّ على وجه لولاها لما صحّ وصف الميزاب به، وعلى ضوء ذلك فمقوّم العرض الذاتي هو كون العرض وصفاً واقعياً لا وصفاً مجازياً من غير فرق بين عروضه على المعروض بلا واسطة كعروض التعجّب على الإنسان، أو بواسطة أمر مباين كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار، أو بواسطة أعم كعروض المشي على الإنسان بواسطة كونه حيواناً، أو بواسطة أمر أخصّ كعروض التعجّب للحيوان بواسطة كونه إنساناً، فوجود الواسطة وعدمها لا يؤثر، وإنّما الملاك كون الوصف حقيقياً أو مجازياً.1
وقد تبعه المحقّق الخراساني وغيره في تفسير العرض الذاتي.

1 . الأسفار: 1 / 32، قسم التعليقة، بتوضيح منّا.

صفحه 17

القضاء بين الرأيين

الحقّ هو التفصيل بين العلوم الحقيقية والعلوم الاعتبارية، فإذا كانت القضية جزءاً من العلوم الكونية الّتي لا يدور صدقها ولا كذبها مدار اعتبار معتبر، يجب أن يكون المحمول عرضاً ذاتياً بالمعنى المعروف عند القدماء، ولا يكفي المعنى المعروف بين المتأخرين إذ يعتبر في قضايا العلوم الحقيقية كون القضية واجدة لأمرين:
1. أن تكون كلية لا جزئية.
2. صادقة في جميع الأزمنة.
وتحصيل اليقين بقضية من القضايا الكونية بهذين الوصفين، فرع وجود التلازم بين الموضوع والمحمول تكويناً وحقيقة، ولا يحصل مثل ذلك إلاّ إذا كان الموضوع مأخوذاً في حد المحمول، أو أن يكون المحمول مأخوذاً في حدّ الموضوع، على ما أشار إليه الشيخ في آخر كلامه، حتّى يحصل اليقين بثبوت النسبة لجميع أفراد الموضوع في عامة الحالات.
والحاصل: انّ محطّ هذا الاصطلاح هو المسائل المطروحة في الفنّ الأعلى وفي قسم الطبيعيات والتعليمات كالرياضيات الّتي تطلب لنفسها اليقين بثبوت المحمول للموضوع، على وجه يمتنع التفكيك بينهما في عامّة الحالات والأزمان، وهذا النوع من اليقين لا يتحقّق إلاّ إذا كانت هناك ملازمة واقعية بين الموضوع والمحمول بحيث يكون وضع الموضوع كافياً في وضع المحمول أو بالعكس، وهذا يقتضي أن يكون المحمول عارضاً

صفحه 18
للموضوع بلا واسطة، أو بواسطة أمر مساو 1 يكفي في وضعها أيضاً وضع الموضوع.
وإن شئت قلت: العرض الذاتي عبارة عمّا يكون الموضوع وحده ـ بلا حاجة إلى حيثية تعليلية ـ كافياً في ثبوت المحمول، ويكون الموضوع بنفسه منشأ له بلا حاجة إلى اعتبار معتبر، وهذا كقولنا: الجسم إمّا متحرك أو ساكن، فالموضوع بنفسه غير منفك عن أحد المحمولين، أو قول القائل: مجموع زوايا المثلث قائمتان، فالمثلث بما هو هو من دون حاجة إلى أمر خارجي يلازم كون مجموع زواياه مساوياً لزاويتين قائمتين. وهكذا المسائل المطروحة في الإلهيات بالمعنى الأعم أو الطبيعيات أو الرياضيات كلّها من هذا القبيل، أي أنّ الموضوع منشأ لعروض المحمول عروضاً غير منفك، وذلك لأنّ الموضوع علّة المحمول.
وأمّا العلوم الاعتبارية، الّتي قوامها بيد المعتبر، والملازمة بين موضوع المسألة ومحمولها تابعة لاعتبار المعتبر، دون أن تكون هناك ملازمة واقعية بينهما، فيكفي في عدّ المسألة جزء من العلم وقوعها في طريق تأمين الغرض الّذي دعا المؤسّس إلى تأسيسه وتدوينه. وعلى هذا، فالعلوم العربية والفقه والأُصول، كلّها علوم اعتبارية لا يعتبر فيها كون البحث عرضاً ذاتياً لموضوع المسألة أو لموضوع العلم، بل استعمال العرض الذاتي، والغريب فيها ـ بكلا المعنيين ـ أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
وحصيلة الكلام: انّه لا مناص في العلوم الحقيقية من تفسير العرض

1 . سيأتي الكلام فيه، فانتظر.

صفحه 19
الذاتي بما عليه القدماء فقط ولا يكفي التفسير المعروف عند المتأخرين واما العلوم الاعتبارية فهي في غنى عن كلا الاصطلاحين.
وقد ابتلي علم الأُصول ونظائره الّتي تُعد علوماً اعتبارية ببحوث هي من خصائص العلوم الحقيقية، فيلزم على الباحث التفكيك بين الأمرين.
وهذا البيان الموجز هو المناسب في المقام، وأمّا التفصيل فليطلب من محلّه خصوصاً; شرح المنظومة قسم المنطق، مبحث مشاركة الحد والبرهان في الحدود 1، ونهاية الحكمة للسيد العلاّمة الطباطبائي (2)، وتعاليقه على الأسفار.(3)
الجهة الثانية

في بيان نسبة موضوع العلم إلى موضوع مسائله

لمّا عُرّف العرض الذاتي بما يعرض الشيء بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو، توجّه في المقام إشكال، وهو: أنّ محمولات المسائل (التي هي من عوارض موضوع العلم) تعرض عليه بواسطة أخصّ وهي موضوعات المسائل، لا بواسطة أمر مساو، مثلاً :
1. كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود، فالتركيب يعرض الموجود الّذي هو الموضوع في الفن الأعلى بواسطة، «الممكن» الّذي هو موضوع المسألة وهو أخصّ من موضوع العلم.

1. شرح المنظومة:35 ـ 38.      2. نهاية الحكمة:5 ـ 6.   3. الأسفار:1/31، قسم التعليقة .

صفحه 20
2. زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فالتساوي الّذي هوالمحمول يعرض موضوع العلم، أعني: الكم المتّصل بواسطة «المثلث» الّذي هو أخصّ منه، وهكذا.
هذا هو الإشكال:
وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني قائلاً: إن نسبة موضوعات العلوم إلى موضوعات مسائلها، نسبة الطبيعي إلى أفراده، والكلّي إلى مصاديقه، فهما متغايران مفهوماً ومتّحدان مصداقاً.1
ويرد عليه أوّلاً: أنّ الالتزام بكون الواسطة أمراً مساوياً للموضوع، ثم طرح الإشكال بأنّ موضوعات المسائل أخصّ من موضوعات العلوم، التزام بأمر غير لازم على منهجه، لأنّه فسّر العرض الذاتي بما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض فقط، سواء أكان بلا واسطة أو بواسطة أعمّ أو أخصّ، وعلى ضوء ما ذكره فالإشكال غير وارد على منهجه حتّى يحتاج إلى الجواب.
وثانياً: ان ما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ نسبة موضوع العلم إلى موضوع المسألة، نسبة الطبيعي إلى أفراده، لا يرفع الإشكال، لأنّه إنّما يصحّ إذا لم تكن للخصوصية الموجودة في موضوع المسألة مدخلية في عروض المحمول على موضوع العلم. والمفروض خلافه، لأنّ للإمكان مدخلية في عروض التركيب من ماهية ووجود، على الموجود بما هو هو، وهكذا سائر الأمثلة، وعندئذ تنتقض القاعدة في تعريف العرض الذاتي، فتدبّر.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 7 .

صفحه 21
وقد أورد السيد الأُستاذ على ما ذكره المحقّق الخراساني بأنّ الضابطة منتقضة في علمي الهيئة والجغرافيا فإنّ النسبة بين الموضوعين، نسبة الكل إلى الجزء، فإنّ قضاياها قضايا جزئية كالبحث عن القمر والبلد الخاص، وأنّ نسبتهما إلى موضوع العلم نسبة الجزء إلى الكل.1
ويمكن الذب عن الإشكال بأنّه ليس الموضوع في العلمين ذوات الكواكب أو البلدان حتّى يكون البحث عن حال كوكب أو بلد خاص بحثاً عن جزء الموضوع، بل الموضوع أوضاع الكواكب وهو أمر كلّي، والبحث عن أوضاع كوكب خاص يكون جزئياً من ذلك الكلّي ومثله علم الجغرافيا، إذ ليس الموضوع ذوات البلدان، بل هي بما لها من الخصوصات من عرضها وطولها وعدد مدنها، وبراريها وبحارها وأنهارها وما لها من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

دراسة الاشكال على نهج القدماء

ثم الإشكال أو السؤال ـ كما عرفت ـ متوجّه إلى منهج القدماء، حيث خصّوا العرض الذاتي بالعارض بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو مع ان موضوعات السائل اخص من موضوع العلم وقد أُجيب عنه بوجهين متقاربين هما:
أحدهما: أنّ العرض الذاتي عبارة عمّا يكون الموضوع مأخوذاً في حدّ العرض، كما في قولنا: «الموجود إمّا واجب أو ممكن»، فالموجود مأخوذ في

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 13 .

صفحه 22
حدّ الواجب كما هو مأخوذ في حدّ الممكن، وهكذا إذا أخذنا الواجب أو الممكن موضوعاً لمحمول، كقولنا:
الواجب بسيط.
والممكن مركب.
فقد أخذنا الموجود في حد البسيط والمركب، لأنّ البسيط من جميع الجهات هو الموجود الواجب، كما أنّ المركّب من ماهية ووجود هو الموجود المركّب، ومهما تنزّلنا وبحثنا عن محمول المحمول فلم يزل موضوع العلم سارياً في حدّ المحمولات.
وبذلك يتبيّن معنى التساوي، وهو: تساوي المحمول مع الموجود المتخصّص بالخصوصية، كتساوي البسيط مع الموجود الواجب لا مطلق الوجود، وتساوي المركب من ماهية ووجود مع الموجود المركب لا مطلق الوجود.
يلاحظ عليه: بأنّ موضوع العلم غير موضوع المسألة، فالأوّل يتمتّع بالسعة والشمول بخلاف الثاني، فهو أمر مضيّق ومحدّد بقيود أعطته الصلاحية لئن يقع موضوعاً للمسألة، هذا من جانب.
ومن جانب آخر: أنّ ظاهر قولهم في تعريف الذاتي: «ما يعرض الموضوع بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو» أي مساو لموضوع العلم، والمفروض خلافه، لأنّ موضوع المسألة ليس مساوياً له .
ثانيهما: أنّ المحمول عبارة عن الجملة المردّدة بين محمولين أو القضية المنفصلة كما في قولنا: الموجود إمّا واجب أو ممكن، فالمجموع

صفحه 23
مساو للموضوع وإن لم يكن كلّ منهما، مساوياً له.
وهكذا إذا تنزّلنا وقلنا: الممكن إمّا جوهر أو عرض، فمجموع المحمولات الأربعة مساوية للموجود، وهكذا إذا تنزلنا وقلنا: والجوهر إمّا عقل أو نفس أو جسم أو صورة أو هيولى، فمجموع المحمولات التسعة مساوية لموضوع العلم.
الجهة الثالثة

في لزوم وجود الموضوع لكلّ علم

هل يجب أن يكون لكلّ علم موضوع خاص حتّى يُبحث عن عوارضه الذاتية أو لا؟ فيه ثلاثة أقوال:
1. لزوم وجود الموضوع، وهو الظاهر من العلماء من تعريفهم موضوع العلم.
2. عدم لزوم وجود الموضوع.
3. القول بالتفصيل بين العلوم الحقيقية والاعتبارية .
ولكلّ قائل ودليل نشير إليهما تالياً .

دليل القول الأوّل:

الظاهر من المحقّق الخراساني هو القول الأوّل. 1 واستدلّ عليه

1 . كفاية الأُصول: 1 / 2.

صفحه 24
بقاعدة: «الواحد لا يصدر إلاّ من واحد» ببيان أنّ (الغرض) الواحد المترتّب على مجموع المسائل يتوقّف على وجود جامع بينها، وإلاّ فلو صدر الغرض الواحد من المسائل المتنوعة بلا جهة جامعة بين مسائله فيلزم صدور الواحد عن الكثير، وهو محال.
والقاعدة مبنية على لزوم وجود الصلة بين العلّة والمعلول، وإلاّ فلو صدر شيء من شيء من دون رابطة بينهما يلزم أن يصدر كلّ شيء من كلّ شيء، وهو أمر باطل، ولذلك نرى أنَّ العطشان لا يرويه إلاّ الماء دون الأكل على خلاف الجائع، هذا من جانب ; ومن جانب آخر أنّه لو صدر شيء واحد من غير واحد يلزم أن يتحقّق في الواحد جهتان: إحداهما تصحّح صدوره من تلك العلّة، والأُخرى تصحّح صدوره من العلّة الأُخرى. وعند ذلك يشتمل الواحد على حيثيتين مختلفتين فيكون ما فرضناه، واحداً كثيراً، وهو خلف.
أقول: إنّ الاستدلال بالقاعدة على المقام غير صحيح، لأنّ القاعدة على فرض صحّتها جارية في البسيط من جميع الجهات، كالعقل الأوّل بناءً على أنّه إنّيّ الوجود وليس له ماهيّة، ففي مثله لا يصحّ صدوره عن كثير لما مرّ من حديث الخلف، وأمّا الواحد النوعي الّذي يتكثّر بتكثّر المسائل فهو خارج عن حريم القاعدة، وهذا كالغرض المترتّب على علم واحد فهو واحد نوعي ولكنّه في الحقيقة أغراض متعدّدة تنسلك تحت غرض واحد من غير فرق بين العلوم الحقيقة أو الاعتبارية، مثلاً أنّ الغرض المترتّب على النواسخ غير الغرض المترتّب على بابي الحال والتمييز.

صفحه 25
فالاستدلال على وجود الموضوع بواسطة هذا البرهان غير تام، نعم سيوافيك في ذيل القول الثالث لزوم وجود الموضوع في العلوم الحقيقية ببرهان آخر.

دليل القول الثاني:

وهذا القول هو خيرة المحقّق الاصفهاني قال: إنّ العلم عبارة عن مركّب اعتباري من قضايا متعددة يجمعها غرض واحد. 1
واختاره السيد الأُستاذ (رحمه الله) قائلاً: بأنّ التتبّع في العلوم ناهض على خلاف ما التزموه ; إذ العلوم لم تكن إلاّ قضايا قليلة قد تكاملت بمرور الزمان، فلم يكن الموضوع عند المؤسّس المدوّن مشخصّاً حتّى يجعل البحث عن أحواله. 2
يلاحظ عليه: بأنّ ما استدلّ به ناظر إلى مقام الإثبات، وهذا لا يدلّ على عدم الموضوع في عالم الثبوت، فعدم تشخّص الموضوع عند المؤسّسين لا يدلّ على عدمه في الواقع، أضف إلى ذلك أنّ عدم ظهور الموضوع عند المؤسّسين غير واضح حتّى فيما مثلّه بعلم الجغرافيا وعلم الهيئة.

دليل القول الثالث:

استدلّ القائل 3 بالتفصيل بين العلوم الاعتبارية والحقيقية، بأنّ

1 . نهاية الدراية: 1 / 7 .
2 . تهذيب الأُصول: 1 / 15 .
3 . السيد الطباطبائي (رحمه الله) في تعليقته على كفاية الأُصول: 10 ـ 12 .

صفحه 26
المحمول في العلوم عرض ذاتي لموضوع العلم فالموضوع من علل وجوده ـ كما أوضحناه ـ فكيف يمكن أن يكون هناك عرض بلا موضوع، وقد مرّ أنّ الموضوع مأخوذ في المحمول وفي محمول محموله إلى أن ينتهي الأمر إلى المحمول الآخر. وبالجملة بين الموضوع والمحمول ملازمة واقعية تكوينية، من غير فرق بين ما يعرضه بلا واسطة أو بواسطة موضوعات المسائل، فالموضوع واقع في عداد العلل، فكيف يُتصوّر وجود المعلول بلا وجود علّته؟!
نعم ما ذكرنا من البرهان يجري في الأعراض الحقيقية التي يكون بين الموضوع والعرض تلازم تكويني، سواء كان هناك معتبر أو لا فهي بحاجة إلى وجود الموضوع .
وأمّا العلوم الاعتبارية فمحمولات المسائل لا تنفك عن وجود الموضوع في عالم الاعتبار، وإلاّ لما انعقدت القضية. وأمّا لزوم وجود الموضوع للعلم، والجهة الجامعة لموضوعات المسائل، فلا دليل عليه، وإن كان الغالب وجودها كما في العلوم الأدبية.
فالرأي الحاسم في حاجة العلوم إلى الموضوع وعدمه، هو التفريق بين العلوم الحقيقية والعلوم الاعتبارية. فالأُولى لا تنفك عن وجود موضوع يبحث عن عوارضه حسب البرهان الماضي ذكره. والثانية غنية عن وجود الموضوع، بل يكفي اشتراك القضايا في ترتّب غرض خاص عليها.

صفحه 27
الجهة الرابعة

في تمايز العلوم

اختلفت كلماتهم في تعيين المميز بين العلوم، إلى أقوال أربعة هي:
1. تمايز العلوم بتمايز الأغراض.
2. تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات.
3. تمايز العلوم بالجهة الجامعة بين مسائلها المنتزعة عن المحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها.
4. تمايز العلوم بذاتها وجوهرها.
ولنأخذ بدراسة كلّ واحد من هذه الأقوال.

دليل القول الأوّل

ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض، وقال: إنّ تمايز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا بالموضوعات ولا بالمحمولات، وإلاّ كان كلّ باب، بل كلّ مسألة من كلّ علم، علماً على حدة، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً

صفحه 28
للتعدّد، كما لا تكون وحدتهما سبباً لئن يكون من الواحد 1 (إذا كان الغرض متعدداً).
يلاحظ عليه:
1. أنّه إذا كان بين العلمين تمايز في مرتبة الذات كتمايز علم النفس وعلم النبات فلا تصل حينئذ النوبة إلى التمييز بالغرض الّذي هو أمر متأخّر عن جوهر المسألة الّذي يشكّلها موضوعُها ومحمُولُها.
2. أنّ ما ذكره إنّما يتمّ ـ ظاهراً لا واقعاً ـ فيما لو اتّحد العلمان موضوعاً كالصرف والنحو، فإنّ الموضوع واحد والغرض متعدّد، حيث إنّ الغرض من الصرف معرفة الصحيح والمعتل، والغرض من النحو معرفة المعرب والمبني .
ومع ذلك كلّه يمكن أن يكون التمايز حتّى في هذا القسم بأمر متقدّم على الغرض، وهو اختلاف مسائل العلمين جوهراً، فالعلمان متميّزان في مرتبة متقدّمة على الغرض، ولذلك يترتّب على كلّ غرض غير ما يترتّب على الآخر.
3. أنّ الغرض إمّا غرض التدوين، أو غرض التعليم، وكلاهما متأخّران عن العلم، ولا معنى لتمييز الشيء المتقدّم بأثره المتأخّر.
وإن شئت قلت: إنّ التمييز في مقام الذات دعا المدّون إلى تدوين علمين كالنحو والصرف، أو دعا المعلم إلى تعليم علمين.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 5 .

صفحه 29
 
دليل القول الثاني
ذهب المشهور إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات .
أمّا الأوّل: وذلك كالعلوم المتباينة موضوعاً كالحساب والهندسة، فإنّ موضوع الأوّل هو الكم المنفصل، وموضوع الثاني هو الكم المتّصل.
والأوّل يبحث عن أحكام الأعداد، والثاني يبحث عن أحكام السطوح والخطوط.
وأمّا الثاني: ففيما إذا اتّحدت الموضوعات كالكلمة بالنسبة إلى الصرف والنحو، والبدن الإنساني بالنسبة إلى التشريح والطب ووظائف الأعضاء، فتعدّد العلوم باعتبار اختلاف حيثية البحث فيجب في علم الصرف البحث في الكلمة من حيث الصحّة والاعتلال، كما يبحث في علم النحو عنها باعتبار الإعراب والبناء. ومثلهما البحث في البدن الإنساني لأجل معرفة الصحّة والمرض، أو لأجل معرفة نفس الأعضاء أو وظائفها.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكروه صحيح في القسم الأوّل، أي فيما إذا كان بين العلوم تباين في الموضوعات. وأمّا في غيره فتباينه ليس بالموضوع ـ لافتراض وحدته ـ ولا بالحيثيات، لأنّ الحيثية منتزعة من محمولات العلوم والجهة الجامعة بين مسائلها، فنسبة الميْز إلى المحمولات في أمثال هذه الموارد أولى من نسبته إلى الحيثيات.
وآفة هذا القول هو ادّعاء الكلّية فقد عرفت أنّه قد يصحّ في مورد

صفحه 30
واحد، وهو فيما إذا كان بين العلمين تمايز في مقام الموضوع، دونما إذا لم يكن بينهما تمايز في ذلك المقام، فعندئذ القول بالتمايز، لأجل الجهة الجامعة بين المسائل، متعيّن.

دليل القول الثالث

ذهب سيدنا المحقّق البروجردي بأنّ تمايز العلوم بتمايز محمولاتها أو الجهة الجامعة بين محمولاتها المنتسبة إلى موضوعاتها، وإليك توضيحه:
إنّ لمسائل كلّ علم، جهة وخصوصية لا توجد في مسائل سائر العلوم، وتكون هذه الجهة هي الجهة الجامعة بين تلك المسائل وبسببها يحصل الميز بين مسائل هذا العلم ومسائل سائر العلوم، مثلاً: الجهة الجامعة لمسائل علم النحو هي البحث عن كيفية آخر الكلمة من المرفوعية والمنصوبية والمجرورية، فهي خصوصية ذاتية ثابتة في جميع مسائله، وبهذه الجهة تمتاز هذه المسائل عن مسائل سائر العلوم.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكر إنّما يتمّ في العلوم الّتي تتّحد موضوعاتها، كما في علمي النحو والصرف أو العلوم الثلاثة كالطب والتشريح ووظائف الأعضاء، فإنّ المائز بين مسائل العلمين أو مسائل العلوم الثلاثة هو الجهة الجامعة بين مسائلها.
وأما العلوم المتباينة موضوعاً فأوّل ما يتوجّه إليه ذهن الإنسان فيها هو الموضوع ثم المحمول ثم الجهة الجامعة بين مسائلها، فالقول بالتمييز بالجهة الجامعة في هذا القسم تمييز بشيء متميّز قبله بأُمور مختلفة. فأين الباحث

صفحه 31
عن مطلع الشمس ومغربها أو مطلع القمر ومغربه عمّن يبحث في طبقات الأرض وكيفية تكونها؟!
وآفة هذا القول مع ما سبقه هو ادّعاء الكلية، وإلاّ فكلّ يصحّ على وجه الموجبة الجزئية.

دليل القول الرابع

ذهب السيد الأُستاذ (رحمه الله) إلى أنّ تمايز العلوم بذواتها، وقال: إنّ منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتتة الّتي يناسب بعضها بعضاً، فهذه السنخية موجودة في جوهر تلك القضايا وحقيقتها، ففي مثله يكون تمايز العلوم واختلاف بعضها بذاتها، فقضايا كلّ علم مختلفة ومتميزة عن قضايا علم آخر.
وأمّا تداخل بعض مسائل العلوم في بعض فلا يضر بما ذكرناه، لأنّ المركّب بما هو مركّب متميّز بذاته عن غيره، لاختلاف أكثر أجزائه مع أجزاء المركّب الآخر وإن اتّحدا بعضاً.1
يلاحظ عليه: بأنّه ليس نظرية جديدة في مقابل القولين الأخيرين، وذلك لأنّ تمايز قضايا كلّ علم مع العلم الآخر بجوهرها وواقعها يرجع إلى أحد الأمرين: إمّا الاختلاف في ناحية الموضوع، أو بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل ; فالأوّل كالعلم الباحث عن الأوضاع الفلكية والعلم الباحث عن النبات والمعادن، فإنّ تمايزهما بالموضوع أوّلاً ثم بالمحمولات

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 16 .

صفحه 32
المنتسبة، والثاني كما في العلوم المتوحّدة موضوعاً كعلمي الصرف والنحو فإنّ الميز بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل، فالقول بتمايز العلوم بجوهرها ينحل إلى أحد القولين: إمّا التمايز بالموضوع، أو التمايز بالجهة الجامعة بين المسائل.

ما هو المختار؟

قد ظهر ممّا ذكرنا ما هو المختار في المقام وهو الميز بالموضوع تارة، وبالجهة المشتركة بين محمولات المسائل أُخرى ; فالأوّل فيما إذا كان بين الموضوعين تباين نوعي كعلمي الهندسة والحساب، والثاني فيما إذا كان الموضوع أمراً واحداً وإنّما الاختلاف في جانب المسائل، كما مرّ في علمي الصرف والنحو وعلوم الطب والتشريح ووظائف الأعضاء.
إلى هنا تم البحث في الجهات الأربع الّتي طرحها المحقّق الخراساني في الأمر الأوّل وهي برمتها راجعة إلى مطلق العلوم، وإليك البحث عن الجهات الثلاث الباقية الّتي تتعلّق بعلم الأُصول.

صفحه 33
الجهة الخامسة

موضوع علم الأُصول

اختلفت كلماتهم في بيان موضوع علم الأُصول، وهناك آراء وأقوال هي :
1. انّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة أو نفس الأدلّة بلا تحديد بـ «الأربعة».
2. انّ موضوع علم الأُصول هي الجهة الجامعة بين موضوعات مسائل ذلك العلم، وهو خيرة المحقّق الخراساني.
3. انّ الموضوع هو الحجّة في الفقه، وهو خيرة المحقّق البروجردي، واختاره سيدنا الأُستاذ (قدس سره) في بعض دوراته الأُصولية.
4. لا حاجة لوجود موضوع لعلم الأُصول. وهو مختار سيدنا الأُستاذ (قدس سره)في الدورة الأخيرة.
وإليك دراسة الأقوال واحداً بعد الآخر.

صفحه 34
 
القول الأوّل
ذهب القدماء إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو «الأدلّة الأربعة» وربّما يحذف الوصف ويقال نفس الأدلّة.
وأُورد عليه: بأنّه إذا كان الموضوع هو الأدلّة الأربعة بقيد الدليلية تخرج أكثر المباحث الأُصولية عن كونها مسألة أُصولية وتُصبح من مبادئ ذلك العلم، لوجود الفرق الواضح بين مبادئ العلم وعوارضه. فالأوّل يبحث في وجود موضوع العلم، والثاني يبحث عن عوارضه بعد تسليم وجوده، فإذا كان موضوع علم الأُصول هو الأدلّة يكون البحث عن حجيّة الخبر الواحد وكونه دليلاً أو لا، بحثاً عن وجود مصاديق هذه الأدلّة ، والبحث عن مصاديق الموضوع بحث عن المبادئ لا عن العوارض.
وأجاب عنه الشيخ بقوله: إنّ مرجع هذه المسألة إلى أنّ السنّة ـ أعني: قول الحجّة أو فعله أو تقريره ـ هل يثبت بخبر الواحد، أو لا يثبت إلاّ بما يفيد القطع من التواتر والقرينة؟ ومن هنا يتّضح دخولها في مسائل أُصول الفقه الباحث عن أحوال الأدلّة .1
وأُورد عليه في «الكفاية» بما هذا توضيحه:
إنّ السنّة لا يخلو إمّا أن يراد بها المحكي منها الّذي هو قول المعصوم وفعله وتقريره، أو يراد بها الحاكي الّذي هو قول الراوي كزرارة.

1 . الفرائد: 37، طبعة رحمة الله .

صفحه 35
فعلى الأوّل، فالمراد من الثبوت، إمّا الثبوت الواقعي أي وجود السنّة الّذي هو مفاد كان التامّة، فهو بحث عن وجود الموضوع لا عن عوارضه.
أو الثبوت التعبّدي، أي وجوب العمل على طبق الخبر، فهو وإن كان بحثاً عن العوارض لكنّه بحث عن عوارض الحاكي لا المحكي، ومرجع البحث إلى أنّ الحاكي هل له هذا الشأن أو لا؟ ولكن المفروض أنّ المراد من السنّة هو المحكيّ.
وعلى الثاني، أي كون المراد من السنّة ما يعمّ حاكيها، فالإشكال وإن كان مرتفعاً، وذلك إذ يكون روح البحث عن وجوب العمل بالحاكي بعد فرض وجوده ، إلاّ أن البحث في غير واحد من مسائل هذا العلم لا يخصّ الأدلّة، بل يعم غيرها كالبحث عن مفاد الأمر والنهي وأنهما ظاهران في المعنى الكذائي أو لا .1
ويمكن الإجابة بأنّا نختار الشق الثاني فيعود البحث عن مفاد الأمر والنهي إلى البحث عن عوارض السنّة، وذلك فإنّه إذا ثبت ظهور الأمر في الوجوب في اللغة العربية من غير اختصاص بكلام المعصوم وغيره ينتقل الإنسان من هذا البحث إلى ظهور الأمر الوارد في السنّة في الوجوب أيضاً، لأنّ كلام المعصوم من مصاديق اللغة العربية، فيكون البحث الكلّي واسطة في الثبوت لكون الأوامر الواردة في الكتاب والسنّة حجّة في الوجـوب، وقـد مرّ في كلام المحقّق السبزواري 2 أنّ العارض مهما لم يتوسط بينه

1 . كفاية الأُصول: 1 / 6 ـ 9 .
2 . لاحظ مبحث العرض الذاتي عند المتأخرين في ص 16 من هذا الكتاب .

صفحه 36
وبين المعروض واسطة في العروض فهو عرض ذاتي ; والبحث عن الضابطة الكلّية في لغة العرب من قبيل الواسطة في الثبوت.

القول الثاني

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة، وإن لم نعلم الموضوع بخصوصه.
يلاحظ عليه: بأنّه ليس شيئاً جديداً، بل هو تكرار لما سبق، وهو أنّ نسبة موضوع العلم إلى مسائله نسبة الطبيعي إلى فرده والكلّي إلى مصاديقه، والمهم بيان ما هو الطبيعي أو الكلّي في المقام .

القول الثالث

ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه، ومسائله عبارة عن التعيّنات العارضة لها والمحدّدة إيّاها .
توضيح ذلك: أنّ العرض على قسمين خارجي وتحليلي، أمّا الأوّل فكالبحث عن عوارض الجسم من حيث الحركة والسكون أو من جهة الألوان والطعوم.
والثاني كالبحث عن تعيّنات الوجود المطلق كالوجوب والإمكان أو كتعيّن الوجود الإمكاني بالعقل والنفس والهيولى والصورة والجسم المؤلف منهما، ففي جميع ذلك الموضوع أمر مسلّم عند الحكيم، وهو أنّ للوجود

صفحه 37
واقعية خلافاً للسوفسطائيين غير أنّه يريد أن يتعرف على خصوصياته وتعيّناته وخصائصه وقوالبه، فيعود البحث في الفن الأعلى إلى أنّ الوجود هل يتحدّد بالوجوب تارة وبالإمكان أُخرى؟ أو هل يتحدّد الوجود الإمكاني بالعقل والنفس والصورة والهيولى والجسم؟ فالبحث لا يرجع إلى إثبات أصل الوجود، بل هو أمر مسلّم وإنّما يرجع إلى تشخّصاته وحدوده.
إذا عرفت ذلك فقس عليه علم الأُصول، فإنّ الفقيه يعرف بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)التحق بالرفيق الأعلى وترك بين الأُمّة حججاً شرعية يحتجّ بها سبحانه على عباده يوم القيامة، غير أنّه لا يعرف خصوصياتها وتعيّناتها فيقول: هل الحجّة المسلّمة الوجود، تتعيّن بخبر الواحد، أو بظاهر الكتاب، أو بالشهرة الفتوائية، أو لا؟
فالبحث عن التعيّنات بحث عن العوارض التحليلية لموضوع علم الأُصول.
فإن قلت: فعلى هذا يجب أن تقع الحجّة موضوعاً وخبر
الواحد محمولاً بأن يقال: هل الحجّة خبر الواحد أو لا؟ لأنّ المفروض أنّ الحجّة هي الموضوع والتعيّن بخبر الواحد هو المحمول مع أنّ الدارج هو العكس؟
قلت: ما ذكرته حق، ولكن لأجل تسهيل الأمر على المبتدئين عكسوا القضية وقالوا: خبر الواحد حجّة، نظير ذلك مسائل الفن الأعلى فإنّ الموضوع فيه هو الموجود والتعيّن بالوجوب والإمكان أو بالجوهر والعرض من محمولاته، فلازم ذلك أن يقال: «الموجود عقل أو نفس» مع أنّ الدارج

صفحه 38
هو: العقل موجود، والنفس موجودة، كلّ ذلك لأجل تسهيل الأمر على المبتدأ .1
فإن قلت: هناك مسائل يبحث فيها عن وجود الحجّة لا عن تعيّنها، كالبحث عن ظهور الأمر والنهي في الوجوب والتحريم والفور والتراخي والوحدة والكثرة، ممّا يطلب فيها أصل الظهور لا تعيّنات الحجّة وتطوّراتها.
قلت: يمكن إرجاع البحث فيها إلى التعيّنات، وذلك لما مرّ من أنّ البحث في هذه المسائل مركَّز على استنباط الضابطة الكلّية في لغة العرب حتّى يكون سبباً لكون الأمر حجّة على الوجوب، والنهي على التحريم أو حجّة على الفور والتراخي في السنّة النبوية.
فإن قلت: كيف يكون البحث في باب الملازمات العقلية، بحثاً عن الأعراض فإنّ البحث مركّز على وجود الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته أو حرمة ضده، لا عن تعيّنات الحجّة ؟
قلت: الظاهر أنّ عدّ باب الملازمات من المسائل الأُصولية مبني على كونه من المباحث اللفظية، أي أنّ الأمر بالشيء هل يدلّ ـ بنحو من الدلالات ـ على وجوب مقدّمته أو حرمة ضده أو لا؟ فيكون البحث فيها على غرار البحث في دلالة الأمر على الوجوب، وإلاّ فيعود البحث عن الملازمات من مبادئ الأحكام الّتي يبحث فيها عن عوارض الأحكام الخمسة وحالاته.
وبذلك يعلم أنّ النظريات في تعيين موضوع علم الأُصول متقاربة فنظرية المحقّق البروجردي هي بعينها نفس نظرية الشيخ الأنصاري غير أن

1 . شرح المنظومة للسبزواري: 201 .

صفحه 39
المحقّق البروجردي عبّر عنه بالحجّة في الفقه، كما أنّ القول بأنّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي1 هو نفس النظرية، وأنّ الجميع يرجع إلى شيء واحد لباً وإن اختلف لفظاً .
الجهة السادسة

تعريف علم الأُصول

عرِّفَ علم الأُصول بتعاريف متعدّدة :

التعريف الأوّل:

وهو المنقول عن القدماء حيث قالوا: هو العلم بالقواعد المُمُهَدَّة لاستنباط الأحكام الشرعية .
وأُورد عليه: بأنّ المستنبَط تارة يكون حكماً شرعياً كالحكم المستند إلى الكتاب والسنّة، وأُخرى يكون المستنبَط وظيفة عملية وعذراً عقلياً بين العبد والمولى كالأُصول العقلية، فإن حكم العقل. بقبح العقاب بلا بيان بمعنى معذورّية الجاهل عند الجهل بالواقع، وأمّا ما هو الحكم الشرعي في المورد فلا يستنبط من حكم العقل .
فإن قلت: على القول بالملازمة بين حكم العقل والشرع يكون

1 . دروس في علم الأُصول: 3 / 14 .

صفحه 40
المستنبط حكماً شرعياً.
قلت: غاية ما يثبت بالملازمة هو إمضاء الشرع معذورية العبد في هذه الحالة، وأمّا ما هو الحكم الشرعي للمورد فهو لا يستنبط من قاعدة الملازمة. وبعبارة أُخرى: العقل يحكم بمعذورية الجاهل بالحكم الشرعي بعد الفحص، كما أنّ الشرع ـ على القول بالملازمة ـ يعدّه أيضاً معذوراً، وأمّا ما هو حكم المورد شرعاً كشرب التتن فهو مجهول على المستنبِط.
ونظيره حجّية الظن الانسدادي على القول بالحكومة، وذلك لأنّ للقائلين بتمامية مقدّمات الانسداد نظرين:
1. أنّ العقل بعد ملاحظة المقدّمات يكشف عن أنّ الشارع لم يترك المكلف سُدى، بل جعل الظن الانسدادي حجّة في حقّه، وعند ذلك يكون مفاد الظن الانسدادي حكماً شرعياً ظاهرياً.
2. أنّ العقل بعد ملاحظة المقدّمات يستقل بوجوب العمل بالظن دفعاً للخروج عن الدين إذا لم يتعبّد بشيء من الظن والاحتياط واعتمد على أصالة البراءة، وعند ذلك يكون العلم بالظن قاطعاً للعذر عند العقل من دون أن يكون مفاده حكماً شرعياً، والتعريف المزبور للقدماء لا يشمل الظن الانسدادي على القول بالحكومة.

صفحه 41

التعريف الثاني:

صناعة يعرف بها القواعد الّتي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو الّتي يُنتهى إليها في مقام العمل. وقد ذكره المحقّق الخراساني.1
ويرد عليه: أنّ لازم ما اختاره في تمايز العلوم أن يُعدّ علم الأُصول علمين مختلفين لوجود غرضين مختلفين: أحدهما استنباط الأحكام، والآخر تحصيل الأعذار.
فإن قلت: إنّ علم الرجال الباحث عن وثاقة الراوي وعدمها داخل في التعريف، لأنّه يقع في طريق استنباط الأحكام.
قلت: الظاهر خروجه عن التعريف لأجل لفظة «القواعد»، فإنّ علم الرجال قضايا شخصية لا كلية ولا جزئية.
فإن قلت: يبقى النقض بعلم الدراية الّذي يبحث عن أحوال الحديث العارضة عليه من جانبي السند والمتن فهو يقع في طريق الاستنباط.
قلت: المقصود ما يكون هو المقدمة الأخيرة للاستنباط لا كل ما يتوقف عليه الاستنباط.

التعريف الثالث:

وهو للمحقّق النائيني، وهوأن علم الأُصول هو العلم بالكبريات الّتي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلّي. (2) فيقال:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 4 .   2 . فوائد الأُصول: 1 / 19 .

صفحه 42
صلاة الجمعة ممّا أُمر به.
وكلّ ما أُمر به فهو شيء واجب.
فصلاة الجمعة شيء واجب.
يلاحظ عليه أوّلاً: بما أُورد به على تعريف المشهور فإنّ المُستنبَط ربّما يكون عذراً عقلياً لا حكماً شرعياً. وبعبارة أُخرى :يكون وظيفة عملية لا حكماً شرعياً.
ثانياً: أنّه ربّما لا يكون ضمُّ الصغريات إلى الكبريات سبباً لاستنباط الحكم الشرعي، بل يحتاج بعد الضمّ إلى محاولة أُخرى.
وهذا نظير الصلاة في الدار المغصوبة فإنّها على القول بإمكان الاجتماع يكون العمل الخارجي موصوفاً بالوجوب والحرمة، وأمّا على القول بالامتناع تكون النتيجة امتناع الاجتماع ولابدّ في حلّ المشكلة من تقديم أقوى الملاكين على الآخر. ومن المعلوم أنّ هذا المقدار من النتيجة لا يستنبط به الحكم الشرعي، بل يحتاج إلى محاولة أُخرى تثبت ما هو الأقوى ملاكاً من الأمر والنهي حتّى يتبعه الحكم الشرعي.

التعريف الرابع:

وهو للسيد الأُستاذ : حيث قال أنّه القواعد الآلية الّتي يمكن أن تقع كبرى لاستنباط الأحكام الفرعية الإلهية، أو الوظيفة العملية.1
توضيحه: أنّ نسبة علم الأُصول إلى الفقه نسبة علم المنطق إلى الفلسفة

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 19 .

صفحه 43
والكلام، فدور علم الأُصول دور آلي وليس باستقلالي كدور المنطق، شأن كل آلة يستخدمها الإنسان، فالنظّارة آلة للإبصار وليس مقصودة بالأصالة، وهكذا علم الأُصول آلة للاستنباط وليست مقصودة بالذات.
ونستوضح المقام بكلام الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)حيث قال عند تبيين نظر الإسلام بالنسبة إلى الدنيا: «من أبصر بها بصّرته، ومن أبصر إليها أعمته» 1 أي النظر إلى الدنيا بما هي وسيلة للحياة يوجب البصيرة، والنظر إليها بعنوان أنّها الغاية والهدف يوجب العمى.
ثم إنّه (رحمه الله) وصف القواعد بإمكان الوقوع لا بالوقوع نفسه، وذلك لتدخل فيه الظنون غير المعتبرة، كالقياس والاستحسان والظن الانسدادي، فالجميع يتمتع بالإمكان لا بالوقوع.

التعريف الخامس:

ما اختاره الشهيد الصدر (قدس سره): وهو العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي، خاصة الّتي يستعملها الفقيه كدليل على الجعل الشرعي الكلّي .2
يلاحظ عليه: باستلزامه خروج القواعد الّتي يستعملها الفقيه على تحصيل العذر، كالبراءة العقلية والظن الانسدادي على الحكومة. وكان عليه أن يعطف جملة أُخرى حتّى يكون التعريف جامعاً للافراد.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 82.
2 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 31 .

صفحه 44

التعريف السادس:

وقد ذكرناه في الدورة السابقة وهو: القواعد الكلّية غير المشتملة على أحكام شرعية فرعية المُمَهدّة لاستنباط الأحكام أو الوظيفة العملية.
فبقولنا:
1. القواعد الكلية: خرج علم الرجال .
2. القواعد غير المشتملة على أحكام شرعية فرعية: خرجت القواعد الفقهية، لأنّ محمولاتها أحكام شرعية.
3. كما دخل بقولنا: (الوظيفة العملية) البراءة العقلية والظن الانسدادي على الحكومة.
وعلى كلّ تقدير فالغرض من ذكر هذه التعاريف توضيح واقع علم الأُصول أمام الطالب وعرضه بشكل واضح، وكلّ هذه التعاريف تشترك في إيضاح الغاية من هذا العلم، وعلى ضوء ذلك يكون الإشكال في الجامعية أو المانعية أمراً فاقداً للأهمية، لأنّ الغاية هي المعرفة الإجمالية، وهي حاصلة في الجميع .

صفحه 45
الجهة السابعة

في الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية

إنّ القواعد الفقهية لها جذور في تاريخ الفقه كما أنّ للمسائل الأُصولية جذوراً فيه أيضاً، ولكلّ من العنوانين تآليف وتصانيف، أمّا المسائل الأُصولية فسيوافيك بيان تاريخها على وجه الإيجاز، وأمّا القواعد الفقهية فأوّل من ألّف فيها من الشيعة الإمامية هو الشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي (734 ـ 786 هـ) حيث ألّف كتاباً باسم «القواعد والفوائد» وإن تضمّن وراء القواعد الفقهية أُموراً أُخرى.
ثم توالى التأليف بعده فألّف الشهيد الثاني كتابه المعروف بـ «تمهيد القواعد» وهو كتاب ممتع، إلى غير ذلك من الآثار الجليلة في هذا المجال.
وقد صار هذا الأمر سبباً لطرح قضية الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية .
وهناك فروق مذكورة نشير إلى عناوينها إجمالاً أوّلاً، ثم نأخذها بالتفصيل لاحقاً:
الأوّل: إجراء المسألة الأُصولية بيد المجتهد، بخلاف القواعد الفقهية فإنّها تعمّه والمقلّد .
الثاني: المسائل الأُصولية تقع في طريق استكشاف الأحكام في عامّة

صفحه 46
الأبواب، بخلاف القواعد الفقهية .
الثالث: أنّ المسائل الأُصولية تجري في استنباط الأحكام الكلّيّة، بخلاف القواعد الفقهية فإنّها لا تجري إلاّ في الموضوعات.
الرابع: أنّ القواعد الأُصولية أداة للاستنباط بخلاف القواعد الفقهية فإنّها أداة للتطبيق .
الخامس: أنّ الفرق بينهما بالمحمولات.
هذه رؤوس الفروق المذكورة، وإليك بيانها مفصّلاً.
أمّا الفرق الأوّل: فهوما ذكره الشيخ عند البحث عن حجّيّة الاستصحاب وقال: بأنّه من المسائل الأُصولية في مورد الشبهات الحكمية، وإليك نصّ كلامه:
نعم يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعية 1 بأنّ إجراءها في موردها، أعني: صورة الشك في بقاء الحكم الشرعي السابق ليس وظيفة المقلّد، فهي ممّا يحتاج إليه المجتهد فقط ولا تنفع المقلّد، وهذا من خواص المسألة الأُصولية، فإنّ المسائل الأُصولية لما مُهِّدت للاجتهاد واستنباط الأحكام من الأدلّة اختصّ التكلّم فيها بالمجتهد ولا حظّ لغيره .2
يلاحظ عليه: أنّ بعض القواعد الفقهية يشارك المسائل الأُصولية في أنّها لا تنفع للمقلّد، بل يختصّ إجراؤها بالمجتهد، وهذا كالقاعدة المعروفة: «المؤمنون عند شروطهم، إلاّ إذا حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً» أوقولهم:

1 . الظاهر: أنّه أراد القواعد الفقهية.
2 . الفرائد: 320 .

صفحه 47
«المؤمنون عند شروطهم إلاّ ما خالف الكتاب أو السنّة»، فإنّ تشخيص الموافق والمخالف أمر يختصّ بالمجتهد حتّى يتمسّك بالقاعدة، بل ربّما لا ينتفع به المتجزئ، وقس على ذلك قسماً آخر من القواعد الفقهية الّتي لا ينتفع بها المقلّد كقاعدة: «ما يضمن وما لا يضمن».
أمّا الفرق الثاني: فهو خيرة المحقّق ضياء الدين العراقي وقد قال: إنّ القواعد الأُصولية مستعدة بذواتها لئن تقع في طريق استكشاف كلّ وظيفة عملية في أي باب من أبواب الفقه، بخلاف الثانية فإنّ كلّ واحدة منها مختصة بباب من أبواب الفقه لا تتجاوزه إلى غيره .1
وقد لوحظ عليه بالنقض بقاعدتي الضرر والحرج، فإنّهما يجريان في عامّة الأبواب.
ثم إنّ المحقّق العراقي أجاب عن هذا النقض بقوله: بأنّه يمكن بهما تشخيص الحكم الشرعي، ولا يقع شيء منهما في طريق استكشاف الوظيفة العملية الكلّية كما هو شأن المسألة الأُصولية .
وحاصل جوابه: أنّه قد مرّ في تعريف علم الأُصول أنّ القواعد الأُصولية تارة تقع في طريق استنباط الأحكام الواقعية وأُخرى في طريق ما ينتهي إليه المجتهد من الوظيفة في حالة الشكّ، وقاعدة «لا ضرر» تقع في طريق استنباط الأحكام الواقعية ولا تقع في طريق ما يستنبط منه حكم الوظيفة في حال الشكّ، ولذلك لا يصحّ عدّها من القواعد الأُصولية.

1 . بدائع الأفكار: 1 / 26 .

صفحه 48
ثم إنّ الشهيد الصدر (قدس سره)أجاب عن النقض بصورة أُخرى وحاصل ما أفادهُ: أنّ مفاد «لا ضرر» ليس إلاّ مجموعة من التشريعات العدميّة جمعت في عبارة واحدة، فقصر وجوب الوضوء على غير حالة الضرر، وقصر وجوب الصوم على غير حالة الضرر ـ مثلاً ـ ليسا مجعولين بجعل واحد وثابتين بتقرر واحد، بل الأوّل ثابت بتقييد جعل وجوب الوضوء بغير حالة الضرر، والثاني ثابت بتقييد جعل وجوب الصوم بغير حالة الضرر، غاية الأمر أنّ الشارع جمع بين هذه التشريعات العدمية المتعدّدة بجعولها في مبرز واحد، وفي مثل ذلك لا تصدق القاعدة، إذ لا يوجد أمر كلّي وحداني يكون دخيلاً في إثبات كلّ واحد من هذه التشريعات، بل هي جميعاً تثبت في عرض واحد بدليل واحد. من قبيل أن يقال: كلّ حكم يثبت للرجل في المعاملات فهو ثابت للمرأة.1
يلاحظ عليه: ماذا يريد من قوله: «فقصر وجوب الوضوء على غير حالة الضرر ـ مثلاً ـ وقصر وجوب الصوم على غير حالة الضرر ليسا مجعولين بجعل واحد وثابتين بتقرر واحد»؟
فما هو السبب لتعدّد الجعل في موارد «لا ضرر ولا حرج» واتّحاده في المسائل الأُصولية؟
فإن كان السبب لتعدّد الجعل هو تعدّد الموضوع في القاعدتين في عامّة مصاديقهما ووحدته في المسائل الأُصولية، فهو ليس بتام، لإمكان أن يكون الموضوع فيهما أيضاً موحّداً في عامّة الموارد، بأن يكون الموضوع

1 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 24.

صفحه 49
هو فعل المكلف الضرري أو الحرجي، فيكون الجعل واحداً باعتبار وحدة الموضوع. فلا يكون أي فرق بين القاعدتين والمسائل الأُصولية .
وإن كان السبب لتعدد الجعل هو تعدد الملاك فهو أيضاً كالسابق لأنّ الملاك في عامة الموارد هو الضرر من غير فرق بين بابي الوضوء والصوم وغيرهما، وأمّا تشبيه المقام بالمثال الّذي ذكره فهو تشبيه مع الفارق، لظهور أنّ الكلام المذكور أشبه بالجمع في التعبير لأحكام كثيرة، وإن شئت قلت: أشبه بالعنوان المشير.
وأمّا الفرق الثالث: وهو ما يستفاد من بعض كلمات المحقّق الخوئي حيث يقول: والصحيح أنّه لا شيء من القواعد الفقهية تجري في الشبهات الحكمية، فإنّ قاعدتي نفي الضرر والحرج لا تجريان في موارد الضرر أو الحرج النوعي.1
وحاصل جوابه أنّ القواعد الأُصولية ـ كما مرّ في توضيح كلام المحقّق العراقي ـ تتحمّل مسؤوليتين:
1. مسؤولية استنباط الأحكام الواقعية.
2. مسؤولية بيان الوظيفة عند الشكّ في الحكم الواقعي.
والقواعد الفقهية على وجه الإطلاق من غير فرق بين قاعدتي لا ضرر ولا حرج وغيرهما، تقع في طريق الاستنباط، لكن لا يستنبط منها حكم الشاكّ في الحكم الواقعي الذي يعبّر عنه بالوظيفة العملية وكأنّه(قدس سره) استنبط هذاالجواب من كلام المحقّق العراقي في خصوص قاعدتي لا ضرر ولا حرج.

1 . محاضرات في أُصول الفقه: 1 / 10 .

صفحه 50
وأمّا الفرق الرابع: وهو المفهوم من كلام المحقّق المذكور وحاصله: أنّ إعمال القواعد الأُصولية على موردها من قبيل الاستنباط، بخلاف القواعد الفقهية، فإنّ إجراءها على موردها من قبيل التطبيق. فها هو يقول: فإنّ الأحكام المستفادة من القواعد الفقهية، سواء كانت مختصّة بالشبهات الموضوعية كقاعدة الفراغ واليد والحلّية ونحوها، أم كانت تعمّ الشبهات الحكمية أيضاً كقاعدتي لا ضرر ولا حرج بناء على جريانهما في موارد الضرر أو الحرج النوعي، وقاعدتي ما يضمن وما لا يضمن وغيرهما، إنّما هي من باب تطبيق مضامينها بأنفسها على مصاديقها، لا من باب الاستنباط والتوسيط، مع أنّ نتيجتها في الشبهات الموضوعية نتيجة شخصية.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره، مائز غالبي وليس دائمياً، وذلك لأنّ دور بعض المسائل الفقهية دور الاستنباط، وذلك كقاعدتي لا ضرر ولا حرج فإنّ استخراج حرمة الوضوء أو الصوم من القاعدتين ليس من مقولة التطبيق وإنّما هي من مقولة الاستنباط، إذ فرق بين أن نقول: «أكرم العالم» ثم نطبّقه على مصاديقه، وبين القول: «لا حكم ضررياً ولا حرجياً في الإسلام» ثم ننتقل منه إلى عدم تشريع الوجوب الضرري في الوضوء والصوم.
وأمّا الفرق الخامس: وهو التفريق بين المسائل والقواعد بالمحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها. وإليك توضيحه:
وحاصل هذا الفرق يرجع إلى أنّ تميّز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية بمحمولاتها المنتسبة إلى موضوعاتها، وإن شئت قلت: إنّ ملاك

1 . محاضرات في أُصول الفقه : 1 / 10 .

صفحه 51
البحث في الأُولى غيره في الثانية، فإنّ ملاكه في المسائل الأُصولية هو طلب الحجّة على الحكم الشرعي لا نفس الحكم الشرعي، ولكن المطلوب في القواعد الفقهية هو نفس الحكم الشرعي وضعاً وتكليفاً، وإليك تفصيل ذلك.
إنّ المسائل الأُصولية تدور حول الأُمور التالية:
1. ما يبحث فيه عن تعيين مفاد الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة، كمفاد الأمر والنهي والعام والخاصّ إلى غير ذلك.
2. ما يبحث فيه عن الحكم العقلي كالبحث عن وجود الملازمة بين الأمر ووجوب مقدمته وحرمة ضده، أو الملازمة بين حرمة الشيء وفساده، والملازمة بين تعليق الحكم على شرط، وارتفاعه عند ارتفاعه، فالمطلوب منها هو حكم العقل الّذي يستنبط به حكم الشرع اخذاً بالملازمة.
3. ما يبحث فيه عن حجّية أُمور تقع في طريق الاستنباط، كالبحث عن حجّية الخبر الواحد أو الإجماع أو الشهرة، فإنّ المطلوب فيها هو الحجّية الوضعية غير المرتبطة بالعمل.
ويلحق به مبحث التعادل والترجيح، فإنّ ملاك البحث هنا عن تعيين ما هو الحجّة وكيفية تمييزها عن غيرها أو ترجيحها على حجّة أُخرى.
4. ما يبحث فيه عن الوظيفة العملية عند الشك في الحكم الشرعي إذا لم يكن هناك طريق إليه، وإن شئت ألحقته بالقسم الثالث، لأنّ المطلوب هو طلب الحجّة بين المكلّف وبين ربّه، إمّا تنجيزاً كما هو الحال في الاحتياط، أو تعذيراً كما هو الحال في أصل البراءة.
فهذه المسائل ونظائرها تعرب عن أنّ الملاك في المسائل الأُصولية

صفحه 52
عبارة عن أُمور لا تتعلّق بالحكم الشرعي التكليفي ولا الوضعي المتعلّق بالعمل، وإنّما المطلوب فيها أُمور خارجة عن هذا المصب.
وأمّا إذا لاحظنا القواعد الفقهية نرى أنّ المحمول فيها إمّا حكم تكليفي عملي، وإمّا حكم وضعي متعلّق بالعمل. فالأوّل كقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً» فمعنى قوله: «عند شروطهم» أي يجب العمل بالشروط الّتي اتّفقوا عليها; ونظيره قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس» فهو من جانب ينفي الوجوب ومن جانب آخر يثبته في الموارد الخمسة، فالمحمول في كلا الطرفين إمّا رفع شرعي أو إيجاب شرعي.
وقس على ذلك سائر القواعد الفقهية الّتي لا تتجاوز أُمّهاتها عن أربعين قاعدة، وربّما تتجاوز فروعها وما انشق منها إلى مائة أو أكثر .
فإن قلت: قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» حكم تكليفي فيلزم أن يكون قاعدة فقهية مع أنّ العلماء يجعلون الاستصحاب في عداد المسائل الأُصولية.
قلت: إنّ الشيخ يفصّل بين جريانه في الأحكام كاستصحاب وجوب صلاة الجمعة في الغيبة، وبين جريانه في الموضوعات كاستصحاب طهارة الثوب، فالأوّل عنده مسألة أُصولية والآخر قاعدة فقهية.
والظاهر أنّ مفاد: «لا تنقض» حكم وضعي غير متعلّق بالعمل، وهو جعل الحجّية لليقين السابق، وهي مسألة أُصولية مطلقاً، غاية الأمر أنّ نتيجتها تارة تكون حكماً شرعياً كالاستصحاب في الأحكام، وأُخرى مسألة فقهية كما في الموضوعات. ولم يدلّ دليل على أنّ نتائج المسائل الأُصولية يجب

صفحه 53
أن تكون كلّية. نعم يجب ألاّ تكون منحصرة في مورد واحد، فإنّ الاستصحاب كما يسري في هذا الثوب المشتبه يجري في موارد أُخرى.
إلى هنا تبيّن أنّ التمييز بين المقامين بما ذكرنا أولى ممّا ذكروه من الفوارق.
وبه تتمّ الجهات السبع الّتي أوردها المحقّق الخراساني في الأمر الأوّل، ولكن بقيت هنا جهة ثامنة لم يذكرها (رحمه الله)وسنوردها فيما يلي:
الجهة الثامنة

نشأة علم الأُصول وتاريخه

إنّ أوّل من ألّف في أُصول الفقه من السنّة هو أبو يوسف بن يعقوب ابن إبراهيم الشيباني (المتوفّى 189 هـ). يقول ابن النديم في «الفهرست»: من مؤلّفاته كتاب «أُصول الفقه» وكتاب «الاستحسان» وكتاب «اجتهاد الرأي» 1.
ثم ألّف محمد بن إدريس الشافعي (المتوفّى 204 هـ) «الرسالة في أُصول الفقه» ثم توالى التأليف عند أهل السنّة على نمطين مختلفين ذكرنا تفصيل ذلك في تقديمنا لشرح العلامة الحلّي (رحمه الله) لكتاب «مختصر الحاجب» في أُصول الفقه .
وأمّا عند الشيعة الإمامية فإنّ الفضل في ذلك المضمار يرجع إلى أئمة

1 . الفهرست لابن النديم: 302 .

صفحه 54
أهل البيت(عليهم السلام)خصوصاً الإمامين الصادقين (عليهما السلام)، فقد أمليا على تلاميذهما قواعد كثيرة في الفقه وأُصوله، وقد جمعها الشيخ الحر العاملي في كتاب أسماه «الفصول المهمة في أُصول الأئمة(عليهم السلام)».
وقد اقتدى عُلماء الشيعة بأئمتهم فألّفوا رسائل وكتباً، فأوّل من ألّف هو يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208 هـ) ألّف «اختلاف الحديث ومسائله»،1 ثم تلاه أبو سهل النوبختي (المتوفّى 311 هـ) فألّف كتاب «الخصوص والعموم والأسماء والأحكام» 2، وجاء بعده الحسن بن موسى النوبختي فألّف كتاب «خبر الواحد والعمل به» 3 وكانت هذه الرسائل في بعض المسائل الأُصولية.
ولكنّ التأليف بصورة كاملة ابتدأ من عصر الشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ) فألّف كتابه المسمّى «التذكرة بأُصول الفقه» وقد طبع ضمن مجموعة مصنفاته.
وألّف بعده الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ) كتابه «الذريعة إلى أُصول الشريعة»، ثم ألف بعده سلاّر الديلمي (المتوفّى 448 هـ) كتابه «التقريب في أُصول الفقه»، ثم ألّف بعده الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ) «العدّة في أُصول الفقه».
ثم توالى التأليف بين علمائنا في عامّة القرون، ذكرنا تفصيله في مقدّمة

1 . رجال النجاشي: برقم 1209 .
2 . رجال النجاشي: برقم 67 .
3 . رجال النجاشي: برقم 146 .

صفحه 55
كتابنا «الوسيط في أُصول الفقه».
نعم كانت المدارس الفقهية مزدهرة بأُصول الفقه إلى نهاية القرن العاشر، وفي طليعة القرن الحادي عشر ظهرت الأخبارية على يد الشيخ محمد أمين الاسترآبادي (المتوفّى 1033 هـ) فشنّ حملة شعواء على الأُصول والأُصوليّين فأوجد ذلك نكسة وركوداً قرابة قرنين، وبعد أن ظهر المحقّق البهبهاني في الأوساط العلمية وناظر رئيس الأخباريين الشيخ يوسف البحراني، وظهر برهانه غلب منهج الأُصوليين على منهج الأخباريّين، وبعد أن توفي الوحيد البهبهاني عام (1206 هـ) تحمّل المسؤولية تلاميذه، كالشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى 1228 هـ) فقد أدرج مسائل أُصول الفقه في مقدّمة كتابه «كشف الغطاء»، والشيخ أبي القاسم القمي (المتوفّى 1231 هـ) فألّف «قوانين الأُصول» في جزأين، ثم دام التأليف على هذا المنهاج .
إلى أن ظهر رائد النهضة الأُصولية الجديدة الشيخ مرتضى الأنصاري في أواخر القرن الثالث عشر فصارت كتبه محور الدراسة في الفقه والأُصول إلى أن اكتمل المنهج بيد تلميذه المحقّق الخراساني (المتوفّى 1329 هـ). وها نحن نسير على أضوائهم وآرائهم. وبذلك ظهر أنّ علم الأُصول ليس أمراً بديعاً، ولا دراسته والتأليف فيه بدعة .
ثم إنّ أكثر العلماء قد أفردوا الأُصول بالتأليف إلاّ أنّ قسماً آخر منهم جعلوها مقدّمة لكتبهم الفقهية كالشيخ البحراني في حدائقه، وكاشف الغطاء في كتابه «كشف الغطاء».
وإنّي أرجو من الله سبحانه أن يهدينا بهدايته إلى الحقّ المبين .

صفحه 56
في كيفية دلالة الألفاظ على معانيها   
 
الأمر الثاني:

في الوضع

لقد استأثرت البحوث المتعلّقة بالوضع باهتمام خاص في علم الألسنة الّذي يدرّس في الجامعات كعلم مستقل، فاستيعاب البحث فيه يخرجنا عن المقصود، وإنّما نكتفي بالإشارة إليه على وجه عابر.
ويقع الكلام فيه في مواضع:
الأوّل: هل أنّ دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية ، أو أنّ دلالتها عليها بالجعل والمواضعة؟
الثاني: إذا قلنا بالقول الثاني، فهل الواضع هو الله سبحانه أو الإنسان نفسه حسب حاجاته المتدرجة؟
الثالث: ما هي حقيقة الوضع بعد القول بأنّه بالجعل والمواضعة؟
الرابع: أقسام الوضع ومناشئه.
الخامس: في معاني الحروف .
السادس: في كيفية وضع الحروف.
السابع: في وضع أسماء الإشارة والضمائر والموصولات.
الثامن: في معنى الجمل الإخبارية والإنشائية.
التاسع: في مفاد الجملة الاسميّة.

صفحه 57
وإليك دراسة هذه المواضع واحداً بعد الآخر.
 
الموضع الأوّل: في كيفية دلالة الألفاظ على معانيها
هل دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية كدلالة الدخان على وجود النار، أو أنّها بالجعل والمواضعة؟
حُكي عن سليمان بن عَبّاد أنّ دلالتها على المعاني بالذات، يقول الشهيد الشيخ فضل الله النوري (قدس سره)في منظومته:
وعن سليمان بن عَبّاد حُكي *** دلالةُ اللفظ لذاته فاتركِ
حُجّته لزوم ترجيح بلا *** مرجِّح كذاك منه نُقِلا
لكنّه مخالف المشهورِ *** مخالف لمذهب الجمهورِ
وقد أشار (قدس سره)بقوله: «حجّته» إلى أنّه لولا هذه المناسبة بين الألفاظ والمعاني لكان تخصيص الواضع لفظاً مخصوصاً بمعنى بلا مرجّح، وهو محال كالترجيح بلا مرجّح.
وأورد عليه المحقّق الخوئي: بأنّ المحال هو الترجّح بلا مرجّح دون الترجيح بلا مرجّح، إذ لا قبح فيه فضلاً عن الاستحالة إذا كان هناك مرجّح لاختيار طبيعيّ الفعل مع فقد الترجيح بين أفراده ومصاديقه، وحيث إنّ المرجِّح لاختيار طبيعي الوضع والتخصيص موجود فهو كاف في تخصيص الواضع وجعله لكلّ معنى لفظاً مخصوصاً وإن فُقِدَ الترجيحُ بين كلّ فرد من أفراده .1

1 . محاضرات في أُصول الفقه: 1 / 38 ـ 39 .

صفحه 58
يلاحظ عليه: بأنّ القضيتين في الاستحالة سواء. فكما أنّ أصل الفعل يحتاج إلى علّة والتي نعبر عنها بالترجّح بلا مرجّح فهكذا الخصوصية تحتاج إلى علّة، والّتي نعبر عنها بقولنا الترجيح بلا مرجِّح. وبعبارة أُخرى: فكما أنّ أصل الأكل من أحد الرغيفين يتوقّف على وجود داع، فهكذا تخصيص الانتخاب بأحدهما دون الآخر يلازم وجود الداعي، وفي الحقيقة مرجع الترجيح بلا مرجّح إلى الترجّح بلا مرجح. لكن في الخصوصية. وسيوافيك بيان بعض الدواعي لترجيح بعض الألفاظ على بعض .
نعم الفرضية باطلة من وجوه:
1. لو صحّ ذلك القول لزمت لغوية الوضع، إذ تكون دلالة اللفظ على المعنى أشبه بدلالة الدخان على النار أو السعال على وجع الصدر.
2. يلزم اجتماع المتناسبين المتضادين في اللفظ كما في الأضداد كالقُرء بالنسبة إلى الطهر والحيض، أو الجون بالنسبة إلى الأسود والأبيض.
3. يلزم أن يكون عامّة الناس عالمين بعامّة اللغات في ظل المناسبة الذاتية.
لكن أظن أنّ مراد القائل شيء آخر غير ظاهر كلامه، وهو أنّ الغالب في الحيوانات إمّا عرض المعنى بنفسه على المخاطب، كتناول أُمّ الحيوان الصغير، الحبّةَ بمنقارها وتكرار ذلك أمام ولدها إذا أرادت إفهامه أن يأكل. أو بالإشارة إلى المعنى، بالذنب أو اليد أو بالتصويت، كما تفعل الهرّة لإفهام جوعها أو طلب ولدها، أو بغير ذلك من المواهب المودعة من الله تعالى في الحيوانات.

صفحه 59
وأمّا الإنسان فقد حباه الله المنطق والبيان فيعبّر به عمّا يجول في ضميره لكن كيف يستخدم الألفاظ لإظهار ما في الضمير وليس من البعيد أنّه يلاحظ بعض المناسبات فيستند في تسمية الحيوانات إلى أصواتها، كالهدهد والبوم والحمام والعصفور والهرّة، كما يستند في حكاية الأفعال والحركات إلى أصواتها أيضاً، كالدق والدك والشق والكسر والصرير والدويّ والنهيق. وربّما يرى مناسبة خيالية أو وهمية بين الألفاظ ومعانيها كالمشابهة في الشكل والهيئة، وغير ذلك من المناسبات فها هو لفظ الهيولى فإنّه بمعنى «المادة الأُولى»، لكن يستعمله العرف الفارسي الخاص
في الموجود المهيب، لما يراه بين ذاك اللفظ و المعنى من مناسبة
وهمية.
وقد جرّبنا ذلك في بعض الأطفال فرأيناهم يخترعون لبعض الأشياء والمعاني ألفاظاً مهملة عندما يحكون بها عمّا يجول في ضمائرهم، لمناسبة خيالية بينهما عندهم، ولعلّ هذا هو القاعدة الكلّية في تكثّر الألفاظ وتكامل اللغة .
ولا مانع من الالتزام بهذا النوع من المناسبة في وضع الألفاظ. لكنّها لا تُغني عن الوضع .

صفحه 60
في تعيين الواضع   
 
الموضع الثاني: في تعيين الواضع
هل وضع الألفاظ في مقابل المعاني أمر، إلهي أو أنّه بشري؟

الوضع ظاهرة إلهية

ذهب المحقّق النائيني إلى الأوّل، وحاصل كلامه: أنّ الواضع هو الله تبارك وتعالى لا غير، وذلك لأُمور:
أ. لو فرضت جماعة أرادوا إحداث ألفاظ، بقدر ألفاظ أيّ لغة لما قدروا عليه، فما ظنّك بواحد.
ب. كثرة المعاني فإنّه يتعذّر تصوّرها من شخص أو أشخاص.
ج. لو كان الوضع أمراً بشرياً لسجّله التاريخ عبر القرون، لأنّ مثل هذا العمل من أعظم الخدمات للبشر ولذلك تتوفّر الدواعي على نقله .
وحاصل هذه الوجوه: أنّ استيعاب الأوضاع اللغوية في جانبي اللفظ والمعنى أمر لا يقوم به فرد أو جماعة معيّنون، على أنّه لو كان هناك واضع لخلّد التاريخ اسمه.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره يتمّ لو كان هناك واضع خاص أو أشخاص معيّنون، وأمّا على القول بأنّ أصل كلّ لغة وتكاملها، مرهون بجهد الإنسان عبر آلاف السنين فلا مانع من قيام أُمّة كبيرة بعمل خارج عن إحاطة الإنسان الواحد أو الجماعة القليلة، أعني: وضع اللغة وإكمالها، حسب ما أُلهموا من

1 . أجود التقريرات: 1 / 12 .

صفحه 61
قِبَل خالقهم سبحانه الّذي قال: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)1.
ويمكن توجيه كلام المحقّق النائيني بأنّ وضع الألفاظ في مقابل المعاني وإن كان ظاهرة بشرية في حياة الإنسان، لكنّ تحقّق ذلك بعناية من الله سبحانه حيث ألهم الإنسان ألفاظاً خاصة في مقابل معاني كذلك، فلولا إلهامه سبحانه وعنايته لم يقدر الإنسان على تلك الظاهرة بهذه الدقائق الفنية والاستيعاب.
ولكن الظاهر من الذكر الحكيم أنّه سبحانه علم آدم الأسماء كلّها فلو أُريد من الأسماء ألفاظ المعاني والحقائق، فهو يدلّ على أنّ الوضع بالنسبة إلى اللغة الّتي كلّم الله بها آدم كان أمراً إلهياً، مضافاً إلى أنّه سبحانه خاطب آدم وقال: (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)(2)، إلى غير ذلك من الخطابات الواردة في سورة البقرة. نعم الآية تدلّ على سبق الوضع في اللغة الّتي خاطب بها آدم (عليه السلام) دون سائر اللغات. وأمّا اللغة الّتي خاطب بها سبحانه آدم (عليه السلام)فغير معلومة على وجه اليقين .

الوضع ظاهرة بشرية

الإمعان في الحياة البشرية الغابرة يثبت بأنّ الحضارة الإنسانية بأبعادها ليست وليدة يوم أو شهر أو سنة، بل الإنسان خرج من البداوة والحياة الفردية

1 . الرحمن: 1 ـ 4 .   2 . البقرة: 35 .

صفحه 62
إلى الحياة الاجتماعية بالتدريج فهو عبر إعمار الأرض بأنحائها المختلفة كان بحاجة شديدة إلى التفاهم والحوار، وقد خلق الله سبحانه مادتها في فطرته، وقال: (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) فالحاجة دعته إلى إفهام ما في ضميره من الحوائج بإنشاء ألفاظ مقابل معان بالتدريج، فلو قلنا إنّ لكلّ لغة واضعاً، فالواضع هو البشر عبر الزمان بإذن الله سبحانه وبالتدريج ولم يزل الأمر كذلك في مستقبل الأيام حيث إنّ الألفاظ تزداد، وفق زيادة المعاني.
إنّ وضع الألفاظ في مقابل المعاني نتيجة قانون طبيعي وهو قانون «الطلب والعرض» فهما متلازمان، فإذا كان هناك طلب من جانب يتحقّق العرض والاستجابة من جانب آخر، والمقام أشبه به فمن جانب يريد الإنسان ان يُفهم ما يقوم في ذهنه من المعاني البسيطة أو المركبة وهذا هو الطلب، وهو يلازم وجود عرض يتناسب مع هذا الطلب، وما هو إلاّ اختراع ألفاظ وجمل تؤدّي حاجته، وهذا هو العرض.
والّذي يدلّ على ذلك وجود المجامع العلمية والأدبية الّتي تضع الألفاظ لمعان مختلفة جديدة فالحاجة ألجأتهم إلى إنشاء هذه المجامع الّتي يلتقي فيها أساتذة اللغة والأدب فيضعون الألفاظ بعد محاورات ومناظرات، غير أنّ هذا الأمر يتحقّق في هذه الأيّام بفضل أُناس ماهرين، ولكنّ أصل اللغة تكوّن نتيجة محاورة جماعات كثيرة عبر القرون.
ما هي حقيقة الوضع   
وأمّا اشتمال اللغة على الدقائق الفنية والقواعد الجليلة فهو ليس نتيجة جهد شخص أو أشخاص في زمن معيّن، وإنّما هي ممارسة الإنسان لهذه اللغة عبر القرون.

صفحه 63

الموضع الثالث: ما هي حقيقة الوضع؟

المعروف بين العلماء في حقيقة الوضع نظريتان:
أ. نظرية المواضعة، وأنّ حقيقة الوضع ترجع إلى أمر اعتباري.
ب. نظرية التعهّد.
وإليك تبيين النظريتين:

النظرية الأُولى: نظرية المواضعة

وحاصل النظرية: أنّ الواضع يمارس عملية اعتبارية إنشائية تتولّد على ضوئها العلاقة اللغوية بين اللفظ والمعنى.
وقد اختلفت كلمتهم في بيان ذلك الأمر الاعتباري بصور نشير إليها :
1. ما ذكره المحقّق الخراساني حيث قال: الوضع عبارة عن نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما ناش عن تخصيصه به تارة ومن كثرة استعماله فيها أُخرى.
يلاحظ عليه:
أ. إنّ اختصاص اللفظ بالمعنى من نتائج الوضع وليس نفسه. والظاهر أنّ اختياره لفظ «الاختصاص» مكان «التخصيص» لأجل إدخال الوضع التعيّني في التعريف، إذ ليس فيه تخصيص من جانب الواضع، وسيوافيك الكلام فيه عند البحث عن مناشئ الوضع.
ب. إنّ الاختصاص المذكور كما يحصل تارة بالوضع التعييني وأُخرى

صفحه 64
بالوضع التعيّني يحصل بسبب ثالث أيضاً، وهو استعمال اللفظ في المعنى لكن بداعي الوضع، كما سيأتي بيانه من المحقّق الخراساني في مبحث الحقيقة الشرعية.
ج. التعريف لا يخلو من إجمال حيث قال: «نحو ارتباط بين اللفظ والمعنى» دون أن يبيّن حقيقة هذا الربط.
2. إنّ حقيقة الوضع عبارة عن اعتبار وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، فهو هو في عالم الاعتبار وإن لم يكن كذلك حقيقة.1
وحاصله: أنّ الواضع جعل وجود اللفظ وجوداً للمعنى في عالم الاعتبار واعتبره وجوداً تنزيلياً له في ذلك العالم دون عالم الخارج والعين على خلاف التنزيلات الشرعية والعرفية كقوله: «الطواف بالبيت صلاة»، وقوله: «الفقاع خمر استصغره الناس»، فإنّ التنزيل فيهما عيني .
يلاحظ على هذه النظرية: أنّ تفسير الوضع بهذا المعنى لا يمارسه إلاّ الأذكياء العارفون بالفرد الحقيقي والفرد التنزيلي، وأمّا الإنسان البدائي فهذا العمل الدقيق بعيد منه حتّى أنّ هذا المعنى لا يدور بخلد الأذكياء في مجمع اللغة .
أضف إلى ذلك: أنّ كون اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى لا يتحقّق إلاّ بالاستعمال، فهذا هو الّذي يتحقّق به التنزيل ولولا الاستعمال لمّا كان من التنزيل أثر ولا خبر، وكلامنا في المقام في الوضع المتقدّم على الاستعمال، ولو حاولتَ تبيّن الحال فاعطف نظرك إلى صانع المرآة ومن ينظر فيها

1 . وهي نظرية المحقّق الإيرواني في نهاية النهاية في شرح الكفاية: 7 (طبع طهران).

صفحه 65
فالصانع ينظر إليها بنظرة استقلالية لا تنزيلية بخلاف الناظر فيها قبل الخروج من البيت ليرتّب وضعه الخارجي. فمثل الواضع مثل صانع المرآة كما أنّ مثل الناظر هو مثل المستعمل.
وبكلمة قصيرة: التنزيل من شؤون الاستعمال وليس من شؤون الوضع.
3. الوجه المختار وهو أنّ الوضع عبارة عن تعيين اللفظ في مقابل المعنى بداعي الانتقال إليه عند التكلّم. ونستكشف ذلك من عمل الأخصائيّين في المجامع اللغوية فإنّ عملهم يقوم على وضع الألفاظ بإزاء المعاني، فإذا وجدت ظاهرة طبيعية أو اجتماعية في حياتهم يحاولون وضع لفظ يشير إليها كما هوالحال في الاختراعات الحديثة والظواهر الاجتماعية الجديدة. ليستمد به الواضع أو المجتمع في التعبير عنها. نعم ما ذكرنا من التعريف لا يشمل الوضع التعيّني وبما أنّ الكلام في المقام في تعريف الوضع التعييني اقتصرنا عليه.
إلى هنا تم تبيين نظرية الاعتبار بوجوهها الثلاثة. ولننتقل إلى بيان نظرية التعهّد.

النظرية الثانية: نظرية التعهد

إنّ حقيقة الوضع ليست إلاّ التعهّد بذكر اللفظ عند إرادتهم المعنى 1.
قال أبو المجد الآغا محمد رضا الاصفهاني: الوضع عبارة عن التعّهد،

1 . تشريح الأُصول للمحقّق علي النهاوندي. نقلاً عن نهاية النهاية في شرح الكفاية للايرواني: 7 .

صفحه 66
أعني: تعهّد المتكلّم للمخاطب والتزامه له بأنّه لاينطق بلفظ خاص، إلاّ عند إرادته معنى خاصّاً، أو أنّه إذا أراد إفهامه معنى معيناً، لا يتكلّم إلاّ بلفظ معيّن، فمتى تعهّد له بذلك وأعلمه به حصلت الدلالة وحصل الإفهام .1
يلاحظ عليه بوجوه:
الأوّل: أنّه من قبيل خلط الغاية من الفعل، بنفس الفعل، فالوضع شيء والغاية المتوخّاة منه شيء آخر، فالتعهد المذكور في كلامه غاية الوضع حتّى يخرج فعل المتكلّم عن اللغوية. وإن شئت قلت: الوضع عمل خاص لتلك الغاية.
الثاني: لو كانت حقيقة الوضع ذاك التعهد، لزم أن يكون كلّ مستعمل واضعاً، لالتزام كلّ مستعمل تفهيم المعنى عند المتكلّم باللفظ المخصوص، والالتزام به أمر غريب وإن التزم به بعض المحقّقين .2
الثالث: أنّ الالتزام بالتعهّد في الوضع غير لازم، بل يكفي فيه مجرّد جعل اللفظ في مقابل المعنى إلاّ بداعي الانتقال إليه عند التكلّم، كما هو الحال في سائر الدوال كالعلائم الرائجة لإدارة المرور.
في أقسام الوضع   
وقد تفطّن المحقّق الاصفهاني لما ذكرناه من كون كيفية الدلالة والانتقال من اللفظ وسائر الدوال على نهج واحد بلا إشكال، فقال: فليس من نصب العلامة على رأس الفرسخ إلاّوضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه، من دون أيّ تعهد منه.(3)

1 . وقاية الأذهان: 62، ط . مؤسسة آل البيت(عليهم السلام).
2 . تعاليق أجود التقريرات: 1 / 12 .   3 . نهاية الدراية: 1 / 14 .

صفحه 67

الموضع الرابع: في أقسام الوضع ومناشئه

قد يقسّم الوضع تارة بالنظر إلى المعنى الموضوع بإزائه اللفظ، وأُخرى باعتبار مناشئه ككونه بالتعيين أو بالتعيّن أو بالاستعمال، وإليك الكلام في كلا القسمين:
القسم الأوّل: تقسيُمه باعتبار المعنى الموضوع بإزائه اللفظ، وله بهذا الاعتبار أقسام أربعة:
1. الوضع العام والموضوع له العام.
2. الوضع الخاص والموضوع له الخاصّ.
3. الوضع العام والموضوع له الخاص.
4. الوضع الخاص والموضوع له العام.
أمّا ملاك التقسيم فهو أنّه إذا كانت عملية الوضع عبارة عن تعيين اللفظ إزاء المعنى، فلابدّ من تصوّر المعنى تفصيلاً أو إجمالاً، بنفسه أو بعنوانه وجهته.
فتارة يكون المتصوّر عامّاً، كالحيوان الناطق والموضوع له نفس ذلك المتصوّر، فيكون وضع الإنسان عاماً ـ لكون المتصوّر عامّاً ـ والموضوع أيضاً عامّاً، لأنّ المفروض وضع اللفظ له.
وأُخرى يكون المتصوّر خاصّاً جزئياً، كما إذا رُزق مولوداً وأسماه بالحسين فيكون الوضع خاصّاً ـ لكون المتصوّر خاصّاً ـ والموضوع له كذلك، والموضوع له في هذين القسمين متصوّر تفصيلاً وبنفسه، بخلاف

صفحه 68
القسمين الأخيرين، إذ الموضوع له فيهما متصوّر إجمالاً وبعنوانه.
وثالثاً: يكون المتصوّر عامّاً ولكن الموضوع له هو أفراد ذلك العام، كما إذا تصوّر مفهوم الابتداء بالمعنى الاسمي ووضع لفظه لمصاديقه الخارجية المتصوّرة إجمالاً، فيكون الوضع عامّاً لكون المتصوّر عامّاً، والموضوع له خاصّاً، لأنّه هو الأفراد والمصاديق الكلّية.
ورابعاً: يكون المعنى المتصوّر فرداً خاصّاً واللفظ موضوعاً للجهة المشتركة بين هذا الفرد وسائر الأفراد، كما إذا أخذ مخترع المتر ما بيده ووضع اسمه على الجهة المشتركة، فيكون الوضع خاصّاً لأنّ المتصور هو المتر الخاصّ والموضوع له عامّاً لفرض وضع اللفظ للجهة المشتركة بين الأفراد الكثيرة المشاركة في الكم والمقدار.
لاشكّ في إمكان القسمين الأوّلين ووقوعهما، إنّما الكلام في إمكان القسمين الأخيرين ووقوعهما، فالمشهور بين المنطقيين والأُصوليّين إمكان الثالث ووقوعه وامتناع الرابع وعدم وقوعه بالتالي، فلنأخذ القسم الثالث بالدراسة ثم القسم الرابع.

إمكان القسم الثالث ووقوعه

ذهب المحقّق الخراساني إلى إمكانه ووقوعه وقال:
إنّ العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك، فإنّه من وجوهها، ومعرفة وجه الشيء، معرفته بوجه. وحاصله: أنّه لا يشترط في تصوّر الموضوع له تصوّره تفصيلاً، بل يكفي تصوّره إجمالاً حيث يكفي

صفحه 69
في معرفة الأفراد تصوّرها بالعنوان العام.
ثم إنّهم مثّلوا ذلك بالحروف وأسماء الإشارة والضمائر، فقالوا يجوز للواضع تصوّر مفهوم الابتداء بالمعنى الاسمي ووضعه لمصاديقه الخارجية، أو تصوّر المفرد المذكر ووضع لفظة هذا لمصاديقه، وهكذا المبهمات والضمائر فالمعنى المتصوّر عام، والموضوع له خاص.
يلاحظ عليه: أنّ العنوان العام كالابتداء موضوع للماهية المعرّاة عن كلّ خصوصية فكيف يمكن أن يحكي عن الأفراد المتقوّمة بالخصوصيات.
وبعبارة أُخرى: أنّ حكاية شيء عن شيء فرع كونه موضوعاً له، والمفروض أنّ العنوان العام موضوع للقدر المشترك فقط، فكيف يمكن أن يحكي عن شيء لم يوضع له أصلاً؟!
فإن قلت: إنّ الكلّي متّحد مع الفرد في الخارج فيكفي الاتّحاد في الخارج في تحقّق الحكاية.
قلت: إنّ الاتحاد في الخارج لا يكون سبباً للحكاية، وإلاّ لزم حكاية العرض عن الموضوع كالبياض عن الجسم لاتّحاده معه.
وبذلك يظهر النظر في ما أفاده الشهيد الصدر (قدس سره)حيث حاول أن يصحّح حكاية العنوان العام عن المصاديق قائلاً بأنّ مفهوم الحيوان الناطق مفهوم منتزع عن مفهوم زيد وعمرو وخالد وهكذا، وبحكم ذلك يكون صالحاً لان يلاحظ بما هو فان في تلك المفاهيم وحاك عنها، ويوضع له اللفظ بهذا اللحاظ فتكون العلاقة الوضعية قائمة بتلك المفاهيم، وبذلك يتحقق الوضع العام والموضوع له الخاص .1

1 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 89 .

صفحه 70
يلاحظ عليه: بأنّ مفهوم الحيوان الناطق وإن كان منتزعاً من مفهوم زيد وعمرو وخالد لكنّه منتزع من الجهة المشتركة بينهم لا من الجهة المشتركة المنضّمة إلى الخصوصيات المتضادة، إذ يستحيل أن ينتزع المعنى الواحد من الخصوصيات المختلفة، وعلى هذا فلو كان فانياً أو حاكياً فإنّما يكون فانياً وحاكياً عن الجهة المشتركة. لا الجهات المتضادة .
والأولى في التصوير ما ذكره المحقّق ضياء الدين العراقي قال: إنّ العناوين العامّة المنتزعة على أنواع:
1. العنوان المنتزع من الجامع الذاتي بين أفراده، المتّحد وجوداً مع خصوصيات الأفراد، والمعرّى عنها تصوّراً وحقيقة كالحيوان والإنسان.
2. العنوان المنتزع من الأفراد باعتبار اتّصافها بخصوصية خارجة عن ذاتها وذاتياتها، سواء كان ما بحذائها شيء كالأبيض، أو لا كالممكن. وهذان القسمان لا يحكيان عن شيء من خصوصيات أفراده، بل يحكيان عن الجامع الساري.
3. العنوان العام الّذي يحكي إجمالاً عن الخصوصيات الّتي يكون بها التشخّص خارجاً.
والأوّل والثاني يحكيان عن الجامع الموجود في الفرد دون الخصوصيات، والثالث يحكي عن نفس الخصوصيات الّتي بها يكون التشخّص خارجاً، مثل مفهوم «الشخص» و «الفرد» و «المصداق» فهذه عناوين كلّية منتزعة من الأفراد والخصوصيات الخارجية. ونظيرها لفظ «كلّ» و «بعض» والموصولات مثل «من» و «ما». وعندئذ يصح أن يوضع لفظ

صفحه 71
«الإنسان»، لكلّ من ينطبق عليه لفظ الإنسان، فإنّ لفظ «الكلّ»، حاك عن الأفراد إجمالاً، أو يقال لفظ «هذا» موضوع لكلّ مفرد مذكر .1
والفرق بين التقريرين واضح فإنّ المعنى المتصوّر في التقريرين الأوّلين هو الماهية المعرّاة عن كلّ خصوصية، بخلاف التقرير الثالث فإنّ المعنى المتصوّر بفضل لفظ «كلّ» هو الخصوصيات والأفراد إجمالاً.
وبعبارة أُخرى: أنّ لفظة «مفرد مذكر» إشارة إلى العنوان العام.
كما أنّ لفظة «كلّ» تشير إلى الخصوصيات المقوّمة للأفراد .
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ (قدس سره)فرّق في هذا القسم بين حكاية العام عن الخصوصيات وبين الانتقال من ا لعام إلى الخصوصيات، فقال باستحالة الأوّل وإمكان الثاني، حيث لا مانع من انتقال المتكلّم من العام إلى الخاص، بل ربّما ينتقل الإنسان من الضد إلى الضد. فلو كان الملاك هو الحكاية فالعام غير قابل للحكاية عن الخصوصيات، وإن كان الملاك هو الانتقال فلا مانع من أن ينتقل الإنسان بسبب من الدواعي من شيء إلى شيء، ولا يشترط في الانتقال حكاية ما انتقل عنه، عمّا انتقل إليه .
وحصيلة الكلام: أنّ الانتقال من تصوّر العام إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس بمكان من الإمكان.
والظاهر كفاية الانتقال، بأن يؤخذ العنوان المشير الاجمالي آلة للوضع لأفراده ولا يحتاج إلى تصوّرها تفصيلاً، بل ربّما يمتنع لعدم تناهيها.2

1 . بدائع الأفكار: 1 / 38 ـ 39 .
2 . تهذيب الأُصول: 1 / 16 .

صفحه 72
يلاحظ عليه: بأنّ الانتقال من العام إلى كل واحد من الأفراد إجمالاً يستلزم تصور الموضوع له بنفسه وباستقلاله، لا بعنوانه ووجهه، وعندئذ ينقلب الفرض من كون الوضع عامّاً والموضع له خاصّاً إلى كون الوضع والموضوع له خاصّين حيث يتوصل الواضع بذلك إلى إيجاد العلقة الوضعية بين اللفظ وكلّ واحد من الأفراد الخاصّة، ولا منافاة بين كثرة الأفراد وكون الوضع والموضوع له خاصّين، إذ المقصود إيجاد العلقة بين اللفظ وكلّ واحد من الأفراد اجمالاً في مقابل ما إذا كان الموضوع واحداً كالأعلام ففيها علقة واحدة بين اللفظ والمعنى، وفي المقام علائق كثيرة حسب تعدّد الأفراد.
وبعبارة أُخرى: فرق بين لحاظ الأفراد بمرآتية العام، وبين الانتقال إليها بداع من الدواعي. ففي الصورة الأُولى، العنوان العام يكون محفوظاً فيصير الوضع عاماً، بخلاف الثاني حيث ان الداعي يكون سبباً للانتقال وبالتالي لا يكون محفوظاً عند الوضع فيصير الوضع خاصّاً.
أمّا القسم الرابع: أعني: كون الوضع خاصّاً والموضوع له عامّاً، بمعنى تصوّر الخاص وجعل اللفظ في مقابل الجامع بين هذا الفرد وسائر الأفراد، كما إذا تصوّر مخترع المتر (الوحدة القياسية) ما اخترعه شخصياً وجعل لفظة المتر اسماً للجامع بين مخترعه وسائر الأفراد الناجمة عبر الزمان.
هذا، والمشهور عندهم امتناعه، وقد قيل في وجهه:
إن الخاصّ لا يكون مرآة للعامّ، لأنّه إذا لوحظت الخصوصية فيه حين الوضع يكون الموضوع له كالوضع خاصّاً، وإن جرّد عنها يكون الوضع والموضوع له عامين ويرجع إلى القسم الأوّل .

صفحه 73
فإن قلت: إنّ الخاص مشتمل على العام ضمناً فيمكن أن يضع الواضع اللفظ بإزائه من خلال تصوّر الخاص.
قلت: العام الموجود في ضمن الخاص مقيد بالخصوصية فالوضع بإزاء مثل ذلك العام، لايلازم كون الموضوع له عامّاً، وأمّا تجريده عن الخصوصية فيوجب الانقلاب أي صيرورة الوضع والموضوع له عامّين.
ثم إنّ بعض المشايخ حاولوا تصحيح ذلك القسم بأمثلة:
أ. إذا تصوّر الواضع فرداً خارجياً من نوع كزيد وهويعلم أن بينه وبين سائر الأفراد جامعاً كليّاً فيضع لفظ الإنسان للجامع بينه وبين سائر الأفراد، فالمتصوّر خاص ـ أعني: زيداً ـ لكن الموضوع له هو الجامع بين هذا الفرد وسائر الأفراد.1
ب. إذا تصوّر شخصاً جزئياً خارجيّاً من دون أن يعلم تفصيلاً بالقدر المشترك بينه وبين سائر الأفراد، ولكنّه يعلم إجمالاً باشتماله على جامع مشترك بينه وبين باقي الأفراد مثله، كما إذا رأى جسماً من بعيد ولم يعلم أنّه حيوان أو جماد، فوضع لفظاً بإزاء ما هو متّحد مع هذا الشخص في الواقع (أي على الجامع بينه وبين غيره) فالموضوع له لوحظ إجمالاً وبالوجه، وليس الوجه عند هذا الشخص إلاّ الجزئي، لأنّ المفروض أنّ الجامع ليس متعقّلاً عنده إلاّ بعنوان ما هو متّحد مع هذا الشخص.2
ج. ما سبق من مثال المتر حيث ان مخترعه يضع لفظه على الوحدة

1 . وقاية الأذهان، لأبي المجد الاصفهاني: 66 باختلاف في التعبير.
2 . درر الفوائد: 1 / 5. ولا يخفى وحدة التقريرين جوهراً وإن اختلفا تعبيراً.

صفحه 74
القياسية المشتركة بين ما في يديه وسائر الأفراد، فالوضع خاص لأنّ المتصوّر هو الطول المعيّن، ولكن الموضوع له هو الجامع بينه وبين غيره.
في مناشئ الوضع   
يلاحظ عليه: بأنّ الجامع الّذي هو الموضوع له إمّا مقيّد بالفرد، أو مجرّد عنه. فعلى الأوّل يكون الموضوع له خاصّاً وهو خلفٌ، وعلى الثاني يكون الوضع عامّاً والموضوع له كذلك. وذلك لأنّ الواضع ينتقل من الفرد المشخّص إلى الجامع، وعندئذ يكون الفرد منسيّاً غير منظور، ويكون المتصوّر نفس الجامع الملحوظ إجمالاً، فيكون الوضع والموضوع له عامّين وهو خلف الفرض.
وإن شئت قلت: إنّ الأمثلة من قبيل الانتقال من الفرد إلى العنوان العام لا من مقولة رؤية العام من منظار الخاص ومشاهدة الأوّل بمرآتيّة الثاني، ومحط البحث هو الثاني حتّى يكون الوضع خاصّاً، لا الأوّل الّذي يوجب كون الوضع عامّاً مثل الموضوع له .

في مناشئ الوضع

قد يقسم الوضع حسب مناشئه إلى الوضع التعيّيني والتعيني والاستعمالي.
أمّا الأوّل: فيراد به جعل العلقة بين اللفظ والمعنى بتخصيصه للثاني وجعله في مقابله كما إذا قال: سمّيت ولدي حُسيناً.
أمّا الثاني: فيراد به حصول العلقة بين اللفظ والمعنى بكثرة استعماله فيه مع القرينة إلى حدٍّ يتبادر منه المعنى الثاني بلا قرينة أيضاً .

صفحه 75
فإن قلت: إذا كان اللفظ قبل حصول الوضع التعيني مستعملاً في المعنى على نحو المجازية ومقروناً بالقرينة في عامة الاستعمالات، فكيف يصير حقيقة فيه مع عدم انفكاك الاستعمال عن القرينة.
قلت: إنّ الوضع التعيّني يُراد به تارة تعيّن اللفظ في أحد مصاديق المعنى الموضوع له كما هو الحال في الدابة الّذي كان يطلق في اللغة على كل ما يدبّ في الأرض وصار متعيّناً في الفرس، وأُخرى يراد به نقل اللفظ من معنى إلى معنى آخر، كنقل لفظ الصلاة من الدعاء إلى المعنى الشرعي، وكلا الموردين رهن قرينة غير أنّها في الأوّل معيِّنة وفي الثاني مُفهمة.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ كثرة استعمال اللفظ مع القرينة ربّما يطول مدة بحيث يتلقّى المخاطب من سماع اللفظ المعنى الثاني قبل سماع القرينة فيصبح وجود القرينة شيئاً زائداً فيحذف فيستقر الأمر في المعنى الثاني.
فإن قلت: إنّ الوضع ـ بمعنى جعل اللفظ في مقابل المعنى ليستمدّ به الواضع، بل المجتمع في التعبير عن المقصود به ـ أمر قصدي وإنشائي فلا يتحقّق بدون القصد، ومن الواضح أنّ كلّ استعمال بمفرده لم يقصد به التعيين، فكيف يتحقّق معنى الوضع القصدي بهذه الاستعمالات الفارغة عن القصد.
قلت: الإشكال غير متوجّه على تعريف المحقّق الخراساني، لأنّه فسّر الوضع بالاختصاص لا بالتخصيص، ولذلك قسّم الوضع إلى قسمين: تعييني وتعيّني، وإنّما يتوجّه على تعريفنا بالتخصيص والتعيين، ولكنّه على ما ذكرنا غير داخل في المُعرَّف وإنّما يلحق به لاشتراكهما في النتيجة، ولذلك اقتصرنا

صفحه 76
فيما سبق على الوضع التعييني، وعلى ذلك فمرادنا بالمناشئ هو الأعمّ من أن يكون وضعاً حقيقياً أو يكون نتيجة الوضع.
وأمّا الثالث: أي الوضع بالاستعمال فيراد به استعمال اللفظ في المعنى بقصد الوضع، كما إذا رُزق ولداً وأرادت العائلة انتخاب اسم له فيقول كبير العائلة ناولني ولدي حُسيناً لأُقبله، فيطلق عليه اسم «حسين» بقصد كونه علماً له .
والفرق بين هذا القسم والقسم الأوّل هو الفرق بين الحمل الأوّلي والشائع الصناعي، فالوضع في الأوّل بالحمل الأوّلي حيث يقول: سميته حسيناً، أو وضعت اسمه حسيناً، وفي الثاني بالحمل الشائع لأنّ عمله هذا مصداق للحمل.
وقد اعترض على هذا النوع من الوضع بوجوه:
الأوّل: لزوم اجتماع اللحاظ الآلي والاستقلالي حيث إنّ اللفظ ملحوظ في مقام الوضع استقلالاً وفي مقام الاستعمال آلياً، وبعبارة أُخرى: إنّ اللفظ في مقام الوضع ملحوظ للمتكلّم ولكنّه في مقام الاستعمال مغفول عنه، وهذا الإشكال حكي عن السيد الجليل الاصفهاني صاحب وسيلة النجاة حيث أورده على أُستاذه المحقّق الخراساني في درسه.
وأُجيب: بأنّ الملحوظ استقلالاً طبيعي اللفظ، بداهة أنّه لم يجعل ما يتفوّه به بشخصه علماً، بل يشير به إلى الطبيعي منه، والملحوظ آلياً شخص هذا اللفظ .1

1 . مقالات الأُصول: 1 / 17 .

صفحه 77
يلاحظ عليه: أنّ الواضع ليس إنساناً فيلسوفاً يفرّق بين طبيعي اللفظ وشخصه، بل يركّز قصده على ما يتكلّم به وهو أمر شخصي.
والأولى أن يقال: إنّه لا مانع من اجتماع اللحاظين الآلي والاستقلالي كما هو المشاهد في المتكلّم باللغة الأجنبية إذا كان في بداية تعلّمه لها، وصار في مقام المحاورة حيث إنّه يلاحظ الألفاظ آلياً واستقلالياً، أمّا آلياً فلأجل التفهيم، وأمّا استقلالياً فلأجل أن لا يلحن في التكلّم. فليكن المقام من هذا القبيل حيث إنّ كبير العائلة يُحضر في ذهنه عدة ألفاظ يختار أحدها فيقول: ناولني ولدي (الحسين) .
الثاني: انّ الاستعمال المذكور ليس حقيقياً ولا مجازياً، أمّا الأوّل فلعدم الوضع، وأمّا الثاني فلعدم العلاقة أو عدم ملاحظتها.
وأجاب المحقّق الخراساني: بأنّ الاستعمال مجاز، ولا يشترط في المجاز وجود العلاقة ولا ملاحظتها، بل يكفي كون صحّة الاستعمال موافقاً للطبع.
ويمكن أن يجاب بأنّ الاستعمال حقيقيٌ، لأنّ الاستعمال مقارن للوضع ولا يشترط في صحة الاستعمال سبقُ الوضع على الاستعمال، بل يكفي كونه موضوعاً وقته .
الثالث: ما أثاره الشهيد الصدر من أنّه مبني على أنّ الوضع أمر إنشائي يتسبّب إلى إيجاده خارجاً باللفظ إيجاداً إنشائياً لا حقيقياً، على حد ما
يقال في باب الإنشائيات لكن نحن لا نتعقّل إنشاء المعنى باللفظ، بل
ليس الأُمور الإنشائية إلاّ اعتبارات قائمة في أُفق نفس المعتبر ويكون

صفحه 78
اللفظ مجرد كاشف عنها .1
يلاحظ عليه: أنّ الإشكال مبني على ما اختاره هو وأُستاذه المحقّق الخوئي في باب الإنشائيات، وأنّها أُمور معتبرة قائمة في نفس المعتبر واللفظ كاشف ; وسيوافيك أنّ الحق هو النظرية المعروفة، فانتظر.
في المعاني الحرفية   

الموضع الخامس: في المعاني الحرفية

ويقع الكلام هنا في مقامين:
1. ما هي معانيها ومضامينها؟
2. ما هي كيفية وضعها؟
وهل الوضع خاص أو عام؟ والبحثان مختلطان في كلمات القوم، وإليك الكلام في المقام الأوّل .
أقول: عرّف ابن الحاجب الاسم والحرف في الكافية بالشكل التالي:
الاسم: ما دلّ على معنى في نفسه، والحرف: ما دلّ على معنى في غيره.2
حاصله: أنّ المعنى في حدّ ذاته على قسمين; قسم يكون مفهوماً محصّلاً في نفسه، لا يحتاج في إحضاره في الذهن إلى معنى آخر، وقسم يكون مفهوماً متحقّقاً في الذهن بتبع غيره .

1 . بحوث في علم الأُصول: 1 / 98 .
2 . الكافية مع شرحها: 5 / 87 في معنى الحرف، والضمير في كلّ من «في نفسه» و «غيره» يرجع إلى المعنى، فلاحظ .

صفحه 79
ثم، انّه ظهرت آراءٌ ونظريات في معنى الحروف وهي بين الإفراط والتفريط.

النظرية الأُولى: نظرية العلامة والإعراب

ربّما يقال: بأنّ الحرف وحده لا معنى له أصلاً، إذ هو كالعَلَم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما، فإذا انفرد عن ذلك الشيء بقي غير دالّ على معنى أصلاً .1
وربّما يقال في توضيحه: بأنّ وزان الحروف وزان الأعاريب في أواخر الكلم، فكما أنّ التنوين يشير إلى كون اللفظ فاعلاً أو مفعولاً من دون أن يكون له معنى خاص فهكذا الحروف.
أقول: هذه النظرية لو صحّت نسبتها إلى الرضي أو غيره، فهي بمكان من التفريط. وإنّما قلنا: لو صحّت نسبتها إلى الرضي، لأنّ صدر كلامه يناقض تلك النسبة، بل هو ظاهر في النظرية الثانية للمحقّق الخراساني.
وعلى كلّ تقدير يرد عليها :
1. أنّ الحروف ممّا يُنطق بها مستقلاً فيليق أن يكون لها وضع خاص، بخلاف الإعراب فإنّه لا يُنطق به كذلك إلاّ عند التعليم للأطفال، فكيف تقاس به؟!
2. أنّ الإعراب خال من المعنى بِخلاف الحروف حيث يتبادر منها المعنى المندكّ في غيرها لا أنّها خالية من المعنى.

1 . شرح الرضي على الكافية في النحو: 1 / 37، طبعة بنغازي .

صفحه 80
ولعلّ القائل بهذه النظرية يريد معنىً آخر من نفي كون الحروف دالةً على المعنى بالاستقلال فاشبهت بالعلامة والإعراب، بخلاف الأسماء فإنّها دالّة على المعنى بالاستقلال.

النظرية الثانية: وحدة المعاني الاسمية والحرفية

إنّ للمحقّق الخراساني نظرية خاصة في معاني الحروف طرحها بقوله : إنّ المعاني الحرفية والاسمية متّحدة جوهراً فلا فرق بينهما في الموضوع له، والاستقلال في الاسم والآلية في الحرف، خارجان عن حريم المعنى وحقيقته، وإنّما يعرضان عند الاستعمال، فيكون الوضع عامّاً والموضوع له كذلك .1
وربّما يظهر ذلك من صدر كلام الرضي في الكافية حيث قال: إنّ معنى «من»: الابتداء، ومعنى لفظ «الابتداء» سواء، الخ. (2)
وحاصل النظرية: أنّ كلاًّ من لفظي «الابتداء» و «من» موضوعان لمعنى واحد وهو ذات الابتداء، سواء أكان مفهوماً مستقلاً كما في قولنا: «الابتداء خير من الانتهاء»، أو آلةً للغير ومندكّاً فيه، كما في قولنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة». غير أنّ الاستقلالية والاندكاك يعرضان عليهما عند الاستعمال، فالواضع وضع الاسم والحرف لمعنى واحد، ولكن شرط على المستعملين أن يستعملوا الأوّل في المفهوم المستقل والثاني في المفهوم المندك.
والنظرية مبنية على أمرين:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 15 .   2 . شرح الكافية: 1 / 37 .

صفحه 81
أحدهما: وحدة المعاني الحرفية والاسمية ذاتاً وجوهراً وإنّما يختلفان بأمر عرضي وهو لحاظ المعنى في مقام الاستعمال مستقلاً أو مندكّاً في الغير، وهذا بخلاف النظرية المعروفة من أنّ بينهما فرقاً جوهريّاً نابعاً من صميم ذاتهما وأنّ واقع المعنى الاسمي، هو الاستقلال، كما أنّ واقع المعنى الحرفي هو الآلية والاندكاك في المتعلّق، بحيث لو حذف القيد من أحد الطرفين لم يبق أثر من المعنيين.
ثانيهما: أنّ لحاظ الاستقلالية والآلية (الّذي يعبّر عنه بالخصوصية) لا يمكن أن يكون قيداً للموضوع له ولا للمستعمل فيه، وإنّما يعرضان للمعنى لدى الاستعمال باشتراط من الواضع حيث اشترط استعمال احدهما في الاستقلالية والآخر في الآلية، فيكونان من طوارئ الاستعمال وعوارضه دون أن يؤخذا في الموضوع له والمستعمل فيه.
هذا هو توضيح النظرية، ويرد عليها:
أوّلاً: أنّ صاحب النظرية لم يبرهن على الأمر الأوّل من وحدة الأسماء والحروف في المعنى ذاتاً وجوهراً وإنّما افترضه أمراً مسلماً، مع أنّ الأغراض كما تتعلّق بالمعاني الاسمية فهكذا تتعلّق بالمعاني الحرفية، فإذا سأل سائل صاحب البيت أين أُصلي؟ فقال: صلّ في المسجد، فالغرض لم يتعلّق بالصلاة ولا بالمسجد بما هو هو، وإنّما تعلق غرض السائل والمجيب بتعيين ظرف الصلاة ومكان إيقاعها فيه، فإذا كان كذلك فلا معنى لعدم وضع اللفظ لمعنى جامع بين الاستقلالية والآلية. مع أنّ الغرض لا يتعلّق به بل يتعلّق بالخصوصية.

صفحه 82
ثانياً: أنّه (قدس سره)افترض أنّ المشهور يقول بأخذ لحاظ الاستقلالية والآلية في ناحية الموضوع له، فرّد عليه بأنّ الخصوصية المتوهّمة (لحاظ الآلية) إن كانت موجبة لكون الموضوع له خاصّاً، عندئذ يعود السؤال بأنّه ما هو المراد من كونه خاصّاً؟ فإن أُريد منه الجزئي الخارجي، فربّما يكون المستعمل فيه عامّاً كما إذا قال: «سر من البصرة إلى الكوفة»، وإن أُريد منه الجزئي الذهني بحيث يكون لحاظ الآلية قيداً له فيترتب عليه عدّة أُمور:
1. لزوم تعدّد اللحاظين عند الاستعمال، لاستلزامه لحاظ المعنى مضافاً إلى اللحاظ الموجود فيه عن طريق الوضع.
2. عدم انطباقه على الخارج لكون جزء الموضوع أمراً ذهنياً.
3. لزوم كون لحاظ الاستقلالية جزءاً للمعاني الاسمية، فيصبح المعنى الاسمي خاصّاً وهو خلاف ما اتفقوا عليه .1
يلاحظ عليه:
أوّلاً: ـ مضافاً إلى أنّه خلط بين البحثين: ما هو الموضوع له؟! وهل الوضع والموضوع له خاص أو لا؟ والكلام في الجهة الأُولى لا الثانية ـ بأن الاستدلال مبني على أمر غير صحيح وهو أخذ لحاظ الاستقلالية ولحاظ الآلية في الموضوع له، مع أنّ المقوم للمعنيين هو واقع الاستقلالية والآلية بمعنى أنّ المعاني ـ تكويناً ـ على قسمين :
1. معان مستقلة في أنفسها من دون ملاحظة لاحظ.
2. معان متعلّقة ومتحقّقة في غيرها كذلك.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 13، بتلخيص.

صفحه 83
وهذا النوع من التقسيم أمر داخل في جوهر المعاني من غير حاجة إلى لحاظ الواضع، فعلى ذلك يسقط كلّ ما ردّ به قول القائل بأنّ الموضوع له في الحروف خاصّاً .
ثانياً: إذا لم تكن كلّ من الخصوصيتين: الاستقلالية والآلية موجودتين في الموضوع له ولا في المستعمل فيه فكيف تكون الجملة حاكيةً عنها؟! فإنّ الحكاية فرع الوضع، والمفروض أنّ القيدين غير مأخوذين في كلا المقامين. ومجرد قصد المستعمل أحدهما لايكون سبباً للدلالة والحكاية .
ثالثاً: أنّ لازم ما ذكره جواز استعمال كلّ من الاسم والحرف مكان الآخر مع أنّه غير جائز.
وما ذكره من أنّ هذا النوع من الاستعمال على خلاف شرط الواضع غير تام، لعدم لزوم اتّباع شرطه حتّى وان شرطه في ضمن الوضع. إلاّ إذا قيّد الوضع بهذا النوع من الاستعمال على نحو يكون غيره خارجاً عن حيطة الوضع فعندئذ يكون الاستعمال غلطاً.

النظرية الثالثة: تمايزهما بنفس الذات

إنّ هذه النظرية مبنية على أنّ المعاني الحرفية والاسمية متمايزةً بالذات من دون حاجة إلى لحاظ لاحظ أو اعتبار معتبر، بل المعاني مختلفة بالذات متمايزة بالماهيّة، وبعبارة أُخرى: المعنى تارة قائم بنفسه ذهناً وخارجاً وأُخرى قائم بالغير كذلك.
وإن أردت التفصيل، فإليك بيانه.

صفحه 84
 
ما يدركه العقل ينقسم إلى أقسام ثلاثة:
أ. ما هو مستقل مفهوماً ومصداقاً.
ب. ما هو مستقل مفهوماً لا مصداقاً.
ج. ما هو غير مستقل مفهوماً ومصداقاً.
أمّا الأوّل: فهذا كالجواهر، فمصاديق الإنسان وسائر الأنواع تُتصور في الذهن مستقلةً بلا استعانة بشيء، كما هي مستقلاّت في الوجود والمصداق.
أمّا الثاني: فكالاعراض مثل البياض والسواد فإنّها في صقع الذهن مستقلاّت مفهوماً غير مستقلاّت مصداقاً، فكلّ منّا يتصوّر مفهوم البياض والسواد على وجه الاستقلال ولكنّهما في الخارج يعتمدان على الموضوع كالجسم.
وأمّا الثالث: فهي غير مستقلة ذاتاً ولا ماهية، إذ لا تنالها النفس الإنسانية بنفسها، وإنّما تنالها بواسطة الغير، كما أنّها غير مستقلة وجوداً، ففي مثالنا (زيد في الدار) فكلّ من الموضوع والدار مستقلاّن تصوّراً وذاتاً كما هما مستقلاّن مصداقاً غير أنّ كينونة زيد في الدار من المفاهيم الّتي لا تنالها النفس إلاّ بإضافتها إلى زيد وإلى الدار.
فقد يعبر عن القسم الأوّل بقولهم: موجود في نفسه لنفسه، وعن القسم الثاني: موجود في نفسه لغيره، وعن الثالث: موجود في غيره لغيره .
وربّما يعبّر عن الأوّل أيضاً بالوجود النفسي، وعن الثاني بالوجود

صفحه 85
الرابطي، وعن الثالث بالوجود الرابط، كما قال الحكيم السبزواري:
إنّ الوجود رابط ورابطي *** ثمة نفسيّ فهاك فاضبط
فعلى هذا فالمعاني إمّا مستقلة مفهوماً وماهية، وإمّا مندكّة وفانية في الغير، وهذه خصيصة ذاتية للمعاني غير مكتسبة من لحاظ لاحظ واعتبار معتبر.
ولتوضيح ما قلناه نأتي بمثال آخر كما لو قلنا (سرت من البصرة إلى الكوفة) فكلّ من (السير) و (البصرة) ينالهما الذهن من دون حاجة إلى مفهوم آخر، بخلاف اتجاه السير مبدأً ومقصداً فإنّ الذهن يحتاج في تصوّره إلى شيء آخر، أي (السير والبصرة والكوفة).
إنّ للشريف الجرجاني كلاماً في المقام ننقله بنصّه; قال:
كما أنّ في الخارج موجوداً قائماً بذاته، وموجوداً قائماً بغيره، كذلك في الذهن ; معقول هو مُدرك قصداً، ملحوظاً في ذاته، يصلح أن يحكم عليه وبه. ومعقول هو مُدرك تبعاً وآلة، كملاحظة غيره، فلا يصلح لشيء منهما، فالابتداء مثلاً إذا لاحظه العقل قصداً وبالذات كان معنىً مستقلاًّ بالمفهومية، ملحوظاً في ذاته، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء فقط، ولا حاجة في الدلالة عليه إلى ضمّ كلمة أُخرى إليه لتدلّ على متعلّقه، وهذا هو المراد بقولهم إنّ للإسم والفعل معنى كائناً في نفس الكلمة الدالّة عليه، وإذا لاحظه العقل من حيث هو حالة بين السير والبصرة مثلاً وجعله آلة لتعرف حالهما، كان معنى غير مستقل بالمفهومية، ولا يصلح أن يكون محكوماً عليه وبه، ولا يمكن أن يتعقّل إلاّ بذكر متعلّقه بخصوصه، ولا أن يدلّ عليه إلاّ بضم كلمة

صفحه 86
دالّة على متعلّقه .1
ثم إنّ هذا المعنى هو الّذي أفرغه الأُدباء في تعريف الاسم والحرف فقالوا:
الاسم: ما دلّ على معنى في نفسه، والحرف: ما دلّ على معنى في غيره، فالضمير في كلّ من «نفسه»، و «غيره» يرجع إلى المعنى، وقد شرحه المحقّقون منهم صدر المتألّهين عند تقسيم الوجود إلى النفسي والرابطي والرابط، وبعده المحقّق الإصفهاني في تعليقته على الكفاية.، والسيد الطباطبائي في تعليقته عليها أيضاً ، والسيد الأُستاذ في دروسه الشريفة.
إلاّ أنّ الفضل والفضيلة في المقام يرجع إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)فكلّ مقتبس من نوره وعلومه، فقد روي عن أبي الأسود الدؤلي أنّه قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام)فرأيته مطرقاً متفكّراً فقلت: فيمَ تفكّر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحناً فأردت أن أصنع كتاباً في أُصول العربية. فقلت: إن صنعت هذا احييتنا وبقيت فينا هذه اللغة. ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كلّه ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف ، والاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في غيره» إلى ان قال: واعلم يا ابا الاسود ان الاشياء ثلاثة ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر وإنّما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر». 2

1 . شرح الكافية المشهور بشرح الجامي: 15.
2 . «الاشتقاق حول حديث أبي الأسود الدؤلي» للحاج السيد علي البهبهاني: 2 ـ 3. نقلاً عن العوالم، ونفائس الفنون.

صفحه 87

تقسيم الحروف إلى إخطارية وإيجادية

قسم المحقّق الشيخ محمد تقي الاصفهاني المعروف بصاحب الحاشية، معاني الحروف إلى إخطارية وإيجادية، والمراد من الأُولى: ما يكون حاكياً عن معنى متحقّق في الخارج مثل: «سرت من البصرة إلى الكوفة»، كما أنّ المراد من الثانية ما يوجد بنفس الاستعمال كالنداء والخطاب كقولنا: «يا زيد»، فالقسم الأوّل أشبه بالجملة الخبرية والثاني أشبه بالجملة الإنشائية.
أقول: هذا التقسيم لا ينافي ما هو المختار، فإنّ الإخطار والإيجاد يتحقّقان بما للحروف من المعنى القائم بالغير، فالجامع الاسمي بينهما هو القيام بالغير، غاية الأمر ينقسم القيام بالغير إلى إخطاري وإيجادي.

الحروف موضوعة لإيجاد الربط بين جزئي الكلام

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ شأن أدوات النسبة ليس إلاّ إيجاد الربط بين جزئي الكلام، فإنّ الألفاظ بما لها من المفاهيم متباينة بالهوية والذات كلفظ «السير» و «البصرة» و «الكوفة». فكلمة «من» و «إلى» جيء بهما لإيجاد الربط وإيجاد العلقة بين «السير» و «البصرة» و «الكوفة».1
وهذا أيضاً خيرة الشهيد الصدر، قال: إنّ المعاني الاسمية معان استقلالية، وكلّ ما يدلّ على معنى ربطي نسبي نعبر عنه أُصولياً بالحرف، وكلّ ما يدلّ على معنى استقلالي نعبر عنه أُصولياً بالاسم .2

1 . فوائد الأُصول: 1 / 42 ; أجود التقريرات: 1 / 18 .
2 . الحلقة الثالثة: 99، وقد حاول بكلامه أن يدخل مفاد الهيئات في المعاني الحرفية، لأنّ مفادها غير استقلالي.

صفحه 88
أقول: هذا المعنى ليس شيئاً مخالفاً لما هو المشهور، فإنّ الحروف إنّما توجد الربط بين جزئي الكلام بما لها من المفهوم الاندكاكي والتعلّقي، فالربط من خصائص كون المعاني قائمة بالغير.

الحروف وضعت لتضييق المعاني الاسمية

ذهب المحقّق الخوئي في تعليقته على الأجود إلى أنّ الحروف وضعت لتضييق المعاني الاسمية وتقييدها بقيود خارجة عن حقائقها، فإذا قال: «الصلاة في المسجد حكمها كذا» فإنّ الصلاة لها إطلاق بالنسبة إلى الخصوصيات المسنونة والمصنفة والمشخصّة.
فتارة يتعلّق الغرض ببيان المفهوم على إطلاقه وسعته فيقول: «الصلاة خير موضوع» وقد يتعلّق بإفادة حصّة خاصة منه. فيقول: «الصلاة في المسجد مستحبة» فيخصص الصلاة بحصة منها.1
أقول: ما ذكره (قدس سره)ليس معنى جديداً للحروف وإنّما التضييق من شؤون المعنى الواقعي للحروف.
في كيفية وضع الحروف   
وبعبارة أُخرى: إن أراد أنّ الحروف وضعت للتضييق بالحمل الأوّلي، فهذا يستلزم انقلاب المعاني الحرفية إلى المعاني الاسمية، وإنْ أراد التضييق بالحمل الشائع، ففيه أنّ التضيّق يحصل لأجل دلالتها على معان خاصة قائمة بالغير كالظرفية، فالتضييق من عوارض ذلك المعنى الاندكاكي.
أضف إلى ذلك أنّ بعض الحروف لا يحصل بها التضييق، كما هو

1 . أجود التقريرات: 1 / 18 .

صفحه 89
الحال في مثل «قد» و «واو» القسم و «أدوات التحضيض»، مثل قوله: «قد قامت الصلاة»، أو «والله لأفعلن» و «هلاّ قرأت القرآن»، فإنّ الكل من قبيل إضافة معنى إلى معنى آخر، ولو سُمّيت الإضافة «تضييقاً» لعم التضييق الأسماء والأفعال .

الجمع بين الآراء

وبهذا البحث الضافي يظهر أنّ الآراء المذكورة المشهورة بين المتأخّرين ليست شيئاً جديداً، بل ترجع إلى المعنى المعروف، غاية الأمر أنّ الحروف بما لها من المعنى الاندكاكي تارة تُخطِر وأُخرى تُوجد، وفي الوقت نفسه تربط بين الجمل وربّما تضيّق معنى الاسم.
وليعلم أنّ الجامع بين عامّة الحروف هو القيام بالغير مفهوماً ووجوداً، لكن لا ينافي ذلك أن يكون لكلّ حرف معنى خاص كالابتداء لـ «من» والانتهاء لـ « إلى» والإلصاق لـ «الباء»، والظرفية لـ «في»، لكن ما عُبّر به (الابتداء والانتهاء، و...) معان اسمية أُخذت وسيلة للمعاني الحرفية، لأنّ الذهن لا ينالها إلاّ بواسطة المعاني الاسمية.

الموضع السادس: في بيان كيفية وضع الحروف

اختلفت كلمة الأُصوليين في كيفية وضع الحروف إلى أقوال أهمها قولان:
الأوّل: الوضع عام كما أنّ الموضوع له كذلك. وهو خيرة المحقّق الخراساني .

صفحه 90
الثاني: الوضع عام والموضوع له خاص.
أمّا الأوّل فقد مضى فيه الكلام فلا نعود إليه .
والمهم توضيح القول الثاني: والّذي هو مختار السيد الأُستاذ، وحاصله: أنّ المعنى المتصوّر في مقام الوضع هو مفهوم الابتداء ولكن الموضوع له مصاديقه وجزئياته.
والواضع وضع لفظة «من» لما ينطبق عليه مفهوم الابتداء، أو وضعها لمصاديق الابتداء، أو ما شئت فعبّر.
وأمّا الدليل، فهناك أُمور ثلاثة:
1. الجامع الاسمي للابتداء.
2. الجامع الحرفي لمفهوم الابتداء.
3. المصاديق الخارجية.
فلندرس كلّ واحد من هذه الأُمور.
أمّا الأوّل: فوضع الحروف للجامع الاسمي يستلزم الخلف، لأنّه يلزم منه الانقلاب أي انقلاب المعاني الحرفية إلى الاسمية، حتّى أنّ المحقّق الخراساني رفضه وإنّما قال هو بالابتداء غير الموصوف بالاستقلالية والغيرية، وأمّا على هذا الفرض فالحروف موضوعة للمعاني الاسمية المستقلة .
وأمّا الثاني: فهو وضع الحروف للجامع الحرفي الّذي يكون قدراً مشتركاً بين مصاديق المعاني الحرفية، فعندئذ يكون الوضع عامّاً والموضوع

صفحه 91
له عامّاً، غير أنّه مقرون بالاشكال لو لم نقل أنّه محال، لأنّ الجامع المقولي الّذي ينتزع من الافراد والمصاديق باعتبار اشتراكها في حقيقة واحدة، يكون ذا مفهوم مستقل يلاحظه الذهن مرة بعد مرة، فتارة يخبر عنه وأُخرى يخبر به. هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ المعنى الحرفي لا يتصوّر له جامع مقولي بهذا المعنى وإلاّ يلزم التناقض.
فمن حيث إنّه جامع مقولي معناه كونه مفهوماً مستقلاً يخبر به ويخبر عنه، وإلاّ فلا يكون جامعاً متصوّراً لدى الوضع.
ومن حيث إنّه جامع للحروف، يكون سنخه سنخ الحروف، يكون قائماً بالغير ومندكّاً فيه، وهذا هو التناقض.
وإن شئت قلت: لو كان الجامع من سنخ المعاني الاسمية فلايكون جامعاً للمعاني الحرفية، وقد فرضنا أنّ الموضوع له هو الجامع الاسمي للمعاني الحرفية، وإن كان من سنخ المعاني الحرفية فلا يمكن أن يوصف بالجامعية لأنّ معنى الجامعية هو الاستقلال في التصور، ولازم كونه حرفياً عدم الاستقلال.
وأمّا الثالث: أي وضعها للمصاديق الخارجية الكثيرة الّتي لا يحيط بها الإنسان مباشرة، فهو أمر غير ممكن.
فلم يبق إلاّ احتمال رابع وهو أنّ يتّخذ الجامع الاسمي ذريعة للوضع للمصاديق، وهو أن يتصوّر الابتداء بالمعنى الاسمي الّذي هو قابل للاخبار به وعنه، ولكنّه يضع اللفظ لما ينطبق عليه ذلك المفهوم الابتدائي الاسمي، ولا مانع من أن يكون المعنى المتصوّر عاماً والموضوع له خاصّاً، لأنّ العام وإن

صفحه 92
لم يكن مرآة للخاص ولكنّه يكون ذريعة للانتقال من العام إلى الخاص.
وبذلك يعلم أنّ الموضوع له خاص، لأن الحروف وضعت لما هو المصداق للابتداء أو الانتهاء والمصداق يلازم الجزئية.
يقول السيد الأُستاذ: المعنى الّذي هذا شأنه ـ الموصوف بأنّه لا يستقل جوهراً ووجوداً ودلالةً وكيفيةً ـ لا يتصوّر له جامع كلّي ينطبق على أفراده ويحكي عن مصاديقه، لأنّ الجامع ـ على فرضه ـ يجب أن يكون من سنخ المعاني الحرفية، فلا بدّ وأن يكون ربطاً بالحمل الشائع، وإلاّ انقلب معنى اسميّاً. وكونه ربطاً بالحمل الشائع يلازم فرديته، وهو خلف.
بل لابدّ عند الوضع من التوسّل ببعض العناوين الاسمية الّتي لا تكون جامعاً ذاتياً لها، ولا يمكن إيقاع الربط بها، كمفهوم الابتداء ومفهوم النسبة ; ممّا لا تكون من سنخ المعاني الحرفية. فلابدّ حينئذ من الالتزام بخصوص الموضوع له في الحروف كافّة بعد عموم وضعها.
فالواضع لا مناص له إلاّ أن يتصوّر معنى اسمياً، كالابتداء ونحوه; مشيراً به إلى أفراده ومصاديقه بالحمل الشائع، فيضع لفظة «من» مثلاً لما هو مصداق له بالحمل الشائع، وقد عرفت أنّ دلالتها على الوحدة والكثرة تابعة لحال الطرفين.1
فإن قلت: قد تقدّم أنّ مفهوم الابتداء لا يكون حاكيا عن مصاديقه. نعم الانتقال من العام إلى الخاص وإن كان ممكناً ولكنّه يوجب كون الوضع والموضوع له خاصيّن، فعلى ضوء ذلك لا يكون الوضع عامّاً والموضوع له

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 46 .

صفحه 93
خاصّاً، بل يكون كلاهما خاصّين .
قلت: قد تقدّم أنّه يمكن الإشارة إلى الخاص بعد تصوّر العام بألفاظ تدلّ على الخصوصية والجزئية كمثل كل فيقال ـ بعد تصوّر الابتداء ـ وضعت لفظة «من» لكلّ واحد من مصاديقه الخارجية، وهكذا سائر الحروف.
فإن قلت: إنّ المحقّق الخراساني قال بأنّ المستعمل فيه كثيراً ما يكون كلّياً، كما إذا قال: «سرت من البصرة إلى الكوفة» بشهادة أنّه إذا بدأ بسيره من أي نقطة من نقاط البصرة يكون ممتثلاً.
قلت: الظاهر أنّ المتكلّم لاحظ البصرة أمراً واحداً شخصياً فاستعمل الحرف في ذلك الواحد الشخصي، وإنّما جاء التكثير من جانب العقل حيث إنّ العقل بعدما لاحظ كون البصرة واحداً ذا أجزاء تصلح أن تكون مبدأ للسير حكم بأنّ الامتثال يحصل من أي جزء تحقّق، فالمستعمل فيه جزئي عرفاً وإن كان منحلاًّ لدى العقل إلى كثير.

ثمرة البحث

ربما يقال: إنّ الثمرة تظهر في مقامين:
1. إمكان تقييد الهيئة في قولنا: أكرم زيداً إن سلّم عليك.
فقولنا: (أكرم) مشتمل على هيئة دالّة على الوجوب، ومادة دالّة على معروض الوجوب وهو الإكرام.
فلو قلنا بأنّ الهيئات موضوعة للمعنى العام يصحّ إرجاع الشرط إلى

صفحه 94
مفاد الهيئة فيكون الوجوب مشروطاً بالتسليم .
ولو قلنا بأنّ الموضوع له هو الوجوب الخاص، والخاص غير قابل للتقييد، لأنّه فرع الإطلاق وهو لا يناسب الخاص، فلا محيص من رجوع القيد إلى المادة، أعني: الإكرام.
فيكون الوجوب مطلقاً والإكرام مقيّداً بالتسليم.
يلاحظ عليه: بأنّ مفاد الهيئة قابل للتقييد حتّى وإن كان الموضوع له جزئياً، وذلك لأنّ الجزئي وإن كان غير قابل للتقييد من حيث الأفراد ولكن قابل له من حيث الحالات.
مثلاً: إنّ زيداً وإن كان جزئياً لا يصدق إلاّ على فرد واحد ومثله لا يقبل التقييد، ولكنّه بالنسبة إلى حالته متنوّعة متكثّرة ككونه عادلاً فاسقاً، راكباً راجلاً، عالماً جاهلاً، فيصلح تقييده بالنسبة إلى حالاته، ومثله وجوب الإكرام فله حالتان: وجوبه عند التسليم، ووجوبه عند عدمه، فالقيد يخصصه بحالة خاصة وهي التسليم
في اسماء الاشارة والموصولات والضمائر   
2. اشتمال القضية على المفهوم وعدمه، إذا قال: حُجَّ إن استطعت.
قد ثبت في محلّه أنّ أساس القول بالمفهوم، هو ارتفاع سنخ الحكم وطبيعته، لا شخصه، إذ الحكم الشخصي يرتفع مطلقاً، سواء اشتملت القضية على المفهوم أو لا. وعندئذ لو كان الموضوع له لهيئة الأمر، هو الحكم الشخصي فالنزاع غير قابل للطرح، بخلاف ما لو كان الموضوع هو مطلق الحكم، فيصلح أن يقال: هل القضية تشتمل على المفهوم بحكم دلالته على

صفحه 95
ارتفاع سنخ الحكم، أيضاً، أو عدم دلالته بل القضية ساكتة بالنسبة إلى حالة ارتفاع القيد .
يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرنا في الثمرة الأُولى فإنّ الحكم الشخصي وإن لم يكن قابلاً للتقييد من حيث الأفراد، لكنّه قابل له من حيث الأحوال، فإنّ الوجوب الشخصي المقيّد بتسليم زيد غير وجوب الإكرام العاري عن هذا القيد، فللوجوب سعة حسب الحالات.
فالقول بالمفهوم وإنكاره لا يبتني على كون مفاد الهيئة كلّياً، بل يجري على القول بجزئية معناها.
وبذلك ظهر أنّ المسألة فاقدة للثمرة.

الموضع السابع: في أسماء الإشارة والضمائر والموصولات

يقع الكلام في أسماء الإشارة والضمائر والموصولات، تارة في معانيها، وأُخرى في كيفية وضعها من حيث خصوص الموضوع له أو عمومه، ونحن نبحث عن الأمرين في محلّ واحد، فنقول: هنا احتمالات :
الأوّل: أنّها وضعت للمفرد المذكّر وإخوته وأخواته .
الثاني: أنّها وضعت لنفس الإشارة.
الثالث: أنّها وضعت للمفرد المذكّر إذا وقع في إطار الإشارة .
أمّا الأوّل: فهو نظرية المحقّق الخراساني، بل هي النظرية المعروفة حيث ذهب المشهور إلى أنّها وضعت لنفس المشار إليه، أعني: المفرد

صفحه 96
المذكّر مع إخراج الإشارة والتخاطب عن الموضوع له، وبذلك صار الوضع عامّاً والموضوع له كذلك، قال: إنّ المستعمل فيه في مثل أسماء
الإشارة والضمائر أيضاً عامٌ، وأنّ تشخصه إنّما نشأ من قبل طور
استعمالها حيث إنّ أسماء الإشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها وكذا
بعض الضمائر وبعضها ليخاطب بها المعنى. والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخص.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لم يُقم برهاناً على ما ادعاه.
وثانياً: إنّ ظاهر قوله: ليشار بها، أنّ الإشارة تتحقّق بنفس اللفظ، والحال أنّ اللفظ خال عن الإشارة، وكيف يشار به مع أنّها غير داخلة في الموضوع له، وكون الإشارة بالإصبع والعصا خلاف ظاهر كلامه.
وبالجملة: فإنّ هذا القول وإن أصاب في أنّه جعل مفادها معان اسمية مستقلة، لكنّه أخطأ في إخراج الإشارة عن الموضوع له.
أمّا الثاني: فهي نظرية السيد البروجردي وتبعه السيد الأُستاذ، وحاصلها: أنّ أسماء الإشارة والضمائر والموصولات موضوعة لنفس
الإشارة إلى الحاضر أو إلى الغائب كما في بعض الضمائر، فعليه لا يكون المشار إليه داخلاً في معناه رأساً، بل تمام الموضوع له فيها ليس إلاّ
نفس الإشارة.

صفحه 97
وإحضار المشار إليه في ذهن السامع ـ على اختلاف في المتعلّق ـ تبعيّ، كإحضاره بإشارة الأخرس، من غير أنّ يكون دخيلاً في الموضوع له، فالإشارة إلى الحاضر لا تتوقّف إلاّ على حضور المشار إليه حقيقة وحكماً، كما أنّ الإشارة إلى الغائب تحتاج إلى كونه معهوداً أو مذكوراً من قبل حتّى تمكن الإشارة إليه، وعلى هذا فتندرج تلك الألفاظ برمّتها في باب الحروف، وتنسلك في عداد مفاهيمها ; من حيث عدم الاستقلال مفهوماً ووجوداً. 1
يلاحظ عليه:
أوّلاً: ماذا يريد من قوله: إنّ هذه الألفاظ وضعت لنفس الإشارة؟ فهل المراد إنّها وضعت لها فقط، فيرد عليه أنّ هذه الألفاظ تدلّ وراء الإشارة على خصوصية المشار إليه كالمذكر والمؤنث والحاضر والغائب فلا يستعمل «هذا» مكان «هذه» ولا العكس، وهذا يدلّ على أنّ المتعلّق داخل في معنى اللفظ .
وإن أراد أنّها وضعت للإشارة مع دخول المشار إليه في مفاد الموضوع له، فهذا يرجع إلى النظرية التالية كما سيوافيك.
وثانياً: أنّها لو وضعت لنفس الإشارة فالإشارة معنى حرفّي لا يخبر به ولا يخبر عنه، مع أنّ هذه الأسماء يخبر عنها ويخبربها ويقال: «هذا زيدٌ» .
نعم تخلّص سيدنا الأُستاذ عن هذا الإشكال بقوله: إنّ المبتدأ هو الشخص الخارجي، وقد أحضر بواسطة اللفظ، والمحمول يحمل على ذلك الشخص الخارجي .

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 56 ـ 57 .

صفحه 98
يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك تركّب الكلام من جزء ذهني وهو المحمول وجزء خارجي وهو الموضوع.
وثالثاً: أنّ بعض المبهمات لا يتبادر منها الإشارة مثل (ما) و (مَنْ) و (أي) يقول سبحانه: (يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ) 1 .
وقال سبحانه: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(2) .
وقوله (عليه السلام): «مَنْ كان على يقين وشك فليمض على يقينه» .2
وأمّا الثالث: فهو أن يقال: إنّ أسماء الإشارة وضعت للمفرد المذكّر في حال الإشارة، أو إذا وقع في إطار الإشارة، وهذا هو خيرة المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) فقد قال:
في الإخبار والإنشاء   
إنّ أسماء الإشارة والضمائر وبعض المبهمات موضوعة لنفس المعنى في حال تعلّق الإشارة به خارجاً أو ذهناً بنحو من الأنحاء 3 فقولك: «هذا» لا يصدق على زيد إلاّ إذا صار مشاراً باليد أو بالعين، والفرق بين مفهوم لفظ (المشار إليه) ولفظ «هذا» هو الفرق بين لفظ الربط ومفهوم «في» و «مَنْ».(5)
فعلى هذا فالواضع تصوّر الذات على اختلاف أقسامها في مجال الإشارة في إطارها فصار الوضع عامّاً لكون المتصوّر عامّاً، ووضع الألفاظ لكلّ ذات وقعت في ذلك الإطار والمجال، فيكون الموضوع له خاصّاً، وقد ذكرنا نظير ذلك في الحروف.

1 . الجمعة: 1 .   2 . الأنعام: 81 .
2 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 6.
3 . بل المقيّدة بالإشارة.   5 . نهاية الدراية: 1 / 36 .

صفحه 99
ويدلّ على ذلك التبادر فالمتبادر من لفظ «أنا» و «أنت» و «هو» الذات عند الإشارة.
ثم إنّ الإشارة في اللغة العربية ـ تتكفّل وراء إحضار المشار إليه بيان خصوصيته كإفراده وتثنيته وجمعه وتذكيره وتأنيثه، ولذلك مسّت الحاجة إلى وضع الألفاظ لتقيد هذه الخصوصيات، والاستغناء عن الإشارات التكوينية بالإصبع والعصا.
وأمّا الموصولات فالظاهر أنّها أسماء أجناس مبهمة كلفظ «شيء»، ويرفع الإبهام بما يأتي بعده بالصلة، فالوضع فيها عامّ وكذلك الموضوع له.

الموضع الثامن: في الإخبار والإنشاء

الجمل الإنشائية على قسمين:
قسم يختصّ بالإنشاء فقط، كما هو الحال في صيغ الأمر والنهي والاستفهام والتمنّي والترجّي.
وقسم منها يستعمل تارة في الإخبار وأُخرى في الإنشاء، كقولنا: بعتُ، أو أنتَ ضامن، أو أنت حُرٌّ، إلى غير ذلك من الجمل الّتي تستعمل في كلا الأمرين. فقد وقع الاختلاف في معنى هذه الجمل التي تستعمل في العقود والإيقاعات ، وهناك نظريات:

الأُولى: نظرية المحقّق الخراساني

اختار المحقّق الخراساني في المقام نفس ما اختاره في المعاني

صفحه 100
الاسمية والحرفية من عدم دخول واقعية الإنشاء والاخبار في الموضوع له، وإنّما هي من قيود الوضع وطوارئ الاستعمال. فمفاد «بعت» نسبة مادة (البيع) إلى المتكلّم إمّا بقصد ثبوت معناه في موطنه فهو إخبار، أو بقصد تحقّقه وثبوته بنفس الاستعمال فهو إنشاء .1
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان المعنى على قسمين: قسم محكيّ وقسم مُوجد، فمقتضى الحكمة وضع اللفظ لكلّ من القسمين، إذ من البعيد وضع اللفظ للجامع وعدم الاعتداد بالمعنى المقصود الأصلي.
على أنّ ما ذكره لا يتمّ في الجمل المختصّة بالإنشاء كصيغ الأمر والنهي. والظاهر أنّ الوضع في الجميع على نمط واحد.

النظرية الثانية: نظرية الأُدباء

إنّ مشاهير الأُدباء والأُصوليين ذهبوا إلى أنّ دور الصيغ الإنشائية دور الإيجاد لمعانيها لا الكشف عن حقيقة خارجية أو ذهنية، فقول القائل: «زوجت» إيجاد للزوجية، و «بعت» إيجاد للملكية، و «هل قام زيد؟» إيجاد للاستفهام. وبما أنّ المهم في المقام كشف ما يدلّ عليه هيئات العقود والإيقاعات، فلنركّز الكلام عليه، وقبل أن نستكشف مدلول الهيئة، نبحث عن منشأ الاعتبار وحقيقته، فنقول: إنّ المنشأ للأُمور الاعتبارية قاطبة هو التكوين، والأُمور الاعتبارية محاكاة له واستنساخ له لكن في عالم الاعتبار، مثلاً:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 16 .